{"ً":{"ٌ":145212,"ٍ":"لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح\nالمؤلف: عبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدِّهلوي الحنفي «المولود بدهلي في الهند سنة (٩٥٨ هـ) والمتوفى بها سنة (١٠٥٢ هـ) رحمه اللَّه تعالى»\nتحقيق وتعليق: الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي\nالناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م\nعدد الأجزاء: ١٠\nأعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.1","ٔ":1668,"ٕ":7,"ٖ":1770155708,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2","3","4","5","6","7","8","9","10"],"ٚ":[{"title":"المقدمات","level":1,"page":5},{"title":"تقديم بقلم: أ. د. عبد الله بن عبد المحسن التركي (الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي)","level":2,"page":6},{"title":"تقديم بقلم: سماحة الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي رئيس ندوة العلماء بالهند","level":2,"page":11},{"title":"تقديم بقلم: أ. د. موفق بن عبد الله بن عبد القادر مكة المكرمة - جامعة أم القرى","level":2,"page":14},{"title":"تقديم بقلم: فضيلة الأستاذ المحدث الفقيه الشيخ محمد تقي العثماني شيخ الحديث بجامعة دار العلوم كراتشي في باكستان","level":2,"page":19},{"title":"مقدمة المحقق","level":2,"page":22},{"title":"عملي في هذا الكتاب","level":3,"page":25},{"title":"ترجمة الإمام المحدث عبد الحق البخاري الدهلوي","level":3,"page":27},{"title":"* كيف دخل الإسلام الهند","level":4,"page":27},{"title":"* علم الحديث في القرن العاشر الهجري","level":4,"page":28},{"title":"* اسمه ولقبه وأسرته ومولده ونشأته","level":4,"page":32},{"title":"* تدريسه قبل سفره إلى الحجاز","level":4,"page":34},{"title":"* ارتحاله لطلب العلم","level":4,"page":34},{"title":"* ارتحاله إلى الحرمين الشريفين","level":4,"page":35},{"title":"* عودة الشيخ المحدث من الحجاز إلى الهند","level":4,"page":35},{"title":"* منهج الشيخ المحدث في الدعوة في هذه الظروف","level":4,"page":37},{"title":"* شيوخه","level":4,"page":38},{"title":"* اختيار الشيخ المحدث إسنادا خاصا لرواية الحديث","level":4,"page":40},{"title":"* اعتراف شيوخه برسوخه في العلم","level":4,"page":41},{"title":"* الفرق بين منهج المحدث عبد الحق الدهلوي وبين منهج الإمام ولي الله الدهلوي","level":4,"page":41},{"title":"* وصايا الشيخ عبد الوهاب للشيخ المحدث","level":4,"page":42},{"title":"* وصايا الشيخ أبي المعالي للشيخ المحدث","level":4,"page":43},{"title":"* استكمال التربية والسلوك من الشيخ الكبير عبد الباقي النقشبندي المعروف بخواجه باقي بالله","level":4,"page":44},{"title":"* الشيخ المحدث وعلاقته بالربانية","level":4,"page":45},{"title":"* البركة في أعمال الشيخ المحدث","level":4,"page":46},{"title":"* الشيخ المحدث بين التصنيف والتأليف","level":4,"page":46},{"title":"* الشيخ المحدث ومآثره","level":4,"page":46},{"title":"* علاقة الشيخ المحدث مع الإمام السرهندي","level":4,"page":47},{"title":"* ثناء العلماء عليه","level":4,"page":48},{"title":"* تلاميذه","level":4,"page":49},{"title":"* خلفه","level":4,"page":50},{"title":"* وفاته","level":4,"page":51},{"title":"* وصول إسناده إلى الحرمين الشريفين","level":4,"page":52},{"title":"* مؤلفاته","level":4,"page":52},{"title":"* أشعة اللمعات في شرح المشكاة","level":5,"page":53},{"title":"* لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح","level":5,"page":54},{"title":"* مصابيح السنة","level":5,"page":56},{"title":"ترجمة صاحب المشكاة","level":4,"page":58},{"title":"* مشكاة المصابيح","level":4,"page":59},{"title":"* عدد أحاديثه","level":4,"page":60},{"title":"* وصف النسخ المخطوطة","level":3,"page":61},{"title":"* النسخة الأولى","level":4,"page":61},{"title":"* النسخة الثانية","level":4,"page":62},{"title":"* النسخة الثالثة","level":4,"page":62},{"title":"* النسخة الرابعة","level":4,"page":63},{"title":"* النسخة الخامسة","level":4,"page":63},{"title":"* النسخة السادسة","level":4,"page":63},{"title":"صور المخطوطات","level":3,"page":65},{"title":"مقدمة اللمعات","level":1,"page":79},{"title":"مقدمة في بيان بعض مصطلحات علم الحديث مما يكفي في شرح الكتاب من غير تطويل وإطناب","level":2,"page":94},{"title":"* [تعريف الحديث]","level":3,"page":94},{"title":"* [المرفوع]","level":3,"page":94},{"title":"* [الموقوف]","level":3,"page":94},{"title":"* [المقطوع]","level":3,"page":94},{"title":"* [الحديث والأثر]","level":3,"page":95},{"title":"* [الخبر والحديث]","level":3,"page":96},{"title":"* [الرفع قسمان صريح وحكمي]","level":3,"page":96},{"title":"* [القولي الصريح]","level":3,"page":96},{"title":"* [الفعلي الصريح]","level":3,"page":96},{"title":"* [التقريري الصريح]","level":3,"page":96},{"title":"* [القولي الحكمي]","level":3,"page":97},{"title":"* [الفعلي الحكمي]","level":3,"page":97},{"title":"* [التقريري الحكمي]","level":3,"page":97},{"title":"فصل","level":3,"page":97},{"title":"* [السند]","level":4,"page":97},{"title":"* [الإسناد]","level":4,"page":97},{"title":"* [المتن]","level":4,"page":97},{"title":"* [المتصل]","level":4,"page":98},{"title":"* [المنقطع]","level":4,"page":98},{"title":"* [المعلق]","level":4,"page":98},{"title":"* [تعليقات البخاري]","level":4,"page":98},{"title":"* [حكم التعليق بصيغة المعلوم والمجهول]","level":4,"page":98},{"title":"* [المرسل]","level":4,"page":99},{"title":"* [حكم المرسل]","level":4,"page":99},{"title":"* [المعضل]","level":4,"page":99},{"title":"* [المنقطع]","level":4,"page":100},{"title":"* [طريق معرفة الانقطاع]","level":4,"page":100},{"title":"* [المدلس]","level":4,"page":100},{"title":"* [تعريف التدليس اصطلاحا]","level":4,"page":100},{"title":"* [تعريف التدليس لغة]","level":4,"page":100},{"title":"* [وجه التسمية به]","level":4,"page":100},{"title":"* [حكم المدلس]","level":4,"page":101},{"title":"* [حكم التدليس]","level":4,"page":101},{"title":"* [حكم رواية المدلس]","level":4,"page":101},{"title":"* [أسباب التدليس]","level":4,"page":102},{"title":"* [تدليس الأكابر]","level":4,"page":102},{"title":"* [المضطرب]","level":4,"page":102},{"title":"* [حكم المضطرب من الروايات]","level":4,"page":102},{"title":"* [المدرج]","level":4,"page":102},{"title":"* تنبيه","level":4,"page":103},{"title":"* [الرواية بالمعنى]","level":4,"page":103},{"title":"* [رواية اللفظ أولى]","level":4,"page":103},{"title":"* [العنعنة]","level":4,"page":103},{"title":"* [المعنعن]","level":4,"page":103},{"title":"* [شروط العنعنة]","level":4,"page":103},{"title":"* [المسند]","level":4,"page":104},{"title":"فصل","level":3,"page":104},{"title":"* [الشاذ لغة]","level":4,"page":104},{"title":"* [الشاذ اصطلاحا]","level":4,"page":104},{"title":"* [المنكر]","level":4,"page":104},{"title":"* [المعروف]","level":4,"page":105},{"title":"* [حكم المعروف والمنكر والشاذ والمحفوظ]","level":4,"page":105},{"title":"* [تعريف آخر للشاذ]","level":4,"page":105},{"title":"* [تعريف ثالث للشاذ]","level":4,"page":105},{"title":"* [المعلل]","level":4,"page":105},{"title":"* [المتابع]","level":4,"page":106},{"title":"* [فائدة المتابعة]","level":4,"page":106},{"title":"* [درجات المتابعة]","level":4,"page":106},{"title":"* [متى يستعمل \"مثله\" و\"نحوه\"]","level":4,"page":106},{"title":"* [شرط المتابعة]","level":4,"page":106},{"title":"* [الشاهد]","level":4,"page":106},{"title":"* [تعريف آخر للمتابع والشاهد]","level":4,"page":107},{"title":"* [الاعتبار]","level":4,"page":107},{"title":"فصل","level":3,"page":107},{"title":"* [الصحيح]","level":4,"page":107},{"title":"* [الصحيح لذاته]","level":4,"page":107},{"title":"* [الصحيح لغيره]","level":4,"page":107},{"title":"* [الحسن لذاته]","level":4,"page":107},{"title":"* [الضعيف]","level":4,"page":108},{"title":"* [الحسن لغيره]","level":4,"page":108},{"title":"* [النقصان المعتبر في الحسن]","level":4,"page":108},{"title":"* [العدالة]","level":4,"page":108},{"title":"* [التقوى]","level":4,"page":108},{"title":"* [المروءة]","level":4,"page":108},{"title":"* [عدل الرواية أعم من عدل الشهادة]","level":4,"page":108},{"title":"* [الضبط]","level":4,"page":109},{"title":"فصل","level":3,"page":109},{"title":"* [وجوه الطعن المتعلقة بالعدالة]","level":4,"page":109},{"title":"[١ - الكذب]","level":5,"page":109},{"title":"* [الموضوع]","level":6,"page":109},{"title":"* [حكم متعمد الكذب]","level":6,"page":109},{"title":"* [المراد بالموضوع]","level":6,"page":109},{"title":"* [مسألة الحكم بالوضع ظنية]","level":6,"page":110},{"title":"[٢ - اتهام الراوي بالكذب]","level":5,"page":110},{"title":"* [المتروك]","level":6,"page":110},{"title":"* [حكم المتهم بالكذب]","level":6,"page":110},{"title":"* [حكم من يكذب نادرا]","level":6,"page":110},{"title":"[٣ - الفسق]","level":5,"page":111},{"title":"[٤ - جهالة الراوي]","level":5,"page":111},{"title":"* [حكم المبهم]","level":6,"page":111},{"title":"[٥ - البدعة]","level":5,"page":111},{"title":"* [حكم حديث المبتدع]","level":6,"page":111},{"title":"فصل","level":3,"page":112},{"title":"* [وجوه الطعن المتعلقة بالضبط]","level":4,"page":112},{"title":"[١ - و٢ - فرط الغفلة وكثرة الغلط]","level":5,"page":113},{"title":"[٣ - مخالفة الثقات]","level":5,"page":113},{"title":"[٤ - الوهم]","level":5,"page":113},{"title":"* [غموض علم العلة ودقته]","level":6,"page":113},{"title":"[٥ - سوء الحفظ]","level":5,"page":113},{"title":"* [حكم سيئ الحفظ]","level":6,"page":114},{"title":"* [المختلط]","level":6,"page":114},{"title":"* [حكم المختلط]","level":6,"page":114},{"title":"فصل","level":3,"page":114},{"title":"* [الغريب]","level":4,"page":114},{"title":"* [العزيز]","level":4,"page":114},{"title":"* [المشهور]","level":4,"page":115},{"title":"* [المتواتر]","level":4,"page":115},{"title":"* [الفرد]","level":4,"page":115},{"title":"* [الفرد النسبي]","level":4,"page":115},{"title":"* [الفرد المطلق]","level":4,"page":115},{"title":"* [المراد بكون الراوي اثنين أو أكثر]","level":4,"page":115},{"title":"* [لا تنافي بين الغرابة والصحة]","level":4,"page":116},{"title":"فصل","level":3,"page":116},{"title":"* [الضعيف]","level":4,"page":116},{"title":"* [مراتب الصحيح والحسن]","level":4,"page":116},{"title":"* [أصح الأسانيد]","level":4,"page":117},{"title":"فصل","level":3,"page":117},{"title":"* [اصطلاحات الترمذي]","level":4,"page":117},{"title":"* [إشكال اجتماع الغرابة والحسن]","level":4,"page":117},{"title":"* [جواب الإشكال]","level":4,"page":118},{"title":"فصل","level":3,"page":118},{"title":"* [الاحتجاج بالصحيح والحسن]","level":4,"page":118},{"title":"* [الاحتجاج بالضعيف]","level":4,"page":118},{"title":"فصل","level":3,"page":119},{"title":"* [صحيح البخاري أعلى الصحاح]","level":4,"page":119},{"title":"* [وجه ترجيح صحيح مسلم عند بعض المغاربة]","level":4,"page":119},{"title":"* [المتفق عليه]","level":4,"page":119},{"title":"* [عدد الأحاديث المتفق عليها]","level":4,"page":120},{"title":"* [درجات الصحاح]","level":4,"page":120},{"title":"* [معنى شرط البخاري ومسلم]","level":4,"page":120},{"title":"فصل","level":3,"page":121},{"title":"* [البخاري ومسلم لم يستوعبا الصحاح]","level":4,"page":121},{"title":"* [مستدرك الحاكم]","level":4,"page":121},{"title":"* [صحيح ابن خزيمة]","level":4,"page":122},{"title":"* [صحيح ابن حبان]","level":4,"page":123},{"title":"* [صحيح الحاكم (المستدرك)]","level":4,"page":123},{"title":"* [المختارة للمقدسي]","level":4,"page":123},{"title":"* [صحاح أخرى]","level":4,"page":124},{"title":"فصل","level":3,"page":124},{"title":"* [الكتب الستة]","level":4,"page":124},{"title":"* [أحاديث الكتب الأربعة]","level":4,"page":125},{"title":"* [اصطلاح البغوي]","level":4,"page":125},{"title":"* [كتاب الدارمي]","level":4,"page":125},{"title":"* [مصادر السيوطي في جمع الجوامع]","level":4,"page":125},{"title":"* [جماعة من الأئمة المتقنين]","level":4,"page":126},{"title":"مقدمة المشكاة","level":1,"page":127},{"title":"(١) كتاب الإيمان","level":1,"page":187},{"title":"* الفصل الأول","level":2,"page":189},{"title":"* الفصل الثاني","level":2,"page":255},{"title":"* الفصل الثالث","level":2,"page":265},{"title":"١ - باب الكبائر وعلامات النفاق","level":2,"page":284},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":287},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":298},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":305},{"title":"٢ - باب الوسوسة","level":2,"page":308},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":308},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":324},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":329},{"title":"٣ - باب الإيمان بالقدر","level":2,"page":331},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":335},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":371},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":397},{"title":"٤ - باب إثبات عذاب القبر","level":2,"page":410},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":414},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":423},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":432},{"title":"٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة","level":2,"page":438},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":439},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":472},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":499},{"title":"(٢) كتاب العلم","level":1,"page":509},{"title":"* الفصل الأول","level":2,"page":511},{"title":"* الفصل الثاني","level":2,"page":537},{"title":"* الفصل الثالث","level":2,"page":582},{"title":"(٣) كتاب الطهارة","level":1,"page":613},{"title":"* الفصل الأول","level":2,"page":615},{"title":"* الفصل الثاني","level":2,"page":630},{"title":"* الفصل الثالث","level":2,"page":632},{"title":"١ - باب ما يوجب الوضوء","level":2,"page":638},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":639},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":646},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":659},{"title":"٢ - باب آداب الخلاء","level":2,"page":665},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":665},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":679},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":698},{"title":"٣ - باب السواك","level":2,"page":705},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":707},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":715},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":717},{"title":"٤ - باب سنن الوضوء","level":2,"page":720},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":721},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":742},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":761},{"title":"٥ - باب الغسل","level":2,"page":765},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":766},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":779},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":785},{"title":"٦ - باب مخالطة الجنب وما يباح له","level":2,"page":787},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":788},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":790},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":797},{"title":"٧ - باب أحكام المياه","level":2,"page":801},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":802},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":805},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":824},{"title":"٨ - باب تطهير النجاسات","level":2,"page":826},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":826},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":839},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":846},{"title":"٩ - باب المسح على الخفين","level":2,"page":848},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":851},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":854},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":858},{"title":"١٠ - باب التيمم","level":2,"page":859},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":861},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":868},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":871},{"title":"١١ - باب الغسل المسنون","level":2,"page":878},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":882},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":883},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":887},{"title":"١٢ - باب الحيض","level":2,"page":888},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":890},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":897},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":900},{"title":"١٣ - باب المستحاضة","level":2,"page":901},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":902},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":904},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":912},{"title":"(٤) كتاب الصلاة","level":1,"page":916},{"title":"* الفصل الأول","level":2,"page":917},{"title":"* الفصل الثاني","level":2,"page":926},{"title":"* الفصل الثالث","level":2,"page":929},{"title":"١ - باب المواقيت","level":2,"page":933},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":934},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":946},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":947},{"title":"٢ - باب تعجيل الصلاة","level":2,"page":949},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":950},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":969},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":978},{"title":"٣ - باب فضائل الصلاة","level":2,"page":985},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":985},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":993},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":994},{"title":"٤ - باب الأذان","level":2,"page":997},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":999},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1007},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1013},{"title":"٥ - باب فضل الأذان وإجابة المؤذن","level":2,"page":1017},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1018},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1031},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1038},{"title":"٦ - باب فيه فصلان","level":2,"page":1041},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1041},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1048},{"title":"٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة","level":2,"page":1050},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1051},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1075},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1097},{"title":"٨ - باب الستر","level":2,"page":1107},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1108},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1113},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1120},{"title":"٩ - باب السترة","level":2,"page":1122},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1123},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1131},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1134},{"title":"١٠ - باب صفة الصلاة","level":2,"page":1137},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1137},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1154},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1163},{"title":"١١ - باب ما يقرأ بعد التكبير","level":2,"page":1167},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1169},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1177},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1184},{"title":"١٢ - باب القراءة في الصلاة","level":2,"page":1185},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1185},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1213},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1231},{"title":"١٣ - باب الركوع","level":2,"page":1238},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1239},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1248},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1251},{"title":"١٤ - باب السجود وفضله","level":2,"page":1253},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1254},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1266},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1268},{"title":"١٥ - باب التشهد","level":2,"page":1272},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1272},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1281},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1285},{"title":"١٦ - باب الصلاة على النبي -ﷺ- وفضلها","level":2,"page":1286},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1289},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1294},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1303},{"title":"١٧ - باب الدعاء في التشهد","level":2,"page":1306},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1307},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1313},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1317},{"title":"١٨ - باب الذكر بعد الصلاة","level":2,"page":1321},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1323},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1331},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1334},{"title":"١٩ - باب ما لا يجوز من العمل في الصلاة","level":2,"page":1341},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1342},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1357},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1369},{"title":"٢٠ - باب السهو","level":2,"page":1373},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1374},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1385},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1386},{"title":"٢١ - باب سجود القرآن","level":2,"page":1392},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1396},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1401},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1406},{"title":"٢٢ - باب أوقات النهي","level":2,"page":1407},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1409},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1419},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1424},{"title":"٢٣ - باب الجماعة وفضلها","level":2,"page":1427},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1428},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1437},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1441},{"title":"٢٤ - باب تسوية الصف","level":2,"page":1449},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1450},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1457},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1460},{"title":"٢٥ - باب الموقف","level":2,"page":1463},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1463},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1467},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1471},{"title":"٢٦ - باب الإمامة","level":2,"page":1474},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1474},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1478},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1482},{"title":"٢٧ - باب ما على الإمام","level":2,"page":1486},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1487},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1491},{"title":"٢٨ - باب ما على المأموم من المتابعة وحكم المسبوق","level":2,"page":1493},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1493},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1499},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1502},{"title":"٢٩ - باب من صلى صلاة مرتين","level":2,"page":1506},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1506},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1508},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1509},{"title":"٣٠ - باب السنن وفضائلها","level":2,"page":1514},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1514},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1520},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1525},{"title":"٣١ - باب صلاة الليل","level":2,"page":1536},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1537},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1549},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1553},{"title":"٣٢ - باب ما يقول إذا قام من الليل","level":2,"page":1556},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1556},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1560},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1561},{"title":"٣٣ - باب التحريض على قيام الليل","level":2,"page":1563},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1563},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1572},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1575},{"title":"٣٤ - باب القصد في العمل","level":2,"page":1579},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1580},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1589},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1590},{"title":"٣٥ - باب الوتر","level":2,"page":1593},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1599},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1609},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1617},{"title":"٣٦ - باب القنوت","level":2,"page":1622},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1630},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1633},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1635},{"title":"٣٧ - باب قيام شهر رمضان","level":2,"page":1636},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1638},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1642},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1646},{"title":"٣٨ - باب صلاة الضحى","level":2,"page":1653},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1656},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1660},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1662},{"title":"٣٩ - باب التطوع","level":2,"page":1663},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1664},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1667},{"title":"٤٠ - [باب] صلاة التسبيح","level":2,"page":1670},{"title":"٤١ - باب صلاة السفر","level":2,"page":1676},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1681},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1692},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1700},{"title":"٤٢ - باب الجمعة","level":2,"page":1706},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1708},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1716},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1722},{"title":"٤٣ - باب وجوبها","level":2,"page":1725},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1725},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1726},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1729},{"title":"٤٤ - باب التنظيف والتبكير","level":2,"page":1731},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1732},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1741},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1745},{"title":"٤٥ - باب الخطبة والصلاة","level":2,"page":1748},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1749},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1760},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1761},{"title":"٤٦ - باب صلاة الخوف","level":2,"page":1764},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1766},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1771},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1771},{"title":"٤٧ - باب صلاة العيدين","level":2,"page":1773},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1774},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1789},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1797},{"title":"٤٨ - باب في الأضحية","level":2,"page":1801},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1803},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1811},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1820},{"title":"٤٩ - باب في العتيرة","level":2,"page":1822},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1823},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1824},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1825},{"title":"٥٠ - باب صلاة الخوف","level":2,"page":1826},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1828},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1836},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1838},{"title":"٥١ - باب في سجود الشكر","level":2,"page":1840},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1842},{"title":"٥٢ - باب الاستسقاء","level":2,"page":1844},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1845},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1848},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1851},{"title":"٥٣ - باب في الرياح","level":2,"page":1854},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1855},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1858},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1864},{"title":"(٥) كتاب الجنائز","level":1,"page":1871},{"title":"١ - باب عيادة المريض وثواب المرض","level":2,"page":1872},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1872},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1896},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1916},{"title":"٢ - باب تمني الموت وذكره","level":2,"page":1929},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1931},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1937},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1942},{"title":"٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت","level":2,"page":1946},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1946},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1951},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1953},{"title":"٤ - باب غسل الميت وتكفينه","level":2,"page":1967},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1968},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":1975},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":1982},{"title":"٥ - باب المشي بالجنازة والصلاة عليها","level":2,"page":1984},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":1985},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2008},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2018},{"title":"٦ - باب دفن الميت","level":2,"page":2024},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2024},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2028},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2038},{"title":"٧ - باب البكاء على الميت","level":2,"page":2045},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2046},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2058},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2063},{"title":"٨ - باب زيارة القبور","level":2,"page":2078},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2082},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2085},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2085},{"title":"(٦) كتاب الزكاة","level":1,"page":2090},{"title":"* الفصل الأول","level":2,"page":2093},{"title":"* الفصل الثاني","level":2,"page":2111},{"title":"* الفصل الثالث","level":2,"page":2117},{"title":"١ - باب ما يجب فيه الزكاة","level":2,"page":2122},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2123},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2132},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2142},{"title":"٢ - باب صدقة الفطر","level":2,"page":2143},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2145},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2147},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2149},{"title":"٣ - باب من لا تحل له الصدقة","level":2,"page":2151},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2152},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2157},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2160},{"title":"٤ - باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له","level":2,"page":2161},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2163},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2172},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2179},{"title":"٥ - باب الإنفاق وكراهية الإمساك","level":2,"page":2182},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2182},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2189},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2193},{"title":"٦ - باب فضل الصدقة","level":2,"page":2207},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2207},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2221},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2234},{"title":"٧ - باب أفضل الصدقة","level":2,"page":2235},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2236},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2242},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2246},{"title":"٨ - باب صدقة المرأة من مال الزوج","level":2,"page":2248},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2248},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2250},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2251},{"title":"٩ - باب من لا يعود في الصدقة","level":2,"page":2252},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2252},{"title":"(٧) كتاب الصوم","level":1,"page":2256},{"title":"* الفصل الأول","level":2,"page":2257},{"title":"* الفصل الثاني","level":2,"page":2262},{"title":"* الفصل الثالث","level":2,"page":2265},{"title":"١ - باب رؤية الهلال","level":2,"page":2271},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2271},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2275},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2281},{"title":"٢ - باب","level":2,"page":2283},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2283},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2289},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2296},{"title":"٣ - باب تنزيه الصوم","level":2,"page":2298},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2298},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2306},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2316},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2316},{"title":"٤ - باب صوم المسافر","level":2,"page":2318},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2319},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2322},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2323},{"title":"٥ - باب القضاء","level":2,"page":2324},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2325},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2327},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2327},{"title":"٦ - باب صيام التطوع","level":2,"page":2328},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2328},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2347},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2352},{"title":"٧ - باب","level":2,"page":2355},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2355},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2355},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2357},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2361},{"title":"٨ - باب ليلة القدر","level":2,"page":2362},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2364},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2372},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2375},{"title":"٩ - باب الاعتكاف","level":2,"page":2376},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2378},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2383},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2386},{"title":"(٨) كتاب فضائل القرآن","level":1,"page":2389},{"title":"* الفصل الأول","level":2,"page":2391},{"title":"* الفصل الثاني","level":2,"page":2412},{"title":"* الفصل الثالث","level":2,"page":2430},{"title":"١ - باب","level":2,"page":2442},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2442},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2451},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2458},{"title":"٢ - باب","level":2,"page":2461},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2462},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2466},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2468},{"title":"(٩) كتاب الدعوات","level":1,"page":2488},{"title":"* الفصل الأول","level":2,"page":2490},{"title":"* الفصل الثاني","level":2,"page":2494},{"title":"* الفصل الثالث","level":2,"page":2503},{"title":"١ - باب ذكر الله ﷿ والتقرب إليه","level":2,"page":2508},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2511},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2524},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2528},{"title":"٢ - كتاب أسماء الله تعالى","level":2,"page":2531},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2535},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2538},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2603},{"title":"٣ - باب ثواب التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير","level":2,"page":2605},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2606},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2614},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2621},{"title":"٤ - باب الاستغفار والتوبة","level":2,"page":2624},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2626},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2637},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2649},{"title":"٥ - باب","level":2,"page":2655},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2655},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2663},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2666},{"title":"٦ - باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام","level":2,"page":2668},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2669},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2675},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2689},{"title":"٧ - باب الدعوات في الأوقات","level":2,"page":2690},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2691},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2701},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2713},{"title":"٨ - باب الاستعاذة","level":2,"page":2717},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2717},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2721},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2729},{"title":"٩ - باب جامع الدعاء","level":2,"page":2731},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2732},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2734},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2741},{"title":"(١٠) كتاب المناسك","level":1,"page":2750},{"title":"* الفصل الأول","level":2,"page":2752},{"title":"* الفصل الثاني","level":2,"page":2764},{"title":"* الفصل الثالث","level":2,"page":2770},{"title":"١ - باب الإحرام والتلبية","level":2,"page":2773},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2773},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2779},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2781},{"title":"٢ - باب قصة حجة الوداع","level":2,"page":2782},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2782},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2810},{"title":"٣ - باب دخول مكة والطواف","level":2,"page":2813},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2813},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2821},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2830},{"title":"٤ - باب الوقوف بعرفة","level":2,"page":2833},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2834},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2835},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2840},{"title":"٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة","level":2,"page":2844},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2844},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2849},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2853},{"title":"٦ - باب رمي الجمار","level":2,"page":2855},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2856},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2859},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2861},{"title":"٧ - باب الهدي","level":2,"page":2861},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2862},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2870},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2872},{"title":"٨ - باب الحلق","level":2,"page":2873},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2874},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2879},{"title":"٩ - باب","level":2,"page":2880},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2880},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2882},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2882},{"title":"١٠ - باب خطبة يوم النحر، ورمي أيام التشريق، والتوديع","level":2,"page":2883},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2884},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2896},{"title":"١١ - باب ما يجتنبه المحرم","level":2,"page":2900},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2901},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2909},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2910},{"title":"١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد","level":2,"page":2912},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2913},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2916},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2919},{"title":"١٣ - باب الإحصار وفوت الحج","level":2,"page":2920},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2924},{"title":"١٤ - باب حرم مكة حرسها الله تعالى","level":2,"page":2927},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2928},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2935},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2937},{"title":"١٥ - باب حرم المدينة حرسها الله تعالى","level":2,"page":2939},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2940},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2958},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2961},{"title":"(١١) كتاب البيوع","level":1,"page":2966},{"title":"١ - باب الكسب وطلب الحلال","level":2,"page":2968},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2969},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2978},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":2986},{"title":"٢ - باب المساهلة في المعاملة","level":2,"page":2992},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2992},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":2995},{"title":"٣ - باب الخيار","level":2,"page":2997},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":2997},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3001},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3002},{"title":"٤ - باب الربا","level":2,"page":3002},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3003},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3010},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3014},{"title":"٥ - باب المنهي عنها من البيوع","level":2,"page":3018},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3019},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3045},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3052},{"title":"٦ - باب","level":2,"page":3053},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3053},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3058},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3061},{"title":"٧ - باب السلم والرهن","level":2,"page":3062},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3063},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3066},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3067},{"title":"٨ - باب الاحتكار","level":2,"page":3068},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3068},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3069},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3070},{"title":"٩ - باب الإفلاس والإنظار","level":2,"page":3072},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3072},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3079},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3084},{"title":"١٠ - باب الشركة والوكالة","level":2,"page":3088},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3089},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3091},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3092},{"title":"١١ - باب الغصب والعارية","level":2,"page":3093},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3094},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3101},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3108},{"title":"١٢ - باب الشفعة","level":2,"page":3109},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3110},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3113},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3115},{"title":"١٣ - باب المساقاة والمزارعة","level":2,"page":3116},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3117},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3121},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3122},{"title":"١٤ - باب الإجارة","level":2,"page":3123},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3123},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3128},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3130},{"title":"١٥ - باب إحياء الموات والشرب","level":2,"page":3131},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3133},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3137},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3144},{"title":"١٦ - باب العطايا","level":2,"page":3145},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3145},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3149},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3150},{"title":"١٧ - باب","level":2,"page":3150},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3150},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3153},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3158},{"title":"١٨ - باب اللقطة","level":2,"page":3159},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3160},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3165},{"title":"(١٢) [كتاب الفرائض والوصايا]","level":1,"page":3171},{"title":"١ - باب الفرائض","level":2,"page":3171},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3171},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3174},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3185},{"title":"٢ - باب الوصايا","level":2,"page":3186},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3187},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3189},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3191},{"title":"(١٣) كتاب النكاح","level":1,"page":3199},{"title":"* الفصل الأول","level":2,"page":3201},{"title":"* الفصل الثاني","level":2,"page":3206},{"title":"* الفصل الثالث","level":2,"page":3208},{"title":"١ - باب النظر إلى المخطوبة وبيان العورات","level":2,"page":3210},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3211},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3215},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3221},{"title":"٢ - باب الولى فى النكاح واستئذان المرأة","level":2,"page":3224},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3224},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3229},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3232},{"title":"٣ - باب إعلان النكاح والخطبة والشرط","level":2,"page":3234},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3234},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3239},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3245},{"title":"٤ - باب المحرمات","level":2,"page":3248},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3249},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3255},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3262},{"title":"٥ - باب المباشرة","level":2,"page":3263},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3263},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3269},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3271},{"title":"٦ - باب","level":2,"page":3271},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3271},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3272},{"title":"٧ - باب الصداق","level":2,"page":3274},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3275},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3277},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3279},{"title":"٨ - باب الوليمة","level":2,"page":3280},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3281},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3287},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3291},{"title":"٩ - باب القسم","level":2,"page":3292},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3293},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3297},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3298},{"title":"١٠ - باب عشرة النساء وما لكل واحدة من الحقوق","level":2,"page":3300},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3300},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3312},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3320},{"title":"١١ - باب الخلع والطلاق","level":2,"page":3324},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3325},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3330},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3336},{"title":"١٢ - باب","level":2,"page":3339},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3339},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3340},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3344},{"title":"١٣ - باب","level":2,"page":3345},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3345},{"title":"١٤ - باب اللعان","level":2,"page":3348},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3349},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3362},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3366},{"title":"١٥ - باب العدة","level":2,"page":3368},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3369},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3377},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3380},{"title":"١٦ - باب الاستبراء","level":2,"page":3382},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3383},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3384},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3385},{"title":"١٧ - باب النفقات وحق المملوك","level":2,"page":3386},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3386},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3392},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3399},{"title":"١٨ - باب بلوغ الصغير وحضانته في الصغر","level":2,"page":3402},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3403},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3405},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3407},{"title":"(١٤) كتاب العتق","level":1,"page":3410},{"title":"* الفصل الأول","level":2,"page":3411},{"title":"* الفصل الثاني","level":2,"page":3413},{"title":"* الفصل الثالث","level":2,"page":3415},{"title":"١ - باب إعتاق العبد المشترك وشراء القريب والعتق في المرض","level":2,"page":3417},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3417},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3421},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3426},{"title":"(١٥) كتاب الأيمان والنذور","level":1,"page":3429},{"title":"* الفصل الأول","level":2,"page":3430},{"title":"* الفصل الثاني","level":2,"page":3439},{"title":"* الفصل الثالث","level":2,"page":3443},{"title":"١ - باب في النذور","level":2,"page":3444},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3444},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3449},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3456},{"title":"(١٦) كتاب القصاص","level":1,"page":3459},{"title":"* الفصل الأول","level":2,"page":3459},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3471},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3486},{"title":"١ - باب الديات","level":2,"page":3488},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3489},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3494},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3507},{"title":"٢ - باب ما لا يضمن من الجنايات","level":2,"page":3510},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3510},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3524},{"title":"٣ - باب القسامة","level":2,"page":3526},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3527},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3531},{"title":"٤ - باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد","level":2,"page":3532},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3532},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3539},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3548},{"title":"(١٧) كتاب الحدود","level":1,"page":3552},{"title":"* الفصل الأول","level":2,"page":3552},{"title":"* الفصل الثاني","level":2,"page":3563},{"title":"* الفصل الثالث","level":2,"page":3570},{"title":"١ - باب قطع السرقة","level":2,"page":3575},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3576},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3578},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3586},{"title":"٢ - باب الشفاعة في الحدود","level":2,"page":3588},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3588},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3590},{"title":"٣ - باب حد الخمر","level":2,"page":3592},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3595},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3596},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3600},{"title":"٤ - باب ما لا يدعى على المحدود","level":2,"page":3602},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3602},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3603},{"title":"٥ - باب التعزير","level":2,"page":3606},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3607},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3608},{"title":"٦ - باب بيان الخمر ووعيد شاربها","level":2,"page":3610},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3612},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3617},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3620},{"title":"(١٨) كتاب الإمارة والقضاء","level":1,"page":3633},{"title":"* الفصل الأول","level":2,"page":3633},{"title":"* الفصل الثاني","level":2,"page":3653},{"title":"* الفصل الثالث","level":2,"page":3664},{"title":"١ - باب ما على الولاة من التيسير","level":2,"page":3670},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3670},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3673},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3674},{"title":"٢ - باب العمل في القضاء والخوف منه","level":2,"page":3676},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3676},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3677},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3680},{"title":"٣ - باب رزق الولاة وهداياهم","level":2,"page":3685},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3685},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3687},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3692},{"title":"٤ - باب الأقضية والشهادات","level":2,"page":3692},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3693},{"title":"* الفصل الثانى","level":3,"page":3700},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3713},{"title":"(١٩) كتاب الجهاد","level":1,"page":3715},{"title":"* الفصل الأول","level":2,"page":3716},{"title":"* الفصل الثاني","level":2,"page":3742},{"title":"* الفصل الثالث","level":2,"page":3769},{"title":"١ - باب إعداد آلة الجهاد","level":2,"page":3780},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3781},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3788},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3803},{"title":"٢ - باب آداب السفر","level":2,"page":3804},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3805},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3817},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3826},{"title":"٣ - باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام","level":2,"page":3828},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3828},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3843},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3844},{"title":"٤ - باب القتال في الجهاد","level":2,"page":3850},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3850},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3858},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3866},{"title":"٥ - باب حكم الأسراء","level":2,"page":3866},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3867},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3889},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3895},{"title":"٦ - باب الأمان","level":2,"page":3896},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3897},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3899},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3903},{"title":"٧ - باب قسمة الغنائم والغلول فيها","level":2,"page":3904},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3905},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3920},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3934},{"title":"٨ - باب الجزية","level":2,"page":3944},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3944},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3946},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3952},{"title":"٩ - باب الصلح","level":2,"page":3952},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3953},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3964},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3967},{"title":"١٠ - باب إخراج اليهود من جزيرة العرب","level":2,"page":3970},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3971},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3975},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3976},{"title":"١١ - باب الفيء","level":2,"page":3977},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":3978},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":3980},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":3985},{"title":"(٢٠) كتاب الصيد والذبائح","level":1,"page":3995},{"title":"* الفصل الأول","level":2,"page":3996},{"title":"* الفصل الثاني","level":2,"page":4009},{"title":"* الفصل الثالث","level":2,"page":4017},{"title":"١ - باب ذكر الكلب","level":2,"page":4018},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4019},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4021},{"title":"٢ - باب ما يحل أكله وما يحرم","level":2,"page":4023},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4024},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4043},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4052},{"title":"٣ - باب العقيقة","level":2,"page":4054},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4055},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4057},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4064},{"title":"(٢١) كتاب الأطعمة","level":1,"page":4067},{"title":"* الفصل الأول","level":2,"page":4067},{"title":"* الفصل الثاني","level":2,"page":4096},{"title":"* الفصل الثالث","level":2,"page":4119},{"title":"١ - باب الضيافة","level":2,"page":4123},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4124},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4129},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4134},{"title":"٢ - باب","level":2,"page":4138},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4138},{"title":"٣ - باب الأشربة","level":2,"page":4141},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4141},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4152},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4157},{"title":"٤ - باب النقيع والأنبذة","level":2,"page":4157},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4158},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4162},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4163},{"title":"٥ - باب تغطية الأواني وغيرها","level":2,"page":4163},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4164},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4169},{"title":"(٢٢) كتاب اللباس","level":1,"page":4172},{"title":"* الفصل الأول","level":2,"page":4172},{"title":"* الفصل الثاني","level":2,"page":4188},{"title":"* الفصل الثالث","level":2,"page":4214},{"title":"١ - باب الخاتم","level":2,"page":4221},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4221},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4226},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4236},{"title":"٢ - باب النعال","level":2,"page":4238},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4238},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4241},{"title":"٣ - باب الترجل","level":2,"page":4243},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4244},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4258},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4287},{"title":"٤ - باب التصاوير","level":2,"page":4295},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4295},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4304},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4307},{"title":"(٢٣) كتاب الطب والرقى","level":1,"page":4312},{"title":"* الفصل الأول","level":2,"page":4313},{"title":"* الفصل الثاني","level":2,"page":4327},{"title":"* الفصل الثالث","level":2,"page":4352},{"title":"١ - باب الفأل والطيرة","level":2,"page":4359},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4361},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4371},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4379},{"title":"٢ - باب الكهانة","level":2,"page":4380},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4380},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4386},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4388},{"title":"(٢٤) كتاب الرؤيا","level":1,"page":4395},{"title":"* الفصل الأول","level":2,"page":4398},{"title":"* الفصل الثاني","level":2,"page":4425},{"title":"* الفصل الثالث","level":2,"page":4428},{"title":"(٢٥) كتاب الآداب","level":1,"page":4438},{"title":"١ - باب السلام","level":2,"page":4439},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4439},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4450},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4460},{"title":"٢ - باب الاستئذان","level":2,"page":4466},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4467},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4469},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4471},{"title":"٣ - باب المصافحة والمعانقة","level":2,"page":4472},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4475},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4476},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4484},{"title":"٤ - باب القيام","level":2,"page":4486},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4488},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4489},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4492},{"title":"٥ - باب الجلوس والنوم والمشي","level":2,"page":4493},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4494},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4497},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4508},{"title":"٦ - باب العطاس والتثاؤب","level":2,"page":4509},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4510},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4514},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4518},{"title":"٧ - باب الضحك","level":2,"page":4519},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4519},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4520},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4521},{"title":"٨ - باب الأسامي","level":2,"page":4522},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4526},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4535},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4543},{"title":"٩ - باب البيان والشعر","level":2,"page":4545},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4546},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4557},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4566},{"title":"١٠ - باب حفظ اللسان والغيبة والشتم","level":2,"page":4570},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4570},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4583},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4598},{"title":"١١ - باب الوعد","level":2,"page":4608},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4608},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4609},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4613},{"title":"١٢ - باب المزاح","level":2,"page":4613},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4614},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4614},{"title":"١٣ - باب المفاخرة والعصبية","level":2,"page":4620},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4621},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4626},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4635},{"title":"١٤ - باب البر والصلة","level":2,"page":4636},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4637},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4647},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4656},{"title":"١٥ - باب الشفقة والرحمة على الخلق","level":2,"page":4664},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4665},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4682},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4696},{"title":"١٦ - باب الحب في الله ومن الله","level":2,"page":4701},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4702},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4708},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4713},{"title":"١٧ - باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات","level":2,"page":4716},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4717},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4724},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4734},{"title":"١٨ - باب الحذر والتأني فى الأمور","level":2,"page":4736},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4737},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4739},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4745},{"title":"١٩ - باب الرفق والحياء وحسن الخلق","level":2,"page":4751},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4752},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4756},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4764},{"title":"٢٠ - باب الغضب والكبر","level":2,"page":4770},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4772},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4780},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4787},{"title":"٢١ - باب الظلم","level":2,"page":4791},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4791},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4794},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4796},{"title":"٢٢ - باب الأمر بالمعروف","level":2,"page":4800},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4800},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4805},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4820},{"title":"(٢٦) كتاب الرقاق","level":1,"page":4825},{"title":"* الفصل الأول","level":2,"page":4825},{"title":"* الفصل الثاني","level":2,"page":4840},{"title":"* الفصل الثالث","level":2,"page":4861},{"title":"١ - باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ﷺ","level":2,"page":4884},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4885},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4895},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4904},{"title":"٢ - باب الأمل والحرص","level":2,"page":4914},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4915},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4919},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4922},{"title":"٣ - باب استحباب المال والعمر للطاعة","level":2,"page":4923},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4924},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4924},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4930},{"title":"٤ - باب التوكل والصبر","level":2,"page":4934},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4937},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4941},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4946},{"title":"٥ - باب الرياء والسمعة","level":2,"page":4951},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4953},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4956},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4961},{"title":"٦ - باب البكاء والخوف","level":2,"page":4968},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4969},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4978},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4985},{"title":"٧ - باب تغير الناس","level":2,"page":4988},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4988},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":4990},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":4996},{"title":"٨ - باب الإنذار والتحذير","level":2,"page":4997},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":4997},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5004},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5008},{"title":"(٢٧) كتاب الفتن","level":1,"page":5011},{"title":"* الفصل الأول","level":2,"page":5012},{"title":"* الفصل الثاني","level":2,"page":5031},{"title":"* الفصل الثالث","level":2,"page":5049},{"title":"١ - باب الملاحم","level":2,"page":5051},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5052},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5070},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5080},{"title":"٢ - باب أشراط الساعة","level":2,"page":5082},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5083},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5090},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5103},{"title":"٣ - باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال","level":2,"page":5106},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5107},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5146},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5153},{"title":"٤ - باب قصة ابن صياد","level":2,"page":5154},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5155},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5163},{"title":"٥ - باب نزول عيسى ﵇","level":2,"page":5166},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5166},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5171},{"title":"٦ - باب قرب الساعة وأن من مات فقد قامت قيامته","level":2,"page":5171},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5172},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5175},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5177},{"title":"٧ - باب لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس","level":2,"page":5177},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5177},{"title":"(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق","level":1,"page":5191},{"title":"١ - باب النفخ في الصور","level":2,"page":5191},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5192},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5197},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5198},{"title":"٢ - باب الحشر","level":2,"page":5200},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5200},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5214},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5215},{"title":"٣ - باب الحساب والقصاص والميزان","level":2,"page":5216},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5217},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5225},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5230},{"title":"٤ - باب الحوض والشفاعة","level":2,"page":5233},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5234},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5272},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5282},{"title":"٥ - باب صفة الجنة وأهلها","level":2,"page":5286},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5287},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5303},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5318},{"title":"٦ - باب رؤية الله تعالى","level":2,"page":5320},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5322},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5323},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5324},{"title":"٧ - باب صفة النار وأهلها","level":2,"page":5331},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5331},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5335},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5345},{"title":"٨ - باب خلق الجنة والنار","level":2,"page":5347},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5348},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5350},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5351},{"title":"٩ - باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام","level":2,"page":5352},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5353},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5388},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5394},{"title":"(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل","level":1,"page":5400},{"title":"١ - باب فضائل سيد المرسلين صلوات الله وسلامه عليه","level":2,"page":5400},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5400},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5415},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5430},{"title":"٢ - باب أسماء النبي ﷺ وصفاته","level":2,"page":5433},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5435},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5457},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5465},{"title":"٣ - باب في أخلاقه وشمائله ﷺ","level":2,"page":5475},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5477},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5492},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5497},{"title":"٤ - باب المبعث وبدء الوحي","level":2,"page":5503},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5505},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5532},{"title":"٥ - باب علامات النبوة","level":2,"page":5533},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5535},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5552},{"title":"٦ - باب في المعراج","level":2,"page":5559},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5562},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5592},{"title":"٧ - باب في المعجزات","level":2,"page":5594},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5596},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5669},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5685},{"title":"٨ - باب الكرامات","level":2,"page":5696},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5697},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5701},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5704},{"title":"٩ - باب","level":2,"page":5707},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5711},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5717},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5719},{"title":"١٠ - باب","level":2,"page":5735},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5735},{"title":"(٣٠) [كتاب المناقب]","level":1,"page":5739},{"title":"١ - باب مناقب قريش وذكر القبائل","level":2,"page":5739},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5741},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5747},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5754},{"title":"٢ - باب مناقب الصحابة","level":2,"page":5759},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5763},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5769},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5772},{"title":"٣ - باب مناقب أبي بكر","level":2,"page":5773},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5774},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5782},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5785},{"title":"٤ - باب مناقب عمر","level":2,"page":5787},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5790},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5798},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5803},{"title":"٥ - باب مناقب أبي بكر وعمر ﵄","level":2,"page":5807},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5807},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5811},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5816},{"title":"٦ - باب مناقب عثمان ﵁","level":2,"page":5817},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5818},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5819},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5826},{"title":"٧ - باب مناقب هؤلاء الثلاثة","level":2,"page":5829},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5829},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5830},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5830},{"title":"٨ - باب مناقب علي بن أبي طالب","level":2,"page":5831},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5832},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5834},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5845},{"title":"٩ - باب مناقب العشرة ﵃","level":2,"page":5853},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5854},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5859},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5865},{"title":"١٠ - باب مناقب أهل بيت النبي ﷺ ورضي الله عنهم","level":2,"page":5872},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5875},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5890},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5904},{"title":"١١ - باب مناقب أزواج النبي ﷺ","level":2,"page":5908},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5910},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5917},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5920},{"title":"١٢ - باب جامع المناقب","level":2,"page":5921},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5921},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5950},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":5963},{"title":"* تسمية من سمي من أهل بدر في \"الجامع\" للبخاري","level":3,"page":5969},{"title":"١٣ - باب ذكر اليمن والشام وذكر أويس القرني","level":2,"page":5979},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":5980},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":5995},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":6000},{"title":"١٤ - باب ثواب هذه الأمة","level":2,"page":6004},{"title":"* الفصل الأول","level":3,"page":6004},{"title":"* الفصل الثاني","level":3,"page":6008},{"title":"* الفصل الثالث","level":3,"page":6009},{"title":"أجوبة الحافظ ابن حجر العسقلاني عن أحاديث (المصابيح)","level":1,"page":6021},{"title":"صورة الجواب","level":2,"page":6026},{"title":"الحديث الأول: حديث: \"صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية\".","level":3,"page":6027},{"title":"الحديث الثاني: \"القدرية مجوس هذه الأمة\".","level":3,"page":6027},{"title":"الحديث الثالث: حديث صلاة التسابيح.","level":3,"page":6028},{"title":"الحديث الرابع: حديث \"من عزى مصابا فله مثل أجره\".","level":3,"page":6031},{"title":"الحديث الخامس: حديث: \"أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود\".","level":3,"page":6032},{"title":"الحديث السادس: \"يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بهذا السواد كحواصل الحمام لا يجدون رائحة الجنة\".","level":3,"page":6032},{"title":"الحديث السابع: حديث أن النبي -ﷺ- رأى رجلا يتبع حمامة، فقال: \"شيطان يتبع شيطانا\"، وفي رواية \"شيطانة\".","level":3,"page":6033},{"title":"الحديث الثامن: \"إذا كتب أحدكم كتابا فليتربه، فإن أنجح للحاجة\"،","level":3,"page":6033},{"title":"الحديث التاسع: حديث: \"لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك\".","level":3,"page":6034},{"title":"الحديث العاشر: حديث: \"حبك الشيء يعمي ويصم\".","level":3,"page":6035},{"title":"الحديث الحادي عشر: حديث: \"المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل\"، غريب.","level":3,"page":6035},{"title":"الحديث الثاني عشر: حديث: \"لا حكيم إلا ذو تجربة، ولا حليم إلا ذو عثرة\".","level":3,"page":6035},{"title":"الحديث الثالث عشر: \"المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم\".","level":3,"page":6036},{"title":"الحديث الرابع عشر: حديث: \"اللهم أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين\" فقالت عائشة: لم يا رسول الله؟ قال: \"إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا، يا عائشة! لا تردي المسكين ولو بشق تمرة، يا عائشة! أحبي لمساكين وقربيهم، فإن الله يقربك يوم القيامة\".","level":3,"page":6036},{"title":"الحديث الخامس عشر: حديث: \"إن الناس يمصرون أمصارا، وإن مصرا منها يقال لها: البصرة، فإن أنت مررت بها أو دخلتها فإياك وسباخها وكلأها ونخيلها وسوقها وباب أمرائها، وعليك بضواحيها، فإنه يكون بها خسف وقذف ورجف، وقوم يبيتون فيصبحون قردة وخنازير\".","level":3,"page":6037},{"title":"الحديث السادس عشر: كان عند النبي -ﷺ- طير، فقال: \"اللهم ائتني بأحب خلقك إليك جمل معي هذا الطير\"، فجاء علي فأكل معه، غريب. قال ابن الجوزي: موضوع، وقال الحاكم: ليس بموضوع، انتهى.","level":3,"page":6037},{"title":"الحديث السابع عشر: حديث: \"أنا دار الحكمة وعلي بابها \"، غريب لا يعرف عن أحد من الثقات إلا عن شريك، وسنده مضطرب.","level":3,"page":6038},{"title":"الحديث الثامن عشر: حديث أن النبي -ﷺ- قال لعلي: \"يا علي! لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك\"، غريب.","level":3,"page":6039},{"title":"* فصل في تلخيص من أخرج هذه الأحاديث من الأئمة الستة في كتبهم المشهورة على ترتيبها","level":2,"page":6040},{"title":"الإكمال في أسماء الرجال","level":1,"page":6042},{"title":"الباب الأول في ذكر الصحابة ومن تابعهم","level":2,"page":6044},{"title":"حرف الهمزة","level":3,"page":6044},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6044},{"title":"* فصل في التابعين [وغيرهم]","level":4,"page":6052},{"title":"* فصل في الصحابيات","level":4,"page":6056},{"title":"حرف الباء","level":3,"page":6057},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6057},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6062},{"title":"* فصل في الصحابيات","level":4,"page":6064},{"title":"* فصل في التابعيات","level":4,"page":6065},{"title":"حرف التاء","level":3,"page":6065},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6065},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6066},{"title":"حرف الثاء","level":3,"page":6066},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6066},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6067},{"title":"حرف الجيم","level":3,"page":6068},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6068},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6072},{"title":"* فصل في الصحابيات","level":4,"page":6074},{"title":"حرف الحاء","level":3,"page":6074},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6074},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6082},{"title":"* فصل في الصحابيات","level":4,"page":6087},{"title":"* فصل في التابعيات","level":4,"page":6089},{"title":"حرف الخاء","level":3,"page":6090},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6090},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6093},{"title":"* فصل في الصحابيات","level":4,"page":6095},{"title":"حرف الدال","level":3,"page":6097},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6097},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6097},{"title":"* فصل في الصحابيات","level":4,"page":6098},{"title":"حرف الذال","level":3,"page":6098},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6098},{"title":"حرف الراء","level":3,"page":6099},{"title":"* فصل الصحابة","level":4,"page":6099},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6102},{"title":"* فصل في الصحابيات","level":4,"page":6103},{"title":"حرف الزاي","level":3,"page":6103},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6103},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6107},{"title":"* فصل في الصحابيات","level":4,"page":6109},{"title":"* فصل في التابعيات","level":4,"page":6110},{"title":"حرف السين","level":3,"page":6110},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6110},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6122},{"title":"* فصل في الصحابيات","level":4,"page":6128},{"title":"حرف الشين","level":3,"page":6129},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6129},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6131},{"title":"* فصل في الصحابيات","level":4,"page":6132},{"title":"حرف الصاد","level":3,"page":6133},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6133},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6135},{"title":"* فصل في الصحابيات","level":4,"page":6136},{"title":"حرف الضاد","level":3,"page":6138},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6138},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6138},{"title":"حرف الطاء","level":3,"page":6139},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6139},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6141},{"title":"حرف الظاء","level":3,"page":6142},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6142},{"title":"حرف العين","level":3,"page":6142},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6142},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6177},{"title":"* فصل في الصحابيات","level":4,"page":6197},{"title":"* فصل في التابعيات","level":4,"page":6199},{"title":"حرف الغين","level":3,"page":6199},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6199},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6199},{"title":"حرف الفاء","level":3,"page":6200},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6200},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6201},{"title":"* فصل في الصحابيات","level":4,"page":6202},{"title":"* فصل في التابعيات","level":4,"page":6203},{"title":"حرف القاف","level":3,"page":6204},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6204},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6207},{"title":"* فصل في الصحابيات","level":4,"page":6209},{"title":"حرف الكاف","level":3,"page":6210},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6210},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6211},{"title":"* فصل في التابعيات","level":4,"page":6212},{"title":"حرف اللام","level":3,"page":6213},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6213},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6214},{"title":"* فصل في الصحابيات","level":4,"page":6216},{"title":"حرف الميم","level":3,"page":6216},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6216},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6230},{"title":"* فصل في الصحابيات","level":4,"page":6241},{"title":"* فصل في التابعيات","level":4,"page":6243},{"title":"حرف النون","level":3,"page":6243},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6243},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6245},{"title":"حرف الواو","level":3,"page":6248},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6248},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6250},{"title":"حرف الهاء","level":3,"page":6252},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6252},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6254},{"title":"* فصل في الصحابيات","level":4,"page":6256},{"title":"حرف الياء","level":3,"page":6257},{"title":"* فصل في الصحابة","level":4,"page":6257},{"title":"* فصل في التابعين","level":4,"page":6258},{"title":"* فصل في الصحابيات","level":4,"page":6261},{"title":"الباب الثاني في ذكر أئمة أصحاب الأصول","level":2,"page":6262},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":6287},{"title":"[أ]","level":2,"page":6287},{"title":"[ب]","level":2,"page":6289},{"title":"[ت]","level":2,"page":6290},{"title":"[ث]","level":2,"page":6293},{"title":"[ج]","level":2,"page":6294},{"title":"[ح]","level":2,"page":6295},{"title":"[خ]","level":2,"page":6296},{"title":"[د]","level":2,"page":6296},{"title":"[ذ]","level":2,"page":6297},{"title":"[ر]","level":2,"page":6297},{"title":"[ز]","level":2,"page":6297},{"title":"[س]","level":2,"page":6298},{"title":"[ش]","level":2,"page":6298},{"title":"[ص]","level":2,"page":6300},{"title":"[ض]","level":2,"page":6300},{"title":"[ط]","level":2,"page":6300},{"title":"[ظ]","level":2,"page":6301},{"title":"[ع]","level":2,"page":6301},{"title":"[غ]","level":2,"page":6302},{"title":"[ف]","level":2,"page":6302},{"title":"[ق]","level":2,"page":6303},{"title":"[ك]","level":2,"page":6303},{"title":"[ل]","level":2,"page":6304},{"title":"[م]","level":2,"page":6305},{"title":"[ن]","level":2,"page":6309},{"title":"[هـ]","level":2,"page":6310},{"title":"[و]","level":2,"page":6310},{"title":"[ي","level":2,"page":6310},{"title":"ذكر أسانيد هذا العبد الضعيف","level":1,"page":6311},{"title":"السيرة الذاتية لمحقق هذا الكتاب","level":1,"page":6313},{"title":"* الندوات والمؤتمرات التي شارك فيها","level":2,"page":6313},{"title":"* عضوية الجمعيات والهيئات","level":2,"page":6314},{"title":"من أعمال المحقق","level":1,"page":6315}],"ٛ":{"1,1":1,"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,10":9,"1,11":10,"1,12":11,"1,13":12,"1,14":13,"1,15":14,"1,16":15,"1,17":16,"1,18":17,"1,19":18,"1,20":19,"1,21":20,"1,22":21,"1,23":22,"1,24":23,"1,25":24,"1,26":25,"1,27":26,"1,28":27,"1,29":28,"1,30":29,"1,31":30,"1,32":31,"1,33":32,"1,34":33,"1,35":34,"1,36":35,"1,37":36,"1,38":37,"1,39":38,"1,40":39,"1,41":40,"1,42":41,"1,43":42,"1,44":43,"1,45":44,"1,46":45,"1,47":46,"1,48":47,"1,49":48,"1,50":49,"1,51":50,"1,52":51,"1,53":52,"1,54":53,"1,55":54,"1,56":55,"1,57":56,"1,58":57,"1,59":58,"1,60":59,"1,61":60,"1,62":61,"1,63":62,"1,64":63,"1,65":64,"1,67":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,74":71,"1,75":72,"1,76":73,"1,77":74,"1,78":75,"1,79":76,"1,80":77,"1,81":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,156":152,"1,157":153,"1,158":154,"1,159":155,"1,160":156,"1,161":157,"1,162":158,"1,163":159,"1,164":160,"1,165":161,"1,166":162,"1,167":163,"1,168":164,"1,169":165,"1,170":166,"1,171":167,"1,172":168,"1,173":169,"1,174":170,"1,175":171,"1,176":172,"1,177":173,"1,178":174,"1,179":175,"1,180":176,"1,181":177,"1,182":178,"1,183":179,"1,184":180,"1,185":181,"1,186":182,"1,187":183,"1,188":184,"1,189":185,"1,191":186,"1,193":187,"1,194":188,"1,195":189,"1,196":190,"1,197":191,"1,198":192,"1,199":193,"1,200":194,"1,201":195,"1,202":196,"1,203":197,"1,204":198,"1,205":199,"1,206":200,"1,207":201,"1,208":202,"1,209":203,"1,210":204,"1,211":205,"1,212":206,"1,213":207,"1,214":208,"1,215":209,"1,216":210,"1,217":211,"1,218":212,"1,219":213,"1,220":214,"1,221":215,"1,222":216,"1,223":217,"1,224":218,"1,225":219,"1,226":220,"1,227":221,"1,228":222,"1,229":223,"1,230":224,"1,231":225,"1,232":226,"1,233":227,"1,234":228,"1,235":229,"1,236":230,"1,237":231,"1,238":232,"1,239":233,"1,240":234,"1,241":235,"1,242":236,"1,243":237,"1,244":238,"1,245":239,"1,246":240,"1,247":241,"1,248":242,"1,249":243,"1,250":244,"1,251":245,"1,252":246,"1,253":247,"1,254":248,"1,255":249,"1,256":250,"1,257":251,"1,258":252,"1,259":253,"1,260":254,"1,261":255,"1,262":256,"1,263":257,"1,264":258,"1,265":259,"1,266":260,"1,267":261,"1,268":262,"1,269":263,"1,270":264,"1,271":265,"1,272":266,"1,273":267,"1,274":268,"1,275":269,"1,276":270,"1,277":271,"1,278":272,"1,279":273,"1,280":274,"1,281":275,"1,282":276,"1,283":277,"1,284":278,"1,285":279,"1,286":280,"1,287":281,"1,288":282,"1,289":283,"1,290":284,"1,291":285,"1,292":286,"1,293":287,"1,294":288,"1,295":289,"1,296":290,"1,297":291,"1,298":292,"1,299":293,"1,300":294,"1,301":295,"1,302":296,"1,303":297,"1,304":298,"1,305":299,"1,306":300,"1,307":301,"1,308":302,"1,309":303,"1,310":304,"1,311":305,"1,312":306,"1,313":307,"1,314":308,"1,315":309,"1,316":310,"1,317":311,"1,318":312,"1,319":313,"1,320":314,"1,321":315,"1,322":316,"1,323":317,"1,324":318,"1,325":319,"1,326":320,"1,327":321,"1,328":322,"1,329":323,"1,330":324,"1,331":325,"1,332":326,"1,333":327,"1,334":328,"1,335":329,"1,336":330,"1,337":331,"1,338":332,"1,339":333,"1,340":334,"1,341":335,"1,342":336,"1,343":337,"1,344":338,"1,345":339,"1,346":340,"1,347":341,"1,348":342,"1,349":343,"1,350":344,"1,351":345,"1,352":346,"1,353":347,"1,354":348,"1,355":349,"1,356":350,"1,357":351,"1,358":352,"1,359":353,"1,360":354,"1,361":355,"1,362":356,"1,363":357,"1,364":358,"1,365":359,"1,366":360,"1,367":361,"1,368":362,"1,369":363,"1,370":364,"1,371":365,"1,372":366,"1,373":367,"1,374":368,"1,375":369,"1,376":370,"1,377":371,"1,378":372,"1,379":373,"1,380":374,"1,381":375,"1,382":376,"1,383":377,"1,384":378,"1,385":379,"1,386":380,"1,387":381,"1,388":382,"1,389":383,"1,390":384,"1,391":385,"1,392":386,"1,393":387,"1,394":388,"1,395":389,"1,396":390,"1,397":391,"1,398":392,"1,399":393,"1,400":394,"1,401":395,"1,402":396,"1,403":397,"1,404":398,"1,405":399,"1,406":400,"1,407":401,"1,408":402,"1,409":403,"1,410":404,"1,411":405,"1,412":406,"1,413":407,"1,414":408,"1,415":409,"1,416":410,"1,417":411,"1,418":412,"1,419":413,"1,420":414,"1,421":415,"1,422":416,"1,423":417,"1,424":418,"1,425":419,"1,426":420,"1,427":421,"1,428":422,"1,429":423,"1,430":424,"1,431":425,"1,432":426,"1,433":427,"1,434":428,"1,435":429,"1,436":430,"1,437":431,"1,438":432,"1,439":433,"1,440":434,"1,441":435,"1,442":436,"1,443":437,"1,444":438,"1,445":439,"1,446":440,"1,447":441,"1,448":442,"1,449":443,"1,450":444,"1,451":445,"1,452":446,"1,453":447,"1,454":448,"1,455":449,"1,456":450,"1,457":451,"1,458":452,"1,459":453,"1,460":454,"1,461":455,"1,462":456,"1,463":457,"1,464":458,"1,465":459,"1,466":460,"1,467":461,"1,468":462,"1,469":463,"1,470":464,"1,471":465,"1,472":466,"1,473":467,"1,474":468,"1,475":469,"1,476":470,"1,477":471,"1,478":472,"1,479":473,"1,480":474,"1,481":475,"1,482":476,"1,483":477,"1,484":478,"1,485":479,"1,486":480,"1,487":481,"1,488":482,"1,489":483,"1,490":484,"1,491":485,"1,492":486,"1,493":487,"1,494":488,"1,495":489,"1,496":490,"1,497":491,"1,498":492,"1,499":493,"1,500":494,"1,501":495,"1,502":496,"1,503":497,"1,504":498,"1,505":499,"1,506":500,"1,507":501,"1,508":502,"1,509":503,"1,510":504,"1,511":505,"1,512":506,"1,513":507,"1,515":508,"1,517":509,"1,518":510,"1,519":511,"1,520":512,"1,521":513,"1,522":514,"1,523":515,"1,524":516,"1,525":517,"1,526":518,"1,527":519,"1,528":520,"1,529":521,"1,530":522,"1,531":523,"1,532":524,"1,533":525,"1,534":526,"1,535":527,"1,536":528,"1,537":529,"1,538":530,"1,539":531,"1,540":532,"1,541":533,"1,542":534,"1,543":535,"1,544":536,"1,545":537,"1,546":538,"1,547":539,"1,548":540,"1,549":541,"1,550":542,"1,551":543,"1,552":544,"1,553":545,"1,554":546,"1,555":547,"1,556":548,"1,557":549,"1,558":550,"1,559":551,"1,560":552,"1,561":553,"1,562":554,"1,563":555,"1,564":556,"1,565":557,"1,566":558,"1,567":559,"1,568":560,"1,569":561,"1,570":562,"1,571":563,"1,572":564,"1,573":565,"1,574":566,"1,575":567,"1,576":568,"1,577":569,"1,578":570,"1,579":571,"1,580":572,"1,581":573,"1,582":574,"1,583":575,"1,584":576,"1,585":577,"1,586":578,"1,587":579,"1,588":580,"1,589":581,"1,590":582,"1,591":583,"1,592":584,"1,593":585,"1,594":586,"1,595":587,"1,596":588,"1,597":589,"1,598":590,"1,599":591,"1,600":592,"1,601":593,"1,602":594,"1,603":595,"1,604":596,"1,605":597,"1,606":598,"1,607":599,"1,608":600,"1,609":601,"1,610":602,"1,611":603,"1,612":604,"1,613":605,"1,614":606,"1,615":607,"2,1":608,"2,2":609,"2,3":610,"2,4":611,"2,5":612,"2,7":613,"2,8":614,"2,9":615,"2,10":616,"2,11":617,"2,12":618,"2,13":619,"2,14":620,"2,15":621,"2,16":622,"2,17":623,"2,18":624,"2,19":625,"2,20":626,"2,21":627,"2,22":628,"2,23":629,"2,24":630,"2,25":631,"2,26":632,"2,27":633,"2,28":634,"2,29":635,"2,30":636,"2,31":637,"2,32":638,"2,33":639,"2,34":640,"2,35":641,"2,36":642,"2,37":643,"2,38":644,"2,39":645,"2,40":646,"2,41":647,"2,42":648,"2,43":649,"2,44":650,"2,45":651,"2,46":652,"2,47":653,"2,48":654,"2,49":655,"2,50":656,"2,51":657,"2,52":658,"2,53":659,"2,54":660,"2,55":661,"2,56":662,"2,57":663,"2,58":664,"2,59":665,"2,60":666,"2,61":667,"2,62":668,"2,63":669,"2,64":670,"2,65":671,"2,66":672,"2,67":673,"2,68":674,"2,69":675,"2,70":676,"2,71":677,"2,72":678,"2,73":679,"2,74":680,"2,75":681,"2,76":682,"2,77":683,"2,78":684,"2,79":685,"2,80":686,"2,81":687,"2,82":688,"2,83":689,"2,84":690,"2,85":691,"2,86":692,"2,87":693,"2,88":694,"2,89":695,"2,90":696,"2,91":697,"2,92":698,"2,93":699,"2,94":700,"2,95":701,"2,96":702,"2,97":703,"2,98":704,"2,99":705,"2,100":706,"2,101":707,"2,102":708,"2,103":709,"2,104":710,"2,105":711,"2,106":712,"2,107":713,"2,108":714,"2,109":715,"2,110":716,"2,111":717,"2,112":718,"2,113":719,"2,114":720,"2,115":721,"2,116":722,"2,117":723,"2,118":724,"2,119":725,"2,120":726,"2,121":727,"2,122":728,"2,123":729,"2,124":730,"2,125":731,"2,126":732,"2,127":733,"2,128":734,"2,129":735,"2,130":736,"2,131":737,"2,132":738,"2,133":739,"2,134":740,"2,135":741,"2,136":742,"2,137":743,"2,138":744,"2,139":745,"2,140":746,"2,141":747,"2,142":748,"2,143":749,"2,144":750,"2,145":751,"2,146":752,"2,147":753,"2,148":754,"2,149":755,"2,150":756,"2,151":757,"2,152":758,"2,153":759,"2,154":760,"2,155":761,"2,156":762,"2,157":763,"2,158":764,"2,159":765,"2,160":766,"2,161":767,"2,162":768,"2,163":769,"2,164":770,"2,165":771,"2,166":772,"2,167":773,"2,168":774,"2,169":775,"2,170":776,"2,171":777,"2,172":778,"2,173":779,"2,174":780,"2,175":781,"2,176":782,"2,177":783,"2,178":784,"2,179":785,"2,180":786,"2,181":787,"2,182":788,"2,183":789,"2,184":790,"2,185":791,"2,186":792,"2,187":793,"2,188":794,"2,189":795,"2,190":796,"2,191":797,"2,192":798,"2,193":799,"2,194":800,"2,195":801,"2,196":802,"2,197":803,"2,198":804,"2,199":805,"2,200":806,"2,201":807,"2,202":808,"2,203":809,"2,204":810,"2,205":811,"2,206":812,"2,207":813,"2,208":814,"2,209":815,"2,210":816,"2,211":817,"2,212":818,"2,213":819,"2,214":820,"2,215":821,"2,216":822,"2,217":823,"2,218":824,"2,219":825,"2,220":826,"2,221":827,"2,222":828,"2,223":829,"2,224":830,"2,225":831,"2,226":832,"2,227":833,"2,228":834,"2,229":835,"2,230":836,"2,231":837,"2,232":838,"2,233":839,"2,234":840,"2,235":841,"2,236":842,"2,237":843,"2,238":844,"2,239":845,"2,240":846,"2,241":847,"2,242":848,"2,243":849,"2,244":850,"2,245":851,"2,246":852,"2,247":853,"2,248":854,"2,249":855,"2,250":856,"2,251":857,"2,252":858,"2,253":859,"2,254":860,"2,255":861,"2,256":862,"2,257":863,"2,258":864,"2,259":865,"2,260":866,"2,261":867,"2,262":868,"2,263":869,"2,264":870,"2,265":871,"2,266":872,"2,267":873,"2,268":874,"2,269":875,"2,270":876,"2,271":877,"2,272":878,"2,273":879,"2,274":880,"2,275":881,"2,276":882,"2,277":883,"2,278":884,"2,279":885,"2,280":886,"2,281":887,"2,282":888,"2,283":889,"2,284":890,"2,285":891,"2,286":892,"2,287":893,"2,288":894,"2,289":895,"2,290":896,"2,291":897,"2,292":898,"2,293":899,"2,294":900,"2,295":901,"2,296":902,"2,297":903,"2,298":904,"2,299":905,"2,300":906,"2,301":907,"2,302":908,"2,303":909,"2,304":910,"2,305":911,"2,306":912,"2,307":913,"2,308":914,"2,309":915,"2,311":916,"2,312":917,"2,313":918,"2,314":919,"2,315":920,"2,316":921,"2,317":922,"2,318":923,"2,319":924,"2,320":925,"2,321":926,"2,322":927,"2,323":928,"2,324":929,"2,325":930,"2,326":931,"2,327":932,"2,328":933,"2,329":934,"2,330":935,"2,331":936,"2,332":937,"2,333":938,"2,334":939,"2,335":940,"2,336":941,"2,337":942,"2,338":943,"2,339":944,"2,340":945,"2,341":946,"2,342":947,"2,343":948,"2,344":949,"2,345":950,"2,346":951,"2,347":952,"2,348":953,"2,349":954,"2,350":955,"2,351":956,"2,352":957,"2,353":958,"2,354":959,"2,355":960,"2,356":961,"2,357":962,"2,358":963,"2,359":964,"2,360":965,"2,361":966,"2,362":967,"2,363":968,"2,364":969,"2,365":970,"2,366":971,"2,367":972,"2,368":973,"2,369":974,"2,370":975,"2,371":976,"2,372":977,"2,373":978,"2,374":979,"2,375":980,"2,376":981,"2,377":982,"2,378":983,"2,379":984,"2,380":985,"2,381":986,"2,382":987,"2,383":988,"2,384":989,"2,385":990,"2,386":991,"2,387":992,"2,388":993,"2,389":994,"2,390":995,"2,391":996,"2,392":997,"2,393":998,"2,394":999,"2,395":1000,"2,396":1001,"2,397":1002,"2,398":1003,"2,399":1004,"2,400":1005,"2,401":1006,"2,402":1007,"2,403":1008,"2,404":1009,"2,405":1010,"2,406":1011,"2,407":1012,"2,408":1013,"2,409":1014,"2,410":1015,"2,411":1016,"2,412":1017,"2,413":1018,"2,414":1019,"2,415":1020,"2,416":1021,"2,417":1022,"2,418":1023,"2,419":1024,"2,420":1025,"2,421":1026,"2,422":1027,"2,423":1028,"2,424":1029,"2,425":1030,"2,426":1031,"2,427":1032,"2,428":1033,"2,429":1034,"2,430":1035,"2,431":1036,"2,432":1037,"2,433":1038,"2,434":1039,"2,435":1040,"2,436":1041,"2,437":1042,"2,438":1043,"2,439":1044,"2,440":1045,"2,441":1046,"2,442":1047,"2,443":1048,"2,444":1049,"2,445":1050,"2,446":1051,"2,447":1052,"2,448":1053,"2,449":1054,"2,450":1055,"2,451":1056,"2,452":1057,"2,453":1058,"2,454":1059,"2,455":1060,"2,456":1061,"2,457":1062,"2,458":1063,"2,459":1064,"2,460":1065,"2,461":1066,"2,462":1067,"2,463":1068,"2,464":1069,"2,465":1070,"2,466":1071,"2,467":1072,"2,468":1073,"2,469":1074,"2,470":1075,"2,471":1076,"2,472":1077,"2,473":1078,"2,474":1079,"2,475":1080,"2,476":1081,"2,477":1082,"2,478":1083,"2,479":1084,"2,480":1085,"2,481":1086,"2,482":1087,"2,483":1088,"2,484":1089,"2,485":1090,"2,486":1091,"2,487":1092,"2,488":1093,"2,489":1094,"2,490":1095,"2,491":1096,"2,492":1097,"2,493":1098,"2,494":1099,"2,495":1100,"2,496":1101,"2,497":1102,"2,498":1103,"2,499":1104,"2,500":1105,"2,501":1106,"2,502":1107,"2,503":1108,"2,504":1109,"2,505":1110,"2,506":1111,"2,507":1112,"2,508":1113,"2,509":1114,"2,510":1115,"2,511":1116,"2,512":1117,"2,513":1118,"2,514":1119,"2,515":1120,"2,516":1121,"2,517":1122,"2,518":1123,"2,519":1124,"2,520":1125,"2,521":1126,"2,522":1127,"2,523":1128,"2,524":1129,"2,525":1130,"2,526":1131,"2,527":1132,"2,528":1133,"2,529":1134,"2,530":1135,"2,531":1136,"2,532":1137,"2,533":1138,"2,534":1139,"2,535":1140,"2,536":1141,"2,537":1142,"2,538":1143,"2,539":1144,"2,540":1145,"2,541":1146,"2,542":1147,"2,543":1148,"2,544":1149,"2,545":1150,"2,546":1151,"2,547":1152,"2,548":1153,"2,549":1154,"2,550":1155,"2,551":1156,"2,552":1157,"2,553":1158,"2,554":1159,"2,555":1160,"2,556":1161,"2,557":1162,"2,558":1163,"2,559":1164,"2,560":1165,"2,561":1166,"2,562":1167,"2,563":1168,"2,564":1169,"2,565":1170,"2,566":1171,"2,567":1172,"2,568":1173,"2,569":1174,"2,570":1175,"2,571":1176,"2,572":1177,"2,573":1178,"2,574":1179,"2,575":1180,"2,576":1181,"2,577":1182,"2,578":1183,"2,579":1184,"2,580":1185,"2,581":1186,"2,582":1187,"2,583":1188,"2,584":1189,"2,585":1190,"2,586":1191,"2,587":1192,"2,588":1193,"2,589":1194,"2,590":1195,"2,591":1196,"2,592":1197,"2,593":1198,"2,594":1199,"2,595":1200,"2,596":1201,"2,597":1202,"2,598":1203,"2,599":1204,"2,600":1205,"2,601":1206,"2,602":1207,"2,603":1208,"2,604":1209,"2,605":1210,"2,606":1211,"2,607":1212,"2,608":1213,"2,609":1214,"2,610":1215,"2,611":1216,"2,612":1217,"2,613":1218,"2,614":1219,"2,615":1220,"2,616":1221,"2,617":1222,"2,618":1223,"2,619":1224,"2,620":1225,"2,621":1226,"2,622":1227,"2,623":1228,"2,624":1229,"2,625":1230,"2,626":1231,"2,627":1232,"2,628":1233,"3,1":1234,"3,2":1235,"3,3":1236,"3,4":1237,"3,5":1238,"3,6":1239,"3,7":1240,"3,8":1241,"3,9":1242,"3,10":1243,"3,11":1244,"3,12":1245,"3,13":1246,"3,14":1247,"3,15":1248,"3,16":1249,"3,17":1250,"3,18":1251,"3,19":1252,"3,20":1253,"3,21":1254,"3,22":1255,"3,23":1256,"3,24":1257,"3,25":1258,"3,26":1259,"3,27":1260,"3,28":1261,"3,29":1262,"3,30":1263,"3,31":1264,"3,32":1265,"3,33":1266,"3,34":1267,"3,35":1268,"3,36":1269,"3,37":1270,"3,38":1271,"3,39":1272,"3,40":1273,"3,41":1274,"3,42":1275,"3,43":1276,"3,44":1277,"3,45":1278,"3,46":1279,"3,47":1280,"3,48":1281,"3,49":1282,"3,50":1283,"3,51":1284,"3,52":1285,"3,53":1286,"3,54":1287,"3,55":1288,"3,56":1289,"3,57":1290,"3,58":1291,"3,59":1292,"3,60":1293,"3,61":1294,"3,62":1295,"3,63":1296,"3,64":1297,"3,65":1298,"3,66":1299,"3,67":1300,"3,68":1301,"3,69":1302,"3,70":1303,"3,71":1304,"3,72":1305,"3,73":1306,"3,74":1307,"3,75":1308,"3,76":1309,"3,77":1310,"3,78":1311,"3,79":1312,"3,80":1313,"3,81":1314,"3,82":1315,"3,83":1316,"3,84":1317,"3,85":1318,"3,86":1319,"3,87":1320,"3,88":1321,"3,89":1322,"3,90":1323,"3,91":1324,"3,92":1325,"3,93":1326,"3,94":1327,"3,95":1328,"3,96":1329,"3,97":1330,"3,98":1331,"3,99":1332,"3,100":1333,"3,101":1334,"3,102":1335,"3,103":1336,"3,104":1337,"3,105":1338,"3,106":1339,"3,107":1340,"3,108":1341,"3,109":1342,"3,110":1343,"3,111":1344,"3,112":1345,"3,113":1346,"3,114":1347,"3,115":1348,"3,116":1349,"3,117":1350,"3,118":1351,"3,119":1352,"3,120":1353,"3,121":1354,"3,122":1355,"3,123":1356,"3,124":1357,"3,125":1358,"3,126":1359,"3,127":1360,"3,128":1361,"3,129":1362,"3,130":1363,"3,131":1364,"3,132":1365,"3,133":1366,"3,134":1367,"3,135":1368,"3,136":1369,"3,137":1370,"3,138":1371,"3,139":1372,"3,140":1373,"3,141":1374,"3,142":1375,"3,143":1376,"3,144":1377,"3,145":1378,"3,146":1379,"3,147":1380,"3,148":1381,"3,149":1382,"3,150":1383,"3,151":1384,"3,152":1385,"3,153":1386,"3,154":1387,"3,155":1388,"3,156":1389,"3,157":1390,"3,158":1391,"3,159":1392,"3,160":1393,"3,161":1394,"3,162":1395,"3,163":1396,"3,164":1397,"3,165":1398,"3,166":1399,"3,167":1400,"3,168":1401,"3,169":1402,"3,170":1403,"3,171":1404,"3,172":1405,"3,173":1406,"3,174":1407,"3,175":1408,"3,176":1409,"3,177":1410,"3,178":1411,"3,179":1412,"3,180":1413,"3,181":1414,"3,182":1415,"3,183":1416,"3,184":1417,"3,185":1418,"3,186":1419,"3,187":1420,"3,188":1421,"3,189":1422,"3,190":1423,"3,191":1424,"3,192":1425,"3,193":1426,"3,194":1427,"3,195":1428,"3,196":1429,"3,197":1430,"3,198":1431,"3,199":1432,"3,200":1433,"3,201":1434,"3,202":1435,"3,203":1436,"3,204":1437,"3,205":1438,"3,206":1439,"3,207":1440,"3,208":1441,"3,209":1442,"3,210":1443,"3,211":1444,"3,212":1445,"3,213":1446,"3,214":1447,"3,215":1448,"3,216":1449,"3,217":1450,"3,218":1451,"3,219":1452,"3,220":1453,"3,221":1454,"3,222":1455,"3,223":1456,"3,224":1457,"3,225":1458,"3,226":1459,"3,227":1460,"3,228":1461,"3,229":1462,"3,230":1463,"3,231":1464,"3,232":1465,"3,233":1466,"3,234":1467,"3,235":1468,"3,236":1469,"3,237":1470,"3,238":1471,"3,239":1472,"3,240":1473,"3,241":1474,"3,242":1475,"3,243":1476,"3,244":1477,"3,245":1478,"3,246":1479,"3,247":1480,"3,248":1481,"3,249":1482,"3,250":1483,"3,251":1484,"3,252":1485,"3,253":1486,"3,254":1487,"3,255":1488,"3,256":1489,"3,257":1490,"3,258":1491,"3,259":1492,"3,260":1493,"3,261":1494,"3,262":1495,"3,263":1496,"3,264":1497,"3,265":1498,"3,266":1499,"3,267":1500,"3,268":1501,"3,269":1502,"3,270":1503,"3,271":1504,"3,272":1505,"3,273":1506,"3,274":1507,"3,275":1508,"3,276":1509,"3,277":1510,"3,278":1511,"3,279":1512,"3,280":1513,"3,281":1514,"3,282":1515,"3,283":1516,"3,284":1517,"3,285":1518,"3,286":1519,"3,287":1520,"3,288":1521,"3,289":1522,"3,290":1523,"3,291":1524,"3,292":1525,"3,293":1526,"3,294":1527,"3,295":1528,"3,296":1529,"3,297":1530,"3,298":1531,"3,299":1532,"3,300":1533,"3,301":1534,"3,302":1535,"3,303":1536,"3,304":1537,"3,305":1538,"3,306":1539,"3,307":1540,"3,308":1541,"3,309":1542,"3,310":1543,"3,311":1544,"3,312":1545,"3,313":1546,"3,314":1547,"3,315":1548,"3,316":1549,"3,317":1550,"3,318":1551,"3,319":1552,"3,320":1553,"3,321":1554,"3,322":1555,"3,323":1556,"3,324":1557,"3,325":1558,"3,326":1559,"3,327":1560,"3,328":1561,"3,329":1562,"3,330":1563,"3,331":1564,"3,332":1565,"3,333":1566,"3,334":1567,"3,335":1568,"3,336":1569,"3,337":1570,"3,338":1571,"3,339":1572,"3,340":1573,"3,341":1574,"3,342":1575,"3,343":1576,"3,344":1577,"3,345":1578,"3,346":1579,"3,347":1580,"3,348":1581,"3,349":1582,"3,350":1583,"3,351":1584,"3,352":1585,"3,353":1586,"3,354":1587,"3,355":1588,"3,356":1589,"3,357":1590,"3,358":1591,"3,359":1592,"3,360":1593,"3,361":1594,"3,362":1595,"3,363":1596,"3,364":1597,"3,365":1598,"3,366":1599,"3,367":1600,"3,368":1601,"3,369":1602,"3,370":1603,"3,371":1604,"3,372":1605,"3,373":1606,"3,374":1607,"3,375":1608,"3,376":1609,"3,377":1610,"3,378":1611,"3,379":1612,"3,380":1613,"3,381":1614,"3,382":1615,"3,383":1616,"3,384":1617,"3,385":1618,"3,386":1619,"3,387":1620,"3,388":1621,"3,389":1622,"3,390":1623,"3,391":1624,"3,392":1625,"3,393":1626,"3,394":1627,"3,395":1628,"3,396":1629,"3,397":1630,"3,398":1631,"3,399":1632,"3,400":1633,"3,401":1634,"3,402":1635,"3,403":1636,"3,404":1637,"3,405":1638,"3,406":1639,"3,407":1640,"3,408":1641,"3,409":1642,"3,410":1643,"3,411":1644,"3,412":1645,"3,413":1646,"3,414":1647,"3,415":1648,"3,416":1649,"3,417":1650,"3,418":1651,"3,419":1652,"3,420":1653,"3,421":1654,"3,422":1655,"3,423":1656,"3,424":1657,"3,425":1658,"3,426":1659,"3,427":1660,"3,428":1661,"3,429":1662,"3,430":1663,"3,431":1664,"3,432":1665,"3,433":1666,"3,434":1667,"3,435":1668,"3,436":1669,"3,437":1670,"3,438":1671,"3,439":1672,"3,440":1673,"3,441":1674,"3,442":1675,"3,443":1676,"3,444":1677,"3,445":1678,"3,446":1679,"3,447":1680,"3,448":1681,"3,449":1682,"3,450":1683,"3,451":1684,"3,452":1685,"3,453":1686,"3,454":1687,"3,455":1688,"3,456":1689,"3,457":1690,"3,458":1691,"3,459":1692,"3,460":1693,"3,461":1694,"3,462":1695,"3,463":1696,"3,464":1697,"3,465":1698,"3,466":1699,"3,467":1700,"3,468":1701,"3,469":1702,"3,470":1703,"3,471":1704,"3,472":1705,"3,473":1706,"3,474":1707,"3,475":1708,"3,476":1709,"3,477":1710,"3,478":1711,"3,479":1712,"3,480":1713,"3,481":1714,"3,482":1715,"3,483":1716,"3,484":1717,"3,485":1718,"3,486":1719,"3,487":1720,"3,488":1721,"3,489":1722,"3,490":1723,"3,491":1724,"3,492":1725,"3,493":1726,"3,494":1727,"3,495":1728,"3,496":1729,"3,497":1730,"3,498":1731,"3,499":1732,"3,500":1733,"3,501":1734,"3,502":1735,"3,503":1736,"3,504":1737,"3,505":1738,"3,506":1739,"3,507":1740,"3,508":1741,"3,509":1742,"3,510":1743,"3,511":1744,"3,512":1745,"3,513":1746,"3,514":1747,"3,515":1748,"3,516":1749,"3,517":1750,"3,518":1751,"3,519":1752,"3,520":1753,"3,521":1754,"3,522":1755,"3,523":1756,"3,524":1757,"3,525":1758,"3,526":1759,"3,527":1760,"3,528":1761,"3,529":1762,"3,530":1763,"3,531":1764,"3,532":1765,"3,533":1766,"3,534":1767,"3,535":1768,"3,536":1769,"3,537":1770,"3,538":1771,"3,539":1772,"3,540":1773,"3,541":1774,"3,542":1775,"3,543":1776,"3,544":1777,"3,545":1778,"3,546":1779,"3,547":1780,"3,548":1781,"3,549":1782,"3,550":1783,"3,551":1784,"3,552":1785,"3,553":1786,"3,554":1787,"3,555":1788,"3,556":1789,"3,557":1790,"3,558":1791,"3,559":1792,"3,560":1793,"3,561":1794,"3,562":1795,"3,563":1796,"3,564":1797,"3,565":1798,"3,566":1799,"3,567":1800,"3,568":1801,"3,569":1802,"3,570":1803,"3,571":1804,"3,572":1805,"3,573":1806,"3,574":1807,"3,575":1808,"3,576":1809,"3,577":1810,"3,578":1811,"3,579":1812,"3,580":1813,"3,581":1814,"3,582":1815,"3,583":1816,"3,584":1817,"3,585":1818,"3,586":1819,"3,587":1820,"3,588":1821,"3,589":1822,"3,590":1823,"3,591":1824,"3,592":1825,"3,593":1826,"3,594":1827,"3,595":1828,"3,596":1829,"3,597":1830,"3,598":1831,"3,599":1832,"3,600":1833,"3,601":1834,"3,602":1835,"3,603":1836,"3,604":1837,"3,605":1838,"3,606":1839,"3,607":1840,"3,608":1841,"3,609":1842,"3,610":1843,"3,611":1844,"3,612":1845,"3,613":1846,"3,614":1847,"3,615":1848,"3,616":1849,"3,617":1850,"3,618":1851,"3,619":1852,"3,620":1853,"3,621":1854,"3,622":1855,"3,623":1856,"3,624":1857,"3,625":1858,"3,626":1859,"3,627":1860,"3,628":1861,"3,629":1862,"3,630":1863,"3,631":1864,"3,632":1865,"4,1":1866,"4,2":1867,"4,3":1868,"4,4":1869,"4,5":1870,"4,7":1871,"4,8":1872,"4,9":1873,"4,10":1874,"4,11":1875,"4,12":1876,"4,13":1877,"4,14":1878,"4,15":1879,"4,16":1880,"4,17":1881,"4,18":1882,"4,19":1883,"4,20":1884,"4,21":1885,"4,22":1886,"4,23":1887,"4,24":1888,"4,25":1889,"4,26":1890,"4,27":1891,"4,28":1892,"4,29":1893,"4,30":1894,"4,31":1895,"4,32":1896,"4,33":1897,"4,34":1898,"4,35":1899,"4,36":1900,"4,37":1901,"4,38":1902,"4,39":1903,"4,40":1904,"4,41":1905,"4,42":1906,"4,43":1907,"4,44":1908,"4,45":1909,"4,46":1910,"4,47":1911,"4,48":1912,"4,49":1913,"4,50":1914,"4,51":1915,"4,52":1916,"4,53":1917,"4,54":1918,"4,55":1919,"4,56":1920,"4,57":1921,"4,58":1922,"4,59":1923,"4,60":1924,"4,61":1925,"4,62":1926,"4,63":1927,"4,64":1928,"4,65":1929,"4,66":1930,"4,67":1931,"4,68":1932,"4,69":1933,"4,70":1934,"4,71":1935,"4,72":1936,"4,73":1937,"4,74":1938,"4,75":1939,"4,76":1940,"4,77":1941,"4,78":1942,"4,79":1943,"4,80":1944,"4,81":1945,"4,82":1946,"4,83":1947,"4,84":1948,"4,85":1949,"4,86":1950,"4,87":1951,"4,88":1952,"4,89":1953,"4,90":1954,"4,91":1955,"4,92":1956,"4,93":1957,"4,94":1958,"4,95":1959,"4,96":1960,"4,97":1961,"4,98":1962,"4,99":1963,"4,100":1964,"4,101":1965,"4,102":1966,"4,103":1967,"4,104":1968,"4,105":1969,"4,106":1970,"4,107":1971,"4,108":1972,"4,109":1973,"4,110":1974,"4,111":1975,"4,112":1976,"4,113":1977,"4,114":1978,"4,115":1979,"4,116":1980,"4,117":1981,"4,118":1982,"4,119":1983,"4,120":1984,"4,121":1985,"4,122":1986,"4,123":1987,"4,124":1988,"4,125":1989,"4,126":1990,"4,127":1991,"4,128":1992,"4,129":1993,"4,130":1994,"4,131":1995,"4,132":1996,"4,133":1997,"4,134":1998,"4,135":1999,"4,136":2000,"4,137":2001,"4,138":2002,"4,139":2003,"4,140":2004,"4,141":2005,"4,142":2006,"4,143":2007,"4,144":2008,"4,145":2009,"4,146":2010,"4,147":2011,"4,148":2012,"4,149":2013,"4,150":2014,"4,151":2015,"4,152":2016,"4,153":2017,"4,154":2018,"4,155":2019,"4,156":2020,"4,157":2021,"4,158":2022,"4,159":2023,"4,160":2024,"4,161":2025,"4,162":2026,"4,163":2027,"4,164":2028,"4,165":2029,"4,166":2030,"4,167":2031,"4,168":2032,"4,169":2033,"4,170":2034,"4,171":2035,"4,172":2036,"4,173":2037,"4,174":2038,"4,175":2039,"4,176":2040,"4,177":2041,"4,178":2042,"4,179":2043,"4,180":2044,"4,181":2045,"4,182":2046,"4,183":2047,"4,184":2048,"4,185":2049,"4,186":2050,"4,187":2051,"4,188":2052,"4,189":2053,"4,190":2054,"4,191":2055,"4,192":2056,"4,193":2057,"4,194":2058,"4,195":2059,"4,196":2060,"4,197":2061,"4,198":2062,"4,199":2063,"4,200":2064,"4,201":2065,"4,202":2066,"4,203":2067,"4,204":2068,"4,205":2069,"4,206":2070,"4,207":2071,"4,208":2072,"4,209":2073,"4,210":2074,"4,211":2075,"4,212":2076,"4,213":2077,"4,214":2078,"4,215":2079,"4,216":2080,"4,217":2081,"4,218":2082,"4,219":2083,"4,220":2084,"4,221":2085,"4,222":2086,"4,223":2087,"4,224":2088,"4,225":2089,"4,227":2090,"4,228":2091,"4,229":2092,"4,230":2093,"4,231":2094,"4,232":2095,"4,233":2096,"4,234":2097,"4,235":2098,"4,236":2099,"4,237":2100,"4,238":2101,"4,239":2102,"4,240":2103,"4,241":2104,"4,242":2105,"4,243":2106,"4,244":2107,"4,245":2108,"4,246":2109,"4,247":2110,"4,248":2111,"4,249":2112,"4,250":2113,"4,251":2114,"4,252":2115,"4,253":2116,"4,254":2117,"4,255":2118,"4,256":2119,"4,257":2120,"4,258":2121,"4,259":2122,"4,260":2123,"4,261":2124,"4,262":2125,"4,263":2126,"4,264":2127,"4,265":2128,"4,266":2129,"4,267":2130,"4,268":2131,"4,269":2132,"4,270":2133,"4,271":2134,"4,272":2135,"4,273":2136,"4,274":2137,"4,275":2138,"4,276":2139,"4,277":2140,"4,278":2141,"4,279":2142,"4,280":2143,"4,281":2144,"4,282":2145,"4,283":2146,"4,284":2147,"4,285":2148,"4,286":2149,"4,287":2150,"4,288":2151,"4,289":2152,"4,290":2153,"4,291":2154,"4,292":2155,"4,293":2156,"4,294":2157,"4,295":2158,"4,296":2159,"4,297":2160,"4,298":2161,"4,299":2162,"4,300":2163,"4,301":2164,"4,302":2165,"4,303":2166,"4,304":2167,"4,305":2168,"4,306":2169,"4,307":2170,"4,308":2171,"4,309":2172,"4,310":2173,"4,311":2174,"4,312":2175,"4,313":2176,"4,314":2177,"4,315":2178,"4,316":2179,"4,317":2180,"4,318":2181,"4,319":2182,"4,320":2183,"4,321":2184,"4,322":2185,"4,323":2186,"4,324":2187,"4,325":2188,"4,326":2189,"4,327":2190,"4,328":2191,"4,329":2192,"4,330":2193,"4,331":2194,"4,332":2195,"4,333":2196,"4,334":2197,"4,335":2198,"4,336":2199,"4,337":2200,"4,338":2201,"4,339":2202,"4,340":2203,"4,341":2204,"4,342":2205,"4,343":2206,"4,344":2207,"4,345":2208,"4,346":2209,"4,347":2210,"4,348":2211,"4,349":2212,"4,350":2213,"4,351":2214,"4,352":2215,"4,353":2216,"4,354":2217,"4,355":2218,"4,356":2219,"4,357":2220,"4,358":2221,"4,359":2222,"4,360":2223,"4,361":2224,"4,362":2225,"4,363":2226,"4,364":2227,"4,365":2228,"4,366":2229,"4,367":2230,"4,368":2231,"4,369":2232,"4,370":2233,"4,371":2234,"4,372":2235,"4,373":2236,"4,374":2237,"4,375":2238,"4,376":2239,"4,377":2240,"4,378":2241,"4,379":2242,"4,380":2243,"4,381":2244,"4,382":2245,"4,383":2246,"4,384":2247,"4,385":2248,"4,386":2249,"4,387":2250,"4,388":2251,"4,389":2252,"4,390":2253,"4,391":2254,"4,393":2255,"4,395":2256,"4,396":2257,"4,397":2258,"4,398":2259,"4,399":2260,"4,400":2261,"4,401":2262,"4,402":2263,"4,403":2264,"4,404":2265,"4,405":2266,"4,406":2267,"4,407":2268,"4,408":2269,"4,409":2270,"4,410":2271,"4,411":2272,"4,412":2273,"4,413":2274,"4,414":2275,"4,415":2276,"4,416":2277,"4,417":2278,"4,418":2279,"4,419":2280,"4,420":2281,"4,421":2282,"4,422":2283,"4,423":2284,"4,424":2285,"4,425":2286,"4,426":2287,"4,427":2288,"4,428":2289,"4,429":2290,"4,430":2291,"4,431":2292,"4,432":2293,"4,433":2294,"4,434":2295,"4,435":2296,"4,436":2297,"4,437":2298,"4,438":2299,"4,439":2300,"4,440":2301,"4,441":2302,"4,442":2303,"4,443":2304,"4,444":2305,"4,445":2306,"4,446":2307,"4,447":2308,"4,448":2309,"4,449":2310,"4,450":2311,"4,451":2312,"4,452":2313,"4,453":2314,"4,454":2315,"4,455":2316,"4,456":2317,"4,457":2318,"4,458":2319,"4,459":2320,"4,460":2321,"4,461":2322,"4,462":2323,"4,463":2324,"4,464":2325,"4,465":2326,"4,466":2327,"4,467":2328,"4,468":2329,"4,469":2330,"4,470":2331,"4,471":2332,"4,472":2333,"4,473":2334,"4,474":2335,"4,475":2336,"4,476":2337,"4,477":2338,"4,478":2339,"4,479":2340,"4,480":2341,"4,481":2342,"4,482":2343,"4,483":2344,"4,484":2345,"4,485":2346,"4,486":2347,"4,487":2348,"4,488":2349,"4,489":2350,"4,490":2351,"4,491":2352,"4,492":2353,"4,493":2354,"4,494":2355,"4,495":2356,"4,496":2357,"4,497":2358,"4,498":2359,"4,499":2360,"4,500":2361,"4,501":2362,"4,502":2363,"4,503":2364,"4,504":2365,"4,505":2366,"4,506":2367,"4,507":2368,"4,508":2369,"4,509":2370,"4,510":2371,"4,511":2372,"4,512":2373,"4,513":2374,"4,514":2375,"4,515":2376,"4,516":2377,"4,517":2378,"4,518":2379,"4,519":2380,"4,520":2381,"4,521":2382,"4,522":2383,"4,523":2384,"4,524":2385,"4,525":2386,"4,526":2387,"4,527":2388,"4,529":2389,"4,530":2390,"4,531":2391,"4,532":2392,"4,533":2393,"4,534":2394,"4,535":2395,"4,536":2396,"4,537":2397,"4,538":2398,"4,539":2399,"4,540":2400,"4,541":2401,"4,542":2402,"4,543":2403,"4,544":2404,"4,545":2405,"4,546":2406,"4,547":2407,"4,548":2408,"4,549":2409,"4,550":2410,"4,551":2411,"4,552":2412,"4,553":2413,"4,554":2414,"4,555":2415,"4,556":2416,"4,557":2417,"4,558":2418,"4,559":2419,"4,560":2420,"4,561":2421,"4,562":2422,"4,563":2423,"4,564":2424,"4,565":2425,"4,566":2426,"4,567":2427,"4,568":2428,"4,569":2429,"4,570":2430,"4,571":2431,"4,572":2432,"4,573":2433,"4,574":2434,"4,575":2435,"4,576":2436,"4,577":2437,"4,578":2438,"4,579":2439,"4,580":2440,"4,581":2441,"4,582":2442,"4,583":2443,"4,584":2444,"4,585":2445,"4,586":2446,"4,587":2447,"4,588":2448,"4,589":2449,"4,590":2450,"4,591":2451,"4,592":2452,"4,593":2453,"4,594":2454,"4,595":2455,"4,596":2456,"4,597":2457,"4,598":2458,"4,599":2459,"4,600":2460,"4,601":2461,"4,602":2462,"4,603":2463,"4,604":2464,"4,605":2465,"4,606":2466,"4,607":2467,"4,608":2468,"4,609":2469,"4,610":2470,"4,611":2471,"4,612":2472,"4,613":2473,"4,614":2474,"4,615":2475,"4,616":2476,"4,617":2477,"4,618":2478,"4,619":2479,"4,620":2480,"4,621":2481,"4,622":2482,"5,1":2483,"5,2":2484,"5,3":2485,"5,4":2486,"5,5":2487,"5,7":2488,"5,8":2489,"5,9":2490,"5,10":2491,"5,11":2492,"5,12":2493,"5,13":2494,"5,14":2495,"5,15":2496,"5,16":2497,"5,17":2498,"5,18":2499,"5,19":2500,"5,20":2501,"5,21":2502,"5,22":2503,"5,23":2504,"5,24":2505,"5,25":2506,"5,26":2507,"5,27":2508,"5,28":2509,"5,29":2510,"5,30":2511,"5,31":2512,"5,32":2513,"5,33":2514,"5,34":2515,"5,35":2516,"5,36":2517,"5,37":2518,"5,38":2519,"5,39":2520,"5,40":2521,"5,41":2522,"5,42":2523,"5,43":2524,"5,44":2525,"5,45":2526,"5,46":2527,"5,47":2528,"5,48":2529,"5,49":2530,"5,50":2531,"5,51":2532,"5,52":2533,"5,53":2534,"5,54":2535,"5,55":2536,"5,56":2537,"5,57":2538,"5,58":2539,"5,59":2540,"5,60":2541,"5,61":2542,"5,62":2543,"5,63":2544,"5,64":2545,"5,65":2546,"5,66":2547,"5,67":2548,"5,68":2549,"5,69":2550,"5,70":2551,"5,71":2552,"5,72":2553,"5,73":2554,"5,74":2555,"5,75":2556,"5,76":2557,"5,77":2558,"5,78":2559,"5,79":2560,"5,80":2561,"5,81":2562,"5,82":2563,"5,83":2564,"5,84":2565,"5,85":2566,"5,86":2567,"5,87":2568,"5,88":2569,"5,89":2570,"5,90":2571,"5,91":2572,"5,92":2573,"5,93":2574,"5,94":2575,"5,95":2576,"5,96":2577,"5,97":2578,"5,98":2579,"5,99":2580,"5,100":2581,"5,101":2582,"5,102":2583,"5,103":2584,"5,104":2585,"5,105":2586,"5,106":2587,"5,107":2588,"5,108":2589,"5,109":2590,"5,110":2591,"5,111":2592,"5,112":2593,"5,113":2594,"5,114":2595,"5,115":2596,"5,116":2597,"5,117":2598,"5,118":2599,"5,119":2600,"5,120":2601,"5,121":2602,"5,122":2603,"5,123":2604,"5,124":2605,"5,125":2606,"5,126":2607,"5,127":2608,"5,128":2609,"5,129":2610,"5,130":2611,"5,131":2612,"5,132":2613,"5,133":2614,"5,134":2615,"5,135":2616,"5,136":2617,"5,137":2618,"5,138":2619,"5,139":2620,"5,140":2621,"5,141":2622,"5,142":2623,"5,143":2624,"5,144":2625,"5,145":2626,"5,146":2627,"5,147":2628,"5,148":2629,"5,149":2630,"5,150":2631,"5,151":2632,"5,152":2633,"5,153":2634,"5,154":2635,"5,155":2636,"5,156":2637,"5,157":2638,"5,158":2639,"5,159":2640,"5,160":2641,"5,161":2642,"5,162":2643,"5,163":2644,"5,164":2645,"5,165":2646,"5,166":2647,"5,167":2648,"5,168":2649,"5,169":2650,"5,170":2651,"5,171":2652,"5,172":2653,"5,173":2654,"5,174":2655,"5,175":2656,"5,176":2657,"5,177":2658,"5,178":2659,"5,179":2660,"5,180":2661,"5,181":2662,"5,182":2663,"5,183":2664,"5,184":2665,"5,185":2666,"5,186":2667,"5,187":2668,"5,188":2669,"5,189":2670,"5,190":2671,"5,191":2672,"5,192":2673,"5,193":2674,"5,194":2675,"5,195":2676,"5,196":2677,"5,197":2678,"5,198":2679,"5,199":2680,"5,200":2681,"5,201":2682,"5,202":2683,"5,203":2684,"5,204":2685,"5,205":2686,"5,206":2687,"5,207":2688,"5,208":2689,"5,209":2690,"5,210":2691,"5,211":2692,"5,212":2693,"5,213":2694,"5,214":2695,"5,215":2696,"5,216":2697,"5,217":2698,"5,218":2699,"5,219":2700,"5,220":2701,"5,221":2702,"5,222":2703,"5,223":2704,"5,224":2705,"5,225":2706,"5,226":2707,"5,227":2708,"5,228":2709,"5,229":2710,"5,230":2711,"5,231":2712,"5,232":2713,"5,233":2714,"5,234":2715,"5,235":2716,"5,236":2717,"5,237":2718,"5,238":2719,"5,239":2720,"5,240":2721,"5,241":2722,"5,242":2723,"5,243":2724,"5,244":2725,"5,245":2726,"5,246":2727,"5,247":2728,"5,248":2729,"5,249":2730,"5,250":2731,"5,251":2732,"5,252":2733,"5,253":2734,"5,254":2735,"5,255":2736,"5,256":2737,"5,257":2738,"5,258":2739,"5,259":2740,"5,260":2741,"5,261":2742,"5,262":2743,"5,263":2744,"5,264":2745,"5,265":2746,"5,266":2747,"5,267":2748,"5,269":2749,"5,271":2750,"5,272":2751,"5,273":2752,"5,274":2753,"5,275":2754,"5,276":2755,"5,277":2756,"5,278":2757,"5,279":2758,"5,280":2759,"5,281":2760,"5,282":2761,"5,283":2762,"5,284":2763,"5,285":2764,"5,286":2765,"5,287":2766,"5,288":2767,"5,289":2768,"5,290":2769,"5,291":2770,"5,292":2771,"5,293":2772,"5,294":2773,"5,295":2774,"5,296":2775,"5,297":2776,"5,298":2777,"5,299":2778,"5,300":2779,"5,301":2780,"5,302":2781,"5,303":2782,"5,304":2783,"5,305":2784,"5,306":2785,"5,307":2786,"5,308":2787,"5,309":2788,"5,310":2789,"5,311":2790,"5,312":2791,"5,313":2792,"5,314":2793,"5,315":2794,"5,316":2795,"5,317":2796,"5,318":2797,"5,319":2798,"5,320":2799,"5,321":2800,"5,322":2801,"5,323":2802,"5,324":2803,"5,325":2804,"5,326":2805,"5,327":2806,"5,328":2807,"5,329":2808,"5,330":2809,"5,331":2810,"5,332":2811,"5,333":2812,"5,334":2813,"5,335":2814,"5,336":2815,"5,337":2816,"5,338":2817,"5,339":2818,"5,340":2819,"5,341":2820,"5,342":2821,"5,343":2822,"5,344":2823,"5,345":2824,"5,346":2825,"5,347":2826,"5,348":2827,"5,349":2828,"5,350":2829,"5,351":2830,"5,352":2831,"5,353":2832,"5,354":2833,"5,355":2834,"5,356":2835,"5,357":2836,"5,358":2837,"5,359":2838,"5,360":2839,"5,361":2840,"5,362":2841,"5,363":2842,"5,364":2843,"5,365":2844,"5,366":2845,"5,367":2846,"5,368":2847,"5,369":2848,"5,370":2849,"5,371":2850,"5,372":2851,"5,373":2852,"5,374":2853,"5,375":2854,"5,376":2855,"5,377":2856,"5,378":2857,"5,379":2858,"5,380":2859,"5,381":2860,"5,382":2861,"5,383":2862,"5,384":2863,"5,385":2864,"5,386":2865,"5,387":2866,"5,388":2867,"5,389":2868,"5,390":2869,"5,391":2870,"5,392":2871,"5,393":2872,"5,394":2873,"5,395":2874,"5,396":2875,"5,397":2876,"5,398":2877,"5,399":2878,"5,400":2879,"5,401":2880,"5,402":2881,"5,403":2882,"5,404":2883,"5,405":2884,"5,406":2885,"5,407":2886,"5,408":2887,"5,409":2888,"5,410":2889,"5,411":2890,"5,412":2891,"5,413":2892,"5,414":2893,"5,415":2894,"5,416":2895,"5,417":2896,"5,418":2897,"5,419":2898,"5,420":2899,"5,421":2900,"5,422":2901,"5,423":2902,"5,424":2903,"5,425":2904,"5,426":2905,"5,427":2906,"5,428":2907,"5,429":2908,"5,430":2909,"5,431":2910,"5,432":2911,"5,433":2912,"5,434":2913,"5,435":2914,"5,436":2915,"5,437":2916,"5,438":2917,"5,439":2918,"5,440":2919,"5,441":2920,"5,442":2921,"5,443":2922,"5,444":2923,"5,445":2924,"5,446":2925,"5,447":2926,"5,448":2927,"5,449":2928,"5,450":2929,"5,451":2930,"5,452":2931,"5,453":2932,"5,454":2933,"5,455":2934,"5,456":2935,"5,457":2936,"5,458":2937,"5,459":2938,"5,460":2939,"5,461":2940,"5,462":2941,"5,463":2942,"5,464":2943,"5,465":2944,"5,466":2945,"5,467":2946,"5,468":2947,"5,469":2948,"5,470":2949,"5,471":2950,"5,472":2951,"5,473":2952,"5,474":2953,"5,475":2954,"5,476":2955,"5,477":2956,"5,478":2957,"5,479":2958,"5,480":2959,"5,481":2960,"5,482":2961,"5,483":2962,"5,484":2963,"5,485":2964,"5,487":2965,"5,489":2966,"5,490":2967,"5,491":2968,"5,492":2969,"5,493":2970,"5,494":2971,"5,495":2972,"5,496":2973,"5,497":2974,"5,498":2975,"5,499":2976,"5,500":2977,"5,501":2978,"5,502":2979,"5,503":2980,"5,504":2981,"5,505":2982,"5,506":2983,"5,507":2984,"5,508":2985,"5,509":2986,"5,510":2987,"5,511":2988,"5,512":2989,"5,513":2990,"5,514":2991,"5,515":2992,"5,516":2993,"5,517":2994,"5,518":2995,"5,519":2996,"5,520":2997,"5,521":2998,"5,522":2999,"5,523":3000,"5,524":3001,"5,525":3002,"5,526":3003,"5,527":3004,"5,528":3005,"5,529":3006,"5,530":3007,"5,531":3008,"5,532":3009,"5,533":3010,"5,534":3011,"5,535":3012,"5,536":3013,"5,537":3014,"5,538":3015,"5,539":3016,"5,540":3017,"5,541":3018,"5,542":3019,"5,543":3020,"5,544":3021,"5,545":3022,"5,546":3023,"5,547":3024,"5,548":3025,"5,549":3026,"5,550":3027,"5,551":3028,"5,552":3029,"5,553":3030,"5,554":3031,"5,555":3032,"5,556":3033,"5,557":3034,"5,558":3035,"5,559":3036,"5,560":3037,"5,561":3038,"5,562":3039,"5,563":3040,"5,564":3041,"5,565":3042,"5,566":3043,"5,567":3044,"5,568":3045,"5,569":3046,"5,570":3047,"5,571":3048,"5,572":3049,"5,573":3050,"5,574":3051,"5,575":3052,"5,576":3053,"5,577":3054,"5,578":3055,"5,579":3056,"5,580":3057,"5,581":3058,"5,582":3059,"5,583":3060,"5,584":3061,"5,585":3062,"5,586":3063,"5,587":3064,"5,588":3065,"5,589":3066,"5,590":3067,"5,591":3068,"5,592":3069,"5,593":3070,"5,594":3071,"5,595":3072,"5,596":3073,"5,597":3074,"5,598":3075,"5,599":3076,"5,600":3077,"5,601":3078,"5,602":3079,"5,603":3080,"5,604":3081,"5,605":3082,"5,606":3083,"5,607":3084,"5,608":3085,"5,609":3086,"5,610":3087,"5,611":3088,"5,612":3089,"5,613":3090,"5,614":3091,"5,615":3092,"5,616":3093,"5,617":3094,"5,618":3095,"5,619":3096,"5,620":3097,"5,621":3098,"5,622":3099,"5,623":3100,"5,624":3101,"5,625":3102,"5,626":3103,"5,627":3104,"5,628":3105,"5,629":3106,"5,630":3107,"5,631":3108,"5,632":3109,"5,633":3110,"5,634":3111,"5,635":3112,"5,636":3113,"5,637":3114,"5,638":3115,"5,639":3116,"5,640":3117,"5,641":3118,"5,642":3119,"5,643":3120,"5,644":3121,"5,645":3122,"5,646":3123,"5,647":3124,"5,648":3125,"5,649":3126,"5,650":3127,"5,651":3128,"5,652":3129,"5,653":3130,"5,654":3131,"5,655":3132,"5,656":3133,"5,657":3134,"5,658":3135,"5,659":3136,"5,660":3137,"5,661":3138,"5,662":3139,"5,663":3140,"5,664":3141,"5,665":3142,"5,666":3143,"5,667":3144,"5,668":3145,"5,669":3146,"5,670":3147,"5,671":3148,"5,672":3149,"5,673":3150,"5,674":3151,"5,675":3152,"5,676":3153,"5,677":3154,"5,678":3155,"5,679":3156,"5,680":3157,"5,681":3158,"5,682":3159,"5,683":3160,"5,684":3161,"5,685":3162,"5,686":3163,"5,687":3164,"5,688":3165,"5,689":3166,"5,690":3167,"5,691":3168,"5,692":3169,"5,693":3170,"5,695":3171,"5,696":3172,"5,697":3173,"5,698":3174,"5,699":3175,"5,700":3176,"5,701":3177,"5,702":3178,"5,703":3179,"5,704":3180,"5,705":3181,"5,706":3182,"5,707":3183,"5,708":3184,"5,709":3185,"5,710":3186,"5,711":3187,"5,712":3188,"5,713":3189,"5,714":3190,"5,715":3191,"5,716":3192,"5,717":3193,"6,1":3194,"6,2":3195,"6,3":3196,"6,4":3197,"6,5":3198,"6,7":3199,"6,8":3200,"6,9":3201,"6,10":3202,"6,11":3203,"6,12":3204,"6,13":3205,"6,14":3206,"6,15":3207,"6,16":3208,"6,17":3209,"6,18":3210,"6,19":3211,"6,20":3212,"6,21":3213,"6,22":3214,"6,23":3215,"6,24":3216,"6,25":3217,"6,26":3218,"6,27":3219,"6,28":3220,"6,29":3221,"6,30":3222,"6,31":3223,"6,32":3224,"6,33":3225,"6,34":3226,"6,35":3227,"6,36":3228,"6,37":3229,"6,38":3230,"6,39":3231,"6,40":3232,"6,41":3233,"6,42":3234,"6,43":3235,"6,44":3236,"6,45":3237,"6,46":3238,"6,47":3239,"6,48":3240,"6,49":3241,"6,50":3242,"6,51":3243,"6,52":3244,"6,53":3245,"6,54":3246,"6,55":3247,"6,56":3248,"6,57":3249,"6,58":3250,"6,59":3251,"6,60":3252,"6,61":3253,"6,62":3254,"6,63":3255,"6,64":3256,"6,65":3257,"6,66":3258,"6,67":3259,"6,68":3260,"6,69":3261,"6,70":3262,"6,71":3263,"6,72":3264,"6,73":3265,"6,74":3266,"6,75":3267,"6,76":3268,"6,77":3269,"6,78":3270,"6,79":3271,"6,80":3272,"6,81":3273,"6,82":3274,"6,83":3275,"6,84":3276,"6,85":3277,"6,86":3278,"6,87":3279,"6,88":3280,"6,89":3281,"6,90":3282,"6,91":3283,"6,92":3284,"6,93":3285,"6,94":3286,"6,95":3287,"6,96":3288,"6,97":3289,"6,98":3290,"6,99":3291,"6,100":3292,"6,101":3293,"6,102":3294,"6,103":3295,"6,104":3296,"6,105":3297,"6,106":3298,"6,107":3299,"6,108":3300,"6,109":3301,"6,110":3302,"6,111":3303,"6,112":3304,"6,113":3305,"6,114":3306,"6,115":3307,"6,116":3308,"6,117":3309,"6,118":3310,"6,119":3311,"6,120":3312,"6,121":3313,"6,122":3314,"6,123":3315,"6,124":3316,"6,125":3317,"6,126":3318,"6,127":3319,"6,128":3320,"6,129":3321,"6,130":3322,"6,131":3323,"6,132":3324,"6,133":3325,"6,134":3326,"6,135":3327,"6,136":3328,"6,137":3329,"6,138":3330,"6,139":3331,"6,140":3332,"6,141":3333,"6,142":3334,"6,143":3335,"6,144":3336,"6,145":3337,"6,146":3338,"6,147":3339,"6,148":3340,"6,149":3341,"6,150":3342,"6,151":3343,"6,152":3344,"6,153":3345,"6,154":3346,"6,155":3347,"6,156":3348,"6,157":3349,"6,158":3350,"6,159":3351,"6,160":3352,"6,161":3353,"6,162":3354,"6,163":3355,"6,164":3356,"6,165":3357,"6,166":3358,"6,167":3359,"6,168":3360,"6,169":3361,"6,170":3362,"6,171":3363,"6,172":3364,"6,173":3365,"6,174":3366,"6,175":3367,"6,176":3368,"6,177":3369,"6,178":3370,"6,179":3371,"6,180":3372,"6,181":3373,"6,182":3374,"6,183":3375,"6,184":3376,"6,185":3377,"6,186":3378,"6,187":3379,"6,188":3380,"6,189":3381,"6,190":3382,"6,191":3383,"6,192":3384,"6,193":3385,"6,194":3386,"6,195":3387,"6,196":3388,"6,197":3389,"6,198":3390,"6,199":3391,"6,200":3392,"6,201":3393,"6,202":3394,"6,203":3395,"6,204":3396,"6,205":3397,"6,206":3398,"6,207":3399,"6,208":3400,"6,209":3401,"6,210":3402,"6,211":3403,"6,212":3404,"6,213":3405,"6,214":3406,"6,215":3407,"6,216":3408,"6,217":3409,"6,219":3410,"6,220":3411,"6,221":3412,"6,222":3413,"6,223":3414,"6,224":3415,"6,225":3416,"6,226":3417,"6,227":3418,"6,228":3419,"6,229":3420,"6,230":3421,"6,231":3422,"6,232":3423,"6,233":3424,"6,234":3425,"6,235":3426,"6,236":3427,"6,237":3428,"6,239":3429,"6,240":3430,"6,241":3431,"6,242":3432,"6,243":3433,"6,244":3434,"6,245":3435,"6,246":3436,"6,247":3437,"6,248":3438,"6,249":3439,"6,250":3440,"6,251":3441,"6,252":3442,"6,253":3443,"6,254":3444,"6,255":3445,"6,256":3446,"6,257":3447,"6,258":3448,"6,259":3449,"6,260":3450,"6,261":3451,"6,262":3452,"6,263":3453,"6,264":3454,"6,265":3455,"6,266":3456,"6,267":3457,"6,269":3458,"6,271":3459,"6,272":3460,"6,273":3461,"6,274":3462,"6,275":3463,"6,276":3464,"6,277":3465,"6,278":3466,"6,279":3467,"6,280":3468,"6,281":3469,"6,282":3470,"6,283":3471,"6,284":3472,"6,285":3473,"6,286":3474,"6,287":3475,"6,288":3476,"6,289":3477,"6,290":3478,"6,291":3479,"6,292":3480,"6,293":3481,"6,294":3482,"6,295":3483,"6,296":3484,"6,297":3485,"6,298":3486,"6,299":3487,"6,300":3488,"6,301":3489,"6,302":3490,"6,303":3491,"6,304":3492,"6,305":3493,"6,306":3494,"6,307":3495,"6,308":3496,"6,309":3497,"6,310":3498,"6,311":3499,"6,312":3500,"6,313":3501,"6,314":3502,"6,315":3503,"6,316":3504,"6,317":3505,"6,318":3506,"6,319":3507,"6,320":3508,"6,321":3509,"6,322":3510,"6,323":3511,"6,324":3512,"6,325":3513,"6,326":3514,"6,327":3515,"6,328":3516,"6,329":3517,"6,330":3518,"6,331":3519,"6,332":3520,"6,333":3521,"6,334":3522,"6,335":3523,"6,336":3524,"6,337":3525,"6,338":3526,"6,339":3527,"6,340":3528,"6,341":3529,"6,342":3530,"6,343":3531,"6,344":3532,"6,345":3533,"6,346":3534,"6,347":3535,"6,348":3536,"6,349":3537,"6,350":3538,"6,351":3539,"6,352":3540,"6,353":3541,"6,354":3542,"6,355":3543,"6,356":3544,"6,357":3545,"6,358":3546,"6,359":3547,"6,360":3548,"6,361":3549,"6,362":3550,"6,363":3551,"6,365":3552,"6,366":3553,"6,367":3554,"6,368":3555,"6,369":3556,"6,370":3557,"6,371":3558,"6,372":3559,"6,373":3560,"6,374":3561,"6,375":3562,"6,376":3563,"6,377":3564,"6,378":3565,"6,379":3566,"6,380":3567,"6,381":3568,"6,382":3569,"6,383":3570,"6,384":3571,"6,385":3572,"6,386":3573,"6,387":3574,"6,388":3575,"6,389":3576,"6,390":3577,"6,391":3578,"6,392":3579,"6,393":3580,"6,394":3581,"6,395":3582,"6,396":3583,"6,397":3584,"6,398":3585,"6,399":3586,"6,400":3587,"6,401":3588,"6,402":3589,"6,403":3590,"6,404":3591,"6,405":3592,"6,406":3593,"6,407":3594,"6,408":3595,"6,409":3596,"6,410":3597,"6,411":3598,"6,412":3599,"6,413":3600,"6,414":3601,"6,415":3602,"6,416":3603,"6,417":3604,"6,418":3605,"6,419":3606,"6,420":3607,"6,421":3608,"6,422":3609,"6,423":3610,"6,424":3611,"6,425":3612,"6,426":3613,"6,427":3614,"6,428":3615,"6,429":3616,"6,430":3617,"6,431":3618,"6,432":3619,"6,433":3620,"6,434":3621,"6,435":3622,"6,436":3623,"6,437":3624,"6,438":3625,"6,439":3626,"6,440":3627,"6,441":3628,"6,442":3629,"6,443":3630,"6,444":3631,"6,445":3632,"6,447":3633,"6,448":3634,"6,449":3635,"6,450":3636,"6,451":3637,"6,452":3638,"6,453":3639,"6,454":3640,"6,455":3641,"6,456":3642,"6,457":3643,"6,458":3644,"6,459":3645,"6,460":3646,"6,461":3647,"6,462":3648,"6,463":3649,"6,464":3650,"6,465":3651,"6,466":3652,"6,467":3653,"6,468":3654,"6,469":3655,"6,470":3656,"6,471":3657,"6,472":3658,"6,473":3659,"6,474":3660,"6,475":3661,"6,476":3662,"6,477":3663,"6,478":3664,"6,479":3665,"6,480":3666,"6,481":3667,"6,482":3668,"6,483":3669,"6,484":3670,"6,485":3671,"6,486":3672,"6,487":3673,"6,488":3674,"6,489":3675,"6,490":3676,"6,491":3677,"6,492":3678,"6,493":3679,"6,494":3680,"6,495":3681,"6,496":3682,"6,497":3683,"6,498":3684,"6,499":3685,"6,500":3686,"6,501":3687,"6,502":3688,"6,503":3689,"6,504":3690,"6,505":3691,"6,506":3692,"6,507":3693,"6,508":3694,"6,509":3695,"6,510":3696,"6,511":3697,"6,512":3698,"6,513":3699,"6,514":3700,"6,515":3701,"6,516":3702,"6,517":3703,"6,518":3704,"6,519":3705,"6,520":3706,"6,521":3707,"6,522":3708,"6,523":3709,"6,524":3710,"6,525":3711,"6,526":3712,"6,527":3713,"6,529":3714,"6,531":3715,"6,532":3716,"6,533":3717,"6,534":3718,"6,535":3719,"6,536":3720,"6,537":3721,"6,538":3722,"6,539":3723,"6,540":3724,"6,541":3725,"6,542":3726,"6,543":3727,"6,544":3728,"6,545":3729,"6,546":3730,"6,547":3731,"6,548":3732,"6,549":3733,"6,550":3734,"6,551":3735,"6,552":3736,"6,553":3737,"6,554":3738,"6,555":3739,"6,556":3740,"6,557":3741,"6,558":3742,"6,559":3743,"6,560":3744,"6,561":3745,"6,562":3746,"6,563":3747,"6,564":3748,"6,565":3749,"6,566":3750,"6,567":3751,"6,568":3752,"6,569":3753,"6,570":3754,"6,571":3755,"6,572":3756,"6,573":3757,"6,574":3758,"6,575":3759,"6,576":3760,"6,577":3761,"6,578":3762,"6,579":3763,"6,580":3764,"6,581":3765,"6,582":3766,"6,583":3767,"6,584":3768,"6,585":3769,"6,586":3770,"6,587":3771,"6,588":3772,"6,589":3773,"6,590":3774,"6,591":3775,"6,592":3776,"6,593":3777,"6,594":3778,"6,595":3779,"6,596":3780,"6,597":3781,"6,598":3782,"6,599":3783,"6,600":3784,"6,601":3785,"6,602":3786,"6,603":3787,"6,604":3788,"6,605":3789,"6,606":3790,"6,607":3791,"6,608":3792,"6,609":3793,"6,610":3794,"6,611":3795,"6,612":3796,"6,613":3797,"6,614":3798,"6,615":3799,"6,616":3800,"6,617":3801,"6,618":3802,"6,619":3803,"6,620":3804,"6,621":3805,"6,622":3806,"6,623":3807,"6,624":3808,"6,625":3809,"6,626":3810,"6,627":3811,"6,628":3812,"6,629":3813,"6,630":3814,"6,631":3815,"6,632":3816,"6,633":3817,"6,634":3818,"6,635":3819,"6,636":3820,"6,637":3821,"6,638":3822,"6,639":3823,"6,640":3824,"6,641":3825,"6,642":3826,"6,643":3827,"6,644":3828,"6,645":3829,"6,646":3830,"6,647":3831,"6,648":3832,"6,649":3833,"6,650":3834,"6,651":3835,"6,652":3836,"6,653":3837,"6,654":3838,"6,655":3839,"6,656":3840,"6,657":3841,"6,658":3842,"6,659":3843,"6,660":3844,"6,661":3845,"7,1":3846,"7,2":3847,"7,3":3848,"7,4":3849,"7,5":3850,"7,6":3851,"7,7":3852,"7,8":3853,"7,9":3854,"7,10":3855,"7,11":3856,"7,12":3857,"7,13":3858,"7,14":3859,"7,15":3860,"7,16":3861,"7,17":3862,"7,18":3863,"7,19":3864,"7,20":3865,"7,21":3866,"7,22":3867,"7,23":3868,"7,24":3869,"7,25":3870,"7,26":3871,"7,27":3872,"7,28":3873,"7,29":3874,"7,30":3875,"7,31":3876,"7,32":3877,"7,33":3878,"7,34":3879,"7,35":3880,"7,36":3881,"7,37":3882,"7,38":3883,"7,39":3884,"7,40":3885,"7,41":3886,"7,42":3887,"7,43":3888,"7,44":3889,"7,45":3890,"7,46":3891,"7,47":3892,"7,48":3893,"7,49":3894,"7,50":3895,"7,51":3896,"7,52":3897,"7,53":3898,"7,54":3899,"7,55":3900,"7,56":3901,"7,57":3902,"7,58":3903,"7,59":3904,"7,60":3905,"7,61":3906,"7,62":3907,"7,63":3908,"7,64":3909,"7,65":3910,"7,66":3911,"7,67":3912,"7,68":3913,"7,69":3914,"7,70":3915,"7,71":3916,"7,72":3917,"7,73":3918,"7,74":3919,"7,75":3920,"7,76":3921,"7,77":3922,"7,78":3923,"7,79":3924,"7,80":3925,"7,81":3926,"7,82":3927,"7,83":3928,"7,84":3929,"7,85":3930,"7,86":3931,"7,87":3932,"7,88":3933,"7,89":3934,"7,90":3935,"7,91":3936,"7,92":3937,"7,93":3938,"7,94":3939,"7,95":3940,"7,96":3941,"7,97":3942,"7,98":3943,"7,99":3944,"7,100":3945,"7,101":3946,"7,102":3947,"7,103":3948,"7,104":3949,"7,105":3950,"7,106":3951,"7,107":3952,"7,108":3953,"7,109":3954,"7,110":3955,"7,111":3956,"7,112":3957,"7,113":3958,"7,114":3959,"7,115":3960,"7,116":3961,"7,117":3962,"7,118":3963,"7,119":3964,"7,120":3965,"7,121":3966,"7,122":3967,"7,123":3968,"7,124":3969,"7,125":3970,"7,126":3971,"7,127":3972,"7,128":3973,"7,129":3974,"7,130":3975,"7,131":3976,"7,132":3977,"7,133":3978,"7,134":3979,"7,135":3980,"7,136":3981,"7,137":3982,"7,138":3983,"7,139":3984,"7,140":3985,"7,141":3986,"7,142":3987,"7,143":3988,"7,144":3989,"7,145":3990,"7,146":3991,"7,147":3992,"7,148":3993,"7,149":3994,"7,151":3995,"7,152":3996,"7,153":3997,"7,154":3998,"7,155":3999,"7,156":4000,"7,157":4001,"7,158":4002,"7,159":4003,"7,160":4004,"7,161":4005,"7,162":4006,"7,163":4007,"7,164":4008,"7,165":4009,"7,166":4010,"7,167":4011,"7,168":4012,"7,169":4013,"7,170":4014,"7,171":4015,"7,172":4016,"7,173":4017,"7,174":4018,"7,175":4019,"7,176":4020,"7,177":4021,"7,178":4022,"7,179":4023,"7,180":4024,"7,181":4025,"7,182":4026,"7,183":4027,"7,184":4028,"7,185":4029,"7,186":4030,"7,187":4031,"7,188":4032,"7,189":4033,"7,190":4034,"7,191":4035,"7,192":4036,"7,193":4037,"7,194":4038,"7,195":4039,"7,196":4040,"7,197":4041,"7,198":4042,"7,199":4043,"7,200":4044,"7,201":4045,"7,202":4046,"7,203":4047,"7,204":4048,"7,205":4049,"7,206":4050,"7,207":4051,"7,208":4052,"7,209":4053,"7,210":4054,"7,211":4055,"7,212":4056,"7,213":4057,"7,214":4058,"7,215":4059,"7,216":4060,"7,217":4061,"7,218":4062,"7,219":4063,"7,220":4064,"7,221":4065,"7,223":4066,"7,225":4067,"7,226":4068,"7,227":4069,"7,228":4070,"7,229":4071,"7,230":4072,"7,231":4073,"7,232":4074,"7,233":4075,"7,234":4076,"7,235":4077,"7,236":4078,"7,237":4079,"7,238":4080,"7,239":4081,"7,240":4082,"7,241":4083,"7,242":4084,"7,243":4085,"7,244":4086,"7,245":4087,"7,246":4088,"7,247":4089,"7,248":4090,"7,249":4091,"7,250":4092,"7,251":4093,"7,252":4094,"7,253":4095,"7,254":4096,"7,255":4097,"7,256":4098,"7,257":4099,"7,258":4100,"7,259":4101,"7,260":4102,"7,261":4103,"7,262":4104,"7,263":4105,"7,264":4106,"7,265":4107,"7,266":4108,"7,267":4109,"7,268":4110,"7,269":4111,"7,270":4112,"7,271":4113,"7,272":4114,"7,273":4115,"7,274":4116,"7,275":4117,"7,276":4118,"7,277":4119,"7,278":4120,"7,279":4121,"7,280":4122,"7,281":4123,"7,282":4124,"7,283":4125,"7,284":4126,"7,285":4127,"7,286":4128,"7,287":4129,"7,288":4130,"7,289":4131,"7,290":4132,"7,291":4133,"7,292":4134,"7,293":4135,"7,294":4136,"7,295":4137,"7,296":4138,"7,297":4139,"7,298":4140,"7,299":4141,"7,300":4142,"7,301":4143,"7,302":4144,"7,303":4145,"7,304":4146,"7,305":4147,"7,306":4148,"7,307":4149,"7,308":4150,"7,309":4151,"7,310":4152,"7,311":4153,"7,312":4154,"7,313":4155,"7,314":4156,"7,315":4157,"7,316":4158,"7,317":4159,"7,318":4160,"7,319":4161,"7,320":4162,"7,321":4163,"7,322":4164,"7,323":4165,"7,324":4166,"7,325":4167,"7,326":4168,"7,327":4169,"7,328":4170,"7,329":4171,"7,331":4172,"7,332":4173,"7,333":4174,"7,334":4175,"7,335":4176,"7,336":4177,"7,337":4178,"7,338":4179,"7,339":4180,"7,340":4181,"7,341":4182,"7,342":4183,"7,343":4184,"7,344":4185,"7,345":4186,"7,346":4187,"7,347":4188,"7,348":4189,"7,349":4190,"7,350":4191,"7,351":4192,"7,352":4193,"7,353":4194,"7,354":4195,"7,355":4196,"7,356":4197,"7,357":4198,"7,358":4199,"7,359":4200,"7,360":4201,"7,361":4202,"7,362":4203,"7,363":4204,"7,364":4205,"7,365":4206,"7,366":4207,"7,367":4208,"7,368":4209,"7,369":4210,"7,370":4211,"7,371":4212,"7,372":4213,"7,373":4214,"7,374":4215,"7,375":4216,"7,376":4217,"7,377":4218,"7,378":4219,"7,379":4220,"7,380":4221,"7,381":4222,"7,382":4223,"7,383":4224,"7,384":4225,"7,385":4226,"7,386":4227,"7,387":4228,"7,388":4229,"7,389":4230,"7,390":4231,"7,391":4232,"7,392":4233,"7,393":4234,"7,394":4235,"7,395":4236,"7,396":4237,"7,397":4238,"7,398":4239,"7,399":4240,"7,400":4241,"7,401":4242,"7,402":4243,"7,403":4244,"7,404":4245,"7,405":4246,"7,406":4247,"7,407":4248,"7,408":4249,"7,409":4250,"7,410":4251,"7,411":4252,"7,412":4253,"7,413":4254,"7,414":4255,"7,415":4256,"7,416":4257,"7,417":4258,"7,418":4259,"7,419":4260,"7,420":4261,"7,421":4262,"7,422":4263,"7,423":4264,"7,424":4265,"7,425":4266,"7,426":4267,"7,427":4268,"7,428":4269,"7,429":4270,"7,430":4271,"7,431":4272,"7,432":4273,"7,433":4274,"7,434":4275,"7,435":4276,"7,436":4277,"7,437":4278,"7,438":4279,"7,439":4280,"7,440":4281,"7,441":4282,"7,442":4283,"7,443":4284,"7,444":4285,"7,445":4286,"7,446":4287,"7,447":4288,"7,448":4289,"7,449":4290,"7,450":4291,"7,451":4292,"7,452":4293,"7,453":4294,"7,454":4295,"7,455":4296,"7,456":4297,"7,457":4298,"7,458":4299,"7,459":4300,"7,460":4301,"7,461":4302,"7,462":4303,"7,463":4304,"7,464":4305,"7,465":4306,"7,466":4307,"7,467":4308,"7,468":4309,"7,469":4310,"7,471":4311,"7,473":4312,"7,474":4313,"7,475":4314,"7,476":4315,"7,477":4316,"7,478":4317,"7,479":4318,"7,480":4319,"7,481":4320,"7,482":4321,"7,483":4322,"7,484":4323,"7,485":4324,"7,486":4325,"7,487":4326,"7,488":4327,"7,489":4328,"7,490":4329,"7,491":4330,"7,492":4331,"7,493":4332,"7,494":4333,"7,495":4334,"7,496":4335,"7,497":4336,"7,498":4337,"7,499":4338,"7,500":4339,"7,501":4340,"7,502":4341,"7,503":4342,"7,504":4343,"7,505":4344,"7,506":4345,"7,507":4346,"7,508":4347,"7,509":4348,"7,510":4349,"7,511":4350,"7,512":4351,"7,513":4352,"7,514":4353,"7,515":4354,"7,516":4355,"7,517":4356,"7,518":4357,"7,519":4358,"7,520":4359,"7,521":4360,"7,522":4361,"7,523":4362,"7,524":4363,"7,525":4364,"7,526":4365,"7,527":4366,"7,528":4367,"7,529":4368,"7,530":4369,"7,531":4370,"7,532":4371,"7,533":4372,"7,534":4373,"7,535":4374,"7,536":4375,"7,537":4376,"7,538":4377,"7,539":4378,"7,540":4379,"7,541":4380,"7,542":4381,"7,543":4382,"7,544":4383,"7,545":4384,"7,546":4385,"7,547":4386,"7,548":4387,"7,549":4388,"7,550":4389,"7,551":4390,"7,552":4391,"7,553":4392,"7,554":4393,"7,555":4394,"7,557":4395,"7,558":4396,"7,559":4397,"7,560":4398,"7,561":4399,"7,562":4400,"7,563":4401,"7,564":4402,"7,565":4403,"7,566":4404,"7,567":4405,"7,568":4406,"7,569":4407,"7,570":4408,"7,571":4409,"7,572":4410,"7,573":4411,"7,574":4412,"7,575":4413,"7,576":4414,"7,577":4415,"7,578":4416,"7,579":4417,"7,580":4418,"7,581":4419,"7,582":4420,"7,583":4421,"7,584":4422,"7,585":4423,"7,586":4424,"7,587":4425,"7,588":4426,"7,589":4427,"7,590":4428,"7,591":4429,"7,592":4430,"7,593":4431,"7,594":4432,"8,1":4433,"8,2":4434,"8,3":4435,"8,4":4436,"8,5":4437,"8,7":4438,"8,8":4439,"8,9":4440,"8,10":4441,"8,11":4442,"8,12":4443,"8,13":4444,"8,14":4445,"8,15":4446,"8,16":4447,"8,17":4448,"8,18":4449,"8,19":4450,"8,20":4451,"8,21":4452,"8,22":4453,"8,23":4454,"8,24":4455,"8,25":4456,"8,26":4457,"8,27":4458,"8,28":4459,"8,29":4460,"8,30":4461,"8,31":4462,"8,32":4463,"8,33":4464,"8,34":4465,"8,35":4466,"8,36":4467,"8,37":4468,"8,38":4469,"8,39":4470,"8,40":4471,"8,41":4472,"8,42":4473,"8,43":4474,"8,44":4475,"8,45":4476,"8,46":4477,"8,47":4478,"8,48":4479,"8,49":4480,"8,50":4481,"8,51":4482,"8,52":4483,"8,53":4484,"8,54":4485,"8,55":4486,"8,56":4487,"8,57":4488,"8,58":4489,"8,59":4490,"8,60":4491,"8,61":4492,"8,62":4493,"8,63":4494,"8,64":4495,"8,65":4496,"8,66":4497,"8,67":4498,"8,68":4499,"8,69":4500,"8,70":4501,"8,71":4502,"8,72":4503,"8,73":4504,"8,74":4505,"8,75":4506,"8,76":4507,"8,77":4508,"8,78":4509,"8,79":4510,"8,80":4511,"8,81":4512,"8,82":4513,"8,83":4514,"8,84":4515,"8,85":4516,"8,86":4517,"8,87":4518,"8,88":4519,"8,89":4520,"8,90":4521,"8,91":4522,"8,92":4523,"8,93":4524,"8,94":4525,"8,95":4526,"8,96":4527,"8,97":4528,"8,98":4529,"8,99":4530,"8,100":4531,"8,101":4532,"8,102":4533,"8,103":4534,"8,104":4535,"8,105":4536,"8,106":4537,"8,107":4538,"8,108":4539,"8,109":4540,"8,110":4541,"8,111":4542,"8,112":4543,"8,113":4544,"8,114":4545,"8,115":4546,"8,116":4547,"8,117":4548,"8,118":4549,"8,119":4550,"8,120":4551,"8,121":4552,"8,122":4553,"8,123":4554,"8,124":4555,"8,125":4556,"8,126":4557,"8,127":4558,"8,128":4559,"8,129":4560,"8,130":4561,"8,131":4562,"8,132":4563,"8,133":4564,"8,134":4565,"8,135":4566,"8,136":4567,"8,137":4568,"8,138":4569,"8,139":4570,"8,140":4571,"8,141":4572,"8,142":4573,"8,143":4574,"8,144":4575,"8,145":4576,"8,146":4577,"8,147":4578,"8,148":4579,"8,149":4580,"8,150":4581,"8,151":4582,"8,152":4583,"8,153":4584,"8,154":4585,"8,155":4586,"8,156":4587,"8,157":4588,"8,158":4589,"8,159":4590,"8,160":4591,"8,161":4592,"8,162":4593,"8,163":4594,"8,164":4595,"8,165":4596,"8,166":4597,"8,167":4598,"8,168":4599,"8,169":4600,"8,170":4601,"8,171":4602,"8,172":4603,"8,173":4604,"8,174":4605,"8,175":4606,"8,176":4607,"8,177":4608,"8,178":4609,"8,179":4610,"8,180":4611,"8,181":4612,"8,182":4613,"8,183":4614,"8,184":4615,"8,185":4616,"8,186":4617,"8,187":4618,"8,188":4619,"8,189":4620,"8,190":4621,"8,191":4622,"8,192":4623,"8,193":4624,"8,194":4625,"8,195":4626,"8,196":4627,"8,197":4628,"8,198":4629,"8,199":4630,"8,200":4631,"8,201":4632,"8,202":4633,"8,203":4634,"8,204":4635,"8,205":4636,"8,206":4637,"8,207":4638,"8,208":4639,"8,209":4640,"8,210":4641,"8,211":4642,"8,212":4643,"8,213":4644,"8,214":4645,"8,215":4646,"8,216":4647,"8,217":4648,"8,218":4649,"8,219":4650,"8,220":4651,"8,221":4652,"8,222":4653,"8,223":4654,"8,224":4655,"8,225":4656,"8,226":4657,"8,227":4658,"8,228":4659,"8,229":4660,"8,230":4661,"8,231":4662,"8,232":4663,"8,233":4664,"8,234":4665,"8,235":4666,"8,236":4667,"8,237":4668,"8,238":4669,"8,239":4670,"8,240":4671,"8,241":4672,"8,242":4673,"8,243":4674,"8,244":4675,"8,245":4676,"8,246":4677,"8,247":4678,"8,248":4679,"8,249":4680,"8,250":4681,"8,251":4682,"8,252":4683,"8,253":4684,"8,254":4685,"8,255":4686,"8,256":4687,"8,257":4688,"8,258":4689,"8,259":4690,"8,260":4691,"8,261":4692,"8,262":4693,"8,263":4694,"8,264":4695,"8,265":4696,"8,266":4697,"8,267":4698,"8,268":4699,"8,269":4700,"8,270":4701,"8,271":4702,"8,272":4703,"8,273":4704,"8,274":4705,"8,275":4706,"8,276":4707,"8,277":4708,"8,278":4709,"8,279":4710,"8,280":4711,"8,281":4712,"8,282":4713,"8,283":4714,"8,284":4715,"8,285":4716,"8,286":4717,"8,287":4718,"8,288":4719,"8,289":4720,"8,290":4721,"8,291":4722,"8,292":4723,"8,293":4724,"8,294":4725,"8,295":4726,"8,296":4727,"8,297":4728,"8,298":4729,"8,299":4730,"8,300":4731,"8,301":4732,"8,302":4733,"8,303":4734,"8,304":4735,"8,305":4736,"8,306":4737,"8,307":4738,"8,308":4739,"8,309":4740,"8,310":4741,"8,311":4742,"8,312":4743,"8,313":4744,"8,314":4745,"8,315":4746,"8,316":4747,"8,317":4748,"8,318":4749,"8,319":4750,"8,320":4751,"8,321":4752,"8,322":4753,"8,323":4754,"8,324":4755,"8,325":4756,"8,326":4757,"8,327":4758,"8,328":4759,"8,329":4760,"8,330":4761,"8,331":4762,"8,332":4763,"8,333":4764,"8,334":4765,"8,335":4766,"8,336":4767,"8,337":4768,"8,338":4769,"8,339":4770,"8,340":4771,"8,341":4772,"8,342":4773,"8,343":4774,"8,344":4775,"8,345":4776,"8,346":4777,"8,347":4778,"8,348":4779,"8,349":4780,"8,350":4781,"8,351":4782,"8,352":4783,"8,353":4784,"8,354":4785,"8,355":4786,"8,356":4787,"8,357":4788,"8,358":4789,"8,359":4790,"8,360":4791,"8,361":4792,"8,362":4793,"8,363":4794,"8,364":4795,"8,365":4796,"8,366":4797,"8,367":4798,"8,368":4799,"8,369":4800,"8,370":4801,"8,371":4802,"8,372":4803,"8,373":4804,"8,374":4805,"8,375":4806,"8,376":4807,"8,377":4808,"8,378":4809,"8,379":4810,"8,380":4811,"8,381":4812,"8,382":4813,"8,383":4814,"8,384":4815,"8,385":4816,"8,386":4817,"8,387":4818,"8,388":4819,"8,389":4820,"8,390":4821,"8,391":4822,"8,392":4823,"8,393":4824,"8,395":4825,"8,396":4826,"8,397":4827,"8,398":4828,"8,399":4829,"8,400":4830,"8,401":4831,"8,402":4832,"8,403":4833,"8,404":4834,"8,405":4835,"8,406":4836,"8,407":4837,"8,408":4838,"8,409":4839,"8,410":4840,"8,411":4841,"8,412":4842,"8,413":4843,"8,414":4844,"8,415":4845,"8,416":4846,"8,417":4847,"8,418":4848,"8,419":4849,"8,420":4850,"8,421":4851,"8,422":4852,"8,423":4853,"8,424":4854,"8,425":4855,"8,426":4856,"8,427":4857,"8,428":4858,"8,429":4859,"8,430":4860,"8,431":4861,"8,432":4862,"8,433":4863,"8,434":4864,"8,435":4865,"8,436":4866,"8,437":4867,"8,438":4868,"8,439":4869,"8,440":4870,"8,441":4871,"8,442":4872,"8,443":4873,"8,444":4874,"8,445":4875,"8,446":4876,"8,447":4877,"8,448":4878,"8,449":4879,"8,450":4880,"8,451":4881,"8,452":4882,"8,453":4883,"8,454":4884,"8,455":4885,"8,456":4886,"8,457":4887,"8,458":4888,"8,459":4889,"8,460":4890,"8,461":4891,"8,462":4892,"8,463":4893,"8,464":4894,"8,465":4895,"8,466":4896,"8,467":4897,"8,468":4898,"8,469":4899,"8,470":4900,"8,471":4901,"8,472":4902,"8,473":4903,"8,474":4904,"8,475":4905,"8,476":4906,"8,477":4907,"8,478":4908,"8,479":4909,"8,480":4910,"8,481":4911,"8,482":4912,"8,483":4913,"8,484":4914,"8,485":4915,"8,486":4916,"8,487":4917,"8,488":4918,"8,489":4919,"8,490":4920,"8,491":4921,"8,492":4922,"8,493":4923,"8,494":4924,"8,495":4925,"8,496":4926,"8,497":4927,"8,498":4928,"8,499":4929,"8,500":4930,"8,501":4931,"8,502":4932,"8,503":4933,"8,504":4934,"8,505":4935,"8,506":4936,"8,507":4937,"8,508":4938,"8,509":4939,"8,510":4940,"8,511":4941,"8,512":4942,"8,513":4943,"8,514":4944,"8,515":4945,"8,516":4946,"8,517":4947,"8,518":4948,"8,519":4949,"8,520":4950,"8,521":4951,"8,522":4952,"8,523":4953,"8,524":4954,"8,525":4955,"8,526":4956,"8,527":4957,"8,528":4958,"8,529":4959,"8,530":4960,"8,531":4961,"8,532":4962,"8,533":4963,"8,534":4964,"8,535":4965,"8,536":4966,"8,537":4967,"8,538":4968,"8,539":4969,"8,540":4970,"8,541":4971,"8,542":4972,"8,543":4973,"8,544":4974,"8,545":4975,"8,546":4976,"8,547":4977,"8,548":4978,"8,549":4979,"8,550":4980,"8,551":4981,"8,552":4982,"8,553":4983,"8,554":4984,"8,555":4985,"8,556":4986,"8,557":4987,"8,558":4988,"8,559":4989,"8,560":4990,"8,561":4991,"8,562":4992,"8,563":4993,"8,564":4994,"8,565":4995,"8,566":4996,"8,567":4997,"8,568":4998,"8,569":4999,"8,570":5000,"8,571":5001,"8,572":5002,"8,573":5003,"8,574":5004,"8,575":5005,"8,576":5006,"8,577":5007,"8,578":5008,"8,579":5009,"8,581":5010,"8,583":5011,"8,584":5012,"8,585":5013,"8,586":5014,"8,587":5015,"8,588":5016,"8,589":5017,"8,590":5018,"8,591":5019,"8,592":5020,"8,593":5021,"8,594":5022,"8,595":5023,"8,596":5024,"8,597":5025,"8,598":5026,"8,599":5027,"8,600":5028,"8,601":5029,"8,602":5030,"8,603":5031,"8,604":5032,"8,605":5033,"8,606":5034,"8,607":5035,"8,608":5036,"8,609":5037,"8,610":5038,"8,611":5039,"8,612":5040,"8,613":5041,"8,614":5042,"8,615":5043,"8,616":5044,"8,617":5045,"8,618":5046,"8,619":5047,"8,620":5048,"8,621":5049,"8,622":5050,"8,623":5051,"8,624":5052,"8,625":5053,"8,626":5054,"8,627":5055,"8,628":5056,"8,629":5057,"8,630":5058,"8,631":5059,"8,632":5060,"8,633":5061,"8,634":5062,"8,635":5063,"8,636":5064,"8,637":5065,"8,638":5066,"8,639":5067,"8,640":5068,"8,641":5069,"8,642":5070,"8,643":5071,"8,644":5072,"8,645":5073,"8,646":5074,"8,647":5075,"8,648":5076,"8,649":5077,"8,650":5078,"8,651":5079,"8,652":5080,"8,653":5081,"8,654":5082,"8,655":5083,"8,656":5084,"8,657":5085,"8,658":5086,"8,659":5087,"8,660":5088,"8,661":5089,"8,662":5090,"8,663":5091,"8,664":5092,"8,665":5093,"8,666":5094,"8,667":5095,"8,668":5096,"8,669":5097,"8,670":5098,"8,671":5099,"8,672":5100,"8,673":5101,"8,674":5102,"8,675":5103,"8,676":5104,"8,677":5105,"8,678":5106,"8,679":5107,"8,680":5108,"8,681":5109,"8,682":5110,"8,683":5111,"8,684":5112,"8,685":5113,"8,686":5114,"8,687":5115,"8,688":5116,"8,689":5117,"8,690":5118,"8,691":5119,"8,692":5120,"8,693":5121,"8,694":5122,"8,695":5123,"8,696":5124,"8,697":5125,"8,698":5126,"8,699":5127,"8,700":5128,"8,701":5129,"8,702":5130,"8,703":5131,"8,704":5132,"8,705":5133,"8,706":5134,"8,707":5135,"8,708":5136,"8,709":5137,"8,710":5138,"8,711":5139,"8,712":5140,"8,713":5141,"8,714":5142,"8,715":5143,"8,716":5144,"8,717":5145,"8,718":5146,"8,719":5147,"8,720":5148,"8,721":5149,"8,722":5150,"8,723":5151,"8,724":5152,"8,725":5153,"8,726":5154,"8,727":5155,"8,728":5156,"8,729":5157,"8,730":5158,"8,731":5159,"8,732":5160,"8,733":5161,"8,734":5162,"8,735":5163,"8,736":5164,"8,737":5165,"8,738":5166,"8,739":5167,"8,740":5168,"8,741":5169,"8,742":5170,"8,743":5171,"8,744":5172,"8,745":5173,"8,746":5174,"8,747":5175,"8,748":5176,"8,749":5177,"8,750":5178,"8,751":5179,"8,752":5180,"8,753":5181,"8,754":5182,"8,755":5183,"8,756":5184,"8,757":5185,"9,1":5186,"9,2":5187,"9,3":5188,"9,4":5189,"9,5":5190,"9,7":5191,"9,8":5192,"9,9":5193,"9,10":5194,"9,11":5195,"9,12":5196,"9,13":5197,"9,14":5198,"9,15":5199,"9,16":5200,"9,17":5201,"9,18":5202,"9,19":5203,"9,20":5204,"9,21":5205,"9,22":5206,"9,23":5207,"9,24":5208,"9,25":5209,"9,26":5210,"9,27":5211,"9,28":5212,"9,29":5213,"9,30":5214,"9,31":5215,"9,32":5216,"9,33":5217,"9,34":5218,"9,35":5219,"9,36":5220,"9,37":5221,"9,38":5222,"9,39":5223,"9,40":5224,"9,41":5225,"9,42":5226,"9,43":5227,"9,44":5228,"9,45":5229,"9,46":5230,"9,47":5231,"9,48":5232,"9,49":5233,"9,50":5234,"9,51":5235,"9,52":5236,"9,53":5237,"9,54":5238,"9,55":5239,"9,56":5240,"9,57":5241,"9,58":5242,"9,59":5243,"9,60":5244,"9,61":5245,"9,62":5246,"9,63":5247,"9,64":5248,"9,65":5249,"9,66":5250,"9,67":5251,"9,68":5252,"9,69":5253,"9,70":5254,"9,71":5255,"9,72":5256,"9,73":5257,"9,74":5258,"9,75":5259,"9,76":5260,"9,77":5261,"9,78":5262,"9,79":5263,"9,80":5264,"9,81":5265,"9,82":5266,"9,83":5267,"9,84":5268,"9,85":5269,"9,86":5270,"9,87":5271,"9,88":5272,"9,89":5273,"9,90":5274,"9,91":5275,"9,92":5276,"9,93":5277,"9,94":5278,"9,95":5279,"9,96":5280,"9,97":5281,"9,98":5282,"9,99":5283,"9,100":5284,"9,101":5285,"9,102":5286,"9,103":5287,"9,104":5288,"9,105":5289,"9,106":5290,"9,107":5291,"9,108":5292,"9,109":5293,"9,110":5294,"9,111":5295,"9,112":5296,"9,113":5297,"9,114":5298,"9,115":5299,"9,116":5300,"9,117":5301,"9,118":5302,"9,119":5303,"9,120":5304,"9,121":5305,"9,122":5306,"9,123":5307,"9,124":5308,"9,125":5309,"9,126":5310,"9,127":5311,"9,128":5312,"9,129":5313,"9,130":5314,"9,131":5315,"9,132":5316,"9,133":5317,"9,134":5318,"9,135":5319,"9,136":5320,"9,137":5321,"9,138":5322,"9,139":5323,"9,140":5324,"9,141":5325,"9,142":5326,"9,143":5327,"9,144":5328,"9,145":5329,"9,146":5330,"9,147":5331,"9,148":5332,"9,149":5333,"9,150":5334,"9,151":5335,"9,152":5336,"9,153":5337,"9,154":5338,"9,155":5339,"9,156":5340,"9,157":5341,"9,158":5342,"9,159":5343,"9,160":5344,"9,161":5345,"9,162":5346,"9,163":5347,"9,164":5348,"9,165":5349,"9,166":5350,"9,167":5351,"9,168":5352,"9,169":5353,"9,170":5354,"9,171":5355,"9,172":5356,"9,173":5357,"9,174":5358,"9,175":5359,"9,176":5360,"9,177":5361,"9,178":5362,"9,179":5363,"9,180":5364,"9,181":5365,"9,182":5366,"9,183":5367,"9,184":5368,"9,185":5369,"9,186":5370,"9,187":5371,"9,188":5372,"9,189":5373,"9,190":5374,"9,191":5375,"9,192":5376,"9,193":5377,"9,194":5378,"9,195":5379,"9,196":5380,"9,197":5381,"9,198":5382,"9,199":5383,"9,200":5384,"9,201":5385,"9,202":5386,"9,203":5387,"9,204":5388,"9,205":5389,"9,206":5390,"9,207":5391,"9,208":5392,"9,209":5393,"9,210":5394,"9,211":5395,"9,212":5396,"9,213":5397,"9,214":5398,"9,215":5399,"9,217":5400,"9,218":5401,"9,219":5402,"9,220":5403,"9,221":5404,"9,222":5405,"9,223":5406,"9,224":5407,"9,225":5408,"9,226":5409,"9,227":5410,"9,228":5411,"9,229":5412,"9,230":5413,"9,231":5414,"9,232":5415,"9,233":5416,"9,234":5417,"9,235":5418,"9,236":5419,"9,237":5420,"9,238":5421,"9,239":5422,"9,240":5423,"9,241":5424,"9,242":5425,"9,243":5426,"9,244":5427,"9,245":5428,"9,246":5429,"9,247":5430,"9,248":5431,"9,249":5432,"9,250":5433,"9,251":5434,"9,252":5435,"9,253":5436,"9,254":5437,"9,255":5438,"9,256":5439,"9,257":5440,"9,258":5441,"9,259":5442,"9,260":5443,"9,261":5444,"9,262":5445,"9,263":5446,"9,264":5447,"9,265":5448,"9,266":5449,"9,267":5450,"9,268":5451,"9,269":5452,"9,270":5453,"9,271":5454,"9,272":5455,"9,273":5456,"9,274":5457,"9,275":5458,"9,276":5459,"9,277":5460,"9,278":5461,"9,279":5462,"9,280":5463,"9,281":5464,"9,282":5465,"9,283":5466,"9,284":5467,"9,285":5468,"9,286":5469,"9,287":5470,"9,288":5471,"9,289":5472,"9,290":5473,"9,291":5474,"9,292":5475,"9,293":5476,"9,294":5477,"9,295":5478,"9,296":5479,"9,297":5480,"9,298":5481,"9,299":5482,"9,300":5483,"9,301":5484,"9,302":5485,"9,303":5486,"9,304":5487,"9,305":5488,"9,306":5489,"9,307":5490,"9,308":5491,"9,309":5492,"9,310":5493,"9,311":5494,"9,312":5495,"9,313":5496,"9,314":5497,"9,315":5498,"9,316":5499,"9,317":5500,"9,318":5501,"9,319":5502,"9,320":5503,"9,321":5504,"9,322":5505,"9,323":5506,"9,324":5507,"9,325":5508,"9,326":5509,"9,327":5510,"9,328":5511,"9,329":5512,"9,330":5513,"9,331":5514,"9,332":5515,"9,333":5516,"9,334":5517,"9,335":5518,"9,336":5519,"9,337":5520,"9,338":5521,"9,339":5522,"9,340":5523,"9,341":5524,"9,342":5525,"9,343":5526,"9,344":5527,"9,345":5528,"9,346":5529,"9,347":5530,"9,348":5531,"9,349":5532,"9,350":5533,"9,351":5534,"9,352":5535,"9,353":5536,"9,354":5537,"9,355":5538,"9,356":5539,"9,357":5540,"9,358":5541,"9,359":5542,"9,360":5543,"9,361":5544,"9,362":5545,"9,363":5546,"9,364":5547,"9,365":5548,"9,366":5549,"9,367":5550,"9,368":5551,"9,369":5552,"9,370":5553,"9,371":5554,"9,372":5555,"9,373":5556,"9,374":5557,"9,375":5558,"9,376":5559,"9,377":5560,"9,378":5561,"9,379":5562,"9,380":5563,"9,381":5564,"9,382":5565,"9,383":5566,"9,384":5567,"9,385":5568,"9,386":5569,"9,387":5570,"9,388":5571,"9,389":5572,"9,390":5573,"9,391":5574,"9,392":5575,"9,393":5576,"9,394":5577,"9,395":5578,"9,396":5579,"9,397":5580,"9,398":5581,"9,399":5582,"9,400":5583,"9,401":5584,"9,402":5585,"9,403":5586,"9,404":5587,"9,405":5588,"9,406":5589,"9,407":5590,"9,408":5591,"9,409":5592,"9,410":5593,"9,411":5594,"9,412":5595,"9,413":5596,"9,414":5597,"9,415":5598,"9,416":5599,"9,417":5600,"9,418":5601,"9,419":5602,"9,420":5603,"9,421":5604,"9,422":5605,"9,423":5606,"9,424":5607,"9,425":5608,"9,426":5609,"9,427":5610,"9,428":5611,"9,429":5612,"9,430":5613,"9,431":5614,"9,432":5615,"9,433":5616,"9,434":5617,"9,435":5618,"9,436":5619,"9,437":5620,"9,438":5621,"9,439":5622,"9,440":5623,"9,441":5624,"9,442":5625,"9,443":5626,"9,444":5627,"9,445":5628,"9,446":5629,"9,447":5630,"9,448":5631,"9,449":5632,"9,450":5633,"9,451":5634,"9,452":5635,"9,453":5636,"9,454":5637,"9,455":5638,"9,456":5639,"9,457":5640,"9,458":5641,"9,459":5642,"9,460":5643,"9,461":5644,"9,462":5645,"9,463":5646,"9,464":5647,"9,465":5648,"9,466":5649,"9,467":5650,"9,468":5651,"9,469":5652,"9,470":5653,"9,471":5654,"9,472":5655,"9,473":5656,"9,474":5657,"9,475":5658,"9,476":5659,"9,477":5660,"9,478":5661,"9,479":5662,"9,480":5663,"9,481":5664,"9,482":5665,"9,483":5666,"9,484":5667,"9,485":5668,"9,486":5669,"9,487":5670,"9,488":5671,"9,489":5672,"9,490":5673,"9,491":5674,"9,492":5675,"9,493":5676,"9,494":5677,"9,495":5678,"9,496":5679,"9,497":5680,"9,498":5681,"9,499":5682,"9,500":5683,"9,501":5684,"9,502":5685,"9,503":5686,"9,504":5687,"9,505":5688,"9,506":5689,"9,507":5690,"9,508":5691,"9,509":5692,"9,510":5693,"9,511":5694,"9,512":5695,"9,513":5696,"9,514":5697,"9,515":5698,"9,516":5699,"9,517":5700,"9,518":5701,"9,519":5702,"9,520":5703,"9,521":5704,"9,522":5705,"9,523":5706,"9,524":5707,"9,525":5708,"9,526":5709,"9,527":5710,"9,528":5711,"9,529":5712,"9,530":5713,"9,531":5714,"9,532":5715,"9,533":5716,"9,534":5717,"9,535":5718,"9,536":5719,"9,537":5720,"9,538":5721,"9,539":5722,"9,540":5723,"9,541":5724,"9,542":5725,"9,543":5726,"9,544":5727,"9,545":5728,"9,546":5729,"9,547":5730,"9,548":5731,"9,549":5732,"9,550":5733,"9,551":5734,"9,552":5735,"9,553":5736,"9,554":5737,"9,555":5738,"9,557":5739,"9,558":5740,"9,559":5741,"9,560":5742,"9,561":5743,"9,562":5744,"9,563":5745,"9,564":5746,"9,565":5747,"9,566":5748,"9,567":5749,"9,568":5750,"9,569":5751,"9,570":5752,"9,571":5753,"9,572":5754,"9,573":5755,"9,574":5756,"9,575":5757,"9,576":5758,"9,577":5759,"9,578":5760,"9,579":5761,"9,580":5762,"9,581":5763,"9,582":5764,"9,583":5765,"9,584":5766,"9,585":5767,"9,586":5768,"9,587":5769,"9,588":5770,"9,589":5771,"9,590":5772,"9,591":5773,"9,592":5774,"9,593":5775,"9,594":5776,"9,595":5777,"9,596":5778,"9,597":5779,"9,598":5780,"9,599":5781,"9,600":5782,"9,601":5783,"9,602":5784,"9,603":5785,"9,604":5786,"9,605":5787,"9,606":5788,"9,607":5789,"9,608":5790,"9,609":5791,"9,610":5792,"9,611":5793,"9,612":5794,"9,613":5795,"9,614":5796,"9,615":5797,"9,616":5798,"9,617":5799,"9,618":5800,"9,619":5801,"9,620":5802,"9,621":5803,"9,622":5804,"9,623":5805,"9,624":5806,"9,625":5807,"9,626":5808,"9,627":5809,"9,628":5810,"9,629":5811,"9,630":5812,"9,631":5813,"9,632":5814,"9,633":5815,"9,634":5816,"9,635":5817,"9,636":5818,"9,637":5819,"9,638":5820,"9,639":5821,"9,640":5822,"9,641":5823,"9,642":5824,"9,643":5825,"9,644":5826,"9,645":5827,"9,646":5828,"9,647":5829,"9,648":5830,"9,649":5831,"9,650":5832,"9,651":5833,"9,652":5834,"9,653":5835,"9,654":5836,"9,655":5837,"9,656":5838,"9,657":5839,"9,658":5840,"9,659":5841,"9,660":5842,"9,661":5843,"9,662":5844,"9,663":5845,"9,664":5846,"9,665":5847,"9,666":5848,"9,667":5849,"9,668":5850,"9,669":5851,"9,670":5852,"9,671":5853,"9,672":5854,"9,673":5855,"9,674":5856,"9,675":5857,"9,676":5858,"9,677":5859,"9,678":5860,"9,679":5861,"9,680":5862,"9,681":5863,"9,682":5864,"9,683":5865,"9,684":5866,"9,685":5867,"9,686":5868,"9,687":5869,"9,688":5870,"9,689":5871,"9,690":5872,"9,691":5873,"9,692":5874,"9,693":5875,"9,694":5876,"9,695":5877,"9,696":5878,"9,697":5879,"9,698":5880,"9,699":5881,"9,700":5882,"9,701":5883,"9,702":5884,"9,703":5885,"9,704":5886,"9,705":5887,"9,706":5888,"9,707":5889,"9,708":5890,"9,709":5891,"9,710":5892,"9,711":5893,"9,712":5894,"9,713":5895,"9,714":5896,"9,715":5897,"9,716":5898,"9,717":5899,"9,718":5900,"9,719":5901,"9,720":5902,"9,721":5903,"9,722":5904,"9,723":5905,"9,724":5906,"9,725":5907,"9,726":5908,"9,727":5909,"9,728":5910,"9,729":5911,"9,730":5912,"9,731":5913,"9,732":5914,"9,733":5915,"9,734":5916,"9,735":5917,"9,736":5918,"9,737":5919,"9,738":5920,"9,739":5921,"9,740":5922,"9,741":5923,"9,742":5924,"9,743":5925,"9,744":5926,"9,745":5927,"9,746":5928,"9,747":5929,"9,748":5930,"9,749":5931,"9,750":5932,"9,751":5933,"9,752":5934,"9,753":5935,"9,754":5936,"9,755":5937,"9,756":5938,"9,757":5939,"9,758":5940,"9,759":5941,"9,760":5942,"9,761":5943,"9,762":5944,"9,763":5945,"9,764":5946,"9,765":5947,"9,766":5948,"9,767":5949,"9,768":5950,"9,769":5951,"9,770":5952,"9,771":5953,"9,772":5954,"9,773":5955,"9,774":5956,"9,775":5957,"9,776":5958,"9,777":5959,"9,778":5960,"9,779":5961,"9,780":5962,"9,781":5963,"9,782":5964,"9,783":5965,"9,784":5966,"9,785":5967,"9,786":5968,"9,787":5969,"9,788":5970,"9,789":5971,"9,790":5972,"9,791":5973,"9,792":5974,"9,793":5975,"9,794":5976,"9,795":5977,"9,796":5978,"9,797":5979,"9,798":5980,"9,799":5981,"9,800":5982,"9,801":5983,"9,802":5984,"9,803":5985,"9,804":5986,"9,805":5987,"9,806":5988,"9,807":5989,"9,808":5990,"9,809":5991,"9,810":5992,"9,811":5993,"9,812":5994,"9,813":5995,"9,814":5996,"9,815":5997,"9,816":5998,"9,817":5999,"9,818":6000,"9,819":6001,"9,820":6002,"9,821":6003,"9,822":6004,"9,823":6005,"9,824":6006,"9,825":6007,"9,826":6008,"9,827":6009,"9,828":6010,"9,829":6011,"9,830":6012,"9,831":6013,"9,832":6014,"9,833":6015,"9,834":6016,"10,1":6017,"10,2":6018,"10,3":6019,"10,4":6020,"10,5":6021,"10,7":6022,"10,8":6023,"10,9":6024,"10,10":6025,"10,11":6026,"10,12":6027,"10,13":6028,"10,14":6029,"10,15":6030,"10,16":6031,"10,17":6032,"10,18":6033,"10,19":6034,"10,20":6035,"10,21":6036,"10,22":6037,"10,23":6038,"10,24":6039,"10,25":6040,"10,26":6041,"10,27":6042,"10,29":6043,"10,30":6044,"10,31":6045,"10,32":6046,"10,33":6047,"10,34":6048,"10,35":6049,"10,36":6050,"10,37":6051,"10,38":6052,"10,39":6053,"10,40":6054,"10,41":6055,"10,42":6056,"10,43":6057,"10,44":6058,"10,45":6059,"10,46":6060,"10,47":6061,"10,48":6062,"10,49":6063,"10,50":6064,"10,51":6065,"10,52":6066,"10,53":6067,"10,54":6068,"10,55":6069,"10,56":6070,"10,57":6071,"10,58":6072,"10,59":6073,"10,60":6074,"10,61":6075,"10,62":6076,"10,63":6077,"10,64":6078,"10,65":6079,"10,66":6080,"10,67":6081,"10,68":6082,"10,69":6083,"10,70":6084,"10,71":6085,"10,72":6086,"10,73":6087,"10,74":6088,"10,75":6089,"10,76":6090,"10,77":6091,"10,78":6092,"10,79":6093,"10,80":6094,"10,81":6095,"10,82":6096,"10,83":6097,"10,84":6098,"10,85":6099,"10,86":6100,"10,87":6101,"10,88":6102,"10,89":6103,"10,90":6104,"10,91":6105,"10,92":6106,"10,93":6107,"10,94":6108,"10,95":6109,"10,96":6110,"10,97":6111,"10,98":6112,"10,99":6113,"10,100":6114,"10,101":6115,"10,102":6116,"10,103":6117,"10,104":6118,"10,105":6119,"10,106":6120,"10,107":6121,"10,108":6122,"10,109":6123,"10,110":6124,"10,111":6125,"10,112":6126,"10,113":6127,"10,114":6128,"10,115":6129,"10,116":6130,"10,117":6131,"10,118":6132,"10,119":6133,"10,120":6134,"10,121":6135,"10,122":6136,"10,123":6137,"10,124":6138,"10,125":6139,"10,126":6140,"10,127":6141,"10,128":6142,"10,129":6143,"10,130":6144,"10,131":6145,"10,132":6146,"10,133":6147,"10,134":6148,"10,135":6149,"10,136":6150,"10,137":6151,"10,138":6152,"10,139":6153,"10,140":6154,"10,141":6155,"10,142":6156,"10,143":6157,"10,144":6158,"10,145":6159,"10,146":6160,"10,147":6161,"10,148":6162,"10,149":6163,"10,150":6164,"10,151":6165,"10,152":6166,"10,153":6167,"10,154":6168,"10,155":6169,"10,156":6170,"10,157":6171,"10,158":6172,"10,159":6173,"10,160":6174,"10,161":6175,"10,162":6176,"10,163":6177,"10,164":6178,"10,165":6179,"10,166":6180,"10,167":6181,"10,168":6182,"10,169":6183,"10,170":6184,"10,171":6185,"10,172":6186,"10,173":6187,"10,174":6188,"10,175":6189,"10,176":6190,"10,177":6191,"10,178":6192,"10,179":6193,"10,180":6194,"10,181":6195,"10,182":6196,"10,183":6197,"10,184":6198,"10,185":6199,"10,186":6200,"10,187":6201,"10,188":6202,"10,189":6203,"10,190":6204,"10,191":6205,"10,192":6206,"10,193":6207,"10,194":6208,"10,195":6209,"10,196":6210,"10,197":6211,"10,198":6212,"10,199":6213,"10,200":6214,"10,201":6215,"10,202":6216,"10,203":6217,"10,204":6218,"10,205":6219,"10,206":6220,"10,207":6221,"10,208":6222,"10,209":6223,"10,210":6224,"10,211":6225,"10,212":6226,"10,213":6227,"10,214":6228,"10,215":6229,"10,216":6230,"10,217":6231,"10,218":6232,"10,219":6233,"10,220":6234,"10,221":6235,"10,222":6236,"10,223":6237,"10,224":6238,"10,225":6239,"10,226":6240,"10,227":6241,"10,228":6242,"10,229":6243,"10,230":6244,"10,231":6245,"10,232":6246,"10,233":6247,"10,234":6248,"10,235":6249,"10,236":6250,"10,237":6251,"10,238":6252,"10,239":6253,"10,240":6254,"10,241":6255,"10,242":6256,"10,243":6257,"10,244":6258,"10,245":6259,"10,246":6260,"10,247":6261,"10,248":6262,"10,249":6263,"10,250":6264,"10,251":6265,"10,252":6266,"10,253":6267,"10,254":6268,"10,255":6269,"10,256":6270,"10,257":6271,"10,258":6272,"10,259":6273,"10,260":6274,"10,261":6275,"10,262":6276,"10,263":6277,"10,264":6278,"10,265":6279,"10,266":6280,"10,267":6281,"10,268":6282,"10,269":6283,"10,270":6284,"10,271":6285,"10,272":6286,"10,639":6287,"10,640":6288,"10,641":6289,"10,642":6290,"10,643":6291,"10,644":6292,"10,645":6293,"10,646":6294,"10,647":6295,"10,648":6296,"10,649":6297,"10,650":6298,"10,651":6299,"10,652":6300,"10,653":6301,"10,654":6302,"10,655":6303,"10,656":6304,"10,657":6305,"10,658":6306,"10,659":6307,"10,660":6308,"10,661":6309,"10,662":6310,"10,663":6311,"10,664":6312,"10,665":6313,"10,666":6314,"10,667":6315,"10,668":6316},"ٜ":{"1":[1,615],"2":[1,628],"3":[1,632],"4":[1,622],"5":[1,717],"6":[1,661],"7":[1,594],"8":[1,757],"9":[1,834],"10":[1,668]},"ٝ":["1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,67","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,191","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,515","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","2,1","2,2","2,3","2,4","2,5","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","3,1","3,2","3,3","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,514","3,515","3,516","3,517","3,518","3,519","3,520","3,521","3,522","3,523","3,524","3,525","3,526","3,527","3,528","3,529","3,530","3,531","3,532","3,533","3,534","3,535","3,536","3,537","3,538","3,539","3,540","3,541","3,542","3,543","3,544","3,545","3,546","3,547","3,548","3,549","3,550","3,551","3,552","3,553","3,554","3,555","3,556","3,557","3,558","3,559","3,560","3,561","3,562","3,563","3,564","3,565","3,566","3,567","3,568","3,569","3,570","3,571","3,572","3,573","3,574","3,575","3,576","3,577","3,578","3,579","3,580","3,581","3,582","3,583","3,584","3,585","3,586","3,587","3,588","3,589","3,590","3,591","3,592","3,593","3,594","3,595","3,596","3,597","3,598","3,599","3,600","3,601","3,602","3,603","3,604","3,605","3,606","3,607","3,608","3,609","3,610","3,611","3,612","3,613","3,614","3,615","3,616","3,617","3,618","3,619","3,620","3,621","3,622","3,623","3,624","3,625","3,626","3,627","3,628","3,629","3,630","3,631","3,632","4,1","4,2","4,3","4,4","4,5","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,393","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","4,502","4,503","4,504","4,505","4,506","4,507","4,508","4,509","4,510","4,511","4,512","4,513","4,514","4,515","4,516","4,517","4,518","4,519","4,520","4,521","4,522","4,523","4,524","4,525","4,526","4,527","4,529","4,530","4,531","4,532","4,533","4,534","4,535","4,536","4,537","4,538","4,539","4,540","4,541","4,542","4,543","4,544","4,545","4,546","4,547","4,548","4,549","4,550","4,551","4,552","4,553","4,554","4,555","4,556","4,557","4,558","4,559","4,560","4,561","4,562","4,563","4,564","4,565","4,566","4,567","4,568","4,569","4,570","4,571","4,572","4,573","4,574","4,575","4,576","4,577","4,578","4,579","4,580","4,581","4,582","4,583","4,584","4,585","4,586","4,587","4,588","4,589","4,590","4,591","4,592","4,593","4,594","4,595","4,596","4,597","4,598","4,599","4,600","4,601","4,602","4,603","4,604","4,605","4,606","4,607","4,608","4,609","4,610","4,611","4,612","4,613","4,614","4,615","4,616","4,617","4,618","4,619","4,620","4,621","4,622","5,1","5,2","5,3","5,4","5,5","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,269","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","5,393","5,394","5,395","5,396","5,397","5,398","5,399","5,400","5,401","5,402","5,403","5,404","5,405","5,406","5,407","5,408","5,409","5,410","5,411","5,412","5,413","5,414","5,415","5,416","5,417","5,418","5,419","5,420","5,421","5,422","5,423","5,424","5,425","5,426","5,427","5,428","5,429","5,430","5,431","5,432","5,433","5,434","5,435","5,436","5,437","5,438","5,439","5,440","5,441","5,442","5,443","5,444","5,445","5,446","5,447","5,448","5,449","5,450","5,451","5,452","5,453","5,454","5,455","5,456","5,457","5,458","5,459","5,460","5,461","5,462","5,463","5,464","5,465","5,466","5,467","5,468","5,469","5,470","5,471","5,472","5,473","5,474","5,475","5,476","5,477","5,478","5,479","5,480","5,481","5,482","5,483","5,484","5,485","5,487","5,489","5,490","5,491","5,492","5,493","5,494","5,495","5,496","5,497","5,498","5,499","5,500","5,501","5,502","5,503","5,504","5,505","5,506","5,507","5,508","5,509","5,510","5,511","5,512","5,513","5,514","5,515","5,516","5,517","5,518","5,519","5,520","5,521","5,522","5,523","5,524","5,525","5,526","5,527","5,528","5,529","5,530","5,531","5,532","5,533","5,534","5,535","5,536","5,537","5,538","5,539","5,540","5,541","5,542","5,543","5,544","5,545","5,546","5,547","5,548","5,549","5,550","5,551","5,552","5,553","5,554","5,555","5,556","5,557","5,558","5,559","5,560","5,561","5,562","5,563","5,564","5,565","5,566","5,567","5,568","5,569","5,570","5,571","5,572","5,573","5,574","5,575","5,576","5,577","5,578","5,579","5,580","5,581","5,582","5,583","5,584","5,585","5,586","5,587","5,588","5,589","5,590","5,591","5,592","5,593","5,594","5,595","5,596","5,597","5,598","5,599","5,600","5,601","5,602","5,603","5,604","5,605","5,606","5,607","5,608","5,609","5,610","5,611","5,612","5,613","5,614","5,615","5,616","5,617","5,618","5,619","5,620","5,621","5,622","5,623","5,624","5,625","5,626","5,627","5,628","5,629","5,630","5,631","5,632","5,633","5,634","5,635","5,636","5,637","5,638","5,639","5,640","5,641","5,642","5,643","5,644","5,645","5,646","5,647","5,648","5,649","5,650","5,651","5,652","5,653","5,654","5,655","5,656","5,657","5,658","5,659","5,660","5,661","5,662","5,663","5,664","5,665","5,666","5,667","5,668","5,669","5,670","5,671","5,672","5,673","5,674","5,675","5,676","5,677","5,678","5,679","5,680","5,681","5,682","5,683","5,684","5,685","5,686","5,687","5,688","5,689","5,690","5,691","5,692","5,693","5,695","5,696","5,697","5,698","5,699","5,700","5,701","5,702","5,703","5,704","5,705","5,706","5,707","5,708","5,709","5,710","5,711","5,712","5,713","5,714","5,715","5,716","5,717","6,1","6,2","6,3","6,4","6,5","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,269","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,286","6,287","6,288","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,316","6,317","6,318","6,319","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","6,325","6,326","6,327","6,328","6,329","6,330","6,331","6,332","6,333","6,334","6,335","6,336","6,337","6,338","6,339","6,340","6,341","6,342","6,343","6,344","6,345","6,346","6,347","6,348","6,349","6,350","6,351","6,352","6,353","6,354","6,355","6,356","6,357","6,358","6,359","6,360","6,361","6,362","6,363","6,365","6,366","6,367","6,368","6,369","6,370","6,371","6,372","6,373","6,374","6,375","6,376","6,377","6,378","6,379","6,380","6,381","6,382","6,383","6,384","6,385","6,386","6,387","6,388","6,389","6,390","6,391","6,392","6,393","6,394","6,395","6,396","6,397","6,398","6,399","6,400","6,401","6,402","6,403","6,404","6,405","6,406","6,407","6,408","6,409","6,410","6,411","6,412","6,413","6,414","6,415","6,416","6,417","6,418","6,419","6,420","6,421","6,422","6,423","6,424","6,425","6,426","6,427","6,428","6,429","6,430","6,431","6,432","6,433","6,434","6,435","6,436","6,437","6,438","6,439","6,440","6,441","6,442","6,443","6,444","6,445","6,447","6,448","6,449","6,450","6,451","6,452","6,453","6,454","6,455","6,456","6,457","6,458","6,459","6,460","6,461","6,462","6,463","6,464","6,465","6,466","6,467","6,468","6,469","6,470","6,471","6,472","6,473","6,474","6,475","6,476","6,477","6,478","6,479","6,480","6,481","6,482","6,483","6,484","6,485","6,486","6,487","6,488","6,489","6,490","6,491","6,492","6,493","6,494","6,495","6,496","6,497","6,498","6,499","6,500","6,501","6,502","6,503","6,504","6,505","6,506","6,507","6,508","6,509","6,510","6,511","6,512","6,513","6,514","6,515","6,516","6,517","6,518","6,519","6,520","6,521","6,522","6,523","6,524","6,525","6,526","6,527","6,529","6,531","6,532","6,533","6,534","6,535","6,536","6,537","6,538","6,539","6,540","6,541","6,542","6,543","6,544","6,545","6,546","6,547","6,548","6,549","6,550","6,551","6,552","6,553","6,554","6,555","6,556","6,557","6,558","6,559","6,560","6,561","6,562","6,563","6,564","6,565","6,566","6,567","6,568","6,569","6,570","6,571","6,572","6,573","6,574","6,575","6,576","6,577","6,578","6,579","6,580","6,581","6,582","6,583","6,584","6,585","6,586","6,587","6,588","6,589","6,590","6,591","6,592","6,593","6,594","6,595","6,596","6,597","6,598","6,599","6,600","6,601","6,602","6,603","6,604","6,605","6,606","6,607","6,608","6,609","6,610","6,611","6,612","6,613","6,614","6,615","6,616","6,617","6,618","6,619","6,620","6,621","6,622","6,623","6,624","6,625","6,626","6,627","6,628","6,629","6,630","6,631","6,632","6,633","6,634","6,635","6,636","6,637","6,638","6,639","6,640","6,641","6,642","6,643","6,644","6,645","6,646","6,647","6,648","6,649","6,650","6,651","6,652","6,653","6,654","6,655","6,656","6,657","6,658","6,659","6,660","6,661","7,1","7,2","7,3","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,42","7,43","7,44","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,72","7,73","7,74","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,86","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,112","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,134","7,135","7,136","7,137","7,138","7,139","7,140","7,141","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,158","7,159","7,160","7,161","7,162","7,163","7,164","7,165","7,166","7,167","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,174","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,194","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,201","7,202","7,203","7,204","7,205","7,206","7,207","7,208","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,216","7,217","7,218","7,219","7,220","7,221","7,223","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,234","7,235","7,236","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,243","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,262","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,272","7,273","7,274","7,275","7,276","7,277","7,278","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","7,288","7,289","7,290","7,291","7,292","7,293","7,294","7,295","7,296","7,297","7,298","7,299","7,300","7,301","7,302","7,303","7,304","7,305","7,306","7,307","7,308","7,309","7,310","7,311","7,312","7,313","7,314","7,315","7,316","7,317","7,318","7,319","7,320","7,321","7,322","7,323","7,324","7,325","7,326","7,327","7,328","7,329","7,331","7,332","7,333","7,334","7,335","7,336","7,337","7,338","7,339","7,340","7,341","7,342","7,343","7,344","7,345","7,346","7,347","7,348","7,349","7,350","7,351","7,352","7,353","7,354","7,355","7,356","7,357","7,358","7,359","7,360","7,361","7,362","7,363","7,364","7,365","7,366","7,367","7,368","7,369","7,370","7,371","7,372","7,373","7,374","7,375","7,376","7,377","7,378","7,379","7,380","7,381","7,382","7,383","7,384","7,385","7,386","7,387","7,388","7,389","7,390","7,391","7,392","7,393","7,394","7,395","7,396","7,397","7,398","7,399","7,400","7,401","7,402","7,403","7,404","7,405","7,406","7,407","7,408","7,409","7,410","7,411","7,412","7,413","7,414","7,415","7,416","7,417","7,418","7,419","7,420","7,421","7,422","7,423","7,424","7,425","7,426","7,427","7,428","7,429","7,430","7,431","7,432","7,433","7,434","7,435","7,436","7,437","7,438","7,439","7,440","7,441","7,442","7,443","7,444","7,445","7,446","7,447","7,448","7,449","7,450","7,451","7,452","7,453","7,454","7,455","7,456","7,457","7,458","7,459","7,460","7,461","7,462","7,463","7,464","7,465","7,466","7,467","7,468","7,469","7,471","7,473","7,474","7,475","7,476","7,477","7,478","7,479","7,480","7,481","7,482","7,483","7,484","7,485","7,486","7,487","7,488","7,489","7,490","7,491","7,492","7,493","7,494","7,495","7,496","7,497","7,498","7,499","7,500","7,501","7,502","7,503","7,504","7,505","7,506","7,507","7,508","7,509","7,510","7,511","7,512","7,513","7,514","7,515","7,516","7,517","7,518","7,519","7,520","7,521","7,522","7,523","7,524","7,525","7,526","7,527","7,528","7,529","7,530","7,531","7,532","7,533","7,534","7,535","7,536","7,537","7,538","7,539","7,540","7,541","7,542","7,543","7,544","7,545","7,546","7,547","7,548","7,549","7,550","7,551","7,552","7,553","7,554","7,555","7,557","7,558","7,559","7,560","7,561","7,562","7,563","7,564","7,565","7,566","7,567","7,568","7,569","7,570","7,571","7,572","7,573","7,574","7,575","7,576","7,577","7,578","7,579","7,580","7,581","7,582","7,583","7,584","7,585","7,586","7,587","7,588","7,589","7,590","7,591","7,592","7,593","7,594","8,1","8,2","8,3","8,4","8,5","8,7","8,8","8,9","8,10","8,11","8,12","8,13","8,14","8,15","8,16","8,17","8,18","8,19","8,20","8,21","8,22","8,23","8,24","8,25","8,26","8,27","8,28","8,29","8,30","8,31","8,32","8,33","8,34","8,35","8,36","8,37","8,38","8,39","8,40","8,41","8,42","8,43","8,44","8,45","8,46","8,47","8,48","8,49","8,50","8,51","8,52","8,53","8,54","8,55","8,56","8,57","8,58","8,59","8,60","8,61","8,62","8,63","8,64","8,65","8,66","8,67","8,68","8,69","8,70","8,71","8,72","8,73","8,74","8,75","8,76","8,77","8,78","8,79","8,80","8,81","8,82","8,83","8,84","8,85","8,86","8,87","8,88","8,89","8,90","8,91","8,92","8,93","8,94","8,95","8,96","8,97","8,98","8,99","8,100","8,101","8,102","8,103","8,104","8,105","8,106","8,107","8,108","8,109","8,110","8,111","8,112","8,113","8,114","8,115","8,116","8,117","8,118","8,119","8,120","8,121","8,122","8,123","8,124","8,125","8,126","8,127","8,128","8,129","8,130","8,131","8,132","8,133","8,134","8,135","8,136","8,137","8,138","8,139","8,140","8,141","8,142","8,143","8,144","8,145","8,146","8,147","8,148","8,149","8,150","8,151","8,152","8,153","8,154","8,155","8,156","8,157","8,158","8,159","8,160","8,161","8,162","8,163","8,164","8,165","8,166","8,167","8,168","8,169","8,170","8,171","8,172","8,173","8,174","8,175","8,176","8,177","8,178","8,179","8,180","8,181","8,182","8,183","8,184","8,185","8,186","8,187","8,188","8,189","8,190","8,191","8,192","8,193","8,194","8,195","8,196","8,197","8,198","8,199","8,200","8,201","8,202","8,203","8,204","8,205","8,206","8,207","8,208","8,209","8,210","8,211","8,212","8,213","8,214","8,215","8,216","8,217","8,218","8,219","8,220","8,221","8,222","8,223","8,224","8,225","8,226","8,227","8,228","8,229","8,230","8,231","8,232","8,233","8,234","8,235","8,236","8,237","8,238","8,239","8,240","8,241","8,242","8,243","8,244","8,245","8,246","8,247","8,248","8,249","8,250","8,251","8,252","8,253","8,254","8,255","8,256","8,257","8,258","8,259","8,260","8,261","8,262","8,263","8,264","8,265","8,266","8,267","8,268","8,269","8,270","8,271","8,272","8,273","8,274","8,275","8,276","8,277","8,278","8,279","8,280","8,281","8,282","8,283","8,284","8,285","8,286","8,287","8,288","8,289","8,290","8,291","8,292","8,293","8,294","8,295","8,296","8,297","8,298","8,299","8,300","8,301","8,302","8,303","8,304","8,305","8,306","8,307","8,308","8,309","8,310","8,311","8,312","8,313","8,314","8,315","8,316","8,317","8,318","8,319","8,320","8,321","8,322","8,323","8,324","8,325","8,326","8,327","8,328","8,329","8,330","8,331","8,332","8,333","8,334","8,335","8,336","8,337","8,338","8,339","8,340","8,341","8,342","8,343","8,344","8,345","8,346","8,347","8,348","8,349","8,350","8,351","8,352","8,353","8,354","8,355","8,356","8,357","8,358","8,359","8,360","8,361","8,362","8,363","8,364","8,365","8,366","8,367","8,368","8,369","8,370","8,371","8,372","8,373","8,374","8,375","8,376","8,377","8,378","8,379","8,380","8,381","8,382","8,383","8,384","8,385","8,386","8,387","8,388","8,389","8,390","8,391","8,392","8,393","8,395","8,396","8,397","8,398","8,399","8,400","8,401","8,402","8,403","8,404","8,405","8,406","8,407","8,408","8,409","8,410","8,411","8,412","8,413","8,414","8,415","8,416","8,417","8,418","8,419","8,420","8,421","8,422","8,423","8,424","8,425","8,426","8,427","8,428","8,429","8,430","8,431","8,432","8,433","8,434","8,435","8,436","8,437","8,438","8,439","8,440","8,441","8,442","8,443","8,444","8,445","8,446","8,447","8,448","8,449","8,450","8,451","8,452","8,453","8,454","8,455","8,456","8,457","8,458","8,459","8,460","8,461","8,462","8,463","8,464","8,465","8,466","8,467","8,468","8,469","8,470","8,471","8,472","8,473","8,474","8,475","8,476","8,477","8,478","8,479","8,480","8,481","8,482","8,483","8,484","8,485","8,486","8,487","8,488","8,489","8,490","8,491","8,492","8,493","8,494","8,495","8,496","8,497","8,498","8,499","8,500","8,501","8,502","8,503","8,504","8,505","8,506","8,507","8,508","8,509","8,510","8,511","8,512","8,513","8,514","8,515","8,516","8,517","8,518","8,519","8,520","8,521","8,522","8,523","8,524","8,525","8,526","8,527","8,528","8,529","8,530","8,531","8,532","8,533","8,534","8,535","8,536","8,537","8,538","8,539","8,540","8,541","8,542","8,543","8,544","8,545","8,546","8,547","8,548","8,549","8,550","8,551","8,552","8,553","8,554","8,555","8,556","8,557","8,558","8,559","8,560","8,561","8,562","8,563","8,564","8,565","8,566","8,567","8,568","8,569","8,570","8,571","8,572","8,573","8,574","8,575","8,576","8,577","8,578","8,579","8,581","8,583","8,584","8,585","8,586","8,587","8,588","8,589","8,590","8,591","8,592","8,593","8,594","8,595","8,596","8,597","8,598","8,599","8,600","8,601","8,602","8,603","8,604","8,605","8,606","8,607","8,608","8,609","8,610","8,611","8,612","8,613","8,614","8,615","8,616","8,617","8,618","8,619","8,620","8,621","8,622","8,623","8,624","8,625","8,626","8,627","8,628","8,629","8,630","8,631","8,632","8,633","8,634","8,635","8,636","8,637","8,638","8,639","8,640","8,641","8,642","8,643","8,644","8,645","8,646","8,647","8,648","8,649","8,650","8,651","8,652","8,653","8,654","8,655","8,656","8,657","8,658","8,659","8,660","8,661","8,662","8,663","8,664","8,665","8,666","8,667","8,668","8,669","8,670","8,671","8,672","8,673","8,674","8,675","8,676","8,677","8,678","8,679","8,680","8,681","8,682","8,683","8,684","8,685","8,686","8,687","8,688","8,689","8,690","8,691","8,692","8,693","8,694","8,695","8,696","8,697","8,698","8,699","8,700","8,701","8,702","8,703","8,704","8,705","8,706","8,707","8,708","8,709","8,710","8,711","8,712","8,713","8,714","8,715","8,716","8,717","8,718","8,719","8,720","8,721","8,722","8,723","8,724","8,725","8,726","8,727","8,728","8,729","8,730","8,731","8,732","8,733","8,734","8,735","8,736","8,737","8,738","8,739","8,740","8,741","8,742","8,743","8,744","8,745","8,746","8,747","8,748","8,749","8,750","8,751","8,752","8,753","8,754","8,755","8,756","8,757","9,1","9,2","9,3","9,4","9,5","9,7","9,8","9,9","9,10","9,11","9,12","9,13","9,14","9,15","9,16","9,17","9,18","9,19","9,20","9,21","9,22","9,23","9,24","9,25","9,26","9,27","9,28","9,29","9,30","9,31","9,32","9,33","9,34","9,35","9,36","9,37","9,38","9,39","9,40","9,41","9,42","9,43","9,44","9,45","9,46","9,47","9,48","9,49","9,50","9,51","9,52","9,53","9,54","9,55","9,56","9,57","9,58","9,59","9,60","9,61","9,62","9,63","9,64","9,65","9,66","9,67","9,68","9,69","9,70","9,71","9,72","9,73","9,74","9,75","9,76","9,77","9,78","9,79","9,80","9,81","9,82","9,83","9,84","9,85","9,86","9,87","9,88","9,89","9,90","9,91","9,92","9,93","9,94","9,95","9,96","9,97","9,98","9,99","9,100","9,101","9,102","9,103","9,104","9,105","9,106","9,107","9,108","9,109","9,110","9,111","9,112","9,113","9,114","9,115","9,116","9,117","9,118","9,119","9,120","9,121","9,122","9,123","9,124","9,125","9,126","9,127","9,128","9,129","9,130","9,131","9,132","9,133","9,134","9,135","9,136","9,137","9,138","9,139","9,140","9,141","9,142","9,143","9,144","9,145","9,146","9,147","9,148","9,149","9,150","9,151","9,152","9,153","9,154","9,155","9,156","9,157","9,158","9,159","9,160","9,161","9,162","9,163","9,164","9,165","9,166","9,167","9,168","9,169","9,170","9,171","9,172","9,173","9,174","9,175","9,176","9,177","9,178","9,179","9,180","9,181","9,182","9,183","9,184","9,185","9,186","9,187","9,188","9,189","9,190","9,191","9,192","9,193","9,194","9,195","9,196","9,197","9,198","9,199","9,200","9,201","9,202","9,203","9,204","9,205","9,206","9,207","9,208","9,209","9,210","9,211","9,212","9,213","9,214","9,215","9,217","9,218","9,219","9,220","9,221","9,222","9,223","9,224","9,225","9,226","9,227","9,228","9,229","9,230","9,231","9,232","9,233","9,234","9,235","9,236","9,237","9,238","9,239","9,240","9,241","9,242","9,243","9,244","9,245","9,246","9,247","9,248","9,249","9,250","9,251","9,252","9,253","9,254","9,255","9,256","9,257","9,258","9,259","9,260","9,261","9,262","9,263","9,264","9,265","9,266","9,267","9,268","9,269","9,270","9,271","9,272","9,273","9,274","9,275","9,276","9,277","9,278","9,279","9,280","9,281","9,282","9,283","9,284","9,285","9,286","9,287","9,288","9,289","9,290","9,291","9,292","9,293","9,294","9,295","9,296","9,297","9,298","9,299","9,300","9,301","9,302","9,303","9,304","9,305","9,306","9,307","9,308","9,309","9,310","9,311","9,312","9,313","9,314","9,315","9,316","9,317","9,318","9,319","9,320","9,321","9,322","9,323","9,324","9,325","9,326","9,327","9,328","9,329","9,330","9,331","9,332","9,333","9,334","9,335","9,336","9,337","9,338","9,339","9,340","9,341","9,342","9,343","9,344","9,345","9,346","9,347","9,348","9,349","9,350","9,351","9,352","9,353","9,354","9,355","9,356","9,357","9,358","9,359","9,360","9,361","9,362","9,363","9,364","9,365","9,366","9,367","9,368","9,369","9,370","9,371","9,372","9,373","9,374","9,375","9,376","9,377","9,378","9,379","9,380","9,381","9,382","9,383","9,384","9,385","9,386","9,387","9,388","9,389","9,390","9,391","9,392","9,393","9,394","9,395","9,396","9,397","9,398","9,399","9,400","9,401","9,402","9,403","9,404","9,405","9,406","9,407","9,408","9,409","9,410","9,411","9,412","9,413","9,414","9,415","9,416","9,417","9,418","9,419","9,420","9,421","9,422","9,423","9,424","9,425","9,426","9,427","9,428","9,429","9,430","9,431","9,432","9,433","9,434","9,435","9,436","9,437","9,438","9,439","9,440","9,441","9,442","9,443","9,444","9,445","9,446","9,447","9,448","9,449","9,450","9,451","9,452","9,453","9,454","9,455","9,456","9,457","9,458","9,459","9,460","9,461","9,462","9,463","9,464","9,465","9,466","9,467","9,468","9,469","9,470","9,471","9,472","9,473","9,474","9,475","9,476","9,477","9,478","9,479","9,480","9,481","9,482","9,483","9,484","9,485","9,486","9,487","9,488","9,489","9,490","9,491","9,492","9,493","9,494","9,495","9,496","9,497","9,498","9,499","9,500","9,501","9,502","9,503","9,504","9,505","9,506","9,507","9,508","9,509","9,510","9,511","9,512","9,513","9,514","9,515","9,516","9,517","9,518","9,519","9,520","9,521","9,522","9,523","9,524","9,525","9,526","9,527","9,528","9,529","9,530","9,531","9,532","9,533","9,534","9,535","9,536","9,537","9,538","9,539","9,540","9,541","9,542","9,543","9,544","9,545","9,546","9,547","9,548","9,549","9,550","9,551","9,552","9,553","9,554","9,555","9,557","9,558","9,559","9,560","9,561","9,562","9,563","9,564","9,565","9,566","9,567","9,568","9,569","9,570","9,571","9,572","9,573","9,574","9,575","9,576","9,577","9,578","9,579","9,580","9,581","9,582","9,583","9,584","9,585","9,586","9,587","9,588","9,589","9,590","9,591","9,592","9,593","9,594","9,595","9,596","9,597","9,598","9,599","9,600","9,601","9,602","9,603","9,604","9,605","9,606","9,607","9,608","9,609","9,610","9,611","9,612","9,613","9,614","9,615","9,616","9,617","9,618","9,619","9,620","9,621","9,622","9,623","9,624","9,625","9,626","9,627","9,628","9,629","9,630","9,631","9,632","9,633","9,634","9,635","9,636","9,637","9,638","9,639","9,640","9,641","9,642","9,643","9,644","9,645","9,646","9,647","9,648","9,649","9,650","9,651","9,652","9,653","9,654","9,655","9,656","9,657","9,658","9,659","9,660","9,661","9,662","9,663","9,664","9,665","9,666","9,667","9,668","9,669","9,670","9,671","9,672","9,673","9,674","9,675","9,676","9,677","9,678","9,679","9,680","9,681","9,682","9,683","9,684","9,685","9,686","9,687","9,688","9,689","9,690","9,691","9,692","9,693","9,694","9,695","9,696","9,697","9,698","9,699","9,700","9,701","9,702","9,703","9,704","9,705","9,706","9,707","9,708","9,709","9,710","9,711","9,712","9,713","9,714","9,715","9,716","9,717","9,718","9,719","9,720","9,721","9,722","9,723","9,724","9,725","9,726","9,727","9,728","9,729","9,730","9,731","9,732","9,733","9,734","9,735","9,736","9,737","9,738","9,739","9,740","9,741","9,742","9,743","9,744","9,745","9,746","9,747","9,748","9,749","9,750","9,751","9,752","9,753","9,754","9,755","9,756","9,757","9,758","9,759","9,760","9,761","9,762","9,763","9,764","9,765","9,766","9,767","9,768","9,769","9,770","9,771","9,772","9,773","9,774","9,775","9,776","9,777","9,778","9,779","9,780","9,781","9,782","9,783","9,784","9,785","9,786","9,787","9,788","9,789","9,790","9,791","9,792","9,793","9,794","9,795","9,796","9,797","9,798","9,799","9,800","9,801","9,802","9,803","9,804","9,805","9,806","9,807","9,808","9,809","9,810","9,811","9,812","9,813","9,814","9,815","9,816","9,817","9,818","9,819","9,820","9,821","9,822","9,823","9,824","9,825","9,826","9,827","9,828","9,829","9,830","9,831","9,832","9,833","9,834","10,1","10,2","10,3","10,4","10,5","10,7","10,8","10,9","10,10","10,11","10,12","10,13","10,14","10,15","10,16","10,17","10,18","10,19","10,20","10,21","10,22","10,23","10,24","10,25","10,26","10,27","10,29","10,30","10,31","10,32","10,33","10,34","10,35","10,36","10,37","10,38","10,39","10,40","10,41","10,42","10,43","10,44","10,45","10,46","10,47","10,48","10,49","10,50","10,51","10,52","10,53","10,54","10,55","10,56","10,57","10,58","10,59","10,60","10,61","10,62","10,63","10,64","10,65","10,66","10,67","10,68","10,69","10,70","10,71","10,72","10,73","10,74","10,75","10,76","10,77","10,78","10,79","10,80","10,81","10,82","10,83","10,84","10,85","10,86","10,87","10,88","10,89","10,90","10,91","10,92","10,93","10,94","10,95","10,96","10,97","10,98","10,99","10,100","10,101","10,102","10,103","10,104","10,105","10,106","10,107","10,108","10,109","10,110","10,111","10,112","10,113","10,114","10,115","10,116","10,117","10,118","10,119","10,120","10,121","10,122","10,123","10,124","10,125","10,126","10,127","10,128","10,129","10,130","10,131","10,132","10,133","10,134","10,135","10,136","10,137","10,138","10,139","10,140","10,141","10,142","10,143","10,144","10,145","10,146","10,147","10,148","10,149","10,150","10,151","10,152","10,153","10,154","10,155","10,156","10,157","10,158","10,159","10,160","10,161","10,162","10,163","10,164","10,165","10,166","10,167","10,168","10,169","10,170","10,171","10,172","10,173","10,174","10,175","10,176","10,177","10,178","10,179","10,180","10,181","10,182","10,183","10,184","10,185","10,186","10,187","10,188","10,189","10,190","10,191","10,192","10,193","10,194","10,195","10,196","10,197","10,198","10,199","10,200","10,201","10,202","10,203","10,204","10,205","10,206","10,207","10,208","10,209","10,210","10,211","10,212","10,213","10,214","10,215","10,216","10,217","10,218","10,219","10,220","10,221","10,222","10,223","10,224","10,225","10,226","10,227","10,228","10,229","10,230","10,231","10,232","10,233","10,234","10,235","10,236","10,237","10,238","10,239","10,240","10,241","10,242","10,243","10,244","10,245","10,246","10,247","10,248","10,249","10,250","10,251","10,252","10,253","10,254","10,255","10,256","10,257","10,258","10,259","10,260","10,261","10,262","10,263","10,264","10,265","10,266","10,267","10,268","10,269","10,270","10,271","10,272","10,639","10,640","10,641","10,642","10,643","10,644","10,645","10,646","10,647","10,648","10,649","10,650","10,651","10,652","10,653","10,654","10,655","10,656","10,657","10,658","10,659","10,660","10,661","10,662","10,663","10,664","10,665","10,666","10,667","10,668"],"ٞ":{"5":[1],"6":[2],"11":[3],"14":[4],"19":[5],"22":[6],"25":[7],"27":[8,9],"28":[10],"32":[11],"34":[12,13],"35":[14,15],"37":[16],"38":[17],"40":[18],"41":[19,20],"42":[21],"43":[22],"44":[23],"45":[24],"46":[25,26,27],"47":[28],"48":[29],"49":[30],"50":[31],"51":[32],"52":[33,34],"53":[35],"54":[36],"56":[37],"58":[38],"59":[39],"60":[40],"61":[41,42],"62":[43,44],"63":[45,46,47],"65":[48],"79":[49],"94":[50,51,52,53,54],"95":[55],"96":[56,57,58,59,60],"97":[61,62,63,64,65,66,67],"98":[68,69,70,71,72],"99":[73,74,75],"100":[76,77,78,79,80,81],"101":[82,83,84],"102":[85,86,87,88,89],"103":[90,91,92,93,94,95],"104":[96,97,98,99,100],"105":[101,102,103,104,105],"106":[106,107,108,109,110,111],"107":[112,113,114,115,116,117,118],"108":[119,120,121,122,123,124,125],"109":[126,127,128,129,130,131,132],"110":[133,134,135,136,137],"111":[138,139,140,141,142],"112":[143,144],"113":[145,146,147,148,149],"114":[150,151,152,153,154,155],"115":[156,157,158,159,160,161],"116":[162,163,164,165],"117":[166,167,168,169],"118":[170,171,172,173],"119":[174,175,176,177],"120":[178,179,180],"121":[181,182,183],"122":[184],"123":[185,186,187],"124":[188,189,190],"125":[191,192,193,194],"126":[195],"127":[196],"187":[197],"189":[198],"255":[199],"265":[200],"284":[201],"287":[202],"298":[203],"305":[204],"308":[205,206],"324":[207],"329":[208],"331":[209],"335":[210],"371":[211],"397":[212],"410":[213],"414":[214],"423":[215],"432":[216],"438":[217],"439":[218],"472":[219],"499":[220],"509":[221],"511":[222],"537":[223],"582":[224],"613":[225],"615":[226],"630":[227],"632":[228],"638":[229],"639":[230],"646":[231],"659":[232],"665":[233,234],"679":[235],"698":[236],"705":[237],"707":[238],"715":[239],"717":[240],"720":[241],"721":[242],"742":[243],"761":[244],"765":[245],"766":[246],"779":[247],"785":[248],"787":[249],"788":[250],"790":[251],"797":[252],"801":[253],"802":[254],"805":[255],"824":[256],"826":[257,258],"839":[259],"846":[260],"848":[261],"851":[262],"854":[263],"858":[264],"859":[265],"861":[266],"868":[267],"871":[268],"878":[269],"882":[270],"883":[271],"887":[272],"888":[273],"890":[274],"897":[275],"900":[276],"901":[277],"902":[278],"904":[279],"912":[280],"916":[281],"917":[282],"926":[283],"929":[284],"933":[285],"934":[286],"946":[287],"947":[288],"949":[289],"950":[290],"969":[291],"978":[292],"985":[293,294],"993":[295],"994":[296],"997":[297],"999":[298],"1007":[299],"1013":[300],"1017":[301],"1018":[302],"1031":[303],"1038":[304],"1041":[305,306],"1048":[307],"1050":[308],"1051":[309],"1075":[310],"1097":[311],"1107":[312],"1108":[313],"1113":[314],"1120":[315],"1122":[316],"1123":[317],"1131":[318],"1134":[319],"1137":[320,321],"1154":[322],"1163":[323],"1167":[324],"1169":[325],"1177":[326],"1184":[327],"1185":[328,329],"1213":[330],"1231":[331],"1238":[332],"1239":[333],"1248":[334],"1251":[335],"1253":[336],"1254":[337],"1266":[338],"1268":[339],"1272":[340,341],"1281":[342],"1285":[343],"1286":[344],"1289":[345],"1294":[346],"1303":[347],"1306":[348],"1307":[349],"1313":[350],"1317":[351],"1321":[352],"1323":[353],"1331":[354],"1334":[355],"1341":[356],"1342":[357],"1357":[358],"1369":[359],"1373":[360],"1374":[361],"1385":[362],"1386":[363],"1392":[364],"1396":[365],"1401":[366],"1406":[367],"1407":[368],"1409":[369],"1419":[370],"1424":[371],"1427":[372],"1428":[373],"1437":[374],"1441":[375],"1449":[376],"1450":[377],"1457":[378],"1460":[379],"1463":[380,381],"1467":[382],"1471":[383],"1474":[384,385],"1478":[386],"1482":[387],"1486":[388],"1487":[389],"1491":[390],"1493":[391,392],"1499":[393],"1502":[394],"1506":[395,396],"1508":[397],"1509":[398],"1514":[399,400],"1520":[401],"1525":[402],"1536":[403],"1537":[404],"1549":[405],"1553":[406],"1556":[407,408],"1560":[409],"1561":[410],"1563":[411,412],"1572":[413],"1575":[414],"1579":[415],"1580":[416],"1589":[417],"1590":[418],"1593":[419],"1599":[420],"1609":[421],"1617":[422],"1622":[423],"1630":[424],"1633":[425],"1635":[426],"1636":[427],"1638":[428],"1642":[429],"1646":[430],"1653":[431],"1656":[432],"1660":[433],"1662":[434],"1663":[435],"1664":[436],"1667":[437],"1670":[438],"1676":[439],"1681":[440],"1692":[441],"1700":[442],"1706":[443],"1708":[444],"1716":[445],"1722":[446],"1725":[447,448],"1726":[449],"1729":[450],"1731":[451],"1732":[452],"1741":[453],"1745":[454],"1748":[455],"1749":[456],"1760":[457],"1761":[458],"1764":[459],"1766":[460],"1771":[461,462],"1773":[463],"1774":[464],"1789":[465],"1797":[466],"1801":[467],"1803":[468],"1811":[469],"1820":[470],"1822":[471],"1823":[472],"1824":[473],"1825":[474],"1826":[475],"1828":[476],"1836":[477],"1838":[478],"1840":[479],"1842":[480],"1844":[481],"1845":[482],"1848":[483],"1851":[484],"1854":[485],"1855":[486],"1858":[487],"1864":[488],"1871":[489],"1872":[490,491],"1896":[492],"1916":[493],"1929":[494],"1931":[495],"1937":[496],"1942":[497],"1946":[498,499],"1951":[500],"1953":[501],"1967":[502],"1968":[503],"1975":[504],"1982":[505],"1984":[506],"1985":[507],"2008":[508],"2018":[509],"2024":[510,511],"2028":[512],"2038":[513],"2045":[514],"2046":[515],"2058":[516],"2063":[517],"2078":[518],"2082":[519],"2085":[520,521],"2090":[522],"2093":[523],"2111":[524],"2117":[525],"2122":[526],"2123":[527],"2132":[528],"2142":[529],"2143":[530],"2145":[531],"2147":[532],"2149":[533],"2151":[534],"2152":[535],"2157":[536],"2160":[537],"2161":[538],"2163":[539],"2172":[540],"2179":[541],"2182":[542,543],"2189":[544],"2193":[545],"2207":[546,547],"2221":[548],"2234":[549],"2235":[550],"2236":[551],"2242":[552],"2246":[553],"2248":[554,555],"2250":[556],"2251":[557],"2252":[558,559],"2256":[560],"2257":[561],"2262":[562],"2265":[563],"2271":[564,565],"2275":[566],"2281":[567],"2283":[568,569],"2289":[570],"2296":[571],"2298":[572,573],"2306":[574],"2316":[575,576],"2318":[577],"2319":[578],"2322":[579],"2323":[580],"2324":[581],"2325":[582],"2327":[583,584],"2328":[585,586],"2347":[587],"2352":[588],"2355":[589,590,591],"2357":[592],"2361":[593],"2362":[594],"2364":[595],"2372":[596],"2375":[597],"2376":[598],"2378":[599],"2383":[600],"2386":[601],"2389":[602],"2391":[603],"2412":[604],"2430":[605],"2442":[606,607],"2451":[608],"2458":[609],"2461":[610],"2462":[611],"2466":[612],"2468":[613],"2488":[614],"2490":[615],"2494":[616],"2503":[617],"2508":[618],"2511":[619],"2524":[620],"2528":[621],"2531":[622],"2535":[623],"2538":[624],"2603":[625],"2605":[626],"2606":[627],"2614":[628],"2621":[629],"2624":[630],"2626":[631],"2637":[632],"2649":[633],"2655":[634,635],"2663":[636],"2666":[637],"2668":[638],"2669":[639],"2675":[640],"2689":[641],"2690":[642],"2691":[643],"2701":[644],"2713":[645],"2717":[646,647],"2721":[648],"2729":[649],"2731":[650],"2732":[651],"2734":[652],"2741":[653],"2750":[654],"2752":[655],"2764":[656],"2770":[657],"2773":[658,659],"2779":[660],"2781":[661],"2782":[662,663],"2810":[664],"2813":[665,666],"2821":[667],"2830":[668],"2833":[669],"2834":[670],"2835":[671],"2840":[672],"2844":[673,674],"2849":[675],"2853":[676],"2855":[677],"2856":[678],"2859":[679],"2861":[680,681],"2862":[682],"2870":[683],"2872":[684],"2873":[685],"2874":[686],"2879":[687],"2880":[688,689],"2882":[690,691],"2883":[692],"2884":[693],"2896":[694],"2900":[695],"2901":[696],"2909":[697],"2910":[698],"2912":[699],"2913":[700],"2916":[701],"2919":[702],"2920":[703],"2924":[704],"2927":[705],"2928":[706],"2935":[707],"2937":[708],"2939":[709],"2940":[710],"2958":[711],"2961":[712],"2966":[713],"2968":[714],"2969":[715],"2978":[716],"2986":[717],"2992":[718,719],"2995":[720],"2997":[721,722],"3001":[723],"3002":[724,725],"3003":[726],"3010":[727],"3014":[728],"3018":[729],"3019":[730],"3045":[731],"3052":[732],"3053":[733,734],"3058":[735],"3061":[736],"3062":[737],"3063":[738],"3066":[739],"3067":[740],"3068":[741,742],"3069":[743],"3070":[744],"3072":[745,746],"3079":[747],"3084":[748],"3088":[749],"3089":[750],"3091":[751],"3092":[752],"3093":[753],"3094":[754],"3101":[755],"3108":[756],"3109":[757],"3110":[758],"3113":[759],"3115":[760],"3116":[761],"3117":[762],"3121":[763],"3122":[764],"3123":[765,766],"3128":[767],"3130":[768],"3131":[769],"3133":[770],"3137":[771],"3144":[772],"3145":[773,774],"3149":[775],"3150":[776,777,778],"3153":[779],"3158":[780],"3159":[781],"3160":[782],"3165":[783],"3171":[784,785,786],"3174":[787],"3185":[788],"3186":[789],"3187":[790],"3189":[791],"3191":[792],"3199":[793],"3201":[794],"3206":[795],"3208":[796],"3210":[797],"3211":[798],"3215":[799],"3221":[800],"3224":[801,802],"3229":[803],"3232":[804],"3234":[805,806],"3239":[807],"3245":[808],"3248":[809],"3249":[810],"3255":[811],"3262":[812],"3263":[813,814],"3269":[815],"3271":[816,817,818],"3272":[819],"3274":[820],"3275":[821],"3277":[822],"3279":[823],"3280":[824],"3281":[825],"3287":[826],"3291":[827],"3292":[828],"3293":[829],"3297":[830],"3298":[831],"3300":[832,833],"3312":[834],"3320":[835],"3324":[836],"3325":[837],"3330":[838],"3336":[839],"3339":[840,841],"3340":[842],"3344":[843],"3345":[844,845],"3348":[846],"3349":[847],"3362":[848],"3366":[849],"3368":[850],"3369":[851],"3377":[852],"3380":[853],"3382":[854],"3383":[855],"3384":[856],"3385":[857],"3386":[858,859],"3392":[860],"3399":[861],"3402":[862],"3403":[863],"3405":[864],"3407":[865],"3410":[866],"3411":[867],"3413":[868],"3415":[869],"3417":[870,871],"3421":[872],"3426":[873],"3429":[874],"3430":[875],"3439":[876],"3443":[877],"3444":[878,879],"3449":[880],"3456":[881],"3459":[882,883],"3471":[884],"3486":[885],"3488":[886],"3489":[887],"3494":[888],"3507":[889],"3510":[890,891],"3524":[892],"3526":[893],"3527":[894],"3531":[895],"3532":[896,897],"3539":[898],"3548":[899],"3552":[900,901],"3563":[902],"3570":[903],"3575":[904],"3576":[905],"3578":[906],"3586":[907],"3588":[908,909],"3590":[910],"3592":[911],"3595":[912],"3596":[913],"3600":[914],"3602":[915,916],"3603":[917],"3606":[918],"3607":[919],"3608":[920],"3610":[921],"3612":[922],"3617":[923],"3620":[924],"3633":[925,926],"3653":[927],"3664":[928],"3670":[929,930],"3673":[931],"3674":[932],"3676":[933,934],"3677":[935],"3680":[936],"3685":[937,938],"3687":[939],"3692":[940,941],"3693":[942],"3700":[943],"3713":[944],"3715":[945],"3716":[946],"3742":[947],"3769":[948],"3780":[949],"3781":[950],"3788":[951],"3803":[952],"3804":[953],"3805":[954],"3817":[955],"3826":[956],"3828":[957,958],"3843":[959],"3844":[960],"3850":[961,962],"3858":[963],"3866":[964,965],"3867":[966],"3889":[967],"3895":[968],"3896":[969],"3897":[970],"3899":[971],"3903":[972],"3904":[973],"3905":[974],"3920":[975],"3934":[976],"3944":[977,978],"3946":[979],"3952":[980,981],"3953":[982],"3964":[983],"3967":[984],"3970":[985],"3971":[986],"3975":[987],"3976":[988],"3977":[989],"3978":[990],"3980":[991],"3985":[992],"3995":[993],"3996":[994],"4009":[995],"4017":[996],"4018":[997],"4019":[998],"4021":[999],"4023":[1000],"4024":[1001],"4043":[1002],"4052":[1003],"4054":[1004],"4055":[1005],"4057":[1006],"4064":[1007],"4067":[1008,1009],"4096":[1010],"4119":[1011],"4123":[1012],"4124":[1013],"4129":[1014],"4134":[1015],"4138":[1016,1017],"4141":[1018,1019],"4152":[1020],"4157":[1021,1022],"4158":[1023],"4162":[1024],"4163":[1025,1026],"4164":[1027],"4169":[1028],"4172":[1029,1030],"4188":[1031],"4214":[1032],"4221":[1033,1034],"4226":[1035],"4236":[1036],"4238":[1037,1038],"4241":[1039],"4243":[1040],"4244":[1041],"4258":[1042],"4287":[1043],"4295":[1044,1045],"4304":[1046],"4307":[1047],"4312":[1048],"4313":[1049],"4327":[1050],"4352":[1051],"4359":[1052],"4361":[1053],"4371":[1054],"4379":[1055],"4380":[1056,1057],"4386":[1058],"4388":[1059],"4395":[1060],"4398":[1061],"4425":[1062],"4428":[1063],"4438":[1064],"4439":[1065,1066],"4450":[1067],"4460":[1068],"4466":[1069],"4467":[1070],"4469":[1071],"4471":[1072],"4472":[1073],"4475":[1074],"4476":[1075],"4484":[1076],"4486":[1077],"4488":[1078],"4489":[1079],"4492":[1080],"4493":[1081],"4494":[1082],"4497":[1083],"4508":[1084],"4509":[1085],"4510":[1086],"4514":[1087],"4518":[1088],"4519":[1089,1090],"4520":[1091],"4521":[1092],"4522":[1093],"4526":[1094],"4535":[1095],"4543":[1096],"4545":[1097],"4546":[1098],"4557":[1099],"4566":[1100],"4570":[1101,1102],"4583":[1103],"4598":[1104],"4608":[1105,1106],"4609":[1107],"4613":[1108,1109],"4614":[1110,1111],"4620":[1112],"4621":[1113],"4626":[1114],"4635":[1115],"4636":[1116],"4637":[1117],"4647":[1118],"4656":[1119],"4664":[1120],"4665":[1121],"4682":[1122],"4696":[1123],"4701":[1124],"4702":[1125],"4708":[1126],"4713":[1127],"4716":[1128],"4717":[1129],"4724":[1130],"4734":[1131],"4736":[1132],"4737":[1133],"4739":[1134],"4745":[1135],"4751":[1136],"4752":[1137],"4756":[1138],"4764":[1139],"4770":[1140],"4772":[1141],"4780":[1142],"4787":[1143],"4791":[1144,1145],"4794":[1146],"4796":[1147],"4800":[1148,1149],"4805":[1150],"4820":[1151],"4825":[1152,1153],"4840":[1154],"4861":[1155],"4884":[1156],"4885":[1157],"4895":[1158],"4904":[1159],"4914":[1160],"4915":[1161],"4919":[1162],"4922":[1163],"4923":[1164],"4924":[1165,1166],"4930":[1167],"4934":[1168],"4937":[1169],"4941":[1170],"4946":[1171],"4951":[1172],"4953":[1173],"4956":[1174],"4961":[1175],"4968":[1176],"4969":[1177],"4978":[1178],"4985":[1179],"4988":[1180,1181],"4990":[1182],"4996":[1183],"4997":[1184,1185],"5004":[1186],"5008":[1187],"5011":[1188],"5012":[1189],"5031":[1190],"5049":[1191],"5051":[1192],"5052":[1193],"5070":[1194],"5080":[1195],"5082":[1196],"5083":[1197],"5090":[1198],"5103":[1199],"5106":[1200],"5107":[1201],"5146":[1202],"5153":[1203],"5154":[1204],"5155":[1205],"5163":[1206],"5166":[1207,1208],"5171":[1209,1210],"5172":[1211],"5175":[1212],"5177":[1213,1214,1215],"5191":[1216,1217],"5192":[1218],"5197":[1219],"5198":[1220],"5200":[1221,1222],"5214":[1223],"5215":[1224],"5216":[1225],"5217":[1226],"5225":[1227],"5230":[1228],"5233":[1229],"5234":[1230],"5272":[1231],"5282":[1232],"5286":[1233],"5287":[1234],"5303":[1235],"5318":[1236],"5320":[1237],"5322":[1238],"5323":[1239],"5324":[1240],"5331":[1241,1242],"5335":[1243],"5345":[1244],"5347":[1245],"5348":[1246],"5350":[1247],"5351":[1248],"5352":[1249],"5353":[1250],"5388":[1251],"5394":[1252],"5400":[1253,1254,1255],"5415":[1256],"5430":[1257],"5433":[1258],"5435":[1259],"5457":[1260],"5465":[1261],"5475":[1262],"5477":[1263],"5492":[1264],"5497":[1265],"5503":[1266],"5505":[1267],"5532":[1268],"5533":[1269],"5535":[1270],"5552":[1271],"5559":[1272],"5562":[1273],"5592":[1274],"5594":[1275],"5596":[1276],"5669":[1277],"5685":[1278],"5696":[1279],"5697":[1280],"5701":[1281],"5704":[1282],"5707":[1283],"5711":[1284],"5717":[1285],"5719":[1286],"5735":[1287,1288],"5739":[1289,1290],"5741":[1291],"5747":[1292],"5754":[1293],"5759":[1294],"5763":[1295],"5769":[1296],"5772":[1297],"5773":[1298],"5774":[1299],"5782":[1300],"5785":[1301],"5787":[1302],"5790":[1303],"5798":[1304],"5803":[1305],"5807":[1306,1307],"5811":[1308],"5816":[1309],"5817":[1310],"5818":[1311],"5819":[1312],"5826":[1313],"5829":[1314,1315],"5830":[1316,1317],"5831":[1318],"5832":[1319],"5834":[1320],"5845":[1321],"5853":[1322],"5854":[1323],"5859":[1324],"5865":[1325],"5872":[1326],"5875":[1327],"5890":[1328],"5904":[1329],"5908":[1330],"5910":[1331],"5917":[1332],"5920":[1333],"5921":[1334,1335],"5950":[1336],"5963":[1337],"5969":[1338],"5979":[1339],"5980":[1340],"5995":[1341],"6000":[1342],"6004":[1343,1344],"6008":[1345],"6009":[1346],"6021":[1347],"6026":[1348],"6027":[1349,1350],"6028":[1351],"6031":[1352],"6032":[1353,1354],"6033":[1355,1356],"6034":[1357],"6035":[1358,1359,1360],"6036":[1361,1362],"6037":[1363,1364],"6038":[1365],"6039":[1366],"6040":[1367],"6042":[1368],"6044":[1369,1370,1371],"6052":[1372],"6056":[1373],"6057":[1374,1375],"6062":[1376],"6064":[1377],"6065":[1378,1379,1380],"6066":[1381,1382,1383],"6067":[1384],"6068":[1385,1386],"6072":[1387],"6074":[1388,1389,1390],"6082":[1391],"6087":[1392],"6089":[1393],"6090":[1394,1395],"6093":[1396],"6095":[1397],"6097":[1398,1399,1400],"6098":[1401,1402,1403],"6099":[1404,1405],"6102":[1406],"6103":[1407,1408,1409],"6107":[1410],"6109":[1411],"6110":[1412,1413,1414],"6122":[1415],"6128":[1416],"6129":[1417,1418],"6131":[1419],"6132":[1420],"6133":[1421,1422],"6135":[1423],"6136":[1424],"6138":[1425,1426,1427],"6139":[1428,1429],"6141":[1430],"6142":[1431,1432,1433,1434],"6177":[1435],"6197":[1436],"6199":[1437,1438,1439,1440],"6200":[1441,1442],"6201":[1443],"6202":[1444],"6203":[1445],"6204":[1446,1447],"6207":[1448],"6209":[1449],"6210":[1450,1451],"6211":[1452],"6212":[1453],"6213":[1454,1455],"6214":[1456],"6216":[1457,1458,1459],"6230":[1460],"6241":[1461],"6243":[1462,1463,1464],"6245":[1465],"6248":[1466,1467],"6250":[1468],"6252":[1469,1470],"6254":[1471],"6256":[1472],"6257":[1473,1474],"6258":[1475],"6261":[1476],"6262":[1477],"6287":[1478,1479],"6289":[1480],"6290":[1481],"6293":[1482],"6294":[1483],"6295":[1484],"6296":[1485,1486],"6297":[1487,1488,1489],"6298":[1490,1491],"6300":[1492,1493,1494],"6301":[1495,1496],"6302":[1497,1498],"6303":[1499,1500],"6304":[1501],"6305":[1502],"6309":[1503],"6310":[1504,1505,1506],"6311":[1507],"6313":[1508,1509],"6314":[1510],"6315":[1511]},"ٟ":[],"numbers":{"1":161,"2":189,"3":211,"4":212,"5":213,"6":217,"7":219,"8":220,"9":222,"10":224,"11":225,"12":226,"13":228,"14":229,"15":230,"16":231,"17":234,"18":237,"19":240,"20":243,"21":244,"22":245,"23":246,"24":248,"25":250,"26":251,"27":253,"28":254,"29":255,"30":261,"31":262,"32":262,"33":262,"34":264,"35":264,"36":265,"37":265,"38":266,"39":266,"40":271,"41":272,"42":275,"43":276,"44":277,"45":277,"46":280,"47":283,"48":284,"49":287,"50":290,"51":291,"52":292,"53":293,"54":295,"55":295,"56":296,"57":297,"58":298,"59":301,"60":302,"61":305,"62":307,"63":308,"64":309,"65":310,"66":311,"67":314,"68":315,"69":316,"70":317,"71":318,"72":320,"73":324,"74":324,"75":329,"76":329,"77":330,"78":330,"79":335,"80":337,"81":338,"82":340,"83":346,"84":346,"85":349,"86":350,"87":351,"88":355,"89":356,"90":359,"91":364,"92":367,"93":369,"94":371,"95":373,"96":377,"97":381,"98":382,"99":382,"100":382,"101":383,"102":385,"103":386,"104":387,"105":387,"106":389,"107":390,"108":391,"109":392,"110":395,"111":395,"112":396,"113":397,"114":398,"115":398,"116":400,"117":401,"118":402,"119":404,"120":405,"121":406,"122":407,"123":409,"124":410,"125":414,"126":415,"127":420,"128":420,"129":421,"130":423,"131":425,"132":429,"133":430,"134":431,"135":432,"136":433,"137":434,"138":435,"139":436,"140":439,"141":439,"142":440,"143":442,"144":442,"145":444,"146":447,"147":449,"148":450,"149":453,"150":456,"151":461,"152":463,"153":464,"154":465,"155":465,"156":466,"157":466,"158":469,"159":469,"160":471,"161":472,"162":473,"163":474,"164":478,"165":479,"166":481,"167":484,"168":485,"169":486,"170":486,"171":487,"172":489,"173":490,"174":491,"175":492,"176":492,"177":492,"178":494,"179":495,"180":495,"181":496,"182":498,"183":498,"184":499,"185":499,"186":500,"187":500,"188":501,"189":501,"190":502,"191":502,"192":504,"193":504,"194":505,"195":506,"196":506,"197":506,"198":511,"199":514,"200":515,"201":517,"202":519,"203":520,"204":522,"205":526,"206":528,"207":529,"208":530,"209":531,"210":532,"211":536,"212":537,"213":543,"214":544,"215":545,"216":545,"217":548,"218":548,"219":549,"220":550,"221":550,"222":551,"223":552,"224":552,"225":553,"226":554,"227":554,"228":555,"229":560,"230":560,"231":561,"232":561,"233":561,"234":562,"235":563,"236":563,"237":564,"238":565,"239":568,"240":570,"241":570,"242":571,"243":572,"244":573,"245":574,"246":574,"247":580,"248":581,"249":582,"250":583,"251":583,"252":584,"253":586,"254":586,"255":587,"256":588,"257":589,"258":590,"259":591,"260":591,"261":592,"262":593,"263":593,"264":594,"265":594,"266":595,"267":596,"268":597,"269":598,"270":599,"271":600,"272":602,"273":602,"274":603,"275":604,"276":605,"277":606,"278":606,"279":606,"280":607,"281":615,"282":618,"283":619,"284":620,"285":620,"286":621,"287":623,"288":625,"289":626,"290":628,"291":630,"292":630,"293":631,"294":632,"295":632,"296":633,"297":634,"298":635,"299":637,"300":639,"301":639,"302":640,"303":641,"304":641,"305":641,"306":643,"307":644,"308":644,"309":645,"310":646,"311":646,"312":646,"313":646,"314":648,"315":648,"316":648,"317":649,"318":651,"319":651,"320":651,"321":652,"322":652,"323":656,"324":658,"325":659,"326":659,"327":659,"328":660,"329":661,"330":661,"331":661,"332":662,"333":662,"334":665,"335":666,"336":669,"337":672,"338":672,"339":676,"340":676,"341":677,"342":678,"343":679,"344":679,"345":680,"346":681,"347":681,"348":682,"349":682,"350":683,"351":684,"352":686,"353":687,"354":689,"355":690,"356":690,"357":691,"358":691,"359":692,"360":693,"361":694,"362":695,"363":696,"364":696,"365":698,"366":698,"367":699,"368":700,"369":700,"370":701,"371":702,"372":703,"373":704,"374":705,"375":705,"376":707,"377":708,"378":708,"379":709,"380":714,"381":715,"382":716,"383":716,"384":717,"385":717,"386":718,"387":718,"388":718,"389":719,"390":719,"391":721,"392":721,"393":722,"394":723,"395":733,"396":733,"397":733,"398":734,"399":740,"400":741,"401":742,"402":743,"403":743,"404":745,"405":745,"406":747,"407":747,"408":748,"409":748,"410":750,"411":750,"412":751,"413":751,"414":751,"415":752,"416":755,"417":757,"418":757,"419":758,"420":759,"421":760,"422":761,"423":761,"424":761,"425":762,"426":762,"427":764,"428":765,"429":765,"430":766,"431":767,"432":767,"433":769,"434":770,"435":770,"436":772,"437":773,"438":775,"439":776,"440":776,"441":779,"442":780,"443":781,"444":783,"445":783,"446":784,"447":784,"448":785,"449":786,"450":786,"451":788,"452":789,"453":789,"454":789,"455":789,"456":790,"457":790,"458":791,"459":792,"460":792,"461":793,"462":793,"463":794,"464":794,"465":794,"466":795,"467":797,"468":797,"469":798,"470":799,"471":799,"472":800,"473":801,"474":802,"475":804,"476":804,"477":805,"478":812,"479":813,"480":814,"481":818,"482":820,"483":821,"484":823,"485":823,"486":824,"487":824,"488":824,"489":825,"490":826,"491":828,"492":831,"493":832,"494":833,"495":834,"496":834,"497":835,"498":836,"499":838,"500":838,"501":839,"502":839,"503":840,"504":841,"505":842,"506":842,"507":843,"508":843,"509":844,"510":844,"511":845,"512":846,"513":847,"514":847,"515":847,"516":847,"517":851,"518":851,"519":854,"520":855,"521":856,"522":857,"523":857,"524":858,"525":859,"526":861,"527":864,"528":866,"529":867,"530":868,"531":869,"532":870,"533":870,"534":871,"535":871,"536":872,"537":882,"538":883,"539":883,"540":883,"541":884,"542":885,"543":886,"544":887,"545":890,"546":892,"547":895,"548":895,"549":896,"550":897,"551":897,"552":899,"553":899,"554":899,"555":900,"556":900,"557":902,"558":904,"559":904,"560":906,"561":907,"562":912,"563":914,"564":917,"565":919,"566":920,"567":922,"568":923,"569":925,"570":926,"571":928,"572":928,"573":928,"574":929,"575":929,"576":930,"577":931,"578":931,"579":932,"580":932,"581":934,"582":943,"583":946,"584":947,"585":948,"586":949,"587":950,"588":953,"589":954,"590":954,"591":954,"592":958,"593":959,"594":960,"595":961,"596":962,"597":962,"598":963,"599":963,"600":964,"601":965,"602":967,"603":968,"604":968,"605":969,"606":970,"607":970,"608":971,"609":972,"610":972,"611":972,"612":973,"613":973,"614":974,"615":978,"616":980,"617":981,"618":982,"619":983,"620":983,"621":983,"622":983,"623":984,"624":985,"625":986,"626":987,"627":988,"628":989,"629":991,"630":991,"631":991,"632":992,"633":992,"634":993,"635":993,"636":994,"637":995,"638":995,"639":995,"640":996,"641":999,"642":1003,"643":1007,"644":1007,"645":1008,"646":1009,"647":1011,"648":1012,"649":1013,"650":1014,"651":1016,"652":1016,"653":1016,"654":1018,"655":1019,"656":1021,"657":1022,"658":1024,"659":1025,"660":1027,"661":1028,"662":1028,"663":1031,"664":1032,"665":1033,"666":1033,"667":1034,"668":1035,"669":1036,"670":1036,"671":1036,"672":1037,"673":1038,"674":1038,"675":1039,"676":1039,"677":1039,"678":1040,"679":1041,"680":1041,"681":1042,"682":1043,"683":1043,"684":1043,"685":1047,"686":1047,"687":1048,"688":1049,"689":1051,"690":1051,"691":1053,"692":1053,"693":1055,"694":1057,"695":1059,"696":1060,"697":1060,"698":1061,"699":1061,"700":1062,"701":1063,"702":1065,"703":1068,"704":1068,"705":1068,"706":1069,"707":1070,"708":1071,"709":1071,"710":1071,"711":1072,"712":1072,"713":1074,"714":1074,"715":1075,"716":1077,"717":1078,"718":1078,"719":1079,"720":1080,"721":1081,"722":1081,"723":1081,"724":1082,"725":1082,"726":1084,"727":1086,"728":1087,"729":1089,"730":1089,"731":1089,"732":1090,"733":1091,"734":1091,"735":1092,"736":1092,"737":1093,"738":1093,"739":1095,"740":1095,"741":1096,"742":1097,"743":1098,"744":1099,"745":1099,"746":1100,"747":1101,"748":1102,"749":1104,"750":1104,"751":1105,"752":1106,"753":1106,"754":1108,"755":1108,"756":1109,"757":1109,"758":1112,"759":1112,"760":1113,"761":1114,"762":1115,"763":1115,"764":1116,"765":1118,"766":1118,"767":1120,"768":1120,"769":1121,"770":1121,"771":1122,"772":1123,"773":1123,"774":1124,"775":1126,"776":1127,"777":1127,"778":1128,"779":1129,"780":1129,"781":1131,"782":1132,"783":1132,"784":1133,"785":1133,"786":1134,"787":1135,"788":1135,"789":1136,"790":1137,"791":1141,"792":1144,"793":1147,"794":1147,"795":1148,"796":1149,"797":1150,"798":1152,"799":1152,"800":1153,"801":1154,"802":1159,"803":1160,"804":1160,"805":1161,"806":1163,"807":1164,"808":1165,"809":1165,"810":1166,"811":1166,"812":1169,"813":1172,"814":1174,"815":1177,"816":1177,"817":1180,"818":1182,"819":1183,"820":1184,"821":1184,"822":1185,"823":1187,"824":1189,"825":1193,"826":1196,"827":1198,"828":1199,"829":1200,"830":1201,"831":1203,"832":1203,"833":1204,"834":1207,"835":1208,"836":1209,"837":1209,"838":1210,"839":1211,"840":1212,"841":1212,"842":1213,"843":1213,"844":1213,"845":1214,"846":1215,"847":1216,"848":1217,"849":1217,"850":1217,"851":1218,"852":1218,"853":1218,"854":1220,"855":1221,"856":1222,"857":1222,"858":1227,"859":1228,"860":1229,"861":1230,"862":1231,"863":1231,"864":1232,"865":1232,"866":1233,"867":1233,"868":1239,"869":1240,"870":1241,"871":1242,"872":1243,"873":1244,"874":1246,"875":1246,"876":1247,"877":1247,"878":1248,"879":1249,"880":1249,"881":1250,"882":1251,"883":1251,"884":1251,"885":1252,"886":1252,"887":1254,"888":1257,"889":1258,"890":1258,"891":1259,"892":1260,"893":1260,"894":1262,"895":1262,"896":1263,"897":1265,"898":1266,"899":1266,"900":1268,"901":1268,"902":1268,"903":1269,"904":1271,"905":1271,"906":1272,"907":1273,"908":1274,"909":1276,"910":1281,"911":1281,"912":1283,"913":1283,"914":1283,"915":1284,"916":1285,"917":1285,"918":1286,"919":1289,"920":1292,"921":1294,"922":1294,"923":1295,"924":1295,"925":1295,"926":1298,"927":1299,"928":1300,"929":1300,"930":1301,"931":1302,"932":1303,"933":1303,"934":1304,"935":1304,"936":1305,"937":1305,"938":1306,"939":1307,"940":1308,"941":1309,"942":1309,"943":1310,"944":1310,"945":1311,"946":1311,"947":1312,"948":1312,"949":1313,"950":1314,"951":1314,"952":1315,"953":1315,"954":1316,"955":1317,"956":1318,"957":1319,"958":1320,"959":1323,"960":1324,"961":1325,"962":1326,"963":1326,"964":1327,"965":1327,"966":1330,"967":1331,"968":1331,"969":1332,"970":1333,"971":1333,"972":1334,"973":1336,"974":1337,"975":1339,"976":1340,"977":1340,"978":1342,"979":1347,"980":1348,"981":1349,"982":1350,"983":1351,"984":1352,"985":1353,"986":1354,"987":1354,"988":1357,"989":1357,"990":1358,"991":1358,"992":1359,"993":1360,"994":1361,"995":1362,"996":1362,"997":1363,"998":1364,"999":1364,"1000":1365,"1001":1365,"1002":1366,"1003":1366,"1004":1367,"1005":1367,"1006":1367,"1007":1368,"1008":1368,"1009":1369,"1010":1371,"1011":1371,"1012":1371,"1013":1372,"1014":1374,"1015":1375,"1016":1377,"1017":1379,"1018":1384,"1019":1385,"1020":1385,"1021":1386,"1022":1387,"1023":1396,"1024":1397,"1025":1398,"1026":1398,"1027":1399,"1028":1399,"1029":1401,"1030":1402,"1031":1403,"1032":1403,"1033":1404,"1034":1404,"1035":1405,"1036":1405,"1037":1406,"1038":1407,"1039":1409,"1040":1410,"1041":1412,"1042":1412,"1043":1415,"1044":1419,"1045":1422,"1046":1423,"1047":1424,"1048":1424,"1049":1425,"1050":1425,"1051":1426,"1052":1428,"1053":1430,"1054":1433,"1055":1433,"1056":1434,"1057":1435,"1058":1435,"1059":1436,"1060":1437,"1061":1437,"1062":1437,"1063":1437,"1064":1438,"1065":1438,"1066":1439,"1067":1439,"1068":1440,"1069":1440,"1070":1441,"1071":1441,"1072":1441,"1073":1443,"1074":1444,"1075":1445,"1076":1446,"1077":1446,"1078":1446,"1079":1447,"1080":1448,"1081":1448,"1082":1448,"1083":1449,"1084":1449,"1085":1450,"1086":1451,"1087":1452,"1088":1452,"1089":1454,"1090":1455,"1091":1456,"1092":1457,"1093":1457,"1094":1458,"1095":1458,"1096":1458,"1097":1459,"1098":1459,"1099":1459,"1100":1460,"1101":1460,"1102":1461,"1103":1461,"1104":1462,"1105":1462,"1106":1463,"1107":1465,"1108":1465,"1109":1466,"1110":1466,"1111":1467,"1112":1467,"1113":1469,"1114":1470,"1115":1471,"1116":1472,"1117":1474,"1118":1478,"1119":1478,"1120":1478,"1121":1479,"1122":1480,"1123":1480,"1124":1481,"1125":1481,"1126":1482,"1127":1485,"1128":1486,"1129":1487,"1130":1489,"1131":1489,"1132":1490,"1133":1490,"1134":1491,"1135":1492,"1136":1493,"1137":1494,"1138":1494,"1139":1495,"1140":1496,"1141":1498,"1142":1499,"1143":1500,"1144":1501,"1145":1501,"1146":1502,"1147":1502,"1148":1505,"1149":1506,"1150":1506,"1151":1507,"1152":1508,"1153":1509,"1154":1510,"1155":1511,"1156":1512,"1157":1512,"1158":1513,"1159":1514,"1160":1515,"1161":1517,"1162":1517,"1163":1518,"1164":1518,"1165":1519,"1166":1519,"1167":1520,"1168":1520,"1169":1521,"1170":1521,"1171":1522,"1172":1522,"1173":1522,"1174":1524,"1175":1524,"1176":1524,"1177":1525,"1178":1527,"1179":1527,"1180":1528,"1181":1528,"1182":1529,"1183":1530,"1184":1530,"1185":1531,"1186":1531,"1187":1532,"1188":1537,"1189":1539,"1190":1540,"1191":1541,"1192":1542,"1193":1542,"1194":1542,"1195":1543,"1196":1544,"1197":1545,"1198":1547,"1199":1547,"1200":1549,"1201":1550,"1202":1551,"1203":1551,"1204":1552,"1205":1552,"1206":1553,"1207":1553,"1208":1554,"1209":1554,"1210":1555,"1211":1556,"1212":1558,"1213":1559,"1214":1560,"1215":1560,"1216":1561,"1217":1561,"1218":1562,"1219":1563,"1220":1566,"1221":1566,"1222":1567,"1223":1568,"1224":1570,"1225":1570,"1226":1571,"1227":1572,"1228":1572,"1229":1573,"1230":1574,"1231":1574,"1232":1574,"1233":1575,"1234":1575,"1235":1576,"1236":1577,"1237":1577,"1238":1578,"1239":1578,"1240":1579,"1241":1580,"1242":1580,"1243":1581,"1244":1582,"1245":1583,"1246":1584,"1247":1586,"1248":1587,"1249":1588,"1250":1589,"1251":1589,"1252":1590,"1253":1591,"1254":1599,"1255":1602,"1256":1602,"1257":1602,"1258":1606,"1259":1607,"1260":1607,"1261":1608,"1262":1609,"1263":1609,"1264":1610,"1265":1611,"1266":1611,"1267":1612,"1268":1613,"1269":1613,"1270":1613,"1271":1613,"1272":1614,"1273":1614,"1274":1616,"1275":1616,"1276":1616,"1277":1617,"1278":1618,"1279":1618,"1280":1618,"1281":1619,"1282":1619,"1283":1620,"1284":1621,"1285":1621,"1286":1621,"1287":1622,"1288":1630,"1289":1632,"1290":1633,"1291":1634,"1292":1634,"1293":1635,"1294":1636,"1295":1638,"1296":1641,"1297":1642,"1298":1642,"1299":1644,"1300":1645,"1301":1646,"1302":1647,"1303":1648,"1304":1649,"1305":1649,"1306":1651,"1307":1651,"1308":1652,"1309":1656,"1310":1656,"1311":1657,"1312":1659,"1313":1660,"1314":1660,"1315":1661,"1316":1661,"1317":1661,"1318":1662,"1319":1662,"1320":1662,"1321":1663,"1322":1664,"1323":1665,"1324":1667,"1325":1668,"1326":1668,"1327":1669,"1328":1670,"1329":1671,"1330":1674,"1331":1675,"1332":1675,"1333":1681,"1334":1682,"1335":1683,"1336":1683,"1337":1685,"1338":1687,"1339":1688,"1340":1689,"1341":1692,"1342":1692,"1343":1693,"1344":1694,"1345":1699,"1346":1700,"1347":1700,"1348":1701,"1349":1701,"1350":1702,"1351":1702,"1352":1705,"1353":1706,"1354":1708,"1355":1713,"1356":1713,"1357":1714,"1358":1714,"1359":1716,"1360":1718,"1361":1719,"1362":1720,"1363":1722,"1364":1722,"1365":1722,"1366":1723,"1367":1724,"1368":1724,"1369":1725,"1370":1725,"1371":1726,"1372":1727,"1373":1727,"1374":1727,"1375":1728,"1376":1728,"1377":1729,"1378":1729,"1379":1730,"1380":1730,"1381":1732,"1382":1734,"1383":1734,"1384":1735,"1385":1738,"1386":1740,"1387":1741,"1388":1742,"1389":1742,"1390":1743,"1391":1743,"1392":1743,"1393":1745,"1394":1745,"1395":1745,"1396":1746,"1397":1746,"1398":1747,"1399":1747,"1400":1747,"1401":1749,"1402":1749,"1403":1750,"1404":1750,"1405":1752,"1406":1753,"1407":1755,"1408":1756,"1409":1756,"1410":1756,"1411":1757,"1412":1759,"1413":1760,"1414":1760,"1415":1761,"1416":1761,"1417":1762,"1418":1763,"1419":1763,"1420":1766,"1421":1767,"1422":1768,"1423":1770,"1424":1771,"1425":1771,"1426":1774,"1427":1776,"1428":1776,"1429":1777,"1430":1778,"1431":1780,"1432":1781,"1433":1785,"1434":1786,"1435":1787,"1436":1788,"1437":1788,"1438":1788,"1439":1789,"1440":1789,"1441":1790,"1442":1793,"1443":1793,"1444":1793,"1445":1794,"1446":1794,"1447":1795,"1448":1795,"1449":1795,"1450":1796,"1451":1797,"1452":1797,"1453":1803,"1454":1804,"1455":1806,"1456":1807,"1457":1808,"1458":1808,"1459":1808,"1460":1810,"1461":1811,"1462":1813,"1463":1813,"1464":1814,"1465":1814,"1466":1816,"1467":1816,"1468":1816,"1469":1817,"1470":1818,"1471":1819,"1472":1820,"1473":1820,"1474":1821,"1475":1821,"1476":1822,"1477":1823,"1478":1824,"1479":1825,"1480":1828,"1481":1829,"1482":1829,"1483":1832,"1484":1832,"1485":1833,"1486":1834,"1487":1834,"1488":1835,"1489":1836,"1490":1836,"1491":1837,"1492":1838,"1493":1838,"1494":1842,"1495":1842,"1496":1843,"1497":1845,"1498":1846,"1499":1847,"1500":1847,"1501":1847,"1502":1848,"1503":1848,"1504":1849,"1505":1849,"1506":1850,"1507":1850,"1508":1851,"1509":1853,"1510":1854,"1511":1855,"1512":1855,"1513":1856,"1514":1857,"1515":1858,"1516":1858,"1517":1859,"1518":1859,"1519":1860,"1520":1863,"1521":1863,"1522":1864,"1523":1872,"1524":1872,"1525":1874,"1526":1874,"1527":1876,"1528":1876,"1529":1877,"1530":1878,"1531":1878,"1532":1880,"1533":1881,"1534":1882,"1535":1882,"1536":1883,"1537":1884,"1538":1885,"1539":1885,"1540":1885,"1541":1886,"1542":1887,"1543":1888,"1544":1888,"1545":1889,"1546":1891,"1547":1892,"1548":1893,"1549":1895,"1550":1896,"1551":1896,"1552":1897,"1553":1898,"1554":1898,"1555":1899,"1556":1900,"1557":1902,"1558":1904,"1559":1904,"1560":1904,"1561":1905,"1562":1906,"1563":1908,"1564":1908,"1565":1911,"1566":1912,"1567":1912,"1568":1912,"1569":1913,"1570":1914,"1571":1914,"1572":1915,"1573":1916,"1574":1916,"1575":1917,"1576":1917,"1577":1917,"1578":1918,"1579":1919,"1580":1919,"1581":1920,"1582":1920,"1583":1921,"1584":1922,"1585":1922,"1586":1923,"1587":1923,"1588":1924,"1589":1924,"1590":1925,"1591":1925,"1592":1925,"1593":1926,"1594":1927,"1595":1927,"1596":1928,"1597":1929,"1598":1931,"1599":1932,"1600":1933,"1601":1933,"1602":1935,"1603":1935,"1604":1936,"1605":1936,"1606":1937,"1607":1938,"1608":1938,"1609":1940,"1610":1941,"1611":1941,"1612":1942,"1613":1942,"1614":1943,"1615":1944,"1616":1946,"1617":1947,"1618":1947,"1619":1948,"1620":1950,"1621":1951,"1622":1951,"1623":1952,"1624":1952,"1625":1952,"1626":1953,"1627":1954,"1628":1956,"1629":1957,"1630":1959,"1631":1965,"1632":1966,"1633":1966,"1634":1968,"1635":1971,"1636":1974,"1637":1974,"1638":1975,"1639":1976,"1640":1976,"1641":1980,"1642":1981,"1643":1981,"1644":1982,"1645":1983,"1646":1985,"1647":1986,"1648":1987,"1649":1987,"1650":1988,"1651":1988,"1652":1989,"1653":1991,"1654":1992,"1655":1993,"1656":1994,"1657":1999,"1658":2000,"1659":2001,"1660":2002,"1661":2003,"1662":2004,"1663":2004,"1664":2005,"1665":2005,"1666":2006,"1667":2008,"1668":2009,"1669":2011,"1670":2011,"1671":2011,"1672":2013,"1673":2013,"1674":2014,"1675":2014,"1676":2015,"1677":2016,"1678":2016,"1679":2017,"1680":2018,"1681":2019,"1682":2019,"1683":2019,"1684":2020,"1685":2020,"1686":2021,"1687":2021,"1688":2022,"1689":2022,"1690":2023,"1691":2023,"1692":2023,"1693":2024,"1694":2025,"1695":2025,"1696":2026,"1697":2027,"1698":2027,"1699":2028,"1700":2028,"1701":2028,"1702":2029,"1703":2029,"1704":2030,"1705":2032,"1706":2032,"1707":2034,"1708":2034,"1709":2035,"1710":2035,"1711":2036,"1712":2037,"1713":2038,"1714":2038,"1715":2038,"1716":2040,"1717":2040,"1718":2041,"1719":2044,"1720":2044,"1721":2044,"1722":2046,"1723":2048,"1724":2049,"1725":2052,"1726":2052,"1727":2053,"1728":2055,"1729":2056,"1730":2057,"1731":2057,"1732":2058,"1733":2058,"1734":2059,"1735":2060,"1736":2060,"1737":2061,"1738":2061,"1739":2062,"1740":2063,"1741":2063,"1742":2064,"1743":2066,"1744":2068,"1745":2069,"1746":2069,"1747":2070,"1748":2070,"1749":2071,"1750":2071,"1751":2072,"1752":2072,"1753":2073,"1754":2074,"1755":2074,"1756":2075,"1757":2076,"1758":2076,"1759":2076,"1760":2076,"1761":2077,"1762":2082,"1763":2083,"1764":2084,"1765":2085,"1766":2085,"1767":2086,"1768":2086,"1769":2086,"1770":2087,"1771":2087,"1772":2093,"1773":2094,"1774":2103,"1775":2104,"1776":2105,"1777":2105,"1778":2106,"1779":2107,"1780":2110,"1781":2111,"1782":2112,"1783":2113,"1784":2113,"1785":2113,"1786":2114,"1787":2115,"1788":2116,"1789":2116,"1790":2117,"1791":2119,"1792":2119,"1793":2120,"1794":2123,"1795":2124,"1796":2124,"1797":2130,"1798":2131,"1799":2132,"1800":2133,"1801":2134,"1802":2134,"1803":2134,"1804":2135,"1805":2135,"1806":2136,"1807":2136,"1808":2137,"1809":2140,"1810":2140,"1811":2141,"1812":2141,"1813":2142,"1814":2143,"1815":2145,"1816":2146,"1817":2147,"1818":2148,"1819":2149,"1820":2150,"1821":2152,"1822":2152,"1823":2153,"1824":2153,"1825":2154,"1826":2155,"1827":2156,"1828":2156,"1829":2157,"1830":2158,"1831":2158,"1832":2159,"1833":2159,"1834":2159,"1835":2160,"1836":2160,"1837":2163,"1838":2167,"1839":2167,"1840":2168,"1841":2168,"1842":2169,"1843":2170,"1844":2171,"1845":2171,"1846":2172,"1847":2173,"1848":2174,"1849":2175,"1850":2176,"1851":2177,"1852":2178,"1853":2179,"1854":2180,"1855":2181,"1856":2181,"1857":2181,"1858":2182,"1859":2182,"1860":2183,"1861":2183,"1862":2184,"1863":2184,"1864":2185,"1865":2186,"1866":2187,"1867":2188,"1868":2188,"1869":2189,"1870":2190,"1871":2190,"1872":2191,"1873":2192,"1874":2192,"1875":2193,"1876":2195,"1877":2196,"1878":2197,"1879":2202,"1880":2202,"1881":2203,"1882":2203,"1883":2204,"1884":2205,"1885":2206,"1886":2206,"1887":2206,"1888":2207,"1889":2209,"1890":2209,"1891":2211,"1892":2212,"1893":2212,"1894":2213,"1895":2214,"1896":2214,"1897":2215,"1898":2216,"1899":2217,"1900":2218,"1901":2218,"1902":2218,"1903":2220,"1904":2220,"1905":2220,"1906":2221,"1907":2221,"1908":2222,"1909":2222,"1910":2223,"1911":2223,"1912":2223,"1913":2224,"1914":2225,"1915":2225,"1916":2226,"1917":2226,"1918":2227,"1919":2229,"1920":2230,"1921":2230,"1922":2231,"1923":2232,"1924":2234,"1925":2234,"1926":2234,"1927":2235,"1928":2235,"1929":2236,"1930":2238,"1931":2238,"1932":2239,"1933":2239,"1934":2240,"1935":2241,"1936":2241,"1937":2242,"1938":2242,"1939":2243,"1940":2243,"1941":2243,"1942":2244,"1943":2245,"1944":2246,"1945":2246,"1946":2247,"1947":2248,"1948":2249,"1949":2249,"1950":2249,"1951":2250,"1952":2250,"1953":2251,"1954":2252,"1955":2253,"1956":2257,"1957":2259,"1958":2259,"1959":2259,"1960":2262,"1961":2264,"1962":2265,"1963":2265,"1964":2266,"1965":2266,"1966":2268,"1967":2268,"1968":2270,"1969":2271,"1970":2273,"1971":2273,"1972":2274,"1973":2274,"1974":2275,"1975":2276,"1976":2276,"1977":2278,"1978":2279,"1979":2280,"1980":2281,"1981":2281,"1982":2283,"1983":2283,"1984":2284,"1985":2285,"1986":2285,"1987":2289,"1988":2292,"1989":2293,"1990":2293,"1991":2294,"1992":2294,"1993":2295,"1994":2296,"1995":2296,"1996":2297,"1997":2297,"1998":2298,"1999":2298,"2000":2300,"2001":2302,"2002":2303,"2003":2304,"2004":2305,"2005":2306,"2006":2307,"2007":2307,"2008":2308,"2009":2308,"2010":2309,"2011":2311,"2012":2312,"2013":2314,"2014":2315,"2015":2316,"2016":2316,"2017":2316,"2018":2317,"2019":2319,"2020":2319,"2021":2320,"2022":2321,"2023":2321,"2024":2322,"2025":2322,"2026":2322,"2027":2323,"2028":2324,"2029":2324,"2030":2325,"2031":2325,"2032":2326,"2033":2326,"2034":2327,"2035":2327,"2036":2328,"2037":2329,"2038":2329,"2039":2330,"2040":2331,"2041":2333,"2042":2334,"2043":2336,"2044":2336,"2045":2339,"2046":2340,"2047":2341,"2048":2342,"2049":2343,"2050":2343,"2051":2344,"2052":2344,"2053":2346,"2054":2346,"2055":2347,"2056":2347,"2057":2348,"2058":2348,"2059":2349,"2060":2349,"2061":2349,"2062":2350,"2063":2350,"2064":2351,"2065":2351,"2066":2351,"2067":2352,"2068":2353,"2069":2353,"2070":2353,"2071":2353,"2072":2354,"2073":2354,"2074":2354,"2075":2354,"2076":2355,"2077":2357,"2078":2357,"2079":2357,"2080":2360,"2081":2361,"2082":2361,"2083":2364,"2084":2364,"2085":2366,"2086":2367,"2087":2368,"2088":2368,"2089":2371,"2090":2371,"2091":2372,"2092":2373,"2093":2373,"2094":2374,"2095":2375,"2096":2375,"2097":2378,"2098":2378,"2099":2379,"2100":2380,"2101":2381,"2102":2383,"2103":2383,"2104":2383,"2105":2384,"2106":2385,"2107":2386,"2108":2386,"2109":2391,"2110":2392,"2111":2394,"2112":2395,"2113":2396,"2114":2397,"2115":2398,"2116":2399,"2117":2401,"2118":2402,"2119":2404,"2120":2404,"2121":2405,"2122":2406,"2123":2406,"2124":2408,"2125":2409,"2126":2409,"2127":2410,"2128":2410,"2129":2410,"2130":2411,"2131":2411,"2132":2412,"2133":2412,"2134":2414,"2135":2414,"2136":2414,"2137":2415,"2138":2415,"2139":2418,"2140":2418,"2141":2419,"2142":2419,"2143":2420,"2144":2420,"2145":2421,"2146":2422,"2147":2422,"2148":2423,"2149":2424,"2150":2424,"2151":2424,"2152":2425,"2153":2425,"2154":2425,"2155":2426,"2156":2426,"2157":2426,"2158":2427,"2159":2427,"2160":2428,"2161":2428,"2162":2428,"2163":2429,"2164":2429,"2165":2430,"2166":2430,"2167":2431,"2168":2432,"2169":2433,"2170":2434,"2171":2434,"2172":2434,"2173":2435,"2174":2435,"2175":2436,"2176":2436,"2177":2437,"2178":2437,"2179":2438,"2180":2438,"2181":2439,"2182":2439,"2183":2439,"2184":2440,"2185":2441,"2186":2441,"2187":2442,"2188":2443,"2189":2444,"2190":2444,"2191":2445,"2192":2447,"2193":2447,"2194":2448,"2195":2449,"2196":2450,"2197":2450,"2198":2451,"2199":2452,"2200":2453,"2201":2454,"2202":2455,"2203":2456,"2204":2456,"2205":2456,"2206":2458,"2207":2459,"2208":2460,"2209":2460,"2210":2461,"2211":2462,"2212":2463,"2213":2463,"2214":2466,"2215":2466,"2216":2467,"2217":2468,"2218":2468,"2219":2469,"2220":2469,"2221":2478,"2222":2480,"2223":2490,"2224":2490,"2225":2491,"2226":2492,"2227":2492,"2228":2493,"2229":2494,"2230":2494,"2231":2495,"2232":2495,"2233":2495,"2234":2496,"2235":2496,"2236":2497,"2237":2497,"2238":2497,"2239":2497,"2240":2498,"2241":2499,"2242":2499,"2243":2500,"2244":2500,"2245":2501,"2246":2501,"2247":2501,"2248":2502,"2249":2502,"2250":2503,"2251":2503,"2252":2504,"2253":2504,"2254":2504,"2255":2504,"2256":2505,"2257":2505,"2258":2506,"2259":2506,"2260":2507,"2261":2511,"2262":2512,"2263":2513,"2264":2514,"2265":2516,"2266":2516,"2267":2519,"2268":2522,"2269":2524,"2270":2524,"2271":2525,"2272":2525,"2273":2526,"2274":2526,"2275":2526,"2276":2527,"2277":2527,"2278":2528,"2279":2528,"2280":2529,"2281":2529,"2282":2530,"2283":2530,"2284":2530,"2285":2530,"2286":2531,"2287":2535,"2288":2538,"2289":2600,"2290":2601,"2291":2602,"2292":2602,"2293":2603,"2294":2606,"2295":2607,"2296":2607,"2297":2608,"2298":2608,"2299":2609,"2300":2610,"2301":2610,"2302":2612,"2303":2612,"2304":2614,"2305":2614,"2306":2614,"2307":2615,"2308":2615,"2309":2616,"2310":2616,"2311":2617,"2312":2618,"2313":2618,"2314":2619,"2315":2619,"2316":2620,"2317":2621,"2318":2622,"2319":2622,"2320":2623,"2321":2623,"2322":2624,"2323":2626,"2324":2626,"2325":2629,"2326":2630,"2327":2632,"2328":2633,"2329":2633,"2330":2634,"2331":2634,"2332":2634,"2333":2635,"2334":2636,"2335":2636,"2336":2637,"2337":2638,"2338":2639,"2339":2639,"2340":2639,"2341":2640,"2342":2640,"2343":2641,"2344":2642,"2345":2642,"2346":2643,"2347":2643,"2348":2645,"2349":2645,"2350":2646,"2351":2647,"2352":2648,"2353":2648,"2354":2649,"2355":2650,"2356":2650,"2357":2650,"2358":2651,"2359":2653,"2360":2653,"2361":2653,"2362":2654,"2363":2654,"2364":2655,"2365":2656,"2366":2656,"2367":2657,"2368":2657,"2369":2658,"2370":2659,"2371":2660,"2372":2661,"2373":2661,"2374":2662,"2375":2663,"2376":2663,"2377":2664,"2378":2666,"2379":2667,"2380":2668,"2381":2669,"2382":2670,"2383":2670,"2384":2670,"2385":2672,"2386":2673,"2387":2673,"2388":2675,"2389":2675,"2390":2676,"2391":2676,"2392":2677,"2393":2678,"2394":2678,"2395":2679,"2396":2679,"2397":2680,"2398":2680,"2399":2681,"2400":2681,"2401":2681,"2402":2681,"2403":2682,"2404":2682,"2405":2683,"2406":2683,"2407":2685,"2408":2685,"2409":2686,"2410":2687,"2411":2687,"2412":2689,"2413":2689,"2414":2690,"2415":2690,"2416":2691,"2417":2692,"2418":2693,"2419":2693,"2420":2694,"2421":2695,"2422":2696,"2423":2697,"2424":2697,"2425":2698,"2426":2700,"2427":2700,"2428":2701,"2429":2703,"2430":2703,"2431":2703,"2432":2704,"2433":2704,"2434":2705,"2435":2706,"2436":2706,"2437":2706,"2438":2707,"2439":2707,"2440":2708,"2441":2709,"2442":2709,"2443":2710,"2444":2710,"2445":2711,"2446":2711,"2447":2712,"2448":2712,"2449":2713,"2450":2713,"2451":2714,"2452":2714,"2453":2715,"2454":2716,"2455":2716,"2456":2716,"2457":2717,"2458":2719,"2459":2719,"2460":2720,"2461":2720,"2462":2721,"2463":2721,"2464":2721,"2465":2722,"2466":2722,"2467":2722,"2468":2723,"2469":2723,"2470":2724,"2471":2724,"2472":2725,"2473":2725,"2474":2726,"2475":2727,"2476":2728,"2477":2728,"2478":2729,"2479":2729,"2480":2730,"2481":2731,"2482":2732,"2483":2733,"2484":2733,"2485":2733,"2486":2734,"2487":2734,"2488":2734,"2489":2736,"2490":2736,"2491":2737,"2492":2737,"2493":2740,"2494":2740,"2495":2741,"2496":2742,"2497":2743,"2498":2745,"2499":2745,"2500":2746,"2501":2746,"2502":2747,"2503":2747,"2504":2748,"2505":2752,"2506":2753,"2507":2754,"2508":2755,"2509":2755,"2510":2755,"2511":2756,"2512":2757,"2513":2757,"2514":2758,"2515":2758,"2516":2759,"2517":2761,"2518":2762,"2519":2764,"2520":2764,"2521":2765,"2522":2765,"2523":2766,"2524":2766,"2525":2767,"2526":2767,"2527":2768,"2528":2769,"2529":2769,"2530":2769,"2531":2770,"2532":2770,"2533":2770,"2534":2771,"2535":2771,"2536":2771,"2537":2772,"2538":2772,"2539":2772,"2540":2773,"2541":2775,"2542":2775,"2543":2776,"2544":2776,"2545":2776,"2546":2778,"2547":2779,"2548":2779,"2549":2779,"2550":2779,"2551":2780,"2552":2781,"2553":2781,"2554":2781,"2555":2782,"2556":2805,"2557":2807,"2558":2809,"2559":2810,"2560":2812,"2561":2813,"2562":2814,"2563":2815,"2564":2816,"2565":2816,"2566":2817,"2567":2817,"2568":2817,"2569":2818,"2570":2819,"2571":2819,"2572":2819,"2573":2820,"2574":2821,"2575":2821,"2576":2823,"2577":2823,"2578":2826,"2579":2827,"2580":2828,"2581":2828,"2582":2828,"2583":2829,"2584":2830,"2585":2830,"2586":2830,"2587":2831,"2588":2831,"2589":2831,"2590":2832,"2591":2832,"2592":2834,"2593":2834,"2594":2835,"2595":2835,"2596":2836,"2597":2837,"2598":2837,"2599":2838,"2600":2838,"2601":2839,"2602":2840,"2603":2841,"2604":2844,"2605":2845,"2606":2845,"2607":2845,"2608":2846,"2609":2846,"2610":2847,"2611":2848,"2612":2849,"2613":2850,"2614":2852,"2615":2853,"2616":2853,"2617":2854,"2618":2856,"2619":2857,"2620":2857,"2621":2857,"2622":2858,"2623":2859,"2624":2859,"2625":2860,"2626":2861,"2627":2862,"2628":2865,"2629":2865,"2630":2865,"2631":2865,"2632":2866,"2633":2866,"2634":2866,"2635":2867,"2636":2869,"2637":2869,"2638":2869,"2639":2869,"2640":2870,"2641":2871,"2642":2871,"2643":2871,"2644":2872,"2645":2873,"2646":2874,"2647":2874,"2648":2876,"2649":2877,"2650":2877,"2651":2879,"2652":2879,"2653":2879,"2654":2879,"2655":2880,"2656":2881,"2657":2882,"2658":2882,"2659":2884,"2660":2887,"2661":2888,"2662":2890,"2663":2891,"2664":2891,"2665":2893,"2666":2894,"2667":2894,"2668":2894,"2669":2895,"2670":2896,"2671":2897,"2672":2898,"2673":2898,"2674":2899,"2675":2899,"2676":2899,"2677":2899,"2678":2901,"2679":2903,"2680":2903,"2681":2904,"2682":2904,"2683":2905,"2684":2906,"2685":2907,"2686":2907,"2687":2908,"2688":2908,"2689":2909,"2690":2909,"2691":2910,"2692":2910,"2693":2910,"2694":2911,"2695":2911,"2696":2913,"2697":2914,"2698":2915,"2699":2915,"2700":2916,"2701":2917,"2702":2917,"2703":2918,"2704":2918,"2705":2918,"2706":2919,"2707":2921,"2708":2922,"2709":2922,"2710":2922,"2711":2923,"2712":2924,"2713":2925,"2714":2926,"2715":2928,"2716":2932,"2717":2932,"2718":2932,"2719":2933,"2720":2933,"2721":2934,"2722":2934,"2723":2935,"2724":2935,"2725":2936,"2726":2937,"2727":2938,"2728":2940,"2729":2945,"2730":2946,"2731":2946,"2732":2947,"2733":2948,"2734":2948,"2735":2949,"2736":2950,"2737":2950,"2738":2952,"2739":2953,"2740":2954,"2741":2954,"2742":2955,"2743":2956,"2744":2956,"2745":2957,"2746":2957,"2747":2958,"2748":2958,"2749":2959,"2750":2959,"2751":2960,"2752":2960,"2753":2961,"2754":2961,"2755":2961,"2756":2962,"2757":2962,"2758":2963,"2759":2969,"2760":2969,"2761":2971,"2762":2971,"2763":2973,"2764":2974,"2765":2975,"2766":2976,"2767":2977,"2768":2977,"2769":2977,"2770":2978,"2771":2978,"2772":2979,"2773":2979,"2774":2980,"2775":2982,"2776":2983,"2777":2984,"2778":2984,"2779":2985,"2780":2985,"2781":2986,"2782":2987,"2783":2987,"2784":2988,"2785":2988,"2786":2990,"2787":2990,"2788":2990,"2789":2991,"2790":2992,"2791":2992,"2792":2993,"2793":2993,"2794":2994,"2795":2994,"2796":2995,"2797":2995,"2798":2995,"2799":2996,"2800":2996,"2801":2997,"2802":2999,"2803":3000,"2804":3001,"2805":3001,"2806":3002,"2807":3003,"2808":3003,"2809":3004,"2810":3004,"2811":3005,"2812":3005,"2813":3006,"2814":3007,"2815":3008,"2816":3008,"2817":3009,"2818":3010,"2819":3010,"2820":3011,"2821":3011,"2822":3012,"2823":3013,"2824":3014,"2825":3014,"2826":3015,"2827":3015,"2828":3015,"2829":3015,"2830":3016,"2831":3016,"2832":3017,"2833":3017,"2834":3019,"2835":3021,"2836":3024,"2837":3026,"2838":3027,"2839":3028,"2840":3028,"2841":3029,"2842":3030,"2843":3030,"2844":3030,"2845":3031,"2846":3031,"2847":3031,"2848":3036,"2849":3036,"2850":3037,"2851":3037,"2852":3037,"2853":3038,"2854":3041,"2855":3042,"2856":3042,"2857":3043,"2858":3044,"2859":3044,"2860":3044,"2861":3045,"2862":3045,"2863":3046,"2864":3046,"2865":3047,"2866":3047,"2867":3048,"2868":3048,"2869":3049,"2870":3049,"2871":3050,"2872":3051,"2873":3052,"2874":3052,"2875":3053,"2876":3055,"2877":3056,"2878":3058,"2879":3058,"2880":3059,"2881":3059,"2882":3061,"2883":3063,"2884":3063,"2885":3064,"2886":3064,"2887":3066,"2888":3066,"2889":3066,"2890":3067,"2891":3067,"2892":3068,"2893":3069,"2894":3069,"2895":3070,"2896":3070,"2897":3071,"2898":3071,"2899":3072,"2900":3073,"2901":3073,"2902":3074,"2903":3074,"2904":3074,"2905":3074,"2906":3075,"2907":3076,"2908":3076,"2909":3077,"2910":3078,"2911":3078,"2912":3078,"2913":3079,"2914":3079,"2915":3080,"2916":3080,"2917":3081,"2918":3081,"2919":3082,"2920":3082,"2921":3083,"2922":3083,"2923":3084,"2924":3084,"2925":3086,"2926":3086,"2927":3086,"2928":3086,"2929":3087,"2930":3089,"2931":3090,"2932":3090,"2933":3091,"2934":3091,"2935":3092,"2936":3092,"2937":3092,"2938":3094,"2939":3095,"2940":3096,"2941":3097,"2942":3097,"2943":3100,"2944":3101,"2945":3101,"2946":3101,"2947":3102,"2948":3103,"2949":3103,"2950":3103,"2951":3104,"2952":3104,"2953":3105,"2954":3105,"2955":3106,"2956":3106,"2957":3108,"2958":3108,"2959":3108,"2960":3109,"2961":3110,"2962":3110,"2963":3111,"2964":3112,"2965":3112,"2966":3113,"2967":3113,"2968":3114,"2969":3114,"2970":3114,"2971":3115,"2972":3117,"2973":3118,"2974":3118,"2975":3119,"2976":3120,"2977":3121,"2978":3121,"2979":3121,"2980":3122,"2981":3123,"2982":3124,"2983":3124,"2984":3126,"2985":3126,"2986":3128,"2987":3129,"2988":3129,"2989":3130,"2990":3130,"2991":3133,"2992":3134,"2993":3134,"2994":3136,"2995":3136,"2996":3137,"2997":3137,"2998":3138,"2999":3138,"3000":3138,"3001":3140,"3002":3140,"3003":3140,"3004":3141,"3005":3142,"3006":3143,"3007":3144,"3008":3145,"3009":3147,"3010":3148,"3011":3148,"3012":3148,"3013":3149,"3014":3149,"3015":3150,"3016":3150,"3017":3151,"3018":3151,"3019":3152,"3020":3153,"3021":3154,"3022":3154,"3023":3155,"3024":3155,"3025":3155,"3026":3156,"3027":3156,"3028":3157,"3029":3157,"3030":3158,"3031":3158,"3032":3159,"3033":3160,"3034":3164,"3035":3165,"3036":3165,"3037":3167,"3038":3168,"3039":3168,"3040":3169,"3041":3171,"3042":3172,"3043":3173,"3044":3173,"3045":3173,"3046":3174,"3047":3174,"3048":3174,"3049":3174,"3050":3174,"3051":3175,"3052":3175,"3053":3176,"3054":3177,"3055":3177,"3056":3178,"3057":3178,"3058":3179,"3059":3180,"3060":3181,"3061":3182,"3062":3183,"3063":3183,"3064":3184,"3065":3184,"3066":3184,"3067":3185,"3068":3185,"3069":3186,"3070":3187,"3071":3187,"3072":3189,"3073":3189,"3074":3190,"3075":3190,"3076":3191,"3077":3192,"3078":3192,"3079":3192,"3080":3201,"3081":3202,"3082":3202,"3083":3203,"3084":3203,"3085":3204,"3086":3204,"3087":3205,"3088":3205,"3089":3206,"3090":3207,"3091":3207,"3092":3207,"3093":3208,"3094":3209,"3095":3209,"3096":3209,"3097":3210,"3098":3211,"3099":3212,"3100":3212,"3101":3213,"3102":3213,"3103":3214,"3104":3214,"3105":3215,"3106":3215,"3107":3216,"3108":3216,"3109":3217,"3110":3217,"3111":3217,"3112":3218,"3113":3218,"3114":3218,"3115":3219,"3116":3219,"3117":3220,"3118":3220,"3119":3220,"3120":3221,"3121":3221,"3122":3223,"3123":3223,"3124":3223,"3125":3224,"3126":3224,"3127":3226,"3128":3228,"3129":3228,"3130":3229,"3131":3229,"3132":3230,"3133":3231,"3134":3232,"3135":3232,"3136":3232,"3137":3233,"3138":3233,"3139":3233,"3140":3234,"3141":3235,"3142":3235,"3143":3236,"3144":3236,"3145":3237,"3146":3237,"3147":3238,"3148":3238,"3149":3239,"3150":3241,"3151":3241,"3152":3242,"3153":3243,"3154":3243,"3155":3244,"3156":3245,"3157":3245,"3158":3246,"3159":3247,"3160":3249,"3161":3249,"3162":3249,"3163":3250,"3164":3251,"3165":3251,"3166":3251,"3167":3252,"3168":3253,"3169":3253,"3170":3254,"3171":3255,"3172":3255,"3173":3256,"3174":3256,"3175":3257,"3176":3257,"3177":3258,"3178":3258,"3179":3259,"3180":3259,"3181":3262,"3182":3262,"3183":3263,"3184":3264,"3185":3264,"3186":3264,"3187":3265,"3188":3266,"3189":3266,"3190":3268,"3191":3269,"3192":3269,"3193":3269,"3194":3270,"3195":3270,"3196":3270,"3197":3271,"3198":3271,"3199":3272,"3200":3272,"3201":3273,"3202":3275,"3203":3276,"3204":3277,"3205":3278,"3206":3278,"3207":3278,"3208":3279,"3209":3280,"3210":3281,"3211":3282,"3212":3283,"3213":3283,"3214":3283,"3215":3284,"3216":3284,"3217":3285,"3218":3285,"3219":3286,"3220":3287,"3221":3287,"3222":3289,"3223":3289,"3224":3290,"3225":3291,"3226":3291,"3227":3291,"3228":3292,"3229":3293,"3230":3294,"3231":3294,"3232":3295,"3233":3295,"3234":3296,"3235":3297,"3236":3297,"3237":3298,"3238":3300,"3239":3301,"3240":3302,"3241":3302,"3242":3303,"3243":3304,"3244":3304,"3245":3305,"3246":3306,"3247":3307,"3248":3307,"3249":3309,"3250":3311,"3251":3312,"3252":3312,"3253":3313,"3254":3313,"3255":3314,"3256":3314,"3257":3314,"3258":3315,"3259":3315,"3260":3316,"3261":3317,"3262":3318,"3263":3318,"3264":3318,"3265":3319,"3266":3320,"3267":3321,"3268":3321,"3269":3321,"3270":3322,"3271":3323,"3272":3323,"3273":3324,"3274":3325,"3275":3326,"3276":3328,"3277":3328,"3278":3329,"3279":3330,"3280":3331,"3281":3331,"3282":3332,"3283":3332,"3284":3333,"3285":3334,"3286":3334,"3287":3335,"3288":3335,"3289":3336,"3290":3336,"3291":3337,"3292":3337,"3293":3338,"3294":3338,"3295":3339,"3296":3340,"3297":3341,"3298":3341,"3299":3342,"3300":3343,"3301":3344,"3302":3344,"3303":3345,"3304":3349,"3305":3351,"3306":3351,"3307":3352,"3308":3356,"3309":3357,"3310":3358,"3311":3359,"3312":3359,"3313":3361,"3314":3361,"3315":3362,"3316":3362,"3317":3363,"3318":3363,"3319":3365,"3320":3366,"3321":3367,"3322":3367,"3323":3368,"3324":3369,"3325":3372,"3326":3372,"3327":3373,"3328":3373,"3329":3374,"3330":3376,"3331":3376,"3332":3377,"3333":3378,"3334":3379,"3335":3380,"3336":3381,"3337":3383,"3338":3384,"3339":3384,"3340":3385,"3341":3385,"3342":3386,"3343":3387,"3344":3387,"3345":3388,"3346":3388,"3347":3389,"3348":3389,"3349":3390,"3350":3390,"3351":3391,"3352":3391,"3353":3391,"3354":3392,"3355":3392,"3356":3393,"3357":3394,"3358":3394,"3359":3394,"3360":3395,"3361":3395,"3362":3396,"3363":3396,"3364":3397,"3365":3397,"3366":3397,"3367":3398,"3368":3398,"3369":3398,"3370":3398,"3371":3399,"3372":3400,"3373":3400,"3374":3401,"3375":3401,"3376":3403,"3377":3404,"3378":3405,"3379":3406,"3380":3406,"3381":3407,"3382":3411,"3383":3412,"3384":3413,"3385":3415,"3386":3415,"3387":3416,"3388":3417,"3389":3418,"3390":3418,"3391":3419,"3392":3420,"3393":3421,"3394":3421,"3395":3421,"3396":3422,"3397":3422,"3398":3423,"3399":3423,"3400":3424,"3401":3424,"3402":3425,"3403":3426,"3404":3426,"3405":3427,"3406":3430,"3407":3430,"3408":3431,"3409":3431,"3410":3432,"3411":3435,"3412":3436,"3413":3437,"3414":3437,"3415":3438,"3416":3438,"3417":3438,"3418":3439,"3419":3440,"3420":3440,"3421":3441,"3422":3441,"3423":3442,"3424":3442,"3425":3443,"3426":3444,"3427":3445,"3428":3445,"3429":3446,"3430":3446,"3431":3447,"3432":3448,"3433":3448,"3434":3449,"3435":3449,"3436":3450,"3437":3451,"3438":3452,"3439":3452,"3440":3453,"3441":3454,"3442":3455,"3443":3455,"3444":3456,"3445":3456,"3446":3459,"3447":3460,"3448":3460,"3449":3461,"3450":3462,"3451":3463,"3452":3463,"3453":3464,"3454":3465,"3455":3465,"3456":3465,"3457":3467,"3458":3468,"3459":3468,"3460":3469,"3461":3470,"3462":3471,"3463":3472,"3464":3472,"3465":3473,"3466":3474,"3467":3474,"3468":3475,"3469":3475,"3470":3475,"3471":3476,"3472":3477,"3473":3478,"3474":3479,"3475":3481,"3476":3482,"3477":3483,"3478":3484,"3479":3485,"3480":3486,"3481":3486,"3482":3487,"3483":3487,"3484":3487,"3485":3488,"3486":3489,"3487":3490,"3488":3492,"3489":3493,"3490":3494,"3491":3494,"3492":3495,"3493":3498,"3494":3498,"3495":3498,"3496":3499,"3497":3501,"3498":3502,"3499":3503,"3500":3503,"3501":3505,"3502":3505,"3503":3506,"3504":3506,"3505":3507,"3506":3507,"3507":3508,"3508":3509,"3509":3509,"3510":3510,"3511":3511,"3512":3513,"3513":3513,"3514":3513,"3515":3514,"3516":3515,"3517":3515,"3518":3516,"3519":3516,"3520":3517,"3521":3517,"3522":3518,"3523":3519,"3524":3520,"3525":3522,"3526":3524,"3527":3525,"3528":3525,"3529":3526,"3530":3526,"3531":3527,"3532":3531,"3533":3532,"3534":3533,"3535":3533,"3536":3535,"3537":3535,"3538":3536,"3539":3536,"3540":3539,"3541":3539,"3542":3540,"3543":3541,"3544":3543,"3545":3544,"3546":3544,"3547":3545,"3548":3546,"3549":3546,"3550":3546,"3551":3547,"3552":3548,"3553":3548,"3554":3549,"3555":3552,"3556":3554,"3557":3555,"3558":3555,"3559":3556,"3560":3557,"3561":3558,"3562":3559,"3563":3562,"3564":3562,"3565":3563,"3566":3564,"3567":3564,"3568":3565,"3569":3565,"3570":3565,"3571":3566,"3572":3566,"3573":3567,"3574":3567,"3575":3568,"3576":3569,"3577":3569,"3578":3570,"3579":3570,"3580":3570,"3581":3571,"3582":3572,"3583":3573,"3584":3573,"3585":3573,"3586":3574,"3587":3574,"3588":3575,"3589":3575,"3590":3576,"3591":3577,"3592":3578,"3593":3578,"3594":3580,"3595":3580,"3596":3581,"3597":3581,"3598":3582,"3599":3582,"3600":3582,"3601":3583,"3602":3583,"3603":3584,"3604":3585,"3605":3585,"3606":3586,"3607":3586,"3608":3587,"3609":3587,"3610":3588,"3611":3590,"3612":3591,"3613":3592,"3614":3595,"3615":3595,"3616":3596,"3617":3596,"3618":3597,"3619":3597,"3620":3597,"3621":3598,"3622":3599,"3623":3600,"3624":3601,"3625":3602,"3626":3603,"3627":3603,"3628":3605,"3629":3605,"3630":3607,"3631":3608,"3632":3608,"3633":3609,"3634":3612,"3635":3612,"3636":3613,"3637":3613,"3638":3613,"3639":3614,"3640":3615,"3641":3615,"3642":3616,"3643":3617,"3644":3618,"3645":3618,"3646":3618,"3647":3619,"3648":3619,"3649":3620,"3650":3620,"3651":3621,"3652":3621,"3653":3622,"3654":3623,"3655":3624,"3656":3624,"3657":3625,"3658":3625,"3659":3625,"3660":3625,"3661":3633,"3662":3635,"3663":3636,"3664":3636,"3665":3636,"3666":3636,"3667":3638,"3668":3638,"3669":3638,"3670":3639,"3671":3640,"3672":3641,"3673":3642,"3674":3642,"3675":3643,"3676":3644,"3677":3644,"3678":3645,"3679":3645,"3680":3646,"3681":3646,"3682":3647,"3683":3647,"3684":3648,"3685":3648,"3686":3649,"3687":3650,"3688":3650,"3689":3651,"3690":3651,"3691":3652,"3692":3653,"3693":3653,"3694":3653,"3695":3655,"3696":3656,"3697":3656,"3698":3656,"3699":3657,"3700":3658,"3701":3658,"3702":3659,"3703":3659,"3704":3660,"3705":3661,"3706":3661,"3707":3661,"3708":3662,"3709":3663,"3710":3663,"3711":3664,"3712":3664,"3713":3665,"3714":3666,"3715":3666,"3716":3666,"3717":3667,"3718":3667,"3719":3668,"3720":3668,"3721":3669,"3722":3670,"3723":3671,"3724":3671,"3725":3671,"3726":3672,"3727":3672,"3728":3673,"3729":3674,"3730":3675,"3731":3676,"3732":3676,"3733":3677,"3734":3677,"3735":3678,"3736":3678,"3737":3679,"3738":3679,"3739":3680,"3740":3682,"3741":3682,"3742":3682,"3743":3683,"3744":3684,"3745":3685,"3746":3686,"3747":3686,"3748":3687,"3749":3688,"3750":3688,"3751":3688,"3752":3689,"3753":3690,"3754":3690,"3755":3690,"3756":3691,"3757":3692,"3758":3693,"3759":3693,"3760":3694,"3761":3694,"3762":3695,"3763":3696,"3764":3697,"3765":3698,"3766":3698,"3767":3698,"3768":3699,"3769":3700,"3770":3700,"3771":3702,"3772":3703,"3773":3704,"3774":3704,"3775":3704,"3776":3705,"3777":3705,"3778":3706,"3779":3707,"3780":3707,"3781":3707,"3782":3711,"3783":3711,"3784":3712,"3785":3713,"3786":3713,"3787":3716,"3788":3717,"3789":3717,"3790":3719,"3791":3719,"3792":3720,"3793":3720,"3794":3721,"3795":3721,"3796":3722,"3797":3724,"3798":3724,"3799":3725,"3800":3725,"3801":3726,"3802":3726,"3803":3727,"3804":3728,"3805":3731,"3806":3732,"3807":3732,"3808":3733,"3809":3733,"3810":3735,"3811":3736,"3812":3737,"3813":3739,"3814":3739,"3815":3740,"3816":3740,"3817":3741,"3818":3741,"3819":3742,"3820":3743,"3821":3743,"3822":3743,"3823":3744,"3824":3744,"3825":3744,"3826":3746,"3827":3746,"3828":3748,"3829":3750,"3830":3751,"3831":3752,"3832":3752,"3833":3753,"3834":3755,"3835":3756,"3836":3756,"3837":3757,"3838":3758,"3839":3758,"3840":3760,"3841":3762,"3842":3763,"3843":3765,"3844":3766,"3845":3767,"3846":3767,"3847":3768,"3848":3769,"3849":3769,"3850":3771,"3851":3771,"3852":3772,"3853":3772,"3854":3773,"3855":3774,"3856":3774,"3857":3775,"3858":3776,"3859":3778,"3860":3779,"3861":3781,"3862":3781,"3863":3782,"3864":3782,"3865":3783,"3866":3783,"3867":3784,"3868":3784,"3869":3785,"3870":3785,"3871":3787,"3872":3788,"3873":3789,"3874":3790,"3875":3792,"3876":3793,"3877":3794,"3878":3795,"3879":3795,"3880":3796,"3881":3796,"3882":3797,"3883":3799,"3884":3799,"3885":3800,"3886":3800,"3887":3801,"3888":3802,"3889":3802,"3890":3803,"3891":3803,"3892":3805,"3893":3808,"3894":3809,"3895":3810,"3896":3810,"3897":3811,"3898":3813,"3899":3814,"3900":3814,"3901":3815,"3902":3815,"3903":3815,"3904":3816,"3905":3816,"3906":3817,"3907":3817,"3908":3817,"3909":3818,"3910":3819,"3911":3820,"3912":3820,"3913":3821,"3914":3821,"3915":3821,"3916":3822,"3917":3823,"3918":3823,"3919":3824,"3920":3825,"3921":3826,"3922":3826,"3923":3827,"3924":3827,"3925":3828,"3926":3828,"3927":3834,"3928":3835,"3929":3835,"3930":3838,"3931":3839,"3932":3842,"3933":3843,"3934":3843,"3935":3844,"3936":3844,"3937":3850,"3938":3851,"3939":3852,"3940":3853,"3941":3853,"3942":3853,"3943":3854,"3944":3855,"3945":3856,"3946":3857,"3947":3858,"3948":3858,"3949":3859,"3950":3859,"3951":3859,"3952":3860,"3953":3861,"3954":3861,"3955":3862,"3956":3862,"3957":3863,"3958":3864,"3959":3866,"3960":3867,"3961":3868,"3962":3869,"3963":3870,"3964":3870,"3965":3873,"3966":3874,"3967":3875,"3968":3885,"3969":3888,"3970":3889,"3971":3892,"3972":3892,"3973":3893,"3974":3894,"3975":3895,"3976":3895,"3977":3897,"3978":3899,"3979":3899,"3980":3899,"3981":3901,"3982":3902,"3983":3902,"3984":3903,"3985":3905,"3986":3905,"3987":3909,"3988":3910,"3989":3910,"3990":3913,"3991":3914,"3992":3914,"3993":3915,"3994":3916,"3995":3916,"3996":3916,"3997":3918,"3998":3918,"3999":3919,"4000":3919,"4001":3920,"4002":3920,"4003":3921,"4004":3921,"4005":3921,"4006":3922,"4007":3923,"4008":3924,"4009":3924,"4010":3925,"4011":3926,"4012":3926,"4013":3927,"4014":3927,"4015":3927,"4016":3928,"4017":3928,"4018":3929,"4019":3929,"4020":3930,"4021":3930,"4022":3930,"4023":3931,"4024":3931,"4025":3931,"4026":3932,"4027":3933,"4028":3934,"4029":3936,"4030":3938,"4031":3939,"4032":3939,"4033":3939,"4034":3943,"4035":3944,"4036":3946,"4037":3948,"4038":3950,"4039":3951,"4040":3951,"4041":3952,"4042":3953,"4043":3961,"4044":3962,"4045":3963,"4046":3964,"4047":3965,"4048":3966,"4049":3967,"4050":3971,"4051":3972,"4052":3974,"4053":3975,"4054":3976,"4055":3978,"4056":3979,"4057":3980,"4058":3981,"4059":3981,"4060":3981,"4061":3982,"4062":3983,"4063":3985,"4064":3996,"4065":3997,"4066":3998,"4067":3999,"4068":4000,"4069":4000,"4070":4001,"4071":4002,"4072":4005,"4073":4005,"4074":4006,"4075":4006,"4076":4006,"4077":4007,"4078":4007,"4079":4008,"4080":4008,"4081":4009,"4082":4010,"4083":4010,"4084":4011,"4085":4011,"4086":4011,"4087":4012,"4088":4013,"4089":4013,"4090":4014,"4091":4015,"4092":4015,"4093":4016,"4094":4016,"4095":4017,"4096":4017,"4097":4018,"4098":4019,"4099":4019,"4100":4020,"4101":4021,"4102":4021,"4103":4022,"4104":4024,"4105":4025,"4106":4025,"4107":4025,"4108":4031,"4109":4031,"4110":4032,"4111":4033,"4112":4034,"4113":4034,"4114":4034,"4115":4036,"4116":4037,"4117":4037,"4118":4038,"4119":4040,"4120":4041,"4121":4041,"4122":4042,"4123":4043,"4124":4043,"4125":4043,"4126":4043,"4127":4044,"4128":4044,"4129":4045,"4130":4045,"4131":4045,"4132":4046,"4133":4046,"4134":4047,"4135":4048,"4136":4048,"4137":4048,"4138":4049,"4139":4049,"4140":4050,"4141":4050,"4142":4050,"4143":4051,"4144":4051,"4145":4052,"4146":4052,"4147":4053,"4148":4053,"4149":4055,"4150":4056,"4151":4056,"4152":4057,"4153":4059,"4154":4061,"4155":4062,"4156":4063,"4157":4064,"4158":4064,"4159":4067,"4160":4068,"4161":4069,"4162":4069,"4163":4069,"4164":4070,"4165":4070,"4166":4070,"4167":4071,"4168":4071,"4169":4073,"4170":4074,"4171":4075,"4172":4076,"4173":4076,"4174":4077,"4175":4077,"4176":4077,"4177":4078,"4178":4078,"4179":4079,"4180":4079,"4181":4080,"4182":4080,"4183":4081,"4184":4082,"4185":4083,"4186":4084,"4187":4085,"4188":4085,"4189":4086,"4190":4086,"4191":4087,"4192":4088,"4193":4088,"4194":4089,"4195":4090,"4196":4090,"4197":4091,"4198":4093,"4199":4093,"4200":4095,"4201":4096,"4202":4096,"4203":4097,"4204":4098,"4205":4098,"4206":4098,"4207":4099,"4208":4099,"4209":4100,"4210":4100,"4211":4100,"4212":4101,"4213":4102,"4214":4103,"4215":4103,"4216":4104,"4217":4105,"4218":4106,"4219":4107,"4220":4107,"4221":4108,"4222":4108,"4223":4109,"4224":4109,"4225":4111,"4226":4111,"4227":4111,"4228":4112,"4229":4113,"4230":4115,"4231":4115,"4232":4115,"4233":4116,"4234":4117,"4235":4118,"4236":4119,"4237":4120,"4238":4121,"4239":4122,"4240":4122,"4241":4122,"4242":4123,"4243":4124,"4244":4124,"4245":4126,"4246":4126,"4247":4129,"4248":4129,"4249":4130,"4250":4131,"4251":4132,"4252":4133,"4253":4134,"4254":4136,"4255":4136,"4256":4137,"4257":4137,"4258":4137,"4259":4137,"4260":4137,"4261":4138,"4262":4139,"4263":4141,"4264":4143,"4265":4143,"4266":4143,"4267":4144,"4268":4145,"4269":4145,"4270":4146,"4271":4148,"4272":4149,"4273":4150,"4274":4151,"4275":4152,"4276":4152,"4277":4153,"4278":4153,"4279":4153,"4280":4154,"4281":4154,"4282":4155,"4283":4156,"4284":4156,"4285":4157,"4286":4158,"4287":4158,"4288":4159,"4289":4160,"4290":4160,"4291":4161,"4292":4162,"4293":4163,"4294":4164,"4295":4165,"4296":4167,"4297":4167,"4298":4168,"4299":4168,"4300":4168,"4301":4169,"4302":4169,"4303":4170,"4304":4172,"4305":4173,"4306":4174,"4307":4175,"4308":4175,"4309":4176,"4310":4176,"4311":4177,"4312":4177,"4313":4178,"4314":4179,"4315":4179,"4316":4181,"4317":4181,"4318":4181,"4319":4181,"4320":4181,"4321":4182,"4322":4182,"4323":4183,"4324":4184,"4325":4184,"4326":4185,"4327":4187,"4328":4188,"4329":4188,"4330":4188,"4331":4189,"4332":4189,"4333":4190,"4334":4190,"4335":4190,"4336":4191,"4337":4192,"4338":4192,"4339":4193,"4340":4193,"4341":4193,"4342":4194,"4343":4195,"4344":4196,"4345":4196,"4346":4197,"4347":4197,"4348":4198,"4349":4198,"4350":4199,"4351":4199,"4352":4199,"4353":4200,"4354":4200,"4355":4202,"4356":4204,"4357":4205,"4358":4205,"4359":4207,"4360":4209,"4361":4209,"4362":4211,"4363":4211,"4364":4211,"4365":4212,"4366":4213,"4367":4213,"4368":4214,"4369":4214,"4370":4215,"4371":4215,"4372":4215,"4373":4216,"4374":4216,"4375":4217,"4376":4217,"4377":4218,"4378":4219,"4379":4220,"4380":4220,"4381":4220,"4382":4221,"4383":4221,"4384":4223,"4385":4224,"4386":4224,"4387":4225,"4388":4225,"4389":4226,"4390":4226,"4391":4226,"4392":4226,"4393":4227,"4394":4227,"4395":4227,"4396":4228,"4397":4229,"4398":4232,"4399":4233,"4400":4234,"4401":4234,"4402":4235,"4403":4236,"4404":4236,"4405":4237,"4406":4237,"4407":4238,"4408":4238,"4409":4239,"4410":4239,"4411":4240,"4412":4240,"4413":4241,"4414":4241,"4415":4241,"4416":4241,"4417":4242,"4418":4242,"4419":4244,"4420":4244,"4421":4245,"4422":4245,"4423":4245,"4424":4246,"4425":4247,"4426":4249,"4427":4250,"4428":4250,"4429":4251,"4430":4251,"4431":4252,"4432":4253,"4433":4255,"4434":4256,"4435":4256,"4436":4257,"4437":4258,"4438":4258,"4439":4259,"4440":4259,"4441":4260,"4442":4260,"4443":4260,"4444":4261,"4445":4261,"4446":4263,"4447":4263,"4448":4264,"4449":4266,"4450":4267,"4451":4267,"4452":4269,"4453":4269,"4454":4271,"4455":4271,"4456":4271,"4457":4271,"4458":4271,"4459":4272,"4460":4272,"4461":4273,"4462":4273,"4463":4274,"4464":4275,"4465":4276,"4466":4276,"4467":4277,"4468":4277,"4469":4278,"4470":4278,"4471":4278,"4472":4281,"4473":4282,"4474":4284,"4475":4285,"4476":4285,"4477":4286,"4478":4287,"4479":4287,"4480":4289,"4481":4289,"4482":4290,"4483":4290,"4484":4291,"4485":4291,"4486":4292,"4487":4292,"4488":4294,"4489":4295,"4490":4296,"4491":4297,"4492":4298,"4493":4299,"4494":4300,"4495":4300,"4496":4300,"4497":4301,"4498":4302,"4499":4302,"4500":4303,"4501":4304,"4502":4304,"4503":4305,"4504":4305,"4505":4306,"4506":4306,"4507":4307,"4508":4307,"4509":4308,"4510":4308,"4511":4309,"4512":4310,"4513":4310,"4514":4313,"4515":4313,"4516":4314,"4517":4315,"4518":4316,"4519":4316,"4520":4317,"4521":4318,"4522":4319,"4523":4320,"4524":4320,"4525":4322,"4526":4324,"4527":4324,"4528":4324,"4529":4325,"4530":4325,"4531":4327,"4532":4327,"4533":4328,"4534":4329,"4535":4329,"4536":4329,"4537":4330,"4538":4331,"4539":4331,"4540":4332,"4541":4332,"4542":4333,"4543":4333,"4544":4334,"4545":4335,"4546":4335,"4547":4336,"4548":4336,"4549":4337,"4550":4337,"4551":4338,"4552":4338,"4553":4340,"4554":4341,"4555":4342,"4556":4343,"4557":4343,"4558":4343,"4559":4343,"4560":4344,"4561":4344,"4562":4346,"4563":4349,"4564":4349,"4565":4350,"4566":4352,"4567":4353,"4568":4354,"4569":4354,"4570":4355,"4571":4356,"4572":4356,"4573":4357,"4574":4358,"4575":4358,"4576":4361,"4577":4361,"4578":4367,"4579":4367,"4580":4369,"4581":4370,"4582":4371,"4583":4371,"4584":4372,"4585":4373,"4586":4374,"4587":4375,"4588":4376,"4589":4376,"4590":4377,"4591":4379,"4592":4380,"4593":4382,"4594":4384,"4595":4385,"4596":4385,"4597":4386,"4598":4386,"4599":4387,"4600":4388,"4601":4390,"4602":4391,"4603":4392,"4604":4392,"4605":4392,"4606":4398,"4607":4398,"4608":4399,"4609":4402,"4610":4402,"4611":4407,"4612":4408,"4613":4409,"4614":4409,"4615":4413,"4616":4414,"4617":4414,"4618":4415,"4619":4418,"4620":4419,"4621":4420,"4622":4425,"4623":4427,"4624":4428,"4625":4428,"4626":4431,"4627":4431,"4628":4439,"4629":4442,"4630":4443,"4631":4445,"4632":4445,"4633":4445,"4634":4446,"4635":4446,"4636":4446,"4637":4446,"4638":4447,"4639":4448,"4640":4448,"4641":4449,"4642":4449,"4643":4450,"4644":4450,"4645":4451,"4646":4451,"4647":4451,"4648":4452,"4649":4452,"4650":4453,"4651":4453,"4652":4454,"4653":4454,"4654":4454,"4655":4455,"4656":4456,"4657":4456,"4658":4457,"4659":4458,"4660":4459,"4661":4459,"4662":4460,"4663":4464,"4664":4464,"4665":4465,"4666":4465,"4667":4467,"4668":4467,"4669":4468,"4670":4469,"4671":4469,"4672":4470,"4673":4471,"4674":4471,"4675":4472,"4676":4472,"4677":4475,"4678":4475,"4679":4476,"4680":4477,"4681":4477,"4682":4478,"4683":4478,"4684":4479,"4685":4479,"4686":4480,"4687":4481,"4688":4481,"4689":4482,"4690":4483,"4691":4484,"4692":4484,"4693":4484,"4694":4485,"4695":4488,"4696":4488,"4697":4489,"4698":4489,"4699":4489,"4700":4490,"4701":4490,"4702":4491,"4703":4491,"4704":4492,"4705":4492,"4706":4492,"4707":4494,"4708":4494,"4709":4495,"4710":4495,"4711":4496,"4712":4497,"4713":4497,"4714":4497,"4715":4498,"4716":4499,"4717":4500,"4718":4501,"4719":4502,"4720":4502,"4721":4503,"4722":4503,"4723":4504,"4724":4504,"4725":4505,"4726":4505,"4727":4506,"4728":4507,"4729":4507,"4730":4508,"4731":4509,"4732":4510,"4733":4512,"4734":4512,"4735":4513,"4736":4514,"4737":4514,"4738":4514,"4739":4515,"4740":4515,"4741":4516,"4742":4517,"4743":4517,"4744":4518,"4745":4519,"4746":4519,"4747":4520,"4748":4520,"4749":4521,"4750":4526,"4751":4526,"4752":4527,"4753":4527,"4754":4528,"4755":4528,"4756":4529,"4757":4530,"4758":4530,"4759":4531,"4760":4531,"4761":4532,"4762":4532,"4763":4533,"4764":4534,"4765":4534,"4766":4535,"4767":4536,"4768":4536,"4769":4537,"4770":4537,"4771":4537,"4772":4538,"4773":4538,"4774":4539,"4775":4539,"4776":4539,"4777":4541,"4778":4542,"4779":4543,"4780":4543,"4781":4543,"4782":4544,"4783":4546,"4784":4548,"4785":4548,"4786":4549,"4787":4549,"4788":4552,"4789":4553,"4790":4554,"4791":4554,"4792":4555,"4793":4555,"4794":4556,"4795":4557,"4796":4558,"4797":4560,"4798":4560,"4799":4561,"4800":4562,"4801":4563,"4802":4563,"4803":4564,"4804":4565,"4805":4566,"4806":4566,"4807":4568,"4808":4568,"4809":4568,"4810":4569,"4811":4569,"4812":4570,"4813":4571,"4814":4572,"4815":4573,"4816":4574,"4817":4574,"4818":4575,"4819":4575,"4820":4575,"4821":4576,"4822":4576,"4823":4576,"4824":4577,"4825":4578,"4826":4579,"4827":4580,"4828":4581,"4829":4581,"4830":4582,"4831":4583,"4832":4584,"4833":4585,"4834":4585,"4835":4586,"4836":4586,"4837":4587,"4838":4588,"4839":4588,"4840":4588,"4841":4589,"4842":4590,"4843":4590,"4844":4591,"4845":4591,"4846":4592,"4847":4592,"4848":4593,"4849":4593,"4850":4594,"4851":4594,"4852":4595,"4853":4595,"4854":4596,"4855":4596,"4856":4596,"4857":4597,"4858":4597,"4859":4598,"4860":4598,"4861":4598,"4862":4599,"4863":4599,"4864":4600,"4865":4601,"4866":4601,"4867":4603,"4868":4604,"4869":4604,"4870":4605,"4871":4605,"4872":4605,"4873":4606,"4874":4607,"4875":4607,"4876":4607,"4877":4607,"4878":4608,"4879":4609,"4880":4610,"4881":4611,"4882":4612,"4883":4613,"4884":4614,"4885":4614,"4886":4615,"4887":4615,"4888":4616,"4889":4616,"4890":4618,"4891":4618,"4892":4619,"4893":4621,"4894":4623,"4895":4623,"4896":4624,"4897":4625,"4898":4625,"4899":4626,"4900":4628,"4901":4630,"4902":4631,"4903":4631,"4904":4632,"4905":4633,"4906":4633,"4907":4634,"4908":4634,"4909":4635,"4910":4635,"4911":4637,"4912":4638,"4913":4638,"4914":4639,"4915":4640,"4916":4642,"4917":4643,"4918":4643,"4919":4643,"4920":4644,"4921":4645,"4922":4645,"4923":4645,"4924":4646,"4925":4647,"4926":4649,"4927":4650,"4928":4650,"4929":4651,"4930":4651,"4931":4652,"4932":4652,"4933":4652,"4934":4653,"4935":4654,"4936":4654,"4937":4655,"4938":4656,"4939":4661,"4940":4661,"4941":4662,"4942":4662,"4943":4662,"4944":4663,"4945":4663,"4946":4664,"4947":4665,"4948":4665,"4949":4666,"4950":4667,"4951":4667,"4952":4669,"4953":4669,"4954":4670,"4955":4670,"4956":4670,"4957":4671,"4958":4671,"4959":4673,"4960":4674,"4961":4678,"4962":4679,"4963":4680,"4964":4680,"4965":4680,"4966":4681,"4967":4682,"4968":4682,"4969":4683,"4970":4684,"4971":4684,"4972":4685,"4973":4686,"4974":4686,"4975":4687,"4976":4687,"4977":4688,"4978":4689,"4979":4690,"4980":4690,"4981":4691,"4982":4691,"4983":4691,"4984":4692,"4985":4693,"4986":4694,"4987":4694,"4988":4695,"4989":4695,"4990":4696,"4991":4696,"4992":4697,"4993":4697,"4994":4698,"4995":4699,"4996":4699,"4997":4700,"4998":4700,"4999":4700,"5000":4700,"5001":4701,"5002":4701,"5003":4702,"5004":4703,"5005":4703,"5006":4704,"5007":4705,"5008":4706,"5009":4706,"5010":4706,"5011":4708,"5012":4709,"5013":4709,"5014":4710,"5015":4710,"5016":4711,"5017":4711,"5018":4712,"5019":4712,"5020":4713,"5021":4713,"5022":4714,"5023":4714,"5024":4714,"5025":4715,"5026":4715,"5027":4717,"5028":4718,"5029":4721,"5030":4722,"5031":4723,"5032":4723,"5033":4724,"5034":4724,"5035":4724,"5036":4725,"5037":4725,"5038":4725,"5039":4726,"5040":4727,"5041":4728,"5042":4728,"5043":4729,"5044":4729,"5045":4730,"5046":4731,"5047":4732,"5048":4733,"5049":4734,"5050":4734,"5051":4735,"5052":4735,"5053":4737,"5054":4738,"5055":4739,"5056":4739,"5057":4740,"5058":4740,"5059":4741,"5060":4742,"5061":4742,"5062":4743,"5063":4744,"5064":4745,"5065":4747,"5066":4748,"5067":4749,"5068":4752,"5069":4753,"5070":4753,"5071":4753,"5072":4754,"5073":4755,"5074":4756,"5075":4756,"5076":4756,"5077":4757,"5078":4757,"5079":4758,"5080":4758,"5081":4758,"5082":4759,"5083":4759,"5084":4759,"5085":4760,"5086":4762,"5087":4763,"5088":4763,"5089":4763,"5090":4764,"5091":4764,"5092":4764,"5093":4765,"5094":4765,"5095":4765,"5096":4766,"5097":4766,"5098":4767,"5099":4767,"5100":4768,"5101":4768,"5102":4769,"5103":4770,"5104":4772,"5105":4773,"5106":4773,"5107":4775,"5108":4776,"5109":4777,"5110":4778,"5111":4780,"5112":4781,"5113":4782,"5114":4783,"5115":4783,"5116":4787,"5117":4787,"5118":4788,"5119":4789,"5120":4789,"5121":4789,"5122":4790,"5123":4791,"5124":4792,"5125":4792,"5126":4793,"5127":4793,"5128":4794,"5129":4794,"5130":4795,"5131":4796,"5132":4797,"5133":4797,"5134":4798,"5135":4799,"5136":4799,"5137":4800,"5138":4801,"5139":4804,"5140":4805,"5141":4806,"5142":4806,"5143":4807,"5144":4808,"5145":4810,"5146":4813,"5147":4815,"5148":4816,"5149":4818,"5150":4818,"5151":4820,"5152":4821,"5153":4822,"5154":4823,"5155":4825,"5156":4826,"5157":4826,"5158":4826,"5159":4827,"5160":4828,"5161":4828,"5162":4831,"5163":4835,"5164":4836,"5165":4838,"5166":4838,"5167":4839,"5168":4839,"5169":4839,"5170":4840,"5171":4840,"5172":4842,"5173":4842,"5174":4843,"5175":4844,"5176":4846,"5177":4847,"5178":4847,"5179":4848,"5180":4848,"5181":4849,"5182":4849,"5183":4850,"5184":4850,"5185":4851,"5186":4852,"5187":4853,"5188":4853,"5189":4853,"5190":4855,"5191":4856,"5192":4857,"5193":4857,"5194":4859,"5195":4859,"5196":4860,"5197":4861,"5198":4861,"5199":4862,"5200":4863,"5201":4865,"5202":4865,"5203":4866,"5204":4868,"5205":4868,"5206":4868,"5207":4869,"5208":4869,"5209":4870,"5210":4870,"5211":4871,"5212":4871,"5213":4872,"5214":4872,"5215":4873,"5216":4874,"5217":4875,"5218":4876,"5219":4876,"5220":4877,"5221":4877,"5222":4878,"5223":4878,"5224":4879,"5225":4880,"5226":4880,"5227":4881,"5228":4882,"5229":4883,"5230":4883,"5231":4885,"5232":4886,"5233":4886,"5234":4887,"5235":4887,"5236":4888,"5237":4889,"5238":4889,"5239":4890,"5240":4891,"5241":4894,"5242":4894,"5243":4895,"5244":4895,"5245":4896,"5246":4896,"5247":4898,"5248":4898,"5249":4898,"5250":4899,"5251":4899,"5252":4900,"5253":4900,"5254":4902,"5255":4903,"5256":4903,"5257":4904,"5258":4905,"5259":4907,"5260":4907,"5261":4908,"5262":4911,"5263":4912,"5264":4912,"5265":4913,"5266":4913,"5267":4914,"5268":4915,"5269":4917,"5270":4917,"5271":4918,"5272":4918,"5273":4919,"5274":4919,"5275":4919,"5276":4920,"5277":4921,"5278":4921,"5279":4921,"5280":4922,"5281":4922,"5282":4923,"5283":4923,"5284":4924,"5285":4924,"5286":4925,"5287":4926,"5288":4928,"5289":4929,"5290":4930,"5291":4931,"5292":4932,"5293":4932,"5294":4934,"5295":4937,"5296":4939,"5297":4940,"5298":4940,"5299":4941,"5300":4942,"5301":4944,"5302":4945,"5303":4945,"5304":4946,"5305":4947,"5306":4948,"5307":4948,"5308":4948,"5309":4949,"5310":4949,"5311":4949,"5312":4950,"5313":4951,"5314":4953,"5315":4954,"5316":4954,"5317":4955,"5318":4956,"5319":4956,"5320":4957,"5321":4957,"5322":4958,"5323":4958,"5324":4959,"5325":4960,"5326":4961,"5327":4961,"5328":4963,"5329":4964,"5330":4964,"5331":4964,"5332":4964,"5333":4965,"5334":4966,"5335":4966,"5336":4967,"5337":4967,"5338":4967,"5339":4969,"5340":4969,"5341":4970,"5342":4971,"5343":4973,"5344":4977,"5345":4978,"5346":4978,"5347":4978,"5348":4980,"5349":4981,"5350":4981,"5351":4982,"5352":4982,"5353":4984,"5354":4985,"5355":4985,"5356":4985,"5357":4986,"5358":4987,"5359":4987,"5360":4988,"5361":4989,"5362":4990,"5363":4990,"5364":4992,"5365":4992,"5366":4993,"5367":4994,"5368":4994,"5369":4995,"5370":4996,"5371":4997,"5372":5001,"5373":5003,"5374":5004,"5375":5005,"5376":5005,"5377":5007,"5378":5008,"5379":5012,"5380":5012,"5381":5017,"5382":5020,"5383":5024,"5384":5025,"5385":5026,"5386":5028,"5387":5028,"5388":5029,"5389":5030,"5390":5030,"5391":5031,"5392":5031,"5393":5031,"5394":5032,"5395":5032,"5396":5034,"5397":5037,"5398":5040,"5399":5041,"5400":5042,"5401":5043,"5402":5044,"5403":5044,"5404":5046,"5405":5047,"5406":5047,"5407":5048,"5408":5049,"5409":5050,"5410":5052,"5411":5055,"5412":5056,"5413":5057,"5414":5057,"5415":5058,"5416":5058,"5417":5058,"5418":5059,"5419":5060,"5420":5062,"5421":5064,"5422":5067,"5423":5070,"5424":5070,"5425":5071,"5426":5071,"5427":5072,"5428":5072,"5429":5074,"5430":5074,"5431":5075,"5432":5075,"5433":5077,"5434":5079,"5435":5080,"5436":5082,"5437":5083,"5438":5084,"5439":5084,"5440":5084,"5441":5085,"5442":5085,"5443":5086,"5444":5086,"5445":5087,"5446":5088,"5447":5089,"5448":5090,"5449":5091,"5450":5092,"5451":5094,"5452":5095,"5453":5095,"5454":5096,"5455":5097,"5456":5097,"5457":5100,"5458":5101,"5459":5102,"5460":5103,"5461":5103,"5462":5104,"5463":5105,"5464":5107,"5465":5111,"5466":5111,"5467":5112,"5468":5112,"5469":5113,"5470":5113,"5471":5115,"5472":5115,"5473":5116,"5474":5117,"5475":5117,"5476":5131,"5477":5134,"5478":5134,"5479":5135,"5480":5136,"5481":5136,"5482":5137,"5483":5144,"5484":5146,"5485":5147,"5486":5148,"5487":5148,"5488":5149,"5489":5149,"5490":5150,"5491":5150,"5492":5153,"5493":5154,"5494":5155,"5495":5159,"5496":5160,"5497":5160,"5498":5161,"5499":5161,"5500":5162,"5501":5163,"5502":5163,"5503":5163,"5504":5165,"5505":5166,"5506":5169,"5507":5170,"5508":5171,"5509":5172,"5510":5174,"5511":5175,"5512":5175,"5513":5175,"5514":5176,"5515":5177,"5516":5177,"5517":5178,"5518":5178,"5519":5180,"5520":5181,"5521":5192,"5522":5194,"5523":5194,"5524":5195,"5525":5196,"5526":5197,"5527":5197,"5528":5198,"5529":5198,"5530":5199,"5531":5199,"5532":5200,"5533":5201,"5534":5203,"5535":5205,"5536":5207,"5537":5207,"5538":5207,"5539":5209,"5540":5209,"5541":5210,"5542":5212,"5543":5213,"5544":5214,"5545":5214,"5546":5214,"5547":5215,"5548":5215,"5549":5217,"5550":5217,"5551":5218,"5552":5219,"5553":5220,"5554":5220,"5555":5222,"5556":5225,"5557":5226,"5558":5227,"5559":5228,"5560":5229,"5561":5230,"5562":5231,"5563":5231,"5564":5232,"5565":5232,"5566":5234,"5567":5235,"5568":5236,"5569":5237,"5570":5237,"5571":5238,"5572":5239,"5573":5246,"5574":5248,"5575":5248,"5576":5249,"5577":5250,"5578":5251,"5579":5253,"5580":5260,"5581":5261,"5582":5266,"5583":5268,"5584":5269,"5585":5269,"5586":5269,"5587":5270,"5588":5271,"5589":5271,"5590":5272,"5591":5272,"5592":5272,"5593":5274,"5594":5274,"5595":5275,"5596":5276,"5597":5277,"5598":5278,"5599":5278,"5600":5278,"5601":5278,"5602":5279,"5603":5279,"5604":5280,"5605":5281,"5606":5281,"5607":5282,"5608":5283,"5609":5283,"5610":5285,"5611":5286,"5612":5287,"5613":5288,"5614":5288,"5615":5290,"5616":5291,"5617":5292,"5618":5292,"5619":5293,"5620":5297,"5621":5297,"5622":5298,"5623":5298,"5624":5298,"5625":5299,"5626":5300,"5627":5301,"5628":5301,"5629":5302,"5630":5303,"5631":5304,"5632":5304,"5633":5304,"5634":5305,"5635":5305,"5636":5305,"5637":5306,"5638":5306,"5639":5307,"5640":5307,"5641":5308,"5642":5309,"5643":5310,"5644":5310,"5645":5311,"5646":5312,"5647":5313,"5648":5316,"5649":5317,"5650":5317,"5651":5317,"5652":5318,"5653":5319,"5654":5319,"5655":5322,"5656":5323,"5657":5323,"5658":5323,"5659":5324,"5660":5325,"5661":5327,"5662":5328,"5663":5329,"5664":5330,"5665":5331,"5666":5332,"5667":5332,"5668":5332,"5669":5333,"5670":5334,"5671":5334,"5672":5335,"5673":5335,"5674":5335,"5675":5336,"5676":5336,"5677":5337,"5678":5337,"5679":5338,"5680":5338,"5681":5338,"5682":5339,"5683":5339,"5684":5340,"5685":5340,"5686":5341,"5687":5343,"5688":5344,"5689":5345,"5690":5345,"5691":5346,"5692":5346,"5693":5347,"5694":5348,"5695":5350,"5696":5350,"5697":5351,"5698":5353,"5699":5355,"5700":5356,"5701":5356,"5702":5357,"5703":5358,"5704":5359,"5705":5364,"5706":5366,"5707":5368,"5708":5368,"5709":5370,"5710":5370,"5711":5371,"5712":5372,"5713":5373,"5714":5375,"5715":5376,"5716":5377,"5717":5380,"5718":5381,"5719":5382,"5720":5383,"5721":5384,"5722":5384,"5723":5385,"5724":5385,"5725":5388,"5726":5389,"5727":5391,"5728":5392,"5729":5392,"5730":5392,"5731":5393,"5732":5393,"5733":5394,"5734":5394,"5735":5395,"5736":5397,"5737":5397,"5738":5398,"5739":5400,"5740":5402,"5741":5403,"5742":5404,"5743":5404,"5744":5405,"5745":5405,"5746":5405,"5747":5407,"5748":5408,"5749":5410,"5750":5410,"5751":5411,"5752":5412,"5753":5414,"5754":5415,"5755":5415,"5756":5416,"5757":5417,"5758":5417,"5759":5418,"5760":5419,"5761":5419,"5762":5421,"5763":5423,"5764":5424,"5765":5424,"5766":5426,"5767":5426,"5768":5426,"5769":5427,"5770":5427,"5771":5428,"5772":5429,"5773":5430,"5774":5431,"5775":5432,"5776":5435,"5777":5436,"5778":5437,"5779":5437,"5780":5443,"5781":5444,"5782":5445,"5783":5449,"5784":5451,"5785":5452,"5786":5452,"5787":5453,"5788":5455,"5789":5456,"5790":5457,"5791":5458,"5792":5463,"5793":5463,"5794":5463,"5795":5464,"5796":5464,"5797":5465,"5798":5466,"5799":5466,"5800":5467,"5801":5477,"5802":5478,"5803":5479,"5804":5480,"5805":5481,"5806":5482,"5807":5483,"5808":5484,"5809":5484,"5810":5484,"5811":5485,"5812":5487,"5813":5487,"5814":5487,"5815":5488,"5816":5488,"5817":5489,"5818":5491,"5819":5492,"5820":5493,"5821":5493,"5822":5493,"5823":5494,"5824":5495,"5825":5495,"5826":5495,"5827":5496,"5828":5496,"5829":5496,"5830":5497,"5831":5497,"5832":5499,"5833":5500,"5834":5501,"5835":5502,"5836":5502,"5837":5505,"5838":5506,"5839":5507,"5840":5507,"5841":5507,"5842":5518,"5843":5519,"5844":5520,"5845":5523,"5846":5524,"5847":5525,"5848":5528,"5849":5530,"5850":5532,"5851":5532,"5852":5535,"5853":5539,"5854":5540,"5855":5542,"5856":5543,"5857":5544,"5858":5546,"5859":5547,"5860":5549,"5861":5552,"5862":5562,"5863":5577,"5864":5583,"5865":5589,"5866":5591,"5867":5592,"5868":5596,"5869":5597,"5870":5601,"5871":5603,"5872":5604,"5873":5606,"5874":5607,"5875":5608,"5876":5608,"5877":5609,"5878":5612,"5879":5612,"5880":5613,"5881":5613,"5882":5614,"5883":5615,"5884":5615,"5885":5617,"5886":5619,"5887":5620,"5888":5620,"5889":5622,"5890":5623,"5891":5623,"5892":5624,"5893":5625,"5894":5630,"5895":5635,"5896":5636,"5897":5637,"5898":5638,"5899":5639,"5900":5639,"5901":5640,"5902":5641,"5903":5645,"5904":5648,"5905":5648,"5906":5649,"5907":5650,"5908":5651,"5909":5654,"5910":5655,"5911":5656,"5912":5660,"5913":5662,"5914":5663,"5915":5664,"5916":5666,"5917":5668,"5918":5669,"5919":5672,"5920":5672,"5921":5673,"5922":5674,"5923":5675,"5924":5676,"5925":5676,"5926":5677,"5927":5677,"5928":5678,"5929":5679,"5930":5679,"5931":5679,"5932":5681,"5933":5684,"5934":5685,"5935":5687,"5936":5688,"5937":5689,"5938":5689,"5939":5690,"5940":5691,"5941":5691,"5942":5692,"5943":5693,"5944":5697,"5945":5698,"5946":5698,"5947":5701,"5948":5701,"5949":5701,"5950":5702,"5951":5703,"5952":5703,"5953":5704,"5954":5706,"5955":5706,"5956":5711,"5957":5712,"5958":5713,"5959":5714,"5960":5716,"5961":5717,"5962":5717,"5963":5718,"5964":5719,"5965":5720,"5966":5720,"5967":5726,"5968":5726,"5969":5727,"5970":5729,"5971":5731,"5972":5732,"5973":5735,"5974":5735,"5975":5735,"5976":5736,"5977":5736,"5978":5737,"5979":5741,"5980":5742,"5981":5742,"5982":5742,"5983":5743,"5984":5745,"5985":5746,"5986":5746,"5987":5747,"5988":5747,"5989":5748,"5990":5748,"5991":5749,"5992":5749,"5993":5749,"5994":5750,"5995":5751,"5996":5751,"5997":5752,"5998":5752,"5999":5753,"6000":5753,"6001":5753,"6002":5754,"6003":5754,"6004":5758,"6005":5759,"6006":5759,"6007":5763,"6008":5764,"6009":5765,"6010":5767,"6011":5769,"6012":5769,"6013":5770,"6014":5771,"6015":5771,"6016":5772,"6017":5772,"6018":5772,"6019":5774,"6020":5778,"6021":5778,"6022":5779,"6023":5779,"6024":5780,"6025":5781,"6026":5782,"6027":5782,"6028":5782,"6029":5783,"6030":5783,"6031":5784,"6032":5784,"6033":5784,"6034":5785,"6035":5790,"6036":5791,"6037":5793,"6038":5794,"6039":5795,"6040":5795,"6041":5797,"6042":5798,"6043":5798,"6044":5799,"6045":5799,"6046":5800,"6047":5800,"6048":5800,"6049":5802,"6050":5803,"6051":5804,"6052":5804,"6053":5805,"6054":5805,"6055":5806,"6056":5807,"6057":5810,"6058":5811,"6059":5812,"6060":5812,"6061":5813,"6062":5813,"6063":5813,"6064":5814,"6065":5814,"6066":5815,"6067":5816,"6068":5816,"6069":5818,"6070":5819,"6071":5819,"6072":5819,"6073":5820,"6074":5821,"6075":5822,"6076":5824,"6077":5825,"6078":5826,"6079":5826,"6080":5826,"6081":5828,"6082":5828,"6083":5829,"6084":5829,"6085":5830,"6086":5830,"6087":5832,"6088":5833,"6089":5833,"6090":5834,"6091":5835,"6092":5835,"6093":5836,"6094":5836,"6095":5838,"6096":5838,"6097":5843,"6098":5843,"6099":5844,"6100":5845,"6101":5845,"6102":5845,"6103":5846,"6104":5852,"6105":5852,"6106":5852,"6107":5853,"6108":5854,"6109":5854,"6110":5855,"6111":5855,"6112":5856,"6113":5856,"6114":5856,"6115":5857,"6116":5857,"6117":5858,"6118":5859,"6119":5860,"6120":5860,"6121":5861,"6122":5861,"6123":5862,"6124":5863,"6125":5863,"6126":5864,"6127":5864,"6128":5865,"6129":5867,"6130":5868,"6131":5869,"6132":5870,"6133":5870,"6134":5871,"6135":5875,"6136":5876,"6137":5877,"6138":5878,"6139":5880,"6140":5881,"6141":5883,"6142":5883,"6143":5884,"6144":5884,"6145":5885,"6146":5886,"6147":5886,"6148":5886,"6149":5887,"6150":5887,"6151":5889,"6152":5890,"6153":5890,"6154":5891,"6155":5891,"6156":5892,"6157":5893,"6158":5893,"6159":5893,"6160":5895,"6161":5895,"6162":5896,"6163":5896,"6164":5897,"6165":5897,"6166":5898,"6167":5898,"6168":5898,"6169":5899,"6170":5899,"6171":5900,"6172":5900,"6173":5901,"6174":5901,"6175":5902,"6176":5902,"6177":5903,"6178":5904,"6179":5904,"6180":5905,"6181":5906,"6182":5906,"6183":5907,"6184":5910,"6185":5912,"6186":5913,"6187":5914,"6188":5914,"6189":5916,"6190":5917,"6191":5918,"6192":5918,"6193":5919,"6194":5920,"6195":5920,"6196":5921,"6197":5922,"6198":5923,"6199":5924,"6200":5924,"6201":5925,"6202":5926,"6203":5926,"6204":5927,"6205":5928,"6206":5929,"6207":5929,"6208":5930,"6209":5930,"6210":5931,"6211":5933,"6212":5934,"6213":5935,"6214":5935,"6215":5936,"6216":5937,"6217":5937,"6218":5939,"6219":5940,"6220":5941,"6221":5942,"6222":5943,"6223":5944,"6224":5944,"6225":5944,"6226":5947,"6227":5947,"6228":5948,"6229":5949,"6230":5950,"6231":5950,"6232":5951,"6233":5951,"6234":5952,"6235":5952,"6236":5952,"6237":5953,"6238":5953,"6239":5954,"6240":5954,"6241":5955,"6242":5956,"6243":5956,"6244":5957,"6245":5958,"6246":5958,"6247":5959,"6248":5960,"6249":5960,"6250":5961,"6251":5961,"6252":5961,"6253":5962,"6254":5962,"6255":5963,"6256":5963,"6257":5964,"6258":5965,"6259":5965,"6260":5965,"6261":5966,"6262":5967,"6263":5968,"6264":5968,"6265":5969,"6266":5980,"6267":5987,"6268":5991,"6269":5993,"6270":5994,"6271":5994,"6272":5995,"6273":5995,"6274":5996,"6275":5997,"6276":5998,"6277":6000,"6278":6001,"6279":6002,"6280":6003,"6281":6003,"6282":6003,"6283":6004,"6284":6006,"6285":6007,"6286":6008,"6287":6009,"6288":6010,"6289":6011,"6290":6011,"6291":6011,"6292":6012,"6293":6013,"6294":6014},"number_max":6294,"number_pages":{"161":1,"189":2,"211":3,"212":4,"213":5,"217":6,"219":7,"220":8,"222":9,"224":10,"225":11,"226":12,"228":13,"229":14,"230":15,"231":16,"234":17,"237":18,"240":19,"243":20,"244":21,"245":22,"246":23,"248":24,"250":25,"251":26,"253":27,"254":28,"255":29,"261":30,"262":33,"264":35,"265":37,"266":39,"271":40,"272":41,"275":42,"276":43,"277":45,"280":46,"283":47,"284":48,"287":49,"290":50,"291":51,"292":52,"293":53,"295":55,"296":56,"297":57,"298":58,"301":59,"302":60,"305":61,"307":62,"308":63,"309":64,"310":65,"311":66,"314":67,"315":68,"316":69,"317":70,"318":71,"320":72,"324":74,"329":76,"330":78,"335":79,"337":80,"338":81,"340":82,"346":84,"349":85,"350":86,"351":87,"355":88,"356":89,"359":90,"364":91,"367":92,"369":93,"371":94,"373":95,"377":96,"381":97,"382":100,"383":101,"385":102,"386":103,"387":105,"389":106,"390":107,"391":108,"392":109,"395":111,"396":112,"397":113,"398":115,"400":116,"401":117,"402":118,"404":119,"405":120,"406":121,"407":122,"409":123,"410":124,"414":125,"415":126,"420":128,"421":129,"423":130,"425":131,"429":132,"430":133,"431":134,"432":135,"433":136,"434":137,"435":138,"436":139,"439":141,"440":142,"442":144,"444":145,"447":146,"449":147,"450":148,"453":149,"456":150,"461":151,"463":152,"464":153,"465":155,"466":157,"469":159,"471":160,"472":161,"473":162,"474":163,"478":164,"479":165,"481":166,"484":167,"485":168,"486":170,"487":171,"489":172,"490":173,"491":174,"492":177,"494":178,"495":180,"496":181,"498":183,"499":185,"500":187,"501":189,"502":191,"504":193,"505":194,"506":197,"511":198,"514":199,"515":200,"517":201,"519":202,"520":203,"522":204,"526":205,"528":206,"529":207,"530":208,"531":209,"532":210,"536":211,"537":212,"543":213,"544":214,"545":216,"548":218,"549":219,"550":221,"551":222,"552":224,"553":225,"554":227,"555":228,"560":230,"561":233,"562":234,"563":236,"564":237,"565":238,"568":239,"570":241,"571":242,"572":243,"573":244,"574":246,"580":247,"581":248,"582":249,"583":251,"584":252,"586":254,"587":255,"588":256,"589":257,"590":258,"591":260,"592":261,"593":263,"594":265,"595":266,"596":267,"597":268,"598":269,"599":270,"600":271,"602":273,"603":274,"604":275,"605":276,"606":279,"607":280,"615":281,"618":282,"619":283,"620":285,"621":286,"623":287,"625":288,"626":289,"628":290,"630":292,"631":293,"632":295,"633":296,"634":297,"635":298,"637":299,"639":301,"640":302,"641":305,"643":306,"644":308,"645":309,"646":313,"648":316,"649":317,"651":320,"652":322,"656":323,"658":324,"659":327,"660":328,"661":331,"662":333,"665":334,"666":335,"669":336,"672":338,"676":340,"677":341,"678":342,"679":344,"680":345,"681":347,"682":349,"683":350,"684":351,"686":352,"687":353,"689":354,"690":356,"691":358,"692":359,"693":360,"694":361,"695":362,"696":364,"698":366,"699":367,"700":369,"701":370,"702":371,"703":372,"704":373,"705":375,"707":376,"708":378,"709":379,"714":380,"715":381,"716":383,"717":385,"718":388,"719":390,"721":392,"722":393,"723":394,"733":397,"734":398,"740":399,"741":400,"742":401,"743":403,"745":405,"747":407,"748":409,"750":411,"751":414,"752":415,"755":416,"757":418,"758":419,"759":420,"760":421,"761":424,"762":426,"764":427,"765":429,"766":430,"767":432,"769":433,"770":435,"772":436,"773":437,"775":438,"776":440,"779":441,"780":442,"781":443,"783":445,"784":447,"785":448,"786":450,"788":451,"789":455,"790":457,"791":458,"792":460,"793":462,"794":465,"795":466,"797":468,"798":469,"799":471,"800":472,"801":473,"802":474,"804":476,"805":477,"812":478,"813":479,"814":480,"818":481,"820":482,"821":483,"823":485,"824":488,"825":489,"826":490,"828":491,"831":492,"832":493,"833":494,"834":496,"835":497,"836":498,"838":500,"839":502,"840":503,"841":504,"842":506,"843":508,"844":510,"845":511,"846":512,"847":516,"851":518,"854":519,"855":520,"856":521,"857":523,"858":524,"859":525,"861":526,"864":527,"866":528,"867":529,"868":530,"869":531,"870":533,"871":535,"872":536,"882":537,"883":540,"884":541,"885":542,"886":543,"887":544,"890":545,"892":546,"895":548,"896":549,"897":551,"899":554,"900":556,"902":557,"904":559,"906":560,"907":561,"912":562,"914":563,"917":564,"919":565,"920":566,"922":567,"923":568,"925":569,"926":570,"928":573,"929":575,"930":576,"931":578,"932":580,"934":581,"943":582,"946":583,"947":584,"948":585,"949":586,"950":587,"953":588,"954":591,"958":592,"959":593,"960":594,"961":595,"962":597,"963":599,"964":600,"965":601,"967":602,"968":604,"969":605,"970":607,"971":608,"972":611,"973":613,"974":614,"978":615,"980":616,"981":617,"982":618,"983":622,"984":623,"985":624,"986":625,"987":626,"988":627,"989":628,"991":631,"992":633,"993":635,"994":636,"995":639,"996":640,"999":641,"1003":642,"1007":644,"1008":645,"1009":646,"1011":647,"1012":648,"1013":649,"1014":650,"1016":653,"1018":654,"1019":655,"1021":656,"1022":657,"1024":658,"1025":659,"1027":660,"1028":662,"1031":663,"1032":664,"1033":666,"1034":667,"1035":668,"1036":671,"1037":672,"1038":674,"1039":677,"1040":678,"1041":680,"1042":681,"1043":684,"1047":686,"1048":687,"1049":688,"1051":690,"1053":692,"1055":693,"1057":694,"1059":695,"1060":697,"1061":699,"1062":700,"1063":701,"1065":702,"1068":705,"1069":706,"1070":707,"1071":710,"1072":712,"1074":714,"1075":715,"1077":716,"1078":718,"1079":719,"1080":720,"1081":723,"1082":725,"1084":726,"1086":727,"1087":728,"1089":731,"1090":732,"1091":734,"1092":736,"1093":738,"1095":740,"1096":741,"1097":742,"1098":743,"1099":745,"1100":746,"1101":747,"1102":748,"1104":750,"1105":751,"1106":753,"1108":755,"1109":757,"1112":759,"1113":760,"1114":761,"1115":763,"1116":764,"1118":766,"1120":768,"1121":770,"1122":771,"1123":773,"1124":774,"1126":775,"1127":777,"1128":778,"1129":780,"1131":781,"1132":783,"1133":785,"1134":786,"1135":788,"1136":789,"1137":790,"1141":791,"1144":792,"1147":794,"1148":795,"1149":796,"1150":797,"1152":799,"1153":800,"1154":801,"1159":802,"1160":804,"1161":805,"1163":806,"1164":807,"1165":809,"1166":811,"1169":812,"1172":813,"1174":814,"1177":816,"1180":817,"1182":818,"1183":819,"1184":821,"1185":822,"1187":823,"1189":824,"1193":825,"1196":826,"1198":827,"1199":828,"1200":829,"1201":830,"1203":832,"1204":833,"1207":834,"1208":835,"1209":837,"1210":838,"1211":839,"1212":841,"1213":844,"1214":845,"1215":846,"1216":847,"1217":850,"1218":853,"1220":854,"1221":855,"1222":857,"1227":858,"1228":859,"1229":860,"1230":861,"1231":863,"1232":865,"1233":867,"1239":868,"1240":869,"1241":870,"1242":871,"1243":872,"1244":873,"1246":875,"1247":877,"1248":878,"1249":880,"1250":881,"1251":884,"1252":886,"1254":887,"1257":888,"1258":890,"1259":891,"1260":893,"1262":895,"1263":896,"1265":897,"1266":899,"1268":902,"1269":903,"1271":905,"1272":906,"1273":907,"1274":908,"1276":909,"1281":911,"1283":914,"1284":915,"1285":917,"1286":918,"1289":919,"1292":920,"1294":922,"1295":925,"1298":926,"1299":927,"1300":929,"1301":930,"1302":931,"1303":933,"1304":935,"1305":937,"1306":938,"1307":939,"1308":940,"1309":942,"1310":944,"1311":946,"1312":948,"1313":949,"1314":951,"1315":953,"1316":954,"1317":955,"1318":956,"1319":957,"1320":958,"1323":959,"1324":960,"1325":961,"1326":963,"1327":965,"1330":966,"1331":968,"1332":969,"1333":971,"1334":972,"1336":973,"1337":974,"1339":975,"1340":977,"1342":978,"1347":979,"1348":980,"1349":981,"1350":982,"1351":983,"1352":984,"1353":985,"1354":987,"1357":989,"1358":991,"1359":992,"1360":993,"1361":994,"1362":996,"1363":997,"1364":999,"1365":1001,"1366":1003,"1367":1006,"1368":1008,"1369":1009,"1371":1012,"1372":1013,"1374":1014,"1375":1015,"1377":1016,"1379":1017,"1384":1018,"1385":1020,"1386":1021,"1387":1022,"1396":1023,"1397":1024,"1398":1026,"1399":1028,"1401":1029,"1402":1030,"1403":1032,"1404":1034,"1405":1036,"1406":1037,"1407":1038,"1409":1039,"1410":1040,"1412":1042,"1415":1043,"1419":1044,"1422":1045,"1423":1046,"1424":1048,"1425":1050,"1426":1051,"1428":1052,"1430":1053,"1433":1055,"1434":1056,"1435":1058,"1436":1059,"1437":1063,"1438":1065,"1439":1067,"1440":1069,"1441":1072,"1443":1073,"1444":1074,"1445":1075,"1446":1078,"1447":1079,"1448":1082,"1449":1084,"1450":1085,"1451":1086,"1452":1088,"1454":1089,"1455":1090,"1456":1091,"1457":1093,"1458":1096,"1459":1099,"1460":1101,"1461":1103,"1462":1105,"1463":1106,"1465":1108,"1466":1110,"1467":1112,"1469":1113,"1470":1114,"1471":1115,"1472":1116,"1474":1117,"1478":1120,"1479":1121,"1480":1123,"1481":1125,"1482":1126,"1485":1127,"1486":1128,"1487":1129,"1489":1131,"1490":1133,"1491":1134,"1492":1135,"1493":1136,"1494":1138,"1495":1139,"1496":1140,"1498":1141,"1499":1142,"1500":1143,"1501":1145,"1502":1147,"1505":1148,"1506":1150,"1507":1151,"1508":1152,"1509":1153,"1510":1154,"1511":1155,"1512":1157,"1513":1158,"1514":1159,"1515":1160,"1517":1162,"1518":1164,"1519":1166,"1520":1168,"1521":1170,"1522":1173,"1524":1176,"1525":1177,"1527":1179,"1528":1181,"1529":1182,"1530":1184,"1531":1186,"1532":1187,"1537":1188,"1539":1189,"1540":1190,"1541":1191,"1542":1194,"1543":1195,"1544":1196,"1545":1197,"1547":1199,"1549":1200,"1550":1201,"1551":1203,"1552":1205,"1553":1207,"1554":1209,"1555":1210,"1556":1211,"1558":1212,"1559":1213,"1560":1215,"1561":1217,"1562":1218,"1563":1219,"1566":1221,"1567":1222,"1568":1223,"1570":1225,"1571":1226,"1572":1228,"1573":1229,"1574":1232,"1575":1234,"1576":1235,"1577":1237,"1578":1239,"1579":1240,"1580":1242,"1581":1243,"1582":1244,"1583":1245,"1584":1246,"1586":1247,"1587":1248,"1588":1249,"1589":1251,"1590":1252,"1591":1253,"1599":1254,"1602":1257,"1606":1258,"1607":1260,"1608":1261,"1609":1263,"1610":1264,"1611":1266,"1612":1267,"1613":1271,"1614":1273,"1616":1276,"1617":1277,"1618":1280,"1619":1282,"1620":1283,"1621":1286,"1622":1287,"1630":1288,"1632":1289,"1633":1290,"1634":1292,"1635":1293,"1636":1294,"1638":1295,"1641":1296,"1642":1298,"1644":1299,"1645":1300,"1646":1301,"1647":1302,"1648":1303,"1649":1305,"1651":1307,"1652":1308,"1656":1310,"1657":1311,"1659":1312,"1660":1314,"1661":1317,"1662":1320,"1663":1321,"1664":1322,"1665":1323,"1667":1324,"1668":1326,"1669":1327,"1670":1328,"1671":1329,"1674":1330,"1675":1332,"1681":1333,"1682":1334,"1683":1336,"1685":1337,"1687":1338,"1688":1339,"1689":1340,"1692":1342,"1693":1343,"1694":1344,"1699":1345,"1700":1347,"1701":1349,"1702":1351,"1705":1352,"1706":1353,"1708":1354,"1713":1356,"1714":1358,"1716":1359,"1718":1360,"1719":1361,"1720":1362,"1722":1365,"1723":1366,"1724":1368,"1725":1370,"1726":1371,"1727":1374,"1728":1376,"1729":1378,"1730":1380,"1732":1381,"1734":1383,"1735":1384,"1738":1385,"1740":1386,"1741":1387,"1742":1389,"1743":1392,"1745":1395,"1746":1397,"1747":1400,"1749":1402,"1750":1404,"1752":1405,"1753":1406,"1755":1407,"1756":1410,"1757":1411,"1759":1412,"1760":1414,"1761":1416,"1762":1417,"1763":1419,"1766":1420,"1767":1421,"1768":1422,"1770":1423,"1771":1425,"1774":1426,"1776":1428,"1777":1429,"1778":1430,"1780":1431,"1781":1432,"1785":1433,"1786":1434,"1787":1435,"1788":1438,"1789":1440,"1790":1441,"1793":1444,"1794":1446,"1795":1449,"1796":1450,"1797":1452,"1803":1453,"1804":1454,"1806":1455,"1807":1456,"1808":1459,"1810":1460,"1811":1461,"1813":1463,"1814":1465,"1816":1468,"1817":1469,"1818":1470,"1819":1471,"1820":1473,"1821":1475,"1822":1476,"1823":1477,"1824":1478,"1825":1479,"1828":1480,"1829":1482,"1832":1484,"1833":1485,"1834":1487,"1835":1488,"1836":1490,"1837":1491,"1838":1493,"1842":1495,"1843":1496,"1845":1497,"1846":1498,"1847":1501,"1848":1503,"1849":1505,"1850":1507,"1851":1508,"1853":1509,"1854":1510,"1855":1512,"1856":1513,"1857":1514,"1858":1516,"1859":1518,"1860":1519,"1863":1521,"1864":1522,"1872":1524,"1874":1526,"1876":1528,"1877":1529,"1878":1531,"1880":1532,"1881":1533,"1882":1535,"1883":1536,"1884":1537,"1885":1540,"1886":1541,"1887":1542,"1888":1544,"1889":1545,"1891":1546,"1892":1547,"1893":1548,"1895":1549,"1896":1551,"1897":1552,"1898":1554,"1899":1555,"1900":1556,"1902":1557,"1904":1560,"1905":1561,"1906":1562,"1908":1564,"1911":1565,"1912":1568,"1913":1569,"1914":1571,"1915":1572,"1916":1574,"1917":1577,"1918":1578,"1919":1580,"1920":1582,"1921":1583,"1922":1585,"1923":1587,"1924":1589,"1925":1592,"1926":1593,"1927":1595,"1928":1596,"1929":1597,"1931":1598,"1932":1599,"1933":1601,"1935":1603,"1936":1605,"1937":1606,"1938":1608,"1940":1609,"1941":1611,"1942":1613,"1943":1614,"1944":1615,"1946":1616,"1947":1618,"1948":1619,"1950":1620,"1951":1622,"1952":1625,"1953":1626,"1954":1627,"1956":1628,"1957":1629,"1959":1630,"1965":1631,"1966":1633,"1968":1634,"1971":1635,"1974":1637,"1975":1638,"1976":1640,"1980":1641,"1981":1643,"1982":1644,"1983":1645,"1985":1646,"1986":1647,"1987":1649,"1988":1651,"1989":1652,"1991":1653,"1992":1654,"1993":1655,"1994":1656,"1999":1657,"2000":1658,"2001":1659,"2002":1660,"2003":1661,"2004":1663,"2005":1665,"2006":1666,"2008":1667,"2009":1668,"2011":1671,"2013":1673,"2014":1675,"2015":1676,"2016":1678,"2017":1679,"2018":1680,"2019":1683,"2020":1685,"2021":1687,"2022":1689,"2023":1692,"2024":1693,"2025":1695,"2026":1696,"2027":1698,"2028":1701,"2029":1703,"2030":1704,"2032":1706,"2034":1708,"2035":1710,"2036":1711,"2037":1712,"2038":1715,"2040":1717,"2041":1718,"2044":1721,"2046":1722,"2048":1723,"2049":1724,"2052":1726,"2053":1727,"2055":1728,"2056":1729,"2057":1731,"2058":1733,"2059":1734,"2060":1736,"2061":1738,"2062":1739,"2063":1741,"2064":1742,"2066":1743,"2068":1744,"2069":1746,"2070":1748,"2071":1750,"2072":1752,"2073":1753,"2074":1755,"2075":1756,"2076":1760,"2077":1761,"2082":1762,"2083":1763,"2084":1764,"2085":1766,"2086":1769,"2087":1771,"2093":1772,"2094":1773,"2103":1774,"2104":1775,"2105":1777,"2106":1778,"2107":1779,"2110":1780,"2111":1781,"2112":1782,"2113":1785,"2114":1786,"2115":1787,"2116":1789,"2117":1790,"2119":1792,"2120":1793,"2123":1794,"2124":1796,"2130":1797,"2131":1798,"2132":1799,"2133":1800,"2134":1803,"2135":1805,"2136":1807,"2137":1808,"2140":1810,"2141":1812,"2142":1813,"2143":1814,"2145":1815,"2146":1816,"2147":1817,"2148":1818,"2149":1819,"2150":1820,"2152":1822,"2153":1824,"2154":1825,"2155":1826,"2156":1828,"2157":1829,"2158":1831,"2159":1834,"2160":1836,"2163":1837,"2167":1839,"2168":1841,"2169":1842,"2170":1843,"2171":1845,"2172":1846,"2173":1847,"2174":1848,"2175":1849,"2176":1850,"2177":1851,"2178":1852,"2179":1853,"2180":1854,"2181":1857,"2182":1859,"2183":1861,"2184":1863,"2185":1864,"2186":1865,"2187":1866,"2188":1868,"2189":1869,"2190":1871,"2191":1872,"2192":1874,"2193":1875,"2195":1876,"2196":1877,"2197":1878,"2202":1880,"2203":1882,"2204":1883,"2205":1884,"2206":1887,"2207":1888,"2209":1890,"2211":1891,"2212":1893,"2213":1894,"2214":1896,"2215":1897,"2216":1898,"2217":1899,"2218":1902,"2220":1905,"2221":1907,"2222":1909,"2223":1912,"2224":1913,"2225":1915,"2226":1917,"2227":1918,"2229":1919,"2230":1921,"2231":1922,"2232":1923,"2234":1926,"2235":1928,"2236":1929,"2238":1931,"2239":1933,"2240":1934,"2241":1936,"2242":1938,"2243":1941,"2244":1942,"2245":1943,"2246":1945,"2247":1946,"2248":1947,"2249":1950,"2250":1952,"2251":1953,"2252":1954,"2253":1955,"2257":1956,"2259":1959,"2262":1960,"2264":1961,"2265":1963,"2266":1965,"2268":1967,"2270":1968,"2271":1969,"2273":1971,"2274":1973,"2275":1974,"2276":1976,"2278":1977,"2279":1978,"2280":1979,"2281":1981,"2283":1983,"2284":1984,"2285":1986,"2289":1987,"2292":1988,"2293":1990,"2294":1992,"2295":1993,"2296":1995,"2297":1997,"2298":1999,"2300":2000,"2302":2001,"2303":2002,"2304":2003,"2305":2004,"2306":2005,"2307":2007,"2308":2009,"2309":2010,"2311":2011,"2312":2012,"2314":2013,"2315":2014,"2316":2017,"2317":2018,"2319":2020,"2320":2021,"2321":2023,"2322":2026,"2323":2027,"2324":2029,"2325":2031,"2326":2033,"2327":2035,"2328":2036,"2329":2038,"2330":2039,"2331":2040,"2333":2041,"2334":2042,"2336":2044,"2339":2045,"2340":2046,"2341":2047,"2342":2048,"2343":2050,"2344":2052,"2346":2054,"2347":2056,"2348":2058,"2349":2061,"2350":2063,"2351":2066,"2352":2067,"2353":2071,"2354":2075,"2355":2076,"2357":2079,"2360":2080,"2361":2082,"2364":2084,"2366":2085,"2367":2086,"2368":2088,"2371":2090,"2372":2091,"2373":2093,"2374":2094,"2375":2096,"2378":2098,"2379":2099,"2380":2100,"2381":2101,"2383":2104,"2384":2105,"2385":2106,"2386":2108,"2391":2109,"2392":2110,"2394":2111,"2395":2112,"2396":2113,"2397":2114,"2398":2115,"2399":2116,"2401":2117,"2402":2118,"2404":2120,"2405":2121,"2406":2123,"2408":2124,"2409":2126,"2410":2129,"2411":2131,"2412":2133,"2414":2136,"2415":2138,"2418":2140,"2419":2142,"2420":2144,"2421":2145,"2422":2147,"2423":2148,"2424":2151,"2425":2154,"2426":2157,"2427":2159,"2428":2162,"2429":2164,"2430":2166,"2431":2167,"2432":2168,"2433":2169,"2434":2172,"2435":2174,"2436":2176,"2437":2178,"2438":2180,"2439":2183,"2440":2184,"2441":2186,"2442":2187,"2443":2188,"2444":2190,"2445":2191,"2447":2193,"2448":2194,"2449":2195,"2450":2197,"2451":2198,"2452":2199,"2453":2200,"2454":2201,"2455":2202,"2456":2205,"2458":2206,"2459":2207,"2460":2209,"2461":2210,"2462":2211,"2463":2213,"2466":2215,"2467":2216,"2468":2218,"2469":2220,"2478":2221,"2480":2222,"2490":2224,"2491":2225,"2492":2227,"2493":2228,"2494":2230,"2495":2233,"2496":2235,"2497":2239,"2498":2240,"2499":2242,"2500":2244,"2501":2247,"2502":2249,"2503":2251,"2504":2255,"2505":2257,"2506":2259,"2507":2260,"2511":2261,"2512":2262,"2513":2263,"2514":2264,"2516":2266,"2519":2267,"2522":2268,"2524":2270,"2525":2272,"2526":2275,"2527":2277,"2528":2279,"2529":2281,"2530":2285,"2531":2286,"2535":2287,"2538":2288,"2600":2289,"2601":2290,"2602":2292,"2603":2293,"2606":2294,"2607":2296,"2608":2298,"2609":2299,"2610":2301,"2612":2303,"2614":2306,"2615":2308,"2616":2310,"2617":2311,"2618":2313,"2619":2315,"2620":2316,"2621":2317,"2622":2319,"2623":2321,"2624":2322,"2626":2324,"2629":2325,"2630":2326,"2632":2327,"2633":2329,"2634":2332,"2635":2333,"2636":2335,"2637":2336,"2638":2337,"2639":2340,"2640":2342,"2641":2343,"2642":2345,"2643":2347,"2645":2349,"2646":2350,"2647":2351,"2648":2353,"2649":2354,"2650":2357,"2651":2358,"2653":2361,"2654":2363,"2655":2364,"2656":2366,"2657":2368,"2658":2369,"2659":2370,"2660":2371,"2661":2373,"2662":2374,"2663":2376,"2664":2377,"2666":2378,"2667":2379,"2668":2380,"2669":2381,"2670":2384,"2672":2385,"2673":2387,"2675":2389,"2676":2391,"2677":2392,"2678":2394,"2679":2396,"2680":2398,"2681":2402,"2682":2404,"2683":2406,"2685":2408,"2686":2409,"2687":2411,"2689":2413,"2690":2415,"2691":2416,"2692":2417,"2693":2419,"2694":2420,"2695":2421,"2696":2422,"2697":2424,"2698":2425,"2700":2427,"2701":2428,"2703":2431,"2704":2433,"2705":2434,"2706":2437,"2707":2439,"2708":2440,"2709":2442,"2710":2444,"2711":2446,"2712":2448,"2713":2450,"2714":2452,"2715":2453,"2716":2456,"2717":2457,"2719":2459,"2720":2461,"2721":2464,"2722":2467,"2723":2469,"2724":2471,"2725":2473,"2726":2474,"2727":2475,"2728":2477,"2729":2479,"2730":2480,"2731":2481,"2732":2482,"2733":2485,"2734":2488,"2736":2490,"2737":2492,"2740":2494,"2741":2495,"2742":2496,"2743":2497,"2745":2499,"2746":2501,"2747":2503,"2748":2504,"2752":2505,"2753":2506,"2754":2507,"2755":2510,"2756":2511,"2757":2513,"2758":2515,"2759":2516,"2761":2517,"2762":2518,"2764":2520,"2765":2522,"2766":2524,"2767":2526,"2768":2527,"2769":2530,"2770":2533,"2771":2536,"2772":2539,"2773":2540,"2775":2542,"2776":2545,"2778":2546,"2779":2550,"2780":2551,"2781":2554,"2782":2555,"2805":2556,"2807":2557,"2809":2558,"2810":2559,"2812":2560,"2813":2561,"2814":2562,"2815":2563,"2816":2565,"2817":2568,"2818":2569,"2819":2572,"2820":2573,"2821":2575,"2823":2577,"2826":2578,"2827":2579,"2828":2582,"2829":2583,"2830":2586,"2831":2589,"2832":2591,"2834":2593,"2835":2595,"2836":2596,"2837":2598,"2838":2600,"2839":2601,"2840":2602,"2841":2603,"2844":2604,"2845":2607,"2846":2609,"2847":2610,"2848":2611,"2849":2612,"2850":2613,"2852":2614,"2853":2616,"2854":2617,"2856":2618,"2857":2621,"2858":2622,"2859":2624,"2860":2625,"2861":2626,"2862":2627,"2865":2631,"2866":2634,"2867":2635,"2869":2639,"2870":2640,"2871":2643,"2872":2644,"2873":2645,"2874":2647,"2876":2648,"2877":2650,"2879":2654,"2880":2655,"2881":2656,"2882":2658,"2884":2659,"2887":2660,"2888":2661,"2890":2662,"2891":2664,"2893":2665,"2894":2668,"2895":2669,"2896":2670,"2897":2671,"2898":2673,"2899":2677,"2901":2678,"2903":2680,"2904":2682,"2905":2683,"2906":2684,"2907":2686,"2908":2688,"2909":2690,"2910":2693,"2911":2695,"2913":2696,"2914":2697,"2915":2699,"2916":2700,"2917":2702,"2918":2705,"2919":2706,"2921":2707,"2922":2710,"2923":2711,"2924":2712,"2925":2713,"2926":2714,"2928":2715,"2932":2718,"2933":2720,"2934":2722,"2935":2724,"2936":2725,"2937":2726,"2938":2727,"2940":2728,"2945":2729,"2946":2731,"2947":2732,"2948":2734,"2949":2735,"2950":2737,"2952":2738,"2953":2739,"2954":2741,"2955":2742,"2956":2744,"2957":2746,"2958":2748,"2959":2750,"2960":2752,"2961":2755,"2962":2757,"2963":2758,"2969":2760,"2971":2762,"2973":2763,"2974":2764,"2975":2765,"2976":2766,"2977":2769,"2978":2771,"2979":2773,"2980":2774,"2982":2775,"2983":2776,"2984":2778,"2985":2780,"2986":2781,"2987":2783,"2988":2785,"2990":2788,"2991":2789,"2992":2791,"2993":2793,"2994":2795,"2995":2798,"2996":2800,"2997":2801,"2999":2802,"3000":2803,"3001":2805,"3002":2806,"3003":2808,"3004":2810,"3005":2812,"3006":2813,"3007":2814,"3008":2816,"3009":2817,"3010":2819,"3011":2821,"3012":2822,"3013":2823,"3014":2825,"3015":2829,"3016":2831,"3017":2833,"3019":2834,"3021":2835,"3024":2836,"3026":2837,"3027":2838,"3028":2840,"3029":2841,"3030":2844,"3031":2847,"3036":2849,"3037":2852,"3038":2853,"3041":2854,"3042":2856,"3043":2857,"3044":2860,"3045":2862,"3046":2864,"3047":2866,"3048":2868,"3049":2870,"3050":2871,"3051":2872,"3052":2874,"3053":2875,"3055":2876,"3056":2877,"3058":2879,"3059":2881,"3061":2882,"3063":2884,"3064":2886,"3066":2889,"3067":2891,"3068":2892,"3069":2894,"3070":2896,"3071":2898,"3072":2899,"3073":2901,"3074":2905,"3075":2906,"3076":2908,"3077":2909,"3078":2912,"3079":2914,"3080":2916,"3081":2918,"3082":2920,"3083":2922,"3084":2924,"3086":2928,"3087":2929,"3089":2930,"3090":2932,"3091":2934,"3092":2937,"3094":2938,"3095":2939,"3096":2940,"3097":2942,"3100":2943,"3101":2946,"3102":2947,"3103":2950,"3104":2952,"3105":2954,"3106":2956,"3108":2959,"3109":2960,"3110":2962,"3111":2963,"3112":2965,"3113":2967,"3114":2970,"3115":2971,"3117":2972,"3118":2974,"3119":2975,"3120":2976,"3121":2979,"3122":2980,"3123":2981,"3124":2983,"3126":2985,"3128":2986,"3129":2988,"3130":2990,"3133":2991,"3134":2993,"3136":2995,"3137":2997,"3138":3000,"3140":3003,"3141":3004,"3142":3005,"3143":3006,"3144":3007,"3145":3008,"3147":3009,"3148":3012,"3149":3014,"3150":3016,"3151":3018,"3152":3019,"3153":3020,"3154":3022,"3155":3025,"3156":3027,"3157":3029,"3158":3031,"3159":3032,"3160":3033,"3164":3034,"3165":3036,"3167":3037,"3168":3039,"3169":3040,"3171":3041,"3172":3042,"3173":3045,"3174":3050,"3175":3052,"3176":3053,"3177":3055,"3178":3057,"3179":3058,"3180":3059,"3181":3060,"3182":3061,"3183":3063,"3184":3066,"3185":3068,"3186":3069,"3187":3071,"3189":3073,"3190":3075,"3191":3076,"3192":3079,"3201":3080,"3202":3082,"3203":3084,"3204":3086,"3205":3088,"3206":3089,"3207":3092,"3208":3093,"3209":3096,"3210":3097,"3211":3098,"3212":3100,"3213":3102,"3214":3104,"3215":3106,"3216":3108,"3217":3111,"3218":3114,"3219":3116,"3220":3119,"3221":3121,"3223":3124,"3224":3126,"3226":3127,"3228":3129,"3229":3131,"3230":3132,"3231":3133,"3232":3136,"3233":3139,"3234":3140,"3235":3142,"3236":3144,"3237":3146,"3238":3148,"3239":3149,"3241":3151,"3242":3152,"3243":3154,"3244":3155,"3245":3157,"3246":3158,"3247":3159,"3249":3162,"3250":3163,"3251":3166,"3252":3167,"3253":3169,"3254":3170,"3255":3172,"3256":3174,"3257":3176,"3258":3178,"3259":3180,"3262":3182,"3263":3183,"3264":3186,"3265":3187,"3266":3189,"3268":3190,"3269":3193,"3270":3196,"3271":3198,"3272":3200,"3273":3201,"3275":3202,"3276":3203,"3277":3204,"3278":3207,"3279":3208,"3280":3209,"3281":3210,"3282":3211,"3283":3214,"3284":3216,"3285":3218,"3286":3219,"3287":3221,"3289":3223,"3290":3224,"3291":3227,"3292":3228,"3293":3229,"3294":3231,"3295":3233,"3296":3234,"3297":3236,"3298":3237,"3300":3238,"3301":3239,"3302":3241,"3303":3242,"3304":3244,"3305":3245,"3306":3246,"3307":3248,"3309":3249,"3311":3250,"3312":3252,"3313":3254,"3314":3257,"3315":3259,"3316":3260,"3317":3261,"3318":3264,"3319":3265,"3320":3266,"3321":3269,"3322":3270,"3323":3272,"3324":3273,"3325":3274,"3326":3275,"3328":3277,"3329":3278,"3330":3279,"3331":3281,"3332":3283,"3333":3284,"3334":3286,"3335":3288,"3336":3290,"3337":3292,"3338":3294,"3339":3295,"3340":3296,"3341":3298,"3342":3299,"3343":3300,"3344":3302,"3345":3303,"3349":3304,"3351":3306,"3352":3307,"3356":3308,"3357":3309,"3358":3310,"3359":3312,"3361":3314,"3362":3316,"3363":3318,"3365":3319,"3366":3320,"3367":3322,"3368":3323,"3369":3324,"3372":3326,"3373":3328,"3374":3329,"3376":3331,"3377":3332,"3378":3333,"3379":3334,"3380":3335,"3381":3336,"3383":3337,"3384":3339,"3385":3341,"3386":3342,"3387":3344,"3388":3346,"3389":3348,"3390":3350,"3391":3353,"3392":3355,"3393":3356,"3394":3359,"3395":3361,"3396":3363,"3397":3366,"3398":3370,"3399":3371,"3400":3373,"3401":3375,"3403":3376,"3404":3377,"3405":3378,"3406":3380,"3407":3381,"3411":3382,"3412":3383,"3413":3384,"3415":3386,"3416":3387,"3417":3388,"3418":3390,"3419":3391,"3420":3392,"3421":3395,"3422":3397,"3423":3399,"3424":3401,"3425":3402,"3426":3404,"3427":3405,"3430":3407,"3431":3409,"3432":3410,"3435":3411,"3436":3412,"3437":3414,"3438":3417,"3439":3418,"3440":3420,"3441":3422,"3442":3424,"3443":3425,"3444":3426,"3445":3428,"3446":3430,"3447":3431,"3448":3433,"3449":3435,"3450":3436,"3451":3437,"3452":3439,"3453":3440,"3454":3441,"3455":3443,"3456":3445,"3459":3446,"3460":3448,"3461":3449,"3462":3450,"3463":3452,"3464":3453,"3465":3456,"3467":3457,"3468":3459,"3469":3460,"3470":3461,"3471":3462,"3472":3464,"3473":3465,"3474":3467,"3475":3470,"3476":3471,"3477":3472,"3478":3473,"3479":3474,"3481":3475,"3482":3476,"3483":3477,"3484":3478,"3485":3479,"3486":3481,"3487":3484,"3488":3485,"3489":3486,"3490":3487,"3492":3488,"3493":3489,"3494":3491,"3495":3492,"3498":3495,"3499":3496,"3501":3497,"3502":3498,"3503":3500,"3505":3502,"3506":3504,"3507":3506,"3508":3507,"3509":3509,"3510":3510,"3511":3511,"3513":3514,"3514":3515,"3515":3517,"3516":3519,"3517":3521,"3518":3522,"3519":3523,"3520":3524,"3522":3525,"3524":3526,"3525":3528,"3526":3530,"3527":3531,"3531":3532,"3532":3533,"3533":3535,"3535":3537,"3536":3539,"3539":3541,"3540":3542,"3541":3543,"3543":3544,"3544":3546,"3545":3547,"3546":3550,"3547":3551,"3548":3553,"3549":3554,"3552":3555,"3554":3556,"3555":3558,"3556":3559,"3557":3560,"3558":3561,"3559":3562,"3562":3564,"3563":3565,"3564":3567,"3565":3570,"3566":3572,"3567":3574,"3568":3575,"3569":3577,"3570":3580,"3571":3581,"3572":3582,"3573":3585,"3574":3587,"3575":3589,"3576":3590,"3577":3591,"3578":3593,"3580":3595,"3581":3597,"3582":3600,"3583":3602,"3584":3603,"3585":3605,"3586":3607,"3587":3609,"3588":3610,"3590":3611,"3591":3612,"3592":3613,"3595":3615,"3596":3617,"3597":3620,"3598":3621,"3599":3622,"3600":3623,"3601":3624,"3602":3625,"3603":3627,"3605":3629,"3607":3630,"3608":3632,"3609":3633,"3612":3635,"3613":3638,"3614":3639,"3615":3641,"3616":3642,"3617":3643,"3618":3646,"3619":3648,"3620":3650,"3621":3652,"3622":3653,"3623":3654,"3624":3656,"3625":3660,"3633":3661,"3635":3662,"3636":3666,"3638":3669,"3639":3670,"3640":3671,"3641":3672,"3642":3674,"3643":3675,"3644":3677,"3645":3679,"3646":3681,"3647":3683,"3648":3685,"3649":3686,"3650":3688,"3651":3690,"3652":3691,"3653":3694,"3655":3695,"3656":3698,"3657":3699,"3658":3701,"3659":3703,"3660":3704,"3661":3707,"3662":3708,"3663":3710,"3664":3712,"3665":3713,"3666":3716,"3667":3718,"3668":3720,"3669":3721,"3670":3722,"3671":3725,"3672":3727,"3673":3728,"3674":3729,"3675":3730,"3676":3732,"3677":3734,"3678":3736,"3679":3738,"3680":3739,"3682":3742,"3683":3743,"3684":3744,"3685":3745,"3686":3747,"3687":3748,"3688":3751,"3689":3752,"3690":3755,"3691":3756,"3692":3757,"3693":3759,"3694":3761,"3695":3762,"3696":3763,"3697":3764,"3698":3767,"3699":3768,"3700":3770,"3702":3771,"3703":3772,"3704":3775,"3705":3777,"3706":3778,"3707":3781,"3711":3783,"3712":3784,"3713":3786,"3716":3787,"3717":3789,"3719":3791,"3720":3793,"3721":3795,"3722":3796,"3724":3798,"3725":3800,"3726":3802,"3727":3803,"3728":3804,"3731":3805,"3732":3807,"3733":3809,"3735":3810,"3736":3811,"3737":3812,"3739":3814,"3740":3816,"3741":3818,"3742":3819,"3743":3822,"3744":3825,"3746":3827,"3748":3828,"3750":3829,"3751":3830,"3752":3832,"3753":3833,"3755":3834,"3756":3836,"3757":3837,"3758":3839,"3760":3840,"3762":3841,"3763":3842,"3765":3843,"3766":3844,"3767":3846,"3768":3847,"3769":3849,"3771":3851,"3772":3853,"3773":3854,"3774":3856,"3775":3857,"3776":3858,"3778":3859,"3779":3860,"3781":3862,"3782":3864,"3783":3866,"3784":3868,"3785":3870,"3787":3871,"3788":3872,"3789":3873,"3790":3874,"3792":3875,"3793":3876,"3794":3877,"3795":3879,"3796":3881,"3797":3882,"3799":3884,"3800":3886,"3801":3887,"3802":3889,"3803":3891,"3805":3892,"3808":3893,"3809":3894,"3810":3896,"3811":3897,"3813":3898,"3814":3900,"3815":3903,"3816":3905,"3817":3908,"3818":3909,"3819":3910,"3820":3912,"3821":3915,"3822":3916,"3823":3918,"3824":3919,"3825":3920,"3826":3922,"3827":3924,"3828":3926,"3834":3927,"3835":3929,"3838":3930,"3839":3931,"3842":3932,"3843":3934,"3844":3936,"3850":3937,"3851":3938,"3852":3939,"3853":3942,"3854":3943,"3855":3944,"3856":3945,"3857":3946,"3858":3948,"3859":3951,"3860":3952,"3861":3954,"3862":3956,"3863":3957,"3864":3958,"3866":3959,"3867":3960,"3868":3961,"3869":3962,"3870":3964,"3873":3965,"3874":3966,"3875":3967,"3885":3968,"3888":3969,"3889":3970,"3892":3972,"3893":3973,"3894":3974,"3895":3976,"3897":3977,"3899":3980,"3901":3981,"3902":3983,"3903":3984,"3905":3986,"3909":3987,"3910":3989,"3913":3990,"3914":3992,"3915":3993,"3916":3996,"3918":3998,"3919":4000,"3920":4002,"3921":4005,"3922":4006,"3923":4007,"3924":4009,"3925":4010,"3926":4012,"3927":4015,"3928":4017,"3929":4019,"3930":4022,"3931":4025,"3932":4026,"3933":4027,"3934":4028,"3936":4029,"3938":4030,"3939":4033,"3943":4034,"3944":4035,"3946":4036,"3948":4037,"3950":4038,"3951":4040,"3952":4041,"3953":4042,"3961":4043,"3962":4044,"3963":4045,"3964":4046,"3965":4047,"3966":4048,"3967":4049,"3971":4050,"3972":4051,"3974":4052,"3975":4053,"3976":4054,"3978":4055,"3979":4056,"3980":4057,"3981":4060,"3982":4061,"3983":4062,"3985":4063,"3996":4064,"3997":4065,"3998":4066,"3999":4067,"4000":4069,"4001":4070,"4002":4071,"4005":4073,"4006":4076,"4007":4078,"4008":4080,"4009":4081,"4010":4083,"4011":4086,"4012":4087,"4013":4089,"4014":4090,"4015":4092,"4016":4094,"4017":4096,"4018":4097,"4019":4099,"4020":4100,"4021":4102,"4022":4103,"4024":4104,"4025":4107,"4031":4109,"4032":4110,"4033":4111,"4034":4114,"4036":4115,"4037":4117,"4038":4118,"4040":4119,"4041":4121,"4042":4122,"4043":4126,"4044":4128,"4045":4131,"4046":4133,"4047":4134,"4048":4137,"4049":4139,"4050":4142,"4051":4144,"4052":4146,"4053":4148,"4055":4149,"4056":4151,"4057":4152,"4059":4153,"4061":4154,"4062":4155,"4063":4156,"4064":4158,"4067":4159,"4068":4160,"4069":4163,"4070":4166,"4071":4168,"4073":4169,"4074":4170,"4075":4171,"4076":4173,"4077":4176,"4078":4178,"4079":4180,"4080":4182,"4081":4183,"4082":4184,"4083":4185,"4084":4186,"4085":4188,"4086":4190,"4087":4191,"4088":4193,"4089":4194,"4090":4196,"4091":4197,"4093":4199,"4095":4200,"4096":4202,"4097":4203,"4098":4206,"4099":4208,"4100":4211,"4101":4212,"4102":4213,"4103":4215,"4104":4216,"4105":4217,"4106":4218,"4107":4220,"4108":4222,"4109":4224,"4111":4227,"4112":4228,"4113":4229,"4115":4232,"4116":4233,"4117":4234,"4118":4235,"4119":4236,"4120":4237,"4121":4238,"4122":4241,"4123":4242,"4124":4244,"4126":4246,"4129":4248,"4130":4249,"4131":4250,"4132":4251,"4133":4252,"4134":4253,"4136":4255,"4137":4260,"4138":4261,"4139":4262,"4141":4263,"4143":4266,"4144":4267,"4145":4269,"4146":4270,"4148":4271,"4149":4272,"4150":4273,"4151":4274,"4152":4276,"4153":4279,"4154":4281,"4155":4282,"4156":4284,"4157":4285,"4158":4287,"4159":4288,"4160":4290,"4161":4291,"4162":4292,"4163":4293,"4164":4294,"4165":4295,"4167":4297,"4168":4300,"4169":4302,"4170":4303,"4172":4304,"4173":4305,"4174":4306,"4175":4308,"4176":4310,"4177":4312,"4178":4313,"4179":4315,"4181":4320,"4182":4322,"4183":4323,"4184":4325,"4185":4326,"4187":4327,"4188":4330,"4189":4332,"4190":4335,"4191":4336,"4192":4338,"4193":4341,"4194":4342,"4195":4343,"4196":4345,"4197":4347,"4198":4349,"4199":4352,"4200":4354,"4202":4355,"4204":4356,"4205":4358,"4207":4359,"4209":4361,"4211":4364,"4212":4365,"4213":4367,"4214":4369,"4215":4372,"4216":4374,"4217":4376,"4218":4377,"4219":4378,"4220":4381,"4221":4383,"4223":4384,"4224":4386,"4225":4388,"4226":4392,"4227":4395,"4228":4396,"4229":4397,"4232":4398,"4233":4399,"4234":4401,"4235":4402,"4236":4404,"4237":4406,"4238":4408,"4239":4410,"4240":4412,"4241":4416,"4242":4418,"4244":4420,"4245":4423,"4246":4424,"4247":4425,"4249":4426,"4250":4428,"4251":4430,"4252":4431,"4253":4432,"4255":4433,"4256":4435,"4257":4436,"4258":4438,"4259":4440,"4260":4443,"4261":4445,"4263":4447,"4264":4448,"4266":4449,"4267":4451,"4269":4453,"4271":4458,"4272":4460,"4273":4462,"4274":4463,"4275":4464,"4276":4466,"4277":4468,"4278":4471,"4281":4472,"4282":4473,"4284":4474,"4285":4476,"4286":4477,"4287":4479,"4289":4481,"4290":4483,"4291":4485,"4292":4487,"4294":4488,"4295":4489,"4296":4490,"4297":4491,"4298":4492,"4299":4493,"4300":4496,"4301":4497,"4302":4499,"4303":4500,"4304":4502,"4305":4504,"4306":4506,"4307":4508,"4308":4510,"4309":4511,"4310":4513,"4313":4515,"4314":4516,"4315":4517,"4316":4519,"4317":4520,"4318":4521,"4319":4522,"4320":4524,"4322":4525,"4324":4528,"4325":4530,"4327":4532,"4328":4533,"4329":4536,"4330":4537,"4331":4539,"4332":4541,"4333":4543,"4334":4544,"4335":4546,"4336":4548,"4337":4550,"4338":4552,"4340":4553,"4341":4554,"4342":4555,"4343":4559,"4344":4561,"4346":4562,"4349":4564,"4350":4565,"4352":4566,"4353":4567,"4354":4569,"4355":4570,"4356":4572,"4357":4573,"4358":4575,"4361":4577,"4367":4579,"4369":4580,"4370":4581,"4371":4583,"4372":4584,"4373":4585,"4374":4586,"4375":4587,"4376":4589,"4377":4590,"4379":4591,"4380":4592,"4382":4593,"4384":4594,"4385":4596,"4386":4598,"4387":4599,"4388":4600,"4390":4601,"4391":4602,"4392":4605,"4398":4607,"4399":4608,"4402":4610,"4407":4611,"4408":4612,"4409":4614,"4413":4615,"4414":4617,"4415":4618,"4418":4619,"4419":4620,"4420":4621,"4425":4622,"4427":4623,"4428":4625,"4431":4627,"4439":4628,"4442":4629,"4443":4630,"4445":4633,"4446":4637,"4447":4638,"4448":4640,"4449":4642,"4450":4644,"4451":4647,"4452":4649,"4453":4651,"4454":4654,"4455":4655,"4456":4657,"4457":4658,"4458":4659,"4459":4661,"4460":4662,"4464":4664,"4465":4666,"4467":4668,"4468":4669,"4469":4671,"4470":4672,"4471":4674,"4472":4676,"4475":4678,"4476":4679,"4477":4681,"4478":4683,"4479":4685,"4480":4686,"4481":4688,"4482":4689,"4483":4690,"4484":4693,"4485":4694,"4488":4696,"4489":4699,"4490":4701,"4491":4703,"4492":4706,"4494":4708,"4495":4710,"4496":4711,"4497":4714,"4498":4715,"4499":4716,"4500":4717,"4501":4718,"4502":4720,"4503":4722,"4504":4724,"4505":4726,"4506":4727,"4507":4729,"4508":4730,"4509":4731,"4510":4732,"4512":4734,"4513":4735,"4514":4738,"4515":4740,"4516":4741,"4517":4743,"4518":4744,"4519":4746,"4520":4748,"4521":4749,"4526":4751,"4527":4753,"4528":4755,"4529":4756,"4530":4758,"4531":4760,"4532":4762,"4533":4763,"4534":4765,"4535":4766,"4536":4768,"4537":4771,"4538":4773,"4539":4776,"4541":4777,"4542":4778,"4543":4781,"4544":4782,"4546":4783,"4548":4785,"4549":4787,"4552":4788,"4553":4789,"4554":4791,"4555":4793,"4556":4794,"4557":4795,"4558":4796,"4560":4798,"4561":4799,"4562":4800,"4563":4802,"4564":4803,"4565":4804,"4566":4806,"4568":4809,"4569":4811,"4570":4812,"4571":4813,"4572":4814,"4573":4815,"4574":4817,"4575":4820,"4576":4823,"4577":4824,"4578":4825,"4579":4826,"4580":4827,"4581":4829,"4582":4830,"4583":4831,"4584":4832,"4585":4834,"4586":4836,"4587":4837,"4588":4840,"4589":4841,"4590":4843,"4591":4845,"4592":4847,"4593":4849,"4594":4851,"4595":4853,"4596":4856,"4597":4858,"4598":4861,"4599":4863,"4600":4864,"4601":4866,"4603":4867,"4604":4869,"4605":4872,"4606":4873,"4607":4877,"4608":4878,"4609":4879,"4610":4880,"4611":4881,"4612":4882,"4613":4883,"4614":4885,"4615":4887,"4616":4889,"4618":4891,"4619":4892,"4621":4893,"4623":4895,"4624":4896,"4625":4898,"4626":4899,"4628":4900,"4630":4901,"4631":4903,"4632":4904,"4633":4906,"4634":4908,"4635":4910,"4637":4911,"4638":4913,"4639":4914,"4640":4915,"4642":4916,"4643":4919,"4644":4920,"4645":4923,"4646":4924,"4647":4925,"4649":4926,"4650":4928,"4651":4930,"4652":4933,"4653":4934,"4654":4936,"4655":4937,"4656":4938,"4661":4940,"4662":4943,"4663":4945,"4664":4946,"4665":4948,"4666":4949,"4667":4951,"4669":4953,"4670":4956,"4671":4958,"4673":4959,"4674":4960,"4678":4961,"4679":4962,"4680":4965,"4681":4966,"4682":4968,"4683":4969,"4684":4971,"4685":4972,"4686":4974,"4687":4976,"4688":4977,"4689":4978,"4690":4980,"4691":4983,"4692":4984,"4693":4985,"4694":4987,"4695":4989,"4696":4991,"4697":4993,"4698":4994,"4699":4996,"4700":5000,"4701":5002,"4702":5003,"4703":5005,"4704":5006,"4705":5007,"4706":5010,"4708":5011,"4709":5013,"4710":5015,"4711":5017,"4712":5019,"4713":5021,"4714":5024,"4715":5026,"4717":5027,"4718":5028,"4721":5029,"4722":5030,"4723":5032,"4724":5035,"4725":5038,"4726":5039,"4727":5040,"4728":5042,"4729":5044,"4730":5045,"4731":5046,"4732":5047,"4733":5048,"4734":5050,"4735":5052,"4737":5053,"4738":5054,"4739":5056,"4740":5058,"4741":5059,"4742":5061,"4743":5062,"4744":5063,"4745":5064,"4747":5065,"4748":5066,"4749":5067,"4752":5068,"4753":5071,"4754":5072,"4755":5073,"4756":5076,"4757":5078,"4758":5081,"4759":5084,"4760":5085,"4762":5086,"4763":5089,"4764":5092,"4765":5095,"4766":5097,"4767":5099,"4768":5101,"4769":5102,"4770":5103,"4772":5104,"4773":5106,"4775":5107,"4776":5108,"4777":5109,"4778":5110,"4780":5111,"4781":5112,"4782":5113,"4783":5115,"4787":5117,"4788":5118,"4789":5121,"4790":5122,"4791":5123,"4792":5125,"4793":5127,"4794":5129,"4795":5130,"4796":5131,"4797":5133,"4798":5134,"4799":5136,"4800":5137,"4801":5138,"4804":5139,"4805":5140,"4806":5142,"4807":5143,"4808":5144,"4810":5145,"4813":5146,"4815":5147,"4816":5148,"4818":5150,"4820":5151,"4821":5152,"4822":5153,"4823":5154,"4825":5155,"4826":5158,"4827":5159,"4828":5161,"4831":5162,"4835":5163,"4836":5164,"4838":5166,"4839":5169,"4840":5171,"4842":5173,"4843":5174,"4844":5175,"4846":5176,"4847":5178,"4848":5180,"4849":5182,"4850":5184,"4851":5185,"4852":5186,"4853":5189,"4855":5190,"4856":5191,"4857":5193,"4859":5195,"4860":5196,"4861":5198,"4862":5199,"4863":5200,"4865":5202,"4866":5203,"4868":5206,"4869":5208,"4870":5210,"4871":5212,"4872":5214,"4873":5215,"4874":5216,"4875":5217,"4876":5219,"4877":5221,"4878":5223,"4879":5224,"4880":5226,"4881":5227,"4882":5228,"4883":5230,"4885":5231,"4886":5233,"4887":5235,"4888":5236,"4889":5238,"4890":5239,"4891":5240,"4894":5242,"4895":5244,"4896":5246,"4898":5249,"4899":5251,"4900":5253,"4902":5254,"4903":5256,"4904":5257,"4905":5258,"4907":5260,"4908":5261,"4911":5262,"4912":5264,"4913":5266,"4914":5267,"4915":5268,"4917":5270,"4918":5272,"4919":5275,"4920":5276,"4921":5279,"4922":5281,"4923":5283,"4924":5285,"4925":5286,"4926":5287,"4928":5288,"4929":5289,"4930":5290,"4931":5291,"4932":5293,"4934":5294,"4937":5295,"4939":5296,"4940":5298,"4941":5299,"4942":5300,"4944":5301,"4945":5303,"4946":5304,"4947":5305,"4948":5308,"4949":5311,"4950":5312,"4951":5313,"4953":5314,"4954":5316,"4955":5317,"4956":5319,"4957":5321,"4958":5323,"4959":5324,"4960":5325,"4961":5327,"4963":5328,"4964":5332,"4965":5333,"4966":5335,"4967":5338,"4969":5340,"4970":5341,"4971":5342,"4973":5343,"4977":5344,"4978":5347,"4980":5348,"4981":5350,"4982":5352,"4984":5353,"4985":5356,"4986":5357,"4987":5359,"4988":5360,"4989":5361,"4990":5363,"4992":5365,"4993":5366,"4994":5368,"4995":5369,"4996":5370,"4997":5371,"5001":5372,"5003":5373,"5004":5374,"5005":5376,"5007":5377,"5008":5378,"5012":5380,"5017":5381,"5020":5382,"5024":5383,"5025":5384,"5026":5385,"5028":5387,"5029":5388,"5030":5390,"5031":5393,"5032":5395,"5034":5396,"5037":5397,"5040":5398,"5041":5399,"5042":5400,"5043":5401,"5044":5403,"5046":5404,"5047":5406,"5048":5407,"5049":5408,"5050":5409,"5052":5410,"5055":5411,"5056":5412,"5057":5414,"5058":5417,"5059":5418,"5060":5419,"5062":5420,"5064":5421,"5067":5422,"5070":5424,"5071":5426,"5072":5428,"5074":5430,"5075":5432,"5077":5433,"5079":5434,"5080":5435,"5082":5436,"5083":5437,"5084":5440,"5085":5442,"5086":5444,"5087":5445,"5088":5446,"5089":5447,"5090":5448,"5091":5449,"5092":5450,"5094":5451,"5095":5453,"5096":5454,"5097":5456,"5100":5457,"5101":5458,"5102":5459,"5103":5461,"5104":5462,"5105":5463,"5107":5464,"5111":5466,"5112":5468,"5113":5470,"5115":5472,"5116":5473,"5117":5475,"5131":5476,"5134":5478,"5135":5479,"5136":5481,"5137":5482,"5144":5483,"5146":5484,"5147":5485,"5148":5487,"5149":5489,"5150":5491,"5153":5492,"5154":5493,"5155":5494,"5159":5495,"5160":5497,"5161":5499,"5162":5500,"5163":5503,"5165":5504,"5166":5505,"5169":5506,"5170":5507,"5171":5508,"5172":5509,"5174":5510,"5175":5513,"5176":5514,"5177":5516,"5178":5518,"5180":5519,"5181":5520,"5192":5521,"5194":5523,"5195":5524,"5196":5525,"5197":5527,"5198":5529,"5199":5531,"5200":5532,"5201":5533,"5203":5534,"5205":5535,"5207":5538,"5209":5540,"5210":5541,"5212":5542,"5213":5543,"5214":5546,"5215":5548,"5217":5550,"5218":5551,"5219":5552,"5220":5554,"5222":5555,"5225":5556,"5226":5557,"5227":5558,"5228":5559,"5229":5560,"5230":5561,"5231":5563,"5232":5565,"5234":5566,"5235":5567,"5236":5568,"5237":5570,"5238":5571,"5239":5572,"5246":5573,"5248":5575,"5249":5576,"5250":5577,"5251":5578,"5253":5579,"5260":5580,"5261":5581,"5266":5582,"5268":5583,"5269":5586,"5270":5587,"5271":5589,"5272":5592,"5274":5594,"5275":5595,"5276":5596,"5277":5597,"5278":5601,"5279":5603,"5280":5604,"5281":5606,"5282":5607,"5283":5609,"5285":5610,"5286":5611,"5287":5612,"5288":5614,"5290":5615,"5291":5616,"5292":5618,"5293":5619,"5297":5621,"5298":5624,"5299":5625,"5300":5626,"5301":5628,"5302":5629,"5303":5630,"5304":5633,"5305":5636,"5306":5638,"5307":5640,"5308":5641,"5309":5642,"5310":5644,"5311":5645,"5312":5646,"5313":5647,"5316":5648,"5317":5651,"5318":5652,"5319":5654,"5322":5655,"5323":5658,"5324":5659,"5325":5660,"5327":5661,"5328":5662,"5329":5663,"5330":5664,"5331":5665,"5332":5668,"5333":5669,"5334":5671,"5335":5674,"5336":5676,"5337":5678,"5338":5681,"5339":5683,"5340":5685,"5341":5686,"5343":5687,"5344":5688,"5345":5690,"5346":5692,"5347":5693,"5348":5694,"5350":5696,"5351":5697,"5353":5698,"5355":5699,"5356":5701,"5357":5702,"5358":5703,"5359":5704,"5364":5705,"5366":5706,"5368":5708,"5370":5710,"5371":5711,"5372":5712,"5373":5713,"5375":5714,"5376":5715,"5377":5716,"5380":5717,"5381":5718,"5382":5719,"5383":5720,"5384":5722,"5385":5724,"5388":5725,"5389":5726,"5391":5727,"5392":5730,"5393":5732,"5394":5734,"5395":5735,"5397":5737,"5398":5738,"5400":5739,"5402":5740,"5403":5741,"5404":5743,"5405":5746,"5407":5747,"5408":5748,"5410":5750,"5411":5751,"5412":5752,"5414":5753,"5415":5755,"5416":5756,"5417":5758,"5418":5759,"5419":5761,"5421":5762,"5423":5763,"5424":5765,"5426":5768,"5427":5770,"5428":5771,"5429":5772,"5430":5773,"5431":5774,"5432":5775,"5435":5776,"5436":5777,"5437":5779,"5443":5780,"5444":5781,"5445":5782,"5449":5783,"5451":5784,"5452":5786,"5453":5787,"5455":5788,"5456":5789,"5457":5790,"5458":5791,"5463":5794,"5464":5796,"5465":5797,"5466":5799,"5467":5800,"5477":5801,"5478":5802,"5479":5803,"5480":5804,"5481":5805,"5482":5806,"5483":5807,"5484":5810,"5485":5811,"5487":5814,"5488":5816,"5489":5817,"5491":5818,"5492":5819,"5493":5822,"5494":5823,"5495":5826,"5496":5829,"5497":5831,"5499":5832,"5500":5833,"5501":5834,"5502":5836,"5505":5837,"5506":5838,"5507":5841,"5518":5842,"5519":5843,"5520":5844,"5523":5845,"5524":5846,"5525":5847,"5528":5848,"5530":5849,"5532":5851,"5535":5852,"5539":5853,"5540":5854,"5542":5855,"5543":5856,"5544":5857,"5546":5858,"5547":5859,"5549":5860,"5552":5861,"5562":5862,"5577":5863,"5583":5864,"5589":5865,"5591":5866,"5592":5867,"5596":5868,"5597":5869,"5601":5870,"5603":5871,"5604":5872,"5606":5873,"5607":5874,"5608":5876,"5609":5877,"5612":5879,"5613":5881,"5614":5882,"5615":5884,"5617":5885,"5619":5886,"5620":5888,"5622":5889,"5623":5891,"5624":5892,"5625":5893,"5630":5894,"5635":5895,"5636":5896,"5637":5897,"5638":5898,"5639":5900,"5640":5901,"5641":5902,"5645":5903,"5648":5905,"5649":5906,"5650":5907,"5651":5908,"5654":5909,"5655":5910,"5656":5911,"5660":5912,"5662":5913,"5663":5914,"5664":5915,"5666":5916,"5668":5917,"5669":5918,"5672":5920,"5673":5921,"5674":5922,"5675":5923,"5676":5925,"5677":5927,"5678":5928,"5679":5931,"5681":5932,"5684":5933,"5685":5934,"5687":5935,"5688":5936,"5689":5938,"5690":5939,"5691":5941,"5692":5942,"5693":5943,"5697":5944,"5698":5946,"5701":5949,"5702":5950,"5703":5952,"5704":5953,"5706":5955,"5711":5956,"5712":5957,"5713":5958,"5714":5959,"5716":5960,"5717":5962,"5718":5963,"5719":5964,"5720":5966,"5726":5968,"5727":5969,"5729":5970,"5731":5971,"5732":5972,"5735":5975,"5736":5977,"5737":5978,"5741":5979,"5742":5982,"5743":5983,"5745":5984,"5746":5986,"5747":5988,"5748":5990,"5749":5993,"5750":5994,"5751":5996,"5752":5998,"5753":6001,"5754":6003,"5758":6004,"5759":6006,"5763":6007,"5764":6008,"5765":6009,"5767":6010,"5769":6012,"5770":6013,"5771":6015,"5772":6018,"5774":6019,"5778":6021,"5779":6023,"5780":6024,"5781":6025,"5782":6028,"5783":6030,"5784":6033,"5785":6034,"5790":6035,"5791":6036,"5793":6037,"5794":6038,"5795":6040,"5797":6041,"5798":6043,"5799":6045,"5800":6048,"5802":6049,"5803":6050,"5804":6052,"5805":6054,"5806":6055,"5807":6056,"5810":6057,"5811":6058,"5812":6060,"5813":6063,"5814":6065,"5815":6066,"5816":6068,"5818":6069,"5819":6072,"5820":6073,"5821":6074,"5822":6075,"5824":6076,"5825":6077,"5826":6080,"5828":6082,"5829":6084,"5830":6086,"5832":6087,"5833":6089,"5834":6090,"5835":6092,"5836":6094,"5838":6096,"5843":6098,"5844":6099,"5845":6102,"5846":6103,"5852":6106,"5853":6107,"5854":6109,"5855":6111,"5856":6114,"5857":6116,"5858":6117,"5859":6118,"5860":6120,"5861":6122,"5862":6123,"5863":6125,"5864":6127,"5865":6128,"5867":6129,"5868":6130,"5869":6131,"5870":6133,"5871":6134,"5875":6135,"5876":6136,"5877":6137,"5878":6138,"5880":6139,"5881":6140,"5883":6142,"5884":6144,"5885":6145,"5886":6148,"5887":6150,"5889":6151,"5890":6153,"5891":6155,"5892":6156,"5893":6159,"5895":6161,"5896":6163,"5897":6165,"5898":6168,"5899":6170,"5900":6172,"5901":6174,"5902":6176,"5903":6177,"5904":6179,"5905":6180,"5906":6182,"5907":6183,"5910":6184,"5912":6185,"5913":6186,"5914":6188,"5916":6189,"5917":6190,"5918":6192,"5919":6193,"5920":6195,"5921":6196,"5922":6197,"5923":6198,"5924":6200,"5925":6201,"5926":6203,"5927":6204,"5928":6205,"5929":6207,"5930":6209,"5931":6210,"5933":6211,"5934":6212,"5935":6214,"5936":6215,"5937":6217,"5939":6218,"5940":6219,"5941":6220,"5942":6221,"5943":6222,"5944":6225,"5947":6227,"5948":6228,"5949":6229,"5950":6231,"5951":6233,"5952":6236,"5953":6238,"5954":6240,"5955":6241,"5956":6243,"5957":6244,"5958":6246,"5959":6247,"5960":6249,"5961":6252,"5962":6254,"5963":6256,"5964":6257,"5965":6260,"5966":6261,"5967":6262,"5968":6264,"5969":6265,"5980":6266,"5987":6267,"5991":6268,"5993":6269,"5994":6271,"5995":6273,"5996":6274,"5997":6275,"5998":6276,"6000":6277,"6001":6278,"6002":6279,"6003":6282,"6004":6283,"6006":6284,"6007":6285,"6008":6286,"6009":6287,"6010":6288,"6011":6291,"6012":6292,"6013":6293,"6014":6294}},"pages":[{"text":"لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح\nللخطيب التبريزي (ت: ٧٤١ هـ)\nتأليف العلامة المحدث عبد الحق الدهلوي\nعبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدهلوي الحنفي\nالمولود بدهلي في الهند سنة (٩٥٨ هـ) والمتوفى بها سنة (١٠٥٢ هـ) رحمه اللَّه تعالى\nتحقيق وتعليق الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي\nطبع على نفقة سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان\nممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة\nالمجلد الأول\nدار النوادر","vol":"1","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"1","page":2},{"text":"لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح (١)","vol":"1","page":3},{"text":"دار النوادر\nالمؤسس والمالك نور الدين طالب\nمؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي والإسلامي والدراسات الأكاديمية والجامعية المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية تأسست في دمشق سنة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م، وأُشهرت سنة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م.\nسوريا - دمشق - الحلبوني:\nص. ب: ٣٤٣٠٦\nجميع الحقوق محفوظة للمحقق\nيمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بكافة طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي أو المسموع أو استخدامه حاسوبيًا بكافة أنواع الاستخدام وغير ذلك من الحقوق الفكرية والمادية إلا بإذن خطي من المؤسسة.\nالطبعة الأولى\n١٤٢٥ هـ - ٢٠١٤ م\nE-mail: info@daralnawader.com\nWebsite: www.daralnawader.com\nشركات شقيقة\nدار النوادر اللبنانية - لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)\nدار النوادر الكويتية - الكويت - ص. ب: ١٠٠٨ - هاتف: ٢٢٤٥٣٢٣٢ - فاكس: ٢٢٤٥٣٣٢٣ (٠٠٩٦٥)\nدار النوادر التونسية - تونس - ص. ب: ١٠٦ (أريانة) - هاتف: ٧٠٧٢٥٥٤٦ - فاكس: ٧٠٧٢٥٥٤٧ (٠٠٢١٦)\nمركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية\nمظفرفور - أعظم جراه - يوبي - الهند\nالهاتف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤ - ٠٠٩١\nالفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦ - ٠٠٩١\nمتحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥ - ٠٠٩١\nالبريد الإلكتروني: drnadwi@gmail.com","vol":"1","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمات</span>\n* تقديم الأستاذ الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي (الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي).\n* تقديم الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي (رئيس دار العلوم لندوة العلماء لكناؤ الهند).\n* تقديم الأستاذ الدكتور موفق بن عبد اللَّه بن عبد القادر (جامعة أم القرى - مكة المكرمة).\n* تقديم المحدث الفقيه الشيخ محمد تقي العثماني (شيخ الحديث بجامعة دار العلوم كراتشي في باكستان).\n* مقدمة المحقق:\n- ترجمة الإمام المحدث عبد الحق البخاري الدهلوي.\n- ترجمة صاحب المشكاة.\n- صور المخطوطات.\n* مقدمة اللمعات.\n* مقدمة في بيان بعض مصطلحات علم الحديث.\n* مقدمة المشكاة.","vol":"1","page":5},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>تقديم بقلم: أ. د. عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ المُحْسِنِ التُّرْكِيِّ (الأمِيْنِ العَامِّ لِرَابِطَةِ العَالَمِ الإسْلَامِيِّ)</span>\nالحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه وسلم وبارك على نبينا المصطفى محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.\nوبعد:\nفإن الصلة بين الأقطار الإسلامية المتباعدة، لم تكن في الأزمنة الغابرة بشيء من الأسباب أشدَّ قوة، ولا أمتنَ، منها بحبل العلم وأهله؛ فقد كانت الأبصار ترصد في المسالك إلى الأمصار، ورثة الأنبياء يتجشمون وعثاء الأسفار، مستعذبيها في سبيل ما يطلبون من فنون علوم الشريعة الشريفة، وما يرجون من مُشامّة الشيوخ ولُقي الأكابر للأخذ عنهم، ووصل إسناد العلم بهم:\nتَهُونُ علينا فِي المَعَالِي نُفُوسُنا ... ومَن خَطَبَ الحَسْنَاءَ لَمْ يُغْلها المَهْرُ\nوبعضهم رحل بعد ما تضلع مما في بلده وتشيخ، فكانت رحلته للاطلاع والاستزادة وإفادة غيره بما عنده، كما حصل بين القاضي أبي الوليد الباجي والخطيب البغدادي في بغداد، إذ تدبجا برواية كل منهما عن صاحبه ما ليس عنده.\nوكانت الكتب ترحل من بلدان مصنفيها إلى أقطار بعيدة في مدد زمنية قصيرة، مما يدل على شدة الحرص عليها، والتلهف لاقتنائها، وما أكثر ما نجد في تراجم","vol":"1","page":7},{"text":"الأعلام، أن فلانًا أول من أدخل كتاب فلان إلى البلد الفلاني. وإن الحرمين الشريفين بما خصهما اللَّه تعالى به من عبادة الحج والعمرة، وتضاعف الصلاة وفضل السكنى والمجاورة، صارا مجمعًا للعلم تجبى إليه الكتب والمصنفات من مختلف أرجاء العالم الإسلامي، ويلتقي فيه وعاة العلم ورواته من كل مشرق ومغرب، فيحصل بذلك من النفع والفوائد العلمية ما يتجافى عن الحصر، مما صورته كتب أثبات الأسانيد العلمية، والرحلات، والتواريخ، وتراجم أعلام الحرمين الشريفين من أهلهما والطارئين عليهما.\nوبهذا الحبل المكي والمدني، الواصل بين أعلام العالم الإسلامي، اتصل بعض علماء شبه القارة الهندية، فاستفادوا من علماء الحرمين الشريفين ثم عادوا إلى بلادهم فأفادوا. ومن أبرزهم نجمان ساطعان دهلويان، بزغ أحدهما في القرن الحادي عشر، وهو عبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدهلوي (ت: ١٠٥٢ هـ)، وبزغ الآخر في القرن الذي بعده، وهو أحمد بن عبد الرحيم العمري الدهلوي، المشهور بشاه ولي اللَّه (ت: ١١٧٦ هـ).\nوقد كان لهذين الرجلين رحمهما اللَّه فضل كبير على أهل الهند، في تجديد علوم الشريعة ولا سيما في علوم الحديث التي كان الناس قد عزفوا عن الاشتغال بها، دهرًا طويلًا، وأولعوا بالعلوم العقلية والوضعية.\nولئن كان للشيخ عبد الحق فضل السبق بحكم التقدم الزمني، حيث كان أول من نشر علم الحديث بأرض الهند تصنيفًا وتدريسًا، كما وصفه صاحب نزهة الخواطر في ترجمته، فإن للعلامة شاه ولي اللَّه شهرة لا تدانيها شهرة أحد من أهل تلك الديار، قبله ولا بعده إلى عهدنا هذا، تقررت له من جهة سعة علمه وتبحره في الكثير من الفنون، وتميزه بإعمال آلة الاجتهاد التي أظهرت إبداعًا واضحًا في مصنفاته، وفي آثاره التي تمثلت في كثرة كتبه ونجابة تلاميذه؛ فإن عددًا كبيرًا من أعلام الهند من","vol":"1","page":8},{"text":"بعده من رجال العلم والدعوة والإصلاح، يرتبطون بولي اللَّه وأسرته التي كانت منارة علم وصلاح إلى عهد قريب.\nوالذي يلفت النظر في السيرة العلمية لهذين العالمين، ذلك الجزء الذي يتصل منها برحلتهما إلى الحرمين الشريفين، لأداء الحج والمجاورة حينًا من الدهر في طلب العلم. فقد كان لتلك الرحلة وذلك التتلمذ أثر بارز في صقل الموهبة العلمية لديهما، والتضلع من العلوم النقلية الأثرية، وفي مقدمتها علوم السنة والحديث التي كان الاهتمام بها بين أهل الهند، ضئيلًا إلى ذلك العهد، فقد كاد الناس يقتصرون منها على الكتاب الجامع للسنن في الترغيب والترهيب والأحكام، الذي انتخبه من دواوين السنة المشهورة، محيي السنة الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي (ت: ٥١٠ هـ) وسماه (مصابيح السنن) ثم جاء ولي الدين أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه، الشهير بالخطيب التبريزي (ت: ٧٤١ هـ) فأتم ما أغفله البغوي من عزو كل حديث لمخرجه وتسمية الصحابي الذي رواه، وسمى كتابه (مشكاة المصابيح).\nوقد اتخذ الناس المشكاة إمامًا في الحديث، يحفظه الطلاب، ويقرر عليهم في المدارس، ويشرح للناس في حلق الدروس.\nولما كانت كتب السنة بحاجة إلى شروح تستخرج كنوزها، وتفسر غريب ألفاظها، وتجلي إشكالاتها المختلفة، وتكشف عن وجه دلالتها على السنن والأحكام التي استنبطها منها الفقهاء، فقد انتدب لشرح هذا الكتاب الجليل جماعة من الأفذاذ، فشرحوه شروحًا تنوعت بين الإيجاز والإسهاب، بعضها باللغة العربية وبعضها بالفارسية التي كانت سائدة في بعض الأقطار الهندية وما يتاخمها، على عهد الدولة المغولية.\nومن أشهر تلك الشروح، الشرح الذي ألفه شرف الدين الحسين بن محمد الطِّيبي (ت: ٧٤٣ هـ) شيخ التبريزي صاحب المشكاة، فقد بلغ من الأهمية بحيث اعتمد","vol":"1","page":9},{"text":"عليه كثير من شراح كتب السنن الذين جاءوا من بعده، سواء في شرح هذا الكتاب كالشيخ ملا علي القاري الهروي ثم المكي (ت: ١٠١٤ هـ) أو غيره من دواوين السنة، كصاحب (عون المعبود)، وصاحب (تحفة الأحوذي)، بل أفاد منه الحافظ ابن حجر في شرح البخاري، وهو الذي وصف مؤلفه في ترجمته من الدرر الكامنة، بأنه كان آية في استخراج الدقائق من القرآن والسنة، كريمًا متواضعًا حسن المعتقد شديد الرد على الفلاسفة والمبتدعة، مظهرًا فضائحهم مع استيلائهم في بلاد المسلمين حينئذ.\nومن شروح المشكاة هذا الذي بين أيدينا، للشيخ عبد الحق الدهلوي السالف الذكر، سماه لمعات التنقيح، وكان قبل ذلك في أثناء اشتغاله بكتاب المشكاة وضع عليه تعاليق باللغة الفارسية، حتى تم له منها شرح كامل في أربعة أسفار سماه (أشعة اللمعات)، انتخب منه الشيخ محمد قلي الدهلوي (ت: ١٠٧٣ هـ) زبدة فوائده ونوادره، وأودعها في كتابه (سراج المشكاة)، ولخصه الشيخ أمين الدين بن غياث الدين محمود العمري الحنفي الجونبوري، في كتابه (المقتنيات).\nثم سنحت له سانحة أن يصنع صنيعًا شبيهًا بسالفه، يكون بالعربية، فبلغه اللَّه مأموله، وفتح له فيه من التحقيقات والتدقيقات العلمية، فوق ما فتح له في صنوه الفارسي، وهو أكبر كتبه وأحظاها عنده؛ قال عنه في دفتر مصنفاته المسمى (تأليف القلب الأليف بكتابة فهرست التواليف): وقد جاء -بتوفيق اللَّه وتأييده- كتابًا حافلًا شاملًا مفيدًا نافعًا، في شرح الأحاديث النبوية، على مُصدِرها الصلاةُ والتحية، مشتملة على تحقيقات مفيدة، وتدقيقات بديعة، وفوائد شريفة، ونِكات لطيفة.\nوقد اعتنى أهل الهند بالشرح الفارسي أيما اعتناء، لكونه أخصر وأسهل عبارة وأقرب تناولًا، ولما ظهرت الطباعة طبعوه مرارًا. وأما الشرح العربي فلم يبلغ في الانتشار مبلغ صنوه، بل بقي تداوله مقتصرًا على ذوي الهمم في البحث والولوع باقتناء","vol":"1","page":10},{"text":"الكتب، ولهذا السبب ظل بعيدًا عن القراء العرب، إذ لم يجد يدًا تمتد إلى طباعته في العالم العربي ونشره بينهم، حتى تنبه لذلك رئيس ندوة العلماء الحالي، سماحة الشيخ محمد الرابع الندوي -حفظه اللَّه- فأشار على أخينا الفاضل العالم المحقق الدكتور تقي الدين الندوي، أن يضطلع بهذه المهمة، فأجابه -وهو ابنُ بَجْدَتِها وأبو عُذرَتِها- وعكف على خدمة الكتاب بضع سنين، حتى أخرجه في عشرة أسفار، مضبوطًا في نصه، موشى في حواشيه بتوثيقات وتعليقات رافدة، كدأبه فيما سلف له من الكتب التي خدمها، وقدم له بمقدمة حافلة عن المؤلف وأصل الكتاب وشرحه، وختمه بفهارس متنوعة تكون مفاتيح لما انطوى عليه من معلومات. فالتحق هذا الكتاب بسوالفه المطبوعة قديمًا كشرح القاري المسمى (مرقاة المفاتيح)، أو حديثًا كشرح الطيبي المسمى (الكاشف عن حقائق السنن)، وشرح أبي الحسن المباركفوري (ت: ١٤١٤ هـ) المسمى (مرعاة المفاتيح).\nرحم اللَّه البغوي في تأليف كتابه (المصابيح)، والتبريزي في تكميله، والشيخ عبد الحق الدهلوي في شرحه، وغيره من شراحه، وبارك في عمر الدكتور الندوي وأجزل له المثوبة فيما بذل من جهد في إخراج هذا الكتاب بهذه الصورة المتقنة. والحمد للَّه رب العالمين.\nأ. د. عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي\nالأمين العام لرابطة العالم الإسلامي\nمكة المكرمة في ٢٧/ ٠٩/ ١٤٣٥ هـ\n* * *","vol":"1","page":11},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>تَقْدِيْمٌ بِقَلَمِ: سَمَاحَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الرَّابِعِ الحَسَنِيِّ النَّدْوِيِّ رَئِيْسِ نَدْوَةِ العُلَمَاءِ بِالهِنْدِ</span>\nالحمد للَّه رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nوبعد:\nفلا شك أن منارة الحديث الشريف ارتفعت بجهود الإمام ولي اللَّه الدهلوي وأولاده وتلاميذه في العالم الإسلامي، ونفقت سوقه في بلاد الهند أيضًا، وقد صدرت بأقلام علماء الهند مؤلفات وشروح في كتب الحديث لا نجد لها نظيرًا في المكتبة الإسلامية العالمية، ولكن غرس الإمام المحدث عبد الحق الدهلوي جذور الحديث الشريف قبله في القرن العاشر الهجري، وهو الذي تصدى للدرس والإفادة في دار الملك دهلي وقصر همته على ذلك، وصنّف وخرّج ونشر هذا العلم الشريف على ساق الجد، فنفع اللَّه به وبعلومه كثيرًا من عباده المؤمنين، ثم إن إخلاص الشيخ المحدث عبد الحق الدهلوي وصدقه وجهوده المباركة صرفته إلى العناية بالحديث الشريف، فأثار رغبة قوية وحركة جديدة إلى مطالعته ودراسته وتدريسه وشرحه وتحشيته. واختار لمؤلفاته اللغة الفارسية السائدة في ذلك الزمان وقد جاءت تفاصيله في تقديم هذا الكتاب الذي كتبه أخونا الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي.\nومن جملة مؤلفاته في شرح الحديث (لمعات التنقيح شرح مشكاة المصابيح).","vol":"1","page":12},{"text":"ذكر الشيخ المحدث سبب تأليفه في تقديمه على شرحه (أشعة اللمعات): لما اشتغلت بتأليف هذا الشرح ألقى اللَّه في رُوعي معاني وأسرارًا أكبر وأعظم من أن يستوعبها الشرح الفارسي، فاللَّه ﷾ وفقنا لشرحها باللغة العربية باسم (لمعات التنقيح شرح مشكاة المصابيح)، أما شرح المشكاة بالفارسية فطبع مرارًا عديدة، وصار مرجعًا للمدرسين والباحثين في شبه القارة الهندية، وأما شرح المشكاة باللغة العربية فكان بحاجة إلى تحقيق وتعليق وضبط نصوصه مع الفهارس ليقدم إلى العالم العربي والإسلامي، وكان من أعظم أماني كثير من المحدثين والعلماء أن ينشر هذا الكتاب ويطبع. وقد طلبت من أخي الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي أداء هذا الواجب وتحقيق هذا الأمل، فأدى هذه الرسالة على خير الوجوه. وقد صدرت بتحقيقه عدة كتب في الحديث الشريف وعلومه، كما حقق عدة شروح قيمة لأمهات كتب السنة النبوية مثل تعليقات الإمام المحدث أحمد علي السهارنفوري (ت: ١٢٩٧ هـ) على (الجامع الصحيح) للبخاري، و(بذل المجهود شرح سنن أبي داود) للشيخ المحدث خليل أحمد السهارنفوري (ت: ١٣٤٦ هـ) و(أوجز المسالك شرح موطأ مالك) للشيخ المحدث محمد زكريا بن محمد يحيى الكاندهلوي (ت: ١٤٠٢ هـ).\nإن فضيلة الدكتور حفظه اللَّه تعالى خدم هذا الشرح الجليل بالتحشية والإيضاح فجاء عملًا مباركًا ذا قيمة عالية، يستحق التقدير والثناء، فإن خدمة الحديث الشريف تعدّ توفيقًا من اللَّه تعالى، وتكريمًا للذي يشتغل به، تحقيقًا لوعده تعالى بحفظ الكتاب وبيانه المبين وهو السنة النبوية المطهرة، فالذي يوفقه اللَّه تعالى لحفظ القرآن والحديث فكأنه يجعله أداة لتحقيق وعده. وهو شرف جليل جدًّا، يستحق القائم به التقدير والثناء والتهنئة، وإني أَعُدّ عمل الشيخ الدكتور تقي الدين الندوي هذا مبعث كرامة له من اللَّه تعالى، تقبله اللَّه تعالى منه وجزاه جزاءً كبيرًا.","vol":"1","page":13},{"text":"أدعو اللَّه تعالى أن يجعل هذا العمل مباركًا له وينفع به سائر الطالبين.\nكَتَبَهُ محمد الرابع الحسني الندوي\nرئيس ندوة العلماء، لكناؤ (الهند)\n١٩/ ٦/ ١٤٣٥ هـ = ٢٠/ ٤/ ٢٠١٤ م\nيوم الأحد\n* * *","vol":"1","page":14},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>تَقدِيْمٌ بِقَلَمِ: أ. د. موَفَّقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ القَادِرِ مَكَّةُ المُكَرَّمَةُ - جَامِعَةُ أُمِّ القُرَى</span>\nالحمد للَّه ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على سَيّدِ الأولين والآخرين نبيِّنا مُحَمَّدٍ وعلى آلهِ وصحبه أجمعين.\nأمّا بعد:\nلقد اعتنى المُحَدِّثون عناية فائقة بشرح السُّنَّة النَّبويَّة المطهرةِ، واتبعوا في ذلكَ مناهج متنوعة تدل على عُلُوِّ الفِكْرِ، واتساع الأفقِ، فمنهم مَن صَنَّفَ في غريب الحديثِ، ومنهم مَن أَلَّفَ في النَّاسِخِ والمنسوخِ، ومنهم مَن ألَّفَ في مُشكل الآثار، ومنهم مَن ألَّف في السُّنَّةِ، ويريد بها خلاف البدْعَةِ، ومنهم مَن ألَّف في جزءٍ من الأجزاء الحديثية، والتي يُريد بها جَمع الأحاديث التي تشتمل على مُعيَّنٍ مِنَ المطالبِ، ومنهم مَن صَنَّفَ في الجوامع والمُصَنَّفات، وهي مرتبة على الأبواب الفقهية، مشتملة على السنن وما هو في حيزها، أو له تعلق بها، بعضها يُسَمَّى مُصَنَّفًا، وبعضها جامِعًا، ومنهم مَن صَنَّفَ كتبًا تعرف بـ (السنن)، وهي في اصطلاحهم: الكتب المرتبة على الأبواب الفقهية، من الإيمان، والطهارة، والصلاة، والزكاة، إلى آخرها، وليس فيها شيء من الموقوف، لأن الموقوف لا يسمى في اصطلاحهم سُنَّة، ويسمى حديثًا. . . وغير ذلِكَ مِنَ المؤلَّفات التي يطول ذِكْرها. . .\nوكثير مِنَ المُصَنَّفات اتبعت عناوينَ الكُتُبِ، والأبواب، أو الفصول، التي تدلُّ","vol":"1","page":15},{"text":"على المرادِ مِن الشَّرحِ والبيانِ. . .\nوصنَّفَ الإمامُ الحسين بن مسعود الفرَّاء البغويّ (ت: ٥١٦ هـ) كتاب (مصابيح السُّنَّة) (١)، جمع فيها أحاديث النَّبيّ -ﷺ- تحت أبواب الفقه والعقيدة والأخلاق دُون ذكر الصَّحابي ولا المسند ولا الكتاب الذي خرّج الحديث. . .\nولم يذكر الإمامُ البَغَويُّ في مقدمة كتابه اسمًا صَريحًا للكتاب، بل قال: \". . . هُنَّ مصابيح الدُّجَى\"، ولذا فقد اختلفت الأقوال في تسميته، فمنهم من سَمَّاه (المصابيح)، ومنهم مَن سَمَّاهُ (المصابيح في الصِّحاح والحسان)، ومنهم من أطلق عليه (المصابيح المقتبسة)، و(مصابيح السُّنَّة)، وكل هذه المسميات تدور حول المضمون العلمي للكتاب.\nوقد شرح (مصابيح السُّنَّةِ) كثير من الشُّرَّاح، ذكر حاجي خليفة وبروكلمان أكثر من اثنين وأربعين شرحًا ومختصرًا وتخريجًا لهذا الكتاب (٢).\nوجاء الإمام وليّ الدين أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه الخطيب العُمري التبريزي، المتوفى سنة (٧٤١ هـ)، فتمم كتابه بأن ذكر اسم الصحابي والكتاب الذي خرّجه وأضاف عليه بعض الأحاديث وسماها (مشكاة المصابيح) (٣).\n_________\n(١) \"سير أعلام النبلاء\" (١٩/ ٤٤٠)، و\"المعجم المفهرس\" لابن حجر، برقم (١٧٢٧)، وطبع بتحقيق يوسف المرعشلي، ومحمد سليم سمارة، وجمال الذهبي، دار المعرفة، بيروت، (٤ مج)، (٢٢٣٢ ص)، وحققه أيضًا ضحى الخطيب، دار الكتب العلمية، ١٤١٩ هـ، (٢ مج).\n(٢) انظر: \"كشف الظنون\" (ص: ١٦٩٨)، و\"تاريخ الأدب العربي\" (٦/ ٢٤٥).\n(٣) \"مشكاة المصابيح\" لمحمّد بن عبد اللَّه الخَطيب التبريزي، طبع بتَحْقِيق الشيخ مُحَمَّد نَاصِر الدِّين الألباني، الطبعة الأولى (١٣٨٠ هـ - ١٩٦١ م)، المكتب الإسلامي، بيروت. وقد بلغ عدد أحاديث مشكاة المصابيح (٦٢٨٥) حديثًا.","vol":"1","page":16},{"text":"واعتنى بشأن (مشكاة المصابيح) العلماء فقاموا بشرحه والتعليق عليه. . .\nولقد لقي كتاب (مشكاة المصابيح) كلّ عناية وإكرام مِن قِبَلِ عُلماء القارة الهنديَّة، فقاموا بشرحه في أكثر من شرح رائق عذبٍ متلألئ، جمعوا فيه فِكر المتقدمينَ، ومحاسِنَ المتأخرين. . .\nإنَّ عُلماء هذه القارة احتفوا بالسُّنَّة النَّبويَّة أيَّما حفاية، فنالت منهم صدق الرِّعاية، فقاموا بخدمتها عبر السنين الطوال، ولا عجب في ذلك، فروح الكرم فيهم نزاعة، وروح المبرة فيهم مستمرة، وحبهم للسُّنَّة مُخيم لا ينقطع، وهذا من تمام الدِّين. . .\nومن هؤلاء الشُّرَّاح الشَّيخ عبد الحقّ بن سيف الدِّين الدَّهْلوي (٩٥٨ - ١٠٥٢ هـ)، رحمه اللَّهُ تعالى مؤلِّف كتاب (لمعات التَّنقيح في شرح مشكاة المصابيح) كانَ مُحَدِّثَ الهند في عصره، جاور في الحرمين الشَّريفين أربع سنوات، فنال جزيل الأجرِ، وأخذ عن علمائها، فقصدهُ النَّاسُ وائتموا به، كانَ واسع النَّفَس، ذو باعٍ طويلٍ، كتبَ بالعربية، والفارسيَّةِ، وقيلَ: بلغت مُصنَّفاته مئة مُجلَّدٍ، كان بارعا بالحديثِ وعلومهِ، عارفًا بالمسائل واختلاف العلماء والفتاوى، قدمهُ عُلماء بلدهِ، وزارهُ الأمراءُ والأشرافُ، وأثنَى عليه غيرهم من عُلماء الدِّيار الإسلاميَّة. . .\nبلغ التّسعينَ من عُمُرهِ، وكان يتمتعُ بالصِّحَّةِ وروح الشَّبابِ، وللَّهِ في خلْقِهِ أسرار. . .\nوكتابهُ (لمعات التَّنقيح في شرح مشكاة المصابيح)، هو واحد من الشروح التي أثنى عليها عدد من أهل العلمِ. . . شرحٌ عذبٌ لباغي الحديثِ وطالبِ السُّنَّة، تشرق منه الفوائد، وتغيبُ فيه الغوامض، وتُرْتَشفُ من ثناياه الدُّرر، فيكرع طلاب العلم من زلاله العذبِ، فتخصب العقول، ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ","vol":"1","page":17},{"text":"أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [فاطر: ١٢]. . . .\nإنَّ هذا الشَّرح كنزٌ مِن كنوز الدَّهرِ، ثقيلةٌ مؤنتهُ، خفيفةٌ حمولتهُ، وسطٌ بينَ الشُّروح، و\"البَرَكَةُ تَنْزِلُ وَسَطَ الطّعَامِ، فكُلُوا مِنْ حَافتَيْهِ\". . .\nوأمَّا مُحقق الكتابِ، فهو الشَّيخُ الأستاذ الدكتور، تَقيُّ الدِّين النَّدويّ، سَمعتُ به وعرفتهُ من خلالِ كُتُبهِ النَّافعةِ، قَدِمَ لمكة المُكَرَّمَةِ مُعتمرًا في شَهْرِ رَمَضَان المبارك، فاتصل بني رَاغبًا مُخاطبًا. . . فطرتُ كأني قانص طيرٍ، فلمَّا رأيتُه وقع في قلبي \"طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ\". . . واستضفتُهُ في دَارِنا فجلسنا وتحدثنا، فرأيتُ رجلًا مُتقدِّمًا بالسِّنِّ والفضلِ، وصِناعَةِ الحديثِ، عَيْنًا من عيون الهندِ، تاريخهُ تاريخ العلماء ورواةِ الآثار. . . فقلتُ: النَّاس سابق أو مسبوقٌ، وأنا أرتقب الفرصة لألج بابَها، فطلبتُ منه الإجازة في الحديث عن شيوخه، فلم يبخل بجوابهِ، ومدَّ يدهُ الكريمة فأخذَ القَلمَ وجَمع الكَلم، وما جف المداد حتَّى نلتُ المراد البعيد. . .\nنَعم سُررت، فقد أجازني بمروياته قبلهُ شيخنا العلامة أبو الحسن النَّدويّ رحمه اللَّه تعالى، فكان العهد المعقودُ بالإجازة والسَّماعِ للأسانيد الهنديَّةِ، نسأل اللَّه تعالى أن نكون ممن نستحق أن يُسند إلينا باللِّقاءِ والإجازة. . .\nإنَّ تحقيق ونشر كُتُب التُّراث على مشقته قد غَلبَ على قلبِ الشَّيخ النَّدويّ، وزيَّنَ عقلهُ، فهو يتقلُبُ فيه، ويمشي مَعهُ، ولا عجب في ذلكَ فقد نشأ الشَّيخ وترعرع وهو يكتب الحديثَ ويسعى فيه ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ١٨]. . .\nلقد اعتنى الشَّيخُ يحفظه اللَّه تعالى في تحقيق كتاب (لمعات التَّنقيح في شرح","vol":"1","page":18},{"text":"مشكاة المصابيح)، فَوَفَّر الأصول الخطية لهُ، وسارَ على نهج النَّص المُختار، وعارض بينَ النُّسخِ المتعددة، وأعادَ النَّظر أكثر مِن مَرَّةٍ، لتجنبِ الخطأ والخلافات والتَّفاوتِ التي تقع أحيانًا بينَ النُّسَخِ. . . واستعان بفريق يعينهُ، وَمَنَحَ طبعته هذهِ مميزات: من تعليقٍ نافعٍ، وتخريجٍ موجزٍ، وتعريفٍ للأعلامِ، مقرونة بمقدمة ماتعةٍ عن الكتابِ ومؤلِّفهِ. . .\nفجزى اللَّه الشَّيخ تقي الدِّين خير الجزاء، وبارك في أعماله وجهده. . .\nوالشُّكر موصول لِمَن أعانَ الشَّيخ وسَعَى في طباعة الكتابِ ونشره، وقد قال عُرْوَةُ بنُ الزُّبير: \"الشُّكر وإنْ قل، ثمنٌ لكل نوال وإنْ جَل\". . .\nوأختم هذه المقدمة بحديث عَائِشَة -﵂-: أنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا رَأَى الْغَيْثَ قَالَ: \"اللَّهُمَّ صَيِّبًا هَنِيئًا\" (١).\nواللَّه تعالى الموفق والهادي إلى سواء السَّبيل. . .\nكَتَبَهُ أ. د. موفق بن عبد اللَّه بن عبد القادر\nمكة المكرمة - جامعة أم القرى - قسم الكتاب والسنة\nحرر في: ٩/ ٨/ ١٤٣٥ هـ\n* * *\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٥٠٩٩)، وابن ماجه (٣٨٩٠).","vol":"1","page":19},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>تَقْدِيمٌ بِقَلَمِ: فَضِيلَةِ الأُسْتَاذِ المُحَدِّثِ الفَقِيْهِ الشَّيْخِ مُحَمَّد تَقِي العُثْمَانِيِّ شَيْخِ الحَدِيثِ بِجَامِعَةِ دَارِ العُلُومِ كراتشي في باكستان</span>\nالحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى كل من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nأمّا بعد:\nفإن علماء شبه القارة الهندية لهم خدمات جليلة في جميع العلوم الإسلاميّة والعربيّة، دراسة وتدريسًا وتأليفًا. واهتمامهم بعلوم القرآن والسنة أنشأ من المؤلفات في علم التفسير والحديث ما يملأ المكتبات، ولكنّ معظم هذه المؤلفات لم تزل مقتصرة على البلاد الهندية، ومختفية عن أنظار أهل العلم خارجها، ولم يبلغ إليهم إلا عدد قليل. وذلك أوّلًا لقلّة وسائل الاتصال في الماضي، وثانيًا لأن مستوى الطباعة والنشر في بلاد شبه القارة كان ضعيفًا -ولا يزال- بالنسبة إلى البلاد العربيّة.\nوجزى اللَّه ﷾ فضيلة العلامة الشيخ تقي الدين الندوي حفظه اللَّه تعالى أنّه أولى اهتمامه البالغ لإخراج هذه الكنوز المخبوءة إلى حيّز النشر مراعيًا في ذلك المذاق المعاصر لإخراجها في حُلّة قشيبة من الطّباعة بعد تحقيق واف لضبط نصوصها. فقد وفّقه اللَّه تعالى لنشر (بذل المجهود) و(أوجز المسالك) و(إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء) وعدّة كتب أخرى.\nوهو الآن في سبيل كتاب قيّم آخر من تراثنا الثّمين، ألا وهو (لمعات التنقيح،","vol":"1","page":20},{"text":"شرح مشكاة المصابيح) للعلاّمة المحدّث الكبير الشّيخ عبد الحقّ المحدث الدهلويّ رحمه اللَّه تعالى من علماء القرن العاشر والمتوفّى في بداية القرن الحادي عشر. وهو الّذي حصل على علم الحديث من مشايخه في مكة المكرمة، ثمّ جاء به إلى الهند، واشتهر بأنّه أول من أتى بعلم الحديث إلى هذه البلاد. والحقّ أن علم الحديث كان متداولًا في الهند بفضل علماء المسند والكَجرات منذ قديم، ولكن الشيخ رحمه اللَّه تعالى جاء به في المناطق الشمالية من الهند، وفى عاصمتها دلهي، فالظّاهر أنه أول من شرع بتدريس الحديث فيها، بعد ما كان النّاس فيها مُكبّين على العلوم العقلية فقط، ولم تكن لهم بضاعة في علم الحديث. فوفق اللَّه تعالى الشيخ رحمه اللَّه تعالى لملء هذه الدّيار بالسنّة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام.\nوإنّ كتاب (مشكاة المصابيح) للخطيب التبريزي رحمه اللَّه تعالى كما يعرفه أهل العلم من أحسن مجموعات الحديث فإنّ دراسته تُمِدّ طلبة العلم بمعرفة مضمون معظم الأحاديث النبوية التي تتعلق بحياة الإنسان العملية. ولذاك تصدى جمع كبير من العلماء لشرحه، ومنهم معاصر مؤلف المشكاة العلاّمة الطّيبيّ، والعلامة الشيخ المنلا علي القاري وغيرهما.\nوإنّ (مشكاة المصابيح) لم تزل من المقررات الدراسية في المدارس الدينية في شبه القارة الهندية.\nوإن الشيخ عبد الحق المحدث الدهلويّ رحمه اللَّه تعالى ألّف شرحه أولًا باللغة الفارسية باسم (أشعة اللمعات) ثم ألّف شرحًا عربيًا باسم (لمعات التنقيح) وذكر بنفسه أنّه أتى في شرحه العربيّ بمضامين لم يستطع أن يأتي بها في الشرح الفارسيّ، لكونها فوق إدراك العامّة. وكنت أثناء تدريسي لـ (مشكاة المصابيح) أنتفع بشرحيه جميعًا،","vol":"1","page":21},{"text":"فوجدتهما نافعين للغاية، وشارحين للبّ الحديث بعبارة موجزة دون إطناب مملّ. فجزاه اللَّه سبحانه خيرًا.\nوإن فضيلة العلامة الشيخ تقي الدين الندوي حفظه اللَّه تعالى قام بإخراج هذا الكتاب على طراز ما أخرجه من قبل، وأضاف في بدايته مقدمة ضافية في تعريف (مشكاة المصابيح) ومؤلفه، ثمّ بالشيخ عبد الحق رحمه اللَّه تعالى وبمؤلفاته، وبشرحيه لـ (مشكاة المصابيح)، كما أنه ذكر خلاصة تاريخ رواية علم الحديث في البلاد الهندية.\nوأدعو اللَّه ﷾ أن يتقبل هذا الجهد المشكور وأن ينفع به العباد والبلاد. وصلى اللَّه تعالى على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nمحمد تقي العثماني\n٢٢/ ٠٨/ ١٤٣٥ هـ = ٢٠/ ٠٦/ ٢٠١٤ م\nيوم الجمعة\n* * *","vol":"1","page":22},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>مُقَدِّمَةُ المُحَقّقْ</span>\nالحمد للَّه ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على سيد المرسلين محمد وآله وأتباعه أجمعين.\nوبعد:\nفإن كتاب (مشكاة المصابيح) هو أجمع كتاب للأحاديث النبوية، لذا عُني بشرحه والتعليق والتخريج عليه منذ ظهور هذا الكتاب إلى عصرنا هذا كثيرٌ من المحدثين والعلماء، وكلٌّ عَمِلَ على حسب اجتهاده، وأوفى شرحٍ لهذا الكتاب هو للعلامة علي بن سلطان المعروف بالقاري المتوفى سنة ١٠١٤ هـ، وكذلك من مؤلفات الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي البخاري كتابه (لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح) هو شرح نفيس قد أورد فيه بعض التحقيقات والنكات والفرائد والفوائد ربما لا توجد في كتاب آخر، فقد اعتنى فيه بتحقيق المفردات من الألفاظ لغةً ونحوًا وفقهًا، وأدّى حق شرح الحديث والجمع بين حديثين متعارضين مع الإنصاف، ولم يخرج عن دائرة الاعتدال، وهذا الكتاب دليل بيّن على أن الشيخ المحدث له رسوخ في فن الحديث الشريف.\nولا شك أن لشرح علي القاري ترجيحًا على هذا الكتاب، ولكن الشارح اختار في هذا الكتاب حُسْنَ الاختيار والانتخاب من شروح الحديث، والظاهر أنه شرح لـ (مشكاة المصابيح) يغني عن جملة من شروح الكتب الستة، يقول الشيخ المحدث: وهو أجلُّ وأعظمُ وأطولُ وأكبرُ تصنيفاته، وقد جاء بتوفيق اللَّه وتأييده كتابًا حافلًا شاملًا","vol":"1","page":23},{"text":"مفيدًا نافعًا في شرح الأحاديث النبوية، على صاحبها الصلاة والسلام، مشتملةً على تحقيقات مفيدة، وتدقيقات بديعة، وفوائد شريفة، ونكات لطيفة. (تأليف القلب الأليف) (ص: ٣٠).\nولذا فقد عُني علماء الحديث في الهند بهذا الكتاب منهم الإمام المحدث الشيخ أحمد علي السهارنفوري (ت: ١٢٩٧ هـ) أخذ منه في حاشية (مشكاة المصابيح) وفي هوامش (جامع الترمذي) و(الجامع الصحيح) للبخاري، وكذلك استفاد منه الإمام المحدث الفقيه الشيخ خليل أحمد السهارنفوري (ت: ١٣٤٦ هـ) في (بذل المجهود) وصاحب (عون المعبود) وصاحب (تحفة الأحوذي) وغيرهم في شروحهم.\nفكان من أماني كثير من العلماء تحقيق هذا الكتاب وإخراجه إلى العالم الإسلامي، فلما تمت طباعة كتاب (إزالة الخفاء) ألقى اللَّه في رُوعي تحقيق هذا الكتاب وإخراجه إلى النور. وأصر على ذلك أيضًا ولدي العزيز الدكتور ولي الدين الندوي فبدأنا هذا الأمر منذ سنتين بمساعدة الباحثين الذين يشتغلون معي في مركز الشيخ أبي الحسن الندوي، أخص منهم بالذكر الأخ الكريم شمس الرحمن المظاهري والعزيز محمد حسان أختر الندوي وكان لهما سهم بارز في هذا العمل، وساعدهما الأعزة: عبيد اللَّه القاسمي ومحمد هاشم القاسمي وأبو ثاقب الندوي ومحمد حمزة وغيرهم من الباحثين والطباعين من مركز الشيخ أبي الحسن الندوي.\nوبحثنا عن مخطوطات هذا الكتاب وبذلنا جهودًا جبّارة في تحصيلها، وكذلك حصلنا على النسخة المخطوطة لكتاب (الإكمال في أسماء الرجال) للشيخ المحدث عبد الحق بمساعدة نائب الرئيس الهندي السيد حامد الأنصاري، جزاهم اللَّه خير الجزاء في الدنيا والآخرة.","vol":"1","page":24},{"text":"وفي الأخير عرضنا هذا المشروع على حضرة سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان -حفظه اللَّه- ممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، فوافق سموه على طباعة ثلاثة آلاف نسخة على نفقته وتوزيعها في العالم الإسلامي، ولسُمُوّه مكارمُ كثيرةٌ وخدماتٌ جليلةٌ عديدةٌ لميراث النبوة، فقد أذن بطباعة عَدَدٍ من كتب الحديث والفقه بتحقيقنا. واللَّه يطوّل حياته ويبارك في أمواله وأولاده، آمين.\n* * *","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>عَمَلي في هَذا الكِتَاب</span>\n١ - قد جعلنا نسخة المحدث أحمد علي السهارنفوري لمشكاة المصابيح أصلًا وأمًّا للتحقيق، ثم قارَنَّا بين النسخ المطبوعة، وبيَّنا ما بينهن من اختلاف.\n٢ - صححت الكتاب بقدر الإمكان، وإذا وجدت فيه تحريفًا أو تغييرًا نبّهتُ عليه.\n٣ - نسخت هذا الشرح من أول الكتاب إلى آخره، وقارنت بين النسخ المخطوطة التي ذكرناها في التقدمة، ورجحت بعد المقارنة بين النسخ، فما كان صوابًا فمن اللَّه ﷾، وما كان خطأ فمن الشيطان، واللَّه يغفر لنا.\n٤ - علقت على مواضع كثيرة من الكتاب بما يستكمل مقاصده ويزيد فرائده وفوائده.\n٥ - قد استفدنا في هذا الشرح من شروح (المشكاة) وغيرها من الشروح، أخص منها بالذكر (مرقاة المفاتيح) للعلامة علي القاري، وحاشية على (المشكاة) لشيخنا الإمام محمد زكريا الكاندهلوي، فما كان فيها من جديد أشرنا إليه بـ (التقرير).\n٦ - إذا ترددت في كلمة من الشرح رجعنا إلى المصادر التي نَقَلَ منها الشارح، وتأكدت من صحتها.\n٧ - كان للشيخ المحدث بعض الرموز التي يستخدمها في الشرح وقد أشار إليها في مقدمة الكتاب فاكتفينا بذكرها.","vol":"1","page":26},{"text":"٨ - تخريج الأحاديث من الكتب الستة ومن غيرها تخريجًا موجزًا.\n٩ - وضعت فهرسًا عامًّا للكتاب.\nوأخيرًا ندعو اللَّه ﷾ أن يتقبل منا هذا العمل، ويتجاوز عما وقع منا من الخطأ والزلل، وينفع اللَّه بهذا الكتاب الباحثين والدارسين، آمين يا رب العالمين.\nكَتَبَهُ أ. د. تقي الدين الندوي\nيوم الثلاثاء بعد العصر ١٠/ جمادى الأولى ١٤٣٥ هـ الموافق ١١/ مارس ٢٠١٤ م في مدينة العين الإمارات العربية المتحدة\n* * *","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>تَرْجَمَةُ الإمَامِ المُحَدِّثِ عَبْدِ الحَقِّ البُخَارِيِّ الدِّهْلَوِيِّ</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-9> كيف دخل الإسلام الهند:</span>\nفقد دخل الإسلام في الهند بطريق البر والبحر، كان طريق البر هو ممر خيبر، فقد دخل الإسلام من هذا الطريق إلى الهند في أواخر القرن الرابع وبداية القرن الخامس، ولكن قد دخل تجار العرب المسلمون إلى المسند ومليبار حتى شواطئ كَجرات، وانتشروا في هذه المناطق، وقد جاؤوا بدينهم والقرآن الكريم والعلوم الإسلامية، واستوطنوا هذه البلاد، وأسسوا المساجد فكانت حافلة بالدروس الملتزمة بِقَالَ اللَّه وقال الرسول، وأيضًا قد دخل الجيش الإسلامي في عصر سيدنا عمر بن الخطاب إلى سواحل الهند.\nفدخل علم الحديث في أوائل الفتح الإسلامي في بلاد الهند، وكان من جملة من وفد إليها من المجاهدين في سبيل اللَّه الربيع بن صبيح السعدي الذي قال عنه حاجي خليفة في (كشف الظنون): هو أول من صنف في الإسلام (١)، ولا شك أنه كان من أوائل المصنفين في علم الحديث إذ لم يكن أولهم بإطلاق، وهو من أتباع التابعين، ومات وفى فن في الهند سنة ١٦٠ هـ (٢).\nوقد رافق علمُ الحديث العربَ الذين فتحوا هذه البلاد فامتزج بلحمهم ودمهم،\n_________\n(١) \"كشف الظنون\" (١/ ٣٤).\n(٢) انظر: \"سبحة المرجان\" (ص: ٢٦٠)، و\"تذكرة علماء الهند\" (ص: ٣).","vol":"1","page":28},{"text":"فحملوا معهم هذا العلم الشريف، وكان يرافقهم في كل غزوة علماء ومحدثون، وكان فيهم من سكن الهند ومات فيها. وانتشر علم الحديث في دولة العرب وحكمهم (١).\nفلما انقرضت دولة العرب من بلاد السند، صارت صناعة أهل الهند حكمة اليونان والإضراب عن علوم السنة والقرآن إلا ما يذكر من الفقه على القلة، وكان قصارى نظرهم في الحديث في (مشارق الأنوار) للصغاني، فإن ترفَّع أحد إلى (مصابيح السنة) للبغوي أو إلى (مشكاة المصابيح) ظنّ أنه وصل إلى درجة المحدثين، وما ذلك إلا لجهلهم بالحديث (٢).\n* * *\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-10> علم الحديث في القرن العاشر الهجري:</span>\nذكر العلامة عبد الحي الحسني (٣): أن اللَّه منّ على الهند بإفاضة هذا العلم، فورد به بعض العلماء في القرن العاشر، كالشيخ عبد المعطي بن الحسن بن عبد اللَّه باكثير المكي المتوفى بأحمد آباد سنة ٩٨٩ هـ، والشهاب أحمد بن بدر الدين المصري المتوفى بأحمد آباد سنة ٩٩٢ هـ، والشيخ محمد بن أحمد بن علي الفاكهاني الحنبلي المتوفى بأحمد آباد سنة ٩٩٢ هـ، والشيخ محمد بن محمد عبد الرحمن المالكي المصري المتوفى بأحمد آباد سنة ٩١٩ هـ، والشيخ رفيع الدين الجشتي الشيرازي المتوفى بأكبر آباد سنة ٩٥٤ هـ، والشيخ إبراهيم بن أحمد بن الحسن البغدادي، والشيخ ضياء الدين\n_________\n(١) راجع لمعرفة أسماء من قصد الهند من المحدثين وأتباع التابعين \"الثقافة الإسلامية في الهند\" للعلامة السيد عبد الحي الحسني (ص: ١٣٥).\n(٢) انظر: مقدمة \"أوجز المسالك\" (١/ ٢٩).\n(٣) \"الثقافة الإسلامية في الهند\" (ص: ١٣٦ - ١٣٧).","vol":"1","page":29},{"text":"المدني المدفون بكاكوري، والشيخ بهلول البدخشي، والخواجه ميركلان الهروي المتوفى بأكبر آباد سنة ٩٨١ هـ، وخلق آخرون.\nثم وفق اللَّه سبحانه بعض العلماء من أهل الهند أن رحلوا إلى الحرمين الشريفين، وأخذوا الحديث وجاؤوا به إلى الهند، وانتفع به خلق كثير، كالشيخ عبد اللَّه بن سعد اللَّه السندي، والشيخ رحمة اللَّه بن عبد اللَّه بن إبراهيم السندي، المهاجرين إلى الحجاز، فإنهما قدما الهند ودرّسا بكَجرات مدة طويلة ثم رجعا إلى الحجاز، والشيخ يعقوب ابن الحسن الكشميري المتوفى سنة ١٠٠٣ هـ، والشيخ جوهر الكشميري المتوفى سنة ١٠٢٦ هـ، والشيخ عبد النبي بن أحمد الكَنكَوهي، والشيخ عبد اللَّه بن شمس الدين السلطان بوري، والشيخ قطب الدين العباسي الكَجراتي، والشيخ أحمد بن إسماعيل المندوي، والشيخ راجح بن داود الكَجراتي، والشيخ عليم الدين المندوي، والشيخ المعمَّر إبراهيم بن داود المنكبوري المدفون بأكبر آباد، والشيخ محمد بن طاهر بن علي الفتني صاحب (مجمع البحار)، والسيد عبد الأول بن علي بن العلاء الحسيني وغيرهم.\nلا سيما الشيخ محمد بن طاهر المذكور المتوفى سنة ٩٨٦ هـ، فإنه درّس وخرّج وصنف كتبًا عديدة في ذلك العلم الشريف، كـ (مجمع البحار) في غريب الحديث، و(المغني) في أسماء الرجال، و(التذكرة) في الموضوعات، وكانت له يد جارحة ويُمنَى عاملة في الحديث، ما نهض من الهند مثله في سعة المعلومات وبلوغ النظر غير شيخه حسام الدين علي المتقي الكَجراتي، ولكنه انقطع إلى الحجاز، وعمت فيوضه لأهل الحرمين الشريفين، والشيخ محمد بن طاهر أقام بالهند.\nوأما الشيخ عبد الأول بن علي بن العلاء الحسيني المتوفى سنة ٩٦٨ هـ، فأخذ عن","vol":"1","page":30},{"text":"جده علاء الدين عن الحسين الفتحي عن الشيخ محمد بن محمد بن محمد الشافعي الجزري بإسناده إلى مصنفي الصحاح والجوامع وغيرها، وأخذ عنه جمع كثير، أجلّهم الشيخ طاهر بن يوسف السندي المتوفى سنة ١٠٠٤ هـ، فقد درّس وأفاد بمدينة برهانفور مدة طويلة، وتخرّج عليه خلق كثير من العلماء.\nوفي هذا العصر كان الإمام أحمد السرهندي (١) مجدد الألف الثاني المتوفى سنة ١٠٣٤ هـ، وكان له عناية خاصة بعلم الحديث، قال العلامة السيد عبد الحي الحسني: وكذلك تصدى له الشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي إمام الطريقة المجددية، وولده محمد سعيد شارح (المشكاة) وأبناؤه لا سيما فرخ شاه، يقال: إنه يحفط سبعين ألف حديث متنًا وإسنادًا وجرحًا وتعديلًا، ونال منزلة الاجتهاد في الأحكام الفقهية، ويذكر عنه مع ذلك أنه كتب رسالة في المنع عن الإشارة بالسبابة عند التشهد، وهذا يقضي\n_________\n(١) ولد الإمام السرهندي ليلة الجمعة ١٤ شوال عام ٩٧١ هـ، الموافق ١٥٦٣ م، بمدينة سرهند، أخذ أكثر العلوم والطريقة الجشتية عن أبيه، واستفاد بعض العلوم العقلية عن الشيخ كمال الدين الكشميري، وأسند الحديث عن الشيخ يعقوب بن الحسن الصرفي الكشميري (٩٨٠ - ١٠٠٣ هـ) الذي أخذ عن الشيخ شهاب الدين ابن حجر الهيتمي المكي، وترك في مؤلفاته شرحًا مستفيضًا لصحيح البخاري. وقد كان الشيخ يعقوب يحمل الإجازة من كبار المحدثين والمؤلفين في الحديث والتفسير، وتناول الحديث المسلسل بالأولية عن القاضي بهلول البدخشي عن الشيخ عبد الرحمن فهد عن أبيه الشيخ عبد القادر وعمه الشيخ جار اللَّه عن أبيهما الحافظ عز الدين عبد العزيز عن جده الحافظ الرحلة تقي الدين محمد بن فهد العلوي الهاشمي والحافظ الحجة شهاب الدين أحمد بن حجر العسقلاني، وللشيخ أحمد إجازة برواية الكتب الحديثية وغيرها عن القاضي المذكور. توفي لليلتين بقيتا من صفر سنة أربع وثلاثين وألف بمدينة سرهند، فصلى عليه ابنه محمد سعيد ودفنه بها، وقبره هناك مشهور. انظر: \"الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام\" (٥/ ٤٧٩)، و\"رجال الفكر والدعوة\" (٣/ ١٤٥).","vol":"1","page":31},{"text":"منه العجب.\nومن أولاده الشيخ سراج أحمد السرهندي ثم الرامبوري، له شرح على جامع الترمذي.\nومنهم الشيخ محمد أعظم بن سيف الدين المعصومي السرهندي، له شرح على صحيح البخاري.\nثم جاء اللَّه سبحانه بالشيخ عبد الحق بن سيف الدين البخاري الدهلوي المتوفى سنة ١٠٥٢ هـ، وهو أول من أفاضه على سكان الهند، وتصدّى للدرس والإفادة بدار الملك دهلي، وقصر همته على ذلك وصنّف وخرّج ونشر هذا العلم على ساق الجد، فنفع اللَّه به وبعلومه كثيرًا من عباده المؤمنين، حتى قيل: إنه أول من جاء بالحديث بالهند، وذلك غلط كما علمت.\nيقول العلامة السيد سليمان الندوي: إن كان في هذا الكلام نظر، ولكن الحق أن الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي هو الذي نشر علم الحديث في دهلي وأطرافها بل في الهند كلها في عصره، وقد فاز بتأليفاته عند العلماء الربانيين بمكانة رفيعة كلهم يعترفون بفضله (١).\nوقد أصاب البروفيسور خليق أحمد نظامي في قوله: وعلى كُلّ فإنّ العهد الذي بدأ فيه الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي دروسَه في الحديث الشريف، كان قد طُوي -إذ ذاك- بِساط هذا العلم الشريف في شمالي الهند، وإنه قد أشعَل في هذا الوسط المظلم الضيّق شمعةً جَذَبَتْ إليه الناسَ من أنحاء نائية بعيدة، فالتفُّوا حولها وتهافتوا عليها تهافتَ الفراش على النور، وبدأ نشاطٌ جديد لدروس الحديث الشريف في شمالي\n_________\n(١) انظر: \"علم الحديث بالهند\" (ص: ٢٣).","vol":"1","page":32},{"text":"الهند، وانتقل بذلك مركزُ العلوم الدينية لا سيما الحديث الشريف من كَجرات إلى دلهي (١).\n* * *\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-11> اسمه ولقبه وأسرته ومولده ونشأته:</span>\n- اسمه: هو الشيخ الإمام العالم العلامة المحدث الفقيه شيخ الإسلام، وأعلم العلماء الأعلام، وحامل راية العلم والعمل، الشيخ عبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدهلوي المحدث المشهور (٢).\n- لقبه: عرف الشيح بلقبين: المحدث، لقِّب به بسبب كثرة اشتغاله بالحديث الشريف تدريسًا وتأليفًا. والشاه، هي كلمة فارسية معناها الملك والسلطان والمحترم والمعزز (٣).\n- أسرته: أول من هاجر إلى الهند من أجداد الشيخ عبد الحق آغا محمد ترك، هو من سكان بخارى (٤)، وقد هاجر هو في جماعة كثيرة من الأتراك إلى الهند لظروف سيئة في آسيا الوسطى في القرن السابع الهجري، وكان هذا في عهد السلطان علاء الدين الخلجي (٥) (ت: ٦٠٩ هـ). وحينما قدم آغا محمد ساعد السلطانُ أسرته وأكرمهم بالوظائف الرفيعة.\n_________\n(١) \"حياة الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي\" (ص: ١٣٧)، و\"رجال الفكر والدعوة\" (٣/ ٥٤٤).\n(٢) \"الأعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام\" (٥/ ٥٥٤).\n(٣) انظر: \"فيروز اللغات\" (ص: ٥٤٧).\n(٤) انظر: \"دائرة المعارف الإسلامية\" (ص: ٥٧٦ - ٥٨٣).\n(٥) انظر ترجمته في: \"الأعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام\" (١/ ١١٠).","vol":"1","page":33},{"text":"وكان من أشهر أفراد الأسرة الشيخ سيف الدين الدهلوي والد الشيخ المحدث، المتوفى سنة ٩٩٠ هـ، كان متصفًا بالصلاح والزهد، وكان معروفًا بالشعر والأدب أيضًا، وله عناية خاصة بالعلوم الشرعية لا سيّما بالحديث النبوي كما يدلّ على ذلك بعض تعليقاته على كتب أسماء الرجال مثل \"الكاشف\" للحافظ الذهبي (١).\n- مولده ونشأته: ولد في شهر المحرم سنة ثمان وخمسين وتسع مئة بمدينة دهلي، ونشأ نشأة ربّانية برعاية والده الجليل، يقول الشيخ المحدث: نشأت ليلًا ونهارًا في حضن رحمته وجوار عنايته (٢). ونعرف ما سجّل الشيخ من حوادث طفولته عن حياته أنه كان مطبوعًا على الصلاح والتقوى منذ صغره، ولا يضيع وقته في الألعاب مثل عامة الأطفال، كما أنه ورث الورع والطهارة عن أبيه. وبذل جهدًا عظيمًا في طلب العلم كما ذكر في كتابه (أخبار الأخيار) أنه تلقى دروسه من والده الجليل، وكان أبوه من غاية أمانيه أن يكون ولده عالمًا جليلًا ربانيًّا، لهذا ربّاه تربية ربّانية من بداية الحال، وعلّمه الأعمال والأشغال الربّانية.\nفقد تعلم من والده قراءة القرآن الكريم، ثم اتّجه إلى تعلّم الكتابة والإنشاء حتى تمكن منهما في شهر واحد، وقرأ أجزاءً من كَلستان وبوستان وديوان الحافظ ودراسة النحو والصرف والمنطق والعقائد، وله اثنا عشر عامًا، ثم قرأ غيرها من الكتب الدراسية، وأخذ كلَّ ذلك في سبع سنوات أو ثماني عن الأستاذ محمد مقيم تلميذ الأمير محمد مرتضى الشريفي وعن غيره من العلماء بمدرسة دهلي وكانت على مسافة ميلين من منزله، يروح ويغتدي إليها كل يوم في حرّ وبرد، وكان دائم الاشتغال مكبًّا على المطالعة في\n_________\n(١) انظر: \"حياة الشيخ عبد الحق\" (ص: ٥١).\n(٢) \"أخبار الأخيار\" (ص: ٣٠٠).","vol":"1","page":34},{"text":"دياجير الليالي حتى إنه قد احترقت عمامته غير مرة بالسراج الذي كان يجلس أمامه للمطالعة، فما كان يتنبه له حتى تتصل النار ببعض شعره.\nولما قرأ فاتحة الفراغ حفظ القرآن في سنة واحدة، وبايع الشيخ موسى بن حامد الحسني الأجي سنة خمس وثمانين وتسع مئة وله اثنتان وعشرون سنة.\n* * *\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-12> تدريسه قبل سفره إلى الحجاز:</span>\nلما فرغ الشيخ من دراسته، وكان سنه عشرين سنة، اشتغل بالتدريس مدة بعد ما استفاد من والده وعلماء الهند وعلماء ما وراء النهر، وحصول الربّانية من الشيخ موسى، كما ذكره في (أخبار الأخيار).\n* * *\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-13> ارتحاله لطلب العلم:</span>\nثم قطع حبائل المحبة عن الأهل والدار وسافر للحج والزيارة سنة خمس وتسعين وتسع مئة، فلما وصل إلى أجين أقام بها زمانًا، وهيّأ له مرزا عزيز الدين بن شمس الدين الدهلوي أميرُ تلك الناحية الزاد والراحلة، فسافر إلى أحمد آباد وأقام بها زمانًا، وأدرك الشيخ وجيه الدين بن نصر اللَّه العلوي الكَجراتي (١) وأخذ عنه بعض أذكار الطريقة\n_________\n(١) هو الشيخ وجيه الدين بن نصر اللَّه بن عماد الدين العلوي الكَجراتي (٩١١ - ٩٩٨ هـ) أحد أكابر العلماء في عصره، ومن المؤلفين المكثرين فيه. ولد بـ \"جانبانير\" في إمارة كجرات، واشتغل بالعلم على أساتذة عصره، وبرع في العديد من العلوم. وله مؤلفات كثيرة في مختلف العلوم والفنون، ومنها في أصول الحديث شرحه على \"نخبة الفكر\" للحافظ ابن حجر. =","vol":"1","page":35},{"text":"القادرية وأشغالها، وأكرمه مرزا نظام الدين بن محمد مقيم الهروي الأكبرآبادي وأضافه.\n* * *\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-14> ارتحاله إلى الحرمين الشريفين:</span>\nثم سافر إلى مكة المباركة سنة ست وتسعين وتسع مئة، فحجّ وأقام بمكة عشرة أشهر، وسافر إلى المدينة المنورة لسبع ليال بقين من ربيع الآخر سنة سبع وتسعين وتسع مئة، وأقام بها إلى آخر شهر رجب سنة ثمان وتسعين وتسع مئة، ثم رجع إلى مكة وأقام بها زمانًا وحجّ مرة ثانية، ثم رحل إلى الطائف في آخر شعبان سنة تسع وتسعين وتسع مئة، ثم رجع إلى مكة وأقام بها زمانًا قليلًا، ورجع إلى الهند في ذلك العام.\n* * *\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-15> عودة الشيخ المحدث من الحجاز إلى الهند:</span>\nأقام الشيخ المحدث في الحرمين الشريفين أربع سنوات تقريبًا مستفيدًا من علمائها ومشايخها في الحديث الشريف وغيره من العلوم الأخرى، فأمر الإمام عبد الوهاب المتقي (١) تلميذَه الشيخ عبد الحق بالعودة إلى الهند وأصرّ على ذلك وجرى الحوار\n_________\n= انظر: \"الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام\" (٤/ ٤٤٢).\n(١) هو الشيخ العالم الكبير المحدث الفقيه الزاهد عبد الوهاب بن ولي اللَّه المندوي البرهانبوري المهاجر إلى مكة المشرفة والمدفون بها، كان من العلماء الربانيين، ولد ونشأ بمدينة برهانفور بعد ما انتقل والده من مندو إليها، وصار يتيمًا، فرماه الاغتراب إلى كَجرات وإلى ناحية الدكن وجزائر السيلان وإلى سرانديب حتى وصل إلى مكة المباركة سنة ثلاث وستين وتسع مئة، وأدرك بها الشيخ علي بن حسام الدين المتقي الكَجراتي، وكانت بينه وبين أبيه مودة، فأقام بمكة المشرفة، ولازمه اثنتي عشرة سنة، وأخذ عنه العلم والمعرفة، وأسند الحديث عنه وعن =","vol":"1","page":36},{"text":"بينهما، ولما رأى الشيخ هذا الإلحاح المتواصل من شيخه قرر الرجوع إلى الهند.\nلما ودعه الشيخ عبد الوهاب أكرم تلميذه، ورجع الشيخ المحدث إلى الهند سنة ١٠٠٠ هـ، وهذا العهد الذي اتَّخذَتْ فيه أفكار الملك أكبر صورة الدين الإلهي، وكانت بيئة البلاد كلها قد فسدت، وعمّ الإعراض عن الشريعة والسنة، ويُسْخَر في البلاط الملكي بالشعائر الدينية ويستهزأ بها، فقد أثر ضلال الملك أكبر في حياة عامة الناس. ورجع الشيخ في هذه الظروف المؤلمة، وكان الشيخ متألمًا بهذا الوضع المؤلم في البلاد، فقرر أن يجلس لتدريس الحديث في زاوية بدهلي، وكانت هي المدرسة الأولى في شمالي الهند في ذلك العهد لتدريس الحديث الشريف، وكان الكتاب والسنة في هذه المدرسة قطب الرحى، وذكر الشيخ في كتابه (أخبار الأخيار) اشتغاله بالتعليم والتدريس بتواضع كبير، يقول: أبذل كل جهد في هذا السبيل، وأقوم بأشد رياضة في ذلك، وأقضي أيامي مشتغلًا بالتعليم والإفادة -معاذ اللَّه- بل بالتعلم والاستفادة، لا يهمني أمرُ صالحٍ أو فاسقٍ، معرضًا عن صحبة هذا وذا، وواصل الشيخ اشتغاله بالتدريس\n_________\n= غيره من المشايخ، وتصدر للدرس والإفادة بعده بمكة المباركة، وتزوج بها حين بلغ خمسين سنة من عمره. وكان على قدم شيخه في الزهد والتورع والاستقامة على الطريقة، أخذ عنه الشيخ عبد الحق بن سيف الدين البخاري الدهلوي وخلق كثير من العلماء والمشايخ، وكان مشايخ الحرمين الشريفين يعتقدون فيه خيرًا وصلاحًا ويقولون: إنه على قدم الشيخ أبي العباس ﵀، [هو أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عمر الأنْصَارِيّ المرسي المتوفى ٦٨٦ هـ].\nقال عبد الحق بن سيف الدين المذكور في \"أخبار الأخيار\": إنه لقيني شيخ من شيوخ العرب وقال: إني سافرت إلى اليمن وأدركت المشايخ والدراويش فوجدتهم كلهم متفقين على الثناء عليه والأخبار بأنه قطب مكة في وقته، وقال: إن عبد الوهاب استقام على المشيخة ستًا وثلاثين سنة بمكة وما فاتته حجة في أيام إقامته، انتهى. توفي سنة إحدى وألف، هذا هو الصحيح. انظر: \"الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام\" (٥/ ٥٨٤).","vol":"1","page":37},{"text":"إلى آخر لحظات حياته، من ذلك الوقت عرف الشيخ بلقب المحدث الذي أصبح بعده جزءًا من اسمه حتى إذا قيل: المحدث الدهلوي، لا يُعنى به إلا هو، وصارت مدرسته معروفة بخصائصها في الهند (١)، اجتمع فيها عدد كبير من الطلاب لتحصيل العلم، وصارت المدرسة أكبر حصن للشريعة الإسلامية والسنة النبوية في ذلك العهد المليء بالفتن، وظل الشيخ جبلًا ثابتًا أمام موجات الضلالات والأقوال المعادية للإسلام.\nقال الأستاذ خليق أحمد نظامي (٢): عاد الشيخ المحدث إلى الهند بإلحاح من الشيخ عبد الوهاب المتقي، لكن كان في قلبه حنين وشوق للرجوع إلى الحجاز. وكتب في وصيته بكل حسرة: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك.\n* * *\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-16> منهج الشيخ المحدث في الدعوة في هذه الظروف:</span>\nإن الشيخ المحدث حاول بعد وفاة الملك أكبر التأثير على نور الدين جهانكَير الذي صار ملكًا بعد أكبر عن طريق الشيخ فريد (٣)، وكانت شخصيته بارزة في البلاط الملكي، وألف رسالة ناقش فيها قواعد السلطنة وأركانها بالتفصيل، وكذلك جمع لملك شاهجهان أربعين حديثًا سماها: ترجمة الأحاديث الأربعين في نصيحة الملوك والسلاطين.\nوكان للشيخ علاقة وطيدة مع الأمين عبد الرحيم خان خانان المتوفى سنة ١٠٣٦ هـ، الذي كانت له شخصية معروفة في العهد المغولي بعلمه وفضله، وكذا لغيرهما من أعيان\n_________\n(١) ويدرس فيها شيوخ وأساتذة كثيرون.\n(٢) \"حياة الشيخ عبد الحق\" (ص: ١٢١).\n(٣) هو الأمير مرتضى خان -الشيخ فريد- كان من كبار أعيان الدولة في العهد المغولي.","vol":"1","page":38},{"text":"البلاد، وكان بينهم وبين الشيخ علاقة روحية دينية، والشيخ يرسل إليهم رسائل ويوجههم إلى التمسك بالصراط المستقيم، ولكن حديث الشيخ كان في السر والكتمان لا يرى الجهر به وإشاعته.\n* * *\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-17> شيوخه:</span>\nإن الشيخ المحدث ذكر أسماء الشيوخ الذين استفاد منهم في مؤلفاته: (زاد المتقين)، و(إجازات الحديث في القديم والحديث)، و(أسماء الأستاذين)، وقد فقدت هذه الرسائل؛ لذا صعب علينا معرفة أسمائهم وأحوالهم، وعرفنا منهم بعد البحث والتحقيق التاليةَ أسماؤهم:\n١ - الشيخ سيف الدين والده، قد ذكرت ترجمته سابقًا.\n٢ - وبعد ما تعلم من والده دخل بمدرسة في دهلي وكمل دراسته، ولكن لا نعرف أسماء شيوخه بها إلا اسمًا واحدًا، وهو الشيخ محمد مستقيم وهو تلميذ الأمير محمد مرتضى الشريفي (١).\nوقد ذكر الشيخ في كتابه (أخبار الأخيار): أنه استفاد من علماء ما وراء النهر لكن لا نعرف أسماءهم أيضًا. ولما سافر إلى الحرمين الشريفين استفاد من علمائهما، منهم الشيخ الإمام عبد الوهاب المتقي وهو تلميذ الشيخ علي المتقي وخليفته، وقد استفاد منه في علم الظاهر والباطن استفادة تامة، ويقول الشيخ عبد الحق: إني في خدمته منذ سنتين، وفي هذه المدة أخذ منه إجازة الحديث، وذكر أنه ألبسه خرقة الخلافة، ويقول: قد أجازني سيدي الشيخ عبد الوهاب بكتب القوم وطرقهم وسلاسلهم وأجازني\n_________\n(١) \"الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام\" (٥/ ٥٥٤).","vol":"1","page":39},{"text":"من أربع سلاسل: القادرية والشاذلية والمدنية والجشتية (١).\n٣ - القاضي علي بن جار اللَّه بن ظهيرة القرشي المخزومي المكي. ذكر الشيخ المحدث في ثبته أنه أعلم العلماء وأعظم الفقهاء في وقته.\n٤ - الشيخ أحمد بن محمد بن محمد أبي الحزم المدني. ذكر الشيخ المحدث أنه أكبر فقهاء مدينة الرسول -ﷺ- علمًا وسنًّا وبركة، وشيخُ الشيوخ، وأخذ منه إجازة الحديث، وتوفي غرة شعبان سنة ٩٩٨ هـ.\n٥ - الشيخ حميد الدين بن عبد اللَّه السندي المهاجر. ذكر الشيخ المحدث في مقدمة (لمعات التنقيح): أني أخذت رواية (مشكاة المصابيح) عن الشيخ حميد الدين السندي، ويقول في ثبته: إنه الشيخ العالم العامل تذكرة السلف المتورعين وبقية المشايخ المحدثين مولانا حميد الدين بن القاضي عبد اللَّه السندي المدني.\nوقال مرتضى الزبيدي (٢): وفَد إِلَى الحَرَميْن، فَأخذ عَن الشِّهاب أَحْمد بن حَجَر المَكِّي، وطَبقتِه، كالشيخ عبد الوهَّاب المتّقِي، ومُلّا علي قارِي، وَغَيرهمَا.\nوقال الكتاني (٣): ذكر الحافظ مرتضى في (ألفية المسند) له أن المترجَم يروي عن المتقي مباشرة، وكذا عن ابن حجر الهيتمي وعن علي القاري، وناهيك بهؤلاء الثلاثة.\nوما ذكر من رواية الشيخ المحدث عن الشيخ على المتقي والحافط ابن حجر المكي بدون واسطة فيه نظر، لأن الشيخ على المتقي توفي سنة ٩٧٥ هـ، والشيخ ابن حجر توفي سنة ٩٧٤ هـ، وقد ورد الشيخ المحدث إلى مكة المكرمة سنة ٩٩٦ هـ، فلا\n_________\n(١) انظر: \"رسالة ذكر الأحوال والأقوال منبهة على رعاية طريق الاستقامة والاعتدال\" (ص: ٣٧١).\n(٢) \"تاج العروس\" (٢٨/ ٥١٤).\n(٣) \"فهرس الفهارس\" (٢/ ٧٢٥).","vol":"1","page":40},{"text":"يمكن لقاؤه بهما.\nأما روايته عن الشيخ علي القاري فلم أقف عليها.\n* * *\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-18> اختيار الشيخ المحدث إسنادًا خاصًّا لرواية الحديث:</span>\nكان للشيخ المحدث عدة شيوخ لكنه اختار للرواية إسناد الشيخ عبد الوهاب المتقي كما ذكر السيد عبد الحي الكتاني (١): قال الشيخ عبد الحق الدهلوي المترجم: أوصاني سيدي عبد الوهاب المتقي بأنه ينبغي للمحدث أن يختار لنفسه من الأسانيد التي حصلت له من مشايخه سندًا واحدًا يحفظه ليتصل به إلى سيد المرسلين، وتعود بركته على حامله في الدنيا والآخرة، فاختصرت لوصية شيخي سندًا من طريق البخاري وآخر لمسلم واكتفيت بهما ففيهما البركة، فقلت: قال العبد الضعيف: حدثنا شيخنا الولي المقتدي عبد الوهاب الحنفي قال: حدثنا شيخنا علي بن حسام الدين المتقي قال: حدثنا أبو الحسن البكري قال: حدثنا الزين زكرياء الأنصاري عن ابن حجر. (ح) وحدثنا الشيخ عبد الوهاب المتقي قال: ثنا المسند علي بن أحمد الجناتي الأزهري الشافعي، حدثنا شيخ الإسلام الجلال السيوطي، حدثنا الشهاب ابن حجر.\n* تنبيه: إن الحافط جلال الدين السيوطي لم يأخذ عن شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني بل يروي عنه بالإجازة العامة (٢).\n* * *\n_________\n(١) \"فهرس الفهارس\" (٢/ ٧٢٧).\n(٢) انظر: \"ذيل طبقات الحفاظ\" للسيوطي (ص: ٢٥١).","vol":"1","page":41},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-19> اعتراف شيوخه برسوخه في العلم:</span>\nقد اعترف علماء الحرمين الشريفين للإمام المحدث عبد الحق برسوخ قدمه في العلم، قال القاضي: إنه الفرد العلم في القطر الهندي، وقال: إنه ممن أعلى اللَّه همته في المطلب، ووفقه للسعي فيما يوصل إلى بلوغ الأرب، وخدم العلم الشريف وضرب فيه بالسهم الأعلى والقدح المعلى، وقد شرفني بالحضور عندي برهة من الزمان في المسجد الحرام بقراءة قطعة من (صحيح الإمام البخاري) وقطعة من (ألفية الحديث) للعراقي البحر الهمام، فاستفدت منه أكثر مما استفاد، وأبدى من الأبحاث ما أحسن فيه وأجاد، قراءة ظهر بها أنه بالإفادة أحق منه بالاستفادة، وأن له رسوخ قدم في الاشتغال على جمل الوجوه المعتادة، انتهى (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-20> الفرق بين منهج المحدث عبد الحق الدهلوي وبين منهج الإمام ولي اللَّه الدهلوي:</span>\n١ - الشيخ المحدث لا يتكلم بمصطلحات الصوفية في مؤلفاتهم، والإمام ولي اللَّه يتكلم لكنه لا يخرج عن الكتاب والسنة.\n٢ - الشيخ عبد الحق لا يخرج عن مذهب الجمهور قيد شبر، والإمام ولي اللَّه قد ينفرد ببعض آرائه.\n٣ - الشيخ عبد الحق يحيط بالموضوع من جميع جوانبه إحاطة تامة مع البحث والتحقيق تشهد على ذلك مؤلفاته، لما ألف كتابه (شرح سفر السعادة) كان بين يديه مكتبة ضخمة لكتب الحديث والرجال والتاريخ والسير، واستفاد منها استفادة كاملة. وقال: لم أرض قط بالتقصير في تصحيح النقول والإحالة على الأصول لا سهوًا ولا نسيانًا، ولم يخرج من طريق الحيطة، ويتجلى هذا المنهج في جميع مؤلفاته. وأما\n_________\n(١) \"الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام\" (٥/ ٥٥٤).","vol":"1","page":42},{"text":"الإمام ولي اللَّه الدهلوي لا شك مع سعة أفكاره وعمق نظره في الكتاب والسنة فله إبداع وابتكار فيما يتناوله من موضوعات لا توجد عند غيره، تدل على ذلك مؤلفاته منها (حجة اللَّه البالغة) و(إزالة الخفاء) وغيرهما.\n* * *\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-21> وصايا الشيخ عبد الوهاب للشيخ المحدث:</span>\nكان من وصايا الشيخ عبد الوهاب المتقي للشيخ المحدث أن يجتنب الأمراءَ وأهل الدنيا لئلا يشتغل بوظيفة من وظائف الحكومة، إذ لو حدث هذا لحرم من خير كثير، وأوصاه أن يتعاون مع الناس في أمور الخير، وأن يجتنب أمور الشر، ويختار العزلة بقدر ما يمكن، وقال الشيخ المحدث: قال: سبحان اللَّه، ما أحسن هذا لو كسر أحد قدميه وجلس في زاوية العزلة والخمول فهو على مرتبة في الوصول والقبول، ثم قال: ولكن هذا أمر صعب شديد، ثباتُ القدم فيه بعيد، والأصل في هذا أن يشارك المرءُ الناس ويخالطهم في خيرهم ويجتنب شرهم، فلذلك لم يخالط الملوك، ولم يذهب حين الرجوع من الحج -كما هو عادة بعض الحجاج من أهل الحرص والأمل واللجاج- إلى ديار دكن وبيجافور وبرهان فور ونواحيها مما يجب على الفقراء وأهل هذه الطريقة منه الهرب والنفور، فجاء بحمد اللَّه سالمًا عن الآفات غانمًا بما شاء اللَّه من البركات في وطنه المألوف، أعني: حضرة الدهلي الذي هو مكان الفقراء والمساكين ومسكن العاشقين المحبين، والتزم باب الفقر متوكلًا على اللَّه راجيًا فضله وكرمه في دنياه وأخراه. . . أن الشيخ قد أمرني بالخلوة والعزلة والانفراد، ولكنه قد تساهل في ذلك ملاحظة ونظرًا للاعتبار، ولم يترك جانب الرخصة رأسًا مخافة أن لا يرى في ذلك شدة وبأسًا، فكان هذا العبد الضعيف يمضي أوقاته بما شاء اللَّه من الأعمال والأشغال،","vol":"1","page":43},{"text":"ولكنه كان يخرج إلى بعض المواضع في بعض الأوقات والأحوال، ويخدم ويزور بعض الأحباب والأصحاب من أهل الخير، ويتبرك بصحبتهم، ويتشرف بخدمتهم مأمونًا عن وصمة الغير ولحوق الضير (١).\nوكان من وصاياه أيضًا أن يستفيد الطالب من كل مفيد، وقال: شأن طالب الحق أن يستفيد من كل مفيد، ويفيد كل مستفيد، ولا يغلق باب المطلب، ولا يسدّ طريق الاستفادة على نفسه (٢).\n* * *\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-22> وصايا الشيخ أبي المعالي للشيخ المحدث:</span>\nإن اللَّه ﷾ أراد أن يكون الشيخ المحدث ناشرًا للحديث الشريف تدريسًا وتأليفًا، وهذا العمل الجليل يحتاج إلى هدوء وعزلة، ولهذا أوصاه العالم الرباني الشاه أبو المعالي القادري اللاهوري (ت: ١٠٢٤ هـ) بأن يجتنب الاختلاط، وأكد عليه اختيار العزلة، سأل الشيخُ المحدثُ عن سر ذلك فلم يجب الشيخ أبو المعالي عن هذا، والشيخ المحدث يذكر وصيته هكذا:\nثم سلط اللَّه عليّ يا سيدي رجلًا من أهل سلسلتنا من عشاق الحضرة الجيلانية، ومجذوبًا سكرانًا بشراب المحبة العرفانية، فجبرني وقهرني وألزمني الخلوة والعزلة والانفراد، ومنعني من الدخول على الناس والتردد إلى بيوتهم وصحبتهم، ولو كان مع الفقراء والصالحين من العباد، وجدّ في ذلك وبالغ ولم يتسامح قطعًا، وقال: يا هذا لا يطلب منك عمل غير هذا، وقال: ولا أقول: إنه ذلك من عند نفسي، وإنما هو أمر\n_________\n(١) \"فوائد جامعة\" للشيخ محمد عبد الحليم الجشتي (ص: ١٩)، و\"أخبار الأخيار\" (ص: ٣٧٠).\n(٢) \"فوائد نافعة\" (ص: ٢٢).","vol":"1","page":44},{"text":"مؤكَّد من مكان آخر فعليك به، فألححته بالسؤال عن الاطلاع على حقيقة هذا الأمر وانكشاف حلية الحال، فقال: تدعو اللَّه أن لا يطلعكم على حقيقة الأمر، ولا يكشفه عليكم حتى يبلغ الكتاب أجله، ويظهر عند ذلك ما هو المرجع والمآل، وبشرني بأن فيه الخير كل الخير إن شاء اللَّه تعالى (١).\nولهذا ترك الشيخ المحدث مع العبادة والرياضة مئة مؤلف أو أكثر.\n* * *\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-23> استكمال التربية والسلوك من الشيخ الكبير عبد الباقي النقشبندي المعروف بخواجه باقي باللَّه:</span>\nذكر الشيخ المحدث في رسالة الوصية: لما دخل الشيخ الخواجه عبد الباقي النقشبندي (٢) دهلي سنة ١٠٠٨ هـ صحِبْتُه وبايعته وأكملت منه أذكار النقشبندية.\nمَن درس التاريخ الإسلامي في القرن الحادي عشر دراسة عميقة تبين له أن الشيخ الخواجة باقي باللَّه كان مصدرًا لجميع حركات أهل السنة وإماطة البدع والمحدثات في الهند، ويقول الشيخ في رسالة: هو من مشايخنا في هذا الطريق، جزاه اللَّه خيرًا (٣).\nاستفاد منه الشيخ استفادة كبيرة، توجد في كتاب (المكاتيب والرسائل) سبع رسائل من الشيخ عبد الحق الدهلوي إلى شيخه عبد الباقي النقشبندي، تلقي هذه الرسائل\n_________\n(١) \"فوائد جامعة\" للشيخ محمد عبد الحليم الجشتي (ص: ٢١)، \"أخبار الأخيار\" (ص: ٣٧٠).\n(٢) ولد في حدود سنة إحدى أو اثنتين وسبعين وتسع مئة بكابل، توفي يوم الأربعاء رابع عشر من جمادى الآخرة سنة أربع عشرة بعد الألف بمدينة دهلي، وله أربعون سنة وأربعة أشهر. \"الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام\" (٥/ ٥٥١).\n(٣) \"حياة الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي\" (ص: ١٢٨).","vol":"1","page":45},{"text":"الضوء على حب الشيخ المحدث لشيخه المرشد. وكذلك كان للشيخ خواجة باقي باللَّه محبة شديدة للشيخ المحدث، ولا شك أن الشيخ المحدث له إجازة في خمس من طرق التصوف لكن علاقته القلبية كانت مع السلسلة القادرية، فلذلك كتب في بيان نسبه: عبد الحق بن سيف الدين الدهلوي وطنًا، البخاري أصلًا، التركي نسبًا، الحنفي مذهبًا، الصوفي مشربًا، القادري طريقةً (١).\n* * *\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-24> الشيخ المحدث وعلاقته بالربانية:</span>\n١ - إن الشيخ المحدث نشأ وعاش في تربية والده وهو عالم رباني في السلسلة القادرية، وتلقن منه الطريقة القادرية.\n٢ - كذلك استفاد من السيد موسى الكيلاني، وقد أخذ الشيخ المحدث منه الأذكار والأعمال ولم يتجاوز من عمره السنة التاسعة والعشرين، وكان هو من أسرة الشيخ عبد القادر الجيلاني.\n٣ - كذلك بايع الشيخ المحدث في مكة المكرمة شيخه عبد الوهاب المتقي، ونال منه الخلافة في الطرق الجشتية والقادرية والشاذلية والمدنية، ودعاء حزب البحر له أهمية كبيرة في الطريقة الشاذلية، فأجازه الشيخ المتقي إجازة خاصة.\n٤ - إن الشيخ المحدث قد بايع الشيخ خواجة عبد الباقي النقشبندي واستفاد منه استفادة كبيرة (٢).\n* * *\n_________\n(١) \"حياة الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي\" (ص: ١٣٠).\n(٢) \"حياة الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي\" (ص: ١٢٢ - ١٢٨).","vol":"1","page":46},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-25> البركة في أعمال الشيخ المحدث:</span>\nلقد بلغ الشيخ المحدث في سنة ١٠٤٧ هـ تسعين عامًا من عمره ومع ذلك فهو لا يزال يتمتع بسلامة الحواس الظاهرة والباطنة، ويقوم بأعمال التصنيف والتأليف والتصحيح والعبادة وتعليم أبنائه وتلامذته ويعتني بتربيتهم (١).\n* * *\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-26> الشيخ المحدث بين التصنيف والتأليف:</span>\nإلى جانب عكوفه على تدريس الحديث الشريف كان له اعتناء كبير جدًّا بالتأليف والتصنيف في شتى المجالات الدينية، وكانت عنده مكتبة ضخمة، نستغرب حينما نطَّلع على قائمة مصادر كتاب (شرح سفر السعادة) التي بلغت أربعًا وستين مصدرًا، ثم يقول الشيخ: إلى جانب هذه المصادر أيضًا كانت بعض الكتب والرسائل في المطالعة تحت الدراسة (٢).\n* * *\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-27> الشيخ المحدث ومآثره:</span>\n١ - إنه قد جدد علم الحديث بجهوده المضنية المخلصة في عهد كان قد تقلّص فيه هذا العلم في شمالي الهند، وهو أول من جعل كتب الحديث جزءًا لازمًا من مناهج التعليم في عصره مع عنايته بالتفسير والفقه والعلوم الدينية.\n_________\n(١) انظر: البحث المنشور في مجلة \"ثقافة الهند\" للشيخ نسيم أحمد فريدي.\n(٢) \"حياة الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي\" (ص: ١٦٢)، وهذه المكتبة ضاعت، كما ذكره الشيخ نور الحق في آخر المجلد الثاني من شرح البخاري. إنا للَّه وإنا إليه راجعون.","vol":"1","page":47},{"text":"٢ - كان الشيخ قد نقل كتب الحديث والسيرة إلى اللغة الفارسية، وهي اللغة السائدة في ذلك العهد بين العلماء والباحثين من المسلمين.\n٣ - إن الشيخ اختار الوسطية والاعتدال لإصلاح الفرد والمجتمع، وهذا الأسلوب واضح من رسائله.\n٤ - إن منهج الشيخ المحدث والإمام السرهندي واحد ولكن يختلفان في الأسلوب والبيان، حيث يتميز منهج الإمام السرهندي بالحماس والصراحة ليؤثر في النفوس والقلوب، أما الشيخ المحدث فأسلوبه يتحلّى بالرقة واللين والستر.\n* * *\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-28> علاقة الشيخ المحدث مع الإمام السرهندي:</span>\nكان كل من الشيخ المحدث والإمام الشيخ السرهندي المعروف بمجدد الألف الثاني أشهرَ العلماء الربانيين في عصرهما، وكانا من المستفيدين من الإمام الرباني الشيخ عبد الباقي باللَّه، وقد حدث بينهما سوء تفاهم في بعض الآراء، ولما فسر الإمام السرهندي آراءه زالت الشبهات وتغير رأي الشيخ المحدث وصارت بينهم مودة ومحبة كما يظهر ذلك من رسائله (١).\nويقول سماحة الشيخ أبو الحسن علي الندوي: نشأ بينهما سوء التفاهم أو الخلاف بسبب رواية مدسوسة في بعض المكاتيب التي عرضت على الشيخ المحدث، كما يقول ولده الشيخ نور الحق: إن والدي اعتذر عمّا كتب في هذا الموضوع ووَقَّعَ عليه، والشيخ نور الحق أيضًا كان من خلفاء الشيخ محمد سعيد السرهندي ومن خلفاء\n_________\n(١) انظر: \"حياة الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي\" (ص: ٢٠٣).","vol":"1","page":48},{"text":"الشيخ محمد معصوم ميان السرهندي أيضًا (١).\n* * *\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-29> ثناء العلماء عليه:</span>\nقال السيد عبد الحي الكتاني في شأنه (٢): محدث الهند العلّامة المسند صاحب المؤلفات العدة.\nقال السيد غلام علي آزاد البلكرامي: المتضلع من الكمال الصوري والمعنوي، والعاشق الصادق من عشاق الجمال النبوي، رزق من الشهرة قسطًا جزيلًا، وأثبت المؤرخون ذلك إجمالًا وتفصيلًا (٣).\nوذكر السيد مرتضى الزبيدي: ومِن المتأخِّرين الإِمامُ المحَدّث أَبُو مُحَمَّد عبد الحَقِّ ابن سَيف الدِّين البُخارِيّ الدِّهْلَوِيّ، مِن كِبار أئمَّة الحَديثِ (٤).\nإن الإمام الشيخ عبد العزيز المحدث الدهلوي يَعُدُّ الشيخ المحدث في أئمة الحديث مثل فضل اللَّه التُّورِبِشْتِي والقاضي عياض (٥).\nيقول العلامة المؤرخ عبد الحي: هو أول من نشر علم الحديث بأرض الهند تصنيفًا وتدريسًا. ويقول أيضًا: ونشر العلوم لا سيما الحديث الشريف بحيث لم يتيسر\n_________\n(١) انظر: \"تاريخ دعوت وعظيمت\" (٤/ ٣٣٦)، و\"تاريخ علماء الهند\" للشيخ محمد ميان (١/ ٣٦٦).\n(٢) \"فهرس الفهارس\" (٢/ ٧٢٥).\n(٣) \"سبحة المرجان في آثار هندوستان\" (ص: ٥٢).\n(٤) \"تاج العروس\" (٢٨/ ٥١٤).\n(٥) \"فوائد جامعة بر عجاله نافعة\" (ص: ٣٧).","vol":"1","page":49},{"text":"لأحد مثله من العلماء السابقين في ديار الهند. وأما مصنفاته فكلها مقبولة عند العلماء محبوبة إليهم، يتنافسون في تحصيلها وهي حقيقة بذلك، وفي عباراته قوة وفصاحة وسلاسة، تعشقها الأسماع وتلتذ بها القلوب (١).\nقال الأمير صديق حسن القنوجي: تواليفه في بلاد الهند مقبولة ومشهورة، كلها نافعة ومفيدة (٢). وقال أيضًا: والحق أن الشيخ عبد الحق ينفرد بالترجمة من اللغة العربية إلى اللغة الفارسية لا نظير له في هذه الأمة، ولا مثيل له في عصره، واللَّه يختص برحمته من يشاء (٣). وقال أيضًا: كل ما يرى الناس في شأني من الفوائد الظاهرة والباطنة من العلوم والمعارف حصَّلْتُ أكثرها بدراسة تأليفات الشيخ المحدث، ومصنفات الشاه ولي اللَّه الدهلوي وأولاده (٤).\n* * *\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-30> تلاميذه:</span>\nالشيخ المحدث عمِّر أربعًا وتسعين سنة، وقضى أكثر أوقات حياته في التدريس، وقد استفاد منه ألوفٌ من الناس من العرب والعجم، أذكر بعض أشهر تلاميذه:\n١ - الشيخ نور الحق المشرقي النجل الأكبر للشيخ المحدث، المتوفى سنة ١٠٩٣ هـ، له مؤلفات كثيرة (٥).\n_________\n(١) \"الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام\" (٥/ ٥٥٤ - ٥٥٧).\n(٢) \"اتحاف النبلاء\" (ص: ٣٠٤).\n(٣) \"تقصار جيود الأحرار\" (ص: ٦١٢).\n(٤) المصدر السابق (ص: ١٥٠).\n(٥) \"الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام\" (٥/ ٦٥٨).","vol":"1","page":50},{"text":"٢ - الشيخ علي محمد بن الشيخ المحدث عبد الحق الدهلوي، وهو تلميذ لوالده وعالم جليل، وكان من فضلاء زمانه، رافق والده وأخذ عنه الكتب الدراسية، له مؤلفات.\n٣ - الشيخ محمد هاشم بن الشيخ المحدث عبد الحق الدهلوي، وكان أيضًا أخذ عن والده. كتب الشيخ المحدث عن ولده محمد هاشم: يمتاز جوهر طبعه بالجودة والسلامة، وقوة العلم لا سيما في علم الحديث الشريف (١).\n٤ - الشيخ أبو رضا بن إسماعيل الدهلوي المتوفى سنة ١٠٦٣ هـ، هو حفيد الشيخ المحدث.\n٥ - الشيخ أبو أحمد سليمان الكردي الكَجراتي.\n٦ - الشيخ شاكر محمد بن وجيه الدين الحنفي الدهلوي المتوفى سنة ١٠٦٣ هـ.\n٧ - عناية اللَّه بن إله داد الصديقي البلكَرامي.\n٨ - الشيخ حيدر بن فيروز الكشميري المتوفى سنة ١٠٥٧ هـ. وغيرهم.\n* * *\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-31> خلفه:</span>\nخلَّف الشيخُ المحدث ثلاثة أولاد من الذكور وكان أكبرهم الشيخ نور الحق الدهلوي، له مؤلفات، توفي عن تسعين من عمره، ودفن بجانب والده عند الحوض الشمسي. وكذلك دفن الاثنان الآخران من أولاد الشيخ المحدث بجانب والدهما عند الحوض الشمسي.\n_________\n(١) انظر: \"حياة الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي\" (ص: ٢٣٠).","vol":"1","page":51},{"text":"ونبغ من ذريته علماء أجلاء خدموا الحديث النبوي تدريسًا وتأليفًا، وظلت أسرته تخرج رجال الأقلام من الكتاب والمؤلفين إلى أن جاء عهد الإنكليز، ومال رجال هذه الأسرة إلى كسب العلوم العصرية كعامة الناس (١).\n* * *\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-32> وفاته:</span>\nتوفي الشيخ المحدث عن أربع وتسعين، في الحادي والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ١٠٥٢ هـ، بمدينة دهلي، وصلى عليه نجله الشيخ نور الحق، كتب الشيخ المحدث في وصيته: \"يدعو هذا الفقير ويتمنى: اللهمّ ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي ببلد رسولك. إن استجاب اللَّه دعوتي هذه فلا حاجة إلى وصية، وإن وافاني الأجل في هذا البلد فليدفنوني في عوالي الحوض الشمسي الذي هو مدفن الصالحين المغفور لهم\". فدفن في ناحية من الحوض الشمسي.\nوأوصى عن قبره: \"أن يوسعوا القبر، ولا يتجاوزوا حدّ الاعتدال، ولا يجصّصوا داخل القبر، ولا يرفعوا جداره إلا بالآجر\". وأوصى كذلك: \"إن رأوا من المصلحة أقاموا لوحًا يكتمون عليه تاريخ الولادة والوفاة، ونبذةً من أخبار طلب العلم، والرحلات فيه\". فتنفيذًا لوصيته نصب لوحة على ضريحه، وكتب ما أوصى به رحمه اللَّه تعالى (٢).\nتاريخ وفاته: (فخر العلماء) و(فخر العالم) و(علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل) (٣).\n* * *\n_________\n(١) المصدر السابق (ص: ٢٣٧).\n(٢) انظر: \"حياة الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي\" (ص: ١٣٦).\n(٣) \"فوائد نافعة\" (ص: ٣٩).","vol":"1","page":52},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-33> وصول إسناده إلى الحرمين الشريفين:</span>\nقد انتشرت سلسلة إسناد الشيخ المحدث بطريق الشيخ محمد حسين الخافي إلى الحرمين الشريفين، يقول السيد عبد الحي الكتاني: والخافي هذا هو تلميذ الشيخ عبد الحق الدهلوي والراوي عنه عامة، وقد وقفت على إجازة الشيخ عبد الحق له بخطه الشريف، وأدركه الشيخ حسن العجيمي وأخذ عنه، ومن طريق العجيمي عنه نروي<span data-type=\"title\" id=toc-34> مؤلفاته </span>ومؤلفات الشيخ عبد الحق ومروياته، ولولا هذا الشيخ الخافي وروايته عن الدهلوي عامة لما كنا اتصلنا بالشيخ علي المتقي لرواية (كنز العمال) وغيره، وهذه فائدة نفيسة قل من يعلمها (١).\n* * *\n\n* مؤلفاته:\nعاش الشيخ المحدث أربعًا وتسعين سنة، وقضى معظم حياته من عهد الشباب إلى آخر الحياة في التصنيف والتأليف، وقد ذكر بعض المؤلفين قائمة مؤلفاته فبلغ عددها مئة أو أكثر، وأخص بالذكر الكتب التي لها صلة بالحديث الشريف:\n١ - أشعة اللمعات في شرح المشكاة (مطبوع) وأقوم بتعريفه بمناسبة لمعات التنقيح.\n٢ - لمعات التنقيح في شرح المشكاة. وهو كتابنا هذا، سيأتي الحديث عنه.\n٣ - جامع البركات في منتخب شرح المشكاة (مخطوط).\n٤ - إكمال أسماء رجال مشكاة المصابيح (مخطوط).\n_________\n(١) \"فهرس الفهارس\" (٢/ ٧٢٦).","vol":"1","page":53},{"text":"٥ - مقدمة في أصول الحديث (بالعربية) مطبوع.\n٦ - طريق الإفادة في شرح سفر السعادة (مطبوع).\n٧ - تحقيق الإشارة إلى تعميم البشارة (مخطوط).\n٨ - ترجمة مكتوب النبي -ﷺ- في تعزية ولد معاذ بن جبل (بالفارسية) مخطوط.\n٩ - رسالة أقسام الحديث (بالفارسية) مخطوط.\n١٠ - جمع الأحاديث الأربعين في أبواب الدين (مخطوط).\n١١ - ترجمة الأحاديث الأربعين في نصيحة الملوك والسلاطين (بالفارسية) مخطوط.\n١٢ - رسالة في ليلة البراءة (بالفارسية) مخطوط.\n١٣ - إجازة الحديث في القديم والحديث (مخطوط).\n١٤ - ما ثبت بالسُّنة في أيام السَّنَة (مطبوع).\n١٥ - مطلع الأنوار البهية في الحلية النبوية (مخطوط).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-35> أشعة اللمعات في شرح المشكاة:</span>\nشرح فارسي في أربع مجلدات، قال في (تأليف الأليف): إنه تلوٌ لأخته (لمعات التنقيح في شرح المشكاة) وأرجح منها في التنقيح والتهذيب والضبط والربط وأكبر منها في الحجم والضخامة (١).\nيقول الشيخ المحدث: التمس مني بعضُ أجلّة الأصحاب وصَفْوَة الأحباب أن أكتب لهم بالفارسية شرحًا على ذلك الكتاب المستطاب، ليعمّ نفعُها الخواص والعوام،\n_________\n(١) \"الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام\" (٥/ ٥٥٥).","vol":"1","page":54},{"text":"ويتيسر فهمُها بالكمال والتمام، فأجبتُ سُؤلَهم، وأسعفتُ مرامَهم ومأمولَهم، مع كون هذا الأمر الخطير محلَّ الاعتذار والتقصير.\nيذكر الشيخ المحدث في تقديمه: لما وفقني اللَّه ﷾ لخدمة الحديث الشريف، وأقامني في مقام الاستقامة، ألقى في قلبي أن أشرح شرح مشكاة المصابيح، وهو كتاب معروف متداول، فإني قد جمعت الفوائد التي استفدت من شيوخنا أو ألقى اللَّه في خاطري من العلوم والمعارف، فحاولت أن أجمعها إلى طلاب الحديث، وقد أكد علي بعض المخلصين الربانيين -كالشيخ أبي المعالي اللاهوري- أن أؤلف شرح هذا الكتاب بالفارسية، يقول في نهايته: \"تم تسويد هذا الكتاب عشية يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين وألف من هجرة سيد المرسلين وخاتم النبيين -ﷺ- وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين. وابتدأ تأليفه في الثالث عشر من ذي الحجة سنة تسع عشرة وألف، وتخلَّلتها أعمال أخرى من التأليف في ثلاث سنوات وكسر، وتم في الزاوية القادرية في دهلي، وهذا الفقير يخدمها ويكنسها ويوقد سراجها، كأنما تم في مجلس واحد، والغرض هو بيان الشكر لنعمة اللَّه على هذا العبد الضعيف. وللَّه الحمد على التوفيق، وأستغفر اللَّه على التقصير، وأنا الفقير الحقير عبد الحق بن سيف الدين الدهلوي وطنًا والبخاري أصلًا والتركي نسبًا والحنفي مذهبًا والصوفي مشربًا والقادري إرادةً، وآخر دعوانا أن الحمد للَّه رب العالمين\" (١).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-36> لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح:</span>\nهو شرح لـ (مشكاة المصابيح) باللغة العربية، وهو أجلُّ وأعظمُ وأطولُ وأكبرُ تصنيفاته، قال في (تأليف القلب الأليف) في حق ذلك الكتاب: وقد جاء بتوفيق اللَّه\n_________\n(١) \"أشعة اللمعات\" (٤/ ٥١٥) طبع بمبئي سنة ١٢٧٩ هـ.","vol":"1","page":55},{"text":"وتأييده كتابًا حافلًا شاملًا مفيدًا نافعًا في شرح الأحاديث النبوية، على مصدرها الصلاة والسلام، مشتملةً على تحقيقات مفيدة، وتدقيقات بديعة، وفوائد شريفة، ونكات لطيفة (١).\nأما سبب تأليف الشيخ المحدث هذا الشرح فهو أنه لما كان عاكفًا على تأليف \"أشعة اللمعات\" عرضت له بعض الفوائد لم يستحسن بيانها بالفارسية لكونها لغة الشعب وقتئذ في الهند، فلم يكن من المصلحة إشراك عامة الناس في بعض البحوث العلمية البحتة التي تلتوي عليهم، فلذلك ما تغاضى عنه في شرحه الفارسي سجّله في الشرح العربي، كما يقول: \"خلال المطالعة ظهرت أمور لا يستحسن شرحها باللغة الفارسية، ولم يسعني إغفالها، فشرعت في شرحها باللغة العربية، فتمّ تسويد الشرحين معًا، ولكن الشرح العربي سبقه كالحصان العربي، وتمّ، ولما أعدت النظر فيه وبيّضته مرّ عليه زمن طويل وصارت مسودة الشرح الفارسي نسيًا منسيًّا، ثم أمرت فأتممت الشرح الفارسي كذلك\" (٢). وقد ييق سبب تأليفه في مقدمة هذا الشرح بالتفصيل.\nلقد فرغ الشيخ المحدث من تأليف هذا الشرح في (٢٤) من شهر رجب سنة ١٠٢٥ هـ، واهتم فيه بحل المشكلات اللغوية والنحوية وتوضيح المسائل الفقهية في أسلوب سهل، كما سعى فيه إلى التوفيق بين الفقه الحنفي والحديث النبوي الشريف. ونص على أن دراسة هذا الشرح ستؤكد أن الإمام الشافعي من أصحاب الرأي، وأن الإمام أبا حنيفة من أصحاب الظاهر. وكتب مقدمة نفيسة في بيان بعض مصطلحات الحديث ما يكفي في شرح الكتاب، الذي طبع في الهند على متن (المشكاة) كما طبع مفردًا.\n_________\n(١) \"الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام\" (٥/ ٥٥٥).\n(٢) \"أشعة اللمعات\" (١/ ٢).","vol":"1","page":56},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-37> مصابيح السنة:</span>\nهو كتاب مبارك، قال الخطيب التبريزي: كان \"كتاب المصابيح\" -الذي صنفه الإمام محيي السنة، قامع البدعة، أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي، رفع اللَّه درجته- أجمع كتاب صنف في بابه، وأضبط لشوارد الأحاديث وأوابدها (١). اهتمَّ العلماء بهذا الكتاب الجليل واعتنوا به اعتناءً تامًّا بالشروح والتعليقات والتخريجات عليه، وكان من بينها:\n- (الميسر في شرح مصابيح السنة) لشهاب الدين فضل اللَّه التُّورِبِشْتِي (ت: ٦٦١ هـ) ط.\n- (تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة) للقاضي البيضاوي (ت: ٦٨٥ هـ) ط.\n- (المفاتيح في شرح المصابيح) للحسين بن محمود الزيداني المُظهري (ت: ٧٢٧ هـ) ط.\n- (التجاريح في فوائد متعلقة بأحاديث المصابيح) للفيروزآبادي (ت: ٨١٧ هـ).\n- (شرح مصابيح السنة) للمحدث الفقيه ابن الملك الرومي الكرماني الحنفي (ت: ٨٥٤ هـ) ط.\n- (شرح المصابيح) لابن كمال باشا (ت: ٩٤٠ هـ).\n- (كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح) للمناوي (ت: ٨٠٣ هـ).\n- (هداية الرواة إلى تخريح المصابيح والمشكاة) للحافظ ابن حجر (ت: ٨٥٢ هـ) ط.\n_________\n(١) \"مشكاة المصابيح\" (١/ ٣).","vol":"1","page":57},{"text":"إلى غير ذلك من الشروح والتعاليق القيّمة. راجع للبسط والتفصيل (كشف الظنون) (٢/ ١٦٩٨).\n* * *","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>تَرْجَمَةُ صَاحِبِ المِشْكَاةِ</span>\nهو الإمام ولي الدين أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه الخطيب العمري التبريزي -بكسر التاء نسبة إلى تبريز من أكبر مدن أذربيجان كذا ذكره السمعاني وغيره بالكسر للتاء والمشهور فتحها- قال فيه شيخه حسين بن محمد الطيبي: بقية الأولياء وقطب الصلحاء، شرف الزهاد والعباد. وقد جمع المشكاة بمشورته، وكفى بهذا الكلام من شيخ عارف بتلميذه مجرب له.\nوقال عنه الملا علي القاري صاحب (مرقاة المفاتيح): مولانا الحبر العلامة والبحر الفهامة، مظهر الحقائق وموضح الدقائق، الشيخ التقي النقيّ، وإن فيما ألفه لدليلًا واضحًا على سعة علمه ووفرة فضله، ولا نعرف تاريخ وفاته على الضبط كما لا نعرف تاريخ ولادته، غير أننا نستطيع الجزم بأنه توفي بعد سنة (٧٣٧)، وهي السنة التي أكمل فيها كتابه (المشكاة (١».\nوله أيضًا (الإكمال في أسماء الرجال)، وقد طبع مع (المشكاة) ومنفردًا. فرغ من تصنيفه يوم الجمعة عشرين رجب سنة ٧٤٠ هـ، جمعه بمعاونة شيخه العلامة الطيبي، وقد عرض الكتابين عليه فاستحسنهما واستجادهما (٢).\n* * *\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢)، و\"مرعاة المفاتيح\" (١/ ٣١).\n(٢) \"مرعاة المفاتيح\" (١/ ٣٠).","vol":"1","page":59},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-39> مشكاة المصابيح:</span>\nإن المشكاة تكملة للمصابيح، وتذييل لأبوابه، جمعه مؤلفه بإشارة شيخه الحسين ابن عبد اللَّه بن محمد الطيبي المتوفى سنة ٧٤٣ هـ، قال (١): \"كنت قبل قد استشرت الأخ في الدين، المساهم في اليقين، بقية الأولياء، قطب الصلحاء، شرف الزهاد والعباد في الدين، محمد بن عبد اللَّه الخطيب بجمع أصل من الأحاديث المصطفوية، فاتفق رأينا على تكملة (المصابيح) وتهذيبه وتشذيبه وتعيين روايته ونسبة الأحاديث إلى الأئمة المتقنين، فما قصر فيما أشرت إليه من جمعه، فبذل وسعه واستفرغ طاقته فيما رمت منه\"، وقد بيّن وجه تصنيفه في مقدمته في أول الكتاب\".\nولقد رزق هذا الكتاب من القبول والعناية، وكان له من النفع ما كان لأصله (المصابيح)، وعُني العلماء به بالقراءة والتدريس والشرح والتحشية عليه، فظهرت له شروح وحواشٍ عديدة. وكان من بينها:\n- (الكاشف عن حقائق السنن) أول من شرحه هو شيخه الطيبي، سماه (الكاشف عن حقائق السنن)، وشرحه أنفس الشروح وأحسنها. قال في مقدمة شرحه: \"فلما فرغ من إتمامه شمرت عن ساق الجد في شرح معضله وحل مشكله وتلخيص عويصه وإبراز نكاته ولطائفه على ما يستدعيه غرائب اللغة والنحو ويقتضيه علم المعاني والبيان، بعد تتبع الكتب المنسوبة إلى الأئمة، معلما لكل مصنف بعلامة مختصة به\" (٢).\n- (منهاج المشكاة) للشيخ عبد العزيز الأبهري المتوفى في حدود سنة ٨٩٥ هـ.\n- (فتح الإله في شرح المشكاة) لأحمد بن حجر المكي الهيتمي المتوفى سنة\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣٦٨).\n(٢) \"الكاشف عن حقائق السنن\" (٢/ ٣٦٨).","vol":"1","page":60},{"text":"٩٧٥ هـ. مع الأسف فقد شرح نحو النصف ومات ولم يتمَّه.\n- (مرقاة المفاتيح) للعلامة علي بن سلطان المعروف بالقاري المتوفى سنة ١٠١٤ هـ، شرح عظيم ممزوج على (المشكاة)، جمع فيه جميع الشروح والحواشي واستقصاها.\n- (لمعات التنقيح)، و(أشعة اللمعات)، الأول بالعربية وهو شرح لطيف بين الإيجاز والإطناب، وهو كتابنا هذا، سيأتي البحث فيه، والثاني بالفارسية، كلاهما للعلامة الشيخ عبد الحق الدهلوي المتوفى سنة ١٠٥٢ هـ.\n- (التعليق الصبيح) للشيخ المحدث محمد إدريس الكاندهلوي المتوفى سنة ١٣٩٨ هـ.\n- (مرعاة المصابيح) للشيخ عبيد اللَّه الرحماني المباركفوري، ولم يكمله. بلغ شرحه إلى كتاب المناسك.\n- (الرحمة المهداة إلى من يريد ؤيادة العلم على أحاديث المشكاة) للسيد نور الحسن ابن صديق حسن القنوجي المتوفى سنة ١٣٣٦ هـ، جمع فيه الفصل الرابع في كل باب من أبواب (المشكاة)، وزاد فيه (١٥٠٠) حديثًا. (مطبوع).\nوإلى غير ذلك من الشروح والتعليقات والحواشي، راجع للبسط والتفصيل (كشف الظنون) (٢/ ١٦٩٨) و(الثقافة الإسلامية) (ص: ١٥٤).\n* * *\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-40> عدد أحاديثه:</span>\nقال في (كشف الظنون (١»: قيل: عدد أحاديث (المصابيح) أربعة آلاف وسبع مئة\n_________\n(١) \"كشف الظنون\" (٢/ ١٦٩٨).","vol":"1","page":61},{"text":"وتسعة عشر حديثًا، وقال ابن الملك (١): إن عدد الأحاديث المذكورة فيه أربعة آلاف وأربع مئة وأربعة وثمانون حديثًا.\nقال القاري في (المرقاة (٢»: قيل: أحاديث (المصابيح) أربعة آلاف وأربع مئة وأربعة وثلاثون حديثًا، وزاد صاحب (المشكاة) ألفًا وخمسَ مئةٍ وأحد عشر حديثًا، فصار المجموع خمسة آلاف وتسع مئة وخمسة وأربعين، وينضبط بستة آلاف إلا كسرِ خمسٍ وخمسين، انتهى.\nقلت (٣): ما نقل القاري من قول البعض في عدد أحاديث (المصابيح) هو مخالف لما ذكره حاجي خليفة جلبي في (كشف الظنون)، وابن الملك في (شرح المصابيح)، واللَّه أعلم.\n* * *\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-41> وصف النسخ المخطوطة:</span>\nاعتمدنا في تحقيق هذا السفر الجليل (لمعات التنقيح شرح مشكاة المصابيح) للإمام المحدث الفقيه الشيخ عبد الحق الدهلوي البخاري على ستة نسخ خطية، حصلنا على صور منها من بتنه ورامفور وعليجراه وديوبند وتونك وكولكاتا، منها ما هو كامل لا نقص فيه، ومنها ما وقع فيه بعض النقص، أو كان قطعة من الشرح، وهذا وصف هذه النسخ:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-42> النسخة الأولى:</span>\nنسخة مكتبة خدا بخش الشرقية العامة (بتنه)، تقع في مجلدين تحت رقم:\n_________\n(١) \"شرح مصابيح السنة\" (١/ ١٤).\n(٢) \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١١).\n(٣) \"مرعاة المفاتيح\" (١/ ٣١).","vol":"1","page":62},{"text":"(٥٨٩/ ٣٦١) و(٥٩٠/ ٣٦٢)، وقد رمزنا إليها بالرمز (ب).\nالمجلد الأول: وعدد ورقاته (٥٩٢)، يبتدئ بأول الكتاب وينتهي إلى كتاب المناسك، كامل الطرفين.\nالمجلد الثاني: وعدد ورقاته (٥٢٠)، يبتدئ بكتاب البيوع، وبه نقص في بدء شرح حديثين من كتاب البيوع، وينتهي إلى آخر الشرح كاملًا.\nهذه النسخة متقنة، يندر وقوع الخطأ فيها، نسخت بخط فارسي، وقد كتبت في القرن الحادي عشر.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-43> النسخة الثانية:</span>\nنسخة مكتبة رضا رامفور، تقع أيضًا في مجلدين تحت رقم: (١٠٦٢/ ٤٥٩٩) و(١٠٦٣/ ٤٦٠٦)، وقد رمزنا إليها بالرمز (ر).\nالمجلد الأول: وعدد ورقاته (٤٩٣)، يبتدئ بـ \"أفق العبادة قوله: فإن أولى ما يعتني أرباب الهمم العالية. . . إلخ\"، وينتهي إلى كتاب المناسك.\nالمجلد الثاني: وعدد ورقاته (٦٤٦)، يبتدئ بـ \"فمن حَرّمَهُ حمله على الأول ومن جوزه على الثاني فتدبر. . . إلخ\" وفيه نقص شرح أربعة أحاديث من البدء، ولكنْ الصفحتان اللتان تشتملان على شرح هذه الأحديث الأربعة تقعان في الأخير. وينتهي إلى آخر الشرح كاملًا.\nهذه النسخة غير متقنة، يقع الخطأ فيها كثيرًا، نسخت بخط فارسي غير جميل.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-44> النسخة الثالثة:</span>\nنسخة مكتبة مولانا آزاد، جامعة عليجراه الإسلامية، تقع أيضًا في مجلدين، وقد رمزنا إليها بالرمز (ع).","vol":"1","page":63},{"text":"المجلد الأول: وعدد ورقاته (٥٢٢)، فيه نقص في بدء الكتاب، ينتهي إلى كتاب الحج كاملًا.\nالمجلد الثاني: وعدد ورقاته (٥١٤)، وبه نقص في طرفيه.\nوهذه النسخة غير متقنة أيضًا، وفيها سقطات، نسخت بخص جميل.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-45> النسخة الرابعة:</span>\nنسخة مكتبة الجمعية الآسيوية (كولكاتا)، تقع أيضًا في مجلدين تحت رقم: (٢٠٤/ ١٠٥) و(٢٠٥/ ١٠٥)، وقد رمزنا إليها بالرمز (ك).\nالمجلد الأول: وعدد ورقاته (٤٧٦)، كامل الطرفين في الظاهر، لكن نقصت عدة صفحات قبل نهاية كتاب الحج في البين. وينتهي إلى كتاب المناسك.\nالمجلد الثانى: وعدد ورقاته (٦٠٧)، يبتدئ بكتاب البيوع إلى آخر الكتاب كاملا.\nهذه النسخة متقنة جيدة، نسخت بخط جميل واضح، نكاد أن نقررها أصلًا لكنها لم تسلم من بعض الأخطاء والسقطات لذا لم نجعلها أصلًا.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-46> النسخة الخامسة:</span>\nنسخة مكتبة دار العلوم ديوبند (سهارنفور)، تحتوي على مجلد فقط تحت رقم: (٦٩/ ١٧٢)، وقد رمزنا إليها بالرمز (د).\nالمجلد الأول: وعدد صفحاته (٨٥١)، كامل الطرفين.\nهذه النسخة متقنة، نسخت بخط جميل.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-47> النسخة السادسة:</span>\nنسخة مكتبة معهد البحوث العربية والفارسية (تونك)، تقع أيضًا في مجلدين","vol":"1","page":64},{"text":"تحت رقم: (٥٧٠/ ٤٥٥) و(٥٧١/ ٤٥٦)، وقد رمزنا إليها بالرمز (ت).\nالمجلد الأول: وعدد ورقاته (٧٣١)، كامل الطرفين من بداية الكتاب إلى كتاب الحج.\nالمجلد الثاني: وعدد ورقاته (٤٢٩)، يبتدئ بـ (كتاب البيوع) إلى آخر الكتاب كاملًا.\nهذه النسخة جيدة، نسخت بخط جميل واضح. ولكن للأسف الشديد لم نحصل منها إلا على مئتي صفحة من كتاب البيوع إلى كتاب اللباس فقط، ويرجع هذا إلى عدم مساعدة صاحب المكتبة.\n* * *","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>صور المخطوطات</span>","vol":"1","page":67},{"text":"فيما يلي صور عن المخطوطات التي تقدم وصفها:\nصورة النسخة الأولى الصفحة الأولى من نسخة مكتبة خدا بخش الشرقية العامة (بتنه)","vol":"1","page":69},{"text":"الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة خدا بخش الشرقية العامة (بتنه)","vol":"1","page":70},{"text":"صورة النسخة الثانية الصفحة الأولى من نسخة مكتبة رضا (رامفور)","vol":"1","page":71},{"text":"الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة رضا (رامفور)","vol":"1","page":72},{"text":"صورة النسخة الثالثة الصفحة الأولى من نسخة مكتبة مولانا آزاد، جامعة عليجراه الإسلامية","vol":"1","page":73},{"text":"الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة مولانا آزاد، جامعة عليجراه الإسلامية","vol":"1","page":74},{"text":"صورة النسخة الرابعة الصفحة الأولى من نسخة مكتبة الجمعية الآسيوية (كولكاتا)","vol":"1","page":75},{"text":"الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة الجمعية الآسيوية (كولكاتا)","vol":"1","page":76},{"text":"صورة النسخة الخامسة الصفحة الأولى من نسخة مكتبة دار العلوم ديوبند (سهارنفور)","vol":"1","page":77},{"text":"الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة دار العلوم ديوبند (سارنفور)","vol":"1","page":78},{"text":"صورة النسخة السادسة الصفحة الأولى من نسخة مكتبة معهد البحوث العربية والفارسية (تونك)","vol":"1","page":79},{"text":"الصفحة الأخيرة من نسخة مكتبة معهد البحوث العربية والفارسية (تونك)","vol":"1","page":80},{"text":"لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح\nللخطيب التبريزي (ت: ٧٤١ هـ)\nتأليف العلامة المحدث عبد الحق الدهلوي\nعبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدهلوي الحنفي\nالمولود بدهلي في الهند سنة (٩٥٨ هـ) والمتوفى بها سنة (١٠٥٢ هـ) رحمه اللَّه تعالى","vol":"1","page":81},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>مُقَدِّمَةُ اللّمَعَات</span>\nسُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ، رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.\nالحمد للَّه الذي خلق الخلق، وكرَّم منهم نوعَ الإنسان، وحَمَّلَهم الأمانةَ، وأرسل رسلًا مُبَشِّرين ومُنذرين، ودَاعِين لِلْخَلق إلى طريق الحق واليقين، ومُبَيِّنِينَ للناسِ ما يحتاجون إليه من أمورِ الدنيا والدين، وأَيَّدَهُمْ بالمعجزاتِ القاهرةِ، والآياتِ الباهرةِ، فصار أمرُهم في الصدقِ كالعِيان، لا يحتاج إلى البرهان، ثم بعث أفضلَهم وأكملَهم، وأجلَّهم وأجملَهم، وأبرَّهم وأنورَهم، محمدًّا -ﷺ-، وجعله سيِّدَ المُرسلين، وخاتَمَ النبيين، وجعل شريعتَه أكملَ الشرائع، ودينَه ناسخَ جميعِ الأديان، حَبيب اللَّه وخليله وصفيّه ونجيّه المجتبى، والشفيع المرتضى، سيِّد أهلِ الأرض، وسيِّد أهلِ السماء، النبي الأمي العربي القرشي الهاشمي المكي المدني التِّهامي، البشير النذير، الداعي إلى اللَّه بإذنه، السراج المنير، بَعَثَه لِيُتَمِّمَ مَكارِمَ الأخلاق، ومَحَاسنَ الأعمال، ويوضح طريقَ الحق في جميع الآفاق، فنوّر العالمَ بنوره، وأظهر الحق بظهوره، وأقام الحُجَّةَ، وأوضح المحَجَّةَ، فيا سعادةَ مَنْ آمَنَ به، واتَّبَعَ سبيلَه، واقتدى بهديه، وقوَّمَ دليلَه، فذلك الذي شرح اللَّهُ صدرَه بنور الصدق والإيقان، ويا خسارةَ مَنْ لم يؤمن بذلك، ولم يقرّ من السعادة بما هنالك، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الذي استهوتْه الشياطين في الأرض وهو حيران، اللهمّ فصلّ وسلّم، وزِدْ وبَارِكْ وكَرِّمْ على هذا النبيّ الكبير الكريم المُخْتَصِّ","vol":"1","page":83},{"text":"بالشرف الباذخ (١)، والفضل العظيم، وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين، هداة طريق الحق، ومحيي علوم الدين، أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، شهادةً بها طلعتْ شمسُ الهدايةِ من أُفُقِ العِنايةِ، وأَسْفَرَ صبح السعادة من أُفُقِ سَمَاءِ العِبَادَةِ.\nأمّا بعد:\nفإن أولى ما يعتني به أرياب الهمم العالية في طلب الكمالات والسعادات، وأهم ما يصرف في تحصيله نقود الأعمار والأوقات، علمُ الدين الذي يرفع اللَّه الذين أُوتوه مراتب ودرجات، ويكشف به عنهم العَمَى، ويحفظهم عن الرَّدَى، ويهديهم إلى الهُدَى، ويعصمهم عن الضَّلالة، ويخرجهم من الظلمات، وأفضلُ العلوم وأشرفُها وأعلاها وأسناها علمُ التفسير والحديث، فكلاهما الأصل المقصود بالذات، وما سواهما من العلوم وسائل إليهما وآلات، أو فروع لهما ونتائج وثمرات، وعلم الحديث هو المرجع والمآل، أو هو بيان وتفسير لكتاب اللَّه المتعال، إذ أحكام الكتاب كلُّها كلِّيَّات، ومجملات ومبهمات، والسنة تُبَيِّن جزئياتِها، وتُفَصّل مجملاتِها، وتُعَيِّن كيفياتِها وكَمِّيَّاتِها، وهيئاتها وصفاتها، وسائر الأوضاع والأحوال للحرام والحلال. وأعلى العلماءِ قدرًا ورُتبةً، وأعظمُهم شرفًا ومنزلةً، وأنبأهم شأنًا ومكانًا، وأقواهم حجةً وبرهانًا، علماءُ هذا العلم الشريف، وخُدَّام هذا الجناب المنيف، فأقدمهم وأسبقهم وأفضلهم أصحابُ رسول اللَّه -ﷺ- ورضي عنهم ومن بعدهم من التابعين، وتبعِ التابعين، والثقاتِ والحفّاظِ، وأئمةِ المحدّثين، حَمَلَةِ السنّة، ورُوَاةِ الحديثِ، وحُمَاةِ الدين، رحمة اللَّه عليهم أجمعين.\n_________\n(١) أي: العالي.","vol":"1","page":84},{"text":"ثم العلماء الذين شرحوا ألفاظَها ومعانيها، وبَيَّنُوا مُشْكِلاتِها ومُجملاتِها، وكَشَفُوا حَقَائقَها ودقَائقَها، ثم الذين جاؤا من بعدهم، وصنَّفُوا كُتُبًا، ورَتَّبُوا صُحُفًا، وهَذَّبُوهَا وحَرَّرُوهَا، ﵏، وشكر اللَّهُ سعيَهُمْ، وجَزَاهُم خيرًا عن المسلمين.\nوإنّ هذا العبدَ الضعيف الفقير إلى اللَّه القويِّ الغني الباري عبدَ الحق بن سيف الدين (١) بن سعد اللَّه (٢) الدهلوي البخاري، أصلح اللَّه شانه، وعصمه عما شانه، لما تشرف بحج بيت اللَّه الحرام، وزيارة قبر نبيّه وحبيبه ﵊، أقام بالحرمين الشريفين -زاد هما اللَّه تشريفًا وتعظيمًا- بُرهةً من الزمان، واستسعد بخدمة هذا العلم الشريف، وأدرك عدةً من علماء هذا الشأن، وحصل له منهم الإجازات والبركات، بتوفيق واهب العطيات، ومفيض الخيوات، من أجلِّهم وأفضلِهم، وأعظمِهم وأكملِهم، قُدوةُ العارفين، وزُبدةُ المتّقين، الشيخ العالم العامل، العارف الكامل، الولي المتّبع المقتدى، طود (٣) العلم ونور الهدى، مشيّد قواعد الطريقة، والجامع بين أحكام\n_________\n(١) الشيخ الفاضل سيف الدين بن سعد اللَّه بن فيروز البخاري الدهلوي، أحد رجال العلم والطريقة، ولد ونشأ بدهلي في بيت علم وصلاح، وأخذ عن الشيخ عبد الملك بن عبد الغفور الباني بتي وعن غيره من العلماء والمشايخ وصحبهم واستفاض منهم، وله رسالة تسمى بـ \"المكاشفات في الحقائق والتوحيد\"، وله \"سلسلة الوصال\" منظومة بالفارسية، وكان شاعرًا مجيد الشعر صاحب أذواق ومواجيد، مات لثلاث بقين من شعبان سنة: ٩٩٠ هـ. \"نزهة الخواطر\" (٤/ ٣٤٦).\n(٢) الشيخ الفاضل سعد اللَّه بن فيروز بن موسى بن معز الدين البخاري الدهلوي، ولد ونشأ بدهلي، وقرأ العلم ثم أخذ الطريقة من الشيخ محمد بن منكن الصديقي الملاوي، وكان زاهدًا عفيفًا متين الديانة قانعًا على اليسير، مات يوم الجمعة لثمان بقين من ربيع الأول سنة: ٩٢٨ هـ بدهلي. \"نزهة الخواطر\" (٤/ ٣٤٣).\n(٣) الطَّوْد: الجبل.","vol":"1","page":85},{"text":"الشريعة وأسرار الحقيقة، صاحب الاستقامة التي هي فوق الكرامة، والكرامة التي تحصل بعد الاستقامة، قطبُ وقتِه وأوانِه، فردُ عصره وزمانه، الشيخ المكين الأمين، والولي التقي النقي، سيِّدي الشيخ عبد الوهاب (١) المكي الحنفي القادري الشاذلي المتقي، قدّس اللَّه روحه، وأوصل إلينا بركاتِه وفتوحَه، وقد حصل لهذا الفقير ببركة صحبته، والتزام خدمته، في الظاهر والباطن، ما لا يفي بشكره البيانُ، ولا يستطيع ببيانه القلمُ واللسانُ:\nولو أن لي في كل منبت شعرة ... لسانًا يبثّ الشكر منه لقصَّرا\nوكنت في خدمته أكثر من سنتين، فأفاض عليّ بمقتضى استعدادي ما أرجو به الخير في مبدئي ومعادي، وأتوقع بذلك سعادة النشأتين، ثم ودعني بإشاراتٍ وبشاراتٍ\n_________\n(١) هو الشيخ العالم الكبير المحدث الفقيه الزاهد عبد الوهاب بن ولي اللَّه المندوي البرهانفوري المهاجر إلى مكة المشرفة والمدفون بها، كان من العلماء الربانيين، ولد ونشأ بمدينة برهان فور بعد ما انتقل والده من مندو إليها، وصار يتيمًا، فرماه الاغتراب إلى كجرأت، وإلى ناحية الدكن، وجزائر السيلان، وإلى سرانديب، حتى وصل إلى مكة المباركة سنة ثلاث وستين وتسع مئة، وأدرك بها الشيخ علي بن حسام الدين المتقي الكجراتي، وكانت بينه وبين أبيه مودة، فأقام بمكة المشرفة، ولازمه اثنتي عشرة سنة، وأخذ عنه العلم والمعرفة، وأسند الحديث عنه وعن غيره من المشايخ، وتصدر للدرس والإفادة بعده بمكة المباركة، وتزوج بها حين بلغ خمسين سنة من عمره.\nقال عبد الحق بن سيف الدين في \"أخبار الأخيار\": إنه لقيني شيخ من شيوخ العرب وقال: إني سافرت إلى اليمن وأدركت المشايخ والدراويش، فوجدتهم كلهم متفقين على الثناء عليه والإخبار بأنه قطب مكة في وقته، وقال: إن عبد الوهاب استقام على المشيخة ستا وثلاثين سنة بمكة وما فاتته حجة في أيام إقامته، وتوفي سنة: ١٠٠١ هـ، انتهى ملخصًا. \"نزهة الخواطر\" (٥/ ٥٨٣ - ٥٨٤)، وانظر: \"أخبار الأخيار\" (ص: ٢٧١).","vol":"1","page":86},{"text":"ناشئةٍ من مقام الصدق واليقين، وأوصاني بالتزام الخلوة والاشتغال بعلم الدين، فرجعت بأمره إلى الوطن الأليف، والتزمت بتوفيق اللَّه خدمة هذا العلم الشريف، وأرجو من اللَّه ثبات القدم على طريق الجِدّ والاستقامة، ثم أسأل اللَّه العود إلى ذلك المقام، مقام الفضل والكرامة، والعكوف على باب كرمه وقبوله، والإقامة ببلد رسوله، داعيًا إلى اللَّه الوهاب بدعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي ببلد رسولك، إنه على كل شيء قدير، وبإجابة دعاء الراجين جدير.\nوقد يَسَّرَ اللَّهُ سبحانه لهذا المسكين تواليفَ في أنواع علوم الدين، جعلها اللَّه بفضله مقبولةً، وبكرمه ورحمته ورضاه موصولةً، وإن كتاب (مشكاة المصابيح) للشيخ العالم العامل، والسالك الناسك، والوارع البارع، الفاضل الكامل، ولي الدين أبي عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه العمري الخطيب التبريزي، طَيَّب اللَّهُ ثراه، وجعل الجنةَ مثواه، كتابٌ طيبٌ مباركٌ، مصون عن الخلل والزلل، حافل شامل للأحاديث والآثار المتعلقة بالعلم والعمل، ولقد سعى -﵀- في ترتيبه وتهذيبه، وتنقيحه وتصحيحه، بما لا يُتصور المزيد على ذلك، ويكفي للطالب في حصول المطالب الدينية، وإدراك المقاصد الأخروية، ما يفوز من الفوائد فيما هنالك، شكر اللَّه سعيه وجزاه خيرًا.\nفالتمس مني بعضُ أجلّة الأصحاب، وصَفْوَة الأحباب، أن أكتب لهم بالفارسية شرحًا (١) على ذلك الكتاب المستطاب، ليعمّ نفعُها الخواص والعوام، ويتيسر فهمُها بالكمال والتمام، فأجبتُ سُؤلَهم، وأسعفتُ مرامَهم ومأمولَهم، مع كون هذا الأمر الخطير محل الاعتذار والتقصير.\n_________\n(١) هو \"أشعة اللمعات في شرح المشكاة\".","vol":"1","page":87},{"text":"ولما شرعت فيه كان يظهر لي في أثناء المطالعة والنظر في شروح الكتاب معان ونكات لا يليق إدراجها في الشرح الفارسي، ولا يتيسر فهمها لبعض الأصحاب، وقد كانت تلك المعاني مما لا ينبغي أن يضيع ويهمل، وكانت مما يعدُّ من الغنائم ويؤخذ ويحمل، وقع في الخاطر أن لو وُضعَ شرحٌ باللسان العربي أيضًا لكان أولى وأنسب بالحال، وأقضى للمآب لأهل الفضل والكمال، ولكن كنت مدة مترددًا ومتحيرًا في ذلك لقلة البضاعة، وقصر الباع في هذه الصناعة، وضعف البينة، وقصور الهمة، وتعسر البلوغ إلى تلك النهمة، وأنّى لمثلي سلوك مثل هذا الطريق، والوصول إلى مقام التحقيق والتدقيق، ولكن اللَّه إذا أراد بعبد خيرًا سَهَّل له في طريقه، وأعانه بفضله، ويَسّر له الأمر بتوفيقه، ومن خرج له توقيعُ السعادة، جاءه المطلوب على حسب الإرادة، وقد سبقت العناية إلى المتخلف العاجز، فألحقه بمحض الفضل بالواصل الفائز، تلك قسمة أزلية، وموهبة سماوية، ولمحة ربانيّة، ونفحة صَمدانية، لا مانع لما أعطى، ولا مُعطي لما منع، إنه جواد كريم، ملك برّ رؤف وحيم، فانفسح القلب، وانشرح الصدر، وتصمم العزم، واتضح الأمر.\nفشرعت فيه أيضًا مستعينًا باللَّه، وسائلًا من فضله القديم، وكرمه العصم، أن يسهّل لذلك أيضًا التكميل والتتميم، فكانا يمشيان متقاربين متلاحقين، أو متسابقين، فتارة يسبق الفارسي لكونه سابقًا في الشروع، ويلحقه العربي لكونه حاويًا على الأصول والفروع، وأخرى يغلبه العربي لعلو درجته، ورفعة مرتبته، ولِمَا كان في الطبع إليه من الميلان، لمناسبته بأذهان كثير من الإخوان، فسبق العربي كالفرس الجواد، وأُبدع بي في سير الفارسي كما شاء اللَّه أو أراد، فتمّ العربي على الوجه المرجو والطريق المرغوب، والحمد للَّه معطي السؤال ومحصل المطلوب.\nفجاء بحمد اللَّه كتابًا حافلًا مشتملًا على فوائد شريفة، ونكات لطيفة، وتحقيقات","vol":"1","page":88},{"text":"عجيبة، وتدقيقات غريبة، ملتقطة من كتب العلماء والشارحين، وناشئة من فكري الفاتر ونظري القاصر أيها العبد المسكين، مبيّنًا لمعاني المفردات اللغوية، ومعربًا عن وجوه التركيبات النحوية، وحاويًا على الفوائد الحديثية، ومشتملًا على المسائل الفقهية، وذاكرًا طرق الرواية، ومشيرًا إلى وجوه الدراية، وضابطًا للألفاظ بالإعجام والإهمال، ومصححًا لأسماء الرجال، ولكن من غير ذكر الأحوال، والسبب في الإهمال في ذكر الأحوال، أنها إن ذكرت في موضع لم تحفظ في مواضع أُخر، وإن ذكرت في كل موضع ففيه من التكرير والتكثير ما يوجب التطويل والإملال، فكتبتها في كتاب على حدة جعلته كالتكملة للشرح، مشتملٍ على التوثيق والتوهين، والتعديل والجرح، إلا الضعفاء من الرواة الذين حكم المؤلف بضعفهم، فإني ذكرت أحواهم في الشرح ولم أخالطهم في الأقوياء والثقات.\nوكتبت مقدمة في بيان بعض مصطلحات الحديث ما يكفي في شرح الكتاب، ولم أرض في هذا الباب بالتطويل والإطناب، اكتفاءً بما سبق مني من مقدمة فارسية في شرح كتاب (سفر السعادة) (١)، من اللَّه الإبداء والإعادة.\nثم أوردت مما ذكر الشارح الأول (٢) -﵀- سوى بعض ما نقل من الشرّاح إلا قليلًا، والذي ذكرت منه شيئًا فما طوّله اختصرتُه، وما فضله أجملتُه، وما اختصره طولتُه، وما أجمله فصّلتُه تفصيلًا، ولا يخلو الأخذ والترك من كلامه عن تضمن رعاية معنى واعتبار، كما لا يخفى على من طالع بعين عبرة واستبصار.\nوقد نقلت إلى بعض المواضع من شرح شيخ شيوخنا في الحديث شهاب الدين\n_________\n(١) هو للعلامة اللغوي مجد الدين الفيروزآبادي، شرحه الشيخ عبد الحق الدهلوي فأحسن وأجاد.\n(٢) لعل المراد به العلامة الحسين بن عبد اللَّه بن محمد الطيبي المتوفى ٧٤٣ هـ.","vol":"1","page":89},{"text":"أحمد بن حجر الهيتمي المكي الصغير (١)، وذكرت فيه: كذا في شرح الشيخ، وشرحٍ آخر للأبهري (٢)، وقلت فيه: كذا في بعض الشروح، ومجموعة أخرى للشيخ محمد ابن طاهر الفتَّني الججراتي (٣)، مسمًّى بمجمع البحار، وأوردت فوائد من شرح الشيخ ابن حجر الكبير (٤) على (صحيح البخاري)، وأكثر ما أقول فيه: قال الشيخ، أو أقول:\n_________\n(١) هو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي السعدي الأنصاري الشافعي، ولد في رجب سنة: ٩٠٩ هـ في محلة أبي الهيتم من إقليم الغريبة بمصر المنسوب إليها. وتوفي سنة: ٩٧٥ هـ بمكة -زادها اللَّه شرفًا وتعظيمًا- وكان مقيمًا بها، وله تأليفات مفيدة منها \"شرح المشكاة\". انظر ترجمته في: \"شذرات الذهب\" (٨/ ٣٧٠)، و\"البدر الطالع\" للشوكاني (١/ ١٠٩)، و\"هدية العارفين\" (٥/ ١٤٦)، و\"معجم المؤلفين\" (١/ ٢٩٣).\n(٢) الشيخ العالم المحدث عبد العزيز الأبهري الشيخ عماد الدين الكاهاني السندي، كان من العلماء المبرزين في الحديث والفقهين، وصنف شرحًا على \"مشكاة المصابيح\" سماه \"منهاج المشكاة\"، وتعليقات شتى على الكتب الدرسية.\nوذكره الفاضل الجلبي في \"كشف الظنون\" وقال: إنه مات سنة: ٩٢٨ هـ، ولا يصح فأنه خرج من هرات في تلك السنة ومات بكاهان كما في \"المآثر\"، ولم أقف على سنة وفاته، انتهى ملخصًا. \"نزهة الخواطر\" (٤/ ٣٧٠).\n(٣) هو الشيخ العالم الكبير المحدث اللغوي العلامة مجد الدين محمد بن طاهر بن علي الحنفي الفتني الكجراتي، ولد سنة: ٩١٣ هـ بفتن من بلاد كجرات. وله مصنفات جليلة ممتعة أشهرها وأحسنها كتاب \"مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار\" في خمس مجلدات، طبع باشراف المحدث الكبير حبيب الرحمن الأعظمي، وتوفي مقتولًا مظلومًا سنة ٩٨٦ هـ ببلدة أُجّين، فنقلوا جسده إلى فتن ودفنوه بمقبرة أسلافه، انظر ترجمته في: \"نزهة الخواطر\" (٤/ ٤٠٩).\n(٤) هو شيخ الإسلام أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني، أبو الفضل شهاب الدين ابن حجر، من أئمة العلم والتاريخ، أصله من عسقلان (بفلسطين)، ومولده ووفاته بالقاهرة، ولد =","vol":"1","page":90},{"text":"كذا في (فتح الباري)، وقلت في مواضع عديدة: كذا في بعض الحواشي، من غير ذكر اسم قائلها على التعيين، وهي للسيد الفاضل النبيل الأصيل ميرك شاه (١) بن الأمير المحدث السيد جمال الدين (٢).\nولقد ذكرت فوائد شريفة، وفوائد نفسية، هي كالقلادة في نحر البيان، وكالجواهر في قلائد التبيان، من (مشارق الأنوار) (٣) للقاضي عياض المالكي (٤) اليحصبي لم يُر\n_________\n= في شعبان سنة ٧٧٣ هـ، وتوفي في ليلة السبت الثامن عشر من ذي الحجة سنة ٨٥٢ هـ. وله مؤلفات كثيرة مشهورة، منها \"فتح الباري\" و\"تهذيب التهذيب\" و\"لسان الميزان\" و\"الدرر الكامنة\" و\"التلخيص الحبير\" و\"بلوغ المرام من أدلة الأحكام\" وغيرها، انظر ترجمته في: \"الجواهر والدرر\" (١/ ٦٥)، و\"إنباء الغمر\" (١/ ١٠٢)، و\"الضوء اللامع\" (٢/ ٣٦)، و\"البدر الطالع\" (١/ ٩١ - ٩٢).\n(١) هو نسيم الدين محمد بن عطاء اللَّه الملقب بميرك شاه، كان من أعيان علماء عصره، تصدر على مسند التدريس والإفادة بعد أبيه، لم يذكر عنه تأليف ولم يعثر على سنة وفاته، كذا في هامش \"إتحاف النبيه\" (ص: ٧٨)، و\"روضة الصفا\" (٧/ ٨٣)، و\"ريحانة الأدب\" (٢/ ٤٦٧).\n(٢) هو السيد الأمير عطاء اللَّه بن الأمير فضل اللَّه الحسيني الهروي الشيرازي النيسابوري الملقب بجمال الدين، من أفاضل المحدثين في عصره، ومن المبرزين في علم الحديث، توفي سنة ١٠٠٠ هـ، له مؤلفات عديدة منها \"روضة الأحباب في سيرة النبي والآل والأحباب\" بالفارسية. انظر ترجمته في هامش: \"إتحاف النبيه\" (ص: ٧٨)، و\"روضة الصفا\" (٧/ ٨١)، و\"ريحانة الأدب\" (٢/ ٤٢٦). \"كشف الظنون\" (١/ ٩٢٢).\n(٣) \"مشارق الأنوار على صحاح الآثار\" في تفسير غريب الحديث المختص بالصحاح الثلاثة وهي \"الموطأ\"، و\"البخاري\"، و\"مسلم\" وهو كتاب مفيد جدًا، وقال الكتاني في \"الرسالة المستطرفة\" (ص: ١٥٥): هو كتاب لو وزن بالجوهر أو كتب بالذهب كان قليلًا فيه.\n(٤) هو الإِمَامُ، العَلَّامَةُ، الحَافِظُ الأَوْحَدُ، شَيْخُ الإِسْلَامِ، القَاضِي، أَبُو الفَضْلِ عياض بن موسى ابن عياض بن عمرو اليحصبي السبتي المالكي، عالم المغرب وإمام العلماء في وقته، وُلِدَ =","vol":"1","page":91},{"text":"مثلها في النفاسة في كتب الأعيان، وذكرت أشياء مفيدة من شرح كتاب الخرقي (١) في مذهب الإمام الجليل أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، ومن الحاوي (٢) وشرحه في مذهب الإمام العظيم محمد بن إدريس الشافعي، ومن رسالة ابن أبي زيد (٣) في مذهب الإمام الكبير مالك بن أنس الإمام الثاني.\nوقد تعرضت في مواضع الخلاف لتأييد مذهب الإمام الأعظم نعمان بن ثابت أبي حنيفة الكوفي (٤) من غير تعصب واعتساف، وأكثر ذلك من شرح (الهداية)، للشيخ\n_________\n= فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعِ مئَةٍ، وتُوُفِّيَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَخَمْسِ مئَةٍ، وله مصنفات جليلة، منها \"مشارق الأنوار\" و\"الشفا بتعريف حقوق المصطفى\" و\"ترتيب المدارك وتقريب المسالك في معرفة أعلام مذهب الإمام مالك\"، و\"الإكمال في شرح صحيح مسلم\" وغيرها. انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (٢٠/ ٢١٣)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٤/ ١٣٠٤)، و\"الديباج المذهب\" (٢/ ٤٦)، و\"شذرات الذهب\" (٤/ ٣٨)، و\"فهرس الفهارس\" (٢/ ٧٩٧).\n(١) اسمه \"مختصر الخرقي في فروع الحنبلية\" للشيخ أبي القاسم عمر بن الحسين الخرقي الحنبلي الدمشقي المتوفى سنة: ٣٣٤ هـ، شرحه موفق الدين عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي الحنبلي المتوفى سنة: ٦٢٠ هـ، وسماه \"المغني\". \"كشف الظنون\" (٢/ ١٦٢٦).\n(٢) يعني \"الحاوي الصغير في الفروع\"، للشيخ نجم الدين عبد الغفار بن عبد الكريم القزويني الشافعي المتوفى سنة: ٦٦٥ هـ، وهو من الكتب المعتبرة بين الشافعية، وله شروح كثيرة ذكرها في \"كشف الظنون\" (١/ ٦٢٠).\n(٣) رسالة ابن أبي زيد -في الفقه المالكي- للشيخ الإمام أبي محمد عبد اللَّه بن أبي زيد المالكي القيرواني المتوفى سنة: ٣٨٩ هـ. \"كشف الظنون\" (١/ ٨٤١).\n(٤) هو الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى الكوفي، أحد الأئمة الأربعة، واتفق المؤرخون -على وجه العموم- على أنه كان عجمي النسل من أبناء فارس الأحرار، ولد سنة ثمانين، وَذَهَبَ ثَابِتٌ إِلَى عَلِيٍّ -﵁- وَهُوَ صَغِيرٌ، فَدَعَا لَهُ بِالبَرَكَةِ فِيهِ وَفِي ذُرِّيته، وتوفي سنة مئة وخمسين عن سبعين سنة. انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (٦/ ٣٩٥)، و\"الوافي =","vol":"1","page":92},{"text":"المحقق والإمام المدقق كمال الدين بن الهمام (١)، حافظ الرواية، وصاحب الدراية، فإنه ﵀ قد أثبت مذهب أبي حنيفة بالأحاديث والآثار الصحيحة البواهر، وبلغ في هذا الأمر إلى أن كاد يقال: إن الشافعي من أصحاب الرأي، وأبا حنيفة من أصحاب الظواهر، ومما سنح لي على الإجمال من الدليل على كون مذهب الإمام أبي حنيفة موافقًا للحديث والأثر، موافقته لمذهب الإمام أحمد إلا ما قلّ وندر، ولا ريب أن مذهب الإمام مؤسَّس على الأحاديث الصحيحة والآثار الصريحة، وما ذكر في كتبنا من الدلائل العقلية والقياسات الفقهية إنما هي لترجيح بعض الأحاديث على بعض بالخصوص، وليس كما زعم المخالفون من قبيل القياس في مقابلة النصوص، وأيضًا ما يضعّفه الشافعية من بعض الأحاديث التي تمسك بها أبو حنيفة كما ذكر في الكتاب، فهو بضعف بعض الرواة الذين جاؤوا بعده، لا في الذين قبله، فهو عنده كان صحيحًا بلا شك وارتياب، ومن مذهب أبي حنيفة وجوب تقليد الصحابي فيما قال، والشافعي يقول: نحن رجال وهم رجال (٢)، وأبو حنيفة ﵀ يقدم أقسامًا من الحديث على القياس من غير خلاف ونزاع، فهو أكثر موافقةً للأحاديث، وأدخل وأثبت قدمًا في الاتِّباع.\n_________\n= بالوفيات\" (٦/ ٢٣)، و\"تاريخ ابن خلدون\" (٣/ ٢٠١)، و\"أعلام المحدثين\" للمحقق (ص: ٦٥ وما بعدها).\n(١) الشيخ الإمام كمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي، المعروف بابن الهمام، الحنفي، ولد تقريبًا سنة تسعين وسبع مئة، وتوفي في رمضان سنة إحدى وستين وثمان مئة، وله تصانيف، منها \"فتح القدير\" في شرح \"الهداية\"، و\"التحرير\" في أصول الفقه. انظر: \"كشف الظنون\" (٢/ ٢٠٣٤)، و\"حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة\" (١/ ٤٧٤)، و\"الفوائد البهية\" (ص: ١٨٠).\n(٢) انظر: \"حجة اللَّه البالغة\" (١/ ١٤٧).","vol":"1","page":93},{"text":"وإن هذا الشرح قد وقع فيه من الإطناب والتطويل ما يثقل حمله على أرباب الكسل، وتتعسر مطالعته والخوض فيه على بعض أصحاب التحصيل، وكنت أردت في بدء الأمر أن أسلك في هذا الشرح سبيل الاقتصار، ولا أكتب إلا ما يحتاج إليه في مطالعة الأحاديث على وجه الضرورة والاضطرار، ولكن لما منّ اللَّه سبحانه عليّ بغنائم فضله وإحسانه، وفتح عليّ خزائن جُوده وامتنانه على الإطلاق، ما أمسكت في إنفاقها على الطالبين متحرِّزًا بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ [الإسراء: ١٠٠].\nوما تركت حديثًا إلا شرحته وتكلمت فيه وإن قلّ، ضبطًا لأحاديث الكتاب، وتشرفًا لها، بخلاف طريق الشارح الأول، وقد ضبط الشارح الأحاديث بالأول والثاني، وكتب اسم الراوي في كل فصل من الفصول، ورقّمت أنا لعددها رومًا للاختصار، وكتبت اسم الصحابي في الهامش (١) على طريقة (جامع الأصول) (٢)، والتزمت في شرح تراجم الأبواب ذكر معانيها وأحكامها، مما فيه تحقيق ذلك المقام، فاندرجت في ذلك علوم جمة، وفوائد مهمة، بتوفيق الملك العلّام، وسميته بـ (لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح)، وأرجو من اللَّه أن يجعلني فيما عملت في هذا الشرح مأجورًا، ويجعل سعيي في سلوك طريق جمعه وتأليفه مشكورًا، ولا يضيع ما كابدت في الهواجر، وسهرت في الدياجر في الأيام والليالي، إنه لا يضيع أجر عمل عامل من الأداني والأعالي، وإني لا أسأل أحدًا على ذلك أجرًا، إن أجري إلا على اللَّه، وهو تعالى حَسْبُ من توكل عليه وكفاه، اللهم أغنِنا بفضلك عمن سواك، واجعلنا ممن أعطيته\n_________\n(١) تنبيه: لكن تسهيلًا للقارئ نحن كتبنا اسم الصحابي في الشرح عند بدء الحديث.\n(٢) هو للإمام أبي السعادات مبارك بن محمد المعروف بابن الأثير الجزري الشافعي المتوفى سنة: ٦٠٦ هـ. \"كشف الظنون\" (١/ ٥٣٥).","vol":"1","page":94},{"text":"إذا سأل، وأجبته إذا دعاك، واجعلنا من أفقر عبادك إليك، وأغنِنا عن الخلق اكتفاءً بفضلك وتوكلًا عليك.\nوالمأمول من اللَّه سبحانه أن ينفع به الطالبين، ويجعله مقبولًا لديه، وأن يجعله وسيلة لي في حضرة حبيبه، وسببًا لبياض الوجه عنده بشرح كلامه وإثبات سنته، وتجديد أمر دينه وتأييد ملته -ﷺ-، وأن يوفقني ثانيًا لإتمام الشرح الفارسي أيضًا، ويحفظ أوقاتي عن الضياع والتفرقة والفتور، إنه جواد كريم ملك برّ رؤف غفور شكور.\nوالمأمول من الأصحاب أن يُسبلوا ذيل العفو على خطيئاتي، ويُغمضوا الطرف بالعفو والصفح عن زلّاتي، وينظروا بعين العناية والإحسان، وَيعذروني فيما وقع من الخطأ، فإن الإنسان يساوق السهو والنسيان، وأن يردوا الفساد إلى الصلاح، والخطأ إلى الصواب، وباللَّه التوفيق، ومنه إلهام الحق، وإليه المرجع والمآب، والصلاة والسلام أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، على النبي الكريم، صاحب الخلق العظيم، والفضل المبين، وعلى آله وأصحابه وأتباعه وأحزابه أجمعين، هُداة طريق الحق، ومحيي علوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد اللَّه رب العالمين.\nثم اعلم أنه قد أجازني سيدي الشيخ عبد الوهاب وغيره من المشايخ أولي الألباب بجميع ما تجوز روايته منهم من الصحاح الست وغيرها من كتب الأحاديث وعلوم الدين، من كتب المتقدمين والمتأخرين، ودخل في عمومها كتاب (المشكاة)، ولكنه لم يتفق منهم الإجازة بخصوصية الأثبات، وقال شيخي بعد إتمام قراءتي إياه عليه: أجزناكم رواية هذا الكتاب كما أجازنا المشايخ من غير ذكر الإسناد، وما حصل لي روايته بخصوصيته بالإسناد، إلا من قبل الشيخ العالم العامل الفاضل الكامل، تذكرة السلف، بقية المحدثين، مولانا الشيخ حميد الدين السندي مولدًا، والمدني موطنًا،","vol":"1","page":95},{"text":"والمكي مدفنًا (١)، وهو من الشيخ الإمام الهمام خطيب المسجد النبوي -ﷺ- نور الدين علي بن عرَّاق (٢) رحمة اللَّه عليه رحمة واسعة، قال: أخبرنا به شيخنا أقضى القضاة شرف الدين عبد الكريم الرافعي إذنًا شفاهًا، عن الإمام أبي الفتح المراغي المدني (٣) إذنًا،\n_________\n(١) الشيخ الإمام العالم العلامة المحدث حميد الدين بن عبد اللَّه بن إبراهيم الحنفي العمري السندي المهاجر إلى مكة المشرفة، ولد ونشأ ببدربيله من بلاد السند، وقرأ العلم ورحل إلى الحرمين المحترمين مع والده، وأخذ الحديث بها عن الشيخ أبي الحسن الشافعي البكري، والشيخ أحمد بن حجر المكي، والشيخ نور الدين علي بن عرَّاق الخطيب بالمدينة المنورة، والشيخ نجم الدين محمد بن أحمد الغيطي المصري، والشيخ محمد سالم الطبلاوي المصري، والشيخ محمد العلقمي الشافعي المصري والشيخ عبد القادر الحنفي المصري وغيرهم من كبار المشايخ، وأخذ عنه الشيخ محمد بن أحمد بن العجل أبو الوفاء اليمني، والشيخ عبد الرحمن بن عيسى العمري المرشدي مفتي الحرم الشريف بمكة المباركة، والشيخ عبد الحق بن سيف الدين الدهلوي وخلق آخرون. وقال محمد بن فضل اللَّه المحبي في \"خلاصة الأثر\" (٢/ ٢٤): إنه كان صوفي الأخلاق، كثير الخوف، خشن العيش، حسن العشرة، ولم يزل بمكة إلى أن توفي، وكانت وفاته سنة تسع بعد الألف، وعمره نحو تسعين سنة، ودفن بالمعلاة بجنب قبر أخيه، ومدة إقامته بمكة تسع سنين، انتهى ملخصًا. \"نزهة الخواطر\" (٥/ ٥٢٤).\n(٢) الظاهر هو صاحب \"تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأخبار الشنيعة الموضوعة\" الشيخ علي بن محمد بن عراق الكناني خطيب مسجد النبي -ﷺ-، ولد سنة ٩٠٧ هـ، وتوفي سنة ثلاث وستين وتسع مئة، انظر: \"هدية العارفين\" (١/ ٣٩٦)، و\"أبجد العلوم\" (٣/ ١٦٢)، و\"الكواكب السائرة\" (ص: ٣١٢)، و\"معجم المؤلفين\" (٧/ ٢١٨)، و\"الأعلام\" (٥/ ١٢).\n(٣) هو أبو الفتح محمد بن أبي بكر بن الحسين، شرف الدين، القرشي العثماني المراغي القاهري الأصل، فقيه عارف بالحديث، ولد في أواخر سنة خمس وسبعين وسبع مئة بالمدينة، وتوفي بمكة ليلة الأحد سادس عشر المحرم سنة تسع وخمسين وثمان مئة، من آثاره: \"المشرع الروي في شرح منهاج النووي\" أربع مجلدات، و\"تلخيص أبي الفتح لمقاصد الفتح\" اختصر به =","vol":"1","page":96},{"text":"وإن لم يكن سماعًا لبعضه، قال: أخبرني به والدي قاضي طيبة أبو بكر بن الحسين المراغي (١)، أخبرنا به العلامة إمام الدين علي بن مبارك شاه الصديقي (٢) قال: أخبرنا به مؤلفه الخطيب أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه العمري التبريزي قراءة لجميعه، وإجازة لما تجدد إلحاقه بعد القراءة.\n* * *\n_________\n= \"فتح الباري\" لابن حجر في نحو أربع مجلدات أيضًا، ولد ٧٧٥ هـ، وتوفي ٨٥٩ هـ، انظر: \"البدر الطالع\" (٢/ ١٤٠)، و\"الضوء اللامع\" (٣/ ٤٦٤)، و\"الأعلام\" (٦/ ٢٨٣).\n(١) هو أبو بكر بن الحسين بن أبي حفص عمر القرشي العبشمي الأموي العثماني المراغي المصري الشافعي نزيل المدينة المنورة، زين الدين، وكنيته أبو محمد، ويقال: اسمه عبد اللَّه، والمشهور أن اسمه كنيته، ولد بالقاهرة سنة ٧٢٧ هـ، ومات بالمدينة سنة ٨١٦ هـ، له \"تحقيق النصرة بتلخيص معالم دار الهجرة\" في تاريخ المدينة، و\"روائح الزهر\" اختصر به \"الزهر الباسم\" في السيرة النبوية لمغلطاي، و\"الوافي\" أكمل به شرح شيخه الأسنوي للمنهاج، وغير ذلك. انظر: \"الضوء اللامع\" (٥/ ٢٣٢)، و\"الأعلام\" (٦/ ٢٨٣).\n(٢) الشيرازي، ولد سنة ٧٠٩ هـ، وسمع من الحَافِظ المزي وَغَيره، قال ابن الجزري: كان إمامًا علامة جمع بين العلم والعمل، ورجع إلى شيراز بعلم كثير وشهر السنة بها، ولم يؤرخ وفاته. \"الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة\" (٤/ ١١٥).","vol":"1","page":97},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>مُقَدِّمَةٌ فِي بَيَانِ بَعْضِ مُصْطَلَحَاتِ عِلْمِ الحدِيثِ مِمَّا يَكْفِيْ فِي شَرْحِ الكِتَابِ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيْلٍ وإِطْنَابٍ</span>\n* <span data-type=\"title\" id=toc-51>[تَعْرِيف الحَدِيث]:</span>\nاعلم أن الحديث في اصطلاح جمهور المحدثين يطلق على قول النبي -ﷺ- وفعله وتقريره.\nومعنى التقرير: أنه فَعَلَ أحدٌ أو قال شيئًا في حضرته -ﷺ-، ولم ينكره ولم ينهه عن ذلك بل سكت وقرر.\nوكذلك يطلق -الحديث- على قول الصحابي وفعله وتقريره، وعلى قول التابعي وفعله وتقريره.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-52>[الْمَرْفُوع]:</span>\nفَمَا انْتهى إِلَى النَّبِي -ﷺ- يُقَال لَهُ الْمَرْفُوع.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-53>[الْمَوْقُوف]:</span>\nوَمَا انْتهى إِلَى الصَّحَابِيّ يُقَال لَهُ الْمَوْقُوف، كَمَا يُقَال: قَالَ، أَو فعل، أَو قرر ابْن عَبَّاس، أَو عَن ابْن عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا، أَو مَوْقُوف على ابْن عَبَّاس.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-54>[الْمَقْطُوع]:</span>\nوَمَا انْتهى إِلَى التَّابِعِيّ يُقَال لَهُ الْمَقْطُوع.","vol":"1","page":98},{"text":"* <span data-type=\"title\" id=toc-55>[الحَدِيث والأثر]:</span>\nوَقد خصص بَعضهم الحَدِيث بالمرفوع وَالْمَوْقُوف، إِذ الْمَقْطُوع يُقَال لَهُ: الأَثر، وَقد يُطلق الأَثر على الْمَرْفُوع أَيْضا كَمَا يُقَال: الأَدْعِية المأثورة، لما جَاءَ من الأَدْعِيَة عَن النَّبِي -ﷺ-.\nوالطحاوي (١) سمى كتابه المشتمل على بيان الأحاديث النبوية وآثار الصحابة بـ (شرح معاني الآثار)، وقال السخاوي (٢): إن للطبري (٣) كتابًا مسمًّى بـ (تهذيب\n_________\n(١) هو الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي المصري الطحاوي الحنفي، ابن أخت المزني، المولود سنة ٢٢٩ هـ، والمتوفى سنة ٣٢١ هـ، برع في الفقه والحديث، وصنف مؤلفات كثيرة منها \"شرح معاني الآثار\" و\"مشكل الآثار\" و\"أحكام القرآن\" وغيرها. انظر ترجمته في: \"أعلام المحدثين\" للمحقق (ص: ٢٩١)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٥/ ٢٩)، و\"العبر\" (٢/ ١١)، و\"طبقات السيوطي\" (ص: ٣٣٧)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ٨٠٩)، و\"وفيات الأعيان\" (١/ ٧٢).\n(٢) هو محمد بن عبد الرحمن بن محمد، شمس الدين السخاوي، مؤرخ وعالم بالحديث والتفسير والأدب، أصله من \"سخا\" قرية من قرى مصر، ولد في القاهرة سنة ٨٣١ هـ، وتوفي بالمدينة سنة ٩٠٢ هـ، ١٤٩٧ م، لازم الحافظ ابن حجر وتخرج عليه، وصنف زهاء مئتي كتاب أشهرها \"الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع\" و\"فتح المغيث شرح ألفية الحديث\" و\"المقاصد الحسنة\" و\"الإعلام بالتوبيخ لمن ذم التاريخ\" و\"الجواهر والدرر\" في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني وغير ذلك، انظر ترجمته في: \"الضوء اللامع\" (٤/ ٦٣)، و\"فهرس الفهارس والأثبات\" (٢/ ٩٨٩)، و\"معجم المؤلفين\" (١٠/ ١٥٠)، و\"الأعلام\" (١٠/ ١٩٤).\n(٣) هو الإمام العالم المفسر المؤرخ أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد الطبري، ولد سنة ٢٢٤ هـ، وتوفي سنة ٣١٠ هـ، وَصَنَّفَ تَصَانِيف حسنَةً أبرزها \"تاريخ الرسل والملوك\" و\"جامع البيان في تفسير القرآن\" و\"تهذيب الآثار\" وغير ذلك. قال أبو بكر بن كامل البغدادي الحافظ: لم أر بعد أبي جعفر أجمع للعلم وكتب العلماء ومعرفة اختلاف الفقهاء وتمكنه في العلم منه، انظر: =","vol":"1","page":99},{"text":"الآثار) مع أنه مخصوص بالمرفوع، وما ذكرى فيه من الموقوف فبطريق التبع والتطفل.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-56>[الْخَبَر والحَدِيث]:</span>\nوالخبر والحديث في المشهور بمعنى واحد، وبعضهم خصوا الحديث بما جاء عن النبي -ﷺ- والصحابة والتابعين، والخبر بما جاء عن أخبار الملوك والسلاطين والأيام الماضية، ولهذا يقال لمن يشتغل بالسنة: محدث، ولمن يشتغل بالتواريخ: أخباري.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-57>[الرّفْع قِسْمَانِ صَرِيح وحكمي]:</span>\nوالرفع قد يكون صريحًا وقد يكون حكمًا.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-58>[القولي الصَّرِيح]:</span>\nأما صريحًا ففي القولي كقول الصحابي: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول كذا، أو كقوله أو قول غيره: قال رسول اللَّه -ﷺ-، أو: عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال كذا.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-59>[الفِعْلِيّ الصَّرِيح]:</span>\nوفي الفعلي كقول الصحابي: رأيت رسول اللَّه -ﷺ- فعل كذا، أو عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه فعل كذا، أو عن الصحابي أو غيره مرفوعًا أو رفعه أنه فعل كذا.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-60>[التقريري الصَّرِيح]:</span>\nوفي التقريري أن يقول الصحابي أو غيره: فعل فلان أو أحد بحضرة النبي -ﷺ- كذا، ولا يذكر إنكاره.\n_________\n= \"تاريخ بغداد\" (٢/ ١٦٢)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٤/ ١٦٧)، و\"العبر\" (١/ ٤٦١)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٧١٠).","vol":"1","page":100},{"text":"* <span data-type=\"title\" id=toc-61>[القولي الْحكمِي]:</span>\nوأما حكمًا فكإخبار الصحابي -الذي لم يخبر عن الكتب المتقدمة- ما لا مجال فيه للاجتهاد عن الأحوال الماضية كأخبار الأنبياء وأممهم، والإخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق، أو الآتية كالملاحم والفتن وأهوال يوم القيامة، أو عن ترتب ثواب مخصوص أو عقاب مخصوص على فعل، فإنه لا سبيل إليه إلا السماع عن النبي -ﷺ-.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-62>[الْفعْلِيّ الْحكمِي]:</span>\nأو يفعل الصحابي ما لا مجال للاجتهاد فيه.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-63>[التقريري الْحكمِي]:</span>\nأو يخبر الصحابي بأنهم كانوا يفعلون كذا في زمان النبي -ﷺ-؛ لأن الظاهر اطِّلاعه -ﷺعلى ذلك ونزول الوحي به، أو يقولون: من السنة كذا؛ لأن الظاهر أن السنة سنة رسول اللَّه -ﷺ-، وقال بعضهم: إنه يحتمل سنة الصحابة وسنة الخلفاء الراشدين، فإن السنة تطلق عليه.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>فصل</span>\n* <span data-type=\"title\" id=toc-65>[السَّنَد]:</span>\nالسند: طريق الحديث، وهو رجاله الذين رووه.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-66>[الإِسْنَاد]:</span>\nوالإسناد بمعناه، وقد يجيء بمعنى ذكر السند والحكاية عن طريق<span data-type=\"title\" id=toc-67> المتن</span>.\n\n* [الْمَتْن]:\nوالمتن ما انتهى إليه الإسناد.","vol":"1","page":101},{"text":"* <span data-type=\"title\" id=toc-68>[الْمُتَّصِل]:</span>\nفإن لم يسقط راو من الرواة من البين فالحديث متصل، ويسمى عدم السقوط اتصالًا.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-69>[الْمُنْقَطع]:</span>\nوإن سقط واحد أو أكثر فالحديث منقطع، وهذا السقوط انقطاع.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-70>[الْمُعَلق]:</span>\nوالسقوط إما أن يكون من أول السند ويسمّى معلّقًا، وهذا الإسقاط تعليقًا، والساقط قد يكون واحدًا، وقد يكون أكثر، وقد يحذف تمام السند، كما هو عادة المصنفين يقولون: قال رسول اللَّه -ﷺ-.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-71>[تعليقات البُخَارِيّ]:</span>\nوالتعليقات كثيرة في تراجم (صحيح البخاري) ولها حكم الاتصال؛ لأنه التزم في هذا الكتاب أن لا يأتي إلا بالصحيح، ولكنها ليست في مرتبة مسانيده، إلا ما ذكر منها مسندًا في موضع آخر من كتابه.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-72>[حكم التَّعْلِيق بِصِيغَة الْمَعْلُوم والمجهول]:</span>\nوقد يفرق فيها بأن ما ذكر بصيغة الجزم والمعلوم كقوله: \"قال فلان\" أو: \"ذكر فلان\" دلّ على ثبوت إسناده عنده فهو صحيح قطعًا، وما ذكره بصيغة التمريض والمجهول كـ \"قيل، ويقال، وذُكِرَ\" ففي صحته عنده كلام، ولكنه لما أورده في هذا الكتاب كان له أصل ثابت، ولهذا قالوا: تعليقات البخاري متصلة صحيحة (١).\n_________\n(١) انظر: \"هدي الساري\" (ص: ١٩).","vol":"1","page":102},{"text":"* <span data-type=\"title\" id=toc-73>[الْمُرْسل]:</span>\nوإن كان السقوط من آخر السند فإن كان بعد التابعي فالحديث مرسل، وهذا الفعل إرسال، كقول التابعي: قال رسول اللَّه -ﷺ-، وقد يجيء عند المحدثين المرسل والمنقطع بمعنًى، والاصطلاح الأول أشهر.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-74>[حكم الْمُرْسل]:</span>\nوحكم المرسل التوقف عند جمهور العلماء، لأنه لا يُدرى أن الساقط ثقة أو لا؛ لأن التابعي قد يروي عن التابعي، وفي التابعين ثقات وغير ثقات.\nوعند أبي حنيفة ومالك: المرسل مقبول مطلقًا، وهم يقولون: إنما أرسله لكمال الوثوق والاعتماد؛ لأن الكلام في الثقة، ولو لم يكن عنده صحيحًا لم يرسله، ولم يقل: قال رسول اللَّه -ﷺ-.\nوعند الشافعي إن اعتضد بوجه آخر مرسلٍ أو مسند وإن كان ضعيفًا قُبِلَ، وعن أحمد قولان.\nوهذا كله إذا علم أن عادة ذلك التابعي أن لا يرسل إلا عن الثقات، وإن كانت عادته أن يرسل عن الثقات وعن غير الثقات، فحكمه التوقف بالاتفاق، كذا قيل، وفيه تفصيل أزيد من ذلك ذكره السخاوي في شرح (الألفية) (١).\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-75>[المعضل]:</span>\nوإن كان السقوط من أثناء الإسناد، فإن كان الساقط اثنين متواليًا يسمّى مُعضَلًا -بفتح الضاد-.\n_________\n(١) \"فتح المغيث بشرح ألفية الحديث\" (١/ ١٢٩ وما بعدها)، وانظر: \"ظفر الأماني\" (ص: ٣٤٩ وما بعدها).","vol":"1","page":103},{"text":"* <span data-type=\"title\" id=toc-76>[الْمُنْقَطع]:</span>\nوإن كان واحدًا أو أكثر من غير موضع واحد يسمى منقطعًا، وعلى هذا يكون المنقطع قسمًا من غير المتصل، وقد يطلق المنقطع بمعنى غير المتصل مطلقًا شاملًا لجميع الأقسام، وبهذا المعنى يجعل مقسَّمًا.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-77>[طَرِيق معرفَة الانْقِطَاع]:</span>\nويُعرف الانقطاع وسقوط الراوي بمعرفة عدم الملاقاة بين الراوي والمروي عنه، إما لعدم المعاصرة أو لعدم الاجتماع والإجازة عنه، بحكم علم التاريخ المبين لمواليد الرواة ووفياتهم وتعيين أوقات طلبهم وارتحالهم، وبهذا صار علم التاريخ أصلًا وعمدة عند المحدثين.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-78>[المدلس]:</span>\nومن أقسام المنقطع المدلَّس -بضم الميم وفتح اللام المشددة-، ويقال لهذا الفعل: \"التدليس\" ولفاعله: \"مدلِّس\" بكسر اللام.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-79>[تَعْرِيف التَّدْلِيس اصْطِلاحًا]:</span>\nوصورته: أن لا يسمي الراوي شيخه الذي سمعه منه، بل يروي عمن فوقه بلفظ يوهم السماع ولا يقع كذبًا، كما يقول: عن فلان، وقال فلان.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-80>[تَعْرِيف التَّدْلِيس لُغَة]:</span>\nوالتدليس في اللغة: كتمان عيب السلعة في البيع، وقد يقال: إنه مشتق من الدلس، وهو اختلاط الظلام واشتداده.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-81>[وَجه التَّسْمِيَة بِهِ]:</span>\nسمي به لاشتراكهما في الخفاء.","vol":"1","page":104},{"text":"* <span data-type=\"title\" id=toc-82>[حكم المدلِّس]:</span>\nقال الشيخ (١): وحكم من ثبت عنه التدليس أن لا يقبل منه إلا إذا صرّح بالتحديث.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-83>[حكم التَّدْلِيس]:</span>\nقال الشُّمُنِّي (٢): التدليس حرام عند الأئمة، رُوي عن وكيع أنه قال: لا يحل تدليس الثوب فكيف بتدليس الحديث، وبالغ شعبة في ذمه.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-84>[حكم رِوَايَة المدلس]:</span>\nوقد اختلف العلماء في قبول رواية المدلِّس، فذهب فريق من أهل الحديث والفقه إلى أن التدليس جَرح، وأنّ من عُرف به لا يُقبل حديثه مطلقًا، وقيل: يقبل، وذهب الجمهور إلى قبول تدليس من عُرف أنه لا يدلّس إلا عن ثقة كابن عيينة، وإلى ردّ من كان يدلّس عن الضعفاء وغيرهم حتى ينصّ على سماعه بقوله: سمعت أو حدثنا أو أخبرنا.\n_________\n(١) أي الحافظ ابن حجر العسقلاني.\n(٢) هو الإمام المحدث تقي الدين أبو العباس أحمد بن محمد بن محمد الحنفي الشُّمُنِّي -بضم المعجمة والميم وتشديد النون-، ولد في العشر الأخيرة من رمضان سنة: ٨٠١ هـ، وتوفي في سابع عشر ذي الحجة سنة: ٨٧٢ هـ.\nقال السيوطي في \"حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة\" (١/ ٤٧٤): قدوة عين الزمان وإنسانها، وواحد عصره في العلوم بحيث خضعت له رجالها وفرسانها، وشجرة المعارف التي طاب أصلها فزكت فروعها وأغصانها، ورياض الآداب التي فاضت ينابيعها، وفاحت زهورها، وتنوعت أفناؤها، وصنف حاشية على \"مغني اللبيب\"، وحاشية على \"الشفا\" و\"شرح النقاية\" في الفقه، وغير ذلك. انظر: \"الفوائد البهية\" (ص: ٣٧)، و\"البدر الطالع\" (١/ ١١٣)، و\"الضوء اللامع\" (١/ ٣٧٢).","vol":"1","page":105},{"text":"* <span data-type=\"title\" id=toc-85>[أَسبَاب التَّدْلِيس]:</span>\nوالباعث على التدليس قد يكون لبعض الناس غرض فاسد، مثل إخفاء السماع من الشيخ لصغر سنّه، أو عدم شهرته وجاهه عند الناس.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-86>[تَدْلِيس الأكابر]:</span>\nوالذي وقع من بعض الأكابر ليس لمثل هذا، بل من جهة وثوقهم بصحة الحديث واستغنائهم بشهرة الحال.\nقال الشُّمُنِّي: يحتمل أن يكون قد سمع الحديث من جماعة من الثقات وعن ذلك الرجل، فاستغنى بذكره عن ذكر أحدهم أو ذكر جميعهم لتحققه بصحة الحديث فيه كما يفعل المرسِل.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-87>[المضطرب]:</span>\nوإن وقع في إسناد أو متن اختلاف من الرواة بتقديم أو تأخير، أو زيادة أو نقصان، أو إبدال راو مكان راو آخر، أو متن مكان متن، أو بتصحيف في أسماء السند أو أجزاء المتن، أو باختصار أو حذف، أو مثل ذلك، فالحديث مضطرب.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-88>[حكم المضطرب من الرِّوَايَات]:</span>\nفإن أمكن الجمع فبها وإلا فالتوقف.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-89>[المدرج]:</span>\nوإن أدرج الراوي كلامه أو كلام غيره من صحابي أو تابعي مثلًا لغرض من الأغراض كبيان اللغة، أو تفسير للمعنى، أو تقييد للمطلق، أو نحو ذلك، فالحديث مدرج.","vol":"1","page":106},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-90> تَنْبِيه:</span>\n* <span data-type=\"title\" id=toc-91>[الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى]:</span>\nوهذا المبحث ينجرّ إلى رواية الحديث ونقله بالمعنى، وفيه اختلاف، فالأكثرون على أنه جائز ممن هو عالم بالعربية، وماهر في أساليب الكلام، وعارف بخواص التراكيب ومفهومات الخطاب لئلا يخطئ بزيادة ونقصان. وقيل: جائز في مفردات الألفاظ دون المركبات. وقيل: جائز لمن استحضر ألفاظه حتى يتمكن من التصرف فيه. وقيل: جائز لمن يحفظ معاني الحديث ونسي ألفاظها للضرورة في تحصيل الأحكام، وأما من استحضر الألفاظ فلا يجوز له لعدم الضرورة، وهذا الخلاف في الجواز وعدمه.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-92>[رِوَايَة اللَّفْظ أولى]:</span>\nأما أولوية رواية اللفظ من غير تصرف فيها فمتفق عليه، لقوله -ﷺ-: \"نضر اللَّه امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمع\" (١) الحديث، والنقل بالمعنى واقع في الكتب الستة وغيرها.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-93>[العنعنة]:</span>\nوالعنعنة رواية الحديث بلفظ: عن فلان عن فلان.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-94>[المعنعَن]:</span>\nوالمعنى حديث روي بطريق العنعنة.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-95>[شُرُوط العنعنة]:</span>\nويشترط في العنعنة المعاصرة عند مسلم، واللُّقي عند البخاري، والأخذ عند قوم\n_________\n(١) أخرج نحوه أبو داود (٣٦٦٢)، والترمذي (٢٦٥٦)، وابن ماجه (٢٣٦).","vol":"1","page":107},{"text":"آخرين، ومسلم (١) ردّ على الفريقين أشد الرد وبالغ فيه، وعنعنة المدلس غير مقبول.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-96>[الْمسند]:</span>\nوكل حديث مرفوع سنده متصل فهو مسند، هذا هو المشهور المعتمد عليه، وبعضهم يسمّي كل متصل مسندًا وإن كان موقوفًا أو مقطوعًا، وبعضهم يسمّي المرفوع مسندًا وإن كان مرسلًا أو معضلًا أو منقطعًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>فَصْلٌ</span>\nومن أقسام الحديث: الشاذ و<span data-type=\"title\" id=toc-100>المنكر </span>والمعلل.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-98>[الشاذ لُغَة]:</span>\nوالشاذ في اللغة: من تفرّد من الجماعة وخرج منها.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-99>[الشاذ اصْطِلَاحًا]:</span>\nوفي الاصطلاح: ما روي مخالفًا لما رواه الثقات (٢)، فإن لم يكن راويه ثقة فهو مردود، وإن كان ثقة فسبيله الترجيح بمزيد حفظٍ وضبطٍ أو كثرة عدد ووجوهٍ أُخر من الترجيحات، فالراجح يسمّى محفوظًا، والمرجوح شاذًا.\n\n* [الْمُنكر]:\nوالمنكر: حديث رواه ضعيف مخالف لمن هو أضعف منه (٣).\n_________\n(١) انظر: مقدمة \"صحيح مسلم\" (١/ ٢٩).\n(٢) وفي \"توجيه النظر\" (١/ ٥١٥): وَالْمُعْتَمد فِي حد الشاذ بِحَسب الاِصْطِلَاح: أَنه مَا يرويهِ الثِّقَة مُخَالفًا لمن هُوَ أرجح مِنْهُ.\n(٣) وفي \"توجيه النظر\" (١/ ٥١٥): وَالْمُعْتَمد فِيهِ بِحَسب الاِصْطِلَاح: أَنه مَا يرويهِ غير الثِّقَة =","vol":"1","page":108},{"text":"* <span data-type=\"title\" id=toc-101>[الْمَعْرُوف]:</span>\nومقابله المعروف.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-102>[حكم الْمَعْرُوف وَالْمُنكر والشاذ وَالْمَحْفُوظ]:</span>\nفالمنكر والمعروف راويهما ضعيف وأحدهما أضعف من الآخر، وفي الشاذ والمحفوظ قوي، أحدهما أقوى من الآخر، والشاذ والمنكر مرجوحان، والمحفوظ والمعروف راجحان.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-103>[تَعْرِيف آخر للشاذ]:</span>\nوبعضهم لم يشترطوا في الشاذ والمنكر قيد المخالفة لراو آخر قويًّا كان أو ضعيفًا، وقالوا: الشاذ: ما رواه الثقة وتفرّد به، ولا يوجد له أصل موافق ومعاضد له، وهذا صادق على فرد ثقة صحيح.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-104>[تَعْرِيف ثَالِث للشاذ]:</span>\nوبعضهم لم يعتبروا الثقة ولا المخالفة، وكذلك المنكر لم يخصوه بالصورة المذكورة، وسمّوا حديث المطعون بفسق أو فرطِ غفلةٍ وكثرةِ غلطٍ منكرًا.\nوهذه اصطلاحات لا مشاحة فيها.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-105>[الْمُعَلل]:</span>\nوالمعلل -بفتح اللام- إسناد فيه علل وأسباب غامضة خفية قادحة في الصحة يتنبه لها الحذاق المهرة من أهل هذا الشأن، كإرسال في الموصول ووقف في المرفوع ونحو ذلك، وقد تقتصر عبارة المعلل -بكسر اللام- عن إقامة الحجة على دعواه كالصَّيْرفي في نقد الدينار والدرهم.\n_________\n= مُخَالفًا لمن هُوَ أرجح مِنْهُ.","vol":"1","page":109},{"text":"* <span data-type=\"title\" id=toc-106>[المتابع]:</span>\nوإذا روى راوٍ حديثًا، وروى راوٍ آخر حديثًا موافقًا له، يسمّى هذا الحديث متابعًا -بصيغة اسم الفاعل-.\nوهذا معنى ما يقول المحدثون: تابعه فلان، وكثيرًا ما يقول البخاري في \"صحيحه\"، ويقولون: وله متابعات.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-107>[فَائِدَة الْمُتَابَعَة]:</span>\nوالمتابعة توجب التقوية والتأييد.\nولا يلزم أن يكون المتابع مساويًا في المرتبة للأصل، وإن كان دونه يصلح أيضًا للمتابعة.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-108>[دَرَجَات الْمُتَابَعَة]:</span>\nوالمتابعة قد تكون في نفس الراوي، وقد تكون في شيخ فوقه، والأول أتم وأكمل من الثاني؛ لأن الوهن في أول الإسناد أكثر وأغلب.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-109>[مَتى يسْتَعْمل \"مثله\" و\"نحوه</span>\"]:\nوالمتابع إن وافق الأصل في اللفظ والمعنى يقال: مثله، وإن وافق في المعنى دون اللفظ يقال: نحوه.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-110>[شَرط الْمُتَابَعَة]:</span>\nويشترط في المتابعة أن يكون الحديثان من صحابي واحد.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-111>[الشَّاهِد]:</span>\nوإن كانا من صحابيين يقال له: شاهد، كما يقال: له شاهدٌ من حديث أبي هريرة، ويقال: له شواهد، ويشهد به حديث فلان.","vol":"1","page":110},{"text":"* <span data-type=\"title\" id=toc-112>[تَعْرِيف آخر للمتابع وَالشَّاهِد]:</span>\nوبعضهم يخصون المتابعة بالموافقة في اللفظ، والشاهد في المعنى، سواء كان من صحابي واحد أو من صحابيين.\nوقد يطلق الشاهد والمتابع بمعنى واحد والأمر في ذلك بيّن.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-113>[الاعْتِبَار]:</span>\nوتتبع طرق الحديث وأسانيدها لقصد معرفة المتابع والشاهد يسمى الاعتبار.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>فَصْلٌ</span>\nوأصل أقسام الحديث ثلاثة: صحيح وحسن وضعيف، ف<span data-type=\"title\" id=toc-115>الصحيح </span>أعلى مرتبة، والضعيف أدنى، والحسن متوسط، وسائر الأقسام التي ذكرت داخلة في هذه الثلاثة.\n\n* [الصَّحِيح]:\nفالصحيح ما ثبت بنقلِ عدلٍ تامِّ الضبط غير معلَّلٍ ولا شاذٍّ.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-116>[الصَّحِيح لذاته]:</span>\nفإن كانت هذه الصفات على وجه الكمال والتمام فهو الصحيح لذاته.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-117>[الصَّحِيح لغيره]:</span>\nوإن كان فيه نوع قصور، ووجد ما يَجبر ذلك القصور من كثرة الطرق، فهو الصحيح لغيره.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-118>[الْحسن لذاته]:</span>\nوإن لم يوجد فهو الحسن لذاته.","vol":"1","page":111},{"text":"* <span data-type=\"title\" id=toc-119>[الضَّعِيف]:</span>\nوما فقدت فيه الشرائط المعتبرة في الصحيح كلًّا أو بعضًا فهو الضعيف.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-120>[الْحسن لغيره]:</span>\nوالضعيف إن تعدد طرقه، وانجبر ضعفه، يسمّى حسنًا لغيره.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-121>[النُّقْصَان المُعْتَبر فِي الْحسن]:</span>\nوظاهر كلامهم أنه يجوز أن يكون جميع الصفات المذكورة في الصحيح ناقصًا في الحسن، لكن التحقيق أن النقصان الذي اعتبر في الحسن إنما هو بخفة الضبط وباقي الصفات بحالها.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-122>[الْعَدَالَة]:</span>\nوالعدالة ملكة في الشخص تحمله على ملازمة<span data-type=\"title\" id=toc-123> التقوى </span>و<span data-type=\"title\" id=toc-124>المروءة</span>.\n\n* [التَّقْوَى]:\nوالمراد بالتقوى اجتناب الأعمال السيّئة من الشرك والفسق والبدعة، وفي الاجتناب عن الصغيرة خلاف، والمختار عدم اشتراطه؛ لخروجه عن الطاقة، إلا الإصرار عليها لكونه كبيرة.\n\n* [الْمُرُوءَة]:\nوالمراد بالمروءة التنزه عن بعض الخسائس والنقائص التي هي خلاف مقتضى الهمّة والمروءة، مثل بعض المباحات الدنيئة كالأكل والشرب في السوق، والبول في الطريق، وأمثال ذلك.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-125>[عدل الرِّوَايَة أَعم من عدل الشَّهَادَة]:</span>\nوينبغي أن يعلم أن عدل الرواية أعم من عدل الشهادة، فإن عدل الشهادة","vol":"1","page":112},{"text":"مخصوص بالحر، وعدل الرواية يشتمل الحر والعبد.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-126>[الضَّبْط]:</span>\nوالمراد بالضبط حفظ المسموع وتثبيته من الفوات والاختلال بحيث يتمكن من استحضاره. وهو قسمان: ضبط الصدر وضبط الكتاب، فضبط الصدر بحفظ القلب ووعيه. وضبط الكتاب بصيانته عنده إلى وقت الأداء.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>فَصْلٌ</span>\n* <span data-type=\"title\" id=toc-128>[وُجُوه الطعْن الْمُتَعَلّقَة بِالْعَدَالَةِ]:</span>\nأما العدالة فوجوه الطعن المتعلقة بها خمس: الأول بالكذب، والثاني باتهامه بالكذب، والثالث بالفسق، والرابع بالجهالة، والخامس بالبدعة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>[١ - الْكَذِب]:</span>\nوالمراد بكذب الراوي أنه ثبت كذبُهُ في الحديث النبوي -ﷺ- إما بإقرار الواضع أو بغير ذلك من القرائن.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-130>[الْمَوْضُوع]:</span>\nوحديث المطعون بالكذب يسمى موضوعًا.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-131>[حكم متعمد الْكَذِب]:</span>\nومن ثبت عنه تعمد الكذب في الحديث وإن كان وقوعه في العمر مرة، وإن تاب من ذلك لم يقبل حديثه أبدًا، بخلاف شاهد الزور إذا تاب.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-132>[المُرَاد بالموضوع]:</span>\nفالمراد بالحديث الموضوع في اصطلاح المحدثين هذا، لا أنه ثبت كذبه وعُلِمَ","vol":"1","page":113},{"text":"ذلك في هذا الحديث بخصوصه.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-133>[مَسْأَلَة الحكم بِالْوَضْعِ ظنية]:</span>\nوالمسألة ظنية، والحكم بالوضع والافتراء بحكم الظن الغالب، وليس إلى القطع واليقين بذلك سبيلٌ، فإن الكذوب قد يصدق.\nوبهذا يندفع ما قيل في معرفة الوضع بإقرار الواضع: أنه يجوز أن يكون كاذبًا في هذا الإقرار، فإنه يعرف صدقه بغالب الظن، ولولا ذلك لما ساغ قَتْلُ الْمُقِرِّ بالقتل، ولا رَجْمُ المعترف بالزنا، فافهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>[٢ - اتهام الرَّاوِي بِالْكَذِبِ]:</span>\nوأما اتهام الراوي بالكذب، فبأن يكون مشهورًا بالكذب ومعروفًا به في كلام الناس، ولم يثبت كذبه في الحديث النبوي.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-135>[الْمَتْرُوك]:</span>\nوفي حكمه رواية ما يخالف قواعد معلومةً ضروريةً في الشرع كذا قيل، ويسمى هذا القسم متروكًا، كما يقال: حديثه متروك، وفلان متروك الحديث.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-136>[حكم الْمُتَّهم بِالْكَذِبِ]:</span>\nوهذا الرجل إن تاب وصحت توبته وظهرت أمارات الصدق منه جاز سماع الحديث منه.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-137>[حكم من يكذب نَادرًا]:</span>\nوالذي يقع منه الكذب أحيانًا نَادرًا في كلامه غير الحديث النبوي فذلك غير مؤثر في تسمية حديثه بالموضوع أو المتروك وإن كانت معصية.","vol":"1","page":114},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-138>[٣ - الْفسق]:</span>\nوأما الفسق فالمراد به الفسق في العمل دون الاعتقاد، فإن ذلك داخل في البدعة، وأكثر ما تستعمل البدعة في الاعتقاد، والكذب وإن كان داخلًا في الفسق لكنهم عدُّوه أصلًا على حدة لكون الطعن به أشد وأغلظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>[٤ - جَهَالَة الرَّاوِي]:</span>\nوأما جهالة الراوي فإنه أيضًا سبب للطعن في الحديث؛ لأنه لما لم يعرف اسمه وذاته لم يعرف حاله وأنه ثقة أو غير ثقة، كما يقول: حدثني رجل، أو أخبرني شيخ، ويسمى هذا مبهمًا.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-140>[حكم الْمُبْهم]:</span>\nوحديث المبهم غير مقبول إلا أن يكون صحابيًا لأنهم عدول، وإن جاء المبهم بلفظ التعديل كما يقول: أخبرني عدل، أو حدثني ثقة، ففيه اختلاف، والأصح أنه لا يقبل؛ لأنه يجوز أن يكون عدلًا في اعتقاده لا في نفس الأمر، وإن قال ذلك إمام حاذق قُبِلَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>[٥ - الْبِدْعَة]:</span>\nوأما البدعة فالمراد به اعتقاد أمر مُحْدَث على خلاف ما عُرف في الدين وما جاء عن رسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه بنوع شبهة وتأويل، لا بطريق جحود وإنكار، فإن ذلك كفر.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-142>[حكم حَدِيث المبتدع]:</span>\nوحديث المبتدع مردود عند الجمهور، وعند البعض (١) إن كان متصفًا بصدق\n_________\n(١) وهذا القول حكاه الخطيب في \"الكفاية\" (ص: ١٩٤ - ٢٠٢) عن الشافعي وابن أبي ليلى =","vol":"1","page":115},{"text":"اللهجة وصيانة اللسان قُبِلَ، وقال بعضهم: إن كان منكرًا لأمر متواتر في الشرع، وقد عُلِمَ بالضرورة كونه من الدين، فهو مردود، وإن لم يكن بهذه الصفة يقبل -وإن كفّره المخالفون- مع وجود ضبط وورع وتقوى واحتياط وصيانة.\nوالمختار أنه إن كان داعيًا إلى بدعته ومروجًا لها رُدَّ، وإن لم يكن كذلك قُبِلَ، إلا أن يروي شيئًا يُقَوِّي به بدعتَه فهو مردود قطعًا.\nوبالجملة الأئمة مختلفون في أخذ الحديث من أهل البدع والأهواء وأرباب المذاهب الزائغة.\nوقال صاحب (جامع الأصول): أخذ جماعة من أئمة الحديث من فرقة الخوارج والمنتسبين إلى القدر والتشيع والرفض وسائر أصحاب البدع والأهواء، وقد احتاط جماعة آخرون وتورّعوا من أخذ حديث من هذه الفرق، ولكل منهم نِيّات (١)، انتهى.\nولا شك أن أخذ الحديث من هذه الفرق يكون بعد التحري والاستصواب، ومع ذلك الاحتياط في عدم الأخذ؛ لأنه قد ثبت أن هؤلاء الفرق كانوا يضعون الأحاديث لترويج مذاهبهم، وكانوا يقرّون به بعد التوبة والرجوع، واللَّه أعلم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>فَصْلٌ</span>\n* <span data-type=\"title\" id=toc-144>[وُجُوه الطعْن الْمُتَعَلّقَة بالضبط]:</span>\nوأما وجوه الطعن المتعلقة بالضبط فهي أيضًا خمسة: أحدها: فرط الغفلة،\n_________\n= وسفيان الثوري وأبي حنيفة والقاضي أبي يوسف، ونسبه الحاكم إلى أكثر أئمة الحديث، انظر: \"المدخل\" (ص: ٤٩)، و\"ظفر الأماني\" (ص: ٤٧٣)، و\"تدريب الراوي\" (٢/ ٥٤٧).\n(١) \"جامع الأصول\" (١/ ٧٥).","vol":"1","page":116},{"text":"وثانيها: كثرة الغلط، وثالثها: مخالفة الثقات، ورابعها: الوهم، وخامسها: سوء الحفظ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>[١ - و٢ - فرط الْغَفْلَة وَكَثْرَة الْغَلَط]:</span>\nأما فرط الغفلة وكثرة الغلط فمتقاربان، فالغفلة في السماع وتحمل الحديث، والغلط في الإسماع والأداء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>[٣ - مُخَالفَة الثِّقَات]:</span>\nومخالفة الثقات في الإسناد والمتن يكون على أنحاء متعددة تكون موجبة للشذوذ، وجَعْلُهُ من وجوه الطعن المتعلقة بالضبط من جهة أن الباعث على مخالفة الثقات إنما هو عدم الضبط والحفظ، وعدم الصيانة عن التغيير والتبديل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>[٤ - الْوَهم]:</span>\nوالطعن من جهة الوهم والنسيان اللذين أخطأ بهما وروى على سبيل التوهم، إن حصل الاطلاعُ على ذلك بقرائن دالّةٍ على وجوه عللٍ وأسبابٍ قادحةٍ كان الحديث معللا.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-148>[غموض علم الْعلَّة ودقته]:</span>\nوهذا أغمض علوم الحديث وأدقّها، ولا يقوم به إلا من رُزِقَ فهمًا وحفظًا واسعًا ومعرفة تامة بمراتب الرواة وأحوال الأسانيد والمتون كالمتقدمين من أرباب هذا الفن إلى أن انتهى إلى الدارقطني، ويقال: لم يأت بعده مثله في هذا الأمر، واللَّه أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>[٥ - سوء الْحِفْظ]:</span>\nوأما سوء الحفظ فقالوا: إن المراد به أن لا يكون إصابته أغلب على خطئه، وحفظه وإتقانه أكثر من سهوه ونسيانه، يعني إن كان خَطَؤه ونسيانه أغلب أو مساويًا","vol":"1","page":117},{"text":"لصوابه وإتقانه كان داخلًا في سوء الحفظ، فالمعتمد عليه صوابه وإيقانه وكثرتهما.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-150>[حكم سيئ الحِفْظ]:</span>\nوسوء الحفظ إن كان لازِمَ حاله في جمع الأوقات ومدة عمره لا يعتبر بحديثه، وعند بعض المحدثين هذا أيضًا داخل في الشاذ.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-151>[الْمُخْتَلِط]:</span>\nوإن طرأ سوء الحفظ لعارض مثل اختلال في الحافظة بسبب كبر سنّه أو ذهاب بصره أو فوات كتبه فهذا يسمى مختلطًا.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-152>[حكم الْمُخْتَلط]:</span>\nفما روى قبل الاختلاط والاختلال متميزًا عما رواه بعد هذه الحال قُبِلَ، وإن لم يتميز تُوُقِّفَ، وإن اشتبه فكذلك، وإن وُجدت لهذا القسم متابعات وشواهد تَرَقَّى من مرتبة الرد إلى القبول والرجحان، وهذا حكم أحاديث المستور والمدلِّس والمرسِل.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>فَصْلٌ</span>\n* <span data-type=\"title\" id=toc-154>[الْغَرِيب]:</span>\nالحديث الصحيح إن كان راويه واحدًا يسمّى غريبًا.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-155>[الْعَزِيز]:</span>\nوإن كان اثنين يسمى عزيزًا.","vol":"1","page":118},{"text":"* <span data-type=\"title\" id=toc-156>[الْمَشْهُور]:</span>\nوإن كانوا أكثر يسمى مشهورًا ومستفيضًا (١).\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-157>[الْمُتَوَاتر]:</span>\nوإن بلغت رُواتُه في الكثرة إلى أن تُحِيلَ العادة تواطأهم على الكذب يسمى متواترًا.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-158>[الْفَرد]:</span>\nويسمى الغريب فردًا أيضًا.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-159>[الْفَرد النسبي]:</span>\nوالمراد بكون راويه واحدًا كونه كذلك ولو في موضع واحد من الإسناد، لكنه يسمى فردًا نسبيًا.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-160>[الْفَرد الْمُطلق]:</span>\nوإن كان في كل موضع منه يسمى فردًا مطلقًا.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-161>[المُرَاد بِكَوْن الرَّاوِي اثْنَيْنِ أَو أَكثر]:</span>\nوالمراد بكونهما اثنين أن يكونا في كل موضع كذلك (٢)، فإن كان في موضع واحد مثلًا لم يكن الحديث عزيزًا بل غريبًا، وعلى هذا القياس معنى اعتبار الكثرة في المشهور: أن يكون في كل موضع أكثر من اثنين، وهذا معنى قولهم: إن الأقل حاكمٌ على الأكثر في هذا الفن، فافهم.\n_________\n(١) انظر: \"توجيه النظر\" (ص: ١٧١) فيه بحث لطيف عن المستفيض.\n(٢) وفي \"توجيه النظر\" (ص: ١١٣): العزيز الذي يرويه جماعة عن جماعة غير أن عددها في بعض الطبقات يكون اثنين فقط.","vol":"1","page":119},{"text":"* <span data-type=\"title\" id=toc-162>[لَا تنَافِي بَين الغرابة وَالصِّحَّة]:</span>\nوعلم مما ذكر أن الغرابة لا تنافي الصحة، ويجوز أن يكون الحديث صحيحًا غريبًا، بأن يكون كل واحد من رجاله ثقة.\nوالغريب قد يقع بمعنى الشاذ؛ أي: شذوذًا هو من أقسام الطعن في الحديث، وهذا هو المراد من قول صاحب (المصابيح) من قوله: هذا حديث غريب، لما قال بطريق الطعن.\nوبعض الناس يفسرون الشاذ بمفرد الراوي من غير اعتبار مخالفته للثقات كما سبق، ويقولون: صحيح شاذ، وصحيح غير شاذ، فالشذوذ بهذا المعنى أيضًا لا ينافي الصحة كالغرابة، والذي يذكر في مقام الطعن هو مخالف للثقات.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>فَصْلٌ</span>\n* <span data-type=\"title\" id=toc-164>[الضَّعِيف]:</span>\nالحديث الضعيف هو الذي فقدت فيه الشرائط المعتبرة في الصحة والحسن كلًّا أو بعضًا، ويَتَّسِم راويه بشذوذ أو نكارة أو علة، وبهذا الاعتبار يتعدد أقسام الضعيف، ويكثر إفرادًا وتركيبًا.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-165>[مَرَاتِب الصَّحِيح وَالْحسن]:</span>\nومراتب الصحيح والحسن لذاتهما ولغيرهما أيضًا متفاوتة بتفاوت المراتب والدرجات في كمال الصفات المعتبرة المأخوذة في مفهوميهما مع وجود الاشتراك في أصل الصحة والحسن، والقوم ضبطوا مراتب الصحة وعيّنوها وذكروا أمثلتها من الأسانيد، وقالوا: اسم العدالة والضبط يشمل رجالها كلها، ولكن بعضها فوق بعض.","vol":"1","page":120},{"text":"* <span data-type=\"title\" id=toc-166>[أصح الأَسَانِيد]:</span>\nوأما إطلاق \"أصح الأسانيد\" على سند مخصوص على الإطلاق ففيه اختلاف.\nفقال بعضهم: أصح الأسانيد: زين العابدين عن أبيه عن جده.\nوقيل: مالك عن نافع عن ابن عمر.\nوقيل: الزهري عن سالم عن ابن عمر.\nوالحق أن الحكم على إسناد مخصوص بالأصحية على الإطلاق غير جائز، إلا أن في الصحة مراتب عُليا، وعدة من الأسانيد تدخل فيها، ولو قُيّد بقيد بأن يقال: أصح أسانيد البلد الفلاني، أو في الباب الفلاني، أو في المسألة الفلانية، يصح، واللَّه أعلم (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>فَصْلٌ</span>\n* <span data-type=\"title\" id=toc-168>[اصْطِلَاحَات التِّرْمِذِيّ]:</span>\nمن عادة الترمذي أن يقول في (جامعه): حديث حسن صحيح، حديث غريب حسن، حديث غريب صحيح، ولا شبهة في جواز اجتماع الحسن والصحة بأن يكون حسنًا لذاته وصحيحًا لغيره، وكذلك في اجتماع الغرابة والصحة كما أسلفنا.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-169>[إِشْكَال اجْتِمَاع الغرابة وَالْحسن]:</span>\nوأما اجتماع الغرابة والحسن فيستشكلونه بأن الترمذي اعتبر في الحسن تعدد الطرق، فكيف يكون غريبًا؟ .\n_________\n(١) انظر: \"ظفر الأماني\" (ص: ١٣٥).","vol":"1","page":121},{"text":"* <span data-type=\"title\" id=toc-170>[جَوَاب الإِشْكَال]:</span>\nويجيبون بأن اعتبار تعدد الطرق في الحسن ليس على الإطلاق بل في قسم منه، وحيث حكم باجتماع الحسن والغرابة فالمراد به قسم آخر (١).\nوقال بعضهم: إنه أشار بذلك إلى اختلاف الطرق بأن جاء في بعض الطرق غريبًا، وفي بعضها حسنًا.\nوقيل: الواو بمعنى \"أو\" بأنه يشك ويتردد في أنه غريب أو حسن لعدم معرفته جزمًا.\nوقيل: المراد بالحسن ههنا ليس معناه الاصطلاحي بل اللغوي بمعنى: ما يميل إليه الطبع، وهذا القول بعيد جدًا.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>فَصْلٌ</span>\n* <span data-type=\"title\" id=toc-172>[الاحْتِجَاج بِالصَّحِيحِ وَالْحسن]:</span>\nالاحتجاج في الأحكام بالخبر الصحيح مجمع عليه، وكذلك بالحسن لذاته عند عامة العلماء، وهو ملحق بالصحيح في باب الاحتجاج، وإن كان دونه في المرتبة، والحديث الضعيف الذي بلغ بتعدد الطرق مرتبة الحسن لغيره أيضًا محتج.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-173>[الاحْتِجَاج بالضعيف]:</span>\nوما اشتهر أن الحديث الضعيف معتبر في فضائل الأعمال لا في غيرها، المراد مفرداتُه لا مجموعُها؛ لأنه داخل في الحسن لا في الضعيف، صرح به الأئمة، وقال\n_________\n(١) انظر: \"توجيه النظر\" (ص: ٣٨٨).","vol":"1","page":122},{"text":"بعضهم: إن كان الضعيف من جهة سوء حفظ أو اختلاط أو تدليس مع وجود الصدق والديانة ينجبر بتعدد الطرق، وإن كان من جهة اتهام الكذب أو الشذوذ أو فُحْشِ الخطأ لا ينجبر بتعدد الطرق، والحديث محكوم عليه بالضعف، ومعمول به في فضائل الأعمال، وعلى مثل هذا ينبغي أن يحمل ما قيل: \"إن لحوق الضعيف بالضعيف لا يفيد قوة\" وإلا فهذا القول ظاهر الفساد، فتدبر.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>فَصْلٌ</span>\n* <span data-type=\"title\" id=toc-175>[صَحِيح البُخَارِيّ أَعلَى الصِّحَاح]:</span>\nلما تفاوتت مراتب الصحيح، والصحاح بعضها أصح من بعض، فاعلم أن الذي تقرر عند جمهور المحدثين أن (صحيح البخاري) مقدم على سائر الكتب المصنفة، حتى قالوا: أصح الكتب بعد كتاب اللَّه (صحيح البخاري).\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-176>[وَجه تَرْجِيح صَحِيح مُسلم عِنْد بعض المغاربة]:</span>\nوبعض المغاربة رجحوا (صحيح مسلم) على (صحيح البخاري)، والجمهور يقولون: إن هذا فيما يرجع إلى حسن البيان وجودة الوضع والترتيب ورعاية دقائق الإشارات ومحاسن النكات في الأسانيد، وهذا خارج عن المبحث، والكلام في الصحة والقوة وما يتعلق بهما، وليس كتاب يساوي (صحيح البخاري) في هذا الباب بدليل كمال الصفات التي اعتبرت في الصحة في رجاله، وبعضهم توقف في ترجيح أحدهما على الآخر، والحق هو الأول.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-177>[الْمُتَّفق عَلَيْهِ]:</span>\nوالحديث الذي اتفق البخاري ومسلم على تخريجه يسمى متفقًا عليه، وقال","vol":"1","page":123},{"text":"الشيخ (١): بشرط أَن يكون عن صحابي واحد.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-178>[عدد الأَحَادِيث الْمُتَّفق عَلَيهَا]:</span>\nوقالوا: مجموع الأحاديت المتفق عليها ألفان وثلاث مئة وستة وعشرون.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-179>[دَرَجَات الصِّحَاح]:</span>\nوبالجملة:\n١ - ما اتفق عليه الشيخان مقدم على غيره.\n٢ - ثم ما تفرد به البخاري.\n٣ - ثم ما تفرد به مسلم.\n٤ - ثم ما كان على شرط البخاري ومسلم.\n٥ - ثم ما هو على شرط البخاري.\n٦ - ثم ما هو على شرط مسلم.\n٧ - ثم ما رواه غيرهم من الأئمة الذين التزموا الصحة وصححوه، فالأقسام سبعة.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-180>[معنى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم]:</span>\nوالمراد بشرط البخاري ومسلم أن يكون الرجال متّصفيق بالصفات التي يتصف بها رجال البخاري ومسلم من الضبط والعدالة وعدم الشذوذ والنكارة والغفلة.\nوقيل: المراد بشرط البخاري ومسلم رجالهما أنفسهم.\n_________\n(١) أي: ابن حجر العسقلاني.","vol":"1","page":124},{"text":"والكلام في هذا طويل ذكرناه في مقدمة (شرح سفر السعادة).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-181>فَصْلٌ</span>\n* <span data-type=\"title\" id=toc-182>[البُخَارِيّ وَمُسلم لم يستوعبا الصِّحَاح]:</span>\nالأحاديث الصحيحة لم تنحصر في صحيحي البخاري ومسلم، ولم يستوعبا الصحاح كلّها بل هما منحصران في الصحاح، والصحاح التي عندهما وعلى شرطهما أيضًا لم يورداها في كتابيهما فضلًا عما عند غيرهما. قال البخاري (١): ما أوردت في كتابي هذا إلا ما صحّ، ولقد تركت كثيرًا من الصحاح، وقال مسلم (٢): الذي أوردت في هذا الكتاب من الأحاديث صحيح، ولا أقول: إن ما تركت ضعيف، ولابدّ أن يكون في هذا الترك والإتيان وجهُ تخصيص الإيراد والترك، إما من جهة الصحة أو من جهة مقاصد أخر.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-183>[مُسْتَدْرك الْحَاكِم]:</span>\nوالحاكم (٣) أبو عبد اللَّه النيسابوري صنف كتابًا سماه (المستدرك) بمعنى أن\n_________\n(١) انظر: \"مقدمة ابن الصلاح\" (ص: ١٩)، و\"تدريب الراوي\" (١/ ٥٥)، و\"هدي الساري\" (ص: ٥)، و\"توضيح الأفكار\" (١/ ٥٤).\n(٢) انظر: \"صحيح مسلم\" (رقم: ٩٣٢).\n(٣) هو الإمام الحافظ الناقد العلامة شيخ المحدثين أبو عبد اللَّه محمد بن عبد اللَّه بن محمد بن حمدويه بن نعيم الضبي الطهماني النيسابوري، الشهير بالحاكم، المعروف بابن البيع. ولد سنة ٣٢١ هـ، وتوفي سنة ٤٠٥ هـ. انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ١١٢)، و\"طبقات الحفاظ\" (ص: ٤٠٩)، و\"تاريخ بغداد\" (٥/ ٤٧٣)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ١٠٣٩)، =","vol":"1","page":125},{"text":"ما تركه البخاري ومسلم من الصحاح أورده في هذا الكتاب، وتلافى واستدرك بعضها على شرط الشيخين، وبعضها على شرط أحدهما، وبعضها على غير شرطهما، وقال: إن البخاري ومسلمًا لم يحكما بأنه ليس أحاديث صحيحة غير ما خرجاه في هذين الكتابين، وقال: قد حدث في عصرنا هذا فرقة من المبتدعة أطالوا ألسنتهم بالطعن على أئمة الدين بأن مجموع ما صح عندكم من الأحاديث لم يبلغ زهاء عشرة آلاف، ونقل عن البخاري أنه قال: حفظت من الصحاح مئة ألف حديث، ومن غير الصحاح مئتي ألف.\nوالظاهر -واللَّه أعلم- أنه يريد الصحيح على شرطه، ومبلغُ ما أورد في هذا الكتاب مع التكرار سبعة آلاف ومئتان وخمس وسبعون حديثًا، وبعد حذف التكرار أربعة آلاف.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-184>[صَحِيح ابْن خُزَيْمَة]:</span>\nولقد صنف الآخرون من الأئمة صحاحًا مثل (صحيح ابن خزيمة) (١) الذي يقال له: إمام الأئمة، وهو شيخ ابن حبان، وقال ابن حبان في مدحه: ما رأيت على وجه الأرض أحدًا أحسن في صناعة السنن وأحفظ للألفاظ الصحيحة منه، كأن السنن والأحاديث كلّها نصب عينه.\n_________\n= و\"علم رجال الحديث\" (ص: ٢٨٧)،\n(١) هو الإمام الحافظ الحجة الفقيه إمام الأئمة شيخ الإسلام محمد بن إسحاق بن خزيمة أبو بكر السلمي النيسابوري الشافعي، صاحب التصانيف. ولد سنة ٢٢٣ هـ وتوفي سنة: ٣١١ هـ. انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٤/ ٣٦٥)، و\"طبقات الحفاظ\" (ص: ٣١٠)، و\"طبقات الشافعية\" (٣/ ١٠٩)، و\"علم رجال الحديث\" (ص: ٢٨٠).","vol":"1","page":126},{"text":"* <span data-type=\"title\" id=toc-185>[صَحِيح ابْن حبَان]:</span>\nومثل (صحيح ابن حبان) (١) تلميذ ابن خزيمة، ثقة ثبت فاضل إمام فَهَّام، وقال الحاكم: كان ابن حبان من أوعية العلم واللغة والحديث والوعظ، وكان من عقلاء الرجال.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-186>[صَحِيح الْحَاكِم (الْمُسْتَدْرك)]:</span>\nومثل صحيح الحاكم أبي عبد اللَّه النيسابوري الحافظ الثقة المسمى بـ (المستدرك)، وقد تطرق في كتابه هذا التساهلُ وأخذوا عليه، وقالوا: ابن خزيمة وابن حبان أمكن وأقوى من الحاكم، وأحسن وألطف في الأسانيد والمتون.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-187>[المختارة للمقدسي]:</span>\nومثل (المختارة) للحافظ ضياء الدين المقدسي (٢)، وهو أيضًا خرج صحاحًا ليست في الصحيحين وقالوا: كتابه أحسن من (المستدرك).\n_________\n(١) هو الإمام الحافظ العلامة أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد التميمي البستي، صاحب الكتب المشهورة، ولد سنة بضع وسبعين ومئتين، وتوفي سنة ٣٥٤ هـ، انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ٩٢)، و\"طبقات الحفاظ\" (ص: ٣٧٤)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ٩٢٠)، و\"النجوم الزاهرة\" (٣/ ٣٤٢)، و\"علم رجال الحديث\" (ص: ٢٨٢).\n(٢) هو الإمام الحافظ الحجة أبو عبد اللَّه ضياء الدين محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن السعدي، المقدسي الأصل، الصالحي الحنبلي، صاحب التصانيف النافعة والرحلة الواسعة، ولد سنة ٥٦٩ هـ، وتوفي سنة ٦٤٣ هـ، من تصانيفه المشهورة \"فضائل الأعمال\" و\"الأحاديث المختارة\" و\"مناقب المحدثين\" و\"فضائل الشام\" وغير ذلك. انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (٢٣/ ١٢٦)، و\"ذيل التقييد في رواة السند والأسانيد\" (١/ ١٧٠)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٤/ ١٤٠٥)، و\"النجوم الزاهرة\" (٦/ ٣٥٤).","vol":"1","page":127},{"text":"* <span data-type=\"title\" id=toc-188>[صِحَاح أُخْرَى]:</span>\nومثل صحيح أبي عوانة (١) وابن السكن (٢) و(المنتقى) لابن جارود (٣).\nوهذه الكتب كلها مختصة بالصحاح، ولكن جماعة انتقدوا عليها تعصبًا أو إنصافًا، وفوق كل ذي علم عليم، واللَّه أعلم.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>فَصْلٌ</span>\n* <span data-type=\"title\" id=toc-190>[الْكتب السِّتَّة]:</span>\nالكتب الستة المشهورة المقرّرة في الإسلام التي يقال لها (الصحاح الست) هي:\n_________\n(١) هو الإمام الحافظ الكبير أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم النيسابوري ثم الإسفرائيني، صاحب \"المسند الصحيح\" الذي خرجه على \"صحيح مسلم\"، مولده بعد الثلاثين ومئتين، وتوفي سنة: ٣١٦ هـ، قال الحموي: أحد حفاظ الدنيا، وسافر في طلب الحديث إلى البلاد الشاسعة. انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٤/ ٤١٧)، و\"طبقات الحفاظ\" (ص: ٣٢٧)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ٧٨٠)، و\"شذرات الذهب\" (٢/ ٢٧٤)، و\"معجم البلدان\" (١/ ١١٧).\n(٢) هو الإمام الحافظ أبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن البغدادي، ولد سنة ٢٩٤ هـ، وتوفي سنة ٣٥٣ هـ، وصنف \"الصحيح المنتقى\"، انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ١١٧)، و\"طبقات الحفاظ\" (ص: ٣٧٨)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ٩٣٧)، و\"شذرات الذهب\" (٣/ ١٢).\n(٣) هو الإمام الحافظ الناقد عبد اللَّه بن علي بن الجارود، أبو محمد النيسابوري، المجاور بمكة، ولد في حدود الثلاثين ومئتين، وتوفي سنة سبع وثلاث مئة، انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٤/ ٢٣٩).","vol":"1","page":128},{"text":"١ - صحيح البخاري،\n٢ - وصحيح مسلم،\n٣ - والجامع للترمذي،\n٤ - والسنن لأبي داود،\n٥ - والنسائي،\n٦ - وسنن ابن ماجه، وعند البعض (الموطأ) بدل ابن ماجه، وصاحب (جامع الأصول) اختار (الموطأ).\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-191>[أَحَادِيث الْكتب الأَرْبَعَة]:</span>\nوفي هذه الكتب الأربعة (١) أقسام من الأحاديث من الصحاح والحسان والضعاف، وتسميتها بـ (الصحاح الست) بطريق التغليب.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-192>[اصْطِلَاح الْبَغَوِيّ]:</span>\nوسمى صاحب (المصابيح) أحاديث غير الشيخين بالحسان، وهو قريب من هذا الوجه، قريب من المعنى اللغوي، أو هو اصطلاح جديد منه.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-193>[كتاب الدَّارمِيّ]:</span>\nوقال بعضهم: كتاب الدارمي أحرى وأليق بجعله سادس الكتب؛ لأن رجاله أقلّ ضعفًا، ووجود الأحاديث المنكرة والشاذة فيه نادر، وله أسانيد عالية، وثلاثياته أكثر من ثلاثيات البخاري.\nوهذه المذكورات من الكتب أشهر الكتب، وغيرها من الكتب كثيرة شهيرة.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-194>[مصَادر السُّيُوطِيّ فِي جمع الْجَوَامِع]:</span>\nولقد أورد السيوطي (٢) في كتاب (جمع الجوامع) من كتب كثيرة تتجاوز خمسين،\n_________\n(١) أي: سنن أبي داود والنسائي والترمذي وابن ماجه.\n(٢) هو الإمام الحافظ جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الخضيري السيوطي الشافعي، صاحب التصانيف الكثيرة، ولد سنة: ٨٤٩ هـ، وتوفي سنة: ٩١١ هـ - ١٥٠٥ م، انظر: \"البدر الطالع\" (١/ ٣١١)، و\"الضوء اللامع\" (٢/ ٢٣١)، و\"الأعلام\" (٣/ ٣٠١).","vol":"1","page":129},{"text":"مشتملة على الصحاح والحسان والضعاف، وقال: ما أوردت فيها حديثًا موسومًا بالوضع اتفق المحدثون على تركه ورده، واللَّه أعلم.\n\n* <span data-type=\"title\" id=toc-195>[جمَاعَة من الأَئِمَّة المتقنين]:</span>\nوذكر صاحب (المشكاة) في ديباجة كتابه جماعة من الأئمة المتقنين وهم: البخاري، ومسلم، والإمام مالك، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، والدارقطني، والبيهقي، ورزين، وأجمل في ذكر غيرهم، وكتبنا أحوالهم في كتاب مفرد مسمّى بـ (الإكمال بذكر أسماء الرجال)، ومن اللَّه التوفيق وهو المستعان في المبدأ والمآل.\n* * *","vol":"1","page":130},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>مُقَدِّمَةُ المِشْكَاةِ</span>\nالْحَمْدُ للَّه، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ،\nــ\nقوله: (الحمد للَّه) أتى بالحمد بعد التسمية اقتداء بكتاب اللَّه، بل نقول: امتثالًا لأمره سبحانه بناءً على ما قيل: إن فاتحة الكتاب تعليم من اللَّه تعالى للعباد بأن يحمدوه على صفات كماله، ويشكروه على عظيم نواله، ويبتدؤوا به في عزائم أمورهم في كل حال وفي كل حين، وهو الموجب لورود الحديث بالابتداء به والوعيد على تركه، والتزام السلف تصدير كتبهم به، ولذا أتى بلفظ (الحمد للَّه)، ثم الظاهر أنه محمول ههنا على حقيقة الإخبار باستحقاقه سبحانه الحمد، واختصاصه به، وإنشاؤه إنما هو بقوله: (نحمده) وإلا يلزم التكرار، يعني أنه تعالى لما كان مستحقًا للحمد بالذات، وكان ثابتًا له دائمًا، سواء كان من العباد أو منه على ذاته المقدسة في الكلام القديم، أو ببث الآيات (١) وإظهار الكمالات وإفاضة الآلاء وإسباغ النعماء، وقد أمرنا به، فلا بدّ أن نحمده، ويجوز أن يحمل على الإنشاء، ويتجدد فائدةُ قوله: (نحمده) بعطف (نستعينه ونستغفره) عليه.\nولفظ الجمع في نحمده وما عطف عليه لنفسه ولجميع أفراد النوع الإنساني معه، بل لجميع الخلق الجسماني والروحاني الحامدين لربهم بلسان القال والحال، ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] إشارة إلى أن هذا الأمر العظيم لا يتيسر من واحد\n_________\n(١) كذا في (ب)، وفي (ر): \"وإثبات الآيات\".","vol":"1","page":131},{"text":"وَنَعُوذُ بِاللَّه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّه فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ\nــ\nمن أفراد النوع الإنساني حتى يجتمعوا بل ومن عداهم من الخلائق أجمعين، ومع ذلك نحتاج إلى إعانته تعالى وتأييده وتيسيره، ونتبرأ من حولنا وقوتنا، ونستغفر من تقصيراتنا في أداء ذلك كما هو حقه من الصدق والإخلاص، وكما يليق بجناب قدسه وكبريائه، ويناسب كمال عظمته وتواتر آلائه.\nثم أكده بقوله: (نعوذ باللَّه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا) بأن يراد بها إثبات الحول والقوة وشوب الرياء والسمعة في حمد ذاته العظيمة وشكر نعمائه الجسيمة، أو الاشتغال بغير حمده وشكره مع تواتر الآلاء ودوام النعماء والغفلة عن ذكره ومراقبته تعالى مع كونه حاضرًا ناظرًا دائمًا.\nويجوز أن يراد بها التصدي للتصنيف في علم الحديث مع قصور في تجريد الإخلاص وتصحيح النية، أو تقصير في أداء حق الشكر على هذه النعمة الجزيلة، أو التكلم بالباطل وما لا يعني؛ لقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]، أو يكون المراد أعم من ذلك، من ارتكاب المحرمات والمكروهات والتهاونِ في أداء العبادات والطاعات مطلقًا.\nولما أضاف الشر والسوء إلى نفسه باعتبار الفعل والكسب أشار إلى أن الكل بخلق اللَّه، وأن القدر خيره وشره منه تعالى، ومنه الهداية والإضلال فقال: (من يهده (١) اللَّه فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له) وهذا الكلام وإن كان خبرًا عن\n_________\n(١) قال القاري: إنَّ الضَّمِيرَ الْبَارِزَ ثَابِتٌ فِي \"يَهْدِهِ\"، وَأَمَّا فِي \"يُضْلِلْ\" فَغَيْرُ مَوْجُودٍ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَهُوَ عَمَلٌ بِالْجَائِزَيْنِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٨).","vol":"1","page":132},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبيانه الواقع وإثبات توحده وتفرده سبحانه بالهداية والإضلال، لكنه في المعنى طلبٌ وسؤال للهداية منه تعالى والحفظ والوقاية عن الإضلال كأنه قال: أنت الهادي وأنت المضلّ، لا إله إلا أنت، فاهدنا ولا تضلّنا، فإنك قادر على ما تشاء.\nثم الهداية لها معنيان، أحدهما: الدلالة وبيان الطريق الموصل وتعليم علاماتها وكيفية سلوكها، وهذا الذي يسند إلى القرآن والرسول كالضلالة إلى الأصنام والشيطان، وثانيهما: الدلالة الموصلة والإيصال إلى المقصد، وهذا فعل اللَّه تعالى دون غيره تعالى، وهو المراد ههنا.\nولما ورد في الحديث: (كل خطبة ليس فيها تشهُّد فهي كاليد الجذماء)، رواه الترمذي (١)، وقال: هذا حديث حسن، ورواه أبو داود وسكت عليه، أورد الشهادتين، ووصف الشهادة بكونها وسيلةً للنجاة عن عذاب النار وسخط اللَّه والبعد عن جناب قربه تعالى، وكفيلةً لرفع درجات الجنة وقرب اللَّه تعالى ورضاه، وهي التي تكون بالصدق والإخلاص ومواطأة القلب باللسان مع الاستقامة عليها إلى وقت الموت، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [الأحقاف: ١٣].\nوإيراد صيغة الجمع في الحمد والاستعانة والاستغفار، ولفظ الواحد في الشهادة؛ لأن الأول مقام الفرق وملاحظة الكثرة برؤية الآلاء والتقصيرات والذنوب، والثاني مقام الجمع ومشاهدة وحدة الذات فيناسب لفظ الواحد، فتدبر، وليوافقَ كلمة الإسلام ومواردها في الأحاديث.\nاعلم أن هذا الكلام الذي ذكره في الخطبة أكثره من كلام النبوة كما روى\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (١١٠٦)، و\"سنن أبي داود\" (٤٨٤٣).","vol":"1","page":133},{"text":"وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه شَهَادَةً تَكُونُ لِلنَّجَاةِ وَسِيلَةً،\nــ\nمسلم (١) عن ابن عباس: (أن ضمادا قدم مكة وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه الريح، فسمع سفهاءَ من أهل مكة يقولون: إن محمدًا مجنونٌ، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعلّ اللَّه يشفيه على يديَّ، قال: فلقيه فقال: يا محمد إني أرقي من هذه الريح، [وإن اللَّه يشفي على يدي من يشاء] فهل لك؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: إن الحمد للَّه نحمده ونستعينه، من يهده اللَّه فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده، لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، [أما بعد! قال:] فقال: أَعِدْ عليَّ كلماتِك هؤلاء، فأعادهنّ عليه رسولُ اللَّه -ﷺ- ثلاث مرات، فقال: لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بَلَغْنَ ناعوس (٢) البحر، هات يدك أبايعك على الإسلام، قال: فبايعه).\nوقوله: (أشهد أن لا إله إلا اللَّه) المراد بالإله المعبود بالحق، وباللَّه الذات المقدسة الإلهية، فإن التحقيق أنه عَلَمٌ للذات لا صفة، وخبرُ (لا) محذوف، فقيل: يقدر في الإمكان ليفيد امتناع وجود إله غيره تعالى، وقيل: في الوجود لأن (لا) التي لنفي الجنس إنما تكون قرينة على نفي الوجود، ولأن النزاع إنما وقع فيه، والأصوب أن لا يقدر الخبر على لغة بني تميم.\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٢٠٤٥).\n(٢) قال النووي: ضبطناه بوجهين أشهرهما \"ناعوس\" بالنون والعين، هذا هو الموجود في أكثر نسخ بلادنا، والثاني \"قاموس\" بالقاف والميم، وهذا الثاني هو المشهور في روايات الحديث في غير \"صحيح مسلم\"، وقال القاضي عياض: أكثر نسخ \"صحيح مسلم\" وقع فيها \"قاعوس\" بالقاف والعين، فال أبو عبيد: قاموس البحر وسطه، وقال صاحب كتاب \"العين\": قعره الأقصى، انظر: \"المنهاج\" للنووي (٦/ ١٥٧).","vol":"1","page":134},{"text":"وَلِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ كَفِيلَةً، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي بَعَثَهُ،\nــ\nوقوله: (وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله) اعلم أن محمدًا عَلَمٌ منقول موضوع في الأصل لمن كثرت خصاله الحميدة، سمي به نبينا بإلهام من اللَّه لجده عبد المطلب بذلك، وقد سماه اللَّه به قبل الخلق بألفي عام على ما ورد عند أبي نعيم (١)، وروى ابن عساكر عن كعبِ الأحبار (٢): أن آدم -﵇- رآه مكتوبًا على ساق العرش، وفي السموات، وعلى كل قصر وغرفة في الجنة، وعلى الحور العين، وعلى ورق شجرة طوبى، وسدرة المنتهى، وأطراف الحجب، وبين أعين الملائكة، ولم يسمّ أحد قبله به، لكن لما قرب زمنه ونشر أهل الكتاب نعته -ﷺ- سمّى قوم أولادهم به رجاء النبوة لهم، واللَّه أعلم حيث يجعل رسالته، وعِدَّتهم خمسة عشر كما بيّنه بعض العلماء.\nوإنما قدم (عبده) على (رسوله) لما ورد في الحديث الصحيح (ولكن قولوا: عبده ورسوله) ولأنه أحب أسمائه -ﷺ- إلى اللَّه وأرفعها إليه، ومن ثم وصفه اللَّه تعالى به في أشرف المقامات، فذكره في إنزال القرآن عليه فقال: ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: ٢٣]، وقال: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: ١]، وقال: ﴿نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١]، وفي مقام الدعوة إليه في قوله: ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩]، وفي مقام الإسراء والوحي إليه في ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١]، ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]، ومن ثَم لما خُيِّر -ﷺ- بين أن يكون نبيًّا ملكًا أو نبيًّا عبدًا اختار الثاني، وسليمان -﵇- سأل الأول، فانظر بُعدَ ما بين المرتبتين.\n_________\n(١) انظر: \"حلية الأولياء\" (٣/ ٢٧٣)، و\"كنز العمال\" (٣٣٠٤٣).\n(٢) انظر: \"تاريخ دمشق\" (٢٣/ ٢٨١).","vol":"1","page":135},{"text":"وَطرقُ الإِيمَانِ قَدْ عَفَتْ آثَارُهَا، وَخَبَتْ أَنْوَارُهَا، وَوَهَنَتْ أَرْكَانُهَا، وَجُهِلَ مَكَانُهَا، فَشَيَّدَ صَلوَاتُ اللَّه وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مِنْ مَعَالِمِها مَا عَفا، وشَفَى مِنَ الْعَلِيلِ فِي تَأْيِيدِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ مَنْ كَانَ عَلَى شفى،\nــ\nوقوله: (وطرق الإيمان قد عفت آثارها) إلى آخر الفقرات الأربع، يحتمل أن يكون المراد بطرق الإيمان: الأنبياءَ والرسل صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين، ومتابعيهم من العلماء الأتقياء، والمراد بعفاء الآثار وخبو الأنوار ووهن الأركان: تركَ العمل بما شَرَعوه وأَمروا به العباد وأوضحوا من الأحكام: الفرائض والواجبات والسنن والآداب والأخلاق، وتركَ تعلّمها وتعليمها، وعدمَ فهم ما قصدوا بها من العلوم والمعارف، والمراد بجهل مكانهم: الجهلَ بمراتبهم ومنازلهم في الدين.\nويحتمل أن يكون المراد بطرق الإيمان: الأشياءَ التي يوصل بها إلى كماله من الأعمال والآداب والأخلاق والرياضات، وبعفاء آثارها وخبو أنوارها ووهن أركانها وجهل مكانها: عدمَ العلم والعمل بها وعدم الاتصاف بالأشياء المذكورة، كذا قيل، فتدبر.\nوقوله: (فَشَيَّدَ) أي: رفع وأعلى، شاد الحائطَ يَشيده: طَلاه بالشِّيد بالكسر، وهو ما طُلِيَ به حائط من جصٍّ ونحوه، والمعالم: جمع معلم، ومعلم الشيء: مظنته وما يستدل به كالعلامة، وفي (الصراح) (١): معلم بالفتح نشان كه برراه نهند.\nوقوله: (وشفى من العليل في تأييد كلمة التوحيد من كان على شفى) في (القاموس) (٢): الشفاء الدواء، وفي (الصراح) (٣): شفاء بالكسر والمد: تندرستي يافتن\n_________\n(١) (ص: ٤٨٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (٣/ ٤٣٨).\n(٣) (ص: ٥٦٨).","vol":"1","page":136},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوتندرستي دادن، يقال: شفاه اللَّه من مرضه؛ أي: أنجاه منه، والعليل فعيل من العِلّة وهي بالكسر: المرض، علّ يَعِلّ وأعلّه اللَّه فهو مُعَلٌّ وعَلِيلٌ، ولا تقل: مَعْلُولٌ، والمتكلمون يستعملون هكذا، كذا في (القاموس) (١)، والمراد بكلمة التوحيد كلمة الإيمان وهي لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه.\nوالشفا بالفتح والقصر حرف كل شيء؛ أي: طرفه وجانبه، وأشفى على الشيء: أشرف عليه. وفي (مجمع البحار) (٢): يقال: هو على شفًا بفتح الشين مقصور منونٌ؛ أي: على شرف الهلاك، ومنه: مرضت مرضًا أشفيت منه على الموت، وحذف منه التنوين في لفظ الكتاب للوقف، ويقال للرجل عند موته، وللقمر عند محاقه، وللشمس عند غروبها: ما بقي إلا شفًا؛ أي: قليلٌ.\nوالمعنى: شفى وأنجى من الهلاك والردى من كان على جانب من الطريق وطرف منه غير سالك لها، أو على طرف من نار جهنم قريب الوقوع فيها، فيكون تلميحًا إلى قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٠٣]، أو كان على شرف الهلاك بسبب الضلال، والمراد الجنس؛ أي: المعلولين بعلة الجهل والكفر، و(من) بيانية، وهو بيان لمن قدم عليه للسجع أي: شفى من كان على شفا من المعلولين، أو تبعيضية أي: شفى من جملة المعلولين من كان على شفا.\nوقوله: (في تأييد) الظاهر أنه متعلق بقوله: (شفى) حال من ضميره؛ أي: كائنًا ثابتًا في تأييد كلمة الحق، أو يكون (في) للتعليل، وقيل: يجوز أن يكون متعلقًا بعليل؛\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (٣/ ١٣٧).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٢٤٠).","vol":"1","page":137},{"text":"وأَوْضَحَ سَبِيلَ الْهِدَايَةِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْلُكَهَا، وَأَظْهَرَ كُنُوزَ السَّعَادَةِ لِمَنْ قَصَدَ أَنْ يَمْلِكَهَا.\nــ\nأي: العليل الضعيف في هذا الأمو، فظهر بما ذكرنا أن العليل بالعين المهملة وهو الموجود في النسخ.\nقال الأمير جمال الدين المحدث رحمة اللَّه عليه في ترجمته على ديباجة الكتاب: وهو الثابت في أصل سماعنا والمصحَّح في النسخ الحاضرة من (المشكاة) قال (١): ويجوز أن يكون بالغين المعجمة، إما من الغِل بالكسر بمعنى الحقد والضغن، أو من الغلل بفتحتين بهذا المعنى، أو بمعنى حرقة العطش؛ أي: من كان ذا ضغن وحقد على أهل الإيمان، أو كان تائهًا حائرًا في تيه الضلال مشرفًا على الهلاك كالعطاش، انتهى. ويكون وجه الإعراب كما ذكر آنفًا، وأقول: قد جاء الغليل بمعنى المصدر، ومنه قول الشاعر (٢):\nإن الذين ترونهم إخوانكم ... يشفي غليل صدورهم أن تُصرعوا\nوفي (القاموس): وكأميرٍ: العطشُ أو شدتُه، أو حرارة الجوف (٣)، وحينئذ يكون من الغليل متعلقًا بـ (شفى).\nوقوله: (وأظهر كنوز السعادة لمن قصد أن يملكها) يقال: المراد بكنوز السعادة: الإسلام والإيمان والإحسان والطاعات والعبادات والتوجهات التي هي من مقتضيات هذه المقامات، والعلوم والمعارف والأنوار والأسرار التي هي مواهب هذه المكاسب\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المصابيح\" (١/ ١٠).\n(٢) هو عبدة بن الطبيب، انظر: \"منتهى الطلب من أشعار العرب\" (ص: ٨٤).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (٣/ ١٤٢).","vol":"1","page":138},{"text":"أَمَّا بَعْدُ:\nــ\nونتائجها، وفيه رمز خفي إلى قوله -ﷺ-: (لا حول ولا قوة إلا باللَّه كنز من كنوز الجنة) (١)، وهذه الجملة على وزان قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢] باعتبار انتفاعهم بها، وإلا فالإيضاح والإظهار عام شامل للكل مَن أراد أو لم يرد، وقصد أو لم يقصد.\nوقوله: (أما بعد) قال الزّجّاج: مقام استعمال (أما بعد) هو أن يسوق المتكلم كلامًا على أسلوب فيريد أسلوبًا آخر فيقول: أما بعد، وقال بعضهم: تقدير الكلام أما الثناء على اللَّه والصلاة على النبي -ﷺ- فهو ما ذكر، أما بعد الثناء والصلاة فهو كذا، فيكون في المعنى لتفصيل ما أجمل، والمشهور أنه في ابتداء الكلام يكون للاستئناف، وذكر هذه الكلمة مسنون في الخطبة، وقد كان -ﷺ- يقول في الخطبة بعد الثناء على اللَّه بما هو أهله: (أما بعد، فإن خير الحديث كتاب اللَّه، وخير الهدي هدي محمد. . .) (٢)، الحديث.\nواختلفوا في أول من تكلم بها فقيل داود -﵇-، وقال الشيخ في (فتح الباري) (٣): أخرجه الطبراني مرفوعًا عن أبي موسى الأشعري، وقال: في إسناده ضعف، وأخرج موقوفًا عن الشعبي: أن فصل الخطاب الذي أوتي داود ﵇ كما قال اللَّه سبحانه: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠] هو هذه الكلمة، وقيل: يعقوب -﵇-، وقيل: أول من تكلّم بها يعرب بن قحطان، وقيل: كعب بن لؤي، وقيل: قس بن ساعدة، وقيل: سحبان بن وائل، وقد أشار إلى ذلك فيما ينسب إليه من البيت من قوله:\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (٤٢٠٥)، و\"صحيح مسلم\" (٢٧٠٤).\n(٢) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٨٦٧)، وأحمد في \"مسنده\" (٣/ ٣٧١)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١٠).\n(٣) (٢/ ٤٠٤).","vol":"1","page":139},{"text":"فَإِنَّ التَّمَسُّكَ بِهَدْيهِ لَا يَسْتَتِبُّ إِلَّا بِالاِقْتِفَاءِ لِمَا صَدَرَ مِنْ مِشْكَاتِهِ،\nــ\nلقد علم الحي اليمانون أنني ... إذا قلت أما بعد أنى خطيبها\nوقال الشيخ: القول الأول أشبه وأثبت، وقد يجمع بين الأقوال بأن الأولية في الأول حقيقةٌ وفي البواقي إضافية، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فإن التمسك بهديه (١» الهدي بفتح الهاء وسكون الدال: الطريقة والسيرة، وكذا الهدْية بكسر الهاء وفتحها، يقال: هدى هدي فلان؛ أي: سار سيرته.\nوقوله: (لا يستتب) أي: لا يستقيم ولا يستمر، وفي (الصحاح) (٢): استتب له الأمر؛ أي: تهيأ واستقام واستمر، كذا في (النهاية) (٣).\nوقوله: (إلا بالاقتفاء لما صدر من مشكاته) المشكاة: كوّة في الجدار غير نافذة يوضع فيها المصباح، وفي (الصراح) (٤): مشكاة: سوراخ ناكَذاره كه جراغ دروي نهند، شبّه صدره -ﷺ- بالمشكاة التي فيها مصباح، وهو قلبه المنوَّر بنور اللَّه، أو شبّه قلبه بالزجاجة التي كالكوكب الدري، واللطيفةَ القدسية المنوِّرة لقلبه بالمصباح، حتى يوافق بقوله سبحانه: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ﴾ الآية [النور: ٣٥]، فافهم.\n_________\n(١) أَي: التَّشَبُّثَ وَالتَّعَلُّقَ بطَرِيقه ﵊، وَيحْتملُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ فِي \"هَدْيِهِ\" إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُرَادُ بِهَدْيِهِ تَوْحِيدُهُ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٠).\n(٢) \"الصحاح\" (١/ ٢٠٨).\n(٣) انظر: \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (١/ ٤٦٥).\n(٤) (ص: ٥٦٨).","vol":"1","page":140},{"text":"وَالاِعْتِصَامُ بِحَبْلِ اللَّه لَا يَتِمُّ إِلَّا بِبَيَانِ كَشْفِهِ،\nــ\nوقوله: (والاعتصام بحبل اللَّه لا يتم إلا ببيان كشفه) اعتصم بفلان: تمسك به، والحبل معروف، والبيان إظهار المقصود بأبلغ لفظ، وفي (الصراح) (١): بيان: سخن بيدا وكشاده كَفتن وفصاحت، ويقال: فلان أبين من فلان؛ أي: أفصح، وفي الحديث: (إن من البيان لسحرا)، وسيجيء بيانه في (باب البيان والشعر) من الكتاب، والكشف: الإظهار ورفع شيء عما يواريه ويغطيه، كذا في (القاموس) (٢)، وفي (الصراح) (٣): كشف: كشاده وبرهنه كردن.\nوإضافة البيان إلى كشفه بيانية، والضمير للرسول -ﷺ-، والمراد بحبل اللَّه: عهده الذي أخذ من عباده بالإيمان والتوحيد والإقرار بربوبيته والتزام طاعته وعبادته، المشارُ إليه بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وهذا العهد قد نسوه بسبب تعلق الأرواح بالأبدان، وطريان الكدورات والحجب الحاصلة لها من هذا التعلق، وتراكم ظلمات الذنوب والمعاصي، فأرسل اللَّه تعالى الرسل إليهم لتذكير هذا العهد خصوصًا سيد الرسل صلوات اللَّه عليه وعليهم، أظهره وذكرهم به ببيانٍ صحيحٍ وكشفٍ صريحٍ حتى يوفوا به فتحصل لهم النجاة من عذاب جهنم، والفوز بنعيم الجنة، كما قال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠].\nويحتمل أن يكون المراد بحبل اللَّه القرآن كما ورد في الحديث: (القرآن حبل\n_________\n(١) (ص: ٥٠٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٨٣).\n(٣) (ص: ٣٦٢).","vol":"1","page":141},{"text":"وَكَانَ \"كِتَابُ الْمَصَابِيحِ\" الَّذِي صَنَّفَهُ الإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ، قَامِعُ الْبِدْعَةِ،\nــ\nاللَّه) (١) الممدود من السماء إلى الأرض، فكما أن استعمال الحبل سبب الوصول إلى ماء البئر الذي [هو] سبب الحياة الدنياوية وبقاء الأجسام، كذلك العمل بالقرآن سبب الوصول بعين الحياة الأبدية وحياة الأرواح بالمعارف الإلهية والعلوم الدينية والفوز بنعيم الجنة، أو لأن الحبل سبب النجاة من الردى والوقوع في البئر عند الاحتياج إلى الماء، كذلك القرآن سبب النجاة عن النار والوقوعِ فيها، وجاء في حديث آخر: (القرآن حبل اللَّه لا تنقضي عجائبه، من اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم) (٢)، هذا الطرف من الحديث يأتي ذكره في فضائل القرآن. وقال:\nلقد ظفرت بحبل اللَّه فاعتصم\nوقوله: (الذي صنفه) يقال: صنفه تصنيفًا: جعله أصنافًا وميّز بعضها عن بعض، من الصنف بالكسر والفتح: النوع والضرب، وجمعه: أصناف.\nوقوله: (محيي السنة) السنة في اللغة: الطريقة، وفي الشريعة: الطريقة المسلوكة في الدين، وقد سبق معناه في اصطلاح المحدثين، وهو قول النبي وفعله وتقريره -ﷺ-، وقد يعمّ بما يتناول الصحابة والتابعين، وعند الأصوليين: ما واظب عليه النبي -ﷺ- ولم يكن عليه دليل الوجوب، وقد يعتبر مع المواظبة الترك أحيانًا.\nوقوله: (قامع البدعة) قمعه كمنعه: قهره وذلَّلَه، وقَمَعَ البردُ النَّباتَ: رَدّه وأحرقه، والبدعة: الحدث في الدين بعد الإكمال، أو مما استُحْدِثَ بعد النبي -ﷺ- من\n_________\n(١) أخرجه الدارمي (٣٣٧٨)، وأخرج نحوه مسلم (٢٤٠٨)، والترمذي (٢٩٠٦).\n(٢) أخرجه البزار في \"مسنده\" (٨٣٦)، والترمذي نحوه (٢٩٠٦).","vol":"1","page":142},{"text":"أَبُو مُحَمَّد الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الْفَرّاءِ الْبَغَوِيُّ،\nــ\nالأهواء والأعمال، كذا في (القاموس) (١)، وستجيء أقسامه وما هو مذموم منها وغير مذموم في (باب الاعتصام بالكتاب والسنة) إن شاء اللَّه تعالى.\nوقوله: (الفراء) صانع الفرو وبائعه، وهذا نعت لأبي الشيخ كان ذلك صنعته.\nوقوله: (البغوي) منسوب إلى بغشور قرية بين هراة ومرو، والأغلب في النسبة إلى المركَّب الامتزاجي النسبة إلى الجزء الثاني، وقد ينسب إلى الجزء الأول أيضًا، نحو مَعْدِيٌّ في معدي كرب، وبَعْلِيٌّ في بعلبك، والبغوي من هذا القبيل، وقد يقال لتلك القرية: بغ، فعلى هذا لا حاجة إلى الاعتذار، ويقال في توجيه وجود الواو: إنه أجرى (بغ) مجرى (دم) محذوف العجز، فأعيدت الواو في حال النسبة مثل دموي، كذا قيل، ولزيادة الواو قاعدة في النسبة نحو علوي وغزنوي ذكرت في علم الصرف، فليرجع ثمة.\nوقد ذكر في وجه تلقيبه بمحيي السنة أنه لما صنف كتابه (شرح السنة) رأى النبي -ﷺ- في المنام فقال له: أحياك اللَّه كما أحييت سنتي.\nوقال: في (جامع الأصول) (٢): الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي الفقيه الشافعي صاحب (كتاب المصابيح) و(شرح السنة) و(كتاب التهذيب) في الفقه، وله من التصانيف الحسان ما يشهد له بعلو المنزلة، مات بعد المئة الخامسة سنة ست عشرة وخمس مئة، ﵀.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٤٧ و٦٩٧).\n(٢) (١٢/ ٣١٢).","vol":"1","page":143},{"text":"رَفَعَ اللَّه دَرَجَتَهُ أَجْمَعَ كِتَابٍ صُنِّفَ فِي بَابِهِ، وَأَضْبَطَ لِشَوَارِدِ الأَحَادِيثِ وَأَوَابِدِهَا، وَلَمَّا سَلَكَ -﵁- طَرِيقَ الاِخْتِصَارَ،\nــ\nوقوله: (أجمع كتاب صنف في بابه) المراد أنه من أجمع كتاب، أو هو مبالغة للترغيب في تحصيله، وهي صادقة من وجه، والمراد من (بابه) جميع أحكام الإسلام والإيمان من العمليات والاعتقاديات وما يتعلق بها من الفضائل والآداب وأمثالها، فيكون الضمير في (بابه) لكتابه.\nوقوله: (وأضبط لشوارد الأحاديث وأوابدها) ضبطه ضبطًا: حفظه، ورجل ضابط، وجمل ضابط: قوي شديد، والشوارد جمع شاردة، وشرد البعير شرودًا وشرادًا بالكسر: نفر، والأحاديث جمع حديث ضد القديم، وقد عرفت معناه الاصطلاحي، ونقل عن الفراء أنه قال: الأحاديث جمع أحدوثة في الأصل، ثم جعل جمع حديث، وقال في (القاموس) (١): الحديث: الجديد والخبر، وجمعه أحاديث شاذٌ، وقال: الأحدوثة ما يُتَحَدَّثُ به، والأوابد جمع آبدة: البهيمة المتوحشة، وفي (القاموس) (٢): الأوابد: الوحوش، وأَبَدَت البهيمة وتأبدت: وحشت وتوحشت.\nوالمراد بالشوارد: الأحاديثُ المخرجة في الأصول، ومواضع إيرادها فيها قد خفيت على الطالبين، فكأنها نفرت منهم، وبالأوابد: الأحاديثُ التي دلالتها على معانيها التي قصدت منها خفية، فكأنها توحشت من الطلاب، وبإيراد محيي السنة إياها في الأبواب المناسبة والمواضع اللائقة التي تظهر منها معانيها ويتضح المراد منها ارتفع الشرود وانتفى التوحش منها، وصارت مضبوطة مأنوسة، كذا قال الأمير جمال الدين\n_________\n(١) (ص: ١٦٦).\n(٢) (ص: ٢٥٤).","vol":"1","page":144},{"text":"وَحَذَفَ الأَسَانِيدَ؛ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ النُّقَّادِ، وَإِنْ كَانَ نَقْلُهُ -وَإِنَّهُ مِنَ الثِّقَاتِ- كَالإِسْنَادِ، لَكِنْ لَيْسَ مَا فِيهِ أَعْلَامٌ كَالأَغْفَالِ، فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى، . . . .\nــ\nالمحدث رحمة اللَّه عليه.\nوقوله: (وحذف الأسانيد) عطف على (سلك) على طريقة عطف التفسير، والإسناد قد عرف معناه في المقدمة، وهو عبارة عن رجال الحديث، والمراد ههنا ترك ذكر المُخْرِج؛ لأن المصنف إنما زاد على صاحب (المصابيح) ذكر الصحابي وذكر مخرج الحديث، فالظاهر أن مقصوده بيان ما أهمله الشيخ مما ذكره، ويشعر بهذا الاحتمال قوله الآتي: (ليس ما فيه أعلام كالأغفال)، ويحتمل أن يراد بالإسناد المعنى المصطلح، أعني ذكر الرجال كلهم، لكن المصنف اكتفى بذكر المخرج لما سيأتي من قوله: (وإني إذا نسبت الحديث إليهم كأني أسندت إلى النبي -ﷺ-)، ويؤيد هذا الاحتمال ظاهر قوله: (وإن كان نقله -وإنه من الثقات- كالإسناد)، وعلى هذا الوجه يكون ذكر الصحابي غير محتاج إليه بل يكون للتبرك والتأكيد، فافهم.\nوقوله: (وإنه من الثقات) صحح (إنه) بالكسر على أنه حال من المضاف إليه، أعني الضمير المجرور في (نقله)، وبالفتح عطف على اسم كان بتأويل المصدر؛ أي: وإن كان نقله وكونه من الثقات، والأظهر عندي هو المعنى الأول، والثقات جمع ثقة، وهو مصدر في الأصل من وثق يثق ثقة كوعد يعد عدة، سمي به الرجل الذي يوثق به ويعتمد عليه.\nوقوله: (لكن ليس ما فيه أعلام كالأغفال) الأعلام بالفتح: جمع علم كقلم وأقلام، وهو أثر دال على شيء، والأغفال: جمع غفل بضم الغين المعجمة وسكون الفاء كقفل وأقفال، والغفل: الأرض التي ليس فيها أثر عمارة وليست فيها علامة؛ أي:","vol":"1","page":145},{"text":"وَاسْتَوْفَقْتُ مِنْهُ، فَأَعْلَمْتُ مَا أَغْفَلَهُ، فَأَوْدَعْتُ كُلَّ حَدِيثٍ مِنْهُ فِي مَقَرِّهِ كَمَا رَوَاهُ الأَئِمَّةُ الْمُتْقِنُونَ،\nــ\nليست الأراضي التي فيها أعلام كالأراضي التي لا علامة فيها، ويجوز أن تكون الأعلام والأغفال بكسر الهمزة على لفظ المصدر، ولا يذهب عليك أن مقتضى السياق أن يقول: ليس الأغفال كالتي فيها الأعلام (١)، فافهم.\nوقوله: (استوفقت) بتقديم الفاء على القاف من التوفيق، وهو الموجود في النسخ المصححة، وفي بعضها: (استوقفت) بتقديم القاف من الوقوف، وفي بعضها: (استوثقت) بالمثلثة مكان الفاء من الوثوق.\nوقوله: (فأعلمت ما أغفله) يعني أن صاحب (المصابيح) تَرَكَ ذكر الصحابي في الأحاديث كثيرًا، وأنا التزمت ذكره في كل حديث، وتَرَكَ ذكر مخرج الأحاديث بحيث يعلم في كل حديث بخصوصه، وأنا أوردت ذكره في كل حديث بخصوصه، وإن كان الاصطلاح قرره في قوله: (من الصحاح) و(من الحسان) أن يذكر في الأول أحاديث الشيخين جمعًا أو فرادى وفي الثاني أحاديث غيرهما يعلم المخرج مجملًا، فافهم.\nوالتخريج: إيراد الحديث بإسناده، كما يقال: أخرجه الشيخان، أو أخرجه الترمذي، أو أخرجه أبو داود مثلًا، ويراد أنهم أوردوا الحديث في كتبهم بإسناده،\n_________\n(١) قال القاري: وَلَعَلَّهُ قَلَبَ الْكَلَامَ تَوَاضُعًا مَعَ الإِمَامِ، وَهَضْمًا لِنَفْسِهِ عَنْ بُلُوغِ ذَلِكَ الْمَرَامِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ ادَّعَى أَنَّ فِي صَنِيعِ الْبَغَوِيِّ قُصُورًا فِي الْجُمْلَةِ، وَهُوَ عَدَمُ ذِكْرِ الصَّحَابَةِ أَوَّلًا، وَعَدَمُ ذِكْرِ الْمُخْرِجِ فِي كُلِّ حَدِيثٍ آخِرًا، فَإِنَّ ذِكْرَهُمَا مُشْتَمِلٌ عَلَى فَوَائِد. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٣).","vol":"1","page":146},{"text":"وَالثِّقَاتُ الرَّاسِخُونَ؛ مِثْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّه مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ (١)، وَأَبِي الْحُسَيْنِ مُسْلِم بْنِ الْحَجَّاجِ الْقُشَيْرَيِّ (٢)،\nــ\nوالمصنف ذكر (رواه) مكان أخرجه.\n_________\n(١) هو أمير المؤمنين في حديث سيد المرسلين، إمام الأئمة المجتهدين، سلطان المحدثين، أبو عبد اللَّه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن الأحنف بردزبه الجعفي مولاهم ولاء إسلام، البخاري، نسبة إلى بخاري بلدة عظيمة من بلاد ما وراء النهر لتولده فيها، وصار بمنزلة العلم له ولكتابه، ولد يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة ١٩٤ هـ، وتوفي وقت العشاء ليلة السبت ليلة الفطر سنة ٢٥٦ هـ، ودفن يوم العيد بعد صلاة الظهر بخرتنك على فرسخين من سمرقند، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا، ولم يخلف ولدًا، قال السيد جمال الدين المحدث: يقال له: أمير المؤمنين في الحديث، وناصر الأحاديث النبوية، وناشر المواريث المحمدية، قيل: لم ير في زمانه مثله من جهة حفظ الحديث واتقانه وفهم معاني كتاب اللَّه وسنة رسوله، ومن حيثية حدة ذهنه، ودفة نظره، ووفور فقهه، وكمال زهده، وغاية ورعه، وكثرة اطلاعه على طرق الحديث وعلله، وقوة اجتهاده واستنباطه، وكانت أمه مستجابة الدعوة، توفي أبوه وهو صغير، فنشأ في حجر والدته ثم عمي، وقد عجز الأطباء عن معالجته، فرأت إبراهيم الخليل على نبينا وعليه الصلاة والسلام قائلًا لها: قد رد اللَّه على ابنك بصره بكثرة دعائك له، فأصبح وقد رد اللَّه عليه بصره، كَانَ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ يَقُولُ لَهُ: دَعْنِي أُقَبِّلُ رِجْلَيْكَ يَا أُسْتَاذَ الأُسْتَاذِينَ، وَسَيِّدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَيَا طَبِيبَ الْحَدِيثِ فِي عِلَلِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَمْ أَرَ أَحَدًا بِالْعِرَاقِ وَلَا بِخُرَاسَانَ فِي ذَلِكَ أَعْلَمُ مِنْهُ. وانظر ترجمته في: \"المرقاة\" (١/ ١٤)، ومقدمة \"الفتح\" (ص: ٥٦٣ - ٥٨٣)، و\"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٤٧ - ٥٥)، ومقدمة \"إرشاد الساري\" (١/ ٣١ - ٤٦)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (١/ ٦٧ - ٧٦)، و\"طبقات الشافعية\" (٢/ ٢ - ١٩)، و\"تاريخ بغداد\" (٢/ ٤ - ٣٤)، و\"أعلام المحدثين\" للمحقق (ص: ١٣٥).\n(٢) هو الإمام الحافظ الحجة أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري صاحب الصحيح، يلقب بعساكر الدين، ولو أنه عجمي المولد والمسكن لكنه عربي السلالة والأرومة، =","vol":"1","page":147},{"text":"وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الأَصْبَحِيِّ (١)،\nــ\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إذ إن نسبه يتصل بقبيلة بني قشير من أشهر قبائل العرب ولذلك يقال قشيريًا -بالتصغير-، ولد عام وفاة الشافعي سنة أربع ومئتين، وقيل: سنة ٢٠٦ هـ ورجحه ابن الأثير في مقدمة \"جامع الأصول\" (١/ ١٨٧)، وبه قال ابن خلكان. وتوفي في رجب سنة إحدى وستين ومئتين، سمع من مشايخ البخاري وغيرهم كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وقتيبة بن سعيد والقعنبي، وروى عنه جماعة من كبار أئمة عصره وحفاظ دهره، كأبي حاتم الرازي وابن خزيمة وخلائق. وله المصنفات الجليلة غير جامعه الصحيح.\nانظر ترجمته في: \"المرقاة\" (١/ ١٦ - ١٧)، و\"تاريخ بغداد\" (١٣/ ١٠٠ - ١٠٤)، و\"جامع الأصول\" (١/ ١٨٧)، و\"وفيات الأعيان\" (٥/ ١٩٤ - ١٩٦)، و\"تهذيب الكمال\" (٥٩٢٣)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٥٨٨)، و\"العبر\" (٢/ ٢٣)، و\"تاريخ ابن كثير\" (١١/ ٣٣ - ٣٥)، و\"المنتظم\" (٥/ ٣٢)، و\"تهذيب التهذيب\" (١٠/ ١٢٦ - ١٢٨)، و\"النجوم الزاهرة\" (٣/ ٣٣)، و\"طبقات الحفاظ\" (ص: ٢٦٠)، و\"شذرات الذهب\" (٢/ ١٤٤)، و\"أشعة اللمعات\" (١/ ١٣ - ١٤)، و\"الإكمال\" للمصنف، و\"بستان المحدثين\" (ص: ١١٦ - ١١٧)، و\"أعلام المحدثين\" للمحقق (ص: ١٧٥).\n(١) هو أحد الأئمة الأعلام، ركن من أركان الإسلام، فقيه الأمة، إمام دار الهجرة، صاحب المذهب، أبو عبد اللَّه مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الحِمْيَرِيُّ الأَصبَحِيُّ المَدَنِيُّ، كان من أسرة عربية عريقة من أشرف القبائل جاهلية وإسلامًا، وأول من نزل من آبائه بمدينة النبي -ﷺ- هو جده الأعلى أبو عامر، وهو من ذي أصبح بطن من اليمن من ملوك اليمن بني أبرهة بن الصباح. ولد سنة ثلاث وتسعين على الأشهر، وكذا قال الذهبي في \"تذكرة الحفاظ\" (١/ ١٢٢)، وتوفي سنة تسع وسبعين ومئة، ودفن بالبقيع. انظر ترجمته في: مقدمة \"أوجز المسالك\" (١/ ٧٥)، ومقدمة \"التعليق الممجد\" (١/ ٧٣)، و\"المرقاة\" (١/ ١٩)، و\"سير أعلام النبلاء\" (٨/ ٤٨)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٢٠٧ - ٢١٣)، و\"العبر\" للذهبي (١/ ٢٧٢)، و\"أعلام المحدثين\" للمحقق (ص: ٨٥).","vol":"1","page":148},{"text":"وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ (١)، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ ابْنِ حَنْبَلٍ الشَّيْبَانِيّ (٢)،\nــ\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(١) هو الإِمَامُ، عَالِمُ العَصْرِ، نَاصِرُ الحَدِيثِ، فَقِيهُ المِلَّةِ، صاحب المذهب أَبُو عَبْدِ اللَّه مُحَمَّدُ بنُ إِدْرِيسَ بنِ العَبَّاسِ بنِ عُثْمَانَ بنِ شَافِعِ بنِ السَّائِبِ بنِ عُبَيدِ بنِ عَبْدِ يَزِيدَ بنِ هِشَامِ بنِ المُطَّلِبِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ القُرَشِيُّ، المُطَّلِبِيُّ، الشَّافِعِيُّ نسبة إلى جده الأكبر شافع، قيل: شافع كان صاحب راية بني هاشم يوم بدر، فأسر وفدى نفسه فأسلم، وقيل: لقي شافع النبي -ﷺ- وهو مترعرع، ولد بغزة سنة ١٥٠ هـ، على الأصح، وهي سنة وفاة أبي حنيفة، وتوفي آخر يوم من رجب ليلة الخميس أو ليلة الجمعة سنة أربع ومئتين، ودفن بعد العصر يوم الجمعه بقرافة مصر، وعاش أربعًا وخمسين سنة. انظر ترجمته في: \"المرقاة\" (١/ ٢٠)، و\"تهذيب التهذيب\" (٩/ ٢٥)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١٠/ ٥)، و\"تذكرة الحفاظ\" (١/ ٣٦١)، و\"تاريخ بغداد\" (٢/ ٥٦ - ٧٣)، و\"البداية والنهاية\" (١٠/ ٢٥١)، و\"أعلام المحدثين\" للمحقق (ص: ١٠٨).\n(٢) هو الإمام الحافظ الحجة صاحب المذهب أبو عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني المروزي البغدادي، كان عربيًا خالصًا من قبيلة شيبان، قدم به أبوه من مرو وهو حمل، فوضعته أمه ببغداد في ربيع الأول سنة أربع وستين ومئة، ومات بها لاثنتي عشرة خلت من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومئتين، وله سبع وسبعون سنة، قال الشافعي: خرجت من بغداد وما خلفت بها أحدًا أتقى وأورع ولا أفقه ولا أعلم من أحمد بن حنبل، قال أبو زرعة: كان أحمد يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: ما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب، وقال أيضًا: حزرت كتبه اثني عشر حملًا أو عدلًا كل ذلك كان يحفظه عن ظهر قلبه، وقال أبو داود السجستاني: كأن مجالسة أحمد بن حنبل مجالسة الآخرة لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا. انظر ترجمته في: \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٥٧)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١١/ ١٧٧)، و\"تاريخ بغداد\" (٤/ ٤١٢ - ٤٣٢)، و\"المرقاة\" (١/ ٢٢)، و\"أعلام المحدثين\" للمحقق (ص: ١١٩).","vol":"1","page":149},{"text":"وَأبي عِيسَى مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى التِّرْمِذِيِّ (١)، وَأَبِي دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنِ الأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيِّ (٢)،\nــ\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(١) هو الإمام الحافظ الحجة أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك السلمي الضرير البوغي الترمذي، نسبة إلى ترمذ، واختلف في ضبطها كثيرًا، والمعروف المشهور على الألسنة كسر التاء والميم وبينهما راء ساكنة بوزن \"إثمد\" كما ضبطها صاحب \"القاموس\"، وهي مدينة قديمة على طرف نهر بلخ الذي يقال له جيحون، وتقع الآن بجنوب أوزبكستان قرب الحدود الأفغانية، ولد سنة ٢٠٩ هـ، وتوفي بترمذ سنة تسع وسبعين ومئتين. وله تصانيف كثيرة في علم الحديث، انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٢٧٠)، و\"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٢٤٨)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٦٣٤)، و\"المرقاة\" (١/ ٢٣)، و\"أعلام المحدثين\" للمحقق (ص: ٢٢٤).\n(٢) هو الإمام الحافظ الحجة أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني بكسر السين الأولى وتفتح وبكسر الجيم وسكون السين الثانية بعدها تاء مثناة من فوقها وبعد الألف نون، نسبة إلى سجستان، وهي بين هراة والسند قرب بلوجستان، وسجستان معرب سيستان، ولد في سجستان سنة ٢٠٢ هـ، لكن قضى جلّ أيام حياته في بغداد، وتوفي بالبصرة يوم الجمعة منتصف شوال سنة ٢٧٥ هـ عن ثلاث وسبعين سنة.\nقال الذهبي: تفقه أبو داود بأحمد بن حنبل ولازمه مدة، قال: وكان يشبه به، كما كان أحمد يشبه بشيخه وكيع، وكان وكيع يشبه بشيخه سفيان، وكان سفيان يشبه بشيخه منصور، وكان منصور يشبه بشيخه إبراهيم، وكان إبراهيم يشبه بشيخه علقمة، وكان علقمة يشبه بشيخه عبد اللَّه ابن مسعود -﵁-، وقال: كان يشبه عبد اللَّه بن مسعود بالنبي -ﷺ- في هديه ودله، انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٢١١)، و\"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٣٨٩)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٥٩١)، و\"وفيات الأعيان\" (٢/ ٤٠٥)، و\"طبقات الشافعية الكبرى\" (٢/ ٢٩٦)، و\"البداية والنهاية\" (١١/ ٧٥)، و\"المرقاة\" (١/ ٢٣)، و\"أعلام المحدثين\" للمحقق (ص: ٢٠١).","vol":"1","page":150},{"text":"وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ النَّسَائِيِّ (١)، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ يزِيدَ ابْنِ مَاجَهْ الْقَزْوِينيِّ (٢)، وَأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيِّ (٣)،\nــ\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n(١) هو الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام ناقد الحديث أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي ابن سنان بن بحر بن دينار الخراساني النسائي صاحب السنن، نسبه إلى نسأ -بفتح النون والسين المهملة وبعدها همزة-، وهي مدينة بخراسان، ولد سنة ٢١٥ هـ، وتوفي في شعبان سنة ٣٠٣ هـ، وفي رواية أنه دفن في الرملة في فلسطين يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من صفر، وعاش ثمان وثمانين سنة. انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٤/ ١٢٥)، و\"تهذيب التهذيب\" (١/ ٢٨)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٢٩٨)، و\"وفيات الأعيان\" (١/ ٧٧)، و\"المرقاة\" (١/ ٢٤)، و\"أعلام المحدثين\" للمحقق (ص: ٢٥٠)، و\"بستان المحدثين\" (ص: ١١١).\n(٢) هو الحَافِظُ، الكَبِيرُ، الحُجَّةُ، المُفَسِّرُ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بنُ يَزِيدَ ابنِ مَاجَهْ القَزْوِينيُّ، الربعي بالولاء، مُصَنِّفُ \"السُّنَنِ\"، وَ\"التَّارِيخِ\"، وَ\"التَّفْسِيرِ\"، وَالقَزْوِينيّ نسبة إلى قَزْوِينَ، وهي من أشهر عراق العجم -أي: إيران-، وُلِدَ: سَنَةَ تِسْعٍ وَمئتَيْنِ. ومَاتَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمئتَيْنِ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ. وَالأَوَّلُ أَصَحُّ. وَعَاشَ أَرْبَعًا وَسِتِّينَ سَنَة. انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٣/ ٢٧٧)، و\"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٣٣٩)، و\"البداية والنهاية\" (١١/ ٧١)، و\"وفيات الأعيان\" (٤/ ٢٧٩)، و\"المرقاة\" (١/ ٢٥)، و\"أعلام المحدثين\" للمحقق (ص: ٢٧٨)، و\"بستان المحدثين\" (ص: ١١٢)، و\"العجالة النافعة\" (ص: ٢٨).\n(٣) هو الإِمَامُ الحَافِظُ أَحَدُ الأَعْلَامِ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ الفَضْلِ بْنِ بَهْرَامَ بنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَبُو مُحَمَّد التَّمِيمِيُّ، ثُمَّ الدَّارِمِيُّ، السَمَرْقَنْدِيُّ. وَدارِمٌ هُوَ ابْنُ مَالِكِ بنِ حَنْظَلَةَ بنِ زَيدِ مَنَاةَ بنِ تَمِيمٍ. وُلِد سَنَةَ إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمئَةِ، عامَ توفي ابْنُ المُبَارَكِ، وتوفي سَنَة خَمسٍ وَخَمْسِينَ وَمئتَينِ، يَوْمَ التَّروِيَةِ بَعْدَ العَصرِ، وَدُفِنَ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً. انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٢/ ٢٢٤)، و\"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٢٩٤)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ٥٣٤)، و\"طبقات الحفاظ\" (ص: ٢٣٥)، و\"شذرات الذهب\" (٢/ ١٣٠)، و\"المرقاة\" (١/ ٢٥).","vol":"1","page":151},{"text":"وَأَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيِّ (١)، وَأَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيِّ (٢)، وَأَبِي الْحَسَنِ رَزِينِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْعَبْدَرِيِّ (٣) وَغَيْرِهِمْ وَقَلِيلٌ مَا هُوَ.\nــ\nوقوله: (العبدري) منسوب إلى عبد الدار بن قصي، بطن مشهور من قريش،\n_________\n(١) هو الإِمَامُ، الحَافِظُ، المُجَوِّدُ، شَيْخُ الإِسلَامِ، عَلَمُ الجهَابذَةِ، أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بنُ عُمَرَ بنِ أَحْمَدَ بنِ مَهْدِيِّ بنِ مَسْعُودِ بنِ النُّعْمَانِ بنِ دِينارِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ البَغْدَادِيُّ، مِنْ أَهْلِ مَحَلَّةِ دَارِ القُطْنِ بِبَغْدَادَ. أول من صنّف القراءات وعقد لها أبوابًا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الحَاكِمُ فِي كِتَابِ \"مُزكِّي الأَخبارِ\": أَبُو الحَسَنِ صَارَ وَاحدَ عَصْرِهِ فِي الحِفْظِ وَالفَهْمِ وَالوَرَعِ، وإِمَامًا فِي القُرَّاءِ وَالنَّحْوِييِّنَ. وُلِدَ: سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِ مئَةٍ، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الخَمِيسِ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ مِنْ سَنَةِ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِ مئَةٍ.\nانظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٦/ ٤٤٩)، و\"البداية والنهاية\" (١١/ ٣١٧)، و\"وفيات الأعيان\" (٣/ ٢٩٧)، و\"المرقاة\" (١/ ٢٥)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٣/ ٩٩١)، و\"العبر\" (٣/ ٢٨)، و\"طبقات الحفاظ\" (ص: ٣٩٣).\n(٢) هو الإِمَامُ الحَافِظُ، الثَّبْتُ، الفَقِيْهُ، شَيْخُ الإِسْلَامِ، أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بنُ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيِّ بنِ مُوْسَى البَيْهَقِيُّ، نسبة لبيهق على وزن صيقل بلد قرب نيسابور. وقال إمام الحرمين: ما من شافعي إلا وللشافعي في عنقه منة إلا البيهقي فإنه له على الشافعي منة لتصانيفه في نصرته لمذهبه وأقاويله، صنف السنن الكبرى وغيرها من كتب الحديث، ولد فِي شَعْبَانَ سنة أربع وثمانين وثلاث مئة، وتوفي سنة ثمان وخمسين وأربع مئة. انظر ترجمته في: \"سير أعلام النبلاء\" (١٨/ ١٦٣)، و\"وفيات الأعيان\" (١/ ٧٥)، و\"المرقاة\" (١/ ٢٧)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٢/ ١١٣٢)، و\"العبر\" (٣/ ٢٤٢)، و\"طبقات الحفاظ\" (ص: ٤٣٣).\n(٣) هو الإِمَامُ، المُحَدِّثُ الشَّهِيرُ، أَبُو الحَسَنِ رَزِينُ بنُ مُعَاوِيةَ بنِ عَمَّارِ، أَبُو الحَسَنِ العَبْدَرِيُّ الأَنْدَلُسِيُّ، السَّرَقُسْطِيُّ، صَاحِبُ كِتَابِ \"تَجرِيدِ الصِّحَاحِ\". تُوُفِّيَ بِمَكَّةَ فِي المُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِ مئَةٍ. \"سير أعلام النبلاء\" (٢٠/ ٢٠٤).","vol":"1","page":152},{"text":"وَإِنِّي إِذَا نسَبْتُ الْحَدِيثَ إِلَيْهِمْ كَأَنِّي أَسْنَدْتُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-؛ لأَنّهُمْ قَدْ فَرَغُوا مِنْهُ، وَأَغْنَوْنا عَنْهُ. وَسَرَدْتُ الْكُتُبَ وَالأَبْوَابَ كَمَا سَرَدَهَا، وَاقْتَفَيْتُ أثَرَهُ فِيهَا، وَقَسَّمْتُ كُلَّ بَابٍ غَالِبًا عَلَى فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ:\nــ\nوالدار صنم، وبه سمي عبد الدار.\nوقوله: (وسردت الكتب والأبواب (١» السرد: الخَرْز في الأديم، ونسج الدرع، والتتابع في الكلام، وفي الصوم كما في حديث: (لم يكن -ﷺ- يسرد الحديث سردًا) أي: يتتابعه ويستعجل فيه، وحديث: (يسرد الصوم) أي: يواليه ويتتابعه، ويجيء بمعنى جودة سياق الحديث أيضًا، يقال: فلان يسرد الحديث، إذا كان جيد السياق له، والمناسب للمقام إرادة هذا المعنى، يعني: لما رأيت الشيخ سرد الكتب (٢) والأبواب واتخذ لها التراجم والعنوانات على الوجه اللائق المناسب اتَّبعته في ذلك من غير تقديم وتأخير وتغيير وتبديل.\nواعلم أن من عادة المصنفين أن يتخذوا مبحثا عامًا شاملًا لمباحث كثيرة تحته كالجنس بالنسبة إلى الأنواع التي تحتها الأصناف ويعنونوه بالكتاب، والمباحث التي تحته بالأبواب، والأصناف التي تحت الأنواع بالفصول، ككتاب الطهارة وأبواب الغسل والوضوء والتيمم وفصل غسل الجنابة وغسل الجمعة مثلًا، لكن المصنف جعل الأبواب منحصرة في الفصول ولم يذكر فيها شيئًا سوى ما في الفصول، فتدبر.\nوقوله: (واقتفيت أثره فيها) الاقتفاء: الاتباع، والأثر بكسر الهمزة وسكون المثلثة وبفتحهما: العلامة، وفي (الصراح) الأثر: نشان با.\n_________\n(١) أَيْ: أَوْرَدْتُهَا، وَوَضَعْتُهَا مُتَتَابِعَةً مُتَوَالِيَةً. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٣).\n(٢) في المطبوعة: \"لما رتَّب الشيخ الكتب\".","vol":"1","page":153},{"text":"أَوَّلُهَا: مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَاكْتَفَيْتُ بِهِمَا وَإِنِ اشْتَرَكَ فِيهِ الْغَيْرُ؛ لِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمَا فِي الرِّوَايَةِ.\nــ\nوقوله: (أولها ما أخرجه الشيخان (١). . . إلخ) هذا على زعم الشيخ، مع كونه كثيرًا غالبًا، وكون خلافه كما فعل المؤلف نادرًا قليلًا.\nوقوله: (لعلو درجتهما في الرواية) أي: فلا يُحتاج في أصل الصحة إلى نسبة الحديث مع وجودهما إلى غيرهما، مع ما فيه من الاختصار والاقتصار على المقصود، فلا يرد ما قيل: لو ذكر المصنف غير الشيخين أيضًا لكان أولى وأحرى؛ لأنه وإن لم يكن محتاجًا إليه في أصل الصحة ولكن يحتاج في الترجيح؛ لأن كثرة الروايات من وجوه الترجيحات.\nواعلم أن ما أخرجه الشيخان معًا يسمى حديثًا متفقًا عليه في اصطلاح المحدثين لكن بشرط أن يروياه من صحابي واحد، ولو روى أحدهما من صحابي والآخر من صحابي آخر لا يسمى متفقًا عليه في الاصطلاح، صرح به الشيخ ابن حجر في (شرح\n_________\n(١) والمراد بالشيخين فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ: الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَعِنْدَ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ: أبو حنيفة وأَبُو يُوسُفَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ، وأما الإخراج والتخريج فهو إيراد المحدث الحديث بسنده في كتابه، ويقال له الرواية أيضًا، فلا يقال في حق أحد ممن جمع الأحاديث في مؤلفاتهم ونقلوها من كثب الأصول كالبغوي في \"المصابيح\" والخطيب في \"المشكاة\" وابن الأثير في \"جامع الأصول\" وأمثالهم، قال الجزائري في \"توجيه النظر\" (١/ ٣٤٩): أما التخريج فيطلق على معنيين: أحدهما: إيراد الحديث بإسناده في كتاب أو إملاء، وأكثر ما تقع هذه العبارة للمغاربة، والأولى أن يقولوا: الإخراج كما يقوله غيرهم، الثاني: عزو الأحاديث إلى من أخرجها من الأئمة، ومنه قيل: \"خرج فلان أحاديث كتاب كذا\"، و\"فلان له كتاب في تخريج أحاديث الإحياء\"، ونحو ذلك، انتهى. انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٣)، و\"مرعاة المفاتيح\" (١/ ٢٣).","vol":"1","page":154},{"text":"وَثَانِيهَا: مَا أَوْرَدَهُ غَيْرُهُمَا مِنَ الأَئِمَّةِ الْمَذْكُورِينَ.\nوَثَالِثُهَا: مَا اشْتَمَلَ عَلَى مَعْنَى الْبَابِ مِنْ مُلْحَقَاتٍ مُنَاسِبَةٍ مَعَ مُحَافَظَةٍ عَلَى الشَّرِيطَةِ، وَإِنْ كَانَ مَأْثُورًا عَنِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. ثُمَّ إِنَّكَ إِنْ فَقَدْتَ حَدِيثًا فِي بَابٍ؛ فَذَلِكَ عَنْ تَكْرِيرٍ أُسْقِطُهُ. . . .\nــ\nنخبة الفكر).\nوقوله: (مع محافظة على الشريطة) وهي التزام ذكر الصحابي والمخرج في كل حديث، وهذا الفصل الثالث زيادة من المصنف وليس مذكورًا في (المصابيح)، وإنما المذكور فيه هو القسم الأول والثاني، وذلك أيضًا ليس معنونًا بعنوان الفصل بل عنون القسم الأول بقوله: من الصحاح، والثاني بقوله: من الحسان، وتسميته بالحسان اصطلاح جديد من محيي السنة وإلا ففيه من صحاح الحديث أيضًا، أو هو تغليب.\nوقوله: (ثم إنك إن فقدت حديثًا -إلى قوله: - وإن عثرت) شرع في بيان بعض تصرفاته وأعماله في الكتاب، (ثم) ههنا للتراخي في الرتبة والتكلم؛ أي: بعد ما سمعت من المقدمات، اعلم أنه قد يوجد حديث في باب المذكور في (المصابيح) ولم أذكره لكونه وقع مكررًا فيه فأسقطته لأجل التكرار، وقد يكون حديث اختصره الشيخ فأتركه أنا أيضًا على اختصاره، وقد أضم إليه في بعض المواضع بقية الحديث، وذلك لشيء يدعوني إما إلى تركه على اختصاره أو إلى ضم بقيته إليه، أما الداعي إلى الاختصار فكما يكون جزء من حديث مناسبًا للباب دون باقي أجزائه أو يكون جزءًا مناسبًا لهذا الباب وجزءًا آخر مناسبًا لباب آخر فأختصر وأقتصر على جزءٍ منها في هذا الباب، وأذكر جزءًا آخر في ذلك الباب، وما لم يَجمع من الحديث بين هذين الوصفين ألحقت معه باقيه.","vol":"1","page":155},{"text":"وَإِنْ وَجَدْتَ آخَرَ بَعْضَهُ مَتْرُوكًا عَلَى اخْتِصَارِهِ، أَوْ مَضْمُومًا إِلَيْهِ تَمَامُهُ؛ فَعَنْ دَاعِي اهْتِمَامٍ أَتْرُكُهُ وَأُلْحِقُهُ، وَإِنْ عَثَرْتَ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي الْفَصْلَيْنِ مِنْ ذِكْرِ غَيْرِ الشَّيْخَيْنِ فِي الأَوَّلِ، وَذِكْرِهِمَا فِي الثَّانِي؛ فَاعْلَمْ أَنِّي بَعْدَ تَتَبُّعِي كِتَابَي \"الْجمع بَين الصحيحن\" لِلْحُمَيْدِيِّ، وَ\"جَامِعَ الأُصُولِ\"؛ . . . .\nــ\nوقوله: (بعضه) بدل من قوله: (آخر)، والضمير في (اختصاره) للحديث، وهو الأظهر، وقد يجعل لمحيي السنة وفيه من تفكيك الضمير ما لا يخفى.\nوقوله: (وإن عثرت على اختلاف في الفصلين -إلى قوله: - وإن رأيت)، شرح هذا الكلام يستدعي بسطًا في الكلام، فاعلم أن المصنف يقول: قد تقرر أن ما أورده الشيخ محيي السنة -﵀- من الأحاديث في القسم الأول فهو من الشيخين، منهما أو من أحدهما، وما أورد في القسم الثاني فهو من غيرهما من الأئمة المذكورين.\nوقد يذكر الشيخ حديثًا في الأول ونسبتُه أنا إلى غير الشيخين، وذلك مذكور في مواضع كما في الفصل الأول من (باب سنن الوضوء)، ومن (باب فضائل القرآن) وغيرهما، ونسبت بعض أحاديث القسم الثاني إلى الشيخين كما في الفصل الثاني من (باب ما يقرأ بعد التكبير) و(باب الموقف) وغيرهما، فاعلم أن عذري في ذلك ودليلي عليه أني تتبعت كتابين جُمع فيهما أحاديث الشيخين، أحدهما كتاب (الجمع بين الصحيحين) للحميدي (١)، والثاني (جامع الأصول) لابن الأثير الجزري (٢)، ولم أقتصر\n_________\n(١) هو الإِمَامُ القُدْوَةُ الحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بنُ أَبِي نَصْرٍ فُتُوح بن عَبْدِ اللَّهِ بنِ فُتُوحِ بنِ حُمَيْدٍ الأَزْدِيُّ الحُمَيْدِيُّ، صَاحِبُ \"الجَمعَ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ\". ولد قَبْل سَنَة عِشْرِينَ وَأَرْبَعِ مئَةٍ، وتُوُفِّيَ فِي سَابع عَشر ذِي الحِجَّةِ، سنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِ مئَةٍ. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (١٩/ ١٢٦)، و\"تذكرة الحفاظ\" (٤/ ١٢١٨)، و\"الكامل في التاريخ\" (١٠/ ٢٥٤).\n(٢) هو الإمام مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد المشهور بابن الأثير الجزري، ولد =","vol":"1","page":156},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفي معرفة أحاديث الشيخين على تتبع هذين الكتابين، بل اعتمدت على صحيحي الشيخين ومتنيهما؛ أي: أصلي كتابيهما ونفسيهما دون (الجمع بين الصحيحين) و(جامع الأصول) المشتملين عليهما المغايرين لهما كالشرحين لهما، فما وجدت من الأحاديث للشيخين في الكتابين المذكورين وفي أصلي صحيحهما نسبتها إليهما، وما لم أجد لم أنسب إليهما وإن كان مخالفًا لما ذكره الشيخ محيي السنة، وهذا ادِّعاء منه كمال التتبع والتصفح لأحاديث الشيخين، يعني: أني لو اقتصرت على تتبع الكتابين وقلت: ليس هذا الحديث للشيخين، لكان لقائل أن يقول: لعله يكون في متني صحيحهما، ولو اقتصرت على تتبع متني صحيحهما يقال: لعله يوجد في كتابي (الجمع بين الصحيحين) و(جامع الأصول)، فتتبعت الكل ليحصل الوثوق والاعتماد في هذه النسبة على وجه الكمال، ولم يبق لأحد مجال المقال.\nهذا ولكن لا يخفى أن تتبع الصحيحين ومتنيهما و(الجمع بين الصحيحين) و(جامع الأصول) إنما يفيد معرفة أحاديث الشيخين وذكرهما في الفصل الثاني، وأما ذكر غير الشيخين في الفصل الأول فلابد من تتبع كتب الآخرين من الأئمة وتصفح سننهم لتُعرف أحاديثهم، فيُذكرون في الفصل الأول، وغاية ما يعرف من تتبع الصحيحين وأختيهما عدمُ كون الحديث المذكور في الفصل الأول منهما، وأما كونه من غيرهما من الأئمة فلابد فيه من تتبع كتبهم كما لا يخفى، ولعل المصنف لم يتعرض لها لظهور المراد ووضوح المقصود، ولأن مطمح نظره إظهار المخالفة مع الشيخ في النسبة إلى\n_________\n= سنة ٥٤٤ هـ، وتوفي سنة ٦٠٦ هـ. انظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٢١/ ٤٨٨)، و\"العبر\" (٥/ ١٩)، و\"الكامل في التاريخ\" (١٢/ ١٢٠).","vol":"1","page":157},{"text":"اعْتَمَدْتُ عَلَى صَحِيحَي الشَّيْخَيْنِ وَمَتْنَيْهِمَا، وَإِنْ رَأَيْتَ اخْتِلَافًا فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ؛ فَذَلِكَ مِنْ تَشَعُّبِ طُرُقِ الأَحَادِيثِ، وَلَعَلِّي مَا اطَّلَعْتُ عَلَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ الَّتِي سَلَكَهَا الشَّيْخُ -﵁-، وَقَلِيلًا مَا تَجِدُ أَقُولُ: مَا وَجَدْتُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي كُتُبِ الأُصُولِ أو وَجَدْتُ خِلَافَهَا فِيهَا، فَإِذَا وَقَفْتَ عَلَيْهِ. . . .\nــ\nالشيخين، فافهم وباللَّه التوفيق.\nوقوله: (وإن رأيت اختلافًا في نفس الحديث. . . إلخ) أي: إن وجدت حديثًا أورده محيي السنة بلفظ، وأنا أوردته بلفظ آخر، (فذلك) الاختلاف ناشٍ (من تشعب طرق الأحاديث) وتعدد أسانيدها، فاللفظ الذي أورده الشيخ جاء بطريق، واللفظ الذي أوردته أنا جاء من طريق آخر، ولما كان ههنا محلُّ أن يقال: فَلِمَ لم تورد بلفظ الشيخ ولِمَ اخترت هذا اللفظ؟ قال في جوابه: (ولعلي ما اطلعت على تلك الرواية التي سلك طريقها الشيخ)، فلما لم أطلع كيف أوردها؟ وههنا احتمال آخر وهو أنه اطلع عليها، ولكن كان الطريق الذي أوردها المؤلف أسلم وأقوى، ولم يذكره اكتفاءً وتواضعًا مع الشيخ واعترافا بعدم علمه واطلاعه.\nثم الظاهر أن يقول: تشعب طرق الحديث؛ أي: هذا الحديث له طرق وروايات متعددة، وكأنه أراد بالأحاديث: الروايات لهذا الحديث أو المعنى، فذلك من تشعب الطرق التي تكون للأحاديث، وما نحن فيه من هذا الباب، أو لأنه لم ينحصر ذلك في حديث واحد بل في أحاديث متعددة فجمع لهذا الاعتبار، فافهم.\nوقوله: (في كتب الأصول) المراد بها كتب الأئمة ومؤلفاتهم التي هي أصول الروايات ومعادنها.\nوقوله: (فإذا وقفت عليه) أي: على قولي هذا المنبئ عن نسبة شيء من الخطأ","vol":"1","page":158},{"text":"فَانْسِبِ الْقُصُورَ إِلَيَّ لِقِلَّةِ الدِّرَايَةِ، لَا إِلَى جَنَابِ الشَّيْخِ رَفَعَ اللَّهُ قَدْرَهُ فِي الدَّارَيْنِ، حَاشَا لِلهِ مِنْ ذَلِكَ.\nــ\nوالاشتباه ونحوهما إلى الشيخ وقلة تصفحه.\nوقوله: (لا إلى جناب الشيخ) في (القاموس) (١): الجناب: الفناء، وفي (الصراح) (٢): جناب بالفتح دركَاه، والعرب إذا أرادوا أن يذكروا اسم أحد من العظماء بالتعظيم والاحترام أضافوا الجناب إليه، كأنه لا يمكن ذكر اسمه لعلو قدره إلا اسم جنابه وعتبته.\nوقوله: (حاشا للَّه من ذلك) في (القاموس) (٣): حاش للَّه؛ أي: تنزيهًا له، ولا يقال: حاش لك بل حاشاك وحاشا لك.\nاعلم أن للنحاة خلافًا في معنى هذه الكلمة وفي أنها اسم أو فعل أو حرف، فقال بعضهم: الصحيح أنه اسم مرادف للتنزيه بدليل أن بعض القراء قرأ في ﴿حَاشَ لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٣١، ٥١] الواقع في سورة يوسف: (حاشًا للَّه) بالتنوين، وبعضهم قرأ بالإضافة: (حاش اللَّهِ)، واللام في (للَّه) للبيان، أي: لبيان المنزه والمبرئ على صيغة اسم الفاعل، كأنه قال: براءة وتنزيه، ثم قال: للَّه، أي: هذه البراءة والتنزيه للَّه، أي: المنزِّه والمبرئ اللَّه، وهذه اللام مثل اللام في سقيًا لك وهنيئا لك.\nفحاصل المعنى على هذا القول: الشيخُ منزّه ومبرأ عن أن يُنسب القصور وقلة الدراية إليه، وهذا التنزيه والتبرئة للَّه؛ أي: هو المنزِّه والمبرئ، وحينئذ وإن كان الظاهر\n_________\n(١) (ص: ٧٨).\n(٢) (ص: ٢٢).\n(٣) (ص: ٥٤٧).","vol":"1","page":159},{"text":"رَحِمَ اللَّهُ مَنْ إِذَا وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ نَبَّهَنَا عَلَيْهِ، وَأَرْشَدَنَا طَرِيقَ الصَّوَابِ. . . .\nــ\nأن يقول: اللَّه بلا لام لكن أدخل اللام ليفيد معنى الاختصاص كأنه قال: تنزيهه عن ذلك مخصوص باللَّه تعالى وله تنزيهه ولا ينبغي لغيره، وفيه تعظيم وتنزيه لهذا التنزيه.\nويحتمل أن يكون حاصل المعنى على هذا القول: أقول في حقه: التنزيه للَّه ولوجهه خالصًا لا لأمر آخر، وفيه أيضًا من المبالغة ما لا يخفى.\nوقال بعضهم: (حاشا) فعل، وفسروا قوله تعالى: ﴿حَاشَ﴾ أي: جانب يوسف الفاحشة، وجعلوا اللام في ﴿لِلَّهِ﴾ بمعنى الأَجْل؛ أي: جانب يوسف الفاحشة لأجل اللَّه ولوجهه ورضاه لا لغرض آخر.\nوعلى هذا القول حاصل المعنى في عبارة (المشكاة) يرجع إلى أنه: جانَبَ الشيخ محيي السنة ذلك القصور لأجل اللَّه، وعلى هذا التقدير يحتمل أن يكون المراد أني إنما قلت: (حاشا) في شأنه للَّه لا لغرض آخر، وقال قوم: حاشا اسم فعل؛ أي: أبرئ أو أبرأت.\nوأما القائلون بكونه حرفًا فإنما يقولون به في مقام الاستثناء، ولا يستقيم معنى الاستثناء ههنا، فتدبر، كذا ذكر الأمير جمال الدين ﵀ (١).\nوقوله: (وقف على ذلك) أي: على ما ذكر الشيخ من الرواية ولم أجده.\nوقوله: (نبهنا عليه) التنبيه إن حمل على حقيقته اختص بزمان حياة المصنف وإلا فالمراد به إصلاح الكتاب على سبيل المحو والإثبات والتبديل والتحويل وتعليق الحواشي عليه، وهو صحيح على طريق المجاز.\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٦).","vol":"1","page":160},{"text":"وَلَمْ آلُ جُهْدًا فِي التَّنْقِيرِ وَالتَّفْتِيشِ بِقَدْرِ الْوُسْعِ وَالطَّاقَةِ، وَنَقَلْتُ ذَلِكَ الاِخْتِلَافَ كَمَا وَجَدْتُ، وَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ -﵁- مِنْ غَرِيبٍ أَوْ ضَعِيفٍ أَوْ غَيْرِهِمَا بَيَّنْتُ وَجْهَهُ غَالِبًا،\nــ\nوقوله: (ولم آل جهدًا) أي: لم أقصر، و(جهدًا)، إما تمييز أو حال بمعنى مجتهدًا، أو ظرف؛ أي: في الاجتهاد، وفي هذه العبارة كلام وتحقيق ذكر في شرح (التلخيص) وحواشيه في ديباجة متن (التلخيص) (١» فليرجع ثمة، والجهد بضم الجيم وفتحها: الطاقة والمشقة والجد والاجتهاد كذا في (القاموس) (٢)، وفي (الصراح) (٣): جهد بالفتح والضم توانائي وكوشش، وقال الفراء رحمة اللَّه عليه: بالضم الطاقة، وبالفتح المشقة.\nوقوله: (في التنقير والتفتيش) هما بمعنًى، وحاصله التفحص والتصفح؛ أي: إني لم أقصر في طلب الأحاديث والروايات المختلفة من كتب الأصول، ونقلت ذلك الاختلاف كما وجدت بلا زيادة ونقصان وتغيير وتبديل.\nوقوله: (بينت وجهه غالبًا) وذلك ما ينقل المؤلف عن الأئمة كلامًا يحكم فيه بضعف الحديث أو غرابته مثلًا خصوصًا عن الترمذي، فإنه المتكلم بذلك في الأغلب كما ستعرف في مواضعه إن شاء اللَّه تعالى، وإنما قال: غالبًا؛ لأن في بعض المواضع لم يبين، إما لعدم الاطلاع على وجهه أو لأمر آخر، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) هو \"تلخيص المفتاح في المعاني والبيان\" للشيخ الإمام جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني الشافعي، المتوفى: سنة تسع وثلاثين وسبع مئة. وهو متن مشهور، وله شروح كثيرة. انظر: \"كشف الظنون\" (١/ ٤٧٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٦٣).\n(٣) (ص: ١٢٦).","vol":"1","page":161},{"text":"وَمَا لَمْ يُشِرْ إِلَيْهِ مِمَّا فِي الأُصُولِ؛ فَقَدْ قَفَّيْتُهُ فِي تَرْكِهِ، إِلَّا فِي مَوَاضِع لغَرَضٍ،\nــ\nوقوله: (فقد قفيته) هكذا في جميع النسخ الحاضرة المعتمدة (قفيته) بتشديد الفاء من التقفية، وهو يستعمل متعديًا بنفسه وبالباء، في (القاموس) (١): قفيته زيدًا وبه: أَتْبَعْتُه إياه، وقد استعمل بالباء في قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٤٦]، وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ [البقرة: ٨٧]، فيكون معنى قوله: (قفيته) جعلته تابعًا، ولا معنى له؛ لأن المعنى ههنا الاتباع والاقتفاء، فالظاهر قفوته بتخفيف الفاء من القفو، وفي (القاموس) (٢): قفوته قَفْوًا: تبعته كتقفّيته واقتفيته.\nوقوله: (إلا في مواضع لغرض) بين الطيبي (٣) الغرض بأن بعض الطاعنين على (المصابيح) أفرزوا أحاديث منها وحكموا بوضعها، وقد فاز المؤلف من جانب بعض الأئمة كالترمذي وغيره تصحيحها وتحسينها، فبيَّن ذلك دفعًا لطعنهم، كحديث أبي هريرة -﵁-: (المرء على دين خليله) صرح الطاعنون بأنه موضوع، وقد قال الترمذي في (جامعه) (٤): إنه حسن، وذكر النووي أنه صحيح الإسناد.\nومن جملة الأغراض أنه قد قال محيى السنة في خطبة (المصابيح): إني أعرضت عن إيراد الحديث المنكر، مع أن فيه أحاديث منكرة متعددة، وقد أقر بإنكار بعضها ولم يبين في بعضها، فنبه المؤلف على ذلك، هذا حاصل كلام الطيبي.\n_________\n(١) (ص: ١٢١٧).\n(٢) (ص: ١٢١٧).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١/ ٨٧).\n(٤) \"سنن الترمذي\" (٢٣٧٨).","vol":"1","page":162},{"text":"وَرُبَّمَا تَجِد مَوَاضِعَ مُهْمَلَةً، وَذَلِكَ حَيْثُ لَمْ أَطَّلِعْ عَلَى رَاوِيهِ فَتَرَكْتُ الْبَيَاضَ، فَإِنْ عَثَرْتَ عَلَيْهِ فَأَلْحِقْهُ بِهِ، أَحْسَنَ اللَّهُ جَزَاءَكُ.\nوَسَمَّيْتُ الْكِتَابَ بِـ:\n\"مِشْكَاةِ المَصَابِيحِ\"\nــ\nوقد يقال في جوابه: إن مراد صاحب (المصابيح) من المنكر: المتفق على إنكاره، وأما بيانه الإنكار في بعضها فلئلا يحمل على ذهوله وغفوله، وأما عدم البيان في بعض آخر فبناءً على أن الحكم بإنكاره غير معتبر عنده.\nوقوله: (وريما تجد مواضع) قالوا: أصل وضع (رب) للتقليل وقد شاع استعمالها في التكثير بحيث صار استعماله في التقليل كالمجاز محتاجًا إلى القرينة، والظاهر ههنا الحمل على التقليل؛ لأن تلك المواضع قليلة معدودة، ولو نظر إلى كثرتها وتعددها في الجملة جاز حملها على التكثير حملًا على ما هو الشائع في بعض الاستعمال.\nوقوله: (مهملة) أي: متروكًا فيها ذكر المخرج.\nوقوله: (وذلك) أي: الإهمال.\nوقوله: (فألحقه) أي: ذكر الراوي (به) أي: بالكتاب، واكتبه في موضع البيان، وقد بيَّن بعض العلماء المواضع المهملة، وكتب في هامش الكتاب، وترك البياض الذي تركه المصنف على حاله ليعلم أنه ليس البيان من المصنف، وقد يكتب في بعض النسخ في موضع البيان في الهامش: أنه كان في الأصل بياض والكتابة عارض، كما يظهر بالنظر في نسخ المشكاة، وأكثرها وقع من الشيخ محمد الجزري أحسن اللَّه جزاءه.\nوقوله: (وسميت الكتاب بمشكاة المصابيح) قد عرفت أن المشكاة هي الكوّة الغير النافذة في الجدار التي يوضع فيها المصباح، فوجه التسمية أنه كما يوضع المصباح","vol":"1","page":163},{"text":"وَأَسْأَلُ اللَّهَ التَّوْفِيقَ وَالإعَانَةَ وَالْهِدَايَةَ وَالصِّيَانَةَ، وَتَيْسِيرَ مَا أَقْصِدُهُ،\nــ\nفي الكوّة كذلك وضع كتاب (المصابيح) فيها، وتشتمل عليه اشتمال المشكاة على المصباح، أو لأن الأحاديث التي ذكرت في هذا الكتاب كل منها كالمصباح، فهذا الكتاب كالكوّة التي وضع فيها المصابيح المتعددة، فافهم (١).\nوقوله: (وأسأل اللَّه التوفيق) بإيجاد الأسباب والإعانة بترتب المسببَّات عليها، والهداية لسلوك طريق الصواب في ذلك، والصيانة عن الخطأ والزلل فيه، وتيسير ما أقصده من ذلك، ولا يخفى أن الظاهر أن يراد سؤال التوفيق في تصنيف الكتاب وتتميمه على النمط المطلوب، فتكون هذه الخطبة سابقة على التصنيف، فتحمل الألفاظ المذكورة قبلُ على القصد والنية، أو يكون المراد التوفيق والتيسير في سائر الأمور والأحوال.\nويجوز أن يكون قوله: (وأسأل) جملة حالية بتقدير المبتدأ.\n_________\n(١) قَالَ الطِّيبِيُّ: رُوعِيَ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الاسْمِ وَالْمَعْنَى، فَإِنَّ الْمِشْكَاةَ يَجْتَمِعُ فِيهَا الضَّوْءُ فَيَكُونُ أَشَدَّ تَقَوِّيًا بِخِلافِ الْمَكَانِ الْوَاسِعِ، وَالأَحَادِيثُ إِذَا كَانَتْ غَفلًا عَنْ سِمَةِ الرُّوَاةِ انْتَشَرَتْ، وَإِذَا قُيِّدتْ بِالرَّاوِي انْضَبَطَتْ، وَاسْتَقَرَّتْ فِي مَكَانِهَا، اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَقَالَ مِيرَكُ: الأَظْهَرُ فِي وَجْهِ الْمُطَابقَةِ أَنَّ كِتَابَهُ مُحِيطٌ، وَمُشْتَمِلٌ عَلَى مَا فِي \"الْمَصَابِيحِ\" مِنَ الأَحَادِيثِ كَمَا أَنَّ الْمِشْكَاةَ مُحِيطَةٌ وَمُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْمِصْبَاحِ، اهـ. وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: مُرَادُهُ بِالْمَصَابِيحِ الأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي كِتَابِهِ مِمَّا فِي الْمَصَابِيحِ وَغَيْرِه مُشَبَّهًا بِهَا لأِنَّهَا آيَاتٌ نُورَانِيَّةٌ وَدَلَالَاتٌ بُرْهَانِيَّةٌ صَدَرَتْ مِنْ مِشْكَاةِ صَدْرِ النَّبِيِّ -ﷺ- لِيَقتَدِيَ بِهَا أُمَّتُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ فِي بَيْدَاءِ الضَّلَالَةِ، وَصَحْرَاءِ الْجَهَالَةِ، وَهَذَا الْمَعْنَى وَرَدَ: \"أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ\"، وَشَبَّهَ كِتَابَهُ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ جَامِعٌ لَهَا، وَمَانِعٌ مِنْ تَفَرُّقِهَا بِالْمِشْكَاةِ، وَهِيَ الْكُوَّةُ الْغَيْرُ النَّافِذَةِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: فِيهِ مَعْنَى التَّوْرِيَةِ، وَهِيَ أَنْ يُؤْتَى بِكَلِمَةٍ لَهَا مَعْنَيَانِ: أَحَدُهُمَا قَرِيبٌ، وَالآخَرُ بِعِيدٌ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ الْبَعِيدَ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٩).","vol":"1","page":164},{"text":"وَأَنْ يَنْفَعَنِي فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ، وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ. حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ.\n١ - عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّمَا الأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِامْرِئٍ مَا نوى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يُتَزَوَّجُهَا فَهجرَته إِلَى مَا هَاجر إِلَيْهِ\". مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: ١، م: ١٩٠٧].\nــ\nوقوله: (أن ينفعني) الظاهر أن الضمير المستتر للَّه تعالى، ويجوز أن يكون للكتاب باعتبار التسبب.\nوقوله: (في الحياة) بالمطالعة والتعليم والعمل وإيصاله إلى الناس وأداء حق النصيحة لهم.\nوقوله: (وبعد الممات) بالأجر والثواب وحصول رضاه تعالى.\nوهذا أوان الشروع في شرح أحاديث الكتاب مستعينًا باللَّه، وأول حديث بدأ به المؤلف الكتاب:\n١ - عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لِامْرِئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى اللَّه ورسوله فهجرته إلى اللَّه ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه\".\nوقد كثر كلام الشارحين في هذا الحديث، ولا علينا أن ننقل بعينها بل ننقل شيئًا منها مع تحرير وتنقيح بزيادة ونقصان مما سنح في أثناء المقال، ولا نخاف الإطالة والإملال، ونذكره في أربعة أجزاء:","vol":"1","page":165},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالأول: في فضل هذا الحديث وشرفه، اعلم أنه قد تواتر النقل عن الأئمة في مدح هذا الحديث بعظم موقعه وكثرة فوائده، وأنه أصل عظيم من أصول الدين، ومن ثَمَّ خطب به رسول اللَّه -ﷺ- على المنبر كما في رواية البخاري (١)، وخطب به أمير المؤمنين عمر -﵁- على منبر رسول اللَّه -ﷺ- كما أخرجه البخاري أيضًا، ولهذا قال أبو عبيد: ليس في الأحاديث أجمع وأغنى وأكثر فائدة من هذا الحديث.\nوقال بعضهم: إنه نصف العلم، ووجهه: أن الأعمال قسمان: أعمال القلب وأعمال الجوارح، والنية أجلُّ أعمال القلب وأفضلها، فالعلم المتعلق بها يكون نصفًا بل أعظم النصفين؛ لأن النية أصل لجميع الأعمال القلبية والقالبية، وعليها مدار جميع الطاعات والعبادات صحة وثوابًا، والمعاملات والمباحات ثوابًا كما يأتي تقريره، وبهذه الاعتبارات إن أريدت المبالغة ساغ أن يقال: كأنه العلم كله، والأكثرون منهم الشافعي -فيما نقله البويطي عنه- وأحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي وعلي بن المديني وأبو داود والدارقطني على أنه ثلث العلم أو ثلث الإسلام.\nوقال البيهقي في توجيهه: إن كسب العبد إما بقلبه أو بلسانه أو بأركانه، فالنية التي هي عمل القلب أحدها وأرجحها لأنهما تابعان لها صحةً وفسادًا وثوابًا وحرمانًا، ولا يتطرق إليها رياء، وقد تكون النية عبادة مستقلة، وغيرها يحتاج إليها.\nوقال الشيخ في (فتح الباري) (٢): وكلام الإمام أحمد يدل على أنه أراد بكونه\n_________\n(١) أما خطبته -ﷺ- بهذا الحديث على المنبر فلم نجده صريحًا في \"صحيح البخاري\" نعم ذكره الزبير ابن بكار في \"أخبار المدينة\"، كما ذكره العلامة عابد السندي في \"المواهب اللطيفة\".\n(٢) (١/ ١١).","vol":"1","page":166},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nثلث العلم أنه أحد القواعد الثلاث التي تردُّ إليها جميع الأحكام، أولها هذا الحديث، وثانيها (ومن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)، وثالثها (الحلال بين والحرام بين)، ومنهم من قال: ربعه، وقد نقل الشافعي من الشعر ما يدل على ذلك قال:\nعمدة الخير عندنا كلمات ... أربع قالهن خير البرية\nاتق الشبهات وازهد ودع ... ما ليس يعنيك واعملن بنية (١)\nونقل عن الشافعي أنه قال: هذا الحديث يدخل في سبعين بابًا، فقيل: إنه يريد به المبالغة في معنى الكثرة؛ لأن هذا العدد قد تعارف ذكره في هذا المعنى، والتحقيق أنه على حقيقته، وأقول: إنما حَمَل من حمله على المبالغة؛ لأنه يدخل في كثر من سبعين بابًا وليس منحصرًا فيه، إذ يدخل في قسم العبادات من الواجبات والمستحبات وفي المباحات وفي العادات وفي أكثر المعاملات ثوابًا مما يَعسر ضبطه وحصره، وقد عدُّوه في كتبهم مفصَّلًا فعليك بها.\nثم إن هذا الحديث مما اتفقوا على صحته أخرجه الأئمة المشهورون، وقال الشيخ: إلا الموطأ، ووهم من ظن أنه في الموطأ مغترًا بتخريج الشيخين له والنسائي من طريق مالك (٢)؛ ولكنه ليس بمتواتر كما توهم البعض؛ لأنه فرد في الأصل، رواه\n_________\n(١) وفي \"فيض الباري\" (١/ ٤): ونسبهما علي القاري (١/ ٤٣) إلى الإمام الشافعي، وهو سهو منه، بل هما لشاعر آخر. وفي \"جامع العلوم والحكم\" (١/ ٦٣) هما للحافظ أبي الحسن طاهر ابن مفوز المعافري الأندلسي. وقال أبو داود: يكفي للإنسان لدينه أربعة أحاديث، هذه الأحاديث الثلاثة والرابع: حديث أن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه بدل حديث ازهد. انظر: \"التوضيح\" لابن الملقن (٢/ ١٩٦)، و\"أعلام المحدثين\" (ص: ٢١٥).\n(٢) قلت: بل هو في الموطأ برواية محمد بن الحسن الشيباني (ح: ٩٨٢)، انظر: \"التعليق =","vol":"1","page":167},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعمر -﵁- ولم يصح منه إلا برواية علقمة، ولا عن علقمة إلا برواية محمد بن إبراهيم، ولا عن محمد بن إبراهيم إلا برواية يحيى بن سعيد، ولا خلاف بين أهل الحديث أنه لم يرو صحيحًا بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد، ثم اشتهر عن يحيى بن سعيد وبلغ حد التواتر، فقيل: روى عن يحيى مئتان وخمسون نفسًا، وسرد أسماءهم أبو القاسم بن منده يجاوز ثلاث مئة، وقيل: سبع مئة من أصحاب يحيى، قال الشيخ: وأنا أستبعد صحة هذا، فقد تتبعت طرقه من الروايات المشهورة [والأجزاء المنثورة] منذ طلبت الحديث إلى وقتي هذا فما قدرت على تكميل المئة (١)، انتهى.\nوبالجملة وهو حديث شريف عظيم الشأن كثير المنفعة، وقد جَرَتْ عادة المحدثين أكثرهم على ابتداء تصانيفهم به وإيراده في أوائلها إشارة إلى حسن نيتهم وتمحض إخلاصهم فيها، وأنها ليست مشوبة بغرض من الأغراض والأعواض.\nوالأولى أن يقال: إن الابتداء به تنبيه للطالبين والمصنفين بتخليص نياتهم وتحسينها، وإشعار بأن الاشتغال بعلم الحديث والتصدي للتأليف فيه في حكم الهجرة، فينبغي أن يكون للَّه ولرسوله حتى يصير مقبولًا، وسمّاه بعضهم طليعة كتب الحديث.\nوقال أبو سليمان الخطابي: إن المتقدمين من مشايخنا كانوا يستحسنون تقديم حديث: (إنما الأعمال بالنيات) قبل كل أمر من أمور الدين كانوا يبدؤون به، وكان عبد الرحمن بن مهدي يقول: من أراد أن يصنف كتابًا فليبدأ بهذا الحديث (٢).\n_________\n= الممجد\" (٣/ ٥١٣).\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ١١).\n(٢) انظر: \"أعلام الحديث\" (١/ ١٠٦)، وفيه \"يستحبون\" بدل \"يستحسنون\".","vol":"1","page":168},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالثاني: في قوله: (إنما الأعمال بالنيات) هذا أشهر الروايات وأظهرها لإفادته الاستغراق صريحًا؛ لأن (إنما) مفيد للحصر بمنطوقه لكونه بمعنى (ما) و(إلا) كما يدل عليه موارد استعمال الآيات والأحاديث وكلام العرب، وذلك بحكم الوضع، وما ذكروا من وجوه إفادته الحصر فلمناسبات ذكروها في وضع (إنما) بمعنى (ما) و(إلا) كما هو عادة النحاة، ولو قيل بعدم إفادة (إنما) الحصر كما ذهب إليه بعض، واستدل بما لا يتم الاستدلال به كما ذكر في موضعه، فإفادة اللام للاستغراق في الأعمال كافية في ذلك، إذ معناه: كل عمل بالنية، ويلزم منه أنه لا أعمال إلا بالنية، وقد وقع في معظم الروايات بإفراد النية، والمراد بها الجنس، وقيل في وجه إفراده: إن محل النية القلب وهو متحد فناسب إفرادها، بخلاف الأعمال فإنها متعلقة بالجوارح وهي متعددة فناسب جمعها، ولأن النية ترجع إلى الإخلاص المراد به الواحد الأحد الذي لا شريك له، وقد جاء في (صحيح ابن حبان): (الأعمال بالنيات) بحذف (إنما)، وجمع الأعمال والنيات، وكذا وقع في (العتق) من (صحيح البخاري) من رواية الثوري، وفي (الهجرة) من رواية حماد بن زيد، ووقع عنده في (النكاح) بلفظ: (العمل بالنية) بإفراد كل منهما، كذا في (فتح الباري) (١).\nويجوز إرادة الحصر في الجميع بحمل اللام على الاستغراق جمعًا أو مفردًا، وقالوا: المراد بالأعمال أعمال الجوارح، فلا يتوجه أن النية أيضًا من الأعمال، فينبغي أن يتوقف على النية ويتسلسل، والتحقيق أنها تعم أفعال الجوارح وأفعال القلوب؛ لأن الكل يتوقف على النية صحةً أو ثوابًا.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ١٢).","vol":"1","page":169},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقال الخطابي (١): مقتضى العموم فيها أن لا يصح عمل من الأعمال الدينية أقوالِها وأفعالِها، فرضِها ونفلِها، قليلها وكثيرِها، إلا بنية، ودخل فيها التوحيد الذي هو رأس الأعمال الدينية فلا يصح إلا بقصد إخلاص فيه، انتهى.\nقلت: هذا الذي ذكره الخطابي من دخول أفعال القلوب صحيح بلا شبهة، فإن معنى النية هو قصد التقرب إلى اللَّه، وذلك جائز وجودًا وعدمًا في الأفعال القلبية كحب أحد أو بغضه لا لقصد التقرب، ولذا ورد: (الحب للَّه والبغض للَّه)، لكن في دخول التوحيد والتصديق الذي هو من أعمال القلب شيء من الخفاء، والظاهر دخوله أيضًا؛ لأن التصديق القلبي الذي هو عبارة عن الإيمان يجب أن يكون على قصد التقرب والإخلاص وتحصيل اليقين الذي يتنوّر به جوهر القلب حتى يصير سببًا للتقرب من اللَّه ومعرفته وحصول رضاه، ويصير سببًا للفوز بنعيم الجنة والنجاة من العذاب الأليم، لا على نية أن يصفه الناس بالإيمان ويَعُدُّوه في زمرة المؤمنين، وتظهر آثاره عندهم، وتجرى عليه ظواهر أحكام الإسلام فيصير سببًا لحصول الغنائم والعزة عند الناس، كما هو حال المنافقين في الإقرار، فلا يتّجه ما قال الكرماني (٢): ليس دخول التوحيد فيها مسلَّمًا، لأن التوحيد من الاعتقاديات لا من العمليات، إلا أن يراد بالتوحيد قول كلمة الشهادة، وبالعمل ما يتناول عمل اللسان.\nأقول: ويَرِدُ عليه أن الاعتقاديات من أعمال القلوب فتشتملها الأعمال، ولعله زعم أنه لو كانت الاعتقاديات التي هي من أعمال القلوب داخلة لزم التسلسل؛ لأن من\n_________\n(١) انظر: \"أعلام الحديث\" (١/ ١١٣).\n(٢) \"شرح الكرماني\" (١/ ٢٠).","vol":"1","page":170},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nجملتها النية فيحتاج إلى نية أخرى وهلمّ جرًّا، ويَرِدُ عليه أيضًا: أن النية وإن كانت من أعمال القلوب لكنها تكون مستثناة من الأعمال ألبتة؛ لأن المراد من النية قصد التقرب إلى اللَّه، وتوقفه على قصد التقرب فيه مما لا يعقل، ولا يحتاج إليه، بل القصد مطلقًا يُحتاج إليه في صدور الفعل، ثم لا يحتاج إلى قصد آخر في القصد، بخلاف الاعتقاديات وسائر أعمال القلوب فإنها تحتاج في الصحة والثواب إلى النية، ولا يلزم من توقفها على النية التسلسل، فافهم.\nوتكلموا في المعرفة أيضًا بأنها داخلة في الأعمال أم لا؟ فقال بعضهم: إنها غير داخلة لأن النية قصد المنوي، وإنما يقصد المرء ما يعرف، فيلزم أن يكون عارفًا قبل المعرفة.\nوتعقِّب بما محصله: أنه إن كان المراد بالمعرفة مطلق الشعور فمسلَّم، وإن كان المراد بالمعرفة النظر في الدليل فلا؛ لأن كل عاقل يشعر مثلًا بأن له من يدبره، فإذا أخذ بالنظر في الاستدلال عليه لتحققه لم يلزم محذور، كذا قال في (فتح الباري) (١).\nثم الظاهر أن جميع الأعمال داخلة فيها من العبادات والعادات، ولكن وقع الاختلاف بين أبي حنيفة ﵀ والشافعي ﵀ في الوضوء وأمثالها، فما لا يكون مقصودًا بذاته بل يكون وسيلة فالشافعي ﵀ يقول: لا يصح إلا بالنية، ولا تجوز الصلاة بوضوء من غير نية، وأبو حنيفة يقول: يصح ويصير مفتاحًا للصلاة، ولكن لا يحصل الثواب.\nومبنى الاختلاف كما هو المشهور أن قوله -ﷺ-: (إنما الأعمال بالنيات) ليس\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ١٣).","vol":"1","page":171},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالمراد به حقيقته، فإن حقيقته عدم وجود ذات الفعل بدون النية وانتفائه بدونها، وليس كذلك، لأنه قد يوجد ذات العمل بغير نية، وأيضًا الشارع إنما بعث لبيان الشرائع والأحكام، فالمراد نفي حكم الفعل، والحكم نوعان: دنيوي كالصحة والفساد، وأخروي كالثواب والعقاب، والدينية مرادة بالاتفاق، فلا يصح إرادة الدنيوية لئلا يلزم عموم المشترك، فالمراد: ثواب الأعمال بالنيات، لكن الثواب هو المقصود في العبادات المقصودة لذاته، فإذا انتفى انتفت الصحة، وفيما ليس مقصودًا بذاته ليس المقصود الثواب، فلا يلزم من انتفائه انتفاء الصحة، لا يقال: الخصم قائل بعموم المشترك فيلتزمه، ولا محذور في ذلك عنده، لأنا نقول: قال المحققون من الشافعية كالغزالي وغيره: أن لا عموم للمشترك، ولا يجوز ذلك في لغة العرب قطعًا، فتدبر.\nوقد يرجح تقدير الصحة بأنه أشبه بنفي الشيء نفسه؛ ولأن اللفظ دل على نفي الذات بالصريح وعلى نفي الصفات بالتبع، فلما منع الدليلُ نفي الذات بقيت دلالته على نفي الصفات مستمرة، كذا قالوا، ويمكن ترجيح تقدير الثواب بأنه المقصود الأصلي من العمل، وورود هذا الحديث للترغيب في تحصيل النية حتى يقع العمل مقبولًا ويثاب عليه، ويدل على ذلك تفريع: (فمن كانت هجرته إلى اللَّه وإلى رسوله. . . إلخ)، واللَّه أعلم. لكن الوسائل من حيث هي وسائل ليس الثواب منظورًا فيها فيصح بدون النية.\nثم اختلفوا في التروك هل هي داخلة أم لا؟ فقيل: لا تدخل، لأنها لا تسمى أعمالًا فلا تشترط النية فيها، ولذا لم تشترط النية في إزالة النجاسة لأنها من باب التروك، وشدّد بعضهم فأوجبها، وهذا عند الشافعية ﵏.","vol":"1","page":172},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأما عندنا فلا تشترط لأنها من الوسائل كالوضوء، والحق أن التروك داخلة إذا كان فيها كف النفس وهو عمل ولابد فيها من النية حتى يحصل الثواب، ويكون امتثالًا للشارع، فالتارك للزنا مثلًا إن فعل تركه لوجه اللَّه وقصد التقرب يثاب عليه وإلا فلا.\nوبالجملة العمل في الأصل عبارة عن الحركة، وههنا يراد به معنى يشتمل الحركات والسكنات، فإن النية معتبرة في الكل.\nثم اعلم أنه قد استثني من هذه الكلية بعض الأحكام مثل صريح الطلاق والإعتاق والبيع والشراء، فإنه لا تشترط فيها النية؛ لأن الشارع عيّن هذه الألفاظ لهذه المعاني وجعلها كأنها عينها، فالتلفظ بها بمنزلة النية، هذا كلامهم، ويوهم أن المراد بالنية ههنا القصد القلبي الذي هو المعنى اللغوي للنية، وإنما المراد ههنا المعنى الشرعي الذي هو قصد التقرب إلى اللَّه، وحصولُ الثواب بدون النية بهذا المعنى في هذه العقود ممنوع، فافهم.\nوأما الهزل بالكفر فإنما يكون كفرًا وإن لم يكن هناك نية؛ لأن الهزل بالكفر نفسه كفر، لا من جهة قصد المعنى، وأما صحة الإيمان بالهزل والإكراه فلكونه مقصودًا وحسنًا لذاته فجعلت صورته كمعناه، وفروع الإيمان من العبادات والمعاملات وجزئياتُها واشتراطُ النية وعدمه مذكورة في كتب الفقه فلينظر ثمة.\nهذا، والظاهر أن هذا البحث خارج عما هو المقصود من هذا الحديث، فإن المقصود منه الترغيب والحث على رعاية التقرب إلى اللَّه وإرادة وجهه ليصير العمل مقبولًا عنده، ويَنظر هذا إلى رجحان ما قاله الحنفية ﵏.\nوالنيات جمع النية بكسر النون وتشديد التحتانية على المشهور من نوى بمعنى","vol":"1","page":173},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقصد، فأصله نِوْيَة، ثم أعلت كسيد، وقد جاء في بعض اللغات بالتخفيف أيضًا من ونى بمعنى أبطأ؛ لأنه يُحتاج في تصحيحها إلى نوع الإبطاء.\nومعنى النية في اللغة: القصد إلى الفعل، قال الخطابي: معنى النية: قصدك الشيء بقلبك وتحري الطلب منك له (١). وقال النووي: النية: القصد وهو عزيمة القلب. وقال الكرماني (٢): ليس النية عزيمة القلب لما قال المتكلمون: إن القصد إلى الفعل هو ما نجده من أنفسنا حال الإيجاد، والعزم قد يتقدم عليه ويقبل الشدة والضعف بخلاف القصد فلا يصح تفسيره به، انتهى.\nويمكن أن يقال: إن مراد النووي بالعزيمة ههنا هو قصد القلب المقارِن للفعل، لا العزمُ الذي يكون قبله، وهو المعنى الذي عبر عنه التيمي بوجهة القلب، وقال: النية ههنا وجهة القلب؛ أي: توجهه إليه بإيجاده وإحداثه.\nونقل الطيبي عن القاضي البيضاوي (٣): أن النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرضٍ من جلب نفعٍ أو دفع ضررٍ حالًا أو مآلًا، والشرع خصصها بالإرادة المتوجهة إلى الفعل ابتغاءً لوجه اللَّه وامتثالًا لحكمه، والنية في الحديث محمولةٌ على المعنى اللغوي ليحسن تطبيقه لما بعده وتقسيمه إلى من كانت هجرته إلى كذا وكذا، فإنه تفصيل لما أجمله، انتهى. يعني أن قوله: (ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها) عطف على قوله: (من كانت هجرته إلى اللَّه وإلى رسوله) والشرطيتين\n_________\n(١) \"أعلام الحديث\" (١/ ١١٢).\n(٢) \"شرح الكرماني\" (١/ ١٨).\n(٣) انظر: \"شرح الطيبي\" (١/ ٨٩)، و\"تحفة الأبرار\" (١/ ١٩).","vol":"1","page":174},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nتفصيل الإجمال الذي في قوله: (إنما الأعمال بالنيات) والنية بالمعنى الشرعي مفقودة في الشرطية الثانية، فلا يصلح تفصيلًا لذلك الإجمال بهذا المعنى، فينبغي أن يحمل على النية بالمعنى اللغوي حتى يكون المعنى: فمن كان نيته وقصده إلى وجه اللَّه فهو كذا، ومن كان قصده إلى ما سواه فهو كذا.\nويَرِدُ عليه أن الحمل على المعنى الشرعي أظهر وأنسب لكلام الشارع، ولا يُخل بالتفصيل المذكور، فإن المعنى أن الأعمال محسوبة ومربوطة بالنية الشرعية، فما وجد فيه ذلك فهو مقبول، وما لم يوجد فهو مردود وغير معتدٍّ به، وبهذا المعنى صح كونه تفصيلًا لذلك الإجمال، وهذا ظاهر.\nوقيل: إن قوله: (فمن كانت هجرته. . . إلخ) تفصيل جملة (وإنما لامرئٍ ما نوى) لا لقوله: (إنما الأعمال بالنيات)، وفيه: أنه على القول بكون الجملة الثانية تأكيدًا للأولى لا ينفع هذا الكلام، وعلى القول بكونه تأسيسًا لا تأكيدًا أيضًا غير نافع لكونه مشتملًا على ذكر النية، فإن حمل على المعنى اللغوي فذاك، وإن كان محمولًا على المعنى الشرعي فالمحذور لازم، فالجواب هو الأول لا غير، وسيجيء بيان الفرق بين الجملتين فانظر ثمة.\nوالباء في قوله: (بالنيات) يحتمل أن يكون للمصاحبة فيفيد وجوب استصحاب النية للعمل، لكنهم فضلوا مواضع النية، فمنها ما تجب مقارنتها للعمل كنية الصلاة.\nومنها: ما يجوز تقديمها عليه كالصيام، وقد تقع في بعض الأحوال على إبهام، ثم يقع التعيين فيما بعد، كمن عليه كفارتان من قتل وظهار، فاعتق رقبة ونوى بعده لأحدهما، فينبغي أن يكون الاستصحاب الذي هو مدلول الباء ما هو أعم من المقارنة،","vol":"1","page":175},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوإن كان بمعنى المقارنة فيقال: المراد الاستصحاب حقيقة أو حكمًا، وفي صورة التقديم والتأخير كما ذكر مستصحب حكمًا.\nوقيل: الأولى أن يكون للاستعانة؛ لأن الحمل على الاستصحاب يشعر بوجوب استصحاب النية، ووجودِها إلى آخر العمل، ولم يقل به أحد، وجوابه ما ذكرنا من إرادة الاستصحاب أعم من أن يكون حقيقة أو حكمًا بأن لا يطرأ عليه ما يناقضه، وهذا شرط اتفاقًا.\nويحتمل أن يكون للسببية، لأن النية لما كانت مقوِّمة للعمل ومحصِّلة له من جهة الاعتداد به، فكأنها سبب في إيجاده، ومتعلق الجار والمجرور هو الحصول والاستقرار كما هو المقدر في الظرف المستقر، لكن الاستقرار والحصول ههنا باعتبار الصحة والثواب، وما ذكره الشارحون من أن المحذوف مثل: تُعتبر أو تَكمل أو تصح، فراجع إلى ما ذكرنا، فافهم.\nوالألف واللام في (النيات) بدل عن الإضافة، والتقدير: أي الأعمال بنياتها، فدل على اعتبار نية العمل بخصوصه من كونه صلاة أو غيرها، وكونه فرضًا أو نفلًا، وكونه ظهرًا أو عصرًا، وهل يُحتاج في مثل هذا إلى تعيين العدد؟ ففيه نظر، والراجح الاكتفاء بتعيين العبادة التي لا تنفك عن العدد المعين، نعم جوزوا النفل بنية مطلقة، وتمامه في الفقه.\nواعلم أن النية المعتبرة في جميع العبادات -بل وغيرها من مواضع النية- إنما هي بالقلب لأنها فعل القلب دون اللسان، فلو تلفظ بالألفاظ الدالة على النية مع غفلة القلب عنها لم تعتبر، ولو حصلت بالقلب من غير تلفظ فهي معتبرة بلا خلاف، بل لو","vol":"1","page":176},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nخالف اللسانُ القلبَ لم يضر في حصول النية ووجودها.\nواختلف العلماء في التلفظ بما يدل على النية في الصلاة مثلًا بعد الاتفاق على أن الجهر بذلك غير مشروع، ولا ينبغي لأحد أن يجهر بألفاظ النية سواء كان إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا، فقيل: التلفظ بالنية شرط لصحة الصلاة، وهذا القول شاذ بل باطل، والأكثر على أن التلفظ بما يدل على النية مستحب لتحصل المواطأة بين القلب واللسان، وذلك أفضل، وأيضًا يسهل عند التلفظ تعقل معنى النية واستحضارها في القلب.\nوقيل: لا يجوز التلفظ بالنية بمعنى أن ذلك خلاف السنة إذ لم ينقل ذلك من النبي -ﷺ- وأصحابه ومن تبعهم، وقد ثبت في الصحيح أن رسول اللَّه -ﷺ- إذا قام للصلاة قال: اللَّه أكبر، ولو كان يقول شيئًا قبلُ لروي ذلك، وقد صح أنه -ﷺ- لما أمر الرجل الذي لم يحسن صلاته بالإعادة، قال: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، والفاء تدل على تعقيب التكبير بالقيام من غير تراخ من غير أن يتخلل بنيهما شيء آخر، وقال أبو داود: وسألت محمد بن إسماعيل أنك تقول قبل التكبير شيئًا؟ قال: لا، والاتباع كما يكون في الفعل يكون في الترك، فمن واظب على ما لم يفعله الشارع فهو مبتدع، كذا قال المحدثون.\nالثالث: في قوله: و(إنما لامرئ ما نوى) وفي رواية: (وإنما لكل امرئ ما نوى) والامرئ الرجل، وفيه لغتان: امرئ على وزن زِبْرِج، ومَرْء على وزن فاس، ولا جمع لهذه الكلمة من لفظه، وعينه تابع للامه في الحركات الثلاث: الرفع والنصب والجر، وهو من الغرائب، وفي مؤنثه أيضًا لغتان امرأة ومرأة، وفي الحديث استعملت على اللغة الأولى مذكرًا ومؤنثًا، والظاهر أن هذه الجملة تأكيد للجملة السابقة، وفيه تحقيق لاشتراط النية والإخلاص وتقرير له، وقال بعضهم: بل تأسيس تفيد ما لا تفيده","vol":"1","page":177},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالأولى، ووجهوه بوجوه لا يخلو أكثرها عن شيء.\nأحدها: أن الجملة الأولى تفيد أن صحة العمل أو ثوابه منوط بالنية، وهذه الجملة الثانية تبين أن تعيين المنوي على وجه يتميز عن غيره شرط، كمن عليه صلوات فائتة لا يكفيه أن ينوي الفائتة منها لا على التعيين حتى يعينها ظهرًا أو عصرًا مثلًا، نعم إن كانت فائتة واحدة يكفيه أن ينوي الفائتة من غير تعيين ظهر أو عصر، وهذا التعيين يستفاد من لفظ (ما نوى) بخلاف الجملة الأولى، فليس فيها ما يفيده، وقيل: كأن هذا القائل استنبط هذا المعنى من (ما) الموصولة لأنها من المعارف المفيدة للتعيين، وفيه: أن هذا المعنى يفهم من الجملة الأولى أيضًا؛ لأن مقابلة الجمع بالجمع يقتضي انقسام الأحاد على الأحاد، فالمعنى: أن كل فرد من أفراد العمل معتبر ومحسوب بنية ذلك الفرد، وأيضًا قد ذكرنا أن اللام بدل عن المضاف إليه، أو نقول: اللام للعهد على ما هو الأصل فيها، بل ذكر صاحب (المفتاح): أن أصل وضع لام التعريف للعهد، فتدبر.\nوثانيها: أن الجملة الأولى دلت على أن العمل يتبع النية ويصاحبها، فيترتب الحكم على ذلك، والثانية أفادت أن العامل لا يحصل له إلا ما نواه.\nوثالثها: أن الجملة الثانية تقتضي أن من نوى شيئًا يحصل له، يعني: إذا عمله بشرائطه أو حال دونه ما يعذر به شرعًا، وكل ما لم ينوه لم يحصل له، ولا يخفى أن هذين الوجهين يفيد التغاير بين مفهومي الجملة بحسب الظاهر، ولكن بحسب المآل واحد، ولا يبعد استفادة هذين المعنيين من الأولى أيضًا، وبهذا الاعتبار جعل من جعل الثانية مؤكدة للأولى ومحقِّقة لها.","vol":"1","page":178},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوههنا فائدة ينبغي أن ينبّه عليها وهي: أنه قد تكون نية عامة شاملة لخصوصيات تندرج تحتها وتحصل في ضمنها من غير أن يكون للعامل نية فيها فهل يحصل له ثوابها؟ اختلف فيه أنظار العلماء، فبعضهم يقولون: يحصل؛ لاندارجها تحت النية العامة، وقال بعضهم: لا يحصل؛ لأنه لم ينو في الخصوصيات، وظاهر هذا الحديث يدل عليه، ويؤيد الأول (١) حديث: (الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما الذي له أجر فرجل ربطها في سبيل اللَّه فأطال لها في مرج أو روضة، فما أصابت في طيلها ذلك من المرج والروضة كانت له حسنات، ولو أنها قطعت طيلها فاستنت شرفًا أو شرفين كانت أرواثها وآثارها حسنات له، ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقيها كان ذلك له حسنات) (٢)، الحديث.\nوقد يحصل ثواب تحية المسجد وإن لم ينوها لأن المقصود بالتحية شغل البقعة، وقد حصل، وهذا بخلاف من اغتسل يوم الجمعة عن الجنابة؛ فإنه لا يحصل له ثواب غسل الجمعة على الأرجح، لأن غسل الجمعة ينظر فيه إلى التعبد لا إلى محض التنظيف فلابد [فيه] من القصد إليه بخلاف تحية المسجد، كذا في (فتح الباري) (٣).\nورابعها: أن الجملة الثانية أفادت التعميم المستفاد من كلمة (ما)؛ لأنها من صيغ العموم، ولما أشار في الجملة الأولى إلى أن صحة الأعمال الشرعية أو ثوابها يتوقف على النية عمم في الثانية على وجه أفادت أن الحاصل لكل شخص من كل عمل\n_________\n(١) انظر: \"مرفاة المفاتيح\" (١/ ٤٥).\n(٢) أخرجه \"البخاري\" (٢٨٦)، و\"مسلم\" (٩٨٧).\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ١٤).","vol":"1","page":179},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nيعمله ما نواه، سواء كان خيرًا أو شرًّا، محمودًا أو مذمومًا، فرضًا كان أو مندوبًا، محرمًا أو مكروهًا، أفعالًا كانت أو تروكًا، عبادات كانت أو عادات، في كل ذلك يحصل له الثواب إذا نوى، لأن المباحات تصير في حكم المندوبات بإقران نية التقرب إلى اللَّه، مثل الأكل والشرب بنية القوة في عبادة اللَّه، وأمثال ذلك، وأنت خبير بأن هذا المعنى يستفاد من الجملة الأولى أيضًا بحمل اللام على الاستغراق، اللهم إلا أن يفرق بكونه مستفادًا من الثانية صريحًا نصًّا، وفيه ما فيه، ومع ذلك لا يخرجه عن كونها تأكيدًا للأولى.\nوخامسها: أنه أفادت الثانية أن النيابة لا تصح في النية على ما أفاده قوله: (ما نوى)، والجملة الأولى عارية عن الدلالة عليه.\nوسادسها: أن الجملة الأولى لبيان ما يعتبر من الأعمال، والثانية لبيان ما يترتب عليها.\nوسابعها: أن الثانية أفادت أن العمل إذا كان مشتملًا على جهات متعددة من الخير يحصل للعامل ثواب ما نوى من تلك الجهات دون الأخرى، مثلًا إذا أعطى فقيرًا قريبًا له: إن أعطاه من جهة فقره، ولم يخطر قرابته له ولم ينوها، يحصل له ثواب الصدقة فقط، وإن أعطاه لأجل القرابة وصلة الرحم ولم تخطر حيثية فقره، يحصل له ثواب الصلة فقط، وإن نواهما يحصل ثوابهما معًا، والجملة الأولى لا تفيد هذا المعنى.\nوهكذا قد يحصل للشخص بواسطة النية في عمل واحد أنواع من الثواب، ويحرز جميعها بالنية، كالجلوس في المسجد عمل واحد، ويمكن حصول خيرات كثيرة وحسنات متعددة بالنية:","vol":"1","page":180},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالأول: أن المسجد بيت اللَّه تعالى وتقدس، فالداخل فيه يكون في حكم الزائر له تعالى، فينوي زيارة مولاه الكريم رجاء في إيفاء وعده، فقد ورد: (من قعد في المسجد فقد زار اللَّه، وحق على المزور إكرام زائره) (١).\nالثاني: انتظار الصلاة بجماعة، وورد في الصحيح: (أن الرجل في الصلاة ما دام منتظرًا لها)، وهو معنى المرابط المأمور بها بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠] عند بعض المفسرين، وقد ورد في الصحيح: (ألا أدلكم على ما يمحو اللَّه به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول اللَّه! قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط) (٢)، وقد جاء من الكفارات المكث في المسجد.\nالثالث: قصد حفظ السمع والبصر وسائر الأعضاء من المحظورات والمنهيات على ما هو شأن المؤمن المتقي، ومقتضى ذلك المكانِ الشريف، الذي لا يحصل غالبًا في الأسواق والطرق وسائر المواضع، فقد ورد في الأخبار: (المسجد بيت كل تقي) (٣).\nالرابع: اطمئنان القلب، والحضور مع اللَّه، وعدم تفرقة الخواطر وتشتت البال، الذي لا يحصل في غير هذا المكان، وربما يتشرف فيه بالتجلي الذاتي، وقد ورد:\n_________\n(١) قال العراقي في \"تخريج أحاديث الإحياء\" (٤/ ١٦٨): أخرجه ابن حبان في \"الضعفاء\" من حديث سلمان.\n(٢) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (٣٨٤)، و\"مسلم\" (٢٥١).\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٢٠٠٢٩)، والطبراني في \"الكبير\" (٦/ ٢٥٤، رقم: ٦١٤٣).","vol":"1","page":181},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n(المؤمن في المسجد كالسمك في الماء (١».\nالخامس: نية الاعتكاف، وقالوا: إنه ينبغي للرجل أن ينوي كلما دخل المسجد الاعتكاف، فإنه جائز على قول من يقول: أقله ساعة، ولا يشترط فيه الصوم، فيحصل له ثوابه، ويباح بعض ما لا يباح لغير المعتكف من الأعمال في المسجد، وهذا العمل مما يغفل عنه أكثر الناس مع كونه يسيرًا حاصلًا بلا تكلف.\nالسادس: يحصل ثواب الصلاة على النبي -ﷺ-، وهو مسنون في وقت الدخول في المسجد والخروج عنه، فقد صح أن له ثوابًا عظيمًا كثيرًا، ويحصل أيضًا ثواب الأدعية المأثورة عند الدخول والخروج.\nالسابع: التجرد لذكر اللَّه عزّ شأنه، أو استماع الذكر من غيره، أو تذكير الغير وترغيبه إليه بالقول والعمل، وجاء في الأخبار: (من غدا إلى المسجد يذكُر اللَّه ويذكِّر به كان كالمجاهد في سبيل اللَّه) (٢).\nالثامن: ثواب الحج والعمرة فقد ورد: (من توضأ وراح إلى المسجد وصلى فيه كان له ثواب الحج والعمرة) أو كما قال.\nالتاسع: قصد التعليم والتعلم، أو أمرٍ بالمعروف ونهي عن المنكر؛ لأنه قد حصل هذا في المسجد من جهة اجتماع أنواع الناس فيه.\nالعاشر: قصد زيارة أخ في اللَّه تعالى والتبرك والانتفاع بصحبته.\n_________\n(١) ذكره العجلوني في \"كشف الخفاء\" (٢٦٨٩)، وقال: لم أعرفه حديثًا وإن اشتهر بذلك.\n(٢) ذكره العراقي في \"تخريج أحاديث الإحياء\" (٤/ ١٦٨)، وقال: هو معروف من قول كعب الأحبار.","vol":"1","page":182},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالحادي عشر: قصد السلام أو رده على من كان في المسجد من المسلمين أو دخله.\nالثاني عشر: قصد التفرغ للفكر في أحوال النفس وأمور الآخرة والاستغفار، والاحتراز عن اللهو واللغو وذكر الدنيا وما لا يعنيه.\nومثل هذا: التطيبُ سواء كان يوم الجمعة أو غيرها؛ فإن فيه اتباع سنة رسول اللَّه -ﷺ- وكان الطيب محبوبًا له -ﷺ- وقال: (حُبِّب إليّ من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء. . .) (١) الحديث، وقصد تعظيم المسجد، ودفع الروائح الكريهة المؤذية من نفسه ومن غيره، وترويح جلسائه من الملائكة وبني آدم، وقصد سد باب الغيبة على من يغتاب له بالرائحة الخبيثة حتى لا يقع في المعصية لغيبته، وقصد معالجة الدماغ وزيادة الفطنة والذكاء ودرك العلوم الدينية والمعارف اليقينية، وإذا نوى في التطيب هذه الأمور حصل له الثواب وصارت العادة عبادة، وإن تطيب بمجرد لذة جسمانية وشهوة نفسانية حُرم الثوابَ بل قد يستحق العقاب، وأمثال هذه الأعمال والنيات كثيرة لا يخفى استنباطها على المستنبطين من أهل النية والذكاء.\nوثامنها: أن الجملة الثانية أفادت أن النية إنما تشترط في العبادة التي لا تتميز بنفسها، وأما ما يتميز بنفسه فإنه ينصرف بصورته إلى ما وضع له كالأذكار والأدعية والتلاوة؛ لأنها لا تتردد بين العبادة والعادة، ولا يخفى أن ذلك إنما هو بالنظر إلى أصل الوضع، وأما ما حدث فيه عرف -كالتسبيح للتعجب- فلا، ومن ثم قال الغزالي: حركة اللسان بالذكر مع الغفلة عنه يحصل الثواب؛ لأنه خير من حركة اللسان بالغيبة، بل هو\n_________\n(١) أخرجه النسائي (٣٩٤٠)، وأحمد (٢/ ٢٨٥)، والحاكم (٢٦٢٧) بدون لفظ \"ثلاث\".","vol":"1","page":183},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nخير من السكوت مطلقًا، أي: المجرد عن التفكر، قال: وإنما هو ناقص بالنسبة إلى عمل القلب، ويؤيده قوله -ﷺ-: (في بضع أحدكم صدقة)، ثم قال في الجواب عن قولهم: (أيأتي أحدنا شهوته ويؤجر؟): (أرأيت لو وضعها في حرام؟) وأورد على إطلاق الغزالي أنه يلزم منه أن المرء يثاب على فعل مباح لأنه خير من الفعل الحرام، كذا في (فتح الباري) (١).\nقال العبد الضعيف -صانه اللَّه عما شانه-: إن الأذكار والأدعية والتلاوة، وإن كانت لا تتردد بين العبادة والعادة صورة، ولا يحتاج في ذلك إلى النية، ولكن لابد في كونها عبادة مقبولة مثابًا عليها من نية التقرب إلى اللَّه والإخلاص فيها، بل لا عبادة حقيقة لو تمحضت رياء وسمعة، فلا يكفي في حصول الثواب كونها في صورة العبادة دون العادة.\nوتاسعها: قال الكرماني (٢): فهم من الأولى أن الأعمال لا تكون محسوبة ومسقطة للقضاء إلا إذا كانت مقرونة بالنيات، ومن الثاني أن النيات إنما كانت مقبولة إذا كانت مقرونة بالإخلاص، انتهى. وهذا مبني على أن لا يقدر ثواب الأعمال، وعلى الفرق بين النية والإخلاص، فافهم.\nالرابع: في قوله: (فمن كانت هجرته إلى اللَّه وإلى رسوله فهجرته إلى اللَّه وإلى رسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه)، وفي بعض الروايات بترك (إلى) في قوله: (ورسوله) شرطًا وجزاءً، وفي الشرط دون\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ١٤).\n(٢) \"شرح الكرماني\" (١/ ٢٣).","vol":"1","page":184},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالجزاء، وباللام الجارة مكان (إلى) في الثاني شرطًا، فإما أن يكون للتعليل أو بمعنى إلى.\nوالهجرة: الترك والقطع، وفي عرف الشرع: الخروج من أرض إلى أرض لوجه اللَّه تعالى وابتغاءً لمرضاته.\nوقد وقعت الهجرة في الإسلام على وجهين:\nالأول: الانتقال عن دار الخوف إلى دار الأمن كما في هجرة الحبشة التي وقعت في ابتداء الإسلام، هاجر إليها بعض الصحابة، وكالهجرة من مكة إلى المدينة من بعض الصحابة قبل هجرة النبي -ﷺ- إليها واستقرار أمر الإسلام.\nوالثاني: الانتقال من دار الكفر إلى دار الإسلام، وذلك بعد استقراره -ﷺ- بالمدينة وهجرة المسلمين إليها من مكة وغيرها، وكانت الهجرة إذ ذاك شاعت وتخصصت بالانتقال من مكة إلى المدينة، إلى أن فتحت مكة، فارتفع الاختصاص، وحديث: (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية) المراد به: لا هجرة بعد فتح مكة منها؛ لأنها صارت دار الإسلام، وبقي عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه، وهو المراد من قوله -ﷺ-: (لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة)، والمراد ههنا: الانتقال من الوطن إلى غيره، سواء كان من مكة أو غيرها إلى المدينة أو إلى غيرها، أعم من أن يكون لرضاء الحق أو لا، ليشتمل الهجرة إلى الدنيا والامرأة.\nوسبب ورود الحديث وإن كان خاصًا لكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهو ما نقلوا: أن رجلًا هاجر من مكة إلى المدينة لا يريد بذلك فضيلة الهجرة، وإنما هاجر ليتزوج امرأة تسمى أم قيس، ولهذا خص في الحديث ذكر المرأة دون","vol":"1","page":185},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nما ينوى كما سيأتي، على أن كلام الشيخ (١) وغيره ينظر إلى التردد في صحة هذه القصة، واللَّه أعلم.\nوههنا نوع آخر من الهجرة المستحقُّ لأنْ يكون هو حقيقة الهجرة، وهي هجران ما نهى اللَّه عنه والخروج عن موطن الطبيعة، ووقع في الحديث: (المهاجر من هجر ما نهى اللَّه عنه) أي: المهاجر الكامل الحقيقي.\nوههنا سؤال مشهور، وهو أن الشرط والجزاء يجب أن يكونا متغايرين، فلا يقال: من أطاع أطاع، وإنما يقال: من أطاع نجى، وقد وقعا متحدين في الحديث، والجواب أنهما [قد] يكونان متغايرين لفظًا، وقد يكونان متغايرين معنى، وههنا وإن اتحدا لفظًا فقد تغايَرا معنى، فالمراد: من كانت هجرته إلى اللَّه ورسوله قصدًا ونية فهجرته إلى اللَّه ورسوله ثوابًا وأجرًا، أو المراد: من كانت هجرته إلى اللَّه ورسوله فهجرته مقبولة، وذلك بوجهين: إما أن يجعل كون الهجرة للَّه ولرسوله الذي وقع في جانب الجزاء كنايةً عن كونها مقبولة أو مجازًا بذكر السبب مقام المسبَّب، أو يقدر (مقبولة) خبرًا عن المبتدأ، وقد يقال: إذا اتحد الشرط والجزاء بحسب الظاهر كان المراد المبالغة والتعظيم كما في قول الشاعر:\nخليلي خليلي دون ريب وربما ... ألان امرؤ قولًا فَظُنّ خليلا\nأي: خليلي خليل عظيم لا أشك في خلته قد بلغ الكمال في خلتي وصداقتي، وكقولهم: شعري شعري أي: شعر عظيم متصف بكمال الفصاحة، فيكون معنى الحديث على وزانه: من قصد الهجرة إلى اللَّه ورسوله كانت هجرته كاملة عظيمة يترتب\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ١٠).","vol":"1","page":186},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعليها ثواب عظيم كامل.\nوقوله: (إلى اللَّه) و(إلى دنيا)، إما متعلق بالهجرة إن كان لفظ كان تامة، أو خبر لـ (كانت) إن كانت ناقصة، والمراد به أصل الكون والوجود من غير تقييد بزمان من الأزمنة الثلاثة فيشمل الأزمنة كلها، فلا يحتاج إلى قياس أحد الزمانين على الآخر، أو القول بأنه قد علم بالإجماع على أن حكم المكلفين على السواء إلا بعارض.\nو(دنيا) بضم الأول، وحكي عن ابن قتيبة كسرها مقصورًا غير منون؛ لأنه غير منصرف لألف التأنيث مثل حبلى، وقد وقع في كلام بعض الشارحين أنه غير منصرف لاجتماع أمرين: الوصفية، والثاني لزوم حرف التأنيث، ولعل الوصفية لأنه تأنيث (أدنى) أفعل التفضيل من الدنو، وهذا في الأصل، وقد صارت اسمًا لما بين السماء والأرض من الجو، أو كل المخلوقات من الجواهر والأعراض، أو لما يصدّ عن اللَّه من الأموال والأهل والأولاد، أو لجميع ما سوى اللَّه كالعالم لدنوها من الزوال، أو للانحطاط من العالم الأعلى، أو لدناءتها وخساستها، ولكن لا يخفى أنه لا حاجة إلى اعتبار الوصفية مع ألف التأنيث لقيامها مقام العلتين، فقد وقع هذا سهوًا من قائلها.\nهذا وقد حكي تنوينها، وهو مشكِلٌ لا يظهر وجهه، وقال الشيخ (١): وعزاه ابن دحية إلى رواية أبي الهيثم الكشميهني وضعفها، وحكي عن ابن مغور أن أبا ذر الهروي في آخر أمره كان بحذف كثيرًا من رواية أبي الهيثم حيث ينفرد؛ لأنه لم يكن من أهل العلم، قال: وهذا ليس على إطلاقه، فإن رواية أبي الهيثم في مواضع كثيرة أصوب من رواية غيره، انتهى.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ١٧).","vol":"1","page":187},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقلت: لعله حذف فيما يتعلق بعلم الإعراب كما يدل عليه سياق كلامه، وأما بحسب حفظ الحديث وألفاظه فلعله يكون أجود وأصوب، وبالجملة لا يظهر وجه تنوين دنيا، اللهم إلا أن يكون لتناسب قوله: (أو امرأة) مثل ﴿سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا﴾، واللَّه أعلم.\nثم يقال: كان الظاهر استعمالها بالألف واللام لكونه اسم تفضيل كالكبرى والحسنى، إلا أنها خلعت عنها الوصفية رأسًا وأجرت مجرى ما لم يكن وصفًا، فتدبر.\nوقوله: (يصيبها) أي: يحصِّلها ويصل إليها، إما صفة لـ (دنيا) أو استئناف، قالوا: شبَّه تحصيلها عند امتداد الأطماع إليها بإصابة السهم بالغرض بجامع سرعة الوصول وحصول المقصود، ووجهُ تخصيص ذكر المرأة بعد ذكر الدنيا مع كونها داخلة فيها لعمومها، إما لزيادة الاهتمام في التحذير، لأن الافتتان بها أشد، أو لأن سبب ورود الحديث قصة مهاجر أم قيس، وحكى ابن بطال (١) عن ابن سراج: أن السبب في تخصيص المرأة بالذكر أن العرب كانوا لا يزوجون الموالي المرأة العربية ويراعون الكفاءة في النسب، فلما جاء الإسلام سوى بين المسلمين في مناكحتهم، فهاجر كثير من الناس إلى المدينة طمعًا في تزوج النساء.\nوقوله: (فهجرته إلى ما هاجر إليه) بيان التغاير بين الشرط والجزاء فيه على قياس ما سبق في الوجوه، غير أنه أبهم ههنا ولم يذكر الدنيا ولا المرأة صريحًا، استهجانًا لتصريح ذكرهما وتعميمًا للمطالب كلها، لأنها كثيرة، وصرح بذكر اللَّه ورسوله استلذاذًا\n_________\n(١) \"شرح ابن بطال\" (١/ ٣٢)، و\"فتح الباري\" (١/ ١٧).","vol":"1","page":188},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبذكرهما وتبركًا به، ثم لا يخفى أن المراد (ومن كانت هجرته إلى دنيا أو إلى امرأة) فقط، أي: من غير مدخليةِ قصدِ الهجرة إلى اللَّه ورسوله، وإن كان أعم من ذلك بأن يكون في نيته مزجٌ وشوب، فالثواب بحسب النية وعلى قدرها على القول المختار، وإن قيل بأنه لا ثواب في صورة الشركة على ما يقتضيه ظواهر الأحاديث، اللهم إلا أن يكون قصد الثواب غالبًا، وتمام تفصيله في بحث الرياء، وهذا أيضًا يصلح وجهًا للإبهام في قوله: (إلى ما هاجر إليه)، واللَّه أعلم (١).\n* * *\n_________\n(١) واختار الغزالي فيما يتعلق بالثواب أنه إن كان القصد الدنيوي هو الأغلب لم يكن فيه أجر، أو الديني أجر بقدره، وإن تساويا فتردد القصد بين الشيئين فلا أجر، وأما إذا نوى العبادة وخالطها شيء مما يغاير الإخلاص، فقد نقل أبو جعفر بن جرير الطبري عن جمهور السلف أن الاعتبار بالابتداء، فإن كان ابتداؤه للَّه خالصًا لم يضره ما عرض له بعد ذلك من إعجاب وغيره. \" فتح الباري\" (١/ ١٨).","vol":"1","page":189},{"text":"(١) كتاب الإيمان","vol":"1","page":191},{"text":"(١) كتاب (١) الإيمان\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>١ - كتاب الإيمان</span>\nالإيمان في أصل اللغة (إفعال) من الأمن متعدٍّ بنفسه، يقال: آمنه: جعله آمنًا، كقوله: والمؤمن العائذات الطير يمسحها (٢)، وقد نقل إلى معنى التصديق متعديًا بالباء باعتبار تضمين معنى الاعتراف، وباللام باعتبار معنى الإذعان، ثم نقل في الشرع إلى تصديق فيما أخبر، إما وحده وهو مذهب المحققين، أو مع الإقرار إن لم يمنع منه مانع، وهو قول الجمهور، أو مع الإقرار والعمل عند المعتزلة، وأما ما يحكى من المحدثين من أن الإيمان اعتقاد بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان، فالمراد الإيمان الكامل لا أصله كما اشتبه على أقوام من النظر في ظواهر عباراتهم، وقد صرحوا بما ذكرنا.\nوثمرة الاختلاف في كون الإقرار جزءًا من حقيقة الإيمان أم لا، تظهر في أن من\n_________\n(١) الكتاب إما مأخوذ من الكتب بمعنى الجمع، أو الكتابة، والمعنى هذا مجموع أو مكتوب في الأحاديث الواردة في الإيمان، وإنما عنون به مع ذكره الإسلام أيضًا؛ لأنها بمعنى واحد في الشرع. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٠٧).\n(٢) هو قول الشاعر النابغة، وتمام البيت:\nوالمؤمِنِ العائذَاتِ الطير يَمْسَحُهَا ... رُكْبَانُ مَكَّةَ بَيْنَ الغِيلِ والسَّنَدِ\nانظر: \"مجمع الأمثال\" (١/ ٨٧).","vol":"1","page":193},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nحصل له التصديق القلبي، ولم يقرّ مع قدرته عليه، ولم يأت بما ينافي التصديق؛ كان مؤمنًا عند اللَّه وإن لم تجر عليه أحكام الإيمان في الدنيا عند من لا يقول بجزئيته، ولا يكون مؤمنًا عند من يقول بها.\nوههنا قسم آخر: وهو من حصل له التصديق والإقرار والعمل، ومع ذلك شدّ الزُّنَّار وسجد للصنم أو نحوهما مما جعله الشارع علامة التكذيب والإنكار؛ فهو كافر في الشرع إما في الظاهر أو عند اللَّه، فيه قولان، واللَّه أعلم.\nثم التصديق المعتبر في الإيمان هو التصديق المنطقي بعينه، إلا أنه يجب أن يحصل بالاختيار؛ لأن الإيمان مكلّف به، وقد يقع التصديق المنطقي من غير اختيار؛ كما إذا شاهد المعجزة فوقع في القلب صدق النبي؛ لأن لشهود المعجزة تأثيرًا طبعيًا في حصول التصديق، وليس بمعتبر في الإيمان؛ لحصوله لكل أحد من الكفار حتى يلتزمه ويختاره ويتثبت عليه، ويجب أيضًا أن يحصل الإذعان والقبول بحيث يقع عليه اسم التسليم والطمأنينة على ما صرح به الإمام الغزالي، حتى يخرج منه حال أهل العناد والاستكبار، فإن التصديق المنطقي حاصل لهم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ١٤٤]، وليس الحاصل لهم المعرفة والعلم التصوري فقط كما توهم؛ لأن اليقين من أقسام التصديق، وقوله: ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ صريح في ذلك مع أنهم لا يوصفون بالإيمان، فعلم أن التصديق الإيماني يعتبر معه شيء آخر المعبر عنه بالتسليم والإذعان، وهو حالة في نفس المصدّق تنافي الجحود والعناد، وتبعثه على الانقياد والاستسلام، وترك التمرُّد والإباء، وعدم وجدان الحرج في النفس على ما يشعر به قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]،","vol":"1","page":194},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-198> الفصل الأول:</span>\n٢ - [١] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- قَالَ: . . . .\nــ\nوليس المعاند بهذه الصفة.\nفإن قلت: إنهم يعتبرون الإذعان والقبول في التصديق المنطقي أيضًا، كما وقع في عبارات المنطقيين، فما الزائد عليه المعتبر في التصديق الإيماني؟ .\nقلت: الإذعان المعتبر في التصديق المنطقي وهو بمعنى رجحان جانب الإيقاع أو الانتزاع الذي يخرج به الذهن عن حالة التردد والتساوي، ولذا قالوا: أقل مراتب التصديق الظن والرجحان، والإذعان المعتبر في التصديق الإيماني بمعنى آخر يعبر عنه بالتسليم والانقياد والتثبت الحاصل لغير المعاند، فالحاصل أن التصديق الإيماني هو التصديق المنطقي مع زيادة قيد الاختيار والتسليم، هذا هو الكلام المحرر المنقّح عند أهل التحقيق (١)، فافهم، وباللَّه الاستعانة، ومنه التوفيق.\nالفصل الأول\n٢ - [١] قوله: (عن عمر بن الخطاب -﵁-) اعلم أن المؤلف كما بدأ الكتاب بحديث: (إنما الأعمال بالنيات) الذي مبنى جميع الطاعات وأصل الأعمال، بدأ كتاب الإيمان بحديث جبرئيل الذي يسمّى أمّ السنة وأمّ الأحاديث وأمّ الجوامع؛ لكونه مضمَّنًا لجميع أحكام السنة وجميع العلوم الذي تتضمنه الأحاديث، كما تسمّى فاتحة الكتاب بأم القرآن؛ لاشتماله على جميع مقاصده (٢)، واتفق العلماء على صحة هذا الحديث،\n_________\n(١) انظر: \"فتح الملهم\" (١/ ٣٠١ - ٣٢٠) فيه بحث دقيق ولطيف حول هذا الموضوع.\n(٢) أي: عَلَى الْمَعَانِي الْقُرْآنِيةِ وَالْحِكَمِ الْفُرْقَانِيَّةِ بِالدَّلَالَاتِ الإِجْمَالِيَّةِ، فَحَدِيثُ: \"إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ\" بِمَنْزِلَةِ الْبَسْمَلَةِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ بِمَنْزِلَةِ الْفَاتِحَةِ الْمُصَدَّرَةِ بِالْحَمْدَلَةِ، وَهَذَا وَجْهٌ وَجِيهٌ، =","vol":"1","page":195},{"text":"يْنَمَا نَحْنُ. . . .\nــ\nورواه البخاري ومسلم وغيرهما من أئمة الحديث بطرق مختلفة من الصحابة، وأورده المؤلف عن عمر بن الخطاب من رواية مسلم، وهو من أفراده؛ لأن البخاري لم يخرجه عن عمر، وإنما أخرج هو ومسلم عن أبي هريرة نحوه.\nوقوله: (بينما) (١) اعلم أن (بين) لازم الإضافة، والأصل فيها الإضافة إلى المفرد، لكنها مع (ما) الكافة، أو ألف الإشباع تكون مضافة إلى الجملة، فعلية كانت أو اسمية، والتخصيص بالاسمية -كما قال الخيالي (٢) - محل نظر، إلا أن يكون باعتبار الأكثر، وفيهما معنى المجازاة، فلابد لها من جواب، والجواب قد يكون مع (إذ) و(إذا) للمفاجأة، وقد يكون مجردًا عنهما، فإن كان مجردًا عنهما؛ فهو العامل فيها؛ كقول الشاعر:\nوبينا نحن نرقبه أتانا\nوإن لم يتجرد؛ فالعامل معنى المفاجأة المفهوم من (إذ) و(إذا) كما في الحديث، ولم يجعلوا الجواب عاملًا على هذا التقدير، لئلا يلزم تقدم ما في صلة المضاف إليه على المضاف؛ لأن (إذ) و(إذا) مضافان إلى الجملة بعدهما.\nوقوله: (نحن) الظاهر بل المتعين أن المراد به جماعة من الصحابة، وحمله على\n_________\n= وَتَنْبِيهٌ نبِيهٌ لِاخْتِيَارِهما فِي صَدْرِ الْكِتَابِ، وَمَفْتَتَحِ الأَبْوَابِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٦٥).\n(١) (بينا) و(بينما) من حروف الابتداء على قول الجمهور، فيقع بعدهما المسند إليه والمسند، وقد يقع بعد (بينا) الفعل، قال الشاعر: فبينا يمشيان جرت عقارب، انظر: \"ضوء المشكاة\" (١/ ٥) مخطوطة.\n(٢) هو أحمد بن موسى الخَيَالي، شمس الدين، متكلم فقيه أصولي، كان مدرسًا بالمدرسة السلطانية في بروسة (بتركيا) ثم في أزنيق، له كتب منها: \"حاشية على العقائد النسفية\"، توفي في حدود (٨٨٦ هـ). انظر: \"معجم المؤلفين\" (٢/ ١٨٧)، و\"الأعلام\" (١/ ٢٦٢).","vol":"1","page":196},{"text":"عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ،\nــ\nتعظيم المتكلِّم نفسه كما قيل على الاحتمال بعيد وأبعد.\nوقوله: (عند) ظرف مكان غير متمكن، ولا يدخل عليها حروف الجر سوى (من)، وهو يعمُّ في الشيء المملوك الحاضر والغائب، بخلاف (لدى)؛ فإنه يختص بالحاضر، ثم اتسع في المملوك وغيره تشبيهًا له بذلك.\nوقوله: (ذات (١) يوم) صفة لموصوف مقدر مؤنث؛ كمدة أو نحوها، والإضافة من قبيل إضافة المسمى إلى الاسم، أي: مدة ذات هذا الاسم؛ أي: يومًا، ونحوه قولهم: ذات مرة، وأما ذات الصدور؛ فبمعنى الأحوال التي فيها؛ أي مضمراتها، ونحوه: ذات بينكم، والبين اسم للحالة التي بين شخصين؛ أي إصلاح أحوال بينكم حتى تكون أحوال ألفة ومحبة واتفاق، والمراد بذات اليد ما يملكه الرجل من مال وأثاث، و(ذات) في هذه المواضع مؤنث.\nوقوله: (إذ طلع) (٢) فيه استعارة تبعية تشبيهًا لظهوره بغتة في أبهة وجلالة بطلوع الشمس والكواكب.\n_________\n(١) وفي \"التقرير\": \"ذات\" زائد، أو لدفع احتمال المجاز من اليوم، وقيل بمعنى الساعة، والغرض كون الواقعة في النهار، انتهى.\n(٢) وفي \"التقرير\": وجه الحديث تقرير الأحكام النازلة متفرّقة، وعدم استطاعة سؤال الصحابة عنه لهيبته ﵊، والواقعة كانت سنة (١٠ هـ)، كما في \"تاريخ الخميس\" (٢/ ١٤٧)، ثم قال القاري (١/ ٦٥) عن ابْن حَجَرٍ: إن الْبُخَارِيّ لَمْ يُخْرِجْ حديث عُمَرَ لِاخْتِلَافٍ فِيهِ عَلَى بَعْضِ رُوَاتِهِ.\nوقوله: \"شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ\" فِيهِ إشارة إلى أَنَّ زَمَانَ طَلَبِ الْعِلْمِ أَوَانُ الشَّبَابِ؛ لِقُوَّتِهِ عَلَى تَحَمُّلِ أَعْبَائِهِ، وَقُدْرَتِهِ عَلَى تَعَلُّمِ أَدَائِهِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٥١).","vol":"1","page":197},{"text":"شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-. . . .\nــ\nوقوله: (لا يرى) بضم التحتانية على صيغة المجهول في أكثر الروايات، وفي بعضها بفتح النون بصيغة المتكلم المعلوم، والأول أبلغ من الثاني، وفي رواية النسائي (١) عن أبي هريرة وأبي ذر -﵄-: (أحسن الناس وجهًا، وأطيب الناس ريحًا، كأن ثيابه لا يمسها دنس)، وفيه: ندب تنظيف الثياب وتحسين الهيئة بإزالة ما يؤخذ للفطرة، وتطييب الرائحة عند دخول المسجد، وندب ذلك للعلماء والمتعلمين، وندب الثياب البيض لدخول المسجد، بل لكل اجتماع ما عدا العيد إذا كان عنده أرفع منه؛ لأنه يوم زينة وإظهار للنعمة، كذا قال شيخ شيوخنا في الحديث أبن حجر المكي الهيتمي في (شرح الأربعين) (٢) للنووي.\nوقوله: (ولا يعرفه منا أحد) فيه استغراب حاله بجمعه حالي الحضري والسفري، واستنبط منه الطيبي أنهم ظنوه ملكًا أو جنيًا؛ لأنه لو كان بشرًا لكان إما من المدينة أو غريبًا، ولو كان من المدينة لعرفوه، أو غريبًا لرئي عليه أثر السفر، ويعلم منه أن مجيء جبرئيل في صورة دحية الكلبي كان غالبًا لا دائمًا، وههنا لم يكن في صورته إذ لو كان لعرفوه.\nوقوله: (حتى جلس إلى النبي -ﷺ-) قيل: (إلى) لانتهاء الغاية، وهو إنما يكون في فعل ممتد كالسير، والجلوس ليس كذلك، فهي ههنا بمعنى (عند) أو (مع)، انتهى. ويمكن أن يضمن الجلوس معنى الميل والانتهاء؛ أي: مائلًا أو منتهيًا إليه -ﷺ- كما يفهم\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (٤٩٩١).\n(٢) \"فتح المبين لشرح الأربعين\" (ص: ٥٩).","vol":"1","page":198},{"text":"فَأسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخْذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ. . . .\nــ\nمن كلام البعض (١).\nقوله: (فأسند ركبتيه) صريح في أنه جلس بين يديه دون جانبه، وهي جِلسة المتعلم، لكنه بالغ في القرب جريًا على ما كان بينهما من الأنس والودِّ، وليحصل التمكن من الاستماع والإصغاء، فالضمير الأول للرجل والثاني للنبي -ﷺ-، وأما الضميران في قوله: (ووضع كفيه على فخذيه) فقد اختلفوا فيهما؛ أعني في الأولوية، وأما في الجواز فلا كلام، فقال بعضهم: الضميران معًا راجعان إلى جبرئيل -﵇-، وهذا هو المناسب لمجيئه إليه -ﷺ- وتقربه منه وجلوسه إليه على صورة المتعلمين تأدّبًا معه، وقال بعضهم: الضمير الثاني للرسول كما في قوله: (أسند ركبتيه) لأنه أدخل في التثبيت والتمكين، وجبرئيل ليس متعلمًا إلا في الظاهر، وفي الحقيقة هو المعلّم من جهة اللَّه سبحانه، وقد جاء إسناد تعليمه -ﷺ- إليه في قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥] على الأرجح من التفسيرين، ولهذا قال في آخر الحديث: (أتاكم يعلمكم دينكم) تنزيلًا للتذكير مقام التعليم، فيمكن أن يكون في أول المجيء قد أظهر هيئة التعلم والطلب، ولما جلس أظهر صورة التعليم والمشيخة، هذا وقد جاء صريحًا في رواية النسائي (٢): (حتى وضع يديه على ركبتي النبي -ﷺ-).\nوقوله: (وقال: يا محمد) (٣) قد يستشكل بحرمة ندائه باسمه -ﷺ-، ويجاب بأنه ذلك للصحابة لا للملائكة، والقول بأن هذا قبل النهي عن ذلك لا يخلو عن بعد، فإن\n_________\n(١) انظر: \"المرقاة\" (١/ ٥٠).\n(٢) \"سنن النسائي\" (٤٩٩١).\n(٣) هذا بعد السلام والاستئذان كما في رواية الإمام الأعظم، انظر: \"مسند أبي حنيفة\" (ح: ٢).","vol":"1","page":199},{"text":"أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ،\nــ\nهذه القضية كان في آخر عهده -ﷺ-.\nوقوله: (أخبرني عن الإسلام) (١) وفي رواية الترمذي تقديم السؤال عن الإحسان وإن كان المناسب ذكره بعد الإسلام؛ لكونه بيانًا لكيفية العبادة التي هي الإتيان بأركان الإسلام، والإسلام لغة: الاستسلام والطاعة والانقياد عن طوع ورغبة، وفي الشرع: الانقياد إلى الأعمال الظاهرة كما بينه -ﷺ- بالأركان الخمسة، فالإسلام يطلق على ما في الظاهر من التسليم والانقياد والطاعة، والإيمان على ما في الباطن من التصديق والاعتقاد والإذعان، فالإسلام ثمرة الإيمان وفرعه ونتيجته، ويشملهما اسم الدين، ولذلك قال في آخر الحديث: (أتاكم يعلمكم دينكم)، والإحسان يكملهما، وقد جاء الدين بمعنى الإسلام منحصرًا فيه كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، والمراد به ههنا الدين المشتمل على الأصول والفروع، قال البيضاوي (٢): وهو التوحيد والتدرع بالشرع الذي جاء به محمد -ﷺ-، انتهى.\nويمكن أن يكون حصر الدين فيه مبالغة واهتمامًا بشأن العمل والتشرع؛ كقولهم: (الحج عرفة)، ثم تكلموا في اتحاد الإيمان والإسلام وتغايرهما، وللإمام الغزالي في\n_________\n(١) اعلم أنه قدم السؤال عن الإسلام في هذه الرواية، وفي حديث أبي هريرة عند البخاري قدم السؤال عن الإيمان، قال الحافظ (١/ ١١٧): لا شك أن القصة واحدة، واختلفت الرواة في تأديتها، والبغوي ذكر في \"المصابيح\" السؤال عن الإيمان وجوابه مقدمًا على الإسلام، وهو خلاف ما وقع في حديث عمر عند مسلم وغيره، ففي إيراد الحديث بهذا اللفظ اعتراض فعلي من صاحب \"المشكاة\" على البغوي في \"المصابيح\". انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٥٣)، و\"مرعاة المفاتيح\" (١/ ٣٩).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٣٣١).","vol":"1","page":200},{"text":"قَالَ: \"الإِسْلَامُ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، . . . .\nــ\n(الإحياء) (١/ ١١٦) في ذلك كلام طويل، وقد دل قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] على التغاير مبنيًا على ما ذكرنا من إطلاقهما على المعنيين المذكورين، وقد ذكر في العقائد أن الإيمان والإسلام واحد، بمعنى أن كل مؤمن مسلم، وكل مسلم مؤمن، ولم يجز سلب أحدهما عن الآخر.\nواستدلوا بقوله سبحانه: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦]، ولم يكن هناك إلا بيت واحد، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤].\nوالحق أنه إن كان الإسلام اسمًا للأركان الخمسة فقط، فالإيمان يوجد بدون الإسلام على مذهب أهل السنة من عدم دخول الأعمال في حقيقة الإيمان، أما على قول من لم يجعل الإقرار جزءًا من حقيقته فظاهر، وأما على قول الجمهور القائلين بكون الإقرار جزءًا من حقيقة الإيمان فكذلك، لكون الإسلام عبارة عن مجموع الشهادة التي هي الإقرار والأعمال المذكورة، وكذا الإسلام يوجد بدون الإيمان كما في المنافقين، وإن كان اسما لما يشتمل على التسليم القلبي الذي بمعنى التصديق كما عرفت في تحقيق معنى الإيمان، فهما متصادقان بل مترادفان، والإسلام المعتبر في الدين هو بهذا المعنى، ولهذا حكموا بأن كل مسلم مؤمن وكل مؤمن مسلم، فتدبر.\nوقوله: (الإسلام أن تشهد) ظاهره أنه لابد في الإسلام من لفظ (أشهد)، فلو أسقطها أو قال بدلها (أعلم) لا يكون مسلمًا، والشهادة أخص من العلم؛ لأنها خبر قاطع، فكل شهادة تتضمن العلم دون العكس، وحمل الشهادة في الحديث على العلم غير صحيح؛ لأن المقصود بيان ماهية الإسلام، فلابد أن يكون باللسان، وقد وقع","vol":"1","page":201},{"text":"وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ،\nــ\nحديث آخر: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا) (١) الحديث، والحق أن المراد القول والإخبار وإن لم يكن بلفظ (أشهد)؛ للإجماع على أن من قال: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه فقد أسلم، وقد ورد في الحديث: (من قال: لا إله إلا اللَّه دخل الجنة) (٢)، وقد صحت رواية (حتى يقولوا)، وقد اشترط بعض الشافعية لفظ (أشهد) أو ما في معناه كـ (أعلم)، والحق الإطلاق.\nوقوله: (وتقيم الصلاة) الروايات الصحيحة المشهورة بنصب (تقيم)، وقد يرفع هذا وما بعده مستأنفة عما قبلها؛ لأنه يكفي في إجراء أحكام الإسلام الشهادتان، والأصوب النصب؛ لأن الانقياد في معنى الإسلام أتم وأكمل في المجموع، فكان الحمل عليه أولى وأنسب، وإن كان أصله حاصلًا في الشهادتين وحدهما، فصار الإسلام مثل الإيمان في أن كمالهما بالأعمال ونقصانهما بتركها.\nوالمراد بإقامة الصلاة تعديل أركانها، ورعاية شروطها وآدابها، وظاهرها وباطنها، ومحافظة أن يقع فيها زيغ واعوجاج في أفعالها، منْ أَقَامَ العودَ: إذا قوَّمه، أو المواظبة والمداومة عليها، من أقمت السوق: إذا جعلتَها نافقة رائجة، أو الجِدّ في أدائها من غير فتور وتوان، من أقام الأمر: إذا جدّ فيه وتجلّد.\nوقال سيدي الشيخ أبو العباس المرسي -قدس اللَّه روحه، وأوصل إلينا فيوضه وفتوحه-: كل موضع ذكرت فيه الصلاة في معرض المدح فإنه إنما جاء لمن أقام الصلاة، إما بلفظ الإقامة أو بمعنى يرجع إليها، قال اللَّه سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢١).\n(٢) أخرجه الترمذي (٢٦٣٨)، وابن حبان (١٥١).","vol":"1","page":202},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣]، وقال اللَّه تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: ٤٠]، وقال ﷿: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]، وقال: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، ولما ذكر المصلين قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥]، ولم يقل: للمقيمين الصلاة، والإقامة أنه إذا صلى المؤمن صلاة فتقبلت منه خلق اللَّه تعالى من صلاته صورة في ملكوته راكعة ساجدة إلى يوم القيامة، وثواب ذلك لصاحب الصلاة.\nوإقامةُ الصلاة: حفظُ حدودها مع حفظ السر مع اللَّه ﷿، لا يختلج بسرك سواه.\nوالصلاة أصلها (صَلَوَةٌ) -بفتحات- مأخوذة من (الصلا)، وهو وسط الظَّهر مِنّا ومن كل ذي أربع، أو ما انحدر من الوركين، أو الفرجة بين الجاعرة (١) والذَّنَبِ، أو ما عَن يمين الذنب وشماله، وهما صلوان، كذا في (القاموس) (٢).\nوقال في (شرح الأربعين) (٣): (الصلا): عرق متصل بالظهر يفترق من عند عجب الذنب، ويمتد منه عِرقان، في كل ورك عرق، يقال لهما: الصلوان، فإذا ركع المصلي انحنى صلاه وتحرك، ومنه سمي ثاني خيل السباق مصليًا؛ لأنه يأتي مع صلوي السابق، ثم نقل منه إلى الدعاء تشبيهًا للداعي في تخشعه بالمصلي، كذا قال صاحب (الكشاف) (٤)، هو يدل على كونه في معنى الصلاة متقدمًا على معنى الدعاء واصلًا له، وهو محل توقف، ويمكن أن يجعل في كل المعنيين من (الصلا) من غير أن ينقل من\n_________\n(١) الجاعرة: الاست، أو حلقة الدبر. \"القاموس\" (ص: ٣٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩٨).\n(٣) \"فتح المبين لشرح الأربعين\" (ص: ٦٣).\n(٤) \"الكشاف\" (١/ ٢٣).","vol":"1","page":203},{"text":"وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ،\nــ\nأحدهما إلى الآخر، وقد ذكرناه في (حاشية البيضاوي)، فتدبر.\nوقوله: (وتؤتي الزكاة) الزكاة في اللغة: النماء والتطهير، وفي الشرع: اسم للمخرج من المال إلى الفقراء، سمي بها لأنه يؤخذ من مال نامٍ ببلوغه النصاب الذي مضى عليه الحول، أو لأنه ينمي الأموال بالبركة وحسنات مؤديها بالتكثير، أو لأنه يطهرها من الخبث، ونفس المزكي من رذيلة البخل، ويحتمل اشتقاقه من تزكية الشهود فهو يزكِّيه ويشهد له بصحة إيمانه أو دعوى محبة الحق تعالى.\nوقوله: (وتصوم رمضان) مشتق من الرمض محركة: شدّة وقع الشمس على الرمل وغيره، رَمِضَ يومُنًا كفَرِحَ: اشتدّ حرُّه، وقَدَمُه: احترقت من الرمضاء، للأرض الشديدة الحرارة، ورمضان معروف، جمعه رمضانات ورمضانون، سمي به لأنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة، سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر زمن الحر والرمض، أو من رمض الصائم: اشتدّ، كذا في (القاموس) (١)، أو راجِعٌ إلى مَعْنَى الغافِرِ، أي: يَمْحُو الذُّنوبَ ويَمْحَقُها.\nثم اختلفوا في إطلاق رمضان من غير إضافة شهر إليه، فقيل: يكره مطلقًا، وقيل: لا يكره مطلقًا، وقيل: إن دلت قرينة على أن المراد غير اللَّه سبحانه؛ لأنه من أسمائه، ويرد القول بالكراهة مطلقًا ما ورد في الأخبار الصحيحة: (إذا جاء رمضان أو إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة) (٢)، وزعم أنه من أسماء اللَّه تعالى غير صحيح، ولم يرو فيه إلا أثر ضعيف، وأسماء اللَّه تعالى توقيفية لا تطلق إلا لخبر صحيح، ولو\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٩٤).\n(٢) أخرجه مالك (٦٨٤)، والبخاري (١٨٩٨، ١٨٩٩)، ومسلم (١٠٧٩).","vol":"1","page":204},{"text":"وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا\". قَالَ: . . . . .\nــ\nصح أيضًا لم تلزمه الكراهة إلا بنهي صريح، ولم يرو، كذا في (شرح الأربعين) (١).\nوقوله: (وتحج البيت) أي: تقصده بالوجه المخصوص، وهو للحج عندنا، وللعمرة أيضًا عند الشافعية، إذ هي واجبة عندهم على الصحيح، والبيت اسم جنس غلب على الكعبة، كالكتاب على القرآن المجيد عند الأصوليين، وعلى كتاب سيبويه عند النحاة.\nوقوله: (إن استطعت إليه سبيلًا) بأن تجد زادًا وراحلة على الوجه المقرر في الشرع، قال في (شرح الأربعين) (٢): وصح عند الحاكم وغيره أنه -ﷺ- فسر بهما السبيل في الآية، وعند مالك: يجب على من قدر على المشي ويندب عند غيره خروجًا من الخلاف، وإنما صرح باشتراط الاستطاعة في الحج دون أخواتها مع أن الاستطاعة (٣)، أي: سلامة الأسباب والآلات شرط في سائر العبادات؛ لكون الاستطاعة ههنا أمرًا زائدًا لا يسبق الذهن إليه إلا بذكره، وهو الزاد والراحلة كما بينته السنة، ويدل عليه قوله: (سبيلًا)، فذكرها اهتمامًا بشأنها وشفقة على العباد لئلا يرتكبوا المشاق، وأيضًا ذكرها اتباعًا للنظم القرآني.\nوقال في (شرح الأربعين) (٤): عدم الاستطاعة في نحو الصلاة والصوم لا يسقط فرضها بالكلية، وإنما يسقط وجوب أدائها بخلافها في الحج، فإن عدمها يسقط وجوبه\n_________\n(١) \"فتح المبين لشرح الأربعين\" (ص: ٦٤).\n(٢) \"فتح المبين لشرح الأربعين\" (ص: ٦٥).\n(٣) المراد بالاستطاعة استطاعة الزاد والراحلة مع صحة البدن عند الحنفية، وقال الشافعي بالأول فقط، ومالك بالثاني فقط. كذا في \"التقرير\" (١/ ٣٧).\n(٤) \"فتح المبين لشرح الأربعين\" (ص: ٦٥).","vol":"1","page":205},{"text":"صَدَقْتَ. فَعَحِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ، قَالَ: \"أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ،\nــ\nبالكلية، فتأمل.\nوقوله: (فعجبنا له يسأله ويصدقه) لأن مقتضى السؤال عدم العلم، ومقتضى التصديق العلم، فإن قيل: قد يصدق الطالب الشيخ إيمانًا به وتسليمًا له فلا يكون دليل العلم؟ قلنا: تصديقه كان على وجه التصويب والتقرير بدلالة المقام، فافهم.\nوقوله: (أن تؤمن بالله) الإيمان في اللغة: التصديق مطلقًا، وفي الشرع: التصديق بأمور خاصة، وهي المعلومة من الدين بالضرورة كما مر، فكأنه سأل عن أشياء يصدق بها حتى يحصل الإيمان الشرعي، فأجاب ببيان تلك الأشياء، ففسر الإيمان ببيان متعلقاته، وأصل معنى الإيمان معروف من اللغة، فلا يكون تعريفًا بنفسه كما يوهم، فافهم.\nوقوله: (وملائكته) جمع (ملك) على غير القياس، وقيل: جمع (ملأك) على غير القياس مقلوب (مألك)، (مفعل) من الأُلُوكة، وهي الرسالة والسفارة، فخفف بنقل الحركة والحذف فصار ملك، وقيل غير ذلك، وتاؤه لتأنيث الجمع، وقيل: للمبالغة، وقد جاء بدون التاء.\nوقوله: (وكتبه) قالوا: هي مئة وأربعة، أنزل منها خمسون على شيث، وثلاثون على إدريس، وعشرة على آدم، وعشرة على إبراهيم، والتوراة والزبور والإنجيل والقرآن.\nوقوله: (ورسله) أي: أنبيائه، فهو مبني على ترادفهما.\nوقوله: (واليوم الآخر) وهو من الموت إلى دخول الجنة، والمراد الإيمان به وبما أخبر الشارع بوقوعه فيه، وإنما سمي اليوم الآخر لأنه لا ليل بعده، كذا قيل.\nوالظاهر أن المراد الزمان، وهو آخر الأزمنة المحدودة.","vol":"1","page":206},{"text":"وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ\". قَالَ: صَدَقْتَ. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ،\nــ\nوقوله: (بالقدر خيره وشره) وفي رواية لمسلم: (بالقدر كله)؛ أي: بأن اللَّه قدر الخير والشر قبل الخلق، وجميع الكائنات بقضائه وقدرته وإرادته، وأن ما قدّره اللَّه لابد من وقوعه، وما لم يقدّره يستحيل وقوعه، قالوا: الإيمان بالقدر على قسمين:\nأحدهما: الإيمان بأنه قد سبق في علمه ما يفعله العباد من خير وشر، وأنه كتب ذلك عنده وأحصاه، وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه.\nوثانيهما: أنه تعالى خلق أفعال عباده كلها من خير وشر وكفر وإيمان.\nوهذا القسم ينكره القدرية كلهم، والأول لا ينكره إلا غُلاتهم، وكفرهم بإنكاره كثير من العلماء، وهو محل الخلاف حيث لم ينكروا العلم القديم، كما نص عليه الشافعي وأحمد وغيرهما، كذا ذكره شيخ شيوخنا ابن حجر المكي في (شرح الأربعين) (١)، رحمة اللَّه عليه.\nويؤخذ من هذا الحديث تكفيرهم لجعل القدر من أجزاء المؤمَن به، ويشهد لذلك تبرئة ابن عمر منهم، وخبر: (القدرية مجوس هذه الأمة) (٢)، والأشبه عدم التكفير، وتبرئة ابن عمر تغليظ على الابتداع، والحديث غير ثابت، والمسألة آيلة إلى تكفير أهل القبلة من أهل البدعة وعدمِه، والأشبه عدم التكفير فيما ليس معلومًا في الدين بالضرورة، وفيما فيه مجال للشبهة والتأويل، وهو المختار الذي عليه جمهور المتكلمين والفقهاء، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فأخبرني عن الأحسان) لما بيّن معنى الإسلام والإيمان الذي هو أصل\n_________\n(١) \"فتح المبين لشرح الأربعين\" (ص: ٧٣).\n(٢) أخرجه أبو داود (٤٦٩١)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ١٥٩، رقم: ٢٨٦).","vol":"1","page":207},{"text":"قَالَ: \"أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ،\nــ\nالدين ومداره أراد أن يكشف عن معنى الإحسان الذي به كمال الدين، وتمامه يرجع إلى الصدق في الإخلاص الذي لا يصح ولا يتم الإيمان والعمل إلا به، وقد كثر في الآيات والأحاديث ذكره؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: ١١٢]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، وأمثالها.\nوهو إفعال من الحسن، ويستعمل على وجهين: أحدهما: إحسان العمل وإتيانه على وجه الإكمال والإتقان؛ كقولهم: أحسنت كذا وفي كذا، ومنه (إن اللَّه كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة. . .) الحديث (١)، وثانيهما: بمعنى الإنعام على الغير؛ كقولهم: أحسنت إلى فلان: إذا فعلت معه ما يحسن فعله، والمراد ههنا الأول؛ إذ حاصله راجع إلى إتقان العبادات وإتيانها على الوجه الأكمل.\nوقال الطيبي (٢): يجوز أن يحمل الإحسان ههنا أيضًا على الإنعام، وذلك أن العامل المرائي يبطل عمله ويحبط فيظلم على نفسه، فقيل له: أحسن إلى نفسك ولا تشرك باللَّه، واعبد اللَّه كأنك تراه، وإلا فهلكت، انتهى. ولا يخلو هذا عن تكلف.\nوقوله: (أن تعبد اللَّه) عبد: أطاع، والتعبد: التنسك، والعبودية: الخضوع والذل.\nوقوله: (كأنك تراه) بيّن رسولُ اللَّه -ﷺ- الإحسانَ في العبادة على وجهين:\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٩٥٥)، وأبو داود (٢٨١٧)، والترمذي (١٤٠٩)، والنسائي (٤٤٠٥)، وابن ماجه (٣١٧٠).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١/ ١٠٣).","vol":"1","page":208},{"text":"فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ\". قَالَ: . . . . .\nــ\nأحدهما: لمن بلغ غاية مرتبته بحيث كان يرى معبوده ويعاينه سبحانه، وهو مقام المشاهدة، وتلزمه غاية الهيبة والتعظيم والإجلال، والخضوع والخشوع، والحياء والمحبة، والانجذاب والشوق والذوق، والاجتماع بظاهره وباطنه.\nوثانيهما: لمن لم ينته إلى تلك الحالة لكن يغلب عليه أن الحق سبحانه مطلع عليه ورقيب على أحواله، وقد نبّه عليه بقوله: (فإن لم تكن تراه فإنه يراك)؛ يعني: إن لم يكن في حضورك بحيث كأنك تراه فَلَاحِظْ رؤيته سبحانه واطلاعه عليك، وهذا حال المراقبة، وهو في اصطلاحهم: ملاحظة العبد نظر اللَّه سبحانه إليه واطلاعه على أحواله الظاهرة والباطنة، وهذا أيضًا يورث الخوف والخشية، والاجتماع في الحركات والسكنات، وضبط الأفعال، ورعاية الأدب في جميع الحالات، وعدم الالتفات يمينًا وشمالًا، كمن قام في حضرة سلطان جبار قهار يراقب أحواله ويشاهد أعماله، يضيق عليه مجال الغفلة وسوء الأدب، لكن المقام الأول أعلى وأرفع، وهو مقام سيّد المرسلين وأكمل العابدين، حيث أشار إليه بقوله: (وجعلت قرة عيني في الصلاة).\nوبما قررنا الكلام سقط قول من قال: ينبغي أن يكون الجواب قد انتهى عند قوله: (تراه) الأول وما بعده مستأنف؛ لأن الأول مقدور للعبد؛ لجواز أن يوجد ولا يوجد، والثاني واقع لا محالة لا مدخل لاختيار العبد فيه، فإنه تعالى يرى الكائنات كلها دائمًا، فلا نصيب للعبد في ذلك؛ لأن المطلوب استحضار العبد أنه بين يدي الحق وملاحظته ومراقبته إياه، وهذا مقدور للعبد ومكمل لعبادته، فهو من تتمة الجواب.\nثم اعلم أنه قد لاح على باطن بعض العارفين من الصوفية أنه قد وقف على (تراه) الثانية بإرادة معنى: أنك إذا فنيت عن نفسك فلم تكن شيئًا ولم تر نفسك؛ شاهدت ربك؛ لأنها الحجاب بينك وبين شهود الرب تعالى.","vol":"1","page":209},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقال الشيخ ابن حجر الهيتمي في (شرح الأربعين) (١): إن المعنى وإن صح إلا أن لفظ الحديث لا ينطبق عليه، فتنزيله عليه جهل من قائله بقواعد العربية وأساليبها.\nوقال الشيخ ابن حجر الكبير العسقلاني (٢): وأقدم بعض غلاة الصوفية على هذا التأويل بغير علم، وغفل قائله للجهل بالعربية، فإنه لو كان المراد ما زعم؛ لكان قوله: (تراه) محذوف الألف، وإثباتها في الفعل المجزوم على خلاف القياس، فلا يصار إليه، وأيضًا لو كان ما ادعاه صحيحًا لصار قوله: (فإنه يراك) ضائعًا، لأنه لا ارتباط له بما قبله.\nقال: ومما يفسد تأويله رواية كهمس فإن لفظها: (فإنك إن لا تراه فإنه يراك)، وكذلك في رواية سليمان، فسلط النفي على الرؤية لا على الكون الذي حمله على ارتكاب التأويل المذكور، وفي رواية أبي فروة: (فإن لم تره فإنه يراك)، وكذلك في حديث أنس وابن عباس، وكل هذا يبطل هذا التأويل، انتهى.\nويمكن أن يقال: إن إثبات الألف في المضارع المجزوم لغة شائعة واردة في كلامهم، وعلى ذلك وردت رواية قنبل عن ابن كثير في قوله تعالى: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢] على وجه، وفي قوله: ﴿مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾، وقال الشاعر (٣):\nألم يأتيك والأنباء تنمي\n_________\n(١) \"فتح المبين لشرح الأربعين\" (ص: ٨٠).\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ١٢٠).\n(٣) هو قيس بن زهير، وتمام البيت:\nألم يأتيك والأنباء تنمي ... بما لاقت لبون بني زياد\nانظر: \"مجمع الأمثال\" (ص: ٢٤٧).","vol":"1","page":210},{"text":"فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ، قَالَ: \"مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا. . . . .\nــ\nعلى أن الجزم في الجزاء فيما كان الشرط ماضيًا غير واجب، والماضي أعمّ من أن يكون لفظًا أو معنى، كما ذكر في النحو.\nويمكن أن يكون ارتباط قوله: (فإنه يراك) لبيان إمكان الرؤية، كما استدل بعض المتكلمين على إمكان رؤيتنا سبحانه برؤيته إيّانا بغير جهة ومكان وخروج شعاع وغيرهما، وإن كان لا يتمّ الاستدلال، ويجوز أن تكون الروايات الأخر بالمعنى بناء على فهم الراوي من معنى الحديث، على أن فهم من فهم من رجال الصوفية ذلك ليس تأويلًا للحديث وبيانًا لمعناه المراد عند علماء العربية، وإنما ذلك شيء يلوح على بواطنهم بغلبة ما فيها من حال المحو والفناء، وليس ذلك إلا من هذا اللفظ الوارد في هذه الرواية، وذلك في الحقيقة من قبيل: ترى، والخيار عشرة بدانق، واللَّه أعلم.\nثم قيل: إن في الحديث دلالة على أن رؤيته تعالى في الدنيا ممكنة عقلًا، لأن (لم) لنفي الممكن؛ كزيد لم يقم، بخلاف الحجر لا يطير، وإمكان الرؤية في الدنيا هو الحق، وإن لم يكن واقعا، انتهى. وفيه: أن المعنى كما يقتضيه السياق: فإن لم تكن كأنك تراه، فالممكن ما في حكم الرؤية دون حقيقتها، فافهم.\nوقوله: (فأخبرني عن الساعة) لما بيّن الدين سأل عن القيام؛ لبعثهم على العمل والإخلاص، والمراد السؤال عن وقت قيامها، وإنما سميت ساعة اعتبارًا بأول أزمنتها، أو لأنها تقوم بغتة في ساعة، أو لأنها عند اللَّه على طولها كساعة عند الخلق.\nوهي لغةً: قطعة من زمان غير محدودة، وفي اصطلاح أهل الحساب: جزء من أربعة وعشرين جزءًا من الليل والنهار.\nوقوله: (ما المسؤول عنها) أي ما الذي سئل عن الساعة، وهو النبي -ﷺ-، يقال:","vol":"1","page":211},{"text":"بِأعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ\". قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا، قَالَ: \"أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا،\nــ\nسألت الرجل عنه، أي: عن أحواله، والرجل مسؤول، وذلك الشيء مسؤول عنه، ولا يقال للرجل: مسؤول عنه، بل مسؤول أو مسؤول منه، فلا يتوهم ههنا أن الظاهر أن يقال: المسؤول عنه ليرجع الضمير إلى اللام، فتدبر.\nوقوله: (بأعلم من السائل) أي: هما سواء في عدم العلم بوقت قيامها، ويمكن أن يراد ما هو المتعارف من هذا التركيب من كون السائل أعلم؛ أعني: لو قدر العلم بها لكان جبريل أعلم؛ لكونه في الملكوت العُلى ناظرًا في اللوح المحفوظ، موكولًا إليه إيحاء العلوم إلى الأنبياء صلوات اللَّه عليهم أجمعين.\nوقوله: (فأخبرني عن أماراتها) المراد علاماتها الصغرى لا الكبرى التي تظهر عند قربها، ويدل على ذلك الجواب.\nوقوله: (أن تلد الأمة ربتها) الرب لغة: المالك والسيد، والمدبر والمربي، والمتمم والمنعم، ولا يطلق غير مضاف إلا على اللَّه إلا نادرًا، والمراد ههنا المولى والسيد أو المالك حكمًا أو حقيقة، والتخصيص بالأنثى إما لشيوع الجهل فيهن، أو للزوم الحكم في الذكور بطريق الأولى، أو بتقدير موصوفها نفسًا أو نسمة، أو للتحاشي عن إطلاق الرب على غيره تعالى، ويدفعه رواية (ربها) بلفظ الذكور، وقد علم إطلاق الرب مضافًا على غير الرب تعالى، وجاء في رواية (بعلها) بمعنى ربها، والبعل قد جاء بمعنى الرب والسيد، منه قوله تعالى: ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلًا﴾ [الصافات: ١٢٥] على معناه المشهور على بعض المعاني المذكورة في توجيهه كما ستعرف عند بيانها.\nواعلم أنهم ذكروا فيه وجوهًا، فقيل: إن المراد به كثرة السراري بكثرة السبي، فيكون الولد سيدًا ومولًى لأمه بنسبة الأب، إما لأن مال الإنسان صائر إلى ولده بعد","vol":"1","page":212},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالموت، أو باعتبار تصرفه فيه بإذنه صريحا أو دلالةً، أو عرفًا وعادةً، أو جعل الولد ربًّا لها لأنه سبب عتقها، فكان كربّها المنعم عليها، أو لأنه لما كثر السبي يمكن أن يكون فيما بينهم من الأولاد من يسبي أمه ويملكها، فإن لم يظهر أنها أمه فيستمر على ذلك، وإن ظهر عتقت عليه فصار معتقها، والمعتق كالرب المنعم، وكونها علامة من جهة وجود الترفه والتنعم والخروج عن دائرة الاعتدال والاقتصاد في المعيشة وأسبابها وآلاتها المفضي إلى الخروج عن انتظام الأحوال والدخول في الفساد والاختلال، أو من جهة أن كثرة الجهاد والقتال موجب لاستيلاء المسلمين على بلاد الكفر، وقوة الإسلام وغلبة أهله وكماله، وإذا تقرر أن لكل كمال زوالًا يكون منذرًا بانتهاء دور الإسلام وانقطاع دولته، وهو علامة قيام القيامة، أو من جهة إساءة أدب الأولاد مع الأمهات وعقوقها (١)، ومعاملتهم معهن معاملة الملاك والسادات، ويمكن أن يتملك الولد بالسبي أو بالشراء ممن سبى أمه فيطأها أو يتزوجها.\nفإن قلت: كثرة الجهاد والاستيلاء على بلاد الكفر كان كثيرًا في صدر الإسلام، والظاهر أن علامات القيامة تقع في آخر الزمان، وأن المقصود الإشارة إلى وقوع ما لم يقع مما سيقع قرب الساعة؟ قلنا: صدر الإسلام أيضًا كان آخر الزمان بالنسبة إلى ما مضى منه، وقد كان نبينا -ﷺ- نبي آخر الزمان، فلو وقع بعض علامات القيامة في\n_________\n(١) قال الحافظ (١/ ١٢٢): أن يكثر العقوق في الأولاد فيعامل الولد أمّه معاملة السيِّدِ أمتَه من الإهانة بالسب والضرب والاستخدام، فأطلق عليه ربها مجازًا لذلك، أو المراد بالرب المربي فيكون حقيقة، وهذا أوجه الأوجه عندي لعمومه، ولأن المقام يدل على أن المراد حالة تكون مع كونها تدل على فساد الأحوال مستغربة، ومحصله الإشارة إلى أن الساعة يقرب قيامها عند انعكاس الأمور بحيث يصير المربَّى مربِّيًا والسافلُ عاليًا، وهو مناسب لقوله في العلامة الأخرى: أن تصير الحفاة ملوك الأرض. انتهى.","vol":"1","page":213},{"text":"وَأَنْ تَرَى الحُفَاةَ الْعُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ. . . . .\nــ\nذلك الزمان أيضًا لم يبعد، ولعله يكون الجهاد واستيلاء المسلمين على بلاد الكفار في آخر الزمان أكثر وأكثر، واللَّه أعلم.\nوقيل: هذا إخبار بكثرة بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان؛ لفساد أحوال الناس في رعاية الأحكام، واختلاط الحلال والحرام، حتى يشتري الولد بتداول الأيدي أمَّه جاهلًا بأنها أمُّه، فالعلامة من جهة غلبة الجهل الناشئ عنه بيع أمهات الأولاد، وهو ممنوع إجماعًا، ولا اعتبار بقول المخالف، ولو اعُتبر حملُه على البيع في حال حملها، وهو حرام بلا نزاع من أحد، كذا في (فتح الباري) (١).\nوقيل: المراد أن الإماء يلدن الملوك والأمراء، فتكون أمهاتهم من جملة الرعايا، ويكونون ملاكًا وسادات بالنسبة إليهن، وهذا أيضًا في آخر الزمان، لا سيما في أثناء دولة بني العباس، والرؤساء في الصدر الأول كانوا يستنكفون غالبًا عن وطء الإماء ويتنافسون في الحرائر، فتدبر.\nوقوله: (أن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء) الحفاة: جمع حاف بالمهملة، وهو من لا نعل برجله، و(العراة) جمع عار، وهو من لا ثوب على جسده، و(العالة) بتخفيف اللام جمع عائل، من عال: افتقر، و(رعاء) -بكسر أوله وبالمد- جمع راع، ويجمع أيضًا على رعاة بضم أوله، والرعي: الحفظ، يقال: رَعَى الأمر وراعاه: حفظه، والراعي كل من ولي أمر قوم، والشاء: الغنم جمع شاة، وهو من الجموع التي يفرق بينها وبين واحدها بالهاء، كتمر وتمرة، وفي رواية مسلم: (رعاء البهم) بضم الباء وسكون الهاء وحركتها، جمع بهمة: صغار الضأن والمعز، وقد يختص بالمعز،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ١٢٢).","vol":"1","page":214},{"text":"يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ\". . . . .\nــ\nوالبهيمة: كل ذات قوائم أربع، والجمع بهائم، وفي رواية البخاري: (رعاء الإبل البهم) جمع الأبهم، وهو الأسود، وهو إما صفة لـ (رعاء)، لأن الأدمة غالب ألوان العرب، أو المراد مجهول الأنساب، وقيل: الذي لا شيء لهم، كذا قال السيوطي، أو صفة الإبل، والسواد شر ألوان الإبل، وخيرها الحمر التي يضرب بها المثل، فيقال: (خير من حمر النعم)، ورواية: (رعاء الشاء) أنسب بالسياق من رواية (رعاء الإبل) وأبلغ؛ لأنهم أصحاب ثروة وخيلاء، وليسوا عالة بالنسبة إلى رعاء الشاء، وإن كانوا بالنسبة إلى الملوك والأمراء فقراء ضعفاء، والجمع بين الروايتين أنه يحتمل أنه -ﷺ- جمع بينهما، فحفظ راوٍ أحدَهما والآخرُ الآخرَ، واللَّه أعلم.\nوقوله: (يتطاولون في البنيان) أي: يبنون الدور والقصور المرتفعة، ويتفاخرون ويتكبرون بها، وهو مفعول ثان لقوله: (ترى) إن كانت الرؤية بمعنى العلم، أو حال إن كانت بصرية (١)، وقد يجعل المفعول قوله: (رعاء الشاء) بمعنى الملوك؛ لأنه قد تجعل الكناية عن ذلك، ويستأنس بصحة هذا المعنى مما ذكر في رواية أبي هريرة -﵁-، وحاصله: أن الفقراء والأذلاء يصيرون أغنياء وأعزةً وملوكًا، ويصير ذلك سببًا لاختلال أمور الدنيا والدين وهدم أركانهما، فذلك من أمارات الساعة، وقد صح: (لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد الناس في الدنيا لكع بن لكع) (٢) أي لئيم بن لئيم، وصح أيضًا (من أشراط الساعة أن توضع الأخيار وترفع الأشرار) (٣)، قيل: فيه دليل كراهة تطويل\n_________\n(١) قال القاري (١/ ٦٤): هُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ إِنْ جَعَلْتَ الرُّؤْيَةَ فِعْلَ الْبَصِيرَةِ، أَوْ حَالٌ إِنْ جَعَلْتَهَا فِعْلَ الْبَاصِرَةِ.\n(٢) أخرجه أحمد (٥/ ٣٨٩).\n(٣) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٥٩٧، رقم: ٨٦٦١)، والدارمي (٤٧٦).","vol":"1","page":215},{"text":"قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: \"يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ\"؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: \"فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتاكُم يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ\". . . . .\nــ\nالبناء، وفي شرح الشيخ: في إطلاقه نظر، بل الوجه تقييد الكراهة إن سلمت بما لا تدعو الحاجة إليه، وعليه يحمل خبر: (ويؤجر ابن آدم على كل شيء إلا ما يضعه في هذا التراب)، وغيره من الأخبار الواردة في هذا الباب.\nوقوله: (قال) أي: عمر.\nوقوله: (ثم انطلق) أي: ذلك الرجل.\nوقوله: (فلبثت) على صيغه المتكلم، وقد يروى (فلبث) بلفظ الغائب؛ أي النبي -ﷺ- (مليًّا) أي: زمانًا طويلًا، ومنه الملوان: الليل والنهار، وأما المهموز فهو من الملاءة بمعنى اليسار والغنى، وقد تثبت رواية الترمذي وأبي داود وغيرهما أنه لبث ثلاثًا، وظاهره أنه ثلاث ليال، وفي (صحيح أبي عوانة): (فلبثت ليالي، فلقيني رسول اللَّه -ﷺ- بعد ثلاث)، ولابن حبان: (بعد ثلاثة)، ولابن منده: (بعد ثلاثة أيام)، قال الشيخ ابن حجر (١): وينافيه خبر أبي هريرة: (فأدبر الرجل، فقال -ﷺ-: رُدّوه، فأخذوا يردّونه، فلم يروا شيئًا، فقال: هذا جبرئيل)، وأجيب بأنه يحتمل أن عمر -﵁- لم يحضر قوله هذا، بل كان قد ذهب فأخبر به بعد ثلاث، انتهى.\nهذا وقد يفسر قوله: (مليًّا) بساعة طويلة، ورواية (ثلاثًا) بثلاث ساعات، ويستبعد غيبة عمر -ﷺ- عن مجلسه -ﷺ- ثلاثة أيام، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فإنه جبريل) أي: إذا كنتم غير عالمين فاعلموا أنه جبريل.\n_________\n(١) \"فتح المبين لشرح الأربعين\" (ص: ٨٧).","vol":"1","page":216},{"text":"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨].\n٣ - [٢] وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة مَعَ اخْتِلَافٍ، وَفِيهِ: وَإِذَا رَأَيْتَ الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الصُّمَّ الْبُكْمَ مُلُوكَ الأَرْضِ، فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُن إِلَّا اللَّهُ. ثُمَّ قَرأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآيَة [لقمان: ٣٤]. مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: ٥٠، م: ١٠].\nــ\nوقوله: (رواه مسلم) فهو من أفراده، ولم يخرج البخاري عن عمر فيه شيئًا، فلا يكون الحديث متفقًا عليه في الاصطلاح، لأنه إنما يطلق على ما أخرجه الشيخان من صحابي واحد.\nنعم قد أخرج هو ومسلم عن أبي هريرة نحوه، فهو متفق عليه.\n٣ - [٢] (ورواه أبو هريرة) (١) قوله: (الصم البكم) فيه تحقير لشأنهم بكونهم جاهلين لا يستمعون العلم والحق ولا ينطقون به؛ كما قال اللَّه تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩].\nوقوله: (في خمس) (٢) أي: علم وقت الساعة داخل في جملة خمس، وأخرج أحمد (٣) عن ابن مسعود: (أوتي نبيكم [مفاتيح] كل شيء سوى هذه الخمس)، والمراد لا يعلم بدون تعليم اللَّه منه، وتحقيق معنى هذه الآية وبيان إفادتها الحصر (٤)، يطلب من كتب التفسير.\n_________\n(١) اسمه عبد الرحمن بن صخر الدوسي على الأشهر، وقد اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا يبلغ إلى أكثر من ثلاثين، انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٥١)، و\"إسعاف المبطأ\" (ص: ١٢٢).\n(٢) فَإنْ قُلْتَ: قَدْ أَخْبَرَ الأَنْبِيَاءُ وَالأَوْلِيَاءُ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ مِنْ ذَلِكَ فَكَيفَ الْحَصْرُ؟ قُلْتُ: الْحَصْرُ بِاعْتِبَارِ كُلِّيَّاتِهَا دُونَ جُزئِيَّاتِهَا. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٦٦).\n(٣) \"مسند أحمد\" (١/ ٣٨٦).\n(٤) قال الحافظ (١/ ٤٩): لم يذكر الجهاد؛ لأنه فرض كفاية، ولا يتعين إلا في بعض الأحوال.","vol":"1","page":217},{"text":"٤ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،\nــ\n٤ - [٣] (ابن عمر) قوله: (بني الإسلام على خمس) وفي رواية: (خمسة) بالتاء، فالمجرد عن التاء بتقدير دعائم أو قواعد أو خصال، ومعها على تأويل الأركان أو أشياء أو نحو ذلك، كذا قال الطيبي (١)، وقيل: إن أسماء العدد إنما يكون تذكيرها بالتاء، وتأنيثها بسقوط التاء إن كان المميز مذكورًا، وأما إذا لم يذكر فيجوز الأمران صرح به النحاة، كذا في الحاشية نقلًا من خط الأمير جمال الدين المحدث، وأيده الشيخ في (شرح الأربعين) (٢) بقوله: (أربعة أشهر وعشرًا)، وبقوله: (من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال)، نعم في الرواية دليل على إرادة الأركان، وقد جاء في رواية: (خمس دعائم)، انتهى.\nثم اعلم أنه إن أريد الأركان أو القواعد للبيت وهي داخلة في البيت يكون الإسلام محمولًا على الظاهر الذي دل عليه حديث جبرئيل من كون حقيقته عبارة عن الأركان الخمسة المذكورة، وإن أريد الدعائم أو أعمدة الخباء ونحوها، وهي خارجة، حمل على معنى الدين، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، أو على معنى الإيمان بناء على القول باتحادهما، وعلى كل تقدير ففيه استعارة مكنية بتشبيه الإسلام ببيت أو خباء، وإثبات البناء له تخييلية، ويحتمل أن تكون الاستعارة تبعية بتشبيه ثبات الإسلام واستقامته ببناء بيت أو خباء، ثم اشتق منه الفعل، فتدبر.\nوقوله: (شهادة) بالجر على البدلية، ويجوز رفعه على أنه خبر؛ أي: أحدهما،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ١١١).\n(٢) \"فتح المبين لشرح الأربعين\" (ص: ٩٠).","vol":"1","page":218},{"text":"وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨، م: ٤٥].\n٥ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الإِيْمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً،\nــ\nأو مبتدأ أي: منها، وقد ينصب بتقدير أعني، وكذا في أخواته الأربع، وفي الأخريين يحتمل اكتساء إعراب المضاف المحذوف؛ أعني: أداء.\n٥ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (الإيمان بضع وسبعون شعبة) في (القاموس) (١): البضع كالمنع: القطع، وهو بالكسر ويفتح: ما بين الثلاث إلى التسع أو إلى الخمس، أو ما بين الواحد إلى الأربعة، أو من أربع إلى تسع، أو هو سبع، وإذا جاوزت لفظ العشر؛ ذهب البضع، لا يقال: بضع وعشرون، أو يقال [ذلك. الفراء: لا يذكر مع العشرة (٢) والعشرين] إلى التسعين، ولا يقال: بضع ومئة [ولا ألف]، وفي (النهاية) (٣): هو بالكسر وقد يفتح: ما بين الواحد إلى العشر، أو الثلاث إلى التسع، ومنعه الجوهري مع العشرين، وقد جاء في الحديث: (تفضل صلاة الجماعة على صلاة الواحد ببضع وعشرين) (٤).\nوقال السيوطي: إنه ما بين الثلاث إلى السبع، وقيل: إلى العشر، وقيل: من اثنين إلى تسعة، وقيل: من اثنين إلى عشرة، وعن الخليل: البضع: السبع، والبضعة بالفتح وقد تكسر: القطعة من اللحم، والجمع بَضْع بالفتح، وكعِنَبٍ وصِحَافٍ وتَمَراتٍ، وفي\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٤٨).\n(٢) وفي نسخة \"التاج\" للزبيدي: \"إلا مع العشرة\".\n(٣) \"النهاية\" (١/ ١٣٣).\n(٤) أخرج نحوه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (١٤٧٢).","vol":"1","page":219},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالحديث: (فاطمة بضعة مني) أي: جزء مني، وروي (إنما بنتي مضغة مني) بضم الميم بمعناه، والبضع بالضم: الجماع، أو الفرج نفسه، والمهر والطلاق والنكاح، ضد.\nثم المذكور في بعض روايات البخاري: (بضع وستون)، وفي بعضها: (بعض وستون أو بضع وسبعون) على الشك، وفي بعضها: (بضع وسبعون) من غير شك، كما في رواية الكتاب، ولأبي عوانة في (صحيحه) من طريقه: (ست وسبعون أو سبع وسبعون)، ورجح قوم رواية (بضع وستون)؛ لأنها المتيقن وما عداها مشكوك فيه، ورجح الآخرون روايات الزيادة لكونها زيادة ثقة، وتعقب بأن الذي زادها لم يستمر على الجزم بها لا سيما مع اتحاد المخرج.\nثم اعلم أن شعب الإيمان أكثر من أن تحصى وتضبط؛ لأن أنواع الفرائض والواجبات وإن انحصرت وانضبطت لكن أفراد السنن والنوافل والآداب من الأعمال والأخلاق لا تنحصر في عدد، ولا تنضبط في حصر، ومع ذلك يرجع إلى أصل واحد، وهو تكميل النفس وتحصيل سعادتها في المبدأ والمعاد بتحصيل الكمال العلمي والعملي، وذلك باعتقاد الحق والاستقامة في العمل، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: ٣٠]، وقوله -ﷺ-: (قل: آمنت باللَّه ثم استقم) (١)، لكنه -ﷺ- أخبر بالعدد المخصوص، فإما أن يقال: أنواع الفضائل والخصائل الإيمانية وأصولها منحصرة في هذا العدد وإن لم نعرفها، وترى عندنا أقل بالإرجاع أو أكثر بالتفصيل، أو يقال: المراد به التكثير دون التحديد، واستعمال لفظ السبعين في هذا المعنى كثير متعارف، وبكون ذكر البضع للترقي والإشارة إلى أن شعب الإيمان\n_________\n(١) أخرجه أحمد (٣/ ٤١٣)، وابن حبان (٩٧٢).","vol":"1","page":220},{"text":"فَأَفْضَلُهَا: قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ،\nــ\nأعداد مبهمة لا نهاية لكثرتها، ولذا أبهم، ولو أريد التحديد لم يبهم، كذا قال الطيبي (١)، وهو قول قريب إلى الصواب، لكنه قد ينافيه وقوع غير عدد السبعين في بعض الروايات كالستين، وتعيين البضع من ست أو سبع أو أربع، وقد تصدى العلماء لحصرها وضبطها، وذلك لا يخلو عن تكلف، واللَّه أعلم.\nقال في (فتح الباري) (٢) نقلًا عن القاضي عياض: قد تكلف جماعة في عد الشعب بطريق الاجتهاد، وفي الحكم بكون ذلك هو المراد صعوبة، وقال الشيخ: ولم يتفق من عدّ الشعب على نمط واحد، وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبان؛ فإنه عدّ كل طاعة عدّها اللَّه تعالى في كتابه أو النبي -ﷺ- في سننه، وقال: وقد لخصت مما أوردوه [ما أذكره] وهو أن [هذه] الشعب تتفرع عن أعمال القلب، وأعمال اللسان، وأعمال البدن، ثم ذكر في أعمال القلب أربعة وعشرين خصلة، وفي أعمال اللسان سبعًا، وفي أعمال البدن ثمان وثلاثين، والمجموع تسع وستون مذكورة في كتابه، ومع ذلك الحصر محل بحث، فلعله ترك فيها بعض الأنواع، وأما الأفراد فأكثر كما يظهر بالنظر في ذلك، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فأفضلها قول: لا إله إلا اللَّه) أكثر ما يذكر في الأحاديث لا إله إلا اللَّه، ويراد به مجموع هذا مع محمد رسول اللَّه اكتفاء بالجزء الأعظم الأقدم كما ستعرف، ويمكن أن يكون المراد ههنا هو وحده؛ لأن المراد بيان أفضل شعب الإيمان، ولا شك أن هذا الجزء أفضل، ولا يلزم منه أن يكون كافيًا في الإيمان، فافهم، وإنما قال: قول لا إله إلا اللَّه؛ لأن التصديق نفس الإيمان، وأما القول فشعبة منه، فتأمل.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ١١٥).\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٥٢)، و\"إكمال المعلم\" (١/ ٢٧٢).","vol":"1","page":221},{"text":"وَأَدْناهَا: إِمَاطَةُ الأَذَى عَن الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَة مِنَ الإِيْمَانِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩، م: ٣٥].\nــ\nوقوله: (إماطة الأذى عن الطريق) وهي تنحية مثل الشوك والحجر والقذر والشجر المؤذي للمرور، ونحو ذلك، وذلك على نوعين: أحدهما: أن ينحي عن طريق المسلمين ما يتأذون به، والثاني: أن لا يتعرض لهم في طرقهم بما يؤذيهم، وترك ذلك في حكم الإماطة، كذا قال التُّورِبِشْتِي، ولو أُوِّلَ بدفع كل ما يؤذيهم وتركه مطلقًا؛ لكان شيئا عظيمًا شاملًا لأشياء كثيرة، ومع ذلك هو أدنى من قول: (لا إله إلا اللَّه) وغيره، وذلك أمر نسبي، كذا قيل، وفي اعتبار ترك ما يؤذي بهذا المعنى أدنى الشعب خفاءٌ مع ورود: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) إلا أن يقال: ليس المراد الأدنى حقيقة بل أمر نسبي، ودفع ما يؤذي متأخر رتبة عن حقيقة التوحيد والإقرار به بلا شبهة (١)، فافهم.\nوقوله: (الحياء شعبة من الإيمان) (٢) الحياء بالمد في اللغة: تغير وانكسار تعتري\n_________\n(١) وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ أَفْضَلُهَا مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ أَنَّهُ يُوجِبُ عِصْمَةَ الدَّمِ وَالْمَالِ، لَا أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ، وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَفْضَلَ مِنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٧٠).\n(٢) وقال ابن قتيبة: معناه أن الحياء يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان فسمِّي إيمانًا كما يسمَّى الشيء باسم ما قام مقامه. \"فتح الباري\" (١/ ٧٤).\nوقال الحافظ التُّورِبِشْتِي رحمه اللَّه تعالى: فإن قيل: الحياء يوجد أيضًا في الكافر؟ قلت: النبي -ﷺ- أشار إلى الحياء الصادق الذي وصفناه؛ لأن المؤمن إذا عامل الناس بالحياء فلأن يعامل اللَّه به أحق وأجدر، ومن لم يؤمن باللَّه ولم يترك المعاصي له فإنه لم يستح، ومن لم يستح من ربه فهو بمعزل من الحياء، واللَّه أعلم، انظر: \"التعليق الصبيح\" (١/ ٧٤).\nوقال القاري (١/ ١٤٠): والمراد به الحياء الإيماني، وهو خلق يمنع الشخص من الفعل =","vol":"1","page":222},{"text":"٦ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ،\nــ\nالإنسان بحكم الطبيعة من خوف ما يعاب به، وفي الشرع (١): خُلُق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق، ولاختيار العبد مدخل في تحصيل هذا كما في سائر الأخلاق وتهذيبها، وبهذا الاعتبار جعله من شعب الإيمان (٢)، وإنما أفرده بالذكر لكونه شعبة عظيمة كالداعي إلى باقي الشعب؛ إذ الحييّ يخاف فضيحة الدنيا والآخرة، فيأتمر وينزجر، فمن استحيا من اللَّه حق الحياء، فقد أتى بالخيرات أجمعها ظاهرًا وباطنًا.\nوقيل: معنى إفراد الحياء بالذكر بعد دخوله في الشعب كأنه يقول: هذه شعبة واحدة من شعب الإيمان، فهل يحصى ويعد شعبها؟ فافهم.\n٦ - [٥] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (المسلم من سلم المسلمون) (٣) خرج مخرج الغالب، وإلا فالذمي كذلك، وفيه: تغليب، فإن المسلمات داخلاتٌ فيهم، وفي رواية\n_________\n= القبيح بسبب الإيمان؛ كالحياء عن كشف العورة والجماع بين الناس، لا النفساني الذي خلقه اللَّه في النفوس، وهو تغير وانكسار يعتري المرء من خوف ما يلام ويعاب عليه، انتهى.\n(١) وسئل الجنيد عن الحياء فقال: رؤية الآلاء ورؤية التقصير، فيتولد من بينهما حالة تسمى الحياء. \"الرسالة القشيرية\" (ص: ٩٩)، وانظر: \"التعليق الصبيح\" (١/ ٧٥).\n(٢) يشكل كون الحياء جزءًا للإيمان مع أن الإيمان اكتساب والحياء غريزة، فكيف تكون الغريزة جزءًا للاكتسابي، إلا أن يقال: إن العرب يسمون الشيء باسم سببه، وكذا بالآخر، فكذلك ههنا تركه سبب للمعاصي الكثيرة. كذا في \"تأويل مختلف الحديث\" (ص: ٣٤٥).\n(٣) التعريف في المسلم والمهاجر للجنس، وقال ابن جني: من عادة العرب أن يوقعوا على الشيء الذي يختصونه بالمدح اسم الجنس، ألا تراهم كيف سموا الكعبة بالبيت، وكتاب سيبويه بالكتاب، واللَّه أعلم. \"عمدة القاري\" (١/ ٧٥ - ٧٦).","vol":"1","page":223},{"text":"وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ\". هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ -ﷺ-: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ؟ قَالَ: . . . . .\nــ\nابن حبان (١): (من سلم الناس) وهو أعم، كذا ذكر السيوطي، والمراد أن المسلم الكامل من هذه صفته، وهو مبالغة في الحث بالاتصاف بها، ولا يلزم من ذلك أن من اتصف [بها] وحدها كان كاملًا، فإن المراد مع مراعاة باقي الأركان، وحقيقة المراد مَن جمع إلى أداء حقوق اللَّه تعالى حقوق المسلمين، ووجه تخصيص اللسان واليد (٢) بالذكر؛ لأن أكثر أنواع الإيذاء يقع بهما، واللسان هو المعبّر عما في الإنسان، وأكثر الأفعال باليد، ووجه تقديم اللسان لأن الإيذاء به أغلب وأشد، ولأنه يمكن القول به في الماضين والموجودين والحادثين بخلاف اليد.\nنعم يمكن أن تشارك اليد اللسان في ذلك بالكتابة، ويشمل اليد اليدَ المعنويةَ كالاستيلاء على حق الغير من غير حق، وعلى كل تقدير يستثنى ما كان من الزجر والضرب وغيرهما لحق الشرع، وذلك ظاهر.\nوقوله: (المهاجر) هو كالمسافر في التعبير عن الفاعل بالمفاعل، ويحتمل أن يكون على معنى بابه؛ لأنه من لازم كونه هاجرًا وطنه، والهجرة شاملة للهجرة الظاهرة، وهي الفرار بالدين من الفتن، والباطنة، وهو ترك ما تدعو إليه النفس والشيطان، وكأن المهاجرين خوطبوا بذلك لئلا يتكلوا على مجرد الخروج من دارهم، أو تطييبًا لقلوب من لم يدرك ذلك بحصول ثواب الهجرة لمن هجر ما نهى اللَّه عنه.\nوقوله: (أيّ المسلمين) وفي رواية: . . . . .\n_________\n(١) \"صحيح ابن حبان\" (٣٦١).\n(٢) قال الحافظ (١/ ٥٤): وفي التعبير باللسان دون القول نكتة، فيدخل فيه من أخرج لسانه على سبيل الاستهزاء، انتهى.","vol":"1","page":224},{"text":"\"مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ من لِسَانه وَيَده\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠، م: ٤٠].\n٧ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥، م: ٤٤].\nــ\n(أيّ الإسلام) (١) [أي]: أي خصال الإسلام، أم أيّ ذوي الإسلام، وعلى الأول يحتاج في الجواب إلى تقدير: خصلة من سلم، بخلاف الثاني، وهو أوفق برواية الكتاب.\n٧ - [٦] (أنس) قوله: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) من المحبة ما يكون جبلِّيًّا لا اختيار للعبد فيه، وهو خارج عن البحث؛ لأن الكلام في الإيمان الذي يكلف العبد في تحصيله وتكميله، فالمراد بالمحبة (٢) ههنا ما يكون للاختيار فيه مدخل، وحاصله ترجيح جانبه -ﷺ- في أداء حقه بالتزام دينه واتباع سنته ورعاية أدبه وإيثار رضاه على كل من سواه من النفس والولد والوالد والأهل والمال حتى يرضى بهلاك نفسه، وفقدان كل محبوب دون فوات\n_________\n(١) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ: \"أَيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ \" وَالْفَرْقُ بَيْنَ (خَيْرٍ) وَ(أَفْضَلَ) بِأَنَّ الأَوَّلَ مِنَ الْكَيْفِيَّةِ، إِذْ هُوَ النَّفْعُ فِي مُقَابَلَةِ الشَّرِّ وَالْمَضَرَّةِ، وَالثَّانِي مِنَ الْكِمِّيَّةِ، إِذْ هُوَ كَثْرَةُ الثَّوَابِ فِي مُقَابَلَةِ الْقِلَّةِ، انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٧٢).\n(٢) قال شيخنا على هامش \"اللامع الدراري مع كنز المتواري\" (٢/ ١٣٦): قال عامة الشراح: إن المحبة ههنا عقلية، لكن والدي -نور اللَّه مرقده- كان يقول: إن المحبة تعم العقلية والطبعية كلتيهما، لكن المحبة الطبعية تسترها العوارض أحيانا، وتظهر عند التزاحم، مثال ذلك: رجل يكون له ولد يحبه حبًّا جمًّا، لكنه لو وضع هذا الطفل الحبيب قدمه على القرآن الكريم فماذا سيكون؟ إن الوالد سيرمي بابنه بعيدًا ويضطرب لما حدث، هكذا لو أساء حبيب أحد في ذات الرسول -ﷺ-، فلا يمكن لمسلم أن يتحمل ذلك مهما بلغت محبة الحبيب، انتهى. فهذا هو محبته ﵊، فالمراد حب الطبعي، كذا في \"التقرير\".","vol":"1","page":225},{"text":"٨ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الإِيْمَانِ: . . . . .\nــ\nحقه -ﷺ-، ولم يذكر النفس في هذا الحديث كما ذكر في الدعاء المأثور: (اللهم اجعل حبَّك أحبَّ إليّ من نفسي ومالي وولدي)؛ لأن في محبة الوالد والولد شيء من مدخلية الاختيار بخلاف النفس.\nهذا وقد يفهم مما ورد: (ومن الماء البارد) إلى العطشان (١) أنه قد تسري المحبة إلى الطبيعة، ويضطر المحب في محبة المحبوب بحيث لا يبقى له اختيار بحسب الظاهر، كما في محبة العطشان الماء البارد، ولعل حصول هذه المرتبة بالاستدامة والاستقامة على رعاية حقوق المحبة الاختيارية حتى يصير عادة قريبة من الجبلة، وهذا أكمل مراتب الإيمان، والكلام في الإيمان الكامل، وللكمال مراتب، بعضها أعلى بالنسبة إلى بعض.\nاعلم أن منشأ المحبة وسببها إما الحسن أو الإحسان، أما الإحسان فإن الإنسان مجبول على محبة من أحسن إليه، وأما الحسن فلأنه قد يكون في رجل حسن يحبه الناس، وإن لم يصل إحسان منه إليهم، كمن سمع رجلًا في أقصى ديار المغرب موصوفًا بالفضائل الصورية والمعنوية، يحبه السامع وتنجذب نفسه إليه، وإن لم يكن وصول أثرها إليه، وهذان الوصفان ينحصران في النبي -ﷺ-، وفي الحقيقة هما مقصوران على اللَّه تعالى، فإن الخير كله بيديه، وحاصلان فيه -ﷺ- منه جل وعلا، وبهذا الوجه يمكن أن تسند الأحبية إليه -ﷺ- أو إلى اللَّه ﷿ أو إليهما، فافهم.\n٨ - [٧] (عنه) وقوله: (ثلاث من كن فيه. . . إلخ): (ثلاث) بتقدير: خصال ثلاث، مبتدأ، والشرطية خبره. وقوله: (من كان) بتقدير: خصال من كان، بدل أو\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٣٤٩٠).","vol":"1","page":226},{"text":"مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ. . . . .\nــ\nخبر مبتدأ محذوف، وهذا هو الأظهر.\nوقوله: (من كان اللَّه ورسوله أحب إليه مما سواهما) استشكل ههنا بأنه -ﷺ- ذم الخطيب الذي جمع بين ضمير اللَّه ورسوله، كما أخرجه مسلم (١) عن عدي بن حاتم: أن رجلًا خطب عند رسول اللَّه -ﷺ- فقال: من يطع اللَّه ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال -ﷺ-: (بئس الخطيب قل: ومن يعص اللَّه ورسوله)، وأكثر الشراح على أن وجه كراهة النبي -ﷺ- على الخطيب هو الجمع بين ضمير اللَّه ورسوله الذي يقتضي التسوية، فأمره بتقديم اسم اللَّه وعطف رسوله عليه المشعر بالتبعية والفرعية، فكيف جمع ههنا؟\nوأجيب بأن القول بأن وجه الكراهة هو الجمع بين الضميرين غير مسلم؛ لأن اقتضاء التسوية محل بحث؛ لوقوع هذا الجمع والتشريك في مثل هذه العبارة في خطبته -ﷺ-، كما أورده صاحب (سفر السعادة) من حديث أبي داود والترمذي والنسائي عن ابن مسعود، وقد وقع مثل التشريك المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، بل السبب في الذم المذكور اقتصاره على هاتين الكلمتين مع سلوك طريق الاختصار في الضميرين، بل اللائق بشأن الخطيب في أمثال هذه المقاصد البسط والتفصيل والتطويل وعدم الملال من ذلك، كما وقعت في خطبته -ﷺ- التي وقع فيها هاتان الكلمتان.\nوقيل: سبب الذم أن ذلك الخطيب وقف على قوله: (ومن يعصهما) ووصله بقوله: (فقد رشد)، وذلك يوهم عطفه على من يطع اللَّه ورسوله، ووقوع (فقد رشد)\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٨٧).","vol":"1","page":227},{"text":"كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١، م: ٤٣، ٦٨].\n٩ - [٨] وَعَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ذَاقَ طَعْمَ الإِيْمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا،\nــ\nجزاء لهما، وهذا القول ضعيف مخالف لسياق الحديث كما لا يخفى.\nوقال الطيبي (١): ثنى الضمير ههنا إيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين لا كل واحدة، فإنها وحدها ضائعة لا عبرة بها، وأمر بالإفراد في حديث عدي إشعارًا بأن كل واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية من حيث إن العطف في تقدير التكرير، والأصل فيه استقلال كل من المعطوف والمعطوف عليه في الحكم، فافهم.\n٩ - [٨] (العباس بن عبد المطلب) قوله: (ذاق طعم الإيمان من رضي باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا) قال الشيخ ابن عطاء اللَّه الإسكندري الشاذلي في (كتاب التنوير في إسقاط التدبير) (٢): في قوله: (ذاق طعم الإيمان) دليل على أن من لم يكن كذلك لا يجد حلاوة الإيمان ولا يدرك مذاقه، وإنما يكون إيمانه صورة لا روح لها، وظاهرًا لا باطن له، ومرتسمًا لا حقيقة تحته.\nوفيه: إشارة إلى أن القلوب السليمة من أمراض الغفلة والهوى تتنعم بملذوذات المعاني كما تتنعم النفوس بملذوذات الأطعمة، وإنما ذاق طعم الإيمان من رضي باللَّه ربًّا؛ لأنه لما رضي باللَّه ربًّا استسلم له وانقاد لحكمه، وأبقى قياده إليه خارجًا عن تدبيره واختياره إلى حسن تدبير اللَّه واختياره، فوجد لذاذة العيش وراحة التفويض، ولما رضي باللَّه ربًّا كان له الرضا من اللَّه كما قال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، وإذا كان له الرضا من اللَّه تعالى أوجده اللَّه تعالى حلاوة ذلك ليعلم ما منّ به عليه، وليعرف\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ١٢٠).\n(٢) (ص: ٨).","vol":"1","page":228},{"text":"وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا\" رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٤].\nــ\nإحسان اللَّه إليه، ولا يكون الرضا باللَّه تعالى إلا مع الفهم، ولا يكون الفهم إلا مع النور، ولا يكون النور إلا مع الدنو، ولا يكون الدنو إلا مع العناية، فلما سبقت لهذا العبد العناية خرجت له العطايا من خزائن المنن، فلما واصلته أمداد اللَّه تعالى وأنواره؛ عوفي قلبه من الأمراض والأسقام، فكان سليم الإدراك، فأدرك لذاذة الإيمان وحلاوته لصحة إدراكه وسلامة ذوقه، ولو سقم قلبه بالغفلة عن اللَّه لم يدرك ذلك، لأن المحموم ربما وجد طعم السكّر مرًّا، وليس هو في نفس الأمر كذلك، فإذا زالت أسقام القلوب أدركت الأشياء على ما هي عليه، فتدرك حلاوة الإيمان ولذاذة الطاعة ومرارة القطيعة والمخالفة، فيوجب إدراكها لحلاوة الإيمان اغتباطها به وشهود المنة من اللَّه عليها، وتطلب الأسباب الحافظة للإيمان والجالبة له، ويوجب إدراك لذاذة الطاعة المداومة عليها وشهود المنة من اللَّه فيها، ويوجب إدراكها لمرارة الكفران والمخالفة التركَ لهما والنفورَ عنهما وعدمَ الميل إليهما، فيكمل الترك للذنب وعدم التطلع، وليس كل متطلع تاركًا، ولا كل تارك غير متطلع، وإنما كان كذلك لأن نور البصيرة دله على أن المخالفة للَّه تعالى والغفلة عنه سمٌّ للقلوب مهلك، فنفرت قلوب المؤمنين عن مخالفة اللَّه تعالى كنفرتك عن الطعام المسموم.\nوقوله -ﷺ-: (وبالإسلام دينًا) لأنه إذا رضي بالإسلام دينًا فقد رضي بما رضي به المولى، واختاره بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وإذا رضي بالإسلام دينا فمن لازم ذلك امتثال أوامره، والانكفاف عن وجود زواجره، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوقوله -ﷺ-: (وبمحمد نبيًا) فلازم من رضي بمحمد نبيًّا أن يكون له وليًّا، وأن يتأدب بآدابه، وأن يتخلق بأخلاقه؛ زهدًا في الدنيا وخروجًا عنها، وصفحًا عن الجناية،","vol":"1","page":229},{"text":"١٠ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٣].\nــ\nوعفوًا عمن أساء إليه، إلى غير ذلك من تحقيق المبالغة قولًا وفعلًا، وأخذًا وتركًا، وحبًّا وبغضًا، وظاهرًا وباطنًا، فمن رضي باللَّه ربًّا استسلم له، ومن رضي بالإسلام دينًا عمل له، ومن رضي بمحمد -ﷺ- نبيًّا تابعه، ولا يكون واحد منها إلا بكلها، إذ محال أن يرضى باللَّه ربًّا ولا يرضى بالإسلام دينًا، ولا يرضى بمحمد نبيًّا، وتلازم ذلك بَيِّنٌ لا خفاء فيه.\n١٠ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (والذي نفس محمد بيده) هذا الحلف كثر وقوعه منه -ﷺ- لدلالته على فناء إرادتة وتصرفه في إرادة اللَّه ﷿ وتصرفه، قال صاحب (سفر السعادة): وكان -ﷺ- يكثر الحلف باللَّه تعالى، والذي صح في الأحاديث أكثر من ثمانين موضعًا، وقد أمره اللَّه سبحانه بالحلف في ثلاثة مواضع، قال اللَّه تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: ٣]، وقال اللَّه تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧].\nوقوله: (لا يسمع بي أحد من هذه الأمة) يقال: سمع بفلان أي: بلغ خبره إليه، ويقال: سمع الناس بفلان أي: تسامعوا به، والباء زائدة؛ أي: لا يسمعني، أو يضمن (سمع) معنى (أخبر)، والمعنى: أخبر برسالتي واحد، يتناول الكثير والقليل، والذكر والأنثى، و(من هذه الأمة) صفة (أحد)، و(يهودي) بدل من (أحد)، و(من) للتبعيض، والمراد أمة الدعوة بدليل قوله: (لم يؤمن بي)، والأمة: جماعة أرسل","vol":"1","page":230},{"text":"١١ - [١٠] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ثَلَاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ، وَالْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ يَطَؤُهَا فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا أَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٧، م: ١٥٤].\nــ\nإليهم رسول، والجيل: من كل حيٍّ، كذا في (القاموس) (١)، و(ثم) هذه للاستبعاد كما في قوله: (ثم أعرض عنها)، والمراد: [من] سمع بي وتبين له معجزتي ثم لم يؤمن، كان من أصحاب النار وإن كان من أهل الكتاب.\n١١ - [١٠] (أبو موسى الأشعري) قوله: (رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد) دل على أن الكتابي إن لم يؤمن بمحمد -ﷺ- كان إيمانه بنبيه وعمله على دينه ضائعًا لا يثاب عليه؛ لأنه قد نسخ دينه، وأما إذا آمن به -ﷺ- يثاب على دينه والعمل به وإن كان منسوخًا؛ فضلًا من اللَّه تعالى وكرامة منه تعالى لهذا الدين العظيم، فلهذا السبب يثبت له أجران، كذا قالوا، فتدبر.\nوقوله: (فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها) التأديب متعلق بالأحوال والأخلاق، والتعليم بالأحكام والمسائل، والإحسان فيهما أن يكونا على وجه ينبغي ويكفي، أو يكونا باللطف والتأني، وثبوت الأجرين للكتابي والعبد المذكورين ظاهر، وأما للرجل الذي كانت عنده أمة يطأها. . . إلخ، فعلى الإعتاق والتزوج.\nوأما التأديب والتعليم فيعمان الناس الأجانب والأولاد وغيرهم ولا يختصان بالإماء، أو هما توطئتان لاشتمالهما الإعتاق والتزوج، ولهذا ذكرهما بـ (ثم) المفيدة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٩٤).","vol":"1","page":231},{"text":"١٢ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ. . . . .\nــ\nلبعد درجتهما في إتمام الإحسان إليها وإكماله، كذا قيل، وفيه تأمل.\nوأما قيد (يطؤها) فالظاهر أنه اتفاقي، وإشارةٌ إلى أن الوطء المذكور كان لا أجر له فيه، ثم بإبلاغه إلى ما بلغ حصل الأجر، ثم قيل: إن المراد ثبوت الأجرين المذكورين في كل عمل كالصلاة والصوم، وإلا فلا غرابة في ثبوت الأجرين لمن عمل عملين (١).\n١٢ - [١١] (ابن عمر) قوله: (حتى يشهدوا) أو يأتوا بما في حكم الشهادة؛ كقبول الجزية من أهل الكتاب، والمهادنة من عبدة الأوثان، والاستئمان في الكل، أو يكون ورود هذا القول قبل هذه الأحكام (٢).\nوقوله: (يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) القتال ينتهي بالشهادة، وهذا إشارة إلى تمامها وكمالها بإتيان الإسلام وأركانها إلا أن يقال بثبوت القتال على ترك الواجبات\n_________\n(١) قال شيخنا في هامش \"الكوكب\" (٢/ ٢٣٠): وما أفاد والدي المرحوم -نور اللَّه مرقده- عند تدريس \"مشكاة المصابيح\" أن مناط تكرار الأجر هو التزاحم، فكل فعل يوجد فيه التزاحم يثنى عليه الأجر، انتهى. وفي \"المرقاة\" (١/ ٧٩) ويُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَمَّا كَانَ يُتَوَهَّمُ مِنْ نَسْخِ الأَدْيَانِ الْمُتَقَدِّمَةِ أَنْ لَا ثَوَابَ لأَصْحَابِهَا مُطْلَقًا دَفَعَهُ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَكَذَا الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْعَامَّةِ أَنَّ ثَوَابَ عِبَادَةِ الْمَمْلُوكِ لِلْمَالِكِ، فَلِذَا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ، وَرُبَّمَا كَانَ يُقَالُ: إِنَّ إِعْتَاقَ الْجَارِيَةِ وَتَزَوُّجَهَا لِغَرَضِ نَفْسِهِ، وَهُوَ طَبعٌ، فَلَا يَكُونُ فِيهِمَا أَجْرٌ، فَرَفَعَهُ وَبَالَغَ فِيهِ وَقَالَ: لَهُ أَجْرَانِ.\n(٢) وقال السندي: إما مخصوص بمشركي العرب، أو كان قبل شروع الجزية. \"حاشية السندي على صحيح البخاري\" (١/ ١٥).","vol":"1","page":232},{"text":"عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. إِلَّا أَنَّ مُسْلِمًا لَمْ يَذْكُرْ: \"إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَام\". [خ: ٢٥، م: ٢٢].\nــ\nوالإصرار عليه بتأويل باطل، كما قاتل الصديق أمير المؤمنين -﵁- مانعي الزكاة، فيكون المراد بحق الإسلام قتل النفس المعصومة والخيانة في أموال الناس وترك الفرائض بتأوبل باطل، فافهم.\nوتخصيص الصلاة والزكاة بالذكر للإشارة إلى العبادت البدنية والمالية ولكونهما أمي العبادات وكونهما متقاربين ذكرًا في القرآن، ويحتمل أنه ﵇ قال هذا قبل فرضية ما سواهما.\nوقوله: (وحسابهم على اللَّه) أي: فيما يسرون من الكفر والمعاصي، يعني نحكم بالإسلام وحقوقه بالظاهر، واللَّه يتولى حساب الباطن، وإطلاق هذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة يدل على قبول توبة الزنديق وغيره ممن أظهر الإسلام في الظاهر وإن أبطن الكفر، والمراد بالزنديق كل ملحد في الدين لا دين له والمنكر للآخرة والربوبية والدين جملة، وقيل: هو المبطن المظهر للإسلام في الظاهر كالمنافق.\nوفي (القاموس) (١): وهو معرب زن دين أي دين المرأة، وفي الأصل اسم لقوم من المجوس يقال لهم: الثنوية، يقولون بالخالقين النور مَبدأ الخيرات، والظلمة مَبدأ الشرور، ومأخوذ من الزند وهو كتاب بالفهلوية لرجل يقال له: زردشت.\nوفي قبول توبته أقوال ذكرها الطيبي (٢)، أصحها القبول، والمراد بعدم القبول تحتم قتله، لكنه إن صدق في توبته نفعه في الآخرة، والأظهر أنه إن كان ألحد أحيانًا وتاب سريعًا قبل، وإن كان ممن أصر على ذلك تمردًا وعرف أنه ينافق في التوبة ويتوب\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٢٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٤٥٣).","vol":"1","page":233},{"text":"١٣ - [١٢] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا؛ فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلَا تُخْفِرُوا اللَّهَ فِي ذمَّتِهِ\". رَوَاهُ البُخَارِيّ. [خ: ٣٩١].\nــ\nمن خوف السيف ويدافعه للوقت فلا، واللَّه أعلم.\n١٣ - [١٢] (أنس) قوله: (من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وكل ذبيحتنا) (١) إنما ذكر هذه الثلاثة ولم يذكر الإسلام وأركانه من الشهادتين وغيرهما؛ لأنها علامات صحيحة دالّة على الإسلام وتميز المسلم من غيره، لأن من صلى كما نصلي دل ذلك على إقراره بنبوة محمد -ﷺ- وبما جاء به من عند اللَّه كلّه، وذكر استقبال القبلة، وإن كان شرط الصلاة لاشتهار أمرها واختصاصها بصلاتنا بخلاف القيام والقراءة ونحوهما، وكذا أكل ذبيحتنا مخصوص بأهل الإسلام، والذمة والذمام بالكسر: العهد والضمان والحرمة والحق، وسمّي أهل الذمة لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم.\nوقوله: (فلا تخفروا اللَّه) بضم التاء وسكون الخاء وكسر الفاء على صيغة المضارع (إفعال) من الخفر، والخفرة بمعنى العهد والأمان، كما في حديث: (من صلى الصبح فهو في خفرة اللَّه) (٢)، أي ذمته، وفي حديث: (الدموع خفر العيون) جمع خفرة بمعنى الذمة أي: الدموع التي تجري خوفًا من اللَّه تخفر العيون من النار، خَفَره أجاره فهو خفير، وكذا خَفّره من التخفير وأخفره أيضًا بمعنى جعلته خفيرًا، والخفارة بالضم والكسر: الذمام، وقد يجيء الهمزة للسلب أخفرته بمعنى غادرته ونقضت عهده، وهو\n_________\n(١) وفي \"التقرير\": فيه تنبيه على أن لأكل الذبيحة أيضًا دخلًا في الإسلام، فلا يقال: إننا مسلمو اللحم فقط، ذكره الشيخ التهانوي في وعظه، والشهادة دخلت في صلواتنا، وتخصيص القبلة لعله لمزيد الاهتمام إليه لقرب التحول إليه، وقيل لكونه أعرف من الصلاة، انتهى.\n(٢) انظر: \"كنز العمال\" (١٤٢٩١).","vol":"1","page":234},{"text":"١٤ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ: \"تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وتَصُومُ رَمَضَانَ\". قَالَ: وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجنَّة فَلْينْظر إِلَى هَذَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٩٧، م: ١٤].\nــ\nالمراد في الحديث: (فلا تخفروا اللَّه)، أي: لا تغدروه في عهده ولا تعاملوه معاملة الغادر في نقض عهده.\n١٤ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (أتى أعرابي) العرب سكان الأمصار، أو عام، والأعراب منهم سكان البادية لا واحد له، كذا في (القاموس) (١)، وقد قيل: الأعراب البدوي وإن لم يكن من العرب.\nوقوله: (قال: تعبد اللَّه ولا تشرك به شيئًا) لم يذكر الشهادة لشهرتها، أو لتضمن قوله: (لا تشرك به) إياها، أو لأن السؤال عن عمل بعدها، والمراد بالإشراك إما عبادة الأصنام أو الرياء.\nوقوله: (لا أزيد على هذا شيئًا ولا أنقص منه) استشكل هذا بأنه لم يذكر في هذا الحديث جميع الواجبات والمنهيات ولا السنن ولا المندوبات فكيف يصح قوله: (لا أزيد)؟ وأجيب بأنه يحتمل أن الفرائض لم يكن يومئذ إلا ما ذكر، والمراد عدم زيادة النوافل ونقصان الفرائض، وصاحب هذه الحال ناجٍ بلا شك، وإن كان بترك السنن مسيئًا، وقيل: لعله كان هذا قبل شرعية النوافل والسنن، وقيل: المراد الزيادة على حد\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨).","vol":"1","page":235},{"text":"١٥ - [١٤] وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي فِي الإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، -وَفِي رِوَايَةٍ: غَيْرَكَ- قَالَ: . . . . .\nــ\nالمشروع والنقصان عنه كزيادة ركعة أو نقصانها، وقد قيل: إنه قد جاءت الروايات مختلفة في ذكر الواجبات في هذا الحديث زيادة ونقصانًا، وذلك من تفاوت أحوال الرواة حفظًا وضبطًا أو رواية لما هو المقصود بالاستشهاد، وزيادة الثقة مقبولة، وجاء في رواية البخاري في هذا الحديث زيادة، وهي: (فأخبره رسول اللَّه -ﷺ- شرائع الإسلام، فأدبر الرجل وهو يقول: واللَّه لا أزيد ولا أنقص مما فرض اللَّه عليَّ شيئًا)، وعلى هذا لا إشكال أصلًا، ويؤيده أن في هذا الحديث أيضًا (قال: تعبد اللَّه) فعمّم، ثم خصصه بقوله: (وتقيم الصلاة. . . إلخ)، فافهم.\nأو هذا الكلام في التصديق والقبول؛ أي: لا أزيد عليه في السؤال مما يتعلق بتحقيق ما ذكرت، ولا أنقص منه في التصديق والقبول، أو كان السائل رسولًا فحلف أن لا أزيد ولا أنقص في الإبلاغ، هذا كله ما ذكره الطيبي (١) ملخصًا.\nوقيل: قول الرجل هذا كناية عن شدة الضبط ومبالغة في الأخذ والاهتمام بما أمر الشارع، وليس المراد حقيقة الكلام، فلا ينافي الإتيان بالنوافل والواجبات الأخر، وكذا الكلام في حديث طلحة الآتي.\n١٥ - [١٤] (سفيان بن عبد اللَّه الثقفي) قوله: (لا أسأل عنه): أي عن ذلك القول؛ لكونه جامعًا فصلًا بَيتًا لا إجمال فيه ولا إشكال، وقيل: الضمير للإسلام، أي: لا أسأل معه عن الإسلام، فافهم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ١٣٢).","vol":"1","page":236},{"text":"\"قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّه ثمَّ اسْتَقِم\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٨].\n١٦ - [١٥] وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَائِرُ الرَّأْسِ،\nــ\nوقوله: (قل آمنت باللَّه ثم استقم) أي: اشهد بوحدانية اللَّه سبحانه وصدقه كما هو بأسمائه وصفاته وأفعاله فيما أخبر وأمر ونهى، فدخل فيه جميع ما يؤمن به، ثم التزمِ القيام بحقيقة قولك، واستقامة الإنسان ملازمة النهج المستقيم، وهو لفظ جامع للإتيان بجميع الأوامر والنواهي على وجه الدوام والثبات من غير زيغ وفتور، وفي (القاموس) (١): استقام الأمر: اعتدل، وفي (شرح الحكم العطائية): الاستقامة: الاستواء في اتباع الحق على منهاج السداد من غير إفراط ولا تفريط في أركانها، وعمل بلا فترة ولا إخلال، وتوبة بلا إصرار ولا رجوع، وإخلاص بلا تشوف ولا ملاحظة، واستسلام بلا منازعة ولا معارضة، وتفويض بلا تردد ولا تدبير، وملازمها واصل قطعًا، ومفارقها خائب في الحال، فهي الكرامة على الحقيقة لا غيرها، وقال في (قواعد الطريقة): الاستقامة: حمل النفس على أخلاق القرآن والسنة، أي: ارتياضها واعتيادها بتحصيل الملكات الراسخة فيها من الفضائل.\n١٦ - [١٥] (طلحة بن عبيد اللَّه) قوله: (من أهل نجد) في (القاموس) (٢): النجد: ما أشرف من الأرض وما خالف الغور، أعلاه تهامة واليمن، وأسفله العراق والشام، وأوله من أجهة، الحجاز ذات عرق.\nوقوله: (ثائر الرأس) الثور: الهيجان والوثب والسطوع، من ثار الشيء يثور:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٦٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٣).","vol":"1","page":237},{"text":"نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ،\nــ\nإذا انتشر وارتفع، وفي الحديث: (صلاة العشاء إذا سقط ثور الشفق)، أي: انتشاره وثوران حمرته، وفي الحديث: (بل هي حمى تفور أو تثور) (١)، (ورأيت الماء يثور من بين أصابعه) (٢).\nوقوله: (ثائر الرأس)، أي: ينتشر شعر الرأس قائمة، وهو منصوب على الحال أو مرفوع على الصفة، والرواية الأولى أشهر.\nوقوله: (نسمع دويّ صوته) في (النهاية) (٣): الدويّ صوت ليس بالعالي نحو صوت النحل، وحكي ضم داله أيضًا، وفي (القاموس) (٤): ودويّ الريح: حفيفها، وكذا من النحل والطائر، وقال الكرماني (٥): هو بفتح دال وكسر واو تحتانية على المشهور وحكي ضم الدال، وهو بعد الصوت في الهواء وعلوه، معناه صوت شديد لا يفهم منه شيء كدوي النحل، وقال السيوطي: الدوي صوت متكرر مرتفع لا يفهم، وإنما كان كذلك لأنه نادى من بعد، وهو بالنصب على رواية (نسمع) بالنون، والرفع على رواية التحتانية؛ أي: صيغة المجهول.\nوقوله: (عن الإسلام) أي: عن أركانه وفرائضه، ويمكن أنه سأله عن حقيقة الإسلام، لكن لم يذكر في الجواب الشهادتين لشهرتهما وللعلم بهما، ولم يذكر الحج،\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٣٦١٦).\n(٢) أخرج البخاري نحوه (٣٥٧٩)، والنسائي نحوه (٧٧).\n(٣) \"النهاية\" (٢/ ١٤٣).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨١).\n(٥) \"شرح الكرماني\" (١/ ١٨٠).","vol":"1","page":238},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ\". فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ فَقَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ\". قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: \"لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ\". قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الزَّكَاةَ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ فَقَالَ: \"لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ\". قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَفْلَحَ الرَّجُلُ إِنْ صَدَقَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٦، م: ١١].\nــ\nإما لعدم فرضيته إذ ذاك، أو لعدم كون السائل أهله، وبالجملة السؤال والجواب عن أركان الإسلام خمستها أو ما كان منها يومئذ فرضًا، فيكون المراد بقوله: (هل عليَّ غيرهن) أي: من الصلاة، وبقوله: (هل عليَّ غيره) من الصوم وغيرهما من الصدقة، وهو ظاهر، فلا يلزم أن لا يكون واجب غير ما ذكر، فلا متمسك فيه للشافعية -كما قال الطيبي (١) - في شمول عدم الوجوب في غير ما ذكر في الحديث كعدم وجوب [الوتر، و] التسمية في الذبح، والتباعد بقدر القلتين عن جوانب النجاسة في الماء الراكد، والوليمة، والعقيقة، ولا في أن الشروع غير ملزم لأنه نفى وجوب شيء آخر مطلقًا شرع فيه أو لم يشرع على أنه يلزمهم أن لا يكون في الإسلام فرض غير ما ذكر أصلًا مع كثرتها عينًا وكفاية، وكون الشروع ملزما إنما يثبت لصون العمل عن الإبطال المنهي عنه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، وأما الوتر فليس من الفرائض القطعية المرادة ههنا، ويراد بالتطوع ما يقابله أو يثبت وجوبه بعد ذلك كالحج، واللَّه أعلم.\nوقوله: (أفلح الرجل إن صدق) الفلاح: الفوز والنجاة، كذا في\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ١٣٦).","vol":"1","page":239},{"text":"١٧ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنِ الْقَوْمُ؟ -أَوْ: مَنِ الْوَفْدُ؟ -\" قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: \"مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ -أَوْ: بِالْوَفْدِ- غَيْرَ خَزَايَا. . . . .\nــ\n(القاموس) (١)، و(إن صدق) بكسر الهمزة، وقد يفتح بتقدير اللام، والمراد صدقه في إخباره بعمله بذلك من غير زيادة ونقصان، أو صدقه فيما يفهم من كلامه من الاهتمام بالأخذ والرغبة في التصديق، فيكون الفلاح بحسن النية، فافهم.\n١٧ - [١٦] (ابن عباس) قوله: (إن وفد عبد القيس) (٢) الوفد: جماعة قدموا على ملك، جمع وافد، من وفد إليه وعليه وفدًا وفودًا ووفادةً: قَدِمَ ووَرَدَ، فهم وُفودٌ ووفد وأوفاد، وعبد القيس أبو قبيلة من أسد ربيعة، ومضر بن نزار كزفر أبو قبيلة في مقابلتهم ومحاربوهم، ويقال له: مضر الحمراء فإنه أعطي الذهب من ميراث أبيه، وربيعة أعطي الخيل، أو لأن شعارهم كان في الحرب الرايات الحمر.\nوقوله: (مرحبًا) منصوب بفعل مقدر وجوبًا؛ أي: أتيتم وصادفتم مكانًا واسعًا، والرحب: المكان الواسع، من رحب ككرم وسمع رحبًا بالضم ورحابة: اتسع، وكذلك أهلًا وسهلًا، أي: أتيت أهلك، ووطئت مكانًا سهلًا، أي: لينًا، ضد الحزن، والباء في (بالقوم) متعلق بالترحيب المفهوم من الكلام، يقال رحّب به ترحيبًا: دعاه إلى الرحب، أو يكون التقدير ههنا: قلت مرحبًا، أو المعنى هذا الدعاء ملتبس بالقوم، أو الباء بمعنى اللام و(غير) منصوب على أنه حال، و(خزايا) جمع خزيان أو خزيٌ من خَزِيَ كرضي خزيًا بالكسر: وَقَعَ في بَلِيَّةٍ وشدةٍ فذلّ بذلك، وأخزاه اللَّه:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٢٧).\n(٢) وفي \"التقرير\": كانوا نازلين ببحرين، أربعة عشر رجلًا أو أربعون، كلتا الروايتين جمعتا بالتعدد، أو بأن الأشراف أربعة عشر، وفدوا سنة ثمان.","vol":"1","page":240},{"text":"وَلَا نَدَامَى\". قَالُوا: يَا رَسُول اللَّه! إِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا وَنَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ،\nــ\nفضحه، والخَزْيَةُ ويُكسر: البلية.\nو(ندامى) (١) جمع نادم، من نَدِمَ عليه كفَرِحَ ندمًا وندامة، وتَنَدَّمَ: أسف، فهو نادم، والمراد بالشهر الحرام الجنس، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب، فكانوا لا يحاربون فيها، وكانوا فيها آمنين في الطرق تعظيمًا لهذه الأشهر وإيمانًا لزوار بيت اللَّه، وهذا الوجه الآخر يختص بما سوى رجب، وأما المحرم فإنه وإن لم يكن من أشهر الحج لكنه يحتمل التلاقي فيه وقت الرجوع، وفي بعض الحواشي فسر برجب، ولعله كان يمنعهم من الإتيان في الأشهر الحرم الأخر مانع آخر، أو أنهم أتوا النبي -ﷺ- بعد المحرم فليس قدامهم إلا رجب، ولعل إفراد الشهر بهذا، فافهم، والأمر الفصل: هو الحكم المحكم الواضح الذي لا إجمال فيه ولا إشكال، والظاهر أن المراد به واحد الأمور بمعنى الشأن لا واحد الأوامر بمعنى صيغة (افعل) إما وصف المصدر مبالغة أو بمعنى فاصل أو مفصول، و(نخبر) من الإخبار و(ندخل) من الدخول إما مجزومان على جواب الأمر أو مرفوعان على الوصفية أو الاستئناف.\nوقوله: (من وراءنا) يجيء بمعنى خلف وقدام، ضدٌّ، ويحتمل الحديث كليهما، فافهم.\n_________\n(١) وفي \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٨٨): جَمْعُ نَدْمَانَ بِمَعْنَى نَادِمٍ، أَوْ جَمْعُ نَادِمٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وقال السيد: غيرٌ العبارة لمناسبة \"خزايا\"، والمقصود: لم تقدموا أسرى فتكونوا خزايا، ولم تقاتلوا منا قبله ولم تقتلوا رجالنا بعدُ فتأتوا ندامى. وقال صاحب \"المظاهر\": جملتان دعائيتان، كذا في \"التقرير\".","vol":"1","page":241},{"text":"وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالإِيْمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: \"أَتَدْرُونَ مَا الإِيْمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟ \" قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: \"شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ\". . . . .\nــ\nوقوله: (سألوه عن الأشربة) أي: ظروفها، أو الأشربة التي تكون في الأواني المخصوصة المتنوعة التي يأتي ذكرها.\nوقوله: (فأمرهم بأربع) المراد بالأمر ههنا ما هو مدلول صيغة (افعل) لمقابلة قوله: (ونهاهم عن أربع) والأمر الفصل الذي يشملها أمرهم بالإيمان باللَّه، وهو أربع باعتبار ما اشتمل عليه من الأركان المذكورة سوى الحج لما ذكر مرارًا أنه لم يفرض يومئذ أو لم يكونوا أهلًا له، وجزم الطيبي (١) ههنا بالأول نقلًا عن القاضي عياض حيث قال: إنما لم يذكره لأن وفادة عبد القيس كانت عام الفتح سنة ثمان قبل خروج النبي -ﷺ- إلى مكة، ونزلت فريضة الحج سنة تسع على الأشهر، وإنما قال: على الأشهر؛ لأن كثيرًا من الناس زعموا أن الحج فرض سنة ست لكن القول الأول أقوى، ودلائل الفريقين ذكرناها في شرح (سفر السعادة) (٢).\nوعلى هذا التوجيه قوله: (وأن تعطوا) ذكر زيادة على الأربع؛ لأنهم كانوا أهل جهاد، وكانوا محاربين لكفار مضر، فهو معطوف على قوله: (بأربع) وليس داخلًا تحتها.\nوقال بعضهم: أول الأربع المأمور بها إقام الصلاة، وإنما ذكر الشهادة تبركًا؛\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ١٣٩).\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" أيضًا (٥/ ٣٧٩)، و\"بذل المجهود\" (٧/ ٦).","vol":"1","page":242},{"text":"وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: عَنِ الْحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ، وَقَالَ: \"احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ\" مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيّ. [خ: ٥٣، م: ١٧].\n١٨ - [١٧] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ: . . . . .\nــ\nلأن القوم كانوا مؤمنين مقرين.\nوقوله: (ونهاهم عن أربع) جوابًا عن سؤالهم عن ظروف الأشربة، و(الحنتم) بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الفوقانية: الجرة الخضراء، (والدباء) بضم الدال وتشديد الباء ممدودًا: القرع كالدبة بالفتح والواحد بهاءٍ وهي ظروف الخمر إما الدُّباء حقيقة أو على شكلها من الخشب، والأول أظهر، (والنقير) أصل خشبة ينقر فينبذ فيه فيشتد نبيذه، كذا في (القاموس) (١)، (والمزفت) بضم الميم وتشديد الفاء المفتوحة: المطلي بالزفت بالكسر: القار، والمراد النهي عن استعمال هذه الأواني مبالغة في الاحتراز عن التشبه بشاربي الخمر وأوانيها وقمعًا لآثارها، والظاهر أن المراد النهي عن الاستنقاع والانتباذ فيها لإسراع الاشتداد فيها فيسكر، ولذا وقع في الأحاديث النهي عن الانتباذ إلا في سقاء لإبطاء الاشتداد والإسكار فيها ولتبين الحالة فيها دون الأواني فيتناول غفلة، ثم قالوا: تحريم الانتباذ في هذه الأواني واستعمالها كان في صدر الإسلام حيث كان القصد إلى قمع آثار الخمر وتأكيد حرمتها، ثم نسخ وهو قول الجمهور، وقال بعض ببقاء التحريم، وإليه ذهب مالك وأحمد رحمهما اللَّه.\n١٨ - [١٧] (عبادة بن الصامت) قوله: (وحوله عصابة) العصابة بالكسر من الرجال والخيل والطير ما بين العشرة إلى الأربعين، كالعُصبة بالضم من العصب، وهو\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٥٢).","vol":"1","page":243},{"text":"\"بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ. . . . .\nــ\nالطَّيُّ واللَّيُّ والشَّدُّ، والعصب محركة: أطناب المفاصل، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (بايعوني) (٢) المبايعة: المعاهدة والمعاقدة، وأصله من البيع، والبيعة (فعلة) منه، كان كل واحد من المتعاهدين يبيع نفسه من صاحبه، وكما يكون الصفق -وهو ضرب اليد على اليد- عند وجوب البيع جرت العادة بذلك عند المعاهدة أيضًا.\nوقوله: (على أن لا تشركوا باللَّه شيئًا) الظاهر أن المراد بالشرك الرياء؛ لأنه الشرك الأصغر، كما ورد في الحديث: (اتقوا الشرك الأصغر، قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول اللَّه؟ قال: الرياء) (٣) لأن الظاهر كما يدل عليه السياق أن الخطاب للأصحاب، ويحتمل أن يكون المراد عبادة الأصنام، أي: لا ترتدوا بعد الإسلام.\nوقوله: (ولا تاتوا ببهتان) في (القاموس) (٤): بهته كمنعه بَهْتًا وبَهَتًا وبهتانا: قال عليه ما لم يفعل، والبَهِيتَةُ: الباطلُ الذي يتحير من بطلانه، والكَذِبُ، كالبُهْتِ بالضم، والحيرةُ، فعلُهما كَعلِمَ ونَصَرَ وكَرُمَ.\nوقوله: (تفترونه) افترى الكذب: اختلقه، والفرية بالكسر: الكذب، من فرى يفريه: شقه فاسدًا، فأصل الفرى القطع، ومنه كل ما أفرى الأوداج أي: ما شقها وقطعها حتى يخرج الدم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٠).\n(٢) وفي \"التقرير\": فيه دلالة على بيعة المشايخ؛ لأن تلك العصابة كانوا مسلمين، فإذا لم تكن بيعة الإسلام فماذا كان غير بيعة السلوك.\n(٣) أخرج نحوه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٤٢٨).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٥٠).","vol":"1","page":244},{"text":"بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كفَّارَةٌ لهُ (١)،\nــ\nوقوله: (بين أيديكم وأرجلكم) أي: من عند أنفسكم والناس براء منه، واليد والرجل كنايتان عن الذات، أو كفاحًا يشاهد بعضهم بعضًا، أو تنشؤونه من ضمائركم بناءً على الظنون الفاسدة، أو ما بين الأيدي والأرجل من الإنسان هو القلب لأنه في الصدر، أو نسب الافتراء إلى الأيدي والأرجل من جهة أنها عوامل وحوامل وإن شاركها سائر الأعضاء، وقد وقعت هذه العبارة في مبايعة النساء، وفسر بأن لا يأتين بولد من غير أزواجهن فينسبنه إليهم على بعض المعاني المذكورة، أو المراد من بين الأيدي والأرجل الفروج (٢).\nوقوله: (ولا تعصوا في المعروف) (٣) والمعروف: اسم لكل ما عرف وجهه في الشرع واستحسن فيه كالشخص الذي يعرف، ويقابله المنكر: وهو الشخص الذي لا يعرف.\nوقوله: (فمن وفّى) فيه إشارة إلى أن وجوب الأجر إنما هو على تقدير الإتيان بالكل والاستيفاء، فمن أخل بشيء من ذلك استحق العقاب.\n_________\n(١) قوله: \"فهو كفارة له\" استدل به الشافعية على أن الحدود كفارات لأهلها، ولم يقل به الحنفية، وقد بسط الكلام في \"فيض الباري\" (١/ ١٦٠)، و\"الكنز المتواري\" (٢/ ١٤٩).\n(٢) في \"التقرير\": أو المراد: المواجهة، يقال: بين أيديكم أي: تجاهكم، فذكر الأرجل إذًا للتأكيد، أو الأيدي في الحال، والأرجل في المآل، لأن السعي بالرجل.\n(٣) في \"التقرير\": قيد به مع أن أوامره ﵊ كلها معروفة، تنبيهًا على أن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولأن القيد إذ يكون في عصيانه ﵊ فغيره أولى، كذا في \"تفسير أبي السعود\" (٦/ ٢٣٩)، و\"الجمل\" (٤/ ٣٣٣).","vol":"1","page":245},{"text":"وَمَنْ أصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ إِلَى اللَّهِ: إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ\"، فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِك. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨، م: ١٧٠٩].\n١٩ - [١٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي أَضْحًى أَوْ فِطْرٍ إِلَى الْمُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ. . . . .\nــ\nوقوله: (ومن أصاب من ذلك شيئًا) قيل: (ذلك) إشارة إلى ما سبق سوى الشرك فإنه لا يكفر بالقتل ولا يعفى، وهو مبني على أن يكون المراد بالشرك الكفر، وإن كان المراد به الرياء، فالمراد بالعقوبة في الدنيا أعم من الحد، لأنه ليس للرياء حد يقام.\nوقوله: (فهو إلى اللَّه. . . إلخ) يثبت مذهب أهل السنة من عدم وجوب عقاب العاصي.\n١٩ - [١٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (خرج في أضحى) جمع أضحاة لغة في أضحية، وفي الحديث: (إن على كل أهل بيت [في كل عام] أضحاة)، أي: أضحية، قال في (النهاية) (١): فيه لغات: أُضْحِيَّةٌ وإضْحِيَّةٌ، والجمع أَضَاحِيُّ، وضَحِيَّةٌ، والجمع ضَحَايَا، وأَضْحَاةٌ، والجمع أضحى، وكذا قال في (القاموس) (٢)، وفيه: هي اسم شاة يُضَحّى بها، وسمي بها يوم النحر.\nوقوله: (أو فطر) شك الراوي، وقد جاء في رواية: (يوم عيد)، وفي أخرى: (في فطر) بلا شك.\nوقوله: (إلى المصلى) هو موضع خارج المدينة المطهرة وبينه وبين المسجد\n_________\n(١) \"النهاية\" (٣/ ٧٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩٩).","vol":"1","page":246},{"text":"فَقَالَ: \"يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ\"، فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ \"تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ،\nــ\nالنبوي ألف ذراع.\nوقوله: (يا معشر النساء) في (القاموس) (١): المعشر كمسكن: الجماعة، والظاهر أن الخطاب للنساء الحاضرات، ويعلم الحكم فيما عداهن بالدلالة، ويحتمل أن يكون عامًّا تغليبًا للحاضر على الغائب.\nوقوله: (فإني أريتكن) أي: أعلمت أنكنَّ أكثر أهل النار، فهو متعدٍّ إلى ثلاثة مفاعيل، أقيم الأول منها مقام الفاعل، والإعلام يحتمل أن يكون بالإخبار من اللَّه تعالى أو كوشف له -ﷺ- ذلك عيانًا، واللَّه أعلم.\nوقوله: (تكثرن اللعن) أي: في المحاورات والمخاطبات على الأشياء، وذلك مذموم، ومعناه الطرد وإبعاد اللَّه العبد من رحمته، ولا يجوز أن يلعن أحد لشخصه مؤمنًا كان أو كافرًا إلا إذا علم يقينًا موته على الكفر، ويجوز بالوصف؛ كلعنة اللَّه على الكافرين مثلًا، وقد جاء بمعنى الإبعاد من الرحمة الخاصة ومقام القرب، ولا يختص ذلك بالكافر، وجاء إطلاقه على غيره تغليظًا، فتدبر.\nوقوله: (تكفرن) من كفران النعمة، كَفَرَ نعمة اللَّه وبها كُفْورًا وكُفْرانًا: جَحَدَها وسَتَرَها، وكَافَرَه حقه: جحده، كذا في (القاموس) (٢)، والمادة للستر، و(العشير) القريب والصديق، والعاشر والزوج، كذا في (القاموس) (٣)، والظاهر أن المراد ههنا\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤١٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٣٨).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤١٠).","vol":"1","page":247},{"text":"مَا رَأَيْتُ مِن نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ\"، قُلْنَ: مَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"أَلَيْسَ شَهَادَةُ الْمَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ\"، قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: \"فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَان عَقْلِهَا\"، قَالَ: \"أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ؟ \"، قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: . . . . .\nــ\nالزوج وإن كان كفرهن مع الأقرباء والأصدقاء أيضًا.\nوقوله: (ما رأيت من ناقصات) أي: أحدًا من ناقصات، أو (من) زائدة.\nوقوله: (أذهب) من الإذهاب، قال الرضي: اشتقاق اسم التفضيل من باب (أفعل) قياس عند سيبويه، ويؤيده كثرة السماع؛ كقولهم: هو أعطاهم للدينار، وأولاهم للمعروف، وأنت أكرم من فلان، وهو كثير، ومجوزه قلة التغير بحذف الهمزة ورده إلى الثلاثي، وهو عند غيره سماعي مع كثرته.\nوقوله: (للب) الخالص من كل شيء، والعقل (١)، واللبيب: العاقل، والحزم بالحاء المهملة والزاي: ضبط الأمر والأخذ فيه بالثقة كالحزامة والحزومة، حزُم ككرم فهو حازم وحزيم، والجمع حزمة وحزامًا، من حزمت الشيء إذا شددته، و(من) في (من إحداكن) تفضيلية متعلقة بـ (أذهب).\nوقوله: (قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول اللَّه؟) قدمن السؤال عن ذهاب دينهن تحسرًا واهتمامًا به، ولم يقدمه -ﷺ- قوله: (من ناقصات عقل ودين) تحاشيًا عن نسبة النقصان إلى دينهن في أول الكلام، ولهذا لم يخاطبهن في الجواب بل ذكره بلفظ الغيبة.\n_________\n(١) قال القاري: الْعَقْلُ غَرِيزَةٌ يُدْرَكُ بِهَا الْمَعْنَى، وَيَمْنعُ عَنِ الْقَبَائِحِ، وَهُوَ نُورُ اللَّهِ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ، وَاللُّبُّ الْعَقْلُ الْخَالِصُ مِنْ شَوْبِ الْهَوَى. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٩٣).","vol":"1","page":248},{"text":"\"فَذَلِكَ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٤، م: ٨٠].\n٢٠ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قَالَ اللَّهُ كذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِك، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِك، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا،\nــ\nوقوله: (فذلك من نقصان دينها) ذلك وإن كان بخلق اللَّه وليس لها فيه اختيار ولكن خلقها كذلك، ومنعها من بعض العبادات دون الرجل حطٌّ لها من درجة ونقص في المرتبة، فافهم.\n٢٠ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (كذبني ابن آدم) التكذيب راجع إلى إخبار اللَّه تعالى في القرآن بذلك، أو إلى ما يتضمن الإبداء من الإخبار بجواز الإعادة كما ينبئ عنه سياق الحديث، وفي قوله: (ابن آدم) تحقير له لكونه جزءًا من بشر مخلوق من تراب ومن ماء مهين، وإشارة إلى كفرانه النعمة المفاضة على أبيه.\nوقوله: (لم يكن له ذلك) أي: لم يصح ولم يجز له ذلك؛ لكونه مخالفًا للبرهان ومرتبة العبودية.\nوقوله: (وشتمني) الشتم: السب، فهو وصف الرجل بما فيه إزراء ونقص سيما فيما يتعلق بالنسب، وإنما كان إثبات الولد له تعالى شتمًا؛ لأنه قول بمماثلة [الولد] في [تمام] الحقيقة واستخلافه له، وفيه نقص ظاهر.\nوقوله: (لن يعيدني كما بدأني) هذا القول إما من بني آدم القائل بالإبداء أو لأنَّه يعلمه إذا نظر نظرًا صحيحًا، وعلى كل تقدير فيه إشارة إلى خطئه في نفي الإعادة، كما قال: (وليس أول الخلق بأهون)، ومعناه أن الإعادة أهون، كما قالوا في مثل هذا التركيب:","vol":"1","page":249},{"text":"وَأَنا الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفؤًا أَحَدًا\".\n٢١ - [٢٠] وَفِي رِوَايَة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لِي وَلَدٌ، وَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا\". رَوَاهُ البخَارِيُّ. [خ: ٤٤٨٢].\nــ\nإنه لإفادة الزيادة في مدخول (مِنْ)، وهو الموافق بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم: ٢٧]، وهذا بالنسبة إلى الناس، وأما بالنسبة إلى اللَّه سبحانه فالكل سواء.\nوقوله: (وأنا الأحد. . . إلخ) صفات مشعرة بالعلية، والأحد الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر مثله، ولو كان معه ولد كان له مثل، فلا يكون متوحدًا في الذات والصفات، و(الصمد) السيد لأنه يقصد، والدائم، والرفيع، ومصمت لا جوف له، كذا في (القاموس) (١)، وفي (النهاية) (٢): الصمد: هو السيد الذي انتهى إليه السُّودَدُ، أو الدائم الباقي، أو الذي لا جوف له، أو الذي يصمد إليه في الحوائج، أي: يقصد، أقوال.\nوقوله: (لم ألد ولم أولد) واقع على المعنى كما في قوله: أنا الذي سمتني أمي حيدرة، والظاهر لم يلد ولم يولد، كذا قال علماء المعاني، والكفو المثل، كافأه: ماثله، والمراد ههنا الصاحبة، ويحتمل أن يشتمل الولد أيضًا؛ لأنه يكون مثل الأب.\n٢١ - [٢٠] (ابن عباس) قوله: (أن أتخذ صاحبة أو ولدًا) روي (وولدًا) بالواو، وفي بعض الروايات (ولا ولدًا) باعتبار تضمن (سبحاني) معنى التنزيه، كذا قال الطيبي (٣).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٨٠).\n(٢) \"النهاية\" (٣/ ٥٢).\n(٣) انظر: \"شرح الطيبي\" (١/ ١٤٨).","vol":"1","page":250},{"text":"٢٢ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِيَ الأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨٢٦، م: ٢٢٤٦].\nــ\n٢٢ - [٢١] (أبو هريرة) قوله: (يؤذيني ابن آدم) أي: يأتي بما أكره ولا أرضى.\nوقوله: (يسب الدهر) يروى (بسب الدهر) على لفظ المصدر المجرور بحرف الجر، والدهر اسم للزمان الطويل والأمد الممدود، كذا في (القاموس) (١)، وقال البيضاوي (٢): [طائفة محدودة من] الزمان الممتد الغير المحدود.\nوفي (النهاية) (٣): هو اسم للزمان الطويل، ومدة الحياة الدنيا، وكان من شأن العرب ذم الدهر وسَبّه عند النوازل، ويقولون: أبادهم الدهر، فنهوا عن سبه، أي: لا تسبوا فاعلها، فإنكم إذا سببتموه وقع السب على اللَّه؛ لأنه الفعال لما يريد، فإن الدهر هو اللَّه، أي: جالب الحوادث هو لا غير، فوضع الدهر موضع الجالب لاشتهار الدهر عندهم به، وروي (فإن اللَّه هو الدهر) أي: جالب الحوادث لا غير ردًّا لاعتقادهم أن جالبها الدهر، كذا في (النهاية).\nوقال الكرماني (٤): وأنا الدهر، أي: المدبر، أي: مقلب الدهر، وروي (الدهر) بالنصب، أي: باق فيه، انتهى.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٦٨).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٣٥١).\n(٣) \"النهاية\" (٢/ ١٤٤).\n(٤) انظر: \"شرح الكرماني\" (١٨/ ٨٩).","vol":"1","page":251},{"text":"٢٣ - [٢٢]، وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا أَحَدٌ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ، يَدْعُونَ لَهُ الْوَلَدَ،\nــ\nوقيل: هو ظرف (أقلب)، وتعقب بأنه لا فائدة للظرفية، فالرفع أولى، بمعنى أنا المتصرف المدبر، وأنا فاعل ما يضاف إلى الدهر من المسرة والمساءة، أو بحذف مضاف، أي: أنا مقلب الدهر وهو يذعن لأمري لا اختيار له، فمن ذمه فقد ذمني، وأنكر الخطابي الرفع بأنه يقتضي كون الدهر من أسماء الحسنى، بل معناه على الظرفية أي: أقلب الليل والنهار طول الزمان، كذا في (مجمع البحار) (١).\nوقال في (القاموس) (٢): الدهر قد يعدّ في الأسماء الحسنى.\nواعلم أن إيذاء اللَّه سبحانه بسب الدهر، إما أن يكون لرجوع السب إليه تعالى كما ذكروا، ويمكن أن يكون من جهة أن سب الدهر يشعر بنسبة التصرف إليه واللَّه هو المتصرف، ففيه نفي صفة الكمال عنه تعالى، فافهم.\n٢٣ - [٢٢] (أبو موسى الأشعري) قوله: (ما أحد أصبر على أذى يسمعه من اللَّه) الصبر الحبس، ومنه: قتل صبرًا، وهو أن يحبس حيًّا ويرمى حتى يموت، وصبر الإنسان. حبس النفس على ما يكرهه، وضده الجزع، والمراد ههنا لازمه، والصبور: الحليم الذي لا يعاجل العصاة بالنقمة بل يعفو أو يؤخر، كذا في (القاموس) (٣)، وقال في (النهاية) (٤): هو كالحليم، إلا أن المذنب لا يأمن في الصبور العقوبة كما يأمن في الحليم.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٢١٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٦٨).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٩٣).\n(٤) \"النهاية\" (٣/ ٧).","vol":"1","page":252},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nومعنى الحديث: لا أشد حلمًا وصبرًا عن فاعله وتركًا للمعاقبة عليه من اللَّه سبحانه، وهذا التركيب يفيد في الأصل نفي الأشدية من غير اللَّه سبحانه، فإما أن يكون مساويًا أو ناقصًا، ولما استحال الأول تعين الثاني، والصبر والحلم موجودان في غير اللَّه سبحانه ممن يتخلق بالأخلاق الكريمة، ولكنهما فيه ﷾ أتم وأكمل كما في غيرهما من الصفات الكاملة، وفي العرف يفيد الأشدية فيه تعالى كما ذكروا في أمثال هذا التركيب، وقد ذكروا وجهه بأن مساواة اثنين في صفة غير واقع، فإذا انتفت الأفضلية من أحد تثبت للآخر.\nهذا وقال الطيبي (١) ما ملخصه: المراد نفي ذات المفضل وقلعه من أصله، فإذا انتفت انتفت المساواة والنقصان، وجعله من قبيل: لا ضب بها ينجحر، والغرض نفي الضب من أصله، وإنما ضمت إليه الصفة ليصير كالشاهد على نفي الصفة، والمعنى لا ضب هناك حتى يكون الانجحار، انتهى.\nوفي حمل الحديث على هذا المعنى خفاء ظاهر، فإن المفهوم منه صريحًا نفي الأصبرية من غيره تعالى مع وجود الصابرين، وهو يستلزم أصبريته تعالى عرفًا كما قررنا لا نفي الصابرين، مع كونه غير واقع لكثرة وجود الصابرين، والصفة ههنا هي أصبرية غيره تعالى، وهو غير لازم للموصوف كالانجحار للضب، فلا يكون من ذلك القبيل، ثم تعينه النقصان مما لا دخل له في المقصود؛ لأن المقصود دفع الإشكال بأنه يلزم من نفي أصبرية غيره تعالى احتمال كونه مساويًا له تعالى في الصبر، ولا محذور في كونه ناقصًا على ما قررنا، فتأمل حتى يظهر المقصود.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ١٥١).","vol":"1","page":253},{"text":"ثُمَّ يُعَافِيهِمْ وَيَرْزُقُهُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٧٨، م: ٢٨٠٤].\n٢٤ - [٢٣] وَعَنْ مُعَاذٍ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ -ﷺ- عَلَى حِمَارٍ، لَيْسَ بَيِنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤْخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ: \"يَا مُعَاذُ هَلْ تَدْرِي. . . . .\nــ\nوقوله: (ثم يعافيهم) العافية دفاع اللَّه عن العبد، عافاه اللَّه عن المكروه عِفاءً ومعافاة وعافية: وَهَبَ له العافية من العلل والبلاء، كأعفاه، والمعافاة: أن يعافيك اللَّه من الناس ويعافيهم منك، كذا في (القاموس) (١)، أي: يدفع عنهم البلاء والضرر في الدنيا، ويرزقهم الأموال والأولاد وأنواع النعم فيها، ولا يعجل العقوبة، فإن اعتبرت حال الدنيا فهذا حلم، وإن اعتبرت الآخرة فصبر.\n٢٤ - [٢٣] (معاذ) قوله: (كنت ردف النبي -ﷺ-) الردف بالكسر: الراكب خلف الراكب، كالرديف والمرتدف، وكل ما يتبع شيئًا.\nوقوله: (إلا مؤخرة الرحل) بضم فهمزة ساكنة فمعجمة مكسورة، أو همزة مفتوحة ومعجمة مفتوحة مشددة، وهي العود الذي يكون خلف الراكب يستند إليه، كذا في شرح الشيخ، وفي (القاموس) (٢): مؤخر الرحل ومؤخرته تكسر وتفتح خاؤهما مخففة ومشددة، وفي (الصحاح) (٣): مؤخرة الرحل بفتح الخاء لغة قليلة، وفيه لغة أخرى، وهي (آخرة) بالمد خلاف القادمة، و(الرحل) بفتح الراء وسكون الحاء المهملة.\nوقوله: (هل تدري) درى دراية: عَلِمَه، أو بضرب من الحيلة، كذا في (القاموس) (٤).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٠٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٢٢).\n(٣) انظر: \"الصحاح\" (٢/ ٦٦).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٧٩).","vol":"1","page":254},{"text":"مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ \" قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: \"فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيئًا\"، قُلْتُ (١): يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُبَشِّرُ بِهِ النَّاسَ؟ قَالَ: \"لَا تُبَشِّرُهُمْ فَيَتَّكِلُوا\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٥٦، ٥٩٦٧، م: ٣٠].\nــ\nوقوله: (ما حق اللَّه على عباده) الحق: ضد الباطل، والأمر المقضي، والواجب، والموجود الثابت، لكن المراد بالأول الواجب الثابت شرعًا، وفي الثاني تفضلًا، وإنما سمّي حقًا واجبًا لتأكده بوعده الحق (٢).\nوقوله: (ولا يشركوا به شيئًا) إن كان المراد بالإشراك الكفر، فالمراد أن لا يعذب عذاب المشركين، وإن كان الرياء فالعابد بالإخلاص حقه أن لا يعذب أصلًا.\nوقوله: (أفلا أبشر به الناس) البشارة مثلثة الباء: الإخبار بما يسرّ، سمّي به لأنه يظهر أثره في البشرة.\nوقوله: (فيتكلوا) بتشديد التاء، أي: يعتمدوا ويمتنعوا عن العمل، وروي: (ينكلوا) بضم الكاف من النكول، وهو الامتناع.\nفإن قلت: كيف رواه معاذ وبشر به الناس مع نهيه -ﷺ- عنه؟\nقلنا: علم معاذ -﵁- أن النهي مخصوص بذلك الزمان، أو رواه بعد الأمر\n_________\n(١) في نسخة: \"فقلت\".\n(٢) قال القاري: حَقُّ اللَّهِ بِمَعْنَى الْوَاجِبِ وَاللَّازِمِ، وَحَقُّ الْعِبَادِ بِمَعْنَى الْجَدِيرِ وَاللَّائِقِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وَقَالَ النَّوَوِىُّ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى جِهَةِ الْمُشَاكَلَةِ وَالْمُقَابَلَةِ لِحَقِّهِ عَلَيْهِمْ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٩٧).","vol":"1","page":255},{"text":"٢٥ - [٢٤] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ -قَالَ: \"يَا معَاذُ! \" قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: \"يَا مُعَاذُ! \" قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: \"يَا مُعَاذُ! \" قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ ثَلَاثًا، قَالَ: \"ما مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ\"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: \"إِذًا يَتَّكِلُوا\" فَأخْبر بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٨، م: ٣٢].\nــ\nبوجوب التبليغ وورود الوعيد على كتمان العلم كما يفهم من الحديث الآتي، أو النهي عن التبشير كان لمن يتكل، فأخبر لمن لا يخشى عليه.\n٢٥ - [٢٤] (أنس) قوله: (لبيك (١) رسول اللَّه) حذف حرف النداء (٢) للقرب؛ سرعةً وإظهارًا للإجابة من نفسه لرسول اللَّه -ﷺ- والإقبال عليه.\nوقوله: (إلا حرمه اللَّه على النار) أي: النار التي أعدت للكافرين، أو حرم الخلود فيها، والتأثم: الاحتراز من الإثم، وفي الحديث: (تأثموا من التجارة) (٣)، أي: احترزوا من إثم حاصل من التجارة، وفي (القاموس) (٤): تأثم: تاب من الإثم.\n_________\n(١) مُثَنى مُضَافٌ بُنِيَ لِلتَّكْرِيرِ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ، مِنْ لَبَّ: أَجَابَ أَوْ أَقَامَ، أَيْ: أَجَبْتُ لَكَ إِجَابَةً بَعْدَ إِجَابَةٍ، أَوْ أَقَمْتُ عَلَى طَاعَتِكَ إِقَامَةً بَعْدَ إِقَامَةٍ، وأما تَكْرِيرُ النِّدَاءِ فهو لِتَأْكِيدِ الاهْتِمَامِ بِمَا يُخْبِرُ، وَلِيُكْمِلَ تَنْبِيهَ مُعَاذٍ فِيمَا يَسْمَعُهُ فَيَكُونَ أَوْقَعَ فِي النَّفْسِ، وَأَشَدَّ فِي الضَّبْطِ وَالْحِفْظِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٩٨).\n(٢) كما في نسخة.\n(٣) أخرجه البخاري (٢٠٩٨).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٩٢).","vol":"1","page":256},{"text":"٢٦ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- وَعَلَيْهِ ثَوْبٌ أَبْيَضُ وَهُوَ نَائِمٌ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ: \"مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ\"، قُلْتُ: وَإنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قَالَ: \"وَإِنْ زَنَى وإنْ سَرَقَ\"، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وإنْ سَرَقَ، قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ\"، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ، قَالَ: \"وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرٍّ\"، وَكَانَ أَبُو ذَرٍّ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا قَالَ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي ذرٍّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٢٧، م: ٩٤].\nــ\n٢٦ - [٢٥] (أبو ذر) قوله: (قال: أتيت النبي -ﷺ- وعليه ثوب أبيض. . . إلخ) أشار به إلى ثبته وإتقانه فيما يرويه باطلاعه على خصوصيات أحواله -ﷺ-، وكأنه أوحي إليه -ﷺ- بذلك في هذا المنام، فأخبر به بعد استيقاظه، فذكره أبو ذر إشارة إلى ذلك.\nوقوله: (قلت: وإن زنى وإن سرق) تقدير الكلام أيدخل الجنة وإن زنى؟ والشرط حال، و(سرق) من باب ضرب يضرب.\nوقوله: (على رغم أنف أبي ذر) إما متعلق بـ (يدخل) المقدر، أو قلت هذا، أو حكمت بهذا، والرغم والرغام بالفتح: التراب، ورغم رغمًا مثلثة الراء من سمع وفتح، وأرغم اللَّه أنفه: ألصقه بالرغام، ثم استعمل في الذل والعجز عن الانتصاب والانقياد على كره، وفي الحديث: (إذا صلى أحدكم فيلزم جبهته وأنفه الأرض حتى يخرج منه الرغم)، أي: حتى يظهر ذله وخضوعه، وفي حديث آخر: (رغم أنفي اللَّه)، أي: ذل وانقاد، وحديث: سجدتي السهو (كانتا ترغيمًا للشيطان) (١)، أي: إغاظة له وإذلالًا، فالمعنى وإن ذلّ وكره أبو ذر، فإنه لما استبعد دخول الجنة مع وجود الزنا\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٥٧١)، والنسائي (١٢٣٨)، وأحمد (٣/ ٧٢).","vol":"1","page":257},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالسرقة كأنه سعى في نفيه، فالحكم بخلافه وضده كان تذليلًا وإكراهًا.\nواعلم أن هذا الحديث وأمثاله تدل على أن المؤمن إن كان فاسقًا ومرتكبًا للكبيرة دخل الجنة، ولم يخلد في النار، ويغفر اللَّه له إن شاء، أو يعذبه ثم يدخله الجنة، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، والأحاديث في ذلك كثيرة، والأحاديث الدالة على خلافه تؤول عندهم تطبيقًا بين الدلائل، وعلى هذا كان إجماع السلف من الصحابة والتابعين، ثم نشأت المبتدعة من المعتزلة وغيرهم، وقالوا: في هذا انخلاع عن ربقة الدين والملة، وانسلال عن قيد الأحكام والشريعة، وإغراء للناس على ارتكاب المعاصي وتركهم سدى مهملين، وهذا خطأ منهم، فإن الوعيدات الواردة في شأن العصاة كافية في الزجر عن المعاصي وتركها، فلو شاء يعذب على أدنى معصية أحقابًا، وورد: (إن أدنى مدة مكث العصاة من المؤمنين مدة عمر الدنيا وسبع آلاف سنة)، نعم وعد المؤمنين بفضله ورحمته الواسعة بالخلاص عن خلود النار، وأما الأحاديث الناطقة بحرمة (من قال: لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه صدقًا من قلبه) على النار فمؤول بحرمة خلوده فيها، أو المراد النار التي أعدت للكافرين، وقال بعضهم: إن هذا كان قبل نزول الفرائض والأوامر والنواهي، ومنهم من قال: إن المراد أن يقول هذه الكلمة ويؤدي حقها وفريضتها، وقيل: إذا قالها عند الندم والتوبة، هذا في حرمة قائلها على النار.\nأما دخول الجنة ولو بعد التعذيب وعدم خلوده في النار؛ فالمذهب أن مجرد هذه الكلمة إذا صدرت خالصة من القلب صدقًا، ثم لم يطرأ عليها ما يضادها يحصل بها أصل النجاة ولو بعد تعذيب، وليست هذه الحالة يسيرة سهلة تحصل لكل أحد، فإن قلوب أرباب المعاصي قلما تخلو عن استحلال واستحقاق بالمعصية، محشوة","vol":"1","page":258},{"text":"٢٧ - [٢٦] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَابْنُ أَمَتِهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ،\nــ\nبالظلمات التي تتطرق بها الشكوك والأوهام المنافية لحقيقة التصديق اليقيني الخالص، وإذا حصل التصديق اليقيني من غير شائبة شك ووهم، واستقام وثبت، ومع ذلك صدرت المعصية بعارض غلبة شهوة وحمية وأنفة، وأمثال ذلك؛ لم يخلَّ بأصل الإيمان، وليس العمل داخلًا في أصل الإيمان بل في كماله، وتمام شعبه وخصاله، وإذا ثبت أمره في النفس الأخير على ذلك يظهر نوره وتندفع ظلمته [التي] طرأت بالمعصية بمغفرة من اللَّه وتطهيره وتنقيته بالعذاب وشفاعة الشافعين، وذلك فضل اللَّه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ويغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، وهو العزيز الحكيم، وهو على كل شيء قدير، وتمام هذه المباحث تطلب من كتب الكلام، فتدبر.\n٢٧ - [٢٩] (عبادة بن الصامت) قوله: (وأن عيسى عبد اللَّه ورسوله) فيه رد على اليهود والنصارى، الأول في الثاني، والثاني في الأول.\nوقوله: (وابن أمته) الظاهر أنه رد على النصارى خاصة وتقرير له، قال الطيبي (١): وكذا على اليهود؛ براءة لساحته من قذفهم.\nوقوله: (وكلمته ألقاها) سمي عيسى كلمة اللَّه لوجوده بكلمة ﴿كُن﴾ من غير أب، أو لأنه تكلم في صغره.\nوقوله: (وروح منه) سمي بالروح لإحيائه الأموات أو القلوب، أو ذو روح صدر منه اختراعًا لا بتوسط ما يجري مجرى الأصل والمادة له.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ١٥٩).","vol":"1","page":259},{"text":"وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعَمَلِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٣٥، م: ٢٨].\n٢٨ - [٢٧] وَعَن عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلأُبَايِعَكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ فَقَبَضْتُ يَدِي، فَقَالَ \"مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟ \" قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: \"تَشْتَرِطُ مَاذَا؟ \" قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي،\nــ\nوقوله: (الجنة والنار حق) ذكر للمعاد كالذي قبله ذكر للمبدأ، والحق: الموجود الثابت، فهي صفة مشبهة، وإن حمل على معنى الصدق فهو مصدر من قبيل رجل عدل.\nوقوله: (أدخله اللَّه الجنة) إما ابتداءً بعفو منه أو بشفاعة من رسوله، أو بعد تعذيبه بما شاء.\nوقوله: (على ما كان عليه من العمل) (١) أي: كائنًا على أيِّ عمل كان عليه من صغيرة أو كبيرة، وليس في أكثر النسخ (عليه) فهو محذوف أو (كان) تامة.\n٢٨ - [٢٧] (عمرو بن العاص) قوله: (فلأبايعك) إما بكسر اللام ونصب الفعل على أن اللام بمعنى (كي) و(أن) مقدرة، فالفاء زائدة، أو اللام للتأكيد والفاء هي التي يقدر بعدها (أن)، أو بفتح اللام الابتدائية، والفعل مرفوع.\nوقوله: (تشترط ماذا) (ما) الاستفهامية لها صدر الكلام، فيقدر (ماذا) قبل (تشترط)، والمذكور مفسر له، وقيل: إذا ركّبت مع (إذا) لم يجب تصديرها، أو حرف الاستفهام مقدر قبل (تشترط) و(ماذا) مع فعله المحذوف ابتداء الكلام، ذكر\n_________\n(١) فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ وَالْخَوَارِجِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٠١).","vol":"1","page":260},{"text":"قَالَ: \"أَمَا عَلِمْتَ يَا عَمْرُو أَنَّ الإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ\"؟ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢١].\nوَالْحَدِيثَانِ الْمَرْوِيَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: \"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ\". وَالآخَرُ: \"الْكِبْرِيَاء رِدَائِي\"، سَنَذْكُرُهُمَا فِي بَابِ الرِّيَاءِ وَالْكِبْرِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-199> الفصل الثاني:</span>\n٢٩ - [٢٨] عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ. . . . .\nــ\nالوجوه الثلاثة الطيبي (١)، والوجه الثالث أوجه وألطف.\nوقوله: (أن الإسلام يهدم ما قبله) مظلمة كانت أو غيرها، وأما الهجرة والحج فيهدمان ما عدا المظالم، هذا ما عليه الجمهور، وقيل: يهدم الحج المظالم أيضًا، وقد روي في ذلك حديث سنذكره وأقوال العلماء فيه في كتاب الحج، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وأن الهجرة. . . إلخ) زيادة على الجواب لدفع استبعاد هدم الإسلام الذي هو أصل الأصول ما قبلها بأن ذلك جارٍ فيما هو فرعه من الأعمال، وقوله: (أما علمت) في معنى (اعلم)، عبر بهذا الوجه تنبيهًا على أنه أمر مهم ينبغي أن يسبق العلم به لكل أحد، فافهم.\nالفصل الثاني\n٢٩ - [٢٨] (معاذ) قوله: (يدخلني الجنة) بالرفع صفة لـ (عمل)، وهو الأقوى\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ١٦٢).","vol":"1","page":261},{"text":"وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ، قَالَ: \"لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ أَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لِيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعالَى عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْت\"، ثُمَّ قَالَ: \"أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ،\nــ\nوالأوجه رواية ودراية، وكذا قوله: (يباعدني من النار).\nوقال التُّورِبِشْتِي: الجزم فيها على جواب الأمر غير مستقيم رواية ومعنى.\nوقوله: (لقد سألت عن عظيم) في شرح الشيخ: أي يتعسر جوابه، أو عن عظيم فعله.\nوقوله: (وإنه ليسير) أي: جوابه على الأول، أو فعله على الثاني، وقال: يرجح الثاني قوله: (تعبد) لأنه استئناف لبيان ذلك الأمر العظيم.\nأقول: بل قوله: (وإنه ليسير على من يسره اللَّه) أيضًا ظاهر في الثاني كما لا يخفى.\nوقوله: (ألا أدلك على أبواب الخير): (ألا) يحتمل أن تكون للعرض، وأن تكون الهمزة للاستفهام دخلت على حرف النفي، والثاني هو الظاهر من الأحاديث الأخر، لوقوع (بلى) في جوابه، إلا أن يكون باعتبار الأصل؛ لأن أصل العرض أيضًا هو الهمزة الداخلة على لا النافية.\nوقوله: (الصوم جنة. . . إلخ) الظاهر أن المراد بهذه المذكورات نوافلها، فإنه لما ذكر الفرائض التي هي الأركان الخمسة الكافية في دخول الجنة والنجاة عن النار؛ ذكر النوافل التي هي أسباب كمال الخيرات وأبواب مزيد البركات، فالصوم كالتُّرس يمنع وصول الخطيئة وصدورها من الصائم؛ لمنعه الشهوات ومداخل الشيطان.","vol":"1","page":262},{"text":"وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَوفِ اللَّيْل)، ثمَّ تَلَا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] حَتَّى بَلَغَ ﴿يَعْمَلُونَ﴾، ثُمَّ قَالَ: \"أَلَا أَدُلُّكَ بِرَأْس الأَمرِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟ \" قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ،\nــ\nوقوله: (والصدقة تطفئ الخطيئة) الصادرة وإن كانت الحسنات يذهبن السيئات مطلقًا، ولكنه في الصدقة لوصول نفعها إلى الغير أتم واكمل فخص به، ثم قوله: (الصوم جنة) يحتمل أن يكون جملة واحدة يتضمن ذكر باب من الخير، وهو الصوم، وعلى هذا يقدر لقوله: (وصلاة الرجل في جوف الليل) خبر مثل كذلك، أي: تطفئ الخطيئة، أو من أبواب الخير، وأن يكون الصوم خبر مبتدأ محذوف، أي أحدها الصوم، وجنة خبر لمحذوف آخر، أي وهي جنة، وكذلك قوله: (والصدقة تطفئ)، وعلى هذا لا حاجة إلى تقدير خبر لقوله: (وصلاة الرجل).\nوقوله: (ثم تلا) أي: لبيان فائدة الصلاة في جوف الليل، كذا قيل، والأظهر أن يكون فضيلة الصدقة والصلاة معا لشمول الآية إياهما، فافهم.\nثم انتخب من الأمور الدينية خلاصتها وأفضلها وقال: (ألا أدلك وأخبرك برأس الأمر) أي: بأصل أمر الدين الذي لا وجود له بدونه كالرأس بالنسبة إلى الجسد، وهو الإسلام المراد به ههنا كلمة الشهادة التي يحصل به أصل الدين.\nوقوله: (وبعمود الأمر) بفتح العين: الذي يحصل به قوة وكمال كالعمادة بالنسبة إلى البيت، وهو الصلاة التي تحصل بإقامتها قوة في الدين.\nوقوله: (وبذروة سنامه) والذروة بكسر الذال وضمها: أعلى الشيء، كذروة الجبل، و(السنام) بفتح السين بالفارسية: كوهان شتر، وهو الجهاد مع الكفار يحصل","vol":"1","page":263},{"text":"قَالَ: \"رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ\"، ثُمَّ قَالَ: \"أَلَا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟ \" قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ فَقَالَ: \"كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا\"،\nــ\nبه علو ورفعة في الدين.\nوقوله: (قلت: بلى يا نبي اللَّه) لما زادت رغبة السائل وشوقه إلى استماع ذلك الأمر العظيم ودركه في هذه المرتبة باستماع صفاته العظيمة؛ زاد كلمة الإجابة وناداه -ﷺ- زيادة في الإجابة والإقبال، وكذا في الثالثة مع تفنن نشأ من كثرة الشوق في العبادة، وقال: (يا نبي اللَّه) مع ما في هذا العنوان ومعنى الإخبار والرفعة من المناسبة، ثم قال: (ألا أخبرك بملاك ذلك كله) وملاك الشيء بالكسر والفتح: قوام الشيء ونظامه، وما يُعتمد عليه فيه، وفي (مختصر النهاية) للسيوطي (١): الملاك بالكسر والفتح: ما يقوم به الأمر، يقال: القلب ملاك الجسد، وفي (القاموس) (٢): ملاك الأمر بالفتح ويكسر: قوامه الذي يُملك به، وقال التُّورِبِشْتِي: أهل اللغة يكسرون الميم ويفتحونها والرواية بكسر الميم.\nوقوله: (كله) أما تأكيد للأمر أو للملاك.\nوقوله: (كف عليك هذا) أي: لسانك، فلا تتكلم بما يضرك وبما لا يعنيك، ولما كان السكوت كف اللسان في الظاهر ضررًا وثقيلًا على صاحبه؛ استعمله بكلمة (على).\n_________\n(١) انظر: \"الدر النثير\" (٢/ ٩٦٢)، وعبارة السيوطي في \"مختصره\" هي: \"الملاك\" بالكسر والفتح: قوام الشيء ونظامه وما يعتمد عليه فيه.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٧٩).","vol":"1","page":264},{"text":"فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ قَالَ: \"ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ! . . . . .\nــ\nوقوله: (وإنا لمؤاخذون) يقال: آخذه بذنبه مؤاخذة، ولا يقال: واخذه، والمؤاخذة: أن يأخذ أحد أحدًا بذنب.\nوقوله: (ثكلثك) بكسر الكاف، في (القاموس) (١): الثكل بالضم: الموت والهلاك، وفقدان الحبيب أو الولد، ويُحرَّك، وقد ثَكِلَ كفرح فهو ثَاكل وثكلانُ، وهي ثاكل وثَكلانَةٌ قليلة، وثَكولٌ وثَكْلَى.\nوفي (النهاية) (٢): (ثكلتك أمك): أي فَقَدَتْكَ، والثُّكل: فقد الولد، وامرأة ثاكل وثَكْلَى، ورجل ثاكل وثكلان، كأنه دعاء عليه بالموت لسوء فعله أو قوله، والموت يعم كل أحد، فإذن الدعاء عليه كلا دعاء عليه، أو أراد إذا كنت هكذا فالموت خير لك لئلا تزداد سوءًا، ويجوز كونه مما يجري على ألسنتهم ولا يراد به الدعاء؛ كتربت يداك، وهو الأظهر.\nوقال التُّورِبِشْتِي: ثكلته أمه، وقتلته السيول، وقاتله اللَّه، ونظائرها كلمات يستعملونها عند التعجب والحث على التيقظ في الأمور، ولا يريدون بها الوقوع ولا الدعاء على المخاطب بها، لكنهم أخرجوها عن أصلها للتأكيد مرة، وللتعجب والاستحسان تارة، وللإنكار والتعظيم أخرى، وقد جاء واثكلياه، وهو إما مصدر واللام مكسورة، وإما صفة واللام مفتوحة، وجاء واثكل أمياه بضم ثاء وسكون كاف وبفتحهما.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٩٥).\n(٢) \"النهاية\" (١/ ٢١٧).","vol":"1","page":265},{"text":"وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ،\nــ\nوقوله: (وهل يكب الناس): (يكب) بفتح الياء وضم الكاف مضارع كبه بمعنى صرعه وأسقطه، وأَكَبَّ من الإفعال بمعنى سقط، فمجرده متعد ومزيده لازم، على عكس المعهود في الإفعال، وهذا هو المشهور، وفي (القاموس) (١): كبّه: قَلَبَه، وصرعه، كأكبّه، وكبكبه فأكب، وهو لازم متعد، وأَكَبّ عليه: أقبل ولزم، انتهى.\nوقوله: (أو على مناخرهم) شك من الراوي، وهو جمع منخر بفتح الميم وكسر خاء وفتحها: ثقبة الأنف، والمراد ههنا الأنف نفسه، كذا في شرح الشيخ (٢).\nوفي (النهاية) (٣): أخذ بنُخْرة الصبي، أي: بأنفه، ونُخْرتا الأنف: ثقباه، والنَّخَرَة بالحركة: مقدم الأنف، والمنخر والمنخران أيضًا ثقبا الأنف، انتهى.\nوقال الكرماني (٤): المنخر بفتح الميم وكسر خاء، وقد تكسر ميمه اتباعًا للخاء، وفي (القاموس) (٥): نَخَرَ يَنْخِرُ: مَدَّ الصوت في خياشيمه، والمنخر بفتح الميم والخاء وبكسرهما وضمهما، وكمجلس ومُلْمُولٍ (٦): الأنف، ونُخْرة الأنف: مقدمُه، أو خَرْقُه، أو ما بين المنخرين، أو أرنبته، انتهى.\nوقد جاء في الحديث: (أتي السكران في رمضان، فقال: للمنخرين) (٧) أي:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٣٢).\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢٥٥).\n(٣) \"النهاية\" (٥/ ٣٢).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٠٨).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٤٧).\n(٦) في الأصل: \"مملوك\"، والتصويب من \"القاموس\".\n(٧) انظر: \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٨/ ٣٢١)، و\"مصنف عبد الرزق\" (١٣٥٥٧).","vol":"1","page":266},{"text":"إِلَّا حَصَائدُ أَلْسِنَتِهِمْ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيّ وَابْنُ مَاجَه. [حم: ٥/ ٢٣١، ت: ٢٦١٦، جه: ٣٩٦٩].\n٣٠ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ؛ فَقَدِ اسْتكْمَلَ الإِيمَانَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٤٦٨١].\nــ\nكبه اللَّه لمنخريه، وجاء: لما خلق اللَّه إبليس نخر، والنخر صوت الأنف، وبالجملة المراد ههنا السقوط والدخول في النار على وجوههم، ولما كان الأنف أرفع أجزاء الوجوه ويقع السقوط عليه أولًا نسب إليه.\nو(الحصائد) جمع حصيدة، والحصد: قطع الزرع، شبه إطلاق المتكلم لسانه بما يقتضيه الطبع من الكلام من غير تمييز بين الخير والشر ما يعني وما لا يعني بفعل الحاصد الذي لا يميز بين شوكة وزرع، وهذا باعتبار الأغلب، فإن أكثر ما يقع الإنسان في البلاء من جهة اللسان، وذكر التُورِبِشْتِي أنه ذكر في بعض الروايات (حصاد ألسنتهم) وذهب في معناه إلى حصاد اللسان وهي رزانته، قال: وذلك ليس بشيء لأنه يخالف رواية الجمهور، والظاهر أن بعض الكلمة سقط عن الكاتب على ما وجد في النسخة، انتهى. ولقد ضيع هذا الراوي وحرم عن إدراك بلاغة هذه الاستعارة اللطيفة البليغة الصادرة من أفصح فصحاء العرب والعجم -ﷺ-، فهذه الرواية مما لا ينبغي أن تروى وتسمع، واللَّه أعلم.\n٣٠ - [٢٩] (أبو أمامة) قوله: (من أحب للَّه، وأبغض للَّه، وأعطى للَّه، ومنع للَّه؛ فقد استكمل الإيمان) يعني من كان جميع أفعاله لوجه اللَّه لا لحظ نفسه وميل إلى ما سوى اللَّه ورضاه سبحانه، فقد جعل إيمانه كاملًا تامًّا، وهذا توحيد الإخلاص","vol":"1","page":267},{"text":"٣١ - [٣٠] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ مَعَ تَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ، وَفِيه: \"فقد اسْتكْمَل إيمَانَهُ\". [ت: ٢٥٢٠].\n٣٢ - [٣١] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَفْضَلُ الأَعْمَالِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٤٥٩٩].\n٣٣ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ،\nــ\nوتجريد الذي لا يتيسر إلا للكُمَّلِ من الصديقين، رزقنا اللَّه، واستكمل وأكمل وكمل بمعنى أتم وجمل.\n٣١ - [٣٠] (معاذ بن أنس) قوله: (مع تقديم وتأخير) لفظ (المصابيح) هو الأول.\n٣٢ - [٣١] (أبو ذر) قوله: (أفضل الأعمال (١) الحب في اللَّه والبغض في اللَّه) معناه معنى حديث أبي أمامة، و(في) أجلية بمعنى اللام كقولهم: (عذبت امرأة في هرة) (٢)، وقولهم: المتفكر في معرفة اللَّه، ونحو ذلك، وأمثال هذه الأحاديث من جوامع الكلم التي تجمع معنى الإسلام والإيمان والإحسان، ويتضمن أحكام الشريعة وآداب الطريقة وأسرار الحقيقة.\n٣٣ - [٣٢] (أبو هريرة) قوله: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)\n_________\n(١) أَيِ الْبَاطِنِيَّةُ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إِلَى حَقَائِقِ الْمَعْرِفَةِ وَالشُّهُودِ، فَـ \"أَلْ\" لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وَقِيلَ: التَّقْدِيرُ مِنْ أَفْضَلِ الأَعْمَالِ؛ إِذِ الصَّلَاةُ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ مُطْلَقًا بَعْدَ أَدَاءِ الشَّهَادَتَيْنِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٠٧).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٢٦٥)، ومسلم (٢٢٤٢).","vol":"1","page":268},{"text":"وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٢٦٢٩، س: ٤٩٩٥].\nــ\nوقد سبق بيانه في حديث عبد اللَّه بن عمرو (١).\nوقوله: (والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم) (٢) أَمِنَ كفرح أمنة، فأنا آمن، أي: لم يخافوه على أموالهم وأنفسهم، والأعراض جعلها داخلة في الدماء بكمال تعلقها بنفس الإنسان كأنها جزؤه، ثم ظاهر سياق الكلام يوهم بمغايرة الإيمان والإسلام والمؤمن والمسلم ومغايرة أحكامهما ولكنهما واحد، والفقرة الثانية تأكيد وتقرير للأولى، ورتب من سلم على المسلم ومن أمنه على المؤمن رعاية للمطابقة في مادة الاشتقاق تفننًا غير أنه اقتصر في الثاني على مأثم اليد على ما هو الظاهر اكتفاءً، أو لأن آفة اللسان ظاهرة شائعة لا حاجة إلى تكرارها، بخلاف آفة اليد فإنها مفتقرة إلى البيان والتقرير، هكذا وجهه الطيبي (٣).\nويمكن أن يقال: الإيمان من حيث إنه فعل القلب أكمل من الإسلام وهو الانقياد في الظاهر، والأمن أيضًا أتم وأقوى من السلامة، فإن السلامة أن لا يصيب منه ضرر وآفة مع توهم حصوله واحتماله، والأمن أن لا يبقى التوهم والاحتمال أيضًا، فافهم.\n_________\n(١) انظر: الحديث (٦).\n(٢) هَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يَكُنْ بِهَذَا السِّيَاقِ فِي وَاحِدٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، بَلْ هُوَ مَقْطَعٌ فِيهَا، لَكِنَّ الْحَدِيثَ بِجُمْلَتِهِ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي \"مُسْتَدْرَكِهِ\" (ح: ٣٤) بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدِ، وَسَاقَهُ بِلَفْظِهِ، إِلَّا أَنَّهُ قَدَّمَ الْمُؤْمِنَ فِي رِوَايَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِ، وَهُوَ حَدِيثٌ جَلِيلٌ اشْتَمَلَ عَلَى أُصُولٍ كَثِيرَةِ فِي الدِّين. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٠٧ - ١٠٨).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١/ ١٧١).","vol":"1","page":269},{"text":"٣٤ - [٣٣] وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" بِرِوَايَةِ فَضَالَةَ: \"وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا والذُّنُوبَ\". [هب: ٥٤٩].\n٣٥ - [٣٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَلَّمَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَّا قَالَ: . . . . .\nــ\n٣٤ - [٣٣] (فضالة) قوله: (والمجاهد من جاهد نفسه) (١) أي المجاهد الحقيقي الذي ينبغي أن يسمى مجاهدًا من حارب نفسه لكونها أعدى الأعداء وملازمًا للشخص دائمًا به كيدها، ويدق دركه ويصعب علاجه.\nوقوله: (المهاجر من هجر الخطايا والذنوب) لأن المقصود من الهجرة التمكن من الطاعات بلا مزاحمة الأغيار، وتشوش القلب بمصاحبة الأشرار، ففي الحقيقة الهجرة ترك الذنوب والخطايا، فمن هو في الوطن تارك الخطايا والمأثم، فهو مهاجر حقيقة، ومن خرج منه ولم يترك الذنوب فلا هجرة له نافعة، فالمهاجر الحقيقي من هجر الخطايا والذنوب، وقد مر في حديث عبد اللَّه بن عمرو (٢).\n٣٥ - [٣٤] (أنس) قوله: (قلما خطبنا) (ما) مصدرية، والفعل بتأويل المصدر فاعل (قلَّ) أي: خطبتُه، أو كافّة، فيكون (قلما) بمعنى (ما) النافية، ويحتمل أن يكون (ما) عبارة عن زمان موصولة أو موصوفة، والعائد محذوف، وأما إن كانت مقحمة كما قال الطيبي (٣) فلعل الفعل مؤول بالمصدر، أو منزل منزلته ليكون فاعل (قل)، فتدبر.\n_________\n(١) إِذْ هُوَ الْجِهَادُ الأَكْبَرُ، وَيَنْشَأُ مِنْهُ الْجِهَادُ الأَصْغَرُ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٠٨).\n(٢) انظر: الحديث (٦).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١/ ١٧٢).","vol":"1","page":270},{"text":"\"لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيْمَانِ\". [هب: ٤١٨٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-200> الفصل الثالث:</span>\n٣٦ - [٣٥] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِ النَّارَ\". رَوَا مُسلم. [م: ٢٨، ٢٩].\n٣٧ - [٣٦] وَعَنْ عُثْمَانَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ\". رَوَاهُ مُسلم. [م: ٢٦].\nــ\nوقوله: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) إن أريد بالأمانة المعنى المتعارف من حفظ أموال الناس ومجالسهم مثلًا، وبالعهد ما جرى بينهم من ميثاق، فهذا تغليظ وحث على محافظتهما، والمنفي هو الإيمان الكامل، وإن أريد التكاليف الشرعية والعهد الذي أخذه اللَّه من عباده بأداء حقوق ربوبيته والانقياد لأحكامه، فحيث يشتمل ذلك الدين والإيمان كله أصولًا وفروعًا فلا إشكال في هذا النفي، ويكون في الكلام تكرير أو تأكيد أو تقرير، ويحتمل أن تكون الأمانة محمولة على المعنى الأعم، والعهد على الأخص، فيكون تخصيصًا بعد تعميم، فتدبر.\nالفصل الثالث\n٣٦ - [٣٥] (عبادة بن الصامت) قوله: (حرم اللَّه عليه النار) قد مر تأويله (١).\n٣٧ - [٣٦] (عثمان) قوله: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا اللَّه) بأن لم يطرأ\n_________\n(١) انظر: الحديث (٢٥).","vol":"1","page":271},{"text":"٣٨ - [٣٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ثِنْتَانِ مُوجِبَتَانِ\".\nقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُوجِبَتَانِ؟ قَالَ: \"مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ، وَمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ\". رَوَاهُ مُسلم. [م: ١٥٠].\n٣٩ - [٣٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كنَّا قُعُودًا حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَعنا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ -﵄- فِي نَفَرٍ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَأَبْطَأَ عَلَيْنَا،\nــ\nقلبه ما يضاده، ويحتمل أن يكون المراد حصول العلم في ذلك الوقت فإن له فضيلة خاصة، فافهم، ثم هذا الحديث ظاهر في أن الإيمان هو التصديق فقط.\n٣٨ - [٣٧] (جابر) قوله: (ثنتان) أي: خصلتان، وهما الإشراك وعدم الإشراك؛ يعني الكفر والإيمان.\nوقوله: (موجبتان) أي: الجنة والنار بحكم اللَّه ووعده ووعيده.\n٣٩ - [٣٨] (أبو هريرة) قوله: (في نفر) في (النهاية) (١): النفر: رهط الإنسان وعشيرته، وهو اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة من ثلاثة إلى عشرة، ولا واحد له من لفظه، انتهى. وقد يستعمل بمعنى القوم والجماعة من الجن والإنس.\nوقوله: (من بين أظهرنا) أي من بيننا، والأظهر جمع ظهر مقحم للتأكيد، ومثله ظهرينا وظهرانينا بفتح النون، ووجهه أن من كان بين قوم كان بين أظهرهم؛ لأن ظهر كل واحد منهم يكون في جانب عنه، وتوضيحه ما قال في (النهاية) (٢) في حديث: (فأقاموا بين ظهرانيهم وبين أظهرهم) أي: أقاموا بينهم على سبيل الاستظهار والاستناد\n_________\n(١) \"النهاية\" (٥/ ٩٣).\n(٢) \"النهاية\" (٣/ ١٦٦).","vol":"1","page":272},{"text":"وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُونَنَا، وَفَزِعْنَا، فَقُمْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، حَتَّى أَتَيْتُ حَائِطًا لِلأَنْصَارِ لِبَنِي النَّجَّارِ،\nــ\nإليهم، وزيدت ألف ونون مفتوحة تأكيدًا، ومعناه أن ظهرًا منهم قدامه وظهرًا منهم وراءه، فهو مكنوف من جانبيه ومن جوانبه إذا قيل: بين أظهرهم، ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقًا.\nوقوله: (أن يقتطع دوننا) في (الصراح) (١): الاقتطاع باره أز جيزي جدا كردن، وفي (النهاية) (٢): أي يؤخذ ويتفرد به، قال النووي (٣): أي يصاب بمكروه من عدوه، ومنه أبا حزم أحذرهم أن يقتطعوك، أي: لا يرونك منفردًا فيطمعوا في قتلك فيقتلوك، فالمعنى: خشينا أن يصاب بمكروه من عدو أو غيره حال كونه دوننا، أي: متجاوزًا عنا.\nوقوله: (وفزعنا) لعل الخشية في الباطن، والفزع ظهور آثارها في الظاهر كما يناسب قول أبي هريرة -﵁-: (فكنت أول من فزع) (٤)، فافهم.\nوقوله: (حتى أتيت حائطًا) المراد بالحائط البستان من النخيل إذا كان عليه حائط، وهو الجدار، وجمعه الحوائط، وأصله من الإحاطة، في (القاموس) (٥): الحائط: الجدار والبستان.\n_________\n(١) \"الصراح\" (٣٢٥).\n(٢) \"النهاية\" (٤/ ٨٢).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (١/ ٢٣٥).\n(٤) أخرجه مسلم (٣١).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦١١).","vol":"1","page":273},{"text":"فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابًا؟ فَلَمْ أَجِدْ، فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ فِي جَوْفِ حَائِطٍ مِنْ بِئْرٍ خَارِجَةٍ، وَالرَّبِيعُ الْجَدْوَلُ، قَالَ: فَاحْتَفَزْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: . . . . .\nــ\nوقوله: (هل أجد له بابًا) أي: مفتوحًا، ويجوز أن لا يكون دورانه حول الحائط كله، بل دار بعض أطرافه ولم يجد بابه، والظاهر أن خروجه لم يكن من الطريق الذي دخل به، بل من بابه الذي وجده بعد الدخول، واللَّه أعلم، ولعله -ﷺ- أغلق بابه بعد دخوله وسد طريقه.\nوقوله: (فإذا ربيع) الربيع: الجدول والنهر الصغير.\nوقوله: (من بئر خارجة) بتنوين فيهما موصوف وصفة، وبتنوين (بئر) وبهاء الضمير في (خارجه) يرجع إلى الحائط، أي: بئر في موضع خارج الحائط، وبإضافة (بئر) إلى (خارجة) بتاء تأنيث اسم رجل، والوجه الأول أظهر، وقيل: هو المشهور، والبئر يؤنث، كذا في (القاموس) (١)، ثم الظاهر أن المراد بالبئر ههنا معناها المعروف لا البستان كما قيل.\nنعم قد تطلق البئر على البستان لكونها فيه؛ كبئر بضاعة، وهي بستان.\nوقوله: (فاحتفزت) بالزاي، أي: تضاممت ليسعني المدخلُ، في (القاموس) (٢): احتفز: تضامّ في سجوده وجلوسه، واستوى جالسًا على وركيه، وفي (الصراح) (٣): احتفاز برسريائ نشستن وخويشتن درجيدن، وفي حديث علي -﵁-: (إذا صلت المرأة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٢٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٧٢).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٢٢٤).","vol":"1","page":274},{"text":"\"أبُو هُرَيْرَةَ؟ \" فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: \"مَا شَأْنُكَ؟ \" قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فَقُمْتَ فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنَا، فَخَشِينَا أَنْ تُقْتَطَعَ دُوننًا، فَفَزِعْنَا، فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ، فَأَتَيْتُ هَذَا الْحَائِطَ فَاحْتَفَزْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ، وَهَؤُلَاءِ النَّاسُ وَرَائِي، فَقَالَ: \"يَا أَبَا هُرَيْرَةَ\" وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ، فَقَالَ: \"اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ، فَمَنْ لَقِيَكَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ\"،\nــ\nفلتحتفز إذا جلست وإذا سجدت) (١)، وفي حديث الأحنف: كان يوسع لمن أتاه، فإذا لم يجد متسعًا تحفز له تحفزًا، هذا، وأما رواية الراء فليس له معنى ظاهر مناسب للمقام، والصواب هو الرواية بالزاي، كذا قالوا.\nوقوله: (أبو هريرة) أي: أنت أبو هريرة؟ على طريق الاستفهام للتعجب؛ لكون الطريق مسدودًا فاستغرب.\nوقوله: (أعطاني نعليه) كما هو العادة في أعطاء شيء مما يعرف به أنه أرسله، ولعله لم يكن شيء آخر عنده سواهما، وقد ذكر الطيبي (٢) في تخصيص النعلين نكات مناسبة لا تخلو عن خفاء، واللَّه أعلم. ولعله -ﷺ- لما شاهد منهم كمال المحبة والإخلاص من فزعهم بأدنى مفارقة وتوحشهم بذلك؛ عطف عليهم وتوجه إلى جناب القدس لاستجلاب الرحمة لهم، فأوحي بذلك.\nوقوله: (فمن لقيك. . . إلخ) حاصل المعنى أخبرهم بأن من شهد به مستيقنًا دخل الجنة، فافهم.\n_________\n(١) أخرج نحوه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٥٠٧٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١/ ١٧٥).","vol":"1","page":275},{"text":"فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ لَقِيتُ عُمَرَ، فَقَالَ: مَا هَاتَانِ النَّعْلَانِ يَا أَبَا هُرَيْرَة؟ قُلْتُ: هَاتَانِ نَعْلَا رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَعَثَنِي بِهِمَا، مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرْتُهُ بِالْجنَّةِ، فَضَرَبَ عُمَرُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَخَرَرْتُ لِاسْتِي، فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَجْهَشْتُ بِالبُكَاءِ، وَرَكِبَنِي عُمَرُ. . . . .\nــ\nوقوله: (فكان أول من لقيت عمر) الظاهر برفع أول ونصب عمر، ويجوز العكس.\nوقوله: (فخررت لاستي) بكسر الهمزة وسكون السين، أي: سقطت على مقعدي، واللام بمعنى (على).\nوقوله: (فقال: ارجع) كان عمر -﵁- عالمًا من عند النبي -ﷺ- أن هذا بشارة تطييبًا لقلوبهم، وأنهم لو سمعوا يتكلوا، وأن الأمر لم يكن للإيجاب، ولذا خلاهم رسول اللَّه -ﷺ- آخرًا، فافهم.\nوقوله: (فأجهشت بالبكاء) في (القاموس) (١): جهش إليه كسمع ومنع جهشًا وجهوشًا وجهشانًا: فزع إليه وهو يريد البكاء، كالصبي يفزع إلى أمه، كأجهش، ولما كان في الحديث ذكر البكاء كان في الجهش تجريد، ومنه حديث: (أصابنا عطش فجهشنا إلى رسول اللَّه -ﷺ-) (٢).\nوقوله: (ركبني عمر) أي علا عليَّ عاديًا. في (القاموس) (٣): ركبه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٤٣).\n(٢) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٣٦٥)، والبيهقي في \"الدلائل\" (٢٢٥٨).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٨).","vol":"1","page":276},{"text":"فَإِذا هُوَ عَلَى أَثَرِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا لَك يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ \" قُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي بعثتني بِهِ، فَضَرَبَ بَيْنَ ثَدْيَيَّ ضَرْبَةً، فَخَرَرْتُ لِاسْتِي، فَقَالَ: ارْجع، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا عُمَرُ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ \"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيْرَةَ بِنَعْلَيْكَ مَنْ لَقِيَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَخَلِّهِمْ يَعْمَلُونَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَخَلِّهِمْ\". رَوَاهُ مُسلم. [م: ٥٢].\n٤٠ - [٣٩] وَعَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَفَاتِيحُ الْجنَّةِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه\". رَوَاهُ أَحْمد. [حم: ٥/ ٢٤٢].\nــ\nكسمعه: علاه.\nوقوله: (على أثري) بكسر الهمزة وسكون المثلثة، ويروى بفتحتين، أي: فنظرت فإذا هو على عقبي.\nوقوله: (بأبي أنت وأمي) أي: أنت مفدُّى بأبي وأمي، وأبي وأمي فداك، فداه يفديه فداء وفِدًى، ويُفتح، وافتدى به وفاداه: أعطى شيئًا فأنقذه، والفداء ككساء، وكـ (على) و(إلى)، والفدية: ذلك المعطى، وفاداه بنفسه وفداه: إذا قال له: جعلت فداك.\nوقوله: (فلا تفعل) دعاء وتضرع من عمر -﵁- إلى حضرته أن لا يفعل لما رأى من المصلحة.\n٤٠ - [٣٩] (معاذ بن جبل) قوله: (مفاتيح الجنة شهادة أن لا إله إلا اللَّه) لعل جمع المفاتيح باعتبار المواد وأفراد المؤمنين، أو الجنات، أو درجاتها ومنازلها، أو","vol":"1","page":277},{"text":"٤١ - [٤٠] وَعَنْ عُثْمَانَ -﵁- قَالَ: إِنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- حِينَ تُوُفِّيَ حَزِنُوا عَلَيْهِ، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يُوَسْوِسُ،\nــ\nجعل كل جزء منها مفتاحًا مبالغة.\n٤١ - [٤٠] (عثمان) قوله: (حين توفي) بصيغة المجهول من التوفي، أي: توفاه اللَّه وقبض روحه، والوفاة الموت، كذا في (القاموس) (١)، وحقيقة التوفي استيفاء الحق وقبضه تامًا، فاللَّه سبحانه يستوفي حق الأجل الذي ضرب له، كما قال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]، وقد يسند التوفي إلى ملك الموت كما قال: ﴿يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] أي: يستوفي عددكم ويستوفي نفوسكم لا يترك منها شيئًا، والتفعل بمعنى الاستفعال يأتي كثيرًا، كتنقصه واستنقصه وتعجلته واستعجلته، كذا قال البيضاوي، وعلى صيغة المجهول جاءت القراءة السبع في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] وقرئ (يتوفون) بصيغة المعلوم، أي: يستوفون آجالهم، قيل: وهو قراءة علي -﵁-.\nوقوله: (حزنوا عليه) حزن كفرح بصيغة المعلوم لازم بمعنى اندوهكَين شدن، حزن وحزين لغتان منه، وكنصر متعد، يقال: حزنه وأحزنه: جعله حزينًا، فهو محزون، وحزن بسكون الزاي مصدر، ويجيء بمعنى الأرض الوعرة، والحزن بالضم وبفتحتين اسمان بمعنى (اندوه) خلاف السرور، ويجيئان مصدرين من كلا البابين.\nوقوله: (يوسوس) الوسوسة: حديث النفس والشيطان بما لا نفع فيه ولا خير، كالوسواس بالكسر، والاسم بالفتح، كذا في (القاموس) (٢)، و(وسوس) لازم، أي:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٣٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٣٦).","vol":"1","page":278},{"text":"قَالَ عُثْمَانُ: وَكُنْتُ مِنْهُم، فَبَيْنَا أَنا جَالِسٌ من مَرَّ عَلَيَّ عُمَرُ وَسَلَّمَ فَلَمْ أَشْعُرْ بِهِ، فَاشْتَكَى عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ -﵄-، ثُمَّ أَقْبَلَا حَتَّى سَلَّمَا عَلَيَّ جَمِيعًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا حَمَلَكَ ألَّا تَرُدَّ عَلَى أَخِيكَ عُمَرَ سَلامَهُ؟ قُلْتُ: مَا فَعَلْتُ، فَقَالَ عُمَرُ: بَلَى، وَاللَّهِ لَقَدْ فَعَلْتَ، قَالَ: قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا شَعَرْتُ أَنَّكَ مَرَرْتَ وَلَا سَلَّمْتَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ عُثْمَانُ، قَدْ شَغَلَكَ عَنْ ذَلِكَ أَمْرٌ، فَقُلْتُ: أَجَلْ، قَالَ: مَا هُوَ؟ قُلْتُ: تَوَفَّى اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ -ﷺ- قَبْلَ أَنْ نسْأَلَهُ عَنْ نَجَاةِ هَذَا الأَمْرِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قد سَأَلْتُهُ عَن ذَلِكَ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ وَقُلْتُ لَهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَنْتَ أَحَقُّ بِهَا،\nــ\nوقع في الوسوسة.\nفقوله: (يوسوس) بكسر الواو الثانية، أي: يقع في الوسوسة، والفتح لحن.\nوقوله: (مر علي عمر وسلم) عرف ذلك بعد الإفاقة وتحقيق الحكاية فاشتكى عمر، لعل الشكاية لأجل فوات هذا الواجب من عثمان -﵁-، وهو رد السلام، أو لأجل فوات بركة دعائه.\nوقوله: (قلت: ما فعلت) أي ما تركت رد السلام عليه، عبر بالفعل إشارة بأنه لم يقع ذلك منه باختياره ليكون فعلًا صادرًا منه يؤاخذ عليه، أو يقال: إن الترك أيضًا فعل، فافهم.\nوقوله: (صدق عثمان) وكيف يصدر ذلك منه مع شعوره، ثم خاطب عثمان -﵁- وقال: قد شغلك عن ذلك أمر عظيم نشأ من وفاة رسول اللَّه -ﷺ-، ويحتمل أن يتم الكلام بـ (صدق)، والضمير فيه لـ (عمر)، ويكون عثمان -﵁- منادى بحذف حرف النداء، وذلك وجه، واللَّه أعلم.","vol":"1","page":279},{"text":"قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا نَجَاةُ هَذَا الأَمْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَبِلَ مِنِّي الْكَلِمَةَ الَّتِي عَرَضْتُ عَلَى عَمِّي فَرَدَّهَا [عَلَيَّ]؛ فَهِيَ لَهُ نَجَاةٌ\". رَوَاهُ أَحْمد. [حم: ١/ ٦].\nــ\nوقوله: (ما نجاة هذا الأمر) قال الطيبي (١): يجوز أن يكون المراد بالأمر ما عليه المؤمنون من الدين، أي: نسأله عما يتخلص به من النار، وأن يراد به ما عليه الناس من غرور الشيطان وحب الدنيا والتهالك فيها والركون إلى شهواتها وركوب المعاصي وتبعاتها، أي: نسأله عن نجاة هذا الأمر الهائل، وهذه الكلمة سبب النجاة من النار، والنجاة من الغفلة وصداء القلب، ولهذا التزمه السائرون إلى اللَّه العارفون به، انتهى ملخصًا.\nويتوجه على الوجه الأول أن عثمان -﵁- هو الذي روى الحديث الذي في الفصل السابق من حديث مسلم، وهو: (من مات وهو يعلم أن لا إله إلا اللَّه دخل الجنة)، فكيف يصح قوله: (توفى اللَّه تعالى نبيه -ﷺ- قبل أن نسأله عن نجاة هذا الأمر)؟ اللهم إلا أن يقال: إنه نسي الحديث لما دهشه من المصيبة والحيرة، هذا والصواب أن يقال: إن المراد النجاة عن حديث النفس ووسواس الشيطان كما جاء في رواية محمد بن جبير: أن عمر مرّ على عثمان فسلّم عليه، فلم يردّ عليه، فدخل على أبي بكر -﵁- فاشتكى ذلك إليه، فقال أبو بكر -﵁-: ما منعك أن تردّ على أخيك السلام؟ قال: واللَّه ما سمعته وأنا أحدث نفسي، قال أبو بكر -﵁-: فماذا تحدث نفسك؟ قال: خلا بي الشيطان، فجعل يلقي في نفسي أشياء ما أحب أني تكلمت بها وأن لي ما على الأرض، قلت في نفسي حين ألقي الشيطان ذلك: يا ليتني سألت رسول اللَّه -ﷺ- ما ينجينا من\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ١٧٨).","vol":"1","page":280},{"text":"٤٢ - [٤١] وَعَنِ الْمِقْدَادِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لا يَبْقَى عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ. . . . .\nــ\nهذا الحديث الذي يلقي الشيطان في أنفسنا؟ قال أبو بكر -﵁-: فإني واللَّه لقد اشتكيت إلى رسول اللَّه وسألته: ما الذي ينجينا من هذا الحديث الذي يلقي الشيطان في أنفسنا؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: (ينجيكم من ذلك أن تقولوا مثل الذي أمرت به عمي عند الموت فلم يفعل) (١)، رواه أبو يعلى في (مسنده) (٢).\nقال البوصيري في (زوائد العشرة) (٣): سنده حسن، كذا في (جمع الجوامع) للسيوطي، وذكر شيخ شيوخنا ابن حجر المكي في سرح قوله (كاد بعضهم يوسوس) أي: يقع في نفسه انقضاء هذا الدين وانطفاء أنواره.\n٤٢ - [٤١] (المقداد) قوله: (لا يبقى على ظهر الأرض بيت مدر ولا وبر)، في (القاموس) (٤): المدر محركة: قطع الطين اليابس، واحدته بهاء، والحجارة والمِدارة إتباعٌ، وفي (مجمع البحار) (٥): المدر بفتح ميم ودال: الطين المجتمع الصلب، والوبر محركة: صوف الإبل والأرانب ونحوها، والجمع أوبار، والمراد ببيت المدر: المدن والقرى، مدرة الرجل: بلدته، وفي الحديث: (أما إن العمرة\n_________\n(١) الغرض من السؤال ما يرد وساوس القلب، ولذا ترى الصوفية اخترعوا الأذكار المتضمنة على كلمة التوحيد لردّ الوساوس وصفاء القلب، فهذا الحديث من مستدلاتهم، كذا في \"التقرير\".\n(٢) \"مسند أبي يعلى\" (١٣٣).\n(٣) \"إتحاف الخيرة المهرة\" (١/ ٣) وفيه: هذا إسناد فيه مقال، إلا أن التحسين كما ذكره المصنف هو من \"جمع الجوامع\" للسيوطي (١١٣٨٥).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٤١).\n(٥) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٥٧٠).","vol":"1","page":281},{"text":"إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ كَلِمَةَ الإِسِلَامِ بِعِزِّ عَزِيزٍ وَذُلِّ ذَلِيلٍ، إِمَّا يُعِزُّهُمُ اللَّهُ فَيَجْعَلُهُمْ مِنْ أَهْلِهَا، أَوْ يُذِلُّهُمْ فَيَدِينُونَ لَهَا\". قُلْتُ: فَيَكُونُ الدِّينُ كلُّهُ للَّهِ. رَوَاهُ أَحْمَد. [حم: ٤/ ٦].\n٤٣ - [٤٢] وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبّهٍ قِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ لَيْسَ مِفْتَاحٌ إِلَّا لَهُ أَسْنَانٌ،\nــ\nمن مدركم) أي: بلدكم، يقول: من أراد العمرة ابتدأ لها سفرًا جديدًا من منزله من غير سفر الحج، وهو مستحب لا واجب.\nوببيت الوبر البوادي؛ لأنهم يسكنون فيها في الخيام، وهي من الوبر غالبًا.\nوقوله: (إلا أدخله) أي: أدخل اللَّه، حذف للعلم ودلالة السياق، وقد ذكر في بعض النسخ صريحًا، والضمير المنصوب الراجع إلى البيت ظرف بتقدير (في) وإن كان مكانًا محدودًا لكونه بعد دخلت.\nوقوله: (بعز عزيز) أي: ملتبسة بعز شخص يعزّه اللَّه بها، بأن يختار تلك الكلمة ويؤمن بها، وملتبسة بذل ذليل، أي: شخص يذلّه اللَّه بها، بأن لم يؤمن.\nوقوله: (إما يعزهم اللَّه) بيان وتفصيل لدخول الكلمة كل بيت بعز وذل، فبالعز بأن يجعلهم أهلها، وبالذل بأن يدينوا وينقادوا الكلمة ويقبلوا الجزية، فتدخل الكلمة في الكل ويكون الدين كله للَّه، ويكون غالبًا على جميع الأديان طوعًا وكرها.\n٤٣ - [٤٢] (وهب بن منبه) قوله: (له أسنان) (١) كنى بها عن الأعمال الصالحة\n_________\n(١) قال القاري: الأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ بِالأَسْنَانِ التصدِيقُ الْقَلْبِي، وَالإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَانْقِيَادٌ لِلأَحْكَامِ، انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١١٧).","vol":"1","page":282},{"text":"فَإِنْ جِئْتَ بِمِفْتَاحٍ لَهُ أَسْنَانٌ فُتِحَ لَكَ، وَإِلَّا لَمْ يُفْتَحْ لَكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَة بَابٍ. [كتاب الجنائز، باب: ١].\n٤٤ - [٤٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلَامَهُ، فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِعَشَرِ أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، وَكُلُّ سَيّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللَّه\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٢، م: ١٢٩].\n٤٥ - [٤٤] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: مَا الإيمَانُ؟ . . . . .\nــ\nوأركان الإسلام، وفيه حث وترغيب على العمل وإن لم يكن جزءًا من أصل حقيقة الإيمان، فإن دخول الجنة مع السابقين والفوز بالدرجات والمراتب الرفيعة لا يكون إلا بالأعمال، وإن جاز أن يحصل أصل النجاة من خلود النار بالعفو والمغفرة.\nوقوله: (رواه البخاري في ترجمة باب) على جهة التعليق، وتعليقات البخاري كلها متصلة صحيحة، لا سيما إذا ذكرت لا بصيغة التمريض كما علم في أصول الحديث، وقد مر في المقدمة.\n٤٤ - [٤٣] (أبو هريرة) قوله: (إذا أحسن أحدكم إسلامه) أي أخلصه، والإحسان ضد الإساءة، وفي (القاموس) (١): الضعف بالكسر مثل الشيء، وضعفاه مثلاه، أو الضعف: المثل إلى ما زاد، ويقال: لك ضعفه يريدون مثليه وثلاثة أمثاله؛ لأنه زيادة غير محصورة.\n٤٥ - [٤٤] (أبو أمامة) قوله: (ما الإيمان) أي: علامة صحته وصدقه.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٦٥).","vol":"1","page":283},{"text":"قَالَ: \"إِذَا سَرَّتْكَ حَسَنَتُكَ وَسَاءَتْكَ سَيِّئتُكَ فَأَنْتَ مُؤْمِنٌ\"،\nــ\nوقوله: (قال: إذا سرتك حسنتك. . . إلخ) فإن ذلك علامة وجود التصديق واليقين باللَّه وأحكامه واليوم الآخر وجزاء الأعمال، ومن مواضع اليقين الذي يجب أن يتيقن العبد به جزاء الأعمال، وهو أن يعلم يقينًا أن لكل عمل يعمله جزاء خيرًا كان أو شرًا.\nقال شيخنا قدوة أرباب الصحو والتمكين الشيخ عبد الوهاب المكي المتقي في (كتاب الحبل المتين في تقوية اليقين): كل ما أخبر به رسول اللَّه -ﷺ- يجب به اليقين، وهو مع كثرته وبلوغه إلى حد لا يحصى، يرجع إلى أربعة مواضع:\nأحدها: التوحيد، بأن يعلم أن كل ما يقع في العالم إنما هو بقدرة الباري تعالى وإرادته، وهو الضار والنافع، والمعطي والمانع، وفائدته عدم الاستناد والالتفات إلى ما سوى الحق سبحانه.\nوثانيها: التوكل والثقة بضمانية الحق تعالى رزق العباد، وفائدته الإجمال في الطلب مع ترك الأسف على ما فات.\nوثالثها: جزاء الأعمال من الثواب والعقاب، وفائدته الإقبال على الطاعات والاجتناب عن المعاصي.\nورابعها: اطلاع الرب تعالى على أحوال العباد سرها وعلانيتها، وفائدته السعي والمبالغة في إصلاح الظاهر والباطن.\nوقال الشيخ العارف باللَّه ابن عطاء اللَّه الإسكندري الشاذلي (١) في (كتاب الحكم):\n_________\n(١) هو تَاج الدين أَبُو الْفضل أَحْمد بن مُحَمَّد بن عبد الْكَرِيم، المعروف بابن عَطاء اللَّه الإسكندري الشاذلي المالكي، متصوف، توفي بالقاهرة، له تصانيف، منها \"الحكم العطائية\". انظر: =","vol":"1","page":284},{"text":"قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا الإِثْمُ؟، قَالَ: \"إِذَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ فَدَعْهُ\". رَوَاهُ أَحْمد. [حم: ٥/ ٢٥٦، ٢٥٢].\nــ\nعلامة موت القلب عدم الحزن على ما فاتك من الموافقات، وترك الندم على ما فعلته من وجود الذلات، وقال سيدي أحمد بن زَرّوق (١) في (شرحه): دليل حياة القلب ثلاث: أولها: التأثر بالعوارض، فالقلب الذي يحسن الحسن ويقيح القبيح حيٌّ، وإلا فلا.\nالثاني: التشوق للقوام، فالقلب الذي يطلب ما يقوم به وجوده، وهو التقوى حيٌّ وإلا فلا.\nالثالث: تَطَعُّم الوقائع فيه من مستلذ وغيره، فالقلب الذي يستلذ الحسنة دون السيئة حي وإلا فلا، ثم القلب بعد تأثره بالعوارض، إما أن ينهض للعمل، فهو صحيح في حياته، وإلا فهو مريض، والقلوب ثلاثة: قلب مشروح، وهو قلب المؤمن المطيع، وقلب مذبوح، وهو قلب الكافر والمنافق، وقلب مجروح، وهو قلب المؤمن العاصي.\nوقوله: (ذا حاك في نفسك شيء) في (القاموس) (٢): حاك الشيء في صدري: رسخ، وحاك القول في القلب حَيْكًا: أخذ، والسيفُ: أَثّر، والشَّفْرَةُ: قطعت، كأحاك\n_________\n= \"الأعلام\" (١/ ٢٢٢)، و\"البدر الطالع\" (١/ ١٠٧).\n(١) هو أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرلسي شهاب الدين أبو العباس، المعروف بزروق، الفاسي المالكي، ولد سنة (٨٤٦ هـ)، وتوفي سنة (٨٩٩ هـ)، فقيه محدث صوفي، له تصانيف كثيرة، منها: \"الفتوحات الرحمانية في حل ألفاظ الحكم العطائية\". انظر: \"هدية العارفين\" (١/ ٧٣)، و\"الضوء اللامع\" (١/ ١٤١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٦٤).","vol":"1","page":285},{"text":"٤٦ - [٤٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا الأَمْرِ؟ قَالَ: \"حُرٌّ وَعَبْدٌ\"، قُلْتُ: مَا الإِسْلَامُ؟ قَالَ: \"طِيبُ الْكَلَامِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ\"، قُلْتُ: مَا الإِيْمَانُ؟ قَالَ: \"الصَّبْرُ وَالسَّمَاحَةُ\"، قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ\"، قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الإِيْمَانِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: . . . . .\nــ\nفيهما، وفي (مختصر النهاية) (١): حاك في نفسه يحيك: أَثَّر، والمعنى إذا حاك في نفسك، أي: أَثَّر فيها ورسخ فاترك، فإن ذلك علامة كونه إثمًا، يعني ما يؤثر في النفس الشريفة القدسية المتحلية بحلية التقوى ونور الإيمان تأثيرًا بالنفرة والكراهة، أي: ما لا ينشرح له صدر من شرح اللَّه صدره دون عموم المؤمنين، وعلى هذا يحمل قوله: (استفت قلبك) وذلك فيما إذا لم يوجد دليل شرعي من الكتاب والسنة، ويتعارض أقوال العلماء، فحيئنذ يستفتي من القلب لترجيح بعض الأقوال على بعض، كما تقرر في أصول الفقه، وروي (حاكّ) بالتشديد من المحاكة بمعنى المباراة، مجرَّدُه الحكُّ بمعنى النحت، والأول هو الأصح.\n٤٦ - [٤٥]: (عمرو بن عبسة) قوله: (حر وعبد) أي: أبو بكر وبلال، وقيل: زيد بن حارثة، وقيل: الوجه هو الأول، فإن في إحدى روايات مسلم: (ومعه يومئذ أبو بكر وبلال -﵄-)، وقيل: المراد كل الناس من الأحرار والعبيد، إخبار عما يتقرر عليه أمر الإسلام في الاستقبال، وفيه ما فيه، وإلا فقد قيل في ترجمة عمرو بن عبسة: إنه رابع أربعة أو ثالث ثلاثة في الإسلام.\nوقوله: (قلت: ما الإسلام؟ قال: طيب الكلام وإطعام الطعام) إلى قوله (قال:\n_________\n(١) (١/ ٢٦٨).","vol":"1","page":286},{"text":"\"خُلُقٌ حَسَنٌ\"،\nــ\nخلق حسن) توجيه الحديث لا يخلو عن شيء، فإنه سأل إما عن حقيقة الإسلام ومفهومه، ولا شك أنه عبارة عن الأركان الخمسة التي بني عليها كما مر تفسيره في حديث (١) جبرئيل -﵇-، أو عن خصاله ولوازمه وروادفه وهي كثيرة، فما معنى أنه طيب الكلام وإطعام الطعام، وأفضله من سلم المسلمون من لسانه ويده؟ وكذا الكلام في الإيمان، فإن حقيقته أن تؤمن باللَّه وملائكته إلى آخر ما ذكر في الحديث المذكور، وخصاله وشعبه كثيرة، فما معنى أن الإيمان الصبر والسماحة وأفضله خلق حسن؟\nوالذي يفهم من كلام الطيبي (٢) في توجيهه أن جوابه عن الإسلام أنه طيب الكلام وإطعام الطعام بعث له على مكارم الأخلاق، أي: ما الإسلام إلا مكارم الأخلاق، ومن ثم سأل أيً الإسلام أفضل؟ أَيْ: أَيُّ الأخلاق أفضل، كأنه يريد أن المسؤول خصال الإسلام، فأشار بها بأنها مكارم الأخلاق، لكنه اكتفى بذكر شيئين منهما هما العمدة، وهي التواضع والسخاوة الواصل أثرهما إلى خلق اللَّه سبحانه، أو لأنهما أدخل وأصلح بحال السائل، ثم سأل أفضل الأخلاق الذي لا يصح الإسلام ولا يتم إلا به، وهي كف النفس عن إيذاء الخلق، فالأول تحلية، والثاني تخلية، قدم ذكر التحلية لكونها المقصودة من التزكية، فصار حاصل الجواب: أن الإسلام تخلية النفس عن الرذائل وتحليتها بالفضائل، وأجاب بأن محصل خصال الإيمان وشعبه الصبر والسماحة إشارة إلى ترك ما نهي عنه وفعل ما أمر به، كما فسر الحسن البصري -﵁- بقوله: الصبر عن معصية اللَّه، والسماحة على أداء فرائض اللَّه، والخلق الحسن أفضل خصاله؛ لكونه حاصل أصل\n_________\n(١) انظر: الحديث (٢)\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١/ ١٨١).","vol":"1","page":287},{"text":"قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"طُولُ الْقُنُوتِ\"، قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ رَبُّكَ\"، قَالَ: فَقُلْتُ: فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"مَنْ عُقِرَ جَوَادُهُ وَأُهْرِيقَ دَمُهُ\"، قَالَ: قُلْتُ: أَيُّ السَّاعَاتِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"جَوْفُ اللَّيلِ الآخِرِ\". رَوَاهُ أَحمد. [حم: ٤/ ٣٨٥].\nــ\nالعمل وأصعبه، هذا تقرير كلام الطيبي وتحقيقه في توجيه الحديث، فافهم.\nوقوله: (طول القنوت) يطلق على معان متعددة؛ كالطاعة والخشوع، والصلاة والدعاء، والقيام والسكوت، فيصرف في كل واحد من هذه المعاني إلى ما يحتمله لفظ الحديث الوارد فيه، كذا قال الطيبي (١)، والظاهر حمله على القيام، وقد تمسك به من قال: طول القيام أفضل من كثرة السجود، حيث اختلفوا في أن أيهما أفضل (٢)، فتدبر.\nوقوله: (أن تهجر ما كره ربك) قد مر تفسيره في الأحاديث السابقة.\nوقوله: (عقر جواده) الجواد بالفتح فَرَسٌ بَيِّنُ الجُودة بالضم، الذكر والأنثى سواء.\nوقوله: (أهريق دمه) أي: أريق، والإراقة: صب المائع من ماء أو دم أو غيرهما، وأصله أراق يريق إراقةً، ثم أبدلت الهاء، وهذه الكلمة لا يخلو بيان بنائه من قلق وخفاء في كلامهم، وأجمع كلام فيه كلام (الصحاح) (٣) فاكتفينا به، قال: هراق الماء\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ١٨٢).\n(٢) في \"التقرير\": اختلفت الحنفية والشافعية في أن طول القيام أفضل أو كثرة السجود؟ وحمل الشافعية هذا الحديث على الخشوع كي لا يخالف المذهب، ولفظ الطول يؤيد القيام، أي: مذهب الحنفية، فتأمل.\n(٣) \"الصحاح\" للجوهري (ص: ١٠٩٦)، وانظر: \"تاج العروس\" (٢٧/ ١٠).","vol":"1","page":288},{"text":"٤٧ - [٤٦] وَعَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَيُصَلِّي الْخَمْسَ، وَيَصُومُ رَمَضَانَ، غُفِرَ لَهُ\"، قُلْتُ: أَفَلَا أُبَشِّرُهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"دَعْهُمْ يَعْمَلُوا\". رَوَاهُ أَحْمد. [حم: ٥/ ٢٣٣].\nــ\nويهريقه بفتح الهاء هِراقة بالكسر، وأصله أراق يُرِيقُ إراقة، وهو في الأصل أَرْيَقَ يُرْيِقُ، وأصل مضارعه يُأَرْيِقُ فأبدلوا الحركة والسكون بين الراء والياء فصار يَأْرِيقُ، واستثقلوا الهمزتين في قولهم: أنا أُأَريقه فقالوا: أهريقه مبدلة بالهاء، وفيه: لغة أخرى يقال: أهرق الماءَ يُهْرِقه إهراقًا، قال سيبويه: أبدلوا من الهمزة الهاء، ثم ألزمت فصارت كأنها من نفس الكلمة، ثم أدخلت الألف بعده على الهاء وتركت الهاء عوضًا من حذفهم العين؛ لأن أصل أهرق أريق، وفيه: لغة ثالثة: أَهْراقَ يُهْرِيقُ إهراقًا فهو مُهْرِيقٌ، وذلك مُهْراقٌ بالحركة والسكون، وهذا شاذ، ونظيره: أسطاع يُسطيع اسطياعًا بفتح الهمزة في الماضي وضم الياء في المضارع لغة في أطاع يُطيع، فجعلوا السين عوضًا من ذهاب حركة عين الفعل، وكذلك حكم الهاء في يهريق، ويهريق مثل يُهَفْعِلُ ومُهَرَاق مُهَفْعَلٌ، وأما مثال يهريق بسكون الهاء لا يمكن أن ينطويه؛ لأن الهاء والفاء جميعا ساكنان، وكذا مُهْرَاق، ويقال: مطر مُهْرَوْرِقٌ من باب افعيعال.\n٤٧ - [٤٦] (معاذ بن جبل) قوله: (كفر له) أي: ذنوبه التي ارتكبها، إما كله بأن لا يعذبه أصلًا، أو بعضه بأن يعذبه على بعضها ويعفو عن بعض، والظاهر هو الأول، ولذا منع عن تبشيرهم، وتخصيص الصلاة والصوم إما لأنه لم يفرض حينئذ سواهما من الزكاة والحج، أو لأنهما عمدة العبادات، أو لأن سنة اللَّه جرت بالمغفرة لمن أتى بهما، وإن أذنب وترك الفرائض الأخر، وهي بعد في مشيئة اللَّه، يعذب من","vol":"1","page":289},{"text":"٤٨ - [٤٧] وَعَنْهُ أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ -ﷺ- عَنْ أَفْضَلِ الإِيْمَانِ، قَالَ: \"أَنْ تُحِبَّ لِلَّهِ، وَتُبْغِضَ لِلَّهِ، وَتُعْمِلَ لِسَانَكَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ\"، قَالَ: وَمَاذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"وَأَنْ تُحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَتَكْرَهَ لَهُمْ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٤٧].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>١ - باب الكبائر وعلامات النفاق</span>\nــ\nيشاء ويغفر لمن يشاء.\n٤٨ - [٤٧] (معاذ بن جبل) قوله: (وماذا) أَيْ: وأَيُّ شيء أصنع بعد ذلك؟ .\n١ - باب الكبائر وعلامات النفاق\nالكبائر جمع كبيرة، وهي من الصفات الغالبة، اسم للفعلة القبيحة من الذنوب التي يعظم ارتكابها إثمًا، وتقابلها الصغيرة، وهي ما لا يعظم إثمها، وقد اضطربت الأقوال في حد الكبائر وتعينها، وقد ذكرت في الأحاديث ذنوب بأعيانها ثلاثًا أو أربعًا أو سبعًا أو تسعًا أو أكثر، فقيل هي الكبائر، وما دونها صغائر، والمختار أنه ليس المراد بها الحصر، وقد روي عن ابن عباس رضي اللَّه تعالى عنهما أنه قال: الكبائر إلى سبع مئة أقرب منها إلى سبع، بل النبي -ﷺ- أخبر في كل مجلس ما أوحي إليه، وما كان مفسدته مثل مفسدة شيء من المذكورات أو أكثر منها فهي أيضًا من الكبائر (١).\n_________\n(١) وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ: قَدْ جَمَعْتُ جَمِيعَ الأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ فَوَجَدْتُ سَبْعَةَ عَشَرَ؛ أَرْبَعَةٌ فِي الْقَلْبِ: الشِّرْكُ، وَنِيَّةُ الإِصْرَارِ عَلَى الْمَعْصِيةِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَأَرْبَعَةٌ فِي اللِّسَانِ: شَهَادَةُ الزُّورِ، وَقَذْفُ المُحْصَنِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ، وَالسِّحْرُ، =","vol":"1","page":290},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأما المثل فكشرب بعض المسكرات من غير الخمر، وكاللواطة مثل الزنا، وكإيذاء الأستاذ مثل إيذاء الوالد، وكالغصب مثل الربا.\nوأما الأكثر فمثل قطع الطريق مع أخذ المال أكثر من السرقة، وكذا إيذاء النبي -ﷺ- أكثر من إيذاء الوالد، وكدلالة جيوش الكفار على بلاد المؤمنين للغارة أكثر من الفرار عن الزحف، وكحكم القاضي بغير الحق أكثر من شهادة الزور ظلمًا وإثمًا.\nوقيل: ما ثبت النهي عنه بنص قطعي، وقيل: ما قرن به في الشرع حد أو لعن أو وعيد، وإلى هذا مال أكثرهم، وعمم بعضهم هذا القول أيضًا، قال: وما كان مفسدته كمفسدة ما قرن به أحد الثلاثة أو أكثر، وقيل: ما أشعر بتهاون المرتكب بالدين إشعارًا مثل إشعار الكبائر، كقتل رجل يعتقد أنه معصوم الدم فظهر أنه مستحق للقتل، أو وطئ زوجته وهو يظنها أجنبية.\nونقل عن (الكافي): والأصح أن ما كان شنيعًا بين المسلمين، وفيه هتك حرمة الدين، فهي كبيرة، وإلا فهي صغيرة.\nوأما ما قيل: كل معصية أصرّ عليه العبد فهي كبيرة، وكل ما استغفر عنها فهي صغيرة، فيلزم منه أن يكون الزنا وشرب الخمر مثلًا صغائر إذا لم يصر عليها، اللهم إلا أن يريد ما عدا المنصوص عليها، وأغرب منه ما نقل عن صاحب (الكفاية) أنه قال: الحق أنهما اسمان إضافيان لا يعرفان بذاتيهما، فكل معصية أضيفت إلى ما فوقها فهي\n_________\n= وَثَلَاثَةٌ فِي الْبَطْنِ: شُرْبُ الْخَمْرِ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَأَكْلُ مَالِ الرِّبَا، وَاثْنَانِ فِي الْفَرْجِ: الزِّنَا، وَاللِّوَاطُ، وَاثْنَانِ فِي الْيَدِ: الْقَتْلُ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَالسَّرِقَةُ، وَوَاحِدٌ فِي الرِّجْلِ: وَهُوَ الْفِرَارُ مِنَ الْكُفَّارِ يَوْمَ الزَّحْفِ، وَوَاحِدٌ يَشْمَلُ الْبَدَنَ: وَهُوَ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٢٣).","vol":"1","page":291},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nصغيرة، وإن أضيفت إلى ما دونها فهي كبيرة، وهذا مشكل جدًا، إذ لا شك أن الكبائر والصغائر متمايزة بالذات وبالأحكام، فإن الصغائر مكفرة بالطاعات مثل الصلاة والصوم والوضوء، وعليه قوله: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].\nوقد اختلف في التقوى بأنه هل يكفي فيه الاجتناب عن الكبائر أو لا بد من اجتناب الصغائر أيضًا؟ وأيضًا أنهم فرقوا بينهما بأن الكبيرة تسقط العدالة دون الصغيرة، وهذا يدل على أنهما يفرقان بذاتيهما، وأيضًا لا حاجة على هذا التقرير لتخصيص الكبيرة بالذكر في قولهم: الكبيرة لا تخرج العبد من الإيمان على ما ذكر في العقائد، نعم الكبيرة والصغيرة نسبيان ضرورة كون الكبر والصغر كذلك، فالذنوب إنما تسمى صغائر بالنسبة إلى ما فوقها من الذنوب، والكبائر إنما تسمى كبائر بالنسبة إلى ما تحتها، وهذا ظاهر.\nوأما كونهما غير متعينين بحيث يكون كل ذنب بالنسبة إلى ما فوقها صغيرة، وهو بعينه بالنسبة إلى ما تحتها كبيرة، فيشكل بما ذكرنا، فثبت أن الكبائر والصغائر متمايزتان في أنفسهما، ومع ذلك مراتب الكبائر مختلفة، وكذا الصغائر حتى قيل: أكبر الكبائر الإشراك باللَّه، وأصغر الصغائر حديث النفس، ولا يخفى أن مراتب حديث النفس أيضًا مختلفة، وكذا الإشراك باللَّه إن أريد به الكفر، فتدبر، هذا وقد عد بعض العلماء كثيرًا من الذنوب من الكبائر.\nونقل العلامة الدواني من الروياني من أصحاب الشافعي رحمة اللَّه عليه أنه قال: الكبائر هذه قتل النفس بغير حق، والزنا، واللواطة، وشرب الخمر، والسرقة، وأخذ المال غصبًا، والقذف، وشرب كل مسكر ملحق بشرب الخمر، وشرط في الغصب أن يبلغ دينارًا، وشهادة الزور، وأكل الربا، والإفطار في نهار رمضان بلا عذر، واليمين","vol":"1","page":292},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-202> الْفَصْلُ الأَوَّل:</span>\n٤٩ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا. . . . .\nــ\nالفاجرة، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين، والفرار يوم الزحف، وأكل مال اليتيم، والخيانة في الكيل والوزن، وتقديم الصلاة على وقتها، وتأخيرها عن وقتها بلا عذر، وحرب المسلم بغير الحق، والكذب على النبي -ﷺ-، وسب الصحابة -﵃-، وكتمان الشهادة بلا عذر، وأخذ الرشوة، والعناد بين الرجال والنساء، والسعاية عند السلطان، ومنع الزكاة، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع القدرة، ونسيان القرآن بعد تعلمه، وإحراق الحيوان بالنار، وامتناع المرأة من زوجها بلا سبب، واليأس من اللَّه، والأمن من مكروه، وإهانة أهل العلم وحملة القرآن، والظهار، وأكل لحم الخنزير، وهذا ما ذكره، والحق أنه إن فسرت بما ورد الوعيد [به] فهي أكثر مما ذكر (١)، كما لا يخفى على المتتبع، واللَّه أعلم.\nالفصل الأول\n٤٩ - [١] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (أن تدعو للَّه ندًا) في (القاموس) (٢): الند بالكسر: المثل، والجمع أنداد، والنديدة، والجمع ندائد، انتهى. وفي (النهاية) (٣): الند: مثل الشيء [الذي] يضاده وينادّه أي يخالفه، وفي (تفسير البيضاوي) (٤): الند:\n_________\n(١) وقد صنف الشيخ ابن حجر المكي في ذلك رسالة مستقلة اسمها \"كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر\"، وقد طبع مرارًا.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٤).\n(٣) (٥/ ٣٥).\n(٤) (١/ ٤٧).","vol":"1","page":293},{"text":"وَهُوَ خَلَقَكَ\"، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: \"أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ\"،\nــ\nالمثل المناوئ، من ندّ ندودًا: إذا نفر، وناددت الرجل: خالفته، خص بالمخالف المماثل في الذات كما خص المساوي في المماثل في القدر، وقد يفرق بين الند والضد أن الأول المخالف المماثل في الحقيقة، والضد المخالف الغير المماثل، وقد وقع في (العقائد العضدية) في تنزيه الباري: ولا ند له ولا مثل، وفسره المحقق الدواني بقوله: قيل: الند هو المناوئ، أعني المخالف في القوة، والمثل هو المساوي في القوة، فتدبر.\nوالمعنى أن تجعل للَّه ندًا بتضمين الدعاء معنى الجعل، وقد جاءت الرواية بهذا اللفظ، وفي القرآن المجيد: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: ٢٢].\nفإن قلت: إنهم ما جعلوا الأصنام أندادًا للَّه، وما زعموا أنها تساويه في ذاته وصفاته، ولا أنها تخالفه في أفعاله؟ قلنا: إنهم لما عظموها وسموها آلهة شابهت حالهم حال من يعتقد أنها ذوات واجبة بالذات قادرة على أن تدفع عنهم عذاب اللَّه وتخالفه في أفعاله.\nوقوله: (وهو خلقك) إشارة إلى الخطأ في هذا الجعل، وهذا لمن يعلم أن اللَّه خالقه كما كان المشركون في عهد رسول اللَّه -ﷺ- يعلمون أن الخالق هو اللَّه، أي: والحال أنك تعلم أن اللَّه خلقك ولم يخلقك أحد غيره، أو قال ذلك للمتمكن من العلم بذلك عند النظر والتأمل في الدلائل الدالة على أنه الخالق، وبالوجهين فسر قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nوقوله: (قال: ثم أيٌّ) أي: ثم أخبرني أَيّ ذنب أكبر الكبائر بعد الكفر، (قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) فالقتل بهذه القيود أكبر الكبائر بعد الكفر، ويدخل","vol":"1","page":294},{"text":"قَالَ: ثمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: \"أَن تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ\"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهَا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٦١، م: ٨٦].\nــ\nفي المفضل عليه القتل المطلق أيضًا، وإن كان المطلق أكبر مما سواه من الذنوب، وكذلك الزنا بحليلة الجار، فافهم.\nوقال الطيبي (١): هذا البيان إنما ورد على الأمر الواقع المخصوص على مقتضى حال السائل، وهو من باب مفهوم الأغلب، ولا يعمل به، انتهى.\nحاصله: أن القيد اتفاقيٌّ وليس احترازيًّا، وأقول: السؤال إنما وقع عن أكبر الكبائر، ولا شك أنه مقيد بقيود وذكرت، ولكن القرآن أطلق لبيان الكبائر مطلقًا ولا بعد فيه، والطيبي أطلق عن القيود بقرينة الآية النازلة فيها، اللهم إلا أن تحمل صيغة التفضيل على الإضافي دون الحقيقي، فتدبر، ويؤيده إطلاق الآية النازلة لتصديق هذه الوقائع والأحكام، فافهم، ولعل باب المفاعلة في (تزاني) (٢) للمعالجة والمزاولة، أو لأن الزنا أكثر ما يكون بالميل من الجانبين.\nوالحليلة: الزوجة، قال في (القاموس) (٣): حليلتك: امرأتك، وأنت حليلها، ويقال للمؤنث: حليل أيضًا، انتهى.\nوهو يحتمل أن يكون من الحل أو الحلول، كما قال الطيبي (٤)،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ١٨٦).\n(٢) كما في نسخة \"المرقاة\" (١/ ١٢٢).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٠٧).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (١/ ١٨٥).","vol":"1","page":295},{"text":"٥٠ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْكَبَائِرُ: الإشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٩٢٠، ٦٦٨٥].\nــ\nوالأول أظهر.\n٥٠ - [٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (الإشراك باللَّه) أي: جعل غير اللَّه شريكًا له، إما في الوجود أو الخلق أو العبادة، وفسروا الإشراك بالكفر بأنواعه، وإنما عبر الكفر بالشرك؛ لأن كفار العرب كانوا مشركين، وقد يفسر في غير هذا المقام في مثل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦] بالشرك الجلي الذي بمعنى الكفر والخفي الذي يشتمل الرياء كما مر فيما سبق من الأحاديث.\nوقوله: (وعقوق الوالدين) في (القاموس) (١): عق والدَه عُقُوقًا ومَعَقَّةً: ضدُ بَرّه، فهو عَاقٌّ وعَقٌّ وعَقَقٌ محركة، والمراد إيذاؤهما من غير حق شرعي، وقيدوهما بالمسلمين، ويفهم منه أن إيذاء الكافرين وإن كان بغير حق لا يكون كبيرة، ولابد أن يكون ذنبًا (٢)، واللَّه أعلم.\nوقوله: (واليمين الغموس) في (القاموس) (٣): وهي اليمين الكاذبة التي يتعمدها صاحبها عالمًا أن الأمر بخلافه، أو التي تقتطع بها مالَ غيرك، وفي (النهاية) (٤): هي اليمين الكاذبة الفاجرة التي يقتطع بها مال غيره؛ لأنها تغمس صاحبها في الإثم، ثم\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٣٩).\n(٢) انظر: \"عمدة القاري\" (٩/ ٥٠٤)، و\"فتح الباري\" (١٠/ ٤٠٥).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥١٩).\n(٤) \"النهاية\" (٣/ ٣٨٦).","vol":"1","page":296},{"text":"٥١ - [٣] وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ: \"وَشَهَادَةُ الزُّورِ\" بَدَلَ \"الْيَمِينُ الْغَمُوسُ\" مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٥٣، م: ٨٨].\nــ\nفي النار، وفي الحديث: (اليمين الغموس تذر الديار بلاقع)، وقول الطيبي (١): لأنها تدخل صاحبها في النار أو في الإثم أو في الكفارة مبني على مذهب الشافعية؛ لأنه لا كفارة لها عندنا، وكلمة (أو) لكفاية اعتبار أحد الأمور في وجه التسمية، وإلا فهي تدخل في الكل.\n٥١ - [٣] (أنس) قوله: (شهادة الزور) قال في (القاموس) (٢): الزور بالفتح: وسط الصدر، أو ما ارتفع منه إلى الكتفين، أو ملتقى أطراف عظم الصدر حيث اجتمعت، ثم ذكر معنى الزيارة والزائرة وغيره من المعاني، وقال: وبالضم الكذب، ويظهر من هذا أن معنى وسط الصدر أو ما ارتفع منه كما ذكره الطيبي ليس أصلًا منقولًا عنه لمعنى الكذب، وقد جعله الطيبي (٣)، وذكر المناسبة، ونقل في (مجمع البحار) (٤) عن النووي في (شرح صحيح مسلم) (٥): قول الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته، وفي (مختصر النهاية) (٦): (زورت في نفسي مقالة) أي: هَيّأتُ وأصلحتُ، ورحم اللَّهِ امرأً زَوَّر نفسه على نفسه أي: قوّمها وحسّنها، وحقيقته نسبتها إلى الزور، كفَسَّقَه وجَهَّله.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ١٨٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٧٥).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١/ ١٨٦).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٤٤٧).\n(٥) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٨٤).\n(٦) (١/ ٤٣٨).","vol":"1","page":297},{"text":"٥٢ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ\"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: \"الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتيمِ،\nــ\n٥٢ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (الموبقات) في (القاموس) (١): وبق كوَعَدَ وَوَجِلَ وَوَرِثَ وُبُوقًا: هلك، وأوبقه: حبسه أو أهلكه، وقال: والموبق كمجلس: واد في جهنم.\nوقوله: (والسحر) أصله الخدع، ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] أنى تخدعون، ويكون بكلام ملفف، أو تركيب أجسام، أو مزج بين قوى لا يعرفه إلا الساحر، ويظهر على أيدي الكفار والفساق، والمراد فعله وتعليمه وتعلمه، وقيل: فعله فقط، وتعلمه جائز ليعرف ويرد، كذا نقل في (مجمع البحار) (٢) عن النووي (٣)، وقيل: فعله كفر بالاتفاق.\nواختلف في الساحر، فذهب جماعة من الصحابة -﵃- وغيرهم أنه يقتل، وعند الشافعي: يقتل إن كان ما يسحر به كفرًا إن لم يتب، وقيل: إذا لم يتم سحره إلا بدعوة كوكب أو بموجب كفر يجب قتله؛ لأنه استعانة بالشيطان، وذلك لا يستتب إلا لمن يناسبه في الشرارة؛ فإن التعاون مشروط بالتناسب، وأما ما يتعجب منه كما يفعله أصحاب الحيل بمعرفة الأدوية، أو يريه صاحب خفة اليد فغير حرام، وتسميته سحرًا تجوز، وأما تعلمه ففيه ثلاثة أوجه: التكهن وإتيان الكاهن، والتنجيم، والضرب بالرمل وبالحصى\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٥٤).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٤٧).\n(٣) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٨٨).","vol":"1","page":298},{"text":"وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ\". متفق عليه. [خ: ٢٧٦٦، م: ٨٩].\n٥٣ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ،\nــ\nوبالشعبذة، وتعليمها وأخذ العوض عليها حرام.\nوقوله: (والتولي يوم الزحف) في (القاموس): تولى: أدبر، وعنه: أعرض أو نأى، وزحف إليه كمنع زَحْفًا وزُحُوفًا وزَحَفَانًا: مشى، [والدَّبى: مشى] قُدُمًا، والزحف: الجيش يزحفون إلى العدو، والصبي يزحف قبل أن يمشي (١). وفي (الصراح) (٢): زحف: لشكر رونده سُوئ دشمن ورفتن غثريدن كودك، وفي (مجمع البحار) (٣): هو الجيش الكثير الذي يرى لكثرته كأنه يزحف، من زَحَفَ الصبي: إذا دبّ على استه، وزحفت راحلته، أي: أعيت ووقفت.\nوقوله: (الغافلات) أي: البريئات مما قذفن به.\n٥٣ - [٥] (عنه) قوله: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن) إما نفي الكمال كما فسره البخاري، أو خبر في معنى النهي، أو المراد لا ينبغي له ذلك، أو هو تشديد وتغليظ (٤)، وقد يفهم من رواية ابن عباس توجيه آخر، ويومئ إليه قوله: (حين\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٥٢، ١٢٣٣).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٣٤٩).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٤٢٢).\n(٤) وفي \"التقرير\": رأي الشيخ الوالد: أن التغليظ في الأخبار يؤدي إلى تكذيبه -ﷺ-، والعجب كل العجب من الأكابر يذهبون إلى ذلك، بل أحسن منه أن يقال: إن جزاءه ذلك أو يفضي إلى ذلك.","vol":"1","page":299},{"text":"وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤمن، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ فِيهَا حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ حِين يَغُلُّ وَهُوَ مُؤمِنٌ،\nــ\nيزني)، فافهم.\nوقوله: (ولا يشرب) قيل: هذا وما بعده من القرائن من باب حذف الفاعل، فتدبر.\nوقوله: (نهبة) بفتح النون مصدر، وبالضم: المال الذي ينتهب ويغار، وكلا المعنيين صحيح، لكن الرواية المشهورة هي الضم.\nوقوله: (يرفع الناس إليه) إما أن يكون المراد بالناس هم الذين تنتهب أموالهم، أو غيرهم ممن يرونها ولا يقدرون على المنع والدفع، وهذا على طريق العادة، ولبيان قبحه وشناعته، وهذا في أخذ مال المسلم أو ما في حكمه، ويجوز نهب أموال أهل الحرب.\nوقوله: (ولا يغل أحدكم) في (القاموس) (١): غلّ غلولًا: خان، أو خاص بالفيء، وفي (النهاية) (٢): الغلول: الخيانة في المغنم، والسرقة من الغنيمة قبل القسمة، وكل من خان في شيء خُفية فقد غلّ، وسميت غلولًا لأن الأيدي فيها مغلولة أي: ممنوعة كأنه مجعول فيها غُلٌّ، وهي حديدة تجمع يد الأسير إلى عنقه، ويقال لها جامعة أيضًا، انتهى.\nوالمشهور أن المراد في هذا الحديث هو الخيانة من المغنم، وهو من الكبائر،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٥٧).\n(٢) \"النهاية\" (٣/ ٣٨٠).","vol":"1","page":300},{"text":"فَإيَّاكُمْ إيَّاكُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٧٥، م: ٥٧].\n٥٤ - [٦] وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"وَلَا يَقْتُلُ حِينَ يَقْتُلُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ\". قَالَ عِكْرِمَةُ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ يُنْزَعُ الإِيْمَانُ مِنْهُ؟ قَالَ: هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ثُمَّ أَخْرَجَهَا، فَإِنْ تَابَ عَادَ إِلَيْهِ هَكَذَا، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: لَا يَكُونُ هَذَا مُؤْمِنًا تَامًّا، وَلَا يَكُونُ لَهُ نُورُ الإِيْمَان. هَذَا لَفْظُ البُخَارِيِّ. [خ: ٦٨٠٩].\n٥٥ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ\". . . . .\nــ\nوقد سبق في الحديث: (لا إيمان لمن لا أمانة له) (١)، والأمانة ضد الخيانة مطلقًا، فتدبر.\nوقوله: (فإياكم إياكم) من باب التحذير، والتكرير للتأكيد المناسب للتحذير، ولا يذهب عليك أنه يحتمل أن يكون من القسم الأول للتحذير، أي: إياكم من هذه الذنوب، ويحتمل أن يكون من القسم الأخير، أي: اتقوا أنفسكم وشرورها.\n٥٤ - [٦] (ابن عباس) قوله: (فإن تاب عاد إليه) ظاهره يدل على أن عود الإيمان إنما يكون بعد التوبة، ويمكن أن يكون المراد من التوبة الرجوع والخروج عن ذلك العمل على المعنى اللغوي كما يأتي في الفصل الثاني من حديث أبي هريرة -﵁-[برقم: ٦٠].\n٥٥ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (آية المنافق ثلاث. . . إلخ) (٢) أي: علامته،\n_________\n(١) انظر: الحديث (٣٥).\n(٢) خَصَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ بِالذِّكْرِ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْمُخَالَفَةِ التي هي عليها مبنى النفاق من مخالفة السِّرِّ =","vol":"1","page":301},{"text":"زَادَ مُسْلِمٌ: \"وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ\"، ثُمَّ اتَّفَقَا: \"إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤتُمِنَ خَانَ\". [خ: ٣٣، م: ٥٩].\n٥٦ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ. . . . .\nــ\nولا يلزم من وجود علامة النفاق أن يكون النفاق موجودًا حقيقة، يعني أنها من صفات المنافقين، وهم أحقاء بها، ولا يحق للمؤمن أن يتصف بها؛ لما فيها من مخالفة الظاهر للباطن، ولعلها إن اجتمعت في المؤمن واعتاد بها وأصرّ عليها ودامت فيه واستمرت ورسخت يفضي به إلى حقيقة النفاق، وهو إنذار وتحذير للمؤمن أن يتصف بها كيلا يعتاد، وحث على التجنب والتحرز عنها، وتشديد وتغليظ على من اتصف بشيء من ذلك، وإشارة إلى أن النفاق حقيقي ومجازي كالشرك جلي وخفي.\nوقيل: إن هذا تنبيه وإعلام منه -ﷺ- لأصحابه بأشخاص المنافقين بذكر صفاتهم ليجتنبوا منهم ويتحرزوا عن صحبتهم من غير تعيين بذكر أسمائهم لئلا يفتضحوا بين الناس وينتشر سرهم، وقد يقال في قوله: (وإذا وعد أخلف) أي: وعد على قصد الخلاف مضمرًا في قلبه ذلك حين الوعد، أما إذا وعد عازمًا على الوفاء، ثم لم يحصل الوفاء بعارض فليس من هذا القبيل، وهذا التأويل يمكن إجراؤه في قوله: (إذا أؤتمن خان) كما لا يخفى.\n٥٦ - [٨] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (أربع) الظاهر المتبادر من العبارة أن قوله: (أربع) مبتدأ والشرطية خبره، والحق أن المدار في نكارة المبتدأ على الإفادة كما قال الرضي.\n_________\n= الْعَلَنَ، ومَفْهُومَ الْعَدَدِ لَيْسَ بِمعتبر، كذا في \"التقرير\"، وانظر: \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٢٦).","vol":"1","page":302},{"text":"كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذا خَاصَمَ فَجَرَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤، م: ٥٨].\n٥٧ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَالشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغنمَيْنِ، تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً وَإِلَى هَذِه مرَّة\". رَوَاهُ مُسلم. [م: ٢٧٨٤].\nــ\nوقوله: (كان منافقًا خالصًا) فيه مبالغة في التشديد والتغليظ.\nوقوله: (حتى يدعها) الظاهر في المعنى أن الضمير لخصلة لا للخصال جملتها، وأيضًا لو كان للخصال لكان الظاهر أن يقول: يدعهن.\nوقوله: (إذا عاهد غدر) في (القاموس) (١): العهد: المَوْثِقُ، والغدر ضد الوفاء، فهذا قريب من معنى قوله: (إذا وعد أخلف) وأخص منه.\nوقوله: (وإذا خاصم فجر) (٢) في (القاموس) (٣): الخصومة: الجدل، وفجر: فَسَقَ وكَذَب [وكذَّب]، وعصى وخالف، وفي (الصراح) (٤): ميل كردن ودروغ كَفتن وبي فرماني [نمودن] وتباهي كردن.\n٥٧ - [٩] (ابن عمر) قوله: (كالشاة العائرة) أي: المائلة المترددة لطلب الفحل بين الغنمين، أي: القطيعين لا تدري أيهما تتبع، كذلك المنافق لا إلى هؤلاء\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٨٩).\n(٢) أَيْ: شَتَمَ وَرَمَى بِالأَشْيَاءِ الْقَبِيحَةِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٢٨).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٢٣، ١٠١٧).\n(٤) \"الصراح\" (ص: ٢٠٥).","vol":"1","page":303},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-203> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٨ - [١٠] عَنْ صَفوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: قَالَ يَهُودِيٌّ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: لَا تَقُلْ: نَبِيٌّ، إِنَّهُ لَوْ سَمِعَكَ لَكَانَ لَهُ أَرْبَعُ أَعْيُنٍ، فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَسَأَلَاهُ عَنْ [تِسْعِ] آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ،\nــ\nولا إلى هؤلاء معينًا، في (الصراح) (١): عير بيك كَوشه بيرون شدن ناقه بطلب فحل، وخص العائرة بالذكر؛ لأن المنافق يمشي إلى الطائفتين بشهوة نفسه واستيفائها منهم.\nالفصل الثاني\n٥٨ - [١٠] قوله: (صفوان بن عسال) بفتح العين وتشديد السين المهملتين.\nوقوله: (إلى هذا النبي) أي: الذي يقال: إنه نبي، أو قاله استهزاء يشعر به لفظ (هذا)، أو لأنهم كانوا قائلين بنبوته -ﷺ- إلى الأميين.\nوقوله: (لكان له أربع أعين) قالوا: هذا كناية عن مضاعفة السرور، فإن السرور يمد القوة الباصرة، وسمعت من بعض المشايخ أن المراد عينا القلب وعينا الرأس؛ يعني أنه يفرح ظاهرًا وباطنًا، ويمكن أن يقال: إنه إذا سمع يترقب وينتظر ظهور صدقه وشيوع أمره وكثرة أتباعه من أهل ديننا؛ لأن من ينتظر شيئًا ويترقبه يفتح عينيه في طريق وصوله، فكأنه يصير عيناه أربعًا لكثرة الترقب والانتظار، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فسألاه عن تسع آيات بينات) المتبادر إلى الفهم بالنظر إلى قوله تعالى:\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٢٠١).","vol":"1","page":304},{"text":"وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى ذِي سُلْطَانٍ لِيَقْتُلَهُ، وَلَا تَسْحَرُوا، وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا، وَلَا تَقْذِفُوا مُحْصَنَةً، وَلَا تَوَلَّوا لِلْفِرَارَ يَوْمَ الزَّحْفِ،\nــ\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: ١٠١] وسؤال اليهود أن يكون المراد معجزات ظهرت على يد موسى ﵇ من اليد والعصا والدم وأخواتها (١) على ما ذكرت في التفاسير مع اختلاف فيما ذكروا، فعلى هذا قوله: (لا تشركوا) أحكام ذكرها النبي -ﷺ- لهم بعد ذكر جوابهم، ولم يذكر الراوي الجواب لشهرتها، قالوا: ويجوز أن يراد بالآيات الأحكام العامة للملل الثابتة لكل الشرائح، سميت بالآيات لأنها تدل على حال المكلف بها من السعادة والشقاوة، ثم استأنف بذكر ما يخص اليهود زائدًا على الجواب.\nقال الطيبي (٢): إنه كان عندهم عشر آيات، تسع منها متفق عليها، والعاشر مختص بهم، فسألوا عن التسع وأضمروا العاشر، فلما بينه -ﷺ- قبّلا يديه ورجليه وشهدا بنبوته.\nأقول: بل ذكر هذه الأحكام كلها دليل على نبوته؛ لأنها مذكورة في التوراة، فذكره -ﷺ- إياه إنما يكون بالوحي؛ لعدم قراءته التوراة، فهي في حكم الإخبار بالغيب كما لا يخفى، فافهم، ويحتمل أن يكون الجواب على طريقة الأسلوب الحكيم.\nوقوله: (ببريء) أي: بريء مما يتهم به.\nوقوله: (ولا تولوا) بضم التاء من التولية في أكثر النسخ، وبلام الجر على الفرار،\n_________\n(١) وهي: الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والسنون، ونقص الثمرات. انظر: \"المرقاة\" (١/ ١٢٩).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١/ ١٩٤).","vol":"1","page":305},{"text":"وَعَلَيْكُمْ خَاصَّةً الْيَهُودَ أَنْ لَا تَعْتَدَوا فِي السَّبْتِ\". قَالَ: فَقَبَّلَا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، وَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّكَ نَبِيٌّ،\nــ\nوفي بعضها بفتح التاء من التولي بحذف إحدى التائين ونصب الفرار بدون لام الجر، فالمعنى واحد، قال في (القاموس) (١): وَلّى تولية كتولى: أدبر.\nوقوله: (عليكم خاصة اليهود): (خاصةً) بالتنوين، و(اليهود) بالنصب على الاختصاص، قال التُّورِبِشْتِي: ووجدت في كثير من طرق هذا الحديث (يهود) بغير حرف التعريف، وهو المنادى المفرد المعرفة حذف منه حرف النداء، قال: وذلك أفصح لفظًا، وأحسن معنًى، وقال أيضًا: ولقد أدركت جماعة ممن لا دربة لهم بهذا العلم يتلفظون بقوله: (خاصة اليهود) على صيغة المنادى المضاف، وهم لم يأخذوا العلم من أفواه الرجال، ولم يتفكروا في انحراف المعنى، وذلك لأن الاعتداء في السبت لم يكن مختصًّا بخاصة اليهود دون عامتهم، وليس المعنى كذلك، وإنما المعنى: وفرض عليكم يا يهود وخصّ بكم خاصة أن لا تعتدوا في السبت.\nوفي (كتاب أبي عيسى): وعليكم اليهود خاصة أن لا تعتدوا في السبت، وهذا كلام الشيخ توربشتي يوجب أن يؤخذ هذا العلم عن المشايخ ويتمرن برهة من الزمان في خدمته وتصحيحه عليهم، ولا يكتفى فيه بعلم العربية كما فعله بعض العلماء فأخطؤوا، وأما في زماننا فقد شاع بين الطلبة الاشتغال بهذا العلم الشريف كيف شاؤوا وبما شاؤوا، فضلوا وأضلوا، ومن الأدب أن لا يتكلم فيه أحد ما دام في البلد أعلم منه، عافانا اللَّه من ذلك.\nوقوله: (وقالا: نشهد أنك نبي) أي: نعرفه ونعلمه، ولكن لا نذعن به ولا نؤمن\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٣٣).","vol":"1","page":306},{"text":"قَالَ: \"فَمَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَتَّبِعُونِي؟ \". قَالَ: إِنَّ دَاوُدَ -﵇- دَعَا رَبَّهُ أَنْ لَا يَزَالَ مِنْ ذُرَّيَّتِهِ نَبِيٌّ، وَإِنَّا نَخَافُ إِنْ تَبِعْنَاكَ أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (١) وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٣١٤٤، س: ٤٠٧٨].\n٥٩ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ثَلَاثٌ مِنْ أَصْلِ الإِيْمَانِ: الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، لَا تُكَفِّرْهُ بِذَنْبٍ، وَلَا تُخْرِجْهُ مِنَ الإِسْلَام بِعَمَلٍ، وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُذْ بَعَثَنِي اللَّهُ. . . . .\nــ\nللمانع المذكور، فافهم.\nوقوله: (قالا: إن داود -﵇- دعا ربه) افتروا على داود أنه دعا هذا الدعاء؛ لأن داود -﵇- قرأ في التوراة نعت محمد -ﷺ- وأنه خاتم النبين، وأنه ينسخ به جميع الأديان، فكيف يدعو بخلافه؟\n٥٩ - [١١] (أنس) قوله: (لا تكفره بذنب ولا تخرجه من الإسلام) بيان لعدم التكفير وتأكيد له، والأولى أن الأولى رد على الخوارج، والثانية على المعتزلة القائلين بالواسطة.\nوقوله: (ماض) أي: باق مستمر، وفيه رد على المنافقين الزاعمين أن دولة الإيمان تنقرض بعد أيام.\nقال الطيبي (٢): ولعل محيي السنة أورد هذا الحديث في باب النفاق لهذا المعنى،\n_________\n(١) لم أجده في \"سننه\"، قال الحافظ في \"الدراية\" (٢/ ٢٣٢): رواه الأربعة إلا أبا داود. وقال في \"التلخيص الحبير\" (٤/ ١٧٣): رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ.\nنعم رواه أبو داود الطيالسي في \"مسنده\" (ح: ١٢٦٠).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١/ ١٩٦).","vol":"1","page":307},{"text":"إِلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ الدَّجَّالَ، لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ، وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ، وَالإِيمَانُ بالأقْدَارِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٣٢].\n٦٠ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا زَنَى الْعَبْدُ خَرَجَ مِنْهُ الإِيمَانُ، فَكَانَ فَوْقَ رَأْسِهِ كَالظُّلَّةِ،\nــ\nولا يخفى أن عدم التكفير بالذنب المراد منه الكبيرة أظهر مناسبة لباب الكبائر وبيان حكمها، فلهذا الحديث مناسبة أيضًا بباب الإيمان بالقدر، لكنه اعتبر الجزء الأول منه فأورده في هذا الباب.\nوقوله: (إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال) غاية لشرعية الجهاد؛ لأن بعد قتله وخروج يأجوج ومأجوج بعده وقتالهم لم يبق كافر.\nوقوله: (لا يبطله جور جائر، ولا عدل عادل) يعني يجب إمضاؤه مع إمام عادل محب وظالم، فلا يجوز تركه وإن كان ظالمًا، والمراد استواء الحالتين وعدم إبطال الجور، وأيضًا العدول قد يتوهم إبطال الجهاد لوجود الأمن، وعدم الفساد حتى يحتاج به إلى الجهاد، فقال: يجب إقامة الجهاد في الحالتين، كذا قيل، فافهم.\n٦٠ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (خرج منه الإيمان) هذا أيضًا تغليظ وتشديد كالحكم بسلبه عنه في الحديث الآخر، ومع ذلك فيه إشارة إلى أنه وإن خالف حكم الإيمان فإنه تحت ظله لا يزول عنه حكمه، وتأويل الإيمان بالحياء لا يوافق سياق الحديث.\nوقوله: (كالظلة) بالضم: كل ما أظلك، وفي (القاموس) (١): الظل بالضم:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٤٦).","vol":"1","page":308},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأول سحابة تظل، وفي (مجمع البحار) (١): وهي ما بقي من الشمس؛ كسحاب أو سقف أو بيت أو غيرها، والظلة صورة الإيمان تمثل بها.\nقال السيوطي في رسالته المسماة بـ (المعاني الدقيقة في إدراك الحقيقة): التحقيق أن جميع المعاني المعقولة في هيئة الأجسام المشخصة، والأحاديث النبوية ناطقة به وشاهدة له، وذكر أن المنام من ذلك، فإن الرائي في منامه يرى أجسامًا فتؤول بأعراض، فتلك الأجسام المرئية هي صورة لتلك الأعراض المعبر عنها في عالم الملكوت.\nثم سرد الأحاديث في الإيمان، منها هذا الحديث الناطق بكونه في صورة ظلة، وقال: فحمله على الاستعارة من جملة التأويلات البعيدة التي حكمها الرد، وفي السكينة مثل الضبابة أو مثل الغمامة، وفي الصلاة: (أنها تخرج بيضاء مسفرة تقول للعبد: حفظك اللَّه كما حفظتني) (٢)، وكذا في الصيام والإسلام وسائر الأعمال الحسنة والسيئة، وفي الرحم تقوم عند اللَّه وتقول: (هذا مقام العائذ بك من القطيعة) (٣)، وفي الأذكار والدعوات قال اللَّه تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، والصعود والرفع من صفات الأجسام.\nوأخرج الترمذي (٤) وحسنه عن ابن عمرو -﵂- عن النبي -ﷺ- قال: (لا إله إلا اللَّه ليس لها دون اللَّه حجاب حتى تخلص إليه)، وأمثال هذا كثيرة.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٤٩٧).\n(٢) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٣٠٩٥)، والبيهقي في \"الشعب\" (٣١٤٠).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٨٣)، ومسلم (٢٥٥٤).\n(٤) \"سنن الترمذي\" (٣٥١٨)، وقال: وليس إسناده بالقوي.","vol":"1","page":309},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوفي اللعنة (أنها إذا وجهت إلى من وجهت، فإن أصابت إليه سبيلًا أو وجدت فيه مسلكًا وإلا قالت: يا رب وُجِّهْتُ إلى فلان فلم أجد فيه مسلكا ولم أجد عليه سبيلًا فيقال لها: ارجعي من حيث جئت) (١).\nوفي المعروف والمنكر ينصبان للناس يوم القيامة، وفي الأيام والليالي، وفي الدنيا أن النبي -ﷺ- قال: (أتتني الدنيا خضرة حلوة، ورفعت رأسَها (٢)، وتزينت لي فقلت: إني لا أريدك، فقالت: إن انفلتَّ مني لم ينفلت مني غيرك) (٣)، وفي حديث آخر: يؤتى بالدنيا يوم القيامة في صورة عجوز شمطاء زرقاء أنيابها) (٤) الحديث، وورد (أنه تحشر الأيام على هيئاتها، وتحشر الجمعة زهراء منيرة أهلها، يحفون بها كالعروس، تضيء لهم يمشون في ضوئها) (٥)، وقال رسول اللَّه -ﷺ-: (أتاني جبرئيل وفي يده مرآة بيضاء، وفيها نكتة سوداء) (٦) الحديث، وأمثال هذا كثير.\nوفي الموت: (يؤتى في صورة كبش فيذبح) (٧)، وقد ورد (أن العبد إذا قال: لا إله إلا اللَّه خرج من فيه طائر أبيض يرفرف تحت العرش) الحديث.\n_________\n(١) أخرجه أحمد (١/ ٤٠٨).\n(٢) في المخطوطة: \"رفعت لي رأيتها\"، وهو تحريف.\n(٣) أخرجه أحمد في \"الزهد\" (٢٣٩٩).\n(٤) أخرجه البيهقي في \"الشعب\" (١٠٦٧١)، وابن الأعرابي في \"الزهد\" (٦٩).\n(٥) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (١٧٣٠)، والحاكم في \"المستدرك\" (١٠٢٧)، والطبراني في \"مسند الشاميين\" (١٥٥٧).\n(٦) أخرجه الدارمي في \"الرد على الجهمية\" (٧٦) وفيه: \"كهيئة المرآة البيضاء\".\n(٧) أخرجه النسائي في \"الكبرى\" (١١٣١٧)، والطبراني في \"الكبير\" (١٣٣٤٦).","vol":"1","page":310},{"text":"فَإِذَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ رَجَعَ إِلَيْهِ الإيمَانُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبَو دَاوُدَ. [ت: ٢٦٢٥، د: ٤٦٩٠].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-204> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٦١ - [١٣] عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: أَوْصَانِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِعَشْرِ كَلِمَاتٍ، قَالَ: \"لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا وَإِنْ قُتِلْتَ وَحُرِّقْتَ، وَلَا تَعُقَّنَّ وَالِدَيْكَ وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ، وَلَا تَتْرُكَنَّ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا،\nــ\nوقال: وأخبرني فقير كان به سُعلة فسأل اللَّه تعالى يريه تلك السعلة، قال: فكنت أراها مثل الجرادة تأتي إلي وتعرض بين كتفي وأنا أنظر إليها حتى تنتهي الرئة، فأسعل عند ذلك، فإذا خرجت أنظر إليها حين تخرج وتطير، فيسكن عني السعال، انتهى.\nوقوله: (فإذا خرج) أي: فرغ منه.\nالفصل الثالث\n٦١ - [١٣] (معاذ) قوله: (وإن قتلت وحرقت) بلفظ المجهول فيهما وتشديد الثاني أي: عرضت لها، فإنه بعد وقوع القتل والتحريق لا معنى للنهي لعدم تصور الإشراك بعد وقوعهما، حمله على اختيار العزيمة لعلو قدره وارتفاع مقامه، وإلا ففي التلفظ بكلمة الكفر مع اطمئنان القلب بالإيمان رخصة في الشرع، ولذلك قال لعمار ابن ياسر -﵁-: وإن يعودوا فعد، ويمكن أن المراد لا تعتقد الشرك لخوف القتل والإحراق، ولا ينبغي أن يتطرق الشك في الإيمان إلى قلبك بعارض الخوف، لكنه بعيد كما لا يخفى.\nوقوله: (وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك) قالوا: هذا شرط للمبالغة وليس بواجب.","vol":"1","page":311},{"text":"فَإِنَّ مَن تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ، وَلَا تَشْرَبَنَّ خَمْرًا؛ فَإِنَّهُ رَأَسُ كُلِّ فَاحِشَةٍ، وَإِيَّاكَ وَالْمَعْصيَةَ؛ فَإِنَّ بِالْمَعْصِيَةِ حَلَّ سَخَطُ اللَّهِ، وَإِيَّاكَ وَالْفِرَارَ مِنَ الزَّحْفِ وَإِنْ هَلَكَ النَّاسُ، وَإِذا أصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ وَأَنت فيهم فَاثْبتْ،\nــ\nوقوله: (وإياك والمعصية) وإن كانت صغيرة.\nوقوله: (فإن بالمعصية) اسم (إن) ضمير الشأن محذوف، وحكم النحاة بضعف حذفه مع (إن) المكسورة مردود؛ لوقوعه في الأحاديث.\nوقوله: (فإذا أصاب الناس موت) أي: طاعون ووباء، (فاثبت) الأصل أن الطاعون إذا دخل في بلد لا يجوز الخروج عنه، وإذا كان خارجًا لا يجوز الدخول فيه، أما الدخول فيه فلأنه تعرّض للبلاء، وإلقاء للنفس في التهلكة، وهو منهي عنه في الشرع، ومخالف لمقتضى العقل.\nوأما الخروج عنه فلأن الطاعون والوباء يكون في الغالب عامًّا وشاملًا لعامة أهل البلد، فإذا وقع علم أنه سرت في نفوسهم عامة فلم يفد الخروج؛ لأنه إذا صار وجود المفسدة والعلة تيقنًا والانفكاك عنه غير متوقع؛ كان الاحتراز والفرار عنه عبثًا؛ ولأنهم إذا توافقوا على الخروج ضاع الذين عجزوا عن الخروج بالمرض المذكور أو بغيره، ويفقد من يتعهد ويتفقد أحوالهم في الحياة وبعد الممات، وأيضًا فيه كسر قلوب الضعفاء، وهذا هو الحكمة في ورود الوعيد على الفرار من الزحف.\nهذا، وفي ذكر الثبوت عند إصابة الناس الموت مع التبعيد عن الفرار يوم الزحف إشارة إلى أنه في حكمه، وقد وقع ذلك صريحًا في حديث روته عائشة -﵂- أن الفرار عن الطاعون كالفرار عن الزحف، ويستلزم كونه كبيرة.","vol":"1","page":312},{"text":"وَأنْفِقْ عَلَى عِيَالِكَ مِنْ طَوْلِكَ، وَلَا تَرْفَعْ عَنْهُمْ عَصَاكَ أَدَبًا وَأَخِفْهُمْ فِي اللَّهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٣٨].\n٦٢ - [١٤] وَعَن حُذَيْفَةَ قَالَ: إِنَّمَا النِّفَاقُ كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَإِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ أَوِ الإِيمَانُ. رَوَاهُ البُخارِيُّ. [خ: ٧١١٤].\n* * *\nــ\nوقد يقال. إن في النهي عن الخروج إشارة من الشارع إلى علاج هذا المرض، وذلك أن الأطباء منعوا صاحب هذه العلة من الرياضة والحركة، وأوصوا بالدعة والسكون حتى يسلم من هيجان الأخلاط، ولا شك أن الخروج من أرض الوباء والسفر إلى أرض أخرى لا يحصل غالبًا إلا بحركة عنيفة، وضرره ظاهر، ففي النهي عنه جمع بين العلاج الجسماني والعلاج الروحاني الذي يحصل من التوكل والصبر والرضاء، وقد ذكرنا حقيقة الطاعون والوباء والفرق بينهما طِبًّا وشرعًا في (شرح سفر السعادة) فعليك به، وسنذكر تتمة هذا البحث في الفصل الثاني من باب الفأل والطيرة في حديث (١) (إن من القرف التلف) إن شاء اللَّه تعالى.\nوقوله: (من طولك) الطول بالفتح: الفضل والقدرة، والغنى والسعة.\nوقوله: (أدبًا) مفعول له لما يتضمنه (لا ترفع عصاك) من معنى الضرب.\n٦٢ - [١٤] (حذيفة) قوله: (إنما النفاق) أي حكمه بعدم التعرض لأهله والستر عليهم كان على عهد رسول اللَّه -ﷺ- لمصالح كانت مقتصرة على ذلك الزمان، أما اليوم فلم تبق تلك المصالح، فنحن إن علمنا أنه كافر سرًّا قتلناه حتى يؤمن.\n_________\n(١) وهي تحت الحديث (٤٥٩٠) عن يحيى بن عبد اللَّه بن بحير.","vol":"1","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>٢ - باب الوسوسة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-206> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٦٣ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا. . . . .\nــ\n٢ - بَابُ الوَسْوَسَةِ\nالوسوسة في الأصل بمعنى الصوت الخفي، يقال: وسوس الحلي: إذا تحرك، ويطلق على كلام مختلط غير مبين، يقال: وسوس: إذا اختلط كلامه وتكلم بكلام لم يبينه، وفي الشرع: حديث النفس والشيطان من الأفكار الفاسدة والخواطر الرديئة الداعية إلى المعاصي، وما يدعو إلى الطاعات إلهامٌ، ويقال: الوسواس بالفتح والكسر، وقيل: بالفتح الاسم وبالكسر المصدر، والوسواس اسم للشيطان أيضًا، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ﴾ [الناس: ٤].\nالفصل الأول\n٦٣ - [١] (أبو هريرة) قوله: (ما وسوست به صدورها) يروى بالرفع وهو الأظهر؛ لأن وسوس لازم، ويراد بصدورها أنفسها، ويروى بالنصب، ووسوست بمعنى حدثت، والضمير للأمة، كما جاء في الرواية الأخرى: (ما حدثت به أنفسها)، ويجوز فيها الرفع أيضًا، لكن النصب يؤيده ما جاء في أحاديث أخر: (إن أحدنا يحدث نفسه)، و(إني أحدث نفسي)، وظاهر الحديث أن العبد لا يؤاخذ ما لم يعمل، وإن همّ بمعصية ومحزم عليها، وإليه ذهب بعض العلماء أخذًا بظاهر الحديث، والصواب الذي عليه أكثر الفقهاء والمحدثين أنه يؤاخذ على العزم دون الهم، وتحقيقه أن ما وقع في القلب بغتة من غير اختيار سمّاه بعضهم الهاجس فهو معفو عن جميع الأمم لعدم","vol":"1","page":314},{"text":"مَا لم تعْمل بِهِ أَو تَتَكَلَّم\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٢٨، ٦٦٦٤، م: ١٢٧].\n٦٤ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: جَاءَ ناسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَسَأَلُوهُ: إِنَّا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا. . . . .\nــ\nالاختيار فيه، ثم إذا استمرّ وجال في الصدر يسمّى الخاطر فهو معفو عن هذه الأمة فضلًا من اللَّه وتكريمًا لنبيهم -ﷺ-، وهو في حكم السهو والنسيان اللذين رفعا عن هذه الأمة.\nثم إذا همّ بالمعصية في قلبه بالمحبة والتلذذ كما يقصد الوصول إلى امرأة يحبها، فهذا أيضًا مرفوع، ولا يكتب ما لم يعمل، بل تكتب حسنة إذا همّ وكفّ نفسه عن العمل، وقد وردت فيه أحاديث متعددة.\nوههنا قسم آخر، وهو العزم، وهو توطين النفس على المعصية، وعقد القلب بها، والتهالك عليها بحيث لا يمنعه عنها إلا عدم تهيؤ الأسباب من خارج، وليس في نفسه مانع وكراهة ونفرة منها، ويؤاخذ عليه؛ لأنه من أعمال القلب، والعبد مؤاخذ عليها، ومن هذا القبيل العقائد الفاسدة ومساوئ الأخلاق، والهم الذي ذكرنا سابق عليه، وليس المراد به القصد الذي يقع به الفعل ويقارنه، وقد يذكر بمعنى العزم، ويقال بالمؤاخذة، لكن العبرة للمعنى.\nوينبغي أن يعلم أن عزم الزنا ليس في حكم حقيقة الزنا، والمؤاخذة عليه مؤاخذة الزنا، بل هو معصية في نفسه أدنى من الزنا، وبهذا التحقيق ينحل كثير من الإشكالات، ويحصل به التطبيق في الأحاديث والآيات، فتدبر.\nوقوله: (ما لم تعمل) في الأفعال، (أو تتكلم) في الأقوال.\n٦٤ - [٢] (عنه) قوله: (إنا نجد) بكسر الهمزة وفتحها.","vol":"1","page":315},{"text":"مَا يَتَعَاظَمُ أَحَدُنَا أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، قَالَ: \"أَوَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟ \" قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: \"ذَاك صَرِيحُ الإِيْمَان\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٤].\n٦٥ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ. . . .\nــ\nوقوله: (ما يتعاظم) صيغة التفاعل للمبالغة، أي: يجد أحدنا التكلم به في غاية العظم لاعتقاد القلب بنقيضه يقينًا.\nو(أحدنا) مرفوع، وقال الطيبي (١): ويجوز النصب، أي: يعظم [ويشق التكلم به] على أحدنا، كأنه يريد نصبه على الحذف والإيصال، ولا يخفى بُعده، ثم لا يدرى أن قوله: (ويجوز النصب) ما معناه؟ إما بالرواية أو بمجرد احتمال العربية، فلا يجدي الثاني نفعًا، فهلا يقول: يروى بالنصب؟ واللَّه أعلم.\nوقوله: (أوقد وجدتموه) مثل هذه العبارة في القرآن والأحاديث كثيرة، وإعرابها أن الهمزة للاستفهام والواو للعطف على مقدر من فعل عام، أي: حصل أو وجد ذلك، وقد وجدتموه، وفيه تكرير وتأكيد.\nوقوله: (ذاك) إشارة إلى التعاظم أو وجدانكم إياه عظيمًا (صريح الإيمان)، لأن التعاظم إنما يكون لاعتقاد بطلانه، ولخوف اللَّه وخشيته وتعظيمه، وكله من الإيمان.\n٦٥ - [٣] (عنه) قوله: (فيقول) وهذا القول وأمثاله هو الذي أجمله في الحديث السابق بقوله: (ما يتعاظم أحدنا).\nوقوله: (فإذا بلغه) أي: بلغ الشيطان هذا القول، وهو: مَنْ خَلَقَ ربك،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٠١).","vol":"1","page":316},{"text":"فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٧٦، م: ١٣٢].\n٦٦ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ. . . .\nــ\n(فليستعذ باللَّه ولينته) بالقيام وتغير الحالة؛ فإنه مؤثر في دفع ما فيه الرجل كما في حالة الغضب ونحوها، وإنما أمر بالاستعاذة والانتهاء لأن في محاجة الشيطان والمناظرة معه فتح باب الوساوس وزيادتها، ولعله يغلب بالشبه والمغالطات، ولم يقدر أحدكم على دفعه، ولا سبيل إلا الاستعاذة باللَّه تعالى، والطلب منه تعالى أن يدفع شره بالتمسك باسمه الهادي، وقد أمر في القرآن المجيد بالاستعاذة من شر الوسواس، والاشتغال بالرياضة، وتزكية النفس، وتصفية القلب أعلى أقسام الاستعاذة.\nواعلم أن الخلاص من اللعين الرجيم لا يحصل إلا بالإعراض عنه، وترك الجدال والتقاول به وإن جاء بصورة النصيحة والإنصاف، فإن كيده مستتر فيه، قالوا: قد جاء الشيطان في صلاة بعض المشايخ وقال: لم تصل هذه الصلاة التي صليتها كما ينبغي فأعدها، قال: لا أعيد، صليت كما تيسر لي وأعتذر إلى ربي سبحانه من التقصير، فألحّ في ذلك، وقال: إني لك لمن الناصحين، هذه عبادة ومقامك عند اللَّه رفيع، فلا تواجهه بمثل هذه الصلاة، قال: لا أعيد وأرضى بنزول مقامي، قال: فإن اللَّه لا يقبل منك مثل هذا العمل، قال: ربي كريم يقبل مني ولا يتأتى مني أكثر من هذا، فانخذل العدو ومضى، والحمد للَّه.\n٦٦ - [٤] (عنه) قوله: (لا يزال الناس يتساءلون) الظاهر من العبارة أن التساؤل يجري بين الناس بعضهم مع بعض ولا بعد، فقد يتفق السؤال إلى أن يبلغ إلى هذا القول، ويشهد بذلك حديث مسلم (١): (لا يزال الناس يسألونكم عن العلم\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (١٣٥).","vol":"1","page":317},{"text":"حَتَّى يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ: . . . .\nــ\nحتى يقولوا: هذا اللَّه خلقنا فمن خلق اللَّه؟) وحديث: (لا يزال الناس يسألونك يا أبا هريرة حتى يقولوا: هذا اللَّه خلقنا فمن خلق اللَّه؟) وحديث البخاري: (إن أمتك لا يزالون يقولون: ما كذا ما كذا حتى يقولوا: هذا اللَّه خلق الخلق فمن خلق اللَّه؟) (١).\nوالظاهر أن المجادلين من أهل الكلام المتوغلين فيها غير المتحاشين من إطلاق مثل هذه الألفاظ في مباحثاتهم من غير مبالاة بما يتفوهون داخلون في هذا الوعيد، وعلى هذا ليس هذا من قبيل الوسوسة، ويحتمل أن يكون المراد التساؤل بين الناس وأنفسهم والشياطين، وعلى هذا هو من باب الوسوسة.\nنعم وقوعه بينهم وبين النفس والشيطان أكثر.\nوقوله: (حتى يقال: هذا خلق اللَّه الخلق فمق خلق اللَّه؟) في هذه العبارة وجوه أظهرها وأقلها تكلفًا أن يكون المعنى حتى يقال هذا القول، وهو خلق اللَّه. . . إلخ، ويحتمل أن يكون التقدير: هذا قد علم، أو علم هذا، ويكون هذا إشارة إلى ما جرى من الكلام بينهم بالتساؤل كما يقع في عبارات المصنفين هذا، أي: علم هذا ومعنى هذا، وهذان الوجهان ذكرهما التُّورِبِشْتِي، وزاد الطيبي (٢) وجهًا آخر، وهو أن التقدير: هذا مقرر، و(خلق اللَّه) بيان له، ووجهًا آخر، وهو أن يقدر: هذا القول مقرر، فوضع (خلق اللَّه الخلق) موضع القول، وهو بعيد، فإن هذا إنما يوصف بالمعرف باللام\n_________\n(١) لم أجده في \"صحيح البخاري\"، بل أخرجه مسلم (١٣٦).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٠٣).","vol":"1","page":318},{"text":"آمَنتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ عن أنس: ٧٢٩٦، م: ١٣٤].\nــ\nلا بما وضع موضعه، هذا وقد جاء في رواية مسلم عن أنس، وفي رواية البخاري عن أبي هريرة -كما يأتي في الفصل الثالث (١) -: (هذا اللَّه خلق الخلق)، وهو يحتمل سوى الوجوه المذكورة أن يكون (هذا اللَّه) مبتدأ وخبرًا، أو (هذا) مبتدأ، و(اللَّه) عطف بيان، و(خلق الخلق) خبره.\nواعلم أن قوله: (فمن خلق اللَّه) بعد قوله: (خلق اللَّه الخلق) ظاهر الفساد، إذ لم يبق شيء يوصف بالخلقة إلا دخل تحت قوله: (خلق اللَّه الخلق)، فإذا ادّعى قسمًا آخر خارجًا عن تلك الجملة فقد ناقض بأخر كلامه أوله، وكان المقصود التشكيك في انتهاء سلسلة الوجود إلى الواجب تعالى وتقدس، والذهول والإذهال عنه، وطريقة أهل العقل في ذلك التمسك والتعلق بالدليل والبرهان، ولكن قضية جناب الرسالة عن ذلك الاستعاذة والالتجاء باللَّه تعالى والإيمان به، فافهم.\nوقوله: (آمنت باللَّه ورسله) إن كان ذلك القول صادرًا عن اعتقاد وسؤالًا عن خالقه تعالى وتقدس مع تسليم كونه مخلوقًا كما هو الظاهر من عبارة (من خلق اللَّه) فهو كفر، وهذا القول توبة ورجوع عن ذلك، وإن كان بطريق الوسوسة أو البحث والمجادلة خصوصًا إذا كان التساؤل بين النفس والشيطان على ما قاله الطيبي (٢) لم يكن كفرًا، فقوله: (آمنت) في المعنى استعاذة وانتهاء، فاقتصار الطيبي في تعليل قوله: (فليقل آمنت باللَّه) على أنه كفر يجب تداركه بكلمة الإيمان لا يخلو عن شيء، فليتأمل.\n_________\n(١) انظر: الحديث (٧٥ - ٧٦).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٠٣).","vol":"1","page":319},{"text":"٦٧ - [٥] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجنِّ وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ\". قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"وَإِيَّايَ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ،\nــ\n٦٧ - [٥] (ابن مسعود) قوله: (وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة) أي: بكل أحد من بني آدم مصاحب من الملك ومصاحب من الشيطان، وهو القرين، فقرينه من الملائكة يأمره بالخير، وقرينه من الشيطان يأمر بالشر، وقد ورد في بعض الروايات أنه لا يولد لبني آدم ولد إلا يولد لإبليس مثله ويوكل به، كذا في الحواشي نقلًا عن بعض الشروح.\nوقوله: (وقرينه من الملائكة) ليس في (المصابيح) ولا في نسخ من (صحيح مسلم)، وقال الطيبي (١): ولكن ذكره الحميدي والصغاني في (المشارق) عن مسلم.\nوقوله: (قالوا: وإياك) أي: وإياك يعني أيضًا داخلًا في هذا العموم، وفي رواية: (قيل: وأنت، قال: وأنا)، هكذا ذكر لفظ الحديث في (مشارق الأنوار) للقاضي عياض.\nوقوله: (فأسلم) قال التُّورِبِشْتِي: يووى مفتوحة الميم على بناء الماضي من الإسلام، ومضمومة الميم على بناء المضارع من السلامة، ومن أهل العلم من يختار الرواية بضم الميم، ويقول: القرين من الجن إنما هو الشيطان، والشيطان هو المصر على العتو والتمرد، والمطبوع على الكفر فأنّى يتصور منه الإسلام؟\nقلت: وإذا صحت الرواية فلا عبرة بهذا التعليل، ولا يستبعد من فضل اللَّه\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٠٥).","vol":"1","page":320},{"text":"فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْرٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨١٤].\n٦٨ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٣٨، م: ٢١٧٥].\nــ\nورحمته أن يختص حبيبه -ﷺ- بهذه الكرامة، على أن قوله -ﷺ-: (فلا يأمرني إلا بخير) يحكم عليه بخلاف ما ذهب إليه، مع أن قوله: (فأسلم) بفتح الميم يحتمل أن يكون بمعنى أذعن، انتهى.\nوقد يتعقب دلالة قوله: (فلا يأمرني إلا بخير) على الإسلام بحديث أبي هريرة في توكيله -ﷺ- بحفظ زكاة رمضان وتعليم الشيطان إياه آية الكرسي إذا أوى إلى فراشه، وقوله -ﷺ-: (صدقك وهو كذوب)؛ لأنه يدل على تعليم الكافر الخير، اللهم إلا أن يراد العموم، فافهم.\nنعم توجيه رواية الفتح بكونه بمعنى أذعن واستسلم صحيح، يدل عليه حديث تفلّت الشيطان وقطع الصلاة عليه -ﷺ-، وقوله -ﷺ-: (فأمكنني اللَّه منه، فأخذته فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد)، وقد جاء في رواية: (فاستسلم)، قال القاضي عياض: وقد روي في غير هذه الأمهات (فاستسلم)، وقال صاحب (النهاية) (١): ويشهد لكونه من الإسلام حديث: (كان شيطان آدم كافرًا وشيطاني مسلمًا)، وهذا هو المختار، فليس ببعيد أن يخص اللَّه سبحانه نبيه -ﷺ- بهذا الفضل والكرامة كما لا يخفى.\n٤٦٨ - [٦] (أنس) قوله: (إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم):\n_________\n(١) (٢/ ٣٩٥).","vol":"1","page":321},{"text":"٦٩ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلَّا يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ، غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٣١، م: ٢٣٦٦].\nــ\n(مجرى) إما مصدر أو اسم، وعلى التقديرين يمكن إجراء الكلام على جريان الشيطان نفسه في بدن الآدمي لكونه من الأجرام اللطيفة، أو على جريان وساوسه فيه، والمقصود تمكنه من إغواء الإنسان تمكنًا تامًا، وتخصيص الطيبي (١) جواز الاحتمال الأول بالثاني تحكم، فتأمل.\n٦٩ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (إلا يمسه) المس: اللمس باليد، من سمع ونصر، والأول أفصح.\nوقوله: (فيستهل) في (الصحاح) (٢): استهل الصبي، أي: صاح عند الولادة، وأَهَلَّ المُعْتَمِرُ: إذا رفع صوته في التلبية، وفي (القاموس) (٣): استهل الصبي: رفع صوته وخفضه، وفي (النهاية) (٤): استهلال الصبي تصويته عند ولادته، و(الصراخ) بضم الصاد: الصوت أو شديده.\nأخبره النبي -ﷺ- بأن الشيطان يمس كل مولود ويصييه بما يؤذيه ويؤلمه، ويتعرض له بما لم يعهد من الآلام، وهذا الإيلام هو المراد من النزغ المذكور في الحديث الآتي، ونزغه: طعنه، وبينهم: أفسد وأغوى ووسوس.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٠٥).\n(٢) \"الصحاح\" (٢/ ٢٥٥).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٩٠).\n(٤) \"النهاية\" (٥/ ٢١٧).","vol":"1","page":322},{"text":"٧٠ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"صِيَاحُ الْمَوْلُودِ حِينَ يَقَعُ نَزْغَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٤٨ بمعناه، م: ٢٣٦٧].\nــ\n٧٠ - [٨] (عنه)، وفي (النهاية) (١): (صياح المولود حين يقع نزغة من الشيطان) أي: نخسة وطعنة، وقال التُّورِبِشْتِي: نزغه ونسفه: إذا نخسه بعود، وصوت الصبي وصراخه في تلك الحالة من ذلك الإيلام والإصابة، وقال: النزغ هو الدخول في أمر لإفساده، والشيطان إنما يبتغي بلمسه إفساد ما ولد المولود عليه من الفطرة، واستثنى -ﷺ- من ذلك مريم وابنها، وذلك لإجابة دعاء امرأة عمران أم مريم ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]، قالوا: وتفرد عيسى وأمه بذلك لا يدل على فضلهما على نبينا؛ إذ له -ﷺ- فضائل وكرامات لم يكن لأحد من النبيين، ولا يلزم أن يكون في الفاضل جميع صفات المفضول.\nقال العبد الضعيف صانه عما شانه: الظاهر أن نبينا -ﷺ- مستثنى من هذا العموم، وأنه يخبر عن عامة أحوال بني آدم سوى نفسه الكريمة المقدسة، إذ شأنه أرفع وأعلى من أن يدخل في مثل هذا الحكم، إذ هو الطاهر المطهر من كل دنس، والمعصوم من آفات الشيطان وإفساده خصوصًا في أول خلقه وحين ولادته كما خصوه في أمثال هذا؛ كإلباس إبراهيم -﵇- أَوّلًا بعد البعث ونحوه. نعم يمكن أن يكون جريان السنة الإلهية في مس الشيطان وقت الولادة كعموم ورود الأنبياء جهنم تحلة للقسم من غير وصول أثر هذا المس والنزغ إليهم وتضررهم به كما في ورود جهنم، وقد خصه بعض العلماء على ما روي عن ابن عباس -﵄- من ذلك الورود أيضًا، وقد قيل: إن المتكلم قد لا يدخل في عموم ما يخبر به الناس، واللَّه أعلم (٢).\n_________\n(١) \"النهاية\" (٥/ ٤٢).\n(٢) قوله: \"إن المتكلم قد لا يدخل. . . إلخ\" كذا في (ض)، وفي (ب) بدله: إن المتكلم =","vol":"1","page":323},{"text":"٧١ - [٩] وَعَن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى المَاءِ، ثُمَّ يبْعَثُ سَرَاياهُ يَفْتِنُونَ النَّاسَ، فَأَدْناهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: . . . .\nــ\n٧١ - [٩] (جابر) قوله: (يضع عرشه على الماء) العرش: سرير الملك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: ٢٣]، ووضعه إن كان على سطح الماء فإمساك اللَّه تعالى إياه من قبيل الاستدراج، وإن كان على شاطئ البحر فلا إشكال، ولا ضرورة في حمله على الكناية عن الاستيلاء والتملك كما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] للضرورة هناك.\nوقوله: (ثم يبعث سراياه) وهي جنوده، جمع سرية بفتح السين وكسر الراء وتشديد الياء: طائفة من الجيش تبعث على العدو.\nقال في (القاموس) (١): هي من خمسة أنفس إلى ثلاث مئة أو أربع مئة.\nوقوله: (فأدناهم) أي: أقربهم، في (القاموس) (٢): دَناه دُنُوًّا، ودَنَّاه تَدْنِيَةً، وأَدْنَاه: قَرَّبَه، واستدناه: طلب منه الدنو.\nوقوله: (أعظمهم فتنة) في (القاموس) (٣): الفتنة بالكسر: الخبرة، والضلال، والإثم، والكفر، والفضيحة، والعذاب، وإذابة الذهب والفضة، والإضلال، والجنون،\n_________\n= يكون خارجًا ومستثنى من الحكم بحكم المجاورة، واللَّه أعلم.\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٢٥).","vol":"1","page":324},{"text":"مَا تَرَكَتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ،\nــ\nوالمحنة، والمال، والأولاد، واختلاف الناس في الآراء، وفَتَنَه يفتنه: أَوْقَعَه في الفتنة، كَفتَّنَهُ وأَفْتَنَهُ فهو مُفْتَّنٌ ومَفْتُونٌ، ووقع فيها، لازمٌ ومتعدٌ، كافتتن فيهما، وإلى النساء، أراد الفجور بهن.\nوفي (مجمع البحار) (١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البروج: ١٠] حرقوهم، من فتنت الفضة بالنار ليتميز رديئها من جيدها، ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ [المائدة: ٤١] اختباره أو كفره ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦]، أي: الفتون، أي: الجنون، أو الباء زائدة ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ [الصافات: ١٦٢]، أي: على اللَّه بمضلين، وإنكم تفتنون في القبور، أي بمسألة منكر ونكير، من الفتنة وهو الامتحان، وأصل الفتنة الامتحان، ثم كثر حتى استعمل بمعنى الإثم والكفر، والقتال والإحراق، والإزالة والصرف عن الشيء.\nوقوله: (حتى فرقت بينه وبين امرأته) قال التُّورِبِشْتِي: أما استبشار الشيطان بمن فرق بين الرجل وامرأته، واستحسانه لذلك؛ فلأن الملعون حل عقدة عقدها الشرع، وترك الزوجين بمضيعة من تحصين الدين، وذلك عنده من جلائل الأمور، وعظائم الشؤون، انتهى.\nوالظاهر من كلامه أن غرض اللعين إيقاع بني آدم في الذنوب والمعاصي حتى يعذبوا ويهلكوا، وذلك من عداوته لهم، ولكن لا خصوصية لذلك بالزوجين، فلذلك قال الطيبي (٢): يريد حل ما يعقده الشرع ليستبيح ما حرمه، فيكثر الزنا وأولاد الزنا، فيفسدوا في الأرض ويتعدوا حدود اللَّه، ومن ثم ورد عن النبي -ﷺ-: (لا يدخل الجنة ولد زنية)، انتهى.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٩٩).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٠٨).","vol":"1","page":325},{"text":"وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ\"، قَالَ الأَعْمَشُ: أرَاهُ قَالَ: \"فَيَلْتَزِمْهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨١٣].\n٧٢ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ. . . .\nــ\nأقول: قد تكلم الحفاظ في ثبوت هذا الحديث، قال ابن طاهر وابن الجوزي (١): إنه موضوع، وقال الشيخ مجد الدين في (سفر السعادة): باطل لم يثبت، وقد ذكرنا طرقه في شرحه، وقال ابن حجر العسقلاني (٢): وعلى تقدير الصحة فسره العلماء بأن المراد لم يدخل إن عمل بمثل عمل والديه، وقيل: المراد بولد الزنا من يواظب عليه ويلازمه، كما يقال للشجعان: بنو الحرب، ولأولاد المسلمين: بنو الإسلام، هذا ويمكن أن يراد بالتفريق بين الرجل وبين امرأته إيقاع الخصومة والشقاق بينهما حتى لا يجتمعان ولا يباشران الجماع، فلا يحصل الولد، وهذا أيضًا من العداوة؛ لأن العدو يحب قطع نسل أعدائه، واللَّه أعلم.\nوقوله: (نعم أنت) فاعل (نعم) محذوف، و(أنت) مخصوص بالمدح.\nوقوله: (قال الأعمش) وهو راوي الحديث عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر، فالمضمر المنصوب في (أراه) لطلحة، ويحتمل أن يكون لجابر ويكون هذا قول طلحة، فالمعنى قال الأعمش: قال طلحة: أراه، أي: جابرًا، فافهم.\n(قال: فيلتزمه) أي: يعانقه زيادة على (فيدنيه)، أو بدله.\n٧٢ - [١٠] (عنه) قوله: (إن الشيطان قد أيس من أن يعبده المصلون) قال\n_________\n(١) \"الموضوعات\" (٣/ ١٠٩).\n(٢) انظر: \"المقاصد الحسنة\" (ص: ٢٤٤)، و\"كشف الخفاء\" (٢/ ٣٧٢).","vol":"1","page":326},{"text":"فِي جَزيرَةِ الْعَرَبِ،\nــ\nالطيبي (١): المراد بالمصلين المؤمنون، وبعبادة الشيطان عبادة الأصنام، والمعنى: إن الشيطان أيس أن يعود أحد إلى عبادة الصنم، ولا يرد على هذا [ارتداد] أصحاب مسيلمة ومانعي الزكاة وغيرهم ممن ارتدوا [بعد رسول اللَّه -ﷺ-]؛ لأنهم لم يعبدوا الصنم، انتهى.\nوقال التُّورِبِشْتِي: أراد بالمصلين المؤمنون الذين يقيمون الصلاة، أي: أيس أن يرتدوا عن دينهم، فإن قال قائل: كيف بمن ارتد من أصحاب مسيلمة والعنسي وغيرهما؟ فالجواب أن يقول: إن النبي -ﷺ- لم يخبر عنهم أنهم لا يفعلون ذلك، وإنما أخبر عن اليأس الذي استشعر الشيطان منهم أن يعودوا في طاعته، فلا تضاد بين هذا الحديث وبين القضية التي ذكرت.\nويحتمل معنى آخر، وهو أنه أشار -ﷺ- أن المصلين من أمتي الذين يقيمون الصلاة دينا وملة لا يجمعون بين الصلاة وعبادة الشيطان كما فعلته اليهود والنصارى، وذلك أن تقول: معنى الحديث: أن الشيطان أيس من أن يتبدل دين الإسلام، ويظهر الإشراك، ويستمر ويصير الأمر كما كان من قبل، ولا ينافيه ارتداد من ارتد، بل لو عبد الأصنام أيضًا لم يضر في المقصود (٢)، فافهم.\nوقوله: (في جزيرة العرب) وإنما خص جزيرة العرب لأن الدين لم يتعدّ عنها، كذا قال التُّورِبِشْتِي، وقال شيخنا ومولانا الشيخ عبد الوهاب المتقي -نفعنا اللَّه ببركاته وبركات علومه في بعض تعليقاته-: اعلم أن عبارات الناس اختلفت في تحديد أرض\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٠٨).\n(٢) في \"التقرير\": قيل: ليس بإخبار، بل بيان كثرة شوكة الإسلام، فلا يضر وقوعه.","vol":"1","page":327},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالعرب، فقال صاحب (التبيين): حدها طولًا ما وراء ريف العراق إلى أقصى حَجْر باليمن، وعرضها من جدة وما والاها من الساحل إلى حد الشام.\nوقال الزاهدي شارح القدوري: حدها ما بين العُذيب إلى مكة، ومن عدن إلى أقصى حجر باليمن بمهرة إلى حد الشام.\nوقال الإمام خواهر زاده: من عدن أبين إلى ريف العراق، ومن رمل يبرين إلى منقطع السماوة، وهي تهامة والحجاز ومكة واليمن والطائف والعمان والبحرين.\nوقال محمد ﵀: أرض العرب من العُذيب إلى مكة، ومن عدن أبين إلى أقصى حجر باليمن بمهرة.\nوقال صاحب (مواهب الرحمن): هي ما بين العُذيب إلى أقصى حَجْر باليمن بمهرة طولًا، وما بين الدمناء ويبرين ورمل عالج إلى حد الشام عرضًا.\nوقال شارح (الوقاية): هي ما بين العذيب إلى أقصى حَجْر إلى حد الشام، وهذه العبارة موافقة لما في (ملتقى الأبحر) (١).\nوقال في (مجمع البحار) (٢): اسم صُقْعٍ من الأرض، وهو ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وما بين رمل يَبْرِين إلى منقطع السَّمَاوَة في العرض، سمّيت به لأن بحر فارس وبحر السودان أحاطا بجانبيها، وأحاط بالشمال دجلة والفرات.\nوقال الأصمعي: جزيرة العرب ما لم يبلغ مُلك فارس من أقصى عدن إلى ريف العراق، وعرضها من جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطوار الشام.\n_________\n(١) انظر: \"مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر\" (٤/ ٣٤٣).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٣٥٢).","vol":"1","page":328},{"text":"وَلَكِنَّ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨١٢].\nــ\nوقال صاحب (القاموس) (١): جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام، ثم دجلة والفرات، أو ما بين عدن [أبين] إلى أطراف الشام طولًا، ومن جدة إلى ريف العراق عرضًا.\nوقال الشُّمُنِّي: هي ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وما بين أرض يَبْرِين إلى منقطع السماوة في العرض.\nوفي (صحيح البخاري) (٢): قال يعقوب بن محمد: سألت المغيرة بن عبد الرحمن عن جزيرة العرب فقال: مكة والمدينة واليمامة واليمن، وقال يعقوب: والعرج أول تهامة.\nوفي (شرح الوافي): هي أرض الحجاز وتهامة واليمن ومكة والطائف والبرية.\nوقوله: (ولكن في التحريش بينهم) أي: في حملهم على الفتن والحروب، ولعله إخبار عما جرى بين الصحابة، في (القاموس) (٣): التحريش الإغراء بين القوم أو الكلاب، وفي الحديث: (نهى عن التحريش بين البهائم) (٤)، هو الإغراء وتهييج بعضها كما يفعل بين الجمال والكباش والديوك وغيرها، والاحتراش في الأصل: الجمع والكسب والخديعة، ومنه احتراش الضب لاصطياده بالحيلة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٤١).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٣٠٥٣).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٤٥).\n(٤) أخرجه أبو داود (٢٥٦٤)، والترمذي (١٧٠٨).","vol":"1","page":329},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-207> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٧٣ - [١١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: إِنَّي أُحَدِّثُ نَفْسِي بِالشَّيْءِ لأَنْ أَكُونَ حُمَمَةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِهِ. قَالَ: \"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ أَمْرَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١١٢].\n٧٤ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ، وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ،\nــ\nالفصل الثاني\n٧٣ - [١١] (ابن عباس) قوله: (حُمَمَةً) في (القاموس) (١): حمم كصرد: الفحم، واحدته بهاء.\nوقوله: (ردّ أمره) الظاهر أن الضمير للرجل، والأمر بمعنى واحد الأمور، ويحتمل أن يكون للشيطان، والأمر واحد الأمور أو واحد الأوامر.\n٧٤ - [١٢] (ابن مسعود) قوله: (لمة) بفتح اللام، في (القاموس) (٢) أَلَمّ به: نزل، كَلَمّ، أي: نزولًا وقربًا وإصابة، (فإيعاد بالشر) بلفظ الإفعال، وكذا في قوله: (فإيعاد بالخير) قالوا: قد غلب استعمال الوعد في الخير، والوعيد في الشر، فقيل: الإيعاد في الأول في موقعه، وفي الثاني مشاكلة، وقيل: الوعيد في الاشتقاق اللغوي كالوعد، ولا فرق بينهما لغة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠١٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٦٨).","vol":"1","page":330},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقال في (القاموس) (١): وعده الأمر، وبه، [يَعِدُ] عدة ووَعْدًا ومَوْعِدًا ومَوْعِدَةً ومَوْعُودًا ومَوْعُودَةً، خيرًا وشرًا، فإذا أُسقِطا قيل في الخير: وعد، وفي الشر: أوعد، وقالوا: أوعد الخير وبالشر، وقيل: ذلك التمييز إنما هو عند الإطلاق، وأما ههنا فالفارق موجود بلا التباس، وهو لفظ الخير والشر، وقد يروى (فاتعاد) بلفظ الافتعال في الموضعين أو في الثانية.\nقال التُّورِبِشْتِي: الرواية المعتد عليها في الموضعين بلفظ الإفعال، والذي يروي بأنه من باب الافتعال فإنه لم يأت بشيء سوى أنه حرَّف اللفظ عن منهاج الرواية وغيَّر المعنى؛ لأن الاتعاد يستعمل على وجهين، إما بمعنى قبول الوعد، أو بمعنى اتعاد القوم بعضهم بعضًا في الشر، يقال: تواعد القوم، وعد بعضهم بعضًا في الخير، واتعدوا: إذا وعد بعضهم بعضًا في الشر، ولا وجه لإحدى الصورتين في هذا الحديث.\nقال سيدي الشيخ عبد الوهاب المتقي قدس اللَّه سره العزيز في رسالته (مفاتيح الغيوب في معرفة خواطر القلوب): مثل القلب كمثل حوض يقع من جوانبه أنهار، فنهر من ماء، ونهر من لبن، ونهر من دم، ونهر من بول، ونهر من صديد، وتجتمع المياه كلها في ذلك الحوض حتى امتلأ، فطريق تطهيره إنما يكون إذا سدّ خوخات الأنهار عن الوقوع في الحوض، ثم يعالج في إخراج ما يجتمع فيه من المياه الطاهرة والنجسة كلها، ثم يفتح خوخات الأنهار التي هي طاهرة ويسدّ ما دونها، فحينئذ يمتلئ الحوض بالمياه الطاهرة، ويتطهر عن المياه النجسة، فمن أراد تطهير ذلك من غير هذا الطريق تعب وضيع عمره، فكذلك القلب حوض، والحواس كلها مثل الأنهار يقع منها\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٨).","vol":"1","page":331},{"text":"فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ الأُخْرَى، فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ\" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٨]. . . . .\nــ\nفيه أنواع الخير والشر فامتلأ بذلك، فمن أراد تطهيره فعليه أولًا بسدِّ جميع الحواس، وثانيًا بإخراج ما اجتمع في القلب من الحواس من الخير والشر بمعرفة الذكر، وثالثًا بفتح ما هي طاهرة محمودة، وسدّ ما هي نجسة مذمومة، فإذا أراد تطهيره من غير هذا الطريق تعب وضيع عمره، انتهى كلامه قدس سره.\nوقوله: (فليعلم أنه من اللَّه) أي: صادر من جانب لطفه ورحمته، فلمة الشيطان صادرة من قهره وغضبه.\nاعلم أن المشايخ الصوفية قسموا الخاطر إلى أربعة: حقاني، ونفساني، وملكي، وشيطاني، ويفهم من هذا الحديث اثنان: الملكي والشيطاني، ولعله باعتبار إرجاع النفساني إلى الشيطان، والحقاني إلى الملكي، ويستأنس له بقراءته -ﷺ- الآية المذكورة وآخرها ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا﴾ [البقرة: ٢٦٨]، فافهم.\nوقد ذكر الشيخ قدس سره في الرسالة المذكورة الخواطر الأربعة الجارية على ألسنة المشايخ وبيّنها وفصّلها بما لا مزيد عليه، ولم نعرف أحدًا ذكره فيما نعلم، قال فيه: وقال بعضهم: الخاطر على سبعة أنواع: ستة من المخلوقات، وسابع من الخالق ﷿ الستة التي هي من المخلوقات، فأولها: الخاطر الدنياوي، وثانيها: الخاطر الأخروي، وثالثها: الشيطاني، ورابعها: الملكي، وخامسها: النفساني، وسادسها: الروحاني، فالدنياوي يقابل الأخروي، والشيطاني يقابل الملكي، والنفساني يقابل الروحاني.","vol":"1","page":332},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nثم ينقسم كل واحد من هذه الأقسام إلى ثلاثة أقسام، فالدنيوي ينقسم إلى ثلاثة أقسام، الأول: تذكير بما مضى مما لا درك له، والثاني: تذكير بما يأتي مما لا يدري هل يوصل له؟ والثالث: تذكير بالأحوال الحاضرة، وهي سبب عمارة الدنيا المنسي للمعاد وعمارة الآخرة.\nوالأخروي ينقسم إلى ثلاثة أقسام، الأول: تذكير بما قضى على العبد وكتب عليه، وأن ذلك لا يزاد فيه ولا ينقص، والثاني: تذكير بما يلقى العبد في المعاد والدار الآخرة، والثالث: تذكير للعبد بما هو ملابس له من أمور الإيمان، وهل هو متصف بها حقيقة؟ .\nوالشيطاني ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: نهي عن الخير كله من جميع جهاته، والثاني: أمر بالشر كله من جميع جهاته، والثالث: إفساد معاني الخير وتقوية معاني الشر.\nوالملكي على ثلاثة أقسام: الأول: أمر بمعروف من كل وجه، والثاني: نهي عن المنكر من كل وجه، والثالث: إبطال معاني الشر والحض على تقوية معاني الخير.\nوالنفساني على ثلاثة أقسام: الأول: يدعو إلى الشهوات وتناول الأغراض، والثاني: يدعو إلى الاستكبار والعلو والظهور ومنازعة الربوبية وصفاتها، والثالث: يتقلب في جميع الخواطر، فمع الخير بالتثبيط والتكاسل، ومع الشر بالتقوية والإمداد.\nوالروحاني على ثلاثة أقسام: الأول: التنزه عن دنيء الأخلاق، والثاني: الاتصاف بمحاسن الأخلاق وأعاليها، والثالث: الأمر بإعطاء المملكة حقوقها وتنفيذ الأوامر الشرعية فيهم.","vol":"1","page":333},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذا حَديثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٩٨٨].\nــ\nوأما السابع: وبه تمت الخواطر، وهو خاطر الحق ﷿، فهو على ضربين: الأول: يأتي بواسطة، وهو جميع ما تقدم من الخواطر، فإنها مضافة إليه تعالى حقيقة وإلى غيره مجازًا، والثاني: يرد على السر بحكم الجبر لا يمكن الانفصال عنه ولا الانفكاك منه، فإن الحق تعالى ما تجلى بشيء إلا خضع له، واللَّه غالب على أمره.\nقلت: وقد يكون خاطر الشيخ، فهو إمداد همة الشيخ يصل إلى قلب المريد الطالب مشتملًا على كشف معضل وحلِّ مشكل حصل للمريد في الواقعات والواردات الربانية، وهذا الخاطر إنما يرد على قلب المريد عند اشتكشافه ذلك باستمداده من ضمير الشيخ، فينكشف ويتبين الحال، سواء كان الشيخ حاضرًا أو غائبًا، حيًّا أو ميتًا، يدل عليه ما قال الشيخ العارف باللَّه علي بن حسام الدين المتقي -أسكنه اللَّه بحبوحة جنته، وتغمده بلفطه ورحمته-: يا عبد الوهاب إذا أشكل عليك شيء من الواقعات والواردات فاعرضها عليَّ بقلبك، واستكشف ذلك باستمدادك مني ولو بعد موتي، فجرَّبت ذلك فوجدته كما قال.\nوهذا الخاطر أيضًا في الحقيقة داخل تحت خاطر الحق سبحانه؛ لأن قلب الشيخ بمثابة باب مفتوح إلى عالم الغيب، وهو واسطة بين المريد وبين الحق سبحانه، فيصل إمداد فيضه على قلب المريد بواسطته، انتهى كلامه قدس سره.\nوقوله: (هذا حديث غريب) الغرابة لا تنافي الصحة، وليس طعنًا في الحديث؛ لأن الغريب هو أن يروي واحد عن واحد، ولكن قد يطلق بمعنى الشاذ، وهو بهذا المعنى ينافي الصحة، وقد ذكرناه في المقدمة فتذكر.","vol":"1","page":334},{"text":"٧٥ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَقُول: \"لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ، حَتَّى يُقَالَ: هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَإِذَا قَالُوا ذَلِكَ: فَقُولُوا: اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُؤًا أحَدٌ، ثمَّ لِيَتْفُلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ فِي بَابِ خُطْبَةِ يَوْمِ النَّحْرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [د: ٤١٢٢، ٤٧٢٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-208> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٧٦ - [١٤] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَنْ يَبْرَحَ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ ﷿؟ \". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَلِمُسْلِمٍ: قَالَ: \"قَالَ اللَّهُ -ﷺ-: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يَزَالُونَ يَقُولُونَ: . . . .\nــ\n٧٥ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (فقولوا: اللَّه أحد. . . إلخ) وهذه الصفات نافية لأن يكون مخلوقًا.\nوقوله: (ثم ليتفل) أي: السامع أو كل واحد، والتفل: نفخ معه أدنى بزاق، وهو أكثر من النفث، من نصر وضرب، وسنبينه في موضعه أكثر من هذا، والمقصود من التفل استكراه الشيطان واستقذاره ومراغمته، ولعله يكون له تأثير فى دفع اللعين وشره، ولهذا أمر بذلك، وتخصيص جانب اليسار لأن الشيطان يكون في هذا الجانب.\nالفصل الثالث\n٧٦ - [١٤] (أنس) قوله: (لن يبرح الناس) مرَّ شرحه في الفصل الأول [برقم: ٦٦].","vol":"1","page":335},{"text":"مَا كَذَا؟ مَا كَذَا؟ حَتَّى يَقُولُوا: هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ ﷿؟ \". [خ: ٦٨٦٦، م: ١٣٦].\n٧٧ - [١٥] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بيني وَبَيْنَ صَلَاتِي وَبَيْنَ قِراءَتِي يُلَبِّسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ: خِنْزِبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَاتْفُلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا\"، فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ عَنِّي. رَوَاهُ مَسْلِمٌ. [م: ٢٢٠٣].\n٧٨ - [١٦] وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: إِنِّي أهِمُ فِي صَلَاتِي. . . .\nــ\n٧٧ - [١٥] (عثمان بن أبي العاص) قوله: (يلبسها) بفتح فسكون فكسر، أو بضم ففتح فتشديد الموحدة، كذا في شرح الشيخ.\nوقوله: (خنزب) في (مجمع البحار) (١): قيل: هو لقبه، والخنزب: قطعة لحم منتنة، ويقال بفتح خاء وزاء، وبكسرهما، وبكسر الأولى وفتح الثانية.\nوقوله: (ثلاثًا) الظاهر أنه قيد للتفل، ويحتمل أن يكون قيدًا للتعوذ والتفل معًا، واللَّه أعلم.\n٧٨ - [١٦] (القاسم بن محمد) قوله: (إني أهم) في (القاموس) (٢): الوهم من خطرات القلب، أو مرجوح طرفي المتردِّد فيه، ووهم في الشيء كوعد: ذهب وَهْمُه إليه، وأوهم كذا من الحساب: أسقط، أو وَهَمَ كوَعَدَ ووَرِثَ، وأوهم بمعنًى،\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ١٢٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٧٦).","vol":"1","page":336},{"text":"فَيَكْثُرُ ذَلِكَ عَليَّ، فَقَالَ لَهُ: امْضِ فِي صَلَاتِكَ، فَإِنَّهُ لَنْ يَذْهَبَ ذَلِكَ عَنْكَ حَتَّى تَنْصَرِفَ وَأَنْتَ تَقُولُ: مَا أَتْمَمْتُ صَلَاتِي. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٣٣٢].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>٣ - باب الإيمان بالقدر</span>\nــ\nوتَوَهَّمَ: ظن، والمراد ههنا الوسوسة، (فيكثر) بالمثلثة معلومًا ومجهولًا، أو بالموحدة معلومًا، وهو الأصح رواية ودراية، (فقال له) أي: قال القاسم بن محمد للسائل: إن علاج دفع وسوسة الشيطان أن تمضي في صلاتك ولا تصغي إلى قول الشيطان ووسوسته، فإنه لا يذهب ذلك الوهم عنك حتى تمضي في صلاتك وتنصرف عن الصلاة وأنت تقول للشيطان إرغامًا له: نعم ما أتممت صلاتي كما تقول، ولكن لا أتمها ولا أعيدها بقولك، اذهب فإن ربي كريم يقبل مني بكرمه، وهذا هو الأصل في دفع الوسواس كما مر في الفصل الأول في أحاديث أبي هريرة.\nهذا ما ذكروه في توجيه الحديث، وهو صحيح، غير أن قوله: (ما أتممت صلاتي) لا يظهر منه ما ذكروه من قولهم: (نعم ما أتمصت صلاتي. . . إلخ)، والذي يتبادر إلى الفهم أن المقصود أنك لو أصغيت إلى ذلك يبقى فيك الوسواس حتى تنصرف، وأنك تشكّ في صلاتك فتعيدها، وهكذا فتبقى مبتلًى بالوسوسة، ولكن يظهر المعنى الذي ذكروه بالتأمل في سياق الحديث من قوله: (امض في صلاتك)، وقوله: (لن يذهب ذلك عنك) فتأمل، واللَّه أعلم.\n٣ - باب الإيمان بالقدر\nفي (القاموس) (١): القدر محركة: القضاء والحكم ومبلغ الشيء، والقدرية:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٢٨).","vol":"1","page":337},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nجاحدوا القدر. وفي (النهاية) (١): القدر محركة: ما قضاه اللَّه تعالى وحكم به من الأمور، وقد تُسَكّن داله، ومنه ليلة القدر وهي ليلة تقدر فيها الأرزاق وتقضى. وفي (الصراح) (٢): قدر بسكون وحركت: انذازه كرده خداي بربنده أز حكم، وقال الطيبي (٣): القدر بالفتح والسكون: ما يقدره اللَّه من القضاء، وبالفتح اسم لما صدر [مقدورًا] عن فعل القادر، كالهدم لما صدر عن فعل الهادم.\nوقال النووي (٤): قدر بالتخفيف والتشديد بمعنى قضاه، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧] بالتخفيف، ويروى حديث: (لئن قدر اللَّه علي ليعذبني) بالتخفيف والتشديد بمعنى قدر وقضى.\nوبهذا ظهر أن القضاء والقدر في اللغة بمعنى واحد، وقد يفرق بينهما بأن القضاء هو الحكم الأزلي، والقدر وقوعه فيما لا يزال موافقًا لما سبق من القضاء، وإلى كليهما وقعت الإشارة بقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، فالمحو والإثبات إشارة إلى القدر، و(عنده أم الكتاب) إشارة إلى القضاء، وقد يجيء بيانهما على العكس، ويتم في شرح حديث عمران بن حصين (٥) في أثناء الفصل الأول.\nوالمراد بالإيمان بالقدر (٦) أن يؤمن بالقدر خيره وشره، وأن اللَّه تعالى قدر وقضى\n_________\n(١) \"النهاية\" (٤/ ٢٢).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٢٠٧).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢١٥).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (١٧/ ٧١).\n(٥) انظر: الحديث (٨٧).\n(٦) قال القاري: وَالْقَدَرُ: سِرٌّ مِنْ أَسْرَارِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهَا مَلَكًا مُقَرَّبًا، وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا، =","vol":"1","page":338},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالكائنات كلها في الأزل (١)، وأفعال العباد أيضًا بتمديره وقضائه وبخلقه، ومع ذلك جعل للعباد صفة الاختيار يكسب بها الأفعال، إن كانت طاعة يثاب بها، وإن كانت معصية يعاقب عليها، فالفعل واقع بخلق اللَّه، ولكسب العبد واختياره مدخل فيه، وتحقيقه أن في العبد صفة ترجح بها أحد طرفي الفعل والترك على الآخر بعد تصوره وانبعاث الشوق إليه إن كان ملائمًا، أو النفرة عنه إن كان منافرًا، ووجود هذه الصفة فيه معلوم قطعًا كوجود السمع والبصر وغيرهما من الصفات لضرورة التفرقة بين حركة المرتعش وغيره.\n_________\n= وَلَا يَجُوزُ الْخَوْضُ فِيهِ، وَالْبَحْثُ عَنْهُ بِطَرِيقِ الْعَقْلِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْخَلْقَ فَجَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةَ خَلَقَهُمْ لِلنَّعِيمِ فَضْلًا، وَفِرْقَةً لِلْجَحِيمِ عَدْلًا، وَسَأَلَ رَجُلٌ عَلِيَّ ابْنَ أَبِي طَالِبٍ -﵁- فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنِ الْقَدَرِ؟ فَالَ: طَرِيقٌ مُظْلِمٌ لَا تَسْلُكْهُ، وَأَعَادَ السُّؤَالَ فَقَالَ: بَحْرٌ عَمِيقٌ لَا تَلِجْهُ، فَأَعَادَ السُّؤَالَ فَقَالَ: سِرُّ اللَّهِ قَدْ خَفِيَ عَلَيْكَ فَلَا تَفْتِشْهُ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٤٧).\n(١) قال الإمام ولي اللَّه الدهلوي في \"حجة اللَّه البالغة\" (١/ ١٢٧): إن القدر وقع خمس مَرَّات، أولها: فِي الأَزَل، وَثَانِيها: قبل أَن يخلق السَّمَوَات وَالأَرْض بِخَمْسِينَ ألف سنة في خيال العرش، فصور هُنَالك جَمِيع الصُّور، وَهُوَ الْمعبر عَنهُ بِالذكر فِي الشَّرَائِع، وَثَالِثهَا: أَنه لما خلق آدم -﵇- ليَكُون أَبَا الْبشر، وليبدأ مِنْهُ نوع الإِنْسَان أحدث فِي عَالم الْمِثَال صور بنيه، وَمثّل سعادتهم وشقاوتهم بِالنورِ والظلمة، وجعلهم بِحَيْثُ يكلفون، وَخلق فيهم مَعْرفَته والإخبات لَهُ، وَهُوَ أصل الْمِيثَاق المدسوس فِي فطرتهم، فيؤاخذون بِهِ، وَإِن نسوا الْوَاقِعَة. وَرَابِعهَا: حِين نفخ الرّوح فِي الْجَنِين، فَينكشف على الْمَلَائِكَة الْمُدبرَة الأَمرُ يَوْمئِذٍ فِي عمره ورزقه، وَهل يعْمل عمل من غلبت ملكيته على بهيميته، أَو بِالْعَكْسِ، وَأيّ نَحْو تكون سعادته وشقاوته. وخامسها: قبيل حُدُوث الْحَادِثَة، فَينزل الأَمرُ من حَظِيرَة الْقُدس إِلَى الأَرْض، وينتقل شَيْء مثالي، فتنبسط أَحْكَامه فِي الأَرْض. انتهى ملخصًا.","vol":"1","page":339},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوهذه الصفة هي التي تسمى بالاختيار، وجعل اللَّه تعالى قصد العبد سببًا عاديًا لوجود الفعل بخلقه تعالى كسائر الأسباب العادية، مثل النار للإحراق، والماء للتبريد، وعلى السبب العادي ما جرت عادة اللَّه سبحانه بخلق شيء بواسطته، فاللَّه تعالى إنما يخلق الحرارة بعد استعماله النار، فاستعمال النار سبب عادي للإحراق، وخلقه تعالى سبب حقيق، فإذا استعملت النار تحت الماء خلق اللَّه الحرارة وأوجدها فيه، ولو شاء ما خلق الحرارة وإن استعملت النار، ولو شاء أوجدها بدون النار، وذلك خرق العادة، ولكن جرت العادة بأن يخلقها بوساطة النار، فالنار وحرارتها وإحراقها كلها بخلق اللَّه تعالى، وهو السبب الحقيقي للإحراق، والنار سبب عادي جعلها اللَّه سببًا للإحراق، فكذلك قصد العبد واختياره سبب عادي لوجود الفعل يوجده بعد وجود القصد من العبد كإيجاد الحراراة وخلقها بعد وجود النار.\nوهذا معنى ما اشتهر بينهم أن إرادة الجزئية من العبد مقدم على خلق اللَّه، فصرف العبد اختياره وترجيحه أحد طرفي الفعل والترك يسمى بالكسب، وإيجاد اللَّه تعالى إياه بالخلق، فالكسب من العبد، والخلق من اللَّه، فكما أن إنكار وساطة النار وسببيتها العادية للإحراق جهل ومخالف لنفس الأمر، كذلك إنكار مدخلية كسب العبد في وجود الفعل، فليس قدرة العبد مستقلة في إيجاد الفعل، وليس وجود الفعل بقدرته، وكيف يكون كذلك وذات العبد وصفاته التي هي مبادئ أفعاله ليست منه وليس لقدرته مدخل فيها؟ فكيف يكون أفعاله صادرة بخلقه وقدرته؟ نعم له مدخل فيها، وهو فاعلها، فليس العبد مستقلًا في أفعاله خالقًا له كما يقول القدرية، وليس حركاته مثل حركات الجماد بحيث لا يكون له قصد واختيار فيها كما يقوله الجبرية، أما الثاني فالضرورة شاهدة له، وأما الأول فبإخبار الشارع بذلك كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦] وغير","vol":"1","page":340},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-210> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٧٩ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ\"، قَالَ: . . . .\nــ\nذلك من الآيات والأحاديث التي هي ناطقة بأن الكل بمشيئة اللَّه وإرادته، وبسبق قضاء اللَّه وقدره، شاملًا لكل المخلوقات، ولذا قال إمام العارفين جعفر الصادق عليه وعلى آبائه الكرام السلام والتحية: لا جبر ولا قدر، ولكن أمر بين أمرين، فاللَّه تعالى خلق الأسباب والمسببات، ورتب المسببات على الأسباب، وجعل لها مدخلًا في وجودها، وخلق لها شرائط، وجعلها متوقفة عليها، بحيث لو لم تتحقق الشرائط لم توجد المشروطات، على قياس خلق الأسباب والشرائط للأحكام الشرعية، بحيث لا تصح ولا توجد إلا بها كذلك للأشياء الخارجية، والقدر شامل للكل ولا منافاة بينه وبين مدخلية الأسباب في وجود المسببات وبين توقف المشروطات على الشرائط.\nالفصل الأول\n٧٩ - [١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (كتب اللَّه مقادير الخلائق) أي: أثبت في اللوح بإجراء القلم، أو أمر الملائكة بكتابة أقدار وأحكام تتعلق بالخلائق، وقيل: قدرها وعينها تعينًا لا يتأتى خلافه، وهذه تأويل لكتابته، والظاهر إثبات النقوش والحروف في لوح أو غيره.\nوقوله: (قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة) قالوا: المراد به طول الأمد، وتمادي ما بين التقدير وخلق السموات والأرض، لا تحديد هذا العدد، وإلا فالتقدير في الأزل، ولعله مبني على تأويل الكتابة بالتقدير والتعيين كما قيل، وإلا","vol":"1","page":341},{"text":"\"وَكَانَ عَرْشُهُ على المَاء\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٥٣].\nــ\nفالكتابة يمكن أن يكون فيما لا يزال سابقًا على الخلق بهذه المدة من الزمان، واستشكل بأنه كيف يحمل على الزمان، ولم يخلق الزمان بعد (١)؟ وهذا أيضًا مبني على التأويل المذكور، وإلا فالزمان يمكن أن يكون مخلوقًا وقت الكتابة فيما لا يزال، وأما أن الزمان عبارة عن مقدار حركة الفلك فكيف يكون مخلوقًا قبل خلق السموات؟ فمبني على أقوال الفلاسفة فلا يسلّم، فيمكن أن يخلق الزمان إذ ذاك ويكون عبارة عن حالة وأمر ممتد يعرف به مقدار الأمور وينضبط به، فافهم، وباللَّه التوفيق.\nفإن قلت: قد جاء في حديث آخر (٢): (إن اللَّه كتب كُتُبًا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي عام أنزلت منه آيتان)، وفي رواية: (أنزل منه آيتين)، وهذا ينافي رواية خمسين، فالجواب أن من الجائز أن لا يكون إثبات الكوائن في اللوح دفعة واحدة بل يثبتها اللَّه شيئا فشيئًا، أو يكون المراد من الكتاب في هذا الحديث غير ما في اللوح، وعلى ما قيل: إن المراد بالزمانين نفس السبق والمبالغة لا التحديد فلا إشكال، وفيه ما فيه.\nوقوله: (عرشه على الماء) وفي بعض النسخ: (وكان عرشه) قال البيضاوي (٣) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ\n_________\n(١) قال القاري: قُلْتُ: يُحْمَلُ الزَّمَانُ حِينَئِذٍ عَلَى مِقْدَارِ حَرَكَةِ الْفَلَكِ الأَعْظَمِ الَّذِي هُوَ الْعَرْشُ، وَهُوَ مَوْجُودٌ حِينَئذٍ بِدَلِيلِ أَنَّهُ -ﷺ- قَالَ: \"وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ\"، انتهى. مرقاة المفاتيح (١/ ١٤٨). أو أنه كان موجودًا في علمه تعالى. كما في \"التقرير\".\n(٢) أخرجه الترمذي (٢٨٨٢)، وأحمد في \"مسنده\" (٤/ ٢٧٤)، والحاكم في \"المستدرك\" (٢٠٦٥).\n(٣) \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٦٧).","vol":"1","page":342},{"text":"٨٠ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٥٥].\nــ\nعَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]: أي: قبل خلق السماوات والأرض لم يكن حائل بينهما لا أنه (١) كان موضوعًا على متن الماء، واستدل به على أن الماء أول حادث بعد العرش من أجرام هذا العالم، وقيل: كان الماء على متن الريح، واللَّه أعلم بذلك.\nوقال صاحب (الكشاف) (٢): فيه دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السماوات والأرض، وقال الشيخ (٣): ليس المراد بالماء ماء البحر بل هو ماء تحت العرش كما شاء اللَّه تعالى، ويحتمل أن يحمل على ماء البحر بمعنى أن حملته في البحر، انتهى. وقيل: قوله: (وعرشه على الماء) كناية عن القدرة.\n٨٠ - [٢] (ابن عمر) قوله: (حتى العجز والكيس) بالرفع فيهما عطف على (كل)، وبالجر عطف على (شيء)، وقال التُّورِبِشْتِي: الخفض في الرواية أكثر، واعلم أن العجز ضد القدرة، والكيس بفتح الكاف وسكون الياء: ضد الحمق، كذا في (القاموس) (٤)؛ فليس بين العجز والكيس تقابل. فقال الطيبي (٥) في توجيهه: فائدة هذا الأسلوب تقييد كل من المعنيين بما يقابل الآخر كأنه قيل: حتى الكيس والقدرة والبلادة والعجز، يعني قديذكر شيء هو ضد لشيء يذكر معه شيء آخر غير ضده، ويتضمن\n_________\n(١) كذا في (ر) و(ب)، وفي \"تفسير البيضاوي\": \"لأنه\" وهو تحريف. انظر: \"روح المعاني\" (٨/ ١٥٩).\n(٢) \"الكشاف\" (٣/ ٦٨).\n(٣) \"فتح الباري\" (١٣/ ٤١٠).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٢٩).\n(٥) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢١٦).","vol":"1","page":343},{"text":"٨١ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى ﵉ عِنْدَ رَبِّهِمَا فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى،\nــ\nهذا ذكر شيئين آخرين: أحدهما ضد الأول، والآخر ضد الثاني، إذ ذكر أحد الضدين يستتبع ذكر الضد الآخر، كما قيل مثل هذا في قول الشاعر:\nكم عاقل عاقل أعيت مذاهبه ... وكم جاهل جاهل تلقاه مرزوقا\nبأن الجاهل ليس ضد للعاقل، وإنما ضده الأحمق، فكأنه قال: كم عاقل وكم عالم وكم أحمق وكم جاهل، واكثر ما يوجد من هذا التركيب فيما يقرب من الضد؛ لأنه لو لم يكن في معنى الضد أصلًا لا يحسن أو لا يجوز ذكره معه، فتدبر.\nوقال التُّورِبِشْتِي (١): الكيس: جودة القريحة، وإنما أتى به في مقابلة العجز؛ لأنه هو الخصلة التي تفضي لصاحبها إلى الجلادة وإتيان الأمور من أبوابها، وذلك نقيض العجز، ولهذا المعنى كنوا به عن الغلبة، فقالوا: كايسته فكيسته، أي: غلبته، والعجز ههنا عدم القدرة، وقيل: ترك ما يجب فعله بالتسويف فيه والتأخير، يريد أن الكيس يتضمن معنى القدرة لأنه القدرة والجلادة على إمضاء الأمور وإنفاذ العزمة، والمراد بالعجز ههنا عدم القدرة على ذلك بالتسويف والتأخير، فيصح ذكر أحدهما في مقابلة الآخر، وهذا الوجه أولى وأظهر كما لا يخفى، والمعنى: أن الكل بتقدير اللَّه ومشيئته سواء كان من صفاتنا وأفعالنا أو غيرها، ففيه رد على القدرية القائلين بأن أفعال العباد مخلوقة لهم وواقعة بمشيئتهم وإرادتهم، فـ (حتى) للعطف يفيد التراخي والترتيب في الذهن، كما في قولهم: قدم الحاج حتى المشاة، أي: حتى ما يقع منكم بمشيتكم.\n٨١ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (احتج آدم وموسى عند ربهما، فحج آدم موسى)\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٤٩).","vol":"1","page":344},{"text":"قَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَأَسْكَنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهَبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئتَكَ إِلَى الأَرْضِ؟ قَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ، وَأَعْطَاكَ الأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلَّ شَيْءٍ، وَقَرَّبَكَ نَجِيًا،\nــ\nالحجة: الدليل والبرهان، يقال: حاجّه فحجه أي: غلبه بالحجة، وتحاجّا أي: تخاصما.\nوقوله: (عند ربهما)، أي: في عالم آخر غير هذا العالم، وهو العالم العلوي الروحاني، وهو عالم الحقيقة حين التقت أرواحهما في السماء، أو أحياهما اللَّه تعالى، أو أحيا آدم في حياة موسى، كذا في (مجمع البحار) (١).\nقد سبق أن وجود الأسباب لا ينافي التقدير، وكلاهما ثابت بل الكل تقدير، فموسى -﵇- تكلم بمقتضى الظاهر وعالم الأسباب، وآدم -﵇- نطق بالحقيقة وبالنظر إلى التقدير، وكلاهما حق؛ لأن هذه المحاجة كانت في عالم الحقيقة بعد اندفاع مواجب الكسب ورفع التكليف، لا في عالم الأسباب الذي لم يجز فيه قطع النظر عن الوسائط، وهذا الوجه يقتضي أن الأظهر أن يحمل هذه المكالمة بينهما في زمان حياة موسى بإحياء آدم في حياته أو إراءته بوجه آخر، ولهذا قال آدم -﵇- في حياته: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقيل: إنما احتج في خروجه من الجنة بأن اللَّه خلقه ليجعله خليفة في الأرض بهبوطه بسبب الذنب لا أنه نفى عن نفسه الذنب، فتدبر.\nوقوله: (فيها تبيان كل شيء) أي: من الأحكام مما يحتاج إليه في الدعوة والرسالة.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٤١).","vol":"1","page":345},{"text":"فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللَّهَ كتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ مُوسَى: بِأَرْبَعِينَ عَامًا، قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلًا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٥٢].\n٨٢ - [٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: \"إنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يَجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. . . .\nــ\nوقوله في آخر الحديث: (فحج آدم موسى) فذلكة للقصة ومجمل للتفصيل المذكور، وروي: (فحج آدم موسى ثلاثًا) أي قاله ثلاثًا، وشرح ما وقع في الحديث من الكلمات يطلب من كتب التفسير.\n٨٢ - [٤] (ابن مسعود) قوله: (وهو الصادق المصدوق) أي: الذي صدقه ربه، والمصدوق: من صدقه غيره -بتخفيف الدال- صدق زيد عمروًا، أي قال له صدقًا وأخبر بالصدق، وفي (مجمع البحار) (١): الصادق من صدق في قوله وتحرى في فعله، والمصدوق من صدقه غيره، أي: صدقه جبرئيل -﵇- فيما أخبر به، أو مصدق من عند الناس، والجمع بينهما للمدح أو للتأكيد، أو يلزم من أحدهما الآخر.\nوقوله: (أن خلق أحدكم) (إن) بكسر الهمزة على حكاية لفظه -ﷺ-، والمراد بخلقه مادة خلقه.\nوقوله: (في بطن أمه) أي: رحمها، قال في (النهاية) (٢): إن النطفة إذا وقعت\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٣٠٩).\n(٢) \"النهاية\" (١/ ٢٩٧).","vol":"1","page":346},{"text":"نُطْفَةً،\nــ\nفي الرحم فأراد اللَّه أن يخلق منها بشرًا طارت في بشرة جسم المرأة تحت كل ظفر وشعر، وقال: تمكث أربعين ليلة (١)، ثم تنزل دمًا في الرحم، فذلك جمعها، كذا فسره ابن مسعود فيما قيل، ويجوز أن يريد بالجمع مكث النطفة في الرحم للخلق والتصوير، ثم تُخْلَقُ بعد الأربعين، وقيل: المعنى تقع في الرحم حين انزعاجه بالقوة الشهوانية الدافعة متفرقًا، فجمعه اللَّه تعالى في محل الولادة من الرحم في هذه المدة، ثم لا يخفى أن تسميتها نطفة بعد الاستقرار يكون باعتبار ما كان.\nوفي (مجمع البحار) (٢): وقال الأطباء: إنما يتصور الجنين فيما بين ثلاثين إلى أربعين، والمفهوم من الحديث النبوي -ﷺ- أنه بعد أربعة أشهر، ولهذا وصفه بالصادق إشارة إلى بطلان ما قالوه، أو ذكره تلذذًا وتبهجًا ومدحًا.\nوقوله: (نطفة) في (القاموس) (٣): النطفة بالضم: الماء الصافي قلّ أو كثر، أو قليل ماء يبقى في دلو أو قِربة، والجمع نطاف ونطُفٌ، والبحر، وماء الرجل، والجمع نُطَفٌ.\nوفي (النهاية) (٤): يقال للماء الكثير والقليل: نطفة، وهو بالقليل أخص، يقال: نطف الماء: قطر قليلًا قليلًا، ومنه: (فجاء رجل بنطفة في إداوة)، أي ماء قليل، والمني\n_________\n(١) قَالَ الصُّوفِيَّةُ: خُصُوصِيَّةُ الأَرْبَعِينَ لِمُوَافَقَتِهِ تَخْمِيرَ طِينَةِ آدَمَ، وَمِيقَاتِ مُوسَى، ثُمَّ إِنَّهُ تُعْجَنُ النُّطْفَةُ بِتُرَابِ قَبْرِهِ كَمَا وَرَدَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٥٥]. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٥١).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٣٨١).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٩١).\n(٤) \"النهاية\" (٥/ ٧٤).","vol":"1","page":347},{"text":"ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكًا. . . .\nــ\nنطفة لقلته، ومما جاء النطفة بمعنى البحر حديث: (وينقص الشرك (١) وأهله حتى يسير الراكب بين النطفتين لا يخشى جورًا) أراد بهما بحر المشرق وبحر المغرب، وقيل: ماء الفرات وماء بحر يلي جدة، أو بحر الروم وبحر الصين، أي: لا يخشى في طريقه أحدًا يجور عليه ويظلمه، وروي: (لا يخشى إلا جورًا)، أي: لا يخاف في طريقه إلا الضلال والجور عن الطريق.\nوقوله: (ثم يكون علقة) في (القاموس) (٢): العلق محركة: الدم عامةً، أو الشديد الحمرة، أو الغليظ، أو الجامد، القطعة منه بِهاء، والمراد في الحديث الدم الجامد.\nوقوله: (ثم يكون مضغة) المضغة بالضم: مضغة لحم وغيره، والجمع كصرد، مضغه كمنعه ونصره: لاكه بسِنِّهِ.\nوقوله: (ثم يبعث اللَّه إليه ملكًا) (٣) عطف على (يجمع في بطن أمه) فظاهره أن\n_________\n(١) في (ر) و(ب): \"الشر\"، والتصويب من \"النهاية\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٣٩).\n(٣) يَعْنِي فِي الطَّوْرِ الرَّابِعِ حِينَمَا يَتَكَامَل بَيَانُهُ، وَالْمُرَادُ بِالإِرْسَالِ: أَمْرُهُ بِهَا، وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا؛ لأَنَّهُ ثَبَتَ فِي \"الصَّحِيحَيْنِ\" أَنَّهُ مُوَكَّلٌ بِالرَّحِمِ حِيتَ كَانَ نُطْفَةً، أَوْ ذَاكَ مَلَكٌ آخَرُ غَيْرُ مَلَكِ الْحِفْظِ. فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ وَرَدَ فِي \"صَحِيحِ مسْلِمٍ\" بِرِوَايَةِ حُذَيفَةَ بْنِ أُسَيْدٍ خِلَافُ ابْنِ مَسْعودٍ كَمَا فِي \"الْمَشَارِقِ\"، \"أَنَّهُ إِذَا مَرَّ بِالنُّطْفَةِ ثِنْتَانِ وَأَرْبَعُونَ لَيْلَةً بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا فَصَوَّرَهَا، وَخَلَقَ سَمْعَهَا، وَبَصَرَهَا، وَجِلْدَهَا، وَعِظَامَهَا، ثُمَّ يقُولُ: يَا رَبِّ أَذَكَر أَمْ أُنْثَى؟ فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاءَ، ثُمَّ يَكْتُبُ أَجَلَهُ وَرِزْقَهُ\"، فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ التَّصْوِيرَ بَعْدَ الأَرْبَعِينَ الأُولَى، وَهُوَ مُنَافٍ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ. فَجَوَابُهُ: أَنَّ لِتَصَرُّفِ الْمَلَكِ أَوْقَاتًا. أَحَدُهَا: حِينَ يَكُونُ نُطْفَةً، ثُمَّ يَنْقَلِبُ عَلَقَةً، وَهُوَ أَوَّلُ عِلْمِ الْمَلَكِ بِأَنَّهُ وَلَدٌ، وَذَلِكَ عَقِيبَ الأَرْبَعِينَ الأُولَى، وَحِينِئِذٍ يَبْعَثُ إِلَيْهِ رَبُّهُ يَكْتُبُ رِزْقَهُ، وَأَجَلَهُ، وَعَمَلَهُ، =","vol":"1","page":348},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبعثه يكون بعد مئة وعشرين يومًا، وجاء في بعض الروايات أنه يبعث بعد بضع وأربعين، وفي بعضها: (بأربعين)، وفي بعضها: (ثنتين وأربعين، فيصورها ويخلق سمعها ويصرها وجلدها)، وأشبه ما جمع به أن الأول هو الغالب، والثاني فيمن يولد لستة أشهر.\nولا يذهب عليك أنه لا حاجة إلى تخصيص الثاني فيمن يولد لستة أشهر، بل يمكن أن يقال: إن من الناس من يكتب له ذلك عقيب الأربعين الأولى، ومنهم من يكتب له عقيب الأربعين الثالثة، واللَّه أعلم بالحكمة في ذلك، وقيل: إنها تكون مرتين: مرة في السماء، ومرة في الأرض، وهذا إن ثبت بالرواية فمسلّم وإلا فمجرد الاحتمال لا يُعبأ به.\nثم إنه يشكل أن هذا التصوير لحمًا وعظمًا وسمعًا وبصرًا إنما يكون قريبًا من نفخ الروح لا بعد الأربعين الثانية، فإنه يكون فيها علقة، فيحمل قوله: (فيصورها) على معنى صوّرها قولًا وكتابًا لا فعلًا، ويكون إرسال الملك مرة عقيب الأربعين الأولى، ومرة عقيب الأربعين الثالثة، كذا في حاشية (مجمع البحار) (١)، بخط مصنفه نقلًا عن شرح ابن ماجه، واللَّه أعلم.\n_________\n= وَخِلْقَتَهُ، وَصُورَتَهُ، ثُمَّ يَتَصَرَّفُ فِيهِ لِتَصْوِيرِهِ، وَخَلْقِ أَعْضَائِهِ، وَذَلِكَ فِي الأَرْبَعِينَ الثَّالِثَةِ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، فَالْمُرَادُ بِتَصْوِيرِهَا بَعْدَهُ أَنَّهُ يَكْتُبُ ذَلِكَ، ثُمَّ يَفْعَلُهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ؛ لأَنَّ التَّصْوِيرَ الأَوَّلَ بَعْدَ الأَرْبَعِينَ الأُولَى غَيْرُ مَوْجُودٍ عَادَةً، كَذَا فِي \"شَرْحِ مُسْلِمٍ\"، وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ، وَقَدِ اسْتَفَاضَ بَيْنَ النِّسَاءِ أَنَّ النُّطْفَةَ إِذَا قُدِّرَتْ ذَكَرًا تتُصَوَّرُ بَعْدَ الأَرْبَعِينَ الأُولَى بِحَيْثُ يُشَاهَدُ مِنْهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى السَّوْأَةَ، فتحْمَلُ رِوَايَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى الْبَنَاتِ، أَوِ الْغَالِبِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٥٢).\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٣٨١).","vol":"1","page":349},{"text":"بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: فَيَكْتُبُ عَمَلَهُ،\nــ\nوقوله: (بأربع كلمات) قال الشيخ ابن حجر في (شرح الأربعين) (١): وفي خبر صحيح عن ابن حبان (خمس)، الثلاثة الآتية، والأثر [و] المضجع، أي القبر، قال: وفي حديث صحيح أيضًا: (أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ وما عمره؟ وما أثره؟ وما مصائبه؟)، والجمع بأنه يمكن أن الزوائد مما يوحى إليه -ﷺ- بعده، واللَّه أعلم.\nثم الكلمة تطلق على القول والفعل كقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤]، قيل: هي عشر خصال من الفطرة، وقوله: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ [يونس: ٦٤]، أي: لا خلف لما وعد، وقد يراد به العلم والقرآن كما في قوله تعالى: ﴿قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩]، في (مجمع البحار) (٢): كل ما دعا اللَّه للناس إليها فهو كلمة، والظاهر أن المراد في هذا الحديث الخصال ونحوها، ويجوز أن يأمر اللَّه الملك بأربع أوامر فيكون الكلمات على حقيقتها.\nوقوله: (فيكتب عمله) وهذه الكتابة غير كتابة المقادير السابقة على خلق السموات والأرض، جرت السنة الآلهية بإفرادها وتحديدها تأكيدًا وتقريرًا، ويكون فيها الأمر للملك إظهارًا للقضاء الأزلي (٣)، وقد جاء في خبر عند البزار: أن كتابته ذلك يكون بين عينيه، وفي حديث آخر: أنه يكتمب ذلك في صحيفته وبين عيني الولد، ثم الظاهر من هذا الحديث أنه يؤمر بكتابة تلك الأربع ابتداء، ودلت الأحاديث الصحيحة أنه يؤمر\n_________\n(١) \"فتح المبين لشرح الأربعين\" (ص: ٩٩).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٤٤٠).\n(٣) قال القاري: وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِكَتْبِهِ هَذ الأَشْيَاءَ إِظْهَارُهُ لِلْمَلَكِ، وَإِلَّا فَقَضاؤُهُ سَابِقٌ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ مُجَاهِدُ: يَكْتُبُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي وَرَقَةٍ، وَتُعَلَّقُ فِي عُنُقِهِ بِحَيْثُ لَا يَرَاهَا النَّاسُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣]. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٥٣).","vol":"1","page":350},{"text":"وَأَجَلَهُ، وَرِزْقَهُ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيْدٌ، ثُمَ يُنْفَخُ فِيهِ الْرُّوْحَ، فَوَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيرُهُ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا. . . .\nــ\nبذلك بعد أن يسأل عنها، وهو المراد ههنا، كذا ذكر الشيخ.\nوقوله: (وأجله) في (القاموس) (١): الأجل محركة: غاية الوقت في الموت، ومدة الشيء، يعني الأجل يطلق على مجموع المدة المضروبة للشيء وعلى آخره، والحديث يحتمل المعنيين.\nوقوله: (وشقي أو سعيد) وهذه الخاتمة أو السابقة، وهي المشار إليها بقوله: (السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه)، وهي غير العمل المذكورة أولًا، لأنه قد تعرض الشقاوة مع حسن العمل في مدة العمر، والشقاوة مع سوئه كما بيّنه بقوله: (حتى إن أحدكم ليعمل) الحديث، ولما كانت الشقاوة والسعادة مستمرة دائمة وأثره باقيًا دائمًا عبّر عنهما بالجملة الاسمية وغَيّر الأسلوب.\nوقوله: (ثم ينفخ فيه الروح) على صيغة المجهول أو المعلوم، والأول أشهر، وظاهر هذه الرواية أن النفخ بعد الكتابة، وفي رواية البيهقي عكسه، قيل: فإما أن يكون من تصرف الرواة، أو المراد ترتيب الإخبار فقط، ولكن رواية البخاري ومسلم أصح وأثبت (٢).\nوقوله: (حتى ما يكون) بالرفع لأن (ما) ألغت (حتى)، كذا قال الشيخ ابن حجر في (شرح الأربعين) (٣)، وهكذا صح في النسخ، وفي بعضها بالنصب أيضًا، ولعله على\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٨٤).\n(٢) في \"التقرير\": ويمكن الجمع بأنه يحتمل اختلاف الأحوال باختلاف الرجال.\n(٣) \"فتح المبين لشرح الأربعين\" (ص: ١٠١).","vol":"1","page":351},{"text":"إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الْكِتَابُ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا\". مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: ٦٦١٤، م: ٢٦٥٢].\n٨٣ - [٥] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجنَّة وَإنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّمَا الأَعْمَالْ بِالْخَوَاتِيمِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٠٧، م: ١١٢].\n٨٤ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى جِنَازَةِ صَبِيٍّ مِنَ الأَنْصَارِ،\nــ\nالقول بعدم الإمضاء.\nوقوله: (إلا ذراع) الذراع بالكسر: من طرف المرفق إلى الأصبع الوسطى، ومنه ذراع الثوب، فإنه في الأصل على مقدار الذراع، ثم زاد الناس فيها واصطلحوا على ما شاؤوا، وهو تمثيل للقرب، وفي الحديث: أن العبرة بالخواتيم، وقد يأتي ذكره صريحًا في الحديث الآتي.\n٨٣ - [٥] (سهل بن سعد) قوله: (وإنما الأعمال بالخواتيم) بالياء على وزن المصابيح، وفي بعض النسخ (بالخواتم) على وزن مساجد، في (القاموس) (١): ختمه ختمًا: بلغ آخره، والخاتم من كل شيء: عاقبته، والجمع خواتم وخواتيم.\n٨٤ - [٦] (عائشة) قوله: (إلى جنازة صبي) في (القاموس) (٢): جنزه ويجنزه:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠١٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٦٩).","vol":"1","page":352},{"text":"فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! طُوبَى لِهَذَا عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ، فَقَالَ: \"أَوَغَيْرُ ذَلكِ يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا، خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٦٢].\nــ\nستره وجَمَعَه، والجنازة: الميت، ويفتح، أو بالكسر الميت، وبالفتح السرير، أو عكسه، أو بالكسر: السرير مع الميت، وكل ما ثقل على قوم واغتموا به، فعلى تقدير كونها بمعنى الميت يكون الإضافة بيانية كقولهم: جيفة فلان.\nوقوله: (طوبى لهذا) في (القاموس) (١): طوبى: الطِّيب، وتأنيث الأطيب، والحسنى، والخير، والخِيَرَة، وشجرة في الجنة، أو الجنة بالهندية، كطيبي، وطوبى لك وطوباك لغتان، أو طوباك لحن.\nوقوله: (عصفور من عصافير الجنة) جعلته عصفورًا لصغره، ومن عصافير الجنة لكونه من أهلها في اعتقادها، فهو إما تشبيه بليغ كما هو المختار، أو استعارة على ما ذهب إليه بعض المتأخرين من الأصوليين، وقول الطيبي (٢): إنه من باب الادعاء، لا يخرجه عن أحد القسمين، إذ لو حمل على الحقيقة فهو تشبيه وإلا فاستعارة، نعم لما كان ذكر المشبه على وجه ينبئ عن التشبيه مانعًا من الحمل على الاستعارة تعيّن الأول وليس الادعاء قسما آخر، وهو ظاهر.\nوقوله: (لم يعمل السوء) إشارة إلى سبب كونه من أهل الجنة.\nوقوله: (أوغير ذلك) ذكروا فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الهمزة للاستفهام\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٥).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٢٢).","vol":"1","page":353},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالواو عاطفة على محذوف، و(غير) مرفوع بعامل مقدر تقديره: أَوَقَعَ هذا أو غير ذلك؟\nثانيها: أن يكون (أو) التي لأحد الأمرين، أي الواقع هذا أو غير ذلك، كذا قالوا، والظاهر أن الاستفهام إنكاري، والمقصود إنكار أن يكون وقوع هذا مجتمعًا مع وقوع غيره جزمًا أو ترددًا بل الواقع هو الغير وحده.\nوبهذا ظهر أن الأوجه هو الوجه الثالث الذي ذكره الطيبي، وهو أن يكون (أو) بمعنى بل كما هو في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، ومع ذلك المقصود المنع عن القطع بذلك، ثم ظاهر الحديث أن دخول الجنة والنار غير منوط بالأعمال، بل اللَّه سبحانه جعل من خلقه أهلًا للجنة عملوا الحسنات أو لم يعملوا، وكذلك جعل منهم أهلًا للنار عملوا السيئات أولم يعملوا، فهذا الصبي إن جعله اللَّه من أهل النار أدخله النار وإن لم يعمل سوءًا، فكيف تجزمين بأنه من أهل الجنة؟\nلكن الذي عُلم من الدين وانعقد عليه الإجماع أن أطفال المسلمين في الجنة، وفي أطفال المشركين ثلاثة أقوال: الأول: الدخول في النار، والثاني: التوقف، والثالث: أنهم من أهل الجنة، وهو الصحيح لأنه قد علم بالضرورة من الدين أن اللَّه لا يعذب أحدًا بغير ذنب.\nوقيل: يحتمل أنه لم يرتض بهذا القول من أم المؤمنين عائشة -﵂- لما فيه من الحكم بالغيب والقطع بإيمان أبوي الصبي إذ هو تبع لهما، وفيه إرشاد للأمة إلى التوقف عند الأمور المبهمة، والسكوت عما لا علم لهم به، وحسن الأدب بين يدي علام الغيوب،","vol":"1","page":354},{"text":"٨٥ - [٧] وعَن عَليٍّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ\"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ قَالَ: \"اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسِّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، . . . .\nــ\nوالأصوب أنه -ﷺ- قال هذا قبل أن أوحي إليه: أن أطفال المسلمين في الجنة، فلما أوحي إليه ذلك فأخبر بذلك وبأنهم يدخلون في آبائهم وأمهاتهم الجنة كما جاء في الحديث، واللَّه أعلم.\n٨٥ - [٧] (علي) قوله: (ومقعده من الجنة) في أكثر الروايات بالواو، وهو مطابق لما ورد في حديث آخر: أن لكل واحد من المؤمنين والكافرين مقعدًا في الجنة ومقعدًا في النار، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ٦٣]، وقوله -ﷺ-: (إذا كان يوم القيامة دفع اللَّه إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا، فيقول: هذا فكاكك من النار)، ولا حاجة إلى جعل الواو بمعنى أو، ولا يأبي التفصيل المذكور حمل الواو على حقيقتها، فإن كلا المقعدين مكتوب، لكن على تقدير كونه من أهل السعادة يبدل مقعده من النار بمقعده الجنة، وعلى تقدير كونه من أهل الشقاوة على العكس، فافهم، نعم قد جاءت الرواية بلفظ (أو) فبهذه القرينة لو حملت على معنى أو مع كونه أوفق بالمقصود لكان له وجه.\nوقوله: (أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟) فهموا أنه إذا سبق القضاء لنا بالجنة أو النار فأيّ فائدة في السعي والعمل؟ وأيّ حاجة إلى ذلك؟ وليس كذلك، فإن القضاء قد سبق ولكن اللَّه قد أمر ونهى، وتفهمون الخطاب ويأتي منكم الامتثال وتركه، وهو ربكم وأنتم عبيده، وقد ناط الجنة والنار بالعمل وجعله علامة عليه، غايته أنه لا يأتي منكم إلا ما سبق به القضاء كما أجاب -ﷺ-: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له)، وعلى أيِّ","vol":"1","page":355},{"text":"أمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ الشَّقَاوَةِ\"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ الآيَة [الليل: ٥ - ٦]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٦٢، ٤٩٤٥، ٤٩٤٩، م: ٢٦٤٧].\n٨٦ - [٨] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ الْمَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي،\nــ\nتقدير لا يكون سبق القضاء باعثًا على ترك العمل، والقول بأنه لما سبق فلأي شيء نعمل لأنه من جملة القضاء أيضًا، وقد أوضحنا هذا المعنى بما لا مزيد عليه في ترجمة الباب، وباللَّه التوفيق.\nوقوله: (فسييسر) على صيغة المضارع المجهول الغائب من التيسير.\n٨٦ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (إن اللَّه كتب على ابن آدم حظه) أي: نصيبه حال كون ذلك النصيب (من الزنا، أدرك) أي: وصله ولحقه (لا محالة) بفتح الميم وتخفيف اللام، أي: لا حولان ولا تغير لهذا، وكل ما تحول وتغير من الاستواء إلى العوج فقد حال واستحال، كذا في (القاموس) (١)، وفيه لا محالة منه بالفتح أي لابد، والمعنى كتب اللَّه، أي أثبت على ابن آدم بأن خلق له الحواس التي يجد بها اللذة، وركز في جبلته الشهوة والميل إلى النساء، ثم إنه سبحانه يعصم من يشاء، أو المعنى قدّر في الأزل أن يجري على ابن آدم الزنا فلابد أن يدركه، وهذا المعنى أنسب بترجمة الباب، فمنهم من يكون زناه حقيقيًا بإدخال الفرج في الفرج، ومنهم من يكون زناه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩١٠).","vol":"1","page":356},{"text":"وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: \"كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا، مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، العَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِناهُمَا الاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ\". [خ: ٦٣٤٣، م: ٢٦٥٧].\n٨٧ - [٩] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصُيْنٍ: إِنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ، . . . .\nــ\nمجازيًا بالنظر الحرام والتكلم بالكلام الحرام واستماعه والإصغاء إليه، وما يتعلق بتحصيله أشار إليه بقوله: (فزنا العين النظر. . . إلخ).\nوقوله: (الفرج يصدق ذلك ويكذبه) كناية عن الإتيان بالزنا والإباء عنه، وإسناد التصديق والتكذيب إلى الفرج مجازي، هذا كلامهم، ويدل ظاهرًا على أن المراد كتب على كل أحد من بني آدم حظه من الزنا، لكن اللَّه يعصم من يشاء ويجعله لممًا في حق بعض، ويجعله كبيرة في حق بعض آخر.\nولا يذهب عليك أنه يمكن أن يكون المراد كتب على من كتب عليه من جنس آدم، أي على بعضهم حظًّا من الزنا، ثم جعله إما بالنظر أو بالكلام أو بالفرج لا أنه كتب الزنا على بني آدم كلهم، وهذا المعنى أحسن وأولى، واللَّه أعلم بمراد رسوله.\nوقوله: (والقلب يهوى) بفتح الواو أي: يحب ويريد من عَلِمَ يعلم، وأما هوى يهوي من ضرب يضرب فهو بمعنى السقوط من فوق.\n٨٧ - [٩] (عمران بن حصين) قوله: (أرأيت) أي: أخبرنا، وقد يجيء بالكاف في آخره نحو أرأيتك، وأرأيتكما، وأرأيتكم، وهي حرف خطاب يدل على أحوال","vol":"1","page":357},{"text":"وَيَكْدَحُونَ فِيهِ؟ أَشَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ مِنْ قَدَرٍ سَبَقَ، أَوْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ؟ . . . .\nــ\nالمخاطب كما في ذلك وذلكما وذلكم، وفي (القاموس) (١): هي كلمة يقول العرب بمعنى أخبرني وأخبراني وأخبروني، والتاء مفتوحة، انتهى. وحقيقته أنه استفهام عن رؤية المخاطب أو علمه أي: هل رأيت فأخبرني؟ وقال الطيبي (٢): الاستفهام فيه للتقرير، أي: قد رأيت ذلك فأخبرني به.\nوقوله: (ويكدحون فيه) في (القاموس) (٣): كدح في العمل كمنع: سعى وعمل لنفسه خيرًا وشرًا، وكدح وجهه: خدش، وتَكَدَّح الجلدُ: تَخَدَّش.\nوقوله: (أشيء قضي عليهم؟ ومضى فيهم من قدر سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم) وفي رواية: (أم فيما يستقبلون به) بلفظ المعلوم في النسخ كلِّها فيما رأينا، وقال السيد جمال الدين المحدث: (يستقبلون) بصيغة المجهول في سماعنا، ولكن في أكثر نسخ (المشكاة) بلفظ المعلوم، أي أخبرنا أن عمل الناس فيما لا يزال هل سبقه قضاء في الأزل على وفقه أو لم يسبقه قضاء؟ أو إنما هو مستأنف على وفق ما يأتيهم نبيهم فيأمرهم وينهاهم، فيمتثلون أو يعصون من عند أنفسهم باختيارهم وقدرتهم.\nوقوله: (من قدر سبق) إما بيان لشيء قضي فيكون القضاء والقدر شيئًا واحدًا، وهو ما حكم اللَّه من الأمور كما تدل عليه عباراتهم مما أسلفنا ذكره في شرح ترجمة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٢٧).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٣٠).","vol":"1","page":358},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالباب، و(من) ابتدائية متعلقة بـ (قضي) أي: أقضي عليهم لأجل قدر سبق؟ فيكون القضاء ناشئًا، ومبتدئًا من قدر، والقدر سابقًا عليه، فالقدر هو التقدير، والقضاء هو الخلق، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، أي: خلقهن، فقوله: (جف القلم بما هو كائن) قدرٌ، و﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩] قضاءٌ، ولهذا قال بعضهم: إنها شؤون يُبديها لا شؤون يَبْتَدِيهَا، فالقدر كالأساس، والقضاء كالبناء، هكذا قال بعضهم في (النهاية) (١).\nوفي (مجمع البحار) (٢)، عن الكرماني: وقال بعضهم: القضاء الأمر الكلي الإجمالي، وهو حكم اللَّه تعالى في الأزل، والقدر جزئيات ذلك الكلي مفصلات، وهذا عكس ما في (النهاية)، ويوافق ما قال القاضي: القضاء هو الإرادة الأزلية والعناية الإلهية المقتضية لنظام الموجودات على ترتيب خاص، والقدر تعلق تلك الإرادة بالأشياء في أوقاتها.\nوقال الإمام الغزالي: إذا كان معنى الحكمة ترتيب الأسباب فتوجهها إلى المسببات كان حكمًا مطلقًا؛ لأنه مسبب كل الأسباب جملتها وتفصيلها، ومن الحكم ينشعب القضاء والقدر، فتدبيره أصل وضع الباب ليتوجه إلى المسببات حكمُه، ونصبه الأسباب الكلية الأصلية الثابتة المستقرة التي لا تزول ولا تحول كالأرض والسماوات السبع والكواكب وحركاتها المتناسبة الدائمة التي لا تتغير ولا تنعدم إلى أن يبلغ الكتاب أجله قضاؤه، كما قال: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢]،\n_________\n(١) انظر: \"النهاية\" (٤/ ٧٨).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٢٩٤).","vol":"1","page":359},{"text":"فَقَالَ: \"لَا، بَلْ شَيْءٌ قُضِيَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى فِيهِمْ، وَتَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ \" [الشمس: ٧ - ٨]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٥٠].\nــ\nوتوجه هذه الأسباب بحركاتها المتناسبة المحدودة المقدرة المحسوبة إلى المسببات الحادثة منها لحظة فلحظة قدره، فالحكم هو التدبير الأول الكلي والأمر الأول الذي كلمح البصر، والقضاء هو الوضع الكلي للأسباب الكلية الدائمة، والقدر هو توجيه الأسباب الكلية بحركاتها المقدرة المحسوبة إلى مسبباتها المعدودة بعدد معلوم لا يزيد ولا ينقص، ولذلك لا يخرج شيء من قضائه وقدره، انتهى.\nفالقضاء والقدر كلاهما جاء بمعنى واحد، وبالمعنيين المتغايرين بالتعاكس، وموارد الاستعمال تصلح دليلًا على الكل، ولا محذور في ذلك.\nوقوله: (فقال: لا بل شيء قضي عليهم) استشكل على هذا الجواب؛ أما على رواية (أم فيما يستقبلون به) فلأن جواب (أم) المتصلة إنما يكون بتعيين أحد الأمرين دون لا أو نعم، وقد يجاب بنفي كليهما لاحتمال الخطأ في اعتقاد المتكلم وجود أحدهما، وههنا ليس كذلك؛ لأن أحد الأمرين ثابت قط -ﷺ- والسؤال عن تعيينه، وأما على رواية (أو فيما يستقبلون) فلأن المقصود السؤال عن أحدهما واقع لا على التعيين، وهو حق لا يصلح للرد، وتوجيهه ما قال الطيبي (١): إن (أم) منقطعة و(أو) بمعنى بل، فنفى -ﷺ- ما أثبته وقرره وأكده ببل، فافهم.\nوقوله: (وتصديق ذلك في كتاب اللَّه ﷿: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾) [الشمس: ٧ - ٨] تسوية النفس: إنشاء خلقها على سواء من التدبير بحسب\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٢٩).","vol":"1","page":360},{"text":"٨٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَجُلٌ شَابٌ، وَأَنَا أَخَافُ عَلَى نَفْسِي الْعَنَتَ، وَلَا أَجِدُ مَا أَتَزَوَّجُ بِهِ النِّسَاءَ، كَأَنَّهُ يَسْتَأْذِنُهُ فِي الاخْتِصَاءِ، قَالَ: فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَسَكَتَ عَنِّي، ثُمَّ قُلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"يَا أَبَا هُرَيْرَةَ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا أَنْتَ لَاقٍ،\nــ\nما تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحة، وذلك بما يركب فيها من القوى التي جعلت مقدمة للنفس، وصارت النفس بها مستعدة لقبول الفهم والإفهام، ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا﴾ بالأمور الجبلية والقضاء الطبعية بأن ركزت في جبلته حب الشهوات، وخلقها على هذا الوجه، ﴿وَتَقْوَاهَا﴾ بالنصوص الشرعية والأدلة العقلية، والتصديق في قوله: ﴿فَسَوَّاهَا﴾، أي: قدرها وخلقها كذلك.\n٨٨ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (أخاف على نفسي العنت) في (القاموس) (١): العنت محركةً: الفساد والإثم والهلاك ودخول المشقة والزنا.\nوقوله: (في الاختصاء) في (القاموس) (٢): الخصى والخصية بضمهما وكسرهما من أعضاء التناسل، وخصاه خِصاءً: سَلَّ خصيتيه فهو خَصِيٌّ ومَخْصِيٌّ.\nوقوله: (ثم قلت مثل ذلك) لعله قال في الثانية بعبارة أخرى مثل الأولى أو اعتبر المغايرة الاعتبارية.\nوقوله: (جف القلم بما أنت لاق) جفاف القلم كناية عن إمضاء المقادير والفراغ منها ومن كتابتها، قيل: ما وجد هذا اللفظ مستعملًا على هذا الوجه إلا في كلام\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٥٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٧٧).","vol":"1","page":361},{"text":"فَاخْتَصِ عَلى ذَلِك أَوْ ذَرْ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٠٧٦].\n٨٩ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ. . . .\nــ\nرسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (فاختص على ذلك أو ذر) الرواية الصحيحة كما في أصول المشهورة المعتمدة (فاختص) بالصاد المكسورة المخففة، أمر من الاختصاء بمعنى سلّ الخصية كما هو المناسب للمقام، و(على ذلك) متعلق بمقدر أي كائنًا على العلم بأن ما قضي كائن لا محالة، وفي هذا تهديد على التسبب في مقابلة القدر والفرار منه، أو ذر الاختصاء أي: اتركه راضيًا بقضاء اللَّه، وقد وقع في بعض نسخ (المصابيح) (فاختصر) بالراء أمر من الاختصار بمعنى ترك التطويل في الكلام، وعلى هذا فالتهديد في الثاني أعني في قوله: (أو ذر)، وعلى التقديرين المراد أن كل ما قدر من خير وشر فهو كائن سواء اختصيت أو لا، فلا فائدة في الاختصاء وقطع العضو بلا حق (١).\n٨٩ - [١١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (إن قلوب بني آدم كلها) لما كان الظاهر أن المراد بالتصريف ههنا من الطاعة إلى المعصية وبالعكس، ومن الإيمان إلى الكفر وبالعكس بقرينة الدعاء المذكور بعده، والعكس غير موجود في المعصومين، أورد كلمة الشمول بأن هذا الحكم شامل للكل بالذات، لكن اللَّه عصم بعض عباده منه.\nوقوله: (بين أصبعين من أصابع الرحمن) هذا من المتشابهات، وقد تقرر فيها المذهبان، أحدهما: مذهب السلف المتقدمين، وهو اعتقاد ظواهرها، والتوقف عن تأويلها، وتفويض الأمر إلى اللَّه، واعتقاد أن هذه صفات له سبحانه ولا نعلم كيفيتها،\n_________\n(١) ثم المذهب أنه حرام كما صرح به الفقهاء في الحظر والإباحة. كذا في \"التقرير\".","vol":"1","page":362},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوهذا أسلم.\nوثانيهما: مذهب الخلف المتأخرين، وهو تأويلها بما يناسب المقام ويشعر بتعظيم جناب الحق تعالى وتقدس، وهذا أحكم.\nوبعضهم فرق بين هذا القسم المذكور في هذا الحديث وبين السمع والبصر واليد وأمثالها، فهذه تحمل على ظاهرها وتجري بلفظه الذي ورد من غير تشبيه بمسميات الجنس على ما هو مذهب السلف، وأما ما نحن فيه وأمثالها فيجب تخريجه على ما يناسب المقام من المعنى؛ لأنها ليست من أقسام الصفات بل ألفاظ متشاكلة أريد بها المعاني المجازية، كذا ذكر التُّورِبِشْتِي (١)، ولا يخلو عن شيء، فتدبر.\nوبالجملة الحديث محمول على ضرب من التمثيل، والمراد منه الاستظهار في القدرة وسرعة نفوذ الأمر والتصرف على مقتضى العلم والمشيئة كما يقال: فلان في قبضتي، أي تحت قدرتي، فلان بين إصبعي أقلبه كيف أشاء، أي: أقدر على قهره والتصرف فيه على أيِّ وجه شئت، ولما كان منشأ الإيمان والكفر والطاعة والمعصية وسائر أفعال العبادِ القلوبَ نسبه إليها.\nوأما تثنية الإصبع فيقال: المراد صفتا الجلال والإكرام، أعني القهر واللطف، فبالأول يقلبها إلى المعصية، وبالثاني إلى الطاعة.\nوقوله: (من أصابع الرحمن)، إنما أضاف إلى هذا الاسم لشمول رحمته تعالى وغلبتها مع أن غضب الحليم أشد فيشمل قسمي التصرف، فافهم.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٥٤).","vol":"1","page":363},{"text":"كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يَصْرِفُهُ كَيْفَ يَشَاءُ\"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٥٤].\nــ\nوقوله: (كقلب واحد) المراد أنه تعالى يقدر على جميع الأشياء دفعة واحدة، وليس المراد أن التصرف في القلب الواحد أسهل، أو هذا باعتبار ما عند الناس من أن التصرف في شيء واحد أهون عليهم من التصرف في قلوب كثيرة، وإلا فبالنسبة إليه تعالى الكل سواء.\nوقوله: (ثم قال رسول اللَّه -ﷺ-) قاله تعليمًا للأمة، وتأدّبًا للحضرة الإلهية، وطلبًا للثبات والدوام، وهو كقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، والظاهر أن صيغة المتكلم مع الغير شامل للأمة؛ لأنه ليس محل تعظيم النفس، اللهم إلا أن يجعل صيغة الجمع لغاية التضرع والابتهال كأنه جعل نفسه بمنزلة جماعة الفقراء والمحتاجين، فافهم، فإنه من متخيلات هذا المسكين.\nوقوله: (اللهم) أصله: يا اللَّه، عوضت الميم عن حرف النداء ولذلك لا يجتمعان، وهو من خصائص هذا الاسم كدخول (يا) عليه مع لام التعريف، وقطع همزته، وقيل: أصله يا اللَّه أَمِّنَّا بخير، فخفف بحذف حرف النداء ومتعلقات الفعل وهمزته، كذا قال البيضاوي (١)، والاسم المذكور بعده منادى ثان عند سيبويه، فإن الميم عنده يمنع وصفه، وعند الزجاج أنه صفة فإنه قال: كما لا تمتنع الصفة مع يا فلا تمتنع مع الميم، وأقول: ههنا مانع آخر من الوصفية فإن قوله: (مصرف القلوب) نكرة لكون الإضافة غير مختصة، اللهم إلا أن يراد بالوصف ههنا ما يعمّ البدل وعطف البيان في مقابلة كونه منادى ثانيًا.\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٣٣٣).","vol":"1","page":364},{"text":"٩٠ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، . . . .\nــ\n٩٠ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) الفطرة: الشق، يقال: فطرته فانفطر أي: شققته فانشق، وفطر ناب البعير أي: طلع، فهو بعير فاطر، وتفطر أي تشقق، سيف فطار بالضم فيه تشقق، والخلق يقال: فطر اللَّه الخلق أي: خلقهم، والابتداء والإنشاء يقال: فطر الأمر: ابتدأه وأنشأه، والفطرة فعلة منه بمعنى الخلقة التي خلق عليها المولود، هذا معناها اللغوي.\nوأما معنى الحديث وتأويله فقد ذكروا فيه وجوهًا متعددة، والمشهور منها أن المراد بالفطرة الدين الذي شرع وابتدئ، وخلق الأول مفطور من البشر، وهو التوحيد ودين الإسلام، وقد وقع في رواية: (ما من مولود إلا وهو على الملة)، وفي رواية الترمذي: (كل مولود يولد على الملة)، والملة هو دين الإسلام.\nوتعقب هذا الوجه بأن قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] ينافي هذا التأويل؛ لأنه لو كان المراد بالفطرة نفس الإسلام للزم من الحديث تبديل خلق اللَّه؛ لأن النبي -ﷺ- قال: (فأبواه يهودانه)، اللهم إلا أن يراد بالتهويد الحكم عليه بالكفر في الدنيا بحسب الظاهر من جهة التبعية وعلة الجزئية مع وجود إسلامه حقيقة، أو يراد بقوله: (لا تبديل) لا ينبغي أن يبدل، وليس من شأنه أن يبدل، والخبر في معنى النهي.\nوبأن قوله -ﷺ- في حديث موسى والخضر: (الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا)، وهو حديث صحيح، فكيف يكون كل مولود مفطورًا ومطبوعًا على الإسلام؟ وبأن الدين المعتد به من باب الإكساب، ولو كان من حكم الجبلة لم يكن","vol":"1","page":365},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nكذلك، وبأن المولود لو ولد مسلمًا لم يجعله الشرع تبعًا لأبويه الكافرين في كفرهما، وقد حكم الشرع على ولدان المشركين بحكم المشركين.\nفالصواب أن المراد بالفطرة التي خلق اللَّه الخلق عليها الحالة والهيئة المهيأة لمعرفة الخالق وقبول الحق واختيار دين الإسلام والتمييز بين الحق والباطل ما ركب فيهم من العقول التي يتمكنون بها من الهدى وقبول الحق لو نظروا بها نظرًا صحيحًا لاستمروا على لزومها، ولم يفارقوها، كما أنه يولد على محبة ارتضاعه اللبن حتى يصرف عنه، وهي التي لا تبديل لها ولا يتهيأ لأحد التبديل؛ لأن هذا الاستعداد والتهيؤ لا يتبدل، وإن ذهب ذاهب إلى خلاف مقتضاها كانت بحالها حجة عليه، وليس هذا تبديلًا له بل عدم ظهور أثره بالفعل، وبهذا الاعتبار ناسب إيراد هذا الحديث في باب القدر، فافهم.\nفمعنى الحديث: أن المولود يولد على العقل المفطور لو ترك على ما فطر عليه من العقل القويم والوضع المستقيم، ولم تعرضه آفة من قبل الأبوين إما جبرًا منهما أو تقليدًا لم يختر غير هذا الدين الذي حسنه ظاهر عند ذوي العقول السليمة، والألف بالمحسوسات والموهومات والانهماك في الشهوات المانعة عن النظر الصحيح والوصول إلى المطلوب وإدراك الحق في حكم تهويد الأبوين، وهذا هو المراد مما قال بعض الفضلاء: إن صاحب الفطرة السليمة مجبول على اختيار دين الإسلام، وهو المراد بالآية الكريمة، ولا ينافيه حديث غلام الخضر لأنه مع كونه مطبوعًا على الكفر متمكن على اختيار دين الإسلام لو نظر نظرًا صحيحًا، وأيضا ما قلنا إنما هو بالنظر إلى الظاهر وعالم الشهادة بمعنى أن الناظر إذا نظر إلى المولود نفسه من غير اعتبار عالم الغيب وجد","vol":"1","page":366},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأنه ولد على الفطرة من الاستعداد للمعرفة والتمكن من قبول الحق والتمييز بين الخطأ والصواب، وقصة غلام الخضر، والحديث الواقع فيه بالنظر إلى عالم الغيب والحقيقة، هذا حاصل ما ذكروه مع توضيح وتنقيح لكلامهم.\nوخلاصته أن المراد بالفطرة هو التهيؤ للإسلام والتمكن من الهدى لا الاتصاف بالإسلام وحصوله حقيقة، ولعل مراد من حمل الفطرة على دين الإسلام أيضًا إنما هو التهيؤ له والتمكن؛ إذ القول بحصول حقيقة الإسلام للمولود ظاهر الفساد، فلا خلاف بين التأويلين، ويستأنس ما ذكرنا بقول البيضاوي (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] هي قبولهم للحق وتمكنهم من إدراكه، أو ملة الإسلام فإنهم لو خُلُّوا وما خلقوا عليه أدى بهم إليها، وقيل: العهد المأخوذ من آدم وذريته، انتهى. فجعل على تقدير إرادة الإسلام بمعنى التمكن من إدراك الحق بقوله: فإنهم لو خُلُّوا. . . إلخ، لا حصولها بالفعل حقيقة.\nوهذا الذي ذكره في الآية آخرًا أحد الأقوال التي ذكر في تأويل الحديث، وهو أن المراد بالفطرة العهد الذي أخذ اللَّه عليهم وهم في أصلاب آبائهم، فقال: ﴿لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وهذا القائل إن أراد بالولادة على إقرار الربوبية السابقة المأخوذ يوم الميثاق بقاؤه الآن حقيقة كما هو ظاهر القول الأول في التأويل فقوله، فقد ورد عليه ما ورد على ذلك القائل، وإن أراد التمكن والتهيؤ المذكور في القول الثاني فذاك، فتدبر.\nوقد يقال: المراد أن كل مولود يولد على معرفة اللَّه والإقرار بوجوده ووحدانيته\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٤٨٣).","vol":"1","page":367},{"text":"كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ،\nــ\nفلا تجد أحدًا إلا وهو يقرّ بأن له صانعًا وإن سماه بغير اسمه، أو عبد معه غيره، وفيه: أنه إن كانت هذه المعرفة والإقرار حاصلًا لكل أحد باقيًا له بحيث لا يوجد إلا به كما هو ظاهر عبارة القائل فلا يكون لتهويد الأبوين تأثير في ذلك، وإن قيل بحصوله في حال الولادة، ثم زواله بتهويد الأبوين آل المعنى إلى أن فطرته مقتضية لمعرفة دين الإسلام ومحبته والتمكن من ذلك لو لم يعقه عائق من جهة الأبوين، وذلك هو المعنى الذي ذكر قبل هذا، على أن قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨] يرد هذا القول.\nوقيل: المراد يولد في ابتداء الخلقة في علم اللَّه مؤمنًا أو كافرًا، سعيدًا أو شقيًا، فأبواه يهودانه أي: في حكم الدنيا، وهذا المعنى ركيك، فإنه لا جودة لتعقيب قوله: (فأبواه يهودانه) على خلقه كافرًا شقيًّا، وإنما يحسن على خلقه مؤمنًا سعيدًا، على أن الحق أن الفطرة غير السابقة الأزلية الحاكمة بالشقاوة والسعادة، وعلى حكم السابقة ورود قوله -ﷺ-: (الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرًا).\nفلما استبان لك ما ذكرنا ظهر أن الوجه هو أن المراد من الفطرة التمكن من معرفة الحق بخلق العقل فيه بحيث لو نظر نظرًا صحيحًا أدرك الحق واختار دين الإسلام، واختيار الكفر إنما هو بالعوارض والعوائق التي يصدّ عن النظر الصحيح والجريان على حكم الفطرة، ولعلنا كنا نختار من الأول هذا القول، ولم نذكر ما سواه تركًا للتطويل والانتشار، ولكن القلم جرى ما جرى بتقدير القادر المختار، وهو أعلم وعلمه أحكم.\nوقوله: (كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء) قال الطيبي (١): قوله: (كما) إما حال\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٣٤).","vol":"1","page":368},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمن الضمير المنصوب في (يهودانه) مثلًا، فالمعنى: يهودان المولود بعد أن خلق على الفطرة مشبهًا بالبهيمة التي جدعت بعد أن خلقت سليمة، وإما صفة مصدر محذوف، أي يغيرانه تغيرًا مثل تغيرهم البهيمة السليمة، فالأفعال الثلاثة تنازعت في (كما)، انتهى.\nولا يخفى أن الظاهر أن يكون حالًا من ضمير يولد؛ لأن المشبه به تنتج البهيمة جمعاء، أي تامة كاملة سليمة الأعضاء جامعة لأعضائها، ويشابه ولادة المولود على الفطرة، نعم يصح ما قال نظرًا إلى حاصل المعنى ومآله وكأنه لاحظ قربه منه.\nو(تنتج) بلفظ المجهول هكذا لفظ العرب، يقال: نتجت الناقة بلفظ المجهول: إذا ولدت، ونتجها أهلها: إذا ولّدها من التوليد وتولها نتاجها وهي منتوجة، كما يقال: نفست المرأة فهي منفوسة، والمتولى نتاجها ناتج، والناتج للبهائم كالقابلة للنساء، فقوله: (بهيمة) مفعول ثان، و(جمعاء) صفتها، ويروى أنتج على بناء الفاعل من الإنتاج، وهو ضعيف؛ لأن أنتجت الفوس بمعنى حان نتاجها، وقيل: استبان حملها، وقيل: أنتج لغة في نتج بمعنى تولى ولادتها، فيجوز أن يكون تنتج مجهولّا من الإنتاج أيضًا بهذا المعنى، كذا في (القاموس) و(الصحاح) (١).\nوقال التُّورِبِشْتِي: لم يستعملوه إلا على هذا الوجه، ولكن قال القاضي عياض في (المشارق) (٢): أنتجت الفرس بمعنى حملت وولدت، ويوافقه ما يقع في عبارة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٠٢)، و\"الصحاح\" (٢/ ١٩١).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٥).","vol":"1","page":369},{"text":"هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ ثُمَّ يَقُول: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ \" [الروم: ٣٠]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٥٨، ١٣٥٩، ٤٧٧٥، ٦٥٩٩، م: ٢٦٥٨].\n٩١ - [١٣] وَعَنْ أبِي مُوسَى قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. . . .\nــ\nالمصنفين: ينتج ومنتج بلفظ المعلوم، ويؤيد رواية المجهول ما في سنن أبي داود (١): (كما تناتج الإبل من بهيمة جمعاء) أي: يوالدها، واللَّه أعلم.\nوقوله: (هل تحسون) بصيغة المعلوم من الإحساس (فيها من جدعاء) في (القاموس) (٢): الجدع قطع الأنف أو الأذن أو اليد أو الشفة، والمراد ناقصة الخلقة، والمعنى: أن البهيمة تولد سوية الأطراف سليمة من الجدع، فلولا تعرض الناس لبقيت كما ولدت.\nوقوله: (ثم يقول) عدل عن لفظ الماضي إلى المضارع إحضارًا لتلك الصورة البديعة كما قالوا.\n٩١ - [١٣] (أبو موسى) قوله: (قام فينا رسول اللَّه -ﷺ-) كناية عن التذكير، أي: خطبنا وذكرنا، هذا اللفظ كثير الوقوع في الأحاديث، وكانت عادته -ﷺ- أنه إذا أراد أن يعظ أصحابه ومن حضره من الوفود ويذكرهم بأحكام اللَّه قام فيهم قيامًا وخطب، وفي حديث أوس الثقفي: (كان النبي -ﷺ- ينصرف إلينا بعد العشاء فيحدثنا قائمًا على رجليه حتى يراوح بين قدميه من طول القيام) (٣)، فعلى هذا يمكن حمله على حقيقة\n_________\n(١) \"سنن أبي داود\" (٤٧١٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٥٢).\n(٣) أخرجه الطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١١٧١)، وابن ماجه في \"سننه\" (١٣٤٥).","vol":"1","page":370},{"text":"بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ لَا يَنَامُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْل،\nــ\nالقيام، وقال التُّورِبِشْتِي (١): وإنما سلكنا ذلك المسلك لما عرفنا من سنته في ذلك وإن اقتضينا ما يقتضيه ظاهر اللفظ فالمعنى أنه قام بحفظ تلك الكلمات لأن القيام بالشيء هو المراعاة والحفظ له.\nوقوله: (بخمس كلمات) أي: بخمس فصول، والكلمة تطلق على الجملة المركبة المفيدة، في (القاموس): الكلمة: اللفظ والقصيدة. وأولى الكلمات: (إن اللَّه لا ينام)، والثانية: (ولا ينبغي له أن ينام)، وهي مغايرة للأولى لأنه لا يلزم من عدم صدور المنام عدم جوازه، ولكنها يؤكدها ويقررها، والثالثة: (يخفض القسط ويرفعه)، والرابعة: (يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل)، والخامسة: (حجابه النور) هكذا قالوا، والمراد بالقسط إما الرزق، في (القاموس) (٢): القسط بالكسر: العدل والحصة والنصيب والرزق والميزان، فيكون في معنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ [العنكبوت: ٦٢]، أو الميزان، وهذا أظهر وأنسب لما في حديث أبي هريرة: (بيده الميزان يخفض ويرفع) (٣).\nومعنى خفض الميزان ورفعه: وزن أرزاق العباد النازلة من جناب تقديره تعالى وأعمالهم الصاعدة إلى حضرته وتعريف مقاديرهما للموكلين عليها، أو هو إشارة\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٥٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٢٨).\n(٣) أخرجه البخاري (٤٦٨٤).","vol":"1","page":371},{"text":"حِجَابُهُ النُّورُ. . . .\nــ\nإلى أن اللَّه كل يوم هو في شأن وأنه يحكم في خلقه بميزان العدل، ويقع هذا المعنى كالتقرير لقوله: (ولا ينبغي أن ينام)، لأن النوم ينافي دوام التصرف في الملك في كل آن وفي كل حين.\nوالمقصود من رفع عمل الليل قبل عمل النهار مسارعة الملائكة الموكلين بأعمال العباد فيما أمروا به، وسرعة عروجهم إلى محال العرض في مصاعد السماوات، وقدرتهم على رفع الأعمال في أدنى ساعة بل في لمحة لأنه لا فاصلة بين اليل والنهار إلا آن وجزء لا يتجزئ هو حد مشترك بينهما، وهذا إذا كان المراد بقوله قبل عمل النهار قبل شروع العبد في عمله، وإن كان المراد قبل رفع النهار فالمعنى لا يؤخر في رفع عمل الليل، ولا يتوقف على انضمام عمل النهار إليه، بل يعرض كل منهما على حدة، إذ قد وكل لكل منهما ملائكة معقبات، وكلا المعنيين صحيح، والثاني هو المتبادر من العبارة وإن كان الأول أبلغ في المعنى، فافهم.\nوقوله: (حجابه النور) أي: أنوار جلاله وأشعة عظمته وكبريائه التي تدهش دونها العقول، وتكل الأبصار، وتحير البصائر، والحجاب ههنا يرجع إلى الخلق؛ لأنهم هم المحجوبون لا هو ﷾ على مثال العُميان بالنسبة إلى الشمس، ولا يقال: محجوب بل المحتجب؛ لأن المحجوب مغلوب ومقهور للحاجب الذي يستره، والمحتجب من احتجب بذاته واستتر لمنعه الغير عن إدراكه، ويحتمل أن يكون معناه أنه محتجب لشدة ظهوره كجرم الشمس تكل به العين.\nوالتحقيق أن صفاته التي هي أنوار ذاته هي الحجاب له؛ إذ الصفات هي حجب الذات ولا تدرك الذات من حيث هي هي، وإنما تدرك بصفة من الصفات، وكل","vol":"1","page":372},{"text":"لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ\". رَوَاهُ مُسْلِم [م: ١٧٩].\n٩٢ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَدُ اللَّهِ مَلأَى. . . .\nــ\nما يدخل في الإدراك فهو صفة ونور من أنواره، واللَّه تعالى وراءه، وتعالى اللَّه عن أن تدركه العقول والبصائر، ولو كشفت وأزيلت أنوار الصفات وتجلى الذات البحت، لأحرقت تجليات ذاته الخلائق، واضمحلت الأكوان بسطوة أحدية الذات ولم يبق إلا اللَّه الواحد القهار.\nو(سبحات) بضمتين: جمع سبحة بالضم والسكون كغرفة وغرفات، قال أبو عبيد: وهو نور وجهه، وقال في (القاموس) (١): سبحات وجه اللَّه: أنواره، ولا يخفى أنها تكون غير النور الذي هو حجابه؛ لأنه فرض مكشوفًا، فهذا نور الذات وتلك أنوار الصفات على ما بينا، أفردت لإرادة الجنس وكأنه سمي سبحة لأن الرائين من الملائكة وغيرهم يسبحون عند رؤيته لما يروعهم ويدهشهم من جلال اللَّه وعظمته، والمراد بما انتهى إليه بصر المخلوقات؛ لأن بصر اللَّه يحيط بجميع الكائنات ويصل إلى نهايتها.\n٩٢ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (يد اللَّه ملآى) قد علم الاختلاف في تأويل أمثال هذه الألفاظ وتركه والتوقف في كيفيتها، والمناسب للمقام تأويل اليد بالنعمة والنوال، وقيل: المراد باليد الخزائن، والتحقيق أن هذه العبارات كنايات عن معاني\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢١٦).","vol":"1","page":373},{"text":"لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، أرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُذْ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ،\nــ\nإجمالًا، ولا ينظر إلى تفاصيل مفرداتها، كالاستواء على العرش كناية عن الملك ونفوذ الأمر، وبسط اليد كناية عن الجود، والطي باليمين كناية عن التصرف من غير أن يكون هنا استواء عرش ويد وبسط ويمين وطي على ما بيّن في موضعه، فالألفاظ المذكورة في الحديث كناية عن فضل الغنى وكمال السعة ونهاية الجود وغاية العطايا، فـ (ملآى) مؤنث ملآن خبر (يد اللَّه)، في (القاموس) (١): ملأه كمنعه يملأه بالفتح والكسر وهو ملَان وهي ملآى وملآنة، انتهى.\nوقوله: (لا تغيضها) خبر ثان أي: لا تنقصها، من غاض الماء غيضًا: قلَّ وانتقص، كانغاض، وغاض الماء وثمن السلعة: نقصهما كأغاض، لازم ومتعد، واستعمل في الحديث متعديًا، (سحاء) خبر ثالث من السح، وهو الصب والسيلان من فوق، يقال: سحّ الماء يسحّ سحًا أي: سال من فوق، وكذلك المطر والدمع، ففيه وصف يد اللَّه في الإعطاء بالتفوق والاستعلاء، ووصف عطائه بالجزالة والغزارة باعتبار معنى السيلان، يقال: مطر سحّاح أي: شديد السحّ، وليس للفظ سحاء ذكر على أفعل، ومثله ديمة هطلاء، ولم يرد أهطل، والليل والنهار منصوبان على الظرفية لسحاء، أي: دائم عطائه غير منقطع، و(أرأيتم) خطاب عام، ويجيء في الجمع كما يجيء في الواحد، وفي الواحد أكثر، والهمزة للتقرير، و(ما) في (ما أنفق) موصولة أو موصوفة أو استفهامية، وهو أنسب بقوله: (أرأيتم).\nوفي قوله: (فإنه لم يغض) استعمل الغيض لازمًا و(ما في يده) فاعله أو فيه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٢).","vol":"1","page":374},{"text":"وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ، يَخْفِضُ وَيَرْفَع\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: \"يَمِينُ اللَّهِ مَلأَى -قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ: مَلآنُ- سَحَّاءُ لَا يُغِيضُهَا شَيْءٌ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ\". [خ: ٤٦٨٤، م: ٩٩٣].\n٩٣ - [١٥] وَعَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ ذَرَارِيِّ الْمُشْرِكينَ، قَالَ: . . . .\nــ\nضمير للإنفاق و(ما في يده) مفعوله.\nوقوله: (وكان عرشه على الماء) حال من فاعل خلق، وقد عرفت معناه في الحديث الأول من الفصل، وسيجيء في (باب بدء الخلق)، وكذا قوله: (وبيده الميزان)، ويجوز أن يكون مستأنفًا؛ لأن الأمر بيده دائمًا، ولكن في جعله حالًا من فاعل (خلق) إشارة إلى سبق التقدير.\nوقوله: (وفي رواية مسلم: يمين اللَّه ملأى) وهو يناسب المقام لأن العطاء يكون باليمين عادة، وقد ورد (كلتا يدي الرحمن يمين).\nوقوله: (وقال ابن نمير) على صيغة التصغير، وهو عبد اللَّه بن نمير شيخ مسلم وقع في روايته: (يد اللَّه ملآن)، وهو صحيح؛ لأن المراد بيد اللَّه فضله وإحسانه، ورواية (ملآى) أكثر وأشهر وأظهر.\n٩٣ - [١٥] (أبو هريرة)، قوله: (عن ذراري المشركين) ذراري جمع ذرية بالضم ويكسر، والذر تفريق الحب والملح ونحوه، كذا في (القاموس) (١)، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): هو من ذرأ الخلق يذرأهم أي: خلقهم، وقد تركت العرب همزة الذرية\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٦٩).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (١/ ٥٨).","vol":"1","page":375},{"text":"\"اللَّهُ أعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٨٤، م: ٢٦٥٩].\nــ\nكتركهم في رَوِيَّة وبَرِيَّة، والذرية نسل الثقلين الرجال والنساء، وأصلها الصغار، وتقع في المتعارف على الصغار والكبار، ويستعمل للواحد والجمع، وأصلها الجمع، وقال البيضاوي (١): الذرية فعلية من الذر، أو فعولة من الذرأ، أبدلت همزتها ياء، ثم قلبت الواو ياء وأدغمت.\nوقوله: (اللَّه أعلم بما كانوا عاملين) قال التُّورِبِشْتِي (٢). يحتمل أنه لم ينبأ عن حدوث هذا السؤال عن حقيقة أمرهم، فتوقف فيه، أو علم ولم يؤذن له في الكشف عنه رعاية لمصلحة العباد فأجاب عنه بما أجاب، أي: اللَّه أعلم بما هم صائرون إليه، وبما هو كائن من أمرهم، يدخلون الجنة آمنين مُنعَّمين أم يردون النار لابسين معذبين، أم يتركون ما بين المنزلتين، ويحتمل أنه علق أمرهم بما علم اللَّه من عاقبة أمرهم لو تركوا فعاشوا حتى بلغوا الحنث.\nوالمعنى أن من علم اللَّه منه أنه لو أمهل حتى بلغ الحنث عنده، ثم مات على الإيمان أدخله الجنة، ومن علم منه أنه يفجر ويكفر أدخله النار، وفي هذا التأويل نظر؛ لأنا ننفي في أصل الدين ومنهاج الشرع أن يعذب العصاة على معصية كانت تقع منهم لو طالت بهم الحياة، ولأنا ننفي ذلك عن الأطفال -وهم أضعف بنية وأقل قوة- أحق وأجدر.\nوبعد فاعلم أن مبنى اختلاف التأويل في هذا الحديث على اختلاف المسلمين في ولدان المشركين، فمنهم من يسكت عنه ولا يقطع في أمرهم بشيء، ومنهم من\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٣٣٨).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (١/ ٥٩).","vol":"1","page":376},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-211> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٩٤ - [١٦] وَعَن عبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ،\nــ\nيعلق أمرهم بما علم اللَّه منهم كما قدمناه، ومنهم من يقول: إنهم مع آبائهم وأمهاتهم في النار كما هم يتبعونهم في كفرهم في هذه الدار، ومنهم من يقول: إن المولود لو مات قبل أن يبلغ الاختيار زال عنه ولاية الأبوين فيزول عنه ما كان فيه من تغيير الدين، فيرجع إلى ما كان عليه من أصل الفطرة، فيصير بذلك من أهل الجنة، ومنهم من يقول: إنهم لما علموا ما يتابعون به، ولم يجترحوا ما يعاقبوا عليه، ولا مقر في الآخرة إلا في إحدى الدارين، وإحداهما ينفيها العدل والأخرى يقتضيها الفضل، فيقول: إنهم يدخلون الجنة لا على سبيل الاستقلال بل يكونون لأهلها كخدام الملوك في قصورهم ومنازلهم، ومنهم من يقول: إنهم كائنون بين الجنة والنار لا منعمين ولا معذبين.\nقلت: والقول المبني على قاعدة أصول الدين هو أن لا يقطع في أمرهم بشيء وما عداه فإنه إما مستنبط بالرأي والقياس، وإما مأخوذ من الأخبار الواهنة، وأمثال ذلك لا يتلقى إلا من جهة الرسول -ﷺ- بالنقل الذي ينقطع العذر دونه، ولم يوجد هنالك فوجب التوقف، واللَّه أعلم، هذا كلام الشيخ التُّورِبِشْتِي نقلته بعبارته مفيد في هذا المقام يذهب بالإجمال في هذا الباب، واللَّه أعلم بالصواب.\nالفصل الثاني\n٩٤ - [١٦] (عبادة بن الصامت) قوله: (إن أول ما خلق اللَّه القلم) (١) هو\n_________\n(١) يَعْنِي بَعْدَ الْعَرْشِ وَالْمَاءِ، فَالأَوَّلِيَّةُ إِضَافِيَّةٌ، وَالأَوَّلُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ النُّورُ الْمُحَمَّدِيُّ عليه =","vol":"1","page":377},{"text":"فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فَقَالَ: مَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبِ الْقَدَرَ، فَكَتَبَ مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى الأَبَدِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. [ت: ٢١٥٥].\nــ\nبالرفع، وقد يروى بالنصب، فإن صحت كان على لغة من ينصب خبر إن، وقيل: بتقدير كان، وقد قيل بالوجهين في قوله: يَا لَيْتَ أَيَّامَ الصِّبَا رَوَاجِعَا.\nوقوله: (فكتب ما كان) إخبار من النبي -ﷺ- باعتبار حاله وزمانه، وليس حكاية عما أمر القلم بكتابته، وإلا لقيل: ما يكون؛ لأنه ليس في ذلك الوقت شيء مضى، ويمكن أيضًا أن يقال: إن كتابة المقادير كان فيما لا يزال قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان حينئذ عرشه على الماء مخلوقًا قبله، فيكون المراد بما كان: ما هو قبل الكتابة مما كان بعد العرش والماء، وقد سبق توجيهه في الفصل الأول (١)، أو نقول: ما كان وما يكون كناية عن الكل من غير أن يكون المراد ما سبق وما يأتي.\nوقوله: (هذا حديث غريب إسنادًا) اعلم أن المحدثين تكلموا في حديث: (أول ما خلق اللَّه العقل)، وقالوا: إنه موضوع، وقال السيوطي: له أصل صالح خلافًا لمن قال بوضعه، وقد ذكرنا طرق ذلك وما يتعلق به من الكلام في (شرح سفر السعادة)، وقال الشيخ ابن حجر العسقلاني (٢): حديث: (أول ما خلق اللَّه القلم) أثبت من حديث العقل، ويظهر من هذه العبارة أن في هذا الحديث أيضًا مقالًا، واللَّه أعلم.\n_________\n= الصلاة والسلام. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٦٨).\n(١) انظر: الحديث (٧٩).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٢٨٩).","vol":"1","page":378},{"text":"٩٥ - [١٧] وَعَن مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧٢]، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُسْأَلُ عَنْهَا فَقَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّةً، فَقَالَ: خَلَقْتُ هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ،\nــ\n٩٥ - [١٧] (مسلم بن يسار) قوله: (ثم مسح) المسح إمرار اليد على الشيء، والماسح إما ملك مأمور بذلك، فأسند إلى اللَّه تعالى لأنه الآمر كما في قولهم: بنى الأمير المدينة، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢] والمتوفي هو الملك، أو مسح بمعنى قدر، من مسح بمعنى ذرع، في (القاموس) (١): المسح الذَّرْعُ، كالمِساحة بالكسر، وهو أيضًا مجاز ومؤول وهو من المتشابهات، وفي ذكر لفظ اليمين تنبيه على تخصيص آدم بالكرامة والفضيلة، وكلتا يدي الرحمن يمين، ويحتمل أن يكون اليمين بمعنى القوة، في (القاموس) (٢): اليمين ضد اليسار، والبركة، والقوة.\nثم اعلم أن الكلام في هذا المقام كثير، وخلاصته: أن بعض المفسرين فسروا الآية بأن المراد بأخذ الذرية من ظهور بني آدم إخراجهم من أصلابهم نسلًا وتوالدًا على مر الزمان وإشهادهم على أنفسهم وأخذ الإقرار منهم بقوله: ﴿لَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] وإقرارهم بذلك بقولهم ﴿بَلَى﴾ تمثيل وتخييل، ومعنى ذلك أنه نصب لهم الأدلة على الربوبية والواحدانية، وشهدت بها عقولهم وبصائرهم التي ركبها فيهم\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٣٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٤٣).","vol":"1","page":379},{"text":"وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ\"، فقَالَ رَجُلٌ: . . . .\nــ\nوجعلها مميزة بين الضلالة والهدى، فكأنه أشهدهم على أنفسهم وقررهم، وقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ وكأنهم قالوا: ﴿بَلَى﴾ أنت ربنا شهدنا على أنفسنا وأقررنا بربوبيتك ووحدانيتك.\nقال صاحب (الكشاف) (١): وباب التمثيل واسع في كلام اللَّه ورسوله وفي كلام العرب، ولم يفسروا الآية بقصة إخراج الذرية من ظهر آدم كالذر، وإحيائهم وإعطائهم العقل والنطق، وإقرارهم بذلك قولًا في يوم الميثاق كما جاء في الأخبار، والباعث لهم على هذه القصة ظاهر لفظ الآية؛ لأنه لو كان المراد ذلك لقيل: وإذ أخذنا من آدم من ظهره ذريته، وكما أن ظاهر لفظ الآية كان فيما فسروها به كذلك لا شك أن ظاهر لفظ الحديث في الذرية من ظهر آدم كما هو القصة المشهورة في يوم الميثاق، فيكون بينه وبين الآية منافاة، فأجاب الإمام الرازي (٢) بأنه لا منافاة؛ لأن الآية ساكتة عن إخراج الذرية من صلب آدم لا تدل على ثبوته ولا على نفيه، بل إنما تدل على إخراج الذرية من ظهور بني آدم بالتناسل، وإثبات الحجة عليهم، ولكن قصة إخراج الذرية من ظهر آدم وأخذ الميثاق منهم أيضًا ثابتة بدلالة الأخبار والأحاديث فلا منافاة.\nبقي الكلام في توجيه كون الحديث جوابًا عن سؤال السائل عن الآية، والظاهر منه أن يكون الحديث تفسيرًا للآية، وبيانًا للمراد منها، فقيل في ذلك: إن المراد من ﴿بَنِي آدَمَ﴾ في الآية آدم وأولاده، كأنه صار اسمًا للنوع كما قيل في قوله -ﷺ-: (أنا سيد\n_________\n(١) \"الكشاف\" (٢/ ٣١٠).\n(٢) انظر: \"تفسير الرازي\" (١٥/ ٤٠٢).","vol":"1","page":380},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nولد آدم) أن المراد به نوع الإنسان، فيشتمل آدم وأولاده لحديث: (آدم ومن دونه تحت لوائي)، واقتصر في الحديث على (آدم) اكتفاءً بذكر الأصل عن الفرع، فيكون المراد من الآية والحديث كليهما الإخراج بالتوليد والإشهاد بنصب الدلائل وتركيب العقول، فيصح كون الحديث جوابًا عن السؤال عن الآية وتفسيرًا لها، ولهذا التوجيه مع ما فيه من ارتكاب التكلف وإن أمكن جريانه في هذا الحديث، لكن حديث أبي هريرة وكذا حديث ابن عباس الآتيان في الفصل الثالث (برقم: ١١٨ و١٢١) يضعفان هذا التوجيه؛ لأنهما صريحان في إخراج الذرية من ظهر آدم ونشرهم بين يديه إلى آخر ما يقال في قصة يوم الميثاق.\nوقد يقال: إن ذينك الحديثين لا تعلق لهما بالآية، ولم يذكرا في جواب السؤال عنها، فهما محمولان على قصة يوم الميثاق، أما هذا الحديث المذكور ههنا في جواب السائل عن الآية فليس صريحًا في القصة المذكورة فليكن محمولًا على ما فسروا به الآية، وهذا القول ضعيف؛ لأن الظاهر أن الأحاديث الواردة في هذا الباب محمولة على محل واحد كما لا يخفى.\nوغاية ما يقال: إن ههنا إخراجين وميثاقين: أحدهما في عالم الغيب، والآخر في عالم الشهادة، والأول إخراج الذرية من ظهر آدم ونشرهم بين يديه وأخذ الإقرار منهم، وهو قالي أخبر به في الأحاديث، والثاني من ذرية بني آدم نسلًا، وهو حالي بنصب الدلائل أخبر به بالآية.\nوالجواب: الحديث في مقابلة السؤال عن الآية وقع على طريقة الأسلوب الحكيم كأنه قال: الميثاق المسؤول عنه ظاهر مكشوف لا حاجة إلى السؤال عنه،","vol":"1","page":381},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلكن ههنا ميثاق آخر خفي عن العقول فاسألوا عن ذلك واسمعوا جوابه، وفائدة اختيار هذا الأسلوب ههنا توكيد الميثاقين والإقامة على عهدين، هذا تحقيق كلامهم، وحاصله حمل الآية على ما فسروا به، وحمل الحديث إما عليه أو جعل الجواب على الأسلوب الحكيم، واعلم أيضًا أن التفسير المذكور للآية أصله من صاحب (الكشاف) بل من المعتزلة كلهم وتبعهم غيرهم، ولهذا قال الإمام: أطبق المعتزلة على أنه لا يجوز تفسير الآية بالحديث، وهو بناء على مذهب القدر؛ لأن هذه الأحاديث تثبت سبق القضاء والتقدير، ولا نزاع في جواز تفسيرها بما فسروا ولكنه ليس بواجب بل فسرها بعض علماء السنة والجماعة بما يوافق هذه الأحاديث على ما هو قصة يوم الميثاق.\nوأما قولهم: لو كان المراد إخراجهم من ظهر آدم لما قال: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، بل يجب أن يقول: من ظهره ذريته، فجوابه أن المراد آدم وذريته، وإنما ذكر إخراج الذراري من أصلاب أولاده لا ذراري نفسه؛ لأنه لا حاجة إلى ذكر إخراج الذراري من صلب آدم؛ لأنه ظاهر لكونه أبا البشر كلهم، ولأن الكلام في الاحتجاج على الأولاد من اليهود وغيرهم، ويعضده ما رواه الواحدي عن الكسائي أنه قال: لم يذكر ظهر آدم، وإنما أخرجوا جميعًا من ظهره؛ لأن اللَّه تعالى أخرج ذرية آدم بعضهم من ظهور بعض على نحو ما يتوالد الأبناء من الآباء فاستغنى عن ذكر ظهر آدم، لما علم أنهم كلهم بنوه وأخرجوا من ظهره، كذا ذكر الطيبي في شرح (الكشاف) (١).\n_________\n(١) اسمه \"فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب\"، له مخطوطة في الخزانة الأزهرية، انظر: \"الأعلام\" (٢/ ٢٥٦).","vol":"1","page":382},{"text":"فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ إِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ، اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُدْخِلُهُ بِهِ الْجَنَّةَ، وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ، اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيُدْخِلُهُ بِهِ النَّارَ\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ط: ٣٣٣٧، ت: ٣٠٧٥، د: ٤٧٠٥].\n٩٦ - [١٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَفِي يَدَيْهِ كِتَابَانِ،\nــ\nوقوله: (ففيم العمل؟) في بمعنى اللام، أو المراد في أي شيء يفيد العمل؟ ولا يخفى أنه لا يتجه هذا السؤال بعد قوله -ﷺ-: (وبعمل أهل الجنة يعملون) إلا أن يراد ففيم العمل بالتكليف، وهو أيضًا ليس بشيء فإن اللَّه قد كلف وأمر ونهى، فما السؤال بعد ذلك إلا على اللَّه سبحانه، ولا يسأل عما يفعل، وله حكم ومصالح وأسرار لا يعلمها إلا هو، وقد مر بيانه مرارًا.\n٩٦ - [١٨] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (وفي يديه كتابان) قال أهل الظاهر من العلم: إنه مجاز وتمثيل وتعبير عن المعنى بالصورة مبالغةً في تحققه وتيقنه، وقال أهل الباطن منه وأرباب المكاشفة: إنه حق ومحمول على الحقيقة لا مجاز فيه أصلًا. قال الإمام الغزالي: امتياز الخواص من العوام بأن ما يحصل للعامة من العلوم بالكسب والتعلم يحصل للخواص من غير تعلم وكسب بل من عند اللَّه العليم الحكيم، وذلك هو العلم اللدني، وبأن ما يراه العامة في المنام يراه الخواص في اليقظة.\nوقال الشيخ التُّورِبِشْتِي (١) في شرح الحديث بعد ما نفى استبعاد حمله على الحقيقة\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٦٢).","vol":"1","page":383},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلقدرة اللَّه سبحانه واستعداد النبي -ﷺ- لذلك: قد سمعت من اشتهر -أظن أن المراد به الإمام الغزالي واللَّه أعلم- في زماننا بالرسوخ في علم النظر، ثم أيد من مكاشفات الصوفية بما يعز مثله في الشاهد يقول: من لم يعتقد أن للَّه عبادًا يشاهدون في حال اليقظة ما لا يمكن لغيرهم أن يراه إلا في حالة النوم لم يهتد إلى حقيقة الإيمان بالنبوة، وإذا كان من حق الإيمان أن لا يقابل أمثال ذلك في أتباع الأنبياء بالنكير، ولا يستبدع الاطلاع على مثل هذه الأحوال والمكاشفة بنظائر هذه الآية في حق خواص الأمة، فكيف بمن هو سيد المرسلين وأعلاهم رتبة وأغزرهم علمًا وأوفرهم حظًا؟ ﷺ أفضل صلاة صلاها على نبي من أنبيائه.\nوأما قول الراوي: (خرج إلينا رسول اللَّه -ﷺ- وفي يديه كتابان) فإنه أخبر بما يقتضيه ظاهر قول رسول اللَّه -ﷺ- مبالغةً في التصديق بما يقول، واستقصاءً في تحقيق ما يخبر عنه، وهذا هو حق اليقين في أمر رسول اللَّه -ﷺ-، وواجب الأدب على السامع في استماع ما ينتهى منه إليه، ومن أوتي بصيرة في أمر الدين، فليكن وثوقه بما يخبر عنه الرسول -ﷺ- أعرق من وثوقه بما يراه ويشاهده، انتهى.\nوهذا الكلام حق صادر من عين اليقين وحقيقة الإيمان رحم اللَّه قائله، وأما قوله في الراوي: إنه أخبر بما يقتضيه ظاهر قول رسول اللَّه -ﷺ- مبالغة في التصديق بما يقول، فظاهر الأمر كما قال، ولكن يمكن أن رآه الراوي أيضًا بإراءة النبي -ﷺ- وإطلاعه إياه على ذلك، كيف وأصحاب النبي -ﷺ- من خواص الأمة، وقدوة العارفين، وقد ينقل أن بعضهم كانوا يرون بعض المغيبات في المشهود في مجلسه -ﷺ- في بعض الأحيان، وبعضهم رأى جبرئيل في غير صورة دحية كعائشة وابن عباس.","vol":"1","page":384},{"text":"فَقَالَ: \"أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الكِتَابَانِ؟ \" قُلْنَا: لَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا أَنْ تُخْبِرَنَا، فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى: \"هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِم وقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ، فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا\"،\nــ\nوقوله -ﷺ-: (أتدرون ما هذان الكتابان؟) ظاهره أنهم كانوا يرون الكتابين ولا يدرون ما فيها، واللَّه أعلم.\nوقوله: (إلا أن تخبرنا) أي: لا نعلمه في وقت من الأوقات إلا وقت أخبارك، وحاصله: أنا لا نقدر على العلم به إلا بأخبارك، وهو طلب واستخبار عنه -ﷺ- بذلك.\nوقوله: (فقال للذي) (١) أي لأجله كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١]، قال النحويون: إن اللام بمعنى عن، والخطاب ليس مع المؤمنين وإلا لكان الظاهر أن يقول: ما سبقتم، وقيل: الخطاب مع بعض المؤمنين والضمير لبعض آخر منهم.\nوقوله: (وأسماء آبائهم وقبائلهم) تعيينًا لهم سواء كان آباؤهم وقبائلهم من أهل الجنة أو من أهل النار، وهم أيضًا مكتويون ومكتوب أسماء آبائهم وقبائلهم، فافهم.\nوقوله: (ثم أجمل على آخرهم) أي: أوقع الإجمال على آخرهم على ما هو عادة أهل الحساب، يقال: أجملت الحساب: رددته إلى الجملة، ويقال له: فذلك بفتح فسكون وفتح؛ لأنه يقال: فذلك كذا، كما يقال: عشرة واثنان وثمانية فذلك عشرون كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.\nوقوله: (فلا يزاد فيهم ولا ينقص) متفرع على اليقين وإيقاع الإجمال المفيدَين\n_________\n(١) قال القاري: وَقِيلَ: قَالَ بِمَعْنَى أَشَارَ فَاللَّامُ بِمَعْنَى \"إِلَى\". \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٧٢).","vol":"1","page":385},{"text":"ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي شِمَالِهِ: \"هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَقَبَائِلِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرهِمْ، فَلَا يُزَادُ فِيهِمْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ أَبَدًا\"، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: فَفِيمَ الْعَمَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ فَقَالَ: \"سَدِّدُوا وَقَارِبُوا، فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، وَإنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ\"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدَيْهِ. . . .\nــ\nلغاية الضبط والتعيين.\nوقوله: (فقال: سدّدوا وقاربوا) أي: مالكم تذكرون القدر واعملوا وسددوا أعمالكم. في (القاموس) (١): سدّده تسديدًا: قَوَّمه، ووفَّقَه للسداد أي: الصواب من القول والعمل، واستدّ: استقام، وأَسَدَّ: أصابَ السدادَ أو طلبه، والسَّدَدُ: الاستقامة كالسداد. وفي (مجمع البحار) (٢): (سدّدوا وقاربوا) أي: اطلبوا بأعمالكم السداد والاستقامة، وهو القصد في الأمر والعدل فيه، وقال: (سدّدوا) أي: اطلبوا السداد أي: الصواب بين الإفراط والتفريط، وإن عجزتم عنه فقاربوا أي اقربوا منه، وروي (قربوا) أي: غيركم إليه، وقيل: قاربوا أي: اطلبوا قربة اللَّه، وقيل: قاربوا تأكيد للتسديد.\nوقوله: (ثم قال رسول اللَّه -ﷺ- بيديه) أي: أشار بهما، والقول يستعمل مجازًا في كثير من الأفعال، قال بيده، وقال برأسه، وقال برجله، أي: أشار، وهذا اللفظ كثير في الأحاديث.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٧٤).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥٣).","vol":"1","page":386},{"text":"فَنَبَذَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: \"فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ الْعِبَادِ، ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ \" [الشورى: ٧]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ. [ت: ٢١٤١].\n٩٧ - [١٩] وَعَنْ أبِي خِزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا، وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ، وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا، هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ قَالَ: \"هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّه\". رَوَاهُ. . . .\nــ\nوقوله: (فنبذهما) أي: أشار بيديه إلى وراء ظهره كناية عن أن هذا الأمر قد فرغ، فصار بمنزلة ما تخلفه وراء ظهرك، كذا قال الشراح. وفي (القاموس) (١) النبذ: طرحك الشيء أمامك أو وراءك، أو عام، والفعل كضرب.\n٩٧ - [١٩] (أبو خزامة) قوله: (عن أبي خزامة) (٢) بكسر المعجمة وبالزاي، قال: (أرأيت رقًى) أي: أخبرني عن رقًى، وهو جمع رقية على وزن ظلمة، وهي العوذة من ضرب. (نسترقيها) أي: نسترقي بها، وسيجيء في (كتاب الطب والرقى) حكمها منعًا وإباحة، (وتقاة) وقى يقي وقيًا ووقايةً: صانه، والوَقاء وبكسر، والوقاة مثلثة: ما وقيت به، وقد تبدل واؤه تاءً. (تنقيها) أي: نتقي بها، وثلاثتها منصوبة بنزع الخافض.\nوقوله: (هي من قدر اللَّه) يعني أن القدر شامل للأسباب والمسببات والشرائط\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣١٩).\n(٢) وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ فَرُوِيَ عن أبِي خِزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي خُزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَالأَوَّلُ أَصَحُّ، وَفِي اسْمِ الرَّاوِي أَبِي خِزَامَةَ خِلَافٌ لِلْمُحَدِّثِينَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: هُوَ أَبُو خِزَامَةَ بْنِ يَعْمُرَ أَحَدُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ سَعْدٍ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ، وَعَنْهُ الزُّهْرِيُّ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٧٤).","vol":"1","page":387},{"text":"أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٣/ ٤٢١، ت: ٢٠٦٥، جه: ٣٤٣٧].\n٩٨ - [٢٠] وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَنَحْنُ نَتَنَازَعُ فِي الْقَدَرِ، فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّمَا فُقِئَ فِي وَجْنتَيْهِ حَبُّ الرُّمَّانِ، فَقَالَ: \"أَبِهَذَا أُمِرْتُمْ أَمْ بِهَذَا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ؟ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَنَازَعُوا فِي هَذَا الأَمْرِ، عَزَمْتُ عَلَيْكُم عَزَمْتُ عَلَيْكُم أَلَّا تَتَنَازَعُوا فِيهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٣٣].\n٩٩ - [٢١] ورَوَى ابْنُ مَاجَه فِي الْقَدَرِ نَحْوَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. [جه: ٣٤٣٧].\n١٠٠ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ. . . .\nــ\nوالمشروط بها، ولا يخرج عن حيطته شيء، وهذا كسؤال الصحابة بعد سماع خبر القضاء والقدر (ففيم العمل)، وجوابه -ﷺ-: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له).\n٩٨، ٩٩ - [٢٠، ٢١] (أبو هريرة) قوله: (فقئ) على صيغة المجهول من فقأ العين والبشرة ونحوهما كمنع: كسرها، و(وجنتيه) تثنية وجنة مثلثة وككلمة ومحركة: ما ارتفع من الخدين، و(عزمت عليكم) أي: أقسمت، في (القاموس) (١): عزم على الأمر: أراد فعله وقطع عليه، أَوْ جَدَّ في الأمر، وعلى الرجل: أقسم.\n١٠٠ - [٢٢] (أبو موسى) قوله: (من قبضة) في (القاموس) (٢): القبضة وضمُّه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٤٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٠٠).","vol":"1","page":388},{"text":"قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الأَرْضِ، مِنْهُمُ الأَحْمَرُ وَالأَبْيَضُ وَالأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ، وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٤٠٠، ٤٠٦، ت: ٢٩٥٥، د: ٤٦٩٣].\n١٠١ - [٢٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فِي ظُلْمَةٍ، فَأَلْقَى عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ،\nــ\nأكثر: ما قَبَضْتَ عليه من شيء، والظاهر أنه متعلق بخلق، ومن ابتدائية وتعلقه بآدم، وكون (من) بيانية -وجوزها الطيبي- بعيد جدًا، (قبضها) أي: أمر الملك بقبضها.\nوقوله: (والسهل والحزن والخبيث والطيب) في (القاموس) (١): السهل، وككتف: كل شيء إلى اللين، ومن الأرض: ضد الحزن، وهو ما غلظ من الأرض، والخبيث ضد الطيب، انتهى. والخبيث في الأرض أن يكون سبخة غير منبتة، والطيب ضده، وهذه الأربع من الصفات الباطنة، والأربعة الأول من الظاهرة.\n١٠١ - [٢٣] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (إن اللَّه خلق خلقه في ظلمة) الحديث، قال التُّورِبِشْتِي (٢): يحتمل أن يكون المراد منه بالخلق ههنا الثقلين وهما الجن والإنس، ويحتمل أن يكون المراد منه الإنس.\nوقوله: (في ظلمة)، أي: كائنين فيها، والمراد بالظلمة: ما جبلوا عليه من الأهواء المضلة والشهوات الْمُرْدِيَة من النفس الأمارة.\nوقوله: (من نوره) أي: نوره الذي خلقه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] فالإضافة إلى اللَّه إضافة إبداع واختراع على سبيل التكريم كما في قوله\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٣٥).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (١/ ٦٥).","vol":"1","page":389},{"text":"فَمَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ النُّورِ اهْتَدَى، وَمَنْ أَخْطَأَهُ ضَلَّ فَلِذَلِك أَقُولُ: جَفَّ الْقلَمُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٢/ ١٧٦، ١٩٧، ت: ٢٦٤٢].\nــ\nتعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ فمن شاء اللَّه هدايته وأصابه من ذلك النور قبله، واعتبر بالآيات واستدل بها بالنظر الصحيح اهتدى، ومن لم يشأ هدايته وحرم من ذلك النور ضل وارتدى، والمراد بإلقاء النور ما بيّن لهم من الحجج النيرة والآيات الباهرة، وإلى مثل هذا المعنى أشير بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ [النور: ٣٥] الآية، وقوله سبحانه: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] ونحوها من الآيات، هذا حاصل كلام التُّورِبِشْتِي، والطيبي مع تنقيح ومحو وإثبات فيه.\nقال الطيبي (١): ويمكن أن يحمل قوله: (خلقه) على خلق الذر المستخرج في الأزل من صلب آدم، وهذا كما يتراآى أي في بادئ النظر، ليس كما ينبغي لأنه إذ ذاك ظهر الإقرار وأثّرت الأنوار في الكل، فلا يناسب خلقهم في ظلمة وإصابته بعضًا وإخطاؤه آخرين على أن قوله: (في الأزل) ليس بصحيح؛ لأنه وقع بعد خلق آدم بنعمان وادٍ بعرفات، وهكذا وقع في عباراتهم بل واقع في أكثر الأذهان إلا أن يقال: إن ذلك الإقرار بطوع من البعض، وهم الذين ألقي عليهم نور الهداية، وبكره من بعضهم وهم المبقون في الظلمة والمخطؤون النور؛ لأن المراد بالأزل فيها زمان سابق على ظهور التوالد والتناسل بين بني آدم، والحق أن المراد من خلقه هو وقت الولادة من إلقاء النور هو زمان إظهار الشرائع وإعطاء التوفيق للاهتداء.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٥٣).","vol":"1","page":390},{"text":"١٠٢ - [٢٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: \"يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينكَ\" فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: \"نَعَمْ؛ إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢١٤٠، جه: ٣٨٣٤].\nــ\nوبالجملة: في الحديث دلالة على أن الإنسان خلق على حالة لا ينفك عن الظلمة إلا من أصابه النور الملقى عليه، لكن يتوهم الإشكال في تطبيقه بحديث الفطرة، ولا إشكال لأن حديث الفطرة كما حقق إنما يدل على كون الإنسان متهيأ متمكنًا من إصابة الهدى إن تفكر بالنظر الصحيح وتأمل في الآيات والشواهد، ومع ذلك خلق في ظلمات النفس والطبيعة، وهذا الحديث إنما يدل على أن إصابة الهدى بالنظر إنما هو بمشيئة اللَّه وتوفيقه تعالى وإلقاء نور الهداية في قلبه، وليس مستقلًا مستبدًا بإصابة الهدى، فمن شاء وَفَّقَه للنظر الصحيح وألقى نور الهداية كما هو مقتضى الفطرة الروحانية، ومن لم يشأ لم يوفقه وأوقعه في ظلمة الضلال والغواية كما هو مقتضى النفس والطبيعة الجسمانية.\nوبالجملة هذا الحديث تنبيه على سابقة التقدير، وعلم اللَّه ومشيئته تعالى، والفطرة -كما نبهنا- هنالك غير السابقة، فلا تنافي بين الحديثين، فتأمل.\n١٠٢ - [٢٤] (أنس) قوله: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي) أضاف القلب إلى ذاته الكريمة تعريضًا لأصحابه، والمقصود الأصلي الدعاء لهم، لأنه -ﷺ- مأمون العاقبة بلا شبهة، وكذا الحال في جميع ما وقع مثله في الأدعية المأثورة، ولهذا قال أنس -﵁-: (فهل تخاف علينا)، إلا أنه لما أضافه ظاهرًا إليه قال: ثبت، وأضاف في حديث","vol":"1","page":391},{"text":"١٠٣ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَثَلُ الْقَلْبِ كَرِيشَةٍ بِأَرْضِ فَلَاةٍ يُقَلِّبُهَا الرِّيَاحُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ٤٠٨].\nــ\nعبد اللَّه بن عمرو المذكور في الفصل الأول إلى الأصحاب صريحًا فقال: (صرف قلوبنا)، ومعنى الحديثين واحد، وما وقع بينهما من اختلاف في تقديم الدعاء وذكر اسم الجلالة وفي أصابع اللَّه وذكر الدين ههنا، وتأخير الدعاء وذكر اسم الرحمن وذكر طاعتك هناك فمن باب التفنن، مع أنه يمكن أن يكون نقلًا بالمعنى وقع من كل واحد من الصحابة روايته على ما اتفق، وتعرض الطيبي (١) لبيان نكتة هذا الاختلاف بما لا يخلو عن خفاء، واللَّه أعلم.\n١٠٣ - [٢٥] (أبو موسى) قوله: (مثل القلب) أي: حاله العجيبة (٢) في تقلبها وتغيرها وتأثيرها بما يرد عليه من الحوادث والخواطر والأحوال، (كريشة) الريشة بالكسر: المطر، وجمعه رياش وأرياش، و(فلاة) بالفتح: المفازة لا ماء فيها، و(بأرض فلاة) بتنوين أرض وبإضافتها، كلاهما روايتان، والإضافة بيانية، والمراد بالرياح هي التي تهب إلى جوانب مختلفة.\nوقوله: (ظهرًا لبطن) اللام بمعنى (إلى) مفعول مطلق، أي: يقلبها هذا النوع من التقليب، أو حال من الضمير المنصوب في (يقلبها) أي: مختلفة، وقال الطيبي (٣): بدل البعض من ضمير (يقلبها)، ومضمون الحديث: أن القلوب بين الأصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء أي: بقضائه وقدره.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٥٤).\n(٢) كذا في (ب)، وفي (ر): حالته التعجيه.\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٥٥).","vol":"1","page":392},{"text":"١٠٤ - [٢٦] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ: يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ، وَيُؤْمِنُ بِالْمَوْتِ، وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَيُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢١٤٥، جه: ٨١].\n١٠٥ - [٢٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا فِي الإِسْلَامِ نَصِيبٌ: الْمُرْجِئَةُ وَالْقَدَرِيَّةُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ\nــ\n١٠٤ - [٢٦] (علي) قوله: (يشهد) تفصيل لقوله: (حتى يؤمن بأربع) كان الظاهر بأن لا إله إلا اللَّه وأني رسول اللَّه، لكنه ذكر لفظ الشهادة دلالة على أن النطق باللسان أيضًا ركن، ففيه دليل على أن الإيمان تصديق مع الإقرار.\nوقوله: (بعثني بالحق) حال مؤكدة أي: قد بعثني، أو خبر بعد خبر إن ذكره تأكيدًا للرسالة، ولا يلزم أن ينطق بهذه اللفظ؛ لأن الإقرار بالرسالة يستلزمه، وكذا الإيمان بالكتب والملائكة.\nوقوله: (يؤمن بالموت) ثاني الأربع، والمراد موت الدنيا، أي فناؤها وهلاكها بجميع أجزائها، أو المراد أن يعتقد أن الموت بحكم اللَّه لا بالطبيعة وفساد المزاج، (والبعث بعد الموت) ثالثها، والرابع (يؤمن بالقدر) يعني أن الكل بقضاء اللَّه وقدره، ودل الحديث على أن إنكار القدر كفر، ولو أريد نفي الإيمان الكامل لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، وكذلك الحديث الآتي وهو قوله -ﷺ-.\n١٠٥ - [٢٧] (ابن عباس) قوله: (صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية) في (القاموس) (١): الصنف بالكسر والفتح: النوع والضرب،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٦٤).","vol":"1","page":393},{"text":"وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢١٤٩].\nــ\nوالمرجئة من الإرجاء، وهو التأخير، يقال: أرجأ الأمر: أخّره، وترك الهمزة لغة فيه كقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦] مؤخّرون حتى ينزل اللَّه فيهم ما يريد، ومنه سُمّيت المرجئة، كذا في (القاموس) (١).\nوقال التُّورِبِشْتِي (٢): قال ابن قتيبة: المرجئة هم الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل؛ لأنهم يقدمون القول ويؤخرون العمل، وتحقيق مذهبهم أنهم لا يعتبرون العمل في الإيمان أصلًا لا جزءًا ولا كمالًا، وقد وجدنا الأكثرين من أهل المعرفة بالملل والنحل ذكروا أن المرجئة هم الفرقة الجبرية الذين يقولون بأن العبد لا فعل له، وإضافة الفعل إليه بمنزلة إضافته إلى الجمادات كما يقال: جرى النهر ودارت الرحى، والجبرية بالتحريك وتسكين الباء لغة فيها، والمتكلمون يسمون المجبرة، وكانت القدرية في الزمان الأول ينسبون من خالفهم إلى الإرجاء، حتى غلط في ذلك جمع من أصحاب الحديث فألحقوا هذا النَّبَزَ بجمع من علماء السلف ظلمًا وعدوانًا، وإنما سميت المجبوة مرجئة لأنهم يؤخرون أمر اللَّه فيرتكبون الكبائر، انتهى. ويسمي صاحب (الكشاف) أهل السنة والجماعة مرجئة، تاب اللَّه عليه.\nوأما القدرية فينسبون إلى القدر بالتحريك، وقال التُّورِبِشْتِي: ولك أن تسكن الدال، ومذهبهم أن العبد خالق لأفعاله والأمر مستأنف من غير سبق قضاء وقدر، فنسبتهم إلى القدر لأجل إنكارهم القدر، وهم يقولون بأن المثبتين له أحق بهذا الاسم نظرًا إلى ظاهر اللفظ، ولكن الأحاديث صريحة في أن هذا اللفظ اسم لمن أنكره،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٢).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (١/ ٦٦).","vol":"1","page":394},{"text":"١٠٦ - [٢٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"يَكُونُ فِي أُمَّتِي خَسْفٌ وَمَسْخٌ،\nــ\nفهذان الحديثان وأمثالهما صريحة في تكفيرهم، لكن الصواب أن لا نتسارع إلى تكفير أهل الأهواء المتأولين؛ لأنهم لا يقصدون بذلك اختيار الكفر ولا يرضون به، وقد تمسكوا بالكتاب والسنة ويذلوا جهدهم في إصابة الحق فأخطؤوا، والتكفير لا يطلق إلا بعد البيان الجلي، والفرق ما بين لزوم الكفر والتزامه، وهذا القول هو مذهب المحققين من علماء الأمة نظرًا واحيتاطًا، وقد نهينا عن تكفير أهل القبلة (١)، وكل ما وقع في شأنهم مما يدل على التكفير، فهو من باب الزجر والتشديد والمبالغة في التضليل والمجاز والتمثيل، كيف! وقد تكلّم بعضُ النقاد في أحاديث وردت في شأن هذه الفِرَق، وقالوا: لم تصح وكلّها ضعيفة، نعم لها طرق متعددة متعاضدة، واللَّه أعلم.\n١٠٦ - [٢٨] (ابن عمر) قوله: (يكون في أمتي خسف ومسخ) في (القاموس) (٢): خسف المكان يخسف خسوفًا: ذهب في الأرض، وخسف اللَّه بفلان الأرض: غَيَّبه فيها، ومسخه كمنعه: حَوّل صورته إلى أخرى أقبح منها، فهو مسخ ومسيخ، والحديث دل على وقوع المسخ والخسف في هذه الأمة، وقد ورد الحديث بوقوعه في آخر الزمان كما سيجيء في (باب الملاحم) من (كتاب الفتن)، والظاهر أن المراد أمة الدعوة، وقيل: الكلام خرج مخرج الشرطية، أي: إن كان يكون فيهم (٣)،\n_________\n(١) قال التفتازاني في \"المقاصد\": مخالف الحق من أهل القبلة ليس بكافر ما لم يخالف ما هو ضروريات الدين كحدوث العالم وحشر الأجساد. انظر: \"إكفار الملحدين\" (ص: ١٥) ففيه بحث نفيس.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٥١، ٧٤٢).\n(٣) وفي \"التقرير\": جاء في الرواية أن الخسف لا يكون في هذه الأمة، فجمع بأن المراد بعدم =","vol":"1","page":395},{"text":"وَذَلِكَ فِي الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، ورَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ (١). [د: ٤٦١٣، ت: ٢١٥٢].\n١٠٧ - [٢٩] وَعَنهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْقَدَرِّيةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ،\nــ\nواللَّه أعلم.\n١٠٧ - [٢٩] (عنه) قوله: (القدرية مجوس هذه الأمة (٢» أي: يشبهون بهم لأنهم أحدثوا في الإسلام مذهبًا يضاهي مذهب المجوس في إضافة أفعال العباد\n_________\n= الكون العموم، وقيل: المراد هنا بالخسف: سواد القلب، وبالمسخ: سواد الوجه. قال الطيبي: من باب الشرطية. والتُّورِبِشْتِي: من باب التغليظ. وقيل: الخسف: الانهيار من الصراط، والمسخ: سواد الوجه، كلاهما في يوم القيامة. ويحتمل أن يكون دعاء. وقال الخطابي: يجوز أن يكون الخسف فيه أيضًا. وانظر: \"المرقاة\" (١/ ١٨١).\n(١) قال القاري: عَدَّهُ فِي \"الْخُلَاصَةِ\" مِنَ الْمَوْضُوعَاتِ، لَكِنْ قَالَ فِي \"جَامِعِ الأُصُولِ\": أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ. قَالَ صَاحِبُ \"الأَزْهَارِ\": حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَكَتَبَ مَوْلَانَا زَادَهْ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي زَمَانِنَا أَنَّهُ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَيْضًا أَنَّ رُوَاتَهُ مَجْهُولُونَ، كَذَا ذَكَرَهُ الْعَيْنِيُّ، وَقَالَ الْفَيْرُوزَآبَادِيُّ: لَا يَصِحُّ فِي ذَمِّ الْمُرْجِئَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ حَدِيثٌ، وَفِي \"الْجَامِعِ الصَّغِيرِ\" بَعْدَ ذِكْرِهِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ، وَالْخَطِيبُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي \"الأَوْسَطِ\" عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي \"الْحِلْيَةِ\" عَنْ أَنَسٍ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٨١). وهذا الحديث موجود بلفظه في النسخة المطبوعة لسنن الترمذي بالهند ونسخة أحمد محمد شاكر، ولكن قد ذكر بعض العلماء أن هذا الحديث لم يوجد في النسخة الخطية، ولم يذكره المزي في \"تحفة الأشراف\"، ولكن المثبت مقدم على النافي.\n(٢) أي: أمة الإجابة. \"المرقاة\" (١/ ١٨٢).","vol":"1","page":396},{"text":"إِنْ مَرِضُوا فَلَا تَعُودُوهُمْ، وَإِنْ مَاتُوا فَلَا تَشْهَدُوهُمْ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٨٦، ١٢٥، د: ٤٦٩١].\n١٠٨ - [٣٠] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْقَدَرِ وَلَا تُفَاتِحُوهُم\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧١٠، ٤٧٢٠].\nــ\nإليهم ووقوعها بقدرتهم وخلقهم، كإثبات المجوس إلهين (١) قادرين، وقال بعض العلماء: إنهم أسوء حالًا من المجوس لإثباتهم شركاء لا يعد ولا يحصى.\nوقوله: (إن مرضوا فلا تعودوهم (٢)، وإن ماتوا فلا تشهدوهم) أي: لا تراعوا حقوق الإسلام في حقهم في الحياة والممات.\n١٠٨ - [٣٠] (عمر) قوله: (لا تجالسوا أهل القدر ولا تفاتحوهم) أي: لا تحاكموهم، مفاعلة من الفتح بمعنى الحكم كما في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ [الأعراف: ٨٩] أي: احكم على وجه، ويقال للقاضي: فتّاح، والفتح يجيء بمعنى الحكم، فلا حاجة إلى جعله من الفتاحة، نعم هو أيضًا يجيء بمعنى الحكم كالفتح، قال في (القاموس) (٣): الفتح: الحكم بين خصمين كالفتاحة بالضم والكسر، وفي (النهاية) (٤): في اسمه تعالى يقال: الفتاح أي: يفتح أبواب الرزق والرحمة لعباده،\n_________\n(١) لأنهم القَائِلونَ: إنَّ خَالِق الْخَيْرِ يَزْدَان، وَخَالِق الشَّرِّ أَهْرمَنْ؛ أَي: الشَّيْطَانُ، وَقِيلَ: الْمَجُوسُ يَقُولُونَ: الْخَيْرُ مِنْ فِعْلِ النُّورِ، وَالشَّرُّ مِنْ فِعْلِ الظُّلْمَةِ، كَذَلِكَ الْقَدَرِيَّةُ يَقُولُونَ: الْخَيْرُ مِنَ اللَّهِ، وَالشَّرُّ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَمِنَ النَّفْسِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٨٢).\n(٢) في \"التقرير\": في هذه الرواية تُكلّم، إن صحت الرواية فهو زجر على القول الأول، ولا مانع في جعل أمثال هذه الرواية تشديدًا.\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٢٦).\n(٤) \"النهاية\" (٣/ ٤٠٦).","vol":"1","page":397},{"text":"١٠٩ - [٣١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"سِتَّةٌ لَعَنْتُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّه وَكُلُّ نَبِيٍّ يُجَابُ: . . . .\nــ\nأو الحاكم بينهم، من فتح الحاكم بين الخصمين: إذا حكم بينهما، وقيل: لا تبدؤوهم بالمجادلة والمناظرة، ولا تبحثوا معهم عن الاعتقاد، فإنهم يوقعونكم في الشك والشبهة.\nوفيه: أن الإسلام سَدّ باب المجادلة مع أهل الأهواء المتعصبة فإنها تضر في الاعتقاد كما وقع للمتكلمين، نسأل اللَّه السلامة، نعم يجب رد أهل البطالة لا على وجه المجادلة بل بالرفق واللين، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].\nويحتمل أن يكون المراد -واللَّه أعلم-: ولا تبتدؤوهم بالكلام والمباسطة معهم، وهذا أنسب بقوله: (لا تجالسوهم)، وأشد وأغلظ في ترك مصاحبتهم واختيار مجانبتهم فضلًا عن البحث والقيل والقال.\n١٠٩ - [٣١] (عائشة) قوله: (ستة لعنتهم لعنهم اللَّه وكل نبي يجاب) ستة مبتدأ و(لعنتهم) صفته و(الزائد) خبره، أو خبره محذوف أي: في الرجال أو في الأمة ونحوه، والزائد خبر محذوف أي: أحدها، ولو ذهبنا إلى مقالة الرضي أن بناء صحة وقوع النكرة مبتدأ على الإفادة لقلنا: (ستة) مبتدأ و(لعنتهم) خبره، وقوله: (لعنهم اللَّه)، إما دعائية أو خبرية مستأنفة بتقدير فماذا بعد أو لم ذا، والثاني أظهر.\nو(كل نبي مجاب) إما حالية أو معترضة بين المبتدأ والخبر، أو بين البيان والمبين، ولو قرئ (مجاب) بالجر صفة لنبي لجاز أن يعطف قوله: (وكل نبي) على فاعل (لعنتهم) لوجود الفصل، ولكنه لم تثبت الرواية بالجر، وأيضًا يلزم منه أن لا يكون","vol":"1","page":398},{"text":"الزَّائِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَالْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ، وَالْمُتَسَلِّطُ بِالْجَبَرُوتِ لِيُعِزَّ مَنْ أَذَلَّهُ اللَّه وَيُذِلَّ مَنْ أَعَزَّهُ اللَّه، وَالْمُسْتَحِلُّ لِحَرَمِ اللَّهِ،\nــ\nبعض الأنبياء مجاب الدعوة، كذا قالوا، هذا وقد وقع في بعض النسخ: (ولعنهم اللَّه) بالواو فيكون عطفًا على جملة (لعنتهم)، و(يجاب) بدل (مجاب)، والظاهر من سياق الكلام على هذا التقدير أن يكون قوله: (وكل نبي) عطفًا على فاعل (لعنتهم)، أو على فاعل (لعنهم)، و(يجاب) صفة نبي، وتكرار الفعل في المعطوف الأول للاهتمام، ويدفع المحذور المذكور للتوصيف بأنه لا يجب أن تكون الصفة للتقييد والتخصيص، فتدبر.\nوالمراد بـ (الزائد في كتاب اللَّه) من يُدخل في كتاب اللَّه ما ليس منه، أو من يحرف لفظه أو معناه، وقال التُّورِبِشْتِي (١): أي في القرآن أو في حكم اللَّه، وهو أن يدخل في جملته ما ليس منه، والظاهر أن ضمير في جملته يرجع إلى أحد الأمرين المذكورين من القرآن أو الحكم، وإرادة الحكم من الكتاب صحيح من كتب بمعنى فرض، وهو كثير، ولكن تخصيصه القرآن بالذكر غير مناسب، والأولى التعميم ليشتمل أهل الكتاب حرفوا كتابهم، وبـ (المستلط) أمراء الجور والظلم، و(الجبروت) فعلوت من التجبر بمعنى التكبر أي: ادعاء الكبر وشدته، واللام في (ليعز) إما للتعليل فهو قيد اتفاقي؛ لأن الغالب والعادة على أن التجبر يكون لهذا الغرض لا لتقييد الحكم بذلك، حتى إنه لو تجبر لا لهذا الغرض جاز التسلط، أو للعاقبة وهو أجود كما في قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨].\nوقوله: (والمستحل لحرم اللَّه) أي: مكة وما حولها من الأرض المعينة، وهو\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٦٩).","vol":"1","page":399},{"text":"وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتِي مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَالتَّارِكُ لِسُنَّتِي\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"الْمدْخَلِ\" ورَزِينٌ فِي كِتَابِهِ. [هب في الشعب (١): ٣٨٥٠، ت: ٢٠٨٠].\nــ\nالذي يفعل فيه ما يحرم فعله فيه من الاصطياد ونحوه، وعند الشافعية: المدينة أيضًا حرم تجري أحكام الحرم فيه، وعندنا وعند مالك (٢): هي حرم بمعنى رعاية الاحترام لا جريان الأحكام، وتصح إضافته إلى اللَّه لأنه بتحريمه صار حرامًا، والعجب من الطيبي تخصيصه بمكة إلا أن يكون عندهم روايتان، وقد ضبط في النسخ (حرم) بضمتين على أنها جمع حرمة، قال التُّورِبِشْتِي: وهو تصحيف ممن لا مهارة لهم بهذا العلم.\nوالعترة: نسل الرجل ورهطه وعشيرته الأدنون ممن مضى وغبر، والمستحل من عترة الرسول -ﷺ- ما حرم اللَّه: من يفعل بهم ذلك كإيذائهم وترك تعظيمهم والتقصير في أداء حقوقهم، والمستحل بهذا المعنى عاصٍ، فلعنته من باب الزجر والتشديد، وأما من اعتقده حلالًا فكافر بالإجماع، وتخصيص ذكر الحرم والعترة مع أن المستحلّ لكل ما حرم اللَّه مستحق للزجر والعقوبة سواء كان حرم اللَّه تعالى وعترة الرسول اللَّه -ﷺ- أو غيرهما لزيادة الاهتمام والتأكيد في التحريم والمبالغة في الوصفية لشرفهما واجتماع حق التعظيم والحرمة معًا، فواجب على المكلف القيام بحفظهما والاهتمام بالاجتناب عما يخل بحرمتهما أقصى الغاية، فعلى هذا كانت (من) في (من عترتي) ابتدائية متعلقة بـ (المستحل) بتضمين معنى الأخذ.\n_________\n(١) أما عزو الحديث إلى \"المدخل\" للبيهقي فلم يوجد، وهو موجود في \"شعب الإيمان\".\n(٢) قال الموفق: وَيَحْرُمُ صَيْدُ الْمَدِينَةِ وَشَجَرُهَا وَحَشِيشُهَا. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحْرُمُ؛ لأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحَرَّمًا لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- بَيَانًا عَامًّا، وَلَوَجَبَ فِيهِ الْجَزَاءُ، كَصَيْدِ الْحَرَمِ. \"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٣٢٣)، وانظر: \"أوجز المسالك\" (١٥/ ٦٠٧).","vol":"1","page":400},{"text":"١١٠ - [٣٢] وَعَنْ مَطَرِ بْنِ عُكَامِسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا قَضَى اللَّهُ لِعَبْدٍ أَنْ يَمُوتَ بِأَرْضٍ جَعَلَ لَهُ إِلَيْهَا حَاجَةً\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٥/ ٢٢٧، ت: ٢١٤٦].\n١١١ - [٣٣] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ذَرَارِيُّ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: \"مِنْ آبَائِهِمْ\". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِلَا عَمَلٍ؟ قَالَ: \"اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كانُوا عَامِلِينَ\". قُلْتُ: فَذَرَارِي الْمُشْرِكِينَ؟ قَالَ: \"مِنْ آبَائِهِمْ\". قُلْتُ: بِلَا عَمَلٍ؟ قَالَ: \"اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كانُوا عَامِلِينَ\". رَوَاهُ أَبُو دَوُدَ. [د: ٤٧١٢].\nــ\nوقال الطيبي (١): يجوز أن يكون (من) بيانية وأن يراد بـ (المستحل) من يستحل من أولاد الرسول -ﷺ- شيئًا من المحرمات، وفيه استبعاد وقوعه منهم كما ورد في شأن أزواجه -ﷺ- ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]، وأما التارك للسنة استخفافًا وقلة مبالاة فكافر، وتاركها تهاونًا وتكاسلًا لا عن استخفاف عاصٍ إذا داوم على ذلك، وأما تركها أحيانًا فليست بمعصية.\n١١٠ - [٣٢] (مطر بن عكامس) قوله: (وعن مطر بن عكامس) مطر بفتحتين وعكامس بضم المهملة وكسر الميم آخره سين مهملة.\nوقوله: (جعل له إليها حاجة) فيذهب إليها باختياره فيموت هناك.\n١١١ - [٣٣] (عائشة) قوله: (قال: اللَّه أعلم بما كانوا عاملين) إشارةٌ إلى القدر وردٌّ لتعجب عائشة من ذلك، يعني لا تتعجبي من ذلك، فإن الأطفال وإن لم يكن\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٦١).","vol":"1","page":401},{"text":"١١٢ - [٣٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الوَائِدَةُ وَالْمَوْءُوْدَةُ فِي النَّارِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧١٧] وَالتِّرْمِذِيُّ (١).\nــ\nلهم عمل بالفعل لكنه يمكن أن يكون عمل في علم اللَّه تعالى وقدره لهم، فافهم، وقد سبق الكلام فيه في الفصل الأول [برقم: ٩٣].\n١١٢ - [٣٤] (ابن مسعود) قوله: (الوائدة والموءودة في النار) وأد بنته يئدها وَأْدًا: دفنها حية، فهي وئيدة وموءودة، وكانت العرب في جاهليتهم يدفنون البنات حية، وإنما خص الوائدة بالذكر لأن أكثر ما كان الوأد من النساء، واستشكل الحديث بأن الوائدة تصح كونها في النار لكفرها وفعلها فما بال الموءودة لم تكفر، ولم تعمل سوءًا؟ فاضطروا في جوابه إلى توجيهات.\nفقيل: إن الموءودة في النار لكونها من أطفال المشركين، ففيه إثبات القدر كما مرّ في أحاديث أخر، وبهذا الاعتبار أورد محيي السنة هذا الحديث في هذا الباب، ومن لم يقل بأن أطفال المشركين في النار أوّله بأن المراد بالوائدة القابلة وبالموءودة الموءودة لها وهي الأم فحذفت الصلة (٢)، فإن القابلة التي كانت تئد بأمر الأم.\nوقيل: ورد الحديث في مادة مخصوصة (٣) فلا يقاس عليها ما عداها، فإن اللَّه يحكم في عباده ما يشاء، وهو على تقدير إن ثبت، ملحق بحديث الغلام الذي قتله\n_________\n(١) كذا في نسخة وليس في سائر النسخ الموجودة، وهي خطأ من النساخ.\n(٢) إِذْ كَانَ مِنْ دَيْدَنِهِمْ -العرب- أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَخَذَهَا الطَّلْقُ حَفَرُوا لَهَا حُفْرَةً عَمِيقَةً فَجَلَسَتِ الْمَرْأَةُ عَلَيْهَا، وَالْقَابِلَةُ وَرَاءَهَا تَرْقُبُ الْوَلَدَ، فَإِنْ وَلَدَتْ ذَكَرًا أَمْسَكَتْهُ، وَإِنْ وَلَدَتْ أُنْثَى أَلْقَتْهَا فِي الْحُفْرَةِ، وَأَهَالَتِ التُّرَابَ عَلَيْهَا. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٨٦).\n(٣) وَهِيَ أَنَّ ابْنَيْ مُلَيْكَةَ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَسَأَلَاهُ عَنْ أُمٍّ لَهُمَا كَانَتْ تَئِدُ، فَقَالَ ﵊ بذلك الجواب. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٨٦).","vol":"1","page":402},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-212> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١١٣ - [٣٥] عَنْ أبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ ﷿ فَرَغَ إِلَى كُلِّ عَبْدٍ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ خَمْسٍ: مِنْ أَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَمَضْجَعِهِ،\nــ\nالخضر.\nويحتمل أن تلك الموءودة كانت بلغت الحِنْثَ، فدخلت النار بكفرها، وتعقب بأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، ولا يذهب عليك أنه إذا وردت في مادة مخصوصة كانت المراد بالموءودة هي المعهودة المخصوصة فلم يكن اللفظ عامًا، نعم إذا حملت اللام على الجنس كان اللفظ عامًا ولا دليل على ذلك، فتدبر.\nوبالجملة لم يثبت في هذا الباب حديث يعول عليه ويجزم به، فالمذهب الصحيح فيه التوقف لعدم التوقيف، واللَّه أعلم.\nالفصل الثالث\n١١٣ - [٣٥] (أبو الدرداء) قوله: (إن اللَّه ﷿ فرغ إلى كل عبد من خلقه) الفراغ محال على اللَّه تعالى، فهو كناية عن عدم التبديل والتغيير، أو هو من باب المجاز والتمثيل، وتعديته بإلى لتضمين معنى الانتهاء، أي منتهيًا تقديره: إلى تدبير كل عبد في الأزل، وفي (القاموس) (١): فرغ له وإليه: قصده، و(من خلقه) صفة لـ (عبد) للتعميم، أي: كل عبد كائن من مخلوقاته كقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣٨]، و(من خمس) متعلقة بـ (فرغ)، و(من أجله) مع ما عطف عليه بدل من (خمس) بإعادة الجار. (ومضجعه) من ضجع كمنع ضجعًا وضجوعًا: وضع جنبك بالأرض، والمضجع كمقعد\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٢٥).","vol":"1","page":403},{"text":"وَأَثَرِهِ، وَرِزْقِهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ١٩٧].\n١١٤ - [٣٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ تَكَلَّمَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقَدَرِ سُئِلَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٨٤].\n١١٥ - [٣٧] وَعَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقُلْتُ لَهُ: قَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنَ الْقَدَرِ. . . . . .\nــ\nموضعه، والمراد بمضجعه ههنا: سكونه.\n(وأثره) أي حركته، مأخوذ من أثر الإقدام في المشي إشارة إلى أن جميع حركاته وسكناته مقدرة في الأزل، كذا قالوا، أو المراد من (مضجعه) مكان موته وقبره، و(أثره) أي حركته في حياته، أو المضجع إشارة إلى الإقامة والأثر إلى المسافرة. (ورزقه) والرزق كل ما ينتفع به، وهو شامل للحلال والحرام عندنا، والمعتزلة خصوه بالحلال، وقد عرف في موضعه.\n١١٤ - [٣٦] (عائشة) قوله: (من تكلم في شيء من القدر سئل عنه) الحديث، المراد المنع عن الخوض فيه، والسؤال بطريق الزجر والعتاب، فينبغي أن لا يتكلم، فلا يرد أن لكل ما يتكلم به الإنسان كذلك لا خصوصية بالقدر، قال اللَّه تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].\n١١٥ - [٣٧] قوله: (عن ابن الديلمي) بفتح اللام.\nوقوله: (قد وقع في نفسي شيء من القدر) أي: شك وشبهة فيما يتعلق بالأمر والنهي، وأنه كيف يؤاخذ عباده على أعمالهم مع أن الكل بقضائه وقدره تعالى، وأشار بقوله: (في نفسي) أنه من قبيل حكاية النفس، و(من) تبعيضية أو ابتدائية.","vol":"1","page":404},{"text":"فَحَدِّثْنِي لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَهُ مِنْ قَلْبِي، فَقَالَ: لَو أَنَّ اللَّهَ ﷿ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وأَهْلَ أَرْضِهِ عَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَم يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذا لَدَخَلْتَ النَّارَ، قَالَ: ثُمَّ أَتيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَحَدَّثَنِي عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِثْلَ ذَلِكَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٥/ ١٨٢، د: ٤٦٩٩، جه: ٧٧].\nــ\nوقوله: (فحدثني) أي بحديث من أحاديث رسول اللَّه -ﷺ- أو من عندك عسى اللَّه أن يذهب تلك الوسوسة التي تمكن من قلبي، فحدثه أولًا بحديث من عنده مما يزيل شبهته واستبعاده مؤاخذة اللَّه عباده، وتبين أن اللَّه مالك الملك يفعل ما يشاء، ولا يسئل عما يفعل، ولا ظلم فيما فعل في ملكه، وهو وإن كان من رسول اللَّه -ﷺ- لكنه لم يرفعه، ثم أشار إلى أن الإيمان بالقدر في جميع الكائنات عامة وفي أحوال نفسك خاصة من الواجبات التي لا يعدله عمل من الأعمال ولو كان عظيمًا خارجًا عن مقدرة البشر شرط لدخول الجنة، وفي الحديث كمال مبالغة في الحث على القدر والإيمان به، وأنه مجمع عليه في أهل الدين.\nوقوله: (ما أصاب لم يكن ليخطئك) معناه لا يقول عند الإصابة: إني إنما أصيب ذلك لسعيي وجدي في طلب ذلك، ولا عند عدمها لو أني سعيت لوجدته، فلتبرأ من حولك وقوتك، فتفوز مقام التوكل والرضا، اللهم ارزقنا.","vol":"1","page":405},{"text":"١١٦ - [٣٨] وَعَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلًا أَتَى ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، فَقَالَ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ أَحْدَثَ فَلَا تُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"يَكُونُ فِي أُمَّتِي -أَوْ فِي هَذِهِ الأمَّةِ- خَسْفٌ ومَسْخٌ، أَوْ قَذْفٌ فِي أَهْلِ الْقَدَرِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢١٥٢، د: ٤٦١٣ بمعناه، جه: ٤٠٦١].\nــ\n١١٦ - [٣٨] (نافع) قوله: (إن فلانًا يقرأ) بضم الياء وكسر الراء، هذا هو اللفظ العربي، وإن كان يتراءى في الظاهر أن يكون بفتح الياء، وفي (النهاية) (١): أَقْرِئ فلانًا السلام، واقرأ ﵇ كأنه حين يُبَلِّغه سلامه يحمله على أن يقرأ السلام ويردّه، وإذا قرئ القرآن أو الحديث على شيخ يقول الشيخ: أقرأني فلان أي: حملني على أن أقرأ [عليه]، وسيأتي في باب السلام، والمقصود أن رجلًا بلغ ابن عمر من أحد السلام فقال ابن عمر: (إنه) أي ذلك الفلان قد أحدث في الدين ما ليس منه، وهو التكذيب في القدر، فإن كان هذا الخبر صادقًا فلا تُبَلّغه مني السلامَ فإني برئت من مودّتي له، وفيه وجوب التبري من أخوة المبتدع في الدين ومودته التي كانت ثابتة.\nوقوله: (أو قذف) أي رمي بالحجارة من السماء و(أو) للشك، قال الطيبي (٢): ويجوز أن يكون للتنويع، فافهم.\n_________\n(١) \"النهاية\" (٤/ ٣١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٦٧).","vol":"1","page":406},{"text":"١١٧ - [٣٩] وَعَنْ عَليٍّ قَالَ: سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ -ﷺ- عَنْ وَلَدَيْنِ مَاتَا لَهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ -: \"هُمَا فِي النَّارِ\"، قَالَ: فَلَمَّا رَأَى الْكَرَاهَةَ فِي وَجْهِهَا قَالَ: \"لَوْ رَأَيْتِ مَكَانَهُمَا لأَبْغَضْتِهِمَا\"، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَوَلَدِي مِنْكَ، قَالَ: \"فِي الْجَنَّةِ\"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمُشْرِكينَ وَأَوْلَادَهُمْ فِي النَّارِ\"، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١]. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ١٣٤، ١٣٥].\nــ\n١١٧ - [٣٩] (علي) قوله: (عن ولدين) أي: من غيره -ﷺ-.\nوقوله: (ماتا لها) ولها متعلق لولدين صفة لهما.\nوقوله: (لأبغضتِهما) وفي بعض النسخ: (لأبغضتيهما) بزيادة الياء بعد التاء للإشباع، وهي كثيرة الوقوع في الأحاديث، أي: وإن كنت تكرهين وتحزنين على كونهما في النار، ولكن لو رأيت منزلتهما من الحقارة والبعد عن نظر اللَّه تعالى وسخطه إياهما لأبغضتهما وتبرأت منهما، وذلك كتبري إبراهيم عن أبيه يوم القيامة عند رؤيته إياه في صورة ذيخ (١) متلطخ.\nوقوله: (فولدي منك) وهو عبد اللَّه ولد في الإسلام، ولذا يقال له: الطيب والطاهر.\nوقوله: (ثم قرأ رسول اللَّه -ﷺ-) استشهادًا، اعلم أن الأولاد تابعة لآبائهم في الآخرة دون أمهاتهم، ولما كانت هذه الكرامة للمؤمنين وإتمام سرورهم كان الحال\n_________\n(١) الذِّيخُ: ذكَر الضِّبَاعِ، والأنْثى ذِيخَةٌ. \"النهاية\" (٢/ ١٧٤).","vol":"1","page":407},{"text":"١١٨ - [٤٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ عَنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرَّيَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: ذُرِّيَّتُكَ، فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَين عَيْنَيْهِ،\nــ\nفي الكافرين على خلاف ذلك.\n١١٨ - [٤٠] (أبو هريرة) قوله: (كل نسمة) في (النهاية) (١): النسمة: الروح والنفس، وكل دابة فيها روح، وإنما يريد الناسَ، وفي (القاموس) (٢): النَّسَمُ محرّكة: نفس الروح، كالنَّسَمَة محركة، ونفس الريح إذا كان ضعيفًا، كالنسيم، والنسمة محركةً: الإنسان، والجمع نَسَمٌ ونَسَمَاتٌ.\nوقوله: (هو خالقها) صفة (نسمة) ذكر للتعميم، وقال الطيبي (٣): ليتعلق به إلى يوم القيامة، والوبيص البريق واللمعان، يقال: وبص البرق يبص وبصًا ووبيصًا: لمع وبرق، ومنه (رأيت وبيص الطيب في مفارق رسول اللَّه -ﷺ-، وهو محرم)، ومنه (وبيص خاتمه).\nوقوله: (فأعجبه وبيص ما بين عينيه) لا يدل هذا على فضله على غيره من الرسل الذين هم أفضل منه، بل يدل على فضله في نفسه، وقد مرّ مثل هذا على أن إعجاب وبيصة آدم ﵇ لا يدل على كثرة وبيصه أو على أحسنيته من وبيص غيره، بل\n_________\n(١) \"النهاية\" (٥/ ٤٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٧١).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٦٨).","vol":"1","page":408},{"text":"قَالَ: أَيْ رَبِّ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: دَاوُدُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ كَمْ جَعَلْتَ عُمْرَهُ؟ قَالَ: سِتِّينَ سَنَةً، قَالَ: رَبِّ زِدْهُ مِنْ عُمْرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً\"، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَلَمَّا انْقَضَى عُمَرُ آدَمَ إِلَّا أَرْبَعِينَ جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَالَ آدَمُ: أَوَ لَمْ يَبْقَ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أوَ لَمْ تُعْطِهَا ابْنَكَ دَاوُدَ؟ قَالَ: فَجَحَدَ آدَمُ، فَجَحَدَتْ ذُرَّيتُهُ، وَنَسِيَ آدَمُ فَأَكَلَ مِنَ الشَّجَرَةِ فَنَسِيَتْ ذُريَّتُهُ، وَخَطَأَ آدَمُ وَخَطأَتْ. . . . .\nــ\nريما يعجب أحد من حسن أحد وجماله وإن لم يكن أجمل وأزيد من غيره في الحسن، وهذا واقع في الخارج، وكان بين آدم وداود ﵉ مناسبة خاصة ومحبة مخصوصة، وذلك أنه تعالى سمى آدم خليفة، ولذلك خاطب داود بقوله: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾ [ص: ٢٦] وفي ذلك سر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (كم جعلت عمره. . . إلخ) قد جاء في الفصل الثالث من (باب السلام) من (كتاب الآداب) عكس ما ذكر ههنا بأن يجعل عمره أربعين، فقال: زده من عمري ستين سنة، فقيل: ذلك من سهو بعض الرواة وخبطه، ويؤيد هذا القول بأن العادة في الزيادة أن يكون المزيد أقل من المزيد عليه، ولأن البعثة غالبًا تكون على رأس أربعين، فماذا كان عمره أربعين لم تحصل الدعوة.\nوقوله: (فجحد آدم) بحكم الجبلة وعلى حرص العمر عند الهرم كما نطق به الحديث الصحيح، وبعض الجبلة باقية في الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين، وقد حقق ذلك في موضعه.\nوقوله: (ونسي آدم) يعني نهيه عن أكل الشجرة (وخطأ) أي: أخطأ في أن المراد بالشجرة شخصها، والخطأ ضد الصواب، وخطأ وأخطأ لغتان.","vol":"1","page":409},{"text":"ذُرِّيَّتُهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٠٧٦].\n١١٩ - [٤١] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ حِينَ خَلَقَهُ، فَضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُمْنَى، فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً بَيْضَاءَ كَأَنَّهُمُ الذَّرُّ، وَضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُسْرَى فَأَخْرَجَ ذُرِّيَّةً سَوْدَاءَ كَأَنَّهُمُ الْحُمَمُ،\nــ\nوقوله: (رواه الترمذي) وكتب في الحواشي بهذه العبارة، وقال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس، وزاد محمد بن سعد: (ثم كمل اللَّه لآدم ألف سنة، ولداود مئة سنة).\n١١٩ - [٤١] (أبو الدرداء) قوله: (حين خلقه) ظرف لقوله: (فضرب)، ولا يمنع الفاء من العمل لأنه ظرف على أن فاء السببية غير مانعة لعمل ما بعدها فيما قبلها، قاله الطيبي (١).\nوقوله: (كأنهم الذر) في (القاموس) (٢): الذر: صغار النمل، وفي بعض الحواشي: النمل الأحمر الصغير، وقيده في شرح الشيخ بالأبيض بقرينة مقابله وهو قوله: (كالحمم)، لكن كون الذر أبيض لا يعرف وجوده، ولا حاجة إلى التقييد؛ لأن التشبيه في القدر، والمقابلة لا يوجب التقييد، وفي نسخة معتمدة: (كدر) بضم الدال المهملة وهي أوضح (٣).\nوقوله: (كالحمم) جمع حممة وهو الفحم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٧٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٦٩).\n(٣) فَالتَّشْبِيهُ بِاعْتِبَارِ اللَّوْنِ وَالصَّفَاء. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٩٤).","vol":"1","page":410},{"text":"فَقَالَ لِلَّذِي فِي يَمِينِهِ: إِلَى الْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي، وَقَالَ لِلَّذِي فِي كَتِفِهِ الْيُسْرَى: إِلَى النَّارِ وَلَا أُبَالِي\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ٤٤١].\n١٢٠ - [٤٢] وَعَن أبي نَضْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- يُقَالُ لَهُ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ- دَخَلَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ يَعُودُونَهُ وَهُوَ يَبْكِي، فَقَالُوا لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ أَلَمْ يَقُلْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ -: \"خُذْ مِنْ شَارِبِكَ ثُمَّ أَقِرَّهُ. . . . .\nــ\nوقوله: (فقال للذي في يمينه) قال الطيبي (١): أي لأجل الذي في يمينه، وهذا كتأويله فيما سبق من حديث عبد اللَّه بن عمرو، في الفصل الثاني (٢)، والوجه هو ما أشرنا إليه هناك، ولكن لا يجري الوجه المذكور ههنا، أو يجوز أن يخاطب الذي في يمينه؛ لأنه خلق فيهم العقل والسماع فيكون التقدير: فقال للذي في يمينه: أنتم واصلون إلى الجنة، وعلى وجه الطيبي يكون الخطاب للملائكة بأن هؤلاء أوصلهم إلى الجنة.\nوقوله: (لا أبالي) وإن كان ينظر في الجملة إلى المعنى الذي ذكره الطيبي، ولكن قوله: (إلى الجنة) دون أن يقول: هؤلاء للجنة ناظرًا إلى ما قلنا، فافهم.\n١٢٠ - [٤٢] (أبو نضرة) قوله: (أصحابه) الضمير للرجل، ويجوز أن يكون للنبي -ﷺ-.\nوقوله: (ثم أقره) أي: دُمْ على أخذ الشارب (٣).\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٧٠).\n(٢) تحت حديث (١٠١).\n(٣) قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ قَصَّ الشارِبِ مِنَ السُّنَنِ الْمُتَأَكِّدَةِ، وَالْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهِ مُوصلةٌ إِلَى قُرْبِ دَارِ النَّعِيمِ فِي جِوَارِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، فَيُعْلَمُ أَنَّ مَنْ تَرَكَ سُنَّةً أَيَّ سُنَّةٍ فَقَدْ حُرِمَ خَيْرًا كَثِيرًا، فَكَيْفَ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى تَرْكِ سَائِرِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى الزَّنْدَقَةِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٩٥).","vol":"1","page":411},{"text":"حَتَّى تَلْقَانِي\"؟، قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَبَضَ بِيَمِينِهِ قَبْضَةً، وَأُخْرَى بِالْيَدِ الأُخْرَى (١)، وَقَالَ: هَذِهِ لِهَذِهِ، وَهَذِهِ لهَذِهِ، وَلَا أُبَالِي\" وَلَا أَدْرِي فِي أَيِّ الْقَبْضَتَيْنِ أَنَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ١٧٦ - ١٧٧، ٥/ ٦٨].\n١٢١ - [٤٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِآدَمَ بِنَعْمَانَ -يَعْنِي عَرَفَةَ-. . . . .\nــ\nوقوله: (تلقاني) أي: في الجنة أو على الحوض، ففيه بشارة لك بدخول الجنة فَلِمَ تبكي؟ .\nوقوله: (ولا أدري في أي القبضتين أنا) قال بعض العارفين: قد يحصل الأمن بمقتضى صدق وعد الشارع وبشارته، ولكن خوف (لا أبالي) باق (٢)، وعلى هذا تبتني تمنيات للمبشرين من الصحابة بياليت كذا كذا أو كذا كذا، وقد ذكرناها في رسالة لنا مسماة بـ (تحقيق الإشارة في تعميم البشارة)، وله تحقيق ذكرته في بعض الرسالة الفارسية.\n١٢١ - [٤٣] (ابن عباس) قوله: (بنعمان يعني عرفة) في (القاموس) (٣): نعمان\n_________\n(١) لَمْ يَقُلْ بِيَسَارِهِ أَدَبًا، لأن كِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، قاله القاري. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ١٩٥).\n(٢) وفي \"التقرير\": قلت: لكن يختلج في القلب أن البشارة قطعي في حقه، كيف وقد شافهه النبي -ﷺ-؟ فالخوف ليس للتردد في البشارة بل لكمال قدرته تعالى. وقال القاري تحت حديث عثمان: إنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّبْشِيرِ بِالْجَنَّةِ عَدَمُ عَذَابِ الْقَبْرِ، بَلْ وَلَا عَدَمُ عَذَابِ النَّارِ مُطْلَقًا مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ التَّبْشِيرُ مُقَيَّدًا بِقَيْدٍ مَعْلُومٍ أَوْ مُبْهَمٍ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢١٥).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٧٢).","vol":"1","page":412},{"text":"فَأخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا، فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قُبُلًا قَالَ: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ \" [الأعراف: ١٧٢ - ١٧٣]. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ٢٧٢].\n١٢٢ - [٤٤] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآيَة، قَالَ: جَمَعَهُمْ فَجَعَلَهُمْ أزْوَاجًا،\nــ\nكسحبان: واد وراء عرفة، وهو نعمان الأراك، وفي التفسير بعرفة مسامحة بقربه منها.\nوقوله: (ذرأها) أي: خلقها، ومنه الذرية عند من يهمزه نسل الثقلين، ومن الذر عند من لا يهمزه، وقد سبق.\nوقوله: (ثم كلمهم قبلًا) أي: مواجهة وعيانًا، في (القاموس) (١): رأيته قبلًا بالضم وبضمتين، وكصرد وعنب أي: عيانًا ومقابلة، ولي قِبَله بكسر القاف أي: عنده.\nوقوله: (قالوا: بلى) التكلم من الذر بخلق العقل والتميز فيها كتكلم نملة سليمان، واللَّه على كل شيء قدير، وقد تبين بما ذكرنا في أول الفصل الثاني في حديث عمر شرحه (٢)، والكلام فيه فلا حاجة إلى الإعادة.\n١٢٢ - [٤٤] (أبي بن كعب) قوله: (فجعلهم أزواجًا) أي: أراد أن يجعلهم أصنافًا؛ لأن جعلهم أزواجًا بعد التصوير، والزوج خلاف الفرد، ويقال للاثنين: هما زوجان وهما زوج، والحديث يحتمل على المعنيين.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٦٣).\n(٢) تحت حديث (٩٥).","vol":"1","page":413},{"text":"ثُمَّ صَوَّرَهُمْ فَاسْتَنْطَقَهُمْ، فَتَكَلَّمُوا، ثُمَّ أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ، ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، قَالَ: فَإِنِّي أَشْهِدُ عَلَيْكُمُ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالأَرَضِينَ السَّبْعَ، وَأُشْهِدُ عَلَيْكُمْ أَبَاكُمْ آدَمَ أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَمْ نَعْلَمْ بِهَذَا، اعْلَمُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ غَيْرِي، وَلَا رَبَّ غَيْرِي، فَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا، إِنِّي سَأُرْسِلُ إِلَيْكُمْ رُسُلِي يُذكِّرُونَكُمْ عَهْدِي وَمِيثَاقِي، وَأُنْزِلُ عَلَيْكُمْ كُتُبِي، قَالُوا: شَهِدْنَا بِأَنَّكَ رَبُّنَا وَإِلَهُنَا، لَا رَبَّ لَنَا غَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ لَنَا غَيْرُكَ، فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ، وَرُفِعَ عَلَيْهِمْ آدَمُ ﵇ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، فَرَأَى الْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ، وَحَسَنَ الصُّورَةِ وَدُونَ ذَلِكَ، فَقَالَ: رَبِّ لَوْلَا سَوَّيْتَ بَيْنَ عِبَادِكَ؟ . قَالَ: إِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أُشْكَرَ، وَرَأَى الأَنْبِيَاءَ فِيهِمْ مِثْلَ السُّرُجِ، عَلَيْهِمُ النُّورُ، خُصُّوا بِمِيثَاقٍ آخَرَ فِي الرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵎: . . . . .\nــ\nوقوله: (أشهد عليكم السموات السبع، والأرضين السبع، وأشهد عليكم آباءكم) بأن يشهدوا عليكم إذا أنكرتم الاستشهاد والإقرار، والأول إشارة إلى نصب الدلائل العقلية، والثاني إلى بعث الرسل يذكرونهم بالخطابات السمعية.\nوقوله: (رفع) بلفظ المجهول ويحتمل المعلوم، لكن الرواية هو الأول، والرفع ضد الخفض والإصعاد، والمراد أشرف عليهم لينظر إليهم.\nوقوله: (فرأى الغني والفقير وحسن الصورة ودون ذلك) أي: من هو دون حسن الصورة، وهذان مذكوران على طريق التمثيل، خصهما بالذكر لأن أكثر ما يتفاخرون في الظاهر بالمال والجمال.\nوقوله: (قال: إني أحببت أن أشكر) أي: لو كنت خلقتهم على حدٍّ سواء لما وجد الشكر، فالغني يشكر لغناه، وحسن الصورة يشكر لحسن صورته، ولما كان هذان","vol":"1","page":414},{"text":"﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] كَانَ فِي تِلْكَ الأَرْوَاحِ، فَأَرْسَلَهُ إِلَى مَرْيَمَ ﵍ (١)، فَحُدِّثَ عَنْ أُبَيٍّ أَنَّهُ دَخَلَ مِنْ فِيهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ١٣٥].\n١٢٣ - [٤٥] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نَتَذَاكَرُ مَا يَكُونُ إِذْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا سَمِعْتُمْ بِجَبَلٍ زَالَ عَن مَكَانِهِ فَصَدِّقُوهُ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِرَجُلٍ تَغَيَّرَ عَنْ خُلُقِهِ فَلَا تُصَدِّقُوا بِهِ، فَإنَّهُ يَصِيرُ إِلَى مَا جُبِلَ عَلَيْهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ٤٤٣].\nــ\nالقسمان مذكورين بطريق التمثيل، وكان ههنا أقسام لا تعد ولا تحصى، فالمتقي المتدين يشكر لدينه وتقواه وإن كان فقيرًا، وحَسَنُ الخصال والأخلاق يَشْكُرُ لِحُسن خصاله وأخلاقه وإن كان ذميمًا، فافهم.\nوقوله: (إلى قوله: وعيسى) تمام الآية: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]. ووصل -ﷺ- كلامه بالآية، وقال: كان أي: عيسى من تلك الأرواح أي: أرواح الذرية لا في أجسامهم، فأرسله أي: عيسى.\nوقوله: (أنه) أي: عيسى الذي كان روحًا في تلك الأرواح (دخل من فيها) أي: من جانب فم مريم.\n١٢٣ - [٤٥] (أبو الدرداء) قوله: (ما يكون) أي: الذي يوجد ويحدث أي: نتذاكر فيه أنه مقضي أو مستأنف، فأجاب -ﷺ- أنه مقضي ومقدور، وما قدره اللَّه لا يتغير، ذكر منها مثالًا مخصوصًا، وهو خلق الرجل -بالضم- لكونه لا يقبل الزوال، بخلاف خلقه -بالفتح- فإنه يتغير بحسب الظاهر، فالكيسِّ لا يصير بليدًا والبليد لا يصير كيسًا،\n_________\n(١) في نسخة: \"﵉\".","vol":"1","page":415},{"text":"١٢٤ - [٤٦] وَعَنْ أُمِّ سَلمَةَ قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّه، لَا يَزَالُ يُصِيبُكَ فِي كُلِّ عَامٍ وَجَعٌ مِنَ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ الَّتِي أَكَلْتَ، قَالَ: \"مَا أَصَابَنِي شَيْءٌ مِنْهَا إِلَّا وَهُوَ مَكْتُوبٌ عَلَيَّ وَآدَمُ فِي طِينَتِهِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٥٤٦].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>٤ - باب إثبات عذاب القبر</span>\nــ\nيعني أن من قدر اللَّه وقضى بكونه بليدًا أو كيسًا ألبتة لا يصير على خلاف ما قدر، بخلاف ما يرى في الحال كيسًا أو بليدًا فارتاض واجتهد وصار على خلاف ما كان فهو ليس مما نحن فيه، إذ المقدر هناك ما صار عليه، وقد أنكره بعض الناس قائلًا بأن الأخلاق لا تتبدل ولا يتهذب بالرياضة، وهذا غلط بحكم الشريعة والتجربة، فافهم (١).\n١٢٤ - [٤٦] (أم سلمة) قوله: (وآدم في طينته) كناية عن التقدير، في (القاموس) (٢): الطين معروف، وبهاءٍ: القطعة منه، والخِلقة، والجِبِلة.\n٤ - باب إثبات عذاب القبر\nلما أنكر بعض المبتدعة من أكثر المعتزلة وبعض الروافض عذاب القبر، وكان ثابتًا بالأحاديث المشهورة التي تبلغ الحد المشترك منها مبلغ التواتر، وكان سلف الصالح متفقين على ذلك قبل ظهور المخالفين، اهتم المؤلف بإثباته وعقد له بابًا على حدة كالإيمان بالقدر أثبته لذلك.\n_________\n(١) قال القاري: وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّبْدِيلَ الأَصْلِيَّ الذَّاتِيَّ غَيْرُ مُمْكِنٍ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ النَّبَوِيُّ، وَأَمَّا التَّبْدِيلُ الْوَصْفِيُّ فَهُوَ مُمْكِنٌ بَلِ الْعَبْدُ مَأْمُورٌ بِهِ، وَيُسَمَّى تَهْذِيبُ النَّفْسِ وَتَحْسِينُ الأَخْلَاقِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢٠١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١١٩).","vol":"1","page":416},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالعذاب كالنكال بناء ومعنًى، يقال: أعذب عن الشيء ونكل عنه: إذا أمسك عنه، وإنما سمي العذاب سواء كان عذابًا؛ لأنه يمسك الإنسان عن العصيان ويروعه عنه، أو يمسك عن النعمة والرحمة ويروعه عن ذلك، ومنه الماء العذب لأنه يقمع العطش ويروعه، والألم إن كان قادحًا أي ثقيلًا فعذاب سواء كان جزاء للعمل أو لا، رادعًا للجاني عن المعاودة أو لا، وإن كان جزاء فعقاب، وان كان رادعًا فنكال، فالعقاب أخص من العذاب، والنكال أخص من العقاب، والعذاب أعم منهما، والألم أعم من الكل.\nوقيل: العذاب مشتق من العذبة، وهي القذاة، وماء ذو عذب أي: كثير القذى، فكما أن القذاة تنغض الماء كذلك العذاب ينغض العيش، وأيضًا يقال: أعذب حوضك أي: انزع ما فيه من القذى، فكذلك العذاب ينزع من الجاني ما فيه من الجناية، وقيل: من العذوبة؛ لأن عذاب كل أحد يستعذبه عدوه، فعذاب الكافرين مما يستعذبه المؤمنون.\nوالمراد بالقبر ههنا عالم البرزخ، وهو عالم بين الدنيا والآخرة له تعلق بكل منهما، وليس المراد به الحفرة التي يدفن فيها الميت، فرب ميت لا يدفن كالغريق والمحروق والمأكول في بطن الحيوانات يعذب وينعم ويسأل، وإنما خص العذاب بالذكر للاهتمام، ولا قائل بالفصل، ولأن العذاب أكثر لكثرة الكفار والعصاة، وقد يراد بعذاب القبر حال للعبد في البرزخ مطلقًا سواء كان تنعيمًا أو تعذيبًا، وصار اسمًا لتلك الحالة تغليبًا.\nواختلف في أن الميت يعذب بإحيائه في القبر أو بجعل الروح في مقابلته أو بنوع آخر مما يعلمه اللَّه ولا نعلمه، والأظهر الأصوب أنه بالإحياء وإعادة الروح،","vol":"1","page":417},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوهو ظاهر الأحاديث، ثم اختلف في كيفية الإحياء فقيل: إنه يعاد الروح في جملته، وقيل: في أقل جزء يحتمل الحياة والعقل، قال الحليمي: فإن صح فلا جزء أولى به من القلب الذي هو ينبوع الحياة ومحل العقل، وقيل: كل من مات وتفرقت أجزاؤه، فإن اللَّه يعلق روحه بجزئه الأصلي الباقي من أول عمره إلى آخره المستمر على حالتي النمو والذبول، لأن اللَّه تعالى عالم بها كلها حسب ما هو عليها، ويعلم مواقعها ومحالها كما في الحشر، والبينة عندنا ليست شرطًا للحياة، ويكفي في صحة الاعتقاد أن تعتقد أن الحق تعالى يحدث فيه الإدراك بأي وجه يريد، واللَّه أعلم.\nثم في تصديق عذاب القبر وأمثال هذا طرق متعدة ذكر الإمام الغزالي في (الإحياء) (١)، وقال: اعلم أن لك ههنا ثلاث مقامات في التصديق بأمثال هذا، أحدها: وهو الأظهر والأصح والأسلم: أن يصدق بأن الحية مثلًا موجودة في الخارج، وهي تلدغ الميت، ولكنا لا نشاهد ذلك، فإن هذه العين لا تصلح لمشاهدة الأمور الملكوتية، وكل ما يتعلق بالآخرة فهو من عالم الملكوت، أما ترى أن الصحابة كيف كانوا يؤمنون بنزول جبرئيل وما كانوا يشاهدونه ويؤمنون بأنه -ﷺ- يشاهده، فإن كنت لا تؤمن بهذا فتصحيح الإيمان بالملائكة أهم عليك، وإن آمنت به وجوزت أن يشاهد النبي -ﷺ- ما لا تشاهده الأمة فكيف لا تجوز هذا في الميت؟\nوالمقام الثاني: أن تتذكر أمر النائم بأنه يرى في نومه حية تلدغه، وهو يتألم بذلك حتى تراه في نومه يصيح ويعوق جبينه، وقد ينزعج من مكانه، كل ذلك يدركه من نفسه ويتأذى به كما يتأذى اليقظان، وهو يشاهده وأنت ترى ظاهره ساكنًا ولا ترى\n_________\n(١) \"إحياء علوم الدين\" (٤/ ٥٠٠ - ٥٠٤).","vol":"1","page":418},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nحواليه حية، والحية موجودة في حقه، والعذاب حاصل ولكنه في حقك غير مشاهد، وقد يرى اليقظان أيضًا أشياء كما في حالة البرسام وغيره، ولا يريها من حوله، وإذا كان العذاب ألم اللدغ فلا فرق بين حية تتخيل أو تشاهد.\nالمقام الثالث: أن الحية بنفسها لا تؤلم بل الذي يلقاك منها هو السم، ثم السم ليس هو الألم بل عذابك في الأثر الذي يحصل فيك من السم، فلو حصل مثل ذلك الأثر من غير سم لكان ذلك العذاب قد توفر، وكان لا يمكن تعريف ذلك النوع من العذاب إلا بأن يضاف إلى السبب الذي يفضي إليه في العادة، والصفات المهلكات تنقلب مؤذيات ومؤلمات في النفس عند الموت، فيكون آلامها كآلام لدغ الحيات من وجود الحيات.\nفإن قلت: ما اتضح من هذه المقامات الثلاثة؟ فاعلم أن من الناس من يثبت الأول وينكر ما بعده، ومنهم من أنكر الأول وأثبت الثاني، ومنهم من لم يثبت إلا الثالث، وإنما الحق الذي انكشف لنا بطريق الاستبصار أن ذلك كله في حيز الإمكان، وأن من أنكر بعض ذلك فهو لضيق حوصلته وجهله باتساع قدرته سبحانه وعجائب تدبيره في ملكه من أفعال اللَّه تعالى ما لم يأنس به ولم يعاينه، وذلك جهل وقصور، بل هذه الطرق الثلاثة ممكن والتصديق بها واجب، وربما عبد يعاقب بنوع واحد من هذه الأنواع، وربما عبد يجتمع فيه الأنواع الثلاثة هذا هو الحق فصدق به، انتهى كلام الإمام، ويجب أن يعلم أن ما ذكره إنما هو في عذاب القبر وأمثاله لا في أمور الآخرة كلها من الحشر والنشر والجنة والنار فإنها متحققة موجودة في الخارج قطعًا يجب اعتقادها كذلك لا بمحض التخيل والتمثيل.","vol":"1","page":419},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-214> الْفَصْل الأَوَّلُ:</span>\n١٢٥ - [١] عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"الْمُسْلِمُ إِذَا سُئِلَ فِي الْقَبْرِ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ \" [إبراهيم: ٢٧]، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \" ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾. . . . .\nــ\n(فائدة) السؤال في القبر من خصائص هذه الأمة، ذكر ذلك الترمذي وابن عبد البر، والحكمة في ذلك لتعجل عذابها في البرزخ فتوافي القيامة ممحضة، كذا ذكر بعض الشراح، ولا يخفى أن هذا الوجه إنما يجري في مؤمني الأمة دون المشركين، وفي (شرح عقيدة الطحاوي) (١): وللناس في سؤال منكر ونكير خلاف هل هو خاص بهذه الأمة أم لا، ثلاثة أقوال، الثالث التوقف، وهو قول جماعة منهم ابن عبد البر، انتهى. وقيل: عدم الاختصاص قول عامة العلماء، وتدل عليه قصة اليهودية كما تأتي، واللَّه أعلم.\nالفصل الأول\n١٢٥ - [١] (البراء بن عازب) قوله: (فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾) يعني أن قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية إشارة إلى إثبات العبد على الشهادتين وجوابه بهما وقت السؤال عن دينه وربه ونبيه، فإن الآخرة تشتمل البرزخ وما بعده، والشهادتان جواب عن الثلاثة فإنهما الدين.\n_________\n(١) \"شرح العقيدة الطحاوية\" (ص: ٢٦٩).","vol":"1","page":420},{"text":"نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ، يُقَالُ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٦٩، ٤٦٩٩ م: ٤٨٧١].\n١٢٦ - [٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضعَ فِي قَبْرِهِ، وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ [و] (١) إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ،\nــ\nوقوله: (يقال له: من ربك؟ فيقول: ربي اللَّه ونبي محمد) لفظ (المصابيح) ههنا أظهر وأتم: (إذا قيل له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ فيقول: ربي اللَّه، وديني الإسلام، ونبي محمد).\nوقوله: (نزلت في عذاب القبر) قد يفهم من هذا أن عذاب القبر اسم للحالة الثابتة في القبر عذابًا كان أو نعيمًا كما نقلنا عن بعضهم في شرح الترجمة، وتوصيف القول بالثابت لأنه الحق الذي لا يتزلزل، ولا يزول، ثم يستأنس بهذا الحديث بحسب الظاهر اختصاص عذاب القبر بهذه الأمة كما قيل، إلا أن يقال: المذكور في الحديث حال هذه الأمة، ويعلم منه أحوال سائر الأمم كما لا يخفى.\n١٢٦ - [٢] (أنس) قوله: (وإنه ليسمع) (٢) معترضة أو حال بحذف الواو أو تأكيد، ويجوز أن يكون جوابًا بحذف الفاء، وعلى الثاني قوله: (أتاه) حال من فاعل يسمع.\nوقوله: (قرع نعالهم) قيل: فيه دليل على جواز المشي بالنعال عند القبور\n_________\n(١) زيادة في نسخة.\n(٢) اختلفوا في سماع الموتى وفيها تفاصيل، والمجمل أن اللَّه تعالى يسمعهم ما شاء ولا يسمعون ما يشاؤون بأنفسهم. قال النووي: لا يصح السماع، ورجحه ابن الهمام، وقال القاضي عياض بسماعهم. كذا في \"التقرير\".","vol":"1","page":421},{"text":"أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ، فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ. . . . .\nــ\nوبين ظهرانيها.\nوقوله: (فيقعدانه) قال التُّورِبِشْتِي (١): الأصل فيه أن يحمل على الحقيقة على حسب ما يقتضيه الظاهر، ويحتمل أن يراد به التنبيه لما يسأل عنه، والإِيقاظ لما هو فيه بإعادة الروح المميز الإنساني إليه كالنائم الذي يوقظ، ومن الجائز أن يقال: أجلسته من نومه أي: أيقظته من رقدته على المجاز والاتساع؛ لأن الغالب من حال النائم إذا استيقظ أن يجلس، فجعل الإجلاس مكان الإيقاظ، انتهى.\nثم إنه جاء في حديث آخر: (فيجلسانه) والقعود والجلوس مترادفان، وقال في (القاموس) (٢): القعود: الجلوس، أو هو من القيام، والجلوس من الضجعة ومن السجود، انتهى. وعلى الثاني يكون رواية: (يجلسانه) كما يجيء من حديث أحمد وأبي داود أظهر وأفصح، ويكون رواية: (يقعدانه) كما في الصحيحين رواية بالمعنى.\nوقال الطيبي (٣): إذا ذكرا معًا ذكر القعود مع القيام، والجلوس مع الاضجاع، وبدون ذكرهما يجوز ذكر الجلوس من القيام كما جاء ذلك في حديث جبرئيل: (حتى جلس إلى النبي -ﷺ-)، انتهى.\nوقوله: (في هذا الرجل) أي: الرجل العظيم الذي هو الرجل الحقيقي الذي يحق أن يسمّى رجلًا، فاسم الإشارة للقرب للتعظيم كما ذكر في علم المعاني، وقال الطيبي (٤): عبر بهذه العبارة التي ليس فيها تعظيم امتحانًا للمسؤول لئلا يتلقن تعظيمًا\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٧٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٩٥).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٧٨).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٧٩).","vol":"1","page":422},{"text":"لِمُحَمَّدٍ؟ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجنَّة، فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا، وَأَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ، فَيُقَالُ لَهُ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، كُنْتُ أَقُولُ: مَا يَقُولُ النَّاسُ، فَيُقَالُ: لَا دَرَيْتَ وَلَا تَلَيْتَ،\nــ\nعن عبارة القائل.\nوقوله: (لمحمد) بيان من الراوي.\nوقوله: (فيراهما) الحكمة في إرائتهما جميعًا زيادة فرحة بتخليصه بالبلية وتخصيصه بالعطية، ولم يذكر هذا في الكافر اكتفاءً.\nوقوله: (كنت أقول: ما يقول الناس) الظاهر أن المراد بما يقولون التكذيب والإنكار، هذا بحال الكافر المجاهر أنسب، والمنافق أيضًا يقول في الخلوة بشياطينه كذلك، وهكذا في حديث أبي هريرة في الفصل الثاني، وقال الطيبي (١) هناك: قد سمعت الناس أي: المسلمين يقولون: إنه نبي، فقلت مثل قولهم وما شعرت غير ذلك، فتدبر.\nوقوله: (لا دريت ولا تليت) كلاهما على صيغة المخاطب من الماضي المعلوم، إما دعاء أو خبر، أما (دريت) فمن الدراية بمعنى العلم، وأما (تليت) فقال القاضي عياض (٢): (ولا تليت) كذا الرواية عندنا ههنا بفتح التاء واللام، قيل: معناه لا تلوت يعني القرآن أي: لم تدر ولم تتل أي: لم تنتفع بدرايتك وتلاوتك، كذا قال لي أبو الحسين، ورد قول الأنباري فيه وغيره، وقيل: معناه لا تبعت الحق، قاله الداودي،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٨٥).\n(٢) انظر: \"مشارق الأنوار\" (١/ ١٨٨).","vol":"1","page":423},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقيل: لا تبعت ما تدري، قاله ابن القزاز، وقيل: هو على عادة العرب في أدعيتها التي تدغم بها كلامها، قالوا: والواو هنا الأصل فحولت ياء لاتِّباع دريت، وقال ابن الأنباري: (تليت) غلط والصواب أتليت، يدعو عليه بأن لا تتلى إبله أي: لا تكون لها أولاد تتلوها أي: تتبعها، هذا مذهب يونس بن حبيب، قال ابن السراج: وهذا بعيد في دعاء الملكين [للميت]، ولعل ابن الأنباري أراد أن هذا أصل هذا الدعاء، ثم استعمل كما استعمل غيره من أدعية العرب، قال أبو بكر: والوجه الثاني: [أن يكون] ايتليت على أنه افتعلت من قولك: ما آلوت هذا أي: لا دريت ولا استعطت أن تدري، يقال: ما آلوه أي: ما أستطيعه، وهذا مذهب الأصمعي، وقال الفراء مثله إلا أنه فسره: ولا قصرت في طلب الدراية، فيكون أشقى لك من قولهم: ما آلوت أي: ما قصرت، وذكر أبو عبيد فيه أيضًا: ولا آليت كأنه من آلوت أي استعطت، وقد بينا من صحة المعاني التي توافق الرواية ما لا يحتاج معه إلى ما يقوله أبو بكر، والموفق اللَّه، انتهى كلام القاضي.\n(تنبيه) ذكر في (شرح قصيدة الأمالي) لبعض فقهاء المحدثين من أهل المدينة ما نصه: فإن قيل: ليس في الحديث الصحيح إلا ذكر عذاب المنافق والكافر، ونجاة المؤمن في القبر، ولم يذكر المذنب من المؤمنين هل يعذب أم لا؟ فالجواب أن الحديث خرج مخرج الترغيب في الإيمان في أوائل الأمر، فلم يذكر إلا حال المنافق والكافر تحذيرًا من مثل حاله، وحال المؤمن الطائع ترغيبًا في مثل حاله، ولم يذكر قيد الطاعة إلا تشويقًا إلى الإيمان، وأخر ذكر حال المؤمن العاصي إلى وقت الاحتياج بحديث صاحب القبرين، أو أنه -ﷺ- لم يكن أعلم إذ ذاك أن أحدًا يعذب في القبر كما يشير إليه قصة اليهودية أخبرت بعذاب القبر، أو الحديث الذي اقتصر فيه على","vol":"1","page":424},{"text":"وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ\" مُتَّفَقٌ عليه، وَلَفظه للْبُخَارِيِّ. [خ: ١٣٣٨، ١٣٧٤، م: ٢٨٧٠].\nــ\nذكر المنافق إنما هو في حق أهل عصره -ﷺ- فقط، وقد كان مؤمنهم مطيعًا مغفور الزلات، وأما غيرهم فتثبت حالهم الأحاديث التي فيها العذاب لبعض العصاة، كذا ذكره بعضهم.\nوقد تكلم على المسألة السيد الأجل السمهودي، فقال: أما سؤال الملكين فقضيتهما أن المؤمن وإن كان فاسقًا فإنه يجيب الملكين بما اشتملت عليه تلك الأحاديث، وإجابته بذلك صحيحة من حيث المعنى، وأما ما يقال له من البشارة فيحتمل الأمرين؛ أحدهما: عدم مساواة المؤمن الفاسق لغيره في ذلك، فأكمل البشارة للمؤمن الكامل ولغيره ما يصلح به على حسب حاله، وثانيهما: المساواة لكن في أصل ما وقع التبشير به ويكون مقولًا بالتشكيك، إلا أن يكون الفاسق ممن شاء اللَّه مغفرة ذنوبه، أو حصل التكفير لها بالمصائب المؤلمة ونحوها من المكفرات، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ويضرب بمطارق من حديد ضربة) أي: يضرب بكل مطرق ضربة. وقوله: (يسمعها من يليه من غير الثقلين) اقتصر -ﷺ- في هذا المقام على سماع من يليه اكتفاءً بأصل المقصود قصدًا إلى إنذارهم، ويمكن أنه يوحى إليه في هذا الوقت هكذا، وفي وقت آخر فإنه يسمعها من في المشرق والمغرب، ولا منافاة بينهما لعدم اعتبار مفهوم المخالف في مثل هذا المقام لظهور المقصود، فافهم، و(من) لذوي العقول يشمل الملائكة والثقلين وغيرهم تغليبًا، وغلب العقلاء على غيرهم لشرفهم، ولأن السماع من خواصهم فجعل غيرهم في حكمهم فعبر بـ (من) ثم استثنى الثقلين، وذلك لئلا يرفع الابتلاء ولا ينقطع المعاش.","vol":"1","page":425},{"text":"١٢٧ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ، إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيُقَالُ: هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\" مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٧٩، م: ٢٨٦٦].\n١٢٨ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-: أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَابَ الْقَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ عَذَابِ الْقَبْر، فَقَالَ: \"نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ\"، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدُ صَلَّى. . . . .\nــ\n١٢٧ - [٣] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة) تقدير الكلام: إن كان الميت من أهل الجنة فيعرض عليه مقعد من مقاعد أهل الجنة.\nوقوله: (حتى يبعثك اللَّه إليه يوم القيامة) قال التُّورِبِشْتِي (١): الهاء يرجع إلى المقعد، ويجوز أن يعود إلى اللَّه، وهذا لفظ (المصابيح)، وقد روي أيضًا في الأحاديث الصحاح: (حتى يبعثك اللَّه إلى يوم القيامة) أي: هذا مستقرك إلى يوم القيامة، ويجوز أن يكون المعنى حتى يبعثك اللَّه إلى محشر يوم القيامة، فحذف المضاف، انتهى.\nلا يخفى أن معنى قوله: عرض عليه مقعد من مقاعد الجنة أن يراه، يقال: عرض الشيء عليه أراه، كما جاء في حديث آخر: (يفتح له باب إلى الجنة) وليس هو داخلًا الآن في الجنة مستقرًا في مقعده، فلعل معنى العبارة: هذا مقعدك يتوقف دخولك واستقرارك فيه إلى وقت بعث اللَّه إياك إليه يوم القيامة، فافهم.\n١٢٨ - [٤] (عائشة) قوله: (قالت عائشة: فما رأيت رسول اللَّه -ﷺ- بعد صلى\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٧٢)، وانظر: \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٤٣).","vol":"1","page":426},{"text":"صَلَاةً إِلَّا تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٧٢، م: ٥٨٦].\n١٢٩ - [٥] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ، وَنَحْنُ مَعَهُ إِذْ حَادَتْ بِهِ فَكَادَتْ تُلْقِيهِ، وَإِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَو خَمْسَةٌ، فَقَالَ: \"مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الأقْبُرِ؟ \"، قَالَ رَجُلٌ: أَنا، قَالَ: . . . . .\nــ\nصلاة إلا تعوذ باللَّه من عذاب القبر) قال التُّورِبِشْتِي (١): ولقد وجدت في مسموعات أبي جعفر الطحاوي: (أن النبي -ﷺ- سمع يهودية في بيت عائشة -﵂- تقول: إنكم تفتنون في القبور فارتاع رسول اللَّه -ﷺ-، وقال: إنما تفتن يهود، قالت عائشة: فلبثنا ليالي، ثم قال: أشعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور؟) (٢) فلو صح هذا كان الوجه فيه أن النبي -ﷺ- توقف في شأن أمته في فتنة القبر، إذ لم يوح إليه فيه، فلما أوحي إليه تعوذ منه، ووجدت في حديث آخر: أن عائشة -﵂- قالت: فلا أدري أكان رسول اللَّه -ﷺ- يتعوذ قبل ذلك ولم أشعر به، أو تعوذ بقول اليهودية؟، فعلى هذا يحتمل أنه كان يتعوذ، ولم تشعر به عائشة -﵂-، فلما رأى استغراباها لهذا القول وتعجبها منه أعلى صوته بالتعوذ ليترسخ ذلك في عقائد أمته، ويكونوا من فتنة القبر على خيفته.\n١٢٩ - [٥] (زيد بن ثابت) قوله: (في حائط) أي: بستان، والحائط يجيء بمعنى البستان كما سبق في أول (كتاب الإيمان) [برقم: ٣٩].\nوقوله: (إذ حادت به) بالتخفيف أي: مالت، في (النهاية) (٣): حاد عن الشيء\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٧٢).\n(٢) أخرجه مسلم (٥٨٤)، والنسائي (٢٠٦٤).\n(٣) \"النهاية\" (١/ ٤٦٦).","vol":"1","page":427},{"text":"\"فَمَتَى مَاتُوا؟ \" قَالَ: فِي الشِّرْكِ، فَقَالَ: \"إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا، فَلَوْلَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ\"، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: \"تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ\"، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ النَّارِ، قَالَ: \"تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ\"، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، قَالَ: \"تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ\"، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، قَالَ: \"تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ\"، قَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٦٧].\nــ\nوعن الطريق يحيد: إذا عدل، وفي ذم الدنيا: الحيود: الميود، فالباء للتعدية.\nوقوله: (فَمَتَى مَاتُوا؟ قَالَ: فِي الشِّرْكِ) ظاهره أنهم ماتوا في الجاهلية فعذابهم لأجل ترك التوحيد وأمثاله من العقليات، فافهم.\nوقوله: (إن هذه الأمة) المراد بها جنس الإنسان.\nوقوله: (فلولا أن لا تدافنوا لدعوت اللَّه أن يسمعكم من عذاب القبر) قالوا: يحتمل أن يكون المراد أنهم لو سمعوا ذلك للحقهم من الخوف والدهشة ما شغلهم عن التدافن، كما ذكر أن الحكمة في عدم سماع الثقلين صيحة الميت من ضربة المطارق أن لا ينقطع ويتعطل المعاش، فترك التدافن ليس من جهة اعتقاد أنه يمنع العذاب لأنه يعذب وإن لم يدفن، ويعذب في بطون الحيتان وحواصل السباع، وكيف يتركون وقد أمروا بذلك بل من جهة طيران أفئدتهم، وذهاب عقولهم الموجب للذهول عن الأمر واعتقاد التعذيب، ولو لم يدفن، أو أنهم لو سمعوا ذلك لحصلت لهم دهشة من مشاهدة الموتى حتى لا يكادون يقربون جيفة ميت.","vol":"1","page":428},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-215> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٣٠ - [٦] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: الْمُنْكَرُ، وَللآخَرِ: النَّكَيرُ،\nــ\nووجه آخر، وهو أن الأحياء ما زالوا يوارون سوآت الأموات طبعًا وحمية، وندبوا إلى ذلك شرعًا أيضًا بقوله: (اذكروا أمواتكم بالخير)، فلو سمعوا صياح المعذبين لاحتمل أن يحملهم ذلك على أن يطرحوا موتاهم في صحاري بعيدة خوفًا من أن يطلع الناس على ذلك، فإن القبور كالمنازل يجتمعون عليها، ولا ينسون مواضعها، فافهم، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n١٣٠ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (أسودان أزرقان) قال التُّورِبِشْتِي (١): أسودان يحتمل أن يكون على الحقيقة لما في لون السواد من الهول والنكر، ويحتمل أن يكون كناية عن قبح المنظر وبشاعة الصورة، وأما الزرقة فالمراد به وصفهما بتقليب البصر وتحديد النظر إليه يقال: زرقت عينه نحوي: إذا انقلبت وظَهَرَ بياضُها، كما ينظر العدو إلى من يعاديه، وقيل: إنما وصف العدو بالزرقة؛ لأن الروم أعداء العرب وهم زرق العيون، وقال في (القاموس) (٢): الزَّرَقُ: العمى، وَ﴿يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢] أي: عميًا، انتهى. وفي الحديث الآتي: (ثم يقبض له أعمى) كناية عن عدم الترحم والشفقة.\nوقوله: (يقال لأحدهما المنكر، وللآخر: النكير) النكرة خلاف المعرفة، ونكر\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٧٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٢٠).","vol":"1","page":429},{"text":"فَيَقُولَانِ: مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ؟ فَيَقُولُ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولَانِ: قَدْ كُنَّا نَعْلَمُ أنَّكَ تَقُولُ هَذَا، ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا فِي سَبْعِينَ، ثُمَّ يُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: نَمْ، فَيَقُولُ: أَرْجِعُ إِلَى أَهْلِي فَأُخْبِرُهُمْ، فَيَقُولَانِ: نَمْ كَنَوْمَةِ الْعَرُوسِ الَّذِي لَا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ إِلَيْهِ،\nــ\nالأمر ككرم: صعب، ونكر فلان الأمر كفرح، والمنكر ضد المعروف اسم مفعول من الإنكار، ونكير فعيل من النكر، وإنما سميا بهما لعدم معرفة الميت إياهما وتوحشه عنهما وعدم استيناسه بهما.\nوفي (شرح العقيدة الأمالية) لبعض الفقهاء المحدثين من أهل المدينة: قال الحليمي: يشبه أن تكون ملائكة السؤال جماعة كثيرة يسمى بعضهم منكرًا، وبعضهم نكيرًا، فيبعث إلى كل منهم اثنان كما أن الموكل عليه لكتابة عمله ملكًا، وفيه: قال بعض العلماء: منكر ونكير اسمان لملكي المذنب، وأما المطيع فملكاه اسمهما مبشر وبشير، وقال السيد السمهودي: ولم أقف على أصل لما قاله، وقد عزاه الحافظ ابن حجر لبعض الفقهاء، والذي يقتضيه ما في الأحاديث استواء المؤمن في اسميتهما ووصفيتهما، أقول: وهو الظاهر؛ لأن مجيء الملكين إنما هو للامتحان والابتلاء، فالظاهر الإتيان بصفة النكرة، ثم هما يبشران المؤمن بعد تثبته في الجواب، واللَّه أعلم.\nوقوله: (قد كنا نعلم أنك تقول هذا) بإيناس سيماء الإيمان في وجهه أو بإعلام اللَّه.\nوقوله: (كنومة العروس) وفي (القاموس): الرجل والمرأة ما داما في أعراسهما، وهم عروس، وهن عرائس، والعرس بالكسر: امرأة الرجل، والعرس بالضم وبضمتين:","vol":"1","page":430},{"text":"حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا قَالَ: سَمِعتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلًا فَقُلْتُ مِثْلَهُ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ: قَدْ كنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ، فَيُقَالُ لِلأَرْضِ: الْتَئِمِي عَلَيْهِ، فَتَلْتَئِمُ عَلَيْهِ، فَتَخْتَلِفُ أَضْلَاعُهُ، فَلَا يَزَالُ فِيهَا مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٠٧١].\n١٣١ - [٧] وَعَن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"يَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الْإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُول: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ؛ فَذَلِكَ قَولُهُ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ الآيَة [إبراهيم: ٢٧]، قَالَ: فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ صَدَق عَبدِي فَأفْرِشُوهُ. . . . .\nــ\nطعام الوليمة والنكاح، وأعرس: اتخذ عرسًا، وبأهله: بنى عليها.\nوقوله: (حتى يبعثه اللَّه من مضجعه) متعلق بمحذوف، أي: ينام هكذا إلى يوم البعث.\n١٣١ - [٧] (البراء بن عازب) قوله: (ما هذا الرجل) أي: ما وصفه؟ .\nوقوله: (أن صدق عبدي) أن مفسرة لما في النداء من معنى القول، كقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ﴾ [الصافات: ١٠٤] وسمي المؤمن عبدًا لإطاعته وانقياده، وأضافه إلى نفسه تشريفًا له بخلاف الكافر.\nوقوله: (فأفرشوه) قال التُّورِبِشْتِي (١): أفرشوه بألف القطع أي: اجعلوا له\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٧٥).","vol":"1","page":431},{"text":"مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ فيُفْتَحُ، قَالَ: فَيَأتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِيهَا مَدَّ بَصَرِهِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَذَكَرَ مَوْتَهُ، قَالَ: وَيُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ،\nــ\nفرشًا من فرش الجنة، ولم نجد الإفراش على هذا المعنى في المصادر، وإنما هو أفرش أي: أقلع عنه، فهذا اللفظ إذًا على هذا المعنى من باب القياسي الذي ألحق الألف بثلاثيه، ولو كان من باب الثلاثي لكان حقه أن يروى بألف الوصل، والمعنى ابسطوا له، ولم نجد الرواية إلا بالقطع، انتهى.\nوفي (القاموس) (١): فَرَشَ فَرْشًا وفراشًا: بسطه، والفرش: المفروش من متاع البيت، وما أفرش عنه: ما أَقْلَعَ، وأفرشه بساطًا: بسط له، كفَرَشَهُ فرشًا وفَرَّشَه تفريشًا، ويظهر منه الإفراش جاء بمعنى بسط الفرش.\nوقوله: (ألبسوه) أيضًا بهمزة القطع.\nوقوله: (ويفسح له فيها) أي: في القبر كما مر في الحديث السابق: (ويفسح له في قبره)، ولعل تأنيث الضمير باعتبار الجنة أي: في قبره في جانب الجنة التي يفتح له باب إليها، فافهم، ومد البصر أي مداه وهي الغاية، وقد سبق أنه يفتح له في قبره سبعون في سبعين ذراعا، وكلاهما كناية من غير اعتبار تعينه، والفسحة المقدرة بالذراع لعوام المؤمنين وذلك أدناها، والفسحة مد البصر لخواص عباد اللَّه الصالحين.\nوقوله: (فذكر) بلفظ المعلوم أي: ذكر النبي -ﷺ-.\nوقوله: (ويعاد روحه في جسده) ظاهر في الإحياء حقيقة كما في الدنيا، ولا يظهر لتخصيصه بالكافر وجه إلا أن يقال: فيه كمال التعذيب والمبالغة فيه، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٥٥).","vol":"1","page":432},{"text":"وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا، قَالَ: وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، ثُمَّ يُقَيَّضُ لَهُ أعْمَى أَصَمُّ مَعَهُ مِرْزَبَةٌ مِنْ حَدِيدٍ، لَوْ ضُرِبَ بِهَا جَبَلٌ لَصَارَ تُرَابًا، فَيَضْرِبُهُ بِهَا ضَرْبَةً يَسْمَعُهَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمغْرب إِلَّا الثَّقَلَيْنِ،\nــ\nوقوله: (هاه هاه) كلمة توجع وتحير.\nوقوله: (فأفرشوه من النار) يحتمل أن يكون (من) تبعيضية أو زائدة، فيكون الفراش واللباس من النار بعينها، وأن يكون ابتدائية كما في قوله: (من الجنة)، ويجوز أن يكون في النار فرشًا وألبسة قبيحة مؤلمة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ثم يقيض له أعمى أصم معه مرزبة من حديد) (يقيض) على لفظ المضارع المجهول أي: يقدر ويسلط، وأصل الكلمة من القيض وهي القشرة العلياء من البيض، أي يستولي عليه استيلاء القيض على البيض، وقيل: أصلها القيض بمعنى البدل، ومنه المقايضة بمعنى المعاوضة أي: ملك في صورة رجل أعمى وأصم، وكونه أعمى وأصم كناية عن عدم الرحمة والرقة، والمرزبة بكسر الميم وسكون الراء وبفتح الزاء والباء مشددة أو مخففة، وهي التي يكسر بها المدر، كذلك الأرزبة، قال في (القاموس) (١): الأرزبة والمرزبة مشددتان أو الأولى فقط: عُصَيَّةٌ من حديد.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٦).","vol":"1","page":433},{"text":"فَيَصِيرُ تُرَابًا، ثُمَّ يُعَادُ فِيهِ الرُّوحُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٢٨٧ - ٢٨٨، ٢٩٥، ٢٩٦، د: ٤٧٥٣].\nــ\nوقوله: (فيصير ترابًا ثم يعاد فيه الروح) كرر الإعادة كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]، ولعله خص هذا بالكافر تشديدًا ومبالغة في تعذيبه وجزاءً لإنكاره بالبعث، ثم الذي يقطع بوجوده في القبر إيجاد شيء من الحياة في جزء من أجزاء الميت يدرك به الألم، وإن لم يكن إحياءً حقيقة كما في الدنيا، فإن كان المراد بالإعادة هذا المعنى فذاك، وإن كان الإحياء الحقيقي فهذا أيضًا يكون مخصوصًا بالكافر تشديدًا في العذاب، وعلى هذا يكون في القبر إحياءان وإماتتان.\nقال الطيبي (١): ولا يبعد أن يتسمك به من يقول: إن في القبر إماتتين وإحيائين في تفسير قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [غافر: ١١]، انتهى.\nوشرح هذا الكلام أنه قد قيل: إن المراد بالإماتة الأولى خلقهم أمواتًا، فإن الإماتة جعل الشيء عادمًا للحياة ابتداءً أو بتصيير كالتصغير والتكبير في قولهم: سبحان من صغّر البعوض وكبّر الفيل، والإماتة الثانية تصييرهم أمواتًا عند انقضاء الآجال، والإحياء الأول إيجادهم، والثاني إحياؤهم بالبعث، وقيل: الإماتة الأولى عند انخرام الأجل، والثانية في القبر بعد الإحياء للسؤال، والإحياءان ما في القبر والبعث، كذا قال البيضاوي (٢)، ويظهر من هذا الحديث أنه يحيى الكافر في القبر للسؤال، ثم\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٨٨).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٥٣).","vol":"1","page":434},{"text":"١٣٢ - [٨] وَعَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا وَقَفَ عَلَى قَبْرٍ بَكَى، حَتَّى يَبُلَّ لِحْيَتَهُ، فَقِيلَ لَهُ: تُذْكَرُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَلَا تَبْكِي، وَتَبْكِي مِنْ هَذَا؟ (١)،\nــ\nيموت ثم يعاد فيه الروح، ثم يموت، فيقول الطيبي: لا يبعد أن يتمسك بالحديث من يقول: إن في القبر إماتتين وإحيائين، وهو صحيح.\nثم قد تمسك به المنكرون بعذاب القبر بهذه الآية، وقالوا: لو كان في القبر إحياء وإماتة لقالوا: ربنا أمتنا ثلاثًا وأحييتنا ثلاثًا، ولا يتم التمسك فإنهم ذكروا اثنين ولم يذكروا الآخر، ولا يجب ذكر الكل.\nثم لا يذهب عليك أنه يظهر مما ذكروا أن الميت بعد السؤال والعذاب والتنعيم وفتح باب الجنة والنار وإراءة المقعد من كل منهما يموت، ثم يحيى بالبعث، فتعلق الروح بالبدن في القبر يكون لأجل السؤال والتعذيب فقط، نعم شعور الروح باق حتى إنه يعرف الزائر كما جاء في الأخبار، فتدبر.\n١٣٢ - [٨] (عثمان) قوله: (حتى يبل لحيته) أي: يبل عثمان لحيته بدموعه.\n_________\n(١) أَيْ: مِنَ الْقَبْرِ يَعْنِي مِنْ أَجْلِ خَوْفِهِ، قِيلَ: إِنَّمَا كَانَ يَبْكِي -عُثْمَانُ وَإِنْ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ- إِمَّا لِاحْتِمَالِ أَنَّ شَهَادَتَهُ ﵊ بِذَلِكَ كَانَتْ فِي غَيْبَتِهِ وَلَمْ تَصِلْ إِلَيْهِ، أَوْ وَصَلَتْ إِلَيْهِ آحَادًا، فَلَمْ يُفِدِ الْيَقِينَ، أَوْ كَانَ يَبْكِي لِيُعْلَمَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَخَافُ مَعَ عِظَمِ شَأْنِهِ وَشَهَادَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- لَهُ بِالْجِنَّةِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى بِأَنْ يَخَافَ مِنْ ذَلِكَ وَيَحْتَرِزَ مِنْهُ. قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَالأَظْهَرُ فِي الْجَوَابِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ التَّبْشِيرِ بِالْجَنَّةِ عَدَمُ عَذَابِ الْقَبْرِ، بَلْ وَلَا عَدَمُ عَذَابِ النَّارِ مُطْلَقًا مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ التَّبْشِيرُ مُقَيدًا بِقَيْدٍ مَعْلُومٍ أَوْ مُبْهَمٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَنْسَى الْبِشَارَةَ حِينَئِذٍ لِشِدَّةِ الْفَظَاعَةِ، أَوْ بُكَاؤُهُ لِفَقْدِ النَّبِيِّ -ﷺ- وَأَصْحَابِهِ، أَوْ لِابْتِلَائِهِ بِزَمَنِ الْجَوْرِ وَأَرْبَابِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَوْفًا مِنْ ضَغْطَةِ الْقَبْرِ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ سَعْدِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَخْلُصْ مِنْهُ كُلُّ سَعِيدٍ إِلَّا الأَنْبِيَاءُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بُكَاؤُهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢١٥).","vol":"1","page":435},{"text":"فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ الْقَبْرَ أَوَّلُ مَنْزِلٍ مِنْ مَنَازِلِ الآخِرَةِ، فَإِنْ نَجَا مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَيْسَرُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَنْجُ مِنْهُ فَمَا بَعْدَهُ أَشَدُّ مِنْهُ\"، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا رَأَيْتُ مَنْظرًا قَطُّ إِلَّا وَالْقَبْرُ أَفْظَعُ مِنْهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٣٠٨، جه: ٤٢٦٧].\n١٣٣ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: \"اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ، ثُمَّ سَلُوا لَهُ بِالتَّثْبِيتِ، فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٢٢١].\nــ\nوقوله: (ما رأيت منظرًا) أي: منظرًا فظيعًا، ولعل هذا مبالغة وإلا فالنار أفظع من كل شيء، ويحتمل أن يكون المراد المناظر التي في الدنيا، واللَّه أعلم.\n١٣٣ - [٩] (عنه) قوله: (سلوا له بالتثبيت) (١) أي: ادعوا له بأن يثبته اللَّه\n_________\n(١) أَي: ادْعُوَا لَهُ بِدُعَاءِ التَّثْبِيتِ، يَعْنِي قُولُوا: ثَبَّتَهُ اللَّهُ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ، أَوِ اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ، وَهُوَ كَلِمَةُ الشَّهَادَةِ عِنْدَ مُنْكَرٍ وَنَكَيرٍ، وَهَذَا أَفْضَلُ مِنَ التَّلْقِينِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى التَّلْقِينِ عِنْدَ الدَّفْنِ كَمَا هُوَ الْعَادَةُ، وَلَا نَجِدُ فِيهِ حَدِيثًا مَشْهُورًا وَلَا بَأْسَ بِهِ إِذْ لَيْسَ فِيهِ إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَرْضُ الاعْتِقَادِ عَلَى الْمَيِّتِ وَالْحَاضِرِينَ وَالدُّعَاءُ لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَالإِرْغَامُ لِمُنْكِرِي الْحَشْرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَأَمَّا قَوْلُهُ ﵊: \"لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ قَوْلَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ\" فَالْمُرَادُ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا عِنْدَ دَفْنِ الْمَيِّتِ. قاله القاري \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢١٦). قال النووي: اتفق كثير من أصحابنا على استحباب التلقين إذا دفن الميت يقف أحد عند رأسه، ويقولُ: يا فلانُ بن فلانٍ، اذكر العهد الذي خرجتَ عليه من الدنيا: شهادة أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأن اللَّه يبعث مَن في القبور، قُل: رضيتُ باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد -ﷺ- نبيًّا، وبالكعبة قبلة، وبالقرآن إمامًا، وبالمسلمين إخوانًا، ربّي اللَّه لا إِلهَ إِلا هو، وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ، وروي في ذلك حديث عن أبي أمامة ليس بالقائم إسناده ولكن اعتضد بشواهد منها الحديث =","vol":"1","page":436},{"text":"١٣٤ - [١٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيُسَلَّطُ عَلَى الْكَافِرِ فِي قَبْرِهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ تِنِّينًا تَنْهَسُهُ وَتَلْدَغُهُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ لَو أَنَّ تِنِّينًا مِنْهَا نَفَخَ فِي الأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ خَضِرًا\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ، وَقَالَ: \"سَبْعُونَ\" بدلَ \"تِسْعَةً وَتسْعُونَ\". [دي: ٢/ ٣٢١، ت: ٢٤٦٠].\nــ\nعلى جواب الملكين بالقول الثابت، وفيه دليل على أن الدعاء نافع للميت، وفي عقائد أهل السنة والجماعة في دعاء الأحياء للأموات نفع لهم، وتلقين بعد الدفن شيء آخر غير الدعاء، وهو مستحب عند كثير من الشافعية، وقد نقل عن بعض أصحابنا أيضًا، وقد ورد فيه حديث عن أبي أمامة ذكره السيوطي في (جمع الجوامع) من حديث الطبراني وابن النجار وابن العساكر والديلمي، ونقل الطيبي (١): عن سنن البيهقي استحباب قراءة أول سورة البقرة وخاتمتها، وقد سمعت عن بعض العلماء أنه يستحب ذكر مسألة من المسائل الفقهية (٢)، وقال الشيخ ابن الهمام في (شرح الهداية) (٣): واختلفوا في إجلاس القراء ليقرؤا القرآن عند القبر، والمختار عدم الكراهة.\n١٣٤ - [١٠] (أبو سعيد) قوله: (تسعة وتسعون تنينًا) في (القاموس) (٤): التِّنِّين كسكِّيت: حية عظيمة، (تنهسه وتلدغه) النهس بالمهملة: الأخذ بأطراف الأسنان،\n_________\n= المذكور، وأهل الشام يعملون قديمًا، وذكر في \"الأذكار\" (ص: ٢٨٩) عن الشافعي وأصحابه أنه يُستحب أن يقرؤوا عنده شيئًا من القرآن، قالوا: فإن ختموا القرآن كلَّه كان حسنًا، وفي \"سنن البيهقي\": أن ابن عمر استحبَّ أن يقرأ على القبر بعد الدفن أوّل سورة البقرة وخاتمتها. انظر: \"التعليق الصبيح\" (١/ ١١٢)، و\"المجموع شرح المهذب\" (٥/ ٣٠٤).\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٨٩).\n(٢) كذا في الأصول.\n(٣) \"فتح القدير\" (٣/ ٤٣١).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٩٠).","vol":"1","page":437},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-216> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٣٥ - [١١] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ حِينَ تُوُفِّيَ، فَلَمَّا صَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَسُوِّيَ عَلَيْهِ، سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَسَبَّحْنَا طَوِيلًا،\nــ\nوبالمعجمة الأخذ بكلّها، والرواية بالمهملة، وتلدغه بمنزلة التأكيد؛ لأن اللدغة أشد، والعلم بالعدد قطعًا موكول إلى الشارع، وقد يقال: هذه الحيات صورة الأخلاق تمثلت بها، ولعل أصولها في الشارع تسعة وتسعون، والمراد بالسبعين المبالغة والتكثير، وقد ذكر التُّورِبِشْتِي وجهًا آخر (١).\nالفصل الثالث\n١٣٥ - [١١] (جابر) قوله: (فسبحنا طويلًا) يحتمل أن يكون (طويلًا) متعلقًا بـ (سبح) وبـ (سبحنا) بالتنازع.\n_________\n(١) قال القاري: وَجْهُ تَخْصِيصِ الْعَدَدِ لَا يُعْلَمُ إِلَّا بِالْوَحْي، وَيحْتملُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةٌ وَتِسْعِينَ اسْمًا، فَالْكَافِرُ أَشْرَكَ بِمَنْ لَهُ هَذِهِ الأَسْمَاءُ فَسَلَّطَ عَلَيْهِ بِعَدَدِ كُلِّ اسْمٍ تِنِّينًا، أَوْ يُقَالُ: قَدْ رُوِيَ: إِنَّ للَّهِ تَعَالَى مِئَةَ رَحْمَةٍ أَنْزَلَ مِنْهَا وَاحِدَةً فِي الدُّنْيَا بَيْنَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فِيهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطُفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِلَى الآخِرَةِ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، فَيُسَلّط عَلَى الْكَافِرِ بِمُقَابَلَةِ كُلِّ رَحْمَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ تِنِّينًا، كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢١٦)، وقوله: \"سَبْعُونَ\" قَالَ الْعَيْنِيُّ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ الأَخِيرَةُ ضَعِيفَةٌ عَلَى مَا فِي \"الأَزْهَارِ\". قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَبِتَقْدِيرِ وُرُودِهِمَا يُجْمَعُ بِأَنَّ الأَوَّلَ لِلْمَتْبُوعِينَ مِنَ الْكُفَّارِ، وَالثَّانِي لِلتَّابِعِينَ، أَوْ بِأَنَّ سَبْعِينَ يُعَبَّرُ بِهَا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَنِ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ جِدًّا، فَحِينَئِذٍ هِيَ لَا تُنَافِي الأُولَى لِأَنَّهَا مُجْمَلَةٌ وَتِلْكَ مُبَيِّنَةٌ لَهَا. قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ، فَإِنَّ الإِمَامَ الْغَزَّالِيَّ -﵀- صَرَّحَ بِأَنَّ عَذَابَ الْكَافِرِ الْفَقِيرِ فِي النَّارِ أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْكَافِرِ الْغَنِيِّ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢١٧).","vol":"1","page":438},{"text":"ثُمَّ كَبَّرَ فَكَبَّرْنَا، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ سَبَّحْتَ ثُمَّ كَبَّرْتَ؟ قَالَ: \"لَقَدْ تَضَايَقَ عَلَى هَذَا العَبْدِ الصَّالِحِ قَبْرُهُ، حَتَّى فَرَّجَهُ اللَّهُ عَنهُ\". رَوَاهُ أحمَدُ. [حم: ٣/ ٣٦٠، ٣٧٧].\n١٣٦ - [١٢] وَعَن ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَذَا الَّذِي تَحَرَّكَ لَهُ الْعَرْشُ،\nــ\nوقوله: (ثم كبر فكبرنا) يحتمل أن المراد بها أيضًا طويلًا.\nوقوله: (على هذا العبد الصالح) أي: الصالح الذي اهتز لموته العرش، وحضرته سبعون ألفًا من الملائكة، وقصة موته في غزوة الخندق، وكلمة (حتى) للغاية، وفيه إيماء إلى أن التفريج ببركة تسبيحه وتكبيره -ﷺ-، ويحتمل أن يكون التسبيح والتكبير تعجبًا واستعظامًا، وعلى الأول غاية لقوله: سبحت وكبرت المقدرين، وعلى الثاني غاية لنحو توقف وتأخر التضايق حتى فرجه، فافهم.\n١٣٦ - [١٢] (ابن عمر) قوله: (هذا الذي تحرك له العرش) وفي رواية أخرى: (اهتز لموت سعد العرش)، وفي رواية: (عرش الرحمن)، والهز لغة: الحركة، واهتز: تحرك، واختلف الأقوال في تعليله، فقيل: استعمل الاهتزاز في معنى الارتياح، وهو النشاط، وكل من خفف لأمر وارتاح له فقد اهتز له أي: ارتاح لصعود روحه واستبشر لكرامته على ربه، وقيل: أراد فرح أهل العرش بموته يعني لصعود روحه المطهرة إليهم، وقيل: هو كناية عن تعظيم شأن وفاته نحو أظلمت الأرض لموت فلان، وقامت له القيامة، وقيل: اهتزازه لفقده ومصيبته، على طريقة قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ﴾ [الدخان: ٢٩]. أقول: يؤيد التعليل بالفرح والسرور لقدومه ما جاء في حديث آخر: (أتى جبرئيل فقال: مَنْ رجل مِنْ أمتك مات بالليلة استبشر لموته","vol":"1","page":439},{"text":"وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَشَهِدَهُ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لَقَدْ ضُمَّ ضَمَّةً ثُمَّ فُرِّجَ عَنْهُ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [س: ٢٠٥٥].\n١٣٧ - [١٣] وَعَن أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَطِيبًا فَذَكَرَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ الَّتِي يُفتَنُ فِيهَا الْمَرْءُ، فَلَمَّا ذَكَرَ ذَلِكَ ضَجَّ الْمُسْلِمُونَ ضَجَّةً، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ هَكَذَا، وَزَادَ النَّسَائِيُّ. حَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَفْهَمَ كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا سَكَنَتْ ضَجَّتُهُمْ، قُلْتُ لِرَجُلٍ قَرِيبٍ مِنِّي: أَيْ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ مَاذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي آخِرِ قَوْلِهِ؟ قَالَ: قال: . . . . .\nــ\nأهل السماء؟ فقال -ﷺ-: لا إلا أن يكون سعد) (١).\nوقيل: أراد بالعرش سريره الذي حمل عليه إلى القبر، وكأنه لم يبلغ هذا القائل رواية (عرش الرحمن)، وأيضًا ليس فيه كثير مدح، وقيل: حركة السرير واضطرابه، كزحف جبل أحد فضيلة لمن كان عليه، وهو النبي ﵊، وبعض أصحابه -﵃-، وعلم مما ذكرنا أن المراد من الاهتزاز حقيقة أو مجاز.\nوقوله: (وفتحت له أبواب السماء) كان أهل كل باب انتظروا صعود روحه.\n١٣٧ - [١٣] (أسماء بنت أبي بكر) قوله: (فذكر فتنة القبر) قد عرف معنى الفتنة في (باب الوسوسة) [برقم: ٧١]، وحاصله الابتلاء والامتحان.\nوقوله: (حالت) صفة (ضجة).\nوقوله: (أي بارك اللَّه) (أي) حرف نداء، والمنادى محذوف تقديره: أي فلان.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٦٧٩٧).","vol":"1","page":440},{"text":"\"قَدْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّكُمْ تُفْتَنُونَ في الْقُبُورِ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّال\" [خ: ١٣٠٧، س: ٢٠٦٢].\n١٣٨ - [١٤] وَعَنْ جَابِرٍ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا أُدْخِلَ الْمَيِّتُ الْقَبْرَ مُثِّلَتْ لَهُ الشَّمْسُ عِنْدَ غُرُوبِهَا فَيَجْلِسُ، يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ وَيَقُولُ: دَعُونِي أُصَلِّي\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٤٣٢٦].\nــ\nوقوله: (قريبًا) صفة (فتنة)، وتذكير الضمير إما بتأويل الافتنان أو الامتحان، أو جعل فعيل بمعنى فاعل في حكم فعيل بمعنى مفعول في استواء التذكير والتأنيث، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [الأعراف: ٥٦]، أي فتنة عظيمة، والقرب لأجل غاية الشدة والمحنة، فإن فتنة الدجال عظيمة، ولأن الناس يفتنون بالدجال في دعوى الربوبية، ولعل الميت حين يرى هيبة الملك ودهشته يقع في الكفر ويقول: أنت ربي، نعوذ باللَّه من ذلك، واللَّه أعلم.\n١٣٨ - [١٤] (جابر) قوله: (مثلث) أي صورت وخيلت، وهذا يكون للمؤمن.\nوقوله: (عند غروبها) حال من الشمس، وهو يناسب حال الغربة (١).\nوقوله: (فيجلس) على صيغة المجهول من الإجلاس أو المعلوم من الجلوس.\n_________\n(١) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: حَالَ كَوْنِهَا غَارِبَةً لَا ظَرْفَ لـ \"مُثِّلَتْ\" لِاقْتِضَائِهِ أَنَّ التَّمْثِيلَ لَا يَكُونُ إِلَّا ذَلِكَ الْوَقْتَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا سَيَتَقَرَّرُ أَنَّهُ عِنْدَ نُزُولِ الْمَلَكَيْنِ أَوْ بَعْدَ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ، وَهَذَا لَا يُقَيَّدُ بِذَلِكَ الْوَقْتِ بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي سَائِرِ أَجْزَاءِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ التَّمْثِيلِ بِهَا حَالَةَ كَوْنِهَا غَارِبَةً عَامٌّ فِي سَائِرِ الأَزْمِنَةِ أَيْضًا، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢١٩).","vol":"1","page":441},{"text":"١٣٩ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ الْمَيِّتَ يَصِيرُ إِلَى الْقَبْرِ، فَيُجْلَسُ الرَّجُلُ فِي قَبْرِهِ غَيْرَ فَزَعٍ وَلَا مَشْغُوبٍ، ثمَّ يُقَالُ: فِيمَ كُنْتَ؟ فَيَقُولُ: كُنْتُ فِي الْإِسْلَامِ، فَيُقَالُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَصَدَّقْنَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ رَأَيْتَ اللَّهَ؟ فَيَقُولُ: مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَرَى اللَّهَ، فَيُفَرَّجُ لَهُ فُرْجَةً قِبَلَ النَّارِ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يُحَطِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا وَقَاكَ اللَّهُ،\nــ\n١٣٩ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (لا مشغوب) في (القاموس) (١): الشغب ويحرك، وقيل: لا: تهييج الشر.\nوقوله: (محمد رسول اللَّه) رسول اللَّه (٢) صفة أو خبر، و(جاءنا) صفة أخرى أو خبر آخر أو استئناف.\nوقوله: (هل رأيت اللَّه) امتحان لإيمانه وتصديقه بأنه رسول اللَّه أي: بأي دليل تقول: جاء محمد من عند اللَّه، هل رأيت اللَّه أخبرك بذلك، فيقول: ما ينبغي لأحد أن يرى اللَّه، ولكني أقول بدليل صدقه في دعواه بإظهار المعجزات البينات.\nوقوله: (فيفرج) بالتخفيف، وفي بعض النسخ بالتشديد.\nوقوله: (فينظر إليه) أي: إلى النار، وتذكير الضمير إما بتأويل العذاب أو باعتبار المعنى، كذا قيل، ويجوز أن يكون الضمير لقبل النار، وفي بعض الروايات: (فينظر إليها) على الأصل. (يحطم) والحطم: الكسر، وجاء في حديث آخر في وصف نار\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٨).\n(٢) قال القاري: وَهُوَ يحْتَملُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَوْ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وَالأَظْهَرُ أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُحَمَّدٍ، وَالْجُمْلَةُ مَقُولٌ، وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِلْجَوَابِ عَنْ وَصْفِهِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢٢٠).","vol":"1","page":442},{"text":"ثُمَّ يُفَرَّجُ فُرْجَةً قِبَلَ الْجَنَّةِ، فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا، فَيُقَال لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ، عَلَى الْيَقِينِ كُنْتَ، وَعَلَيْهِ مِتَّ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِن شَاءَ اللَّهُ، وَيُجْلَسُ الرَّجُلُ السُّوءُ فِي قَبْرِهِ فَزِعًا مَشْغُوبًا، فَيُقَالُ لَهُ: فِيمَ كُنْتَ؟ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، فَيُقَالُ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُ: سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَوْلًا فَقُلْتُهُ، فَيُفَرَّجُ لَهُ فُرْجَةً قِبَلَ الْجَنَّةِ، فَيَنْظُرُ إِلَى زَهْرَتِهَا وَمَا فِيهَا، فَيُقَالُ لَهُ: انْظُرْ إِلَى مَا صَرَفَ اللَّهُ عَنْكَ، ثُمَّ يُفَرَّجُ لَهُ فُرْجَةً إِلَى النَّارِ، فَيَنْظُرُ إِلَيْهَا يُحَطِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا، فَيُقَالُ لَهُ: هَذَا مَقْعَدُكَ، عَلَى الشَّكِّ كُنْتَ، وَعَلَيْهِ مِتَّ، وَعَلَيْهِ تُبْعَثُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٤٣٢٢].\n* * *\nــ\nجهنم: (أكل بعضه بعضًا)، وهو كناية عن شدة لهبه وخروجه، كما قال اللَّه تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨].\nوقوله: (زهرتها) أي: بهجتها ونضارتها وحسنها.\nوقوله: (على اليقين) قال الطيبي (١): هو حال، وتعريفه للجنس، و(كنت) صفته، والظاهر أن يكون خبر كان فيكون في معنى قوله في الدعاء المأثور: (عليها نحيي وعليها نموت وعليها نبعث إن شاء اللَّه)، والتعليق للتبرك أو للتحقيق.\nوقوله: (ومت) بضم الميم وكسره، من مات يموت أو يمات أو يميت، كذا في (القاموس) (٢)، وكذا الحال في ألفاظ مقابلة.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٩٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٦١).","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة</span>\nــ\n٥ - باب الاعتصام بالكتاب والسنة\nعصم يعصم من ضرب يضرب: منع ووقى، فالعصمة بمعنى المنعة، والعاصم المانع، وفي قول أبي طالب في مدح النبي -ﷺ-: ثِمال اليتامى عصمة للأرامل، أي: يمنعهم من الضياع والحاجة، وعصموا مني دماءهم وأموالهم، أي: منعوا، والعصمة من اللَّه: دفع الشر، فالاعتصام بمعنى الامتناع، ولهذا المعنى يفسر بالاستمساك إذ به يمتنع الرجل عن الآفات والمعاصي التي تهلكه، قال في (القاموس) (١): اعتصم باللَّه: امتنع بلطفه من المعصية، وقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، أي: تمسكوا بالقرآن والسنة، وقيل: بعهده.\nوفي (مجمع البحار) (٢): ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ أي: التجؤوا إلى اللَّه بطاعته ليحميكم، واعتصم هكذا: التجأ إليه، وفي الدعاء: أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، أي: حافظ لجميع أموري، فإن فسد فسد جميع الأمور، أي: يتمسك ويتقوى به في الأمور كلها، وبالجملة المراد ههنا التمسك بالكتاب والسنة واعتقادهما والعمل بهما، والاجتناب عن البدع والأهواء.\nوالسنة في الأصل: الطريقة والسيرة، وفي الشرع: يراد بها ما أمر به النبي -ﷺ-، ونهى عنه، وندب إليه قولًا وفعلًا مما لم يأت به الكتاب العزيز، وقد يراد به المستحب سواء دل عليه كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، ومنه سنن الصلاة، وقد يراد به ما واظب عليه النبي -ﷺ- مما ليس بواجب، فهي ثلاث اصطلاحات، كذا في (مجمع البحار).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٤٩).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٦١٣).","vol":"1","page":444},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-218> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٤٠ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٩٧، م: ١٧١٨].\n١٤١ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْي هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا،\nــ\nقال العبد الضعيف: المناسب لهذا المقام أن يراد بها المعنى الأول كما لا يخفى.\nالفصل الأول\n١٤٠ - [١] (عائشة) قوله: (من أحدث في أمرنا) أي: في ديننا، أي: أحدث شيئًا لم يكن عليه من الكتاب والسنة سند صريحًا أو مستنبطًا، أو لم يحكم بصحته الكتاب، فيشمل الإجماع والقياس، والمراد ما كان مخالفًا مغيرًا لهما.\nوقوله: (فهو) أي: من أحدث أو ما حدث مردود.\n١٤١ - [٢] (جابر) قوله: (قال رسول اللَّه -ﷺ-: أما بعد. . . إلخ) كان يقول في الخطبة بعد الحمد والصلاة، قلّما تخلو خطبة منها، وكلمة (أما) قد يجيء لتفصيل ما أجمل، وقد يجيء للاستئناف كما في أول الكلام، ويقال: لقولهم: (أما بعد) فصل الخطاب، ويقال: إنه المراد بقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾، وقد سبق الكلام فيه في شرح خطبة الكتاب.\n(والهدْي) الطريقة والسيرة، ويستعمل في السيرة الحسنة والطريقة المرضية، واللام للاستغراق. (وشر الأمور) روي منصوبًا، وقد يروى وهو الأكثر مرفوعًا على الابتداء.","vol":"1","page":445},{"text":"وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٦٧].\n١٤٢ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَبْغَضُ النَّاسِ. . . . .\nــ\nوقوله: (وكل بدعة ضلالة) قال القاضي عياض (١): كل ما أحدث بعد النبي -ﷺ- فهو بدعة، والبدعة فعل ما لم يسبق إليه، فما وافق أصلًا من السنة يقاس عليها فهو محمود، وما خالف أصول السنن فهو ضلالة، ومنه: (كل بدعة ضلالة)، انتهى. يعني أن قوله: (كل بدعة ضلالة) عام مخصوص البعض.\nوقد قسموا البدعة: بدعة هدى وبدعة ضلالة، فمن الأول ما كان تحت عموم ما ندب الشارع إليه، وحض عليه، فلا يذم لوعد الأجر عليه لحديث: (من سن سنة حسنة)، وفي ضده: (من بن سنة سيئة)، ومن الثاني ما كان بخلاف ما أمر به فيذم وينكر عليه، وما فعله الخلفاء الراشدون فهو أيضًا بدعة حسنة، بل في الحقيقة سنة لقوله -ﷺ-: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، و(اقتدوا باللذين من بعدي؛ أبي بكر وعمر).\nوقسموها إلى ما هو واجب كعلم النحو، وحفظ غريب الكتاب والسنة، وسائر ما يتوقف عليه حفظ الدين، ومندوب كبناء الربط والمدارس، ومكروه كزخرفة المساجد وترويق المصحف على قول البعض، ومباح كالتبسط في أنواع الأطعمة والمباحات التي لم يكن في عهد رسول اللَّه -ﷺ-، ومحرم كمذاهب سائر أهل البدع والأهواء مما يخالف السنة ويغيرها، والبدعة أكثر ما يستعمل عرفًا في مقام الذم والتهجين، فتدبر.\n١٤٢ - [٣] (ابن عباس) قوله: (أبغض الناس) أي: من المسلمين إذ ليسوا أبغض الناس كلهم حتى الكفار، وإنما كانوا أبغض لأنهم زادوا على أصل الذنب،\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ١٢٦).","vol":"1","page":446},{"text":"إِلَى اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: مُلْحِدٌ فِي الْحَرَمِ، وَمُبْتَغٍ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمُطَّلِبٍ دَمَ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقِّ لِيُهْرِيقَ دَمَهُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٨٨٢].\nــ\nوهو مخالفة النهي قبحًا آخر، فيكون النهي أشد، وهو مبالغة في التغليظ، والإلحاد في اللغة الميل، وقد غلب في الميل عن الحق، والمراد بالإلحاد في الحرم ارتكاب ما نهى عنه فيه من الجناية بل المعصية مطلقًا، فإن ارتكاب الذنب في الحرم أشد بل يضاعف على مذهب ابن عباس، ولهذا كان مذهبه كراهة الإقامة بمكة، ففي الإلحاد في الحرم ارتكاب مع زيادة هتك حرمته.\nوقوله: (ومبتغ في الإسلام سنة الجاهلية) أي: طريقها التي من شعارها مثل النياحة وضرب الخدود وشق الجيوب والتطير، وأمثال ذلك، وهي منهي عنها، ففيه ارتكاب المنهي عنه مع قبح فعل ما هو من عادة الجاهلية من المسلم، وهي زائدة، والنهي عنه أشد من هذه الحيثية.\nوقوله: (ومطلب دم امرئ بغير حق ليهريق دمه) الذنب ههنا القتل، والزيادة قصد الإهراق، أي: قتل لمجرد غرض إهراق الدم لا لغرض من الأغراض، وقتل النفس قبيح وإن كان لغرض، لكن ارتكابه لمجرد إهراق الدم المذموم بالذات أقبح، كأنه قصد محض ما نهي عنه وذاته، فافهم. أو يقال: القتل بغير حق مذموم لكونه ظلمًا، وكونه ظلمًا خاصًّا متضمنًا هدم بُنيان الرب زيادة على مطلق الظلم، ثم الظاهر من الابتغاء والطلب المذكورين ارتكاب القتل، وإن حمل على الظاهر يكون فيه مبالغة من جهة أنه إذا ترتب على الطلب والتمني فكيف بالمباشرة.\nوقوله: (ليهريق دمه)، أي: ليريقه من الإراقة بمعنى الصب، وقد سبق تحقيق هذه اللفظة في آخر الفصل الثالث من (كتاب الإيمان) من حديث عمرو بن عبسة [برقم: ٤٦]، فلا نعيده.","vol":"1","page":447},{"text":"١٤٣ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى\". قِيلَ: وَمَنْ أَبَى؟ قَالَ: \"مَن أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٢٨٠].\n١٤٤ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَتْ مَلَائِكَةٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وَهُوَ نَائِم، فَقَالُوا: إِنَّ لِصَاحِبِكُمْ هَذَا مَثَلًا فَاضْوِبُوا لَهُ مَثَلًا، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نَائِمٌ،\nــ\n١٤٣ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (كل أمتي) الظاهر أن المراد أمة الإجابة كما يدل عليه سياق الحديث، والمراد من أطاعني وتمسك بالكتاب والسنة دخل الجنة، ومن ابتدع واتبع هواه دخل النار، فالمراد بالمعصية ههنا البدعة، والمعصية وإن كانت بدعة بمعنى ما لم يكن في الدين لكن أكثر ما تطلق البدعة في عرف الشرع ما يكون في الاعتقاد أو في العمل أيضًا بشرط أن تكون هادمة لقاعدة مقررة مشهورة من الشرع، فلا تطلق على مطلق المعصية، ولا يقال لكل عاص: إنه مبتدع، فتدبر.\n١٤٤ - [٥] (جابر) قوله: (قال) أي: جابر حاكيًا عما سمعها عن رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (إن لصاحبكم هذا مثلًا) المراد لصاحبكم هو الرسول -ﷺ-، والإشارة بهذا لكمال تميز ذاته الشريفة المتعينة المتميزة في الفضل والكمال، والمثل يجيء بمعنى الحال والصفة العجيبة الشأن.\nوقوله: (فاضربوا له مثلًا) أي: اذكروا وبينوا له تلك الصفة العجيبة ليعرفها ويخبر بها أمته، كقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٥]، وقد يجيء اضرب متعديًا إلى مفعولين بتضمين معنى الجعل كقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣].\nوقوله: (قال بعضهم) أي: بعض الملائكة كيف نضرب له مثلًا، وهو لا يسمع","vol":"1","page":448},{"text":"وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نائِمَةٌ، وَالْقَلْبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: مَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى دَارًا وَجَعَلَ فِيهَا مَأْدُبَةً وَبَعَثَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ، وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَمَنْ لَمْ يُجبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، فَقَالُوا: أَوِّلُوهَا لَهُ يَفْقَهْهَا، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ نائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ الْعَيْنَ نَائِمَةٌ، وَالْقلبَ يَقْظَانُ، فَقَالُوا: الدَّارُ الْجَنَّةُ، وَالدَّاعِي مُحَمَّدٌ، فَمَنْ أَطَاعَ مُحَمَّدًا فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه، وَمَنْ عَصَى مُحَمَّدًا فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمُحَمَّدٌ فَرْقٌ بَيْنَ النَّاسِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٢٨١].\nــ\nفإنه نائم، وقال بعضهم: إن تأثير نومه إنما هو في تعطل عينيه الشريفة عن إدراكها، وأما علمه بالقلب فباقٍ فيسمعه، كما جاء في الحديث: (تنام عيناي ولا ينام قلبي).\nوقوله: (مثله كمثل رجل) هذا من التشبيه التمثيلي الذي هو تشبيهه هيئة منتزعة من مجموع بأخرى مثلها، كقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ﴾ الآية [الكهف: ٤٥]، كما حقق في علم البيان، إذ ليس المراد تشبيه -ﷺ- برجل بل بداعي رجل كما يظهر من بيان التشبيه، و(المأدبة) طعام يدعى إليه الناس، ومنه حديث: القرآن مأدبة اللَّه، ومنه: إن للَّه مأدبة من لحوم الروم أي: تقتلون فتأكل من لحومهم السباع، والمشهور فيه ضم الدال ويجوز الفتح.\nوقوله: (أولوها له) أي: فسروا هذه الحكاية والقصة العجيبة لصاحبكم، من آل الأمر إلى كذا أي: رجع إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، أي ما يرجع إليه من حقيقة معناه المراد يقينًا، وليس المراد التأويل بمعنى الصرف عن الظاهر، و(يفقهها) بالجزم ويجوز الرفع، و(فرق) روى صيغة الفعل من التفريق، وبلفظ المصدر نحو رجل عدل، والمراد أن -ﷺ- يفرق ويميز بين المؤمنين والكافرين","vol":"1","page":449},{"text":"١٤٥ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -ﷺ- يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَلَمَّا أُخْبِرُوا بِهَا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: أَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ- وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ أَحُدُهُمْ: . . . . .\nــ\nبتصديقه وتكذيبه، ومن أسمائه -ﷺ- في الكتب السابقة (فارقْ لِيطا) أي: يفرق بين الحق والباطل، كذا في (النهاية) (١).\n١٤٥ - [٦] (أنس) قوله: (جاء ثلاثه رهط) في (القاموس) (٢): الرهط ويحرك: [قوم] الرجل، وقبيلته، ومن ثلاثة أو سبعة إلى عشرة، أو ما دون العشرة وما فيهم امرأة، لا واحد له من لفظه، والجمع أرهط وأراهط وأرهاط وأراهيط، ولا يتوهم أن الرهط إذا كان بمعنى القوم يكون المعنى ثلاثة أقوام؛ لأن المعنى ثلاثة رجال هم رهط، وإنما وقع تمييز ثلاثة لأنه في معنى الجمع، فافهم. وقال التُّورِبِشْتِي (٣): قد وجدت في تعليقات أصحاب الحديث أن الرهط الثلاثة علي وعثمان بن مظعون وعبد اللَّه بن رواحة -﵃-، ولا أحققه رواية، وفي بعض الحواشي المقداد بدل عبد اللَّه ابن رواحة.\nو(تقالوا) تفاعل من القلة، وقال التُّورِبِشْتِي: لم أجد هذا البناء بصيغته في شيء من كتب اللغة، وهو وارد في هذا الحديث، كان الرجل يتقالها أي: يستقلها هذا، وقد ذكر في (القاموس) (٤): تقال الشيء واستقله: عدّه قليلًا، وذلك لاعتقادهم\n_________\n(١) \"النهاية\" (٣/ ٤٣٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦١٥).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (١/ ٧٨).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٤٥).","vol":"1","page":450},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأن وظائف عبادته -ﷺ- تكون كثيرة لأنه أعبد الناس، ولم يتأنقوا النظر في الحال، أو قليله أكثر من كل كثير لكمال معرفته، وكمال قوة حضوره، وتمام إحسانه في العبادة، وذلك لوفور رحمته على الأمة وشفقته عليها، وأن فيه تعليم رعاية حقوق النفس والأهل والعيال، والاستقامة في رعاية الاعتدال، وإدامة العمل، والتكثير في العمل، والإفراط فيه ربما يفضي إلى العجب والفتور، ولقد أحسنوا في رعاية الأدب معه -ﷺ- حيث لم ينسبوه إلى التقصير فقالوا: إنه معصوم فيسعه أن يقلل في العبادة، وأما نحن فمحتاجون إلى مغفرة الذنوب، وقد غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.\nوفيه وجوه كثيرة ذكرها السيوطي في رسالة مفردة، وأحسن الوجوه وأصوبها أنها كلمة تشريف للنبي -ﷺ- من ربه غير أن يكون هناك ذنب، وأراد أن يستوعب في الآية على عبده جميع أنواع النعم الأخروية والدنيوية، والنعم الأخروية شيئان: سلبية وهي غفران الذنوب، وثبوتية وهي لا تتناهى، أشار إليها بقوله: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ٢]، والنعم الدنيوية شيئان: دينية أشار إليها بقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢]، ودنيوية، وإن كانت ههنا المقصود بها الدين، وهي قوله تعالى: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ٣]، فانتظم بذلك قدر النبي -ﷺ- بإتمام أنواع نعم اللَّه تعالى عليه المعرفة على غيره، ولهذا جعل غاية الفتح المبين الذي عظمه بإسناده إليه بنون التعظيم وجعله خاصًا بالنبي -ﷺ-، انتهى.\nوملخصه: إن هذه كلمة تشريف يشرف السيد عبده من غير أن يكون له ذنب يسنده إليه، فيقول: قد غفرت لك فما عليك مؤاخذة عندي، فكن مجموع الهم خليع العذار في خدمتي ومحبتي، فافهم، وباللَّه التوفيق.","vol":"1","page":451},{"text":"أَمَّا أَنَا فَأُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ الآخَرُ: أَنَا أَصُومُ النَّهَارَ أَبَدًا وَلَا أفْطِرُ، وَقَالَ الآخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَيْهِمْ فَقَالَ: \"أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ للَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ،\nــ\nوقوله: (أما أنا فأصلي) قد سبق (١) أن (أما) قد يجيء في أول الكلام للاستئناف فلا حاجة ههنا إلى تقدير شيء، ويجوز أن يجعل هنا للتفصيل فيقدر أما رسول اللَّه فلا حاجة له إلى الاستكثار لكونه مغفورًا، وأما أنا فلست مثله فلابد لي من الاستكثار، والظاهر عدم تقدير المعطوف عليه لعدم الواو.\nوقوله: (فأصلي) أي: عهدت أن أصلي الليل كله أبدًا، أي: مدة عمري، أو يكون (أبدًا) بمعنى استيعاب أجزاء الليل فيكون في معنى كله.\nوقوله: (أنا أعتزل النساء) فلا أتزوج كأنه لم يكن لذلك الرجل امرأة، فيكون المعنى: أنا أقصد اعتزال النساء فلا أنكح بعد أبدًا، وإن كانت له امرأة فالمعنى: أطلقهن فلا أتزوج بعده، فافهم.\nوقوله: (أنتم الذين) بحذف همزة الاستفهام الإنكاري.\nوقوله: (أما واللَّه إني لأخشاكم) أكد الحكم بكونه أخشى غاية تأكيد بأنواع مؤكدات، وهي: حرف التنبيه، لئلا يغفل السامع عن سماعه، والقسم وإن واللام والجملة الاسمية، (للَّه) إنما زيدت اللام لأن أفضل التفضيل لا يعمل في المفعول به بلا واسطة وإلا فخشي متعد بنفسه.\nوقوله: (لكني أصوم وأفطر) يعني وإن كان يرى في الظاهر أن الكمال في\n_________\n(١) في شرح خطبة الكتاب، وتحت حديث (١٤٠).","vol":"1","page":452},{"text":"فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٦٣، م: ١٤٠١].\n١٤٦ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ، فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: \"مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ،\nــ\nالخشية والتقوى يقتضي الإفراط في الرياضة والمجاهدة، لكن الأمر ليس في الحقيقة كذلك؛ لأن الكمال إنما هو في التوسط والاعتدال، أو لأن الرحمة والشفقة على الأمة يقتضي ذلك.\nوقوله: (فليس مني) أي: ليس ذلك الشخص من أمتي أو ليس فعله ذلك من سنتي.\n١٤٦ - [٧] (عائشة) قوله: (صنع رسول اللَّه -ﷺ- شيئًا) في (القاموس) (١): صنع الشيء صنْعًا بالضم والفتح: عَمِله، (فرخص) الترخيص في اللغة عدم الاستقصاء، فالمعنى: عمل عملًا لم يستقص فيه بل تساهل أو رخص للأمة، وذلك لفعله ذلك العمل أو بالتصريح بذلك بعده، فافهم.\nوقوله: (فتنزه عنه قوم) التنزه: التباعد، ومنه: مكان نَزِهٌ أي: متباعد من المكروه، وفي (الصراح) (٢): نزهت بالضم دوري أز ناخوشي وبزمانى، وأصله من البعد، قال ابن السكيت: ومما يصنعه الناس في غير موضعه قولهم: خرجنا متنزهًا في الرياض، وإنما التنزه التباعد من المياه والأرياف، ويقال: فلان يتنزه عن الأقذار ويُنَزِّه نفسَها عنها، أي: يباعدها عنها، والنزاهة البعد عن السوء، وفلان كريم نزه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٨٢).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٥٣٩).","vol":"1","page":453},{"text":"فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً\". مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٠١، م: ٢٣٥٦].\nــ\nبعيد عن اللوم.\nوقوله: (إني لأعلمهم باللَّه) يدل على عدم الفرق بين العلم والمعرفة بتخصيص الأول بالكليات، والثاني بالجزئيات، اللهم إلا أن يراد أعلمهم بأحكام اللَّه.\nوقوله: (أصنعه) إما حال من الشيء أو صفة له؛ لأن اللام في الشيء للعهد الذهني إذ ليس الشيء المذكور للعهد الخارجي كما قال الطيبي (١)، وإن كان مقتضى إعادة النكرة معرفة ذلك بل المراد أي شيء كان مطلقًا، ولذا قال: أصنعه، ولم يقل: صنعته، وهذا المعنى أجيد وأفيد، فافهم.\nوقوله: (وأشدهم له خشية) (٢) اعلم أنه قد ذكر في كتب النحو أنه يتوصل في الفعل الذي يمتنع بناء أفعل منه كالمزيد من الثلاثي، والذي من الألوان والعيوب بنحو أشد، وأما أنه لا يتوصل به ولا يورد مثل هذا التركيب في غيره إذا أريد المبالغة فلا، وقد ذكر في قوله تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] أنه إنما لم يقل: أقسى لما في (أشد) من المبالغة والدلالة على اشتداد القسوتين واشتمال المشبه على زيادة كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة، فمن قال: القياس أخشاهم؛ لأن التوصل بأشد إنما يكون في الفعل الممتنع بناء أفعل منه لم يأت بشيء.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٠٣).\n(٢) إِشَارَةٌ إِلَى الْقُوَّةِ الْعَمَلِيَّةِ، وَقَدَّمَ الْعِلْمَ عَلَى الْخَشْيَةِ لأَنَّهَا نَتِيجَتُهُ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا أَبْلَغُ مِنْ أَخْشَاهُمْ عَلَى الأَصْلِ فَإِنَّهُ عَدَلَ عَنْهُ وَجُعِلَ أَشَدَّ، ثُمَّ فُسِّرَ بِخَشْيَةٍ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الأَشَدَّ نَفْسَهُ خَشْيَةٌ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢٢٩)، وقوله: \"أعلمهم باللَّه\" إشارة إلى القوة العلمية. \"مرعاة المفاتيح\" (١/ ٢٤٢).","vol":"1","page":454},{"text":"١٤٧ - [٨] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- المَدِينَةَ وَهُمْ يُؤبِّرُونَ النَّخْلَ، فَقَالَ: \"مَا تَصْنَعُونَ؟ \". . . . .\nــ\n١٤٧ - [٨] (رافع بن خديج) قوله: (وهم) أي: أهل المدينة (يؤبرون) في (القاموس) (١): أَبَرَ النخلَ والزرعَ، يأبُره ويأبِره، أَبْرًا وإِبَارًا وإبارَةً: أصلحه، كأَبّره، وفي (الصحاح) (٢): أبر نخله وأبّره بالتشديد أي لقحه وأصلحه، ومنه سِكَّةٌ مأبورة، وتَأَبَّر النخيل: إذا قَبِلَ الإبار، وأتبرتُ منه: إذا سألته أن يأبُرَ النخل ويصلحه.\nوفي (النهاية) (٣): السكة: الطريقة المصطفة من النخل، والمأبورة: الملقحة، أبرت النخلة إبارًا أو تأبيرًا مشددًا ومخففًا، وقال النووي (٤): يأبرون بكسر الباء وضمها بمعنى إدخال شيء من طلع الذكر في طلع الأنثى فيعلق بإذن اللَّه (٥)، انتهى. وظهر مما نقلنا أن يأبر يجيء من المجرد من باب ضرب ونصر، ومن المزيد من باب التفعيل، والمصحح في النسخ بالتشديد من التفعيل.\nوقال القاضي عياض في (مشارق الأنوار) (٦): قوله: ويأبِرون النخل بضم الباء وكسرها مخففة، ونخل قد أبرت، وأَبَرَ نخلًا أي: يلقّحونها ويذكرونها، وقد جاء\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٢١).\n(٢) انظر: \"الصحاح\" (١/ ١).\n(٣) \"النهاية\" (١/ ١٣).\n(٤) \"شرح صحيح مسلم\" (١٥/ ١١٧).\n(٥) قال القاري: النَّخْلَةُ خُلِقَتْ مِنْ فَضْلَةِ طِينَةِ آدَمَ عَلَى مَا وَرَدَ، فَلَابُدَّ عَادَةَ فِي صَلَاحِ نَتَاجِهَا مِنِ اجْتِمَاعِ طَلْعِ الذَّكَرِ مَعَ طَلْعِ الأُنْثَى، كَمَا أَنَّهُ لَابُدَّ عَادَةً فِي تَخَلُّقِ ابْنِ آدَمَ مِنِ اجْتِمَاعِ مَنِيِّ الذَّكَرِ وَالأُنْثَى. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢٣٠).\n(٦) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٣).","vol":"1","page":455},{"text":"قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ، قَالَ: \"لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا\" فَتَرَكُوهُ فَنَقَصَتْ، قَالَ: فَذَكرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: \"إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ؛ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيي فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٦٢].\n١٤٨ - [٩] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا، فَقَالَ: يَا قَوْمِ! إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ، وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ،\nــ\nمفسرًا بذلك في الحديث.\nوقوله: (قالوا: كنا نصنعه) أي: من قبل قدومك، وهو عادتنا، وله فائدة ما، فإنه إذا لم نصنع ذلك نقصت، ولكنهم لم ينسبوا الفائدة تأدّبًا اكتفاءً في الجواب.\nوقوله: (قال) -ﷺ-: (لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا) قال ذلك برأي منه من غير أن يوحى إليه في ذلك شيء، فإنه رأى أمرًا من أمور الجاهلية غير معقول تأثيره في الزيادة والنقصان من غير نظر إلى أن له خاصية بجريان العادة، ولذا لم يمنعهم عن ذلك جزمًا، يعني ليس لي بأمثال هذا من أمور الدنياوية التفات وغرض، إذ ليس مما يتعلق به سعادة الدنيا والآخرة، إنما منعتكم عنه بمقتضى ظاهر رأي، ولعلي أخطئ فيها بمقتضى البشرية، وإنما المهتم من شأني بيان الأمور المتعلقة بالدين، فإذا أمرتكم بشيء منها فخذوه واعملوا به، وأما إذا أوحي إلي في شيء فيجب العمل، فافهم.\n١٤٨ - [٩] (أبو موسى) قوله: (وإني أنا النذير العريان) وهو مثل سائر بين العرب قبل البعث، وإنما تكلم به النبي -ﷺ- ضربًا للمثل لإفهامهم بَيِّنًا لكونه مشهورًا بينهم، وإنما خص النذير بالعريان مبالغة في الأنذار وحجة على صدق قوله؛ لأنه","vol":"1","page":456},{"text":"فَالنَّجَاءَ النَّجَاءَ، فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا،\nــ\nأبين للعين، وأغرب وأشنع عند المبصر، وذلك أن ربيئة القوم وعَيْنَهم يكون على مكانٍ عالٍ، فإذا رأى العَدُوَّ نزع ثوبه وألاح به لينذر قومه ويبقى عريانًا، قيل: كان عادتهم إذا رأوا الغارة يتعرى من ثيابه واحد منهم ويأخذ ثوبه يرفعه يديره حول رأسه إعلامًا بالغارة من بعيد، وروي بموحدة بدل مثناة بمعنى المُعرِب الفصيح أي: أنا النذير الفصيح بالإنذار لا يواري ولا يكني، فالمراد بالنذير العريان كل منذر بهذه الصفة.\nوقوله: (فالنجاء النجاء) بالمد والقصر مصدر نجا ينجو: إذا أسرح، ونجاه من الأمر: إذا أخلص، ونصبه على الإغراء، ويجوز أن يكون على المصدر أي: انجوا النجاء، في (القاموس) (١): النجاء النجاء، ويقصران أي: أسرِع أسرِع، وقال القاضي عياض (٢): أنا النذير، فالنجا مقصور مفتوح النون، كذا جاء في الحديث، يعني التخلص، وكذلك النجاة بالتاء، ويقال بالمد أيضًا، حكاهما أبو زيد وابن وَلّاد، والمد أشهر إذا أفردوه، فإذا كرروه فقالوا: النجا النجا، فالوجهان معروفان المد والقصر، قال أبو علي: النجاء السلامة ممدود لأنه مصدره وهو عندي بمعنى سبقت وفُزت، هذا كلامه.\nوقوله: (فأدلجوا) بسكون الدال وقطع الهمزة وبوصلها وتشديد الدال، كلاهما روايتان، الأولى أقوى، قال القاضي عياض (٣) في حديث: (عليكم بالدلجة): الدلجة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٢٧).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٨).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤٠٧).","vol":"1","page":457},{"text":"فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهْلِهِمْ فَنَجَوْا، وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ، فَصَبَّحَهُمُ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ. . . . .\nــ\nبضم الدال وسكون اللام، كذا الرواية، وهي صحيحة، ويقال بفتح الدال وبضمها وبفتح اللام أيضًا، واختلف أرباب اللغة في هذا وفي الإدلاج هل يستعمل ذلك كله في الليل كله وبينهم اختلاف، فقيل: إن ذلك يستعمل في سير الليل كله، وإن الدُّلجة والدَّلجة سواء فيهما، وإنهما لغتان، وأكثرهم يقول: ادَّلج بتشديد الدال: سار آخر الليل، وأدلج بتخفيفها: الليل كله، يقال: ساروا دلجة بفتح الدال سير الليل كله، والادّلاج بتشديد الدال، والدلجة بضم الدال: سير آخره، وقال في (القاموس) (١): الدَّلَج محركة، والدلجة بالضم والفتح: السير من أول اليل، وقد أدلجوا، فإن ساروا من آخره: فادَّلجوا بالتشديد.\nوقوله: (فانطلقوا على مهلهم) في (القاموس) (٢): المهل يحرك، والمهلة بالضم: السكينة والرفق، ومهله تمهيلًا: أجله، وقال التُّورِبِشْتِي: المهل بالتحريك: التؤدّة والسكون، والإمهال والتمهيل: الإنظار، والاسم المهلة، وقال القاضي عياض (٣): (على مهلهم) بفتح الميم والهاء، أي: تؤدتهم من غير استعجال للحوق العدو (٤)، وقيل: على تقدمهم، ورواه بعضهم بسكون الهاء، وروى الطيبي (٥) عن النووي في كتاب مسلم: (على مهلتهم) بضم الميم وإسكان الهاء وبتاء بعد اللام، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٨٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٧٧).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٦٣٦).\n(٤) كذا في الأصول، وفي \"المشارق\": أي: على تؤدةٍ وغير استعجال لحفز العدو لهم.\n(٥) \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٠٥).","vol":"1","page":458},{"text":"وَاجْتَاحَهُمْ، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ، وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ مَا جِئْتُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٢٨٣، م: ٢٢٨٣].\n١٤٩ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهَا، جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا،\nــ\nوقوله: (واجتاحهم) أي: استأصلهم، من الجوح وهو الإهلاك والاستئصال كالإجاحة والاجتياح، ومنه الجائحة للشدة المجتاحة للمال، كذا في (القاموس) (١).\n١٤٩ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (استوقد) بمعنى أوقد، والأول أبلغ لزيادة البناء ولوجود معنى الطلب.\nوقوله: (نارًا) شبه بها الحدود التي هي محارم اللَّه تعالى ونواهيه التي يجب أن يجتنب عنها، وإظهارها بالبيان الواضح البين بإيقاده النار، ونشرها في العالم بإضاءتها.\nقوله: (فلما أضاءت ما حولها) أي: حول النار، هذه رواية مسلم، وفي رواية البخاري: (ما حوله) كما في التنزيل، والضمير للمستوقد، ثم الغالب في الاستعمال أن تكون الإضاءة لازمة، ويجوز أن تكون متعدية، فإن جعلت متعدية كان ما حولها مفعولًا، وإن كانت لازمة كان فاعل (أضاءت) ما الموصولة، والتأنيث باعتبار كونها عبارة عن أماكن أو ضمير النار، و(ما حوله) ظرف ويقدر في؛ لأنه لما كان عبارة عن المكان، فكما تقدر في لفظ مكان قدر فيه، وقد يورد عليه أنه إنما يقدر في لفظ مكان لكثرته، ولا كثرة فيما كان بمعناه، ويجاب بأنه لما كان في معناه أعطي حكمه،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢١١).","vol":"1","page":459},{"text":"وَجَعَلَ يَحْجُزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ، فَيَتَقَحَّمْنَ فِيهَا، فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ. . . . .\nــ\nوإن اختلف كثرة وقلة، وقد يقال في قلة: (ما حوله) بمعنى المكان خفاء، فتدبر.\nأو (ما) مزيدة و(حوله) ظرف، ويرد على الوجهين أنه ليست النار حاصلة حول نفسها أو حول المستوقد، وفي أمكنة حولها فكيف تضيء فيها؟، وأجيب بأن المراد دوران ضوئها لكنه جعل دوران الضوء بمنزلة دوران النار إسنادًا إلى السبب، والفراش بالفتح: الطير الذي يلقي نفسه في ضوء السراج، واحده فراشة، وقال الشُّمُنِّي: طائر يقع في السراج، وقال النووي (١): وهو ما يطير كالبعوض، وقيل: ما يراه كصغار البق يتهافت في النار.\nوقوله: (وجعل) أي: الرجل (يحجزهن) أي: يمنعهن، من حجزه يحجزه حجزًا: منعه وكفّه، (ويغلبنه) أي: يغلب الدواب الرجل فلم يحجزن، (فيتقحمن فيها) أي: يقعن في النار من غير رؤية، من قحم في الأمر قحومًا: رمى نفسه فيه فجأة بلا روَّية، ووجه الشبه الجهل بعاقبة التقحم من الإحراق. (وأنا) في رواية البخاري: (فأنا) (آخذ) يروى بصيغة اسم الفاعل والفعل المضارع، والأول أشهر.\nو(بحجزكم) بضم الحاء وفتح الجيم وبزاي: جمع حجزة كغرفة وغرف.\nوقال في (القاموس) (٢): الحجزة بضم الحاء: معقد الإزار من السراويل موضع التكة. وفي (مجمع البحار): بضم مهملة وسكون جيم (٣). والمراد بالأخذ بالحجزة: المنع الشديد؛ لأن الذي يمنع صاحبه عن شيء يتمسك به ليكون المنع أقوى، خصوصًا\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (١٥/ ٥٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٧١).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٤٧).","vol":"1","page":460},{"text":"عَنِ النَّارِ، وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهَا\". هَذِهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهَا وَقَالَ فِي آخِرِهَا: قَالَ: \"فَذَلِكَ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ، أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ، هَلُمَّ عَنِ النَّارِ هَلُمَّ عَنِ النَّارِ، فَتَغْلِبُونِّي تَقَحَّمُونَ فِيهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٨٣، م: ٢٢٨٤].\nــ\nإذا أخذ بحجزته فإنه يمتنع عما منع منه حذرًا من انحلال عقدة الإزار وبدوِّ السوءة.\nوقوله: (عن النار) أي: مانعًا عما يوجب دخول النار.\nوقوله: (وأنتم تقحمون) أصله: تتقحمون، فحذفت التاء، وفي بعض النسخ: تقتحمون، والأول أصح رواية وأقوى دراية.\nوقوله: (هلم عن النار) أي: قائلًا تعالوا إلي وابعدوا عن النار، وأصل هذه الكلمة على ما ذكر في (القاموس) (١): هَالُمّ مركبة من (ها) التنبيه ومن (لُمَّ) أمر من تلمّ، أي: لمَّ وضم نفسك إلينا، من الإلمام، فاستعملت استعمال البسيطة، يستوي فيه الواحد والجمع والتذكير والتأنيث عند الحجازيين، وتميم تُجريها مجرى رُدَّ، وأهل نجد يصرِّفونها وفيقولون: هلمّا وهلمّوا وهلمِّي وهلمُمْن، وقد توصَلُ باللام فيقال: هلمّ لك، وتُثَقَّل بالنون فيقال: هَلمَّنَّ، وفي المؤنث بكسر الميم، وفي الجمع بضمها، وفي التثنية هلمَّان للمذكر والمؤنث، وللنسوة هلمُمْنانِ، ويقول المجيب: إلام أَهَلُمُّ بفتح الهمزة والهاء وأصله: إلام أَلُمُّ، وتركت الهاء على ما كانت عليه.\nوقوله: (فتغلبوني) بتشديد النون إدغامًا لنون الإعراب في نون الوقاية، ويجوز في المضارع مع نون الإعراب الإتيان بنون الوقاية وتركها، فيجوز (تغلبوني) بتخفيف النون لكن الرواية بتشديدها،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٧٩).","vol":"1","page":461},{"text":"١٥٠ - [١١] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَثَلُ مَا بَعَثنَي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرضًا، فَكَانَتْ مِنْهَا طَائِفَةٌ طَيِّبَةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ،\nــ\n١٥٠ - [١١] (أبو موسى) قوله: (من الهدى والعلم) الهدى مصدر بمعنى الهداية، وكأنه أشار إلى العمل، فالكمال منحصر في العلم والعمل بمقتضاه إن كان المقصود منه العمل.\nوقوله: (كمثل الغيث الكثير) في تشبيهه بالغيث تلميح خفيٌّ إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا﴾ [الشورى: ٢٨]، وقد كانوا كذلك في الجاهلية وأيام الفترة.\nوقوله: (طائفة) بالرفع، أي: قطعة، و(طيبة) صفتها، أي: نظيفة غير خبيثة، والطيب من الأرض ما ينبت، وفي رواية البخاري: (وكانت منها نقية) بدون ذكر لفظ طائفة، ونقية بمعنى طيبة من النقاوة بالنون والقاف.\nوقوله: (الكلأ) بالهمزة كجبل: العشب رطبه ويابسه (والعشب) (١) الكلأ الرطب، كذا في (الصحاح)، و(القاموس) (٢). وفي (مشارق الأنوار) (٣): الكلأ مهموز مقصور، وهو المرعَى والعشب رطبًا كان أو يابسًا عند أكثرهم، وقال ثعلب: الكلأ اليابس.\nوفي (مجمع البحار) (٤): الكلأ بفتحتين وهمزة مقصورة، وبالجملة الكلأ\n_________\n(١) العشب والكلأ والحشيش اسم للنبات إلا أن الحشيش اسم لليابس منها.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٠)، و\"الصحاح\" (١/ ٤٧١).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٥٥١).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٤٣٥).","vol":"1","page":462},{"text":"وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ،\nــ\nمهموز سواء كان مخصوصًا باليابس أو أعم، وأما قول الطيبي (١): العشب والكلا مقصورًا مختصان بالرطب، والكلأ بالهمزة يقع على اليابس والرطب، فيفهم أنه جاء بألف مقصورة كعصًا بمعنى الرطب خاصة كالعشب، وهو محل نظر فإنه لم يُذكر في كتب اللغة إلا في باب الهمزة، فتدبر.\nوأما العشب بضم العين وسكون الشين فمخصوص بالرطب بلا خلاف.\nوقوله: (كانت منها أجادب) بالجيم والدال المهملة، وهو الصحيح روايةً والموجود في أصول النسخ، وقال القاضي عياض (٢): كذا رويناه في الصحيحين بدال مهملة بلا خلاف. وقد أورد في (القاموس) هذا اللفظ من الحديث في مادة جدب بالجيم والدال المهملة، انتهى. جمع جدب بسكون الدال من غير قياس، وكان القياس أن يكون جمعه أَجْدُب لكنهم قد قالوا: محاسن جمع حُسْنٍ، وكان قياسه أن يكون جمع مَحْسَنٍ، وكذا مَشَابهٌ جمع شَبَهٍ وقياسه مَشْبَه، ومنه المَحامد جمع حَمْدٍ، وقيل: هي جمع محمدة، كذا في (المشارق).\nوفي (النهاية) (٣): كأنه جمع أَجْدُبٍ وأَجْدُب جَمْعُ جَدْبِ، مثل كَلْب وأَكْلُب وأكالب. فقال في (النهاية): الأجادب هي صلاب الأرض التي تُمسك الماء فلا تشربه سريعًا، وقيل: الأراضي التي لا نبات بها، مأخوذ من الجدب، وهو القحط، وغلط الخطابي، وقال: أجادب غلط وتصحيف، وكانه يريد أن اللفظ (أجارد) براء ودال،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٠٩).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٢١)، و\"القاموس المحيط\" (ص: ٧٥).\n(٣) \"النهاية\" (١/ ٢٤٢).","vol":"1","page":463},{"text":"فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ،\nــ\nوكذلك ذكره أهل اللغة [والغريب]، وقال الخطابي: وروي أحادب بالحاء المهملة، قلت: إنما الرواية بالجيم، وكذا في (الصحيحين)، انتهى كلام النهاية، وكأنه يريد بقوله في أجارد: (كذا ذكره أهل اللغة) ما قالوا: إن الجرد محركة فضاء لا نبات به، مكان جَرْدٌ وأَجْرَدُ، وجَرِدٌ كفَرِح، وأرض جرداء وجرِدَة كفَرِحَةٍ، كذا في (القاموس) (١)، ومنه: أهل الجنة جُردٌ مردٌ.\nوقال القاضي عياض (٢): الأجادب من الأرض ما لا ينبت الكلأ، وقد روى بعضهم هذا الحرف (أجاذب) بالذال المعجمة، وكذا ذكره الخطابي، وقال: هي صلاب الأرض التي تمسك الماء، وقال بعضهم: (أحازب) بالحاء والزاي وليس بشيء، وقد رواه بعضهم (أجارد) أي: مواضع منجردة من النبات جمع أجرد، ورواه بعضهم (إخاذات) بكسر الهمزة وبعدها خاء معجمة خفيفة وبين الألفين ذال معجمة وآخره تاء الجمع المؤنث، وكذا رواه أبو عبيد الهروي، وهي جمع إخاذة، وهي الغدير التي تمسك ماء السماء، انتهى كلام القاضي.\nوقال التُّورِبِشْتِي: أوضح هذه الألفاظ من طريق الرواية الأجادب يعني بالجيم والدال، وأقواها من طريق اللغة أجارد -يعني بالجيم والراء والدال- غير أنها لا تثبت رواية.\nوقوله: (فنفع اللَّه بها) أي: بالأجادب بسبب ما أمسكت من الماء، وفي بعض النسخ (به) أي: بالماء الذي فيها.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٦٠).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٢١).","vol":"1","page":464},{"text":"فَشَرِبُوا وَسقَوا وَزَرَعُوا، وأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةٌ أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلأً،\nــ\nوقوله: (وزرعوا) قال القاضي (١): فسقوا ورعوا، كذا لكافتهم، وفي كتاب العلم في (البخاري): (وزرعوا) والأول أوجه، وفي رواية بعضهم: (ووعوا) وهو تصحيف ليس هذا موضعه.\nوقوله: (قيعان) بكسر القاف جمع قاع، وهو المستوي الواسع، في وطاء من الأرض، وقيل: الأرض الملساء، وقيل: ما لا نبات فيها، وقيل: هي أرض فيها رمل، كذا قال الشيخ ابن حجر، وفي (القاموس) (٢): القاع أرض سهلة مطمئنة، قد انفرجت عنها الجبال والآكام، والجمع القِيع والقِيعَة والقِيعان بكسرهن. وقال البيضاوي (٣): والقاع الأرض المستوية.\nقلت: قد فسره الحديث فقال: لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، وهو المراد في الحديث، وأما ما ذكر في (المشارق): القاع المستوي الصلب الواسع من الأرض، وقد يجتمع فيها الماء، وجمعه قيعان، فلا يخلو عن شيء لمخالفته لفظ الحديث، وأغرب من هذا ما ذكر في (مجمع البحار) عن (النهاية): القاع: المكان المستوي الواسع في وطأة من الأرض يعلوه ماء السماء فيمسكه وليستوي نباته (٤)، إلا أن يقال: القاع هو المكان الواسع والأرض المستوية أعم من أن يجتمع فيه الماء وينبت الكلأ.\nوقوله في الحديث: (لا تمسك ماءً لا تنبت كلأ) تقييد لا تفسير، وقد ذكر\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤٧٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٩٩).\n(٣) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٠٩).\n(٤) انظر: \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٣٥٧)، و\"النهاية\" (٤/ ١٣٢).","vol":"1","page":465},{"text":"فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا. . . . .\nــ\nالمعنى المذكور في (النهاية) في حديث آخر وهو قوله: (تركتها -أي مكة- قد ابْيَضّ قاعُها)، فتدبر.\nوقوله: (فذلك مثل) بفتحتين (من فقه في دين اللَّه) في (القاموس) (١): الفقه بالكسر: العلم بالشيء، والفهم له، والفطنة، وغَلَبَ على علم الدين لشرفه، وفقُه ككرُم وفرِح فهو فقيهٌ وفَقُهٌ، وهي فقيهة وفَقُهَةٌ، والجمع فقهاءُ وفَقَائِهُ، وفَاقَهَه في الدين: باحثه في العلم، وفَقَهَه كنصره: غلبه فيه.\nوفي (مجمع البحار) (٢): الفقه لغة: الفهم، فقه بالكسر: إذا فهم وعلم، وبالضم: إذا صار فقيها عالمًا، وجعله العرف خاصًا بعلم الشريعة، وتخصيصًا بعلم الفروع منها، والرواية في الحديث بالضم على المعنى الشرعي، وكسرها على اللغة، والأول أشهر، انتهى.\nوقوله: (ولم يرفع بذلك رأسًا) كناية عن التكبر وعدم التوجه إليه والإقبال عليه.\nاعلم أنه قد ذكر في الناس قسمين: من انتفع بالدين ومن لم ينتفع، وكذلك في الأرض المنتفع بها وغير المنتفع بها، وجعل المنتفع بها قسمين: المنبت وغير المنبت، فكذلك المنتفع بالدين يشمل قسمين: الأول العالم العامل المعلِّم، وهو كأرض طيبة شربت الماء فانتفعت في نفسها، وأنبتت فنفعت غيرها، والثاني العالم المعلِّم لكن لم\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٥١).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ١٦٨).","vol":"1","page":466},{"text":"وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ\". مُتَّفق عَلَيْهِ. [خ: ٧٩، م: ٢٢٨٢].\n١٥١ - [١٢] وَعَن عَائِشَةَ قَالَتْ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ وَقَرَأَ إِلَى: . . . . .\nــ\nيعمل بنوافله أو لم يتفقه فيما جمع، وهو كأرض يستقر فيها الماء فينتفع الناس، ومن لم يرفع به رأسًا بأن تكبر ولم يلتفت إلى العلم ولم يسمعه، أو سمعه ولم يعمل به ولم يعلِّمه سواء دخل في الدين أو كفر به فهو كالسبخة التي لا تقبل الماء، هذا ما ذكر بعض شراح (البخاري).\nقال العبد الضعيف عفا اللَّه عنه: ويمكن أن يقال: القسم الأول عبارة عمن تعلم واجتهد فيه واستنبط منه النكات والأسرار وشرحه وبينه كالفقهاء المجتهدين كالعشب والكلأ الذي يخرج من الأرض التي قبلت الماء وشربته، والثاني عمن تعلم وحفظ العلم وجمعه ووعاه وأخذ منه الناس فانتفعوا به كالمحدثين، واللَّه أعلم.\n١٥١ - [١٢] (عائشة) قوله: (﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾) المراد بالمحكم ههنا ما اتضح معناه ولا تَعْرِض فيه شبهة من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى، فكأن عبارته أحكمت بأن حفظت عن الاحتمال والاشتباه والإجمال، وسمي المحكمات أم الكتاب، أي: أصله يردُّ ويرجع إليها غيرها؛ لأن المحتمل يرد إلى المتيقن، وقيل: أم الكتاب، أي: معظمه، يقال لمعظم الشيء: أُمه، وأفرد أمه لإرادة الجنس أو باعتبار كل واحد، والمراد بالمتشابه خلاف المحكم بهذا المعنى، فهو باعتبار اللفظ أشكل بغيره لمشابهة غيره، ومن حيث المعنى لا ينبئ ظاهره عن مراده، ويكون اشتباهه على أقسام: منها ما يرجع إلى الألفاظ المفردة للاشتراك، ومنها ما يرجع إلى جملة الكلام المركب لاختصار وقع فيه أو بسط وتطويل، أو لتقديم وتأخير في نظمه، ومنها ما يشبه من جهة المكان والأمور التي نزلت فيها، أو","vol":"1","page":467},{"text":"﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧]، قَالَتْ: . . . . .\nــ\nمن جهة الشروط التي بها يصح الفعل، أو غير ذلك.\nوبالجملة هو ما تطرق إليه الاشتباه والاحتمال بوجه من الوجوه، غير أن المتشابه منه ما يكون مشتبها بوجه ومبينًا بوجه آخر، ومنه ما يكون مشتبهًا على الإطلاق، والمتشابه من وجه يجوز للعلماء الفحص عنها بل يجب عليهم تبيينها، فهو متشابه بالنسبة إلى من لم يتقنه رواية ودراية، وعليه أن يتحذر من التعرض له، وأما المتشابه على الإطلاق فيجب الإيمان به، وترك التعرض للكيفية، والتوقي عن استعمال الرأي فيه، فمنه صفات اللَّه سبحانه التي لا تعرف كيفية لها، وأحوال القيامة التي لا سبيل إلى إدراكها بالقياس إلا أنها معرَّفة على لسان الشارع بمسميات الجنس، فيلزمه الوقوف على الحد الذي أوقفنا عليه، والتسليم لما يخبر به عن الغيب، فمن ابتغى التجاوز عن الحد المحدود في هذا القسم فهو من أهل الزيغ الذين يتبعون ما تشابه، قاله التُّورِبِشْتِي (١).\nبل نقول: كل من اتبع المتشابه من الوجه الذي هو متشابهٌ بذلك الوجه فهو من الذين ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: طلبِ أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك والتلبيس عن مناقضة المحكم بالمتشابه، ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي: طلبِ أن يؤوّلوه على ما يشتهونه، والأول يناسب حال المعاند، والثاني يلائم حال الجاهل، والمراد بالتأويل ههنا ما يَؤول إليه حقيقة معناه، والذي يجب أن يحمل عليه، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ بهذا المعنى ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، فالتأويل بهذا المعنى لا يعلم إلا اللَّه فيما ذكر من المتشابهات، والمقصود من إنزال المتشابهات ابتلاء قلوب العلماء وإظهار عجزهم ووقوفهم على\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٨١).","vol":"1","page":468},{"text":"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَإِذَا رَأَيْتَ -وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: رَأَيْتُمِ- الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٤٧، م: ٢٦٦٥].\n١٥٢ - [١٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: هَجَّرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا،\nــ\nحد العبودية لئلا يقعوا في الدلال.\nفإن قلت: قد وصف الكتاب كله بالمحكم حيث قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١] ووصفه بكونه متشابهًا حيث قال: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣]؟ قلنا: المراد بالإحكام هناك حفظه من فساد المعنى وركاكة اللفظ، وبالتشابه أنه يشبه بعضه بعضا في صحة المعنى وجزالة اللفظ، كذا قال البيضاوي (١). ولا يذهب عليك أنه لا يلزم من هاتين الآيتين الحكم على الكل بالإحكام والتشابه فلا تناقض، فتدبر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فإذا رأيت) في أكثر الروايات بفتح التاء على الخطاب العام، وفي بعضها بكسرها خطابًا لعائشة -﵂-، ورواية مسلم تؤيد الأول.\n١٥٢ - [١٣] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (هجرت إلى رسول اللَّه -ﷺ-) هجَّر وتهجَّر وأهجر: سار في الهاجرة، والهاجرة اشتداد الحر في نصف النهار، ويجيء بمعنى نصف النهار عند زوال الشمس من الظهر، أو من عند زوالها إلى العصر؛ لأن الناس يسكنون في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا، والتهجير في قوله -ﷺ-: (المتهجر إلى الجمعة كالمهدي بدنة).\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٣١٩).","vol":"1","page":469},{"text":"قَالَ: فَسَمِعَ أَصْوَاتَ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْغَضَبُ، فَقَالَ: \"إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ بِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْكِتَابِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٦٦].\n١٥٣ - [١٤] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ عَلَى النَّاسِ، فَحُرِّمَ مِنْ أجَلِ مَسْأَلَتِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٢٨٩، م: ٢٣٥٨].\nــ\nوقوله: (ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه) بمعنى التبكير إلى الصلاة، وهو المضي في أول أوقاتها، وليس من الهاجرة، كذا في (القاموس) (١)، وسيجيء تحقيقة في (باب الجمعة) إن شاء اللَّه تعالى.\nوقوله: (باختلاف في الكتاب) المراد اختلاف يوقع في الفتنة والشك والشبهة في الدين مثل الاختلاف في نفس الكتاب، أو في معنى لا مدخل فيه للرأي، لا اختلاف العلماء في استنباط الأحكام منه، أو في العلوم التي هي مباديها ومقدماتها، فإن ذلك رحمة وسبب لتوسيع الدين، وما زال السلف على ذلك، وما نُهوا عنه بل مأمورون بذلك.\n١٥٣ - [١٤] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (إن أعظم المسلمين جرمًا) هذا تشديد وتغليظ لكون ضرره عامًّا باقيًا، والمراد السؤال من غير حاجة أو يكون تكلفًا وتعنتًا.\nقوله: (في المسلمين) كلمة (في) أَجْلية، أي: في حقهم ومن جهتهم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٦٠).","vol":"1","page":470},{"text":"١٥٤ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، يَأْتُونَكُمْ مِنَ الأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ لَا يُضِلُّونَكُمْ وَلَا يَفْتِنُونَكُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧].\n١٥٥ - [١٦] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابَ يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ،\nــ\n١٥٤ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (دجالون كذابون) أي: كذابون المموهون، وأصل الدجل الخلط، دجَّل إذا لبَّس وموَّه، وسيجيء في بابه، أي: يلبِّسون ويرون أنفسهم علماء ومشايخ من أهل النصحية والصلاح، ثم يدعون الناس إلى مذاهبهم الباطلة وآرائهم الفاسدة، والمراد بالأحاديث أعم من أحاديث الرسول وغيرها، والمراد بعدم السماع المذكور عدمُ ثبوتها في الدين، وكونها بهتانًا وافتراء فيه.\nوقوله: (فإياكم وإياهم) من قبيل قوله: وإياك والأسد.\nوقوله: (لا يضلونكم) استئناف، كأنه قيل: ما فائدة الحذر؟ والخبر في معنى النهي، والمقصود التحفظ والاحتياط في أخذ الدين، والاحتراس والتوقي عن مخالطة أهل البدع وصحبتهم خصوصًا عن الداعين الملبسِّين منهم، وأما المنع والتحذير عن الغلو في علم الكلام فالظاهر أنه ليس من هذا الباب وليس موضع بيانه شرح هذا الحديث كما فعله الطيبي، بل أنسب بذلك الحديث الناطق بالزجر عن الاختلاف في الكتاب والجدال في الدين، كما لا يخفى.\n١٥٥ - [١٦] (عنه) قوله: (بالعبرانية) العبري والعبراني بالكسر لغة اليهود، ولا يعرف إلى ما نسب، وقد ذكر في (القاموس) و(الصحاح) تحت لغته [ما] لا يظهر مناسبتُه لها، والسرياني لغة الإنجيل، ولا يعرف له أيضًا معنى محصل،","vol":"1","page":471},{"text":"وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ، وَ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ \" الآيَة [البقرة: ١٣٦]. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٣٤٢].\n١٥٦ - [١٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥].\n١٥٧ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ فِي أُمَّتِهِ. . . . .\nــ\nواللَّه أعلم.\nوقوله: (لا تصدقوا أهل الكتاب) لاحتمال التحريف، (ولا تكذبوهم) لاحتمال عدمه، وهذا إرشاد إلى وجوب التوقف في مواضع الاشتباه بخصوصياتها وعدم التوقف فيما هو متيقَّن كالأمر المشترك بينها.\nوقوله: (﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾) إلى قوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾ الآية.\n١٥٦ - [١٧] (عنه) قوله: (كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع) يعني لو لم يكذب أحدًا ولكنه يحدث ما سمع من غير بحث وتفتيش أنه صدق أو كذب وتبيُّنٍ، حسبه هذا التحديث كذبًا؛ لأنه يقع في الكذب من حاله هذا، والغالب أن يكون بعضه كذبا البتة، والمقصود المنع عن التحديث بشيء لم يعلم صدقه.\nوقوله: (رواه مسلم) وفي بعض النسخ: رواه البخاري، ولقد أخرج هذا الحديث في (جامع الأصول) في باب الكذب عن مسلم وأبي داود، واللَّه أعلم.\n١٥٧ - [١٨] (ابن مسعود) قوله: (في أمته) يروى بهاء الضمير وبدونها، وهو","vol":"1","page":472},{"text":"حَوَارِيُّونَ. . . . .\nــ\nالأكثر والأصوب، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١).\nوقوله: (حواريون) جمع حواري فكأنه منسوب إلى الحَوَر بمعنى البياض الخالص، كذا قال المحقق التفتازاني في حاشية (الكشاف)، وقال القاضي عياض في (مشارق الأنوار) (٢): منسوب إلى حَوَارٍ مخفف، وقد تضاف هذه الكلمة إلى ياء المتكلم كما في حديث: (لكل نبي حواريٌّ وحواريَّ الزبير) والياء حينئذ مكسورة أو مفتوحة، وأصله حواريي فحذف الياء اكتفاء بالكسرة، وقد تبدل فتحة للتخفيف، وحواريُّ الرجل خالصه وصفوته وناصره الذي خلص ونقي من كل عيب ونفاق لأن أصله البياض الخالص، ومنه يقال للحضريات، أي: النساء التي في الحضر دون البدو؛ لخلوص ألوانهن ونظافتهن ونقاوتهن من الدنس والدرن بخلاف البدويات.\nوقيل: سمي الزبير به لأنه روجع في اختياره مرة بعد أخرى كالحُوَّارَى بضم الحاء وتشديد الواو وفتح الراء، وهو الدقيق الأبيض، وهو لباب الدقيق الذي نقِّي ونخل مرة بعد أخرى، وقد أرسله رسول اللَّه -ﷺ- لخبر القوم يوم الأحزاب.\nوذهب كثير من أهل العلم أن الأصل في تسمية الناصر بالحواري: أن أصحاب عيسى ﵇ كانوا قصارين، ويسمى القصار حواريًا؛ لأنه يحور الثياب، أي: يبيضها، فلما كانوا أنصاره دون الناس قيل لكل ناصر نبيه: حواري، تشبيهًا بأولئك.\nوقيل: كانوا ملوكًا يلبسون الثياب البيض واللباس النظيف استنصر بهم عيسى ﵇، وقال بعضهم: إنما سموا حواريين؛ لأنهم كانوا يطهرون نفوسهم أو نفوس الناس عن\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٨٤).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٣٨).","vol":"1","page":473},{"text":"وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ،\nــ\nدنس الجهل والذنوب بالعلم والدين، فسمي من سواهم بهذا الاسم تشبيهًا بهم.\nولا يخفى عليك أنه لا حاجة إلى نقل هذا الاسم على ناصري الأنبياء من ناصري عيسى، بل هو اسم لناصر الرجل وخالصه كما ذكر، وأصحاب عيسى أيضًا إنما سموا لأجل هذا المعنى، وهو موجود فيهم وفيمن سواهم على السواء، اللهم إلا أن يقال: اعتبار النقل الذي ارتكبه كثير من العلماء لأجل شهرتهم بهذا الاسم وغلبته فيهم، ومع ذلك هو تكلف، نعم لا يبعد أن يقال: الحواري اسم للناصر، وقد غلب على ناصر الأنبياء، فافهم.\nوقوله: (وأصحاب يأخذون بسنته وبقتدون بأمره) كأنه عطف تفسيري للحوارين، وبيان لخلوصهم ونقاوتهم.\nوقوله: (خلوف) جمع خَلْف بالسكون، وأما جمع خلف بالتحريك فأخلاف، وكلاهما بمعنًى في أصل اللغة، لكنه غلب بالتحريك على الخير، وبالتسكين على ضده، كما في قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩] وفي (القاموس) (١): الخلف بالتحريك: الولد الصالح، فإذا كان فاسدًا أسكنت اللام، وربما استعمل كل منهما مكان الآخر.\nوقوله: (ومن جاهدهم بقلبه) أي: أنكر واضطرب قلبه وتغير برؤية منكر، ويكون في حرج وعناد من ذلك.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٤٤).","vol":"1","page":474},{"text":"وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٠].\n١٥٨ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٧٤].\n١٥٩ - [٢٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا. . . . .\nــ\nوقوله: (وليس وراء ذلك) إشارة إلى الإيمان في المرتبة الثالثة، والمعنى إذا ذُكِر ومضى ذكره كأنه صار بعيدًا، ويجوز أن يشار إليه باسم البعيد، ويحتمل أن يكون إشارة البعيد للتحقير وبُعده عن مقام الكمال، ويجوز أن يكون إشارة إلى المذكور كله، أي: ليس وراء هذه المراتب مرتبة من الإيمان، و(حبة خردل) كناية عن غاية القلة التي في حكم العدم لأن المراد بالإنكار الاضطراب والتغير، وإن أريد به مطلق الإنكار فعدمه يستلزم الرضا، وهو كفر، فيكون كناية من عدم الإيمان أصلًا، فافهم.\n١٥٨ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (من دعا) أي: بقول أو فعل (إلى هدى) قليل حقير فكيف بكثير عظيم (كان له من الأجر مثل أجور من تبعه) وذلك أجر الإرشاد والهداية الواصل أثرُها إلى كل من فعله.\nوقوله: (لا ينقص ذلك من أجورهم) لأن أجورهم لأجل العمل والمباشرة، وأجر الداعي لأجل الإرشاد والهداية، ولو فرض أنهما من جهة واحدة ففضل اللَّه واسع يعطي كل من شاء ما شاء من غير أن ينقص شيئًا، وهو على كل شيء قدير.\n١٥٩ - [٢٠] (عنه) قوله: (بدأ الإسلام غريبًا) في (القاموس) (١): بدأ\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٥).","vol":"1","page":475},{"text":"وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ\". . . . .\nــ\nبه كمنع: ابتدأ، والشيء: فعله ابتداء، ومن أرضه: خرج.\nوقوله: (سيعود كما بدأ فطوبى للغرباء) في (مجمع البحار) (١): أي: كان الإسلام في أول أمره كوحيد لا أهل عنده لقلة المسلمين، (وسيعود) أي: يقلون في آخر الزمان، (فطوبى للغرباء) أي: للمسلمين في أوله وآخره لصبرهم على أذى الكفار ولزومهم الإسلام، قيل: معناه في المدينة، وظاهره العموم، ويفسر الغرباء بالنُّزَّاع من القبائل، وقيل: هم المهاجرون، انتهى.\nوشرح هذا الكلام ما ذكره الطيبي (٢) أن الإسلام إما أن يجري على الحقيقة، فالكلام على تشبيه بالغريب، فالوحدة والوحشة ترجع إلى الإسلام باعتبار ضعفه وقلة المسلمين، أو يراد بالإسلام المسلمون بقرينة الوصف بالغربة، فالوحدة والوحشة ترجع إلى المسلمين، وهم نُزَّاع القبائل، أي: غرباؤها، جمع نزيع بمعنى الغريب، والمهاجرون، وهذا وإن كان مجازًا فهو الظاهر المفهوم بالمتبادر، وقوله: (فطوبى للغرباء) ناظر إليه، وقول النووي: قيل: معناه في المدينة، يعني أن غربة الإسلام في المدينة أولًا وآخرًا؛ لأنه منها بدأ وبها تبوأ وإليها يعود، كما جاء في الحديث الآتي على تأويل، لكن الظاهر أن يراد غربته محمومًا في المدينة وفي كل البلاد، لأن الإسلام يبدأ في كلها غريبًا، ويعود في آخر الزمان غريبًا، وبما ذكرنا ظهر أن المراد بقوله: (فطوبى للغرباء) أي: المتمسكين بالإسلام حال قلته أولًا وآخرًا، وقد يسبق إلى الفهم أن المراد به الإشارة لمن تمسك به في آخر الزمان، فافهم.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٢٠).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٢١).","vol":"1","page":476},{"text":"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٥].\n١٦٠ - [٢١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الإيمَانَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٨٦، م: ١٤٧].\nوَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: \"ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ\" في \"كتاب المناسك\"، وحَدِيثَي مُعَاوِيَةَ وَجَابِرٍ: \"لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي\" و\"لَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي\" في بَابِ ثَوابِ هَذِهِ الأُمَّةِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.\nــ\n١٦٠ - [٢١] (عنه) قوله: (إن الإيمان ليأرز) في (القاموس) (١): أرز يأرز، مثلثة الراء، أُرُوزًا: انقبض، وتَجَمَّعَ، وثبت، فهو آرِزٌ وأَرُوزٌ، والحية: لاذت بجحرها، ورجعت إليه، وثبتت في مكانها، والمأرِز كمجلس: الملجأ، ولعل تخصيص هذه الدابة بالتشبيه بها؛ لأنها أشد أرزًا، أي: انضمامًا وانقباضًا وإسراعًا؛ ولأنها لا يمكن إخراجها عن جحرها بعد دخولها.\nقال الطيبي (٢): يحتمل أن يكون هذا إخبارًا عما كان في ابتداء الهجرة، ويحتمل أنه أخبر عن آخر الزمان حين يقل الإسلام.\nقال العبد الضعيف: الأصح أنه إخبار عن زمان الدجال كما يدل عليه الأحاديث، واللَّه أعلم.\nوقوله: (حديثي معاوية وجابر) لم يذكر هناك حديث جابر أصلًا.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٦٦).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٢١).","vol":"1","page":477},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-219> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٦١ - [٢٢] عَنْ رَبِيعَةَ الجُرَشِيِّ قَالَ: أُتِي نَبِيُّ اللَّه -ﷺ- فَقِيلَ لَهُ: لِتَنَمْ عَيْنُكَ وَلْتَسْمَعْ أُذُنُكَ وَلْيَعْقِلْ قَلْبُكَ، قَالَ: \"فَنَامَتْ عَيْنَايَ وَسَمِعَتْ أُذُنايَ وَعَقَلَ قَلْبِي، قَالَ: فَقِيلَ لِي: . . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n١٦١ - [٢٢] قوله: (ربيعة الجرشي) بضم الجيم وفتح الراء والشين المعجمة.\nوقوله: (أتي نبي اللَّه) بصيغة المجهول، أي: أتت عليه ملائكة فقالوا له: (لتنم (١) عينك ولتسمع أذنك وليعقل قلبك) الكلمات الثلاث على صيغة الأمر الغائب، ومضمون هذا الحديث مضمون حديث جابر الخامس من أحاديث الفصل الأول، فيكون حاصل المعنى: أن العين وإن كانت نائمة لكن الأذن سامعة والقلب يقظان، فاضربوا به المثل فإنه يسمعه ويعقله، لكنها أوردت على صيغ الأمر، وأسندت إلى الجوارح قريبًا من قولهم: أبصرت بعيني، وكتبت بيدي، وفيه من المبالغة في حصول معانيها ما لا يخفى، فافهم.\nوقوله: (فنامت عيني وسمعت أذناي وعقل قلبي) لعل إفراد العين لأن العينين لما نامتا عدمتا وصارتا في حكم الواحد؛ لأن الأعدام لا تمايز بينها، وتثنية الأذنين إشارة إلى كمال إدراكهما فرادى، وأما إفراد القلب فظاهر.\n_________\n(١) قال الطيبي في شرح هذا الكلام (١/ ٣٢٢): أي: لا تنظر بعينك إلى شيء، ولا تصغ بإذنك إلى شيء، ولا تجر شيئًا في قلبك، أي: كن حاضرًا حضورًا تامًّا لتفهم هذا المثل، فأجابه رسول اللَّه -ﷺ- بأني قد فعلت ما تأمرني، والأوامر الثلاثة واردة على الجوارح ظاهرًا، وهي في الحقيقة له -ﷺ-، انتهى.","vol":"1","page":478},{"text":"سَيِّدٌ بَنَى دَارًا فَصَنَعَ فِيهَا مَأْدُبَةً، وَأَرْسَلَ دَاعِيًا، فَمَنْ أَجَابَ الدَّاعِيَ دَخَلَ الدَّارَ، وَأَكَلَ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَرَضِيَ عَنْهُ السَّيِّدُ، وَمَنْ لَمْ يُجبِ الدَّاعِيَ لَمْ يَدْخُلِ الدَّارَ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنَ الْمَأْدُبَةِ، وَسَخِطَ عَلَيْهِ السَّيِّدُ\"، قَالَ: \"فَاللَّهُ السَّيِّدُ، وَمُحَمَّدٌ الدَّاعِي، وَالدَّارُ الْإِسْلَامُ، وَالْمَاْدُبَةُ الْجَنَّةُ\". رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ٧].\n١٦٢ - [٢٣] وَعَن أبي رَافِعٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ. . . . .\nــ\nوقوله: (سيد بنى دارًا) المتبادر إلى الفهم أنهما مبتدأ وخبر، فيجعل التنوين للتعظيم لتخصيص المبتدأ رعايةً لقاعدة النحو، ولو اعتمدت على مذهب الرضي أن المدار على الفائدة لم يحتج إلى ذلك، وقد ذكرناه مكررًا، فتدبر.\nوقوله: (والدار الإسلام) جعل في حديث جابر الباني رجلًا وههنا سيدًا، والمشبه بالباني هو اللَّه تعالى، لكن لم يبينه هناك لسوء الأدب، وبينه ههنا لعدمه، ثم إنه جعل الدار هناك الجنة فتكون المأدبة نعيمها، وهو ظاهر، وههنا الإسلام، وهو أيضًا صحيح باعتبار تمكنهم واستقرارهم فيه كما في الدار، والمأدبة على التقديرين: هي نعيم الجنة، فيكون المراد بقوله: والمأدبة الجنة، أي: نعيم الجنة.\n١٦٢ - [٢٣] (أبو رافع) قوله: (لا ألفين) بضم الهمزة، أي: لا أجدن، ألفاه: وجده.\nوقوله: (متكئًا على أريكته) (١) الأريكة هي السرير في الحجلة -بفتحتين-\n_________\n(١) قال القاري: يَعْنِي الَّذِي لَزِمَ الْبَيْتَ وَقَعَدَ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ. قِيلَ: الْمُرَادُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ التَّرَفُّهُ =","vol":"1","page":479},{"text":"يَأْتِيهِ أَمْرٌ مِنْ أَمْرِي مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ، فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي مَا وَجَدْنا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ\". [حم: ٦/ ٨، د: ٤٦٠٥، ت: ٢٦٦٣، جه: ١٣، دلائل النبوة: ٦/ ٥٤].\n١٦٣ - [٢٤] وَعَنِ الْمِقدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلا إِنِّي أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ،\nــ\nمِنْ دُونِهِ سِتر، ولا يسمّى منفردًا أريكةً، وقيل: هو كل ما اتكئ عليه من سرير أو فراش أو مِنصَّة، كذا في (النهاية) (١).\nوقوله: (يأتيه الأمر من أمري) أي: حكم من أحكامي، وهو يشمل الأمر والنهي.\nوقوله: (لا أدري) أي: غير القرآن ولا أتبع غيره، أخبر رسول اللَّه -ﷺ- عن حال بعض أهل البدعة والترفه من أهل التكبر المتقاعدين عن العمل بالحديث الناطق بحكم لا يوجد في القرآن، الزاعمين بأن الأحكام منحصرة في القرآن، والمتمسكين بما يروى من قوله: (إذا سمعتم عني حديثًا فاعرضوه على كتاب اللَّه، فإن وافقه فاقبلوا، وإلا فردوه) وهذا الحديث موضوع عند المحدثين، قال الخطابي: وضعه الزنادقة، وقال صاحب (سفر السعادة): هو من أوضع الموضوعات، وقد أوردنا الكلام في شرحه، فليطلب ثمة.\n١٦٣ - [٢٤] (المقدام بن معدي كرب) قوله: (ومثله معه) يعني أحكامًا\n_________\n= وَالدَّعَةُ كَمَا هُوَ عَادَةُ الْمُتَكَبِّرِ الْمُتَجَبِّرِ الْقَلِيلِ الاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الدِّينِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢٤٥).\n(١) \"النهاية\" (١/ ٤٠).","vol":"1","page":480},{"text":"أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّه كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ، أَلَا لَا يَحِلُّ. . . . .\nــ\nتماثل القرآن في كونها وحيًا، غير أن الوحي نوعان: متلو يتعلق بألفاظه أحكام كصحة الصلاة به، وحرمة المس للمحدث والجنب، وغير متلو لا يكون كذلك، ومراتب الوحي وطرقه سنذكره في (كتاب الرؤيا).\nوقوله: (ألا يوشك) في (القاموس) (١): وشك الأمر ككرم: سَرُعَ، وأوشك: أسرع السير، ويوشك لا تفتح شينه، أو لغة رديَّةٌ.\nوقوله: (شبعان) وصفه به لأن الحامل له على هذا القول البطر والحماقة، ومن موجباته التنعم والترفه، والشبع يكنى به عن ذلك.\nوقوله: (على أريكته) حال أو صفة ثانية.\nوقوله: (إن ما حرم رسول اللَّه) هذا كلامه -ﷺ-، وهو الأظهر، ووضع المظهر موضع المضمر لإدخال الرُّوع وتقويةً للداعي إلى الامتثال، كقول الخلفاء: أمير المؤمنين يأمرك بكذا.\nوقيل: هو من كلام الراوي، ولهذا زيد في بعض النسخ لفظ (ﷺ)، وهو بعيد، وقد خط على هذا اللفظ في النسخ المصححة، ثم في بعض النسخ كتب (إنما) متصلًا بمعنى ما وإلا، وفي بعضها: (وإن ما) منفصلًا وخبر (إن): (كما).\nوقوله: (ألا لا يحل. . . إلخ) بيان لبعض الأمثلة لما ثبت بالسنة وليس في\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٨١).","vol":"1","page":481},{"text":"لَكُمْ الْحِمَارُ الأَهْلِيُّ، وَلَا كُلُّ ذِي نابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهَدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَعْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا،\nــ\nالقرآن.\nوقوله: (ولا لقطة معاهد) اللقطة بضم اللام وفتح القاف اسم للمال الملقوط، والالتقاط أن يعثر على الشيء من غير قصد وطلب، وقيل: هو اسم للملتقِط كالضُحَكة، والملقوطُ بسكون القاف، والأول أكثر وأصح، وقيل: هو بفتح قاف وسكونها: الملقوط، بخلاف القياس فإن الفتح قياسًا للَّاقط، وبفتحتين أيضًا لغة، كذا في (مجمع البحار) (١).\nوالمعاهد يجوز كسر هائه وفتحها، والفتح أشهر وأكثر، [وهو] من كان بينه وبينك عهد، وأكثر ما يطلق في الحديث على الذمي، أي: لا يجوز أن يتملك لقطته الموجودة من ماله لأنه معصوم المال، والعهد يكون بمعنى اليمين والأمان والذمة والحفاظ ورعاية الحرمة والوصية، ولا تخرج الأحاديث عن أحدها، كذا في (مجمع البحار) (٢).\nوقوله: (إلا أن يستغني عنها صاحبها) قال الطيبي (٣): معناه: إلا أن يتركها صاحبها لمن أخذها استغناءً عنها، وقيل: معناه إلا أن يكون شيئًا حقيرًا خسيسًا يستغنى عنه عادة، وقد يباح التصرف في اللقطة إذا كان شيئًا يسيرًا خسيسًا يستغنى عنه، وسيأتي تفاصيل أحكام اللقطة في بابها.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٥١٢).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٧١١)، وانظر: \"النهاية\" (٣/ ٦١٣).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٢٥).","vol":"1","page":482},{"text":"وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ، فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْلِهِ: \"كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ\". [د: ٤٦٠٤، دي: ١/ ١١٤، جه: ١٢].\nــ\nوقوله: (ومن نزل بقوم) هذا أيضًا مما حكم به رسول اللَّه -ﷺ-، وليس له ذكر في القرآن، إلا أنه قد قيل: إنه ليس بمحرم، ولذا أخرجه من سياق المنهيات، ولم يقل: إنه لا يحل للمضيف أن لا يكرم ضيفه، بل مكروه وخارج عن سمت المروة؛ لأن قرى الضيف ليس بواجب، فعلى هذا كلمة (على) ليس للوجوب، بل المراد: على طريق السنة والاستحباب.\nوقيل: كان واجبًا في أول الإسلام ولهذا قال: (فإن لم يقروه) بفتح الياء وضم الراء من قَرَى الضيفَ قِرًى بالكسر والقصر، والفتح والمد: أضافه.\nوقوله: (فله أن يعقبهم) من الإعقاب، وقد يجعل من التعقيب أن يعقِّبهم ويجازيهم من صنيعهم، أي: يأخذ منهم بدلًا مما فاته، ثم نسخ لفرضية الزكاة.\nوقال التُّورِبِشْتِي (١): قد كان رسول اللَّه -ﷺ- يبعث السرايا، وكانوا سكان البوادي والمفاوز لا يقام لهم سوق، فشدد عليهم في القِرى ليقيموا للسرية الغاربة ما يبلغون به، ولعل الأمر بأخذ مقدار القِرى من مال المنزول به كان من جملة العقوبات التي شرعت في الأموال زجرًا للمتمردين، كالأمر بتحريق متاع الغالِّ، وأخذ نصف المال من مانعي الزكاة، انتهى.\nوقيل: هذا في المضطر الذي لا يجد طعامًا ويخاف على نفسه التلف.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٨٧).","vol":"1","page":483},{"text":"١٦٤ - [٢٥] وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"أَيَحْسِبُ أحَدُكُمْ مُتَّكِأً عَلَى أَرِيكَتِهِ يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إِلَّا مَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ، أَلَا وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ أَمَرْتُ وَوَعَظْتُ وَنَهَيْتُ عَنَ أَشْيَاءَ، إِنَّهَا لَمِثْلُ الْقُرْآنِ أَوْ أَكْثَرُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُحِلَّ لَكُمْ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتَ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا بِإِذْنٍ، وَلَا ضَرْبَ نِسَائِهِمْ، وَلَا أَكْلَ ثِمَارِهِمْ. . . . .\nــ\n١٦٤ - [٢٥] (العرباض بن سارية) قوله: (وعن العرباض) بكسر العين المهملة وسكون الراء بعدها موحدة في آخره ضاد معجمة.\nوقوله: (أيحسب) بفتح السين وبكسرها.\nوقوله: (يظن) بدل من يحسب، وفيه من التأكيد ما لا يخفى.\nوقوله: (عن أشياء) متعلق بـ (نهيت)، ومتعلَّق (أمرت ووعظت) محذوف، صرح بذكر متعلق (نهيت) اهتمامًا بذكره، وبيان تعدده وكثرته لهذا المنهيات دون ما وراءها، و(أو) في قوله: (أو أكثر) بمعنى الواو، ويحتمل أنه -ﷺ- لم يبين له في هذا الوقت مقداره ولم يتعين فلذلك تردد، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وإن اللَّه لم يحل لكم) أي: على لساني (أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب)، ولا يخفى أن النهي عن دخول البيوت بغير إذن أهلها مذكور في القرآن بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] بمعنى تستأذنوا، لعله مخصوص ببيوت المؤمنين، أو الآية نزلت بعد حكمه -ﷺ-، واللَّه أعلم. أو المراد أن مجموع هذا الكلام -أعني عدم إيذاء أهل الكتاب في المسكن والأهل والمال- معلوم من الحديث دون القرآن، أو لأن المال إلى حكم واحد، وهو عدم إيذائهم إذا أعطوا ما عليهم، وهذا الحكم ليس بمذكور في القرآن.","vol":"1","page":484},{"text":"إِذَا أَعْطَوْكُمُ الَّذِي عَلَيْهِمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي إِسْنَادِهِ أَشْعَثُ بْنُ شُعْبَةَ المِصِّيصِي قَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ. [د: ٣٠٥٠].\n١٦٥ - [٢٦] وَعَنْهُ: قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً،\nــ\nوقوله: (إذا أعطوكم الذي عليهم) وهو الجزية، وإنما ذكرها بهذه العبارة دلالة على أن التعرض لأحد بعد أداء الواجب مما لا ينبغي ولا يجوز.\nوقوله: (رواه أبو داود. . . إلخ) في نسخة الأصل ههنا بياض، ولكنه قد وقعت كتابته في المتن من الناسخين كما أشرنا إليه في شرح ديباجة الكتاب.\nوقوله: (وأشعث) بالشين المعجمة والثاء المثلثة، و(المصيصي) بكسر ميم وشدة صاد مهملة أُولى، ويقال: بفتح ميم وخفة صاد نسبة إلى مدينة، وفي (القاموس) (١): المصيصة كسفينة: بلد بالشام ولا يشدد.\nوقوله: (قد تكلم فيه) في (الكاشف) (٢): أشعث بن شعبة روى عن إسرائيل وجماعة، وروى عنه أبو طاهر بن السرح وجماعة، وثِّق، وفي حاشيته: هو أبو أحمد المصيصي، قال أبو زرعة: لين، وذكره ابن حبان في (الثقات).\n١٦٥ - [٢٦] (عنه) قوله: (موعظة بليغة) قال البيضاوي (٣) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣]: يبلغ منهم ويؤثر فيهم،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٨٢).\n(٢) \"الكاشف\" (رقم: ٤٤١).\n(٣) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٤٦٨).","vol":"1","page":485},{"text":"ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا، فَقَالَ: \"أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ،\nــ\nوالقول البليغ هو الذي يطابق مدلولُه المقصودَ به، وفي (القاموس) (١): ثناء أبلغ: مبالغ فيه، وشيء بالغ: جيد، والبليغ: الفصيح يبلغ بعبارته كُنْهَ ضميره، وعلى هذا يمكن أن يكون وصفُ الموعظة بالبليغة وصفًا للشيء بصفة صاحبه.\nوقوله: (ذرفت منها العيون) (٢) في (القاموس) (٣): ذرف الدمع يَذْرِفُ ذَرْفًا وذَرَفَانًا [وذروفًا] وذريفًا وتَذرافًا: سال، وذرفت عينه: سال دَمْعُها، والعينُ دَمْعَها: أسالَتْهُ، والدَّمْعُ مَذْروفٌ وذَرِيفٌ، والمذَارِفُ: المَدَامِعُ.\nوقوله: (ووجلت منها) أي: خافت منها (القلوب) يعني أن تلك الموعظة أثرت في الظاهر والباطن.\nوقوله: (موعظة مودع) بلفظ اسم فاعل من التوديع، والمودِّع لا يترك من وصيته عند توديعه شيئًا.\nوقوله: (بتقوى اللَّه والسمع والطاعة) إشارة إلى أن قبول حكم الأمراء وإطاعتَهم إنما يكون فيما يوافق حكم اللَّه ورسوله لا فيما يخالف.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧١٩).\n(٢) قَالَ الطِّيبِيُّ: ذَرَفَتْ، أَيْ: سَالَتْ، وَإِسْنَادُهُ إِلَى الْعُيُونِ مُبَالَغَةٌ، وَفَائِدَةُ تَقدِيمِ ذَرَفَتْ عَلَى وَجِلَتْ وَحَقُّهُ التَّأْخِيرُ لِلإِشْعَارِ بِأَنَّ تِلْكَ الْمَوْعِظَةَ أَثَّرَتْ فِيهِمْ وَأَخَذَتْ بِمَجَامِعِهِمْ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْعِلَّةَ الْمَذْكُورَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْجَمْعِ بَيْنَهُمَا لِلتأْخِيرِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: وَجْهُهُ أَنَّ الظَّاهِرَ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ، يُسْتَدَلُّ بِالدَّمْعَةِ عَلَى الْخَشْيَةِ وَإِنْ كَانَتْ هِيَ مُوجِبَةً لِلدَّمْعَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢٥١).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٤٨).","vol":"1","page":486},{"text":"وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا: الصَّلَاةَ. [حم: ٤/ ١٢٦ - ١٢٧، د: ٤٦٠٧، ت: ٢٦٧٦، جه: ٤٣].\n١٦٦ - [٢٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: خَطَّ لَنَا. . . . .\nــ\nوقوله: (وإن كان عبدًا حبشيًا) فيه مبالغة على الفرض والتقدير، أو المراد: لو ولَّاه الخليفة وجب إطاعته.\nوقوله: (فإن من يعش منكم بعدي. . . إلخ) وفي طاعة الأمراء أمن من الفتنة الناشئة من الاختلاف، وأراد بالخلفاء الراشدين الخلفاء الأربعة، ففيه أن بعضًا من سنته -ﷺ- لا يَشتهر في زمانه وإن علمه الأفراد من صحابته، ثم يَشتهر في زمن الخلفاء الراشدين فيضاف إليهم، فربما يستذرع أحد إلى رد تلك السنن بإضافتها إليهم، فأطلق القول باتباع سنتهم سدًّا لهذا الباب، ومن هذا النوع منع عمر -﵁- عن بيع أمهات الأولاد، وله نظائر كثيرة. فما حكموا به ولو باجتهادهم فهو سنة موافق لسنته -ﷺ-، ولا يطلق عليه البدعة كما يفعله الفرقة الزائغة، والذين بعد الخلفاء في حكمهم إذا حكموا بالحق لا فيما ابتدعوا بأهوائهم.\nو(النواجذ) أقصى الأضراس وتسمى أضراس الحلم لأنها تنبت بعد البلوغ، وهي أربعة في أقصى الأسنان، أو هي الأنياب، أو التي تلي الأنياب، أو هي الأضراس كلها، جمع ناجذ، والنجذ شدة العض، ويكنى به عن شدة التمسك.\n١٦٦ - [٢٧] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (خطّ لنا) أي: لأجلنا تمثيلًا وتفيهمًا","vol":"1","page":487},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَطًّا، ثُمَّ قَالَ: \"هَذَا سَبِيلُ اللَّهِ\"، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَالَ: \"هَذِهِ سُبُلٌ عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ\". . . . .\nــ\n(هذا سبيل اللَّه) وهو الاعتقاد الصحيح والعمل الصالح مع مراتب ودرجات فيها، (ثم خطّ خطوطًا عن يمينه وعن شماله) وهي الطرق الزائغة المائلة عن الطريق المستقيم والسبيل القويم التي اخترعتها أهل البدع والأهواء، لكنها لما كانت راجعة إلى الطريق الوسط ومجتمعة معها لم يكن سالكوها كفارًا؛ لرجوع هؤلاء إلى أصل الكتاب والسنة وكونهم مؤمنين بها، فالحق عدم تكفير أهل القبلة، وهذه بعينها توجد في الطرق المحسوسة، فترى واحدًا يسلك الطريق المستقيم المتوسط ولا ينحرف إلى يمين وشمال، وآخرين ينحرفون ويزيغون عنها، ثم يرجعون إلى الطريق الكبرى المستقيم قريبًا وبعيدًا، فهذا أمثال أهل البدع والأهواء من المسلمين، وأصل مقصدهم هو المقصد الذي يقصده سالك الصراط المستقيم لكن ضلوا في الطريق، ومثل الكافر كمن يمشي مستدبرًا للطريق المستقيم، فطريق الحق وراء ظهره، والمبتدع على جانب منه يمينًا أو شمالًا.\nثم إنه لم يذكر في الحديث عدد الخطوط التي على اليمين والشمال ولم يصرحوا به الشراح فيما رأينا سوى ما ذكر في (المدارك) (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] أنه روي أن رسول اللَّه -ﷺ- خطّ خطًا مستقيمًا مستويًا، ثم قال: (هذا سبيل الرشد وصراط اللَّه فاتبعوه، ثم خطّ على كل جانب سمتة خطوط ممالة، ثم قال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه فاجتنبوها) وتلا هذه الآية، ثم يصير كل واحد من اثني عشر\n_________\n(١) \"مدارك التنزيل\" (١/ ٣٥٦).","vol":"1","page":488},{"text":"وَقَرَأَ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ الآيَة [الأنعام: ١٥٣]. رَوَاهُ أحمَدُ وَالنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ. [حم: ١/ ٤٣٥، ٤٦٥، س في الكبرى: ١١١٧٤، دي: ١/ ٦٧].\nــ\nطريقًا ستة طرق فيكون اثنين وسبعين، انتهى.\nقلت: قد علم من الحديث افتراق الأمة ثلاثًا وسبعين فرقة لكن لا بهذا الطريق المذكور بأن يكون أصولها اثني عشر، ثم يصير كل منهم ستة، بل ذكر في (المواقف) (١): أن كبار الفرق ثمانية: المعتزلة والشيعة والخوارج والمرجئة والنجَّارية والجبرية والمشبِّهة والناجية، ثم جعل المعتزلة عشرين، والشيعة اثنين وعشرين، والخوارج عشرين، والمرجئة خمسًا، والنجارية ثلاثًا، ولم يفرق الجبرية والمشبِّهة، فهذه اثنان وسبعون، والفرقة الناجية هم أهل السنة والجماعة، فليس الأمر كما ذكر في (المدارك)، واللَّه أعلم.\nفإن قلت: كيف يعلم سبيل اللَّه والسالك بها وسبل الشيطان والواقفون فيها؟\nقلت: يعلم ذلك من نقل المتواتر والفحص عن أحوال السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم، وقد علم يقينًا أن هذه البدع في المذاهب والأقوال حدثت بعد الصدر الأول، والصحابة والتابعون لهم بإحسان لم يكونوا على ذلك وكانوا متبرئين عنها وعن أهلها، رادين عليهم مذاهبهم، رادعين لهم عنها، والمحدثون من أصحاب الكتب الستة وغيرها من الكتب المشهورة المعتمدة المعول عليها في الإسلام، والأئمة الفقهاء، وأرباب المذاهب الأربعة، ومن هم في طبقتهم، كانوا على ذلك، وأن الأشاعرة والماتريدية إنما أبدوا مذهب السلف وأثبتوها بدلائل عقلية ونقلية، ولذلك سُموا أهل السنة والجماعة؛ لأخذهم بما ثبت من سنة رسول اللَّه -ﷺ-، وجرت عليه جماعة\n_________\n(١) (٣/ ٦٥١).","vol":"1","page":489},{"text":"١٦٧ - [٢٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ\". . . . .\nــ\nالصحابة، وما نطق به الحديث النبوي من قوله: (الذين هم على ما أنا عليه وأصحابي) صادق عليهم، وهم المصدوق عليهم له؛ لأنهم مقتدون بما روي عن النبي -ﷺ- وأصحابه -﵁-، ولا يتجاوزون عن ظواهر النصوص إلا لضرورة غير مسترسلين مع عقولهم وآرائهم، بخلاف من عداهم من المعتزلة ومن يحذو حذوهم ممن تشبث بالفلسفة واسترسل بآرائهم وأوهامهم.\nوأن الأوائل من المشايخ الصوفية الزاهدين في الدنيا، المرتاضين في تزكية نفوسهم وتصفية قلوبهم، المجتهدين في السنة والاتباع، كلهم كانوا على هذا المذهب، ولقد ذكر صاحب (التعرف) (١) -وهو كتاب معتبر معتمد في مذهب الصوفية حتى قال الشيخ شهاب الدين السهروردي في شانه: لولا (التعرف) ما عرفنا التصوف- إجماع الصوفية على عقائد وأقوال هي بعينها مذهب السنة والجماعة.\nوبالجملة: السواد الأعظم في دين الإسلام هو هذا المذهب عرف من نظر بعين الإنصاف وتجنب عن التعصب والاعتساف، واللَّه يقول الحق ويهدي السبيل.\n١٦٧ - [٢٨] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (لا يؤمن أحدكم) أي: لا يكمل إيمان أحد ولا يحصل له حقيقة الإيمان (حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به) في العمل والاعتقاد، فلا يغلِّب الهوى عند معارضة داعية الحق وداعية الهوى، ولم يقل: ينتفي هواه وينعدم الهوى، فإن ذلك ليس بممكن، وليس كمالًا، بل الكمال أن يكون باقيًا\n_________\n(١) هو للشيخ أبي بكر محمد بن إبراهيم البخاري الكلاباذي، المتوفى سنة ثمانين وثلاث مئة، انظر: \"كشف الظنون\" (١/ ٤١٩).","vol":"1","page":490},{"text":"رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةَ\" وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي \"أَرْبَعِينِهِ\": هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَويْنَاهُ فِي \"كِتَابِ الْحُجَّةِ\" بإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. [شرح السنة: ١/ ٢١٢، ٢١٣، رقم: ١٠٤].\n١٦٨ - [٢٩] وَعَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَحْيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتِي قَدْ أُمُيتَتْ بَعْدِي، فَإِنَّ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلَ أُجُورِ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنِ ابْتَدَع بِدْعَةً ضَلَالَةً لَا يَرْضَاهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ كانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لَا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٧٧].\nــ\nوتابعًا للحق وموافقًا ومسلِّمًا له وراضيًا به، كما دل عليه قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وقوله -ﷺ-: (ذاق طعم الإيمان من رضي باللَّه ربًا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيًا) (١) وإن أُريد بالتبعية لما جئت به اعتقادُ حقِّيَّته -ﷺ- جاز الحمل على نفي أصل الإيمان.\n١٦٨، ١٦٩ - [٢٩، ٣٠] (بلال بن الحارث المزني) قوله: (من أحيا سنة من سنتي) أي: أقامها وروجها وأيدها وقواها، والمراد بالسنة: الطريقة المسلوكة في الدين وشرائع الإسلام ولو كانت فرضًا وواجبًا، ولو حمل على المعنى المصطلح فله أيضًا وجه، إذ الفرائض ثابتة لا حاجة إلى الترغيب والتحريض على إحيائها، وإنما يناسب في السنن والفضائل وما يكون من شعار الدين مما يكمل ويَرُوج به الإسلام.\nوقوله: (بدعة ضلالة) كأنه احتراز عن بعض البدع المستحسنة التي يقوى بها الدين كما مر من أقسام البدعة في أول الباب.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٣٤)، والترمذي (٢٦٢٣)، وأحمد في \"مسنده\" (١/ ٢٠٨).","vol":"1","page":491},{"text":"١٦٩ - [٣٠] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. [جه: ٢١٠].\n١٧٠ - [٣١] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْحِجَازِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا، وَلَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ مِنَ الْحِجَازِ مِعْقَلَ الأُرْوِيَّةِ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ،\nــ\n١٧٠ - [٣١] (عمرو بن عوف) قوله: (إلى الحجاز) في (القاموس) (١): الحجاز: مكة والمدينة والطائف ومخاليفها لأنها حجزت بين نجد وتهامة، أو بين نجد والسراة.\nوقوله: (كما تأرز الحية إلى حجرها) سبق شرحه في آخر الفصل الأول (٢)، ثم إنه قد خصت المدينة المطهرة هناك والحجاز أعم وأشمل عن ذلك، فالمراد -واللَّه أعلم- أن الدين يأرز من البلاد إلى الحجاز، ثم فثم.\nوقوله: (وليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل) العقل الحصن والملجأ، فمعنى (ليعقلن): ليتحصَّنن ويلتجئن، والمعقل بكسر القاف إما اسم مكان أو مصدر ميمي، والأروية بالضم والكسر: أنثى الوعول (٣)، كذا في (القاموس) (٤)، وفي (مجمع البحار) (٥): الأروية هي الشاة الجبلي وجمعها أَرْوَى،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٧١).\n(٢) تحت حديث (١٦٠).\n(٣) قال القاري: وخَصَّ الأُرْوِيَّةَ دُونَ الْوَعْلِ لأَنَّهَا أَقْدَرُ مِنَ الذَّكَرِ عَلَى التَّمَكُّنِ مِنَ الْجِبَالِ الْوَعِرَةِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢٥٧).\n(٤) \"القاموس\" (ص: ١١٨٧).\n(٥) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٧٠).","vol":"1","page":492},{"text":"إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ، وَهُمُ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٣٠].\n١٧١ - [٣٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي كَمَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ،\nــ\nوقيل: هي أنثى الوعول، أو هي تيوس الجبل، وفي (الصراح) (١): أروية بالضم والتشديد بزكوهي.\nوالمعنى: ليلتجئن الدين الحجار ويتخذه ملجأ ومسكنًا إليه كما بدأ منه حين تظهر الفتن، ويستولي أهل الكفر على بلاد الإسلام، أو في آخر الزمان في زمان خروج الدجال كما سبق، فينضم الفرارون بدينهم إلى الحجاز، وقد سبق شرح قوله: (إن الدين بدأ غريبًا) [برقم: ١٥٩].\n١٧١ - [٣٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (ليأتين على أمتي كما أتى) والمراد بـ (أمتي) إما أمة الإجابة أو أمة الدعوة، ولعل هذا أولى لأن اللَّه يحفظ المؤمنين من هذه الشنيعة المذكورة، ولكن الظاهر بل المتعيِّن إرادة أمة الإجابة في قوله: (تفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة)، وأكثر ما يقع في الحديث على هذا الأسلوب أريد به أهل القبلة، واللَّه أعلم.\nوالكاف في (كما أتى) بمعنى مِثْلٍ فاعلُ (ليأتين)، وقيل: الفاعل مقدر، أي: أفعالٌ وارتكابٌ، حَذْفُ الفاعل مما لا يخلو عن شيء.\nوقوله: (حذو النعل بالنعل) حذا النعل حذوًا: قدَّرها وقطعها، ويقال: حذوت\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٥١٢).","vol":"1","page":493},{"text":"حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلَانِيَةً لَكَانَ فِي أُمُّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ، وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، كُلُّهُمْ فِي النَّارِ. . . . .\nــ\nالنعل: إذا قدَّرت كلَّ واحدة من طاقاتها على صاحبتها ليكونا على سواء، وقد يجعل كناية عن المطابقة، وقد يقال: طابق النعل بالنعل.\nوقوله: (من أتى أمه علانية) قيل: لعل المراد زوجة الأب، أراد القائل أن إتيان الوالدة بعيد لا يتحقق وجوده لمساعدة الطبيعة حكم الشريعة، بخلاف زوجة الأب لأنه بمجرد حكم الشريعة، ولا يذهب عليك أن هذا بمجرد الفرض والتقدير حتى قيل: (إنْ) ههنا بمعنى لو، إلا أن يقال: إن الفرض والتقدير أيضًا مما لا يتصور في الأم.\nوقوله: (وتفترق أمتي) أي: أمة الإجابة، وقيل: ولو حمل على أمة الدعوة لكان أوجه، وأنت تعلم بعده جدًا، فإن فِرَق الكفر أكثر من هذا العدد بكثير، وقد يقال: الكفر كله ملة واحدة، وفيه أن الكلام في التفرق، فافهم.\nثم قيل: إنْ حمل على أصول المذاهب فهي أقل من هذا العدد، أو على ما يشمل الفروع فهي أكثر منه، وأجيب بأنه يجوز كون الأصول التي بينها مخالفة معتدة بها بهذا العدد، وقد يقال: لعلهم في وقت من الأوقات يبلغون هذا العدد وإن زادوا أو نقصوا في أكثر الأوقات، كذا قال العلامة الدواني، وبالجملة الظاهر أن المراد الاختلاف في الأصول.\nوقوله: (كلهم في النار) أي: يستحقون دخولها لأجل الاعتقاد، وإلا فالفرقة الناجية قد تدخلها لأجل العمل، والقول بأن معصية الناجية مطلقًا مغفورة مما لا دليل","vol":"1","page":494},{"text":"إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً\"، قَالُوا: وَمن هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"مَا أَنَا عَلَيْهِ وأَصْحَابِي\". رَوَاه التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٤١].\n١٧٢ - [٣٣] وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ عَنْ مُعَاوِيَةَ: \"ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِي النَّارِ، وَوَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَهِيَ الْجَمَاعَةُ، وَإِنَّهُ سَيَخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ. . . . .\nــ\nعليه، وقوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران: ١٢٩] عام، وكذا القول بكون المراد استقلال مكث الفرقة الناجية بالنسبة إلى سائر الفرق أيضًا بعيد، وكذا ما يقال: إن (كلهم في النار) إيجابٌ كلي، وقوله: (إلا ملة واحدة) (١) رفعه، وهو لا ينافي الإيجاب الجزئي، لا يخلو عن بعد، والوجه ما قلنا، وبه صرح المحققون.\nوقوله: (ما أنا عليه وأصحابي) في جواب (ومن هي)، لأن المراد به الوصف كما في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾، ولأن تعريف أهل الملل حاصل بتعريف الملة، أو المراد: مَن كان على ما أنا عليه، وقد يقال: هذا إذا كان (ما) مخصوصة بغير العقلاء، وإن كان أعمّ فلا إشكال، كذا قيل، وفيه: أنَّا لو سلمنا أن (ما) يكون لمن يعقل لا يصح تركيب (ما أنا عليه) كما لا يخفى.\n١٧٢ - [٣٣] (معاوية) قوله: (وهي الجماعة) أي: تلك الفرقة مسماة بالجماعة لكونهم مجتمعين على كلمة الحق وما أجمع عليه المسلمون الذين هم على الهدى.\n_________\n(١) في \"التقرير\": ثم في الرواية \"كلها في النار إلا واحدة\"، وفي رواية: \"كلها في الجنة إلا واحدة\"، والجمع بينها بأن المراد في الأول أمة الدعوة، والمراد بالثاني أمة الإجابة التي نجت بالحديث الأول، أو المراد بالهالكة في الحديث الأول الخالدة في النار وهي الكفرة، والكفر ملة واحدة، وبالهالكة في الحديث الثاني الهالكة ابتداءً، كذا في \"فيصل التفرقة\" (ص: ٥٥، ٧٣، ٧٦).","vol":"1","page":495},{"text":"تَتَجَارَى بِهِمْ تِلْكَ الأَهْوَاءُ كمَا يَتَجَارَى الْكَلْبُ بِصَاحِبِهِ لَا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلَا مَفْصِلٌ إِلَّا دَخَلَهُ\". [حم. ٤/ ١٠٢، د: ٤٥٩٧].\n١٧٣ - [٣٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ لَا يَجْمَعُ أُمَّتِي -أَوْ قَالَ: أُمَّةَ مُحَمَّدٍ- عَلَى ضَلَالَةٍ،\nــ\nوقوله: (تتجارى بهم تلك الأهواء) الهوى ما تدعو إليه النفس وشهوتها، والهوى من الهُوِيِّ بضم الهاء وكسر الواو وتشديد الياء بمعنى السقوط؛ لسقوط صاحبها وانكبابه إلى ما يهويه، يقال: جاراه مجاراة وجراءً وجرى معه، وأكثر ما يستعمل في الأقوال؛ لأن كل واحد من الصاحبين يجري مع الآخر، وسيأتي في (كتاب العلم): (من طلب العلم ليجاري به العلماء)، أي: يجري معهم بالمناظرة والجدال، والمراد سراية الأهواء في عروقهم ومفاصلهم، كما يسري الكَلَب بمحاحبه، والكلب بفتح اللام: داء يعتري الإنسان من عض الكلب، والكلِب بكسر اللام: الكلب الذي يأخذ شبه جنون فيكلب، أي: يأكل بلحوم الناس، فإذا عقر إنسانًا يستولي عليه شبه الماليخوليا لا يكاد يبصر الماء؛ وإذا أبصره فزع وربما مات عطشًا ولم يشرب، وهذه علة تستفرع مادتها على سائر البدن، وتسري في العروق والمفاصل، وتتولد منها أعراض ردية، وإذا عض هذا الشخص غيره عدا إليه، وإنما شبه حالهم بحال صاحب الكلب لاستيلاء الأهواء عليهم استيلاء تلك العلة على صاحبها وسرايتها فيه، ولما فيه من المضرة المعدية، ولتنفُّرهم من العلم وامتناعهم من قبوله مع شدة مساس حاجتهم إليه حتى يهلكوا جهلًا في مهواة البدعة وتيه الضلال، أعاذنا اللَّه من ذلك.\n١٧٣ - [٣٤] (ابن عمر) قوله: (إن اللَّه لا يجمع أمتي على ضلالة) وهذه خاصة ومنقبة خص اللَّه أمة محمد -ﷺ- بها فضلًا منه ومنة، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا","vol":"1","page":496},{"text":"وَيَدُ اللَّهِ عَلَى الْجَمَاعَةِ، وَمَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّار\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٦٧].\n١٧٤ - [٣٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اتَّبِعُوا السَّوَادَ الأَعْظَمَ، فَإِنَّهُ مَنْ شَذَّ شَذَّ فِي النَّارِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ. [جه: ٣٩٥٠].\nــ\nلِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].\nوقوله: (يد اللَّه على الجماعة) كناية عن النصرة والعصمة للجماعة المتَّفِقَة من أهل الإسلام، وأنها في كنف اللَّه ووقايته، وهم بعيد من الأذى والخوف، وقيل: سكينة ورحمة مع المتفقين محفوظون من الأذى والخوف والاضطراب؛ فإذا تفرقوا زالت السكينة وأُوقِع بأسُهم بينهم، وفسدت الأحوال، والشذوذ: الانفراد والندور عن الجمهور، و(شذ) في الشرط مصحح بصيغة المعلوم، وفي الجزاء بها وبالمجهول، وكذا في الحديث الثاني.\n١٧٤ - [٣٥] (عنه) قوله: (اتبعوا السواد الأعظم) في (القاموس) (١): السواد الشخص، ومن البلدة قراها، والعدد الكثير، ومن الناس عامتهم، ومن القلب حبَّتُه، والمراد: الحث على اتِّباع ما عليه الأكثر من علماء المسلمين، قالوا: وهذا في عقائد، أما في الفروع فيجوز العمل بمن قلد مذهبه وإن لم يجمع عليه، نعم إذا جمع بين المذاهب فيما يمكن الجمع كان أولى وأحسن.\nوقوله: (رواه) (٢) في الأصل بياض، وكتب العلامة الجزري في الهامش: ابن ماجه من حديث أنس وابن أبي عاصم سمعت رسول اللَّه -ﷺ- قال: (إن أمتي لا تجتمع\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٧٧).\n(٢) أي: الحاكم من حديث ابن عمر، وقال: ولو حفظ خالد بن يزيد القرني هذا الحديث لحكمنا له بالصحة، وكذا قال الذهبي في \"تلخيصه\"، انظر: \"المستدرك\" (١/ ١٩٩).","vol":"1","page":497},{"text":"١٧٥ - [٣٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا بُنَيَّ إِنْ قَدَرْتَ أَنْ تُصْبحَ وَتُمْسِيَ وَلَيْسَ فِي قَلْبِكَ غِشٌّ لِأَحَدٍ فَافْعَلْ\" ثُمَّ قَالَ: \"يَا بُنَيَّ وَذَلِكَ مِنْ سُنَّتِي، وَمَنْ أَحْبَّ سُنَّتِي فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَمَنْ أَحَبَّنِي كَانَ مَعِي فِي الْجنَّة\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٧٨].\n١٧٦ - [٣٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ تَمَسَّكَ بِسُنَّتِي عِنْدَ فَسَادِ أُمُّتِي فَلَهُ أَجْرُ مِئَةِ شَهِيدٍ\". رَوَاهُ.\n١٧٧ - [٣٨] وَعَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- حِينَ أَتَاهُ عُمَرُ فَقَالَ: إِنَّا نسْمَعُ أَحَادِيثَ. . . . .\nــ\nعلى الضلالة، فإذا رأيتم اختلافًا كثيرًا فعليكم بالسواد الأعظم).\n١٧٥ - [٣٦] (أنس) قوله: (وليس في قلبك غش) الغش بالكسر: الغل والحقد.\n١٧٦ - [٣٧] (أبو هريرة) قوله: (فله أجر مئة شهيد) كناية عن لحوق غاية الجهد والمشقة في ذلك.\nوقوله: (رواه البيهقي (١). . . إلخ)، في بعض النسخ ههنا بياض، وفي بعضها مكتوب في الأصل.\n١٧٧ - [٣٨] (جابر) قوله: (حين أتاه) ظرف لما يفهم من قوله: (عن النبي -ﷺ-)\n_________\n(١) في \"الزهد الكبير\" (٢٠٧) عن ابن عباس، وأما عن أبي هريرة فرواه الطبراني في \"الكبير\" (٢٠/ ٥٠)، و\"الأوسط\" (رقم: ٥٤١٤)، وقال الهيثمي في \"المجمع\" (١/ ١٠٣): رواه الطبراني في \"الأوسط\"، وفيه محمد بن صالح العدوي، ولم أر من ترجمه، وبقية رجاله ثقات.","vol":"1","page":498},{"text":"مِنْ يَهُودَ تُعْحِبُنَا أَفَتَرَى أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا؟ فَقَالَ: \"أَمُتَهَوِّكُونَ أَنْتُمْ كَمَا تَهَوَّكَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ . . . . .\nــ\nمن معنى القول.\nوقوله: (من يهود) في (مجمع البحار) (١): الهَود: التوبة، ومنه ﴿إنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، قيل: ومنه لفظ اليهود وكان اسم مدح، ثم صار بعد نسخ شريعتهم لازمًا لهم، وإن زال عنه المدح، والهوادة السكون والمحاباة.\nوقال البيضاوي (٢): اليهود إما عربي من هاد: إذا تاب، سموا بذلك لما تابوا من عبادة العجل، وإما معرب يهوذا وكأنهم سموا باسم أكبر أولاد يعقوب.\nوقال التُّورِبِشْتِي (٣): يهود لا ينصرف، والسبب فيه العلمية والتأنيث؛ لأنه يجري في كلامهم مجرى القبيلة، وقال الزمخشري: والأصل في يهود ومجوس أن يستعمل بغير لام التعريف؛ لأنهما علمان خاصان لقومين والقبيلتين، وإنما جوز تعريفهما باللام لأنه أجري يهودي ويهود مجرى شعيرة وشعير.\nوقوله: (أمتهوكون أنتم) في (القاموس) (٤): هوك كفرح، والمتهوك: المتحير كالهوّاك كشداد، والساقط في هوة الردى، والهوكة بالضم: الحفوة، والتهوك: الوقوع في الشيء بغير مبالاة، والظاهر أن المراد في الحديث معنى التحير، أي: متحيرون أنتم في دين تام كامل لا يحتاج إلى غيره من الأديان حتى تأخذوه من أهل الكتاب.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ١٩٠).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٠٠).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (١/ ٣٩).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٨٢).","vol":"1","page":499},{"text":"لَقَدْ جِئتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، وَلَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الْإِيمَانِ\". [حم: ٣/ ٣٨٧، هب: ١٧٦].\n١٧٨ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَكَلَ طَيِّبًا، وَعَمِلَ فِي سُنَّةٍ، وَأَمِنَ النَّاسُ بَوَائِقَهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ\"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هَذَا الْيَوْمَ لَكَثِيرٌ فِي النَّاسِ؟ قَالَ: \"وَسَيَكُونُ فِي قُرُونٍ بَعْدِي\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُ. [ت: ٢٥٢٠]\nــ.\nوقوله: (لقد جئتكم بها) الضمير للملة، وإن لم يجر لها ذكر؛ لشهرتها.\nوقوله: (بيضاء نقية) منصوبان على الحال، أي: طاهرة صافية خالصة عن الشك والشبهة والالتباس والاشتباه، ومصونة عن التبديل والتحريف، خالية عن التكاليف الشاقة، فماذا بعد لكم من العمى والتحير؟ .\nوقوله: (ولو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي) فكيف بقومه وسائر الناس من ورائهم؛ لأن الشرائع كلها نسخت بشريعتي.\n١٧٨ - [٣٩] (أبو سعيد الخدري) قوله: (من أكل طيبًا) أي: حلالًا (وعمل في سنة) أي: لأجل سنة، أي: لأجل كونها سنة ليوافقها، أو جعل السنة ظرفًا مبالغة، ونكر (سنَّة) ليفيد التعميم، كقولهم: تمرة خير من جرادة.\nوقوله: (بوائقه) البائقة: الداهية جاءت بالشر والخصومات، أي: شره وغايته.\nوقوله: (إن هذا) أي. هذا الأمر الذي ذكر (اليوم) أي: في يومنا وزماننا (الكثير) وكيف يكون فيما بعده؟\n(قال: وسيكون في قرون (١) بعدي) ولا ينقطع الخير عن أمتي قطعًا وإن تفاوتت\n_________\n(١) قال القاري: فِي \"الأَزْهَارِ\": الْقَرْنُ أَهْلُ عَصْرٍ، وَقِيلَ: أَهْلُ كُلِّ مُدَّةٍ أَوْ طَبَقَةٍ، وَقِيلَ: ثَلَاثُونَ =","vol":"1","page":500},{"text":"١٧٩ - [٤٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ هَلَكَ، ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ بِعُشْرِ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٢٦٧].\n١٨٠ - [٤١] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ\"، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- هَذِهِ الآيَةَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨]. . . . .\nــ\nالحال كثرة وقلة، فتكثير (قرون) للتقليل، ويحتمل للتكثير لكثرته في نفسه وإن قلَّت بالإضافة، ويشبه أن يكون المراد: القرون الموسومة بخير القرون، ولكن هذه الصفات ليست مخصوصة، واللَّه أعلم.\n١٧٩ - [٤٠] (أبو هريرة) قوله: (إنكم في زمان من ترك منكم عشر ما أمر به (١» الحديث، قالوا: ورد هذا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإلا فالأوامر لا يسع تركها لأحد، ويحتمل أن يكون بما أمر به السنن والمندوبات سوى الفرائض والواجبات.\n١٨٠ - [٤١] (أبو أمامة) قوله: (إلا أوتوا الجدل) محركة: اللدود في\n_________\n= سَنَةٍ، وَقِيلَ: أَرْبَعُونَ، وَقِيلَ: ثَمَانُونَ. وَقِيلَ: مِئةٌ، اهـ. وَالأَصَحُّ أَنَّ الْقَرْنَ هَاهُنَا أَهْلُ الْعَصْرِ، فَإِنَّ كُلَّ عَصْر هُوَ أَبْعَدُ مِنْ زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَكُونُ الصُّلَحَاءُ فِيهِمْ أَقَلَّ مِمَّنْ قَبْلَهُمْ، وَلذَا قَالَ ﵊: \"خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمُ\" الْحَدِيثَ. وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ -ﷺ- فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَفْيًا لِلِاسْتِعْجَابِ عَنْ أَصْحَابِهِ ﵃ أَجْمَعِينَ. كَذَا قِيلَ، وَأَقُولُ: وَفِيهِ تَسْلِيَةٌ لِمَنْ بَعْدَهُمْ مِنَ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ حَمْدًا لِلَّهِ وَتَحَدُّثًا بِنِعَمِهِ، فَقَالَ: إِنَّ ذَلِكَ غيْرُ مُخْتَصٌّ بِهَذَا الْقَرْنِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢٦٤).\n(١) قال شيخنا نقلًا عن والده: إن المراد منه الكيفيات، كذا في \"التقرير\".","vol":"1","page":501},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٥/ ٢٥٢، ٢٥٦، ت: ٣٢٥٣، جه: ٤٨].\n١٨١ - [٤٢] وَعَن أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ: \"لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدِّدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ،\nــ\nالخصومة والقدرة عليها، والمراد به هنا العناد والمراء والتعصب لترويج مذهبهم؛ لأنهم لو تركوا سبيل الهدى واختاروا الضلال سلكوا طريق الجدل، إذ له خاصية في ذلك بجريان عادة اللَّه تعالى.\nوأول الآية: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ [الزخرف: ٥٧]، ولما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] قال المشركون: رضينا أن تكون آلهتنا مع عيسى لأنه عبد، وذلك مضمون قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: ٥٧] أي: يضجون فرحًا بما سمعوه، أو يصدون عن الحق ويعرضون، ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾ [الزخرف: ٥٨] أي: عيسى، فإن كان في النار فليكن معه آلهتنا، أي: ما ضربوا هذا المثل إلا لأجل الجدال والخصومة لا لتميز الحق من الباطل؛ لعلمهم أن (ما) لغير العاقل فلا يتناول عيسى، ولهذا قال -ﷺ- على ما قيل- لابن الزِّبَعْرَى الذي جادله: ما أجهلك بلسان قومك، إن (ما) لما لا يعقل. ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: ٥٨] شديد الخصومة.\n١٨١ - [٤٢] (أنس) قوله: (لا تشددوا على أنفسكم) فإن التوسط والاقتصاد هو المحمود، وهو يدوم ويستقيم ويوصل إلى المقصود، والإكثار يورث الملال، والتشديد يضيع حق النفس وغيره، وخير العمل أدومه، وقد ورد: قليل العمل مع الدوام خير من كثيره مع عدمه، وقد نطقت به الأحاديث وهو السنَّة.","vol":"1","page":502},{"text":"فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧]. رَوَاهُ أَبُو داوُدَ. [د: ٤٩٠٤].\nــ\nوقوله: (فتلك بقاياهم) قال الطيبي (١): تلك إشارة إلى ما في الذهن من تصور جماعة باقية من أولئك المشددين، والخبر بيان له.\nوقوله: (في الصوامع والديار) الصوامع: جمع صومعة بفتح الميم: بيت للنصارى لدقةٍ في رأسها، والديار جمع دير، وهو خان النصارى، كذا في (القاموس) (٢)، وفيه: الخان: الحانوت، أو صاحبه، وخان التجّار [معروف]، والحانوت دُكّان الخمّار، في (الصراح) (٣): دير كليسائ رهبانان.\nوقوله: (رهبانية ابتدعوها) منصوبة على شريطة التفسير، في (القاموس) (٤): رهب كعلم رَهْبَةً ورُهْبًا بالضم وبالفتح وبالتحريك، ورُهْبانا بالضم ويحرك: خاف، والاسم الرَّهْبَى، ويضمّ [ويمدّان]، والراهب واحد رهبان النصارى، ومصدره: الرَّهْبة والرَّهْبانية، والرهبان قد يكون واحدًا، والجمع: رهابين ورَهابنة ورَهْبانون، و(لا رهبانية في الإسلام) هي كالاختصاء، واعتناق السلاسل، ولبس الْمُسوح، وترك اللحم، ونحوها.\nوقال البيضاوي: هي المبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس، منسوبة إلى الرهبان وهو جمع راهب كراكب وركبان (٥). ولعله يريد أن الرُّهبانية بالضم منسوب إلى الرُّهبان، والفتح من تغيرات النسب، وإلا فركبان جمع راكب بالضم، قال في\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٤٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٨١).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ١٧٨).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٩).\n(٥) \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٢٧٢).","vol":"1","page":503},{"text":"١٨٢ - [٤٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: حَلَالٍ، وَحَرَامٍ، وَمُحْكَمٍ، وَمُتَشَابِهٍ، وَأَمْثَالٍ، فَأَحِلُّوا الْحَلَالَ، وَحَرِّمُوا الْحَرَامَ، وَاعْمَلُوا بِالْمُحْكَمِ، وَآمِنُوا بِالْمُتَشَابِهِ، وَاعْتَبِرُوا بِالأَمْثَالِ\". هَذَا لَفْظُ \"الْمَصَابِيحِ\". وَرَوَى البَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيْمَانِ\" وَلَفْظُهُ: \"فَاعْمَلُوا بِالْحَلَالِ، وَاجْتَنِبُوا الْحَرَامَ، وَاتَّبِعُوا الْمُحْكَم\". [هب: ٢٣٩٢].\n١٨٣ - [٤٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الأَمْرُ ثَلَاثَةٌ: أَمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُهُ فَاتَّبِعْهُ، وَأَمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فَاجْتَنِبْهُ،\nــ\n(القاموس): راكب جمعه رُكّاب ورُكْبان ورُكوب بضمهن (١). والأظهر ما قال الطيبي (٢): إن الرهبانية الفعلة المنسوبة إلى الرَّهْبان، وهو الخائف، فَعْلان من رَهِبَ، كخشيان من خشي، فتدبر.\nثم التشديد يكون بالفعل، وقد يكون بالتعمق في السؤال، كما فعل بنو إسرائيل في ذبح البقرة.\n١٨٢ - [٤٣] (أبو هريرة) قوله: (حلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال) هذه تقسيمات يجتمع أقسامها وليست أقساما متباينة، فإن المحكم قد يكون الحلال والحرام، وقد يكون الاعتقاديات، فافهم.\n١٨٣ - [٤٤] (ابن عباس) قوله: (الأمر ثلاثة) أي: حكم اللَّه تعالى أو شأن المكلف، والظاهر أن مضمون هذا الحديث هو مضمون قوله -ﷺ-: (الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما مشتبهات)، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٨).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٤٥).","vol":"1","page":504},{"text":"وَأَمْرٌ اخْتُلِفَ فِيهِ (١) فَكِلْهُ إِلَى اللَّهِ ﷿\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [لم نجده في \"مسند أحمد\"، ولكن رواه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٠/ ٣١٨، ١٠٧٧٤)].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-220> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٨٤ - [٤٥] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الشَّيْطَانَ ذِئْبُ الإِنْسَانِ كَذِئبِ الْغَنَمِ، يَأْخُذُ الشَّاذَّةَ وَالْقَاصِيَةَ وَالنَّاحِيَةَ، وَإِيَّاكُمْ وَالشِّعَابَ، وَعَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ\" رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٤٣].\n١٨٥ - [٤٦] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا. . . . .\nــ\nالفصل الثالث\n١٨٤ - [٤٥] (معاذ بن جبل) قوله: (يأخذ الشاذة والقاصية والناحية) الشاذة النافرة، والقاصية البعيدة من غير تنفر، والناحية التي بقيت في جانب.\nوقوله: (والشعاب) جمع شعب بكسر الشين، وهو ما انفرج بين الجبلين أو الطريق بينهما، والمقصود عدم الخروج والبعد عن الجماعة والجمهور كما قال: (وعليكم بالجماعة والعامة).\n١٨٥ - [٤٦] (أبو ذر) قوله: (شبرًا) (٢) في (القاموس) (٣): الشبر بالكسر ما بين\n_________\n(١) قَالَ الطِّيبِيُّ: يحْتَملُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: اشْتَبَهَ وَخَفِيَ حُكْمُهُ، وَيَحْتَملُ أَنْ يُرَادَ بِهِ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ مَا لَمْ يُبَيِّنْهُ الشَّرْعُ مِثْلَ الْمُتَشَابِهَاتِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢٦٨).\n(٢) قَالَ الأَبْهَرِيُّ: مُفَارَقَةُ الْجَمَاعَةِ تَرْكُ السُّنَّةِ وَاتِّبَاعُ الْبِدْعَةِ، اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُفَارَقَةَ الْجَمَاعَةِ مُتَارَكَةُ إِجْمَاعِهِمْ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢٦٩).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٨٥).","vol":"1","page":505},{"text":"فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو داوُدَ. [حم: ٥/ ١٨٠، د: ٤٧٥٨].\n١٨٦ - [٤٧] وَعَن مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ مُرْسَلًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ\". رَوَاهُ فِي \"الْمُوَطَّأ\". [ط: ٢/ ٨٩٩، رقم: ١٥٩٤].\n١٨٧ - [٤٨] وَعَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ الثُّمَالِي قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا أَحْدَثَ قَوْمٌ بِدْعَةً إِلَّا رُفِعَ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ،\nــ\nأعلى الإبهام وأعلى الخنصر.\nوقوله: (فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) الربق بالكسر: حبل فيه عدة عرى يشد به البهم، ويجعل في عنق كل واحد ربقة بالكسر والفتح.\n١٨٦ - [٤٧] (مالك بن أنس) قوله: (تركت فيكم أمرين، الحديث) معناه ظاهر، وسيجيء الكلام فيه في (مناقب أهل البيت) في آخر الكتاب إن شاء اللَّه تعالى.\n١٨٧ - [٤٨] (غضيف بن الحارث) قوله: (غضيف) بضم الغين وفتح الضاد المعجمتين، ويقال: غطيف بالطاء المهملة.\nوقوله: (الثمالي) بمثلثة مضمومة وخِفَّةِ ميمٍ منسوب إلى ثمالة بن أسلم، كذا في (جامع الأصول) (١).\nوقوله: (ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة) لعل المراد بالمثلية: في\n_________\n(١) (١٢/ ٢٥٢).","vol":"1","page":506},{"text":"فتَمَسُّكٌ بِسُنَّةٍ خَيْرٌ مِنْ إِحْدَاثِ بِدْعَةٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ١٠٥].\n١٨٨ - [٤٩] وَعَنْ حَسَّانَ قَالَ: مَا ابْتَدَع قَوْمٌ بِدْعَةً فِي دِينِهِمْ إِلَّا نزَعَ اللَّهُ مِنْ سُنَّتِهِمْ مِثْلَهَا ثُمَّ لَا يُعِيدُهَا إِلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ٥٨].\n١٨٩ - [٥٠] وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ وَقَّرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى هَدْمِ الإِسْلَامِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. . . . .\nــ\nالمقدار والمرتبة، وإذا كان إحداث بدعة رافعًا للسنة كانت إقامة السنة لعل أيضًا قامعة للبدعة، فالتمسك بالسنة ولو كانت قليلة خير من إحداث بدعة وإن كانت حسنة، فبالأول يزيد النور، وبالثاني تشيع الظلمة، وهذا مبالغة في قمع البدعة وآثارها، وإلا فقد عرفت أن من البدع ما هو واجب كتعلم النحو وتعليمه وحفظ غريب الكتاب والسنة ونحوهما، أو مندوب كبناء الربط والمدارس، ولعل الظاهر أن تحمل البدعة على البدعة المغيرة للسنة، واللَّه أعلم.\n١٨٨ - [٤٩] (حسان) قوله: (وعن حسان) حسان يجيء منصرفًا وغير منصرف، فعلى الأول من الحُسْنِ، فالألف والنون أصليتان، وعلى الثاني من الحَسِّ، فهما زائدتان.\nوقوله: (ما ابتدع قوم. . . إلخ) مضمونه مضمون الحديث السابق مع زيادة عدم إعادتها إلى يوم القيمة.\n١٨٩ - [٥٠] (إبراهيم بن ميسرة) قوله: (من وقر صاحب بدعة) في (القاموس) (١): التوقير التبجيل (فقد أعان على هدم الإسلام) لأن توقيره وتبجيله\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٥٩).","vol":"1","page":507},{"text":"فِي \"شُعَبِ الإيمانِ\" مُرْسَلًا. [هب: ٩٤٦٤].\n١٩٠ - [٥١] وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: مَنْ تَعَلَّمَ كتَابَ اللَّهِ ثُمَّ اتَّبَعَ مَا فِيهِ هَدَاهُ اللَّهُ مِنَ الضَّلَالَةِ فِي الدُّنْيَا، وَوَقَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سُوءَ الْحِسَابِ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: مَنِ اقْتَدَى بِكِتَابِ اللَّهِ لَا يَضِلُّ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى فِي الآخِرَةِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]. رَوَاهُ رَزِينٌ. [أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٦/ ١٢٠)].\n١٩١ - [٥٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَنْ جَنَبَتَي الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفتَّحَةٌ، وَعَلَى الأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرَخَاةٌ، وَعِنْدَ رَأْسِ الصِّراطِ دَاعٍ يَقُولُ: اسْتَقِيمُوا عَلَى الصِّرَاطِ وَلَا تعْوَجُّوا، وَفَوْقَ ذَلِكَ دَاعٍ يَدْعُو،\nــ\nتأييد وإعانة له، وهو يفضي إلى استخفافٍ لسنَّةٍ عليها مدار قوة الإسلام ورواجه.\n١٩٠ - [٥١] (ابن عباس) قوله: (هداه من الضلالة) عدّي بمن لتضمين هدى معنى أمِنَ وعصم.\n١٩١ - [٥٢] (ابن مسعود) قوله: (ضرب اللَّه مثلًا صراطًا) أي: جعل اللَّه مثلًا لدين الإسلام وما فيه من المحارم والحدود وأحكام القرآن صراطًا مستقيمًا، فقوله: (صراطًا) مفعول أول لجعل، و(مثلًا) مفعول ثان له، كقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣]، والسور حائط المدينة، وأرخى الستر أسدله.\nوقوله: (فوق ذلك) أي: فوق الصراط، ويجوز أن يكون إشارة إلى الداعي الذي عند رأس الصراط.","vol":"1","page":508},{"text":"كُلَّمَا هَمَّ عَبْدٌ أَنْ يَفْتَحِ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ قَالَ: وَيْحَكَ! لَا تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ\" ثُمَّ فَسَّرَهُ فَأَخْبَرَ: أَنَّ الصِّرَاطَ هُوَ الإِسْلَامُ، وَأَنَّ الأَبْوَابَ الْمُفتَّحَةَ مَحَارِمُ اللَّهِ، وَأَنَّ السُّتُورَ الْمُرَخَاةَ حُدُودُ اللَّهِ، وَأَنَّ الدَّاعِيَ عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ هُوَ الْقُرْآنُ، وَأَنَّ الدَّاعِيَ مِنْ فَوْقِهِ وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤمِنٍ\". رَوَاهُ رَزِينٌ وَأَحْمَدُ. [حم: ٤/ ١٨٢، ١٨٣].\nــ\nوقوله: (ويحك) كلمة ترحم وتوجع، وويل كلمة عذاب.\nوقوله: (لا تفتحه) يدل على أن تلك الأبواب مردودة، فمعنى قوله سابقًا (أبواب مفتحة): غير مغلقة، كذا في بعض الشروح، ويمكن أن يكون إطلاق لا تفتحه باعتبار الستور، فليست الأبواب مردودة ولا مغلقة بل مفتوحة عليها ستور مرخاة، وكذلك أبواب المحارم ليست مغلقة ولا مردودة على الناس، وإنما بينهم وبينها ستور، وهي ستور النهي، فإذا رفعوا تلك الستور ولجوها.\nوقوله: (ثم فسره فأخبر) من عطف المفصل على المجمل، و(حدود اللَّه): الأحكام التي نهى عن قربانها كقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] قال البيضاوي (١): ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى ما حد من الأحكام.\nوقوله: (هو واعظ اللَّه) قال الطيبي (٢): هو لَمَّةُ المَلَك في قلب المؤمن، وقال: وإنما جعل لمة الملك فوق داعي القرآن؛ لأنه إنما ينتفع بالقرآن إذا كان محلًا له، وعبارته هذه تدل على أن المشار إليه بذلك في قوله: (وفوق ذلك داع) هو الداعي الذي عند الصراط كما ذكرنا.\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٢٦١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٥٠).","vol":"1","page":509},{"text":"١٩٢ - [٥٣] وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيْمَانِ\" عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ، وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ إِلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ أخْصَرَ مِنْهُ. [هب: ٧٢١٦، ت: ٢٨٥٩].\n١٩٣ - [٥٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَنْ كانَ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، فَإِنَّ الْحَيَّ. . . . .\nــ\n١٩٢ - [٥٣] (النواس بن سمعان) قوله: (النواس) بفتح النون وتشديد الواو. (سمعان) بكسر السين وفتحها، كذا في (المغني) (١) عن النووي، وفي (جامع الأصول) (٢): بكسرها.\n١٩٣ - [٥٤] (ابن مسعود) قوله: (من كان مستنًّا فليستن) (٣) سنن الطريق واستنها: سارها، أي: من كان يريد أن يسلك طريق الهدى فيسلك طريق الصحابة، ويقتدي بهم، قاله ابن مسعود في زمانه نصيحة للتابعين.\nوقوله: (فإن الحي) أي: الذين هم أحياء من أهل زماننا ما عدا الصحابة، ويحتمل أن يكون عبارة عن سيرة الشيخين: الصديق والفاروق -﵄-، فإن ابن مسعود مات في\n_________\n(١) \"المغني\" (ص: ١٥٧، ٢٨١).\n(٢) (١٢/ ١٥٨).\n(٣) وفي \"التقرير\": قال الآلوسي في \"جلاء العينين\" (ص: ٢٠٤): اختلف في جواز تقليد الميت على أقوال: أحدها: -وبه قال الجمهور- جوازه، وعبر عنه الشافعي رحمه اللَّه تعالى بقوله: المذاهب لا تموت بموت أربابها. الثاني: منعه مطلقًا. وعزاه الإمام الغزالي في \"المنخول\" لإجماع الأصوليين. وقال القاري: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُوصِي التَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ تَبَعٌ لَهُمْ بِالإِقْتِدَاءِ بِالصَّحَابَةِ، لَكِنْ خَصَّ أَمْوَاتَهُمْ لأَنَّهُ عَلِمَ اسْتِقَامَتَهُمْ عَلَى الدِّينِ وَاسْتِدَامَتَهُمْ عَلَى الْيَقِينِ بِخِلَافِ مَن بَقِيَ مِنْهُمْ حَيًّا فَإِنَّهُ يُمْكِنُ مِنْهُمُ الإِفْتِتَانُ وَوُقُوعُ الْمَعْصِيَةِ وَالطُّغْيَانِ، بَلِ الرِّدَّةُ وَالْكُفْرَانُ لأَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْخَاتِمَةِ، وَهَذَا تَوَاضُعٌ مِنْهُ فِي حَقِّهِ -﵁- لِكَمَالِ خَوْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢٧٤).","vol":"1","page":510},{"text":"لَا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ. أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ -ﷺ- كَانُوا أَفْضَلَ هَذِهِ الأُمَّةِ، أَبَرَّهَا قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبه نَبِيِّهِ وَلإِقَامَةِ دِينِهِ، فَاعْرِفُوا لَهُمْ فَضْلَهُمْ، وَاتَّبِعُوهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ، وَتَمَسَّكُوا بِمَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ أَخْلَاقِهِمْ وَسِيَرِهِمْ، فَإِنُّهُمْ كَانُوا عَلَى الْهُدَي الْمُسْتَقِيم. رَوَاهُ رَزِينٌ. [أخرجه ابن عبد البر في \"جامع بيان العلم وفضله\" (٢/ ٩٧)].\n١٩٤ - [٥٥] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِنُسْخَةٍ مِنَ التَّوْرَاةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذِهِ نُسْخَةٌ مِنَ التَّوْرَاةِ، فَسَكَتَ، فَجَعَلَ يقْرَأ وَوَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَتَغَيَّرُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ثَكِلَتْكَ الثَّوَاكِلُ! . . . . .\nــ\nأواخر زمن عثمان سنة اثنين وثلاثين، ولكن قوله: (أولئك أصحاب محمد) يدل على تعميم الصحابة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وأعمقها علمًا) عمَّق النظر في الأمور: بالَغَ وتأمل.\nوقوله: (تكلفًا) أي: تصنعًا ومراياةً للخلق ومراعاةً للرسوم والعادات المتعارفة فيما بين الناس.\nوقوله: (اختارهم اللَّه لصحبة نبيه) يعني: لما جعلهم اللَّه أصحاب النبي -ﷺ- واصطفاهم من بين الخلائق بهذه الفضيلة عُلم أنهم أفضل الناس وأخيار الخلق ممن بعدهم تلميحًا إلى قوله تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الفتح: ٢٦].\n١٩٤ - [٥٥] (جابر) قوله: (بنسخة من التوراة) نسخ الكتاب: كتبه عن معارضةٍ، كانتسخه واستنسخه، والمنتسخ منه النسخة.\nوقوله: (ثكلتك الثواكل) جمع ثاكلة، وهي المرأة التي مات ولدها، وقد سبق","vol":"1","page":511},{"text":"مَا تَرَى مَا بِوَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَنَظَرَ عُمَرُ إِلَى وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ -ﷺ-، رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ بَدَا لَكُمْ مُوسىَ فَاتَّبَعْتُمُوهُ وَتَركتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَلَوْ كانَ حَيًّا وَأَدْرَكَ نُبُوَّتِي لَاتَّبَعَنِي\". رَوَاهُ الدَّارمِيُّ.\n١٩٥ - [٥٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَلَامِي لَا يَنْسَخُ كَلَامَ اللَّهِ، وَكَلَامُ اللَّهِ يَنْسَخُ كَلَامِي، وَكَلَامُ اللَّهِ يَنْسَخُ بَعْضُهُ بَعْضًا\".\n١٩٦ - [٥٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَحَادِيثَنَا يَنْسَخُ بَعْضُهَا بَعْضًا كَنَسْخِ الْقُرْآنِ\".\n١٩٧ - [٥٨] وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَة الْخُشَنِي قَالَ: . . . .\nــ\nتحقيق معناه في (كتاب الإيمان) [برقم: ٢٩].\nوقوله: (ما ترى) (ما) نافية بحذف حرف الاستفهام، وفي قوله: (ما بوجه) موصولة أو موصوفة.\n١٩٥، ١٩٦ - [٥٦، ٥٧] (جابر، ابن عمر) قوله: (كلامي لا ينسخ كلام اللَّه) قد ثبت عند الحنفية أن الحديث يكون ناسخًا للكتاب، فالمراد بـ (كلامي) ههنا: أي: ما أقوله اجتهادًا ورأيًا، أو المراد نسخ تلاوة الكتاب، أو يكون هذا الحديث منسوخًا، ولو حمل قوله: (كنسخ القرآن) في حديث ابن عمر الآتي على معنى نسخ الأحاديث القرآنَ بإضافة المصدر إلى المفعول لكان ناسخًا لهذا الحديث، واللَّه أعلم.\n١٩٧ - [٥٨] (أبو ثعلبة الخشني) قوله: (الخشني) بضم الخاء وفتح الشين","vol":"1","page":512},{"text":"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ حُرُمَاتٍ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا\". رَوَى الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ٤/ ١٤٥، ١٨٤].\nــ\nالمعجمتين بعدهما نون منسوب إلى خشن بطن من قضاعة.\nوقوله: (فلا تنتهكوها) انتهاك الحرمة: تناولها بما لا يحل، والنَّهْكُ مبالغة في كل شيء، يقال: نَهَكْتُ الدابة حلبًا: إذا لم تُبق في ضرعها لبنًا، وفي الحديث: (لينتهك الرجل بين أصابعه أو لتنتهكنّه النار) (١) أي: ليبالِغْ في غسل ما بينهما في الوضوء أو لتبالغن النار في إحراقه، وحديث: (انهكوا أعقابكم أو لتنهكنّها النار) (٢)، أي: بالغوا في غسلها وتنظيفها، و(انهكوا وجوه القوم) (٣) أي: ابلغوا جهدكم في قتالهم، وحديث: (انهكوا الشوارب) (٤) أراد الاستئصال في قص الشوارب، وحديث: (تنتهك ذمة اللَّه وذمة رسوله) (٥) يريد نقض العهد والغدر بالمعاهدة، وغير ذلك من المواضع.\nتم كتاب الإيمان بعون الملك المنان، ويتلوه كتاب العلم، وباللَّه التوفيق.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في \"مصنفه\" (٦٨)، والطبراني في \"الكبير\" (٩٢١١، ٩٢١٢)، وانظر: \"النهاية\" (٥/ ٢٨٨).\n(٢) انظر: \"النهاية\" (٥/ ٢٨٨).\n(٣) \"النهاية\" (٥/ ٢٨٨).\n(٤) أخرجه البخاري (٥٨٩٣).\n(٥) أخرجه البخاري (٣١٨٠).","vol":"1","page":513},{"text":"(٢) كِتَابُ العِلْمِ","vol":"1","page":515},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>(٢) كِتَابُ العِلْمِ</span>\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n٢ - كتاب العلم (١)\nالعلم يطلق على معان أعمها حصول صورة الشيء في العقل يعم التصور والتصديق الجازم وغير الجازم والمطابق وغير المطابق الثابت وغير الثابت والكلي والجزئي، ثم قد يخص بالتصديق وبالجازم منه وباليقين، والمراد ههنا العلم الديني مما يتعلق بالكتاب والسنة، وهو المراد بقوله: ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] وبأمثال ذلك مما ورد في فضل العلم، وربما يشمل العلوم المالية التي يتوقف معرفة الكتاب والسنة عليها أو يكمل ويتم بها كعلوم العربية، قال الشيخ الإمام أحمد بن زَرّوق (٢) في مقدمة (شرح\n_________\n(١) أَيْ: فَضْلُهُ وَفَضْلُ تَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ وَبَيَانُ مَا هُوَ عِلْمٌ شَرْعًا، وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَيَكُونُ ذِكْرُهُ بَعْدَ بَابِ الإِعْتِصَامِ مِنْ بَابِ التَّعْمِيمِ بَعْدَ التَّخْصِيصِ، وَالْعِلْمُ نوُرٌ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ مُقْتَبَسٌ مِنْ مَصَابِيحِ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ مِنَ الأَقْوَالِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَالأَفْعَالِ الأَحْمَدِيَّةِ، وَالأَحْوَالِ الْمَحْمُودِيَّةِ، يُهْتَدَى بِهِ إِلَى اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ، فَإِنْ حَصَلَ بِوَاسِطَةِ الْبَشَرِ فَهُوَ كَسْبِيُّ، وَإِلَّا فَهُوَ الْعِلْمُ اللَّدُنِّيُّ الْمُنْقَسِمُ إِلَى الْوَحْي وَالإِلْهَامِ وَالْفَرَاسَةِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢٨٠).\n(٢) هو أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البُرُلُّسي، شهاب الدين، أبو العباس، المعروف بزرّوق، الفاسي المالكي، ولد سنة (٨٤٦ هـ)، وتوفي سنة (٨٩٩ هـ)، فقيه محدث صوفي، له تصانيف كثيرة، منها: الفتوحات الرحمانيه في حل ألفاظ الحكم العطائية. انظر: \"هدية العارفين\" (١/ ٧٣)، و\"الضوء اللامع\" (١/ ١٤١).","vol":"1","page":517},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالحكم): العلم إما أن يكون مرادًا للتشدق كالمنطق والجدل ونحوه مما غاية القصد به إفحام الخصم ونحوه، وهذا متروك عند ذوي الدين إلا من حيث إنه كمال في ذاته أو معين على غيره.\nوإما أن يكون مرادًا للتخلق كالتصوف على طريق الإمام أبي حامد الغزالي والمحاسبي وغيره، فلا ينبغي أن يهمل علمه ولا يقتصر دون عمل به وإن قل؛ لأنه مقصده، فإن تعذر علمه أو قصر دونه فلا يبطل علمه، إذ لو شرط في العلم العمل لما صح تعلمه للزوم الدور وما هو كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ لو شرط الاتصاف فيه لبطل، وبطلانه باطل للزوم ارتفاعه لذلك.\nوإما أن يكون مرادًا للتحقق كالمعارف والأحوال، وهي أمور خاصة لمخصوصين، وفيها وقع الغلط لخلق كثير باعتبار حقائقها، وباعتبار ادعائها، فلزم الوقوف مع المبادئ في الأول؛ لأن السير والسلوك إنما هو لتحقيقها وكمالها وليس ثمة غيرها، ومن فهم غير ذلك فقد ضلّ وأضلّ، فكل ما لا يصح أصله في المبادئ لا يقبل في المناهي، ولزم التوقف عن القبول في الثاني حتى لا يشك فيه لكثرة الغلط، واللَّه أعلم.\nوإما أن يكون مرادًا لهما كالفروع الفقهية والأحكام العملية ويتعين قصد الأفضل بها، وإلا لكانت وبالًا على صاحبها، ولإسراع المفاسد للقصد فيها منع المشايخ اشتغال المريد بها وحذروا من الإكثار منها، لأنها يشعب الذهن ويشغله ولكن ذو الحقيقة لا يزيده إلا كمالًا، فلزم الاعتناء بها مع تصحيح النية في المعاوضة وإعطاء كل وقت حقه، واللَّه أعلم، وهذا كلام جامع مفيد شامل للظاهر والباطن، قال شيخنا ومولانا سيدي الشيخ عبد الوهاب المكي المتقي رحمة اللَّه عليه ونفعنا اللَّه ببركات علومه: ولا يقدم علم الباطن على الظاهر، ولا يكتفي بالظاهر عن الباطن، وباللَّه التوفيق.","vol":"1","page":518},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-222> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٩٨ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةٌ،\nــ\nالفصل الأول\n١٩٨ - [١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (بلغوا عني) قيل: يفهم من الحديث اتصال السند بنقل العدل والثقة عن مثله إلى منتهاه وأداء اللفظ كما سمعه من غير تغيير؛ لأن التبليغ من البلوغ، وهو انتهاء الشيء إلى غايته، ولوقوع (بلغوا عني) مقابلًا لقوله: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) إذ ليس في التحديث ما في التبليغ من الحرج والتضييق، انتهى. ويمكن أن يكون وجه فهم هذا المعنى من التبليغ من جهة أن في التبليغ معنى الجودة والبلوغ إلى الكنه، يقال: شيء بليغ جيد، والبليغ الفصيح يبلغ بعبارته كنه ضميره، هذا، والظاهر أن المراد الاتصال، واشتراط اتصال السند والأداء من غير تغير يفهم من مواضع أخر.\nوقوله: (ولو آية) الظاهر أن المراد القرآن أي: ولو كانت آية قصيرة من القرآن، والقرآن مبلَّغ عن رسول اللَّه -ﷺ-؛ لأنه الجائي به من عند اللَّه، ويفهم منه تبليغ الحديث بالطريق الأولى؛ فإن القرآن مع انتشاره وكثرة حملته وتكفُّل اللَّه سبحانه بحفظه، لمَّا أمرنا بتبليغه، فالحديث أولى به، وقد يراد بها الكلام المفيد (١) فائدة شريفة شاملة بكون\n_________\n(١) قال القاري: وَالأَظْهَرُ أَنَّ المُرَادَ الْكَلَامُ الْمُفِيدُ وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الآيَةِ وَالْحَدِيثِ، وَإنَّمَا اخْتِيرَ لَفْظُ الآيَةِ لِشَرَفِهَا، أَوِ الْمُرَادُ مِنَ الآيةِ الْحُكمُ الْمُوحَى إِلَيهِ -ﷺ- وَهُوَ أَعَمُّ مِنَ المَتْلُوَّةِ وَغَيْرِهَا بِحُكْمِ عُمُومِ الْوَحْي الجَلِيِّ وَالخَفِيِّ، أَوْ لأَنَّ كُلَّ مَا صَدَرَ عَن صَدْرِهِ فَهُوَ آيَةٌ دَالَّةٌ عَلَى رِسَالَتِهِ، فَإنَّ ظُهُورَ مِثْلِ هَذهِ الْعُلُومِ مِنَ الأُمِّيِّ مُعْجِزَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢٨١).","vol":"1","page":519},{"text":"وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ،\nــ\nآية دالة على عظم معناه المراد به كالأحاديث التي هي من جوامع الكلم، وبذلك يشر كلام الطيبي، والحق أن كل أحاديثه -ﷺ- كذلك، فيكون المعنى ولو حديثًا واحدًا، ويعتذر على هذا الوجه من تخصيص التحريض على التبليغ بالأحاديث لعدم الحاجة إليه في تبليغ القرآن لما ذكر، ولا يخفى بعد ذلك، وأبعد منه حمل الآية على العلامة بمعنى كون المبلغ فعلًا أو إشارة باليد والأصابع ونحو ذلك وإن كان فيه تتميم ومبالغة في المقصود، هذه حاصل ما ذكره الطيبي (١) مع تنقيح وتلخيص لمقصوده.\nوقوله: (وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) قال التُّورِبِشْتِي (٢): يحتمل أن القوم لما سمعوا قول النبي -ﷺ-: (أَمُتَهَوِّكُوْنَ أنتم؟) تحرجوا عن التحديث عن بني إسرائيل، فرخص لهم في الحديث عنهم، ويحتمل أنهم تعجبوا بما حدثوا به عن بني إسرائيل من جلائل الأمور وعظائم الشؤون حتى تحرجوا عن التحدث به، خشية أن يفضي بهم ذلك إلى التفوه بالكذب، فقالوا: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)، فقد كان فيهم الآيات الغريبة والوقائع العجيبة، انتهى.\nأشار إلى أن المراد التحدث بالقصص والمواعظ والحكم والأمثال دون الشرائع والأحكام لنسخها ووقوع التحريف فيها، وقيل: هذا بعد قوة الإسلام، والنهي كان قبلها، وإلى أن المراد بقوله: (لا حرج) أي: لا تضيق لوجوب الاحتياط في ذلك؛ لأن المقصود العبرة والاتعاظ على نحو ما تقرر أنه يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال، وقد يقال: يحتمل أن يكون المراد بقوله: (لا حرج) إن لم تحدثوا؛ لأن\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٥٥).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (١/ ٩٦).","vol":"1","page":520},{"text":"وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٤٦١].\nــ\nالتحديث مباح، والمعنى الأول هو الراجح.\nوقوله: (ومن كذب عليّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) أي: لينزل منزله من النار، بوأه منزلًا أي: أسكنه إياه، وتبوأت منزلًا: اتخذته، والمباءة: المنزل، وهذا الكلام أمر، ومعناه خبر أو دعاء أي: بوأه اللَّه، واستدل به الجويني والد إمام الحرمين على خلود النار للكاذب عليه تعمدًا وأنه كفر، وإلا فكل كاذب أوعد بالنار، فلا وجه للتخصيص، وضعفه العلماء، وقيل: هذا جزاؤه، وقد يعفى، وقد يتوب، وقيل: الكذب عليه -ﷺ- كبيرة وغيره صغيرة.\nوقال الشيخ زكريا في شرح ثلاثيات البخاري: إنه ليس للفظ (عَلَيَّ) مفهوم لأنه لا يتصور أن يكذب له، إذ هو منهي عنه مطلقًا، ونقل الأبهري عن الكرماني: كذب عليه: نسب الكلام إليه كاذبًا سواء كان عليه أو له، انتهى. وفي هذا سد للذريعة على من ذهب إليه من الكرامية.\nوقد ينسب إلى بعض المتصوفة أيضًا -واللَّه أعلم- أنه يجوز وضع الحديث في الترغيب والترهيب زعمًا منهم أنه كذب له لا عليه، والصواب الذي أجمع عليه المحدثون أنه حرام، وقالوا: يدخل في هذا الوعيد من روى حديثًا علم أو ظن أنه موضوع ولم يتبين حاله.\nواختلف في قبول رواية من كذب على رسول اللَّه -ﷺ-، ثم تاب، والأصح الجواز إذا حسنت توبته، والأكثر على أنه لا يقبل، وقد مرّ الكلام في أن هذا الحديث متواتر أم لا في المقدمة (١)، فتذكر.\n_________\n(١) قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: حَدِيثُ \"مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ\" مِنَ الْمُتَوَاتِرِ، وَلَيْسَ فِي الأَحَادِيثِ مَا فِي مَرْتَبَتِهِ مِنَ =","vol":"1","page":521},{"text":"١٩٩ - [٢] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَن حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [مق: ١].\nــ\n١٩٩ - [٢] (سمرة بن جندب) قوله: (وعن سمرة) بفتح السين وضم الميم، و(جندب) بضم الدال وفتحها.\nقوله: (والمغيرة) بضم الميم وكسرها، والضم أشهر.\nوقوله: (يرى) بضم الياء أي: يظن، وبفتحها أي: يعلم، والعلم بمعنى الظن لأنه لا يشترط في المنع عن التحديث اليقين بكذبه، بل إذا حصل الظن بكذبه أمسك عن تحدثه، كذا في شرح الشيخ، أي: لا ينبغي أن يروي الحديث إلا عن يقين أو غلبة ظن، انتهى. يعني بصدقه، فإذا حصل الظن بكذبه لم يرو، بقي صورة الشك، والظاهر عدم صحة الرواية على ما يفهم مما ذكر الشيخ، فالمراد بظن كذبه معنى يشمل الشك أيضًا على ما هو مقتضى المعنى اللغوي.\nقال التُّورِبِشْتِي (١): الرؤية قد يستعمل على معنى الوهم والتخيل نحو: أرى أن زيدًا منطلق، مثل هذا المعنى أريد منه ههنا، وكذلك أريت، ويجوز أن يكون من الرأي الذي هو اعتقاد النفس أحد النقيضين عن غلبة الظن، ثم صوب هذا المعنى، وقال: إذ ليس لأحد أن يدع الرواية بمجرد الوهم والتخيل، فتدبر.\nوقوله: (أحد الكاذبين) يروى بلفظ الجمع وبلفظ التثنية، وقد يروى في حديث\n_________\n= التَّوَاتُرِ، فَإِنَّ نَاقِلِيهِ مِنَ الصَّحَابَةِ جَمٌّ غَفِيرٌ. قِيلَ: اثْنَانِ وَسِتُّونَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهِمُ الْعَشَرَةُ الْمُبَشَّرَةُ، وَقِيلَ: لَا نَعْرِفُ حَدِيثًا اجْتَمَعَ فِيهِ الْعَشَرَةُ إِلَّا هَذَا. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢٨٢).\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٩٧).","vol":"1","page":522},{"text":"٢٠٠ - [٣] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١، ٣٦٤١، م: ١٠٣٧].\nــ\nسمرة بالتثنية، وفي حديث المغيرة بالشك في التثنية والجمع، وإنما سماه كاذبًا لأنه لما لم يحتط ولم يتحر فكأنه رضي بالكذب، ولأنه أعان الكاذب وشاركه في إشاعته، فاشترك معه في الوزر.\n٢٠٠ - [٣] (معاوية) قوله: (يفقهه في الدين) الفقه الفهم والفطنة وهي تهيؤ النفس لجودة فهم ما يرد عليها من الغير أي: يعطيه فهمًا خاصًّا في أحكام الدين يدرك به المراد مما يرد عليه من الكتاب والسنة ويصل إلى حقيقة معناه، وهو أخص من مطلق العلم، حتى لا يحسن إطلاق العلم في بعض المواضع التي يحسن فيه إطلاق الفقه كما قيل في تعريف الفقه، هو معرفة ما لها وما عليها، فغلب في عرف الشرع على معرفة الأحكام الشرعية الفرعية بدلائلها المستنبطة هي منها، ولعل إرادة المعنى الأول ههنا أولى وأحسن، قال التُّورِبِشْتِي (١): أي: يجعله عالمًا بأحكام الشريعة ثقفًا ذا بصيرة فيه، فيصير قلبه ينبوع العلم يستخرج بفهمه المعاني الكثيرة من اللفظ الموجز، فافهم.\nوقوله: (وإنما أنا قاسم واللَّه يعطي) أشار -ﷺ- إلى أن الأمر كله بيد اللَّه، وهو المعطي لمن شاء ما شاء، وإنما على يدي قسمة ما أعطى تأكيدًا لقوله: (من يرد اللَّه به خيرًا يفقهه في الدين) وتنبيهًا على شهود التوحيد والرضا بقسمته -ﷺ- وإن كانت القسمة بتفضيل بعضهم على بعض، وترجيحه بزيادة القسم؛ لأنه من عند اللَّه، هذا ما يفهم من ظاهر لفظ الحديث، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٩٧).","vol":"1","page":523},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقال التُّورِبِشْتِي (١): أشار النبي -ﷺ- بقوله: (وإنما أنا قاسم) إلى ما يلقي إليهم من العلم والحكمة، وبقوله: (واللَّه يعطي) إلى فهم ما يهتدى به إلى خفيات العلوم في كلمات الكتاب والسنة، وذلك لأنه لما ذكر التفقه في الدين وما فيه من الخير أعلمهم أنه لم يفضل في قسمة ما أوحي إليه أحدًا من أمته على الآخر، بل هو سَوَّى في البلاغ وعدل في القسمة، وإنما التفاوت في الفهم، وهو واقع من طريق العطاء، ولقد كان بعض الصحابة يسمع الحديث فلا يفهم منه إلا الظاهر الجلي، ويسمعه آخر منهم أو من القرن الذي يليهم أو ممن أتى بعدهم فيستنبط منه مسائل كثيرة، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء.\nوقال الطيبي (٢): الواو في قوله: (وإنما أنا قاسم) للحال من فاعل (يفقهه)، أو من مفعوله، وإذا كان الثاني فالمعنى: إن اللَّه يعطي كلًّا ممن أراد أن يفقهه استعدادًا لدرك المعاني على ما قدره، ثم يلهمني بإلقاء ما هو اللائق باستعداد كل واحد، وعليه كلام القاضي، وإذا كان الأول فالمعنى أني ألقي على ما يسنح لي وأسوِّي فيه، ولا أرجح بعضهم على بعض، فاللَّه تعالى يوفق كلًّا منهم على ما أراد وشاء من العطاء، وعليه كلام التُّورِبِشْتِي، انتهى.\nقال العبد الضعيف: المعنى الأول الذي عليه كلام القاضي يدل على تخصيص بعضهم بإلقاء بعض العلوم عليه لا على بعض آخر، وتفضيله عليه بذلك بناء على تفاوت الاستعدادات، فهذا ينظر إلى ما ذكرنا في معنى الحديث أولًا، والقسمة لا تقتضي\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٩٨).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٥٨).","vol":"1","page":524},{"text":"٢٠١ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"النَّاسُ مَعَادِنُ. . . .\nــ\nالتسوية، وليست التسوية داخلة في مفهومها، بل هو إيصال كل ما هو حقه ونصيبه من جانب المعطي، والمعنى الثاني: هو الذي نقلنا من التُّورِبِشْتِي عبارته، وهو دال على التسوية في القسمة، هذا، ولكن لا يظهر وجه تخصيص المعنى الأول بكون قوله: (وإنما أنا قاسم) حالًا من فاعل (يفقهه)، والمعنى الثاني بكونه حالًا من مفعوله، بل الظاهر أنه يجوز الحمل على كل من المعنيين على كل من التقديرين، فليتأمل.\nثم قد قيل: أراد -ﷺ- بقوله: (وإنما أنا قاسم) قسمة المال، وقال هذا القول لئلا يكون في قلوبهم شحنة ونكير عن التفاضل في القسمة، فإنه من أمر اللَّه وأن اللَّه معطيه، وهذا المعنى صحيح ظاهر من اللفظ، لكن سوق الكلام ورعاية التناسب بين أول الكلام وآخره يأبى عنه ويحكم بأن الظاهر هو المعنى الأول، ولعل الذاهب إلى هذا القول عنده حديث آخر صريح في قسمة المال فبعثه إلى شرحه بهذا المعنى، لكن هذا الحديث بهذا اللفظ المذكور ظاهر في خلافه.\nوقيل: وجه المناسبة أنه -ﷺ- خص بعضهم بزيادة مال لمقتض، فتعرض بعض من خفي عليه المقتضي، فعرض -ﷺ- بأن من أريد به الخير يفهم في أمور الدين، ولا يخفى عليه المقتضي، ولا يتعرض لما ليس على وفق خاطره إذ الأمر كله للَّه، وهو المعطي والمانع، كذا في (مجمع البحار) (١) نقلًا عن الكرماني.\n٢٠١ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (الناس معادن) عدن بالبلد يَعْدِن ويَعْدُن عَدْنا وعُدُونًا: أقام، ومنه: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، والمعدن كمجلس: منبت الجواهر من ذهب\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٢٧٦).","vol":"1","page":525},{"text":"كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الإِسْلَامِ إِذَا فقُهُوا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٢٦].\nــ\nونحوه لإقامة أهله فيه دائمًا، أو لإنبات اللَّه ﷿ إياه فيه، ومكان كل شيء أصله فيه، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (معادن) تشبيه بليغ، و(كمعادن) بدل منه أو تأكيد أو مجاز عن التفاوت، أي: متفاوتون في شرف النفس واستعدادها، فيتفاوتون في مكارم الأخلاق ومحاسن الصفات على حسب الاستعدادات ومقدار الشرف تفاوت المعادن، فإن منها ما يستعد للذهب، ومنها ما يستعد للفضة وغيرهما من الجواهر المعدنية حتى ينتهي إلى الأدنى فالأدنى، كالحديد والكحل والزرنيخ والنورة، وكان من يستعد لقبول المآثر وجميل الصفات والفوقية على الأقران في الجاهلية وكان من خيار القبائل فيها، لكنه كان في ظلمة الكفر والجهل مستورًا مغمورًا، كما يكون الذهب والفضة في المعدن ممزوجًا مختلطًا بالتراب، كان في الإسلام كذلك، وفاق بتلك الاستعداد والمآثر والصفات على أقرانه في الدين، وتنور بنور العلم والإيمان، وخلص في سبيكة الرياضة والمجاهدة كما يسبك الذهب والفضة.\nوقوله: (إذا فقهوا) يفيد أن الإسلام يرفع اعتبار التفاوت المعتبر في الجاهلية، فإذا تحلى الرجل بالعلم والحكمة استجلب شرف النسب واستعداد النفس فيجتمع الشرفان، وبدون ذلك لا يعتبر ولا يفيد، وفيه أن الوضيع العالم خير من الشريف الجاهل، يقال: فقه الرجل بالكسر: علم، وفقه بالضم: صار فقيها عالمًا بعلم الشرائع، والرواية بالضم وهو المناسب ههنا، وإن رجحنا الأول في قوله: يفقهه في\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٢).","vol":"1","page":526},{"text":"٢٠٢ - [٥] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَيْنِ: رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا. . . .\nــ\nالدين، فافهم.\n٢٠٢ - [٥] (ابن مسعود) قوله: (لا حسد) المراد به الاغتباط، وهو تمني الرجل مثل ما لأخيه من غير أن يتمنى زواله، ومعنى الحصر مع أن الاغتباط جائز في كل صفة محمودة أن أحق ما يقع في الغبطة هاتان الخصلتان، وقيل: إن حسن الحسد بالفرض والتقدير لا يحسن إلا فيهما، أو المراد المبالغة في تحصيل تينك الخصلتين، يعني ولو حصلتا بهذا الطريق المذموم، وقيل: الظاهر أن المراد بالحسد صدق الرغبة وشدة الخوض، ولما كان هما السببين الداعيين إلى الحسد كنى عنهما بالحسد، وقيل: إن فيه تخصيصًا لإباحة نوع من الحسد وإن كانت جملته محظورة، وإنما رخص فيهما لما يتضمن مصلحة في الدين، انتهى. وما ذكروه إنما يتم إذا أخذ في معنى الحسد حصول نعمة لنفسه مع تمني زوالها عن غيره، أما إن كان معناه تمني الزوال فقط فلا يتجه فيه ما قيل، تأمل (١)، قال في (القاموس) (٢): حسده الشيء وعليه: تَمنّى أن تتحول إليه نعمته وفضيلته، أو يُسْلَبَهُمَا، فتدبر.\nوقوله: (إلا في اثنين) روي بتاء التأنيث أي: خصلتين، فقوله: (رجل) بتقدير مضاف أي: خصلة رجل أقيم مقام المضاف إليه، وبدونها فـ (رجل) بدل منه من غير احتياج إلىِ التقدير، وقال الطيبي (٣): التقدير في شأن رجل، وقال التُّورِبِشْتِي (٤): أوثق\n_________\n(١) كذا في (د)، وفي (ر): \"فلا يتجه وفيه ما فيه تأمل\"، وفي (ب): \"فلا يتجه\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٦٥).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٦٠).\n(٤) \"كتاب الميسر\" (١/ ٩٩).","vol":"1","page":527},{"text":"فَسَلَّطَه عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا\" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣، م: ٨١٦].\n٢٠٣ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: . . . .\nــ\nالروايات بالتذكير، وجعله الكرماني أصل الرواية، قال الشيخ (١): في معظم الروايات (اثنتين) بتاء التأنيث، وعلى كل تقدير (رجل) بالجر، ويجوز رفعه بتقدير المبتدأ، فعلى الرواية الثانية ظاهر، وعلى الأولى باكتساء إعراب المضاف.\nوقوله: (على هلكته) بفتحات بمعنى الهلاك، وعبر بذلك إشارة إلى أنه لا يبقى شيئًا، وكذا بقوله: (سلطه)، وذلك لكون النفس مجعولة على الشح، وأشار بقوله (في الحق) أي: في الطاعة ليزيل الإسراف المذموم.\nوقوله: (آتاه اللَّه الحكمة) قال الكرماني: عرف (الحكمة) ونكر (مالًا)؛ لأن المراد معرفة الأشياء التي جاءت بها الشريعة، فاللام للعهد بخلاف المال.\nوقوله: (فهو يقضي بها) أي: يحكم بها بين الناس، وقيل: يعمل بها، وإنما حرص على الغبطة في هاتين الخصلتين؛ لأنهما من صفات الأنبياء والمرسلين خصوصًا الثانية منهما.\n٢٠٣ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة) هذه العبارة لا تخلو عن شيء، فإن قوله: (عمله) فاعل انقطع، فالظاهر في الاستثناء أن يقال: إلا ثلاثة أي: ثلاثة أعمال، أو يقال: انقطع من عمله إلا من ثلاثة أعمال، فقيل: (من) زائدة، وقيل: بل الضمير في (عنه) زائدة، ومعناه: إذا مات الإنسان انقطع عن أعماله\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ١٦٧).","vol":"1","page":528},{"text":"إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمِ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ\" رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٣١].\nــ\nإلا من ثلاثة، وقيل: كلتاهما أصليتان ومعناه: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله، وانقطع هو عن عمله إلا من ثلاثة أعمال، بقي أن الظاهر أن يقال: إلا عن ثلاثة، وجوابه أن (من) و(عن) قد يتناوبان، ويذكر كل منهما مقام الآخر، هذا، وقد أشار الطيبي (١) في أثناء البيان إلى توجيهه حيث قال: تقديره ينقطع عنه ثواب أعماله من كل شيء كالصلاة والزكاة والحج، ولا ينقطع ثواب أعماله من هذه الثلاثة، فالمضاف مقدر، و(من) ابتدائية أي: انقطع عنه الثواب الحاصل من كل أعماله إلا الثواب الحاصل من هذه الأعمال الثلاثة، فافهم. ويحتمل أن يكون صلة لـ (انقطع).\nوقوله: (صدقة جارية) في (النهاية) (٢): أي: دارّة متصلة كالوقوف المرصدة لأبواب البر، وفي بعض الشروح عن (الأزهار) (٣): اختلف العلماء في الصدقة الجارية، قال أكثرهم: هي الوقف وشبهه مما تدوم منافعه، وقال بعضهم: هي القناة والعين الجارية المُسَبّلة.\nثم قد استشكل هذا الحديث بحديث: (من سن سنة حسنة فله أجره وأجر من عمل بها) (٤)، وحديث: (كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل اللَّه، فإنه ينمو له عمله إلى يوم القيامة) (٥)، فإن هذين القسمين المذكورين في ذينك الحديثين\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٦١).\n(٢) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (١/ ٢٦٤).\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٠١).\n(٤) أخرجه الترمذي (٢٦٧٥)، وابن ماجه (٢٠٣).\n(٥) أخرجه أبو داود (٢٥٠٢)، والترمذي (١٦٢١)، وأحمد (٦/ ٢٠).","vol":"1","page":529},{"text":"٢٠٤ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ،\nــ\nزائدان على الثلاثة المذكورة في الحديث.\nوأجيب بأن السنة المسنونة من جملة العلم المنتفع به، والذي ذكر عن المرابط فإنه عمله الذي قدمه في حياته فينمو إلى يوم القيامة، وأما الثلاثة المذكورة في هذا الحديث فإنها أعمال محدثة بعد وفاته لا ينقطع عنه؛ لأنه سبب تلك الأعمال، فهذه الأشياء يلحقه منها ثواب طارئ خلاف أعماله التي مات عليها، كأنه ينقطع عمله المنضم إلى عمل الغير إلا عن ثلاثة، هذا حاصل كلام التُّورِبِشْتِي والطيبي (١)، وجعل الطيبي المرابط داخلة في الصدقة الجارية، ولا يخلو عن خفاء، فتدبر، واللَّه أعلم.\n٢٠٤ - [٧] (عنه) قوله: (من نَفَّس عن مؤمن كربة) نفس تنفيسًا: فرج تفريجًا، وأصل اشتقاقه من النفس بمعنى الريح يخرج من باطن الإنسان كأنه احتبس نفسه ففتح مخرجه، والكرب والكربة بالضم كالكرب: الحزن والغم والشدة بأخذ النفس، وتنوين كربة للتقليل والتحقير، وفي الثاني للتعظيم والتكثير قال: (من كرب الدنيا) يعني فكيف من كرب العقبى بأن وقع في غم وشدة من جهة الدين كالإكراه على الكفر والمعصية مثلًا.\nوقوله: (ومن يسر على معسر) العسر ضد اليسر، وهو الصعوبة، فالمعسر من وقع في العسر، وليس ذلك مخصوصًا بمن ركبه الدين، فقول الطيبي (٢): المعسر من\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٩٩)، و\"شرح الطيبي\" (١/ ٣٦٢).\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٦٢).","vol":"1","page":530},{"text":"وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ. . . .\nــ\nركبه الدَّين ويعسر عليه قضاؤه على سبيل التمثيل، أو باعتبار كثرة استعماله فيه، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] أو حمل للعام على الخاص؛ لأن ما عدا ذلك مذكور في الكربة وداخل فيها.\nوقوله: (من ستر مسلمًا) بأن ألبسه ثوبًا أو لم يفضحه على قبيح، وهو الأظهر؛ لأن المشهور في معنى الإلباس كسا إلا أن يراد ستر عورته.\nوقوله: (ما كان العبد في عون أخيه) بدفع ضرر أو جلب نفع بأي وجه كان، فهذا تعميم بعد التخصيص، ولما ذكر بعض أنواع العمل الواصل نفعه إلى الخلق أشار إلى فضيلة العلم الذي به قوام جميع الأعمال اللازمة والمتعدية وصحتها وسلامتها عن الآفات المفسدة لها تعميما للفائدة، فقال: (ومن سلك طريقًا) أي: بالمشي إلى المدرسة، أو السفر إلى بلد، أو اختار وجهًا وسببًا لتحصيل العلم من الإنفاق والسعي فيما يوصل إليه كالتعلم والتعليم والتصنيف، (يلتمس فيه) أي: يطلب علمًا ولو قليلًا، (سهل اللَّه له به طريقًا) أي: يدخله الجنة، أو يوفقه لعمل صالح يوصله إليها، أو يسهل له ما يزيد علمه؛ لأنه أقرب طريق إلى الجنة، كما قال المشايخ: إن أولى جزاء العمل هو التوفيق لزيادة العمل، وقوله: (به) أي: بسبب سلوك طريق العلم، وعلى المعنى الأخير يشبه أن يكون الباء تجريدية نحو: رأيت به أسدًا، وإن كانت السببية صحيحة باعتبار المزيد، فافهم.\nوقوله: (في بيت من بيوت اللَّه) أي بيت كان اختاروه للاجتماع على التلاوة","vol":"1","page":531},{"text":"يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ إِلَّا نزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ،\nــ\nوالتدارس سواء كان مسجدًا أو مدرسة أو رباطًا أو غيرها، والإضافة للتشريف ولاختياره لتلاوة كتاب اللَّه.\nوقوله: (يتلون كتاب اللَّه) التلاوة قراءة القرآن متتابعًا كالأدوار والأوراد الموظفة، والقراءة أعم، كذا في (شرح الأرجوزة الجزرية).\nوقوله: (ويتدارسونه) في (القاموس) (١): درس الكتاب يَدْرُسُه ويَدْرِسُه دَرْسًا ودراسةً: قرأه كأدرسه، والدُّرْسَة بالضمم: الرياضة، وفي (مشارق الأنوار) (٢): درست الكتاب: قرأته، وفي (مجمع البحار) (٣): يتدارسونه، التدارس: أن يقرأ بعض القوم مع بعض شيئًا، أو يعلم بعضهم بعضًا ويبحثون في معناه، أو في تصحيح ألفاظه وحسن قراءته، وفي حديث: (تدارسوا القرآن) أي: اقرأوه وتعهدوه لئلا تنسوه، وأصل الدراسة والمدارسة: الرياضة (٤) والتعهد للشيء، ولا يخفى أن الدرس هو القراءة، فالتداريس يكون بمعنى قراءة بعضهم مع بعض، وما سوى ذلك مما ذكر يكون داخلًا فيها بطريق الدلالة.\nوقوله: (نزلت عليهم السكينة) في (القاموس) (٥): السَّكِينة والسِّكِّينة بالكسر\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٩٤).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤٠٥).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ١٦٩).\n(٤) قوله: \"وأصل الدراسة والمدارسة: الرياضة\" كذا في الأصول الثلاثة من المخطوطة، وفي \"المجمع\" و\"النهاية\" (٢/ ٣٥٠): \"وأصل الدراسة الرياضة\"، وكذا في \"لسان العرب\" (٦/ ٦٩)، وفي \"تاج العروس\" (١/ ٣٩٣٧): \"وأصل المدارسة: الرياضة\".\n(٥) \"القاموس\" (ص: ١١١١).","vol":"1","page":532},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمشددة: الطمأنينة، وقرئ بهما قوله تعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨]، انتهى. وقال التُّورِبِشْتِي (١): أي الحالة التي يطمئن بها القلب، فيسكن عن الميل إلى الشهوات، وعن الرعب، وقيل: السكينة ملك يسكن قلب المؤمن، وقد تفسر بالرحمة والصفا والنورانية، وكأنه تفسير باللازم، وفي بعض الشروح عن (شرح مسلم) (٢): المختار أنها شيء من مخلوقات اللَّه فيه طمأنينة ورحمة، ومعه الملائكة.\nوالكلام الجامع للأقوال ما ذكره القاضي عياض في (مشارق الأنوار) (٣) في قوله: (تلك السكينة نزلت بقراءة القرآن) قيل: هي الرحمة، وقيل: الطمأنينة، وقيل: الوقار، وما يسكن به الإنسان مخففة الكاف، هذا هو المعروف، وحكى الحربي عن بعض اللغويين فيها التشديد، وذكر عن الفراء والكسائي، وقد يحتمل أن التي نزلت لقراءة القرآن السكينة التي ذكر اللَّه تعالى بقوله: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨] فقد قيل: إنها شيء كالريح، وقيل: خلق كالهر، وقيل: خلق لها وجه كوجه الإنسان، وقيل: روح من اللَّه يكلمهم ويبين لهم إذا اختلفوا في شيء، وقيل فيه غير هذه، وفيما ذكرناه ما يحتمل أن ينزل مثل هذا على قراء القرآن أو من يجتمع للذكر؛ لأنها من جملة الروح والملائكة، واللَّه أعلم. وأما قوله في الصلاة: (فأتوها وعليكم الوقار والسكينة) (٤) فهو ههنا بمعنى الوقار والسكون، وكرر للتأكيد، انتهى.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٠٠).\n(٢) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٦/ ٨٢).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٣٦٥).\n(٤) أخرجه مالك في \"الموطأ\" (١٥٠)، والبخاري نحوه (٩٠٩)، ومسلم (٦٠٢).","vol":"1","page":533},{"text":"وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٩٩].\n٢٠٥ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ. . . .\nــ\nوقوله: (وحفتهم الملائكة) أي: طافت بهم ودارت حولهم فيمن عنده من الملائكة مباهاة بعباده وإثباتًا للحجة عليهم في طعنهم في البشر.\nوقوله: (ومن بطأ به) بالتشديد بطأ به وأبطأ بمعنى أخّره، أي: من أخّره العمل لم يقدمه النسب، والرجل إذا قصر في الأعمال المصالحة لم يجبر نقصه بكونه نسبيًا في قومه.\n٢٠٥ - [٨] (عنه) قوله: (إن أول الناس يقضى عليه) صفة للناس لكون اللام للعهد الذهني كقوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني، ثم إنه ذكر ثلاثة نفر بالواو، وقال: إنهم أول من يقضى فيكونون أوائل ممن عداهم في السؤال، ولا يعلم الترتيب فيما بينهم، وهذا السؤال من الإخلاص في العمل، فلا ينافي (إن أول ما يسأل العبد عن الصلاة) أي: في السؤال عن الإتيان بالعبادات، وإن أول ما يقضى بالقصاص، وذلك في باب المظالم.\nوقوله: (استشهد) أي: مات شهيدًا، في (القاموس) (١): استشهد: قتل في سبيل اللَّه.\nوقوله: (فعرفه نعمته) من التعريف أي: عرف اللَّه الرجل إلزامًا وتبكيتًا، والمراد بالنعمة الجنس، وفي بعض النسخ (نعم) بلفظ الجمع، أي: ذكر ما أنعم اللَّه عليهم من\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٧٨).","vol":"1","page":534},{"text":"فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمر بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ،\nــ\nأنواع النعم، وقال الطيبي (١): نعمته على صيغة المفرد أولًا، وعلى الجمع في الآخرين، هكذا جاء في الأصول.\nوقوله: (فعرفها) بالتخفيف أي: عرف الرجل نعمة اللَّه عليه واعترف بها.\nوقوله: (ما عملت فيها) في تعليلية، أي: فكيف أديت شكرها.\nوقوله: (قاتلت فيك) أي: لأجل إرادة وجهك خالصًا.\nوقوله: (جريء) بفتح الجيم وكسر الراء ممدودًا من الجراءة بمعنى الشجاعة.\nوقوله: (فقد قيل) أي: قال الناس هذا القول في مدحك ففزت ثوابه، فماذا تطلب مني؟ .\nوقوله: (أمر به فسحب) كلاهما على لفظ المجهول، وأمر مسند إلى الجار والمجرور والضمير للرجل، أي: أوقع الأمر للملائكة بسبب الرجل ولأجله بالسحب، وهكذا يكون المعنى في مثل هذا التركيب يكون المأمور به مدخول الفاء، وهي كثيرة في الأحاديث، وليست الباء في (به) صلة الأمر.\nوقوله: (وقرأ القرآن) أي مع وجود الاشتغال بالعلم قرأ القرآن وتعهد.\nوقوله: (تعلمت العلم وعلمته) أي: خالصًا لوجهك بقرينة السياق، ويحتمل\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٦٥).","vol":"1","page":535},{"text":"وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: إِنَّكَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٠٥].\n٢٠٦ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، . . . .\nــ\nأن تكون الأفعال الثلاثة متنازعة في (فيك)، لكن الظاهر من تأخير القرآن تعلقه بـ (قرأت) خاصة، فافهم.\nوقوله: (تعلمت. . . إلخ) لم يذكر التعليم لأنه تابع للتعلم وفرع له، فلم يذكره اكتفاء.\nوقوله: (ثم ألقي في النار) قيل: أتى بـ (ثم) ههنا، وبـ (حتى) في الاثنين لأنه أقبح، فافهم.\n٢٠٦ - [٩] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (انتزاعًا) مفعول مطلق للنوع من غير لفظ الفعل، و(ينتزعه) جملة مبينة للانتزاع ومؤكدة له لا صفة له لعدم الضمير وعدم جودة المعنى.","vol":"1","page":536},{"text":"حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤، م: ٢٦٧٣].\n٢٠٧ - [١٠] وَعَن شَقِيقٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُلِّ خَمِيسٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨، م: ٢٨٢١].\nــ\nوقوله: (حتى إذا لم يبق عالمًا) في بعض الشروح: قال الشيخ (١): (حتى إذا لم يبق عالم) بفتح الياء والقاف، فعالم مرفوع، وللأصيلي بضم الياء وكسر القاف وعالمًا منصوب أي: لم يبق اللَّه عالمًا، وفي رواية مسلم: (لم يترك عالمًا).\nوقوله: (رؤوسًا) وفي شرح الشيخ: بضم الهمزة والتنوين جمع رأس كما في رواية البخاري، وفي رواية مسلم: رؤساء بفتح الهمزة والمد: جمع رئيس، والأول أظهر.\n٢٠٧ - [١٠] (شقيق) قوله: (يتخولنا بها) باللام في أكثر الروايات يتعهدنا ويتنقدنا ويحسن رعايتنا ويعظنا في مظان القبول وعدم السآمة، وروي بالنون مكان اللام، والتخول والتخون بمعنى واحد، فقد ذكر في (القاموس) (٢): تخول في باب اللام، وقال: تخول فلانًا: تعهده، وفي باب النون أيضًا وقال: تخونه: تعهده، وذكره\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ١٩٥).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٩١٦، ١١٠٠).","vol":"1","page":537},{"text":"٢٠٨ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: \"كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ. . . . .\nــ\nفي (الصحاح) (١) تخول باللام، وأورد هذا الحديث ثم قال: وكان، الأصمعي يقول: و(يتخوننا) بالنون أي: يتعهدنا.\nوقال في (المشارق) (٢): يتخولنا معناه يتعاهدنا، والخائل: المتعاهد للشيء المصلح له، وقال ابن الأعرابي: معناه يتخذنا خَوَلًا، وقيِل: يفاجئنا بها، وقيل: يصلحنا، وقال أبو عبيدة: يذللنا، يقال: خوّله اللَّه لك، أي: سَخّره لك، وقيل: يحبسهم عليها كما يحبس خولك، قال أبو عبيد. ولم يعرفها الأصمعي قال: وأظنها يتخونهم، وقال أبو نصر: يتخون مثل يتعهد، هذا كلامه، ويدل على أن الأصمعي لم يعرف اللام وأنكرها كما يدل عليه كلام (الصحاح) أيضًا على خلاف ما قال التُّورِبِشْتِي (٣): إن الأصمعي يثبت اللام والنون كليهما، والمنكر للام إنما هو أبو عمرو، وقد روي (يتحولنا) بالحاء المهملة واللام، قال في (المشارق): وقال أبو عمرو: الصواب يتحولهم [بالحاء] أي: يطلب حالاتهم وأوقات نشاطهم. قال التُّورِبِشْتِي: لكن الرواية في الصحاح بالخاء المعجمة.\nثم اعلم أنهم إنما تعرضوا لبيان الروايات واختلافها في (يتخولنا)، ولا يعرف أن على حسب هذا الاختلاف يختلف في (أتخولكم) أيضًا، أو هو على حاله على رواية واحدة، والاختلاف إنما هو في الثاني، واللَّه أعلم.\n٢٠٨ - [١١] (أنس) قوله: (إذا تكلم بكلمة) أراد بـ (كلمة) الجملة المفيدة\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٤/ ١٦٩).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٩٢).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٠١).","vol":"1","page":538},{"text":"أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٩٥].\n٢٠٩ - [١٢] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: إِنَّهُ أُبْدِع بِي فَاحْمِلْنِي، فَقَالَ: \"مَا عِنْدِي\"،\nــ\nكما يقال: كلمة الحق، وفي التنزيل: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ثم الظاهر أن المراد الكلمة التي يهتم بها وبإفادتها كما يشير إليه قوله: (حتى تفهم عنه)، واللَّه أعلم.\nوقوله: (أعادها ثلاثًا) أي: كررها حتى يصير ثلاثًا.\nوقوله: (سلم عليهم ثلاثًا (١» الأول للاستئذان، والثاني للتحية، والثالث عند المفارقة، فالمراد بـ (إذا) الوقت الممتد من أول الدخول إلى آخره، وقيل: ذلك في الاستئذان إذ لم يؤذن مرتين، والأول أوجه.\n٢٠٩ - [١٢] (مسعود) قوله: (إنه أبدع بني) في (القاموس) (٢): أبدعت الراحلة: كلت وعطبت، أو لا يكون الإبداع إلا بضلع، وفي (الصحاح) (٣): أبدع بالرجل إذا كلت راحلته يستعمل مجهولًا.\nوقوله: (ما عندي) أي: راحلة حتى أحملك عليها، أو ما تشتري به أو تستجير\n_________\n(١) قال القاري: قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: لَعَلَّ هَذَا كَانَ هَدْيَهُ فِي السَّلَامِ عَلَى الْجَمْعِ الْكَثِيرِ الَّذِينَ لَا يَبْلُغُهُمْ سَلَامٌ وَاحِدٌ، اهـ. وَذَلِكَ بِأَنْ يُسَلِّمَ عَلَى الْمُوَاجِهِينَ ثُمَّ يَمْنَةً ثُمَّ يَسْرَةً. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢٩١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٤٧).\n(٣) \"الصحاح\" (٣/ ١١٨٤).","vol":"1","page":539},{"text":"فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا أَدُلُّهُ عَلَى مَنْ يَحْمِلُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ\" رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٩٣].\n٢١٠ - [١٣] وَعَنْ جَرِيرٍ قَالَ: كُنَّا فِي صَدْرِ النَّهَارِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَجَاءَهُ قَوْمٌ عُرَاةٌ مُجْتَابِي النِّمَارِ. . . . .\nــ\nبه، ولهذا حذف.\nوقوله: (من دلّ على خير) أورد الحديث في باب العلم؛ لأن الدلالة تعليم، ثم إن كانت هذه الدلالة بالقول بأن قال له: اذهب إلى فلان فاسأله فإنه سيجيء بحملك كان تعليمًا بالقول، وإن دل عليه من غير قول كان بالفعل، فإن قلت: كيف يمكن الدلالة من غير قول أصلًا؟ قلت: يكفي في ذلك ذكره في حضرته -ﷺ- ثم دلالته، ولا حاجة إلى قول آخر.\n٢١٠ - [١٣] (جرير) قوله: (مجتابي النمار) في (القاموس) (١): اجتاب القميص: لبسه، والنمار جمع نمرة، وهي شملة فيها خطوط بيض وسود، أو بردة من صوف يلبسها الأعراب، وفي (النهاية) (٢): كل شملة مخططة من مآزر الأعراب (٣) فهي نمرة، وجمعها نمار، كأنها أخذت من لون النمور فيها من السَّواد والبياض، وهي من الصفات الغالبة، أي جاءه قوم لابسي أُزُرٍ مخطّطة من صوف، وفي (مجمع البحار) (٤): نمرة بفتح النون وكسر ميم: بردة من صوف أو غيره مخطط،\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٧٩).\n(٢) \"النهاية\" (٥/ ١١٨).\n(٣) في الأصول الثلاثة: \"العرب\"، وهو تحريف.\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٨١٠).","vol":"1","page":540},{"text":"أَوِ الْعَبَاءِ مُتَقَلِّدِي السُّيُوفِ عَامَّتُهُمْ مِنْ مُضَرَ بَلْ كُلُّهُمْ مِنْ مُضَرَ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لِمَا رَأَى بِهِمْ مِنَ الْفَاقَةِ، فَدَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إِلَى آخَرِ الآيَةِ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]،\nــ\nوقيل: الكساء.\nوقوله: (أو العباء) شك من الراوي (١)، والعباء بالمد وفتح العين جمع عباءة وعباية، ضرب من الأكسية.\nوقوله: (متقلدي (٢) السيوف) القلادة: ما جعل في العنق وتقلد لبسها.\nوقوله: (عامتهم من مضر بل كلهم من مضر) حكم أولًا بأن عامتهم من مضر احتياطًا لاحتمال أن يكون فيهم غيرهم؛ لأنه قد يدخل في قوم غيرهم في غلبة الاجتماع، ثم لما أمعن تيقن بأن كلهم من مضر ليس فيهم غيرهم، وقد يتبادر إلى الفهم أن هذا مبالغة في كون أكثرهم من مضر وغلبتهم، وكذا الكلام في قوله: (بل قد عجزت).\nقوله: (فتمعّر) مَعرّ وجهه: غَيّره غيضًا، فتمعر، وبه معرة بالضم والسكون، والمعرة بالضم: لون يضرب إلى الحمرة، والْمَمْعُور الْمُقَطِّب غضبًا.\nوقوله: (من الفاقة) الفاقة: الفقر والحاجة.\nوقوله: (فدخل) أي: البيت ليجد شيئًا يعطيهم، (ثم خرج) بعد زمان ولبث للفحص ولم يجد شيئًا.\n_________\n(١) أو للتنويع، قاله القاري (١/ ٢٩٢).\n(٢) بلا واو في بعض النسخ، قال القاري: فِي نُسْخَةِ السَّيِّدِ جَمَالِ الدِّينِ بِالْوَاوِ، وَعَلَيْهِ صَحٌّ بِالْحُمْرَةِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢٩٢).","vol":"1","page":541},{"text":"وَالآيَةُ الَّتِي فِي الْحَشْرِ ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]، تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِنْ دِينَارِهِ، مِنْ دِرْهَمِهِ، مِنْ ثَوْبِهِ، مِنْ صَاعِ بُرِّهِ، مِنْ صَاعِ تَمْرِهِ، حَتَّى قَالَ: وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِصُرَّةٍ كَادَتْ كَفُّهُ تَعْجِزُ عَنْهَا بَلْ قَدْ عَجِزَتْ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ حَتَّى رَأَيْتُ كَوْمَينِ مِنْ طَعَامٍ وَثِيَابٍ،\nــ\nوقوله: (والآية التي) أي: وقرأ الآية التي في سورة الحشر، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحشر: ١٨].\nوقوله: (تصدق رجل) ظاهر اللفظ أن يكون على صيغة الماضي إخبارًا، ولم يساعده ظاهر قوله: (ولو بشق تمرة) إذ الظاهر أن المعنى: ليتصدق رجل ولو بشق تمرة، فقيل: لفظ الماضي ههنا بمعنى الأمر، وصحح في بعض النسخ بالجزم، وقال الطيبي (١): لعل الظاهر ليتصدق، ولام الأمر محذوفة، وجوزه ابن الأنباري، ولكن يأبى عن الحمل عليه عدم حرف المضارعة، والأمثلة التي أوردها مشتملة عليها مع أنها يحتمل الاستئناف كما لا يخفى.\nوقوله: (فجاء رجل من الأنصار) الظاهر أن المراد فرد من الأفراد، وهو الأنسب بقوله: (ثم تتابع) له، ولا دليل على استغراقه كما ارتكبه الطيبي خصوصًا في محل الإثبات إلا أن يرتكب لإرادة المبالغة بمعونة المقام، أو تظهر رواية الجمع في طريق من الطرق، واللَّه أعلم.\nوقوله: (كومين) صحح في نسخ بفتح الكاف، وفي (الصحاح) (٢): كومة من\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٦٨).\n(٢) \"الصحاح\" (٥/ ٢٠٢٥).","vol":"1","page":542},{"text":"حَتَّى رَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَتَهَلَّلُ كَأَنَّهُ مُذْهَبَةٌ،\nــ\nتراب بالضم مثل صبرة من طعام، وفي (مجمع البحار) (١) عن النووي: هو بفتح كاف وضمها: الصبرة، وفي (مختصر النهاية) (٢) للسيوطي: الكومة بالفتح: من ذهب ومن طعام، أي: صبرة، وبعضهم بضم الكاف، وقال في (مشارق الأنوار) (٣): (كومين من طعام) بفتح الكاف عندهم، وقيد الجياني بضمها، وقال أبو مروان بن سراج: هو بالضم اسم لما كوم، وبالفتح اسم للفعلة الواحدة، والكوم بالفتح اسم للمكان المرتفع من الأرض كالرابية، والكومة الصبرة، والكوم العظيم من كل شيء.\nوقوله: (يتهلل) أي: يستضيء ويستنير للسرور.\nوقوله: (كأنه مذهبة) روي هذا اللفظ بوجهين: الأول مدهنة بالدال المهملة الساكنة وضم الهاء وبالنون على وزن مكحلة، واحد المدهن، وهو آلة الدهن وقارورته، ومستنقع الماء، أو كل موضع فيه حفرة تسيل، شَبَّه صفاء وجهه -ﷺ- لإشراق السرور بصفاء هذا الماء المجتمع في الحجر، أو بصفاء الدهن، أو بالموضعين المذكورين، وجزم الحميدي بهذه الرواية، ولم يذكر غيرها وشرحه بما ذكر، والثاني وهو المشهور مذهبة بضم الميم وسكون الذال المعجمة وفتح الهاء وبعدها موحدة، كذا في (سنن النسائي) وبعض طرق مسلم، وبه جزم القاضي عياض، وقال (٤): وصحف هذا الحرف بعض الرواة فقال: مدهنة بدال مهملة ونون، وليس بشيء، وفسرها بفضة مذهبة أو جلدة مذهبة، وقيل: ذلك من قولهم: فرس مذهبة: إذا غلبت حمرته صفرة، وخص\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٤٥٥).\n(٢) \"الدر النثير\" (٢/ ٩٠٢).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٥٦٦).\n(٤) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤٣١).","vol":"1","page":543},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَن سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ غَيرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمَلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ\" رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠١٧].\n٢١١ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا؛ . . . . .\nــ\nالأنثى لأنها أصفى لونا وأرق بشرة، والإهذاب والتهذيب: التموية، والرواية من الإذهاب، واللَّه أعم بالصواب.\nوقوله: (من سن في الإسلام سنة حسنة) أي: طريقة مرضية، أشار -ﷺ- إلى فضل الرجل الذي جاء أولًا بِصُرّةٍ، ثم تتابع الناس.\nقوله: (فله أجره) الضمير لـ (من)، وفي أكثر النسخ: أجرها، والضمير لـ (سنة)، أي: أجر سنة سنها وعمل بها، والثاني أكثر رواية وإن كان الأول أسد معنى، وسنّ السنة من باب التعليم، فلذلك أوردها في هذا الباب، وهو فيما نحن فيه بالفعل.\n٢١١ - [١٤] (ابن مسعود (١» قوله: (كفل) الكفل: الحظ والنصيب والمثل، وكان الكفل فيما نحن فيه الوزر لتضمنه معنى الكفالة والضمان، ويستأنس له بقوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ\n_________\n(١) في \"التقرير\": ظاهر الحديث أن القاتل هذا هو قابيل -أول مولود- ابن آدم، به قال الطيبي وابن حجر، لكن المفسرين على أنه بعد بطون من حواء، حتى اختلف المفسرون في أنهما من صلب آدم كما يدل عليه جهالتهم عن الميت فاحتاجوا إلى غراب يبحث، أو من بني إسرائيل كما يدل عليه ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا﴾ الآية [المائدة: ٣٢]، كذا في البيضاوي (٢/ ٤٠٧).","vol":"1","page":544},{"text":"لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ\" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ: \"لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي\" فِي \"بَابِ ثَوَابِ هَذهِ الأُمَّةِ\" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. [خ: ٣٥٣٣، م: ١٦٧٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-223> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢١٢ - [١٥] عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ! إِنِّي جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ -ﷺ- لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ، قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: . . . . .\nــ\nمِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥]، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وسنذكر حديث معاوية: لا يزال من أمتي) ذكر صاحب (المصابيح) هذا الحديث من معاوية في الفصل الأول من (باب الاعتصام بالكتاب والسنة)، وفي الفصل الأول من (كتاب العلم) أيضًا، والمؤلف ذكره (في باب ثواب هذه الأمة) وأشار إلى ذكره في هذا الباب في كلا الموضعين، وأما حديث جابر (لا تزال طائفة من أمتي) المذكور في (المصابيح) في الفصل الأول من (باب الاعتصام) (١)، فلم يذكره المؤلف في (باب ثواب هذه الأمة)، وقد وعد يذكره ثمة كما أشرنا إليه هناك.\nالفصل الثاني\n٢١٢ - [١٥] (كثير بن قيس) قوله: (في مسجد دمشق) بكسر الدال وفتح الميم، وقد يكسر: قاعدة الشام سميت ببانيها دمشاق بن كنعان أو دامشقيوش.\nوقوله: (قال: فإني سمعت) يحتمل أن يكون هو الحديث الذي جاء الرجل\n_________\n(١) تحت حديث (١٦).","vol":"1","page":545},{"text":"\"مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا. . . . .\nــ\nله، ويحتمل أن يكون توطية ومدحًا وتحسينًا لطلبه ولمطلوبه.\nوقوله: (من سلك طريقًا. . . إلخ) سبق شرحه (١) في الفصل الأول من حديث أبي هريرة غير أن الباء في (به) ههنا للتعدية، والضمير لـ (من)، وقال الطيبي (٢): يجوز أن يكون الباء للسببية، والضمير للعلم، ويكون (سلك) من السلك كما أنه على الأول من السلوك، والمفعول محذوف كقوله: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾ [الجن: ١٧]، انتهى. فـ (سلك) يجيء لازمًا ومتعديًا، وهذا كما أن رجع يجيء لازمًا من الرجوع ومتعديًا من الرجع.\nوقوله: (إن الملائكة لتضع أجنحتها) يحتمل أنه أراد به تليين الجانب والانقياد والفيء عليه بالرحمة والانعطاف، كقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]، ويحتمل أن يكون المراد منه فرش الأجنحة تواضعًا لطلاب العلم حيث يبذل سعيه في ابتغاء مرضات اللَّه سيما إذا وجدت سائر أحواله مشاكلة لطلب العلم (٣).\n_________\n(١) تحت حديث (٢٠٤).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٧١).\n(٣) قال القاري: أَوِ الْمُرَادُ حَقِيقَتُهُ وَإِنْ لَمْ تُشَاهَدْ، وَهِيَ فَرْشُ الْجَنَاحِ وَبَسْطُهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ لِتَحْمِلَهُ عَلَيْهَا وَتُبَلِّغَهُ مَقْعَدَهُ مِنَ الْبِلَادِ، نَقَلَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ. وَنَقَلَ ابْنُ الْقَيِّمِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ بِالْبَصْرَةِ فَحَدَّثَنَا هَذَا الْحَدِيثَ، وَفِي الْمَجْلِسِ شَخْصٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ فَجَعَلَ يَسْتَهْزِئُ بِالْحَدِيثِ فَقَالَ: وَاللَّهِ لأَطْرُقَنَّ غَدًا نَعْلِي وَأَطَأُ بِهَا أَجْنِحَةَ الْمَلَائِكَةِ فَفَعَلَ وَمَشَى فِي النَّعْلَيْنِ فَحَفَتْ رِجْلَاهُ وَوَقَعَتْ فِيهِمَا الأَكَلَةُ. وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ: سَمِعْتُ ابْنَ يَحْيَى السَّاجِيَّ يَقُولُ: كُنَّا نَمْشِي فِي أَزِقَّةِ الْبَصْرَةِ إِلَى بَابِ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ فَأَسْرَعْنَا الْمَشْيَ، وَكَانَ مَعَنَا رَجُلٌ =","vol":"1","page":546},{"text":"رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ،\nــ\nوقال الطيبي (١): يحتمل أن يكون المراد بوضع الأجنحة كفها عن الطيران والنزول لسماع العلم كما ورد: (إلا ونزلت عليهم السكينة وحفّت بهم الملائكة)، ثم إنه يحتمل أن يكون هذا الصنع من الملائكة لطالب العلم في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما، واللَّه أعلم، والكلام في أجنحة الملائكة أهي حقيقة أو المراد بها القوى الملكية؟ مذكور في موضعه.\nوقوله: (رضا لطالب العلم) الظاهر أنه مفعول له (لتضع)، وقد يجيء منصوبًا وإن لم يكن فعلًا لفاعل الفعل المعلل به نحو قوله تعالى: ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ (٢) [الرعد: ١٢]، والمشترطون لذلك يأولونه بنحو إرادة خوف وطمع أو إخافة وإطماعًا، فههنا أيضًا يقدر إرادة رضًا أو يأول بإرضاء، هكذا قال الطيبي (٣). هذا إذا كان المراد رضا طالب العلم، وأما إن كان المراد رضا الملائكة فلا حاجة إلى التأويل، ويكون من قبيل: قعدت من الحرب جبنًا، هذا، ويجوز أن يكون تمييزًا، فتأمل.\n_________\n= مَاجِنٌ مُتَّهَمٌ فِي دِينِهِ فَقَالَ: ارْفَعُوا أَرْجُلَكُمْ عَنْ أَجْنِحَةِ الْمَلَائِكَةِ لَا تَكْسِرُوهَا كَالْمُسْتَهْزِئِ بِالْحَدِيثِ، فَمَا زَالَ عَنْ مَوْضِعِهِ حَتَّى حَفَتْ رِجْلَاهُ وَسَقَطَ إِلَى الأَرْضِ، اهـ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٢٩٦).\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٧٢).\n(٢) أي: خَوْفًا من الصاعقة ومن ضرر المطر في السفر وللزرع في بعض الأحيان وبعض الأمكنة، وَطَمَعًا من الغيث حين ينفع للزرع أو لدفع الحر -وانتصابهما على العلة بتقدير المضاف أي: إرادة خوف أو طمع- أو بتأويل الإخافة والأطماع -أو على الحال من البرق- أو من المخاطبين بتقدير ذو -أو إطلاق المصدر بمعنى المفعول أو الفاعل مبالغة. \"التفسير المظهري\" (٥/ ٢٢٣).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٧٣).","vol":"1","page":547},{"text":"وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَات وَمَنْ فِي الأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ،\nــ\nوقوله: (وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء) هذا ترقي في وصفهم بإرادة أهل الخير له لشمول بركته إياهم، ولا مغايرة بين العالم وطالب العلم، فإن كل من طلب العلم وجد شيئًا من العلم، ويصدق عليه اسم العالم، والعالم يكون طالبًا للمزيد منه لعدم تناهي مراتبه، نعم إذا حصل الطالب علمًا ووصل إلى مرتبة التعليم في أنواع العلم يسمى عالمًا، فكأنه أشار إلى أن المرء ما دام في طلب العلم وتحصيله ترحمه وتتعطف عليه الملائكة إمدادًا وإعانة وإدخالًا لكنوز في قلبه حتى يسعى ويتقوى عليه سلوك طريق العلم؛ وإذا صار عالمًا وبلغ مرتبة التعليم تحيط بركته العالمين كلهم حتى يشكروا له ويريدوا به الخير ويدعوا له بمغفرة الذنوب المزيلة عنه البركات والأنوار الموجبة للنقمة وسخط الرب تعالى، كما ورد: اللهم إني أعوذ بك من الذنوب التي تزيل بها النعم، وتوجب بها النقم، حتى تكون البركات باقية دائمة في المزيد وتصل إليهم أجمعين.\nوفيه أن العالم تغفر ذنوبه وتكفر سيئاته باستغفار من في السماوات ومن في الأرض، وكرر (من) إشارة إلى استقلال كل من الفريقين في الاستغفار وإرادة الخير، ثم قالوا: إن المراد بمن في السماوات الملائكة بأصنافهم، وبمن في الأرض الثقلان، والحيتان إشارة إلى جميع أنواع الحيوان، لكن خصص الحيتان بالذكر دلالة على أن إنزال المطر والخصب يكون ببركتهم كما ورد: (بهم يمطرون وبهم يرزقون).\nويمكن أن يقال: المراد بـ (من في الأرض) ما يشمل ذوي العلم وغيرهم، لكنه عبر بـ (من) للعقلاء على غيرهم، أو لأنه لما أسند الاستغفار إليهم صاروا في حكم أولي العلم، فيكون (من في الأرض) عامًا، وذكر الحيتان تخصيص بعد التعميم.","vol":"1","page":548},{"text":"وَإنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ. . . . .\nــ\nفإن قلت: يلزم في قوله: (يستغفر) الجمع بين الحقيقة والمجاز؛ لأن حقيقة الاستغفار لا يتأتى من الحيوانات، فالجواب أن يجعل من باب عموم المجاز بحمل الاستغفار على ذكره باللسان أو اقتضائه بلسان الحال، على أن من المحققين من يحمل تسبيح الأشياء كلها على حقيقة، فليكن الاستغفار كذلك، أو المراد مغفرة اللَّه ورحمته على العالم بعدد كل شخص إرادة اللازم من الملزوم؛ لأن المغفرة لازمة للاستغفار.\nقال التُّورِبِشْتِي (١): ووجه الحكمة أن صلاح العالم بالعلم، وما من شيء من الأصناف المذكورة إلا وله مصلحة معقودة بالعلم، وقد كان أبو ذر -﵁- يقول: تَرَكَنَا محمدٌ -ﷺ- وما من طائر يحرك جناحيه في السماء إلا قد أَذْكَرَنا علمًا منه، فكتب اللَّه على كل نوع منها لطالب العلم استغفارًا جزاءً عنها لعلمه المعقود به صلاحًا.\nوقوله: (إن فضل العالم على العابد) كان شيخنا الشيخ عبد الوهاب المتقي المكي -رحمه اللَّه تعالى وأوصل إلينا من بركاته وبركات علومه- يقول: المراد بالعالم ههنا من يصرف جل أوقاته إلى العلم والاشتغال به بالتعليم والتدريس والتصنيف والتفكر في معاني كتاب اللَّه وسنة رسوله نشرًا للعلم وتقويةً وترويجًا للدين، ويكتفي من العبادة بالفرائض والواجبات والنوافل المتأكدة كالرواتب وأمثالها من غير أن يستوعب أقسام النوافل ويشغل أوقاته بها، والمراد بالعابد من حصل العلم ولكنه بعد تحصيله اشتغل بالعبادة، وصرف عموم أوقاته بالعبادة، ويستوعب أقسام العبادات والأوراد والأذكار، قال ﵀: ولما كان نفع هذا العالم في دين اللَّه أكثر من العابد كان فضله أعظم وأوفر، وكان يقول: العلم في حكم الغذاء، والذكر في حكم الدواء، يستعمل لدفع\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٠٤).","vol":"1","page":549},{"text":"كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرثَةُ الأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ\" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو داوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَسَمَّاهُ التِّرْمِذِيُّ قَيْسَ بْنَ كَثِيرٍ. [حم: ٥/ ١٩٦، ت: ٢٦٨٢، د: ٣٧٤١، جه: ٢٢٣، دي: ١٩٨].\nــ\nالعلة، والعلم محتاج إليه في جميع الأوقات، ولكن أصلحوا نيتكم ولا فساد بعد ذلك، ونقل الطيبي (١) عن سفيان الثوري أنه قال: لا أعلم اليوم شيئًا أفضل من طلب العلم، قيل له: ليس لهم نية؟ فقال: طلبهم له نية، وقد نقل عن بعض العلماء باللَّه أنه قال: تعلمنا العلم لغير اللَّه فأبى العلم أن يكون إلا للَّه، وهذا صحيح واقع فيمن تعلم العلم الداعي إلى الدين والزاجر عن الدنيا، وأما العلوم البدعية الغير الشرعية فكلّا، نسأل اللَّه العافية.\nوقوله: (كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب) ما أحسن تشبيه العابد بالكواكب الذي لا يتعدى نوره منه إلى غيره، وتشبيه العالم بالقمر يتعدى نوره ويستضيء به وجه الأرض، وإنما شبه بالقمر لأنه يستضيء بنور النبي -ﷺ- الذي هو شمس العلم والدين، وإنما قيد بليلة البدر لكمال إضاءة القمر فيها وانمحاء الكواكب في شعاعها.\nوقوله: (فمن أخذه أخذ بحظ وافر) أي: من أخذ العلم وتعلمه أخذ حظًا وافرًا من الدين والسعادة، والباء زائدة، وقيل: أخذ الثاني بمعنى الأمر وإن كان اللفظ ماضيًا، فمعناه من أراد أن يأخذ فليأخذ منه حظًا وافرًا ولا يقنع بقليله.\nوقوله: (وسماه الترمذي قيس بن كثير) والصحيح كثير بن قيس، قال صاحب\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٧٤).","vol":"1","page":550},{"text":"٢١٣ - [١٦] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيّ قَالَ: ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا عَابِدٌ وَالآخَرُ عَالِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ\" ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ. . . . .\nــ\n(جامع الأصول) في حرف القاف: قيس بن كثير سمع أبا الدرداء، وروى عنه داود ابن جميل، وكذا أخرج حديثه الزهري عن قيس بن كثير، وقال: كذا حدثنا محمود بن خداش، وإنما هو كثير بن قيس، وكذلك سماه أبو داود كثير بن قيس، وأورده البخاري في (تاريخه) في باب كثير لا في باب قيس، وقال في حرف الكاف: هو كثير بن قيس روى عنه داود بن جميل روى عن أبي الدرداء، وقد جاء عن الترمذي أنه قيس بن كثير، قال: وقيل: كثير بن قيس، وهو الأصح.\n٢١٣ - [١٦] (أبو أمامة الباهلي) قوله: (كفضلي على أدناكم) سبحان اللَّه فضله على الأنبياء والمرسلين على أي عظمة حتى على صحابته خصوصًا على أدناهم، ففيه مبالغات لا يخفى، ويجوز أن يكون الخطاب لعامة الأمة فيكون أبلغ، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وأهل السماوات) تعميم للملائكة حتى لا يتوهم تخصيص ببعض الملائكة، وأهل السماوات والأرض ويشمل الملائكة والجن والإنس والحيوانات كلها.\nوقوله: (حتى النملة) بالنصب عطفًا على (أهل السماوات والأرض) أو بالجر على أن يكون (حتى) جارة، ويجوز فيه الرفع على الابتداء، والخبر محذوف، يعني حتى النملة تصلي، والحوت يصلي، وحينئذ يكون (ليصلون) خبر (إن) المتعلق لغير النملة والحوت، فافهم، ووجه تخصيص النملة والحوت بالذكر الإشارة إلى جنس","vol":"1","page":551},{"text":"عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٨٥].\n٢١٤ - [١٧] وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ مَكْحُولٍ مُرْسَلًا وَلَمْ يَذْكُرْ: رَجُلَانِ، وَقَالَ: \"فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ\"، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨] وسرد الحَدِيث إِلَى آخِره. [دي: ١/ ٨٨].\nــ\nالحرام والحلال، وقيل: إلى جنس المنهي عن القتل وغير المنهي، وقيل: إلى جنس حيوان البر والبحر، كذا في بعض الشروح، وفي قوله: (ليصلون) فيه تغليب للعقلاء على غيرهم وإن قدر لقوله: حتى النملة والحوت خبر؛ لأن الحيوانات الأخر داخلة في أهل الأرض، وأيضًا فيه اشتراك؛ لأن الصلاة من اللَّه رحمة، ومن الملائكة استغفار، ومن المؤمنين دعاء، وقد استدل بمثل هذا من جوز عموم المشترك كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، وأيضًا جمع بين الحقيقة والمجاز كما مر في الحديث السابق، والحمل على المعنى المجازي العام يرفعهما، وإنما قال ههنا: يصلون بلفظ الصلاة، وفي السابق: ليستغفر؛ لأن الصلاة يطلق في حق اللَّه سبحانه، بخلاف الاستغفار فإنه لا يطلق في اللَّه تعالى.\nوقوله: (على معلم الناس الخير) إشارة إلى وجه تفضيل العالم على العابد؛ فإن خيره متعد، وإلى أن المراد بالعالم المفضل هو المعلم النافع بعلمه للناس (١).\n٢١٤ - [١٧] (مكحول) قوله: (ولم يذكر رجلان) أي: الدارمي لم يذكر قوله: ذكر لرسول اللَّه -ﷺ- رجلان، بل ذكر الحديث هكذا: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم)، ثم تلا هذه الآية، ثم قال رسول اللَّه -ﷺ-:\n_________\n(١) كذا في (د) و(ب)، وفي (ر): \"العالم النافع يعلم للناس\".","vol":"1","page":552},{"text":"٢١٥ - [١٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ النَّاسَ لَكُمْ تَبَعٌ، وَإِنَّ رِجَالًا يَأْتُونَكُمْ مِنْ أَقْطَارِ الأَرْضِ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ، فَإِذَا أَتَوْكُمْ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٥].\n٢١٦ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْكَلِمَةُ الْحِكْمَةُ. . . . .\nــ\n(إن اللَّه وملائكته. . . إلخ).\n٢١٥ - [١٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (إن الناس لكم تبع) التبع محركة يكون واحدًا وجمعًا، ويجمع على أتباع، كذا في (القاموس) (١)، ومن ههنا أخذ لفظ التابعين والأتباع لمن بعد الصحابة -﵃-، وفيه: أن الصحابة متبوعون يجب على الناس متابعتهم والإتيان عليهم لطلب العلم.\nوقوله: (إن رجالًا) هم الذين نفروا من قومهم للتفقه وطلب العلم على ما نطق به القرآن: ﴿وَفَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١٢٢].\nوقوله: (فاستوصوا بهم خيرًا) أي: علموهم علوم الدين، وأصل الاستيصاء طلب الوصية، ولما كان في معنى المطلب ههنا خفاء وجهوه بأن المراد اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهم بخير، ويعدى بالباء، أو يطلب بعضكم من بعض الوصية بالخير في حقهم، وقيل: الاستيصاء بمعنى قبول الوصية أي: اقبلوا الوصية مني بالإحسان في حقهم، وقيل: الاستيصاء بمعنى الإيصاء، وأوصاه ووصّاه توصية: عهد إليه، ومنه حديث: (استوصوا بالنساء خيرًا).\n٢١٦ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (الكلمة الحكمة) بالوصف مبالغة، ويروى\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٦٥٠).","vol":"1","page":553},{"text":"ضَالَّةُ الْحَكِيمِ، فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ،\nــ\n(كلمة الحكمة) بالإضافة، والاختصاص باعتبار إفادتها إياها، ويروى: (الكلمة الحكيمة) بالإسناد المجازي وصفًا للشيء بوصف صاحبها كالأسلوب الحكيم، والحكمة: الفقه في دين اللَّه ونور يقذفه اللَّه في قلب من يشاء.\nوقوله: (ضالة الحكيم) ويروى: (ضالة المؤمن)، والضالة في الأصل الضائعة من كل ما يعتنى من الحيوانات وغيره، يقال: ضلّ: إذا ضاع، وهي من الصفات الغالبة غلبت على ما ضل من البهيمة من ذكر أو أنثى، وقد يخص بالإبل، قال في (القاموس) (١): الضالة من الإبل التي تبقى بمضيعة بلا ربٍّ للذكر والأنثى، والمراد أن الحكيم يطلب الحكمة، فإذا وجدها فهو أحق بالعمل بها من قائلها، إذ ربما لم يكن أهلًا لها.\nوفي قوله: (فحيث وجدها فهو أحق بها) أن الحكيم يأخذ الحكمة من أي شخص تفوه بها ولا ينظر إلى خساستها، كصاحب الضالة يأخذها من واجدها وإن كان خسيسًا، وإن من سمع كلامًا لم يفهم معناه فعليه أن يحمله إلى من هو أهله، وهو أفقه منه، كما أن الرجل إذا وجد ضالة فسبيله أن يتفحص عن صاحبها حتى يجده فيرد عليه، وإن العالم لا يحل له المنع عن السائل المستعد، كما أنه لا يحل لواجد الضالة منعها عن صاحبها، ففيه أنه يجوز منع غير الحكيم فإنها ليست ضالته، فالعلم كما لا يجوز منعه عن أهله لا يجوز صرفه إلى غير أهله، ويكون هذا كبيع سيف من قاطع طريق.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٩٤٢).","vol":"1","page":554},{"text":"وَإِبْراهِيمُ بْنُ الْفَضْلِ الرَّاوِي يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ. [ت: ٢٦٨٧، جه: ٤١٦٩].\nــ\nوهذا كما يختلف باعتبار أشخاص المتعلمين يختلف باعتبار أنواع العلم، فأحكام اللَّه تعالى المتعلقة بالمعاملات يبذل عمومًا، وفيما وراء ذلك التمسك بالحذر أولى خصوصًا في موارد اختلاف العلماء وأقاويلهم للعامة، فإنه يضرهم حتى يخرجهم عن العقد الإيماني خصوصًا في زماننا، وأشد من ذلك علوم الحقائق والدقائق اتخذها ناس سلمًا لاستهواء قلوب العامة وأخذ أموال الظلمة والتمكن من محرمات بينة وبدع ظاهرة حتى إن بعضهم خرج عن الملة، وأشد من ذلك إشارات القوم في التوحيد وحقائق الوجود، وينبغي أن يراعى في ذلك حال السائل لحديث: (حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب اللَّه ورسوله (١)؟)، وقيل لجنيد ﵀: يسألك الرجلان عن مسألة واحدة فتجيب هذا بخلاف ما تجيب هذا، فقال: الجواب على قدر السائل.\nوقوله: (وإبراهيم بن الفضل الراوي يضعف في الحديث) قال ابن حبان: وهو فاحش الخطأ، وفي (الكاشف) (٢): إبراهيم بن الفضل المخزومي عن المقبرى وغيره، وعنه وكيع وابن نمير، وضعفوه، وفي (التهذيب) (٣): هو أبو إسحاق المدني عن ابن عقيل، قال البخاري: وهو منكر الحديث، وقال النسائي مرة: ليس بثقة ولا يكتب حديثه، وقال ابن عدي: ومع ضعفه يكتب حديثه، وهو عندي ممن لا يجوز الاحتجاج بحديثه.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٢٧).\n(٢) \"الكاشف\" (رقم: ١٨٥).\n(٣) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ١٣١).","vol":"1","page":555},{"text":"٢١٧ - [٢٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَقِيهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٦٨١، جه: ٢٠٢٢].\n٢١٨ - [٢١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ واللُّؤلُؤَ وَالذَّهَبَ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" إِلَى قَوْلِهِ: \"مُسْلِمٍ\". وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مَتْنُهُ مَشْهُورٌ،\nــ\n٢١٧ - [٢٠] (ابن عباس) قوله: (فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد) إن كان المراد من الفقيه الذي رزق الفهم في الدين والتفطن لمداركه فهو عارف بكيد الشيطان ولمته، ورزق علم الخواطر وتميزها كما سبق في (باب الوسوسة) (١)، وإن كان المراد العالم بأحكام الدين وتفاصيلها مما يجوز ومما لا يجوز فكذلك، لأنه يعلمها ويحذر عن المواقع المحرمة، فلا يستخفها ولا يستحلها، فلا يقع في ورطة الكفر، بخلاف المتعبد الذي ليس في درجته بالمعنيين.\n٢١٨ - [٢١] (أنس) قوله: (طلب العلم فريضة) اختلف كلامهم في المراد بهذا العلم، والصواب أن المراد به ما لا بد منه للعبد عن تعلمه، مثلًا إذا أسلم وجب عليه معرفة الصانع وصفاته ونبوة رسوله وغير ذلك مما يصح به الإيمان، ثم إذا دخل وقت الصلاة وجب تعلم أحكامها قبيل الدخول في وقت يسع التعلم فيه، فإذا جاء رمضان وجب تعلم أحكام الصوم، وإذا ملك النصاب وجب تعلم أحكام الزكاة، فإذا مات قبل ذلك من غير تعلم لم يكن عاصيًا، كذا إذا تزوج وجب تعلم علم الحيض\n_________\n(١) تحت حديث (٧٤).","vol":"1","page":556},{"text":"وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ أَوْجُهٍ كُلُّهَا ضَعِيفٌ. [جه: ٢٢٤، شعب: ١٥٤٣].\n٢١٩ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُنَافِقٍ: . . . . .\nــ\nوالنفاس ونحوهما، وإن كان تاجرًا وجب علم البيع والشراء، وعلى هذا القياس، ثم إذا دخل في الإسلام وشرع في العمل بأحكامه، ودخل في الطاعات والعبادات وجب علم الإخلاص ومعرفة آفات النفوس وما يفسد الأعمال، فإنه أيضًا واجب حتى يكمل الإيمان، وشرح ذلك في كلام الإمام الغزالي، فتدبر.\nوقوله: (وقد روي من أوجه كلها ضعيفة) لكن كثرة الطرق تدل على تقوي بعضها ببعض، وقد أشبعت الكلام في نقل طرقها في (شرح سفر السعادة) فليطلب ثمة، وهذا الحديث مما رواه الإمام أبو حنيفة في (مسنده) قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) (١).\n٢١٩ - [٢٢] (أبو هريرة) قوله: (خصلتان لا تجتمعان) ظاهره يدل على أن واحدة منهما قد تحصل في المنافق لكن الاجتماع غير واقع، وقال الطيبي (٢): ليس المراد ذلك بل هو تحريض للمؤمنين على اتصافهم بهما، والاجتناب عن ضدهما وهو من باب التغليظ.\n_________\n(١) لم أجد زيادة قوله: \"ومسلمة\" فيما عندي من مسند الإمام أبي حنيفة، وقال السخاوي في \"المقاصد الحسنة\" (ص: ٤٤٢): قد ألحق بعض المحققين بآخر هذا الحديث \"ومسلمة\"، وليس لها ذكر في شيء من طرقه وإن كان معناها صحيحًا.\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٧٩).","vol":"1","page":557},{"text":"حُسْنُ سَمْتٍ وَلَا فِقْهٌ فِي الدِّينِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٨٤].\n٢٢٠ - [٢٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْعِلْم فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى يَرْجِعَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٦٤٧، دي: ١/ ١٣٩].\n٢٢١ - [٢٤] وَعَن سَخْبَرَةَ. . . . .\nــ\nوقوله: (حسن سمت) في (القاموس) (١): السمت: الطريق وهيئة أهل الخير، وفي (مجمع البحار) (٢): السمت الهيئة الحسنة، وفي الحديث: (فينظرون إلى سمته وهديه) (٣)، أي: حسن هيئته ومنظره في الدين، وفيه: (ما نعلم أحدًا أقرب سمتًا وهديًا ودلًّا بالنبي -ﷺ- من ابن أم عبد) أي: عبد اللَّه بن مسعود -﵁-، والسمت الطريق القصد، ويستعار لطريق أهل الخير، وفي الحديث: (ويتسمت في ملأته) أي: يلزم طريقة أهل الخير في اشتمال الملحفة.\nوقوله: (ولا فقه) أي: فهم وفطانة في الدين، ولا زائدة للتأكيد.\n٢٢٠ - [٢٣] (أنس) قوله: (فهو سبيل اللَّه) أي: فله أجر من خرج إلى الجهاد؛ لأنه يجاهد الشيطان والنفس جهادًا أكبر، وله أجره إلى أن يرجع إلى بيته كما في الجهاد، وكذلك قالوا في الحج، وأما بعد الرجوع فيكون له أجر التعليم والتكميل ومضي الجهاد.\n٢٢١ - [٢٤] (سخبرة الأزدي) قوله: (سخبرة) بفتح المهملة وسكون\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١٥٥).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ١١٥).\n(٣) انظر: \"كنز العمال\" (رقم: ٣٧٢١١).","vol":"1","page":558},{"text":"الأَزْدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ كَانَ كَفَّارَةً لِمَا مَضَى\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفُ الإسْنَادِ، وَأَبُو دَاوُدَ الرَّاوِي يُضَعَّفُ. [ت: ٢٦٤٨، دي: ١/ ١٣٩].\n٢٢٢ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَنْ يَشْبَعَ الْمُؤْمِنُ مِنْ خَيْرٍ يَسْمَعُهُ حَتَّى يَكُونَ مُنْتَهَاهُ الْجنَّة\". . . . .\nــ\nالمعجمة وفتح الموحدة.\nوقوله: (الأزدي) بفتح الهمزة وسكون الزاي، وقد تبدل الزاي سينًا، اسم قبيلة، وفي (القاموس) (١): أزد بن الغوث، وبالسين أفصح، أبو حي باليمن، ومن أولاده الأنصار كلهم، ويقال: أزد شنوءة.\nوقوله: (أبو داود الراوي يضعف) أبو داود هذا غير أبي داود صاحب (السنن) حاشاه، إنه ثقة أي: ثقة اتفاقًا، وفي بعض الشروح: أبو داود اسمه نفيع، قال ابن حبان: نفيع بن الحارث، أبو داود الأعمى القاضي الهمداني، من أهل الكوفة، كان ممن يروي من الثقات الموضوعات توهمًا، لا يجوز الاحتجاج به ولا الرواية عنه، وسئل يحيى عنه فقال: ليس بثقة ولا مأمون.\nوقوله: (كان كفارة لما مضى) من الذنوب، التكفير فيما عداه من الأعمال كالوضوء والصلاة إنما هو من الصغائر، وقد يكون من الكبائر كما في الحج، ويمكن أن يكون الحال في العلم كذلك، واللَّه أعلم.\n٢٢٢ - [٢٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (من خير يسمعه) المسموع هو العلم، و(الجنة) بالنصب والرفع خبر يكون أو اسمه، وفي الحديث دلالة على أن المؤمن\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٢٥٤).","vol":"1","page":559},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٨٦].\n٢٢٣ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"من سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ عَلِمَهُ ثُمَّ كَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [جم: ٢/ ٢٦٣، ٣٠٥، د: ٣٦٥٨، ت: ٢٦٤٩].\n٢٢٤ - [٢٧] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ. [جه: ٢٦٤].\nــ\nالحريص على طلب العلم يموت على الإيمان، اللهم ارزقنا.\n٢٢٣، ٢٢٤ - [٢٦، ٢٧] (أبو هريرة، وأنس) قوله: (ثم كتمه) ثم للتراخي في الرتبة، فإن مرتبة كتمان العلم والسؤال عنه بعيدة في القبح والشناعة والإثم.\nوقوله: (بلجام) بكسر اللام، وقال في (سفر السعادة): إنه لم يصح في هذا الباب شيء (١)، انتهى. ومع ذلك الظاهر أنه يكون إذا كان العلم فرضًا، ولم يكن هناك مانع صحيح ديني أو دنيوي، بل يكون للبخل وعدم الاعتناء بالعلم والدين، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): هذا من باب المقابلة في العقوبة، وذلك أنه ألجم نفسه بالسكوت حيث\n_________\n(١) هذا الحديث حسنه الترمذي وصححه الحاكم، وقال المنذري في \"مختصر السنن\" (٣/ ٤١٠) بعد نقل تحسين الترمذي: وقد روي عن أبي هريرة من طرق فيها مقال، والطريق الذي أخرج بها أبو داود طريق حسن. وما رواه ابن ماجه عن أنس ففي سنده يوسف بن إبراهيم، قال البخاري: هو صاحب عجائب. وقال ابن حبان: روى عن أنس من حديثه ما لا يحل الرواية عنه، انتهى. وقال الحافظ في \"التقريب\": ضعيف. قال المنذرى: وقد روي هذا الحديث أيضًا من رواية ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر بن الخطاب، وابن عمرو بن العاص، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد اللَّه، وأنس بن مالك، وعمرو بن عبسة، وعلي بن طلق، وفي كل منها مقال، انتهى. وبالجملة المتن ثابت، والكلام في خصوص الأسانيد لا يقدح في ثبوته. انظر: \"مرعاة المفاتيح\" (١/ ٣٢٥).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٠٦).","vol":"1","page":560},{"text":"٢٢٥ - [٢٨] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاس إِلَيْهِ. . . . .\nــ\nفرض عليه البيان، فألجم بلجام من نار.\n٢٢٥، ٢٢٦ - [٢٨، ٢٩] (كعب بن مالك، وابن عمر) قوله: (ليجاري به العلماء) قال التُّورِبِشْتِي (١): المجاراة أن يجري الإنسان مع آخر، فيباريه في جريته، والمعنى أنه يطلب العلم ليعدل بنفسه العلماء ترفعًا ورياء وسمعة.\nوقوله: (أو ليماري به السفهاء) أي: يجادل ويحاج فيما فيه مرية، والمرية بالكسر والضم: الشك والجدل، وماراه مماراة وامتراء ومِراء، وامترى فيه، وتمارى: شك، وأصل ذلك من مرى الناقة بمريها: إذا مسح ضرعها فَأَمَرَتْ هي لبنها، كذا في (القاموس) (٢)، ومَرَى الشيءَ: استخرجه، وكل من المتجادلين يستخرج ما عند الآخر، والسفهاء: جمع سفيه، والسفه محركة وكسحاب وسحابة: خفة العلم أو نقيضه أو الجهل، وسفه كفرح وكرم: جهل، والمحاجة والمجادلة جائز إذا كان فيه غرض صحيح، ولا يثرا (٣) الخصومة والشحناء لأجل النفس.\nوقوله: (أو يصرف به وجوه الناس) ليحصل منهم المال والجاه، ويصرفها في أمور الدنيا وشهوات النفس.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٠٦).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ١٢٢٤).\n(٣) هكذا في (ر) و(ب)، وفي (د): \"ولا تأثير\"، والصحيح باعتبار المعنى \"لا تصح\"، واللَّه أعلم.","vol":"1","page":561},{"text":"أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٥٤].\n٢٢٦ - [٢٩] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. [جه: ٢٥٣].\n٢٢٧ - [٣٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا. . . . .\nــ\nوقوله: (أدخله اللَّه النار) أي: استحق عذاب اللَّه إن شاء عذبه.\n٢٢٧ - [٣٠] (أبو هريرة) قوله: (من تعلم علما مما يبتغى به وجه اللَّه) يجوز أن يكون (من) بيانية، ففيه تخطية وتوبيخ على أن ما كان لا يبتغى به وجه اللَّه يقبح غاية القبح أن يبتغى به ما سواه، ويجوز أن يكون تبعيضية، فيفهم من تقييد كون العلم مما يبتغى به وجه اللَّه أنه لو لم يكن منه بأن لا يكون من العلوم الدينية بعد ما كان مباحًا لو تعلمه ليصيب به الدنيا لم يقبح ذلك القبح، وكان يقول أحد من طلاب العلم يشتغل بالمعما وأقسام علوم الشعر حين قيل له في ذلك: أنا أحب أن أجعل هذه العلوم آلة لتحصيل الدنيا ووسيلة إلى صحبة أربابها دون العلوم الدينية، والطيبي أيضًا نقل مثل هذا القول من بعض العلماء الزاهدين ﵏.\nوقوله: (لا يتعلمه إلا ليصيب) يفيد أن من تعلم لرضا اللَّه مع إصابة عرض الدنيا لا يدخل تحت هذا الوعيد، بل ينقص من هذا الوجه بقليل، ومآل المسألة إلى مزج الرياء وخلوصه، ولعل هذا هو المراد من الحديث السابق لأن الظاهر من العلة هي التامة، فافهم.\nوقوله: (عرضًا من الدنيا) العرض بفتح الراء، وهو متاع الدنيا وحطامها، وأما العرض بالسكون فيما سوى النقدين.","vol":"1","page":562},{"text":"لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\" يَعْنِي رِيحَهَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٣/ ٣٣٨، د: ٣٦٦٤، جه: ٢٥٢].\n٢٢٨ - [٣١] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نَضَّرَ اللَّهُ عَبْدًا سَمِعَ مَقَالَتِي. . . . .\nــ\nوقوله: (لم يجد عرف الجنة يوم القيامة) العرف بفتح العين المهملة وسكون الراء: الريح -كما فسره الراوي- طيبةً كانت أو منتنة، وأكثر استعماله في الطيبة، وظاهر العبارة يفيد تحريم الجنة عليه، فيكون المراد عدم دخوله مع السابقين الناجين، والوجه أن الآمنين من الفزع الأكبر المتلقين بالبشرى والرضوان إذا وردوا الموقف يجدون روائح الجنة تقويةً لقلوبهم وإزاحةً لهمومهم، وهذا العبد المهجور المفتون يحرم منها، ويكون كمزكوم لا يجدها ولا يهتدي إليها سبيلًا للأمراض الكامنة في قلبه المخلة بالقوى الإيمانية، يدل على هذا المعنى أنه -ﷺ- لم يقل: لم يجد عرفها على الإطلاق، إنما قال: لم يجد عرفها يوم القيامة، وهو يوم يقوم الناس لرب العالمين، وذلك من حين يحشرون إلى حين ينتهي بهم الأمر، إما إلى الجنة وإما إلى النار، كذا قيل.\n٢٢٨، ٢٢٩ - [٣١، ٣٢] (ابن مسعود، وزيد بن ثابت) قوله: (نضر اللَّه عبدًا) وفي رواية: امرءًا، و(نضر) يروى بالتخفيف والتشديد، فروى أبو عبيد بالتخفيف، وقال: هو لازم ومتعد، ورواه الأصمعي بالتشديد، وقال: المخفف لازم، والمشدد للتعدية، وعلى الأول للتكثير والمبالغة، والنضرة والنضارة في الأصل حسن الوجه والبريق كقوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: ٢٤]، وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]، أي: نضرة في الوجه وسرورًا في القلب، والمراد","vol":"1","page":563},{"text":"فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ. . . . .\nــ\nههنا حسن خلقه ورفعة قدره وعلو منزلته في الدنيا والآخرة، أي: خصه اللَّه بالبهجة والسرور والشرف والقدر؛ لأنه سعى في نضارة العلم وتجديد السنة ورفع قدر العلم ومنزلته، وكفى باعثًا على طلب الحديث وحفظه وتبليغه فائدة وغناء في الدارين أن يستفاد بركة هذا الدعاء المبارك من رسول اللَّه -ﷺ-، رزقنا اللَّه.\nوقوله: (فحفظها ووعاها) في (القاموس) (١): وعاه يعيه: حفظه وجمعه، كأوعاه فيهما، وقال الطيبي (٢): يقال: وعى كلامًا إذا حفظه ودام على حفظه ولم ينسه، انتهى. قيل: وذلك بالتكرار والتذكار، وقيل: بالرواية والتبليغ فيكون عطف (وأدّاها) عليه قريبًا من عطف تفسيري.\nوقوله: (فرب حامل ففه غير فقيه) وغير في أصل وضعه للتقليل، وكثر استعماله للتكثير، وهو المناسب ههنا، وغير فقيه صفة لحامل فقه.\nوقوله: (ورب حامل فقه إلى من هو أفقه) أي: حامل فقه فقيه أداه إلى من هو أفقه ليفيد ما لا يفقهه الحامل، والفعل المتعلق به (رب) يكون محذوفًا في الأكثر، أي: وجدته وأدركته ونحوهما، وفيه ترغيب وتحريض على رواية الحديث باللفظ، وقد جوز الرواية بالمعنى، والمختار أن العزيمة هو الثقل باللفظ، والنقل بالمعنى رخصة؛ لأن لكل لفظ خصوصية ليس في الآخر وإن كان يرادفه في أصل المعنى، ولكل كلمة مع صاحبتها مقام ليس لها مع غيرها، لا سيما في كلام من هو أفصح\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١٢٣٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٨٤).","vol":"1","page":564},{"text":"ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ. . . . .\nــ\nالفصحاء، ويختلف المراد بوضعها مقامها، وله أمثلة كثيرة ذكر الطيبي بعضًا منها، فالاحتياط في نقل كلامه أن يروى كما هو، وذلك ظاهر، لكن قد شاع بينهم الرواية بالمعنى، وذلك من العارف بالعربية والحاذق فيها.\nوفي (سنن الدارمي) (١) عن واثلة بن الأسقع قال: إذا حدثناكم بالحديث على معناه فحسبكم، وعن جرير بن حزم قال: كان الحسن يحدث بالحديث، الأصلُ واحدٌ والكلامُ مختلفٌ.\nوبالجملة قد اختلفوا في الرواية بالمعنى، والأكثر على الجواز، ومن أقوى حججهم الإجماع على جواز شرح الشريعة للعجم بلسانهم للعارف به وإن لم يكن هناك ضرورة؛ فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى فجوازه باللغة العربية أولى، وقيل: إنما يجوز في المفردات دون المركبات، وقيل: إنما يجوز لمن يستحضر اللفظ ليتمكن من التصرف فيه، وقيل: إنما يجوز لمن كان يحفظ الحديث فنسي لفظه وبقي معناه مرتسمًا في ذهنه، فله أن يرويه بالمعنى لمصلحة تحصيل الحكم بخلاف من كان مستحضرًا للفظه، هذا كلام الشيخ في (شرح النخبة) (٢)، وهذا الخلاف في الجواز وعدم الجواز، وأما أولوية الرواية باللفظ فمتفق عليه، ومع ذلك الرواية بالمعنى قد كثر وقوعها من الأئمة، فرب حديث من أصحاب الكتب وغيرهم مروي في كتبهم والألفاظ مختلفة، وذلك أكثر من أن يحصى.\nوقوله: (ثلاث لا يغل) روي هذا اللفظ بوجوه: أحدها: (لا يغل) بفتح الياء\n_________\n(١) \"سنن الدارمي\" (ح: ٣٢١ - ٣٢٣).\n(٢) \"نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر\" (ص: ٢٥).","vol":"1","page":565},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوكسر الغين من الغل بالكسر بمعنى الغش والضغن، وثانيها: بضم الياء وكسر الغين من الإغلال بمعنى الخيانة أو السرقة الخفية، وثالثها: بفتح وضم من الغلول (١)، قال التُّورِبِشْتِي (٢): لا معنى له ههنا لأن الغلول السرقة والخيانة من المغنم خاصة، انتهى.\nولا يذهب عليك أنه لو صحت الرواية لجاز حمله على مطلق الخيانة إطلاقًا للفظ الخاص على العام، على أن صاحب (القاموس) (٣) جعله بمعنى مطلق الخيانة أيضًا، حيث قال: الغلول: الخيانة، غل غلولًا: خان كأغل، أو خاص بالفيء، وقال القاضي عياض في (المشارق) (٤) في قوله: نهى عن الغلول، ولا تقبل صدقة من غلول، [وأنه قد غل]، ولا تغلو، كله من الخيانة، وكل خيانة غلول، لكنه صار في عرف الشرع لخيانة المغانم خاصة، يقال منه: غل وأغل، انتهى.\nفلو حمل على المعنى الأصلي اللغوي لم يبعد، ويحتمل أن العرف حصل بعد ورود هذا الحديث؛ لأن الترغيب في التعلم مقدم في الإسلام، والمغانم وأحكامها حصلت بعد ذلك بشرعية الجهاد والقتال، واللَّه أعلم. نعم القاضي لم يذكر رواية الفتح مع الضم في الحديث، واقتصر على الروايتين الأوليين، وذلك شيء آخر، لكن عند من ثبت هذه الرواية فله وجه قطعًا.\nورابعها: (لا يغل) بالفتح والكسر مع تخفيف اللام من الوغول بمعنى الدخول،\n_________\n(١) سمي بالغلول لأن الأيدي فيها مغلولة أي ممنوعة ومجعول فيها الغل بمعنى الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه. \"مجمع\" (٤/ ٦٠).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٠٨).\n(٣) \"القاموس\" (ص: ٩٥٧).\n(٤) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٢٢).","vol":"1","page":566},{"text":"عَلَيهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوتَهُمْ تُحِيطُ مَنْ وَرَاءَهُمْ\". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"الْمدْخَلِ\" (١). [مسند الشافعي: ١٢٠٨، الرسالة: ١١٠٢].\nــ\nقال القاضي عياض: وذكر عن حماد بن سلمة أنه كان يرويه (يغل) بتخفيف اللام من وغل يغل وغولًا، يقال: وغل الرجل إذا دخل في الشجر وتوارى فيه، وهذه الرواية أيضًا بعيدة باعتبار هذه الخصوصية في مفهوم الوغول، إلا أن يراد به مطلق الدخول، وقد يفهم من بعض الكتب أنه بمعنى الدخول في شيء، فلا استبعاد.\nإذا عرفت هذا فاعلم أن معنى الحديث أن المؤمن لا يغل ولا يغش ولا يخون، ولا يدخل في قلبه ميل وزيغ كائنًا على هذه الخصال الثلاث، والمراد أن هذه تستصلح بها القلوب، فمن تمسك بها طهر قلبه من الدغل والخيانة والشر.\nو(عليهن) حال، أي: لا يغل قلب مؤمن كائنًا عليها، قدمت لكون ذي الحال نكرة، ثم بين الخصال الثلاث، فأحدها: (إخلاص العمل للَّه) بأن يكون خالصًا له تعالى، لا يشوبه غرض ولا عوض، وشرحه يطلب من كلام السادة الصوفية قدس اللَّه أسرارهم، وثانيها: (النصيحة للمسلمين) عامتهم وخاصتهم وإرادة الخير لهم، وبيانه في شرح قوله -ﷺ-: (الدين النصحية)، وثالثها: لزوم جماعة المسلمين وعدم النفور والخروج والبعد عنها.\nوقوله: (فإن دعوتهم) الظاهر أنه تعليل لالتزام جماعة المسلمين.\nوقوله: (من وراءهم) بفتح (من) موصولة، وفي بعض النسخ (مِن) بكسرها، والأول هو الأصوب رواية، والمعنى أن دعاء الجماعة قد أحاطت بهم وبمن وراءهم،\n_________\n(١) وَهِمَ في عدم عزوه لأصحاب السنن، فقد رواه الترمذي (ح: ٢٦٥٨).","vol":"1","page":567},{"text":"٢٢٩ - [٣٢] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، إِلَّا أَنَّ التِّرْمِذِيَّ وَأَبا دَاوُدَ لَمْ يَذْكرَا: \"ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ عَلَيْهِنَّ\" إِلَى آخِرِهِ. [حم: ٥/ ١٨٣، ت: ٢٦٥٦، د: ٣٦٦، دي: ١/ ٧٥].\n٢٣٠ - [٣٣] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيْئًا فَبَلَّغَهُ. . . . .\nــ\nوالوراء بالمد بمعنى خلف وقدام وهو من الأضداد، فلا يكاد الشيطان ينتهز منهم فرصة بطريق الحقد والخيانة وغيرهما من المعاصي والمهالك، ويحتمل أن يكون المراد أنه من دخل في جماعتهم بالاعتقاد لا يحمله الغل على مفارقتهم، فإن اللَّه يكلؤه ويمنعه عن مفارقتهم لإحاطة الدعوة، ويجوز أن يكون تعليلًا لقوله: لا يغل، والأول هو الأظهر، وقالوا: وجه مناسبة هذا الكلام يسابقه أنه -ﷺ- لما حث على أداء ما سمع منه أشار إلى ما يؤيده ويقرره ويبعثه عليه، وهي هذه الخصال الثلاث؛ فإنه لو لم يخلص عمله للَّه ولم ينصح المسلمين ولم يلزم جماعتهم لا يحصل الأداء أو لا يتم.\nوقال الطيبي (١) ما حاصله: أن الكلام السابق وهو الترغيب والتحريض على أداء ما سمع توطية وتمهيد لهذه الخصال، وهي التي استوصى في حقها أن يبلغ ويؤدي لأنها جامعة بين التعظيم لأمر اللَّه والشفقة على خلق اللَّه، وبها تمام الدين وكماله، هذا، والظاهر أن السابق عام، فالأظهر ما ذكره الشارحون، واللَّه أعلم.\n٢٣٠، ٢٣١ - [٣٣، ٣٤] (ابن مسعود، وأبو الدرداء) قوله: (من سمع منا) لفظ الجمع للتعظيم على ما يقتضيه المقام، ويحتمل أنه -ﷺ- أشار بأن حكم أصحابي وخلفائي كذلك، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٨٥).","vol":"1","page":568},{"text":"كَمَا سَمِعَهُ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى لَهُ مِنْ سَامِعٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٦٥٧، جه: ٢٣٢].\n٢٣١ - [٣٤] وَرَوَاهُ الدَّارمِيُّ عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ. [دي: ١/ ٧٥ - ٧٦].\n٢٣٢ - [٣٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٩٥١].\n٢٣٣ - [٣٦] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ وَلَمْ يَذْكُرِ: \"اتَّقُوا الْحَدِيثَ عَنِّي. . . . .\nــ\nوقوله: (كما سمعه) هذا أصرح مما سبق في محافظة الرواية باللفظ، وهو إما حال أو مفعول مطلق، و(ما) موصولة أو مصدرية.\nوقوله: (فرب مبلغ) بفتح اللام المشددة أي المبلغ إليه، (أوعى) قد علم أن معناه الحفظ وإبقاؤه، والمراد ههنا أعلم وأفقه، وقال الكرماني: يقال: قد أوعيت أي: فهمت، انتهى، كأنه بمعنى أكثر وعاء للعلم والفقه.\nوقوله: (من سامع) أي: ممن سمع مني وبلغ.\n٢٣٢، ٢٣٣ - [٣٥، ٣٦] (ابن عباس، وابن مسعود وجابر) قوله: (اتقوا الحديث عني) أي رواية الحديث، أو الحديث بمعنى التحديث على أن فعيلًا قد جاء بمعنى المصدر كالنذير بمعنى الإنذار على قول صاحب (الكشاف) (١)، وعلى هذا (عن) متعلق بالحديث.\n_________\n(١) انظر: \"الكشاف\" (٧/ ١٠٣).","vol":"1","page":569},{"text":"إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ\". [جه: ٣٢].\n٢٣٤ - [٣٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَليَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ\" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٩٥٠].\nــ\nوقوله: (إلا ما علمتم) أي: بالظن الغالب أنه مني لئلا تقعوا في الكذب علي، وقد سبق الكلام فيه في الفصل الأول.\n٢٣٤ - [٣٧] (عنه) قوله: (من قال في القرآن برأيه) القول بالرأي ما لا يكون مؤسسًا على علوم الكتاب والسنة من قواعد العربية المقررة عند الجمهور، وأصول الإسلام المسلمة عند العلماء، ثم إن كان بطريق التفسير ويعني به ما يجزم به بأنه مراد اللَّه فلا بد فيه من النقل الصحيح من رسول اللَّه -ﷺ-، وما يكون بطريق التأويل واحتمال أن يكون مرادًا يكفي فيه التأسيس على قواعد العربية وأصول الدين، وبدون ذلك لا يجوز التكلم به لا تفسيرًا ولا تأويلًا، وهذا هو الضابط، وقد يراد بالتفسير بالرأي أي: يكون له رأي وميل من طبعه وهواه، فيأوله على وفق رأيه، ويصرفه إلى ما اعتقد من مذهبه وإن لم تكن الآية واردة فيه، ولو لم يكن له ذلك الرأى بالاعتقاد لما لاح له ذلك، وأما ما يذكره الصوفية من أهل الإشارات والوعّاظ في المقاصد الصحيحة فذلك شيء آخر، وقد منعه بعض الفقهاء وشدّد في ذلك.\nوقال آخرون: هم أخطؤوا في الدليل لا في المدلول، وهم لا يدعون الجزم بذلك، بل إشارات تلوح على سرائرهم، وقال حجة الإسلام: الطامات، وهي صرف ألفاظ الشرع من ظواهرها إلى أمور لم يسبق منها إلى الأفهام، كدأب الباطنية من قبيل البدعة المنهية عنها، وبالجملة الأمر في تفسير القرآن خطير يجب الاحتياط فيه","vol":"1","page":570},{"text":"٢٣٥ - [٣٨] وَعَنْ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فقد أَخْطَأَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٩٥٢، د: ٣٦٥٢].\n٢٣٦ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْمِرَاءُ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٢٨٦، ٣٠٠، د: ٤٦٠٣].\nــ\nوالإمساك عما توقع في الخطر، والكلام فيه كثير، وقد استقصاه السيوطي في كتاب (الإتقان) (١).\n٢٣٥ - [٣٨] (جندب) قوله: (فأصاب) فأخطأ على عكس ما قالوا في المجتهد: إنه وإن أخطأ فقد أصاب؛ بمعنى نيل الأجر والثوب.\n٢٣٦ - [٣٩] (أبو هريرة) قوله: (المراء في القرآن كفر) قد عرفت معنى المراء في حديث كعب بن مالك في هذا الفصل، وقيل المراد بالمراء ههنا الشك كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧]، أي شك، كذا في بعض الشروح، ولا شك أن الكفر على هذا المعنى يكون على ظاهره، ولكن الظاهر من سوق الأحاديث التشديد والتغليظ فيما لا ينبغي أن يفعل ويفضي إلى الكفر، وأما إنكار القرآن والشك في قرآنيته فظاهر معلوم بالضرورة من الدين أنه كفر، واللَّه أعلم.\nوقيل: المراد المجادلة فيما فيه من الأحكام؛ فإنه ربما يفضي إلى الكفر إذا عاند صاحب الحق، وقيل: الجدال المشكك في الآي المتشابهة المؤدي إلى الجحود، فسماه كفرًا باسم ما يخشى عاقبته، وقد يراد إنكار بعض القراءات المروية بالشهرة.\nوبالجملة البحث والجدال لا على سبيل الحق وطلبه، وعدم التفويض إلى مراد\n_________\n(١) انظر: \"الاتقان\" (١/ ٣٣٢ - ٣٣٤).","vol":"1","page":571},{"text":"٢٣٧ - [٤٠] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سَمِعَ النَّبِيُّ -ﷺ- قَوْمًا يَتَدَارَؤُونَ فِي الْقُرْآنِ فَقَالَ: \"إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا: ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَإِنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَلَا تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، فَمَا عَلِمْتُمْ مِنْهُ فَقُولُوا، وَمَا جَهِلْتُمْ فَكِلُوهُ إِلَى عَالِمِهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ١٨٥، ١٩٥، ١٩٦، جه: ٨٥].\nــ\nاللَّه ورسوله، وعدم الاحتياط في ذلك حرام منهي عنه، وأما على وجه الشك والإنكار فكفر بلا شبهة.\n٢٣٧ - [٤٠] (عمرو بن شعيب) قوله: (يتدارؤون في القرآن) أي: يتدافعون ويجادلون فيه على نحو ما مرّ.\nوقوله: (ضربوا كتاب اللَّه بعضه ببعض) وقالوا: هذا يناقض ذلك ويخالفه قدحًا وطعنًا، وهذا مما يستغرب من الصحابة، ولعله كان فيما بينهم من بعض المنافقين قصدًا إلى التشكيك والإفساد، واللَّه أعلم.\nوقال التُّورِبِشْتِي (١): خلطوا بعضه ببعض فلم يميزوا بين المحكم والمتشابه، والمجمل والمبين، والناسخ والمنسوخ، من قولهم: ضربت اللبن بعضه ببعض، أي: خلطته، والظاهر أن المراد المجادلة والمنازعة، فشبه -ﷺ- حالهم بحال من كان قبلهم من المتشككين تشديدًا وتغليظًا.\nوقوله: (فكلوه إلى عالمه) وهو اللَّه ورسوله كما أشير إليه بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، وقيل: من يعرفه من أهل العلم الراسخ في علمه، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ١١٠).","vol":"1","page":572},{"text":"٢٣٨ - [٤١] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. . . . .\nــ\n٢٣٨ - [٤١] (ابن مسعود) قوله: (أنزل الفرآن على سبعة أحرف) وقد جاء في رواية: (نزل القرآن على سبعة أحرف كلها كاف شاف) (١)، قيل: المراد بسبعة أحرف سبع لغات للعرب مشهور لها بالفصاحة، فإن حرف الشيء: طرفه، ولهذا سميت حروف التهجي لأنها أطراف الكلم، وهذه سبع أطراف اللغات، وهي لغة قريش وطيء وهوازن وأهل اليمن وثقيف وهذيل وبني تميم، فإن القرآن نزل أولًا بلغة قريش، ولما شق على كل العرب القراءة بلغتهم رخص في ذلك، وكان ذلك بسؤال منه -ﷺ- ربه ﷿، كما ورد في حديث أبي بن كعب.\nوقد أورده التُّورِبِشْتِي (٢) في شرحه، وكانوا يقرؤنه على اللغات المختلفة المذكورة كما يشتهي كل أحد إلى إمارة عثمان -﵁-، فلما كتب المصاحف وأرسل النسخ إلى بلاد الإسلام جمع الناس على لغة قريش بعد ما جمعه زيد بن ثابت بأمر أبي بكر واستصواب عمر -﵁- بمجموع اللغات، وأمر عثمان بمحو ما عداه رفعًا للخلاف الذي وقع في الناس بإنكار بعضهم قراءة بعض، وتكفير كل من الفريقين الآخر، ولم يبق من الحروف المختلف فيها على نهج التواتر إلا شيء يسير، وبقي المختلف فيه من الإدغام والإمالة والوقف وغير ذلك من القسم المشترك الذي اشتهر عند القراء السبع لاتصال سنده على أصله مقروءًا به، وما عدا ذلك فإنه متروك لا يقرأ به ولا يحتج به لفقد الضرورة التي دعت إليه في أول الوهلة، ثم لسقوط الرواية عنه وانعدام التواتر\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة في \"مصنفه \" (رقم: ٣٠١١٨)، وفيه: \"كلٌّ كافٍ شافٍ\".\n(٢) \"كتاب الميسر\" (١/ ١١١).","vol":"1","page":573},{"text":"لِكُلِّ آيَةٍ مِنْهَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ،\nــ\nفيه، وهذه العلة هي التي تعتمد في ترك القراءات التي تخالف نظم المصحف المجمع عليه، وهذا القول المعتمد عليه الذي أكثر الشارحين.\nوقيل: المراد بها القراءات السبع، فإنها كلها متواترة ثبت إنزالها، وقراءتها تترتب على كل واحدة منها أحكام التلاوة من جواز الصلاة بها وحرمة مس المصحف الجنب والمحدث إياها. وقد زيدت قراءة يعقوب فصارت ثمانية، وقد تدعى العشر أنها متواترة، والقول المختار الذي عليه الجمهور هو الأول، وقد استوفى الكلام فيه السيوطي في (الإتقان) (١) فلينظر ثمة.\nوقيل: معناه أنزل مشتملًا على سبعة معان: الأمر والنهي والقصص والأمثال والوعظ والوعد والوعيد، وقيل: المعاني السبعة: العقائد والأحكام والأخلاق والقصص والأمثال والوعد والوعيد، وقد يقال: المراد بلفظ السبعة التوسعة والكثرة لا العدد المخصوص كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧]، قال التُّورِبِشْتِي (٢): والعرب تضع السبع موضع الأعداد التامة؛ لأنها قواعد الزمان والمكان.\nوقوله: (لكل آية منها) أي: من سبعة أحرف التي أنزل القرآن عليه، وفي بعض النسخ: (لكل آية منه) فالضمير للقرآن.\nوقوله: (ظهر وبطن) قيل: الظهر ما ظهر من معناه ويفهمه أهل اللسان جميعًا، والبطن ما خفي منه، ويكون بينه وبين عباده المصطفين، وقيل: الظهر ما بينه التفسير،\n_________\n(١) \"اتقان\" (١/ ٣٩).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (١/ ١١١).","vol":"1","page":574},{"text":"وَبكُلِّ حَدٍّ مُطَّلَعٌ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" [١/ ٤٠].\nــ\nوالبطن ما يستكشفه التأويل، والتفسير ما يتعلق بالرواية، والتأويل ما يتعلق بالدراية، وقيل: الظهر الإيمان به، والبطن العمل به، وقيل: الظهر القراءة والتلاوة، والبطن التفهم والتدبر، وقيل: ظهرها لفظها، وبطنها معناها، وقيل: قصصه في الظاهر أخبار، وفي الباطن اعتبار.\nوقوله: (ولكل حد) أي: لكل حد وطرف ونهاية من الظهر والبطن.\nوقوله: (مطّلع) بضم ميم وتشديد طاء وفتح لام، أي: مصعد، أي: موضع صعود يطلع عليه بالترقي إليه، والمطلع مكان إطلاع من موضع عال، يقال: مطلع هذا الجبل من مكان كذا، أي: مأتاه ومصعده، فمطلع الظهر تعلم العربية والعلوم التي تتعلق به ومعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ وأمثال ذلك، ومطلع البطن تزكية النفس وتصفية القلب بالرياضة واتباع الظاهر والعمل بمقتضاه.\nوقال التُّورِبِشْتِي (١): المراد بالحد ما شرع اللَّه لعباده من الأحكام، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩٧]، أي: أحكام، فالمعنى: لكل حد من حدود اللَّه وأحكامه التي شرع لعباده من الدين موضع اطلاع من القرآن، فمن وفق أن يرتقي ذلك المرتقى اطلع منه على الحد الذي يتعلق بذلك المطلع، وكان رسول اللَّه -ﷺ- الذي رزق الارتقاء إلى مطلع كل حد من القرآن.\nوقد قال بعض العلماء: إن عامة سنن الرسول -ﷺ- راجعة إلى القرآن، والعلماء في ذلك على طبقاتهم ومنازلهم، وكان -ﷺ- يدرك من معاني الوحي ما لا يبلغه فهم غيره، انتهى.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ١١٥).","vol":"1","page":575},{"text":"٢٣٩ - [٤٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ،\nــ\nوقيل: الحد: الفرائض والأحكام، والمطلع: الثواب والعقاب، وقيل: أي: لكل حرف حد في التلاوة كالمصحف الإمام لا يتجاوز، وفي التفسير كالمسموع لا يتجاوز، وقيل: المطلع: الفهم الموصل إلى التدبر من التأويل والمعاني، وقيل: معناه: أن لكل حد منتهكًا ويرتكبه، أي: إن اللَّه لم يحرم حرفه إلا علم أن سيطلعها، وهذه المعاني أكثرها ضعيفة نازلة لعيدة خصوصًا المعنى الأخير، والذي ذكره الجمهور هو الأول، وما ذكر التُّورِبِشْتِي معنى صحيح متين كما لا يخفى، واللَّه أعلم بالصواب.\n٢٣٩ - [٤٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (العلم ثلاثة) أي: علم الدين والشريعة وهو العلم النافع المراد بقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، والمطلوب زيادته لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] بمراتبه ودرجاته، وأما ما سواه فمستعاذ منه بقوله -ﷺ-: (أعوذ بك من علم لا ينفع وقلب لا يخشع) كالفلسفيات ونحوها، أعاذ اللَّه المؤمنين من ذلك.\nوقوله: (آية محكمة) (١) إشارة إلى الكتاب، وإنما خص بالآية المحكمة لأنها أم الكتاب وأصله حفظت من الاحتمال والاشتباه، ويحمل ما سواها من المتشابهات عليها، ولا بد في ذلك من علوم هي مباديها، والمراد بـ (السنة القائمة) (٢) الثابتة بحفظ\n_________\n(١) قال القاري: أَيْ: غَيْرُ مَنسُوخَةٍ أَوْ مَا لَا يَحْتَمِلُ إِلَّا تَأْوِيلًا وَاحِدًا. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣١٧).\n(٢) قال القاري: أَيْ: ثَابِتَةٌ صَحِيحَةٌ مَنْقُولَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَعْمُولٌ بِهَا. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣١٧).","vol":"1","page":576},{"text":"أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ، وَمَا كَانَ سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ فَضْلٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٨٨٥، جه: ٥٤].\nــ\nمتونها وأسانيدها.\nوقوله: (فريضة عادلة) إشارة إلى الإجماع والقياس لأنهما يعدلان الكتاب والسنة مساويتان لهما للاستثناء والاستنباط منهما، وسميا بالفريضة للإشارة إلى أن العمل بها فرض وواجب كما بالكتاب والسنة، فصار الحاصل أن أدلة الشرع أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وأما حمل الفريضة العادلة على سهام الفرائض المذكورة في الكتاب والسنة برعاية العدالة في قسمتها فلا يناسب تخصيصها المقام، إلا أن يكون أيضًا إشارة إلى الاهتمام بها، كما قيل في تسميتها بنصف العلم، والوجه هو الأول كما لا يخفى، وما قيل: إن المراد بالفريضة العادلة ما اتفق عليه المسلمون، فهو أيضًا إشارة إلى الإجماع والقياس.\nوقوله: (ما كان سوى ذلك فهو فضل) في (القاموس) (١): الفضل: ضد النقص، والجمع فضول، والفضيلة: الدرجة الرفيعة في الفضل، والفضولي بالضم المشتغل بما لا يعنيه، انتهى. وتحقيقه كما حكاه الطيبي (٢) من (المغرب) أن الفضل: الزيادة، وقد غلب جمعه يعني الفضول على ما لا خير فيه، ثم قيل لمن يشتغل بما لا يعنيه: فضولي، وقد وقع في عبارة (إحياء العلوم) الفضل في مثل هذا المقام بمعنى زيادة الفضيلة في العلم، وذلك أنه قسم العلم إلى ما هو فرض عين وفرض كفاية، وعين القدر الضروري والحاجي منه، ثم قال: وأما إحاطة أقسام العلوم والتبحر فذلك فضل\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٩٦١).\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (١/ ٣٩٦).","vol":"1","page":577},{"text":"٢٤٠ - [٤٣] وَعَن عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَقُصُّ إِلَّا أَمِيرٌ أَوْ مَأْمُورٌ أَو مُخْتَالٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٦٥].\n٢٤١ - [٤٤] وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، وَفِي رِوَايَتَه: \"أَوْ مِرَاءٌ\" بدل \"أَو مُخْتَالٌ\". [دي: ٢/ ٣١٩].\nــ\nأي: زيادة فضيلة، ومع ذلك يجب أن لا يكون من العلوم البدعية المحرمة، وأما سوق الحديث فليس في ذلك، بل المراد منه أن علم الدين هو الكتاب والسنة وما استنبط منهما، ويشمل هذا على كل ما يتعلق بها من غير اقتصار على قدر الكفاية، وما سوى ذلك فضول، وقد اتفق الشراح على تفسيره بما لا يعنيه، وهو الأنسب بالمقام.\n٢٤٠، ٢٤١ - [٤٣، ٤٤] (عوف بن مالك الأشجعي، وعمرو بن شعيب) قوله: (لا يقص إلا أمير أو مأمور أو مختال) في (القاموس) (١): قَصَّ الخبر: أعلمه، و﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣]: نبين لك أحسن البيان، والقاص من يأتي بالقصة، وفي (مجمع البحار) (٢): قصصت الرؤيا عليه إذا أخبرته بها، والقص البيان، والقاص من يأتي بالقصة على وجهها، كأنه تتبع وتبين معانيها وألفاظها، وقال: القص: التحدث بالقصص، ويستعمل في الوعظ، يريد أن الواعظ للناس إما الأمير يعظ الناس ويخبرهم بما مضى ليعتبروا به، أو مأمور به يأمره الأمير مأذون من عنده، فحكمه حكم الأمير، ويجوز لهما الوعظ للناس، أو يكون القاص مختالًا يفعل تكبرًا على الناس وطلبًا للرياسة واتباعًا للهوى، والمختال المتكبر المعجب بنفسه يرائي الناس بقوله وعمله، ففيه زجر عن القص والوعظ بغير إذن الإمام، وذلك لأن الإمام أعرف\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٥٧٩).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٢٨٥).","vol":"1","page":578},{"text":"٢٤٢ - [٤٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كَانَ إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ،\nــ\nبمصالح الرعية، فلينظر في العلماء من رأى فيه العلم والديانة وترك الطمع وحسن العقيدة وصدق الحال يأذن له أن يعظ الناس، ومن لم ير فيه هذه الصفات لم يأذن له لئلا يوقع الناس في الفتنة من البدعة والجهل.\nأقول: ويستنبط منه أن التصدر للوعظ والإرشاد مما لا ينبغي إلا بإذن المشايخ وإجازتهم واستخلافهم، كما يفعله المتشيخة من أهل الجهل والهوى، نسأل اللَّه العافية.\nوقال التُّورِبِشْتِي (١): قال بعض العلماء: هذا في الخطبة؛ لأن الأمر فيها إلى الأمراء أو إلى من يتولاها من قبلهم، وذكر في بعض الشروح: (محتال) بالحاء المهملة من الحيلة أو الخاء المعجمة من الاختيال أي التكبر، وقال في (شرح السنة): بالمهملة أصح، وقال: وهكذا قيدناه من شيوخنا.\n٢٤٢ - [٤٥] (أبو هريرة) قوله: (من أَفتَى) في (القاموس) (٢): أفتاه في الأمر: أبانه له، والفتيا والفُتوى وتفتح: ما أفتى به الفقيه، ونقل الطيبي (٣) في معنى الحديث أن (أفتى) الثاني بمعنى استفتى أي: كان إثمه على من استفتاه، فإنه جعله في معرض الإفتاء بغير علم، ويجوز أن يكون (أفتى) الأول مجهولًا أي الإثم على المفتي دون المستفتي، انتهى. وفي الوجه الأول شيئان: أحدهما: حمل (أفتى) على استفتى،\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ١١٧).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ١٢١٢).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١/ ٢٩٧).","vol":"1","page":579},{"text":"وَمَن أَشَارَ عَلَى أَخِيهِ بِأَمْرٍ يَعْلَمُ أَنَّ الرُّشْدَ فِي غَيْرِهِ فَقَدْ خَانَهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٥٧].\n٢٤٣ - [٤٦] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى عَنِ الأُغْلُوطَاتِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٥٦].\nــ\nولا يوجد ذلك في كتب اللغة، والثاني: لا بد من الحمل على أنه استفتى مع الوقوف على جهلة مع وجود العلماء، وإلا كيف يكون الإثم عليه مع أن الخيانة إنما وقعت من المفتي لإفتائه من غير علم كما لا يخفى.\nوقوله: (من أشار على أخيه بأمر) في (القاموس) (١): أشار عليه بكذا: أمره، أي: من استشار أحدًا في أمر وسأله كيف أفعل؟ فأشار المستشار فيه بأمر، وهو يعلم أن المصلحة في غيره فقد خانه.\n٢٤٣ - [٤٦] (معاوية) قوله: (نهى عن الأغلوطات) في (القاموس) (٢): الغلط محركة: أن تعيا بالشيء فلا تعرِف وجه الصواب فيه، والغلوطة كصبورة، والأغلوطة بالضم، والمغلطة: الكلام يغلط فيه، ويغالط به.\nوفي (مجمع البحار) (٣): نهى عن الغلوطات، ويروى: عن الأغلوطات، والأول محذوف الهمزة كجاء الأحمر، وجاء الْحُمْرُ، وغلط من قال: [إنها] جمع غلوطة، أي: يغلط فيها كشاة حلوب، وإذا جعلتها اسمًا قلت: غلوطة بالتاء كحدوبة، وأراد مسائل يغالط بها العلماء ليزِلُّوا فيهيج به شر وفتنة، ونهى عنها لأنها غير نافعة في الدين،\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٣٩٢).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٦٢٦).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٥٦).","vol":"1","page":580},{"text":"٢٤٤ - [٤٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَالْقُرْآنَ وَعَلِّمُوا النَّاسَ فَإِنِّي مَقْبُوضٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠٣١].\nــ\nولا تكاد تكون إلا فيما لا يقع، وأما الأغلوطات فجمع أغلوطة، أفعولة كأحدوثة، وقيل: غلوطات بفتح غين جمع غلوطة، وصوب بعض ضمها، وأصله أغلوطات.\nوفي بعض الشروح: الأغلوطات هي المسائل التي يوقع السائل بها المسؤول عنها في الغلط لإشكال فيها وغموض فيمتحنه ليظهر فضل نفسه وقلة علم المسؤول عنها.\nوفي (الأزهار) النهي للتحريم إذا كان ابتداء لأنه سبب الإيذاء، والإيذاء حرام وتهييج للفتنة والعداوة، وفيه إظهار فضل النفس ونقص الغير، وأما إن كان جوابًا وجزاء فلا يكون حرامًا لقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠].\nوسئل من الشافعي في مجلس هارون الرشيد عن مسائل مشكلة، فأجابها سريعًا، فسأل الشافعي ممن سئل منه عن رجل مات عن ست مئة درهم ولم يخص أخته إلا درهم، فأطرق مليًّا وعجز، فأشار هارون إلى الشافعي بتصويره فقال: رجل مات عن بنتين وأم وزوجة واثنى عشر أخًا وأخت وست مئة درهم.\n٢٤٤ - [٤٧] (أبو هريرة) قوله: (تعلموا الفرائض) قيل: المراد بالفرائض علم المواريث، والصواب أن المراد منها الفرائض التي فرضها اللَّه على عباده، ولما وقعت في مقابلة القرآن يراد به الفرائض التي يعلم من كلامه -ﷺ- ليكون إشارة إلى تعلم الكتاب والسنة، وهما ينقطعان بوفاته -ﷺ- بانقطاع الوحي، فوصى بالتعليم والتعلم لهما.","vol":"1","page":581},{"text":"٢٤٥ - [٤٨] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَشَخَصَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ قَالَ: \"هَذَا أَوَانٌ يُخْتَلَسُ فِيهِ الْعِلْمُ مِنَ النَّاسِ حَتَّى لَا يَقْدِرُوا مِنْهُ عَلَى شَيْءٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٥٣].\n٢٤٦ - [٤٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةً: \"يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الإبِلِ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَلَا يَجِدُونَ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْ عَالِم الْمَدِينَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ. قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: إِنَّهُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَمِثْلُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَاق، قَالَ إسْحَاقُ بْنُ مُوسَى: . . . . .\nــ\n٢٤٥ - [٤٨] (أبو الدرداء) قوله: (فشخص ببصره إلى السماء) شخوص البصر ارتفاع الأجفان إلى فوق وتحديد النظر وانزعاجه، يقال: أشخص بصره: رفعه ولم يطرق، والباء في (ببصره) للتعدية، ويجيء متعديًا بنفسه، وكأنه انتظر الوحي فأوحي إليه باقتراب أجله -ﷺ-.\nوقوله: (أوان يختلس) بالإضافة، وقد يضبط بعض الناس بالتوصيف، وقال الشيخ ابن حجر: واللفظ العربي بالإضافة، وفي بعض النسخ: (يختلس فيه)، وهذا الظاهر في التوصيف، ولذا حمله عليه الطيبي، ويختلس بمعنى يسلب، من الخلس بمعنى السلب، والمراد بـ (العلم) الوحي.\n٢٤٦ - [٤٩] (أبو هريرة) قوله: (وعن أبي هريرة رواية) بالنصب على التمييز، وهو عبارة رفع الحديث أي رواية عن رسول اللَّه -ﷺ-، وقيل: إنما يؤتى بهذه العبارة إذا لم يتيقن عند الراوي أنه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (يوشك) بضم الياء وكسر الشين، وفتحها لغة ردية، وقد مر. وضرب الأكباد كناية عن سرعة السير.","vol":"1","page":582},{"text":"وَسَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الْعُمَرِيُّ الزَّاهِدُ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. [ت: ٢٦٨٠].\nــ\nقوله: (سمعت ابن عيينة أنه قال) وفي بعض النسخ المصححة ههنا: (قال: قيل: هو العمري)، وهذا أحسن لئلا ينافي سابقه.\nوقوله: (هو العمري الزاهد، واسمه عبد العزيز بن عبد اللَّه) اعلم أن العمري بضم العين وفتح الميم كثير، والكل منسوب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من أولاده، ومنهم عبد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، أبو عبد الرحمن العمري المدني، قال الشيخ في (التقريب) (١): ضعيف عابد، من السابعة، مات سنة إحدى وسبعين ومئة.\nوذكر المؤلف في الفصل الثاني من (باب تعجيل الصلاة) عن الترمذي أنه ليس بالقوي، وذكر في بعض الحواشي عن (الترغيب) (٢): هو صدوق حسن الحديث فيه لين، وعن (الكفاية): كان يحيى بن سعيد يضعفه، وقيل: هو لا يحدث عنه، وقد ذكره مسلم في شواهده، وهو ممن غلب عليه الزهد، وشغلته العبادة عن حفظ الحديث وضبطه، ولم يذكره صاحب (جامع الأصول)، وهو عجيب.\nوفي (الكاشف) (٣) للذهبي: عبد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم العمري عن أخيه عبيد اللَّه ونافع والمقبري، وعنه ابنه عبد الرحمن والقعنبي وأبو مصعب، قال ابن معين: صويلح، وقال ابن عدي: لا بأس به صدوق.\n_________\n(١) \"تقريب التهذيب\" (رقم: ٣٤٨٩).\n(٢) \"الترغيب\" (١/ ٢٥٧).\n(٣) \"الكاشف\" (رقم: ٢٨٧).","vol":"1","page":583},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوفي (التهذيب) (١): كان رجلًا صالحًا، وقال عبد اللَّه بن علي بن المديني عن أبيه: ضعيف، وقال يعقوب بن أبي شيبة: ثقة صدوق، في حديثه اضطراب، وقال النسائي: ضعيف الحديث، وقال أبو زرعة الدمشقي: رأيت أحمد يحسن الثناء عليه.\nومنهم: عبيد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، أبو عثمان أخو عبد اللَّه هذا العمري، ثقة ثبت، قدمه أحمد بن صالح على مالك، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين ومئة، كذا في (التقريب) (٢).\nوقال في (الكاشف) (٣): هو العمري الفقيه الثبت، ويقال: رأى أم خالد الصحابية، عن أبيه والقاسم وسالم، وعنه شعبة والقطان وأبو أسامة وعبد الرزاق، مات سنة سبع وأربعين ومئة.\nوفي (التهذيب) (٤): كان من سادات أهل المدينة وأشراف قريش فضلًا وعلمًا وعبادة وشرفًا وحفظًا وإتقانًا، وذكره صاحب (جامع الأصول) (٥) وقال: مدني، أحد الأعلام والراسخين في العلم، وكان تقدم على مالك بن أنس، وروى عن أم خالد القرشية، سمع القاسم بن محمد ونافعًا، وروى عنه حميد الطويل.\nومنهم: عاصم بن محمد بن زيد بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب العدوي القرشي العمري، سمع أباه، وسمع منه وكيع وأبو نعيم وأحمد بن يونس، وذكر في\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" (رقم: ٥٦٤).\n(٢) \"تقريب التهذيب\" (رقم: ٤٣٢٤).\n(٣) \"الكاشف\" (رقم: ٣٥٧٦).\n(٤) \"التهذيب\" (رقم: ٧١).\n(٥) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٦٩١).","vol":"1","page":584},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n(الكاشف) (١): هو صدوق، عن أبيه، وعنه ابن عيينة وقبيصة وأبو الوليد، وفي (التهذيب) (٢): قال أحمد ويحيى وأبو حاتم: ثقة، زاد أبو حاتم: لا بأس، ذكره ابن حبان في (الثقات)، وكذا في (التقريب) (٣).\nومنهم عمر بن حمزة، في (جامع الأصول) (٤): هو عمر بن حمزة بن عبد اللَّه ابن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، ويعرف بالعمري، أصله من المدينة، وسكن المدينة (٥)، سمع سالم بن عبد اللَّه بن عمر ونافعًا، وسمع منه أبو أسامة ومروان، قال أحمد: أحاديثه مناكير، وفي (التهذيب) (٦): المدني، وذكره ابن حبان في (الثقات)، قال: وكان ممن يخطئ، وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه، استشهد به البخاري في (الصحيح)، وروى له حديث (٧) في الأدب أيضًا، وذكر أبو الحجاج أن مسلمًا روى عنه.\nإذا عرفت هذا فاعلم أن تعيين عالم المدينة الذي مدحه رسول اللَّه بقوله: (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل، ولم يجدوا أحدًا أعلم منه) بالعمري الزاهد الذي هو عبد اللَّه بن عمر المختلف فيه ذلك الاختلاف غير مناسب، والأولى به أخوه عبيد اللَّه\n_________\n(١) \"الكاشف\" (رقم: ٢٥١٩).\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (٥/ ٥٠، رقم: ٩٢).\n(٣) \"تقريب التهذيب\" (رقم: ٣٠٧٨).\n(٤) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٧١٧).\n(٥) كذا في الأصول، وفي \"جامع الأصول\": \"وسكن الكوفة\".\n(٦) \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٣٧٤، رقم: ٧١٩).\n(٧) كذا في الأصول، والظاهر: \"حديثًا\"، أو يحذف كما في \"تهذيب الكمال\" (٤٢٢١).","vol":"1","page":585},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالذي اتفقوا على أنه ثبت ثقة، ومدحوه مدحًا بالغًا، وقدمه بعضهم على مالك بن أنس، بل لو فسروا العمري الزاهد به لم يبعد؛ فإنه قد وصف بالعبادة أيضًا كما وصف بالعلم والحفظ والإتقان، نعم لفظ الزاهد اشتهر في عبد اللَّه.\nوأما قوله: واسمه عبد العزيز بن عبد اللَّه الظاهر أن الضمير في اسمه يرجع إلى العمري الزاهد، وليس كذلك، إذ لم يذكر أحد أن عبد العزيز بن عبد اللَّه عمري، نعم هو مدني من أعلام علماء المدينة، كما ذكر صاحب (جامع الأصول) (١): هو أبو عبد اللَّه (٢)، وقيل: أبو الأصبغ، عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سلمة (٣)، واسمه ميمون الماجشون، قال إبراهيم الحربي: الماجشون فارسي، وإنما سمي بذلك لأن وجنتيه كانتا حمراوين فسمي بالفارسية ماه كون، ثم عربه أهل المدينة فقالوا: الماجشون، وعبد العزيز أحد فقهاء المدينة وأعلامهم، سمع ابن شهاب الزهري ومحمد بن المنكدر وعبد اللَّه بن دينار وأبا حازم وحميد الطويل وهشام بن عروة، وروى عنه الليث بن سعد وبشر بن المفضل ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي ويزيد بن هارون وأبو نعيم، قدم بغداد وحدث بها، ومات سنة أربع وستين ومئة ببغداد، وصلى عليه المهدي.\nوفي (الكاشف) (٤): عبد العزيز بن عبد اللَّه بن أبي سلمة الماجشون التيمي مولاهم المدني الفقيه، أجازه المهدي بعشرة آلاف دينار، وكان إمامًا معظمًا، قال أبو الوليد: كان يصلح للوزارة، هذا على ما فهمه الطيبي وإلا فههنا عبد العزيز بن عبد اللَّه\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٦٥٣).\n(٢) في الأصول: \"أبو عبد\" وهو تحريف.\n(٣) في الأصول: \"أبي شملة\" وهو تحريف.\n(٤) \"الكاشف\" (رقم: ٣٣٩٥).","vol":"1","page":586},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nآخر هو عمري ذكره في (الكاشف) (١)، وقال: عبد العزيز بن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر ابن الخطاب العمري، سمع أباه وعمه سالمًا، وعنه ابن المبارك ووهيب، صدوق، خرج مع ابن حسن، ثم عفا عنه المنصور، وكان بارع الجمال، وفيه يقول المنصور: إذا قتلت مثل هذا فعلى من أتأمر، واللَّه أعلم، هذا، وقد نقل الطيبي (٢) عن المظهر أنه قال: أراد بالعمري عمر بن عبد العزيز، ووجهه أن أمه بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، وكنيتها أم عاصم، واسمها ليلى، فهو من أولاد عمر بن الخطاب -﵁- من البنت، ولكن رده بأنه ليس من أهل المدينة بل من أهل الشام، فلا يصح تسميته عالم المدينة، نعم كان في المدينة في إمارة وليد بن عبد الملك بن مروان أميرًا عليها من قبله حين بني مسجد رسول اللَّه -ﷺ-، واللَّه أعلم.\nثم اعلم أنه كان في المدينة وغيره من البلاد علماء من الصحابة والتابعين وأتباعهم كثيرون كالمذكورين والفقهاء السبعة المشهورين وغيرهم من الأعلام، فتخصيصه بمالك بن أنس والعمري الزاهد لا يخلو عن شيء، ولا بد من الدليل عليه، ولا يقطع بذلك، نعم قد اشتهر مالك، وهو من أتباع التابعين في زمانه بالفقه والحديث والإمامة، وله ملازمة خاصة وجهة مخصوصة بالمدينة التزمها، ولم يخرج منها مدة عمره إلا لحجة واحدة، فلا يبعد أن يذهب الظن إلى ذلك، وأما غيره فتخصيص محض بلا مخصص يوجب الظن، ولعل الصواب أنه -ﷺ- أخبر بهذا الحديث من حال آخر الزمان الذي يارز فيه الدين إلى هذه البلدة الشريفة، ولا يبقى على الأرض عالم إلا فيها، واللَّه أعلم بالصواب.\n_________\n(١) \"الكاشف\" (رقم: ٣٣٩٦).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١/ ٤٠٠).","vol":"1","page":587},{"text":"٢٤٧ - [٥٠] وَعَنْهُ فِيمَا أَعْلَمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِئَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٩١].\nــ\n٢٤٧ - [٥٠] (عنه) قوله: (فيما أعلم) هذا لفظ أبي هريرة، أي: في جملة معلوماتي التي حفظتها من رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال. . . إلخ، وقيل: بفتح الميم على لفظ الماضي، فهو قول الراوي من أبي هريرة، وقد يقرأ بضم الهمزة وفتح اللام ورفع الميم على صيغة المجهول المتكلم، وعلى هذا أيضًا هو لفظ أبي هريرة، والأول هو الوجه.\nوقوله: (على رأس كل مئة) المراد بالرأس آخر المئة أو قريب من آخرها، هكذا اللفظ العربي، وفي الحديث: فتوفاه اللَّه تعالى على رأس ستين سنة، قال الطيبي (١): أي آخره، وقال: ورأس الآية آخرها، وكذا بعثه اللَّه على رأس أربعين سنة، وقالوا: أن المبعوث على رأس المئة الأولى عمر بن عبد العزيز، وهو إنما بعث في آخر المئة الأولى.\nوقوله: (من يجدد لها دينها) (٢) قد تبادر إلى أفهام أقوام أن المراد به واحد من علماء الأمة أمتاز من بين أهل زمانه بتجديد الدين ونصرته، وترويج السنة وتقويتها،\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (١١/ ٤٤).\n(٢) قال الإمام ولي اللَّه الدهلوي في \"التفهيمات الإلهية\" (١/ ٤٠): والمجدد رجل رزقه اللَّه سبحانه حظًا من علم القرآن والحديث، ثم ألبس لباس السكينة فجعل يضع التحريم والوجوب والكراهية والاستحباب والإباحة موضعها، وينقح الشريعة عن الأحاديث الموضوعة وأقيسة القائسين وعن كل إفراط وتفريط، ثم أظمأ اللَّه أكبادًا إليه فأخذوا عنه العلم، وعندنا أن المئة تخمين لا تعيين، ويعتبر من وفاته -ﷺ-، وأقرب الناس إلى المجددية المحدثون القدماء منهم البخاري ومسلم وأشباههم.","vol":"1","page":588},{"text":"٢٤٨ - [٥١] وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُذْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ،\nــ\nوقمع البدعة وتضعيفها، ونشر العلم حتى عيّنه قوم بأنه في المئة الأولى فلان، وقال صاحب (جامع الأصول) (١): الأولى الحمل على العموم (٢) فإنه لفظة: (من) يقع على الواحد والجمع، ولا يخص أيضًا بالفقهاء بل يعم أولى، وكذا القراء وأصحاب الحديث والزهاد، ثم عين إلى قريب من زمانه كل واحد من الطوائف، هذا ولو عمم البلاد بأن يكون في زمان واحد أو جمع من شأنه هذا لم يبعد، وإنما قال: على رأس كل مئة؛ لأن القرن ينقرض في هذه المدة وينقضي وينتهي كماله إليها، ولهذا سمي القيامة الوسطى كما سيجيء في (باب قيام الساعة) إن شاء اللَّه.\n٢٤٨ - [٥١] (إبراهيم بن عبد الرحمن) قوله: (العذري) بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة منسوب إلى عذرة بن سعد.\nوقوله: (من كل خلف) (٣) بفتح اللام أي: من كل جماعة يخلف السابقين ويلحق بهم، فـ (من) تبعيضية، و(عدوله) فاعل (يحمل).\nوقوله: (تحريف الغالين) التحريف التغير لفظًا أو معنًى، والمراد تبديل الحق\n_________\n(١) (١١/ ٣١٩).\n(٢) وفي \"التقرير\": والظاهر أنه جماعة لكل زمان في كل أمر، وكذا في \"المرقاة\" (١/ ٣٢٢).\n(٣) قال القاري: الْخَلَفُ بِفَتْحِ اللَّامِ: الرَّجُلُ الصَّالِحِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ أَحَدٍ وَيَقُومُ مَقَامَهُ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالتَّثْنِيَةُ وَالْجَمْعُ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٢٢). وفي \"الصراح\": الخلف بالتحريك حسن وبالسكون سيء، يقال: خَلْفُ سوء من أبيه بالتسكين، وخَلَفُ صدق بالتحريك، انتهى. وفي التنزيل: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩، مريم: ٥٩].","vol":"1","page":589},{"text":"وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلين\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"كِتَابِ الْمَدْخَلِ\" مُرْسَلًا (١). [هق: ١٠/ ٢٠٩].\nوَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ جَابِرٍ: \"فَإِنَّمَا شِفَاءُ العيِّ السُّؤالُ\" فِي \"بَاب التَّيَمُّمِ\" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالى.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-224> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٤٩ - [٥٢] عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ جَاءَهُ الْمَوْتُ وَهُوَ يَطْلُبُ الْعِلْمَ لِيُحْيِيَ بِهِ الإِسْلَامَ فَبَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّينَ دَرَجَةٌ وَاحِدَةٌ. . . . . .\nــ\nبالباطل لفظًا أو معنى، أي: تأويلًا وصرفًا عن الظاهر، وغلا في الأمر غلوًّا: جاوز حَدّه، أي: المتجاوزين في أمر الدين عما حد له وبين.\nوقوله: (انتحال المبطلين) انتحله وتنحله: ادعاه لنفسه، وهو لغيره من شعر أو قول، وهو الكناية عن الكذب، كذا في بعض الشروح، وقوله: (من حديث بقية بن الوليد عن معاذ) هكذا في أكثر نسخ (المشكاة)، وفي بعضها: عن معان بالنون، وفي (الكاشف) (٢): معان بن رفاعة روى عنه بقية بن الوليد، وتحقيقه في أسماء الرجال.\nالفصل الثالث\n٢٤٩ - [٥٢] (الحسن) قوله: (درجة واحدة) مبالغة في قرب منزلتهم من النبيين،\n_________\n(١) قوله: \"رواه\" بعده بياض بالأصل، وَأَلْحَقَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ، وَفِي نُسْخَةٍ: فِي كِتَابِ الْمَدْخَلِ مِنْ حَدِيثِ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَليدِ عَنْ مُعَانٍ. انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٢٣). قوله: \"مرسلًا\" لا يوجد هذا اللفظ في المصرية، ولا تعرض له القاري، ولكن ذكر رواية توهم الاتصال، ورواية توجب الانقطاع، كذا في \"التقرير\".\n(٢) \"الكاشف\" (رقم: ٥٥١٣).","vol":"1","page":590},{"text":"فِي الْجَنَّةِ\". رَوَاهُ الدَّارمِيّ. [دي: ١/ ١١٢].\n٢٥٠ - [٥٣] وَعَنْهُ مُرْسَلًا قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَحَدُهُمَا كَانَ عَالِمًا يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيرَ، وَالآخِرُ يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَضْلُ هَذَا الْعَالِمِ الَّذِي يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُعَلِّمُ النَّاسَ الْخَيْرَ عَلَى الْعَابِدِ الَّذِي يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٩٧ - ٩٨].\n٢٥١ - [٥٤] وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نِعْمَ الرَّجُلُ الْفَقِيهُ فِي الدِّينِ إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِ نَفَعَ،\nــ\nولذا أكد بواحد، ويمكن أن يكون وجهه -واللَّه أعلم- أنه قائم مقام الأنبياء في إبلاغ العلم وإحياء الدين، لكنه فرع وتابع لهم، فيكون أحط بدرجة منهم، ومع ذلك ينبغي أن يكون المراد الدرجة في إبلاغ العلم وثوابه لا في جميع الدرجات والمراتب.\n٢٥٠ - [٥٣] (عنه) قوله: (والآخر يصوم النهار ويقوم الليل) وهو أيضًا عالم دون الأول أو مثله، بل أكثر منه، ولكن لم يشتغل بالعلم، بل صرف أوقاته إلى العبادة، كما قررنا سابقًا.\n٢٥١ - [٥٤] (علي) قوله: (نعم الرجل الفقيه في الدين) الفقيه مخصوص بالمدح، و(في الدين) متعلق بـ (الفقيه).\nوقوله: (إن احتيج) استئناف أو صفة للفقيه، ومعنى الحديث -واللَّه أعلم-: أن من شأن العالم وما يليق بحاله أن لا يحوج نفسه إلى الخلق طمعًا في صحبتهم واختلاطهم ومنافعهم، ولا ينقطع عنهم مطلقًا بأن لا يفيدهم بالعلم ويحرمهم عنه،","vol":"1","page":591},{"text":"وَإِنِ اسْتُغْنِيَ عَنْهُ أَغْنَى نَفْسَهُ\". رَوَاهُ رَزِينُ.\n٢٥٢ - [٥٥] وَعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدِّثِ النَّاسَ كُلَّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ أَبَيْتَ فَمَرَّتَيْنِ، فَإِنْ أَكْثَرْتَ فَثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَا تُمِلَّ النَّاسَ هَذَا الْقُرْآنَ، وَلَا أُلْفِيَنَّكَ تَأْتِي الْقَوْمَ وَهُمْ فِي حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِمْ. . . . .\nــ\nبل إن احتاج الناس إليه بأن اضطروا إليه، ولم يكن هناك عالم سواه فيسألوه عن العلم ليفيدهم ويعلمهم، دخل فيهم للإفادة ونفعهم بالعلم؛ لئلا يضلوا ويهلكوا، (وإن استغني عنه) بأن لا يلتجئوا ويضطروا إليه وكان هناك من يكفيهم في التعليم (أغنى نفسه) ولم يداخلهم ولا يتذلل لهم، بل يستغني عنهم وبشتغل بالعبادة وبالعلم أيضًا بمطالعة الكتاب والسنة والتصنيف ونحوهما.\n٢٥٢ - [٥٥] (عكرمة) قوله: (كل جمعة) المراد بالجمعة الأسبوع.\nوقوله: (فإن أبيت) أي: أبيت عن الاقتصار على هذا القدر وأردت الزيادة.\nوقوله: (ولا تمل) أمر من الإملال يعني الإيقاع في الملالة، يقال: أملّني وأملّ عليّ: أبرمني.\nوقوله: (هذا القرآن) الإشارة للتعظيم.\nوقوله: (ولا ألفينك) أي لا أجدنك أي: لا تأتيهم على هذه الجملة فأجدك عليها، ذكر اللازم وإرادة الملزوم.\nوقوله: (تأتي) حال من الضمير المنصوب لا مفعول ثان؛ لأن ألفى بمعنى وجد الذي بمعنى صادف لا بمعنى علم، يدل عليه كلام (القاموس) (١): ألفاه: وجده، وتلافاه: تدارك لتفسير تلافاه بمعنى تدارك.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١٢٢٢).","vol":"1","page":592},{"text":"فَتَقُصُّ عَلَيْهِمْ فَتَقْطَعُ عَلَيْهِمْ حَدِيثَهُمْ فَتُمِلَّهُمْ، وَلَكِنْ أَنْصِتْ، فَإِذَا أَمَرُوكَ فَحَدِّثْهُمْ وَهُمْ يَشْتَهُونَهُ، وَانْظُرِ السَّجْعَ مِنَ الدُّعَاءِ فَاجْتَنِبْهُ، فَإِنِّي عَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابَهُ لَا يَفْعَلُونَ ذَلِك. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٣٣٧].\nــ\nوقوله: (فتقص) و(فتقطع) مرفوعان عطفًا على (تأتي)، وفي بعض النسخ وقعا منصوبين على جواب النهي، والوجه هو الأول.\nوقوله: (فتملهم) منصوب بتقدير (أن) جوابًا للنهي.\nوقوله: (فإذا أمروك) أي: طلبوا العلم منك.\nوقوله: (وانظر السجع) المصحح في النسخ بصيغة الأمر من النظر، قال الطيبي (١): المعنى تأمل في السجع الذي ينافي إظهار الاستكانة والتضرع والتخشع فاجتنبه، فإنه أقرب إلى الإجابة، وقد يفهم من بعض الشروح أنه جعله من الإنظار بمعنى الإمهال والتأخير أي اتركه.\nوقوله: (فاجتنبه) تأكيد له، وهذا صحيح إن صحت الرواية، واللَّه أعلم.\nوقوله: (عهدت) أي: عرفت وعلمت، في (القاموس) (٢): العهد: الالتقاء والمعرفة، وفي (الصحاح) (٣): عهدي به قريب، أي: علمي ومعرفتي به.\nوقوله: (لا يفعلون ذلك) أي: السجع والتكلف فيه، وفي الرواية: (إلا ذلك) بزيادة حرف الاستثناء، فذلك إشارة إلى ترك السجع، كذا في بعض الشروح.\n_________\n(١) \"شرق الطيبي\" (١/ ٤٠٥).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٢٨٩).\n(٣) \"الصحاح\" (٢/ ٢).","vol":"1","page":593},{"text":"٢٥٣ - [٥٦] وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ فَأَدْركَهُ كَانَ لَهُ كِفْلَانِ مِنَ الأَجْرِ، فَإِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ كَانَ لَهُ كفْلٌ مِنَ الأَجْرِ\". رَوَاهُ الدِّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٩٦].\n٢٥٤ - [٥٧] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتهِ عِلْمًا عَلِمَهُ ونَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ،\nــ\n٢٥٣ - [٥٦] (واثلة بن الأسقع) قوله: (من طلب العلم فأدركه) يجوز أن يكون هذا بيان حال المجتهد كما ورد أنه إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد، وأن يكون بيان حال سائر طلبة العلم من أصحاب التحصيل بأنه إن حصل العلم كان له أجر العلم وأجر المشقة، وإن لم يحصل فأجر المشقة ثابت، كما في المجتهد، و(الكفل) بالكسر: الحظ والنصيب.\n٢٥٤ - [٥٧] (أبو هريرة) قوله: (إن مما يلحق المؤمن) المستتر في (يلحق) راجع إلى (ما)، و(المؤمن) مفعول، والظاهر أن (من) تبعيضية، ويصح معنى البعضية باعتبار كل واحد، وحاصله اعتبار الحمل قبل العطف، فلا ينافي الحصر في الأشياء المذكورة.\nوقوله: (علمه) بالتخفيف، وفي بعض النسخ بالتشديد، والأول أظهر، وسيأتي بعد في حديث أنعى وبقرينة (ونشره) لئلا يكون تكرارًا، إلا أن يراد بنشر التعليم إكثاره وإشاعته.\nوقول: (وولدًا) بالواو والبواقي بـ (أو)، ولعل النكتة فيه الإشارة [إلى] أنه لو جمع التعليم والولد بأن يعلم الولد كان أولى وأحرى ليكون دعاؤه للوالد أفضل","vol":"1","page":594},{"text":"أو مُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ تَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعُبِ الإيمَانِ\". [جه: ٢٤٢، شعب: ٣١٧٤].\n٢٥٥ - [٥٨] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ ﷿ أَوْحَى إِلَيَّ أَنَّهُ مَنْ سَلَكَ مَسْلَكًا فِي طَلَبِ الْعِلْمِ سَهَّلْتُ لَهُ طَرِيقَ الْجَنَّةِ، وَمَنْ سَلَبْتُ كَرِيمَتَيْهِ أَثَبْتُهُ عَلَيْهِمَا الْجَنَّةَ،\nــ\nوأقرب إجابة.\nوقوله: (ورثه) بالتشديد أي: تركه إرثًا، وقيل: وقفه في حال حياته، وكل هذه المذكورات راجعة إلى صدقة جارية، فلا ينافي الحصر في الثلاثة كما سبق.\nوقوله: (حياته) في حكم العطف التفسيري إشارة إلى أن التصدق لو كان في حال الحياة وإن لم يكن صحيحًا ما لم يبلغ الروح الحلقوم، ويكون الصحة مرجوة معتبر كما جاء في الحديث: (ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا) (١)، فافهم.\nوقوله: (تلحقه) يحتمل أن يكون متعلقًا بالكل، كرره تأكيدًا، أي: يلحق ثواب الأشياء الستة المذكورة المؤمن من بعد موته، ويحتمل أن يكون متعلقة بالصدقة، كرره بعد التعميم اهتمامًا بشأنها، والظاهر من كلام بعض الشارحين تعلقه بالصدقة بمعنى إن شرط أن يبقى عين المتصدق به بعد موته، كذا في شرح الشيخ، يعني لتكون صدقة جارية.\n٢٥٥ - [٥٨] (عائشة) قوله: (كريمتيه) أي: عينيه الكريمتين عليه، في\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٤١٩، ٢٧٤٨)، ومسلم (١٠٣٢)، وأبو داود (٢٨٦٧)، والنسائي (٣٦١١).","vol":"1","page":595},{"text":"وَفَضْلٌ فِي عِلْمٍ خَيْرٌ مِنْ فَضْلٍ فِي عِبَادَةٍ، وَمِلَاكُ الدِّينِ الْوَرَعُ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٥٣٦٧].\n٢٥٦ - [٥٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَدَارُسُ الْعِلْمِ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ خَيْرٌ من إحْيَائِهَا. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٨٢، ١٤٩].\nــ\n(القاموس) (١): كريمتك: أنفك، وكل جارحة شريفة كالأذن واليد، والكريمتان: العينان، و(الملاك) بفتح الميم وكسره: قوامه الذي يملك به، كذا في (القاموس) (٢). وفي (مجمع البحار) (٣): هو بالكسر والفتح قوام الشيء ونظامه وما يعتمد عليه فيه، وكسر ميمه رواية، وفتحها لغة، و(الورع) (٤) التقوى كذا في (القاموس) (٥)، وقد يفرق بينهما بأن التقوى اجتناب الحرام، والورع اتقاء الشبهة، وقد يعكس.\n٢٥٦ - [٥٩] (ابن عباس) قوله: (خير من إحيائها) إحياء ساعة من الليل أو كله، واللَّه أَعلم، وإحياء الليل إما بمعنى إضافة المصدر إلى المفعول كأن الليل ميت والعبادة فيه إحياء له، فإن حياة الوقت كونه محلًا لعبادة اللَّه وموته بعدمه، أو بمعنى (في) أيِّ إحياء النفس في الليل، فكأن القائم بالليل حيي والنائم ميت.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١٠٦٣).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٨٧٩).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٦٢٨).\n(٤) قال القاري: الْمُرَادُ بالْوَرَعِ التَّقْوَى عَنِ الْمُحَرَّمَاتِ وَالشُّبُهَاتِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ (٢/ ٧٠٥): وَالْوَرَعُ في الأَصْلِ الْكَفُّ عَنِ الْمَحَارِمِ والتَّحَرُّجُ منه، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلكَفِّ عَنِ الْمُبَاحِ وَالْحَلَالِ. قُلْتُ: لَعَلَّ مُرَادَهُ الْمُبَاحُ وَالْحَلَالُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الشُّبْهَةِ وَإِلَّا فَتَرْكُهَا زِيادَة عَلَى قَدْرِ الضَّرُورَةِ لَا يُسَمَّى وَرَعًا بَلْ يُسَمَّى زُهدًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٢٧).\n(٥) \"القاموس\" (ص: ٧٧١).","vol":"1","page":596},{"text":"٢٥٧ - [٦٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ فِي مَسْجدِهِ فَقَالَ: \"كِلَاهُمَا عَلَى خَيْرٍ وَأَحَدُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ، أَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَدْعُونَ اللَّهَ وَيَرْغَبُونَ إِليْهِ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ. وَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَيَتَعَلَّمُونَ الْفِقهَ أَوِ الْعِلْمَ وَيُعَلِّمُونَ الْجَاهِلَ فَهُمْ أَفْضَلُ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا\"، ثمَّ جَلَسَ فِيهِمْ. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ٩٩ - ١٠٠].\nــ\n٢٥٧ - [٦٠] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (مر بمجلسين) أي: بقومين جالسين في مكانين، أحدهما كانوا ذاكرين داعين، وثانيهما مذاكرين في العلم، أو المجلس محمول على حقيقته، والمراد بهؤلاء أهل المجلس.\nوقوله: (يرغبون إليه) أي يبتهلون ويتضرعون ويسألون، في (القاموس) (١): رغب فيه: أراده، وعنه: لم يرده، واليه: ابتهل، والطيبي (٢) قدر في وضمنه معنى التوسل، وقال: أي يرغبون فيما عند اللَّه من الثواب متوسلين إليه، ولا حاجة إلى ذلك، وحمل العبارة على الظاهر أنسب وأولى.\nوقوله: (فإن شاء أعطاهم) (٣) فمطلوبهم في احتمال ومقتصر على أنفسهم، وفائدة عمل الآخرين بآخر متعد إلى غيرهم.\nوقوله: (أو العلم) شك من الراوي.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٩٧).\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (١/ ٤٠٧).\n(٣) قال القاري (١/ ٣٢٨): فِي الْحَدِيثِ رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ أَوْجَبُوا الثَّوَابَ فَاسْتَحَقُّوا الْعِقَابَ، انتهى. والمعنى: أن نفعهم مختص بهم، ونفع العلماء متعدٍّ، فالثواب فيهن أرجى، كذا في \"التقرير\".","vol":"1","page":597},{"text":"٢٥٨ - [٦١] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: مَا حَدُّ الْعِلْمِ الَّذِي إِذَا بَلَغَهُ الرَّجُلُ كَانَ فَقِيهًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا فِي أَمْرِ دِينَهَا بَعَثَهُ اللَّهُ فَقِيهًا، وَكُنْتُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَة شَافِعًا وَشَهِيدًا\".\nــ\n٢٥٨ - [٦١] (أبو الدرداء) قوله: (ما حد العلم الذي. . . إلخ) في (القاموس) (١): الحد: الحاجز بين الشيئين، ومنتهى الشيء، وتمييز الشيء عن الشيء، والظاهر أن المراد في الحديث المعنى الأخير كما دل عليه كلام الطيبي (٢) حيث قال: حد الشيء الوصف المحيط بمعناه المميز عن غيره، ويحتمل إيراد المعنى الأول، فإن ما ذكر حد حاجز، أي: فاصل بين الفقيه وغيره، أو المعنى الثاني بأن يراد منتهى قدر كفايته، فافهم.\nوقوله: (من حفظ على أمتي (٣» معنى الحفظ ههنا أن ينقل الأحاديث الأربعين إلى المسلمين وإن لم يحفظها ولا عرف معناها (٤)، وتحقيق معنى هذا الحديث والكلام\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٢٦٤).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١/ ٤٠٧).\n(٣) أَيْ: شَفَقَةً عَلَيْهِمْ أَوْ لأَجْلِ انْتِفَاعِهِمْ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٢٨).\n(٤) كذا ذكره النووي، وقال القاري: فِي قَوْلِهِ: وَلَا عَرِفَ مَعْنَاهَا نَظَرٌ لأَنَّهُ لَا يُلَائِمُ الْمَقَامَ الَّذِي هُوَ حَدُّ الْعِلْمِ إِذِ الْفِقْهُ هُوَ الْعِلْمُ بِالشَّيْءِ وَالْفَهْمُ لَهُ وَغَلَبَ عَلَى عِلْمِ الدِّينِ لِشَرَفِهِ وَإِلَّا فَالْحَامِلُ غَيْرُ فَقِيهٍ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الطِّيبِيُّ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ طَابَقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ؟ أُجِيبَ: بِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى كَأَنَّهُ قِيلَ مَعْرِفَةُ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا بِأَسَانِيدِهَا مَعَ تَعْلِيمِهَا النَّاسَ اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْرِفَةَ أَسَانِيدِهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ، ثُمَّ قَالَ أَو نقول: هو من أسلوب الحكيم، أي: لا تسأل عن حد الفقه فإنه لا جدوى فيه، وكن فقيهًا فإن الفقيه من أقامه اللَّه تعالى لنشر العلم =","vol":"1","page":598},{"text":"٢٥٩ - [٦٢] وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَلْ تَدْرُونَ مَنْ أَجْوَدُ جُودًا؟ \" قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: \"اللَّهُ تَعَالَى أَجْوَدُ جُودًا، ثُمَّ أَنَا أَجْوَدُ بَنِي آدَمَ، وَأَجْوَدُهُمْ مِنْ بَعْدِي رَجُلٌ عَلِمَ عِلْمًا فَنَشَرَهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمِيرًا وَحْدَهُ، أَو قَالَ: أُمَّةً وَاحِدَةً\".\n٢٦٠ - [٦٣] وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ: . . . . .\nــ\nفي صحته وضعفه يطلب من (الأربعين) للنووي، وشرح الشيخ ابن حجر.\n٢٥٩ - [٦٢] (أنس) قوله: (من أجود جودًا؟) الجود بضم الجيم: البذل مالًا كان المبذول أو علمًا، والأجود إما من الجودة بفتح الجيم ضد الرداءة، أي: من الذي جوده أحسن وأبلغ، أو من الجود على الإسناد المجازي نحو جد جده.\nوقوله: (وأجوده) هكذا في أكثر النسخ، والضمير لـ (بني آدم) بتأويل الإنسان، وفي بعض النسخ: (أجودهم) وهذا أظهر.\nوقوله: (يأتي يوم القيامة أميرًا وحده) أي: كملك عظيم معه جماعة لاجتماع الفضائل والكمالات في ذاته، أو كالأمة الواحدة كما في الرواية الأخرى نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠]، في (القاموس) (١): الأمير: الملك، والأمة: الجيل من كل شيء، والرجل الجامع للخير، والإمام.\n٢٦٠ - [٦٣] (عنه) قوله: (منهومان) في (القاموس) (٢): النهم محركة والنهامة\n_________\n= وتعليمه الناس ما ينفعهم في دينهم ودنياهم من العلم والعمل، اهـ. \"مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح\" (١/ ٣٢٨).\n(١) \"القاموس\" (ص: ٣٢٤، ٩٩٤).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ١٠٧٣).","vol":"1","page":599},{"text":"مَنْهُومٌ فِي الْعِلْمِ لَا يَشْبَعُ مِنْهُ، وَمَنْهُومٌ فِي الدُّنْيَا لَا يَشْبَعُ مِنْهَا\". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي \"شُعَبِ الإِيْمَانِ\" وَقَالَ: قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: هَذَا مَتْنٌ مَشْهُورٌ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ وَلَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. [شعب: ١٥٩٧، ١٦٣٢، ٩٧٩].\n٢٦١ - [٦٤] وَعَنْ عَوْنٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْهُومَانِ لَا يَشْبَعَانِ صَاحِبُ الْعِلْمِ وَصَاحِبُ الدُّنْيَا، وَلَا يَسْتَوِيَانِ، أَمَّا صَاحِبُ الْعِلْمِ فَيَزْدَادُ رِضًى لِلرَّحْمَنِ، وَأَمَّا صَاحِبُ الدُّنْيَا فَيَتَمَادَى فِي الطُّغْيَانِ.\nثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]، قَالَ: وَقَالَ: الآخَرُ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ٩٦].\nــ\nكسحابة: إفراط الشهوة في الطعام، وأن لا تمتلئ عين الآكل (١) ولا يشبع، والنهمة: الحاجة، وبلوغ الهمة والشهوة في الشيء.\n٢٦١ - [٦٤] (عون) قوله: (يتمادى) أي: يذهب إلى الغاية، والمدى كفتى: الغاية.\nوقوله: (أن رآه) أي: لأن رآه، والرؤية بمعنى العلم.\nوقوله: (قال) أي قال عون: (قال) ابن مسعود -﵁-.\nوقوله: (الآخر) أي الاستشهاد الآخر على زيادة منهوم العلم رضًا للرحمن، فقوله: الآخر مرفوِع، وقد ينصب على أنه مفعول (قال)، والتقدير ذكر الاستشهاد الآخر.\n_________\n(١) في الأصول: \"عن الأكل\"، وهو تحريف.","vol":"1","page":600},{"text":"٢٦٢ - [٦٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ أُنَاسًا مِنْ أُمَّتِي سَيَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ وَيَقْرَؤُوْنَ الْقُرْآن يَقُولُونَ: نَأْتِي الأُمَرَاءَ فَنُصِيبُ مِنْ دُنْيَاهُمْ وَنَعْتَزِلُهُمْ بِدِينِنَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ، كَمَا لَا يُجْتَنَى مِنَ الْقَتَادِ إِلَّا الشَّوْكُ، كَذَلِكَ لَا يُجْتَنَى مِنْ قُرْبِهِمْ إِلَّا -قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ: كَأَنَّهُ يَعْنِي- الْخَطَايَا\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٥٥].\n٢٦٣ - [٦٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْم صَانوُا الْعِلْمَ، وَوَضَعُوهُ عِنْدَ أَهْلِهِ، لَسَادُوا بِهِ أَهْلَ زَمَانِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ بَذَلُوهُ لأَهْلِ الدُّنْيَا لِيَنَالُوا بِهِ مِنْ دُنْيَاهُمْ، فَهَانوُا عَلَيْهِمْ، سَمِعْتُ نبَيَّكُمْ -ﷺ- يَقُولُ: . . . . .\nــ\n٢٦٢ - [٦٥] (ابن عباس) قوله: (ولا يكون ذلك) كان تامة أي: لا يوجد ولا يصح ولا يستقيم الجمع بين التفقه في الدين والتقرب إلى الأمراء، ولا ينتج قربهم إلا الخسار والمضار كما لا يتحصل من (القتاد)، وهو شجر ذو شوك لا ثمر له (إلا الشوك) والجراحة والألم، وحذف المستثنى في جانب المشبه لفهمه من الكلام السابق، ولتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن، وإشارة إلى أنه يتضمن مضارّ لا تعدّ ولا تحصى ولا يكتنه كنهها.\nوقوله: (كأنه) أي: النبي -ﷺ- يعني بالاستثناء المحذوف الخطايا، وخص بالخطايا اهتمامًا بذكر المضار الدينية، وإلا فالاستثناء يعم المضار الدينية والدنيوية، والخطايا داخلة فيها.\n٢٦٣، ٢٦٤ - [٦٦، ٦٧] (عبد اللَّه بن مسعود، وابن عمر) قوله: (لسادوا به أهل زمانهم) أي: لفاقوا وعزوا بسبب صون العلم جميع أهل زمانه من أهل الدين والدنيا، وذلك لأن سنة اللَّه جارية على أن من حفظ حرمة العلم حفظ اللَّه حرمته، ومن","vol":"1","page":601},{"text":"\"مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ، وَمَنْ تَشَعَّبَتْ بِهِ الْهُمُومُ [فِي] أَحْوَالِ الدُّنْيَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ في أَيِّ أَوْدِيَتِهَا هَلَكَ\" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٥٧].\n٢٦٤ - [٦٧] وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ قَوْلِهِ: مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ. . . إِلَى آخِرِهِ. [شعب: ١٧٤٤].\n٢٦٥ - [٦٨] وَعَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"آفَةُ الْعِلْمِ النِّسْيَانُ، وَإِضَاعَتُهُ أَنْ تُحَدِّثَ بِهِ غَيْرَ أَهْلِهِ\". . . . .\nــ\nأضاعها أضاعه اللَّه، فنسأل اللَّه العافية.\nوقوله: (من جعل الهموم هَمًّا واحدًا) الهم: القصد، همّ به في نفسه أي قصد.\nوقوله: (همّ آخرته) بدل من (هَمًّا) (ومن تشعبت به) أي: تفرقت، والباء إما للتعدية أو للملابسة، و([فِي] أحوال الدنيا) بدل من الهموم، ولم يقل هموم الدنيا إشارة إلى تحوله وتقلبه من حال إلى حال، وتفرق قلبه وتشعب باله وخروجه من مقام الجمع والطمأنينة.\nوقوله: (في أيِّ أوديتها) أي: أودية الهموم أو الدنيا وأحوالها، والمآل واحد، أي: لعله يهلك ويموت في حالة السوء ويختم له بسوء العاقبة، أعاذنا اللَّه من ذلك.\n٢٦٥ - [٦٨] (الأعمش) قوله: (آفة العلم النسيان) تنبيه عن الاجتناب عن مباشرة الأسباب التي توجب النسيان من اقتراف الذنوب وارتكاب الخطايا وتشعب الهموم ومشاغل النفس والدنيا، والنسيان ضد الحفظ، وهو السهو بمعنى، وقد يفرق، وستعرفه في (باب سجود السهو) إن شاء اللَّه تعالى.\nوقوله: (إضاعته) ضاع يضيع ضيعًا ويكسر وضيعة وضياعًا بالفتح: هلك.","vol":"1","page":602},{"text":"رَوَهُ الدَّارِمِيُّ مُرْسَلًا. [دي: ١/ ١٥٨].\n٢٦٦ - [٦٩] وَعَنْ سُفْيَانَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -﵁- قَالَ لِكَعْبٍ: مَنْ أَرْبَابُ الْعِلْمِ؟ قَالَ: الَّذِي يَعْمَلُونَ بِمَا يَعْلَمُونَ. قَالَ: فَمَا أَخْرَجَ الْعِلْمَ مِنْ قُلُوبِ الْعُلَمَاءِ؟ قَالَ: الطَّمَعُ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ١٤٠].\nــ\n٢٦٦ - [٦٩] (سفيان) قوله: (من أرباب العلم؟) في (القاموس) (١): رب كل شيء: مالكه ومستحقه أو صاحبه، ولهذا فسره الطيبي (٢) بقوله: أي من الذي ملك العلم أو رسخ فيه، وقد يجيء الرب بمعنى المربي والمدبر والمهتمم، والتربية زيادة في الشيء بالتدريج، وفي الحديث: (ألك نعمة تربها) (٣) أي: تحفظها وتراعيها وتربيها، ويمكن حمل الحديث على هذا المعنى، فإن العلم وأنواره يزيد ويتم ويصير محفوظًا من آفة النسيان، ويصفو ويتحلى بالعمل الصالح، وفي الحقيقة نور العلم والإيمان ونور العمل تتعاكسان في الترقي والإزدياد.\nوقوله: (فما أخرج العلم من قلوب العلماء؟) أي: بعثهم على ترك العمل الذي به صاروا أربابًا للعلم فانعزلوا وانسلخوا عنه، نعوذ باللَّه من الحور بعد الكور، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، قال سيدي الشيخ أبو العباس المرسي (٤): ما رأيت العز الأكبر إلا في رفع الهمة عن الخلق،\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٩٤).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١/ ٤١٣).\n(٣) أخرجه مسلم (٢٥٦٧) ولفظه: \"هل لك عليه من نعمه تربها\"، وأحمد في \"مسنده\" (٢/ ٤٦٢) ولفظه: \"هل له عليك من نعمه تربها\".\n(٤) \"لطائف المنن\" (ص: ٨٧).","vol":"1","page":603},{"text":"٢٦٧ - [٧٠] وَعَنِ الأَحْوَصِ بن حَكِيمِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ -ﷺ- عَنِ الشَّرِّ،\nــ\nوقال -﵁-: اشتريت في ابتداء أمري من رجل كان يعرفني شيئًا بنصف درهم، ولما كان قليلًا وقع في خاطري أنه لا يأخذ مني الثمن، فسمعت هاتفًا يقول: السلامة في الدين بترك الطمع في المخلوقين، وقال: صاحب الطمع لا يشبع أبدًا، ألا ترى أن حروفها كلها مجوفة، فإنه يصد عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو أفضل الأعمال، وخصها بالعلماء فإنه لا يقدر على ذلك مع الطمع، وقيل: الطمع يصير الأسود ذبابًا، ثم الطمع توقع حصول مال من أحد يشك في وصوله منه، أما إذا كان جازمًا بوصوله لحق عليه كالخادم من المخدوم الذي عينه مشاهرة مثلًا فلا طمع، وكذا إذا كان بسبب يقيني، ويقرب من ذلك توقعه من صديق يغلب ظنه بعقد الأخوة والتزامه لذلك.\nوكان شيخنا الشيخ عبد الوهاب المتقي يقول: لما كنا في المركب راحلين إلى مكة فنزلناه بجزيرة مكران كما هو العادة أتانا نفر من العرب في زي الصلاح والمروة فاستفتونا وقالوا: إنا إذا حان موسم المراكب في بلدنا نستشرف حصول الخير من أهلها، هل هذا من الطمع والاستشراف الذي يكرهه القوم؟ فقلنا في جوابهم: عسى أن لا يكون من ذلك، فإن وصول المراكب في حقكم في الموسم كنزول المطر في موسمه، فمن انتظر المطر في موسمه لا يكون استشرافًا، فكذلك مجيء المراكب ونزولها لا يكون استشرافًا، واللَّه أعلم.\n٢٦٧ - [٧٠] (الأحوص بن حكيم) قوله: (سأل رجل النبي -ﷺ- عن الشر) أي شر الناس لا الأعمال.","vol":"1","page":604},{"text":"فَقَالَ: \"لَا تَسْأَلُونِي عَنِ الشَّرِّ وَسَلُونِي عَنِ الْخَيْرِ\" يَقُولُهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: \"أَلَا إِنَّ شَرَّ الشَّرِّ شِرَارُ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّ خَيْرَ الْخَيْرِ خِيَارُ الْعُلَمَاءِ\". رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ١٠٤].\n٢٦٨ - [٧١] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: \"إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ: . . . . .\nــ\nوقوله: (لا تسألوني عن الشر) أظهر -ﷺ- الكراهة عن ذكر أشرار الناس ووسمهم بذلك، وكرر ذلك، ثم لما لم يكن بد من بيانه وجواب سؤالهم (قال: ألا إن شر الشر شرار العلماء) المراد بالشر المضاف معنى التفضيل، وبالمضاف إليه إما معنى التفضيل أو الصفة فإنه يجيء بمعناهما، ثم إنه -ﷺ- لم يكتف ببيان شر الناس بل ذكر خيارهم أيضًا تلافيًا لما اعتراه من الكراهة بذكر الأشرار، وإنما كان الأمر كما ذكره -ﷺ-؛ لأن العلماء قدوة الناس وأمراؤهم، وسائر الناس كالرعايا، ففسادهم بفسادهم (١)، وصلاحهم بصلاحهم، كالقلب بالنسبة إلى الجسد، قالوا: فساد الرعية بفساد الأمراء، وفساد الأمراء بفساد العلماء.\n٢٦٨ - [٧١] (أبو الدرداء) قوله: (إن من أشر الناس) قال صاحب (القاموس) (٢): أشر لغة في شر قليلة أو رديئة، وقال الطيبي (٣): (من) زائدة، ولا يخفى عليك أنه إن أخذ التفضيل حقيقيًا فلا يكون إلا فرد واحد، وإن أخذ إضافيًّا فيمكن أن يصدق على متعدد، أو يعتبر التفضيل في الجماعات، فيكون جماعة من الناس أشر من جماعات\n_________\n(١) قوله: \"بفسادهم\" ثبت في (د)، وسقط في (ب) و(ر).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٣٨٦).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١/ ٤١٤).","vol":"1","page":605},{"text":"عَالِمٌ لَا ينْتَفع بِعِلْمِهِ\". رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ٨٢].\n٢٦٩ - [٧٢] وَعَن زِيَادِ بْنِ حُدَيْرٍ قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ: هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الإِسلَامَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ، وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْكِتَابِ، وَحُكْمُ الأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ. رَوَاهُ الدِّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٧١].\nــ\nأخر، ويكون العلماء بعضًا منها، فيجوز أن يثبت (من) تبعيضية، فافهم.\nوقوله: (لا ينتفع بعلمه) بصيغة المعلوم، أي: لا يعمل بعلمه حتى ينتفع هو بنفسه وإن كان ينفع الناس، وقد يضبط بصيغة المجهول، أي: لا ينتفع الناس لعدم التعليم والتدريس والتصنيف، أو لعدم أمره إياهم بالمعروف ونهيه عن المنكر.\n٢٦٩ - [٧٢]: (زياد بن حدير) قوله: (ابن حدير) بالحاء والدال المهملتين على صيغة التصغير.\nوقوله: (ما يهدم الإسلام) في (القاموس) (١): الهدم: نقض البناء، وكسر الظهر، ويناسب الحملى على المعنى الأول إثبات البناء للإسلام في قوله -ﷺ-: (بني الإسلام على خمسة)، ويمكن حمله على المعنى الثاني بطريق الاستعارة بالكناية، فإن بالعلماء يتقوى ظهر الإسلام، وبهم يستظهر أهله، فإذا زلّوا وداهنوا يضعف أمره، وينكسر ظهره وظهر أهله، وكذا جدال المنافق بالكتاب والسنة، والمراد به ما يشتمل جدال المبتدعة بالشبهة الواهية، والتأويلات الباطلة، وكذا حكم أمراء الجور والظلمة (٢)، والزائغين عن الحق، التابعين لشهواتهم وأهوائهم الذين يضلون الناس، ويأمرونهم بما يضلهم، وزلة العالم هو المقدم في ذلك، عافانا اللَّه.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٧٧).\n(٢) كذا في (ب)، وفي (د): \"الظلم\".","vol":"1","page":606},{"text":"٢٧٠ - [٧٣] وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: \"الْعِلْمُ عِلْمَانِ: فَعِلْمٌ فِي الْقَلْبِ فَذَاكَ الْعِلْمُ النَّافِعُ، وَعِلْمٌ عَلَى اللِّسَانِ فَذَاك حُجَّةُ اللَّهِ ﷿ عَلَى ابْنِ آدَمَ\". رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ١٠٢].\nــ\n٢٧٠ - [٧٣] (الحسن) قوله: (فعلم في القلب) الفاء للتفصيل، والمراد بعلم في القلب ما ظهر أثره ونوره في القلب بأن يعمل به وجرى على مقتضاه، وبـ (علم على اللسان) ما هو بخلاف ذلك، وقد يحمل على علمي الظاهر والباطن (١)، وهما علم المعاملة وعلم المكاشفة، والمعنى الأول أنسب بقوله: وعلم على اللسان، واللَّه أعلم.\nقال الشيخ ابن عطاء اللَّه في (كتاب الحكم) (٢): العلم النافع: هو الذي ينبسط في الصدر شعاعه، ويكشف عن القلب قناعه.\nوقال الشيخ أبو عبد اللَّه محمد بن علي الحكيم الترمذي: العلم النافع هو الذي قد تمكن في الصدر وتصور، وذلك أن النور إذا أشرق في القلب تصورت الأمور حسنها وسيئها، ووقع بذلك ظل في الصدر فهو صورة الأمور فيأتي حسنها ويجتنب سيئها، فذلك هو العلم النافع من نور القلب خرجت تلك العلائم إلى الصدر وهي علامات الهدى، والعلم الذي يتعلمه فذلك علم اللسان، إنما هو شيء قد استودع\n_________\n(١) قال القاري: لَكِنْ فِيهِ أَنْ لَا يَتَحَقَّقَ شَيْءٌ مِنْ عِلْمِ الْبَاطِنِ إِلَّا بَعْدَ التَّحَقُّقِ بإِصْلَاحِ الظَّاهِرِ كَمَا أَنَّ عِلْمَ الظَّاهِرِ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِإِصْلَاحِ الْبَاطِنِ، وَلذَا فَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ: مَنْ تَفَقَّهَ وَلَمْ يَتَصَوَّفْ فَقَدْ تَفَسَّقَ، وَمَنْ تَصَوَّفَ وَلَمْ يَتَفَقَّهْ فَقَدْ تَزَنْدَقَ، وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ تَحَقَّقَ، وَقَالَ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ: هُمَا عِلْمَانِ أَصْلِيَّانِ لَا يَسْتَغْنِي أَحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ بِمَنْزِلَةِ الإِسْلَامِ وَالإِيمَانِ مُرْتَبِطٌ كُلٌ مِنْهُمَا بِالآخَرِ، كَالْجِسْمِ وَالْقَلْبِ لَا يَنْفَكُّ أَحَدٌ عَنْ صَاحِبِهِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٣٥).\n(٢) \"الحكم العطائية\" (٤/ ٢٢٢).","vol":"1","page":607},{"text":"٢٧١ - [٧٤] وَعَنْ أَبيِ هُرَيرَةَ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وِعَاءَيْنِ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ فِيكُمْ،\nــ\nالحفظ، والشهوة غالبة عليه قد أحاطت به وأذهبت بظلمتها ضوءه، وقال بعضهم: العلم النافع علم الوقت وصفاء القلب، والزهد في الدنيا، وما يقرب من الجنة، وما يبعد عن النار، والخوف، والرجاء، وآفات النفوس وطهارتها، وهو النور المشار إليه بقوله: (إنه نور يقذفه اللَّه في قلب من شاء) دون علم اللسان والمعقول والمنقول.\nوقال صاحب (الحكم) (١): خير علم ما كانت الخشية معه، وقال: العلم إن قارنته الخشية فلك وإلا فعليك، وقال في (لطائف المنن) (٢): وشاهد العلم الذي هو مطلوب اللَّه تعالى الخشية للَّه، وشاهد الخشية موافقة الأمر، أما علم يكون معه الرغبة في الدنيا، والتملق لأربابها، وصرف الهمة لاكتسابها (٣)، والجمع والادخار والمباهات والاستكثار وطول الأمل ونسيان الآخرة، فما أبعد من هذا العلم علمه من أن يكون ورثة الأنبياء، ثم معيار الخشية وتحقيق العلم باللَّه إنما هو عدم المبالاة بغيره في إقبال وإدبار، رزقنا اللَّه.\n٢٧١ - [٧٤] (أبو هريرة) قوله: (حفظت من رسول اللَّه) في أكثر الروايات (عن)، وفي بعضها (من)، وهذا أظهر لأنه صريح في تلقيه منه -ﷺ- بلا واسطة، والظاهر من حال أبي هريرة بل من حال الصحابي مطلقًا كذلك.\nوقوله: (وعاءين) بياءين في بعض النسخ، وفي بعضها بهمزة وياء وهذا أظهر،\n_________\n(١) \"الحكم العطائية\" (٤/ ٢٣٤، ٢٤٢).\n(٢) \"لطائف المنن\" (ص: ١٧).\n(٣) كذا في الأصول، وفي \"اللطائف\": \"إلى اكتسابها\".","vol":"1","page":608},{"text":"وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ، يَعْنِي مَجْرَى الطَّعَامِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٢٠].\nــ\nوفي بعض الروايات: (وعاءين من العلم) أراد الكناية عن محل العلم وجمعه فاستعار له الوعاء، كذا في (مجمع البحار) (١)، وقال الطيبي (٢): شبه نوعي العلم بالظرفين لاحتواء كل منهما ما لم يحتو به الآخر، وقال: لعل المراد بالأول علم الأحكام والأخلاق، والثاني علم الأسرار المصون عن الأغيار المختص بالعلماء باللَّه من أهل العرفان، وذلك ليس بخارج من الدين، لكنه دقيق وخارج عن فهم العوام، وقيل: أراد به أخبار الفتن وفساد الدين على يد أغيلمة من قريش، وكان يقول: لو شئت إن أسميهم بأسمائهم، أو الأحاديث التي فيها آسامي أمراء الجور وأحوالهم وذمهم، وكان أبو هريرة يكني عن بعضه ولا يصرح به خوفًا على نفسه كقوله: (أعوذ باللَّه من إمارة الستين وإمارة الصبيان) يشير إلى إمارة يزيد بن معاوية، لأنها كانت سنة ستين، واستجاب اللَّه دعاءه فمات قبلها بسنة.\nأقول: إن كان مراد هذا القائل نفي علم الأسرار والحقائق التي لا يفهمه العوام ويخص بالعلماء باللَّه من أهل العرفان لدقتها وغموضها بحيث لو ذكر عند العوام أنكروها وذموا قائلها فمكابرة، إذ لا بد أن يكون لكل ظاهر باطن، ولكل شريعة حقيقة، والحقيقة هو حقيقة الشريعة لا شيء يباينها ويخالفها، وإن كان مقصوده أن حديث أبي هريرة محمول على شيء آخر من أخبار الفتن وأمراء الجور بقرينة ما يفهم بقرينة الحال كما ذكر فله وجه، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٩٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١/ ٤١٦).","vol":"1","page":609},{"text":"٢٧٢ - [٧٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللَّهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ تَقُولَ لِمَا لَا تَعْلَمُ: اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص: ٨٦]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨٠٩، م: ٢٧٩٨].\n٢٧٣ - [٧٦] وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تأْخُذُونَ دِينَكُمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [مق: ١/ ١٢].\nــ\n٢٧٢ - [٧٥] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (فإن من العلم أن تقول لما لم تعلم) بالفوقانية، وفي نسخة بالتحتانية، وإنما كان ذلك من العلم؛ لأن تميز المعلوم من المجهول نوع من العلم، وهذا معنى ما قيل: لا أدري نصف العلم.\nوقوله: (وما أنا من المتكلفين) أي: المتصفين بما ليسوا من أهله، تكلفت الشيء: تجسسته على مشقة، والمتكلف المتعرض لما لا يعنيه، وفي حديث عمر -﵁-: نهينا عن التكلف (١). أراد كثرة السؤال والبحث عن أشياء غامضة، وقرأ -﵁- قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١] فسئل عنه، فلما لم يدر قال: ما هذا إلا تكلف يعني أنه معلوم أنه اسم لشيء من جنس المطاعم والأمتعة، فالبحث عن علمه بالتعيين تكلف تركه أولى.\n٢٧٣ - [٧٦] (ابن سيرين) قوله: (إن هذا العلم) أي: علم الحديث وما جاء من عند رسول اللَّه -ﷺ- (دين) أي يبتني عليه الدين ويثبت (فانظروا عمن تأخذون دينكم) حث على الاهتمام بحال الراوي في رعاية الوثوق والديانة والحفظ والورع حتى\n_________\n(١) أخرجه البخاري (ح: ٧٢٩٣).","vol":"1","page":610},{"text":"٢٧٤ - [٧٧] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْقُرَّاءِ اسْتَقِيمُوا فَقَدْ سَبَقْتُمْ سَبْقًا بَعِيدًا، وَإِنْ أَخَذْتُمْ يَمِينًا وَشِمَالًا لَقَدْ ضَلَلْتُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٨٢٨٢].\nــ\nلا يؤخذ من كل من يروى، قال سيدي أبو عبد اللَّه بن عباد: أوصيك بوصية لا يعقلها إلا من عقل وجرب، ولا يهملها إلا من غفل وحجب، وهي أن لا تأخذوا هذا العلم مع متكبر ولا صاحب بدعة ولا مقلد، فأما الكبر فطابع يمنع من فهم الآيات والعبر، والبدعة في البلايا الكبر، والتقليد يمنع من بلوغ الوطر ونيل الظفر (١).\n٢٧٤ - [٧٧] (حذيفة) قوله: (يا معشر القراء) أي: الذين يحفظون القرآن بألسنتهم فقط، كذا في شرح الشيخ (٢)، وقيل: المراد بالقراء العلماء بالكتاب والسنة المقصرون في العمل بذلك.\nوقوله: (فقد سبقتم) روي بصيغة المعلوم فهو خطاب لمن أدرك أوائل الإسلام، فإنهم لما تمسكوا بالكتاب والسنة سبقوا إلى كل خير؛ لأن من جاء بعدهم وإن عمل بعملهم لم يصل إلى ما وصلوا من سبقهم إلى الإسلام، وقد يروى بالمجهول أي: فقد سبقكم المتصفون بتلك الاستقامة إلى اللَّه، وقال القاضي عياض في (المشارق) (٣): (فقد سبقتم) كذا عند ابن السكن بفتح السين والباء، ولغيره (سبقتم) بضم السين على ما لم يسم فاعله، والأول الصواب بدليل سياق الحديث وقوله بعد: (وإن أخذتم يمينًا وشمالًا فقد ضللتم).\n_________\n(١) انظر: \"روح المعاني\" (٥/ ٢٧١).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ١٩٣).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٣٤٧).","vol":"1","page":611},{"text":"٢٧٥ - [٧٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جُبِّ الْحَزَنِ\"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا جُبُّ الْحَزَنِ؟ قَالَ: \"وَادٍ فِي جَهَنَّمَ يَتَعَوَّذُ مِنْهُ جَهَنَّمُ كُلَّ يَوْمٍ أَرْبَعَ مِئَةِ مَرَّةٍ\"، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَنْ يَدْخُلُهَا؟ قَالَ: \"الْقُرَّاءُ الْمُرَاؤُونَ بِأَعْمَالِهِمْ\"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ وَزَادَ فِيهِ: \"وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِ الْقُرَّاءِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الَّذِينَ يَزُورُونَ الأُمَرَاءَ\"، قَالَ الْمُحَارِبِيُّ (١): يَعْنِي الْجَوْرَةَ. [ت: ٢٣٨٣، جه: ٢٥٦].\nــ\n٢٧٥ - [٧٨] (أبو هريرة) قوله: (من جب الحزن) في (القاموس) (٢): الجب بالضم: البئر أو مما وجد لا مما حفره الناس، في (الكشاف) (٣): الجب البئر لم تطو، وأطلق في الحديث على الوادي لكونه مقعرًا كالبئر.\nوقوله: (يتعوذ منه جهنم) وفي بعض النسخ: (تتعوذ) بالتاء وهو الأظهر، وفي بعضها: (تعوذ) بحذف التاء، وهو كناية عن غاية قبحه وشناعته، أو المراد حقيقة التعوذ، وقد أسند إلى جهنم القول والتغيظ والشكاية، واللَّه تعالى قادر على كل شيء.\nوقوله: (ومن يدخلها) الضمير للوادي باعتبار المعنى، وفي (تتعوذ منه) باعتبار اللفظ، وقد يجيء الواو في أول الكلام من غير عطف على شيء، أو هو عطف على مقدر، أي: ذلك شيء عظيم، فمن يستحقها ومن يدخلها.\nوقوله: (يزورون الأمراء) أي: لأجل دنياهم طمعًا لا للأمر بالمعروف أو دفعًا\n_________\n(١) هو عبد الرحمن بن محمد بن زياد أبو محمد الكوفي، أحد رواة الحديث، كما في \"سنن ابن ماجه\" (٢٥٦).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٧٤).\n(٣) \"الكشاف\" (٣/ ١٤٧).","vol":"1","page":612},{"text":"٢٧٦ - [٧٩] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى مِنَ الإِسْلَامِ إِلَّا اسْمُهُ، وَلَا يَبْقَى مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا رَسْمُهُ، مَسَاجِدُهُم عَامِرَةٌ وَهِيَ خَرَابٌ مِنَ الْهُدَى، عُلَمَاؤُهُمْ شَرُّ مَنْ تَحْتَ أَدِيم السَّمَاءِ، مِنْ عِنْدِهِمْ تَخْرُجُ الْفِتْنَة وَفِيهِمْ تَعُودُ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ١٧٦٣].\nــ\nلشرهم، أعاذنا اللَّه.\n٢٧٦ - [٧٩] (علي) قوله: (أن يأتي على الناس) أتى بعلى إفادة لمعنى التضرر ولمعنى الاستعلاء والغلبة بأن يأتي الزمان عليهم من غير اختيارهم، بل من جهة فساد العلماء والأمراء وأسباب أخر، وفي هذا مبالغة في بيان فساده.\nوقوله: (إلا رسمه) الرسم: الأثر أو بقية الأثر، والمراد برسم القرآن تجويد حروفه وإتقان ألفاظه من غير تفكر في معانيه والعمل بمقتضاه.\nوقوله: (مساجدهم عامرة) يجتمعون فيها ولكن لا للعبادة والذكر وتدريس العلوم لوجه اللَّه، فهي خراب من الهدى، وخال عنه لعدم وجوده بعدم وجود الهادي، والخراب ضد العمران اسم جنس أو جمع، والأديم من السماء والأرض ما ظهر.\nوقوله: (من عندهم تخرج الفتنة) بإعانة الظلمة.\nوقوله: (وفيهم تعود) بتسليط اللَّه إياهم عليهم، والعود يتعدى بـ (إلى)، والعدول إلى (في) لإفادة معنى التمكن والاستقرار، أي: يعود ويرجع ضررها إليهم متمكنًا ومستقرًا فيهم، ولقد رأينا هذا في زماننا، وإلى اللَّه المشتكى وبه المستغاث، وهو المستعان وعليه التكلان.","vol":"1","page":613},{"text":"٢٧٧ - [٨٠] وَعَنْ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- شَيْئًا فَقَالَ: \"ذَاكَ عِنْدَ أَوَانِ ذَهَابِ الْعِلْمِ\"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ، وَنَحْنُ نَقْرَأ الْقُرْآنَ وَنُقْرِئُهُ أَبْنَاءَنَا، وَيُقْرِئُهُ أَبْنَاؤُنَا أَبْنَاءَهُم إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: \"ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ زِيَادُ إِنْ كُنْتُ لأُرَاكَ مِنْ أَفْقَهِ رَجُلٍ بِالْمَدِينَةِ، أَوَلَيْسَ هَذِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَؤُونَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ لَا يَعْمَلُونَ بِشَيْءٍ مِمَّا فِيهِمَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنهُ نَحوه. [حم: ٤/ ١٦٠، ٢١٨، جه: ٤٠٤٨، ت: ٢٦٥٣].\n٢٧٨ - [٨١] وَكَذَا الدَّارمِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ. [دي: ١/ ٧٧].\n٢٧٩ - [٨٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ، تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ، تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَعَلِّمُوهُ النَّاسَ، فَإِنِّي امْرُؤٌ مَقْبُوضٌ،\nــ\n٢٧٧، ٢٧٨ - [٨٠ - ٨١] (زياد بن لبيد، وأبو أمامة) قوله: (شيئًا) أي: شيئًا عظيمًا من الفتن.\nوقوله: (إن كنت لأراك من أفقه رجل) إن مخففة من المثقلة وعلامته اللام و(كنت)، و(أراك) بضم الهمزة بمعنى أظن، و(من) زائدة، ويجوز أن يكون تبعيضية، و(رجل) بمعنى رجال.\n٢٧٩ - [٨٢] (ابن مسعود) قوله: (تعلموا الفرائض) أي: الأحكام المفروضة أو أنصباء المواريث.\nوقوله: (إني امرؤ مقبوض) أي: متوفى لكوني بشرًا، أو لانقضاء الحاجة بتمام","vol":"1","page":614},{"text":"وَالْعِلْمُ سَيَنْقَبِضُ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ حَتَّى يَخْتَلِفَ اثْنَانِ فِي فَرِيضَةٍ لَا يَجدَانِ أَحَدًا يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ. [دي: ١/ ٧٢ - ٧٣، قط: ٤/ ١٣٤].\n٢٨٠ - [٨٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَثَلُ عِلْمٍ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ كَمَثَلِ كَنْزٍ لَا يُنْفَقُ مِنْهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارمِيُّ. [حم: ٢/ ٤٩٩، دي: ١/ ١٣٤].\nــ\nأمر الدين، و(سينقبض) في بعض النسخ من الانقباض (١)، وفي بعضها من الانتقاص، والأول أقوى رواية وأنسب معنى بالسياق.\nوقوله: (في فريضة) فضلًا عن سنة ونفل.\n٢٨٠ - [٨٣] (أبو هريرة) قوله: (مثل علم لا ينتفع) بصيغة المجهول بدلالة تشبيهه بالكنز، والكنز الذي لا ينفق في حكم العدم، كذلك العلم الذي لا يعلم ولا يعمل به وإن كان كمالًا في نفسه، وزيادة قوله: (في سبيل اللَّه) لمناسبة تشبيه العلم، أو لأن إنفاق المال إنما يكون معتبرًا إذا كان في سبيل اللَّه، فافهم.\nتم (كتاب العلم) بعون اللَّه وتوفيقه ويتلوه: (كتاب الطهارة).\nتم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني إن شاء اللَّه تعالى، وأوله: (كتاب الطهارة).\nوصلى اللَّه تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وبارك وسلم تسليمًا كثيرًا.\n* * *\n_________\n(١) كذا في الأصول، والظاهر: و\"سينقبض\" من الانقباض، وفي بعض النسخ: \"سيقبض\" مجهول مجرد. انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ١٩٩).","vol":"1","page":615},{"text":"لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح\nللخطيب التبريزي (ت: ٧٤١ هـ)\nتأليف العلامة المحدث عبد الحق الدهلوي\nعبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدهلوي الحنفي\nالمولود بدهلي في الهند سنة (٩٥٨ هـ) والمتوفى بها سنة (١٠٥٢ هـ) رحمه اللَّه تعالى\nتحقيق وتعليق الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي\nطبع على نفقة سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان\nممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة\nالمجلد الثاني\nدار النوادر","vol":"2","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"2","page":2},{"text":"لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح (٢)","vol":"2","page":3},{"text":"دار النوادر\nالمؤسس والمالك نور الدين طالب\nمؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي والإسلامي والدراسات الأكاديمية والجامعية المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية تأسست في دمشق سنة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م، وأُشهرت سنة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م.\nسوريا - دمشق - الحلبوني:\nص. ب: ٣٤٣٠٦\nجميع الحقوق محفوظة للمحقق\nيمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بكافة طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي أو المسموع أو استخدامه حاسوبيًا بكافة أنواع الاستخدام وغير ذلك من الحقوق الفكرية والمادية إلا بإذن خطي من المؤسسة.\nالطبعة الأولى\n١٤٢٥ هـ - ٢٠١٤ م\nE-mail: info@daralnawader.com\nWebsite: www.daralnawader.com\nشركات شقيقة\nدار النوادر اللبنانية - لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)\nدار النوادر الكويتية - الكويت - ص. ب: ١٠٠٨ - هاتف: ٢٢٤٥٣٢٣٢ - فاكس: ٢٢٤٥٣٣٢٣ (٠٠٩٦٥)\nدار النوادر التونسية - تونس - ص. ب: ١٠٦ (أريانة) - هاتف: ٧٠٧٢٥٥٤٦ - فاكس: ٧٠٧٢٥٥٤٧ (٠٠٢١٦)\nمركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية\nمظفرفور - أعظم جراه - يوبي - الهند\nالهاتف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤ - ٠٠٩١\nالفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦ - ٠٠٩١\nمتحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥ - ٠٠٩١\nالبريد الإلكتروني: drnadwi@gmail.com","vol":"2","page":4},{"text":"(٣) كتاب الطهارة","vol":"2","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-225>(٣) كتاب الطهارة</span>\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n٣ - كتاب الطهارة (١)\nالطهارة -بفتح الطاء- في اللغة بمعنى النظافة نقيض النجاسة، وطهر كنصر وكرُم، والطَّهور: مصدر واسم ما يُتطهر به، أو الطاهر المطهِّر، كذا في (القاموس) (٢)، وظهر مما ذكر أن الطهارة لازمة، فاستشكل اشتقاق الطهور منها بمعنى المطهِّر، فقال قوم: الطهور منقول شرعي من معنى الطاهر طهارة تامة إلى معنى المطهِّر، والظاهر أنه متعدٍّ لغة كما يظهر مما ذكره في (القاموس) (٣)، ولكن الإشكال في وجه اشتقاقه من معنى اللازم، وقال آخرون: المبالغة في الطهارة لا تعقل إلا بتعديتها؛ إذ الطهارة الشرعية لا تقبل الزيادة والنقصان، وفيه ما فيه، وقيل: هو مشتق من طهره كمنعه بمعنى أبعده، فالطهور بمعنى المُبْعِد للنجاسة، وقد ذكر هذا المعنى في\n_________\n(١) قال القاري: لَمَّا كَانَتِ الْعِبَادَةُ نَتِيجَةَ الْعِلْمِ، وَالصَّلَاةُ أَفْضَلَ الْعِبَاداتِ، وَالطَّهَارَةُ مِنْ شُرُوطِهَا الْمُتَوَقِّفِ صِحَّتُهَا عَلَيْهَا، عَقَّبَ كِتَابَ الْعِلْمِ بِكِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَاخْتُصَّتْ مِنْ بَيْنِ شُرُوطِهَا لِكَوْنِهَا غَيْرَ قَابِلَةٍ لِلسُّقُوطِ، وَلِكَثْرَةِ مَسَائِلِهَا الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا هُنَا. قَال الْغَزَالِيُّ: لِلطَّهَارَةِ مَرَاتِبُ مِنْ تَطْهِيرِ الظَّاهِرِ عَنِ الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ، ثُمَّ تَطْهِيرِ الْجَوَارِحِ عَنِ الْجَرَائِمِ، ثُمَّ تَطْهِيرِ الْقَلْبِ عَنِ الأَخْلَاقِ الْمَذْمُومَةِ، ثُمَّ تَطْهِيرِ السِّرِّ عَمَّا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٤١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٠٣).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٠٣).","vol":"2","page":7},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n(القاموس) حيث قال: الطهور اسم ما يتطهر به، أو الطاهر المطهر، وطهره كمنعه: أبعده.\nوقال الزركشي في شرح كتاب الخرقي (١): وقال بعضهم: الطهارة في اللغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار حسيةً كانت أو معنوية. وقد ورد في الصحيحين: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا دخل على مريض قال: (لا بأس طهور إن شاء اللَّه) أي: مطهَّر من الذنوب، والذنوب أقذار معنوية، ولا يخفى أنه يحتمل أن يكون استعمال الطهر ههنا بطريق المجاز، إلا أن يقال: الأصل الحمل على الحقيقة.\nوأما الطهارة في اصطلاح الفقهاء، فقال أبو محمد من الحنابلة: هي رفع ما يمنع الصلاة من حدث أو نجاسة بالماء، أو رفع حكمه بالتراب، وأورد على عكسه الحَجَر وما في معناه في الاستنجاء، ودلك النعل، وذيل المرأة، فإن تقييده بالماء والتراب يُخرج ذلك، وأيضا نجاسة تصح الصلاة معها لكونها قليلة، فإن زوالها طهارة ولا تمنع الصلاةَ، وأيضًا الأغسال المستحبة، والتجديد، والغسلة الثانية والثالثة، فإنها طهارة ولا تمنع الصلاة. وقد أجيب عن الأغسال المستحبة ونحوها بأن إطلاق الطهارة عليها مجاز لمشابهته للوضوء الواقع في الصورة.\nوحدَّها بعض متأخري البغاددة بأنها استعمال الطهور في محل التطهير على الوجه المشروع، وهو حدٌّ للتطهير لا للطهارة، فهو تعريف بغير المحمول، وقد حُدَّت بحدود كثيرة يطول ذكرها والكلام عليها، وأحسن ما قيل في تعريفه ما ذكره الشُّمُنِّي في شرح (النقاية): إنها النظافة عن الحدث والخبث، فتدبر.\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (١/ ١١٢).","vol":"2","page":8},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-226> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٨١ - [١] عَن أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمَانِ. . . . .\nــ\nالفصل الأول\n٢٨١ - [١] (أبو مالك الأشعري) قوله: (الطهور شطر الأيمان) ضبطوا الطهور بالضم والفتح وكلاهما بمعنى المصدر، نعم قد جاء بالفتح بمعنى ما يتطهَّر به أيضًا كما ذكر في (القاموس) (١)، والمشهور عند الجمهور أن بالضم للمصدر، وبالفتح للاسم كما في الوضوء، وعن بعضٍ عكسُه، والحق أن كليهما يجيء للمصدر بالفتح والضم، ويجيء بالفتح للاسم أيضًا.\nوالشطر نصف الشيء وجزؤه، والمعنى الأول أشهر وأكثر استعمالًا في الأحاديث كما لا يخفى على المتتبع، ولو ذكرنا موارده لطال الكلام، فإنْ حُمل في هذا الحديث على معنى الجزء مطلقًا فذاك كأنه جزء من حقيقة الايمان مبالغة في التحريض والمحافظة عليه سواء أُريد بالإيمان حقيقتُه أو الصلاة، وإن حمل على معنى النصف فتوجيهُه إرادة المبالغة في أن الأجر في الطهور ينتهي إلى نصف أجر الإيمان أو الصلاة، أو الإيمان يجبُّ ما قبله من الخطايا، إلا أن الإيمان يجبُّ الكبائر والصغائر، والطهور يجبُّ الصغائر فقط، أو أن الإيمان يطهر الباطن، والطهور يطهر الظاهر، كذا في (مجمع البحار) (٢)، ولعل المراد أنهما في المؤمن متناصفان، فافهم.\nوقال بعض المحققين في تأويله: إن الإيمان تخلية عن الرذائل وتحلية بالفضائل،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٠٣).\n(٢) انظر: \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٤٧٩).","vol":"2","page":9},{"text":"وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلآنِ -أَوْ تَمْلأُ- مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ. . . . .\nــ\nوالطهور ههنا محمول على التخلية.\nوقوله: (والحمد للَّه يملأ الميزان) يملأ يروى بالفوقانية والتحتانية، فالأُولى باعتبار اللفظة أو الكلمة أو المثوبة، والثانية باعتبار اللفظ أو الثواب، وقد ثبت بالنصوص أن الأعمال توزن إما نفسها، أو بجعلها صورًا، أو كتبها أو لكونها جواهر في موطن الآخرة كما هو عند المحققين، وقد حقق في موضعه.\nوقوله: (سبحان اللَّه والحمد للَّه تملآن أو تملأ) شك من الراوي أنه بلفظ التثنية أو المفرد، فالأول ظاهر، والثانية باعتبار الجملة أو المجموع، وكل منهما بالفوقانية أو التحتانية، وذلك من جهة أن سبحان اللَّه تنزيه للَّه سبحانه، وهو يشمل السماوات والأرض وما بينهما، وكل ذرة تدل على تنزهه من النقائص، والحمد للَّه اعتراف بكمالاته ونعمه، والعالم مملوء بها ودالٌّ عليها، ولا شك أن هذه الكلمات لو صدرت من أحد بحقائقها أوجبت شهود صفات اللَّه وأسمائه التي العالم مظاهرها، وأما التفوُّه بمجرد الألفاظ فلا اعتداد به، ومع ذلك فضل اللَّه واسع يعطي من يشاء ما يشاء.\nوقوله: (والصلاة نور (١» أي: منوِّر القلب لشهود الحق وظهور المعارف؛ لأن أتم الأحوال والأوقات التي تُكشف للعارفين إذا كانوا في الصلاة، وأقربُ ما يكون العبد من ربه إذا كان ساجدًا، وحسبه قوله -ﷺ-: (وجعلت قرة عيني في الصلاة) (٢)، والوجهِ لظهور سيماء الصلاح والعرفان، وتهدي إلى طريق الحق والصواب، وتنهى عن\n_________\n(١) قال القاري: أَيْ: فِي الْقَبْرِ وَظُلْمَةِ الْقِيَامَة، \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٤٢).\n(٢) أخرجه النسائي في \"السنن\" (٣٩٤٠)، وأحمد في \"مسنده\" (٣/ ١٢٨).","vol":"2","page":10},{"text":"وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو. . . . .\nــ\nالفحشاء والمنكر، أو سبب للنور يوم القيامة يسعى بين أيدي أهلها وبأيمانهم (١).\nوقوله: (والصدقة برهان) أي: حجة لطالب الأجر؛ لأنها فرض يجازي اللَّه به عليه، أو دليل واضح قوي على صدق صاحبها في دعوى الإيمان إذا كان لوجه اللَّه سبحانه.\nوقوله: (والصبر ضياء) الصبر هو الاستقامة على مقتضى الكتاب والسنة، وقد يفسر بترجيح داعية الحق على داعية الهوى عند معارضتهما، أو المراد: الصبر على البلايا والمصائب، ويحتمل أن يكون المراد الصوم بقرينة ذكر الصلاة والزكاة كما يفسره به في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، ولقد بالغ -ﷺ- في مدح الصبر بجعله ضياء وجعل الصلاة نورًا؛ لأن الضياء فرط الأنارة وفوقها، والنور دونه كما يشير إليه قوله سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] والأمر كذلك؛ لأنه ملاك الأمر والطاعات كلها من الصلاة وغيرها من أقسام الصبر وأفرادها.\nوقوله: (والقرآن حجة لك) إن عملتَ به وأدَّيت حقه ونصحت له (أو عليك) إن لم تفعل ذلك.\nولما ذكر بعض أنواع العبادات والطاعات التي هي العمدة، ويستلزم ذلك ذكر أضدادها أيضًا، أشار إلى تعميم الطاعات والمعاصي وأحوال الناس فيها فقال: و(كل الناس يغدو) أي: يبكر ويصبح، والغدوة بالضم: البُكرة، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس.\n_________\n(١) قال القاري: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٤٢).","vol":"2","page":11},{"text":"فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٣].\nوَفِي رِوَايَةٍ: \"لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ تَمْلآنِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ\". لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَا فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ وَلَا فِي \"الْجَامِعِ\"، وَلَكِنْ ذَكَرَهَا الدَّارِمِيُّ بَدَلَ \"سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ للَّهِ\".\n٢٨٢ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟ \" قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: . . . . .\nــ\nوقوله: (فبائع نفسه) أي: صارف نفسه في عوض ما يتوجه إليه.\nوقوله: (فمعتقها) إن كان ما يتوجه [إليه] طاعة، (أو موبقها) أي: مهلكها إن كان معصية، وقيل: البائع هو المملِّك لغيره، والإنسان إذا أصبح فإما إن يملِّك زمام نفسه للشرع فلا يرتكب محظور دينه فيكون معتقًا لنفسه، وإما إن يملك زمامها للشيطان فيكون مهلكًا لها، وقيل: المراد بالبائع المشتري، أي: يشتري نفسه ويختار، وبعد ذلك إما أن يعتقها أو يوبقها.\n٢٨٢ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (على ما يمحو اللَّه به الخطايا) محاه يمحوه ويمحاه: أذهب أثره، ومحو الخطايا: غفرانها، أو محوها عن ديوانها، والمراد بها الصغائر.\nوقوله: (ويرفع به الدرجات) اعلم أنه قد يجيء في باب مواضع الصلاة أن هذه كفارات، والدرجات: إطعام الطعام ولِين الكلام والصلاة بالليل والناس نيام، ولا منافاة بين ما ذكر ههنا وما ذكر هناك، إذ يمكن أن يكون فيها خاصيتان: كونُها كفارات ودرجات، لكنه اقتصر هناك على أحد الوصفين وذكر في الدرجات صفاتٍ أخر، وفي","vol":"2","page":12},{"text":"\"إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَى إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ\".\n٢٨٣ - [٣] وَفِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: \"فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ\". مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِيِّ: ثَلَاثًا. [م: ٢٥١، ت: ٥٢].\nــ\nالحقيقة كل طاعة موجب لرفع الدرجة.\nوقوله: (إسباغ الوضوء) في (القاموس) (١): أسبغ الوضوء: أبلغه مواضعه، ووَفَّى كل عضو حقه، انتهى. وأصل السبغ: الكمال والتمام، وحاصله: أن لا يترك شيئًا من واجباته وسننه وآدابه.\nوقوله: (على المكاره) جمع مكره بفتح الميم من الكره بالفتح والضم: الإباء والمشقة، أو بالضم: ما أكرهت نفسك عليه، كذا في (القاموس) (٢).\nوقوله: (وكثرة الخطى إلى المساجد) المراد الذهاب إليه من مكان بعيد، ويحتمل أن يكون كناية عن المشي بالوقار والأناة، والمراد بانتظار الصلاة أن يجلس في المسجد ينتظرها، أو إن خرج يكون قلبه متعلقًا بها.\n٢٨٣ - [٣] (مالك بن أنس) قوله: (فذلكم الرباط) الظاهر أن الإشارة إلى انتظار الصلاة، وأصل الرباط: ملازمة الثغور لمحاربة الكفار، ويحتمل أن يكون إشارة إلى الكل؛ لأنها تسد طرق الشيطان على النفس، وتقهر عنها الهوى، وتمنعها عن قبول الوسواس إشارة إلى أنها المُرابَطة الحقيقية والجهاد الأكبر، والمستأهل أن يسمى رباطًا، واسم الإشارة للبعد للتعظيم على وتيرة قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢]،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٢٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٥٢).","vol":"2","page":13},{"text":"٢٨٤ - [٤] وعَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ مِنْ جَسَدِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَاره\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٣٣، م: ٢٤٥].\n٢٨٥ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُسْلِمُ -أَوِ الْمُؤْمِنُ- فَغَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَ مِنْ وَجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إِلَيْهَا بِعَيْنَيْهِ مَعَ المَاء مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ،\nــ\nوالتكرير للتأكيد والتقرير.\n٢٨٤ - [٤] (عثمان) قوله: (فأحسن الوضوء) بضم الواو وقد يفتح، والحال فيه كما في الطهور وهو في معنى أسبغه، والظاهر أن الإسباغ إكماله بإيصال الماء تمامًا وتثليث الغسل ونحوه، والإحسان برعاية السنن والآداب، واللَّه أعلم.\nوقوله: (من تحت أظفاره) ويحتمل أن يكون المراد: داخل الأظفار تحت الجلد، ففيه مبالغة، وإن لم يكن محل وصول الماء، أو المراد بتحت الأظفار داخل رؤوس الأظفار مما طالت، وهو الظاهر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (متفق عليه) وفي بعض الشروح أنه من أفراد مسلم.\n٢٨٥ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (نظر إليها) أي: إلى الخطيئة، أي: إلى ما تحصل به الخطيئة كالعورة وما يحرم النظر إليه.\nوقوله: (بعينيه) بلفظ التثنية، وفي بعض النسخ (بعينه) بالإفراد، خصص العين بالذكر وإن كان الوجه مشتملًا على غيرها أيضًا؛ لأن أكثر ما تحصل به الخطيئة من الوجه هي العين (١).\n_________\n(١) وفي \"التقرير\": يشكل ذكر العين خاصة مع أن الوجه شامل للأنف وغيره، إلا أن يقال في =","vol":"2","page":14},{"text":"فَإِذَا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ من يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ كانَ بَطَشَتْهَا يَدَاهُ مَعَ الْمَاءِ -أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ-، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيهِ خَرَجَ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْهَا رِجْلَاهُ مَعَ الْمَاءِ أَوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الْمَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوب\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٤].\n٢٨٦ - [٦] وَعَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ. . . . .\nــ\nوقوله: (أو مع آخر قطر الماء) الظاهر أنه شك من الراوي، وفي بعض الشروح أنه ليس بشك من الراوي بل لأحد الأمرين، ولا يخلو عن خفاء بحسب المعنى، فافهم.\nوقوله: (مشتها) بنزع الخافض، أي: مشت إليها، وقال الطيبي (١): يحتمل أن\nيكون الضمير للمصدر، أي مشت المشية، وهذا كما ذكروا في قوله -ﷺ-: (واجعله الوارث منا) أن الضمير للمصدر على تأويل، وقد يجعل الضمير للمذكورات من الأسماع والأبصار، ولا يخفى أن جعل الضمير للمصدر مما لا يذهب إليه الفهم أصلا لكنهم ذكروا ذلك، ولا بد أنه فهموا ذلك من استعمال أهل اللسان.\n٢٨٦ - [٦] (عثمان) قوله: (صلاة مكتوبة) أي مفروضة، في (القاموس) (٢):\n_________\n= الجواب: إن لكل من الأنف والفم والأذن طهارة مخصوصةً من المضمضة والمسح، دون العين فذكرها، قاله ابن حجر. أو ذكر العين على سبيل الغاية كما في الروايات الآتية: \"حتى من تحت أشفارها\"، أو ذكرها لدفع ما يمكن أن يوهم أن لا يخرج من العين لعدم غسل ما تحتها. ويشكل أيضًا بأن هذه الرواية تدل على تطهر أعضاء الوضوء خاصة، والمتقدمة على طهارة سائر الجسد. وجمع بأن الأول مع الإحسان، وهذه بدونه، أو بأن المراد من الجسد في الأول هو هذه الأعضاء، أو المراد بالأعضاء ههنا الجسد كله.\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٣٢).","vol":"2","page":15},{"text":"فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةً،\nــ\nكتبه: خطه، والكتاب: ما يكتب فيه والفرض والحكم والقدر.\nوقوله: (وضوءها) وفي بعض النسخ (وضوءه)، وكذا في (خشوعها وركوعها)، والخشوع يشتمل على رعاية آدابه الظاهرة والباطنة، وتخصيص الركوع بالذكر لأنه من خصائص صلاة المسلمين، وليس في صلاة اليهود والنصارى ركوع، ولأنه أشد من السجود لا يقدر على إكماله الضعفاء بخلاف السجود، ولأنه يدرك الركعة بدركه فيكون إحسانه وإتمامه أهم، ولأن الركوع أول حالة يتميز بها المصلي.\nوقوله: (ما لم يؤت) على بناء الفاعل من الإيتاء، هكذا الموجود في (صحيح مسلم) وشرحه للنووي، وفي كتاب الحميدي، والذي يوجد في نسخ (المصابيح): (لم يأت) من الإتيان وهو ظاهر المعنى؛ لأن إتيان الشيء بمعنى العمل به كثير، وأما الإيتاء فإنما هو بمعنى الإعطاء، وتوجيه الإيتاء أن العالم يعطي العمل من نفسه، وقد يروى: (يؤت) بلفظ المجهول إقامةً للمفعول الأول مقام الفاعل وترك الثاني منصوبًا بمعنى: لم تصبه الكبيرة، من قولهم: أُتي فلان في بدنه، أي: أصابته علَّةٌ، والمختار بحسب الرواية (ما لم يؤت) من الإيتاء مبنيًا للفاعل.\nثم الظاهر من قوله: (ما لم يؤت كبيرة) أن كفارة الذنوب مشروطة بعدم إتيان الكبائر، فإن أتى الكبائر لم تكفَّر صغائره، وهو الظاهر من قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] لكنهم قالوا: معناه: إن الذنوب كلها تغفر إلا الكبائر فإنها لا تغفر، فافهم. قال النووي (١): هذا هو المراد، والأول وإن كان محتمل العبارة لكنه لم يذهب إليه أحد.\n_________\n(١) \"شرح النووي\" (٣/ ١١٢).","vol":"2","page":16},{"text":"وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٨].\n٢٨٧ - [٧] وَعَنْهُ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلَاثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلَاثًا، ثُمَّ الْيُسْرَى ثَلَاثًا،\nــ\nوقوله: (وذلك الدهر كله) أي: تكفِّر الصلاة المكتوبة على هذه الكيفية الصغائر في الدهر كله، أي: لا يختص بفرض واحد بل فرائض الدهر تكفِّر صغائره، فالدهر منصوب على الظرفية، و(كله) تأكيد له، فإن قلت: فما الحال إذا كانت كبائر أو لم يكن صغائر ولا كبائر؟ قلنا: قال بعض العلماء: نرجو أن يخفف من الكبائر في الصورة الأولى، وترفع الدرجات في الثانية.\n٢٨٧ - [٧] (عثمان) قوله: (توضأ فأفرغ) من عطف البيان على المبيَّن والتفصيل على الإجمال، وذلك كثير في الأحاديث، والإفراغ: الصب والإراقة (ثم تمضمض) المضمضة: تحريك الماء في الفم، كذا في (القاموس) (١)، وفي (مجمع البحار) (٢): هو وضع الماء في الفم وإدارته بالأصابع أو بقوة الفم ثم مجه، والاستنثار: استنشاق الماء ثم استخراج ذلك بنفَس الأنف، والنثرة: الخيشوم، (واستنثر) أي: استنشق الماء ثم استخرج ما في الأنف، فظهر من هذا أن الاستنثار يتضمن ذكر الاستنشاق، وليس أنه ترك ذكر الاستنشاق اعتمادًا على ما ذكره في الرواية الأخرى، نعم قد يذكران معًا، ويراد بالاستنثار هناك الاستخراج فقط، فذلك هو المحتاج إلى التوجيه والتأويل،\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٦٠٣).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٦٠٦).","vol":"2","page":17},{"text":"ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ: \"مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا بِشَيْءٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدم مِنْ ذَنْبِهِ\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. وَلَفْظُهُ للْبُخَارِيِّ. [خ: ١٥٩، ١٩٣٤، م: ٢٢٦].\nــ\nفافهم.\nثم الظاهر من هذا الحديث كون المضمضمة والاستنشاق بغرفة واحدة لعدم ذكر (ثم) كما في سائر الأعضاء، وسيجيء الكلام فيه في (باب سنن الوضوء) إن شاء اللَّه تعالى.\nوقوله: (نحو وضوئي) في شرح مسلم: إنما قال: نحو، ولم يقل: مثل، لأن حقيقة مماثلة وضوئه -ﷺ- لا يقدر عليها غيره، انتهى. وهذا مبني على اعتبار وجه الشبه في المماثلة من كل وجه، ولو لم يعتبر ذلك واكتفى بالمشاركة في جهة خاصة لكفى، وهذا تأدب منه -﵁-، وأما قوله -ﷺ-: (وضوئي) بترك حرف التشبيه فترغيب وحث على كمال المبالغة، فافهم.\nوقوله: (ثم يصلي ركعتين) ولو صلى أكثر لكان أفضل، يؤخذ فيه استحباب الصلاة بعد الوضوء، وقال الطيبي (١): هي سنة مؤكدة لا تترك ولو في وقت مكروه، ولو صلى فريضة أو راتبة لكفت، وأنكر الإمام الغزالي تسميتها بتحية الوضوء، وأما التسمية بتحية المسجد فصحيح.\nوقوله: (لا يحدث نفسه فيهما بشيء) أي: في أمور الدنيا، ولو عرضت الخواطر فدفعها ولم يستقر لم يضر في هذه الفضيلة، وقيل: المراد الإخلاص، وقيل: عدم العجب، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١٤).","vol":"2","page":18},{"text":"٢٨٨ - [٨] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي ركْعَتَيْنِ مُقْبِلًا عَلَيْهِمَا بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ. . . . .\nــ\n٢٨٨ - [٨] (عقبة بن عامر) قوله: (مقبلًا عليهما) وجد في أكثر الأصول بالرفع، ووجهه أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هو مقبل، والجملة حال، وفي بعضها بالنصب وهو أظهر، ووجد في كثير من نسخ (المصابيح): يقبل بلفظ المضارع.\nوقوله: (بقلبه ووجهه) أي: بباطنه وظاهره، والإقبال إنما هو على اللَّه، ولما كانت الصلاة وسيلة له نسب الإقبال إليها؛ لأنه إن لم يكن عليهما لا يحصل الإقبال على اللَّه تعالى.\nقال الإمام الغزالي في (إحياء العلوم) (١): المعاني الباطنة التي تتم بها الصلاة جملتها ست: حضور القلب، والتفهم، والتعظيم، والهيبة، والرجاء، والحياء، الأول: حضور القلب ونعني به أن يفرغ القلب عن غير ما هو ملابِس له ومتكلِّم به، فيكون العلم بالفعل مقرونًا بهما، ولا يكون الفكر جاريًا في غيرهما، والفهم غير الحضور، فربما يكون القلب حاضرًا مع اللفظ، ولا يكون حاضرًا مع معنى اللفظ، فاشتمال القلب على العلم بمعنى اللفظ هو الذي أردناه بالتفهم، وهذا مقام يتفاوت الناس فيه، إذ ليس يشترك الناس في تفهم المعاني للقرآن والتسبيحات، وكم من معانٍ لطيفة يفهمها المصلي في أثناء صلاته ولم يكن قد خطر بقلبه ذلك [قبله]، ومن هذا الوجه كانت الصلاة ناهية عن الفحشاء والمنكر، فإنها تفهِم أمورًا تلك الأمور تمنع عن الفحشاء لا محالة.\n_________\n(١) \"إحياء علوم الدين\" (١/ ١٦٩).","vol":"2","page":19},{"text":"إِلَّا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٤].\n٢٨٩ - [٩] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ -أَوْ فَيُسْبغُ- الْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. . . . .\nــ\nوأما التعظيم فهو أمر وراء حضور القلب والتفهم، إذ الرجل يخاطب عبده بكلام هو حاضر القلب فيه ومتفهم لمعناه ولا يكون معظِّمًا له.\nوأما الهيبة فزائد على التعظيم، بل هي عبارة عن خوف منشؤه التعظيم؛ لأن من لا يخاف لا يسمى هائبًا، والمخافة من العقرب وسوء خلق العبد وما يجري مجراه من الأسباب الخسيسة لا يسمى مهابة، بل الخوف من السلطان العظيم يسمى مهابة.\nوأما الرجاء فلا شك أنه زائد، فكم من معظم ملكا من الملوك يهابه ويخاف سطوته ولكن لا يرجو مثوبته، والعبد ينبغي أن يكون راجيًا بصلاته ثواب اللَّه كما أنه خائف بتقصيره عقاب اللَّه.\nوأما الحياء فهو زائد على الجملة؛ لأن مستنده استشعار تقصير وتوهُّمُ ذنب، ويتصور التعظيم [والخوف] والرجاء من غير حياء حيث لا يكون توهم تقصير [وارتكاب ذنب].\nوقوله: (إلا وجبت له الجنة) الوجوب حيثما وقع [في] مقام ثواب الأعمال فالمراد به التفضل عند أهل السنة والجماعة؛ فإنه لا يجب على اللَّه شيء، ولكنه يفعل بمقتضى وعده الكريم، ولا يخلف الوعد، ولا يتصور على اللَّه غير هذا كما عرف في أصول الكلام.\n٢٨٩ - [٩] (عمر بن الخطاب) قوله: (ما منكم من أحد) قال الطيبي: (من) الأولى بيانية، ولعله إنما ذهب إليها لأن (من أحد) عام، فلا يصح التبعيض، ويمكن","vol":"2","page":20},{"text":"-وَفِي رِوَايَةٍ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ- إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَهُ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ\". هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي \"صَحِيحِهِ\" وَالْحُمَيْدِيُّ فِي \"أَفْرَاد مُسْلِمٍ\"، وَكَذَا ابْن الأَثِير فِي \"جَامِعِ الأُصُولِ\".\nوَذكر الشَّيْخ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ فِي آخِرِ حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَلَى مَا روينَاهُ: وَزَاد التِّرْمِذِيِّ: \"اللهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ\".\nــ\nأن يقال: إنها تبعيضية، قيد بـ (أحد) قبل دخول (من) عليه، فافهم.\n(وفي رواية: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده (١). . . إلخ) وزاد الجزري في (الحصن الحصين) من ابن ماجه ومصنف ابن أبي شيبة وابن السُّني: ثلاث مرات.\nوقوله: (وزاد الترمذي: اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) وزاد النسائي والحاكم في (المستدرك) (٢): (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)، وذكر الجزري عن الطبراني في (الأوسط) (٣): (من توضأ فقال: سبحانك اللهم وبحمدك وأستغفرك وأتوب إليك، كتب له في رق ثم جعل في طابع فلم يكسر إلى يوم القيامة).\n_________\n(١) قَالَ الطِّيبِيُّ (٣/ ٧٤٨): قَوْلُ الشَّهَادَتَيْنِ عقيب الْوُضُوءِ إِشَارَةٌ إِلَى إِخْلَاصِ الْعَمَلِ لِلَّهِ، وَطَهَارَة الْقَلْبِ مِنَ الشِّرْكِ وَالرِّيَاءِ بَعْدَ طَهَارَةِ الأَعْضَاءِ مِنَ الْحَدَثِ وَالْخُبْثِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٤٩).\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٩٩١١)، و\"المستدرك\" (١/ ٧٥٢).\n(٣) \"المعجم الأوسط\" (١٤٥٥).","vol":"2","page":21},{"text":"وَالْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ مُحْيِي السُّنَّةِ فِي الصِّحَاحِ: \"مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ\" إِلَى آخِرِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي \"جَامِعِهِ\" بِعَيْنِهِ إِلَّا كَلِمَةَ \"أَشْهَدُ\" قَبْلَ \"أَن مُحَمَّدًا\". [م: ٢٣٤، والحميدي في \"أفراد مسلم\" (٩٤)، \"جامع الأصول\" (٧٠١٧)].\n٢٩٠ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ. . . . .\nــ\nوقوله: (والحديث الذي رواه محيي السنة في الصحاح) اعتراض على صاحب (المصابيح)، فإنه أورد الحديث في الصحاح بهذا اللفظ: (من توضأ فأحسن الوضوء، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين)، وهذا ليس في الصحاح، بل هو حديث الترمذي، وإنما في الصحاح ما ذكرناه من حديث مسلم، وقوله: (وزاد الترمذي) مقول للشيخ محيي الدين، وهذا الكلام أورده تأييدًا؛ لأنه ليس في الصحاح وإن لم يكن محتاجًا إليه بعد وجود الحديث على الوجه المذكور أولًا في متن (مسلم) و(كتاب الحميدي) و(جامع الأصول)، ووجوده على الوجه المذكور ثانيًا في (جامع الترمذي).\n٢٩٠ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (إن أمتي يدعون يوم القيامة) أي: ينادون على رؤوس الأشهاد أو إلى الجنة أو يسمَّون بذلك كما يقال: يدعى فلان ليثًا، ولعل قوله في الحديث الآخر: (يأتون يوم القيامة غرًا محجلين) يؤيد المعنى الأول، فعلى الأول يكون (غرًّا محجلين) حالًا، وعلى الثاني مفعول ثان، و(محجلين) إما حال بعد حال، أو مفعول بعد مفعول، أو صفة لِـ (غرًا)، والغر بالضم جمع أغر، والأغر: الأبيض من","vol":"2","page":22},{"text":"مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَه فَلْيفْعَلْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٤، م: ٢٤٦].\nــ\nكل شيء. والغرة بياض في جبهة الفرس، وفرس أغر وغرَّاء، والتحجيل بياض في قوائم الفرس كلها أو يكون في رِجْلين فقط، ولا يكون في اليدين خاصة إلا مع الرجلين، ولا في يد واحدة دون الأخرى إلا مع الرجلين، والفرس محجول ومحجل.\nوقوله: (من آثار الوضوء) في الوجه والأيدي والأرجل لظهورها، خص اللَّه تعالى هذه الأمة المباركة المرحومة بهذه الكرامة، ثم الظاهر أن المخصوص بهم هو الغرة والتحجيل لا الوضوء فإنه عام كما يظهر من قوله: (هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي)، فتدبر.\nوالوضوء بضم الواو ويجوز فتحها مصدرًا أو اسمًا، وكذا قوله في الحديث الآتي: (حيث يبلغ الوضوء) إلا أن الأظهر فيه الفتح بمعنى الاسم، وكذا الرواية.\nوقوله: (فمن استطاع) قيل: هو مدرجٌ من كلام أبي هريرة وموقوف عليه، كذا ذكره غير واحد من الحفاظ، واللَّه أعلم.\nولعل قوله: (أن يطيل غرته) من باب الاكتفاء؛ لأن الظاهر أن حكم التحجيل كذلك، ويمكن أن يكون تخصيص الغرة بالذكر للاهتمام بتطويلها بتبيض الوجوه بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، ولأن أكثر الناس يقصرون في غسل الوجه وإسباغه دون الأرجل، ويظهر من قول الطيبي (١) في تفسير إطالة الغرة: بأن يوصل الماء من فوق الغرة إلى تحت الحنك طولًا ومن الأذن إلى الأذن عرضًا، أن أثر الغرة يظهر في الوجه كله كما يظهر أيضًا ذلك من قوله: الأغر هو الأبيض الوجه،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١٦).","vol":"2","page":23},{"text":"٢٩١ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوضُوءُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٠].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-227> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٩٢ - [١٢] عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا،\nــ\nوإلا فالظاهر من إطالة الغرة أن يوصل الماء إلى فوق الجبهة، فافهم، واللَّه أعلم.\n٢٩١ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (تبلغ الحلية) (١) أي: السيماء وهو الغرة والتحجيل يوم القيامة من أثر الوضوء، وليس المراد به ما يُتحلى ويزيَّن به من مصنوع المعدنيات أو الحجارة، فإن ذلك حلي بفتح الحاء وسكون اللام، وبضم الحاء وكسرها مع كسر اللام، وقد قرئ بهما جميعًا في قوله تعالى: ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، وقد حملها بعضهم على ذلك بناء على أنه قد يستعمل فيه ولو مجازًا.\nالفصل الثاني\n٢٩٢ - [١٢] (ثوبان) قوله: (استقيموا ولن تحصوا) الحديث، الاستقامة: القيام بالعدل وملازمة المنهج المستقيم، وذلك أمر صعب في غاية الصعوبة، ولهذا قال: (ولن تحصوا) أي: لن تطيقوا الاستقامة، من قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠]\n_________\n(١) قال القاري (١/ ٣٥١): قَالَ النَّوَوِيُّ: قَدِ اسْتَدَلُّوا بِالْحَدِيثَيْنِ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَقَالَ آخَرُونَ: لَيْسَ الْوُضُوءُ مُخْتَصًّا وَإِنَّمَا الْمُخْتَصُّ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ لِقَوْلِهِ ﵊: \"هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي\"، وَرُدَّ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ مَعْرُوفُ الضَّعْفِ، عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ اخْتِصَاصَ الأَنْبِيَاءِ دُونَ الأُمَمِ، لَكِنْ وَرَدَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ: أَنَّ سَارَةَ وَجُرَيْجًا تَوَضَّئَا، فَيَنْبَغِي أَنْ تَخْتَصَّ الْغُرَّةُ وَالتَّحْجِيلُ بِالأَنْبِيَاءِ، وَهَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ بَيْنِ سَائرِ الأُمَمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وفي \"التقرير\": قلت: يمكن ارتفاع الضعف بأنها تلقتها الفقهاء فصارت مشهورة.","vol":"2","page":24},{"text":"وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمُ الصَّلَاةُ، وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ط: ٩٠، حم: ٥/ ٢٨٠، ٢٨٢، دي: ١/ ١٦٨، جه: ٧٧].\n٢٩٣ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ تَوَضَّأَ عَلَى طُهْرٍ كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٥٩].\nــ\nأن لن تطيقوا، أحصاه: عده وضبطه، أصله من الحصاء بمعنى صغار الحجارة؛ لاستعمالهم ذلك في العد كاعتمادنا على الأصابع، أخبرهم بعد الأمر به أنهم لا يطيقون على إيفاء حقه كيلا يتكلوا على ما يأتون ولا ييأسوا فيما لا يأتون عجزًا لا تقصيرًا.\nولما أمره بالاستقامة وهي شاقة جدًا تداركه بقوله: (ولن تحصوا) رحمة منه وشفقة، كما قال اللَّه تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، بعد قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ثم نبههم على ما تيسر منهم بقوله: (واعلموا) أي: إذا لم تطيقوا فحق عليكم أن تلزموا بعضها وهي الصلاة، وأقيموا حدودها لاسيما مقدمتها التي هي شطر الإيمان وهو الوضوء، هذا حاصل ما ذكره الطيبي (١) مختصرًا.\n٢٩٣ - [١٣] (ابن عمر) قوله: (من توضأ على طهر كتب له) قالوا: هذا مقيد بمن صلى بين الوضوءين فريضة أو نافلة، وكرهه بعضهم إذا لم يصلِّ بينهما، ثم إن ههنا صورة يشتبه علينا حكمها وهو أن يكون بحيث لا ينتقض وضوؤه ولا يثقل لكنه ينقضه احتياطًا، ويتكلف ذلك، هل يجد ثواب الوضوء على الوضوء في هذه الصورة بل مع زيادة رعاية الاحتياط أو لا؟ فمن حيث المعنى والحقيقة نعم، ومن حيث الظاهر والصورة لا، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١٨).","vol":"2","page":25},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-228> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٩٤ - [١٤] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مِفْتَاحُ الْجَنَّةِ الصَّلَاةُ، وَمِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣/ ٣٤٠].\n٢٩٥ - [١٥] وَعَنْ شَبِيْبِ بْنِ أَبِي رَوْحٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْح فَقَرَأَ الرُّومَ فَالْتبَسَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: \"مَا بَالُ أَقْوَامٍ يُصَلُّونَ مَعَنَا لَا يُحْسِنُونَ الطَّهُورَ؟ وَإِنَّمَا يُلَبِّسُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ أُولَئِكَ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [س: ٩٤٧].\nــ\nالفصل الثالث\n٢٩٤ - [١٤] (جابر) قوله: (مفتاح الجنة الصلاة) جعل الصلاة مقدمة لدخول الجنة يتوقف عليها لا يحصل بدونها، وعبر عنها بالمفتاح، وفيه مبالغتان حيث حكم بعدم التهيؤ لدخول الجنة إلا بها كالإيمان، وبأنه إذا وجدت الصلاة فتحت باب الجنة، فليس بعده إلا الدخول، كالطهارة بأقسامها إذا وجدت لم يبق بعده إلا الإقبال على الصلاة ترهيبًا وترغيبًا.\n٢٩٥ - [١٥] قوله: (وعن شبيب) على وزن حبيب (ابن أبي روح) بفتح الراء وبالحاء المهملة، ثم في نسخ (المشكاة) لفظ (ابن) يتوسط بين شبيب وأبي روح، والمشهور أن شبيبًا هو أبو روح، قال في (جامع الأصول) (١): أبو روح شبيب بن نعيم، ويقال: ابن أبي روح.\nوقوله: (وإنما يلبس علينا القرآن أولئك) فيه تأثير الصحبة أشد تأثيرًا، فإن مثل رسول اللَّه -ﷺ- مع غاية كماله في قراءة القرآن في حالة الصلاة التي هي أتم أحوالها التي\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٥٠٤).","vol":"2","page":26},{"text":"٢٩٦ - [١٦] وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ: عَدَّهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي يَدِي -أَوْ فِي يَدِهِ- قَالَ: \"التَّسْبِيحُ نِصْفُ الْمِيزَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَمْلَؤُهُ، وَالتَّكْبِيرُ يَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ،\nــ\nفيها قرة عينه بشهود ربه، إذا كان يتأثر من أحد من آحاد أمته لترك بعض الآداب في الوضوء الذي ليس عبادة مقصودة، فكيف لغيره من ضعفاء الأمة من صحبة أهل الأهواء والبدع والفسق والمعاشرة بهم؟ إن في هذا لعبرةً لأولي الألباب.\n٢٩٦ - [١٦] (رجل من بني سليم) قوله: (عدهن) ضمير مبهم تفسيره ما بعده، وهو قوله: (التسبيح نصف الميزان) إلى آخر الخصال الخمسة بعدد الأصابع.\nوقوله: (في يدي أو في يده) شك الراوي.\nوقوله: (التسبيح نصف الميزان والحمد للَّه يملؤه) إما أن يراد التسوية بينهما بأن كل واحد منهما يأخذ نصف الميزان، أو ترجيح الحمد بأنه ضِعْفُه لأنه وحده يملؤه؛ لأن الحمد المطلق إنما يستحقه من هو مبرأ عن النقائص الذي هو مدلول التسبيح، كذا في (مجمع البحار) (١)، وهذا حاصل ما قال الطيبي (٢) في توجيه كونه ضعفَه بأن الحمد جامع للصفات الثبوتية والسلبية، والتسبيح تنزيهٌ عن النقائص فهو من السلبية، انتهى.\nوأقول: إن قوله: (الحمد للَّه يملأ الميزان) في أول حديثٍ ذُكر في الباب يؤيد الاحتمال الثاني.\nوقوله: (والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض) أخذ من قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الجاثية: ٣٧]، والتكبير شهود كبرياء الحق، فثوابه يملأ السماوات والأرض، وقد سبق بعض ما يتعلق به من الكلام في أول الباب.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٦٢٣).\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٠).","vol":"2","page":27},{"text":"وَالصَّوْمُ نِصْفُ الصَّبْرِ، وَالطُّهُورُ نِصْفُ الإِيمَانِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [ت: ٣٥١٩].\n٢٩٧ - [١٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابحِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ فَمَضْمَضَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ، وَإِذَا اسْتَنْثَرَ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ أَنفه، وِإذَا غَسَلَ وَجْهَهُ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ وَجْهِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَشْفَارِ عَيْنَيْهِ،\nــ\nوقوله: (والصوم نصف الصبر) توجيهه: أن الإيمان كله صبر على الطاعات وعن المعاصي، ولما كان الصوم أقمع لشهوات النفس كأنه جعل نصف الإيمان مبالغة، وقيل: جعل باعتبار اليوم والليلة ووجود الصبر فيهما.\nوقوله: (والطهور نصف الإيمان) مر توجيهه.\n٢٩٧ - [١٧] (عبد اللَّه الصنابحي) (١) قوله: (الصنابحي) بضم الصاد المهملة وتخفيف النون وبالباء الموحدة وبالحاء المهملة منسوب إلى صنابح بن زاهر بطن من مراد.\nوقوله: (وإذا غسل) بالواو في أكثر النسخ، وبالفاء في بعضها، وفي قرينه بالفاء في كلها.\nوقوله: (حتى تخرج من تحت أشفار عينيه) في (القاموس) (٢): الشُّفْر بالضم: أصل منبت الشعر بالجفن، والجفن غطاء العين من أعلى وأسفل.\n_________\n(١) قد بسط الكلام عليه شيخنا في \"الأوجز\" (١/ ٤١١ - ٤١٢) هل هو عبد اللَّه الصنابحي الصحابي أو أبو عبد اللَّه الصنابحي عبد الرحمن بن عسيلة؟ وقال: الراجح عندي هو عبد اللَّه الصنابحي الصحابي، انظر: \"الكوكب الدري\" (١/ ٣٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٨٩).","vol":"2","page":28},{"text":"فَإِذَا غسل يَدَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ يَدَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ تَحْتِ أَظْفَارِ يَدَيْهِ، فَإِذَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رَأْسِهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ، فَإِذَا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتِ الْخَطَايَا مِنْ رِجْلَيْهِ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أَظْفَارِ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ كَانَ مَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ وَصَلَاتُهُ نَافِلَةً لَهُ\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ. [ط: ٨٤، س: ١٠٣].\n٢٩٨ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَتَى الْمَقْبَرَةَ فَقَالَ: \"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْم مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، وَدِدْتُ. . . . .\nــ\nوقوله: (حتى تخرج من أذنيه) يفهم منه أن الأذنين من الرأس كما هو مذهبنا.\nوقوله: (نافلة له) أي: زائدة، والنفل الزيادة، أي: زائدة على تكفير السيئات وهو رفع الدرجات، وقد عدَّ في بعض الأحاديث التخطِّي إلى المسجد من المكفِّرات، ولا منافاة، ولعله إذا كان على وضوء سابق، وقد ارتكب من الخطايا شيئًا، واللَّه أعلم.\n٢٩٨ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (أتى المقبرة) في (القاموس) (١): مدفن الإنسان، والجمع قبور، والمقبرة مثلثة الباء كمكنسة: موضعها، والمراد بالمقبرة: البقيع مقبرةُ المدينة المطهرة.\nوقوله: (دار) منصوب على الاختصاص نحو: نحن معاشرَ العرب، أو على النداء، والدار: المحل بجميع البناء والعرصة، والمراد أهل دار حذفًا أو مجازًا، وفيه رمز إلى حياتهم وإلى أن العمران في الحقيقة هو هذا، وما سواه خراب لكونه آيلا إليه، والاستثناء للتبرك بذكر اللَّه تعالى وتفويض الأمور كلها إلى مشيئته وإرادته وإن كان متحتم الوقوع، أو للرغبة إلى لقاء اللَّه واللحوقِ بالمؤمنين السابقين الفائزين برحمة اللَّه. وقيل: لتحسين الكلام به، والود الحب من [باب] سمع يسمع، ولما تصور -ﷺ-\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٢٧).","vol":"2","page":29},{"text":"أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا\"، قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"أَنْتُمْ أَصْحَابِي، وَإخْوَانُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ\"، فَقَالُوا: كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ مِنْ أُمَّتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: \"أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلٍ دُهْمٍ بُهْمٍ. . . . .\nــ\nالسابقين من أصحاب القبور ذكر لاحقين وتمنى رؤيتهم في الدنيا إظهارًا للمحبة.\nوقوله: (أنا قد رأينا إخواننا) شامل له -ﷺ- ولغيره من أصحابه الحاضرين.\nوقوله: (أنتم أصحابي) ليس معناه: إنكم لستم إخواني، بل: أنتم جامعون بين أخوة الإسلام والصحبة التي هي أخص وأفضل.\nوقوله: (كيف تعرف) أي: في المحشر من لم يأت بعد ولم ير في الدنيا، وإنما يعرف ثمة من رئي فيها.\nوقوله: (بين ظهري خيل دهم بهم) الظهر ضد البطن، وجمعه: أَظْهُر وظُهور وظُهْران، كذا في (القاموس) (١)، ومن عادتهم أن يقحموه تثنية أو جمعًا في مثل هذا بين ظهري القوم وأظهرهم وظهرانيهم، والمراد: بينهم، وحقيقته أن في صورة الاجتماع يقع ظهر بعضٍ إلى بعضٍ فالواقع بين أظهرهم، والعرب تضع الاثنين موضع الجمع.\nوالخيل اسم جمع للفرس لا واحد له، أو واحده خائل، سميت خيلًا لأن ركوبها بل وجودها يورث الخيلاء، أي: التكبر، والدهم بضم الدال وسكون الهاء: جمع أدهم بمعنى الأسود من الدهمة بمعنى السواد، والبهم: جمع بهيم بمعنى الأسود. وقيل: خالص السواد، والأسود البهيم من الكلب والخيل: الذي لا يخالط لونه لونٌ سواه، وقرنه بالدهم تأكيدًا للسواد.\nوقوله: (لو أن رجلًا) أي: لو ثبت أن رجلًا، اسم (أن) يقدَّر له صفةٌ عامةٌ إن\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٠٤).","vol":"2","page":30},{"text":"أَلَا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟ \"، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: \"فَإِنَّهُمْ يَأْتُونَ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنَا فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْض\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٩].\n٢٩٩ - [١٩] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاء قَالَ: قَالَ رَسُولُ -ﷺ-: \"أَنَا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ بِالسُّجُودِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُؤْذَنُ لَهُ أَنْ يَرْفَعَ رَأسَهُ، فَأنْظُرُ إِلَى بَيْنَ يَدَيّ، فَأَعْرِفُ أُمَّتِي مِنْ بَيْنِ الأُمَمِ، وَمِنْ خَلْفِي مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَنْ يَمِينِي مِثْلُ ذَلِكَ، وَعَن شمَالي مِثْلُ ذَلِكَ\"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! . . . . .\nــ\nالتُزم تخصيصُ المبتدأ النكرة وإلا فلا حاجة بناءً على معنى الإفادة كما قاله الرضي في قولهم: كوكبٌ انقضَّتْ، و(له خيل) خبر (أن) و(ألا يعرف) جزاء (لو) كررت الهمزة تأكيدًا.\nوقوله: (وأنا فرطهم على الحوض) ذكره زيادة على الجواب بشارة وكرامة لهم وإشارة إلى قرب زمان وفاته -ﷺ-، وفي (القاموس) (١): فَرَطَ القومَ يَفْرِطهم فَرْطًا وفَراطة: تقدمهم إلى الوِرْد لإصلاح الحوض والدِّلاء، وفي (الصحاح) (٢): هو فَعَلٌ بمعنى فاعِلٍ كتبع بمعنى تابع، يقال: رجل فَرَط وقوم فَرَط، يستوي فيه الواحد والجمع، وظاهر هذه البشارة لمن سبقه رسول اللَّه -ﷺ- بالموت، ولكن بركته شاملة للكل، فافهم.\n٢٩٩ - [١٩] (أبو الدرداء) قوله: (أنا أول من يؤذن له بالسجود) سيأتي شرحه في (باب الشفاعة) إن شاء اللَّه تعالى.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٢٧).\n(٢) \"الصحاح\" (٣/ ١١٤٨).","vol":"2","page":31},{"text":"كَيْفَ تَعْرِفُ أُمَّتَكَ مِنْ بَيْنِ الأُمَمِ فِيمَا بَيْنَ نُوحٍ إِلَى أُمَّتِكَ؟ قَالَ: \"هُمْ غُرٌّ مُحَجَّلُونَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ لَيْسَ أَحَدٌ كَذَلِكَ غَيْرُهُمْ، وَأَعْرِفُهُمْ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَ كُتَبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَأَعْرِفُهُمْ تَسْعَى بَين أَيْدِيهِمْ ذُرَّيَّتُهُمْ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ١٩٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>١ - باب ما يوجب الوضوء</span>\nــ\nوقوله: (كيف تعرف أمتك من بين الأمم فيما بين نوح إلى أمتك؟) أي: كيف تميز أمتك من بين الأمم حال كون الأمم كائنة وواقعة في زمان طويل كائن أو في ناس كثيرين كائنين بين نوح منتهيًا أو منتهين إلى زمان أمتك؟ و(ما) عبارة عن الزمان أو عن الناس، وتخصيص نوح -﵇- بالذكر لشهرته.\nوقوله: (وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم. . . إلخ) الظاهر من العبارة أن هذين الوصفين أيضًا مما تتميز به هذه الأمة الكريمة من سائر الأمم، وقال الطيبي (١): لم يأتِ بهما تمييزًا كالأول، بل أتى بهما مدحًا لأمته، واللَّه أعلم.\n١ - باب ما يوجب الوضوء\nالمراد به نواقض الوضوء؛ لأنها المذكورة في الباب، فهذا على مذهب من يقول: إن سبب وجوب الطهارة هو الحدث، يعني: بشرط القيام إلى الصلاة، وتعقب بأن الحدث ينقض الطهارة ويضاده فكيف يوجبه؟ وأجيب بأنه لا منافاة بين نقض ما حصل بتطهير سابق وإيجابه تطهيرًا آخر. وقال بعضهم: إن سببه إرادة ما لا يحل\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٣).","vol":"2","page":32},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-230> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٠٠ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يتَوَضَّأ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٥، م: ٢٢٥].\n٣٠١ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ،\nــ\nإلا بالطهارة كالصلاة ومس المصحف، وأورد على هذا القول أيضًا: أن وجه إيجاب مجرد إرادة الطهارة غير ظاهر؛ لأنها لا تستلزم لحوق الشروع الذي يستلزم عدم الطهارة في الصلاة لو لم تعدم الطهارة، وهذا إنما يرد لو كان مراد القائل بسببه مجرد الإرادة، وأما إذا كان بشرط القيام إلى الصلاة أو المراد الإرادة المقارنة بالصلاة المستلحقة لها فلا، والمختار أن سبب وجوب الطهارة وجوب ما لا يحل إلا بها، ولا شك أن وجوب الشيء يستلزم إيجاب شرطه، ثم المراد وجوب الأداء وإلا فأصل الوجوب بدخول الوقت ولا يجب الطهارة به بل عند القيام إلى الصلاة، فتدبر.\nالفصل الأول\n٣٠٠ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لا تقبل صلاة من أحدث) أي: لا تصح حتى يتوضأ، خص منه فاقد الماء فإنه يتيمم، وفاقد الطهورين (١) ففيه ثلاثة أقوال، أحدها: تسقط الفَرْضية، وثانيها: يؤخر، وثالثها: يصلي، فإن مات قبل وجدان الماء والتراب لم يأثم، وإن وجد يقضي.\n٣٠١ - [٢] (ابن عمر) قوله: (لا تقبل صلاة بغير طهور) قد علم أن الطهور\n_________\n(١) وفَاقِدُ الطَّهُورَيْنِ يؤخر عنده، وقالا: يَتَشَبَّهُ بالمصلين وجوبًا، وبه يفتى، وإِلَيْهِ صَحَّ رُجُوعُ الإِمَامِ. انظر: \"الدر المختار\" (١/ ٨٥).","vol":"2","page":33},{"text":"وَلَا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٤].\n٣٠٢ - [٣] وَعَن عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ -ﷺ- لِمَكَانِ ابْنَتِهِ (١)، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: \"يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيتَوَضَّأ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٢، ٢٦٩، م: ٣٠٣].\nــ\nبالضم بمعنى الطهارة، وبالفتح بمعناه وبمعنى ما يتطهر به، وقد صحِّح ههنا بالضم وبالفتح أيضًا، والمراد معنى الطهارة، والغلول: الخيانة من الغنيمة، وقد يجيء بمعنى مطلق الخيانة، قال في (القاموس) (٢): الغلول: الخيانة، وغلَّ غلولًا: خان كأغلَّ، أو خاص بالفيء، والظاهر أن المراد ههنا مطلق الخيانة، والجمع بين هذين الحكمين لجريان الكلام فيهما أو لمناسبةٍ بين الوضوء والتصدق باعتبار كون كل منهما مطهّرًا.\n٣٠٢ - [٣] (علي) قوله: (كنت رجلًا مذاء) أي: كثير المذي وهو بسكون الذال: البلل اللزج الرقيق يخرج عند الملاعبة بشهوة بلا دفق، و(مذاء) فعَّال بالتشديد ومَذَى وأمذى، وقال النووي في (شرح مسلم) (٣): وأشهر لغاته فتح فسكون، ثم كسرُ ذال وشَدةُ ياء، وكذلك لفظ الودي وهو ماء غليظ يخرج بعد البول، وقيل: التشديد أفصح من السكون، وفي (الصحاح) (٤): قال الأموي: مذي وودي ومني ثلاثتهن مشددات.\n_________\n(١) وجه الحياء أن فِي السُّؤَالِ عَنْ كَثْرَتِهِ تَعْرِيضًا بِشَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِ ابْنَتِهِ الَّتِي يَسْتَحْيِي مِنْ إِظْهَارِهَا، لأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَكَادُ يُفْصِحُ بِهِ أُولُو الأَحْلَامِ خُصُوصًا بِحَضْرَةِ الأَكَابِرِ الْعِظَامِ، وَعَلَّلَ الْحَيَاءَ بِذَلِكَ لِئَلَّا يرد عَلَيْهِ أَنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ السُّؤَالِ وَالتَّعَلُّمِ مَذْمُوم، \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٥٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٥٧).\n(٣) \"شرح النووي\" (٣/ ٢١٣).\n(٤) \"الصحاح\" (٦/ ٢٤٩١).","vol":"2","page":34},{"text":"٣٠٣ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"تَوَضؤُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٥٢].\nقَالَ الشَّيْخُ الإمَامُ الأَجَلُّ مُحْيِيُ السّنةِ ﵀: هَذَا مَنْسُوخٌ بِحَدِيث ابْن عَبَّاسٍ.\n٣٠٤ - [٥] قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٧، م: ٣٥٤].\n٣٠٥ - [٦] وَعَن جَابر بن سَمُرَة أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الْغَنَمِ؟ . . . . .\nــ\n٣٠٣ - ٣٠٤ - [٤ - ٥] (أبو هريرة، وابن عباس) قوله: (توضؤوا مما مست النار) المراد بالوضوء ههنا المعنى اللغوي وهو النظافة، وهو ههنا غسل اليد والفم لإزالة الدسومة، ويسمى هذا وضوء الطعام، وقيل: هذا منسوخ؛ لقول جابر في الصحيح: (كان آخر الأمرين من رسول اللَّه -ﷺ- ترك الوضوء مما مسته النار) (١)، نعم القول بنسخه بحديث ابن عباس -﵄- يتوقف على العلم بتاريخهما وتقدُّم الأول، ولا يكفي فيه تأخر صحبة ابن عباس؛ لأنه لا يقتضي تأخر السماع، وقد عرف الكلام في ذلك في أصول الحديث، فتدبر.\n٣٠٥ - [٦] (جابر بن سمرة) قوله: (أنتوضأ من لحوم الغنم؟ . . . إلخ) هذا أيضًا محمول على أحد التأويلين المذكورين من إرادة المعنى اللغوي أو النسخ، وقد يقال\n_________\n(١) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٤٣)، وابن حبان في \"صحيحه\" (١١٣٤)، وأبو داود في \"سننه\" (١٩٢)، والطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٣٩٤).","vol":"2","page":35},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعلى إرادة المعنى اللغوي: غسل اليد والفم مستحب مطلقًا، فما وجه تخصيص ذلك بلحم الإبل، والتخيير في لحم الغنم، فنقول: ذلك لنتن رائحة الإبل دون الغنم، فيكون غسل اليد والفم أوكد وأولى في الإبل، وقد استدل بهذا الحديث أكثر أصحاب أحمد بن حنبل في القول بانتقاض الوضوء بأكل لحم الجزور على ما ذكر في كتاب الخرقي (١).\nوقال الزركشي في (شرحه) (٢): قد رواه أحمد ومسلم، وقال ابن خزيمة: لم نر خلافا بين علماء الحديث أن هذا الحديث صحيح، وقد رَوَى نحوَه بلفظ الأمر عن البراء بن عازب أحمد وأبو داود والترمذي (٣) وصححه، وظاهر الأمر الوجوب، والوضوء إذا أطلق حمل على الشرعي، [لا سيما] وقد قرنه بالصلاة، وفرَّق بينه وبين لحم الغنم مع مطلوبية الوضوء اللغوي فيه، ودعوى النسخ بقول جابر -﵁-: (كان آخر الأمرين من رسول اللَّه -ﷺ- ترك الوضوء مما مسته النار) مردودة، بأن هذه قضية عين ولا عموم لها، ولو سلِّم فالعام لا ينسخ الخاص، بل الخاص يقضي على العام، فتدبر.\nوعن أحمد رواية أخرى: أنه لا ينقض مطلقًا، وقد روي عنه أنه يفرق بين الجاهل بالحديث وغيره لأنه خبرآحاد فيعذر بالجهل به، وقال بعضم: إن عليها استقر قوله.\nثم اختلفوا فيما عدا لحم الإبل من لبنه وسنامنه وكرشه وكبده ومرقه، فمفهوم كلام الخرقي عدم النقض، وهو اختيار الأكثرين منهم، واللَّه أعلم، انتهى.\n_________\n(١) انظر: \"مختصر الخرقي\" (١/ ٨).\n(٢) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (١/ ٧٤).\n(٣) \"مسند أحمد\" (٤/ ٣٠٣)، و\"أبو داود\" (١٨٤)، و\"سنن الترمذي\" (٨١).","vol":"2","page":36},{"text":"قَالَ: \"إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ وَإِنْ شِئْتَ فَلَا تَتَوَضَّأْ\" قَالَ: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ؟ قَالَ: \"نَعَمْ فَتَوَضَّأْ مِنْ لُحُومِ الْإِبِلِ\"، قَالَ: أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: \"نَعَمْ\" قَالَ: أُصَلِّي فِي مَبَارِكِ الْإِبِل؟ قَالَ: \"لَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٦].\n٣٠٦ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لَا، فَلَا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٦٢].\nــ\nو(المرابض) جمع مربض بكسر الباء، في (القاموس) (١): هو مأوى الغنم، وفي (مجمع البحار) (٢): هو موضع ربض الغنم وهو كالجلوس للإنسان، وقيل: كالاضطجاع له وكالبروك للجمل، وفي بعض الشروح عن النووي قال: النهي من الصلاة في مبارك الإبل نهي تنزيه، وسبب الكراهة ما يخاف من نفارها وتشويشها على المصلي، وقد جاء في حديث البراء: (سئل -ﷺ- عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: لا تصلوا فيها؛ فإنها من الشياطين، وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال: صلوا فيها فإنها بركة)، وفي حديث أبي هريرة: فإنها من دواب الجنة.\n٣٠٦ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (فلا يخرجن من المسجد) كناية عن عدم انتقاض الوضوء؛ لأنه يستلزم الخروج للتوضؤ.\nوقوله: (حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا) قال الطيبي (٣): معناه: حتى يتيقن\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٩٢).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٢٨).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٦).","vol":"2","page":37},{"text":"٣٠٧ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- شَرِبَ لَبَنًا فَمَضْمَضَ وَقَالَ: \"إِنَّ لَهُ دَسَمًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١١، م: ٣٥٨].\n٣٠٨ - [٩] وَعَنْ بُرَيْدَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الْفَتْح بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ، فَقَالَ: \"عَمْدًا صَنَعْتُهُ يَا عُمَرُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٧].\nــ\nالحدث، لا أن سماع الصوت أو وجود الريح شرط، فإنه قد يكون أصمَّ لا يسمع الصوت، وقد يكون أخشم لا يجد الريح، انتهى.\nقلت: لا حاجة إلى اعتبار كونه أخشم وأصم، فإنه قد يخرج بحيث لا يسمع الصوت ولا يجد الرائحة وإن لم يكن أصم وأخشم لخفائها وعدم نتنها، هذا إن حمل الريح على معنى الرائحة، وإن حمل على معنى الريح الذي هو مفرد الرياح فالأمر ظاهر، لأنه إما أن يكون ظاهرًا يُسمع صوته أو خفيًا لا يسمع، ولكنه يجد أنه خرج ريح فينتقض، فافهم.\n٣٠٧ - [٨] (عبد اللَّه بن عباس) قوله: (شرب لبنا) يشمل بإطلاقه لبن الإبل وغيره، فيكون حجة على من فرق من الحنابلة بينهما في نقض لبن الإبل دون غيره، وقد نقل الزركشي في (شرح كتاب الخرقي) (١) أنه جاء في بعض الأحاديث (توضؤوا من لحوم الإبل وألبانها) رواه أحمد.\nوقوله: (إن له دسما) فيقاس عليه كل ما له دسم بهذه العلة.\n٣٠٨ - [٩] (بريدة) قوله: (صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد) ومنه\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (١/ ٧٦).","vol":"2","page":38},{"text":"٣٠٩ - [١٠] وَعَن سُوَيْد بْن النُّعْمَان: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ خَيْبَرَ حَتَّى إِذَا كَانُوا بالصَّهْبَاءِ وَهِي مِنْ أَدْنَى خَيْبَرَ صَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالأَزْوَادِ فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ بِهِ فَثُرِّيَ فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- وَأَكَلْنَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْمَغْرِبِ فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضْنَا، ثمَّ صَلَّى وَلَمْ يتَوَضَّأْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٠٩].\nــ\nيعلم فساد ما قيل: إن وجوب الوضوء لكل صلاة كان من خصائص رسول اللَّه -ﷺ-، نعم أخرج البخاري وأبو داود والترمذي (١) عن أنس -﵁-: أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يتوضأ لكل صلاة، ولا يلزم منه وجوبه عليه، لعله كان يفعله عزيمةً واستحبابًا، وأخرج أحمد وأبو داود (٢) من حديث عبد اللَّه بن حنظلة بن عامر الغسيل: أنه -ﷺ- كان مأمورًا بالوضوء لكل صلاة طاهرًا أو غير طاهر، ولما شق عليه أُمر بالسواك عند كل صلاة، ووُضح عنه الوضوء إلا من حدث، وقال بعضهم: كان الوضوء فرضًا لكل صلاة لقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] ثم نسخ هذا، ولكن في نسخ أحكام سورة المائدة كلام، واللَّه أعلم.\n٣٠٩ - [١٠] (سويد بن النعمان) قوله: (فأمر به) أي: بالسويق، أي: بتثريته، والثرى: الندى، أو التراب الندي، أو الذي إذا بلَّ يصير طينًا، وثَرِيَت الأرضُ كرضي: نَدِيت، وثرَّى التربةَ تثرية: بلَّها، وثرَّى الأقط: صب عليه ماءً، ثم لتَّه، والمكان: فرشه.\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٢١٤)، و\"سنن أبي داود\" (١٧١)، و\"سنن الترمذي\" (٥٨).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٥/ ٢٢٥)، و\"سنن أبي داود\" (٤٧).","vol":"2","page":39},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-231> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣١٠ - [١١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا وُضُوءَ إِلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٢/ ٤١٠، ٤٣٥، ٤٧١، ت: ٧٤].\n٣١١ - [١٢] وَعَن عَلِيٍّ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- مِنَ الْمَذْي، فَقَالَ: \"مِنَ الْمَذْي الْوُضُوءُ، وَمِنَ الْمَنِيِّ الْغُسْلُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١١٤].\n٣١٢ - [١٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٦١، ت: ٣، دي: ١/ ١٧٠].\n٣١٣ - [١٤] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ. [جه: ٢٧٥، ٢٧٦].\nــ\nالفصل الثاني\n٣١٠ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (إلا من) وفي بعض النسخ: (إلا عن)، والأول أصح.\nوقوله: (صوت أو ريح) كأن سائلًا سأل عن هذا الناقض المخصوص فيصح الحصر، وفي بعض الحواشي أن المقصود أنه لا يجب الوضوء بقرقرة البطن خلافًا لأحمد، ولا يوجد هذا في كتاب الخرقي ولا في شرحه مع كونه أشمل لمسائل مذهبه، واللَّه أعلم.\n٣١١ - [١٢] (علي) قوله: (من المذي) قد عرفتَ ضبط هذه الألفاظ ومعانيها.\n٣١٢ - ٣١٣ - [١٣ - ١٤] (علي) قوله: (وتحليلها التسليم) أي: صار المصلي بالتسليم يحل له ما حرم عليه فيها بالتكبير من الكلام والأفعال كما يحل للمحرم عند","vol":"2","page":40},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالفراغ ما كان حرامًا عليه، ثم التسليم -أي: الخروج عن الصلاة بلفظ السلام- فرض عند الشافعي ومالك وأحمد -﵃- قالوا: لأن ظاهر قوله: (وتحليلها التسليم) أن لا تحليل لها سواه، ولأنه جاء في الصحيحين من حديث أم المؤمنين عائشة -﵂-: (وكان يختم الصلاة بالتسليم) (١)، وقد قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وواجب عند أبي حنيفة -﵁- إن تركه عمدًا يأثم، ويخرج عن الصلاة ناقصة، ويسجد للسهو إن تركه سهوًا، والفرض عندهم الخروج بفعل يناقض الصلاة كما عرفت في الفقه، وعند سفيان الثوري والأوزاعي سنة، والدليل لنا على عدم الفريضة أن النبي -ﷺ- لم يعلّم الأعرابي حين علّمه الصلاة، ولو كان فرضًا لعلّمه، كذا قال الشُّمُنِّي.\nوقال في (الهداية) (٢): ولنا حديث ابن مسعود -﵁- وهو أن النبي -ﷺ- لما علمه التشهد: قال له: (إذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك، فإن شئت أن تقوم فقم، فإن شئت أن تقعد فاقعد)، وجه الاستدلال: أنه -ﷺ- حكم بتمام الصلاة قبل السلام، وخيّره بين القعود والقيام، وهذا ينفي بقاء واجب عليه، كذا في شرحه، ويكفي في صحة قوله: (وتحليلها التسليم) كونه واجبًا بل سنة، ولا يدل على الفرضية قطعًا، وقول عائشة -﵂-: كان يختم الصلاة بالتسليم أيضًا لا يدل على الفريضة، بل لا يدل إلا على فعله -ﷺ-، وقد رأوا صلاته بجميع ما اشتملت عليه من الفرائض والواجبات والسنن والآداب كما في حديث أبي حميد الساعدي وغيره، فعلى هذا قوله -ﷺ-: (صلوا كما رأيتموني) لا يقتصر الأمر فيه على الفرائض بل يشملها وغيرها، ويتم الكلام فيه في كتاب الصلاة.\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٤٩٨).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ٤٧).","vol":"2","page":41},{"text":"٣١٤ - [١٥] وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذا فَسَا أَحَدُكُمْ فَليتَوَضَّأْ، وَلَا تَأْتُو النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١١٦٤، ١١٦٦، د: ٢٠٥].\n٣١٥ - [١٦] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّمَا الْعَيْنَانِ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَتِ الْعَيْنُ اسْتطْلقَ الوِكَاءُ\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ١٨٤].\n٣١٦ - [١٧] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\n٣١٤ - [١٥] قوله: (علي بن طلق) سيأتي بعد هذا عن طلق بن علي، وليس اختلافًا في أن علي بن طلق أو طلق بن علي ذات واحدة اسمه علي بن طلق أو طلق ابن علي كما يفهم من بعض الحواشي، بل علي بن طلق ولد طلق بن علي بن طلق الذي يأتي الحديث منه بعد، واسمه اسمُ جده علي، فالاختلاف في أن الحديث من علي بن طلق أو طلق بن علي، ويظهر ذلك من النظر في ترجمتهما، فتدبر.\nوقوله: (إذا فسا أحدكم) أي: أحدث بخروج ريح من مسلكه المعتاد، وهو تنبيه بالأخف على الأغلظ، وفي حديث آخر: (فساء أو ضراط)، والفساء بضم الفاء والمد: ريح من الدبر يخرج بلا صوت، والضراط بالضم: ما يكون بصوت.\nوقوله: (في أعجازهن) جمع عجز بفتح العين وضم الجيم على المشهور: مؤخر الشيء، والمراد الدبر، ووجه المناسبة من الجملتين: أنه لما ذكر الفساء الذي يخرج من الدبر ويزيل الطهارة والتقرب إلى اللَّه ذكر ما هو أغلظ منه في رفع الطهارة زجرًا وتشديدًا.\n٣١٥ - ٣١٦ - [١٦ - ١٧] (معاوية وعلي) قوله: (إنما العينان وكاء السه) في","vol":"2","page":42},{"text":"\"وِكَاءُ السَّهِ الْعَيْنَانِ فَمَنْ نامَ فَليَتَوَضَّأْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٠٣].\nوَقَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ مُحْيِي السُّنةِ ﵀: هَذَا فِي غَيْرِ الْقَاعِدِ، لِمَا صَحَّ:\n٣١٧ - [١٨] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّه -ﷺ- يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ، ثمَّ يُصَلُّونَ وَلَا يَتَوَضَّؤُونَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ إِلَّا أَنه ذَكَرَ فِيهِ: يَنَامُونَ بَدَلَ: يَنْتَظِرُونَ الْعِشَاءَ حَتَّى تَخْفِقَ رُؤُوسُهُمْ. [د: ٢٠٠، ت: ٧٨].\nــ\n(القاموس) (١): الوكاء ككساء: رباط القِربة وغيرِها، والسَّتْه ويحرك: الاست، والجمع: أستاه، والسَّهُ ويضم مخففة الهاء: العجز أو حلقة الدبر. وفي (مجمع البحار) (٢): السه هو حلقة الدبر، وهو من الاست، وأصله سَتَهٌ كفرس وجمعها أستاه، فحذف الهاء وعوضت الهمزة، فإذا رُدَّت هاؤه حذفت تاؤه نحو سه بفتح سين، ويروى: (وكاء الست) بحذف لامه وإثبات عينه، ومعناه: من كان مستيقظًا كان استه كالمشدودة الموكَى عليها، فإذا نام انحلّ وكاؤها، كُني به عن الحدث بخروج الريح باسترخاء المفاصل، ثم أقيم السبب مقام المسبب كالسفر مقام المشقة، ولما كان السبب الاسترخاء لم يَجْرِ الحكم في نوم المتمكن المَقْعد كالقاعد ونحوه.\n٣١٧ - [١٨] (أنس) قوله: (حتى تخفق) في (القاموس) (٣): خفق فلان: حرك\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٤٨، ١٢٣٣).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ١٦٢).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨١١).","vol":"2","page":43},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nرأسه إذا نعس، كأخفق، وخفقت الراية تخفق خفقًا وخفقانًا، محركة: اضطربت وتحركت، دل الحديث على أن النوم قاعدًا لا ينقض الوضوء، وهذا هو المراد مما وقع في سنن البزار (١) بإسناد صحيح: (كان أصحاب رسول اللَّه ينتظرون الصلاة فيضعون جنوبهم، فمنهم من ينام ثم يقوم إلى الصلاة)، والصحيح من مذهب أبي حنيفة -﵁- أنه لو نام قاعدًا فسقط، إن انتبه قبل أن يصل جنبه إلى الأرض لم ينتقض، كذا في (شرح ابن الهمام) (٢).\nثم هذا الحديث يخص نوم القاعد، وأما تخصيص غيره من الهيئات التي لا ينتقض بالنوم فيها فبِعلَّة الاستمساك وعدم الاسترخاء كما أشرنا إليه، وقد روى في (الهداية) (٣) حديثًا وهو قوله -ﷺ-: (لا وضوء على من نام قائمًا أو قاعدًا أو راكعًا أو ساجدًا، إنما الوضوء على من نام مضطجعًا، فإنه إذا نام مضطجعًا استرخت مفاصله (٤»، وقد تكلم الشيخ ابن الهمام في هذا الحديث وضعَّفه، ولكنه بلغه بتعدد الطرق ونقل الاختلاف في تضعيفه إلى درجة الحسن، والمعتمد في هذا المطلب التعليل بالاسترخاء، والقول بأن النوم ليس حدثًا بعينه فاعتبر مظنة الاسترخاء، وهذه العلة منطوق النص كما يأتي في الحديث الآتي.\n_________\n(١) \"مسند البزار\" (٧٠٧٧)، وفيه: \"فمنهم من يتوضأ ومنهم من لا يتوضأ\". وما ذكره في الكتاب فهو منقول عن \"نصب الراية\" (١/ ٤٧).\n(٢) \"فتح القدير\" (١/ ٧٢).\n(٣) \"الهداية\" (١/ ١٧).\n(٤) انظر: \"نصب الراية\" (١/ ٤٤).","vol":"2","page":44},{"text":"٣١٨ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْوُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا، فَإِنَّهُ إِذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٧٧، د: ٢٠٢].\n٣١٩ - [٢٠] وَعَنْ بُسْرَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ. [ط: ٥٨، حم: ٦/ ٤٠٦، ٤٠٧، د: ١٨١، ت: ٨٢، س: ١٦٣، جه: ٤٧٩، دي: ١/ ١٨٤، ١٨٥].\n٣٢٠ - [٢١] وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- عَنْ مَسِّ الرَّجُلِ ذَكَرَهُ بَعْدَ مَا يَتَوَضَّأْ. قَالَ: \"وَهَلْ هُوَ إِلَّا بَضْعَةٌ مِنْهُ؟ \". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ. . . . .\nــ\n٣١٨ - [١٩] (ابن عباس) قوله: (فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله) هذه هي العلة المنصوص عليها لنقض النوم الطهارةَ كما ذكرنا.\n٣١٩ - [٢٠] قوله: (عن بسرة) بضم الباء وسكون المهملة بنت صفوان، (إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ (١» هذا الحديث متمسك الشافعية في نقض مس الذكر الطهارة، ويأتي الكلام فيه مفصلًا.\n٣٢٠ - ٣٢١ - ٣٢٢ - [٢١ - ٢٢ - ٢٣] (طلق بن علي، أبو هريرة، وبسرة) قوله: (وهل هو إلا بضعة منه؟) وفي بعض الروايات: (منك)، وفي رواية الترمذي:\n_________\n(١) أي: استحبابًا أو أدبًا، كما يتوضأ من القهقهة خارج الصلاة أو بكلام الدنيا، أو محمول إذا خرج منه شيء، كذا في \"التقرير\"، والأوجه عندي أن مفعول المس محذوف، أي: مس ذكره بفرج المرأة وهي المباشرة الفاحشة، انظر: هامش \"بذل المجهود\" (٢/ ٥٥).","vol":"2","page":45},{"text":"وَقَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ ﵀: هَذَا مَنْسُوخٌ لأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَسْلَمَ بَعْدَ قُدُومِ طَلْقٍ. [د: ١٨٢، ت: ٨٥، س: ١٦٥، جه: ٤٨٣].\n٣٢١ - [٢٢] وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا أَفْضَى أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ إِلَى ذَكَرِهِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا شَيْءٌ فَلْيَتَوَضَّأْ\". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالدَّارقُطْنِيُّ. [كتاب الأم: ١/ ١٩، قط: ١٤٧].\n٣٢٢ - [٢٣] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ بُسْرَةَ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: \"لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا شَيْءٌ\". [س: ٤٤٥].\nــ\n(إلا مضغة منه أو بضعة) على سبيل الشك من الراوي، والمضغة على وزن اللقمة: قطعة لحم وغيره، من مضغه كمنعه ونصره: لاكه بسنه، والبضعة وقد تكسر: القطعة من اللحم، من البَضْع بمعنى القطع، كذا في (القاموس) (١). وفي شرح كتاب (الخرقي) (٢): المضغة: قَدْرُ اللقمة من اللحم، والبضعة قطعة أكبر من المضغة، وفي (النهاية) (٣): المضغة: القطعة من اللحم قدر ما يمضغ، وفي (المشارق) (٤): المضغة بمعنى البضعة وهي القطعة من اللحم، وقد روي في حديث: (فاطمة بضعة مني): (مُضغة مني).\nواعلم أن حديث بسرة دليل على أن مس الذكر ينقض الوضوء، وهذا الحديث عن طلق بن علي يدل على خلافه، وقد اختلف العلماء من الأئمة الأربعة والصحابة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٢٧).\n(٢) \"شرح مختصر الخرقي\" (١/ ٢٥٢).\n(٣) \"النهاية\" (٤/ ٣٣٩).\n(٤) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٦٢٩).","vol":"2","page":46},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفي ذلك، فالشافعي ومالك وأحمد -﵏- ذهبوا إلى النقض، بل عند أحمد ومس الفرج مطلقًا ناقض، وقالوا: الفرج مأخوذ من الانفراج، وهو اسم لمخرج الحدث، ويتناول الذكر والدبر وفرج المرأة، وفي مذهب مالك اختلاف في مس المرأة فرجها، وعند الشافعي رحمة اللَّه عليه مس الذكر بباطن كفه بلا حائل ناقض، وعن أحمد في رواية أنه يستحب الوضوء من مسه ولا يجب جمعًا بين الأحاديث، واختارها بعض أصحابه في فتاواه.\nثم في مس ذكره وذكر غيره وذكر الصغير والكبير والحي والميت، وفي المراد باليد أنه إلى الكوع أو إلى المرفق، وأن المراد المس بالبطن أو بالطرف، بشهوة أو بغير شهوة، بحائل أو بغير حائل = تفصيل واختلاف في مذاهبهم مذكور في كتبهم.\nوعند أبي حنيفة وأصحابه -﵏- لا ينقض مطلقًا.\nومتمسكهم في ذلك حديث أبي هريرة: (إذا أفضى أحدكم بيده إلى ذكره ليس بينه وبينها شيء فليتوضأ)، وفي رواية أحمد، ورواه الطبراني وابن حبان والحاكم وصححه والنسائي (١): (إلى فرجه ليس دونها حجاب فقد وجب الوضوء)، وحديث بسرة: (من مس ذكره فليتوضأ)، رواه الخمسة (٢) وصححه أحمد والترمذي، وقال البخاري: إنه أصح ما في الباب، وقالوا: وكان عمل الصحابة عليه، فقد رواه مالك في (الموطأ) عن سعد بن أبي وقاص وابن عمر -﵃-، وحكاه أحمد عن عمر وابنه\n_________\n(١) \"المعجم الكبير\" للطبراني (٤٥٠)، و\"صحيح ابن حبان\" (١١١٤)، و\"المستدرك\" للحاكم (١/ ٢٢٣، رقم: ٤٧٩)، و\"سنن النسائي\" (٤٤٥).\n(٢) \"سنن أبي داود\" (١٨١)، و\"سنن النسائي\" (٤٤٧)، و\"سنن الترمذي\" (٨٢)، و\"ابن ماجه\" (٤٧٩)، و\"مسند أحمد\" (٦/ ٤٠٦).","vol":"2","page":47},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوابن عباس وأنس، وابنُ عبد البر عن زيد بن خالد الجهني والبراء وجابر، والخطابيُّ عن أبي هريرة -﵃ أجمعين-.\nولنا ما رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن قيس بن طلق عن أبيه قال: قدمنا على رسول اللَّه -ﷺ- فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا رسول اللَّه! ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما توضأ؟ فقال: (هل هو [إلا] مضغة منه؟ أو: بضعة منه، أو: منك)، وفي (شرح الآثار) للطحاوي (١): لا نعلم أحدًا من الصحابة أفتى بالوضوء من مس الذكر إلا ابن عمر -﵄-، وقد خالفه في ذلك أكثرهم، كذا نقل الشُّمنِّي، واللَّه أعلم.\nثم من المخالفين من حمل حديث طلق على المس من وراء حائل؛ لأنه قد جاء أن السؤال كان عن المس في الصلاة، وردَّ بأن تعليله -ﷺ- يردُّ ذلك، ومنهم من ادعى أنه منسوخ بحديث أبي هريرة -﵁-؛ لأن وفادة طلق كانت في سنة الهجرة، وهم يؤسسون مسجد النبي -ﷺ-، وإسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة عام خيبر، وهذا كما ترى لا يوجب القول بالنسخ إلا احتمالًا، فإنه يجوز أن يكون طلق رجع بعد إسلام أبي هريرة وسمع بعده، إلا أن يثبت أن طلقًا توفي قبل إسلام أبي هريرة، أو لم يرجع من أرضه بعد إسلامه ولم يثتبت، وأيضًا لم يرو عن أبي هريرة الحديث بصيغة السماع منه -ﷺ-، فيحتمل أن يكون سمعه من بعض الصحابة الذين سمعوه قبل سماع طلق، فيكون حديث طلق ناسخًا له، ويكون من مراسيل الصحابة، والمسألة مذكورة في أصول الحديث أن رواية الصحابي المتأخر إسلامًا لا تدل على النسخ، فالنسخ محتمل لا مقطوع به.\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٧٧).","vol":"2","page":48},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقال بعض الحنابلة: وهذا وإن لم يكن نصًّا في النسخ لكنه ظاهر فيه.\nومن ههنا ذهب بعضهم إلى استحباب الوضوء احتياطًا، ومن جهة عدم ثبوت النسخ اختلف العلماء، وحكى الشُّمُنِّي عن (سنن الدارقطني) أنه اجتمع العلماء في مسجد الخيف بمنى، وفيهم أحمد بن حنبل وعلي بن المديني ويحيى بن معين فتناظروا في مس الذكر، فقال يحيى بن معين: يتوضأ منه، وقال علي بن المديني بقول الكوفيين وتقلد بقولهم، فاحتج ابن معين بحديث مروان بن الحكم عن بسرة بنت صفوان، واحتج علي بن المديني بحديث قيس بن طلق، وقال ليحيى: كيف تتقلّد إسنادَ بسرة، ومروان أرسل شرطيًّا حتى ردّ جوابها إليه، فقال يحيى: وقد أكثر الناس في قيس بن طلق ولا يحتج بحديثه، فقال أحمد بن حنبل: كلا الأمرين على ما قلتما، فقال يحيى: حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه توضأ من مس الذكر، فقال ابن المديني: كان ابن مسعود يقول: لا تتوضأ منه، إنما هو بضعة من جسدك، فقال يحيى: عمن؟ قال: عن سفيان عن أبي قيس عن هزيل عن عبد اللَّه، وإذا اجتمع ابن مسعود وابن عمر واختلفا فابن مسعود أولى بأن يُتَّبع، فقال ابن حنبل: نعم، ولكن أبو قيس لا يحتج بحديثه، فقال: حدثني أبو نعيم قال: أخبرنا مسعر عن عمير بن سعيد عن عمار بن ياسر قال: ما أبالي إن مسسته أو مسست أنفي، فقال ابن حنبل: عمار وابن عمر استويا، فمن شاء أخذ بهذا، ومن شاء أخذ بهذا، انتهى.\nومما ذكر يستأنس بما ذكر الطحاوي أنه لا نعلم أحدًا من الصحابة أفتى بالوضوء من مس الذكر إلا ابن عمر -﵄- إذ الظاهر أنه لو كان من هؤلاء الجماعة من الصحابة الذين ذكر الشافعية أنهم كانوا على ذلك لذكر يحيى عن مالك، واللَّه أعلم. وبما روي","vol":"2","page":49},{"text":"٣٢٣ - [٢٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا بِحَالٍ إِسْنَادُ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَيْضًا إِسْنَادُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْهَا. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا مُرْسَلٌ وَإِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ لَمْ يَسْمَعْ عَنْ (١) عَائِشَةَ. [د: ١٧٨، ١٨٩، ت: ٨٦، س: ١٧٠، جه: ٥٠٢].\nــ\nعن أحمد بن حنبل من القول بالاستحباب احتياطًا، وقال محمد في (موطئه) (٢): إنه لا وضوء في مس الذكر، وهو قول أبي حنيفة ﵀، وفي ذلك آثار كثيرة، ثم ذكر حديث قيس بن طلق وقول علي وقول ابن عباس -﵃- مثل ما نقل عن عمار -﵁-، وأنه كان يقول ابن عباس: إن كنت تستنجسه فاقطعه. يعني الذكر، ونقل عن ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص مثل هذا القول، ونقل عن علي وابن مسعود وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر وسعد بن أبي وقاص من الصحابة القول بعدم النقض، وعن سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح -﵃-.\n٣٢٣ - [٢٤] (عائشة) قوله: (يقبّل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ) هذه مسألة أخرى مختلف فيها، وهي أن لمس المرأة هل ينقض الوضوء؟ فعند الثلاثة ينقض إما بشهوة أو بغير شهوة، وأيضا أجنبية أو غيرها على تفصيل ذكر في كتبهم، وقيد الشافعي بكونهما أجنبيين كبيرين، وعندنا: لا ينقض مطلقًا، تمسكوا بقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣] في قراءة حمزة والكسائي، وقالوا: الحمل على لمس البدن أولى ليوافق قرينه وهو المجيء من الغائط، ولنا في\n_________\n(١) في نسخة: \"من\".\n(٢) انظر: \"التعليق الممجد\" (١/ ١٢٠).","vol":"2","page":50},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n(الصحيحين) (١) من حديث عائشة -﵂-: أنها قالت: كنت أنام بين يدي رسول اللَّه -ﷺ- ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجليَّ وإذا قام بسطتهما، وهذا حجة من أطلق المراد من الأجنبية وغيرها، وأجيب عن الآية بأن اللمس مكني به عن الجماع، وحمل الآية عليه أولى؛ لأنها تصير بيانًا لكون التيمم رافعًا للحدث الأصغر والأكبر، وهذا الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه لكنهم تكلموا فيه كما ذكر في الكتاب.\nواعلم أن الترمذي روى أولًا عن قتيبة وجماعة أنهم رووا عن وكيع عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة -﵂-: أن النبي -ﷺ- قبّل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ، قال: قلت: من هي إلا أنت؟ فضحكت، وقال: وقد روي نحو هذا الحديث عن غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- والتابعين، وهو قول سفيان الثوري قالوا: ليس في القبلة وضوء.\nوقال مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق -﵏-: في القبلة وضوء، وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- والتابعين، وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة عن النبي -ﷺ- في هذا لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد، وسمعت أبا بكر العطار البصري يذكر عن علي بن المديني قال: ضعف يحيى ابن سعيد القطان هذا الحديث، قال: شبه لا شيء، وسمعت محمد إسماعيل يضعف هذا الحديث، وقال: حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة بن الزبير شيئًا.\nوقد روي عن إبراهيم التيمي عن عائشة -﵂-: (أن النبي -ﷺ- قبّلها ولم يتوضأ)،\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٣٨٢)، \"صحيح مسلم\" (٥١٢).","vol":"2","page":51},{"text":"٣٢٤ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كَتِفًا ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِمِسْحٍ كَانَ تَحْتَهُ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٨٩، جه: ٤٨٨].\nــ\nوهذا لا يصح أيضًا، ولا نعرف لإبراهيم التيمي سماعًا من عائشة -﵂-، وليس يصح عن النبي -ﷺ- في هذا الباب شيء، هذا كلام الترمذي.\nوبهذا ظهر أن حكم الترمذي بعدم صحة الإسناد من جهة أن حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة لا من جهة أنه لا يصح إسناد عروة عن عائشة -﵂-، حاشاه لأن سماع عروة عن عائشة أمر محقق لا شبهة فيه، وهو ابن أختها أسماء بنت أبي بكر -﵂-، وله صحبة بها أكثر من أن يعد ويحصى، ففي قول المؤلف: لا يصح إسناد عروة عن عائشة كزازة، والمراد لا يصح هذا الإسناد الذي روى فيه عروة عن عائشة، فافهم.\nوأما نفي سماع إبراهيم التيمي عن عائشة فالظاهر أنه على الإطلاق لا مقيدًا بهذا الحديث، وإبراهيم التيمي لم يذكره صاحب (جامع الأصول) في كتابه، والذهبي ذكره في (الكاشف)، وقال: إبراهيم بن يزيد التيمي العابد عن عائشة مرسلًا وعن أنس وعن عمرو بن ميمون، وعنه الأعمش ومسلم البطين، وهذا يوافق ما ذكره المؤلف عن أبي داود: هذا مرسل، وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، والمراد بالمرسل ههنا المنقطع، وفيه ثلاث اصطلاحات: الأول وهو المشهور: قول التابعي: قال رسول اللَّه -ﷺ-، والثاني: قول التابعي الكبير ذلك، والثالث: المنقطع الساقط من إسناده واحد أو أكثر، وقد سبق في المقدمة.\n٣٢٤ - [٢٥] (ابن عباس) قوله: (ثم مسح يده بمسح) بكسر الميم وسكون","vol":"2","page":52},{"text":"٣٢٥ - [٢٦] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -﵂- أَنَّهَا قَالَتْ: قَرَّبْتُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- جَنْبًا مَشْوِيًّا فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ٣٠٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-232> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٢٦ - [٢٧] عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: أَشْهَدُ لَقَدْ كُنْتُ أَشْوِي لِرَسُولِ اللَّه -ﷺ- بَطْنَ الشَّاةِ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٥٧].\n٣٢٧ - [٢٨] وَعَنْهُ قَالَ: أُهْدِيَتْ لَهُ شَاةٌ فَجَعَلَهَا فِي الْقِدْرِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-، فَقَالَ: \"مَا هَذَا يَا أَبَا رَافِعٍ؟ \". . . . .\nــ\nالسين المهملة: البلاس، وقال في مادة البلس: والبلاس كسحاب: المسح، وفي (الصراح) (١): مسح بالكسر بلاس وقال: بلاس كَليم وهو معرب.\n٣٢٥ - [٢٦] (أم سلمة) قوله: (ولم يتوضأ) وهذا أيضًا ناسخ لأحاديث التوضئ كحديث جابر وأبي رافع وغيرهما.\nالفصل الثالث\n٣٢٦ - [٢٧] (أبو رافع) قوله: (أشهد لقد كنت) المبالغة في التأكيد، قد ينبئ عن وقوع الاختلاف فيما بينهم في هذا الحكم، والمراد ببطن الشاة: ما في بطنها من القلب والكبد وغيرهما مما يؤكل.\nوقوله: (ثم صلى) أي: فأكل وقام وصلى.\n٣٢٧ - ٣٢٨ - [٢٨ - ٢٩] (أبو رافع، أبو عبيد) قوله: (أهديت له) أي: لأبي\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٢٣٤).","vol":"2","page":53},{"text":"فَقَالَ: شَاةٌ أُهْدِيَتْ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّه فَطَبَخْتُهَا فِي الْقِدْرِ، قَالَ: \"نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ يَا أَبَا رَافِعٍ\"، فَنَاوَلْتُهُ الذِّرَاعَ، ثُمَّ قَالَ: \"ناوِلْنِي الذِّرَاعَ الآخَرَ\"، فَنَاوَلْتُهُ الذِّرَاعَ الآخَرَ، ثُمَّ قَالَ: \"نَاوِلْنِي الذِّرَاعَ الآخَرَ\"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّمَا لِلشَّاةِ ذِرَاعَانِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَكَتَّ لَنَاوَلْتَنِي ذِرَاعًا فَذِرَاعًا مَا سَكَتَّ\"، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضَ فَاهُ وَغَسَلَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِمْ فَوَجَدَ عِنْدَهُمْ لَحْمًا بَارِدًا فَأَكَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ٣٩٢].\n٣٢٨ - [٢٩] وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ إِلَى آخِرِهِ. [دي: ١/ ٢٢].\nــ\nرافع (لناولتني) ناولته فتناول، أي: أعطيته فأخذ.\nوقوله: (ذراعًا فذراعًا) أي: ذراعًا بعد ذراع.\nوقوله: (ما سكت) أي: ما دمت ساكتًا، ولعل ذلك لخاصية وسنة جارية من اللَّه تعالى في إظهار الأمور الغيبية الخارقة للعادة لطريان التردد والشك بالسؤال والبحث، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وغسل أطراف أصابعه) يدل على أنه يكفي في غسل اليد بعد الطعام ما يزيل به الدسومة والزهومة من اليد، واستيعاب غسلها ليس بلازم.\nوقوله: (ثم عاد إليهم) أي: إلى أهل أبي رافع.\nوقوله: (لم يمس ماء) أي: لم يتوضأ ولم يغسل اليد والأصابع كما غسلها في المرة الأولى لعدم الدسومة.","vol":"2","page":54},{"text":"٣٢٩ - [٣٠] وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأُبَيٌّ وَأَبُو طَلْحَةَ جُلُوسًا فَأَكَلْنَا لَحْمًا وَخُبْزًا ثُمَّ دَعَوْتُ بِوَضُوءٍ، فَقَالَا: لِمَ تَتَوَضَّأُ؟ فَقُلْتُ: لِهَذَا الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْنَا، فَقَالَا: أَتَتَوَضَّأُ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ٣٠].\n٣٣٠ - [٣١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: قُبْلَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَجَسُّهَا بِيَدِهِ مِنَ الْمُلَامَسَةِ. وَمَنْ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ أَوْ جَسَّهَا بِيَدِهِ فَعَلَيهِ الْوضُوءُ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ. [ط: ٦٤، مسند الشافعي: ٢٧].\n٣٣١ - [٣٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: مِنْ قُبْلَةِ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ الْوُضُوءُ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٦٧].\nــ\n٣٢٩ - [٣٠] (أنس بن مالك) قوله: (لم يتوضأ منه من هو خير منك) أنكرا على أنس -﵁-، وسكوت أنس يدل على أنه موافق لهما، فصار متفقًا عليه.\n٣٣٠ - [٣١] (ابن عمر) قوله: (وجسها بيده) الجس: المس باليد كالإجساس.\nوقوله: (من الملامسة) أي: المذكورة في قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣]، أي: ناقضان للوضوء كما بينه بقوله: (ومن قبّل امرأته أو جسها) وفيه حجة على من قال من الشافعية: إن الناقض إنما هو لمس المرأة الأجنبية.\n٣٣١ - [٣٢] (ابن مسعود) قوله: (من قبلة الرجل امرأته الوضوء) لعل التقديم للاهتمام حتى يفهم أن من قبلة غير امرأته الوضوء بالطريق الأولى، وليس للتخصيص كما لا يخفى.","vol":"2","page":55},{"text":"٣٣٢ - [٣٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -﵁- قَالَ: إِنَّ الْقُبْلَةَ مِنَ اللَّمْسِ فَتَوَضَّؤُوا مِنْهَا.\n٣٣٣ - [٣٤] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ تَمِيمِ الدَّارِيّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ\". رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ: عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَلَا رَآهُ، وَيَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ وَيزِيدُ ابْنُ مُحَمَّدٍ مَجْهُولَانِ. [دي: ١/ ١٥٧].\n* * *\nــ\n٣٣٢ - [٣٣] (ابن عمر) قوله: (إن القبلة من اللمس) في معنى قوله في الحديث السابق من الملامسة، وفي الآية قراءتان: ﴿لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾، و﴿لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾.\nاعلم أن هذه الآثار من ابن عمر وابن مسعود -﵄- تدل على أن مس المرأة ناقض كما هو مذهب الشافعي -﵀-، ولعلها عند الحنفية لم يثبت، ويحتمل أن يقال: إن ذلك بناء على مذهبهما، ويكون مذهب غيرهما على خلاف ذلك، فإنهما لم يرفعا إلى النبي -ﷺ-، وحديث عائشة -﵂- مرفوع، واللَّه أعلم.\n٣٣٣ - [٣٤] (عمر بن عبد العزيز) قوله: (الوضوء من كل دم سائل) (١) هذا الحكم مخصوص بالحنفية، وعند الأئمة الثلاثة الناقض هو ما يخرج من السبيلين معتادًا أو غير معتاد، وعند أحمد خروج البول والغائط من غير مخرجهما ناقض، والحجة لنا هذا الحديث الذي رواه الدارقطني في (سننه) عن عمر بن عبد العزيز عن\n_________\n(١) ذهب إلى إيجابه الحنفية وأحمد بن حنبل، وذهب الشافعي ومالك إلى أنه غير ناقض. انظر: \"بذل المجهود\" (٢/ ١١٢).","vol":"2","page":56},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nتميم الداري، ورواه ابن عدي في (الكامل) (١) عن زيد بن ثابت، وطعن الدارقطني فيه بأن عمر بن عبد العزيز لم ير تميمًا الداري؛ فإن ولادة عمر كان في سنة سبع وخمسين، وتميم الداري مات في أيام علي -﵁-، ويزيد بن خالد ويزيد بن محمد مجهولان، وقد عرفت معنى المجهول في المقدمة، وهذا ليس بطعن عندنا لأنا نقبل المراسيل، وقد عرف في موضعه.\nوأما يزيد بن خالد ويزيد بن محمد فقد اختلف فيهما، وقد وثقوهما كما في (الكاشف) (٢) للذهبي، والمجهول قسمان: مجهول العين من لم يرو عنه إلا واحد ولم يوثق، ومن روى عنه اثنان أو أكثر من غير توثيق فهو مجهول الحال وهو المستور، وقد قبل روايته الجمهور وردها البعض، وقيل: موقوف إلى استبانة الحال ولا يدرى من أي قسم، واللَّه أعلم.\nولنا أيضًا ما روى البخاري (٣) عن أم المؤمنين عائشة -﵂-: أن فاطمة بنت حبيش جاءت إلى النبي -ﷺ- فقالت: إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: (لا إنما ذلك عرق ليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، وتوضئي لكل صلاة)، فنبه -ﷺ- على العلة الموجبة للوضوء، وهو كون ما يخرج منها دم عرق، ولأنه نجس خرج إلى موضع يلحقه حكم التطهير فينقض به الوضوء كالخارج من السبيلين.\n_________\n(١) \"الكامل\" (٢/ ٧٧).\n(٢) \"الكاشف\" (٢/ ٣٨١، ٣٨٩).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٢٢٨).","vol":"2","page":57},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوتمسك الخصم بما روى الحاكم مسندًا والبخاري (١) معلقًا عن جابر بن عبد اللَّه: أن النبي -ﷺ- كان في غزوة الرقاع فرمي رجل بسهم، فنزفه الدم فركع وسجد، ومضى في صلاته. والجواب أنه إنما ينتهض حجة إذا ثبت اطلاع النبي -ﷺ- على صلاة ذلك الرجل وتقريره له عليها.\nوقال الخطابي (٢): ولست أدري كيف يصح الاستدلال به والدم إذا سال أصاب بدنه وربما أصاب ثيابه، ومع إصابة شيء من ذلك لا تصح صلاته؟ إلا أن يقال: إن الدم كان يجري من الجراح على سبيل الدفق حتى لم يصب شيئًا من ظاهر بدنه، ولإن كان كذلك فهو أمر عجيب، كذا ذكره الشُّمُنِّي، واحتج أيضًا بما روى الدارقطني (٣) من أنه -ﷺ- احتجم وصلى ولم يتوضأ ولم يزد على غسل محاجمه، وقد ضعف هذا الحديث أيضًا.\nولنا أيضًا ما رواه ابن ماجه (٤) عن عائشة -﵂- قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف وليتوضأ، ثم ليبن على صلاته ما لم يتكلم)، ورواه الدارقطني أيضًا، وقد تكلم في ابن عياش، وقد وثقه ابن معين، ونقل عن الشافعي ﵀ أنه قال: إنه بتقدير الصحة يحمل على غسل الدم لا وضوء الصلاة، ودفع بأنه غير صحيح وإلا لبطلت الصلاة، فلم يجز البناء، والكلام في هذا المقام طويل ذكره الشيخ ابن الهمام.\n_________\n(١) \"المستدرك\" للحاكم (١/ ٢٥٨)، و\"صحيح البخاري\" (كتاب: ٤، باب: ٣٤).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٢٨١).\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (١/ ١٥١).\n(٤) \"سنن ابن ماجه\" (١٢٢١)، و\"سنن الدارقطني\" (١/ ١٥٣).","vol":"2","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>٢ - باب آداب الخلاء</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-234> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٣٤ - [١] عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا\". . . . .\nــ\n٢ - باب آداب الخلاء\nالأدب: استعمال ما يحمد قولًا وفعلًا، وعبر عنه بعضهم بأنه الأخذ بمكارم الأخلاق، وفي (الصراح) (١): أدب نكَاه داشتن حد هر جيزى را، وسنبين معناه مفصلًا في كتاب الآداب إن شاء اللَّه تعالى، والخلاء ممدودًا المتوضأ؛ لأن الإنسان يخلو فيه، في (القاموس) (٢): الخلاء: المتوضأ والمكان لا شيء به.\nالفصل الأول\n٣٣٤، ٣٣٥ - [١ - ٢] (أبو أيوب الأنصاري، وعبد اللَّه بن عمر) قوله: (إذا أتيتم الغائط) في (المشارق) (٣): الغائط: المنخفض من الأرض، وبه سمي الحدث لأنهم كانوا يقصدونه لذلك يستترون فيه، وفي (القاموس) (٤): الغائط والغاط: المطمئن من الأرض، والغائط كناية عن العذرة، انتهى. وإرادة العذرة من الغائط مجاز من قبيل تسمية الحال باسم المحل، والكناية في عبارة (القاموس) بمعنى مقابل الصريح.\nوقوله: (ولكن شرقوا أو غربوا) في (القاموس) (٥): التشريق الأخذ في ناحية\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ١٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٧٨).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٣٤).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٢٧).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٢٧).","vol":"2","page":59},{"text":"مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٩٤، م: ٢٦٤].\nقَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ ﵀: هَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحْرَاءِ، وَأَمَّا فِي الْبُنْيَانِ فَلَا بَأْس لما رُوِيَ.\n٣٣٥ - [٢] عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ قَالَ: ارْتَقَيْتُ فَوْقَ بَيْتِ حَفْصَةَ لِبَعْضِ حَاجَتِي فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٨، م: ٦٢].\nــ\nالمشرق، وعلى هذا يكون التغريب الأخذ في ناحية المغرب، والمعنى استقبلوا المشرق حتى يكون الاستدبار إلى المغرب، أو استقبلوا المغرب حتى يكون الاستدبار إلى المشرق، وهذا مخصوص بأهل المدينة المطهرة؛ فإن قبلتها الجنوب؛ فإن المدينة شمالية الكعبة المشرفة.\nواعلم أن المسألة مختلف فيها، فعند أبي حنيفة يحرم استقبال القبلة واستدبارها في الصحراء وفي البنيان، وعند الشافعي لا يحرم في البنيان، وذهب إلى كل من القولين جمع من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ونقل الترمذي عن أحمد بن حنبل الرخصة من النبي -ﷺ- في استدبار القبلة بغائط أو بول، فأما استقبال القبلة فلا يستقبلها، كأنه لم ير في الصحراء ولا في الكنيف أن يستقبل القبلة، ونقل الشُّمُنِّي عدم كراهة الاستدبار عن أبي حنيفة أيضًا الحديث ابن عمر -﵄- الآتي.\nحجة الحنفية أن حديث النهي رواه جمع كثير من الصحابة، ولم يذكر أحد منهم في رواية ما يدل على التفريق بين الصحارى والأبنية، وقال الترمذي (١): حديث أبي أيوب أحسن شيء في هذا الباب وأصح، انتهى.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (١/ ١٢).","vol":"2","page":60},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوهذا الحديث رواه أصحاب الكتب الستة، وقال أبو أيوب: قدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت قبل القبلة فننحرف عنها ونستغفر اللَّه، وإنما استغفر مع الانحراف عنها؛ لأنه اعتقد أنه منكر فاستغفر من رؤيته، وترك التشدد في تغييره.\nوقال التُّورِبِشْتِي (١): والنظر يقتضي التسوية بين الصحارى والأبنية؛ لأنا لم نجد للنهي وجهًا سوى احترام القبلة، ككراهة مواجهة تلك الجهة بالبزاق والنخامة ومد الرجل.\nوتمسك الشافعي بحديث ابن عمر -﵄- قال: ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض حاجتي فرأيت النبي -ﷺ- يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام.\nوأجيب عنه بأنه يحتمل أن يكون ذلك قبل النهي، ويحتمل أنه قد انحرف عن سمت القبلة شيئًا يسيرًا بحيث خفي على ابن عمر -﵄- لأنه لم يتعمق في ذلك ولم يكن المقام مقامه.\nوقال التُّورِبِشْتِي: وقد جاء في بعض طرق الصحاح أن ابن عمر قال: يقول ناس: إذا قعدت للحاجة فلا تقعد مستقبل القبلة ولا بيت المقدس، ولقد ارتقيت على ظهر بيت حفصة -﵂- فرأيت رسول اللَّه -ﷺ- مستقبلًا بيت المقدس لحاجته، فليس استدبار القبلة مذكورًا فيه، وإنما أنكر على من قال بالنهي عن استقبال بيت المقدس، انتهى.\nفإن قلت: إذا كان مستقبلًا لبيت المقدس فقد يستدبر الكعبة ضرورة لأنهما متسامتان في المدينة؛ لأن المدينة متوسطة بين مكة وبيت المقدس، وكلاهما في ناحية الشمال من مكة كما يرى ذلك في مسجد القبلتين الذي نسخت فيه قبلة بيت المقدس، بني محراب كل منهما مسامتًا للآخر.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٣٠).","vol":"2","page":61},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقلنا: ليس الأمر كذلك في التحقيق، ولا يقع سمت القبلة بالمدينة على السواء من بيت المقدس، وإن ذكره بعض العلماء بناء على الظاهر فذلك مبني على التقريب، ويعلم ذلك بالحس من النظر في مطالع البروج ومغاربها، وبالحساب بمعرفة طول البلدين وعرضهما؛ فإن طول المدينة خمس وسبعون درجة وعشرون دقيقة، وعرضها خمس وعشرون درجة، وطول بيت المقدس ست وستون درجة وعشرون دقيقة، وعرضها أحد وعشرون درجة وأربعون دقيقة، فلا يكون مسامتين على ما ذكره التُّورِبِشْتِي، واللَّه أعلم.\nفإن قلت: في حديث جابر أنه قال: نهى رسول اللَّه -ﷺ- أن نستقبل القبلة ببول، فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها، وهذا يدل على أن الرخصة كان آخر الأمرين، فلا يجوز القول بنسخه.\nقلنا: قال الترمذي: حديث جابر غريب حسن، فلا يقاوم حديث أبي أيوب وهو صحيح، على أنه يحتمل أنه انحرف عنها يسيرًا ولم يشعر به جابر، أو كان في بعض أسفاره بحيث تشتبه القبلة فيه فحسب أنه متوجه إلى جهة الكعبة ولم يكن كذلك، على أنه يحتمل بعد أن الرخصة نسخت ثانيًا؛ لكونه قبل أن يقبض بعام، وهذه الاحتمالات وإن كانت لا تخلو عن بعد لكنها تجمع الأحاديث، وأحاديث النهي كثيرة راجحة، والاحتياط في ذلك.\nثم اعلم أن الوجه في قول الشافعي بالرخصة في البنيان ليس مبنيًّا على أن الستر في ظاهر ما يرى حاصل في البنيان دون الصحراء كما يتبادر إلى الفهم، بل الوجه كما قالوا هو أن الصحراء لا تخلو عن مصلٍّ من ملك أو جني أو إنسي، فإذا قعد مستقبل القبلة أو مستدبرها ربما يقع نظر مصلٍّ على عورته، وهذا المعنى مأمون في البنيان،","vol":"2","page":62},{"text":"٣٣٦ - [٣] وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: نَهَانَا -يَعْنِي رَسُولَ اللَّه -ﷺ- أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ. . . . .\nــ\nكذا قال الطيبي (١)، ولكن ما يجيء في الفصل الثالث من حديث مروان الأصفر من قول ابن عمر -﵄-: إنما نهى عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس؛ ينظر إلى ما يتبادر.\n٣٣٦ - [٣] (سلمان -﵁-) قوله: (وأن نستنجي) وفي بعض النسخ بـ (أو) في المواضع الثلاثة، ونفي أحد الأمور مبهمًا يقتضي العموم، والنجو: ما يخرج عن البطن، يقال: نجى فلان: أحدث، ونجى الحدث: خرج، والسين في الاستنجاء للطلب، أي: طلب النجو ليزيله، والاستنجاء يجيء بمعنى إخراج العذرة من البطن، وبمعنى إزالته عن بدنه بالغسل أو المسح، والأول: من النجو وهو ما ارتفع من الأرض كأنه يطلبها ليجلس تحتها، والثاني: من نجى الشجرة وأنجاها واستنجاها: قطعها، أو من نجى الجلد: كشطه، وذكر الأحجار في الاستنجاء مبني على الأكثر المتعارف في تلك الديار، والمدر والتراب والعود والخرق وكل ما يحصل به النقاء في حكمها ما عدا ما نهي عنه من العظم والروث والرجع؛ لما روى البيهقي وقال: إنه أصح ما في الباب عن مولى عمر قال: كان عمر -﵁- إذا بال قال: ناولني شيئًا أستنجي به فأناوله العود أو الحجر، أو يأتي حائطًا يتمسح به أو يمسه الأرض، كذا ذكر الشُّمُنِّي.\nوقوله: (باليمين) وكيفية الاستنجاء بالحجر من البول أن يأخذ الحجر بيمينه والذكر بشماله ويحركه إلى الحجر، ولا يحرك الحجر إليه لئلا يلزم الاستنجاء باليمين، كذا ذكره في (العوارف) (٢)، قال الشيخ: وكذا ذكره إمام الحرمين ومن بعده كالغزالي\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣٥).\n(٢) \"عوارف المعارف\" (ص: ١٧١).","vol":"2","page":63},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفي (الوسيط) (١)، والبغوي في (التهذيب) وقال: ومن ادعى أنه في هذه الحالة يكون مستجمرًا بيمنيه فقد غلط، وإنما هو كمن صب بيمينه الماء على يساره في حال الاستنجاء، وبهذا قد حصل التفصي عما نقل في (فتح الباري) (٢) عن الخطابي في هذا المقام إيرادًا وبالغ في التبجح به، وهو أن المستجمر متى استجمر بيساره استلزم مس ذكره بيمينه، ومتى أمسكه بيساره استلزم استجماره بيمينه، وكلاهما قد شمله النهي، ولم يحتج في الجواب عنه بتكلفات ارتكبوها هي أنه يقصد الأشياء الضخمة التي لا تزول بالحركة كالجدار ونحوه من الأشياء البارزة فيستجمر بها بيساره، فإن لم يجد فليلصق مقعدته بالأرض ويمسك ما يستجمر به بين عقبيه أو إبهامي رجليه، ويستجمر بيساره فلا يتصرف في شيء من ذلك بيمينه. قال الشيخ: وهذه هيئة منكرة، بل قد يتعذر فعلها في غالب الأوقات.\nوقال الطيبي (٣): النهي عن الاستنجاء باليمين مختص بالدبر، والنهي عن المس مختص بالذكر فبطل الإيراد من أصله، قال الشيخ: ما ادعاه من تخصيص الاستنجاء باليمين بالدبر مردود، والمس وإن كان مخصوصًا بالذكر لكن يلحق به الدبر قياسًا، والتخصيص على الذكر لا مفهوم له بل فرج المرأة كذلك، وإنما خص الذكر بالذكر لكون الرجال هم المخاطبين، والنساء شقائق الرجال في الأحكام، انتهى.\nوأقول: لا حاجة إلى شيء مما ذكروا، والأمر في ذلك سهل؛ فإنه إذا أخذ الحجر بشماله ومع ذلك أخذ الذكر به حصل الاستنجاء، كما يفعل من يتواخذ ويتخطا (٤)\n_________\n(١) \"الوسيط\" للغزالي (١/ ٣٠).\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٥٤).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣٩).\n(٤) كذا في الأصول.","vol":"2","page":64},{"text":"أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ،\nــ\nللاستنجاء، وذلك متعارف بلا مشقة كما لا يخفى.\nوقوله: (أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار) الاستنجاء بثلاثة أحجار واجب عند الأئمة الثلاثة بشرط النقاء بأن يخرج آخرهن نقيًّا لا شيء عليه، وإن أنقى بدون الثلاثة أتى ببقيتها تحصيلًا بشرط العدد، وعندنا الشرط هو حصول النقاء وإن حصل بأقل منها، وتمسكهم بهذا الحديث إن كان النهي للتحريم، وبحديث عائشة (١) أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (إذا ذهب أحدكم لحاجته فليستطب بثلاثة أحجار) إن كان الأمر للإيجاب.\nولنا ما روى البخاري (٢) عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- قال: أتى النبي -ﷺ- الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين ولم أجد الثالث، فأتيته بروثة فأخذ الحجرين وألقى الروثة، وقال: (هذا ركس)، وأيضًا حديث أبي هريرة الآتي: (من استجمر فليؤتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج) دليل على عدم الاشتراط.\nقال في (الهداية) (٣): وما رواه الشافعي متروك الظاهر، فإنه لو استنجى بحجر له ثلاثة أحرف جاز بالإجماع، قال ابن الهمام (٤): فعلم أن المراد عدد المسَحَات غير أنه قدر بالثلاث؛ لأن غالب الظن يحصل عنده كما قدره في حديث المستيقظ، ولكن هذا إذا كان الاستجمار خاصًا في الاستنجاء، لكنه مشترك بينه وبين استعمال الجمر في البخور كما في قولهم: تجمر الأكفان في الجنائز، واستجمر فلان: أي تبخّر، فيكون\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٦/ ١٠٨).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (١٥٦).\n(٣) \"الهداية\" (١/ ٣٩).\n(٤) \"فتح القدير\" (١/ ٣٩٧).","vol":"2","page":65},{"text":"أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٢].\n٣٣٧ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٢، م: ٢٨٣].\n٣٣٨ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ -ﷺ- بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ: \"إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ،\nــ\nلفظ الحديث لبيان تثليث الإيتار في البخور والتطيب.\nوقوله: (أو أن نستنجي برجيع أو بعظم) المراد بالرجيع: الروث، وعلة النهي عن الاستنجاء بالروث والعظم كونهما زاد الجن ودوابهم كما نطقت به الأحاديث.\n٣٣٧ - [٤] (أنس) قوله: (من الخبث والخبائث) (الخبث) يروى بضم الباء وسكونها، فبالضم جمع خبيث، و(الخبائث) جمع خبيثة، يريد ذكران الشياطين وإناثهم، وبالسكون يحتمل أن يكون مصدر خبث الشيء خبثًا، ويحتمل أن يكون مخفف جمع الخبيث، وقد جاء التخفيف في هذا الوزن كما في كتب وسبل ورسل، وعلى تقدير كونه على لفظ المصدر المراد الشيء المكروه مطلقًا، وقيل: الشر، وقيل: الكفر، ثم قال الشيخ (١): من يكره ذكر اللَّه في تلك الحالة يفصِّل، أما في الأمكنة المعدة لذلك فيقوله قبيل دخولها، وأما في غيرها فيقول في أوان الشروع كتشمير ثيابه مثلًا، وهذا مذهب الجمهور، وقال: من [نسي] يستعيذ بقلبه لا بلسانه، ومن يجيز مطلقًا كما نقل عن مالك لا يحتاج إلى التفصيل.\n٣٣٨ - [٥] (ابن عباس) قوله: (وما يعذبان في كبير) أي: في زعمهما، أو في\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٦٠).","vol":"2","page":66},{"text":"أَمَّا أَحدهمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ -وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ- وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ\"،\nــ\nأمر يشق ويكبر عليهما الاحتراز عنه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] أي: شاقة، وزاد في رواية للبخاري: ثم قال: (بلى)، أي: بلى يعذبان في كبير، وفي للتعليل.\nوقوله: (أما أحدهما فكان لا يستتر من البول) روي هذا اللفظ بوجوه، أحدها (لا يستتر) من الاستتار، وظاهر معناه لا يبالي بانكشاف العورة، وهذا لا يناسب الباب، وقد يقال: معناه لا يجعل بينه وبين بوله سترة حتى يتحفظ منه، والموافق لما رواه مسلم: (لا يستنزه) -بنون ساكنة بعدها زاي ثم هاء- من التنزه وهو الإبعاد، وهذا اللفظ موافق لما جاء في حديث آخر: (استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه)، وقد يروى: (لا يستبرئ) بموحدة ساكنة من الاستبراء، أي: لا يتبرأ من البول ولا يتباعد منه، وهو قريب من الوجه الثاني، وقد جاء: (يستنتر) بالنون بين التائين من النتر، قال في (النهاية) (١): وهو جذب فيه قوة وجفوة، وقد جاء في الحديث: (إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثًا)، وفي رواية: (ثلاث نترات)، وقال: ومنه حديث عذاب القبر أنه لم يكن يستنتر عند بوله، وهو أيضًا قريب من (يستبرئ) و(يستنزه)، وقال الطيبي (٢): وذكر في (شرح السنة) هذا الحديث في باب الاستتار عند قضاء الحاجة.\nوقوله: (بالنميمة) النم والنميمة: رفع الحديث إشاعة له وإفسادًا، نم ينم بكسر النون وضمها، وقال النووي: نقل كلام الغير لقصد الإضرار وهي من أقبح القبائح، انتهى. وعرفها بعضهم أنها المقالة التي ترفع عن قائلها ليضر بها قائلها في دينه أو نفسه\n_________\n(١) \"النهاية\" (٥/ ١٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣٧).","vol":"2","page":67},{"text":"ثُمَّ أَخَذَ جَرِيدَةً رَطْبَةً فَشَقَّهَا بِنِصْفَيْنِ، ثُمَّ غَرَزَ فِي كُلِّ قَبْرٍ وَاحِدَةً، قَالُوا: يَا رَسُول اللَّه لِمْ صَنَعْتَ هَذَا؟ فَقَالَ: \"لَعَلَّهُ أَن يُخَفَّفَ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٦، ١٣٦١، ٦٠٥٢، م: ٢٩٢].\nــ\nأو ماله، وهذا التعريف أشمل لدخول إفشاء الشر فيه، ثم قوله: يرفع عن قائلها يعم كل ما يحصل به الرفع ولو بكتابة أو رمز ونحو ذلك، انتهى.\nوفي (شرح كتاب الخرقي) (١) في مذهب الإمام أحمد بن حنبل قال: وهي كبيرة عندنا على الأشهر، وكيف لا، وقد جعلها اللَّه تعالى صفة لمن اعتدى وكذب ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١٠ - ١١]، وأخبر نبيه -ﷺ-: (إن اللَّه لا ينظر إلى ذي وجهين)، وفي الصحيحين (٢): (لا يدخل الجنة قتات)، أي: نمام، وقد قال عمر ابن الخطاب لكعب الأحبار -﵄-: أي شيء في التوراة أعظم إثمًا، قال: النميمة، فقال عمر -﵁-: هي أقبح من القتل، فقال: وهل يولد القتل وسائر الشرور إلا النميمة، ومصداق ذلك في الكتاب العزيز ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١].\nوقوله: (ثم أخذ جريدة) أي: غصن نخل، في (القاموس) (٣): جرده: قشره، والجريدة سعفة طويلة رطبة أو يابسة أو التي تقشر من خُوصها.\nوقوله: (فشقها بنصفين) قال الطيبي (٤): هو حال بزيادة الباء، ويحتمل أن يكون مفعولًا مطلقًا، أي: شقها شقًا ملتبسًا بنصفين.\nوقوله: (لعله أن يخفف عنهما ما لم ييبسا) زيادة (أن) لتشبيه لعل بعسى، والضمير\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (١/ ٥٥).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٦٠٥٦)، و\"صحيح مسلم\" (١٠٥).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٦١).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣٨).","vol":"2","page":68},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفي (يخفف) للعذاب، ويروى: (عنها)، والضميران للميت، والتذكير باعتبار الشخص، والتأنيث باعتبار النفس، والأول للشأن، وتفسيره بأن وصلتها لكونها جملة حكمًا، أو مبهم يفسره ما بعده، وعلى رواية (عنهما) بالتثنية الضمير للقبرين، وقد يروى (عنه) بتأويل الشخص، و(ييبسا) يروى بالفوقية والتحتية فعلى الأول للكبيرتين، وعلى الثاني للعودين أو للنصفين، وقالوا: لعله -ﷺ- شفع فاستجيب بالتخفيف عنهما إلى أن ييبسا، وقيل: لكونهما يسبّحان ما داما رطبتين، المراد (من شيء) في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ﴾ [الإسراء: ٤٤]: شيء حي، وحياة الخشب ما لم ييبس، والحجر ما لم يقطع، وهذا التسبيح خاص به، والذي يعمّ الأشياء كلّها فهو بمعنى الدلالة على الصانع وكماله، وقد أنكر الخطابي ما يفعله الناس على القبور من الأخواص ونحوها متعلقين بهذا الحديث، وقال: لا أصل له ولا وجه.\nوفي (مجمع البحار) (١) عن الكرماني: وليس في الجريدة معنى يخصه، وإنما ذاك ببركة يده -ﷺ-، ولهذا أنكر الخطابي وضع الناس الجريدة ونحوه على القبر، وقيل: الرطب يسبح فيتخفف ببركته فيطّرد في كل الرياحين والبقول.\nوقال التُّورِبِشْتِي (٢): وجه هذا التحديد أن يقال: إنه سأل التخفيف عنهما مدة بقاء النداوة فيهما، وقول من قال: وجه ذلك أن الغصن الرطب يسبح للَّه ما دام فيه النداوة فيكون مجيرًا عن عذاب القبر، قول لا طائل تحته ولا عبرة به عند أهل العلم، وقيل: علم ذلك موكول إلى النبي -ﷺ-، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢٠٥).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٣٢).","vol":"2","page":69},{"text":"٣٣٩ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"اتَّقُوا اللَّاعِنَيْنِ\" قَالُوا: وَمَا اللَّاعِنَانِ يَا رَسُولَ اللَّه؟ . قَالَ: \"الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاس أَو فِي ظِلِّهِمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٩].\n٣٤٠ - [٧] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"إِذا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإْنَاءِ، وَإِذَا أَتَى الْخَلَاءَ فَلَا يَمَسَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ. . . . .\nــ\n٣٣٩ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (اتقوا اللاعنين) هذا من قبيل الإسناد إلى السبب الحامل وحذف المضاف من قوله: (الذي يتخلى) أي: تخلى الذي يتخلى أو عبّر عن الفعل بفاعله، وقيل: اللاعن بمعنى الملعون كما قيل في قوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ﴾ [هود: ٤٣] أي: اتقوا فعلهما، واستفدنا من إضافة الظل إلى الناس اختصاص النهي بظل يجتمعون ويقيلون فيه، ففي هذا النوع من الظل ورد النهي دون سائر الظلال، فقد ثبت أن النبي -ﷺ- قعد تحت حائش (١) من النخل لحاجته، وهو المجتمع من الشجر نخلًا كان أو غيره، ولا بد أن يكون للحائش ظل، كذا ذكره التُّورِبِشْتِي (٢)، ومواضع الشمس في الشتاء كالظل في الصيف، كذا في بعض الشروح، والمراد بالتخلي: التفرد لقضاء الحاجة غائطًا أو بولًا؛ فإن التنجس والاستقذار موجود فيهما فلا يصح تفسير النووي بالتغوط، ولو سلم فالبول يلحق به قياسًا، والمراد بالطريق: الطريق المسلوك لا المهجور الذي لا يسلك إلا نادرًا، وكذا طريق الكفار ليس بمراد، كذا في (مجمع البحار) (٣).\n٣٤٠ - [٧] (أبو قتادة) قوله: (فلا يتنفس) بالجزم، و(لا) ناهية في الثلاثة،\n_________\n(١) جَماعَةُ النَّخْلِ. \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٩١).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٣٢).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ١١٠).","vol":"2","page":70},{"text":"وَلَا يَتَمَسَّحْ بِيَمِينِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٣، م: ٢٦٧].\n٣٤١ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦١، م: ٢٣٧].\nــ\nويروى بالرفع فيها على أن (لا) نافية، كذا في بعض الشروح نقلًا عن الشيخ، ويجوز الجزم أيضًا على تقدير كون (لا) نافية لجواز الوجهين عند كون الشرط ماضيًا، والمراد التنفس داخل الإناء من غير أن يُبِينَهُ عن الفم حذرًا من سقوط شيء من الأنف أو الفم فيه (١)، وقيل: إنه منع من جهة الطب، وقد ورد في حديث آخر: أنه كان يتنفس في الإناء ثلاثًا، أي: في الشرب منه بإبانة الإناء عن الفم، وقد جاء في رواية في الشراب، ويتم الكلام في ذلك في (باب الأشربة) إن شاء اللَّه.\nوقوله: (ولا يتمسح بيمينه) أي: لا يستنج بها؛ لما في رواية البخاري: (إذا بال أحدكم فلا يأخذ ذكره ولا يستنجِ بيمينه)، كذا في الشروح، وقد ذكرنا كيفية الاستنجاء بالحجر في البول بحيث لا يلزم منه مس الذكر باليمين ولا الاستنجاء بها، وأما في الغائط فظاهر.\n٣٤١ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (فليستنثر) أي: يستنشق، قد سبق شرحه في الحديث الخامس من الفصل الأول من (كتاب الطهارة)، (ومن استجمر) الاستجمار: استعمال الجمار وهو الأحجار الصغار، والمراد الاستنجاء، وظاهر الإيتار يشمل الواحد أيضًا، وحمل الشافعية على ثلاث أو خمس، والاستجمار: التبخر أيضًا من جمرة النار، وقد يحمل الحديث عليه، فإيتاره أن يأخذ من البخور ثلاث قطع أو ثلاث مرات، فلا يناسب الباب ولا يناسب أيضًا سياق الحديث، ويجيء الكلام فيه في الفصل الأول\n_________\n(١) أو لعل علة النهي تغير البرودة بحرارة النفس، كذا في \"التقرير\".","vol":"2","page":71},{"text":"٣٤٢ - [٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- يَدْخُلُ الْخَلَاءَ فَأَحْمِلُ أَنَا وَغُلَامٌ إِدَاوَةً مِنْ مَاءٍ وَعَنَزَةً يَسْتَنْجِي بِالْمَاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٠، ٥٠٠، م: ٢٧١].\nــ\nمن (باب الترجل) من (كتاب اللباس).\n٣٤٢ - [٩] (أنس) قوله: (يدخل الخلاء) وفي بعض الشروح: قال الشيخ (١): المراد بالخلاء ههنا الفضاء؛ لما في رواية أخرى: كان إذا خرج لحاجته، ولقرينة حمل العنزة مع الماء، وأيضًا الأخلية التي في البيوت كانت خدمته فيها متعلقة بأهله، والمراد بالغلام هو ابن مسعود (٢)، لأنه كان صاحب الإداوة والنعلين والسواك يحملها، و(الإداوة) بالكسر: إناء صغير من جلد يتخذ للماء ليتطهر بها، و(العنزة) بفتحات: قدر نصف الرمح أو أكبر شيئًا فيها سنان كسنان الرمح، والعنزة قريب منها، وكان يحمل معه -ﷺ- لسترته في الصلاة، وقيل: لدفع الضرر لو احتاج، ولنبش الأرض الصلبة لئلا يرتد البول، وقيل: لركزها بجنبه ليكون إشارة إلى منع من يروم المرور بقربه.\nوقوله: (ويستنجي بالماء) أي: بعد التنقية بالحجارة، وذلك مستحب (٣) عندنا كما يأتي في الفصل الثالث من حديث أبي أيوب -﵁-، وقيل: هو سنة في زماننا لما روى البيهقي في (سننه) وابن أبي شيبة في (مصنفه) (٤) عن علي بن أبي طالب -﵁- قال: من قبلكم كانوا يبعرون بعرًا وأنتم تثلطون ثلطًا فأتبعوا الحجارة الماء.\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٢٥٢).\n(٢) قال القاري: وَقِيلَ: بِلَالٌ، أَوْ أَبُو هُرَيْرَةَ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٧٨).\n(٣) انظر: \"بذل المجهود\" (١/ ٣٠٧).\n(٤) \"السنن الكبرى\" للبيهقي (١/ ١٠٦، رقم: ٥٢٩)، و\"مصنف ابن أبي شيبة\" (١٦٣٤).","vol":"2","page":72},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-235> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٤٣ - [١٠] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا دَخَلَ الْخَلَاءَ نَزَعَ خَاتَمَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ.\nوَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ (١). وَفِيَ رِوَايَتِهِ: وَضَعَ بَدَلَ نَزَعَ. [د: ١٩، س: ٥٢١٣، ت: ١٧٤٦].\n٣٤٤ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا أَرَادَ الْبَرَازَ. . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n٣٤٣ - [١٠] (أنس) قوله: (إذا دخل الخلاء) أي: أراد دخوله، (نزع خاتمه) لكون نقشه (محمد رسول اللَّه)، ففيه تننحية الداخل في الخلاء ما عليه اسم اللَّه ورسوله والقرآن، وفي بعض الشروح: ولا يختص ذلك برسولنا بل يعم الرسل كلهم صلوات اللَّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين، هذا، وقد يختلج أنه لو كان اسم اللَّه ورسوله داخل العلم نحو عبد اللَّه، ورحمة اللَّه، وأبو محمد، وأبو أحمد، هل يكره؟ وهذا منظور فيه، ولم نجد له تصريحًا، واللَّه أعلم.\n٣٤٤ - [١١] (جابر) قوله: (إذا أراد البراز) برز بروزًا: خرج إلى البراز، أي: الفضاء، كنُّوا به عن حاجة الإنسان كالغائط، وهو اسم للمكان الغور، كما هو المتعارف في الكناية عن ما يكره التصريح به، والبراز بالفتح وخطأ الخطابي الكسر، لأنه مبارزة في الحرب، وخالفه الجوهري فجعله مشتركًا بينهما، كذا في (مجمع البحار) (٢)، وقال\n_________\n(١) ولعل الحكم بنكارته لأمرين؛ الأول: ترك الواسطة بين ابن جريج والزهري، والثاني: تبديل المتن بمتن آخر، والحديث قد صححه الترمذي وابن حبان. انظر: \"بذل المجهود\" (١/ ٢٣٠).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ١٧٢، ١٧٣).","vol":"2","page":73},{"text":"انْطَلَقَ حَتَّى لَا يَرَاهُ أَحَدٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢].\n٣٤٥ - [١٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ فَأَرَادَ أَنْ يَبُولَ فَأَتَى دَمِثًا فِي أَصْلِ جِدَارٍ فَبَال،\nــ\nفي (القاموس) (١): البراز كسحاب اسم، وككتاب الغائط.\nوقوله: (حتى لا يراه أحد) يحتمل أن يكون المراد: لا يراه أحد ذاهبًا، أو لا يراه بعد قعوده، والظاهر هو الأول، وذلك لغاية استحيائه وتستره -ﷺ-.\n٣٤٥ - [١٢] (أبو موسى) قوله: (فأتى دمثًا) بفتح الدال المهملة وكسر الميم، وفي (القاموس) (٢): دمث المكان وغيره كفرح: سهل ولان، وفي بعض الشروح: صفة لمحذوف، أي: مكانًا دمثًا، انتهى. كأنه يريد أنه ليس من الصفات الغالبة على المكان بل هو بمعنى السهل اللين مكانًا كان أو غيره كما يظهر من عبارة (القاموس) أيضًا، ومما جاء في رواية: (مال إلى دمث من الأرض فبال)، وفي (النهاية) (٣): في حديث صفته -ﷺ-: دمث ليس بالجافي، قال: أراد أنه كان لين الخلق في سهولة من الدمث، هي الأرض السهلة الرخوة، والرمل الذي ليس بمتلبد، من دمث المكان دَمَثًا: إذا لان وسهل فهو دَمِثٌ ودَمْثٌ، وفي حديث صفة الغيث: فلبدت الدماث، أي: صيرتها لا تسوخ فيها الأرجل وهي جمع دمث، والحكمة في إتيان الدمث للبول لئلا يرتد عليه رشاش البول.\nوقوله: (في أصل جدار) أي: قريبًا منه بحيث لا يضره، أو عرف رضا صاحبه، أو لم يكن مملوكًا لأحد، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٦٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٦٨).\n(٣) \"النهاية\" (٢/ ١٣٢).","vol":"2","page":74},{"text":"ثُمَّ قَالَ: \"إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَبُولَ فَلْيَرْتَدِ لِبَوْلِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣].\n٣٤٦ - [١٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إذَا أَرَادَ الْحَاجَةَ لَمْ يَرْفَعْ ثَوْبَهُ حَتَّى يَدْنُوَ مِنَ الأَرْض. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ والدَّارِمِيُّ. [ت: ١٤، د: ١٤، دي: ١/ ١٧١].\n٣٤٧ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، أُعَلِّمُكُمْ: إِذَا أَتَيْتُمُ الْغَائِطَ فَلَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا\"، وَأَمَرَ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، وَنَهَى عَنِ الرَّوْثِ وَالرِّمَّةِ، وَنَهَى أَنْ يَسْتَطِيبَ الرَّجُلُ بِيَمِينِهِ. . . . .\nــ\nوقوله: (فليرتد لبوله) أي: يطلب مكانًا مناسبًا، ولا يستعجل ولا يجلس حيث شاء، ويكون ذلك مثل هذا المكان، فافهم.\n٣٤٦ - [١٣] (أنس) قوله: (حتى يدنو من الأرض) المراد دنوه من الأرض للقعود للحاجة، لا قربه من مكان يقعد فيه.\nوقوله: (رواه الترمذي) من حديث الأعمش عن أنس وابن عمر، وقال: كلا الحديثين مرسل، ويقال: لم يسمع الأعمش من أنس بن مالك ولا من أحد من أصحاب النبي -ﷺ-، وقد نظر إلى أنس قال: رأيته يصلي، فذكر عنه حكاية في الصلاة، وفي (التهذيب) (١): الصحيح أنه رأى أنسًا ولم يسمع منه شيئًا.\n٣٤٧ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (والرمة) بالكسر: العظام البالية يقال: رمّ العظم وأرم: بلي فهو رميم، وفي بعض الشروح: سمي بذلك لأن الإبل ترمها، أي: تأكلها، انتهى. من قولهم: رمّ الشيء: أكله، و(يستطيب) من الاستطابة بمعنى الاستنجاء؛\n_________\n(١) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ١٩٥).","vol":"2","page":75},{"text":"رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [جه: ٣١٣، دي: ١/ ١٧٢ - ١٧٣].\n٣٤٨ - [١٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْيُمْنَى لِطُهُورِهِ وَطَعَامِهِ، وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسَرى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذَى. رَوَاهُ أَبُو داوَدَ. [د: ٣٣].\n٣٤٩ - [١٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"إِذَا ذَهَبَ أَحَدُكُم إِلى الْغائِطِ فَلْيَذْهَبْ مَعَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ يَسْتَطِيبُ بِهِنَّ،\nــ\nلأنه يطيب الجسد بإزالة الخبث عنه.\n٣٤٨ - [١٥] (عائشة) قوله: (لطهوره) قد عرف أنه بالضم والفتح، وبالضم بمعنى المصدر، وبالفتح بمعناه وما يطهر به، وههنا يتعين معنى المصدر، والرواية بالضم.\nوقوله: (لخلائه) أي: ما يتعلق به من الاستنجاء ونحوه، و(الأذى) ما يستكرهه النفس ويتألم به سواء كان حسًا أو طبعًا أو عقلًا مثل البول والقذرة والدم والنجاسات، وكما في حديث العقيقة: (أميطوا عنه الأذى)، أي الشعر والنجاسة وما يخرج من الصبي حين يولد، ومنه تسمية الحيض أذى، وكما في حديث شعب الإيمان: (وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) (١) كالشوك والحجر والنجاسة ونحوها، وكما في حديث الذكر بعد الصلاة في مكانه: (ما لم يؤذ فيه) أي: لم يؤذ الملائكة ينتن الحدث، ومنه إيذاء الناس بما يكرههم، والمراد في هذا الحديث القسمان الأولان مما يستعمل فيه اليد، وحمل الطيبي الطهور على ما يقابله ليكون أشمل، وحيئنذٍ يكون الأول من التخصيص بعد التعميم، والثاني على العكس، فافهم.\n٣٤٩ - [١٦] (عائشة) قوله: (يستطيب بهن) صفة (أحجار)، أو مستأنفة.\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٣٥)، و\"سنن الترمذي\" (٢٦١٤)، و\"سنن ابن ماجه\" (٥٧).","vol":"2","page":76},{"text":"فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٦/ ١٠٨، ١٣٣، د: ٤٠، س: ٤٤، دي: ١/ ١٧١ - ١٧٢].\n٣٥٠ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"لَا تَسْتَتْجُوا بِالرَّوْثِ وَلَا بِالْعِظَامِ، فَإِنَّهُ زَادُ إِخْوَانِكُمْ مِنَ الْجِنِّ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: \"زَادُ إخْوَانكُمْ من الْجِنّ\" [ت: ١٨، س: ٢٩].\nــ\nوقوله: (فإنها تجزئ عنه) يعني وإن بقي أثر النجاسة بعد ما زالت عين النجاسة وذلك رخصة، وهو قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- ومن بعدهم، رأوا أن الاستنجاء بالحجارة تجزئ وإن لم يستنج بالماء إذا أنقى أثر الغائط والبول، والضمير في (عنه) للاستطابة والاستنجاء، وقد يجعل للمستنجي، أي: عن فعله الزائد عليه، أو عن بمعنى اللام أو للماء المفهوم من المقام، وهو الأظهر معنى، وإن كان بعيدًا لفظًا، وإليه يشير كلام الطيبي (١)، وبه يستدل بعض الشافعية على وجوب التثليث؛ لأن الإجزاء يستعمل غالبًا في الواجب، فتدبر.\n٣٥٠ - [١٧] (ابن مسعود) قوله: (فإنه) كذا في أكثر الأصول، ونسخ (جامع الترمذي) و(المصابيح) فالضمير للمذكور، وفي بعض النسخ: (فإنها)، (زاد أخوانكم) قد جاء في الروايات أن العظم لهم والروث لدوابهم، ويجوز إضافته إليهم لأن دوابهم تابع لهم، وروى الطيبي عن الحاكم (٢) في (دلائل النبوة): أنهم لا يجدون عظمًا إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أخذ، ولا روثة إلا وجدوا منها حبها الذي كان فيها يوم أكلت.\nوقوله: (رواه الترمذي والنسائي) الموجود في بعض النسخ ههنا البياض، وهذه\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٢/ ٤٣).\n(٢) كذا في الأصول، وفي \"شرح الطيبي\" (٢/ ٤٣): روى الحافظ أبو نعيم في \"دلائل النبوة\".","vol":"2","page":77},{"text":"٣٥١ - [١٨] وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"يَا رُوَيْفِعُ! لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُولُ بِكَ بَعْدِي، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنَّ مَنْ عَقَدَ لِحْيَتَهُ، أَوْ تَقَلَّدَ وَتَرًا، أَوِ اسْتَنْجَى بِرَجِيعِ دَابَّةٍ أَو عَظْمٍ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا مِنْهُ بَرِيءٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦].\nــ\nالعبارة مكتوبة في الحاشية.\n٣٥١ - [١٨] (رويفع بن ثابت) قوله: (رويفع) بضم الراء وفتح الواو وسكون الياء.\nوقوله: (من عقد لحيته) الأكثرون على أن المراد تجعيد اللحية بالمعالجة (١)، وإنما كره ذلك لأنه فعل من ليس من أهل الدين وتشبه بهم، وقيل: كانوا يعقدون في الحروب في زمن الجاهلية تكبرًا وتعجبًا فأمروا بإرسالها، وذلك من فعل الأعاجم، وقيل: عقد لحيته وغطى وجهه حتى لا يعرفه الناس ليقطع الطريق، قال التُّورِبِشْتِي: يفتلونها، وقيل: كان من عادة العرب أن من له زوجة واحدة عقد في لحيته عقدة صغيرة، ومن كان له زوجتان عقد عقدتين، وقيل: صوابه من عقد لحاء، مِنْ لحوت الشجرة إذا قشرته، وكانوا يعقدون لحاء الحرام فيقلدونه أعناقهم فيأمنون به، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ [المائدة: ٢] كذا في (مجمع البحار) (٢) والأول هو الوجه.\nوقوله: (أو تقلد وترًا) قيل: إنهم كانوا يعقدون في أعناق الخيل أوتار القسي لئلا تصيبها العين، فنهى عن ذلك؛ تنبيهًا على أنها لا ترد شيئًا، وهذا تأويل مالك ﵀، وقيل: إنه نهى عن ذلك حذرًا عن اختناق الخيل عند شدة الركض، أو لأنها\n_________\n(١) قال في \"المرقاة\" (٢/ ٦٧): وهذا مخالف للسنة التي هي تسريح اللحية.\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٦٤٠).","vol":"2","page":78},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nتختنق بها مهما رعت وعلقت بغصن، وهذا تأويل محمد بن الحسن ﵀، وقيل: إنهم يعقدون عليها الأجراس، ويدل على هذا تبويب البخاري (١).\nوقيل: المراد الخرزات تعقد في رقبة الولدان لدفع العين وهو من شعار الجاهلية، وقيل: أراد بالوتر الذحل بالذال المعجمة والحاء المهملة محركة: الثأر أو طلب مكافأة بجناية جنيت عليك من قتل أو جرح أو هو العداوة والحقد، أي: لا تطلبوا الأوتار وهي الذحول التي وترتم بها في الجاهلية، هكذا قال التُّورِبِشْتِي (٢) وغيره، ولكن لا يخفى أن الرواية في هذا الحديث (وترًا) بفتحتين حتى حملوه على وتر القوس، والوتر بمعنى الذحل بسكون التاء وكسر الواو وفتحها على الخلاف كما هو الذي بمعنى العدد الفرد، فإن أهل الحجاز يقولونه بالفتح في الفرد وفي الذحل بالكسر، وتميم وقيس وبكر يقولونها بالكسر، وأهل العالية بالكسر في الفرد وفي الذحل بالفتح، وقد قرئ بهما قوله تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ [الفجر: ٣].\nنعم هذا المعنى يصح الحمل عليه في الحديث الذي جاء فيه (الأوتار) بلفظ الجمع، كما نقل عياض في (المشارق) (٣): (قلدوا الخيل ولا تقلدوها الأوتار)، وكما في (مجمع البحار) (٤) عن (النهاية): أمر أن يقطع الأوتار عن أعناق الخيل كانوا يقلدونها بها، فإن (الأوتار) يجيء جمع كل من اللفظين، اللهم إلا أن يروى الذي فسره بمعنى الذحل بسكون التاء، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (كتاب: الحج، باب: ١٠٩).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٣٦).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٤٧٣).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ١٣).","vol":"2","page":79},{"text":"٣٥٢ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنِ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ، وَمَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حرج، وَمَنْ أَكَلَ فَمَا تخَلَّلَ فَلْيَلْفِظْ، وَمَا لَاكَ بِلِسَانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ، وَمَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ،\nــ\n٣٥٢ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (من اكتحل فليوتر) في إيتار الاكتحال قولان: أحدهما وهو الأصح: أن يجعل في كل عين ثلاثة أميال، وثانيهما: أن يكتحل في اليمنى ثلاثة، وفي اليسرى ثنتين، ويبدئ ويختم باليمنى بأن يجعل في اليمنى اثنين وفي اليسرى اثنتين ثم يجعل في اليمنى واحدة، وقد رجحه بعضهم تفضيلًا لليمنى، والأول هو الأشهر، ويجيء الكلام فيه في الفصل الثاني من (باب الترجل) من (كتاب اللباس).\nوقوله: (ومن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج)، ظاهره يؤيد مذهب الحنفية في عدم وجوب التثليث، وقد يقال: التخيير في الاستجمار وهو الاستنجاء بالحجر وهو أحسن، وإن تركه إلى غيره جاز؛ لأن المقصد الاستنقاء ما لم يكن بما نهي عنه، وهذا المعنى خلاف المتبادر من العبارة كما لا يخفى.\nوقوله: (فما تخلل) أي: ما أخرجه من الأسنان بالخلال (فليلفظ)؛ لأنه ربما يخرج به دم، وما أخرجه بلسانه فليبتلع، لأن الظاهر عدم خروج الدم، وإن تيقن بعدم خروج الدم في الأول لم يحرم، وإن تيقن بخروجه في الثاني حرم، ولوجود الاحتمال فيهما خير، وقد يجعل العلة فيهما الاستعداد، فهو في الأول بالابتلاع، وفي الثاني باللفظ، وقد يقال: إنه يحصل في الأسنان تغير ما، واللوك إدارة اللقمة ومضغها، كذا","vol":"2","page":80},{"text":"وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ، مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ، وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ. [د: ٣٥، جه: ٣٣٧، ٣٣٨، دي: ١/ ١٦٩ - ١٧٠].\n٣٥٣ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ،\nــ\nقال الطيبي (١).\nوفي (القاموس) (٢): اللوك: أهون المضغ، أو مضغ صلب، أو علك الشيء، وقد لاك الفرس اللجام. وهو يلوك، وفيه: أن التخلل من السنة، وأصله إدخال شيء في خلال شيء، أي: في وسطه، وفي الحديث (٣): (رحم اللَّه المتخللين من أمتي في الوضوء والطعام).\nوقوله: (إلا أن يجمع كثيبًا من رمل فليستدبره) أي: فليجمعه ثم يستدبره، أي: يجعله خلفه لئلا يراه أحد، وآثر الاستدبار لأن القبل يسهل ستره بالذيل غالبًا، والمراد بلعب الشيطان: هتك سترهم، وكشف عورتهم، ورد الرشاش إليهم، والإنسان إذا لم يستتر تمكن الشيطان من وسوسة الغير من النظر إلى عورته.\n٣٥٣ - [٢٠] (عبد اللَّه بن مغفل) قوله: (لا يبولن أحدكم في مستحمه) المستحم -بضم الميم وفتح الحاء-: الموضع الذي يغتسل فيه بالحميم، وهو الماء الحار، ثم قيل للاغتسال بأي ماء: استحمام، وإنما نهى عنه إذا لم يكن له مسلك يسلك فيه، أي:\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٤٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٧٧).\n(٣) \"كنز العمال\" (٩/ ٣٠٠)، و\"الجامع الكبير\" (١٢٨٤١).","vol":"2","page":81},{"text":"ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ، أَوْ يَتَوَضَّأُ فِيهِ، فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ إِلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا: \"ثمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ أَوْ يَتَوَضَّأُ فِيهِ\". [د: ٢٧، ت: ٢١، س: ٣٦].\nــ\nيذهب فيه البول أو كان المكان صلبًا، والنهي فيه للتنزيه والكراهة، كذا في بعض الشروح.\nوقوله: (ثم يغتسل) (ثم) استبعادية، أي: يستبعد من العاقل أن يفعل ذلك، و(يغتسل) إما مجزوم عطفًا على الفعل المنهي وهو الأظهر، أو مرفوع، أي: هو يغتسل، أو منصوب بتقدير (أن) كما في: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، لكنه يلزم منه أن يكون النهي من الجمع، والبول منهي عنه سواء كان معه اغتسال أو لا، اللهم إلا أن يحمل على الواقع، أو لأن المقصود الاحتراز عن الوقوع في الوسواس، وهو إنما يحصل في صورة الجمع.\nوقوله: (فإن عامة الوسواس) أي: جميعه أو معظمه، والأول لسيبويه والثاني للفراء، كذا في (مجمع البحار) (١)، ولعل المقصود على الأول المبالغة وإلا ليس حدوث الوسواس منحصرًا فيه، وسبب حدوث الوسواس أنه يصير الموضع نجسًا فيوسوس قلبه بأنه أصابه من رشاشه، فيحصل منه الوسواس، وقيل: هو اسم الشيطان بمعنى أن عامة فعل الشيطان منه؛ لما روي عن أنس -﵁- قال (٢): إنما يكوه البول في المغتسل مخافة اللمم، وهو طرف من الجنون وهو مناسب؛ لأن المغتسل محل حضور الشيطان؛ لما فيه من كشف العورة، ومنه: ولا تؤذيك الوسواس، أي: الشيطان، كذا في (مجمع البحار) (٣)، والوجه الأول أظهر وأشهر.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٦٢).\n(٢) \"شرح السيوطي\" لسنن النسائي (١/ ٣٥).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٦٢).","vol":"2","page":82},{"text":"٣٥٤ - [٢١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ سَرْجِسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي جُحْرٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٩، س: ٣٤].\nــ\n٣٥٤ - [٢١] قوله: (عبد اللَّه بن سرجس) في (التقريب) (١) سرجس -بفتح مهملة وسكون راء وكسر جيم بعدها مهملة-، وفي (التهذيب) (٢): بفتح السين وكسر جيم، وفي (جامع الأصول) (٣): سرجس -بالسينين المهملتين وبينهما جيم- بوزن نرجس، وهكذا صححه الشيخ ابن حجر، وفي (المغني) (٤): سرجس -بمفتوحة وسكون راء وكسر جيم- وهكذا ذكروه، ولم يصرح أحد منهم بحركة آخره، ولم يتعرض لصرفه وعدمه، فيظن أن الظاهر أنهم اعتمدوا على كون الصرف هو الأصل، واللَّه أعلم.\nوقد صحح في النسخ المصححة المتداولة الآن بفتح السين الثانية وبتنوينها، ولكن القاضي عياض ضبطه في (مشارق الأنوار) (٥) بقوله: سرجس بسينين مهملتين مفتوحتين وراء ساكنة وجيم مكسورة من غير بيان اختلاف ووهم، كما هو عادته في ذلك الكتاب، ولعل السبب في منع صرفه العجمة والعلمية، واللَّه أعلم.\nوقوله: (في جحر) بالضم: كل شيء يحتفره الهوام والسباع لأنفسها، كذا في (القاموس) (٦)، وفي (الصراح) (٧): جحر -بالضم- سوراخ، وسبب النهي أن الجحر\n_________\n(١) \"التقريب\" (٣٣٤٥).\n(٢) \"التهذيب\" (٥/ ٢٠٤).\n(٣) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٥٧٣).\n(٤) \"المغني\" (ص: ١٤٩).\n(٥) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٣٩٩).\n(٦) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٣٩).\n(٧) \"الصراح\" (ص: ١٦٦).","vol":"2","page":83},{"text":"٣٥٥ - [٢٢] وَعَنْ مُعَاذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اتَّقُوا الْمَلَاعِنَ الثَّلَاثَةَ: الْبَرَازَ فِي الْمَوَارِدِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَالظِّلِّ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْن مَاجَهْ. [د: ٢٦، جه: ٣٢٨].\n٣٥٦ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"لَا يَخْرُجِ الرَّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ. . . . .\nــ\nمأوى الهوام ذوات السموم ومسكن الجن، فلا يؤمن من أن يصيب مضرة.\n٣٥٥ - [٢٢] (معاذ) قوله: (اتقوا الملاعن الثلاثة) هي جمع ملعن مصدر ميمي، أو اسم مكان من لعن: إذا شتم، وقيل: جمع ملعنة كأنه مظنة اللعن، كما يقال: ترك العشاء مهرمة، وأرض مأسدة، وإنما جعل هذه الأفعال ملاعن لأن المارة تلعن صاحبها، أو لأنه ظلم والظالم ملعون.\nو(الموارد) جمع مورد، وهو موضع ورود الناس ووصولهم إليه كالنادي، وقيل: هو موضع ورود الماء من عين أو نهر.\nوقوله: (وقارعة الطريقَ) أي: الطريق التي يقرعها الناس بأرجلهم، أي: يدقونها ويمرون عليها، هكذا قال الطيبي (١)، ويظهر من هذا أن لفظ الفاعل بمعنى المفعول، أو هي صيغة النسبة، وفي حديث آخر: نهى عن الصلاة على قارعة الطريق، وهي وسطه، وقيل: أعلاه، وأراد ههنا نفس الطريق ووجهه.\n٣٥٦ - [٢٣] (أبو سعيد) قوله: (لا يخرج) بجزم الجيم على النهي، ويروى برفعها، وفي رواية: لا يذهب.\nوقوله: (يضربان) أي: يأتيان ويقصدان، والمراد بـ (الغائط) المطمئن على ما هو\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٤٦).","vol":"2","page":84},{"text":"كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَتِهِمَا يَتَحَدَّثَانِ، فَإِنَّ اللَّه يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٣/ ٢٦، د: ١٥، جه: ٣٤٢].\n٣٥٧ - [٢٤] وَعَن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"إِنَّ هَذِهَ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٦، جه: ٢٩٦].\n٣٥٨ - [٢٥] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"سَتْرُ مَا بَيْنَ أَعْيُنِ الْجِنِّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ أَحَدُهُمُ الْخَلَاءَ أَنْ يَقُولَ: بِسْم اللَّه\". . . . .\nــ\nحقيقته، أو لأجل الغائط فهو منصوب على نزع الخافض، و(كاشفين) حال مقدرة، ويحتمل أن يكون حالًا من ضمير (يتحدثان)، و(وعورتهما) بلفظ المفرد لعدم الالتباس، والظاهر أن حكم المرأتين هكذا.\n٣٥٧ - [٢٤] (زيد بن أرقم) قوله: (إن هذه الحشوش) جمع حش، وهو في الأصل بمعنى البستان وجماعة النخل، كانوا يقضون فيها الحاجة قبل أن تتخذ الكُنُفُ في البيوت، ثم أطلق على الكنيف ومواضع قضاء الحاجة مطلقًا، وأكثر ما وجدناهم يطلقونه على موضع الحاجة من الصحراء الذي يلقون فيه القذر دون ما يبنى في البيوت، قال في (القاموس) (١): الكنيف كأمير: المرحاض، والمرحاض مطرح العذرة، والظاهر أن المراد في الحديث أعم من ذلك.\nوقوله: (محتضرة) أي: محل حضور الجن والشيطان.\n٣٥٨ - [٢٥] (علي) قوله: (إذا دخل أحدهم) في بعض النسخ: (أحدكم) بالخطاب و(يقول) بدون (أن)، والصواب (أحدهم) بلفظ الغيبة ومع (أن)، ودخل\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٨٥).","vol":"2","page":85},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ. [ت: ٦٥٦].\n٣٥٩ - [٢٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: \"غُفْرَانَكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ. [ت: ٧، جه: ٣٠٠، دي: ١/ ١٧٤].\nــ\nبمعنى أراد أن يدخل.\nوقوله: (وإسناده ليس بقوي (١» وفيه محمد بن حميد الرازي، وقد اختلف فيه.\n٣٥٩ - [٢٦] (عائشة) قوله: (قال: غفرانك) أي: أسأل غفرانك، أي: من فوات الذكر باللسان في هذه الحالة، أو من التقصير عن الوفاء بشكر ما أنعمت من تسويغ الطعام وإبقاء ما ينفع وإخراج ما يؤذي كما سيجيء في الفصل الثالث من حديث أنس: أنه -ﷺ- إذا خرج من الخلاء قال: (الحمد للَّه الذي أذهب عني الأذى وعافاني) (٢).\nوقوله: (رواه الترمذي) (٣) وقال: حديث غريب لا نعرفه إلا من إسرائيل بن\n_________\n(١) قال القاري (١/ ٣٨٧): وَمَعَ هَذَا يُعْمَلُ بِهِ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ سِيَّمَا وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُ، وقال في \"المرعاة\" (٢/ ٦٥): ولفظ الترمذي في النسخ الموجودة: وإسناده ليس بذاك. أي: ليس بالقوي؛ لأن فيه محمد بن حميد الرازي شيخ الترمذي وهو ضعيف، قال البخاري: فيه نظر، ورماه بعضهم بالكذب، وكان ابن معين حسن الرأي فيه، ووثقه أحمد وغيره، وقد صحح المناوي حديث علي هذا في شرح \"الجامع الصغير\"، ويشهد له حديث أنس عند الطبراني، وقد ذكرنا لفظه مع الكلام فيه، والترمذي نفسه قد حسن حديث محمد بن حميد الرازي في مواضع، فالظاهر أن حديث علي هذا حديث حسن إن شاء اللَّه تعالى.\n(٢) وَفِي بَعْضِ الآثَارِ: \"الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي مَا يُؤْذِينِي وَأَبْقَى عَلَيَّ مَا يَنْفَعُنِي\". \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٨٧).\n(٣) وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي \"صَحِيحِهِ\" أَيْضًا. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٨٧).","vol":"2","page":86},{"text":"٣٦٠ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا أَتَى الْخَلَاءَ أَتَيْتُهُ بِمَاءٍ فِي تَوْرٍ أَوْ كْوَةٍ فَاسْتَنْجَى،\nــ\nيونس، انتهى. وفي (الكاشف) (١) للذهبي: قال أحمد: هو ثقة وتعجب من حفظه، وقال أبو حاتم: هو من أتقن أصحاب أبي إسحاق، وضعفه ابن المديني، توفي سنة اثنين وستين ومئة، وفي (التقريب) (٢): ثقة تكلم فيه بلا حجة، من السابعة، مات سنة ستين ومئة، وقيل: بعدها.\n٣٦٠ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (في تور أو ركوة) التور بفتح المثناة وسكون الواو، في (القاموس) (٣): إناء يشرب فيه، وفي بعض الشروح: وهو إناء صغير من صُفر أو حجارة يشرب منه، وقد يتوضأ منه، ويؤكل فيه الطعام، ويستأنس بهذا المعنى لما جاء في حديث أم سلمة: أنها صنعت حيسًا في تور، كذا قال التُّورِبِشْتِي (٤).\nوقوله: (أو ركوة) في (القاموس) (٥): مثلثة زورق صغير، وفي بعض الشروح بفتح الراء وسكون الكاف: إناء من جلد يشرب منه، وفي (مجمع البحار) (٦): ظرف من جلد يتوضأ منه، وفي شرح (جامع الأصول) (٧): دلو صغير من جلد، وكثيرًا ما يستصحبه الصوفية، وفي (النهاية) (٨): إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء، والجمع\n_________\n(١) \"الكاشف\" (١/ ٦٧).\n(٢) \"التقريب\" (رقم: ٤٠١).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٣٥).\n(٤) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٣٨).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨٦).\n(٦) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٣٧٩).\n(٧) \"جامع الأصول\" (٥/ ٧٦).\n(٨) \"النهاية\" (٢/ ٦١).","vol":"2","page":87},{"text":"ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِإِنَاءٍ آخَرَ فَتَوَضَّأَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى الدَّارمِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مَعْنَاهُ. [د: ٤٥، دي: ١/ ١٧٣، س: ٥٠].\n٣٦١ - [٢٨] وَعَنْ الْحَكَمِ بْنِ سُفْيَانَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا بَالَ تَوَضَّأَ وَنَضَحَ فَرْجَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٦٦، س: ١٣٥].\nــ\nركاء، و(أو) في قوله: (أو ركوة) للشك من راوي أبي هريرة، أو أن أبا هريرة يأتيه تارة بذا وتارة بذا.\nوقوله: (ثم مسح يده على الأرض) في (الأزهار): يستحب مسح اليد على الأرض ودلكها ثم غسلها بهذا إلحديث دفعًا للنجاسة وأثرها، كذا في بعض الشروح.\nوقوله: (ثم أتيته بإناء آخر) وفي الحواشي: ليس معنى هذا أنه لا يجوز التوضئ بالماء الباقي من الاستنجاء، أو بالإناء الذي يستنجى به، وإنما أتى بإناء آخر؛ لأنه لم يبق من الأول شيء أو بقي قليل، والإتيان بالإناء الآخر اتفاقي كان في الماء فأتى به، وقال الشيخ ابن حجر: قد يؤخذ من هذا الحديث إنه يندب أن يكون إناء الاستنجاء غير إناء الوضوء.\n٣٦١ - [٢٨] قوله: (عن الحكم بن سفيان) وقيل: سفيان بن الحكم الثقفي، نه صحبة، روى عنه مجاهد، وحديثه مضطرب، كذا في (الكاشف) (١)، وقيل: عن أبي الحكم، وقيل: ابن أبي سفيان، وله حديث في نضح الفرج.\nوقوله: (ونضح فرجه) قيل: المراد بالنضح الغسل، فالمعنى إذا بال غسل فرجه وتوضأ، يعني أن الواو للجمع مطلقًا لا يفهم منه الترتيب، وعلى هذا فالمراد به الاستنجاء. والصحيح أن المراد به رش الماء على المذاكير، وقيل: على موضعه من\n_________\n(١) \"الكاشف\" (١/ ١٨٢).","vol":"2","page":88},{"text":"٣٦٢ - [٢٩] وَعَنْ أُمَيْمَة بِنْتِ رُقَيْقَةَ قَالَتْ: كانَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- قَدَحٌ مِنْ عَيْدَانٍ تَحْتَ سَرِيرِهِ يَبُولُ فِيهِ بِاللَّيْلِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٤، س: ٣٢].\nــ\nالإزار، وقد ورد من السنن العشر: الانتضاح بالماء، وهو أن يأخذ قليلًا من الماء فيرش به مذاكيره بعد الوضوء لنفي الوسواس، لأنه إذا وجد بللًا يحيله إلى الماء، وكان هذا منه تعليمًا للأمة إذ هو -ﷺ- معصوم عنه، وقيل: ذلك لدفع نزول البول شيئًا فشيئًا؛ لأن الماء يقبض البول خصوصًا البارد منه، وقيل: المراد به إسالة الماء بالنثر والتنحنح، وقد جاء في رواية: (توضأ ثم أخذ من ماء جفنة)، وفي رواية: (كان إذا توضأ وفرغ أخذ كفًّا من ماء فنضح فرجه)، وفي (القاموس) (١): نضح البيت: رَشّه، واستنضح: نضح ماء على فرجه بعد الوضوء.\n٣٦٢ - [٢٩] (أميمة بنت رقيقة) قوله: (قدح من عيدان) يظهر من كلام الشراح أنه بكسر العين جمع عود بضم العين بمعنى الخشب، وقال الطيبي (٢): إنما جمعه اعتبارًا للأجزاء، ويحتمل أن يكون جمعه -واللَّه أعلم- من أجل أنه كان مركبًا من قطعات متعددة، أو من أنواع من خشب، وأن يكون هذا هو مراد الطيبي، وفي بعض الشروح: أنه يمكن أن يكون المراد عود من العيدان لا أنه كان مركبًا من عيدان، ولكن قال في (القاموس) (٣): العيدان: بالفتح الطوال من النخل، واحدتها بهاء، وقال: ومنها كان قدح يبول فيه النبي -ﷺ-، وقال السيوطي: العيدان على وزن سكران: النخل الطوال المجرد، واحدته عيدانة، وقيل: هو فيعال.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٣٦).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٤٩).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٨٨).","vol":"2","page":89},{"text":"٣٦٣ - [٣٠] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: رَآنِي النَّبِيُّ -ﷺ- وَأَنَا أَبُولُ قَائِمًا فَقَالَ: \"يَا عُمَرُ لَا تَبُلْ قَائِمًا\" فَمَا بُلْتُ قَائِمًا بَعْدُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. قَالَ الشَّيْخُ الإمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ ﵀: قَدْ صَحَّ. [ت: ١٢، جه: ٣٠٨].\n٣٦٤ - [٣١] عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيُّ -ﷺ- سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. قِيلَ: كَانَ ذَلِك لِعُذْرٍ. [خ: ٢٢٤، م: ٢٧٣].\nــ\nوفي (مجمع البحار) (١) ذكر من بعض الشروح بعد ما نقل من الطيبي: أنه جمع عودانة بفتح مهملة: النخلة الطوال المتجردة من السعف من أعلاه إلى أسفله، جمع عيدانة، فعلم من هذا (عيدان) في الحديث بكسر العين وفتحها، وكذلك ضبطناه في نسختنا التي قرأناها على مشايخ مكة المعظمة، ويعلم من (القاموس) أنها بالفتح فقط، وفي بعض الحواشي: عيدان اسم شجر معين فيكون غير منصرف، واللَّه أعلم.\n٣٦٣ - ٣٦٤ - [٣٠ - ٣١] (عمر، وحذيفة) قوله: (لا تبل قائمًا) (٢) اتفقوا على أن البول قائمًا (٣) مكروه كراهة تحريم أو تنزيه لما يلزم منه بدو العورة وتنجس البدن والثوب، ولهذا قالوا: من أراد أن يبول قائمًا يفرّج بين قدميه لئلا يتنجس، وهذا كان\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٧١٧).\n(٢) ضعفه الترمذي لعبد الكريم بن أبي المخارق ولمخالفة ما صحّ عن عمر: مَا بُلْتُ قَائِمًا مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْكَرِيمِ، وَقَالَ القاري: الْجَمْعُ سهل، أي: ما بُلْتُ قَائِمًا مُنْذُ أَسْلَمْتُ، ونُهِيتُ عَنِ الْبَوْلِ قَائِمًا؛ لأَن الأوامر والنواهي لا تعرف إِلَّا مِنَ الشَّارعِ، كذا في \"التقرير\"، وانظر: \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٨٩).\n(٣) اختلف العلماء في البول قائمًا، فأباحه سعيد بن المسيب وعروة وأحمد وآخرون، وقال مالك: إن كان في مكان لا يتطاير عليه منه شيء فلا بأس به وإلا فمكروه، وقال عامة العلماء: البول قائمًا مكروه إلا لعذر، وهي كراهة تنزيه لا تحريم، وهو مذهبنا الحنفية. \"بذل المجهود\" (١/ ٢٤٧).","vol":"2","page":90},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمن عادة أهل الجاهلية فنهي عنه في الإسلام تعليمًا لمكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال التي بعث رسول اللَّه -ﷺ- لتتميمها.\nوأما ما روي من حذيفة أنه -ﷺ-: (أتى سباطة قوم فبال قائمًا) فقد قيل: كان ذلك لعذر، والمراد بالعذر إما ما قيل: إنه كان لوجع في صلبه -ﷺ- بحيث كان لا يستطيع القعود، أو ما قيل: إن البول قائمًا استشفاء من وجع الصلب، وعليه جرى الشافعي فقال (١): كانت العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا، وقد ورد فيما أخرجه الحاكم (٢) من حديث ابن عمر بلفظ: (بال قائمًا لوجع كان بمأبضه) أي: باطن ركبته، كذا قال الشيخ ابن حجر (٣).\nوقيل: لأنه لم يجد للقعود مكانًا فاضطر إلى القيام؛ لأن السباطة لا تمكن الشخص من القعود إلا إذا جعل الطرف المرتفع منها وراء ظهره، وحينئذٍ يبدو للمار عورته، وإن استقبلها بوجهه خيف عليه أن يقع على ظهره، والسباطة غالبًا لينة سهلة مرتفعة فهي غير صالحة لذلك.\nوأما بول عمر -﵁- قائمًا فقد روي عنه أنه قال: البول قائمًا أحسن للدبر، فيحتمل أنه عرض له في ذلك الوقت ما يخشى به خروج شيء من السبيل الآخر، وأما في فعله -ﷺ- فحاشا أن يتوهم مثل ذلك أو ينطلق به اللسان، وقيل: لم يكن له غرض هناك إلا بيان الجواز سيما إن فرض تأخر هذا عن حديث النهي عنه فإنه يوهم التحريم، فاحتيج لبيان عدمه سيما إن اقترن به عذر آخر، وهو -ﷺ- أرسل رحمة واسعة للعالمين وتيسيرًا\n_________\n(١) انظر: \"المجموع شرح المهذب\" (٢/ ٨٤).\n(٢) \"المستدرك\" للحاكم (١/ ٢٩٠)، ولكن رواه عن أبي هريرة.\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٣٣٠).","vol":"2","page":91},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-236> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٦٥ - [٣٢] عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: \"مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيُّ -ﷺ- كَانَ يَبُولُ قائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُول إِلَّا قَاعِدًا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٦/ ١٩٢، ت: ١٢، س: ٢٩].\n٣٣٦ - [٣٣] وَعَن زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: \"أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَاهُ فِي أَوَّلِ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ فَعَلَّمَهُ الْوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْوُضُوءَ أَخَذَ غُرْفَةً مِنَ الْمَاءِ فَنَضَحَ بِهَا فَرْجَهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَارَقُطْنِيُّ. [حم: ٤/ ١٦١، قط: ١/ ١١١].\nــ\nللخلائق أجمعين، واللَّه أعلم.\nالفصل الثالث\n٣٦٥ - [٣٢] (عائشة) قوله: (من حدثكم أن النبي -ﷺ- كان يبول قائمًا فلا تصدقوه) وجه التوفيق بين هذا الحديث وبين حديث حذيفة أن حديث عائشة -﵂- مستند إلى علمها، فيحمل على ما وقع منه -ﷺ- في البيوت كما قيل في نفيها صلاة الضحى عنه -ﷺ-، ولمن يقول يإفادة كلمة (كان) الاستمرار أن يقول: إن مقصود عائشة -﵂- نفي كون البول قائمًا عادة له -ﷺ-، وحديث حذيفة إنما أفاد كونه مرة، والحق أن كلمة (كان) لا يفيد الاستمرار، وأنه لم يقع ذلك منه إلا مرة إن صحّ ذلك، وذلك أيضًا لعذر اضطره إليه، فلا اعتبار به.\n٣٦٦ - [٣٣] (زيد بن حارثة) قوله: (فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة) بالفتح مصدر للمرة، وبالضم المعروف، أي: ملأ الكف، كاللقمة اسم لما يلتقم، وهذا المعنى أظهر، لكن الرواية بالفتح أشهر، ثم ظاهر إلعبارة أن الضمائر لجبرئيل؛ لأنه كان متمثلًا","vol":"2","page":92},{"text":"٣٦٧ - [٣٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِذَا تَوَضَّأْتَ فَانْتَضِحْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا -يَعْنِي الْبُخَارِيَّ- يَقُولُ: الْحَسَنُ بْنُ عَليٍّ الْهَاشِمِيُّ الرَّاوِي مُنْكَرُ الحَدِيثِ. [ت: ٥٠].\nــ\nبصورة البشر ومعلمًا له -ﷺ- الوضوء والصلاة بفعله، ويحتمل أن يكون للنبي -ﷺ-، ويكون تقدير الكلام هكذا: فتوضأ النبي -ﷺ- بعد التعلم فلما فرغ من الوضوء، ويؤيده الحديث الآتي لأبي هريرة؛ لأنه يدل على أن تعليم جبرئيل كان بالقول، فتدبر.\nوأما جعل الضمير في (فرغ) للنبي -ﷺ- وفي (أخذ) لجبرئيل ﵇ فأيضًا محتمل لكنه بعيد، وأما ما ذكر صاحب (سفر السعادة) من أنه توضأ جبرئيل ثم قال للنبي -ﷺ-: بأن يتوضأ مثله، ثم أخذ جبرئيل غرفة ماء وضرب بها وجهه -ﷺ- فذلك شيء آخر غير هذا النضح، فعله تكميلًا وتتميمًا للتطهير والتنظيف، أو لسر آخر يكون في ضمنه، واللَّه أعلم.\n٣٦٧ - [٣٤] (أبو هريرة) قوله: (إذا توضأت فانتضح) (١) أي: فرجك، ولعله فهم ذلك في ذلك المقام، أو الراوي اختصر ههنا اكتفاء.\nوقوله: (الحسن بن علي الهاشمي الراوي منكر الحديث) (٢) هو الحسن بن علي ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ضعفه أحمد والنسائي وأبو حاتم والدارقطني، وقال البخاري: وهو منكر الحديث، يروي عن أبي الزناد عن الأعرج بأحاديث موضوعة، وروى عنه وكيع وغيره، وقد روى عن الأعرج أيضًا (٣).\n_________\n(١) أَيْ: فَرُشَّ الْمَاءَ عَلَى الْفَرْجِ أَوِ السِّرْوَالِ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٩٠).\n(٢) قال القاري (١/ ٣٩٠): لَمْ يَشْتَدَّ ضَعْفُهُ لِتَعَدُّدِ طُرُقهِ السَّابِقَةِ فَيَكُونُ حُجَّةً فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ.\n(٣) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ٢٦٣).","vol":"2","page":93},{"text":"٣٦٨ - [٣٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: بَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَامَ عُمَرُ خَلْفَهُ بِكُوزٍ مِنْ مَاءٍ، فَقَالَ: \"مَا هَذَا يَا عُمَرُ؟ \" قَالَ: مَاءٌ تَتَوَضَّأُ بِهِ. قَالَ: \"مَا أُمِرْتُ كُلَّمَا بُلْتُ أَنْ أَتَوَضَّأَ، وَلَوْ فَعَلْتُ لَكَانَتْ سُنَّةً\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٤٢، جه: ٣١٥].\n٣٦٩ - [٣٦] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ وَجَابِرٍ وَأَنَسٍ: أَن هَذِه الآيَة نَزَلَتْ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! . . . . .\nــ\n٣٦٨ - [٣٥] (عائشة) قوله: (ما أمرت كلما بلت أن أتوضأ) فيه أنه -ﷺ- كان قد يترك ما هو أولى وأفضل تخفيفًا على الأمة ورحمةً عليهم، ويستأنس بهذا فيما مر في حديث البول قائمًا كما قيل: إنه فعله تعليمًا للأمة وتيسيرًا عليهم.\nوقوله: (ولو فعلت لكانت سنة) أي: لو لازمت ودوامت عليه لكانت سنة مؤكدة في حكم الواجب، ووقعوا في الحرج، وهو مع ذلك سنة بعد، بمعنى ما واظب عليه النبي -ﷺ- مع الترك أحيانًا.\n٣٦٩ - [٣٦] (أبو أيوب) قوله: (فيه رجال) الضمير في (فيه) راجع إلى مسجد قباء، وقيل: إلى مسجد المدينة، ورجح الأول بأنه أول مسجد أُسِّسَ؛ لأنه -ﷺ- بناه أول ما هاجر، وبناء المسجد الشريف بعد ذلك، وأجيب بأن قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨] صادق على مسجد المدينة أيضًا؛ لأن المعنى أسس على التقوى من أول يوم أسس وهو كذلك، فافهم. هذا، ولكن لا يخفى أن ساكني مسجد قباء كانوا هم الأنصار وهم (١) بنو عمرو بن عوف، وقد جاء في بعض\n_________\n(١) كذا في نسخة (د)، وفي (ب) و(ر): \"هو\".","vol":"2","page":94},{"text":"إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَثْنَى عَلَيْكُمْ فِي الطَّهُورِ فَمَا طَهُورُكُمْ؟ \" قَالُوا: نَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَنَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَنَسْتَنْجي بِالْمَاءِ، فَقَالَ: \"فَهُوَ ذَاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٥٧].\n٣٧٠ - [٣٧] وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ لَهُ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ، وَهُوَ يَسْتَهْزِئُ بِهِ: إِنِّي لأَرَى صَاحِبَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ حَتَّى الْخِراءَةَ، قُلْتُ: أَجَلْ، أَمَرَنا أَنْ لَا نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ، وَلَا نَسْتَنْجِيَ بِأَيْمَانِنَا، وَلَا نَكْتَفِيَ بِدُونِ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ. . . . .\nــ\nالروايات هكذا، وفي مسجد المدينة كانوا أنصارًا ومهاجرين، فتخصيص الخطاب في قوله -ﷺ-: (يا معشر الأنصار! إن اللَّه قد أثنى عليكم) لا يخلو عن شيء، إلا أن يقال: في ذلك الزمان كان الأنصار هم الغالبين الأكثرين، فلذلك خص الخطاب بهم، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ونستنجي بالماء) أي: بعد الاستنجاء بالأحجار، ففيه مبالغة في الطهارة وهو التطهير، ففيه بيان فضل الاستنجاء بالماء صمان لم يتلوث، وتمامه في الفقه.\nوقوله: (فهو ذاك) أي: ثناء اللَّه عليكم بسبب تطهركم البالغ أو تطهركم بسبب ورود الثناء عليكم فالزموه.\n٣٧٠ - [٣٧] (سلمان) قوله: (حتى الخراءة) -بالخاء المعجمة والراء المهملة- في (النهاية) (١): هو بالكسر والمد: التخلي والقعود للحاجة، فعلى هذا المضاف محذوف، أي: أدبه وكيفيته، وقال الطيبي (٢): هو أدب الخلاء، وقيل: هيئة الجلوس\n_________\n(١) \"النهاية\" (٢/ ١٧).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٥٢).","vol":"2","page":95},{"text":"لَيْسَ فِيهَا رَجِيعٌ وَلَا عَظْمٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَاللَّفْظُ لَهُ. [م: ٢٦٢، حم: ٥/ ٤٣٧].\n٣٧١ - [٣٨] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن بْنِ حَسَنَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَينَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَفِي يَدِهِ الدَّرَقَةُ فَوَضَعَهَا، ثُمَّ جَلَسَ فَبَالَ إِلَيْهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: انْظُرُوا إِلَيْهِ يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ، فَسَمعهُ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ: \"وَيْحَكَ! . . . . .\nــ\nفي المتوضأ، وقال الخطابي (١): أكثر الرواة يفتحون الخاء ويقصرون، وقال النووي (٢): يكسر ويمد: هيئة الحدث، وأما نفس الحدث فبحذف التاء وبمد مع فتح خاء وكسرها. وفي (القاموس) (٣): الخرء بالضم: العذرة.\nوقوله: (ليس فيها رجيع ولا عظم) صفة مؤكدة لأحجار لدفع توهم المجاز، والضمير للثلاثة التي يستنجى بها، فافهم.\n٣٧١ - ٣٧٢ - [٣٨ - ٣٩] (عبد الرحمن بن حسنة، وأبو موسى) قوله: (ابن حسنة) بفتحات اسم أم عبد الرحمن.\nوقوله: (الدرقة) بفتحتين وقاف: التوس من جلود بلا خشب ولا عقب، أي: عصب.\nوقوله: (فوضعها) أي: جعلها حائلًا بينه وبين الناس، (فقال بعضهم) أي: بعض المنافقين.\nوقوله: (ويحك) ويح كلمة ترحم وتوجع لمن وقع في هلكة لا يستحقها فيترحم\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ١١).\n(٢) \"شرح النووي\" (٣/ ١٥٣).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٠).","vol":"2","page":96},{"text":"أَمَا عَلِمْتَ مَا أَصَابَ صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ كَانُوا إِذا أَصَابَهُمُ الْبَوْلُ قَرَضُوهُ بِالْمَقَارِيضِ، فَنَهَاهُمْ فَعُذِّبَ فِي قَبْرِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٢، جه: ٣٤٦].\n٣٧٢ - [٣٩] وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنهُ عَن أبي مُوسَى (١). [س: ٣٠].\nــ\nبها عليه، وويل لمن يستحقها، فويح يقال لمن ينكر عليه في حال الشفقة، وويل لمن ينكر عليه مع غضب، وويس كويح كذا قالوا.\nولا يخفى أن هذا المقام يناسبه في الظاهر أن يقال: ويلك؛ لأن ذلك المنافق يستحق الهلكة التي وقع فيها، وليس محل أن يترحم ويشفق عليه، بل يستحق الغضب أشد الغضب، ولكن هذا من كمال حلمه ورحمته وحسن خلقه -ﷺ- مع الكافرين والمنافقين وأعدائه الطاعنين عليه فكيف بالمؤمنين المحبين له، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].\nوقوله: (قرضوه بالمقاريض) أي: قطعوا موضعًا أصابه البول من ثوب أو جلد كما كان في شريعتهم.\nوقوله: (فنهاهم فعذب في قبره) شبه -ﷺ- إنكار هذا المنافق التستر بنهي صاحب بني إسرائيل ما كان مشروعًا عندهم في استحقاق العذاب مع كونه محل أن ينكر وينهى عنه طبعًا، مع قطع النظر عن شرعيته لكونه شديدًا شنيعًا للتضرر في المال والنفس، وكان مظنة أن يعذر ولا يعذب، وأما التستر عند البول فهو أمر محمود يقبله الطبع السليم ويستحسنه، فيقبح إنكاره ويستحق صاحبه التشديد والتعذيب،\n_________\n(١) رواه النسائي عن عبد الرحمن بن حسنة، وأما عزوه إلى أبي موسى فهي غير موجودة في الصغرى والكبرى، واللَّه أعلم.","vol":"2","page":97},{"text":"٣٧٣ - [٤٠] وَعَنْ مَرْوَان الأَصْفَر قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ثُمَّ جَلَسَ يَبُولُ إِلَيْهَا، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! أَلَيْسَ قَدْ نُهِيَ عَنْ هَذَا؟ قَالَ: بَلْ إِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْفَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ شَيْءٌ يَسْتُرُكَ فَلَا بَأْس. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١١].\nــ\nفافهم.\n٣٧٣ - [٤٠] (مروان الأصفر) قوله: (فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك) (١) يدل ظاهرًا على أن العلة في جواز الاستقبال والاستدبار في البنيان أن فيها سترًا في ظاهر ما يرى بخلاف الفضاء؛ لأن الصحراء لا يخلو عن مصلٍّ من ملك أو جن أو إنس إلى آخر ما ذكر هنالك، وقد سبقت الإشارة إليه في أول الباب.\n_________\n(١) قال الشوكاني في \"النيل\" (١/ ١١٠): وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الاستِقْبَال وَالاسْتِدْبَار إنَّمَا هُوَ فِي الصَّحْرَاء مَعَ عَدَم السَّاتِرِ، وَهُوَ يَصْلُحُ دَلِيلًا لِمَنْ فَرَّقَ بَيْن الصَّحْرَاء وَالْبُنْيَان، وقال أيضًا: أَخْرَجَهُ وَسَكَتَ عَنْهُ، وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَسْكُتُ إِلَّا عَمَّا هُوَ صَالِحٌ لِلِاحْتِجَاجِ، وَكَذَلِكَ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ فِي تَخْرِيج \"السُّنَن\". وَذَكَره الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي \"التَّلْخِيص\" وَلَمْ يَتَكلَّمْ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، وَذَكَرَهُ فِي \"الْفَتْح\" أَنَّهُ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ بِإِسْنَادِ حَسَن، وقال شيخ مشايخنا الشيخ خليل أحمد السهارنفوي ﵀ في \"البذل\" (١/ ٢٠١): سكوت المحدثين عليه وقول الحافظ: إسناده حسن، عجيب، فإن حسن بن ذكوان راوي الحديث ضعفه كثير من المحدثين، فكيف يصلح للاحتجاج به، فقد قال ابن معين وأبو حاتم: ضعيف، وقال أبو حاتم والنسائي أيضًا: ليس بالقوي، قال يحيى بن معين: صاحب الأوابد منكر الحديث وضعفه، قال ابن أبي الدنيا: ليس عندي بالقوي، وقال الإمام أحمد: أحاديثه أباطيل، وقال عمرو بن علي: كان يحيى يحدث عنه، وما رأيت عبد الرحمن حدث عنه قط.","vol":"2","page":98},{"text":"٣٧٤ - [٤١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ-: إِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: \"الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي\". رَوَاهُ ابن مَاجَه. [جه: ٣٠١].\n٣٧٥ - [٤٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ وَفْدُ الْجنِّ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! انْهَ أُمَّتَكَ أَنْ يَسْتَنْجُوا بِعَظْمٍ أَوْ رَوْثَةٍ أَوْ حُمَمَةٍ؛ فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لنا فِيهَا رِزْقًا، فَنَهَانا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>٣ - باب السواك</span>\nــ\n٣٧٤ - [٤١] (أنس) قوله: (رواه ابن ماجه) (١) في إسناده ضعف إلا أنه لائق بالحال، كذا في بعض الشروح، وهذا كما قال بعضهم في أدعية الوضوء أنها لم تصح، لكنها مستحسنة مناسبة للحال.\n٣٧٥ - [٤٢] (ابن مسعود) قوله: (انه) أمر من النهي على نحو: اخش، (أو حممة) الحممة: الفحم.\nوقوله: (فإن اللَّه جعل لنا فيها رزقًا) أما العظم فقد علم أنه رزق لهم أنفسهم، والروث لدوابهم، وأما الحمم فيحتمل كلا الاحتمالين.\n٣ - باب السواك (٢)\nفي (القاموس) (٣): ساك الشيء: دلكه، وفمه بالعود، وسوكه تسويكًا واستاك\n_________\n(١) قَالَ مِيرَكُ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَكَذَا النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، وَسَنَدُهُ حَسَنٌ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٩٣).\n(٢) قَالَ القاري عن ابْن الْمَلَكِ: فِيهِ سَبْعُونَ فَائِدَةً أَدْناهَا أَنْ يَذْكُرَ الشَّهَادَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَفِي الأَفْيُونِ سَبْعُونَ مَضرَّةَ أَقَلُّهَا نِسْيَانُ الشَّهَادهٌ، نَسْالُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ. \"مرقاة المفاتيح\" (١/ ٣٩٥).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٦٩).","vol":"2","page":99},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوتسوك، ولا يذكر العود ولا الفم معهما، والعود مسواك وسواك بكسرهما، وفي بعض الشروح: السواك بكسر السين يطلق على الفعل وعلى العود الذي يستاك به، قيل: هو مأخوذ من ساك: إذا دلك، وقيل: يقال: تساوكت الإبل: إذا اضطربت أعناقها من الهزال وتمايلت من ضعفها، وجمع سواك سوك ككتاب وكتب، وقد يهمز الواو.\nثم قيل: ورد في السواك أربعون حديثًا، ولا خلاف في كونه سنة خصوصًا عند الوضوء عندنا، وعند الشافعي عند الصلاة أيضًا، ويتأكد قبل الفجر والظهر، وعن أبي حنيفة -﵁- كراهيته عند الصلاة، وإنما محله الوضوء، وقيل: بكراهيته بحضرة الناس، وفي المساجد ومجالس الحفل توهمًا من ظاهر قوله: (إذا دخل بيته بدأ بالسواك)، ولأنه إزالة المستقذرات، ولم يرو ذلك عن النبي -ﷺ-، والصواب أنه لا يكره مطلقًا؛ لأنه عبادة، نعم لا يستحسن ذلك في المحافل والمساجد إذا خرج به بصاق وتفل، وقد روي استياكه -ﷺ- في محافل من الناس، ولا يدل قوله: (إذا دخل بيته بدأ بالسواك) أنه لا يستاك خارج بيته وهو ظاهر.\nوذكر بعض الشافعية (١) أنه يستحب السواك في كل حال، ويتأكد عند الصلاة والوضوء وقراءة القرآن واصفرار الأسنان وعند تغير الفم بنوم أو سكوت أو ترك أكل أو أكل ذي رائحة كريهة وترك نوم، ويحصل بكل خشن مزيل للقلح وهو صفرة الأسنان ولو خرقة إلا إصبعه الخشنة فإنه لا يجزئ خلافًا للنووي (٢)، وأولاها الأراك فقد ورد فيه أحاديث.\n_________\n(١) انظر: \"المجموع شرح المهذب\" (١/ ٢٧٤).\n(٢) قال الدمياطي في \"إعانة الطالبين\": خلافًا لما اختاره النووي، أي: في \"المجموع\" من أن أصبعه الخشنة تجزئ. \"إعانة الطالبين\" (١/ ٥٨).","vol":"2","page":100},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-238> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٧٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ وَبِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٨٧، م: ٢٥٢].\nــ\nوقال الشُّمُنِّي: ينبغي أن يكون السواك من الأشجار المرة في غلظ الخنصر وطول الشبر، وأن يكون الاستياك عرضًا لا طولًا، وأن يكون حالة المضمضة، وإن لم يكن معه سواك أو كان مقلوع الأسنان استاك بإصبع يمينه لما روى البيهقي (١) عن أنس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (يُجْزِئُ مِنَ السِّوَاكِ الأَصَابِعُ)، وروي نحو ذلك عن عائشة -﵂- (٢).\nالفصل الأول\n٣٧٦ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لولا أن أشق على أمتي) في (القاموس) (٣): شق عليه الأمر شقًّا ومشقة: صعب، وشق عليه: أوقعه في المشقة، والمعنى لولا أن أثقل عليهم، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص: ٢٧]، أي: ما أحملك من الأمر ما يشتد عليك، أي: لولا خوف المشقة أو توقعها (لأمرتهم)، وهذا يدل ظاهرًا على أن الأمر للوجوب، والمندوب ليس بمأمور به، والمراد مادة أمر والاختلاف إنما هو في صيغة أفعل، والصواب أنه يشمل المندوب والواجب؛ لأنه يقال: أمره أمر إيجاب أو أمر ندب، والمراد في الحديث لأمرتهم أمر إيجاب، فتدبر. ويأتي الكلام\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" للبيهقي (١/ ٤٠، ح: ١٧٦).\n(٢) انظر: \"المعجم الأوسط\" (٦/ ٣٨١).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٢٧).","vol":"2","page":101},{"text":"٣٧٧ - [٢] وَعَن شُرَيْح بْنِ هَانِئٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَبْدَأُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٣].\n٣٧٨ - [٣] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا قَامَ لِلتَّهَجُّدِ مِنَ اللَّيْلِ. . . . .\nــ\nفي قوله: (عند كل صلاة) في آخر الباب.\n٣٧٧ - [٢] (شريح بن هانئ) قوله: (قالت: بالسواك) قالوا: إنما كان يبدأ به حين دخل بيته؛ لأنه ربما تتغير رائحة الفم بمحادثة الناس، فهو من حسن معاشرته بأهله، وفيه تعليم للأمة بحسن المعاشرة مع الأهل، وقول الطيبي (١): لأن الغالب أنه كان لا يتكلم في الطريق، والفم يتغير بالسكوت فيستاك ليزيله، لا يخلو عن شيء؛ لأنه ليس بين مجلسه وبيته طريق يتغير الفم بالسكوت فيها؛ لأن بيته متصل بالمسجد، وغالب جلوسه في المسجد وحواليه، وقيل: كان يبدأ بصلاة النفل فإنه قلما يتنفل في المسجد فيتسوك لها.\n٣٧٨ - [٣] (حذيفة) قوله: (إذا قام للتهجد من الليل) وأصل التهجد ترك الهجود وهو النوم، وصيغة التفعل للسلب والإزالة كتأثم وتخرج، وفسر البيضاوي (٢) قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ﴾ [الإسراء: ٧٩] بقوله: بعض الليل فاترك الهجود للصلاة، والتهجد أيضًا يجيء بمعنى النوم كما في (القاموس) (٣)، ويمكن أن تكون إضافة الصلاة إليه بوقوعه في وقت النوم وبعده.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٥٤).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٥٧٩).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٩).","vol":"2","page":102},{"text":"يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٥، ١١٣٦، م: ٢٥٥].\n٣٧٩ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ،\nــ\nوقوله: (يشوص) أي يستاك ويغسل، في (القاموس) (١): الشوص: الدلك باليد ومضغ السواك والاستنان به من سفل إلى علو.\n٣٧٩ - ٣٨٠ - [٤ - ٥] (عائشة، وعمار بن ياسر) قوله: (عشر) أي خصال عشر (من الفطرة)، الفطر في الأصل بمعنى الشق والابتداع والاختراع، والفطرة الخلقة كقوله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، والخلقة الجبلة التي خلق عليها المولود، وفسر كثير من العلماء الفطرة في هذا الحديث بالسنة، أي: سنة الأنبياء الذين أمرنا بأن نقتدي بهم كما جاء حديث (٢): (أربع من سنن المرسلين)، وإنما يقال لها: سنة إبراهيم لكونه ﵇ أول من أمر بها، وقيل: أي: من السنن القديمة التي اختارها الأنبياء -﵈- واتفقت عليه الشرائع فكأنها أمر جبلي فطروا عليه.\nوقال التُّورِبِشْتِي (٣): ولو فسرت بالدين لكان أوجه كما في قوله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، أي: دينه الذي اختاره لأول مفطور من البشر، ويكون معنى الحديث: عشر من توابع الدين ولواحقه، والمعدودات من جملته أو مما ركب في العقول التي فطر اللَّه الخلق عليها استحسان ذلك.\nوقوله: (قص الشارب) قص الشعر والظفر قطع منهما بالمقص، أي: المقراض، والشارب ما سال على الفم من الشعر، أو ما طال من ناحيتي السبلة، والسبلة كلها\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٧٤).\n(٢) أخرجه الترمذي (١٠٨٠)، وأحمد في \"مسنده\" (٥/ ٤٢١).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٤١).","vol":"2","page":103},{"text":"وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ،\nــ\nشارب، والمختار قصه حتى يبدو طرف الشفة ولا يُحفه من أصله، وذهب بعضهم بظاهر قوله: (أحفوا الشوارب) إلى استئصاله وحلقه وهو قول الكوفيين وأهل الظواهر وكثير من السلف، وخالفهم آخرون وأولوا الإحفاء بالأخذ حتى تبدو أطراف الشفة، وهو المختار، ويرى مالك حلقَه مُثْلةً ويؤدب فاعله، وخيز البعض بينهما، وليس ما ورد نصًّا في الاستئصال، والمشترك بين جميعها التخفيف، وهو أعم من أن يكون الأخذ من طول الشعر أو من مساحته، وظاهر الألفاظ الأخذ من الطول ومساحته حتى يبدو الإطار، وقد اشتهر عن أبي حنيفة أنه ينبغي أن يأخذ من شاربه حتى يصير مثل الحاجب، وندب بعض الحنفية توفير الشارب للغازي في دار الحرب لإرهاب العدو، ولا بأس بترك سبالته وهما طرفا الشارب، نقل ذلك عن عمر وغيره لأنه ذلك لا يستر الفم ولا يبقى فيه غمر الطعام إذ لا يصل إليه.\nوقوله: (إعفاء اللحية) أي وتوفيرها وتكثيرها، في (القاموس) (١): عفى شَعَرُ البَعِيرِ: كَثُرَ، وطالَ فَغَطَّى دُبُرَهُ، والعافي: الزائد، وأعفى اللحية: وَفَّرها، وناقة عافية اللحم، كثيرته، والمشهور عندنا بقدر القبضة سنة، فإن زاد على قبضة منها يجب قطعه، كذا في السغناقي، ولا بأس إذا طالت لحيته أن يأخذ من أطرافها، فإن كان ما زاد طويلًا تركه، كذا في (الملتقط) و(الحاوي).\nواختلفوا فيما طال من اللحية، قيل: إن قبض الرجل على لحيته وأخذ ما تحت القبضة فلا بأس به، فعله ابن عمر -﵁- وجماعة من التابعين، واستحسنه الشعبي وابن سيرين، وكرهه الحسن وقتادة، كذا في (الإحياء) و(قوت القلوب) (٢)، وقال النخعي:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٠٦).\n(٢) \"إحياء العلوم\" (١/ ١٥١)، و\"قوت القلوب\" (٢/ ٨٢).","vol":"2","page":104},{"text":"وَقَصُّ الأَظْفَارِ،\nــ\nالتوسط في كل شيء محمود، وحكى النووي عن بعض السلف أنهم كانوا يتركون اللحية في العام كلها ويأخذون منها قدرًا صالحًا يوم منى، وهل يجوز حلق اللحية كما يفعله الجوالقيون؟ الجواب: لا يجوز، ذكره في جناية (الهداية) وكراهة (التجنيس)، والظاهر من كلامهم حرمة حلق اللحية ونقصانها من القدر المسنون، وما يقال: إنها سنة فمعناه طريقة مسلوكة في الدين، وإن وجوبها ثبت بالسنة.\nقال التُّورِبِشْتِي (١): قص اللحية كان من صنع الأعاجم، وهو اليوم شعار كثير من المشركين كالإفرنج والهنود ومن لا خلاق له في الدين من الفرقة الموسومة بالقلندرية، طهر اللَّه عنهم حوزة الدين.\nوقوله: (وقص الأظفار) قال الإمام الغزالي في (إحياء العلوم) (٢): لم أر في الكتب خبرًا مرويًا في ترتيب قلم الأظفار، ولكني سمعت أنه -ﷺ- بدأ بمسبحة اليمنى وختم بإبهام اليمنى، وابتدأ في اليسرى بالخنصر إلى الإبهام، وفي اليمنى من المسبحة إلى الخنصر وختم بإبهام اليمنى، وأما أصابع الرجل فالأولى عندي إن لم يثبت فيه نقل أن يبدأ بخنصر اليمنى ويختم بخنصر اليسرى كما في التخليل، وقد ذكر الإمام وجه هذا، ويحتج به كثيرًا، فلينظر ثمة، وقد رأيت لبعض العلماء شعرًا في قص الأظفار قال:\nقلم الأظفار بالسنة والأدب ... يوم الخميس خواسب أو خسب\nوهذه الحروف رموز للأصابع والابتداء باليمنى، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٤١).\n(٢) \"إحياء العلوم\" (١/ ١٤١).","vol":"2","page":105},{"text":"وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ،\nــ\nويقال: يستحب قلمها يوم الجمعة، ويروى فيه أثر، وقيل: يدفن قلامة أظفاره وشعره لئلا يلعب به السحرة، وإن رمى فلا بأس، وإن ألقى في الكنيف أو المغتسل يكره، وقيل: يورث الداء والبلاء، ولا يقلم الأظفار بالسن فإنه يورث البرص، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وغسل البراجم) جمع برجمة بالضم: المفصل الظاهر، أو الباطن من الأصابع، أو هي مفاصل الأصابع كلّها، وفي بعض الشروح: البراجم هي العقد التي على ظهر مفاصل الأصابع، والتي في بواطنها رواجب بالجيم والموحدة، كذا قاله ابن العراقي، وقال التُّورِبِشْتِي (١): البراجم مفاصل الأصابع اللاتي بين الأشاجع والرواجب، والرواجب المفاصل اللاتي تلين الأنامل وبعدها البراجم وبعدها الأشاجع، وإنما خص البراجم بالحث على غسلها لأن مكاسر (٢) الجلد عليها أكثر وأغلظ، فكان مساس الحاجة إلى غسلها أشد لا سيما لمن كان شثن الأصابع خشن الجلد بعمل، انتهى. وبالجملة يلتحق بما ذكر جميع معاطف البدن التي هي محل الأوساخ.\nوقوله: (نتف الإبط) الإبط -بسكون الباء وكسرها- باطن المنكب، ويقال بالفارسية: بغل، وقياسها لكونها من الأعضاء المتكررة التأنيث وقد يذكر، قال الطيبي (٣): نتف الإبط سنة ويحصل أيضًا بالحلق والنورة، وفي (مجمع البحار) (٤): وهل يكفي الحلق أو التنوير؟ ويمكن أن يخص الإبط بالنتف، لأنه محل الرائحة\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٤١).\n(٢) في المخطوط: \"مكاتبة\" والصحيح \"مكاسر\" كما في \"كتاب الميسر\".\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٥٥).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٦٧٤).","vol":"2","page":106},{"text":"وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ\". يَعْنِي الاسْتِنْجَاءَ،\nــ\nالكريهة باحتباس الأبخرة عند المسام، فالنتف يضعف أصول الشعر والحلق يقويها، ثم ظاهر الحديث حصول السنة بنتفه بنفسه وتنف غيره له، وقيل: هو أقرب إلى الكراهة من قص الأظفار لقرب ستره عن الأعين من حفظ المروءة، وسوى النووي بين الإبط والعانة في التولي بنفسه لما فيه من هتك المروءة بخلاف الشارب، وهو مسلم في النتف دون الحلق بنفسه، وذكر أنه لم يكن في إبطه -ﷺ- شعر، واعترض بأنه لم يثبت في المعتمدات، وحديث: (حتى يرى بياض إبطيه) لا يدل عليه كما زعم؛ فإنه بعد النتف يبقى بياضًا، نعم لم يكن فيه رائحة كريهة، بل طيب الرائحة نظيفًا، وأبلغ منه أنه كان توجد الرائحة الطيبة عند قضاء حاجته، وكانت الأرض تبتلعه بل تبتلع ما يخرج من جميع الأنبياء، ذكر جميع ذلك في (مجمع البحار)، وذكر أيضًا أن نتف الإبط أفضل من حلقه، وكان الشافعي يحلق المزَيِّن إبطه ويقول: السنة النتف لكني لا أقدر عليه، وهو أفضل أيضًا من النورة.\nوقوله: (وحلق العانة) وهو الشعر على الفرج أو منبته، قيل: يستحب حلق ما على القبل والدبر وما حولهما، ويكفي القص والنتف والنورة، روي أنه -ﷺ- كان ينور على عانته بيده، وقيل: يستحب للمرأة النتف.\nوقوله: (انتقاص الماء) بالقاف والصاد المهملة وهو الأشهر رواية (يعني الاستنجاء) وهذا التفسير من وكيع قول بعض الرواة، وقد يفسر بانتقاص البول باستعمال الماء في المذاكير ليرتد البول؛ لأنه إذا لم يغسل نزل منه الشيء بعد الشيء، و(الماء) مفعول الانتقاص إذا أريد به البول، وفاعله إذا أريد به ماء يغسل به، كذا قيل، والانتقاص يجيء متعديًا أيضًا وإن كان اللزوم أكثر كالازدياد، ونقص أيضًا لازم ومتعد كزاده، وكذلك انتقص كازداد، هذا وقد يروى: (انتفاص) بالفاء، وقد صوبه بعضهم، وأراد","vol":"2","page":107},{"text":"قَالَ الرَّاوِي: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلَّا أَنْ تَكُوْنَ الْمَضْمَضَةُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦١].\nوَفِي رِوَايَةٍ: \"الْخِتَانُ\" بَدَلَ \"إِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ\" لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي \"الصَّحِيحَيْنِ\" وَلَا فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ. وَلَكِنْ ذَكَرَهَا صَاحِبُ \"الْجَامِعِ\" وَكَذَا الْخطابِيُّ فِي \"مَعَالِم السُّنَنِ\".\n٣٨٠ - [٥] وَعَنْ أَبِي دَاوُدَ بِرِوَايَة عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ. [د: ٥٤].\nــ\nنضحه على الذكر، والنفصة: نضح الدم القليل، قال في (القاموس) (١): النفصة بالضم: دفعة من الدم، والانتفاص: رش الماء من خلل الأصابع على الذكر.\nوقوله: (قال الراوي) قيل: هو مصعب، وقيل: الراوي منه.\nوقوله: (ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة) تقديره: ولا أظنه أن يكون شيئًا من الأشياء إلا أن يكون المضمضة، (ونسيت) بلفظ المعلوم مخففًا أو المجهول مشددًا.\nوقوله: (وفي رواية: الختان بدل إعفاء اللحية) هذا لفظ صاحب (المصابيح)، واعترض عليه المؤلف بقوله: و(لم أجد. . . إلخ)، والختان بكسر الخاء يجيء بمعنى المصدر وموضع القطع من ذكر الغلام وفرج الجارية كما جاء في الحديث (٢): (إذا التقى الختانان وجب الغسل منه)، قد يطلق على الوليمة المتخذة له، والختان سنة عندنا، وعند مالك وأحمد وأكثر العلماء وبعض الشافعية، وواجب عند الشافعية وبعض المالكية وجماعة من العلماء للرجال والنساء، والواجب قطع جميع الجلدة التي تغطي\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٨٤).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (١٠٩)، و\"سنن ابن ماجه\" (٦٠٨)، و\"مسند أحمد\" (٦/ ٢٣٩).","vol":"2","page":108},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-239> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٨١ - [٦] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ\". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي \"صَحِيحِهِ\" بِلَا إِسْنَادٍ. [مسند الشافعي: ٤١، حم: ٦/ ٤٧، ٦٢، ١٢٤، دي: ١/ ١٧٤، ن: ٥، خ: الصوم، باب: ٢٧].\nــ\nالحشفة، وقطع أدنى جزء من جلدة أعلى الفرج، ويتفرع على القول بوجوبها وسنيتها فعلها للبالغ وتركها له، وسائر أحكامه مذكورة في موضعه، وقد ذكرنا طرفًا منه في (شرح سفر السعادة) (١): فلينظر ثمة.\nالفصل الثاني\n٣٨١ - [٦] (عائشة) قوله: (السواك مطهرة للفم مرضاة للرب) مصدران ميميان، ويجوز أن يكونا بمعنى الفاعل، أي: مطهر ومحصل للرضا، وأن يكونا اسمي مكان، أي: مظنة الطهارة والرضا كما في قوله: (الولد مبخلة مجبنة) (٢)، والثاني يحتمل أن يكون بمعنى المفعول أيضًا، أي: مَرضِيٌّ للرب، وقيل: هما باقيتان على مصدريتهما، والمعنى: سبب للطهارة والرضا، وقيل: هما للكثرة كالمأسدة والمأذبة (٣)، وفي (مجمع البحار) (٤): هو بكسر الميم وفتحها بمعنى المطهر أو الآلة، وهو سبب الرضا لإتيانه بما هو مقدمة مناجاته.\nوقوله: (ورواه البخاري في صحيحه بلا إسناد) أي: في التراجم تعليقًا.\n_________\n(١) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٤٩١).\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٣٦٦٦)، وابن أبي شيبة (٨٠٦)، وأحمد في \"مسنده\" (١٧٥٦٢)، والحاكم في \"المستدرك\" (٤٧٧١).\n(٣) كذا في الأصل، والظاهر: \"والمذأبة\"، انظر: \"القاموس\" (ص: ٧٩).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٤٧٩).","vol":"2","page":109},{"text":"٣٨٢ - [٧] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ: الْحَيَاءُ -وَيُرْوَى الْخِتَانُ- وَالتَّعَطُّرُ، وَالسِّوَاكُ، وَالنِّكِّاحُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٠٨٠].\n٣٨٣ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- لَا يَرْقُدُ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نهارٍ فَيَسْتَيْقِظُ. . . . .\nــ\n٣٨٢ - [٧] (أبو أيوب) قوله: (الحياء) أي: ما يقتضيه الحياء من الأفعال كالتستر والانقباض عما يفحش ذكره وهتك المروءات ونحو ذلك، وإلا فالحياء أمر جبلي لا اختيار فيه للعبد، وليست من الأفعال والاكتساب حتى يعد من السنن، كما مر مثل ذلك في عد الحياء من شعب الإيمان.\nوقوله: (ويروى: الختان) بالخاء المعجمة والفوقية وهو أشبه اللفظ بهذا المقام وأنسبها كما مر في حديث: (عشر من الفطرة)، والختان لم يزل مشروعًا من لدن إبراهيم ﵇ إلى زمن نبينا -ﷺ-، وقد يروى (الحناء) بالحاء المهملة والنون المشددة قالوا: هو تصحيف، وقد بالغوا في تخطئتها دراية ورواية، والظاهر على تقدير صحتها أن يكون المراد به خضاب الشعر، وقالوا: ما هو إلا من شعار هذه الأمة، ولم يثبت من أحد من الرسل قبل نبينا -ﷺ- أنه كان يخضب، فكيف يعدّ من سنن المرسلين، وقد تمسك به بعض الجهال في تحنية الأيدي والأرجل متشبهين في ذلك بالنساء، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١)، واللَّه أعلم.\n٣٨٣ - [٨] (عائشة) قوله: (فيستيقظ) يروى على العطف بالرفع، والنصب بتقدير (أن).\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٤٢).","vol":"2","page":110},{"text":"إِلَّا يَتَسَوَّكُ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٦/ ١٦٠، د: ٥٧].\n٣٨٤ - [٩] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَسْتَاكُ فَيُعْطِينِي السِّوَاكَ لأَغْسِلَهُ، فَأَبْدَأُ بِهِ فَأَسْتَاكُ، ثُمَّ أَغْسِلُهُ وَأَدْفَعُهُ إِلَيْهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-240> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٨٥ - [١٠] عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"أَرَانِي فِي الْمَنَامِ أَتَسَوَّكُ بِسِوَاكٍ، فَجَاءَنِي رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَنَاوَلْتُ السِّوَاكَ الأَصْغَرَ مِنْهُمَا، فَقِيلَ لِي: كَبِّرْ فَدَفَعْتُهُ إِلَى الأَكْبَرِ مِنْهُمَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٣، م: ٣٠٠٢].\nــ\nوقوله: (إلا يتسوك قبل أن يتوضأ) فيه إشارة إلى كون السواك من سنن الوضوء، وإن كان الباعث الاستيقاظ وتغير الفم من النوم وتطييبه، فافهم.\n٣٨٤ - [٩] (عائشة) قوله: (فأبدأ به فأستاك) تبركًا ومحبةً للنبي -ﷺ-، وفيه التبرك بآثار الصالحين والتلذذ بها.\nالفصل الثالث\n٣٨٥ - [١٠] (ابن عمر) قوله: (أراني) الرواية المشهورة بفتح الهمزة والرؤية الحلمية مثل العلمية في جواز اتحاد ضميري الفاعل والمفعول، وقد يروى بضم الهمزة فيكون بمعنى أظن، فيكون من أفعال القلوب، و(أتسوك) مرفوع بحذف (أن).\nوقوله: (بسواك) صرح به اهتمامًا بشأنه كما يدل عليه سياق الحديث.\nوقوله: (فناولت) أي: أعطيت، أناله: أعطاه، فتناوله: أخذه، و(الأصغر) مفعول ثان لناولت.\nوقوله: (كبر) أي: أعط الأكبر، وفيه بيان فضيلة السواك وتقديم الأكبر في حكمه","vol":"2","page":111},{"text":"٣٨٦ - [١١] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَا جَاءَنِي جِبْرِيلُ ﵇ إِلَّا أَمَرَني بِالسِّوَاكِ، لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ أُحْفِيَ مُقَدِّمَ فِيَّ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٦٣].\n٣٨٧ - [١٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَقَدْ أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٨٤٨].\n٣٨٨ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسْتَنُّ وَعِنْدَهُ رَجُلَانِ، أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الآخَرِ، فَأُوحِيَ إِلَيْهِ فِي فَضْلِ السِّوَاكِ أَنْ كَبِّرْ،\nــ\nفي مناولة السواك والطيب ونحوه، ثم قد يروى هذا الحديث بدون قصة المنام، أخرجه أحمد والبيهقي (١) بلفظ: رأيت رسول اللَّه -ﷺ- فأعطاه أكبر القوم ثم قال: (إن جبرئيل ﵇ أمرني أن أكبر)، ويشهد له حديث عائشة -﵂- الآتي إلا أن يحمل الأمر والوحي في المنام.\n٣٨٦ - [١١] (أبو أمامة) قوله: (أن أحفي) أي: أستأصل.\n٣٨٧ - [١٢] (أنس) قوله: (لقد أكثرت عليكم) أي: أطلت الكلام عليكم في شأن السواك ولأجله، وفي بعض الشروح عن الكرماني (٢): أكثرت بصيغة الماضي المجهول، أي: بولغت من عند اللَّه.\n٣٨٨ - [١٣] (عائشة) قوله: (يستن) أي: يستاك، في (القاموس) (٣): استن:\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٢/ ١٣٨)، و\"السنن الكبرى\" (١/ ٤٠).\n(٢) \"شرح الكرماني\" (٦/ ١٣).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١١٢).","vol":"2","page":112},{"text":"أَعْطِ السِّوَاكَ أَكْبَرَهُمَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠].\n٣٨٩ - [١٤] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَفْضُلُ الصَّلَاةُ الَّتِي يُسْتَاكُ لَهَا عَلَى الصَّلَاةِ الَّتِي لَا يُسْتَاكُ لَهَا سَبْعِينَ ضِعْفًا\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٣/ ٢٦، ح: ٢٧٧٤].\n٣٩٠ - [١٥] وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَلأَخَّرْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ\" قَالَ: فَكَانَ زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ يَشْهَدُ الصَّلَوَاتِ فِي الْمَسْجدِ وَسِوَاكُهُ عَلَى أُذُنِهِ مَوْضعَ الْقَلَم مِنْ أُذُنِ الْكَاتِبِ، لَا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ إِلَّا اسْتَنَّ، ثُمَّ رَدَّهُ إِلَى مَوْضِعِهِ. . . . .\nــ\nاستاك، فقيل: هو مأخوذ من السن بكسر السين، أي: يمرّه عليها، وقيل: من السن بفتحها، يقال: سننت الحديد، أي: حككته على الحجر حتى يتحدد، والمسن بكسر الميم: الحجر الذي يمر عليه السكين ليتحدد، كذا في بعض الشروح.\nوقوله: (أعط السواك) الظاهر أنه تفسير من الراوي.\n٣٨٩ - [١٤] (عائشة) قوله: (سبعين ضعفًا) الضعف: المثل، وفيه مبالغة لا تخفى، والعلم بحقيقة العدد موكول إلى النبي -ﷺ-، والحديث رواه البيهقي (١) وأحمد والبزار وأبو يعلى وابن خزيمة والحاكم، وفيه شيء من الكلام، كذا في بعض الشروح.\n٣٩٠ - [١٥] (أبو سلمة) قوله: (عند كل صلاة) وعند الحنفية المراد وقت كل\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٦/ ٢٧٢)، \"مسند أبي يعلى\" (١/ ٨، ح: ٤٧٣٨)، \"صحيح ابن خزيمة\" (١/ ٧١)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٤٤).","vol":"2","page":113},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: \"وَلأَخَّرْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ\". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٢٣، د: ٤٧].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>٤ - باب سنن الوضوء</span>\nــ\nصلاة، فإن قلت: لا حاجة إلى التأويل بقرينة لولا، فإنه لانتفاء الثاني بوجود الأول، فالأمر بالسواك منتف عند كل صلاة لوجود خوف المشقة، قلت: المنتفي هو الإيجاب فيبقى الاستحباب، فلا بد للحنفية من الحمل على الوقت، فافهم.\n٤ - باب سنن الوضوء\nالمشهور في معنى السنة ما واظب عليه -ﷺ- مع الترك أحيانًا، وقد يراد فعله على سبيل العبادة ليخرج عاداته -ﷺ- المعدودة في المندوبات والمستحبات على ما قالوا، ويقسم إلى سنن الهدى وسنن الزوائد، وسنن الزوائد في درجة المندوبات فمقابلتها إنما يكون بسنن الهدى، فتدبر، وفي بعض شروح (الهداية): أن المواظبة إذا أطلقت أريد بها مع الترك أحيانًا كما هو معنى السنة، وحيث يقيد بعدم الترك فهو أمارة الوجوب، وإذا قيد بالترك فهو ظاهر، وفي (مجمع البحار) (١): السنة في الأصل الطريقة والسيرة، وفي الشرع يراد بها ما أمر به النبي -ﷺ- ونهى عنه وندب إليه قولًا وفعلًا مما لم يأت به الكتاب العزيز، وقد يراد به المتسحب سواء دلّ عليه كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، ومنه سنن الصلاة، وقد يراد ما واظب عليه النبي -ﷺ- مما ليس بواجب، فهي ثلاث اصطلاحات، انتهى.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ١٣١).","vol":"2","page":114},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-242> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٩١ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٢، م: ٢٧٨].\n٣٩٢ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٩٥، م: ٢٣٨].\nــ\nثم المراد بالسنن ههنا أفعال النبي -ﷺ- وأقواله من الفرائض والسنن، يقال: جاء في السنة، أي: في الحديث، كذا قال الطيبي (١).\nالفصل الأول\n٣٩١ - [١] (أبو هريرة) قوله: (فلا يغمس يده) روي بنون التأكيد وبدونه.\nوقوله: (فإنه لا يدري أين باتت يده) قالوا: كان أهل الحجاز أكثرهم يومئذ يستنجون بالأحجار لقلة الماء بأرضهم، فإذا نام عرق محل الاستنجاء، وربما أصابت يده ذلك الموضع، فأمروا بأن لا يغمسوها في الإناء حتى يغسلوها ثلاثًا لاحتمال ورود النجاسة عليها غالبًا، وهو أمر ندب واستحباب احتياطًا في أمر العبادات وليس بواجب، لأنه مبني على أمر موهوم أو مظنون، وأصل الماء واليد على الطهارة عند الأكثرين غير أن أحمد بن حنبل حكم بإيجاب الغسل ونجاسة الماء.\n٣٩٢ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (فليستنثر) في (القاموس) (٢): نثر الشيء ينثره\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٦١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٤٦).","vol":"2","page":115},{"text":"٣٩٣ - [٣] وَقِيْلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتَوَضَّأُ؟ فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهَ بِيَدَيْهِ، فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ،\nــ\nنثرًا ونثارًا: رماه متفرقًا، والنثرة: الخيشوم وما والاه، أو الفرجة بين الشاربين حيال وترة الأنف، واستممر: استنشق الماء، ثم استخرج ذلك بنفس الأنف كانتثر، والخيشوم من الأنف ما فوق نخرته من القصبة وما تحتها، وقد ذكر في الأحاديث الاستنشاق وحده، وهو إدخال الماء في أنفه بأن جذبه بريح أنفه، والاستنثار وحده وهو إخراجه منه بريحه بإعانة يده أو بغيرها بعد إخراج الأذى، ويستلزم ذلك ذكر الاستنشاق لكونه تابعًا له، وقد يذكر كلاهما وهو ظاهر، وبيتوتة الشيطان على الخيشوم محمول على الحقيقة، وموكول علمه ومعرفته إلى علم الشارع؛ فإن اللَّه خص نبيه ﵊ بأسرار تقصر عن دركها العقول والأفهام، وقد يأول بما يجتمع فيه من الأخلاط والمخاط والغبار والأقذار في أقصى الأنف القريب بمقدم التجويف الأول من الدماغ الموجب لانسداد طريق الإدراك وتطرق الفكرة والكسل المانع من أداء حق التلاوة والخضوع والخشوع وفوات رعاية آداب الصلاة، وهي مرضاة للشيطان، فنسب إليه كما قيل نحو ذلك في أكل الشيطان مع من ترك التسمية، وإدراكه المبيت في بيت لم يذكر اسم اللَّه فيه، وأمثال هذا كثيرة في الأحاديث، والأول هو الطريق الأقوم، واللَّه ﷾ أعلم.\n٣٩٣ - [٣] (عبد اللَّه بن زيد) قوله: (ثم مضمض واستنثر) أي: استنشق، هذا يحتمل كونهما بغرفة واحدة، وكون كل منهما بغرفة على حدة سيجيء الكلام فيه تفصيلًا.","vol":"2","page":116},{"text":"بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى يرجع إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ، وَلأَبِي دَاوُدَ نَحْوُهُ ذَكَرَهُ صَاحِبُ \"الْجَامِعِ\". [ط: ٢/ ٢٤، ح: ٤٥، ن: ٩٧، د: ١١٨].\n٣٩٤ - [٤] وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زيدِ بْنِ عَاصِمٍ: تَوَضَّأْ لَنَا وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَدَعَا بِإِنَاءٍ فَأَكْفَأَ مِنْهُ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَضْمَضَ وَاستَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا،\nــ\nوقوله: (بمقدم رأسه. . . إلخ)، تفسير لقوله: (فأقبل بهما وأدبر)، فالمراد بالإقبال الإذهاب من جانب القدام إلى الخلف، وبالأدبار عكسه.\nوقوله: (رواه مالك والنسائي، ولأبي داود نحوه) اعتراض على صاحب (المصابيح) بذكره في الصحاح، فإن ما ذكره ليس إلا في (الموطأ) و(سنن النسائي) ولأبي داود نحوه، والذي في الصحيحين إنما هو بلفظ ذكره المؤلف بقوله: (وفي المتفق عليه) إلى قوله: (وفي رواية: فأقبل بهما وأدبر) ومن هذا القول إلى قوله: (ثم غسل رجليه)، وهذه رواية من المتفق عليه بدل: (فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر)، وصاحب (المصابيح) ذكرها فيما حكم عليه المؤلف أنها رواية مالك والنسائي، وما ذكر المؤلف من الروايات سوى هذه الرواية مذكورة في (المصابيح) موجودة في الصحيحين، فافهم، فإنه لا يخلو عن قلق، وقد ذكر الطيبي (١) اعتذار المؤلف عن ذلك.\n٣٩٤ - [٤] (عبد اللَّه بن زيد) قوله: (فمضمض واستنشق من كفة واحدة) قال\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٦٥).","vol":"2","page":117},{"text":"ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَغَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَاسْتَخْرَجَهَا، فَمَسَحَ بِرَأْسِهِ فَأَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. [خ: ١٨٥، ١٨٦، ١٩١، ١٩٢، ١٩٩، م: ٢٣٥].\nوَفِي رِوَايَةٍ: فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ، ثُمَّ غَسَلَ رجلَيْهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثًا بِثَلَاث غَرَفَاتٍ مِنْ مَاءٍ. وَفِي أُخْرَى: فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: فَمَسَحَ رَأْسَهُ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. وَفِي أُخْرَى لَهُ: فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ.\nــ\nالشيخ (١): كذا في رواية أبي ذر، وفي نسخة: من غرفة واحدة، وللأكثر: من كف بغير هاء، ثم قال: قال ابن بطال: المراد بالكفة الغرفة، ولا يعرف في كلام العرب إلحاق هاء التأنيث بالكف، ثم قال: والمراد بكفة فعله لا أنها تأنيث الكف، وقال صاحب (المشارق) (٢) قوله: من كفة هي بالضم والفتح كغرفة وغرفة، أي: ملأ كفه.\nواعلم أنه -ﷺ- غسل في بعض الأحيان مرة مرة اقتصارًا على مقدار الفرض الذي لا يصح الوضوء بدونه، وفي بعضها: مرتين مرتين مبالغة في تطهير، وسماه نور على نور، وجعله سببًا لمزيد الثواب ومضاعفة الأجر، وفي بعضها: ثلاثًا ثلاثًا، وهذا غاية\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٩٧).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٥٦١).","vol":"2","page":118},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمرتبة التطهير والمبالغة، وهو أحد معاني إسباغ الوضوء الذي وقع في الأحاديث الأمر به، والترغيب فيه، والزيادة على الثلاث تعدي وإسراف وظلم منهي عنه كما جاء في الحديث، ولكنها لا تبطل الوضوء، وفي بعضها: (غسل بعض الأعضاء ثلاثًا)، وبعضها: مرتين، وبعضها: مرة، وفيها صور شتى، ثم إنه قد ورد في الأرجل المرات، وقد ورد الغسل مطلقًا من غير ذكر المرات، ولكن بقيد التنقية والتنظيف، ولذا لم يقل بعضهم بتثليث الغسل في القدمين، كذا في شرح ابن الهمام (١).\nوقد وقع في بعض الروايات غسل الأعضاء كلها مطلقًا بلا ذكر عدد، وظاهره في المرة الواحدة، أو كان مقصود الراوي في ذلك المقام بيان أصل الغسل فسكت عن بيان العدد، والكل لبيان الجواز وتوسيع الأمر، والغالب التثليث، ونقل الشُّمُنِّي من (الفتاوى الظهيرية) أن من اكتفى بالمرة أثم عند البعض لتركه السنة المشهورة، ولم يأثم عند آخرين لإتيانه بالمأمور به وصحة الحديث الوارد فيها، وقال محمد في (موطئه) (٢): الغسل ثلاثًا أفضل، والاكتفاء بمرتين كفاية، والغسل مرة إن كان بالإسباغ والإكمال أيضًا يكفي، وقال: هذا مذهب أبي حنيفة -﵁-، انتهى.\nونقل عن الشافعي -﵁- أنه قال (٣): لا أحب الزيادة على الثلاث، وإن زاد لا أقول: إنه حرام، والصحيح من مذهبه كراهة الزيادة على الثلاث كراهة تنزيه، وذهب قوم إلى أن الزيادة مبطلة للوضوء كما في الصلاة من زيادة ركعة مثلًا، وهذا القياس فاسد، وقد ورد بعد ما توضأ ثلاثًا ثلاثًا أنه قال: هكذا الوضوء، فمن زاد أو\n_________\n(١) انظر: \"فتح القدير\" (١/ ٣٣).\n(٢) \"التعليق الممجد\" (١/ ٤٩).\n(٣) انظر: \"المجموع شرح المهذب\" (١/ ٤٣٩)، و\"فتح الباري\" (١/ ٢٣٤).","vol":"2","page":119},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nنقص أساء وظلم وتعدى، ولم يذكر في بعض الروايات النقصان وهذا أصح، وأخرج ابن خزيمة هذا الحديث في (صحيحه) وتكلم في ذكر النقصان، وخطأ راويه؛ لأن ظاهره ذم النقص عن الثلاث وليس الأمر كذلك، وقال بعضهم: الإساءة يتعلق بالنقصان، والظلم بالزيادة.\nبقي الكلام في المضمضة والاستنشاق، قال في (المواهب اللدنية) (١): قال النووي: وفي كيفية المضمضة والاستنشاق خمسة أوجه، الأصح أن يتمضمض ويستنشق بثلاث غرفات، يتمضمض من كل واحدة ثم يستنشق، والثاني: يجمع بينهما بغرفة واحدة يتمضمض منها ثلاثًا ثم يستنشق منها ثلاثًا، والثالث: يجمع أيضًا بغرفة لكن يتمضمض منها ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها ثم يستنشق، والرابع: يفصل بينهما بغرفتين، فيتمضمض من إحداهما ثلاثًا ثم يستنشق من الأخرى ثلاثًا، والخامس: يفصل بست غرفات، يتمضمض بثلاث غرفات ثم يستنشق بثلاث، قال: والصحيح الأول، وبه جاءت الأحاديث الصحيحة، انتهى.\nهذا وقد وجدنا ألفاظ الحديث فيها مختلفة، وقع في أكثرها: فغسل كفيه ثم مضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثم يديه، فظاهره يدل على وصل المضمضة والاستنشاق وإن لم يكن قطعيًّا، وفي بعضها: غسل يديه ثم مضمض ثم استنشق ثم غسل الوجه، وهو ظاهر في الفصل، والذي ذكر المؤلف من رواية: (فمضمض واستنشق واستنثر ثلاثًا بثلاث غرفات من ماء) فمحتمل للوجهين فصلًا ووصلًا، ولكن وقع في بعض الأحاديث صريحًا أنه مضمض واستنشق بغرفة واحدة أو كفة واحدة.\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ٣٧).","vol":"2","page":120},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالمشهور من مذهب الشافعي -﵁- الوجه الأول من الوجوه الخمسة، والمشهور من مذهب إمامنا الأعظم أبي حنيفة -﵁- الفصل بين المضمضة والاستنشاق على الوجه الخامس، ومتمسكه حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده رواه أبو داود (١) قال: دخلت على رسول اللَّه -ﷺ- وهو يتوضأ والماء يسيل من وجهه ولحيته على صدره، فرأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق، وقد جاء عنه أيضًا قال: إن رسول اللَّه -ﷺ- توضأ فمضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا من كف واحد، رواه ابن ماجه (٢)، لكن رجحنا الرواية الأولى عنه؛ لأن الفم والأنف عضوان فلا يجمع بينهما بماء كسائر الأعضاء، وقد ثبت في أصول الفقه أن الحديث الذي يوافق القياس يقدم على ما يخالفه، وقد تكلموا في حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده بأن جد طلحة مجهول، ولم يثبت صحبته مع رسول اللَّه -ﷺ-، وذكر في (جامع الأصول) (٣): طلحة بن مصرف من أعلام التابعين وأثباتهم، وجده كعب بن عمرو، وقيل: عمرو بن كعب، وقال الشُّمُنِّي في شرح (النقاية): وقال البيهقي في (كتاب المعرفة): كان عبد الرحمن بن مهدي يقول: جده عمرو بن كعب له صحبة، وقال في (سننه) عن يحيى بن معين أنه قال: المحدثون يقولون: إنه رأى رسول اللَّه -ﷺ-، وأهله يقولون: لا صحبة له، انتهى.\nقال الشيخ ابن الهمام (٤): وذلك غير قادح بعد ما اعترف به أهل الشأن، وعبد الرحمن بن مهدي من كبار أئمة المحدثين في درجة الإمام أحمد بن حنبل\n_________\n(١) \"سنن أبي داود\" (١٣٩).\n(٢) \"سنن ابن ماجه\" (٤٠٤).\n(٣) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٥٤٣).\n(٤) \"فتح القدير\" (١/ ٣٥).","vol":"2","page":121},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n﵏، وكذلك يحيى بن معين من كبار الأئمة، ولما قالوا بصحبته ثبت المدعى، وعدم وقوف أهل بيته لا يقدح في ذلك، وأخرج ابن سعد حديثًا من جد طلحة في (باب المسح) بلفظ: رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يمسح هكذا، فثبت أن له صحبة، كذا قال الشيخ ابن الهمام.\nوبالجملة قد علم أن فعله -ﷺ- في غسل أعضاء الوضوء كان مختلفًا على ما هو عادته الشريفة المستمرة في السنن والمستحبات، وأيضًا كان عمله -ﷺ- في المضمضمة والاستنشاق وكيفيتهما أيضًا مختلفًا، ولهذا لم يذهب أحد من الأئمة بوجوب أحد الوجوه، وعند الإمام الأعظم أبي حنيفة -﵁- يجوز وصل المضمضة والاستنشاق وبغرفة واحدة كما نقل الشُّمُنِّي من (الفتاوى الظهيرية)، وكذا يجوز عند الشافعي الفصل بينهما بمياه جديدة. وروى الترمذي (١) عن الشافعي -﵁- أنه قال: جمع المضمضة والاستنشاق بكف واحد جائز، وفصلهما بمياه جديدة أحبّ إلي، فارتفع الاختلاف، واللَّه أعلم.\nولقد وقع شيء من الإطناب في الكلام في هذا المقام تحصيلًا للمقصود وتحقيقًا للمرام، ونتممه بذكر مسح الرأس والاختلاف فيه ليتم شرح الباب فنقول معتصمًا بتوفيق الملك الوهاب: اعلم أن أكثر الأحاديث في المسح جاءت مطلقة بلا تقييد بعدد، وجاءت مقيدة بمرة واحدة أيضًا، وهذه الأحاديث صحيحة، ووقع في رواية النسائي والترمذي وأبي داود مرتين أيضًا وسموها بالضعف، وأما تثليث المسح فلم يجئ في حديث صحيح سوى ما جاء في الحديث أنه توضأ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثًا ثلاثًا، والوضوء شامل للغسل والمسح.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٢٧).","vol":"2","page":122},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقال الشافعي ﵀ بتثليث المسح بهذا الحديث وبقياس المسح على الغسل، وجوابه أن قوله: توضأ ثلاثًا ثلاثًا محتمل، والأحاديث الصحيحة التي جاءت في عدم تكرار المسح عين المراد به، وبين أن التثليث باعتبار الغالب من الأعضاء ومخصوص بالأعضاء المغسولة، وبناء المسح على التخفيف، فقياسه على الغسل وبناؤه على الإكمال والإسباغ قياس مع الفارق، وأيضًا تثليث المسح بماء جديد قد يفضي إلى الغسل الذي حقيقته جريان الماء، وهو خلاف وضع المسح، وأيضًا قد وقع في الحديث الذي ذكر فيه المسح مرة أن من زاد أو نقص أساء وتعدّى وظلم، فلا تكون الزيادة على مرة واحدة سنة.\nوقال في (فتح الباري) (١): لم يجئ في طريق من الصحيحين ذكر عدد المسح، وعليه أكثر العلماء إلا الشافعي -﵁- يقول: بأن تثليث المسح مستحب، وقال أبو داود: أحاديث أمير المؤمنين عثمان -﵁- وهي صحاح الباب كلّها دالة على أن مسح الرأس مرة واحدة، وقد بالغ أبو عبيد وقال: لا أعلم أحدًا من السلف ذهب إلى استحباب التثليث في المسح إلا إبراهيم التيمي، ولكن في هذا القول نظر، لأن ابن أبي شيبة وابن المنذر حكاه عن أنس وعطاء وغيرهما، وصحح ابن خزيمة وغيره التثليث في حديث عثمان -﵁-، وزيادة الثقة مقبولة، انتهى.\nوأورد في (جامع الأصول) (٢) من حديث عثمان -﵁- رواية ذكر فيها مسح الرأس ثلاثًا، ونقل الشيخ ابن الهمام (٣) عن البيهقي أنه قال: روي بوجوه غريبة تكرار المسح\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٢٩٨).\n(٢) \"جامع الأصول\" (٨/ ٧٦).\n(٣) \"فتح القدير\" (١/ ٥٢).","vol":"2","page":123},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفي حديث عثمان، ولكنها لمخالفتها الأحاديث الصحيحة ليست بحجة عند أهل العلم، انتهى.\nوأخرج الترمذي (١) عن وائل بن حجر: ثم مسح على رأسه ثلاثًا ومسح أذنيه ثلاثًا، وكل ما جاء من هذا القبيل إن صح فهو محمول على التكرار بماء واحد لا بماء جديد كما هو مذهب الشافعي -﵁-، وذكر الشُّمُنِّي من (الفتاوى الظهيرية) أن تثليث المسح بماء جديد بدعة، وقد جاء في رواية غرسه عن أبي حنيفة -﵁- تثليث المسح بماء واحد، فقال في (الهداية) (٢): إنه مشروع ومروي عن أبي حنيفة، وفي بعض شروح (الهداية) أنه روى الحسن عن أبي حنيفة -﵁- أنه لو مسح ثلاثًا بماء واحد كان مسنونًا، هذا الكلام في سنة المسح، وأما فرضه فقد ذهب مالك -﵁- أن مسح كل الرأس فرض، وعند أبي حنيفة فرضه مسح ربع الرأس، وفي رواية: قدر ثلاث أصابع باعتبار أن الواجب إلصاق اليد بالرأس، والأصابع أصل اليد، ولهذا تجب بقطعها دية اليد، والثلاث أكثرها، وللأكثر حكم الكل، وعند الشافعي -﵁- أدنى ما يطلق عليه اسم المسح وإن كان ثلاث شعرات بل شعرة واحدة، ومذهب أحمد -﵁- عند عامة أصحابه كمذهب مالك -﵁-، وفي رواية كمذهب الشافعي، وفي أخرى كمذهب أبي حنيفة -﵁-، وفي رواية: مسح أكثر الرأس، وفي رواية: للنساء مسح البعض، وللرجال مسح كله، ودلائل الكل ذكرتها في (شرح سفر السعادة) (٣).\n_________\n(١) لم نجده في \"سنن الترمذي\"، نعم رواه البزار في \"مسنده\" (٤٤٨٨)، والطبراني في \"المعجم الكبير\" (٢٢/ ٤٩) مطولًا وفيه: \"ثم مسح على رأسه\".\n(٢) \"الهداية\" (١/ ١٦).\n(٣) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٣٧).","vol":"2","page":124},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوسمعت شيخي علي بن جار اللَّه مفتي بلد اللَّه الحرام ينقل عن بعض مشايخه أنه قال: الإنصاف في مسألة المسح مع مالك ﵀، وأقوى ما يرده حديث مسح الناصية، وقالوا: هو محمول على أن ذلك مع العمامة كما جاء مفسرًا في الصحيح من حديث المغيرة بن شعبة: وكان -ﷺ- إذا مسح على ناصيته أتمه بالمسح على العمامة، وسيجيء ذلك.\nثم اعلم أن كيفية مسح كل الرأس الذي هو سنة أن يضع كفيه وأصابعه على مقدم رأسه ويمدّها إلى قفاه على وجه يستوعب الرأس، ثم يمسح بإصبعيه أذنيه، ولا يكون الماء مستعملًا بهذا؛ لأن الاستيعاب بماء واحد كما هو مذهبنا لا يكون إلا بهذا الطريق، ولأنه لا يحتاج إلى تجديد الماء لكل جزء من أجزاء الرأس، فالأذن أولى لكونه تبعًا له، وفي (المحيط) (١): والمستحب في الاستيعاب أن يضع من كل واحد من اليدين ثلاث أصابع على مقدم رأسه، ولا يضع الإبهام والسبابة، ويجافي كفيه ويمدها إلى القفاء، ثم يضع كفيه على مؤخر رأسه ويمدهما إلى مقدمه، ثم يمسح ظاهر كل أذنيه بإبهام، ومسح باطنهما بمسبحة، ذكر كلا من هذين الطريقين الشُّمُنِّي، ونقل الأول عن (شرح الكنز) والثاني عن (المحيط)، فتدبر.\nوقال الشيخ ابن الهمام (٢): وأما مجافاة السبابتين مطلقًا ليمسح بهما الأذنين والكفين في الإدبار ليرجع بهما على الفودين (٣) فلا أصل له في السنة؛ لأن الاستعمال لا يثبت قبل الانفصال، والأذنان من الرأس حتى جاز اتحاد بلتهما، ولأن أحدًا ممن\n_________\n(١) انظر: \"المحيط البرهاني\" (١/ ٤٧).\n(٢) \"فتح القدير\" (١/ ١٦).\n(٣) الفَوْدُ: مُعْظَمُ شَعْرِ الرأسِ مما يَلي الأُذُن، وناحِيةُ الرأسِ. \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٧).","vol":"2","page":125},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nحكى وضوء رسول اللَّه -ﷺ- لم يؤثر عنه ذلك، فلو كان ذلك من الكيفيات المسنونة وهي غير متبادرة لَنَصُّوا عليها.\nثم اعلم أنه لم يرو في الكتاب حديث في مسح الرقبة، وقال صاحب (سفر السعادة) (١): لم يثبت في مسح الرقبة حديث، وهو مستحب عند أبي حنيفة -﵁-، وهو مختار بعض الشافعية أيضًا، ويروون في ذلك حديثًا (٢): (من مسح قفاه مع رأسه وقي من الغل يوم القيامة)، وروي هذا الحديث موقوفًا ومرفوعًا، لكن سنده ضعيف، وأورد الشيخ ابن الهمام حديث الترمذي في ذلك عن وائل بن حجر: ثم مسح على رأسه ومسح أذنيه وظاهر رقبته، وحديثًا من أبي داود: أنه -ﷺ- مسح الرقبة مع مسح الرأس (٣)، وقال: عند البعض هو بدعة، ولم يذكره في (الهداية) من السنن والمستحبات، وقال الشُّمُنِّي: مسح الحلقوم بدعة.\n_________\n(١) \"سفر السعادة\" (ص: ٢٠).\n(٢) انظر: \"كتاب الطهور\" للقاسم بن سلام (١/ ٣٨٤).\n(٣) وأخرج أبو داود حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قال: \"رأيت رسول اللَّه يمسح رأسه مرة واحدة حتى بلغ القذال وهو أول القفا\". قال شيخنا في هامش \"البذل\" (١/ ٥٨٢): وفي رواية أحمد: \"وما يليه من مقدم العنق\"، بسطه صاحب \"الغاية\". استدل به صاحب \"المغني\" (١/ ١٥١) على مسح الرقبة، واستدل أيضًا برواية ابن عباس: \"امسحوا أعناقكم مخافة الغُلِّ\"، واستحبابه رواية لأحمد، والقديم للشافعي، وفي رواية الدارقطني: \"حتى بلغ بهما إلى أسفل عنقه\"، كذا في \"غاية المقصود\". قال ابن رسلان: استدل به على ما قال البغوي والغزالي: إنه يستحب مسح الرقبة، وصحح الرافعي أنه سنة، ومقتضى كلام الحموي أن فيه قولين، وليس بسنة في الجديد، ثم ذكر عدة الروايات في إثباته، فارجع إليه. وقال الشعراني: قول مالك والشافعي: إنه ليس بسنة، وقال أبي حنيفة وأحمد وبعض الشافعية: مستحب، وبسطه في \"تحفة الطلبة\" لمولانا عبد الحي (ص: ١٧).","vol":"2","page":126},{"text":"٣٩٥ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّةً مَرَّةً لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٥٧].\n٣٩٦ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٥٨].\n٣٩٧ - [٧] وَعَنْ عُثْمَانَ -﵁- أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِالْمَقَاعِدِ فَقَالَ: أَلَا أُرِيكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٠].\nــ\n٣٩٥ - [٥] (عبد اللَّه بن عباس) قوله: (مرة مرة) في (القاموس) (١): المرة: الفعلة الواحدة ولا يستعمل إلا ظرفًا، وفي (الصراح) (٢): مرة: يكبار، مرارًا موات: بارها، وقال الكرماني (٣): قوله: (مرة) منصوب على الظرف، أي: توضأ في زمان واحد، ولو كان ثمة غسلتان أو غسلات لكل عضو من أعضاء الوضوء لكان التوضؤ في زمانين أو أزمنة، إذ لا بد لكل غسلة من زمان غير زمان الغسلة الأخرى، أو منصوب على المصدر، أي: توضأ مرة من التوضؤ، أي: غسل الأعضاء غسلة واحدة، وكذا حكم المسح.\n٣٩٦ - [٦] (عبد اللَّه بن زيد) قوله: (مرتين مرتين) قد علم وجه إعرابه في شرح قوله: مرة مرة.\n٣٩٧ - [٧] (عثمان -﵁-) قوله: (أنه توضأ بالمقاعد) أي: مواضع قعود الناس بالسوق أو غيره، وفي الحواشي: هي صُفَّة بناها أمير المؤمنين عمر -﵁- خارج المسجد\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٤١).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٢١٣).\n(٣) \"شرح الكرماني\" (٢/ ٢٠٦).","vol":"2","page":127},{"text":"٣٩٨ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ قَالَ: رَجَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى إِذا كُنَّا بِمَاءٍ بِالطَّرِيقِ تَعَجَّلَ قَوْمٌ عِنْدَ الْعَصْر فَتَوَضَّؤُوا وَهُمْ عُجَّالٌ، فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ وَأَعْقَابُهُمْ تَلُوحُ لَمْ يَمَسَّهَا الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nليقعد الناس ويتكلموا ويتناشدون الشعر فيه، ويقال له: رحبة، وفي شرح الشيخ: اسم موضع بالمدينة يقعد فيه الناس.\n٣٩٨ - [٨] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (حتى إذا كنا بماء بالطريق) أي: كنا نازلين بموضع فيه ماء كنهر أو حوض أو بئر، كان الناس يسكنون عنده، كائن في طريق مكة.\nوقوله: (تعجل قوم عند العصر) أي: توضؤوا مستعجلين خوفًا من فوات العصر ومضي وقته.\nوقوله: (وهم عجال) صححوه بكسر العين وتخفيف الجيم، وبضم العين وتشديد الجيم، جمع عاجل كقيام جمع قائم، وحفاظ جمع حافظ.\nوقوله: (وأعقابهم تلوح) أي: يبدو يبوستها.\nوقوله: (لم يمسها الماء) بيان له، وكان القوم كانوا حديثي عهد بالإسلام من سُكّان البوادي فتجوّزوا في غسل أرجلهم لجهلهم بأحكام الشرع الشريف، فزجرهم النبي -ﷺ- بهذا الوعيد عن ترك الواجب.\nوقوله: (فقال رسول اللَّه -ﷺ-) وفي رواية البخاري ومسلم (١): فنادى بأعلى صوته.\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٦٠)، و\"صحيح مسلم\" (٢٤١).","vol":"2","page":128},{"text":"\"وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤١].\nــ\nوقوله: (ويل للأعقاب من النار) ويل كلمة يقولها كل مكروب، وأصلها الهلاك والعذاب، وقيل: شدة العذاب، وقيل: وادٍ في جهنم، ورواه ابن حبان (١) من حديث أبي سعيد، والأعقاب جمع عقب بفتح العين وكسر القاف: مؤخر القدم، يقال بالفارسية لها: باشنة، أي: لأصحاب الأعقاب اللائحة، واللام للعهد، وقيل: العقب يختص بالعذاب إذا قصر في غسلها، فلعلهم يعذبون في الأعقاب خاصة لأجل هذا التقصير.\nوقوله: (أسبغوا الوضوء) أي: أكملوه وأتمّوه، ولا تتركوا جزءًا من أجزاء الأعضاء غير مغسول.\nوقال بعض العلماء: المراد بالإسباغ ههنا إكمال الوضوء وإبلاغ الماء كل ظاهر أعضائه، وهذا فرض، والإسباغ الذي هو التثليث سنة، والإسباغ الذي هو التسييل هو شرط، والإسباغ الذي هو إكثار الماء من غير إسراف فضيلة، وبكل هذا يفسر الإسباغ باختلاف المقامات، ثم في هذا الحديث وأمثاله دليل على وجوب غسل الرجلين، وأن المسح لا يجزئ، وعليه جمهور الفقهاء في الأعصار والأمصار، وأنه لا يجب المسح مع الغسل كما هو مذهب الظاهرية، ولم يثبت خلاف هذا من أحد ممن يعتدّ به في الإجماع، والذين وصفوا وضوء رسول اللَّه -ﷺ- في مواطن مختلفة وعلى صفات متعددة متفقون على غسله الرجلين، وقوله -ﷺ-: (ويل للأعقاب من النار) وعيد وتهديد عظيم لمن ينكر الغسل، فهو دليل الوجوب، وهذا الوعيد وقع في أحاديث كثيرة لا تحصى، كذا قال النووي (٢).\nوالكلام ههنا كثير نتحاشى من ذكره مخافة التطويل، لكن المقام جدير بذكره،\n_________\n(١) \"صحيح ابن حبان\" (٦/ ٥٠٨، ح: ٧٤٦٧).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ١٢٩).","vol":"2","page":129},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفنقول وباللَّه التوفيق وعلى فضله التعويل: اعلم أنه قد اختلفت الأمة في غسل الرجلين ومسحهما، فذهب داود بن علي الظاهري إلى أنه يجب المسح، والغسل احتياطًا؛ لأن الكتاب ورد بهما، وروي عن الحسن البصري وعن أبي جعفر محمد بن جرير الطبري التخيير بينهما، وذهب قوم إلى فرضية مسح ظاهر القدمين ووجوب الابتداء من الأصابع والانتهاء إلى الكعبين عملًا بظاهر أخبار المسح وإن كانت ضعيفة مع قلتها وبظاهر قراءة خفض: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وفي القراءة بالنصب معطوفة على محل رؤوسكم عطفًا على الأقرب، ولأن هذه الواو قد تكون بمعنى مع، وهي تنصب نحو: استوى الماء والخشبة حملًا لما يحتمل وجهين على ما لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا دفعًا للتعارض، وقالوا: أخبار المسح والغسل في هذا الباب آحاد، فلا تقبل على مخالفة ظاهر الكتاب، والصحيح ما ذهب إليه عامة العلماء، ولهم في إثبات فرضية غسل الرجلين ثلاثة طرق.\nالأول: وإليه ذهب من أصحابنا الإمام أبو جعفر الطحاوي: أن السبيل في القراءتين كالسبيل في الآيتين، وقد تعارضتا فوجب المصير إلى السنة.\nوقد اشتهرت الأخبار المتواترة معنى المخرجة في الأصول الستة وغيرها برواية عثمان وعلي وعبد اللَّه بن زيد بن عاصم حاكي وضوء رسول اللَّه -ﷺ- وأنس وجابر وأبي هريرة وعبد اللَّه بن عمر وغيرهم -﵃- أن رسول اللَّه -ﷺ- غسل قدميه في وضوئه للصلاة إذا كانتا باديتين وأمر بذلك، وأوعد على تركه، وهي علامة الوجوب كذا في (شرح السنة) (١)، وفي تعداد تلك الأخبار تطويل، ولكن علينا أن نذكر بعضها تيمنًا وإلزامًا للحجة، فقد جاء في روايات أبي داود والترمذي والنسائي عن عبد خير وزر بن حبيش\n_________\n(١) انظر: \"شرح السنة\" (١/ ٣١٤).","vol":"2","page":130},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوعبد الرحمن بن أبي ليلى وأبي حية وابن عباس وحسين بن علي -﵃- عن علي -﵁- أنه توضأ ليعلمهم فغسل رجليه، ثم قال: من سرّه أن ينظر إلى وضوء رسول اللَّه فهذا وضوؤه.\nوأخرج الطحاوي (١) عن علي -﵁- أنه دخل الرحبة، ثم قال -﵁- لغلامه: ائتني بطهور، فأتاه بماء وطست فتوضأ فغسل رجليه، وقال: هذا طهور رسول اللَّه -ﷺ-. وفي رواية لأبي داود (٢) عن عبد خير أنه قال: صلى علي -﵁- الغداة، ثم دخل الرحبة فدعا بماء، فأتاه الغلام بإناء فيه ماء وطست، وفي أخرى لأبي داود (٣): أتانا علي -﵁- وقد صلى فدعا بطهور، فقلنا: ما يصنع بالطهور وقد صلى؟ ما يريد إلا ليعلمنا إلى أن قال: ثم غسل رجله اليمنى ثلاثًا، ورجله اليسرى ثلاثًا، وفي رواية للنسائي (٤) عن الحسين بن علي -﵄- قال: دعاني أبي علي -﵁- بوضوء فقربته له. . . إلى أن قال: ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين، ثم اليسرى كذلك.\nوأخرج الطحاوي (٥) عن عبد الملك بن سليمان أنه قال: قلت لعطاء: أبلغك عن أحد من أصحاب النبي -ﷺ- أنه مسح على القدمين؟ فقال: لا، وأما ما روي عن عباد بن تميم عن عمر (٦) -﵁- أن النبي -ﷺ- توضأ ومسح على القدمين، وما روي عن\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (١٥٨).\n(٢) \"سنن أبي داود\" (١١٢).\n(٣) \"سنن أبي داود\" (١١١).\n(٤) \"سنن النسائي\" (٩٥).\n(٥) \"شرح معاني الآثار\" (٢١٤).\n(٦) \"شرح معاني الآثار\" (١٥٧).","vol":"2","page":131},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعلي (١) -﵁- أنه صلى الظهر، ثم قعد للناس على كرسيه، ثم أتي بماء فمسح بوجهه ويديه، ومسح برأسه ورجليه، وشرب فضله قائمًا ثم قال: إن ناسًا يزعمون أن هذا يكره، وإني رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يصنع مثل ما صنعت، وهذا وضوء من لم يحدث، وسائر ما ورد في ذلك، فقد ذكر عبد اللَّه بن عمر -﵄- أنهم كانوا يمسحون حتى أمر رسول اللَّه -ﷺ- بإسباغ الوضوء، فدل ذلك على أن حكم المسح الذي كانوا يفعلونه قد نسخه ما تأخر عنه، على أنه ليس في حديث علي -﵁- أن فرض الرجلين هو المسح؛ لأن فيه أنه قد مسح وجهه ويديه، وكان ذلك المسح غسلًا، فكذلك يحتمل أن يكون مسحه لرجليه أيضًا كذلك، يدل على ذلك ما ذكر من الروايات عنه -﵁-.\nالطريق الثاني: التمسك بالإجماع، قال الإمام علاء الدين العالم رحمة اللَّه عليه في (تحفة الفقهاء) (٢): إن العلماء ﵏ أجمعوا على وجوب غسل الرجلين إذا كانتا باديتين بعد وجوب الاختلاف فيه، والإجماع المتأخر يرفع الخلاف المتقدم، هذا، وقد قيل في مسائل أصول الفقه: المختار أن الإجماع الذي ندر مخالفته حجة؛ لأنه يدل على وجود راجح أو قاطع، إذ لو قيل: يكون متمسك المخالف النادر راجحًا، وأن الكثيرين لم يطلعوا عليه وخالفوه غلطًا أو عمدًا كان في غاية البُعد، لكن ذلك الإجماع لا يتناول الإجماع المعروف عند الأصوليين الذي يكفّر منكره، وأيضًا المخالف النادر إذا نشأ بعد الاتفاق فلا عبرة لمخالفته أصلًا، ثم إن مدار صحة هذا الطريق على الطريق الأول إذ لا بد للإجماع من سند، والسند ههنا هو السنة، ولا يلزم أن يكون السند قطعيًّا،\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (١٥١).\n(٢) \"تحفة الفقهاء\" (١/ ١١).","vol":"2","page":132},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبل قد يكون ظنيًا كالقياس وخبر الواحد، ويصير بالإجماع عليهما قطعيًّا، وإن كان السند قطعيًّا كما فيما نحن فيه من السنة المشهورة المتواترة المعنى فهو أقوى وأحكم، والكلام في الإجماع وأقسامه كثير، فليقتصر على هذا المقدار.\nالطريق الثالث: التمسك بالكتاب، بيانه أن نصب اللام في ﴿أَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] قراءة شطر القراء السبعة الذين ثبتت قراءتهم بالتواتر كما حقق في موضعه، وهم نافع وابن عامر والكسائي وحفص راوي عاصم -﵏-، والجر أيضًا قراءة شطر القراء السبعة وهم ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وأبو بكر راوي عاصم -﵏-، فنصب اللام للعطف على المغسول، وإدخال الممسوح بين المغسولات إشارة إلى انتداب هذه الهيئة أو افتراضها، والعطف على المغسول هو ظاهر تلك القراءة، فلا يجوز ترك هذا الظاهر إلى العطف على محل الممسوح إلا بدليل؛ لأن العطف على المحل بمنزلة المجاز من الحقيقة مع أن العطف على المحل إنما يجوز عند عدم الالتباس، لا تقول: ضربت زيدًا ومررت بعمر وبكرًا، وأنت تريد عطف بكر على عمر محلًا، وخفض اللام للعطف على الممسوح وهو ظاهر تلك القراءة، لكنه يحتمل أن يكون العطف على الممسوح لفظًا فقط للجوار، والمعنى على العطف على المغسول ويسمى هذا جرّ الجوار، وهي كثيرة في لغة العرب وواقعة في القرآن وغيره.\nوقد جعل أئمة النحو للعطف على الجوار بابًا وجوّزوا الجرّ للجوار مع العاطف وبدونه، وأخطأ من جعلها لغة رديئة غير فصيحة، ومما يدل على عدم كون الأرجل ممسوحة أن المسح لم تضرب له غاية في الشريعة، فلما كان ظاهر قراءة النصب وهو العطف على المغسول معينًا للغسل، وظاهر قراءة الخفض محتملًا للغسل وجب الحمل المحتمل على المتعين دفعًا للتعارض، ونقل عن شيخ الإسلام خواهر زاده أنه إذا قيل","vol":"2","page":133},{"text":"٣٩٩ - [٩] وَعَنِ الْمُغيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ. . . . .\nــ\nبالمسح يبقى مقتضى النصب غير معمول به بخلاف العكس، فإن المسح معمول بالغسل؛ لأن المسح بعض الغسل، ففيما ذهبنا إليه عمل بالنص من كل وجه، وفيه خروج عن عهدة الواجب بيقين وتحصيل للطهارة كاملًا، وتمسك بالأصل في باب الوضوء وهو الغسل، إذ هو المطهر حقيقة وحكمًا، ولهذا بدأ اللَّه تعالى به، ثم نقل الحكم إلى المسح في الرأس دفعًا للحرج إذ في غسله من الحرج ما ليس في غسل الوجه واليدين والرجلين إذ كانتا باديتين، ولأن الرجلين أحق بالغسل لوقوعها في مواطئ النجاسة والتلوث من غيرهما من الأعضاء.\nوقال بعض العلماء -منهم الشافعي رحمة اللَّه عليه- في تأويل القراءتين: بالنصب أريد به قوم، والجر أريد به آخرون يعنون من يجب عليه الغسل ومن يجوز له المسح، قال شيخ الإسلام خواهر زاده: فعلى هذا في قراءة الجر ذكر الرجل وأريد به الخف للاتصال جوارًا، وقد أشار اللَّه ﷿ إلى الغسل والمسح بنصب اللام وخفضها بلاغةً وإيجازًا، انتهى. وصحة هذا الطريق الثالث أيضًا مبني على الطريق الأول، إذ فصل الخطاب أن تقييد ظاهر الكتاب وتعيين بعض محتملاته على سبيل القطع لا يجوز إلا بمثل ما ذكر من السنة المشهورة المتواترة معنى.\nنعم يجوز أن يحصل لظاهر الكتاب قطعية الدلالة باعتبار لحوق القرائن كما قال الأصوليون في إفادة خبر الواحد إذا احتفت به القرائن، وهذا قول من قال من المشايخ: البيان ملتحق بالمبين، واللَّه أعلم وعلمه أحكم.\n٣٩٩ - [٩] (المغيرة بن شعبة) قوله: (فمسح بناصيته وعلى العمامة) لمسح بقية الرأس إتمامًا لوظيفة مسح الفريضة كما هو مذهب مالك رحمة اللَّه عليه، أو","vol":"2","page":134},{"text":"وَعَلَى الْخُفَّيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٤].\n٤٠٠ - [١٠] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُحِبُّ التَّيَمُّنَ مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنِهِ كُلِّهِ: . . . . .\nــ\nلاستيعاب الرأس كما هو السنة بعد ما مسح أدنى ما يطلق عليه اسم المسح عند الشافعي رحمة اللَّه عليه، أو ربع الرأس عند أبي حنيفة رحمة اللَّه عليه تكميلًا للطهارة في الجملة وهو أمر مستحسن، وأما مسح العمامة مستقلًا بدون مسح الرأس كما على الخف فمنعه أبو حنيفة ومالك -﵄- مطلقًا، وجوز أحمد الاقتصار عليه بشرط الاعتمام على طهر، وأن تكون العمامة تحت الحنك، أو تكون [لها] ذؤابة وكونها ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه كمقدم الرأس والأذنين وشبههما من جوانب الرأس، كذا في بعض الشروح، وربما ينظر قوله: (وعلى الخفين) إلى هذا المعنى.\nوقال التُّورِبِشْتِي (١): قد جوز المسح على العمامة جمع من فقهاء أصحاب الحديث، وأكثر ما يدور [عليهم] علم الفتيا في بلاد الإسلام على خلاف ذلك، ومنهم من يقول: إن النبي -ﷺ- رخص لهم بعد مسح الواجب أن يقصروا من الاستيعاب على مسح العمائم، هذا، ثم يحتمل أنه مسح بناصيته فسوّى عمامته بيديه، فحسب الراوي أنه مسح عليها.\n٤٠٠ - [١٠] (عائشة) قوله: (يحب التيمن) أي: الابتداء باليمين.\nوقوله: (ما استطاع) إشارة إلى شدة المحافظة عليه.\nوقوله: (في شأنه) أي: في أفعاله، أي: كان يؤثر اليمين في الأفعال باليد اليمنى والرجل اليمنى والجانب الأيمن.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٤٥).","vol":"2","page":135},{"text":"فِي طُهُورِهِ وَترَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٢٦، م: ٢٦٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-243> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٠١ - [١١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا لَبِسْتُمْ وَإِذَا تَوَضَّأْتُمْ. . . . .\nــ\nوقوله: (في طهوره) صححوه بضم الطاء وفتحها، أي: البداية بالشق الأيمن في غسل الأعضاء وباليمنى من اليدين والرجلين، وأما الكفان والخدان والأذنان فيطهران معًا.\nوقوله: في (ترجله) أي: البداية بالشق الأيمن في تسريح لحيته ورأسه.\nوقوله: وفي (تنعله) أي: الابتداء بلبس النعل اليمنى، والظاهر أن قوله: (في طهوره) مع أخويه بدل بعض من (شأنه كله)، وحيث ذكر الثلاثة على طريق التمثيل، والمراد هذه وأمثالها كان في المعنى بدل الكل من الكل.\nوقال الطيبي (١): استغنى بذكر الطهور عن ذكر الطاعات لأنه مفتاحها، والترجل يتعلق بالرأس، والتنعل بالرجل، ففيه إشعار بجميع البدن فيكون بدل الكل عن الكل، فتدبر، وقد وقع في بعض الروايات بتأخير قوله: وفي شأنه كله، من الثلاثة فهو تعميم بعد تخصيص، ويروى بحذف واو العطف لقرينة، أو هو بدل من الثلاثة بدل اشتمال كذا قيل، ثم المراد بالشأن الذي يستحب التيمن فيه ما كان من باب التكريم والتزيين، وما كان بخلافه فيبدأ فيه بالأيسر، علم ذلك بدليل الأحاديث والآثار، وقد عده الطيبي، وله نظائر أخرى.\nالفصل الثاني\n٤٠١ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (إذا لبستم وإذا توضأتم) تخصيص ببعض\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٦٩).","vol":"2","page":136},{"text":"فَابْدَؤُوا بِأَيَامِنِكُمْ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٣٥٤، د: ٤١٤١].\n٤٠٢ - [١٢] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٥، جه: ٣٩٨].\n٤٠٣ - [١٣] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [حم: ٢/ ٤١٨، د: ١٠١].\nــ\nالشؤون الفاضلة الشائعة الوقوع اهتمامًا بشأنها، ويحتمل أن يكون المقام قد اقتضى تخصيصها بالذكر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فابدؤا بأيامنكم) وفي رواية: (بميامنكم)، والأول جمع أيمن، والثاني جمع ميمن، وكلاهما بمعنى.\n٤٠٢ - ٤٠٣ - [١٢ - ١٣] (سعيد بن زيد، أبو هريرة) قوله: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم اللَّه عليه) ظاهره نفي الصحة، وإليه ذهب أحمد (١) رحمة اللَّه عليه على المختار من مذهبه عند جماعة من أصحابه أن التسمية شرط لصحة الوضوء، وقال إسحاق: إن من ترك التسمية عامدًا أعاد الوضوء، وإن كان ناسيًا أو متأولًا أجزأ، وعند الأئمة الثلاثة هو لنفي الكمال، وعندنا التسمية سنة أو مستحب لما روى أبو داود والترمذي عن أبي هريرة والدارقطني (٢) عن أبي هريرة وابن مسعود وابن عمر -﵃- أنه -ﷺ- قال: (من توضأ فذكر اسم اللَّه كان طهورًا لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم اللَّه كان طهورًا لأعضاء وضوئه)، فإن سياق هذا الحديث في إثبات الكمال بالتسمية، وهذا أمارة السنية أو الاستحباب مع أن الأحاديث الواردة في التسمية قد ضعفها الأكثرون،\n_________\n(١) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١/ ١٧٤).\n(٢) \"سنن أبي داود\" (١٠١)، \"سنن الترمذي\" (٢٥)، و\"سنن الدارقطني\" (١١/ ١٢ - ١٣).","vol":"2","page":137},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nولهذا الأصح عندنا أنها مستحبة لا سنة، وأيضًا قد أخرج أصحاب السنن الأربعة (١) أن رسول اللَّه -ﷺ- قال في تعليم الوضوء: (إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك اللَّه)، وأمر اللَّه بالوضوء إنما هو بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] الآية، وليس فيه ذكر التسمية.\nواستدل بعضهم على نفي وجوب التسمية بحديث عدم رد السلام على من سلم عليه -ﷺ- بعد بول أو غائط معللًا بعدم كونه على الطهارة، وهو حديث له طرق متعددة من الصحاح والحسان، وجاء في رواية (٢): أنه -ﷺ- كان يتوضأ فسلم عليه أحد فلم يردّ عليه، فلما فرغ من الوضوء اعتذر، فهذه الأحاديث تدل على أنه كان لم يذكر اسم اللَّه من غير وضوء، فدلت على عدم التسمية قبل الوضوء، فكيف تكون واجبة بل سنة أيضًا، وفي هذا الاستدلال نظر، فإن في دلالتها على كراهية ذكر عهد في الشرع في الموضع محل بحث، وقد ثبتت التسمية قبل الوضوء بأحاديث متعددة.\nقال البخاري: أحسن الأحاديث في هذا الباب حديث سعيد بن زيد، وقال إسحاق: أصح الأحاديث حديثه، والظاهر -واللَّه أعلم- أن امتناعه -ﷺ- في الحالة المذكورة عن خصوص رد السلام فإن في تأخيره وتوقفه مجالًا، ولا ضرورة في التبادر به مع عدم الطهارة لا من مطلق الذكر؛ لأنه قد جاء في الصحاح أنه كان لا يمنعه من ذكر اللَّه شيء من الحدث، بل الجنابة أيضًا إلا القرآن، وقد جاء في الحديث (٣) أنه كان\n_________\n(١) \"سنن أبي داود\" (٨٦١)، و\"سنن النسائي\" (١٤٤)، و\"سنن الترمذي\" (٣٠٢)، و\"سنن ابن ماجه\" (١٠٦٠).\n(٢) أخرجه أبو داود (١٦)، والنسائي (٣٧)، وابن ماجه (٣٥٣).\n(٣) أخرجه الدارقطني في \"السنن\" (١٢).","vol":"2","page":138},{"text":"٤٠٤ - [١٤] والدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ عَن أَبِيهِ، وَزَادُوا فِي أَوَّلِهِ: \"لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا وُضُوءَ لَهُ\". [دي: ١/ ١٧٦].\n٤٠٥ - [١٥] وَعَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ قَالَ: . . . . .\nــ\nيقول عند الخروج من البراز: (الحمد للَّه الذي أخرج عني ما يؤذيني) الحديث، وقد تمسك بعض الناس بأنه لم يقع في حديث علي وعثمان -﵄- وغيرهما من الذين وصفوا وضوءه -ﷺ- ذكر التسمية، ولو كان واجبًا لذكروا ثمة، وأجيب بأن مقصودهم حكاية الأفعال التي هي داخلة في الوضوء، والتسمية من الأقوال وهي خارجة منه، أو يقال: لعل الراوي اختصر الحديث، وذكر طرفًا منه بناء على شهرة الابتداء بالتسمية في كل أمر ذي بال، ولا يخفى ما فيه.\n٤٠٤ - [١٤] قوله: (والدارمي عن أبي سعيد الخدري) هكذا وقع في نسخ (المشكاة) وهو سهو؛ لأن أبا سعيد هو مالك بن سنان -﵄-، وليس هذا الحديث منه، والصواب: والدارمي عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه، فإنه في (سنن الدارمي) (١) هكذا: أخبرنا عبد اللَّه بن سعيد قال: أخبرنا أبو عامر العقدي قال: أخبرنا كثير بن زيد قال: حدثني رُبَيْح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن جده عن النبي -ﷺ- قال: (لا وضوء لمن لم يذكر اسم اللَّه عليه)، وقال الشيخ ابن الهمام (٢): وأعل هذا الإسناد بأن ربيحًا ليس بمعروف، ونوزع بأن أبا زرعة قال: ربيح شيخ، وقال ابن عمار: ثقة.\n٤٠٥ - [١٥] (لقيط بن صبرة) قوله: (لقيط) بفتح اللام وكسر القاف، و(صبرة)\n_________\n(١) \"سنن الدارمي\" (٢/ ٢٩٦، ح: ٧١٦).\n(٢) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٢١).","vol":"2","page":139},{"text":"قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الْوُضُوءِ. قَالَ: \"أَسْبِغِ الْوُضُوءَ، وَخَلِّلْ بَيْنَ الأَصَابِعِ، وَبَالِغْ فِي الاسْتِنْشَاقِ. . . . .\nــ\nبفتح الصاد وكسر الباء، كذا في (جامع الأصول) (١)، وفي بعض الشروح: ويجوز سكون الباء مع فتح الصاد وكسرها.\nوقوله: (أخبرني عن الوضوء) كان سأله عن حسنه وكماله وآدابه؛ لأن أصل الوضوء كان معروفًا عندهم فأجاب -ﷺ- بما أجاب، والمراد بـ (الأصابع) أصابع الرجل واليد، وهو سنة عند أبي حنيفة وعند الشافعي -﵄-، وعند أحمد -﵁- تخليل أصابع الرجل سنة بلا خلاف، وفي أصابع اليدين عنه روايتان: الأشهر أنه سنة، وفي رواية: لا؛ لأن تفريجها مغن عن التخليل، وعند مالك -﵁- التخليل مخصوص بأصابع الرجل، وقال: وإن ترك لا بأس، التخليل أطيب للنفس، فإن قلت: قد ورد الوعيد على ترك التخليل في حديث رواه الدارقطني (٢) كما ذكر في (الهداية) وذلك ناظر في الوجوب.\nقلثا: الحديث ضعيف بيحيى بن ميمون التمار، كذا ذكر الشيخ ابن الهمام (٣)، وقيل: السنة في صورة انفراج الأصابع، وفي صورة التصاق الأصابع بعضها مع بعض بحيث لا يصل الماء بينها بدون التخليل واجب، والوعيد محمول عليها.\nوقوله: (وبالغ في الاستنشاق) وفي رواية: (بالغ في المضمضة والاستنشاق)، ولعل وجه التخصيص على رواية الأولى لكون الخيشوم مبيت الشيطان، قال الشُّمُنِّي عن (الخلاصة): حد المضمضة استيعاب جميع الفم، والمبالغة فيها أن يصل الماء إلى رأس الحلق، وحد الاستنشاق أن يصل الماء إلى المارن، والمبالغة أن يجاوز المارن،\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٨٢٩).\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٩٥).\n(٣) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٣٠).","vol":"2","page":140},{"text":"إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ إِلَى قَوْله: بَيْنَ الأَصَابع. [د: ١٤٢، ت: ٧٨٨، ن: ٨٧، جه: ٤٠٧، ٤٤٨، دي: ٢/ ٣٣١].\n٤٠٦ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا تَوَضَّأْتَ فَخَلِّلْ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيب. [ت: ٣٩، جه: ٤٤٧].\n٤٠٧ - [١٧] وَعَن الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا تَوَضَّأَ يَدْلُكُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ. . . . .\nــ\nوقيل: المبالغة في الاستنشاق اجتذاب الماء بالنفس إلى أقصى الأنف ولا يصيره سعوطًا، وفي المضمضة إدارة الماء في أقاصي الفم ولا يصيره وجورًا.\nوقوله: (إلا أن يكون صائمًا) خوفًا من فساد الصوم بوصول الماء إلى الدماغ، والخيشوم محل الشيطان، فينجذب الماء حتى يفسد صومه.\n٤٠٦ - [١٦] (ابن عباس) قوله: (فخلل بين أصابع يديك ورجليك) وكيفية تخليل أصابع الرجل أن يخلل بخنصر اليد اليسرى، يبتدئ بخنصر الرجل اليمنى ويختم بخنصر الرجل اليسرى رعاية للتيامن، وتخليل أصابم اليدين بإدخال بعضها في بعض، وفي (القنية): كذا ورد، كذا قال الشيخ ابن الهمام (١)، وقال: ومثله فيما يظهر أمر اتفاق لا سنة مقصودة.\n٤٠٧ - [١٧] (المستورد بن شداد) قوله: (يدلك) دلكه: مرسه ودعكه، بالفارسية ماليدن بدست من نصر ينصر.\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٣٠).","vol":"2","page":141},{"text":"بِخِنْصَرِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٤٠، د: ١٤٨، جه: ٤٤٦].\n٤٠٨ - [١٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا تَوَضَّأَ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ، فَأَدْخَلَهُ تَحْتَ حَنَكِهِ، فَخَلَّلَ بِهِ لِحْيَتَهُ. وَقَالَ: \"هَكَذَا أَمرنِي رَبِّي\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٤٥].\n٤٠٩ - [١٩] وَعَنْ عُثْمَانَ -﵁-: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يُخَلِّلُ لِحْيَتَهُ. . . . .\nــ\nوقوله: (بخنصره) بكسر الخاء وكسر الصاد ويفتح: الأصبع الصغرى، وقيل في وجهه لأنه أصغر، والخدمة بالصغار أجدر، والدخول في الخلال أيسر، ودلك أصابع الرجل يستلزم التخليل، وفي بعض الشروح: الدلك ههنا بمعنى التخليل.\n٤٠٨ - [١٨] (أنس) قوله: (تحت حنكه) هو بفتح المهملة والنون باطن الفم من داخل، والأسفل من طرف مقدم اللحيين، وتحت الحنك الذقن أي يدخل كفًّا من ماء تحت لحيته من جانب حلقه، فخلل به لحيته ليصل الماء إليها من كل جانب، وكان عند غسل الوجه لأنه من تمامه لا بعد فراغه كما توهم، كذا في بعض الشروح.\nوقوله: (هكذا أمرني ربي) ولهذا ذهب المزني وأحمد في ما اختاره بعض الأئمة من مذهبه إلى أن تخليل اللحية واجب، كذا في الحواشي.\n٤٠٩ - [١٩] (عثمان -﵁-) قوله: (كان يخلل لحيته) قال صاحب (سفر السعادة) (١): قد ورد في تخليل اللحية حديث فقبله بعض أهل الحديث، وردّه بعض، وأخرج الترمذي (٢) عن حسان بن بلال قال: رأيت عمار بن ياسر توضأ وخلل لحيته،\n_________\n(١) \"سفر السعادة\" (ص: ٢٢).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٢٩).","vol":"2","page":142},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفقيل له: -أو قال: فقلت له: - أتخلل لحيتك؟ قال: وما يمنعني، ولقد رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يخلل لحيته، وقال الترمذي: وفي الباب عن عائشة وأم سلمة وأنس وابن أبي أوفى وأبي أيوب، وقد تكلم سفيان بن عيينة في حديث حسان بن بلال وقال: لم يسمع عبد الكريم من حسان بن بلال. وقال محمد بن إسماعيل: أصح شيء في هذا الباب حديث عامر بن شقيق عن أبي وائل عن عثمان، وقال بهذا أكثر أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- ومن بعدهم: رأوا تخليل اللحية، وبه يقول الشافعي، وقال أحمد: إن سها عن التخليل فهو جائز، وقال إسحاق: إن تركه ناسيًا أو متأوّلًا أجزأه، وإن تركه عامدًا أعاد، انتهى كلام الترمذي.\nوقال الشُّمُنِّي: تخليل اللحية سنة عند أبي يوسف وفضيلة عندهما، وقال شمس (١) الأئمة السرخسي بعد ما نقل عن (شرح الآثار): أن قول أبي حنيفة ومحمد جواز التخليل: والأصح قول أبي يوسف ﵏، وكيفية التخليل أن يدخل أصابعه من أسفل لحيته إلى فوقها، وفي (الظهيرية): والتخليل إنما يكون بعد التثليث، انتهى كلام الشُّمُنِّي، وأورد الشيخ ابن الهمام (٢) أحاديث كثيرة في فعله -ﷺ- تخليل اللحية بطرق كثيرة عن أكثر من عشرة من الصحابة -﵃-، في بعضها: بهذا أمرني ربي، وقال: جاء في كثير من الكتب رواية أنه سنة عند أبي يوسف مستحب عندهما، وظاهر الحديث أن يكون بماء جديد، وقيل: بماء الوجه، وفي (رسالة ابن أبي زيد) في مذهب مالك رحمة اللَّه أنه ليس عليه تخليلها في الوضوء ويجري عليها يديه إلى آخرها ويحركها، وهذا يحتمل\n_________\n(١) انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (١/ ٢٢٨).\n(٢) انظر: \"فتح القدير\" (١/ ٢٩).","vol":"2","page":143},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والدَّارِمِيُّ. [ت: ٣٢، دي: ١/ ١٧٨ - ١٧٩].\n٤١٠ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي حَيَّةَ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا تَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ حَتَّى أَنْقَاهُمَا، ثُمَّ مَضْمَضَ ثَلَاثًا، وَاسْتَنْشَقَ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ مَرَّةً، ثمَّ غَسَلَ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَامَ فَأَخَذَ فَضْلَ طَهُورِهِ، فَشَرِبَهُ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: أَحْبَبْتُ أَنْ أُرِيَكُمْ كَيفَ كَانَ طُهُورُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٤٨، ن: ٩٦].\n٢١١ - [٢١] وَعَنْ عَبْدِ خَيْرٍ قَالَ: نَحْنُ جُلُوسٌ نَنْظُرُ إِلَى عَلِيٍّ حِينَ تَوَضَّأَ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى فَمَلأَ فَمَهُ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَنَثَرَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى، فَعَلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى طُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَهَذَا طُهُورُهُ. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ١٧٨].\nــ\nنفي الوجوب ونفي السنة، والظاهر الاحتمال الثاني بقرينة المقام، واللَّه أعلم بحقيقة المرام.\nوقوله: (رواه الترمذي) وقال: هذا حديث حسن، وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وحسنه البخاري وأبو داود.\n٤١٠ - [٢٠] (أبو حية) قوله: (فشربه وهو قائم) سيجيء في (باب الأشربة) الكلام فيه وبيان الاختلاف في ذلك.\n٤١١ - [٢١] (عبد خير) قوله: (فملأ فمه فمضمض) أي: حرك الماء في الفم، والمضمضة في اللغة: تحريك الماء في الفم، ويطلق على مجموع إدخال الماء في الفم وتحريكه فيه.","vol":"2","page":144},{"text":"٤١٢ - [٢٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زيدٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ١١٨، ت: ٢٨].\n٤١٣ - [٢٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- مَسَحَ بِرَأْسِهِ وَأُذُنيهِ: بَاطِنَهُمَا بِالسَّبَّاحَتَيْنِ، وَظَاهِرَهُمَا بِإِبْهَامَيْهِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٠٢].\n٤١٤ - [٢٤] وَعَن الرُّبَيعِّ بِنْتِ مُعَوَّذٍ: أَنَّهَا رَأَتِ النَّبِيَّ -ﷺ- يَتَوَضَّأُ قَالَتْ: فَمَسَحَ رَأْسَهُ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ،\nــ\n٤١٢ - [٢٢] (عبد اللَّه بن زيد) قوله: (مضمض واستنشق من كف واحد) يحتمل بعض الصور الخمسة التي ذكرناها في حديث أبي هريرة -﵁- في الفصل الأول، فافهم.\n٤١٣ - [٢٣] (ابن عباس) قوله: (باطنها) بالجر بدل من (أذنيه)، وقد يصحح بالنصب بتقدير فعل، أي: مسح باطنها، أو بدل حمل على المحل.\nوقوله: (بالسباحتين) يعني المسبحتين، والمسبحة أصبع يلي الإبهام، سميت لها لأنها تشار بها عند التسبيح إشارة إلى أحدية الحق سبحانه، وهذه تسمية إسلامية كراهة للسبابة التي هي تسمية جاهلية لأنهم كانوا يسبون الناس ويشيرون بها إليهم للسب، وقد تستعمل السبابة أيضًا، وقد يوجد ههنا أيضًا في بعض النسخ: بالسبابتين، والصحيح بالسباحتين.\n٤١٤ - [٢٤] (الربيع بنت معوذ) قوله: (عن الربيع) بضم الراء وفتح الباء وتشديد الياء.\nوقوله: (بنت معوذ) على وزن اسم فاعل من التعويذ.","vol":"2","page":145},{"text":"وَصُدْغَيْهِ وَأُذُنيهِ مَرَّةً وَاحِدَةً.\nوَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَأَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِيب جُحْرَيْ أُذُنَيْهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ الرِّوَايَةَ الأُولَى وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ الثَّانِيَةَ. [د: ١٢٩، ت: ٣٤، حم: ٦/ ٣٥٩، جه: ٤٤١].\n٤١٥ - [٢٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ -ﷺ- تَوَضَّأَ وَأَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ فَضْلِ يَدَيْهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ،\nــ\nوقوله: (وصدغيه) في (القاموس) (١): الصدغ ما بين الأذن والعين والشعر المتدلي على هذا الموضع، ومسح الأذنين معًا؛ لأن تقديم اليمنى على اليسرى إنما هو في كل عضوين يعسر غسلهما دفعة واحدة كاليدين والرجلين، كذا في بعض الشروح، و(جحري) بتقديم الجيم على الحاء.\n٤١٥ - [٢٥] (عبد اللَّه بن زيد) قوله: (وأنه مسح رأسه بماء غير فضل يديه) أي: أخذ له ماء جديدًا ولم يقتصر على البلل الذي بيده.\nاعلم أن أصحابنا الحنفية ذكروا في كتبهم: إن مسح ببلل باق في اليد بعد غسل عضو من المغسولات يكفي، ولا يكفي البلل الباقي بعد مسح عضو من الممسوحات، وذكروا في ذلك حديثًا عن ابن مسعود -﵁- أنه لو كان في كفه بلل فمسح رأسه أجزأ إلا أنهم خصوا ذلك البلل بما لم يكن مستعملًا، وذلك ظاهر في المأخوذ من الإناء دون ما بقي في الكف بعد غسل الأعضاء أو المسح، فلذلك قال الحاكم الشهيد (٢): هذا إذا لم يستعمل في عضو من أعضائه بأن يدخل يده في الإناء حتى ابتل، فأما إذا استعمله\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٢٤).\n(٢) انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (١/ ١٧٧).","vol":"2","page":146},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفي بعض أعضائه وبقي على كفه بلل لا يجوز، ولكن أكثرهم قالوا: إن ما قال الحاكم الشهيد خطأ.\nوالصحيح أنه إذا غسل عضوًا من أعضائه وبقي البلل في كفه جاز بناء على ما ذكر محمد ﵀ في مسح الخف أنه إذا توضأ ثم مسح على الخف ببلة بقيت على كفه بعد الغسل جاز، ولو مسح برأسه ثم على خفه ببلة بقيت في يده لم يجز، وأيضًا قال محمد ﵀ في ما بقي على كفه من غسل العضو: هذا بمنزلة ما لو أخذ الماء من الإناء، وحمل البلل على الأعم من الباقي من غسل العضو أو المأخوذ من الإناء، هو الظاهر في حديث ابن مسعود -﵁- دون ما يخص بالمأخوذ من الإناء وإلا لم يكن في هذا القول فائدة، ووجهه أن البلل على كفه غير مستعمل، لأنه لم تقم به قربة؛ لأن الغسل يتأدى بالماء دون البلل، والفرق بين الباقي بعد المسح والباقي بعد الغسل أن الماء بمجرد ملاقاة العضو المغسول لا يصير مستعملًا ما لم يسل؛ لأنه لا يرتفع الحدث عنه إلا بالسيلان. وأما في المسح فالماء بمجرد ملاقاة بشرة الرأس يصير مستعملًا؛ لأن فرض المسح الملاقاة.\nثم اعلم أن الترمذي روى الحديث عن عمرو بن الحارث عن حبان بن واسع عن أبيه عن عبد اللَّه بن زيد أن رسول اللَّه -ﷺ- توضأ وأنه مسح بماء غير فضل يديه كما أورده المؤلف، ثم قال (١): وروى ابن لهيعة عن حبان بن واسع عن أبيه عن عبد اللَّه بن زيد بماء غبر من فضل يديه بالباء الموحدة، أي: بقي على يديه من الماء الذي غسل به عضوًا، وهذا يوافق ما ذكر أصحابنا من جواز المسح ببلل باق على اليد بعد غسل عضو، ولكن قال: رواية عمرو بن الحارث عن حبان أصح؛ لأنه قد روي من غير وجه هذا الحديثُ\n_________\n(١) انظر: \"سنن الترمذي\" (٣٥).","vol":"2","page":147},{"text":"وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مَعَ زَوَائِدَ. [ت: ٣٥، م: ٢٣٦].\nــ\nعن عبد اللَّه بن زيد وغيره: أن النبي -ﷺ- أخذ لرأسه ماء جديدًا، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم: رأوا أن يأخذ لرأسه ماء جديدًا.\nوقوله: (رواه مسلم مع زوائد) وهو أنه رأى رسول اللَّه -ﷺ- توضأ فمضمض ثم استنثر، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويده اليمنى ثلاثًا، والأخرى ثلاثًا، ومسح برأسه بماء غير فضل يديه، وغسل رجليه حتى أنقاهما، وقد حمل التُّورِبِشْتِي (١) هذا القول على اعتراضه على صاحب (المصابيح) حيث قال: عبد اللَّه بن زيد بن عاصم هذا مخرج في كتاب مسلم، ولا شك أن المؤلف لم يشعر بأنه في كتاب مسلم، ونقله عن كتاب الترمذي، فجعله من جملة الحسان.\nوقال الطيبي (٢): لا عليه إن ورد الحديث في الكتابين، وذكره في قسم الحسان ولم يذكره في الصحاح، وغايته أنه ترك الأولى يعني أن المؤلف لم يخرج عن قاعدته التي قررها في هذا الكتاب بذكر حديث الشيخين أو أحدهما في الفصل الأول وذكر حديث غيرهما في الثاني، وهذا الحديث حيث وجد في (جامع الترمذي) صح ذكره في الفصل الثاني، وإن وجد في كتاب مسلم صح به ذكره في الأول، لكن من الأولى أن يذكره في الفصل الأول إذ مع وجود صحته لا يناسب ذكره في الحسان، وأقول: يرجح ذكره في الحسان لكونه بهذا الاختصار مذكور في (جامع الترمذي) لا في (صحيح مسلم)، وأما في كتاب مسلم فمذكور مع زوائد، وقد ذكر تلك الزوائد في الأحاديث الأخر فلم يروه عنه، فكان قول المؤلف هذا اعتذار عن ذكره في الحسان دون الصحاح، فافهم.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٤٧).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٧٢).","vol":"2","page":148},{"text":"٤١٦ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي أُمَامَة ذَكَرَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: وَكَانَ يَمْسَحُ الْمَاقَيْنِ، وَقَالَ: الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَذَكَرَا: قَالَ حَمَّادٌ: لَا أَدْرِي: الأُذُنَانِ مِنَ الرَّأْسِ مِنْ قَوْلِ أَبِي أُمَامَةَ أَمْ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. [جه: ٤٤٤، د: ٣٤، ت: ٣٧].\nــ\n٤١٦ - [٢٦] (أبو أمامة) قوله: (وكان يمسح الماقين) فيه لغات متعددة ذكرت في (القاموس) (١) أشهرها الماق والموق مهموز أو غير مهموز، هو طرف العين مما يلي الأنف وهو مجرى الدمع، وقال الجوهري (٢): الذي يلي الأنف والأذن، ولفظ الحديث يحتمل المعنيين، فعلى القول الأول التثنية باعتبار العينين، وعلى الثاني باعتبار كل عين، وغسلهما من باب الإسباغ والتنقية، وغسل الماقين معًا أدخل في ذلك.\nوقوله: (وقال: الأذنان من الرأس) يحتمل أن يكون عطفًا على (قال)، وأن يكون على (كان)، ومن هذا الاحتمال نشأ تردد حماد أحد رواة هذا الحديث في أن قوله: (الأذنان) من كلام الراوي أو كلام الرسول -ﷺ-، وأورد الشيخ ابن الهمام (٣) طرقًا من الحديث تدل على أنه من قول الرسول، ونقل تضعيفها من القوم ثم أثبت قوتها كما هو عادته، وأورد حديثًا دالًا على فعله -ﷺ- مسح الأذنين بماء الرأس، وقال: بوب النسائي (باب مسح الأذنين مع الرأس)، ثم يؤخذ من قوله: (الأذنان من الرأس) حكمان: مسحهما مع الرأس وبمائه لا بماء جديد، والأئمة الأربعة متفقون في الحكم الأول، ويحكى عن الزهري: هما من الوجه يمسح بهما معه.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٥٠).\n(٢) \"الصحاح\" (٤/ ١٥٥٣).\n(٣) انظر: \"فتح القدير\" (١/ ٢٨).","vol":"2","page":149},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقال بعض العلماء: ظاهرهما وهو ما أدبر منهما من الرأس، وباطنهما وهو ما أقبل منهما من الوجه يمسح معه، وعن بعضهم أنه يغسل ظاهرهما وباطنهما معه، وأما الحكم الثاني أعني مسحهما بماء الرأس فهو مذهبنا ومذهب أحمد عند جماعة من مشايخ مذهبه؛ لأن غالب من وصف وضوء النبي -ﷺ- ذكر أنه مسح رأسه وأذنيه بماء واحد، كذا في شرح كتاب (الخرقي) (١) في مذهب الإمام أحمد، ولحديث ابن عباس رواه ابن حبان وابن خزيمة (٢) وابن منده والحاكم أنه قال: (ألا أخبركم بوضوء رسول اللَّه -ﷺ-) وفيه: (ثم غرف غرفة فمسح بها رأسه وأذنيه)، ولحديث عبد اللَّه الصنابحي الذي مضى في الفصل الثالث (٣) من (كتاب الطهارة) من قوله: (فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى يخرج من أذنيه)، فإنه يدل على أن الأذنين يمسحان بماء الرأس وهما جزآن منه كالأظفار من اليدين والرجلين.\nوعند الشافعي وأحمد في ما اختاره أصحابه الآخرون ومالك على ما نقل الشُّمُنِّي يمسح الأذنان بماء جديد لما روى الحاكم (٤) عن حبان بن واسع أن أباه حدثه أنه سمع عبد اللَّه بن زيد يذكر أنه رأى رسول اللَّه -ﷺ- يتوضأ فأخذ لأذنيه ماء خلاف الماء الذي أخذ لرأسه، ورواه البيهقي (٥) في (سننه) وقال: إسناده صحيح، ويحتمل أنه مسح في غالب الأحوال بماء رأسه وأحيانًا بماء جديد لما لم يبق بلل وجفت كفه، أو بيانًا للجواز.\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (١/ ٣٣).\n(٢) \"صحيح ابن حبان\" (١٠٧٨)، \"صحيح ابن خزيمة\" (١٤٨).\n(٣) (برقم: ٢٩٧).\n(٤) \"المستدرك\" (١/ ٢٥٢، ح: ٥٣٨).\n(٥) \"السنن الكبرى\" (٣١١).","vol":"2","page":150},{"text":"٤١٧ - [٢٧] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جده قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- يَسْأَلُهُ عَنِ الْوُضُوءِ، فَأَرَاهُ ثَلَاثًا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: \"هَكَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مَعْنَاهُ. [ن: ١٤٠، جه: ٤٢٢، د: ١٣٥].\n٤١٨ - [٢٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّل أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْقَصْرَ الأَبْيَضَ عَنْ يَمِينِ الْجَنَّةِ، قَالَ: أَيْ بُنَيَّ سَلِ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَتَعَوَّذْ بِهِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُول: . . . . .\nــ\nوقال ابن الهمام (١): وأما ما روي أنه -ﷺ- أخذ لأذنيه ماء جديدًا؛ فيجب حمله على أنه لفناء البلة قبل الاستيعاب؛ توفيقًا بينه وبين ما ذكرنا، وإذا انعدمت البلة لم يكن بد من الأخذ؛ كما لو انعدمت في بعض عضو واحد، ولو رجحنا كان ما رويناه أكثر وأشهر، فقد روي من حديث أبي أمامة وابن عباس، وعبد اللَّه بن زيد وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة وأنس، وابن عمر وعائشة ﵃ أجمعين بطرق كثيرة، انتهى.\n٤١٧ - [٢٧] (عمرو بن شعيب) قوله: (يسأله عن الوضوء) أي عن كماله.\nوقوله: (فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم) وفي رواية: (فمن نقص أو زاد)، والصحيح عدم ذكر النقصان، وقد ذكرناه في الفصل الأول، فتدبر.\n٤١٨ - [٢٨] قوله: (عبد اللَّه بن المغفل) بالغين المعجمة والفاء المفتوحة المشددة وبالألف واللام وبدونهما، وقد يجعل بالعين المهملة والقاف وهو تصحيف، وليس في الصحابة من اسمه ذلك، وإنما هو في التابعين، هو عبد اللَّه بن معقل بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف المزني الكوفي أخو عبد الرحمن بن معقل، في الطبقة الثانية\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٢٩).","vol":"2","page":151},{"text":"\"إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٤/ ٨٧، ٥/ ٥٥، د: ٩٦، جه: ٣٨٦٤].\n٤١٩ - [٢٩] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ لِلْوُضُوءِ شَيْطَانًا يُقَالُ لَهُ: الْوَلَهَانُ، فَاتَّقُوا وَسْوَاسَ الْمَاءِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ. . . . .\nــ\nمن تابعي الكوفة، سمع ابن مسعود -﵁-.\nوقوله: (يعتدون في الطهور والدعاء) أما الاعتداء في الطهور فبالزيادة على الثلاثة، وإسراف الماء، وبالمبالغة في الغسل إلى حد الوسواس، وأما في الدعاء فبالانبساط، وتعيين المطلب، وطلب ما يستحيل عادة، ونحو ذلك (١).\n٤١٩ - [٢٩] (أبي بن كعب) قوله: (يقال له: الولهان) الوله محركة: الحزن، أو ذهاب العقل حزنًا، والحيرة، والولهان: شيطان يعتري بكثرة صب الماء في الوضوء،\n_________\n(١) قيل: المراد في الحديث التكلف في السجع كما قيل في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقيل: أن يأتي بغير جوامع الكلم، وقيل: أن يأتي بغير المأثور، انتهى، \"الغاية\" وابن رسلان.\nقال القاري (٢/ ٤١٦): وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَنْكَرَ الصَّحَابِيُّ عَلَى ابْنِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ حَيْثُ طَمَحَ إِلَى مَا لَمْ يَبْلُغْهُ عَمَلًا، وَسَأَلَ مَنَازِلَ الأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ، وَجَعَلَهَا مِنَ الاعْتِدَاءِ فِي الدُّعَاءِ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّجَاوُزِ عَنْ حَدِّ الأَدَبِ، وَنظَرِ الدَّاعِي إِلَى نَفْسِهِ بِعَيْنِ الْكَمَالِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ سَأَلَ شَيْئًا مُعَيَّنًا فَرُبَّمَا كَانَ مُقَدَّرًا لِغَيْرِهِ. قال صاحب \"البذل\": وهذه التأويلات كلها تكلفات بعيدة، فإن القصر الأبيض لا يختص بالأنبياء، وليس هو شيئًا معينًا، والأوجه أن يقال: إن إنكار عبد اللَّه بن المغفل على ابنه من قبيل سدّ باب الاعتداء، فإنه -﵁- لما سمع ابنه يدعو بهذا الدعاء خاف عليه أن يتجاوز عنه إلى ما فيه الاعتداء حقيقة، فنبهه على ذلك وأنكر عليه سدًّا للباب، واللَّه أعلم بالصواب. \"بذل المجهود\" (١/ ٤٨٨).","vol":"2","page":152},{"text":"أَهْلِ الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَهُ غَيْرَ خَارِجَةَ، وَهُوَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا. [حم: ٥٧، جه: ٢٢١].\n٤٢٠ - [٣٠] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا تَوَضَّأَ مسح وَجْهَهُ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٥٤].\nــ\nفهو إما صفة ذلك الشيطان حقيقة لتحيره بشدة حرصه في طلب الوسوسة وإيقاع الناس فيه، أو صفته مجازًا، وفي الحقيقة هو صفة الإنسان الذي وقع في التحير لوسوسته.\nوقوله: (وهو ليس بقوي عند أصحابنا) في (التقريب) (١): خارجة بن مصعب أبو الحجاج السرخسي متروك، وكان يدلس عن الكذابين، من الثامنة، مات سنة ثمان وستين ومئة، انتهى. وفي (ميزان الاعتدال) (٢): وهاه أحمد، وقال ابن معين: ليس بثقة، و[قال أيضًا:] كذاب، وقال البخاري: تركه وكيع وابن المبارك ﵏، وقال الدارقطني وغيره: ضعيف، وفي (التهذيب) (٣) قال أحمد: لا يكتب حديثه، وقال يحيى: ليس بشيء، وقال مرة: ليس بثقة، قال مسلم: وسمعت يحيى بن يحيى وسئل عن خارجة بن مصعب فقال: خارجة عندنا مستقيم الحديث، ولم ينكر من حديثه إلا ما يدلس عن عتاب، وقال الحاكم: متروك، وبالجملة هو مختلف فيه.\n٤٢٠ - [٣٠] (معاذ بن جبل) قوله: (إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه، رواه الترمذي) وحكم بضعفه، وقال: رشدين (٤) -بكسر الراء- بن سعد وعبد الرحمن بن\n_________\n(١) \"تقريب التهذيب\" (١٨٦).\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٦٢٥).\n(٣) \"التهذيب\" (٣/ ٦٧).\n(٤) في المخطوط: \"رشد\"، والصواب \"رشدين بن سعد\" كما في \"التقريب\" (ص: ٢٠٩).","vol":"2","page":153},{"text":"٤٢١ - [٣١] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- خِرْقَةٌ يُنَشِّفُ بِهَا أَعْضَاءَهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ بِالْقَائِمِ، وَأَبُو مُعَاذٍ الرَّاوِي ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ. [ت: ٥٣].\nــ\nزياد الإفريقي يضعفان في الحديث، قال في (التقريب) (١): رشدين بن سعد ضعيف، كان صالحًا في دينه، فأدركته غفلة الصالحين فغلط في الحديث، مات سنة ثمان وثمانين ومئة، وعبد الرحمن بن زياد قاضي إفريقية ضعيف في حفظه، جاوز المئة، وكان رجلًا صالحًا، مات سنة ست وخمسين ومئة.\n٤٢١ - [٣١] (عائشة) قوله: (كانت لرسول اللَّه -ﷺ- خرقة ينشف بها أعضاءه بعد الوضوء) نشف الماء تنشيفًا: أخذه بخرقة أو ثوب.\nوقوله: (رواه الترمذي) وضعفه بان أبا معاذ الراوي ضعيف عند أهل الحديث، قال ابن حبان: أبو معاذ سليمان بن أرقم كان يقلب الأخبار، ويروي عن الثقات الموضوعات، كذا في بعض الشروح، فالترمذي ضعف الحديثين، وقال: لا يصح عن النبي -ﷺ- في هذا الباب شيء، وقد رخص قوم من أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- ومن بعدهم في المنديل بعد الوضوء، ومن كرهه من قبل أن الوضوء يوزن، نقل ذلك عن سعيد بن المسيب والزهري، انتهى.\nوفي بعض كتب الحنفية أنه إن كان على طريق التنزه والتكبر يكره، وإن كان على قصد التنظيف لم يكره، وفي بعض الشروح: قال العلماء: يستحب ترك التنشيف؛ لأن النبي -ﷺ- كان لا ينشف، ولو نشف لم يكره على الأصح، وقيل: يكره لأنه إزالة لأثر العبادة كالسواك للصائم، وقيل: لأن الماء يسبح ما دام على أعضاء الوضوء.\n_________\n(١) \"تقريب التهذيب\" (ص: ٢٠٩، ٣٤٠).","vol":"2","page":154},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-244> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٢٢ - [٣٢] عَنْ ثَابِتِ بْنِ أَبِي صَفِيَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ -هُوَ مُحَمَّدٌ الْبَاقِرُ- حَدَّثَكَ جَابِرٌ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا ثَلَاثًا؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٤٥، جه: ٤١٠].\n٤٢٣ - [٣٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَوَضَّأ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ: \"هُوَ نُورٌ عَلَى نُورٍ\". [خ مختصرًا: ١٥٨، حم: ٤/ ٤١].\n٤٢٤ - [٣٤] وَعَنْ عُثْمَانَ -﵁- قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ: \"هَذَا وُضُؤئِي وَوُضُوءُ الأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، وَوُضُوءُ إِبْرَاهِيمَ\". رَوَاهُمَا رَزِينٌ، وَالنَّوَوِيُّ ضَعَّفَ الثَّانِي فِي \"شرح مُسْلِم\". [أخرجه مسلم مختصرًا، لكن لم يخرج القطعة الأخيرة، أي: هذا وضوئي. . . إلخ، ٢٣٠].\nــ\nالفصل الثالث\n٤٢٢ - [٣٢] (ثابت بن أبي صفية) قوله: (هو محمد الباقر) بن الإمام زين العابدين بن الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب -﵃-، سمع الحديث من جابر بن عبد اللَّه هو وأبوه.\n٤٢٣ - [٣٣] (عبد اللَّه بن زيد) قوله: (هو نور على نور) أي: طهارة على طهارة، أو سنة على فرض، وفيه تلميح إلى قصة التحجيل.\n٤٢٤ - [٣٤] (عثمان) قوله: (ووضوء إبراهيم) ﵇، تخصيص بعد التعميم؛ لاختصاصه بمزيد التنظيف والتطهير من أحكام الفطرة كما سبق (١).\n_________\n(١) أي تحت حديث (٣٧٩).","vol":"2","page":155},{"text":"٤٢٥ - [٣٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَكانَ أَحَدُنَا يَكْفِيهِ الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ. رَوَاهُ الدِّارِمِيُّ. [دي: ١/ ١٩٨].\n٤٢٦ - [٣٦] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّان قَالَ: قُلْتُ لِعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَرَأَيْتَ وُضُوءَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ، عَمَّنْ أَخَذَهُ؟ فَقَالَ: حَدَّثَتْهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ زيدِ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَنْظَلَةَ ابْنِ أبي عَامِرِ. . . . .\nــ\n٤٢٥ - [٣٥] (أنس) قوله: (وكان أحدنا يكفيه الوضوء ما لم يحدث) قال الطيبي (١): فيه إشعار بأن تجديد الوضوء كان واجبًا عليه -ﷺ-، ثم نسخ بشهادة الحديث الآتي، انتهى. وقيل: كان واجبًا على كل أحد بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] ثم نسخ، لكن النسخ منهم كان متأخرًا من النسخ منه -ﷺ-، واللَّه أعلم، بقي الكلام في نسخ أحكام سورة المائدة وقد سبق (٢).\n٤٢٦ - [٣٦] قوله: (محمد بن يحيى بن حبان) هذا بفتح الحاء وتشديد الموحدة، وآخر ابن حبان بكسر الحاء، وأبو حيان بمفتوحة وشدة المثناة تحت، وعينوا كل واحد في موضعه، وتفصيله في (كتاب المغني) (٣) للشيخ محمد بن طاهر ﵀.\nوقوله: (عمن أخذه) أي: أخبرني عمن أخذه، أمن رسول اللَّه -ﷺ- بلا واسطة، أو بعضٌ من أصحابه أخبره بذلك؟ .\nوقوله: (فقال) الضمير لعبيد اللَّه بن عبد اللَّه، وفي (حدثته) لعبد اللَّه بن عمر،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٧٧).\n(٢) أي تحت حديث (٣٠٨).\n(٣) انظر: \"المغني\" (ص: ٨٨).","vol":"2","page":156},{"text":"ابْنِ الْغَسِيلِ حَدَّثَهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ،\nــ\nوزيد هو أخو عمر بن الخطاب -﵃-، وكان أسن منه، و(حدثها) نقل بالمعنى، والظاهر حدثني، ويجوز في مثل قولك: قال زيد: إني قائم أن يقول: إنه قائم.\nوقوله: (الغسيل) صفة لحنظلة، وهو ابن أبي عامر الرؤاسي الأنصاري، غسيل الملائكة، من سادات الصحابة، استشهد بأحد، وقال فيه رسول اللَّه -ﷺ-: (غسلته الملائكة)، وقصته مشهورة، وابنه عبد اللَّه بن حنظلة راوي هذا الحديث أيضًا صحابي، استشهد يوم الحرة في ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وكان أمير الأنصار.\nوفي (جامع الأصول) (١): عبد اللَّه بن حنظلة ولد على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، وتوفي النبي -ﷺ- وله سبع سنين، وقد رآه وروى عنه، وكان خيّرًا فاضلًا مقدّمًا في الأنصار، وهو الذي تابعه أهل المدينة على خلع بيعة يزيد بن معاوية، وقتل يوم الحرة، روى عنه ابن أبي مليكة، وعبد اللَّه بن يزيد الخطمي، وأسماء بنت زيد بن الخطاب، وقيس ابن سعد بن عبادة -﵃-.\nوأبو حنظلة أبو عامر الراهب كان كافرًا، قال له رسول اللَّه -ﷺ-: بعثت بالحنفية السمحة، فقال أبو عامر: كذبت، بل تخلطها بغيرها، فقال -ﷺ-: بل جئت بها بيضاء نقية، فقال أبو عامر: كذبت، فقال -ﷺ-: الكاذب منا يموت غريبًا طريدًا وحيدًا، فمات غريبًا طريدًا بأرض الروم كافرًا، [وكان هذا اللعين في أول أمر يذكر مناقب رسول اللَّه -ﷺ- ويخبر عن أحواله من الكتب السماوية، وأنه نبي آخر الزمان، ثم كفر أشد كفرًا] (٢) لما ظهرت نبوته.\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٥٧٠).\n(٢) قوله: \"وكان هذا\" إلى \"أشد كفرًا\" سقط من (ر) و(ب)، وثبت في (د).","vol":"2","page":157},{"text":"فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أُمِرَ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كلِّ صَلَاةٍ، وَوُضِعَ عَنْهُ الْوُضُوءُ إِلَّا مِنْ حَدَثٍ، قَالَ: فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَرَى أَنَّ بِهِ قُوَّةً عَلَى ذَلِكَ، فَفَعَلَهُ حَتَّى مَاتَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٢٥].\n٤٢٧ - [٣٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَقَالَ: \"مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟ \". قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ؟ قَالَ: \"نَعَمْ وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٢٢١، جه: ٤٢٥].\nــ\nوقوله: (أمر بالسواك) فيه تأييد لمذهبنا أن السواك سنة لوقت كل صلاة، لا لكل صلاة كما هو مذهب الشافعي -﵁-؛ لأنه بدل الوضوء الذي كان واجبًا لكل وقت، فافهم.\nوقوله: (فكان عبد اللَّه يرى أن به قوة على ذلك) أي: على الوضوء لكل صلاة (ففعله) وألزم نفسه على ذلك، كأنه -﵁- ذهب في هذا مذهب التعليل، وأنه إنما وضع عن رسول اللَّه لأجل المشقة، وأنه إنما وضع الوجوب، والأفضلية باقية، وقد روي عنه مثل ذلك في صوم الدهر، وذلك لغاية حرصه على العبادة ما استطاع.\n٤٢٧ - [٣٧] (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص) قوله: (أفي الوضوء سرف؟) وفي رواية: (هل في الماء إسراف؟) وهذه الرواية بظاهرها تقتضي أن يكون الوضوء بالفتح، وصحت الرواية بالضم، والمعنى صحيح، أي: هل في الوضوء بإكثار الماء إسراف.\nوقوله: (وإن كنت على نهر جار) مبالغة، وقيل: المراد بالإسراف الإثم، يعني: بالتجاوز عن تقدير الشرع، والاشتغال بما لا يعني، والوقوع في ورطة الوسواس، ويقرب منه ما قال بعض المشايخ: إن في النهر الجاري إن لم يكن إسراف الماء، ولكن إسراف العمر وتضييع الوقت باق، أعاذنا اللَّه.","vol":"2","page":158},{"text":"٤٢٨ - [٣٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُطَهِّرُ جَسَدَهُ كُلَّهُ، وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ لَمْ يُطَهِّرْ إِلَّا مَوضِعَ الْوُضُوءِ\".\n٤٢٩ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: إِذَا تَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ حَرَّكَ خَاتَمَهُ فِي أُصْبُعِهِ. رَوَاهُمَا الدَّارَقُطْنِيّ. وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ الأَخِيرَ. [قط: ١/ ٧٤، جه: ٤٤٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>٥ - باب الغسل</span>\nــ\n٤٢٨ - [٣٨] (أبو هريرة) قوله: (فإنه يطهر جسده كله) صحح بلفظ المعلوم والمجهول من التطهير، وفي بعض النسخ: يطهر بصيغة المعلوم من الطهارة.\n٤٢٩ - [٣٩] (أبو رافع) قوله: (إذا توضأ وضوء الصلاة) كانه احتراز عما إذا توضأ لمس المصحف أو دخول المسجد أو سجدة التلاوة، فكان لم يبالغ فيه، ويحتمل أن يكون احترازًا عن وضوء الطعام، واللَّه أعلم.\nوقوله: (حرك خاتمه في أصبعه) وهو عندنا من السنن والمستحبات، وقال ابن الهمام في (زاد الفقير): إن تحريك الخاتم إن كان واسعًا سنة، وإن كان ضيقًا بحيث لم يسل الماء تحته واجب.\n٥ - باب الغسل\nالغسل بضم الغين وسكون السين اسم للاغتسال، وهو غسل جميع البدن والشعر، وبفتح الغين مصدر غسل الشيء غسلًا، وقيل: يجوز فيه الضم والفتح، والغسل بالضمتين الماء الذي يغتسل به، وقد يجيء بسكون السين بمعناه كما يجيء بالضمتين","vol":"2","page":159},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-246> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٣٠ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ شُعَبِهَا الأَرْبَعِ ثُمَّ جَهَدَهَا،\nــ\nبمعنى الاسم، والغسل بكسر الغين ما يجعل مع الماء ويغسل به الرأس؛ كالأشنان والخطمي، وقد تزاد التاء في آخره، والغسول بالفتح مخففًا ومشددًا: الماء الذي يغتسل به والخطمي، وغسالة الشيء: ماؤه الذي يغسل به، وما يخرج منه بالغسل، والتغسيل: المبالغة في غسل الأعضاء.\nالفصل الأول\n٤٣٠ - [١] (أبو هريرة) قوله: (إذا جلس أحدكم) في بعض النسخ لم يوجد (أحدكم)، فالضمير في (جلس) و(جهد) و(لم ينزل) للرجل، ترك ذكره لدلالة المقام، كالضمير في (شعبها) و(جهدها) للمرأة كذلك.\nوقوله: (بين شعبها الأربع) الشعب جمع شعبة بضم الشين، وهي القطعة من الشيء، وطرف الغصن، واختلف في تفسير الشعب الأربع، فقيل: المراد بها اليدان والرجلان، والأقرب أن المراد بها فخذاها وناحيتا فرجها، أو ساقاها وفخذاها، أو نواحي فرجها الأربع، وإنما عدل إلى الكناية للاجتناب عن التصريح كما هو عادة أهل الحياء، وبهذا يرجح القولان الأخيران على الأولين، وقد يرجح الأولان بعدم تناولهما هيئات المباشرة كلها، إلا أن يكون باعتبار الأغلب، فتدبر.\nوقوله: (ثم جهدهما) أي: أتعبها وبلغ جهدًا منها، والجهد: الطاقة والمشقة، وجهد دابته: بلغ جهدها، كأجهدها، وهو كناية عن وطئها، وقال الخطابي: الجهد بالفتح من أسماء النكاح، والمراد به التقاء الختانين، والختان: موضع القطع من الذكر","vol":"2","page":160},{"text":"فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩١، م: ٣٤٨].\n٤٣١ - [٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٤٣].\nقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ ﵀: هَذَا مَنْسُوخٌ.\n٤٣٢ - [٣] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ فِي الاحْتِلَامِ. . . . .\nــ\nوالأنئى، وهو داخل فرج المرأة، ويحصل الالتقاء بغيبة الحشفة في الفرج، وقد جاء في حديث آخر عن عائشة (١) -﵂-: إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان، ويأتي تتمة الكلام فيه في الفصل الثاني.\nوقوله: (وجب الغسل وإن لم ينزل) هذا مذهب الأئمة الأربعة وأكثر أصحاب النبي -ﷺ-، منهم الخلفاء الأربعة، وعائشة، والفقهاء من التابعين -﵃-، وغيرهم.\nوقوله: (متفق عليه) وفي بعض الشروح: إلا أن قوله: (وإن لم ينزل) ليس في البخاري، واللَّه أعلم.\n٤٣١ - ٤٣٢ - [٢ - ٣] (أبو سعيد، وابن عباس) قوله: (هذا منسوخ) وفي حديث الترمذي (٢) عن أبي بن كعب -﵁- قال: إنما كان الماء من الماء رخصة في أول الإسلام ثم نهي عنها، وقال الترمذي: وهكذا روى غير واحد من أصحاب النبي -ﷺ-، منهم أبي بن كعب ورافع بن خديج، وأخرج عن عكرمة عن ابن عباس قال: (إنما الماء من الماء في الاحتلام)، وقال: سمعت الجارود يقول: سمعت وكيعًا يقول: لم نجد هذا الحديث إلا عند شريك عن ابن الجحاف، انتهى.\n_________\n(١) \"أعلام الحديث\" (١/ ٣١٠).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (١١٠).","vol":"2","page":161},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَمْ أَجِدْهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. [ت: ١٢].\nــ\nوقال التُّورِبِشْتِي (١): قول ابن عباس: (الماء من الماء في الاحتلام) قول منه، قاله من طريق التأويل والاحتمال، ولو انتهى الحديث بطوله إليه؛ لم يكن ليأوله هذا التأويل، وذلك أن أبا سعيد الخدري قال: (خرجت مع رسول اللَّه -ﷺ- يوم الاثنين إلى قباء، حتى إذا كنا في بني سالم وقف رسول اللَّه -ﷺ- على باب عتبان، فصرخ به فخرج يجرّ إزاره، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: (أعجلنا الرجل)، فقال عتبان: يا رسول اللَّه! أرأيت الرجل يعجل عن امرأته ولم يمن ماذا عليه؟ قال رسول اللَّه -ﷺ-: (إنما الماء من الماء)، وهو حديث صحيح أخرجه مسلم في كتابه (٢)، انتهى كلام التُّورِبِشْتِي.\nوهذا كلام منه على ابن عباس -﵁- بأنه إنما يجري تأويله بحسب الظاهر على مجرد قوله: (الماء من الماء)، وهذا جزء من الحديث، وتمام الحديث يأبى عن هذا التأويل، ويمكن أن يقال: إن قول ابن عباس هذا ليس تأويلًا للحديث وإخراجًا له بهذا التأويل عن كونه منسوخًا، بل غرضه بيان حكم المسألة بعد العلم بكونه منسوخًا، وحاصله أن عمومه منسوخ، فيبقى حكمه في الاحتلام، وأورده محيي السنة لتأييد القول بالنسخ في الجملة، فافهم.\nوأما قول المؤلف (رواه) أي: قول ابن عباس أنه في الاحتلام (الترمذي ولم أجده في الصحيحين) فلا يتم اعتراضًا على صاحب (المصابيح)؛ لأنه يمكن أن يكون ذكره هذا القول دفعًا للتعارض لا على أنه حديث من الصحاح ذكره في الباب.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٥٠).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٣٤٣).","vol":"2","page":162},{"text":"٤٣٣ - [٤] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، فَهَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ: \"نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ\" فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَجْهَهَا وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَتَحْتَلِمُ الْمَرْأَةُ؟ قَالَ: \"نَعَمْ تَرِبَتْ يَمِينُكِ،\nــ\n٤٣٣ - [٤] (أم سلمة) قوله: (إن اللَّه لا يستحيي من الحق) أي لا يأمر بالحياء في الحق، كذا في بعض الشروح.\nأقول: بل المعنى أنه تعالى نهى عن أن يستحيوا، وهذه توطئة للسؤال عما يستحيا من السؤال عنه، و(من) في قوله: (من غسل) زائدة كما تزاد بعد النفي.\nوقوله: (فغطت أم سلمة وجهها) يحتمل أن يكون من كلام زينب بنت أم سلمة الراوية منها، ويحتمل أن يكون قول أم سلمة على سبيل الالتفات، والأول أظهر.\nوقوله: (أو تحتلم المرأة؟) (١) المراد أو ترى المرأة الماء في الاحتلام؟ .\nوقوله: (تربت يمينك) يقال: ترب الرجل: إذا افتقر، أي: لصق بالتراب، وأترب: إذا استغنى، وهذه الكلمة جارية على ألسنة العرب لا يريدون بها الدعاء على المخاطب، كقولهم: قاتله اللَّه، وقيل: أراد به المثل ليرى المأمور به الجد، وأنه إن خالفه فقد أساء، وقيل: هو دعاء على الحقيقة، فإنه رأى الحاجة خيرًا لها، والأول هو الوجه، ويراد به إنكار شيء، أو استعظامه، أو استحسانه، أو التعجب، أو المدح، أو الذم بحسب المقام، كذا في (مجمع البحار) (٢)، ثم المشهور فيه (تربت يداك)، وفي\n_________\n(١) لعلها أنكرتها لأنها لم تعلم لندرتها في النساء، وقال السيوطي: إن أمهات المؤمنين تكون محفوظة عن الاحتلام تكريمًا له -ﷺ-. \"تنوير الحوالك\" (١/ ٧١)، و\"أوجز المسالك\" (١/ ٥٤٣).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٢٥٩).","vol":"2","page":163},{"text":"فَبِمَ يُشْبِهُهُا وَلَدُهَا؟ \". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٠، م: ٣١٣].\n٤٣٤ - [٥] وَزَادَ مُسْلِمٌ بِرِوَايَةِ أُمِّ سُلَيْمٍ: \"إِنَّ مَاءَ الرَّجُلِ غَلِيظٌ أَبْيَضُ، وَمَاءَ الْمَرْأَةِ رَقيقٌ أَصْفَرُ، فَمِنْ أَيِّهِمَا عَلَا أَوْ سَبَقَ يَكُونُ مِنْهُ الشَّبَهُ\". [م: ٣١١].\n٤٣٥ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي الْمَاءِ فَيُخَلِّلُ بِهَا أُصُولَ شَعَرِهِ،\nــ\nهذا الحديث أسند إلى اليمين.\nوقوله: (فبم يشبهها ولدها؟) أي: المرأة ولدها أحيانًا، والظاهر أنه ليس هذا القول منه -ﷺ- استدلالًا، بل الواقع معلوم له من عند اللَّه، وهذا تنبيه وتفهيم لها بصورة الاستدلال، واللَّه أعلم.\n٤٣٤ - [٥] (أم سليم) قوله: (إن ماء الرجل غليظ أبيض) لعله لكثرة غذائه وقوة هضمه.\nوقوله: (فمن أيهما) قال الطيبي (١): (من) زائدة، والمعنى: أي الماءين علا أو سبق يكون منه الشبه، انتهى. ويمكن أن يجعل الضمير للرجل والمرأة، فتكون (من) ابتدائية.\nوقوله: (علا) أي: غلب وفاق.\nوقوله: (الشبه) بفتحتين، هكذا الرواية.\n٤٣٥ - [٦] (عائشة) قوله: (كما يتوضأ للصلاة) ظاهر في تقديم غسل الرجلين على إفاضة الماء على جلده كله، والحديث الآتي يدل على تأخيره منه، ولعله كان كل\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٨١).","vol":"2","page":164},{"text":"ثمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأسِهِ ثَلَاثَ غَرَفَاتٍ بيدَيْهِ، ثمَّ يُفِيضُ المَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٨، م: ٣١٦].\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهُمَا الْإِنَاءَ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ ثُمَّ يتَوَضَّأُ. [م: ٣١٦].\nــ\nواحد منهما تارة فتارة، ومذهبنا تأخير غسل الرجلين لحديث ميمونة -﵂-، وقال في (الهداية) (١): وإنما يؤخر غسل رجليه لأنهما في مستنقع الماء المستعمل، فلا يفيد الغسل، حتى لو كان على لوح لا يؤخر، انتهى.\nومحمل الحديثين يجوز أن يكون هذا، واللَّه أعلم.\nثم ظاهر قوله: (كما يتوضأ للصلاة) أن يمسح رأسه أيضًا، وهو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة -﵁-، وفي رواية الحسن بن زياد عنه أنه لا يمسح؛ لأنه لا فائدة في المسح؛ لوجود إسالة الماء بعد، وذلك يعدم معنى المسح، بخلاف غسل سائر أعضاء الوضوء؛ لأن التسييل هو الموجود، فلم يكن التسييل بعده معدمًا له، والصحيح ظاهر الرواية؛ لظاهر الحديث، وفي الحديث الآتي عن ابن عباس لم يقل: توضأ كما يتوضأ للصلاة، بل قال: فمضمض واستنشق، وغسل وجهه وذراعيه، ثم صب على رأسه، فليس فيه ذكر المسح لا صريحًا ولا ضمنًا، وتمسك به المالكية في قولهم: إن وضوء الغسل لا يمسح فيه الرأس.\nوقوله: (ثلاث غرفات) بفتحات جمع غرفة بالفتح، كذا للكشميهني أحد رواة البخاري، وفي الروايات الأخر (ثلاث غرف) بضم المعجمة وفتح الراء جمع غرفة، وهي قدر ما يغرف من الماء بالكف، وقال بعض النحاة: إذا كان اللفظ جمع قلة وكثرة\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ١٩).","vol":"2","page":165},{"text":"٤٣٦ - [٧] وَعَنِ ابْن عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- غُسْلًا فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ، وَصَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ صَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا (١)، ثُمَّ صَبَّ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ فَرْجَهُ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَهَا، ثُمَّ غَسَلَهَا فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ صَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ،\nــ\nيضاف الثلاث وأخواتها إلى جمع القلة، والحديث حجة عليهم، وكلتا الروايتين صحيحة، وكذا قوله: بعشر سور، وقوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: ٢٧].\nوقال الطيبي (٢): إن (فعلى) بضم الفاء وكسرها من صيغ جمع القلة عند الكوفيين، ولا يجري هذا القول في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، فتدبر.\n٤٣٦ - [٧] (ابن عباس) قوله: (غسلًا) يروى بضم السين وسكونها، وكلاهما بمعنى الماء الذي يغتسل به كما ذكرنا.\nوقوله: (فسترته) أي: غطت رأس الماء (٣)، أو ضربت للنبي -ﷺ- سترًا.\nوقوله: (فغسل فرجه) أي: باليد اليسرى.\nوقوله: (فضرب بيده) أي: اليسرى على الأرض فمسحها؛ مبالغة في الإنقاء.\nوقوله: (وأفاض على جسده) في (القاموس) (٤): الصب: الإراقة، وفاض الماء فيضًا وفيضانًا: كثر حتى سال.\n_________\n(١) \"ثُمَّ صَبَّ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا\" ليست هذه الجملة في البخاري، \"المرقاة\" (٢/ ٤٢٥).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٨٢).\n(٣) قال القاري: فَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى الْمَاءِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ، \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٤٢٥).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٠٠).","vol":"2","page":166},{"text":"فَنَاوَلْتُهُ ثَوْبًا فَلَمْ يَأْخُذْهُ، فَانْطَلَقَ وَهُوَ يَنْفُضُ يَدَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَفْظُهُ للْبُخَارِيِّ. [خ: ٢٧٦، م: ٣١٧].\n٤٣٧ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلْتِ النَّبِيَّ -ﷺ- عَنْ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ،\nــ\nوقوله: (فناولته ثوبًا) أي: قربته إليه للنَّشْف.\nوقوله: (فلم يأخذه) أي: لم ينشف به، وفي حديث آخر: (أتي بمنديل فلم ينتفض به)، أي: لم يتمسح به، وفي رواية: (فلم ينفض بها) أي: بالمنديل بتأويل الخرقة، وفي حديث آخر: (جعل ينفض بيده) أي: يمسح به وجهه ويزيل عنه الماء، كذا في (المشارق) (١) للقاضي عياض، وقيل: إنما لم يأخذه لنحو وسخ فيه، واختلف في أنه مكروه أو مندوب أو مستو واختاره النووي (٢)، والأولى أن لا ينشف بذيله وطرف ثوبه ونحوهما، وقد حكي ذلك عن بعض السلف.\nوأما قوله: (وهو ينفض يديه) يدل على جواز نفض اليدين، وقيل: المراد بنفض اليدين ههنا تحريكهما في المشي كما هو دأب أهل القوة عند مشيهم، والنفض التحريك، لا أنه ينفض يديه لينفض ما عليها من الطهور، فإنه منهي لما فيه من إماطة أثر العبادة، كذا في بعض الشروح، وقد ورد (إذا توضأتم فلا تنفضوا أيديكم).\n٤٣٧ - [٨] (عائشة) قوله: (عن غسلها) بضم الغين، (من المحيض) بمعنى الحيض، يقال: حاضت المرأة حيضًا ومحيضًا ومحاضًا.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٣٧).\n(٢) قال النووي (٣/ ٢٣١): وقد اختلف علماء أصحابنا في تنشيف الأعضاء في الوضوء والغسل على خمسة أوجه، أشهرها أن المستحب تركه، ولا يقال: فعله مكروه، والثاني أنه مكروه، والثالث أنه مباح يستوي فعله وتركه، وهذا هو الذي نختاره.","vol":"2","page":167},{"text":"فَأَمَرَهَا كَيْفَ تَغْتَسِل، ثُمَّ قَالَ: \"خُذِي فِرْصَةً مِنْ مِسْكٍ. . . . .\nــ\nوقوله: (فأمرها) أي: علّمها، أو قال لها: اغسلي بهذه الكيفية.\nوقوله: (خذي فرصة) بكسر الفاء، وقيل: مثلثة، قطعة من صوف أو قطن أو خرقة، يقال: فرصه: قطعه وخرقه، وروي قرصة بقاف، أي: شيئًا يسيرًا مثل القرصة بطرف الإصبعين، والإقراص والتقريص: الدلك بأطراف الأصابع.\nوقال الشيخ (١): وهم من عزا هذه الرواية للبخاري، وروي بقاف وضاد معجمة، أي: قطعة من القرض بمعنى القطع، قال عياض: وقد صحف هذا اللفظ قديمًا.\nوقوله: (من مسك) الأشهر بكسر الميم، وظاهره أن الفرصة منه، وعليه قول الفقهاء، قالوا: يستحب لها أن تأخذ شيئًا من المسك تطيب به، أو المراد فرصة مطيبة به، فإن لم تجد فبطيب آخر لتزيل به ريح النتن، واستبعد هذا بأنهم لم يكونوا أهل وسع يجدون المسك، ويروى (ممسكة) بفتح السين المشددة، وهي أيضًا بمعنى المطيب بالمسك، وقيل: بمعنى مُتحمَّلة، أي: تحملينها معك، أو مُتحمَّلة في القبل، أو خَلَقة أُمسِكَتْ كثيرًا، كأنه أراد لا تستعمل جديدًا من القطن والصوف؛ للارتفاق به في نحو الغزل، أو لأن الخلق أصلح وأوفق، وقيل: هو من التمسك باليد، وبروى (ممسكة) بكسر السين، أي: ذات إمساك.\nوفي (مجمع البحار) (٢): أن كل هذا تكلف، وما عليه الفقهاء أنه يستحب لها أن تأخذ شيئًا من المسك تطيب به، أو تطيب الخرقة به، هذا وقد يروى (من مسك) بفتح الميم بمعنى الجلد، وتجعل (ممسكة) أيضًا بهذا المعنى، أي: ذات مسك، أي: جلد، أي: قطعة صوف بجلد؛ لأنه أضبط لها، وبالفتح قيده الأصيلي، ورواه مسلم،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٤١٥).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٥٩٦).","vol":"2","page":168},{"text":"فَتَطَهَّرِي بِهَا! قَالَتْ: كَيفَ أَتَطَهَّرُ؟ فَقَالَ: \"تَطَهَّرِي بهَا\" قَالَتْ: كَيفَ أَتَطَهَّرُ بَها؟ قَالَ: \"سُبْحَانَ اللَّه تَطَهَّرِي بِهَا\" فَاجْتبَذْتُهَا إِلَيّ فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٤، م: ٣٣٢].\n٤٣٨ - [٩] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي، أَفَانْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَة؟ فَقَالَ: \"لَا، إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِيَ عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ،\nــ\nأي: قطعة جلد، وبالكسر رواية الطبري عن مسلم، وبعض رواة البخاري، وكذا رواها الشافعي ﵀، والفتح أرجح، ورجح النووي الكسر لرواية (ممسكة)، وتعقب بأن الخطابي قال: ممسكة: مأخوذة باليد، يقال: مسكته وأمسكته.\nوقوله: (فتطهري بها) وفي رواية: (فتوضئي بها) أي: تنظفي بها، أو تطيبي بها، وقد يرجح به رواية المسك بالفتح، وإلا فالظاهر أن يقال: فتطيبي بها، وسياق الحديث أيضًا يدل على ذلك، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فاجتبذتها) بتقديم الباء على الذال، من الجبذ مقلوب الجذب، وفي بعض النسخ (فاجتذبتها) وقيل: وهذا أصح، واللَّه أعلم.\n٤٣٨ - [٩] (أم سلمة) قوله: (أشد ضفر رأس): (ضفر) بفتح ضاد وسكون فاء، هو المشهور من الرواية، وضفر الشعر: نسجه وفتله وإدخال بعضه في بعض، ومنه قيل للحبل: ضفير، أي: أحكم فتل شعري وأعمله ضفائر، وهي الذوائب المضفورة، قيل: هو ضفر بضم الضاد والفاء جمع ضفيرة، ولا يصح رواية.\nوقوله: (أن تحثي) بكسر المثلثة وبسكون الياء، أصله: تحثين على صيغة المخاطبة، سقط نونه بـ (أن)، وأصل (تحثين) تحثوين؛ كتضربين أو تنصرين، فحذف حرف العلة بعد نقل حركةٍ أو حذفها، وحذفت النون للنصب.","vol":"2","page":169},{"text":"ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْكِ الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٣٠].\n٤٣٩ - [١٠] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠١، م: ٣٢٥].\n٤٤٠ - [١١] وَعَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: قَالَتْ عَائِشَةُ -﵂-: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. . . . .\nــ\nوقوله: (ثم تفيضين) بضم التاء مستأنف لا عطف، وإلا سقطت النون، و(ثلاث حثيات) بالفتحات، أي: ثلاث غرفات بيديه، جمع حثية.\nوفي الحديث دليل على عدم وجوب نقض الضفائر للمرأة، ومذهبنا أنه يكفي لذات الضفيرة أن تبل أصلها، وهو الأصح.\n٤٣٩ - [١٠] (أنس) قوله: (يتوضأ بالمد) هو بالضم رطل وثلث رطل، والصاع أربعة أمداد، وقد جاء في رواية، وهذا الحساب مبهم علينا، وقد بَيَّنَّاه على وفق حساب ديارنا في (شرح سفر السعادة) (١)، فليطلب ثمة، وقد جاء في رواية الوضوء بثلثي المد، وجاء الغسل بثلاثة أمداد، وقالوا: ليس واحد منها تقديرًا بحيث لا يسع أقل وأكثر منها، بل المقصود الإسباغ، فلو فعل بأكثر جاز ما لم يبلغ حد الإسراف، أو بأقل ما لم يخل بحد الإنقاء جاز.\n٤٤٠ - [١١] (معاذة) قوله: (كنت أغتسل أنا ورسول اللَّه -ﷺ-) عطف على الضمير المستكن في (أغتسل) لتأكيده بالمنفصل.\nفإن قلت: كيف العطف بتكرير العامل، وكيف يستقيم ذلك، إذ لا يقال: اغتسل رسول اللَّه؟ قلت: هو تغليب المتكلم على الغائب كما غُلِّبَ المخاطبُ على الغائب\n_________\n(١) انظر: \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٣٠).","vol":"2","page":170},{"text":"مِنْ إِناءٍ وَاحِدٍ بَيْني وَبَيْنَهُ، فَيُبَادِرُنِي حَتَّى أَقُولَ: دَعْ لِي دَعْ لِي، قَالَتْ: وَهُمَا جُنُبَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [م: ٣٢١].\nــ\nفي قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] كذا قال الطيبي (٢).\nوقال المحقق التفتازاني في قول الشاعر (٣):\nوإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي\nفي جواب من قال: كيف يصح إسناد الفعل الغائب إلى ضمير المتكلم: (أنا)؟ لا نسلم أن الفعل غائب؛ لأن غيبة الفعل وتكلمه وخطابه باعتبار المسند إليه، فالفعل في نحو: لا يقوم إلا أنا وأنت لا يكون غائبًا، فعلى هذا القياس يقال ههنا: لا نسلم أن (أغتسل) صيغة متكلم، إنما تكلمه باعتبار إسناده إلى ضمير المتكلم، وأما باعتبار إسناده إلى المعطوف هو صيغة غائب، فتدبر.\nوقوله: (من إناء واحد. . . إلخ) وفي (صحيح البخاري): (من إناء واحد من قدح يقال له: الفَرَق)، وفي (القاموس) (٤): الفَرَق: مكيال يسع ثلاثة آصع.\n_________\n(١) قال في \"المرقاة\" (٢/ ١٤٤): قال السيد جمال الدين: فيه نظر؛ لأن البخاري لم يقل: فيبادرني حتى أقول: دع لي دع لي، وإنما هو من أفراد مسلم.\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٨٥).\n(٣) هو الفرزدق، وتمام البيت:\nأنَا الذّائدُ الحامي الذِّمارَ وَإِنَّمَا ... يدافع عَن أحسابهم أنَا أَو مثلي\nكذا في \"معاهد التنصيص على شواهد التلخيص\" (١/ ٢٦٠)، وفي \"خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب\" (٤/ ٤٦٥):\nأَنَا الضّامن الرّاعي عَلَيْهِم وإنّما. . . إلخ\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٤٥).","vol":"2","page":171},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفيه دليل على أن الجنب إذا أدخل يده في الماء لا يؤثر فيه إلا إذا أدخل بنية غسلها.\nوقال الشُّمُنِّي عن (المحيط) (١): لو أدخل الجنب يده في الماء لا يضره استحسانًا؛ لأنه ربما لا يمكنه استعمال الماء إلا بالاغتراف منه، فسقط اعتباره دفعًا للضرورة، حتى لو قصد به غسل اليد يفسد الماء؛ لأن الضرورة تندفع إذا لم ينو الغسل، فإن أدخل فيه غير اليد من الأعضاء يفسده؛ لأنه لا ضرورة فيه، انتهى.\nوالمختار من مذهب أحمد بن حنبل (٢) ﵀ أن غمس المحدث أو الحائض أو الجنب يده في الماء أو غيرها من الأعضاء لا يؤثر فيه شيئًا؛ لطهارة بدنيهما حقيقة، إلا أن يكون لرفع الجنابة، وفي رواية: يفرق بين المحدث والجنب، بأن الأول لا يؤثر، والثاني يؤثر.\nهذا، والحديث الآتي في آخر (باب مخالطة الجنب) يقتضي أن يقيد باغترافهما معًا، وإلا يلزم اغتسال كل واحد بفضل ماء الآخر، والحديث صريح في سبقته -ﷺ- ومبادرته إلى الاغتراف قبل أن تغترف عائشة -﵂-، ومع وجود الاغتراف معًا يلزم في المرة الثانية اغتسال كل واحد منهما بفضل ماء الآخر كما لا يخفى، اللهم إلا أن يقيد ذلك الحديث الآتي بأن لا يكون اغترافهما من إناء واحد في زمان واحد، واللَّه أعلم.\nوقال محمد ﵀ في (موطئه) (٣): أخبرنا مالك حدثنا نافع عن ابن عمر -﵄-: كان الرجال والنساء يتوضؤون جميعًا في زمن رسول اللَّه -ﷺ-، قال محمد: لا بأس بأن تتوضأ المرأة وتغتسل مع الرجل من إناء واحد إن بدأت قبله أو بدأ قبلها، وهو قول\n_________\n(١) \"المحيط البرهاني\" (١/ ١٣٣).\n(٢) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١/ ١٦٦).\n(٣) انظر: \"التعليق الممجد\" (١/ ٨٣، ح: ٣٦).","vol":"2","page":172},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-247> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٤١ - [١٢] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ الْبَلَلَ وَلَا يَذْكُرُ احْتِلَامًا، قَالَ: \"يَغْتَسِلُ\"، وَعَنِ الرَّجُلِ يَرَى أَنَّهُ قَدِ احْتَلَمَ وَلَا يَجدُ بَلَلًا، قَالَ: \"لَا غُسْلَ عَلَيْهِ\". قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ تَرَى ذَلِكَ غُسْلٌ؟ قَالَ: \"نَعَمْ، إِنَّ النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْله: \"لَا غُسْلَ عَلَيْهِ\". [ت: ١١٣، د: ٢٣٦، دي: ١/ ١٩٥، جه: ٦١٢].\nــ\nأبي حنيفة ﵀، وأجيب عن هذا الإشكال بأن تلك عزيمة وهذه رخصة، وسيأتي له تأويل آخر نذكره ثمة.\nالفصل الثاني\n٤٤١ - [١٢] (عائشة) قوله: (هل على المرأة ترى ذلك غسل؟) ظاهره أنه سؤال عن وجوب الغسل على امرأة ترى البلل، والمقصود السؤال عن رؤيتها البلل هل يخرج منها بلل في الاحتلام لندرة وقوعه؟ فأجاب -ﷺ- بأن النساء نظائر الرجال في الخلق والطباع، يظهر ويوجد منهن ما يوجد منهم من الطبيعيات، ويجوز أن يكون معنى قوله: (النساء شقائق الرجال) الاشتراك في أحكام الشرع، واللَّه أعلم.\nو(شقائق) جمع شقيقة، وكل ما شق نصفين فكل منهما شقيق الآخر، ولذلك يقال للأخ: شقيق لكونهما مشقوقين من أصل واحد، فالمرأة والرجل شقيقان لكونهما من أصل واحد وهو آدم ﵇، هكذا يفهم من عبارة (القاموس) (١) في معنى الشقيق، وأما قول الطيبي: كأنهن شققن منهم ربما ينظر إلى خلاف ذلك، فافهم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٢٧).","vol":"2","page":173},{"text":"٤٤٢ - [١٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا جَاوَزَ الْخِتَانُ الْخِتَانَ وَجَبَ الْغُسْلُ\". فَعَلْتُهُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَاغْتَسَلْنَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٠٨، جه: ٦٠٨].\nــ\nوقال الترمذي (١): إن وجوب الغسل برؤية البلل من غير احتلام قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- والتابعين، وهو قول سفيان وأحمد، وقال بعض أهل العلم: إنما يجب الغسل إذا كانت البلة بلّة نطفة، وهو قول الشافعي وإسحاق رحمهما اللَّه، وإذا رأى احتلامًا ولم ير بلة فلا غسل عليه عند عامة أهل العلم، انتهى.\nومذهب إمام أبي حنيفة ومحمد رحمهما اللَّه أنه إذا رأى المستيقظ بللا منِيًّا كان أو مذيًّا وجب الغسل، يتذكر الاحتلام أو لم يتذكر، وإذا لم ير بللًا لا يجب الغسل وإن تذكر الاحتلام، وقال الشمني: قال أبو يوسف: لا غسل إذا رأى مذيًّا ولم يتذكر الاحتلام؛ لأن خروج المذي يوجب الوضوء لا الغسل، ومتمسكهما هذا الحديث.\nولو نام رجل وامرأة في فراش واحد فلما استيقظا وجدا في الفراش بللًا لا يعرف من أيهما، قيل: إن كان أصفر فعلى المرأة الغسل، وإن كان أبيض فعلى الرجل، وقيل: إن وقع طولًا فمن الرجل، وإن وقع عرضًا فمن المرأة، والاحتياط أن يغتسلا جميعًا.\n٤٤٢ - [١٣] (عائشة) قوله: (إذا جاوز الختان الختان) المراد التقاؤهما ومحاذاتهما كما جاء في حديث آخر عن عائشة -﵂-: ومس الختان الختان، ثم هذا باعتبار الغالب، فإنه يجب الغسل فيما إذا لفّ على عضوه خرقة ثم جامع.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (١١٣).","vol":"2","page":174},{"text":"٤٤٣ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ، وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَالْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ الرَّاوِي. . . . .\nــ\nوالختان من الختن، وهو قطع غرلة (١) الولد، والختان موضعه، وهو من الذكر جلدة حشفة الذكر، ومن المرأة جلدة عالية مشرفة على محل الإيلاج فوق أعلى الفرج كعُرف الديك، هذا (وجاوز) بالزاي المعجمة، وقد وجد في بعض النسخ بخط بعض الأفاضل من متعاطي هذا الكتاب في حاشيته (جاور) بالراء المهملة، وهو أنسب بمعنى الالتقاء، ولكن لم نجد في الشروح روايتها وذكرها، واللَّه أعلم.\n٤٤٣ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (تحت كل شعرة) في (القاموس) (٢): الشعر ويحرك: نِبْتَةُ الجسم مما ليس بصوف ولا وبر، والجمع أشعار وشُعور وشِعار، والواحدة شعرة.\nوقوله: (فاغسلوا الشعر) أي: استقصوا في غسل الشعر بحيث يصل الماء إلى ما تحته ويتغسل، (وأنقوا) من الإنقاء. و(البشرة) ظاهر جلد الإنسان مما ليس تحت الشعر، أي: أنقوها من الوسخ مبالغة فىِ الغسل، ثم الظاهر أنه عطف على قوله: (فاغسلوا الشعر)، فيفيد بظاهره ترتبه على كون الجنابة تحت كل شعرة، وفيه من الخفاء ما لا يخفى، إلا أن يراد بكون الجنابة تحت كل شعرة إحاطتها وشمولها كل جزء من البدن، فافهم.\nوقوله: (والحارث بن وجيه) قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث الحارث بن وجيه.\n_________\n(١) الغرلة بالضم: القلفة.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٨٨).","vol":"2","page":175},{"text":"-وَهُوَ شَيْخٌ- لَيْسَ بِذَلِكَ. [د: ٢٤٨، ت: ١٠٦، جه: ٥٩٧].\nــ\nوقوله: (وهو شيخ) أي: كبير غلب عليه النسيان والغفلة.\nوقوله: (ليس بذلك) (١) أي: ليس بقوي، والإشارة بـ (ذاك) إلى البعيد، وهو نفي الكمال، وقال: وقد روى عنه غير واحد من الأئمة، وقوله: (وجيه) قال في (التقريب) (٢): على وزن عظيم، وقيل: بفتح الواو وسكون الجيم بعدها موحدة، الراسبي أبو محمد البصري، ضعيف، من الثامنة، انتهى. وقد صحح في بعض النسخ: (وجنة) بالنون، وفي بعضها: (وجيه) بصيغة التصغير، واللَّه أعلم.\nوفي (الكاشف) (٣) للذهبي: الحارث بن وجيه الراسبي عن مالك بن دينار، وعنه المقدمي ونصر بن علي، ضعفوه، وفي (التهذيب) (٤): قال يحيى بن معين: ليس بشيء، وضعفه النسائي، وقال البخاري وأبو حاتم: في حديثه بعض المناكير، وقال ابن عدي: لا أعلم له رواية إلا عن مالك بن دينار، يروي عنه أبو داود والترمذي وابن ماجه\n_________\n(١) أي: الْمَقَام الَّذِي يُوثَقُ بِهِ، كَذَا فِي الطِّيبِيِّ، وهذا يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَهُ: (وَهُوَ شَيْخٌ) لِلْجَرْحِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ؛ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُمْ: (شَيْخٌ) مِنْ أَلْفَاظِ التَّعْدِيلِ، فَعَلَى هَذَا يَجِيءُ إِشْكَالٌ آخَرُ فِي قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ: (لَيْسَ بِذَاكَ) مِنْ أَلْفَاظِ الْجَرْحِ اتِّفَاقًا، فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ جَمْعٌ بَيْنَ الْمُتَنَافِيَيْنِ، فَالصَّوَابُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: (وَهُوَ شَيْخٌ)، عَلَى الْجَرْحِ بِقَرِينَةِ مُقَارَنَتِهِ بِقَوْلِهِ: (لَيْسَ بِذَاكَ)، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَلْفَاظِ التَّعْدِيلِ، وَلإِشْعَارِهِ بِالْجَرْحِ؛ لِأَنَّهُمْ وَإِنْ عَدُّوهُ فِي أَلْفَاظِ التَّعْدِيلِ صَرَّحُوا أَيْضًا بِإِشْعَارِهِ بِالْقُرْبِ مِنَ التَّجْرِيحِ، أَوْ نَقُولُ: يجوز أَنْ يُعَدَّلَ بِاعْتِبَارِ الصِّفَةِ الأُولَى -الْعَدَالَة-، وَيَجُوزُ أَنْ يُجْرَحَ بِاعْتِبَارِ الصِّفَةِ الثَّانِيَةِ -الضَّبْط-. انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٤٢٩).\n(٢) \"تقريب التهذيب\" (١٤٨).\n(٣) \"الكاشف\" (١/ ١٤١).\n(٤) \"تهذيب التهذيب\" (٢/ ١٤١).","vol":"2","page":176},{"text":"٤٤٤ - [١٥] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعَرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يَغْسِلْهَا فُعِلَ بهَا كَذَا وَكَذَا مِنَ النَّارِ\". قَالَ عَليٌّ: فَمِنْ ثمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي، فَمن ثمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي، فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي ثَلَاثًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ، إِلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يُكَرِّرَا: فَمِنْ ثمَّ عَادَيْتُ رَأْسِي. [د: ٢٤٩، حم: ١/ ٩٤، ١٠١، ١٣٣، دي: ١/ ١٩٢].\n٤٤٥ - [١٦] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- لَا يتَوَضَّأُ بَعْدَ الْغُسْلِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٥، ت: ١٠٧، ن: ٢٥٢، جه: ٥٧٩].\nــ\nحديثًا واحدًا، وهو قوله -ﷺ-: (تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة).\n٤٤٤ - [١٥] (علي) قوله: (لم يغسلها) الظاهر بالنظر إلى المعنى أن يكون الموضع أنثه باعتبار المضاف إليه، وكذا في قوله: (بها)، والباء للسببية، و(كذا وكذا) كناية عن العدد، أي: كذا وكذا عذابًا أو زمانًا، وفي قوله: (عاديت رأسي) مبالغة، والمراد عاديت شعر رأسي، أي: عاملت معه معاملة المعادي من القطع والجزّ، وهو كناية عن دوام الحلق.\nوقوله: (إلا أنهما لم يكررا: فمن ثم عاديت رأسي) قد توهم العبارة أن يكون المراد أنهما لم يذكرا (فمن ثم عاديت رأسي) مكررًا، بل قالا: فمن ثم عاديت رأسي ثلاثًا، لكن المراد أنهما لم يرويا تكرار هذا القول أصلًا، ولفظ الدارمي هكذا: من ترك موضع شعرة من جنابة لم يصبها الماء، فعل بها كذا وكذا من النار، قال علي: فمن ثم عاديت رأسي، وكان يجز كل شعرة.\n٤٤٥ - [١٦] (عائشة) قوله: (لا يتوضأ بعد الغسل) الظاهر بالنظر إلى الأحاديث","vol":"2","page":177},{"text":"٤٤٦ - [١٧] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَغْسِلُ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ وَهُوَ جُنُبٌ يَجْتَزِئُ بِذَلِكَ، وَلَا يَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٦].\n٤٤٧ - [١٨] وَعَنْ يَعْلَى قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى رَجُلًا يَغْتَسِلُ بِالْبَرَازِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّه وَأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ سِتِّيرٌ يُحِبُّ الْحَيَاءَ وَالتَّسَتُّرَ، فَإِذَا اغْتَسَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَتِرْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي رِوَايَتِهِ قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ سِتِّيرٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَغْتَسِلَ فَلْيَتَوَارَ بِشَيْءٍ\". [د: ٤٠١٢، ن: ٤٠٦].\nــ\nالناطقة بأنه -ﷺ- كان يتوضأ قبل الغسل، أن يكون المراد أنه كان يكتفي بوضوء قبل الغسل، ويحتمل أن يكون المراد أنه كان يكتفي بالغسل عن الوضوء ولا يتوضأ على حدة، لأنه إذا ارتفع الحدث الأكبر ارتفع الأصغر، واللَّه أعلم.\n٤٤٦ - [١٧] (عائشة) قوله: (بالخطمي) بكسر الخاء: نبت يغسل به الرأس، ويجوز فتح الخاء.\nوقوله: (يجتزئ بذلك) أي: يصب الماء الذي يزيل به الخطمي، ولا يصب الماء الآخر بعد إزالته، فافهم.\nولعل ذلك الخطمي لم يغير الماء لقلته، كذا قال الشيخ ابن حجر (١).\n٤٤٧ - [١٨] (يعلى) قوله: (يغتسل بالبراز) أي: بالصحراء عريانًا، كذا في شرح الشيخ، والبراز: الفضاء الواسع.\nوقوله: (إن اللَّه حيي) على وزن حري، و(ستير) بكسر السين على وزن الصديق\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣٧٠).","vol":"2","page":178},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-248> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٤٨ - [١٩] عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثمَّ نُهِيَ عَنْهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبوُ دَاوُدَ، والدَّارِمِيُّ. [ت: ١١٠، ١١١، د: ٢١٤، دي: ٢/ ٤١٤].\nــ\nبالتشديد، وصحح أيضًا بفتح السين والتخفيف (فعيل) بمعنى (فاعل)، أي: لا يفضح عباده ويستر قبائحهم، فلابد للعباد أن يتخلقوا مهما أمكن بالحياء والستر، فافهم.\nالفصل الثالث\n٤٤٨ - [١٩] (أبي بن كعب) قوله: (إنما كان الماء من الماء رخصة) أي: كانت أحكام الطهارة مثل تلاوة القرآن ودخول المسجد ونحوهما جائزًا للذي جامع ولم ينزل لعدم وجوب الغسل عليه.\nوقوله: (ثم نهي عنها) بإيجاب الغسل، وذكر الزركشي في (شرح كتاب الخرقي) (١) عن رافع بن خديج قال: ناداني رسول اللَّه -ﷺ- وأنا على بطن امرأتي، فقمت ولم أنزل، فاغتسلت وخرجت، فأخبرته فقال: (لا بأس عليك، إنما الماء من الماء)، قال رافع: ثم أمرنا رسول اللَّه -ﷺ- بعد ذلك بالغسل، رواه أحمد (٢)، وقال سهل بن سعد: حدثني أُبَيٌّ أن الفتيا التي كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة، رخصها رسول اللَّه -ﷺ- في بدء الإسلام، ثم أمرنا بالاغتسال بعد ذلك، رواه أبو داود، وصرح بذلك جماعه من العلماء.\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرفي\" (١/ ٨٦).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٤/ ١٤٣).","vol":"2","page":179},{"text":"٤٤٩ - [٢٠] وَعَنْ عَليٍّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: إِنِّي اغْتَسَلْتُ مِنَ الْجَنَابَةِ وَصَلَّيْتُ الْفَجْرَ، فَرَأَيْتُ قَدْرَ مَوْضعِ الظُّفُرِ لَمْ يُصِبْهُ الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْ كنْتَ مَسَحْتَ عَلَيْهِ بِيَدِكَ أَجْزَأَكَ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٣٨].\n٤٥٠ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَتِ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ، وَالْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَغَسْلُ الْبَوْلِ مِنَ الثَّوْب سَبْعَ مَرَّاتٍ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسْأَلُ حَتَّى جُعِلَتِ الصَّلَاةُ خَمْسًا، وَغُسْلُ الْجَنَابَة مرَّةً، وَغَسْلُ الثَّوْبِ مِنَ الْبَوْلِ مَرَّةً. . . . .\nــ\n٤٤٩ - [٢٠] (علي) قوله: (لو كنت مسحت عليه بيدك أجزأك) أي: لو أوصلت يدك مع ما فيها من البلل بتلك اللمعة حال اغتسالك أو بعد ذلك بفضل ماء لأجزأك، والمراد غسلها، وإنما عبر بالمسح لأنه متضمن لانغسالها، إذ الغالب أن البدن إذا مرت عليه اليد مبلولة يكفيه في الغسل ههنا، فيلزمه غسل تلك اللمعة، ويلزم إعادة ما صلاه من الفرض قبل غسلها، كذا يفهم من شرح الشيخ.\n٤٥٠ - [٢١] (ابن عمر) قوله: (كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرات، وغسل البول من الثوب سبع مرات) الظاهر أن ذلك ليلة المعراج، والمشهور في أحاديث المعراج في \"الصحيحين\" وغيرهما هو ذكر الصلوات فقط.\nوقوله: (وغسل الثوب من البول مرة) وهذا هو مذهب الشافعي ﵀، وتثليث الغسل مندوب، وعندنا التثليث في نجاسة غير مرئية واجب، وقوله: (وغسل الثوب من البول)، قال أولًا: (غسل البول من الثوب)، وكلا العبارتين صحيحة، والمراد في الأول معنى الإزالة، وفي الثانية معنى التطهير والإنقاء.","vol":"2","page":180},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٤٧].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>٦ - باب مخالطة الجنب وما يباح له</span>\nــ\nوقوله: (رواه أبو داود) برواية أيوب بن جابر، وهو ضعيف على ما ذكره الذهبي وغيره، كذا في بعض الحواشي المعلمة بعلامة (ع)، وفي (الكاشف) (١) للذهبي: أيوب ابن جابر اليمامي ضعيف، وفي (التهذيب) (٢): أيوب بن جابر أبو سليمان الكوفي، أخو محمد بن جابر، قال أحمد ﵀: يشبه حديثه حديث أهل الصدق، وقال يحيى: ليس بشيء، وقال النسائي: ضعيف الحديث، وقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه، وسائر أحاديثه متقاربة.\n٦ - بَابُ مُخَالطَة الْجُنُب وَمَا يُبَاحُ لَهُ\nفي (المشارق) (٣): الجنابة معلومة، وأصلها البعد؛ لأنه لا يقرب مواضع الصلاة ويجتنبها حتى يتطهر، وقيل: لمجانبة الناس حتى يغتسل، ورجل جُنُبٌ ورجال جنب، وقيل: أجناب، وامرأة جنب، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] يقال: أجنب الرجل وجَنُبَ واستجنب، فهو جنب بضمتين، والمخالطة: الممازجة، خلطه: مزجه، وخالطه مخالطة وخِلاطًا: مازجه، والمراد بالمخالطة هي المجالسة والمكالمة والمصافحة والمواكلة والمشاربة، وكل هذه جائز مع الجنب وارد في الأحاديث، وبعض منها وارد في الباب.\n_________\n(١) \"الكاشف\" (١/ ٩٣).\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (١/ ٣٤٩).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٤٤).","vol":"2","page":181},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-250> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٥١ - [١] عَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا جُنُبٌ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَمَشَيْتُ مَعَهُ حَتَّى قَعَدَ، فَانْسَلَلْتُ فَأَتَيْتُ الرَّحْلَ فَاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ جِئْتُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: \"أَيْنَ كنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَة؟ \"، فَقُلْتُ لَهُ، فَقَالَ: \"سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجَسُ\". هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلمُسْلِمِ مَعْنَاهُ، وَزَادَ بَعْدَ قَوْلِهِ: فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ لَقِيتَنِي وَأَنَا جُنُبٌ فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ حَتَّى أَغْتَسِلَ،\nــ\nالفصل الأول\n٤٥١ - [١] (أبوهريرة) قوله: (فانسللت) أي: خرجت من المجلس في خفية، في (القاموس) (١): السل: انتزاعك الشيء وإخراجه في رفق كالاستلال، وسيف سليل: مسلول، وانسل وتسلل: انطلق في استخفاء.\nوقوله: (فأتيت الرحل) في (القاموس) (٢): الرحل: مسكنك وما تستصحبه من الأثاث، وفي (المشارق) (٣): الرحال: المنازل والمساكن.\nوقوله: (يا أبا هريرة) قال الشيخ (٤): وقع في رواية المستملي والكشمهيني (يا أبا هر) بالترخيم، وفي (القاموس) (٥): الهر بالكسر: السنور، وهي هرة.\nوقوله: (لا ينجس) نجس كسمع وكرم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٣٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٢٤).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤٥٤).\n(٤) \"فتح الباري\" (١/ ٣٩٢).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٦١).","vol":"2","page":182},{"text":"وَكَذَا البُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى. [خ: ٢٨٥، م: ٣٧١].\n٤٥٢ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁- لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَوَضَّأْ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ نَمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩، م: ٣٠٦].\n٤٥٣ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا كَانَ جُنُبًا فَأَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ ينَامَ تَوَضَّأ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاة. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٨، م: ٣٠٥].\n٤٥٤ - [٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ؛ فَلْيَتَوَضَّأْ بَيْنَهُمَا وُضُوءًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٠٨].\n٤٥٥ - [٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغسْلٍ وَاحِدٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٠٩]\nــ\nوقوله: (وكذا البخاري) قيل: ليس للبخاري (حتى أغتسل).\n٤٥٢ - [٢] (ابن عمر) قوله: (توضأ واغسل ذكرك ثم نم) فالوضوء طهارة النوم والأكل للجنب، وذلك مندوب.\n٤٥٣ - [٣] (عائشة) قوله: (وضوءه للصلاة) أي: وضوءًا كاملًا كما للصلاة.\n٤٥٤ - [٤] (أبو سعيد الخدري) قوله: (وضوءًا) أكد بالمصدر ليدل على كمال وضوئه، وهو وضوء الصلاة، فالتنكير للتعظيم.\n٤٥٥ - [٥] (أنس) قوله: (يطوف على نسائه بغسل واحد) يؤيد مذهب الحنفية أنه لم يكن القسم عليه -ﷺ- واجبًا، وإنما كان يفعل ذلك تبرعًا وتكرمًا، ولقوله تعالى:","vol":"2","page":183},{"text":"٤٥٦ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَذْكُرُ اللَّهَ ﷿ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ سَنَذْكُرُهُ فِي (كِتَابِ الأَطْعِمَةِ) إِنْ شَاءَ اللَّهُ. [م: ٣٧٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-251> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٥٧ - [٧] عَن ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -ﷺ-. . . . .\nــ\n﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] بوجوبه أن يقول: ولمن يقول كان ذلك برضاهن (١).\n٤٥٦ - [٦] (عائشة) قوله: (يذكر اللَّه ﷿ على كل أحيانه) الظاهر أن المراد بالذكر هو الذكر باللسان سوى ما نهي عنه في حين الجنابة ونحوها، وقد يفهم من كلام الطيبي (٢) أن المراد بالذكر: الذكر القلبي.\nهذا، وقد أنكر بعض الفقهاء كون ما هو فعل القلب ذكرًا، وإنما الذكر هو فعل اللسان، وهو خلاف اللغة والشرع، فإن الذكر في اللغة ضد النسيان، وقد ورد في الشرع ما يدل على كون ما في القلب ذكرًا، نعم لا يعتبر ذلك في أحكام تترتب على اللفظ كالطلاق والعتاق، وقد تكلمنا فيه بأكثر من هذا في بعض رسائلنا الفارسية، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n٤٥٧ - [٧] (ابن عباس) قوله: (اغتسل بعض أزواج النبي -ﷺ-) وهي ميمونة خالة ابن عباس -﵃-.\n_________\n(١) وفي \"التقرير\": قال الشيخ -دام ظله-: يحتمل أن هذه الليلة تكون ليلة المجيء من السفر وغيره، ولم يكن حينئذ القسم.\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٩١ - ٩٢).","vol":"2","page":184},{"text":"فِي جَفْنَةٍ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كنْتُ جُنُبًا، فَقَالَ: \"إِنَّ الْمَاءَ لَا يُجْنِبُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ. [ت: ٦٥، د: ٦٨، جه: ٣٧٠، دي: ٢/ ٣٧٠].\n٤٥٨ - [٨] وَفِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" عَنْهُ عَنْ مَيْمُونَةَ بِلَفْظِ \"الْمَصَابِيحِ\". [شرح السنة: ٢٥٩].\nــ\nوقوله: (في جفنة) (١) أي: من ماء في جفنة، وفي (المصابيح): من جفنة، والجفنة بفتح الجيم وسكون الفاء: القصعة، وقيل: القصعة الكبيرة.\nوقوله: (أن يتوضأ منه) أي: مما فضل فيها من الماء.\nوقوله: (لا يجنب) بضم الياء وكسر النون على الأشهر، ويجوز فتح الياء وضم النون، والمراد أنه لا يتعدى حكم الجنابة إلى الماء، وإذا غمس فيه الجنب يده لم ينجس بل باق على طهوريته.\n٤٥٨ - [٨] (ابن عباس) قوله: (عنه) أي: عن ابن عباس -﵄-.\nوقوله: (بلفظ المصابيح) وهو هذا (قالت ميمونة -﵂-: أجنبت أنا ورسول اللَّه -ﷺ- فاغتسلت من جفنة، وفضل فيها فضلة، فجاء النبي -ﷺ- ليغتسل منها، فقلت: إني قد اغتسلت منها، فاغتسل وقال: إن الماء ليس عليه جنابة)، وفي رواية: (إن الماء لا يجنب)، فما في لفظ (المصابيح) يلزم منه اغتسال الرجل من فضل ماء المرأة، وفي حديث الكتاب يلزم وضوءه منه، وقد نهي عنه، كما يأتي في آخر (الفصل الثالث)،\n_________\n(١) في \"التقرير\": لا مستدل لمن استدل به على طهارة الماء المستعمل؛ لأن المراد منه أخذ الماء من الجفنة كما هو مصرح في رواية \"المصابيح\" التي في \"شرح السنة\" (٢٥٩)، ولفظه: \"اغتسلت من جفنة وفضل فيها فضلة\".","vol":"2","page":185},{"text":"٤٥٩ - [٩] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ يَسْتَدْفِئُ بِي قَبْلَ أَنْ أَغْتَسِلَ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ. وَفِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" بِلَفْظِ \"الْمَصَابِيح\". [جه: ٥٨، ت: ١٢٣].\n٤٦٠ - [١٠] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَخْرُجُ مِنَ الْخَلَاءِ، فَيُقْرِئُنَا الْقُرآنَ، وَيَأْكُلُ مَعَنَا اللَّحْمَ، وَلَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ أَوْ يَحْجُزُهُ عَنِ الْقُرآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ. [د: ٢٢٩، ن: ٢٦٥، جه: ٥٩٤].\nــ\nوالجواب أن النهي نهي تنزيه لا تحريم، فلا منافاة، وسيأتي الكلام فيه.\n٤٥٩ - [٩] (عائشة) قوله: (ثم يستدفئ بي) أي: يطلب مني الدفاء بفتحتين والمد، وهي الحرارة، والدِّفْءُ بكسر الدال وسكون فاء وبهمزة: ما يدفأُ به، ومنه قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥] يقال: دفح دفاءة مثل كره كراهة، ودفاء مثل ظمئ ظماء، أي: يضع أعضاءه الشريفة بعد الغسل على أعضائي من غير حائل، ويجعلني مكان الثوب الذي يستدفع به، ليجد السخونة من بدنها، ففيه أن بشرة الجنب طاهرة، كذا ذكروا.\n٤٦٠ - [١٠] (علي) قوله: (وكل معنا اللحم) تخصيص اللحم بالذكر اتفاقي؛ ولأن فيه غلظة، وقد يكون معه مرق وكثرة مزج وخلط باليدين، فيستبعد أكله بدون الطهارة، ولم يذكر ههنا الوضوء كما ذكرت عائشة -﵂- في حديث آخر: أنه إذا كان جنبًا فأراد أن يأكل توضأ، فلعله لم يتوضأ بيانًا للجواز والرخصة، أو كان توضأ ولم يذكره الراوي، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ليس الجنابة) أي: إلا الجنابة، ويجيء (ليس) بمعنى (إلا) كما ذكر في","vol":"2","page":186},{"text":"٤٦١ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ وَلَا الْجُنُبُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٣١].\n٤٦٢ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَجِّهُوا هَذِهِ الْبُيُوتَ عَنِ الْمَسْجدِ، فَإِنِّي لَا أُحِلُّ الْمَسْجدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٣٢].\nــ\nكتب النحو؛ كقولهم: جاءني في القوم ليس زيد، أي: ليس الجائي زيدًا، وقال التُّورِبِشْتِي (١): وقد زعم بعض المعتبرين من علماء البيان وأهل المعرفة بالحديث أن (ليس) ههنا بمعنى (غير)، وهي تجر ما بعدها كما تجر (غير)، فروى الجنابة مجرورة، ولم نجد لقوله هذا سندًا من كتب علماء العربية، انتهى.\n٤٦١ - [١١] (ابن عمر) قوله: (لا تقرأ الحائض) في أكثر النسخ بالرفع على أن (لا) للنفي بمعنى النهي، وفي بعضها بالجزم فـ (لا) للنهي.\n٤٦٢ - [١٢] (عائشة) قوله: (وجهوا هذه البيوت عن المسجد) والمواجهة المقابلة، ولما عدّي بـ (عن) دلّ على معنى الصرف، أي: اصرفوها عنه، يقال: وجه عنه، أي: صرف عنه، ووجه إليه: أقبل، والمراد أنه لا يصح أن تكون المساجد ممر البيوت، فعند أبي حنيفة -﵁- لا يجوز للجنب ولا للحائض الدخول في المسجد لا بالمكث ولا بالمرور، وجوّز الشافعي المرور، وبه قال مالك، وجوز أحمد المكث أيضًا على ما ذكر الطيبي (٢).\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٥٧).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٩٤).","vol":"2","page":187},{"text":"٤٦٣ - [١٣] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ وَلَا جُنُبٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٢٧، ن: ٢٦١].\n٤٦٤ - [١٤] وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ثَلَاثَةٌ لَا تَقْرَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ: جِيفَةُ الْكَافِرِ، وَالْمُتَضَمِّغُ بِالْخَلُوقِ، وَالْجُنُبُ إِلَّا أَن يتَوَضَّأَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٨٠].\n٤٦٥ - [١٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ. . . . .\nــ\n٤٦٣ - [١٣] (علي) قوله: (لا تدخل الملائكة بيتًا فيه صورة ولا كلب ولا جنب) سيجيء الكلام في عدم دخول الملائكة بيتًا فيه صورة وكلب في (باب التصاوير)، وأما الجنب فالمراد من يعتاد التكاسل في الغسل من غير ضرورة، ويتخذ ذلك ديدنًا حتى يمرّ عليه وقت صلاة مفروضة، وأما أصل تأخير الاغتسال فغير مكروه عرف ذلك بالسنة، ثم إن الجنب يخرج من هذا الوعيد بالوضوء كما في الحديث الآتي.\n٤٦٤ - [١٤] (عمار بن ياسر) قوله: (جيفة الكافر) أي جثته ميتًا، وقيل: ذاته حيًّا أو ميتًا، والأول أظهر وأنسب بمعنى اللفظ.\nوقوله: (والمتضمخ بالخلوق) التضمخ: التلطخ والتلوث والإكثار منه، وفي (القاموس) (١): لطخ الجسد بالطيب حتى كأنه يقطر، و(الخلوق) بفتح الخاء طيب معروف يتخذ من الزعفران وغيره، وفيه تشديد في المنع عنه، ولذا قرنه بجيفة الكافر.\n٤٦٥ - [١٥] (عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم) قوله: (أن\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٤٦).","vol":"2","page":188},{"text":"فِي الْكِتَابِ الَّذِي كتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لعَمْرو بْنِ حَزْمٍ: \"أَنْ لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالدَّارَقُطْنِيُّ. [ط: ٤٦٩، قط: ١/ ١٢١ - ١٢٢].\n٤٦٦ - [١٦] وَعَنْ نافِعٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي حَاجَةٍ فَقَضَى ابْنُ عُمَرَ حَاجَتَهُ، وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِ يَوْمَئِذٍ أَنْ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ فِي سِكَّةٍ مِنَ السِّكَكِ، فَلَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَقَدْ خَرَجَ مِنْ غَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، حَتَّى إذَا كَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَتَوَارَى فِي السِّكَّةِ، ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدَيْهِ عَلَى الْحَائِطِ وَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً أُخْرَى فَمَسَحَ ذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَى الرَّجُلِ السَّلَامَ. . . . .\nــ\nلا يمس القرآن إلا طاهر) يحتمل النهي والنفي وهو أبلغ، وقد يؤخذ من هذا الحديث أن الضمير في قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] للقرآن، والمراد بالمطهرين الناس المطهرون من الأحداث، وقد يجعل لللوح المحفوظ ويراد بالمطهرين الملائكة، واللَّه أعلم.\n٤٦٦ - [١٦] (نافع) قوله: (في سكة) بكسر السين وشدة الكاف، أي: في طريق، والسكة: الطريق المستوي.\nوقوله: (خرج من غائط) قال الطيبي (١): أي فرغ؛ لأن الخروج إنما يكون بعد الفراغ، ويمكن أن يكون المعنى خرج من مكان يتغوط فيه أو يبول، والغائط في الأصل اسم لمكان مطمئن منخفض، ثم صار اسمًا للقذرة، فبالنظر إلى المعنى الحقيقي لا احتياج إلى التقدير، وأما بالنظر إلى المعنى المجازي المراد بقرينة قوله: (أو بول) لابد منه، فافهم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٩٧).","vol":"2","page":189},{"text":"وَقَالَ: \"إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ إِلَّا أَنِّي لَمْ أَكُنْ عَلَى طُهْرٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٣٠].\nــ\nوقوله: (وقال: إنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني لم أكن على طهر) الظاهر بالنظر إلى ما ذكر في الحديث الآتي من قوله: (إني كرهت أن أذكر اللَّه إلا على طهر) أن المانع من ردّ السلام هو اشتماله على لفظ السلام الذي هو اسم من أسماء اللَّه تعالى، وإن كان المراد به ههنا معنى السلامة، وفيه غاية تعظيم لذكر اللَّه واسمه سبحانه، لكنه يشكل بما صح من ذكره -ﷺ- عند الخروج من الخلاء من قوله: (الحمد للَّه الذي أخرج عني ما يؤذيني) الحديث، ومن التسمية قبل الوضوء وإن لم يكن على وضوء، وأنه كان يذكر اللَّه على كل أحيانه، ولم يكن يحجبه عن القرآن شيء إلا الجنابة، وأنه كان يخرج من الخلاء فيقرئهم القرآن ونحو ذلك، وحملوه على أن هذا عزيمة، وكل ما ذكرتم من قبيل الرخصة فعلها تعليمًا للجواز وتسهيلًا للأمر عليهم.\nوأقول: إنه لا يجري هذا الجواب في التسمية قبل الوضوء، فإنه عزيمة بلا شبهة لا رخصة، بل كل ما رود في موضع معين يستحب ذكره فيه كما لا يخفى، فالظاهر -واللَّه أعلم- أن ذكر اللَّه لا على طهر في غير ما ورد فيه من الشارع الندب إليه جائز، لكن مع الطهارة أفضل وأكمل وأولى.\nوقد ورد عليه في ذلك الوقت من عظمة اللَّه وسلطانه ما لم يتركه إلا أن يذكره بدون الطهارة، خصوصًا في مثل رد السلام مما يسع التأخير فيه، ولكنه لم يؤخر إلى الوضوء لئلا يذهب الرجل ويفوت الرد بطول العهد، ولعله كان حضور الماء في ذلك غير قريب فتيمم ورد، أو تعليمًا بأن التيمم يكفي في مثل هذا مع عدم تعذر وجود الماء، فافهم.","vol":"2","page":190},{"text":"٤٦٧ - [١٧] وَعَنِ المُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُذٍ: أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأ، ثمَّ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ وَقَالَ: \"إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللَّهَ إِلَّا عَلَى طُهْرٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: حَتَّى تَوَضَّأَ، وَقَالَ: فَلَمَّا تَوَضَّأَ رَدَّ عَلَيْهِ. [د: ١٧، ن: ٣٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-252> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٦٨ - [١٨] عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُجْنِبُ، ثُمَّ يَنَامُ، ثُمَّ يَنْتَبِهُ، ثُمَّ يَنَامُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ٣٩٨].\nــ\n٤٦٧ - [١٧] (مهاجر بن قنفذ) قوله: (ثم اعتذر إليه) قال الطيبي (١): فيه دليل على أن من قصر في جواب السلام لعذر يستحب أن يعتذر إليه حتى لا ينسب إلى الكبر، انتهى. وفي بعض الشروح عن (الأزهار): حاشا أن يكون رسول اللَّه -ﷺ- مقصّرًا، وإنما أخّر لوجوه مشروعة من الزجر؛ لكون التسليم على البائل مكروهًا منهيًّا عنه، وترك الكلام على قضاء الحاجة؛ فإن التكلم عنده مكروه، وتعظيم ذات اللَّه وصفاته والتعليم والبيان، واللَّه أعلم.\nالفصل الثالث\n٤٦٨ - [١٨] (أم سلمة) قوله: (يجنب) على الوجهين في بنائه.\nوقوله: (ثم ينام) أي: بعد الوضوء لما مرّ من حديث عائشة وابن عمر -﵄- في الفصل الأول، ونوم النبي -ﷺ- ليس بناقض للوضوء، ولعل الوضوء أول مرة يكفي في الليلة لغيره -ﷺ- أيضًا، فافهم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٩٧).","vol":"2","page":191},{"text":"٤٦٩ - [١٩] وَعَنْ شُعْبَةَ قَالَ: إِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ -﵁- كَانَ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يُفْرِغُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَلَى يَدِهِ الْيُسْرَى سَبْعَ مِرَارٍ، ثُمَّ يَغْسِلُ فَرْجَهُ، فَنَسِيَ مَرَّةً كَمْ أَفْرَغَ فَسَأَلنِي، فَقُلْتُ: لَا أَدْرِي، فَقَالَ: لَا أُمَّ لَكَ، وَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَدْرِيَ؟ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يُفِيضُ عَلَى جِلْدِهِ الْمَاءَ، ثُمَّ يَقُولُ: . . . . .\nــ\n٤٦٩ - [١٩] (شعبة) قوله: (يفرغ بيده اليمنى على يده اليسرى سبع مرار) الذي ورد في الأحاديث من غسله -ﷺ- اليدين قبل غسل الفرج إنما هو مطلقًا أو مرتين أو ثلاث مرات، وقد سبق في الفصل الأول من (باب الغسل) من حديث ابن عباس -﵄-: ثم صب بيمينه على شماله فغسل فرجه، فما وقع في هذا الحديث من إفراغه -﵁- بيده اليمنى على يده اليسرى سبع مرار كان في صورة مخصوصة منه مبالغة في الإنقاء كما جاء ذلك في غسل الأواني، وقال الشيخ ابن حجر ﵀ (١): لعله لنجاسة كانت فيها، يعني في اليد اليسرى، وهذا الوجه لا يفيد وجه عدد السبع، وإن فرض أنه كان اتفاقيًّا لقصد الإنقاء ونحوه كما ذكرنا فسؤاله -﵁- عنه شعبة عند النسيان وتوبيخه على عدم درايته ربما ينافي ذلك؛ لأنه ينظر إلى وجوب رعاية العدد، واللَّه أعلم.\nوقوله: (لا أمّ لك) ذم وسب بأنه لقيط لا يعرف له أم، وأما قولهم: (لا أبا لك) فأكثر ما يذكر للمدح، أي: لا كافي لك غير نفسك، وأنت مستقل في أمرك، وقد يذكر في معرض الذم كما في (لا أمّ لك)، وأما ذكر (لا أم لك) مدحًا لمعنى التعجب فبعيد، كذا في بعض الشروح، وأما في هذا الحديث فالمناسب الحمل على الذم كما يقتضيه السياق، والواو في (وما يمنعك) للعطف على جملة (لا أم لك)، وهي إن كانت دعائية فكلاهما إنشائيتان، وإن كانت خبرية فمن قبيل عطف القصة على القصة، ويمكن أن\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٣٧٥).","vol":"2","page":192},{"text":"هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يتَطَهَّرُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٤٦].\n٤٧٠ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- طَافَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى نِسَائِهِ، يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذِهِ، وَعِنْدَ هَذِهِ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَجْعَلُهُ غُسْلًا وَاحِدًا آخِرًا؟ قَالَ: \"هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٦/ ٩، د: ٢١٩].\n٤٧١ - [٢١] وَعَنِ الْحَكَم بْنِ عَمْرٍو قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ. . . . .\nــ\nتقدر جملة استفهامية قبلها؛ نحو ما تقول؟ أو ما تفعل؟ فافهم.\nوقوله: (هكذا) الظاهر أنه إشارة إلى مجموع ما ذكر شاملا للإفراغ سبع مرار، ولعله فعل -ﷺ- ذلك في بعض الأحيان، واللَّه أعلم، ثم لا يخفى أن المناسب ذكر هذا الحديث في باب الغسل إذ ليس فيه مخالطة الجنب وذكر ما يباح له، وفي بعض الحواشي أنه لبيان إباحة الكلام للجنب.\n٤٧٠ - [٢٠] (أبو رافع) قوله: (ألا تجعله) صحح (ألا) بالتخفيف والتشديد.\nوقوله: (هذا أزكى) أي: أنمى وأكثر ثوابًا، (وأطيب) أي: أقرب إلى طيب النفس واستلذاذها، (وأطهر) أي: أنظف وأنقى، والظاهر -واللَّه أعلم- أن الثلاثة بمعنى واحد أو قريب في المعنى كرر تأكيدًا ومبالغة.\nوقال الطيبي (١): التطهير مناسب للظاهر، والتزكية والتطيب للباطن، فالأولى يعني التزكية لإزالة الأخلاق الذميمة، والأخرى يعني التطيب للتحلي بالشيم الحميدة.\n٤٧١ - [٢١] (الحكم بن عمرو) قوله: (نهى رسول اللَّه -ﷺ- أن يتوضأ الرجل\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٩٨).","vol":"2","page":193},{"text":"بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَزَادَ: أَوْ قَالَ: بِسُؤْرِهَا، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [د: ٨٢، جه: ٣٧٣، ت: ٦٣، ٦٤].\n٤٧٢ - [٢٢] وَعَنْ حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيَّ -ﷺ- أَرْبَعَ سِنِينَ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ، أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ. زَادَ مُسَدَّدٌ: وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيعًا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَزَاد أَحْمَدُ فِي أَوَّلِهِ: نهى أَنْ يَمْتَشِطَ أَحَدُنَا كُلَّ يَوْمٍ أَوْ يَبُولَ فِي مُغْتَسَلٍ. [د: ٨١، ن: ٢٣٨، حم: ٤/ ١١١].\nــ\nبفضل طهور المرأة) في هذا الحديث وقع النهي عن الوضوء بفضل طهور المرأة، وفي حديث حميد عن الاغتسال، وأيضًا في هذا الحديث النهي عن أحد الجانبين فقط، وفي ذلك عن الجانبين.\nوقوله: (وزاد) أي: الترمذي، (أو قال: بسؤرها) أي: بسؤر المرأة مكان (بفضل طهور المرأة)، شكًّا من الراوي.\nوالسؤر بالضم وسكون الهمزة: البقية والفضلة، وفي شرح الشيخ: والمراد به فضل طهورها، وإنما وفع الشك من الراوي في اللفظ الذي نطق به النبي -ﷺ-.\nوقوله: (هذا حديث حسن صحيح) وفي شرح الشيخ: وقال البيهقي وغيره: إنه ضعيف، ولو فرض تسليم الأول فالمراد بفضل وضوئها ما سال من أعضائها؛ لأنه كما تعين حمل الخبر الذي بعد هذا على ما سقط من أعضائها إذ لا خلاف في أن لها الوضوء والاغتسال بفضله كذلك يحمل هذا على ذلك، لكن قوله الآتي:\n٤٧٢ - ٤٧٣ - [٢٢ - ٢٣] (حميد الحميري، وعبد اللَّه بن سرجس)، (وليغترفا جميعًا) يضعف هذا التأويل، إلا أن أحدًا لم يقل بظاهره، ومحال أن يصح وتعمل الأمة كلّها بخلافه، انتهى.","vol":"2","page":194},{"text":"٤٧٣ - [٢٣] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسٍ. [جه: ٣٧٤].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>٧ - باب أحكام المياه</span>\nــ\nوفي بعض الشروح عن الخطابي أنه قال: أهل الحديث لم يرتضوا طرق أسانيد: نهى رسول اللَّه -ﷺ- أن يغتسل الرجل بفضل المرأة والمرأة بفضل الرجل، ولو ثبت فهو منسوخ.\nهذا، وتأويل الشيخ أن المراد بفضل وضوئها ما سال من أعضائها ليس بشيء، إذ هو منهي عنه في الكل، ولا يحتمله لفظ الحديث من قوله: (وليغترفا) كما اغترف به نفسه، ثم قوله: (إن أحدًا لم يقل بظاهره) محلُّ بحث؛ إذ قد قال به الإمام أحمد ابن حنبل ﵀ مع ما فيه من التفصيل، والخلاف في مشايخ مذهبه، فجماعة منهم قالوا به تعبدًا وتوقيفًا مع كونه مخالفًا للقياس، وطائفة لم يقولوا، ومنهم من جعل الوضوء والغسل في حكم واحد، وقوم خصوا بالأول، وبعضهم فرقوا بين أن يكون الفضل كثيرًا فجوزوا، أو قليلًا فمنعوا، وبعضهم لم يفرقوا، وكل ذلك مذكور بوجوهه ودلائله بالتفصيل في شرح كتاب (الخرقي) (١) في مذهب أحمد، ما ذكرتُه مخافةَ التطويل، فالحق ما في بعض الشروح أنه قال الخطابي: إنها لم تثبت، ولو ثبتت فهي منسوخة، واللَّه أعلم.\n٧ - بَابُ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ\nالمياه جمع ماء، والماء أصله موه أبدلت الواو ألفًا على القياس والهاء همزة بغير القياس بدليل جمعه على مياه وأمواه، وتصغيره على مويه، وإنما جمعه إشارة إلى\n_________\n(١) انظر: \"المغني\" (١/ ٢٨٢).","vol":"2","page":195},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-254> الْفَصْلُ الأَوَّلَ:</span>\n٤٧٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٩، م: ٢٨٢].\nــ\nأنواعه من ماء السماء والأرض مما ينبع منها أو لا كالبحر، والراكد والجاري، والقليل والكثير، والمستعمل وغيره، وسؤر الحيوانات وغيره، وماء الحياض والشمس وغيرها مما ذكر في الباب، والضابط في جواز الوضوء أن يكون ماءً مطلقًا طاهرًا غير متغير أوصافه، والمراد بالمطلق ما لا يضاف إلى شيء غيره، كماء الباقلاء وماء الحمص وماء الورد مما لا يفارق اسمه الإضافة في وقت، واحترز بذلك عن إضافة مفارقة كماء النهر وماء البحر، فوجود هذه الإضافة كعدمها، والفرق بين الإضافتين أن الأولى لا يصح فيها نفي الماء، وفي الثانية يصح نفيه، أي: بالإطلاق، فتدبر. واللَّه أعلم.\nالفصل الأول\n٤٧٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه) الماء الدائم: الساكن الراكد، من دام الشيء: إذا سكن ومكث، فقوله: (الذي لا يجري) صفة كاشفة تؤكد الأولى، وقيل: احترز عن الدائم الذي يجري بعضه في البرك، فكأنه أراد الذي لا يجري بكله، وفي بعض الشروح: قال ابن الأنباري: الدائم من الأضداد يقال للساكن وللدائر، ومنها أصاب الإنسان دُوَام، أي: دُوار، فهو لتخصيص أحد معنيي المشترك، ولا يخلو عن تكلف.\nوقوله: (ثم يغتسل فيه) الرواية المشهورة في (يغتسل) الرفع، أي: لا يبل ثم هو يغتسل فيه، أي: يبعد عن العاقل أن يبول في الماء وهو يغتسل فيه، فهو عطف على جملة (لا يبولن)، وقد يروى بالجزم على (يبولن)، فيفهم على التقديرين تنجس الماء","vol":"2","page":196},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: \"لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ. . . . .\nــ\nبالبول، ولهذا يقيد بالماء القليل، والكثير في حكم الجاري، وقيل: ولو كان كثيرًا أيضًا، فإنه وإن لم يتنجس لكن لعله يتغير بسبب تعاقب الناس عليه بالبول تأسيًا به، فيكره البول فيه نهي كراهة، وستعرف معنى القليل والكثير، والماء وإن كان كثيرًا لا يجوز الوضوء إذا تغير لونه أو ريحه أو طعمه، وقد جوز النصب بإضمار (أن) وإعطاء (ثم) حكم (١) واو الجمع في مثل: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، وتعقب بأنه يقتضي أن يكون المنهي عنه هو الجمع بين البول والاغتسال دون إفراد البول، وليس كذلك، بل البول منهي عنه سواء أريد الاغتسال فيه أم لا، كما يدل عليه حديث جابر، وقد قال بعض الشافعية في الماء الجاري أيضًا إذا كان قليلًا بالكراهة، ثم تخصيص الاغتسال بالذكر اتفاقي، وحكم الوضوء أيضًا كذلك، وكذلك تخصيص البول، والتغوط كذلك.\nهذا، وقد أغرب شيخ شيوخنا في الحديث الشيخ ابن حجر المكي وقال: هذا التفصيل كله في غير الليل، أما فيه فيكره قضاء الحاجة في الماء مطلقًا؛ خشية أن يؤذيه الجن، لما قيل: إن الماء بالليل مأوى لهم.\nوقوله: (وفي رواية لمسلم) لا يظهر وجه ذكر هذا الحديث بهذه العبارة، وليس هذا رواية في الحديث الأول، بل هو حديث برأسه، وإن كان بيانًا لحكم الماء الراكد، فالظاهر أن يقول: وعنه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (لا يغتسل أحدكم. . .) الحديث، وبهذا النسق ذكر في (المصابيح)، وحديث جابر الآتي أولى بأن يذكره بهذه العبارة.\nوقوله: (لا يغتسل) يروى بالرفع والجزم، والمراد ههنا أيضًا القليل، فإن الكثير\n_________\n(١) قال القاري نقلًا عن ميرك: فيه نظر؛ لجواز أن يكون مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾ [البقرة: ٤٢] والواو للجمع، والمنهي ههنا الجمع والإفراد، بخلاف قوله: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، \"المرقاة\" (٢/ ١٧١).","vol":"2","page":197},{"text":"وَهُوَ جُنُبٌ\". قَالُوا: كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا. [م: ٢٨٣].\n٤٧٥ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨١].\n٤٧٦ - [٣] وَعَن السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَجِعٌ، فَمَسَحَ رَأْسِي، وَدَعَا لي بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ،\nــ\nفي حكم الجاري كما عرفت.\nوقوله: (يتناوله تناولًا) أي: يغترف منه بيده مثلًا ثم يغتسل به خارجه، وفيه دليل على أن الجنب إذا أدخل يده فيه ليتناول الماء لا يتغير به حكم الماء، وإن أدخل فيه ليغسلها من الجنابة يتغير حكمه، إما إلى النجاسة أو إلى عدم الطهورية.\n٤٧٥ - [٢] (جابر) قوله: (نهى رسول اللَّه -ﷺ- أن يبال في الماء الراكد) يدل بظاهره على كون البول فيه منهيًّا عنه، وإن لم يجتمع مع الاغتسال، والمراد بالراكد الدائم، فركود الماء ودوامه وسكونه واحد، وعلى ما نقل في بعض الشروح من الفرق بين الدائم والراكد بأن الأول ما ينبع، والثاني ما لم ينبع يمكن أن يوجه التقييد بالراكد بأن الساكن الذي ينبع في حكم الجاري كما جاء في بعض الروايات الفقهية، فلا ينجس بالبول فيه ما لم يتغير، واللَّه أعلم.\n٤٧٦ - [٣] (السائب بن يزيد) قوله: (ذهبت بي خالتي) لم تسم كذا في مقدمة الشيخ (١).\nوقوله: (وجع) الوجع محركة: المرض، والوجع بكسر الجيم: المريض كخجل،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٣٥).","vol":"2","page":198},{"text":"فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٥، م: ٢٣٤٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-255> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٧٧ - [٤] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الْفَلَاةِ مِنَ الأَرْضِ. . . . .\nــ\nكذا في (القاموس) (١)، وفي بعض الشروح: وَجِع، أي: متألم، وقيل: مريض.\nوقوله: (فشربت من وضوئه) بالفتح، والمراد بقية الماء الذي توضأ منه، وعليه الأكثرون في حديث: كانوا يقاتلون -أي: يزاحمون ويختصمون- على وضوء رسول اللَّه -ﷺ-، وذهب كثيرون إلى أن المراد من انفصل من أعضاء وضوئه، وقال بعض الشافعية: ففيه حجة على من حكم بنجاسة الماء المستعمل، وله أن يحمله على التداوي، وهو جائز كصرف النجاسة، كذا قالوا، والأولى أن يحمله على خصائصه -ﷺ- ليشمل مقاتلة الصحابة على وضوئه -ﷺ-، ولعل هذا هو الحق، وكيف يحكم بنجاسة ما صادف ببشرته الشريفة، ومن ثم اختار كثير من العلماء طهارة فضلاته -ﷺ-.\nوقوله: (مثل زر الحجلة): (زر) واحد الأزرار، و(الحجلة) بالحاء والجيم المفتوحتين: بيت كالقبة لها أزرار كبار، وما قيل: إنها الطائر المعروف وإن زرَّها بيضُها قد أنكره بعض العلماء، فإن الزر بمعنى البيضة لم يوجد في كلام العرب، وجاء في رواية كبيضة الحمام، ويتم الكلام فيه إن شاء اللَّه تعالى في موضعه من (باب فضائل سيد المرسلين -ﷺ-).\nالفصل الثاني\n٤٧٧ - [٤] (ابن عمر) قوله: (في الفلاة من الأرض) في (القاموس) (٢): الفلاة:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧١٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢١٤).","vol":"2","page":199},{"text":"وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالسِّبَاعِ، فَقَالَ: \"إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ\". . . . .\nــ\nالمفازة لا ماء فيها، أو الصحراء الواسعة.\nوقوله: (وما ينوبه) عطف على (الماء)، أي: سئل عن الماء والدواب والسباع المترددة إليه نوبة بعد نوبة، وحاصله، أي: ما حال الماء الذي تنوبه الدواب والسباع، أي: يشرب منه ويبول ويلقي الروث فيه.\nوقوله: (إذا كان الماء قلتين) وفي رواية: إذا بلغ الماء قلتين، القلة: بضم القاف وتشديد اللام بمعنى الجرة العظيمة، أي: الكوز الكبير الذي يجعل فيه الماء، وتسميتها بالقلة إما من جهة علوها وارتفاعها، أو لأن الرجل العظيم يرفعها، والقلة اسم لكل مرتفع، ومنه قلة الجبل، وجمع القلة قِلال بكسر القاف، والمراد ههنا قلال هجر بفتحتين كما جاء صريحًا في بعض روايات هذا الحديث، وأيضًا كان هو المعروف في ذلك الزمان، فالظاهر وقوع التحديد به.\nوهجر اسم قرية قرب المدينة ينسب إليها القلال، وأيضًا اسم بلد من بلاد اليمن، ويحتمل النسبة إليه، كذا في (القاموس) (١)، والظاهر هو الأول.\nومقدار القلة على المشهور قربتان ونصف، وعند البعض قربتان، وقال ابن جريج: رأيت قلال هجر كان كل قلة منها قربتين أو قربتين وشيئًا، وقال الشافعي ﵀: كان ذلك الشيء مبهمًا فأخذناه نصفًا احتياطًا، فكانت القلتان خمس قرب، والقربة خمسون منًّا من الماء، فكانت القلتان مئتين وخمسين منًّا، وقيل: مقدار القربة مئة رطل عراقي، والرطل العراقي مئة وثمان وعشرون درهمًا.\nوقوله: (لم يحمل الخبث) أي: لم يقبله بل يدفعه، وجاء في رواية لأبي داود:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٦٨، ٤٦١).","vol":"2","page":200},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي أُخْرَى لِأَبِي دَاوُدَ: فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ\". [حم: ٢/ ٢٧، د: ٦٣، ت: ٦٧، ن: ٥٢، دي: ١/ ١٨٧، جه: ٥١٧، ٥١٨].\nــ\nفإنه لا ينجس، وهذه الرواية إن صحت دلت على أن تأويل (لم يحمل خبثًا) بأنه لا يحتمله ولا يطيق حمله لضعفه بل ينجس كما قال بعض أصحابنا الحنفية غير صحيح، قيل: وأيضًا تعليق هذا المعنى بشرط كونه قلتين بعيد، وقد توجه أن البلوغ تارة يعتبر من جانب القلة إلى جاصب الكثرة وأخرى من الكثرة إلى القلة، والمراد ههنا الثاني، فافهم.\nومذهب الشافعي وأحمد: وإذا كان الماء مقدار قلتين لا ينجس بوقوع النجاسة فيه ما لم يتغير لونُه أو طعمُه أو ريحُه، لكن عند أحمد إن كانت النجاسة بولًا أو عذرة مائعة ينجس، إلا أن يكون الماء مثل المصانع التي بطريق مكة وما أشبهها من المياه الكثيرة التي لا يمكن نزحها، فذلك الذي لا ينجسه شيء، كذا في (كتاب الخرقي) (١).\nوقد اختلف في صحة هذا الحديث (٢) مع أنه ذكره أئمة الحديث في كتبهم، وليس في \"الصحيحين\"، وقالوا: هذا الحديث مخالف لإجماع الصحابة كما سنبينه، وخبر\n_________\n(١) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١/ ٣٦ - ٤١).\n(٢) قال الحافظ ابن القيم في \"تهذيب السنن\": إن الاحتجاج بحديث القلتين مبني على ثبوت عدة مقامات، وذكر هذه المقامات وهي خمسة عشر مقامًا، ثم ذكر الأجوبة عن المحددين بالقلتين وردها أبسط الرد، فارجع إليه لو شئث، وذكر المحدث الكنكوهي في \"الكوكب الدري\" (١/ ٩٣) أن هذا الحديث لا يضر بمذهب الإمام الأعظم، وبسطه، فانظر إليه لو شئت، وكذلك ذكر شيخنا العلامة البنوري في \"معارف السنن\" (١/ ٢٩٦) تحقيقًا أنيقًا نقلًا عن شيخه الإمام الكشميري، فارجع إليه لو شئت.","vol":"2","page":201},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالواحد إذا كان مخالفًا للإجماع لم يقبل، وقال علي بن المديني -وهو من أكابر أئمة الحديث، من شيوخ البخاري ومن أقران الإمام أحمد بن حنبل-: لم يثبت هذا الحديث عن رسول اللَّه -ﷺ-، وقال: ليس لأحد من الفريقين في تقدير الماء وتحديده حديث صح عنه -ﷺ-، وقال الزركشي (١): صححه ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني، وقال الحاكم: على شرط الشيخين، ونقل عن الطحاوي خبر القلتين صحيح وإسناده ثابت وإنما تركناه لأنا لا نعلم ما القلتان، وقال الشيخ: إن القلة اسم مشترك يقال على الجرة والقربة ورأس الجبل، واللَّه أعلم.\nولما وقع الكلام في تقدير الماء وتحديده في التنجس وعدم التنجس ناسب أن نفصل الكلام في هذا المقام فنقول وباللَّه التوفيق: اعلم أن مذهب أصحاب الظواهر أن الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه أصلًا، سواء كان جاريًا أو راكدًا، كثيرًا أو قليلًا، وسواء تغير لونه أو طعمه أو ريحه أو لم يتغير، وعامة العلماء على أنه إن كان قليلًا يتنجس وإن كان كثيرًا لا، ثم اختلفوا في حد الفاصل بين القليل والكثير، فقال مالك: فما تغير لونه أو طعمه أو ريحه فهو قليل، وما لم يتغير فكثير، فهو قد جعل التغير وعدمه معيارًا للقلة والكثرة، وقال الشافعي -وهو مذهب أحمد-: إن كان الماء قلتين فهو كثير، ولا يحمل الخبث ولا يتنجس، وإلا فهو قليل يتنجس، وأصحابنا الحنفية ﵏ قالوا: إن كان الماء بحال لا يخلص ولا ينفصل بعضه عن بعض فهو كثير، وإلا فقليل.\nواحتج أصحاب الظواهر بحديث بئر بضاعة الآتي من قوله -ﷺ-: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء)، والجمهور يقولون: إن هذا القول وإن كان مطلقًا في الظاهر لكنه\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (١/ ٨).","vol":"2","page":202},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمقيد بغير المتغير بدلالة الأحاديث الأخر، فقد روى أبو أمامة أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه ولونه وطعمه)، ورواه ابن ماجه والدارقطني (١) ولفظه: (إلا ما غير لونه أو ريحه أو طعمه)، وهذا هو دليل مالك ﵀، واحتج الشافعي وأحمد رحمهما اللَّه بحديث القلتين.\nوالدليل لأصحابنا على تنجس الماء قوله -ﷺ-: (إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا، فإنه لا يدري أين باتت يده)، فإنه يدل على أن الماء يتنجس بوقوع النجاسة، وإلا لم يكن للنهي عن غمس اليد احتياطًا لتوهم النجاسة معنًى، وكذلك الأحاديث مستفيضة مشهورة في الأمر بغسل الظروف من ولوغ الكلب مع أنه لا يغير اللون والطعم والريح، وكذلك حديث: (لا يبولن أحدكم في الماء الدائم) كما في الفصل الأول، ولا شك أن الماء الذي يمكن الاغتسال فيه قد يكون أكثر من قلتين ولا يغير البول لونه وطعمه وريحه، فعلم أن مجرد بلوغ الماء قلتين كما هو مذهب الشافعي، وعدم تغير اللون والطعم والريح كما هو مذهب مالك لا يكفي في عدم تنجس الماء، كذا قيل.\nوقد ورد عن ابن عباس وابن الزبير -﵃- أنهم أمروا بنزح كل الماء بوقوع الزنجي في بئر زمزم، ولم يظهر أثره في الماء، ولا شبهة في أنه كان أكثر من القلتين، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ولم يظهر عن أحد منهم الإنكار عليهم، فيكون حديث القلتين مخالفًا للإجماع، فلا يقبل.\nولما لم يثبت عن النبي -ﷺ- حديث في تقدير الماء وتحديده رجع أصحابنا في\n_________\n(١) \"سنن ابن ماجه\" (٥٢١)، و\"سنن الدارقطني\" (١/ ٢٨).","vol":"2","page":203},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nذلك إلى الدلائل الحسية دون السمعية، وجعلوا معيار القلة والكثرة الخلوص، وقالوا: الغدير العظيم الذي في حكم الجاري هو الذي لا يخلص ولا ينفصل أجزاء بعضه عن بعض.\nثم اختلفوا في تفسير الخلوص، ففي أكثر الروايات يعتبر الخلوص بالتحريك، يعني يكون بحيث لا يتحرك طرفه عند تحريك الآخر، بأن لا ينخفض ويرتفع من ساعته، كذا قال الشُّمُنِّي.\nثم اختلفوا في سبب التحريك، روى أبو يوسف عن أبي حنيفة رحمهما اللَّه: أن المعتبر التحريك بالاغتسال من غير شدة وعنف؛ لأن الحاجة إلى الحياض في الاغتسال أكثر، وروى محمد أنه يعتبر التحريك بالوضوء لأنه وسط، وفي رواية باليد من غير اغتسال ووضوء، وفي هذا توسعة، وظاهر الرواية عن أبي حنيفة: أن المعتبر غلبة الظن، إن غلب على الظن وصول النجاسة إلى الطرف الآخر لم يتوضأ، وإلا توضأ.\nوقال شمس الأئمة: المذهب الظاهر التحري والتفويض إلى رأي المبتلى من غير حكم بالتقدير، فإن غلب على الظن وصولها يتنجس، وإن غلب عدم وصولها لم يتنجس، وهذا هو الأصح.\nواعتبر أبو سليمان الجوزجاني الكثرة بالمساحة، واختاره المتأخرون، فقوم اعتبروا ثمانية في ثمانية، وقوم خمسة عشر في خمسة عشر، ونقل عن محمد حين سئل عن الكثير أنه قال: إن كان مثل مسجدي هذا فكثير، فقيس حين قام وكان اثني عشر في مثلها في رواية، وثمانية في ثمان في أخرى، وصرحوا بأن محمدًا رجع عن هذا، وقال أبو عصمة: كان محمد بن الحسن يوقت في ذلك عشرة في عشرة، ثم رجع إلى","vol":"2","page":204},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقول أبي حنيفة -﵁-، وقال: لا أوقت شيئًا، كذا قال الشيخ ابن الهمام (١)، والأكثرون بعشر في عشر.\nوروي أن عبد اللَّه بن المبارك كان أولًا يقدر بعشر في عشر، ثم رجع إلى خمسة عشر في خمسة عشر، وذهب إليه أبو مطيع وقال: إن اعتبر بخمسة عشر في خمسة عشر أرجو أن يكون جائزًا، وإن كان بعشرين في عشرين لا يبقى شبهة وخلجان في القلب، وعامة المشايخ على عشر في عشر؛ لأن العشر أدنى شيء ينتهي إليه نوع الأعداد، وقال أبو الليث: وعليه الفتوى، والمعتبر ذراع الكرباس توسعة على الناس، وهو سبع مُشِتَّات فوق كل مُشِتَّةٍ أصبع قائمة، وفي (المحيط) (٢): الأصح أن يعتبر في كل مكان وزمان ذراعه، كذا قال الشُّمُنِّي.\nواستنبط شارح (الوقاية) التقدير بعشر في عشر من حديث: (من حفر بئرًا فله حريمها أربعون ذراعًا)، وفيه كلام ذكر في حواشيه، وقال الشيخ ابن الهمام: إن ترجيح الأول أخذًا من حريم البئر غير منقول عن الأئمة الثلاث، وقال الشُّمُنِّي: كون حريم البئر عشرة أذرع من كل جانب قول البعض، والصحيح أنه أربعون، ثم اعتبار عشر في عشر في المربع ظاهر، وأما في المدور فقيل: يعتبر ثمانية وأربعون مساحة دوره، وقيل: أربع وأربعون، وقيل: ستة وثلاثون، والأول أحفظ، وقالوا: القول الأخير أوفق بقواعد الحساب، وقد بينه مولانا علي البرجندي في (شرح مختصر الوقاية) بتحقيق وتفصيل فليراجع ثمة، وفروع المسائل في هذا الباب كثيرة مذكورة في كتب الفقه، تركناها مخافة التطويل، واللَّه أعلم، وهو يقول الحق ويهدي إلى سواء السبيل.\n_________\n(١) انظر: \"شرح فتح القدير\" (١/ ٧٦ - ٧٧).\n(٢) \"المحيط البرهاني\" (١/ ١٠٦).","vol":"2","page":205},{"text":"٤٧٨ - [٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ وَهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الْحِيَضُ وَلُحُومُ الْكِلَابِ وَالنَّتْنُ؟ . . . . .\nــ\n٤٧٨ - [٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (من بئر بضاعة) بضم الباء الموحدة على المشهور وحكي كسرها وبالضاد المعجمة، وقيل: بالمهملة في آخرها عين مهملة، كذا في (تاريخ المدينة)، وفي (القاموس) (١): بئر بضاعة بالضم، وقد يكسر لكنه ذكره في الضاد المعجمة، وهكذا في (الصحاح) (٢): بئر على قرب الدرب الشامي على يمين سالك طريق مشهد سيدنا حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء -﵁-، وجاء في الخبر أن رسول اللَّه -ﷺ- جاء على بئر بضاعة وأخذ دلوًا فنزع الماء وتوضأ، وألقى بقية الماء مع بصاقه في البئر، وكانوا في زمانه -ﷺ- يغسلون بمائه المرضى ويستشفون به فيشفون، وعن ابن أسيد وهو صاحب بئر بضاعة أنه قال: كنا بعد أن يبصق رسول اللَّه -ﷺ- فيها نشرب من مائها ونتبرك به، وجاء في شأنه أخبار وأحاديث.\nو(الحيض) بكسر الحاء وفتح الياء جمع الحيضة بكسر الحاء خرقة الحيض، وهي التي تستنفر بها، ويقال أيضًا: المحيضة، وجمعها المحائض، وقد يروى في الحديث: (يلقى فيها المحائض)، وقيل: هو جمع المحيض وهو مصدر حاض، فلما سمي به جمع، ويقع المحيض على المصدر والزمان والمكان والدم، وقد جاء الحيضة بالكسر اسمًا من الحيض، والحال التي تلزمها الحائض من التجنب والتحيض كالجلسة، ومنه (إن حيضتك ليست في يدك).\nوقوله: (والنتن) بالفتح والسكون: الرائحة الكريهة، والمراد ههنا الشيء المنتن،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٤٨).\n(٢) \"الصحاح في اللغة\" (٣/ ١١٨٧).","vol":"2","page":206},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٣/ ٣١، ٨٦، ت: ٦٦، د: ٦٦، ن: ٣٢٦].\n٤٧٩ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنتَوَضَّأُ بِمَاءِ الْبَحْرِ؟ . . . . .\nــ\nوفي (القاموس) (١): النتن ضد الفوح، نتن ككرم وضرب وأنتن فهو منتن، انتهى. ونتن وأنتن بمعنى، فإن قلت: كيف جاز إلقاء هذه الأشياء فيها لاسيما إذا كان بعد ما ذكر من وضوئه -ﷺ- من مائها وإلقاء البصاق فيها؟ قلنا: لعل البئر كانت بمسيل من بعض الأودية التي يحل بها أهل البادية فيلقي ما في منازلهم فيكسحها السيل، كذا قال الطيبي (٢).\nوقوله: (إن الماء طهور لا ينجسه شيء) قد مر الكلام فيه، وقالوا: كانت هذه البئر في ذلك الزمان جارية، وقال الطحاوي: إن بئر بضاعة كانت طريقًا إلى البساتين فهو كالنهر وإن لم يكن ماؤه يبلغ حد عدم الانفصال ولم يكن عشرًا في عشر، وبعض الروايات عن أصحابنا حكم البئر المَعِينة حكم الماء الجاري، فافهم.\n٤٧٩ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (سأل رجل) هو عبد المدلجي، وقيل: عبد العزى، وقيل: اسمه العركي بفتح العين والراء بعدهما كاف ثم ياء، كذا في (الحاشية).\nوقوله: (أفنتوضأ بماء البحر) وكان استبعادهم طهارة ماء البحر نشأ من فهم التخصيص من قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] مع مخالفته لماء\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٣٩).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١٠٤).","vol":"2","page":207},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ\". رَوَاهُ مَالكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ. [ط: ٤١، ت: ٦٩، ن: ٥٩، جه: ٣٨٦، دي: ١/ ١٨٥ - ١٨٦].\n٤٨٠ - [٧] وَعَنْ أَبِي زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ-. . . . .\nــ\nالسماء في الأوصاف، واللَّه أعلم.\nوقوله: (هو الطهور ماؤه) الطهور بمعنى المطهِّر، وقد ذكرنا في أول (كتاب الطهارة) اشتقاقه من الطهارة مع كونه لازمًا. (والحل) بالكسر بمعنى الحلال، والميتة بفتح الميم: ما لم تلحقه الذكاة، والمراد بالميتة السمك سماه ميتة لكونه لم يذبح، وكما في حديث: (أحلت لنا ميتتان ودمان، الميتتان: الحوت والجراد، والدمان: الكبد والطحال)، رواه أحمد وابن ماجه والدارقطني (١)، وليس المراد الذي مات في البحر وهو حرام عندنا، وعند مالك والشافعي وأحمد لا بأس به، ومتمسكهم هذان الحديثان، ولنا ما روى جابر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (ما ألقاه البحر وجزر عنه الماء فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوا)، رواه أبو داود وابن ماجه (٢)، وسيجيء في (باب ما يحل أكله وما يحرم)، وقد روي من مذهب علي وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة -﵃- مثل مذهبنا، وإنما لم يقل في الجواب: بلى أو نعم؛ لأنهم كانوا سألوه عن الضرورة، فلو قال: بلى أو نعم لم يستفيدوا منه حال الرفاهية، فأخبر أنه طهور في كل حال فأتى بجملة مستقلة.\n٤٨٠ - [٧] (أبو زيد) قوله: (وعن أبي زيد عن عبد اللَّه بن مسعود) الحديث،\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٢/ ٩٧)، و\"سنن ابن ماجه\" (٣٢١٨)، و\"سنن الدارقطني\" (٤/ ٢٥).\n(٢) \"سنن أبي داود\" (٣٨١٥)، و\"سنن ابن ماجه\" (٣٢٤٧).","vol":"2","page":208},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالكلام في هذا الحديث طويل نذكر منه ما تيسر بتوفيق اللَّه ولا نخاف التطويل، فاعلم أن نبيذ التمر هو أن ينبذ التمر في الماء ويترك أيامًا حتى يخرج حلاوته وقد يحدث فيه شيء من الحدة، وسيجيء الكلام فيه وفي أحكامه في (باب الأشربة).\nواختلف في التوضؤ به فعند أبي حنيفة وسفيان رحمهما اللَّه جاز الوضوء به إذا لم يوجد ماء خالص، ومع وجوده لا يجوز التيمم، وقيل: النية شرط عند أبي حنيفة -﵁- في الوضوء بالنبيذ كأنه بدل من الماء مثل التراب، وعند الشافعي وأحمد لا يجوز ويجب التيمم، وهو قول أبي يوسف ورواية عن أبي حنيفة، ويحكى رجوعه إلى هذا القول، وعند محمد يتوضأ ثم يتيمم كما في الماء المشكوك كسؤر الحمار.\nويروى عن الطحاوي أنه قال: إن قدر على الماء المكروه ونبيذ التمر توضأ بالماء المكروه إجماعًا.\nوفي الاغتسال بنبيذ التمر قولان عن أبي حنيفة، والاختلاف في نبيذ يكون حلوًا رقيقًا يسيل على الأعضاء كالماء وإن اشتد وصار حديدًا، فإن كان من غير نار فهو حرام لا يجوز الوضوء به، وإن غيرته النار إن كان حلوًا جاز عند أبي حنيفة -﵁- لكون شربه حلالًا عنده، وعند محمد لا يجوز لحرمته عنده، ولا يجوز الوضوء بسائر الأنبذة كنبيذ الزبيب ونحوه كما هو مقتضى القياس؛ لأن الوضوء لا يجوز إلا بماء مطلق لم يتقيد باسم آخر، ولهذا لا يجوز بماء الورد والخل مثلًا، وإذا لم يوجد الماء المطلق وجب التيمم لقوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، وهذا هو دليل الأئمة القائلين بعدم جواز الوضوء بالنبيذ، ومتمسك الإمام أبي حنيفة في تجويزه هذا الحديث عن أبي زيد عن ابن مسعود أن النبي -ﷺ- قال له ليلة الجن، وهي الليلة التي جاءت الجن رسول اللَّه -ﷺ- وبايعوه، وسمعوا منه القرآن، وأخبروا به قومهم.","vol":"2","page":209},{"text":"قَالَ لَهُ لَيْلَةَ الْجِنِّ: \"مَا فِي إِدَاوَتك؟ \" قَالَ: قُلْتُ: نَبِيذٌ. قَالَ: \"تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ: فتوَضَّأَ مِنْهُ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَبُو زَيْدٍ مَجْهُولٌ. [د: ٨٤، حم: ١/ ٤٥٠، ت: ٨٨].\nــ\nوقوله: (ما في إداوتك؟) أي: مطهرتك، (قال) ابن مسعود: (قلت نبيذ، قال) رسول اللَّه -ﷺ-: (تمرة طيبة وماء طهور) أي: ما النبيذ إلا تمرة وهي طيبة ليس فيها ما يمنع التوضؤ وماء مطهر، (فتوضأ منه) رسول اللَّه -ﷺ-، وهذه الزيادة لأحمد والترمذي في هذا الحديث، ولم يزدها أبو داود، ويكفي في الدلالة على جوازه قوله: (تمرة طيبة وماء طهور)، ورواه السيوطي في (جمع الجوامع) (١) عن عبد الرزاق والبيهقي، وأورده الشيخ ابن الهمام (٢) عن ابن أبي شيبة بلفظ: قال ابن مسعود: سألني رسول اللَّه -ﷺ-: (هل معك ماء يتوضأ به؟) قلت: لا، قال: (فما في إداوتك؟) قلت: النبيذ، قال: (تمرة حلوة وماء طيب)، ثم توضأ به وأقام الصلاة، والترمذي ضعف هذا الحديث وقال: إنما روي هذا الحديث عن أبي زيد عن ابن مسعود، وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث، لا تعرف له رواية غير هذا الحديث، وقال في (ميزان الاعتدال) (٣): أبو زيد مولى ابن حريث عن ابن مسعود، وعنه أبو فزارة، لا يصح حديثه، ذكره البخاري في الضعفاء، وقال الحاكم: رجل مجهول ما له سوى حديث واحد، وفي (التقريب) (٤): أبو زيد المخزومي مولى عمرو بن حريث، وقيل: أبو زائد،\n_________\n(١) \"جمع الجوامع\" (٤٤٠)، و\"سنن الكبرى\" (١/ ٩، رقم: ٢٦).\n(٢) \"شرح فتح القدير\" (١/ ١١٩).\n(٣) \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٥٢٦).\n(٤) \"التقريب\" (٦٤٢).","vol":"2","page":210},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمجهول، من الثالثة، وقال (١): أبو فزارة راوي الحديث عن أبي زيد أيضًا مجهول (٢).\nفقال الشافعي وأبو يوسف: هذا حال هذا الحديث، ولو صح أيضًا فآية القرآن أقوى منه، فتعين العمل بها على أن الحديث منسوخ بالآية، فإن الآية مدنية، وقضية ليلة الجن كانت بمكة.\nوقال محمد: لما كان في الحديث اضطراب، وفي التاريخ جهالة وجب الجمع بينهما احتياطًا، وقالوا من جانب أبي حنيفة ﵀: إن ليلة الجن متعددة وكانت بالمدينة كما كانت بمكة، ولعل هذه القضية كانت في التي كانت في المدينة، وقد عمل بهذا الحديث جماعة من الصحابة، فعن علي -﵁- أنه قال: الوضوء بنبيذ التمر وضوء من لم يجد الماء، وعن ابن عباس: توضؤوا بنبيذ التمر، ولا توضؤوا باللبن، وروي عن ابن مسعود جوازه عند عدم الماء، كذا في بعض شروح (الهداية)، وأورد السيوطي في (جمع الجوامع) عن الدارقطني أنه روي عن ابن عباس مثل قول علي -﵁-.\nوقال التُّورِبِشْتِي (٣): حديث التوضؤ بنبيذ التمر روي عن ابن مسعود بوجوه متعددة، وفي سائر أسانيدها مقال، لكن الحديث إذا روي من طرق شتى غلب على ظن المجتهد حقيته، هذا وقال الشيخ ابن الهمام (٤): قال القاضي أبو بكر بن العربي في (شرح جامع الترمذي): أبو زيد مولى عمرو بن حريث، روى عنه راشد بن كيسان\n_________\n(١) أي: أحمد، كما في \"التهذيب\" (٣/ ٢٢٧).\n(٢) قال الحافظ: وتعقبه ابن عبد الهادي فقال: هذا النقل عن أحمد غلط من بعض الرواة عنه، وكأنه اشتبه عليه أبو زيد بأبي فزارة، انتهى. \"تهذيب التهذيب\" (٣/ ٢٢٧).\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٤٥٣).\n(٤) \"شرح فتح القدير\" (١/ ١١٨).","vol":"2","page":211},{"text":"٤٨١ - [٨] وَصَحَّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمْ أَكُنْ لَيْلَةَ الْجِنِّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٥٠].\nــ\nالعنسي الكوفي وأبو روق، وهذا يخرجه من الجهالة، وقال الشيخ تقي الدين السبكي: في تجهيل أبي فزارة أيضًا نظر؛ لأنه قد روى هذا الحديث من أبي فزارة جماعة من أهل العلم مثل سفيان وشريك وجراح بن مليح وقيس بن الربيع، وقال ابن عدي: أبو فزارة راوي هذا الحديث مشهور واسمه راشد بن كيسان، وكذا قال الدارقطني. وفي (الكاشف) (١): راشد بن كيسان العنسي الكوفي عن أنس وابن أبي ليلى، وعنه سفيان وحماد بن زيد ثقة. وقد ضعف هذا الحديث بأنه صح:\n٤٨١ - [٨] (علقمة) قوله: (عن علقمة عن عبد اللَّه بن مسعود أنه قال: لم أكن ليلة الجن مع رسول اللَّه -ﷺ-. رواه مسلم) قال التُّورِبِشْتِي: هذا صحيح ولكنه يحتمل أنه لم يكن مع رسول اللَّه -ﷺ- عند مفاوضة الجن ودعائهم إلى الإسلام، وكان قد خرج معه فأقعده بمدرجته على ما ذكر في الحديث عن ابن مسعود: فانطلقت معه إلى المكان الذي أراد، فخطّ لي خطًّا وأجلسني فيه، وقال: لا تخرج من هذا، فبت فيه حتى أتاني مع السحر، ويحتمل أن ابن مسعود لم يكن مع رسول اللَّه -ﷺ- وقت الخروج، ثم لحقه في آخر الليل بعد أن فرغ من دعوة الجن، فكونه مع رسول اللَّه -ﷺ- وعدم كونه معه ليلة الجن كلاهما صحيح، وهذا الوجه أوثق لما في بعض طرق حديث علقمة عن عبد اللَّه الذي استدل به المؤلف أن علقمة قال: قلت لعبد اللَّه بن مسعود: هل صحب رسولَ اللَّه -ﷺ- ليلة الجن منكم أحد؟ قال: ما صحبه منا أحد، قال: ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح أو قال: في السحر إذا نحن به يجيء من قبل حراء، ثم ساق الحديث، وهذا حديث صحيح\n_________\n(١) \"الكاشف\" (١/ ٣٣٨).","vol":"2","page":212},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأخرجه مسلم في كتابه، ولا تنافي بينه وبين قوله: في ليلة الجن؛ لأن سحر تلك اليلة كان من ليلة الجن، انتهى كلام التُّورِبِشْتِي (١).\nوالحق أنه قد ثبت بطرق كثيرة أن ابن مسعود كان معه -ﷺ- في ليلة الجن وخطّ رسول اللَّه -ﷺ- حوله وقال: لا تخرج منه، وهذه القصة طويلة ذكرت في كتب السير والأحاديث، وذكرها أبو نعيم في (الحلية) (٢)، فالمراد بعدم كونه معه عدم حضوره في وقت المفاوضة والمكالمة مع الجن، واللَّه أعلم.\nوقال الشيخ ابن الهمام (٣): وأما ما روي أنه سئل ابن مسعود عن ليلة الجن فقال: لم يحضر منا أحد فمعارض ما روى ابن أبي شيبة أن ابن مسعود كان معه، وبما روى حفص بن شاهين عن ابن مسعود أنه قال: كنت معه ليلة الجن، وأيضًا روي أن ابن مسعود رأى قوما من زط فقال: ما أشبههم بالذين رأينا من الجن ليلة الجن، والإثبات مقدم على النفي، وإن جمعنا بينهما قلنا: المراد بقوله: لم يكن منا أحد أنه لم يكن أحد من الصحابة غيري، فالمقصود نفي المشاركة وإثبات اختصاص نفسه بالحضور.\nوقال صاحب (آكام المرجان في أحكام الجان) (٤): ظاهر الأحاديث الواردة في وفادة الجن أنها كانت ست مرات، واحد منها كانت في بقيع الغرقد حضرها ابن مسعود، ومرتين منها حضر بمكة، ومرة رابعة كانت خارج المدينة حضرها الزبير بن\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٤٥٣).\n(٢) انظر: \"حلية الأولياء\" (٧/ ٣٩٥).\n(٣) \"شرح فتح القدير\" (١/ ١١٨).\n(٤) \"آكام المرجان في أحكام الجان\" (ص: ٨٤).","vol":"2","page":213},{"text":"٤٨٢ - [٩] وَعَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَتْ تَحْتَ ابْنِ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَسَكَبَتْ لَهُ وَضُوءًا، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ تَشْرَبُ مِنْهُ، فَأَصْغَى لَهَا الْإِنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ، قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: . . . . .\nــ\nالعوام، وبهذا لم يقطع بالنسخ، انتهى كلام الشيخ ابن الهمام، وبهذا ظهر أن الحق مع أبي حنيفة، واللَّه أعلم.\n٤٨٢ - [٩] (كبشة بنت كعب بن مالك) قوله: (وعن كبشة) بفتح الكاف وسكون الباء الموحدة وبالشين المعجمة.\nوقوله: (فسكبت) أي: في ظرف، والسكب: الصب، و(سكبت) يحتمل أن يكون بصيغة المتكلم، وأن يكون بصيغة الغائبة.\nوقوله: (فأصغى) أي: أمال (لها) أي: للهرة (الإناء) حتى يسهل عليها الشرب، يدل على أن سؤر الهرة ليس بمكروه كما هو مذهب أبي يوسف، كذا قال الشُّمُنِّي، ولكن قال أبو حنيفة ﵀ بالكراهة؛ لأنه قد جاء الحديث أنها سبع، رواه الحاكم في (المستدرك) (١) عن أبي هريرة -﵁-، وقال: صحيح الإسناد، وهو يقتضي نجاسة سؤرها كسؤر سائر سباع البهائم، لكنها سقطت إلى الكراهة لقوله -ﷺ-: (إنها ليست بنجسة إنها من الطوافين عليكم)، فتدبر.\nوقوله: (يا ابنة أخي) المراد أخوة الإسلام، ومن عادة العرب أن يدعوا بيا ابن أخي ولا ابن عمي.\n_________\n(١) \"المستدرك على الصحيحين\" (١/ ٢٦٤، رقم: ٥٦٩).","vol":"2","page":214},{"text":"\"إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمُ أَوِ الطَّوَّافَاتِ\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ط: ٤٢، حم: ٥/ ٣٠٣، ت: ٩٢، د: ٨٥، ن: ٦٨، جه: ٣٦٧، دي: ١/ ١٨٧ - ١٨٨].\n٤٨٣ - [١٠] وَعَن دَاوُدَ بْنِ صَالِحِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أُمِّهِ أَنَّ مَوْلَاتَهَا. . . . .\nــ\nوقوله: (إنها ليست بنجس) هكذا وقع بلفظ التذكير في نسخ (المشكاة) و(المصابيح)، ولكنها في الشروح والكتب (إنها ليست بنجسة) بلفظ التأنيث، ووقع في نسخة (جامع الترمذي) قديمة صحيحة بخط المغرب، وكذا (كتاب الخرقي) أيضًا بالتذكير، فغير بعد ذلك بالتاء، ويظهر بذلك أن أصل لفظ الحديث بالتذكير، وكذلك في الحديث الآتي، ونقل في الحاشية من بعض الشروح أنه بكسر الجيم وهو القياس، وإنما لم تلحق التاء لأنه في معنى السنور، وقال بعض الأئمة: إنه بالفتح بمعنى النجاسة فالتقدير إنها ليست بذات النجس.\nوقوله: (من الطوافين عليكم أو الطوافات) بصيغة فَعَّال للمبالغة، وليست (أو) هذه للشك لوروده بالواو في رواية أخرى، والمراد أنها من الذكور أو الإناث، فشبه ذكور الهرة بالطوافين وإناثها بالطوافات، كذا في الحاشية من (الأزهار)، وقيل: للشك من الراوي، والمعنى أنها تطوف عليكم في منازلكم، فلو حكمت بنجاسة سؤرها لشق عليكم، وقيل: المراد من يطوف للحاجة على الأبواب ويسأل، شبه الهرائر بهم يعني أن الأجر في مواساتها كالأجر في مواساتهم، كذا في بعض الشروح، ويناسب هذا المعنى حمل الطائف على معنى الخادم يخدم برفق وعناية على ما في (القاموس) (١).\n٤٨٣ - [١٠] (داود بن صالح) قوله: (أن مولاتها) أي: معتقة أمه وكانت أمه\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٧٦٩).","vol":"2","page":215},{"text":"أَرْسَلَتْهَا بِهَرِيسَةٍ إِلَى عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَوَجَدْتُهَا تُصَلِّي فَأَشَارَتْ إِلَيَّ أَنْ ضَعِيهَا، فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَأَكَلَتْ مِنْهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَتْ عَائِشَةُ مِنْ صَلَاتِهَا أَكَلَتْ مِنْ حَيْثُ أَكَلَتِ الْهِرَّةُ، فَقَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ إِنَّها مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ\". وَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَتَوَضَّأ بِفَضْلِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٧٦].\nــ\nمولاة لبعض نساء الأنصار، والمولى اسم مشترك بين المعتق والمعتق بالكسر والفتح، والمراد ههنا بالكسر، والضمير المرفوع في (أرسلتها) للمولاة والمنصوب لأمه.\nوقوله: (بهريسة) هو الطعام المعروف، والهرس الأكل الشديد والدق العنيف، ومنه الهريس والهريسة، وقد يروى في فضل الهريسة حديث وهو موضوع، ففي (تنزيه الشريعة) (١) عن معاذ قال: قلت: يا رسول اللَّه! أتيت من الجنة بطعام، قال: نعم، أتيت بالهريسة فأكلتها فزادت في قوتي قوة أربعين، وفي نكاحي نكاح أربعين، رواه العقيلي، وفيه محمد بن الحجاج وهو وضعه، وغالب طرقه يدور عليه، وله طرق كلها باطلة أو مختلف فيها والأغلب البطلان.\nوقوله: (فأشارت إلي أن ضعيها) أن مفسرة لما في الإشارة من معنى القول، ولهذا استثنى الرمز من التكلم في قوله تعالى: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١] وفيه دليل على أن مثل هذه الإشارة جائزة في الصلاة، وقد وقعت في غيره من الأحاديث في الإشارة للسلام باليد والرأس، وجاء في بعض الروايات أن الإشارة المفهمة مفسدة للصلاة، وهذا الحديث يدل على خلاف ذلك.\nوقوله: (إنها ليست بنجس) الرواية المشهورة المقروءة بكسر الجيم، وقد يفتح،\n_________\n(١) \"تنزيه الشريعة\" (٢/ ٢٥٣).","vol":"2","page":216},{"text":"٤٨٤ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ؟ قَالَ: \"نَعَمْ، وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [١/ ٧٧].\n٤٨٥ - [١٢] وَعَنْ أُمِّ هَانِئ قَالَتْ: اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- هُوَ وَمَيْمُونَةُ فِي قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ن: ٢٤٠، جه: ٣٧٨].\nــ\nوقد سبق بيانه.\n٤٨٤ - [١١] (جابر -﵁-) قوله: (بما أفضلت) أي: أبقته من فضله، وكلمة (ما) في الموضعين موصولة وقد يمد، قال التُّورِبِشْتِي (١): ولا أراه إلا تصحيفًا، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وبما أفضلت السباع كلها) يدل على أن سؤر السباع طاهر كما هو مذهب الشافعي رحمة اللَّه عليه، وعندنا هو نجس؛ لأن لعابه متولد من لحمه النجس فيكون نجسًا، وهو مذهب أحمد رحمة اللَّه عليه مع ما فيه من اختلاف في روايات عند أصحابه، والأحاديث التي تدل على طهارتها متكلم فيها، ولو سلم فالمراد به الغُدْرَان العظام، وأيضًا هو يقتضي طهارة سؤر الكلب وهو لا يقول به، كذا قال الشُّمُنِّي، ونقل عن (المحيط) (٢) عن (نوازل أبي الليث): إذا أخذ الكلب عضو إنسان أو ثيابه إن كان في حال الغضب لا يجب غسله، وإن كان حال المزاح يجب لأنه حال الغضب يأخذ بالأسنان لا غير ولا رطوبة فيها، وحال المزاح يأخذ بالشفتين وهما رطبتان.\n٤٨٥ - [١٢] (أم هانئ) قوله: (فيها أثر العجين) لعله لم يكن مغيرًا للماء عن\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٦٢).\n(٢) انظر: \"المحيط البرهاني\" (١/ ١٤٠ - ١٤١).","vol":"2","page":217},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-256> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٨٦ - [١٣] عَن يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ خَرَجَ فِي رَكْبٍ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ حَتَّى وَرَدُوا حَوْضًا، فَقَالَ عَمْرٌو: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ هَلْ تَرِدُ حَوْضَكَ السِّبَاعُ؟ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ لَا تُخْبِرْنَا، فَإِنَّا نَرِدُ عَلَى السِّبَاعِ وَتَرِدُ عَلَيْنَا. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٤٣].\n٤٨٧ - [١٤] وَزَاد رزين قَالَ: زَادَ بَعْضُ الرُّوَاةِ فِي قَوْلِ عُمَرَ: وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَهَا مَا أَخَذَتْ فِي بُطُونِهَا، وَمَا بَقِي فَهُوَ لَنَا طَهُورٌ وَشَرَابٌ\".\n٤٨٨ - [١٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- سُئِلَ عَنِ الْحِيَاضِ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ تَرِدُهَا السِّبَاعُ وَالْكِلَابُ وَالْحُمُرُ عَنِ الطُّهْرِ مِنْهَا،\nــ\nطبعه كذا قال الطيبي (١)، وعندنا إن غير شيء طاهر أحد أوصاف الماء جاز إلا أن يخرجه عن طبعه من السيلان.\nالفصل الثالث\n٤٨٦ - ٤٨٧ - [١٣ - ١٤] (يحيى بن عبد الرحمن، رزين) قوله: (لا تخبرنا) قال الطيبي (٢): معناه إخبارك وعدمه سواء عندنا وحمل على ذلك بدلالة فوله: (فإنا نرد على السباع وترد علينا) يعني لا بأس به، وقد ينبادر إلى الذهن من قوله: (لا تخبرنا) إنا نقع في الشك بإخبارك فلا تخبر لنعمل على ظاهر الحال من عدم وجود النجاسة فيه، فافهم.\n٤٨٨ - [١٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (عن الطهر منها) بدل اشتمال عن\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١٠٩).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١١٠).","vol":"2","page":218},{"text":"فَقَالَ: \"لَهَا مَا حَمَلَتْ فِي بُطُونِهَا، وَلَنَا مَا غَبَرَ طَهُورٌ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٥١٩].\n٤٨٩ - [١٦] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- قَالَ: لَا تَغْتَسِلُوا بِالْمَاءِ الْمُشَمَّسِ فَإِنَّهُ يُورِثُ البَرْصَ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ١/ ٣٩].\n* * *\nــ\nالحياض أي: عن حصول الطهر منها، وقال الطيبي (١): المراد بالطهر التطهير.\nوقوله: (ولنا ما غبر) أي: بقي، في (القاموس (٢» غبر: مكث وذهب ضدٌّ.\n٤٨٩ - [١٦] (عمر بن الخطاب) قوله: (لا تغتسلوا بالماء المشمس فإنه يورث البرص) لعل المراد الاعتياد على ذلك أو عند عدم ما يعارضه أو يمنعه كما في بعض الأطعمة التي منع منه الأطباء وحذروا منه، ثم قالوا: لم يصخ عن النبي -ﷺ- في ذلك شيء، وقال في (تنزيه الشريعة) (٣): حديث عائشة -﵂-: أسخنت لرسول اللَّه -ﷺ- ماء في الشمس فقال: (لا تفعلي يا حميراء فإنه يورث البرص)، رواه أبو نعيم في (الطب)، وفيه خالد، والدارقطني في (الأفراد) وفيه الهيثم، وفي (السنن) وفيه عمرو، وابن حبان وفيه وهب بن وهب، وجاء من حديث أنس -﵁-: (لا تغتسلوا بالماء الذي يسخن بالشمس فإن يعدي من البرص)، رواه العقيلي من طريق سوادة (٤)، وقال: مجهول حديثه غير محفوظ، وليس في الماء المشمس شيء يصحّ سندًا، إنما يروى فيه شيء\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١١٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤١٧).\n(٣) \"تنزيه الشريعة\" (٢/ ٦٨).\n(٤) قوله: سوادة، وفي المخطوطة \"سودة\" وهو تصحيف.","vol":"2","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>٨ - باب تطهير النجاسات</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-258> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٩٠ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٢، م: ٢٧٩].\nــ\nمن قول عمر -﵁-، وتعقب بأن الحديث وإن كان واهيًا من جميع طرقه فقول عمر شاهد له، وقد أخرج الشافعي قول عمر بسند رجاله ثقات إلا إبراهيم فإنه مختلف فيه، وشيخه صدقة ضعيف، وأخرجه الدارقطني من طريق أخرى حسنها المنذري وغيره، واللَّه أعلم.\nثم قد وقع فيما أورد المؤلف التخصيص بالاغتسال، ذلك إما بطريق العادة أو لخاصيَّة له في ذلك، ولكن قال صاحب (سفر السعادة): إن في استعمال الماء المشمس لم يصحّ شيء من النبي -ﷺ-، وهذه العبارة مما يشتمل الغسل والوضوء أو غيرهما، واللَّه أعلم.\n٨ - باب تطهير النجاسات\nالنجاسة ضد الطهارة، وجاء نجس ينجس من باب سمع وكرم، وقال في (القاموس) (١): النجس بالفتح وبالكسر وبالتحريك وككتف وعضد ضد الطاهر انتهى. وفي اصطلاح الفقهاء: النجس بفتح الجيم يقع بمعنى عين النجاسة، وبكسرها بمعنى ما لا يكون طاهرًا أعم من أن يكون عين النجاسة أو شيئًا اتصل به النجاسة، وإنما أورد المؤلف بلفظ الجمع إرادة لأنواعها المختلف حكمها.\nالفصل الأول\n٤٩٠ - [١] (أبو هريرة) قوله: (إذا ولغ الكلب) ولغ الكلب يلَغ بفتح اللام\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٣٣).","vol":"2","page":220},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفيهما، وحكى ابن الأعرابي كسرها في الماضي إذا شرب ما في الإناء بطرف لسانه، وفي (القاموس) (١): ولغ الكلب في الإناء وفي الشراب، ومنه، وبه، يَلَغُ كَيَهَبُ وكوَرِث، وَلْغًا ويُضَمّ، ووُلُوغًا ووَلَغَانًا محركة: شرب ما فيه بأطراف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحرّكه، خاصٌّ بالسِّباع، ومن الطير بالذباب.\nاعلم أن غسل الإناء سبعًا إذا ولغ الكلب فيه مذهب أكثر المحدثين ومذهب الأئمة الثلاثة خلافًا لأبي حنيفة -﵁-، لكن عند مالك الغسل عند الولوغ تعبدي؛ لأن الكلب طاهر عنده، وقد يحكى عنه أربعة أقوال: طهارته، ونجاسته، وطهارة سؤر المأذون اتخاذه، والفرق بين البدوي والحضري، وهذا الحديث دليل على نجاسته؛ لأن الطهور إنما يكون عن خبث أو حدث ولا حدث، وحجته ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]، ولا يؤمر بغسل ما أصاب فمه، وجوابه أنه ساكت، ودل الحديث على الغسل فيجمع، ولو سلم فعفي ذا للمشقة في الصيد، واحتج بالأمر بالسبع ولو كان نجسًا لاكتفى بالواحد.\nوالطاهر يغتسل تعبدًا متكررًا كالوضوء، واعترض بأنه لو كان طاهرًا لم يجب التكرار كالوضوء، ثم إنه قد ذكر التتريب والتعفير مع الغسل فجاء في رواية مسلم: أولاهن بالتراب، وفي رواية أبي داود: والسابعة، وفي الترمذي: أولاهن أو أخراهن، وفي رواية عند البزار: إحداهن، وعن أحمد رحمة اللَّه عليه يجب الغسل ثمانيًا لما روى عبد اللَّه بن مغفل قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة بالتراب)، رواه مسلم (٢) وغيره.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٢٨).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٢٨٠)، و\"سنن أبي داود\" (٧٤)، و\"سنن النسائي\" (٦٧)، و\"سنن =","vol":"2","page":221},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: \"طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ\".\n٤٩١ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ. . . . .\nــ\nثم المذكور في الحديث ولوغ الكلب في الإناء فجعل الخنزير في حكمه بطريق الأولى، وقيس عليه البول وغيره من النجاسات، وغير الإناء من الثياب والفرش والأرض على الإناء، والأشنان ونحوه على التراب، وقيل: بالاقتصار على مورد النص تعبدًا، وحكم في غيره، إما بتثليث الغسل لحديث (١): (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا)، أو بالغسل من غير اعتبار عدد؛ لأن النبي -ﷺ- أمر أسماء بغسل دم الحيض ولم يأمرها بعدد، وأمر أن يصب على بول الأعرابي ذنوب من ماء ولم يأمر بعدد، والكل مروي عن الإمام أحمد بن حنبل رحمة اللَّه عليه، ولا أدري ماذا قال أصحابنا عن أبي حنيفة -﵁- في ترك العمل بالحديث المذكور، أما أنا فنقول: كان ذلك احتياطًا لا وجوبًا، والدلائل دالة على خلاف ذلك، فيكون حكمه كحكم سائر النجاسات، أو كان في ابتداء الإسلام ثم نسخ، واللَّه أعلم.\n٤٩١ - [٢] (عنه) قوله: (قام أعرابي) العرب خلاف العجم وكلاهما بضم وسكون وبفتحتين، في (القاموس) (٢): وهم سكان الأمصار أو عام، والأعراب منهم سكان البادية لا واحد له، انتهى. والنسبة إلى الأعراب أعرابي لأنه لا واحد له، وليس الأعراب جمعًا للعرب، وفي بعض الشروح نقلًا عن الشيخ قال: الأعراب جمع\n_________\n= ابن ماجه\" (٣٦٥).\n(١) \"صحيح مسلم\" (٧٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨).","vol":"2","page":222},{"text":"فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ. . . . .\nــ\nالأعرابي وهو من سكن البادية عربًا كانوا أو عجمًا، هذا وظاهر عبارة (القاموس) تدل على أنهم مخصوصون بالعرب.\nثم اختلف في اسم ذلك الأعرابي فقيل: اسمه ذو الخويصرة اليمامي، وكان رجلًا جافيًا، وفي الترمذي أنه صلى ثم قال: اللهم ارحمني وارحم محمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال له النبي -ﷺ-: (لقد تحجرت واسعًا) فلم يلبث أن بال في المسجد، وقيل: الأقرع بن حابس التميمي.\nوقوله: (فتناوله الناس) أي: بألسنتهم لا بأيديهم، كذا في (مجمع البحار) (١)، وقد وقع عند البيهقي والنسائي بلفظ: فصاح الناس، كذا في بعض الشروح، وكما يأتي في الحديث الآتي قالوا: مه مه، وللبخاري في (الأدب): فسار إليه الناس، وله في رواية عن أنس: فقاموا إليه، وفي رواية: فزجره الناس، وللإسماعيلي: فأراد أصحابه أن يمنعوه، ومنه حديث: كأن معاذًا تناول منه، أي قال: إنه منافق.\nوقوله: (وهريقوا) أصله أريقوا فأبدلت الهمزة هاء، وقد سبق (٢) تحقيقه في آخر الفصل الثالث من (كتاب الإيمان).\nوقوله: (سجلًا من ماء أو ذنوبًا من ماء) في (القاموس) (٣): السجل -بفتح السين-: الدلو العظيمة مملوءة مذكر، وملء الدلو، والذنوب -بالفتح-: الدلو أو فيها ماء أو الملء أو دون الملء، وإنما قال: (من ماء) مع أن السجل والذنوب من\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٨٢٥).\n(٢) أي تحت حديث (٤٦).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٣٢، ٩٣).","vol":"2","page":223},{"text":"فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ، وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٢٠].\nــ\nشأنها ذلك؛ لأنه اسم مشترك بينه وبين الفرس الطويل وغيرهما، كذا قال الشيخ، وقال الكرماني (١): لفظة (من) زيادة وردت تأكيدًا، وفي (الأزهار): للتبيين ليخرج عنه غيره من المائعات، وهذا هو الصحيح، كذا في بعض الشروح، وفي الوجه الأول من هذه الوجوه نظر؛ لأن المقام يكفي قرينة على عدم إرادة معنى الفرس وغيره، كما لا يخفى، وكلمة (أو) على الترادف للشك من الراوي، وعلى الفرق يحتمل التخيير.\nوقوله: (فإنما بعثتم ميسرين) على صيغة اسم الفاعل وكذلك (لم تبعثوا معسرين)، ومعنى (بعثتم) أخرجتم من قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، أو وصفوا بوصف متبوعهم وهو الرسول -ﷺ-، أو هذه العبارة كناية عن وصفه -ﷺ- نفسه بهذا الوصف، كما يقول المتبوع لأتباعه: أنتم كذا وأنتم كذا يصفهم بأوصافه ومراده وصف نفسه بها، فافهم.\nواعلم أن الحديث يدل بظاهره على أن الأرض تطهر بصب الماء إذا ورد على النجاسة على سبيل المكاثرة والغلبة، وعلى أن غسالة النجاسة طاهرة، وإن اندفعت إلى موضع آخر من أرض أو بدن أو ثوب أو خرجت من الحصير إلى الأرض، واختلف فيه على أقوال، ثالثها: إن انفصلت وقد طهر المحل فطاهرة وإلا فنجسة، وإن انفصلت متغيرًا لونها أو ريحها يتنجس إجماعًا، كذا في (مجمع البحار) (٢).\nوقال الطيبي (٣): فيه دلالة على أن الأرض إذا أصابتها نجاسة لا تطهر بالجفاف، ولا يجب حفر الأرض ولا نقل التراب إذا صب عليه الماء، والحفر والنقل واجب عند\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (٣/ ٧١).\n(٢) انظر: \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٤٧٩).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١١٢).","vol":"2","page":224},{"text":"٤٩٢ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجدِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: مَهْ مَهْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ\" فترَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: \"إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَالقَذَرِ، إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ\" أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-،\nــ\nأبي حنيفة -﵁-، وأن الشمس إذا جفتها طهرت عنده، انتهى.\nوما فزت في هذا الحديث من كلام أصحابنا جوابا عن هذا الكلام، وأقول -وباللَّه التوفيق-: إنه لم يدل الحديث على أنهم صلوا في ذلك المكان قبل الجفاف، فلعله إنما أمر بصب الماء تقليلًا لتغليظ النجاسة ورائحة البول ولونه بمبالغة الماء ولم يكتف في التطهير به، بل هو حصل بالجفاف، والحديث عن ذلك ساكت، واللَّه أعلم.\n٤٩٢ - [٣] (أنس) قوله: (لا تزرموه) بتقديم الزاي على الراء من باب الإفعال، يقال: زرم دمعه وكلامه وبوله: انقطع، وأزرمه قطع عليه بوله، ومنه حديث: (بال الحسن فأخذ من حجره -ﷺ- فقال: لا تزرموا ابني)، والحكمة في النهي عن إزرام الأعرابي أنه يتضرر، والمسجد قد يتنجس ويتنجس ثيابه ومواضع كثيرة من المسجد، وفيه غاية الشفقة والرحمة والحلم والكرم منه -ﷺ-، ولهذا منعه ونصحه بما فيه غاية اللين والشفقة، واسم الإشارة في (هذه المساجد) لكمال التميز والتعظيم، وفي (هذا البول) للتحقير.\nوقوله: (أو كما قال رسول اللَّه -ﷺ-) هذا كلمة تقال عند الشك في لفظه والنقل بالمعنى -ﷺ-، أي قال هذا القول أو قولًا يشابهه.","vol":"2","page":225},{"text":"قَالَ: وَأَمَرَ رَجُلًا مِنَ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَسَنَّهُ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٢٥، م: ٢٨٥].\n٤٩٣ - [٤] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: سَأَلَتْ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إحْدَانَا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ كَيْفَ تَصْنَعُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذا أَصَابَ ثَوْبَ إِحْدَاكُنَّ الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ فَلْتَقْرُصْهُ،\nــ\nوقوله: (قال: وأمر) أي: قال الراوي: وأمر رسول اللَّه -ﷺ- (رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماء فسنّه عليه) أي: أمر رجلًا أن يجيء بدلو من ماء ويسنّه على البول، فجاء بدلو فسنّه، فاختصر في العبارة، ومثله كثير في الأحاديث، ويكون المأمور به هو مدخول الفاء، والسن: الصب، في (القاموس) (١): سن الماء: صبه، ذكره في فصل السين المهملة، وكذا في الشين المعجمة شن الماء على التراب: فرقه، انتهى. فالسن بالمهملة الصب مطلقًا أو الصب بدون التفريق، وبالمعجمة مع التفريق.\n٤٩٣ - [٤] (أسماء بنت أبي بكر) قوله: (من الحيضة) بالكسر للحالة وبالفتح للمرة، وقد سبق (٢) في حديث بئر بضاعة.\nوقوله: (فلتقرصه) بضم الراء من نصر، والقرص بالصاد المهملة أخذك لحم إنسان بأصبعيك حتى تؤلمه، والقطع، كذا في (القاموس) (٣)، والمراد ههنا دلك الدم بأطراف الأصابع والأظفار مع صب الماء عليه، وهو أبلغ من غسله بجميع اليد، كذا\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١١٢).\n(٢) أي تحت حديث (٤٧٨).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٧٨).","vol":"2","page":226},{"text":"ثُمَّ لِتَنْضَحْهُ بِمَاءٍ ثُمَّ لِتُصَلِّ فِيهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٧، م: ٢٩١].\n٤٩٤ - [٥] وَعَنْ سُلَيمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْمَنِيِّ يُصِيبُ الثَّوْبَ، فَقَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّه -ﷺ- فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ وَأَثَرُ الْغَسْلِ فِيه ثَوْبِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [خ: ٢٣، م: ٢٨٩].\nــ\nفي (النهاية) (١)، وقد جاء قرِّصيه بالتشديد بمعنى قَطِّعيه، يقال: قرصت الدم من الثوب بالماء كأنها تقصد إليه من سائر الثوب فتغسله فكأنه قطع، والرواية في الحديث من القرص دون التقريص كذا قيل، وقال في (المشارق) (٢): روينا بالتثقيل وبالتخفيف.\nوقوله: (ثم لتنصحه) ضبطوه بكسر الضاد وفتحها، وجعله في (الصراح) (٣) من ضرب يضرب، والنضح الرش، ويراد به الغسل في كثير من الدم، وفي رواية البخاري: (فتغسله وتنصح على سائره)، يعنى تغسل موضع الدم وتنضح سائره، فالمراد منه الرش، قالوا: إنما تفعل ذلك لتطيب نفسها ودفعًا للوسوسة.\nوقوله: (ثم لتصل فيه) أي: إن شاء صلّت في ذلك الثوب قبل أن ييبس كما فى الحديث الآتي: (فيخرج إلى الصلاة وأثر الغسل في ثوبه).\n٤٩٤ - [٥] (سليمان بن يسار) قوله: (فقالت: أغسله) فيه دليل أن المني نجس كما هو مذهبنا ومذهب مالك، ورواية من أحمد، وعند الشافعي والمشهور من مذهب أحمد أنه طاهر، ودليلهم أنه أصل أولياء اللَّه تعالى فكيف نقول: إنه\n_________\n(١) \"النهاية\" (٤/ ٤٠).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٣٠١ - ٣٠٢).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ١١١).","vol":"2","page":227},{"text":"٤٩٥ - [٦] وَعَنِ الأَسْوَدِ وَهَمَّامٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٨].\n٤٩٦ - [٧] وَبِرِوَايَةِ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوَهُ وَفِيهِ: ثمَّ يُصَلِّي فِيهِ. [م: ٢٨٨].\nــ\nنجس؟، وما روى الدارقطني والطبراني (١) عن ابن عباس -﵄- ما قال: سئل النبي -ﷺ- عن المني يصيب الثوب، فقال: (إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة).\nولنا أحاديث وردت في غسله رطبًا أو فركه يابسًا، وضمه مع الأشياء النجسة في قوله -ﷺ-: (إنما يغسل الثوب من خمس: البول والغائط والدم والمني والقيء) على ما رواه في (الهداية) (٢)، وأجيب عن قولهم بأنه أصل أولياء اللَّه بأنه لا استبعاد في تكون الطاهر من النجس كاللبن من الدم، وأيضًا خلقوا من العلقة، والدم نجس بالاتفاق، وما ذكروه معارض بأنه أصل أعداء اللَّه فينبغي أن يكون نجسًا كذا ذكروا.\n٤٩٥ - ٤٩٦ - [٦ - ٧] (الأسود، وهمام، وعلقمة) قوله: (كنت أفرك) فرك الثوب يَفْرُكُه: دلكه، من نصر، وذلك لشدة البلوى، فلا يدل على الطهارة لأحاديث وردت في الغسل، لا يقال: لعل ذلك للنظافة لا للنجاسة، قلنا: بل الظاهر خلاف ذلك، ويدل على ذلك ضمه مع الأشياء النجسة كما ذكرنا، والمراد اليابس من المني، وعن أبي حنيفة -﵁-: أن البدن لا يطهر من المني بالفرك، لأن البدن لا يمكن فركه، وعن الفضلي (٣): أن مني المرأة لا يطهر بالفرك لرقته، كذا قال الشُّمُنِّي.\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (١/ ١٢٣)، و\"المعجم الكبير\" (١١/ ١٤٨، رقم: ١١٣٢١).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ٣٧).\n(٣) انظر: \"فتح القدير\" (١/ ٣٦٣)، و\"حاشية الطحطاوي على المراقي\" (ص: ١١٠).","vol":"2","page":228},{"text":"٤٩٧ - [٨] وَعَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ: أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صغِيرٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي حِجْرِهِ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٣، م: ٢٨٧].\nــ\n٤٩٧ - [٨] (أم قيس بنت محصن) قوله: (فنضحه ولم يغسله) ظاهره أنه اكتفى برش الماء من غير أن يغسله، وقال الطيبي (١): المراد بالنضح رش الماء بحيث يصل إلى جميع موارد البول من غير جري، وفي (مجمع البحار) (٢) عن النووي: حقيقة النضح بإهمال حاء: أن يغمر بحيث لو عصر لا يعصر، وقيل: أن يغمر ويكاثر بالماء مكاثرة لا تبلغ جريان الماء وتقاطره، والمشهور أنه يكفي في بوله لا في بولها، وقيل: يكفي فيهما، وقيل: لا فيهما، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك رحمهما اللَّه، وعن الكرماني عند مالك والحنفية النضح بمعنى الغسل كثير معروف، انتهى. فإذا أريد بالنضح ههنا الغسل فالمراد بقوله: لم يغسله، أي: لم يبالغ في غسله.\nقال التُّورِبِشْتِي (٣): لم يرد أنه لم يغسل وإنما أراد به التفريق بين الغسلين ألبتة على أنه غسل دون غسل، فعبر عن أحدهما بالغسل وعن الآخر بالنضح، واعلم أن المشهور من مذهب الشافعي وأحمد أنه يكفي في بول الطفل الذي لا يطعم ولا يشرب إلا اللبن الرشُّ بالماء، ويتعين في بول الصبية الغسل لورود النضح في بول الصبي دون الصبية، وليس ذلك لأجل أن بول الصبي ليس بنجس، ولكنه من أجل التخفيف، قال الطيبي (٤): وهو الصواب، وقال: الفرق أن بول الصبية بسبب استيلاء الرطوبة\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١١٥).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٧٤١).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٢/ ١٦٤).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١١٥).","vol":"2","page":229},{"text":"٤٩٨ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُول: \"إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٦٦].\nــ\nوالبرودة على مزاجها يكون أغلظ وأنتن، فتفتقر إزالتها إلى مزيد مبالغة بخلاف الصبي، وقيل: لأن بول الغلام يكون في موضع واحد مخرجه، وبول الجارية متفوق في مواضع لسعة مخرجها، ولا يخفى ما في هذه الوجوه من خفاء.\nوالأوجه ما قيل: إن النفوس أعلق بالذكور منها بالإناث فحصلت الرخصة في الذكور لكثرة المشقة، ونقل الشُّمُنِّي عن الطحاوي أنه قال: النضح الوارد في بول الصبي المراد به الصب، لما روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة -﵂- قالت: أتي رسول اللَّه -ﷺ- بصبي فبال عليه، فقال: (صُبّوا عليه الماء صبًّا)، قال: من أن حكم بول الغلام الغسل إلا أنه يجزئ فيه الصب، وحكم بول الجارية أيضًا الغسل إلا أنه لا يكفي فيه الصب، ويفهم من هذا الكلام أن الصب غير النضح وهو كذلك، فإن النضح إيصال الماء في مواضع البول من غير جريان الماء عليه، وفي الصب جريان، كذا في (المفاتيح) (١).\n٤٩٨ - [٩] (عبد اللَّه بن عباس) قوله: (إذا دبغ الإهاب فقد طهر) الإهاب الجلد أو ما لم يدبغ، كذا في (القاموس) (٢)، وقال الشُّمُنِّي: الإهاب الجلد قبل الدباغ، وأما بعده فيسمى أديمًا، واشتقاقه من الأهبة بالضم بمعنى العدة، والدبغ والدباغ إصلاح الجلد بما يمنع النتن والفساد كالقرظ والعفص والتشميس والإبقاء في الحر لا بمجرد التجفيف، دبغ الإهاب كنصر ومنع وضرب ودبغًا ودباغة بكسرهما\n_________\n(١) \"المفاتيح في شرح المصابيح\" (١/ ٤٣٧)، وانظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٠٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٩).","vol":"2","page":230},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفاندبغ، والدباغ والدبغ والدبغة مكسورات: ما يدبغ به، والدباغة حرفته، ومسك دبيغ ومدبوغ، والمدبغة موضعه ويضم باؤه.\nوطهارة الجلد بالدبغ وإن كان جلد ميتة أو غير مأكول متفق عليها في مذاهب الأئمة الأربعة غير أن لأئمة مذهب أحمد ﵀ كلامًا في طهارة جلد الميتة، فبعضهم تكلموا في صحة الأحاديث الواردة في هذا الباب، وبعضهم التزموا صحتها، ومنعوا تخصيص عام القرآن بالسنة، وهو قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] والجلد جزء منها، والمقصود تحريم الفعل المقصود من كل جزء منها، والمقصود من الجلد الانتفاع به، كما أن المقصود من اللحم الأكل، وأوردوا أحاديث دالة على النهي عن الانتفاع بالميتة بإهاب ولا عصب، منه حديث عبد اللَّه بن حكيم قال: (أتانا كتاب رسول اللَّه: أن لا تنتفعوا بإهاب ولا عصب)، وسيجيء هذا الحديث في الكتاب [برقم: ٥٠٨] برواية الترمذي والنسائي وابن ماجه، ومنعوا تخصيص الإهاب اسمًا للجلد قبل الدباغ، ويحكى عن صالح بن أحمد أنه قال: ليس عندي في الدباغ حديث صحيح، ورووا حديثًا للدارقطني أنه قال: (كنت رخصت لكم في جلود الميتة فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)، وهو مشعر بنهي بعد رخصة، وأن ما كان من الرخصة كان أولًا، هذا والحق أن أحاديث الدباغ صحيحة مشهورة تجوز بمثلها الزيادة على الكتاب، أو أن الكتاب مجمل لا عام فبينته السنة، ولهذا ذهب المحققون من الحنابلة بالطهارة، وأحاديث المخالفين ضعيفة.\nثم قد استثني من الإهاب جلد الخنزير لكونه حرامًا لعينه، وجلد الآدمي لكرامته، وفي الكلب اختلاف ذكر في الفقه، وعثد محمد الفيل كالخنزير، وعندهما ينتفع به، وقد نقل عن ناس من السلف أنهم كانوا يمتشطون بعظم الموتى نحو الفيل","vol":"2","page":231},{"text":"٤٩٩ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ، فَمَاتَتْ، فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"هَلَّا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟ \" فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: \"إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٩٢، م: ٣٦٣].\n٥٠٠ - [١١] وَعَنْ سَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ: مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا،\nــ\nوغيره ويدهنون بها، لا يرون به بأسًا، ذكره البخاري في ترجمة باب عن الزهري، وقالوا: لا بأس بتجارة العاج، وروى البيهقي (١) من حديث أنس: أن النبي -ﷺ- كان يمتشط بمشط من عاج، وروي أنه اشترى لفاطمة -﵂- سوارين من عاج، والمشهور أن العاج هو أنياب الفيل، ولا يسمى غير الأنياب عاجًا، وقد قال بعض المحدثين: إن العاج هو الذبل وهو عظم السلحفاة البحرية أو حيوان آخر بحري وليس أنياب الفيل، واللَّه أعلم.\n٤٩٩ - [١٠] (عبد اللَّه بن عباس) قوله: (إنما حرم) من الحرمة أو التحريم، وهذا بيان لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] إن كان مجملًا أو تخصيص له إن كان عامًّا.\n٥٠٠ - [١١] (سودة) قوله: (ماتت لنا شاة) الظاهر بحسب المعنى أن (لنا) حال من (شاة) قدم عليه لكونه نكرة، ويجوز أن يتعلق بـ (ماتت)، والإتيان باللام لانتفاعهم بموته بدبغ مسكها والانتباذ فيه، فافهم.\nوقوله: (فدبغنا مسكها) المسك بالفتح الجلد أو خاص بالسخلة، كذا\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" للبيهقي (١/ ٢٦، رقم: ٩٧).","vol":"2","page":232},{"text":"ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَ شَنًّا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٦٨٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-259> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٠١ - [١٢] عَنْ لُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ: كَانَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَبَال عَلَى ثَوْبِهِ، فَقُلْتُ: الْبَسْ ثَوْبًا، وَأَعْطِنِي إِزَارَكَ حَتَّى أَغْسِلَهُ، قَالَ: \"إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الأُنْثَى، وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٦/ ٣٣٩، ٣٤٠، د: ٣٧٥، جه: ٥٢٢].\n٥٠٢ - [١٣] وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ أَبِي السَّمْحِ قَالَ: \"يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ\". [د: ٣٧٦، ن: ٣٠٤].\nــ\nفي (القاموس) (١).\nوقوله: (ننبذ فيه) أي: نعمل نبيذًا في سقاء عملناه من مسكه.\nوقوله: (حتى صار شنًا) بفتح الشين المعجمة أي: خلقًا باليًا، والشن والشنة: القربة البالية، وفي (القاموس) (٢): القربة الخلقة الصغيرة.\nالفصل الثاني\n٥٠١ - ٥٠٢ - [١٢ - ١٣] (لبابة بنت الحارث وأبو السمح) قوله: (قال: إنما يغسل من بول الأنثى، وينضح من بول الذكر) قد مرّ الكلام فيه، و(أبي السمح) بفتح السين وسكون الميم مولى رسول اللَّه -ﷺ-، له حديث واحد، روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٧٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١١٥).","vol":"2","page":233},{"text":"٥٠٣ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا وَطِئَ أَحَدُكُمْ بِنَعْلِهِ الأَذَى فَإِنَّ التُّرَابَ لَهُ طَهُورٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَلِابْنِ مَاجَهْ مَعْنَاهُ. [د: ٣٨٥، جه: ٥٣٢].\nــ\n٥٠٣ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى) في (القاموس) (١): أذي به بالكسر أذًى وتأذّى، والاسم الأذِيَّةُ والأذاةُ: وهي المَكْرُوهُ اليسيرُ، والأَذِيُّ: الشديدُ التَّأَذِّي، انتهى. وقال البيضاوي في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]: أي الحيض شيء مستقذر مؤذ من يقربه نفرة منه (٢).\nوقوله: (فإن التراب له طهور) اختلف في تأويله، فحمله بعضهم على نجاسة يابسة تشبث شيء منها بالنعل فدلكه بالأرض، وهو مذهب أبي حنيفة رحمه اللَّه تعالى، فإن الرطب لا يزول بالدلك فيشترط الجفاف، وبعضهم حملوه على مطلق النجاسة رطبة كانت أو يابسة وقالوا: جاء الأمر على اليسر ورفع الحرج، وذلك قول أبي يوسف والشافعي في القديم وعليه الأكثر، وفي (النهاية) (٣) شرح (الهداية): وعليه الفتوى، وكذا قال الشُّمُنِّي، وقال محمد: لا يطهر الخف من غير المني الجاف إلا بالغسل، والكل في نجس ذي جرم سواء كان جرمه منه كالدم والعذرة أو من غيره كالبول المخلوط بالتراب، وأما غير ذي جرم فالغسل واجب، لأن أجزاء النجاسة تتشرب في الخف، فلا تخرج منه إلا بالغسل، بخلاف ذي الجرم فإنه يجذب ما في الخف من الأجزاء النجسة بجرمه إذا جف.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٥٨).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٣٩).\n(٣) انظر: \"فتح القدير\" (١/ ١٩٦ - ١٩٧).","vol":"2","page":234},{"text":"٥٠٤ - [١٥] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ لَهَا امْرَأَةٌ: إِنِّي امْرَأةٌ أُطِيلُ ذَيْلِي،\nــ\nوقد ذكر التُّورِبِشْتِي (١) تأويلًا آخر للحديث وهو أن يقال: معنى قوله: (فإن التراب له طهور) هو أن المتنعل إذا وطئ القذر ثم زال أثرها بالتراب، فله أن يطأ بها أرض المسجد، ويمسحها بيده، ويصيبها بثوبه، ويكون استعمال الطهور فيها على سبيل الاتساع والمجاز والتعارف بين الناس، انتهى. يعني ليس المراد الطهارة في حق جواز الصلاة وتحقق شرطها بل المراد الطهارة في حق دخول المسجد ووطء أرضه فإن الطهارة يستحب له، وهذا التأويل بعيد خلاف الظاهر، واللَّه أعلم.\n٥٠٤ - [١٥] (أم سلمة) قوله: (إني أطيل ذيلي) لا بدّ من حمله على أن السؤال إنما صدر فيما جرّ الذيل على ما كان يابسًا من القذر مما تشبث منه؛ لأن الإجماع منعقد على أن الثوب إذا أصابته نجاسة لا يطهر إلا بالغسل بخلاف النعلين والخفين، فإن جماعة من التابعين ذهبوا إلى أن ذلك يطهره وإن كانت النجاسة رطبة، كما ذكرنا في قول أبي يوسف، مع أن حديث أم سلمة مطعون؛ لأن من ترويه أم ولد لإبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف، وهي مجهولة (٢) كما قال التُّورِبِشْتِي (٣).\n_________\n(١) انظر: \"كتاب الميسر\" (١/ ١٦٥).\n(٢) قال أحمد محمد شاكر في هامش \"جامع الترمذي\": قال الذهبي في \"الميزان\" (٤/ ٦٠٦): حميدة سألت أم سلمة، هي أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. تفرد عنها محمد بن إبراهيم التيمي. وأما ابن حجر في \"التهذيب\" فإنه لم يجزم بأن حميدة هي أم الولد، بل جوز ذلك فقط، وقال في \"التقريب\": إنها مقبولة، وهذا هو الراجح، فإن جهالة الحال في مثل هذه التابعية لا تضر، وخصوصًا مع اختيار مالك حديثها وإخراجه في \"موطئه\"، وهو أعرف الناس بأهل المدينة، وأشدهم احتياطًا في الرواية عنهم.\n(٣) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٦٥).","vol":"2","page":235},{"text":"وَأَمْشِي فِي الْمَكَانِ الْقَذِرِ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُطَهِّرُهُ مَا بَعْدَهُ\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ وَقَالَا: الْمَرْأَةُ أُمُّ وَلَدٍ لإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ. [ط: ٤٢، حم: ٦/ ٢٩٠، ت: ١٤٣، د: ٣٨٣، دي: ٢/ ٣٨٥].\n٥٠٥ - [١٦] وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤١٣١، ن: ٤٢٥٥].\n٥٠٦ - [١٧] وَعَنْ أَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: نَهَى عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ والدَّارِمِيُّ: أَنْ تُفْتَرَشَ. [حم: ٥/ ٧٤ - ٧٥، د: ٤١٣٢، ن: ٤٢٥٣، ت: ١٧٧، دي: ٤/ ٣٤٧].\nــ\n٥٠٥ - [١٦] (مقدام بن معدي كرب) قوله: (نهى رسول اللَّه -ﷺ- عن لبس جلود السباع) مثل الأسد والنمر ونحوهما كما هو العادة (والركوب عليها) أي: الجلوس والافتراش كما جاء في حديث أبي المليح، أو المراد إلقاؤها على السرج مثلًا عند الركوب، وإنما نهى عنه لأن ذلك من سير الجبابرة ودأب المتكبرين والمترفين، فالنهي للتنزيه، وأما من يذهب إلى نجاسة شعور الميتة وأن الشعر لا يطهر بالدباغ أو يذهب إلى أن جلود الميتة لا تطهر بالدباغ فالنهي عنده للتحريم.\n٥٠٦ - [١٧] (أبو المليح بن أسامة) قوله: (عن أبي المليح) بفتح الميم وكسر اللام.\nوقوله: (نهى عن جلود السباع) أي: عن لبسها وافتراشها، وعلى رواية الترمذي","vol":"2","page":236},{"text":"٥٠٧ - [١٨] وَعَنْ أَبِي الْمَلِيح: أَنَّهُ كَرِهَ ثَمَنَ جُلُودِ السِّبَاعِ. رَوَاهُ [التِّرْمِذِيُّ فِي اللِّبَاسِ مِنْ جَامِعِهِ وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ]. [ت: ١٧٧].\n٥٠٨ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٧٢٩، د: ٤١٢٧، ٤١٢٨، ن: ٤٢٣٩، جه: ٣٦١٣].\nــ\nوالدارمي خص الافتراش، والوجه ما ذكروا، وذكر سيدي الشيخ الإمام علي المتقي في بعض رسائله في الآداب أن افتراشه يورث الوحشة والتفرقة، واللَّه أعلم.\n٥٠٧ - [١٨] (أبو المليح بن أسامة) قوله: (أنه) أي: أبا المليح (كره ثمن جلود السباع) وهذا مذهب لأبي المليح لكون استعمالها منهيًا عنه كما في بيع آلات الملاهي، وفي نسخة الأصل ههنا بياض، وكتب في الحاشية: في بعض النسخ: رواه الترمذي في (كتاب اللباس) وسنده جيد، وفي بعضها: رواه الترمذي بلفظ: كره جلود السباع.\n٥٠٨ - [١٩] (عبد اللَّه بن عكيم) قوله: (ابن عكيم) بالمهملة والتحتانية بلفظ التصغير.\nوقوله: (أتانا كتاب رسول اللَّه -ﷺ-: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب) وهذا هو المتمسك لبعض العلماء من أصحاب الحديث في القول بنجاسة جلد الميتة دبغ أو لم يدبغ، كما ذكرنا من مختار بعض الأئمة من مذهب أحمد ﵀ قالوا: قال عبد اللَّه بن عكيم: أتانا كتاب رسول اللَّه -ﷺ-: أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، وفي رواية أبي داود: قبل موته بشهر أن لا تنتفعوا، وفي رواية للترمذي: بشهرين، رواه الخمسة وحسنه الترمذي، كذا في شرح (كتاب الخرقي) (١).\n_________\n(١) \"المغني\" (١/ ٩٠).","vol":"2","page":237},{"text":"٥٠٩ - [٢٠] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ. [ط: ١٠٦٤، د: ٤١٢٤].\n٥١٠ - [٢١] وَعَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ، يَجُرُّونَ شَاةً لَهُمْ مِثْلَ الْحِمَارِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nوقال التُّورِبِشْتِي (١): الجمهور من العلماء على خلاف ذلك لا يرون القول بحديث ابن عكيم؛ لأنه لا يقاوم الأحاديث التي وردت في هذا الباب صحةً واشتهارًا، قالوا: كان أحمد بن حنبل ﵀ يقول بحديث ابن عكيم لما ذكر قبل وفاته بشهرين ويقول: هذا آخر الأمر من رسول اللَّه -ﷺ-، ثم تركه للاضطراب في إسناده، حيث روى بعضهم عن عبد اللَّه بن عكيم عن أشياخ من جهته، وقال الشُّمُنِّي: إن النووي أعلّه في (الخلاصة) بثلاثة أمور، الأول: اضطراب سنده، والثاني: اضطراب متنه، روي قبل موته بثلاثة أيام، وروي بشهرين، وروي بأربعين يومًا، والثالث: بالاختلاف في صحبته، قال البيهقي وغيره: لا صحبة له، انتهى. وقال الشيخ في (التقريب) (٢): عبد اللَّه بن عكيم بالتصغير الجهني أبو معبد الكوفي، مخضرم، من الثالثة، وقد سمع كتاب رسول اللَّه -ﷺ- إلى جهينة، فظهر أنه تابعي مخضرم وهو من أدرك زمن الجاهلية والإسلام.\n٥٠٩ - [٢٠] (عائشة -﵂-) قوله: (أمر أن يستمتع بجلود الميتة) الظاهر أن الأمر ههنا للإباحة بمعنى أذن وأباح، ويحتمل أن يكون للندب حذرًا عن الضياع والإسراف.\n٥١٠ - [٢١] (ميمونة) قوله: (شاة لهم مثل الحمار) لكونها ميتة منتفخة،\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٦٦).\n(٢) \"التقريب\" (ص: ٣١٤).","vol":"2","page":238},{"text":"\"لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا\" قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٦/ ٣٣٤، د: ٤١٢٦].\n٥١١ - [٢٢] وَعَنْ سَلمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- جَاءَ فِي غَزْوَة تبوكَ عَلَى بَيْتٍ، فَإِذَا قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ فَسَأَلَ الْمَاءَ، فَقَالُوا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: \"دِبَاغُهَا طَهُورُهَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٣/ ٤٧٦، ٥/ ٦، د: ٤١٢٥].\nــ\nويحتمل أن يكون الشبه في العظم والسمن.\nوقوله: (لو أخذتم إهابها) كلمة (لو) إما للتمني أو للشرط والجواب محذوف، أي: لكان حسنًا، وذكر الوجهين في (لو) شائع ذائع.\nوقوله: (يطهرهما الماء والقرظ) المراد الماء المخلوط مع القرظ في الدباغة لا أنه يطهره بالماء وحده، والقرظ بفتحتين.\n٥١١ - [٢٢] (سلمة بن المحبق) قوله: (سلمة) وقيل: سلمة بن ربيعة (بن المحبق) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة مكسورة ومفتوحة والفتح أشيع عند المحدثين، وفي (القاموس) (١): سلمة بن المحبق بكسر الباء كمحدث صحابي، و(تبوك) بفتح التاء اسم موضع مشهور على أربعة عشر مرحلة من المدينة بين الشام ووادي القرى، يصرف ولا يصرف، وكانت غزوة تبوك في التاسع من الهجرة، وهي آخر غزواته -ﷺ-.\nوقوله: (إنها ميتة) أي: القربة من جلد ميتة دبغ.\nوقوله: (دباغها طهورها) بفتح الطاء، أي: مطهرها، ويجوز الضم أي:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٠٤).","vol":"2","page":239},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-260> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥١٢ - [٢٣] وَعَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عبْدِ الأَشْهَلِ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لَنَا طَرِيقًا إِلَى الْمَسْجِد مُنْتِنَةً، فَكَيْفَ نَفْعَلُ إِذا مُطِرْنَا؟ قَالَتْ: فَقَالَ: \"أَلَيْسَ بعْدهَا طَرِيقٌ هِيَ أَطْيَبُ مِنْهَا؟ \"، قُلْتُ: بلَى، قَالَ: \"فَهَذِهِ بِهَذِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٤].\nــ\nسبب طهارتها.\nالفصل الثالث\n٥١٢ - [٢٣] (امرأة من بني عبد الأشهل) قوله: (منتنة) نتن وأنتن بمعنى، أي: صار ذا نتن، وتأويل هذا الحديث كتأويل حديث أم سلمة كما سبق، قالوا: المراد أن يطأ الأرض الرطبة القذرة ثم يطأ الأرض اليابسة النظيفة، فأما النجاسة مثل البول ونحوه يصيب الثوب أو الجسد فذلك لا يطهره إلا الغسل، وهذا إجماع الأمة، هذا ولكن قولها: (إذا مطرنا) قد يوهم بخلاف ما قالوا، فافهم، وفي إسناد هذا الحديث أيضًا مقال كما في حديث أم سلمة، فإن امرأة من بني عبد الأشهل مجهولة لا يعرف حالها (١) كأم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف في حديث أم سلمة.\n_________\n(١) قال في \"التقريب\": صحابية لم تسم، وقال الخطابي في \"المعالم\": (١/ ١٧٠): وفي إسناد الحديثين مقال؛ لأن الأول عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن، وهي مجهولة لا يعرف حالها في الثقة والعدالة، والحديث الآخر عن امرأة من بني عبد الأشهل، والمجهول لا تقوم به الحجة في الحديث. قال النووي: فيه نظر؛ لأَنَّهَا صَحَابِيَّةٌ. قال صاحب \"البذل\" (٢/ ٦٢٣): قد أجمعت الأمة على أن الصحابة كلهم عدول فلا يضر الجهل بأعيانهم، فالحديث الذي روته امرأة من بني عبد الأشهل لا مجال للمقال فيه.","vol":"2","page":240},{"text":"٥١٣ - [٢٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَلَا نَتَوَضَّأُ مِنَ المَوْطِئِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٤٣].\n٥١٤ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَتِ الْكِلَابُ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٧٤].\n٥١٥ - [٢٦] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا بَأْسَ بِبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ\".\n٥١٦ - [٢٧] وَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ قَالَ: . . . . .\nــ\n٥١٣ - [٢٤] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (ولا نتوضأ) أي: لا نغتسل، فالمراد الوضوء اللغوي، كذا قال الشيخ ابن حجر، والمراد من الموطئ اليابس كما عرفت.\n٥١٤ - [٢٥] (ابن عمر) قوله: (كانت الكلاب تقبل وتدبر) هذا كان في أول الإسلام في ابتداء الأمر على الإباحة الأصلية، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها حتى إنه قد وقع الأمر بقتل الكلاب إلى حين.\nوقوله: (فلم يكونوا يرشون) هذا إذا لم تكن الكلاب رطبة ولم تنفصل عنها نجاسة تقع في المسجد، يعني أنه لم يكونوا يرشون الماء على تلك المواضع لمجرد إقبال الكلاب وإدبارها.\n٥١٥ - ٥١٦ - [٢٦ - ٢٧] (البراء، وجابر) قوله: (لا بأس ببول ما يؤكل لحمه) تمسك به من قال بطهارته كمالك وأحمد ومحمد الإصطخري من الشافعية، وهو عند أبي حنيفة وأبي يوسف ﵏ نجس نجاسة خفيفة لتعارض الآثار، ولعل تأويل هذا الحديث عندهما أن المراد لا بأس عظيم، وقد تعارف استعمال هذه الكلمة","vol":"2","page":241},{"text":"\"مَا أُكِلَ لَحْمُهُ فَلَا بَأْسَ بِبَوْلهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَالدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ١/ ١٢٨].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>٩ - باب المسح على الخفين</span>\nــ\nفيما إذا كان جانب نقيض الحكم أولى وأحرى.\n٩ - باب المسح على الخفين\nاعلم أن المسح على الخفين جائز بالسنة، والأخبار فيه مستفيضة حتى قيل: إن من لم يره حقًا كان مبتدعًا، كذا في (الهداية) (٢)، وقد صرح جمع من الحفاظ بأن حديث المسح على الخفين متواتر، وجمع بعضهم رواته فجاوز الثمانين، منهم العشرة المبشرة، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أنه روي عن أحد من فقهاء السلف إنكاره، كذا في (المواهب اللدنية) (٣).\nونقل الشُّمُنِّي عن ابن عبد البر أنه قال: روى المسح على الخفين نحو أربعين من الصحابة، وروي عن أبي حنيفة -﵁- أنه قال: ما قلت بالمسح على الخفين حتى جاءني فيه آثار مثل ضوء الشمس، وقال أبو يوسف: خبر المسح يجوز به نسخ الكتاب لشهرته، وقال الكرخي: أخاف الكفر على من لم ير المسح على الخفين، لأن الآثار التي جاءت به في حيز التواتر، وقال الحسن البصري: أدركت سبعين نفرًا من الصحابة -﵃- كلهم يرون المسح على الخفين.\nوروى الجماعة من حديث جرير أنه قال: رأيت رسول اللَّه -ﷺ- بال ثم توضأ\n_________\n(١) قال في \"المرعاة\" (٢/ ٤٢٦): ما وجدت الحديث في \"مسنده\" لا في مسند البراء، ولا في مسند جابر.\n(٢) \"الهداية\" (١/ ٣٠).\n(٣) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ٤٢).","vol":"2","page":242},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nومسح على خفيه، قال إبراهيم النخعي: كان يعجبهم هذا؛ لأن جريرًا كان إسلامه بعد نزول سورة المائدة، وقال النسائي: وكان أصحاب عبد اللَّه يعجبهم قول جرير: قبل موت النبي -ﷺ- بيسير، وقد أمر رسول اللَّه -ﷺ- المسح على الخفين في غزوة تبوك وهي آخر غزوة غزاها وهو آخر فعله.\nوقال ابن المبارك: ليس في المسح على الخفين عندنا خلاف أنه جائز، وإن الرجل ليسألني عن المسح فأرتاب به أن يكون صاحب هوى مع أن بعض العلماء تأول قراءة الجر في قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] على ذلك، وقراءة النصب على الغسل، لئلا تخلو إحدى القراءتين عن فائدة.\nثم إن المسح على الخفين رخصة، والعزيمة هو الغسل، قال في (الهداية) (١): من لم ير المسح حقًّا كان مبتدعًا، ولكن من رآه ولم يمسح أخذًا بالعزيمة كان مأجورًا.\nوقال في (المواهب) (٢): قال ابن المنذر: اختلف العلماء أيهما أفضل، المسح على الخفين أو نزعهما وغسل الرجلين؛ والذي أختاره أن المسح أفضل لأجل من طعن فيه من أهل البدع من الخوارج والروافض، وقال النووي: مذهب أصحابنا أن الغسل أفضل لكونه الأصل لكن بشرط أن لا يترك المسح.\nوقال في (شرح كتاب الخرقي) (٣) في مذهب الإمام أحمد: ولقد بالغ إمامنا في كتاب السنة كما هو دأبه، فجعل المسح أفضل من الغسل في رواية، وإليها ميل\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٣٠).\n(٢) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ٤٢).\n(٣) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (١/ ١٣٩).","vol":"2","page":243},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالشيخين أخذًا بالرخصة ومخالفةً لشعار أهل البدع المانعين من ذلك، وسوّى بينهما في أخرى لورود الشريعة بهما.\nوقال صاحب (سفر السعادة) (١): لم يكن لرسول اللَّه -ﷺ- تكلف في المسح ولا في الغسل، فإن كان في حال قصد الوضوء مكشوف الرجلين غسلهما ولم يلبس الخف للمسح، وإن كانت رجلاه في خفين مسح ولم ينزعهما للغسل، وللعلماء فيهما أقوال، وأحسن الأقوال ما وافق السنة، واللَّه أعلم.\nثم إنه قد نقل عن مالك إنكار المسح مع أن الروايات الصحيحة عنه مصرحة بإثباته، وقد أشار الشافعي في (الأم) إلى إنكار ذلك على المالكية، والمعروف عندهم الآن قولان: الجواز مطلقًا، وثانيهما للمسافر دون المقيم، وهذا الثاني مقتضى ما في (المدونة)، وبه جزم ابن الحاجب كذا في (المواهب اللدنية) (٢).\nوقال محمد في (موطئه) (٣): قال مالك بن أنس: لا يمسح المقيم على الخفين، وعامة هذه الآثار التي روى مالك في المسح إنما هي في المقيم، ثم قال: لا يمسح المقيم.\nوقال في (فتح الباري) (٤): الروايات الصحيحة عن مالك مصرحة بجوازه مطلقًا، وقيل: كان توقف مالك في المسح حال الإقامة في خاصة نفسه، وكان فتواه على الجواز، ومثل هذا يروى عن أبي أيوب الصحابي رضي اللَّه تعالى عنه، انتهى.\n_________\n(١) انظر: \"سفر السعادة\" (ص: ٢٣).\n(٢) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ٤٢).\n(٣) \"التعليق الممجد\" (١/ ١٠٦).\n(٤) \"فتح الباري\" (١/ ٣٠٥).","vol":"2","page":244},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-262> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥١٧ - [١] عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَنِ الْمَسْح عَلَى الْخُفَّيْنِ فَقَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيمِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٦].\n٥١٨ - [٢] وَعَنِ الْمُغيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- غَزْوَةَ تَبُوكَ. قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَتَبَرَّزَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قِبَلَ الْغَائِطِ، فَحَمَلْتُ مَعَهُ إِدَاوَةً قَبْلَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا رَجَعَ أَخَذْتُ أُهَرِيقُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِنْ صُوتٍ، ذَهَبَ يَحْسِرُ عَن ذِرَاعَيْهِ فَضَاقَ كُمُّ الْجُبَّةِ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، وَأَلْقَى الْجُبَّةَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ،\nــ\nالفصل الأول\n٥١٧ - [١] (شريح بن هانئ) قوله: (ثلاثة أيام ولياليهن) أي: ليالي ثلاثة أيام، وهي قد يكون ليلتين بأن يبتدئ من النهار، أو ثلاث ليال إن كان الابتداء من الليلة، وأما ليلة ويوم فظاهر.\n٥١٨ - [٢] (المغيرة بن شعبة) قوله: (فتبرز) أي: خرج إلى البراز وهو الصحراء يكنى به عن التغوط، والمراد به معناه الأصلي بقرينة ذكر قوله: (قبل الغائط) أي: إلى جهته ونحوه، و(الإداوة) بالكسر إناء صغير من جلد، وقد سبق (١) معناه في (باب الوضوء).\nوقوله: (أهريق على يديه) فيه جواز الاستعانة بغيره في الوضوء.\nوقوله: (وعليه جبة) وهو الثوب الذي قطع وخيط من صوف، وهي التي وقع\n_________\n(١) أي تحت حديث (٣٤٢، ٣٦٠) في (باب آداب الخلاء).","vol":"2","page":245},{"text":"وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثُمَّ مَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى الْعِمَامَةِ، ثُمَّ أَهْويتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: دَعْهُمَا، فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ، فَمَسَحَ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ رَكِبَ وَرَكبْتُ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَوْمِ، وَقَدْ قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَيُصَلِّي بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَقَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً،\nــ\nفي الأحاديث ذكره: وعليه جبة رومية ضيقة الكمين وكان يلبسه في السفر.\nوقوله: (ثم مسح بناصيته وعلى العمامة) أي: تكميلًا وتتميمًا لسنة المسح، وقد سبق شرحه في (باب الوضوء)، فتذكر.\nوقوله: (ثم أهويت) في (القاموس) (١): هوى الشيء: سقط، كأهوى وانهوى، وهوت يدي له: امتدت وارتفعت.\nوقوله: (أدخلتهما) أي: الرجلين بقرينة السياق، وإرجاعه إلى الخفين تكلف، قال الطيبي (٢): فيه دليل على أن المسح إنما يجوز إذا لبسهما على كمال الطهارة، وأنه إذا غسل إحدى رجليه ثم لبس الخف ثم غسل الأخرى فلبس الآخر لا يجوز المسح عليهما، وذلك أنه -ﷺ- جعل طهارة القدمين معًا قبل لبس الخفين شرطًا لجواز المسح عليهما، والحكم المعلق بشرط لا يصح إلا بوجود شرطه، انتهى. وفيه تأمل.\nاعلم أنهم اختلفوا في أنه هل يشترط في جواز المسح كون الخفين ملبوسين على طهر تام؟ فعند مالك والشافعي وأشهر الروايتين عن أحمد: يشترط الطهر التام عند اللبس، وعندنا، وفي رواية أخرى لأحمد: إنما يشترط تمام الطهر عند الحدث، واستدلوا على ذلك بقوله -ﷺ- للمغيرة بن شعبة: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين)،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٣٥).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١٢٢).","vol":"2","page":246},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفأشار الطيبي إلى ذلك.\nوقال الشُّمُنِّي: لا دلالة لهم في هذا القول لأن معناه أدخلت كل واحدة منهما وهي طاهرة كما يقال: دخلنا البلد ركبانًا، فإن معناه دخل كل منا وهو راكب لا أن جميعنا راكب عند دخول كل منا، ولهذا جعل بعض أصحاب أحمد القائلين بعدم اشتراط كمال الطهارة وقت اللبس هذا القول دليلًا عليه، إذ كونهما طاهرتين أعم من أن يوجد ذلك معًا أو واحدة بعد الأخرى كما ذكر الشُّمُنِّي، وهذا الكلام من الشُّمُنِّي بعد تسليم دلالة القول المذكور على الاشتراط محلُّ منع إذ ليس ذلك نصًّا فيه، فيمكن أنه -ﷺ- أخبر بما كان حاله في الواقع، ويكون الواقع لبسهما معًا على طهارة كاملة فمسح، ولا يدل قطعًا على أنه مسح لأجل ذلك حتى لو لم يكن كذلك لما مسح، ويجوز أن يكون المسح جائزًا في غير هذه الصورة أيضًا وفيها أتم وأكمل، فافهم.\nنعم الأحاديث الأخر كحديث أبي بكرة الآتي وحديث صفوان بن عسال كما ذكر في شرح (كتاب الخرقي) (١) قال: أمرنا رسول اللَّه -ﷺ- أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثًا إذا سافرنا، ويومًا وليلة إذا أقمنا، الحديث، لا كما ذكر المؤلف، تدل على الاشتراط بحمل الطهارة على الكامل منها للإطلاق، ولأن ما اشترطت له الطهارة اشترط كمالها كمس المصحف ولكنها ليست نصًّا في الدلالة على كمالها عند اللبس، بل يجوز أن يكون كمالها عند الحدث كما هو مذهبنا؛ لأن الخف جعل مانعًا لحلول الحدث بالقدم فيراعى كمال الطهارة وقت المنع، حتى لو كانت ناقصة عند ذلك كان الخف رافعًا، كذا في (الهداية) (٢)، فتأمل.\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (١/ ١٤٠).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ٣٠).","vol":"2","page":247},{"text":"فَلَمَّا أَحَسَّ بِالنَّبِيِّ -ﷺ- ذَهَبَ يتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ، فَأَدْرَكَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ مَعَهُ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَقُمْتُ مَعَهُ، فَرَكَعْنَا الرَّكْعَةَ الَّتِي سَبَقَتْنَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-263> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥١٩ - [٣] عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا. رَوَاهُ الأَثْرَمُ فِي \"سُنَنِهِ\" وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، هَكَذَا فِي \"الْمُنْتَقَى\". [صحيح ابن خزيمة: ١٩٢، قط: ١/ ٢٠٤].\nــ\nوقوله: (فأومأ) مهموز، يقال: أومأ وومأ: أشار، ذكروه في باب الهمزة.\nوقوله: (سبقتنا) بلفظ الغائبة للمؤنث والضمير المستكن للركعة.\nالفصل الثاني\n٥١٩ - [٣] (أبو بكرة) قوله: (أن يمسح) قال الطيبي (١): هو مفعول (رخَّص)، و(ثلاثة أيام) ظرف له، وفي بعض الشروح: أن الضمير في قول الطيبي: (له) إن كان راجعًا إلى (رخص) يلزم أن تكون الرخصة ثلاثة أيام، وإن كان راجعًا إلى (يمسح) يلزم أن يعمل ما في خبر (أنْ) المصدرية فيما قبلها، انتهى. وأقول: يمكن اختيار الأول، ولزوم كونه ظرفًا للرخصة ممنوعٌ باعتبار ما يتبادر أن المقصود ظرف المرخص، ويمكن اختيار الثاني لتقدم رتبة المفعول به على سائر المفاعيل، فكأنه مقدم على قوله: (ثلاثة أيام)، والظاهر هو الأول، فافهم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١٢٣).","vol":"2","page":248},{"text":"٥٢٠ - [٤] وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَأْمُرُنَا إِذَا كُنَّا سَفْرًا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٩٦، ن: ١٢٧].\nــ\n٥٢٠ - [٤] (صفوان بن عسال) قوله: (إذا كلنا سفرًا) جمع سافر، ولا يستعمل فعله بل من باب المفاعلة، لأنه أكثر ما يقع من الجماعة.\nوقوله: (ولكن من غائط وبول ونوم) قال التُّورِبِشْتِي: هذا نظم فيه خبط، وكذلك رواه أكثر المحدثين، ورواه أبو جعفر الطحاوي في كتابه (لا من جنابة)، وهو الأشبه بالصواب، فلعل بعض الرواة سها في كتابته فكتب (إلا) مكان (لا)، ويحتمل أن الصحابي قد قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يأمرنا أن لا ننزع خفافنا من غائط وبول ونوم لكن من جنابة، فرواه بعضهم مقلوبًا، ثم قال: ومذهب أهل النقل أن الحديث إذا ثبت فليس لأحد أن يسلك فيه مسلك التقدير والاحتمال، وعلى هذا فالسبيل فيه أن نقول: لما كان قوله: (إلا من جنابة) واقعًا موقع إثبات النزع عن الجنابة استدركه بالأحداث التي لم ينزع فيها، انتهى.\nلا يخفى أن الخبط في هذا النظم من وجهين، أحدهما: عدم وقوع (لكن) في محله؛ لأن حقها أن يخالف ما بعدها لما قبلها نفيًا وإثباتًا، وتوجيهه أن قوله: (إلا من جنابة) واقع موقع الإثبات، والمعنى أمرنا أن ننزع خفافنا في الجنابة، لكن لا ننزع من بول وغائط ونوم، وثانيهما: لزوم تكرار قوله: ولكن من غائط وبول؛ لأنه قد فهم مما قبله من الكلام، وتوجيهه أنه لتوكيد نفي النزع كما يقول: ما جاءني إلا زيد لكن لم يجئ عمرو ليؤكد نفي مجيئه وإن اندرج تحت النفي السابق، ونقل عن زين العرب أنه قال: عدم النظم في (لا من جنابة) أكثر منه في (إلا من جنابة)؛ لأن لا من","vol":"2","page":249},{"text":"٥٢١ - [٥] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: وَضَّأْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَمَسَحَ أَعْلَى الْخُفِّ وَأَسْفَلَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ مَعْلُولٌ، وَسَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ وَمُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَا: لَيْسَ بِصَحِيحٍ. وَكَذَا ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٦٥، ت: ٩٧، جه: ٥٥٠].\nــ\nجنابة ولكن من كذا يوهم أنه لا يجب من الجنابة بل من غائط وأخويه وهو عكس المراد، وإنما يصح المراد منه بتقدير شيء مثل أن يقول: لا من جنابة فإنه يجب النزع فيها، انتهى. يريد أن ما يفهم من ظاهر قوله: (لا من جنابة لكن من غائط وبول) لا ينزع من جنابة ولكن ينزع من غائط وبول، والمراد ليس نفي النزع من جنابة بل من غائط وبول، فافهم.\n٥٢١ - [٥] (المغيرة بن شعبة) قوله: (وضأت النبي -ﷺ-) أي: سكبت ماء الوضوء على أعضائه.\nوقوله: (هذا حديث معلول (١» وهو ما فيه أسباب قادحة في الصحة، وقول صاحب (المصابيح): إنه مرسل، فالمراد به المنقطع، فإن المرسل قد يطلق عليه كما مرّ في المقدمة، فإنه لم يثبت اتصاله بالمغيرة بل بالوراد كاتبه ومولاه، وقال الطيبي (٢): يرويه ثور بن يزيد عن رجاء بن حيوة عن كاتب المغيرة عن المغيرة، وثور لم يسمع هذا من رجاء.\n_________\n(١) وبسط في علله ابن رسلان وصاحب الغاية، وقال الدارقطني في \"العلل\" (١/ ١٢٣٨): ليس في هذه الرواية ذكر المسح أسفل الخف، انظر: هامش \"بذل المجهود\" (١/ ٦٩٨).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١٢٥).","vol":"2","page":250},{"text":"٥٢٢ - [٦] وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَمْسَحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ عَلَى ظَهِرِهِمَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٩٨، د: ١٦١].\n٥٢٣ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَمَسَحَ عَلَى الْجَوْرَبَيْنِ والْنَّعْلَيْنِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٤/ ٢٥٢، ت: ٩٩، د: ١٥٩، جه: ٥٥٩].\nــ\n٥٢٢ - [٦] (المغيرة بن شعبة) قوله: (علي ظاهرهما) أي: على أعلاهما، اعلم أنه قد وقع في أكثر طرق المغيرة (يمسح على الخفين) مطلقًا من غير ذكر الأعلى أو الأسفل، وقد جاء في هذا الحديث أنه مسح على ظاهرهما، وقد أورد الشُّمُنِّي على ابن أبي شيبة عن المغيرة بن شعبة قال: (رأيت رسول اللَّه -ﷺ- بال، ثم توضأ ومسح على خفيه، ووضع يده اليمني علي خفه الأيمن ويده اليسري علي خفه الأيسر، ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة حتى أنظر إلى أصابع رسول اللَّه -ﷺ- على الخفين)، فالحديث مضطرب.\n٥٢٣ - [٧] (المغيرة بن شعبة) قوله: (ومسح علي الجوربين والنعلين) الجوراب خف يلبس على الخف إلى الكعب للبرد أو لصيانة الخف الأسفل من الدرن والغسالة، ويقال له: الجرموق والموق أيضًا، وقال في شرح (كتاب الخرقي) (١): الجرموق خف واسع يلبس فوق الخف في البلاد الباردة، وقال الجوهري والمطرزي: الموق خف قصير يلبس فوق الخف، كذا في شرح ابن الهمام (٢)، وقد روي أحمد عن بلال -﵁-: أن رسول اللَّه -ﷺ- توضأ ومسح على العمامة والموقين، وروى أبو داود عن عمر بن\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (١/ ١٤٦).\n(٢) انظر: \"الصحاح\" (٤/ ١٥٥٧)، و\"فتح القدير\" (١/ ١٥٦).","vol":"2","page":251},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-264> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٢٤ - [٨] عَنِ الْمُغيرَةِ قَالَ: مَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَسِيتَ؟ قَالَ: بَلْ أَنْتَ نَسِيتَ،\nــ\nالخطاب وعلي وابن مسعود وأنس بن مالك وابن عباس وغيرهم -رضوان اللَّه عليهم أجمعين- أنهم مسحوا على الجورب، والمسح على الجورب إذا لبس الخف الأسفل والأعلى كليهما على طهارة جائز عند محمد وأبي يوسف مطلقًا، وعند أبي حنيفة -﵀- إذا كان ثخينًا ومنعلًا ومجلدًا بأن يمكن معه المشي ويقومان على الساق من غير شده وإلا فلم يجز إلا أن يكون رقيقًا بأن يصل رطوبة ماء المسح بالخف الداخل فكأنه مسح عليه، وجائز أيضًا على مذهب أحمد، ولا يجوز المسح على الجورب عند الشافعي وإن كان منعلًا، والحديث المذكور والآثار حجة عليه، وفي شرح الشيخ: معنى الحديث أن يكون قد لبس النعلين فوق الجوربين كما قال الخطابي (١)، وقال: لم تقتصر على مسحهما بل ضم إليهما مسح النعلين، فعلى مدعي جواز الاقتصار على مسحهما الدليل فتدبر، انتهى. وأما المسح على النعلين فمنسوخ، كذا في (سنن الدارمي) (٢).\nالفصل الثالث\n٥٢٤ - [٨] (المغيرة) قوله: (بل أنت نسيت) قال الطيبي (٣): يحتمل حمله على الحقيقة أي: نسيت أني شارع، فنسبت النسيان إلي، أو يكون بمعنى أخطأت،\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (١/ ٦٢).\n(٢) \"سنن الدارمي\" (٢/ ٣٣٧).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١٢٦).","vol":"2","page":252},{"text":"بِهَذَا أَمرنِي رَبِّي ﷿. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٢٥٣، د: ١٥٦].\n٥٢٥ - [٩] وَعَنْ عَليٍّ قَالَ: لَوْ كَانَ الدِّينُ بِالرَّأْي لَكَانَ أَسْفَلُ الْخُفِّ أَوْلَى بِالْمَسْحِ مِنْ أَعْلَاهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرِ خُفَّيْهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، والدَّارِمِيُّ مَعْنَاهُ. [د: ١٦٢، دي: ٢/ ٣٣٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>١٠ - باب التيمم</span>\nــ\nفجاء بالنسيان إلى المشاكلة، انتهى. لا يخفى أن نسيان كونه شارعًا بعيد غاية البعد، وقد يشعر هذا الوجه بأنه لا يجوز النسيان على الشارع، أو المراد نسبت النسيان إلي جزمًا من غير احتمال، فالظاهر هو الوجه الثاني.\nوقوله: (بهذا أمرني ربي) التقديم للاهتمام.\n٥٢٥ - [٩] (علي -﵁-) قوله: (لكان أسفل الخف أولى بالمسح) لأنه محل التنجس والتلوث فتطهيره أولى وأهم.\nوقوله: (وللدارمي معناه) فإنه ذكر في (سننه) عن عبد خير قال: رأيت عليًا -﵁- توضأ ومسح على النعلين فوسع، ثم قال: لولا أني رأيت رسول اللَّه -ﷺ- فعل كما رأيتموني فعلت لرأيت أن باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما.\n١٠ - باب التيمم\nالتيمم في اللغة: القصد تَفَعُّل مِنْ أمّه: قصده، وأصله التأمُّم، وقال تعالى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢] أي: قاصدين، وفي الشرع: عبارة عن قصد التراب للتطهر به عن مسح الوجه واليدين به، والتيمم جائز بالكتاب والسنة والإجماع، وقصة","vol":"2","page":253},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nابتداء شرعية التيمم ما جاء في (صحيح البخاري) (١) عن عائشة -﵂- قالت: خرجنا مع رسول اللَّه -ﷺ- في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش، انقطع عِقْدٌ لي، فأقام رسول اللَّه -ﷺ- على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول اللَّه -ﷺ- والناس، وليسوا علي ماء، وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر -﵁- ورسول اللَّه -ﷺ- واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول اللَّه -ﷺ- والناسَ، وليسوا علي ماء، وليس معهم ماء، فقالت عائشة -﵂-: فعاتبني أبو بكر -﵁- وقال ما شاء اللَّه أن يقول، وجعل يطعني بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكانُ رسول اللَّه -ﷺ- على فخذي، فقام رسول اللَّه -ﷺ- حين أصبح علي غير ماء، فأنزل اللَّه آية التيمم فتيمموا، فقال أسيد ابن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فأصبنا العقد تحته.\nوجاء في حديث آخر (٢): أن عائشة -﵂- استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فبعث رسول اللَّه -ﷺ- رجلًا فوجدها، فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلّوا فشكوا ذلك إى رسول اللَّه -ﷺ-، فأنزل اللَّه تعالى آية التيمم، فقال أسيد بن حضير لعائشة -﵂-: جزاكِ اللَّه خيرًا، فواللَّه ما نزل بكِ أمر تكرهينه إلا جعل اللَّه تعالى ذلكِ لكِ وللمسلمين فيه خيرًا.\nثم إنهم اختلفوا في أن التيمم ضربة أو ضربتان، وإذا كان الكلام فيه مبسوطًا رأينا ذكره في آخر الباب بعد شرح الأحاديث أولى.\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٣٣٤).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٣٣٦).","vol":"2","page":254},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-266> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٢٦ - [١] عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا،\nــ\nالفصل الأول\n٥٢٦ - [١] (حذيفة) قوله: (فضلنا على الناس) أي: السابقين، وأما اللاحقون فأتباعه وأمته المفضلون.\nوقوله: (جعلت صفوفنا) قيل: في المعركة، وقيل: في الصلاة كناية عن الجماعة كصفوف الملائكة، والمراد به إتمام الصف الأول، وقيل: في القربة والدنو، وقيل: في التعظيم والتكريم بأن أقسم اللَّه بهم فقال: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١]، فالمراد بالصافات الملائكة والمصلون.\nوقوله: (جعلت لنا الأرض كلها مسجدًا) أي: موضع سجود، أي: لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، ويجوز أن يكون مجازًا عن المكان المبني كأنه لما جازت الصلاة في جميعها صار مسجدًا، وتخصيص هذه الخصلة بهذه الأمة بأنه إنما أبيحت لهم الصلاة في أماكن مخصوصة كالبِيَع والصوامع والكنائس، وقيل: إنما أبيحت لهم في موضع يتيقنون طهارته بخلاف هذه الأمة فأبيح لها في جميع الأرض إلا فيما يتيقنون النجاسة، ونقض هذا بعيسى ﵇ فإنه كان يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصلاة، ويمكن أن يقال: إن المراد لعموم الأمة لا للنبي فقط، أو يقال: لعله كان يسيح في البلاد ويصلي في مواضع معينة فيها للصلاة، ولا منافاة، واللَّه أعلم.\nوجعل بعضهم لذلك جعل الأرض مسجدًا وطهورًا خصلة واحدة، وجعلت","vol":"2","page":255},{"text":"وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نجِدِ الْمَاءَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٢٢].\nــ\nلغيرنا مسجدًا ولم يجعل طهورًا، وقال: وأما الثالثة فمحذوفة ههنا ذكرها النسائي من رواية أبي مالك وهي خواتم البقرة، كذا في (شرح مسلم) (١).\nوقوله: (جعلت تربتها لنا طهورًا) قال الطيبي (٢): خص التراب لكونه طهورًا، وهو مذهب الشافعي وأحمد رحمهما اللَّه في أقوى الروايتين منه، وبه قال أبو يوسف، وفي رواية عنه وعن أحمد وبالرمل أيضًا، وجوز أبو حنيفة ومالك ومحمد، وأحمد في رواية: بكل ما هو جنس الأرض، وهو ما لا يلين وينطبع أو يحرق فيصير رمادًا، ولهم حديث جابر في (صحيح البخاري) (٣): (وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا)، وهي تشتمل التراب وغيره، والعمل بهذا الحديث أولى وأحوط؛ لأن فيه العمل بحديث حذيفة أيضًا، والعمل بحديث حذيفة بتخصيصه بالتراب يفوت العمل بهذا، وبهذا سقط ما قال الطيبي: حديث حذيفة مفسَّر، والمفسر من الحديث يقضي على المجمل، قلنا: بل مطلق لا مجمل، منع بعضهم الاستدلال بلفظ التربة على خصوصية التيمم بالتراب بأنه قال: تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره، وأجيب بأنه قد ورد في الحديث المذكور بلفظ التراب، أخرجه ابن خزيمة وغيره في حديث علي -﵁-: (وجعل التراب لي طهورًا) كذا في (الفتح) (٤).\nوروى أحمد والبيهقي وإسحاق بن راهويه والطبراني في (الأوسط) (٥) عن أبي\n_________\n(١) انظر: \"شرح النووي\" (٥/ ٤).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١٢٧).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٤٣٨).\n(٤) \"فتح الباري\" (١/ ٤٣٨).\n(٥) \"مسند أحمد\" (٢/ ٣٥٣)، \"السنن الكبرى\" (١/ ٢١٧)، و\"مسند إسحاق بن راهويه\" =","vol":"2","page":256},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nهريرة: أن أناسًا من أهل البادية أتوا رسول اللَّه -ﷺ- فقالوا: إنا نكون بالرمال الأشهر الثلاثة والأربعة، ويكون فينا الجنب والحائض والنفساء ولا نجد الماء، فقال -ﷺ-: (عليكم بالأرض)، ففهم منه جوازه بالرمل وغيره.\nواعلم أن الخصائل التي فضل بها نبينا وأمته -ﷺ- على الناس وردت الأخبار بها في الحديث كثيرة، الثلاثة التي ذكرت في هذا الحديث، وذكر في الأحاديث الأخر، وسيجيء في (باب فضائل سيد المرسلين): (نصرت بالرعب مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم، وأعطيت الشفاعة، وبعثت إلى الناس عامة)، وإنما جعل الغاية شهرًا؛ لأنه لم يكن بين بلدة وبين أحد من أعدائه كثر منه، وذكر في (الفتح) (١) برواية عمرو بن شعيب بلفظ: (ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر)، ويفهم منه عدم تخصيصه بمسيرة شهر، وكان من تقدم من النبيين على ضربين: منهم من لم يؤذن له في الجهاد فلم يكن له مغانم، ومنهم من أذن له فيه لكن كانوا إذا غنموا شيئًا لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فاحترقته.\n(وأعطيت الشفاعة)، والمراد الشفاعة العظمى لإراحة الناس من هول الموقف، وقيل: الشفاعة لخروج من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وإخراج من ليس له عمل إلا التوحيد، (وبعثت إلى الناس عامة)، واعترض بأن نوحًا كان مبعوثًا إلى أهل الأرض بعد الطوفان؛ لأنه لم يبق إلا من كان مؤمنًا وقد كان مرسلًا إليهم، لأن هذا العموم لم يكن في أصل بعثته، وإنما اتفق بالحادث الذي [وقع] وهو انحصار الخلق في\n_________\n= (١/ ٣٣٩)، \"المعجم الأوسط\" (٢٠١١).\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٣٧).","vol":"2","page":257},{"text":"٥٢٧ - [٢] وَعَنْ عِمْرَانَ قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-. . . . .\nــ\nالموحدين بعد هلاك سائر الناس، وأما دعوته (١) على جميع من في الأرض بعد إهلاكهم بالغرق فجوابه أن دعوته قومه إلى التوحيد بلغ سائر الناس لطول مدته فتمادوا على الشرك فاستحقوا العذاب، ذكره ابن عطية.\nوقد قال ابن دقيق العيد: يجوز أن يكون التوحيد عامًّا في بعض الأنبياء، وإلزام فروع شريعته ليس عامًّا؛ لأن منهم من قاتل غير قومه على الشرك، كذا ذكر في بعض الشروح.\n(وأعطيت جوامع الكلم، وختم بني النبيون، وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعلت أمتي خير الأمم، وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وأعطيت الكوثر، وأعطيت يوم القيامة لواء تحته آدم فمن دونه، كان شيطاني كافرًا فأعانني اللَّه عليه فأسلم).\nوقال في (فتح الباري) (٢): ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع، قال: وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في (كتاب شرف المصطفى) أن عدد ما اختص به نبينا -ﷺ- على الأنبياء ستون خصلة، انتهى. والحق أن فضائله المختصة به أكثر من أن تحصى، ولكن الذي أخبر به وأحصاه العلماء هذه، ونعم ما قال:\nفإن فضل رسول اللَّه ليس له ... حد فيعرب عنه ناطق بفم\n-ﷺ- بعدد أسمائه الحسنى وعدد كل معلوم له.\n٥٢٧ - [٢] (عمران) قوله: (كنا في سفر) كان ذلك في صبيحة ليلة التعريس حين قضوا الصلاة التي ناموا عنها.\n_________\n(١) قوله: \"وأما دعوته -إلى- بعض الشروح\" سقط من (ب) و(د).\n(٢) \"فتح البارى\" (١/ ٤٣٩).","vol":"2","page":258},{"text":"فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلَاتِهِ إِذا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ، فَقَالَ: \"مَا مَنَعَكَ يَا فلَانُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ؟ \" قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ، قَالَ: \"عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٤، م: ٦٨٢].\nــ\nوقوله: (فلما انفتل) أي: انصرف عن الصلاة، في (القاموس) (١): فتله: لواه، وفتل وجهه عنهم: صرفه.\nوقوله: (عليك بالصعيد) الظاهر منه أن الرجل كان عالمًا بشرعية التيمم للوضوء لا للجنابة، ولهذا لم يبين له كيفيته.\nوفي (مشارق الأنوار) (٢): صعيد وجه الأرض، ومنه ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣] أي: طاهرًا، وهو معنى قول مالك في (الموطأ) (٣): فكل ما كان صعيدًا فهو مما يتيمم به سباخًا أو غيره، أي ما يسمى صعيدًا مما على وجه الأرض، والصعيد التراب أيضًا، انتهى. وفي (القاموس) (٤): الصعيد: التراب أو وجه الأرض، فليس فيه دليل لأحد الطرفين وإن كان الغالب استعماله في وجه الأرض، قال صاحب (الكشاف) (٥): الصعيد. وجه الأرض ترابًا كان أو غيره، وفي (الصحاح) (٦): الصعيد: وجه الأرض.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٥٩).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٨٣).\n(٣) \"موطأ مالك\" (١٢٣).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٧٩).\n(٥) \"الكشاف\" للزمخشري (١/ ٤١٣).\n(٦) \"الصحاح\" (٢/ ٤٩٨).","vol":"2","page":259},{"text":"٥٢٨ - [٣] وَعَنْ عَمَّارٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ الْمَاءَ، فَقَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ؟ فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: \"إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا\" فَضَرَبَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثمَّ مَسَحَ بِهَمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ،\nــ\n٥٢٨ - [٣] (عمار) قوله: (فقال عمار لعمر) هذه رواية اقتصر فيها جواب عمر -﵁-، وقد جاء في بعض الطرق أنه قال عمر: لا تصل، وهذا مذهب مشهور عن عمر، ووافقه عليه عبد اللَّه بن مسعود، وقد جرت فيه مناظرة بين أبي موسى وابن مسعود، ورجع ابن مسعود عن ذلك، وحاصل المناظرة يرجع إلى أن أبا موسى حمل اللمس على الجماع، وابن مسعود على اللمس باليد، وتمامه في البخاري وشروحه.\nوقوله: (أنا وأنت) تأكيد للضمير في (أنَّا)، (فتمعكت) في (القاموس) (١): تمعك: تمرغ، وفي (الصراح) (٢): مرغ غلطيدن ستور در علف تمريغ در خاك غلطانيدن تمرغ لازم منه.\nوقوله: (وإنما كان يكفيك) هذا دل على شرعية التيمم للجناية، وعلى أنه تكفي فيه ضربة واحدة للوجه والكفين، وهو قول جماعة من الصحابة والتابعين والعلماء من الفقهاء والمحدثين، وذهب الأكثرون إلى أنه لا بد من ضربتين لحديث عمار، وسنبينه مفصلًا.\nوقوله: (ونفخ فيهما) وذلك ليخفف الغبار عنهما لئلا تسوء به الخلقة، ويستفاد\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٧٨).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٣٣٨).","vol":"2","page":260},{"text":"وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ وَفِيهِ: قَالَ: \"إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الأَرْضَ، ثمَّ تَنْفُخَ، ثمَّ تَمْسَحَ بِهَمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ\". [خ: ٣٣٨، م: ٣٦٨].\n٥٢٩ - [٤] وَعَنْ أَبِي الْجُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ قَالَ: مَرَرْتُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وَهُوَ يَبُولُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ حَتَّى قَامَ إِلَى جِدَارٍ، فَحَتَّهُ بِعَصًا كَانَتْ مَعَهُ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى الْجِدَارِ. . . . .\nــ\nمن حديث عمار وقوع الاجتهاد من الصحابة في زمن النبي -ﷺ-، وأن المجتهد لا لوم عليه إذا بذل وسعه وإن لم يصب الحق، وأنه إذا عمل بالاجتهاد لا يجب عليه الإعادة، وفي تركه أمر عمر -﵁- أيضًا بقضائها تمسك لمن قال: إن فاقد الطهورين لا يصلي ولا قضاء عليه، كذا في (فتح الباري) (١).\n٥٢٩ - [٤] (أبو جهيم بن الحارث بن الصمة) قوله: (وعن أبي الجهيم) بلفظ التصغير (ابن الحارث بن الصمة) بكسر الصاد وتشديد الميم المفتوحة.\nوقوله: (فحته بعصًا) أي: خدشه وفركه وقشره، وفي (مختصر النهاية) (٢): الحت والحك والقشر سواء، وفي الحديث الآخر: وتحات الورق: سقطت، ومنه رأى نخامة فحتها، فسره في رواية الحموي فحكها.\nقال الطيبي (٣): فيه أن التيمم لا يصح ما لم يعلق باليد غبار، وعند أبي حنيفة -﵁- يجوز على حجر أملس ولو بلا نقع، أو حائط لا غبار عليه، أو على أرض ندية لم تلزق بيديه منه شيء، وقال محمد: لا يجوز بلا نقع لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٤٤).\n(٢) \"الدر النثير\" (١/ ٢٠٨).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١٢٨).","vol":"2","page":261},{"text":"فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيَّ. وَلَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي \"الصَّحِيحَيْنِ\" وَلَا فِي \"كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ\"، وَلَكِنْ ذَكَرَهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [أخرجه د: ٣٢٩، ابن خزيمة: ٣/ ٨٠٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-267> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٣٠ - [٥] عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وَضُوءُ الْمُسْلِم وَإِنْ لَمْ يَجدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ،\nــ\nوَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٦] وكلمة (مِن) للتبعيض، ولأبي حنيفة وهو رواية عن محمد أن المعتبر هو الإمساس بدليل أنه ينفضهما حتى يتناثر ما عليهما من التراب، ولهذا نفخ رسول اللَّه -ﷺ- فيهما كما مر، وخدشه الجدار لا يدل على وجوبه، غايته الندب والأولوية، وكلمة (مِن) ابتدائية.\nوقوله: (فمسح وجهه وذراعيه) إن كان بضربتين فهو ما ذهب إليه الجمهور، وإن كان بضربة وهذا شق ثالث وراء المذهبين.\nوقوله: (ولا في كتاب الحميدي) الأولى أن يقول: ولا في (جامع الأصول).\nالفصل الثاني\n٥٣٠ - [٥] (أبو ذر) قوله: (إن الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين) في رواية: (ولو إلى عشر حجج ما لم يجد الماء)، والوضوء بفتح الواو ماء يتوضأ به، والمراد أنه طهوره بالفتح، أي: مطهره، وفي الحديث مبالغة في طهوريته وإشارة إلى أنه خلف مطلق للماء، وأنه يرفع الحدث حقيقة، فالشارع جعل تطهير المسلم بشيئين بالوضوء عند وجود الماء، وبالتيمم إذا لم يوجد الماء، فهو يرفع الحدث إلى أن يوجد الماء كما هو مذهبنا، ويتفرع عليه أنه يصلي به ما شاء من","vol":"2","page":262},{"text":"فَإِذَا وَجَدَ المَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ إِلَى قَوْلِهِ: عَشْرَ سِنِينَ. [حم: ٥/ ١٥٥، ١٨٠، ت: ١٢٤، د: ٣٣٢، ن: ٣٢٢].\n٥٣١ - [٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ فَاحْتَلَمَ، فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ هَل تَجدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّم؟ قَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- أُخْبِرَ بِذَلِكَ،\nــ\nفرض ونفل ويصلي به فرائض متعددة، ولا ينتقض بخروج الوقت، ويتيمم قبل الوقت، وعند الثلاث هو خلف ضروري للوضوء بأن يبيح الصلاة كوضوء المعذور ولا يرفع الحدث، فلا يجوز التيمم عندهم قبل الوقت، ولا يجمع بين فرضين فصاعدًا بتيمم واحد.\nوقال أحمد ﵀: إذا تيمم صلى الصلاة التي حضر وقتها والفوائت والتطوع إلى أن يدخل وقت صلاة أخرى، وظاهر النصوص وإطلاقها يؤيد مذهبنا كما لا يخفى.\nوقوله: (فليمسه) بضم الياء وكسر الميم من أمَسَّ بمعنى مسح، والبشر كالبشرة ظاهر الجلد، وهو كناية عن الوضوء، وإطلاق (خير) ههنا كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ الآية [الفرقان: ٢٤].\n٥٣١، ٥٣٢ - [٦، ٧] (جابر، وابن عباس) قوله: (فشجه) شج رأسه: كسره، والضمير المرفوع للحجر، أي: أوقع الشجة في رأسه.\nوقوله: (وأنت تقدر على الماء) فهموا من ظاهر قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] أن وجود الماء والقدرة عليه مانع من جواز التيمم، ولم يعرفوا تأويله أن المراد القدرة على استعماله وعدم التضرر به.","vol":"2","page":263},{"text":"قَالَ: \"قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلَّا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَن يَتَيَمَّمَ وَيُعَصِّبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِر جَسَدِهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٣٦].\n٥٣٢ - [٧] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَن ابْن عَبَّاسٍ. [جه: ٥٧٢]\n٥٣٣ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فتيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ بِوُضُوءٍ وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَذَكَرَا ذَلِك لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: \"أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ\"، وَقَالَ لِلَّذِي تَوَضَّأَ وَأَعَادَ: \"لَكَ. . . . .\nــ\nوقوله: (قال: قتلوه) يدل على جواز الإسناد إلى التسبب والتكلم به في مثل هذا المقام من أهل المعرفة، كيف وسيد العارفين نطق بذلك، ولكن ينبغي أن يكون اعتقاد قلبه على الحقيقة.\nوقوله: (ألا) بتشديد اللام للتنديم، و(المعنى) بكسر العين العجز وعدم الاهتداء للمراد والحصر في المنطق والمراد ههنا الجهل، والشفاء استعارة مصرِّحة للإزالة، أو المعنى استعارة مكنية عن المرض، والشفاء تخييلية.\nوقوله: (ويعصب على جرحه) أي: يشد عليها خرقة ويجعلها عصابة.\nوقوله: (ويغسل سائر جسده) فيه الجمع بين التيمم وغسل سائر البدن بالماء، وفي الحديث التعيير والتعييب في الإفتاء بغير علم دون الضمان.\n٥٣٣، ٥٣٤ - [٨، ٩] (أبو سعيد الخدري، وعطاء بن يسار) قوله: (لك","vol":"2","page":264},{"text":"الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ. [د: ٣٣٨، دي: ٢/ ٢٨٨، ن: ٢٣٢].\n٥٣٤ - [٩] وَقَدْ رَوَى هُوَ وَأَبُو دَاوُدَ أَيْضًا عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا. [ن: ٢٣٢، د: ٣٣٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-268> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٣٥ - [١٠] عَنْ أَبِي الْجُهَيْم بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ قَالَ: أَقْبَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِنْ نَحْو بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ -ﷺ- حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَار،\nــ\nالأجر مرتين) مرة بأداء الفرض بالتيمم للعذر، ومرة بصلاة النفل بالوضوء عند زوال العذر، أو على ظن أن القدرة على الماء في الوقت توجب الإعادة، فإن الفرض قد سقط، والقدرة على الماء بعد أداء الصلاة لا يوجب الإعادة، ويحتمل أن يكون الحكم إذ ذاك كذلك، واللَّه أعلم. وأما عند الشافعي ﵀ فيجوز تكرار الفرض على معنى أن ينوي الفرض في المرتين وإن كان المؤدى فرضًا هو الأول، هكذا مذهبهم.\nالفصل الثالث\n٥٣٥ - [١٠] (أبو جهيم بن الحارث بن الصمة) قوله: (من نحو بئر جمل) أي: من جانب الموضع الذي يعرف به بئر جمل بالإضافة بفتح الجيم والميم موضع معروف بالمدينة.\nوقوله: (فلقيه رجل) وهو أبو الجهيم الراوي بيّنه الشافعي في رواية هذا الحديث من طريق الأعرج، كذا في بعض الشروح، والحديث المذكور في الفصل الأول من روايته قال فيه: مررت على النبي -ﷺ- وهو يبول فسلمت عليه، الحديث، والظاهر أن","vol":"2","page":265},{"text":"فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ ﵇. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٧، م: ٣٦٩]\n٥٣٦ - [١١] وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّهُمْ تَمَسَّحُوا وَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالصَّعِيدِ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ، ثُمَّ مَسَحُوا بِوُجُوهِهِمْ مَسْحَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ عَادُوا فَضَرَبُوا بِأَكُفِّهِمُ الصَّعِيدَ مَرَّةً أُخْرَى، فَمَسَحُوا بِأَيْدِيهِمْ كُلِّهَا إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالآبَاطِ مِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٢٠].\n* * *\nــ\nالواقعة متعددة أو مبني على اختلاف الرواية، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فمسح بوجهه ويديه) وفي الحديث السابق من أبي الجهيم كان وجهه وذراعيه، وفي هذا الحديث أيضًا جاء للدارقطني من طريق أبي، وكذا للشافعي: فمسح بوجهه وذراعيه، وأما الضربة والضربتين فمحتمل فيهما.\n٥٣٦ - [١١] (عمار بن ياسر) قوله: (ثم عادوا فضربوا) هذا صريح في أن التيمم ضربتان، والحديث المذكور في الفصل الأول يدل بظاهره على أنه ضربة واحدة، وكلا الحديثين عن عمار، وستنكشف جليَّة الحال فيما ندكره من المقال.\nوقوله: (إلى المناكب والآباط) في (القاموس) (١): المنكب: مجمع رأس الكتف والعضد مذكر، والإبط: باطن المنكب بكسر الكاف وقد تؤنث، انتهى. فذكرهما إشارة إلى ظاهر اليد وباطنها، وكأنهم نظروا إلى عدم تقييد اليد بالغاية في التيمم كما في الوضوء، ولم ينظروا إلى فرعية التيمم للوضوء.\nاعلم أنهم اختلفوا في كيفية التيمم، فالأكثرون على أنه ضربتان: ضربة للوجه،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٤٢).","vol":"2","page":266},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوضربة لليدين إلى المرفقين، وهذا مذهب أبي حنيفة وصاحبيه ومالك ﵏، والمحفوظ والمختار من مذهب الشافعي وبعض أصحاب أحمد وقول علي وابن عمر والحسن البصري والشعبي وسالم بن عبد اللَّه بن عمر وسفيان الثوري، وروى الطبراني والدارقطني والحاكم عن جابر -﵁- (١) قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين)، ورواه الطبراني عن ابن عمر وأبي أمامة، والحاكم عن ابن عمر، وأحمد عن عمار بن ياسر -﵁- أيضًا، وروى أبو داود عن عمار ابن ياسر أنه كان يحدث أنهم تمسحوا وهو مع رسول اللَّه -ﷺ- بالضربتين كما في الحديث المذكور في الكتاب غير أنه ذكر فيه المناكب والآباط، وقد عرفت تأويله.\nوذهب بعضهم إلى أن التيمم ضربة واحدة ومسح للوجه والكفين، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد والقول القديم للشافعي، والمنقول من عطاء الخراساني ومكحول الشامي والأوزاعي وإسحاق بن راهويه وابن جرير وابن المنذر وابن خزيمة من المحدثين، ونقل عن مالك وآخرين من أصحاب الحديث، ودليلهم الحديث المتفق عليه من عمار بن ياسر المذكور في (الفصل الأول)، وفيه فقال رسول اللَّه -ﷺ-: (إنما يكفيك هكذا)، فضرب بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه، هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم: (إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تمسح بهما وجهك وكفيك)، ووقع في بعض الروايات بالواو بتقديم وجهه على كفيه وبالعكس، وفي بعضها بـ (ثم) بتقديم كفيه على وجهه.\n_________\n(١) \"المعجم الكبير\" (٨/ ٢٤٥، ١٢/ ٣٦٨)، \"سنن الدارقطني\" (٢/ ٢٦٣)، و\"المستدرك\" (٢/ ١٣٨)، و\"مسند أحمد\" (٤/ ٢٦٣).","vol":"2","page":267},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقال الشيخ (١): ومن ههنا يعلم أن الترتيب ليس بشرط في التيمم، وأجاب النووي بأن مقصوده -ﷺ- ههنا بيان صورة الضرب لتعليم عمار وإراءته أن يضرب اليد على الأرض هكذا، ولا ينبغي أن يتمعك في الأرض كما فعله -﵁-، لا بيان كيفية التيمم، وجميع ما يحصل به فروى عمار تعليمه -ﷺ- إياه بالضرب، ولهذا جاء في الروايات الأخر عن عمار في (سنن أبي داود) وغيره ما هو نص في كون التيمم ضربتين، وليس في بعض طرق هذا الحديث ضربة واحدة صريحًا بل قال: ضرب بكفيه الأرض ونفخ، ثم مسح وجهه وكفيه، وهذا بإطلاقه يحتمل الضربتين أيضًا.\nوقال الكرماني: قال النووي: المحفوظ ضربتين لا ضربة واحدة، ووقع في حديث البخاري: ومسح وجهه وكفيه واحدة، وحملوه على مسحة واحدة لا على ضربة واحدة كما جاء في حديث آخر عن عمار الذي فيه مسح إلى المناكب والآباط، وأن مذهب البخاري هو الثاني، وهذا جواب ضربة دون ضربتين، وأما ذكر الكفين ومسحهما فهو أيضًا لعدم كون المقصود بيان التيمم بتمامه، فاقتصر عليه لكفايته في تعليم الضربة بدليل ذكر الذراعين إلى المرفقين في الأحاديث الأخر حيث كان المقصود ذكر التيمم بتمامه، وقد يقال: أراد بالكفين ههنا اليدين كما أريد باليد الكف في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] لوجود العلاقة من الجانبين، انتهى.\nقال العبد الضعيف -أصلح اللَّه شأنه وصانه عما شانه-: لقد بالغ بعض المحدثين في تأييد المذهب الأخير حتى قال المجد اللغوي في (سفر السعادة) (٢): لم يرو في\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٤٥٧).\n(٢) \"سفر السعادة\" (ص: ٢٤).","vol":"2","page":268},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالحديث الصحيح أنه -ﷺ- ضرب يديه على الأرض مرتين، ولا أنه مسح إلى المرفقين، بل الذي صح هو أنه -ﷺ- ضرب ضربة واحدة فمسح وجهه وكفيه، والأحاديث الواردة على خلافه كلها ضعيفة.\nوقال الشيخ ابن الهمام (١): إن الحاكم صحح حديث الضربتين، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الدارقطني: رجاله كلهم ثقات، والشيخ أيضًا رجح المذهب الثاني في (شرح البخاري)، وقال: إتيان البخاري الترجمة بلفظ الجزم حيث قال: (باب التيمم للوجه والكفين) مع شهرة الخلاف لقوة دليله؛ لأن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها سوى حديث أبي جهيم وحديث عمار، أما حديث أبي جهيم فورد بلفظ اليدين مجملًا، وأما حديث عمار فورد بذكر الكفين في الصحيحين، وبذكر المرفقين في السنن، وفي رواية: إلى نصف الذراع، وفي رواية: إلى الآباط، فأما رواية المرفقين وكذا نصف الذراع ففيهما مقال.\nوأما رواية الآباط فقال الشافعي وغيره: وإن كان ذلك وقع بأمر النبي -ﷺ- فكل تيمم صح للنبي -ﷺ- بعده فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره، فالحجة فيما أمر به، ومما يقوي رواية (الصحيحين) في الاقتصار على الوجه والكفين كون عمار يفتي بعد النبي -ﷺ- بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره لاسيما الصحابي المجتهد، وكذلك في رواية (الصحيحين) ضربة، وفي غيرهما ضربتين.\nوقال الشيخ: وأما قول النووي: المراد بيان صورة الضرب للتعليم وليس المراد به بيان جميع ما يحصل به التيمم، فتعقب بأن سياق القصر يدل على أن المراد بيان\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (١/ ١٢٦).","vol":"2","page":269},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nجميع ذلك؛ لأن ذلك هو الظاهر من قوله: (إنما يكفيك).\nوأما ما استدل به من اشتراط بلوغ المسح إلى المرفقين من أن ذلك شرط في الوضوء، فجوابه أنه قياس في مقابلة النص فهو فاسد الاعتبار، وقد عارضه من لم يشترط ذلك بقياس آخر وهو الإطلاق في آية السرقة، ولا حاجة مع وجود هذا النص.\nفإن قلت: كما ذكر في توجيه المذهب صار مدخولًا فيه فهل عندك شيء؟\nفأقول: نعم، -وباللَّه التوفيق- لا شك أن الأحاديث وردت في الباب مختلفة متعارضة جاءت في بعضها ضربتين، وفي بعضها ضربة واحدة، وفي بعضها مطلق الضرب، وفي بعضها كفين، وفي بعضها يدين إلى المرفقين، وفي بعضها يدين مطلقًا، والأخذ بأحاديث ضربتين ومرفقين أخذ بالاحتياط وعمل بأحاديث الطرفين لاشتمال الضربتين على ضربة، ومسح الذراعين إلى المرفقين على مسح الكفين دون العكس، وأيضًا التيمم طهارة ناقصة فلو كان محله أكثر بأن يستوعب إلى المرفقين، وكان للوجه واليدين ضربة على حدة لكان أولى وأحسن، وإلى الاحتياط أقرب وأدنى، لا يقال: إلى الإبط أقرب منه إلى الاحتياط فلتأخذوا به، قلنا: حديث الآباط ليس بصحيح مع أن وقوع ذراعيه في حديث أبي جهيم كما روى في (شرح السنة) وقال: حديث حسن، ويديه وهو الظاهر في الذراعين كما في المتفق عليه يؤيد ذلك.\nفإن قلت: لِمَ لم يجعلوا الضربة ومسح الكفين فرضًا والزيادة سنة مكملًا له كما جعلوا الغسل مرتين أو ثلاثًا ومسح كل الرأس سنة في الوضوء؟\nقلنا: المروي في الوضوء كلا الفعلين تارة فتارة، وجواز كليهما منصوص عليه، فلا جرم جعلوا المتيقن فرضًا والزيادة سنة، وفيما نحن فيه جاءت الأحاديث متعارضة، والسبيل ههنا الترجيح ورعاية الاحتياط صالحة لذلك، والقياس على الوضوء الذي","vol":"2","page":270},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nهو أصل التيمم أيضًا للترجيح لا أنه قياس في مقابلة النص، وهكذا الحال في الدلائل العقلية في مذهبنا يذكر لترجيح بعض الأحاديث على بعضها، والخصوم يزعمون أنها قياسات في مقابلة النص، ولا شك أن القياس على الوضوء أقرب من القياس على حد السرقة.\nفإن قلت: التعارض على تقدير أن تكون الأحاديث متساوية في المرتبة، والمحدثون حكموا أن أحاديث الضربتين والمرفقين غير مذكورة في الصحاح، قلنا: عدم ذكرها في الصحاح محل بحث كما نقلنا عن الحاكم والدارقطني، على أن عدم صحتها وقوتها في زمن الأئمة الذين استدلوا بها محلُّ مثع، إذ يحتمل أن تطرق الضعف والوهن فيها بعدهم من جهة لين بعض الرواة وضعفهم الذين رووها بعد زمن الأئمة، فالمتأخرون من المحدثين الذين جاؤوا بعدهم أوردوها في السنن دون الصحاح، ولا يلزم من وجود الضعف في الحديث عند المتأخرين وجوده عند المتقدمين، فرب حديث كان صحيحًا عندهم لقوة الرواة الذين كانوا عندهم، ثم تطرق الضعف لضعف بعض الرواة الذين رووه بعدهم، مثلًا رجال الإسناد في زمن أبي حنيفة -﵁- كان واحدًا إن كان -﵁- من التابعين أو اثنين أو ثلاثة إن لم يكن منهم كانوا ثقات من أهل الضبط والإتقان، ثم روى ذلك الحديث من بعده من لم يكن في تلك الدرجة، فصار الحديث عند علماء الحديث مثل البخاري ومسلم والترمذي وأمثالهم ضعيفًا، ولا يضر ذلك في الاستدلال به عند أبي حنيفة -﵁-، فتدبر.\nوهذه نكتة جيدة قد أفيضت بفضل اللَّه على هذا العبد الضعيف سامحه اللَّه في رد من يتكلم في بعض الأحاديث التي تمسك به أئمتنا المتقدمون -﵏- هذا تحقيق المقام، واللَّه أعلم وبيده أزمة المرام.","vol":"2","page":271},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>١١ - باب الغسل المسنون</span>\nــ\n١١ - باب الغسل المسنون\nأورد المؤلف في هذا الباب من الغسل المسنون أربعة: غسل الجمعة، وبعد غسل الميت، وبعد الحجامة، وعند الإسلام، ولم يذكر للعيدين مع أنه مسنون أو مندوب عند الأئمة إذ لم يصح عند المحدثين حديث في ذلك، ولم يذكر المؤلف في باب العيدين أيضًا حديثًا في ذلك، وما وجدناه في (جامع الأصول) من الكتب الستة، وما وجدنا في الكتب سوى حديثين حكموا عليهما بالضعف، أحدهما: ما ذكره الشُّمُنِّي من رواية ابن ماجه في (سننه) والطبراني في (معجمه) والبزار في (مسنده) عن الفاكه بن سعد قال (١): كان رسول اللَّه -ﷺ- يغتسل يوم الفطر ويوم النحر ويوم عرفة، والفاكه بن سعد -﵁- ثبت صحته، بل بلغ حد الشهرة، ولم يعرف له غير هذا الحديث.\nوقال الشيخ ابن الهمام (٢): هذا حديث ضعيف كذا ذكره النووي وغيره، وذكر في شرح (كتاب الخرقي) (٣) هذا الحديث وقال: كان الفاكه بن سعد يأمر أهله بالغسل في هذه الأيام، وقال: رواه عبد اللَّه بن أحمد في (زوائد المسند) وابن ماجه.\nوثانيهما ما ذكر السيوطي في (جمع الجوامع) عن الشعبي عن زياد بن عياض الأشعري أنه قال لقوم: كل فعل رأيته من رسول اللَّه -ﷺ- وجدتكم تفعلونه إلا أنكم لا تغتسلون يوم العيدين، رواه ابن منده وابن عساكر وقال: صحيح عن عياض،\n_________\n(١) \"سنن ابن ماجه\" (١٣١٦)، و\"المعجم الكبير\" (١٨/ ٣٢٠، رقم: ٨٢٨)، وانظر: \"نصب الراية\" (١/ ٨٥).\n(٢) \"فتح القدير\" (١/ ٦٦).\n(٣) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (١/ ٣٦٦).","vol":"2","page":272},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقوله: زياد غير محفوظ، انتهى.\nوقد ذكر في (جامع الأصول) (١) من (الموطأ) أن عبد اللَّه بن عمر -﵄- كان يغتسل، وفي رواية: كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى، وقالوا: شدة مبالغته -﵁- في متابعة السنة تقتضي أنه قد صح الحديث في ذلك، قاله صاحب (سفر السعادة) (٢)، ولم يذكر المؤلف غسل يوم عرفة أيضًا، ولم يذكره أيضًا في الأحاديث الواردة في مناسك الحج مع ذكر الفقهاء إياه، ولم يذكر الغسل للإحرام مع وروده في الأحاديث، فكأنه اكتفى بذكره في موضعه، ولكن غسل الجمعة أيضًا مذكور في بابه، فتدبر.\nقال في (الهداية) (٣): وسن رسول اللَّه -ﷺ- الغسل للجمعة والعيدين ويوم عرفة وللإحرام، واللَّه أعلم.\nثم إنهم قد اختلفوا في غسل يوم الجمعة، فالأكثر على أنه سنة ومستحب وهو مذهبنا ومذهب الشافعي والمختار في مذهب أحمد وعند مالك ﵏، وفي رواية عن أحمد واجب؛ لأنه قد ورد بصيغة الأمر كما جاء في رواية البخاري ومسلم والترمذي (والموطأ) والنسائي عن ابن عمر -﵄- قال (٤): قال رسول اللَّه -ﷺ-: (من جاء منكم يوم الجمعة فليغتسل)، وفي (الموطأ) (٥) عن ابن السباق: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (٧/ ٣٣١).\n(٢) \"سفر السعادة\" (ص: ١٠٤).\n(٣) \"الهداية\" (١/ ٢٠).\n(٤) \"صحيح البخاري\" (٨٩٤)، و\"صحيح مسلم\" (٨٤٤)، و\"سنن الترمذي\" (١٤٥٧)، و\"الموطأ\" (٢٣١)، و\"سنن النسائي\" (١٣٧٦).\n(٥) \"موطأ مالك\" (١٤٤).","vol":"2","page":273},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفي جمعة من الجمع: (يا معشر المسلمين! إن هذا يوم جعله اللَّه عيدًا فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه، وعليكم بالسواك)، وجاء بصريح لفظ الوجوب أيضًا كما رواه أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم)، وفي أخرى: (الغسل يوم الجمعة واجب على كل مسلم)، وفي أخرى: (على كل محتلم، وأن يستن وأن يمس طيبًا إن وجد)، وقال عمر -﵁-: أما الغسل فأشهد أنه واجب، وأما الاستنان والطيب فاللَّه أعلم أواجب هو أم لا، ولكن هكذا جاء في الحديث، كذا عند البخاري.\nوجاء عند مسلم في الطيب: (ولو من طيب المرأة)، وفي (الموطأ) (١) عن أبي هريرة -﵁- أنه كان يقول: غسل الجمعة واجب على كل محتلم كغسل الجنابة، وغيره من الأحاديث في معنى ما ذكرنا، لكن القائلين باستحباب الغسل يقولون: كما أنه وردت أحاديث ظاهرة في وجوب غسل الجمعة كذلك جاءت أحاديث في الاكتفاء بالوضوء أيضًا كالحديث المذكور في الكتاب عن سمرة بن جندب، كما روى الترمذي وأبو داود والنسائي، وقال في شرح (كتاب الخرقي) (٢): رواه الخمسة إلا ابن ماجه، قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل)، قال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة وعائشة وأنس -﵃-، وقال: حديث سمرة حسن، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- ومن بعدهم اختاروا الغسل يوم الجمعة ورأوا أن يجزئ الوضوء عن الغسل.\n_________\n(١) \"موطأ مالك\" (٢٢٨).\n(٢) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (١/ ٣٦٢).","vol":"2","page":274},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوروى الخمسة (١) إلا النسائي عن ابن عمر وأبي هريرة أن عمر -﵁- بينما هو يخطب الناس يوم الجمعة إذ دخل رجل من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- من المهاجرين الأولين، وفي رواية أبي هريرة من رواية الأوزاعي: إذ دخل عثمان بن عفان -﵁-، فنادى عمر: آية ساعة هذه؟ فقال: إني شغلت اليوم فلم أنقلب إلى أهلي حتى سمعت التأذين، فلم أزد على أن توضأت، فقال عمر -﵁-: والوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يأمر بالغسل، وفي حديث أبي هريرة: ألم تسمعوا أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يقول: (إذا جاء أحدكم إلى الجمعة فليغتسل)؟ .\nوقال الشافعي ﵀: ومما يدل على أمر النبي -ﷺ- بالغسل يوم الجمعة كان على الاختيار لا على الوجوب، وحديث عمر حيث قال لعثمان -﵄-: والوضوء أيضًا، وقد علمت أن رسول اللَّه -ﷺ- أمر بالغسل يوم الجمعة، فلو عَلِمَا أن أمره على الوجوب لا على الاختيار لم يترك عمر عثمان -﵄- حتى كان يرده ويقول له: ارجع واغتسل، ولما خفي على عثمان -﵁- ذلك مع علمه، ولكن دلّ الحديث على أن الغسل يوم الجمعة فيه فضل من غير وجوب يجب على المرء ذلك.\nوروى الترمذي عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (من توضأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة)، الحديث، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقال محمد ﵀ في (الموطأ) (٢): الغسل أفضل يوم الجمعة [وليس بواجب]، وفي هذا آثار كثيرة، وبهذا تحقق أن صيغة الأمر ولفظ الوجوب في هذا الباب للندب\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٨٧٨)، و\"صحيح مسلم\" (٨٤٥)، و\"سنن أبي داود\" (١١١٥)، و\"سنن الترمذي\" (٤٩٤)، و\"سنن ابن ماجه\" (١٠٨٨).\n(٢) انظر: \"التعليق الممجد\" (١/ ٢٩٩).","vol":"2","page":275},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-270> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٣٧ - [١٢] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٧٧، م: ٨٤٤].\nــ\nوالاستحباب وللتأكيد والمبالغة فيه.\nوبالجملة للقوم في إثبات سنية غسل الجمعة واستحبابه ثلاث طرق، أحدها: أن الوجوب كان في الابتداء بالدلائل الدالة عليه ثم نسخ، واستحب بما جاء من الدلائل، ولكن ادعاء النسخ بمجرد الاحتمال من غير علم بالتاريخ بعيد، وثانيها: انتهاء الحكم بانتهاء العلة كما يعلم من حديث أبي داود عن عكرمة على ما ذكر في الكتاب، كما ارتفع سهم المؤلفة القلوب من الغنائم، وقد يبقى الحكم مع انتهاء العلة كما في بقاء الرمل في الطواف، وثالثها: حمل الأمر على الندب والوجوب على الثبوت أو على التأكيد جمعًا بين الدلائل، وهذا المسلك أقوى وأقوم كما لا يخفى.\nالفصل الأول\n٥٣٧ - [١] (ابن عمر -﵄-) قوله: (إذا جاء أحدكم الجمعة) قال الطيبي (١): الظاهر أن الفاعل (الجمعة) على وتيرة قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ﴾ [الأعراف: ١٣١] ونظائره، وقد دلّ كلام الشيخ ابن حجر (٢) على أن الفاعل (أحدكم) لأن الفاء للتعقيب، وظاهره أن الغسل عقب المجيء وليس ذلك بمراد، وإنما المراد إذا أراد أحدكم، وقد جاء مصرّحًا به في رواية أبي الليث عن نافع: (إذا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل)، انتهى. وفي حديث أبي هريرة: (إذا جاء أحدكم إلى الجمعة)، وفي رواية\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١٣٣).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٥٧).","vol":"2","page":276},{"text":"٥٣٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٧٩، م: ٨٤٦].\n٥٣٩ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ يَوْمًا، يَغْسِلُ فِيهِ رَأسَهُ وَجَسَدهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٩٧، م: ٨٤٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-271> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٤٠ - [٤] عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنَعِمَتْ، وَمَنِ اغْتَسَلَ فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ\". . . . .\nــ\nأخرى: (ثم أتى الجمعة)، انتهى. والظاهر أنه إن كان المراد بالجمعة يومها ويكون الغسل لليوم تكريمًا له، فالفاعل هو (الجمعة)، وإن كان المراد صلاتها كما هو المختار أن الغسل للصلاة بأدائها بطهارة كاملة فالفاعل (أحدكم)، فافهم.\n٥٣٨ - [٢] (أبي سعيد الخدري) قوله: (على كل محتلم) أي: بالغ؛ لأن الصغير غير مأمور سواء كان الغسل ليوم الجمعة تكريمًا له أو لصلاتها تكميلًا لها.\n٥٣٩ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (يومًا) المراد يوم الجمعة؛ لأن ورود الحديث في الترغيب في غسل الجمعة، ولا حاجة إلى حمل المطلق على المقيد، فافهم.\nوقوله: (يغسل فيه) استئناف لبيان السبب.\nالفصل الثاني\n٥٤٠ - [٤] (سمرة بن جندب) قوله؛ (فبها ونعمت) الباء في (بها) متعلق بمحذوف، والضمير راجع إلى شيء يدل عليه المقام، والتقدير: من توضأ فبالفريضة","vol":"2","page":277},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ. [حم: ٥/ ١٦، ٢٢، د: ٣٥٤، ت: ٤٩٧، ن: ١٣٨، دي: ١/ ٣٦٢].\n٥٤١ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَزَادَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ: \"وَمَنْ حَمَلَهُ فَليَتَوَضَّأْ\". [جه: ١٤٦٣، حم: ٢/ ٢٧٢، ٤٥٤، ت: ٩٩٣، د: ٣١٦١، ٣١٦٢].\nــ\nأخذ، وقيل: فبالرخصة أخذ، وقيل: فبهذه الخصلة ينال الفضل، والمتبادر فعليه بتلك الفعلة، أي: لإقامة أصل الفريضة التي لا يجوز تركها، وعلى كل تقدير معنى قوله: ونعمت الخصلة هي، فحذف المخصوص، أي: حسنت في حد ذاتها وإن كانت مفضولة بالنسبة إلى الغسل، وأما تقدير فنعمت السنة التي ترك فبعيد من اللفظ.\n٥٤١ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (من غسل مَيِّتًا (فليغتسل) قال الطيبي (١): اختلف في وجوبه، الأكثرون على أنه غير واجب.\nوقوله: (ومن حمله فليتوضأ) قيل: أي مسه، وقيل: المراد ليكن على الوضوء حالة حمله ليمكنه الصلاة عليه إذا وضعه، ويجوز أن يكون بمجرد الحمل لأنه قربة، كذا في بعض الشروح.\nوفي (جامع الأصول) (٢) من (الموطأ): أن أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر -﵄- غسلت أبا بكر -﵁- حين توفي، ثم خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين، فقالت: إني صائمة وإن هذا يوم شديد البرد، فهل علي من غسل؟ فقالوا: لا، وعن\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١٣٣).\n(٢) \"جامع الأصول\" (٧٣٣٨).","vol":"2","page":278},{"text":"٥٤٢ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنَ الْجَنَابَةِ، وَيَوْمَ الْجُمُعَة، وَمِنَ الْحَجَامَةِ، وَمِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٤٨، ٣١٦٠].\nــ\n(الموطأ) أيضًا أن ابن عمر حنط ابنًا لسعيد بن زيد وحمله، ثم دخل المسجد فصلى ولم يتوضأ، وعن أبي داود والنسائي: أن رسول اللَّه -ﷺ- أمر عليًّا -﵁- بعد مواراة أبي طالب بالاغتسال ودعا له.\nوقال الترمذي (١): وفي الباب عن علي وعائشة -﵂-، وحديث أبي هريرة حسن، وقد روي عن أبي هريرة موقوفًا، واختلف أهل العلم في الذي يُغَسّل الميت، فقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- وغيرهم: إذا غسل ميتًا فعليه الغسل، وقال بعضهم: عليه الوضوء. وقال مالك بن أنس -﵁-: أستحب الغسل من غسل الميت، ولا أرى ذلك واجبًا، وهكذا قال الشافعي -﵁-، وقال [أحمد]: من غسّل ميتًا أرجو أن لا يجب عليه الغسل، وأما الوضوء فاقل ما [قيل] فيه، وقال إسحاق: لا بد من الوضوء، وقد روي عن عبد اللَّه بن المبارك أنه قال: لا يغتسل ولا يتوضأ مَنْ غَسّل الميتَ، انتهى.\nقال العبد الضعيف: وهكذا مذهب علمائنا، ولم يتعرضوا له في الكتب المشهورة لعدم الاعتناء به، ولم يذكره الترمذي؛ لأن عادته أن لا يذكر مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵏ في كتابه تعصبًا، تجاوز اللَّه عنه.\n٥٤٢ - [٦] (عائشة) قوله: (من الجنابة ومن الحجامة) لإماطة الأذى، (ومن غسل الميت) لرشاش لا يؤمن، فالغسل لأجلها مستحب، وأما الغسل في يوم الجمعة\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٩٩٣).","vol":"2","page":279},{"text":"٥٤٣ - [٧] وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عَاصِمٍ: أَنَّهُ أَسْلَمَ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٦٠٥، د: ٣٥٥، ن: ١٨٨].\nــ\nفلما كان لكرامته لم يظهر فيه معنى الغلبة فلم يصرح بمن، وقد ينصب يوم الجمعة على الظرفية، ثم قيل: إنه يفهم من هذا الحديث أنه -ﷺ- كان يغسل الميت ويغتسل منه، وقيل: معناه أنه -ﷺ- كان يرى الاغتسال ويأمر به فالإسناد مجازي، فإنه -ﷺ- ما غسّل ميتًا قطّ، وقال صاحب (الأزهار): الأول أقرب إلى اللفظ، ويتأيد بما ذكر صاحب (الحاوي) حكاية عن الشافعي أنه قال: إنما كان غسل الميت سنة مع ضعف هذا الحديث؛ لأنه -ﷺ- فعله، وكذلك أصحابه، كذا في بعض الشروح، واللَّه أعلم.\n٥٤٣ - [٧] (قيس بن عاصم) قوله: (أنه أسلم فأمره النبي -ﷺ- أن يغتسل بماء وسدر) هذا لفظ الترمذي والنسائي، وظاهره أنه أمره بالغسل بعد الإسلام، ولفظ أبي داود: وقال قيس بن عاصم: أتيت رسول اللَّه -ﷺ- أريد الإسلام، فأمرني أن أغتسل، وهو ظاهر في تقديم الغسل، والأصح أن يؤمر أولًا بالشهادتين، ثم يغسل، واختلف في أنه واجب أو مستحب، والثاني أصح، وقيل: إن كان جنبًا وجب وإن لم يكن ندب، واستعمال السدر مع الماء متسحب إجماعًا مبالغة في التنظيف، قالوا: يستحب أن يغتسل ويغسل ثيابه ويحلق ويختتن، وفي (جامع الأصول) (١): لأبي داود: عن عثيم بن كليب عن أبيه عن جده أنه جاء إلى رسول اللَّه -ﷺ- فقال: قد أسلمت، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: (ألق عنك شعر الكفر) -يقول: احلق-، [قال: وأخبرني آخر: أن النبي -ﷺ-] قال لآخر معه: (ألق عنك شعر الكفر، واختتن).\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (٧/ ٣٣٨).","vol":"2","page":280},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-272> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٤٤ - [٨] عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: إِنَّ ناسًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ جَاؤوا فَقَالُوا: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ أَتَرَى الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاجِبًا؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ أَطْهَرُ وَخَيْرٌ لِمَنِ اغْتَسَلَ، وَمَنْ لَمْ يَغْتَسِلْ فَلَيْسَ عَلَيْهِ بِوَاجِبٍ. وَسَأُخْبِرُكُمْ كَيْفَ بَدْءُ الْغُسْلِ: كانَ النَّاسُ مَجْهُودِينَ يَلْبَسُونَ الصُّوفَ، وَيَعْمَلُونَ عَلَى ظُهُورِهِمْ، وَكَانَ مَسْجِدُهُمْ ضَيِّقًا مُقَارِبَ السَّقْفِ، إِنَّمَا هُوَ عَرِيشٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي يَوْمٍ حَارٍّ، وَعَرِقَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الصُّوفِ، حَتَّى ثَارَتْ مِنْهُمْ رِيَاحٌ، آذَى بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. فَلَمَّا وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- تِلْكَ الرِّيَاحَ قَالَ: \"أَيُّهَا النَّاسُ إِذَا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ فَاغْتَسِلُوا،\nــ\nالفصل الثالث\n٥٤٤ - [٨] (عكرمة) قوله: (أترى) من الرأي.\nوقوله: (ولكنه أطهر) الظاهر أن المقصود أنه أشد تطهيرًا، ولكن اسم التفضيل لا يشتق من المزيد، وقد قيل: قد يجيء اسم التفضيل من المزيد المضاعف إلا أن يحمل على الإسناد المجازي.\nوقوله: (كان الناس مجهودين) يقال: جهد الرجل فهو مجهود إذا وجد مشقة.\nوقوله: (كيف بدء الغسل) بالإضافة.\nوقوله: (إنما هو عريش) في (القاموس) (١): العرش والعريش: البيت الذي يستظل به.\nوقوله: (إذا كان هذا اليوم) أي: يوم الجمعة مطلقًا، فالسبب وإن كان مخصوصًا\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٥٢).","vol":"2","page":281},{"text":"وَلْيَمَسَّ أَحَدُكُمْ أَفْضَلَ مَا يجِدُ مِنْ دُهْنِهِ وَطِيبِهِ\". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ثُمَّ جَاءَ اللَّهُ بِالْخَيْرِ وَلَبِسُوا غَيْرَ الصُّوفِ وَكُفُوا الْعَمَلَ، وَوُسِّعَ مَسْجِدُهُمُ، وَذَهَبَ بَعْضُ الَّذِي كَانَ يُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا مِنَ الْعَرَقِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٥٣].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>١٢ - باب الحيض</span>\nــ\nباليوم الحار لكنه استحب عامًا كما هو المعتاد في قواعد الشرع، فهو أتم وأشمل وأضبط.\nوقوله: (وكفوا العمل) بالتخفيف على صيغة المجهول من كفاه مؤنة يكفيه كفاية.\nوقوله: (ووسع مسجدهم) هذا كلام ابن عباس -﵄- بعد زمان رسول اللَّه -ﷺ- زمن الصحابة وإلا فالتوسع في المسجد لم يحصل في زمنه -ﷺ-، فتدبر.\nوقوله: (كان يؤذي) أي: بسببه.\n١٢ - باب الحيض\nالحيض في اللغة: السيلان، يقال: حاض الوادي إذا سال، ومنه الحوض لأن الماء يسيل إليه، وفي الشرع: دم ينفضه رحم امرأة بالغة من غير علة أو نفاس، يقال: حاضت المرأة تحيض حيضًا ومحيضًا فهي حائض وحائضة في لغة، وقيل: الحائض للدوام، والحائضة للحدوث، والحيضة بالفتح المرة، وبالكسر الاسم من الحيض، والحال التي تلزمها الحائض من التجنب، وقد يجيء بمعنى خرقة الحيض كما مرّ في (باب أحكام المياه).","vol":"2","page":282},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقالوا: والحكمة في إيجاده تربية الولد، فعند الحمل ينصرف ذلك الدم بإذن اللَّه تعالى إلى تغذية الولد، ولذلك لا تحيض الحامل، وعند الوضع يخرج ما فضل عن غذاء الولد من ذلك الدم، ثم يحيله اللَّه تعالى لبنًا يتغذى به الولد، ولذلك قلّ ما تحيض المرضع، فإذا خلت من حمل أو رضاع بقي ذلك الدم لا مصرف له في محله، ثم يخرج غالبًا في كل شهر ستة أيام أو سبعة أيام، وقد يكثر ويقل ويطول ويقصر على حسب ما ركبه اللَّه في الطباع.\nوأما بدء الحيض فقد قال النبي -ﷺ-: (هذا شيء كتبه اللَّه على بنات آدم)، وقال بعضهم: كان أول ما أرسل الحيض على نساء بني إسرائيل، وأخرج عبد الرزاق (١) عن ابن مسعود بإسناد صحيح قال: كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا، وكانت المرأة تتشرف للرجل، فألقى اللَّه عليهن الحيض ومنعهن المساجد.\nوقال البخاري: وحديث النبي -ﷺ- أكثر، أي: أشمل؛ لأنه عام، فيتناول الإسرائيليات ومن قبلهن، وقال الداودى: ليس بينهما مخالفة بصحة حمل بنات آدم في الحديث على الإسرائيليات فما بعدهن.\nوقال الشيخ (٢): يمكن أن يجمع بينهما مع القول بالتعميم بأن الذي أرسل على نساء بني إسرائيل طول مكئه بهن عقوبة لهن لا ابتداء وجوده، وهذا يناسب السبب الذي ذكره الشيخ من منعهن من المساجد، وقال: وقد روى الطبراني وغيره عن ابن عباس وغيره أن قوله تعالى في قصة إبراهيم ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ﴾ [هود: ٧١] أي:\n_________\n(١) \"مصنف عبد الرزاق\" (٣/ ١٤٩).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (١/ ٤٠٠).","vol":"2","page":283},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-274> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٤٥ - [١] عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: إِنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ -ﷺ- النَّبِيَّ -ﷺ-، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآيَةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اصنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا النِّكَاحَ\"، فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنا شَيْئًا إِلَّا خَالَفَنَا فِيهِ،\nــ\nحاضت، والقصة متقدمة على بني إسرائيل بلا ريب، وروى الحاكم وغيره عن ابن عباس -﵄- أن ابتداء الحيض كان على حواء ﵍ بعد أن أهبطت من الجنة.\nالفصل الأول\n٥٤٥ - [١] (أنس) قوله: (فيهم) وفي بعض الروايات: منهم.\nوقوله: (ولم يجامعوهن في البيوت) أي: لم يداخلوهن ويجالسوهن، لما كان المؤاكلة بالمرأة غالبًا مخصوصًا بالزوجة أو الأم مثلًا وحّد ضميرها، أما مداخلة البيوت والمجالسة فيكون مع الجماعة فجمعه، فافهم.\nوقوله: (اصنعوا كل شيء إلا النكاح) وفي رواية النسائي: (إلا الجماع)، تفسير للآية وبيان لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] بأن المراد من الاعتزال المجانبة من الوطء لا ما يشمل ترك المؤاكلة والمصاحبة، والنكاح في أصل اللغة الضم، ثم استعمل في الوطء لوجود الضم فيه، ثم استعمل في العقد، وكلاهما بعلاقة السببية واللزوم، الأول من إطلاق لفظ السبب الملزوم على المسبب اللازم، والثاني بالعكس، كذا في بعض شروح (الوقاية)، قال في (القاموس) (١): النكاح: الوطء والعقد له،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٣٧).","vol":"2","page":284},{"text":"فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْيَهُودَ تَقُولُ كَذَا وَكَذَا، أَفَلَا نُجَامِعُهُنَّ؟ فتغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا،\nــ\nوبالجملة ليس إطلاق النكاح على الوطء فرعًا لإطلاقه على العقد، كما قال الطيبي (١): إن المراد بالنكاح الجماع إطلاقًا لاسم السبب على المسبب؛ لأن عقد النكاح سبب للجماع، بل الأمر بالعكس أو مشترك فيهما، فتدبر.\nوهذا الحديث يدل على أنه يحل الاستمتاع من الحائض بما دون الفرج، وهو مذهب أحمد وأبي يوسف ومحمد وبعض أصحاب الشافعي، وعند أبي حنيفة والشافعي ومالك -﵃-: يحرم ملامسة الحائض فيما بين السرة والركبة، والأحاديث الآتية دالّة عليه، فكأنه رخص بعده واتسع الأمر.\nوقوله: (فجاء أسيد بن حضير) كلاهما بلفظ التصغير، (وعباد) على صيغة المبالغة، (ابن بشر) بكسر الباء.\nوقوله: (كذا وكذا) كناية عما ذكروه من وجوه الضرر في مجامعة الحائضات من العلل والأسقام.\nوقوله: (أفلا نجامعهن؟) أي: في البيوت، وهذا اللفظ في بعض النسخ بلفظ الخطاب للواحد خطابًا لرسول اللَّه -ﷺ-، وذلك لغاية حرصهم على سلامته -ﷺ- من الضرر والآفة، وفي بعضها: فلا نجامعهن بلفظ المتكلم، وفي بعضها: أفلا، وفي بعضها: ألا، وهذا أصح، وزاد في رواية: في الحيض، وهذا الحديث رواه الجماعة إلا البخاري، وفي (المصابيح) أورده مختصرًا.\nوقوله: (وجد عليهما) أي: غضب على أسيد وعباد لقولهما: إن اليهود تقول\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١٣٧).","vol":"2","page":285},{"text":"فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَتْهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمَا فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٠٢].\n٥٤٦ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ -ﷺ- مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ وَكِلَانَا جُنُبٌ، وَكَانَ يَأْمُرُنِي فَأَتَّزِرُ،\nــ\nكذا وكذا، لما فيه من إساءة الأدب وتوجيه كلام اليهود، وجد عليه يجد وجدًا وجِدة ومَوْجدة بمعنى غضب.\nوقوله: (فاستقبلتهما هدية) أي: شخص معه هدية، والضمير في (أرسل) للنبي -ﷺ- أي: أرسل أحدًا أن يردهما إلى حضرته.\nوقوله: (فعرفا أنه لم يجد عليهما) أي: لم يغضب غضبًا شديدًا باقيًا.\n٥٤٦ - [٢] (عائشة) قوله: (كنت أغتسل أنا والنبي -ﷺ-) بالرفع والنصب مثل جئت أنا وزيدًا، وقد سبق شرحه في (باب مخالطة الجنب).\nوقوله: (فأتزر) وقع في الأصول بالإدغام، قال التُّورِبِشْتِي (١): صوابه بهمزتين فإن إدغام الهمزة في التاء غير جائز، ولما كانت أم المؤمنين عائشة -﵂- من البلاغة بمكان لا يخفى على ذوي المعرفة بأساليب الكلام علمنا أنه نشأ من الرواة، وكذا أورده أبو موسى في كتمابه فقال: هو من تحريف الرواة، انتهى.\nوقال صاحب (القاموس) (٢): ائتزر، ولا يقال: اتزر، وقد جاء في الأحاديث ولعله من تحريف الرواة.\nوقال في (فتح الباري) (٣): كذا في روايتنا، وغيرها بتشديد التاء المثناة بعد\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٧١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٢٢).\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤٠٤).","vol":"2","page":286},{"text":"فَيُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ،\nــ\nالهمزة، وأصله فأءتزر بهمزة ساكنة بعد الهمزة المفتوحة ثم المثناة بوزن أَفَتعِلُ، وأنكر أكثر النحاة الإدغام حتى قال صاحب (المفصل): إنه خطأ، لكن نقل غيره أنه مذهب الكوفيين، وحكاه الصغاني في (مجمع البحرين)، وقال ابن مالك: إنه مقصور على السماع، ومنه قراءة ابن محيصن ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] بالتشديد، انتهى.\nوقال الكرماني (١): لا يجوز الإدغام فيه عند التصريف، وقال صاحب (المفصل): وقول من قال: اتزر خطأ، قلت: قول عائشة وهي من فصحاء العرب حجة في جوازه، فالمخطِّئ مخطئ، أو بأنه وقع من الرواة عنها، انتهى.\nقال العبد الضعيف -أصلح اللَّه حاله-: قد وقع في بعض الأحاديث ألفاظ على خلاف ما قرره اللغويون من القاعدة مثل هذه اللفظة، وكاستعمال قطّ في المستقبل وغيرهما فيحكمون بخطئها، وهذا لا يخلو عن شيء، لم لا يحكمون على القاعدة بالخطأ وعدم كلّيتها حتى يستثنوا منها هذه الصور؟ فلعلهم لم يحيطوا بها علمًا، وقد فعل بعض النحاة من أهل الإنصاف ذلك حتى ابن مالك جوز وقوع قطّ في المستقبل، وسيجيء ذلك في (باب الشفاعة).\nوقوله: (فيباشرني) أي: تواصل بشرته بشرتي، قال في (الفتح) (٢): وحد الفقهاء شد الإزار على وسطها بما بين السرة والركبة عملًا بالعرف الغالب، انتهى. وهذا دليل لأبي حنيفة ومن معه في حرمة الاستمتاع بما تحت الإزار، قال الكرماني (٣): مباشرة\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (٣/ ١٦٥).\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٠٤).\n(٣) \"شرح الكرماني\" (٣/ ١٦٥ - ١٦٦).","vol":"2","page":287},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالحائض أقسام:\nأحدها: أن يباشرها بالجماع، وهذا حرام بالإجماع، ولو اعتقد مسلم حله صار كافرًا، ولو فعله غير معتقد حفه فإن كان ناسيًا أو جاهلًا بوجود المحيض أو جاهلًا بتحريمه أو مكرهًا فلا إثم عليه ولا كفارة، وإن كان عامدًا عالمًا بالحيض وبالتحريم مختارًا فقد ارتكب معصية، نص الشافعي على أنها كبيرة، وتجب عليه التوبة، وفي وجوب الكفارة قولان، أصحهما وهو قول الأئمة الثلاثة أنه لا كفارة عليه.\nثم اختلفوا في الكفارة فقيل: عتق رقبة، وقيل: دينار أو نصف دينار على اختلاف منهم، كل الدينار في أول الدم ونصفه في آخره، أو الدينار في زمن الدم ونصفه بعد انقطاعه.\nوثانيها: المباشرة فيما فوق السرة والركبة بالذكر أو باللمس أو بغير ذلك، وهو حلال بالاتفاق.\nوثالثها: المباشرة فيما بين السرة والركبة في غير القبل والدبر، فيه ثلاثة أوجه لأصحابنا أصحها: أنه حرام، وثانيها: مكروه كراهة تنزيه وهو المختار، وثالثها: إن كان المباشر يضبط نفسه عن الفرج ويثق من نفسه بالاجتناب عنه، إما لضعف شهوته وإما لشدة ورعه جاز وإلا فلا.\nثم اختلفوا فقال أبو حنيفة -﵁-: إذا انقطع الدم لأكثر الحيض حل وطؤها في الحال. وقال الجمهور: لا يحل إلا بعد الغسل محتجين بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢] انتهى.\nونحن نقول: في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ قراءتان بالتخفيف والتشديد، فحمل أبو حنيفة ﵀ قراءة التخفيف على الطهارة بانقطاع الدم، وقراءة التشديد على","vol":"2","page":288},{"text":"وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ إِلَيَّ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩٩، م: ٢٩٧].\n٥٤٧ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعِ فِيَّ فَيَشْرَبُ، وَأَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ وَأَنَا حَائِضٌ، ثُمَّ أُنَاوِلُهُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَيَضَع فَاهُ عَلَى مَوضع فِيَّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٠٠].\n٥٤٨ - [٤] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي. . . . .\nــ\nالاغتسال، واعتبر في انقطاع الدم لأكثر المدة للوطء أصل الطهارة الحاصلة بالانقطاع، وفي الانقطاع لأقلِّها الطهارة الكاملة الحاصلة بالغسل؛ لأنه ليس فيه مظنة الدم؛ لأن الحيض لا مزيد له على عشرة أيام، قال في (الهداية) (١): إلا أنه لا يستحب له الوطء قبل الاغتسال للنهي في القراءة بالتشديد.\nوقوله: (وكان يخرج رأسه إلي) فيه جواز إخراج المعتكف بعض أعضائه من المسجد.\nوقوله: (فاغسله) فيه جواز المباشرة مع الحائض.\n٥٤٧ - [٣] (وعنها) قوله: (وأتعرق العرق) بالفتح والسكون عرق العظمَ عرقًا ومعرقًا كمقعد: أكل ما عليه من اللحم، كتعرَّقَه، والعَرْقُ، وكغراب: العَظْمُ أُكُلَ لَحْمُهُ، أو العرق: العظم بلحمه، فإذا أُكُلَ لحمه فعُراق، أو كلاهما لكليهما، كذا في (القاموس) (٢)، فقوله: أتعرق العرق إما على حقيقته أو من قبيل قتل قتيلًا.\n٥٤٨ - [٤] (وعنها) قوله: (في حجري) بفتح الحاء وكسرها.\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٣٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٣٦).","vol":"2","page":289},{"text":"وَأَنَا حَائِضٌ، ثمَّ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩٧، م: ٣٠١].\n٥٤٩ - [٥] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ لِي النَّبِيُّ -ﷺ-: \"نَاوِلينِي الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجدِ\". فَقُلْتُ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: \"إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٨].\nــ\nوقوله: (ثم يقرأ القرآن) يحتمل التراخي في الزمان وفي الرتبة، وهذا أظهر.\n٥٤٩ - [٥] (وعنها) قوله: (ناوليني الخمرة) الخمرة بالضم وسكون الميم هي السجادة من حصير أو خوص بقدر ما يضع الساجد وجهه، وفي (القاموس) (١): حصيرة صغيرة من السعف والورس، انتهى. واشتقاقه من الخمر بمعنى التعلقة والتغطية.\nوقوله: (من المسجد) متعلق بـ (ناوليني) وهو الظاهر، والمراد مدي يدك وأنت خارجة فتناوليها منه ثم ناوليني إياها، أو ادخلي المسجد فخذيها من غير مكث، وهذا جائز عند الشافعية، يدل على ذلك كلام الشيخ ابن حجر، أو متعلق بـ (قال) لكنه بعيد، وفي بعض الشروح أن السابق إلى الفهم من العبارة أن يتعلق بـ (ناوليني)، ولكن الصواب أن يتعلق بـ (قال لي النبي -ﷺ-) لما روى أبو هريرة: بينما النبي -ﷺ- في المسجد فقال: (يا عائشة! ناوليني الثوب)، فقالت: إني حائض، فقال: (إن حيضتك ليست في يدك)، رواه مسلم (٢).\nوأقول: لعل هذه قضية أخرى فلا شاهد فيه، ومما يدل على تعلقه بـ (ناوليني) ترجمة الترمذي إياه بـ (باب الحائض تتناول الشيء من المسجد)، وإيراده هذا الحديث ثم قوله: لا نعلم بين العلماء اختلافًا في أنه لا بأس أن تتناول الحائض شيئًا من المسجد.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٦١).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٢٩٩).","vol":"2","page":290},{"text":"٥٥٠ - [٦] وَعَنْ مَيْمُونَةَ -﵂- قَالَتْ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي فِي مِرْطٍ، بَعْضُهُ عَلَيَّ وَبَعْضُهُ عَلَيْهِ وَأَنا حَائِضٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٩، م: ٥١٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-275> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٥١ - [٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ\". . . . .\nــ\n٥٥٠ - [٦] (ميمونة) قوله: (يصلي في مرط) المرط بكسر الميم: كساء من صوف أو خز.\nالفصل الثاني\n٥٥١ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (من أتى حائضًا) أي: مستحلًا وهو عالم بكونها حائضًا وبحرمة الوطء حالة الحيض وعامد ومختار كما بيّنًا، والإتيان بمعنى المجيء، والمجيء للمرأة يكون للجماع، وللكاهن للسؤال، فليس الإتيان ههنا مستعملًا بالاشتراك في الجماع والمجيء كما قيل، فافهم. ثم إن كان المراد الإتيان باستحلال وتصديق فالكفر محمول على ظاهره، وإن كان بدونهما فهو محمول على كفران النعمة، وفيه تغليظ وتشديد لا يخفى.\nهذا وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي في شرحه: الكفر ههنا بالنسبة إلى الحليلة، أو لأنه محمول على كفر النعمة بشهرة الخلاف في ذلك، فلم يوجد إجماع على تحريمه فضلًا عن علمه بالضرورة، وما كان كذلك لا يقول أحد بأن استحلاله كفر على أن الحديث ضعيف كما يأتي، انتهى. وعلى هذا فإتيان الأجنبية في دبرها يكون أشد شناعة ونكيرًا، وأما إتيان الذكران فأشد وأشد.\nوقوله: (بما أنزل على محمد) وهو القرآن لتحريمه الوطء حالة الحيض والإتيان","vol":"2","page":291},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ وَفِي رِوَايَتِهِمَا: \"فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ\". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَّا مِنْ حَكِيمِ الأَثْرَمِ عَنْ أَبِي تَمِيْمةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [ت: ١٣٥، جه: ٦٣٩، دي: ١/ ٢٥٩].\nــ\nفي الدبر، ولتكذيبه الكهان.\nوقوله: (قال الترمذي: لا نعرف هذا الحديث إلا من حكيم الأثرم عن أبي تميمة عن أبي هريرة)، وقال الترمذي بعد هذا الكلام: وإنما معنى هذا عند أهل العلم على التغليظ، وقد روي عن النبي -ﷺ- قال: (من أتى حائضًا فليتصدق بدينار)، فلو كان إتيان الحائض كفرًا لم يؤمر فيه بالكفارة، وقال: وضعف محمد هذا الحديث من قبل إسناده، وأبو تميمة الهجيمي اسمه طريف بن مجالد، انتهى.\nوقال في (التقريب) (١): حكيم الأثرم البصري فيه لين، من السادسة، ونقل في الحاشية من (ميزان الاعتدال) (٢) أنه قال النسائي: ليس به بأس، وروي عن علي بن المديني أنه ثقة عندنا، وقال البخاري: لم يتابع على حديثه، قال في (الكاشف) (٣): طريف بن مجالد وثق، مات سنة سبع وتسعين، وفي (التهذيب) (٤): قال يحيى: ثقة، وقال العجلي: إن شاء اللَّه تعالى.\n_________\n(١) \"التقريب\" (ص: ١٧٧).\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٥٨٦).\n(٣) \"الكاشف\" (١/ ٥١٣).\n(٤) \"التهذيب\" (٥/ ١٢).","vol":"2","page":292},{"text":"٥٥٢ - [٨] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يَحِلُّ لِي مِنِ امْرَأَتِي وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: \"مَا فَوْقَ الإِزَارِ، وَالتَّعَفُّفُ عَنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ\". رَوَاهُ رَزِينٌ. وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِقَوِيٍّ. [أخرجه د: ١٨٣].\n٥٥٣ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا وَقَعَ الرَّجُلُ بِأَهْلِهِ وَهِيَ حَائِضٌ فَلْيَتَصَدَّقْ بِنِصْفِ دِينَارٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٣٦، د: ٢٦٦، ن: ٢٨٩، دي: ١/ ٢٥٤ - ٢٥٥، جه: ٦٤٠].\n٥٥٤ - [١٠] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا كَانَ دَمًا أَحْمَرَ، فَدِينَارٌ وَإِذَا كَانَ دَمًا أَصْفَرَ فَنِصْفُ دِينَارٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٣٧].\nــ\n٥٥٢ - [٨] (معاذ بن جبل) قوله: (قال: ما فوق الإزار) يؤيد مذهب أبي حنيفة -﵁- بدلالة المقام، ومع ذلك قال: التعفف عن ذلك أفضل؛ لأنه ربما يؤدي إلى الوطء، وأما هو -ﷺ- فمأمون كما في تقبيل المرأة صائمًا ونحوه، فلا يتجه قول الطيبي (١) في الحكم بتضعيف الحديث، لو كان التعفف أفضل لكان رسول اللَّه -ﷺ- به أولى.\n٥٥٣ - [٩] (ابن عباس) قوله: (إذا وقع الرجل بأهله) من الوِقاع بمعنى الجِماع.\nوقوله: (فليتصدق بنصف دينار) قد سبق بيانه فيما نقلنا من التفصيل من الكرماني.\n٥٥٤ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (قال: إذا كان دمًا أحمر فدينار. . .) الحديث،\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٢/ ١٤٠).","vol":"2","page":293},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-276> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٥٥ - [١١] عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: مَا يَحِلُّ لِي مِنَ امْرَأَتِي وَهِىَ حَائِضٌ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَشُدُّ عَلَيْهَا إِزَارَهَا ثُمَّ شَأْنُكَ بِأَعْلَاهَا\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالدَّارِمِيُّ مُرْسَلًا. [ط: ١٥٩، دي: ٣/ ٢٣٩].\n٥٥٦ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ إِذَا حِضْتُ نزَلْتُ عَن الْمِثَالِ عَلَى الْحَصِيرِ، فَلَمْ نَقْرُبْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-. . . . .\nــ\nقال الترمذي: حديث الكفارة في إتيان الحائض قد روي عن ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا أيضًا، وهو قول بعض أهل العلم، وبه يقول أحمد وإسحاق، وقال ابن المبارك: يستغفر ربه ولا كفارة عليه، وقد روي نحو قول ابن المبارك عن بعض التابعين، منهم سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي ﵏.\nالفصل الثالث\n٥٥٥ - [١١] (زيد بن أسلم) قوله: (ثم شأنك بأعلاها) مرفوع على أنه مبتدأ خبره محذوف أي: مباحٌ، أو منصوب بإضمار فعل، أي: الزم، كذا قالوا، وأقول: أو يكون الخبر (بأعلاها) أي: متلبس به.\n٥٥٦ - [١٢] (عائشة) قوله: (عن المثال) في (القاموس) (١): المثال: الفراش، والجمع أَمْثِلَةٌ ومُثُلٌ.\nوقوله: (فلم نقرب) على صيغة المتكلم مع الغير شاملًا لأمهات المؤمنين كلهن، أخبرت أولًا عن حالها ثم عممت، وفيه تفنن قريب من الالتفات، وفي بعض\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٧٤).","vol":"2","page":294},{"text":"وَلَمْ نَدْنُ مِنْهُ حَتَّى نَطْهُرَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧١].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>١٣ - باب المستحاضة</span>\nــ\nالنسخ صحح بالياء بلفظ الغائب وفاعله رسول اللَّه -ﷺ-، وكتب في الحاشية أن في أصول أبي داود كلّها بالنون، وهو الأظهر الأوفق بقوله: (ولم ندن منه حتى نطهر).\nثم ظاهره ينافي ما سبق من الأحاديث من حل المباشرة والاستمتاع بغير الجماع أو بما فوق الإزار، فقيل: هذا منسوخ، أو المراد بالقرب الغشيان أو التمتع لما تحت الإزار.\nوالأحسن ما قيل من أن المراد أن هذا كان شأنهن معه -ﷺ- حتى يدعوهن ويؤويهن إلى معاشرته، وهذا المعنى -أعني كون القرب ضد البعد- أقرب وأظهر إذا كان (نقرب) بلفظ المتكلم، والمعنى الأول -أعني كونه بمعنى الغشيان- إن كان بالياء، فافهم، واللَّه أعلم.\n١٣ - باب المستحاضة\nالمستحاضة من يسيل دمها لا من حيض بل ذلك من عرق يسمى العاذل، والاستحاضة يستعمل مشتقاته على لفظ المجهول، وكم من كلمات لا يستعمل إلا كذلك مثل: جن واستجن من الجنون، وأغمي عليه من الإغماء، فإن كان ذلك مبنيًا على أنها أفعال غير اختبارية وعوارض سماوية كما قيل، فهو غير مطَّرد، وكفى في نقضه الحائض من الحيض فإنه مثل المستحاضة من الاستحاضة غير اختياري، فالظاهر أنه سماعي غبر مطرد، فتدبر.","vol":"2","page":295},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-278> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٥٧ - [١] عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: \"لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ،\nــ\nالفصل الأول\n٥٥٧ - [١] (عائشة) قوله: (إني امرأة أستحاض) على لفظ المجهول، أي: دائم الاستحاضة، والقياس على ما قال أهل العربية أن يقال: تستحاض، لكنه قد ينظر إلى المعنى عرف ذلك في:\nأنا الذي سمتني أمي حيدره\nوقوله: (إنما ذلك عرق) أي: دم عرق، ويناسبه قوله: (وليس بحيض)، أو المراد المحل الذي يخرج منه الدم عرق لا رحم، قال الفقهاء: ما نقص عن أقل الحيض أو زاد على أكثره أو أكثر النفاس أو على عادة وجاوز الأكثر، أو استمر دمها، أو ما رأته حامل فهو استحاضة، فإن كانت مبتدأة فحيضها أكثر المدة، وإن كانت معتادة فعادتها، وما زاد فهو استحاضة، وهذا معنى قوله -ﷺ-: (فإذا أقبلت حيضتك) بكسر الحاء وفتحها، أي: أيام عادتك إن كانت معتادة، والظاهر أن هذه المرأة السائلة كانت معتادة، أو أيام أكثر الحيض إن كانت مبتدأة، هذا عندنا، وعند الباقين يعمل بالتمييز في المبتدأة إن كان دمًا أسود يحكم بأنه من الحيض كما جاء في الحديث الآتي عن عروة: (إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف)، الحديث، وعندنا لا يعمل بالتمييز لخفائه، وإن تعارضت العادة والتمييز فعند جمهور الشافعية يعتبر التمييز،","vol":"2","page":296},{"text":"وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثمَّ صَلِّي\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٨، ٣٠٦، م: ٣٣٣].\nــ\nولم تعتبر العادة، وعند أحمد روايتان، وأكثر الأحاديث وردت في المعتادة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وإذا أدبرت) أي: الحيضة، أي: زمنها (فاغسلي عنك الدم) أي: واغتسلي.\nوقوله: (ثم صلي) أي: بعد هذا الاغتسال، وبعد ذلك تتوضأ لوقت كل صلاة عندنا، ولكل صلاة عند الشافعي لقوله -ﷺ-: (المستحاضة تتوضأ لكل صلاة)، فاللام عندنا بمعنى الوقت كقولك: آتيك لصلاة الظهر، أي: وقتها، ولأن الوقت أقيم مقام الأداء تيسيرًا، فيدار الحكم عليه، وقد ورد في بعض الروايات: (المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة)، فيحمل عليه، كذا في (الهداية) (١).\nوقال الشيخ ابن الهمام (٢): ذكر سبط ابن الجوزي أن الإمام أبا حنيفة -﵁- رواه، وفي (شرح مختصر الطحاوي): روى أبو حنيفة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: أن النبي -ﷺ- قال لفاطمة بنت أبي حبيش: (توضئي لوقت كل صلاة)، ولا شك أن هذا محكم بالنسبة إلى (لكل صلاة)؛ لأنه لا يحتمل غيره بخلاف الأول، فإن لفظ الصلاة شاع استعمالها في الشرع والعرف في وقتها فوجب حمله على المحكم، وقد رجح أيضًا أنه متروك الظاهر بالإجماع للإجماع على أنه لم يرد حقيقة كل صلاة لجواز النوافل مع الفرض بوضوء واحد، كذا قال الشيخ ابن الهمام.\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٣٤).\n(٢) \"فتح القدير\" (١/ ١٧٩).","vol":"2","page":297},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-279> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٥٨ - [٢] عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: أَنَّهَا كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِذَا كَانَ دَمُ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا كَانَ الآخَرُ فتوَضَّئِي وَصَلِّي، فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٨٦، ن: ٢١٥].\n٥٥٩ - [٣] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: إِنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهَرَاقُ الدَّمَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n٥٥٨ - [٢] (عروة بن الزبير) قوله: (إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود) لا شك أنه باعتبار الأغلب، فإنه قد يكون دم الحيض غير أسود فيعسر اعتباره.\nوقوله: (يعرف) أي: تعرفه النساء باعتبار لونه وثخانته كما تعرفه باعتبار عادته، قيل: تعرف بالفوقانية على الخطاب، والصواب أنه بالتحتانية إذ لو كان كذلك لقال: تعرفين على خطاب المؤنث، وقيل: هو من العرف بالفتح والسكون وهو الرائحة، وفيه أن العرف هو الرائحة الطيبة لا المنتنة، بل الصواب أنه من المعرفة، كذا في بعض الشروح.\n٥٥٩ - [٣] (أم سلمة) قوله: (إن امرأة كانت تهراق الدم) بضم التاء الفوقانية وفتح الهاء (١) على صيغة المجهول، أي: تَصُبُّ، والدم إما مرفوع لكونه مسندًا إليه، والألف واللام بدل من الإضافة، والتقدير يهراق دمها، أو لكونه بدلًا من الضمير في تهراق، وإما منصوب على أنه مفعول به لمقدر كأنه قيل: ما تهراق؟ فقيل: تهريق الدم،\n_________\n(١) وقد تسكن، قاله القاري (٢/ ٥٠٠).","vol":"2","page":298},{"text":"فَاسْتَفْتَتْ لَهَا أُمُّ سَلَمَةَ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: \"لِتَنْظُرْ عَدَدَ اللَّيَالِي وَالأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ ثُمَّ لِتُصَلِّ\". رَوَاهُ مَالكٌ وَأَبُو دَاوُدَ والدَّارِمِيُّ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ مَعْنَاهُ. [ط: ١٣٦، د: ٢٧٤، دي: ١/ ١٩٩ - ٢٠٠، ن: ٢٠٨].\nــ\nوقال زين العرب: منصوب على التشبيه بالمفعول كما في الصفة المشبهة، أو على التمييز وإن كانت معرفةً؛ لأن له نظائر فيكون اللام زائدة، وقيل: ذلك جائز على مذهب الكوفيين.\nوقال صاحب (الأزهار): على أنه مفعول به بأن يكون تهراق في الأصل تهريق على المعلوم، أبدلت كسرة الراء فتحة وانقلب الياء ألفًا على لغة من قال في ناصية: ناصاة، قال بعض الشارحين: هذا التوجيه عار عن التكلف المذكور في تصحيح النصب، قال الرافعي وغيره: ولكن العرب تعدل بالكلمة إلى ما هو في معناها، وهي في معنى تستحاض وهو على وزن ما لم يسم فاعله، ولم يجئ بالبناء للفاعل، هذا ما ذكره الشارحون في تصحيح هذه الكلمة، وقد سبق بيانه في آخر الفصل الثالث من (كتاب الإيمان) [رقم: ٤٦]، فلينظر ثمة.\nوقوله: (فاستفتت لها أم سلمة) هذا قول الراوي عن أم سلمة أو التفات منها.\nوقوله: (قبل أن يصيبها الذي أصابها) أي: الاستحاضة بدوام خروج الدم.\nوقوله: (فإذا خلفت ذلك) أي: تركت خلفها قدر زمن الحيض، أي: مضى ذلك الزمان.\nوقوله: (ثم لتستثفر) أي: تشدّ ثوبًا بين فخذيها، تحتجز به على موضع الدم ليمنع سيلانه، والاستثفار أن يدخل إزاره بين فخذيه ملويًّا، وإدخال الكلب ذنبه بين","vol":"2","page":299},{"text":"٥٦٠ - [٤] وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ -قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: جَدُّ عَدِيٍّ اسْمُهُ دِينَارٌ- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ:\nــ\nفخذيه حتى يلزقه ببطنه، والثفر بالتحريك: السير في مؤخر السرج، وقد يسكن، كذا في (القاموس) (١).\n٥٦٠ - [٤] (عدي بن ثابت) قوله: (قال يحيى بن معين) في بيان اسم جده (٢): (جد عدي اسمه دينار) وبهذا يظهر أن ضمير جده راجع إلى عدي لا إلى ثابت، وهكذا يكون في أسانيد آخر بعبارة عن أبيه عن جده، وهو الظاهر من اللفظ الموافق لعود ضمير عن أبيه إليه، يقول الشراح في إسناد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: إن الضمير في جده، إما أن يرجع إلى عمرو بن شعيب أو إلى أبيه، ويكون الحديث على الأول مرسلًا، وعلى الثاني منقطعًا (٣) مجرد احتمال ذكروه لبيان هذه الفائدة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٣٧).\n(٢) أي: جد عدي، صحابي، واختلف في اسمه على أقوال، فقيل: اسمه دينار، وقيل: عمرو ابن أخطب، وقيل: عبيد بن عازب، وقيل: قيس بن الخطيم، وقيل: إنه يعني جده أبا أمه، وهو عبد اللَّه بن يزيد الخطمي، كذا زعم يحيى بن معين فيما حكى الدارقطني. وكذا قال أبو حاتم الرازي، واللالكائي، وغير واحد. وقال الحافظ في \"تهذيب التهذيب\": ولم يترجح لي في اسم جده إلى الآن شيء من هذه الأقوال كلها، إلا أن أقربها إلى الصواب أن جده هو جده لأمه عبد اللَّه بن يزيد الخطمي. واللَّه أعلم، انتهى. وعبد اللَّه بن يزيد هو أبو موسى الأوسي الأنصاري الخطمي، صحابي صغير، شهد الحديبية وهو ابن سبع عشر سنة، وشهد الجمل والصفين مع علي، وكان أميرًا على الكوفة زمن ابن الزبير، له سبعة وعشرون حديثًا، روى له البخاري حديثين. \"مرعاة المفاتيح\" (٢/ ٢٦١).\n(٣) قال الزيلعي (١/ ٥٩): فَعَمْرٌو لَهُ ثَلَاثَةُ أَجْدَادٍ: مُحَمَّدٌ وروايته مرسلة لأنه تابعي، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ صحابي وروايته منقطعة؛ لأنه لم يدرك عمرًا قطعًا، فَمُحَمَّدٌ تَابِعِيٌّ، وَعَبْدُ اللَّهِ وهو أيضًا صحابي إلا أن روايته تَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ السّمَاعِ، وصرح الترمذي بسماعه عنه، بسطه =","vol":"2","page":300},{"text":"\"تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ فِيهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلُ وَتَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَتَصُومُ، وَتُصَلِّي\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٢٦، ١٢٧، د: ٢٩٧].\n٥٦١ - [٥] وَعَنْ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَتْ: كُنْتُ أُسْتَحَاضُ حِيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- أَسْتَفْتِيهِ وَأُخْبِرُهُ، فَوَجَدْتُهُ فِي بَيْتِ أُخْتِي زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُسْتَحَاضُ حَيْضَةً كَثِيرَةً شَدِيدَةً فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهَا؟ قَدْ مَنَعَتْنِي الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ. قَالَ: \"أَنْعَتُ لَكِ الْكُرْسُفَ. . . . .\nــ\nالنفيسة، ولعلي قد بينته سابقًا أو سأبينه في موضعه، فتدبر.\nوقوله: (أيام أقرائها) جمع الأقراء باعتبار الأيام أو الأشهر.\nوقوله: (ثم تغتسل) وتصلي به (وتتوضأ) بعد ذلك (عند كل صلاة)، وفي رواية: (لكل صلاة)، وقال في (الهداية) (١): وقد جاء (لوقت كل صلاة)، كما ذكرنا، أي: تتوضأ وتصلي وإن انصب الدم كما هو حكم صاحب العذر كسلس البول ونحوه.\n٥٦١ - [٥] (حمنة بنت جحش) قوله: (عن حمنة) بفتح الحاء وسكون الميم أخت زينب بن جحش أم المؤمنين.\nوقوله: (أستفتيه وأخبره) يدل على أن الواو لمطلق الجمع.\nوقوله: (أنعت لك الكرسف) أي: أصف لك القطن لتحشي به فرجك، والكرسف بضم الكاف والسين: القطن.\n_________\n= صاحب \"الغاية\"، ورجح الاستدلال به، فحاصله أن والد عمرو وهو شعيب يروي عن جده، فالمراد بالجد عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فالحديث يكون متصلًا، انظر: \"بذل المجهود\" (١/ ٥٩٥ - ٥٩٦).\n(١) \"الهداية\" (١/ ٣٤).","vol":"2","page":301},{"text":"فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الدَّمَ\". قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: \"فَتَلَجَّمِي\"، قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: \"فَاتَّخِذِي ثَوْبًا\" قَالَتْ: هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، إِنَّمَا أَثُجُّ ثَجًّا. فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"سَآمُرُكِ بِأَمْرَيْنِ، أَيَّهُمَا صَنَعْتِ أَجَزَأَ عَنْكِ مِنَ الآخَرِ، وَإِنْ قَوِيتِ عَلَيْهِمَا فَأَنْتِ أَعْلَمُ\" فَقَالَ لَهَا: \"إِنَّمَا هَذِهِ رَكْضَةٌ مِنْ رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ،\nــ\nوقوله: (فإنه يذهب الدم) من الإذهاب، أي: يمنع خروجه إلى ظاهر الفرج.\nوقوله: (فتلجمي) أي: شدي اللجام، في (القاموس) (١): اللجام ككتاب للدابة، فارسي معرب، وما تشده الحائض، والمراد مع وجود الكرسف أو بدونه، والظاهر الأول، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فاتخذي ثوبًا) أي: تحت اللجام، و(الثج) سيلان الماء كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ [النبأ: ١٤]، وسيلان دم الهدي، ومنه: أفضل الحج العج والثج، ومطر ثجاج إذا انصب، ويقال: ثججت الماء إذا سكبته، وعلى هذا المفعول محذوف، أي: أثجّ الدم ثجًّا، وعلى الأول فيه مبالغة لا تخفى، كأنها جعلت نفسها دمًا فسالت مثل قولهم: فاضت عيني.\nوقوله: (أيهما) صحح بالنصب والرفع.\nوقوله: (وإن قويت عليهما) أي: على الأمرين بأن تقدر على أن تفعل أيهما شاءت.\nوقوله: (فأنت أعلم) أي: بما تختارينه منهما فاختاري أيهما شئت.\nوقوله: (هذه ركضة) أي: هذه العلة التي وقعت فيها إفساد وإضرار من الشيطان\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٦٦).","vol":"2","page":302},{"text":"فتحَيِّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أو سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلم اللَّهِ،\nــ\nبالتلبيس عليك في أمر دينك وطهرك وصلاتك كما وقع في الحديث: (الرعاف من الشيطان) (١)، أو المراد أن الحالة التي ابتليت بها من الخبط والتحير ركضة من ركضات الشيطان، وأصل الركض الدفع والحركة وتحريك الرِّجل والضرب بها واستحثاث الفرس للعَدْوِ.\nوقوله: (فتحيضي) أي: التزمي أحكام الحيض وعدّي نفسك حائضًا، يقال: تحيضت المرأة إذا قعدت أيام حيضها عن صلاة، و(أو) في قوله: (أو سبعة أيام) ليس للشك ولا للتخيير، بل المراد اعتبري ما وافقك من عادات النساء المماثلة لك المشاركة لك في السن والقرابة والمسكن فكأنها كانت مبتدأة، فأمرها باعتبار غالب عادات النساء، كذا اختار الطيبي (٢) في توجيهه، ومنهم من ذهب إلى أن (أو) للشك من بعض الرواة، وإنما يكون النبي -ﷺ- قد ذكر أحد العددين اعتبارًا بالغالب من حال نساء قومها.\nوقال التُّورِبِشْتِي (٣): ويحتمل أنها أخبرته بعادتها قبل أن يصيبها ما أصابها، ومنهم من قال: إن ذلك من قول النبي -ﷺ-، وقد خيرها بين كل واحد من العددين؛ لأنه العرف الظاهر والأمر الغالب من أحوال النساء، وقيل: أمرها ببناء الأمر على ما تبين لها من أحد العددين على سبيل التحري والاجتهاد.\nوقوله: (في علم اللَّه) أي: رجوعك إلى تلك العادة مندرج فيما أعلمك اللَّه على لساني أو في جملة ما علم اللَّه وشرعه للناس، ومن قال: إن (أو) للشك فله أن يقول: معناه: اللَّه أعلم بما قال النبي -ﷺ-.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في \"السنن\" (٢٧٤٨).\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (٢/ ١٤٤).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٧٥).","vol":"2","page":303},{"text":"ثُمَّ اغْتَسِلِي حَتَّى إِذَا رَأَيْتِ أَنَّكِ قَدْ طَهُرْتِ وَاسْتَنْقَيتِ فَصَلِّي ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَأَيَّامَهَا، وَصُومِي، فَإِنَّ ذَلِك يُجْزِئُكِ، وَكَذَلِكَ فَافْعَلِي كُلَّ شَهْرٍ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ، وَكَمَا يَطْهُرْنَ مِيقَاتَ حَيْضِهِنَّ وَطُهْرِهِنَّ، وَإنْ قَوِيتِ عَلَى أَنْ تُؤَخِّرِينَ الظُّهْرَ وَتُعَجِّلِينَ الْعَصْرَ فَتَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ: الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَتُؤَخِّرِينَ الْمَغْرِبَ، وَتُعَجِّلِينَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ تَغْتَسِلِينَ وَتَجْمَعِينَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فَافْعَلِي، وَتَغْتَسِلِينَ مَعَ الْفَجْرِ فَافْعَلِي،\nــ\nوقوله: (حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقيت) أي: بالغت في التنقية، أي: مضت الأيام المذكورة وصرت طاهرة في حكم الشرع، ووقع في النسخ: استنقأت بالهمزة وهو خطأ، والصواب استنقيت لأنه ناقص لا مهموز، هكذا يعلم من كتب اللغة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فصلي) أي: بالوضوء عند كل صلاة.\nوقوله: (فإنه يجزئك) أي: يكفيك، أجزأني الشيء، أي: كفاني، ويروى بالياء، كذا في (النهاية) (١)، وقد جاء جزى أيضًا بمعنى كفى، وفي (القاموس) (٢): جزى الشيء يجزي: كفى، وعنه: قضى، وقال في (باب الهمزة): جَزَأَ وجَزّأ: اكتفى كاجتزأ.\nفهذا أول الأمرين المأمور بهما، وهو أن تتوضأ وتصلي في ثلاث وعشرين أو أربع وعشرين ليلة وأيامها، وثاني الأمرين أن تغتسل فيها إما عند كل صلاة فرادى، وإما بالجمع بين صلاتي الظهر والعصر وصلاتي المغرب والعشاء، ولما كان الأول من هذين الصورتين -أعني الاغتسال عند كل صلاة- أشق وأصعب نزل -ﷺ- إلى الثاني أعني الجمع\n_________\n(١) \"النهاية\" (١/ ٢٦٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٦٨، ٤٧).","vol":"2","page":304},{"text":"وَصُومِي إِنْ قَدَرْتِ عَلَى ذَلِكَ\"، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nبين الصلاتين، فقال: (وإن قويت على أن تؤخرين الظهر وتعجلين العصر فتغتسلين) يعني غسلًا واحدًا، وتجمعين بين هذين الصلاتين، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بينهما فافعلي، وتغتسلين مع الفجر غسلًا على حدة، فيحصل لك ثلاث اغتسالات في اليوم والليلة، فافعلي وصلي وصومي.\nوقوله: (إن قدرت على ذلك) تكرير وإشارة إلى أن فيه مشقة وإن كان الغسل لكل صلاة أشق، ثم تأخير الظهر والمغرب عن وقتهما يحتمل أن يكون المراد به أداءهما في وقت العصر والعشاء كما يكون للمسافر في الجمع بين الصلاتين عند الشافعية كما نقله الطيبي (١) من الخطابي وهو جمع حقيقي، ويحتمل أن يكون المراد أداء كل منهما في آخر وقته متصلًا بوقت العصر والعشاء، ثم أداء العصر والعشاء في وقتيهما وهو الجمع الظاهري الذي يؤول به أصحابنا جمع المسافر، فتغتسل للظهر وتصليها وتصلي العصر بعدها متصلًا، وكذا المغرب والعشاء، كما صرح به في شرح الشيخ.\nفإن قلت: لا يسع للحنفية هذا التأويل إذ عندهم ينقض خروج الوقت وضوء المعذور فينقض غسله أيضًا فلا تبقى طاهرة، فإنها تخالف سائر المعذورين، فقد أوجب عليها الغسل لكل صلاة بعض الصحابة كما سيذكر للعصر والعشاء، فلا يجدي هذا التأويل فيما نحن فيه نفعًا. قلنا: لعله لا ينقض الغسل في حق هذه المستحاضة بحكم هذا الحديث، وأصحابنا يخصون النقض بالوضوء بغير هذه القضية، على أنه يلزم مثل هذا الشيء على الشافعية أيضًا فإنهم يوجبون الوضوء على المعذور لكل صلاة، وفي هذه القضية لا يكون الغسل لكل صلاة، فلا بد من التخصيص، فافهم.\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٢/ ١٤٥).","vol":"2","page":305},{"text":"\"وَهَذَا أَعْجَبُ الأَمْرَيْنِ إِلَيَّ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٦/ ٤٣٩، د: ٢٨٧، ت: ١٢٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-280> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٦٢ - [٦] عَن أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ اسْتُحِيضَتْ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا فَلَمْ تُصَلِّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"سُبْحَانَ اللَّهِ! . . . . .\nــ\nوقوله: (وهذا أعجب الأمرين إلي) إشارة إلى الجمع بين صلاتين في الغسل، والأمر الآخر الغسل لكل صلاة، وهو مستفاد من قوله: (وإن قويت على أن تؤخرين الظهر وتؤخرين المغرب)، فإنه يفهم منه ضعفها وعجزها عن الاغتسال لكل صلاة، يعني إن لم تقوي على الاغتسال لكل صلاة فدعيه، وإن قدرت وقويت على الغسل لكل صلاتين فافعلي، كما قررناه في أثناء البيان، قالوا: وقد ذهب إلى إيجاب الغسل على المستحاضة لكل صلاة جمع من الصحابة منهم علي وابن الزبير وابن مسعود -﵃- على خلاف سائر المعذورين، وذهب ابن عباس إلى الجمع بين الصلاتين بغسل واحد، قال الطيبي (١): مذهب علي أقرب وأليق بالفقه، ومذهب ابن عباس أشبه وأوفق بهذا الحديث، وبما ثبت وتقرر من عادته الشريفة أنه -ﷺ- ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما، وأنه بعث بالحنيفية السهلة السمحة.\nالفصل الثالث\n٦٥٢ - [٦] (أسماء بنت عميس) قوله: (فلم تصل) ظنًّا سنها أن الاستحاضة يمنع الصلاة.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١٤٥).","vol":"2","page":306},{"text":"إِنَّ هَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ، لِتَجْلِسَ فِي مِرْكَنٍ، فَإِذَا رَأَتْ صُفَارَةً فَوْقَ الْمَاءِ فَلْتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَوَضَّأُ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ:\nــ\nوقوله: (هذا) أي: الاستحاضة كما مرّ من قوله: (إن هذه ركضة من ركضات الشيطان)، أو تركها الصلاة من غير سؤالها واستفتائها الحكم في ذلك.\nوقوله: (لتجلس) بلفظ الأمر، أي: للغسل أو لمعرفة الوقت.\nوقوله: (في مركن) أي: عنده، والمركن بكسر الميم وفتح الكاف: إناء كبير معروف يؤخذ فيه الماء للغسل.\nوقوله: (فإذا رأت صفارة) بضم الصاد بمعنى الصفرة فوق الماء يعني إذا قرب وقت العصر وطفق ينتهي وقت الظهر، فإن في هذا الوقت يتغير شعاع الشمس بل من ابتداء زوالها فتقرب إلى الصفرة، وهذا غير اصفرار الشمس في آخر وقت العصر قبيل المغرب الذي يكره فيه عصر اليوم، وهذا لمعرفة آخر وقت الظهر حتى تؤخر وتعجل العصر، كما مر في الحديث السابق.\nوقوله: (وتوضأ) وأصل توضأ لتتوضأ بتقدير اللام عطفًا على تجلس أو تغتسل، والتاء وهو لفظ الغائبة على وفق لتجلس وفلتغتسل.\nوقوله: (فيما بين ذلك) أي: العصر والعشاء يعني إذا اغتسلت للظهر والعصر توضأت مع ذلك للعصر، وإذا اغتسلت للمغرب والعشاء توضأت للعشاء، كذا في شرح الشيخ، وكتب في بعض الحواشي: أن المراد النوافل أي: تتوضأ لها إن شاءت أداءها، واللَّه أعلم.","vol":"2","page":307},{"text":"٥٦٣ - [٧] رَوَى مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهَا الْغُسْلُ أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ. [د: ٢٩٦].\nــ\n٥٦٣ - [٧] (ابن عباس) قوله: (لما اشتد) مفعول قال، أي: يروى أنه قال: لما اشتد (عليها الغسل) أي: لكل صلاة أمرها النبي -ﷺ- (أن تجمع بين الصلاتين) وهذا هو الأمر الثاني في الحديث الذي سبق، واللَّه أعلم وعلمه أحكم.\nتم كتاب الطهارة بعون اللَّه وتوفيقه، والآن نشرع في كتاب الصلاة، ونرجو تمامه بكرمه.\n* * *","vol":"2","page":308},{"text":"(٤) كتاب الصلاة","vol":"2","page":309},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-281>(٤) كتاب الصلاة</span>\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n٤ - كتاب الصلاة\nالمشهور أن الصلاة في اللغة بمعنى الدعاء نقلت إلى العبادة المخصوصة لاشتمالها عليه، وقال في (القاموس) (١): الصلاة: الدعاء والرحمة والاستغفار، ولا يخفى أن المعنيين الأخيرين أيضًا يصلحان للنقل بعلاقة اللزوم، ثم إنه قد يجعل هذا اللفظ من الصلا أحد الصَّلوين بمعنى طرفي الأليتين، ويجعل أصلًا منقولًا عنه للعبادة المخصوصة؛ لأن المصلي يحرك الصلوين في ركوعه وسجوده، وأول ما يشاهد من أحوال الصلاة إنما هو تحريك الصلوين للركوع فإن القيام لا يختص بالصلاة، وقد يستبعد هذا لكون المعنى المنقول إليه أشهر وليس ببعيد، فإن ذلك ليس بقادح في النقل، فإن المعنى المجازي قد يصير أشهر وأكثر استعمالا من الحقيقة، والمنقول مع كونه حقيقة أحرى بذلك، ولا يذهب عليك أنه جاز أن يجعل هذا المعنى أصلًا بمعنى الدعاء أيضًا، فإن الداعي في تخشعه قد يحرك الصلوين، ثم إما أن يقال بنقلها منه إلى العبادة، أو ابتداء من غير وساطة، وأما قول صاحب (الكشاف) بنقله من العبادة المخصوصة إلى الدعاء فبعيد، وقد تكلمنا في وجه بُعده في حاشية البيضاوي.\nوقيل: يمكن أن يشتق من صلى الفرسُ بمعنى: تلا السابقَ، وصار رأسُه عند\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩٨).","vol":"2","page":311},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-282> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٦٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٣].\nــ\nصَلَاهُ؛ لأن الصلاة يتلو فيه اللاحقُ -أي: المقتدي- السابقَ، أي: الإمام، هذا وقد جاء صلا اللحمَ بالتخفيف: إذا شواه، وبالتشديد إذا حرقه وألقاه في النار، وصليت العصا بالنار: إذا لينتها وقومتها، وهذه المعاني أيضًا تصلح لأن يجعل منقولًا عنها، والصلاة كأنها تشوي نَفْس المصلي وتحرق ذنوبه بنار المجاهدة والمغفرة، وتقوِّمها من اعوجاج فيها فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وإلى المعنى الأخير أشار الطيبي (١) بنقله عن الشيخ الأجلِّ شهاب الدين السهروردي ﵀ ذكره في (عوارف المعارف)، فتدبر.\nالفصل الأول\n٥٦٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (الصلوات الخمس) الظاهر بملاحظة قرينه أن يكون المعنى: الصلوات الخمس إلى الصلوات الخمس، فيكون التكفير لما وقع بين اليومين، ويحتمل أن يكون المعنى: من صلاة إلى صلاة، فيكون التكفير لما وقع في كل صلاتين، والثاني هو المراد؛ للأحاديث المصرِّحة بذلك.\nوقوله: (والجمعة إلى الجمعة) أي: صلاتها، (ورمضان إلى رمضان) أي: صومه.\nوقوله: (لما بينهن) أي: من الصغائر.\nثم ظاهر الحديث أن التكفير مشروط باجتناب الكبائر، فإن لم تُجتنب الكبائر لم تُكفَّر الصغائر، وكذا قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١٤٧).","vol":"2","page":312},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nسَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، لكن علماءنا حملوا على معنى الاستثناء بدلالة ما ثبت عندهم أن المكفَّر هي الصغائر دون الكبائر.\nوفي (مجمع البحار) (١) من النووي في شرح مسلم في حديث: (كانت كفارة لما قبلها ما لم يؤت كبيرة) أي: مكفرة للذنوب كلها غير الكبائر، ولا يريد اشتراط الغفران باجتنابها، وفي تعليقه للترمذي: لا بد في حقوق الناس من القصاص ولو صغيرةً، وفي الكبائر من التوبة، ثم ورد وعد المغفرة في الصلوات الخمس والجمعة ورمضان فإذا تكرر يُغفر بأولها الصغائر وبالبواقي يُخفف عن الكبائر، وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة يرفع بها الدرجات، انتهى.\nوبما ذكر ينحل ما يقال: إنه إذ كفّر ما بين الصلاتين فماذا يبقى للجمعة، وإذا كفر بين الجمعات فماذا يبقى لرمضان؟ تأمل، والمشهور في توجيهه أن المراد إثبات صلاحية التكفير لكل من الأمور، فإذا اجتمعت فهو نور على نور؛ كالسرج المجتمعة في البيت، وكحمل جماعة الحجر الذي يستقل به كل منهم، وذكر في بعض الشروح أن الخمس مكفرة في حق المحافظ عليها، والجمعة في حق من لم يحافظ عليها، ورمضان في حق من لم يحافظ عليهما، ومعناه أن المجموع مكفِّر.\nفإن قلت: فيلزم من هذا التكفيرُ بدون اجتناب الكبائر إذ ترك الصلوات الخمس والجمعة كبيرة كما ذكر بعض العلماء، قلنا: قد عرفت أن معنى الشرط غير مراد بل المراد معنى الاستثناء، هذا والظاهر أن المراد بالمحافظة رعاية الآداب والسنن والمستحبات كما فسروا بها في الأحاديث، فافهم.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٤٢٧).","vol":"2","page":313},{"text":"٥٦٥ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنهِ شَيْءٌ؟ \" قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنهِ شَيْءٌ. قَالَ: \"فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٨، م: ٦٦٧].\nــ\nثم المفهوم من الحديث اشتراط اجتماع الصلاتين أو الجمعتين أو رمضانين، فلو كانت أول صلاة أو جمعة أو رمضان لم يكفَّر ما قبلها، والظاهر أنها تكفر لما قبلها، وورود الحديث باعتبار الغالب، واللَّه أعلم.\n٥٦٥ - [٢] (عنه) قوله: (لو أن نهرًا بباب أحدكم) أي: لو ثبت أن نهرًا جارٍ أو يجري بباب أحدكم أو كائن فيه لما بقي الدرن؟ فوضع الاستفهام موضعه تقريرًا وتأكيدًا، ولهذا زيدت (من) الاستغرقية، والنهر بفتح الهاء وسكونها: ما بين جنبتي الوادي من مجرى الماء، ثم سمي بذلك الماء لسعته، والنهر محركة: السعة، أنهره: وسَّعه، ولذلك سمي النهار لسعة ضوئه.\nوقوله: (لا يبقى) بفتح أوله، و(شيء) بالرفع في السؤال والجواب، وفي رواية البخاري مكان: هل يبقى من درنه شيء): (ما تقول ذلك يُبْقي من درنه) بالخطاب العام، وفي رواية له: (ما تقولون) بلفظ الجمع، و(ذلك) إشارة إلى الاغتسال.\nوقال الشيخ (١): فيه شاهد على إجراء فعل القول مجرى فعل الظن، وشرطه أن يكون مضارعًا مسندًا إلى المخاطب، متصلًا باستفهام، و(يبقي) بضم الياء من الإبقاء، وفيه تصريح بتأثير الصلاة في رفع الذنوب، ولم يذكر في روايته لفظ (شيء) وكذا في الجواب، وما ذكر في الكتاب لفظ مسلم، ويُعْلِم ذلك أن المؤلف قد ينسب الحديث\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ١١).","vol":"2","page":314},{"text":"٥٦٦ - [٣] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا أَصَابَ مِنِ امْرَأَةٍ قُبْلَةً، فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَأَخْبَرَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ. . . . .\nــ\nإلى الشيخين ويحكم بكونه متفقًا عليه مع اختلاف في لفظيهما، وقد يصرح بالاختلاف ولعل ذلك فيما يفحش التفاوت والاختلاف، فتدبر.\n٥٦٦ - [٣] (ابن مسعود) قوله: (إن رجلا) قيل: هو أبو اليسر بفتح الياء التحتانية وفتح السين المهملة، الأنصاري، كان يبيع التمر، فأتته امرأة فأعجبته فقال لها: إن في البيت أجود من هذا التمر فذهب بها إلى بيته فضمها إلى نفسه فقبلها، فقالت له: اتق اللَّه فتركها وندم فأتى النبي -ﷺ-، وقيل: غيره.\nوقوله: (أصاب من امرأة قبلة) وفي رواية غير الشيخين: فغمزها وقبّلها ثم فرغ، فخرج فلقي أمير المؤمنين خليفة رسول اللَّه -ﷺ- أبا بكر الصديق -﵁- فأخبره، فقال: تب ولا تعد، ثم أتى النبي -ﷺ-، ثم قال الشيخ: لم أقف على اسم المرأة، لكن قد جاء في بعض الأحاديث أنها من الأنصار.\nوقوله: (فأخبره) أي: فسكت النبي -ﷺ- وصلى الرجل، دل عليه الجزء الآتي، وجاء في رواية: فقال: أنتظر أمر ربي، فلما صلى صلاة العصر نزلت فقال: أصليت؟ فقال: نعم، فقال: اذهب فإنها كفارة لما عملت (١).\nوقوله: (﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾) قالوا: المراد بطرفي النهار صلاة الفجر والظهر إذ هما في الطرف الأول من اليوم، والعصر والمغرب إذ هما في الطرف الثاني منه، وجَعْلُ المغرب فيه تغليب أو من مجاز المجاورة، وفسر صاحب (الكشاف) وتبعه\n_________\n(١) في \"التقرير\": أشكل في أن القبلة كبيرة، أجيب بأن الصغيرة باعتبار الفرق، أو يقال: إن توبته علمت بالقول، فصارت الصلاة متمّمةً له.","vol":"2","page":315},{"text":"وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِي هَذَا؟ قَالَ: \"لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ\". . . . .\nــ\nالبيضاوي (١) (طرفي النهار) بالغدوة والعشية، وفسّرا صلاة الغدوة بصلاة الصبح، وصلاة الزلف بالمغرب والعشاء، ولكن البيضاوي خص صلاة العشية بالعصر، وصاحب (الكشاف) فسرها بالظهر والعصر؛ لأن ما بعد الزوال عشي، وعلى قول البيضاوي لا تشمل الآية الصلوات الخمس، ولا بأس به.\n(﴿وَزُلَفًا﴾) بضم الزاي وفتح اللام جمع زلفة بسكون اللام كالظلم في ظلمة، من أزلفه: إذا قربه، والمراد بها الساعات؛ لأنها تقرب بعضها مع بعض، ولأنها تقرب من النهار، ودلّ الحديث السابق من أبي هريرة -﵁- أن المراد بالسيئات الصغائر، قال الشيخ: واحتج المرجئة بظاهر الآية على أن أفعال الخير مكفِّرة للكبائر والصغائر، وحمله جمهور أهل السنة على الصغائر، انتهى.\nوجوز صاحب (الكشاف) (٢) حملها على معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] وهو يخالف سبب النزول كما لا يخفى.\nوقوله: (ألي) بفتح الهمزة استفهامًا والياء مفتوحة أو ساكنة، والظاهر أن صاحب القضية هو السائل عن ذلك، وجاء في رواية: (فقال إنسان: أله خاصة؟) وفي أخرى: (فقال معاذ: أله وحده أم للناس كافة؟) ويحمل على تعدد القضية.\nوقوله: (لجميع أمتي كلهم) قال الشيخ (٣): سقط (كلهم) من رواية المستملي.\n_________\n(١) \"الكشاف\" (٣/ ١٣١)، و\"تفسير البيضاوي\" (٣/ ١٢٥).\n(٢) انظر: \"الكشاف\" (٣/ ١٣١).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٨).","vol":"2","page":316},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: \"لِمَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ أُمَّتِي\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٦٨٧، م: ٢٧٦٣].\n٥٦٧ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَليَّ، قَالَ: وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْهُ وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ -ﷺ- الصَّلَاةَ، قَامَ الرَّجُلُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللَّهِ، قَالَ: \"أَلَيْسَ قَدْ صَلَّيْتَ مَعَنَا؟ \" قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ أَو حَدَّكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٢٣، م: ٢٧٦٤].\nــ\nوقوله: (وفي رواية: لمن عمل بها) وهي أيضًا عامة؛ لأن (من) الموصولة بالفعل من صيغ العموم.\n٥٦٧ - [٤] (أنس) قوله: (إني أصبت حدًا) أي: موجِبه، ظاهره أنه ارتكب كبيرة، وقد حكم -ﷺ- بغفرانه بواسطة صلاته معه، إلا أن يقال: زعم الرجل أنه يوجب الحد، أو أراد بالحد ما يشمل التعزير، وأيضا الظاهر من عدم سؤاله -ﷺ- وتنقيرهِ أنه فعل صغيرة أو كبيرة أن المغفرة تعمهما، إلا أن يقال: إنه علم -ﷺ- بالقرينة أو الوحي أنه لم يصب حدًا فلذلك لم يسأله، ولذلك أيضًا قال الرجل ثانيًا.\nوقوله: (فأقم فيّ كتاب اللَّه) أي: أقم بما يكون من شأني حدًّا كان أو غيره، فافهم. وأقول وباللَّه العصمة والتوفيق: لعل هذا من خصوصيات الصلاة معه -ﷺ- ولذلك قال: (أليس قد صليت معنا؟)، والحديث السابق في الصلاة مع غيره، وقد روى صاحب (الكشاف) هنالك أنه -ﷺ- أمر الرجل بأن يتوضأ ويصلي ركعتين، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فأقم فيّ) قال أولًا: (فأقم الحد علي)، وههنا قال: (فأقم فيّ) تفننًا، ويمكن أن يجعل (فيّ) متعلقًا بكتاب اللَّه، أي: النازل في شأن هذا الحكم، قدِّم عليه","vol":"2","page":317},{"text":"٥٦٨ - [٥] وَعَن ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-: أَيُّ الأَعْمَالُ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: \"الصَّلَاةُ لِوَقْتِهَا\" قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: . . . . .\nــ\nللاهتمام، ووجهه الطيبي (١) بما حاصله: أن للحد استعلاءً على العبد ولحكم اللَّه استقرارًا فيه، ولا يخفى ما فيه من الخفاء.\n٥٦٨ - [٥] (ابن مسعود) قوله: (أي الأعمال أحب إلى اللَّه تعالى؟) وفي رواية: أي العمل أفضل؟\nوقوله: (الصلاة لوقتها) وفي لفظ البخاري: (على وقتها)، قال الشيخ (٢): اتفق أصحاب شعبة على لفظ (على وقتها)، وخالفهم علي بن حفص وهو شيخ صدوق من رجال مسلم، فقال: (الصلاة في أول وقتها)، أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي من طريقه، قال الدارقطني: ما أحسبه حفظه لأنه كبر وتغير حفظه، وقد أطلق النووي في (شرح المهذب) أن رواية: (في أول وقتها) ضعيفة، لكن لها طريق أخرى أخرجها ابن خزيمة والحاكم وغيرهما، وكل من رواها كذلك ظن أن المعنى واحد، ويمكن أن يكون أخذه من لفظه على؛ لأنها يقتضي الاستعلاء على جميع الوقت فتعين أوله، وقال: اللام في لوقتها للاستقبال مثل قوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أي: مستقبلاتِ عدتهن، وقيل: للابتداء كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] وقيل: بمعنى (في) أي: في وقتها، وقيل في رواية: (على وقتها): على بمعنى اللام ففيه ما تقدم، وقيل: لإرادة الاستعلاء على الوقت، وفائدته تحقق دخول الوقت ليقع الأداء فيه.\nوقوله: (ثم أي؟) قيل: إنه غير منون لأنه موقوف عليه في الكلام، والسائل ينتظر الجواب، والتنوين لا يوقف عليه فتنوينه ووصلُه بما بعده خطأ، فيوقف عليه وقفة لطيفة،\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٢/ ١٤٩).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ١٠).","vol":"2","page":318},{"text":"\"بِرُّ الْوَالِدَيْنِ\" قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: \"الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ\" قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٧، م: ٨٥].\nــ\nثم يؤتى بما بعده، وجزم بعضهم بتنوينه لأنه معربٌ غير مضاف، وتعقِّب بأنه مضاف تقديرًا، والتقدير: ثم أيّ العمل أحب؟ فيوقف عليه بلا تنوين، كذا ذكر الشيخ.\nوقوله: (بر الوالدين) كذا للأكثر، وللمستملي (ثم بر الوالدين) بزيادة (ثم).\nوقوله: (حدثني بهن) هو مقول عبد اللَّه بن مسعود، وفيه تقرير وتأكيد بسماعه.\nوقوله: (ولو استزدته) والظاهر أن المراد: من هذا النوع، وهي مراتب أفضل الأعمال، قال الشيخ (١): ويحتمل أن يريد من مطلق المسائل المحتاج إليها، وفي رواية الترمذي (٢): (فسكت عني رسول اللَّه -ﷺ- ولو استزدته لزادني)، فكأنه استشعر منه مشقة، وفي رواية مسلم: (فما تركت أستزيده إلا إرعاء عليه) أي: شفقة عليه لئلا يسأم، كذا قال الشيخ، وبمكن أن يكون عدم الاستزادة رعاية للأدب، وترك السؤال عن مسائل شتى في وقت واحد.\nواعلم أنه قد اختلفت الأحاديث في بيان أفضل الأعمال كما ورد أن خير أعمال الإسلام إطعام الطعام وإفشاء السلام والصلاة بالليل والناس نيام، وأن أفضل الأعمال أن يسلم المسلمون من يده ولسانه، وأن أحب الأعمال إلى اللَّه أدومها، وأن الذكر خير الأعمال، وأن أفضل الأعمال جهاد لا غلول فيه وحجة مبرورة، وقد ورد: أحسن العمل وأجمله حج مبرور، وأمثال ذلك، ومحصل ما قال العلماء في تطبيقها: إن اختلاف الجواب لاختلاف السائلين، بأن أعلم كل قوم بما يحتاجون إليه، أو بما لهم فيه رغبة، أو بما هو لائق بهم، أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات، فالجهاد في ابتداء الإسلام أفضل\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٠).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (١٨٩٨).","vol":"2","page":319},{"text":"٥٦٩ - وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٢].\nــ\nالأعمال، وقد تظاهرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل، أو أن المراد بأفعل التفضيل الفضل المطلق أو المراد: من أفضل الأعمال، فحذفت من وهي مرادة، وإذا أريد بالأعمال البدنية فالإيمان خارج من المبحث. وقد ورد: أفضل الأعمال إيمان باللَّه، وينبغي أن يكون المراد بالجهاد ما ليس بفرض عين، فإنه يتوقف على إذن الوالدين فيكون برهما مقدمًا عليه.\nوالأحسن أن يقال: إن المراد أحب وأفضل في بابه، فالصلاة بالليل أفضل في باب العبادة البدنية، والصدقة في باب الجود والمواساة، وإفشاء السلام في باب التواضع، والجهاد في باب إعلاء الدين، وعلى هذا القياس، وقد قيل مثل هذا في تسمية قصة يوسف أحسن القصص ونحو ذلك.\n٥٦٩ - [٦] (جابر) قوله: (بين العبد والكفر ترك الصلاة) ظاهر اللفظ أن يكون التقدير: الفارق بين العبد والكفر ترك الصلاة، وهو مشكل فإن الفارق بينهما الصلاة دون تركها، واضطربوا في توجيهه، وذكروا فيه ثلاث وجوه:\nأحدها: أن فعل الصلاة هو الحاجز، ولما لم يكن بين المنزلتين منزلة، والتهاون بحفظ حد الشرع كاد يفضي بصاحبه إلى حد الكفر، عبّر عنه بارتفاع البينونة.\nوثانيها: أن يؤوَّل ترك الصلاة بالحد الواقع بينهما، فمن تركها دخل الحد وحام حول الكفر ودنا منه، فالمراد أن حد الإسلام إلى ترك الصلاة، فإذا وصل العبد إليه خرج عن الإسلام لانتهاء حده.\nوثالثها: أن التقدير: ترك الصلاة وصلة بين العبد والكفر (١)، كذا قالوا.\n_________\n(١) والمعنى أنه يوصله إليه، قاله القاري (٢/ ٥١٠).","vol":"2","page":320},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-283> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٧٠ - [٧] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى، مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ، وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ،\nــ\nوالوجه الأول أخفى الوجوه لا يكاد يفهم المقصود منه، ولا يستقر الذهن في فهمه، وحاصله: أن الصلاة كانت حاجزة من وصوله إلى الكفر كالجدار بين الرجلين، فلما تركت ارتفع الحاجز فوصل إليه، فافهم. والوجه الثاني فيه من الظهور ما يقربه إلى الفهم، وأما الثالث فاظهر في المقصود وإن كان خلاف المتبادر من اللفظ.\nويمكن أن يكون المراد بالعبد المؤمن وبالكفر الكافر، والمعنى: أن الفارق بين المؤمن والكافر ترك الصلاة، وهو صحيح لوجوده في الكافر دون المؤمن، فإن من حق ما به الفرق أن يوجد في أحد الطرفين دون الآخر، فالصلاة أيضًا فارقة بينهما بوجودها في المؤمن دون الكافر، فكذا ترك الصلاة فارق لوجوده في الكافر دون المؤمن، وهذا معنًى صحيح واضح، غير ما فيه من التكلف في إرادة المؤمن والكافر من العبد والكفر وإرادة الإسلام والكفر منهما، واللَّه أعلم.\nوعلى كل تقدير هذا تغليظ وتشديد على ترك الصلاة؛ فإن المؤمن لا يكفر بترك الصلاة عندنا ما لم يستحلّ أو يستخفّ، وقد يروى عن بعض الصحابة ما ظاهره التكفير، وذهب بعضهم إلى قتل تاركها وهو مذهب الشافعي ومالك -رحمهما اللَّه- وإن كان مؤمنًا، وعند الحنفية يسجن ويضرب حتى يصلي.\nالفصل الثاني\n٥٧٠ - [٧] (عبادة بن الصامت) قوله: (وأتم ركوعهن وخشوعهن) يحتمل أن يراد بالخشوع السجود، ووجه تخصيص الركوع والسجود بالذكر لزيادة الاهتمام بهما","vol":"2","page":321},{"text":"كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عَلَى اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ. [حم: ٥/ ٣١٧، د: ٤٢٥، ط: ٢٦٨، ن: ٤٦١].\nــ\nوتهاون الناس فيهما غالبًا.\nوقوله: (كان له على اللَّه عهد) أي: كان [على] اللَّه تعالى له وعد، عبّر به عن ثبوت الوعد للعبد عليه تعالى لعدم خُلفه، قال التُّورِبِشْتِي (١): العهد: حفظ الشيء ومراعاته حالًا بعد حال، ومنه سمي الموثق الذي يلزم العبادَ مراعاتُه عهدًا، وعهد اللَّه ما أوصاهم بحفظه فلا يسعهم إضاعته، ثم سمي ما كان من اللَّه تعالى على طريق المجازاة لعباده عهدًا على نهج الاتّساع؛ لأنه وجد في مقابلة عهده على العباد؛ لأن اللَّه تعالى وعد القائمين بحفظ عهدهم أن لا يعذبهم، وهو بإنجاز وعده ضمين، فسمي وعده عهدًا؛ لأنه أوثق من كل عهد.\nوفي (مجمع البحار) (٢): العهد يكون بمعنى اليمين والأمان والذمة والحفاظ ورعاية الحرمة والوصية، وقال: ولا تخرج الأحاديث عن أحدها، وزاد في (القاموس) (٣): المَوْثِقُ والالتقاء والمعرفة، ومنه: عهدي بموضع كذا، والزمان والوفاء وتوحيد اللَّه تعالى، ومنه: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٨٧]، والضمان.\nوفي الحديث دليل على أن تارك الصلاة ليس بكافر، وأن مرتكب الكبيرة لا يجب تعذيبه وتخليده فيه كما هو مذهب أهل السنة.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٨٧).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٧١١).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٨٩).","vol":"2","page":322},{"text":"٥٧١ - [٨] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"صَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٥/ ٢٥١، ٢٦٢، ت: ٦١٦].\n٥٧٢ - [٩] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مُرُوا أَوْلَادَكمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرِ سِنِينَ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَكَذَا رَوَاهُ فِي \"شرح السّنة\" عَنْهُ. [د: ٤٩٥، شرح السنة: ١/ ١٣١].\n٥٧٣ - [١٠] وَفِي \"المصابيح\" عَنْ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ.\nــ\n٥٧١ - [٨] (أبو أمامة) قوله: (صلوا خمسكم) الحديث، ولعل الحج لم يفرض إذ ذاك، والإضافة للتنبيه على كمال اختصاصهم بطاعة ربهم كاختصاصهم به سبحانه.\n٥٧٢ - [٩] (عمرو بن شعيب) قوله: (مروا أولادكم بالصلاة) وفي رواية: (صبيانكم)، ومُرْ أمرٌ من تَأْمُر حذفت همزته في الابتداء تخفيفًا، كما في خذ وسل، وتثبت في الوصل، وفي سل قد يثبت في الابتداء أيضًا.\nوقوله: (وهم) فيه تغليب الذكور على الإناث، وتعيين السبع؛ لأنه أول وقت تحدث فيه القوة في بدن الآدمي، وفي كل سبع يحدث من القوة ما ليس قبله كما ذكر في موضعه، وبعد تمام السبع الثاني يحصل البلوغ، والعشر أول العقود فيتأكد الأمر حتى يصل إلى الضرب، وتحدث فيه قوة قريبة من حد البلوغ ولذا يفرق في المضاجع، والمراد التفريق بين الأخ والأخت، وفي غيرهما بطريق الأولى.\n٥٧٣ - [١٠] (سبرة بن معبد) قوله: (عن سبرة) بفتح السين المهملة وإسكان الموحدة، (ابن معبد) بفتح اليم وسكون العين، الجهني، له صحبة.","vol":"2","page":323},{"text":"٥٧٤ - [١١] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٥/ ٣٤٦، ت: ٢٦٢١، ن: ٤٦٣، جه: ١٧٠٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-284> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٧٥ - [١٢] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي عَالَجْتُ امْرَأَةً. . . . .\nــ\n٥٧٤ - [١١] (بريدة) قوله: (بيننا وبينهم) الضمير للمنافقين (١)، والمراد بقوله: (قد كفر) ظهور كفره وإجراء حكم الكفر عليهم، أو لجميع أمة الإجابة وهو الأوفق بقوله: (قد كفر).\nالفصل الثالث\n٥٧٥ - [١٢] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (إني عالجت امرأة) في (القاموس) (٢):\n_________\n(١) قال القاري: قَالَ الْقَاضِي: الضَّمِيرُ الْغَائِبُ لِلْمُنَافِقِينَ، شَبَّهَ الْمُوجِبَ لإِبْقَائِهِمْ وَحَقْنِ دِمَائِهِمْ بِالْعَهْدِ الْمُقْتَضِي لإِبْقَاءِ الْمُعَاهَدِ وَالْكَفِّ عَنْهُ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْعُمْدَةَ فِي إِجْرَاءِ أَحْكَامِ الإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ تَشَبُّهُهُمْ بِالْمُسْلِمِينَ فِي حُضُورِ صَلَاتِهِمْ وَلُزُومِ جَمَاعَتِهِمْ، وَانْقِيَادُهُمْ لِلأَحْكَامِ الظَّاهِرَةِ، فَإِذَا تَرَكُوا ذَلِكَ كَانُوا هُمْ وَالْكُفَّارُ سَوَاءً. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَيُؤَيِّد هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ ﵊ لَمَّا اسْتُؤْذِنَ فِي قَتْلِ الْمُنَافِقِينَ: \"أَلَا أنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ\" (فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ): أَيْ: أَظْهَرَ الْكُفْرَ، وَعَمِلَ عَمَلَ أَهْلِ الْكُفْرِ، فَإِنَّ الْمُنَافِقَ نِفَاقًا اعْتِقَادِيًّا كَافِرٌ، فَلَا يُقَالُ فِي حَقِّهِ: كَفَرَ، قِيلَ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الْغَائِبِينَ عَامًّا فِيمَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، سَوَاءٌ كَانَ مُنَافِقًا أَوْ لَا، يَدُلُّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الأَخِيرُ مِنْ هَذَا الْبَاب حَيْثُ قَالَ لأَبِي الدَّرْداءِ: \"لَا تَتْرُكْ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا، فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ\"، فَالْمُرَادُ بِالْمُتَكَلِّمِ فِي بَيْنَنَا هُوَ الْمُعَظِّمُ نَفْسَهُ، وَالْكُفْرُ مؤوَّلٌ بِمَا سَبَقَ، \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٥١٢ - ٥١٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٩٥).","vol":"2","page":324},{"text":"فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَإِنِّي أَصَبْتُ مِنْهَا مَا دُونَ أَنْ أَمَسَّهَا، فَأَنَا هَذَا، فَاقْضِ فِيَّ مَا شِئْتَ. فَقَالَ عُمَرَ: لَقَدْ سَتَرَكَ اللَّهُ لَوْ سَتَرْتَ عَلَى نَفْسِكَ. قَالَ: وَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَيْهِ شَيْئًا، فَقَامَ الرَّجُلُ فَانْطَلَقَ، فَاتْبَعَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- رَجُلًا فَدَعَاهُ، وَتَلَا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! هَذَا لَهُ خَاصَّة؟ قَالَ: \"بَلْ لِلنَّاسِ كَافَّةً\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٦٣].\n٥٧٦ - [١٣] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خَرَجَ زَمَنَ الشِّتَاءِ وَالْوَرَقُ يَتَهَافَتُ،\nــ\nعالجه: زاوله، أي: داعبتها ولاعبتها، وقد جاء في بعض الطرق: أنه قبّلها وغمزها، وهذه هي قصة أبي اليسر أو غيرها وهو الظاهر؛ لأن السائل هناك كان هو نفسه، وههنا رجل من القوم، قيل: هو عمر بن الخطاب أو معاذ بن جبل -﵄-، وأيضًا كان الآمر بستره هناك أبو بكر وههنا عمر -﵄-، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فأنا هذا) أي: حاضر بين يديك فـ (لم يرد النبي -ﷺ- عليه (١» أي: على عمر -﵁-؛ لأن قوله كان حقًّا، ويحتمل أن يكون المراد: لم يردّ على الرجل، أي: لم يجبه بشيء كما جاء في رواية أخرى: (فسكت).\n٥٧٦ - [١٣] (أبو ذر) قوله: (يتهافت) في (القاموس) (٢): التهافت: التساقط\n_________\n(١) قال القاري: انْتِظَارًا لِقَضَاءِ اللَّهِ فِيهِ، رَجَاءَ أَنْ يُخَفّفَ مِنْ عُقُوبَتِه، وفي \"التقرير\": لأنه إذا أجابه على الفور اجترأ الناس عليه، ووجه انطلاق الرجل ليس الاستغناء ولا الخوف، بل فهم أنه -ﷺ- ينتظر الوحي، فإذا نزل أقيم فيّ. انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٥١٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٦٣).","vol":"2","page":325},{"text":"فَأَخَذَ بِغُصْنَيْنِ مِنْ شَجَرَةٍ، قَالَ: فَجَعَلَ ذَلِكَ الْوَرَقُ يَتَهَافَتُ، قَالَ: فَقَالَ: \"يَا أَبَا ذَرٍّ\" قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: \"إِنَّ العَبْدَ الْمُسْلِمَ لِيُصَلِّ الصَّلَاة يُرِيدُ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ فَتَهَافَتُ عَنْهُ ذنُوبُهُ كَمَا تَهَافَتَ هَذَا الْوَرَقُ عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ١٧٩].\n٥٧٧ - [١٤] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ صَلَّى سَجْدَتَيْنِ لَا يَسْهُو فِيهِمَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ١٩٤].\n٥٧٨ - [١٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ. . . . .\nــ\nوالتتابع.\nوقوله: (فجعل ذلك الورق) جعل من الأفعال الناقصة، أي: طفقت الأوراق تتهافت، أي: أكثر وأسرع مما كانت تتهافت.\nوقوله: (فتهافت) بالرفع أصله: تتهافت.\nوقوله: (كما تهافت) على صيغة الماضي باعتبار لفظ (هذا الورق) لكونه اسم جنس، وقد ضبط بالرفع أيضًا، وفي نسخة: (يتهافت) بالتحتانية.\n٥٧٧ - [١٤] (زيد بن خالد الجهني) قوله: (من صلى سجدتين) أي: ركعتين، وقد غلب التعبير بالركعة والسجدة عن الصلاة، والأول أغلب؛ لأن الركوع أولُ أفعالٍ يختص بالصلاة ويمتاز بها.\nوقوله: (لا يسهو فيهما) أي: يكون حاضر القلب مع اللَّه سبحانه.\n٥٧٨ - [١٥] (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص) قوله: (ذكر الصلاة) أي: فضَّلها","vol":"2","page":326},{"text":"يَوْمًا فَقَالَ: \"مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نُورًا وَلَا بُرْهَانًا وَلَا نَجَاةً، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [حم: ٢/ ١٦٩، دي: ٢/ ٣٠١، هب: ٣/ ٤٦].\n٥٧٩ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٢٤].\n٥٨٠ - [١٧] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي أَنْ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا. . . . .\nــ\nوشرَّفها، والمراد بالمحافظة عليها: إدامتها ورعاية أفعالها؛ فرائضِها وواجباتها وسننها وآدابها.\nوقوله: (وبرهانًا) أي: حجة واضحة على إيمانه.\nوقوله: (مع قارون وفرعون. . . إلخ) كناية عن دخوله النار، أي: كان معهم، وإن اختلفت المحالُّ وكيفية العذاب، كذا في شرح الشيخ، وفيه تغليظ شديد، وقيل في وجه تقديم قارون على فرعون: لأنه كان يغوي الناس مع قطعه رحم موسى ﵇.\n(أبي بن خلف) بفتح اللام اللعين المقتول بيده -ﷺ- يوم أحد، أشقى الناس؛ لأن قتله كان حقًّا بلا شبهة، وقد كان واعده -ﷺ- بذلك، وكان لا يخرج إلى المحاربة لجزمه بقتله، ولكنه خرج خوفًا من تعيير الناس إياه.\n٥٧٩ - [١٦] (عبد اللَّه بن شقيق) قوله: (لا يرون) من الرأي و(شيئًا) مفعوله الأول و(تركه كفر) الجملة مفعول ثان، و(غير) بمعنى إلا، فتدبر.\n٥٨٠ - [١٧] (أبو الدرداء) قوله: (أوصاني خليلي) الخلة: الصداقة المختصة","vol":"2","page":327},{"text":"وَإِنْ قُطعْتَ وَحُرِّقْتَ، وَلَا تَتْرُكْ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا، فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ، وَلَا تَشْرَبِ الْخَمْرَ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٤١٤].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-285>١ - باب المواقيت</span>\nــ\nالخالصة الكاملة، قيل: هو أعلى من الحب كأنه دخل في خلال القلب.\nوقوله: (وإن قطعت) بالتشديد والتخفيف، والأول أشهر وأظهر وأبلغ، (وحرقت) صحِّح بالتشديد لا غير.\nوقوله: (فقد برئت منه الذمة) أي: ذمة اللَّه، والذمة بالكسر: العهد والكفالة.\n١ - باب المواقيت\nأي: بيان أوقات الصلاة، جمع ميقات، والوقت: الزمان المفروض لأمر، وهو أخص من المدة؛ لأنه مطلق امتداد حركة الفلك من المبدأ إلى المنتهى، والزمان أخص من المدة؛ لأنه الامتداد المقسوم، والوقت سبب لوجوب الصلاة، وفي الحقيقة السبب هو خطاب اللَّه كما بيِّن في أصول الفقه، والحكمة في تعيين الأوقات الخمس، أما في الفجر فلأنه لما كان في الليل نائمًا غافلًا عن شكر نعم اللَّه من السكون والأمن والعافية، وكان معطَّلًا من تحصيل أسباب معاشه في حكم الميت، أوجب اللَّه سبحانه الصلاة بظهور النهار الذي هو سبب لتحصيل أسباب المعيشة، وشكرًا عليه لما أحياه اللَّه بوجود النهار، وتلافيًا لما مضى من التقصيرات، ثم لِمَا حصل في النهار من تحصيل الأسباب وابتغاء فضل اللَّه وحصول الرزق من المطاعم والمشارب وغيرهما فَرضَ صلاة الظهر","vol":"2","page":328},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-286> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٨١ - [١] عَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَقْتُ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ مَا لَمْ يَحْضُرِ الْعَصْرُ، وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ،\nــ\nأداءً لشكر هذه النعم، ثم لمَّا كان من عادة البشر النوم والاستراحة في نصف النهار وجب صلاة العصر تلافيًا للتقصير والغفلة عن ذكر اللَّه في ذلك الوقت مع توارد النعم في كل آن، والعادة جارية بحضور الأسواق بعد العصر والبيع والشراء وحصول الغفلة فيها مع تمام نعم النهار فَرَض صلاة المغرب، ثم فرض صلاة العشاء إتمامًا للشكر وتحسينًا للخاتمة كالموت على الإيمان والطاعة، واللَّه أعلم.\nالفصل الأول\n٥٨١ - [١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (وقت الظهر) مشتقٌّ من الظهور لأنها ظاهرة وسط النهار، وتسمى الهجيرة لفعلها في وقت الهاجرة أو قريبًا منها، وإنما ابتدأ بالظهر؛ لأنه أول صلاة أديت بالجماعة، ولما جاء جبرئيل ﵇ رسولَ اللَّه -ﷺ- لتعليم أوقات الصلاة صلى معه صلاة الظهر أولًا، وبهذا الاعتبار يقال لها: الأولى.\nوقوله: (إذا زالت الشمس) وزوال الشمس: ميلها عن كبد السماء إلى جهة المغرب، ويعرف ذلك بظل الشمس، فما دام يتناقص فالشمس لم تَزُلْ فإذا وقف نقصُه فهو استواء، فإذا زاد الظل أدنى زيادةٍ فهو الزوال، والظلُّ الذي يكون في هذا الوقت يسمى فيء الزوال.\nوقوله: (وكان ظل الرجل كطوله) أي: صار ظل الشيء مثله سوى فيء الظل.\nوقوله: (ما لم يحضر العصر) اعلم أنه لا خلاف في أن أول وقت الظهر هو وقت","vol":"2","page":329},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالزوال، وأما آخر وقته فقد دل حديث إمامة جبرئيل ﵇ أنه وقت بلوغ ظل الشيء مثله، حيث قال: (فلما كان الغد صلى بني الظهر حين كان ظله مثله).\nوالظاهر منه أنه ابتدأ فيه من هذا الحين وهو أول وقت العصر، وأن يكون ابتداؤه أيضًا منه حيث قال: (صلى بني العصر) يعني: في اليوم الأول (حين صار ظلُّ كل شيء مثله)، فيكون هذا الوقت مشتركًا بين الظهر والعصر، ولهذا ذهب مالك ﵀: إذا صار [ظلُّ] كل شيء مثله كان بقدر أربع ركعات من ذلك الوقت مشتركًا بينهما، فأولَه الشافعي ﵀ بأن المراد أنه أتم صلاة الظهر في هذا الحين، وابتدأ بصلاة العصر فيه فلا اشتراك، بل يكون منتهى الظهر مبتدأ العصر؛ لأن ظاهر لفظ الحديث أنه صلاهما في حين بلوغ الظل، ولا يمكن ذلك لأنه آنٌ لا يسع الصلاة فلا بد من تأويل، إما بأن يعتبر الابتداء لهما منه ونقول بالاشتراك، أو بأن نعتبره منتهًى للظهر ومبتدأً للعصر كما قلنا وهو أولى؛ لأن الاشتراك خلاف الوضع، ولأنه وقع في الحديث: (ما لم يحضر العصر) أي: يدخل وقتها، وهو صريح في عدم الاشتراك بين الوقتين، والتأويل الآخر أن يراد بقوله في اليوم الأول: (صلى بني العصر حين صار ظل كل شيء مثله) بعد ظل الزوال، وبقوله في اليوم الثاني: (صلى بني الظهر حين كان ظله مثله) مع ظل الزوال، فلا يكونان في وقت واحد، إذ يكون آخر وقت الظهر حينئذ أسبق من أول وقت العصر، ولا يخفى بعدُه، فتأمل.\nثم اعلم أنه يتعين أن المراد بقوله في اليوم الأول: (صلى بني العصر حين صار ظل كل شيء مثله) أنه ابتدأه منه، فإن كان المراد بقوله في اليوم الثاني: (صلى بي العصر حين كان ظله مثليه) أنه أتمه، وفيه يلزم أن يكون وقت العصر ما بين مثله ومثليه، ويكون ما بعد مثليه خارجًا عن وقت العصر، وإن كان المراد أنه ابتدأ منه كان ما بقي بعد إتمام","vol":"2","page":330},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالصلاة من الزمان مهملًا، والظاهر أن المراد هو الثاني، ولكنه لم يذكر منتهى وقت العصر في حديث إمامة جبرئيل وهو وقت اصفرار الشمس للاختيار وغروبها للجواز، ويثبت ذلك بهذا الحديث المذكور في الفصل الأول.\nهذا وقد ذهب أئمة مذهب الإمام أحمد ﵀ إلى الاحتمالين المذكورين، فكثير منهم ذهبوا إلى الاحتمال الأول متمسكًا بظاهر حديث جبرئيل ﵇، فقالوا: إذا صار ظل كل شيء مثله فهو آخر وقت الظهر، فإذا زاد شيء وجبت صلاة العصر، فإذا صار ظل كل شيء مثليه خرج وقت العصر، أي: وقت الاختيار؛ لأنه هو المراد كما في تحديد آخر وقت العشاء أيضًا إلى نصف الليل أو ثلثه؛ لأنه قد ثبت الجواز في العصر إلى الغروب بحديث أبي هريرة الآتي في الفصل الأول من باب تعجيل الصلاة: (من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس)، وفي العشاء إلى طلوع الفجر بعموم قوله -ﷺ-: (إنما التفريط [في اليقظة] أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى (١» وإن خص منه في الفجر، وأيضًا أجمعوا على [أن] الحائض إذا طهرت قبل طلوع الفجر يجب عليها قضاء العشاء، فدل على أن وقت العشاء إلى طلوع الفجر.\nوبعضهم ذهبوا -وهي الرواية المشهورة في مذهبه- إلى أن آخر وقت الاختيار اصفرار الشمس متمسكين بحديث مسلم المذكور في هذا الفصل، وقالوا: هذا قول يتضمن زيادة فيقدم، وبحديث أحمد وأبي داود ومسلم والنسائي عن أبي موسى الأشعري -﵁- أنه قال (٢): (أتى النبيَّ -ﷺ- سائل سأله عن مواقيت الصلاة. . .) الحديث\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٤٤١).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٤/ ٤١٦)، و\"سنن أبي داود\" (٣٩٥)، و\"صحيح مسلم\" (٦١٤)، و\"سنن النسائي\" (٥٢٣).","vol":"2","page":331},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nإلى أن قال: (ثم آخر العصر) يعني: في اليوم الثاني (فانصرف منها، والقائل يقول: احمرت الشمس)، وحديث أبي موسى أيضًا متضمنٌ لزيادةٍ ومتأخرٌ، إذ حديث جبرئيل كان بمكة وهذا بالمدينة، كذا في (شرح كتاب الخرقي) (١) في مذهب أحمد.\nثم اعلم أن هذا -أعني كون آخر وقت الظهر حين بلوغ الظل مثله- مذهب الأئمة الثلاثة وأبي يوسف ومحمد وزفر، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمة اللَّه عليهم أجمعين، وفي بعض حواشي (الهداية) وعليه الفتوى، وظاهر مذهب أبي حنيفة: أنه إلى بلوغ الظل مثليه، وقد قال بعض مشايخ الحنفية: إن الاحتياط أن لا يؤخر الظهر عن مثله، ولا يصلى العصر حتى يكون مثليه، حتى تكون الصلاتان في وقتيهما بالإجماع.\nوجاء في رواية أسد بن عمرو أنه إذا صار ظل كل شيء مثله خرج وقت الظهر ولا يدخل وقت العصر حتى يصير مثليه، فبين الصلاتين وقت مهمل ليس وقت أحد منهما كما بين الفجر والظهر، وذكر في (الهداية) (٢) دليلًا لأبي حينفة ﵀ قوله ﵇: (أبردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم)، وأشد الحر في ديارهم في هذا الوقت، يعني: إذا صار ظل كل شيء مثله، وإذا تعارضت الآثار لا ينقضي الوقت بالشك.\nوَيرِدُ على ظاهره أن هذا يدل على أن لا يكون آخر وقت الظهر عند بلوغ الظل مثل الشيء، وأما كون آخره بلوغ الظل مثليه فلا، إلا أن يقال: إنه قد انحصر الوقت في هذين القسمين ولا قائل بالفصل، فلما لم يكن المثلَ كان المثلين.\nوقال الشيخ ابن الهمام (٣): الظاهر اعتبار كل حديث روي مخالفًا لحديث جبرئيل\n_________\n(١) انظر: \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (١/ ١٨٤).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ٤٠).\n(٣) \"فتح القدير\" (١/ ٢٢٠).","vol":"2","page":332},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nناسخًا لِمَا خالفه فيه؛ لتحقق تقدم إمامة جبرئيل على كل حديث روي في الأوقات؛ لأنه أول ما علَّمه إياها. بقي أن يقال: هذا البحث إنما يفيد عدم خروج وقت الظهر ودخولَ وقت العصر بصيرورة الظل مثلًا [غير فيء الزوال]، ونفيُ خروج الظهر بصيرورته مثلًا لا يقتضي أن أول وقت العصر إذا صار مثلين حتى إن ما قبله وقتُ الظهر وهو المدَّعَى فلا بدّ له من دليل، وغاية ما ظهر أن يقال: ثبت بقاء وقت الظهر عند صيرورته مثلًا ناسخًا لإمامة جبرئيل ﵇ فيه في العصر بحديث الإبراد، وإمامتُه في اليوم الثاني عند صيرورته مثلين يفيد أنه وقته، ولم يُنسخ هذا، فيستمر على ما علم ثبوته من بقاء وقت الظهر إلى أن يدخل هذا الوقت المعلوم كونه وقتًا للعصر.\nواحتج على المذهب المشهور لأبي حنيفة ﵀ بحديث (صحيح البخاري) ونحوه في (صحيح مسلم) أن عبد اللَّه بن عمر -﵄- قال (١): سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: (إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراةَ فعملوا، حتى إذا انتصف النهار عجزوا، فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيلَ فعملوا، إلى صلاة العصر، ثم عجزوا، فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتابين: أَيْ ربَّنا! أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن كنا أكثر عملًا، قال اللَّه تعالى: هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي [أوتيه من أشاء]).\nوإنما يصح هذا إذا كان وقت العصر عند بلوغ ظل كل شيء مثليه ليكون أقصر\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٥٥٧)، ولم أجده في \"صحيح مسلم\"، وأخرجه الترمذي في \"سننه\" (٢٨٧١).","vol":"2","page":333},{"text":"وَوَقْتُ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ،\nــ\nمن الظهر إلى العصر، هذا وعلى تقدير كونه معتبرًا من بلوغ الظل إلى مثله يكون مساويًا لوقت الظهر، وقد تكلف شراح البخاري في الجواب عن ذلك فلينظر ثمة.\nوقد يستدل بالدلائل العقلية وهي في الحقيقة لترجيح العمل بالحديث الذي دل على كون وقت العصر حين بلوغ ظل الشيء مثليه، وهي أن حاجة الظهر إلى توسيع الوقت أكثر؛ لأن قبلها أربع موقتة وبعدها ركعتان، وليس ما بعد صلاة العصر ولا قبلها سنة موقتة، ولهذا كان العشاء أمدَّ من وقت المغرب لأن العشاء أربع وبعدها الوتر.\nوقال العبد الضعيف سامحه اللَّه: إن قول اللَّه سبحانه: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] قد يشير إلى كون وقت العصر مثل وقت الفجر، وإنما يكونان مثلين على مذهبنا، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق) اختلفوا في الشفق، فعند مالك والشافعي وأبي يوسف ومحمد ﵏: هو الحمرة، وعند أبي حنيفة وأحمد والمزني ﵏ وطائفة من الفقهاء: هو البياض الذي يعقب الحمرة، ويروى عن أبي حنيفة ﵀ أنه الحمرة، قال الشُّمُنِّي: وبه يفتى، وعليه جمهور الفقهاء وأهل اللغة، ومنهم الأصمعي والخليل بن أحمد، ويستدل على ذلك بحديث مسلم عن ابن عمر -﵄- أن النبي -ﷺ- قال (١): (وقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق)، وهو بالمثلثة: حمرة الشفق النائرة فيه، كذا في (القاموس) (٢)، ورواه أبو داود: (فور الشفق) بالفاء، وهو فورانه وسطوعه، وثوره: ثوران حمرته، وقد ورد صريحًا قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (الشفق الحمرة فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة)، رواه الدارقطني، كذا في (شرح كتاب\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٦١٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٣٧).","vol":"2","page":334},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالخرقي) (١)، وقال أيضًا: وهو قول أكثر الصحابة، وحكى بعضهم الإجماع عليه في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ [الانشقاق: ١٦]، وذكر الشُّمُنِّي عن البيهقي أول قال: روي هذا عن عمر وعلي وابن عباس وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس وأبي هريرة -﵃-، يعني: موقوفًا عليهم، ولا يصح عن النبي -ﷺ- فيه شيء.\nوقد يستدل على ذلك بأن الغوارب ثلاث: الشمس والشفقان الحمرة والبياض، كالطوالع التي هي من آثار الشمس ثلاث: الفجران والشمس، ثم ما تعلق بالطوالع من خروج الوقت ودخوله تعلق بأوساط الطوالع وهو الفجر الصادق، فما تعلق وجوبه بالغوارب من دخول الوقت وخروجه، وجب أن يتعلق بأوساطه، وأوسطُ الغوارب الحمرةُ.\nومما يستدل على أنه البياض ما روي عن النعمان بن بشير قال: أنا أعلم الناس بوقت هذه الصلاة -يعني العشاء- كان رسول اللَّه -ﷺ- يصليها بسقوط القمر لثالثة، رواه أحمد والنسائي والترمذي، وقد حكي إطلاقه على البياض عن المبرد وأحمد بن يحيى.\nوقال في (النهاية): احتج أبو حنيفة ﵀ على أنه البياض بظاهر قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، جاء في التفسير عن ابن عباس -﵄- أن الدلوك هو غروب الشمس، فاللَّه تعالى مد وقت المغرب إلى غسق الليل، والغسق عبارة عن اجتماع الظلمة، والظلمة لا تجتمع إلا بعد ذهاب البياض، انتهى.\nولا يذهب عليك أنه قد اختلف في تفسير دلوك الشمس؛ فقيل: هو الغروب\n_________\n(١) انظر: \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (١/ ١٨٧)، و\"سنن الدارقطني\" (١/ ٢٦٩).","vol":"2","page":335},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوهو قول ابن عباس -﵄-، وقيل: هو الزوال، واستدلال أبي حنيفة ﵀ إنما هو بقول ابن عباس ويكفي به حجة، وليس الاستدلال بالآية حتى يقال: إنها محتمِلة، والمحتمِل لا يصح حجة، فافهم.\nوفي رواية عن أحمد أن الشفق في السفر الحمرة، وفي الحضر البياض، جمعًا بين الأحاديث على اختلاف حالين نظرًا إلى أن في الحضر قد تنزل الحمرة فتواريها الجدر فيُظن أنها قد غابت، فإذا غاب البياض فقد تيقن، فالشفق عنده هو الحمرة، ولكنه اعتبر غيبة البياض لدلالته على مغيب الحمرة، واللَّه أعلم.\nوبالجملة اعتبار قول الأئمة أحوط في حق المغرب، وفي حق العشاء الأحوط قول أبي حنيفة ﵀ ليقعا في الوقت بيقين، ثم هذا الحديث حجة على الشافعي ﵀ في قوله الجديد بأن وقت المغرب قدر وضوء وستر [عورة] وأذان وإقامة وخمس ركعات، والاعتبار في جميع ذلك بالوسط المعتدل، وقال الرافعي من أئمة الشافعي: ويحتمل أيضًا أكل لقم يكسر بها شدة الجوع، فإذا مضى هذا القدر انقضى الوقت؛ لأن جبرئيل ﵇ صلاها في اليومين في وقت واحد، ولو كان لها وقتان لبين كما في سائر الصلوات، وأما في قوله القديم فيمتد وقتها إلى غيبوبة الشفق.\nقال النووي (١): الأحاديث الصحيحة مصرحة بالقديم وهو الصواب، وقال: ومن اختاره من أصحابنا ابن جرير والخطابي والبيهقي والغزالي في (الإحياء) (٢) والبغوي في (التهذيب) وغيرهم، وعلى الجديد لو شرع في المغرب في وقتها المضبوط جاز له\n_________\n(١) انظر: \"شرح النووي\" (٥/ ١١١).\n(٢) \"إحياء العلوم\" (١/ ٣٧٩).","vol":"2","page":336},{"text":"وَوَقْتُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ الأَوْسَطِ، وَوَقْتُ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ،\nــ\nمدها إلى غروب الشفق على الصحيح وإن لم يجز تأخير غيرها من الصلوات إلى خروج بعضها عن الوقت، لما روي أنه -ﷺ- قرأ الأعراف في المغرب، كذا في شرح (الحاوي) (١).\nوقوله: (ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط) قيل: (الأوسط) صفة (الليل) أي: ليل متوسط لا طويل ولا قصير، فنصف الليل الأوسط يكون بالنسبة إلى ليل قصير أكثر من نصفه وبالنسبة إلى ليل طويل أقل من نصفه، وقيل: هو صفة للنصف، أي: نصف عدل من الليل من غير زيادة ونقصان عمومًا، أي من كل ليلة نصفها، وبه قطع الفقهاء قاطبة، والقول الأول يقتضي التأخير إلى ست ساعات في أقصر الليالي وهي ثلثا الليل، وإلى ست ساعات في أطول الليالي وهي ثلث الليل، والعكس أحرى وأليق، كذا في بعض الشروح، وفيه مسامحة، فتدبر.\nثم يجيء في الحديث الآتي التأخير إلى ثلث الليل وكلاهما وقت الاختيار، ووقت الجواز يمتد إلى طلوع الفجر كما عرفت، وعندنا الثلث وقت الاختيار والنصف وقت الجواز بلا كراهة، وإلى طلوع الفجر مع كراهة.\nوقيل: النصف وقت الجواز بكراهة من غير إثم وبعده مع الإثم.\nوقوله: (ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس) ظاهره يدل على أن جميع وقتها وقت اختيار، وقيل: وقت الاختيار إلى الإسفار، ووقت الضرورة والجواز إلى طلوع الشمس.\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي\" (٢/ ٣٠).","vol":"2","page":337},{"text":"فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَمْسِكْ عَنِ الصَّلَاة فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ\". رَوَاهُ مُسلِمٌ. [م: ٦١٢].\n٥٨٢ - [٢] وَعَن بُرَيْدَة قَالَ: إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ لَهُ: \"صَلِّ مَعَنَا هَذَيْنِ\" يَعْنِي الْيَوْمَيْنِ، فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الظُّهْرَ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعَصْرَ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْمَغْرِبَ حِينَ غَابَتِ الشَّمْسُ،\nــ\nوقوله: (بين قرني الشيطان) قد ذكر في معنى قرني الشيطان وجوه أقربها وأصوبها الذي يوافق الأحاديث الأخر الواردة في هذا الباب: أن المراد بقرنيه ناحيتا رأسه فإنه ينتصب قائمًا في وجه الشمس ويدني رأسه إليها في وقت الطلوع والغروب، فيكون في مقابلة من يعبد الشمس فينقلب سجود الكفار للشمس عبادة له، ويخيِّل لنفسه ولأعوانه أنهم يسجدون له، فنهى النبي -ﷺ- أمته عن الصلاة في هذين الوقتين؛ لكون صلاة من عَبَدَ اللَّه في غير وقت عبادة من يعبد الشيطان، وقد جاء في الحديث أن الشيطان يقارن الشمس إذا طلعت فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا غربت قارنها، ثم إنه قد روي: (بين قرني شيطان) بالتنكير أيضًا، فالتعريفُ محمول على أن الشيطان ينتصب نفسه، والتنكير على أنه يولِّي كل شيطان من أعوانه على حسب اختلاف المطالع في البلدان.\n٥٨٢ - [٢] (عن بريدة) قوله: (أمر بلالًا فأذن) أي: أمره بالتأذين فأذن، ومثل هذه العبارة كثير في الأحاديث يكون المأمور به ما بعد الفاء، وقد نبهنا على ذلك في غير موضع.\nوقوله: (والشمس مرتفعة بيضاء نقية) أي: لم تختلطها صفرة، وليس في هذا الحديث تعيين مثله ولا مثليه لأول وقت العصر وآخره، ولا شك أن بياض الشمس","vol":"2","page":338},{"text":"ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي أَمَرَهُ \"فَأَبْرِدْ بِالظُّهْرِ\" فَأَبْرَدَ بِهَا، فَأَنْعَمَ أَنْ يُبْرِدَ بِهَا، وَصَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ أَخَّرَهَا فَوْقَ الَّذِي كَانَ، وَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى الْعِشَاءَ بَعْدَ مَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ،\nــ\nيكون بعد المثلين أيضًا، فافهم.\nوقوله: (فلما أن كان) أن زائدة تجيء بعد (لما) كثيرًا، كقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا﴾ [العنكبوت: ٣٣]، وقوله: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ [يوسف: ٩٦]، و(كان) تامة.\nوقوله: (أمره فأبرد) على صيغة الأمر بيان للأمر، أي: أمره بالإبراد فقال: أبرِدْ بالظهر، ذكره تأكيدًا وتصريحًا واهتمامًا بذكره، وإلا كان يكفي: فأمره فأبرد بها، بصيغة الماضي كما هو المتعارف في مثل هذه العبارة.\nوقوله: (فأنعم) أي: زاد وبالغ في الإبراد حتى انكسر وهج الحر بالكلية، يقال: أحسنت وأنعمت، أي: زدت في الإحسان وبالغت، ولا يخفى أن سياق الحديث يقتضي أن هذا الإبراد كان لأجل التأخير عن أول الوقت تعليمًا لآخر الوقت، والاتقاءُ عن شدة الحر لكونه من فيح جهنم كما سيأتي سببٌ آخر للإبراد، ولعله كان حين سؤال الرجل صيف، ويأتي شرحه في (باب تعجيل الصلاة)، فافهم.\nوقوله: (فوق الذي كان) أي: فوق الوقت الذي وجد في اليوم الأول، أي: زاد في التأخير، وهذا أيضًا ساكت عن وقوعها حين صيرورة ظل الشيء مثله، والشافعية يحملونه عليه بقرينة الروايات الأخر.\nوقوله: (قبل أن يغيب الشفق) يشير إلى تأخير صلاة المغرب أيضًا في اليوم الثاني، أي: لم يصلِّ متصلًا بغيبة الشمس كما في اليوم الأول، فلم يدل هذا الحديث على أن","vol":"2","page":339},{"text":"وَصَلَّى الْفَجْرَ فَأَسْفَرَ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: \"أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟ \"، فَقَالَ الرَّجُلُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: \"وَقْتُ صَلَاتكُمْ بَينَ مَا رَأَيْتُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦١٣].\nــ\nللمغرب وقتًا واحدًا كما قال الشافعي ﵀ في الجديد، نعم يعلم من حديث إمامة جبرئيل أنه صلاها في اليومين في وقت واحد.\nوقوله: (فأسفر بها) في (القاموس) (١): سَفَر الصبحُ يَسْفِر: أضاء وأشرق كأسفر.\nوفي (الصراح) (٢): سفر إسفار روشن شدن صبح، فمعنى أسفر بها: دخل في السَّفَر، كما أن معنى أبرد بالظهر دخل في البرد، أي: صلى سفرًا.\nوالظاهر من سياق الحديث أنه ابتدأ في وقت الإسفار فلا يصح تأويله بأنه طوَّلها إلى الإسفار، وسيجيء تمام الكلام فيه في حديث: (أسفروا بالفجر) في آخر الفصل الثاني من (باب تعجيل الصلاة).\nوقوله: (فقال الرجل: أنا) أي: أنا ههنا، أو يقدر في الأول: أين السائل، ومَن هو؟ ليطابق الجوابُ السؤال.\nوقوله: (وقت صلاتكم بين ما رأيتم) المراد: أن أوله ما صلَّيتُ فيه في اليوم الأول، وآخره ما صليت فيه في اليوم الثاني، فليس الأول والآخِر خارجين عن الوقت، فلا يتوجه أن ظاهر قوله: (وقت صلاتكم بين ما رأيتم) يدل على أن الأول والآخِر ليس وقتًا، على أنه قد وجد البيان في حقهما بالفعل، فإنه -ﷺ- صلى في أول الوقت وآخره، على أن الأحاديث الأُخر ناطقة بكونهما داخلين في الوقت.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٨٠).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ١٨٤).","vol":"2","page":340},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-287> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٨٣ - [٣] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ وَكَانَتْ قَدْرَ الشِّرَاكِ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِين صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَه، وَصَلَّى بِي الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعشَاءُ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَلَّى بِيَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَهُ، وَصَلَّى بِيَ الْعَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّهُ مِثْلَيْهِ، وَصَلَّى بِيَ الْمَغْرِبَ حِينَ أَفْطَرَ الصَّائِمُ، وَصَلَّى بِيَ الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَصَلَّى بِيَ الْفَجْرَ فَأَسَفَرَ، ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيَّ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! هَذَا وَقْتُ الأَنْبِيَاءِ مَنْ قَبْلِكَ، وَالْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ\". رَوَاهُ أَبُو داوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٣٩٣، ت: ١٤٩].\nــ\nالفصل الثاني\n٥٨٣ - [٣] (ابن عباس) قوله: (وكانت قدر الشراك) الضمير في (كانت) للشمس، والمراد الظل الذي وقت الزوال لكونه مسببًا عنها، يعني كان فيء الزوال في ذلك اليوم قدر شراك النعل، والظاهر أن المراد عرضه فإنه يختلف باختلاف الأمكنة والأوقات، ولا يكون في مكة الفيء في أطول أيام السنة لكون الشمس في سمت الرأس حينئذ، فكل بلد على الميل الكلي لا يكون فيه الفيء في نقطة السرطان، ثم يختلف باختلاف عرض البلد، وتحقيق ذلك في علم الهيئة، ولمعرفة فيء الزوال طرق مذكورة في الكتب، وباقي الحديث صار مشروحًا بما ذكرنا في حديث عبد اللَّه بن عمرو، غير أن قوله: (هذا وقت الأنبياء من قبلك) يدل بظاهره على أن الصلوات الخمس كانت واجبة على الأنبياء ﵈، والمراد التوزيع بالنسبة إلى غير العشاء، إذ مجموع","vol":"2","page":341},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-288> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٨٤ - [٤] عَن ابْنِ شِهَابٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الْعَصْرَ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ: أَمَا إِنَّ جِبْرِيلَ قَدْ نزَلَ فَصَلَّى أَمَامَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعْلَمْ مَا تَقُولُ يَا عُرْوَةُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ بَشِيرَ بْنَ أَبِي مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا مَسْعُودٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"نَزَلَ جِبْرِيلُ فَأَمَّنِي فَصَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ مَعَهُ\". . . . .\nــ\nهذه الخمس من خصوصياتنا، وأما بالنسبة إليهم فكان ما عدا العشاء متفرقًا فيهم كما جاء في الأخبار، وقيل: المخصوص بنا وجوب صلاة العشاء، ومَن قبلنَا كانوا يصلون العشاء نافلة، واللَّه أعلم.\nالفصل الثالث\n٥٨٤ - [٤] (ابن شهاب) قوله: (أخر العصر شيئًا) أي: تأخيرًا يسيرًا عن وقت الاختيار، لا أنه أخرها حتى غربت الشمس، و(أما) بالتخفيف حرف التنبيه، و(أمام) ضبط بالكسر والفتح، وعروة بن الزبير من التابعين ابن أسماء بنت أبي بكر، ولد في زمن النبوة، ومقصوده تذكير حديث إمامة جبرئيل الذي يدل على أفضلية أداء الصلوات في أول أوقاتها، وإنما لم يذكر لشهرته في زعمه، وقول عمر: (اعلم ما تقول يا عروة) بلفظ الأمر تغليظ وتنبيه على رعاية مزيد الاحتياط في الرواية.\nوقوله: (فقال) أي: عروة جوابًا لعمر -﵁- وإشارة إلى أني في غاية التثبت فيما أقول، لأني سمعت ذلك ممن صحب وسمع صاحب رسول اللَّه -ﷺ-، ثم روى حديثًا دالًّا على أداء الصلوات الخمس.","vol":"2","page":342},{"text":"يَحْسُبُ بِأصَابِعِهِ خَمْسَ صَلوَاتٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢١، م: ٦١٠، ١٦٧].\n٥٨٥ - [٥] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁-: أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ: إِنَّ أَهَمَّ أُمُورِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةَ، مَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا حَفِظَ دِينَهُ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ، ثُمَّ كَتَبَ: أَنْ صَلُّوا الظُّهْرَ أَنْ كَانَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا إِلَى أَنْ يَكُونَ ظِلُّ أَحَدِكُمْ مِثْلَهُ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فَرْسَخَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً قَبْلَ مَغِيْبِ الشَّمْسِ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ، وَالْعِشَاءَ إِذَا غَابَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ،\nــ\nوقوله: (يحسب) من الحساب بضم السين، ويروى بالياء فالضمير لرسول اللَّه -ﷺ-، أي: يقول ذلك حال كونه يحسب تلك المرات بعقد أصابعه، وبالنون على لفظ المتكلم أي: نحن نحسب، وهذا مما يشهد بإيقانه وضبط ما أخبر رسول اللَّه -ﷺ-، وفي شرح الشيخ: والأول أظهر لو ساعدته الرواية، وهذا يدل على ضعف تلك الرواية، وضبط في النسخ المصححة بما يدل على تساوي الروايتين، بل في بعض النسخ ما يدل على قوة الأولى، واللَّه أعلم.\n٥٨٥ - [٥] (عمر بن الخطاب -﵁-) قوله: (إن أهم أموركم عندي) إشارة إلى التهديد والمبالغة لكونهم خائفين من صولته وشوكته.\nوقوله: (من حفظها وحافظ) تأكيد وتقرير، أو المراد مِن حِفْظها عدمُ نسيانها وأداؤها في أوقاتها، والمحافظة عليها: أداؤها بشرائطها وآدابها والاهتمام برعاية صفاتها، أو المراد: حِفْظُها لنفسه والأمرُ به للغير، كما قيل في معنى ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠].\nوقوله: (أن كان) أن مصدرية، أي: وقت كون الفيء ذراعًا، وهذا في مواضع مخصوصة وفي أزمنة مخصوصة؛ لمَا عرفت أن هذا مختلف في الأقاليم والبلدان والفصول، و(ما) في (ما يسير) مصدرية.","vol":"2","page":343},{"text":"فَمَنْ نَامَ فَلَا نامَتْ عَيْنُهُ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نامَتْ عَيْنُهُ، فَمَنْ نَامَ فَلَا نَامَتْ عَيْنُهُ، وَالصُّبْحَ وَالنُّجُومُ بَادِيَةٌ مُشْتَبِكَةٌ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٦].\n٥٨٦ - [٦] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ قَدْرُ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الظُّهْرَ فِي الصَّيْفِ ثَلَاثَةَ أَقْدَامٍ إِلَى خَمْسَةِ أَفْدَامٍ، وَفِي الشِّتَاءِ خَمْسَةَ أَقْدَامٍ إِلَى سَبْعَةِ أَقْدَامٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٠٠، ن: ٥٠٣].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>٢ - باب تعجيل الصلاة</span>\nــ\nوقوله: (فمن نام) ظاهره مخصوص بالعشاء لكونه وقت النوم، أو المراد بالنوم السهو والغفلة أعمّ من أن يكون بالمنام أو غيره فيشمل الكل.\n٥٨٦ - [٦] (ابن مسعود) قوله: (ثلاثة أقدام. . . إلخ) هذا هو الإبراد كما عرفت، وهذا بالنسبة إلى المدينة المطهرة وما هو على سَمْتها.\n٢ - باب تعجيل الصلاة\nلما ذكر مواقيت أولها وآخرها أراد أن يورد أحاديث تدل على أفضلية أدائها في أوائل أوقاتها، ومذاهب الأئمة فيه مختلفة، فمذهب الشافعي ﵀ أفضلية أول الوقت في الصلوات إلا لشغل أو عذر، وإبراد ظهر الصيف عنده رخصة لمن يسعى إلى المسجد من بعيد، ومن يصلي وحده أو في مسجده فالأصل أن يصلي في أول الوقت، وإن كان شدة الحر، ومذهب مالك نحوه، قال بعض أصحابه: أما في شدة الحر فالأفضل أن يُبْرِد وإن كان يصلي وحده، وكذا المختار من مذهبه، ومذهب أحمد استحباب التأخير، وكذا العصر يُستحب تقديمها عندهم، والمغرب له وقت واحد ويستحب تعجيلها بالإجماع، والعشاء يستحب تأخيرها عند أحمد، وقال مالك: المبادرة، ولا بأس","vol":"2","page":344},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-290> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٨٧ - [١] عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ. . . . .\nــ\nبتأخيرها لاجتماع الناس، وأما عند أبي حنيفة ﵀ فإبراد الظهر وإسفار الفجر وتأخير العشاء مستحب، وستعرف في أثناء البيان تفاصيلها ودلائلها.\nثم الظاهر من كلام بعضهم أنه يكفي كونَها في أول الوقت وقوعُها في النصف الأول.\nالفصل الأول\n٥٨٧ - [١] (سيار بن سلامة) قوله: (عن سيار) بتقديم السين على الياء بالتشديد (ابن سلامة) بفتح السين وتخفيف اللام، بصري من مشاهير التابعين.\nوقوله: (كان يصلي الهجير) في (القاموس) (١): الهجير والهجيرة والهاجرة نصف النهار عند زوال الشمس مع الظهر أو من زوالها إلى العصر؛ لأن الناس يَسْتكِنُّونَ في بيوتهم كأنهم قد تهاجروا، أو شدة الحر، والمراد به في الحديث صلاة الظهر، أو المضاف محذوف ولذا أنث صفتها، وتسميتُها بالأولى لكونها أول صلاة صليت مع جبرئيل بالإمامة.\nوقوله: و(تدحض) من الدحض وهو الزلة، في (القاموس) (٢): دَحَضَتْ رجلُه: [زَلَقَتْ]، والشمسُ: زالت، وهو أول وقت الظهر، ولابد أن يكون في غير الصيف\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٦٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٩٢).","vol":"2","page":345},{"text":"وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَن يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ،\nــ\nوشدة الحر للأمر بالإبراد فيه مع التأكيد والمبالغة فيكون الإبراد فيه أفضل، وهذا هو مذهب أبي حنيفة.\nوقوله: (حية) قال التُّورِبِشْتِي (١): يتأول ذلك على وجهين، أحدهما: أنه أراد بحياتها شدة وهجها [وبقاء حرها]، والآخر: أنه أراد به صفاء لونها عن [التغير و] الاصفرار، وهذا أقرب التأويلين، انتهى.\nقيل: ذلك لا يكون بعد مصير الظل مثليه، وذلك محل كلام وتردد.\nوقوله: (ونسيت ما قال في المغرب) هذا قول الراوي من أبي برزة، وفاعل (قال) أبو برزة، وبدل على أنه كان قد قال فيها أيضًا شيئًا، ولكنه نسي خصوصه، ويحتمل أنه لم يقل فيها شيئًا لعدم اختلاف وتطريق التقديم والتأخير في وقتها، ومقصوده: كان بيان أول الوقت فيما يتساهل الناس فيه، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وكان يستحب) بصيغة المعلوم وكذا (يؤخر)، والمراد: التأخير إلى وقت الاختيار وهو الثلث عندنا وسيأتي.\nوقوله: (التي تدعونها العتمة) عتم الليل: أظلم، وفي (القاموس) (٢): العتمة محركة: ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق أو وقت صلاة العشاء الأخيرة. يريد أولها، وفي قوله: (تدعونها) إيماء إلى كراهة تسميتها بالعتمة في الشرع، وقد ورد النهي عنه، ومع ذلك وقع في بعض الأحاديث إما باعتبار السابق أو بيانًا للجواز، وسيجيء ذلك بالتفصيل (٣).\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٨١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٤٦).\n(٣) عند شرح الحديث (٦٣٢).","vol":"2","page":346},{"text":"وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ وَيَقْرَأُ بِالسِتِّينَ إِلَى الْمِئَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ: وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَلَا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٧، م: ٦٤٧].\nــ\nوقوله: (وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها) وقد تنقل الرخصة فيهما لعذر أو غلبة، وفي (صحيح البخاري) (١): أن ابن عمر لا يبالي أَقَدَّمَهَا أم أَخَّرَهَا إذا كان لا يخشى أن يغلبه النوم عن وقتها، وقد كان يرقد قبلها، وقد أورد عن ابن عباس -﵄- أنه قال (٢): أعتمَ رسول اللَّه -ﷺ- ليلة بالعشاء حتى رقد الناس، واستيقظوا ورقدوا واستيقظوا، وقد جاء في التكلُّم أيضًا -بعدَ أن لا يكون مما لا يعني- رخصة.\nوقوله: (وكان ينفتل) أي: ينصرف، في (القاموس) (٣): فتله: لواه، ووجْهَه عنهم صرفه.\nوقوله: (حين يعرف الرجل جليسه) المقصود أنه كان يبديه في الغلس.\nوقوله: (ويقرأ بالستين إلى الْمِئَة) أي: كان يقرأ في صلاة الفجر ستين آية وما فوقها منتهيًا إلى المئة.\nوقوله: (ولا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل) أي: كان لا يحافظ على أول وقتها، ولا يبالي ولا يتحرج بتأخيرها إلى ثلث الليل لكونه مستحبًّا عنده، فافهم.\nوقوله: (ولا يحب النوم) ظاهره أعمّ من الكراهة أو كناية عنها.\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٥٧٠).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٥٧١)، و\"سنن النسائي\" (٥٣١).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٥٩).","vol":"2","page":347},{"text":"٥٨٨ - [٢] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: سَأَلْنَا جَابِرَ ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتْ، وَالْعِشَاءَ إِذَا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ، وَإِذَا قَلُّوا أَخَّرَ، وَالصُّبْحَ بِغَلَسٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٥، م: ٦٤٦].\nــ\n٥٨٨ - [٢] (محمد بن عمرو) قوله: (والعصر والشمس حية) قد مر في الحديث الأول أنها كانت حية بعد أن يرجع أحدنا إلى رحله، فيفهم منه أن حياة الشمس لا يختص بأول الوقت، فافهم.\nوقوله: (إذا وجبت) أي: سقطت، يقال: وجبت الشمس وجبًا ووجوبًا: غابت.\nوقوله: (وإذا كثر الناس عجل، وإذا قلوا أخر) يدل على أن التأخير كان لقصد تكثير الجماعة، وقد قيل: إن أبا حنيفة وأصحابه إنما لم يلتزموا أول الوقت للصلاة لأجل هذا لا لعدم فضيلته، فتدبر. والجملتان في موضع الحال، أي: صلى العشاء معجلًا حين كثرة الناس ومؤخِّرًا حين قلَّتهم.\nوقوله: (والصبح بغلس) في (القاموس) (١): الغلس محركة: ظلمة آخر الليل، وقد جاء في رواية: (وصلى الصبح بغبس) بالباء، وقال القاضي عياض: اختلفت فيه الروايات فرويناه في (الموطأ) عن أبي محمد بن عتاب بالسين المهملة، وكذا رواه ابن وضاح، وعن غيره من شيوخنا بالمعجمة، وكذا يقوله أكثر [رواة الموطأ]، وضبطه الأصيلي في البخاري بالمهملة في حديث يحيى بن موسى، وفسره مالك قال: يعني الغلس، وغبس وغبش وغلس سواء، وأنكر شارح (الموطأ) السين المهملة ولم يقل شيئًا، وقد جاءت حروف كثيرة بالسين والشين معًا مثل شمته وسمته، وسُدْفَة من الليل وشُدْفَة، وسوذق وشوذق، وقال أبو عبيدة: غبس الليلُ وأغبس: إذا أظلم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥١٩).","vol":"2","page":348},{"text":"٥٨٩ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ -ﷺ- بِالظَّهَائِرِ سَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتَّقَاءَ الْحَرِّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ. [خ: ٥٤٢، م: ٦٢٠].\n٥٩٠ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ\".\n٥٩١ - [٥] وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: \"بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شدَّةَ الْحَرِّ. . . . . .\nــ\nوقال الأزهري: هي بقية ظلمة الليل يخالطها بياض الفجر، قال: والغبش بالمعجمة قبل الغبس، والغلس باللام بعد الغبس، وهي كلّها في آخر الليل، ويجوز الغبش بالمعجمة في أول الليل، انتهى.\nثم لا يخفى أن الحديث لا يدلّ على الدوام؛ لمَا عرفت من أن دلالة (كان) عليه منظور فيه، ولو سلِّم فقد ورد الأمر بالإسفار، والقولُ راجح على الفعل عند أبي حنيفة رحمة اللَّه عليه.\n٥٨٩ - [٣] (أنس) قوله: (بالظهائر) جمع ظهيرة وهي الهاجرة، جمعها باعتبار الأيام أو باعتبار الأشخاص.\nوقوله: (على ثيابنا) الظاهر: الثياب الملبوسة، فالحديث يدل على جواز السجدة على ثوب المصلي كما ذهب إليه أبو حنيفة رحمة اللَّه عليه، فهو حجة على الشافعي رحمة اللَّه عليه في عدم تجويزه السجود على ثوب هو لابسه، وأوَّلَ الحديث بأن المراد ههنا الثوب الغير الملبوس.\n٥٩٠، ٥٩١ - [٤، ٥] (أبو هريرة، وأبو سعيد) قوله: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة) فيه ندب الإبراد بالظهر في شدة الحرّ، لكنهم اختلفوا في المراد بالإبراد، فقال","vol":"2","page":349},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبعض الناس: المراد بالإبراد بالظهر أداؤها في أول الوقت، وبرد النهار أوله، وهذا التأويل ليس بصواب؛ لأن الإبراد في الأحاديث ذكر لبيان ما اختاره -ﷺ- من الوقت الأخير في أوان الحر، ويبطله تعليله -ﷺ- ذلك بقوله: (فإن شدة الحر من فيح جهنم)، وما سبق في باب المواقيت من قول الراوي: (فأنعم) أي: زاد على الإبراد وبالغ فيه، وبهذا يبطل أيضًا ما ذكره الشافعية أن المراد بالإبراد الصلاة وقت الزوال، وأنه ينكسر فيه وهج الحر فهو برد بالإضافة إلى حر الظهيرة، وعن ابن مسعود (١) قال: كان قدر صلاة رسول اللَّه -ﷺ- الظهر في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام، وفي الشتاء خمسة أقدام إلى سبعة أقدام، وعن ابن عمر -﵄-: كان الفيء ذراعًا ونصفًا إلى ذراعين، وكان الجدران في ذلك الزمان سبعة أذرع، كذا قيل.\nوعند مالك ﵀: إلى أن يزيد ظل كل شيء ربعه، وقال أئمة مذهب أحمد: يؤخر حتى ينكسر الحر ولا يؤخر إلى آخر الوقت، وقال بعضهم: يؤخر إلى وقوع الظل الذي يمشي فيه الساعي إلى الجماعة، وقال بعضهم: يؤخر إلى قريب من وسط الوقت.\nوفي (صحيح البخاري) (٢): (فإذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة حتى رأينا فيء التلول)، أي: أبردنا وانتظرنا حتى رأينا الظلال، والتلولُ لكونها منبسطة غير منتصبة لا يظهر فيها عقيب الزوال، بل لا يصير لها في عادة إلا بعد الزوال بكثير، بخلاف الشاخصات المرتفعة كالمنارة مثلًا، وقال أيضًا: الإبراد أن يؤخر بحيث يحصل للحيطان ظل يمشون فيه ويتناقص الحر، وخصه بعضهم بالبلاد الحارة، وخصه بعضهم بالجماعة.\n_________\n(١) أخرجه النسائي (٥٠٣).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٥٣٥).","vol":"2","page":350},{"text":"مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، وَاشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ: . . . . .\nــ\nوقال في (الهداية) (١): أشد الحر في تلك الديار في وقت بلوغ ظل كل شيء مثله كما مر.\nوبالجملة المبالغة في إبراد الظهر وارد في الأحاديث الصحيحة، وأما حديث خباب: (شكونا إلى رسول اللَّه -ﷺ- حر الرمضاء فلم يُشْكِنا) أي: لم يُزِلْ شكوانا، فمحمول على أنهم طلبوا تأخيرًا زائدًا على قدر الإبراد، وقيل: إنهم التمسوا تأخير الصلاة عن الوقت، كذا قال الكرماني (٢)، وقال بعض الشافعية: الإبراد رخصة، وعلى كل تقدير لا يجوز حمل الإبراد على الزوال، وكون وقت الزوال أبردَ من الاستواء محلُّ بحث، بل هو أشد منه لبقاء السبب كما في الإبراد وقت الفجر من نصف الليل، وإن كانت الشمس أقرب، ويرده سياق الحديث في الرخصة.\nونقل عن الشافعي أنه قال: الإبراد لصلاة الظهر لمن ينتابُ من البعد وللمشقة على الناس، فأما المصلي وحده والذي يصلي في مسجد قومه [فالذي] أُحب له أن لا يؤخر الصلاة في شدة الحر، وهو أيضًا مخالف بظاهر الحديث عن أبي ذر: (كنا مع رسول اللَّه في سفر، فأذن بلال لصلاة الظهر، فقال النبي -ﷺ-: يا بلال أبرد ثم أبرد)، فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعي ﵀ لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنًى؛ لاجتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البعد، كذا في (جامع الترمذي) (٣)، وقال: ومعنى من ذهب إلى تأخير الظهر في شدة الحر هو أولى وأشبه بالاتِّباع.\nوقوله: (من فيح جهنم) فاحت القدر تفيح وتفوح: إذا غلت، وفيح جهنم وفوحها\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٤٠).\n(٢) \"شرح الكرماني\" (٤/ ١٨٧).\n(٣) انظر: \"سنن الترمذي\" (١٥٨).","vol":"2","page":351},{"text":"رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ من الزَّمْهَرِيرِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: \"فَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ. . . . .\nــ\nبالياء والواو وبالحاء المهملة: سطوع حرها وانتشارها، ويجيء بمعنى الوسعة، والفيحاء: الواسعة من الدور، والاشتكاء من النار حقيقةٌ أو مجاز، والظاهر هو الأول، فإن اللَّه تعالى قادر على أن يخلق فيها كلامًا تشتكي به عند ربها، وقال ابن عبد البر: لكلا القولين وجه ونظائر، والأول أرجح، وقال عياض: وهو الأظهر، وقال النووي: هو الصواب.\nوقوله: (أكل بعضي بعضًا) كناية عن اختلاط أجزائها وازدحامها كأنه يقصد كلُّ جزء في إفناء الآخر والتمكن في مكانه، والمراد بنفَسها لهبها وخروج ما يبرز منها كالتنفس في الحيوان.\nوقوله: (نفس) بالجر والرفع، وكذا قوله: (أشد) يجوز فيه الرفع والجرُّ على البدل. وقال التُّورِبِشْتِي (١): روايتنا بالرفع إما خبرُ محذوفٍ، أي: هو أشد، أو خبره محذوف تقديره: أشدُّ ما تجدون من ذلك النفس، ويؤيده الرواية الأخرى للبخاري ورواية النسائي: (فأشد ما تجدون من الحر من حر جهنم)، ويؤيد الأول رواية الإسماعيلي: (فهو أشد)، كذا قال الشيخ (٢).\nوالمراد بالزمهرير شدة البرد، فإن قيل: كيف يحصل من نَفَس النار الزمهرير؟\nقلت: المراد من النار محلها وهو جهنم، وفيها طبقة زمهريرية. ثم الحكمة في\n_________\n(١) كذا في المخطوطة، ولم نجد في \"كتاب الميسر\"، وقال في \"الفتح\" (٢/ ١٩): في روايتنا بالرفع.\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ١٩).","vol":"2","page":352},{"text":"فَمِنْ سَمُومِهَا، وَأَشَدُّ مَا تَجدُونَ مِنَ الْبَرْدِ فَمِنْ زَمْهَرِيرِهَا\". [خ: ٥٣٣، ٥٣٦، ٥٣٧، ٥٣٨، م: ٦١٥، ٦١٧].\n٥٩٢ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي فَيَأْتِيهِمْ،\nــ\nالمنع من الصلاة في شدة الحر، إما دفع المشقة لكونها قد تسلب الخشوع، وقيل: كونها الحالة التي ينشر فيها العذاب، والأول أظهر؛ لأن الصلاة محل وجود الرحمة ففعلها مظنة لطرد العذاب فكيف أمر بتركها؟ وقد يؤيَّد الثاني بحديث عمرو بن عبسة عند مسلم حيث قال له: (أقصر عن الصلاة عند استواء الشمس فإنها ساعة تسجَّر فيها جهنم)، فافهم.\nوقد يتوهم من قضية التعليل المذكور مشروعية تأخير الصلاة في وقت شدة البرد أيضًا ولم يقل به أحد، لأنها تكون غالبًا في وقت الصبح فلا يزول إلا بطلوع الشمس، فلو أخرت لخرج الوقت.\nهذا وقال التُّورِبِشْتِي (١): أشار بقوله: (أشد) إلى أن هذين النفسين ليسا على الإطلاق بموجِبَين للحر والبرد في فصل الشتاء والصيف، فإن اللَّه جعل ذلك مربوطًا بالآثار العلوية، وهذه من مقتضيات حكمة اللَّه البالغة؛ حيث أظهر آثار فيح جهنم في زمان الحر، وآثار الزمهرير في زمان البرد، ولم يجعلهما على العكس، فيتولد منهما وخامة في الأهوية وفساد في الأمزجة.\nوقوله: (فمن سمومها) في (القاموس) (٢): السَّموم الريح الحارة تكون غالبًا بالنهار.\n٥٩٢ - [٦] (أنس) قوله: (إلى العوالي) جمع عالية، وهي المواضع في جانب\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٨٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٣٦).","vol":"2","page":353},{"text":"وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، وَبَعْضُ الْعَوَالِي مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ نَحْوِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٥، م: ٦٢١].\n٥٩٣ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ: يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا اصْفَرَّتْ، وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا. . . . .\nــ\nعلو المدينة في جانب مسجد قباء ومسجد بني قريظة.\nوقوله: (وبعض العوالي. . . إلخ) مدرج من كلام الزهري.\nوقوله: (أو نحوه) أي: نحو هذا المقدار ولهذا ذكَّر الضمير، ولا يخفى أنه لا يُدرى أن الذهاب كان راكبًا أو ماشيًا، وعلى تقدير المشي: بالسرعة أو البطؤ، وحال الذاهب في القوة أو الضعف، ولا يظهر أيضًا بأيِّ ناحية من العوالي كان الذهاب، وبالجملة لا يثبت به أن يصلي العصر وقت بقاء ربع النهار كما هو مذهبهم.\n٥٩٣ - [٧] (أنس) قوله: (تلك صلاة المنافق) إشارة إلى ما في الذهن، وهي العصر المؤخَّرة عن أول وقتها إلى قبيل الغروب عمدًا بلا عذر.\nوقوله: (يجلس. . . إلخ) استئناف لبيان الجملة السابقة، والمنافق إما محمول على حقيقته بأن يكون بيانًا لصلاته، أو يكون تغليظًا، والمراد مَن هو على صفة المنافق.\nوقوله: (فنقر أربعا) في (القاموس): نقر الطائر: لقط من ههنا وههنا (١)، شبه به تخفيف السجدة من غير طمأنينة، وإطلاق الأربع باعتبار جعل السجدتين ركنًا واحدًا بإرادة الجنس، أو كان وروده في السفر، أو حين كان صلاة العصر ركعتين قبل الزيادة، أو لمَّا كان لم يفصِل بين السجدتين فكأنهما سجدة واحدة، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٥٢).","vol":"2","page":354},{"text":"لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٢٢].\n٥٩٤ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٢، م: ٦٢٦].\nــ\nثم تخصيص البيان بالعصر إما لكونها في وقت اشتغال الناس بيانًا للباعث على التهاون أو لفضلها مبالغة في التقبيح والتشديد.\nوقوله: (لا يذكر اللَّه فيها إلا قليلًا) إشارة إلى التهاون والتقصير في الأركان الظاهرة وخشوع الباطن، وإنما قال: (قليلًا) إذ المنافق والمرائي لا يفعل إلا بحضرة من يرائيه وهو أقل أحواله، أو لأنه يذكر باللسان دون القلب وهو قليل بالنسبة إليه، وقد وقع في القرآن المجيد في شأن المنافقين: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] بهذا الاعتبار.\n٥٩٤ - [٨] (ابن عمر) قوله: (الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله) في (القاموس) (١): وَتَر الرجلَ: أفزعه وأدركه بمكروه، ووتره مالَه: نقصه إياه، وفي (الصحاح) (٢): وتره حقه، أي: نقصه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] أي: لن ينقصكم، وقال البيضاوي (٣): أي: لن يضيع أعمالكم، من وترتُ الرجلَ: إذا قتلتُ متعلقًا به من قريب أو حميم فأفردته منه، من الوِتر، ويروى بنصب (أهله) ورفعه، فعلى الأول في (وتر) ضمير للذي تفوته، وعلى الثاني لا ضمير فيه، بل الفعل مسند إلى (أهله)، والظاهر على ما ذكر في معناه هو الأول كما لا يخفى.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٥٦).\n(٢) \"الصحاح\" (٢/ ٨٤٣).\n(٣) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٤٠٦).","vol":"2","page":355},{"text":"٥٩٥ - [٩] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٣٣، ٥٩٤].\nــ\nوقال الشيخ (١): النصب هو المشهور عند الجمهور على أنه مفعول ثان، والمعنى: أصيب بأهله وماله، وقال القرطبي (٢): يروى بالنصب على أن (وُتر) بمعنى سُلب، وهو يتعدى إلى مفعولين، وبالرفع على أن (وُتر) بمعنى أُخذ، انتهى.\nوالمعنى: أن التقصير في صلاة العصر مصيبة عظيمة في نقص الدين كوتر الأهل والمال في الدنيا، وذلك تنبيه على زيادة فضيلة صلاة العصر، فينبغي أن لا تُترك بحال، وقد يلحق بها سائر الصلوات، والكلام في اشتراك العلة، نعم قد يروى: من ترك صلاة مكتوبة حتى تفوته، ويروى: من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله، فالظاهر العموم وقد خصه الشيخ، وقيل في معناه: أي: بشؤم ترك الصلاة يهلك أهله وماله.\n٥٩٥ - [٩] (بريدة) قوله: (من ترك صلاة العصر) وزاد معمر في روايته: (متعمدًا) كذا قال الشيخ (٣).\nوقوله: (فقد حبط عمله) في (القاموس) (٤): حبط عمله كسمع وضرب حَبْطًا وحُبوطًا: بطل، وهذا تغليظٌ وتشديد، والمراد المبالغة في نقصان الثواب، وحقيقة الحبط إنما هو بالردة إذا مات على ذلك، واستدل بهذا الحديث من يقول بتكفير العاصي من الخوارج؛ لأنه نظير قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥]. وقال الشيخ (٥): قال ابن عبد البر: مفهوم الآية أن من لم يكفر بالإيمان لم يحبط عمله\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٠).\n(٢) \"المفهم\" (٢/ ٢٥١).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٢).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٠٩).\n(٥) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٢).","vol":"2","page":356},{"text":"٥٩٦ - [١٠] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَيَنْصَرِف أَحَدنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٩، م: ٦٣٧].\n٥٩٧ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانُوا يُصَلُّونَ الْعَتَمَةَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأَوَّلِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٦٤، م: ٦٣٨].\nــ\nفيتعارض مفهومها [ومنطوق الحديث]، انتهى.\nوالكلام يرجع إلى تحقيق معنى الإيمان وأن العمل داخل فيه أم لا، وقد حقق في موضعه، نعم قد ذهب الإمام أحمد إلى أن تارك الصلاة عامدًا كافر، وقد مر الاختلاف فيه، وقيل: المراد بالعمل عمل الدنيا الذي بسبب الاشتغال به ترك الصلاة، أي: لا يَتمتَّع به، وفي إيراد الحديثين في هذا الباب رمز خفي إلى [أن] التأخير عن الوقت المستحب في حكم التفويت، أو الإشارة إلى أنه لما كانت فضيلتها في هذه الدرجة فينبغي أن تعجل لئلا تفوت لشغل شاغل عنها.\n٥٩٦ - [١٠] (رافع بن خديج) قوله: (مواقع نبله) النبل بفتح النون وسكون الموحدة: السهام، كذا في (القاموس) (١)، وفي بعض الشروح: وهي السهام العربية، وفي (الصحاح) (٢): هو مؤنثة ولا واحد لها من لفظها، وقيل: هو واحد وجمعها نبال وأنبال ونبلان، انتهى. أي: ينظر إلى مواضع وقوع سهمه بعد الرمي به لا النبل، والمراد بيان التعجيل لصلاة المغرب وهو مستحب بالاتفاق.\n٥٩٧ - [١١] (عائشة -﵂-) قوله: (فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل) أي:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٧٨).\n(٢) \"الصحاح\" (٥/ ١٨٢٣).","vol":"2","page":357},{"text":"٥٩٨ - [١٢] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَيُصَلِّي الصُّبْحَ فَتَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٦٧، م: ٦٤٥].\n٥٩٩ - [١٣] وَعَنْ قَتَادَةَ عَن أَنَسٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ تَسَحَّرَا، فَلَمَّا فَرَغَا مِنْ سَحُورِهِمَا قَامَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الصَّلَاةِ فَصَلَّى. . . . .\nــ\nكانوا يصلون في أجزاء الوقت الذي بين مغيب الشفق وثلث الليل، فكان مبدؤها مغيب الشفق ومنتهاها ثلث الليل، فافهم.\n٥٩٨ - [١٢] (عائشة -﵂-) قوله: (متلفعات) أي: ساترات وجوههن وأبدانهن، والتلفع شد اللفاع، وهو بالكسر: الملحفة والكساء أو البرد أو كل ما تتلفع به المرأة، والمرط كساء من خز أو صوف، وعرف معنى الغلس، وقيَّد التلفع بأنه لو كانت الوجوه والأبدان مكشوفة لعرفن بها في ذلك الغلس الذي كان في ذلك الوقت، وقد يعرفن بمشخِّصات أخر، وكان الغلس بحيث لا يعرفن بها، فافهم.\nهذا ويحتمل أن يكون المراد: لا يتميزن من الرجال للتلفع والغلس، والأول هو الوجه، قال الشيخ (١): ولا معارضة بين هذا الحديث وحديث أبي برزة أنه كان ينصرف من الصلاة حين يعرف الرجل جليسه؛ لأن هذا إخبار عن رؤية المتلفعة عن بعد، وذلك إخبار عن رؤية الجليس عن قرب.\n٥٩٩ - [١٣] (قتادة) قوله: (من سحورهما) ضبط بضم السين وفتحها، وقالوا: هو بالضم اسم للفعل المخصوص، وبالفتح للمأكول وقت السحر.\nوقوله: (فصلى) أي: النبي -ﷺ-، وفي بعض الروايات: (فصلَّيا)، وهو موافق\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٥).","vol":"2","page":358},{"text":"قُلْنَا لأَنَسٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ فَرَاغِهِمَا مِنْ سَحُورِهِمَا وَدخُولِهِمَا فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: قَدْرُ مَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ خَمْسِينَ آيَةً. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٦٧].\n٦٠٠ - [١٤] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ. . . . .\nــ\nلقوله: (ودخولهما)، وفي بعضها: (فصلينا) بلفظ المتكلم كما في حديث زيد بن ثابت: أنهم تسحروا مع رسول اللَّه ثم قاموا إلى الصلاة.\nوقوله: (قال: قدر) ضبط بالنصب على أنه خبر كان المقدر، وبالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف.\nوقوله: (خمسين آية) وفي حديث آخر للبخاري: (خمسين أو ستين)، وهو تخمين يتعسر للعامة الأخذ به، وعلى كل تقدير المراد الآيات المتوسطةُ لا طويلةً ولا قصيرةً، ولا قراءة سريعة ولا بطيئة، ولا يخفى أن التوسط له مقادير ومراتب كثيرة، فيتعسر الأخذ بها، فالأحفظ لهم أن يتعجلوا بمقدار، ولا يدل هذا الحديث على أداء فرض الفجر في الغلس جدًا بالذهاب إلى المسجد وأداء ركعتي السنة، فافهم.\n٦٠٠ - [١٤] (أبو ذر) قوله: (كيف أنت) أي: كيف حالك.\nوقوله: (إذا كانت عليك الأمراء) أي: مسلطين ومستولين عليك بحيث لا يسعك مخالفتهم، قالوا: المراد أمراء بني أمية، وهم الذين أحدثوا التهاون في أوقات الصلاة ورعاية سننها وواجباتها كالتعديل والطمأنينة، قال في (سفر السعادة) (١): أول من تساهل في القومة والجلسة أمراء بني أمية. واعلم أنه مات أبو ذر سنة اثنين وثلاثين في خلافة عثمان -﵁-، وكان بالشام في إمارة معاوية من قبل عثمان، فدعاه عثمان -﵁- إلى\n_________\n(١) \"سفر السعادة\" (ص: ٣٦).","vol":"2","page":359},{"text":"أَوْ يُؤَخِّرُونَ عَنْ وَقْتِهَا؟ \" قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: \"صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ فَإِنَّهَا لَك نافِلَةٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٨].\n٦٠١ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٩، م: ٦٠٨].\nــ\nالمدينة وله قصة، فيحمل تحذير أبي ذر عن ذلك على تقدير الفرض والتقدير، أو كان المراد إمارتهم من قِبَلِ الخليفة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (أو يؤخرونها) (أو) لشك الراوي، ويحتمل أن يكون للتنويع، والمراد تأخيرها عن وقتها المختار.\nوقوله: (نافلة) بالرفع، وفي بعض النسخ بالنصب إما خبرُ كان محذوفٍ أو حال من الضمير في الظرف، ثم الحديث يفيد بإطلاقه جواز التنفل بعد الفجر والعصر، وصحة كون النفل ثلاث ركعات، وفيه كلام سيأتي في موضعه، فتقيد بما سوى هذه الثلاثة على أن ارتكاب هذا المكروه أهون من إثارة الفتنة التي تلزم من مخالفتهم.\n٦٠١ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (فقد أدرك الصبح) يعني: إذا صلى ركعة أخرى كملت صلاته؛ لأن من البيّن أنه لا يدرك الصلاة بأداء ركعة واحدة، وقد جاء في رواية البيهقي: (من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس وركعة بعد ما تطلع الشمس فقد أدرك الصلاة)، وقد جاء في رواية البخاري: (من أدرك من العصر ركعة فلتيم صلاته)، كذا قال الشيخ (١)، والحديث يدل على أن من طلعت عليه الشمس وهو في\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٦).","vol":"2","page":360},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nصلاة الصبح أو غربت وهو في صلاة العصر، لا تبطل صلاته، وهو قول أكثر أهل العلم.\nوقال أبو حنيفة وأصحابه: إن صلاة الصبح تفسد بطلوع الشمس، وصلاة العصر لا تبطل بغروب الشمس، وفرقوا بينهما بأن وقت الفجر كله كامل فإذا شرع فيها وجبت كاملة، فإذا طرأ النقصان لم يؤد كما وجب، بخلاف العصر فإن آخر وقته ناقص لأنه وقت كراهة، فإذا شرع فيها فقد وجب ناقصة، فإذا طرأ النقصان بالغروب فقد أدى كما وجب، وهذا إذا شرع في الوقت الناقص ظاهر، وأما إن شرع قبله فلأن للإنسان أن يستوعب وقت الصلاة لها فلا يمكن الاحتراز عنه.\nوهذا الحديث وارد عليهم، والجواب: أنه قد وقع التعارض بين هذا الحديث وبين الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة، فإنها تعم الفرض والنفل، وليست مخصوصة بالنفل كما زعمت الشافعية، وحكم التعارض بين الحديثين الرجوع إلى القياس، والقياس رجح حكم هذا الحديث في صلاة العصر، وحكمَ النهي في صلاة الفجر كما ذكرنا، وليست الأحاديث في النهي عن الثلاثة مخصوصة بالنفل كالنهي عن الصلاة بعد الفجر والعصر، كما زعمت الشافعية؛ لقوله -ﷺ-: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها) أي: أوله، وبه يوفقون بين هذا الحديث وتلك الأحاديث؛ لأن التخصيص خلاف الظاهر، وظاهر الأحاديث النهي عن الفرائض والنوافل، وأيضًا لو كانت مخصوصة بالنفل لجاز قضاء الفوائت فيها ولا يجوز؛ لأن النبي -ﷺ- لما فاتته صلاة الفجر ليلة التعريس انتظر في قضائها إلى أن ارتفعت الشمس، فلو جاز قضاء المكتوبة حال طلوع الشمس لما أخر بعد الانتباه، كذا قيل.\nوقال السُّغْناقي (١): والآثار المروية في النهي عامة في جنس الصلاة. وقال بعض\n_________\n(١) هو الحسين بن علي بن الحجاج بن علي، حسام الدين السغناقي، فقيه حنفي، المتوفى: =","vol":"2","page":361},{"text":"٦٠٢ - [١٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَلْيتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ صَلَاةِ الصُّبْح قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٥٦].\nــ\nأصحابنا: أحاديث النهي ناسخة لهذا الحديث وكان وروده قبل النهي، ومقتضاه أن يبطل العصر أيضًا لكنا عللناه بما ذكرنا فجوزنا في العصر هذا، وقد روي عن أبي يوسف أن الفجر لا يفسد بطلوع الشمس ولكنه يصبر حتى إذا ارتفعت الشمس أتم صلاته، فكأنه استحسن هذا ليكون مؤديًا بعض الصلاة في الوقت، ولو أفسدها كان مؤديًا جميع الصلاة خارج الوقت، وأداء بعض الصلاة في الوقت أولى من أدائه الكل خارج الوقت، كذا ذكر السغناقي نقلًا عن (المبسوط)، واللَّه أعلم.\nثم قد أخذت الشافعية من الحديث المذكور أنه إذا بلغ الصبي أو طهرت الحائض أو أسلم الكافر وأدرك مقدار ركعة من الوقت وجبت عليه هذه الصلاة، وفي إدراك مقدار تكبيرةٍ قولان من الشافعي كما هو مذهبنا، وخصه الطحاوي من أصحابنا بهذه الصورة، وقال: المراد بإدراك الصبح هذا المعنى نصرةً لمذهب أبي حنيفة وأصحابه، لكن الروايات التي جاءت في أن المراد إتمامها بأداء ركعة أخرى كما ذكرنا يأباه، فتدبر.\n٦٠٢ - [١٦] (عنه) قوله: (إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر) الحديث، قال الخطابي: معناه: الركعة بركوعها وسجودها، والركعة إنما يكون تمامها بسجودها فسميت بهذا المعنى سجدةً، وحكم [ما] دون الركعة كذلك، والحديث خارج\n_________\n= ٧١١ هـ، نسبته إلى سغناق بلدة في تركستان، له \"النهاية في شرح الهداية\"، انظر: \"الأعلام\" للزركلي (٢/ ٢٤٧).","vol":"2","page":362},{"text":"٦٠٣ - [١٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"لَا كَفَّارَة لَهَا إِلَّا ذَلِك\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٧، م: ٦٨٤].\n٦٠٤ - [١٨] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ،\nــ\nعلى الغالب، والصحيح أن الصلاة كلها أداء، وبعض الشافعية على أنه قضاء، وثمرة الخلاف تظهر في مسافر نوى القصر وصلى ركعة في الوقت، فإن قلنا أداء فله قصرها، أو قضاء فعليه إتمامها، كذا ذكره الكرماني (١).\n٦٠٣ - [١٧] (أنس) قوله: (فكفارتها) إشارة إلى كون فوات الصلاة خطيئة وإن لم يكن باختياره.\nوقوله: (إذا ذكرها) لما كان الاستيقاظ مستسبقًا لذكرها، وإنما الصلاة إذا ذكرها بعد الاستيقاظ، اكتفى بالذكر، وهو في الظاهر مقابل النسيان، ولم يذكر بعده: واستيقظ، فافهم.\nوقوله: (وفي رواية) يعني: زيادة على قوله: (فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها) للتأكيد، ومعنى الحصر: عدم شرعية الفداء بالمال كما في الصوم.\n٦٠٤ - [١٨] (أبو قتادة) قوله: (ليس في النوم تفريط) وكذا في النسيان ولم يُذكر لأنه في معناه، ولهذا ذكره في التفريع.\nوقوله: (إنما التفريط في اليقظة) أي: إنما يوجد التقصير في حال اليقظة بأن يفعل ما يؤدي إلى النوم أو النسيان كالاضطجاع عند غلبة الظن بالنوم، والاشتغال بما\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (٤/ ٢٢٠).","vol":"2","page":363},{"text":"فَإِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ \" [طه: ١٤]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٨١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-291> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٦٠٥ - [١٩] عَنْ عَلِيٍّ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"يَا عَلِيُّ، ثَلَاثٌ لَا تُؤَخِّرْهَا: الصَّلَاةُ إِذَا أَتَتْ،\nــ\nيترتب عليه النسيان من المشاغل كلعب الشطرنج ونحوه، فيأثم بذلك، وبالنوم يجب القضاء ولا إثم.\nوقوله: (إذا كرها) اكتفى به لِمَا عرفت، أو المعنى أنه وإن عذر في النوم أو النسيان ولم ينسب إليه التفريط، ولكن إذا استيقظ وذكر زال العذر ونسب إليه التفريط فليصلها بعده.\nوقوله: (﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾) أي: لذكرها، فإن مَن ذكرها ذكر اللَّه، وقد قرئ: (للذكرى) واللام للوقت.\nالفصل الثاني\n٦٠٥ - [١٩] (علي) قوله: (ثلاث لا تؤخرها) ضبط بالرفع والجزم، فعلى الرفع إما خبر لـ (ثلاث)، أو صفة له على المشهور من عدم جواز وقوع النكرة المحضة مبتدأ، وأما على الجزم فيجوز أن يكون خبرًا على ما قال العلامة التفتازاني من ارتباط الطلب من غير تأويل في نحو: زيدٌ اضرِبْه، وأما الصفة فلا يكون إلا بتأويل، وللمرتضى الشريف كلام في الأول أيضًا، والرواية القوية بالجزم، واللَّه أعلم.\nوقوله: (أتت) بالتائين من الإتيان، قال التُّورِبِشْتِي (١): وهو الموجود في أكثر النسخ المقروءة على المشهورين من أهل العلم، وقال: وهو تصحيف، وإنما المحفوظ\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٨٦).","vol":"2","page":364},{"text":"وَالْجِنَازَةُ إِذَا حَضَرَتْ، وَالأَيِّمُ إِذَا وَجَدْتَ لَهَا كُفُؤًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٧١].\n٦٠٦ - [٢٠] وَعَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْوَقْتُ الأَوَّلُ مِنَ الصَّلَاةِ رِضْوَانُ اللَّهِ، وَالْوَقْتُ الآخَرُ عَفْوُ اللَّهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٧٢].\n٦٠٧ - [٢١] وَعَنْ أُمِّ فَرْوَةَ قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ -ﷺ-: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\nــ\nمن ذوي الإتقان: (آتت) على وزن كانت بمعنى: حانت.\nوقوله: (والجنازة إذا حضرت) يدل إطلاقه على تعجيل صلاة الجنازة وإن حضرت في وقت مكروه، وللصلاة في الأوقات المكروهة تفصيل مذكور في الفقه، وقال السُّغناقي نقلًا من (تحفة الفقهاء) (١): إن الأفضل في صلاة الجناة أن يؤديها ولا يؤخرها؛ لهذا الحديث.\nوقوله: (والأيم) بفتح الهمزة وكسر التحتانية المشددة: من لا زوج لها، بكرًا كانت أو ثيبًا، ويسمى الرجل الذي لا زوجة له أيّما أيضًا.\n٦٠٦ - [٢٠] (ابن عمر) قوله: (الوقت الأول من الصلاة) أي: الصلاة في أول الوقت، والظاهر أن المراد ما سوى ما استحب فيه التأخير؛ كالتبريد للظهر والأسفارِ للفجر، وما لم يكن في التأخير عنه في الجملة مصلحة دينية مكملة للصلاة ومتممة للثواب كتكثير الجماعة مثلًا.\n٦٠٧ - [٢١] (أم فروة) قوله: (إلا من حديث عبد اللَّه بن عمر العمري) وهو\n_________\n(١) \"تحفة الفقهاء\" (١/ ١٠٥).","vol":"2","page":365},{"text":"وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَا يُرْوَى الْحَدِيثُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ، وَهُوَ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ. [حم: ٦/ ٣٧٤ - ٣٧٥، ٤٤٠، ت: ١٧٠، د: ٤٢٦].\n٦٠٨ - [٢٢] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاةً لِوَقْتِهَا الآخِرِ مَرَّتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ. [ت: ١٧٤].\nــ\nعبد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب -﵃-، وهو ممن غلب عليه الزهد، وشغلته العبادة عن حفظ الحديث وضبطه، وذكرناه وأخاه عبيد اللَّه وسائر العمريين في الفصل الثاني من (كتاب العلم) في تعيين عالم المدينة مستوفى، فانظر ثمة.\n٦٠٨ - [٢٢] (عائشة) قوله: (مرتين حتى قبضه اللَّه) يعني: أنه -ﷺ- وإن وقع له أنه صلى بعض الصلوات في آخر وقتها، لكنه لم يقع له ذلك أكثر من مرة إلى أن توفاه اللَّه ﷾، قيل: وتلك المرة هي التي صلاها -ﷺ- للتعليم حين جاء رجل سائل عن أوقات الصلاة، فكان كل صلاة في آخر وقته، وأما حديث إمامة جبرئيل ﵇ فخارج عن المبحث، ويروى: (إلا مرتين)، والظاهر أن يكون المراد منه حين إمامة جبرئيل، وسؤال الرجل، لكن الظاهر أن يكون المراد غير ما هو للتعلم والتعليم، أو لم يفعل من حين تزوجها، فأخبرت بما أحاط علمها، كذا قيل، وهذا الكلام في الصلاة لآخر الوقت الحقيقي بحيث لا يبقى بعده من الوقت شيء، وأما تأخيره عن أول الوقت فله مواضع كثيرة، منها ما جاء أن الصحابة استعجلوا فقدموا عبد الرحمن بن عوف، وفي حديث آخر: قدموا أبا بكر الصديق -﵁-، فجاء رسول اللَّه -ﷺ- فأرادا أن يتأخرا فأومأ أن على مكانكما، وكذا في حالة مرضه الذي أمر أبا بكر بالصلاة مع الناس، وكذا في ليلة رأى ربه فأخر الخروج لصلاة الغداة وبيّن قصتها، وكذا جاء في أحاديث [أخر] أنه كان إذا حضر القوم عجل بالعشاء وإلا أخر، وغير ذلك، والشافعية يحملون كل ذلك على","vol":"2","page":366},{"text":"٦٠٩ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَزَالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ أَوْ قَالَ: عَلَى الْفِطْرَةِ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ إِلَى أَنْ تَشْتَبِكَ النُّجُومُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٨].\n٦١٠ - [٢٤] وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنِ الْعَبَّاسِ. [دي: ١/ ٢٧٥].\n٦١١ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٢٥٠، ٤٣٣، ت: ١٦٧، جه: ٦٩١].\nــ\nعذر أو ضرورة، واللَّه أعلم، وقد تكلم الترمذي في حديث عائشة هذه، وقال: هذا حديث غريب وليس إسناده بمتصل، واللَّه أعلم.\n٦٠٩، ٦١٠ - [٢٣، ٢٤] (أبو أيوب، والعباس) قوله: (إلى أن تشتبك النجوم) في (القاموس) (١): شَبَكت الأمور واشتبكت وتشابكت: اختلطت والتبست، والمراد كثرة النجوم، وربما ينظر هذا الحديث إلى كون الشفق هو البياض، وفضيلة تعجيل المغرب متفق عليه بين العلماء بلا خلاف.\n٦١١ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (لأمرتهم أن يؤخروا العشاء) ظاهر هذه العبارة في بيان أفضلية التأخير وتأكُّد استحبابه كما في حديث السواك، فينافي مذهب أفضلية تعجيل العشاء، وقال بعضهم: لا ينافيه؛ لأن (لولا) أفادت عدم الأمر به فبقيت كغيرها من المكتوبات في أن تعجيلها هو السنة، وفيه ما فيه.\nوقوله: (أو نصفه) شك من الراوي، وقد يقع كل منهما في الصحاح بلا شك، كذا في بعض الشروح، ولا يذهب عليك أنه يجوز أن يكون للتنويع أيضًا، وربما يَنظر\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٦٩).","vol":"2","page":367},{"text":"٦١٢ - [٢٦] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَعْتِمُوا بِهَذ الصَّلَاةِ فَإِنَّكُمْ قَدْ فُضِّلْتُمْ بِهَا عَلَى سَائِرِ الأُمَمِ، وَلَمْ تُصَلِّهَا أُمَّةٌ قَبْلَكُمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢١].\n٦١٣ - [٢٧] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِوَقْتِ هَذِهِ الصَّلَاةِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّيهَا لِسُقُوطِ الْقَمَرِ لِثَالِثَةٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والدَّارِمِيُّ. [د: ٤١٩، دي: ١/ ٢٧٥].\nــ\nالإضمار في (نصفه) إلى ذلك إلا أن يكون نقلًا بالمعنى.\n٦١٢ - [٢٦] (معاذ بن جبل) قوله: (أعتموا بهذه الصلاة) أعتم، أي: دخل في العتمة، وهي ثلث الليل بعد غيبوبة الشمس، أو مطلق الظلمة بعد غيبوبتها، أي: ادخلوا في هذه الصلاة في العتمة، أو الباء للتعدية، أي: أدخلوها [في] العتمة، وهذا الحديث أيضًا يدل على تأخير العشاء، وحمله على تحقق سقوط الشفق وعدم الاستعجال فيها بعيد، كتأويلهم الإسفار على تحقق الصبح كما سيأتي، والإبراد على الزوال، فإن كون وقتها بعد الشفق قد تحقق، وهذا تنبيه على تأخيرها من أول وقتها تدل عليه الأحاديث الدالة على تأخيرها إلى الثلث خصوصًا إن كان من العتم بمعنى الإبطاء والاحتباس عن فعل شيء، يقال: أعتم الرجل قِرى الضيف: إذا أبطأ به، وأعتمت الحاجة: إذا تأخرت، وأعتم: احتبس عن فعل شيء يريده.\nوقوله: (لم تصلها أمة قبلكم) قد سبق الكلام فيه في آخر الفصل من (باب المواقيت) [برقم: ٥٨٣]، ووجه التعليل به: أن في الإعتام والتأخير تكثير الجماعة وشدة المشقة، وفيه اعتناء بها.\n٦١٣ - [٢٧] (النعمان بن بشير) قوله: (لسقوط القمر لثالثة) أي: غروبه في ليلة ثالثة، وفي شرح الشيخ: وهو غالبًا يسقط في تلك الليلة قرب غيبوبة الشفق","vol":"2","page":368},{"text":"٦١٤ - [٢٨] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ\". . . . .\nــ\nالأحمر (١)، وفيه أن الحساب يقتضي أن يغرب في قريب من خمس الليل، ففيه أيضًا تأخير العشاء لكن لا إلى الثلث، وسمي القمر قمرًا لبياضه، كذا في (الصحاح) (٢)، وفي صفة الدَّجَّال: (هِجانٌ أقمر) هو الشديد البياض، والأنثى قمراء، ومنه: (معها أتان قمراء)، كذا في (مجمع البحار) (٣)، وفي (القاموس) (٤): القمرة بالضم: لون إلى الخضرة، أو بياضٌ فيه كدرة، ولون القمر يشتمل على ما ذكره.\nثم المشهور أن قبل الثلاث هلال وبعده القمر، ففي إطلاق القمر ههنا توسع من الراوي، ولكن قال في (القاموس) (٥): القمر يكون في الليلة الثالثة، فلا توسع، وقال القاضي عياض (٦): وإنما سمي القمر قمرًا من أول الليلة الثانية (٧) إلى أن يبدر، فإذا أخذ في النقص قيل له قمير مصغرًا، قاله ابن دريد.\n٦١٤ - [٢٨] (رافع بن خديج) قوله: (أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر) أسفر\n_________\n(١) قال القاري (٢/ ٥٣٦): قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: فِيهِ أَصْرَحُ دَلِيلٍ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الأَفْضَلَ تَعْجِيلُ الصَّلَاةِ لأَوَّلِ وَقْتِهَا حَتَّى الْعِشَاءُ، اهـ. وَفِيهِ أَنَّ هَذَا قَوْلٌ غَيْرُ مُحَرَّرٍ، فَإنَّ الْقَمَرَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ يَقْرُبُ غَيْبُوبَةَ الشَّفَقِ دُونَ الثَّالِثَةِ فَتَدَبَّرْ، فَإِنَّهَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ، وفي \"التقرير\": لعله يفارق بين المشاهدتين أن الهلال إذا كان للثلاثين فيسقط في الثالثة بالتأخير.\n(٢) \"الصحاح\" (٢/ ٧٩٨).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٣٢٥).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٣٣).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٣٣).\n(٦) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٣١٢).\n(٧) قوله: \"الثانية\" كذا في \"المشارق\"، وفي المخطوطة: الثالثة.","vol":"2","page":369},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأبو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ، وَلَيْسَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ: \"فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ\". [ت: ١٤٥، د: ٤٢٤، دي: ١/ ٢٧٧، ن: ٥٤٨].\nــ\nالصبح: إذا انكشف وأضاء وتنوّر، وأسفر الرجل: دخل وقت الإسفار، وقد عرفت معناه في قوله: (أعتموا بهذه الصلاة)، ثم الظاهر المتبادر من هذه العبارة أن يبتدؤوا في صلاة الفجر وقت الأسفار، وما قيل في معناه: إن المراد إتمامها، فيه تأويل وتكلف، وحدّ الإسفار والتنوير على ما قال السُّغناقي نقلًا عن شمس الأئمة والقاضي الإمام أبي علي النسفي: أنه يبدأ الصلاة بعد انتشار البياض في وقت لو صلى الفجر بقراءة مسنونة ما بين أربعين آية إلى ستين أو أكثر ويرتل القراءة، فإذا فرغ من الصلاة لو ظهر له سهو في طهارته يمكنه أن يتوضأ ويعيد الصلاة قبل طلوع الشمس، كما فعل أبو بكر وعمر -﵄-، كذا في (فتاوى قاضيخان) (١)، انتهى. بل بحيث لو ظهر فساد صلاته أن يعيدها في الوقت بقراءة مستحبة كما قيل.\nومذهب الشافعي رحمة اللَّه عليه التغليس، وأوَّلَ أصحابه الحديث بأن المراد: أخروا صلاة الفجر إلى أن يتحقق طلوع الفجر، ولا تبادروا عند ظن طلوعه، فإن ذلك أعظم لأجوركم، إذ الصلاة بعد تيقن دخول الوقت أفضل منها عند ظنه، وفيه بعدٌ؛ لأن الظاهر المتبادر من قوله: (فإنه أعظم للأجر) أن يكون ذلك لخصوصيته في الإسفار، لا لأجل تحقق الوقت فإنه عام لوقت كل صلاة، فإنه لما لم يتبين الوقت لا يحكم بجواز الصلاة، فالظاهر على تقدير هذا التعليل أن يقال: فإنه لا تصح الصلاة بدونه، وهذا أظهر من أن يخفى، وقد يقال: يحتمل أنهم حين أمرهم بتغليس الفجر كانوا يصلونها عند الفجر الأول حرصًا عليه فقال: أسفروا، أي: أخِّروها إلى الفجر الثاني.\n_________\n(١) \"فتاوى قاضيخان\" (١/ ٣٥).","vol":"2","page":370},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقيل: الأمر بالإسفار خاص في الليالي المقمرة احتياطًا لعدم تبين الفجر.\nوقال الطحاوي من أصحابنا (١): يبدأ بالتغليس ويختم بالإسفار، ويجمع بينهما وهو أن يطول القراءة، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): وهو أقوى التأويلين؛ لأنه يوفق بين الأحاديث التي وردت في التغليس والأسفار، وقال السُّغناقي: الأفضل في صلاة الفجر عندنا الإسفار بها، يبدأ بالإسفار ويختم بالإسفار في ظاهر الرواية، ولا ينبغي أن يؤخر تأخيرًا يقع له الشك في طلوع الشمس؛ لأن في ذلك خوف فساد صلاته.\nوقال الشافعي: يستحب التعجيل في كل صلاة، والمراد من التعجيل هو أن يكون الأداء في النصف الأول، كذا في (الأسرار)، قال: لأن في هذا إظهار المسارعة في أداء العبادة وهو مندوب إليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، واستدل على تغليس الفجر بحديث أم المؤمنين عائشة -﵂- الذي مر في الفصل الأول من قوله: (فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس).\nولنا هذا الحديث الذي ورد فيه الأمر بالإسفار؛ ولأن في الإسفار تكثير الجماعة وفي التغليس تقليلها، وما يؤدي إلى تكثير الجماعة كان أفضل، ولأن المكث في مكان الصلاة حتى تطلع الشمس مندوب إليه كما نطقت به الأحاديث، وإحراز هذه الفضيلة متيسر في الإسفار، وفي التغليس قلما يتمكن منه، والذي ثبت في الروايات من فعل رسول اللَّه -ﷺ- هو الإسفار، فإن ثبت التغليس في وقت كان لعذر كالخروج إلى سفر ونحوه، ولهذا لما صلى ليلة المزدلفة بغلس ورد أنه صلى في غير وقته المعتاد، أو كان\n_________\n(١) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ١٨٣).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٨٧).","vol":"2","page":371},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالتغليس كما وقع في حديث عائشة -﵂- حين تحضر النساء للصلاة بالجماعة، ثم انتسخ ذلك حين أمرن بالقرار في البيوت.\nوأما الجواب عن تعلقهم بالآية فقلنا: المسارعة إلى مغفرة اللَّه إنما يكون في المسارعة إلى الشيء الذي هو أفضل عند اللَّه، وذلك في تكثير الجماعة لا في تقليلها، وذلك لا يكون إلا في التنوير، والمعنى الفقهي فيه: أن تأخير الفجر إلى آخر الوقت مباح بالإجماع لا كراهة فيه، وتقليل الجماعة أمر مكروه، وكذلك إيقاع الناس في الحرج، والتغليس بالفجر يؤدي إلى أحد الأمرين، ألا ترى أن رسول اللَّه -ﷺ- نهى معاذًا عن تطويل القراءة، وعلل ذلك بتنفير الناس عن الجماعة، وتطويل القراءة في الصلاة في الأصل سنة فوق تعجيل الصلاة في أول الوقت، كذا في (الأسرار)، هذا حاصل ما قال السغناقي مع شيء من الاختصار والزيادة، فتدبر.\nوقال القاضي عياض المالكي في شرح حديث: (أسفروا في الفجر): أي: صلوها بعد تبين وقتها وسطوع ضوء الفجر، ولا تبادروا بها أول مبادئ الفجر قبل تبينه، وهذا مذهب الحجازيين في تقديم وقتها وأنه أفضل، والعراقيون يذهبون إلى صلاتها عند الإسفار البيّن آخر وقتها وأنه أفضل، انتهى.\nوفي شرح (كتاب الخرقي) (١) في مذهب أحمد بن حنبل ﵀: أما الصبح فالأفضل تقديمها مطلقًا على إحدى الروايات، واختيارِ الخرقي وأبي محمد وطائفة من أصحابنا، والثانية: الإسفار بها أفضل، والثالثة: الاعتبار بحال أكثر المأمومين، فإن غلَّسوا غلس، وإن أسفروا أسفر، توفيرًا للجمع فهو أحب إلى اللَّه تعالى كما ورد في\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (١/ ١٩٥).","vol":"2","page":372},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-292> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٦١٥ - [٢٩] عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ تُنْحَرُ الْجَزُورُ،\nــ\nالحديث، وعن معاذ بن جبل قال: (بعثني رسول اللَّه -ﷺ- إلى اليمن فقال: يا معاذ! إذا كان في الشتاء فغلِّس بالفجر، وأطل القراءة قدر ما يطيق الناس ولا تملّهم، وإذا كان في الصيف فأسفر بالفجر، فإن الليل قصير والناس ينامون، فأمهلهم حتى يدركوا)، رواه أبو الحسين بن مسعود الفراء في (سننه) (١).\nواعلم أن كلا الروايتين فيما إذا كان الأرفق على المأمومين في الإسفار مع حضورهم أو حضور بعضهم، أما لو تأخر الجيران جميعهم فالأولى التأخير بلا خلاف على مقتضى ما ذكره القاضي وقال: نص عليه في رواية الجماعة، انتهى الكلام في مذهب الإمام أحمد بن حنبل، واللَّه أعلم.\nالفصل الثالث\n٦١٥ - [٢٩] (رافع بن خديج) قوله: (ثم تنحر الجزور) الجزور: البعير ذكرًا كان أو أنثى، إلا أن اللفظ مؤنث وإن أريد به الذكر، كذا في (صحاح) الجوهري (٢).\nوفي (القاموس) (٣): الجزور: البعير، أو خاص بالناقة المجزورة، وما يذبح من الشاء، واحدتها جَزْرة، ويعلم منه أن الجزور جاء بمعنى الشاة أيضًا، والظاهر أن المراد في الحديث هو البعير يتم به المبالغة في تعجيل العصر، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"شرح السنة\" (١/ ٩٥).\n(٢) \"الصحاح\" (٢/ ٦١٢).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٤١).","vol":"2","page":373},{"text":"فَتُقْسَمُ عَشْرَ قِسَمٍ، ثُمَّ تُطْبَخُ، فَنَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ مَغِيبِ الشَّمْسِ\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٩، م: ٦٣٧].\nــ\nوقوله: (فتقسم) بالتاء والياء لكون التأنيث غير حقيقي، وكذا (ثم تطبخ) كذا قيل، و(قسم) بكسر القاف وفتح السين جمع قِسْم بالسكون، وفي إيراد (ثم) في الموضعين مبالغة في بيان الامتداد، وهذا الحديث إن سلم دلالته على أداء صلاة العصر يومئذ عند بلوغ الظل المثل فلعله كان يصلي في بعض الأحيان كذلك تعليمًا وتقريرًا، ودلالةُ (كان) على الدوام والاستمرار منظور فيه، واللَّه أعلم.\nوروى الشيخ ابن الهمام أحاديث في تأخير العصر وقال (١): وعندي أنه لا تعارض بينها وبين ما روي في تعجيله من رافع بن خديج من نحر الجزور وتقسيمه عشر قسم، الحديثَ، فإنه إذا صلى العصر قبل تغير الشمس أمكن في الباقي إلى الغروب مثل هذا العمل، ومن يشاهد المَهَرة من الطباخين في الإسفار مع الرؤساء لم يستبعد ذلك، انتهى.\nوحكي عن أحمد بن حنبل ﵀ أن الأفضل مع الصحو التأخير إلى الوقت المختار، وعندنا تأخير العصر مستحب إذا لم تتغير الشمس، والدليل عليه حديث ابن مسعود -﵁- قال: (كان النبي -ﷺ- يصلي العصر والشمس بيضاء نقية)، وهذا منه بيان تأخير العصر إلى عدم تغير الشمس، وقيل: سميت العصر لأنها تعصر، أي تؤخَّر، أو لأن الوقت يُعصر، وفي (القاموس) (٢): العصر العشي إلى احمرار الشمس، وقالوا: ولأن في تأخير العصر تكثير النوافل لكراهتها بعد العصر، ولهذا كان التعجيل في المغرب أفضل، لأن أداء النافلة قبلها مكروه، وتكثير النوافل أفضل من المبادرة إلى الأداء لأول الوقت، كذا قال السغناقي عن المبسوطين، ثم المعتبر هو تغير القرص، وهو أن يصير\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (١/ ٢٢٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤١٠ - ٤١١).","vol":"2","page":374},{"text":"٦١٦ - [٣٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاةَ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ، فَخَرَجَ إِلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ بَعْدَهُ، فَلَا نَدْرِي أَشَيْءٌ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ حِينَ خَرَجَ: \"إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرونِ صَلَاةً مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ،\nــ\nبحال لا تحار فيه الأعين، هو الصحيح، وقيل: إذا قامت الشمس للغروب قدر رمح أو رمحين لم تتغير، وإذا صارت أقل فقد تغيرت.\nوقيل: لو وضع طست ماء وينظر فيه، فإن كان القرص يبدو للناظر فقد تغيرت، والمختار عند صاحب (الهداية) الأول وصححه، وعند سفيان وإبراهيم النخعي المعتبر تغير الضوء الذي يقع على الجدران، والقول باعتبار تغير القرص قول الشعبي، قال شمس الأئمة: لأن تغير الضوء يحصل بعد الزوال وبه كان يقول مشايخ بلخ والشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل، وفيه أن تغير الضوء بعد الزوال غير مدرك، والذي عند قرب الغروب شيء آخر واضح، وقد مر في (باب الاستحاضة) [برقم: ٥٦٢]، واللَّه أعلم.\n٦١٦ - [٣٠] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (صلاة العشاء) ظرف لـ (ننتظر) أي: في هذا الوقت، أو منصوب بنزع الخافض، أي: لصلاة العشاء.\nوقوله: (الآخرة) قيد بها لأنه قد يسمى المغرب أيضًا عشاء ولو تغليبًا، وقد كانوا يسمون المغرب عشاء وإن نهوا عن ذلك بعد ذلك بقوله -ﷺ-: (لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب) كما جاء في (صحيح البخاري) (١)، فافهم.\nوقوله: (ما ينتظرها أهل دين غيركم) لأنه لم يكن العشاء فرضًا على غير هذه\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٥٦٣).","vol":"2","page":375},{"text":"وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ\" ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ، فَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَصَلَّى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٣٩].\n٦١٧ - [٣١] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ نَحْوًا مِنْ صَلَاتِكُمْ، وَكَانَ يُؤَخِّرُ الْعَتَمَةَ بَعْدَ صَلَاتِكُمْ شَيْئًا، وَكَانَ يُخفِّفُ الصَّلَاةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٤٣].\nــ\nالأمة من أهل الملة كما سبق (١).\nوقوله: (لصليت بهم هذه الساعة) أي: لدُمت عليها في هذه الساعة، وهذه العبارة تدل عند الإنصاف على فضلها في هذه الساعة، وقد عرف في الفصل الأول (٢) في حديث أبي هريرة، ولكنه كان يصلي في بعض الأحيان لأول الوقت إذا حضروا كلهم أو أكثرهم كما جاء في حديث آخر وهو مذهب أحمد ﵀، ولم يثبت الالتزام منه على الدوام على الصلاة لأول الوقت، وفي كلا الصورتين شفقة ورحمة منه ﷺ، وجزاه عن الأمة خيرًا.\n٦١٧ - [٣١] (جابر بن سمرة) قوله: (نحوًا من صلاتكم) أي: في الأوقات.\nوقوله: (وكان يؤخر العتمة) وهذا الحديث ونحوه حجة على الشافعي ﵀ في التزامه أول الوقت في كل الصلوات، وهم يقولون: إن كل ما جاء من هذا القبيل فهو مبني على عذر، ولكنه لا يخفى أن الحديث السابق يدل على فضله.\nوقوله: (وكان يخفف الصلاة) أي: إذا كان إمامًا، وهذا باعتبار الأغلب إذ يأتي أنه قرأ الأعراف في صلاة المغرب، ويجيء تحقيقه في (باب ما على الإمام)، قال الترمذي: وتأخير العشاء الآخرة هو الذي اختاره أكثر أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ-\n_________\n(١) عند شرح الحديث (٥٨٣).\n(٢) كذا في الأصول، وهو سبق قلم، والصواب: \"في الفصل الثاني\".","vol":"2","page":376},{"text":"٦١٨ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاةَ الْعَتَمَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى مَضَى نَحْوٌ مِنْ شَطْرِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: \"خُذُوا مَقَاعِدَكُمْ\" فَأَخَذْنَا مَقَاعِدَنَا، فَقَالَ: \"إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلُّوا وَأَخَذُوا مَضَاجِعَهُمْ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ، وَلَوْلَا ضَعْفُ الضَّعِيفِ وَسَقَمُ السَّقِيمِ لأَخَّرْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ\". . . . .\nــ\nوالتابعين، وبه يقول أحمد وإسحاق رحمهما اللَّه.\n٦١٨ - [٣٢] (أبو سعيد) قوله: (فلم يخرج) من عطف التفصيل على الإجمال، أو المراد: صلينا ليالي فلم يخرج في ليلة، فافهم.\nوقوله: (نحو من شطر الليل) في (القاموس) (١): الشطر نصف الشيء وجزؤه، ومنه حديث الإسراء: فوضع شطرها، أي: بعضها، والمراد في الحديث معنى النصف كما لا يخفى.\nوقوله: (خذوا مقاعدكم) أي: اصطفوا للصلاة كما في قوله سبحانه: ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: ١٢١].\nوقوله: (إن الناس) أي: بقية أهل الأرض كما في خبر آخر: ما ينتظرها أهل دين غيركم؛ لكونها غير واجبة على غير هذه الأمة، فالمراد بالصلاة المغرب، كذا في شرح الشيخ، وقد يقال: المراد ممن عداهم من هذه البلدة من أهل المحلات الذين لم يكونوا حاضرين في المسجد النبوي -ﷺ-، وهذا المعنى أنسب بالمقام وبقوله: (ما انتظرتم الصلاة)، ولكن قد صرحوا أن المراد هو الأول، واللَّه أعلم.\nوقوله: (في صلاة) بالتنوين، كأنه للتنويع فإن انتظار الصلاة نوع من الصلاة غير\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٨٧).","vol":"2","page":377},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٢٢، ن: ٥٣٨].\n٦١٩ - [٣٣] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَشَدَّ تَعْجِيلًا لِلظُّهْرِ مِنْكُمْ، وَأَنْتُمْ أَشَدُّ تَعْجيلًا لِلْعَصْرِ مِنْهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ١/ ٢٩٣ - ٢٩٤، ت: ١٦١].\n٦٢٠ - [٣٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا كَانَ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْبَرْدُ عَجَّلَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٤٩٩].\n٦٢١ - [٣٥] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّهَا سَتَكُونُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي أُمَرَاءُ يَشْغَلُهُمْ أَشْيَاءُ عَنِ الصَّلَاةِ لِوَقْتِهَا حَتَّى يَذْهَبَ وَقْتُهَا فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا\". فَقَالَ رَجُل: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُصَلِّي مَعَهُمْ؟ قَالَ: \"نَعَمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٣].\n٦٢٢ - [٣٦] وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nمتعارف، والسقم بفتحتين أو بضم وسكون كحَزَنٍ وحُزْنٍ.\n٦١٩ - [٣٣] (أم سلمة) قوله: (أشد تعجيلًا للظهر) يعني: في غير شدة الحر، والمقصود التحريض على الاتباع من كل وجه.\n٦٢٠ - [٣٤] (أنس) قوله: (إذا كان الحر أبرد بالصلاة) يعني: صلاة الظهر، وقد مرّ الكلام فيه.\n٦٢١ - [٣٥] (عبادة بن الصامت) قوله: (يشغلهم أشياء) أي: من شهواتهم وغفلاتهم.\n٦٢٢ - [٣٦] (قبيصة بن وقاص) قوله: (قبيصة) بفتح القاف وكسر الباء كذا","vol":"2","page":378},{"text":"\"يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ مِنْ بَعْدِي يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ فَهِيَ لَكُمْ وَهِيَ عَلَيْهِمْ، فَصَلُّوا مَعَهُمْ مَا صَلَّوُا الْقِبْلَةَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٤].\n٦٢٣ - [٣٧] وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ وَهُوَ مَحْصُورٌ، فَقَالَ: إِنَّكَ إِمَامُ عَامَّةٍ، وَنَزَلَ بِكَ مَا تَرَى، وَيُصَلِّي لَنَا إِمَامُ فِتْنَةٍ، وَنَتَحَرَّجُ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ، فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ، وَإِذَا أَسَاؤُوا فَاجْتَنِبْ إِسَاءَتَهُمْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٦٣].\n* * *\nــ\nفي (التقريب) (١).\nوقوله: (فهي لكم) أي: ثوابها في أول وقتها لكم إن صليتموها أولًا، ثم معهم، وكذا إن أخرتموها إلى الصلاة معهم؛ لأنكم لم تؤخروها إلا لخوف الفتنة.\n٦٢٣ - [٣٧] (عبيد اللَّه بن عدي بن الخيار) قوله: (إنك إمام عامة) يريد الإمامة الكبرى وهي الخلافة، والمراد في قوله بـ (إمام فتنة): رئيس أهل الفتنة والبغي وهو كنانة بن بشر.\nوقوله: (ونتحرج) الحرج لغة: الضيق على الإثم والحرام، وقيل: الحرج أضيق الضيق، والتحرج التأثم، أي: نتحرج من الإثم ونجتنبه، تحرج فلان: إذا فعل فعلًا يخرج به من الإثم والضيق، ومنه حديث: (يتحرج أن يطوف) كانوا لا يسعون بين الصفا والمروة خروجًا من الحرج والإثم، ومنه: (فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا) أي: تجنبًا من الإثم وخروجًا، فالمراد: لا نصلي مع إمام الفتنة خروجًا من الإثم والحرام، وفي\n_________\n(١) \"التقريب\" (ص: ٤٥٣).","vol":"2","page":379},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-293>٣ - باب فضائل الصلاة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-294> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٦٢٤ - [١] عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا\". يَعْنِي الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٣٤].\nــ\nالحديث دليل على جواز الصلاة خلف الفئة الباغية كما ورد: (صلُّوا خلف كلِّ بر وفاجر).\n٣ - باب\nهكذا في أكثر النسخ من غير ذكر عنوان، وهو في توابع ومتممات لما سبق من فضائل الصلاة وأوقاتها، ومن عادة المؤلف أن يذكر في مواضع هكذا بابًا مطلقًا في توابع ومتممات لما سبق من غير أن يقيده بشيء.\nالفصل الأول\n٦٢٤ - [١] (عمارة) قوله: (عن عمارة) بضم العين المهملة مخففًا، (ابن رويبة) براء مهملة وموحدة مصغرًا.\nوقوله: (لن يلج) الولوج: الدخول، والمراد: الدخول للتعذيب كما يكون للعصاة، وأما الورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فليس كذلك، ولهذا يعم الكل من الأنبياء والمرسلين سوى سيد المرسلين صلى اللَّه عليه وعليهم أجمعين ففيه اختلاف.\nوقوله: (يعني الفجر والعصر) وذلك لغاية فضلهما، وظاهر الحديث يدل على أن مصليها لا يدخل النار لا لأجل ترك الصلوات الأخر ولا لأجل ارتكاب الذنوب","vol":"2","page":380},{"text":"٦٢٥ - [٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ صَلَّى الْبَرْدينِ دَخَلَ الْجَنَّةَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٥٤، م: ٦٣٥].\nــ\nالأخر، لصيرورتهما مكفَّرتين لها، وفضل اللَّه أوسع، لكنه ينافي ما عليه الجمهور من اختصاص الكفارة بالصغائر.\nوقال الطيبي (١): الظاهر من حال من يحافظ عليهما مع ما فيهما من التثاقل والتشاغل أن لا يقع منه تفريط في غيرهما فيغفر له، ولن يلج النار، وفيه أنه إن أريد غيرهما من الصلوات فمسلَّم لكنه يبقى الذنوب الأُخر، وإن أريد أنه لا يقع منه تفريط أصلًا فمحلُّ تردد.\nوبالجملة الظاهر أن المراد المبالغة في بيان فضلهما، وأن من شأن من يحافظ عليهما أن لا يدخل النار إلا أن اللَّه سبحانه يجزي كل أحد على كل عمل بما هو جزاؤه، ومع ذلك إن شاء لم يعذّب ويعفو بفضله ورضاه عن فاعلهما، واللَّه أعلم.\n٦٢٥ - [٢] (أبو موسى) قوله: (من صلى البردين) في (القاموس) (٢): الأبردان: الغداة والعشي كالبردين، والأكثرون على أن المراد بهما الفجر والعصر لكونهما في طرفي النهار، والبرد هواؤهما بخلاف ما بينهما من النهار، وكفى بالحديث السابق تأييدًا لذلك، ونقل عن جماعة أنهما الصبح والعشاء، وتأويله ما ذكرناه، على أن الأمر في هذا الحديث أسهل من ذلك؛ لأن البشارة ههنا بدخول الجنة وهو ثابت للمؤمنين ولو بعد دخول النار، خصوصًا لمن يصلي أفضل الصلوات، وهناك بعدم دخول النار قطعًا، وللتأويل مجال واسع.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١٨٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٥٦).","vol":"2","page":381},{"text":"٦٢٦ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ -وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ-: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فيَقُولُونَ: . . . . .\nــ\nقال التُّورِبِشْتِي (١): ومن المفهوم الواضح أن النبي -ﷺ- لم يخصص هاتين الصلاتين بالمحافظة تسهيلًا للأمر في إضاعة غيرهما من الصلوات، أو ترخيصًا لتأخيرهما عن أوقاتهما، وإنما أمر بأدائهما في الوقت المختار والمحافظة عليهما في جماعة لما فيهما من الفضل والزيادة، فنبّه المكلفين على هذه المعاني بزيادة تأكيد، وقد علم -ﷺ- أنه إذا حافظ عليهما مع ما في وقتيهما من الشواغل والقواطع لم يكن ليضيع غيرهما من الصلوات مع أن الأمر في إقامتها أيسر، انتهى. وهذا الكلام يومئ إلى أن المراد عدم المعاقبة لأجل ترك الصلوات لا جميع الذنوب كما ذكرنا أولًا، والعلم عند اللَّه.\n٦٢٦ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (يتعاقبون) أي: يجيء طائفة عقب طائفة لرفع أعمال العباد، ويجتمعون في الصعود والنزول، وهو من باب ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] وفيه وجوه، أحدها: أن الواو حرفٌ علامةً على جمع الفاعل، لا ضمير كالتاء في فعلت، وثانيها: أن الاسم المظهر المذكور بدل منه، وثالثها: أنه خبر مقدم.\nوقوله: (ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر) وهذا هو أحد وجوه فضل هاتين الصلاتين.\nوقوله: (فيسألهم) أي: الذين باتوا فيكم، ظاهره يدل على أن المسؤول منهم ملائكة الليل، ويوجه تخصيصهم بأن الليل أفضل من النهار، فيكون ملائكته أفضل،\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٨٧ - ١٨٨).","vol":"2","page":382},{"text":"تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٥، م: ٦٣٢].\n٦٢٧ - [٤] وَعَنْ جُنْدُبٍ الْقَسْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ صَلَّى صَلَاةَ الصُّبْحِ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللَّهُ. . . . .\nــ\nكذا في شرح الشيخ، ويمكن أن يقال: الحكمة في سؤال الرب تعالى الملائكة عن أعمال عباده إظهار الفضل والكرامة لهم بتسبيحهم وتقديسهم، هو في الليل أفضل وأشق وأدخل في الإخلاص، فلهذا يسأل حملة أعمال الليل (١).\nوإنما قال الشيخ (٢): ظاهره يدل؛ لأنه يجوز أن يسأل ملائكة النهار أيضًا لكنه لم يذكر في الحديث اكتفاءً، وللعلم به بالمقايسة.\nوقوله: (تركناهم وهم يصلون) أي: صلاة الفجر، (وأتيناهم وهم يصلون) أي: العصر، وقد يفهم منه كون وقت العصر في آخر النهار، إذ الظاهر أن ملائكة النهار يصعدون وملائكة الليل ينزلون في آخر النهار، وقد وقع: (أتيناهم يصلون) إلا أن يراد الإخبار بالصلاة في وقت العصر كله، ثم يجوز أن يكون بعض الناس مصلين مع كراهته، أو يكفي مقارنة الحال لعاملها في جزء، فافهم.\n٦٢٧ - [٤] (جندب القسري) قوله: (وعن جندب) بضم الدال وفتحها، (القسري) بفتح القاف وسكون المهملة آخره راء.\nوقوله: (فهو في ذمة اللَّه) أي: في عهده وأمانه.\nوقوله: (فلا يطلبنكم اللَّه) من وضع المسبَّب موضع السبب، أي: لا تتعرضوا\n_________\n(١) قال القاري: وَقِيلَ: سُؤَالُهُ تَعَالَى مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لأَنَّهُ يَتَبَاهَى بِعِبَادِهِ الْعَامِلِينَ، أَوْ لِلتَّوْبِيخِ عَلَى الْقَائِلِينَ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٥٤١).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٣٥).","vol":"2","page":383},{"text":"مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنَّهُ مَنْ يَطْلُبْهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ يُدْرِكْهُ، ثُمَّ يَكُبُّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي بَعْضِ نُسَخِ \"الْمَصَابِيحِ\" الْقُشَيْرِي بَدَلُ الْقَسرِي. [م: ٦٥٧].\n٦٢٨ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا،\nــ\nلما يوجب مطالبة اللَّه إياكم من نقض عهده وخيانة أمانته.\nوقوله: (من ذمته) أي: من خيانتكم في ذمته وأمانته تعالى، و(من) تبعيضية أو بيانية قدمت على المبيَّن، وفي تكرير الجلالة والذمة مع إقامة المسبَّب مُقام السبب مبالغة وتأكيد.\nوقوله: (بشيء) أي: بشيء قليل فضلًا عن كثير، والمعنى: لا تتعرضوا لمن صلى صلاة الصبح بشيء يسير، فإن تعرضتم يدرككم اللَّه ويكبكم على وجوهكم إذ لا مهرب ولا مفر عنه تعالى.\n٦٢٨ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (لو يعلم الناس) عدل عن الماضي إلى المضارع لقصد الاستمرار، أي: لو علم الناس ما في منصب الأذان والاستباق إلى الصف الأول من الفضيلة، وجاء في رواية أبي الشيخ: (من الخير والبركة)، (ثم لم يجدوا) أي: شيئًا من وجوه الأولوية والرجحان (إلا أن يستهموا عليه) أي: يقترعوا، وسمي الاقتراع استهامًا؛ لأن الغالب وقوعه بسهام تكتب عليها الأسماء لاقترعوا، أي: ذلك أمر عظيم يُتنافس فيه ويُتنازع ويُقترع عليه، وحمل بعضهم الاستهام على الترامي بالسهام للمبالغة، واستأنس بحديث لفظه: (لتجادلوا عليه بالسيوف)، لكنَّ فهمَ البخاري من الاستهام الاقتراع أولى؛ لمَا ذكر أن قوما اختلفوا في الأذان فأقرع بينهم سعد بن أبي وقاص -﵁-.","vol":"2","page":384},{"text":"وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٥، م: ٤٣٧].\nــ\nوقوله: (ثم لم يجدوا) قال في (الفتح) (١): وفي رواية المستملي والحَمُّوي: (ثم لا يجدون)، وحكى الكرماني أن في بعض الروايات: (ثم لا يجدوا)، ووجَّه بجواز حذف النون تخفيفًا، ولم أقف على هذه الرواية، وقوله: (إلا أن يستهموا عليه) أي: على ما ذكر ليشمل الأمرين: الأذان، وصف الأول، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]، وقد رواه عبد الرزاق عن الإمام مالك ﵀ بلفظ: (لاستهموا عليهما)، وهذا مفصح عن المراد من غير تكلف.\nوقوله: (ولو يعلمون ما في التهجير) أي: صلاة الظهر، أي: إيقاعها وقت المهاجرة، وفي (مجمع البحار) (٢): أي: التبكير إلى الصلاة أيَّ صلاة كانت، وخصه الخليل بالجمعة، وفي (النهاية) (٣): التهجير: التبكير إلى كل شيء والمبادرة إليه، وهذا لغة أهل الحجاز، ولا بد يكون ذلك في غير شدة الحر فإن الإبراد فيه مستحب كما عرفت.\nوقوله: (لأتوهما ولم حبوًا) في (القاموس) (٤): حبا الرجل: مشى على يديه وبطنه، والصبي: مشى على استه، وأشرف على صدره.\nوفي (مشارق الأنوار) (٥): حبا الصبي يحبو حبوًا: زحف، قال ابن دريد: إذا\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٩٦).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ١٤٨).\n(٣) \"النهاية\" (٥/ ٢٤٦).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٧).\n(٥) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٧٥).","vol":"2","page":385},{"text":"٦٢٩ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"لَيْسَ صَلَاةٌ أَثْقَلَ عَلَى الْمُنَافِق مِنَ الْفَجْرِ وَالْعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٧، م: ٦٥١].\n٦٣٠ - [٧] وَعَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٥٦].\n٦٣١ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"لَا يَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتكُمُ الْمَغْرِبِ\". قَالَ: \"وَتَقُولُ الأَعْرَابُ: . . . . .\nــ\nمشى على استه وأشرف على صدره، وقال الحربي: مشى على يديه.\n٦٢٩ - [٦] (عنه) قوله: (ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء) لكونه وقت الكسل وقلة مُراءاة الناس.\n٦٣٠ - [٧] (عثمان -﵁-) قوله: (فكأنما صلى الليل كله) يحتمل معنيين، أحدهما: أنه لما حصل لصلاة العشاء ثواب قيام نصف الليل، ثم القيام لصلاة الصبح، وثانيهما: أن صلاة الصبح في حكم قيام كل الليل مستقلَّا، وحقيقته موكول إلى علم الشارع، والتعبير بالقيام أولًا وبالصلاة ثانيًا تفنن.\n٦٣١، ٦٣٢ - [٨، ٩] (ابن عمر) قوله: (لا يغلبنكم) بلفظ التذكير والتأنيث، وكذا أخواته، ولعل التعبير بالأعراب وإن كان العرب أيضًا يسمونه بذلك تهجينٌ لشأنهم في الجهل والتكلم بما يخالف لسان الدين، واللَّه أعلم.\nوقوله: (المغرب) بدل من (صلاتكم).\nوقوله: (قال) فاعلُه ابن عمر أو النبي -ﷺ-، والثاني أرجح.","vol":"2","page":386},{"text":"هِيَ الْعِشَاءُ\".\n٦٣٢ - [٩] وَقَالَ: \"لَا يَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّهَا فِي كِتَابِ اللَّه الْعِشَاءُ فَإِنَّهَا تُعْتَمُ بِحِلَابِ الإْبِلِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٤٤].\n٦٣٣ - [١٠] وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ: \"حَبَسُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى: صَلَاةِ الْعَصْرِ،\nــ\nوقوله: (فإنها في كتاب اللَّه العشاء) علة للنهي، أي: اسمها في القرآن ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨]، ولا يليق العدول عما في كتاب اللَّه، (فإنها تعتم) تعليل لتسمية الأعراب العشاء عتمة، و(تُعْتَمُ) ضبط بلفظ المجهول والمعلوم من الإعتام، فعلى الأول الضمير لصلاة العشاء، وعلى الثاني للأعراب، والإعتام: الدخول في الظلام؛ لأنهم كانوا يحلبون الإبل بعد غيبوبة الشفق، والعتمة الظلمة، والمعنى: لا تسموا المغرب عشاء والعشاء عتمة على لسان أهل الجاهلية، فالنهي في الظاهر للأعراب، وفي الحقيقة للمسلمين بوضع المسبَّب موضع السبب كما سبق في قوله: (لا يطلبنكم اللَّه من ذمته).\nوما وقع في الأحاديث من تسمية العشاء عتمة محمول على ما قبل النهي، وقيل: لا كراهة لكثرة وقوعها فيها، وقيل: استعمل لبيان الجواز، أو يكون النهي عن إطلاقه في أغلب الأحوال لا أحيانًا، ومع ذلك الكراهة للتنزيه لا للتحريم، وسبب الكراهة التشبه بأهل الجاهلية كما يفهم من سوق الحديث، وقيل: قبح لفظه إذ العتمة شدة الظلال، والصلاة هي النور الأعظم.\n٦٣٣ - [١٠] (علي -﵁-) قوله: (يوم الخندق) وهو غزوة الأحزاب فات فيها أربع صلوات منها العصر، وتخصيصها بالتحسر لفضلها، و(صلاة الوسطى) مما يرى من إضافة الموصوف إلى الصفة، وهو متأوَّل، أي: صلاة الساعة الوسطى كما في","vol":"2","page":387},{"text":"مَلأَ اللَّه بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٣٣، ٤١١١، ٦٣٩٦، م: ٦٢٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-295> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٦٣٤ - [١١] عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"صَلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٨١].\n٦٣٥ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قَالَ: \"تَشْهَدُهُ مَلَائِكَةُ. . . . .\nــ\n(صلاة الأولى)، و(جانب الغربي) أي: المكان الغربي، وقد يجيء بالتوصيف أيضًا كما في: الفصل الثالث، ثم قد وقع الاختلاف في المراد بالصلاة الوسطى في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، والأكثر على أنها صلاة العصر، وهو قول أبي حنيفة وأحمد، وذهب مالك والشافعي ﵏ أنها صلاة الصبح، وقال النووي: والذي يقتضيه الأحاديث الصحيحة أنها صلاة العصر، وهو المختار.\nوقوله: (ملأ اللَّه بيوتهم وقبورهم نارًا) دعاء بعذاب الدارين، فهو من باب المجاز دون الجمع بين الحقيقة والمجاز.\nالفصل الثاني\n٦٣٤ - [١١] (ابن مسعود وسمرة بن جندب) قوله: (رواه الترمذي) وقال: هذا حديث صحيح، وهو قول أكثر العلماء من أصحاب النبي -ﷺ- وغيرهم.\n٦٣٥ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (إن قرآن الفجر) أي: صلاة الصبح، سميت قرآنًا لكونه ركنًا كما سميت ركوعًا وسجودًا، وقد يفسر بالقراءة في صلاة الفجر، ورجح الإمام الرازي هذا التفسير، ويلزم منه فضل صلاة الفجر ووقتِها أيضًا، (تشهده ملائكة","vol":"2","page":388},{"text":"اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣١٣٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-296> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٦٣٦ - [١٣] عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَعَائِشَة قَالَا: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الظُّهْرِ. رَوَاهُ مَالِكٌ عَن زَيْدٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْهُمَا تَعْلِيقًا. [ط: ٣١٥، ت: ١٨٢].\nــ\nالليل وملائكة النهار) قال البيضاوي (١) في تفسير قوله: ﴿مَشْهُودًا﴾: أو شواهد القدرة من تبدل الظلمة بالضياء، والنومِ الذي هو أخو الموت بالانتباه، أو كثير من المصلين، أو من حقه أن يشهده الجم الغفير.\nالفصل الثالث\n٦٣٦ - [١٣] (زيد بن ثابت وعائشة) قوله: (قالا: الصلاة الوسطى صلاة الظهر) أما إن أخذ الوسطى من التوسط بمعنى الوقوع في البين فلأنها في وسط النهار، وإن كان بمعنى الفضلى فلأنها كانت أشق الصلوات عليهم لكونها بالهاجرة، وقد ورد أن أفضل العبادات أحمزها، أي: أشدها وأشقها، والحمازة: الشدة، ولأنها أول صلاة ظهرت وصليت مع أن فرض الصلوات كان ليلًا، فأخر تعليمُ جبريل النبيَّ -ﷺ- كيفية الصلاة ووقتها إليها.\nوقوله: (والترمذي عنهما تعليقًا) أي: روى الترمذي هذا القول عن زيد وعائشة -﵂- بطريق التعليق، والتعليق أن يحذف من أول الإسناد كلًّا أو بعضًا سواء كان الحذف مرفوعًا أو موقوفًا أو مقطوعًا، وقد سبق في المقدمة بيانها، فالترمذي قال: وقال زيد بن ثابت وعائشة -﵄-: صلاة الوسطى صلاة الظهر، قال الطيبي (٢): وإليه ذهب أبو سعيد الخدري وأسامة بن زيد -﵄-.\n_________\n(١) \"البيضاوي\" (١/ ٥٧٩).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١٩١).","vol":"2","page":389},{"text":"٦٣٧ - [١٤] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ، وَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّي صَلَاةً أَشَدَّ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه -ﷺ- مِنْهَا، فَنَزَلَتْ ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ وَقَالَ: إِنَّ قَبْلَهَا صَلَاتَيْنِ وَبَعْدَهَا صَلَاتَيْنِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٥/ ١٨٣، د: ٤١١].\n٦٣٨ - [١٥] وَعَنْ مَالِكٍ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدَ اللَّه بْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَقُولَانِ: الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْح. رَوَاهُ فِي \"الْمُوَطَّأِ\". [ط: ٣١٦].\n٦٣٩ - [١٦] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَن ابْن عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ تَعْلِيقًا. [ت: ١٨٢].\nــ\n٦٣٧ - [١٤] (زيد بن ثابت) قوله: (فنزلت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾) أي: الفضلى، فعُطِفَ عَطْفَ الخاص على العام إشارةً إلى مزيد فضله، (وقال) أي: زيد أو الراوي عنه في إثبات التوسط: (إن قبلها صلاتين وبعدها صلاتين) إحداهما نهارية والأخرى ليلية، أما قبلها فالفجر والعشاء، وأما بعدها فالعصر والمغرب، وإنما قلنا هذا لتحصل للظهر خصوصية، وإلا فكل صلاة قبلها صلاتان وبعدها صلاتان، ويمكن أن يكون المراد أن التوسط ثابت لكل صلاة، ويختص الظهر بمزيد فضل، فتكون هي المرادةَ من قوله تعالى: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ المقتضي لثبوت خصوصيةٍ وفضل لما أريد بها، وهذا دليل من زيد بن ثابت على إثبات مدعاه، فظهر أنه قال ذلك باجتهاده، واللَّه أعلم.\n٦٣٨ - [١٥] (مالك) قوله: (كانا يقولان: الصلاة الوسطى صلاة الصبح) وجْهه: أنها بين صلاتي النهار والليل، والواقع بين الحد المشترك بينهما، ولأنها مشهودة.\n٦٣٩ - [١٦] قوله: (ورواه الترمذي عن ابن عباس وابن عمر تعليقًا) ليس في","vol":"2","page":390},{"text":"٦٤٠ - [١٧] وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ غَدَا إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ غَدَا بِرَايَةِ الإِيمَانِ، وَمَنْ غَدَا إِلَى السُّوقِ غَدَا بِرَايَةِ إِبْلِيسَ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٢٥٣].\n* * *\nــ\n(جامع الترمذي) ذكر ابن عمر صريحًا، ولفظه: وقال ابن عباس وغيره: صلاة الوسطى صلاة الصبح.\nهذا وقيل: إنها المغرب لأنها المتوسطة بالعدد ووتر النهار، وقيل: العشاء لأنها بين جهريتين واقعتين طرفي الليل، مع ما في أدائها من مزيد مشقة ومزيد فضلٍ لكونها من خصائص هذه الأمة، وكأنه من ههنا ذهب بعضهم أنه واحد مبهم من الخمس، أبهمها اللَّه تحريضًا على محافظة جميعها كما في ليلة القدر وساعة الجمعة، ومما ألقي في رُوع الكاتب من غير فكر وتوجه: أن المراد الصلاة الواقعة في وسط العمل والشواغل، فإنها أحق وأجدر بالاهتمام والمحافظة، واللَّه أعلم.\nوالأحاديث الصحيحة المرفوعة إلى رسول اللَّه -ﷺ- قد قطعت النزاع إذ لا حجة بعدها، ويحتمل أن تكون هذه الأقوال من الصحابة والتابعين باجتهاد منهم قبل سماعهم من الرسول -ﷺ- وقبل وصول الحديث إليهم، ثم لما سمعوا الحديث ووصل إليهم أنها صلاة العصر رجعوا عن أقاويلهم، ولنعم ما قال الماوردي من الشافعية: نص الشافعي ﵀ أنها الصبح، وصحت الأحاديث أنها العصر، وكان هذا هو مذهبَه لقوله: إذا صح الحديث فهو مذهبي، واضربوا بمذهبي على عرض الحائط، ﵀.\n٦٤٠ - [١٧] (سلمان) قوله: (ومن غدا إلى السوق) أي: من غير أن يغدوا إلى الصبح، وإلا لو غدا بعد أداء الصلاة وإقامة الأوراد لكسب الرزق الحلال وحاجةٍ له إليه فلا بأس.","vol":"2","page":391},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-297>٤ - باب الأذان</span>\nــ\n٤ - باب الأذان\nالأذان في اللغة: الإعلام، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] أي: الإعلام، وأصله من الأذن بفتحتين، وهو الاستماع، وأَذِنَ به: عَلِمه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] كأنه يلقي في أذن الناس بصوته، إذا سمعوه علموا أنهم ندبوا لذلك.\nوفي الشرع: إعلام بدخول وقت الصلاة بذكرٍ مخصوصٍ في وقتٍ مخصوص، وهو مشروعٌ للصلوات الخمس بالإجماع.\nوالمشهور أن شرعيته في السنة الأولى من الهجرة، وقيل: في السنة الثانية، ثم المشهور أنه ثبت برؤيا عبد اللَّه بن زيد بن ثعلبة بن عبد ربه، ورؤية عمر بن الخطاب -﵃-، وقد وقع في (الأوسط) (١) للطبراني: أن أبا بكر الصديق -﵁- أيضًا رأى الأذان، وفي (الوسيط) (٢) للغزالي: أنه رآه بضعة عشر رجلًا، وصرح بعضهم بأربعة عشر، وأنكره ابن الصلاح والنووي، وفي (سيرة مغلطاي): أنه رآه سبعة من الأنصار.\nوقال الحافظ ابن حجر (٣): لا يثبت شيء من ذلك إلا لعبد اللَّه بن زيد، وقصة عمر -﵁- جاءت في بعض الطرق، والصحيح أنه أوحي إليه -ﷺ- بعد رؤيا عبد اللَّه بن زيد، وهو المراد بقوله -ﷺ- حين ذكر عبد اللَّه بن زيد رؤياه: (إنها لرؤيا حقٍّ إن شاء اللَّه) ترقبًا منه -ﷺ- نزول الوحي بذلك.\n_________\n(١) \"المعجم الأوسط\" (ح: ٢٠٢٠).\n(٢) \"الوسيط\" (٢/ ٦٧٦).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٧٨).","vol":"2","page":392},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقد وقع فيما رواه عبد الرزاق وأبو داود في (المراسيل) (١) من طريق عبيد بن عمير الليثي -أحد كبار التابعين- أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر النبي -ﷺ-، فقال له -ﷺ-: (قد سبقك بذلك الوحي)، وهذا أصح. وقد روى البزار (٢) عن علي -﵁- أنه قال: لما أراد اللَّه أن يعلم رسوله الأذان جاء جبرئيل ﵇ بدابة يقال له: البراق، فركبها حتى أتى بها الحجاب الذي يلي الرحمن، فبينما هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب فقال: يا جبرئيل من هذا؟ فقال: والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكانًا وإن هذا الملكَ ما رأيته منذ خُلِقْتُ قبل ساعتي هذه، فقال الملك: اللَّه أكبر، اللَّه أكبر، فقيل له من وراء الحجاب: صدق عبدي أنا أكبر أنا أكبر، وذكر بقية الأذان.\nووردت فيه أحاديث كلها ضعيفة مخالفة لما ورد في الخبر الصحيح من أن بَدْءَ الأذان كان بالمدينة، وقيل: إنه -ﷺ- أُريَه ليلة الإسراء، أو فهو قد شُرِعَ بمكة قبل الهجرة.\nوقال في (فتح الباري) (٣): والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث، وقد جزم ابن المنذر بأنه -ﷺ- كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة، وإلى أن وقع التشاور، وأيّد ذلك بأنه لو كان مشروعًا قبل ذلك لما احتاج إلى التشاور، وقد يقال: الذي سمع ليلة الإسراء هو كلمات الأذان من غير أن يؤمر بإقامته وقت الصلاة، وعَلِمَ بعد رؤيا القوم أن مراد اللَّه بما أراه في السماء أن يكون سنة في الأرض، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"مصنف عبد الرزاق\" (١/ ٤٥٦، رقم: ١٧٧٥)، \"كتاب المراسيل\" (١/ ١٢٦، رقم: ٢٠).\n(٢) \"مسند بزار\" (٥٠٨).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٧٩).","vol":"2","page":393},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-298> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٦٤١ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ذَكَرُوا النَّارَ وَالنَّاقُوسَ، فَذَكَرُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى،\nــ\nالفصل الأول\n٦٤١ - [١] (أنس) قوله: (ذكروا النار والناقوس) أول القصة ما ذكر في الفصل الثالث عن ابن عمر -﵄-: (أن المسلمين كانوا حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحيَّنون للصلاة) الحديث.\nوقال التُّورِبِشْتِي: هذا الحديث إما أن يكون مبسوطًا فاختُصر، وإما أن يكون أنس قد حدَّث به على ما هو عليه، فلم يضبط الراوي، وحدث به حين علاه السنُّ فلم يتذكر القصة فيه.\nوقوله: (ذكروا النار)، قال بعضهم: نوقد نارًا ونرفعها، فإذا رآها الناس أقبلوا إلى الصلاة، وقوله: (والناقوس)، في (القاموس) (١): الناقوس: الذي يضربه النصارى لأوقات صلاتهم، خشبة كبيرة طويلة، وأخرى قصيرة، واسمها الوبيل، وفي (مجمع البحار) (٢): خشبة طويلة تضرب بخشبة هي أصغر منها، والنصارى يعلمون بها أوقات صلاتهم، وكذا قال السيوطي في (شرح صحيح البخاري) (٣).\nوقال الكرماني (٤): الناقوس: الذي يضربه النصارى لوقت الصلاة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٣٥).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٧٩١، ٧٩٢).\n(٣) \"التوشيح\" (٢/ ٦٤٠).\n(٤) \"شرح الكرماني\" (٥/ ٢).","vol":"2","page":394},{"text":"فَأُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ. . . . .\nــ\nوفي (فتح الباري) (١): ووقع لابن ماجه عن ابن عمر: (أن النبي -ﷺ- استشار الناس لما يجمعهم إلى الصلاة، فذكروا البوق، فكرهه من أجل اليهود، ثم ذكروا الناقوس، فكرهه من أجل النصارى)، ووقع في بعض النسخ: (بل قرنًا)، وهي رواية مسلم والنسائي (٢)، والبوق والقرن معروفان، والمراد أنه ينفخ فيه فيجتمعون عند سماع صوته، وهو من شعار اليهود، ويسمى أيضًا الشبّور بالشين المعجمة المفتوحة والموحدة المضمومة الثقيلة، انتهى. وفي (القاموس) (٣): البوق بالضم: الذي ينفخ فيه ويزمر.\nثم الظاهر من هذا الحديث أن النار لليهود والناقوس للنصارى، وعليه كلام الطيبي (٤).\nوذكر في بعض شروح (الهداية): أنه أشير إلى الناقوس فقيل: هو للنصارى، وأشير إلى النفخ في القرن فقيل: هو لليهود، وأشير إلى إيقاد النار فقيل: هو للمجوس.\nولكن يختلج أن المجوس ليس لهم صلاة، فالمراد أن إيقاد النار من دأبهم سواء كان للإعلام لوقت العبادة أو لا، وهم يعبدون النار.\nوقال التُّورِبِشْتِي: المشهور عن اليهود أنهم كانوا ينفخون في قرن، وقد ذُكر ذلك في حديث الأذان، ولم تُذكر النار إلا من حديث أنس هذا، فلعلهم صنعوا الأمرين، أو كانوا فريقين: فريق يوقد النار وفريق ينفخ في القرن.\nوقوله: (فأمر بلال أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة) هذا مذهب الأئمة الثلاثة\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٨٠)، وانظر: \"سنن ابن ماجه\" (ح: ٧٠٧).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٣٧٧)، \"سنن النسائي\" (٦٢٦).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٠٢).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٢/ ١٩٢).","vol":"2","page":395},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوتمسكهم بهذا الحديث، وقال الترمذي (١): وفي الباب عن ابن عمر -﵄-، وقال: حديث أنس حسن صحيح، وهو قول بعض أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- والتابعين، وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، وأورد حديثًا آخر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد اللَّه بن زيد قال: (كان أذان رسول اللَّه -ﷺ- شفعًا شفعًا في الأذان والإقامة)، وقال بعض أهل العلم: الأذان مثنى مثنى والإقامة مثنى مثنى، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وأهل الكوفة.\nوقال الشيخ ابن الهمام (٢): روى أبو داود عن ابن أبي ليلى عن معاذ -﵁-، وذكر الحديث بطوله إلى أن قال: (فاستقبل القبلة) يعني الملك (قال: اللَّه أكبر) إلى آخر الأذان، قال: (ثم أمهل هُنيةً، ثم قام فقال مثلها إلا أنه زاد بعد ما قال: حي على الفلاح: قد قامت الصلاة)، وقال: إن ابن أبي ليلى لم يدرك معاذًا، وهو مع ذلك حجة عندنا، إذ روى ابن أبي شيبة (٣) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى بسندٍ قال في (الإمام): رجاله رجال الصحيحين، قال: (ثنا أصحاب محمد -ﷺ- أن عبد اللَّه بن زيد الأنصاري جاء إلى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه رأيت في المنام كأن رجلًا قام وعليه بردان أخضران، فقام على حائط، فأذن مثنى مثنى)، الحديث، ولابن ماجه قال -يعني أبا محذورة-: (علمني رسول اللَّه -ﷺ- الأذان تسع عشرة كلمة: اللَّه أكبر اللَّه أكبر)، الحديث، وفيه الترجيع، والإقامة سبع عشرة كلمة: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، إلى آخره، وفيه تثنية التشهدين والحيعلتين، وقد قامت الصلاة، وللترمذي: علَّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (١/ ٣٧٠)، وانظر: رقم الحديث (ح: ١٩٤).\n(٢) \"فتح القدير\" (١/ ٢٤٣).\n(٣) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢١١٨).","vol":"2","page":396},{"text":"قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَذَكَرْتُهُ لِأَيُّوبَ فَقَالَ: إِلَّا الإِقَامَة. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٣، م: ٣٧٨].\nــ\nوأما الاستدلال للشافعي ﵀ بالحديث المتفق عليه فلا يخفى أن ما رويناه نصٌّ على العدد، وعلى حكاية كلمات الأذان، فانقطع الاحتمال بالكلية، بخلاف: أمر أن يوتر الإقامة، فإن بعد كون الآمر هو الشارع، فالإقامة اسم لمجموع الذكر، وتعليق الإيتار بها نفسها لا يراد على ظاهره، وهو أن يقول: الإقامة التي هي مجموع الذكر مرة لا مرتين، فلزم كونه إما إيتار ألفاظها كما ذهب إليه، أو إيتار صوتها بأن يَحْدُرَ فيها كما هو المتوارث، فيجب الحمل على الثاني ليوافق ما رويناه من النص الغير المحتمِل. كيف وقد قال الطحاوي: تواترت الأخبار عن بلال -﵁- أنه كان يُثَنِّي الإقامة حتى مات، وعن إبراهيم النخعي: كانت الإقامة مثل الأذان، حتى كان هؤلاء الملوك فجعلوها واحدة واحدة للسرعة إذا خرجوا، يعني: بني أمية، كما قال أبو الفرج ابن الجوزي: كان الأذان والإقامة مثنى مثنى، فلما قام بنو أمية أفردوا الإقامة، انتهى كلام ابن الهمام.\nوقال الشُّمُنِّي: روى الطحاوي والبيهقي في (الخلافيات) عن أبي العميس قال: سمعت عبد اللَّه بن محمد بن عبد اللَّه بن زيد الأنصاري يحدث عن أبيه عن جده: (أنه رأى الأذان مثنى مثنى والإقامة مثنى مثنى).\nوقوله: (قال إسماعيل) أحد رواة الحديث، شيخ شيخ البخاري ومسلم، وهذا القول أيضًا مذكور في الصحيحين، لكنه ذكره البخاري بلفظ: إسماعيل بن إبراهيم، ومسلم: إسماعيل بن عُلَيَّة، وإبراهيم اسم أبيه وعلية اسم أمه.\nقوله: (إلا الإقامة) أي: إلا لفظ (قد قامت الصلاة) فإنه يثنَّى.\nقوله: (متفق عليه) الاستثناء مذكور في الحديث المتفق عليه، وقد تفرد بهذا","vol":"2","page":397},{"text":"٦٤٢ - وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ قَالَ: أَلْقَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- التَّأْذِينَ هُوَ بِنَفْسِهِ فَقَالَ: \"قُل: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ تَعُودُ فَتَقُولَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ،\nــ\nالبخاري أيضًا، ولم يذكر فيه الاستثناء، فأخذ به مالك ﵀، فعنده يوتر الإقامة، أي: قوله: (قد قامت الصلاة) أيضًا.\n٦٤٢ - [٢] (أبو محذورة) قوله: (وعن أبي محذورة قال: ألقى علي رسول اللَّه -ﷺ- التأذين فقال: قل: اللَّه أكبر اللَّه أكبر، اللَّه أكبر اللَّه أكبر) هكذا وقع في نسخ (المشكاة) و(المصابيح): (اللَّه أكبر) أربع مرات كما هو المعهود في الأذان، قال الشيخ ابن الهمام (١): روى مسلم التكبير في أوله مرتين، وبه يستدل مالك ﵀، ورواه أبو داود والنسائي التكبير في أوله أربعًا وإسناده صحيح، انتهى.\nوقال النووي في شرح هذا الحديث (٢): وقع التكبير في أكثر الروايات مرتين، وبه قال مالك، وهو عمل أهل المدينة، ووقع في بعض طرق الفارسي في (صحيح مسلم) أربع مرات، وبه قال الثلاثة الشافعي وأبو حنيفة وأحمد ﵏ والجمهور؛ لأن زيادة الثقة مقبولة.\nوقوله: (ثم تعود. . . إلخ)، وهذا هو الترجيع، وهو من الرجع، يعني معاودة الكلام، وفي اصطلاح الفقهاء: هو إعادة الشهادتين بعد ذكرهما بخفضِ الصوت أرفع\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (١/ ٢٤١).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٢/ ٣١٧).","vol":"2","page":398},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمن الصوت الأول، وهو سنة عند مالك والشافعي رحمهما اللَّه، واختلفت الرواية عن أحمد، وظاهر مذهبه عدم الترجيع، وقال أئمة مذهبه: الخلاف في الاختيار، ولا خلاف في جواز الأمرين من غير كراهة، وقيل عنه: يكره الترجيع، ونُقل عنه: أنه قال: قد رجع النبي -ﷺ- عن أذان أبي محذورة، فأقرَّ بلالًا على أذان عبد اللَّه بن زيد، ولا ينافيه ما قيل: إن أذان عبد اللَّه بن زيد كان بالمدينة، وأذان أبي محذورة كان بعد فتح مكة.\nوالترجيع ليس بسنة عندنا.\nوقال في (الهداية) (١): ولنا أنه لا ترجيع في المشاهير، وكان ما رواه تعليمًا فظنه ترجيعًا.\nوقال الشيخ ابن الهمام (٢): منها حديث عبد اللَّه بن زيد بجميع طرقه، ومنها ما في (سنن أبي داود) عن ابن عمر -﵄-، ورواه ابن خزيمة وابن حبان، فاحتمل أن يكون ذلك في حديث أبي محذورة؛ لأنه لم يمدّ بها صوته على الوجه الذي أراده النبي -ﷺ-، فقال: (ارجع فَمُدَّ بها صوتك)، وهو المراد بقول المصنف: (وكان ما رواه تعليمًا) أي: تعليمًا لكيفية أذانه، فظنه ترجيعًا، واستشكل بما في (أبي داود) بإسناد صحيح عن أبي محذورة قال: قلت: يا رسول اللَّه! علمني سنة الأذان، قال: (تقول: اللَّه أكبر اللَّه أكبر اللَّه أكبر اللَّه أكبر، أشهد أن لا إله إلا اللَّه أشهد أن لا إله إلا اللَّه، أشهد أن محمدًا رسول اللَّه أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، تخفض بها صوتك، ثم ترفع بها صوتك)، هذا وقد روى الطبراني عن أبي محذورة ولم يذكر فيه ترجيعًا، فيعارض رواية أبي محذورة فيتساقطان، ويبقى\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٤٣).\n(٢) \"فتح القدير\" (١/ ٢٤١ - ٢٤٢).","vol":"2","page":399},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nما قدمناه من حديث ابن عمر، وحديث عبد اللَّه بن زيد سالمًا من المعارض، ويترجح عدم الترجيع؛ لأن حديث عبد اللَّه بن زيد هو الأصل في الأذان، وليس فيه ترجيع، فيبقى معه إلى أن يتحقق خلافه، لكن خلافه متعارضٌ فلا يرفع حكمًا تحقّق ثبوتُه بلا معارض، انتهى.\nوقال التُّورِبِشْتِي: حديث أبي محذورة عند من لا يرى الترجيع مؤول على أن أبا محذورة لم يرفع صوته بتلك الكلمات التي هي علم الإيمان ومنار التوحيد، فأمره أن يرجع فيمد بها صوته، ذكر ذلك أبو بكر الرازي، وهو تأويل حسن مستقيم، تشهد له قصة الحال بالإصابة، وذلك أن أبا محذورة كان في جماعة من مشركي مكة، شردوا في الجبال بعد فتح مكة، فسمعوا منادي رسول اللَّه -ﷺ- ينادي بالصلاة، فطفقوا ينادون ويستهزؤون به، فبلغ الصوت رسول اللَّه -ﷺ- فأرسل في طلبهم، فأتي بهم، فقال: أيكم الذين سمعت صوتهم؟ فأشاروا إلى أبي محذورة فأطلقهم وحبسه.\nثم قال: قم فأذن بالصلاة، فقال أبو محذورة: فقمت ولا شيء أكره إلي من رسول اللَّه -ﷺ- ولا مما يأمرني به، فقمت بين يديه فألقى إلي التأذين هو بنفسه، وذكر الحديث، فكأنه لشدة كراهته تهاون في رفع الصوت، فأمره أن يرجع، فيمد صوته بالشهادتين؛ لأنهما كانتا هما الموجبتين لكراهته.\nوقال: وعلى هذا الذي ذكرت أراه محتملًا لوجه آخر، وهو أن يكون قصد النبي -ﷺ- في الشهادتين عرض الإسلام عليه، وإنما استحسنا التأويل؛ لأن الترجيع لم يذكر في شيء من الأحاديث إلا في حديث أبي محذورة، لا في حديث بلال، وهو زعيم المؤذنين، وإليه المرجع في سنة الأذان فهو المتبوع، ولم يرو عن ابن أم مكتوم ولا عن سعد القَرَظ مؤذن مسجد قباء، ولم يرو عن أحد الترجيع إلا ما رُوي عن أبي","vol":"2","page":400},{"text":"حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٧٩].\nــ\nمحذورة، وما يدل على أن الترجيع من صلب الأذان كقوله: (علمني الأذان تسع عشرة كلمة)، والأشبه أنه حسب ذلك لقصور فهمه ساعتئذ عما خوطب به، ولا نكر (١) في هذا، فقد ابتلي بأعظم من ذلك من هو أقدم منه صحبةً وأوفر علمًا، انتهى.\nوذكر السغناقي من الأسرار: أن النبي -ﷺ- أمر أبا محذورة بذلك لحكمة رويت في قصته، وهي أن أبا محذورة كان يبغض رسول اللَّه -ﷺ- قبل الإسلام أشدَّ البغض، فلما أسلم أمره رسول اللَّه بالأذان، فلما بلغ كلمات الشهادة خفض صوته حياء من قومه، فدعاه رسول اللَّه -ﷺ- وعرك أذنه وقال له: ارجع وامدد بها صوتك.\nوقوله: (حي على الصلاة) حي بفتح الياء اسم لفعل الأمر، يقال: حي على الثريد، وقال في (المشارق) (٢): حي على الصلاة وحي على الفلاح، وإذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر، وحي هلا بكم، وحي على الوضوء، معنى هذا كله: أقبِلْ وهلمَّ على الوضوء والصلاة، وعلى ذكر عمر عند ذكر الصالحين، قال السلمي: حي اعجل، هلا صلة.\nوقال أبو عبيد: معناه عليك بعمر، [أي:] ادع عمر، وقيل: معنى حي هلمَّ، وهلا جئنا، وقيل: هلا أسرع، جُعِلا كلمةً واحدةً، وقيل: هلا اسكن، وحي أسرع، أي: أسرع عند ذكره، واسكن حتى ينقضي، يقال: حي على، وحي هلا على وزنها مقصور غير منون، وبهذا جاءت الرواية في ذكر عمر، وحي هلًا منون على المصدر:\n_________\n(١) كذا في (ر) و(ب)، وفي (د): \"ولا نكير\".\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٤٤).","vol":"2","page":401},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-299> الفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٦٤٣ - [٣] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ الأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، وَالإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً، غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ. [د: ٥١٠، ن: ٦٢٨، دي: ١١٩٣].\n٦٤٤ - [٤] وَعَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- عَلَّمَهُ الأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً،\nــ\nهلن إلى كذا وعلى كذا، وحَيَّ هَلَ بنصب اللام مخففة، قيل: تشبيهًا بخمسة عشر، وحَيَّ هلْ بالسكون لكثرة الحركات أيضًا والوقف، وتشبيهًا بصَهْ ومَهْ وَبخ، وحَيَّهْلَ بسكون الهاء وفتح اللام لكثرة الحركات أيضًا، وحَيْ هَلْ بسكونهما جميعًا مثل بَخْ بَخْ.\nوفي (مجمع البحار) (١): إذا ذكر الصالحون فحي هلا بعمر، أي: ابدأ به واعجل بذكره، وهو حثٌّ واستعجال، كلمة مركبة من حيَّ وهَلا، ويقال بتنوين وعدمه، وجاء بسكون لام، وجاء متعديًا بنفسه وبالباء وبإلى وعلى، ويستعمل حيَّ وحده بمعنى أقبل، وهلا وحده، وقيل: حي بمعنى هلم، وهلا بمعنى عجل.\nالفصل الثاني\n٦٤٣ - [٣] (ابن عمر) قوله: (والإقامة مرة مرة) سبق الكلام فيه.\n٦٤٤ - [٤] (أبو محذورة) قوله: (علمه الأذان تسع عشرة كلمة) وهي\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٦٠٠).","vol":"2","page":402},{"text":"وَالإِقَامَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٣/ ٤٠٩، ت: ١٩٢، د: ٥٠٢، ن: ٦٣، جه: ٧٠٩، دي: ١١٩٧].\n٦٤٥ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه عَلِّمْنِي سنة الأَذَان قَالَ: فَمَسَحَ مُقَدَّمَ رَأسِهِ، قَالَ: \"وَتَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، تَرْفَعُ بِهَا صَوْتَكَ، ثُمَّ تَقُولَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أشهد أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، تَخْفِضُ بِهَا صَوْتَكَ، ثُمَّ تَرْفَعُ صَوْتَكَ بِالشَّهَادَةِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، فَإِنْ كَانَ صَلَاةَ الصُّبْحِ قُلْتَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٠].\nــ\nبالترجيع.\nوقوله: (سبع عشرة كلمة) بسقوط الأربعة التي للترجيع، وزيادة (قد قامت الصلاة) مرتين، فهذا يدل على التشفع في الإقامة كما عرفت.\n٦٤٥ - [٥] (عنه) قوله: (فمسح مقدم رأسه) يحتمل أنه أشار بذلك إلى أن تعلمه أمر شريف يستحق أن يجعل لو كان جسمًا على الرأس، ومنه قول العامة إذا سئل أحدهم: على الرأس والعين، كذا في شرح الشيخ.\nوقوله: (فإن كان) أي: ما يؤذن لها، فقوله: (صلاة الصبح) خبر كان.","vol":"2","page":403},{"text":"٦٤٦ - [٦] وَعَنْ بِلَالٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"لَا تُثَوِّبَنَّ فِي شَيْءٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ إِلَّا فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: . . . . .\nــ\n٦٤٦ - [٦] (بلال) قوله: (لا تثوين في شيء من الصلوات إلا في صلاة الفجر) المراد بالتثويب ههنا: الإعلام بعد الإعلام بالصلاة. قال في (الهداية) (١) بعد ما فسره بـ (حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين بين الأذان والإقامة): وهو على حسب ما تعارفوه، فأفاد عدم تعيين الحيعلة نحو: الصلاة الصلاة، أو قامت قامت.\nوقال السغناقي: والتثويب الأصلي كان (الصلاة خير من النوم) لا غير في أذان الفجر، أو بعد أذان الفجر، فأحدث علماء الكوفة (حي على الصلاة حي على الفلاح) بين الأذان والإقامة، لكن في صلاة الفجر خاصة لأنه وقت نوم وغفلة مع إبقاء الأول، وأحدث المتأخرون التثويب بين الأذان والإقامة على حسب ما تعارفوه في جميع الصلوات سوى صلاة المغرب.\nوبالجملة التثويب في الفجر بقوله: الصلاة خير من النوم سنة، وبقوله: حي على الصلاة حي على الفلاح بين الأذان والإقامة مستحدَث في الفجر، وفي غيرها من الصلوات، وفيها أيضًا بغير هذا اللفظ إحداث بعد إحداث، فتدبر.\nقال التُّورِبِشْتِي: وأما النداء بـ (الصلاة الصلاة) الذي يعتاده الناس بعد الأذان على أبواب المسجد فإنه بدعة يدخل في القسم المنهي عنه، انتهى. ونقل عن ابن عمر -﵄- أنه سمع مؤذنًا يثوب في غير الفجر، وهو في المسجد فقال لصاحبه: قم حتى نخرج من عند هذا المبتدع، وجاء عن علي -﵁- أيضًا إنكاره.\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٤٣).","vol":"2","page":404},{"text":"أَبُو إِسْرَائِيلَ الرَّاوِي لَيْسَ هُوَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ. [ت: ١٩٨].\nــ\nأقول: ولعل علة النهي التزام شيء لا يحتاج إليه، لأن الحاجة قضيت بالأذان فيكون مما لا يعني، وأيضًا واعتياده قد يكون سببًا لاتكال الناس عليه وعدم مبادرتهم إلى الصلاة باستماع الأذان، ثم استحسان المتأخرين في الصلاة كلّها لا يكون بتعليل هذا النص وإلا كان مبطلًا لحكم الأصل، وهو لا يجوز، بل يكون بدلائل تدل على وجوب التذكير والإعلام بالدين، ومع ذلك الظاهر أن النهي ليس للتحريم، واللَّه أعلم.\nوأصل التثويب من ثاب: إذا رجع وعاد، وصيغة التثويب إما للمبالغة أو بمعنى إرجاع المؤذن نفسه للإعلام، أو إرجاعه الناس من بيوتهم إلى المساجد، أو من النوم والغفلة إلى الصلاة. وفي (مشارق الأنوار) (١): التثويب يقع على النداء بالأذان والدعاء للصلاة والإعلام بها، وأصل التثويب الدعاء، ويقع على الإقامة؛ لأنه رجوع وعود للنداء والدعاء إليها، وهو المراد في حديث: (إذا ثُوِّبَ بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون) (٢)، وحديث: (إذا ثوب بالصلاة أدبر، وإذا قضي التثويب أقبل) (٣)، قال الخطابي: وأصله أن الرجل إذا جاء بفزعٍ لوَّح بثوبه لقومه ليعلمهم، فمعناه الإعلام، ومنه التثويب في صلاة.\nوقوله: (ليس هو بذاك القوي عند أهل الحديث) في (الكاشف) (٤): أبو إسرائيل (٥)\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٠٩).\n(٢) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (ح: ١٥٢، ١٥٤).\n(٣) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (ح: ٦٠٨).\n(٤) \"الكاشف\" (٢/ ٢٩٥).\n(٥) وفي \"الكاشف\" (٣٧٠): إسماعيل بن خليفة أبو إسرائيل الملائي عن الحكم وطلحة بن مصرف، وعنه أبو نعيم وأسيد الجمال وعدة، ضعف، توفي سنة ١٦٩ هـ. وما جاء في =","vol":"2","page":405},{"text":"٦٤٧ - [٧] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لِبِلَالٍ: \"إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ، وَاجعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ، وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ، وَالْمُعْتَصِرُ إِذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي\". . . . .\nــ\nعمرو بن مرثد الرحبي، عن ثوبان وأبي هريرة، وعنه مكحول وطائفة، وثق.\nولكن قوله -ﷺ-: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه) كافٍ في المنع عن ذلك، ولكن الظاهر أنه لما استحسنه العلماء يكون بدعة حسنة لا يغير سنة.\n٦٤٧ - [١٧] (جابر) قوله: (فترسل) الرسل بكسر الراء وسكون السين: التؤدة، والترسل طلبه.\nوقوله: (فاحدر) بالحاء والدال المهملتين بلفظ الأمر من باب نصر، والحدر: الإسراع، وأصله الحط من علو إلى سفل، والأمر للندب.\nوقوله: (والمعتصر) من العصر بالسكون بمعنى الاعتصار، وهو استخراج ما في باطن الشيء، ومن العَصَر بالتحريك بمعنى الملجأ، والمراد به المحتاج إلى الغاية؛ لأن خروج الخارج يصحبه عصر الأمعاء حتى يخرج ما فيها، ويطلب مكانًا يلجأ فيها ويستخفي.\nوقوله: (ولا تقوموا حتى تروني) أي: لا تقوموا للصلاة بمجرد الإقامة حتى تبصروني أخرج من البيت، وفي الفقه: يقوم عند حي على الصلاة، ويُحْرِمُ عند قد قامت الصلاة (١).\n_________\n= الكتاب فيه تحريف وتخليط فليتنبه.\n(١) قال القاري: وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَكَانَ -ﷺ- يَخْرُجُ عِنْدَ فَرَاغِ الْمُقِيمِ مِنْ إِقَامَتِهِ فَأَمَرَهُمْ بِالْقِيَامِ =","vol":"2","page":406},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمُنعِمِ وَهُوَ إِسْنَادٌ مَجْهُولٌ (١). [ت: ١٩٥، ١٩٦].\n٦٤٨ - [٨] وَعَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ قَالَ: . . . . .\nــ\nوقوله: (إلا من حديث عبد المنعم) في (الكاشف) (٢): عبد المنعم بن نعيم أبو سعيد الأسواري عن الجريري وجماعة، وعنه يونس المؤدب ومحمد بن أبي بكر المقدمي، روى له الترمذي، وفي (حاشية البصري): صاحب السقاء، قال البخاري وأبو حاتم: منكر الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الحاكم: ليس بالقوي عندهم، روى له الترمذي حديثًا واحدًا.\nوقوله: (وإسناده مجهول) قال في (الفتح) (٣): ورواه الحاكم، وإسناده ضعيف، وله شواهد من حديث أبي هريرة ومن حديث سلمان -﵄- أخرجهما أبو الشيخ، ومن حديث أبي بن كعب أخرجه عبد اللَّه بن أحمد، وكلها واهية، وقال ابن بطال: لا حد لذلك غير تمكن دخول الوقت واجتماع المصلين.\n٦٤٨ - [٨] (زياد بن الحارث الصدائي) قوله: (الصدائي) بضم الصاد وتخفيف الدال المهملتين، منسوب إلى صداء كغراب، قبيلة من اليمن، له صحبة ووفادة.\n_________\n= حِينَئِذٍ لأَنَّهُ وَقْتُ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا: السُّنَّةُ أَنْ لَا يَقُومَ الْمَأْمُومُ حَتَّى يَفْرُغَ الْمُقِيمُ مِنْ جَمِيع إِقَامَتِهِ، اهـ. وَهُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى صِحَّةِ رَفْعِهِ إِلَيْهِ ﵇، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ لِلْمُؤَذِّنِينَ أَيْ: لَا تَقُومُوا لِلإِقَامَةِ حَتَّى تَرَوْنِي أَخْرُجُ مِنَ الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٥٥٢).\n(١) في (ت): \"وإسناده مجهول\".\n(٢) \"الكاشف\" (٢/ ١٩٠)، وانظر لزامًا: \"تهذيب الكمال\" للمزي (رقم الترجمة: ٣٥٧٩).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ١٠٦).","vol":"2","page":407},{"text":"أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: أَن أَذِّنْ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ\" فَأَذَّنْتُ، فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَخَا صُدَاءٍ قَدْ أَذَّنَ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٩٩، د: ٥١٤، جه: ٧١٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-300> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٦٤٩ - [٩] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ للصَّلَاةِ، وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اتَّخِذُوا مِثْلَ ناقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَرْنًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"يَا بِلَالُ قُم فَنَادِ بِالصَّلَاةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٩، م: ٨٣٥].\nــ\nوقوله: (في صلاة الفجر) متعلق بـ (أمرني) (١).\nالفصل الثالث\n٦٤٩ - [٩] (ابن عمر) قوله: (فيتحينون) أي: يقدرون ويطلبون لها وقتًا يأتون لها فيه، يقال: حيَّن الناقة وتحينها: جعل لها في كل يوم وليلة وقتًا يحلبها فيه.\nوقوله: (أولا تبعثون) تقديره: أتتخذون ذلك ولا تبعثون.\nوقوله: (يا بلال قم فناد) يحتمل -واللَّه أعلم- أن يكون هذا من اختصار الراوي في القصة، طوى فيه قصة رؤيا عبد اللَّه بن زيد ورؤيا عمر -﵄- وغيرهما إلى آخرها\n_________\n(١) قال الكرماني الحنفي في \"شرح مصابيح السنة\" (١/ ٣٩٧): إن الإقامة حق من أذن، فيكره أن يقيم غيره، وبه قال الشافعي، وعند أبي حنيفة: لا يكره، لما روي أن ابن أم مكتوم ربما كان يؤذن ويقيم بلال، وربما كان عكسه، فالحديث محمول على ما إذا لحقته الوحشة بإقامة غيره، انتهى.","vol":"2","page":408},{"text":"٦٥٠ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبَّهِ قَالَ: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ لِيُضْرَبَ بِهِ لِلنَّاسِ لِجَمْعِ الصَّلَاةِ، طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ ناقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّه أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؟ قَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؟ قُلتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؟ فَقُلْتُ لَهُ: بَلَى، قَالَ: فَقَالَ: تَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ. . . إِلَى آخِرِهِ، وَكَذَا الإِقَامَةُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ، فَقَالَ: \"إِنَّهَا لَرُؤْيَا حَقٍّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ،\nــ\nحتى أمر بلالًا بالتأذين، أو يكون المراد بالنداء مجرد الإخبار والإعلام بالقول دون الأذان الشرعي، فيكون هذا في مجلس، وفي مجلس آخر رؤيا الصحابة، ثم الوحي أو الاجتهاد، قال عياض: وهو الظاهر، وقال النووي: وهو الحق، فافهم (١).\n٦٥٠ - [١٠] (عبد اللَّه بن زيد بن عبد ربه) قوله: (لما أمر رسول اللَّه -ﷺ- بالناقوس) يعلم من هذا الحديث أمره -ﷺ- به، وليس في روايات أخر عن عبد اللَّه بن زيد ذلك، ولعله كان الأمر إباحةً وتخييرًا لا حتمًا وجزمًا، واللَّه أعلم.\nوقوله: (طاف بي) أي: دخل في خيالي في حال النوم (رجل) أي: رأيت رجلًا في المنام.\nوقوله: (وكذا الإقامة) صريح في كون الإقامة مثل الأذان كما هو مذهب أبي حنيفة ﵀، وقال الشافعية: معناه أي: علمني إياها.\nوقوله: (إن شاء اللَّه) إما للتبرُّك، وإما للبشارة بورود الوحي موافقًا لها.\n_________\n(١) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٢/ ٣١٢ - ٣١٣).","vol":"2","page":409},{"text":"فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ\" فَقُمْت مَعَ بِلَال، فَجعَلتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ وُيُؤَذِّنُ بِهِ، فَقَالَ: فَسَمِعَ بِذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ مَا أُرِيَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَلِلَّهِ الْحَمْدُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الإِقَامَةَ.\nوَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ قصَّةَ النَّاقوسِ. [د: ٤٩٩، دي: ١١٨٧، جه: ٧٠٦].\nــ\nوقوله: (فإنه أندى صوتًا) أي: أجهر وأبعد غايةً، كذا في (مشارق الأنوار) (١)، وفي (القاموس) (٢): النداء بالضم والكسر: الصوت، والنَّدى: بُعْدُهُ، وهو ندي الصوت كغني: بعيده، وفي (مجمع البحار) (٣): أرفع وأعلى، وقيل: أحسن وأعذب، وقيل: أبعد، وهو من الندى بمعنى الرطوبة.\nوقوله: (فلله الحمد) في شرح الشيخ: أي: على توافق الرؤيتين، والظاهر أن المراد على رؤيتك.\nوقوله: (لكنه لم يصرح قصة الناقوس) لفظ الحديث عند الترمذي (٤) هكذا: عن عبد اللَّه بن زيد قال: لما أصبحنا أتينا رسول اللَّه -ﷺ- فأخبرته بالرؤيا فقال: (إن هذه لرؤيا حق، فقم مع بلال فإنه أندى وأمدّ صوتًا منك، فألق عليه ما قيل لك، وليناد بذلك) قال: فلما سمع عمر بن الخطاب نداء بلال [بالصلاة] خرج إلى رسول اللَّه -ﷺ- وهو يجرّ إزاره وهو يقول: يا رسول اللَّه! والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي قال، فقال\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٢٨).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٦٩٩).\n(٤) \"سنن الترمذي\" (١٨٩).","vol":"2","page":410},{"text":"٦٥١ - [١١] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- لِصَلَاةِ الصُّبْح، فَكَانَ لَا يَمُرُّ بِرَجُلٍ إِلَّا نَادَاهُ بِالصَّلَاةِ، أَوْ حَرَّكَهُ بِرِجْلِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٢٦٤].\n٦٥٢ - [١٢] وَعَنْ مَالِكٍ بَلَغَهُ: أَنَّ الْمُؤَذِّنَ جَاءَ عُمَرَ يُؤْذِنُهُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَوَجَدَهُ نَائِمًا، فَقَالَ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ أَنْ يَجْعَلَهَا فِي نِدَاءَ الصُّبْح. رَوَاهُ فِي \"الْمُوَطَّأِ\". [ط: ١٥٤].\n٦٥٣ - [١٣] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ سَعْدٍ مُؤَذِّنِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: . . . . .\nــ\nرسول اللَّه -ﷺ-: (فلله الحمد)، فذلك أثبت.\n٦٥١ - [١١] (أبو بكرة) قوله: (إلا ناداه بالصلاة) أي: أعلمه بها.\n٦٥٢ - [١٢] (مالك) قوله: (فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح) الظاهر أن هذه السنة صارت متروكة في المدينة بعده -ﷺ-، فأعلم المؤذن ذلك، ويحتمل أن عمر إنما قال ذلك إنكارًا على المؤذن في استعماله خارج الأذان، كما هو المشروع فيه، فمعنى جعله في نداء الصبح أن يستمر على جعله فيه، ولا يستعمله خارجه، كذا في شرح الشيخ. ومع ذلك ينبغي أن يقدر تركه في الأذان، وإلا فقد روي أنه ذكره بلال لرسول اللَّه -ﷺ-، وأمره -ﷺ- أن يجعله في الأذان، فاستعماله خارج الصلاة وداخله معًا مشروع، وبما ذكر ظهر أنه ليس إنشاء أمر من عمر -﵁- ابتدعه كما توهم، بل كان سنة سمعه من رسول اللَّه -ﷺ-.\n٦٥٣ - [١٣] (عبد الرحمن بن سعد) قوله: (مؤذن رسول اللَّه -ﷺ-) صفة سعد الأخير، ويقال له: سعد القرظ بفتح القاف والراء بعدها ظاء معجمة، كان مؤذن","vol":"2","page":411},{"text":"حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَجْعَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَقَالَ: \"إِنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِكَ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٧١٠].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>٥ - باب فضل الأذان وإجابة المؤذن</span>\nــ\nمسجد قباء.\nوقوله: (عن أبيه عن جده) والضميران لأبي.\nوقوله: (إنه أرفع لصوتك) ولقد قالوا في بيان سببية جعل الأصبعين في الأذنين لرفع الصوت أنه إذا سدّ صماخيه لا يسمع إلا الصوت الرفيع، فيتحرى في استقصائه كالأطروش، كذا قال الطيبي (١).\n٥ - باب فضل الأذان وإجابة المؤذن\nاعلم أن فضل التأذين في نفسه كثير كما ذكر في الأحاديث، واختلف في أن الأذان أفضل أو الإمامة؟ والمختار أن من علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة فهي أفضل وإلا فالأذان، ثم تكلموا في أن النبي -ﷺ- هل أذَّن بنفسه؟ وقد رُوِي: (أنه أذَّن في سفر وهم على رواحلهم) الحديث، وقد أولوا ذلك بأن المراد الأمر بالأذان، وجاء ذلك صريحًا في حديث الدارقطني أنه أمر بالأذان ولم يقل: (أذن)، والمفصَّل يقضي على المجمَل المحتمل، واللَّه أعلم.\nثم إجابة المؤذن واجبة، ويُكره التكلم عند الأذان، ولو تعدد المؤذنون في مسجد واحد فالحرمة للأول، ولو سمع الأذان من جهات وجب عليه إجابة مؤذن مسجده، ولو\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٠٠).","vol":"2","page":412},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-302> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٦٥٤ - [١] عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٨٧].\nــ\nكان في المسجد ولم يجب لم يكن آثمًا لحصول الإجابة الفعلية، فلا حاجة إلى الإجابة القولية، واختلفوا في قارئ القرآن يجيب أو لا يجيب؟ ونقل السغناقي: أن الأفضل أن يمسك ويجيب، وقيل: إن كان في المسجد مضى في قراءته.\nالفصل الأول\n٦٥٤ - [١] (معاوية) قوله: (المؤذنون أطول الناس أعناقًا) قال عياض (١): الرواية فيه عندنا بفتح الهمزة جمع عُنق، فقيل: المراد أن الناس في الكرب وهم في الرَّوح، وقيل: معناه انتظارهم الإذن لهم في دخول الجنة وامتداد آمالهم وأعينهم وتطلعهم برؤوسهم وأعناقهم لذلك، وقيل: معناه الإشارة إلى القرب من كرامة اللَّه تعالى ومنزلته، وقيل: معناه أكثر الناس أعمالًا، يقال: لفلان عنق من الخير، وقيل: معناه أنهم يكونون رؤساء يومئذ، والسادة توصف بطول الأعناق.\nوحكى الخطابي والهروي أن بعضهم رواه بكسر الهمزة، والإعناق: الإسراع، يريد إلى الجنة، انتهى.\nوقال التُّورِبِشْتِي (٢): وهذا قول غير معتدٍّ به روايةً ومعنى، انتهى. وفيه ما فيه، وبعد تسليم عدم اعتداده رواية فهو في معنى الوجه الذي رجحه فلا معنى لعدم الاعتداد معنى.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٦٠).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٣/ ١٩٣).","vol":"2","page":413},{"text":"٦٥٥ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"إِذا نُودِيَ للصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قُضِي النِّدَاءُ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ: . . . . .\nــ\n٦٥٥ - [٢] (أبو هريرة -﵁-) قوله: (إذا نودي للصلاة) إنما قال بهذه العبارة إشارة إلى علة الحكم.\nوقوله: (أدبر الشيطان له ضراط) وفي رواية الأصيلي: (وله ضراط) بالواو، والجملة الاسمية تقع حالًا بالواو وبدونها، ويروى: (ضريط) كنهاق ونهيق، وهو ريح وصوت يخرج من الدبر، قال في (الفتح) (١): قال عياض: ويمكن حمله على ظاهره؛ لأنه جسم متغذ يصح منه خروج الريح، ويحتمل أنها عبارة عن شدة نفاره ونفرته، وفي رواية لمسلم: (له حُصاص) بمهملات مضموم الأول، فقد فسّره الأصمعي وغيره بشدة العدو.\nوقال الطيبي (٢): شبّه شغل الشيطان نفسه وإغفاله عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره، ثم سمّاه ضراطًا تقبيحًا له، واللَّه أعلم.\nوقال بعض العلماء: يشبه أن يكون المنع عن خروج المرء من المسجد بعد أن يؤذن من هذا المعنى لئلا يكون متشبهًا بالشيطان.\nوقوله: (حتى إذا ثوب) المراد بالتثويب ههنا الإقامة كما مر.\nوقوله: (حتى يخطر) أي: يحول ويحجز، يريد الوسوسة، أي: يسوِّل له الأماني\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٨٥).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٠٣).","vol":"2","page":414},{"text":"اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ، حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٨، م: ٣٨٩].\nــ\nويحدثه الأحاديث، وهو بوزن يضرب، وأكثر الرواة على ضم الطاء، ومعناه المشي والسلوك، أي يدنو فيمر بين المرء وقلبه فيشغله، كذا في (مجمع البحار) (١). وفي (القاموس) (٢): خطر الرجل بسيفه ورمحه: رفعه مرة ووضعه أخرى، وفي مِشيته: رفع يديه ووضعه أخرى (٣)، ويجوز أن يكون من الخاطر بمعنى الهاجس، أي: سببًا للخواطر.\nوقوله: (لما لم يكن يذكر) أي: لشيء لم يكن على ذكره قبل دخوله، وفي رواية لمسلم: (لما لم يكن يذكر من قبل)، ومن ثم استنبط أبو حنيفة -رحمة اللَّه عليه- للذي شكا إليه أنه دفن مالًا، ثم لم يهتد لمكانه أنه يصلي ويحرص على أن لا يحدث نفسه من أمر الدنيا، ففعل فذكر مكان المال في الحال، كذا في (فتح الباري) (٤).\nوقوله: (حتى يظل) بفتح الظاء، أي: يصير، مضارع ظل من الأفعال الناقصة، ووقع عند الأصيلي: (يضل) بالضاد، أي: ينسى، ومنه قوله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nواختلفوا في السبب في هروب الشيطان عند سماع الأذان والإقامة دون سماع القرآن والذكر في الصلاة، ومن أحسن ما قيل فيه: إن على الأذان هيبة يشتد انزعاج الشيطان بسببها؛ لأنه لا يكاد يقع في الأذان رياء ولا غفلة عند النطق به، بخلاف القرآن\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٦٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٦).\n(٣) كذا في المخطوط، وفي \"القاموس\": ووَضَعَهما خَطَرانًا فيهما.\n(٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٨٦).","vol":"2","page":415},{"text":"٦٥٦ - [٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٠٩].\nــ\nوالصلاة، فإن النفس تحضر فيها فيفتح الشيطان أبواب الوسوسة، بل عدم وقوع الوسوسة والرياء هو الدليل على تباعد الشيطان. وقيل: إن الأذان إعلام بالصلاة التي هي أفضل الأعمال بألفاظ هي من أفضل الذكر لا يزاد فيها ولا ينقص منها، بل يقع على وفق الأمر فيفر من سماعها، وأما الصلاة فلما يقع من كثير من الناس فيها من التفريط فيتمكن الخبيث من المفرِّط، فلو قدر أن المصلي وَفَّى بجميع ما أمر به فيها لم يقربه، كذا في (الفتح) (١)، ويلزم منه أن من لحن في الأذان ولم يأت به كما هو قد لا يفر منه الشيطان، واللَّه أعلم.\n٦٥٦ - [٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (لا يسمع مدى صوت المؤذن) المدى بفتح الميم والدال بمعنى الغاية، فيه سلوك طريقة البرهان وإثبات أنه إذا شهد من سمع الأخفى؛ لأن غاية الصوت يكون أخفى كان غيره بالشهادة أولى، أي: يشهد له بالإيمان والفضل والكرامة من سمع صوته من القريب والبعيد من الجن والإنس والحيوانات والنباتات والجمادات، ويؤيده ما في رواية ابن خزيمة (٢): (لا يسمع صوته شجر ولا مدر ولا حجر ولا جن ولا إنس) كما ذكر في (الفتح) (٣).\nوقد يقال: المراد بقوله: (ولا شيء) الملائكة، وقيل: إن الملائكة داخلة في\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٨٦ - ٨٧).\n(٢) \"صحيح ابن خزيمة\" (ح: ٣٨٩).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٨٨)،","vol":"2","page":416},{"text":"٦٥٧ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا،\nــ\nالجن؛ لأنهم يَسْتَجِنُّونَ (١) من الأبصار، ولا يذهب عليك أنه إذا أريد بالشيء ما يشمل النباتات والجمادات ففي قوله: (يسمع) جمع بين الحقيقة والمجاز، اللهم إلا أن يثبت لها حقيقة السمع كالكلام والتسبيح، أو يحمل على عموم المجاز، ثم قيل: إن اللفظ عام، والمراد به خاص بالمؤمنين، فإن الكافر لا تقبل منه الشهادة، وفيه ما فيه.\n٦٥٧ - [٤] (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص) قوله: (إذا سمعتم المؤذن) ظاهره أن يقول ذلك حال سماع المؤذن، ولا يتقيد بفراغه، وكذا الحال في الذكر المذكور، لكنه يحتمل أن يراد من الأذان إتمامه؛ لأن المطلق يحمل على الكامل، فالمراد الوقت الموسع، أو المراد تأخير هذا الذكر عنه بدلالة (ثم)، ثم الأمر إما للوجوب، وبه قال الحنفية وابن وهب من المالكية خلافًا للجمهور، وخالف الطحاوي أصحابه [فوافق] الجمهور، كذا في (فتح الباري) (٢).\nوقوله: (فقولوا مثل ما يقول) ظاهر في أنه يقول عند الحيعلتين إياهما دون الحولقة، فبهذا الطريق أيضًا يحصل الإجابة، إلا أن يقيد بقرينة الأحاديث الأخر.\nوقوله: (فإنه من صلى علي صلاةً صلَّى اللَّه عليه بها عشرًا) هذا جزاء الصلاة على النبي -ﷺ- ثابت دائمًا، غير مختص بوقت استماع الأذان، ولا يخلو لفظ الحديث عن إشعار به، كأنه قال: هذا جزاء الصلاة علي دائمًا، فصلّوا علي في هذا الوقت؛\n_________\n(١) اسْتَجَنَّ: استتر، \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٩٣).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٩٥).","vol":"2","page":417},{"text":"ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ،\nــ\nفإنه وقت شريف مبارك يستجاب فيه الدعاء، فإن قلت: كيف جاز أن تكون الصلاة على النبي -ﷺ- واحدة وعلى المصلي عشرًا؟ قلت: الوحدة قيد فعل المصلي، وهو التصلية لا الصلاة نفسها؛ فإنه لم يقل: اللهم صل عليه صلاة واحدة، بل دعا اللَّه وسأل منه أن يصلي عليه، ولعله سبحانه يصلي على حبيبه أكثر، وأكثر مما يشاء المصلي، ويجد جزاءه عشرًا بحكم: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] فافهم، أو تكون الصلاة الواحدة النازلة من جناب القدس على الحبيب المصطفى أفضل وأكمل وأتم من العشر الصلوات التي تصل إلى المصلي بمراتب لا تعدّ ولا تحصى.\nوقوله: (ثم سلوا اللَّه لي الوسيلة) والوسيلة في الأصل: ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به، قيل: ما يتقرب به إلى الكبير، وقال في (القاموس) (١): الوسيلة والواسلة: المنزلة عند الملك، والدرجة والقرب، ووسّل إلى اللَّه توسيلًا: عمل عملًا يقرب (٢) إلى اللَّه تعالى كتوسَّل، انتهى. والمراد بما ورد في الحديث: القرب من اللَّه تعالى، وقد وقع في حديث مسلم هذا تفسيرها بـ (منزلة في الجنة)؛ لأن التوصل إليها يكون قريبًا من اللَّه سبحانه، فيكون كالقربة التي يتوصل بها إليه تعالى فيرجع إلى الأول، وكذلك في الحديث الآتي عن جابر -﵁-.\nوقول الطيبي (٣): أما الوسيلة المذكورة في الدعاء المروي [عنه] بعد الأذان فقيل:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٩٥).\n(٢) كذا في النسخ المخطوطة: \"يقرب إلى اللَّه\"، وفي \"القاموس\": \"تقرب به إليه\".\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٠٣).","vol":"2","page":418},{"text":"وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ [م: ٣٨٤].\n٦٥٨ - [٥] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ،\nــ\nهي الشفاعة، يشهد لها قوله في آخر الدعاء: (حلت له شفاعتي)، لا يخلو عن خفاء؛ لأن مضمون الحديثين واحد، وهو: من سأل له الوسيلة حلت له شفاعته -ﷺ-، فما الفرق؟ ويمكن أن يحمل الوسيلة في الحديثين على حصول القرب والدرجة يحصل بها من القدر والعزة له -ﷺ- ما تيسر به الشفاعة، والمراد بـ (المنزلة في الجنة) المنزلة عند اللَّه تعالى، وإنما قال: (في الجنة)؛ لأن أثرها يظهر في مراتب الجنة ودرجاتها، فافهم.\nوقوله: (وأرجو) تواضع وتأدب منه -ﷺ- للحضرة الإلهية، كقول الخليل ﵊: ﴿أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي﴾ [الشعراء: ٨٢]، بل يحتمل أن يكون ذلك تيقنًا بالوقوع؛ لأن رجاء الحبيب لا يخيب.\nوقوله: (أكون أنا هو) من إقامة الضمير المرفوع مقام المنصوب، والضمائر يستعار بعضها لبعض كقولهم: ما أنا كأنت، ويحتمل أن يكون الجملة خبرًا لـ (أكون).\n٦٥٨ - [٥] (عمر) قوله: (قال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه) يدل على تعيين","vol":"2","page":419},{"text":"ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٨٤].\n٦٥٩ - [٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ،\nــ\n(لا حول ولا قوة إلا باللَّه) عند الحيعلتين، وما اشتهر عند بعض الناس من قولهم: (ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن) في الفلاح فلم نجد له أصلًا.\nقال في (سفر السعادة) (١): ولم يثبت حديث في الجمع بين الحوقلة والحيعلة، ولا في الاقتصار على الحيعلة، انتهى. وأنت خبير بأن بعض هذا الحديث الصحيح يحكم بأن يقول ما قال المؤذن من غير ذكر الحوقلة في الحيعلتين، وظاهره الاقتصار على الحيعلة، وقد ذكر في بعض شروح (الحصن الحصين): وللحنابلة وجه في الجمع بين الحيعلة والحوقلة (٢)، واللَّه أعلم.\nوقوله: (من قلبه) قيد في جميع ما مرّ، ويدل عليه حديث أبي هريرة في آخر الفصل الثالث: (وإذا قال: الصلاة خير من النوم قال: صدقت وبررت).\n٦٥٩ - [٦] (جابر) قوله: (حين يسمع النداء) أي: بعد إتمامه وإكماله.\nوقوله: (اللهم رب هذه الدعوة التامة)، وفي (الفتح) (٣): زاد البيهقي: اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة التامة، والمراد بها دعوة التوحيد كقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ\n_________\n(١) \"سفر السعادة\" (ص: ٢٢٥).\n(٢) في \"التقرير\": ومال ابن الهمام إلى الجمع بينهما، وقال بعضهم: العمل بالحوقلة أولى؛ لأنها مفسرة. انظر: \"العرف الشذي\" (١/ ٥٤)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٥٦٠).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٩٥).","vol":"2","page":420},{"text":"وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا. . . . .\nــ\nالْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]، وقيل لدعوة التوحيد: (تامة)؛ لأن الشرك نقص، أو التامة التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم النشور، وقال ابن التين: وصفت بالتامة لأن فيها أتم القول وهو: لا إله إلا اللَّه، كذا في (الفتح)، ولو ضم (محمد رسول اللَّه) لكان أحسن وأتم؛ لأن أتم القول هو المجموع.\nوقوله: (والصلاة القائمة) إشارة إلى مضمون قوله: (حي على الصلاة)، وتلميح إلى قوله تعالى: ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: ٣]، ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة الدعاء، وبالقائمة الدائمة، من قام على الشيء: إذا داوم عليه، فيكون بيانًا للدعوة التامة وتأكيدًا، ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة المعهودة المدعو إليها، وهو الأظهر، كذا في (فتح الباري) (١).\nوقوله: (والفضيلة) أي: المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون [منزلة أخرى، أو] تفسيرًا للوسيلة.\nوقوله: (وابعثه مقامًا محمودًا) أي: يحمد القائم فيه، أي: ابعثه يوم القيامة، فأقمه مقامًا محمودًا، أو ضمَّن (ابعثه) معنى أقمه وأعطه.\nوقال النووي: ثبتت الرواية بالتنكير، فكأنه حكاية للفظ القرآن، و[قد جاء] في هذه الرواية بعينها من رواية علي بن عياش شيخ البخاري بالتعريف عند النسائي، وكذلك في (صحيح ابن خزيمة) وابن حبان، وفي الطحاوي والطبراني والبيهقي، كذا في (الفتح) (٢)، وتعقب البيهقي على من أنكر ذلك كالنووي.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٩٥).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٩٥).","vol":"2","page":421},{"text":"الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦١٤].\n٦٦٠ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُغِيرُ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ، وَكَانَ يَسْتَمِعُ الأَذَانَ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ وَإِلَّا أَغَارَ، فَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عَلَى الْفِطْرَةِ\"، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nوقوله: (الذي وعدته) وزاد في رواية البيهقي: (إنك لا تخلف الميعاد)، وقوله: (الذي) إما بدل أو عطف بيان أو خبر مبتدأ محذوف، وعلى رواية التعريف الظاهر كونه صفة، والمراد بالمقام المحمود مقام الشفاعة، وقيل: إجلاسه على العرش أو الكرسي، وهو أيضًا علامة الإذن في الشفاعة، ووقع في (صحيح ابن حبان): (يبعث الناس فيكسوني ربي حلةً خضراءَ، فأقول ما شاء اللَّه أن أقول، فذلك المقام المحمود)، والمراد بالثناء الذي يقدمه بين يدي الشفاعة، كذا في (الفتح) (١).\nوقوله: (حلَّتْ) أي: استحقت ووجبت، أو نزلت عليه، من حلَّ يحُلُّ بالضم بمعنى نزل، واللام بمعنى على كما مرّ من رواية مسلم، ووقع في الطحاوي من حديث ابن مسعود: (وجبت له).\nاللهم صلّ وسلّم على هذا النبي الكريم العظيم سيد المرسلين وشفيع المذنبين، واجعلنا من زمرته وحزبه في الدنيا والدين، آمين يا رب العالمين.\n٦٦٠ - [٧] (أنس) قوله: (يغير) من الإغارة، وهو الركض الشديد لإرادة القتل أو النهب.\nوقوله: (على الفطرة) أي: أنت على فطرة الإسلام التي فطر الناس عليها، فهذا\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٩٥ - ٩٦).","vol":"2","page":422},{"text":"\"خَرَجْتَ مِنَ النَّارِ\". فَنَظَرُوا إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ رَاعِي مِعزًى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٨٢].\n٦٦١ - [٨] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللَّه رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، غُفِرَ لَهُ ذَنبُه\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٨٦].\n٦٦٢ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ\". . . . .\nــ\nشهادة على إيمانه.\nقوله: (خرجت من النار) تأكيد له، ومعناه: خرجت لإيمانك من استحقاق النار، أو إنك وإن عصيت ودخلت النار تخرج منها آخرًا.\nوقوله: (راعي مِعْزى) بكسر الميم وسكون العين المهملة مقصورة، وقد يمد بخلاف الضأن، كذلك المعز بالفتح وبالتحريك، والماعز واحد المعز للذكر والأنثى، والجمع مواعز، وقرئ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] بسكون العين وفتحها.\n٦٦١ - [٨] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (من قال حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده. . . إلخ) هكذا لفظ الحديث، ويحتمل أن يقوله عند الشهادتين، أو بعد فراغ من الأذان، واللَّه أعلم.\n٦٦٢ - [٩] (عبد اللَّه بن مغفل) قوله: (بين كل أذانين صلاة) أكثرهم على أن المراد بالأذانين الأذان والإقامة، إما على التغليب، وإما على أن الأذان اسم لكل واحد","vol":"2","page":423},{"text":"ثُمَّ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: \"لِمَنْ شَاءَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٧، م: ٨٣٨].\nــ\nمن الأذان والإقامة حقيقة؛ لأن الأذان بمعنى الإعلام، والإقامة إعلام بحضور فعل الصلاة، كما أن الأذان إعلام بدخول وقتها، والمعنى بين كل أذان وإقامة صلاة نافلة، ونكِّرت ليتناول كل عدد أراده المصلي، كركعتين وأربع أو أكثر، ولا يستبعد ذلك إلا من يكره النافلة بين أذان المغرب وإقامتها كأبي حنيفة وأصحابه ﵏، وقد جاء في حديث البخاري (١) عن أنس أنه قال: (كان المؤذن إذا أذن للمغرب قام ناس من أصحاب النبي -ﷺ- يبتدرون السواري حتى يخرج النبي -ﷺ- وهم كذلك يصلون الركعتين قبل المغرب)، وزاد مسلم (٢): فيجيء الغريب فيحسب أن الصلاة قد صُلِّيت من كثرة من يصليهما، وظن بعضهم أنها كانت راتبة المغرب.\nقال التُّورِبِشْتِي (٣): وإنما ذهب أبو حنيفة -﵀- إلى كراهة النافلة قبل صلاة المغرب بحديث بريدة الأسلمي -﵁-[أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (إن عند كل أذان ركعتين ما خلا صلاة المغرب) (٤)، وقد روي عن النخعي أنه قال: ركعتان قبل المغرب بدعة، وقال]: (إن النبي -ﷺ- وأبا بكر وعمر -﵄- لم يصلوها) (٥)، وما رواه أنس وغيره من الصحابة فهو منسوخ، وكان في الأول حيث نهي عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، فبين لهم بذلك وقت الجواز، وعن ابن عمر -﵄- قال: (ما رأيت يصليهما على\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (ح: ٦٢٥).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (ح: ٨٣٧).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٩٥).\n(٤) أخرجه البيهقي في \"سننه\" (٢/ ٤٧٤).\n(٥) انظر: \"مشكل الآثار\" (١٤/ ١١٦، رقم: ٥٤٩٥).","vol":"2","page":424},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعهد النبي -ﷺ- أحدًا) (١)، إشارة إلى نسخه من قبل رؤيته.\nهذا، ولا يجوز حمل الحديث على ظاهره بأن يراد بالأذانين حقيقتهما؛ لأن الصلاة مفروضة بين أذاني وقتين، والحديث ناطق بالتخيير لقوله ﵊ في الثالثة: (لمن شاء)، وأيضًا لا فائدة معتدًا بها في هذا الحكم؛ لأنه قد علم بالضرورة فرضية الصلوات في الأوقات الخمس، وقال بعضهم: لا مانع من حمله على ظاهره؛ لأن تقديره: بين كل أذانين صلاة نافلة مع المفروضة.\nوقيل: المراد بقوله: (صلاة) وقت الصلاة، والمقصود ينبغي أن يجعل بين الأذان والإقامة مقدار وقت صلاة، كما مر في الفصل الثاني من (باب الأذان) من حديث جابر -﵁-: (واجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل والشارب) الحديث، والبخاري ترجم الباب بقوله: (باب كم بين الأذان والإقامة)، ثم أورد هذا الحديث، وقيل: يحتمل أن يكون المراد الحث على المبادرة إلى المسجد عند سماع الأذان لانتظار الإقامة؛ لأن منتظر الصلاة في الصلاة.\nوقال ابن الجوزي: فائدة هذا الحديث أنه يمكن أن يتوهم متوهم أن الأذان للصلاة يمنع أن يفعل سوى الصلاة التي أذن لها، فبين أن التطوع بين الأذان والإقامة جائز، كذا ذكر في (فتح الباري) (٢).\nوهذه توجيهات ومحتملات بعيدة، والصواب أن المراد بيان أن مع كل فريضة نفلًا، وينبغي أن يصلي بينهما نافلة لشرف الوقت وكثرة الثواب، وأما الإشكال بالمغرب\n_________\n(١) انظر: \"مسند عبد بن حميد\" (٨٠٤).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ١٠٧).","vol":"2","page":425},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-303> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٦٦٣ - [١٠] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنِينَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَفِي أُخْرَى لَهُ بِلَفْظِ \"المصابيح\". [حم: ٢/ ٤٦١، د: ٥١٧، ت: ٢٠٧، \"مسند الشافعي\": ٢٤١].\nــ\nفجوابه القول بالنسخ فيها، أو أنها خصت من العموم بناء على ما قيل: إنهم كانوا يشرعون في أثناء الأذان ويفرغون مع فراغه، ومعنى قوله: (إذا أذن) شرع في الأذان، فافهم وباللَّه التوفيق.\nالفصل الثاني\n٦٦٣ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن، اللهم أرشد الأئمة، واغفر للمؤذنين) لا يفهم من هذا الحديث تفضيل الأذان على الإمامة، أو تفضيل الإمامة على الأذان، بل المقصود بيان حالهما، والدعاء لهما بالرشاد والمغفرة والتوفيق للعلم وصلاح الحال فيما تحملوا من الخير، وفرطوا فيه شيئًا، فالإمام ضامن ومتكفل ومتحمل أمر صلاة المقتدين، فيحمل القراءة عنهم، ويحمل القيام إذا أدركوا في الركوع، ويحفظ عليهم أفعال الصلاة وأعداد الركعات، والمؤذن أمين في محافظة الأوقات في الصلاة والصيام، وللعلماء اختلاف في فضل أحدهما على الآخر في الثواب ذكرناه في أول الباب، ولا شك أن منصب الإمامة أعلى وأجلّ وأعظم؛ لكونه خلافة عن رسول اللَّه -ﷺ-، وأما الأذان فنوع من الخدمة والنصيحة للمسلمين، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وفي أخرى له) أي: للشافعي ﵀.\nقوله: (بلفظ المصابيح) وهو: (الأئمة ضمناء، والمؤذنون أمناء، فأرشد اللَّه","vol":"2","page":426},{"text":"٦٦٤ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَذَّنَ سَبْعَ سِنِين مُحْتَسِبًا كُتِبَ لَهُ بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ (١) وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٠٦، جه: ٧٢٧].\nــ\nالأئمة، وغفر للمؤذنين).\n٦٦٤ - [١١] (ابن عباس) قوله: (من أذن سبع سنين) العلم بتعيين هذه المدة موكول إلى علم الشارع، وكون السبع من الأعداد الكاملة التي عليها الوجود معلوم، واللَّه أعلم.\nقوله: (محتسبًا) أي: طالبًا لوجه اللَّه وثوابه، من الحسب كالاعتداد من العدد، وإنما يقال لمن ينوي بعمله وجه اللَّه: احتسبه؛ لأن له أن يعتدَّ بعمله، والحسبة بالكسر: اسم من الاحتساب، وهو في الأعمال الصالحات، وعند المكروهات البدار إلى طلب الأجر بالتسليم والصبر، وباستعمال أنواع البر طلبًا للثواب، وفي الحديث: (احتسبوا أعمالكم، فإن من احتسب عمله كتب له أجره وأجر حسبته) (٢)، وفي (القاموس) (٣): الحسبة: الأجر، واسم من الاحتساب.\n_________\n(١) قال صاحب \"مرعاة المفاتيح\" (٢/ ٧٥٥): كذا في بعض النسخ، وفيه نظر، فإن الحديث ليس في \"سنن أبي داود\"، قال الحافظ في \"التهذيب\" (٢/ ٤٨): روى له أبو داود حديثًا واحدًا في السهو في الصلاة من حديث المغيرة بن شعبة، وقال عقبه: ليس في كتابي عن جابر الجعفي غيره، انتهى.\n(٢) ذكره الزمخشري في \"الفائق\" (١/ ٢٨٢)، وابن الأثير في \"النهاية\" (١/ ٣٧٤)، طبعة دار المعرفة، بيروت.\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٢).","vol":"2","page":427},{"text":"٦٦٥ - [١٢] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةٍ لِلْجَبَلِ يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ وَيُصَلِّي، فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ مِنِّي، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٢٠٣، ن: ٦٦٦].\n٦٦٦ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ثَلَاثَةٌ عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: عَبَدٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوْلَاهُ، وَرَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ بِهِ رَاضُونَ، وَرَجُلٌ يُنَادِي بِالصَّلَواتِ الْخَمْسِ فِي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٩٨٦].\nــ\n٦٦٥ - [١٢] (عقبة بن عامر) قوله: (يعجب ربك) أي: عظُم عنده ويرضى عنه، والظاهر أن الخطاب لرسول اللَّه -ﷺ-، فالحديث قدسي، وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون الخطاب عامًا من رسول اللَّه -ﷺ- لكل واحد من أمته، و(الشظية) بالظاء المعجمة على وزن القضية: قطعة مرتفعة من رأس الجبل، والفلقة من كل شيء.\nقوله: (يخاف مني) يشعر بوجوب الأذان إذ الخوف بترك السنة من العتاب، خصوصًا مثل هذه السنة التي هي من شعار الإسلام حتى قالوا: ينبغي للإمام أن يقاتل أهل البلدة التي تركوا الأذان.\n٦٦٦ - [١٣] (ابن عمر) قوله: (على كثبان المسك) الكثيب التل من الرمل، والجمع أكثبة وكثب وكثبان، من الكثب بمعنى الجمع والاجتماع.\nقوله: (وهم به راضون) لعلمه وورعه ورعاية الأركان والآداب وصحة قراءته وحسن صوته.\nوقوله: (ورجل ينادي بالصلوات الخمس كل يوم وليلة) ظاهر لفظ الحديث دال","vol":"2","page":428},{"text":"٦٦٧ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَشَاهِدُ الصَّلَاةِ يُكْتَبُ لَهُ خَمْسُ وَعِشْرُونَ صَلَاةً،\nــ\nعلى أن الثواب المذكور يترتب على استمرار الثداء ودوامه، وأما الإمامة فيكفي وجودها ولو مرة، واللَّه أعلم. وقال الطيبي (١): وصف المؤذن بالفعل المضارع تصويرًا لفعله واستحضارًا له في ذهن السامع واستعجابًا منه.\n٦٦٧ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (المؤذن يغفر له مدى صوته) المدى بالفتح: هو الغاية، أي: يَسْتَكْمِل مغفرة اللَّه إذا استَنْفَدَ وسْعَه في رَفعْ صوته، فبلغ الغاية في المغفرة إذا بلغ الغاية في صوته، وقيل: هو تمثيل، أراد أن مكانًا ينتهي إليه الصوت لو قدِّر أن يكون بين أقصاه ومكان المؤذن ذنوب تملأ تلك المسافة لغفرها اللَّه، كذا في (النهاية) (٢) ويستشهد للأول برواية (مد صوته)، أي: بقدر مده.\nوقوله: (ويشهد له) قد علم معناه في الفصل الأول، و(كل رطب ويابس) وإن كان ظاهرًا في النباتات لكنه كناية عن كل شيء، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] فيوافق ما مرّ.\nوقوله: (وشاهد الصلاة) أي: الذي يحضر صلاة الجماعة المسببة عن الأذان، فهو في الحقيقة إشارة إلى سبب مزيد الفضل للمؤذن والمغفرة له أيضًا، لكون الأذان سببًا له.\nوقوله: (يكتب له خمس وعشرون صلاة) وهو كقوله -ﷺ-: (صلاة الجماعة\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٠٩).\n(٢) \"النهاية\" (٤/ ٣١٠).","vol":"2","page":429},{"text":"وَيُكَفَّرُ عَنْهُ مَا بَيْنَهُمَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: \"كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ\". وَقَالَ: \"وَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ صَلَّى\". [حم: ٢/ ٤١١، د: ٥١٥، ن: ٦٤٥، جه: ٧٢٤].\n٦٦٨ - [١٥] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّه! اجْعَلنِي إِمَامَ قَوْمِي، فَقَالَ: \"أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٤/ ٢١٧، د: ٥٣١، ن: ٦٧٢].\nــ\nتفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة)، وسيجيء في (باب الجماعة) ويعلم هناك -إن شاء اللَّه تعالى- وجه تخصيص هذا العدد.\nوقوله: (ويكفر عنه ما بينهما) أي: ما بين الصلاتين اللتين شهدهما.\nقوله: (وله) أي: للمؤذن. (مثل أجر من صلى) باعتبار بعثه ودلالته عليها، والدال على الخير كفاعله، وقد يفهم من هذا كون المؤذن أفضلَ من المصلي لزيادة أجر أذانه، فليتدبر.\n٦٦٨ - [١٥] (عثمان بن أبي العاص) قوله: (واقتد بأضعفهم) أي: افعل ما يناسب حاله من تخفيف الصلاة، عبَّر بالاقتداء للمشاكلة وحثًّا على المبالغة في الموافقة.\nوقوله: (لا يأخذ على أذانه أجرًا) أخذ المؤذن الأجر على أذانه وتعيينه إياه مكروه عند أكثر العلماء، والظاهر أن يكون حكم الإمامة كذلك، بل أشد، والعادة قد جرت باستئجار المؤذنين، فلهذا خص بالذكر، واللَّه أعلم.","vol":"2","page":430},{"text":"٦٦٩ - [١٦] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -﵂- قَالَتْ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ أَقُولَ عِنْد أَذَانِ الْمَغْرِبِ: \"اللَّهُمَّ هَذَا إِقْبَالُ لَيْلِكَ وَإِدْبَارُ نَهَارِكَ وَأَصْوَاتُ دُعَاتِكَ فَاغْفِرْ لِي\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ\". [د: ٥٣٠، \"الدعوات الكبير\": ٣١٨].\n٦٧٠ - [١٧] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَوْ بَعْضِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّه -ﷺ-: أَنَّ بِلَالًا أَخَذَ فِي الإِقَامَةِ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"أَقَامَهَا اللَّه وَأَدَامَهَا\"، وَقَالَ فِي سَائِرِ الإِقَامَةِ كَنَحْوِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي الأَذَانِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٨].\n٦٧١ - [١٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٥٢١، ت: ٢١٢].\nــ\n٦٦٩ - [١٦] (أم سلمة -﵂-) قوله: (وأصوات دعاتك) وفي رواية بزيادة: (وحضور صلاتك).\nقوله: (فاغفر لي) وفي رواية: (أسألك أن تغفر لي).\n٦٧٠ - [١٧] (أبو أمامة) قوله: (وقال في سائر الإقامة) أي: باقي ألفاظ الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان، أي: يقول ما يسمع.\n٦٧١ - [١٨] (أنس) قوله: (لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة) سواء كان متصلًا بالأذان أو متراخيًا، والأولى أن يدعى متصلًا ليوافق كونه عند النداء كما في الحديث الآتي.","vol":"2","page":431},{"text":"٦٧٢ - [١٩] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"ثِنْتَانِ لَا تُرَدَّانِ أَوْ قَلَّمَا تُرَدَّانِ: الدُّعَاءُ عِنْدَ النِّدَاءِ، وَعِنْدَ الْبَأْسِ حِينَ يُلْحِمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا\" وَفِي رِوَايَةٍ: \"وَتَحْتَ الْمَطَرِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: \"وَتَحْتَ الْمَطَرِ\". [د: ٢٥٤٠، دي: ١٢٠٠].\nــ\n٦٧٢ - [١٩] (سهل بن سعد) قوله: (أو قلما تردّان) يحتمل أن يكون (أو) للشك من الراوي، والقلة كناية من العدم، أو للتنويع، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وعند البأس) بالموحدة مهموزًا: الشدة في الحرب، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (حين يلحم بعضهم بعضًا) لَحَمَهُ: قَتَلَهُ، وقيل: قرب منه حتى لزقه، من التحم الجرح: إذا التزق، وقيل: لَحَمَهُ أي: ضربه، والملحمة: الحرب، وموضع القتال، وجمعه الملاحم، أخذ من اشتباك الناس واختلاطهم فيها، كاشتباك لحمة الثوب بالسدى، وقيل: من اللحم؛ لكثرة لحوم القتلى فيها، ويقال: ألحم الرجل، واستلحم: إذا نشب في الحرب فلم يجد مخلصًا، وألحمه القتال ولحمه: إذا لزمه وغشيه، فظهر بما ذكرنا أن قوله: (حتى يلحم) يجوز أن يكون بفتح الياء والحاء، وبضم الياء وكسر الحاء، من اللحم أو الإلحام، وقد ضبط بهما، والأول أكثر.\nقوله: (تحت المطر) الظاهر أنه بدل قوله: (وعند البأس) لقوله: (ثنتان لا تردان)، ثم ظاهر قوله: (تحت المطر) أن يكون المطر واقعًا عليه، ولكن فسروه بوقت نزول المطر؛ لأنه وقت الرحمة والبركة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٩٢).","vol":"2","page":432},{"text":"٦٧٣ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْمُؤَذِّنِينَ يَفْضُلُونَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قُلْ كَمَا يَقُولُونَ، فَإِذَا انْتَهَيْتَ فَسَلْ تُعْطَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-304> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٦٧٤ - [٢١] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ ذَهَبَ حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ\". قَالَ الرَّاوِيُّ: وَالرَّوْحَاءُ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ مِيلًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [٣٨٨].\nــ\n٦٧٣ - [٢٠] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (يفضلوننا) من نصر وعلم، أما فَضِلَ كَعَلِمَ، يفضُل كينصر: فمركبة منهما، كذا في (القاموس) (١).\nقوله: (فإذا انتهيت فسل تعط) وفي شرح الشيخ: الظاهر أن هذا زيادة على جواب السؤال، فإن قوله: (قل كما يقولون) أفاد أن به يقرب من ثواب المؤذن، ثم نبّهه على أمر يشترك فيه المؤذن والمجيب وغيرهما، وهو استجابة الدعاء من كل من دعا بين الأذان والإقامة، انتهى. وكتب في (بعض الحواشي): أنه إشارة إلى مزيد فضل على المؤذن، يعني إن لم ياع المؤذن وأنت تدعو زدت فضلًا عليه.\nالفصل الثالث\n٦٧٤ - [٢١] (جابر) قوله: (حتى يكون مكان الروحاء) أي: يبعد فيكون في مكان الروحاء من المدينة، أي: يبعد كبعده، والروحاء بفتح الراء: موضع بين الحرمين الشريفين على ثلاثين أو أربعين ميلًا من المدينة، في (مشارق الأنوار) (٢):\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٦١).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤٨٨).","vol":"2","page":433},{"text":"٦٧٥ - [٢٢] وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ قَالَ: إِنِّي لَعِنْدَ مُعَاوِيَةَ إِذْ أَذَّنَ مُؤَذِّنُهُ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ كَمَا قَالَ مُؤَذِّنُهُ، حَتَّى إِذَا قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَلَمَّا قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيم، وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ مَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه -ﷺ- قَالَ ذَلِكَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ٩١ - ٩٢].\n٦٧٦ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَامَ بِلَالٌ يُنَادِي، فَلَمَّا سَكَتَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَالَ مِثْلَ هَذَا يَقِينًا دَخَلَ الْجنَّةَ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٦٧].\n٦٧٧ - [٢٤] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَتَشَهَّدُ قَالَ: \"وَأَنَا وَأَنَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٦].\nــ\nالروحاء بفتح الراء ممدود: بينه وبين المدينة نحو أربعين ميلًا، وفي (كتاب مسلم): على ست وثلاثين ميلًا، وفي (كتاب ابن أبي شيبة): ثلاثون ميلًا.\n٦٧٥ - [٢٢] قوله: (وعن علقمة بن وقاص) بتشديد القاف، الليثي المدني، ثقة ثبت، من كبار التابعين.\n٦٧٦ - [٢٣] (أبو هريرة) قوله: (من قال مثل هذا يقينًا دخل الجنة) يدل سوق الحديث على فضل المجيب، وفي لفظ (مثل) إشارة إلى فضل المؤذن أيضًا؛ لأنه إذا كان ذلك حال مثله فحاله كذلك.\n٦٧٧ - [٢٤] (عائشة -﵂-) قوله: (قال: وأنا وأنا) قال الطيبي (١): عطف على\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢١٤).","vol":"2","page":434},{"text":"٦٧٨ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ أَذَّنَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَكُتِبَ لَهُ بِتَأْذِينِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ سِتُّونَ حَسَنَةً،\nــ\nقول المؤذن: (أشهد) على تقدير العامل لا الانسحاب (١)، انتهى. لعله هرب من عطفه على الضمير المتصل بدون التأكيد، وأيضًا لا معنى على عطفه على المستكن في (أشهد) المذكور في كلام المؤذن، فافهم.\n٦٧٨ - [٢٥] (ابن عمر) قوله: (من أذن ثنتي عشرة سنة) قد سبق في (الفصل الثاني) (من أذن سبع سنين)، ويجيب الكرماني في أمثال هذا بأن العدد الكثير لا ينافي القلة، فتدبر. ولعله أوحي أولًا اثنتا عشرة سنة، ثم وسع الفضل فأوحي سبع، ويمكن أن يقال: لعل جزاء التأذين سبع سنين كتابة براءة من النار، وهي كناية عن وجوب الجنة، وزيد ههنا كتابة ستين حسنة عليها لزيادة العدد.\nوقوله: (في كل يوم) الظاهر أن هذا أجر أذان اليوم، وهي خمس مرات، وقال الطيبي (٢): أي: بتأذينه كل مرة في كل يوم، حكاه عن (شرح السنة).\nوقوله: (ستون حسنة) قد عرف أن العلم بالعدد موكول إلى علم الشارع، ولا يوافق ذلك حساب الحسنة بعشر أمثالها، نعم لو عدت كلمات الأذان بإسقاط المكرر بقيت ستة، لكن كلمات الإقامة كذلك بل أزيد، ثم يدل هذا الحديث على شفع الأذان وإيتار الإقامة، وتأويله ما مر من أنه يمكن أن يكون باعتبار إيتار الصوت والحدر بها كما مر.\n_________\n(١) كذا في النسخ المخطوطة: \"الانسحاب\" وكذا في \"شرح الطيبي\"، والظاهر أن يكون: \"الاستئناف\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢١٤ - ٢١٥).","vol":"2","page":435},{"text":"وَلِكُلِّ إِقَامَة ثَلَاثُونَ حَسَنَةً\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٧٢٨].\n٦٧٩ - [٢٦] وَعَنْهُ قَالَ: كُنَّا نُؤْمَرُ بِالدُّعَاءِ عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ في \"الدعوات الكبير\". [٣١٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>٦ - باب فيه فصلان </span>(١)\n*<span data-type=\"title\" id=toc-306> الْفَصْل الأَوَّل:</span>\n٦٨٠ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ\"،\nــ\nوقوله: (ولكل إقامة ثلاثون) الظاهر أنه كلام مبتدأ، ويحتمل أن يكون داخلًا تحت (كتب)، فافهم.\n٦٧٩ - [٢٦] (وعنه) قوله: (عند أذان المغرب) قد سبق أن الدعاء بعد كل أذان مستحب، ولعله بعد أذان المغرب أوكد وأوجب لاتصال الإقامة بالأذان، قال الطيبي (٢): ولعل هذا الدعاء هو ما مرّ في الحديث السابع من (الفصل الثاني).\n٦ - باب في متممات ولواحق لما سبق في البابين\nالفصل الأول\n٦٨٠ - [١] (ابن عمر) قوله: (حتى ينادي ابن أم مكتوم) يدل على أنه هناك\n_________\n(١) قوله: \"فيه فصلان\" سقط في نسخة، وفي مخطوطة الحاكم: \"باب تأخير الأذان\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢١٥).","vol":"2","page":436},{"text":"قَالَ: وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ رَجُلًا أَعْمَى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصبَحْتَ أَصبَحْتَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٧، م: ١٠٩٢].\n٦٨١ - [٢] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سُحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيلُ، وَلَكِنِ الْفَجْرُ الْمُسْتَطِيرُ فِي الأُفُقِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلَفْظُهُ لِلتِّرْمِذِيِّ. [م: ١٠٩٤، ت: ٧٠٦].\nــ\nمؤذنان، أحدهما يؤذن قبل الفجر وآخر بعد الفجر، ويحتمل أن يكون الحال على ذلك في رمضان، كان أحدهما يؤذن وقت السحور والآخر للصلاة، وأخذ منه الشافعية أنه يسن للصبح مؤذنان، مؤذن واحد قبل الفجر من نصف الليل الثاني، والآخر بعد الفجر في أول الوقت كما ذكر في (شرح الشيخ).\nوقوله: (حتى يقال له: أصبحت أصبحت) ويستشكل هذا بأنه لما كان يؤذن بعد وجود الصبح وإخبار الناس إياه به كيف جاز الأكل والشرب إلى ذا الحين؟ ويجاب بأن المراد قاربت الصبح، يقال ذلك مبالغة، أو المراد [لا] ينادي حتى يتحقق الصبح، ويؤكل ويشرب قبيل ذلك.\n٦٨١ - [٢] (سمرة بن جندب) قوله: (ولا الفجر المستطيل) فهو البياض الذي يبدو مثل الخط الطويل من المشرق إلى جانب المغرب يقال له: ذنب السِّرحان، والصبح الكاذب، ثم يضمحل سريعًا ويتبدل بالظلمة، وله سبب لا يخلو بيانه عن عسر مذكور في كتب الهيئة، ويعدّ ذلك من مشكلات ذلك الفن.\nوقوله: (ولكن الفجر المستطير) أي: المنتشر ضوؤه المعترض في نواحي السماء.\nوقوله: (رواه مسلم ولفظه للترمذي) يتضمن اعتراضًا على صاحب (المصابيح)","vol":"2","page":437},{"text":"٦٨٢ - [٣] وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُويرِثِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- أَنَا وَابْنُ عَمِّ لِي، فَقَالَ: \"إِذَا سَافَرْتُمَا فَأَذِّنا وَأَقِيْمَا وَلْيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٢٨].\n٦٨٣ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣١، م: ٦٧٤].\n٦٨٤ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ، سَارَ لَيْلَةً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى عَرَّسَ،\nــ\nواعتذارًا عنه أيضًا.\n٦٨٢ - [٢] (مالك بن الحويرث) قوله: (فأذنا وأقيما) أي: يؤذن ويقيم أحدكما، أي: فليقع الأذان والإقامة بينكما.\nوقوله: (وليؤمكما) أي: ليكن إمامًا (أكبركما) ولعلهما كانا متساويين في العلم والقراءة والورع، أو المراد أكبركما في الفضل.\n٦٨٣ - [٤] (وعنه) قوله: (فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم) فيه إشعار بأن المؤذن والإمام من الجماعة مؤذن وإمام لنفسه أيضًا باعتبار وقوع الأذان والإمامة بينهم، وحصول ثواب ذلك لهم أجمعين، وبأن الأذان لا تشترط فيه الأفضلية.\n٦٨٤ - [٥] (أبو هريرة -﵁-) قوله: (حين قفل) أي: رجع، يطلق القافلة على الرفقة الراجعة والمبتدئة أيضًا في السفر، تفاؤلًا في الرجوع. و(الكرى) النعاس، وأعرس القوم: نزلوا في آخر الليل للاستراحة كعرَّسوا، وهذا أكثر، كذا في","vol":"2","page":438},{"text":"وَقَالَ لِبِلَالٍ: \"اكلأ لَنَا اللَّيْلَ\". فَصَلَّى بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ، وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الْفَجْرُ اسْتَنَدَ بِلَالٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ مُوَجِّهَ الْفَجْرِ، فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ، وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَلَا بِلَالٌ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا، فَفَزِعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"أَيْ بِلَالُ\"، فَقَالَ بِلَالٌ: أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِكَ،\nــ\n(القاموس) (١). وكلأه كمنعه، كَلْئًا وكلاءةً وكلاءً بكسرهما: حرسه.\nوقوله: (موجه الفجر) حال من ضمير (استند)، وفي لفظ آخر: (وهو موجه قبل المشرق)، وموجه بكسر الجيم، أي: موجه راحلته إلى الفجر، والمراد من توجيه الراحلة إلى الفجر إناخته بحيث يكون -﵁- بالاستناد إليه متوجهًا إلى الفجر، فافهم.\nوقد يجعل (موجه) بمعنى متوجه، وكأنه من وجه بمعنى توجه كقدَّم بمعنى تقدَّم، وقد ضبط في نسختنا بفتح الجيم أيضًا، والراحلة: البعير القوي على الأسفار والأحمال، ويستوي فيه الذكر والأنثى، وهاؤه للمبالغة، وغلبة العين كناية عن النوم بلا اختيار.\nوقوله: (فلم يستيقظ رسول اللَّه -ﷺ-) استشكل هذا بأنه كان تنام عيناه ولا ينام قلبه، فَلِمَ لم يدرك الطلوع؟ وأجيب بأن إدراك الطلوع والغروب إنما هو فعل العين، فإن قلت: المدرك بالعين إنما هو الطلوع بطريق الإحساس، ولم لم يحصل العلم بالقلب بطريق الكشف كما يعلم المنجم بالحساب؟ قلنا: لو جعل ذلك لحصل بالوحي، ولم يوح إليه في ذلك لحكمة التشريع.\nوقوله: (ففزع رسول اللَّه -ﷺ-) أي: من فوات الصبح. (فقال: أي بلال)، أي: لِمَ\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥١٦).","vol":"2","page":439},{"text":"قَالَ: \"اقْتَادُوا\" فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: \"مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكرَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى. . . . .\nــ\nنِمْتَ حتى فوتنا الصبح؟ ولم يذكر هذا لظهوره وللدهشة وفظاعة ذكره وللتحير في وقوع هذا الأمر.\nوقوله: (قال: اقتادوا) أمر من القَوْد، وهو جَرّ حبل البعير، والاقتياد افتعال منه، والقود يكون من الأمام كالسَّوْق من الخلف.\nوقوله: (فاقتادوا) فعل ماض.\nوقوله: (شيئًا) أي: اقتيادًا قليلًا حتى خرجوا عن ذلك الوادي ونزلوا قريبًا.\nواختلفوا في سبب الخروج عن ذلك المكان، فمن لم يجوز قضاء الفائتة في الوقت المنهي قال: إنما فعل ذلك لترتفع الشمس، ومن جوز قال: لأن به شيطانًا كما ورد في رواية أخرى، وفي القول الأول نظر؛ لأنه قد ورد: حتى ضربتهم الشمس، وذلك إنما يكون بعد الطلوع والارتفاع، لا وقت الطلوع بحيث يكون نصف الشمس تحت الأفق ونصفها فوقه، كما وقع في الحديث: (حتى إذا طلع حاجب الشمس)، وأيضًا لو كان الغرض ارتفاع الشمس وخروجها عن وقت الطلوع لكفى التوقف، ولم يحتج إلى الاقتياد والخروج من الوادي، فلا بد من علة أخرى للخروج لا سيما وقد ورد في الحديث بيان سبب الخروج من قوله: (إن هذا واد به شيطان).\nوقوله: (وأمر بلالًا فأقام الصلاة) في (شرح الشيخ): ظاهره أن الفائتة لا يؤذن لها، وهو مذهب الشافعية، وقال في (الهداية) (١): إن النبي -ﷺ- قضى الفجر في غداة\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٤٤).","vol":"2","page":440},{"text":"قَالَ ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ \" [طه: ١٤]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٨٠].\nــ\nليلة التعريس بأذان وإقامة، وهو حجة على الشافعي ﵀ في اكتفائه بالإقامة، وفي (شرح ابن الهمام) (١): أي: في اكتفائه بها في أحد قوليه، وفي الآخر لا، ولا، انتهى، أي: لا أذان ولا إقامة.\nوقال الشيخ ابن الهمام (٢): روى مسلم في حديث طويل عن أبي قتادة في قصة التعريس: ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول اللَّه -ﷺ- ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما صنع كل يوم، وفي (سنن أبي داود) وغيره: أنه -ﷺ- أمر بلالًا بالأذان والإقامة حين ناموا عن الصبح وصلوها بعد ارتفاع الشمس، من رواية أبي هريرة وعمرو بن أمية الضمري وعمران بن حصين وغيرهم -﵃-.\nوروى مالك في (الموطأ) عن ابن المسيب مرسلًا، وذكر فيه الأذان، ومراسيل ابن المسيب مرفوعة عند الشافعي، وما جاء من مسلم في القصة: وأمر بلالًا فأقام الصلاة فصلى بهم الصبح، لا ينافي أنه أذن، فكيف وقد صح؟ وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف بإسناده إلى رسول اللَّه -ﷺ-: حين شغلهم الكفار: (قضاهن بأذان وإقامة)، يعني أربع صلوات، انتهى.\nأقول: وفيما روي عن أبي يوسف -﵀- جواب عما ذكر في (شرح الحاوي) (٣) في مذهب الشافعي -﵀-: إن يوم الخندق قضاهن بغير أذان، وروى السغناقي: قضاهن بغير أذان وإقامة، وما قالوا: إن الأذان شرع لإعلام الناس بدخول\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٢٥١).\n(٢) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٢٥٢).\n(٣) \"الحاوي الكبير\" (٢/ ٦٠).","vol":"2","page":441},{"text":"٦٨٥ - [٦] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣٧، م: ٦٠٤].\n٦٨٦ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أُقِيمَت الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوْهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوْهَا تَمْشُونَ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٠٨، م: ٦٠٢].\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: \"فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ. . . . .\nــ\nالوقت وللدعاء إلى الاجتماع، وكلا الأمرين لا يحتاج إليه في الغاية، فجوابه شرع لهذا وشرع أيضًا لتحصيل الثواب بذكر هذه الكلمات، ألا يرى أن المنفرد الأفضل له أن يؤذن ويقيم.\n٦٨٥ - [٦] (أبو قتادة) قوله: (فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت) قال الفقهاء: يقومون عند قوله: حي على الصلاة، ولعله ذلك عند حضور الإمام، ويحتمل أنه -ﷺ- كان يخرج عند هذا القول، وقال الطيبي (١): فيه دليل على جواز تقديم الإقامة على خروج الإمام، ثم ينتظر خروجه، وفيه تأمل.\n٦٨٦ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (فلا تأتوها تسعون) فإن قلت: المسارعة إلى الخير مرغوب ومأمور به لقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية؟ [آل عمران: ١٣٣]، فجوابه أن المسارعة أن يتهيأ قبل ذلك لا أن يقصر ويجلس، ثم إذا حان وقت الإقامة يسرع ويعدو، فإن ذلك يفوت ما أمر به من التزام السكينة والوقار، هذا وقد نقل عن بعض العلماء أنه إن خاف فوت التكبيرة الأولى يسرع بل يهرول، وجاء في ذلك أثر عن ابن عمر -﵄-.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢١٨).","vol":"2","page":442},{"text":"فَهُوَ فِي صَلَاةٍ\". وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-307> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٦٨٧ - [٨] عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةً بِطَرِيقِ مَكَّةَ، وَوَكَّلَ بِلَالًا أَنْ يُوقِظَهُمْ لِلصَّلَاةِ، فَرَقَدَ بِلَالٌ وَرَقَدُوا، حَتَّى اسْتَيْقَظُوا وَقَدْ طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ، فَاسْتَيْقَظَ الْقَوْمُ فَقَدْ (١) فَزِعُوا، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَرْكَبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، وَقَالَ: \"إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ\". فَرَكِبُوا حَتَّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي، ثُمَّ أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَنْزِلُوا وَأَنْ يَتَوَضَّؤوا، وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُنَادِيَ لِلصَّلَاةِ أَوْ يُقِيمَ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالنَّاسِ،\nــ\nوقوله: (فهو في صلاة) كأن التنكير للنوع، أي: هو في نوع من الصلاة، وهي الصلاة الحكمية التي تحصل له بالقصد إليها، وإن لم يكن في تلك الصلاة التي يصلي، فافهم.\nالفصل الثالث\n٦٨٧ - [٨] (زيد بن أسلم) قوله: (بطريق مكة) قال في الحديث السابق: (حين قفل من غزوة خيبر) فكان في طريق المدينة، ولعل القضية متعددة، أو كان من وهم الراوي، واللَّه أعلم.\nوقوله: (أن يركبوا) وفي الحديث السابق: (قال: اقتادوا).\nوقوله: (أو يقيم) شك من الراوي، أو للتخيير، والأول أظهر.\n_________\n(١) كذا في \"المشكاة\"، وفي \"الموطأ\": \"وقد\" ولعله هو الصواب.","vol":"2","page":443},{"text":"ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا، وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا، فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا ثُمَّ فَزِعَ إِلَيْهَا فَلْيُصَلِّهَا كَمَا كَانَ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا\". ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالَ: \"إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلَالًا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ لَم يَزَلْ يُهَدِّئُهُ كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ حَتَّى نَامَ\"، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِلَالًا فَأَخْبَرَ بِلَالٌ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مِثْلَ الَّذِي أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا. [\"الموطأ\": ٢٦].\n٦٨٨ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَصْلَتَانِ مُعَلَّقَتَانِ فِي أَعْنَاقِ الْمُؤَذِّنِينَ لِلْمُسْلِمِينَ: صِيَامُهُمْ وَصَلَاتُهُمْ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٧١٢].\n* * *\nــ\nوقوله: (في حين غير هذا) أي: يردها إلينا قبل هذا الوقت.\nوقوله: (يهدئه) بضم الياء، أي: يسكنه عن التحرك، في (القاموس) (١): هَدَأَ كَمَنَعَ هدءًا وهُدُوءًا: سَكَنَ.\n٦٨٨ - [٩] (ابن عمر) قوله: (معلقتان) قال الطيبي (٢): هو صفة (خصلتان)، و(للمسلمين) خبر، و(صيامهم وصلاتهم) بيان للخصلتين، لا شك أن المتبادر أن قوله: (معلقتان) خبر، وأما نكارة المبتدأ فقد تكلمنا مرارًا أن المدار على الإفادة كما\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٦).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٢١).","vol":"2","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة</span>\nــ\nذكره الرضي (١)، ثم بعد ما اختاره الظاهر أن يجعل الخبر قوله: (صيامهم)، ولكن تعريف الخبر مع نكارة المبتدأ مستهجن عندهم، فالأحسن جعل (صيامهم) مبتدأ، و(خصلتان) خبرًا مقدمًا عليه، كما لا يخفى.\n٧ - باب المساجد ومواضع الصلاة\n(المساجد) جمع مسجد، وهو من الألفاظ التي تجيء على مَفْعِلٍ بكسر العين على خلاف القياس، ويجوز الفتح أيضًا، فإن القياس في مفعل من باب نصر اسمًا كان أو مصدرًا من غير الناقص والمثال، فإنه من الأول بفتح العين، ومن الثاني بكسرها، مطلقًا فتح العين، إلا في أحد عشر لفظًا: المنسك والمجزر والمنبت والمطلع والمشرق والمغرب والمسقط والمسكن والمرفق والمسجد والمحشر، فإنها تجيء بكسر العين شذوذًا، ويجوز الفتح على القياس وإن لم تسمع، وما كان من باب ضرب يضرب فالموضع بالكسر، والمصدر بالفتح، نزل مَنْزَلًا بالفتح، أي: نزولًا، وهذا منزله بالكسر، أي: موضع نزوله، كذا في (القاموس) (٢).\nوالفقهاء قد يفرقون، فبالفتح يستعملون بمعنى مكان وضع الجبهة، وبالكسر بمعنى المكان المبني للصلاة، وقد يجيء المسجد بالفتح بمعنى الجبهة، والمساجد: الأعضاء السبعة التي يسجد عليها.\nوقوله: (ومواضع الصلاة) يريد بها الأمكنة التي تكره فيها الصلاة أو لا تكره، كما سيأتي من الأحاديث.\n_________\n(١) انظر: \"شرح الرضي على الكافية\" (١/ ٢٣١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٧٤).","vol":"2","page":445},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-309> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٦٨٩ - [١] ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- الْبَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا، وَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى خَرَجَ مِنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فِي قُبُلِ الْكَعْبَةِ وَقَالَ: \"هَذِه الْقبْلَةُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٩٨].\n٦٩٠ - [٢] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ. [م: ١٣٣٠].\nــ\nالفصل الأول\n٦٨٩ - ٦٩٠ - [١ - ٢] (ابن عباس، وأسامة بن زيد) قوله: (لما دخل النبي -ﷺ- البيت) زعم جماعة من العلماء أن ذلك كان في حجة الوداع حتى قالوا: إن الدخول في البيت من سنن الحج، والجمهور على أنه كان في فتح مكة، قالوا: وهو الصواب، والأحاديث والآثار دالة عليه، والبخاري أورد حديث الدخول في (كتاب الصلاة) ساكتًا عن كونه في الحج أو الفتح، وأورده في (كتاب الحج) من غير أن يكون فيه ما يدل على كونه فيه، سوى أنه أورده في بابه، وأورده في غزوة الفتح عن ابن عباس وابن عمر، وفيه تصريح بأنه كان يوم الفتح، وأورده مسلم أيضًا في (كتاب الحج) عن ابن عمر وعن ابن عباس وعن أسامة -﵃-، ولكن بعض الأحاديث الموردة فيه ناطقة بكونه في الفتح، وبعضها مطلقة.\nوقوله: (دعا في نواحيه) أي: زواياه.\nوقوله: (في قبل الكعبة) أي: مقابلتها وما استقبل منها، وهو وجهها الذي فيه الباب، والقبل نقيض الدبر بضمتين، وضمة وسكون، والأول أفصح.\nوقوله: (هذه القبلة) معناه: أن أمر القبلة قد استقر على التوجه إلى هذا البيت استقرارًا لا يزيله النسخ، وليس معناه أن القبلة إنما هي هذه الجهة مقابلة البيت لا الجهات","vol":"2","page":446},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالأخر، وهو ظاهر، ولا أنه يجب أن يتوجه إلى البيت من خارج، حتى لا تجوز الصلاة داخل البيت، إما الفرض كما ذهب إليه مالك وأحمد في رواية، وإما مطلقًا كما حكي عن محمد بن جرير.\nثم قد اختلفت الرواية في صلاته -ﷺ- داخل البيت، فروى أسامة وابن عباس عنه أنه لم يصل، وروى بلال وابن عمر عنه أنه قد صلى، ورجح رواية بلال؛ لأنه مثبت، وخبر أسامة ناف، وخبر المثبت مقدم؛ لأنه معه زيادة علم، كما تقرر في أصول الفقه، ويشبه أنهم لما دخلوا الكعبة أغلقوا الباب، وقام كلٌّ في ناحية، واشتغل بالدعاء في ناحية، فرأى أسامة النبي -ﷺ- يدعو، ثم اشتغل أسامة بالدعاء في ناحية من نواحي البيت، والنبي -ﷺ- في ناحية أخرى، وبلال قريب منه -ﷺ-، فرأى بلال صلاته لقربه منه، ولم يره أسامة لبعده واشتغاله بالدعاء، وكانت صلاته -ﷺ- خفيفة، والباب مغلق.\nقال في (المواهب اللدنية) (١): وأقرب ما قيل في الجمع أنه -ﷺ- صَلَّى في الكعبة لما غاب [عنه] أسامة من الكعبة لأمرٍ ندبه إليه، وهو أن يأتي بماء يمحو به الصور التي كانت في الكعبة، فأثبتها بلال لرؤيته لها، ونفاها أسامة لعدم رؤيته، ويؤيده ما رواه أبو داود الطيالسي عن أسامة بن زيد قال: (دخلت على رسول اللَّه -ﷺ-[في الكعبة] فرأى صورًا، فدعا بدلو من ماء، فأتيته به فجعل -ﷺ- يمحوها)، ورجاله ثقات، انتهى. هذا وقد نقل صاحب (المواهب) عن أحمد والطبراني من حديث ابن عمر: أن أسامة أخبره أن النبي -ﷺ- صَلَّى في الكعبة، والجمع بينه وبين خبر ابن عباس عن أسامة -﵃- بأن أسامة حيث أثبتها اعتمد في ذلك على خبر غيره، وحيث نفاها أراد ما في علمه؛ لكونه لم يره حين صلّى، ويكون ابن عمر -﵄- ابتدأ بلالًا بالسؤال، ثم أراد زيادة الاستثبات في\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (١/ ٥٩١ - ٥٩٢).","vol":"2","page":447},{"text":"٦٩١ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -﵄- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زيدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الحَجَبِيُّ وَبِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ، وَمَكَثَ فِيهَا، فَسَأَلْتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ: مَاذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَقَالَ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُوديْنِ عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّى. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٥، م: ١٣٢٩].\n٦٩٢ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا. . . . .\nــ\nمكان الصلاة، فسأل أسامة -﵁- أيضًا.\n٦٩١ - [٣] (عبد اللَّه بن عمر -﵄-) قوله: (الحجبي) بفتح الحاء والجيم وبموحدة، منسوب إلى الحجبة جمع حاجب كطلبة جمع طالب، أي: حجبة بيت اللَّه، وهم أهل مفتاح الكعبة، وفي أخذه -ﷺ- المفتاح منه ثم إعطائه إياه لنزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]، قصة مشهورة، والآن يقال لهم: الشيبيون نسبة إلى شيبة أخي عثمان، وعثمان لم يكن له خلف، فأعطى المفتاح لأخيه شيبة عند وفاته.\nوقوله: (فأغلق) الضمير إما للنبي -ﷺ- بمعنى أمر به، أو لبلال -﵁-، والظاهر بحسب المعنى أن يكون لعثمان بن طلحة، وإن كان بعيدًا من جهة اللفظ، وفي رواية: (فأغلقاها) بضمير التثنية.\nوقوله: (كان البيت يومئذ على ستة أعمدة) وهو الآن على ثلاثة أعمدة، وسبب ذلك مذكور في (تاريخ مكة) للفاكهي.\n٦٩٢ - [٤] (أبو هريرة -﵁-) قوله: (صلاة في مسجدي هذا) أخذ النووي من","vol":"2","page":448},{"text":"خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٩٠، م: ١٣٩٤].\nــ\nهذه العبارة أن المضاعفة فيه خاصة بما كان مسجدًا في حياته -ﷺ- لا بما زيد بعد حياته، يعني أن الإشارة بـ (هذا) تفيد ذلك، والمختار عند الجمهور أن الحكم بالمضاعفة يشتمل ما زيد عليه، فقد ورد (لو مدّ هذا المسجد إلى صنعاء اليمن كان مسجدي)، وقال عمر -﵁-: (لو مدّ مسجد رسول اللَّه -ﷺ- إلى ذي الحليفة لكان فيه)، وأيضًا قيام عمر وعثمان -﵄- في الصلاة في الزيادة يدل على ذلك، وإلا لم يتصور ترك إدراك الفضيلة.\nوقال ابن تيمية: لم يظهر من أحد من السلف والخلف خلاف في ذلك، نعم مقام رسول اللَّه -ﷺ- أعظم وأفضل من سائر المقامات، انتهى. ولعل مقصوده المبالغة في الرد على من يخالف في ذلك، وقد نقل المحب الطبري رجوع النووي من تلك المقالة، كذا في تاريخ السمهودي، ولا يخفى ضعف ما تمسك به النووي، فإن الظاهر أن إتيان اسم الإشارة للتميز والتعظيم، ويحتمل أن يكون احترازًا عن مسجد قباء.\nثم لا يخفى أن الحكم في غير الصلاة من العبادات كذلك في المضاعفة، وقد روى ذلك البيهقي عن جابر، كذا ذكر في (فتح الباري) (١).\nوقوله: (خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) الاستثناء يحتمل احتمالات متعددة، والذي يظهر من الأحاديث الواردة في الباب أن الصلاة في المسجد الحرام تفضل الصلاة في مسجد رسول اللَّه -ﷺ-، فقد ورد أن الصلاة في مسجد الحرام بمئة ألف صلاة، وحمله المالكية على أن الصلاة بمسجد المدينة أفضل منها بمسجد مكة بأقل من ألف؛ لأن مذهبهم أن المدينة أفضل من مكة، وللقائلين بأفضلية المدينة\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ٦٤).","vol":"2","page":449},{"text":"٦٩٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: . . . . .\nــ\nأن يقولوا: الأفضلية لا تنحصر في مضاعفة الثواب، هب أن الصلاة بالمسجد الحرام مضاعفة، ولكن أنواع الكرامات والبركات من محبة اللَّه ورسوله ومنافع الإسلام وأهله مخصوصة بالمدينة، وأيضًا المضاعفة هي كثرة الكمية، ويحتمل أن الكيفية من البركة والعظمة تكون أعظم وأرجح في المدينة، وكثرة الكمية لا تستلزم الأفضلية كاللؤلؤ الواحد أفضل وأشرف وأحسن ذاتًا من ألف فلس، وإن كثرت كمية، ولعل البركة والقبول في عمل واحد الذي يحصل من مجاورة القبر الشريف يكون أعلى وأتم من أعمال كثيرة في غيره من الأماكن، وتمام هذا البحث استوفيناه في كتاب (جذب القلوب إلى ديار المحبوب) (١) تاريخ المدينة المطهرة، فليطلب ثمة، ثم الفرض والنفل سواء في المضاعفة عند أكثر العلماء، وقد خصّ بعض الحنفية وأكثر المالكية هذا الحكم بالفرض لحديث: (أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة)، ويمكن أن تكون النافلة في بيوت مكة والمدينة أفضل منها في بلاد أخر.\n٦٩٣ - [٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) شد الرحال كناية عن السفر، أي: لا يقصد موضع بنية التقرب إلى اللَّه إلا أحد هذه الثلاثة تعظيمًا لشأنها، فإن ما سواها متساوٍ في الفضل، ففي أيِّ مسجد يصلي كتب له مثل ما في غيره، بخلاف المساجد الثلاثة؛ لما بين اللَّه لنا على لسان رسوله -ﷺ- في مقادير تضعيف الثواب للمصلي في كل واحد منها، ثم المراد أنه لا يرحل من حيث قصد ذوات الأمكنة، وأما إن كان إليها حاجة من تعلم العلم أو التجارة أو نحو ذلك، فذلك\n_________\n(١) باللغة الفارسية، طبع أول مرة في سنة ١٨٤٦ م، الموافق ١٢٦٣ هـ في كولكاتا.","vol":"2","page":450},{"text":"مَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى وَمَسْجِدِي هَذَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٩٧، م: ٨٢٧].\nــ\nشيء آخر، وظاهره النهي عن المسافرة إلى موضع سوى هذه المواضع.\nوقيل: المراد أنه لا يجب قصد ما سوى المساجد الثلاثة بالنذر، ولا ينعقد النذر، ولا يلزم الوفاء به، واختلف في شدها إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة، فمحرم ومبيح، كذا في (مجمع البحار) (١).\nوقيل: المراد أنه لا تشد الرحال ولا يسافر إلى مسجد من المساجد إلا إلى المساجد الثلاثة؛ لأن المستثنى منه في المستثنى المفرغ يجب أن يكون من جنس المستثنى، فإذا استثنى المساجد الثلاثة ينبغي أن يكون المستثنى منه أيضًا مساجد، وهذا كما ترى توجيه حسن، ولكن المعنى المتبادر إلى الفهم عند الإنصاف هو النهي عن السفر إلى مكان إلا المساجد الثلاثة، والأمكنة من جنس المساجد، غير أنه جنس بعيد، ولا يجب في المستثنى المفرغ أن يكون جنسًا قريبًا للمستثنى، ويمكن أن يقال: لعل المراد بيان الاهتمام بشأن الارتحال إلى هذه البقاع الثلاث المتبركة، وامتيازها في الفضل، والمبالغة في بيان فضلها ومرتبتها على ما عداها، يعني لو شاء أحد أن يرتكب السفر ينبغي أن يسافر إليها ويهتم بشأنها لكونها أفضل البقاع، واللَّه أعلم.\nوقوله: (مسجد الحرام) من قبيل صلاة الوسطى بالإضافة.\nوقوله: (والمسجد الأقصى) لعل تقديمه على مسجد المدينة -وهو مسجد سيد الرسل -ﷺ- لتقدمه وجودًا، ويسمى بالأقصى إما لأنه لم يكن في ذلك الزمان مسجد بني بعده، فهو أقصى المساجد، أي: نهايتها، أو لبعده من المسجد الحرام في المسافة،\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ١٩١).","vol":"2","page":451},{"text":"٦٩٤ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ،\nــ\nأو لبعده من الأقذار والخبث وتنزهه عنها، وقيل: لأنه أقصى بالنسبة إلى مسجد المدينة وأبعد من المسجد الحرام، هذا الوجه لا يجري في تسميته به في قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]؛ لأنه لم يبن حينئذ مسجد المدينة.\n٦٩٤ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (ما بين بيتي ومنبري) وفي رواية: (قبري ومنبري)، وفي رواية عند الطبراني: (ما بين حجرتي ومصلاي) والمؤدى واحد؛ لأن قبره -ﷺ- في بيته، وبيته حجرة أم المؤمنين عائشة -﵄-، وهي حجرته ومصلاه، أي: موضع صلاته عند منبره، وليس المراد بالمصلى مصلى العيد الذي هو خارج المدينة في جانب طريق مكة بقرينة باقي الروايات، وقد حمله بعضهم عليه، وقد نقل أن سعد بن أبي وقاص -﵁- بنى بيتًا بينه وبين المسجد بعد سماع هذا الحديث.\nوقوله: (روضة من رياض الجنة) والروضة في الأصل: البستان في غاية النضارة، وفي (الكشاف): كل أرض ذات نبات وماء، اختلفوا في تأويل كونه روضة من رياض الجنة، فقيل: إن العبادة فيه تؤدي إلى روضة الجنة، أو جعل الروضة كما جعل حلق الذكر رياض الجنة؛ فإنه لا يزال مجمعًا للملائكة والجن والإنس، يذكرون اللَّه، أو كروضة الجنة في حصول الرحمة والسعادة، وهذا القول لا يخلو عن بُعد؛ لأنه خلاف ظاهر اللفظ، وقد يشترك فيه سائر المساجد وبقاع الخير، وقال أهل التحقيق: إن الكلام محمول على الحقيقة، إما بأن ينقل هذا المكان يوم القيامة إلى الفردوس الأعلى، ولا يفنى ولا يستهلك مثل سائر بقاع الأرض.","vol":"2","page":452},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nونقل ابن فرحون وابن الجوزي هذا القول من مالك -﵀- واتفاق جماعة من العلماء على ذلك، ورجح الشيخ ابن حجر العسقلاني وكثير من علماء الحديث هذا القول.\nوقال ابن أبي جمرة من كبار علماء المالكية -﵏-: يحتمل أن يكون عين هذه البقعة روضة من رياض الجنة، أنزلت منها إلى المسجد، كما ورد في الحجر الأسود ومقام إبراهيم، وبعد قيام الساعة ينقل إلى مقامه الأصلي، ونزول الرحمة واستحقاق الجنة من لوازم ذلك، فكما أن الرتبة الخليلية الإبراهيمية اقتضت الاختصاص بحجر من الجنة اقتضت الدرجة الحبيبية المحمدية بروضة منها، وشتان ما بينهما، ولو رئي في العين الظاهر مثل سائر الأراضي الدنيوية لم يبعد؛ لأن الإنسان ما دام محجوبًا بالحجب الكثيفة الطبيعية والأحكام العادية البشرية لم ينكشف عليه حقائق الأشياء، ولم يدرك الأمور الأخروية، وقد ورد: (أحد جبل من جبال الجنة) (١)، ولم يقل أحدٌ: إن العبادة في جوار أُحد توصل إلى النعيم، فإن قال قائل: لو كان من الجنة لثبت خواصها ولوازمها فيه من عدم الجوع والظمأ ونحوهما؟ فالجواب أن تلك الخصائص واللوازم انفكت بعد خروجه منها، كما في الحجر الأسود.\nوإن قيل: أمثال هذه الأمور لا يثبت إلا بسماع وإخبار من الشارع، وقد وردت الدلائل والشواهد في الركن والمقام؟ قلت: كفى دليلًا وشاهدًا على ذلك ورود هذا الحديث الصحيح المتفق عليه، ولو قاموا في مقام التأويل فكلا الخبرين يصلح للتأويل، ولو حملوا على الحقيقة فهي ثابتة فيهما، فما الفرق؟ واللَّه أعلم، ومنه التوفيق، وبيده\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٣٦٠).","vol":"2","page":453},{"text":"وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٩٦، م: ١٣٩١].\n٦٩٥ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَأْتِي مَسْجِدَ قبَاءَ كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا فَيُصَلِّي فِيهِ رَكعَتَيْنِ (١). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٩٣، م: ١٣٩٩].\nــ\nأزمَّة التحقيق، وهو بإفاضة العلوم على من شاء من عباده جدير وحقيق، وصلى اللَّه على محمد سيد المرسلين وسيد الأولين والآخرين وآله وأصحابه وأتباعه أجمعين.\nوقوله: (ومنبري على حوضي) تأويله على نحو تأويل الروضة، وقد جاء في بعض الروايات: (وإن منبري على تُرْعَةٍ من تُرَعِ الجنة) (٢)، والترعة بضم التاء: الباب، والجمع ترع كصُرَدٍ، والوجه، ومفتح الماء حيث يستقي الناس، والدرجة، والروضة في مكان مرتفع، ومقام الشاربة على الحوض، والمرقاة من المنبر، وفُوَّهَة الجدول، وجاء في الحديث: أنه -ﷺ- كان قائمًا على منبره فقال: (قَدَمَيّ في هذه الساعة على ترعة من ترع الجنة)، وفي حديث آخر: (أنا قائم على عُقْر حوضي) (٣)، والعقر: موضع يدخل منه الماء في الحوض، وذهب بعضهم إلى أن هذا إخبار عن المنبر الذي يكون له -ﷺ- يوم القيامة، يوضع على حوضه بأمر ربه، لا هذا المنبر في المسجد الشريف، وهذا القول بعيد من سياق الحديث كما لا يخفى، واللَّه أعلم.\n٦٩٥ - [٧] (ابن عمر) قوله: (مسجد قباء) بالضم ممدودًا ومقصورًا، مصروفًا وغير مصروف، فمن صرفه ذكره، ومن منعه أنثه، كما هو حكم سائر أسماء المواضع،\n_________\n(١) أَيْ: تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرَهَا يَقُومُ مَقَامَهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّقَرُّبَ بِالْمَسَاجِدِ وَمَوَاضعِ الصُّلَحَاءِ مُسْتَحَبٌّ، وَأَنَّ الزِّيَارَةَ يَوْمَ السَّبْتِ سُنَّةٌ، \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٥٩٠).\n(٢) أخرجه الطبراني في \"معجمه الكبير\" (١٧/ ١٨).\n(٣) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ٢٨٢).","vol":"2","page":454},{"text":"٦٩٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٧١].\n٦٩٧ - [٩] وَعَنْ عُثْمَانَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٠، م: ٥٣٣].\nــ\nوفي (شرح الشيخ): وأنكر بعضهم القصر، موضع قرب المدينة على نحو ثلاثة أميال منها، بنى رسول اللَّه -ﷺ- مسجده في أول قدومه بالهجرة، وأقام ثلاثة أيام ثم راح إلى المدينة، وفيه نزل: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ الآية [التوبة: ١٠٨]، على ما هو المشهور، وقال عمر -﵁-: ولو كان هذا المسجد في أقطار الأرض لضربنا فيه أكباد الإبل، وله فضائل كثيرة، وهو في حكم مسجد المدينة.\n٦٩٦ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (أحب البلاد) أي: بقاع البلاد، أو أراد بالبلاد المواضع مجازًا، أو الإضافة للتخصيص مثل أفضل قريش (١).\n٦٩٧ - [٩] (عثمان -﵁-) قوله: (من بنى اللَّه (٢) مسجدًا) قيل: هو حديث متواتر.\n_________\n(١) قال القاري: الْمُرَادُ بِحُبَّ اللَّهِ الْمَسَاجِدَ إِرَادَةُ الْخَيْرِ لأَهْلِهَا وَبِالْبُغْضِ خِلَافُهُ، وَهَذَا بِطَرِيقِ الأَغْلَبِيَّةِ وَإِلَّا فَقَدْ يَقْصِدُ الْمَسْجِدَ بِقَصْدٍ نَحْوَ الْغِيبَةِ، وَقَدْ يَدْخُلُ السُّوقَ لِطَلَبِ الْحَلَالِ، وَلِذَا قِيلَ: كُنْ مِمَّنْ يَكُونُ فِي السُّوقِ وَقَلْبُهُ فِي الْمَسْجِدِ لَا بِالْعَكْسِ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْقَالَبِ فِي الْمَسْجِدِ أَكْمَلُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٥٩١).\n(٢) أي: يبتغي به وجه اللَّه لا رياء ولا سمعة. قال ابن الجوزي: من كتب اسمه على المسجد الذي يبنيه كان بعيدًا من الإخلاص، انتهى. قال القاري: قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَهُوَ ظَاهِرٌ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِكِتَابَةِ اسْمِهِ نَحْوَ الدُّعَاءِ وَالتَّرَحُّمِ، وَفِيهِ: أَنَّ الدُّعَاءَ وَالتَّرَحُّمَ يَحْصُلُ مُجْمَلًا وَمُبْهَمًا، فَلَا يُحْتَاجُ إلى تَعْيِين الاسْمِ، \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٥٩١)، وانظر: \"مرعاة المفاتيح\" (٢/ ٤٠٣).","vol":"2","page":455},{"text":"٦٩٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنَ الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٢، م: ٦٦٩].\n٦٩٩ - [١١] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى،\nــ\n٦٩٨ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (من غدا إلى المسجد أو راح) أي ذهب إليه أول النهار أو آخره، وقد يراد بالأول من طلوع الفجر إلى الزوال، وبالثاني ما بعد الزوال إلى الليل، و(النزل) بضمتين أو بالضم والسكون: الطعام الذي يقدم للضيف في أول نزوله، وفيه إشارة إلى كون المسجد بيت الرب تعالى يضيف زائره (١).\nوقوله: (كلما غدا أو راح) أي: إلى المسجد، والإعادة لإفادة تأكيد تعميم الأوقات، أو في الجنة كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]، ويكون في الجنة ما يشابه البكرة والعشي، أو هو كناية عن الدوام (٢).\n٦٩٩ - [١١] (أبو موسى الأشعري) قوله: (أبعدهم فأبعدهم) الفاء (٣) فيه\n_________\n(١) قال المظهر: عادة الناس أن يقدموا طعامًا إلى من دخل بيوتهم، والمسجد بيت اللَّه، فمن دخله في أيِّ وقت كان من ليل أو نهار يعطيه اللَّه أجره من الجنة؛ لأن اللَّه أكرم الأكرمين فلا يضيع أجر المحسنين، انتهى. \"المفاتيح شرح المصابيح\" (٢/ ٦٤).\n(٢) قال القاري (٢/ ٥٩٢): فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْحَرَكَةُ سَبَبَ الْبَرَكَةِ، وَالذَّهَابُ مُوجِبَ الثَّوَابِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الذَّهَابُ إِلَى الطَاعَةِ عَلَامَةَ إِعْدَادِ اللَّهِ الْمَثُوبَةَ، فَإِنَّ الْعِبَاداتِ أَمَارَاتٌ لَا مُوجِبَاتٌ.\n(٣) قال القاري (٢/ ٥٩٢): الْفَاءُ لِلِاسْتِمْرَارِ كَمَا فِي قَوْلِهِ: الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ. وتعقبه العيني (٥/ ١٦٩) بأنه لم يذكر أحد من النحاة أن الفاء تجيء بمعنى الاستمرار، ثم رجح كونها بمعنى ثمّ أي: أبعدهم ثم أبعدهم ممشى. وقال السندي: الْفَاءُ لِلتَّرْييبِ أَي الأَبْعَدُ عَلَى مَرَاتِبِ =","vol":"2","page":456},{"text":"وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الَّذِي يُصَلِّي ثمَّ يَنَامُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥١، م: ٦٦٢].\n٧٠٠ - [١٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَلَتِ الْبِقَاعُ حَوْلَ الْمَسْجِدِ، فَأَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَنْتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ لَهُمْ: \"بَلَغَنِي أَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تنتَقِلُوا قُرْبَ الْمَسْجِدِ\". . . . .\nــ\nمثلها في قوله: (الأمثل فالأمثل).\nوقوله: (من الذي يصلي) أي: وحده، وإن صلاها أول الوقت، كذا في (شرح الشيخ)، فيفهم منه أن التأخير من أول الوقت لانتظار الجماعة ولو لتكثيرها أفضل من الصلاة في أول الوقت، وهذا سر أفضلية الإسفار في الفجر عند الحنفية، وقال الطيبي (١): أو المراد يصلي مع الإمام، والمراد بالنوم عدم انتظار الصلاة الآتية، وإن كان يقظان، والمنتظر يقظان وإن نام، ولا يخفى ما فيه من البعد لفظًا ومعنى، فتأمل.\n٧٠٠ - [١٢] (جابر) قوله: (خلت البقاع) بأن ذهب ساكنوها أو ماتوا.\nوقوله: (حول المسجد) أي: المسجد النبوي -ﷺ-.\nوقوله: (فأراد بنو سلمة) بكسر اللام، بطن من الأنصار، وليس بنو سلمة غيرهم.\nوقوله: (أن تنتقلوا) لبعد دورهم عنه.\n_________\n= الْبُعْدِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الأَقْرَبِ عَلَى مَرَاتِبِ الْقُرْبِ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَبْعَدَ فَهُوَ أَكْثَرُ أَجْرًا مِمَّنْ كَانَ أَقْرَبَ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ هَذَا الأَقْرَبُ أَبْعَدَ مِنْ غَيْرهِ فَأَجْرُهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ إِذَا حَضَرَ الْمَسْجِدَ مَعَ ذَلِكَ الْبُعْدِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ الْبُعْدُ عَنِ الْحُضُورِ. \"حاشية السندي على سنن ابن ماجه\" (١/ ٢٦٣).\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٢٨).","vol":"2","page":457},{"text":"قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- (١) قَدْ أَرَدْنَا ذَلِكَ. فَقَالَ: \"يَا بَنِي سَلِمَةَ دِيَارَكُمْ تُكْتَب آثَارُكُمْ، دِيَارَكُمْ تُكْتَبُ آثَارُكُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٦٥].\n٧٠١ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ. . . . .\nــ\nوقوله: (نعم يا رسول اللَّه -ﷺ- قد أردنا ذلك) إنما أطنبوا في الجواب إظهارًا لما في ضميرهم، والرغبة لعله يقررهم على ذلك ويشفق عليهم، كما يفعله المجرمون في حضرة السلطان خوفًا منه وطمعًا في عفوه، فافهم.\nوقوله: (دياركم) أي: الزموها، وهو جمع دار.\nقوله: (تكتب) بالجزم على جواب الأمر، وبالرفع على استئناف، والمراد بالآثار إما آثار الأقدام، أو سيرهم الحسنة، كقوله تعالى: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ [يس: ١٢]، وقيل: فيهم نزلت هذه الآية كما أخرجه الترمذي والحاكم عن أبي سعيد (٢).\n٧٠١ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (يظلهم اللَّه في ظله) الظل في الأصل ضد الضّحِّ، أو هو الفيء، أو هو بالغداة، والفيءُ بالعشي، والجنة، ومنه ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر: ٢١] ويجيء بمعنى العزة والمنعة، وهو في ظله: في كنفه، كذا في (القاموس) (٣)، فقيل: الظل عبارة عن الراحة والنعيم، نحو: هو في عيش ظليل، والمراد ظل الكرامة لا ظل الشمس؛ لأنها وسائر العالم تحت العرش، وقيل: المراد\n_________\n(١) \"-ﷺ-\": سقط في نسخة.\n(٢) انظر: \"سنن الترمذي\" (ح: ٣٢٢٦)، و\"المستدرك\" للحاكم (٢/ ٤٦٥).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٤٦).","vol":"2","page":458},{"text":"يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلّقٌ بِالْمَسْجِدِ إِذَا خَرَجَ مِنْهُ حَتَّى يَعُودَ إِلَيْهِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ. . . . .\nــ\nظل عرشه، أي: تحته، والإضافة إليه للتشريف، أو ظل طوبى، أو الجنة، وتعقب أن هذه القضية حين تدنو الشمس قبل الدخول في الجنة، ويشتد الحر، ويأخذهم العرق.\nوقوله: (يوم لا ظل إلا ظله) أي: لا يكون من له ظل كما في الدنيا، وهذا ظاهر في أن المراد بالظل ظل العزة والمنعة، كما ورد ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، وعلى التقادير كلها المراد تميزهم وتخصيصهم بمزيد فضل وكرامة، رزقنا اللَّه وجعلنا داخلين في بعض هذه الأقسام إن شاء اللَّه تعالى.\nوقوله: (اجتمعا عليه وتفرقا عليه) عبارة عن خلوص المودة في الغيبة والحضور.\nوقوله: (دعته امرأة) إن وصلت الدعوة إلى مرتبة المراودة والمخادعة والمبالغة في مباشرة أسبابها وآلاتها والتمكن منها، فهي المرتبة اليوسفية العليا، وإن كانت أدنى مرتبة منها كالنظرة والإشارة ونحوهما، فالمراد المبالغة، يعني يفوز بذلك الجزاء بهذا القدر، فكيف إذا تمكن من الفحشاء وكفَّ نفسه عنها، وعلى كل تقدير لا يتجه ما ذكر بعض الشراح في هذا المقام: أنهم تكلموا في أن هذه الحالة يعني الكف في أول دعوة أفضل وأشدّ، أو بعد التمكن والقدرة كما كان ليوسف -﵇-، فقيل: الكفّ في أول المرتبة أفضل وأصعب وأدخل في التحفظ والاحتراس؛ لأنه كثيرًا ما تتساهل النفس فيها، وبعد التمكن قد يتطرق الكراهة والخوف والانقباض فيسهل الاجتناب، فافهم.","vol":"2","page":459},{"text":"ذَاتُ حَسَبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٠، م: ١٠٣١].\n٧٠٢ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُويهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا،\nــ\nوقوله: (ذات حسب) الحسب: ما يعده المرء من مآثره ومآثر آبائه، وقد يراد به المال، وقد يجيء الحسب بمعنًى يكون في الرجل وإن لم يكن له أب، وقد يجيء بمعنى النسب كما في حديث: (كيف حسبه فيكم؟) أي: نسبه. و(الجمال) الحسن والملاحة والبهجة.\nوقوله: (حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه) أي: من كان في شماله، والصواب أنه كناية عن غاية الإخفاء، هذا وقد يروى: (حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله)، ولعله سهو من قلم الناسخ؛ لأن المعروف في النفقة هو اليمين، وهكذا جاء في رواية مسلم، وسمّوه في أصول الحديث مقلوبًا، فيكون من الراوي، لا أن الكلام محمول على القلب، كما في عرضت الناقة على الحوض، فافهم.\n٧٠٢ - [١٤] (وعنه) قوله: (صلاة الرجل) أي: ثوابها (في الجماعة) أي: في المسجد.\nوقوله: (تضعف) بضم فوقية وتشديد عين من التضعيف، أي: يزاد على صلاته في بيته، أي: منفردًا كما هو العادة، وكذا تخصيص البيت والسوق بالذكر باعتبار العادة، وفيه إشعار بعذره لالتزامهما، ومع ذلك يضعف، ففي غيرهما بطريق الأولى.\nفالظاهر من الحديث بيان تفضيل الصلاة في المسجد بالجماعة على الصلاة في البيت، فإذا صلَّى في المسجد منفردًا أو في البيت بالجماعة كان لهذين القسمين ثواب،","vol":"2","page":460},{"text":"وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ،\nــ\nإما متساويين أو متفاضلين، لا بالتفاضل المذكور فيه، واللَّه أعلم. والعلم بالمضاعفة بهذا العدد موكول إلى علم الشارع، وسيجيء بيانه في (باب فضل الجماعة).\nوقوله: (ذلك) إشارة إلى أصل المضاعفة لوجود رفع الدرجات وحط الخطيئات.\nوقوله: (لا يخرجه إلا الصلاة) أي: قصد إيقاعها على الوجه المأمور به، دون غرض آخر. و(الخطوة) بالضم: بُعد ما بين القدمين في المشي، وبالفتح: المرة، وجمعها خُطًا بضم الخاء، وخُطْوات بسكون الطاء وضمها وفتحها.\nوقوله: (ما دام في مصلاه) وفي رواية للبخاري: (ما دام في مجلسه الذي يصلي فيه)، ظاهره أن هذه الفضيلة تفوت بالذهاب إلى موضع آخر، وإن كان مشغولًا بالذكر، فكأنه جزاء المصابرة والمرابطة، وفضل الذكر باق، وبعض المشايخ اختاروا الخلوة لخوف تشويش أو تطرق رباء، واللَّه أعلم.\nوقوله: (اللهم صلِّ عليه) بيان لقوله: (تصلي عليه) أي: يقولون هذا القول، ويطلبون من اللَّه الرحمة، فالصلاة من اللَّه الرحمة، ومن العباد سواء كانوا ملائكة أو ناسًا الدعاء والسؤال من اللَّه إنزال الرحمة، وما اشتهر من أن الصلاة من الملائكة الاستغفار فكأنه أخذ من قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]، لا أن معنى الصلاة الاستغفار، فإنهم إنما يطلبون من اللَّه أن يصلي، والصلاة من اللَّه الرحمة، فافهم، فالحق أحق أن يتبع.","vol":"2","page":461},{"text":"وَلَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ\".\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: \"إِذَا دَخَلَ الْمَسْجدَ كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ\". وَزَادَ فِي دُعَاءَ الْمَلَائِكَةِ: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٧، م: ٦٤٩].\nــ\nوقوله: (ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة) إشارة إلى فضيلة استدامته في مصلاه، واقتضائه المضاعفة بانتظار الصلاة الآتية بجلوسه في مصلاه، وسببيَّته لدعاء الملائكة.\nوقوله: (ما لم يؤذ فيه) أي: أحدًا ممن لا يجوز إيذاؤه.\nوقوله: (يحدث) بدل من سابقه فيكون مجزومًا، وروي بالرفع بأنه استئناف، وهذان الوجهان في رواية: (ما لم يؤذ يحدث فيه) بترك كلمة (لم)، وأما على تقدير وجود (لم) كما أورده المؤلف فهو بدل، أو عطف بحذف حرف العاطف، و(يحدث) بالتخفيف من الحدث لانتقاض طهره وزوال تأهله للصلاة وانتظاره لها، وأيضًا إن أحدث حُرِم استغفارَهم لتأذيهم برائحته الخبيثة، كذا في (مجمع البحار) (١). وقد يشدد من التحديث، وهو خطأ، كذا قال الطيبي (٢). وقال الكرماني (٣): وفي بعض الروايات: (بحدث) بلفظ الجار والمجرور متعلق بـ (يؤذ)، أي: لم يؤذ الملائكة بحدث، وفي بعضها من باب التفعيل، أي: ما لم يتكلم بكلام الدنيا.\nوقوله: (متفق عليه) قيل: فيه نظر لأنه ليس في رواية البخاري: (اللهم تب عليه)،\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٥٤).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٣١ - ٢٣٢).\n(٣) \"شرح الكرماني\" (٤/ ١٤٠).","vol":"2","page":462},{"text":"٧٠٣ - [١٥] وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ. وَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧١٣].\n٧٠٤ - [١٦] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٤٤، م: ٧١٤].\n٧٠٥ - [١٧] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- لَا يَقْدَمُ. . . . .\nــ\nوأيضًا ليس فيها: (ما لم يؤذ ما لم يحدث)، بل إما (ما لم يحدث) أو (ما لم يؤذ يحدث) بدون (لم)، فكأنه لم يعتبر مثل هذه المخالفة في الحكم بالاتفاق، واللَّه أعلم.\n٧٠٣ - [١٥] (أبو أسيد) قوله: (أبو أسيد) بالتصغير، كنية مالك بن ربيعة، أنصاري، ساعدي، آخر من مات من البدريين.\nوقوله: (من فضلك) الفضل ضد النقص، والمراد طلب الرزق الذي تبغيه بعد الصلاة، أو العود إلى المسجد للصلاة التي هي فضل بعد الصلاة التي صلاها، وقد يفسر قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] بطلب زيادة العلم والعمل بزيارة العلماء والصلحاء.\n٧٠٤ - [١٦] (أبو قتادة) قوله: (فليركع ركعتين) لعل هذا الحديث هو متمسك الشافعية في إيجاب ركعتين لتحية المسجد بحمل الأمر على الوجوب، والظاهر من سياق الحديث أن يكون الأمر للندب، وإلا لزم أن يجب قبل الجلوس، وليس كذلك بالاتفاق، وسيجيء لهذا ذكر في (باب خطبة الجمعة) إن شاء اللَّه تعالى.\n٧٠٥ - [١٧] (كعب بن مالك) قوله: (لا يقدم) من باب سمع يسمع.","vol":"2","page":463},{"text":"مِنْ سَفَرٍ إِلَّا نَهَارًا فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثمَّ جَلَسَ فِيهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٨٨، م: ٧١٦].\n٧٠٦ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ. . . . .\nــ\nوقوله: (فصلى فيه ركعتين) يحتمل أن يكون لتحية المسجد، أو لوقت الضحى، وسيجيء تحقيقه في بابه.\n٧٠٦ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (ينشد ضالة) (١) نشد الضالة نشدًا ونِشْدَةً ونِشْدَانًا بكسرهما: طلبهما، من نصر، فهو ناشد، وأنشدها: عرَّفها، فهو منشد، من النشيد: رفع الصوت، والنشدة بالكسر: الصوت، ونشدتك اللَّه، وباللَّه، وأنشدتك اللَّه، وباللَّه، وناشدتك اللَّه، وباللَّه، أي: سألتك وأقسمت عليك، برفع نشدتي، أي: صوتي، وتعديته إلى مفعولين؛ لأنه كدعوته زيدًا ودعوته بزيد، أو لأنه ضمن معنى ذكَّرت من التذكير، وأنشدت اللَّه خطأ.\nو(الضالة): الضائعة من كل ما يقتنى من الحيوان وغيره، من ضلَّ: إذا ضاع وضل عن الطريق، وفي (القاموس) (٢): الضالة من الإبل: التي تبقى بِمَضْيَعَةٍ بلا رب، للذكر والأنثى.\nوقوله: (لا ردها اللَّه) زجر عن طلبه في المسجد، وفي حديث آخر: (أيها الناشد غيرك الواجد)، وسمعت عن بعض مشايخي أنه نهي عن رفع الصوت له ونحوه لا عن مجرد التفحص.\n_________\n(١) في \"التقرير\": يخرج منه ضالة المسجد.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٤٢).","vol":"2","page":464},{"text":"فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لهَذَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٦٨].\n٧٠٧ - [١٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنْتِنَةِ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا؛ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ الإِنْسُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٥٤، م: ٥٦٤].\nــ\nوقوله: (فإن المساجد) علة للقول، أو داخل تحت القول.\nوقوله: (لم تبن لهذا) أي: ونحوه مما ليس بعبادة كالبيع والشراء ونحوهما من معاملات الناس، وكره فيه رفع الصوت بالعلم ونحوه خلافًا لأبي حنيفة في العلم، كذا في (مجمع البحار) (١).\nوأما الأكل والنوم فقد جاء عن أصحاب الصفة وغيرهم من الأصحاب -﵃-، فقد ورد أن ابن عمر كان ينام في المسجد وهو شاب فيقول رسول اللَّه -ﷺ-: (نعم الرجل عبد اللَّه بن عمر لو قام بالليل)، وقد صح من نوم علي -﵁- في المسجد حين وَجَدَ عَلَى فاطمة -﵁-، فجاء رسول اللَّه -ﷺ- فأقامه، وقال: (قم يا أبا تراب)، وفي هذا الباب تفاصيل ذكرت في كتب الفقه، وأحسن ما يبيحها للرجل أن ينوي الاعتكاف، فإنه صحيح ولو ساعة عند من لا يشترط الصوم فيه.\n٧٠٧ - [١٩] (جابر) قوله: (من هذه الشجرة (٢) المنتنة) أي: البصل، وقيل: الثوم، وسيجيء في الفصل الثاني (الشجرتين) يعني البصل والثوم، ويلحق بهما كل ما له ريح كريه من المأكولات، ويلحق بالمأكولات غيرها كالبخر والدفر وجرح منتن،\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٧٢١).\n(٢) هي ما قام على ساق وخلافه النجم، فاسم الشجر عليه مجاز، قال العيني: فَإِن قلت: على مَا ذكر كَيفَ أطلق الشّجر على الثوم وَنَحْوه؟ قلت: قد يُطلق كل مِنْهُمَا على الآخر، وَتكلّم أفْصح الفصحاء بِهِ من أقوى الدَّلَائِل. \"عمدة القاري\" (٦/ ١٤٥).","vol":"2","page":465},{"text":"٧٠٨ - [٢٠] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٥، م: ٥٥٢].\n٧٠٩ - [٢١] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِي حَسَنُهَا وَسَيِّئُهَا، فَوَجَدْتُ فِي محَاسِن أَعمالِهَا الأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطَّرِيقِ، وَوَجَدْتُ فِي مَسَاوِئِ أَعْمَالِهَا النُّخَاعَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٥٤].\n٧١٠ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ، فَإِنَّمَا يُنَاجِي اللَّهَ مَا دامَ فِي مُصَلَّاهُ،\nــ\nويلحق بالمسجد مجامع العبادات من العلم والذكر وسائر مجالس المؤمنين كالولائم ونحوها، فإن جميع ذلك من أنواع الإيذاء، ويشتمل جميع المساجد، ولا يختص بالمسجد النبوي، ولهذا جاء (في مسجدنا) و(مساجدنا) بلفظ الجمع، نعم قد ورد (مسجدي) وذلك في زمانه -ﷺ-، وذلك قيد اتفاقي، نعم يكون الكراهة في زمنه ومسجده أشدَّ، وفي نفي القربان مبالغة لا تخفى.\n٧٠٨ - [٢٠] (أنس) قوله: (البزاق) البصاق بالصاد، والبساق بالسين، والبزاق بالزاي: ماء الفم إذا خرج منه وما دام فيه فريق، وقد جاء التفال بالضم أيضًا بمعنى البصاق، تفل: بصق، لكنه أقل منه، وأما النفث فهو نفخ وليس معه ماء.\n٧٠٩ - [٢١] (أبو ذر -﵁-) قوله: (النخاعة) وهي النخامة، ما يخرج من الصدر، أو ما يخرج من الخيشوم، والنخاع مثلثة: الخيط الأبيض في جوف الفَقار، ينحدر من الدماغ، وتتشعب منه شُعَبٌ في الجسم.\n٧١٠ - ٧١١ - [٢٢ - ٢٣] (أبو هريرة، وأبو سعيد) قوله: (فإنما يناجي) فكأنه","vol":"2","page":466},{"text":"وَلَا عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنُهَا\". [خ: ٤١٦، م: ٥٥٠].\n٧١١ - [٢٣] وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ: \"تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠٨، م: ٥٤٨].\n٧١٢ - [٢٤] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي لَمْ يَقُمْ مِنْهُ: \"لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٣٥، م: ٥٣١].\nــ\nيقابله ويحاذيه.\nوقوله: (فإن عن يمينه ملكًا) أي: عظيمًا فخيمًا، وهو كاتب الحسنات التي هي مظاهر الرحمة، أو الحاضر عند الصلاة للتأييد والإلهام بقلبه، والتأمين عند دعائه، كذا قالوا.\nوقوله: (وليبصق عن يساره أو تحت قدمه) وهو وإن كان أيضًا منافيًا لحالة المناجاة، لكن أذن فيه ضرورة، ولكونه غير جهة المقابلة، وهذا في غير المسجد، أما فيه ففي ثوبه، كذا في (مجمع البحار) (١).\nقوله: (تحت قدمه اليسرى) تعظيمًا للقدم اليمنى التي في جانب اليمين الذي هو أفضل من جانب اليسار.\n٧١٢ - [٢٤] (عائشة) قوله: (قال في مرضه الذي لم يقم منه) لما أعلمه اللَّه بقرب أجله، فخشي أن يفعل بعض أمته بقبره الشريف ما فعلته اليهود والنصارى بقبور\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ١٨٠).","vol":"2","page":467},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأنبيائهم، نبههم على النهي عن ذلك بلعن اليهود والنصارى على صنيعهم.\nوقال التُّورِبِشْتِي (١): وهو مخرج على وجهين: أحدهما: كانوا يسجدون لقبور الأنبياء تعظيمًا لهم، وقصد العبادة في ذلك، وثانيهما: أنهم كانوا يتحرون الصلاة في مدافن الأنبياء، والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة والعبادة للَّه، نظرًا منهم بأن ذلك الصنيع أعظم موقعًا عند اللَّه؛ لاشتماله على الأمرين: عبادة اللَّه، والمبالغة في تعظيم الأنبياء، وكلا الطريقين غير مرضية، أما الأولى: فشرك جلي، وأما الثانية: فلما فيها من معنى الإشراك باللَّه ﷿، وإن كان خفيًّا، والدليل على ذم الوجهين قوله -ﷺ-: (اللهم لا تجعل قبري وثنًا [يعبد]، اشتد غضب اللَّه على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد)، والوجه الأول أظهر وأشبه به، كذا قال التُّورِبِشْتِي.\nوفي (شرح الشيخ): فعلم منه أنه يحرم الصلاة إلى قبر نبي أو صالح تبركًا وإعظامًا، قال: وبذلك صرّح النووي (٢)، فقال: ولا يصلي لقبر ولا عند قبر تبركًا وإعظامًا للأحاديث الصحيحة، ويجب الجزم بتحريم هذا، ولا أحسب لأحد فيه خلافًا، أعني الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبركًا وإعظامًا، انتهى.\nوقال التُّورِبِشْتِي (٣): فأما إذا وجد بقربها موضع بُني للصلاة، أو مكان يَسْلَمُ المصلي فيه عن التوجه إلى القبور، فإنه في فسحة من الأمر، وكذلك إذا صلى في موضع قد اشتهر بأن فيه مدفن نبيٍّ، ولم ير للقبر فيه عَلَمًا، ولم يكن قصده ما ذكرناه من العمل\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٢٠٤).\n(٢) انظر: \"المجموع شرح المهذب\" (٥/ ٢٠٦).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (١/ ٢٠٤ - ٢٠٥).","vol":"2","page":468},{"text":"٧١٣ - [٢٥] وَعَن جُنْدُبٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٣٢].\n٧١٤ - [٢٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اجْعَلُوا فِي بُيُوتِكُمْ مِنْ صَلَاتِكُمْ وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٣٢، م: ٧٧٧].\nــ\nالملتبس بالشرك الخفي، إذ قد تواطأت أخبار الأمم على أن مدفن إسماعيل ﵇ في المسجد الحرام عند الحطيم، وهذا المسجد أفضل مكان تتحرى الصلاة فيه، انتهى.\nوفي (شرح الشيخ) أيضًا مثله حيث قال: وخرج بذلك اتخاذ مسجد بجوار نبي أو صالح، والصلاة عند قبره، لا لتعظيمه والتوجه نحوه، بل لحصول مدد منه، حتى تكمل عبادته ببركة مجاورته لتلك الروح الطاهرة، فلا حرج في ذلك، لما ورد: أن قبر إسماعيل ﵇ في الحِجْر تحت الميزاب، وأن في الحطيم بين الحجر الأسود وزمزم قبر سبعين نبيًا، ولم ينه أحد عن الصلاة فيه، انتهى. وكلام الشارحين متطابق في ذلك.\n٧١٣ - [٢٥] (جندب) قوله: (ألا ديان من كان قبلكم) قد سبق شرحه في الحديث الأول مع ما فيه من المبالغة والتأكيد للنهي بأنواع، و(إن) روي بالكسر والفتح، فالكسر ظاهر لابتداء الكلام، والفتح بتقدير: واعلموا، أي: تنبهوا واعلموا.\n٧١٤ - [٢٦] (ابن عمر) قوله: (اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم) أي: اجعلوا بعض صلاتكم، وهي النوافل التي لا تسن فيها الجماعة في بيوتكم لتعود بركتها إليها، وتصير منورة بنور العبادة.\nوقوله: (ولا تتخذوها قبورًا) تأكيد للأمر، أي: لا تكونوا في البيوت كالميت","vol":"2","page":469},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-310> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٧١٥ - [٢٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٤٤].\nــ\nالذي لا يعمل، أو تكونوا نائمين فتكونوا مشابهين للأموات؛ لأن النوم أخو الموت غير مشتغلين بالعبادة.\nثم اعلم أنهم اختلفوا في الصلاة في المقبرة، فكرهها جماعة، وإن كان المكان طاهرًا، فتارةً احتجوا بهذا الحديث؛ لأنه يدل على أن الصلاة لا يكون في المقبرة؛ لأنه جعل كونها قبورًا، كناية عن عدم الصلاة فيها، فيفهم أن لا صلاة فيها، وهذا ضعيف، لما ذكرنا من معناه على أنه إن دل فإنما يدل على عدم الصلاة في القبر، لا في المقبرة، فافهم، وتارةً بالحديث السابق، وهو أيضًا لا يتم، لما علم من المراد به، ومنهم من ذهب إلى أن الصلاة فيها جائز، إن كانت التربة طاهرة والمكان طيب، ولم يكن من جديد الموتى، وما ينفصل عنهم من النجاسات.\nوقد حمل بعض الناس قوله: (ولا تتخذوها قبورًا) على النهي عن الدفن في البيوت، وتعقب بأنه ذهاب عما يقتضيه نسق الكلام، وبأنه قد دفن رسول اللَّه -ﷺ- في بيت عائشة -﵂-، والثاني غير وارد لأنه يمكن أن يجعل من خصائصه -ﷺ-، كما جاء في الحديث (١): أنهم اختلفوا في موضع دفنه فروى أبو بكر -﵁-: أن الأنبياء لا يقبضون إلا في مكان يحب اللَّه تعالى دفنهم فيه، أو كما قال، فتدبر.\nالفصل الثاني\n٧١٥ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) اعلم أن\n_________\n(١) أخرجه النسائي في \"السنن الكبرى\" (ح: ٧١٢٢).","vol":"2","page":470},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالمشارق والمغارب كثيرة، وفي الحقيقة لكل يوم من أيام السنة مشرق ومغرب، لكنها لا تضبط لعدم ظهور التفاوت، ولكن مشرق كل شهر ومغربه مضبوطة، والتفاوت بينهما فاحش، وبهذا الاعتبار جمعت في قوله تعالى: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ [المعارج: ٤٠]، وغاية البعد والسعة بينهما في الصيف والشتاء، وبهذا الوجه ثني في قوله سبحانه: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٧] فالحد الأول من المشرق مطلع الشمس في أطول يوم من السنة، وهو في تحويل نقطة السرطان قريبًا من مطلع السماك الرامح، وآخر المشارق مشرق الشتاء، وهو مطلع الشمس في أقصر يوم منها في تحويل نقطة الجدي قريبًا من مطلع قلب العقرب، وفي مقابلتهما المغرب، والظاهر أن المعنى بالقبلة في هذا الحديث قبلة المدينة المطهرة ومن داناهم، فإنها واقعة بين المشرق والمغرب إلى الجنوب، فإنها في ناحية الشمال من مكة.\nقال التُّورِبِشْتِي (١): وقد قيل: إنه أراد قبلة من اشتبه عليه القبلة، وإلى أي جهة صلى بالاجتهاد كفته، وقيل: المراد منه توجه المتنفل على الدابة إلى أي جهة كانت، وعلى هذين القولين فالمراد من قوله: (ما بين المشرق والمغرب قبلة) الجهات الأربع، ويجوز ذلك على جهة الاتساع؛ لأن الأقطار كلَّها شرقَها وغربَها وجنوبَها وشمالَها واقعة في ما بين المشرق والمغرب، وعلى هذا فالحديث يحتمل وجها آخر، وهو أن نقول: ليس جهة من الجهات ما بين المشرق والمغرب إلا وهي قبلة، بحسب توجه المصلي إلى الكعبة في مكانه الذي هو فيه، فالمشرقي قبلته المغرب، والمغربي قبلته المشرق، وعلى نحو ذلك الجنوب والشمال، انتهى كلامه.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٢٠٦).","vol":"2","page":471},{"text":"٧١٦ - [٢٨] وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: خَرَجْنَا وَفْدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَبَايَعْنَاهُ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّ بِأَرْضِنَا بِيْعَةً لَنَا، فَاسْتَوْهَبْنَاهُ مِنْ فَضْلِ طَهُورِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فتَوَضَّأ وَتَمَضْمَضَ، ثُمَّ صَبَّهُ لَنَا فِي إِدَاوَةٍ وَأَمَرَنَا فَقَالَ: \"اخْرُجُوا فَإِذَا أَتَيْتُمْ أَرْضَكُمْ فَاكْسِرُوا بِيْعَتَكُمْ، وَانْضَحُوا مَكَانَهَا بِهَذَا الْمَاءِ، وَاتَّخِذُوهَا مَسْجِدًا\" قُلْنَا: إِنَّ الْبَلَدَ بَعِيدٌ، وَالْحَرَّ شَدِيدٌ، وَالْمَاءَ يُنْشَفُ، فَقَالَ: . . . . .\nــ\n٧١٦ - [٢٨] (طلق بن علي) قوله: (خرجنا وفدًا) وَفَدَ إليه وعليه، يَفِدُ وفدًا ووفودًا ووفادة: قدم، وورد، وفي (النهاية) (١): الوفد: القوم يجتمعون ويردون البلاد، أو يقصدون الرؤساء، زيارةً أو استرفادًا أو غيرَ ذلك، والوافد واحد، وكانت العرب تفد على رسول اللَّه -ﷺ- بعد فتح مكة، ويردون عليه، ويسمى ذلك عام الوفود، وفي المسجد النبوي أسطوانة تسمى (أسطوانة الوفود) كان يجلس عندها للوافدين.\nوقوله: (أن بأرضنا بيعة لنا) البيعة بكسر الباء وسكون الياء: معبد النصارى، والكنيسة: معبد اليهود، والمسجد: معبد المسلمين، وكأنهم كانوا نصارى آمنوا فأرادوا أن يكسروها.\nوقوله: (فتوضأ وتمضمض) أي: بفضل وضوئه، وهو الظاهر من العبارة، أو المعنى أراد الوضوء.\nوقوله: (وأمرنا) أي: بالخروج.\nوقوله: (والماء ينشف) على صيغة المجهول، في (القاموس) (٢): نشف الثوب\n_________\n(١) \"النهاية\" (٥/ ٢٠٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٩٠).","vol":"2","page":472},{"text":"\"مُدُّوهُ مِنَ الْمَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا طِيبًا\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٧٠١].\n٧١٧ - [٢٩] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ يُنَظَّفَ وَيُطَيَّبَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٤٥٥، ت: ٥٩٤، جه: ٧٥٨].\n٧١٨ - [٣٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ\". . . . .\nــ\nالعرق كسمع ونصر: شربه، والحوضُ الماءَ: شربه، كتنشفه، والماء في الأرض: ذهب.\nوقوله: (مدوه من الماء) من المدد، أي: صُبّوا عليه ماءً آخر.\nقوله: (فإنه لا يزيده) الظاهر أن الضمير المرفوع للمورود، والمنصوب للوارد، ويحتمل العكس، وفي الحديث التبرك بفضله -ﷺ- ونقله إلى البلاد نظير ماء زمزم، ويؤخذ منه أن فضل وارثيه من العلماء والصلحاء كذلك.\n٧١٧ - [٢٩] (عائشة) قوله: (في الدور) جمع دار، والمراد بها ههنا المحلات والقبائل، وهذا في غير صورة الضرار فإنه يمنع.\nوقوله: (وأن ينظف ويطيب) بالياء التحتانية، وقد يضبط بالتاء الفوقانية باعتبار المساجد.\n٧١٨ - [٣٠] (ابن عباس) قوله: (بتشييد المساجد) شاد الحائط يشيده: طلاه بالشيد بالكسر، وهو ما طلي به حائط من جِصٍّ ونحوه، والمشِيد: المعمول به، وكمؤيَّد: المطوَّل، كذا في (القاموس) (١). وفي (مجمع\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٧٨).","vol":"2","page":473},{"text":"قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٤٨].\n٧١٩ - [٣١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ من أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٤٤٩، ن: ٦٨٩، دي: ١٤٠٨، جه: ٧٣٩].\nــ\nالبحار) (١): المشيدة: المرفوعة أو المطلية بالشيد، وفي (شرح الشيخ): أي: بإعلاء بنائها وتزويقها وزخرفتها، ونفي الأمر كناية عن النهي، أو هو على ظاهره.\nوقوله: (لتزخرفنها) بفتح اللام وضم فوقية وفتح زاي وسكون معجمة وكسر راء وضم فاء، ويجوز كسر اللام لتعليل النفي، أي: ما أمرت به، هكذا عبارة الشارحين، والظاهر ما أمر به؛ لأن الظاهر أن هذا لفظ ابن عباس، إخبارًا عن فعل الناس بعده -ﷺ- ليجعل ذريعة إلى التزخرف، فافهم، وفتح اللام هو الأظهر، والزخرف في الأصل: الذهب وكمال حسن الشيء، وفي الحديث: (نهى أن تزخرف المساجد) أي: تنقش وتموه بالذهب لئلا يشغل المصلي، وفي الفقه: لو أوصى بتشييد مسجده وتحميره نفذت الوصية؛ لأن الناس قد أحدثوا تشييد بيوتهم وتزيينها، فلو بنينا مساجد باللبن متطامنة بين الدور الشاهقة، وربما كانت لأهل الذمة لكانت مستهانة، كذا في (مجمع البحار) (٢).\n٧١٩ - [٣١] (أنس) قوله: (أن يتباهى الناس) أي: يتفاخرون بتحسين بنائه وتزويقه وارتفاعه وتطويله رياءً وسمعةً.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٢٧٨).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٤٢٣).","vol":"2","page":474},{"text":"٧٢٠ - [٣٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى الْقَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيهَا رَجُلٌ ثُمَّ نسَيَهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٩١٦، د: ٤٦١].\nــ\n٧٢٠ - [٣٢] (أنس) قوله: (عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة) أي: أجور أعمال أمتي حتى أجر إخراج القذاة من المسجد، والقذاة بفتح القاف واحد قذى، وهي ما يقع في العين وفي الشراب من تراب أو تبن أو وسخ، ففي التعبير عنه بالقذى ههنا إشارة إلى كون المسجد بمنزلة العين للإنسان تتأذى منه روحانية المسجد، أو كماء زلال من عين الحياة المعنوية يتكدر صفاؤه من وقوعها، فمن أخرجها أصاب نظر الرحمة، ونال حظًّا من روق شراب الصفوة، و(حتى) إما بمعنى (إلى) أو عاطفة، فالقذاة على الأول مجرور، وعلى الثانية مرفوع عطف على (أجور)، و(يخرجها) جملة مستأنفة للبيان، وأما جعل (حتى) ابتدائية و(القذاة يخرجها) مبتدأ وخبرًا، كما في (شرح الشيخ)، فبعيد من حيث المعنى، فافهم.\nوقوله: (فلم أر ذنبًا أعظم من سورة) أي: من ذنب نسيانها، وفي هذا زجر وتشديد، فإن نسيان القرآن ليس أعظم الذنوب، وإن عدَّه بعض العلماء من الكبائر، كما نقله مولانا جلال الدواني عن الروياني في (شرح العقائد العضدية) (١)، لكن بعضهم أوّلوا بنسيانه بحيث لا يقدر على قراءته من المصحف، والظاهر من الحديث نسيانها بمعنى عدم الحفظ عن ظهر القلب، وعليه حمله الشارحون.\n_________\n(١) (ص: ١٢٦)، المطبوعة مع \"التعليقات\".","vol":"2","page":475},{"text":"٧٢١ - [٣٣] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"بَشِّرِ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٢٣، د: ٥٦١].\n٧٢٢ - [٣٤] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَأَنَسٍ.\n٧٢٣ - [٣٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَتَعَاهَدُ الْمَسْجِدَ فَاشْهَدُوْا لَهُ بِالإِيمَانِ، فَإِنَّ اللَّه يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٦١، جه: ٨٠٢، دي: ١٢٢٣].\nــ\n٧٢١ - ٧٢٢ - [٣٣ - ٣٤] (بريدة، وسهل بن سعد، وأنس) قوله: (بشر المشائين) الخطاب عام، ويمكن أن يكون أمرًا من جانب الحق ﷾ لنبيه -ﷺ-، فيكون الحديث قدسيًّا، واللَّه أعلم.\nوفي قوله: (بالنور التام يوم القيامة) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨]، ففيه أن من مشى إلى المساجد في الظُّلم ليؤدِّيَ الصلاة بالجماعة كان مع النبي والذين امنوا معه من أصحابه الكرام -ﷺ- ورضي عنهم أجمعين.\n٧٢٣ - [٣٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (يتعاهد المسجد) في (القاموس) (١): تعهَّده وتعَاهَده واعْتَهَده: تَفَقَّدَهُ، وأحدث العهدَ به، ولقد أحسن في ترك الحكم بكون تَعَهَّد أفصح من تَعَاهَد، كما حكم الجوهري (٢)، بل لو كان يغلظ في ذلك كما هو دأبه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٨٩).\n(٢) انظر: \"الصحاح\" (٢/ ٥١٦).","vol":"2","page":476},{"text":"٧٢٤ - [٣٦] وَعَن عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لَنَا فِي الِاخْتِصَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَصَى وَلَا اخْتَصَى، إِنَّ خِصَاءَ أُمَّتِي الصِّيَامُ\". فَقَالَ: ائْذَنْ لَنَا فِي السِّيَاحَةِ، فَقَالَ: \"إِنْ سِيَاحَةَ أُمَّتَي الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ\". فَقَالَ: ائْذَنْ لَنَا فِي التَّرَهُّبِ، فَقَالَ: \"إِن تَرَهُّبَ أُمَّتِي الْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِدِ انْتِظَارَ الصَّلَاةِ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [ح: ٤٨٤].\n٧٢٥ - [٣٧] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِشٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"رَأَيْتُ رَبِّيَ ﷿. . . . .\nــ\nلكان وجهًا، كيف وقد وقع في كلام أفصح الفصحاء كما هو الظاهر، وتوجيهه بأن التعاهد يكون بين اثنين ضعيف، فإنه قد يكون (فاعَلَ) للمبالغة والإحكام من غير أن يراد وقوعه بين اثنين، كما قال الطيبي (١) نقلًا عن صاحب (الكشاف)، وقد جاء في بعض الروايات (يعتاد) بدل (يتعاهد)، والمعنى المراد منهما قريب، ويشمل كل منهما كل ما يناط به أمر المساجد من العمارة والكنس والتطييب والتنظيف والتنوير بالمصابيح والتعبد والذكر ودرس العلم، وهذا أجلّ وأعظم أقسام التعاهد، وفقنا اللَّه به.\n٧٢٤ - [٣٦] (عثمان بن مظعون) قوله: (من خصى ولا اختصى) خَصَاهُ خِصاءَةً بالكسر، وخصية واختصى: فعل ذلك بنفسه، و(الترهب) وهو التخلي من اشتغال الدنيا وترك ملاذها، وأصله من الرهب بمعنى الخوف.\n٧٢٥ - ٧٢٦ - [٣٧ - ٣٨] (عبد الرحمن بن عائش، وابن عباس، ومعاذ بن جبل) قوله: (رأيت ربي) إن كان رؤيا منام -كما في رواية- فلا إشكال، وإن كان رؤية يقظة -كما في أخرى- فلا بد من التأويل، أو هو مخصوص به -ﷺ-، كما في ليلة المعراج\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٤١).","vol":"2","page":477},{"text":"فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ، قَالَ: فَوَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَتَلَا: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مُرْسَلًا،\nــ\nعلى القول المختار.\nوقوله: (في أحسن صورة) إن كان حالًا من الفاعل فلا محذور، وإن كان من المفعول فالمراد به الصفة، وإطلاق الصورة عليها شائع.\nوقوله: (فيم يختصم الملأ الأعلى؟) المراد بهم الملائكة، والملأ اسم لأشراف القوم؛ لأنهم يملؤون المجالس أو يملؤون العيون رواءً والقلوب مهابةً. واختصامهم تقاولهم في فضائل تلك الأعمال، أو مبادرتهم إلى ثبتها في الصحائف والصعود بها إلى السماء، واغتباطهم الناس في اختصاصهم بتلك الفضائل مع تماديهم في الشهوات.\nوقوله: (فوضع كفه بين كتفي) مجاز عن تخصيصه بمزيد الفضل عليه، وإيصال فيضه إليه، كما يفعل الملوك ببعض خدمهم إذا أرادوا أن يخصوهم بمزيد القرب، وإفاضة سوابغ نعمهم. ووجدان البرد بين ثدييه عن وصول أثر الفيض إلى قلبه الشريف وتأثره عنه، يقال: ثلج صدره، وأصابه برد اليقين: لمن تيقن الشيء، ولما كان وصول هذا الفيض إلى قلبه سببًا لاتساع علومه فرع عليه قوله: (فعلمت ما في السماوات والأرض) كناية عن حصول جميع العلوم، واستشهد على إمكانه وحصوله بقوله: (﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾) والملكوت فَعَلُوت من الملك للمبالغة.\nوقوله: (رواه الدارمي) زاد في بعض النسخ: (مرسلًا)؛ لأن عبد الرحمن بن","vol":"2","page":478},{"text":"وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ عَنْهُ. [دي: ٢١٤٩، ت: ٣٢٣٥].\n٧٢٦ - [٣٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَزَادَ فِيهِ: قَالَ: \"يَا مُحَمَّد! هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فِي الْكَفَّارَاتِ. وَالْكَفَّارَاتُ: الْمُكْثُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ، وَالْمَشْيُ عَلَى الأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ، وَإِبْلَاغُ الْوَضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ وَمَاتَ بِخَيْرٍ،\nــ\nعائش تابعي.\nوقوله: (وللترمذي نحوه عنه) أي: عن عبد الرحمن.\n(وعن ابن عباس ومعاذ بن جبل، وزاد فيه) أي: زاد الترمذي في حديثه هذه العبارة: (قال. . . إلخ)، أي: قال الرب تعالى، وسأل النبيَّ بعد إفاضة العلم عليه -ﷺ- ما سأله أولًا، فأجاب النبي -ﷺ- في هذه المرة: (نعم) أدري فيم يختصم الملأ الأعلى، (في الكفارات) أي: يختصمون في أعمال تكفير الذنوب، وهي: (المكث في المساجد بعد) أداء (الصلوات) انتظارًا للصلوات الآتية، (والمشي على الأقدام إلى الجماعات)، الظاهر أنها يكون في المساجد، فما في (شرح الشيخ) من قوله: ولو في غير المساجد، ليس بظاهر.\nوقوله: (وإبلاغ الوضوء) أي: إسباغه وإيصاله إلى حد كماله، أو إيصاله إلى ما يجب الإيصال إليه، ويسن غسله من الأعضاء، (في المكاره) أي: في الأحوال التي تكره النفس فيها ذلك لبردٍ أو مرضٍ أو نحو ذلك.\nوقوله: (فمن فعل ذلك عاش بخير) وحيي بحياة طيبة بوجدان حلاوة الطاعة في الأعمال، والقناعة بما أوتي في الأموال، والرضا والتسليم في الأحوال.\nوقوله: (ومات بخير) بروح وريحان وجنة نعيم، بخلاف الفاسق الحريص،","vol":"2","page":479},{"text":"وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِذَا صَلَّيْتَ فَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَإِذَا أَرَدْتَ بِعِبَادِكَ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ. قَالَ: وَالدَّرَجَاتُ: إِفْشَاءُ السَّلَامِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَالصَّلَاةُ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ\". وَلَفْظُ هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا فِي \"الْمَصَابِيحِ\" لَمْ أَجِدْهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن إِلَّا فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [ح: ٩٢٥].\nــ\nالمعيش بعيشة ضنك.\nوقوله: (كيوم) مبني على الفتح (١)، وتنوينُه وجَعْلُ (ولدته أمه) صفة بحذف العائد خارج عن قانون العبارة العربية.\nقوله: (فتنة) أي: دينية مضلة.\nوقوله: (فاقبضني) فيه أنه لا يكره طلب الموت لخوف فتنة دينية، وفي الحقيقة هذا تعليم للأمة، وكذلك أكثر دعواته -ﷺ-.\nوقوله: (قال: والدرجات) أي: قال اللَّه تعالى زيادة لتعليم نبيه -ﷺ- بعد ما بين الكفارات، أو قال النبي زيادة في البيان بحصول العلم من اللَّه، وسيجيء في الفصل الثالث من حديث معاذ بن جبل ما يظهر المراد به، فينبغي أن يحمل هذا الحديث على ذلك ولو بارتكاب تكلف في العبارة، فتدبر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (إفشاء السلام) أي: إظهاره والابتداء به على من عرف وعلى\n_________\n(١) قال القاري: مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ لإِضَافَتِهِ إِلَى الْمَاضِي، وَإِذَا أُضِيفَ إِلَى الْمُضَارعِ اخْتُلِفَ فِي بِنَائِهِ، قَالَهُ الطَّيبِيُّ، وَمِثَالُ الْمُضَارِعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] فَقَرَأَ نافِعٌ بِالْفَتْحِ، وَالْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ كَانَ مُبَرَّا كَمَا كَانَ مُبَرًّا يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٦١٠).","vol":"2","page":480},{"text":"٧٢٧ - [٣٩] وَعَن أَبِي أُمَامَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ: رَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلُهُ الْجنَّةَ، أَو يَرُدُّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَو غَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ، وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلَامٍ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٤٩٤].\nــ\nمن لا يعرف.\n٧٢٧ - [٣٩] (أبو أمامة) قوله: (ثلاثة كلهم) أي: كل واحد منهم.\nوقوله: (ضامن على اللَّه) عُدِّي الضمان بـ (على) بتضمين معنى الوجوب والمحافظة، والضامن بمعنى المضمون، كدافق بمعنى مدفوق في قوله تعالى: ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق: ٦]، وعاصم بمعنى معصوم في قوله: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤٣] على تأويل، أو هو صيغة النسبة بمعنى ذو ضمان كلَابِنٍ وتَامِرٍ (١)، وحاصل المعنى أنه يجب على اللَّه بمقتضى وعده الصادق أن يحفظ كلًّا من هؤلاء الثلاثة من الضرر والخيبة والضياع والآفة، وإنما لم يذكر المضمون به في الثاني والثالث اكتفاءً ولظهور المراد، وهو الأجر والمثوبة على حسب ما يليق به من الثواب والبركة والسلامة، فإن المراد بالرجل الذي دخل بيته بسلام المسلَّم على أهل بيته عند الدخول، أو الذي يلزم بيته طلبًا للسلامة عن الفتن، فعلى المعنى الأول المضمون به البركة فيه وفي أهل بيته، وعلى الثاني الأمن والسلامة عن الفتن، وكرر قوله: (فهو ضامن) تأكيدًا واهتمامًا وإشارة إلى أن كلًّا من الثلاثة مستقل بوجوب الضمان واستحقاق الأجر، فافهم.\n_________\n(١) أي: ذو لبن، وذو تمر.","vol":"2","page":481},{"text":"٧٢٨ - [٤٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُطَّهِّرًا إِلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجِّ الْمُحْرِمِ، وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى. . . . .\nــ\n٧٢٨ - [٤٠] (أبو أمامة) قوله: (فأجره كأجر الحاج المحرم) هذا من باب إلحاق الناقص بالكامل مبالغةً في الترغيب، وليس المراد التسوية من كل الوجوه، وكيف يكون كذلك والأجر على قدر التعب، وإن كانت الصلاة في حد ذاتها أفضل وأهم من الحج، وقال التُّورِبِشْتِي (١): المراد أنه ينتهي ثواب مشبه من حيث التضعيف إلى مقدار من الثواب، يوازي ثواب المشبه به من غير تضعيف، أو المراد التشبيه في وجه مخصوص، كما يقال فيما نحن فيه: إن المراد ثبوت الأجر من لدن خروجه من بيته إلى رجوعه إليه كما في الحج، ولهذا الحديث نظائر كثيرة، فقس معناها عليه، انتهى كلامه مختصرًا ملخصًا.\nوقوله: (كأجر الحاج المحرم) فالصلاة الفريضة مشبهة بالحج، كالتطوع تسمى تسبيحًا، وسبحة بضم السين كالسخرة من التسخير، وقالوا في وجه تسميتها بها: إن التسبيحات في الفرائض نوافل، فصلاة النافلة شابهت تسبيحاتها في عدم الوجوب، ويمكن أن يقال: إنها لما كانت زائدة على الفرائض كانت في معنى تسبيح اللَّه وتنزيهه وتقديسه، فسميت بمطلق اسم التسبيح.\nثم هذا الحديث دل على فضيلة صلاة الضحى في المسجد، وقد دلّ حديث: (خير صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة) على أفضليته في البيت، وأجيب بأن ذلك مخصوص بصلاة الليل، والظاهر عمومه، وأقول: فضيلة شيء لا تنافي أفضلية غيره،\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٢١٤ - ٢١٥).","vol":"2","page":482},{"text":"لَا يَنْصِبُهُ إِلَّا إِيَّاهُ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ، وَصَلَاةٌ عَلَى إِثْرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ فِي عِلِّيِّين\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٥/ ٢٦٨، د: ٥٥٨].\nــ\nوالحق أن أفضلية النافلة في البيت لعدم الرياء، فلو كان ذلك في المسجد لكان أفضل لمكان المسجد، وسيجيء الكلام فيه في بابه إن شاء اللَّه.\nوقوله: (لا ينصبه) بفتح الياء، أي: لا يخرجه ويتعبه، من نصبه الهمُّ: أتعبه، كذا في (القاموس) (١)، وفي (مشارق الأنوار) (٢): قال ابن دريد: أنصبه المرض ونصبه: أعياه، ونصب بالكسر كسمع: عيي من التعب، وهو تغير الحال من مرض أو تعب، انتهى. فَنَصِبَ كَفَرِحَ لازم، وكضَرَبَ متعد، ولم يعرف التُّورِبِشْتِي نصب المتعدي من التعب فقال (٣): لا يُنصبه بضم الياء، أي: لا يزعجه ولا يحمله على الخروج إلا ذلك، وأصله من النصب، وهو المعاناة والمشقة، يقال: أنصبني هذا الأمر، وهو أمر منصب، وإن كانت الرواية وردت بفتح الياء، فمعناه لا يقيمه إلا ذلك، من قولهم: نصب الشيء نصبًا: إذا أقمته ورفعته، ولا أحقق ذلك رواية، بل أوردته من طريق الاحتمال اللغوي، هذا كلامه، فتدبر.\nوقوله: (إلا إياه) من إقامة الضمير المنصوب مقام المرفوع، كإقامة المرفوع مقام المنصوب في خبر الوسيلة من قوله: (وأرجو أن أكون أنا هو)، والضمائر يقام بعضها مقام بعض، وقيل: هو من باب الميل إلى المعنى؛ لأن معناه: لا يقصد ولا يريد إلا إياه.\nوقوله: (كتاب في عليين) أي: عمل مكتوب في ديوان الحفظة، وقيل: اسم\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٤٠).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٥).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (١/ ٢١٥).","vol":"2","page":483},{"text":"٧٢٩ - [٤١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا\" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: \"الْمَسَاجِدُ\". قِيلَ: وَمَا الرَّتْعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٠٩].\n٧٣٠ - [٤٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَتَى الْمَسْجِدَ لِشَيْءٍ فَهُوَ حَظُّهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٢].\n٧٣١ - [٤٣] وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ عَنْ جَدَّتِهَا فَاطِمَةَ الْكُبْرَى -﵄- قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ وَقَالَ: . . . . .\nــ\nأشرف الجنان كما أن سجين اسم شر النيران، وقيل: هو في الحقيقة اسم سكانها، وقيل: هو مكان فوق السماء السابع، قال التُّورِبِشْتِي (١): أولى الأقاويل أنه علم لديوان الخير الذي دون فيه أعمال الصالحين، منقول من جمع عِلِّىٍّ.\n٧٢٩ - [٤١] (أبو هريرة) قوله: (قال: المساجد) سميت بذلك لأن العمل فيها سبب للحلول في رياض الجنة، ولما استعيرت الرياض للمساجد استعير الرتع للأذكار الواقعة فيها المتناولة منها.\n٧٣٠ - [٤٢] (أبو هريرة) قوله: (من أتى المسجد لشيء فهو حظه) معناه معنى حديث: (الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى)، وقد ذكرنا في شرحه في أول الكتاب النيات في دخول المسجد، فتذكر.\n٧٣١ - [٤٣] (فاطمة بنت الحسين) قوله: (صلى على محمد) يدل على أن\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٢١٦).","vol":"2","page":484},{"text":"\"رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ\"، وَإِذَا خَرَجَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ وَقَالَ: \"رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَتِهِمَا قَالَتْ: إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَكَذَا إِذَا خَرَجَ قَالَ: \"بِسْمِ اللَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ\" بَدَلَ: صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَسَلَّمَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ لَمْ تُدْرِكْ فَاطِمَةَ الْكُبْرَى. [ت: ٣١٤، جه: ٧٧١، حم: ٦/ ٢٨٢].\n٧٣٢ - [٤٤] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ تَنَاشُدِ الأَشْعَارِ في الْمَسْجِدِ، وَعَنِ الْبَيع وَالاشْتِرَاءِ فِيهِ، وَأَنْ يَتَحَلَّقَ النَّاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ. [د: ١٠٧٩، ت: ٣٢٢].\nــ\nلفظه -ﷺ- للصلاة عند دخول المسجد: (صلى اللَّه على محمد) أو (اللهم صل على محمد) دون أن يقول: (صلى اللَّه عليّ) أو (اللهم صل عليّ)؛ تعليمًا للأمة لفظًا يتكلمون به، مع ما في هذا الاسم الشريف من المناسبة بنزول الرحمة وفيضانها، وما في قوله: (اللهم اغفر لي) من معنى العجز والانكسار، فافهم.\n٧٣٢ - [٤٤] (عمرو بن شعيب) قوله: (عن تناشد الأشعار) أنشد الشعر: قرأه، وتناشد: أنشد بعضهم بعضًا، والنِّشْدَةُ بالكسر: الصوت، والنشيد: رفع الصوت، والشعر المتناشد كالأنشودة، والمراد الأشعار المذمومة الباطلة، وإلا فلا منع.\nوقوله: (أن يتحلق الناس يوم الجمعة قبل الصلاة في المسجد) وهو أن يجلسوا متحلقين حلقةً واحدةً أو أكثر وإن كان لمذاكرة علم، وذكروا في ذلك وجوهًا:\nأحدها: أن التحلق يخالف هيئة اجتماع المصلين.","vol":"2","page":485},{"text":"٧٣٣ - [٤٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَبْتاعُ فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا: لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارتَكَ. وَإِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيهِ ضَالَّةً فَقُولُوا: لَا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٣٢١، دي: ١٤٠١].\n٧٣٤ - [٤٦] وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُسْتَقَادَ فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنْ يُنْشَدَ فِيهِ الأَشْعَارُ، وَأَنْ تُقَامَ فِيهِ الْحُدُودُ. . . . . .\nــ\nوثانيها: أن اجتماع الجمعة خطب جليل، لا يسع من حضرها أن يهتم بما سواها حتى يفرغ منها، والتحلق قبل الصلاة يوهم غفلتهم عن الأمر الذي ندبوا إليه، وعلى هذين الوجهين لا ينبغي التحلق عند الخطبة وقبلها.\nوثالثها: أن الوقت وقت الاشتغال بالإنصات للخبطة، وهذا الوجه يختص بالنهي عن التحلق عند الخطبة، وفي رواية: (نهى عن الحِلَق قبل الصلاة) (١) بكسر حاء وفتحها وفتح اللام؛ جمع حلقة.\n٧٣٣ - [٤٥] (أبو هريرة) قوله: (فقولوا: لا أربح اللَّه تجارتك)؛ زجرًا وتشديدًا في المنع، فذلك باللسان، لا الدعاء والسؤال عن اللَّه بالقلب عدم إرباحه، ويمكن أن يكون ذلك أيضًا حتى يندم عند عدم الربح، ولا يعود إليه خوفًا من عدم الربح.\n٧٣٤ - ٧٣٥ - [٤٦ - ٤٧] (حكيم بن حزام، وجابر) قوله: (عن حكيم بن حزام) بكسر الحاء المهملة والزاي.\nوقوله: (أن يستقاد) أي: يطلب القود، وهو القصاص، أي: لا يقتل في\n_________\n(١) انظر: \"جامع الأصول\" (١١/ ٢٠٤، ح: ٨٧٤٩).","vol":"2","page":486},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي \"سُنَنِهِ\" وَصَاحِبُ \"جَامِعِ الأُصُولِ\" فِيهِ عَنْ حَكِيمٍ. [د: ٤٤٩٠، \"جامع الأصول\" ١٩٣٨].\n٧٣٥ - [٤٧] وَفِي \"الْمَصَابِيحِ\": عَنْ جَابِرٍ.\n٧٣٦ - [٤٨] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، يَعْنِي: الْبَصَلَ وَالثُّومَ، وَقَالَ: \"مَنْ أَكَلَهُمَا فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدنَا\". وَقَالَ: . . . . . .\nــ\nالمسجد، لا أنه لا يطلب ولا يدعى، يدل على ذلك قوله: (وأن تقام فيه الحدود).\nوقوله: (صاحب جامع الأصول فيه عن حكيم) أي: روى صاحب (جامع الأصول) في (جامع الأصول) (١) عن حكيم بدون نسبة (ابن حزام)، فيحتمل أن يكون غيره، وإن كان الظاهر أن يكون المراد هو ابن حزام؛ لأن حكيمًا من الصحابة ليس إلا هو، أو حكيم بن معاوية، وقد اختلف في صحبته، واللَّه أعلم.\n٧٣٦ - [٤٨] (معاوية بن قرة) قوله: (عن معاوية بن قرة) بضم القاف وتشديد الراء، ومعاوية هذا تابعي، بصري، ثقة، من الطبقة الوسطى من التابعين، مات سنة ثلاث عشرة ومئة، وأبوه قرة بن إياس بن هلال المزني، له صحبة.\nوقوله: (عن هاتين الشجرتين)، في (الصراح) (٢): شجره: هرجه ساق دارد أز درخت ونبات.\nوقوله: (من أكلهما فلا يقربن مسجدنا) مضى الكلام فيه في الفصل الأول.\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (٣/ ٦٠٧، ح: ١٩٣٨)، كذا قال الشارح العلام، ولكن النسخة المطبوعة التي بين أيدينا فيها: \"عن حكيم بن حزام\".\n(٢) \"الصراح\" (ص: ١٨٦).","vol":"2","page":487},{"text":"\"إِن كُنْتُم لَا بُدَّ آكِلِيهِمَا فَأَمِيتُوهُمَا طَبْخًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٢٧].\n٧٣٧ - [٤٩] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْمَقْبَرَةَ وَالْحَمَّامَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ والدارمي. [د: ٤٩٢، ت: ٣١٧، دي: ١٣٩٠].\n٧٣٨ - [٥٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ: . . . . . .\nــ\nوقوله: (لا بد) في (القاموس) (١): بَدَّدَهُ تبديدًا: فرقه، ولا بد: لا فراق، ولا محالة، وخبر (لا) محذوف، والجملة معترضة.\nقوله: (فأميتوهما طبخًا) أي: أزيلوا رائحتهما الخبيثة.\n٧٣٧ - [٤٩] (أبو سعيد) قوله: (الأرض كلها مسجد) أي: تجوز الصلاة فيها من غير كراهة.\nوقوله: (إلا المقبرة) بتثليث الباء، وإنما كرهت فيها لأن الغالب فيها قذارة المكان واختلاط التربة بصديد الموتى ونحوه، حتى لو كان المكان طاهرًا فلا بأس، ومنهم من ذهب إلى أنه تكره الصلاة في المقبرة مطلقًا لظاهر الحديث، وأما الصلاة إلى القبر فقد عُلم حكمها.\nوقوله: (والحمام) لأنه محل كشف العورات ومأوى الشياطين.\n٧٣٨ - [٥٠] (ابن عمر) قوله: (في سبعة مواطن) في (القاموس) (٢): الوطن\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٥٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٤١).","vol":"2","page":488},{"text":"فِي الْمَزْبَلَةِ، وَالْمَجْزَرَةِ، وَالْمَقْبَرَةِ، وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَفِي الْحَمَّامِ، وَفِي مَعَاطِنِ الإِبِلِ، وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٣٤٦، جه: ٧٤٦].\nــ\nمحركة ويسكن: منزل الإقامة، فاشتقاق الموطن منه مبني على التجريد على بعض المعنى، أي: الإقامة، ويستعمل في مربط البقرة والغنم، وفي الحديث: (نهى أن يوطن الرجل المكان بالمسجد كما يوطن البعير) (١)، وفي مشاهد الحرب كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ [التوبة: ٢٥]، والمراد ههنا: مواضع الحرب.\nوقوله: (في المزبلة) في (القاموس) (٢): الزبل بالكسر، وكأمير: السرقين، والمَزْبَلَةُ، وتُضَمُّ الباءُ: مُلْقَاهُ ومَوْضِعُه، وفي (مجمع البحار) (٣): المزبلة بفتح الميم وتثليث الموحدة، أي: موضع طرح الزبل، وقال: الزبل بالكسر: السرقين، وبالفتح: مصدر زبلت الأرض: إذا أصلحتها بالزبل، وفي حكم الزبل سائر النجاسات بل بعضها أشدّ.\nوقوله: (والمجزرة) بفتح الميم والزاي: موضع جزر الحيوانات، أي: ذبحها ونحرها، والإضافة في (قارعة الطريق) بيانية، أي: الطريق التي يقرعها الناس بأرجلهم، أي: يدقونها ويمرون عليها، وقيل: هي وسطها وأعلاها، والمراد ههنا نفس الطريق، وكان القارعة بمعنى المقروعة، أو الصيغة للنسبة، وإنما تكره الصلاة فيها لاشتغال القلب بمرور الناس، وتضييق المكان عليهم، وإيقاعهم في الإثم إن مروا بلا ضرورة،\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في \"سننه\" (ح: ٨٦٢)، والنسائي في \"سننه\" (ح: ١١١٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٢٧).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٤١٨).","vol":"2","page":489},{"text":"٧٣٩ - [٥١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الإِبِلِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٤٨].\n٧٤٠ - [٥٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- زَائِرَاتِ الْقُبُورِ، وَالْمُتَّخِذِينَ عَلَيْهَا الْمَسَاجِدَ وَالسُّرُجَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ [د: ٣٢٣٦، ت: ٣٢٠، ن: ٢٠٤٣].\nــ\nوإيقاع نفسه فيه لو كان لهم ضرورة.\nو(المعاطن) جمع معطن، وهو وطن الإبل ومبركها حول الحوض كالعطن محركة، وجمعه أعطان، وكذا حكم سائر مباركها ومواطنها.\nوإنما تكره فوق ظهر بيت اللَّه تأدبًا، ولكنها جائزة عندنا؛ لأن القبلة هواء البيت ولو إلى السماء، وعند الشافعي تبطل إلا أن تكون بين يديه سترة.\n٧٣٩ - [٥١] (أبو هريرة) قوله: (صلوا في مرابض الغنم) هي كالمعاطن للإبل، والفرق نفارة الإبل المشوش للقلب المزيل للخشوع، ولا كذلك الغنم؛ فإن فيها سكينة وبركة، وجاء في الإبل: أنها من الشياطين، وروي: أنها من جنس الجن خلقت.\nواعلم أنهم اختلفوا في النهي عن الصلاة في المواطن السبعة أنه للتحريم أو للتنزيه، والثاني: هو الأصح، ثم العلة في النهي ليست أنها نجسة، وإلا لم تجز الصلاة، وليست الأماكن النجسة منحصرة فيها، وكان الظاهر على هذا التقدير أن يقول: نهي عن الصلاة في مكان نجس، ولم يفرق بين معاطن الإبل ومرابض الغنم، بل العلة جواز النجاسة ومحاذاتها وعدم نظافتها المطلوبة في مكان العبادة وإن أفرش بساطًا أو سجادة، والفرق بين المرابض والمعاطن ما ذكر من التشويش في الإبل دون الغنم.\n٧٤٠ - [٥٢] (ابن عباس -﵄-) قوله: (زائرات القبور) قد نهى في الابتداء","vol":"2","page":490},{"text":"٧٤١ - [٥٣] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: إِنَّ حَبْرًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلَ النَّبِيَّ -ﷺ-: أَيُّ الْبِقَاعِ خَيْرٌ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ وَقَالَ: \"أَسْكُتُ حَتَّى يَجِيءَ جِبْرِيلُ\" فَسَكَتَ وَجَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ فَسَأَلَ فَقَالَ: مَا الْمَسْؤُوْلُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَلَكِنْ أَسْأَلُ رَبِّيَ ﵎، ثُمَّ قَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي دَنَوْتُ مِنَ اللَّهِ دُنُوًّا مَا دَنَوْتُ مِنْهُ قطّ، قَالَ: وَكَيْفَ كَانَ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ حِجَابٍ. . . . .\nــ\nعن زيارة القبور للرجال والنساء، ثم رخص بقوله: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها)، فقيل: الرخصة شاملة للرجال والنساء، ولفظ المذكر للأصالة على ما هو عادة الشارع في أغلب الأحكام.\nوقيل: الرخصة للرجال وبقيت النساء في النهي؛ لكثرة جزعهن ونياحتهن، وهذا الحديث إن ورد بعد الرخصة كما هو الظاهر، وإلا لا وجه لتخصيصهن بالذكر، يؤيد هذا القول، وإن ورد قبلها فلا، واتخاذ المساجد على القبور قد سبق الكلام فيه، وأما السرج فالنهي عن اتخاذها، قيل: للإسراف وتضييع المال، وعلى هذا لو كانت إليها حاجة لم يكره، وقيل: لتعظيم القبور.\n٧٤١ - [٥٣] (أبو أمامة) قوله: (وقال) أي: في نفسه، (أسكت) على صيغة المتكلم، لا أنه نطق به، كذا قال الطيبي (١)، والظاهر أنه لا مانع من حمله على النطق، كأنه قال قائل بلسان القال أو الحال: لِمَ سكت؟ فقال: أسكت حتى يجيء جبريل ﵇، وضبط في بعض النسخ بلفظ الأمر، كأنه أمر نفسه الشريفة بأن لا تتبادر للجواب.\nوقوله: (سبعون ألف حجاب) قالوا: المراد به التكثير لا التحديد.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٥٦).","vol":"2","page":491},{"text":"مِنْ نُورٍ، فَقَالَ: شَرُّ الْبِقَاعِ أَسْوَاقُهَا، وَخَيْرُ الْبِقَاعِ مَسَاجِدُهَا. رَوَاهُ ابنُ حِبَّانَ فِي \"صَحِيحِهِ\". [حب: ١٥٩٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-311> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٧٤٢ - [٥٤] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ جَاءَ مَسْجِدي هَذَا لم يَأْتِهِ إِلَّا لِخَيْرٍ يَتَعَلَّمُهُ أَوْ يُعَلِّمُهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ جَاءَ لِغَيْرِ ذَلِكَ. . . . .\nــ\nقوله: (من نور) إشارة إلى أن الحجب للملائكة نورانية، وهي حجب أسمائه وصفاته وأفعاله، وهي غير متناهية، وإن كانت أصول الصفات الحقيقية سبعة أو ثمانية، فالملائكة محجوبون بنور المهابة والعظمة والجلال والقدس، والإنسان منهم مَنْ حاله كذلك، ومنهم من حجب بالحجب النوارنية، ومنهم من حجب بحجب ظلمانية، والكل غير متناهية.\nالفصل الثالث\n٧٤٢ - [٥٤] (أبو هريرة) قوله: (من جاء مسجدي هذا) ذكر مسجده -ﷺ- على طريق الاتفاق والتمثيل لا التقييد، ولا بد منه لكون هذا الحكم فيه أتم وأكمل وأفضل.\nوقوله: (ومن جاء لغير ذلك) أي: لغير الخير مطلقًا من غير تقييده بقيد التعليم أو التعلم، فلا يدخل من جاء لصلاة أو ذكر أو اعتكاف أو نحوها مما ليس من باب العلم، بل من جاء لغير الخير كاللهو واللعب والعبث والمرور، وقال الطيبي (١): إن أمر الصلاة مفروغ عنه مستثناة من أصل الكلام، ولا يخفى أنه يمكن ادعاء مثل هذا في نحو الذكر والاعتكاف ونحوهما أيضًا.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٥٧).","vol":"2","page":492},{"text":"فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ يَنْظُرُ إِلَى مَتَاعِ غَيْرِهِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [جه: ٢٢٧، شعب: ١٥٩٨].\n٧٤٣ - [٥٥] وَعَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَكُونُ حَدِيثُهُمْ فِي مَسَاجِدِهِمْ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُمْ، فَلَا تُجَالِسُوهُمْ فَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهِمْ حَاجَةٌ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٢٩٦٢].\nــ\nوقوله: (فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره) المقصود بيان التحسر والتألم بالنظر إلى ثواب غيره ممن جاء لخير ويعمل في المسجد أعمال الخير، كما يحصل لمن ينظر إلى متاع غيره بنظر إعجاب واستحسان، وليس له مثله، وفي شرح الشيخ: ينظر هذا الجائي يوم القيامة إلى ثواب الجائين للخير، وقال الطيبي (١): المقصود بيان أن إتيان المسجد لا لخير محظور كالنظر إلى متاع الغير بغير إذنه، ولم يقصد تمليكه بوجه، فليفهم.\n٧٤٣ - [٥٥] (الحسن) قوله: (يكون حديثهم في مساجدهم في أمر دنياهم) قد وردت الأخبار والآثار في ذم كلام الدنيا في المسجد، ولعل المراد ما كان عبثًا مما لا يعني، ويكون فاحشًا غليظًا، وإلا فقد جاء في خلقه -ﷺ- أن الصحابة كانوا يقولون: إذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، وإذا ذكرنا الدنيا ذكرها، وغالب مجلسه -ﷺ- كان في المسجد، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فليس للَّه فيهم حاجة) كناية عن براءته تعالى عنهم، وخروجهم عن ذمته، وأن اللَّه لا يبالي بهم وبإهلاكهم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٥٧).","vol":"2","page":493},{"text":"٧٤٤ - [٥٦] وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنْتُ نائِمًا فِي الْمَسْجِدِ فَحَصَبَنِي رَجُلٌ، فَنَظَرتُ فَإِذَا هُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁- فَقَالَ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنِ، فَجئْتُهُ بِهِمَا، فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتُمَا؟ أَوْ مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ قَالَا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، قَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لأَوْجَعْتكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٥٨].\n٧٤٥ - [٥٧] وَعَنْ مَالِكٍ قَالَ: بَنَى عُمَرُ رَحَبَةً. . . . .\nــ\n٧٤٤ - [٥٦] (السائب بن يزيد) قوله: (فحصبني) أي: رجمني بالحصباء، وهي الحصى، أي: الحجارة الصغيرة.\nقوله: (فأتني بهذين) أشار إلى رجلين كانا جالسين في المسجد يتكلمان ويرفعان أصواتهما.\nوقوله: (ممن أنتما؟ أو من أين أنتما؟) شك من الراوي، والجواب أوفق بالأول، ويتضمن الجواب عن الثاني أيضًا.\nوقوله: (لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما) أي: لو كنتما تعلمان حرمة مسجد رسول اللَّه -ﷺ-، أو لو لم تكونا غريبين تستحقان العفو والشفقة.\n٧٤٥ - [٥٧] (مالك) قوله: (بنى عمر رحبةً) في (القاموس) (١): رحبة المكان، ويسكن: ساحته ومتسعه، وفي (مجمع البحار) (٢): رحبة المسجد: فضاؤه، وفي شرح الشيخ: رحبة بفتح الحاء أفصح من إسكانها، وأصله: الفضاء بين الدور.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٥).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٣٠٥).","vol":"2","page":494},{"text":"فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ تُسَمَّى الْبُطَيْحَاءَ، وَقَالَ: مَنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَلْغَطَ أَوْ يُنْشِدَ شِعْرًا أَوْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ فَلْيَخْرُجْ إِلَى هَذِهِ الرَّحَبَةِ. رَوَاهُ فِي \"الْمُوَطَّأ\". [ط: ٤٢٢].\n٧٤٦ - [٥٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ -ﷺ- نُخَامَةً فِي الْقِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ،\nــ\nوقوله: (تسمى البطيحاء) تصغير البطحاء، والبطحاء: مسيل واسع فيه دقاق الحصى، فتسمية الرحبة بها إما لسعتها أو لوجود دقاق الحصى فيها.\nقوله: (في ناحية المسجد) في شرح الشيخ: ظاهر سياقه أن تلك الرحبة لم تكن من المسجد، أقول: وهكذا ينبغي أن يكون؛ لأن بناء الرحبة إنما كان احترازًا عن التناشد في الأشعار، ووقوع اللغط، ورفع الصوت في المسجد، فإدخالها في المسجد ينافي هذه الحكمة، ويدل عليه قوله: (فليخرج) أي: من المسجد إلى هذه الرحبة، ونقل الطيبي (١) عن أبي علي الدقاق: أنه لا ينبغي للحائض أن تدخل رحبة مسجد الجماعة متصلة كانت أو غير متصلة، انتهى. يوهم أن رحبة المسجد من المسجد، أو لعله بالغ في حرمة المسجد، ونظر إلى غلظ النجاسة في الحائض فأحب أن لا يدخلها، واللَّه أعلم.\nوقوله: (أن يلغط) اللغط بفتح الغين المعجمة وسكونها والطاء المهملة: الأصوات المختلفة، أو أصوات مبهمة لا تفهم.\n٧٤٦ - [٥٨] (أنس) قوله: (نخامة) بضم النون: البزقة التي تخرج من الحلق التي يقال لها: النخاع.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٥٨).","vol":"2","page":495},{"text":"فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ فَقَالَ: \"إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ، وَإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبلَةِ، فَلَا يَبزُقَنَّ أَحَدُكُم قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ\". ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَصَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ: \"أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٠٥].\n٧٤٧ - [٥٩] وَعَن السَّائِب بن خَلَّادٍ -وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: إِنْ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا فَبَصَقَ فِي الْقِبْلَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَنْظُرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِقَومِهِ حِينَ فَرَغَ: \"لَا يُصَلِّي لَكُمْ\". فَأَرَادَ بَعْدَ ذَلِك أَنْ يُصَلِّيَ لَهُمْ فَمَنَعُوهُ فَأَخْبرُوهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: نَعَمْ، وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: . . . . .\nــ\nوقوله: (فحكه بيده) ظاهره أنه حكه بيده بلا واسطة خشبة ونحوها فتكون يابسة، ويحتمل أن يكون المراد من قوله: (بيده) أنه فعل ذلك بنفسه الشريفة، ولم يأمر أحدًا به، لا أنه فعله بيده بلا واسطة خشبة أو شيء آخر، فيحتمل أن تكون رطبة أيضًا، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ولكن عن يساره) قالوا: هذا إذا لم يكن في المسجد، وأما في المسجد فلا يبصق إلا لضرورة في ثوبه.\n٧٤٧ - [٥٩] (السائب بن خلاد) قوله: (وعن السائب بن خلاد) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام، الخزرجي، أبو سهلة المدني، له صحبة.\nوقوله: (فبصق في القبلة) إن كان في المسجد فالكراهة أشدّ، وإن كان في غيره فالكراهة لجهة القبلة.\nوقوله: (حسبت) هذا قول السائب الراوي، أي: أحسب أن رسول اللَّه -ﷺ- قال","vol":"2","page":496},{"text":"\"إِنَّكَ قَدْ آذَيْتَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨١].\n٧٤٨ - [٦٠] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: احْتَبَسَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ غَدَاةٍ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى كِدْنَا نَتَرَاءَى عَيْنَ الشَّمْسِ، فَخَرَجَ سَرِيعًا فَثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَتَجَوَّزَ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ دَعَا بِصَوْتِهِ فَقَالَ لَنَا: \"عَلَى مَصَافِّكُمْ كَمَا أَنْتُمْ\"، ثُمَّ انْفَتَلَ إِلَيْنَا ثُمَّ قَالَ: \"أَمَا إِنِّي سَأُحَدِّثُكُمْ مَا حَبَسَنِي عَنْكُمُ الْغَدَاةَ، إِنِّي قُمْتُ مِنَ اللَّيْلِ فَتَوَضَّأْتُ وَصَلَّيْتُ مَا قُدِّرَ لِي، فَنَعَسْتُ فِي صَلَاتِي حَتَّى اسْتَثْقَلْتُ،\nــ\nزيادة على (نعم).\nقوله: (أنت قد آذيت اللَّه ورسوله) أي: بارتكاب المنهي عنه في الصلاة، أو في المسجد معًا، أو بالبصاق نحو المسجد.\n٧٤٨ - [٦٠] (معاذ بن جبل) قوله: (احتبس) ضبط بصيغة المعلوم والمجهول، وهو لازم ومتعد.\nوقوله: (فثوب بالصلاة) سبق معنى التثويب لغة وشرعًا في (باب الأذان)، وأن المراد به ههنا: الإقامة.\nوقوله: (وتجوَّزَ) أي: خَفّف وأَسْرع على خلاف عادته الشريفة خصوصًا في الصبح.\nوقوله: (دعا بصوته) أي: برفع صوته.\nوقوله: (على مصافّكم) أي: اثبتوا على مواضع جلوسكم في الصلاة، جمع مصف، وهو موضع الصف.\nوقوله: (فنعست) النعاس بالضم: الوسن، أي: السَّنَةُ، وهو ثقل النوم أو أوله،","vol":"2","page":497},{"text":"فَإِذَا أَنَا بِرَبِّي ﵎ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ، قَالَ: فِيمَ يخْتَصِمُ الْمَلأُ الأَعْلَى؟ قُلتُ: لَا أَدْرِي\" قَالَهَا ثَلَاثًا، قَالَ: \"فَرَأَيْتُهُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ، حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ أَنَامِلِهِ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَتَجَلَّى لِي كُلُّ شَيْءٍ وَعَرَفْتُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَبِّ، قَالَ: فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلأ الأَعْلَى؟ قُلتُ: فِي الْكَفَّارَاتِ، قَالَ: مَا هُنَّ؟ قُلْتُ: مَشْيُ الأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ، وَالْجُلُوسُ فِي الْمَسَاجِد بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ حِينَ الْكَرِيهَاتِ، قَالَ: ثُمَّ فِيمَ؟ قُلْتُ: فِي الدَّرَجَاتِ، قَالَ: وَمَا هُنَّ؟ قُلْتُ: إِطْعَامُ الطَّعَامِ، وَلينُ الْكَلَامِ، وَالصَّلَاةُ (١) وَالنَّاسُ نَيَامٌ، قَالَ: سَلْ، قَالَ: قُلتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكينِ، وَأَنْ تَغْفِرَ لِي، وَتَرْحَمَنِي، وَإِذَا أَرَدْتَ فِتْنَةً فِي قَوْمٍ فَتَوَفَّنِي غَيْرَ مَفْتُونٍ، وَأَسأَلُكَ حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكُ، وَحُبَّ عَمَلٍ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ\". فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّهَا حَقٌّ فَادْرُسُوهَا. . . . .\nــ\nكذا في (القاموس) (٢)، وفيه أن الرؤية كانت في المنام، وفي رواية: (فاستيقظت فرأيت) وقد مر.\nوقوله: (قالها ثلاثًا) أي: وقلت جوابها المذكور كذلك.\nوقوله: (يقربني إلى حبك)، وفي رواية: إليك.\nوقوله: (فادرسوها) دَرَسَ الكِتَابَ يَدْرُسُهُ ويَدْرِسُهُ دَرْسًا ودِرَاسَةً: قَرَأَهُ.\n_________\n(١) في (ت): \"والصلاة بالليل\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٣٤).","vol":"2","page":498},{"text":"ثُمَّ تَعَلَّمُوهَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. [حم: ٥/ ٢٤٣، ت: ٣٢٣٣].\n٧٤٩ - [٦١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ إِذا دَخَلَ الْمَسْجِدَ: \"أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ\" قَالَ: \"فَإِذَا قَالَ ذَلِكَ قَالَ الشَّيْطَان: حُفِظَ مِنِّي سَائِرَ الْيَوْمِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٦٦].\n٧٥٠ - [٦٢] وَعَن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ، اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائهمْ مَسَاجِدَ\". رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا. [ط: ٤١٤].\nــ\nوقوله: (ثم تعلموها) أي: لتعلموها، فحذف اللام.\n٧٤٩ - [٦١] (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص) قوله: (من الشيطان الرجيم) وزاد النووي (١): والحمد للَّه، اللهم صل وسلم على محمد وعلى آل محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، ثم يقول: بسم اللَّه، ويقدم رجله اليمنى، وإذا خرج قدم اليسرى، ويقول جميع ما ذكر إلا أنه يقول: (أبواب فضلك) بدل (رحمتك).\n٧٥٠ - [٦٢] (عطاء بن يسار) قوله: (وثنًا يعبد) أي: مثل وثن، و(يعبد) صفة أو استئناف لبيان وجه التشبيه، وقد مرّ الكلام فيه.\n_________\n(١) \"الأذكار\" (ص: ٧٤).","vol":"2","page":499},{"text":"٧٥١ - [٦٣] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَسْتَحِبُّ الصَّلَاةَ فِي الْحِيطَانِ. قَالَ بَعْضُ رُوَاتِهِ: يَعْنِي الْبَسَاتِينَ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَقد ضَعَّفَهُ يَحيَى بْنُ سَعِيدٍ وَغَيرُهُ. [ت: ٣٣٤].\nــ\n٧٥١ - [٦٣] (معاذ بن جبل) قوله: (وقد ضعفه يحيى بن سعيد) والحسن بن أبي جعفر الجُفْري، بصري معروف، عن نافع وثابت البناني، وعنه عبد الرحمن بن مهدي، قال ابن المديني: ضعيف ضعيف، وضعفه أحمد والنسائي، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال مسلم بن إبراهيم: كان من خيار الناس، كذا نقل عن (ميزان الاعتدال) (١).\nونقل عن (الكفاية): الحسن بن أبي جعفر، هو عجلان، منكر الحديث، كان يحيى بن سعيد لا يحدث عنه. وقال أبو حاتم: كان الحسن من مجابي الدعوة، لكن غفل عن صناعة الحديث وحفظه، واشتغل بالعبادة، فإذا حدَّث وَهِم فيما يروي، ويقلب الأسانيد.\nوفي (الكاشف) (٢): الحسن بن أبي جعفر الجفري، عن نافع وابن الزبير، وعنه ابن مهدي ومسلم والحوضي، صالح خيِّر، ضعفوه، توفي سنة سبع وعشرين ومئة (٣)، وروى له الترمذي وابن ماجه، وفي (حاشيته): اسمه عجلان، وقيل: عمرو، قال الفلاس: صدوق، منكر الحديث، كان القطان لا يحدث عنه، وله أحاديث مستقيمة صالحة.\n_________\n(١) \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٤٨٢).\n(٢) \"الكاشف\" (١/ ١٥٩).\n(٣) كذا في النسخ المخطوطة، وفي \"الكاشف\": توفي سنة وسبع وستين ومئة، وهو الصواب.","vol":"2","page":500},{"text":"٧٥٢ - [٦٤] وَعَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ بِصَلَاةٍ، وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجِدِ الْقَبَائِلِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً، وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُجَمَّعُ فِيهِ بِخَمسِمِئَةِ صَلَاةٍ، وَصَلَاتُهُ فِي الْمَسْجِدِ الأَقْصَى بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَصَلَاتُهُ فِي مَسْجدِي بِخَمْسِينَ أَلْفِ صَلَاةٍ، وَصلَاتُهُ فِي الْمَسْجِد الْحَرَامِ بِمِئَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٤١٣].\n٧٥٣ - [٦٥] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَالَ: \"الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ\" قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: \"ثُمَّ الْمَسْجِدُ الأَقْصَى\". قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: \"أَرْبَعُونَ عَامًا، ثُمَّ الأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٤٣، م: ١١٦٢].\n* * *\nــ\n٧٥٢ - [٦٤] (أنس بن مالك) قوله: (صلاة الرجل) أي: الفريضة في بيته، أي: منفردًا.\nوقوله: (يجمع) بضم الياء وشد ميم مفتوحة، أي: يقام فيه الجمعة.\nوقوله: (وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة) وفي بعض النسخ: (بألف صلاة)، وكتب بعض العلماء أنه الصواب، واللَّه أعلم.\n٧٥٣ - [٦٥] (أبو ذر) قوله: (قال: أربعون عامًا) فيه إشكال؛ لأن الكعبة بناه إبراهيم، والمسجد الأقصى بناه سليمان، وبينهما أكثر من ألف سنة، والأوجه في","vol":"2","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-312>٨ - باب الستر</span>\nــ\nالجواب ما نقل عن ابن الجوزي: أن الإشارة في الحديث إلى أول البناء ووضع أساس المسجدين، وليس إبراهيم أول من بنى الكعبة، ولا سليمان أول من بنى بيت المقدس، فقد روينا: أن أول من بنى الكعبة آدم ﵇، ثم انتشر ولده في الأرض، فجائز أن يكون بعضهم قد وضع بيت المقدس، ثم إبراهيم ﵇ بنى الكعبة.\nوقال الشيخ (١): قد وجدت ما يشهد له، فذكر ابن هشام في (كتاب التيجان): أن آدم ﵇ لما بنى الكعبة أمره اللَّه بالسير إلى بيت المقدس وأن يبنيه، فبناه ونسك فيه، وبناء آدم البيت مشهور، كذا في بعض الشروح.\nوقال الطيبي (٢): الوضع غير البناء، ومعنى وضع اللَّه إياه: جعله متعبدًا، فيكون وضع بيت المقدس بهذا المعنى في علم اللَّه سبحانه أربعين سنة بعد المسجد الحرام، هان كان بين البنائين مدة متطاولة، ولا يخفى ما فيه من البعد، وقال البيضاوي (٣): أي وضع للعبادة وجعل متعبدًا، واللَّه أعلم.\n٨ - باب الستر\nأي ستر العورة، فإنه شرط لصحة الصلاة، وإن كان في مكان خال، وفي غير حالة الصلاة يجب سترها عن أعين الناس ممن يحرم نظره، وقد بين في الباب أحكام مطلق اللباس في الصلاة، أعم من ستر العورة استطرادًا، والمقصود هو بيان الستر.\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٤٠٩)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٦٢٩).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٦٣).\n(٣) \"البيضاوي\" (١/ ١٧١).","vol":"2","page":502},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-313> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٧٥٤ - [١] عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلمَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُشْتَمِلًا بِهِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٦، م: ٥١٧].\n٧٥٥ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يُصَلِّيَنَّ. . . . .\nــ\nالفصل الأول\n٧٥٤ - [١] (عمر بن أبي سلمة) قوله: (مشتملًا به) بالنصب في أكثر نسخ البخاري، وفي رواية المستملي والحموي بالجر على المجاورة، أو الرفع على الحذف، كذا في بعض الشروح عن (فتح الباري) (١). ولا يخفى أنه يجوز أن يكون جره على أن يكون صفة للثوب، وفي (مشتمل) ضمير للنبي -ﷺ-، والاشتمال: هو التوشح من الوشاح، وفسروا التوشح والاشتمال بأن يؤخذ طرف الثوب الأيسر من تحت اليد اليسرى، فيلقى على المنكب الأيمن، ويؤخذ الطرف الأيمن من تحت اليد اليمنى، فيلقى على المنكب الأيسر، كذا في (المشارق) (٢). وزاد الطيبي (٣) نقلًا عن ابن السكيت: ثم يعقدهما على صدره.\nوقوله: (واضعًا طرفيه) حال عن الضمير في (مشتملًا)، جاء به توضيحًا وتفسيرًا للاشتمال.\n٧٥٥ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (لا يصلين) وفي رواية: (لا يصل) بغير ياء،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٦٩).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٤٢٩).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٦٤).","vol":"2","page":503},{"text":"أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٩، م: ٥١٦].\n٧٥٦ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرفَيْهِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٦٠].\n٧٥٧ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلَامِهَا نظرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: . . . . .\nــ\nوفي أخرى: (لا يصلي) بإثباتها، على أن (لا) نافية، وهو خبر بمعنى النهي.\nوقوله: (ليس على عاتقيه منه شيء) ليس في البخاري كلمة (منه)، كذا في بعض الشروح. ولعل المراد بقوله: (ليس على عاتقيه منه شيء) هو عدم الاشتمال المذكور، فإنه على تقدير عدمه لم يأمن من أن تنكشف عورته، وقد يحتاج إلى إمساكه بيده، فلا يتمكن من وضع يده اليمنى على اليسرى، والنهي للتنزيه عند الثلاثة والجمهور، فتجوز الصلاة لحصول الستر، ولكن مع كراهة لما ذكرنا، وعند الإمام أحمد وبعض السلف للتحريم عملًا بظاهر الحديث.\n٧٥٦ - [٣] (وعنه) قوله: (في ثوب واحد) ليس في أكثر الروايات (واحد).\nوقوله: (فليخالف بين طرفيه) المراد بالمخالفة بين طرفيه هو الترشح والاشتمال المذكوران.\n٧٥٧ - [٤] (عائشة) قوله: (في خميصة) قيل: هو ثوب خز، أو صوف معلمة، وقيده بعضهم بـ (سوداء)، وفي (فتح الباري) (١): هو بفتح المعجمة وكسر الميم: كساء\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٨٣).","vol":"2","page":504},{"text":"\"اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُوْنِي بِإِنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ،\nــ\nمربع له علمان، فعلى هذا أجري التثنية في قولها: (لها أعلام) مجرى الجمع، أو كان لهذه الخميصة أكثر من علمين.\nوقوله: (إلى أبي جهم) بفتح الجيم وسكون الهاء، روي أنه -ﷺ- أتي بخميصتين، فلبس إحداهما، وبعث بالأخرى إلى أبي جهم، ثم بعث إليه بعد الصلاة الملبوسة، وطلب منه الأخرى، وقيل: هو الذي أهداها النبي -ﷺ-، كما رواه مالك في (الموطأ) (١)، كذا في بعض الشروح، وعليه يدل كلام الطيبي (٢).\nوقوله: (بإنبجانية) بكسر الهمزة أو فتحها وسكون النون وكسر الباء ويروى بفتحها، وقال التُّورِبِشْتِي (٣): أصحاب الحديث يروونه بكسر الباء وأهل اللغة يفتحونها، منسوب إلى موضع اسمه أنبجان، وقيل: منسوب إلى منبج، مدينة معروفة، وهي مكسورة، ففتحت في النسبة، وأبدلت الميم همزة وزيدت الألف والنون، كما في نوراني وروحاني، ويقال: منبجاني وأنبجاني. وفي (المشارق) (٤): (وأتوني بأنبجانية) ضبطناه بالوجهين في الهمزة بالفتح والكسر، وكذلك رويناها عن شيوخنا في (الموطأ)، وبكسر الباء وتخفيف الياء آخرًا، وشدها معًا، وبالتاء باثنتين فوقها آخرًا على التأنيث، والذي كان في كتاب التميمي عن الجياني: الفتح والتخفيف، وبفتح الباء وكسرها معًا، ذكرها ثعلب، وضبطناه في مسلم بفتح الهمزة والباء، وفي البخاري رويت بالوجهين في الهمزة، وفي (الموطأ) عن أبي جعفر عن أبي سهيل بكسر الهمزة والباء معًا، وكذا عند الطرابلسي،\n_________\n(١) \"موطأ مالك\" (ح: ٢٢٠).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٦٦).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (١/ ٢٢١).\n(٤) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٦٧ - ٦٨).","vol":"2","page":505},{"text":"فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٣، م: ٥٥٦].\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ فَأَخَافُ أَنْ يَفْتِنَنِي.\nــ\nوعند ابن عتاب وابن حمدون بفتح الهمزة وتشديد الياء، وقال ثعلب: يقال ذلك في كل ما كثف والتفّ، وقال غيره: إذا كان الكساء ذا علمين فهو الخميصة، فإن لم يكن له علم فهو الأنبجانية، وقال الداودي: هو كساء غليظ بين الكساء والعباء، وقال ابن قتيبة: وذكر عن الأصمعي: منبجاني منسوب إلى منبج، قال الباجي: وما قاله ثعلب أظهر؛ لأن النسبة إلى منبج منبجي، قال القاضي: النسب مسموع في تغيير البناء كثيرًا، فلا ينكر ما قاله أئمة هذا الشأن، لكن الحديث المتفق على نقل هذه اللفظة فيه بالهمزة يصحح ما أنكروه، انتهى.\nوقيل: منسوب إلى آذربيجان، وقد حذف بعض حروفها، وفي هذا القول تعسف ظاهر، وهي كساء من الثياب الغليظة المتبذلة، يتخذ من الصوف، له خمل ولا علم له.\nوقوله: (فإنها ألهتني) أي: شغلتني عن صلاتي، وأنزلتني عن علو مقام الحضور بوقوع نظري إلى نقوش العلم وألوانه، وفي الحقيقة هو تعليم وتنبيه للأمة بالتثبت والاحتياط في مباشرة الملاهي، واللَّه أعلم بحقيقة الحال.\nوقوله: (آنفًا) أي: قريبًا، ومدّها هو المشهور، وقد تقصر، وفعلته آنفًا، أي: الآن في أول وقت يقرب مني، وأنفه الشيء: ابتدأه، والائتناف: الابتداء، ومنه الاستئناف.\nقوله: (أن يفتنني) أي: يُلْهِيني ويوقع في الفتنة والشغل، وهي بإظهار النونين، وفي رواية بتشديد النونين.","vol":"2","page":506},{"text":"٧٥٨ - [٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ -ﷺ-: \"أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لَا يَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ لِي فِي صَلَاتِي\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٤].\n٧٥٩ - [٦] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أُهْدِيَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَرُّوجُ حَرِيرٍ، فَلَبِسَهُ ثُمَّ صَلَّى فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَزَعَهُ نَزْعًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ، ثمَّ قَالَ: \"لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٥، م: ٢٠٧٥].\nــ\n٧٥٨ - [٥] (أنس) قوله: (قرامك) القرام بكسر القاف وتخفيف الراء: ستر رقيق ذو ألوان، وقيل: مطلق الستر، وقال التُّورِبِشْتِي (١): ستر فيه رقم ونقوش، وكذلك المقْرَم والمِقْرَمَة، وجاء في رواية: (قرام ستر) بالإضافة كثوب قميص، وقيل: القرام ستر رقيق وراء الستر الغليظ، ولذا أضاف.\nوقوله: (سترت به جانب بيتها) أي: متاعًا في جانب بيتها لنهي النبي -ﷺ- ستر الجدار، وقيل: ضربته مثل حجلة العروس.\nقوله: (تصاويره) أي: نقوشه.\n٧٥٩ - [٦] (عقبة بن عامر) قوله: (أهدى) أهداه أكيدر عظيم دومة الجندل، وقيل: مقوقس صاحب الإسكندرية.\nوقوله: (فروج حرير) بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وآخره جيم، هو القباء الذي فرج، أي: شق من خلفه، وحكي جواز ضم أوله وتخفيف الراء، وظاهر الحديث أن لبسه -ﷺ- وصلاته فيه كان قبل تحريم لبس الحرير، وقيل: كان بعد التحريم،\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٢٢٢).","vol":"2","page":507},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-314> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٧٦٠ - [٧] عَنْ سَلمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَجُلٌ أَصِيدُ أَفَأُصَلِّي فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ؟ قَالَ: \"نَعَمْ، وَازْرُرْهُ. . . . .\nــ\nوإنما لبسه لضرورة استمالة مهديه، وكان فيه مصلحة، ففيه أنه يجوز لبسه لمثل هذه المصلحة (١)، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n٧٦٠ - [٧] (سلمة بن الأكوع) قوله: (إني رجل أصيد) المشهور أنه بفتح الهمزة وكسر الصاد على صيغة المضارع المتكلم من الاصطياد، ووجهه ظاهر، إذ من شأن الصيّاد أن يخفِّف ثيابه؛ لأنه ربما يمنعه الإزار من العَدْوِ خلف الصيد، وقد يُروى بفتح الهمزة وسكون الصاد، وهو الذي في رقبته عِلَّة لا يمكنه الالتفات معها، هكذا قالوا، وذكروا أن الأول أنسب، ولم يبينوا مناسبة المعنى الثاني في الجملة مصححة لإرادته، فليتأمل.\nوقوله: (نعم وازرره) أي: نعم صل فيه، وازرر جَيْبَه إذا كان واسعًا ترى منه العورة عند الركوع والسجود، كذا في شرح الشيخ، والظاهر أنه إنما يراه المصلي، ويمكن أن يراه جاره بجنبه، والأحسن أن يقول: يظهر وينكشف منه العورة، فالرؤية ليس بشرط في الفساد، فافهم.\n_________\n(١) قال القاري: لَكِنَّ لُبْسَهُ مَعَ كَوْنِهِ مُحَرَّمًا لِلِاسْتِمَالَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ، سِيَّمَا صَلَاتُهُ بِهِ مَعَ أَنَّهُ يُنَافِيهِ نَزْعُهُ الْكَارِهُ، ثُمَّ قَالَ: \"لَا يَنْبَغِي\" أَيْ: لَا يَلِيقُ \"هَذَا لِلمُتَّقِينَ\" أَيْ: لِلْمُؤْمِنِينَ الْكَامِلِينَ، قِيلَ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ؛ لأَنَّ الْمُتَّقِيَ وَغَيْرَهُ سَوَاءٌ فِي التَّحْرِيمِ، وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُتَّقِينَ عَنِ الشِّرْكِ، وَ(لَا يَنْبَغِي) بِمَعْنَى: لَا يَجُوزُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٦٣٣).","vol":"2","page":508},{"text":"وَلَوْ بِشَوْكَةٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ. [د: ٦٣٢، ن: ٧٦٥].\n٧٦١ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ يُصَلِّي مُسْبِلٌ إِزَارَهُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اذْهَبْ فتَوَضَّأْ\" فَذَهَبَ وَتَوَضَّأَ ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ أَمَرْتَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ؟ قَالَ: \"إِنَّهُ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ مُسْبِلٌ إِزَارَهُ،\nــ\nوقوله: (ولو بشوكة) الظاهر أن إطلاق الزرِّ على الشوكة مجاز، والمراد بـ (ازرره): اربطه، وفي (القاموس) (١): الزر بالكسر: الذي يوضع في القميص، ويفهم منه أنه لا يختص بما يصنع من الإبريشم أو نحوه، بل كل ما يوضع في القميص ويربط به طرف جيبه، فافهم.\n٧٦١ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (مسبل) (٢) بالرفع صفة (رجل)، والإسبال أكثر ما يستعمل في الإزار لكثرة وقوعه فيه، وهو يجري في الثياب كلها، وحقيقة ذلك إطالة الثوب وإرساله زيادة على الحد المشروع تكبرًا واختيالًا، حتى إن إطالة العذبة زيادة من نصف الظهر إسبال، وسيجيء حده في (باب اللباس).\nوقوله: (اذهب فتوضأ) إنما أمره بالوضوء ليعلم أنه مرتكب معصية؛ لما استقر في نفوسهم أن الوضوء يكفر الخطايا ويُزِيل أسبابها كالغضب ونحوه، كذا في شرح الشيخ.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٧٣).\n(٢) وَإِطَالَةُ الذَّيْلِ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَمَالِكٌ يُجَوِّزُهَا فِي الصَّلَاةِ دُونَ الْمَشْي لِظُهُورِ الْخُيَلَاءِ فِيهِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٦٣٤).","vol":"2","page":509},{"text":"وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ صَلَاةَ رَجُلٍ مُسْبِلٍ إِزَارَهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٣٨].\n٧٦٢ - [٩] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٦٤١، ت: ٣٧٧].\n٧٦٣ - [١٠] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ لَيْسَ عَلَيْهَا إِزَارٌ؟ . . . . .\nــ\nوقال الطيبي (١): لعل السر في أمره بالتوضئ وهو طاهر أن يتفكر الرجل في سبب ذلك الأمر، فيقف على شناعة ما ارتكبه، وأن اللَّه تعالى ببركة أمر رسول اللَّه -ﷺ- بطهارة الظاهر يطهر باطنه من التكبر والخيلاء؛ لأن طهارة الظاهر مؤثرة في طهارة الباطن.\nوقوله: (لا يقبل صلاة رجل) أي: لا يثيب عليها ثوابًا كاملًا معتدًا به، وفيه تشديد.\n٧٦٢ - [٩] (عائشة) قوله: (لا تقبل صلاة الحائض) أي: بالغة، وإنما عبر عنها بالحائض تحقيرًا لها؛ لأن الحيض أذى.\nقوله: (إلا بخمار) بالكسر: ما يغطي الرأس، وكل ما ستر شيئًا فهو خماره، كذا في (القاموس) (٢)، وقد جاء إطلاقه على العمامة في حديث: كان رسول اللَّه -ﷺ- يمسح على الخف والخمار (٣)، قيل: ذلك مجاز، وحقيقته ما تغطي به المرأة رأسها، وفيه دليل على أن رأس المرأة عورة، والمراد الحرة.\n٧٦٣ - [١٠] (أم سلمة) قوله: (في درع) أي: قميص، ودرع المرأة قميصها،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٦٧ - ٢٦٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٦١).\n(٣) أخرجه النسائي (١٠٦) نحوه.","vol":"2","page":510},{"text":"قَالَ: \"إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا\" (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَذَكَرَ جمَاعَةً وَقَفُوهُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ. [د: ٤٦٠].\n٧٦٤ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنِ السَّدْلِ فِي الصَّلَاةِ،\nــ\nوالدرع قميص النساء، ودرع الحديد.\nوقوله: (وذكر جماعةً وقفوه على أم سلمة) أي: ذكر أبو داود جماعةً من رواة الحديث أنهم قالوا: هذا الحديث من قول أم سلمة؛ لأنها سمعته من رسول اللُّه -ﷺ-، والحديث الموقوف هو ما كان قول الصحابي أو فعله، مقابل المرفوع الذي هو قول النبي -ﷺ- وفعله -ﷺ-، كما مر في (المقدمة).\n٧٦٤ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (نهى عن السدل) ذكر في (الهداية) (٢): هو أن يجعل ثويه على رأسه وكتفيه، ثم يرسل أطرافه من جوانبه. قال ابن الهمام (٣): يصدق\n_________\n(١) قال القاري: قَالَ الأَشْرَفُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنْ ظَهْرَ قَدَمِهَا عَوْرَةٌ يَجِبُ سَتْرُهُ، وَفِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\": قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَوِ انْكَشَفَ شَيْءٌ مِمَّا سِوَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، فَعَلَيْهَا الإِعَادةٌ، نَقَلَهُ الطِّيبِيُّ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَدَيْنِ الْكَفَّانِ، وَفِي مُخْتَلِفَاتِ قَاضِيخانْ: ظَاهِرُ الْكَفِّ وَبَاطِنُهُ لَيْسَا عَوْرتيْنِ إِلَى الرُّسْغَيْنِ، وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ: ظَاهِرُهُ عَوْرَةٌ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالذِّرَاعُ عَوْرَةٌ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: لَيْسَ بِعَوْرَة، وَفِي \"شَرْحِ الْمُنْيَةِ\": أَنَّ فِي الْمُقَدَّمَيْنِ اخْتِلَافَ الْمَشَايخِ، وَالأَصَحُّ أَنَّهُمَا لَيْسَتَا بِعَوْرَةٍ، كَذَا ذَكَرَهُ فِي \"الْمُحِيطِ\"، وَهُوَ مُخْتَارُ صَاحِبِ \"الْهِدَايَةِ\" وَ\"الْكَافِي\"، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ظَهْرِ الْكَفِّ وَبَطْنِهِ، خِلَافًا لِمَا قِيلَ: إِنَّ بَطْنَهُ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ وَظَهْرَهُ عَوْرَةٌ، قُلْتُ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُؤَيِّدُ مَا قِيلَ، وَقَالَ فِي \"الْخَانِيَّةِ\": الصَّحِيحُ أَنَّ انْكِشَافَ رُبُعِ الْقَدَمِ يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ كَسَائِرِ الأَعْضَاءِ الَّتِي هِيَ عَوْرَةٌ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٦٣٤ - ٦٣٥).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ٦٤).\n(٣) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٤١٢).","vol":"2","page":511},{"text":"وَأَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٦٤٣، ت: ٣٧٨].\nــ\nهذا التفسير على أن يكون المنديل مرسلًا من كتفيه، كما يعتاده كثير، فينبغي لمن على عنقه منديل أن يضعه عند الصلاة، ويصدق أيضًا على لبس القباء من غير إدخال اليدين في كميه، وقد صرّح بالكراهة فيه، انتهى. ونقل السغناقي عن مبسوط شيخ الإسلام: هو أن يضع الرداء والقباء على كتفيه، ولم يدخل يديه في الكمين، وكذا في (الخلاصة)، وهو مكروه، سواء كان تحته قميص أو لا، انتهى.\nواختلفت عبارات الشراح في تفسيره، فقيل: هو الإرخاء، وقيل: أراد إرخاء البدن في الصلاة، وقيل: إرسال الثوب من غير أن يضمّ جانبيه، وقيل: أن يلْتَحِفَ بثوبٍ ويُدْخل يديْه ولا يُخرجهما فيركع ويسجد كذلك، وهو اشتمال الصماء، وهو أن يلفَّ بثوب واحد رأسَه وسائرَ بدنِه، فلا يَدَعُ منفذًا ليده، وهل يشترط عدم الإزار مع ذلك؟ عن محمد: يشترط، وغيره: لا يشترط، وقيل: إرسال الثوب حتى يصيب الأرض؛ لأنه من التكبر والخيلاء، وقال: مع ما فيه من إصابة الأذى بالثوب، وترك النظافة، وإضاعة المال، كما قالوا في حرمة الإسبال، وقيل: العلة في كراهة السدل أنه من صنع اليهود، وقد يخصّ هذا الوجه بصورة اشتمال الصماء، ثم إنه قد قيل: إنما كُره السدلُ إذا لم يكن عليه إلا ثوبٌ واحدٌ، كما ذكر الترمذي في (جامعه) (١)، ولكن ليس هذا من مذهب الحنفية، كما ذكره السغناقي.\nقوله: (أن يغطي الرجل فاه) أي: يستره بطرف العمامة، وهو التلثيم، قيل: سبب النهي أن ذلك فعل اليهود، وقيل: إن ذلك من سيرة الأعراب وعادتهم، وقيل: إنه من سيرة النساء وعادتهن، وقيل: السبب أنه يمنع القراءة أو يلحنها، كذا في بعض\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٢/ ٢١٧، ح: ٣٧٨).","vol":"2","page":512},{"text":"٧٦٥ - [١٢] وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَالِفُوا الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي نِعَالِهِمْ وَلَا خِفَافِهِمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٥٢].\n٧٦٦ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْه فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاتَهُ قَالَ: . . . . .\nــ\nالشروح، وقالوا: واستثني من ذلك صورة التثاؤب والتجثي، فإنه يستحب عند ذلك تغطية الفم وستره بيده، والحق بذلك مَنْ بفمه ريحٌ كريه، كذا قالوا، ولا يخفى أنهم إنما فسَّروا تغطية الفم بالتلثيم، وهو لا يكون باليد، قال في (القاموس) (١): اللثام ككتاب: ما على الفم من النقاب، وفي (مجمع البحار) (٢): هو ما يغطي به الفم من الثوب، إلا أن يقال: إنهم إنما فسَّروا بالتلثيم؛ لأن المتعارف في تغطية الفم ذلك، ولكن لفظ الحديث النهي عن التغطية هو أعم من ذلك، فأشاروا إلى استثناء الصور المذكورة، فافهم.\n٧٦٥ - [١٢] (شداد بن أوس) قوله: (خالفوا اليهود) أي: صلّوا في نعالكم وخفافكم إظهارًا للمخالفة مع اليهود، وظاهره أنه يستحب ذلك بهذه النية، ففيه أن الرخصة قد يكون مأمورًا به، ويصير في حكم العزيمة بقصد إظهار الخلاف مع أهل الضلالة، وقد صرحوا بذلك في أفضلية مسح الخف إظهارًا للخلاف لمن خالف في ذلك.\n٧٦٦ - [١٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فوضعهما عن يساره) كأنه لم يكن\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٦٦).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٤٧٦).","vol":"2","page":513},{"text":"\"مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَائِكُمْ نِعَالَكُمْ؟ \" قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ جِبْرِيلَ أتانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا، إِذا جَاءَ أَحَدَكُم الْمَسْجِدَ فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ وَلِيُصَلِّ فِيهِمَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٦٥٠، دي: ١٣٧٨].\nــ\nعلى يساره -ﷺ- أحد، وإلا لم يضعه هناك لورود النهي عن ذلك في الحديث الآتي؛ لأنه إن كانت صلاة النفل فلا بُعد في ذلك، وإن كانت صلاة الفرض فهو الإمام قائم أمامهم، فافهم.\nوقوله: (فأخبرني أن فيهما قذرًا) القذر بفتحتين: ما يكرهه الطبع، وكأنه لم يكن نجاسة تمنع صحة الصلاة، فإخبار جبرئيل ﵇ بذلك ونزعه -ﷺ- إياهما لكمال التنظيف والاحتياط اللائق بحاله -ﷺ-، فلا يرد أنه كيف لم يستأنف الصلاة مع استصحاب النجاسة، ومع حمله على النجاسة المانعة للصلاة، يقال: إن المستصحب للنجاسة إذا جهل صحت صلاته، وهو قول قديم للشافعي -﵀-، كما قال الطيبي (١)، واللَّه أعلم.\nوقوله: (رأيناك ألقيت. . . إلخ)، ظاهره يدل على أن فعل النبي -ﷺ- متبع، لكن قوله -ﷺ-: (إن جبرئيل أتاني فأخبرني) صريح في أنه ليس بحجة حتى يتبين أنه ليس من خصائصه -ﷺ-، وتمامه في أصول الفقه.\nوقوله: (فليمسحه) هذا في اليابس منه، أو فيما يعفى عنه كطين الشارع ونحوه، وقد مر في (كتاب الطهارة).\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٧٠).","vol":"2","page":514},{"text":"٧٦٧ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَضَعْ نَعْلَيهِ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَا عَنْ يَسَارِهِ، فَتَكُونَ عَنْ يَمِينِ غَيْرِهِ، إِلَّا أَنْ لَا يَكُونَ عَلَى (١) يسَارِهِ أَحَدٌ، وَلْيَضَعْهُمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"أَوْ لِيُصَلِّ فِيهِمَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مَعْنَاهُ. [د: ٦٥٤، جه: ١٤٣٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-315> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٧٦٨ - [١٥] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي عَلَى حَصِيرٍ يَسْجُدُ عَلَيْهِ. قَالَ: وَرَأَيْتُهُ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا بِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٥٩].\nــ\n٧٦٧ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (فتكون عن يمين غيره) بالنصب، جوابًا للنهي.\nالفصل الثالث\n٧٦٨ - [١٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (يصلي على حصير) فيه دليل على جواز الصلاة على ما يحول بينه وبين الأرض، وأما أنه لا يختص بما ينبت من الأرض من حصير أو نحوه فبدليل آخر يدل عليه، وقال المالكية: الأفضل عدم الحائل إلا لضرورة من حرٍّ أو برد أو نجاسة، وفعله -ﷺ- كان لبيان الجواز، والخلاف في حائل لا يلهي، وأما ما يلهي فالصلاة عليه مكروهة، والحصير أطول من الخمرة بضم الخاء المعجمة، وكلٌ منهما يُصنع من سعف النخيل وما أشبهه.\n_________\n(١) في نسخة: \"عن\".","vol":"2","page":515},{"text":"٧٦٩ - [١٦] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي حَافِيًا وَمُتَنَعِّلًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٥٣].\n٧٧٠ - [١٧] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: صَلَّى جَابِرٌ فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ، وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْمِشْجَبِ، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِيَ أَحْمَقُ مِثْلُكَ، وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٤٥].\nــ\n٧٦٩ - [١٦] (عمرو بن شعيب) قوله: (قال: رأيت رسول اللَّه -ﷺ-) صريح في أن ضمير (جده) راجع إلى (أبيه) لا إلى (عمرو)؛ لأن جد عمرو وهو محمد بن عبد اللَّه ابن عمرو ليس بصحابي، وإنما الصحابي جد أبيه، وهو عبد اللَّه بن عمرو، وفي بعض أمثال هذا الإسناد يتعين الرجوع إلى ما يرجع إليه ضمير (أبيه)، بل فيه أيضًا في بعض المواضع، فتدبر.\n٧٧٠ - [١٧] (محمد بن المنكدر) قوله: (على المشجب) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الجيم: عيدان يضم رؤوسها ويفرج بين قوائمها، وتوضع عليه الثياب ونحوها، وقد تعلق عليها الأسقية لتبريد الماء، من تشاجب الأمر: إذا اختلط، وفي (القاموس) (١): شُجُبٌ بضمتين: الخشبات، يعلق عليها الراعي دَلْوَهُ، وككتاب: خشبات منصوبة توضع عليها الثياب كالمشجب.\nقوله: (تصلي) بحذف همزة الإنكار، أي: أتصلي في إزار واحد وثيابك حاضرة.\nوقوله: (ليراني أحمق مثلك) المراد بالأحمق: الجاهل، والحمق: وضع الشيء\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٥).","vol":"2","page":516},{"text":"٧٧١ - [١٨] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: الصَّلَاةُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ سُنَّةٌ، كُنَّا نَفْعَلُهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَلَا يُعَابُ عَلَيْنَا. فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إِنَّمَا كَانَ ذَاكَ إِذَا (١) كَانَ فِي الثِّيَاب، قِلَّةٌ، فَأَمَّا إِذَا وَسَّعَ اللَّهُ فَالصَّلَاةُ فِي الثَّوْبَيْنِ أَزْكَى. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ١٤١].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>٩ - باب السترة</span>\nــ\nفي غير موضعه مع العلم بقبحه، كذا قال السيوطي في (مختصر النهاية) (٢)، وإنما سمَّاه أحمق لمبادرته إلى الإنكار قبل التأمل، وفيه: تنبيه على عدم جواز الاعتراض والإنكار على أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- بترك السنة، وعلى وجوب حسن الظن فيهم.\n٧٧١ - [١٨] (أبي بن كعب) قوله: (في الثوب الواحد سنة) أي: طريقة جائزة، وإن كانت في الثوبين أفضل، كما يدل عليه: (كنا نفعله. . . إلخ).\nوقوله: (أزكى) أي: أنمى وأطهر وأفضل.\n٩ - باب السترة\nالسترة بضم السين وسكون التاء: ما يستتر به، والمراد: ما ينصب قدام المصلي ليتميز به موضع سجوده، ولا يأثم المار بمروره وراءها من حائط أو سارية أو خشبة أو نحوها مما يستتر، ويبدو للناظر من بعيد، وينبغي أن يكون طوله في طول ذراع فصاعدًا عندنا، وعند الشافعي -﵀- ثلثي ذراع، وغلظه أصبع، ويعتبر ويكفي سترة\n_________\n(١) في نسخة: \"إذ\" في الموضعين. انظر: \"مرقاه المفاتيح\" (٢/ ٦٣٩).\n(٢) \"مختصر النهاية\" (١/ ٢٥٧).","vol":"2","page":517},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-317> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٧٧٢ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَغْدُو إِلَى الْمُصَلَّى وَالْعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ تُحْمَلُ، وَتُنْصَبُ بِالْمُصَلَّى بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيُصَلِّي إِلَيْهَا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٩٤].\n٧٧٣ - [٢] وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ وَهُوَ بِالأَبْطَح فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ،\nــ\nالإمام، ويجيء أحكامها في الأحاديث المذكورة في الباب، والكلام فيها في شرحها.\nالفصل الأول\n٧٧٢ - [١] (ابن عمر) قوله: (يغدو إلى المصلى) أي: يذهب إليه وقت الصبح، الظاهر أن المراد مصلى العيد.\nوقوله: (والعنزة) بفتحات: أطول من العصا وأقصر من الرمح، فيه زُجٌّ كزُجِّ الرمح، وفي شرح الشيخ: نحو ثلاثة أذرع لها سنان كسنان الرمح، كذا في (الصحاح) (١)، وفي (القاموس) (٢): وهي رميح بين العصا والرمح، فيه زُجّ، انتهى. وكانت تحمل معه -ﷺ- لمصالح، منها جعلها سترة.\n٧٧٣ - [٢] قوله: (وعن أبي جحيفة) بتقديم الجيم المضموم على الحاء، و(الأبطح) مسيل واسع، فيه دقاق الحصى، غلب على المسيل الذي بين مكة ومنى، أقرب إلى مكة، يكثر فيه دقاق الحصى، ويجمع على البِطاح والأباطح، ويسمى\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٣/ ٨٨٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٨٠).","vol":"2","page":518},{"text":"وَرَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَلِكَ الْوَضُوءَ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ، ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا صَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكعَتَيْنِ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بَينَ يَدَيِ الْعَنَزَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٦، م: ٥٠٣].\n٧٧٤ - [٣] وَعَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَعْرضُ رَاحِلَتَهُ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٧، م: ٥٠٢].\nــ\nالمحصب أيضًا لكثرة الحصى فيه، والبطحاء أيضًا اسم لذلك الموضع بتقدير موصوف مؤنث. و(الأدم) بفتحتين اسم، جمع أديم، وهو الجلد المدبوغ.\nوقوله: (وضوء رسول اللَّه) بفتح الواو، أي: بقية الماء الذي توضأ به، كذا قالوا، وقد سبق الكلام فيه في موضعه.\nوقوله: (في حلة حمراء) الحلة: إزار ورداء، والحمراء ما فيه خطوط حمر، وسيجيء تحقيقه في (باب اللباس)، وحمله على الأحمر الصرف خطأ، صرَّح المحققون بذلك. والتشمير: رفع الإزار إلى أعلى الساق.\nوقوله: (ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة) الظاهر أن المراد من (بين يدي العنزة): أمامها، فإن المقصود بيان أن السترة ترفع الإثم عن المار أمامها، وأما كون المراد المرور بينه وبينها فخلاف الظاهر، وإن كان فيه بيان أن الصلاة لا يبطلها مرور شيء، فما في شرح الشيخ: أن الظاهر هو الثاني، إذ هو الذي يحتاج الراوي إلى التنبيه عليه، وأما الأول فليس في ذكره فائدة، محل بحث، فافهم.\n٧٧٤ - [٣] (نافع) قوله: (يعرض راحلته) أي: ينيخها بالعرض من القبلة،","vol":"2","page":519},{"text":"وَزَادَ الْبُخَارِيُّ: قُلْتُ: أَفَرَأَيْتَ إِذَا هَبَّتِ الرِّكَابُ. . . . .\nــ\nحتى تكون معترضة بينه وبين من يمر بين يديه، من عَرَضَ العودَ على الإناء: إذا وضعه عليه على العرض، ويعرض بفتح الياء وضم الراء وكسرها لغتان، وذكر أبو عبيد بالكسر، وذكر قول الأصمعي: إنه بالضم، وهو الصحيح، وفي (الصحاح) (١): عَرَضَ العودَ على الإناء، والسيفَ على فخذِه، يعرضه بالضم والكسر على اللغتين، وكذا في (القاموس) (٢)، وفي (مشارق الأنوار) (٣): (كان يعرض راحلته) بالضم، كذا ضبطه الأصيلي وغيره، وضبط بعضهم (يُعَرّض) بضم الياء مشددة الراء مفتوح العين، والأول أوجه وأعرف.\nو(الراحلة) التي يصلح أن يوضع الرحل عليها، وفي (مجمع البحار) (٤): الراحلة: البعير القوي على الأسفار والأحمال، يستوي فيه المذكر وغيره، وهاؤه للمبالغة، وهي ما يختاره الرجل لمركبه ورحله على النجابة، ومنه حديث: (تجدون الناس كإبل مئة ليس فيها راحلة) (٥)، انتهى. والمراد ههنا الإبل من غير اعتبار هذه القيود، وذكر الراحلة وقع بطريق الاتفاق.\nوقوله: (قلت) أي: قال نافع: قلت لابن عمر -﵄-: (أفرأيت) أي: أخبرني.\nوقوله: (إذا هبت الركاب) أي: ذهب الإبل للرعي أو للاستقاء ماذا يفعل حينئذ؟ واستعمال الهبوب في الذهاب مجاز، و(الركاب) اسم جمع لا واحد له من لفظه، كذا\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٣/ ١٠٨٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٩٥).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٢٩).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٣٠٦).\n(٥) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (ح: ٢٥٤٧).","vol":"2","page":520},{"text":"قَالَ: كَانَ يَأْخُذُ الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ، فَيُصَلِّي إِلَى آخِرَتِهِ.\n٧٧٥ - [٤] وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُبَالِ مَنْ مَرَّ وَرَاءَ ذَلِكَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٩٩].\nــ\nفي شرح الشيخ، وفي (القاموس) (١): الركاب ككتاب: الإبل، واحدتها: راحلة، والجمع ككتب، وركاباتٌ، ورِكائبُ.\nوقوله: (قال) أي: ابن عمر -﵄- في جوابه: (كان) أي: رسول اللَّه -ﷺ- (يأخذ الرحل فيعدِّله) أي: يقوِّمه، ضبط في النسخ من التعديل، وفي شرح الشيخ: بفتح أوله وسكون العين وكسر الدال، أي: يقيمه تلقاء وجهه، ويجوز التشديد، وفي (مجمع البحار) (٢): هو بضم تحتية وفتح عين وتشديد دال، أي: يقومه، وضبط بفتح فسكون فكسر الدال.\nوقوله: (فيصلي إلى آخرته) أي: آخرة الرحل، بفتحات بلا مدٍّ، وبمدِّ الهمزة وكسر الخاء: عود يستند إليه الراكب وخلاف قادمة.\n٧٧٥ - [٤] (طلحة بن عبيد) قوله: (مثل مؤخرة الرحل) ضبط بوجهين: بضم الميم وسكون الهمزة وكسر الخاء وفتحها، وبضم ففتح ثم فتح وتشديد، وهي الآخرة التي ذكرت في الحديث السابق.\nقوله: (ولا يبال من مر) يحتمل وجهين أن يكون في (لا يبال) ضمير لـ (أحدكم)، و(من مر) مفعوله، أي: لا يبال في قطع خشوعه، ويوافقه قوله في الفصل الثاني: (ثم\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٨).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥٤٠).","vol":"2","page":521},{"text":"٧٧٦ - [٥] وَعَنْ أَبِي جُهَيْمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ\". قَالَ أَبُو النَّضْرِ: لَا أَدْرِي قَالَ: \"أَرْبَعِينَ يَوْمًا، أَوْ شَهْرًا، أَو سَنَةً\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥١٠، م: ٥٠٧].\n٧٧٧ - [٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ،\nــ\nلا يضره ما مر)، وقوله: (فما بالى ذلك)، وأن يكون (من مر) فاعلًا، أي: لا يأثم.\n٧٧٦ - [٥] (أبو جهيم) قوله: (وعن أبي جهيم) بالتصغير.\nوقوله: (خيرًا)، بالنصب في أكثر الروايات، وهو الأظهر، وقد يروى بالرفع على أنه اسم (كان)، ويسوغ الابتداء بالنكرة لكونها موصوفة، أو لتقديم الخبر، أو بتقدير ضمير الشأن في (كان)، والجملة خبر، وإطلاق خير من قبيل قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، أو على سبيل الفرض، أي: لو فرض أن في المرور خيرية ما كان الوقوف خيرًا من ذلك.\nقوله: (أو سنة) وهو الظاهر بقرينة الروايات الأخر الناطقة بأربعين خريفًا، أي: سنة، ومنها رواية أبي هريرة: (لأن يقيم مئة عام)، ورواية البزار: (أربعين خريفًا) أي: سنة، وهو الأبلغ (١).\n٧٧٧ - [٦] (أبو سعيد) قوله: (يستره من الناس) سترًا معتبرًا في الشرع، كما\n_________\n(١) قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ حَجَرٍ: وَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةَ: \"لَكَانَ أَنْ يَقِفَ مِئَةَ عَامٍ خَيْرًا لَهُ مِنَ الْخُطْوَةِ الَّتِي خَطَاهَا\" مُشْعِرٌ بِأَنَّ إِطْلَاقَ الأَرْبَعِينَ لِلْمُبَالَغَةِ فِي تَعْظِيمِ الأَمْرِ، لَا لِخُصُوصِ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، نَقَلَهُ مِيرَك شَاهْ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٦٤٣).","vol":"2","page":522},{"text":"فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ\". هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ. [خ: ٥٠٩، م: ٥٠٥].\n٧٧٨ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ، وَيَقِي ذَلِك مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥١١].\nــ\nمرّ في مقدار السترة.\nوقوله: (يجتاز بين يديه) أي: بينه وبين سترته.\nوقوله: (فليقاتله) وفي رواية: (فليقتله) مبالغة في دفعه (١)، وقيل: إن دفعه بما يجوز فهلك، فلا قَوَدَ عليه بالاتفاق، وفي الدية قولان.\nوقوله: (فإنما هو شيطان) أي: يعمل عمل الشيطان، أو معه شيطان يحمله عليه، أو هو من شياطين الإنس.\n٧٧٨ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (تقطع الصلاة) أي: خشوعها وتدبرها بشغل القلب، أو كاد أن يؤدي إلى القطع، وإنما خص بهذه الثلاثة لشدة الشغل في المرأة، وملازمة الشياطين للحمار، وغلظ النجاسة في الكلب، والجمهور من الصحابة ومن بعدهم أنه لا يقطع شيء مما يمر، والمراد بالأحاديث الواردة المبالغة في الحثّ على نصب السترة، وقيل: يقطع الكلب الأسود والمرأة الحائض، على ما جاء في بعض الروايات، وتأويله عند الجمهور ما ذكر.\n_________\n(١) وَفِي \"شَرْحِ الْمُنْيَةِ\": وَيُدْرَأُ الْمَارُّ إِذْ أَرَادَ أَنْ يَمُرَّ فِي مَوْضِع سُجُودِهِ أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ بِالإِشَارَةِ أَوِ التَّسْبِيحِ لَا بِهِمَا مَعًا، اهـ. وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ الْعَمَلُ الْكَثِيرُ فِي مُدَافَعَتِهِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٦٤٣).","vol":"2","page":523},{"text":"٧٧٩ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ كَاعْتِرَاضِ الْجَنَازَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨٣، م: ٥١٢].\n٧٨٠ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلْتُ رَاكبًا عَلَى أَتَانٍ،\nــ\n٧٧٩ - [٨] (عائشة) قوله: (كاعتراض الجنازة) إشارة إلى أنها كانت معترضة بتمامها بحذائه لا أنها كانت في ناحية شيئًا يسيرًا، ومع ذلك كان يصلي، فعلم أن مرور المرأة لا يقطع الصلاة، فالحديث السابق مؤول.\n٧٨٠ - [٩] (ابن عباس) قوله: (على أتان) بفتح الهمزة، وهو الأكثر، ويجوز كسرها، أنثى الحمار، وقد جاء على قلة أتانة بالتاء، وفي (مجمع البحار) (١): والحمار يقع على الذكر والأنثى، والأتان: الحمار الأنثى فقط، وقيد به ليعلم أن الأنثى من الحمار لا يقطع الصلاة، فكذا المرأة.\nوقد جاء في رواية: (على حمار أتان)، قال القاضي عياض: وجاء في بعض روايات البخاري: (على حمار أتان) كذا ضبطها الأصيلي بتنوين الحرفين، ووجهه أن يكون أحدهما بدلًا من الآخر، أو وصفًا له؛ لأنه قد جاء في حديث: (أتان) مفردًا، وجاء في آخر: (حمار) مفردًا، فالأولى الجمع بينهما، وقال لي شيخنا أبو الحسين سراج بن عبد الملك: يكون أتان وصفًا للحمار، ومعناه: صلب قوي مأخوذ من الأتان، وهي الحجارة الصلبة، قال لي: وقد يكون بدل الغلط. قال القاضي: ويكون عندي بدل البعض من الكل؛ إذ قد يطلق الحمار على الجنس، فيشمل الذكر والأنثى، كما\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٣٥).","vol":"2","page":524},{"text":"وَأَنَا يَوْمَئِذٍ قَدْ نَاهَزْتُ الاحْتِلَامَ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إِلَى غَيْرِ جِدَارٍ، فَمَرَرْتُ بَين يَدَي الصَّفِّ، فَنَزَلْتُ، وَأَرْسَلْتُ الأَتَانَ تَرْتَعُ، وَدَخَلْتُ فِي الصَّفِّ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَليَّ أَحَدٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٣، م: ٥٠٤].\nــ\nقالوا: بعير للذكر والأنثى، قال لي أبو الحسين: وقد يكون (حمار أتان) غير منون على الإضافة، أي حمار أنثى، قال القاضي: وكذا وجدته مضبوطًا في بعض الأصول المسموعة على أبي ذر (١).\nوقوله: (قد ناهزت) أي: قاربت، في (القاموس) (٢): نهز الشيء: قَرُبَ، والاحتلام والحلم بالضم: الجماع في النوم، كناية عن البلوغ، و(منى) بالصرف والألف، وهو الأفصح، وبمنعه والياء، سميت بها لما يمنى بها من الدماء، أي يراق، وقيل: لأن جبرئيل ﵇ لما أراد أن يفارق آدم ﵇ قال له: تمنَّ، قال: أتمنَّى الجنة، فسميت منًى؛ لأمنية آدم ﵇، كذا في (القاموس) (٣) عن ابن عباس.\nوقوله: (إلى غير جدار) أي: سترة، وذكر الجدار باعتبار الأغلب.\nوقوله: (فلم ينكر ذلك) أي: مشيتي بأتاني بين يدي الصف، أما الأول فلعدم قطع الحمارة الصلاة، وأما الثاني فلعدم كونه بالغًا، وإن كان قد قاربه، أو المراد عدم الإنكار لأجل قطع الصلاة، فافهم.\n_________\n(١) انظر: \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٩ - ٣٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٨٨، ١٠١١).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٢٦).","vol":"2","page":525},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-318> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٧٨١ - [١٠] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجدْ فَلْيَنْصِبْ عَصَاهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًى فَلْيَخْطُطْ خَطًّا، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ أَمَامَهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٦٨٩، جه: ٩٤٣].\nــ\nالفصل الثاني\n٧٨١ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (فليجعل تلقاء وجهه) أي: حذائه وجانبه شيئًا من شجر أو حجر أو جدار أو نحوها.\nوقوله: (فإن لم يجد) يدل على الترتيب، والظاهر أنه مندوب.\nوقوله: (فلينصب عصاه) وإن كانت الأرض صلبة لا يمكنه الغرز والنصب فإنه يضعه وضعًا، لكن يضعه طولًا لا عرضًا ليكون على مثال الغرز.\nوقوله: (فليخطط خطًّا) وبه قال الشافعي -﵁- في القديم، ونفاه في الجديد لاضطراب الحديث وضعفه، كذا في شرح الشيخ، وعندنا الخط ليس بشيء، هكذا روي عن محمد، وقد أخذ به بعض مشايخنا المتأخرين، فقالوا: يخط خطًّا، إلا أنا نقول: إن الخط لا يعتبر حائلًا بينه وبين المار، فيكون وجوده وعدمه سواء، كذا قال السغناقي.\nوقال الشيخ ابن الهمام (١): وأما الخط فقد اختلفوا فيه حسب اختلافهم في الوضع إذا لم يكن معه ما يغرزه أو يضعه، فالمانع يقول: لا يحصل المقصود به، إذ لا يظهر من بعيد، والمجيز يقول: ورد الأثر به، وهو ما في أبي داود: (إذا صلى أحدكم فليجعل\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (١/ ٤٠٨).","vol":"2","page":526},{"text":"٧٨٢ - [١١] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى سُتْرَةٍ، فَلْيَدْنُ مِنْهَا، لَا يَقْطَعِ الشَّيْطَانُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٩٥].\n٧٨٣ - [١٢] وَعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي إِلَى عُودٍ، وَلَا عَمُودٍ، وَلَا شَجَرَةٍ إِلَّا جَعَلَهُ عَلَى حَاجِبِهِ الأَيْمَنِ أَوِ الأَيْسَرِ، وَلَا يَصْمُدُ لَهُ صَمْدًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٩٣].\nــ\nتلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد) الحديث (١)، واختار صاحب (الهداية) الأول، والسنة أولى بالاتباع، مع أنه يظهر في الجملة، إذ المقصود جمع الخاطر بربط الخيال به كي لا ينتشر، انتهى.\nثم اختلف في صفة الخط فقيل: يجعل مثل الهلال، وقيل: يمد طويلًا إلى جهة القبلة، وقد يمد يمينًا وشمالًا والمختار الأول.\n٧٨٢ - [١١] (سهل بن أبي حثمة) قوله: (سهل بن أبي حثمة) بفتح المهملة وسكون المثلثة.\nوقوله: (فليدن منها) ويستحب أن يكون الدنو قدر إمكان السجود.\nوقوله: (لا يقطع) مجزوم جوابًا للأمر، والقطع يكون بالوسوسة والتمكن منه، فإنه إذا كان بعيدًا من السترة يخطر بباله مرور أحد فيه، فيقع في الوسوسة، وأيضًا في تبعيد السترة إيقاع للمار في الحرج وتضييق عليه.\n٧٨٣ - [١٢] (المقداد بن الأسود) قوله: (ولا يصمد) بضم الميم، والصمد:\n_________\n(١) \"سنن أبي داود\" (ح: ٦٨٩).","vol":"2","page":527},{"text":"٧٨٤ - [١٣] وَعَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَنَحْنُ فِي بَادِيَةٍ لَنَا، وَمَعَهُ عَبَّاسٌ، فَصَلَّى فِي صَحْرَاءَ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ، وَحِمَارَةٌ لَنَا وَكَلْبَةٌ تَعْبَثَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَمَا بَالَى ذَلِكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، ولِلنَّسَائِيِّ نَحْوُهُ. [د: ٧١٨، ن: ٧٥٣].\n٧٨٥ - [١٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ، وادْرَؤُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٧١٩].\nــ\nالقصد، والصمد: السيد الذي يقصد إليه في الحوائج، أي: لا يقصده قصدًا مستويًا، ولا يجعله تلقاء وجهه، بل يجعله مائلًا إلى يمينه أو يساره؛ حذرًا من أن يضاهي فعله عبادة الأصنام.\n٧٨٤ - [١٣] (الفضل بن عباس) قوله: (في بادية لنا) المراد بادية يخرجون إليها من البلد، ويضربون فيها الخيام، ويقيمون، كما هو عادة العرب، ولكل منهم بادية مخصوصة.\nوقوله: (ليس بين يديه سترة) فيه دليل على أن السترة ليست بواجبة، بل مندوبة، ولعله لم يكن ذلك الموضع ممر الناس.\nوقوله: (وحمارة لنا وكلبة) التاء فيهما قيل: للتأنيث، وقيل: للإفراد، كتمرة ونخلة.\n٧٨٥ - [١٤] (أبو سعيد) قوله: (لا يقطع الصلاة شيء) أي: لا يبطل الصلاة شيء بالمرور، لكن ادفعوا ما استطعتم، لئلا يقع المار في الإثم، ولا يشغل القلب،","vol":"2","page":528},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-319> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٧٨٦ - [١٥] عَنْ عَائِشَة قَالَتْ: كُنْتُ أَنَامُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ، فَإِذَا سَجَدَ غَمَزنِي، فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ، وَإِذَا قَامَ بَسَطْتُهُمَا، قَالَتْ: وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ. . . . .\nــ\nوقال الطيبي (١): يحتمل أن يكون المراد: لا يقطع شيء من الدفع، يعني لا الخفيف منه ولا العنيف، فادفعوا المار بقدر استطاعتكم، ولا تبالوا به، وربما ينظر إلى هذا المعنى ظاهر قوله: (فادرؤا، فإنما هو شيطان)، فافهم.\nالفصل الثالث\n٧٨٦ - [١٥] (عائشة) قوله: (ورجلاي في قبلته) أي: في مكان سجوده.\nوقوله: (غمزني) في (النهاية) (٢): الغمز: العصر، والكبس باليد، ومنه حديث عمر -﵁-: (أنه دخل عليه، وعنده غليّم أسود يغمز ظهره)، في (القاموس) (٣): غمزه بيده: نخسه، وبالعين والجفن والحاجب: أشار، وبالرَّجُلِ: سعى به شرًّا، ويظهر به أن الغمز ليس مختصًا باليد، ولكنه المراد ههنا بقرينة المقام، واستدل به على عدم نقض الوضوء بمس المرأة، وأجيب بأنه يحتمل أن يكون من وراء حائل.\nوقوله: (فَقَبَضْتُ رِجْلَيَّ) كذا للأكثر بالتثنية، وكذا قوله: (بسطتهما)، وللمستملي والحموي: (رجلي) بالإفراد، وكذا (بسطتها).\nوقوله: (والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح) اعتذار من جعلها رجلها في موضع\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٧٩).\n(٢) \"النهاية\" (٣/ ٣٨٥ - ٣٨٦).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٨١).","vol":"2","page":529},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨٢، م: ٥١٢].\n٧٨٧ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ مَا لَهُ فِي أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ مُعْتَرِضًا فِي الصَّلَاةِ، كَانَ لأَنْ يُقِيمَ مِئَةَ عَامٍ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْخُطْوَةِ الَّتِي خَطَا\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٩٤٦].\n٧٨٨ - [١٧] وَعَنْ كَعْبِ الأَحْبَارِ قَالَ: لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَي الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ، لَكَانَ أَنْ يُخْسَفَ بِهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَهْوَنَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٣٦٣].\nــ\nسجود رسول اللَّه -ﷺ-، وقال الطيبي (١): وأما قولها: (وإذا قام بسطتهما) فلتقرير رسول اللَّه -ﷺ- إياها على تلك الحالة، انتهى. ولا يخلو عن شيء؛ لأن غمزه -ﷺ- إياها ربما يكون إشارة بقبضها رجلها وبمنعها عن بسطها، خصوصًا في المرة الأولى، ويمكن أن يقال: يكون بسطها ثانيًا لزعمها أنه -ﷺ- انتقل من مكانه، أو تأخر، أو لغلبة النوم والغفلة، واللَّه أعلم.\n٧٨٧ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (ما له) أي من الإثم.\nوقوله: (كان لأن يقيم) اسم (كان) ضمير عائد إلى (أحدكم)، أو يقدر ضمير الشأن، والجملة خبر (كان)، واللام لام الابتداء المقارنة بالمبتدأ، أو اللام التي يتلقى بها القسم.\n٧٨٨ - [١٧] (كعب الأحبار) قوله: (وعن كعب الأحبار) يحتمل أن يكون حديثًا مرسلًا من رسول اللَّه -ﷺ-، أو يكون من التوراة.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٧٩).","vol":"2","page":530},{"text":"٧٨٩ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى غَيْرِ السُّتْرَةِ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْحِمَارُ وَالْخِنْزِيرُ وَالْيَهُودِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ وَالْمَرْأَةُ، وَتُجْزِئُ عَنْهُ إِذَا مَرُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى قَذْفَةٍ بِحَجَرٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٧٠٤].\n* * *\nــ\n٧٨٩ - [١٨] (ابن عباس -﵁-) قوله: (فإنه يقطع صلاته) قد مر تأويله في الفصل الأول.\nوقوله: (تجزئ) أي: هذه المذكورات (عنه) أي: عن عدم القطع، أو عن المصلى.\nوقوله: (على قذفة بحجر) أي: رمية بأن يبعدوا عن المصلى هذا المقدار، وقيل: المراد به مقدار الجمار في الحج، ويكون نحوًا من ثلاثة أذرع، وذكر في كتب الفقه أنهم اختلفوا في الموضع الذي يكره المرور فيه، منهم من قدَّره بثلاثة أذرع، ومنهم بخمسة، ومنهم بأربعين، ومنهم بموضع سجوده، ومنهم بمقدار صفين، أو ثلاثة، والأصح أنه إن كان بحال لو صلّى صلاة خاشع لا يقع بصره على المار، فلا يكره بأن يكون منتهى بصره في قيامه إلى موضع سجوده، وفي ركوعه إلى صدور قدميه، وفي سجوده إلى أرنبة أنفه، وفي قعوده إلى حجره، وفي سلامه إلى منكبيه، كذا ذكره الإمام التمرتاشي، واختاره فخر الإسلام، وأما غيرهما كالإمام شمس الدين السرخسي، وشيخ الإسلام، وقاضي خان اختاروا ما اختاره صاحب (الهداية)، بأن الموضع الذي يكره المرور فيه موضع السجود، قال السغناقي: ما ذكر فخر الإسلام والتمرتاشي أشبه إلى الصواب، ثم هدا في الصحراء، فأما في المسجد فالحد هو المسجد، إلا أن يكون بينه وبين المار أسطوانة أو غيره، انتهى.","vol":"2","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-320>١٠ - باب صفة الصلاة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-321> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٧٩٠ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَالِسٌ فِي ناحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى (١)، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ\". فَرَجَعَ. . . . .\nــ\n١٠ - باب صفة الصلاة\nوصفت الشيء وصفًا وصفةً، فالهاء عوض الواو كالوعظ والعظة وكالوعد والعدة، فالوصف والصفة مصدران بمعنى واحد في اللغة، وفي عرف المتكلمين: الوصف ذكر ما في الموصوف من الصفة، والصفة ما فيه من المعنى، فالوصف كلام الواصف، والصفة هي المعنى القائم بذات الموصوف، فقول القائل: زيد عالم وصف لزيد لا صفة له، والعلم القائم به صفته لا وصفه، فقيام الوصف بالواصف وقيام الصفة بالموصوف، ولا ينكر إطلاق الوصف بمعنى الصفة، لكن الظاهر الشائع ما ذكرنا.\nثم المراد بالصفة في (صفة الصلاة) الصفات النفسية الذاتية التي هي أجزاء عقلية لماهية الصلاة الصادقة على الأجزاء الخارجية التي هي أجزاء لهويتها، كالقيام والقراءة والركوع والسجود وغيرها، فالإضافة من قبيل إضافة الجزء إلى الكل، ويمكن أن يحمل الصفة ههنا على معنى الوصف، أي: وصف الصلاة بما فيه من الأجزاء، ولما كانت الصلاة عرضًا كانت أجزاؤها صفات وأعراضًا كالعرض واللون للسواد مثلًا، فافهم.\nالفصل الأول\n٧٩٠ - [١] (أبو هريرة) -﵁- قوله: (وعليك السلام) بالواو، وهكذا السنة في\n_________\n(١) وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَحِيَّةُ الْمَسْجِد، والرَّجُلُ الذي دخل المسجد =","vol":"2","page":532},{"text":"فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ، فَقَالَ: \"وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، ارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ\". فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ -أَوْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا-: عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: \"إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبغِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى. . . . .\nــ\nردِّ السلام، ويجيء تحقيقه في بابه.\nوقوله: (أو في التي بعدها) أي: بعد الثالثة، وهي الرابعة، فالشك في أنه قال في المرة الثالثة أو الرابعة، وسمعت من بعض مشايخي: أنها للشك في هذين اللفظين، أعني قوله: (في الثالثة) أو قوله: (في التي بعدها)، والضمير في (بعدها) راجع إلى الثانية، أي: قال: (في الثالثة) أو قال هذه العبارة بدل (في الثالثة)، وهي أيضًا بمعنى الثالثة، والأول هو الأظهر.\nوقوله: (فأسبغ الوضوء) أتم -ﷺ- البيان بذكر بعض الوضوء والاستقبال، والظاهر أن التخصيص بذكر بعض الشرائط والأركان دون بعض؛ لعلمه -ﷺ- بالوحي بالتقصير فيما ذكر دون ما سواها، وأن المتروك ما سوى الفرائض، وأن الأمر بالإعادة لفوات الكمال، فافهم، وباللَّه التوفيق، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ثم اقرأ بما تيسر) ليس في رواية البخاري الباء، هو الأظهر والأوفق للتنزيل من قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقال الطيبي (١): (اقرأ) منزل منزلة اللازم، أي: أَوْجِدِ القراءةَ باستعانة ما تيسر، ويجوز أن يكون الباء\n_________\n= هُوَ خَلَّادُ بْنُ رَافِعٍ، كَمَا بَيَّنَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ. انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٦٥٠).\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٨٢).","vol":"2","page":533},{"text":"تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٥٧، م: ٣٩٧].\nــ\nللملابسة و(معك) حال من ضمير (تيسر)، أي: حال كونه معك، و(من القرآن) بيان لـ (ما)، أي: اقرأ من القرآن ما تحفظه، وفي رواية صححها أحمد والبيهقي وابن حبان (١) بدل هذا: (ثم اقرأ بأم القرآن)، كذا في (شرح الشيخ)، وسيجيء في الفصل الثاني مع زيادة: و(ما شاء اللَّه أن تقرأ)، وقوله بعد السجدة الثانية: (ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا) إشارة إلى جلسة الاستراحة.\nقوله: (وفي رواية) أي: بدل (ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا): (ثم ارفع حتى تستوي قائمًا) أي للركعة الثانية، فليس في هذه الرواية ذكر جلسة الاستراحة، وسيجيء الكلام في هذه الجلسة في ثاني حديثي مالك بن الحويرث.\nواعلم أنه قد استدل بهذا الحديث الشافعي وأحمد وأبو يوسف -﵏- على فرضية الطمأنينة والقومة والجلسة، فإنه -ﷺ- نفى عن الرجل الصلاة، وكان قد ترك الطمأنينة والقومة والجلسة، وعند أبي حنيفة ومحمد -رحمهما اللَّه- الاطمئنان في الركوع والسجود في ظاهر الرواية على تخريج الكرخي واجب يجب السهو، وعلى تخريج الجرجاني سنة، وأما القومة والجلسة فسنة، وعليه بعض المالكية.\nوقد نقل الشيخ ابن الهمام (٢) عن (فتاوى قاضيخان) ما يدل على وجوبهما عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما اللَّه، وقال: ويمكن حمل قول أبي يوسف بفرضيتها على\n_________\n(١) انظر: \"مسند أحمد\" (٤/ ٣٤٠)، و\"السنن الكبرى\" للبيهقي (٢/ ٣٧٤)، و\"صحيح ابن حبان\" (٥/ ٨٨، ح: ١٧٨٧).\n(٢) \"فتح القدير\" (١/ ٣٠٢).","vol":"2","page":534},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالفرض العملي الشامل للواجب، فارتفع الخلاف، ثم قال: ومقتضى الدليل في كل من الطمأنينة والقومة والجلسة الوجوب، انتهى.\nوقال أبو حنيفة ومحمد -رحمهما اللَّه- في عدم فرضية الاطمئنان في الركوع والسجود: إنهما مطلوبان بقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، ولا إجمال فيهما ليفتقر إلى البيان، ومسماهما يتحقق بمجرد الانحناء ووضع بعض الوجه مما لا يعدّ سخرية مع الاستقبال، فخرج الذقن والخد، والطمأنينة دوام على الفعل لا نفسه، فهو غير المطلوب به، فوجب أن لا تتوقف الصحة عليها بخبر الواحد، وإلا كان نسخًا للإطلاق المقطوع به، وهو ممنوع عندنا، مع أن الخبر يفيد عدم توقف الصحة عليه، وهو قوله -ﷺ-: (ما انتقصت من هذا شيئًا فقد انتقصت من صلاتك شيئًا)، أخرج هذه الزيادة أبو داود والترمذي والنسائي في حديث المسيء صلاته.\nفأبو داود من حديث أبي هريرة، والترمذي عن رفاعة بن رافع -﵄- قال فيه: (فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئًا انتقصت من صلاتك)، وقال: حديث حسن، فسماها صلاة، والباطلة ليست بصلاة، ووصفها بالنقص، والباطلة إنما توصف بالانعدام، فعلم أنه -ﷺ- إنما أمره بإعادتها ليوقعها على غير كراهة لا للفساد، وأيضًا لو كانت الأمور المذكورة فرائض ما تركه -ﷺ- بفعله مرارًا، ولمنعه منها أول مرة لما قرّره عليها، فوجب حمل قوله: (فإنك لم تصل) على الصلاة الخالية عن الإثم على قول الكرخي، أو المسنونة على قول الجرجاني، والأول أولى لأن المجاز حينئذ في قوله: (لم تصل) يكون أقرب إلى الحقيقة، ولأن المواظبة دليل الوجوب.\nوقد سئل محمد عن تركها فقال: إني أخاف أن لا تجوز، وعن السرخسي: من ترك الاعتدال تلزمه الإعادة، ولا إشكال في وجوب الإعادة، إذ هو الحكم في كل صلاة","vol":"2","page":535},{"text":"٧٩١ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾،\nــ\nأديت مع كراهة التحريم، ويكون جابرًا للأول لأن الفرض لا يتكرر.\nوقال التُّورِبِشْتِي (١): ويحتمل أن الرجل ترك فرضًا من فرائض الصلاة، فلذلك أمره -ﷺ- بالإعادة، لا لترك الطمأنينة والقومة والجلسة، فإن قلت: قال الكرماني: كيف تركه مرارًا يصلي صلاة فاسدة؟ فالجواب أنه لم يأذن له في صلاة فاسدة، ولا علم من حاله أنه يأتي بها في المرة الثالثة فاسدة، لاحتمال أن يكون ناسيًا أو غافلًا فيتذكره فيفعله من غير تعليم، فما قال بعد مرات: علمني يا رسول اللَّه، علم أنه جاهل، فليس هذا من باب التقرير على الخطأ، بل من باب تحقيقه، فتدبر.\n٧٩١ - [٢] (عائشة) قوله: (يستفتح الصلاة بالتكبير) يحتمل كون التكبير شرطًا للصلاة، كما هو مذهبنا، وكونه ركنًا، كما هو مذهب الشافعي ﵀.\nوقوله: (والقراءة) أي: يستفتح القراءة (بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) بضم الدال على الحكاية، أي: بهذه السورة، فكأنها صارت اسمًا لهذه السورة، كما إذا سئل أحد: ما تقرأ؟ فيقول: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص]، وفي الحقيقة المراد السورة التي أولها هذا اللفظ، وقد جاء في (صحيح البخاري): أنه -ﷺ- قال لأبي سعيد بن المعلى: (ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن؟ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾)، وهذا تأويل صحيح لا بدّ منه لدفع توهم أنه كان لم يقرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم، وإن أريد عدم الجهر بالتسمية فهو مؤول عند الشافعي، ولا حاجة إليه عندنا، وقد وردت الأحاديث في كليهما، ويتم الكلام فيه في (باب القراءة).\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٢٢٩).","vol":"2","page":536},{"text":"وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا، وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرُشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى،\nــ\nوقوله: (لم يشخص رأسه) من الإشخاص، أي: لم يرفعه إلى السماء، من شخص كمنع شخوصًا: ارتفع، ويقال: أشخص بصره: أي: رفعه.\nوقوله: (ولم يصوِّبْه) من التصويب، أي: لم يخفضه، من صوّب رأسه: إذا خفضه، وفي بعض الشروح: أي: لم يخفضه خفضًا بليغًا، كأنه يريد به أن يخرج عن استواء الظهر والعنق، وإلا فالخفض متحقق لا محالة.\nوقوله: (بين ذلك) أي: بين الإشخاص والتصويب، واسم الإشارة المفرد يشار به إلى متعدد.\nوقوله: (وكان يقول في كل ركعتين التحية) أي: كان يتشهّد في كل ركعتين.\nوقوله: (وكان يفرش رجله اليسرى) أي: يجعله فراشًا له بأن يجلس عليها، (وينصب رجله اليمنى) ظاهر الحديث أنه يفعل هكذا في القعدتين، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ﵏، وقد جاء في حديث أبي حميد الافتراش في القعدة الأولى والتورك في القعدة الأخرى، وهو مذهب الشافعي ﵀.\nقال في (سفر السعادة) (١): قد اختلف العلماء في هذه المسألة على أربعة أقوال، فقال بعضهم بالتورك في التشهدين، وهو قول مالك، وقال بعضهم بالافتراش فيهما، وهو قول أبي حنيفة ﵀، وبعضهم بالتورك في تشهد بعده السلام، سواء كان هناك\n_________\n(١) \"سفر السعادة\" (ص: ٤٤).","vol":"2","page":537},{"text":"وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ،\nــ\nتشهدان أو تشهد واحد، وفي غيره الافتراش، وهو قول الشافعي ﵀. وقال بعضهم: كل صلاة فيها التشهدان ففي الأخير منهما يتورك، وإن كان تشهد واحد يفرش، وهو مذهب أحمد -﵀-.\nوقيل: وجه قول أبي حنيفة -﵀- أن في كثير من الأحاديث وقع ذكر الافتراش مطلقًا بأن السنة في التشهد هذا، وإن جلوس النبي -ﷺ- في التشهد كان هكذا بلا تقييد بالأولى وبالأخرى، ففي مسلم (١) عن عائشة -﵂-: كان رسول اللَّه -ﷺ- يفتتح الصلاة بالتكبير إلى أن قالت: وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى، وفي (سنن النسائي) (٢): عن ابن عمر عن أبيه -﵄- قال: من سنة الصلاة [أن] تنصب القدم اليمنى واستقبالُه بأصابعها القبلةَ، والجلوس على اليسرى، كذا قال الشيخ ابن الهمام (٣).\nوأيضًا هذا الجلوس أشقّ وأشدّ، وأفضل الأعمال أحمزها، وقد وقع في بعض الأحاديث التورك في التشهد الأخير، فحملوها على حالة العذر أو كبر السن أو طول الأدعية؛ لأن المشقة فيه أقلّ.\nوقوله: (وكان ينهى عن عقبة الشيطان) بضم عين وسكون قاف، وفسر بالإقعاء، وهو أن يلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض كما يفرش الكلب، وهو بهذا التفسير مكروه باتفاق العلماء، كذا في بعض الشروح نقلًا عن\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (ح: ٤٩٨).\n(٢) \"سنن النسائي\" (ح: ١١٥٨).\n(٣) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٣١٢).","vol":"2","page":538},{"text":"وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٩٨].\n٧٩٢ - [٣] وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: أَنَا أَحْفَظُكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-،\nــ\nالنووي (١)، وقال الطيبي (٢): وهو أن يضع أليتيه على عقبيه، وهو أنسب بلفظه (عقبة)، وفي (مجمع البحار) (٣): وقيل: هو ترك غسل عقبيه في الوضوء، وهو بعيد عن سياق الحديث.\nوقوله: (وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه) وهو أن يبسطهما على الأرض ولا يرفعهما عنها، وذلك عند السجود، وقيد الرجل لإخراج المرأة؛ فإنها تفرشهما ولا ترفعهما.\nوقوله: (وكان يختم الصلاة بالتسليم) وهو فرض عند الشافعي -﵀- بقوله -ﷺ-: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم)، وواجب عندنا لقوله -ﷺ- لابن مسعود -﵁- بعد تعليمه التشهد: (إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد)، والتخيير ينافي الفرضية والوجوب، إلا أنا أثبتنا الوجوب بما رواه احتياطًا، وبمثله لا تثبت الفرضية؛ لأنها تستدعي دليلًا قطعيًا، وقوله -ﷺ-: (وتحليلها التسليم) ليس بقطعي مع كونه معارضًا بحديث ابن مسعود.\n٧٩٢ - [٣] (أبو حميد الساعدي) قوله: (في نفر) بفتحتين، من الثلاثة إلى\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٢/ ٤٥٢، ٤٥٤).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٨٥).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٦٣٧).","vol":"2","page":539},{"text":"رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وَإذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكبَتَيْهِ،\nــ\nعشرة، كذا في (الصحاح) (١)، وقال في (القاموس) (٢): ما دون العشرة من الرجال، وقال البيضاوي (٣): ما بين الثلاثة والعشرة، ويجيء في الفصل الثاني: (قال في عشرة من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-)، فإن كان النفر شاملًا للعشرة فلا إشكال، وإلا يجوز أن يكون المراد به جماعة مجازًا، أو عدَّ نفسه تارةً ولم يعدها أخرى، واللَّه أعلم.\nوقوله: (جعل يديه حذاء منكبيه) وهذا مذهب الشافعي ومالك ورواية عن أحمد -﵏-، وعند أبي حنيفة -﵀- يرفع إلى أذنيه، وهو المروي عن أحمد في المشهور، وجاء في حديث مسلم وأبي داود عن وائل بن حجر وأنس -﵄-: (أنه -ﷺ- حين دخل في الصلاة كبَّر ورفع يديه حذاء منكبيه)، وقد جاء في رواية لأبي داود عن أبي وائل: (رفع يديه حتى كانتا بحيال منكبيه، وحاذى بإبهاميه أذنيه)، وفي رواية: (رأيت إبهاميه قريب أذنيه)، وفي رواية للبخاري ومسلم وأبي داود والنسائي عن مالك بن الحويرث: (محاذي أذنيه)، وفي رواية: (فروع أذنيه)، قيل في تطبيق هذه الروايات: إنه يرفع بحيث يكون كفاه حذاء منكبيه، وإبهاماه حذاء أذنيه، وأطراف أصابعه حذاء فرعي أذنيه، ويحتمل أن يكون كل من ذلك في أوقات مختلفة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (أمكن يديه من ركبتيه) أي: وضع كفيه على ركبتيه بقوة، وفيه: تفريج الأصابع كما أورده الشُّمُنِّي من حديث الطبراني عن أنس -﵁-.\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٢/ ٨٣٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٥٢).\n(٣) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٥٣٣).","vol":"2","page":540},{"text":"ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ اسْتَوَى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الْيُمْنَى، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ قَدَّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَنَصَبَ الأُخْرَى، وَقَعَدَ عَلَى مَقْعَدَتِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٨٢٨].\nــ\nوقوله: (ثم هصر) بالهاء والصاد المهملتين، أي: ثنى ظهره، وعطفه إلى الأرض، تحريًّا لاستواء ظهره مع عنقه كما هو السنة، والهصر في اللغة: الحدب والإمالة والكسر.\nوقوله: (حتى يعود كل فقار مكانه) في (المشارق) (١): بفتح الفاء، خرزات الصلب، وهي مفاصله، واحدها فقارة، ويقال لها: فقرة بسكون القاف وفتحها، وجمعها فقر، وجاء عند الأصيلي ههنا: (فقار ظهره) بفتح الفاء وكسرها، ولا أعلم للكسر وجهًا، وذكر البخاري في آخر الباب: وقال أبو صالح عن الليث: (كل قفار) بتقديم القاف، كذا للأصيلي ههنا، وعند ابن السكن: (فقار) بتقديم الفاء مكسورة، ولغيرهما: (قفار) بتقديم القاف مفتوحة، والصواب: (فقار) كما تقدم، انتهى.\nوقوله: (وضع يديه غير مفترش) أي: لليدين، والمراد الذراعين.\nوقوله: (ولا قابضهما) عطف على مفترش، و(لا) زائدة لتأكيد النفي، أي: غير قابض اليدين، أي: لا يضم أصابع اليدين بل يبسط أصابعهما قِبلَ القبلة، وقيل: أراد أن لا يضم الذراعين والعضدين إلى الجنبين، بل يجافيهما، كذا في بعض الشروح.\nوقوله: (قدّم رجله اليسرى) أي: إلى القبلة (ونصب اليمنى) وهذا أحد وجهي\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٧١).","vol":"2","page":541},{"text":"٧٩٣ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ، وَإذَا كَبَّرَ لِلرُّكُوعِ، وَإذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ رَفَعَهُمَا كَذَلِكَ، وَقَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٥، م: ٣٩٠].\n٧٩٤ - [٥] وَعَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ، وإذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَفَعَ يَدَيْهِ، وَإِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧٣٩].\nــ\nالتورك، وقد روي إخراج القدمين من ناحية واحدة، وهو وجهه الآخر كما ذكرنا.\n٧٩٣ - [٤] (ابن عمر) قوله: (سمع اللَّه لمن حمده) أي: أجابه وقبله، يقال: اسمع دعائي أي: أجبه، أي: اسمع سمع قبول.\nوقوله: (ربنا لك الحمد) وفي أكثر الطرق بزيادة (اللهم) قبل (ربنا)، وكذا الواو في (لك الحمد)، وحذفها روايتان، فقيل: الواو عاطفة على محذوف، وقيل: حالية، وقيل: زائدة، كذا في بعض الحواشي. ودل الحديث على الجمع بين التسميع والتحميد، وعند أبي حنيفة -﵁- هذا في المنفرد، وأما الإمام فمنصبه التسميع، والتحميد للمقتدي، وعند أبي يوسف يحمد الإمام سرًّا لئلا يكون من الذين يقولون ما لا يفعلون.\n٧٩٤ - [٥] (نافع) قوله: (ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي -ﷺ-) هذا قول البخاري بعد أن أخرج الحديث عن عبد اللَّه موقوفًا، وقال أبو داود: ولم يرفعه، وحكى الدارقطني الاختلاف في رفعه ووقفه، ثم اعلم أن رفع اليدين عند الركوع، وعند الرفع من الركوع، وعند القيام من الركعتين مما اختلف فيه بيننا وبين الشافعي ﵀، وقد وردت","vol":"2","page":542},{"text":"٧٩٥ - [٦] وَعَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا كَبَّرَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا أُذُنيهِ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فَقَالَ: \"سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ\"، فَعَلَ مِثْلَ ذَلِك. وَفِي رِوَايَةٍ: حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ. . . . .\nــ\nأحاديث وآثار في الجانبين، وإن كان في الرفع أكثر، والكلام فيه واسع طويل ذكره الشيخ ابن الهمام في (شرح الهداية) (١)، وقال في آخر كلامه: اعلم أن الآثار عن الصحابة والطرق عنه -ﷺ- كثيرة جدًا، والكلام فيه واسع، والقدر المتحقق بعد ذلك كلِّه ثبوتُ رواية كل من الأمرين عنه -ﷺ-، فيحتاج إلى الترجيح لقيام التعارض، ويترجح ما صرنا إليه بأنه قد علم بأنه كانت أقوال مباحة في الصلاة وأفعال من جنس هذا الرفع، وقد علم نسخها، فلا يبعد أن يكون هو أيضًا مشمولًا بالنسخ خصوصًا وقد ثبت ما يعارضه ثبوتًا لا مردّ له، بخلاف عدمه فإنه لا يتطرق إليه احتمال عدم الشرعية؛ لأنه ليس من جنس ما عهد فيه ذلك، بل من جنس السكون الذي هو طريق ما أُجْمِعَ على طَلَبِه في الصلاة، أعني الخشوع، و[كذا] بأفضلية رواية مثل عبد اللَّه بن مسعود الذي هو عالم بشرائع الإسلام وحدوده، ومتفقد لأقوال النبي -ﷺ-، وملازم له في سفره وحضره، وقد صلى مع النبي -ﷺ- ما لا يخفى، فيكون الأخذ به عند التعارض أولى من إفراد مقابله، ومن القول بسنية كل من الأمرين، انتهى. وقد بسطنا القول فيه في (شرح سفر السعادة) (٢)، واللَّه أعلم.\n٧٩٥ - [٦] (مالك بن الحويرث) قوله: (فروع أذنيه) أي: أعاليها، وفرع كل شيء: أعلاه.\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٣١٢).\n(٢) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٦٤، ٦٧).","vol":"2","page":543},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٧، م: ٣٩١].\n٧٩٦ - [٧] وَعَنْهُ أنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ -ﷺ- يُصَلِّي، فَإِذَا كَانَ فِي وِتْرٍ مِنْ صَلَاتِهِ لَمْ يَنْهَضْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٨٢٣].\nــ\nوقوله: (متفق عليه) فيه نظر؛ لأنه من أفراد مسلم، صرح به الشيخ، كذا في بعض الشروح (١).\n٧٩٦ - [٧] (وعنه) قوله: (فإذا كان في وتر من صلاته) أي: بعد وتر من عدد صلاته، وهي الركعة الأولى من الثنائية والثلاثية، والثالثة من الرباعية.\nوقوله: (لم ينهض حتى يستوي قاعدًا) وهذه جلسة الاستراحة، قالت به الشافعية، وصورته صورة الجلسة عند القعدة الأولى، ثم يقوم معتمدًا بيديه على الأرض، وعندنا يستوي قائمًا على صدور قدميه، ولا يقعد ولا يعتمد بيديه على الأرض، ولنا حديث أبي هريرة -﵁-: (أن النبي -ﷺ- كان ينهض في الصلاة على صدور قدميه)، وما رواه محمول على حالة الكبر، ولأن هذه قعدة استراحة، والصلاة ما وضعت لها، كذا في (الهداية) (٢).\nوفي شرحه لابن الهمام (٣): حديث أبي هريرة أخرجه الترمذي عن خالد بن إياس عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة -﵁-، وقال: وعليه العمل عند أهل العلم، وإن كان خالد بن أياس ضعيفًا، وهذا يدل على قوة أصله وإن ضعف خصوص هذا الطريق، وهو كذلك إذ أخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود: أنه كان ينهض في الصلاة على\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٢٥٧)، و\"مرعاة المفاتيح\" (٣/ ٣٥).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ٥٢).\n(٣) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٣٠٨ - ٣٠٩).","vol":"2","page":544},{"text":"٧٩٧ - [٨] وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: أَنَّه رَأَى النَّبِيَّ -ﷺ- رَفَعَ يَدَيْهِ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ، كَبَّرَ. . . . .\nــ\nصدور قدميه ولم يجلس، وأخرج نحوه عن علي -﵁-، وكذا عن ابن عمر وابن الزبير، وكذا عن عمر -﵁-، وأخرج عن الشعبي قال: كان عمر وعلي -﵄- وأصحاب النبي -ﷺ- ينهضون في الصلاة على صدور أقدامهم، وأخرج عن النعمان بن أبي عياش: أدركت غير واحد من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- فكان إذا رفع أحدهم رأسه من السجدة الثانية في الركعة الأولى والثالثة ينهض كما هو ولم يجلس، وأخرجه عبد الرزاق عن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر -﵃-، فقد اتفق أكابر الصحابة الذين كانوا أقرب إلى رسول اللَّه -ﷺ- وأشد اقتفاء لأثره وألزم لصحبته من مالك بن الحويرث على خلاف ما قال، فوجب تقديمه، ولذا كان العمل عليه عند أهل العلم كما سمعته من قول الترمذي، وعن ابن عمر: أنه نهى -ﷺ- أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة، رواه أبو داود، وفي حديث وائل: أنه -ﷺ- إذا نهض اعتمد على فخذيه، والتوفيق أولى، فيحمل ما رواه مالك بن الحويرث على حالة الكبر، انتهى كلام الشيخ ابن الهمام.\nوقال في (شرح كتاب الخرقي) (١): قال الإمام أحمد: أكثر الأحاديث على هذا، وقال أبو الزناد: وهو السنة، وقالوا: حديث مالك بن الحويرث محمول على حالة الكبر، هذا ونقل الشُّمُنِّي من (الظهيرية): أنه قال شمس الأئمة الحلوائي: الخلاف في الأفضلية حتى لو فعل كما هو مذهبنا لا بأس به عند الشافعية، ولو فعل كما هو مذهبه لا بأس به عندنا.\n٧٩٧ - [٨] (وائل بن حجر) قوله: (وكبر) بالواو في بعض نسخ (المصابيح)\n_________\n(١) \"المغني\" (٢/ ٢١٢ - ٢١٣).","vol":"2","page":545},{"text":"ثُمَّ الْتَحَفَ بِثَوْبِهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ أَخْرَجَ يَدَيْهِ من الثَّوْب، ثُمَّ رَفَعَهُمَا وَكَبَّرَ فَرَكَعَ، فَلَمَّا قَالَ: \"سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ\" رَفَعَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا سَجَدَ سَجَدَ بَيْنَ كَفَّيْهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٠١].\nــ\nوبدونها في (صحيح مسلم) و(كتاب الحميدي) و(جامع الأصول)، فعلى الأول عطف على (دخل)، وعلى الثاني إما حال بتقدير قد، أو بيان لـ (دخل)، أو بدل منه، كذا قال الطيبي (١).\nوقوله: (ثم التحف بثوبه) أي: اشتمل، وقيل: أراد بالالتحاف ستر اليد بالكم، وقيل: فعل الالتحاف لبرد شديد، كذا في بعض الشروح.\nوقوله: (ثم وضع يده اليمنى على اليسرى) هذا مذهب الأئمة الثلاثة، والأحاديث في هذا الباب من الصحيحين كثيرة لا تخفى، وعند مالك -﵀- الإرسال مع جواز الوضع، والمعمول عندهم الإرسال، ثم الوضع عند الشافعي فوق السرة محاذي الصدر، وهو رواية عن أحمد -﵀- لحديث وائل بن حجر قال: صليت مع رسول اللَّه -ﷺ- فوضع يده اليمنى على اليسرى على صدره، وكذا روي عن قبيصة بن هلب عن أبيه، وقال أبو حنيفة وأحمد -رحمهما اللَّه - في رواية: السنة وضع اليمين على الشمال تحت السرة، وفي رواية عن أحمد: يخير بينهما.\nوقال الترمذي (٢): الأمر في هذا الباب واسع عند العلماء، أيتهما يفعل فهو جائز، وحجتهم حديث أحمد وأبي داود والدارقطني والبيهقي عن علي -﵁-: السنة وضع الكف على الكف تحت السرة، وفي بعض رواة هذا الحديث ضعف.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٢٨٧).\n(٢) انظر: \"سنن الترمذي\" (٢/ ٣٢، ح: ٢٥٢).","vol":"2","page":546},{"text":"٧٩٨ - [٩] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ الْيَدَ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٤٩].\n٧٩٩ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: \"سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَه\" حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ، ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: \"رَبمَا لَكَ الْحَمْدُ\"، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَهْوِي، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ،\nــ\nوقال الشيخ ابن الهمام (١): الذي ثبت هو وضع اليمنى على اليسرى، أما الوضع تحت السرة أو الصدر لم يثبت فيه حديث، فوجب العمل بما هو المعتاد والمعهود في المشاهد، وهو تحت السرة، وكيفيته أن يضع الكف على الكف أو على المفصل، وعن أبي يوسف: يقبض باليمنى رسغ اليسرى، وقال محمد: يضعهما كذلك، ويكون الرسغ وسط الكف، ويأخذ الرسغ بالإبهام والخنصر، ويضع الباقي، فيكون جمعًا بين الأخذ والوضع، وهو المختار، انتهى.\n٧٩٨ - [٩] (سهل بن سعد) قوله: (كان الناس يؤمرون) هذا في حكم الرفع لأن الآمر هو رسول اللَّه -ﷺ-، هكذا ذكر في أصول الحديث (٢).\nوقوله: (أن يضع الرجل) وكذا المرأة.\nوقوله: (على ذراعه) أي: قرب ذراعه.\n٧٩٩ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (حين يهوي) أي: يهبط إلى السجود الأول، من هوى يهوي هويًا كضرب يضرب: إذا سقط، وأما هَوِيَ يَهْوَى من سمع يسمع: إذا\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٢٨٧)، وانظر: \"بذل المجهود\" (٤/ ١٠٣).\n(٢) انظر: \"تدريب الراوي\" (١/ ١٨٨)، و\"ظفر الأماني في مختصر الجرجاني\" (ص: ٢٣٤).","vol":"2","page":547},{"text":"ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجد، ثمَّ يكبر حِين يرفع رَأسه، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كلِّهَا حَتَّى يَقْضِيَهَا، وَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الثِّنْتَيْنِ بَعْدَ الْجُلُوسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٨٩، م: ٣٩٢].\n٨٠٠ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٥٦].\nــ\nمال وأحبّ.\nوقوله: (ثم يكبر حين يسجد) أي: للسجدة الثانية، ولم يصح رفع اليدين في السجدتين والرفع عنهما، ولا عمل به عند الشافعية إلا عند بعضهم.\nوقوله: (حتى يقضيها) أي: يؤديها ويتمها.\n٨٠٠ - [١١] (جابر) قوله: (أفضل الصلاة طول القنوت) أفضل أركان الصلاة وأفعالها طول القيام، أو أفضل الصلاة صلاة فيها طول القنوت، والقنوت يجيء لمعان، في (القاموس) (١): القنوت: الطاعة، والسكوت، والدعاء، والقيام في الصلاة، والإمساك عن الكلام، وأقنت: دعا على عدوه، وأطال القيام في صلاته، وأدام الحج، وأدام الغزو، وتواضع للَّه تعالى، انتهى.\nوالأكثرون على أن المراد في الحديث القيام.\nوقد وقع الاختلاف بين العلماء في أن القيام أفضل أو السجود؟ فقالت طائفة منهم: القيام أفضل، فيكون تطويله وتكميله أهم؛ لأنه أدخل في الخدمة والمشقة والقيام بهما أكثر؛ لأنه -ﷺ- كان في صلاة الليل يطول قيامه، ولو كان السجود أفضل\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٥٨).","vol":"2","page":548},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-322> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٨٠١ - [١٢] عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ فِي عَشْرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالُوا: فَاعْرِضْ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاة رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ،\nــ\nلكان طوّله، ولأن الذكر الذي شرع في القيام أفضل الأذكار، وهو القرآن، فيكون هذا الركن أفضل الأركان، ولقوله -ﷺ-: (أفضل الصلاة طول القنوت)، والمراد بالقنوت ههنا القيام بالاتفاق.\nوقالت طائفة: السجود أفضل؛ لأنه ورد في الحديث: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، ولقوله -ﷺ- لمن سأل مرافقته في الجنة: (أعني بكثرة السجود)، ولأن السجود أدلّ على الذلة والخضوع، وقال بعضهم: في صلاة الليل طول القيام أفضل، وفي النهار كثرة الركوع والسجود، وقيل: هما متساويان، وقد استوفينا هذا المبحث في (شرح سفر السعادة) (١).\nالْفَصْل الثَّانِي\n٨٠١ - [١٢] (أبو حميد الساعدي) قوله: (أنا أعلمكم) أي: أعلم من بينكم، فهو من قبيل ثاني قسمي إضافة اسم التفضيل.\nوقوله: (فاعرض) أي: أظهره وأبرزه، والمعنى: إذا ادعيت أنك أعلم فاعرضه علينا حتى نرى صحة ما تدعيه، ومن ثم لما عرض قالوا: صدقت، ولكن لا يظهر حينئذ أعلميته، لا منهم، ولا تخصيص أعلميته من غيره من بينهم، فالظاهر أنهم صدقوا للثقة بإخباره، فافهم، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٧٦ - ٧٧).","vol":"2","page":549},{"text":"ثُمَّ يُكَبِّرُ، ثُمَّ يَقْرَأُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ يَرْكَعُ وَيَضَعُ رَاحَتَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَعْتَدِلُ فَلَا يُصَبِّي. . . . .\nــ\nوقوله: (ثم يكبر) هذا يدل على أن التكبير بعد الرفع، وهو الأصح عندنا على ما في (الهداية) (١)؛ لأن الرفع نفي الكبرياء عن غير اللَّه، والنفي مقدم على الإثبات، كما في كلمة التوحيد، قال الفقيه أبو جعفر: يستقبل ببطون كفيه القبلة، وينشر أصابعه ويرفعها، فإذا استقرت في موضع المحاذاة يكبر، وعليه عامة المشايخ، والمروي عن أبي يوسف والمحكي عن الطحاوي: يرفع مع التكبير؛ لأن الرفع سنة التكبير فيقارنه كتسبيح الركوع والسجود، واختاره بعضهم لأنه ينتظمه المروي عنه -ﷺ-: (أنه كان يكبر عند كل خفض ورفع)، وأيضًا حديث أبي حميد الساعدي: (إذا كبّر جعل يديه حذاء منكبيه)، وحديث مالك بن الحويرث: (إذا كبر رفع يديه) ظاهران في ذلك، قال الشيخ ابن الهمام (٢): وههنا قول ثالث قيل به، وهو أنه يكبر أولًا ثم يرفع، كما جاء في رواية البيهقي في (السنن الكبرى) (٣) عن أنس أنه قال: (كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا افتتح الصلاة كبر، ثم يرفع يديه حتى يكون إبهاماه حذاء أذنيه)، ورجاله ثقات، فيوفق بأنه -ﷺ- فعل كل ذلك، ويترجح تقديم الرفع بالمعنى الذي ذكره صاحب (الهداية).\nوقوله: (فلا يصبي) بالتشديد من التفعيل، أي: لا يخفض رأسه جدًا، من صبا الرجل: إذا مال إلى الصبا، كذا في (شرح الشيخ)، وقيل: يُصبي من الإفعال، وفي (النهاية) (٤): لا يصبي رأسه: أي لا يخفضه كثيرًا ولا يميله إلى الأرض، من صبا إلى\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٤٨).\n(٢) \"فتح القدير\" (١/ ٢٨١).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٧٢، ح: ٢٦١٨).\n(٤) \"النهاية\" (٣/ ١٠).","vol":"2","page":550},{"text":"رَأْسَهُ وَلَا يُقْنِعُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَيَقُولُ: \"سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَه\"، ثُمَّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ مُعْتَدِلًا، ثُمَّ يَقُولُ: \"اللَّهُ أَكْبَرُ\"، ثُمَّ يَهْوِي إِلَى الأَرْضِ سَاجِدًا، فَيُجَافِي يَدَيْهِ عَن جَنْبَيْهِ، وَيَفْتَخُ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وَيُثْنِي رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَعْتَدِلُ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ فِي مَوْضِعِهِ. . . . .\nــ\nالشيء يصبُو: إذا مال، وصبّى رأسه تصبية، شُدِّد للتكثير، وقيل: مهموز من صبأ: إذا خرج من دين إلى دين ومال منه إليه، هذا وقد نقل عن الأزهري: الصواب [لا] يُصَوِّب، كذا في بعض الشروح، ويؤيده ما مر في حديث مسلم عن عائشة -﵂-: (لم يشخص رأسه ولم يصوبه)، ورُوِي في (سفر السعادة) (١) أيضًا في حديث أبي حميد من صحيح مسلم وابن حبان، قال التُّورِبِشْتِي (٢): وهذا القول من الأزهري يدلّ على أنه لم يعرف للتصبية في كلام العرب وجهًا، وكأنه اعتراض على الأزهري؛ لأنه قد ظهر وجه التصبية ومعناه، أو رد على ما ذكروه في معنى التصبية لعدم ظهور وجهه في كلامهم، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ولا يقنع) أي: لا يرفعه، من أقنع رأسه: رفعه.\nوقوله: (ويفتخ أصابع رجليه) بالخاء المعجمة، في (القاموس) (٣): فتخ أصابعه وفتَّخها: عرّضها وأرخاها، وأصل الفتخ الكسر، ويفسر بأن ينصبها ويغمر موضع المفاصل، والمراد ههنا نصبها مع الاعتماد على بطونها وجعل رؤوسها إلى القبلة.\n_________\n(١) \"سفر السعادة\" (ص: ٣٣).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (١/ ٢٣٢).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٤٧).","vol":"2","page":551},{"text":"مُعْتَدِلًا، ثُمَّ يَسْجُدُ، ثُمَّ يَقُولُ: \"اللَّهُ أَكْبَرُ\" وَيَرْفَعُ، وَيَثني رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَيَقْعُدُ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَعْتَدِلُ حَتَّى يَرْجِعَ كُلُّ عَظْمٍ إِلَى مَوْضِعِهِ، ثُمَّ يَنْهَضُ، ثُمَّ يَصْنَعُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ إِذَا قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ كَمَا كَبَّرَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَصْنَعُ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ السَّجْدَةُ الَّتِي فِيهَا التَّسْلِيمُ أَخَّرَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَقَعَدَ مُتَوَرِّكًا عَلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ، ثُمَّ سَلَّمَ. قَالُوا: صَدَقْتَ، هَكَذَا كَانَ يُصَلِّي. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والدَّارِمِيُّ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مَعْنَاهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [د: ٧٣٠، ت: ٣٠٤، جه: ١٠٦١، دي: ١٣٠٦].\nــ\nوقوله: (معتدلًا) كأنه حال مؤكدة.\nوقوله: (ثم يسجد) أي: السجدة الثانية.\nوقوله: (فيقعد عليها) أي: للاستراحة.\nوقوله: (ثم ينهض) أي: بعد جلسة الاستراحة، ولم يذكر في هذه الرواية القعدة الأولى، وقد ذكر في حديثه رواية أخرى لأبي داود الآتية، ولا يظهر لذلك وجه حسن، والاكتفاء بقوله: (مثل ذلك) إشارة إلى جلسة الاستراحة لكون القعدة الأولى مثلها لا تخلو عن شيء.\nوقوله: (ثم يصنع ذلك) أي: أكثر ما مرّ في الركعتين الأوليين.\nوقوله: (السجدة التي فيها التسليم) أي: التي بعدها التشهد، وفيه التسليم.\nوقوله: (أخرج رجله اليسرى) أي: من تحت مقعدته، وفي بعض النسخ: (أخر) من التأخير، وهو أيضًا بمعنى أخرج.\nوقوله: (ثم سلم) أي: تشهد وسلّم.","vol":"2","page":552},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ: ثُمَّ رَكَعَ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ كَأَنَّهُ قَابِضٌ عَلَيْهِمَا، وَوَتَّرَ يَدَيْهِ فَنَحَّاهُمَا عَنْ جَنْبَيْهِ، وَقَالَ: ثُمَّ سَجَدَ فَأَمْكَنَ أَنْفَهُ وَجَبْهَتَهُ الأَرْضَ، وَنَحَّى يَدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وَفَرَّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ غَيْرَ حَامِلٍ بَطْنَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَخِذَيْهِ حَتَّى فَرَغَ، ثُمَّ جَلَسَ فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَأَقْبَلَ بِصَدْرِ الْيُمْنَى عَلَى قِبْلَتِهِ، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى،\nــ\nوقوله: (ووتّر يديه) أي: جعلهما كالوتر، والتوتير: جعل الوتر على القوس، أي: أبعد مرفقيه عن جنبيه كأن يده كالوتر وجنبه كالقوس.\nوقوله: (فأمكن أنفه وجبهته الأرض) نصب بنزع الخافض، أي: من الأرض، ودلّ الحديث على أن السجود يجب أن يكون بالأنف والجبهة معًا، وهو الذي واظب عليه النبي -ﷺ-، والأحاديث متعاضدة عليه، وعليه الأئمة الثلاثة، وإن اقتصر على أحدهما جاز عند أبي حنيفة ﵀، فإن كان بالأنف يكره، وإن كان بالجبهة ففي (التحفة) و(البدائع) (١): لا يكره، وفي (المفيد والمزيد): وضع الجبهة وحدها أو الأنف وحده يكره، ويجزئ عنده، وعند صاحبيه لا يتأدى إلا بوضعهما إلا لعذر، ثم المعتبر وضع ما صلب من الأنف دون ما لان، وقد ورد في حديث: (أمرنا أن نسجد على سبعة آراب)، وفي رواية: (سبعة أعظم) ذكر الوجه، وقد يروى (الجبهة) مكان (الوجه)، وسيجيء تحقيقه في (باب السجود).\nوقوله: (وأقبل بصدر اليمنى) أي: ظاهره.\n_________\n(١) \"تحفة الفقهاء\" (١/ ١٣٥)، \"بدائع الصنائع\" (١/ ٢٨٣).","vol":"2","page":553},{"text":"وَكَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ يَعْنِي السَّبَّابَةَ.\nوَفِي أُخْرَى لَهُ: وَإِذَا قَعَدَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَعَدَ عَلَى بَطْنِ قَدَمِهِ الْيُسْرَى، وَنَصَبَ الْيُمْنَى، وَإِذَا كَانَ فِي الرَّابِعَةِ أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إِلَى الأَرْضِ، وَأَخْرَجَ قَدَمَيْهِ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ.\n٨٠٢ - [١٣] وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ: أَنَّهُ أَبْصَرَ النَّبِيَّ -ﷺ- حِينَ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى كَانَتَا بِحِيَالِ مَنْكِبَيْهِ، وَحَاذَى بِإِبْهَامَيْهِ أُذُنيهِ، ثُمَّ كَبَّرَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: يَرْفَعُ إِبْهَامَيْهِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ. [د: ٧٢٤].\nــ\nوقوله: (وأشار بأصبعه) يعني السبابة من السب، سميت بذلك لأن العرب كانوا يشيرون بها عند السب، ويسمى بالمسبحة والسباحة لإعمالها في التسبيح والتوحيد غالبًا، والأولى تسمية جاهلية، والثانية إسلامية، وظاهر هذا الحديث يدل على الاكتفاء بالإشارة من غير عقد، وهو المذهب عندنا، وسيجيء تحقيقه في (باب التشهد).\nوقوله: (أفضى بوركه اليسرى إلى الأرض) في (القاموس) (١): الورك بالفتح والكسر وككتف: ما فوق الفخذ، وهي مؤنثة، والورك محركة: عظمها، والمعنى مس بوركه اليسرى، أي: بما لان منها الأرض.\nوقوله: (من ناحية واحدة) هي الناحية اليمنى، وإطلاق الإخراج على اليمنى تغليب؛ لأن المخرج حقيقة هو اليسرى، كذا في شرح الشيخ.\n٨٠٢ - [١٣] (وائل بن حجر) قوله: (إلى شحمة أذنيه) وهي ما لان من أسفلها، وفي (القاموس) (٢): الشحمة من الأذن: معلق القرط.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٨٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٣٨).","vol":"2","page":554},{"text":"٨٠٣ - [١٤] وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ هُلْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَؤُمُّنَا فَيَأْخُذُ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه. [ت: ٢٥٢، جه: ٨٠٩].\n٨٠٤ - [١٥] وَعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"أَعِدْ صَلَاتَكَ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ\". فَقَالَ: عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ أُصَلِّي؟ قَالَ: \"إِذَا تَوَجَّهْتَ إِلَى الْقِبْلَةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَمَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَقْرَأَ، فَإِذَا رَكَعْتَ فَاجْعَلْ رَاحَتَيْكَ عَلَى رُكْبَتَيْكَ، وَمَكِّنْ رُكُوعَكَ، وَامْدُدْ ظَهْرَكَ، فَإِذَا رَفَعْتَ فَأَقِمْ صُلْبَكَ، وَارْفَعْ رَأْسَكَ، حَتَّى تَرْجِعَ الْعِظَامُ إِلَى مَفَاصِلِهَا، فَإِذَا سَجَدْتَ فَمَكِّنِ السُّجُودَ، فَإِذَا رَفَعْتَ فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِكَ الْيُسْرَى، ثُمَّ اصْنَعْ ذَلِكَ فِي كُلِّ ركْعَةٍ وَسَجْدَةٍ حَتَّى تَطْمَئِنَّ. هَذَا لَفَظُ \"الْمَصَابِيحِ\". وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدُ مَعَ تَغْيِيرٍ يَسِيرٍ،\nــ\n٨٠٣ - [١٤] (قبيصة بن هلب) قوله: (عن قبيصة) بفتح القاف وكسر الباء، تابعي (ابن هلب) بضم الهاء وسكون اللام، صحابي.\n٨٠٤ - [١٥] (رفاعة بن رافع) قوله: (فقال: علمني يا رسول اللَّه -ﷺ-)، ليس في هذه الرواية ذكر المرات الثلاث، فإما أن يكون اختصارًا من الراوي أو القضية متعددة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ثم اصنع ذلك في كل ركعة) أي ركوع بدليل قوله: (وسجدة)، ويصح إبقاء الركعة على حقيقتها، ويكون المراد بالسجدة سجدة التلاوة والشكر؛ إذ يجب فيهما ما يجب في سجود التلاوة، وقال الشيخ في شرحه: هذا أولى، وإن لم أر من ذكره، ولا يخفى بُعده من لفظ الحديث، ولهذا لم يذكره أحد.\nوقوله: (حتى تطمئن) راجع إلى جميع ما ذكره.","vol":"2","page":555},{"text":"وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مَعْنَاهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ قَالَ: \"إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَتَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَكَ اللَّهُ بِهِ، ثُمَّ تَشَهَّدْ فَأَقِمْ، فَإِنْ كَانَ مَعَكَ قُرْآنٌ فَاقْرَأْ وَإِلَّا فَاحْمَدِ اللَّهَ وَكَبِّرْهُ وَهَلِّلْهُ ثُمَّ ارْكَعْ\". [د: ٨٥٩، ت: ٣٠٢].\n٨٠٥ - [١٦] وَعَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى،\nــ\nوقوله: (ثم تشهد) أي أذِّن، كذا في شرح الشيخ، وقيل: أي: قل بعد الوضوء الشهادتين، وقد صح وروده في الأحاديث.\nوقوله: (وإلا فاحمد اللَّه وكبره وهلله) أي: اذكر اللَّه بالتحميد والتكبير والتهليل، والمراد أنواع الذكر، وقد ورد في الحديث: (أفضل الكلام -وفي رواية: أحب الكلام- أربع: سبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر)، ولعل ذلك لمن آمن ولم يتسع له الوقت لحفظ شيء من القرآن، ومنه أخذت الشافعية أن من لم يعرف شيئًا من القرآن يلزمه الذكر، ومنهم من قال: يجب سبعة أنواع من الذكر بعدد آي الفاتحة، وقد صح عن بعضهم وإن ضعفه النووي أن رجلًا جاء إلى النبي -ﷺ- فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا، فعلمني ما يجزئ عنه في صلاتي؟ فقال: (قل سبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر ولا حول ولا قوة إلا باللَّه [العلي العظيم])، وهذا مشتمل على خمسة أنواع بل ستة، والظاهر أنه كان يحفظ البسملة، فهو على تقدير صحته دليل لمن ذهب إلى أن الواجب سبعة أذكار، كذا في (شرح الشيخ)، ولعل قوله: بل ستة مبني على جعل (لا حول ولا قوة) ذكرين، وخصوصًا بتقدير الخبر لكل منهما على حدة، وسيجيء زيادة كلام فيه في آخر الفصل الثاني و(باب القراءة في الصلاة).\n٨٠٥ - [١٦] (الفضل بن عباس) قوله: (الصلاة مثنى مثنى) أي: أفضل الصلاة","vol":"2","page":556},{"text":"تَشَهُدٌ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَتَخَشُّعٌ وَتَضَرُّعٌ. . . . .\nــ\nالنافلة أن يكون ركعتين ركعتين ليلًا أو نهارًا، وبه أخذ الشافعي ﵀، وعند أبي حنيفة -﵀- أربع ركعات فيهما، وعند أبي يوسف ومحمد في الليل مثنى مثنى، وفي النهار أربع أربع، وقال في (الهداية) (١): وللشافعي -﵀- قوله -ﷺ-: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)، ولهما الاعتبار بالتراويح، ولأبي حنيفة -﵀- أنه -ﷺ- كان يصلي بعد العشاء أربعًا [أربعًا] روته عائشة -﵂-، وكان -ﷺ- يواظب على الأربع في الضحى، ولأنه أدوم تحريمة فيكون أكثر مشقة وأزيد فضيلة، ولهذا لو نذر أن يصلي أربعًا لا يخرج عنه بتسليمتين، وعلى القلب يخرج، والتراويح تؤدى بجماعة فيراعى فيه جهة التيسير، ومعنى ما رواه شفعًا لا وترًا، انتهى.\nوقال الشيخ ابن الهمام (٢): قوله -ﷺ-: (صلاة الليل والنهار مثنى مثنى)، إما في حق الفضيلة بالنسبة إلى الأربع أو في حق الإباحة بالنسبة إلى الفرد، وترجيح أحدهما بمرجح، لكنا عقلنا زيادة فضيلة الأربع؛ لأنها أكثر مشقة على النفس بسبب طول تعبدها على الخدمة (٣)، ورأيناه -ﷺ- قال: (إنما أجرك على قدر نصبك) فحكمنا بأن المراد الثاني، أي: مثنى لا واحدة وثلاثًا، وللشيخ ههنا كلام بسيط وتدقيق طويل لخصنا منه هذا القدر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (تشهد في كل ركعتين) خبر بعد خبر، وفيه بيان معنى كونه مثنى مثنى. و(التخشع) بالباطن أن لا يتطرق إلى القلب الوساوس والخواطر، ولو في أمر أخروي لا تعلق به بصلاته. و(التضرع) في الظاهر بإكثار الدعاء والسؤال فيها، والتمسكن بإظهار\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٦٧).\n(٢) \"فتح القدير\" (١/ ٤٥٠).\n(٣) في \"فتح القدير\": طول تقييدها في مقام الخدمة.","vol":"2","page":557},{"text":"وَتَمَسْكُنٌ، ثُمَّ تُقْنِعُ يَدَيْكَ -يَقُول: تَرْفَعُهُمَا إِلَى رَبِّكَ- مُسْتَقْبِلًا بِبُطُونِهِمَا وَجْهَكَ، وَتَقُولُ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَهُوَ كَذَا وَكَذَا\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"فَهُوَ خِدَاجٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-323> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٨٠٦ - [١٧] عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: صَلَّى لَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، فَجَهَرَ بِالتَّكْبِيرِ حِينَ رَفَعَ. . . . .\nــ\nالذلة والافتقار والإسقاط عن درجة الاستحقاق والاعتبار، وقد تروى هذه الألفاظ (تشهد) و(تخشع) و(تضرع) و(تمسكن) بصيغ الأمر، قال التُّورِبِشْتِي (١): نراها تصحيفًا، والصحيح بصيغ المصادر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ثم تقنع يديك) من الإقناع بلفظ الخطاب، أي ترفعهما بعد السلام.\nوقوله: (يقول) بلفظ الغيبة، أي يريد -ﷺ- بإقناع اليدين أنك ترفعهما. . . إلخ، وهذا قول ابن عباس -﵁- تفسيرًا لقول رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (كذا وكذا) كناية عن لحوق نقص في صلاته. (فهو خداج) أي: المصلي أو فعله ذو خداج، أي: نقصر، مصدر خدجت الحامل من ضرب يضرب: إذا ألقت ولدها قبل وقته، وأخدجته: إذا ولدته ناقص الخلقة وإن كان تام المدة، فالخديج: الولد تام الخلقة ناقص المدة، والمخدج بالعكس، ودل الحديث على استحباب الدعاء بعد الصلاة.\nالفصل الثالث\n٨٠٦ - [١٧] (سعيد بن الحارث بن المعلى) قوله: (فجهر بالتكبير حين رفع\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٢٣٢).","vol":"2","page":558},{"text":"رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَحِينَ سَجَدَ، وَحِينَ رَفَعَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧٩١].\n٨٠٧ - [١٨] وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ شَيْخٍ بِمَكَّةَ، فَكَبَّرَ ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ تَكْبِيرَةً، فَقُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّهُ أَحْمَقُ، فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ،\nــ\nرأسه. . . إلخ)، فيه دليل على ندب جهر الإمام بالتكبيرات، وسبب تخصيص هذه الثلاثة بالذكر إما لأنه وقع الكلام فيه، أو لترك بعض الناس إياها وتهاونهم في أمرها، أو لنسيان الراوي ما سواها، وفي شرح الشيخ: أنه يقاس عليها ما سواها من التكبيرات وسمع اللَّه لمن حمده، وقد وقع في رواية الإسماعيلي ذكر باقي التكبيرات أيضًا، حيث روي: أنه اشتكى أبو هريرة -أو غاب- فصلى أبو سعيد الخدري -﵄-، فجهر بالتكبير حين افتتح وحين ركع، الحديث (١)، وزاد في غيره: فلما انصرف قيل له: قد اختلف الناس على صلاتك، فقام على المنبر، وقال: إني واللَّه ما أبالي اختلفت صلاتكم أو لم تختلف إني رأيت رسول اللَّه -ﷺ- هكذا يصلي، والذي يظهر أنه كان بينهم اختلاف في الجهر بالتكبير والإسرار به، وكان مروان وغيره من بني أمية يسره، وكان أبو هريرة -﵁- يصلي بالناس في إمارة مروان على المدينة، كذا في بعض الشروح نقلًا عن الشيخ (٢).\n٨٠٧ - [١٨] (عكرمة) قوله: (خلف شيخ) وهو أبو هريرة -﵁-.\nوقوله: (فكبر) يعني جهرًا.\nوقوله: (ثنتين وعشرين) أي: في الرباعية مع تكبيرة الافتتاح والقيام من التشهد،\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ١٨).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٣٠٤).","vol":"2","page":559},{"text":"سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ -ﷺ-. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧٥٥].\n٨٠٨ - [١٩] وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ مُرْسَلًا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكَبِّرُ فِي الصَّلَاة كُلَّمَا خَفَضَ وَرَفَعَ، فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ صَلَاتُهُ حَتَّى لَقِي اللَّهَ تَعَالَى. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ١٦٤].\n٨٠٩ - [٢٠] وَعَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَالَ لَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ: أَلا أُصَلِّي بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَصَلَّى وَلَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً مَعَ تَكْبِيرَةِ الافْتِتَاحِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: لَيْسَ هُوَ بِصَحِيحٍ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى. [ت: ٢٥٧، د: ٧٤٨، ن: ١٠٥٨].\nــ\nوقد وقع عند الإسماعيلي: الظهر صريحًا (١).\n٨٠٨ - [١٩] (علي بن الحسين) قوله: (كلما خفض ورفع) ويستثنى منه الرفع من الركوع بالإجماع، فإنه كان يقول: سمع اللَّه لمن حمده، كما جاء في الروايات.\nوقوله: (صلاته) يروى بالنصب، وبالرفع خبر (لم تزل) أو اسمه، وقد يروى (لم يزل) بالياء، ففيه ضمير للنبي -ﷺ-، و(تلك صلاته) جملة خبر له.\n٨٠٩ - [٢٠] (علقمة) قوله: (وقال أبو داود: ليس بصحيح على هذا المعنى) اعلم أن الترمذي (٢) عقد بابًا فيمن لم ير الرفع إلا عند الافتتاح، ثم أخرج حديث عبد اللَّه ابن مسعود هذا، وقال: وفي الباب عن البراء بن عازب، وحديث ابن مسعود حديث حسن، وبه يقول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- والتابعين، وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة. نعم روي في (باب رفع اليدين عند الركوع) عن عبد اللَّه\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٢٧٢).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٢٥٧).","vol":"2","page":560},{"text":"٨١٠ - [٢١] وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: اللَّه أكبر. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٨٠٣].\n٨١١ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الظُّهْرَ، وَفِي مُؤَخَّرِ الصُّفُوفِ رَجَلٌ فَأَسَاءَ الصَّلَاةَ، فَلَمَّا سَلَّمَ نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا فُلَانُ أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ؟ أَلَا تَرَى كَيْفَ تُصَلِّي؟ إِنَّكُمْ تُرَوْنَ أنَّهُ يَخْفَى عَلَيَّ شَيْءٌ مِمَّا تَصْنَعُونَ، وَاللَّهِ إِنِّي لأَرَى مِنْ خَلْفِي كَمَا أَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٤٤٩].\n* * *\nــ\nابن المبارك، وقد ثبت حديث من يرفع، ولم يثبت حديث ابن مسعود: أن النبي -ﷺ- لم يرفع إلا في أول مرة، والكلام فيه واسع، ذكره الشيخ ابن الهمام، وقد أشرنا إليه مجملًا في الفصل الأول.\n٨١٠ - [٢١] (أبو حميد الساعدي) قوله: (ورفع يديه وقال: اللَّه أكبر) الواو لمطلق الجمع، فلا يدل على تقديم الرفع وتأخيره، والأحاديث واردة في الكل، وأقوال العلماء مختلفة.\n٨١١ - [٢٢] (أبو هريرة) قوله: (ترون) أي: تظنون.\nوقوله: (إني لأرى من خلفي) الصواب أنه محمول على ظاهره، وأن هذا الإبصار إدراك حقيقي بحاسة العين خاص به -ﷺ- على خرق العادة، فكان يرى من غير مقابلة، ويحتمل أن يكون علمًا بالقلب بوحي أو بإلهام، ولم يكن دائمًا، ويؤيده أنه -ﷺ- لما ضلّت ناقته قال بعض المنافقين: إن محمدًا يزعم أنه يخبركم بخبر السماء، وهو","vol":"2","page":561},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-324>١١ - باب ما يقرأ بعد التكبير</span>\nــ\nلا يدري أين ناقته؟ فقال -ﷺ-: (واللَّه لا أعلم إلا ما علَّمني ربي، وقد دلَّني ربي عليها، وهي في موضع كذا وكذا، حبستها شجرة بخطامها) (١)، وكان -ﷺ- حين ينكشف له في حال الصلاة التي كانت له قرة عين حقائق الموجودات فيدرك من خلفه كما يدرك من أمامه، ولم يكن شهوده -ﷺ- بحيث يشغله ويذهله عن الكائنات، على ما هو حال المتمكنين الكائنين البائنين.\nفعلم مما ذكرنا أن هذا لا ينافي قوله: (إني لا أعلم ما وراء جداري)، وقيل: لا أصل لذلك الخبر أي قوله: (إني لا أعلم ما وراء جداري)، فلا يحتاج إلى الجواب، ولقد أغرب من قال: إنه كان له -ﷺ- عين خلف ظهره، أو بين كتفيه عينان مثل سم الخياط، لا يحجبها شيء، والظاهر من هذا أن تكون رؤيته من خلفه دائمة، واللَّه أعلم.\n١١ - باب ما يقرأ بعد التكبير\nاعلم أنه قد ورد في الأحاديث الصحيحة الأدعية والأذكار في استفتاح الصلاة من قوله: (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض) وغيره، وقوله: (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك. . . إلى آخره)، وهي مستحبة معمول بها في مذهب الشافعي -﵀- في الفريضة والنافلة كُلًّا أو بعضًا، قال النووي (٢): يستحب الجمع بينها\n_________\n(١) فَذَهَبُوا فَوَجَدُوهَا كَمَا أَخْبَرَ -ﷺ-، اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَحْوَالَ الأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ مُخْتَلِفَةٌ؛ وَلِهَذَا لَمْ يَرَ يَعْقُوبُ وَلَدَهُ يُوسُفَ فِي الْبِئْرِ مَعَ قُرْبِهَا إِلَى بَلَدِهِ، وَوَجَدَ رِيحَ قَمِيصِ يُوسُفَ مِنْ حِينِ فَصَلَتِ الْعِيرُ مِنْ مِصْرَ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٦٧٠).\n(٢) \"الأذكار\" (ص: ٩٣).","vol":"2","page":562},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nكلها لمن صلى منفردًا، وللإمام إذا أذن له المأموم، فأما إذا لم يأذنوا فلا يطوِّل عليهم بل يقتصر على بعض ذلك، وحَسُن اقتصاره على (وجهت وجهي) إلى قوله: (من المسلمين)، وكذلك المنفرد الذي يؤثر التخفيف، انتهى. وعندنا وكذلك عند أحمد ومالك في ظاهر مذهبهما يقتصر على قوله: سبحانك اللهم وبحمدك. . . إلخ.\nوفي (شرح كتاب الخرقي) (١): في مذهب أحمد: ولو استفتح بغير هذا مما روي وصح لجاز، وما روي سوى ذلك فهو محمول على التهجد، بل مطلق النوافل لما ثبت في (صحيح أبي عوانة) والنسائي: أنه -ﷺ- كان إذا قام يصلي تطوعًا قال: (اللَّه أكبر، وجهت وجهي. . . إلى آخره)، فيكون مفسرًا لما في غيره بخلاف: (سبحانك اللهم) فإنه المستقر عليه في الفرائض، كذا ذكر الشيخ ابن الهمام (٢)، وسيأتي الكلام فيه في الفصل الثاني.\nثم الثناء والمراد به قول: (سبحانك اللهم. . . إلخ)، بدون التوجيه المراد به: (إني وجهت وجهي. . . إلخ)، هو المتعين عند أبي حنيفة ومحمد -رحمهما اللَّه- لحديث أنس -﵁-، رواه الدارقطني في (سننه) (٣) بإسناد رجاله ثقات: أن رسول اللَّه -ﷺ- كان إذا افتتح الصلاة كبر، ثم قال: (سبحانك اللَّه وبحمدك) الحديث، وليس فيه ذكر التوجيه، وعند أبي يوسف: يجمع بين الثناء والتوجيه جمعًا بين حديث أنس وغيره، وهو مختار الطحاوي، وقال (٤): هو مخير في أن يأتي بالتوجيه بعد الثناء أو قبله، وهو\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (١/ ٢٢٢).\n(٢) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٢٨٩).\n(٣) \"سنن الدارقطني\" (١/ ٣٠٠، ح: ١٢).\n(٤) انظر: \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٥٧، ح: ١١٤٩).","vol":"2","page":563},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-325> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٨١٢ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَينَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً،\nــ\nرواية عن أبي يوسف، والمشهور تأخير التوجيه عن الثناء عنده.\nثم اعلم أن عند بعض الحنفية القائلين بالتوجيه المستحب إتيان التوجيه بعد النية قبل التكبير؛ لأن هذا أوكد وأدخل في النية والعزيمة، وقال لعضهم: هذا يؤدي إلى طول مكث القيام مستقبل القبلة من غير صلاة، وهو مذموم شرعًا، فينبغي أن يأتي بعد التكبير.\nوهذا الاختلاف مبني على اختلاف نسختي (الهداية)، ففي بعض النسخ: والأولى أن لا يأتي بالتوجيه قبل التكبير؛ لتتصل النية به، فالضمير في (به) راجع إلى التكبير، وحاصله لزوم المكث المذكور، وأيضًا الأولى في النية قرانها بالتكبير، وفي بعضها (يأتي) بدون (لا)، فالضمير راجع إلى التوجيه لكونه مؤكدًا للنية والعزيمة، وقد نقل الشُّمُنِّي عبارة (الهداية): (لا يأتي) بزيادة (لا)، هو الموافق لما في (شرح ابن الهمام) (١)، فتدبر.\nالفصل الأول\n٨١٢ - [١] (أبو هريرة) قوله: (يسكت) ضبطوه بفتح أوله من السكوت، وحكى الكرماني عن بعض الرواة: ضمّ أوله من الإسكات، كذا في شرح الشيخ، وفي (مجمع البحار) (٢): بفتح أوله، و(إسكاتة) مصدر شاذ، والقياس سكوتًا، وفيه:\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٢٩٠).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٩٢).","vol":"2","page":564},{"text":"فَقُلْتُ: بِأبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: \"أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ. . . . .\nــ\nيسكت مضارع أسكت بمعنى سكت، وفي (الصحاح) (١): تكلم الرجل، ثم سكت بغير ألف، فإذا انقطع كلامه فلم يتكلم قلت: أسكت، انتهى. والمراد بالسكوت ههنا عدم الجهر.\nوقوله: (بأبي أنت وأمي) أي: أنت مفدي بأبي، ومدخول الباء في الفداء يكون مبذولًا.\nوقوله: (إسكاتك) المشهور بالنصب، أي: أسألك إسكاتك ما تقول فيها، وقد يروى بالرفع على الابتداء.\nوقوله: (باعد بيني وبين خطاياي) صيغة المفاعلة للمبالغة؛ لأن الفعل إذا جاء من اثنين يكون أقوى وأكمل، والظاهر من قوله: (خطاياي) بالإضافة أن يكون المراد ما وُجد من الخطايا السابقة، بطلب محوها وغفرانها في الغاية، و(الخطايا) في قوله: و(نقني من الخطايا) يحتمل السابقة واللاحقة، بطلب محو آثارها والعصمة منها، والتقييد بـ (الثوب الأبيض) لظهور الدنس فيها غاية الظهور، وإن كان أدناه فيبالغ في التنقية حتى يزول مع ما فيه من الإشارة إلى الفطرة التي فطر الناس عليها.\n_________\n(١) \"الصحاح\" (١/ ٢٥٣).","vol":"2","page":565},{"text":"بِالْمَاءِ والثَّلْجِ وَالْبَرْدِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٤٤، م: ٥٩٨].\nــ\nوقوله: (بالماء والثلج والبرد (١» بالتحريك، حَبُّ الغمام، إشارة إلى أنواع المطهرات وأقسام المغفرة، مبالغة في الغسل والتنقية والمغفرة، والثلج والبرد أيضًا ماء منجمد، فالغسل به ليس ببعيد، فلا حاجة إلى جعل التركيب من قبيل: علفته تبنًا وماءً، ومتقلدًا سيفًا ورمحًا، فافهم.\n_________\n(١) قِيلَ: خَصَّ الثَّلْجَ وَالْبَرَدَ بِالذِّكْرِ؛ لأَنَّهُمَا مَاءَانِ مَفْطُورَانِ عَلَى خِلْقَتِهِمَا لَمْ يُسْتَعْمَلَا، وَلَمْ تَنَلْهُمَا الأَيْدِي، وَلَمْ تَخُضْهُمَا الأَرْجُلُ، كَسَائِرِ الْمِيَاهِ الَّتِي خَالَطَتِ التُّرَابَ، وَجَرَتْ فِي الأَنْهَارِ، وَجُمِعَتْ فِي الْحِيَاضِ، فَهُمَا أَحَقُّ بِكَمَالِ الطَّهَارَةِ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذِهِ أَمْثَالٌ وَلَمْ يُرِدْ أَعْيَانَ هَذِهِ الْمُسَمَّيَاتِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهَا التَّأْكِيدَ فِي التَّطْهِيرِ وَالْمُبَالَغَةَ فِي مَحْوِهَا عَنْهُ، قَالَ ابْنُ دَقيقِ الْعِيدِ: عَبَّرَ بِهَا عَنْ غَايَةِ الْمَحْوِ، فَإِنَّ الثَّوْبَ الَّذِي يَتَكَرَّرُ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ مُنَقِّيَةٍ يَكُونُ فِي غَايَةِ النَّقَاءِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ مَجَازٌ عَنْ صِفَةٍ يَقَعُ الْمَحْوُ بِهَا، كَقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. قَالَ الطِّيبِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمَطْلُوبُ مِنْ ذِكْرِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ بَعْدَ ذِكْرِ الْمَاءِ لِطَلَبِ شُمُولِ الرَّحْمَةِ، وَأَنْوَاعِ الْمَغْفِرَةِ بَعْدَ الْعَفْوِ لإِطْفَاءِ حَرَارَةِ عَذَابِ النَّارِ الَّتِي هِيَ فِي غَايَةِ الْحَرَارَةِ، مِنْ قَوْلهِمْ: بَرَّدَ اللَّهُ مَضْجَعَهُ، أَيْ: رَحِمَهُ وَوَقَاهُ عَذَابَ النَّارِ، قَالَ مِيرَكُ: وَأَقُولُ: الأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ: جَعَلَ الْخَطَايَا بِمَنْزِلَةِ نَارِ جَهَنَّمَ، فَعَبَّرَ عَنْ إِطْفَاءِ حَرَارَتِهَا بِالْغَسْلِ تَأْكِيدًا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي الدَّعَوَاتِ الثَّلَاثِ إِشَارَةٌ إِلَى الأَزْمِنَةِ الثَّلَاثَةِ، فَالْمُبَاعَدَةُ لِلْمُسْتَقْبَلِ، وَالْغَسْلُ لِلْمَاضِي، وَالتَّنْقِيَةُ لِلْحَالِ، وَكَانَ تَقْدِيمُ الْمُسْتَقْبَلِ لِلِاهْتِمَامِ بِدَفْعِ مَا سَيَأْتِي قَبْلَ دَفْعِ مَا حَصَلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، اهـ.\nوَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْمُبَاعَدَةُ فِيمَا لَمْ يَقَعْ مُطْلَقًا وَالتَّنْقِيَةُ فِي الْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ، وَالْغَسْلُ فِيمَا وَقَعَ مُطْلَقًا، وَتَعَدُّدُ آلَةِ الْغَسْلِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنْوَاعِ الْمَغْفِرَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالذُّنُوبِ وَمَرَاتِبِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَهَذَا كُلُّهُ تَعْلِيمٌ لِلأُمَّةِ، أَوْ دُعَاءٌ لَهُمْ، أَوْ بِاعْتِبَارِ حَسَنَاتِ الأَبْرَارِ سَيِّئاتِ الْمُقَرَّبِينَ، وَهُوَ الأَظْهَرُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٦٧١).\nوفي \"حجة اللَّه البالغة\" (٢/ ١٣): أنها كِنَايَة عَن تَكْفِير الْخَطَايَا مَعَ إِيجَاد الطُّمَأْنِينَة وَسُكُون الْقلب، وَالْعرب تَقول: برد قلبه، أَي: سكن وإطمأن، وَأَتَاهُ الثَّلج، أَي: الْيَقِين.","vol":"2","page":566},{"text":"٨١٣ - [٢] وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ -وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ- كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: \"وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ (١) وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَنْتَ رَبِّي وَأَنَا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَاعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي، فَاغْفِر لِي ذُنُوبِي جَمِيعًا، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، وَاهْدِنِي لِأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأَحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئتَهَا، لَا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ،\nــ=\n٨١٣ - [٢] (علي -﵁-) قوله: (حنيفًا) حال من ضمير (وجهت)، أي: مائلًا عن الباطل إلى الحق، و(النسك) مثلثة وبضمتين: العبادة، وكل حق للَّه ﷿، كنصر وكرم.\nوقوله: (وأنا من المسلمين) وسيأتي في رواية: (وأنا أول المسلمين)، قيل: ذلك مخصوص بالنبي -ﷺ-، ومن غيره كذب، فقيل: تفسد الصلاة، والأصح أنها لا تفسد إذا قصد به التلاوة؛ لأنه ناقل لا مخبر. ومعنى (لبيك) أُقيم لطاعتك إقامةً بعد إقامةٍ.\nوقوله: (سعديك) أُسعدك إسعادًا بعد إسعادٍ، وقد عرفت تصحيحهما في النحو،\n_________\n(١) قال القاري: وَإِنَّمَا جَمَعَ السَّمَاوَاتِ لِسَعَتِهَا، أَوْ لِاخْتِلَافِ طَبَقَاتِهَا، أَوْ لِتَقَدُّمِ وَجُودِهَا، أَوْ لِشَرَفِ جِهَتِهَا، أَوْ لِفَضِيلَةِ جُمْلَةِ سُكَّانِهَا، أَوْ لأَنَّهَا أَفْضَلُ عَلَى الأَصَحِّ عِنْدَ الأَكْثَرِ، وَإِلَّا فَالأَرْضُ سَبْعٌ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، وَلِمَا وَرَدَ: وَرَبُّ الأَرَضِينَ السَّبْعِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٦٧٢).","vol":"2","page":567},{"text":"وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ\". وَإِذَا رَكَعَ قَالَ: \"اللَّهُمَّ لَكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَلَكَ أَسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي، وبَصَرِي، وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِي\". فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ: \"اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ\". وَإِذَا سَجَدَ قَالَ: \"اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ،\nــ\nومعنى قوله: (والشر ليس إليك) أن الشر لا ينسب ولا يضاف إليك، فلا يقال: يا خالق الشر، وإن كان خالقه، كما لا يقال: يا خالق الخنزير، وإن كان خالقه تأدبًا، وحقيقته أن الكل يخلق اللَّه، وله في خلق كل شيء حكمة، فهو خير بالنظر إلى تلك الحكمة، فلا شر في الخلق، وإنما الشر في المخلوق، وقيل: معناه: والشر لا يتقرب به إليك، وقيل: لا يصعد إليك، وإنما يصعد الكلم الطيب.\nوقوله: (أنا بك وإليك) أي: أنا أثق بك وألتجئ إليك، أو أنا بك أستجير وأحيى وأموت، وإليك المرجع والمصير، أو أنا قائم بك وراغب إليك، وكان الشيخ -رحمة اللَّه عليه- يقول: هذه حروف الجر يصح تقدير كل ما يلائمها ويتعدى بها.\nوقوله: (لك ركعت) أي: ذللت وانحنيت.\nوقوله: (ملء) الرواية المشهورة النصب، صفة مصدر محذوف، وقد يرفع صفة الحمد.\nوقوله: (ملء ما شئت) أي: من الممكنات المعدومة أردت وجوده.\nقوله: (بعد) أي: بعد المذكور من السماوات والأرض وما بينهما، ويحتمل أن يكون المراد من بعد قولي ووقتي هذا.","vol":"2","page":568},{"text":"وَلَكَ أَسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ\".\nثُمَّ يَكُونُ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيم: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَسْرَفْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٧١].\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّافِعِيِّ: \"وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، وَالْمَهْدِيُّ مَنْ هَدَيْتَ، أَنَا بِكَ وَإِلَيْك، لَا مَنْجَا مِنْكَ وَلَا مَلْجَأَ إِلَّا إِلَيْكَ، تَبَارَكتَ\". [\"مسند الشافعي\": ١٤٢].\n٨١٤ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ فَدَخَلَ الصَّفَّ، وَقَدْ حَفَزَهُ. . . . .\nــ\nوقوله: (شقّ سمعه وبصره) أي: أوجدهما وفتحهما، وإنما قال: شق لوجود الشق فيهما، وأصله أن المصورين بعد ما صوَّروا صورة الوجه يشقُّون فيه صورة السمع والبصر.\nوقوله: (من آخر ما يقول) كلمة (من) تبعيضية؛ لأنه كان يقول ويدعو بأدعية كثيرة، وكان آخرها هذا الدعاء.\nوقوله: (لا منجا) مقصور من النجاة.\nوقوله: (ولا ملجأ) مهموز، ويجوز تليين الهمزة للازدواج بمنجا.\n٨١٤ - [٣] (أنس) قوله: (وقد حفزه) بالحاء المهملة والفاء والزاي على لفظ الماضي، أي: جهده النفس وأتعبه وأعجله، وتتابعه من شدة السعي إلى الصلاة، وأصله","vol":"2","page":569},{"text":"النَّفَسُ فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَاركًا فِيهِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاتَهُ قَالَ: \"أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟ \". فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ: \"أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟ \" فَأَرَمَّ الْقَوْمُ، فَقَالَ: \"أَيُّكُمُ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ. . . . .\nــ\nالدفع العنيف، في (القاموس) (١): حَفَزَهُ يَحْفِزُهُ: دفعه من خلفه، وعن الأمر: أعجله وأزعجه.\nوقوله: (حمدًا)، منصوب بفعل يدل عليه الحمد للَّه.\nوقوله: (فأرمَّ القوم) في (المشارق) (٢): أي: سكتوا، بفتح الهمزة والراء وتشديد الميم، كأنهم أطبقوا شفاههم، وهي المرمة من غير الناس من بهائم الحيوان، وقد رواه بعضهم في غير هذه الكتب: (فأزمّ القوم) بزاي مفتوحة وميم مخففة، ومعناه مثل الأول، أي: أمسكوا عن الكلام.\nفي (القاموس) (٣): تَرَمْرَمُوا: تحركوا للكلام ولم يتكلَّموا، وفيه: المرمة وتكسر راؤها: شفة كل [ذات] ظليف.\nوفي (مجمع البحار) (٤): والمرمة من ذوات الظلف بالكسر والفتح كالفم من الإنسان، ومنه: حبستها فلا أطعمتها ولا أرسلتها ترمرم من خشاش الأرض، أي: تأكل، وأصلها من رمَّت الشاة وارتَمّت من الأرض: إذا أكلت.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٧٢).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤٦٤).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٢٨).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٣٨١).","vol":"2","page":570},{"text":"بَأْسًا\" فَقَالَ رَجُلٌ: جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النَّفَسَ فَقُلْتُهَا، فَقَالَ: \"لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونها أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٠٠].\nــ\nوفي (مختصر النهاية) (١): ويروى فأزمّ القوم بالزاي: أي: أمسكوا عن الكلام كما يمسك الصائم عن الطعام، والأزمة: الحمية، وإمساك الأسنان بعضها عن بعض، والمشهور أرمّ بالراء وتشديد الميم، وإنما أخر في إجابة النبي -ﷺ-، وهي واجبة؛ لأنه -ﷺ- لما لم يعين واحدًا بعينه لم يتعين المبادرة بالجواب، لا من المتكلم ولا من أحد بعينه، فكأنهم انتظروا أن يجيب أحدهم، وحملهم على ذلك خشية أن يبدو في حقه شيء، ورجوا أن يقع العفو منه، ولما رأى -ﷺ- سكوتهم فهم ذلك، فعرَّفهم أنه لم يقل بأسًا، فافهم.\nوقوله: (بأسًا) مفعول به، أي: لم ينطق محذورًا، أو مطلق، أي: لم يقل قولًا فيه إثم، والبأس في الأصل: العذاب والشدة والداهية، والمراد المحذور المكروه.\nوقوله: (لقد رأيت اثني عشر ملكًا) سر العدد مفوض إلى علم الشارع.\nوقال بعض العارفين: إن لكل شيء من الجواهر والأعراض روحًا مجردة يقومه، فكأنه ظهرت أرواح الحروف المذكورة، فإنها أثنا عشر حرفًا لإسقاط المكررات، وعدم اعتبار الألف والهمزة، فإن الأولى يظهر صورته في الخط دون اللفظ، والثاني يظهر في اللفظ دون الخط على ما بُيّن في موضعه، وقد ورد في بعض الأحاديث: (رأيت بضعة وثلاثين ملكًا) باعتبار المكررات والألفات، واللَّه أعلم.\nوقوله: (يبتدرونها) أي: يعجلون ويستبقون إليها.\nوقوله: (أيهم يرفعها) متعلق بمحذوف دل عليه (يبتدرونها)، أي: يبتدرونها\n_________\n(١) انظر: \"النهاية في غريب الحديث\" (٢/ ٢٦٧).","vol":"2","page":571},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-326> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٨١٥ - [٤] عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذْا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَالَ: \"سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٤٣، د: ٧٧٦].\n٨١٦ - [٥] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. [جه: ٨٠٦].\nوَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ. . . . .\nــ\nليعلموا أو يقولوا: أيهم يرفعها، كما قال البيضاوي (١) في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤].\nالفصل الثاني\n٨١٥ - [٤] (عائشة) قوله: (سبحانك اللهم وبحمدك) اعلم أن (سبحانك) مصدر مضاف مفعول مطلق للنوع، أي: أسبحك تسبيحًا لائقًا بجنابك الأقدس، والباء في (بحمدك) للملابسة، والواو للعطف، والتقدير: وأسبحك ملتبسًا بحمدك، فيكون المجموع في معنى: سبحان اللَّه والحمد للَّه، هذا هو أظهر الوجوه، وما ذكر في بعض الشروح: أن التقدير: ووفقني بحمدك، أي: بأن أحمدك، فلعله قدر: سبحانك علمني تسبيحك، وأما جعل الواو للحال بتقدير مبتدأ بحمدك، كما هو أيضًا في بعض الشروح، فيرد عليه أن الواو لا يكون في الحال المفردة، ولو قدر الفعل المضارع فكذلك، إلا أن يقدر: وأنا أسبحك، وجعل الواو زائدة بتقدير: أسبحك تسبيحًا ملتبسًا بحمدك أيضًا تعسف، فتدبر.\n٨١٦ - [٥] (أبو سعيد) قوله: (وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٥٩).","vol":"2","page":572},{"text":"[حَدِيثِ] حَارِثَةَ، وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ.\nــ\nحارثة، وقد تكلم فيه من قبل حفظه)، اعلم أنه قد ضعف هذا الحديث بعض المحدثين، وقد تمسك بحكمهم بعض الشافعية، فقال في (المصابيح): هو ضعيف، وقال النووي: حديث عائشة -﵂- رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه بأسانيد ضعيفة، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي من رواية أبي سعيد الخدري -﵁- وضعفوه، وقال البيهقي: وروي الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك عن ابن مسعود مرفوعًا، وعن أنس مرفوعًا، وكلها ضعيفة، قال: وأصح ما روي فيه عن عمر بن الخطاب -﵁-، ثم رواه بإسناده عنه: أنه كبّر ثم قال: (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك)، واللَّه أعلم، انتهى كلام النووي (١).\nوقال التُّورِبِشْتِي (٢): قد رماه المؤلف بالضعف، وليس الأمر على ما توهم، إذ هو حديث حسن مشهور، أخذ به من الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب -﵁-، والحديث مخرج في كتاب مسلم عن عمر، وقد أخذ به ابن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة، ولم يكن هؤلاء السادة ليأخذوا بذلك من غير أسوة، ولهذا ذهب إليه كثير من العلماء التابعين، واختاره أبو حنيفة وغيره من العلماء لاستفتاح الصلاة، وأنى ينسب هذا الحديث إلى الضعف، وقد ذهب إليه الأجلة من علماء الحديث كسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وقال: وأما الجرح والتعديل فقد يقع في حق أقوام على وجه الاختلاف، فربما ضُعِّف الراوي من قبل أحد الأئمة، ووُثِّق من قبل آخرين، وهذا الحديث رواه الأعلام من أئمة الحديث وأخذ به، وقد رواه أبو داود بطريق آخر حسن، رجاله مرضيون.\n_________\n(١) \"الأذكار\" (ص: ٩٢).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (١/ ٢٣٥ - ٢٣٦).","vol":"2","page":573},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوروى الترمذي في (جامعه) (١) عن أبي سعيد: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا قام إلى الصلاة بالليل كبّر، ثم يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك)، ثم يقول: (اللَّه أكبر كبيرًا)، ثم يقول: (أعوذ باللَّه السميع العليم من الشيطان من همزه ونفخه ونفثه)، وقال: وفي الباب عن علي وعائشة وعبد اللَّه بن مسعود وجابر وجبير بن مطعم وابن عمر -﵃-، وحديث أبي سعيد أشهر حديث في هذا الباب، وقد أخذ قوم من أهل العلم بهذا الحديث.\nوأما أكثر أهل العلم فقالوا بما روي عن النبي -ﷺ-: أنه كان يقول: (سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك)، وهكذا روي عن عمر بن الخطاب وعبد اللَّه بن مسعود -﵃-، والعمل على هذا عند أهل العلم من التابعين وغيرهم، وقد تكلم في إسناد حديث أبي سعيد، وكان يحيى بن سعيد يتكلم في علي بن علي، وقال أحمد: لا يصح هذا الحديث.\nثم روى الترمذي (٢): حديث عائشة -﵂- المذكور في الكتاب، وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحارثة قد تكلم فيه من قبل حفظه، كما رواه المؤلف، فقد ظهر أن التكلم في هذا الطريق الذي فيه حارثة، وهو لا ينافي صحة الطريق الآخر كما ذكر بقوله: وأما أكثر أهل العلم. . . إلى آخره.\nوقال الشيخ ابن الهمام (٣): روى البيهقي عن أنس وعائشة وأبي سعيد الخدري\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (ح: ٢٤٢).\n(٢) انظر: \"سنن الترمذي\" (ح: ٢٤٣).\n(٣) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٢٨٩).","vol":"2","page":574},{"text":"٨١٧ - [٦] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي صَلَاةً قَالَ: \"اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا،\nــ\nوجابر وعمر وابن مسعود -﵃- الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك. . . إلى آخره مرفوعًا إلا عمر -﵁-، فإنه وقفه على عمر، ورفعه الدارقطني عن عمر -﵁-، ثم قال: المحفوظ عن عمر -﵁- من قوله. وفي (صحيح مسلم): أن عمر بن الخطاب -﵁- كان يجهر بهؤلاء الكلمات، ورواه أبو داود والترمذي عن عائشة -﵂-، وضعفاه، ورواه الدارقطني عن عثمان -﵁- من قوله، ورواه سعيد بن منصور عن أبي بكر الصديق -﵁- من قوله.\nوأورد الشيخ حديث أبي سعيد عن الترمذي والنسائي وابن ماجه، ونقل قول الترمذي في تضعيف علي بن علي كما نقلناه، ثم قال: وعلي بن علي وثّقه وكيع وابن معين وأبو زرعة، وكفى بهم، وقال: ولما ثبت من فعل الصحابة -﵁- وغيره الافتتاح بعده -ﷺ- بسبحانك اللهم مع الجهر به لقصد تعليم الناس ليقتدوا ويأتسوا، كان دليلًا على أنه الذي كان عليه -ﷺ- آخر الأمر، وأنه كان الأكثر من فعله، وإن كان رفع غيره أقوى على طريق المحدثين، والحاصل أن غير المرفوع، أو المرفوع المرجوح في الثبوت عن مرفوع آخر، قد يقدم على عديله إذا اقترن بقرائن تفيد أنه صحيح عنه -ﷺ- مستمر عليه، انتهى.\n٨١٧ - [٦] (جبير بن مطعم) قوله: (قال: اللَّه أكبر كبيرًا) أي: عقيب تكبيرة الإحرام، كذا في شرح الشيخ.\nوقوله: (كبيرًا) قال الطيبي (١): إنه حال مؤكدة، نحو زيد أبوك عطوفًا، وفي\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣٠٢).","vol":"2","page":575},{"text":"وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا\" ثَلَاثًا، \"أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، مِنْ نَفْخِهِ وَنَفْثِهِ وَهَمْزِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ؛ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: \"وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا\". وَذَكَرَ فِي آخِرِهِ: \"مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ\". وَقَالَ عُمَرُ -﵁- نَفْخُهُ الْكِبْرُ، وَنَفْثُهُ الشِّعْرُ،\nــ\nبعض الشروح: إنه منصوب بفعل مقدر، أي: كبر كبيرًا.\nوقوله: (بكرةً وأصيلًا) أي: في أول النهار وآخره، خُصَّا بالذكر مع أن المراد الدوام لفضلهما لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما.\nوقوله: (ثلاثًا) قيد للأخير، أي: كالذي قبله.\nوقوله: (وقال عمر (١) -﵁-: نفخه الكبر) قال التُّورِبِشْتِي (٢): النفخ عبارة عما يسوله الشيطان للإنسان من الاستكبار والخيلاء، فيتعاظم في نفسه كالذي نفخ فيه، وقيل: لأن المتكبر يتعاظم ويجتمع نفسه فيحتاج إلى أن ينفخ.\nوقوله: (ونفثه الشعر) فسر النفث بالشعر لأنه ينفث من الفم كالرقية، والمراد الشعر المذموم من هجو مسلم أو كفر وفسق، وقيل: المراد بالنفث السحر، وهو الأنسب بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ﴾ [الفلق: ٤].\n_________\n(١) وقوله: \"وقال عمر -﵁-\" الظاهر أن المراد عمر بن الخطاب -﵁-، قال: وفي بعض الحواشي: كذا وقع في أصل سماعنا وجميع النسخ الحاضرة من المشكاة: عمر بضم العين، وأظنه سهوًا، إما من المؤلف أو من النساخ، والصواب عمرو بالواو، والمراد: عمرو بن مرة أحد رواة هذا الحديث، (ميرك شاه).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (١/ ٢٣٦).","vol":"2","page":576},{"text":"وَهَمْزُهُ الْمُوتَةُ. [د: ٧٦٤، جه: ٨٠٧].\n٨١٨ - [٧] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: أَنَّهُ حَفِظَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- سَكْتَتَيْنِ: سَكْتَةً إِذَا كَبَّرَ، وَسَكْتَةً إِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، فَصَدَّقَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. رَوَاهُ أبُو دَاوُدَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ. [د: ٧٧٧، ت: ٢٥١، جه: ٨٤٤، دي: ١٢٤٣].\nــ\nوقوله: (وهمزه الموتة) بضم الميم وفتح التاء، نوع من الجنون، أو الصرع يعتري الإنسان، والهمزة في الأصل: النخس والغمز، وكل شيء وقعته فقد همزته، والهمز أيضًا: الغيبة، والوقيعة في الناس، كما في قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]، وقيل: المراد بهمز الشيطان الوسوسة، كما في قوله تعالى: ﴿أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧] أي: وساوسها وخطراتها.\n٨١٨ - [٧] (سمرة بن جندب) قوله: (سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ. . . إلخ)، اعلم أن السكتة الأولى بعد التكبير متفق عليها عند الأربعة لقراءة دعاء الاستفتاح، وهي ليست سكتة في الحقيقة، بل المراد به عدم الجهر بالقراءة، والثانية سنة عند الشافعي -﵀-، وكذا عند أحمد على ما حكاه الطيبي (١)، وقد جاء سكتة أخرى بين القراءة والركوع، وعندنا وعند مالك: لا سكتة إلا الأولى.\nوقال النووي في (الأذكار) (٢): قال أصحابنا: يستحب للإمام في الصلاة الجهرية [أن يسكت] أربع سكتات، إحداهن: عقيب تكبيرة الإحرام ليأتي بدعاء الاستفتاح،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣٠٣).\n(٢) \"الأذكار\" (ص: ١٠٠).","vol":"2","page":577},{"text":"٨١٩ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا نَهَضَ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَلَمْ يَسْكُتْ هَكَذَا فِي صَحِيح مُسْلِمٍ. وَذَكَرَهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي \"أَفْرَادِهِ\"، وَكَذَا صَاحِبُ \"الْجَامِعِ\" عَنْ مُسْلِمٍ وَحْدَهُ. [م: ٥٩٩].\nــ\nوالثانية: [بعد] فراغه من الفاتحة سكتة لطيفة جدًا بين آخر الفاتحة وبين آمين؛ ليعلم أن آمين ليست من الفاتحة، والثالثة: بعد آمين سكتة طويلة بحيث يقرأ المأموم الفاتحة، والرابعة: بعد الفراغ من السورة يفصل بها بين القراءة وتكبيرة الهوي إلى الركوع، وقد فصلنا القول في السكتات في (شرح سفر السعادة) (١).\n٨١٩ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) ظاهره أنه لم يأت بالبسملة، وأوله الشافعية بأن المراد به هذه السورة مع البسملة، كما يقال: قرأت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، والمراد به السورة بتمامها، وهذا التأويل غير بعيد، وللحديث تأويل آخر، وهو أنه لم يجهر بالبسملة، وسيجيء الكلام فيه.\nوقوله: (ولم يسكت) من الإسكات أو السكوت، يعني لم يسكت إسكاتة قرأ فيها شيئًا من الذكر بعد التكبير، كما في افتتاح الصلاة.\nوقوله: (هكذا في صحيح مسلم) اعتراض على صاحب (المصابيح) في إيراده في الحسان، وفي (الأزهار): قال في (جامع الأصول) (٢): أخرجه مسلم، ولم أظفر به فيه، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٥٤).\n(٢) \"جامع الأصول\" (٥/ ٣٢٦، رقم: ٣٤٢١).","vol":"2","page":578},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-327> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٨٢٠ - [٩] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِيْنَ، اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأَحْسَنِ الأَعْمَالِ، وَأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لِأحْسَنِهَا إِلَّا أَنْتَ، وَقِنِي سَيِّئَ الأَعْمَالِ، وَسَيِّئَ الأَخْلَاقِ، لَا يَقِي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٨٩٦].\n٨٢١ - [١٠] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-[كَانَ] إِذَا قَامَ يُصَلّي تَطَوُّعًا قَالَ: \"اللَّهُ أَكْبَرُ، وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيْفًا، وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ\". وَذَكَرَ الْحَدِيثَ مِثْلَ حَدِيثِ جَابِرٍ؛ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: \"وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ\". ثُمَّ قَالَ: \"اللَّهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ\" ثُمَّ يَقْرَأُ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٨٩٨].\n* * *\nــ\nالفصل الثالث\n٨٢٠ - [٩] (جابر) قوله: (وأنا أول المسلمين) قد مر في الفصل الأول: (وأنا من المسلمين)، فكأنه -ﷺ- تارة يقول هكذا وأخرى كذلك، وأما غيره -ﷺ- لا يقول إلا الأخير، لئلا يكذب، ما لم يرد حكاية لفظ الآية.\n٨٢١ - [١٠] (محمد بن مسلمة) قوله: (إذا قام يصلي تطوعًا) فيه دليل على تخصيصه بالتطوع، كما هو مذهبنا، وروى الشافعي -﵀- في (الأم): إذا صلى المكتوبة.","vol":"2","page":579},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>١٢ - باب القراءة في الصلاة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-329> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٨٢٢ - [١] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٥٦، م: ٣٩٤].\nــ\n١٢ - باب القراءة في الصلاة\nاعلم أن القراءة فرض في الصلاة عند جمهور علماء الأمة، فعند الشافعي -﵀-: في كُلِّها، وعند مالك -﵀-: في ثلاث ركعات إقامة للأكثر مقام الكل تيسيرًا، وعندنا: في الركعتين، ومذهب أحمد كالشافعي -رحمهما اللَّه- في المشهور، وفي رواية كمذهبنا، وعند زفر والحسن البصري: في واحدة، وعن أبي بكر الأصم وسفيان بن عيينة: ليست إلا سنة؛ لأن مبنى الصلاة على الأفعال لا على الأقوال، ولذا تسقط بعدم القدرة على الأفعال مع القدرة على القراءة، وعلى العكس لا يسقط، كذا في شروح (الهداية) (١).\nالفصل الأول\n٨٢٢ - [١] (عبادة بن الصامت) قوله: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) وفي رواية: (لمن لم يقرأ بأم القرآن)، الباء زائدة للتأكيد، وقال الطيبي (٢): المعنى لم يبدأ القراءة بها، وهذا التوجيه لا يطرد فيما يأتي من الأحاديث: يقرأ بالطور وبالمرسلات، وتسميتها بفاتحة الكتاب ظاهر، وبأم القرآن وأم الكتاب لكونها مفتتحه ومبدأه، فكأنها أصله ومنشؤه، أو لأنها تشتمل على ما فيه من المقاصد، وقال الخليل:\n_________\n(١) انظر: \"شرح فتح القدير\" (١/ ٤٥١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣٠٥).","vol":"2","page":580},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nكل شيء ضُمّ إليه سائر ما يليه يسمى أُمًّا، وقال ابن عرفة: سميت بأم القرآن وأم الكتاب؛ لأن السورة تضاف إليها، ولا تضاف هي إلى شيء من السور.\nثم إنه قد استدل الشافعي وأحمد فيما هو المشهور من مذهبه على تعيين الفاتحة وكونها ركنًا في الصلاة بهذا الحديث، وعندنا وعن أحمد في رواية: يجزئ قراءة آية من القرآن؛ لقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠]، وقوله -ﷺ- للأعرابي: (اقرأ ما تيسّر معك من القرآن) كما مر.\nوالجواب عما تمسك به الشافعي -﵀- أنه مشترك الدلالة؛ لأن النفي لا يرد إلا على النسب الذي هو متعلق الجار، لا على نفس المفرد، فيكون تقديره صحيحة فيوافق مذهبه، أو كاملة فيخالفه، وقد قدر الثاني في نحو (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)، و(لا صلاة للعبد الآبق)، فيقدر ههنا أيضًا، وهو المتيقن، وقد يناقش أن متعلق الجار والمجرور الواقع خبرًا استقرار عام، فيكون التقدير: لا صلاة كائنة أو موجودة، وعدم الوجود شرعًا هو عدم الصحة.\nوقد جاء في رواية: (لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) رواه الدارقطني، وقال: إسناده صحيح، كذا في (شرح كتاب الخرقي) (١)، هذا هو الأصل، بخلاف: (لا صلاة لجار المسجد) ونحوه، فإن قيام الدليل على الصحة أوجب كون المراد كونًا خاصًّا، أي: كاملة، فيكون من حذف الخبر، لا من وقوع الجار والمجرور خبرًا، ولأجل هذه المناقشة عدل صاحب (الهداية) (٢) إلى أن الآية قطعية، فلا يجوز الزيادة بخبر\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (١/ ٢٢٣).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ٥٠).","vol":"2","page":581},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: \"لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَصَاعِدًا\".\n٨٢٣ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ؛ فَهِيَ خِدَاجٌ -ثَلَاثًا- غَيْرُ تَمَامٍ\". . . . .\nــ\nالواحد؛ لكونه ظنيًّا، لكنه يوجب العمل، فقلنا بوجوبها دون فرضيتها، لئلا يلزم إبطالُ الظنِّي القطعيَّ.\nوأما ما جاء في الحديث الثاني: (فهي خداج) أي: ناقصة، وأقيم المصدر مقام الصفة، أي: ذات خداج، فهو يصلح متمسكًا للفريقين، والظاهر مع الحنفية؛ لأنه وقعت هذه العبارة في ترك الدعاء بعد الصلاة كما مر، وقال في (شرح كتاب الخرقي) (١): الخداج: النقصان في الذات، حكاه أبو عبيد عن الأصمعي، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فصاعدًا) في القاموس (٢): بلغ كذا فصاعدًا: أي ما فوق ذلك، وقد يقال: إن هذا يدفع الوجوب؛ لأن الزائد ليس بواجب، ويجاب بأنه لدفع توهم قصر الحكم على الفاتحة، كما في قوله: (تقطع اليدين في نصف دينار فصاعدًا)، يعني يتعين قراءة الفاتحة، ولو زاد عليها شيئًا فذاك، فافهم.\n٨٢٣ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (من صلى صلاة) يحتمل أن يكون مفعولًا به، أو أن يكون مفعولًا مطلقًا، ولعل الأول هو الأولى؛ ليكون مرجع الضمير مذكورًا لفظًا، فافهم.\nوقوله: (فهي خداج) قد مرَّ معناه في آخر (الفصل الثاني) من (باب صفة الصلاة).\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (١/ ٢٢٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٧٩).","vol":"2","page":582},{"text":"فَقِيلَ لأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ، قَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ: . . . . .\nــ\nوقوله: (فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام) أي: فهل نقرأ؟\nوقوله: (قال: اقرأ بها في نفسك) أي سرًّا بحيث تسمع نفسك (١)، ولا يجوز عند الشافعي الجهر بالقراءة للمأموم وإن كانت الصلاة جهرية.\nوقوله: (قسمت) بصيغة المتكلم.\nوقوله: (نصفين) التنصيف باعتبار الآيات، فإن الفاتحة سبع آيات، فثلاث منها ثناء على اللَّه تعالى، وثلاث مسألة للعبد، والآية المتوسطة نصفها دعاء باعتبار أن شطرها الأول وهو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: ٥] أثره وغايته للَّه، وشطرها الثاني للعبد.\nوعلم من هذا أن البسملة ليست من الفاتحة، كما هو مذهبنا، وكونها سبع آيات باعتبار عدِّ ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]، وغرض أبي هريرة الاستدلال على فرضية قراءة الفاتحة في الصلاة، سواء كان المصلي إمامًا أو مأمومًا، كما يدل عليه الفاء التعليلية في قوله: (فإني سمعت)، ووجهه أن المراد بالصلاة الفاتحة إطلاقًا للكل\n_________\n(١) قال القاري: بِهِ أَخْذَ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ مَذْهَبُ صَحَابِيٍّ لَا يَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ عَلَى أَحَدِ مَعَ احْتِمَالِ التَّقْيِيدِ فِي الصَّلَاةِ السِّرِّيَّةِ كَمَا قَالَ بِهِ الإِمَامُ مَالِكٌ، وَالإِمَامُ مُحَمَّدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، أَوْ فِي السَّكَتَاتِ بَيْنَ قِرَاءَةِ الإِمَامِ كَمَا قِيلَ لِلْمَسْبُوقِ فِي دُعَاءِ الِاسْتِفْتَاحِ، أَوْ مَعْنَاهُ فِي قَلْبِكَ بِاسْتِحْضَارِ أَلْفَاظِهَا، أَوْ مَعْنَاهُ أَوْ مَعَانِيهَا دُونَ مَبَانِيهَا، \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٦٨٣).","vol":"2","page":583},{"text":"مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٩٥].\n٨٢٤ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ -﵄- كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِـ \"الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٩٩].\nــ\nعلى الجزء، بل على أعظم الأجزاء، كذا قالوا، وفيه خفاء ظاهر، إذ يكفي في ذلك اشتمال الصلاة على الفاتحة وإن لم يكن فرضًا، والعلاقة لا تنحصر في الجزئية، بل يكفي فيها الجوار كما بين في موضعه، واللَّه أعلم.\nويمكن أن يستدل بأنه لما كان شأن الفاتحة هذا، فلا بد من قراءته في الصلاة حتمًا، أو يقال: إنه لما دل الحديث على أنها هي الصلاة وكلها مبالغة، كما في (الحج عرفة)، فلا أقل من أن يكون جزءًا لها، فليفهم.\nوقوله: (مجدني عبدي) المجد: هو الشرف والكرم، وقيل: الشرف الواسع، وقيل: إذا قارن شرف الذات حسن الفعال فهو مجيد، وفي (القاموس) (١): مجَّده: عظَّمه، وأثْنَى عليه، وحملوه على الثناء على صفات الجلال، ويتضمنه معنى ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾؛ لتفرده بالملك والعظمة والجلال فيه.\n٨٢٤ - [٣] (أنس) قوله: (كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد للَّه رب العالمين) قد ذكرنا أن ظاهره أنهم كانوا لا يقرؤون البسملة، وهو ليس بمراد، فإن قراءتها في الصلاة مجمع عليه، لم يخالف فيها أحد، سواء كانت جزءًا من الفاتحة كما هو عند\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠١).","vol":"2","page":584},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالشافعي، أو لم تكن كما هو عندنا، لكن في أول الصلاة فقط عند أبي حنيفة -﵀-، فهي مفتاح الصلاة كالتعوذ، وفي رواية عنه -وهو مذهب صاحبيه-: في أول كل ركعة؛ لأن التسمية مفتاح القراءة، وكل ركعة مستقل فيها، وللاحتياط لاختلاف العلماء في كونها جزءًا من الفاتحة لا بين الفاتحة والسورة، إلا عند محمد في الصلاة السرية، وهو مذهب أحمد مطلقًا، فأول الشافعي الحديث بأن المراد كانوا يفتتحون بهذه السورة، كما يقال: قرأت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، أي: السورة التي أولها ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كما سبق، وللحديث تأويل آخر، وهو أنه لم يرد نفي قراءة البسملة بل نفي الجهر بها، فإنه قد صح عن النبي -ﷺ- وأصحابه والخلفاء الراشدين -﵃ أجمعين- أنهم كانوا لا يجهرون بالتسمية وإن كانت الصلاة جهرية، كما هو المذهب عندنا.\nقال الشيخ ابن الهمام (١): قال بعض الحفاظ: ليس حديث صريح في الجهر إلا وفي إسناده مقال عند أهل الحديث، ولذا أعرض أرباب المسانيد المشهورة الأربعة وأحمد -﵏-، ولم يخرجوا منها شيئًا مع اشتمال كتبهم على أحاديث ضعيفة، وعن الدارقطني أنه قال: لم يصح عن النبي -ﷺ- في الجهر حديث، وعنه: أنه صنف بمصر كتابًا في الجهر بالبسملة، فأقسم بعض المالكية ليعرفه الصحيح منها، فقال: لم يصح في الجهر حديث.\nوقال الحازمي: أحاديث الجهر وإن كانت مأثورة عن نفر من الصحابة، غير أن أكثرها لم يَسْلَمْ من شوائب، وقد روى الطحاوي وأبو عمر بن عبد البر عن ابن عباس -﵄- الجهر، وعن ابن عباس: (أنه لم يجهر النبي -ﷺ- بالبسملة حتى مات)،\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٢٩١).","vol":"2","page":585},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفقد تعارض ما روي عن ابن عباس -﵄-، فإن صح فهو محمول على وقوعه أحيانًا، يعني ليعلمهم أنها تقرأ فيها.\nوفي رواية مسلم (١): عن أنس -﵁-: (صليت خلف النبي -ﷺ- وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ ببسم اللَّه الرحمن الرحيم)، ولم يرد نفي القراءة بل السماع للإخفاء، بدليل ما صُرِّح به عنه: (فكانوا لا يجهرون ببسم اللَّه الرحمن الرحيم)، رواه أحمد (٢) بإسناد على شرط الصحيح، وعنه: (صليت خلف النبي -ﷺ- وأبي بكر وعمر، فكلهم يخفون بسم اللَّه الرحمن الرحيم)، رواه ابن ماجه، وروى الطبراني: (أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يُسِرّ ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، وأبا بكر وعمر وعثمان وعلي، ومن تقدم من التابعين)، وهو مذهب الثوري وابن المبارك.\nوقال ابن عبد البر وابن المنذر: وهو قول ابن مسعود وابن الزبير، وعمار بن ياسر وعبد اللَّه بن المغفل، والحكم والحسن، والشعبي والنخعي والأوزاعي، وعبد اللَّه ابن المبارك وقتادة، وعمر بن عبد العزيز والأعمش، والزهري ومجاهد، وحماد وابن أبي عبيد، وأحمد وإسحاق -﵏-، وروى أبو حنيفة عن زيد بن عبد اللَّه بن مغفل عن أبيه (أنه صلى خلف إمام فجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، فناداه يا عبد اللَّه! إني صليت خلف رسول اللَّه -ﷺ- وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي -﵃-، فلم أسمع أحدًا منهم يجهر بها).\nوقد روي في (صحيح ابن خزيمة) وابن حبان والنسائي عن نعيم المجمر: (صليت\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (ح: ٣٩٩).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٣/ ٢٧٥).","vol":"2","page":586},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوراء أبي هريرة -﵁-، فقرأ بسم اللَّه الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، ثم قال إذا سلّم: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاةً برسول اللَّه -ﷺ-)، قال ابن خزيمة: لا ارتياب في صحته عند أهل المعرفة، وهذا غير مستلزم للجهر؛ لجواز سماع نعيم مع إخفاء أبي هريرة، فإنه مما يتحقق إذا لم يبالغ في الإخفاء مع قرب المقتدي، والصريح ما عن ابن عباس -﵄-: (كان رسول اللَّه -ﷺ- يجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم)، وفي رواية: (جهر)، قال الحاكم: صحيح بلا علة، وصححه الدارقطني، وهذان أمثل حديث في الجهر، انتهى كلام ابن الهمام.\nوقد عقد الترمذي له بابين (١)، أحدهما: (باب في ترك الجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم) فروى عن ابن عبد اللَّه بن مغفل قال: سمعت أبي وأنا أقول: بسم اللَّه الرحمن الرحيم قال: أي بني إياك والحدث، قال: ولم أر أحدًا من أصحاب النبي -ﷺ- كان أبغض إليه الحدث في الإسلام، يعني منه، وقال: قد صليت مع النبي -ﷺ- ومع أبي بكر ومع عمر ومع عثمان ولم أسمع أحدًا يقولها، فلا تقلها، إذا أنت صليت فقل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، قال أبو عيسى: حديث عبد اللَّه بن مغفل حديث حسن، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ-، منهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم -﵃- ومن بعدهم من التابعين، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق، لا يرون أن يجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، قالوا: ويقولها في نفسه.\nوثانيهما: (باب من رأى الجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم)، وروى عن ابن عباس -﵄- قال: (كان رسول اللَّه -ﷺ- يفتتح صلاته ببسم اللَّه الرحمن الرحيم)، قال أبو عيسى: هذا حديث ليس إسناده بذاك، وقد قال بهذا عدة من أهل العلم من أصحاب\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٢/ ١١، ح: ٢٤٤)، و(٢/ ١٢، ح: ٢٤٥).","vol":"2","page":587},{"text":"٨٢٥ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أَمَّنَ الإِمَامُ فَأَمِّنُوا،\nــ\nالنبي -ﷺ-، منهم أبو هريرة وابن عمر، [وابن عباس] وابن الزبير، ومن بعدهم من التابعين، رأوا الجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، وبه يقول الشافعي وإسماعيل بن حماد -هو ابن أبي سليمان- وأبو خالد الوالبي -اسمه هرمز-، وهو كوفي، انتهى كلام الترمذي.\nومن المتأخرين من المحدثين من اختار أنه -ﷺ- كان يجهر حينًا ويسرّ أخرى، والجمهور على أن الجهر كان للإسماع ليعلموا أنه قرأها، واللَّه أعلم.\nولقد أطنبنا الكلام فيه لزعم الناس أن الجهر هو الصحيح، ويزعم طائفة أن عليًّا -﵁- كان يجهر، والأمر بخلافه، فظهر أن مذهب أبي حنيفة هو الراجح الأصح.\n٨٢٥ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (إذا أمّن الإمام فأمّنوا) من التأمين، قال القاضي عياض (١): قيل: معناه إذا قال: آمين، وقيل: معناه إذا دعا بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ آخر السورة، ويسمى كل من الداعي والمؤمِّن داعيًا ومؤمِّنًا، قال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ وكان أحدهما داعيًا والآخر مؤمِّنًا، وقيل: معناه إذا بلغ موضع التأمين، ولا يذهب عليك أن الظاهر هو المعنى الأول، وعليه العمل، ولا نزاع في صحة تسمية كل من المؤمِّن والداعي داعيًا ومؤمِّنًا، مع أن ما ثبت بالآية المذكورة تسمية المؤمِّن داعيًا لا عكسه.\nوالظاهر أن مآل المعنيين واحد، غايته أنه يفهم من ظاهر المعنى الأول تقدُّمُ الإمام في التأمين، ولا يبعد ذلك كما هو حال المأموم مع الإمام في سائر الأفعال،\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٦٥).","vol":"2","page":588},{"text":"فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٨، م: ٤١٠].\nــ\nويمكن أن يكون المسنون هنا المبادرة إلى التأمين، والمقارنة والمعية مع الإمام فيه، كما نقل الطيبي (١) عن الخطابي من قوله: أي قولوا: آمين مع الإمام، حتى يقع تأمينكم وتأمينه معًا، ولا يدل على أنهم يؤخرون عن وقت تأمينه، كما يقول القائل: إذا رحل الأميرُ فارحلوا، يريد إذا أخذ الإمام في الرحل فتهيؤوا في الارتحال، فتكون رحلتكم مع رحلته، فافهم.\nوقوله: (فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة) تعليل للمقدر في الكلام، وهو فإن الملائكة تؤمّن، وقد صرح به في الرواية الأخرى، فيكون معنى قوله: (فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة) أي: وافق قوله: آمين قول الملائكة إياه، وقيل: وافق في الصفة من الخشية والإخلاص، وقيل: هو أن يكون دعاؤه لعامة المؤمنين كالملائكة، وقيل: معناه من استجيب له كما يستجاب للملائكة، نقل المعاني الأربعة القاضي عياض (٢)، والأظهر هو الأول؛ لقوله في الرواية الأخرى: (فإن الملائكة تؤمن).\nهذا، وقد يختلج أنه كان الظاهر أن يقال: (استجيب له) مكان (غفر له)، وكأنه جعل اللَّه سبحانه مغفرة الذنوب من خصائص هذه الموافقة ولوازمها مع حصول الاستجابة أيضًا، ولعل الملائكة يستغفرون لهم في هذا الوقت، كما للجالس في مصلاه منتظرًا للصلاة، وذلك من شأن الملائكة دائمًا بقوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: ٥]، خصوصًا عند مباشرة أمر الخير، فافهم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣١٠).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٦٥).","vol":"2","page":589},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: \"إِذَا قَالَ الإِمَامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ\". هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ.\nــ\nوقوله: (إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾) وهو وقت تأمينه، وقد يستأنس من هذا بالمعنى الذي نقل عياض بقوله: إذا أمن، فافهم.\nثم المشهور أن (آمين) اسم فعل بمعنى استجب، مبني على الفتح، بالمد والقصر مع تخفيف الميم، قال القاضي عياض (١): (آمين) تمد الهمزة وتقصر بتخفيف الميم، وحكى اللغويون تشديدها، وأنكره الأكثر، وأنكر ثعلب القصر أيضًا في غير ضرورة الشعر، وصححه يعقوب، والنون مفتوحة أبدًا مثل (ليت) و(لعل)، ويقال في فعله: أمَّن الرجل مشدد الميم تأمينًا.\nوقال الشيخ (٢): بالمد والتخفيف في جميع الروايات، وعند جميع القراء. وقال في (القاموس) (٣): آمين بالمد والقصر، وقد يشدد الممدود (٤) ويمال أيضًا، وعن الواحدي في (البسيط): اسم من أسماء اللَّه، ومعناه: اللهم استجب، أو كذلك فليكن، أو كذلك فافعل، انتهى.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٦٤).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٢٦٢).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٨٤).\n(٤) قال القاري (٢/ ٦٨٦): وَأَمَّا آمِّينَ بِالْمَدِّ وَالتَّشْدِيدِ فَهُوَ خَطَأٌ فِي هَذَا الْمَحَلِّ، وَاخْتُلِفَ فِي فَسَادِ صَلَاةِ مَنْ يَقُولُ بِهِ، وَالأَصَحُّ عَدَمُ فَسَادِهَا لِمَجِيئِهِ فِي الْقُرآنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]، أَيْ: قَاصِدِينَ، كذا ذكره الشيخ ابن الهمام (١/ ٢٩٦).","vol":"2","page":590},{"text":"وَفِي أُخْرَى لِلْبُخَارِيِّ قَالَ: \"إِذَا أَمَّنَ الْقَارِئُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ، فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ\". [خ: ٦٤٠٢].\n٨٢٦ - [٥] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ، ثُمَّ لِيؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَالَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فَقُولُوا: آمِينَ،\nــ\nوقال عياض (١): اختلف في معناه، فقيل: المعنى كذلك يكون، وقيل: هو اسم من أسماء اللَّه، وقيل: هو (أمين) بقصر الهمزة، فدخلت عليها ألف النداء، كأنه قال: يا اللَّه استجب دعاءنا.\nوفي (مجمع البحار) (٢): أنه اسم اللَّه تعالى بمعنى المؤمن، ومعناه: يا آمين استجب، وردّه النووي؛ إذ لم يثبت بالقرآن والسنة المتواترة، وأسماؤه تعالى لا يثبت بدونهما.\nوفي بعض الشروح: أنه رواه عبد الرزاق عن أبي هريرة بسند ضعيف، وجاء في بعض الأحاديث: (آمين درجة في الجنة)، ومعناه أنها كلمة يكتب بها لقائلها درجة فيها، ويجيء الكلام في الجهر والإسرار بـ (آمين) في (الفصل الثاني).\n٨٢٦ - [٥] (أبو موسى الأشعري) قوله: (فأقيموا صفوفكم) أي: سوّوها، بأن لا يكون فيها اعوجاج ولا فرج، وأتموها.\nوقوله: (ثم ليؤمكم أحدكم) إشارة إلى جواز الإمامة لكل من المسلمين، وحيث\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٦٤ - ٦٥).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ١١٩).","vol":"2","page":591},{"text":"يُجِبْكُمُ اللَّهُ، فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا، فَإِنَّ الإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَتِلْكَ بِتِلْكَ\"، قَالَ: \"وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؛ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، يَسْمَعِ اللَّهُ لَكُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٠٤].\nــ\nورد: (أكبركم) فلبيان الأفضل.\nقوله: (فإن الإمام يركع قبلكم ويرفع قبلكم) كما هو شأن الإمام من التقدم والسبق، وهذا إشارة إلى علة التعقيب المفهوم من الفاء؛ لأن بذلك يستوي زمن ركوع الإمام والمأموم، كما قال: (فتلك بتلك) أي: اللحظة التي سبقكم الإمام بها مقابلة ومنجبرة باللحظة التي تأخرتم عنه، فيتساوى ركوعه وركوعكم في المقدار.\nوقوله: (وإذا قال) أي: الإمام: (سمع اللَّه لمن حمده؛ فقولوا: ربنا لك الحمد) بلا واو، قد روي بواو، وكلاهما صحيح، وبالواو أرجح، ويروى: (اللهم ربنا لك الحمد) بلا واو، والجمع بين (اللهم) و(الواو) لم يصح (١)، كذا في (سفر السعادة) (٢)، وروى السيوطي في (جمع الجوامع) الجمع بين (الواو) و(اللهم) عن عبد الرزاق، وقال السيوطي في (شرح صحيح البخاري): إن في رواية الكشميهني بالواو مع (اللهم) (٣).\n_________\n(١) أي: لم يثبت.\n(٢) \"سفر السعادة\" (ص: ٣٥).\n(٣) ثبتت رواية الجمع عند البخاري عن أبي هريرة -﵁- (ح: ٧٩٥)، قال العلامة اللكنوي في \"النافع الكبير شرح الجامع الصغير\" (ص: ٨٨): واختلفوا في لفظ التحميد، فمنهم من ذكر: (ربنا لك الحمد)، ومنهم من قال: (ربنا ولك الحمد)، ومنهم من قال: (اللهم ربنا لك الحمد)، ومنهم من قال: (اللهم ربنا ولك الحمد)، وبكل ذلك وردت الأخبار النبوية، وأولاها الأخير، كما بسطناها في \"السعاية\" (٢/ ١٨٧).","vol":"2","page":592},{"text":"٨٢٧ - [٦] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَتَادَةَ: \"وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا\".\nــ\nوالمراد بسماع اللَّه قبوله، يقال: سمع الأمير كلامَ فلان: أي قبله، فهو دعاء بقبول الحمد، كذا قال ابن الهمام (١)، ويحتمل أن يكون إخبارًا للترغيب والحمل على الحمد، وهو الظاهر من لفظ الحديث، وهو قوله: (يسمع اللَّه لكم).\nثم هذا الحديث متمسك الإمام أبي حنيفة في قوله بإتيان الإمام التسميع والمأموم التحميد، وأن لا يجمع الإمام بين التسميع والتحميد؛ لأن هذا قسمة، والقسمة تنافي الشركة، ولهذا لا يأتي المقتدي التسميع عندنا، وعند الشافعي -﵀ كما ذكره الطيبي (٢) -: يجمع بينهما الإمام والمأموم والمنفرد؛ لحديث أبي هريرة: (كان النبي -ﷺ- إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع اللَّه لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد، ثم يكبر حين يهوي ساجدًا) الحديث، وقد قال -ﷺ-: (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وهذا الحديث يدل على الجمع بين الذكرين، وأن التسميع ذكر حالة الانتقال، والتحميد حالة القيام.\nوعلى وفقه ذكر في (جامع التمرتاشي) من أهل مذهبنا وقال: فإن لم يأت بالتسميع حالة الرفع لا يأتي حالة الاستواء، وقيل: يأتي بهما، ومذهب مالك أيضًا مثل مذهب أبي حنيفة -رحمهما اللَّه-، وكذا مذهب أحمد في المشهور عنه تمسكًا بالحديث المذكور، وقد رواه أصحاب السنن إلا ابن ماجه، وذهب أبو يوسف ومحمد إلى أن الإمام يجمع، وهو مختار الطحاوي، ورواية عن أبي حنيفة، ولكن يأتي بالتحميد في نفسه سرًّا، وأما المنفرد فيجمع، وقد يروى الاكتفاء بأحدهما، وكذا عند أحمد.\n٨٢٧ - [٦] (أبو هريرة، وقتادة) قوله: (وإذا قرأ فأنصتوا) هذا دليل على مذهب\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٢٩٨).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣١١).","vol":"2","page":593},{"text":"٨٢٨ - [٧] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَقْرَأ فِي الظُّهْرِ فِي الأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ، وَيُسْمِعُنَا الآيَةَ أَحْيَانًا، وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُوْلَى مَا لَا يُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ،\nــ\nأبي حنيفة -﵀- في منع القراءة للمقتدي، وعدم وجوب قراءة الفاتحة عليه، سواء كانت الصلاة جهرية أو سرية، وسيأتي تفصيل الكلام فيه في آخر (الفصل الثاني).\n٨٢٨ - [٧] (أبو قتادة) قوله: (يقرأ في الظهر في الأوليين بأم الكتاب وسورتين) أي: في كل ركعة سورة، والعلم بها إما بإخبار من النبي -ﷺ-، أو بسماع بعضها مع قيام القرينة على قراءة باقيها، كما قال: (ويسمعنا الآية أحيانًا)، وذلك محمول على أنه لغلبة الاستغراق في التدبر يحصل الجهر من غير قصد، أو لبيان الجواز (١)، أو لتعليمهم أنه يقرأ، أو يقرأ سورة كذا ليتأسّوا به، كذا قالوا، والظاهر من الإسماع قصده.\nوقوله: (ويطول في الركعة الأولى) وهذا هو مذهب الأئمة في الصلوات كلها، وقد روي من مذهب محمد من أصحابنا لهذا الحديث المصرح به في الظهر والعصر والفجر، وقياس غيرها عليها، وقد روى عبد الرزاق (٢) عن معمر في آخر هذا الحديث: (فظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى)، ولأبي داود (٣) وابن خزيمة نحوه،\n_________\n(١) قال القاري: لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا؛ لأَنَّ الْجَهْرَ وَالإِخْفَاءَ وَاجِبَانِ عَلَى الإِمَامِ، إِلَّا أَنْ يُرَادَ بِبَيَانِ الْجَوَازِ أَنَّ سَمَاعَ الآيَةِ أَوِ الآيَتَيْنِ لَا يُخرِجُهُ عَنِ السِّرِّ، \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٦٨٨).\n(٢) \"مصنف عبد الرزاق\" (٢/ ١٠٤) (ح: ٢٦٧٥).\n(٣) \"سنن أبي داود\" (٨٠٠).","vol":"2","page":594},{"text":"وَهَكَذَا فِي الْعَصْرِ، وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٧٦، م: ٤٥١].\n٨٢٩ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ: كُنَّا نَحْزُرُ قِيَامَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ قِرَاءَةِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَةِ -وَفِي رِوَايَةٍ: فِي كُلِّ رَكْعَةٍ قَدْرَ ثَلَاثِينَ آيَةً- وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ،\nــ\nكذا في بعض الشروح.\nوعندهما مخصوص بصلاة الفجر إعانة للناس على إدراك الجماعة؛ لأن الركعتين استوتا في استحقاق القراءة فتستويان في المقدار، ويستأنس به بالرواية في الحديث الآتي: في كل ركعة ثلاثين آية، بخلاف الفجر فإنه وقت نوم وغفلة، والحديث محمول على الإطالة من حيث الثناء والتعوذ والتسمية وبما دون ثلاث آيات، وقال في (الخلاصة): إن قول محمد أحب، كذا في (شرح ابن الهمام) (١).\nوقوله: (وهكذا في العصر) أي: المذكور من القراءة في الأوليين فقط وتطويل الأولى على الثانية، وأما قوله: (وهكذا في الصبح) فيختص بالأخير، وهو ظاهر.\n٨٢٩ - [٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فحزرنا قيامه) أي: قدرنا، والحزر بالحاء المهملة وتقديم الزاي على الراء: التقدير والخرص، من باب نصر.\nوقوله: (في الركعتين الأوليين قدر قراءة ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة) إما أن يكون المراد القراءة في مجموعهما هذا القدر، أو في كل ركعة، ويوافقه قوله: (وفي رواية: وفي كل ركعة قدر ثلاثين آية)، فإن (ألم السجدة) تسع وعشرون آية.\nوقوله: (وحزرنا قيامه) يدل على قراءة السورة في الأخريين من الظهر، بل ومن\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٣٣٦).","vol":"2","page":595},{"text":"وَحَزَرْنَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِ فِي الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وَفِي الأُخْرَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٥٢].\n٨٣٠ - [٩] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بـ ﴿اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ -وَفِي رِوَايَةٍ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ - وَفِي الْعَصْرِ نَحْوَ ذَلِكَ، وَفِي الصُّبْحِ أَطْوَلَ من ذَلِك. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٥٩].\nــ\nالعصر أيضًا، ولا ينافي ذلك ما حكم الأئمة الأربعة بجواز الاقتصار في الأخريين على الفاتحة، بل عندنا لو سبّح أو سكت جاز، والقراءة أفضل، وبه قال النخعي والثوري وسائر الكوفيين، وفي (المحيط): لو سكت عمدًا يكون مسيئًا؛ لمخالفته السنة، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن القراءة فيما بعد الأوليين واجبة، وروى ابن أبي شيبة (١) عن شريك عن أبي إسحاق السبعي عن علي وابن مسعود -﵄- أنهما قالا: اقرأ في الأوليين وسبح في الأخريين، كذا ذكر الشُّمُنِّي. وقال أيضًا: ولو قرأ في الأخريين الفاتحة والسورة لا يسجد للسهو، هو الأصح؛ لأن قراءة الفاتحة وحدها في الأخريين سنة، وأصح الروايتين في مذهب أحمد أن لا يكره قراءة السورة في الأخريين؛ لأنه قد جاء عن النبي -ﷺ- أنه زاد أحيانًا على قراءة الفاتحة في الأخريين، لكن المستحب تركها.\n٨٣٠ - [٩] (جابر بن سمرة) قوله: (كان النبي -ﷺ- يقرأ في الظهر. . . إلخ): (كان) ههنا ليس بمعنى الاستمرار كما هو غالب استعماله، والتحقيق أن استعماله بدون الاستمرار كثير، يشهد به مواقع استعماله في الأحاديث، وهذا من تلك المواضع.\n_________\n(١) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٣٧٤٢).","vol":"2","page":596},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nثم اعلم أنه وقع في بعض الأحاديث أنه كان يقرأ في الصلاة الفلانية السورة الفلانية من غير بيان موضعها من الركعة الأولى أو الثانية أو الركعتين معًا، ولا يدرى ما المراد من ذلك، ويحتمل احتمالات.\nأحدها: أن يقرأ في الركعتين بتقسيمها عليهما، فيلزم قراءة بعض السورة، وهذا وإن كان جائزًا لكنه كان وقوعه نادرًا منه -ﷺ-، كذا في (سفر السعادة) (١).\nولذا حكم الفقهاء بأن قراءة السورة بتمامها وإن كانت قصيرة أولى وأفضل من قراءة بعضها وإن كان طويلًا.\nوثانيها: أن يقرأها في الركعتين مكررة، وهذا أيضًا لا يخلو عن بعد.\nوثالثها: أن يكون المقصود قراءتها في إحدى الركعتين سواء كانت أوليهما أو أخريهما، ويؤيد هذا الاحتمال ظاهر حديث النسائي في (جامع الأصول) (٢): عن قطبة ابن مالك قال: (صليت مع النبي -ﷺ- صلاة الصبح، فقرأ في إحدى الركعتين: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ﴾ وإن كان في حديث الترمذي في الركعة الأولى.\nورابعها: أن يكون المراد بيان قراءة الركعة الأولى، وفي (جامع الأصول) (٣) في رواية عن مسلم عن جابر بن سمرة: (كان النبي -ﷺ- يقرأ في صلاة الصبح سورة ﴿ق﴾ في الركعة الأولى)، وفي حديث النسائي: (يقرأ في إحدى الركعتين)، انتهى.\nوأظهر الاحتمالات هو الثالث، ويشبه أن يكون المراد هو الرابع، فإن في أكثر\n_________\n(١) \"سفر السعادة\" (ص: ٣٢).\n(٢) \"جامع الأصول\" (٥/ ٣٣٥، ح: ٣٤٣٥)، وانظر: \"سنن النسائي\" (ح: ٩٥٠).\n(٣) \"جامع الأصول\" (ح: ٣٤٣٤).","vol":"2","page":597},{"text":"٨٣١ - [١٠] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِـ (الطور). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٦٥، م: ٤٦٣].\n٨٣٢ - [١١] وَعَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بـ ﴿الْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٦٣، م: ٤٦٢].\nــ\nالأحاديث وقع بيان قراءة الركعة الأولى، وأيضًا ما ذكره الفقهاء من تعيين طوال المفصل وأوساطها وقصارها في الصلاة معتبر في الركعة الأولى، كذا سمعت من بعض ثقات فقهاء مكة من أئمة الحنفية، وهذا البيان لم يتعرض له أحد من شراح الحديث فيما نعلم، واللَّه أعلم.\n٨٣١ - ٨٣٢ - [١٠ - ١١] (جبير بن مطعم، وأم الفضل بن الحارث) قوله: (يقرأ في المغرب بالطور) وفي الحديث الآتي بـ ﴿الْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ وهذان الحديثان، وكذا ما وقع أنه قرأ فيها الأعراف والأنفال والدخان، وكذا ما ورد في الصلوات الأخر تدل على أنه لم تتعين القراءة كما عينه الفقهاء من طوال المفصل وقصارها وأوساطها، وسيأتي من حديث عمرو بن شعيب عن جده في آخر (الفصل الثالث) أنه قال: (ما من المفصل سورة صغيرة ولا كبيرة إلا قد سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يؤم بها الناس في الصلاة المكتوبة).\nوالأصل في تعيين الفقهاء إياها كتاب عمر -﵁- إلى أبي موسى الأشعري -على ما روى عبد الرزاق في (مصنفه) (١) قال: أخبرنا سفيان الثوري عن علي بن زيد بن جدعان، عن الحسن وغيره- أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء والعصر بِوَسَطِ المفصل، وفي الصبح بطوال المفصل، كذا ذكر الشيخ ابن الهمام (٢).\n_________\n(١) انظر: \"مصنف بن أبي شيبة\" (٢/ ١٠٤، ح: ٢٦٧٢).\n(٢) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٣٣٥).","vol":"2","page":598},{"text":"٨٣٣ - [١٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، ثُمَّ يَأْتِي فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ، فَصَلَّى لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ فَأَمَّهُمْ، فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ،\nــ\nوقال: وأما في الظهر بطوال المفصل فلم أره، بل قال الترمذي في الباب الذي يلي باب القراءة في الصبح: وروي عن عمر -﵁- أنه كتب إلى أبي موسى: أن اقرأ في الظهر بأوساط المفصل، غير أن في الرواية ما يفيد المطلوب، وهو ما قدمناه في (صحيح مسلم) من حديث الخدري: (كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية)، انتهى. وبالجملة كان أمر القراءة عنده -ﷺ- في الطول والقصر مختلفًا باختلاف الأحوال والأوقات والحِكَم والمصالح وتعليم الجواز، ثم تقرر الأمر على كتاب عمر -﵁-، ولا بد [أن] يكون له دليل وسماع من النبي -ﷺ-، ولعله كان غالب أحوال النبي -ﷺ- ذلك، وكفى بما حكم به عمر دليلًا، واللَّه أعلم.\n٨٣٣ - [١٢] (جابر) قوله: (ثم يأتي فيؤم قومه) استدل به الشافعية على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل، إذ الصلاة المعادة تقع نفلًا؛ لأنه -ﷺ- لم ينكر على معاذ إلا التطويل.\nفإن قلت: قد اشتهر من الشافعية أنهم قائلون بتكرار الفرض، فكيف يكون نفلًا؛ قلت: معنى هذا القول منهم أنه يجب نية الفرض لتحاكي الأصلية، لا أنه فرض، وهذا أيضًا على قول، والقول الآخر: أنه ينوي عند الإعادة النفل، وروى الشافعي -﵀- عن جابر: كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي -ﷺ- العشاء، ثم ينطلق إلى قومه، فيصليها بهم، هي له تطوع ولهم فريضة.","vol":"2","page":599},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوأجيب عن هذا الاستدلال بأن الاحتجاج [به] من باب ترك الإنكار من النبي -ﷺ-، وشرط ذلك علمُه، وجاز عدمُه، يدل عليه ما رواه الإمام أحمد (١) عن سليم (٢) رجل من بني سلمة أنه أتى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول اللَّه! إن معاذ بن جبل يأتينا بعد ما ننام، ونكون في أعمالنا بالنهار، فينادي بالصلاة، فنخرج إليه، فيطول علينا، فقال له -ﷺ-: (يا معاذ لا تكن فتانًا، إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف عن قومك)، فشرع له أحد الأمرين: الصلاة معه ولا يصلي بقومه، أو الصلاة بقومه على وجه التخفيف ولا يصلي معه، هذا أفاد منعه من الإمامة إذا صلى معه -ﷺ-، ولا يمنع إمامته بالاتفاق، فعلم أنه منعه من الفرض، كذا ذكر الشيخ ابن الهمام (٣).\nوقيل: إن تلك الزيادة -أعني: (هي له تطوع ولهم فريضة) - من كلام الشافعي -﵀- بناء على اجتهاده، ولذا لا يعرف إلا من جهته.\nهذا، وقد وقع أيضًا في صلاة الخوف في ذات الرقاع: أنه -ﷺ- صلى بكل طائفة ركعتين، فكانت لرسول اللَّه -ﷺ- أربع ركعات، وللقوم ركعتين، فيلزم منه أيضًا اقتداء المفترض بالمتنفل، وهذا إنما يتم للشافعي إلزامًا علينا في قولنا: إن فرض المسافر ركعتان، وإلا فعنده يقع الكل فرضًا، فلا يتم به حجة على مذهبه، ونحن نقول:\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٥/ ٧٤).\n(٢) ويعلم من هذا أن اسم الرجل الذي صلى خلف معاذ سليم، وقيل: حزم بن أبي كعب الأنصاري، كما في رواية أبي داود الطيالسي، وقيل: حرام بن أبي كعب الأنصاري، وما في \"المرقاة\" و\"الميسر\": \"حزام\" فهو خطأ. انظر: \"الإصابة\" (١٧٠٥)، و\"عمدة القاري\" (٤/ ٣٣٢)، و\"فتح الباري\" (٢/ ١٩٤).\n(٣) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٣٧١ - ٣٧٢).","vol":"2","page":600},{"text":"فَانْحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ، ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ وَانْصَرَفَ، فَقَالُوا لَهُ: أَنَافَقْتَ يَا فُلَانُ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ،\nــ\nلعل ذلك من خصائص صلاة الخوف، وقد تكلمنا فيه في (شرح سفر السعادة) (١).\nثم قال الشيخ ابن الهمام (٢): إنه أجاب الطحاوي عنه وعن حديث معاذ بأنه منسوخ، أو يحتمل أنه كان حين كانت الفريضة تصلى مرتين، ثم نُسِخَ (٣)، وروى حديث ابن عمر -﵄-: (نهى أن تصلَّى فريضة في يوم مرتين) قال: والنهي: لا يكون إلا بعد الإباحة، ونوزع في ذلك بأنه نسخ بالاحتمال، والجواب أن مراده الحمل على النسخ ترجيحًا بضرب من الاجتهاد، وهذا صحيح بل واجب، إذ يجب الترجيح ما أمكن، ومرجعه الحمل على النسخ في كل متعارضين ثبتت صحتهما، فتدبر.\nوقوله: (فسلم) أي: قطع الصلاة، لا أنه قصد قطعها بالسلام؛ لأنه ليس محله، لكنه سلم تشبيهًا بتمام الصلاة وقطعها عنده.\nوقوله: (أنافقت) هذا تشديد وتغليظ، والمراد فعلت فعل المنافقين في الكسل عن الصلاة، كما ورد في القرآن المجيد في شأن المنافقين ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾.\nوقوله: (لا واللَّه) أي: ما نافقت وما انحرفت كسلًا عن الصلاة، بل لضرورة\n_________\n(١) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٢٣٠ - ٢٤٣).\n(٢) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٣٧٢).\n(٣) ويحتمل أيضًا أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- بِنِيَّةِ النَّفْلِ لِيتَعَلَّمَ مِنْهُ سُنَّةَ الصَّلَاةِ وَيَتَبَارَكَ بِهَا، وَيَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ تُهْمَةَ النِّفَاقِ، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمُ الْفَرْضَ لِحِيَازَةِ الْفَضِيلَتَيْنِ، مَعَ أَنَّ تَأْخِيرَ الْعِشَاءِ أَفَضَلُ عَلَى الأَصَحِّ، وَالْحَمْلُ عَلَى هَذَا أَوْلَى، قاله القاري (٢/ ٦٩٠).","vol":"2","page":601},{"text":"وَلآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَلأُخْبِرَنَّهُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا أَصْحَابُ نَوَاضِحَ، نَعْمَلُ بِالنَّهَارِ، وَإِنَّ مُعَاذًا صَلَّى مَعَكَ الْعِشَاءَ، ثُمَّ أَتَى قَوْمَهُ فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ، فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى مُعَاذٍ فَقَالَ: يَا مُعَاذُ أَفتَّانٌ أَنْتَ؟ اقْرَأ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، ﴿وَالضُّحَى﴾، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ و﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠٠، ٦١٠٦، م: ٤٦٥].\n٨٣٤ - [١٣] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، وَمَا سَمِعتُ أَحَدًا أَحْسَنَ صَوتًا مِنْهُ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٦٧، م: ٤٦٤].\nــ\nعجزي عن تحمل التطويل لأجل إنكاري على معاذ هذا التطويل، يدل عليه قوله: (ولآتين رسول اللَّه -ﷺ- فلأخبرنه).\nو(الناضح) البعير الذي يسقى عليه، والأنثى ناضحة.\nوقوله: (أفتان أنت؟) أي منفِّر للناس عن ملازمة الجماعة، ومن معاني الفتنة اختلاف الآراء، ويستلزم ذلك الإفسادَ وصرفَ الناس عن الدين، قال البيضاوي (١) في قوله: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾: مفسدين الناس بالإغواء.\n٨٣٤ - [١٣] (البراء) قوله: (يقرأ في العشاء ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾) ووقع في رواية البخاري (٢) عن عدي: سمعت البراء: أن النبي -ﷺ- كان في سفر، فقرأ في العشاء في إحدى الركعتين بـ (التين والزيتون)، ويستأنس به أن يكون المراد حيث وقع مطلقًا هو إحدى الركعتين لا على التعيين، كما ذكرنا من ثالث الاحتمالات في حديث جابر\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٣٠٤).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (ح: ٧٦٧).","vol":"2","page":602},{"text":"٨٣٥ - [١٤] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ وَنَحْوِهَا، وَكَانَتْ صَلَاتُهُ بَعْدُ تَخْفِيفًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٥٨].\nــ\nابن سمرة.\n٨٣٥ - [١٤] (جابر بن سمرة) قوله: (وكانت صلاته بعد تخفيفًا) قال الطيبي (١): أي: بعد صلاة الفجر تخفيفًا في القراءة في بقية الصلوات، يعني كان يطول صلاة الصبح أكثر من بقية الخمس، وسببه ما ذكرنا في تطويل الركعة الأولى من قصد تكثير الجماعة، وإرادة إدراك الناس الركعة الأولى، مع كون الصبح وقت القيام من النوم، وعروض الكسل والفتور، واستعداد مقدمات الطهارة، قالوا: ولأن النزول الرباني وورود أنوار الفيض الرحماني يكون في الثلث الأخير من الليل، والدعاء والعبادة فيه إلى الإجابة والقبول أقرب، ويبقى إلى انقضاء صلاة الصبح، وقيل: إلى طلوع الفجر، قولان.\nووجه تطويل صلاة الفجر على القول الأول ظاهر، وعلى الثاني باعتبار قربه منه، ولأنه لما كان عدد ركعات صلاة الصبح أنقص جعل التطويل بدله، يعني مع وجود سعة الوقت وفضله، فلا يرد أنه ينبغي على هذا أن يكون المغرب أطول من الثلث الأخير، خصوصًا على ما اختاره أكثر الأئمة من أن الشفق هو الحمرة، ووجوه أخر ذكرت في (سفر السعادة) (٢) و(شرحه) (٣).\nوفي شرح الشيخ: أنه يحتمل أن يكون المراد بعد ذلك الزمن، فيفيد أنه -ﷺ-\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣١٤).\n(٢) \"سفر السعادة\" (ص: ٣٢).\n(٣) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٦١).","vol":"2","page":603},{"text":"٨٣٦ - [١٥] وَعَن عَمْرو بن حُرَيْث: أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقْرَأُ فِي الْفجْرِ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٥٦].\n٨٣٧ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الصُّبْحَ بِمَكَّةَ، فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْمُؤْمِنِينَ، حَتَّى جَاءَ ذِكْرُ مُوسَى وَهَارُونَ -أَوْ ذِكرُ عِيسَى- أَخَذَتِ النَّبِيَّ -ﷺ- سَعْلَةٌ فَرَكَعَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٥٦].\nــ\nكان يطول أول الهجرة لقلة أصحابه وانحصارهم، ثم لما كثر الناس، وشق عليهم التطويل؛ لكونهم أهل أعمال من تجارة وحرث وزرع خفف رفقًا بهم.\nهذا، ويمكن أن يكون معنى قوله: (وكان صلاته بعد تخفيفًا) أن مع التطويل في القراءة كان صلاته -ﷺ- عند المأمومين خفيفة لكثرة شوقهم إلى استماع القرآن منه، وورود الأنوار، وانشراح الصدر ببركته، ولسرعته، وطي لسان كان له -ﷺ- في قراءة القرآن، حتى كان يقرأ سورة الأعراف في صلاة المغرب، فافهم.\n٨٣٦ - [١٥] (عمرو بن حريث) قوله: (عن عمرو بن حريث) بحاء مهملة مضمومة وفتح راء وسكون ياء وبمثلثة.\nوقوله: (﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾) المراد به سورة ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾.\n٨٣٧ - [١٦] (عبد اللَّه بن السائب) قوله: (بمكة) وفي رواية النسائي: (في فتح مكة)، كذا في شرح الشيخ.\nوقوله: (حتى جاء ذكر) بالنصب والرفع، والنصب أظهر.\nوقوله: (سعلة) بفتح السين المهملة، فعلة من السعال، ويجوز الضم.\nوفي (القاموس) (١): سعل كنصر، سعالًا وسعلة، بضمهما، وهي: حركة تدفع\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٣٣).","vol":"2","page":604},{"text":"٨٣٨ - [١٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَقْرَأُ فِي الْفَجْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بـ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٩١، م: ٨٨٠].\nــ\nبها الطبيعة أذى عن الرئة والأعضاء التي تتصل بها.\nقال الطيبي: وإنما أخذتْه بسبب البكاء، واللَّه أعلم.\n٨٣٨ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (يقرأ في الفجر يوم الجمعة بـ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ في الركعة الأولى، وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾) وهذا حديث متفق عليه عن أبي هريرة، ورواه النسائي وأبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عباس، والتزمه الشافعية، وواظبوا عليه، وعليه عملهم في الحرمين الشريفين وغيرهما على سبيل الدوام، وسبب تخصيص يوم الجمعة بهاتين السورتين أنهما مشتملان على ذكر المبدأ والمعاد ودخول الجنة والنار، وهذه المعاني تكون في يوم الجمعة، والقيامة تقوم فيه، كما كان يقرأ في المحافل والمجامع العظيمة سورة ﴿ق﴾ و﴿اقْتَرَبَتِ﴾ وأمثالهما، هكذا قال الشراح.\nولا يذهب عليك أن كثيرًا من السور القرآنية مشتملة على هذه المعاني، ولا يختص ذلك بهاتين السورتين، اللهم إلا أن يكون فيهما أكثر وأوفر، ويلوح من هذا الوجه أن قراءة هاتين السورتين لم تكن دائمة إلا في مقام التذكير والإنذار كسورة ﴿ق﴾ و﴿اقْتَرَبَتِ﴾ فيهما، على أنك عرفت أن كلمة (كان) في هذه الأحاديث ليست للاستمرار، فافهم، واللَّه أعلم.\nثم إنه قد ذكر في كتبنا أن لا يوقت بشيء من القرآن لدفع إيهام الفضل وهجر الباقي، ومثلوه بتعيين هاتين السورتين لفجر الجمعة، وتعيين سورة الجمعة والمنافقين لصلاة الجمعة.","vol":"2","page":605},{"text":"٨٣٩ - [١٨] وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: . . . . .\nــ\nونقل الشيخ ابن الهمام (١) عن الطحاوي والإسبيجابي: أن هذا إن رآه حتمًا يكره غيره، أما لو قرأ للتيسير عليه، أو تبركًا بقراءته ﵊ فلا كراهة، لكن بشرط أن يقرأ غيرهما أحيانًا؛ لئلا يظن الجاهل أن غيرهما لا يجوز.\nوقال: ولا تحرير في هذه العبارة بعد العلم بأن الكلام في المداومة، والحق أن المداومة مطلقًا مكروهة، سواء رآه حتمًا يكره غيره أو لا؛ لأن دليل الكراهة لا يفصل، وهو إيهام التفضيل وهجر الباقي، [لكن الهجران إنما يلزم] لو لم يقرأ الباقي في صلاة أخرى، فالحق أنه إيهام التعيين، ثم مقتضى الدليل عدم المداومة لا المداومة على العدم كما يفعله حنفية العصر، بل يستحب أن يقرأ بذلك أحيانًا تبركًا بالمأثور؛ فإن لزوم الإيهام ينتفي بالترك أحيانًا، و[لذا] قالوا: السنة أن يقرأ في ركعتي الفجر بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وظاهر هذا إفادة المواظبة على ذلك، وذلك لأن الإيهام المذكور منتف بالنسبة إلى المصلي نفسه، انتهى.\nقال العبد الضعيف -أصلح اللَّه شانه، وصانه عما شانه-: لا شك أن الإيهام المذكور منتف بالنسبة إلى المصلي نفسه، ولكن بالنسبة إلى الغير باق، ولكنه فيما كان مأثورًا وصح روايته عن الشارع غير معتبر، فالكلام في الصحة، وبعد الصحة لا مجال للتوقف، فالحق أن هذا العمل لم يثبت عند الحنفية دوامه عن رسول اللَّه -ﷺ- كما أشرنا إليه، فلا بأس أن يقرأ أحيانًا بل كان أفضل، واللَّه أعلم.\n٨٣٩ - [١٨] (عبيد اللَّه بن أبي رافع) قوله: (عبيد اللَّه) بلفظ التصغير، (ابن أبي رافع) مولى النبي -ﷺ-.\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٣٣٧).","vol":"2","page":606},{"text":"اسْتَخْلَفَ مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَخَرَجَ إِلَى مَكَّةَ، فَصَلَّى لَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ الْجُمُعَةَ، فَقَرَأَ سُورَةَ الْجُمُعَةِ فِي السَّجْدَةِ الأُولَى، وَفِي الآخِرَة: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ بِهِمَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٧٧].\n٨٤٠ - [١٩] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْجُمُعَةِ بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ قَالَ: وَإِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ قَرَأَ بِهِمَا فِي الصَّلَاتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٧٨].\n٨٤١ - [٢٠] وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ: مَا كَانَ يَقْرَأُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي الأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ فَقَالَ: [كَانَ] يَقْرَأُ فِيهِمَا: بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٩١].\nــ\nوقوله: (في السجدة الأولى) أي: الركعة الأولى.\n٨٤٠ - [١٩] (النعمان بن بشير) قوله: (يقرأ في العيدين وفي الجمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. . . إلخ) وبهذا تبين أنه لم تكن قراءة سورة الجمعة والمنافقين في صلاة الجمعة دائمًا، وأن (كان) ليست للاستمرار قطعًا.\n٨٤١ - [٢٠] (عبيد اللَّه) قوله: (عبيد اللَّه) بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود، ولعل سؤال أمير المؤمنين عمر -﵁- أبا واقد للتقرير والتمكين في ذهن الحاضرين من الوفود وغيرهم، وإلا فهو -﵁- من الملازمين له -ﷺ-[والعالمين بأحواله وأفعاله] ما لا يعلمه غيره من أمثال هذه الوقائع والأحكام، واللَّه أعلم.","vol":"2","page":607},{"text":"٨٤٢ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَرَأَ فِي رَكْعَتَي الْفَجْرِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٢٦].\n٨٤٣ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ فِي رَكْعَتَي الْفَجْرِ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ وَالَّتِي فِي آلِ عِمْرَانَ ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٢٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-330> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٨٤٤ - [٢٣] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ بِـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ. [ت: ٢٤٥].\nــ\n٨٤٢ - [٢١] (أبو هريرة) قوله: (في ركعتي الفجر) أراد بهما سنته، وكذا ركعتي المغرب وغيرهما، ويقال للفرض: صلاته، هكذا العادة.\n٨٤٣ - [٢٢] (ابن عباس) قوله: (يقرأ في ركعتي الفجر ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾. . . إلخ) وما قيل من كراهة قراءة بعض السورة خصوصًا من أوساط السورة فذلك في الفرائض، والحق أن فيما ثبت وصحت الرواية لا مجال للقول بالكراهة والكلام في الصحة.\nالفصل الثاني\n٨٤٤ - [٢٣] (ابن عباس) قوله: (يفتتح صلاته ببسم اللَّه الرحمن الرحيم) قد مرّ الكلام فيه مفصلًا.","vol":"2","page":608},{"text":"٨٤٥ - [٢٤] وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَرَأَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فَقَالَ: آمِينَ، مَدَّ بِهَا صَوْتَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. . . . .\nــ\n٨٤٥ - [٢٤] (وائل بن حجر) قوله: (مد بها) أي: بكلمة (آمين)، (صوته) يحتمل الجهر بها، ويحتمل مدَّ الألف على اللغة الفصحى، والظاهر هو الأول بقرينة الروايات الأخر، ففي بعضها: (يرفع بها صوته)، وهذا صريح في معنى الجهر، وفي رواية ابن ماجه (١): (حتى يسمعها [أهل] الصف الأول، فيرتج بها المسجد)، وفي بعضها: (يسمع من كان في الصف الأول قريبًا منه -ﷺ-)، ولما روى أبو هريرة: (كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا تلا ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال: آمين، حتى يسمع من يليه من الصف الأول) رواه أبو داود وابن ماجه (٢)، وبهذا وفَّق بعض الشافعية بين حديثي الجهر والخفض بأن المراد بالخفض عدم القرع العنيف وبالجهر دوي الصوت؛ لأنه يوجب ارتجاج الصوت، والظاهر الحمل على كلا الفعلين تارةً فتارةً، واللَّه أعلم.\nواعلم أن التأمين بعد قراءة الفاتحة في الصلاة سنة، سواء كان منفردًا أو إمامًا أو مأمومًا، وإن لم يؤمِّن إمامه، وفي تأمين المقتدي في الصلاة السرية على تقدير سماعها خلاف، فعند البعض: يؤمِّن بظاهر الحديث، وعند آخرين: لا يؤمِّن لعدم اعتبار هذا الجهر، كذا في شرح ابن الهمام (٣).\n_________\n(١) \"سنن ابن ماجه\" (ح: ٨٥٣).\n(٢) \"سنن أبي داود\" (ح: ٩٣٤)، و\"ابن ماجه\" (٨٥٣).\n(٣) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٢٩٥).","vol":"2","page":609},{"text":"وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٤٨، د: ٩٣٢، دي: ١٢٤٧، جه: ٨٥٥].\n٨٤٦ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي زُهَيْرٍ النُّمَيْرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَأَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ. . . . .\nــ\nوورد في الجهر بالتأمين أحاديث، وهو مذهب الشافعي وأحمد، وفي مذهب مالك خلاف، وفي مذهب أبي حنيفة: يسر التأمين مطلقًا، وأورد الترمذي في (جامعه) (١) حديث رفع الصوت بآمين وخفضها، ورجح حديث الجهر، ونقل عن البخاري كذلك، وقال: عليه عمل أكثر العلماء من الصحابة والتابعين، انتهى.\nوقد صحَّحَ بعض العلماء حديث الخفض أيضًا، وروي عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه قال: يخفي الإمام أربعة أشياء: التعوذ، والبسملة، وآمين، وسبحانك اللهم وبحمدك، وعن ابن مسعود مثله، وروى السيوطي في (جمع الجوامع) (٢) عن أبي وائل قال: كان عمر وعلي -﵄- لا يجهران بالبسملة ولا بالتعوذ ولا بآمين، رواه ابن جرير والطحاوي وابن شاهين في (السنة)، وأورد الشيخ ابن الهمام (٣) عن أحمد وأبي يعلى والطبراني والدارقطني والحاكم في (المستدرك) من حديث شعبة عن علقمة عن أبي وائل في الإخفاء، وعن أبي داود والترمذي وغيرهما من حديث سفيان عن أبي وائل في الجهر، وقال: كلا الحديثين معلول، والاعتماد على حديث ابن مسعود -﵁-.\n٨٤٦ - [٢٥] (أبو زهير النميري) قوله: (وعن أبي زهير) بالتصغير (النميري) بضم النون وفتح الميم.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٢/ ٢٧).\n(٢) انظر: \"كنز العمال\" (٨/ ١٠٥، ح: ٢٢١٠٢).\n(٣) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٢٩٥).","vol":"2","page":610},{"text":"قَدْ أَلَحَّ في الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: أَوْجَبَ إِنْ خَتَمَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: بِأَيِّ شَيْءٍ يَخْتِمُ؟ قَالَ: \"بآمين\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٩٣٨].\n٨٤٧ - [٢٦] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صلَّى الْمَغْرِبَ بِسُورَةِ الأَعْرَافِ، فَرَّقَهَا فِي رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٩٩١].\nــ\nوقوله: (وقد ألَحَّ في المسألة): ألحف، وألحّ السحاب: دام مطره.\nوقوله: (أوجب) (١) أي: الإجابة.\nوقوله: (إن ختم) من الخاتم على ما يدل عليه حديث (آمين خاتم رب العالمين)، أي: أنه طابع اللَّه على عباده؛ لأن الآفات والبلايا يدفع به، كخاتم الكتاب يصون من فساده وإظهار ما فيه، ويحتمل أن يكون بمعنى الإتمام والإكمال.\n٨٤٧ - [٢٦] (عائشة -﵂-) قوله: (صلى المغرب بسورة الأعراف) لا شبهة في سعة وقت المغرب لذلك، خصوصًا إن كان الشفق هو البياض، مع ما كان في قراءته -ﷺ- من السرعة والطىِّ ومزيد الشوق، وقال بعض الشافعية: يحتمل أن يخرج الوقت، ويكفي في صحة الصلاة صحة شروعه في الوقت وأداء بعضها فيه، وهو بعيد، وأبعد من ذلك أن المراد بالسورة بعضها.\nوقوله: (فرَّقها) وجاء في رواية البخاري وأبي داود والنسائي عن زيد بن ثابت قراءة سورة الأعراف من غير ذكر التفريق، وفي رواية المائدة والأعراف.\n_________\n(١) أَيِ: الْجَنَّةَ لِنَفْسِهِ، يُقَالُ: أَوْجَبَ الرَّجُلُ: إِذَا فَعَلَ فِعْلًا وَجَبَتْ لَهُ بِهِ الْجَنَّة أَوِ النَّارُ أَوِ الْمَغْفِرَةُ لِذَنْبِهِ، أَوِ الإِجَابَةُ لِدُعَائِهِ، وَمِنَ الْمُقَرَّرِ فِي الْعَقَائِدِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ، فَذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ لِمَحْضِ الْفَضْلِ وَالْوَعْدِ الَّذِي لَا يُخْلَفُ كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى بِهِ، وَإِنْ جَازَ لَهُ تَعْذِيبُ الْمُطِيعِ وَإِثَابَةُ الْعَاصِي، \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٦٩٦).","vol":"2","page":611},{"text":"٨٤٨ - [٢٧] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: كُنْتُ أَقُودُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نَاقَتَهُ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ لِي: \"يَا عُقْبَةُ! أَلَا أُعَلِّمُكَ خَيْرَ سُورَتَيْنِ قُرِئَتَا؟ \" فَعَلَّمَنِي ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، قَالَ: فَلَمْ يَرَنِي سُرِرْتُ بِهِمَا جِدًّا، فَلَمَّا نزَلَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ صَلَّى بِهِمَا صَلَاةَ الصُّبْحِ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ الْتَفَتَ إِلَيَّ، فَقَالَ: \"يَا عُقْبَةُ! كيْفَ رَأَيْتَ؟ \". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٤/ ١٤٩ - ١٥٠، د: ١٤٦٢، ن: ٥٤٣٦].\n٨٤٩ - [٢٨] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. رَوَاهُ فِي \"شَرحِ السُّنَّةِ\". [٣/ ٨١].\n٨٥٠ - [٢٩] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: . . . . .\nــ\n٨٤٨ - [٢٧] (عقبة بن عامر) قوله: (جدًّا) أي: سرورًا كثيرًا أو أصلًا، لما رأى أنهما لم يشتملا في الظاهر على معالم التوحيد وصفات الكمال كغيرهما من السور، فأعلمه -ﷺ- فضلهما بقراءتهما في صلاة الفجر التي هي أفضل الصلوات بوجوه، ويستحب فيها التطويل، وتأويله عند الأكثرين أن المراد الخيرية في باب التعوذ، ويلمح إليه قوله: (خير سورتين قرئتا)، فافهم.\nويحتمل أن يكون المراد تفضيلهما على ما سوى السور التي ثبت فضلها بأحاديث أخر، ولعله يكون فيهما أسرار لا تدركها عقولنا.\nويؤخذ من هذا الحديث استحباب قراءة هاتين السورتين في صلاة الفجر في السفر.\n٨٤٩ - ٨٥٠ - [٢٨ - ٢٩] (جابر بن سمرة، ابن عمر) قوله: (إلا أنه لم يذكر","vol":"2","page":612},{"text":"\"لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ\". [جه: ٨٣٣].\n٨٥١ - [٣٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا أُحْصِي مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: بِـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٤٣١].\n٨٥٢ - [٣١] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: \"بَعدَ الْمَغْرِبِ\". [جه: ١١٤٨].\n٨٥٣ - [٣٢] وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ فُلَانٍ. قَالَ سُلَيمَانُ: صَلَّيْتُ خَلْفَهُ (١) فَكَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظّهْر،\nــ\nليلة الجمعة) (٢) والحديث بذكر ليلة الجمعة صحيح، كذا في (شرح الشيخ)، وفيه: أنه صح أيضًا في عشائها قراءة سورتي الجمعة والمنافقين.\n٨٥١ - ٨٥٢ - [٣٠ - ٣١] (عبد اللَّه بن مسعود، وأبو هريرة) قوله: (ما أُحصي) أي: ما أعد، أي: لا أطيق أن أعد، كقوله: (لا أحصي ثناء عليك).\n٨٥٣ - [٣٢] (سليمان بن يسار) قوله: (من فلان) قيل: هو عمر بن عبد العزيز، كان واليًا بالمدينة من قبل مروان بن عبد الملك، وهذا القول غلط؛ لأن ولادة عمر\n_________\n(١) وقوله: \"قال سليمان: صليت خلفه\" أي: خلف فلان الذي أخبر أبو هريرة بصلاته خلفه، ويحتمل أن يكون الضمير لأبي هريرة، فافهم، (هامش نسخة كولكاتا).\n(٢) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اعْلَمْ أَنَّ هَذَا وَأَشْبَاهَهُ لَيْسَ عَلَى الدَّوَامِ، بَلْ يَقْرَأُ فِي كُلِّ وَقْتٍ شَيْئًا لِيُعْلِمَ النَّاسَ جَوَازَ مَا يَقْرَأُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٦٩٩).","vol":"2","page":613},{"text":"وَيُخَفِّفُ الأُخْرَيَيْنِ، وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ، وَيَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ، وَيَقْرَأُ فِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ إِلَى: وَيُخَفِّفُ الْعَصْرَ. [ن: ٩٨٢، جه: ٨٢٧].\nــ\nابن عبد العزيز بعد وفاة أبي هريرة بسنتين أو أكثر (١).\nنعم قال فيه ذلك القول أنس -﵁-، وهو صحيح؛ لأنه أدرك زمن عمر بن عبد العزيز، وقيل: مراد أبي هريرة علي بن أبي طالب -﵁ وكرم اللَّه وجهه-، وقيل: عمرو بن سلمة بن نفيع (٢)، واللَّه أعلم.\nوقوله: (بقصار المفصل) قال ابن الهمام (٣): اختلف في أول المفصل، فقيل: سورة القتال، وقال الحلواني وغيره من أصحابنا: الحجرات، فهو السبع الأخير، وقيل: من (ق)، وحكى القاضي عياض: أنه من الجاثية، وهو غريب، والطوال من أوله إلى البروج، والأوساط منها إلى لم يكن، والقصار الباقي (٤)، وقيل: الطوال من أوله إلى عبس، والأوساط منها إلى والضحى، والباقي القصار، ثم إذا راعى الليالي يقرأ في الشتاء مئة، وفي الصيف أربعين، وفي الخريف والربيع خمسين إلى ستين، انتهى.\nوفي شرح الشيخ: أوله الحجرات إلى عم، وأوساطه إلى والضحى، وقصاره إلى الآخر، وسمي مفصلًا لكثرة الفصول فيه، وقيل: لقلة المنسوخ فيه.\n_________\n(١) ولد عمر بن عبد العزيز سنة إحدى وستين، وتوفي أبو هريرة سنة ثمان أو تسع وخمسين، وتوفي أنس سنة إحدى وتسعين، انتهى. (هامش نسخة كولكاتا).\n(٢) صحابي، إمام بني جرم على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، فلم يزل إمامهم في المكتوبة، وفي جنائزهم إلى أن مات. انظر: \"معرفة الصحابة\" لأبي نعيم (٤/ ٢٠٢١).\n(٣) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٣٣٥).\n(٤) هذا هو الذي عليه الجمهور، انظر: \"المرقاة\" (٢/ ٧٠٠).","vol":"2","page":614},{"text":"٨٥٤ - [٣٣] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كُنَّا خَلْفَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَقَرَأَ فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: \"لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ خَلْفَ إِمَامِكُمْ؟ \" قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: \"لَا تَفْعَلُوا إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ؛ فَإنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلِلنِّسَائِيِّ مَعْنَاهُ، وَفي رِوَايَةٍ لأَبِي دَاوُدَ قَالَ: \"وَأَنَا أَقُولُ: مَا لِي يُنَازعنِي الْقُرْآنُ؟ . . . . .\nــ\n٨٥٤ - [٣٣] (عبادة بن الصامت) قوله: (فثقلت عليه) أي: عسرت، وسبب الثقل في الظاهر سماعه أصوات القارئين خلفه حتى شوشت عليه، ولا يلائمه قوله: (لعلكم)؛ لأن ذلك عند الجهر، وهو متيقن، وقيل: يحتمل أن يكون تأثره -ﷺ- من النقص الناشئ لهم بترك إصغائهم لقراءته، كما اختلطت قراءته -ﷺ- بتأثره عن ترك بعض إحسان الطهور، كما مرّ في (كتاب الطهارة)، والكامل قد يتأثر عن نقص مَنْ وراءه، واللَّه أعلم.\nوقوله: (لعلكم تقرؤون) سؤال في معنى الاستفهام تقريرًا لفعلهم، وفيه تشديد وتوبيخ (١).\nوقوله: (خلف إمامكم) من إقامة المظهر موضع المضمر للتنبيه على الوصف المقتضي لترك القراءة، وللإشارة إلى تعميم الحكم.\nوقوله: (فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها) ظاهر في فرضية قراءة فاتحة الكتاب، وقد عرفت جوابه.\nوقوله: (وأنا أقول: ما لي ينازعني القرآن) أي: كنت قلت في نفسي: ما السبب\n_________\n(١) سقطت هذه العبارة في جميع نسخ المخطوط إلا نسخة كولكاتا، فقد ثبتت في الهامش.","vol":"2","page":615},{"text":"فَلَا تَقْرَؤُوا بِشَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِذَا جَهَرْتُ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآن\". [د: ٨٢٣، ت: ٣١١، ن: ٩١١، د: ٨٢٤].\n٨٥٥ - [٣٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جَهَرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ: \"هَلْ قَرَأَ مَعِي أَحَدٌ مِنْكُمْ آنِفًا؟ \" فَقَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: \"إِنِّي أَقُولُ: مَا لِي أُنازَعُ الْقُرآنَ؟ \" قَالَ: فَانْتَهَى النَّاسُ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِيمَا جَهَرَ فِيهِ بِالْقِرَاءَةِ مِنَ الصَّلَوَاتِ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ. . . . .\nــ\nفي ثقل القراءة وأن لا يتأتى لي؟ فكأنه أجاذبه وهو ينازعني، فعرفت الآن أن السبب قراءتكم خلفي.\nوقوله: (إذا جهرت) يدل على تخصيص عدم القراءة في الصلاة الجهرية، وسيأتي الكلام فيه.\n٨٥٥ - [٣٤] (أبو هريرة) قوله: (ما لي أنازع القرآن) بصيغة المجهول، والقرآن منصوب مفعول ثان لـ (أنازع)، أي ما لي أنازع في القرآن؟ ويناسب هذه الرواية قوله: (ينازعني القرآن)، وقال زين العرب: روايتي (أنازع) على صيغة الفاعل، وفي (النهاية) (١): أصل النزع: الجذب والقلع، كذا في بعض الشروح، وفي شرح الشيخ: نزل قراءتهم معه حال قراءته منزلة اثنين يتجاذبان شيئًا، فافهم.\nوقوله: (قال: فانتهى الناس) ظاهر السياق أنه من كلام أبي هريرة، وفي\n_________\n(١) \"النهاية\" (٥/ ٤١).","vol":"2","page":616},{"text":"نَحْوَهُ [ط: ١٩٣، حم: ٢/ ٢٤٠، د: ٨٢٦، ت: ٣١١، ن: ٩١٩، جه: ٨٤٨].\n٨٥٦ - [٣٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالبَيَاضِيِّ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْمُصَلِّيَ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلْيَنْظُرْ مَا يُنَاجِيهِ بِهِ، وَلَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٦٧].\n٨٥٧ - [٣٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا\". رَوَاهُ. . . . .\nــ\nالحواشي نقلًا عن الخطابي: أنه كلام الزهري.\n٨٥٦ - [٣٥] (ابن عمر) قوله: (البياضي) بالفتح والتخفيف، منسوب إلى بياضة، بطن من الأنصار، كذا نقل من (الأنساب) (١) للسيوطي، وفي (المغني) (٢): نسبة إلى بياضة بن عامر.\nوقوله: (فلينظر ما يناجيه به) أي: فليتدبر وليتأمل ما يناجي به المصلي الرب تعالى من الذكر والقرآن، و(ما) موصولة أو استفهامية، والمناجاة: المشاورة بين اثنين بحيث لا يطلع ثالث. وفي (القاموس) (٣): النجوى: السر، اسم ومصدر، وناجاه مناجاة: سارَّه، وانتجاه: خصّه بمناجاته.\nوقوله: (ولا يجهر بعضكم على بعض) أي: في الصلاة وغيرها، من المصلي والنائم والذاكر، وعلى الإمام وغيره.\n٨٥٧ - [٣٦] (أبو هريرة) قوله: (وإذا قرأ فأنصتوا) يعني أن الائتمام في القراءة\n_________\n(١) \"لب اللباب\" (ص: ٨٩).\n(٢) \"المغني\" (ص: ٦٧).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٢٧).","vol":"2","page":617},{"text":"أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٦٠٤، ن: ٩٢١، جه: ٨٤٦].\nــ\nبالإنصات لا بالقراءة، إذا عرفت هذا فاعلم أن مذهب الشافعي -﵀- وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في السرية والجهرية، ويجوز قراءة ما سوى الفاتحة أيضًا، ومذهب أحمد ومالك والشافعي -﵏- في قول: وجوب قراءتها في السرية فقط، ويكفيه في الجهرية استماعه لقراءة الإمام، وعند بعض أصحاب أحمد: يقرأ الفاتحة في الجهرية في سكتات الإمام، وعند بعضهم: إن كان لا يسمع لبعده أو طَرَشِه (١) يقرؤها، يعني في الجهرية، وإن لم يقرأ فصلاته تامة؛ لأن من كان له إمام فقراءة الإمام قراءة له، وليس بواجب، وهو المنصوص المعروف عند أصحابه؛ لعموم حديث أبي هريرة -﵁-: (وإذا قرأ فأنصتوا) رواه الخمسة إلا الترمذي، وصححه أحمد، كذا في (شرح كتاب الخرقي) (٢)، وذهب أبو حنيفة -﵀- إلى أنه لا يقرؤها في السرية ولا في الجهرية، لكنه يستحب على سبيل الاحتياط فيما يروى عن محمد -﵀-، ويكره عندهما لما فيه من الوعيد، ثم إن عند الشافعي يقرأ المأموم سرًّا ولو في الجهرية.\nوفي شرح الشيخ: قد أجمعت الأمة على أنه يكره للمأموم الجهر وإن لم يسمع قراءة إمامه، ودلائل هؤلاء الأئمة هذه الأحاديث، ولأن القراءة ركن فيشتركان فيه، مع ما في السرية والجهرية من الفرق عند أحمد ومالك -رحمهما اللَّه-.\nولنا قوله -ﷺ-: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة).\n_________\n(١) الطرش: أهون الصمم، طَرِشَ كفرح، وبه طُرْشة، وقوم طُرْش، \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٥١).\n(٢) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (١/ ٢٤٥).","vol":"2","page":618},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقال في (الهداية) (١): وعليه إجماع الصحابة.\nقال الشيخ ابن الهمام (٢): فإذا صح وجب أن يُخَصَّ عموم الآية والحديث على طريقة الخصم مطلقًا، فيخرج المقتدي، وعلى طريقتنا يُخَصّ أيضًا؛ لأنهما عام خُصّ منه البعضُ، وهو المدرك في الركوع إجماعًا، فجاز تخصيصهما بعده بالمقتدي بالحديث المذكور جمعًا بين الأدلة، بل يقال: القراءة ثابتة من المقتدي شرعًا؛ فإن قراءة الإمام له قراءة، فلو قرأ كان له قراءتان في صلاة واحدة، وهو غير مشروع.\nبقي الشأن في تصحيح هذا الحديث، وقد روي من طرق متعددة مرفوعًا عن جابر بن عبد اللَّه عنه ﵊، وقد ضعف، واعترف المضعفون لرفعه مثل الدارقطني والبيهقي وابن عدي بأن الصحيح أنه مرسل؛ لأن الحفاظ كالسفيانين وأبي الأحوص، وشعبة وإسرائيل، وشريك وأبي خالد الدالاني، وجرير وعبد الحميد، وزائدة وزهير رووه عن موسى بن أبي عائشة عن عبد اللَّه بن شداد (٣) عن النبي -ﷺ- فأرسلوه، وقد أرسله مرة أبو حنيفة -﵀- كذلك.\nفنقول: المرسل حجة عند أكثر أهل العلم، فيكفينا فيما يرجع إلى العمل على رأينا، وعلى طريق الإلزام أيضًا بإقامة الدليل على حجية المرسل، وعلى تقدير التنزل عن حجيته فقد رفعه أبو حنيفة بسند صحيح.\nروى محمد بن الحسن في (موطئه) قال: أخبرنا أبو حنيفة قال: ثنا أبو الحسن موسى بن أبي عائشة عن عبد اللَّه بن شداد، عن جابر -﵁-، عن النبي -ﷺ- قال: (من صلى\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٥٦).\n(٢) \"فتح القدير\" (١/ ٣٣٨ - ٣٤٢).\n(٣) تابعي.","vol":"2","page":619},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nخلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة).\nوقولهم: إن الحفاظ الذين عدوهم لم يرفعوه غير صحيح، فإن بعضهم كالسفيانين وشريك وجرير وزهير رفعوه بالطرق الصحيحة، بعضها على شرط الشيخين وبعضها على شرط مسلم، ولو تفرد الثقة وجب قبوله؛ لأن الرفع زيادة، وزيادة الثقة مقبولة، فكيف ولم ينفرد، والثقة قد يسند الحديث تارةً ويرسله أخرى.\nوأخرجه ابن عدي عن أبي حنيفة -﵀- في ترجمته، وذكر فيه قصة، وبها أخرجه أبو عبد اللَّه الحاكم بسند له فيه أبو حنيفة عن موسى بن أبي عائشة من حديث جابر: أن النبي -ﷺ- صلَّى ورجل خلفه يقرأ، فجعل رجل من أصحاب النبي -ﷺ- ينهاه عن القراءة، فلما انصرف أقبل عليه الرجل وقال: أتنهاني عن القراءة خلف رسول اللَّه -ﷺ-؟ فتنازعا حتى ذُكِرَ ذلك للنبي -ﷺ-، فقال ﵊: (من صلى خلف إمام فإن قراءة الإمام له قراءة). وفي رواية لأبي حنيفة -﵀- أن ذلك كان في الظهر والعصر.\nوقال الشيخ: وتضعيف بعضهم لمثل أبي حنيفة مع تضييقه في الرواية إلى الغاية، حتى إنه شرط التذكر لجواز الرواية بعد علمه أنه حفظه، ولم يشترط الحفاظ هذا، ولم يوافقه صاحباه، ثم قد عُضِد بطرق كثيرة عن جابر غير ما ذكر وإن ضُعِّفَتْ، وبمذاهب الصحابة، حتى قال المصنف: -يعني صاحب (الهداية) -: إن عليه إجماع الصحابة، وفي (موطأ مالك): عن نافع عن ابن عمر -﵄- أنه كان لا يقرأ خلف الإمام، ورواه ابن عدي عن أبي سعيد الخدري، ورواه الطبراني في (الأوسط) من حديث ابن عباس يرفعه، وروى الطحاوي في (شرح الآثار): أنه سئل عبد اللَّه بن عمر وزيد بن ثابت وجابر بن عبد اللَّه، فقالوا: لا يقرأ خلف الإمام في شيء من الصلاة، وروى محمد بن","vol":"2","page":620},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالحسن في (موطئه): سئل عبد اللَّه بن مسعود عن القراءة خلف الإمام؟ قال: أنصت ويكفيك الإمام، وروى فيه عن سعد بن أبي وقاص -﵁- أنه قال: وددت الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جمرة، وفي رواية: في فيه حجر، وعن عمر بن الخطاب -﵁- قال: ليت في فم الذي يقرأ خلف الإمام حجرًا، وأخرج الطحاوي عن حماد بن سلمة عن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس: أقرأ والإمام بين يدي؟ قال: لا، وروى ابن أبي شيبة في (مصنفه) عن جابر قال: لا تقرأ خلف الإمام إن جهر، ولا إن خافت، وأخرج عبد الرزاق من حديث علي -﵁- قال: (من قرأ خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة).\nوقال الشيخ ابن الهمام (١): الكراهة -التي قال المصنف- كراهية التحريم؛ لقوله: لما فيه من الوعيد، وصرح بعض المشايخ بأنها لا تحل خلف الإمام، وقد عرف من طريق أصحابنا أنهم لا يطلقون الحرام إلا ما حرمته بقطعي، وقال في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] أن الإنصات لا يخص الجهرية؛ لأنه عدم الكلام، فالمطلوب أمران: الاستماع والسكوت، فيعمل بكل منهما، والأول يخص الجهرية لا الثاني، فيجري على إطلاقه، فيجب السكوت عند القراءة مطلقًا، وهذا بناء على أن ورود الآية في القراءة في الصلاة، وأخرج البيهقي عن الإمام أحمد قال: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة، ووردت في القراءة خلف الإمام، وقال: (وقول المصنف على سبيل الاحتياط فيما يروى عن محمد) تقتضي هذه العبارة أنها ليست ظاهر الرواية عنه، وهو الذي يظهر من قوله في (الذخيرة): وبعض مشايخنا ذكروا أن على قول محمد لا يكره، وعلى قولهما يكره، ثم قال في (الفصل الرابع):\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (١/ ٣٤٠ - ٣٤١).","vol":"2","page":621},{"text":"٨٥٨ - [٣٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا، فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي، قَالَ: \"قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ\"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لِلَّهِ فَمَاذَا لِي؟ قَالَ: \"قُلْ اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي\". . . . .\nــ\nالأصح أنه يكره، والحق أن قول محمد كقولهما، فإن عباراته في كتبه مصرحة بذلك، قال في (الآثار): وبه نأخذ، ولا نرى القراءة خلف الإمام في شيء من الصلوات يجهر فيه أو لا يجهر، ثم استمر في إسناد الآثار في ذلك، وقال في (موطئه) بعد ما روى في منع القراءة ما رُوِي: لا قراءة خلف الإمام فيما يجهر وفيما لا يجهر، بذلك جاءت عامة الأخبار، وقال: تفسد صلاته في قول عدة من الصحابة، ولا يخفى أن الاحتياط في العمل بأقوى الدليلين، هذا كلام الشيخ ابن الهمام مع شيء من الاختصار، ونرجو أن يكون غير مخل، ثم كلام محمد في (الموطأ) مملوء بالأخبار والآثار في ذلك، فلينظر ثمة، واللَّه أعلم.\n٨٥٨ - [٣٧] (عبد اللَّه بن أبي أوفى) قوله: (فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا. . . إلخ) الذي يسبق إلى الأفهام من إيراد هذا الحديث أن المراد عدم استطاعة الأخذ بشيء من القرآن مما تصح به الصلاة، وذلك بعيد جدًا؛ لأن من المستبعد أن يعجز العربي المتكلم بمثل هذا الكلام عن تعلم مقدار ما تصح به الصلاة كل العجز، فلو تعلم كلمات من القرآن بقدر هذه الكلمات أو أكثر لاستطاع وكفى، وقد يقال: إنه آمن في هذه الساعة فدخل وقت الصلاة، ولم يتسع له حفظ شيء من القرآن في ذلك، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: قل هذه الكلمات، ومع ذلك لا يدفع الاستبعاد.","vol":"2","page":622},{"text":"فَقَالَ هَكَذَا بِيَدَيْهِ وَقَبَضَهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَمَّا هَذَا فَقَد مَلأَ يَدَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَانْتَهَتْ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ عِنْد قَوْله: \"إِلَّا بِاللَّه\". [د: ٨٣٢، ن: ٩٢٤].\n٨٥٩ - [٣٨] وَعَنِ ابنِ عَبَّاسٍ -﵄-: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ-: كَانَ إِذَا قَرَأَ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قَالَ: . . . . .\nــ\nوقال التُّورِبِشْتِي (١): لو كان الأمر على ذلك لعلمه (٢) النبي -ﷺ- بما يلزمه بعد ذلك، إذ لا يجوز له أن يسكت عن البيان عند الحاجة إليه، فالظاهر أن المراد (إني لا أستطيع أن أحفظ من القرآن شيئًا) أجعله وردًا لي فأقوم به، ولا بد أن يكون ذلك شيئًا كثيرًا قد لا يتيسر لبعض الناس حفظه، فعلمه -ﷺ- هؤلاء الكلمات ليداوم عليها ويجعلها وردًا لنفسه بالتكرار آناء الليل والنهار.\nثم الضمير في قوله: (فقال هكذا) إما أن يكون للرجل، أي: أشار بقبض يديه إلى أنه يحفظ ما أمره به كما يحفظ الشيء النفيس بقبض اليد عليه، أي: حفظت ما قلت لي فلا أُضَيِّعه، وهذا الاحتمال أظهر بالنظر إلى قوله: (فقال رسول اللَّه -ﷺ-) كناية عن أخذه بمجامع الخير بامتثاله وحفظه لما أُمِرَ به، ويجوز أن يكون للنبي -ﷺ- بعثًا له على الامتثال والحفظ.\nوقوله: (فقال رسول اللَّه -ﷺ-) لبشارة الرجل ومدحه بأنه ظفر بما لم يظفر به غيره لما فهم من الامتثال، فافهم.\n٨٥٩ - [٣٨] (ابن عباس -﵄-) قوله: (كان إذا قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال:\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٢٤٥).\n(٢) يمكن أن يقال: لعله علمه بعده، وإنما اكتفى به في صلاة واحدة، واللَّه أعلم. (منه).","vol":"2","page":623},{"text":"\"سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ١/ ٢٣٢، د: ٨٨٣].\n٨٦٠ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَرَأَ مِنْكُم بـ (التين والزيتون) فَانْتَهى إِلَى ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ فَلْيَقُلْ: بَلَى وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَمن قَرَأَ: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فَانْتَهَى إِلَى ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ فَلْيَقُلْ: بَلَى. وَمَنْ قَرَأَ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ فَبَلَغَ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فَلْيَقُلْ: آمَنَّا بِاللَّهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: وَأَنَا عَلَى ذلك من الشَّاهِدِينَ. [د: ٨٨٧، ت: ٣٣٤٧].\nــ\nسبحان ربي الأعلى) (١) حمله الشافعية على حال الصلاة، أو أعم منها، فجوزوه في الصلاة وغيرها، وعندنا وكذا عند المالكية هو محمول على غير الصلاة.\nقال التُّورِبِشْتِي (٢): يحتمل هذا الحديث وما يتلوه إلى آخر الباب عندنا أن يكون ذلك في القراءة في غير الصلاة، ومن جملة المحظور فيه أنه ربما يظن الجاهل أنه من القرآن، ولو كان النبي -ﷺ- فاعلًا ذلك في الصلاة لبينه الراوي، ونقله غيره من الصحابة لشدة حرصهم على الأخذ منه والتبليغ عنه، ولو زعم زاعم أنه في الصلاة ذهابًا إلى ظاهر الحديث؟ قلنا: يحمل ذلك على غير الفرائض على ما في حديث حذيفة -﵁- لما حدّث صلاته بالليل: (وما أتى على آية رحمة إلا وقف وسأله، وما أتى على آية عذاب إلا وقف وتعوذ)، ولم ينقل شيء من ذلك فيما جهر به من الفرائض مع كثرة مَنْ حضرها، واللَّه أعلم.\n٨٦٠ - [٣٩] (أبو هريرة) قوله: (رواه أبو داود والترمذي. . . إلخ) وقال\n_________\n(١) قال في \"البذل\" (٤/ ٣٥٨): لعل هذا كان خارج الصلاة أو في النوافل.\n(٢) \"كتاب الميسر\" (١/ ٢٤٥).","vol":"2","page":624},{"text":"٨٦١ - [٤٠] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَرَأَ عَلَيْهِم سُورَةَ الرَّحْمَنِ مِنْ أَوَّلهَا إِلَى آخِرِهَا، فَسَكَتُوا، فَقَالَ: \"لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الْجِنِّ لَيْلَةَ الْجنِّ، فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ، كُنْتُ كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قَالُوا: لَا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ، فَلَكَ الْحَمْدُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٢٩١].\nــ\nالترمذي: هذا حديث إنما يروى بهذا الإسناد عن أعرابي بدوي لا يسمى.\n٨٦١ - [٤٠] (جابر) قوله: (فكانوا أحسن مردودًا) أي ردًّا وإجابة كما في رد السلام، و(المردود) يجيء بمعنى المصدر، في (القاموس) (١): رده ردًّا ومَرَدًّا ومردودًا: صرفه، ومثله في (الصحاح) (٢) بالمحلوف والمعقول، كذا قال الطيبي، ويجوز أن يبقى على معناه، والمراد به الكلام الذي ردوه وأجابوا به، وهو قولهم: (لا بشيء من نعمك ربنا نكذب) كما لا يخفى، وإيراد صيغة المفضل كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾، وقال الطيبي (٣): نزل سكوتهم وحسن إنصاتهم [للاستماع] منزلة الاعتراف والإذعان، ويجوز أن يكون المراد من سكوتهم عدم جهرهم بالرد، كما مر في الإسكات للاستفتاح، واللَّه أعلم (٤).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٦٩).\n(٢) \"الصحاح\" (٢/ ٤٧٣).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣٢٤).\n(٤) قال القاري: قِيلَ: وَمِنَ الْغَرِيبِ إِيرَادُهُ وَمَا قَبْلَهُ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ فِي هَذَا الْبَابِ لِعَدَمِ ظُهُورِ الْمُنَاسَبَةِ، قُلْتُ: لَعَلَّ الأُولَيَيْنِ لِاحْتِمَالِهِمَا دَاخِلَ الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا، وَذَكَرَ الأَخِيرَ تَبَعًا لَهُمَا وَاطِّرَادًا فِي حُكْمِهِمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧٠٥).","vol":"2","page":625},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-331> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٨٦٢ - [٤١] عَنْ مُعَاذِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُهَنِيِّ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ جُهَيْنَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: قَرَأَ فِي الصُّبْحِ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا، فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَمْ قَرَأَ ذَلِكَ عَمْدًا؟ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٨١٦].\n٨٦٣ - [٤٢] وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ -﵁- صَلَّى الصُّبْحَ، فَقَرَأَ فِيهِمَا بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ١٨٢].\nــ\nالفصلُ الثالثُ\n٨٦٢ - [٤١] (معاذ بن عبد اللَّه الجهني) قوله: (قرأ في الصبح ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ﴾ في الركعتين كلتيهما) أي: في كل من الركعتين، كذا فسروا، ويدل عليه ظاهر قوله: (أنسي أم قرأ ذلك عمدًا) وفي شرح الشيخ: الظاهر أنه فعل عمدًا؛ ليتبين به حصول أصل السنة بتكريره السورة الواحدة، انتهى. ويحتمل أنه قرأ لإسماع الحاضرين قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨] مكررًا لاقتضاء المقام ذلك؛ لكونه جامعًا للوعد والوعيد في غاية الاختصار، وقد ورد أنه -ﷺ- قال فيمن سمعه وقال: (حسبني فقه الرجل) (١)، واللَّه أعلم.\n٨٦٣ - [٤٢] (عروة) قوله: (فقرأ فيهما) هكذا في أصل النسخة، وفي بعضها: (فيها) أي: في صلاة الصبح، وهو أظهر.\nوقوله: (في الركعتين) يدل على التقديرين، وهذا نظير قراءته -ﷺ- سورة الأعراف لبيان جواز تفريق السورة.\n_________\n(١) كذا في الأصول.","vol":"2","page":626},{"text":"٨٦٤ - [٤٣] وَعَنِ الْفَرَافِصَةِ بْنِ عُمَيْرٍ الْحَنَفِيِّ قَالَ: مَا أَخَذْتُ سُورَةَ يُوسُفَ إِلَّا مِنْ قِرَاءَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ إِيَّاهَا فِي الصُّبْحِ، وَمِنْ كَثْرَةِ مَا كَانَ يُرَدِّدهَا. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ١٨٤].\n٨٦٥ - [٤٤] وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ (١) قَالَ: صَلَّينَا وَرَاءَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الصُّبْحَ، فَقَرَأَ فِيهِمَا بِسُورَةِ يُوسُفَ وَسُورَةِ الْحَجِّ قِرَاءَةً بَطِيئَةً، قِيلَ لَهُ: إِذًا لَقَدْ كَانَ يَقُومُ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ؟ قَالَ: أَجَلْ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ١٨٣].\nــ\n٨٦٤ - [٤٣] (الفرافصة بن عمير الحنفي) قوله: (الفرافصة) بفتح الفاء الأولى، وقيل: بضمها، وكسر الفاء الثانية (ابن عمير) بلفظ التصغير (الحنفي) منسوب إلى بني حنيفة، قبيلة من اليمامة.\nوقوله: (ما أخذت) أي: حفظت، وفيه أن المواظبة في أكثر الأحوال على سورة واحدة لا محذور فيه.\n٨٦٥ - [٤٤] (عامر بن ربيعة) قوله: (فقرأ فيهما) هكذا في النسخ، وفي نسخة: (فيها).\nوقوله: (حين يطلع الفجر) (٢) أي: بغلس،\n_________\n(١) قال شيخنا في \"أوجز المسالك\" (٢/ ١٤٩ - ١٥٠): كذا نقل صاحب \"المشكاة\" عن مالك بلفظ عامر بن ربيعة بدون لفظ عبد اللَّه، وتبعه القاري في شرحه، وفي نسخ \"الموطأ\" بلفظ: عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة، وبه جزم الزرقاني وكذا في رواية البيهقي، وهو الصواب عندي، ثم بين وجوه الترجيح، انتهى مختصرًا بتصرف.\n(٢) في \"التقرير\": استحب الطحاوي أيضًا بأن يبدأ في الغلس ويختم في الإسفار، وإلا فيحمل على مذهب عمر -﵁-، وقال القاري: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ، فَمَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَازِ لَا عَلَى الْمُخْتَارِ؛ إِذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى مُوَاظَبَتِهِ عَلَى ذَلِكَ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧٠٦).","vol":"2","page":627},{"text":"٨٦٦ - [٤٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: مَا مِنَ الْمُفَصَّلِ سُورَةٌ صَغِيرَةٌ وَلَا كَبِيرَةٌ إِلَّا قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَؤُمُّ بِهَا النَّاسَ فِي الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة. رَوَاهُ مَالِكٌ (١).\n٨٦٧ - [٤٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ بِـ ﴿حم﴾ الدخان. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مُرْسَلًا. [ن: ٩٨٨].\nــ\nكذا قال الطيبي (٢)، وربما يشعر هذا الكلام أن التغليس لم يكن دائمًا، فافهم.\n٨٦٦ - [٤٥] (عمرو بن شعيب) قوله: (إلا قد سمعت) يتعين في هذا الحديث من عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ضمير (جده) راجع إلى (أبيه) بدليل قوله: (سمعت)، فالحديث منقطع لا مرسل، وفي أحاديث أخر منه يحتمل العود إلى عمرو، وأما المواضع الأخر غير هذا الإسناد بقوله: (عن أبيه عن جده) فالضمير راجع إلى ما يرجع إليه غالبًا، فليتدبر.\n٨٦٧ - [٤٦] (عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود) قوله: (بـ ﴿حم﴾ الدخان) في إحدى الركعتين، أو فيهما مفرقًا، أو غير مفرق، واللَّه أعلم.\nتمّ بحمد اللَّه وتوفيقه المجلد الثاني ويتلوه إن شاء اللَّه تعالى المجلد الثالث، وأوّله: (تابع كتاب الصلاة).\nوصلى اللَّه تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وبارك وسلم تسليمًا كثيرًا.\n* * *\n_________\n(١) هذا خطأ، فإنه لم يروه مالك، بل رواه أبو داود في \"سننه\" (٨١٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣٢٥).","vol":"2","page":628},{"text":"لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح\nللخطيب التبريزي (ت: ٧٤١ هـ)\nتأليف العلامة المحدث عبد الحق الدهلوي\nعبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدهلوي الحنفي\nالمولود بدهلي في الهند سنة (٩٥٨ هـ) والمتوفى بها سنة (١٠٥٢ هـ) رحمه اللَّه تعالى\nتحقيق وتعليق الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي\nطبع على نفقة سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان\nممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة\nالمجلد الثالث\nدار النوادر","vol":"3","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"3","page":2},{"text":"لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح (٣)","vol":"3","page":3},{"text":"دار النوادر\nالمؤسس والمالك نور الدين طالب\nمؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي والإسلامي والدراسات الأكاديمية والجامعية المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية تأسست في دمشق سنة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م، وأُشهرت سنة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م.\nسوريا - دمشق - الحلبوني:\nص. ب: ٣٤٣٠٦\nجميع الحقوق محفوظة للمحقق\nيمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بكافة طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي أو المسموع أو استخدامه حاسوبيًا بكافة أنواع الاستخدام وغير ذلك من الحقوق الفكرية والمادية إلا بإذن خطي من المؤسسة.\nالطبعة الأولى\n١٤٢٥ هـ - ٢٠١٤ م\nE-mail: info@daralnawader.com\nWebsite: www.daralnawader.com\nشركات شقيقة\nدار النوادر اللبنانية - لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)\nدار النوادر الكويتية - الكويت - ص. ب: ١٠٠٨ - هاتف: ٢٢٤٥٣٢٣٢ - فاكس: ٢٢٤٥٣٣٢٣ (٠٠٩٦٥)\nدار النوادر التونسية - تونس - ص. ب: ١٠٦ (أريانة) - هاتف: ٧٠٧٢٥٥٤٦ - فاكس: ٧٠٧٢٥٥٤٧ (٠٠٢١٦)\nمركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية\nمظفرفور - أعظم جراه - يوبي - الهند\nالهاتف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤ - ٠٠٩١\nالفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦ - ٠٠٩١\nمتحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥ - ٠٠٩١\nالبريد الإلكتروني: drnadwi@gmail.com","vol":"3","page":4},{"text":"تَابِع (٤) كِتابُ الصَّلاةِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>١٣ - باب الركوع</span>\nــ\n١٣ - باب الركوع (١)\nهو في اللغة: الانحناء، ركع الشيخ: انحنى من كبر، وكل شيء يخفض رأسه فهو راكع، والركوع في الصلاة: أن يخفض رأسه بعد قومة القراءة حتى تنال راحتاه ركبتيه، أو حتى يطمئن ظهره، كذا في (القاموس) (٢)، وقد جاء بمعنى الصلاة، ركع المصلِّي، أي: صلَّى.\n_________\n(١) هُوَ رُكْنٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ خَصَائِصِنَا؛ لِقَوْلِ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] إِنَّمَا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ؛ لأَنَّ صَلَاتَهُمْ لَا رُكُوعَ فِيهَا، وَالرَّاكِعُونَ مُحَمَّدٌ -ﷺ- وَأُمَّتُهُ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] صَلِّي مَعَ الْمُصَلِّينَ، وَقِيلَ: حِكْمَةُ تَكْرِيرِ السُّجُودِ دُونَهُ أَنَّهُ وَسِيلَةٌ وَمُقَدِّمَةٌ لِلسُّجُودِ الَّذِي هُوَ الْخُضُوعُ الأَعْظَمُ، لِمَا فِيهِ مِنْ مُبَاشَرَةِ أَشْرَفِ مَا فِي الإِنْسَانِ لِمَوَاطِئِ الأَقْدَامِ وَالنِّعَالِ، فَنَاسَبَ تَكْرِيرَهُ؛ لأَنَّهُ الْمُتَكَفِّلُ بِالْمَقْصُودِ، حَيْثُ وَرَدَ: \"أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ\"، وَقِيلَ: إِنَّمَا كُرِّرَ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ مِنَ الأَرْضِ وَإِلَيْهَا يَعُودُ وَمِنْهَا يَخْرُجُ، فَكَأَنَّهُ يَقُولُ فِي السَّجْدَةِ الأُولَى: مِنْهَا خَلَقْتَنِي، وَفِي الثَّانِيَةِ: وَفِيهَا تُعِيدُنِي، وَفِي الرَّفع الثَّانِي: وَمِنْهَا تُخْرِجُنِي تَارَةً أُخْرى، وَقِيلَ: لأَنَّ الْمَلَائِكَةَ [لَمّا] أُمِرُوا بِالسُّجُود وَسَجَدُوا؛ رَأَوْا بَعْدَ السُّجُودِ أَنَّ اللَّعِينَ لَمْ يَسْجُدْ، فَسَجَدُوا سَجْدَةً ثَانِيَةً شُكْرًا للَّهِ تَعَالَى عَلَى تَوْفِيقِ سَجْدَتِهِمْ، وَالأَظْهَرُ أَنَّهُ تَعَبُّدٌ مَحْضٌ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧٠٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٦٧).","vol":"3","page":5},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-333> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٨٦٨ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِيْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٤٢، م: ٤٢٥].\nــ\nالفصل الأول\n٨٦٨ - [١] (أنس) قوله: (أقيموا الركوع) من أقمت العود: إذا قوَّمْته.\nوقوله: (بعدي) أي: من خلفي (١)، وقد سبق الكلام فيه في آخر (الفصل الثالث)\n_________\n(١) قال القاري (٢/ ٧٠٨): وَهِيَ مِنَ الْخَوَارِقِ الَّتِي أُعْطِيهَا ﵇، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْكُشُوفَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْقُلُوبِ الْمُنْجَلِيَةِ لِعُلُومِ الْغُيُوبِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِي الْحَدِيثِ حَثٌّ عَلَى الإِقَامَةِ وَمَنْعٌ عَنِ التَّقْصِيرِ، فَإِنَّ تَقْصِيرَهُمْ إِذَا لَمْ يَخْفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ وَالرَّسُولُ -ﷺ- إِنَّمَا عَلِمَهُ بِاطِّلاعِ اللَّهِ تَعَالَى إِيَّاهُ وَكَشْفِهِ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ هَذَا الإِبْصَارَ إِدْرَاكٌ حَقِيقِيٌّ بِحَاسَّةِ الْعَيْنِ، خَاصٌّ بِهِ ﵇ عَلَى طَرِيقِ خَرْقِ الْعَادَةِ، فَكَانَ يَرَى بِهِمَا مِنْ غَيْرِ مُقَابِلَةٍ وَقُرْبٍ، وَقِيلَ: كَانَتْ لَهُ عَيْنٌ خَلْفَ ظَهْرِهِ، وَقِيلَ: بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَيْنَانِ مِثْلُ سَمِّ الْخِيَاطِ لَا يَحْجُبُهُمَا شَيْءٌ.\nوقال الحافظ (٢/ ٢٢٦): وقد سئل عن الحكمة في تحذيرهم من النقص في الصلاة برؤيته إياهم دون تحذيرهم برؤية اللَّه تعالى لهم، وهو مقام الإحسان المبين في سؤال جبريل كما تقدم في (كتاب الإيمان) \"اعبد اللَّه كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك\"، فأجيب بأن في التعليل برؤيته -ﷺ- لهم تنبيهًا على رؤية اللَّه تعالى لهم، فإنهم إذا أحسنوا الصلاة لكون النبي -ﷺ- يراهم؛ أيقظهم ذلك إلى مراقبة اللَّه تعالى مع ما تضمنه الحديث من المعجزة له -ﷺ- بذلك، ولكونه يبعث شهيدًا عليهم يوم القيامة، فإذا علموا أنه يراهم؛ تحفظوا في عبادتهم؛ ليشهد لهم بحسن عبادتهم.\nوقال صاحب \"فتح الملهم\" (٣/ ٢٤٧): ومعلوم أن الخطاب في الحديث للذين كانوا لا يحسنون الصلاة، وهم لعدم بلوغهم إلى درجة الإحسان ما كان يسهل عليهم استحضار رؤية اللَّه ﷾، فنبهوا على رؤية الرسول التي كان استحضارها أسهل في حقهم؛ ليعرجوا منها إلى مقام الإحسان الذي هو منتهى منازل السائرين إلى اللَّه، واللَّه أعلم.","vol":"3","page":6},{"text":"٨٦٩ - [٢] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رُكُوعُ النَّبِيِّ -ﷺ- وَسُجُودُهُ، وَبَيْنَ السَّجْدَتينِ، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ الرُّكُوعِ مَا خَلَا الْقِيَامَ وَالْقعُودَ قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٩٢، م: ٤٧١].\nــ\nمن (باب صفة الصلاة) في حديث أبي هريرة.\n٨٦٩ - [٢] (البراء) قوله: (كان ركوع النبي -ﷺ- وسجوده وبين السجدتين) أي: وجلوسه بينهما.\nوقوله: (وإذا رفع) أي: وقيامه إذا رفع.\nوقوله: (ما خلا القيام) أي: القيام الذي هو محل القراءة، (والقعود) أي: قعود التشهد، فإنهما كانا أطول، وقد روي حديث البراء من (الصحيحين) (١) بدون هذا الاستثناء بقوله: (رمقت الصلاة خلف رسول اللَّه -ﷺ-، وكان قيامه فركوعه فاعتداله فسجدته فجلسته ما بين السجدتين قريبًا من السواء)، ومن المعلوم بالضرورة أن القيام في الصلاة أطول من الركوع والسجود والقومة والجلسة، ووجه ذلك بأن المراد أنه إذا طوّل القيام طول تلك الأركان، وإذا خفَّفه خففها، لا أنها كانت على مقداره.\nنعم قد كان الركوع والسجود في بعض الأحيان مقدار القيام، كما في صلاة الخسوف والكسوف، وفي صلاة التهجد أيضًا، وقد أوَّل الشارحون ههنا أيضًا بمثل ما أوِّل به حديث البراء، ولكن ظاهر حديث النسائي الآتي في (الفصل الثالث) عن عوف بن مالك: (فلما ركع مكث قدر (٢) سورة البقرة) ربما ينافي هذا التأويل، فالصواب أنه قد كان\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٧٩٢)، و\"صحيح مسلم\" (٤٧١).\n(٢) ويمكن أنه كان قرأ في هذه الصورة في القيام أكثر من سورة البقرة، بأن زاد عليها سورة الأنعام والنساء، كما جاء في بعض الروايات، واللَّه أعلم، (منه).","vol":"3","page":7},{"text":"٨٧٠ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا قَالَ: \"سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ\" قَامَ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ، ثُمَّ يَسْجُدُ وَيَقْعُدُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ حَتَّى نقُولَ: قَدْ أَوْهَمَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٧٣].\nــ\nيفعل في بعض الأحيان الركوع والسجود قريبًا من مقدار القيام، فتدبر، واللَّه أعلم.\n٨٧٠ - [٣] (أنس) قوله: (حتى نقول) في أكثر الروايات بالنصب.\nقوله: (قام) بمعنى كان يقوم، و(حتى) للغاية، والمعنى جيد، وقد يرفع فيكون حتى حرف ابتداء استحضارًا لتلك الحالة، وفي التنزيل ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ قرئ بالنصب وبالرفع، فافهم.\nوقوله: (قد أوهم) في (القاموس) (١) الوَهْم: من خطرات القلب، أو مرجوح طرفي المتردد فيه، وَوَهِمَ في الحساب كوَجِلَ: غَلِطَ، وفي الشيء كوَعَدَ: ذهب وهمُه إليه، وأوهم كذا من الحساب: أسقط، أو وَهَمَ كوعد ووَرِثَ وأوْهَمَ: بمعنًى.\nوقال التُّورِبِشْتِي (٢): أوهم، أي: أسقط من صلاته شيئًا، وقد فسره بعضهم بمعنى النسيان، ولم يرد أوهم بمعنى نسي، إلا أن يؤوِّله هذا القائل على النسيان، من حيث إن إسقاط ركعة من الصلاة إنما يكون بعد النسيان، ولو قيل: وهم لصحّ أن يفسر بالنسيان، والرواية تأبى ذلك، يقال: أوهمْتُ (٣) في الحساب أوهَم وهَمًا بتحريك الهاء: إذا غلطت فيه وسهوت، ووهمت في الشيء أهِمُ وهْمًا بسكون الهاء: إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره، وأوهمت الشيء: إذا تركته كلّه، ويقال: أوهم في الحساب مئة، أي:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٧٦).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٢٤٦).\n(٣) كذا في النسخ المخطوطة \"أوهمت\" وفي \"الميسر\": \"وهمت\"، وهو الظاهر.","vol":"3","page":8},{"text":"٨٧١ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: \"سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي\"، يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨١٧، م: ٤٨٤].\nــ\nأسقط، وأوهم من صلاته ركعة.\nوفي شرح الشيخ: قد أوهم، أي: ترك الصلاة، أو أوهم بمعنى وقع في وهم الناس، أي: ذهنهم أنه تركها، انتهى.\nوعلى هذا المعنى لا يخلو قوله: (حتى نقول) عن استدراك، فافهم.\nوالمعنى أنه كان يلبث في حال الاستواء من الركوع زمانًا يظن أنه أسقط الركعة التي ركعها وعاد إلى ما كان عليه من القيام، انتهى.\nوفيه مبالغة في رعاية الاعتدال والطمأنينة.\n٨٧١ - [٤] (عائشة -﵂-) قوله: (يتأول القرآن) حال من فاعل (يقول)، أي: يكثر قول ذلك حال كونه مبينًا ما هو المراد من قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾، وأصل الأول الرجوع والانصراف، والمآل ما يرجع إليه الأمر، و(سبحانك) مصدر لفعله المقدر، أي: سبّحتك ونزّهتك كما يليق بنزاهتك، ومعنى قوله: (وبحمدك) بتوفيقك وفضلك الموجب لحمدك سبحتك لا بحولي وقوتي، وفي (القاموس) (١): سَبَحَ بالنهر وفيه، كمنع سَبْحًا وسِبَاحةً بالكسر، والسوابح: الخيل؛ لسَبْحِهَا بيديها في سيرها (٢)، وسبحان اللَّه: تنزيهًا للَّه عن الصاحبة والولد، معرفةٌ، ونُصِبَ على المصدر، أي أبرِّئ اللَّه من السوء براءة، أو معناه: السرعة إليه، والخفة في طاعته، وسبَّحَ تسبيحًا:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢١٦).\n(٢) عبارة \"القاموس\": \"سبح بالنهر وفيه. . . في سيرها\" ما ثبتت إلا في (د) فقط.","vol":"3","page":9},{"text":"٨٧٢ - [٥] وَعَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: \"سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ. . . . . .\nــ\nقال سبحان اللَّه.\n٨٧٢ - [٥] (عائشة -﵂-) قوله: (سبوح قدوس) في (القاموس) (١): هما من صفات اللَّه، ويفتحان، لأنه يسبح ويقدس، والقدس بالضم وبضمتين: الطهر (٢)، اسم ومصدر، السُّبُحَاتُ بالضم: مواضع السجود، وسُبُحَاتُ وجهِ اللَّه: أنواره، والسبحة: خَرَزاتٌ للتسبيح تُعَدُّ، والدعاء، وصلاة التطوع (٣)، والقدوس من أسماء اللَّه تعالى، ويفتح: الطاهر أو المبارك، وكل (فعول) مفتوح غيرَ قُدُّوسٍ وسُبُّوحٍ وذُرُّوحٍ وفُرُّوجٍ بالضم، ويفتحن (٤).\nوفي (مجمع البحار) (٥): سبوح قدوس (٦) من صيغ المبالغة، ويفتح ويضم، والضم أكثر استعمالًا، والقدوس بمعنى السُّبُّوح، وقيل: بمعنى المبارك.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢١٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٢٢).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢١٦).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٢٣).\n(٥) \"مجمع البحار\" (٣/ ١٦).\n(٦) قال في \"النهاية\" (٢/ ٣٣٢): وَالْمُرَادُ بِهِمَا التنزيهُ.\nوقال القاري (٢/ ٧٠٩): وَلَعَلَّ التَّكْرِيرَ لِلتَّأْكِيدِ، أَوْ أَحَدَهُمَا لِتَنْزِيهِ الذَّاتِ وَالآخَرَ لِتَنْزِيهِ الصِّفَاتِ، قَالَ الْمُظْهِرُ: هُمَا خَبَرَانِ لِمُبْتَدَأ مَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: رُكُوعِي وَسُجُودِي لِمَنْ هُوَ سُبُّوحٌ وَقُدُّوسٌ، أَيْ: مُنَزَّهٌ عَنْ أَوْصَافِ الْمَخْلُوقَاتِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ، وَالأَظْهَرُ أَنَّ تَقْدِيرَهُ: أَنْتَ سُبُّوحٌ أَوْ هُوَ سُبُّوحٌ، أَيْ: مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ عَيْبٍ، مِنْ سَبَّحْتُ اللَّهَ، أَيْ: نزَّهْتُهُ، وَقُدُّوسٌ، أَيْ: طَاهِرٌ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ، وَمُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ مَا يُسْتَقْبَحُ، انتهى.","vol":"3","page":10},{"text":"رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٨٧].\n٨٧٣ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلَا إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا،\nــ\nوقوله: (رب الملائكة والروح) قال البيضاوي (١): الروح ملك موكل على الأرواح، أو جنسها، أو جبرئيل، أو خلق أعظم من الملائكة، يعني لا من جنس الملائكة ولا من جنس البشر، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): وقيل: الروح صنف من الملائكة (٣).\n٨٧٣ - [٦] (ابن عباس) قوله: (ألا إني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا) (٤) اعلم أن اللَّه سبحانه عيَّن كل هيئة من هيئات الصلاة بنوع من أنواع الذكر، وعيّن القيام الذي هو أول الهيئات وأعظمها وأدخلها في الخدمة بقراءة القرآن العظيم الذي هو أعلى وأقدم وأعظم الأذكار وأفضلها، ومن لوازمه أن لا يجوز في كل موضع غير ما عيّن الشارع تعالى من الذكر فيه حرمة أو كراهة، وذلك أمر تعبدي لا يهتدي العقل إلى إدراكه، وقد ذكر بعضهم مما اهتدى إليه إدراكه من أن الركوع والسجود لما كان من هيئات الخضوع وأمارات التذلل من العباد؛ نُهي أن يقرأ الكتاب الكريم الذي عَظُمَ شأنه وارتفع محله في هيئة موضوعة للخضوع والتذلل، كذا قال التُّورِبِشْتِي (٥).\n_________\n(١) \"البيضاوي\" (٢/ ٥٦٣).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٢٤٦).\n(٣) ما بِهِ قِوَامُ كُلِّ حي، وقيل: حَاجِبُ اللَّهِ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧١٠)، و\"شرح الطيبي\" (٣/ ١٠١٥).\n(٤) نهي تَنْزِيهٍ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، لَا تَحْرِيمٍ، وَهُوَ الْقِيَاسُ. انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧١١).\n(٥) \"كتاب الميسر\" (١/ ٢٤٧).","vol":"3","page":11},{"text":"فَأَمَّا الرُّكوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٧٩].\nــ\nوقال الطيبي (١) عن الخطابي: كأنه كره أن يجمع بين كلام اللَّه سبحانه وكلام الخلق في موضع واحد، فيكونان على السواء، واللَّه أعلم.\nثم اختلفوا في بطلان الصلاة، والمختار أنه لا يبطل.\nثم اعلم أنه قد قيل في معنى قوله: (فأما الركوع فعظموا فيه الرب): أي شاهدوا عظمته وكبرياءه، فإن في كل موطن من مواطن الصلاة وهيئة من هيئاتها تجليًا للحق سبحانه، وللعبد العارف شهودًا مناسبًا له، وفي السجود غاية الفناء والقرب، كما قال -ﷺ-: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، وهو يقتضي بموجب قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦] أن يدعوه سبحانه كما قال.\nوقوله: (وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم) والقمن بفتح القاف والميم وكسرها، والقمين: الخليق والجدير، كذا في (القاموس) (٢)، وقد ورد في الدعاء في السجود قولًا وفعلًا أحاديث كثيرة، لكن ينبغي أن يعلم أن الدعاء على نوعين:\nأحدهما: دعاء ثناء وتمجيد وتكبير وتقديس، بأن يدعو العبد ربَّه بحمد وثناء، فإن الحمد والثناء للكريم يتضمن السؤال والطلب على وجه التعريض، ومحصل للمطلوب على وجه أتم وأكمل بموجب (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين).\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣٢٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٣٠).","vol":"3","page":12},{"text":"٨٧٤ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا قَالَ الإِمَامُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنا لَكَ الْحَمْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٩٦، م: ٤٠٩].\n٨٧٥ - [٨] وَعَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا رَفَعَ ظَهْرَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، قَالَ: \"سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٧٦].\nــ\nوثانيهما: دعاء سؤال وطلب؛ بأن يدعوه بطلب حوائجه ومقاصده، وهو المتعارف بين الناس في معنى الدعاء، والدعاء الذي أمر بتكثيره في السجود متناول للنوعين؛ لأن الأذكار والأدعية المأثورة في هذا الباب شاملة للنوعين، ومن ههنا ظهر أن الحنفية إنما يقتصرون في الصلاة على الذكر ويمنعون من الدعاء، حتى لا يجوزون الافتتاح بـ (اللهم اغفر لي) غير فارغين عن الدعاء حقيقة، لكنهم قالوا: ينبغي أن يكون العبد في هذه الحالة مخلصًا في التعظيم، وحقيقة الجامعية أن يأتي بصريح الدعاء في النوافل؛ لكونها مأثورة واردة في الأحاديث الصحيحة، وفي الفرائض يقتصر على التسبيح والتمجيد، واللَّه أعلم.\n٨٧٤ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (وعن أبي هريرة) قد مر الكلام فيه.\n٨٧٥ - [٨] (عبد اللَّه بن أبي أوفى) قوله: (ملء ما شئت من شيء بعد) قيل: أي: بعد السماوات والأرض، وهو العرش والكرسي، والظاهر أنه يعمهما ويعم كل مخلوق سواهما مما بين السماوات والأرض، والمراد بيان عظمة الحمد وكثرته، حتى لو قدر أن تكون تلك الكلمات أجسامًا لملأت الأماكن كلّها.","vol":"3","page":13},{"text":"٨٧٦ - [٩] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قَالَ: \"اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، أَحَقُّ مَا قَالَ الْعَبْدُ، وَكُلُّنَا لَكَ عَبْدٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٧٧].\n٨٧٧ - [١٠] وَعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: \"سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ\". فَقَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَاركًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: \"مَنِ الْمُتَكَلِّمُ آنِفًا؟ \" قَالَ: أَنَا،\nــ\n٨٧٦ - [٩] (أبو سعيد الخدري) قوله: (أهل الثناء) بالنصب على المدح أو الاختصاص، والرفع على الخبر، أي: أنت، والنصب هو المشهور.\nوقوله: (أحق ما قال العبد) مبتدأ، و(اللهم) خبره، و(كلنا لك عبد) معترضة بينهما، وفي بعض الروايات: (حق ما قال العبد)، وعلى هذا قوله: (اللهم. . . إلخ)، بدل عنه، و(كلنا لك عبد) تذييل، ويجوز أن تكون معترضة، فإنهما قد يكونان بين كلامين متصلين أيضًا.\nوالمراد بـ (الجد): الحظ والبخت والرزق والعظمة، وقيل: المراد أبو الأب، أي: النسب لا ينفع عندك، وقد يروى بكسر الجيم أيضًا بمعنى الاجتهاد في الحرص على الدنيا أو في الهرب منك، والكسر ضعيف.\n٨٧٧ - [١٠] (رفاعة بن رافع) قوله: (رفاعة) بكسر الراء.\nقوله: (قال: من المتكلم آنفًا؟) الأنف من كل شيء: أوله، والمراد ههنا قريبًا","vol":"3","page":14},{"text":"قَالَ: \"رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبهَا أَوَّلُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٩٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-334> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٨٧٨ - [١١] عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ الرَّجُلِ حَتَّى يُقِيمَ ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [د: ٨٥٥، ت: ٢٦٥، ن: ١١١١، جه: ٨٧٠، دي: ١٣٢٧].\nــ\nوحالًا، وبالفارسية أكنون، وقد سبق بيان معنى الحديث في حديث أنس في (الفصل الأول) من (باب ما يقرأ بعد التكبير)، وقال ثمة: (رأيت اثني عشر ملكًا) وهنا (بضعة وثلاثين)، وذكرنا وجهه، وزاد ههنا لفظ (أول)، وروي بالضم على البناء، و(أولًا) بالنصب على الحال أو الظرفية.\nالفصل الثاني\n٨٧٨ - [١١] (أبو مسعود الأنصاري) قوله: (لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود) هذا عند الشافعي محمول على الحقيقة؛ لكون القومة والجلسة فرض عنده، وعند أبي حنيفة -﵀- محمول على المبالغة ونفي الكمال؛ لكونهما سنة عنده (١).\n_________\n(١) وَفِي شَرْحِ \"مُنْيَةِ الْمُصَلِّي\": تَعْدِيلُ الأَرْكَانِ -وَهُوَ الطُّمَأْنِينَةُ وَزَوَالُ اضْطِرَابِ الأَعْضَاءِ، وَأَقَلُّهُ قَدْرُ تَسْبِيحَةٍ- فَرْضٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَالأَئِمَّة الثَّلَاثَةِ لِلْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْفَرْضِيَّةُ إِذِ الْفَرْضُ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ، فَهُوَ وَاجِبٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ؛ لأَنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ الظَّنِّيِّ، وَقِيلَ: إِنَّهُ سُنَّةٌ، ثُمَّ قَالَ فِي شَرْحِ \"الْمُنْيَةِ\": وَكَذَا الْقَوْمَةُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَالْجَلْسَةُ بَيْنَ =","vol":"3","page":15},{"text":"٨٧٩ - [١٢] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: لَمَّا نزَلَتْ ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٧٤]، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اجْعَلُوهَا فِي رُكُوعِكُمْ\"، فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اجْعَلُوهَا فِي سُجُودِكُمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ. [د: ٨٦٩، جه: ٨٨٧، دي: ١٣٠٥].\n٨٨٠ - [١٣] وَعَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَقَالَ فِي رُكُوعِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَدْ تَمَّ رُكُوعُهُ، وَذَلِكَ أَدْناهُ، وَإِذَا سَجَدَ فَقَالَ فِي سُجُودِهِ: سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَدْ تَمَّ سُجُودُهُ، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ\". . . . .\nــ\n٨٧٩ - [١٢] (عقبة بن عامر) قوله: (اجعلوها) أي: هذه الكلمة أو التسبيحة، والمراد ما يطلب بهما، وهو قول: (سبحان ربي العظيم) و(سبحان ربي الأعلى)، وهذا يدلّ على أن الاسم مقحم، أو أن الاسم عين المسمى، بمعنى أنه يجوز إطلاقه عليه حقيقة، تدبر.\n٨٨٠ - [١٣] (عون بن عبد اللَّه) قوله: (وعن عون) بالنون، ثقة عابد، قتل سنة وعشرين مئة.\nوقوله: (فقد تم ركوعه) أي: كمل، وإلا فأصل التمام يحصل بواحد، فالمراد\n_________\n= السَّجْدَتَيْنِ، وَالطُّمَأْنِينَةُ كُلُّهَا فَرَائِضُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَهُمَا سُنَنٌ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي \"الْهِدَايَةِ\"، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ فِي شَرْحِهَا: يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْقَوْمَةُ وَالْجِلْسَةُ وَاجِبَتَيْنِ؛ لِمُوَاظَبَتِهِ ﵇ عَلَيْهِمَا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ فِيمَا يُوجِبُ سَهْوَ الْمُصَلِّي إِذَا رَكَعَ وَلَمْ يَرْفَعْ رَأَسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ حَتَّى خَرَّ سَاجِدًا سَاهِيًا، تَجُوزُ صَلَاتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَعَلَيْهِ السَّهْوُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧١٣ - ٧١٤).","vol":"3","page":16},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ؛ لأَنَّ عَوْنًا لَمْ يَلْقَ ابْنَ مَسْعُودٍ. [ت: ٢٦١، د: ٨٨٦، جه: ٨٩٠].\n٨٨١ - [١٤] وَعَنْ حُذَيفَةَ: أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- وَكَانَ (١) يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: \"سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ\"، وَفِي سُجُودِهِ: \"سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى\". وَمَا أَتَى عَلَى آيَةِ رَحْمَةٍ إِلَّا وَقَفَ وَسَأَلَ، وَمَا أَتَى عَلَى آيَةِ عَذَابٍ إِلَّا وَقَفَ وَتَعَوَّذَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْلِهِ: \"الأَعْلَى\". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ١٩٤، د: ٨٧١، دي: ١٣٠٦، ن: ١٠٠٨، جه: ٨٨٨].\nــ\nبقوله: (وذلك أدناه) أدنى الكمال، والمراد بأدنى الكمال جمعٌ محصِّل للسنة، وفي (شرح ابن الهمام) (٢): ولو زاد على الثلاثة فهو أفضل، بعد أن يكون وترًا خمسًا أو سبعًا، وقالوا: لا حد لغاية الكمال، وقيل: إلى العشرة، وقيل: إلى أن لا يفضي إلى السهو، وقيل: إلى قريب القيام، كما صح ذلك عن رسول اللَّه -ﷺ- في بعض الأحيان، وهذا كله في المنفرد، ويلزم للإمام رعاية حال المأمومين.\n٨٨١ - [١٤] (حذيفة) قوله: (وكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم) غرضه بيان التسبيح دون العدد بأن يكون مرة واحدة.\nوقوله: (ما أتى على آية رحمة إلا وقف وسأل. . . إلخ) الظاهر أنه كان في الصلاة، وهو محمول عندنا على النوافل.\n_________\n(١) كذا في نسخ \"المشكاة\"، وفي \"الترمذي\": \"فكان\" بدل \"وكان\".\n(٢) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٢٩٨).","vol":"3","page":17},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-335> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٨٨٢ - [١٥] عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قُمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا رَكَعَ مَكَثَ قَدْرَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَيَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: \"سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٠٤٩].\n٨٨٣ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَشْبَهَ صَلَاةً بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ هَذَا الْفَتَى، يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، قَالَ: قَالَ: فَحَزَرْنَا رُكُوعَهُ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ وَسُجُودَهُ عَشْرَ تَسْبِيحَاتٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٨٨٨، ن: ١١٣٥].\n٨٨٤ - [١٧] وَعَنْ شَقِيقٍ قَالَ: إِنَّ حُذَيْفَةَ رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ،\nــ\nالفصل الثالث\n٨٨٢ - [١٥] (عوف بن مالك) قوله: (فلما ركع مكث) أي: في ركوعه.\nوقوله: (قدر سورة البقرة) قد مرّ الكلام فيه في الفصل الأول.\n٨٨٣ - [١٦] (ابن جبير) قوله: (سمعت أنس بن مالك يقول) هذا صحيح، وأما الرواية عن أبي هريرة فلا تصح؛ لأنه مات قبل ولادة عمر بن عبد العزيز كما سبق.\nوقوله: (فحزرنا ركوعه عشر تسبيحات) يحتمل أن يكون عمر يسبح عشرًا أو أقلّ منها أو أكثر، ولكنه كان يقولها بحيث يسبح الحاضرون في ذلك الزمان عشرًا، وعلى ذلك يحمل فعل الرسول -ﷺ-.\n٨٨٤ - [١٧] (شقيق) قوله: (لا يتم ركوعه ولا سجوده) ظاهر في الاطمئنان،","vol":"3","page":18},{"text":"فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ دَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: مَا صَلَّيْتَ -قَالَ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ-: وَلَوْ مُتَّ مُتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ مُحَمَّدًا -ﷺ-. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٩١].\n٨٨٥ - [١٨] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتهِ\". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: \"لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٣١٠].\n٨٨٦ - [١٩] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُرَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَا تَرَوْنَ فِي الشَّارِبِ وَالزَّانِي وَالسَّارِقِ؟ \" -وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ فِيهِمُ الْحُدُودُ- قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. . . . .\nــ\nولو جعل شاملًا للاعتدال لكان أحسن، و(ما) في قوله: (ما صليت) نافية، ويحتمل للاستفهام.\nوقوله: (غير الفطرة) أي: السنة والدِّين، وفي هذا مبالغة وتشديد على ترك ذلك.\n٨٨٥ - [١٨] (أبو قتادة) قوله: (أسوأ الناس سرقة. . . إلخ) شبّه فعلَه للصلاة غير تامة الركوع والسجود بأخذ إنسانٍ مالَ غيرِه خفيةً، وهذا يأخذ حقه وينقص ثوابه، وإنما كان أسوأ لأن فيه ضررًا محضًا من غير نفع، وضررًا عظيمًا في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فبقتله حدًّا، أو إطالة حبسه وسجنه وزجره وتعزيره على اختلاف بين الأئمة بخلاف سرقة المال.\n٨٨٦ - [١٩] (النعمان بن مرة) قوله: (قبل أن تنزل فيهم الحدود) أي: آياتها، أو (تنزل) بمعنى تشرع.","vol":"3","page":19},{"text":"قَالَ: \"هُنَّ فَوَاحِشُ، وَفِيهِنَّ عُقُوبَةٌ، وَأَسْوَأُ السَّرِقَةِ الَّذِي يَسْرِقُ صَلَاتَهُ\". قَالُوا: وَكيْفَ يَسْرِقُ صَلَاتَهُ يَا رَسولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأحْمَدُ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ نَحْوَهُ. [ط: ٤٠١، حم: ٣/ ٥٦، دي: ١٣٢٨].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>١٤ - باب السجود وفضله</span>\nــ\nوقوله: (فواحش) أي: كبائر.\nوقوله: (وأسوأ السرقة) قال في (المشارق) (١): كذا الرواية عند الكافة، بكسر الراء، وخبر المبتدأ مضمر، تقديره: سرقة الذي يسرق صلاته، وعند ابن حمدين وبعضهم: السرقة بفتح الراء جمع سارق، مثل كاتب وكتبة، وعندهم أيضًا الوجه الأول معًا، والذي هنا على هذه الرواية الأخرى خبر (أسوأ).\nوقوله: (صلاته) ويروى بزيادة (من)، وفي بعضها: (صلواته) بلفظ الجمع.\n١٤ - باب السجود وفضله\nفي (القاموس) (٢): سجد: خضع، وانتصب، ضدٌّ، وأسجد: طأطأ، وانحنى، وفي الشرع: عبارة عن وضع الوجه على الأرض على وجه مخصوص، وسيأتي الخلاف في كفاية الجبهة وحدها أو الأنف وحده.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٣٦٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٧٤).","vol":"3","page":20},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-337> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٨٨٧ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ: عَلَى الْجَبْهَةِ، وَالْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ،\nــ\nالفصل الأول\n٨٨٧ - [١] (ابن عباس) قوله: (سبعة أعظم) وفي رواية لابن عباس وسعد -﵃- في رواية أبي داود يرفعه: (أمرت أن أسجد)، وربما قال: (أمر نبيكم أن نسجد على سبعة آراب)، والآراب: الأعضاء، جمع أريب.\nوقوله: (على الجبهة) وفي رواية عباس بن عبد المطلب: (على الوجه).\nقال الشيخ ابن الهمام (١): إن ثبوت رواية الوجه والآراب لا يقدح في صحة رواية الجبهة؛ لأنها لا تُعارض الوجهَ، بل حاصلها بيان ما هو المراد بالوجه؛ للقطع بأن مجموعه غير مراد؛ لعدم إرادة الخد والذَّقَن، فكانت مُبَيِّنَةً للمراد، وقد روى أبو حنيفة نفسه هذا الحديث بسنده إلى أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (الإنسان يسجد على سبعة أعظم: جبهته، ويديه، وركبتيه، وصدور قدميه)، فيصح بالجبهة وحدها.\nوالمأمور به في كتاب اللَّه السجود، وهو وضع بعض الوجه، أي: مما لا سخرية فيه، وهو يتحقق بالأنف، فتوقيف إجزائه على وضع جزء آخر معه زيادة بخبر الواحد، فبالاقتصار على الجبهة يتأدى الفرض بإجماع الثلاثة من مشايخنا، وهو الظاهر من (الهداية) حيث قال بعد قوله: فإن اقتصر على أحدهما جاز عنده، وقالا: لا يجوز الاقتصار على الأنف إلا من عذر، ولم يقل على أحدهما أو عليه.\nهذا مجمل المقام، وتفصيل الكلام فيه: أنه جاء في رواية مسلم وأبي داود\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٣٠٤).","vol":"3","page":21},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالترمذي والنسائي عن العباس بن عبد المطلب أنه سمع رسول اللَّه -ﷺ- يقول: (إذا سجد العبد سَجَدَ معه سبعة آراب: وجهه وكفّاه وركبتاه وقدماه)، وبرواية الكتب الستة إلا (الموطأ) عن ابن عباس: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة واليدين) الحديث، كما أورده المؤلف في الكتاب، وفي رواية: أمرنا أن نسجد، وفي رواية: أمرنا النبي -ﷺ- أن نسجد على سبعة أعضاء، وفي رواية: على الجبهة، وأشار بيده على أنفه، واليدين والركبتين وأطراف القدمين، وبرواية أبي داود والنسائي عن أبي سعيد: أن رسول اللَّه -ﷺ- رأى في جبهته وعلى أرنبته أثر طين، وهو طرف من حديث قد أخرجه البخاري ومسلم و(الموطأ) في ذكر ليلة القدر، ولمسلم: (أن أسجد على سبع: الجبهة، والأنف، واليدين، والركبتين، والقدمين).\nوقد جاء في حديث أبي داود والنسائي والترمذي: أنه كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا سجد وضع جبهته وأنفه، وفي رواية أبي يعلى والطبراني: وضع أنفه على الأرض مع الجبهة، ومر في حديث البخاري عن أبي حميد الساعدي: ثم سجد، ومكّن أنفه وجبهته على الأرض، فعلم أن السجدة كانت بالجبهة والأنف معًا، وأن أحد الأعضاء السبعة هو الوجه، وهذين العضوين جزءان منه.\nوقال الترمذي: وعليه العمل عند أهل العلم، وإن سجد على الجبهة وحدها بدون الأنف، قال قوم من أهل العلم: يكفي، والأكثر على أنه لا يكفي، وقد جاء في بعض الأحاديث الوعيد على الاكتفاء بالجبهة، ومذهب الحنفية السجدة بالجبهة والأنف هو الأفضل، والاقتصار على أحدهما جائز أيضًا؛ فإن كان بالجبهة وحدها جاز عند أبي حنيفة وصاحبيه -﵏ جميعًا- في رواية بلا كراهة، وفي أخرى بكراهة، وإن","vol":"3","page":22},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nكان بالأنف وحده لم يجز عند صاحبيه، وفي رواية عنه أيضًا، وفي الأخرى عنه جاز، ولكن مع كراهة، ودليله أن السجود عبارة عن وضع الوجه، وهو المذكور في المشهور، ولا يمكن وضع جميع الوجه؛ لأن الأنف والجبهة عظمان ناتئان يمنعان عن وضع الكل، وإذا تعذر وضع الكل فالمأمور به وضع البعض، وللوجه أجزاء متعددة: الجبهة والأنف والخدان والذقن ولم يجز وضع الخدين والذقن؛ لتعيين الشارع الجبهة والأنف، وأيضًا في وضع الخدين لا يحصل إلا مع انحراف عن القبلة، وليس في وضع الذقن في العرف تعظيم، فتعين الجبهة والأنف، فإن كان بهما كان أفضل بلا شبهة، وإن كان بالجبهة جاز أيضًا؛ لذكرها في بعض الأحاديث استقلالًا، وإن كان بالأنف وحده، فله صورة جواز؛ لكونه بعض الوجه، ووضعه يتضمن التعظيم، وجواز السجود بالجبهة وحدها مما اتفق عليه الجمهور إلا عند مالك والأوزاعي والثوري، وأما وضع اليدين والركبتين؛ فهو سنة عند الحنفية والشافعية؛ لتحقق السجود بدونها.\nوالمراد بالأمر المعنى الشامل للوجوب والندب، وهو طلب الفعل، والمختار عند الفقيه أبي الليث أنه إذا لم يضع المصلي ركبتيه على الأرض لم يكف، كذا في (شرح ابن الهمام).\nوأما وضع القدمين فقال القدوري: فرض، كذا في (الهداية) (١)؛ لأن السجود مع رفع القدمين أشبه بالتلاعب دون التعظيم، ويكفي في الجواز وضع أصبع واحدة، وإن رفع إحدى قدميه جاز مع كراهته، كذا في (شرح ابن الهمام) (٢).\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٥١).\n(٢) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٣٠٥).","vol":"3","page":23},{"text":"وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ وَالشَّعْرَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨١٢، م: ٤٩٠].\n٨٨٨ - [٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلَا يبسُطْ أَحَدُكُمْ ذِرَاعَيْهِ انْبِسَاطَ الْكَلْبِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٢٢، م: ٤٩٣].\nــ\nوقوله: (ولا نكفت) (١) روي بالنصب والرفع، من كفت الشيء إليه: ضمَّه وقبضه، وفي رواية لمسلم: (ولا أكفّ) من الكف بلفظ الواحد، وهو أنسب بقوله: (أمرت أن أسجد)، وكفت الشعر: أن يقبضه ويضمه تحت عمامته، وقيل: أن يشده بشيء.\n٨٨٨ - [٢] (أنس) قوله: (اعتدلوا في السجود) الظاهر أن المراد منه الاطمئنان.\nوقوله: (انبساط) مفعول مطلق من غير لفظ الفعل بابًا، على طريقة أنبت اللَّه نباتًا، على رواية: (ولا يبسط) بموحدة ساكنة بعد الياء من البسط، (ولا يبتسط) بمثناة بعد الموحدة من الافتعال، وأما على رواية (ينبسط) -وهي رواية الأكثرين بنون ساكنة قبل الموحدة من باب الانفعال- فمن لفظه، كذا في شرح الشيخ، ولا يخفى أن قوله: (ذراعيه) إنما يوافق رواية (يبسط) ظاهرًا، إلا أن يقدر الفعل، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) قَالَ الطِّيبِيُّ: بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالُوا: يُكْرَهُ عَقْصُ الشَّعْرِ وَعَقْدُهُ خَلْفَ الْقَفَا، وَرَفْعُ الثِّيَابِ عِنْدَ السُّجُودِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يُكْرَهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ تَنْزِيهًا ضَمُّ شَعْرِهِ وَثِيَابِهِ فِي الصَّلَاةِ وإنْ لَمْ يَتَعَمَّدْ ذَلِكَ، بِأَنْ كَانَ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِشُغْلٍ وَصَلَّى عَلَى حَالِهِ، خِلَافًا لِمَالِكٍ، وَمِنْ كَفْتِهِمَا أَنْ يَعْقِصَ الشَّعْرَ أَوْ يَضُمَّهُ تَحْتَ عِمَامَتِهِ، وَأَنْ يُشَمِّرَ ثَوْبَهُ أَوْ يَشُدَّ وَسَطَهُ، أَوْ يَغْرِزَ عَذْبَتَهُ، وَحِكْمَةُ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ مَنْعُهُ مِنْ أَنْ يَسْجُدَ مَعَهُ، بِهَذَا قَالُوا، وَمِنْ حِكْمَتِهِ أَيْضًا مُنَافَاةُ ذَلِكَ لِلْخُشُوعِ إِنْ فَعَلَهُ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ لِهَيْئَةِ الْخَاشِعِ إِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ فِيهَا. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧١٨).","vol":"3","page":24},{"text":"٨٨٩ - [٣] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كَفَّيْكَ، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ\"، رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٩٤].\n٨٩٠ - [٤] وَعَن مَيْمُونَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا سَجَدَ جَافَى بَيْنَ يَدَيْهِ، حَتَّى لَوْ أَنَّ بَهْمَةً أَرَادَتْ أَنْ تَمُرَّ تَحْتَ يَدَيْهِ مَرَّتْ. هَذَا لَفظُ أَبِي دَاوُدَ كَمَا صَرَّحَ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" بِإِسْنَادِهِ.\nوَلِمُسْلِمٍ بِمَعْنَاهُ: قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا سَجَدَ لَوْ شَاءَتْ بَهْمَةٌ أَنْ تَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمَرَّتْ. [د: ٨٩٨، م: ٤٩٦].\nــ\n٨٨٩ - [٣] (البراء بن عازب) قوله: (وارفع مرفقيك) هذا في غير المرأة.\n٨٩٠ - [٤] (ميمونة) قوله: (جافى بين يديه) أي: نَحَّى وبَعَّدَ عضديه عن جنبيه، وبطنه عن فخذيه.\nوقوله: (حتى لو أن بهمة) بفتح الباء وسكون الهاء: ولد الغنم والمعز، أو الضأن بعد السخلة، فأول ما يوضع سخلة، ثم يصير بهمة، ويقال للذكر والأنثى، والتاء فاصلة بين الجنس والواحد كتاء تمرة، ولا يؤثر تأنيثه اللفظي في مسنده، وإنما يؤنث إذا أريد المؤنث، كالنملة والحمامة والشاة يقع على المذكر والمؤنث، فيميز بينهما بعلامة، نحو قوله: حمامة ذكر وحمامة أنثى، أو هو وهي، كما ذكر الطيبي (١).\nكذا ذكر في كتب النحو على خلاف ما دل عليه إطلاق ابن الحاجب، وتفصيله: أن حكم التأنيث اللفظي على أنواع: فنحو طلحة يؤثر تأنيثه اللفظي في حكم نفسه، وهو منع الصرف، ولا يسري إلى غيره من الفعل والصفة والخبر والحال، فلا يؤنث ما أسند إليه، فلا يقال: قامت طلحة.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣٣٨).","vol":"3","page":25},{"text":"٨٩١ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ ابن بُحَيْنَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إبْطَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٩٠، م: ٤٩٥].\nــ\nوتاء نحو نملة ونخلة فارقة بين الجنس وواحدة، لا بين المذكر والمؤنث، حتى جاز نملة ذكر، فعند بعضهم يجوز اعتبار تأنيثه اللفظي وإن أريد الذكر، ولا يعارض تذكيره تأنيثه، كما هو ظاهر كلام ابن الحاجب، حتى قال: كان قول من زعم أن النملة في قوله تعالى ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ [النمل: ١٨] أنثى لورود تاء التأنيث وهمًا.\nوعند ابن السكيت كظلمة في معارضة التذكير التأنيث، وعدم سراية التأنيث إلى غيره، فلا يجوز للنملة الذكر جاءت نملة، وإنما تؤنث إذا أريد الأنثى، وعلى هذا القول بناء استدلال إمامنا الأعظم أبي حنيفة -﵀- بقوله تعالى: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾ على أن النملة أنثى، كما هو المشهور من قصته مع قتادة -﵁- (١)، وقول ابن السكيت: هو الصحيح، والظاهر أن الحاضرين في الحلقة كلهم قرَّروا ذلك، ولم يردّه أحد.\n٨٩١ - [٥] (عبد اللَّه بن مالك ابن بحينة) قوله: (وعن عبد اللَّه بن مالك ابن بحينة) بتنوين (مالك)، وكتابة (ابن) بالألف؛ لأن (ابن بحينة) ليس صفة لـ (مالك)، بل لـ (عبد اللَّه)، لأن مالكًا اسم أبيه وبحينة اسم أمه، فـ (ابن بحينة) بدل من (ابن مالك)، أو صفة بعد صفة لعبد اللَّه، هذا هو المشهور، وعليه الجمهور من الشارحين، ولكن القاضي عياض شذَّ بقوله: بحينة اسم أم أبيه، واللَّه أعلم.\nوقوله: (حتى يبدو بياض إبطيه) بكسر الهمزة وسكون الباء، وقد يكسر: باطن\n_________\n(١) وهي: أَنَّ قتَادَةَ دَخَلَ الْكُوفَةَ، فَالْتَفَّ عَلَيْهِ النَّاسُ، فَقَالَ: سَلُوا عَمَّا شِئْتُمْ، وَكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ حَاضِرًا، وَهُوَ غُلَامٌ حَدَثٌ، فَقَالَ: سَلُوهُ عَنْ نَمْلَةِ سُلَيْمَانَ، أَكَانَتْ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى؟ فَسَأَلُوهُ فَأُفْحِمَ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: كَانَتْ أُنْثَى، فَقِيلَ لَهُ: مِنْ أَيْنَ عَرَفْتَ؟ فَقَالَ: مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿قَالَتْ نَمْلَةٌ﴾، وَلَوْ كَانَ ذَكَرًا لَقَالَ: قَالَ نَمْلَةٌ. \"البحر المحيط\" (٨/ ٢١٩)، و\"تفسير النسفي\" (٢/ ٥٩٧).","vol":"3","page":26},{"text":"٨٩٢ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وَأَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، وَعَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٨٣].\n٨٩٣ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ، فَالْتَمَسْتُهُ، فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، وَهُمَا مَنْصُوبَتانِ، وَهُوَ يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ،\nــ\nالعضد، ويؤنث، والأرجح التذكير، ثم ظهور بياضه في السجود إما لأنه لم يكن عليه قميص، أو لأن المراد ظهور موضعه.\n٨٩٢ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (دقه وجله) بالكسر فيهما، بمعنى الدقيق والجليل، بمعنى قليله وكثيره، كذا في (مجمع البحار) (١)، أو صغيره وكبيره على ما في (مختصر النهاية) (٢): استدق الدنيا: احتقرها.\nوقوله: (وعلانيته وسره) هكذا في جميع النسخ، وفي (الحاشية): وفي بعض النسخ: (سره) مقدم على (علانيته).\n٨٩٣ - [٧] (عائشة -﵂-) قوله: (فقدت) فقده: عدمه، وفي (النهاية) (٣): افتقدت، أي: لم أجده، وروى مسلم بكليهما، من فقدته وافتقدته: إذا غاب عنك.\nوقوله: (وهو في المسجد) قيل: هو بكسر الجيم، وقيل: بفتحها، بمعنى\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ١٩٣ - ١٩٤).\n(٢) \"الدر النثير\" (١/ ٣٣٣).\n(٣) \"النهاية\" (٣/ ٤٦٢).","vol":"3","page":27},{"text":"وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٨٦].\nــ\nالمعبد، أي: في الحجرة، أو مصدر ميمي بمعنى السجود، وفي بعض الروايات: (في السجدة)، وفي بعضها: (في السجود)، وفيه دليل على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، إذ لا فرق عند الشافعية بين اللامس والملموس؛ لاستوائهما في اللذة، كما يستوي الفاعل والمفعول في حكم الجماع، واللمس سهوًا بدون شهوة كاللمس عمدًا، كذا في (شرح الحاوي) في شرح قوله: وتلاقي بشرتي ذكر وأنثى (١).\nوقال الطيبي (٢): هذا الحديث يدل على أن الملموس لا يفسد وضوءه، واللمس الاتفاقي لا أثر له، إذ لولا ذلك لما استمر على السجود، انتهى. ولعل للشافعية في ذلك قولين، ثم قال: ويمكن أن يقال: إنه كان بين اللامس والملموس حائل.\nوقوله: (أعوذ بك منك) ترقى من مكاشفة الصفات إلى مشاهدة الذات، فقال: أعوذ بك منك، وفي الحقيقة الاستعاذةُ بصفاته عن آثار صفاته استعاذةٌ به منه.\nوقوله: (لا أحصي) أي: لا أطيق أن أعد وأحصي، وأصل الإحصاء: العدّ بالحصى، وكان ذلك من عادتهم في عدِّ الأشياء الكثيرة.\nوقوله: (أنت كما أثنيت على نفسك) مبتدأ وخبر، أي: أنت ثابت وباقٍ على الأوصاف العلية الكاملة التي أثنيت بها على نفسك ببثِّ الآيات والدلائل الدالة على ثبوت تلك الصفات لك، أو أثنيت بها في كلامك القديم، أو (أنت) تأكيد للضمير المتصل في (أثنيت)، أي: لا أطيق ثناء عليك مثل ثناء أثنيت أنت على نفسك.\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (١/ ٢٢١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣٤٠).","vol":"3","page":28},{"text":"٨٩٤ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٨٢].\n٨٩٥ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ؛ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يَا وَيْلَتِي أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ، فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَأُمُرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ؛ فَلِيَ النَّارُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨١].\nــ\n٨٩٤ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) هو من باب حذف الخبر لسدّ الحال مسدّه، تقديره: أقرب زمان كون العبد حاصل إذا كان ساجدًا، نحو ضربي زيدًا قائمًا، وأخطب ما يكون الأمير وهو قائم، وقد عُرف تحقيقه في كتب النحو فارجع إليها (١).\n٨٩٥ - [٩] (عنه) قوله: (إذا قرأ ابن آدم السجدة) أي: آيتها.\nوقوله: (اعتزل) أي: تنحّى وتباعد.\nوقوله: (يا ويلتي) في (القاموس) (٢): الويل: حلول الشر، وبهاء: الفضيحة، أو هو تفجيع، يقال: ويله، وويلك، وويلي، وفي الندبة: ويلاه، وويَّل له: [أكثر له من ذكر الويل]، وفي (المشارق) (٣): قيل: الويل: الحزن، وقيل: الويل: المشقة من العذاب، والويلة مثله، ومنه: يا ويلتنا، ويا ويلتي، لغتان، وقال الفراء: الأصل وي، أي: حزن، ووي بفلان، أي: حزن له، فوصلته العرب باللام، وقال الخليل: وي كلمة\n_________\n(١) انظر: \"مغني اللبيب\" (ص: ٥٣٧)، طبعة دار الفكر، دمشق، ١٩٨٥ م.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٨٧).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٣/ ٤٨٦)، طبعة دار القلم، دمشق ٢٠١٢ م.","vol":"3","page":29},{"text":"٨٩٦ - [١٠] وَعَنْ رَبِيْعَةَ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَتَيْتُهُ بِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَقَالَ لِي: \"سَلْ\". . . . .\nــ\nتعجب، وقال الخشني: (ويل أمه) كلمة يتعجب بها العرب، ولا يريدون بها الذم، انتهى.\nواعلم أن ههنا كلمة أخرى، وهي ويلمه، فقيل: أصله: ويل أمه بالإضافة، حذفت الهمزة وألقيت حركتها على ما قبلها، وقيل: وي كلمة مفردة للتفجع والتعجب، ولأمه مفردة، فأعلت الهمزة، والرواية ههنا في الكتاب يَا وَيْلَتَى بالتاء المفتوحة، وقد يروى (يا ويلي) بدون التاء بكسر اللام وفتحها، مثل يا غلامي ويا غلاما، وبسكون الياء وفتحها، وهو حكاية عن قول إبليس بلفظ التكلم، وقد يروى (يا ويله) معدولًا عن حكاية قوله إلى الغيبة نظرًا إلى المعنى؛ كراهة أن يضيفه إلى نفسه، وهو من أدب الكلام أنه إذا عرض في الحكاية عن الغير ما فيه سوء صرف الحاكي عن نفسه إلى الغيبة، صونًا عن صورة إضافة السوء إلى نفسه، وكل من وقع في هلكة دعا بالويل، وناداه أن يحضر لعروض الندم له على ترك فعل، ومعناه احضر فهذا أوانك، وكذا في يا حسرتى ونحوه.\n٨٩٦ - [١٠] (ربيعة بن كعب) قوله: (وحاجته) أي: ما يحتاج إليه من لباس وسواك وغيرهما.\nوقوله: (فقال لي: سل) يؤخذ من هذا الحديث أنه من خَدَمَ كريمًا جوادًا بحيث يرضى عنه، وصل إليه من مواهبه وكراماته، وأيّ كريم وأيّ جواد مثل رسول اللَّه -ﷺ-، متصرف في الوجود بإذن خالقه، ويؤخذ من إطلاق قوله -ﷺ- الأمر بالسؤال أن اللَّه تعالى مكَّنه من إعطاء كل ما أراد من خزائنه تعالى، وأنه يخص من السائلين من شاء","vol":"3","page":30},{"text":"فَقُلْتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الْجَنَّةِ، قَالَ: \"أَوَغَيْرَ ذَلِكَ؟ \". قُلْتُ: هُوَ ذَاكَ،\nــ\nبما شاء (١)، فإنه بحر فضل وكرم وكمال لا ساحل له:\nهو البحر لكن سلسبيلُ وإن ترد ... ترد سلسبيلًا أنه لم يزل برًا\nوأنه ينبغي للطالب الصادق أن لا يسأل إلا عن النعم الأخروية الباقية، لا عن الحظوظ الدنيوية الفانية، خصوصًا أتم النعم وأفضل الكمالات، وهو مرافقة سيد الكائنات ومحبوب العاشقين، ويجدّ في ذلك ولا يلتفت إلى سواه، ولكن يسلك طريقه، ويعمل ما يستحق به ذلك الشرف الباذخ، ولا يكتفي بالتمني المحض، ويتوسل ويتقرب إليه بأفضل القربات وأتم العبادات، وهو الصلاة الجامعة لكل عبادة قلبية وقالبية، كحقيقته -ﷺ- الجامعة لجميع المراتب والكمالات.\nيا سيدي يا رسول اللَّه خذ بيدي ... فالخير عندك مأمول ومبذول\nيا غوث كل صريخ عزّ ناصره ... غوثًا فلا يكن في ذي الغوث تمهيل\nيا وصلتي يا شفيعي عطفة فعسى ... يكون بها لما أبغيه تعجيل\nقل لي وصلت وأوصلت المراد وما ... ترم من كل خير فهو مفعول\nعسى بيمينك أعطى ما أؤمله ... من خير وأرى أن الخير مسؤول\nوأعظم ما أسأل ربي مرافقتك ... في جنة الفردوس هذا هو المأمول\nوقوله: (أوغير ذلك) يروى بسكون الواو وبفتحها، وعلى التقديرين فـ (غير) إما\n_________\n(١) كَجَعْلِهِ شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ بِشَهَادَتَيْنِ، وَذَكَرَ ابْنُ سَبْعٍ فِي \"خَصَائِصِهِ\": أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقْطَعَهُ أَرْضَ الْجَنَّةِ يُعْطِي مِنْهَا مَا شَاءَ لِمَنْ يَشَاءُ، انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧٢٣).","vol":"3","page":31},{"text":"قَالَ: \"فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٨٩].\n٨٩٧ - [١١] وَعَنْ مَعْدَانَ بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: لَقِيتُ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ أَعْمَلُهُ يُدْخِلُنِي اللَّهُ بِهِ الْجَنَّةَ، فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ، فَسَكَتَ، ثُمَّ سَأَلْتُهُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: سَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"عَلَيْكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ لِلَّهِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ لِلَّهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَكَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْكَ بِهَا خَطِيئَةً\". قَالَ مَعْدَانُ: ثُمَّ لَقِيتُ أَبَا الدَّرْداءِ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ لِي ثَوْبَانُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٨٨].\nــ\nمرفوع، والتقدير على الأول: فمسؤولك هذا أو غير ذلك؟ وعلى الثاني: أتسأل هذا وغير ذلك أنسب بحالك؟ وإما منصوب، فالمعنى على الأول: أتسأل ذلك أو غير ذلك؟ وعلى الثاني: أتسأل هذا؟ لا تسأله، اسأل غير ذلك.\nوقوله: (فأعني على نفسك) أي: أقدرني على معاونتك وإصلاح نفسك بكثرة الصلاة التي هي سبب القرب والعروج إلى مقام الزلفى، وهذا قول الطبيب للمريض: أعالجك بما يشفيك، ولكن أعنِّي بالاحتماء وامتثال أمري، وفي قوله: (على نفسك) تنبيه على أن نيل المراتب العلية إنما يكون بمخالفة النفس.\n٨٩٧ - [١١] (معدان بن طلحة) قوله: (أعمله) روي بالرفع والجزم، فعلى الأول: صفة لـ (عَمَلٍ) أو استئناف، وعلى الثاني: جواب للأمر، وكذا (يدخلني) فبالرفع استئناف، وبالجزم بدل من (أعمله).\nوقوله: (فسكت) لعل سكوت ثوبان -﵁- مرتين لامتحان حال القائل في الجد في السؤال والطلب، أو أنه نسي ثم تذكر، فافهم.","vol":"3","page":32},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-338> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٨٩٨ - [١٢] عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَإِذَا نَهَضَ رَفَعَ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ. [د: ٨٣٨، ت: ٦٨، جه: ٨٨٢، ن: ١٠٨٩، دي: ١٣٢٠].\n٨٩٩ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ، فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٨٤٠، ن: ١٠٩٠، دي: ١٣٢١].\nــ\nالفصل الثاني\n٨٩٨ - [١٢] (وائل بن حجر) قوله: (إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه) فيضع الأعضاء على نسبة قربها من الأرض، فيضع الركبتين أولًا ثم اليدين، قال الشُّمُنِّي: وإن عسر عليه وضع الركبتين أولًا لأجل الخف أو غيره وضع اليدين قبل الركبتين، ثم الجبهة والأنف، ولا ترتيب بينهما؛ لأنهما في عضو واحد، وداخلان في وضع الوجه، وعند البعض يضع الأنف أولًا؛ لأنه أقرب إلى الأرض، وإذا رفع عكس هذا الترتيب.\n٨٩٩ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (وليضع يديه قبل ركبتيه) هذا يخالف الحديث الأول، وإليه ذهب مالك والأوزاعي وأحمد في رواية عنه وطائفة من أئمة الحديث عملًا بهذا الحديث، وأما الأول وهو وضع الركبتين قبل اليدين فعليه جمهور الأئمة وأبو حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل -﵏ أجمعين- عملًا بحديث وائل بن حجر، قالوا: وهو أثبت من حديث أبي هريرة -﵁-، وإذا اختلف الحديثان اختلاف تضاد، فالسبيل","vol":"3","page":33},{"text":"قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: حَدِيثُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا، وَقِيلَ: هَذَا مَنْسُوخٌ.\nــ\nأن يؤخذ بالأقوى منهما، وفي شرح الشيخ نقلًا عن النووي (١) أنه قال: لم يظهر لي ترجيح أحد المذهبين من حيث السنة، انتهى.\nوجاء في (صحيح ابن خزيمة): كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا سجد بدأ بركبتيه، وجاء في رواية سعد بن أبي وقاص -﵁- كما رواه ابن أبي شيبة والبيهقي في (السنن)، وفي بعض الشروح: في رواية أبي سعيد: كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين، فعلى هذا يكون حديث وائل بن حجر ناسخًا لحديث أبي هريرة كما قال المؤلف.\nهذا وقد قيل: إن في حديث أبي هريرة -﵁-: (إذا سجد أحدكم، فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه) (٢)، تناقضًا في نفسه، فكأنه وهم بعض الرواة، وحرّف (ولا يضع) بقوله: (وليضع)؛ لأنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد برك بروك البعير؛ لأن البعير يضع يديه قبل ركبتيه عند البروك، فيوافق حديث وائل بن حجر، على أنه قد جاء عن أبي هريرة -﵁- أيضًا: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه، ولا يبرك بروك الجمل)، ذكره التُّورِبِشْتِي، وصاحب (سفر السعادة) (٣).\nوقال بعض الناس: الركبة من الإنسان في الرجلين، ومن ذوات الأربع في اليدين، فالإنسان إذا وضع ركبتيه قبل يديه كان كالبعير الذي يبرك على ركبتيه، فيجتمع النهي عن البروك ووضع اليدين قبل الركبتين، فالبروك: هو وضع الركبة، فمن الإنسان بوضع\n_________\n(١) انظر: \"المجموع\" (٣/ ٤٢١)، طبعة دار الفكر.\n(٢) أخرجه أبو داود (٨٤٠)، والطحاوي في \"مشكل الآثار\" (١٨٢).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (١/ ٢٥١)، و\"سفر السعادة\" (ص: ٣٧).","vol":"3","page":34},{"text":"٩٠٠ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي، وَارْزُقْنِي\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٨٥٠، ت: ٢٨٤].\n٩٠١ - [١٥] وَعَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ: \"رَبِّ اغْفِرْ لي\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ. [ن: ١١٤٥، دي: ١٣٢٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-339> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٩٠٢ - [١٦] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ قَالَ: . . . . .\nــ\nالرجلين، ومن البعير بوضع اليدين، فافهم.\nقال صاحب (سفر السعادة) (١): هذا وهم وغلط ومخالف لقول أئمة اللغة.\nوقال في (القاموس) (٢): الركبة بالضم: مَوْصِلُ ما بين أسافل أطراف الفخذ وأعالي الساق، ولا شك أن الفخذ والساق إنما يكونان في الرجل دون اليد، فليتدبر.\n٩٠٠ - [١٤] (ابن عباس) قوله: (اللهم اغفر لي) بصيغة الإفراد وإن كان إمامًا، والنهي عنه إنما يكون في موضع لم يرد كذلك، كما في الدعاء بعد الصلاة مثلًا.\n٩٠١ - [١٥] (حذيفة) قوله: (رب اغفر لي) اقتصار على طلب المغفرة الذي هو أصل المطالب.\nالفصل الثالث\n٩٠٢ - [١٦] قوله: (عن عبد الرحمن بن شبل) بكسر الشين المعجمة وسكون\n_________\n(١) \"سفر السعادة\" (ص: ٣٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٨).","vol":"3","page":35},{"text":"نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَن نَقْرَةِ الْغُرَابِ، وَافْتِرَاشِ السَّبُعِ، وَأَنْ يُوَطِّنَ الرَّجُلُ الْمَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا يُوَطِّنُ الْبَعِيرُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ والدَّارِمِيُّ. [د: ٨٦٢، ن: ١١١٢، دي: ١٣٢٣].\n٩٠٣ - [١٧] وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا عَلِىُّ إِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، وَأَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي، لَا تُقْعِ بَينَ السَّجْدَتَيْنِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٤].\nــ\nالباء الموحدة.\nوقوله: (عن نقرة الغراب) بفتح النون وسكون القاف، مبالغة في تخفيف السجود، وعدم رعاية الاعتدال، وفي بعض الأحاديث: (نقر الديك)، وهو أبلغ.\nوقوله: (وافتراش السبع) وهو بسط ذراعيه على الأرض، وفي بعض الروايات: (افتراس) بالمهملة، والافتراش بالمعجمة مقدمة له.\nوقوله: (وأن يوطِّن الرجل المكان في المسجد) وهو أن يألف محلًّا معلومًا من المسجد مخصوصًا به، ويحجر الناس ويمنعهم منه، وهذا يظهر أثره في المسجد الشريف على مُشرِّفه الصلاة والتحية في تخصيص الأمكنة المتبركة المعهودة لنفسه وحجر الناس عنها.\nفي (القاموس) (١): الوطن محركة ويسكّن: منزل الإقامة، ومَرْبَطُ البقر والغنم، أوطنه، ووطَّنه، واستوطنه: اتخذه وطنًا، فعلى هذا يجوز أن يقرأ (يوطن) من الإفعال والتفعيل، والرواية هي الأخير.\n٩٠٣ - [١٧] (علي) قوله: (لا تُقْعِ) بضم التاء وسكون القاف، من\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٤١).","vol":"3","page":36},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالإقعاء، وهو: أن يضع أليتيه على الأرض وينصب ركبتيه، كذا في (الهداية) (١)، وقال: هو الصحيح، وقال ابن الهمام (٢): هذا احتراز عن قول الكرخي: هو أن ينصب قدميه كما في السجود، وينصب أليتيه على عقبيه؛ لأن المذكور في الحديث هو صفة [إقعاء] الكلب، وهي ما ذكرنا، وما قال الكرخي مكروه أيضًا، ولأن الإقعاء بذلك التفسير يكون بين السجدتين، وبهذا التفسير يكون في حال السجود مكروه.\nوالترمذي (٣) بعد عقد بابًا في كراهية الإقعاء في السجود، وإيراد حديث علي وتضعيف بعض رواته، عقد بابًا آخر في رخصة الإقعاء، وأورد حديثًا عن ابن عباس -﵄- أنه قال: هو سنة نبيكم -ﷺ-، وقال: كان بعض أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- يقولون: لا بأس به، وهذا قول بعض أهل مكة من أهل الفقه والعلم، وأكثر أهل العلم يكرهون الإقعاء بين السجدتين.\nوقال ابن الهمام (٤): روى البيهقي عن ابن عمر وابن الزبير -﵃- أنهم كانوا يقعون، فالجواب المحقق عنه: أن الإقعاء على ضربين، أحدهما: مستحب، وهو أن يضع أليتيه على عقبيه وركبتاه على الأرض، وهو المروي عن العبادلة، والمنهي أن يضع أليتيه ويديه على الأرض وينصب ساقيه، فتدبر.\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٦٤).\n(٢) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٤١١).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٢/ ٧٣).\n(٤) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٤١٠ - ٤١١).","vol":"3","page":37},{"text":"٩٠٤ - [١٨] وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَليٍّ الْحَنَفِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَنْظُرُ اللَّهُ ﷿ إِلَى صَلَاةِ عَبْدٍ لَا يُقِيمُ فِيهَا صُلْبَهُ بَيْنَ خُشُوعِهَا (١) وسُجُودِهَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ٤٢].\n٩٠٥ - [١٩] وَعَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ وَضَعَ جَبْهَتَهُ بِالأَرْضِ فَلْيَضَعْ كَفَّيْهِ عَلَى الَّذِي وَضَعَ عَلَيْهِ جَبْهَتَهُ، ثُمَّ إِذَا رَفَعَ فَلْيَرْفَعْهُمَا، فَإِنَّ الْيَدَيْنِ تَسْجُدَانِ كَمَا يَسْجُدُ الْوَجْهُ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٣٨٩].\n* * *\nــ\n٩٠٤ - [١٨] (طلق بن علي الحنفي) قوله: (بين خشوعها) أي: ركوعها بقرينة قوله: (وسجودها)، والركوع مقدمة الخشوع، والسجود أحق بهذا الاسم، ولا مشاحة في ذلك.\n٩٠٥ - [١٩] (نافع) قوله: (على الذي) أي: المكان (٢) الذي (وضع عليه جبهته)، أي: يضع على الأرض، أو يضع قريبه، فإذا سجد على المكان المرتفع ينبغي أن يضع اليدين أيضًا عليه، ولا يضع أسفل، أو المراد على الوجه الذي وضع الجبهة، أي: متوجهًا إلى القبلة، كذا في الحواشي، ويؤيد المعنى الأخير قوله: (فإن اليدين يسجدان كما يسجد الوجه)، وهذا يصلح تعليلًا للوضع وللرفع معًا.\n_________\n(١) كذا في نسخ المشكاة، أما \"المسند\" ففيه: \"ركوعها\" بدل \"خشوعها\".\n(٢) أَيْ: عَلَى مُحَاذِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَ عَلَيْهِ جَبْهَتَهُ، كَمَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا، لَا عَلَى مُحَاذِي الْمَنْكِبَيْنِ، كَمَا هُوَ مُخْتَارُ الشَّافِعِيِّ \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧٢٨).","vol":"3","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-340>١٥ - باب التشهد</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-341> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٩٠٦ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَعَدَ فِي التَّشَهُّدِ، وَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى، وَعَقَدَ ثَلَاثَةً وَخَمْسِيْنَ، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ.\nــ\n١٥ - باب التشهد\nالشهادة: الخبر الصادق الصادر عن مواطأة القلب، والإخبار بحق لأحد على أحد، ويجيء بمعنى العلم القاطع، كقوله تعالى: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ أي: عالمون بأن نبوة محمد -ﷺ- حق، والتشهد صيرورته شاهدًا، وإظهار ما في قلبه من العلم، وغلب في الشرع على قول: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، وعلى الذكر المخصوص الذي يقرأ في قعود الصلاة؛ لاشتماله على الشهادتين.\nالفصل الأول\n٩٠٦، ٩٠٧ - [١، ٢] (ابن عمر) قوله: (إذا قعد في التشهد) قال الطيبي (١): أي: في زمانه، يعني زمان قراءته، ويجوز أن يكون للتعليل، أي: لأجل قراءة التشهد.\nوقوله: (وعقد ثلاثة وخمسين) بأن قبض أصابع يده ووضعها على طرف ركبته اليمنى إلا المسبحة بكسر الباء، وهي السبابة، ووضع طرف إبهام اليمنى عند أسفل المسبحة على حرف الراحة، كذا في شرح الشيخ نقلًا عن ابن الصلاح.\nوقوله: (وأشار بالسبابة) أي: إلى وحدانية اللَّه، ووقت الإشارة عند البعض وقت\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣٤٨).","vol":"3","page":39},{"text":"٩٠٧ - [٢] وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ، وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَرَفَعَ أُصْبُعَهُ الْيُمْنَى الَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ يَدْعُو (١) بِهَا، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ بَاسِطَهَا عَلَيْهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٨٠].\nــ\nالتلفظ بكلمة (إلا اللَّه)، وعند بعض عند إتمامها وقت التلفظ بكلمة (اللَّه)، والمشهور أنه يرفع الأصبع عند النفي، ويضعها عند الإثبات.\nوفي شرح الشيخ: عن بعض أئمة الشافعية يستمر رفعها إلى آخر الشهادة، وينبغي أن لا يشير إلى جانب الفوق لئلا يوهم بالجهة، وهذا عند الشافعية، وفي رواية عن أحمد وعند الحنفية: عقد تسعين، وصورته أن يقبض الخنصر والبنصر، ويبسط المسبحة، ووضع الإبهام على الوسطى، ويحلق، وهذا جاء في حديث مسلم عن عبد اللَّه بن الزبير، ورواه أحمد وأبو داود عن وائل بن حجر، وهو المختار في مذهب أحمد والشافعي في قوله القديم، وعند مالك: يقبض أصابع يده اليمنى كلها، ويبسط السبابة، وللشافعية في كيفية التحليق وجه آخر، وهو وضع أنملة الوسطى بين عقدتي الإبهام، وعنه رواية ثالثة: أنه يبسط الجميع ليستقبل بهن القبلة كما في حال السجود.\nوقوله: (أصبعه اليمنى) ليس (اليمنى) في بعض النسخ، والصواب وجودها كما في النسخ الأخرى، وهو المراد.\nوقوله: (يدعو بها) أي: يهلّل مشيرًا بها، سمي الذكر دعاء لأنه يتضمن استجلاب الإنعام، وقد قرّرناه في الفصل الأول من الركوع.\nوقوله: (ويده اليسرى) مبتدأ، و(على ركبته) خبر، و(باسطها) حال؛ لكون الإضافة لفظية.\n_________\n(١) في نسخة: \"فيدعو\".","vol":"3","page":40},{"text":"٩٠٨ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَعَدَ يَدْعُو، وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَيَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ، وَوَضَعَ إِبْهَامَهُ عَلَى أُصْبُعِهِ الْوُسْطَى، وَيُلْقِمُ كَفَّهُ الْيُسْرَى رُكْبَتَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٧٩].\nــ\n٩٠٨ - [٣] (عبد اللَّه بن الزبير) قوله: (إذا قعد يدعو) أي: يقرأ التحيات، سمي دعاء لاشتماله عليه؛ لقوله: (السلام عليك) و(السلام علينا).\nوقوله: (ويلقم) بلفظ المضارع من الإفعال، أي: يجعل ركبته في يده اليسرى كاللقمة، من ألقمت الطعام: إذا أدخلته في فيه.\nاعلم أن العقد والإشارة قد ورد في الأحاديث الصحيحة، وقد أورد في (جامع الأصول) الأحاديث من الكتب الستة، في بعضها ذكر العقد مع الإشارة، وفي بعضها ذكرت الإشارة فقط، وعليه مذاهب الأئمة من المحدثين والفقهاء وكثير من الصحابة والتابعين، وقالوا: الحق أن مذهب الإمام أبي حنيفة وصاحبيه هكذا، وقد صرح به كثير من المتقدمين، وقد ظهر في المتأخرين منهم خلاف في ذلك، وفي (المحيط) (١): وقيل: رفع سبابة اليمنى في التشهد عند أبي حنيفة ومحمد -رحمهما اللَّه- من السنن، وكذا روي عن أبي يوسف، وقال العلامة نجم الدين الزاهدي -﵀-: لما اتفقت الروايات عن أصحابنا جميعًا في كونها سنة، وكذا عن الكوفيين والمدنيين، وكثرت الأخبار والآثار، كان العمل به أولى.\nوقال الشُّمُنِّي: ذكر أبو يوسف في (الأمالي) أنه يعقد الخنصر والتي تليها، ويحلق الوسطى والإبهام، ويشير بالسبابة، وذكر محمد أنه ﵇ كان يشير، ونحن نصنع بصنعه،\n_________\n(١) \"المحيط البرهاني\" (١/ ٣٨٩).","vol":"3","page":41},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقال: وهو قول أبي حنيفة ﵀، وفي (الظهيرية): ومتى أخذ في التشهد فانتهى إلى قوله: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، هل يشير بالسبابة من يده اليمنى؟ اختلف المشايخ فيه، ثم كيف يصنع عند الإشارة؟ حكي عن الفقيه أبي جعفر أنه قال: يعقد الخنصر والبنصر، ويحلق الوسطى مع الإبهام، ويشير بسبابته، وفي (منية المفتي): تكره الإشارة، انتهى كلام الشُّمُنِّي.\nولسيدي الشيخ علي المتقي -رحمة اللَّه عليه- رسالة وضعها في هذا الباب، ونقل روايات من كتب الحنفية أكثرها في أنه سنة، وبعضها في الحرمة، وبعضها في الكراهة، وأيد كونها سنة بالأحاديث الصحيحة، وأثبت أن الأولى فعله كما قال في (الكفاية)، [و] قد ترجمناها في (شرح سفر السعادة) (١)، ونحن ننقل كلام محقق الحنفية ومثبت مذهبهم الشيخ ابن الهمام، ونختم به الكلام، قال (٢): لا شك أن وضع الكف مع قبض الأصابع لا يتحقق حقيقة، فالمراد -واللَّه أعلم- وضع الكف، ثم قبض الأصابع بعد ذلك عند الإشارة، وهو المروي عن محمد في كيفية الإشارة، قال: يقبض خنصره والتي تليها، ويحلق الوسطى والإبهام، ويقيم المسبحة، كذا عن أبي يوسف في (الأمالي).\nوهذا فرع تصحيح الإشارة، وعن كثير من المشايخ لا يشير أصلًا، وهو خلاف الدراية والرواية، فعن محمد: أن ما ذكرناه في كيفية الإشارة مما نقلناه قول أبي حنيفة، ويكره أن يشير بمسبحتيه، وعن الحلواني: يقيم الأصبع عند (لا إله)، ويضع عند\n_________\n(١) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٨٠).\n(٢) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٣١٣).","vol":"3","page":42},{"text":"٩٠٩ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ قَبْلَ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى جِبْرَئِيلَ، السَّلَامُ عَلَى مِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، قَالَ: \"لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ،\nــ\n(إلا اللَّه)؛ ليكون الرفع للنفي والوضع للإثبات، وينبغي أن تكون أطراف الأصابع على حرف الركبة، لا مباعدة عنها.\n٩٠٩ - [٤] (ابن مسعود) قوله: (قلنا: السلام على اللَّه قبل عباده) أي: قلنا هذا اللفظ قبل (السلام على عباده).\nوقوله: (السلام على فلان) وعند ابن ماجه: يعنون الملائكة، كذا في شرح الشيخ، ويجوز أن يذكروا بعض الأنبياء والمرسلين، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فإن اللَّه هو السلام) السلام اسم من أسمائه تعالى، وهو في الأصل مصدر وصف به، فإما أن يراد به السالم من جميع النقائص، أو المسلم من شاء من خلقه من الآفات، فالسلامة منه وله، كما ورد في المأثور من الدعاء: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، وإليك يعود السلام، فلا يجوز الدعاء له بالسلام، وهو موهم باحتياجه وخوفه.\nوقوله: (التحيات للَّه) أي: العبادات القولية للَّه ﷾، (والصلوات) العبادات الفعلية بتمامها، (والطيبات) العبادات المالية بأسرها، هكذا فسروا هذه الكلمات الثلاث، وقد جرت عادة الناس بأنهم إذا دخلوا في حضرة الملوك حيوهم بالتحية وإلقاء السلام أولًا، وخدموا وتضرعوا ثانيًا، وأتحفوا بما يليق بهم ثالثًا، حتى يستحقوا اللطف","vol":"3","page":43},{"text":"السَّلَامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ،\nــ\nوالعناية منهم.\nوقال الشيخ محيي الدين النووي في (شرح مسلم) (١): التحية بمعنى السلام، والملك، والبقاء، والعظمة، والحياة، وإنما أورده بلفظ الجمع لأنه كان للملوك من العرب والعجم تحية مخصوصة يكرمهم ويعظمهم أصحابهم [بها]. فيقول: التحيات كلها ثابتة لملك الملوك خالق الخلق رب العالمين، لا يستحقها غيره إلا على سبيل المجاز والعارية.\nوقال الكرماني في (شرح البخاري) (٢): كان للتحيات التي يحيى بها الرعايا الملوك كلمات مخصوصة، كما كانت العرب تقول: (أنعم اللَّه صباحًا)، و[قول] العجم: (زهي هزار سال) وأمثال ذلك، ولم تكن لتلك الكلمات صلاحية أن تطلق على الرب تعالى وتقدس، فتركوا خصوصيات الألفاظ، واستعملوها بمعنى مطلق التعظيم، وقالوا: التحيات للَّه، أي: جميع أنواع التعظيم ثابت للَّه تعالى لا يستحقها غيره، والصلوات: الفرائض والنوافل له تعالى، وقد تحمل الصلاة على معنى الدعاء، أي: الدعوات كلّها للَّه، وعلى معنى الرحمة، أي: أنواع الرحمة كلها للَّه تعالى في الدنيا والآخرة، وهو الرحمن الرحيم، والطيبات، أي: الكلمات الطيبة والأعمال كلها له ﷿.\nوقوله: (السلام عليك أيها النبي) روي (سلامٌ) بالتنكير والتعريف، وهو الرواية المشهورة الموجودة في (الصحيحين)، و(اللام) إما للجنس والحقيقة، أو للعهد، والمراد السلام المخصوص المذكور في قوله تعالى: ﴿وَسَلِّمُوا﴾، أو النازل على الأنبياء\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٢/ ٣٥٥).\n(٢) \"شرح صحيح البخاري\" للكرماني (٥/ ١٨٢).","vol":"3","page":44},{"text":"السَّلَامُ عَلَيْنَا. . . . .\nــ\nوالرسل، وكذا الكلام في قوله: (السلام علينا)، وما كان من التسليمات والبركات على الأنبياء وأممهم، ثم استقر على محمد -ﷺ- وأمته المرحومة -﵃ أجمعين-، والسلام بمعنى السلامة، وهما مصدران كالمقام والمقامة، وسيجيء تحقيق قولهم: (السلام عليك) في (باب السلام) من (كتاب الآداب)، إن شاء اللَّه تعالى.\nووجه الخطاب لإبقائه على ما ورد حين التعليم، وأصله في ليلة المعراج خطابًا له -ﷺ- من ربه تعالى وتقدس بعد تحيته له تعالى، ويجوز أن يكون لكون ذاته الشريفة الكريمة نصب عين المؤمنين، وقرة عين العابدين في جميع الأحوال والأوقات، خصوصًا حالة آخر الصلاة لحصول النورانية في القلب.\nوقال بعض العارفين: إن ذلك لسريان الحقيقة المحمدية في ذرائر الموجودات وأفراد الكائنات كلها، فهو -ﷺ- موجود حاضر في ذوات المصلين، وحاضر عندهم، فينبغي للمؤمن أن لا يغفل عن هذا الشهود عند هذا الخطاب؛ لينال من أنوار القلب، ويفوز بأسرار المعرفة، صلى اللَّه عليك يا رسول اللَّه وسلم.\nوذكر السيوطي: أن الصحابة كانوا يقولون والنبي -ﷺ- حي: (السلام عليك أيها النبي)، فلما مات قالوا: (السلام على النبي). قال ابن حجر: ولهذا الحديث شواهد قوية أخرجه أبو عوانة وأبو نعيم والبيهقي وغيرهم.\nو(البركة) محركة: النماء والزيادة والسعادة، يقال: بارك اللَّه لك وفيك وعليك، وبارك على محمد وعلى آل محمد: أدم له ما أعطيته من التشريف والكرامة، وتبارك اللَّه: تنزه وتقدس، وقيل: ذلك من برك البعير: [إذا] أناخ في موضعه فلزمه، وتطلق البركة [أيضًا] على الزيادة، والأصل هو الأول، كذا في (النهاية) (١).\n_________\n(١) \"النهاية\" (١/ ١٢٠).","vol":"3","page":45},{"text":"وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ -فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ- أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ لْيَتَخَيَّرْ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُوهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٣، م: ٤٠٢].\nــ\nوقوله: (وعلى عباد اللَّه الصالحين) لما نهاهم عن تخصيص بعض العباد وأشخاص معينة من الملائكة والناس بالذكر، علمهم التعميم، وأشار بقوله: (فإنه إذا قال ذلك. . . إلخ) إلى وجهه، وتخصيص أنفسهم للاهتمام، وتحصيل الاستعداد لإجابة الدعاء للمؤمنين بالسلام، على وزان قولهم: اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين.\nوالصلاح: ضد الفساد، وصلاح العبد: أن تحصل له ملكة أداء حقوق العبودية، وما أمر به الشارع على ما ينبغي، وبهذا المعنى قال بعضهم: العبد الصالح: هو القائم بحقوق اللَّه تعالى وحقوق العباد.\nوقال الطيبي (١): الصلاح: هو استقامة الشيء على حاله كما أن الفساد ضده، انتهى.\nوالصلاح أعلى المناصب وأرفع المقامات، ولهذا وصف به الأنبياء والمرسلون -صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين-، والصواب أن يقال: للصلاح مراتب كثيرة، وبعضها فوق بعض، وكذا مراتب السلام تنزل بحسب مراتب الصلاح، فالسلام الذي على الأنبياء والأولياء أعلى وأكمل ممن عداهم، وأعلى مراتب الصلاح ما أشار إليه سيدنا ومولانا قدوة العارفين غوث الثقلين الشيخ محيي الدين عبد القادر الجيلاني -﵀- في كتابه المسمى بـ (فتوح الغيب) (٢): أن الصلاح حالة زوال الإرادة والفناء\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣٥٤).\n(٢) \"فتوح الغيب\" مع شرحه لابن تيمية الحراني (ص: ١٨٩ - ١٩٠)، و\"فتوح الغيب\" (ص: ٧٩ - ٨٠).","vol":"3","page":46},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالمطلق، وكون العبد مرادًا قائمًا مع القدر الذي هو فعل الحق ﷿، فلا يسمى صالحًا على الحقيقة إلا من وصل إلى هذا المقام، وهو قوله ﷿: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، فهو العبد الذي كُفَّت يده عن جلب مصالحه ومنافعه، وعن رد مضاره ومفاسده، كالطفل الرضيع مع الظئر، والميت الغسيل مع الغاسل، فتولى يدُ القدر تربيته من غير أن يكون له اختيار وتدبير، انتهى. ولا شك أنه إذا وصل العبد إلى هذه المرتبة، يكون في سلامة من جميع الآفات والمخافات الأنفسية والآفاقية، رزقنا اللَّه.\nثم المذكور في هذه الرواية هو تشهد ابن مسعود -﵁-، وقد اختلفت الروايات في التشهد في بعض ألفاظه، وتشهد ابن مسعود -﵁- أصحها، وهو المختار لإمامنا الأعظم ﵀.\nوقال الشيخ (١): أصح حديث رُوِي في التشهد حديث ابن مسعود، وهو المختار في مذهب الإمام الأجل أحمد بن حنبل -رحمة اللَّه عليه- لاتفاق السنة عليه لفظًا ومعنى، وهو نادر، وكون أكثر أهل العلم عليه من الأصحاب والتابعين، ولورود الأمر به وبتعليمه، ففي (مسند أحمد) (٢) -﵀-: أنه أمر ابن مسعود أن يعلمه الناس، وقد وقع في لفظ عن ابن مسعود -﵁- قال: علمني رسول اللَّه -ﷺ- التشهد، كفي بين كفيه، كما يعلمني السورة من القرآن، وفي رواية: أخذ رسول اللَّه -ﷺ- بيدي وعلمني التشهد، وفي هذا زيادة تأكيد في التعظيم.\nواختار الإمام الشافعي -﵀- تشهد ابن عباس -﵄- الآتي، وهو من أفراد مسلم، ورواه غير البخاري من أصحاب الكتب الستة.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣١٥).\n(٢) \"مسند أحمد\" (١/ ٣٧٦).","vol":"3","page":47},{"text":"٩١٠ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، فَكَانَ يَقُولُ: \"التَّحِيَّاتُ الْمُبَاركَاتُ، الصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلَمْ أَجِدْ فِي \"الصَّحِيحَيْنِ\" وَلَا فِي \"الْجَمْعِ بَين الصَّحِيحَيْنِ\": \"سَلَامٌ عَلَيْكَ\" و\"سَلَامٌ عَلَيْنَا\" بِغَيْرِ أَلْفٍ وَلَامٍ، وَلَكِنْ رَوَاهُ صَاحِبُ \"الْجَامِعِ\" عَنِ التِّرْمِذِيِّ. [م: ٤٠٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-342> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٩١١ - [٦] عَن وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ،\nــ\nواختار الإمام مالك -﵀- تشهد عمر -﵁- الذي ذكره الطيبي (١): التحيات للَّه، الزاكيات للَّه، الطيبات الصلوات للَّه، السلام عليك أيها النبي إلى آخره، كذا في (رسالة ابن أبي زيد) في مذهبه، والاختلاف في الفضل لا في الجواز.\n٩١٠ - [٥] (عبد اللَّه بن عباس) قوله: (ولا في الجمع بين الصحيحين) لم يقل: بينهما؛ لأنه علم للكتاب.\nوقوله: (بغير ألف ولام) وفي حديث ابن مسعود معهما في الأصح، وجاء بغيرهما كما عرفت.\nالفصل الثاني\n٩١١ - [٦] (وائل بن حجر) قوله: (ثم جلس) عطف على ما ترك من\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣٥٠ - ٣٥١).","vol":"3","page":48},{"text":"فَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَحَدَّ مِرْفَقَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، وَقَبَضَ ثِنتيْنِ، وَحَلَّقَ حَلْقَةً، ثُمَّ رَفَعَ أُصْبُعَهُ، فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٩٥٧، دي: ١٣٩٧].\nــ\nصدر الحديث.\nوقوله: (وحدَّ مرفقه اليمنى على فخذه اليمنى) ذكروا في حلّ هذه العبارة وجوهًا، قيل: إن (حدَّ) فعل ماض، عطف على (وضع)، وفاعله ضمير النبي -ﷺ-، و(مرفقه) مفعول، أي: رفع مرفقه عن فخذه، وجعل عظم مرفقه كأنه رأس وتد، فمعنى (حدّ مرفقه): جعله حديدًا، كأنه رأس وتد، وقيل: أصل الحد: المنع، والفصل بين الشيئين، والمعنى: منع مرفقه أن يلتصق بالفخذ وفصل بينهما، وقيل: (حدّ) بلفظ المصدر مضاف إلى (مرفقه)، فإما مرفوع على الابتداء، و(على فخذه) خبر، والجملة حال، أو منصوب عطف على (يده)، أي: وضع طرف مرفقه اليمنى على فخذه كما وضع يده اليسرى على فخذه اليسرى، وهذا أوفق بحديث صححه البيهقي في ذلك، وهو أنه -ﷺ- جعل مرفقه اليمنى على فخذه اليمنى، وكأنه قرأ بعضهم (وحَّد) فعلًا ماضيًا من التوحيد، حتى فسَّره بقوله: أي منفردًا عن فخذه، أي: رفعه عنه، قالوا: وليست عاطفة، فالجملة حال بتقدير، وقد روي (مدَّ) بالميم، فتدبر.\nوقوله: (وقبض ثنتين) أي: أصبعين من أصابع يمناه، هما الخنصر والبنصر، (وحلق حلقة) أي: بين الوسطى والإبهام، (ثم رفع أصبعه) أي: السبابة، والإبهام للعلم بالتعيين فيما بينهم.\nوقوله: (فرأيته يحركها) المراد بتحريكها: رفعها لا تكرير تحريكها، كذا في شرح الشيخ، وقيل: في تخصيص المسبحة بذلك لأن لها اتصالًا بنياط القلب، فكأنها سبب لحضوره، ويصلح وجهًا لذلك أنها تسمى مُسبِّحة، وسبَّاحة، وأصبع الشهادة،","vol":"3","page":49},{"text":"٩١٢ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُشِيرُ بِأُصْبُعِهِ إِذَا دَعَا، وَلَا يُحَرِّكُهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَزَاد أَبُو دَاوُدَ: وَلَا يُجَاوِزُ بَصَرُهُ إِشَارَتَه. [د: ٩٩٠، ن: ١٢٧].\n٩١٣ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا كَانَ يَدْعُو بِأُصْبُعَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَحِّدْ أَحِّدْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"الدَّعَوَاتِ الْكَبِير\". [ت: ٣٥٥٧، ن: ١٢٧٢، \"الدعوات الكبير\": ٣١٦].\n٩١٤ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى يَدِهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ١٤٧، د: ٩٩٢].\nــ\nفيناسب به، وكأن السبب في هذه التسمية هو ما ذكره القائل.\n٩١٢ - [٧] (عبد اللَّه بن الزبير) قوله: (إذا دعا) أي: تشهد.\nوقوله: (ولا يحركها) المراد به تكرير التحريك، فلا ينافي الحديث السابق، وهذا حجة على مالك -﵀- في قوله بتكرير التحريك.\nوقوله: (إشارته) (١) أي: أصبعه التي يرفعها ويشير بها، وقد جعله بعضهم كناية عن عدم النظر إلى السماء؛ لئلا يوهم بالجهة.\n٩١٣ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (أحد أحد) أصله (وحد) قلبت الواو همزة كما في (أحد).\n٩١٤ - [٩] (ابن عمر) قوله: (وهو معتمد على يده) قيل: معناه أن يضع يديه\n_________\n(١) وقوله: \"إشارته. . . يشير بها\" لم تثبت هذه العبارة إلا في (ع) فقط.","vol":"3","page":50},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: نَهَى أَنْ يَعْتَمِدَ الرَّجُلُ عَلَى يَدَيْهِ إِذَا نَهَضَ فِي الصَّلَاةِ.\n٩١٥ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ حَتَّى يَقُومَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٣٦٦، د: ٩٩٥، ن: ١١٧٦].\nــ\nفي التشهد على الأرض ويتكئ عليها، وقيل: هو أن يجلس الرجل في الصلاة ويرسل اليدين إلى الأرض من فخذه، كذا في بعض الشروح، وأنت خبير بأنه لم يظهر في القول الثاني معنى الاعتماد والاتكاء، ولو أريد كان راجعًا إلى القول الأول، وأيضًا قد فسَّرته الرواية الأخرى، وهو أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة، وهذه الرواية توافق مذهب الحنفية، وأما الشافعية القائلة بجلسة الاستراحة فالسنة عندهم أن يعتمد بيديه، ويقولون: إن هذه الرواية ضعيفة، واللَّه أعلم.\n٩١٥ - [١٠] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (في الركعتين الأوليين) أي: عقيبها إذا جلس للتشهد الأول في الثلاثية والرباعية.\nوقوله: (كأنه على الرضف) بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة، وقد تفتح: الحجارة المحماة بالنار، وفي (القاموس) (١): التي يُوغَر بها اللَّبَن، وهذا كناية عن سرعة النهوض وخفة الجلوس في التشهد الأول، هذا هو المشهور في معنى هذا الحديث.\nوقال التُّورِبِشْتِي (٢): المراد بالركعتين الأوليين الأولى والثالثة من كل صلاة رباعية، أي: لم يكن يلبث إذا رفع رأسه من السجود في هاتين الركعتين، فأرجعه إلى معنى النهوض قائمًا من غير جلسة الاستراحة والاعتماد على الأرض، ولا يخلو عن\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٥٠).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٢٥٥).","vol":"3","page":51},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-343> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٩١٦ - [١١] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ من الْقُرْآن: \"بِسْم اللَّهِ وَبِاللَّهِ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١١٧٥].\n٩١٧ - [١٢] وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إِذَا جَلَسَ فِي الصَّلَاةِ، وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ، وَأَتْبَعَهَا بَصَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَهِيَ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنَ الْحَدِيدِ\". يَعْنِي السَّبَّابَةَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ١١٩].\nــ\nتعسف؛ لأن محيي السنة أورد الحديث في باب التشهد؛ ولأن ظاهر عبارة الحديث يدل على الجلوس والاستقرار، فافهم، واللَّه أعلم.\nالفصل الثالث\n٩١٦ - [١١] (جابر) قوله: (بسم اللَّه وباللَّه) أي: بتوفيقه وإعانته، أو بصفاته، والباء للاستعانة، قال النووي في (الأذكار) (١): قال البخاري والنسائي: زيادة التسمية غير صحيحة عن النبي -ﷺ-.\n٩١٧ - [١٢] (نافع) قوله: (لهي) أي: هذه الإشارة (أشد على الشيطان من الحديد) أي: من السيف والسهم، لما فيها من التوحيد والثبات على الإيمان، فيقطع\n_________\n(١) \"الأذكار\" (ص: ١٢٣).","vol":"3","page":52},{"text":"٩١٨ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَ يَقُولُ: مِنَ السُّنَّةِ إِخْفَاءُ التَّشَهُّدِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٩١].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>١٦ - باب الصلاة على النبي -ﷺ- وفضلها</span>\nــ\nطمع الشيطان من وقوعه في الإشراك والكفر.\n٩١٨ - [١٣] (ابن مسعود) قوله: (من السنة إخفاء التشهد) قد تقرر في علم أصول الحديث أن قول الصحابي: (من السنة كذا) في حكم الرفع؛ لأن الظاهر من إطلاق السنة سنة رسول اللَّه -ﷺ-، وإن كانوا يقولون: سنة العمرين.\n١٦ - باب الصلاة على النبي -ﷺ- وفضلها\nالصلاة: الدعاء، والرحمة، والاستغفار، وحسن الثناء من اللَّه ﷿ على رسوله -ﷺ-، وهو من العباد: طلب إفاضة الرحمة الشاملة لخير الدنيا والآخرة من اللَّه تعالى عليه -ﷺ-، وقد أمر اللَّه المؤمنين به، وقد أجمعوا على أنه للوجوب، فهي واجبة في الجملة، فقيل: تجب كلما جرى ذكره، وقيل: الواجب الذي به يسقط المأثم بترك الفرض هو الإتيان بها مرة كالشهادة بنبوته -ﷺ-، وما عدا ذلك فهو مندوب، يرغب فيه، ومن سنن الإسلام وشعار أهله.\nوقال القاضي أبو بكر: افترض اللَّه تعالى على المؤمنين أن يصلوا على نبيه ويسلموا تسليمًا، ولم يجعل لذلك وقتًا معلومًا، فالواجب أن يُكثر المرء منها، ولا يغفل عنها، وشذّ الشافعي -رحمة اللَّه عليه- في ذلك، وخالف الإجماع، فقال: الصلاة على النبي -ﷺ- بعد التشهد الأخير قبل السلام واجبة، ومن لم يصلّ فصلاته فاسدة، وإن صلَّى","vol":"3","page":53},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعليه قبل ذلك لم يجزه، ويعيد الصلاة بتركها.\nوقال إسحاق: الإعادة واجبة مع تعمد تركها دون النسيان، ولا سلف للشافعي في هذا يقتدى به، ولا سنة يَتَّبِعُها، وقد بالغ جماعة في الإنكار عليه في هذه المسألة؛ لمخالفته الإجماع والأخبار، وما ورد في الحديث: (لا صلاة لمن لم يصل علي) فهو ضعيف عند أهل الحديث بأسرهم، وإن صح فالمراد نفي الكمال، هذا حاصل كلام القاضي عياض في (الشفا) (١).\nونقل الشُّمُنِّي عن النووي أنه قال: قد نقل بعض أصحابنا فرضية الصلاة في التشهد عن عمر بن الخطاب -﵁- وابنه، ونقله الشيخ أبو حامد عن ابن مسعود وأبي سعيد الخدري، ورواه البيهقي وغيره عن الشعبي، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، فارتفع الشذوذ، وقال في إثبات سنة يتَّبعها: بل له سنة، وهي ما رواه ابن حبان والحاكم في صحيحهما (٢) من حديث أبي مسعود الأنصاري: أنهم قالوا: كيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ فقال: (قولوا: اللهم صل على محمد)، الحديث، انتهى.\nوأقول: لعل مراد القاضي نفي السنة الدالة على فرضيتها بدلالة السياق، لا مطلق السنة، إذ هو ثابت اتفاقًا بالأحاديث والآثار المرضية فيها، وهو عند الإمام أبي حنيفة -﵀- واجب في الجملة، سنة بعد التشهد الأخير.\nوفضائل الصلاة على النبي -ﷺ- كثيرة لا تحصى، وهي أفضل القربات، وأفضل العبادات بعد الفرائض، وقد رجَّحـ[ـها] بعضهم على الذكر من حيث التوسل، وإن كان ذكر\n_________\n(١) \"الشفا بتعريف حقوق المصطفى\" (٢/ ٦٢٨ - ٦٢٩).\n(٢) \"صحيح ابن حبان\" (٥/ ٢٨٩، رقم: ١٩٥٩)، و\"المستدرك\" (١/ ٤٠١، رقم: ٩٨٨).","vol":"3","page":54},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nاللَّه أكبر، وفيها من الذكر وزيادة عليه، وقد ذكرنا بعض فضائلها وأحكامها في رسالة منفردة منتخبة (١) من كتابنا (جذب القلوب إلى ديار المحبوب) في تاريخ المدينة الطيبة.\nثم اختلفوا هل يجوز الصلاة على غيره -ﷺ- أو على غير الأنبياء بالاستقلال؟ والمختار عند الجمهور: أن الصلاة والسلام مخصوص بالأنبياء، ولا يشارك فيهما سواهم، وإنما يذكر بالمغفرة والرحمة والرضوان، ونقل الطيبي (٢) أنه خلاف الأولى، وقيل: حرام، أو مكروه كراهة تحريم، أو تنزيه، والصحيح هو الثاني، وهذا فيما تعارف من معنى الصلاة على وجه التعظيم والتحية، وأما بمعنى الترحم والدعاء فقد ورد به الكتاب والسنة، قال اللَّه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وقد تعارف في المتقدمين التسليم على أهل بيت الرسول مخصوصًا، ويوجد (٣) ذلك في كتبهم القديمة عن مشايخ أهل السنة والجماعة.\nوقال -ﷺ-: (اللهم صل على آل أبي أوفى)، وهذا الذي أمر به النبي -ﷺ- بعد أخذ الصدقة بقوله: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، وقد ورد فيه: (اللهم صل على آل أبي أوفى، واللهم صل على عمرو بن العاص)، وكان يأتي بالصدقة على التطوع (٤) والرغبة، فاستحسن ذلك منه، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) هي رسالة فارسية تسمى بـ: \"ترغيب أهل السعادات على تكثير الصلاة على سيد الكائنات\"، ولها نسخة خطية في مكتبة خدا بخش، باتنه، الهند. ينظر: \"حياة شيخ عبد الحق محدث دهلوي\" (ص: ١٨٩ - ١٩٠).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣٦٠).\n(٣) في ع: \"يؤخذ\".\n(٤) كذا في النسخ المخطوطة إلا (ب)، ففيها: \"الطوع\".","vol":"3","page":55},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-345> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٩١٩ - [١] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيَنِي كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ فَقَالَ: أَلَا أُهْدِي لَكَ هَدِيَّةً سَمِعْتُهَا مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقُلْتُ: بَلَى، فَأَهْدِهَا لِي، فَقَالَ: سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ؟ فَإِنَّ اللَّه قَدْ عَلَّمَنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، قَالَ: \"قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ،\nــ\nالفصل الأول\n٩١٩ - [١] (عبد الرحمن بن أبي ليلى) قوله: (كعب بن عجرة) بضم المهملة وسكون الجيم.\nقوله: (هدية) أي: كلمة.\nوقوله: (أهل البيت) منصوب على الاختصاص، وقد يجر بدلًا عن الضمير في (عليكم)، وفيه نظر، والمطلوب السؤال عن كيفية الصلاة عليه -ﷺ-، وذكروا أهل البيت استطرادًا وتبعًا، وهو في الحقيقة كناية عن ذاته الشريفة، وقد يطلق (آل فلان) ويراد هو نفسه، كما قالوا في (آل داود) ونحوه بقرينة قوله: (فإن اللَّه قد علمنا كيف نسلم عليك) أي: علمنا في التشهد على لسانك، فإن التعليم عن رسول اللَّه -ﷺ- تعليم عن اللَّه، فإنه لا ينطق إلا عنه.\nوقوله: (وعلى آل محمد): (آل) أصله: أهل، بدليل تصغيره على أهيل، وقيل: (أَأْلٌ) فقلبت الهمزة ألفًا، إذ سمع تصغيره أؤيل بهمزتين، وقيل: أصله: أول، ونقل عن الكسائي: أويل بالواو، وقد يوفق [بين] كل من هذه الأقوال مع التصغيرات الثلاث بقلب كل من الهاء والهمزة والواو، وبالأخريين ذكره بعض الأفاضل في (حاشية","vol":"3","page":56},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالضيائية)، وآل الرجل: أهله وعياله، وآله أيضًا: أتباعه، كذا في (الصحاح) (١)، وفسروه بأهل البيت، وأهل البيت جاء بمعنى من حرم عليهم الصدقة، وهم: بنو هاشم، فيشمل آل العباس، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل -﵃-. وقيل: بنو المطلب أيضًا، وجاء بمعنى أولاده وأزواجه.\nقال الإمام الرازي (٢): الأولى أن يقال: هم أولاده، وأزواجه -ﷺ-، والحسن والحسين -﵄- منهم، وعلي -﵁- أيضًا منهم؛ لأنه كان من أهل بيته بسبب معاشرته بنت النبي -ﷺ- وملازمته -ﷺ-. وقد يخصص بهؤلاء، أعني فاطمة وعليًّا والحسن والحسين -﵃-، يدل عليه قصة المباهلة وحديث الكساء، وقد قالوا: إنهم هم المرادون بخطاب ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣].\nوالحق أن أزواجه -ﷺ- أيضًا داخلات في هذا الخطاب؛ لأن سياق كتاب اللَّه ﷿ ينادي على دخولهن، وتذكير الخطاب للفظ الأهل أو على التغليب، ولا بد من القول بالتغليب عند التخصيص أيضًا كما لا يخفى، انتهى، واللَّه أعلم.\nووجه التوفيق بين هذه الأقوال: أن البيت بيت السكنى، وبيت النسب، وبيت الولادة، فبنو هاشم أهل بيت النسب، كما يقال لأولاد الجد القريب: بيت فلان، والأزواج أهل بيت السكنى، وأولاده -ﷺ- أهل بيت الولادة، وقد أشبعنا الكلام على ذلك مع ذكر الأحاديث الواردة في الباب في خاتمة رسالة لنا في ذكر المبشرين بالجنة من الأصحاب مسماة بـ (تحقيق الإشارة في تعميم البشارة)، وهذا المقدار الذي ذكرنا بعضًا منه مذكور في (حاشية الضيائية).\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٤/ ١٦٢٧).\n(٢) \"مفاتيح الغيب/ التفسير الكبير\" (٢٥/ ١٦٨).","vol":"3","page":57},{"text":"كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ،\nــ\nوالآل أيضًا يجيء بمعنى الأتباع، وبهذا المعنى ورد إلى كل مؤمن، ومال إليه مالك، واختاره الأزهري وآخرون، وهو قول سفيان الثوري وغيره، ورجَّحه النووي في (شرح مسلم) (١)، وقيده القاضي حسين بالأتقياء (٢)، والظاهر أن المراد في الحديث المعنى الأعم، واللَّه أعلم.\nوقوله: (كما صليت) فيه إشكال مشهور من جهة أن التشبيه يقتضي كمال المشبه به وقوته في وجه التشبيه، وليست الصلاة على إبراهيم ﵇ أكمل من الصلاة على محمد -ﷺ-، وأجيب بأجوبة، أظهرها: أن التشبيه في أصل الصلاة لا للقدر بالقدر، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ [النساء: ١٦٣]، وأقواها: أنه يكفي ظهور المشبه به وشهرته في ذلك، والصلاة على إبراهيم أظهر وأشهر، ويقال: وجه التشبيه كون الصلاة [عليه] أكملَ الصلاة ممن قبله، وقد علمنا (٣) في هذا الباب رسالةً مسماة بـ (الأجوبة الاثني عشر عن الإشكال الوارد في حديث الصلاة على سيد البشر) (٤)، فلينظر ثمة.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٢/ ٣٦١).\n(٢) وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى تَمَّامٌ فِي \"فوائده\"، وَالدَّيْلَمِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَنْ آلُ مُحَمَّدٍ؟ فَقَالَ: \"كُلُّ تَقِيٍّ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ\"، زَادَ الدَّيْلَمِيُّ: ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤]. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧٤٠).\n(٣) كذا في النسخ المخطوطة، وهو خطأ، والصواب: \"عملنا\".\n(٤) رسالة باللغة العربية سماها: \"الأجوبة الاثنا عشر في توجيه الصلاة على سيد البشر\"، قال في تعريفها: \"رسالة حوت توجيهات التشبيه الواقع في الصلاة على النبي الكريم: اللهم صل على محمد وآل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، جمعتها في مجلس واحد من وقت السحر إلى طلوع ذكاء، مع ما وقع في البين من الصلاة والورد والدعاء\". ينظر: \"الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام\" (٥/ ٥٥٥)، و\"حياة شيخ عبد الحق =","vol":"3","page":58},{"text":"إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْراهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجيدٌ\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٧٠، م: ٤٠٦]. إِلَّا أَنَّ مُسْلِمًا لَمْ يَذْكُرْ: (عَلَى إِبْرَاهِيمَ) فِي الْمَوْضِعَيْنِ.\n٩٢٠ - [٢] وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرَّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ. . . . .\nــ\nوقوله: (إنك حميد) أي: حامد لأحبائك بإجزال المثوبات، أو لذاته بصفات الكمال وبث الآيات، أو محمود بنسبة الخلق، أو بكلامه القديم.\nوقوله: (مجيد) أي: عظيم شريف كريم.\nوقوله: (إلا أن مسلمًا لم يذكر: على آل إبراهيم في الموضعين) وليس مذكورًا في رواية من البخاري أيضًا.\n٩٢٠ - [٢] (أبو حميد الساعدي) قوله: (وذريته) بضم المعجمة، وحكي الكسر، وقيل: مثلثة، وقد يخص بالنساء والأطفال، وهي من: (ذرأ) بالهمزة: أي خلق، إلا أن الهمزة سهّلت لكثرة الاستعمال، وقيل: هي من الذر، فليس مهموز الأصل، كذا في بعض الشروح، ويظهر منه أن الذرية بتشديد الراء إن كان من الذرّ، وبتخفيفه وتشديد الياء نحو برية وخطية، بقلب الهمزة ياء وإدغام الياء في الياء، وقد سبق في (باب الإيمان بالقدر).\nوقوله: (كما صليت على إبراهيم)، وكذا قوله: (كما باركت على إبراهيم) في\n_________\n= محدث دهلوي\" (ص: ١٨٩).","vol":"3","page":59},{"text":"إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَجِيدٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣٦٠، م: ٤٠٧].\nــ=\nنسخة صحيحة بزيادة (آل)، والذي في رواية أحمد (١): ذكر إبراهيم في الصلاة، وآل إبراهيم في البركة، وبينهما مناسبة كقوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣].\nاعلم أن هذه الصلاة قد رويت بألفاظ مختلفة وزيادات من الكتب الستة وغيرها، وقد يزاد: وارحم محمدًا كما رحمت على إبراهيم، وربما يقولون: وترحمت، وتعقب بأنه لم تصح روايته، وأيضًا لا يقال: رَحِمْتَ عليه بل رحمته، وبأن الترحم فيه معنى التكلف والتصنع فلا يحسن إطلاقه على اللَّه سبحانه، قال الأسنوي: أي لا يقال ذلك على اللغة الفصحى، وإلا فقد نقله الطبري عن الصفاني، كذا في شرح الشيخ.\nومع قطع النظر اختلفوا في إطلاق مطلق الرحمة عليه -ﷺ-، ونقل عن (التبيين) (٢): أنه كره بعضهم أن يقال: اللهم ارحم محمدًا؛ لأنه يوهم التقصير، إذ الرحمة تكون بإتيان ما يلام عليه، مثل قوله -ﷺ-: (رحم اللَّه لوطًا يأوي إلى ركن شديد، ورحم اللَّه هاجر لو تركتها لكان عينًا معينًا)، والصحيح أنه لا يكره؛ لأنه -ﷺ- كان من أشوق العباد إلى مزيد رحمة اللَّه تعالى، ولا يستغني أحد عن رحمة اللَّه، وقد ورد في الكتاب نسبة الرحمة إليه -ﷺ- كما في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقوله -ﷺ-: (إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته)، وأمثال ذلك كثير، والمنع من ذلك مكابرة، وأما إيهامه التقصير كما في الحديثين اللذين ذكرهما القائل، فذلك إطلاق آخر نادر لا ينحصر استعمالها فيه.\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (١/ ٢٦٢).\n(٢) \"تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق\" (١/ ١٢٣).","vol":"3","page":60},{"text":"٩٢١ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٠٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-346> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٩٢٢ - [٤] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ، وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٢٩٧].\nــ\n٩٢١ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (من صلى علي واحدة صلى اللَّه عليه عشرًا) قد يستشكل بأنه كيف يجوز أن يكون الصلاة على النبي -ﷺ- واحدة، وعلى المصلي عشرًا؟ وأجيب بأن (واحدة) صفة لفعلة المصلي، والحسنة بعشر أمثالها، ولا يفهم منه أن الصلاة على النبي -ﷺ- من اللَّه تعالى تكون واحدة، بل المصلي دعا اللَّه تعالى أن يصلي على نبيه -ﷺ-، ولعله تعالى يصلي ما شاء من العدد، ولو سلّم فيجوز أن تكون الواحدة أفضل وأكمل من ألف، فافهم، كالدرة الواحدة بالنسبة إلى مئة ألف درهم، ثم العشر من الصلوات يكون أقل ما يُجْزَى به؛ لكون الحسنة بعشر أمثالها، واللَّه يضاعف لمن يشاء.\nثم الظاهر أن تكون صلاة اللَّه تعالى على العبد المصلي بالخصوصيات من الكيفيات والكميات التي صلى بها، وفضل اللَّه واسع، وإن كان أحط درجة، كما يليق بحال العبد، وكفى بهذا فضلًا وشرفًا وبشارةً.\nالفصل الثاني\n٩٢٢ - [٤] (أنس) قوله: (ورفعت له عشر درجات) في الدنيا بتوفيق الطاعات، وفي القيامة بتثقيل الحسنات، وفي الجنة بزيادة البركات والكرامات.","vol":"3","page":61},{"text":"٩٢٣ - [٥] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٤٨٤].\n٩٢٤ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ فِي الأَرْضِ يُبَلِّغُونِي مِنْ أُمَّتِي السَّلَامَ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ن: ١٢٨٢، دي: ٢٨١٦].\n٩٢٥ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ ﵇\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ\". [د: ٢٠٤١، \"الدعوات الكبير\": ١٧٨].\nــ\n٩٢٣ - [٥] (ابن مسعود) قوله: (أولى الناس بي) (١) أي: أقربهم وأحراهم باللحوق بي، والفوز بشفاعتي، وذلك لأنه يورث المحبة، وهي تورث المعية والاتحاد.\n٩٢٤ - [٦] (وعنه) قوله: (إن للَّه ملائكة) التنكير للتكثير، و(يبلغوني) بالتخفيف والتشديد، كما هو حكم المضارع الذي فيه نون الإعراب مع نون الوقاية، وقد جاء في بعض الروايات: (يسمونه ويسمون أباه)، ويقولون: فلان بن فلان أهدى هذه الصلوات، وكفى بهذا سعادة، وفي هذا المعنى قال من قال، ولنعم ما قال:\nلَكَ الْبَشَارَةُ فَاخْلَعْ مَا عَلَيْكَ فَقَدْ ... ذُكِرْتَ ثَمَّه عَلَى مَا فِيكَ مِنْ عِوَجِ\n٩٢٥ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (إلا ردّ اللَّه علي روحي) قد اختلفوا في أن هذا الردَّ مخصوص بزائري القبر الشريف يدخلون في حضرته ويسلمون كالداخل في\n_________\n(١) قَالَ ابْنُ حِبَّانَ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ: فِي هَذَا الْخَبَرِ بَيَانٌ صَحِيحٌ عَلَى أَنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْقِيَامَةِ يَكُونُ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ، إِذْ لَيْسَ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ قَوْمٌ أَكْثَرَ صَلَاةً عَلَيْهِ مِنْهُمْ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لِأَنَّهمْ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ قَوْلًا وَفِعْلًا. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧٤٣).","vol":"3","page":62},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالمجلس، أو عام لكل من يُسلِّم كما في التشهد وغيره، والظاهر العموم، وهو القول الصحيح، إلا أن يكون ههنا فرق، بأن يسمع هو -ﷺ- السلام من الزائرين بنفسه الكريمة، وممن عداهم بواسطة الملائكة، كما يأتي في حديث أبي هريرة في (الفصل الثالث)، واللَّه أعلم.\nثم يستشكل هذا الحديث بأحاديث حياته -ﷺ-، فإنه يدل على مفارقة الروح لبدنه الشريف في بعض الأوقات، وأجابوا عنه بوجوه:\nأحسنها: أنه ليس المراد بعود الروح عودها بعد المفارقة عن البدن، وإنما المراد أنه -ﷺ- في البرزخ مشغول بأحوال الملكوت، مستغرق في مشاهدة رب العزة ﷿، كما كان في الدنيا في حالة الوحي، وفي الأحوال الأخر، فعُبِّر عن إفاقته من تلك المشاهدة، وذلك الاستغراق بردِّ الروح، ونظيره ما قال بعض العلماء في قوله: (فاستيقظت وأنا بالمسجد الحرام): والإسراء لم يكن منامًا، وإنما المراد الإفاقة مما خامره من عجائب الملكوت.\nوالجواب الآخر ما قال السيوطي واستحسنه، وقال: لا يدركه إلا ذو باع في العربية، وهو أن قوله: (رد اللَّه) جملة حالية، وقاعدة العربية إذا وقعت الحال فعلًا ماضيًا قدرت فيها (قد)، وقد روى البيهقي بلفظ (قد) مذكورة بقوله: (إلا وقد رد اللَّه روحي)، فالجملة ماضية سابقة على السلام، و(حتى) ليست للتعليل، بل لمجرد العطف كالواو، فصار تقدير الحديث: ما من أحد يسلم علي إلا قد ردَّ اللَّه علي روحي قبل ذلك وأردُّ عليه، انتهى.\nقد تقرر في العربية أن (قد) هذه هي المقربة للماضي من زمان الحال، ولذا دخلت على الماضي الواقع حالًا ليقربه من زمان العامل، إذ الظاهر من صيغة الماضي","vol":"3","page":63},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nهو المضي بالنسبة إلى زمان العامل، فأدخلت ليقربه منه ويقارنه، فالرد حصل أولًا بعد موته -ﷺ-، وهي مستقرة إلى الآن، فافهم.\nوقد يقال: إن المراد بالروح ههنا النطق مجازًا، فكأنه قال: إلا ردَّ اللَّه علي نطقي، وهو حي على الدوام، لكن لا يلزم من حياته نطقه، فاللَّه تعالى يرد عليه النطق عند سلام كل مسلّم.\nوقال السيوطي: عندي فيه وقفة، فإن منعه -ﷺ- عن النطق في بعض الأوقات، ورده عليه عند سلام المسلم بعيد جدًا، بل ممنوع؛ فإن النقل والعقل يشهدان بخلافه، أما النقل فإن الأخبار الواردة عن حاله -ﷺ- وأحوال الأنبياء ﵈ في البرزخ مصرحة حقًّا بأنهم ينطقون متى شاؤوا، بل سائر المؤمنين من الشهداء وغيرهم، ولم يرو أن أحدًا يمنع من النطق في البرزخ إلا من مات من غير وصية، فإنه لا يؤذن له في الكلام مع الموتى كما جاء في الحديث.\nوأما العقل فلأن في الحبس عن النطق في بعض الأوقات نوع حصر وتعذيب، ولهذا عذب به تارك الوصية، والنبي -ﷺ- منزه عن ذلك، انتهى.\nويمكن أن يقال: إن عدم النطق يمكن أن يكون لمثل ما ذكر من مشاهدة الملكوت والاستغراق في مشاهدة الرب، فلا ينطق إلا عند سلام الأمة أو غير ذلك مما في حكمه، وليس في الحديث أنه يمنع عن النطق ويحصر دائمًا إلا عند السلام، فلا بُعد.\nنعم في إرادة النطق من الروح مجازًا بعد، ولو صح لصح أيضًا، كما قيل: إن المراد بالروح السمع، ويراد السمع الغير المعتاد الخارق للعادة، بحيث يسمع السلام وإن كان المسلم في قطر بعيد، وقد كان مثل هذا السمع له -ﷺ- في الدنيا أيضًا، بحيث كان يسمع أطيط السماء، ذكر هذه الأجوبة السيوطي في آخر رسالته المسماة بـ (إنباء الأذكياء","vol":"3","page":64},{"text":"٩٢٦ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلَا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (١).\nــ\nبحياة الأنبياء) (٢)، ومثلها معها حتى بلغ خمسة عشر جوابًا، وقد فتح عليه في هذا الباب عجائب من العلوم والإدراكات، كما نقل عن الجاحظ أنه قال: إذا نكح الفكر الحفظ وَلَّد العجائب، رحمة اللَّه عليه رحمة واسعة، واللَّه أعلم، وعلمه أحكم.\n٩٢٦ - [٨] (وعنه) قوله: (لا تجعلوا بيوتكم قبورًا) أي: لا تكونوا في بيوتكم كالموتى في القبور لا يصلون ولا يعبدون، وقيل: لا تدفنوا الموتى في البيوت، وقد سبق الكلام فيه في آخر (الفصل الأول) من (باب المساجد ومواضع الصلاة).\nوقوله: (ولا تجعلوا قبري عيدًا) أي: لا تجعلوا زيارة قبري، أو لا تجعلوا قبري مظهر عيد في الاجتماع للهو واللعب والسرور والزينة؛ لئلا يورث ذلك الغفلة والقسوة، وقد كانت اليهود والنصارى يسلكون هذا المسلك، ولما تضمَّن هذا النهيَ عن الاجتماع، وإن كان المقصودُ النهيَ عنه على وجه اللهو واللعب، فكان محل أن يقولوا: نجتمع ونحضر لنصلي عليك، وكيف نصبر عن ذلك لاحا (٣) في ذلك إلى الحضور؛ قال تسليةً لهم: (صلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم).\nوالمقصود الحثّ على التوجه والحضور بالقلب لا بالأبدان؛ لإفضائه إلى ارتكاب ما لا ينبغي، وعدم رعاية أدب الحضرة، ومن هذا لا يلزم عدم قصد الزيارة والاستسعاد\n_________\n(١) هذا وهم، لم أجده عنده في \"سننه\" الصغرى والكبرى ولا في \"عمل اليوم والليلة\"، بل أخرجه أبو داود (٢٠٤٢)، وأحمد (٢/ ٣٦٧).\n(٢) (ص: ١٦ - ٢٥).\n(٣) كذا في الأصول.","vol":"3","page":65},{"text":"٩٢٧ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ أَوْ أَحَدُهُمَا فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجنَّةَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٤٥].\nــ\nبها على الوجه المرضي.\nهذا وقد يجعل العيد اسمًا من الاعتياد، ويقال: عاده، واعتاده: تعوده، أي: صار عادة له، فالنهي عن تكثير الزيارة بطريق العادة الموجب لارتفاع العظمة والحشمة، وهذا المعنى أنسب وألصق بقوله: (فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم)، وقد جاء في الآثار: أن رجلًا كان يكثر زيارته -ﷺ- ولحضر قبره، فرآه أحد من أهل بيت النبوة، وقال: لا تسيء الأدب، وكن بمكانك، فإنه يبلغه سلامك، ولو كنت في أقصى المشرق أو المغرب، أو كما قال.\n٩٢٧ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (رغم أنف) أي: لصق بالرغام، وهو التراب، كناية عن الذل والهلاك، وقد عرف تفصيل معناه في مواضع.\nوقوله: (فلم يصل علي) قد تفيد هذه (الفاء)، وكذا (ثم) و(الفاء) في قوله: (ثم انسلخ) و(فلم يدخلاه) استبعادَ وقوع هذه الأفعال، وذلك للتعقيب والتراخي اللذين في مفهوم (الفاء)، و(ثم) باعتبارهما في الرتبة، ولا بد أن يكون ذلك في (ثم) أكثر، أي: كيف يليق أن تفوت أمثال هذه الفضائل من العاقل مع قدرته وتيسره منه، وإدخال (ثم) في مضي الرمضان للدلالة على كمال غفلته وتهاونه مع امتداد الوقت ووجود زيادة الفرصة، وأما وجود الأبوين بعد الكبر فقصير نظرًا إلى ظاهر الحال، فافهم.\nوقول: (فلم يدخلاه الجنة) إشارة إلى سببيتهما لدخول الجنة، وفيه تأكيد ومبالغة","vol":"3","page":66},{"text":"٩٢٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ وَالْبِشْرُ فِي وَجْهِهِ فَقَالَ: \"إِنَّهُ جَاءَنِي جِبْرَئِيلُ فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقُولُ: أَمَا يُرْضِيكَ يَا مُحَمَّدُ! أَنْ لَا يُصَلِّيَ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمُّتِكَ إِلَّا صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا؟ وَلَا يُسَلِّمُ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ إِلَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا؟ \". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ن: ١٢٨٣، دي: ٢٨١٥].\n٩٢٩ - [١١] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي؟ فَقَالَ: \"مَا شِئْتَ\" قُلْتُ: الرُّبُعَ؟ قَالَ: \"مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ\". قُلْتُ: النِّصْفَ؟ قَالَ: \"مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ\". قُلْتُ: فَالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: \"مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ\". . . . .\nــ\nفي برهما والإحسان إليهما.\n٩٢٨ - [١٠] (أبو طلحة) قوله: (والبشر في وجهه) البشر بالكسر: الطلاقة، وإيراد كلمة (في) للدلالة على تمكنه فيه تمكنًا تامًّا حتى جعل وجهه ظرفًا له.\n٩٢٩ - [١١] (أبي بن كعب) قوله: (إني أكثر الصلاة عليك) أي: أريد أن أكثر، كذا في بعض الشروح، أو المراد إني أصلي كثيرًا، وأريد أن تجعل لي في ذلك حدًّا، استجلابًا لرغبته، وشوقه وحثًّا على المزيد.\nوقوله: (من صلاتي) أي: من دعائي، يريد أن لي زمانًا من صلاتي، أي: من دعائي أدعو فيه لنفسي، فأصرف من زمنه للصلاة عليك ما تأمرني به، ففوض -ﷺ- إلى مشيئته إشارة إلى أنه ليس لذلك حد معين، بل كلما زدتَ فهو خير لك حتى تستوعب الوقت كلَّه، وقال شيخنا -﵀- حين وداعي إلى المدينة الطيبة: اعلموا أنه ليس","vol":"3","page":67},{"text":"قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا؟ قَالَ: \"إِذًا يُكْفَى هَمُّكَ، وَيُكَفَّرُ لَكَ ذَنْبُكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٥٧].\n٩٣٠ - [١٢] وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَاعِدٌ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، فَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي،\nــ\nفي هذا الطريق عبادة بعد أداء الفرائض أفضل من الصلاة على النبي -ﷺ-، فكان تارة يقول: صلوا حتى تصيروا رطب اللسان بذلك، وأخرى: صلوا حتى تنصبغوا بصبغه وتستغرقوا فيه.\nوقوله: (إذًا يكفى همك) بصيغة المجهول بالياء التحتانية ورفع (همك)، أو الفوقانية ونصب (همك) بأنه مفعول ثان لى (يكفي) أي: إذا صرفت جميع أزمان دعائك في الصلاة علي؛ كفيت ما يهمك من أمور دنياك وآخرتك، على قياس (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، فمن كان للَّه ورسوله كان اللَّه ورسوله له، جعلنا اللَّه منهم.\nقال بعضهم: لما صرف العبد سؤاله وطلبه ورغبته في محاب اللَّه ورسوله، وآثره على محاب نفسه، لا جرم استحق جزاءً كاملًا، وفضلًا مخصوصًا، ويغنيه عن التشبث بأسباب ذلك، وهذه نكتة غريبة في قضاء حوائج العبد وكفاية مهماته لاشتغاله بالصلاة على النبي -ﷺ-، فافهم.\n٩٣٠ - [١٢] (فضالة بن عبيد) قوله: (عن فضالة) بفتح الفاء.\nوقوله: (إذ دخل) أي: في المسجد (رجل فصلى، فقال) أي: في الصلاة أو بعدها.","vol":"3","page":68},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عَجِلْتَ أَيُّهَا الْمُصَلِّي! إِذَا صَلَّيْتَ فَقَعَدْتَ، فَاحْمَدِ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَصَلِّ عَلَيَّ، ثُمَّ ادْعُهُ\"، قَالَ: ثُمَّ صَلَّى رَجُلٌ آخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"أَيُّهَا الْمُصَلِّي! ادْعُ تُجَبْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ. [ت: ٣٤٧٦، د: ١٤٨١، ن: ١٢٨٤].\n٩٣١ - [١٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي وَالنَّبِيُّ -ﷺ- وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مَعَهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَدَأْتُ بِالثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى (١)، ثُمَّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- ثُمَّ دَعَوْتُ لِنَفْسِي، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"سَلْ تُعْطَهُ، سُلْ تُعْطَهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٥٩٣].\nــ\nوقوله: (عجلت) أي: بترك الوسيلة، وهو بكسر الجيم المخففة، ويجوز الفتح والتشديد، كذا في بعض الشروح.\nوقوله: (فقعدت) يعني: التشهد، كذا في (الأزهار)، وقال الطيبي (٢): ويحتمل أن يكون عطف على مقدر، أي: صليت وفرغت وقعدت للدعاء.\n٩٣١ - [١٣] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (حاضر) كذا في نسخة صحيحة، ولم يوجد في نسخة الشارح، فقدره خبرًا (٣).\nوقوله: (سل تعطه) بصيغة المجهول، والضمير للمسؤول الدال عليه (سل)، والهاء للسكت.\n_________\n(١) لفظ \"تعالى\" سقط في نسخة.\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣٦٧).\n(٣) انظر: \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣٦٨).","vol":"3","page":69},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-347> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٩٣٢ - [١٤] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الأَوْفَى إِذَا صَلَّى عَلَيْنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ، وَأَزْوَاجِهِ أُمُّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَذُرِّيَّتِهِ، وَأَهْلِ بَيْتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيْدٌ مَحيدٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٩٨٢].\n٩٣٣ - [١٥] وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْبَخِيلُ (١) الَّذِي مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٥٤٦، حم: ١/ ٢٠١].\nــ\nالفصل الثالث\n٩٣٢ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (أن يكتال) بفتح الياء وضمها، أي: الأجر والثواب، وتخصيصه بالماء من حوضه كما قيل، لا دليل عليه.\nوقوله: (إذا صلى علينا) جملة شرطية وقعت جزاء للشرط الأول، ودل الحديث على أن الأزواج من أهل بيته -ﷺ-، وهو ظاهر لا حاجة إلى إثباته.\nوقوله: (أهل بيته) إن عطف على (ذريته) فهو تعميم بعد تخصيص، وإن عطف على مجموع الأزواج والذرية، فهو في حكم العطف التفسيري، إلا أن يحمل (أهل البيت) على المعنى الأعم، وهو من يحرم عليهم الصدقة.\n٩٣٣ - [١٥] (علي -﵁-) قوله: (البخيل الذي من ذكرت) الموصول الثاني\n_________\n(١) في نسخة: \"الدنيء\".","vol":"3","page":70},{"text":"٩٣٤ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عِنْدَ قَبْرِي سَمِعْتُهُ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ نائِيًا أُبْلِغْتُهُ\" (١). رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شعب الإيمَان\". [شعب: ١٤٨١].\n٩٣٥ - [١٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَمَلَائِكَتُهُ سَبْعِينَ صَلَاةً. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ١٨٧].\nــ\nمزيد للتأكيد، وقد جاء في قراءة شاذة: (الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مَنْ قَبْلِكُمْ) بفتح ميم (من)، واللام في (البخيل) للجنس محمول على الكمال، فإنه يبخل في أداء حق مَنْ نعمه واصلة إليه في الدنيا والآخرة، بحيث لا يعد ولا يحصى، وهو في الحقيقة يبخل عن نفسه، ويمنعها من اكتيال الثواب الأوفى بعمل يسير، ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه؛ لأن إرادة الصلاة للنبي -ﷺ- إرادة رحمة وخير للمؤمنين كلهم، إذ هو واسطة وميزاب ماء الرحمة الواصل إلى الكل كما قيل، وهذا دعاء شامل للبرية، فكان تركه الصلاة بُخْلًا ليس فوقه بخل، فافهم، وباللَّه التوفيق.\n٩٣٤ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (من صلى عليّ عند قبري) الحديث يؤيد ما ذكرنا في حديث أبي هريرة -﵁-: (ما من مسلم يسلم علي) من الفرق بين صلاة الزائرين وغيرهم.\n٩٣٥ - [١٧] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (سبعين صلاة) (٢) من باب مضاعفة الثواب، كما أشرنا في قوله -ﷺ-: (عشرًا)، فيجوز من فضل اللَّه تعالى أن يضاعف أكثر\n_________\n(١) في نسخة: \"بُلِّغْتُهُ\".\n(٢) قال القاري: وَلَعَلَّ هَذَا مَخْصُوصٌ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ، إِذْ وَرَدَ: أَنَّ الأَعْمَالَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِسَبْعِينَ ضِعْفًا، وَلِهَذَا يَكُونُ الْحَجُّ الأَكْبَرُ عَنْ سَبْعِينَ حَجَّةً. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧٥٠).","vol":"3","page":71},{"text":"٩٣٦ - [١٨] وَعَنْ رُوَيْفِعٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ وَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْزِلْهُ الْمَقْعَدَ الْمُقَرَّبَ عِنْدَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ١٠٨].\n٩٣٧ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى دَخَلَ نَخْلًا، فَسَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى قَدْ تَوَفَّاهُ، قَالَ: فَجِئْتُ أَنْظُرُ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: \"مَا لَكَ؟ \" فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ. قَالَ: فَقَالَ: \"إِنَّ جِبْرَئِيلَ ﵇ قَالَ لي: أَلا أُبَشِّرُكَ أَنَّ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ لَكَ: مَنْ صَلَّى عَلَيْكَ. . . . . .\nــ\nمن ذلك إلى سبع مئة، كما ورد في مضاعفة أجر الحسنات، وزِيْدَ ههنا صلاة الملائكة، وهم تابعون لأمر اللَّه وفعله، فإذا صلى اللَّه عليه صلى كُلُّ شَيْءٍ.\n٩٣٦ - [١٨] (رويفع) قوله: (اللهم أنزله المقعد المقرب) قيل: هو المقام المحمود، وقيل: هو مقعده من الجنة، ومنزلته التي لا منزلة فوقها.\n٩٣٧ - [١٩] (عبد الرحمن بن عوف) قوله: (حتى دخل نخلًا فسجد) وفي رواية: (فتوجه نحو صدقته) أي: النخيل الذي جعله صدقة (فدخل فاستقبل القبلة فخرَّ ساجدًا)، وجاء في حديث آخر: (أنه كان في جبل سلع)، ولعله كان في واقعة أخرى، واللَّه أعلم.\nوقوله: (حتى خشيت أن يكون اللَّه تعالى قد توفّاه) وزاد في رواية: (فبكيت فرفع رأسه).\nوقوله: (فذكرت ذلك) أي: الذي خشيته.\nوقوله: (ألا أبشرك أن اللَّه) بالفتح والكسر.","vol":"3","page":72},{"text":"صَلَاةً صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ١٩١].\n٩٣٨ - [٢٠] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- قَالَ: إِنَّ الدُّعَاءَ مَوْقُوفٌ بَيْنَ السَّمَاءَ وَالأَرْضِ، لَا يَصْعَدُ مِنْهَا شَيْءٌ حَتَّى تُصَلِّيَ عَلَى نبَيِّكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٤٨٦].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>١٧ - باب الدعاء في التشهد</span>\nــ\n٩٣٨ - [٢٠] (عمر بن الخطاب -﵁-) قوله: (لا يصعد منها) بصيغة المعلوم والمجهول، و(منها) أي: من الدعوات، وفي بعض النسخ: (منه) أي: من الدعاء، والظاهر أن هذا موقوف على عمر -﵁-، ويحتمل أن يكون مرفوعًا.\n١٧ - باب الدعاء في التشهد\nكأنه أريد بالتشهد ههنا جميع ما يقرأ في القعدة الأخيرة، فيصح استعمال كلمة (في)، أو المراد بعد التشهد كما يأتي في الحديث: \"إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر\"، ثم المذكور في الفقه أن يدعو بما يعجبه بعد أن لا يكون مما يشبه كلام الناس ويمكن سؤاله منهم، وقد سبق في (باب التشهد) من حديث ابن مسعود: \"ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه\"، وقد وردت الأدعية المخصوصة من النبي -ﷺ-، ويمكن أن يكون المراد الأعجب من هذه الأدعية المأثورة، وبالجملة التوسل والتمسك والتلبس بها أولى وأفضل وأكمل، لأنها أجمع وأتم وأهم.","vol":"3","page":73},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-349> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٩٣٩ - [١] عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ يَقُولُ: لا اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ،\nــ\nالفصل الأول\n٩٣٩ - [١] (عائشة -﵂-) قوله: (من فتنة المسيح الدجال) الفتنة: الامتحان والابتلاء، قد سبق تحقيق معناه في أوائل الكتاب، و(المسيح) بالحاء المهملة، أي: الممسوح إحدى عينيه، أو الماسح للأرض (١)، وهو يطلق على الدجال -عليه اللعنة- وعلى عيسى ابن مريم ﵇، ولكن إذا أريد به الدجال قُيّدَ به، ويجيء تحقيق اسمه ومعناه في موضعه من أحوال القيامة، والمراد بـ (فتنة المحيا) ما يوجب الزيغ والانحراف عن سبيل الهدى والرضا، وبـ (فتنة الممات) ما يشمل وسوسة الشيطان في حالة النزع، وما وقع من سؤال منكر ونكير في القبر، أو الأول داخل في فتنة المحيا، والثاني يختص بفتنة الممات، والمراد بـ (المأثم) إما الأمر الذي يأثم به الإنسان فهو موضعه\n_________\n(١) قال القاري: أَوْ هُوَ مَمْسُوحٌ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، أَيْ: مُبْعَدٌ عَنْهُ، أَوْ لأَنَّ أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ خُلِقَ مَمْسُوحًا لَا عَيْنَ فِيهِ وَلَا حَاجِبَ، وَقِيلَ: (فَعِيلٌ) بِمَعْنَى (فَاعِل) مِنَ الْمَسَاحَةِ؛ لِأَنَّهُ يَمْسَحُ الأَرْضَ، أَيْ: يَقْطَعُهَا بِتَرَدُّدِهِ فِيهَا فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَة إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَمَاهُمَا مِنْهُ بِفَضْلِهِ، أَوْ يُقَدِّرُهَا بِالذِّرَاعِ وَالشِّبْرِ، وَيَقْطَعُهَا بِحَيْثُ لَا يَكُونُ بَلَدٌ إِلَّا دَخَلَهُ غَيْرَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، وَآخِرُ الأَمْرِ يَقْتُلُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فِي مُحَاصَرَةِ الْقُدْسِ، وَأَمَّا الْمَسِيحُ الَّذِي هُوَ لَقَبُ عِيسَى فَأَصْلُهُ الْمَسِيحَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ، وَهُوَ الْمُبَارَكُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ الْمَسْحَ، يَمْسَحُ ذَا آفَةٍ فَيَبْرَأُ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ سَيَّاحًا كَثِيرَ السَّيْرِ فِي الأَرْضِ، أَوْ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ، وَقِيلَ: لأَنَّ زَكَرِيَّا مَسَحَهُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧٥١).","vol":"3","page":74},{"text":"وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَمِنَ الْمَغْرَمِ\"، فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيْذُ مِنَ الْمَغْرَمِ، فَقَالَ: \"إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٣٢، م: ٥٨٩].\n٩٤٠ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الآخِرِ؛ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٨٨].\nــ\nومكانه، أو الإثم نفسه، مصدر ميمي وُضِعَ موضع الاسم، وكذلك (المغرم)، وغَرِمَ كسمع: استدان، والغريم: المديون، ويطلق على الدائن أيضًا، والغرامة ما يلزم أداؤه، وكذا الغرم بالضم والمغرم، والمراد الدين الذي استدين لمعصية أو لطاعة مع العجز عن أدائه، أما الدين الذي استدين في الطاعة مع القدرة على الوفاء؛ فلا بأس به، ولا يستعاذ منها، وفي شرح الشيخ: ولا مانع من الإطلاق؛ لأنه يمكن أن يموت ولا يوفى عنه.\nوقوله: (إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف) قيل: إذا حدث عن ماضي الأحوال لتمهيد معذرته في التقصير كذب، وإذا وعد، أي: لما يستقبل أخلف، انتهى.\nوالظاهر أنه لا حاجة إلى هذا التخصيص بل المراد الإطلاق، أي: يحدث عن حاله ومعاملته ويظهر فقره وفاقته؛ ليحمل الناس على إدانته ويخدعهم.\n٩٤٠ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (من شر المسيح الدجال) تخصيص بعد تعميم على عكس ما وقع في الحديث الأول.","vol":"3","page":75},{"text":"٩٤١ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄-: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ كَمَا يُعَلِّمُهُمُ السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، يَقُولُ: \"قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٩٠].\n٩٤٢ - [٤] وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: \"قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِيْ إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُوْرُ الرَّحِيمُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٣٤، م: ٢٠٧٥].\nــ\n٩٤١ - [٣] (ابن عباس -﵄-) قوله: (كما يعلمهم السورة من القرآن) تنبيهًا على غاية الاهتمام، وتوصية للمحافظة على ذلك، ولذلك كان يأمر به بقوله: (قولوا)، وذهب بعض السلف إلى وجوبه حتى أمر بإعادة الصلاة إذا تعمد في الترك (١).\n٩٤٢ - [٤] (أبو بكر الصديق -﵁-) قوله: (اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا) قال النووي في (الأذكار) (٢): هكذا ضبطنا \"ظلمًا كثيرًا\" بالثاء المثلثة في معظم الروايات، وفي بعض روايات مسلم: (كبيرًا) بالباء الموحدة، وكلاهما حسن، وقال: ينبغي أن يجمع بينهما فيقول: (ظلمًا كثيرًا كبيرًا) (٣).\n_________\n(١) قَالَ النَّوَوِيُّ: ذَهَبَ طَاوُسٌ إِلَى وُجُوبِهِ، وَأَمَرَ ابْنَهُ لإِعَادَةِ الصَّلَاةِ حِينَ لَمْ يَدْعُ هَذَا الدُّعَاءَ فِيهَا، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧٥٣).\n(٢) \"الأذكار\" (ص: ١٢٧).\n(٣) قال القاري: وَالأَظْهَرُ فِي الْجَمْعِ أَنْ يَقُولَ مَرَّةً كَذَا وَمَرَّةً كَذَا، أَوْ يَأْتِي فِي الْفَرَائِضِ بِالْمُخْتَارِ مِنَ =","vol":"3","page":76},{"text":"٩٤٣ - [٥] وَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ أَرَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى أَرَى بَيَاضَ خَدِّهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٨٢].\n٩٤٤ - [٦] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٨٤٥].\nــ\n٩٤٣ - [٥] (عامر بن سعد) قوله: (عامر بن سعد) أي: ابن أبي وقاص، وهكذا المتعارف إذا ذُكِر أحد من الصحابة، بل ومن غيرهم أيضًا مطلقًا، فهو محمول على المشاهير منهم؛ كعبد اللَّه يراد به ابن مسعود، وكالحسن يراد به البصري، وأمثال ذلك.\nوقوله: (بياض خده) في بعض النسخ: (خدَّيه).\n٩٤٤ - [٦] (سمرة بن جندب) قوله: (أقبل علينا بوجهه) أي: في حال التسليم بأحد شقّ وجهه، أو بعد التسليم كما يأتي في حديث البراء: فإنه -ﷺ- كان ينصرف عن يمينه أو يساره في الأغلب، وكان قد يستقبلهم مستدبرًا للقبلة أيضًا في بعض الأحيان، فقد روى البخاري ومسلم (١): أنه -ﷺ- كان إذا فرغ من صلاة الفجر استقبل بوجهه أصحابه، وقال: هل رأى أحدكم رؤيا؟ كان يطلب رؤيا فيها بشرى بفتح مكة، وقد\n_________\n= الْمَذْهَبِ، وَبِلَفْظِ: \"كَثِيرًا\" عَلَى أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ، وَفِي النَّوَافِلِ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلَى النَّوَوِيِّ ابْنُ جَمَاعَةَ، وَتَبِعَهُ الزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ -ﷺ- لَمْ يَنْطِقْ بِهِمَا كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، بِأَنْ يُقَالَ هَذَا مَرَّةً وَهَذَا مَرَّةً، وَالِاتِّبَاعُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ لَا بِالْجَمْعِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧٥٣).\n(١) \"صحيح البخاري\" (١٣٨٦)، و\"صحيح مسلم\" (٢٢٧٥).","vol":"3","page":77},{"text":"٩٤٥ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَنْصَرِفُ عَنْ يَمِينِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٠٨].\n٩٤٦ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ\nــ\nأخرج البخاري (١) عن سمرة أنه قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه، وقد جاء في حديث آخر (٢) عن زيد بن خالد الجهني: فلما انصرف أقبل على الناس، وفيه قصة مطرنا بنوء كذا، وعن أنس (٣): فلما صلى أقبل علينا بوجهه فقال: إن الناس قد صلوا، وفيه قصة تأخير صلاة العشاء، والحاصل أنه إذا أراد أن يخاطبهم بشيء استقبل، وإذا أراد أن يذهب إلى حجرته انصرف إلى يساره، وكان قد ينصرف إلى يمينه، واللَّه أعلم.\n٩٤٥ - [٧] (أنس) قوله: (ينصرف عن يمينه) إن كان المراد مائلًا عن جانب يمينه مستقبلًا إلى اليسار كما هو ظاهر اللفظ فهو الأكثر؛ لأنه كان ينصرف ويذهب إلى حجرته الشريفة، وإن كان المراد آخذًا جانب يمينه -أي: ينصرف عن الصلاة جانب يمينه- فهو الأقل ولكن قد كان، ولهذا قال ابن مسعود: (لا يجعل أحدكم للشيطان)، الحديث.\n٩٤٦ - [٨] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (يرى) بفتح الياء وضمها.\nوقوله: (أن حقا) بتشديد (أن) وقد يروى بتخفيفها، وفي الحديث أن لا تُتَّخذ\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (١٣٨٦).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٨٤٦).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٨٤٧).","vol":"3","page":78},{"text":"رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٥٢، م: ٧٠٧].\n٩٤٧ - [٩] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُوْلِ اللَّهِ -ﷺ- أَحْبَبْنَا أَنْ نَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ يُقْبِلُ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ قَالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: \"رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ -أَو: تَجْمَعُ- عِبَادَكَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٠٩].\n٩٤٨ - [١٠] وَعَن أُمِّ سَلمَةَ قَالَتْ: إِنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ قُمْنَ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللَّهُ،\nــ\nالسنة واجبًا؛ لأن اللَّه يُحِبُّ أن تؤتى رُخَصُه كما يُحِبُّ أن تؤتى عزائمه، خصوصًا إذا سن كلا الطرفين، وإذا لاحظ ترخيص اللَّه سبحانه وتوسيعه وشكر هذه النعمة أخذت الرخصة حكم العزيمة، ونقل الطيبي (١) عن علي -﵁- أنه قال: إذا كانت حاجته عن يمينه أخذ من يمينه، وإذا كانت عن يساره أخذ من يساره.\n٩٤٧ - [٩] (البراء) قوله: (يقبل علينا بوجهه) أي: أول ما يسلِّم التسليمة الأولى، وذلك لفضل جهة اليمين، والتشرفِ لسبق إقباله عليهم بوجهه الكريم، والاستسعاد بخطابه العظيم، خصوصًا وقت صدوره من جناب الحق وانصرافه عن الصلاة التي هي قرة عينه، واقتباس الأنوار واستمداد أسرار من مواجهته -ﷺ- مع حصول السبق والتقدم في ذلك، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١]، وبهذا يظهر وجه فضيلة القيام عن يمين الإمام، فافهم.\n٩٤٨ - [١٠] (أم سلمة) قوله: (ما شاء اللَّه) فتارة إذا سلم لم يقعد إلا مقدار:\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣٧٣).","vol":"3","page":79},{"text":"فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَامَ الرِّجَالُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٨٦٦].\nوَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ فِي \"باب الضِّحْكِ\" إِن شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-350> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٩٤٩ - [١١] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"إِنِّي لأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ\" فَقُلْتُ: وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: \"فَلَا تَدَعْ أَنْ تَقُولَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ:\nــ\n(اللهم أنت السلام) إلى آخره، وتارة يقعد يسيرًا ويدعوه ويقرأ القرآن ويُبَلِّغُ الأحكام، وأخرى يجلس في مصلَّاه إلى طلوع الشمس على اختلاف الأحوال ومقتضياتها، فتدبر.\nالفصل الثاني\n٩٤٩ - [١١] (معاذ بن جبل) قوله: (أخذ بيدي) في الحاشية نقلًا عن (الأزهار): الباء صلة، ويجوز أن يكون للتبعيض.\nوقوله: (وأنا أحبك) يعني: هذا القول عناية منك وأين أنا من ذلك، واللائق أن أكون أنا محبًّا لك، وذلك منصبي وشأني، فافهم.\nوقوله: (أن تقول في دبر كل صلاة) حملوه على الدعاء في آخر التشهد، ويحتمل أن يكون المراد بعد السلام، وقد ذكره صاحب (سفر السعادة) (١) في الأدعية\n_________\n(١) \"سفر السعادة\" (ص: ٦١، ٦٢).","vol":"3","page":80},{"text":"رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، إِلَّا أَنَّ أَبَا دَاوُدَ لَمْ يَذْكُرْ: قَالَ معَاذٌ: وَأَنَا أُحِبُّكَ. [حم: ٥/ ٢٤٤، ٢٤٥، د: ١٥٢٢، ن: ١٣٠٣].\n٩٥٠ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: \"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ\" حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَيْمَنِ، وَعَنْ يَسَارِهِ: \"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ\" حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الأَيْسَرِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلَمْ يَذْكُرِ التِّرْمِذِيُّ: حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ. [د: ٩٩٦، ت: ٢٩٥، ن: ١٣٢٥].\n٩٥١ - [١٣] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ. [جه: ٩١٤].\nــ\nالتي بعد الصلاة.\nوقوله: (رب أعني) في \"الأذكار\" (١): \"اللهم\" مقام \"رب\".\nوقوله: (وحسن عبادتك) إشارة إلى معنى الإحسان وهو أن تعبد ربك كأنك تراه، قالت السادة الصوفية: وإنما يتيسر ذلك بالتجرد وعدم التعلق بما سوى اللَّه من النفس والدنيا والخلق، وإنما تركوا الدنيا لتحصيل الحضور في العبادة وإحسانها.\n٩٥٠، ٩٥١ - [١٢، ١٣] (عبد اللَّه بن مسعود، وعمار بن ياسر) قوله: (السلام عليكم) حال أو استئناف.\n_________\n(١) \"الأذكار\" (١٩٤).","vol":"3","page":81},{"text":"٩٥٢ - [١٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ انْصِرَافِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِنْ صَلَاتِهِ إِلَى شِقِّهِ الأَيْسَرِ إِلَى حُجْرَتِهِ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١/ ١٧٤].\n٩٥٣ - [١٥] وَعَن عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يُصَلِّي الإِمَامُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ حَتَّى يتَحَوَّلَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: عَطَاءٌ الْخُرَسَانِيُّ لَمْ يُدْرِكِ الْمُغِيرَةَ. [د: ٦١٦].\nــ\n٩٥٢ - [١٤] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (إلى شقه الأيسر) الانصراف إليه نص في معنى الميل إليه، وأما الانصراف عنه فالظاهر في الميل عنه، ويحتمل أخذ ذلك الجانب والذهاب منه كما ذكرنا.\n٩٥٣ - [١٥] (عطاء الخراساني) قوله: (لا يصلي الإمام في الموضع الذي صلى فيه حتى يتحول) أي: ينتقل من مكانه إلى موضع آخر، فيتأخر ويصلي خلف القوم، أو ينحرف يمنة أو يسرة، وأما المقتدي والمنفرد فإن شاء تطوع في مكانه أو تقدم أو تأخر أو انحرف يمنة أو يسرة، والكل سواء، ورُوِي عن محمد أنه قال: يستحب للقوم أيضًا أن ينقضوا الصفوف ويتفرقوا.\nوقوله: (وقال) أي: أبو داود: (عطاء الخراساني لم يدرك المغيرة) يريد تضعيف الحديث وأنه منقطع، فإن المغيرة مات سنة خمسين، وهو عام ولادة عطاء الخراساني، وفي (الكاشف) للذهبي (١): أنه كان يرسل عن معاذ وطائفة من الصحابة، وفي حاشيته: وعن جميع من يروي عنه من الصحابة.\n_________\n(١) \"الكاشف\" (٣٨٠٥).","vol":"3","page":82},{"text":"٩٥٤ - [١٦] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- حَضَّهُمْ عَلَى الصَّلَاةِ وَنَهَاهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا قَبْلَ انْصِرَافِهِ مِنَ الصَّلَاةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٢٤].\nــ\nهذا وقد روي عن ابن عمر، وعن القاسم بن محمد بن أبي بكر -﵃-: الصلاة في مكانهم الذي صلوا فيه، هذا ما ذكر الطيبي (١)، والذي ذكره عن ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة (٢) عن ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر -﵄-: أنه كان يصلي سبحته في مكانه، وأخرج من طريق آخر عن نافع: أن ابن عمر كان لا يرى به بأسًا، وأخرج عن عطاء: أن ابن عباس وابن الزبير وأبا سعيد وابن عمر -﵁- كانوا يقولون: لا يتطوع حتى يتحول عن مكانه الذي صلى فيه الفريضة، وفي سنده رجل متهم، ورَوَى عن أبي هريرة أنه قال: أيعجز أحدكم إذا فرغ من صلاته أن يتقدّم أو يتأخّر؟ وهو عام للإمام وغيره، كذا ذكره بعض المتأخرين، وسيأتي الكلام فيه مفصلًا في ترجمة الباب الآتي.\n٩٥٤ - [١٦] (أنس) قوله: (حضهم) أي: حثهم على الصلاة، أي: على إدامتها بالجماعة، ورعاية أحكامها وآدابها كما يناسبه.\nوقوله: (ونهاهم أن ينصرفوا قبل انصرافه من الصلاة) ومعناه: النهي عن انصرافهم قبل النبي -ﷺ- حتى تنصرف النساء، وقيل: معناه: النهي عن التسليم قبل النبي -ﷺ-، ويحتمل أن يكون الوجه في النهي عن انصرافهم قبل انصرافه -ﷺ- هو عدم موافقتهم له -ﷺ-، وعدم انتظارهم لدعائه، واقتباسِ بركات صحبته بعد صدوره عن موارد القرب والتجلي، ولمَا يحتمل أن يحكم بشيء من الأحكام، وهذا أنسب بما جاء\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٣٧٦).\n(٢) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٦٠١٦).","vol":"3","page":83},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-351> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٩٥٥ - [١٧] عَن شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ وَالْعَزِيْمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَلِسَانًا صَادِقًا،\nــ\nفي الحديث الصحيح: (وكان سرعان القوم يخرجون).\nالفصل الثالث\n٩٥٥ - [١٧] (شداد بن أوس) قوله: (في صلاته) أي: آخرها بعد التشهد، وفي رواية لأحمد: (فيها أو في دبرها)، كذا في شرح الشيخ.\nوقوله: (الثبات في الأمر) أي: في أمر الدين والاستقامة فيه.\nوقوله: (والعزيمة على الرشد) العزم والعزيمة: عقد القلب على إمضاء الأمر، ورشد كنصر وفرح، رُشْدًا ورشادًا: إذا اهتدى، كاسترشد، والرشيد في أسماء اللَّه تعالى: الهادي إلى سواء الصراط، كذا في (القاموس (١»، ويحتمل أن يكون الرشد ههنا أيضًا بمعنى الهداية، أي: هداية الناس وإرشادهم.\nوقوله: (قلبًا سليمًا) أي: خاليًا عن العقائد الفاسدة والميل إلى الشهوات العاجلة والآجلة والالتفات إلى ما سوى اللَّه.\nوقوله: (لسانًا صادقًا) إسناد مجازي، أو المراد باللسان الكلام والقول، أو الناطق بالصدق، من الصدق بمعنى صفة المتكلم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٧٠).","vol":"3","page":84},{"text":"وَأَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَرَوَى أَحْمَدُ نَحْوَهُ. [ن: ١٣٠٤، حم: ٤/ ١٢٥].\n٩٥٦ - [١٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ (١): \"أَحْسَنُ الْكَلَامِ كَلَامُ اللَّهِ، وَأَحْسَنُ الْهَدْي هَدْيُ مُحَمَّدٍ (٢) \". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٣١١].\nــ\nوقوله: (وأسألك من خير) من زائدة أو بيانية، أي: شيءٌ هو خير، أو تبعيضية، فإن كل الخير لا يحصل لأحد، وإنما الحاصل ما قُسِم له.\nوقوله: (ما تعلم) أي: تعلم أنت أنه خير، وإلا فالعبد قد يحب شرًّا ويظن الشر خيرًا، وكذا الكلام في قوله: (وأعوذ بك من شر ما تعلم).\nوأكثر ما وقع في الأدعية المأثورة بل كلُّه تعليم منه -ﷺ- لأمته، وإلا فكل الخير حاصل له، ولا مدخل للشر فيه، أو قال ذلك تواضعًا وعبودية.\n٩٥٦ - [١٨] (جابر) قوله: (وأحسن الهدي) وهي السيرة والطريقة.\n_________\n(١) أي: أحيانًا.\n(٢) قال القاري: مَدْحُ كَلَامِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَدْحٌ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهُوَ فِي مَعْنَى التَّسْبِيحِ وَالذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ، فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ: هُوَ مُشْكِلٌ عَلَى مَنْ يَرَى بُطْلَانَ الصَّلَاةِ بِالنُّطْقِ بِغَيْرِ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْعِبْرَةُ بِالْمَعْنَى لَا بِاللَّفْظِ، وَلِذَا قَالَ عُلَمَاؤُنا: لَوْ قِيلَ لِأَحَدٍ فِي الصَّلَاةِ: مَاتَ فُلَانٌ، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى جَوَابٌ لِكَلَامِ الْقَائِلِ مَعَ كَوْنِهِ لَفْظَ الْقُرْآنِ، وَقَالُوا: لَا يَدْعُو بَعْدَ التَّشَهُّدِ بِمَا يُطْلَبُ مِنَ الْمَخْلُوقِ، فَلَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ أَعْطِنِي مَالًا أَوْ جَارِيَةَ تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ أَغْنِنِي وَزَوِّجْنِي الْحُورَ الْعِينَ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧٥٩).","vol":"3","page":85},{"text":"٩٥٧ - [١٩] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ رَسُول اللَّه -ﷺ- يُسَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ تَسْلِيمَةً تِلْقَاءَ وَجْهِهِ ثُمَّ يَمِيلُ إِلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ شَيْئًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٩٦].\nــ\n٩٥٧ - [١٩] (عائشة -﵂-) قوله: (تلقاء وجهه) ذهب مالك إلى أنه يسلم بتسليمة واحدة قِبَلَ وجهه أخذًا بهذا الحديث، والثلاثة على أنه يسلم تسليمتين أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره؛ لمَا سبق من حديث ابن مسعود رواه الخمسة ومسلم بمعناه، وصححه الترمذي، وحديث سعد بن أبي وقاص رواه أحمد ومسلم والنسائي، وقال الشيخ ابن الهمام (١): وحديث ابن مسعود أرجح مما أخذ به مالك من حديث عائشة -﵂-، وروي عن الإمام أحمد في تأويل حديث عائشة -﵂- أن معناه أنه كان يجهر بتسليمة واحدة، قال ابن قدامة (٢): والمعنى في هذا أن الجهر في غير القراءة إنما هو للإعلام وقد حصل بالأولى، وقال: معنى قول عائشة -﵂-: (تلقاء وجهه) أنه -ﷺ- كان يبتدئ بقوله: السلام عليكم إلى القبلة، ثم يلتفت عن يمينه وشماره، والتفاتُه في أثناء سلامه.\nوقال صاحب (سفر السعادة) (٣): وجاء في حديث عدي بن عميرة: كان يسلِّم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، وإسناده غير قائم عند أهل الحديث، وحديث عائشة: كان رسول اللَّه -ﷺ- يسلم تسليمة واحدة يرفع بها صوته حتى يوقظنا، أيضًا معلَّل، وبعد تسليم صحته فهو لا يدل صريحًا على نفي التسليمة الثانية، يعني ظاهره على أن التسليمة الواحدة كان يرفع بها صوته للإيقاظ، ولا يرفع صوته بالثانية لعدم الحاجة كما ذكرنا من تأويل أحمد.\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٣١٩).\n(٢) \"المغني\" (١/ ٣٩٩).\n(٣) \"سفر السعادة\" (ص: ٤٨، ٤٩).","vol":"3","page":86},{"text":"٩٥٨ - [٢٠] وَعَنْ سَمُرَةَ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ نَرُدَّ عَلَى الإِمَامِ وَنَتَحَابَّ، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٠٠١].\n* * *\nــ\nواعلم أن الترمذي (١) عقد بابًا للتسليمتين، وقال بعد إيراد حديث ابن مسعود: وفي الباب عن سعد وابن عمر وجابر بن سمرة والبراء وعمار ووائل بن حجر وعدي ابن عميرة وجابر، وحديث ابن مسعود -﵃-، قال: هذا حديث حسن صحيح، وعليه عمل أهل العلم من أصحاب محمد -ﷺ- ومن بعدهم. وعقد بابًا آخر للتسليمة الواحدة وأورد حديث عائشة -﵂-، وقال: وفي الباب عن سهل بن سعد، وقال: حديث عائشة -﵂- لم يعرف رفعه إلا بهذا الوجه، وقال محمد بن إسماعيل: زهير بن محمد من أهل الشام يروى عنه مناكير، وقال بعض أهل العلم بتسليمة واحدة، وأصح الروايات من رسول اللَّه -ﷺ- تسليمتان، وعليه عمل أكثر أهل العلم من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- والتابعين ومن بعدهم، وقد قال قوم بتسليمة واحدة، وقال الشافعي -﵀-: إن شاء سلم واحدة وإن شاء سلم تسليمتين، هذا كلام الترمذي، وقد ظهر منه أن عدي ابن عميرة في جماعة هم قائلون بالتسليمتين، كما قال صاحب (سفر السعادة) (٢)، ولم نجد في الكتب الستة وغيرها حديثًا في تسليمة واحدة، واللَّه أعلم.\n٩٥٨ - [٢٠] (سمرة) قوله: (أن نرد على الإمام) أي: ننوي بالسلام رد الجواب على الإمام.\nوقوله: (ونتحاب وأن يسلم بعضنا على بعض) أي: ننوي السلام على القوم\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (باب: ٢٢١، ٢٢٢، رقم: ٢٩٥).\n(٢) \"سفر السعادة\" (ص: ٤٨).","vol":"3","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-352>١٨ - باب الذكر بعد الصلاة</span>\nــ\nبعضنا على بعض فإنه يوجب التحابب.\n١٨ - باب الذكر بعد الصلاة\nقد ثبتت شرعية الجهر بالذكر على الإطلاق وبعد الصلاة، ووردت فيه أحاديث كما ستتلى عليك، ثم إنه قد اختلفت الروايات حديثًا وقديمًا في أنه هل يقوم بعد أداء الفريضة متصلًا أو يلبث في مكانه قاعدًا؟ وإذا قام هل يتطوع في مكانه أو يتحول؟ فالمختار أن يقوم من غير لبث إن كان في صلاة بعدها تطوع، وكذلك الإمام، وقال علماؤنا: إذا سلم الإمام من الظهر أو المغرب أو العشاء كره له المكث قاعدًا، فإن شاء أن يصلي تطوعًا لم يصل في مكانه، بل يتأخر ويصلي خلف القوم، أو حيث أحب من المسجد خلا مكان الإمامة، أو ينحرف يمنة أو يسرة، أو يتأخر، وإن شاء رجع إلى بيته يتطوع، وإن كان مقتديًا أو يصلي وحده إن لبث في مكانه يدعو جاز، وكذا إن قام إلى التطوع في مكانه أو تقدم أو انحرف يمنة أو يسرة جاز، والكل سواء، وروي عن محمد أنه قال: يستحب للقوم أيضًا أن ينقضوا الصفوف ويتفرقوا ليزول الاشتباه على الداخل أنهم في الصلاة فيقتدي فيفسد اقتداؤه.\nوقال شمس الأئمة: هذا إذا لم يكن من قصده الاشتغال بالدعاء، فإن كان له ورد يقضيه بعد المكتوبات فأراد أن يقضي ورده قبل أن يشتغل بالتطوع؛ فإنه يقوم عن مصلاه ويقضي ورده، إن شاء جلس في ناحية من المسجد فيقضي ورده، ثم يقوم إلى التطوع، فالأمر فيه واسع، وما ذكره شمس الأئمة دليل على جواز تأخير السنن عن أداء الفريضة، وصرح بكراهية تأخير التطوع عن الفريضة في (الاختيار شرح المختار)، وقال: لأنه -ﷺ- كان لا يمكث إلا مقدار أن يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام.","vol":"3","page":88},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوروي أن جلوس الإمام في مصلاه بعد الفراغ مستقبِل القبلة بدعة، ولأن مكثه يوهم الداخل أنه في الصلاة فيقتدي به فيفسد اقتداؤه، فكان المكث تعريضًا لفساد اقتداء غيره، فلا يمكث، ولكنه يستقبل القوم بوجهه إن شاء إن لم يكن بحذائه أحد يصلي؛ لما روي أنه -ﷺ- كان إذا فرغ من صلاة الفجر استقبل بوجهه أصحابه، وقال: هل رأى أحدكم رؤيا، كانه يطلب رؤيا فيها بشرى بفتح مكة، وإن كان بحذائه أحد يصلي لا يستقبل القوم؛ لأنه استقبال الصورة في الصلاة، وهو مكروه؛ لما روي أن عمر -﵁- رأى رجلًا يصلي إلى وجه غيره فعلاهما بالدرة، وقال: أتستقبل الصورة؟ وللآخر: أتستقبل المصلي بوجهك؟ وإن شاء انحرف لأن بالانحراف يزول الاشتباه كما يزول بالاستقبال.\nثم اختلف المشايخ في كيفية الانحراف، قال بعضهم: ينحرف إلى يمين القبلة تبركًا بالتيامن، وقال بعضهم: ينحرف إلى اليسار ليكون يساره إلى اليمين، وقال بعضهم: هو مخير إن شاء انحرف يمنة، وإن شاء انحرف يسرة، وهو الصحيح؛ لأن ما هو المقصود من الانحراف -وهو زوال الاشتباه- يحصل بالأمرين جميعًا، وإن كانت صلاة بعدها سنةٌ يكره له المكث قاعدًا، وكراهة القعود مروية عن الصحابة -﵃-، روي عن أبي بكر وعمر -﵄- أنهما إذا كانا فرغا من الصلاة قاما كانهما على الرضيف، فينبغي أن يتنحى إزالة للاشتباه، أو استكثارًا من شهوده على ما روي أن مكان المصلي يشهد له يوم القيامة، وهذا كله للإمام.\nوبالجملة الروايات كثيرة في القيام بعد الفريضة متصلًا، وكذا في تحول الإمام عن مكانه، وقد جاءت روايات على خلافهما أيضًا كما مر، وهذا كله في صلاة بعدها سنة، وأما في غيرها فقد ثبت في الصحيح أنه -ﷺ- كان يقعد في مكانه بعد الفجر إلى","vol":"3","page":89},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-353> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٩٥٩ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالتَّكْبِيرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٤٢، م: ٥٨٣].\nــ\nطلوع الشمس.\nثم مما ينبغي أن يعلم أن تقديم الرواية لا ينافي البعْدية التي وردت في الأحاديث أنه يقرأ بعد الفريضة كذا وكذا من الأذكار والأدعية، صرح به الشيخ ابن الهمام (١)، وكذا قراءة بعض الأدعية المختصرة التي صحت الأخبار بقراءتها بعد الفريضة لا ينافي استحباب القيام إلى التطوع متصلًا والاستعجال به كما ورد أن يقول دبر الفجر أو المغرب: لا إله إلا اللَّه وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، عشر مرات، مع ما ورد في المغرب من تعجيل ركعتيه، وكذا قراءة آية الكرسي قبل السنة إن صح حديثه، وما يفعله بعض الناس من قراءة آية الكرسي في ركعتي المغرب فليس بشيء، ومخالف للسنة الواردة بقراءة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيهما، وهذا الذي ذكرنا كالقاعدة في الباب، ثم نشرع في شرح الأحاديث.\nالفصل الأول\n٩٥٩ - [١] قوله: (عن ابن عباس -﵄- قال: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول اللَّه -ﷺ- بالتكبير. متفق عليه)، اختلفوا في بيان المراد به فقيل: المراد به الذكر بعد الصلاة، وفي الصحيحين (٢) عن ابن عباس -﵄- أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي -ﷺ-، وقال ابن عباس -﵄-: كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٤٤٠).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٨٤١)، و\"صحيح مسلم\" (٥٨٣).","vol":"3","page":90},{"text":"٩٦٠ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إِلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجلَالِ وَالْإِكْرَامِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٩٢].\nــ\nإذا سمعته، ثم ذكر البخاري هذا الحديث الذي أورده المؤلف، فدل على أن المراد بالتكبير مطلق الذكر، وقيل: التكبيرات التي في الصلاة عند كل خفض ورفع، والمراد: أعرف انقضاء كل هيئة يتحول منها إلى أخرى، قاله الطيبي (١)، وقيل: التكبير الذي ورد مع التسبيح والتحميد كبر ثلاثًا وثلاثين أو عشرًا، وقيل: كانوا يقولون: اللَّه أكبر، مرة أو ثلاثًا بعد الصلاة، وقال عياض: إن ابن عباس -﵄- كان لم يحضر الجماعة؛ لأنه كان صغيرًا ممن لا يواظب على ذلك، وكان يعرف انقضاء الصلاة بما ذكر، وقيل: يحتمل أن يكون حاضرًا في أواخر الصفوف، فكان لا يعرف انقضاءها بالتسليم، واللَّه أعلم.\nوقيل: كان ذلك في أيام التشريق بمنى، وهذا أوفق بمذهب أبي حنيفة في كراهتهم الجهر بالذكر في ما عدا ما ورد، ولهذا لا يوجبون قضاء تكبيرات العيد والتشريق.\n٩٦٠ - [٢] (عائشة -﵂-) قوله: (لم يقعد إلا مقدار ما يقول) هذا الحديث يدل على أنه كان قد يقعد قبل أن يقوم للتطوع ويذكرُ ويدعو، بخلاف ما عليه أكثر الفقهاء من كراهة اللبث، وقال بعض المتأخرين: كان يلبث بهذا الدعاء كما دل عليه الحديث، وأنت خبير بأنه قد صحت دعوات كثيرة بعد الفرض كما هو ظاهر الأحاديث، فلا تخصيص به، إلا أن يذهب إلى أن الفصل بالرواية لا ينافي هذه البعدية كما قلنا، أو يقال: الإتيان بالدعوات التي صحت الرواية بها لا ينافي اتصال القيام إلى السنة، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٣٨٠).","vol":"3","page":91},{"text":"٩٦١ - [٣] وَعَنْ ثَوْبَانَ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَقَالَ: \"اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجلَالِ وَالْإِكْرَامِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٩١].\nــ\nثم إن قول أم المؤمنين عائشة -﵂-: (لم يقعد إلا مقدار ما يقول: اللهم أنت السلام. . . إلخ) مخصوص لصلاة بعدها راتبة، لِمَا قد ثبت قعوده بعد الصبح على مصلاه حتى تطلع الشمس، والأخبار والآثار فيه كثيرة.\n٩٦١ - [٣] (ثوبان -﵁-) قوله: (إذا انصرف) وفي رواية: إذا سلم، وفي رواية أبي داود (١): إذا أراد أن ينصرف.\nوقوله: (استغفر ثلاثًا (٢» قيل للأوزاعي: ما كيفية الاستغفار؟ قال: أستغفر اللَّه، أستغفر اللَّه، أستغفر اللَّه، وقد جاء في رواية أبي داود (٣): يقول ثلاثًا: أستغفر اللَّه الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، وقال النووي: ينبغي أن يقدم الاستغفار على سائر أنواع الذكر الوارد عقيب السلام، ورُدّ بأنه لم يأت في روايات الأحاديث.\nوقوله: (تباركت) تفاعلٌ من البركة للمبالغة، وقد مرّ معناه في شرح التحيات، والمعنى: كثرت خيراتك، ولا يحمل في وصفه تعالى على معنى الزيادة لأنه ينبئ عن النقصان، بل على البقاء والدوام والجلال والعظمة كما يناسب قوله: وتعاليت، وقيل: باسمه تنال البركة والزيادة.\nوقوله: (ذا الجلال والإكرام) أي: المستحق لأنْ يهاب سلطانه ويُثْنى ويكرم بما\n_________\n(١) \"سنن أبي داود\" (١٥١٣).\n(٢) قال القاري: وَلَعَلَّ اسْتِغْفَارَهُ لِرُؤْيَةِ تَقْصِيرِهِ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ؛ فَإِنَّ حَسَنَاتِ الأَبْرَارِ سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ، وَلِذَا قَالَتْ رَابِعَةُ: اسْتِغْفَارُنَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِغْفَارٍ كَثِيرٍ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧٦١).\n(٣) \"سنن أبي داود\" (١٥١٧).","vol":"3","page":92},{"text":"٩٦٢ - [٤] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: \"لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٤٤، م: ٥٩٣].\n٩٦٣ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا سَلَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ يَقُولُ بِصَوْتهِ الأَعْلَى: \"لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، لَا إِلَه إِلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاهُ، لَهُ النِّعْمَةُ، وَلَهُ الْفَضْلُ، وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّيْنَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٩٤].\nــ\nيليق بعلو شأنه، ويجيء إن شاء اللَّه تمام معناه في (شرح الأسماء الحسنى).\n٩٦٢ - [٤] (المغيرة بن شعبة) قوله: (كان يقول في دبر كل صلاة) الظاهر مرةً واحدة، وجاء في الصبح والمغرب عشر مرات كما يجيء في الفصل الثالث، و(الجد) بفتح الجيم بمعنى البخت، أو أبي الأب وأبي الأم، وقد يروى بكسرها وهو ضعيف، وقد مر.\n٩٦٣ - [٥] (عبد اللَّه بن الزبير) قوله: (يقول بصوته الأعلى) قيل: وذلك لتعليم أصحابه وإلا فالأفضل الإخفاء كذا قالوا، والحق أن الأوقات مختلفة، ففي بعضها يحصل الذوق بالإخفاء، وفي بعضها يزيد الشوق بالجهر، ولا خلاف [في] مشروعية الجهر بالذكر، وأفضليةُ الإخفاء من جهة أنه مظنة الرياء، فإذا لم يكن فهما سواء، واللَّه أعلم.\nوقوله: (مخلصين له الدين) حال دائمة من ضمير (نعبد)، وقيل: من فاعل (نقول) الدالِّ عليه (ولو كره الكافرون).","vol":"3","page":93},{"text":"٩٦٤ - [٦] وَعَنْ سَعْدٍ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ الصَّلَاةِ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْقَبْرِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٨٢٢].\n٩٦٥ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالُوا: قَدْ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فَقَالَ: \"وَمَا ذَاكَ؟ \" قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي،\nــ\n٩٦٤ - [٦] (سعد) قوله: (أرذل العمر) أي: آخره الذي هو أردؤه بحيث لا يبقى معه القوى والحواس، المانع من العلم والمعرفة والعبادات الظاهرة والباطنة، وأما طول العمر وكبر السن مع سلامة هذه الأشياء فسعادة عظيمة للمؤمن المطيع.\n٩٦٥ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (ذهب أهل الدثور) جمع دثر بفتح الدال وسكون الثاء، وهو المال الكثير، وقيل: الكثير من كل شيء، ولهذا قد يقيد بالمال ويبين به، كذا في (مجمع البحار) (١).\nوقوله: (بالدرجات العلى والنعيم المقيم) الظاهر أن المراد درجات الجنة ونعيمها الدائم، ويجوز أن يكون المراد بالدرجات: المراتب العلية التي تحصل لأهل القرب والولاية في هذا العالم من الأنوار والأسرار، وبالنعيم المقيم ما أعدّ لهم في الآخرة، فعند اللَّه ثواب الدنيا والآخرة.\nوقوله: (وما ذاك) أي: ما سبب سؤالكم هذا؟ أو ما سبب فوزهم وحيازتهم لها دونكم؟\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ١٥١).","vol":"3","page":94},{"text":"وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، ويُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ؟ \" قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: \"تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ. . . . .\nــ\nوقوله: (تدركون به من سبقكم) من متقدمي الإسلام عليكم من هذه الأمة، أو تدركون به جميع كمال من سبقكم من الأمم، وتسبقون به من بعدكم من متأخري الإسلام عنكم أو الموجود عن عصركم، كذا في شرح الشيخ، وكان هذا بيان فضل عظيم لهم وراء ما أزال به شكواهم من انحطاط درجتهم عن الأغنياء، وهو المقصود ههنا، وأكده بقوله: (ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم) أي: من الأغنياء الذين يتصدقون ويعتقون، نعم يلزم منه أفضلية الأغنياء المذكورين، وقد لزم ذلك كما قد صرح به في آخر الحديث، وهذا هو الظاهر في توجيه ما يقال: إن الأفضلية تقتضي الزيادة والمثليةَ المساواة، فالذي صنع مثل ما صنعوا يكون مماثلًا لهم لا أفضل منهم، فكيف يصح استثناؤه منه، وما يذكر أنه من قبيل: وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس، فتكلفٌ وتعسف، وفي شرح الشيخ: أن المعنى: إلا من صنع مثل ما صنعتم، فإنه يساويكم في ثواب ذلك العمل، واحتيج إليه لبيان أن مَن عمل من غير الصحابة مثلَ عملهم أثيب مثل ثوابهم وإن امتازوا على غيرهم بفضيلة الصحبة التي لا يوازيها عمل آخر، انتهى. وحاصله: أن الاستثناء منقطع، فافهم؛ فإن كلامهم لا يخلو عن قلق.\nوقوله: (وتسبحون وتكبرون وتحمدون) قال الشيخ: كذا في رواية ابن عجلان بتقديم التسبيح على التكبير وتأخير التحميد، ووقع في أكثر الأحاديث تأخير التكبير عن التحميد، وفي بعض الروايات: التكبير مقدم، ثم التسبيح، ثم التحميد، وفي بعضها:","vol":"3","page":95},{"text":"دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً\". قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nالتكبير، ثم التحميد، ثم التسبيح، فدل على أنْ لا ترتيب فيها، انتهى.\nأقول: وقد وقع صريحًا في الحديث: (لا يضرك بأيتهن ابتدأت).\nوقوله: (دبر كل صلاة) قد عرفت معنى البعدية، ومقتضى ظاهر الحديث أنه يقال عند الفراغ من الصلاة، فلو تأخر ذلك عن الفراغ فإن كان يسيرًا بحيث لا يعدُّ معرِضًا أو كان ناسيًا أو متشاغلًا بما ورد أيضًا بعد الصلاة كآية الكرسي مثلًا فلا يضر، والتشاغل بعد الصلاة بالراتبة هل يكون فاصلًا بها بين المكتوب والذكر المذكور؟ محل نظر، كذا في بعض الشروح، وقد أشرنا إليه سابقًا فتذكر.\nوقوله: (ثلاثًا وثلاثين مرة) هذا بظاهره يحتمل أن يكون كل واحد من هذه الأذكار بهذا العدد أو المجموع حتى يكون كل واحد أحد عشر مرة، وقد جاء في رواية أخرى من مسلم هكذا، وقال صاحب (سفر السعادة) (١): وكأنه تفسير بعض رواة الحديث عن أبي هريرة: تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وهذا التفسير وهم؛ لأن المراد كل كلمة من هذه الكلمات ثلاثًا وثلاثين، والنصوص صريحة في ذلك.\nوأقول: قد جاءت الروايات مختلفة، ففي أكثرها: كل واحد ثلاثًا وثلاثين، وفي بعضها: كل واحد عشرًا، وفي بعضها: كل واحد أحد عشر، فلو جاء بكل واحد أحد عشر جاز أيضًا، وما الباعث على حمله على الوهم وقد جاء في صحيح مسلم؟ واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"سفر السعادة\" (ص: ٥٨، ٥٩).","vol":"3","page":96},{"text":"\"ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيْهِ مَنْ يَشَاءُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٤٣، م: ٥٩٥].\nوَلَيْسَ قَوْلُ أَبِي صَالِحٍ إِلَى آخِرِهِ إِلَّا عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: \"تُسَبِّحُونَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا، وَتَحْمَدُونَ عَشْرًا، وَتُكَبِّرُونَ عَشْرًا\". بَدَلَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ.\n٩٦٦ - [٨] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ. . . . .\nــ\nوقوله: (ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء) يعني: فعليكم التسليم بقضائه والرضا بقسمته، وفيه دليل على أن الغني أفضل من الفقير إذا استوت أعمالهما، نعم قد ثبت أن الذاكر للَّه أفضل من المنفق في سبيل اللَّه، أما إذا ذكر المنفق أيضًا فلا بد أن يكون أفضل وأَزْيَدَ، هذا وقد جاء في بعض الأحاديث: أنه لما حزن الفقراء وانكسرت قلوبهم قال رسول اللَّه -ﷺ-: (لا تحزنوا فأنتم تدخلون الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم وهو خمس مئة سنة من أيام الدنيا)، وهذا جزاء الفقر وخفة أثقالهم وتيسر حسابهم.\nوقد قيل: إن هذا مخصوص بالفقراء المهاجرين كما يدل عليه سياق الحديث إلا أن يقاس عليهم غيرهم، ومع ذلك سبقُ دخول الجنة لا ينافي رفع درجات الأغنياء وكثرة ثواب أعمالهم، واللَّه أعلم، وبيده الفضل.\nوقوله: (بدل ثلاثًا وثلاثين) لكن هذه الرواية أثبتتْ زيادة، وزيادة الثقة مقبولة فلا منافاة، ولعله أوحي إليه -ﷺ- أولًا بالأقل، وثانيًا بالأكثر، واللَّه أعلم.\n٩٦٦ - [٨] (كعب بن عجرة) قوله: (معقبات لا يخيب قائلهن) سميت معقبات لأن بعضها يأتي عقب بعض، أو لأنها تعاد مرة بعد أخرى، أو لأنها تقال عقب الصلاة، والمعقب -بكسر القاف وتشديدها- من كل شيء: ما جاء عقيب ما قبله، وسمعت","vol":"3","page":97},{"text":"-أَوْ: فَاعِلُهُنَّ- دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَة: ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٩٦].\n٩٦٧ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتِلْكَ تِسْعَة وَتِسْعُونَ، وَقَالَ تَمَامَ الْمِئَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٩٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-354> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٩٦٨ - [١٠] عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: \"جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِرُ. . . . .\nــ\nمن بعض المشايخ أنها سميت معقبات لأن كل واحد يصلح أن يعقب الآخر كما جاء في الحديث: \"لا يضرك بأيتهن ابتدأت\"، وقوله: (لا يخيب) من الخيبة، خاب الرجل خيبة: إذا لم ينل ما يطلب.\nوقوله: (أو فاعلهن) شك الراوي، والقول فعل.\n٩٦٧ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (وقال: تمامُ المئة) بالرفع، فالضمير للنبي -ﷺ-، وبالنصب فالضمير لـ (من).\nالْفَصْل الثَّانِي\n٩٦٨ - [١٠] (أبو أمامة) قوله: (أيّ الدعاء أسمع؟ قال: جوف الليل الآخر) (أسمع) اسم تفضيل بمعنى المفعول، أي: أقرب وأسرع إجابة، والسمع يجيء بمعنى","vol":"3","page":98},{"text":"ودُبُرُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوْبَاتِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٤٩٩].\n٩٦٩ - [١١] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ أَقْرَأَ بِالْمُعَوِّذَاتِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ\". [حم: ٤/ ١٥٥، د: ١٥٢٣، ن: ١٣٣٦، الدعوات الكبير: ١٢٥].\nــ\nالإجابة كما يقال: سمع الأمير قولَه، أي: أجاب دعاءه وأعطى سؤاله، و(جوف) بالرفع، وهو الأكثر، ويروى بالنصب، ويجوز الجر، فعلى الرفع المضاف محذوف من الخبر، أي: دعاء جوف الليل، باكتساء المضاف إليه إعراب المضاف، وعلى النصب حرف الجر محذوف، وهو ظرف له، وأما الجر فبإبقاء المضاف إليه على إعرابه، وهو قليل، ومنهم من قال: يقدر المضاف في جانب المبتدأ، أي: أيُّ أوقات الدعاء يكون الدعاء فيه أسمع؟ والظاهر أنه يتعين على هذا الرفعُ.\nوقوله: (الآخر) صفة لـ (جوف)، والمراد بالجوف الآخر: النصف الأخير، أو الثلث أو السدس الأخيران كما تقرر في قيام الليل.\nوقوله: (دبر) عطف على (جوف) بالإعرابات الثلاث.\n٩٦٩ - [١١] (عقبة بن عامر) قوله: (بالمعوذات) بكسر الواو من التعويذ، وفي بعض الروايات: (بالمعوذتين)، والجمع باعتبار أن أقل الجمع اثنان، أو بإدخال سورة الإخلاص وحدها، أو مع الكافرين فيها تغليبًا، أو لما فيها من التوحيد والبراءة من الشرك المتضمن لمعنى الاستعاذة، وقيل: المراد الآيات التي تتضمن الاستعاذة لفظًا أو معنى، وقيل: المراد الكلمات المعوذة.","vol":"3","page":99},{"text":"٩٧٠ - [١٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَلأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً\". رَوَاهُ أَبُوْ دَاوُدَ. [د: ٣٦٦٧].\n٩٧١ - [١٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ\nــ\n٩٧٠ - [١٢] (أنس) قوله: (لأن أقعد مع قوم يذكرون اللَّه) يفهم من سياق الكلام أن القعود للذكر، ولو كان هذا خاصية القعود والمجالسة مع هذا القوم لم يبعد كما يدل عليه ظاهر حديث يأتي في (كتاب الدعوات).\nوقوله: (أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل) الأعداد الواقعة في السنَّة في أمثال هذا المقام سر لا يعلمها إلا الشارع، وقد تذكر مناسبات تقرِّب إلى الفهم، كما ذكر بعضهم أنه يحتمل أن يكون وجهه: أن العمل الموعود عليه بذلك ههنا منقسم إلى أربعة: ذكرِ اللَّه، والقعود له، والاجتماع، وحبس النفس من حين يصلي إلى أن تطلع الشمس أو تغرب، كذا في شرح الشيخ، واللَّه أعلم.\nوالتخصيص بولد إسماعيل لكونهم أشرف العرب، وقد يستشكل بأن العرب لا يسبى حتى يعتق؟ ويجاب بأن المسألة مختلف فيها، ويمكن أن يسبى بالاشتباه، أو المراد بالإعتاق إنقاذهم من الشدائد والمهالك.\nوقوله: (من أن أعتق أربعة) قيل: تنكيره يدل على أن هذه الأربعة غير الأربعة المتقدمة، فيدل على فضل الأولى، ويحتمل أنه لم يقيده اكتفاء.\n٩٧١ - [١٣] (أنس) قوله: (ثم صلى ركعتين) وهذا أقل، وأكثرها اثنتا عشرة","vol":"3","page":100},{"text":"كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ\". قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٨٥٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-355> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٩٧٢ - [١٤] عَنِ الأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا إِمَامٌ لَنَا يُكْنَى أَبَا رِمْثَةَ، قَالَ: صَلَّيْتُ هَذِهِ الصَّلَاةَ -أَوْ: مِثْلَ هَذِهِ الصَّلَاةِ- مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَقُومَانِ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ عَنْ يَمِينِهِ، وَكَانَ رَجُلٌ قَدْ شَهِدَ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى مِنَ الصَّلَاةِ، فَصَلَّى نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ سَلَّمَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَتَّى رَأَيْنَا بَيَاضَ خَدَّيْهِ، ثُمَّ انْفَتَلَ كَانْفِتَالِ أَبِي رِمْثَةَ -يَعْنِي نَفْسَهُ- فَقَامَ الرَّجُلُ الَّذِي. . . . .\nــ\nركعة، وهذه صلاة الإشراق، ويطلق عليها صلاة الضحى أيضًا كما وقع في الأحاديث، والظاهر أن صلاة الإشراق والضحى واحدة، وأول وقتها عند ارتفاع الشمس قَدْرَ رمح، وآخرها إلى قبيل الزوال، فتدبر.\nوقوله: (تامة) ثلاث مرات تأكيد للتشبيه، ومع ذلك هو من باب إلحاق الناقص بالكامل، وقيل: هذا بتضاعف ثوابه يبلغ قدر أصل ثواب ذلك إن شاء اللَّه، واللَّه أعلم.\nالفصل الثالث\n٩٧٢ - [١٤] (الأزرق بن قيس) قوله: (يكنى) بالتشديد والتخفيف، (أبا رمثة) بكسر الراء وسكون الميم.\nوقوله: (هذه الصلاة) كالظهر مثلًا.\nوقوله: (أو مثل هذه الصلاة) شك من الراوي، وهذا هو الحقيقة، ويصح في","vol":"3","page":101},{"text":"أَدْرَكَ مَعَهُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى مِنَ الصَّلَاةِ يَشْفَعُ، فَوَثَبَ [إِلَيْهِ] عُمَرُ فَأَخَذَ بِمَنكِبهِ فَهَزَّهُ ثُمَّ قَالَ: اجْلِسْ فَإِنَّهُ لَنْ يُهْلِكَ أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ صَلَوَاتِهِمْ فَصْلٌ. فَرَفَعَ النَّبِيُّ -ﷺ- بَصَرهُ،\nــ\nأمثالها العبارتان باعتبار الحقيقة الموجودة في ضمن الشخص وباعتبار تشخصها.\nوقوله: (أدرك معه التكبيرة الأولى من الصلاة) يعني: كان مدركًا لا مسبوقًا.\nوقوله: (يشفع) أي: يضم بالصلاة صلاة أخرى، يعني: يأتي بالتطوع.\nوقوله: (بمنكبه) وفي بعض النسخ: (بمنكبيه).\nوقوله: (فإنه لن يهلك) من الإهلاك أو من الهلاك، وقد يجيء هلك متعديًا، وإن جعل لازمًا قدر الباء قبل (إنه)، وكان الظاهر: لم يهلك؛ لكون القضية ماضية، فاستعمل (لن) مقام الم) فيدل على أنه قد يستعمل في الماضي، وقالوا: استعمل (لن) دلالة على استمرار هلاكهم، ولعل سبب هلاكهم بذلك عدم امتثال أمر أنبيائهم بذلك أو سر آخر؛ وإذا أريد ترك الذكر بعد السلام كما يجيء فالسبب التكاسل في ذكر اللَّه وتعليلهم إياه.\nوقوله: (فصل) المراد بالفصل إما أن يتقدم أو يتأخر من مكان صلاته كما يشير إليه حديث أبي هريرة: أن النبي -ﷺ- قال: (أيعجز أحدكم إذا صلى أن يتقدم أو يتأخر أو عن يمينه أو عن شماله؟)، رواه أبو داود وابن ماجه على ما مر، أو يتكلم أو يخرج كما رواه مسلم في \"صحيحه\" (١) عن السائب أنه قال: إن رسول اللَّه -ﷺ- أمرنا أن لا نوصل صلاة [بصلاة] حتى نتكلم أو نخرج، والذي يدل عليه إيراد الحديث في هذا الباب أن يراد بعدم الفصل ترك الذكر بعد السلام، فهذا الحديث يدل على عدم وصل التطوع\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٨٨٣).","vol":"3","page":102},{"text":"فَقَالَ: \"أَصَابَ اللَّهُ بِكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٠٠٧].\n٩٧٣ - [١٥] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أُمِرْنَا أَنْ نُسَبِّحَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنَحْمَدَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنُكَبِّرَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَأُتِيَ رَجُلٌ فِي الْمَنَامِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقِيلَ لَهُ: أَمَرَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ تُسَبِّحُوا فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ الأَنْصَارِيُّ فِي مَنَامِهِ: نَعَمْ، قَالَ: فَاجْعَلُوهَا خَمْسًا وَعِشْرِينَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ، وَاجْعَلُوا فِيهَا التَّهْلِيلَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَافْعَلُوْا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٥/ ١٨٤، ١٩٠، ن: ١٣٥، دي: ١٣٥٤].\nــ\nبالفريضة على خلاف ما يدل بعض الأحاديث الأخر. وقال بعض مشايخنا المتأخرين من أهل مصر: إن المنع مقدم على الإباحة.\nوقوله: (أصاب اللَّه بك) الباء زائدة للتوكيد، والتقدير: أصابك اللَّه الحق، أي: جعلك مصيبًا له، كذا في شرح الشيخ. ثم الظاهر أن قول عمر -﵁- هذا كان بسماع من النبي -ﷺ-، إذ ليس هو مما يدركه بالرأي، ولكن ظاهر الإصابة أن يكون بالرأي، وليس ذلك محله، ويمكن أن يكون بتحديث اللَّه إياه وإلهامه به كما يدل عليه حديث: (لقد كان فيمن قبلكم محدَّثون) الحديث، واللَّه أعلم.\n٩٧٣ - [١٥] (زيد بن ثابت) قوله: (فأتي رجل) بصيغة المجهول، أي: أتاه ملك الرؤيا.\nوقوله: (فاجعلوها) أي: إذا كان العدد مئة فاجعلوا الذكر أنواعًا أربعة وزيدوا فيها نوعًا رابعًا ليحصل عدد المئة مع كونه أشمل للأنواع.\nوقوله -ﷺ-: (فافعلوا) تقرير لرؤياه لكونها صالحة صحيحة، والفاء للسبببة، فصار","vol":"3","page":103},{"text":"٩٧٤ - [١٦] وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أَعْوَاد هَذَا الْمِنْبَرِ يَقُولُ: \"مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَّا الْمَوْتُ،\nــ\nهذا بتقريره -ﷺ- أحد طرق هذا الذكر، ولو لم يقررها لم يكن حجة، فافهم.\n٩٧٤ - [١٦] (علي -﵁-) قوله: (على أعواد هذا المنبر) لعل إقحام (أعواد) من أجل أنه كان لم يعهد المنبر في المسجد الشريف في ذلك الزمان، فكانوا لا يسمونه إلا أعواد اجتمعت والتئمت، ومع ذلك فيه من التأكيد والتقرير ما ليس في تركها، لرفع توهم أن يكون المراد مكانًا قريبًا منه، واللَّه أعلم.\nوقوله: (لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت (١» استشكل هذا الكلام بأن الظاهر أن يقال: لم يمنعه إلا الحياة، فإنها الحابس عن دخول الجنة، والموت سبب ووسيلة يوصل إلى دخولها، وأجيب بأن المراد بالموت ههنا الحياة الدنياوية الفانية المنتهية بالموت، وهذا الجواب ضعيف بعيد عن الفهم جدًا، وقيل: المراد تأخير الموت وعدم مجيئه، وقيل: المراد بالموت كون العبد في القبر قبل البعث، فإذا بعث دخل الجنة.\nوقيل: المراد: أن المانع من دخول الجنة عاجلًا في الدنيا وجود الموت، وكونُه شرطًا، [و] دخول الجنة وهو مؤجل يكون في الآخرة، ولولا وجود الموت وشَرْطيتُه له لدخل الآن، فالمراد على هذا دخول الجنة في إنشاء الحياة عاجلًا، وفي ذلك مبالغة، وعلى هذا يمكن أن يقال: المعنى: لولا وجوب الموت وذوقِ كلِّ نفس إياه لدخل تالي آية الكرسي الجنة الآن مؤجلًا (٢)، ولكن لو دخل لزم وجود الموت في الجنة، والجنة ليست مكان الموت، أو يلزم الخروج من الجنة بعد دخولها، فمن هذه الجهة تأخر دخول\n_________\n(١) أي: على الشقاوة فلا اشكال، أو المعنى الظاهري فالمعنى بشرائطها. كذا في \"التقرير\".\n(٢) كذا في الأصول، والظاهر: \"معجلًا\".","vol":"3","page":104},{"text":"وَمَنْ قَرَأَهَا حِينَ يَأْخُذُ مَضْجَعَهُ آمَنَهُ اللَّهُ عَلَى دَارِهِ وَدَارِ جَارِهِ وَأَهْلِ دُوَيْرَاتٍ حَوْلَهُ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" وَقَالَ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. [شعب: ٢٣٩٥].\nــ\nالجنة وتأجل، وهذا الوجه من إفادات الولد الأعز نور الحق أطال اللَّه عمره ودام فضله.\nوقال الطيبي (١): أي: الموت حاجز بينه وبين دخول الجنة، فإذا تحقق وانقضى حصلت الجنة. وفي شرح الشيخ: فهو حاجز بينه وبين دخول الجنة، فعقيب وجوده يحصل للروح دخولها ببركة ملازمته على تلك الآية، فتدبر.\nوقوله: (مضجعه) بفتح الجيم.\nوقوله: (رواه البيهقي وقال: إسناده ضعيف) اعلم أن صاحب (سفر السعادة) (٢) أورد الجزء الأول من هذا الحديث من النسائي من رواية أبي أمامة، وقال: روى هذا الحديث جماعة أخرى غير النسائي أيضًا مثل الطبراني والروياني والدارقطني وابن حبان وغيرهم، وقال بعض الحفاظ: هذا الحديث صحيح، وذكره ابن الجوزي في (الموضوعات) والحفاظ طعنوا عليه، واستدل ابن الجوزي بضعف محمد بن حميد راوي هذا الحديث، والبخاري عَدّله، ويحمى بن معين وهو محك الرجال وثقه، وكفى بهذين المعدلين في عدالته، انتهى. ثم ذكر الجزء الثاني بلفظ: (من قرأ آية الكرسي في دبر الصلاة المكتوبة كان في ذمة اللَّه إلى الصلاة الأخرى). وقال: هذا الحديث ذكره جماعة من الصحابة منهم: أمير المؤمنين علي، وجابر بن عبد اللَّه، وعبد اللَّه بن عمر، وأنس بن مالك، والمغيرة بن شعبة، وأبو أمامة ﵃ أجمعين، واختلاف\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٣٨٩، ٣٩٠).\n(٢) \"سفر السعادة\" (ص: ٦٠، ٦١).","vol":"3","page":105},{"text":"٩٧٥ - [١٧] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ قَالَ قَبْلَ أَنْ يَنْصَرِفَ وَيَثْنِيَ رِجْلَيْهِ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالصُّبْح: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ، كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ كُلِّ مَكْرُوِهٍ، وَحِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم، وَلَمْ يَحِلَّ لِذَنْبٍ أَنْ يُدْرِكَهُ إِلَّا الشِّرْكُ، وَكَانَ مِنْ أَفْضَلِ النَّاسِ عَمَلًا،\nــ\nطرق الحديث ومخارجه دليل على أنه له أصلًا صحيحًا وليس بموضوع، انتهى. وقد جاء أحاديث في فضل آية الكرسي على الإطلاق من غير تقييد بقراءتها بعد الصلاة المكتوبة نقلناها في شرح (سفر السعادة) (١).\n٩٧٥، ٩٧٦ - [١٧، ١٨] (عبد الرحمن بن غنم، وأبو ذر) قوله: (ابن غنم) بفتح المعجمة وسكون النون.\nوقوله: (ويثني رجليه) أي: يعطفها ويغير عن هيئة التشهد بكل مرة أو بكل كلمة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (أن يدركه) أي: يحيط به ويهلكه ويؤثر فيه فإن الإدراك إحاطة الشيء بجوانبه ونهايته، وقد يطلق على المعرفة بالشيء تحقيقه كما في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَار﴾ [الأنعام: ١٠٣].\nوقوله: (إلا الشرك) رُوِي بالرفع والنصب.\n_________\n(١) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ١١٥، ١١٦).","vol":"3","page":106},{"text":"إِلَّا رَجُلًا يَفْضُلُهُ يَقُولُ أَفْضَلَ مِمَّا قَالَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ٢٢٧].\n٩٧٦ - [١٨] وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ إِلَى قَوْلِهِ: \"إِلَّا الشِّرْكَ\" وَلَمْ يَذْكُرْ: \"صَلَاةَ الْمَغْرِبِ\" وَلَا \"بِيَدِهِ الْخَيْرُ\" وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَن صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٤٧٤].\n٩٧٧ - [١٩] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁-: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- بَعَثَ بَعْثًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا غَنَائِمَ كَثِيرَةً، وَأَسْرَعُوا الرَّجْعَةَ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَّا لَمْ يَخْرُجْ: مَا رَأَيْنَا بَعْثًا أَسْرَعَ رَجْعَةً وَلَا أَفْضَلَ غَنِيمَةً مِنْ هَذَا الْبَعْثِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى قَوْمٍ أَفْضَلَ غَنِيمَةً وَأَفْضَلَ رَجْعَةً؟ قَوْمًا شَهِدُوا صَلَاةَ الصُّبْحِ ثمَّ جَلَسُوا يذكرُونَ اللَّهَ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ، فَأُولَئِكَ أَسْرعُ رَجْعَةً وَأَفْضَلُ غَنِيمَةً\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ،\nــ\nوقوله: (أفضل مما قال) أتى بزيادة من الذكر والدعاء أو أكثر منه عددًا.\nفإن قلت: قد قالوا: إنه لا يجوز الزيادة على ما ورد من العدد.\nقلت: قد وردت الزيادة ههنا بهذا الحديث فلا يكون من زيادة على ما ورد، وفي شرح الشيخ: المراد: ذكر أفضل منه إن فرض أن ثمة شيئا أفضل منه.\n٩٧٧ - [١٩] (عمر بن الخطاب -﵁-) قوله: (بعثًا) أي: سرية.\nوقوله: (لم يخرج) صفة (رجل)، و(ما رأينا) مقول (قال)، كأنه قال تحسرًا على ما فاته من المال، فنبه -ﷺ- على أن ثواب الآخرة أفضل من ذلك.\nوقوله: (قومًا) منصوب بتقدير أعني أو أذكر على المدح.","vol":"3","page":107},{"text":"وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ الرَّاوِيُّ هُوَ ضَعِيفٌ فِي الْحَدِيثِ. [ت: ٣٥٦١].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>١٩ - باب ما لا يجوز من العمل في الصلاة</span>\nــ\nوقوله: (وحماد بن أبي حميد الراوي هو ضعيف في الحديث) نقل عن (ميزان الاعتدال) (١): هو محمد بن أبي حميد الأنصاري المدني، يروي عن الزهري وزيد بن أبي أسلم وغيرهم، قال البخاري: منكر الحديث، وقال يحيى بن معين: ليس حديثه بشيء، قال النسائي: ليس بثقة، وفي \"الكاشف\" (٢): روى عنه القعنبي وغيره، وضعفوه، وأخرج حديثه الترمذي وابن ماجه، قال الجوزجاني: واهي الحديث، وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث، وقال أبو حاتم: كان رجلًا ضرير البصر وهو منكر الحديث يروي عن الثقات المناكير، ويقال له: محمد بن أبي حميد وحماد بن أبي حميد، وقال ابن عدي: هو مع ضعفه يكتب حديثه.\n١٩ - باب ما لا يجوز من العمل في الصلاة\nوزِيد في بعض النسخ: (وما يباح منه). اعلم أن من الأعمال ما تفسد به الصلاة، ومنها ما يكره فيها، ومنها ما يباح، وتفاصيل ذلك مذكورة في كتب الفقه، والعمل الكثير مفسد بالاتفاق، لكن الاختلاف في حدِّه فقيل: ما يحصل بيد واحدة قليل، وبيدين كثير، والمراد ما تجري العادة بعمله باليدين، فلو عمل في هذه الصورة بيد واحدة تفسد أيضًا كالتعمم والتقمص والتسرول والرمي من القوس، والذي جرت العادة\n_________\n(١) \"ميزان الاعتدال\" (١/ ٥٨٩، ٥٩٠).\n(٢) \"الكاشف\" (٢/ ١٦٦).","vol":"3","page":108},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-357> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٩٧٨ - [١] عَن مُعَاوِيَة بْن الْحَكَمَ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ. فَقلت: . . . . .\nــ\nبعمله بيد واحدة لو عمله باليدين لم تفسد مثل حل السراويل ولبس القلنسوة ونزعها.\nوقيل: لو كان بحال لو رآه إنسان من بعيد يتيقن أنه ليس في الصلاة فهو كثير، وإن كان يشك أنه فيها أو لم يشك فهو قليل، وهو اختيار العامة، كذا قال الشيخ ابن الهمام (١)، قيل: يفوض إلى رأى المصلي إن استكثره تفسد وإلا لا، والمختار عند البعض أن الثلاث المتواليات كثير وما دونه قليل، كذا قال الشُّمُنِّي، وقال أيضًا نقلًا عن (الخلاصة): لو أمّ رجل رجلًا فجاء ثالث ودخل في صلاتهما، فتقدم الإمام حتى جاوز موضع سجوده، إن تقدم بقدر ما يكون بين الصف الأول والإمام لا تفسد، ولو مشى في صلاته إن كان قدر صف واحد لا تفسد، وإن كان قدر صفين بدفعة واحدة تفسد، ولو مشى إلى صف ووقف، ثم إلى صف آخر ووقف، ثم وثم لا تفسد صلاته، وفي (الظهيرية): والمختار أنه إذا كثر فسدت، وفي (حاشية الشُّمُنِّي): لو دخلت الشمس وآذاه الحر إن تحول إلى جانب الظل بقدر خطوتين لا تفسد.\nالفصل الأول\n٩٧٨ - [١] (معاوية بن الحكم) قوله: (فرماني القوم بأبصارهم) أي: نظروا إليّ حديدًا زَجْرًا وتشديدًا كما يرمى بالسهم.\nوقوله: (فقلت) أي: في نفسي، وهو الظاهر، وإن كان ظاهر الخطاب في قوله:\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٤٠٣).","vol":"3","page":109},{"text":"وَا ثُكْلَ أُمِّيَاهُ مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُوننَي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: \"إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ من كَلَام النَّاسِ،\nــ\n(ما شأنكم تنظرون إلي) القول باللسان، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وا ثكل أمياه) في (القاموس) (١): الثكل بالضم: الموت والهلاك، وفقدان الحبيب أو الولد، ويحرك، وقال شراح الحديث: هو بضم وسكون وبفتحتين: فقدان المرأة ولَدَهَا، وهو مضاف إلى (أم) المضاف إلى ياء المتكلم، ويَلحق الألفُ والهاء في الندبة المضافَ إليه، نحو: وا أمير المؤمنيناه، كما عرف في النحو.\nوقوله: (فجعلوا يضربون بايديهم على أفخاذهم) أي: زيادة في الإنكار عليَّ، وفيه دليل على أن الفعل القليل لا يبطل الصلاة.\nوقوله: (يصمتونني) أي: يأمرونني بالصمت ويشيرون إليه.\nوقوله: (لكني سكت) تقدير الكلام: غضبت وتغيرت وأردت أن أعاملهم بمقتضى الغضب، لكني سكت ولم أعمل بمقتضى الغضب.\nقوله: (فلما صلى) أي: فرغ من الصلاة، وجوابه (قال)، وما بينهما معترضة، و(ما رأيت) أي: ما علمت، والكهر: القهر واستقبالك إنسانًا بوجه عابس تهاونًا به.\nوقوله: (من كلام الناس) المراد بكلام الناس: ما يقصد به خطابهم وإفهامهم ويطلب منهم، ولو قيل لأحد: ما مالك؟ فقال: الخيل والبغال والحمير، أو كان أمامه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٩٥).","vol":"3","page":110},{"text":"إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ\" أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقد جَاءَنا اللَّهُ بِالإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ. قَالَ: \"فَلَا تَأْتِهِمْ\". . . . .\nــ\nكتاب وخلفه رجل اسمه يحعى فقال: يا يحيى! خذ الكتاب، إن أراد إفادته المعنى فسدت، لا إن أراد القراءة، ومن حلف لا يتكلم فسبح أو كبر أو قرأ القران لا يحنث، وقد دل هذا الحديث على ذلك، وقد دل أيضًا على أن تَسميتَ العاطس محظور في الصلاة وأنه يبطلها، وهو -ﷺ- إنما لم يأمره بالإعادة لكونه جاهلًا، لم تقم الحجة عليه بنسخ ذلك كما اعتذر بقوله: (وإني حديث عهد بالجاهلية) أي: فلا تأخذ عَليّ بكلامي في الصلاة، فإني لم أعلم تحريمه وإبطاله الصلاة إلا الآن، وعند الشافعي وأبي يوسف: لا يبطل وإن كان ذلك محظورًا؛ لأنه دعا بالمغفرة والرحمة، ولأنه -ﷺ- لم يأمره بالإعادة.\nوذكر الشيخ ابن الهمام (١): إذا قال لنفسه: يرحمك اللَّه، لا تفسد، كقوله: يرحمني اللَّه، ولو حمد العاطس في نفسه لم تفسد في ظاهر الرواية، ورُوِي عن أبي حنيفة ﵀ أن ذلك إذا عطس فحمد في نفسه من غير أن يحرك شفتيه، فإن حرك فسدت صلاته (٢).\nوقوله: (يأتون الكهان) جمع كاهن، وحرفته الكِهانة، كَهَنَ كمنع ونصر وكرم كهانة بالفتح، والكاهن من يتعاطى الخبر عن كوائن ما يُستقبل، ويَدعي معرفة الأسرار،\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٣٩٩).\n(٢) قال الحنفية: الكلام في الصلاة مبطلها مطلقًا، وقال الشافعي: لا يبطلها كلام الناسي أو الجاهل، وزاد الأوزاعي: إذا تحلم عامدًا لإصلاح الصلاة لم تبطل. كذا في \"التقرير\".","vol":"3","page":111},{"text":"قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَتَطَيَّرُونَ قَالَ: \"ذَاكَ شَيْءٌ. . . . .\nــ\nومن الكهنة من يزعم أن له تابعًا من الجن يلقي إليه الأخبار، ومنهم من يدعي معرفة الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها من كلام من يسأله أو فعله أو حاله، وهذا القسم يسمى عرّافًا كمن يدّعي معرفة المسروق ومكان السرقة والضالة ونحوهما.\nوحديث: (من أتى كاهنًا)، يشمل الكاهن والعرّاف والمنجّم، وإتيانهم حرام بإجماع المسلمين؛ لأنهم يتكلمون بمغيبات، قد يصادف بعضها الإصابة فيُخاف الفتنة؛ ولأنهم يلبّسون كثيرًا من الشراع، ونفت المعتزلة وبعض المتكلمين القسمين، والحق وجودهما، ولكن منعه الشرع، كذا في (مجمع البحار) (١).\nوقوله: (منا رجال يتطيرون) التطير: أخذ الفأل الشؤم، من الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء، وقد تسكن، قال في (القاموس) (٢): [الطِّيَرَةُ و] الطِّيْرَةُ والطُّوْرَةُ: ما يتفاءل (٣) به من الفأل الرديء، وأصله أنهم كانوا يأتون الطير أو الظبي فينفرونه، فإن أخذ ذات اليمين مضوا إلى ما قصدوا وعدُّوه حسنًا، وإن أخذ ذات الشمال انتهوا عن ذلك وتشاءموا به، وكذا إن عرض في طريقهم، فإن مرّ من اليمين إلى الشمال تشاءموا، وإن مر من الشمال إلى اليمين مضوا، والتفاؤل قد يجيء شاملًا للتطير وغيره، وأكثر ما يستعمل في الفأل الحسن، وهو غير ممنوع، وذلك باستنباط معنى الخير، وذلك مسنون، وقد يأتي ذكره في بابه إن شاء اللَّه تعالى، بخلاف التطير فإنه ممنوع.\nوقوله: (ذاك) أي: التطير شيء يجدونه في نفوسهم من الوهم والشؤم للكف\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٤٦٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٠٣).\n(٣) في \"القاموس\": \"ما يُتَشاءَمُ\".","vol":"3","page":112},{"text":"يجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ فَلَا يَصُدَّنهمْ\". قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ. قَالَ: \"كَانَ نبَيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وَافَقَ خَطَّهُ فَذَاكَ\".\nرَوَاهُ مُسْلِمٌ، قَوْلُهُ: لَكِنِّي سَكَتُّ،\nــ\nعما كانوا يريدون فعله.\nوقوله: (فلا يصدنهم) عن ذلك، أي: ينبغي أن لا يتشاءموا به ولا يتَّبعوه ولا يعملوا بمقتضى ذلك؛ لأنه لا تأثير لذلك، وإنما الكل بقدرة اللَّه، ولا مؤثِّر إلا هو، وهذا منع عن الشرك الخفي وهداية إلى الدين الخالص، وقد يقال: معنى (فلا يصدنهم) أي: عن الصراط المستقيم، وهو دين الإسلام وتوحيد الوجه.\nوقوله: (ومنا رجال يخطون) إشارة إلى علم الرمل وخطوطه وتعريف الأحكام والأحوال والمغيبات عنها.\nوقوله: (كان نبي من الأنبياء) قيل: هو إدريس، وقيل: دانيال ﵉.\nوقوله: (فمن وافق خطه) روي بالنصب والرفع، والأول أكثر وأظهر.\nوقوله: (فذاك) أي: هو المصيب، قيل: لم يصرح -ﷺ- بالنهي عن الاشتغال به كما نهى عن الإتيان إلى الكهان والتطير؛ لنسبته إلى بعض الأنبياء، لئلا يتطرق الوهم إلى نقصانهم، وإن كان الشرائع مختلفة ومنسوخة، بل ذكر على وجه يحتمل التحريم والإباحة، وقال المحرمون -وهم أكثر العلماء-: علق الإذن فيه على موافقة خط ذلك النبي، وهي غير معلومة، إذ لا يعلم بتواترٍ أو نصٍّ منه -ﷺ- ومن أصحابه أن الأشكال التي لأهل علم الرمل هي التي كانت لذلك النبي.\nوقيل: المراد موافقة الخط في الصورة وقوة الفراسة التي هي نور في القلب يلقيه اللَّه فيه حتى ينكشف له بعض المغيبات ويصادف الصواب، ولا يعرف وجوده في","vol":"3","page":113},{"text":"هَكَذَا وَجَدتُ فِي \"صَحِيح مُسْلِمٍ\" وَكِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ، وَصُحِّحَ فِي \"جَامِعِ الأُصُولِ\" بِلَفْظَةِ: كذَا فَوْقَ: لَكِنِّي. [م: ٥٣٧].\n٩٧٩ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَوُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْكَ فِي الصَّلَاةِ فَتَرُدُّ عَلَيْنَا؟ . . . . .\nــ\nغيره، وقال الخطابي (١): بل قوله -ﷺ-: (فمن وافق خطه فذاك) وارد على سبيل الزجر والتعجيز، ومعناه: لا يوافق خطُّ أحد خطَّ ذلك النبي -ﷺ-، لأن خط ذلك النبي معجزة له، فافهم، واللَّه ملهم الصواب.\nوقوله: (هكذا وجدت في صحيح مسلم) إنما قال هذا لأنه ليس في (المصابيح) لفظ (كني) بل قال: (فلما رأيتهم يصمتونني سكت)، وهو يغني عن تمحل تقدير في الكلام كما عرفت.\nوقوله: (بلفظة: كذا فوق: لكني) وهو علامة التصحيح كالصاد، أو لفظ صح، يعنون: كذا في الأصول، أو: كذا روي في مقام يُتوهم [فيه] عدم الصحة كلفظ (لكني) فيما نحن فيه لعدم ذكر جواب (لما) ومستدرك (لكن)، فافهم.\n٩٧٩ - [٢] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (من عند النجاشي) هو اسم ملك الحبشة كقيصر لملك الروم وفرعون لمصر، والمراد ههنا أصحمة الذي آمن بنبينا -ﷺ- وهاجر إليه أصحابه قبل الهجرة إلى المدينة، مات سنة تسع عند الأكثرين، وصلى عليه النبي -ﷺ- بالمدينة غائبًا، وهو بفتح النون، وحكى ابن دحية كسرها، وتخفيف الجيم وهو أفصح،\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٣٢).","vol":"3","page":114},{"text":"فَقَالَ: إِنَّ فِي الصَّلَاةِ لَشُغْلًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٩٩، م: ٥٣٨].\n٩٨٠ - [٣] وَعَنْ مُعَيْقِيبٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ. . . . .\nــ\nوالياء مشددة، وقيل: الصواب تخفيفها. وقال ابن التين: الياء ساكنة؛ لأنها أصلية، لا ياء النسبة، وحكى غيره تشديد الياء أيضًا، كذا في (الشروح)، وفي (القاموس) (١): النجاشي بتشديد الياء، وبتخفيفها أفصح، وتكسر نونها أو هو أفصح.\nوقوله: (لشغلًا) أي: شغلًا عظيمًا، كيف! وهي مناجاة الرب العظيم واستغراق في عبوديته، وهو كناية عن حرمة التكلم ورد السلام ونسخهما، وقد كان الكلام في الصلاة مباحًا في أول الإسلام، ثم نسخ عمدًا كان أو ناسيًا عندنا، وعمدًا عند الشافعي ﵀ بقوله -ﷺ-: (إن اللَّه تعالى رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)، وعندنا ذلك محمول على رفع الإثم، وقد فرق بين الصلوات والصوم لوجود الحالة المذكورة فيها دونه، وتمامه في حديث ذي اليدين (٢).\n٩٨٠ - [٣] (معيقيب) قوله: (وعن معيقيب) بقاف وآخره موحدةٌ مصغرًا.\nوقوله: (في الرجل) أي: في شأن الرجل.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٦١).\n(٢) وَفِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\": أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَرُدُّهُ بِلِسَانِهِ، وَلَوْ رَدَّ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَيُشِيرُ بِيَدِهِ أَوْ إِصْبَعِهِ، اهـ. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِأَنَّهُ ﵊ أَشَارَ بِيَدِهِ كَمَا صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَمَّا خَبَرُ: \"مَنْ أَشَارَ فِي صَلَاتِهِ إِشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ فَلْيُعِدْ صَلَاتَهُ\"، فَفِي سَنَدِهِ مَجْهُولٌ، فِي \"شَرْحِ الْمُنْيَةِ\": لَوْ رَدَّ السَّلَامَ بِيَدِهِ أَوْ رَأْسِهِ أَوْ طُلِبَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَأَوْمَا بِرَأْسِهِ أَوْ عَيْنِهِ أَيْ: قَالَ: نَعَمْ أَوْ لَا، لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ بِذَلِكَ، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ، قَالَ الْخَطَّابِي: رَدُّ السَّلَامِ بَعْدَ الْخُرُوجِ سُنَّةٌ، وَقَدْ رَدَّ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلَاةِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧٧٩).","vol":"3","page":115},{"text":"حَيْثُ يَسْجُدُ؟ قَالَ: \"إِنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٠٧، م: ٥٤٦].\n٩٨١ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٢٠، م: ٥٤٥].\nــ\nوقوله: (حيث يسجد) أي: في مكان يسجد عليه.\nوقوله: (فواحدة) بالنصب، أي: فافعلها واحدة، أي: فعلة واحدة أو مرة واحدة، ويجوز الرفع، ولا يُدرى أن المنع عن الزيادة عن واحدة لكونها مفسدةً للصلاة أو مكروهة، ويبتني ذلك على تفسير الفعل الكثير.\n٩٨١ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (عن الخصر) بفتح معجمة وسكون المهملة، وفسروه بالاختصار بمعنى وضع اليد على الخاصرة، والخصر في اللغة بمعنى وسط الإنسان، أريد به ههنا الاختصار؛ لأن ذات الخصر مما لا ينهى عنه؛ لأن النهي إنما يتوجه إلى الأفعال والأحوال كوصف ذات الميتة بالحرمة، وفي توجيه النهي والنفي إلى الذات مبالغة، وقد جاء في رواية: (نهى أن يصلي مختصرًا) (١)، وروي: (متخصرًا)، وفي رواية: (نهى عن الاختصار في الصلاة) (٢).\nوورد: أن الاختصار راحة أهل النار، واستشكل بأن أهل النار لا راحة لهم، وأجيب بأنهم يتعبون من طول قيامهم بالموقف فيستريحون بالاختصار.\nوقيل: إنه من صنيع اليهود، وهم المرادون بأهل النار، وروي أن إبليس وضع يده على خاصرته حين نزل إلى الأرض بعد ما أصابته اللعنة.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٥٤٥)، والترمذي (٣٨٣)، والنسائي (٨٩٠)، والحاكم (١/ ٣٩٦).\n(٢) أخرجه أبو داود (٩٤٧).","vol":"3","page":116},{"text":"٩٨٢ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ. . . . .\nــ\nوقد يفسر بمعنى اتخاذ المخصرة، وهو العصا بيده يتوكأ عليها، ذكره ابن الأثير في (جامع الأصول) (١)، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): إن هذا المعنى وإن كانت اللغة العربية تقتضيه لكن التفسير الذي اشتهر فيه عن الصحابة ومن بعدهم من أهل العلم يحكم بخلاف ذلك، انتهى. ومنه حديث: \"المختصرون يوم القيامة على وجوههم النور\"، أراد أنهم يأتون ومعهم أعمال لهم صالحة يتكئون عليها، كذا في (النهاية) (٣)، وقال في (القاموس) (٤): أي: المصلون بالليل، فإذا تعبوا وضعوا أيديهم على خواصرهم.\nوبعضهم فسروه على اختصار، بمعنى: اختصار السورة وقراءة بعضها، وقيل: الاقتصار على آيات السجدة ليسجدها، وقيل: اختصار آية السجدة التي انتهى في قراءته إليها فلا يسجدها. وقيل: اختصار الصلاة فلا يمد قيامها وركوعها وسجودها، واستُبعد هذه المعاني بأن وضع الباب لبيان ما لا يجوز من العمل في الصلاة دون قراءتها وأفعالها، وفيه: أنه لا ينافي احتمال الحديث لتلك المعاني، غايته أنه يكون عند من وضعه في هذا الباب محمولًا على المعنيين السابقين لا عند غيره.\n٩٨٢ - [٥] (عائشة -﵂-) قوله: (عن الالتفات في الصلاة) الالتفات: النظر يمينًا وشمالًا، لفته يلفته: لواه وصرفه، وفي شرح ابن الهمام (٥): حد الالتفات المكروه أن\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (٥/ ٣٢١).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (١/ ٢٦٦).\n(٣) \"النهاية\" (٢/ ٣٦).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٥٩، ٣٦٠).\n(٥) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٤١٠).","vol":"3","page":117},{"text":"فَقَالَ: \"هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ العَبْدِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [خ: ٧٥١].\n٩٨٣ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى السَّمَاءِ،\nــ\nيَلْوِي عنقه حتى يخرج من مواجهة القبلة، ولو انحرف بجميع بدنه فسدت، فبعضه يكره كالعمل الكثير يفسد، والقليل يكره، في (الهداية) (٢): لو نظر بمؤخر عينيه يمنة ويسرة من غير أن يلوي عنقه لا يكره.\nوقوله: (اختلاس يختلسه الشيطان) وفي رواية: (أو شيء اختلسه الشيطان)، في (القاموس) (٣): الخلس والاختلاس: السلب، وفي (المشارق) (٤): أَخْذُ الشيء بسرعة واختطاف، وعلى طريق المخاتلة والانتهار، والمراد به ههنا ما يختلس، فضمير (يختلسه) راجع إليه، ويحتمل أن يكون المراد بـ (يختلسه): يفعله تجريدًا.\n٩٨٣ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (لينتهين أقوام. . . إلخ) أي: لَيكوننَّ منهم الانتهاء\n_________\n(١) فيه نظر، فإن الحديث لم يروه مسلم، وقد ذكر الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٢٣٧) أيضًا أن الشيخين اتفقا على إخراجه، وكذا نسبه الجزري إليهما في \"جامع الأصول\" (٦/ ٣٢٥). وهو سهو منهم جميعًا، فإن مسلمًا لم يروه، فلم أجده فيه، وكذلك نص العيني والحافظ في \"الفتح\" على أنه من أفراد البخاري، ويدل عليه أيضًا أن المجد ابن تيمية في \"المنتقى\" والمنذري في \"الترغيب\" و\"تلخيص السنن\" نسباه إلى البخاري فقط، والحديث أخرجه أيضًا أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن خزيمة والبيهقي وغيرهم. \"مرعاة المفاتيح\" (٣/ ٣٤٨).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ٦٤).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٠١).\n(٤) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٧٤).","vol":"3","page":118},{"text":"أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُم\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٢٩].\n٩٨٤ - [٧] وَعَنْ أَبِي قَتَادَة قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَؤُمُّ النَّاسَ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ عَلَى عَاتِقِهِ، فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا، وَإِذَا رَفَعَ مِنَ السُّجُودِ أَعَادَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥١٦، م: ٥٤٣].\nــ\nعن ذلك، أو ليكوننَّ من اللَّه خطف أبصارهم، فالانفصال حقيقي، والخطف: السلب، يقال: خطف الشيء: استلبه، والبرقُ البصرَ: ذهب به، وقد صح أنه -ﷺ- كان يرفع بصره إلى السماء، فلما نزل: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] طأطأ رأسه، هذا في الصلاة، وأما في غيرها فقد جوزه البعض، وقالوا: إن السماء قِبلة الدعاء، والصحيح أن قبلة الدعاء وقبلة الصلاة واحدة، واللَّه أعلم.\n٩٨٤ - [٧] (أبو قتادة) قوله: (يؤم الناسى) هذا يدل على أنه كان في الفريضة؛ لأن الإمامة لم تعهد في النفل، ولأنه جاء في رواية أبي داود أنه كان في صلاة الظهر والعصر، وقيل: كانت في النافلة.\nوقوله: (أمامة) بضم الهمزة بنتُ زينبَ بنتِ رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (فإذا ركع وضعها وإذا رفع من السجود أعادها) قال الخطابي (١): يشبه أن يكون حمله -ﷺ- الصبية لا عن تعمد، بل لعل الصبية لطول ما ألفته في غير حالة الصلاة كانت تتعلق به في الصلاة، فلا يدافعها عن نفسه، فهذا لم يكن فعلًا من النبي -ﷺ-، ولهذا قيل: إسناد الوضع والإعادة إليه -ﷺ-[على] سبيل المجاز لتعلقهما بفعله الصادر عنه، فلا حاجة إلى أن يقال: إن الفعل لم يكن كثيرًا بناء على اختلاف في حده، وهو مبني على أن الكثير ما كان متواليًا، وهذا لم يكن كذلك، إذ الطمأنينة\n_________\n(١) انظر: \"معالم السنن\" (١/ ٢١٧).","vol":"3","page":119},{"text":"٩٨٥ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ. . . . .\nــ\nفي أركان صلاته -ﷺ- كان كثيرًا، أو كان هذا قبل تحريمه، أو هو مخصوص بالنبي -ﷺ-، وقيل: كان ذلك لحفظ خشوعه؛ لأنه لو لم يرفعها لبكت، وتشغل سره أكثر مما يشغله الرفع، والكل خلاف الظاهر.\nهذا، وقال الشيخ: قد صحت الروايات الدالة على أن وضع أمامة وحملها كانت بفعله -ﷺ-، فيحتاج إلى التوجيه (١) بما ذكر من الاحتمالات، واللَّه أعلم.\n٩٨٥، ٩٨٦ - [٨، ٩] (أبو سعيد الخدري، وأبو هريرة) قوله: (إذا تثاءب) بالهمزة كذا في (القاموس) (٢)، وقال في (مجمع البحار) (٣): هو بالهمزة على الصحيح، وقيل: بالواو، وفي بعض الشروح: هو في حديث أبي سعيد عند مسلم بالواو في أكثر النسخ، وفي بعضها بالهمزة، ووقع عند البخاري وأبي داود بالهمزة، انتهى.\n_________\n(١) قال ابن رسلان: اختلفوا في توجيه الحديث على أفوال، ثم بسطها، وكذا بسط الكلام عليه النووي في \"شرح مسلم\" وردّ على ما قاله الخطابي، وكذا تأويل المالكية، فليراجع (٣/ ٣٧)، وفي \"المنهل\" (٦/ ١٦): اختلفت المالكية في ثاويله؟ لأنهم رأوه عملًا كثيرًا، فروى ابن القاسم عن مالك أنه كان في النافلة، واستبعده عياض وغيره لحديث الباب، وروى أشهب وغيره عن مالك أنه كان لضرورة؛ لأنه لم يجد من يكفيها، وقال بعضهم: لو تركها لشغلته أكثر مما شغل بحملها، وقال القرطبي: منسوخ، وكذا في \"الدر المختار\"، ورجح الشامي (٢/ ٥١٢) أن الفعل لبيان الجواز، فلم يبق مكروها في حقه ﵇، ويكره في حقنا، وذكر في \"حاشية البخاري\" الأجوبة عن هذا الحديث، وكذا في حاشية الزيلعي على \"الكنز\". كذا في هامش \"البذل\" (٤/ ٤٠٢ - ٤٠٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧١).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٢٨٢).","vol":"3","page":120},{"text":"فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٩٥].\n٩٨٦ - [٩] وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ وَلَا يَقُلْ: هَا، فَإِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ يَضْحَكُ مِنْهُ\".\n٩٨٧ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ عِفْرِيتًا. . . . .\nــ\nوقال التُّورِبِشْتِي (١): ولا جائز أن نقول: تثاوب، والاسم: الثوباء، وهو تنفس ينفتح منه الفم من الامتلاء وكدورة الحواس وثقل البدن واسترخائه وميله إلى الكسل والنوم الداعي إلى إعطاء النفس شهوتها، ولذلك نسب إلى الشيطان، وورد: (التثاؤب من الشيطان)، وحيث ورد النهي عنه فالمراد التحذير من سببه، وهو التوسع في المطعم والمشرب والشبع.\nوقوله: (فليكظم) أي: فليرده ويمنعه، وذلك بضم الشفتين، أو تطبيق السن، أو وضع اليد على الفم، والأحسن أن يضع ظهر اليسرى، ويروي: (فليكظم فاه).\nوقوله: (فإن الشيطان يدخل) أي: فمه للوسوسة، أو هو مجاز عن غلبته، والمراد بضحكه رضاه بهذه الحالة لكونها باعثة على الكسل عن العبادة وموجبةً لتشويه صورته وشكله، والمراد بقول: (ها) المبالغة في التثاؤب كما يفعله بعض من لا يَضبط حالَه في التثاؤب.\n٩٨٧ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (إن عفريتًا) العفريت هو الجَمُوع المَنُوع، وقيل: الظَّلوم، ويقال للقوي المتشيطن: عِفْرٌ وعِفْريتٌ، والعَفَارة: الخبث والشيطنة، ويقال:\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٢٦٧).","vol":"3","page":121},{"text":"مِنَ الْجِنِّ تَفَلَّتَ الْبَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، فَأَخَذْتُهُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ،\nــ\nعفريت نفريت إتْباع، وفي الحديث (١): (إن اللَّه يبغض العفريت النفريت)، وهو الداعي الخبيث، وقد تكسر الفاء وتشدد الراء وهو الناقد في الأمر المبالِغ فيه مع دهاء، وفي الحديث أيضًا (٢): (أول دينكم نبوة ورحمة، ثم ملك ورحمة، ثم ملك أعفر)، أي: يساس بالنُّكر والدهاء، وقال الزمخشري: العِفْر والعفريت: القوي المتشيطن الذي يَعْفِر قرنه، انتهى، وعلى هذا من العفر والتعفير بمعنى التمريغ في التراب.\nوقوله: (من الجن) بيان له؛ لأنه يقال للرجل أيضًا.\nوقوله: (تفلت) التفلُّت والانفلات والإفلات: التخلص من الشيء فجاءة، وتقول: أفلت مني وتفلت: إذا نازعك في الغلبة والهرب، ثم فلت وهرب وتفلت، ذلك العفريت كان ممن أسرهم سليمان ﵇.\nوقوله: (البارحة) اسم للَّيلة الماضية، وإذا أخبر قبل الزوال يقال: تفلَّت الليلة، وبعد الزوال: البارحةَ.\nوقوله: (فأمكنني اللَّه منه) أي: أقدرني عليه، و(السارية) الأسطوانة.\nوقوله: (حتى تنظروا إليه) فيه دليل على وجود الجن وجواز رؤيتهم، وقوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ محمول على غالب الأحوال وعلى أنهم أجسام كثيفة يمكن أخذهم وربطهم وسبيهم، إلا أن يقال: إن ذلك بالتصور والتمثل كما يقول من قال:\n_________\n(١) انظر: \"بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث\" (٢٤٨).\n(٢) أخرجه الدارمي (٢١٠١).","vol":"3","page":122},{"text":"فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٦١، م: ٥٤١].\nــ\nإنهم أجسام لطيفة روحانية، واللَّه أعلم.\nوقد ثبت وجودهم بالكتاب والسنة، وللسيوطي رسالة مسماة بـ (التقاط لقط المرجان في أحكام الجان) أثبت فيها وجودهم وابتداء خلقهم وأحوالهم من الأكل والشرب، ونكاحهم فيما بينهم ومع الإنس، ومساكنهم وغرائب أحوالهم في الحياة والممات، ما يدل على [أنَّ] إنكار وجودهم، أو تأويلَ وجودهم بأنها الأرواح الخبيثة المفارقة للأبدان كما يقول بعض الفلاسفة، جهلٌ وباطل.\nوقوله: (فذكرت دعوة أخي سليمان. . . إلخ) المراد بدعوته قوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]، ومن جملته تسخير الريح والجن والشياطين والتصرف فيهم، يعني: لو أخذتُه وربطته بالسارية لظهر تصرفي في الجن، وهو مخصوص بسليمان ﵇، فيلزم عدم إجابة دعائه، فتركه ليبقى دعاؤه محفوظًا في حقه، ونبينا -ﷺ- كان له التصرف والقدرة على ذلك على وجه الأتم والأكمل، ولكن التصرف في الجن في الظاهر كان مخصوصًا بسليمان ﵇، فلم يظهره -ﷺ- لأجل ذلك، فافهم.\nوقيل: يمكن أن يكون عموم دعاء سليمان ﵇ مخصوصًا بغير سيد الأنبياء -ﷺ-، بدليل إقداره على أخذه ليفعل فيه ما يشاء، ومع ذلك تركه على ظاهره رعاية لجانب سليمان ﵇، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فرددته خاسئًا) أي: صاغرًا ذليلًا حيث لم يظفر بمراده، يقال: خَسَأْتُ الكلب بالهمزة: طردته، وخسأ لازم ومتعد، يقال: خسأ الكلبُ وانخسأ.","vol":"3","page":123},{"text":"٩٨٨ - [١١] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ\". [خ: ٦٨٤، م: ٤٢١].\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: \"التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ والتَّصْفِيقُ للنِّسَاءِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٠٣، م: ٤٢٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-358> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٩٨٩ - [١٢] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ\nــ\n٩٨٨ - [١١] (سهل بن سعد) قوله: (من نابه شيء) في (القاموس (١» النوب: نزول الأمر، كالنوبة، فالمعنى: من نزل به وحدث شيء مثل أن يدعوه أحد أو يستأذنه في الدخول.\nوقوله: (فليسبح) أي: فليقل: سبحان اللَّه ولا يصفق، (فإنما التصفيق للنساء)، وهو ضرب إحدى اليدين على الأخرى، ولا يسبحْنَ لأن صوتهن عورة، وفي (شرح صحيح مسلم) (٢): المرأة تضرب بطن كفها الأيمن على ظهر كفها الأيسر، ولا تضرب بطن الكف على بطنِ [الكف] على وجه اللعب.\nالْفَصْلُ الثَّانِي\n٩٨٩، ٩٩٠ - [١٢، ١٣] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (كنا نسلم على النبي -ﷺ-) وفي رواية: (كنا نتكلم في الصلاة ونأمر بالحاجة).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٤٢).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٢/ ٣٨٢).","vol":"3","page":124},{"text":"قَبْلَ أَنْ نَأْتِيَ أَرْضَ الْحَبَشَةِ فَيَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ أَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، حَتَّى إِذَا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ، وَإِنَّ مِمَّا أحْدَثَ أَن لَا تَتَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ\". فَرَدَّ عَليَّ السَّلَامَ.\n٩٩٠ - [١٣] وَقَالَ: \"إِنَّمَا الصَّلَاةُ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللَّهِ، فَإِذَا كُنْتَ فِيهَا فَلْيَكُنْ ذَلِكَ شَأْنَكَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٩٣١].\n٩٩١ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قُلْتُ لِبِلَالٍ: كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَرُدُّ عَلَيْهِم حِينَ كَانُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: كَانَ يُشِيرُ بِيَدِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ نَحْوُهُ،\nــ\nوقوله: (قبل أن نأتي أرض الحبشة) مهاجرين إليها، وكان ذلك في سنة (١).\nوقوله: (فلم يرد علي) أي: باللفظ.\nوقوله: (فرد عليّ السلام) فيه دليل على استحباب رد السلام بعد الفراغ من الصلاة، وكذلك لو كان على قضاء الحاجة أو قراءة القران؟ فإذا فرغ من ذلك الشغل يستحب رد السلام، ولا يجب؛ لأن السلام في تلك الأحوال غير مسنون، كذا في بعض الحواشي.\n٩٩١ - [١٤] (ابن عمر) قوله: (كان يشير بيده) بأن يبسط كفه، ثم يجعل بطنه أسفل وظهره إلى فوق كما جاء في حديث أبي داود والترمذي والنسائي عن ابن عمر -﵄-، وكان يكتفي أحيانًا بإشارة الأصبع كما رواه هؤلاء الثلاثة من حديث صهيب -﵁-، وقال صاحب (سفر السعادة): وكان يومئ تارة بالرأس، ولم نجده صريحًا في الحديث، إلا أن بعض الشراح ذكروه من غير ذكر الحديث، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) أي قبل السنة الرابعة من النبوة، واللَّه أعلم.","vol":"3","page":125},{"text":"وَعِوَضُ بِلَالٍ صُهَيْبٌ.\n٩٩٢ - [١٥] وَعَن رِفَاعَةَ بنِ رَافِعٍ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَعَطَسْتُ فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ مُبَارَكًا عَلَيْهِ كَمَا يُحِبُّ رصبُنَا وَيَرْضَى، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- انْصَرَفَ فَقَالَ: \"مَنِ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ؟ \" فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ، فَقَالَ رِفَاعَةُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدِ ابْتَدَرَهَا بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مَلَكًا أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا\"\nــ\nوقوله: (وعوض بلال صهيب) ويحتمل أنه سأل كلًّا منهما وأجابه بذلك، كذا في شرح الشيخ، والذي في رواية الترمذي وأبي داود والنسائي: أن صهيبًا -﵁- قال: مررت برسول اللَّه -ﷺ- وهو يصلي، فسلمت عليه، فرد علي السلام بإشارة أصبع، وفي حديث بلال ذكروا سؤال ابن عمر -﵄- منه.\n٩٩٢ - [١٥] (رفاعة بن رافع) قوله: (وعن رفاعة) بكسر الراء وبالفاء.\nوقوله: (مباركًا فيه، مباركًا عليه) الضميران للحمد، وقال الطيبي (١): الأول بمعنى الزيادة من نفس الحمد، والثاني من الخارج، ويمكن أن يقال: إن معنى الثاني مباركًا للحامد بناء على الحمد، أي: لأجله ووجوده، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فقال رفاعة) من وضع المظهر موضع المضمر بيانًا لجرأته وإقدامه على الجواب.\nوقوله: (أيهم يصعد بها) قال الطيبي (٢): هو سادٌّ مسد مفعولي (ينظرون)\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٤٠٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٤٠٣).","vol":"3","page":126},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٤٠٤، د: ٧٧٣، ن: ٩٣١].\n٩٩٣ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"التَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي أُخْرَى لَهُ وَلِابْنِ مَاجَهْ: \"فَلْيَضَعْ يَدَهُ عَلَى فِيهِ\". [ت: ٣٧٠، ٢٧٤٦، جه: ٩٦٨].\nــ\nالمحذوف على التعليق، ويحتمل أن يكون حالًا، والتقدير: قائلين هذه الكلمة فيما بينهم إظهارًا لفضله وترغيبًا وحثًّا على الإصعاد (١).\n٩٩٣ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (التثاؤب في الصلاة) يفيد بظاهره هذا الحكم بحالة الصلاة، وقد ورد مطلقًا أيضًا بلفظ: (إن اللَّه يحب العطاس ويكره التثاؤب)، وورد أيضًا: أن التثاؤب المفرط والعطسة الشديدة من الشيطان، وأنه -ﷺ- كان يخفض صوته بالعطسة ويكظم فاه بالتثاؤب، ويجيء الكلام فيه في (باب العطاس والتثاؤب (٢».\n_________\n(١) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِ الْحَمْدِ لِلْعَاطِسِ فِي الصَّلَاةِ، يَعْنِي: عَلَى الصَّحِيحِ الْمُعْتَمَدِ، بِخِلَافِ رِوَايَةِ الْبُطْلَانِ، فَإِنَّهَا شَاذَّةٌ، لَكِنَّ الأَوْلَى أَنْ يَحْمَدَ فِي نَفْسِهِ أَوْ يَسْكُتَ خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ عَلَى مَا فِي \"شَرْحِ الْمُنْيَةِ\"، وَالْحَدِيثُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا قَبْلَ نَسْخِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْهُ يُؤْخَذُ أَنَّهُ يُسَنُّ لِلْمُصَلِّي إِذَا عَطَسَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ، وَإِنِ اقْتَصَرَ الأَئِمَّةُ عَلَى قَوْلهِمْ: يُسَنُّ لَهُ أَنْ يَحْمَدَ وَيُسْمِعَ نَفْسَهُ، وَوَقَعَ فِي \"الإِحْيَاءِ\" وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ يَحْمَدُ فِي نَفْسِهِ وَلَا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ، وَهَذَا الْحَدِيثُ أَبْلَغُ شَاهِدٍ لِرَدِّ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، قُلْتُ: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا قَبْلَ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵊: \"مَنِ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ؟ \" حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: مَنِ الْحَامِدُ فِيهَا؟، وَيُؤَيِّدُهُ مُخَالَفَةُ الْعُلَمَاءِ لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧٨٧).\n(٢) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: التَّقْيِيدُ بِالصَّلَاةِ لَيْسَ لِلتَّخْصِيصِ، بَلْ لأَنَّ الْقُبْحَ فِيهَا أَكْثَرُ؛ لأَنَّ مَعْنَى كَوْنِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ أَنَّ أَسْبَابَهُ مِنَ الِامْتِلَاءِ وَالثِّقَلِ وَقَسْوَةِ الْقَلْبِ هِيَ الَّتِي مِنَ الشَّيْطَانِ كَمَا مَرَّ، وَهَذَا =","vol":"3","page":127},{"text":"٩٩٤ - [١٧] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَإِنَّهُ فِي الصَّلَاةِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ (١) والدَّارِمِيُّ. [حم: ٤/ ٢٤١، د: ٩٠٩، ت: ٣٨٦، دي: ١٤٠٤].\nــ\n٩٩٤ - [١٧] قوله: (عن كعب بن عجرة) بضم المهملة وسكون الجيم وبالراء.\nوقوله: (فلا يشبكن بين أصابعه) وهو إدخال بعضها في بعض، ثم الظاهر أن سبب النهي أن هذه الحالة تنافي الخشوع المطلوب في الصلاة، ومَن قَصَدَ الصلاة فكأنه فيها، كما قال: (فإنه في الصلاة)، ففيه تنبيه على أنه ينبغي للعبد أن يكون في طريق الصلاة حاضرًا متخشعًا كما يدل عليه الأحاديث الأخر، وقال الطيبي (٢): لعل النهي عنه لأنه علامة الخصومات والفتن، وحين ذكر رسول اللَّه -ﷺ- الفتن شبك بين أصابعه.\nواعلم أنه ترجم البخاري (٣): (باب تشبيك الأصابع في المسجد) وأورد فيه\n_________\n= يُوجِبُ كَوْنَهُ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: يُكْرَهُ التَّثَاؤُبُ بِالأَذْكَارِ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجَهَا، اهـ. وَالظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ وَقَوْلِ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ التَّثَاؤُبَ مِنَ الشَّيْطَانِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي حَالِ الْعِبَادَةِ مِنَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ تِلَاوَةٍ أَوْ ذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ، لَا فِي مُطْلَقِ الْحَالَاتِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧٨٧).\n(١) كذا في النسخ الموجودة عندنا من طبعات الهند ومصر بذكر النسائي، والظاهر أنه خطأ، فإن الحديث لم أجده في سنن النسائي الصغرى والكبرى. ويدل على ذلك أيضًا عدم وجوده في نسخة القاري التي اعتمدها في شرحه، فإنه قال بعد ذكر قول المصنف: \"رواه أحمد والترمذي وأبو داود\"، ما لفظه: \"وفي نسخة: والنسائي أيضًا\". كذا في \"المرعاة\" (٣/ ٣٦٧).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٤٠٣).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (كتاب: ٨، باب: ٨٨).","vol":"3","page":128},{"text":"٩٩٥ - [١٨] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَزَالُ اللَّهُ -ﷺ- مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٥/ ١٧٢، د: ٩٠٩، ن: ١١٩٥، دي: ١٤٢٣].\n٩٩٦ - [١٩] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"يَا أَنَسُ اجْعَلْ بَصَرَكَ حَيْثُ تَسْجُدُ\"\nــ\nحديثين: أحدهما: أنه -ﷺ- قال: (إن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا) وشبك أصابعه، وثانيهما: حديث ذي اليدين أنه -ﷺ- وضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، كما يأتي في (باب السهو)، فقال الكرماني (١): إذا كان التشبيك لغرض صحيح مثل التمثيل أو راحة الأصابع دون العبث فهو جائز، قال ابن بطال (٢): رويت آثار مرسلة في النهي عن تشبيك الأصابع، وقال مالك رحمة اللَّه عليه: إنهم يكرهون التشبيك في المسجد، وما به بأسٌ وإنما يكره في الصلاة، انتهى. وقد عرفت أن قاصد الصلاة في حكم فاعلها.\n٩٩٥ - [١٨] (أبو ذر) قوله: (فإذا التفت انصرف عنه) وقد علم تفسير الالتفات وما يُفسد منها الصلاة ويكره فيها.\n٩٩٦ - [١٩] (أنس) قوله: (يا أنس! اجعل بصرك حيث تسجد) يدل على استحباب النظر إلى موضح السجود في الصلاة كلها، وهذا هو المشهور من مذهب\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (٤/ ١٤١، ١٤٢).\n(٢) \"شرح ابن بطال\" (٢/ ١٢٥ - ١٢٦).","vol":"3","page":129},{"text":"رَوَاهُ (١) الْبَيْهَقِيُّ فِي \"سُنَنِهِ الْكَبِيرِ\" مِنْ طَرِيْقِ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسٍ يَرْفَعُهُ. [هق: ٢/ ٢٨٤].\n٩٩٧ - [٢٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَالالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ هَلَكَةٌ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَفِي التَّطَوُّعِ لَا فِي الفريضة\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٥٨٩].\nــ\nالشافعي ﵀، وفي شرح الشيخ: ومنه أخذ أئمتنا أنه ينبغي للمصلي أن لا يتجاوز بصرُه محلَّ سجوده في سائر صلاته حتى ركوعه وسجوده، وقال: ويستثنى منه حالة قوله: لا إله إلا اللَّه في التشهد، فلا يجاوز بصره سبّابته ما دامت مرتفعةً، وقد ذكر البيضاوي (٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢]: خائفون من اللَّه متذللون له، يُلزمون أبصارهم مساجدهم، لكن ذكر الطيبي (٣) أنه يستحب للمصلي أن ينظر في القيام إلى موضع سجوده، وفي الركوع إلى ظهر قدميه، وفي السجود إلى أنفه، وفي التشهد إلى حجره، انتهى. وزاد في (النهاية شرح الهداية): وإلى كتفيه في حالة السلام، ثم قال بعض متقدمي الشافعية: إنه يسنُّ لمن في المسجد الحرام أن بنظر إلى الكعبة، ورده متأخروهم، كذا في شرح الشيخ.\n٩٩٧ - [٢٠] (أنس) قوله: (هلكة) بفتحتين بمعنى الهلاك.\n_________\n(١) هُنَا بَيَاضٌ، وَأُلحقَ بِهِ: \"الْبَيْهَقِيُّ فِي \"سُنَنِهِ الْكَبِيرِ\" مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ، عَنْ أَنَسٍ، وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: يَرْفَعُهُ\"، قِيلَ: إنَّهُ مِنْ مُلْحَقَاتِ الْجَزَرِيِّ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَهُ طُرُقٌ تَقْتَضِي حُسْنَهُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧٨٩).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٩٩).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٤٠٤).","vol":"3","page":130},{"text":"٩٩٨ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَلْحَظُ فِي الصَّلَاةِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٥٨٧، ن: ١٢٠١].\n٩٩٩ - [٢٢] وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَفَعَهُ قَالَ: \"الْعُطَاسُ، وَالنُّعَاسُ، وَالتَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ، وَالْحَيْضُ، وَالْقَيْءُ، وَالرُّعَافُ مِنَ الشَّيْطَانِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٧٤٨].\nــ\n٩٩٨ - [٢١] (ابن عباس -﵄-) قوله: (كان يلحظ) أي: ينظر بمؤخر العين من باب منع.\nوقوله: (ولا يلوي) أي: لا يصرف ولا يميل، من باب رمى.\nوقوله: (خلف ظهره) أي: إلى جهة الخلف، وكان اللَّحظ منه -ﷺ- لبيان الجواز، وأنه غير مبطل للصلاة، أو ليطَّلع على حال المأمومين، وعلى هذا يجوز أن يكون في الفرض، وقال الطيبي (١): لعله كان في التطوع؛ لمَا مر من الحديث، واللَّه أعلم.\n٩٩٩ - [٢٢] (عدي بن ثابت) قوله: (العطاس والنعاس والتثاؤب) العطاس وإن كان يحبه اللَّه لكنه ربما يمنع القراءة والحضور بين يدي اللَّه والاستغراق في لذة المناجاة، ثم هذه الأشياء كلها أمور طبعية تَرِد على الإنسان من غير اختيار، ولا يقدر على دفعها، ولا يستطيع مقاومتها، وإضافتها إلى الشيطان من حيث إنه يرتضيها ويستحسنها لما ذكرنا. ثم الظاهر أن الحيض والقيء والرعاف أيضًا في الصلاة، ولكن اشتراك المعطوف للمعطوف عليه في القيد المتأخر مما يُتنازع فيه، وإنما خص القيد المذكور بالثلاثة الأُول لكونها تجتمع مع الصلاة بعدم إبطالها إياها بخلاف الأخيرة، فافهم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٢/ ٤٠٥).","vol":"3","page":131},{"text":"١٠٠٠ - [٢٣] وَعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- وَهُوَ يُصَلِّي وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ، يَعْنِي: يَبْكِي.\nوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيرٌ كَأَزِيزِ الرَّحَا مِنَ الْبُكَاءِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ الرِّوَايَةَ الأُولَى، وَأَبُو دَاوُدَ الثَّانِيَةَ. [حم: ٤/ ٢٥، ٢٦، د: ٩٠٤، ن: ١٢١٤].\n١٠٠١ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَمْسَحِ الْحَصَى\nــ\n١٠٠٠ - [٢٣] (مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير) قوله: (وعن مطرف) بضم الميم وفتح الطاء وكسر الراء وتشديدها، و(الشخير) بكسر المعجمة وتشديد الخاء المعجمة المكسورة بعدها تحتانية ساكنة وراء.\nوقوله: (كأزير المرجل) في (القاموس) (١) أزت القدر تَؤُزُّ وتَئِزّ أزًا بالفتح: اشتد غليانها، أو هو غليانٌ ليس بالشديد، والمرجل كمنبر: القِدر من الحجارة أو النحاس، وفي (المشارق (٢»: وهي القدر، وقيل: هي من نحاس. وفيه أن البكاء لا يبطل الصلاة، وفي (الهداية) (٣): فإن أنّ في الصلاة أو تأوّه أو بكى فارتفع بكاؤه فإن كان من ذكر الجنة أو النار لم يقطعها؛ لأنه يدل على زيادة الخشوع، وإن كان من وجع أو مصيبة قطعها؛ لأن فيه إظهار الجزع والتأسف، فكان من كلام الناس.\n١٠٠١ - [٢٤] (أبو ذر) قوله: (فلا يمسح الحصى) وفي رواية: (فلا يسوّ)\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٦٦).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤٤٩).\n(٣) \"الهداية\" (١/ ٦٢).","vol":"3","page":132},{"text":"فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ\". رَوَاهُ أَحَمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٥/ ١٥٠، ت: ٣٧٩، د: ٩٤٥، ن: ١١٩١].\n١٠٠٢ - [٢٥] وَعَنْ أُمِّ سَلمَةَ قَالَتْ: رَأَى النَّبِيُّ -ﷺ- غُلَامًا لَنَا يُقَالُ لَهُ: أَفْلَحُ، إِذَا سَجَدَ نَفَخَ، فَقَالَ: \"يَا أَفْلَحُ! تَرِّبْ وَجْهَكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨١].\n١٠٠٣ - [٢٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الِاخْتِصَارُ فِي الصَّلَاةِ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٣/ ٢٤٨].\nــ\nالحصى بفتحتين الحجار الصغار، واحدتها الحصاة.\nوقوله: (فإن الرحمة تواجهه) أي: تقبل عليه وتنزل عليه، فلا يليق بهذا المقام اللعب بالحصى وسوءُ الأدب حتى يعاقَب بإمساك الفضل والرحمة.\nوقال بعضهم: المعنى فيه: أن الرحمة إذا وجهت وقعت على ما يواجهه المصلي، فينبغي أن يسجد عليه ويباشره، وهو الحصى، والأول هو الأظهر.\n١٠٠٢ - [٢٥] (أم سلمة) قوله: (يقال له: أفلح) وفي بعض طرق الحديث: (يقال له: رباح).\nوقوله: (ترب وجهك) أي: أوصل وجهك إلى التراب.\n١٠٠٣ - [٢٦] (ابن عمر -﵄-) قوله: (الاختصار في الصلاة راحة أهل النار) قد سبق أن المراد بأهل النار هم اليهود، وكان ذلك من صنيعهم، وقيل: المراد أنهم يفعلونها في النار توهمًا أن بها راحة لهم مما هم فيه، وقد سبق الكلام فيه في الفصل الأول.","vol":"3","page":133},{"text":"١٠٠٤ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اقْتُلُوا الأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلِلنَّسَائِيِّ مَعْنَاهُ. [حم: ٢/ ٢٣٣، د: ٩٢١، ت: ٣٩٠، ن: ١٢٠٢].\n١٠٠٥ - [٢٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي تَطَوُّعًا وَالْبَابُ عَلَيْهِ مُغْلَقٌ، فَجئْتُ فَاسْتَفْتَحْتُ فَمَشَى فَفَتَحَ لِي ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُصَلَّاهُ، وَذَكَرْتُ أَنَّ الْبَابَ كَانَ فِي الْقِبْلَةِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ. [حم: ٦/ ٣١، د: ٩٢٢، ت: ٦٠١، ن: ١٢٠٦].\n١٠٠٦ - [٢٩] وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا فَسَا أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنْصَرِفْ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ\"\nــ\n١٠٠٤ - [٢٧] (أبو هريرة -﵁-) قوله: (اقتلوا الأسودين) أي: بضربة أو بضربتين.\n١٠٠٥ - [٢٨] (عائشة -﵂-) قوله: (يصلي تطوّعًا) إشارة إلى أنه إنما فعل ذلك في التطوع دون الفريضة.\nوقوله: (أن الباب كان في القبلة) أي: فلم يتحول -ﷺ- عنها عند مجيئه، وكان رجوعه على عقبيه إلى خلف، وكان البيت ضيقًا فلم يكن المشي إلا خطوة أو خطوتين (١).\n١٠٠٦ - [٢٩] (طلق بن علي) قوله: (إذا فسا) بالألف (أحدكم) أي: خرج ريح\n_________\n(١) قال القاري: الإِشْكَالُ بَاقٍ؛ لأَنَّ الْخُطْوَتَيْنِ مَعَ الْفَتْحِ وَالرُّجُوعِ عَمَلٌ كَثِيرٌ، فَالأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: تِلْكَ الْفِعْلَاتُ لَمْ تَكُنْ مُتَوَالِيَاتٍ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧٩٣).","vol":"3","page":134},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَاه التِّرْمِذِيُّ مَعَ زِيَادَةٍ وَنُقْصَانٍ. [د: ٢٠٥، ت: ١١٦٤].\n١٠٠٧ - [٣٠] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّهَا قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَأْخُذْ بِأَنْفِهِ ثُمَّ لِيَنْصَرِفْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١١١٤].\n١٠٠٨ - [٣١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ وَقَدْ جَلَسَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَقَدْ جَازَتْ صَلَاتُهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَقَدِ اضْطَرَبُوا فِي إِسْنَادِهِ. [ت: ٤٠٨].\nــ\nمن غير صوت (فليتوضأ)، وفي بعض النسخ: (وليتوضأ) (١).\n١٠٠٧ - [٣٠] (عائشة -﵂-) قوله: (فليأخذ بأنفه) ليخيِّل الناس أنه مرعوف (٢) سترًا على نفسه ووقاية لهم من الغيبة والوقوع فيه، وليس هذا من باب الكذب، بل من باب المعاريض بالفعل، ولا من الرياء، بل من باب التجمل، وفيه رخصة.\n١٠٠٨ - [٣١] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (فقد جازت صلاته) وهذا مذهب أبي حنيفة رحمة اللَّه عليه لأن التسليم عنده ليس بفرض، وقد سبق الدليل عليه.\nوقوله: (وقد اضطربوا في إسناده) المضطرب من الحديث هو الذي يروى على\n_________\n(١) فوله في الحديث: \"وَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ\" به قال أحمد والشافعي في الجديد، وقال مالك وأبو حنيفة بجواز البناء. ويمكن أن يجاب عنهما عن الحديث بأنه محمول على العمد أو على الأَولى، كذا في \"التقرير\"، وبسطه القاري (٢/ ٧٨٣ - ٧٩٤).\n(٢) وإن لم يستطع معه أيضًا فليصلّ مع الحدث ويسجد على اليدين، به قال الفقهاء؛ لأن السجدة بالحدث قيل: كفر، كذا في \"التقرير\".","vol":"3","page":135},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-359> الفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٠٠٩ - [٣٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَلَمَّا كَبَّرَ انْصَرَفَ وَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ أَنْ كَمَا كُنْتُمْ، ثُمَّ خَرَجَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ جَاءَ وَرَأسُهُ يَقْطُرُ فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: \"إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا فَنَسِيْتُ أَنْ أَغْتَسِلَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٤٤٨].\nــ\nأوجه مختلفة وهو ضعيف؛ للإشعار بأنه لم يضبط (١).\nالفَصْلُ الثَّالِثُ\n١٠٠٩، ١٠١٠ - [٣٢، ٣٣] (أبو هريرة، وعطاء بن يسار) قوله: (فلما كبر) أي: للإحرام. (انصرف) أي: خرج من صلاته.\nوقوله: (ثم خرج) أي: من المسجد إلى البيت.\nوقوله: (أن كما كنتم) أن مفسّرة، أي: قال لهم: كونوا كما كنتم على حالكم ولا تتفرقوا.\nوقوله: (فلما صلى قال: إني كنت جنبًا) وأخذت الشافعية من هذا الحديث أن صلاة المأمومين لا تبطل بتبين بطلان صلاة الإمام، وعندنا تبطل.\n_________\n(١) قال القاري: لِهَذَا الْحَدِيثِ طُرُقٌ ذَكَرَهَا الطَّحَاوِيُّ، وَتَعَدُّدُ الطُّرُقِ يُبْلِغُ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ إِلَى حَدِّ الْحَسَنِ، وَقَالَ ابْنُ الْهَمَّامِ: وَقَوْلُ مَنْ يَقُولُ فِي حَدِيثٍ: إنَّهُ لَمْ يَصِحَّ، إِنْ سُلِّمَ لَمْ يَقْدَحْ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ لَا تَتَوَقَّفُ عَلَى الصِّحَّةِ، بَلِ الْحسنُ كَافٍ، فَأَمَّا مُجْتَهِدٌ عَلِمَ بِالِاخْتِلَافِ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ وَغَلَبَ عَلَى رَأْيِهِ صِحَّتُهُ، فَهُوَ صَحِيحٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، إِذْ مُجَرَّدُ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ لَا يَمْنعُ مِنَ التَّرْجِيحِ وَثُبُوتِ الصِّحَّةِ. اهـ، فَاحْفَظْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَنْفَعُكَ كَثِيرًا، وَوَجْهُ مُنَاسَبَةِ هَذَا الْحَدِيثِ لِلْبَابِ أَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ حَدَثٌ فِي الصَّلَاةِ، وَلَمْ يُبْطِلْهَا مَعَ أَنَّ مِنْ شَأْنِهِ إِبْطَالَهَا. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧٩٥).","vol":"3","page":136},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوذكر الشيخ ابن الهمام (١): روى محمد بن الحسن في (كتاب الآثار): أخبرنا إبراهيم بن يزيد المكي عن عمرو بن دينار: أن علي بن أبي طالب -﵁- قال في الرجل يصلي بالقوم جنبًا قال: يعيد ويعيدون، ورواه عبد الرزاق: ثنا إبراهيم بن يزيد المكي، عن عمرو بن دينار، عن جعفر: أن عليًا -﵁- صلى بالناس وهو جنب أو على غير وضوء، فأعاد وأمرهم أن يعيدوا، ومما يستدل به على المطلوب ما أخرجه الإمام أحمد بسند صحيح عن النبي -ﷺ- قال: \"الإمام ضامن\"، فبطلان صلاة الإمام يقتضي بطلان صلاة المقتدي، إذ لا يتضمن المعدوم الموجود، وما أسند أبو داود (٢): \"أنه -ﷺ- دخل في صلاة الفجر فأومأ بيده أن مكانكم، ثم جاء ورأسه يقطر ماء فصلى بهم، فلما قضى الصلاة. قال: إنما أنا بشر وإني كنت جنبًا\"، صحيح، ولكن لا يقتضي أن ذلك كان بعد شروعهم لجواز كون التذكر عقيب تكبيره بلا مهلة قبل تكبيرهم، على أن الذي في مسلم (٣): \"قال: فأتى النبي -ﷺ- حتى قام في مصلاه قبل أن يكبر فانصرف\"، فإن كان هذا هو المراد في حديث أبي داود \"دخل في صلاة الفجر\" على إرادة: دخل في مكانها، فلا إشكال، وإن كانا قضيتين فالجواب ما علمت، وروي عن أبي أمامة قال: صلى أمير المؤمنين عمر -﵁- بالناس جنبًا فأعاد ولم يُعد الناس، فقال علي -﵁-: قد كان ينبغي لمن صلى معك أن يعيد، قال: فرجعوا إلى قول علي -﵁-، وقال القاسم: وقال ابن مسعود -﵄- مثل قول علي -﵁-، ويثبت المطلوب أيضًا بالقياس على ما لو بان\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٣٧٤).\n(٢) \"سنن أبي داود\" (٢٣٣، ٢٣٤).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (٦٠٥).","vol":"3","page":137},{"text":"١٠١٠ - [٣٣] وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا. [ط: ١١٠].\n١٠١١ - [٣٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي الظُّهْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَآخُذُ قُبْضَةً من الْحَصَى لِتَبْرُدَ فِي كَفِّيْ أَضَعُهَا لِجَبْهَتِي أَسْجُدُ عَلَيْهَا لِشِدَّةِ الْحَرِّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ. [د: ٣٩٩، ن: ١٨٠٠].\n١٠١٢ - [٣٥] وَعَنْ أَبِي الدَّرْداءِ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: \"أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ\"، ثُمَّ قَالَ: \"أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ\" ثَلَاثًا، وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ، قَالَ: \"إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ\nــ\nأنه صلى بغير إحرام لا تجوز صلاتهم إجماعًا، والمصلي بلا طهارة لا إحرام له، والفرق بين ترك الركن والشرط لا أثر له، انتهى.\n١٠١١ - [٣٤] (جابر) قوله: (أسجد) بدل من (أضعها) أو حال، وهذا الذي فعله جابر -﵁- قليل لأنه أخذة واحدة باليد.\n١٠١٢ - [٣٥] (أبو الدرداء) قوله: (فسمعناه يقول: أعوذ باللَّه منك) والاستعاذة من الشيطان ليس كلام من الناس، وقال الشافعية: الدعاء على غيره بصيغة الخطاب يبطل الصلاة، فلعلهم يحملون هذا الحديث على كونه قبل تحريم الكلام، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ثلاثًا) أي: قاله ثلاث مرات، وكذا معنى قوله بعدُ: (ثلاث مرات).\nوقوله: (إن عدو اللَّه إبليس) وقد سبق في الحديث المتفق عليه ذكر عفريت من الجن، فإن قلت: ليس التصرف والقدرة على إبليس مخصوصًا بسليمان ﵇ فكيف","vol":"3","page":138},{"text":"جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي، فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللَّهِ التَّامَّةِ فَلَم يَسْتَأْخِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ آخُذَهُ، وَاللَّهِ لَوْلَا دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَان لأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ\". رَوَاهُ مُسْلِم. [م: ٥٤٢].\n١٠١٣ - [٣٦] وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ الرَّجُلُ كَلَامًا، فَرَجَعَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَقَالَ لَهُ: إِذَا سُلِّمَ عَلَى أَحَدِكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلَا يَتَكَلَّمْ وَلْيُشِرْ بِيَدِهِ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٤٠٥].\n* * *\nــ\nيصح قوله: (لولا دعوة أخينا سليمان)؟ قيل: لما ظهر إبليس بصورة الجن كان لسليمان تصرف عليه كما على الجن لا على إبليس بحقيقة.\nوقوله: (بشهاب) ككتاب: شعلة من نار ساطعة.\nوقوله: (ثم أردت آخذه) على صيغة المتكلم، وفي نسخة: (أن آخذه)، وفي نسخة أخرى صحيحة: (أَخْذَهُ) بصيغة المصدر.\n١٠١٣ - [٣٦] (نافع) قوله: (فرد الرجل كلامًا) أي: رد الرجل السلام بالكلام (١).\n_________\n(١) وَلَعَلَّهُ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَدْرِ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ كَانَ قَبْلَ نَسْخِ الْكَلَامِ الْحَقِيقِيِّ بِالْحُكْمِيِّ، أَوِ الْمُرَادُ بِالإِشَارَةِ إِيمَاءٌ إِلَى اعْتِذَارِهِ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، كَمَا يُشَارُ لِلْمَارِّ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ رَدِّ السَّلَامِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٧٩٨).","vol":"3","page":139},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-360>٢٠ - باب السهو</span>\nــ\n٢٠ - باب السهو\nفي (القاموس) (١): سها في الأمر كدعا يسهو سهوًا: نسيه، وغفل عنه، وذهب قلبه إلى غيره، فهو ساهٍ وسهوان، وقال: نسيه نَسْيًا ونِسْيَانًا ضد حفظه.\nوقال في (المواهب) (٢): اعلم أن السهو هو الغفلة عن الشيء وذهاب القلب إلى غيره، قاله الأزهري، وفرق بعضهم -فيما حكاه القاضي عياض- بين السهو والنسيان من حيث المعنى، وزعم أن السهو جائز في الصلاة على الأنبياء صلوات اللَّه عليهم أجمعين، بخلاف النسيان فإنه غفلة وآفة، والسهو إنما هو شغل، وهو ضعيف من جهة الحديث فيما ثبت في الصحيحين من قوله -ﷺ-: (إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون)، وأما من حيث اللغة فلقول الأزهري، ونحوه قول الجوهري وغيره.\nوقال في (النهاية) (٣): السهو في الشيء: تركه من غير علم، والسهو عنه: تركه مع العلم، وهو فرق حسن دقيق، وبه يظهر الفرق بين السهو الذي وقع من النبي -ﷺ- في الصلاة غير مرة، والسهو عن الصلاة الذي ذم اللَّه تعالى فاعله بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥]، ثم قال: وكان سهوه -ﷺ- من إتمام نعمة اللَّه تعالى على أمته وإكمال دينهم ليقتدوا به فيما شرعه لهم عند السهو، انتهى. وفي قوله: ليقتدوا به، إفادة أن شرعية الأحكام وإن كان يحصل بدون وقوع السهو منه عفيم بان يحكم [أنَّ] من سها فعليه السجدة مثلًا، ولكن الحكمة في وقوع\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩٣).\n(٢) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ١٣٤).\n(٣) \"النهاية\" (٢/ ٤٣٠).","vol":"3","page":140},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-361> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٠١٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَحَدُكُمْ إِذَا قَامَ يُصَلِّي جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَلَبَسَ عَلَيْهِ حَتَّى لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى؟ فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٣٢، م: ٣٨٩].\nــ\nالسهو منه -ﷺ- إدراك شرف الاتِّباع والاقتداء، ولا يحصل ذلك إلا به.\nواعلم أن جواز السهو والنسيان على رسول اللَّه -ﷺ- في الأقوال فيما يتعلق بالإخبار والإبلاغ غير جائز، واختلفوا في الأفعال من الصلاة وغيرها، والمختار عند أهل الحق جوازه، لأنه قد دلت عليه الأحاديث الصحيحة فلا بد من القول بها، ولا بأس فيه، ولا يلزم محذور، بل يتضمن الحكمة كما ذكر.\nالفصل الأول\n١٠١٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (فلبس عليه) بالتخفيف، أي: خلط الشيطان عليه أمر صلاته وشوّش خاطره، وربما يشدّد للتكثير من اللَّبْس بالفتح بمعنى الخلط والتشكيك والتمويه، من باب ضرب يضرب، من لَبَسْتُ الأمر بالفتح أَلْبِسه بالكسر: إذا خلطت بعضه ببعض، ومنه: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾، وأما اللُّبس بالضم بمعنى لُبس الثوب فهو من باب سمع يسمع.\nوقوله: (فليسجد سجدتين) (١) ويسنُّ فيهما من الذكر ما في سجدتي الصلاة، وقيل: يسن أن يقول فيهما: سبحان من لا يسهو ولا ينام.\n_________\n(١) مسنون عند الشافعي، واجب عند أحمد، وأبي حنيفة على المشهور، وقيل: مسنون. وعند مالك واجب في النقصان دون الزيادة. كذا في \"التقرير\".","vol":"3","page":141},{"text":"١٠١٥ - [٢] وَعَنْ عَطَاءَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ، وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ،\nــ\nواعلم أن هذه صورة الشك والتردد في الفرق بين الشك والسهو بأن في السهو والنسيان يجزم بجانب واحد، وفي الشك متردد لا يدري كم صلى، قالوا: ولم يقع رسول اللَّه -ﷺ- في الشك أبدًا، لأنه من تلبيس الشيطان كما نطق به الحديث، ووقع في السهو والنسيان لغلبة الاستغراق والتوجه، وهو وإن كان خلاف الواقع ولكنه كان لا يُقَرَّر عليه، ويُنَبَّه على ما في الواقع، فبيَّن للأمة حكم الشك كما في الحديث الآتي فقال: (إذا شك أحدكم في الصلاة) أي: تردَّد شاملًا لصورة الرجحان والمساواة.\n١٠١٥ - [٢] (عطاء بن يسار) قوله: (فليطرح الشك) أي: المشكوك، والمراد بـ (ما استيقن) الأقلُّ.\nوقوله: (ثم يسجد) بالجزم والرفع، والأول أظهر.\nوقوله: (قبل أن يسلم) وفي رواية الترمذي: قبل التسليم، وليس في رواية البخاري ومسلم هذا القيد، وسيجيء الكلام في الاختلاف في أن سجدتي السهو قبل السلام أو بعده.\nوقوله: (فإن كان صلى خمسًا) أي: إن شك في أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا فبنى على الثلاث، فضم ركعة، فإن كان الواقع أنه كان صلى أربعًا وضم إليه الركعة صارت خمسًا.\nوقوله: (شفعن له صلاته) أي: جَعَلْن هذه الركعات الخمس للمصلي بهذين","vol":"3","page":142},{"text":"وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٧١].\nوَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلًا. وَفي رِوَايَتِهِ: \"شَفَعَهَا بِهَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ\". [ط: ٦٢].\nــ\nالسجدتين صلاتَه شفعًا، أي: ستًّا، بجعل السجدتين في حكم ركعة أخرى، وإن كان ثلاثًا فصارت بضم الركعة أربعًا فيكون قد صلاها لإتمام الأربع، وعلى هذا لا تكون السجدتان محتاجًا إليهما، ولكن كانتا ترغيمًا وتذليلًا للشيطان لمضادته في التلبيس والتخليط.\nوقوله: (شفعها) أي: جعل المصلي الركعات الخمس بهاتين السجدتين شفعًا.\nثم اعلم أن ظاهر هذا الحديث يدل على أنه يبني على ما استيقن ولا يعمل بالتحري وهو مذهب الجمهور، وقال الترمذي (١): وعند بعض أهل العلم في صورة الشك يعيد الصلاة، وقال أبو حنيفة ﵀: يعيد إن شك أول مرة (٢) -أي: لم يكن الشك عادة له- وإلا تحرى بالظن الغالب، ويعمل به، وبعد التحري إن لم يحصل غلبة الظن في جاثب واحد بنى على الأقل وسجد للسهو، لأن البناء على الظن الغالب أصل مقرَّر في الشرع كما في القبلة ونحوها، وقد جاء في الصحيحين (٣) عن ابن مسعود -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (إذا شك أحدكم فليتحر الصواب وليتم عليه) كذا أورده الشُّمُنِّي، وفي\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٣٩٦).\n(٢) اختلفوا في تفسير أول مرة في هذا المقام فقيل: معناه أول سهو وفع في عمره، وقال شمس الأئمة ﵀: معناه لم يصر السهو عادة، وقال فخر الإسلام: أول سهو وقع في هذا الصلاة كذا قال الشُّمُنِّي، وقالوا: المختار هو القول الثاني. كذا في \"المرقاة\" (٢/ ٧٩٨).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٤٠١)، و\"صحيح مسلم\" (٥٧٢).","vol":"3","page":143},{"text":"١٠١٦ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا فَقِيلَ لَهُ: أَزِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: \"وَمَا ذَاكَ؟ ! قَالُوا: صَلَّيْتَ خَمْسًا،\nــ\n(جامع الأصول) (١): من حديث النسائي عن ابن مسعود -﵁-: \"من أوهم في صلاته فليتحر الصواب، ثم يسجد سجدتين بعد ما يفرغ وهو جالس\".\nوقال محمد ﵀ في (الموطأ) (٢): إن الآثار في باب تحرِّي غالب الظن كثيرة، وقال: إن لم يفعل كذلك فالنجاة من السهو والشك متعذر، وفي الإعادة في صورة كثرة الشك والاعتياد به حرج عظيم.\nوالحاصل: أنه قد ثبت في هذا الباب أحاديث ثلاثة، أحدها: إذا شك أحدكم في الصلاة فليستأنف أو كما قال، وثانيها: من شك في صلاته فليتحر الصواب، وثالثها: هذا الحديث الذي في الكتاب الناطق بالبناء على ما استيقن، فجمع أبو حنيفة ﵀ بينها بحمل الأول على عروض الشك أول مرة، والثاني على صورة وقوع التحري على أحد الجانبين، والثالث: على عدم وقوع التحري عليه، وهذا كمال الجامعية الذي ابتنى مذهب أبي حنيفة -﵀- عليه، فإن قلت: الشك تساوي الطرفين، فغلبة الظن لا يدخل فيها، قلنا: هذا اصطلاح حادث، وفي اللغة والشرع الشك يقابل اليقين فيشمل الظن والوهم أيضًا كما أشرنا إليه في أول الكلام.\n١٠١٦ - [٣] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (وما ذاك) أي: وما قولكم: (أزيد في الصلاة)؟ يعني: لأي سبب تقولون ذلك؟\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (٥/ ٥٥٠).\n(٢) \"التعليق الممجد\" (١/ ١٢٤).","vol":"3","page":144},{"text":"فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا سَلَّمِ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: \"إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذكِّرُونِي، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ ثمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠١، م: ٥٧٢].\nــ\nوقوله: (فسجد سجدتين) إما لأنه تذكر الحال أو اعتمد على قولهم.\nوقوله: (فليتم عليه) أي: يتم ما بقي مبنيًّا على التحري، وقيل: معناه: أمضاه، يقال: تم على أمره وأتم، أي: أمضاه.\nوقوله: (ثم يسجد) بالجزم، وفي بعض النسخ المصححة بالرفع، وفي مذهب الحنفية في هذه الصورة تفصيل، وهو أنه إن سها عن القعدة الأخيرة وقام للركعة الخامسة رجع إلى القعدة ما لم يسجد للركعة الخامسة، وإن سجد لها بطل فرضه بوضع الجبهة على الأرض عند أبي يوسف وبرفعه عنها عند محمد، وهو المختار، بطل فرضه، وألغى الخامسة، وإن قعد الأخيرة فقام قبل أن يسلم رجع إلى القعدة وسلم ما لم يسجد للخامسة، وإن سجد تَمَّ فرضه، وضم إليها السادسة، ويستحسن أن يسجد للسهو عن السلام، ظاهر الحديث يدل على أنه -ﷺ- لم يضم واكتفى بالسجدة للسهو.\nونقل الكرماني في (شرح صحيح البخاري (١» عن الخطابي أنه قال: لعل هذا الحديث لم يبلغ أهل الكوفة حيث ذهبوا إلى أنه إن لم يقعد قدر التشهد فسدت صلاته ويلزمه الاستئناف، وإن قعد تمت صلاته، والخامسة نفل، ويلزمه أن يضم معه سادسة ويتشهد ويسلم ويسجد، وهذا الكلام تعريض على علمائنا مع نوع من الاعتذار حتى لا يلزمهم مخالفة السنة بعد العلم بها، والحاصل: أن الحديث يدل على أن في صورة\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (٤/ ٦٥).","vol":"3","page":145},{"text":"١٠١٧ - [٤] وَعَن ابْن سِيرِين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِحْدَى صَلَاتَي الْعَشِيِّ -قَالَ ابْنُ سِيرِين: قَدْ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا-، قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ. . . . .\nــ\nزيادة الركعة الخامسة مطلقًا السجدة فقط، والصلاة صحيحة كما هو مذهب الشافعي ﵀، ولم يدل على هذا التفصيل الذي هو في مذهب الحنفية.\nوالجواب: أن لفظ الحديث يصدق مع ترك القعدة ومع فعلها، والحمل على الثاني أرجح وأقرب، لأنه -ﷺ- لم يترك القعدة الأخيرة لكونها ركنًا، فجواز الصلاة على تقدير تركه بعيد، فهذا الحديث مخصوص بصورة فعل القعدة الأخيرة والسهو في السلام، وأما ضم السادسة فبحديث نهي فيه عن البتيراء، فتدبر.\n١٠١٧ - [٤] قوله: (عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: صلى بنا) أي: أمَّنا، وقد يجيء اللام مكان الباء.\nوقوله: (إحدى صلاتي العشي) العشي بكسر الشين وتشديد الياء من حين نزول الشمس إلى أن تغيب، وهكذا في روايات البخاري، وفي بعضها: (الظهر أو العصر)، وفي بعضها: (الظهر) بالتعيين، وفي رواية مسلم: (إحدى صلاتي العشي إما الظهر وإما العصر).\nوقوله: (وقال ابن سيرين: قد سماها أبو هريرة ولكن نسيت أنا) وجاء في بعض الروايات أنه قال: الغالب على الظن أنه قال: صلاة العصر، وقيل: الشك من أبي هريرة، وتعيينه من بعض الروايات باعتبار غلبة الظن.\nوقوله: (معروضة) أي: موضوعة بالعرض، وقيل: أي: مطروحة، من عرضت الخشبة على الإناء أي: طرحتها عليه.","vol":"3","page":146},{"text":"فِي الْمَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَوَضَعَ خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَخَرَجَتْ سَرْعَانُ النَّاسِ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا: قُصِرَتِ الصَّلَاةُ، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ -﵄-، فَهَابَاهُ أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُل فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو الْيَدَيْنِ، قَالَ: يَا رَسُول اللَّهَ! أَنَسِيْت أَمْ قُصِرَتِ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: \"لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ\" فَقَالَ: \"أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ؟ \". . . . .\nــ\nوقوله: (في المسجد) وليس في بعض الأصول، ولكنه واقع في (صحيح البخاري)، كذا في الحاشية، وفي رواية: (خشبة في مقدم المسجد)، وفي أخرى: (في قبلة المسجد)، وفي أخرى: (إلى جذع في قبلة المسجد)، ولعله الذي كان يخطب متكئًا عليه قبل اصطناع المنبر، وهو الذي حنّ على فراقه -ﷺ-، واللَّه أعلم.\nوقوله: (سرعان الناس) وفي بعض النسخ: (سرعان القوم) فاعل (خرجت)، وهو بفتح السين والراء: أوائل الناس، ويجوز إسكانها، وضبطه الأصيلي بضم وسكون وهو الأشهر، والمراد: الذين يخرجون من الناس سريعًا من غير توقف للذكر والدعاء، وفي حديث حُنينٍ: فخرج سرعان الناس وأخفَّاؤهم.\nوقوله: (قصرت) بضم القاف وكسر الصاد، وروي بفتح القاف وضم الصاد، والأول أصح وأشهر، كذا نقل عن بعض شروح البخاري، وفي شرح الشيخ عن النووي: أن الثاني أكثر وأرجح، وعلى الوجهين يضبط قوله في الجواب: (ولم تقصر) معروفًا ومجهولًا.\nوقوله: (وفي القوم رجل في يديه طول يقال له: ذو اليدين) اسمه عمير بن عبد عمرو، وقيل: اسمه خرباق بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء وبالموحدة والقاف،","vol":"3","page":147},{"text":"فَقَالُوا: نَعَمْ، فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعِ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، فرُبَّمَا سَأَلُوهُ: ثُمَّ سَلَّمَ، فَيَقُولُ: نُبِّئْتُ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٥١، م: ٥٧٣].\nــ\nوكنيته أبو محمد، وقيل: خرباق اسم رجل آخر يقال له: ذو الشمالين، وقيل: خرباق غير ذي اليدين وغير ذي الشمالين، وفي شرح \"الموطأ\" لمحمد: ذو اليدين رجل من بني سليم يقال له: الخرباق، وهو غير ذي الشمالين، قال ابن منده: ذو اليدين رجل من أهل وادي القرى، أسلم في آخر زمن النبي -ﷺ-، والسهو كان بعد أحد، وقد شهده أبو هريرة، وأبو هريرة شهد زمن النبي -ﷺ- أربع سنين، وذو اليدين من بني سليم، وذو الشمالين من أهل مكة قتل يوم بدر قبل السهو بست سنين، وهو رجل من خزاعة حليف بني أمية، ومات ذو اليدين بعد رسول اللَّه -ﷺ-، وقال: ووهم فيه الزهري فجعل مكان ذي اليدين ذا الشمالين، وعليه بناء القول بالنسخ، لكنه وهم، وبالجملة اختلف فيه اختلافًا كثيرًا، والتحقيق ما نقلناه (١)، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فربما سألوه) أي: ابنَ سيرين.\nوقوله: (ثم سلم) أي: رسولُ اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (فيقول) أي: ابنُ سيرين في الجواب عن قولهم: (نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم سلم) أي: سُئل ابن سيرين هل: بعد سجدتي السهو تسليم؟ فقال: لم أحفظ من أبي هريرة في التسليم بعد السجدتين شيئًا، لكن أُخبرت أن عمران بن\n_________\n(١) وعند الحنفية ذو اليدين وذو الشمالين واحد، والشافعية غايروا بينهما. بسطه في \"البذل\" وهامشه (٤/ ٥٩٤ - ٦٠٨).","vol":"3","page":148},{"text":"وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ، وَفِي أُخْرَى لَهُمَا: . . . . .\nــ\nحصين قال: ثم سلم، وجاء في رواية أنه سئل ابنُ سيرين: هل في سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة تشهد، وأَحبُّ إلي أن يتشهد، وسيجيء في الفصل الثاني من حديث عمران بن حصين أنه تشهد ثم سلّم.\nثم اعلم أن لشراح الحديث في بيان علوم هذا الحديث كلامًا طويلًا، واستوفاه الشيخ في (فتح الباري) (١) ولو ثقلناه جميعًا لطال الكلام، ولكن نورد ههنا كلامين يهمّ نقلهما: أحدهما في قوله -ﷺ-: (كل ذلك لم يكن) أي: لا قصرٌ ولا نسيان، وهذا إخبار على خلاف الواقع. وقد أجمعوا على عدم جواز السهو في الأخبار، والخلاف إنما هو في الأفعال، والثاني في وقوع التكلم وأفعالٍ أُخر منه -ﷺ- مع إتمام الصلاة وعدم استئنافها.\nوقيل في الجواب عن الإشكال الأول: إن عدم جواز النسيان في الأقوال والأخبار إنما هو إذا كان متعلقًا بتبليغ الشرائع والوحي لا في جملة الأخبار، وهذا الجواب ضعيف، إذ الإخبار بخلاف الواقع كذب ومنقصة يجب تنزيهه -ﷺ- عن ذلك، وقد علم بيقينٍ عادةُ الصحابة -﵃- في المبادرة إلى تصديق أقواله والثقة بجميع أخباره -ﷺ- في أيّ باب كان وأيّ شيء كان، وهذا مذهب جمهور العلماء، وهم يؤوِّلون قوله: (كل ذلك لم يكن) بأن المراد: في اعتقادي هكذا، لا في نفس الأمر، وهذا خبر صادق بلا شبهة، أو هو كناية عن عدم الشعور فكأنه قال: لم أشعر، وهذا أيضًا صادق، وقيل: إن النسيان في هذا القول تابع للنسيان في الفعل وفي حكمه، ولا محذور فيه، ولزوم الكذب مندفع بما ذكر، وههنا أجوبة في غاية الضعف والبعد نقلناها في شرح (سفر السعادة) (٢).\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ١٠١).\n(٢) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ١٠١).","vol":"3","page":149},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَدَلَ \"لَمْ أَنْسَ. . . . .\nــ\nوعن الإشكال الثاني قيل: الإتيان بالمنافي والتكلم بطريق السهو لا يمنع جواز البناء وعدم الاستئناف، وهذا الجواب لا يتم في التكلم من ذي اليدين وبعض الصحابة الذين تكلموا؛ لأن تكلمهم لم يكن بسهو، إلا أن يقال: إنهم كانوا تابعين له -ﷺ- فلم يكن لهم حكم مستقل، وفيه ما فيه.\nثم لا يخفى أن الجواب المذكور لا يجري على مذهب الحنفية أن التكلم بالسهو والنسيان مبطل للصلاة ولا يكون عذرًا، وهم يقولون: إن قصة ذي اليدين وقعت على خلاف القياس فيقتصر على موردها.\nوقال بعضهم: إن هذه القضية وقعت قبل نسخ جواز الكلام في الصلاة، وهذا الجواب لا يصح، لا لما قيل: إن إسلام أبي هريرة -﵁- متأخر عنه، وهو راوي حديث ذي اليدين، فلا يكون قبل النسخ بل بعده؛ لأن تأخر إسلام الراوي لا يقتضي تأخر حديثه، ولا ينافي رواية القضية السابقة بالسماع من صحابي مقدَّمِ الإسلام كما تقرر في أصول الحديث، بل لأن أبا هريرة -﵁- قال في حديثه: (صلى بنا رسول اللَّه -ﷺ-)، وهذا يدل على أن أبا هريرة كان حاضرًا في هذه القضية، فيكون وقوع هذه القضية بعد إسلام أبي هريرة المتأخر من نسخ الكلام في الصلاة، لأن إسلامه كان في غزوة خيبر سنة سبع، وتحريم الكلام في سنة رجوع الصحابة من عند النجاشي، وهو متقدم، والطحاوي حمل قوله: (صلى بنا) على المجاز، أي: صلى بالمسلمين، وهو خلاف الظاهر مع أن مسلمًا وأحمد وغيرهما رووا أنه قال: بينما أنا أصلي مع رسول اللَّه -ﷺ-، وهذا يدفع هذا التأويل قطعًا، كذا في (فتح الباري) (١).\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ٩٧).","vol":"3","page":150},{"text":"وَلَمْ تُقْصَرْ\": \"كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ\" فَقَالَ: قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.\n١٠١٨ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُحَيْنَة: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ كَبَّرَ وَهُوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتينِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ (١). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٢٤، م: ٥٧٠].\nــ\nوقال بعضهم: إن هذا الكلام من رسول اللَّه -ﷺ- وذي اليدين كان بالإشارة والإيماء، وهذا أيضًا بعيد، وفي شرح (كنز الدقائق) المسمى بـ (البحر الرائق) (٢): إنا ما وجدنا جوابًا شافيًا عن هذا الاعتراض (٣)، ومذهب الإمام أحمد (٤) أن الكلام في الصلاة عامدًا أو ساهيًا مبطل للصلاة إلا أن يكون لمصلحة الصلاة من الإمام والمأموم كما في هذه القضية، واللَّه أعلم.\n١٠١٨ - [٥] (عبد اللَّه بن بحينة) قوله: (فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس) وفي رواية: (فسبحوا فمضى).\n_________\n(١) قال القاري: وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَلَكِنْ جَاءَ فِي رِوَايَات يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا أَنَّهُ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ، وَثَبَتَ سُجُودُ عُمَرَ بَعْدَ السَّلَامِ، فَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَنْسُوخٌ، وَقَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: إِنَّ سُجُودَ عُمَرَ بَعْدَ السَّلَامِ اجْتِهَادٌ، فِي غَايَةٍ مِنَ الاسْتِبْعَادِ، وَأَمَّا تَأْوِيلُ السُّجُودِ بِأَنَّهُ سُجُودُ الصَّلَاةِ لَا السَّهْوِ، وَإِنْ قَالَ بِهِ بَعْضُ عُلَمَائِنَا، وَلَكِنَّهُ بِعِيدٌ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ مَنْ قَالَ: وَقَعَ بَعْدَ السُّجُودِ سَهْوًا. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٨٠٦).\n(٢) \"البحر الرائق\" (٤/ ٣٦).\n(٣) أجاب عنه الحنفية بأن أبا هريرة لم يكن فيه كما صرح به ابن عمر، أخرجه الطحاوي (١/ ١٩٥)، كذا في \"التقرير\".\n(٤) وكذا عند المالكية، انظر: \"المرقاة\" (٢/ ٨٠٣).","vol":"3","page":151},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-362> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٠١٩ - [٦] عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- صَلَّى بِهِمْ فَسَهَا فَسجدَ سَجْدَتينِ ثُمَّ تَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٩٥].\n١٠٢٠ - [٧] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا قَامَ الإِمَامُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ، فَإِنْ ذَكرَ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوِيَ قَائِمًا فَلْيَجْلِسْ، وَإِنِ اسْتَوَى قَائِمًا فَلَا يَجْلِسْ، وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَي السَّهْوِ\". . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n١٠١٩ - [٦] (عمران بن حصين) قوله: (ثم تشهد ثم سلم) وفيه التشهد بسجدة السهو كما هو مذهبنا، وسيأتي الكلام فيه.\nوقوله: (حسن غريب) (١) وقال الحاكم (٢): صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وضعفه البيهقي وابن عبد البر وغيرهما.\n١٠٢٠ - [٧] (المغيرة بن شعبة) قوله: (قبل أن يستوي قائمًا فليجلس) ظاهره أنه لا يسجد للسهو، وفي (الهداية) (٣): قيل: يسجد للسهو للتأخير، والأصح أنه\n_________\n(١) قَالَ ابْنُ حَجَرِ: لِتَفَرُّدِ رُوَاتِهِ بِزِيَادَةِ التَّشَهُّدِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِبَقِيَّةِ الرُّوَاةِ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَحِفْظِهِمْ وَإِتْقَانِهِمْ وَعَدَمِ لُحُوقِهِ بِمَرْتَبَتِهِمْ، قُلْتُ: مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ زِيَادَةَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَاتِ غَيْرِهِ تَعَرُّضٌ لِلتَّشَهُّدِ لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا، وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٨٠٦).\n(٢) \"المستدرك على الصحيحين\" للحاكم (١/ ٤٦٩).\n(٣) \"الهداية\" (١/ ٧٤).","vol":"3","page":152},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٠٣٦، جه: ١٢٠٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-363> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٠٢١ - [٨] عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى الْعَصْرَ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ ركَعَاتٍ ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْخِرْبَاقُ، وَكَانَ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ، فَخَرَجَ غَضْبَانَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ: \"أَصَدَقَ هَذَا؟ \". قَالُوا: نَعَمْ، فَصَلَّى رَكْعَةً،\nــ\nلا يسجد، ثم هو يدل على أن المعتبر هو تمام القيام وعدمه، وظاهر المذهب عندنا إن كان أقرب إلى القعود عاد وقعد وتشهد، وإن كان أقرب إلى القيام لم يعد، واختلفوا في تفسير القرب، فقيل: لو استوى النصف الأسفل فهو إلى القيام أقرب وإلا فإلي القعود أقرب، وقيل: لو رفع أليتيه وركبتيه فهو إلى القيام أقرب وإلا فإلى القعود أقرب، وقيل: المعتبر رفع ركبتيه وعدمه، وقال الشيخ ابن الهمام (١): واعتبار الأقربية رواية عن أبي يوسف ﵀ اختارها مشايخ بخارى، أما ظاهر المذهب فيما لم يستو قائمًا يعود، وهو الأصح، والتوفيق بين ما روي أنه -ﷺ- قام فسبحوا فرجع وما روي أنه لم يرجع بالحمل على حالتي القرب من القيام وعدمه ليس بأولى منه بالحمل على الاستواء وعدمه، انتهى.\nالفصل الثالث\n١٠٢١ - [٨] (عمران بن حصين) قوله: (يقال له: الخرباق) قد سبق الكلام\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (١/ ٥٠٨).","vol":"3","page":153},{"text":"ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٧٤].\n١٠٢٢ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُول: \"مَنْ صَلَّى صَلَاةً يَشُكُّ فِي النُّقْصَانِ فَلْيُصَلِّ حَتَّى يَشُكَّ فِي الزِّيَادَةِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ١٩٥].\n* * *\nــ\nفي أنه ذو اليدين السابق أو هو ذو الشمالين غير ذي اليدين، وفيه المخالفة لحديث أبي هريرة من وجهين: كون السلام ثمة من ركعتين، وههنا من ثلاث، وكونه -ﷺ- ثمة اعتمد على خشبة في المسجد، وههنا دخل منزله، فتعين كما قاله جماعة من الأئمة: إن هذه واقعة أخرى، ولو كان ذو اليدين هو الخرباق فلا مانع كونه المتكلم في كل منهما، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ثم سلم ثم سجد) ثابت في الأصول، وليس في نسخة.\n١٠٢٢ - [٩] (عبد الرحمن بن عوف) قوله: (حتى يشك في الزيادة) بأن يبني على الأقل، ثم يصلي أخرى فهو بعدها يشك في زيادتها، مثلًا: شك في أنه صلى ثلاثًا أو أربعًا فبنى على الثلاث، فصلى ركعة أخرى، فهو يشك الآن أنها رابعة أو خامسة.\nتنبيه: قد عرفت من الأحاديث الواردة في الباب أنه -ﷺ- سجد في بعض المواضع قبل السلام، وفي بعضها بعد السلام، والظاهر أن يحمل على أنه -ﷺ- كان يفعل تارة قبل السلام وأخرى بعده وكلاهما سنة، فالشافعي: يسجد في جميع المواضع قبل السلام ترجيحًا للأحاديث الواردة فيه على غيرها، وقيل: هو -﵀- يدعي أن الأحاديث الواردة في السجود بعد السلام منسوخة، ويقول: آخر فعل النبي -ﷺ- كان أنه يسجد قبله، ولم يثبت ذلك، واللَّه أعلم.","vol":"3","page":154},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوإمامنا الأعظم يسجد في الكل بعد السلام، ورجح هذه الأحاديث على غيرها بكثرتها وقوتها، فقد جاء في الكتب الستة عن ابن مسعود -﵁- أنه سجد رسول اللَّه -ﷺ- بعد السلام، وإن جاء فيها أيضًا عن عبد اللَّه ابن بحينة -﵁- أنه سجد قبلها، كذا ذكره الشيخ ابن الهمام (١)، أو بحديث رواه أبو داود وابن ماجه وأحمد وعبد الرزاق عن ثوبان -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم، وتقريره أن فعله -ﷺ- جاء متعارضًا فتمسكنا بقوله، وهو أقوى عندنا من الفعل كما ثبت في أصول الفقه خصوصًا عند التعارض، لكن ضعف البيهقي إسماعيل بن عباس الذي تفرد بحديث ثوبان -﵁-، والحق أنه ثقة؛ لأن يحيى بن معين -الذي هو أشد المحدثين في تحقيق الرجال، ويقال له: محك الرجال- وَثّقَهُ، وقد حققه الشيخ ابن الهمام.\nوقد يرجح أيضًا بالقياس على ما هو المذهب من الرجوع إلى القياس عند تعارض الحديثين وتقديم الحديث الذي يوافق القياس، وهو أن سجدة السهو لا تتكرر، فينبغي أن تكون بعد السلام، حتى لو سها عن السلام جبر عنه أيضًا كذا قال الشُّمُنِّي، وقال أيضًا: وهو قول سعد بن أبي وقاص وعبد اللَّه بن مسعود وعمار بن ياسر وابن عباس وابن الزبير ﵃ أجمعين.\nوقال الإمام مالك: كل سهو للنقصان سجد له قبل السلام، ولسهو الزيادة بعد السلام، قال: وإن اجتمع السهوان سجد لهما قبل السلام، وعليه المزني وأبو ثور من أئمة الشافعية، ورجح ابن عبد البر قوله على أقوال الأئمة بأن فيه جمعًا بين الخبرين.\nوقال ابن دقيق العيد: لا شك أن الجمع أولى من الترجيح وادعاء النسخ،\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٥٠٠).","vol":"3","page":155},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nولا يخفى أن الجمع بين الخبرين في هذا المذهب إنما هو باعتبار أن السجدة واقعة في الصورتين أعني قبل السلام وبعده، لكن يلزم فيه مخالفة بعض الأحاديث كحديث ذي اليدين فإن فيه سهوًا بالنقصان، ومع ذلك السجدة فيه بعد السلام، وأيضًا هذا التوزيع في الفعلين إنما يصح على تقدير إن لم يثبت الحديث القولي من ثوبان، ولما ورد ذلك مطلقًا سواء كان في الزيادة والنقصان، سقط هذا التوزيع الذي اعتبره مالك ﵀، ولزم حمل اختلاف الفعلين على جواز الأمرين.\nوقال ابن عبد البر أيضًا في ترجيح مذهب مالك ﵀: إن هذا الفرق موافق لنظر العقل؛ لأن في النقص جبرًا، فينبغي أن يكون داخل أصل الصلاة، وفي الزيادة ترغيم الشيطان، فينبغي أن يكون خارجًا، وتعقب بأن كون السجود في الزيادة لأجل ترغيم الشيطان فقط ممنوع، ففيه أيضًا معنى الجبر من جهة دفع الخلل، والزيادة في الصلاة نقص، وإن كان في صورة الزيادة وصورة النقص أيضًا تتضمن ترغيم الشيطان، وأيضًا لماذا وجب أن يكون الترغيم خارج الصلاة؟ لم لا يكون الترغيم فيها؟ والترغيم ليس فعلا زائدًا على السجدة، وهو من جنس الصلاة.\nوقال الثوري: أقوى المذاهب قول مالك، ثم قول أحمد، وقال آخرون: بل مذهب أحمد أقوى إذ ليس فيه مخالفة الحديث قط، وهو يعمل كل حديث فيما ورد فيه، ومذهب أحمد ﵀ في كل موضع سجد فيه رسول اللَّه -ﷺ- قبل السلام يسجد قبله، وكل موضع سجد فيه بعده يسجد بعده، وفي غير تلك المواضع يسجد قبله؛ لأن هذا أوفق بالنظر إلى الظاهر؛ لأن السجدة لجبر نقصان الصلاة، وإنها من جنس الصلاة، فلأن يفعل داخلًا فيها قبل الخروج منها أولى وأحسن، ونقل عن أحمد ﵀ أنه قال: لو لم يكن في هذا الباب شيء مرويًا من رسول اللَّه -ﷺ- لكنت حكمت أن السجدة","vol":"3","page":156},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمطلقًا قبل السلام، وينبغي أن يعلم أن هذا الاختلاف المذكور في السجود بأن يكون قبل السلام أو بعده إنما هو في الأفضلية والأولوية، وإلا فلا اختلاف في أصل الجواز لتعارض الأدلة، صرح به في كتب الأئمة الأربعة.\nوأما كون السلام واحدًا فاختيار فخر الإسلام وقول محمد، وفي (المحيط): أنه الأصوب؛ لأن السلام الأول للتحليل، والثاني للتحية، وهذا السلام للتحليل، فكان ضم الثاني إليه عبثًا، وقال فخر الإسلام: يسلم تلقاء وجهه، وقيل: عن اليمين، وفي (الهداية) (١): الأصح أن يسلم تسليمتين وهو اختيار شمس الأئمة وقول أبي يوسف ومحمد رحمهما اللَّه حملًا للسلام المذكور في الحديث على المعهود في الصلاة، وهو تسليمتان كذا ذكر الشُّمُنِّي، وقد ذكر أن صدر الإسلام أخا فخر الإسلام كان ينسبه إلى البدعة في قوله بالسلام الواحد، فقال فخر الإسلام: قد أشار محمد ﵀ في \"كتاب الأصل\" إليه، فلا يكون بدعة، كذا في شرح ابن الهمام (٢).\nثم اختلف الأئمة في التشهد بعد سجود السهو. وهو مذكور في بعض الأحاديث، ولم يذكر في بعضها، وهو ثابت في مذهب أبي حنيفة وأحمد رحمهما اللَّه وبعض المالكية والشافعية لحديث عمران بن حصين على ما رواه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب، وإن لم يكن مذكورًا في حديث مسلم عنه، وقالوا: قد تفرد أحد رواة الترمذي بزيادة التشهد مع مخالفته لبقية الرواة وكثرتهم وحفظهم وإتقانهم، فيكون هذا الحديث شاذًا.\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٧٤).\n(٢) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٥٠١).","vol":"3","page":157},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوتمسك بعض الشافعية ممن هو قائل بالتشهد بحديث الترمذي، وقالوا: له طرق كثيرة أبلغته حد الحسن، وقال الحاكم: هو صحيح على شرط الشيخين.\nوقد تمسك الحنفية بحديث ابن مسعود -﵁- عند أبي داود والنسائي (١) قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إذا كنت في صلاة فشككت في ثلاث أو أربع، وأكثر ظنك على أربع تشهدت، ثم سجدت سجدتين وأنت جالس قبل أن تسلم، ثم تشهدت أيضًا، ثم تسلم\"، ذكره الشُّمُنِّي.\nوقال في (فتح الباري) (٢): ورواه البيهقي عن المغيرة -﵁- أيضًا، وإسنادهما ضعيف، ومع ذلك له طرق يبلغ بها درجة الحسن، وقال: إنه عند ابن أبي شيبة عن ابن مسعود -﵁- بلغ درجة الصحة، وعقد البخاري في صحيحه بابًا وترجم له: (باب من لم يتشهد في سجود السهو) قال: سلم أنس والحسن ولم يتشهدا، وقال قتادة: لا يتشهد، ثم ساق حديث ذي اليدين ليس فيه التشهد، وقال في آخر الباب عن سلمة ابن علقمة: قلت لمحمد -يعني ابن سيرين-: في سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة -﵁-، انتهى. ويفهم من هذا القول أن في غير حديث أبي هريرة تشهد كما في حديث عمران بن حصين، وقال الترمذي: اختلف أهل العلم في التشهد بعد سجدتي السهو، فقال بعضهم: فيه تشهد وتسليم، وقال آخرون: ليس فيه التشهد، بل فيه التسليم، وذهب أحمد وإسحاق إلى أنه إن سجد قبل السلام لم يتشهد، انتهى.\nوالأصح من قول الشافعي ﵀ أن التشهد بعد سجود السهو غير مسنون.\n_________\n(١) \"سنن أبي داود\" (١٠٢٨)، و\"سنن النسائي\" (١٢٤٦).\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٩٩).","vol":"3","page":158},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-364>٢١ - باب سجود القرآن</span>\nــ\nوقال بعضهم: الأصح أنه مسنون، وقيل: القول بالتشهد عنده مبني على القول القديم.\nثم اختار الكرخي من أصحابنا أن يأتي بالصلاة على النبي -ﷺ- وبالدعاء في التشهد الذي بعد سجود السهو؛ لأن موضعها آخر الصلاة، وفي (الهداية) (١): أنه الصحيح، وفي بعض شروح \"الهداية\": أن الصواب أن يقرأ في الأول، وقال الطحاوي: يأتي بهما في الذي قبله والذي بعده؛ لأن كلا منهما في آخر الصلاة، كذا قال الشُّمُنِّي، وقال الشيخ ابن الهمام (٢): وقول الطحاوي أحوط، كذا في \"فتاوى قاضيخان\".\n٢١ - باب سجود القرآن\nاعلم أن الأئمة اختلفوا في وجوب سجود التلاوة وعدمه، فذهب الإِمام أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد ﵏ إلى الوجوب، والأئمة الثلاثة على أنها سنة، وفعلها أفضل من تركها، وفي رواية عن أحمد أيضًا واجب إن كانت في الصلاة، وفي خارجها لا، والحجة لنا قوله سبحانه: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ﴾ [الانشقاق: ٢٠ - ٢١] الآية، الدال على إنكار ترك السجدة عند تلاوة القرآن، وقرنه مع عدم الإيمان كان تركها وعدم الإيمان من قبيل واحد، وأيضًا السجدة جزء الصلاة اقتصر عليها للتخفيف فيكون فرضًا، كالقيام في صلاة الجنازة، وحديث مسلم (٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (إذا قرأ ابن آدم السجود اعتزل الشيطان يبكي يقول:\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٧٤).\n(٢) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٥٠٢).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (٨١).","vol":"3","page":159},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nيا ويله، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار)، ولا يخفى أن دلالة هذا الحديث على الوجوب يحتاج إلى تأمل، ولعل وجهه أنه يفهم من سياق الحديث أن ابن آدم لو لم يسجد لاستحق النار مثل الشيطان.\nوقال الشيخ ابن الهمام (١): إن الحكيم إذا حكى عن غير الحكيم كلامًا، ولم يعقبه بالإنكار كان دليل صحته، فهذا الحديث ظاهر في الوجوب، وقال أيضًا: آيات السجدة ثلاثة أقسام، قسم فيه الأمر الصريح بالسجود، وقسم يتضمن حكاية استنكاف الكفرة، واستكبارهم عن امتثال الأمر بالسجود، وقسم فيه حكاية فعل الأنبياء والمؤمنين السجود ومدحهم به، وكل من الامتثال ومخالفة الكفرة والاقتداء بالأنبياء واجب، إلا أن يدل دليل في موضع معين على عدم اللزوم والوجوب، لكن هذه الدلائل ظنية لا تخلو عن شبهة فيثبت به الوجوب لا الفرضية، انتهى.\nوما جاء في الأحاديث من التأكيد والمبالغة في أدائه من نحو ما جاء عن ابن عمر من حديث الشيخين وأبي داود: كان رسول اللَّه -ﷺ- يقرأ السجدة ونحن عنده فيسجد ونسجد معه، فيزدحم حتى ما يجد أحدنا لجبهته موضعا يسجد عليه، وما جاء منه من حديث أبي داود: أن رسول اللَّه -ﷺ- قرأ عام الفتح سجدة فسجد الناس كلهم، منهم الراكب والساجد على الأرض حتى إن الراكب يسجد على يده، مما يستأنس به على الوجوب؛ فإن الظاهر أن هذه المبالغة في الازدحام لا تكون في غير الواجب، وقد أورد هذين الحديثين في \"جامع الأصول\" لإثبات وجوب سجدة التلاوة.\nوتمسك القائلون بعدم الوجوب بحديث زيد بن ثابت -﵁- في الصحيحين قال:\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ١٣).","vol":"3","page":160},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقرأت على النبي -ﷺ- النجم فلم يسجد، ولو كان واجبًا لسجد هو -ﷺ- وأمر زيدًا بالسجود، وهذا ضعيف لأنه لا يدل على نفي الوجوب؛ لأن الوجوب ههنا ليس على الفور، فلعله فعله في مجلس آخر، ويحتمل أن قراءة زيد كان في وقت الكراهة، أو على غير طهارة، أو كان ذلك لبيان أنه غير واجب على الفور، أو كان مخصوصًا بسجدة النجم، وفيه اختلاف، وعلى كل تقدير فلا يتم حجة على عدم وجوب مطلق السجدة، وأما ما جاء من حديث عمر -﵁- في (الموطأ) و\"صحيح البخاري\" أنه قرأ السجدة، وهو على المنبر يوم الجمعة، فنزل فسجد وسجد الناس معه، ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود فقال: (على رسلكم إن اللَّه لم يكتبها علينا إلا أن نشاء)، وفي رواية: (إنا نمر على آية السجدة فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه)، فصريح في عدم الوجوب، اللهم إلا أن يراد نفي الوجوب على الفور كما قال الشيخ ابن الهمام، لكن هذا التأويل بعيد ههنا من لفظ الحديث، ويمكن أن يقال: لعله كان ذلك مذهب عمر -﵁-، ولم يعلم اتفاق من عداه من الصحابة سوى من كان معه في المجلس، واللَّه أعلم.\nوالصواب أن يقال: لما كانت الأحاديث متعارضة كان الاحتياط في القول بالوجوب، والشبهة في الدليل لا تنافي الوجوب، ثم الطهارة شرط لسجدة التلاوة بالاتفاق، وروى البخاري تعليقًا: أن ابن عمر -﵄- كان يسجد على غير وضوء، كذا في رواية الأكثر، ووقع في رواية الأصيلي بحذف (غير)، والصواب إثبات (غير) لأن المعروف عن ابن عمر -﵄- أنه كان يسجد على غير وضوء، فقد جاء عن سعيد بن جبير: كان ابن عمر ينزل عن راحلته فيهريق الماء، ثم يركب فيقرأ السجدة فيسجد وما يتوضأ، كذا قال","vol":"3","page":161},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالكرماني (١)، ووافقه الشيخ في (فتح الباري) (٢) وقال أيضًا: وأما رواية البيهقي بإسناد صحيح عن الليث عن نافع عن ابن عمر -﵄- قال: لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر، فيجمع بينهما بأنه أراد بقوله: (طاهر) الطهارةَ الكبرى، أو الثاني على حالة الاختيار، والأول على الضرورة.\nوقال الشيخ: ولم يوافق ابن عمر أحدٌ على جواز السجود بلا وضوء إلا الشعبي أخرجه ابن أبي شيبة عنه بسند صحيح، وأخرجه أيضًا بسند حسن عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه كان يقرأ السجدة ثم يسلم، وهو على غير وضوء إلى غير القبلة، وهو يمشي يومئ إيماء.\nوذهب بعض السلف إلى أن سجدة التلاوة إنما تجب على المستمع دون السامع إذا اتفق سماعه من غير قصد. وقال سلمان الفارسي -﵁-: ما لهذا غدونا، وقال عثمان: إنما السجدة على من استمعها، وقال بعضهم: إنما تجب على السامع إذا سجد القارئ، فالقارئ كالإمام للسامع، وروي هذا عن مالك ﵀ فإنه قال: إنما السجود على المستمع إذا سجد القارئ، وقيل: إنما تجب إذا قصد القارئ قراءة القرآن، فكان السائب بن يزيد لا يسجد لسجود القاصِّ، وهو الذي يقصّ على الناس الأخبار والمواعظ، قال الكرماني (٣): لأنه ليس قاصدًا لقراءة القرآن، والجمهور على أنها تجب على القارئ والسامع مطلقا من غير تقييد بما ذكر.\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (٦/ ١٥٢).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٥٤).\n(٣) \"شرح الكرماني\" (٦/ ١٥٦).","vol":"3","page":162},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-365> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٠٢٣ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَجَدَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِالنَّجْمِ، وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ وَالْجنُّ وَالإِنْسُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٠٧١].\nــ\nالفصل الأول\n١٠٢٣ - [١] (ابن عباس) قوله: (سجد النبي -ﷺ- بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس) (١) إنما سجد النبي -ﷺ- امتثالًا لأمر اللَّه سبحانه بالسجود وشكرًا للنعم العظيمة المعدودة في أول السورة، وسجد المؤمنون متابعة له -ﷺ- في امتثال الأمر وإتيان الشكر، وسجد المشركون لسماع أسماء آلهتهم من اللات والعزى ومناة أو لما ظهر من السطوة سلطان العز والجبروت وسطوع أنوار العظمة والكبرياء من توحيد اللَّه ﷿، وصدق رسوله -ﷺ- حتى لم يبق لهم مسكة ولا اختيار ولا أثر جحود واستكبار إلا من كان أشقى القوم وأطغاهم وأعتاهم، وهو الذي أخذ كفًّا من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني هذا، وأما ما يروى من أنهم سجدوا لما مدح النبي -ﷺ- أصنامهم بقوله: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترجى، فقد أبطلوه بوجوه لا يحتاج إلى أن يبين، فإن تعمد ذلك كفر صريح مما لا يمكن أن يتصور، ولذا لا يجوز جريانه على لسانه -ﷺ- سهوًا.\nوقالوا: إن هذه القضية بهذا الوجه من وضع الزنادقة ومفترياتهم، ولم ينقله أحد من أصحاب الحديث لا في الصحاح ولا في التصنيفات الحديثية إلا بعض أهل السير والمؤرخون المولعون بنقل الغرائب والحكايات، وغاية ما يمكن أن يكون ما يروى في\n_________\n(١) قوله: (والجن والإنس) تأكيد وتعميم، أو إعادة الإنس موافقة لذكر الجن، ويحتمل أن يكون كل من في الأرض ساجدين، وعلم ذلك بإخبار الرسول اللَّه -ﷺ-، واللَّه أعلم (منه).","vol":"3","page":163},{"text":"١٠٢٤ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٧٨].\nــ\nبعض كتب الحديث أن رسول اللَّه -ﷺ- قرأ في المسجد الحرام سورة والنجم في مجمع قريش، وكان يتوقف في الآيات ليتلقى الناس ويحفظوها، ولما بلغ هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠]، دخل الشيطان وبلغ مسامع المشركين هذه الكلمات بأعلى صوته بحيث ظن السامعون أنه من قراءة النبي -ﷺ- ففرح المشركون، ولما أتم رسول اللَّه -ﷺ- السورة وسجد مع المسلمين وافقهم المشركون ولم يبق في المسجد الحرام كافر إلا سجد إلا أمية بن خلف الجمحي. وفي رواية: عتبة بن ربيعة، وفي رواية أخرى: وليد بن المغيرة، ولما قام المشركون من المجلس قالوا: ذكر محمد آلهتنا بخير، ونحن نعلم أن اللَّه تعالى هو المحيي والمميت والخالق والرازق، ولكنا نقول: هم شفعاؤنا عند اللَّه، فقد أثبت محمد شفاعة لهم، ولما وافقنا في ذلك صالحناه، وكففنا أيدينا عن إيذائه، فأتى جبريل النبي -ﷺ- وأخبره بإلقاء الشيطان فاغتم بذلك رسول اللَّه -ﷺ-، فنزلت تسلية له هذه الآية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢] ولهذه الآية تفسير آخر ليس فيه ذكر هذه القصة، واللَّه أعلم.\n١٠٢٤ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (سجدنا مع النبي -ﷺ- في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ و﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾) وقد جاء في سجدة ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ أحاديث من البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي والنسائي، وروى أبو داود عن ابن عباس -﵄-: لم يسجد رسول اللَّه -ﷺ- في المفصل منذ تحول إلى المدينة، يعني: وإن سجد في النجم قبل تحوله إلى المدينة، وكذا روى أبو داود والترمذي: سجدنا مع النبي -ﷺ- في أحد عشر موضعًا لم يكن شيء","vol":"3","page":164},{"text":"١٠٢٥ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرأُ ﴿السَّجْدَةَ﴾، وَنحنُ عِنْدَهُ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ، فَنَزْدَحِمُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُنَا لِجَبْهَتِهِ مَوْضِعًا يَسْجُدُ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٧٦، م: ٥٧٥].\n١٠٢٦ - [٤] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٧٢، م: ٥٥٧].\nــ\nمن ذلك من المفصل، وهو مذهب مالك ﵀، والقول القديم للشافعي رحمة اللَّه عليه، لكنهم رجحوا حديث أبي هريرة بأنه مُثْبِت، والمُثْبِت مقدم على النافي، على أنهم قالوا: إن في إسناد حديث أبي هريرة -﵁- ضعفًا، فإن ابن عبد البر قال: إنه حديث منكر، وكذا عبد الحق وهو من عظماء أهل الحديث قال: إسناده ليس بقوي، كذا قال الشُّمُنِّي، وقد قال أبو هريرة: سجدنا مع النبي -ﷺ-، وهو متأخر الإِسلام، فتدبر.\n١٠٢٥ - [٣] (ابن عمر) قوله: (فنزدحم حتى ما يجد أحدنا. . . إلخ) وفيه من الدلالة على وجوب سجدة التلاوة ما لا يخفى كما ذكرنا.\n١٠٢٦ - [٤] (زيد بن ثابت) قوله: (فلم يسجد فيها (١» ليس فيه دلالة على عدم وجوب السجدة كما تمسك به الشافعي ﵀ كما عرفت، وكذا في سجوده -ﷺ- فيها كما مر لعدم دلالته على الوجوب، ففعله -ﷺ- وكذا تركه لا يدل على أحد من الجانبين، بل دلائل الوجوب ما ذكرنا في أول المبحث.\n_________\n(١) قَالَ القاري: قَالَ الشَّافِعِيُّ: لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَقَالَ مَالِكٌ: لأَنَّهُ لَيْسَ في الْمُفَصَّلِ سُجُودٌ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لأَنَّ زيدًا لَمْ يَسْجُدْ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى طُهْرٍ، أَوْ مَنَعَهُ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ، أَوْ سَجَدَ في وَقْتٍ وَتُرِكَتْ في آخَرَ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ الْفَرْضِ، وَأَيْضًا فَالْوُجُوبُ لَيسَ عَلَى الْفَوْرِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٨١١).","vol":"3","page":165},{"text":"١٠٢٧ - [٥] وَعَن ابْن عَبَّاس قَالَ: سَجْدَةُ ﴿ص﴾ لَيْسَ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَسْجُدُ فِيهَا.\n١٠٢٨ - [٦] وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ مُجَاهِدٌ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: أَأَسْجُدُ في (ص)؟ فَقَرَأَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ حَتَّى أَتَى ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٩٠]. . . . . .\nــ\n١٠٢٧، ١٠٢٨ - [٥، ٦] (ابن عباس، ومجاهد) قوله: (سجدة ص ليس من عزائم السجود) (١) في (القاموس) (٢): عَزَمَ على الأمر يعزِم عَزْمًا ويضم: أراد فعله، وقطع عليه، أو جدّ في الأمر، وعزمة من عزمات اللَّه حق من حقوقه، أي: واجب مما أوجبه اللَّه، وعزائم اللَّه فرائضه التي أوجبها، انتهى. وفي (مجمع البحار) (٣): خير الأمور عوازمها، أي: فرائضها التي عزم اللَّه عليك بفعلها، وقيل: هي ما وكدت رأيك وعزمك عليه ووفيت بعهد اللَّه فيه، ومنه: لم يعزم عليها، أي: لم يوجب، والعزم: الجد والصبر، ومنه: ليعزم المسألة، أي: يجد فيها ويقطعها ولا يتردد، ويقرب من المعاني المذكورة العزيمة في الاصطلاح مقابل الرخصة، والمقصود ههنا أن سجدة ﴿ص﴾ ليست من السجدات الواجبة بل كان يسجد موافقة لأخيه داود وشكرًا لقبول توبته، وقد روى النسائي عن عكرمة عن ابن عباس -﵄-: أن رسول اللَّه -ﷺ- سجد في\n_________\n(١) قال القاري: مَعْنَاهُ: لَيْسَتْ مِنَ الْفَرَائِضِ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، بَلْ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: سُجُودُ التِّلَاوَةِ سُنَّةٌ، فَمَعْنَاهُ عَلَى مَذْهَبِهِ: لَيْسَتْ مِنْ سَجَدَاتِ التِّلَاوَةِ، بَلْ سَجْدَةُ شُكْرٍ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٨١٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٤٨).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥٩٣).","vol":"3","page":166},{"text":"فَقَالَ: نَبِيُّكُمْ -ﷺ- مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِمْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٠٦٩، ٤٦٣٢].\nــ\n﴿ص﴾، وقال: سجدها نبي اللَّه داود توبة وسجدناها شكرًا لقبول توبته، وروى أبو داود عن أبي سعيد الخدري خطبنا رسول اللَّه -ﷺ- يومًا فقرأ ﴿ص﴾، فلما مر بالسجود نزل وسجد وسجدنا، وقرأها مرة أخرى فلما بلغ السجدة تشرنا (١) للسجود فلما رآنا قال: إنما هذا توبة نبي ولكني رأيتكم تشرتم أراكم استعدتم للسجود.\nوقوله: (أمر أن يقتدي بهم) يعني: فأنت أولى وأحق بأن يقتدي، هذه الأحاديث متمسك الشافعية في عدم إيجاب السجدة في ﴿ص﴾، وهي عندنا، وعند مالك وعند أحمد ﵏ في رواية: واجبة لثبوت فعله -ﷺ- فيها مثل ما ثبت في السجدات الأخر مع دلائل أخر دلت على الوجوب مطلقًا.\nوقال الشيخ ابن الهمام (٢): ليس فيها ما يدل على عدم الوجوب، غاية ما فيه أنه بين السبب في حق داود والسبب في حقنا، وكونه للشكر لا ينافي الوجوب، فكل الفرائض والواجبات إنما وجبت شكرًا لتوالي النعم، وفي (مسند أبي حنيفة) عن سماك ابن حرب عن عياض الأشعري عن أبي موسى: أن النبي -ﷺ- سجد في ﴿ص﴾، وأخرج الإِمام أحمد عن بكر بن عبد اللَّه المزني قال: رأيت رؤيا وأنا أكتب سورة ﴿ص﴾، فلما بلغت السجدة رأيت الدواة والقلم وكل شيء يحضرني انقلب ساجدًا، قال: فقصصتها على رسول اللَّه -ﷺ- فلم يزل يسجد لها، فأفاد أن الأمر صار إلى المواظبة عليها كغيرها\n_________\n(١) تشرنا بتاء مثناة من فوق، ثم شين معجمة، ثم راء، ثم نون: معناه: تهيأنا، \"شرح ابن الهمام\". ليس هذا اللفظ في \"القاموس\" ولا في غيره من الكتب فيما رأينا، (منه).\n(٢) \"فتح القدير\" (٢/ ١١ - ١٢).","vol":"3","page":167},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-366> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٠٢٩ - [٧] عَنْ عَمْروِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الْقُرآنِ، مِنْهَا ثَلَاثٌ في الْمُفَصَّلِ. وَفِي سُورَةِ الْحَجِّ سَجْدَتَيْنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٤٠١، جه: ١٠٥٧].\nــ\nمن غير ترك، واستقر عليه بعد أن كان قد لا يعزم عليها، فظهر أن ما رواه (١) إن تمت دلالته كان قبل هذه القصة.\nالفصل الثاني\n١٠٢٩ - [٧] (عمرو بن العاص) قوله: (أقرأه) وفي بعض النسخ أقرأني، أي: أعلمني، كذا في بعض الشروح، وفي شرح الشيخ: أي: أمرني أن أقرأ عليه، كما يقول الشيخ المحدث المجيز: أقرأني فلان، أي: حملني على أن أقرأ عليه.\nوقوله: (وفي سورة الحج سجدتين) أي: أقرأني سجدتين، وفي رواية: وفي الحج سجدتان، اتفق الأئمة الثلاثة غير مالك في رواية أن السجدات أربعة عشر، فأبو حنيفة يقول بسجدة ص ولا يقول بثانية الحج، والشافعي وأحمد رحمهما اللَّه على الأشهر على العكس، وعند مالك ﵀ إحدى عشرة، وليس في المفصل عنده سجدة، وقد يروى عن أحمد ﵀ أنها خمسة عشر، وقد ضعف بعضهم حديث عمرو بن العاص، واللَّه أعلم. وقال عبد الحق: ابن منين بنونين مصغرًا راوي هذا الحديث عن عبد اللَّه بن عمرو لا يصلح للاحتجاج، وقال ابن قطان: وهو مجهول ولا يعرف حاله،\n_________\n(١) فقول ابن عباس: سجدة (ص) ليست من عزائم السجود، معناه أنها ليست مما أمر بها ابتداء تعبدًا بل وجوبها للسبب المذكور، وعلى ما ذكر الشيخ ابن الهمام يقول: قول ابن عباس قبل قصة منام بكر بن عبد اللَّه المزني، واللَّه أعلم، (منه).","vol":"3","page":168},{"text":"١٠٣٠ - [٨] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فُضِّلَتْ سُورَةُ الْحَجِّ بِأَنَّ فِيهَا سَجْدَتَيْنِ؟ قَالَ: \"نَعَمْ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا فَلَا يَقْرَأْهُمَا\". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ.\nــ\nكذا قال الشيخ ابن الهمام (١)، وعند الحنفية المراد بالسجدة الثانية في الحج سجدة الصلاة لاقترانه بالأمر بالركوع، والمعهود في مثله من القرآن كونه من أوامر ما هو ركن الصلاة نحو: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣].\n١٠٣٠ - [٨] (عقبة بن عامر) قوله: (فضلت سورة الحج (٢» بحذف همزة الاستفهام، ولا حجة في ذلك للخصم لاحتمال أن يكون التفضيل لاشتماله على ذكر سجدة التلاوة وسجدة الصلاة، فإن في ذلك أيضًا فضلًا ولكن جوابه -ﷺ- يدل على أن المراد سجدتا التلاوة.\nوقوله: (فلا يقرأهما) أي: لم يقرأ آيتهما قراءة كاملة موافقة للسنة المؤكدة من سنن القراءة.\nوقوله: (ليس إسناده بالقوي) لأن فيه ابن لهيعة وقد ضعِّف، ونقل عن الحاكم أنه قال: عبد اللَّه بن أبي لهيعة أحد الأئمة، وإنما حصل له اختلاط في آخر عمره، وقال الشيخ ابن الهمام (٣): وروى أبو داود في (المراسيل) عنه -ﷺ-: فضلت سورة الحج بسجدتين، قال: وقد أسند ولا يصح.\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ١٢).\n(٢) وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ في سُجُودِ الْحَجِّ: الأُولَى عَزِيمَةٌ، وَالأُخْرى تَعْلِيمٌ، فَبِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا نأْخُذُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٨١٤)، و\"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٦٢).\n(٣) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ١٢).","vol":"3","page":169},{"text":"وَفِي \"الْمَصَابِيحِ\": \"فَلَا يَقْرَأْهَا\" كَمَا في \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [د: ١٤٠٢، ت: ٥٧٨].\n١٠٣١ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- سَجَدَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ فَرَأَوْا أَنَّهُ قَرَأَ ﴿تَنْزِيلَ﴾ السَّجْدَةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٨٠٧].\n١٠٣٢ - [١٠] وَعَنْهُ: أَنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ وَسَجَدَ. . . . .\nــ\nوقوله: (وفي \"المصابيح\": فلا يقرأها) أي: السورة، وفيه من المبالغة ما لا يخفى، كأن بترك السجدتين تفوت فضيلة قراءة السورة كلها، وقد صوب بعضهم رواية: فلم يقرأهما، بضمير التثنية، وهو الظاهر، ثم لا يخفى أن الظاهر (فلم) مكان (فلا) كما في (المصابيح)، واللَّه أعلم.\n١٠٣١ - [٩] (ابن عمر) قوله: (ثم قام فركع) أي: لما قام من سجدة التلاوة ركع ولم يقرأ بعد القيام شيئًا، يعني: لم يقرأ باقي السورة، وفيه: إن من شاء أن يقرأ باقي السورة بعد السجدة جاز، ومن شاء أن لا يقرأ باقيها جاز أيضًا لكنه يلزم قراءة بعض السورة، وهو جائز في الجملة، ولا يلزم من هذا الحديث عدم اكتفاء الركوع عن سجدة التلاوة كما هو مذهب أبي حنيفة ﵀؛ لأنه ليس بواجب بل جاز أن يكتفي، والأفضل أن يسجد كما لا يخفى، فتدبر.\nوقوله: (فرأوا أنه قرأ ﴿تنزيل﴾ السجدة) أي: عملوا ذلك بأن سمعوا بعض آية، وقد سبق بيانه في (باب القراءة).\n١٠٣٢ - [١٠] (وعنه) قوله: (كان يقرأ رسول اللَّه -ﷺ- علينا القرآن) مطلقًا في الصلاة وغيرها، فعلم منه أن سجدة التلاوة ثابت على القاريء والسامع جميعًا.","vol":"3","page":170},{"text":"وَسَجَدْنا مَعَه (١). رَوَاهُ أبو دَاوُدَ. [د: ١٤١٣].\n١٠٣٣ - [١١] وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَرَأَ عَامَ الْفَتْحِ سَجْدَةً، فَسَجَدَ النَّاسُ كُلُّهُمْ مِنْهُمُ الرَّاكِبُ وَالسَّاجِدُ عَلَى الأَرْضِ، حَتَّى إِنَّ الرَّاكِبَ لَيَسْجُدُ عَلَى يَدِهِ (٢). رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ. [د: ١٤١١].\n١٠٣٤ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إِلَى الْمَدِينَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٤٠٣].\nــ\n١٠٣٣ - [١١] (وعنه) قوله: (قرأ عام الفتح سجدة) أي: آية سجدة، والظاهر أن المراد غير قضية قراءة ﴿وَالنَّجْمِ﴾ وسجود المسلمين والمشركين كلهم كما مر؛ لأن المشركين الذين كان فيهم من أخذ كفًّا من حصى ورفعه إلى جبهته، وقال: يكفيني، لم يكونوا عام الفتح بل كان ذلك بمكة قبل الفتح، فتدبر.\n١٠٣٤ - [١٢] (ابن عباس) قوله: (لم يسجد في شيء من المفصل) هذا مخالف لحديث أبي هريرة -﵁-، وحديثه هو الراجح، وأيضًا كثير من الصحابة رووا السجدة\n_________\n(١) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ إِلَّا لِلسُّجُودِ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: يَرْفَعُ يَدَيْهِ وَيُكَبِّرُ لِلإِحْرَامِ ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلسُّجُودِ، اهـ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٨١٥).\n(٢) أَي: الْمَوْضُوعَةِ عَلَى السَّرْجِ أَوْ غَيْرِه لِيَجِدَ الْحَجْمَ حَالَةَ السَّجْدَةِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ يَسْجُدُ عَلَى يَدِهِ يَصِحُّ إِذَا انْحَنَى عُنُقُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، اهـ. وَهُوَ غَيْرُ مَشْهُورٌ في الْمَذْهَبِ، فَفِي \"شَرْحِ الْمُنْيَةِ\": لَوْ سَجَدَ بِسَبَبِ الزِّحَامِ عَلَى فَخِذِهِ جَازَ، وَكَذَا لَوْ كَانَ بِهِ عُذْرٌ مَنَعَهُ عَنِ السُّجُودِ عَلَى غَيْرِ الْفَخِذِ في الْمُخْتَارِ، وَلَا يَجُوزُ بِلَا عُذْرٍ عَلَى الْمُخْتَارِ، كَذَا في \"الْخُلَاصَةِ\"، وَلَوْ وَضَعَ كَفَّهُ بِالأَرْضِ وَسَجَدَ عَلَيْهَا يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ إِلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ، اهـ. قَالَ ابْنُ الْهمامِ: إِذَا تَلَا رَاكِبًا أَوْ مَرِيضًا لَا يَقْدِرُ عَلَى السُّجُودِ أَجْزَأَهُ الإِيمَاءُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٨١٦).","vol":"3","page":171},{"text":"١٠٣٥ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ في سُجُودِ الْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ: \"سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [د: ١٤١٤، ت: ٥٨٠، ن: ١١٢٩].\n١٠٣٦ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْتُنِي اللَّيْلَةَ وَأَنَا نَائِمٌ، كَأَنِّي أُصَلِّي خَلْفَ شَجَرَةٍ، فَسَجَدْتُ فَسَجَدَتِ الشَّجَرَةُ لِسُجُودِي، فَسَمِعْتُهَا تَقُولُ: اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا، وَحُطَّ (١) عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا،\nــ\nفيها، والإثبات مقدم على النفي كما مرّ.\n١٠٣٥ - [١٣] (عائشة) قوله: (بالليل) ليس هذا للتخصيص بل بيان لوقت السماع فإنه -ﷺ- كان يسر بالنهار، وقد عرف قوله -ﷺ- هذا القول في مطلق سجود التلاوة، كذا قيل، واللَّه أعلم. وقيل: يقرأ هذا الدعاء: رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي، وقيل: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨]، لأنه حكي في القرآن من الساجدين أنهم يقولون ذلك، كذا قال الشُّمُنِّي، والظاهر من مذهب الحنفية ﵏ أن التسبيح المسنون في سجدة الصلاة يكفي في سجدة التلاوة؛ لأن السجدة الصلاتية أفضل من سجدة التلاوة، فإذا كفى هناك كفى ها هنا بطريق الأولى، ومع ذلك فلا شبهة أنه إن صح رواية شيء من الأدعية في سجدة التلاوة كان قراءته فيها أولى، واللَّه أعلم.\n١٠٣٦ - [١٤] (ابن عباس -﵄-) قوله: (إلا أنه لم يذكر وتقبلها مني. . . إلخ)\n_________\n(١) في نسخة: \"ضَعْ\".","vol":"3","page":172},{"text":"وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ (١). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَرَأَ النَّبِيُّ -ﷺ- سَجْدَةً (٢)، ثُمَّ سَجَدَ فَسَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ مِثْلَ مَا أَخْبَرَهُ الرَّجُلُ عَنْ قَوْلِ الشَّجَرَةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكرْ: وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُدَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٥٧٩، جه: ١٠٥٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-367> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٠٣٧ - [١٥] عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَرَأَ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ فَسَجَدَ فِيهَا، وَسَجَدَ مَنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرَ أَنَّ شَيْخًا مِنْ قُرَيْشٍ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ وَقَالَ: يَكْفِينِي هَذَا. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَزَادَ الْبُخَارِيُّ في رِوَايَةٍ: وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ. [خ: ١٠٧٠، ٤٨٦٣، م: ٥٧٦].\nــ\nيحتمل أن الرجل قرأ سجدة ﴿ص﴾، ويحتمل أنه قرأ غيرها (٣)، ومع ذلك يصح هذا القول باعتبار قبول التوبة في السجدة، واللَّه أعلم.\nالفصل الثالث\n١٠٣٧ - [١٥] (ابن مسعود) قوله: (وهو أمية بن خلف) بفتح اللام قتل يوم\n_________\n(١) قال القاري: وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ سَجْدَةَ ﴿ص﴾ لِلتِّلَاوَةِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٨١٧).\n(٢) أَيْ: آيَةَ سَجْدَةٍ مَعَ مَا قَبْلَهَا أَوْ مَا بَعْدَهَا، وَالأَظْهَرُ أَنَّهَا آيَةُ ﴿ص﴾، أَوْ سُورَةُ سَجْدَةٍ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٨١٨).\n(٣) قال القاري: وَالأَظْهَرُ أَنَّهَا سَجْدَةُ تِلَاوَةِ، وَأَنَّ الآيَةَ آيَةُ ﴿ص﴾. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٨١٧).","vol":"3","page":173},{"text":"١٠٣٨ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- سَجَدَ في ﴿ص﴾ وَقَالَ: سَجَدَهَا داوُدُ تَوْبَةً، وَنَسْجُدُهَا شُكْرًا. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٩٥٧].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>٢٢ - باب أوقات النهي</span>\nــ\nبدر، وهو أخو أبي بن خلف الذي قتله النبي -ﷺ- بيده يوم أحد، وهذا هو المعتمد، وقيل: إنه الوليد بن المغيرة، وقيل: عتبة بن ربيعة كما مرّ، وقيل: سعيد بن العاص كذا في شرح الشيخ.\n١٠٣٨ - [١٦] (ابن عباس -﵄-) قوله: (ونسجدها شكرًا) أي: على قبول توبته، مرّ الكلام فيه في الفصل الأول.\n٢٢ - باب أوقات النهي\nيشمل الأوقات الثلاثة التي تحرم فيها الصلاة، وهي وقت الطلوع والغروب والاستواء والتي تكره فيها وهي ما بعد الفجر والعصر، ثم عندنا يشمل النهي الفرض والنفل، ففي الثلاثة الأول لا تجوز الصلاة أداء ولا قضاء إلا عصر يومه، ولا صلاة الجنازة ولا سجدة التلاوة، وقد جاء في صلاة الجنازة إذا حضرت في هذه الأوقات، وفي سجدة التلاوة إذا تليت فيها قول، ويجوز في الآخرين وإذا شرع في النفل جاز، وقطع وقضى في وقت غير مكروه (١)، وإن أتمه خرج عن العهدة، والقطع أفضل، كذا في شرح ابن الهمام (٢) عن المبسوط، وعند الشافعي وأحمد رحمهما اللَّه، يجوز القضاء؛\n_________\n(١) في \"فتح القدير\": ويجب قطعه وقضاؤه في وقت مكروه.\n(٢) انظر: \"شرح فتح القدير\" (١/ ٢٣١).","vol":"3","page":174},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلقوله -ﷺ-: (فليصلها إذا ذكرها)، وكذا إعادة الجماعة إذا أقيمت وهو في المسجد، وكذا يجوز كل صلاة لها سبب كصلاة الجنازة إذا حضرت، وتحية المسجد إذا اتفق دخوله المسجد في هذه الأوقات لفرض غير التحية من انتظار صلاة ونحوها، وأما إذا دخل المسجد في هذه الأوقات ليصلي التحية فتكره كما لو أخر الفائتة ليقضيها فيها لكونه متحريًا لها بصلاته، وكذا صلاة الكسوف إذ ربما تفوت بالانجلاء، وركعتين بعد التطهير، وركعتي الإحرام والطواف وسجود التلاوة إذا تليت فيها، وفي معناه سجود الشكر فإن سببه السرور الحادث، ومذهب الحنفية ﵏ أحفظ لأنه اجتمع المبيح والمحرم، فالترجيح للمحرم.\nثم الكراهة تشتمل عندنا الأزمنة والأمكنة كلها، وعند الشافعي ﵀ ومن وافقه: لا كراهة يوم الجمعة وقت الاستواء؛ لأن الناس ندبوا إلى التبكير يوم الجمعة ورغبوا في الصلاة إلى خروج الإِمام، كما سيأتي في (باب الجمعة) وجعل الغاية خروج الإِمام، وهو لا يخرج إلا بعد الزوال فدل على عدم الكراهة، وقد جاء في استثناء يوم الجمعة حديث أيضًا، ولكنه ضعيف، وله شواهد ضعيفة، وأيضًا لا كراهة عند الشافعي ﵀ بمكة في الأوقات كلها، وافقه أحمد ﵀ في ركعتي الطواف فيما بعد الفجر والعصر.\nأما عند الطلوع والغروب والاستواء ففيه عنه روايتان، وقال مالك ﵀: ما أدركت أهل الفضل إلا وهم يجتهدون ويصلون نصف النهار، وقال ابن عبد البر: وقد روى مالك حديث الصنابحي (١) فإما أنه لم يصح عنده، وإما أنه رده بالعمل الذي\n_________\n(١) وهو الحديث الذي يأتي في أول الفصل الثالث الدال على النهي، (منه).","vol":"3","page":175},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-369> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٠٣٩ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا\".\nوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: \"إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ، فَإِذا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَغِيبَ،\nــ\nذكره، وهو حديث مرسل مع قوة رجاله، كذا في (فتح الباري) (١).\nالفصل الأول\n١٠٣٩ - [١] (ابن عمر -﵄-) قوله: (لا يتحرى أحدكم) تحرى يجيء بمعنى قصد، وبمعنى قصد الأحرى والأولى، والمعنى الأول هنا أظهر، وتوجيه الثاني أنه لما قصد الصلاة فيه فكأنه ظن أنه الأحرى لها، وقد فهم مما ذكرنا في بيان مذهب الشافعي له معنى، فافهم.\nوقوله: (فيصلي) جوابًا للنفي لكونه بمعنى النهي، وقال الكرماني (٢): ويجوز فيه الرفع، أي: فهو يصلي.\nوقوله: (حاجب الشمس) في (القاموس) (٣): الحاجب من الشمس: ناحية منها.\nوقوله: (فدعوا الصلاة) عام يشمل الصلوات، وقيد الشافعية بالتي لا سبب لها.\nوقوله: (حتى تبرز) أي: كلها.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٦٣).\n(٢) \"شرح الكرماني\" (٤/ ٢٢٣).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨١).","vol":"3","page":176},{"text":"وَلَا تَحَيَّنُوا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٥، م: ٨٢٨].\n١٠٤٠ - [٢] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ أَو نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً. . . . .\nــ\nوقوله: (ولا تحينوا) أصله ولا تتحينوا، أي: لا تجعلوا وقت الصلاة طلوعها، من تحين الشيء وحَيَّنَه: جعل له حينًا، والباء على هذا زائدة، أو لا تتقربوا بصلاتكم وقت طلوع الشمس، من حان: إذا قرب، أو لا تنتظروا بصلاتكم طلوعها، من تحيَّن: إذا انتظر، وفي حديث رمي الجمار: كنا نتحين زوال الشمس، أي: إذا زالت رمينا، ويقال: حيّن الناقة وتحينها: إذا حلبها وجعل لها في كل يوم وليلة وقتًا يحلبها، وفي الحديث؛ كانوا يتحينون للصلاة، ويتحينون ليلة القدر، كله من التحري لطلب حينها وارتقاب وقتها.\nوقوله: (بين قرني الشيطان) أي: ناحيتي رأسه، وقد مرّ شرحه في (باب المواقيت).\n١٠٤٠ - [١٢] (عقبة بن عامر) قوله: (أو تفسير) من باب نصر وضرب، يقال: قبرته، أي: دفنته، وأقبرته: إذا جعلت له قبرًا، كذا قال البخاري في ترجمة باب، والمراد به صلاة الجنازة؛ لأن الدفن غير مكروه بالإجماع، كذا قالوا.\nوقوله: (حين تطلع الشمس بازغة) بزغت الشمس بزغا وبزوغًا: شرقت، أو البزوغ ابتداء الطلوع، كذا في (القاموس) (١)، وهذا المعنى أنسب ههنا، فإن النهي\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧١٩).","vol":"3","page":177},{"text":"حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ حَتَّى تَغرُبَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٣١].\nــ\nإنما هو في ابتداء الطلوع وبدء حاجبها.\nوقوله: (حتى ترتفع) وهو مقدار رمح وهذا للاستحباب وإلا فالجواز يتعلق بتمام طلوعها.\nوقوله: (وحين يقوم قائم الظهيرة) الظهيرة: نصف النهار، والمراد بقائم الظهيرة الظل والشمس، والتذكير باعتبار الكوكب أو بتأويل الشخص أو جعله صيغة النسبة، ومعنى القيام الوقوف، من قولهم: قامت دابة، أي: وقفت، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ [البقرة: ٢٠]، والشمس إذا بلغت كبد السماء تتخيل في بادي الحس حركة بطيئة كأنها وقفت ولا وقوف لها في الحقيقة، قال الشاعر (١):\nوالشمس حيرى لها بالجو تدويم\nوقد فسر البيضاوي بذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨]، فالمراد وقت الاستواء، وهو وإن كان وقتًا ضيقًا لا يسع الصلاة إلا أنه يسع التحريمة، فيحرم تعمدها فيه، كذا في شرح الشيخ، قلت: ولعل هذا مبني ما نقل مالك رحمة اللَّه عليه كما مر أنهم كانوا يصلون نصف النهار، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وحين تضيف الشمس) أصله تتضيف كما في ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، أي: تميل الشمس، وأصل الضيف: الميل، يقال: ضلت إلى كذا، أي: ملت، ومنه يسمى الضيف.\n_________\n(١) هو ذُوْ الرُّمَّةِ غَيْلَانُ بنُ عُقْبَةَ بنِ بُهَيْسٍ، مِنْ فُحُولِ الشُّعَرَاءِ، مَاتَ بِأَصْبَهَانَ، كَهْلًا، سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِئَةٍ. \"سير أعلام النبلاء\" (٥/ ٢٦٧).","vol":"3","page":178},{"text":"١٠٤١ - [٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ\". مُتَّفَقٌ عَليْهِ. [خ: ٨٥٦، م: ٨٢٧].\n١٠٤٢ - [٤] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ -ﷺ- الْمَدِينَةَ فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ: \"صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حِيْنَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلَع بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانِ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ. . . . .\nــ\n١٠٤١ - [٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (لا صلاة) أي: كاملة لأن الصلاة في هذين الوقتين مكروهة لا حرام.\n١٠٤٢ - [٤] (عمرو بن عبسة) قوله: (عن الصلاة) أي: عن وقتها بدليل الجواب.\nوقوله: (ثم أقصر) بفتح الهمزة من الإقصار، وهو الكف عن الشيء مع القدرة عليه، فإن عجزت عنه تقول: قصرت عنه بلا ألف، كذا في (مجمع البحار) (١).\nوقوله: (بين قرني الشيطان) بالتنكير في بعض النسخ، وفي بعضها: بالتعريف.\nوقوله: (ثم صل) أي: ما شئت من النوافل والقضاء والمنذور مثلًا.\nوقوله: (مشهودة محضورة) أي: تشهدها الملائكة من شهده إذا حضره، فيكون (محضورة) كالتأكيد له، أو تشهد بها لمن صلاها، وفي رواية: (مشهودة مكتوبة)،\n_________\n(١) \"مجمع البحار\" (٤/ ٢٨٥).","vol":"3","page":179},{"text":"حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَي الشَّيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكفَّارُ\". قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! . . . . .\nــ\nوهي في معنى الأول؛ فإن حضور الملائكة إنما هو لكتابتها.\nوقوله: (حتى يستقل الظل بالرمح) هكذا وجد في نسخ (المصابيح) وأكثر الأصول، وجاء في لفظ: (حتى يستقل الرمح بالظل)، وهو من القلة، أي: يبلغ ظل الرمح المغروز في الأرض غاية القلة والنقصان كما يكون في وقت الاستواء، والأول إما محمول على القلب أو على أن الاستقلال بمعنى الارتفاع كما في قولهم: استقلت السماء: ارتفعت، وفي (القاموس) (١): استقله: حمله ورفعه، والطائر في طيرانه: ارتفع، أي: يرفع معه ولا يقع منه شيء على الأرض، أو تكون الباء بمعنى (في)، وعلى الثاني تكون للتعدية، فتدبر.\nوقوله: (فإن حينئذ تُسجر جهنم) أي: توقد، في (القاموس) (٢): سجر النور: أحماه، والنهر: ملأه، ويروى بالتشديد فكأنه للمبالغة، قال الطيبي (٣): وفي اسم (إن) وجهان: أحدهما: (تسجر) على إضمار (أن)، والثاني: حذف ضمير الشأن من (إن) المكسورة، انتهى. وجاء في (النهاية) (٤) بلفظ: (فإن جهنم تُسْجَرُ وتُفْتَح أبوابها)،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٦٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٧٧).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٧).\n(٤) \"النهاية\" (٢/ ٣٤٣).","vol":"3","page":180},{"text":"فَالْوُضُوءُ حَدِّثْنِي عَنْهُ، قَالَ: \"مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيُمَضْمِضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِلَّا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيِهِ مِنْ أَنامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ،\nــ\nوأراد أن الشمس إذا استوت قارنها الشيطان فكأن سَجْر جهنم حينئذ لمقارنته وتهيئه لسجود عُبَّاده، وقال الخطابي: (تُسْجر جهنم)، (بين قرني الشيطان) من الألفاظ الشرعية، يتفرد الشارع بمعانيها ويجب علينا التصديق بها.\nوقوله: (فالوضوء) بالنصب والرفع.\nوقوله: (يقرب) بالتشديد، (وضوءه) بالفتح، أي: يحضر ماء يتوضأ به، ففيه من المشقة ما ليس لمن لم يزاول مشقة في إحضار الماء.\nوقوله: (فينتثر) أي: يجذب الماء بخياشيمه، ثم يدفعه.\nوقوله: (إلا خرت) أي: سقطت، وأصل الخرور: السقوط من علو، ويروى جرت بالجيم، أي: جرت مع ماء الوضوء، كذا في (النهاية) (١). (خطايا وجهه) أي: باطن وجهه.\nوقوله: (وفيه) أي: فيه بالمضمضة.\nوقوله: (وخياشيمه) في الاستنشاق عطف تفسير وبيان لذلك، ويسقط بغسل\n_________\n(١) \"النهاية\" (٢/ ٢١).","vol":"3","page":181},{"text":"فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٣٢].\n١٠٤٣ - [٥] وَعَنْ كُرَيْبٍ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ أَرْسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالُوا: اقْرَأْ ﵍ وَسَلْهَا عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي، فَقَالَتْ: سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ، فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلمَةَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَنْهَى عَنْهُمَا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا،\nــ\nالوجه خطايا ظاهر الوجه.\nوقوله: (فإن هو قام) من قبيل ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦]، وجواب الشرط محذوف، وهو: لم ينصرف، وهو المستثنى منه لقوله: إلا انصرف.\nوقوله: (كهيئته. . . إلخ) بغفران الذنوب الظاهرة والباطنة، الظاهرة بالوضوء، والباطنة بالصلاة.\n١٠٤٣ - [٥] قوله: (غريب) على لفظ التصغير، (والمسور) بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الواو، و(مخرمة) بفتح الميم وسكون المعجمة وفتح الراء.\nوقوله: (اقرأ) بكسر الهمزة وفتح الراء، ولو قال مثلًا: أقرئها منا السلام لكان بفتح الهمزة وكسر الراء، وقد بيناه في موضع آخر.\nوقوله: (وسلها عن الركعتين بعد العصر) وزاد في رواية: وقيل لها: إنا أخبرنا أنك تصليهما، وقد بلغنا أن النبي -ﷺ- نهى عنهما، وقال ابن عباس: وقد كنت أضرب النَّاس مع عمر -﵄-.","vol":"3","page":182},{"text":"ثُمَّ دَخَلَ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الْجَارِيَةَ، فَقُلْتُ: قُولِي لَهُ: تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا؟ قَالَ: \"يَا ابْنَةَ أَبِي أُمَيَّةَ سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٣٣، ٤٣٧٠، م: ٨٣٤].\nــ\nوقوله: (ثم دخل) من تتمة كلام أم سلمة، أي: دخل النبي -ﷺ- الدار من المسجد، وقد رأيته مصلّيًا لهما في المسجد، أو دخل من صُفَّة الدار البيت، وهذا هو الأظهر.\nوقوله: (فشغلوني) فيه أن التعليم والإبلاغ مقدم على النوافل حتى من سنن الرواتب خصوصًا من النبي -ﷺ-؛ لأنه إنما بعث لذلك وأن السنن الرواتب تقضى في وقت آخر.\nفإن قلت: هذا إنّما يدل على صلاته -ﷺ- الركعتين بعد العصر مرة أو مرتين لشغل عبد القيس عن الركعتين بعد الظهر، وما نفعل بأحاديث جاءت عن عائشة -﵂- في (صحيح البخاري) تدل على مواظبته -ﷺ- على ذلك من قولها: والذي ذهب به ما تركهما حتى لقي اللَّه، تعني: الركعتين بعد العصر، وقولها في الرواية الأخرى: ما ترك السجدتين بعد العصر عندي قط، وفي رواية أخرى: لم يكن يدعهما سرًّا ولا علانية، وفي الأخرى: ما كان يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين، وقد تمسك بهذه الروايات من أجاز التنفل بعد العصر مطلقًا ما لم يقصد الصلاة عند غروب الشمس.\nفالجواب عنه كما ذكر في (فتح الباري) (١): أن المواظبة على ذلك من\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٦٤ - ٦٥).","vol":"3","page":183},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nخصائصه -ﷺ-، والدليل عليه رواية ذكوان مولى عائشة -﵂- أنها حدثته أنه -ﷺ- كان يصلي بعد العصر وينهى عنها، ويواصل وينهى عن الوصال، رواه أبو داود، ورواية أبي سلمة عن عائشة -﵂- في نحو هذه القصة، وفي آخره: وكان إذا صلى صلاة أثبتها، رواه مسلم، قال البيهقي: الذي اختص به -ﷺ- المداومة على ذلك لا أصل القضاء، ثم إنه قد روى الترمذي من حديث ابن عباس -﵄- قال: صلى -ﷺ- الركعتين بعد العصر؛ لأنه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر فصلاهما بعد العصر، ثم لم يعدهما، وقال: حديث حسن.\nوقال الشيخ: هو من رواية جرير عن عطاء بن السائب، وقد سمع منه بعد اختلاطه، وإن صح فهو شاهد لحديث أم سلمة، لكن ظاهر قوله: (ثم لم يعدهما) معارض لحديث عائشة بالروايات المتعددة، فيحمل على عدم علم الراوي، فإنه لم يطلع على ذلك، والمثبت مقدم على النافي، وكذا ما رواه النسائي من طريق أبي سلمة عن أم سلمة أن رسول اللَّه -ﷺ- صلّى في بيتها بعد العصر ركعتين مرة واحدة. . . الحديث. وفي رواية له عنها: لم أره يصليهما قبل ولا بعد، فيجمع بين الحديثين بأنه -ﷺ- لم يكن ليصليهما إلا في بيته، فلذلك لم يره ابن عباس -﵄- ولا أم سلمة، ويشير إلى ذلك قول عائشة -﵂- على ما رواه البخاري: كان لا يصليهما في المسجد مخافة أن يثقل على أمته، وكان يحب ما يخفف عنهم، وبهذا يحصل الجواب عما زاد البيهقي عن أبي نعيم شيخ البخاري: فقيل لها: إن عمر -﵁- كان ينهى عنهما ويضرب عليهما، فقالت: صدقت، ولكن كان النبي -ﷺ- يصليهما ولا يصليهما في المسجد.\nوروى عبد الرزاق من حديث زيد بن خالد سبب ضرب عمر الناس على ذلك، فقال عن زيد بن خالد: إن عمر -﵁- رآه، وهو خليفة يركع بعد العصر فضربه، فذكر","vol":"3","page":184},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالحديث، وفيه: يا زيد! لولا أني أخشى أن يتخذهما الناس سُلّما إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما، فلعل عمر -﵁- كان يرى أن النهي عن الصلاة بعد العصر إنما هو لخشية إيقاع الصلاة عند غروب الشمس، وإليه ذهب ابن المنذر وغيره.\nوقد جاء في رواية أخرى: ولكني أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلون ما بين العصر إلى الغروب، حتى يمروا بالساعة التي نهى رسول اللَّه -ﷺ- أن يصلي فيها، وهذا أيضًا يدل على ما قلنا، كذا في (فتح الباري) (١).\nثم اعلم أنه قد اختلف أهل العلم فقال بعضهم: لا تكره الصلاة بعد الصبح ولا بعد العصر، إلا لمن قصد بصلاته طلوع الشمس وغروبه، وإليه جنح بعض أهل الظاهر، وإليه يشير ظاهر حديث ابن عمر -﵄- في (صحيح البخاري) (٢): (لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها)، وإليه ذهب ابن المنذر وغيره، ومنهم من جعله نهيا مستقلًا، وكره الصلاة في تلك الأوقات سواء قصد لهما أم لا، وهو قول الجمهور، وفرق بعضهم فقال: يكره بعد الصبح والعصر، ويحرم عند الطلوع والغروب، وممن قال بذلك محمد بن سيرين ومحمد بن جرير، وهو ظاهر مذهبنا، واحتج بما ثبت عنه -ﷺ- أنه صلى بعد العصر، فدل على أنه لا يحرم، ويحمل فعله على بيان الجواز، وروي عن ابن عمر تحريم الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وإباحتها بعد العصر حتى تصفر، وبه قال ابن حزم، واحتج بحديث رواه أبو داود بإسناد صحيح أنه -ﷺ- نهى عن الصلاة بعد العصر إلا والشمس مرتفعة. والمشهور إطلاق الكراهة في الجميع\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٦٥).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٥٨٣).","vol":"3","page":185},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-370> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٠٤٤ - [٦] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ -ﷺ- رَجُلًا يُصَلِّي بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"صَلَاةُ الصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ\" فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي لَمْ أكُنْ صَلَّيْتُ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا فَصَلَّيْتُهُمَا الآنَ. . . . .\nــ\nفقيل: هي كراهة تحريم، وقيل: كراهة تنزيه كذا في (فتح الباري) (١).\nوفي (فتح القدير) (٢): المراد كراهة التحريم لما عرف من أن النهي الظني الثبوت غير المصروف عن مقتضاه يفيد كراهة التحريم، وإن كان قطعيًّا أفاد التحريم، فالتحريم في مقابلة الفرض في الرتبة، وكراهة التحريم في رتبة الواجب، والتنزيه برتبة المندوب، والنهي الوارد ههنا من الأول، فكان الثابت به كراهة التحريم.\nالفصل الثاني\n١٠٤٤ - [٦] (محمد بن إبراهيم) قوله: (صلاة الصبح) بالنصب تقديره: أتصلي صلاة الصبح ركعتين، وتصلي بعدها ركعتين، وليس بعدها صلاة؟ والاستفهام للإنكار، وركعتين الثاني تأكيد، كذا قال الطيبي (٣)، وكذا في شرح الشيخ، وليس في بعض النسخ: (ركعتين) مكررًا، وعلى تقدير وجوده يجوز أن يكون المعنى: أتصلي صلاة الصبح هكذا ركعتين ركعتين؟ أي: ركعتين من الفرض، وتصلي بعدها ركعتين من غيره، وعلى تقرير عدمه يكون التقدير: فرض اللَّه صلاة الصبح ركعتين لا أكثر، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٦٣).\n(٢) \"فتح القدير\" (١/ ٢٣١).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٩).","vol":"3","page":186},{"text":"فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ، وَقَالَ: إِسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ؛ . . . . .\nــ\nوقوله: (فسكت رسول اللَّه -ﷺ-) ففيه تقريره على ذلك، وذلك مذهب الشافعي ومحمد رحمهما اللَّه، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما اللَّه: لا قضاء لسنة الفجر بعد الفوت لا قبل طلوع الشمس ولا بعدها؛ لأنه يبقى نفلًا مطلقًا؛ لأن السنة ما أداها رسول اللَّه -ﷺ-، ولم يثبت أنه أداهما في غير الوقت على الانفراد، وإنما قضاهما تبعًا للفرض في ليلة التعريس، والنفل المطلق لا يقضى بعد الصبح ولا بعد ارتفاعها، وقال محمد: أحب إلى أن يقضيهما إلى وقت الزوال؛ لأنه -ﷺ- قضاهما بعد ارتفاع الشمس غداة ليلة التعريس، ولهما أن الأصل في السنة أن لا يقضى لاختصاص القضاء بالواجب، والحديث ورد في قضائها تبعًا للفرض، فبقي ما وراءه على الأصل، وإنما يقضى تبعًا وهو يصلي بالجماعة أو وحده إلى وقت الزوال، وفيما بعده اختلاف المشايخ، وأما سائر السنن سواها فلا يقضى بعد الوقت وحدها، واختلف المشايخ في قضائها تبعًا للرفض، كذا في (الهداية) (١).\nوقال الترمذي: قد قال قوم من أهل مكة بحديث قيس، ولم يروا بأسًا أن يصلي الرجل ركعتين بعد المكتوبة قبل أن تطلع الشمس، وأورد حديثًا آخر عن أبي هريرة في إعادتها بعد طلوع الشمس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (من لم يصل ركعتي الفجر فليصلها بعد ما تطلع الشمس)، وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد روي عن ابن عمر -﵄- أنه فعله، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق ﵏.\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٧٢).","vol":"3","page":187},{"text":"لأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو. وَفِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" وَنُسَخِ \"الْمَصَابِيحِ\" عَنْ قَيْسِ بْنِ قَهْدٍ نَحْوَهُ. [د: ١٢٦٧، ت: ٤٢٢].\nــ\nوقوله: (لأن محمد بن إبراهيم لم يسمع من قيس بن عمرو) ليس في (جامع الترمذي) ابن عمرو بل أطلق قيسًا، وهو يشمل قيس بن عمرو وقيس بن قهد على اختلاف فيه، ثم إن محمد بن إبراهيم بن الحارث وثقه ابن معين والجمهور، وذكره العقيلي في (الضعفاء)، روي عن عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل أنه قال: سمعت أبي: في حديثه شيء يروي مناكير، قلت: المنكر أطلقه محمد وأحمد بن حنبل وجماعة على الفرد الذي لا متابع له، فيحمل ههنا على ذلك، وقد احتج بمحمد الجماعة، كذا قال الشيخ في مقدمة (فتح الباري) (١).\nوقال في (التقريب) (٢): محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي، أبو عبد اللَّه المدني، ثقةٌ، له أفراد، من الرابعة، عن قيس بن قهد بفتح القاف وسكون الهاء وبالدال المهملة، هكذا ضبط في (جامع الأصول) و(النهاية) و(الإكمال) و(التقريب) و(الإصابة) (٣) وغيرها، ونقل في (التهذيب) (٤) أن رواية أكثر المحدثين قيس بن عمرو، وذكر الترمذي: هو قيس بن عمرو، ويقال: ابن قهد، والأول هو الصحيح عند الحفاظ، وذكروا له حديث الركعتين بعد الصبح، وهو حديث ضعيف، وقالوا: قيس بن عمرو جد يحيى بن سعيد الأنصاري، وقال ابن ماكولا: قيس بن قهد صحابي شهد بدرًا\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٣٧).\n(٢) \"تقريب التهذيب\" (٤٦٥).\n(٣) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٧٩١)، و\"الإكمال\" (٧/ ٦٠)، و\"تقريب التهذيب\" (٤٥٧)، و\"الإصابة\" (٥/ ٣٧٢).\n(٤) \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٤٠١).","vol":"3","page":188},{"text":"١٠٤٥ - [٧] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأبو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٨٦٨، د: ١٨٩٤، ن: ٥٨٥].\nــ\nوما بعدها، توفي في خلافة عثمان -﵁-، وأما المزني قال فيه: قيس ولم ينسبه للاختلاف، انتهى.\nوذكر في (التقريب) (١): قيس بن عمرو بن سهل الأنصاري جد يحيى بن سعيد، صحابي من أهل المدينة، ولم يذكر قيس بن قهد، وكذا في (الكاشف) للذهبي، ذكر قيس بن عمرو ولم يذكر قيس بن قهد.\nوقال في (جامع الأصول) (٢): قيس بن عمرو بن سهل بن ثعلبة بن الحارث الأنصاري المدني، وهو جد يحيى بن سعيد وعبد ربه، وقيل: إن جد يحيى وإخوته قيس بن قهد، وقيل: إن قيس بن عمرو وقيس بن قهد كلاهما من بني النجار، وقيس هذا هو الذي روى عن محمد بن إبراهيم التيمي حديث ركعتي الفجر، وفي إسناده مقال، قيل: إنه ليس بمتصل، واللَّه أعلم.\n١٠٤٥ - [٧] (جبير بن مطعم) قوله: (يا بني عبد مناف) وفي رواية: يا بني عبد المطلب.\nوقوله: (لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء) ظاهره أنه يجوز فيه الصلاة بعد الطواف، فيختص بركعتي الطواف، وعند الشافعي ﵀ تجوز\n_________\n(١) \"تقريب التهذيب\" (٤٥٧).\n(٢) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٧٩١).","vol":"3","page":189},{"text":"١٠٤٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيِّ -ﷺ- نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. [مسند الشافعي: ١/ ٦٣].\nــ\nالصلاة ولو من غير طواف، قال الطيبي (١): التقييد بالطواف ليس بقيد مانع، بل (أحدًا طاف) بمنزلة: أحدًا دخل المسجد الحرام؛ لأن كل من دخله فهو يطوف بالبيت غالبًا، وعند أحمد جاز بمكة ركعتا الطواف خاصة في الأوقات كلها لهذا الحديث، ولأن الطواف جائز في كل وقت مع كونه صلاة كما ورد، فكذا ركعتاه لأنهما تبع له، وعند أبي حنيفة ﵀ حكم مكة حكم سائر البلاد في الحرمة وفي الكراهة، لعموم حديث النهي، وقيل: إنه ناسخ لما سواه، ولأن المحرم راجح.\n١٠٤٦ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (إلا يوم الجمعة) وهذا أيضًا مذهب الشافعي ﵀، وقد سبق دليله، وقد روى أبو داود وابن عدي عن أبي قتادة حديثًا في استثناء يوم الجمعة، ولكن قال أبو داود: وأبو الخليل راوي الحديث عن أبي قتادة -﵁- لم يلق أبا قتادة، وإسناد ابن عدي أيضًا ضعيف، نعم رواه الشافعي ﵀ والبيهقي عن أبي هريرة -﵁-، ولكن الأحاديث الواردة في إطلاق النهي مشاهير لا تصلح لمعارضتها هذه الروايات، مع أن المحرم راجح على المبيح عند التعارض، وقال الشيخ ابن الهمام (٢): الاستثناء عندنا تكلم بالباقي فيكون حاصل النهي مقيدًا بغير الجمعة، ويكون حكم الجمعة مسكوتًا عنه، فيقدم حديث عقبة عليه، وهو محرم، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢١).\n(٢) \"فتح القدير\" (١/ ٢٣٥).","vol":"3","page":190},{"text":"١٠٤٧ - [٩] وَعَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- كَرِهَ الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَالَ: \"إِنَّ جَهَنَّمَ تُسَجَّرُ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: أَبُو الْخَلِيلِ لَمْ يَلْقَ أَبَا قَتَادَةَ. [د: ١٠٨٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-371> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٠٤٨ - [١٠] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الصُّنَابِحِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا، فَإِذا زَالَت فَارَقَهَا، فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا، فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا\". وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. [ط: ٧٤١، حم: ٤/ ٣٤٨، ن: ٥٥٩].\nــ\n١٠٤٧ - [٩] (أبو الخليل) قوله: (وقال: أبو الخليل لم يلق أبا قتادة) كما ذكرنا، وفي شرح الشيخ: لكنه اعتضد لمجيئه من طريق آخر موصولًا (١).\nالفصل الثالث\n١٠٤٨ - [١٠] (عبد اللَّه الصنابحي) قوله: (الصنابحي) بضم الصاد المهملة والنون المخففة وبالباء الموحدة المكسورة والحاء المهملة منسوب إلى صنابح بطن من مراد.\nوقوله: (رواه مالك) ولكنه لم يقل بحرمة الصلاة في وقت الاستواء لما ذكرنا.\nوقوله: (معها قرن الشيطان) كأن المراد الجنس فلا ينافي تثنيته.\n_________\n(١) قال القاري: هذا غَيْرُ مَعْقُولٍ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ أَنَّهُ مِنْ أَيِّ طَرِيقٍ مَوْصُولٍ. \"مرقاة المفاتيح\" (٢/ ٨٢٨).","vol":"3","page":191},{"text":"١٠٤٩ - [١١] وَعَنْ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالْمُخَمَّصِ صَلَاةَ الْعَصْرِ، فَقَالَ: \"إِنَّ هَذِهِ صَلَاةٌ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَضَيَّعُوهَا، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشَّاهِدُ\". وَالشَّاهِدُ: النَّجْمُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٣٠].\n١٠٥٠ - [١٢] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةً، لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهِمَا، وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا يَعْنِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْر. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٨٧].\nــ\n١٠٤٩ - [١١] قوله: (وعن أبي بصرة الغفاري) بفتح الموحدة وسكون المهملة.\nوقوله: (بالمخمص) بميم مضمومة وخاء معجمة [مفتوحة]، ثم ميم مفتوحة مشددة: اسم موضع.\nوقوله: (كان لي أجره مرتين) ثانيهما المحافظة عليها على خلاف الذين ضيعوها.\nوقوله: (والشاهد النجم) لشهوده وحضوره بالليل أو لشهادته بوجوده.\n١٠٥٠ - [١٢] (معاوية) قوله: (فما رأيناه يصليهما) لكونه يصليهما في بيته، ولقد نهى عنهما، وتأويله ما ذكرنا في نهي عمر -﵁- وضربه عليهما (١).\n_________\n(١) قَالَ الطَّحَاوِيُّ: فَقَدْ جَاءَتِ الآثَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُتَوَاتِرَة بِالنَّهْي عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ، ثُمَّ عَمِلَ بِذَلِكَ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ، فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُخَالِفَ ذَلِكَ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ فِي الصَّلاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى يَنْصَرِفَ مِنْ صلاتِهِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَكَانَ ضَرْبُهُ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ إِجْمَاعًا عَلَى أَنَّ الْمُتَقَرِّرَ بَعْدَهُ ﵇ عَدَمُ جَوَازِهِمَا، ثُمَّ قَالَ: =","vol":"3","page":192},{"text":"١٠٥١ - [١٣] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ -وَقَدْ صَعِدَ عَلَى دَرَجَةِ الْكَعْبَةِ-: مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي، وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْنِي فَأَنَا جُنْدُبٌ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ إِلَّا بِمَكَّةَ إِلَّا بِمَكَّةَ إِلَّا بِمَكَّةَ\". . . . .\nــ\n١٠٥١ - [١٣] (أبو ذر) قوله: (على درجة الكعبة) هي الآن خشب فيه درج على هيئة المنبر، موضوع على سمت باب الكعبة على جنب زمزم، فإذا أريد إدخال الناس الكعبة يجر ويلصق ببابه فيصدر عليها ويدخل، ثم جيء به في محله، فيحتمل أن يكون في ذلك الزمان كذلك، ويحتمل أن يكون بكيفية أخرى (١)، كذا في شرح الشيخ.\nوقوله: (من عرفني فقد عرفني) أي: بصدق اللهجة والتحري التام في القول كما قال رسول اللَّه -ﷺ-: (ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على أصدق لهجة من أبي ذر)، والشرط والجزاء وإن اتحدا لفظًا لكنهما اختلفا معنى على طريقة قوله: أنا أبو النجم وشعري شعري أي: المعروف بالفصاحة والبلاغة.\nوقوله: (ومن لم يعرفني) جزاؤه محذوف، أي: فليعرفني حتى تطمئن نفسه بصدق ما أنقل عن رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (وأنا جندب) بضم الدال وفتحها اسم أبي ذر -﵁-.\nوقوله: (إلا بمكة) مكرر ثلاثًا، وليس في بعض النسخ إلا اثنين، وبه تقوية\n_________\n= وَالْعُذْرُ أَنَّ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ خُصُوصِيَّاتِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَصْلَهُمَا أَنَّهُ ﵊ فَعَلَهُمَا جَبْرًا لِمَا فَاتَهُ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، أَوْ قَبْلَ الْعَصْرِ حِينَ شُغِلَ عَنْهُمَا، وَكَانَ ﵇ إِذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ؛ فَدَاوَمَ عَلَيْهِمَا، وَكَانَ يَنْهَى غَيْرَهُ عَنْهُمَا. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٣٠).\n(١) وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالدَّرَجَةِ عَتَبَةَ الْكَعْبَةِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٣٠).","vol":"3","page":193},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَرَزينُ. [حم: ٥/ ١٦٥].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>٢٣ - باب الجماعة وفضلها</span>\nــ\nلمذهب الشافعي رحمة اللَّه عليه، وقد مرّ جوابه (١).\n٢٣ - باب الجماعة وفضلها\nاختلف في الجماعة في أنها سنة أو واجبة أو فرض عين أو كفاية، فقيل: إنها فرض عين إلا من عذر، وهو قول أحمد وداود وعطاء وأبي ثور، [وعن ابن مسعود وأبي موسى، الأشعري [وغيرهما] قالوا: من سمع النداء، ثم لم يجب فلا صلاة له، وقيل: على الكفاية، قال الطيبي (٢): وظاهر نصوص الشافعي رحمة اللَّه عليه يدل على أنها من فروض الكفاية وعليه أكثر الصحابة، وقيل: إنها سنة مؤكدة في حكم الواجب، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه ﵏، قال الشيخ ابن الهمام (٣): وفي (الغاية): قال عامة مشايخنا: إنها واجبة وتسميتها سنة لوجوبها بالسنة.\nوفي (البدائع) (٤): تجب على العقلاء البالغين الأحرار القادرين على الجماعة من غير حرج، وإذا فاتته لا يجب عليه الطلب في المساجد بلا خلاف بين أصحابنا، وإن\n_________\n(١) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ، وَهُوَ مَعْلُولٌ بِأَرْبَعَةِ أُمُورٍ: انْقِطَاعِ مَا بَيْنَ مُجَاهِدٍ، وَأَبِي ذَرٍّ، فَإِنَّهُ الَّذِي يَرْوِيهِ عَنْهُ؛ وَضَعْفِ ابْنِ الْمُؤَمَّلِ، وَضَعْفِ حُمَيْدٍ، مَوْلَى عَفْرَاءَ، وَاضْطِرَابِ سَنَدِهِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٣٠).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢٧).\n(٣) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٣٤٥).\n(٤) \"بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع\" (١/ ١٥٥).","vol":"3","page":194},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-373> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٠٥٢ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ تَفْضُلُ. . . . .\nــ\nأتى مسجدًا آخر للجماعة فحسن، وإن صلى في مسجد حيه منفردًا فحسن، وذكر القدوري: يجمع بأهله ويصلي بهم، واختلف في الأفضل من جماعة مسجد حيّه وجماعة المسجد الجامع، وإذا كان مسجدان يختار أقدمهما، وإن استويا فالأقرب، وإن صلوا في الأقرب وسمع إقامة غيره فإن كان دخل فيه وإلا فيذهب إليه.\nوالجماعة تسقط بالعذر، فمن الأعذار المرض وكونه مقطوع اليد والرجل من خلاف أو مفلوجًا أو مستخفيًا من سلطان أو لا يستطيع المشي كالشيخ العاجز وغيره وإن لم يكن بهم ألم، وفي (شرح الكنز): والأعمى عند أبي حنيفة، وقيل بالاتفاق، والخلاف في الجمعة لا الجماعة، ففي (الدراية): قال محمد: لا تجب على الأعمى، والمطر والطين والبرد الشديد والظلمة الشديدة في الصحيح، وعن أبي يوسف سألت أبا حنيفة عن الجماعة في طين ورَدْغَةٍ فقال: لا أحب تركها، وقال محمد: الحديث رخصة، يعني قوله -ﷺ-: (إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال) (١).\nالفصل الأول\n١٠٥٢ - [١] (ابن عمر) قوله: (صلاة الجماعة تفضل) في (القاموس) (٢): الفضل ضد النقص كنصر وعلم، وأما فضل كعلم ويفضل كينصر فمركبة منهما، كذا في\n_________\n(١) \"مسند الشافعي\" (١٨٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٦١).","vol":"3","page":195},{"text":"صَلَاةَ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٥، م: ٦٥٠].\nــ\n(القاموس)، وقال الجوهري (١): وهو شاذ لا نظير له، والرواية ههنا بضم الضاد.\nوقوله: (صلاة الفذ) مفعول (تفضل) يقال: فضله ويفضله: كان أفضل منه، و(الفذ) بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة: الفرد، يقال: فذ الرجل من أصحابه: انفرد وشذ عنهم، وهل هذا الفضل والتضعيف مختص بالجماعة في المسجد؟ اختلف فيه، قيل: يختص.\nوقوله: (بسبع وعشرين درجة) وفي رواية: (بخمس وعشرين)، وقال الترمذي (٢): وفي الباب عن عبد اللَّه بن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأبي سعيد وأبي هريرة وأنس -﵃-، وحديث ابن عمر -﵄-، حسن صحيح، وعامة من روى عن النبي -ﷺ- إنما قالوا: خمسة وعشرين إلا ابن عمر -﵄- فإنه قال: سبعًا وعشرين، انتهى.\nووفق بين الحديثين بأن ذكر القليل لا ينافي الكثير، وهذا قول من لا يعتبر مفهوم العدد، وبه يقول الكرماني في مواضع من شرح البخاري، وبأنه أوحي إليه -ﷺ- بالخمس، ثم بالزيادة تفضلًا وإنعامًا من اللَّه سبحانه، وبأن ذلك من جهة اختلاف حال المصلي والصلاة، وقيل: إن السبع مختص بالجهرية والخمس بالسرية.\nثم إن تخصيص العدد من الأسرار التي لا يعلمها بالحقيقة إلا الشارع، وهكذا حال العدد في كل ما ورد به الشرع، فقيل في توجيه خمس وعشرين: إن المكتوبات خمس فأريد المبالغة في تكثيرها فضربت في مثلها، وأن الأربعة أصل جميع مراتب الأعداد؛ لأنه يتركب منه العشرة؛ لأن منها واحدًا واثنين وثلاثة وأربعة، وهذا مجموع\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٥/ ١٧٩١).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (كتاب: ٢، باب: ٤٧).","vol":"3","page":196},{"text":"١٠٥٣ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ.\nــ\nالعشرة، ومن العشرات المئات، ومنها الألوف، فزيد فوق الأصل واحد آخر إشارة إلى المبالغة في الكثرة، ثم ضربت الخمسة في نفسها، وذكر في سبع وعشرين أن عدد ركعات الفرائض ورواتبها على رواية ركعتين قبل الظهر سبع وعشرون، وقالوا في عدم اعتبار الوتر واحدًا أو ثلاثًا: لعله شرع بعد ذلك، ولا يخفى ما في هذه الوجوه من التكلفات، فالحق مذهب التفويض.\n١٠٥٣ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (فيحطب) أي: يجمع الحطب، في (القاموس) (١): حطب كضرب: جمعه كاحتطب، وفي رواية: (يحتطب)، وكلاهما صحيح، وهو منصوب، وكذا قوله: (فيؤذن)، وقوله: (فيؤم)، (فأحرق)، وصححت بالرفع أيضًا.\nوقوله: (ثم آمر بالصلاة) اختلفت الأحاديث في تعيين الصلاة التي وقع التهديد بسببها، فروي أنها العشاء، وروي الجمعة، وروي مطلق الصلاة، وهو الظاهر؛ لأن المقصود بيان وجوب الجماعة، والكل صحيح، كذا في (مجمع البحار) (٢).\nوقوله: (ثم آمر رجلًا) إنما آمر رجلًا بالإمامة؛ لأنه بنفسه الشريفة يشتغل بالإحراق اهتمامًا به، وفيه من المبالغة ما لا يخفى مع ما في عبارة الحديث من التأكيدات والتشديدات على ما [لا] يخفى على المتأمل.\nوقوله: (ثم أخالف إلى رجال) أي: آتيهم، يقال: خالفت زيدًا إلى كذا:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٣).\n(٢) \"مجمع البحار\" (٣/ ٣٥٤).","vol":"3","page":197},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا. . . . .\nــ\nإذا قصدته وهو موَلٍّ عنك، وخالفته عنه: إذا كان الأمر العكس، أي: إذا قصد [ك] وأنت موَلٍّ عنه، أو أخالف ما أظهرت من إقامة الصلاة، وأرجع إليهم فآخذهم على غفلة، أو يكون بمعنى أتخلف عن الصلاة لمعاقبتهم حال لم يخرجوا إلى الصلاة، أو آتيهم من خلفهم لأخذهم على غرّة.\nوقوله: (فأحرق) بالتشديد مبالغة في عقوبتهم، قال الطيبي (١): في الحديث دليل على أن الإِمام إذا عرض له شغل يستخلف من يصلي بالناس، انتهى. ويشهد لذلك عدم خروجه -ﷺ- للحج في العام الأول، واستخلافه أبا بكر -﵁- في ذلك لاشتغاله بمهمات الدين من قتال المشركين وغيره كما قالوا.\nوقوله: (أحدهم) أي: المتخلفين من الجماعة، والظاهر أن المراد المنافقون لأنهم الذين شأنهم ما ذكر، ويمكن أن يراد الناس كلهم تهديدًا وتشديدًا وبيانًا للاهتمام بالجماعة، و(العرق) بفتح المهملة وسكون الراء وكغراب: العظم أُكِلَ لحمه، وجمعه ككتاب، وغراب نادر، أو العرق: العظم بلحمه، فإذا أُكِلَ لحمه فعُرَاق، أو كلاهما لكليهما، كذا في (القاموس) (٢).\nوقوله: (سمينًا) إشارة إلى [أن] باعثه الطمع والرغبة فيه لدنائة الهمة وعدم الفطنة كما قال.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٣٦).","vol":"3","page":198},{"text":"أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوَهُ. [خ: ٦٤٤، م: ٦٥١].\nــ\nوقوله: (أو مرماتين حسنتين) قال القاضي (١): (مرماتين) يروى بفتح الميم وكسرها، قال أبو عبيد: هو ما بين ظلفي الشاة من اللحم، فعلى هذا الميم أصلية، وقال الداودي: وقيل: هما بضعتان من اللحم، وقال غيره: هو السهم الذي يرمى به، بكسر الميم، فالميم ههنا زائدة، وقيل: هو سهم يلعب به في كوم التراب، فمن رمى به فثبت في الكوم غلب، وقيل: المرماتان السهمان اللذان يرمي بهما الرجل فيحرز سبقه، فمن فسرهما بالسهمين لم يكن فيهما غير الكسر، وهو أنسب لقوله: (حسنتين)، انتهى. وكأن وجه الإنسبية أن الظلفين لا حسن فيهما، ولعله لهذا الوجه جعل الطيبي (٢) (حسنتين) بدلًا من (مرماتين) على تقدير إرادة الظلفين، وجعله صفة على تقدير إرادة السهمين بجعله بمعنى جيدتين، وهو تكلف، إذ يكفي جعله صفة على توهم الحسن والرغبة فيها لغاية الطمع ودناءة الهمة، وسمعت من بعض مشايخي أن المراد بالمرماتين الشاتين، كالحافر يراد به الفرس، وعبر عنهما بالظلف تحقيرًا لهما، ولعل إرادة الظلف أدخل في الحقارة والدناءة.\nوحاصل المعنى أنه لو علم أحدهم أنه لو حضر وقتها أو صلاتها حصل له أدنى حظ دنيوي، وإن كان في غاية الخسة والحقارة لحضر، ولا يحضر لإحراز ذلك الثواب العظيم الدائم الذي لا يحاط ولا يحصر ولا يقدر قدره.\nوقوله: (لشهد العشاء) ربما يؤيد تعيين الصلاة المذكورة بالعشاء، فافهم. ثم\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤٦٥).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢٦).","vol":"3","page":199},{"text":"١٠٥٤ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- رَجُلٌ أَعْمَى فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الْمَسْجِدِ، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ فَيُصَلِّيَ في بَيْتِهِ فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ فَقَالَ: \"هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ \" قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"فَأَجِبْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٥٣].\n١٠٥٥ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ، ثُمَّ قَالَ: . . . . .\nــ\nفي هذا الحديث ما يلوح منه دليل وجوب الجماعة؛ لأن مثل هذا التهديد والتشديد لا يعهد في غير الواجب إلا أن يقال: هذا كله لتأكيد السنة والمبالغة فيه ولا يخلو عن بعد.\n١٠٥٤ - [٣] (وعنه) قوله: (رجل أعمى) قيل: هو ابن أم مكتوم كما جاء صريحًا في الروايات الآخر، وقيل: غيره.\nوقوله: (فأجب) هذا أيضًا مما يدل ظاهرًا على الوجوب، وقول من قال: من سمع النداء فلم يجب فلا صلاة له، وأما الترخيص أولًا فللعذر، ويحتمل أن يكون المراد التأكيد والتنبيه على الأفضل الأليق بحال ذلك الرجل لا سيما إذا كان ابن أم مكتوم فإنه كان من فضلاء المهاجرين، وقد خلفه -ﷺ- إمامًا لأهل المدينة في غزوة تبوك مع وجود علي -﵁-، وذلك لأنه خليفة على الأهل والعيال مشغولًا بتفقد أحوالهم.\n١٠٥٥ - [٤] قوله: (وعن ابن عمر: أنه أذن) صحح بصيغة المجهول، أي: أذن عنده أو في مسجده.\nوقوله: (ثم قال) أي: للمؤذن أن يقول: صلوا في الرحال، أو قال مؤذنه بأمره،","vol":"3","page":200},{"text":"أَلَا صَلُّوا في الرِّحَالِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إِذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ ذَاتُ بَرْدٍ وَمَطَرٍ يَقُولُ: \"أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣٢، م: ٦٩٧].\n١٠٥٦ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ أَحَدِكُمْ وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَابْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ، وَلَا يَعْجَلْ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ\"، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ، وَتُقَامُ الصَّلَاةُ، فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الإِمَامِ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧٣، م: ٥٥٩].\nــ\nوبلفظ المعلوم، وهو أظهر وأوفق بسياق العبارة، وعبارة البخاري ههنا عن نافع: أن ابن عمر -﵄- أذن بالصلاة، وفي (باب الأذان): أذن ابن عمر -﵄-، ويفهم منه أن (أذن) على صيغة المعلوم، فافهم. والمراد بـ (الرحال) المساكن والمنازل، والرحل مسكن الرجل وما يستصحبه من الأثاث، والأكثر أنه يراد به ما معه في سفر (١).\n١٠٥٦ - [٥] (وعنه) قوله: (إذا وضع عشاء أحدكم) بفتح العين.\nوقوله: (فابدؤوا) الأمر بالجمع متوجه إلى المخاطبين في (أحدكم)، وبالأفراد في (ولا يعجل) للأحد، قيل: وذلك عند الاحتياج وضياع الطعام.\nوقوله: (فلا يأتيها حتى يفرغ منه) ليس لفظ (منه) في بعض النسخ.\n_________\n(١) الْحَدِيثُ رُخْصَةٌ كما صرح به مُحَمَّدٌ في \"مُوَطَّئه\"، وَيُوَافِقُهُ خَبَرُ مُسْلِمٍ: \"خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَمُطِرْنَا، فَقَالَ: لِيصَلِّ مَنْ شَاءَ فِي رَحْلِهِ\"، وَصَحَّ: \"كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَأَصَابَنَا مَطَرٌ قَلِيلٌ لَمْ يَبُلَّ أَسْفَلَ نِعَالِنَا، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: صَلُّوا في رِحَالِكُمْ\". \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٣٤).","vol":"3","page":201},{"text":"١٠٥٧ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُول: \"لَا صَلَاة بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْبَثَانِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٦٠].\n١٠٥٨ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧١٠].\nــ\n١٠٥٧ - [٦] (عائشة -﵂-) قوله: (ولا هو يدافعه الأخبثان) (١) تقديره: ولا صلاة حال مدافعة الأخبثين إياه، فقوله: (هو يدافعه الأخبثان) جملة حالية، وقيل: تقديره: ولا هو مصل في هذه الحالة، فقوله: (يدافعه) حالية، وفي رواية: (لا يصلي الرجل وهو يدافع الأخبثين)، وهذه الرواية تبين المقصود، والأخبثان: البول والغائط (٢)، وصيغة المفاعلة للمبالغة، ولأن الدفع من الجانبين، وقالوا: إذا ضاق الوقت بحيث لو اشتغل به خرج الوقت صلى على حاله حرمة للوقت، ذكره الطيبي (٣).\n١٠٥٨ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) ويتفرع عليه أنه لا يصلي سنة الفجر إذا أقيم لفرضه بل يوافق الإِمام، وبه قال الشافعي\n_________\n(١) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَمِنْهُ أَخَذَ أَكْثَرُ أَئِمَّتنَا كَرَاهَةَ الصَّلَاةِ مَعَ مُدَافَعَةِ وَاحِدٍ مِمَّا ذُكِرَ، وَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ. وَقَالَ جَمْعٌ مِنْهُمْ: وَنُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ بِحُرْمَةِ ذَلِكَ وَفَسَادِ الصَّلَاةِ إِنْ أَدَّى إِلَى ذَهَابِ خُشُوعِهِ لِلْخَبَرِ الصَّحِيحِ: \"لَا يَحِل لِمُؤْمِنٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُصَلِّيَ وَهُوَ حَاقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ\"، وَحَمَلَهُ الأَوَّلُونَ عَلَى مَا إِذَا اشْتَدَّ بِهِ الْحَالُ، وَظَنَّ أَنْ يَضُرَّهُ فَحَبْسُهُ حِينَئذٍ حَرَامٌ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٣٥).\n(٢) وَفِي مَعْنَاهُ الرِّيحُ وَالْقَيْءُ وَالْمَذْيُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٣٥).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢٩).","vol":"3","page":202},{"text":"١٠٥٩ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِذَا اسْتَأْذَنَتِ امْرَأَةُ أَحَدِكُمْ إِلَى الْمَسْجِد فَلَا يَمْنَعْهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٣٨، م: ٤٤٢].\nــ\n﵀، وعندنا إن خشي أن تفوته ركعة وتدركه الأخرى يصلي ركعة الفجر عند باب المسجد، ثم يدخل مع الإِمام لأنه أمكنه الجمع بين الفضيلتين، وإن خشي فوتهما دخل مع الإِمام لأن ثواب الجماعة أعظم، والوعيد بالترك ألزم، كذا في (الهداية) (١).\nوقال الشيخ ابن الهمام (٢): ولو كان يرجو إدراكه في التشهد، قيل: هو كإدراك الركعة عندهما، وعلى قول محمد لا اعتبار به كما في الجمعة، وما نقل عن الفقيه إسماعيل الزاهد أنه ينبغي أن يشرع في ركعتي الفجر، ثم يقطعهما فيجب القضاء فيتمكن من القضاء بعد الصلاة، دفعه الإِمام السرخسي بأن ما وجب بالشروع ليس أقوى مما وجب بالنذر، ونص محمد أنَّ المنذور لا يؤدى بعد الفجر قبل الطلوع، وأيضًا هذا شروع في العبادة بقصد الإفساد، فإن قيل: بل ليؤديها مرة أخرى، قلنا: إبطال العمل قصدًا منهي عنه، ودفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة، انتهى.\n١٠٥٩ - [٨] (ابن عمر) قوله: (فلا يمنعنها) وهو محمول على عجوز غير مشتهاة لم تخرج بطيب ولا زينة، وفي زماننا خروج النساء للجماعة مكروه لفساده، وقيل: لأن الغرض من حضورهن كان ليتعلمن الشرائع، ولا احتياج إلى ذلك في زماننا لشيوعها، والتستر بهن أولى (٣).\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٧١).\n(٢) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٤٧٦).\n(٣) وَيُؤَيِّدُهُ خَبَرُ الشَّيْخَيْنِ، عَنْ عَائِشَةَ: \"لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ\". \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٣٦).","vol":"3","page":203},{"text":"١٠٦٠ - [٩] وَعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٤٣].\n١٠٦١ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعشَاءَ الآخِرَةَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٤٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-374> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٠٦٢ - [١١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٦٧].\n١٠٦٣ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"صَلَاةُ الْمَرْأَةِ في بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا،\nــ\n١٠٦٠ - [٩] (زينب امرأة عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (إذا شهدت إحداكن) يدل على الشهود جزمًا، لكن المنهي عنه مس الطيب، ولذا لم يقل: إن شهدت.\n١٠٦١ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (بخورًا) بفتح الباء: ما يتبخر به، وفسروه أيضًا بأخذ دخان الطيب المحرق.\nوقوله: (العشاء الآخرة) خصها بالذكر؛ لأن وقوع الفتنة فيها أقرب، لا للحصر.\nالفصل الثاني\n١٠٦٢ - [١١] (ابن عمر) قوله: (وبيوتهن خير لهن) يدل على أن الأفضل للنساء عدم الخروج، وليس شأن الجماعة فيهن من الوجوب والتأكيد كما في الرجال.\n١٠٦٣ - [١٢] (ابن مسعود) قوله: (في حجرتها) الحجرة: الناحية، وتفسر","vol":"3","page":204},{"text":"وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا في بَيْتِهَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٧٠].\n١٠٦٤ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ حِبِّي أَبَا الْقَاسِمِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ امْرَأَةٍ تَطَيَّبَتْ لِلْمَسْجِدِ حَتَّى تَغْتَسِلَ غُسْلَهَا مِنَ الْجَنَابَةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوى أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ. [د: ٤١٧٤، حم: ٢/ ٢٤٦، ٢٩٧، ٣٦٥، ٤٤٤، ٤٦١، ن: ٥١٢٧].\n١٠٦٥ - [١٤] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ، وَإِنَّ الْمَرْأةَ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ فَهِيَ كَذَا وَكَذَا\". . . . .\nــ\nبصحن البيت، وفي بعض الشروح: قال زين العرب: أراد بالحجرة ما تكون أبواب البيوت إليها.\nوقوله: (في مخدعها) بكسر الميم وفتحها، وقد تضم والدال مفتوح البتة: داخل البيت من الخلع، وهو الإخفاء، سمي به؛ لأنه يخبأ فيه خير المتاع، وهو الخزانة.\n١٠٦٤ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (حبي) الحب بكسر الحاء: المحبوب.\nوقوله: (غسلها من الجنابة) الظاهر أن المراد غسل سائر البدن والمبالغة فيه، ولهذا قال الطيبي (١): هذا إذا أصاب الطيب جميع بدنها، وأما إذا أصاب موضعًا مخصوصًا فيغسل ذلك الموضع، وقيل: في التعبير بغسل الجنابة إيماء بأن استعمال الطيب خصوصًا إذا كان لدخول المسجد لما كان للشهوة كان في حكم الجماع، ولهذا فسره في الخبر الآتي بالزنا.\n١٠٦٥ - [١٤] (أبو موسى) قوله: (فمرت بالمجلس) أي: الذي فيه الرجال\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣١).","vol":"3","page":205},{"text":"يَعْنِي زَانِيَةً. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ نَحْوُهُ. [ت: ٢٧٨٦، د: ٤١٧٣، ن: ٥١٢٦].\n١٠٦٦ - [١٥] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا الصُّبْحَ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَالَ: \"أَشَاهِدٌ فُلَانٌ؟ \" قَالُوا: لَا. قَالَ: \"أَشَاهِدٌ فُلَانٌ؟ \" قَالُوا: لَا. قَالَ: \"إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ أَثْقَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لأَتَيْتُمُوهُمَا وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الرّكَبِ، وَإِنَّ الصَّفَّ الأَوَّلَ عَلَى مِثْلِ صَفِّ الْمَلَائِكَةِ (١)، وَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا فَضِيلَتُهُ لَابْتَدَرْتُمُوهُ، وَإِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتَهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ\". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٥٥٤، ن: ٨٤٣].\n١٠٦٧ - [١٦] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ في قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ. . . . .\nــ\nمريدة تطلعهم إليها ونظرهم بالشهوة.\n١٠٦٦ - [١٥] (أبي بن كعب) قوله: (إن هاتين الصلاتين) أي: الصبح والعشاء.\nوقوله: (ولو حبوًا) خبر كان المحذوف، أي: ولو كان المشي حبوًا، أو حال، أي حابين، والحبو: المشي على يديه وركبتيه، ويقال: حبا الصبي: إذا زحف على استه.\n١٠٦٧ - [١٦] (أبو الدرداء) قوله: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو) قيل: يدل\n_________\n(١) قَالَ الطِّيبِيُّ: شَبَّهَ الصَّفَّ الأَوَّلَ فِي قُرْبِهِمْ مِنَ الإِمَامِ بِصَفِّ الْمَلَائِكَةِ في قُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٣٨).","vol":"3","page":206},{"text":"لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إِلَّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ؛ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٥/ ١٢٦، د: ٥٤٧، ن: ٨٤٧].\n١٠٦٨ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ سَمِعَ الْمُنَادِيَ فَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنِ اتِّبَاعِهِ عُذْرٌ\" قَالُوا: وَمَا الْعُذْرُ؟ قَالَ: \"خَوْفٌ أَوْ مَرَضٌ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّى\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ. [د: ٥٥١، قط: ١/ ٤٢٠].\n١٠٦٩ - [١٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُول: \"إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَوَجَدَ أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ فَلْيَبْدَأْ بِالْخَلَاءِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ. [ت: ١٤٢، ط: ٣٩، د: ٨٨، ن: ٨٥٢].\nــ\nبظاهره على فرضية الجماعة على الكفاية.\nوقوله: (واستحوذ) بمعنى استولى.\nوقوله: (القاصية) أي: البعيدة المنفردة عن القطيع.\n١٠٦٨ - [١٧] (ابن عباس) قوله: (لم تقبل) ظاهر في الوجوب، ويحتمل التأكيد.\nوقوله: (صلى) وفي رواية: (صلاها).\n١٠٦٩ - [١٨] (عبد اللَّه بن أرقم) قوله: (ووجد أحدكم الخلاء) أي: الحاجة إلى الذهاب إليه دافعة.\nوقوله: (فليبدأ بالخلاء) أي: وإن فاتته الجماعة، كذا في شرح الشيخ.","vol":"3","page":207},{"text":"١٠٧٠ - [١٩] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ثَلَاثٌ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلَهُنَّ: لَا يَؤُمَّنَّ رَجُلٌ قَوْمًا فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ خَانَهُمْ. وَلَا يَنْظُرْ فِي قَعْرِ بَيْتٍ قَبْلَ أَنْ يَسْتَأْذِنَ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ خَانَهُمْ، وَلَا يُصَلِّ وَهُوَ حَقِنٌ حَتَّى يَتَخَفَّفَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وللتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ [د: ٩٠، ت: ٣٥٧].\n١٠٧١ - [٢٠] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُؤَخِّرُوا الصَّلَاةَ لِطَعَامٍ وَلَا لِغَيْرِهِ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٣/ ٣٥٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-375> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٠٧٢ - [٢١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ. . . . .\nــ\n١٠٧٠ - [١٩] (ثوبان) قوله: (في قعر) أي: جوفه.\nوقوله: (وهو حقن) بفتح المهملة وكسر القاف، أي: حابس بوله مع شدته، وفي رواية: وهو حاقن، وحقنه يحقنه: حبسه، واحتقن المريض: احتبس بوله، ولعل المراد ههنا ما يعم حبس الغائط، أو هو من باب الاكتفاء.\n١٠٧١ - [٢٠] (جابر) قوله: (لا تؤخروا الصلاة لطعام ولا لغيره) يحمل هذا على ما إذا لم يحضر الطعام ولا قرب حضوره، أو المراد إخراجها عن الوقت، وقيل: النهي في الحقيقة وارد على إحضار الطعام، فافهم.\nالفصل الثالث\n١٠٧٢ - [٢١] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (لقد رأيتنا) الرؤية ههنا بمعنى العلم، ولذا اتحد ضمير الفاعل والمفعول وإن كانا مختلفين بالإفراد والجمع، و(ما يتخلف)","vol":"3","page":208},{"text":"عَنِ الصَّلَاةِ إِلَّا مُنَافِقٌ قَدْ عُلِمَ نِفَاقُهُ، أَوْ مَرِيضٌ؛ إِنْ كَانَ الْمَرِيضُ لَيَمْشِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ حَتَّى يَأْتِيَ الصَّلَاةَ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺعَلَّمَنَا سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الَّذِي يُؤَذَّنُ فِيهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نبَيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نبَيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَرَفَعَهُ بِهَا دَرَجَةً،\nــ\nساد مسد المفعول الثاني، والضمير الراجع إلى المفعول الأول محذوف، وإيراد هذا الحديث في باب الجماعة يدل على أنهم حملوا التخلف عن الصلاة على التخلف عن الجماعة، والمراد بـ (علم نفاقه) إما ظهوره أو أعم من ذلك، والمراد أنه لم يكن من شأن المؤمنين (١). وفيه دليل على وجوب الجماعة وإن كان قوله: من (سنن الهدى) يدل على سنيته إلا أن يراد أن ثبوته بالسنة، أو يراد الطريقة المسلوكة في الدين.\nوقوله: (الصلاة في المسجد) يشير إلى أن فضل الجماعة إنما هو في المسجد كما قيل، و(حيث) في قوله: (حيث ينادى) يحتمل الزمان والمكان وهو الأظهر.\nوقوله: (هذا المتخلف) اسم الإشارة ههنا للتحقير، وفي قوله: (هذه المساجد)\n_________\n(١) إن قيل: كيف بعد العلم بالنفاق؟ أجيب بأن المراد بالعلم الظن. وقيل: كانوا يعاملون بعد العلم معاملة المسلمين لئلا يقال: إنهم يقتلون جماعتهم. ثم ليس المراد أن المتخلف منافق بل المنافق متخلف. كذا في \"التقرير\"، وانظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٤١).","vol":"3","page":209},{"text":"وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ قِي الصَّفِّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ [م: ٢٥٦، ٢٥٧].\n١٠٧٣ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَوْلَا مَا فِي الْبُيُوتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالذُّرِّيَّةِ، أَقَمْتُ صَلَاةَ الْعِشَاءَ، وَأَمَرْتُ فِتْيَانِي يُحْرِقُونَ مَا فِي الْبُيُوتِ بِالنَّارِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٣٦٧].\nــ\nللتعظيم؛ لأنه يستعمل في كلا المقامين كما بين في علم المعاني، والمراد به منافق كان في ذلك الوقت، وقيل: كان أميرًا يتخلف.\nوقوله: (يهادى بين الرجلين) أي: يمشي بينهما معتمدًا عليهما من ضعفه وتمايله، كذا في (مختصر النهاية) (١)، من تهادت المرأة: تمايلت في مشيها، وفي الحديث تأكيدات تدل على غاية المبالغة في الزجر عن ترك الجماعة.\n١٠٧٣ - [٢٢] (أبو هريرة) قوله: (من النساء والذرية) بيان لـ (ما) بإرادة الوصفية، أو جعل النساء والذرية في حكم غير العقلاء كالأمتعة التي فيها، أو لأن (ما) أعم تستعمل في العقلاء وغيرهم، كما ذكر ابن الحاجب.\nوقوله: (أقمت صلاة العشاء) صريح في تخصيص ذلك بالعشاء لكونها أشد وأهم.\nوقوله: (ويحرقون ما في البيوت) قالوا: ليس العقوبة بالتحريق في غير المتخلف عن الصلاة، والغال من الغنيمة، وقيل: إنما ورد ذلك أيضًا تشديدًا وتهديدًا وليس المراد حقيقته، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"الدر النثير\" (٢/ ١٠٦٨).","vol":"3","page":210},{"text":"١٠٧٤ - [٢٣] وَعَنْهُ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا كُنْتُمْ فِي الْمَسْجِدِ فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَلَا يَخْرُجْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُصَلِّيَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٥٣٧].\nــ\n١٠٧٤ - [٢٣] (وعنه) قوله: (أمرنا رسول اللَّه -ﷺ-) المأمور به محذوف بقرينة الكلام اللاحق، أي: أمرنا بالوقوف في المسجد إذا كنا فيه وسمعنا الأذان، وقد جاء في هذا الباب أحاديث متعددة، منها الحديثان الآتيان، وأخرج أبو داود في (المراسيل (١» عن سعيد بن المسيب: أن النبي -ﷺ- قال: (لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلا منافق وإلا أحد أخرجته حاجة، وهو يريد الرجوع)، ومراسيل سعيد بن المسيب مقبولة بالاتفاق.\nثم هذا النهي مقيد عندنا بما إذا لم ينتظم أمر جماعة، فإذا انتظم لم يكره لأنه تكميل معنى وترك صورة، وإن كان قد صلى ففي العصر والمغرب والفجر خرج ولم يصل لكراهة التنفل بعدها، وفي الظهر والعشاء لا بأس بأن يخرج لأنه أجاب داعي اللَّه مرة إلا إذا أخذ المؤذن في الإقامة، لأنه يتهم بمخالفة الجماعة، وعند الإمام أحمد ﵀ يعيد الجماعة وإن كان وقت النهي؛ لما روى أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه (٢) عن يزيد بن الأسود -﵁- قال: شهدت مع النبي -ﷺ- حجته، فصليت معه صلاة الفجر في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته إذا هو برجلين في آخر المسجد لم يصلياها معه. وفي رواية: لم يصليا معنا، فقال: \"عليَّ بهما\"، فجيء بهما\n_________\n(١) \"مراسيل أبي داود\" (٢٥).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٤/ ١٦٠)، و\"سنن أبي داود\" (٥٧٥)، و\"سنن النسائي\" (٨٥٨)، و\"سنن الترمذي\" (٢١٩).","vol":"3","page":211},{"text":"١٠٧٥ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِنَ الْمَسْجِدِ بَعْدَ مَا أُذِّنَ فِيهِ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَمَّا هَذَا فَقَدَ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ -ﷺ-. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٩].\nــ\nترعد فرائصهما، فقال: \"ما منعكما أن تصليا معنا؟ \" قالا: يا رسول اللَّه، إنا قد صلينا في رحالنا، قال: \"فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكم نافلة\".\nونقول: هو معارض بما تقدم من حديث النهي، وهو مقدم لزيادة قوته، ولأن المانع مقدم، وكون الخاص مطلقًا مقدم على العام ممنوع، وموضعه الأصول، أو يُحمل على ما قبل النهي جمعًا بين الأدلة، وفي حديث صحيح أخرجه الدارقطني عن ابن عمر -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: \"إذا صليت في أهلك، ثم أدركت الصلاة فصلها إلا الفجر والمغرب\"، قال عبد الحق -وهو من أئمة الحديث-: تفرد برفعه سهل بن صالح الأنطاكي وكان ثقة، وإذا كان كذلك فلا يضر وقف من وقفه؛ لأن زيادة الثقة مقبولة، كذا قال الشيخ ابن الهمام (١).\n١٠٧٥ - [٢٤] (أبو الشعثاء) قوله: (أما هذا فقد عصى أبا القاسم -ﷺ-) قال الشيخ ابن الهمام (٢): ومثل هذا موقوف عند بعضهم وإن كان ابن عبد البر قال فيه وفي نظائره: مسند كحديث أبي هريرة: من لم يجب الدعوة فقد عصى أبا القاسم، وقال: لا يختلفون في ذلك.\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٤٧٣).\n(٢) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٤٧٥).","vol":"3","page":212},{"text":"١٠٧٦ - [٢٥] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَدْركَهُ الأَذَانُ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ لَمْ يَخْرُجْ لِحَاجَةٍ وَهُوَ لَا يُرِيدُ الرّجْعَةَ فَهُوَ مُنَافِقٌ (١) \". رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ. [جه: ٧٣٤].\n١٠٧٧ - [٢٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَلَمْ يُجِبْهُ فَلَا صَلَاةَ لَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ\". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ٢/ ٢٩٣].\n١٠٧٨ - [٢٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الْمَدِينَةَ كَثِيرَةُ الْهَوَامِّ وَالسِّبَاعِ وَأَنَا ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَهَلْ تَجِدُ لِي مِنْ رُخْصَةٍ؟ قَالَ: \"هَلْ تَسْمَعُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ؟ \" قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: \"فَحَيَّ هَلَا\". وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٥٥٣، ن: ٨٥١].\nــ\n١٠٧٦ - [٢٥]: (عثمان بن عفان -﵁-) قوله: (وهو لا يريد الرجعة) بفتح الراء وكسرها، كذا في النسخ المصححة.\n١٠٧٧ - [٢٦] (ابن عباس -﵁-) قوله: (فلم يجبه) أي: لم يحضر المسجد ولم يصل فيه بجماعة، وهذا أيضًا دليل الوجوب.\n١٠٧٨ - [٢٧] (عبد اللَّه بن أم مكتوم) قوله: (قال: هل تسمع حي على الصلاة) أي: الأذان، وخص الحيعلتين بالذكر لوجود الترغيب على الصلاة فيهما.\nوقوله: (فحي هلا) كلمة حث واستعجال وضعت موضع أجب، فـ (حي) بمعنى هلم، و(هلا) بمعنى عجل، ومعناه بالفارسية: بِيَا وبِشَتَابْ، وفي شرح الشيخ:\n_________\n(١) أَيْ: عَاصٍ، أَوْ فَهُوَ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ كَالْمُنَافِقِ، أَوْ عملًا. كذا في \"التقرير\". وانظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٤٤).","vol":"3","page":213},{"text":"١٠٧٩ - [٢٨] وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو الدَّرْدَاءِ وَهُوَ مُغْضَبٌ، فَقُلْتُ: مَا أَغْضَبَكَ؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَعْرِفُ مِنْ أَمْرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- شَيْئًا إِلَّا أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ جَمِيعًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٥٠].\nــ\nآثر هذه الكلمة؛ لأن حسن الجواب ما كان مشتقًا من السؤال ومنتزعًا منه، وقد مر تحقيق هذه الكلمة في (باب الأذن).\n١٠٧٩ - [٢٨] قوله: (وعن أم الدرداء) زوجة أبي الدرداء، اسمها خيرة، كذا قال الطيبي (١)، وفي (التقريب) (٢): اسمها هجيمة، وقيل: جهيمة الدمشقية وهي الصغرى، وأما الكبرى فاسمها خيرة، ولا رواية لها في هذه الكتب، والصغرى فقيهة ثقة ماتت سنة إحدى وثمانين، وفسرها الكرماني بصفات الكبرى، وهو خطأ، كذا في (فتح الباري) (٣).\nوقوله: (وهو مغضب) بفتح الضاد.\nوقوله: (من أمر أمة محمد -ﷺ-) كذا في نسخ \"المشكاة\" بالجمع بين (أمر) و(أمة)، وفي (فتح الباري) (٤): (من أمر أمة) رواية أبي ذر، وللباقين: (من محمد) بحذف المضاف، وعليه شرح ابن بطال، ووقع في رواية أبي الوقت: (من أمر محمد -﵇-).\nوقوله: (إلا أنهم يصلون جميعًا) يعني وإياه أيضًا يتركون، فالجواب ما يفهم من هذا الكلام.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٩).\n(٢) \"تقريب التهذيب\" (٧٥٦).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ١٣٨).\n(٤) \"فتح الباري\" (٢/ ١٣٨).","vol":"3","page":214},{"text":"١٠٨٠ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ فَقَدَ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَإِنَّ عُمَرَ غَدَا إِلَى السُّوقِ، وَمَسْكَنُ سُلَيْمَانَ بَيْنَ الْمَسْجِدِ وَالسُّوقِ، فَمَرَّ عَلَى الشِّفَاءِ أُمِّ سُلَيْمَانَ، فَقَالَ لَهَا: لَمْ أَرَ سُلَيْمَانَ فِي الصُّبْحِ، فَقَالَتْ: إِنَّهُ بَاتَ يُصَلِّي فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَقَالَ عُمَرُ: لأَنْ أَشْهَدَ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي الْجَمَاعَة أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ لَيْلَةً. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٤٣٢].\n١٠٨١ - [٣٠] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اثْنَانِ فَمَا فَوْقهمَا جمَاعَةٌ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٩٧٢].\n١٠٨٢ - [٣١] وَعَنْ بِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ حُظُوظَهُنَّ مِنَ الْمَسَاجِدِ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ\". فَقَالَ بِلَالٌ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. . . . .\nــ\n١٠٨٠ - [٢٩] (أبو بكر بن سليمان) قوله: (أبو حثمة) بفتح المهملة وسكون المثلثة.\nوقوله: (أن أقوم ليلة) بالتاء، وفي النسخة المصححة: (ليلته) بالإضافة، والضمير للصبح.\n١٠٨١ - [٣٠] (أبو موسى الأشعري) قوله: (اثنان) مبتدأ و(جماعة) خبره، ولا يحتاج إلى ارتكاب تكلف بجعله صفة لموصوف محذوف، بناء على قاعدة وجوب تخصيص المبتدأ على ما هو المشهور؛ لما اختاره الرضي من أن المدار على الفائدة، وقد ذكرنا هذا الكلام مرارًا في مواضع متعددة.\n١٠٨٢، ١٠٨٣ - [٣١، ٣٢] (بلال بن عبد اللَّه بن عمر، وسالم عن أبيه) قوله:","vol":"3","page":215},{"text":"وَتَقُولُ أَنْتَ: لَنَمْنَعُهُنَّ.\n١٠٨٣ - [٣٢] وَفِي رِوَايَةِ سَالِمِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا مَا سَمِعْتُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَتَقُولُ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٤٢].\n١٠٨٤ - [٣٣] وَعَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَمْنَعَنَّ رَجُلٌ أَهْلَهُ أَنْ يَأْتُوا الْمَسَاجِدَ\". فَقَالَ ابْن لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: فَإِنَّا نَمْنَعُهُنَّ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَتَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: فَمَا كَلَّمَهُ عَبْدُ اللَّهِ حَتَّى مَاتَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٣٦].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>٢٤ - باب تسوية الصف</span>\nــ\n(تقول أنت: لنمنعهن) فيه دليل على أن النص لا يعارض بالرأي.\n١٠٨٤ - [٣٣] (مجاهد) قوله: (أهله) أي: نساءه من زوجته وأمته وغيرهما.\nوقوله: (أن يأتوا) ذكّر الضمير باعتبار لفظ الأهل، أو لأن الخروج إلى المساجد من شأن الرجال فنظمهن في سلكهم.\nوقوله: (فما كلّمه عبد اللَّه حتى مات) فيه هجران الولد لتركه السنة.\n٢٤ - باب تسوية الصف\nوهو أن يقيموا صفوفًا مستوية متلاصقين حتى لا يكون بينهم فرج، ولا تقدم وتأخر، معتدلين في القيام على سمت واحد كالخطوط المتوازية، ويراعوا الترتيب فيها، وهو من الآداب الظاهرة التي تركها موجب لإخلال الأحوال الباطنة، كما قيل: الظاهر","vol":"3","page":216},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-377> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٠٨٥ - [١] عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ،\nــ\nعنوان الباطن، كما يجيء في الحديث: \"استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم\"، وذلك لما في الاختلاف وتقدم بعض على بعض وتفوقه عليه من التنافر وحدوث الضغينة والوحشة وإثارة العداوة، أو لما في ترك إطاعة أمر اللَّه ورسوله من طريان الظلمة والكدورة في القلوب فيسري إلى الظواهر، ومع ذلك فيه سر، وله خاصية في حدوث الاختلاف كما يظهر من سياق الأحاديث، فافهم.\nالفصل الأول\n١٠٨٥ - [١] (النعمان بن بشير) قوله: (حتى كأنما يسوي القداح) القدح بالكسر: السهم قبل أن يراش وينصل، والجمع القداح، كذا في (القاموس) (١)، وقدح الميسر أيضًا، ويقال للسهم أول ما يقطع: قِطَعٌ بالكسر، ثم ينحت ويبرئ فيسمى بريئًا، ثم يقوم فيسمى قدحًا، ثم يراش ويركب نصله فيسمى سهمًا، وضرب المثل بالقدح في تسوية الصفوف أبلغ في المعنى؛ لأن القدح لا يصلح للأمر الذي عمل به إلا بعد الانتهاء إلى الغاية القصوى في الاستواء، ثم هذا التشبيه مبالغة من حيث إن القدح مثل في الاستواء، وجعل الصف كأنه يسوّى به القدحُ، وكان الظاهر أن يعكس في التشبيه، وجاء في حديث آخر في (النهاية) (٢): (كان يسوي الصفوف حتى يدعها مثل القدح أو الرقيم) أي: مثل السهم وسطر الكتابة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٢٨).\n(٢) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (٤/ ٢٠).","vol":"3","page":217},{"text":"حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ حَتَّى كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ، فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَقَالَ: \"عِبَادَ اللَّهِ! لَتسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٣٦].\n١٠٨٦ - [٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَأَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِوَجْهِهِ فَقَالَ: \"أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ وَتَرَاصُّوا؛ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَالَ: . . . . .\nــ\nوقوله: (حتى رأى أنا قد عقلنا عنه) أي: تعلمنا منه هذه السنة كما أراده منا.\nوقوله: (ثم خرج يومًا) أي: للصلاة، (فقام حتى كاد أن يكبر) أي: للإحرام.\nقوله: (صدره) فاعل (باديًا) أي: خارجًا صدره من صدور القوم.\nوقوله: (لتسون) بضم التاء وفتح السين وضم الواو المشددة مع النون الثقيلة، وللمستملي: (لتسوون) بواوين.\nوقوله: (أو ليخالفن اللَّه بين وجوهكم) أي: يحولها إلى أدباركم أو يمسخها على صور بعض الحيوانات كالحمار مثلًا، أو المراد بالوجوه الذوات، أو وجوه قلوبكم كما يأتي: (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم) أي: أهويتها وإرادتها كما بينا في شرح الترجمة، وفيه غاية التهديد والتوبيخ، أي: واللَّه لا بد من أحد الأمرين؛ إما تسويتكم صفوفكم، أو أن اللَّه تعالى يخالف بين وجوهكم، فلا بد أن تسووها وإلا تقع المخالفة المذكورة.\n١٠٨٦ - [٢] (أنس) قوله: (قأقبل علينا) أي: التفت إلينا.\nوقوله: (تراصّوا) أي: تلاصقوا وانضموا، رصّ البناء: أحكمه وشدّده، ورصّه: ألزق بعضه ببعض وضم، كرصَّصَه.\nوقوله: (فإني أراكم) أي: بالقلب أو بالعين، وقد سبق الكلام فيه.","vol":"3","page":218},{"text":"\"أَتِمُّوا الصُّفُوفَ؛ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي\". [خ: ٧١٩، م: ٤٣٤].\n١٠٨٧ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"سَوُّوا صُفُوفَكُمْ فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. إِلَّا أَنَّ عِنْدَ مُسْلِمٍ: \"مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ\". [خ: ٧٢٣، م: ٤٣٣].\n١٠٨٨ - [٤] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ: \"اسْتَوُوا وَلَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبكُمْ،\nــ\nوقوله: (أتموا الصفوف) وإتمام الصفوف يحتمل أن يكون بمعنى تسويتها، والظاهر أن المراد به إتمام الصفوف الأول بمعنى أن لا يشرع في صف حتى يكمل الذي قبله، والأولى أن يراد المعنى الشامل لكلا الأمرين.\n١٠٨٧ - [٣] (وعنه) قوله: (من إقامة الصلاة) (١) المأمور بها والممدوح فاعلها في الآيات الكثيرة، قالوا: وفي كل موضع مدحت الصلاة وفاعلها فإنما ذلك بإقامتها، وقد يذم أصلها كما في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥].\nوقوله: (من تمام الصلاة) أي: كمالها.\n١٠٨٨ - [٤] (أبو مسعود الأنصاري) قوله: (يمسح مناكبنا) أي: يسويها بيده الكريمة.\n_________\n(١) أَيْ: مِنْ إِتْمَامِهَا وَإِكْمَالِهَا، أَوْ مِنْ جُمْلَةِ إِقَامَةِ الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢]، وَهِيَ تَعْدِيلُ أَرْكَانِهَا، وَحِفْظُهَا مِنْ أَنْ يَقَعَ زَيْغٌ فِي فَرَائِضِهَا وَسُنَنِهَا وَآدَابِهَا. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٤٩).","vol":"3","page":219},{"text":"لِيَلِينِي مِنْكُمْ أولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى،\nــ\nوقوله: (ليليني) أي: ليدن مني، روي بحذف الياء الثانية وتخفيف النون، وبإثباتها مفتوحة وتشديد النون، قال التُّورِبِشْتِي (١): حق هذا اللفظ أن يحذف منه الياء لأنه على صيغة الأمر غير أن الرواة رووها بإثبات الياء وسكونها، والظاهر أنه غلط من بعض الرواة، ولعل النمط الأول أثبتوا الياء في الخط على أصل الكلمة قبل دخول لام الأمر فتداولها ألسنة الرواة فأثبتوها في اللفظ، انتهى. وفي شرح الشيخ: وليس إثبات الياء بغلط، فإن عدم حذف الجازم لحرف العلة لغة صحيحة كما صرحوا به، وما ذكر الشيخ صحيح في المضارع المجزوم إذا كان ناقصًا، ويقال: كذلك لغة لم يخشى، فيصح في لفظ الأمر الغائب الذي هو بعينه لفظ المضارع أيضًا، ثم ما ذكره التُّورِبِشْتِي في سبب إثبات الياء من الرواة بعيد جدًا، وقال أيضًا: وأما من نصب الياء وجعل اللام فيها الناصبة، فالوجه فيه لو ثبتت الرواية أن يقال: اللام متعلقة لمحذوف دل عليه أول الحديث، والراوي لم يذكر ذلك اختصارًا للحديث، ففيه تعسف أيضًا بل ليس بشيء، انتهى.\nوقوله: (الأحلام) جمع حلم بالكسر بمعنى الأناة والتثبت، وحقيقته: حفظ النفس عند هيجان الغضب، وقد يفسر بالعقل، وقال التُّورِبِشْتِي: ليس الحلم في الحقيقة هو العقل لكن فسره به لكونه من مقتضيات العقل، وقال في (القاموس) (٢): الحلم بالكسر: الأناة والعقل، جمعه أحلام، والنهية بالضم العقل لأنه ينهى صاحبه عن ارتكاب القبائح، هذا ما عليه الأكثر، وقد يجعل جمع حلم بالضم على ما في شروح (الهداية) بمعنى نوم البالغ أو البلوغ نفسه، أي: البالغون العقلاء، وعلى الأول يكون من قبيل التأكيد\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٢٩٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠١١).","vol":"3","page":220},{"text":"ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ\". قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٣٠].\n١٠٨٩ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ\" ثَلَاثًا،\nــ\nوالتفسير، وإنما أمرهم ليلوه ليحفظوا صلاته ويضبطوا الأحكام والسنن التي فيها فيبلّغوها فيأخذ عنهم من بعدهم، وقد جاء أنه إذا صلى رسول اللَّه -ﷺ- كان يقوم أبو بكر -﵁- خلفه محاذيًا له -﵇-، وقيل: ليحفظوا صلاته إذا سها فيجبرها أو يجعل أحدهم خليفة له إن احتياج إليها، والمعول على الوجه الأول، وقد ورد في الحديث أن النبي -ﷺ- كان يعجبه أن يليه المهاجرون والأنصار ليحفظوا عنه، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١).\nوقوله: (ثم الذين يلونهم) كالمراهقين والصبيان، (ثم الذين يلونهم) وهم الخناثى.\nوقوله: (فأنتم اليوم أشد اختلافًا) أي: في الكلمة حتى فتنت فيكم الفتن، وذلك بسبب عدم تسويتكم صفوفكم، كذا فسروا، و(أشد) بمعنى أصل الفعل، عبر بصيغة التفضيل مبالغة إذ لم يكن بينهم اختلاف شديد قبل اليوم، اعلم أن الصف الأول للرجال، ثم النساء، ولم يذكر في (الهداية) الخناثى، وقال الشيخ ابن الهمام (٢): صف الخناثى بين الصبيان والنساء، وكذا في (الوقاية)، وكذلك عند الشافعية على ما يفهم من شرح الشيخ.\n١٠٨٩ - [٥] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (ثم الذين يلونهم ثلاثًا) فحينئذ يكون\n_________\n(١) انظر: \"كتاب الميسر\" (١/ ٢٩٠ - ٢٩١).\n(٢) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٣٥٩).","vol":"3","page":221},{"text":"\"وَإِيَّاكُمْ وَهَيْشَاتِ الأَسْوَاقِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٣٢].\n١٠٩٠ - [٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا فَقَالَ لَهُمْ: \"تَقَدَّمُوا وَأتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ،\nــ\nالمراتب أربعة: الرجال، والصبيان، والخناثى، والنساء، ولم يذكر في الحديث الأول المرتبة الرابعة لتعينها، فافهم.\nوقوله: (وهيشات الأسواق) الهيشة والهوشة: الجماعة المختلطة، والفتنة، والتهيج، والاضطراب، يقال: هاش القوم يهوشون هيشًا: إذا تحركوا وهاجوا، وقيل: هي الموضع الذي فيه كثرة رفع الأصوات واختلاط الناس من كل صنف، كذا في بعض الحواشي، والمراد ههنا التحذير عن ارتفاع الأصوات في المساجد كما ترفع في الأسواق، أو اختلاط البالغين بالصبيان، والذكور بالإناث كما يختلط أهل الأسواق، أو التشاغل بهيشات الأسواق وأمورها، فإنه مانع من أن يسبقوا ويلوني، وقيل: معناه احذروا من أن يصلوا في الأسواق، وفي المواضع التي لا يكون فيها حضور القلب من كثرة الأصوات.\n١٠٩٠ - [٦] (أبو سعيد الخدري) قوله: (تأخرًا) أي: في صفوف الصلاة أو في أخذ العلم (١)، والأول أنسب بالباب، والمراد بالائتمام على الأول: الاتباع في الحركات والسكنات في الصلاة بالوقوف عليها، وعلى الثاني: في اكتساب العلوم وتعلمها.\n_________\n(١) قَالَ الطِّيبِيُّ (٤/ ١١٤٢): أَرَادَ التَّأَخُّرَ فِي صُفُوفِ الصَّلَاةِ، أَوِ التَّأَخُّرَ عَنِ الْعِلْمِ، فَعَلَى الأَوَّلِ مَعْنَاهُ: لِيَقِفِ الأَلِبَّاءُ وَالْعُلَمَاءُ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ، وَلْيَقِفَ مَنْ دُونَهُمْ فِي الصَّفِّ الثَّانِي، فَإِنَّ الصَّفَّ الثَّانِيَّ يَقْتَدُونَ بِالصَّفِّ الأَوَّلِ ظَاهِرًا لَا حُكْمًا، وَعَلَى الثَّانِي الْمَعْنَى لِيتَعَلَّمْ كُلُّكُمْ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَلْيَتَعَلَّمِ التَّابِعُونَ مِنْكُمْ، وَكَذَلِكَ مَنْ يَلُونَكُمْ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٥٠).","vol":"3","page":222},{"text":"لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّه\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٣٨].\n١٠٩١ - [٧] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَرَآنَا حِلَقًا فَقَالَ: \"مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ؟ \" ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ: \"أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ \" فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ: \"يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الأُولَى وَيتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ [م: ٤٣٠].\nــ\nوقوله: (حتى يؤخرهم اللَّه) أي: عن رحمته وعظيم فضله.\n١٠٩١ - [٧] (جابر بن سمرة) قوله: (فرآنا حلقًا) أي: رآنا جلوسًا حلقة حلقة، والحلقة بفتح الحاء وسكون اللام، وقيل: بفتحهما، والأول أشهر، وهي حلقة القوم، والجمع حلق بكسر الحاء، مثل بدرة وبدر وقصعة وقصع، قاله الخطابي، وذكرها غير واحد بالفتح، قال الحربي فيه: الحلق والحلقة بالسكون مثل تمر وتمرة، قال: ولا أعرف حلقة بالفتح إلا جمع حالقة، كذا في (مشارق الأنوار) (١).\nوقوله: (عزين) جمع عزة كعدة، وهي العصبة من الناس، والجمع عزون، كذا في (القاموس) (٢)، أي: ما لكم جلستم جماعات متفرقين ولا تكونون مجتمعين مع توصيتي إياكم، فهو إنكار عليهم في كونهم على هذه الحالة المؤذنة بتفرق قلوبهم ومباينتها، والظاهر أن يكون هذا الإنكار في غير الصلاة خوف افتراق الكلمة، لا في الصلاة؛ لأن الحلقة لا يستقبل كلها القبلة.\nوقوله: (ثم خرج علينا) أي: مرة أخرى، وهذه تكون في الصلاة، والمراد\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ١٩٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٠٤).","vol":"3","page":223},{"text":"١٠٩٢ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا، وَشَرُّهَا آخِرُهَا، وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا، وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٤٠].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-378> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٠٩٣ - [٩] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"رُصُّوا صُفُوفَكُمْ وَقَارِبُوا بَيْنَهَا، وَحَاذُوا بِالأَعْنَاقِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهَا الْحَذَفُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٦٧].\nــ\nبصف الملائكة عند قيامها للطاعة.\n١٠٩٢ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (خير صفوف الرجال أولها) (١) لاستماعهم قراءة الإمام ومشاهدتهم لأحواله، وصلاة اللَّه وملائكته عليهم.\nوقوله: (وخير صفوف النساء آخرها) لانتفاء الفتنة ومزيد الستر والاحتجاب.\nالفصل الثاني\n١٠٩٣ - [٩] (أنس) قوله: (وقاربوا بينها) نهى عن الفرجة.\nوقوله: (وحاذوا بالأعناق) نهى عن التقدم والتأخر.\nوقوله: (كأنها الحذف) بفتح الحاء المهملة والذال المعجمة: غنم سود صغار من الغنم الحجازية أو اليمن، كذا في شرح الشيخ، وفي (القاموس) (٢): الحذف\n_________\n(١) وما قال الفقهاء في الجنائز: إن الآخر أفضل، مبني على أن المندوب هناك كثرة الصفوف، فإن ندب إلى الصف الأول تقل الصفوف كما قال به الشامي. كذا في \"التقرير\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٣٧).","vol":"3","page":224},{"text":"١٠٩٤ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَتِمُّوا الصَّفَّ الْمُقَدَّمَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٧١].\n١٠٩٥ - [١١] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الَّذِينَ يَلُونَ الصُّفُوفَ الأُولَى، وَمَا مِنْ خُطْوَةٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ خُطْوَةٍ يَمْشِيهَا يَصِلُ بِهَا صَفًّا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٤٣].\n١٠٩٦ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مَيَامِنِ الصُّفُوفِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٧٦].\nــ\nمحركة: طائر أو بطٌّ صغار حجازيةٌ أو جُرَشِيَّةٌ، بلا أذناب ولا آذان، وقد يجيء تفسيره من الراوي في حديث أبي أمامة بأولاد الضأن الصغار، وتأنيث الضمير بتأويل النفس أو لجنس الشياطين أو باعتبار الخبر، وفي نسخة: (كأنه) بالتذكير، وفي غير هذه الرواية: (كأنها بنات حذف).\n١٠٩٤ - [١٠] (وعنه) قوله: (ثم الذي يليه) المراد به ما سوى الصف الأخير لا الثاني فقط.\n١٠٩٥ - [١١] (البراء بن عازب) قوله: (ما من خطوة أحب) صحح بالرفع والنصب، ولعل الرفع بحذف المبتدأ، والنصب لكونه خبر (ما)، و(من) زائدة، و(يمشيها ويصل بها) المشهور بالتحتانية، وقد يروى بتاء الخطاب، والضميران للخطوة.\n١٠٩٦ - [١٢] (عائشة -﵂-) قوله: (على ميامن الصفوف) وفي شرح الشيخ: قال بعض أئمتنا: إن الوقوف على يمين الإمام مع البعد عنه أفضل من الوقوف على","vol":"3","page":225},{"text":"١٠٩٧ - [١٣] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُسَوِّي صُفُوفَنَا إِذَا قُمْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، فَإِذَا اسَتْويْنَا كَبَّرَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٦٥].\n١٠٩٨ - [١٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ عَنْ يَمِينِهِ: \"اعْتَدِلُوا سَوُّوا صُفُوفَكُمْ\". وَعَنْ يَسَارِهِ: \"اعْتَدِلُوا سَوُّوا صُفُوفَكُمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاودَ. [د: ٦٧٠].\n١٠٩٩ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خِيَارُكُمْ أَلْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ فِي الصَّلَاةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٧٢].\nــ\nيساره مع القرب منه، ونازع في ذلك بعض في الروضة الشريفة، انتهى. ووجه النزاع أن الوقوف فيها على يسار الإمام يكون أقرب من القبر الشريف رحم اللَّه قائله.\n١٠٩٧ - [١٣] (النعمان بن بشير) قوله: (يسوي صفوفنا) بيده أو بقوله، ويؤخذ من قوله: (إذا قمنا) أن التسوية كانت بعد الإقامة، إذ لا يقوم المأمون إلا حينئذ،، كذا في شرح الشيخ، اللهم إلا أن يراد إذا أردنا القيام، وبالتسوية الأمر بها.\n١٠٩٨ - [١٤] (أنس) قوله: (اعتدلوا) أي: استقيموا.\nوقوله: (سووا صفوفكم) تفسير له أو بدل عنه.\n١٠٩٩ - [١٥] (ابن عباس) قوله: (ألينكم مناكب) أي: أسرعكم انقيادًا لمن يأخذ بمناكبهم الخارجة عن الصف يقدمها أو يؤخرها حتى يستوي الصف، وقال الخطابي: وقد يكون وجه آخر وهو أن لا يمنع لضيق المكان على من يريد الدخول بين الصف ليسدّ الخلل ولا يدفعه بمنكبه، وقيل: المراد بلين المنكب السكينة في الصلاة والطمأنينة والوقار، والوجهان الأولان أنسب بالباب، ويؤيده حديث أبي أمامة الآتي.","vol":"3","page":226},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-379> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١١٠٠ - [١٦] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺيَقُول: \"اسْتَوُوا اسْتَوُوا اسْتَوُوا (١)، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِي كَمَا أَرَاكُم مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٦٦].\n١١٠١ - [١٧] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ\" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَعَلَى الثَّانِي؟ قَالَ: \"إِنَّ اللَّه وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ\" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَعَلَى الثَّانِي؟ قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الأَوَّلِ\" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وعَلى الثَّانِي؟ قَالَ: \"وعَلى الثَّانِي\"، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، وَحَاذُوا بَيْنَ مَنَاكِبِكُمْ،\nــ\nالفصل الثالث\n١١٠٠ - [١٦] (أنس) قوله: (كما أراكم من بين يدي) ظاهر في الرؤية البصرية.\n١١٠١ - [١٧] (أبو أمامة) قوله: (وعلى الثاني) الظاهر أن المراد به غير الأول، أو الثاني حقيقة لكونه مماثل الصف الأول، فافهم. فإن قلت: قوله -ﷺ-: (إن اللَّه وملائكته يصلّون على الصف الأول) خبر فما معنى قولهم: (وعلى الثاني)، قلنا: هو في معنى طلب كون الثاني كذلك، وسؤاله -ﷺ- من اللَّه ﷿ أن يصلي عليهم أيضًا؛ لأنهم قد يُسبقون من غير تقصير منهم.\n_________\n(١) قوله: \"اسْتَوُوا\" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لِلتَّأْكِيدِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ وَقَعَ إِجْمَالًا، وَالثَّانِيُّ لِأَهْلِ الْيَمِينِ، وَالثَّالِثُ لِأَهْلِ الْيَسَارِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٥٣).","vol":"3","page":227},{"text":"وَلِينُوا فِي أَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ فِيْمَا بَيْنَكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْحَذَفِ\" يَعْنِي: أَوْلَادَ الضَّأْنِ الصِّغَارِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٦٢].\n١١٠٢ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، وَحَاذُوا بَين الْمَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ، وَلِينُوا بِأَيْدِي إِخْوَانِكُمْ، وَلَا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ، وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَهُ قَطَعَهُ اللَّهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ مِنْهُ قَوْلَهُ: \"وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا\" إِلَى آخِرِهِ. [د: ٦٦٦، ن: ٨١٩].\n١١٠٣ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَوَسَّطُوا الإِمَامَ وَسُدُّوا الْخَلَلَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٨١].\nــ\nوقوله: (ولينوا) بالتخفيف، وقد يشدد، أي: مناكبكم، والصواب هو الأول كذا قيل.\n١١٠٢ - [١٨] (ابن عمر) قوله: (وروى النسائي منه) أي: من هذا الحديث، و(من) تبعيضية.\n١١٠٣ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (توسطوا الإمام) أي: اجعلوا وسطًا بينكم بأن تقفوا في الصفوف خلفه عن يمينه وشماله هكذا فسروه، ولكن التوسط الوقوع في الوسط، قال في (القاموس) (١): وسطهم وسطًا ووَسِطة: جلس وسطهم كتوسَّطَهم، والظاهر في المعنى الذي أرادوا وسطوا الإمام من التوسيط، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٣٧).","vol":"3","page":228},{"text":"١١٠٤ - [٢٠] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ عَنِ الصَّفِّ الأَوَّلِ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ فِي النَّارِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٧٩].\n١١٠٥ - [٢١] وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [حم: ٤/ ٢٢٨، ت: ٢٣١، د: ٦٨٢].\n* * *\nــ\n١١٠٤ - [٢٠] (عائشة -﵂-) قوله: (حتى يؤخرهم اللَّه في النار) أي: يؤخرهم عن الخيرات ويدخلهم في النار، أي: يؤخرهم اللَّه واقعين في النار، ويمكن أن يكون المعنى يوقعهم في أسفل النار، واللَّه أعلم.\n١١٠٥ - [٢١] (وابصة بن معبد) قوله: (وابصة) بكسر الموحدة وبالمهملة (ابن معبد) على لفظ محل العبادة.\nوقوله: (فأمره أن يعيد الصلاة) تغليظًا وتشديدًا على التأخر (١).\nوقوله: (حديث حسن) وصححه ابن حبان والحاكم، ويوافقه ظاهر الخبر الصحيح أيضًا: (لا صلاة للذي خلف الصف)، كذا في شرح الشيخ، وعند أحمد وكذا عند النخعي وحماد وابن أبي ليلى ووكيع ﵏ تبطل صلاة المنفرد عن الصف\n_________\n(١) هذا على مذهب مالك والشافعي وأصحاب الرأي، كما في \"بذل المجهود\" (٣/ ٦٣٢)، أو اسْتِحْبَابًا لِارْتِكَابِهِ الْكَرَاهَةَ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٥٥).","vol":"3","page":229},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-380>٢٥ - باب الموقف</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-381> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١١٠٦ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي. . . . .\nــ\nوحده لهذا الحديث، قال في (كتاب شرح الخرقي) (١): قال ابن المنذر: ثبت عند أحمد وإسحاق هذا الحديث، وعن علي بن شيبان (٢) أن النبي -ﷺ- رأى رجلًا يصلي خلف الصف فوقف حتى انصرف الرجل فقال له: (استقبل صلاتك، فلا صلاة لمن خلف الصف)، رواه ابن ماجه وأحمد (٣)، وقال: هذا حديث حسن وقال: ولا فرق بين صلاة الجنازة وغيرها، واستثنى ابن عقيل صلاة الجنازة إذا كانوا خمسة نظرًا لتحصيل ثلاثة صفوف، وهذا إذا صلى جميع الصلاة خلف الصف، أما لو أحرم ثم دخل الصف، أجزأته صلاته، كما يجيء في حديث أبي بكرة في (باب الموقف)، وكذا تبطل صلاة من صلى جنب الإمام عن يساره، وذكره الخرقي، وروى شارحه في ذلك حديثي جابر بن عبد اللَّه وابن عباس -﵃- الآتيين في (باب الموقف).\n٢٥ - باب الموقف\nالموقف: اسم مكان أو مصدر ميمي، أي: بيان موضع وقوف الإمام والمأموم متقدمًا أو بجنبه على يمينه.\nالفصل الأول\n١١٠٦ - [١] (عبد اللَّه بن عباس) قوله: (قال: بت في بيت خالتي) هذا حديث\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٢/ ١١٠).\n(٢) في المخطوطة: \"علي بن سنان\"، وهو تحريف.\n(٣) \"سنن ابن ماجه\" (١٠٠٣)، و\"مسند أحمد\" (٤/ ٢٣).","vol":"3","page":230},{"text":"مَيْمُونَةَ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، فَعَدَلَنِي كَذَلِكَ. . . . .\nــ\nابن عباس مشهور في باب التهجد يروى مختصرًا ومطولًا بحسب ما يقتضيه المقام، والمقصود ههنا بيان قيام المأموم الواحد على يمين الإمام.\nوقوله: (فقمت عن يساره) مقتديًا به -ﷺ-. قال الطيبي (١): وفيه جواز النافلة بالجماعة، ويخدش أن التهجد كان فرضًا على النبي -ﷺ-، ففيه جواز اقتداء المتنفل بالمفترض، نعم قد ثبت بحديث أنس وغيره الجماعة في النوافل.\nوقوله: (فعدلني) بالتخفيف، أي: صرفني وأمالني، وذلك عمل يسير.\nوقوله: (كذلك) أي: عدولًا مثل هذه الحالة التي صورتها لكم بيدي (٢).\n_________\n(١) وفيه أيضًا جواز الصلاة خلف من لم ينو الإمامة؛ لأن النبي -ﷺ- شرع في صلاته منفردًا، ثم ائتم به ابن عباس -﵄-. \"شرح الطيبي\" (٣/ ٥١).\n(٢) قَالَ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\": فِي الْحَدِيثِ فَوَائِدُ؛ مِنْهَا: جَوَازُ الصَّلَاةِ نَافِلَةً بِالْجَمَاعَةِ، وَمِنْهَا: أَنَّ الْمَأْمُومَ الْوَاحِدَ يَقِفُ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ، وَمِنْهَا: جَوَازُ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ، وَمِنْهَا: عَدَمُ جَوَازِ تَقَدُّمِ الْمَأْمُومِ عَلَى الإِمَامِ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَدَارَهُ مِنْ خَلْفِهِ، وَكَانتْ إِدَارَتُهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أَيْسَرَ. وَمِنْهَا: جَوَازُ الصَّلَاةِ خَلْفَ مَنْ لَمْ يَنْوِ الإِمَامَةَ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- شَرَعَ فِي صَلَاتِهِ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ ائْتَمَّ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَفِي \"الْهِدَايَةِ\": وَإِنْ صَلَّى خَلْفَهُ أَوْ يَسَارَهُ جَازَ وَهُوَ مُسِيءٌ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ عَدَمِ الإِسَاءَةِ إِذَا كَانَ خَلْفَهُ مُسْتَدِلًّا بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاس فَعَلَهُ وَسَأَلَهُ -ﷺ- عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: مَا لِأَحَدٍ أَنْ يُسَاوِيَكَ فِي الْمَوْقِفِ، فَدَعَا لَهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْس بِمَكْرُوهٍ غَلَطٍ؛ لأَنَّ الِاسْتِدْلَالَ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ -﵇- وَكَانَ ذَلِكَ بِمُحَاذَاةِ الْيَمِينِ، وَدُعَاؤُهُ لَهُ لِحُسْنِ تأْدِيبِهِ، لَا لأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ، ثُمَّ هَذِهِ الرِّوَايَةُ إِنْ صَحَّتْ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الإِقَامَةَ عَنْ يَمِينِهِ -﵇- كَانَتْ بِمُحَاذَاةِ الْيَمِينِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\nثُمَّ قَالَ: أُورِدَ كَيْفَ جَازَ النَّفْلُ بِجَمَاعَةٍ وَهُوَ بِدْعَةٌ؟ أُجِيبُ: بِأَنَّ أَدَاءَهُ بِلَا آذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ =","vol":"3","page":231},{"text":"مِنْ وَرَاءِ ظَهره إِلَى الشِّقِّ الأَيْمَنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٩، ٦٣١٦، م: ٧٦٣].\n١١٠٧ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ليُصَلِّيَ، فَجِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ ابْنُ صَخْرٍ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَخَذَ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٠١٠].\n١١٠٨ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَّبِيِّ -ﷺ- وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٥٨].\nــ\nوقوله: (من وراء ظهره) أي: آخذًا بيدي من وراء ظهره، إنما أداره من ظهره لئلا يلزم تقدمه على الإمام.\n١١٠٧ - [٢] (جابر) قوله: (جبار بن صخر) بفتح الجيم وتشديد الباء.\nوقوله: (حتى أقامنا خلفه) فيه أنه إذا كان اثنين يتقدم الإمام.\nوقوله: (رواه مسلم) قال بعض الشارحين: لا يوجد هذا الحديث في (كتاب مسلم) مع الإمعان في الطلب، نعم هو حديث صحيح رواه أبو داود (١) مسندًا إلى جابر رواه في (شرح السنة).\n١١٠٨ - [٣] (أنس) قوله: (وأم سليم) هي أم أنس، وفي حديث آخر: (والعجوز من وراءنا)، قال الطيبي (٢): وفيه أن الصبي يصف مع الرجال، وقيل:\n_________\n= بِوَاحِدٍ أَوِ اثْنَيْنِ، يَجُوزُ عَلَى أَنْ نَقُولُ: كَانَ التَّهَجُّدُ عَلَيْهِ -ﷺ- فَرْضًا فَهُوَ اقْتِدَاءُ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ، وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٥٦).\n(١) \"سنن أبي داود\" (١٣٥٧).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٥٢).","vol":"3","page":232},{"text":"١١٠٩ - [٤] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- صَلَّى بِهِ وَبِأُمِّهِ أَوْ خَالَتِهِ، قَالَ: فَأَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَأَقَامَ الْمَرْأَةَ خَلْفَنَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٦٠].\n١١١٠ - [٥] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ. فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: \"زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٨٣].\nــ\n(يتيم) اسم عَلَمٍ لأخي أنس، فلا دلالة في الحديث إلا أن الصغير يقف مع الرجال، كذا في بعض الشروح، وترجم له البخاري (باب المرأة وحدها تكون صفًا)، وله طرق متعددة مذكورة في (صحيح البخاري)، منها في هذا الباب، ومنها في (صلاة النساء خلف الرجال)، ومنها في (باب الصلاة على الحصير).\n١١٠٩ - [٤] (وعنه) قوله: (صلى به وبأمه أو خالته) الضمائر لأنس، و(أو) للشك من الراوي.\n١١١٠ - [٥] (أبو بكرة) قوله: (فركع) أي: نوى وكبر وركع في مكانه قبل أن يصل إلى الصف؛ ليدرك النبي -ﷺ- الركوع ولا يفوته.\nوقوله: (زادك اللَّه حرصًا ولا تعد) من العود، فيه دلالة على أن الإفراد خلف الصف لا يبطل الصلاة؛ لأنه لم يأمره بالإعادة خلافًا لأحمد وغيره، كذا قال الطيبي (١)، وقد سبق أنهم إنما يقولون بالبطلان إذا صلى جميع الصلاة خلف الصف منفردًا، فإن قلت: إنه -ﷺ- نهى عن ذلك، قلنا: النهي للتنزيه لا للتحريم، ولو سلم فليس كل محرم مفسدًا للصلاة لكنه مكروه، ويحتمل أن يكون النهي عن المشي وإن كان قليلًا، وتؤيده رواية: (ولا تَعْدُ) بسكون العين وضم الدال، من العدو بمعنى الإسراع في المشي،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٥٢).","vol":"3","page":233},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-382> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١١١١ - [٦] عَنْ سَمُرَة بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: أَمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا كُنَّا ثَلَاثَةً أَنْ يَتَقَدَّمَنَا أَحَدُنَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٣].\n١١١٢ - [٧] وَعَنْ عَمَّارٍ: أَنَّهُ أَمَّ النَّاسَ بِالْمَدَائِنِ وَقَامَ عَلَى دُكَّانٍ يُصَلِّي وَالنَّاسُ أَسْفَلَ مِنْهُ، فَتَقَدَّمَ حُذَيْفَةُ فَأَخَذَ عَلَى يَدَيْهِ،\nــ\nوقد يروى: (ولا تُعِدْ) بضم التاء وكسر العين، من الإعادة، أي: لا تعد الصلاة، واللَّه أعلم (١).\nالفصل الثاني\n١١١١ - [٦] (سمرة بن جندب) قوله: (سمرة بن جندب) بضم الدال وفتحها.\nوقوله: (إذا كنا ثلاثة) ظرف لقوله: (يتقدمنا)، وفيه جواز تقديم ما في حيز (أن) في الظرف (٢).\nوقوله: (أن يتقدمنا أحدنا) وهو الإمام.\n١١١٢ - [٧] (عمار بن ياسر) قوله: (فأخذ على يديه) أي: جرّ (٣) حذيفة\n_________\n(١) قَالَ مِيرَكُ نقلًا عَنِ الْجَزَرِيِّ: وَقَدْ أَبْعَدَ مَنْ قَالَ: (وَلَا تُعِدْ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ مِنَ الإِعَادَةِ، أَيْ: لَا تُعِدْ، وَأَبْعَدُ مِنْهُ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ بِإِسْكَانِ الْعَيْنِ وَضَمِّ الدَّالِ مِنَ الْعَدْوِ، أَيْ: لَا تُسْرِعْ، وَكِلَاهُمَا لَمْ يَأْتِ بِهِ رِوَايَةٌ، وَإِنَّمَا يَحْمِلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ فِي أَمْثَالِهِ مِنْ تَحْرِيفِهِمْ أَلْفَاظَ النُّبُوَّةِ وَتَغْيِيرِهَا كَوْنُهُمْ لَمْ يَحْفَظُوهَا أَوْ مَا وَصَلَتْ إِلَيْهِمْ بِالرِّوَايَةِ، فَيَذْكُرُونَ مَا يَحْتَمِلُهُ الْخَطُّ لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِاللَّفْظِ الْمَرْوِيِّ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٥٨).\n(٢) وَجَازَ تَقْدِيمُهُ عَلَى (أَنِ) الْمَصْدَرِيَّةِ لِلِاتِّسَاعِ فِي الظُّرُوفِ، قَالَهُ الطِّيبِيّ (٤/ ١١٤٩). \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٥٨).\n(٣) أورد عليه أن القصة لحذيفة، والجاذب كان أبو مسعود كما في رواية همام عند أبي داود =","vol":"3","page":234},{"text":"فَاتَّبَعَهُ عَمَّارٌ حَتَّى أَنْزَلَهُ حُذَيْفَةُ، فَلَمَّا فَرَغَ عَمَّارٌ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِذَا أَمَّ الرَّجُلُ الْقَوْمَ فَلَا يَقُمْ فِي مَقَامٍ أَرْفَعَ مِنْ مَقَامِهِمْ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؟ \" فَقَالَ عَمَّارٌ: لِذَلِكَ اتَّبَعْتُكَ حِينَ أَخَذْتَ عَلَى يَديَّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٩٨].\nــ\nعمارًا من خلف ظهره لينزله إلى سفل ويستوي مع المأمومين.\nوقوله: (فاتبعه عمار) أي: طاوعه.\nوقوله: (أو نحو ذلك) بالنصب معطوف على مفعول يقول.\nاعلم أن المذهب عندنا أنه يكره أن يكون الإمام وحده على الدكّان؛ لأنه تشبه بأهل الكتاب فإنهم يخصون إمامهم بالمكان المرتفع، وأما إذا كان بعض القوم معه فلا يكره، وكذا إذا كان القوم على الدكان والإمام وحده أسفل في ظاهر الرواية.\nوقال الطحاوي: إنه لا يكره لعدم التشبه، والجواب أنه وإن لم يكن فيه ذلك التشبه لكن فيه ازدراء بالإمام، واختلف في مقدار الدكّان، والارتفاع الذي تتعلق به الكراهة، فقيل: قدر القامة الوسط، وقيل: ما يقع به الامتياز، وقيل: ذراع كالسترة، وهو المختار، قال الشيخ ابن الهمام (١): والوجه الثاني أوجه؛ لأن الموجب وهو شبهة الازدراء يتحقق فيه غير مقتصر على قدر الذراع، انتهى.\nولا يعرف مقدار الدكّان الذي كان عمار يصلي عليه، فلو عُرِفَ كان حجة على من يخالفه، وقد يجيء ارتفاعه -ﷺ- على المنبر فيختص الكراهة بما إذا لم يكن لغرض\n_________\n= (٥٩٧)، مع أن رواية \"المشكاة\" هذه فيها رجل مجهول، وأول بالتعدد. كذا في التقرير، وانظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٥٩).\n(١) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٤١٣).","vol":"3","page":235},{"text":"١١١٣ - [٨] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ الْمِنْبَرُ؟ فَقَالَ: هُوَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ، عَمِلَهُ فُلَانٌ. . . . .\nــ\nصحيح، أو يجعل من خواصه -ﷺ-، واللَّه أعلم.\nفإن قلت: لو كان عمار عالمًا فَلِمَ فعل أولًا؟، قلت: لعله نسي حينئذ ثم تذكر، أو كان ذلك خلاف الأولى، ثم اختار ما بيّنه حذيفة.\n١١١٣ - [٨] (سهل بن سعد) قوله: (من أي شيء المنبر؟) أي: من أي شجر (١) صنع منبر رسول اللَّه -ﷺ-؟\nوقوله: (من أثل الغاية) وفي رواية: (من طرفاء الغابة)، والأثل بالفتح وسكون الثاء هو الطرفاء، وقيل: شجر يشبه الطرفاء بسكون الراء والمد، و(الغابة) الأجمة محركة، بالفارسية بيشه، وموضع بالحجاز غلب عليه.\nوقوله: (عمله فلان) (٢) زيادة في الجواب، وفلان اسمه باقوم الرومي، وقيل: ميمون، والأول أشهر، وقال في (القاموس) (٣): باقوم الرومي النجار: مولى سعيد بن العاص صانع المنبر الشريف، وقد نقل في (فتح الباري) (٤) في اسمه أقوالًا شتى ذكر سبعًا منها، ثم قال: وأما الأقوال الأخر فلا اعتداد بها.\n_________\n(١) هذا إذا كان كونه من الشجر معلومًا للسائل قبل ذلك كما هو الظاهر، (منه).\n(٢) قوله: (عمله فلان. . . إلخ)، زيادة في الجواب، كأنه قال: سؤالك هذا لا يهمك، بل المهم أن تعرف هذه المسألة الغريبة هي نافعة لك، وإنما أدخل حكاية الصانع في البين لينبه على أنه عارف بتلك المسألة وما يتصل بها من الأحوال والفوائد، وهو من الأسلوب الحكيم. \"شرح الطيبي\" (٣/ ٥٤).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٩٨).\n(٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٩٩).","vol":"3","page":236},{"text":"مَوْلَى فُلَانَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ عُمِلَ وَوُضِعَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَكَبَّرَ، وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ، ثمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى، فَسَجَدَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ قَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ بِالأَرْضِ. هَذَا لَفْظُ البُخَارِيِّ، وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ نَحْوُهُ، وَقَالَ فِي آخِرِهِ: فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: \"أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا بِي وَلِتَعْلَمُوا صَلَاتِي\". [خ: ٩١٧، م: ٥٤٤].\n١١١٤ - [٩] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي حُجْرَتِهِ وَالنَّاسُ يَأْتَمُّونَ بِهِ مِنْ وَرَاءِ الْحُجْرَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١١٢٦].\nــ\nوقوله: (مولى فلانة) قيل: لم يعرف اسمها لكنها من الأنصار، وقيل: من المهاجرين، وقال بعضهم: عداثة بالعين المهملة والمثلثة، وقيل: عائشة [أنصارية]-﵂-.\nوقوله: (وقام عليه رسول اللَّه -ﷺ-) بعد ما كان يخطب مستندًا بجذع كان هناك، وقصة الجذع وحنينه مشهورة قد يدعى تواترها.\nوقوله: (ثم رجع القهقرى، ثم عاد إلى المنبر) وليس هذا عملًا كثيرًا؛ لأن المنبر كان ثلاث درجات متقاربة، والظاهر أن قيامه كان على أدنى درجاته، فالنزول والصعود في كل ركعة متيسر بخطوة أو خطوتين.\nوقوله: (لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي) قال بعض الشافعية: يؤخذ من هذا أن ارتفاع الإمام على المأموم وعكسه إذا كان لحاجة كالتبليغ أو تعليم المأمومين كيفية الصلاة لا يكره بل يسن.\n١١١٤ - [٩] (عائشة) قوله: (في حجرته والناس يأتمون به من وراء الحجرة)","vol":"3","page":237},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-383> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١١١٥ - [١٠] عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: أَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَفَّ الرِّجَالَ،\nــ\nقالوا: المراد بالحجرة المحل الذي اتخذه -ﷺ- في المسجد من حصير حين أراد الاعتكاف، وبالصلاة ما كان يصلي فيها ليالي رمضان، وأما إرادة حجرة عائشة -﵂- (١) أو حجرة إحدى أمهات المؤمنين فيتعقب بأن صلاته -ﷺ- في بيته مع اقتداء الناس به في المسجد أمر لا يعقل، ويشترط لمثل هذه الصورة رؤية المأمومين الإمام عند بعض أو اطلاعهم على أحواله عند آخرين، وهذا مفقود في الظاهر هناك، وأيضًا لو فعل ذلك -ﷺ- لفعله في مرضه، وقد ثبت في حديث زيد بن ثابت (٢) -﵁-، وهو حديث صحيح ولفظه: أن النبي -ﷺ- احتجر حجرة في المسجد من حصير فصلى فيها ليالي حتى اجتمع عليه ناس، ثم فقدوا صوته وظنوا أنه قد نام، الحديث الذي ورد في قيامه -ﷺ- في رمضان عدة ليال، ثم تركه إياه مخافة أن لا يصير فرضًا على الأمة.\nالفصل الثالث\n١١١٥ - [١٠] (أبو مالك الأشعري) قوله: (وصفّ الرجال) خلفه، الضمير في (صفّ) لرسول اللَّه -ﷺ-، وصفّ متعد مطاوعُه اصطفّ، يقال: صففت القوم فاصطفّوا: إذا أقمتُهم في الحرب صفًّا.\n_________\n(١) لَا تَصِحُّ كَوْنَهَا حُجْرَةَ عَائِشَةَ، كَيْفَ وَكَانَتْ عَلَى يَسَارِ الْمَسْجِدِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ اقْتِدَاءُ مَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ بِهِ؟ مع أَنَّه لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَكَلَّفْ -ﷺ- فِي مَرَضِ مَوْتِهِ بِأَنْ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الأَرْضِ. كذا في \"التقرير\". وبسطه القاري (٣/ ٨٦٠).\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٣٥٠).","vol":"3","page":238},{"text":"وَصَفَّ خَلْفَهُمُ الْغِلْمَانَ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ، فَذَكَرَ صَلَاتَهُ، ثُمَّ قَالَ: \"هَكَذَا صَلَاةُ -قَالَ عَبْدُ الأَعْلَى: لَا أَحْسَبُهُ إِلَّا قَالَ: - أُمَّتِي\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٧٧].\n١١١٦ - [١١] وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ فِي الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ، فَجَبَذَنِي رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي جَبْذَةً، فَنَحَّانِي وَقَامَ مَقَامِي، فَوَاللَّهِ مَا عَقَلْتُ صَلَاتِي، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِذَا هُوَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَقَالَ: يَا فتَى! . . . . .\nــ\nوقوله: (وصفّ خلفهم الغلمان) وكأنه لم يذكر النساء لعدم حضورهن.\nوقوله: (فذكر صلاته) أي: ذكر أبو مالك تمام صفة صلاة رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (ثم قال (١): هكذا صلاة) بترك المضاف إليه للصلاة.\nوقوله: (قال عبد الأعلى) الراوي عن أبي مالك: (لا أحسبه) أي: أبا مالك، (إلا قال: أمتي) أي: عن رسول اللَّه -ﷺ- هكذا صلاة أمتي، أي: هكذا ينبغي أن يصلّوا بعدي.\n١١١٦ - [١١] (قيس بن عباد) قوله: (ابن عباد) بضم المهملة وتخفيف الموحدة، مخضرم مات بعد الثمانين، ووهم من عدّه من الصحابة، كذا في (التقريب) (٢).\nقوله: (ما عقلت صلاتي) أي: ما دريت كيف أصلي وكم صليت، لما حصل عندي بسبب تأخري عن المكان الفاضل مع سبقي إليه.\n_________\n(١) إن كان ضمير (قال) للنبي -ﷺ- فالمعطوف عليه محذوف، أي: صلّى النبي -ﷺ-، وقال، وإن كان للراوي فالمراد: قال راويًا عن رسول اللَّه -ﷺ-، (منه).\n(٢) \"تقريب التهذيب\" (٤٥٧).","vol":"3","page":239},{"text":"لَا يَسُوءُكَ اللَّهُ، إِنَّ هَذَا عُهِدَ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ- إِلَيْنَا أَنْ نَلِيَهُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَقَالَ: هَلَكَ أَهْلُ الْعُقَدِ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا عَلَيْهِمْ آسَى وَلَكِنْ آسَى عَلَى مَنْ أَضَلُّوا. قُلْتُ: يَا أَبَا يَعْقُوبَ! مَا تَعْنِي بِأَهْلِ الْعقَدِ؟ قَالَ: الأُمَرَاءُ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٨٠٨].\n* * *\nــ\nوقوله: (لا يسوءك اللَّه) (١) أي: ينبغي أن لا يسوءك ما فعلته لأنه بأمر اللَّه ورسوله. في (القاموس) (٢): ساءه: فعل به ما يكره.\nوقوله: (أن نليه) بدل من (عهد) أي: أمرنا بقوله: (ليلني أولو الأحلام منكم) وأنت لست منهم.\nقوله: (ثم استقبل) أي: إلى (القبلة) أي: بعد الصلاة استحضارًا للكعبة في قسمه برب الكعبة، والمراد بأهل العُقَد (٣) الأمراء؛ لأن عليهم رعاية أمور المسلمين دنياهم وآخراهم حتى رعاية صفوفهم في الصلاة ورعاية الموقف فيها شكاية عن أمراء زمانه أو عمن يجيء بعدهم أنهم سيفعلون ذلك، والظاهر هو الأول، فتدبر.\nوقوله: (ثلاثًا) يحتمل تكرير القسم فقط أو تمام الكلام.\nوقوله: (ما عليهم آسى) أي: أحزن، يقال: أسيت عليه كرضيت إسًا: حزنت، من سمع يسمع، والأسا: الحزن.\nوقوله: (على من أضلوا) الظاهر من عبارة الطيبي أن فاعل (أضلوا) الأمراء،\n_________\n(١) وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ: لَا يُحْزِنْكَ اللَّهُ بِي وَبِسَبَبِ فِعْلِي. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٦١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٤).\n(٣) بضم العين وفتح القاف.","vol":"3","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-384>٢٦ - باب الإمامة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-385> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١١١٧ - [١] عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ،\nــ\nوالمفعول محذوف، أي: الذين اتبعوا الأمراء، انتهى. ويحتمل أن يكون الفاعل العلماء الذين داهنوا وصاروا بذلك سببًا لضلال الأمراء، واللَّه أعلم. ثم الظاهر أن حزن أبي على من يجيء بعد ذلك الزمان، وقال الطيبي (١): ولعله قال ذلك تعريضًا بأمراء عهده، ومات أبي بن كعب في خلافة عثمان -﵃-، واللَّه أعلم.\n٢٦ - باب الإمامة\nأمّهم وبهم: تقدمهم، والإمام: من ائتُمّ به، والإمامة، والائتمام بالإمام، كذا في (القاموس) (٢)، والمراد ههنا الائتمام في الصلاة، وقد تطلق الإمامة على الإمام الأنثى، ويجمع الإمام على أئمة، والأصل أءممة على أفعلة مثل إناء وآنية فأدغمت الميم، ونقل حركتها إلى ما قبلها، فلما حركوا الهمزة جعلوها ياء استقالًا للهمزتين، ومنهم من جمع همزتين، وتصغيرها أويمة فقلبت واوًا لضمة ما قبلها، وقيل: أييمة بلا قلب.\nالفصل الأول\n١١١٧ - [١] (أبو مسعود) قوله: (يؤم القوم أقرأهم) الحديث، اعلم أن الأولوية للإمامة إذا اجتمع قوم يصلحون لها، قد يكون لاقتضاء صفة في ذات أحدهم، وقد\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٥٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٩٥).","vol":"3","page":241},{"text":"فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنًّا، وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ،\nــ\nيكون لا لصفة، وأشار إلى الثاني بقوله: (ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه) أي: في محل ولايته ومظهر سلطانه، وفيما يملكه وما يكون في حكمه، كما في الرواية الأخرى: (ولا يؤمن الرجل الرجل في أهله)، فلا يتقدم على الوالي مع ترتيب في الولاة والحكام كالإمام الأعظم وخلفائه، ولا على إمام الحي ورب البيت إلا أن يأذنوا؛ لأن ذلك يفضي إلى توهين أمر سلطنتهم وعزتهم، روي أن ابن عمر -﵂- كان يصلي خلف الحجاج، وإلى الأول بقوله: (يؤم القوم أقرؤهم) أي: أحسنهم تجويدًا للقرآن بعد كونه عالمًا بأركان الصلاة وأحكامها، وإن لم يكن عالمًا بتفاصيل أحكام الحوادث والنوائب الحادثة فيها.\n(وإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم) أي بأحكام الصلاة ومسائلها بعد كونه يحسن القراءة المسنونة، وهذا مذهب الإمام أحمد ﵀ عند أكثر أصحابه وأبي يوسف أخذًا بهذا الحديث، وبحديث أبي سعيد وحديث ابن عباس الآتيين وحديث عمرو بن سلمة الآتي في (الفصل الثالث)، وفيه: (إذا حضرت فليؤذن أحدكم وليؤمكم اكثركم قراءة)، وذهب الإمام أبو حنيفة ومحمد ومالك والشافعي وأحمد في رواية ﵏ إلى أن يقدم الأفقه الأعلم، ولو كان القارئ جاهلًا بما يحتاج إليه في الصلاة بأن لم يميز بين مفروضها ومسنونها ونحو ذلك، ففيه وجهان عند أصحاب أحمد ﵀، وتمسك الجماعة أن القراءة مفتقر إليها لركن واحد والعلم لسائر الأركان.\nوقالوا: إن الأحاديث الدالة على تقديم الأقرأ لأن أقرأهم كان أعلمهم؛ لأنهم كانوا يتلقون القرآن بأحكامه فقدّم في الحديث، ولا كذلك في زماننا فقدمنا الأعلم،","vol":"3","page":242},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nكذا في (الهداية) (١).\nفإن قلت: فما معنى قوله -ﷺ-: (فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة)، والمساواة في القراءة توجب المساواة في العلم على هذا التأويل، قلنا: ذلك بحسب الظاهر وغالب الأمر لا قطعًا وكليًّا، فقد كان أبي بن كعب أقرأ وابن مسعود أعلم وأفقه، فجاز تصور المساواة في القراءة مع التفاوت في العلم، فالشارع بيّن حكم هذا الممكن المتصور لو اتفق وقوعه، أو نقول: قال ذلك بحسب زماننا، كذا في بعض شروح (الهداية).\nوقال الشيخ ابن الهمام (٢): إنما كان أقرؤهم أعلمهم بأحكام الكتاب فإنهما متلازمان على ما ادعوا، فقال: وإن كانوا في القراءة والعلم بأحكام الكتاب سواء فأعلمهم بالسنة، وللشيخ في هذا المقام كلام طويل فراجعه، وقال: وأحسن ما يستدل به لتقديم الأعلم على الأقرأ حديث: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، وكان ثمة من هو أقرأ منه لا أعلم، دليلُ الأول قوله -ﷺ-: (أقرأكم أبي)، ودليل الثاني قول أبي سعيد: كان أبو بكر -﵁- أعلمنا، وهذا آخر الأمر من رسول اللَّه -ﷺ-، فيكون المعوَّل عليه، انتهى.\nثم إن تساووا في العلم والقراءة فالأولى عندنا الأورع الأتقى، وذلك أنه قد ورد في الحديث بعد التساوي في العلم والقراءة التقديم بأقدمية الهجرة، وقد انتسخ وجوب الهجرة، فقدموا مكانها الهجرة عن الخطايا، وفي الحديث: (المهاجر من هجر الخطايا\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٥٧).\n(٢) انظر: \"فتح القدير\" (١/ ٣٤٧ - ٣٤٨).","vol":"3","page":243},{"text":"وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ\". . . . .\nــ\nوالذنوب)، ثم الأسن فإن تساووا في السن فأحسنهم خلقًا، فإن كانوا سواء فأصبحهم وجهًا، وقد يراد بحسن الوجه كثرة الصلاة بالليل لما جاء في الحديث (١): (من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار)، وهو تكلف، وللمحدثين كلام في ثبوت هذا الحديث، والثابت عندهم أنه قول شريك بن عبد اللَّه القاضي كما عرف في موضعه، ثم إن استووا في ذلك فأشرفهم نسبًا، فإن كانوا سواء في هذه كلها أقرع بينهم أو الخيار إلى القوم، كذا ذكر الشيخ ابن الهمام، وذكر أيضًا أنه اختلف في المسافر والمقيم، قيل: هما سواء، وقيل: المقيم أولى يعني للمقيمين، وذلك ظاهر، وفي (الحاوي) (٢) في مذهب الشافعي ﵀ بعد الأسن النسيب، ثم نظيف الثوب، ثم حسن الصوت، ثم الصورة.\nوقوله: (ولا يقعد) بالرفع والجزم، وأرادوا بالتكرمة ما يعد للرجل إكرامًا له في منزله من نحو فراش أو سجادة، وفي (المشارق) (٣): ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه، أي: فراشه يريد الذي يكرم بالإجلاس عليه من يقصده، وكذا الوساد وشبهه، قال في (القاموس) (٤): التكرمة التكريم والوسادة، وقد يراد به المائدة، والأول هو الصواب.\nوقوله: (إلا بإذنه) متعلق بكلا الفعلين.\n_________\n(١) قال السيوطي في \"اللآلئ المصنوعة\" (٢/ ٢٨): قال العقيلي: باطل لا أصل له، ولا يتابع ثابتًا عليه [ثقة].\n(٢) \"الحاوي في فقه الشافعي\" (٢/ ٣٥١).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٥٤٨).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٦٤).","vol":"3","page":244},{"text":"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: \"وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي أَهْلِهِ\". [م: ٦٧٣].\n١١١٨ - [٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً، فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ وَأَحَقُّهُمْ بِالإِمَامِ أَقْرَؤُهُمْ\" (١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَذَكَرَ حَدِيثَ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ فِي بَابٍ بَعْدَ \"بَابِ فَضْلِ الأَذَانِ\". [م: ٦٧٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-386> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١١١٩ - [٣] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ وَلْيُؤُمُّكُمْ قُرَّاؤُكُمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٩٠].\n١١٢٠ - [٤] وَعَنْ أَبِي عَطِيَّةَ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُويرِثِ. . . . .\nــ\n١١١٨ - [٢] (أبو سعيد) قوله: (إذا كانوا ثلاثة) قيد الثلاثة اتفاقي.\nالفصل الثاني\n١١١٩ - [٣] (ابن عباس) قوله: (خياركم) أي: عدولكم؛ لأن أمر حفظ الأوقات للصلاة والصوم والإفطار مفوض إليهم، فينبغي أن يكونوا أمناء، ولأنهم يؤذنون على المواضع المرتفعة ويطلعون على بيوت الناس، واللَّه أعلم.\n١١٢٠ - [٤] (أبو عطية العقيلي) قوله: (العقيلي) بضم العين، (والحويرث) بضم الحاء.\n_________\n(١) قَالَ الطِّيبِيُّ (٤/ ١١٥٣): كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ -ﷺ- يُسْلِمُونَ كِبَارًا، أَيْ: غَالِبًا فَيتَفَقَّهُونَ قَبْلَ أَنْ يَقْرَؤوا وَمَنْ بَعْدَهُمْ يتَعَلَّمُونَ الْقِرَاءَةَ صِغَارًا قَبْلَ أَنْ يَتَفَقَّهُوا، فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ قَارِئٌ إِلَّا وَهُوَ فَقِيهٌ، اهـ. فَالْعِبْرَةُ بِالْفِقْهِ الْمُتَعَلِّقِ بِأَمْرِ الصَّلَاةِ، فَالأَفْقَهُ بِالْمُعَامَلَاتِ لَمْ يَكُنْ أَوْلَى بِالإِمَامَةِ مِنَ الأَقْرَأ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٦٣).","vol":"3","page":245},{"text":"يَأْتِينَا إِلَى مُصَلَّانَا يَتَحَدَّثُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ يَوْمًا، قَالَ أَبُو عَطِيَّةَ: فَقُلْنَا لَهُ: تَقَدَّمَ فَصَلِّهْ. قَالَ لَنَا: قَدِّمُوا رَجُلًا مِنْكُمْ يُصَلِّي بِكُمْ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ لِمَ لَا أُصَلِّي بِكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ زَارَ قَوْمًا فَلَا يَؤُمَّهُمْ وَلْيؤُمَّهُمْ رَجُلٌ مِنْهُمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ إِلَّا أَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى لَفْظِ النَّبِيِّ -ﷺ-. [د: ٥٩٦، ت: ٣٥٦، ن: ٧٨٧].\n١١٢١ - [٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: اسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يَؤُمُّ النَّاسَ وَهُوَ أَعْمَى. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٩٥].\nــ\nوقوله: (فصله) الهاء للسكت.\nوقوله: (فلا يؤمهم) أي: إلا بإذنهم.\n١١٢١ - [٥] (أنس) قوله: (ابن أم مكتوم) هو استخلفه عامًّا مرتين وخاصًا بكونه يؤم الناس ثلاث عشرة مرة في غزواته على المدينة، منها غزوة تبوك مع أن أمير المؤمنين عليًّا -﵁- كان هو الخليفة على أهله؛ لئلا يشتغل بالإمامة عن القيام بحفظ من استخلفه من الأهل والعيال، وفيه دليل على جواز إمامة الأعمى من غير كراهة على خلاف ما هو ظاهر مذهبنا أنه تكره إمامة الأعمى معللًا بأنه لا يتوقى النجاسة، وقد جاء في الروايات الفقهية أنه إن كان مقتدى لقوم جاز إمامته. وقيل: إن كان أعلم فهو أولى، كذا في (حاشية الكنز) نقلًا عن (المبسوط) (١).\nوقد كان شيخنا الشيخ عبد الوهاب المتقي في آخر عمره كف بصره فكان يؤم أصحابه، وكان في نفسي من ذلك شيء، وكنت لم أسأله عن ذلك تأدبًا وَعلمًا مني\n_________\n(١) انظر: \"المبسوط\" للسرخسي (١/ ١١).","vol":"3","page":246},{"text":"١١٢٢ - [٦] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ثَلَاثَةٌ لَا تُجَاوِزُ صَلَاتُهُمْ آذَانَهُمْ: الْعَبْدُ الآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٦٠].\n١١٢٣ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ثَلَاثَةٌ لَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ صَلَاتُهُمْ: مَنْ تَقَدَّمَ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَرَجُلٌ أَتَى الصَّلَاةَ دِبَارًا -وَالدِّبَارُ: أَنْ يَأْتِيَهَا بَعْدَ. . . . .\nــ\nبأن ما كان يفعله لا يكون بغير سند، فظفرت في كتب الفقه ما يحكم بجوازه بل أولويته، كما نقلت، وأما إذا كان في القوم من هو أفضل منه فلا شك أن البصير أولى من الأعمى.\n١١٢٢ - [٦] (أبو أمامة) قوله: (لا تجاوز صلاتهم آذانهم) كناية عن عدم رفعها إلى اللَّه تعالى كما يرفع العمل الصالح، وعدم قبولها، وخص الآذان لقربها، ولأنه يقع فيها صوت التلاوة وإن غاية حظهم منها سماع ذكرها، وهذا كما ورد في الخوارج يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم.\nوقوله: (وزوجها عليها ساخط) أي: بالحق وإلا فالأمر بالعكس، نقله الطيبي (١).\nوقوله: (وإمام قوم) حملوه على إمام الصلاة، وقد يحمل على إمام ظالم.\nوقوله: (وهم) أي: أكثرهم (له كارهون) لحق شرعي.\n١١٢٣ - [٧] (ابن عمر) قوله: (والدبار) بكسر الدال المهملة (أن يأتيها بعد\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٦٠).","vol":"3","page":247},{"text":"أَنْ تَفُوتَهُ- وَرَجُلٌ اعْتَبَدَ مُحَرَّرَةً\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٥٩٣، جه: ٩٧٠].\n١١٢٤ - [٨] وَعَنْ سَلامَةَ بِنْتِ الْحُرِّ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَتَدَافَعَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ لَا يَجِدُونَ إِمَامًا يُصَلِّي بِهِمْ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٦/ ٣٨١، د: ٥٨١، جه: ٩٨٢].\n١١٢٥ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ، وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ. . . . .\nــ\nأن تفوته) أي: يفوت وقتها المستحب فهو مصدر، قيل: جمع دبر وهو آخر أوقات الشيء كإدبار السجود، وفلان لا يدري قبال الأمر من دباره، أي: أوله من آخره، وفي حديث أخر: (لا يأتي الصلاة إلا دبريًّا)، يروى بفتح باء وسكونها منسوب إلى الدبر آخر الشيء، وفتحه من تغيرات النسب.\nوقوله: (ورجل اعتبد محررة) أي: نسمة أو نفسًا أو رقبة بأن يأخذ الحر أو المعتق عبدًا ويعامله معاملة العبد، وفي رواية: (محرره) بهاء الضمير، أي: معتقه بأن يكتم إعتاقه أو يجبره على الخدمة.\n١١٢٤ - [٨] (سلامة بنت الحر) قوله: (إن من أشراط الساعة) جمع شرط بالتحريك، وهو العلامة، والمراد ههنا علامتها الصغرى.\nوقوله: (أن يتدافع أهل المسجد) أي: يدرأ كلٌّ الإمامةَ عن نفسه بعدم تأهلهم لها لجهلهم بما يجوز ولا يجوز.\n١١٢٥ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (والصلاة) أي: بالجماعة (واجبة عليكم) أي:","vol":"3","page":248},{"text":"وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٢٥٣٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-387> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١١٢٦ - [١٠] عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ قَالَ: كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرِّ النَّاسِ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ نَسْأَلُهُمْ مَا لِلنَّاسِ مَا لِلنَّاسِ؟ مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ فَيَقُولُونَ: . . . . .\nــ\nجائزة أو واجب اعتقاد جوازها، وقد يستدل به على وجوب الجماعة.\nوقوله: (والصلاة واجبة على كل مسلم) أي: مسلم تجب الصلاة عليه وإن كان فاسقًا، وفي جواز الاقتداء بالفاسق وكراهته والمبتدع كلام مفصل في كتب الفقه فلينظر ثمة، ثم إن هذا الحديث أعله الدارقطني بأن مكحولًا لم يسمع من أبي هريرة، وقد روي من عدة طرق كلها مضعفة من قبل بعض الرواة، وبذلك يرتقي إلى درجة الحسن عند المحققين وهو الصواب، كذا قال الشيخ ابن الهمام (١).\nالفصل الثالث\n١١٢٦ - [١٠] قوله: (عن عمرو بن سلمة) بكسر اللام قالوا: سلمة كله بفتح اللام إلا عمرو بن سلمة إمام قومه، وبني سلمة قبيلة من الأنصار.\nوقوله: (بماء ممر الناس) أي: كنا ساكنين على نهر يمر الناس عليه، فالمراد محل ماء، و(ممر الناس) صفة أو بدل.\nوقوله: (ما للناس؟) مكررًا، أي: أيّ شيء حدث للناس، كناية عن ظهور دين الإسلام، والتكرار لغاية التعجب.\n_________\n(١) انظر: \"فتح القدير\" (١/ ٣٥١).","vol":"3","page":249},{"text":"يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ أوْحَى إِلَيْهِ، أَوْحَى إِلَيْهِ كَذَا، فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ، فَكَأَنَّمَا يَغْرَى فِي صَدْرِي،\nــ\nوقوله: (ما هذا الرجل) كناية عن ذات رسول اللَّه -ﷺ-، ولما كان الغرض معرفة صفاته دون تشخيص الذات أوردت (ما) سؤالًا عن الوصف والماهية. (فيقولون) أي: الركبان.\nوقوله: (يزعم) يدل على أن العابرين إذ ذاك كانوا شاكين في أمره، أو الزعم بمعنى القول مطلقًا و(أوحى إليه) بلفظ المعلوم مكرر مرتين، وكذا كناية عما أوحي إليه من القرآن.\nوقوله: (ذلك الكلام) أي: الذي ينقلون منه من القرآن، ويحتمل أن يراد أعم من ذلك مما ينقل عنه -ﷺ- فيما يخبر عن حاله وصدقه في دعوى الرسالة.\nوقوله: (فكأنما يغرى) صحح بلفظ المعلوم من سمع يسمع (١)، غرى هذا الحديث (في صدري) أي: لصق، ويفهم من (القاموس) (٢) أنه متعد أيضًا، قال: غرى السِّمن قَلْبَهُ: لزق به وغطّاه، والجلد: ألصقه بالغِراء، وهو بالمد ما يلصق به الأشياء ويتخذ من الجلود والسماك، وفي (الصحاح) (٣): إذا فتحت العين قصرت، وإذا كسرت مدت، ثم المصحح في نسخ (المشكاة) يغرى بالغين المعجمة على ما فسر، وقال القاضي عياض في (المشارق) (٤): كأنما يغرى في صدري، وكذا أحسبه في رواية\n_________\n(١) وقال القاري أيضًا: مُضَارعٌ مَجْهُولٌ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ، وَقِيلَ: مِنْ بَابِ الأَفْعَالِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٦٨).\n(٢) انظر: \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢١٠).\n(٣) \"الصحاح\" (ص: ٦/ ٢٤٤٥).\n(٤) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٢٠).","vol":"3","page":250},{"text":"وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ بِإِسْلَامِهِمُ الْفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ، فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ الْفَتْح بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ حَقًّا، فَقَالَ: \"صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِين كذَا،\nــ\nالنسفي، أي: يلصق بالغراء، كذا رواه بعضهم وفسره، وعند القابسي والأصيلي وكافتهم فيه: (يقرأ) بالقاف من القراءة، وعند أبي الهيثم: (يقري) كأنه من الجمع من قولهم: قريت الماء في الحوض: إذا جمعته، والأول أوجه.\nوقوله: (تلوّم) بالرفع بفتح التاء واللام وتشديد الواو، أصله تتلوم، حذف إحدى التائين، كما في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، تلوم في الأمر: تمكث وانتظر.\nوقوله: (الفتح) مفعول (تلوّم) أي: كانت العرب ينتظرون ويقولون: لو فتح مكة لآمنا به.\nوقوله: (بادر كل قوم)، في (القاموس) (١): بادره مبادرة وبِدارًا وابتدره وبدر غيره إليه: عاجله، وبدر الأمر وإليه: عجل إليه واستبق.\nوقوله: (فقال) أي: النبي -ﷺ-، ويحتمل أن يكون الضمير لأبي، أي: قال راويًا عنه -ﷺ-، والأول هو الأظهر، وتقلّص: انضم وانزوى، أي اجتمعت وارتفعت إلى أعلى البدن حتى يظهر شيء من عورتي لقصرها، والاست بكسر الهمزة وسكون السين أي دبره، وبهذا الحديث استدلت الشافعية على صحة إمامة الصبي (٢) لكن البالغ أولى\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٢٦).\n(٢) وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: لَا يَجُوزُ. وَكَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي النَّفْلِ فَجَوَّزَهُ =","vol":"3","page":251},{"text":"فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا\" فَنَظَرُوا فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَكْثَرَ قُرْآنًا مِنِّي لِمَا كُنْتُ أَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ، فَقَدَّمُونِي بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَأَنَا ابْنُ سِتِّ أَوْ سَبْعِ سِنِينَ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ كُنْتُ إِذَا سَجَدْتُ تَقَلَّصَتْ عَنِّي، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْحَيِّ: أَلَا تُغَطُّونَ عَنَّا اسْتَ قَارِئِكُمْ، فَاشْتَرَوْا فَقَطَعُوا لِي قَمِيصًا، فَمَا فَرِحْتُ بِشَيْءٍ فَرَحِي بِذَلِكَ الْقَمِيصِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٣٠٢].\n١١٢٧ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ. . . . .\nــ\nمنه، وإن اختص الصبي بفقه وقراءة وغيرهما خروجا من الخلاف، كذا في شرح الشيخ، وهذا الخلاف يرجع إلى الخلاف في اقتداء المفترض بالمتنفل، وقد عرف فيما سبق، وسيأتي في (باب من صلى مرتين).\n١١٢٧ - [١١] (ابن عمر) قوله: (لما قدم المهاجرون الأولون) أي الذين\n_________\n= مَشَايِخُ بَلْخ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ عِنْدَهُمْ وَبِمِصْرَ وَالشَّامِ، وَمَنَعَهُ غَيْرُهُمْ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمَا وَرَاءَ النَّهْرِ، انْتَهَى.\nقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي شَرْحِهِ لِلْكَنْزِ: اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِالصَّبِيِّ جَائِزٌ بِقَوْلِ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ: فَقَدَّمُونِي. . . إِلَخْ. وَعِنْدَنَا لَا يَجُوزُ؛ لِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَا يَؤُمُّ الْغُلَامُ الَّذِي لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ، وَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَا يَؤُمُّ الْغُلَامُ حَتَّى يَحْتَلِمَ؛ وَلأَنَّهُ مُتَنَفِّلٌ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ الْمُفْتَرِضُ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ، وَأَمَّا إِمَامَةُ عَمْرٍو فَلَيْسَ بِمَسْمُوعٍ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَإِنَّمَا قَدَّمُوهُ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُمْ لِمَا كَانَ يَتَلَقَّى مِنَ الرُّكْبَانِ، فَكَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِفِعْل الصَّبِيِّ عَلَى الْجَوَازِ، وَقَدْ قَالَ هُوَ بِنَفْسِهِ: وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ. . . إِلَخْ. وَالْعَجَبُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوا قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ الْفَارُوقِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ كِبَارِ الصَّحَابَةِ حُجَّةً، وَاسْتَدَلُّوا بِفِعْلِ صَبِيٍّ مِثْلُ هَذَا حَالُهُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٧٠).","vol":"3","page":252},{"text":"الْمَدِينَةَ، كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَفِيهِمْ عُمَرُ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الأَسَدِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٩٢].\n١١٢٨ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ثَلَاثَةٌ لَا تُرْفَعُ لَهُم صَلَاتُهُمْ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ شِبْرًا: رَجُلٌ أَمَّ قَوْمًا وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَأَخَوَانِ مُتَصَارِمَانِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٩٧١].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-388>٢٧ - باب ما على الإمام</span>\nــ\nهاجروا إلى المدينة قبل مقدم النبي -ﷺ-.\n١١٢٨ - [١٢] (ابن عباس) قوله: (وأخوان متصارمان) أي: مسلمان تقاطعا وتهاجرا، وقطعا بينهما حقوق الإسلام فوق ثلاثة أيام من الكلام والسلام ونحوها، ولهذه المسألة تفصيل ذكر في موضعه.\n٢٧ - باب ما على الإمام\nلما ذكر الجماعة وفضلها، وذكر الإمامة وأحكامها عقد بابين لبيان ما على الإمام وما على المأموم من الحقوق والآداب التي تلزم لكل منهما رعايتها بالنسبة إلى الآخر، وأهم ما على الإمام التخفيف في الصلاة رعاية لحال المأمومين من المريض والكبير وذي الحاجة، وعدم تطويلها بحيث ينفر الناس عن حضور الجماعة، وينبغي أن يعلم أنه ليس المراد بالتخفيف وترك التطويل أن يترك سنة القراءة والتسبيحات ويتهاون في أدائها، بل أن يقتصر على قدر الكفاية في ذلك، مثل أن يقتصر على قراءة المفصل","vol":"3","page":253},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-389> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١١٢٩ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا صَلَّيْتُ وَرَاءَ إِمَامٍ قَطُّ أَخَفَّ صَلَاةً وَلَا أَتَمَّ صَلَاةً مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ-،\nــ\nبأقسامها على ما عين منها في الصلاة، ويكتفي على ثلاث مرات من التسبيح بأدائها كما ينبغي مع رعاية القومة والجلسة.\nوأكثر ما يراد بتخفيف الصلاة الوارد في الأحاديث تخفيف القراءة، وقد وقع في بعض الأحاديث أنه كان رسول اللَّه -ﷺ- أخف الناس صلاة في تمام، قيل في معناه: إنه كان يخفف القراءة ويتم الركوع والسجود والتعديل، وقيل: المراد أن تطويله -ﷺ- يرى بالنسبة إلى صلاة الآخرين في غاية القلة، يعني لو كان غيره -ﷺ- يقرأ مثل هذه القراءة يرى طويلًا ويورث الملالة بخلافها عنه -ﷺ- فإنه كان يورث ذوقًا ونشاطًا ولذة وحضورًا بالاستماع عنه -ﷺ-، وأيضًا كان في قراءته سرعة وطي لسان يتم في أدنى ساعة كثيرًا منها، ولذا كان يقرأ في صلاة المغرب سورة الأعراف، وبهذا الوجه يكون التمام في نفس القراءة مع الخفة فيها، وأيضًا التخفيف أمر نسبي، فرب طويل يكون قصيرًا بالنسبة إلى أطول منه، ورب قصير يكون طويلًا بالنسبة إلى أقصر منه، فيجتمع الخفة والطول معًا، فافهم.\nالفصل الأول\n١١٢٩ - [١] (أنس) قوله: (ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة (١). . . إلخ)\n_________\n(١) قَالَ الْقَاضِي: خِفَّةُ الصَّلَاةِ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ تَطْوِيلِ قِرَاءَتِهَا وَالِاقْتِصَارِ عَلَى قِصَارِ الْمُفَصَّلِ، وَكَذَا قَصْرِ الْمُنْفَصِلِ، وَعَنْ تَرْكِ الدَّعَوَاتِ الطَّوِيلَةِ فِي الِانْتِقَالَاتِ، وَتَمَامُهَا عِبَارَةٌ عَنِ الإِتْيَانِ بِجَمِيعِ الأَرْكَانِ وَالسُّنَنِ وَاللُبْثِ رَاكِعًا وَسَاجِدًا بِقَدْرِ مَا يُسَبِّحُ ثَلَاثًا، انتهَى. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٧١).","vol":"3","page":254},{"text":"وَإِنْ كَانَ لَيَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَيُخَفِّفُ مَخَافَةَ أَنْ تُفْتَنَ أُمُّهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠٨، م: ٤٦٩].\nــ\nقد عرفت معناه بوجوه.\nوقوله: (وإن كان) مخففة من المثقلة.\nوقوله: (فيخفف) يدل بظاهره على أن تخفيفه -ﷺ- الصلاة كان في بعض الأوقات بعارض، ويفهم مما ذكره من قول أنس أن التخفيف كان عادته إلا أن يكون المراد الزيادة على عادته من التخفيف بأن يقطع ما هو فيه من القراءة، ويبالغ في الإسراع على خلاف عادته، كما ذكر في شرح الشيخ، وهو الظاهر كما يدل عليه الحديث الآتي.\nوقوله: (أن تفتن أمه) على صيغة المجهول، أي: بقطع الصلاة أو زوال خشوعها (١).\n_________\n(١) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الإِمَامَ إِذَا أَحَسَّ بِرَجُلٍ يُرِيدُ مَعَهُ الصَّلَاةَ وَهُوَ رَاكِعٌ جَازَ لَهُ أَنْ يَنْتَظِرَ رَاكِعًا لِيُدْرِكَ الرَّكْعَةَ؛ لأَنَّهُ لَمَّا جَازَ أَنْ يَقْتَصِرَ لِحَاجَةِ إِنْسَانٍ فِي أَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ كَانَ لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِي أَمْرٍ أُخْرَوِيٍّ، وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ وَقَالَ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ شِرْكًا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، انْتَهَى. وَجَعَلَ اقْتِصَارَهُ -﵇- لِأَمْرٍ دُنْيَوِيٍّ غَيْرِ مَرَضِيٍّ، وَفِي اسْتِدْلَالِهِ نَظَرٌ؛ إِذْ فَرَّقَ بَيْنَ تَخْفِيفِ الطَّاعَةِ وَتَرْكِ الإِطَالَةِ لِغَرَضٍ، وَبَيْنَ إِطَالَةِ الْعِبَادَةِ بِسَبَبِ شَخْصٍ، فَإِنَّهُ مِنَ الرِّيَاءِ الْمُتَعَارَفِ، وَقَالَ الْفُضَيْلُ مُبَالِغًا: الْعِبَادَةُ لِغَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ، وَتَرْكُهَا لِغَيْرِهِ تَعَالَى رِيَاءٌ، وَالإِخْلَاصُ أَنْ يُخَلصَكَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، وَأَيْضًا الإِمَامُ مَأْمُورٌ بِالتَّخْفِيفِ وَمَنْهِيٌّ عَنِ الإِطَالَةِ، وَأَيْضًا تَرْكُ التَّخْفِيفِ مُضِرٌّ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ بِخِلَافِ تَرْكِ الإِطَالَةِ فِي الصَّلَاةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَةُ لَا يَفُوتُ بِهِ شَيْءٌ أَصْلِيٌّ أَصْلًا. نَعَمْ لَوْ صُوِّرَتِ الْمَسْأَلَةُ فِي الْقَعْدَةِ الأَخِيرَةِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ حَسَنٌ، لَكِنِّي لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.\nوَالْمَذْهَبُ عِنْدَنَا أَنَّ الإِمَامَ لَوْ أَطَالَ الرُّكُوعَ لإِدْرَاكِ الْجَائِي لَا تَقَرُّبًا بِالرّكُوعِ لِلَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ، وَيُخْشَى عَلَيْهِ مِنْهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ، وَلَكِنْ لَا يَكْفرُ بِسَبَبِ ذَلِكَ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ بِهِ عِبَادَةَ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ لَا يَعْرِفُ الْجَائِي فَلَا بَأْسَ أَنْ يُطِيلَ وَإِلَّا صَحَّ أَنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى، وَأَمَّا لَوْ أَطَالَ الرُّكُوعَ تَقَرُّبًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَخَالَجَ قَلْبُهُ بِشَيْءٍ سِوَى التَّقَرُّبِ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَا بَأْسَ، =","vol":"3","page":255},{"text":"١١٣٠ - [٢] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنِّي لأَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ إِطَالتهَا، فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٠٩].\n١١٣١ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ النَّاسَ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ السَّقِيمَ وَالضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ. وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠٣، م: ٤٦٧].\nــ\n١١٣٠ - [٢] (أبو قتادة) قوله: (فأتجوز) أي: أترخص وأتساهل وأخفف وأقتصر ولا أطول القراءة والأذكار، فقيل: هو من الجواز بمعنى القطع والتجاوز، وبهذا المعنى فسر الشيخ في شرحه، وقال: أي أقصر متجاوزًا عما كنت أردت فعله لولا بكاؤه، وقيل: بمعنى أقتصر على الجائز المجزي من غير زيادة، والوجد: الحزن ويكسر ماضيه، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (مما أعلم) بمعنى: أعرف أو منزل منزلة اللازم.\n١١٣١ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (فإن فيهم) كذا للأكثر، وللكشميهني: (فإن منهم)، والمراد بالضعيف ههنا: ضعيف الخلقة.\n_________\n= وَلَا شَكَّ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحَالَةِ فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُلَقَبُ بِمَسْأَلَةِ الرِّيَاءِ، فَالِاحْتِرَازُ وَالِاحْتِيَاطُ فِيهَا أَوْلَى، كَذَا فِي \"شَرْحِ الْمُنْيَةِ\" مُلَخَّصًا.\nوَأَمَّا مَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ أَنَّهُ -﵇- كَانَ يَنْتَظِرُ فِي صَلَاتِهِ مَا دَامَ يَسْمَعُ وَقْعَ نَعْلٍ فَضَعِيفٌ، وَلَوْ صَحَّ فَتَأْوِيلُهُ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَقَّفُ فِي إِقَامَةِ صَلَاتِهِ، أَوْ تُحْمَلُ الْكَرَاهَةُ عَلَى مَا إِذَا عَرَفَ الْجَائِي، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا صَحَّ أَنَّهُ ﵊ كَانَ يُطِيلُ الأُولَى مِنَ الظُّهْرِ كَيْ يُدْرِكَهَا النَّاسُ، لَكِنَّ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ ظَنِّ الصَّحَابِيِّ -﵁-، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ بِهِ -ﷺ-. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٧١).\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٦).","vol":"3","page":256},{"text":"١١٣٢ - [٤] وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي لأَتأَخَّرُ عَنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ مِمَّا يُطِيلُ بِنَا، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيَتَجَوَّزْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠٢، م: ٤٦٦].\n١١٣٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُصَلُّونَ لَكُمْ. . . . .\nــ\n١١٣٢ - [٤] (قيس بن أبي حازم) قوله: (أن رجلًا) قال الشيخ (١): لم أقف على اسمه، ووهم من زعم أنه حزم بن أبي بن كعب؛ لأن قضيته كانت مع معاذ، وهذا مع أبي بن كعب، كذا في بعض الشروح، وأيضًا كان ذلك في صلاة العشاء، وهذا في صلاة الغداة.\nوقوله: (إني لأتأخر عن صلاة الغداة) أي: الفجر في الجماعة.\nوقوله: (من أجل فلان) المراد أبي بن كعب، ووهم من فسره بمعاذ.\nوقوله: (أشد غضبًا منه) مبالغة أو اسم التفضيل بمعنى أصل الفعل.\nوقوله: (فأيكم ما صلى) (ما) زائدة لتأكيد الإبهام، ويحتمل أن يكون بمعنى شيء، تقديره: أيكم صلى بالناس أيّ صلاة كانت.\n١١٣٣ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (يصلون لكم) أي: أئمتكم من الأمراء، أو أعم من ذلك، أي: يصلون لكم وأنتم تتابعونهم.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ١٩٨).","vol":"3","page":257},{"text":"فَإِنْ أَصَابُوا فَلَكُمْ، وَإِنْ أَخْطَؤوا فَلَكُمْ وَعَلَيْهِمْ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٩٤].\nوَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-390> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١١٣٤ - [٦] عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أَمَمْتَ قَوْمًا فَأَخِفَّ بِهِمُ الصَّلَاةَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لَهُ: \"أُمَّ قَوْمَكَ\". . . . .\nــ\nوقوله: (فإن أصابوا فلكم) أي: فلكم ولهم الأجر، فذكر لكم وترك لهم للعلم به بقرينة المقام، وقد يوجد في بعض نسخ (المصابيح): (ولهم) في اللفظ.\nوقوله: (فلكم وعليهم) أي: لكم أجر ما قصدتم من الصلاة والجماعة، وعليهم وبال النقص والتقصير (١).\nالفصل الثالث\n١١٣٤ - [٦] (عثمان بن أبي العاص) قوله: . . . . .\n_________\n(١) وَفِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\": فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الإِمَامَ إِذَا صَلَّى جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ الإِعَادَةُ، وَصَلَاةُ الْقَوْمِ صَحِيحَةٌ، سَوَاءً كَانَ الإِمَامُ عَالِمًا بِحَدَثِهِ مُتَعَمِّدًا لِلإِمَامَةِ أَوْ جَاهِلًا، اهـ. وَعِنْدَنَا إِذَا عَلِمَ الْمَأْمُومُ بُطْلَانَ صَلَاةِ الإِمَامِ يَجِبُ عَلَيْهِ الإِعَادَةُ، لِمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي \"كِتَابِ الآثَارِ\": أَنْبَأَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الْمَكِّيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُصَلِّي بِالْقَوْمِ جُنُبًا قَالَ: يُعِيدُ وَيُعِيدُونَ. وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، عَنْ جَعْفَرٍ، أَنَّ عَلِيًّا صَلَّى بِالنَّاسِ وَهُوَ جُنُبٌ، أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، فَأَعَادَ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُعِيدُوا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: صَلَّى عُمَرُ بِالنَّاسِ جُنُبًا فَأَعَادَ وَلَمْ يُعِدِ النَّاسُ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: قَدْ كَانَ يَنْبَغِي لِمَنْ صَلَّى مَعَكَ أَنْ يُعِيدَ، قَالَ: فَرَجَعُوا إِلَى قَوْلِ عَلِيٍّ، قَالَ الْقَاسِمُ: وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِثْلَ قَوْلِ عَلِيٍّ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٧٣).","vol":"3","page":258},{"text":"قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئًا، قَالَ: \"ادْنُهْ\"، فَأَجْلَسَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ فِي صَدْرِي بَيْنَ ثَدْيَيَّ، ثُمَّ قَالَ: \"تَحَوَّلْ\". فَوَضَعَهَا فِي ظَهْرِي بَيْنَ كَتِفَيَّ، ثُمَّ قَالَ: \"أُمَّ قَوْمَكَ، فَمَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ وَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَإِنَّ فِيهِمْ ذَا الحَاجَةِ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ\". [م: ٤٦٨].\n١١٣٥ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَأْمُرُنَا بِالتَّخْفِيفِ وَيَؤُمُّنَا بـ (الصَّافَّاتِ). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٨٢٦].\n* * *\nــ\n(إني أجد في نفسي شيئًا) (١) أي من عجب أو كبر أو العجز عن القيام بحقوق الإمامة أو من الوسوسة، يعني فذهب اللَّه بذلك ببركة يد النبي وتصرفه -ﷺ-.\nوقوله: (ادنه) أمر من الدنو والهاء للسكت، و(ثدييّ) بصيغة التثنية، وكذا قوله: (كتفيّ).\n١١٣٥ - [٧] (ابن عمر) قوله: (كان رسول اللَّه -ﷺ- يأمرنا بالتخفيف ويؤمنا بالصافات) ظهر شرحه بما ذكرنا في شرح الترجمة، فافهم.\n_________\n(١) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ أَرَى فِي نَفْسِي مَا لَا أَسْتَطِيعُ عَلَى شَرَائِطِ الإِمَامَةِ وَإِيفَاءِ حَقِّهَا؛ لِمَا فِي صَدْرِي من الْوَسَاوِسِ، وَقِلَّةِ تَحَمُّلِي الْقُرْآنَ وَالْفِقْهَ، فَيَكُونُ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى ظَهْرِهِ وَصَدْرِهِ لإِزَالَةِ مَا يَمْنَعُهُ مِنْهَا، وإِثْبَاتِ مَا يُقَوِّيهِ عَلَى احْتِمَالِ مَا يَصْلُحُ لَهَا مِنَ الْقُرْآنِ وَالْفِقْهِ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَيَحْتَمِلُ أَنَّه أَرَادَ الْخَوْفَ مِنْ حُصُولِ شَيْءٍ مِنَ الْكِبْرِ وَالإِعْجَابِ لَهُ مُقَدَّمًا عَلَى النَّاسِ، فَأَذْهَبَهُ اللَّهُ بِبَرَكَةِ كَفِّهِ -﵇-.\"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٧٣).","vol":"3","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-391>٢٨ - باب ما على المأموم من المتابعة وحكم المسبوق</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-392> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١١٣٦ - [١] عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَإِذَا قالَ: \"سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ\" لَمْ يَحْنِ أَحَدٌ مِنَّا ظَهْرَهُ حَتَّى يَضَعَ النَّبِيُّ -ﷺ- جَبْهَتَهُ عَلَى الأَرْضِ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨١١، م: ٤٧٤].\nــ\n٢٨ - باب ما على المأموم من المتابعة وحكم المسبوق\nبأن تكون أفعاله تلو أفعال الإمام وعقيبها لا معًا ولا سابقًا كما ستعلم من الأحاديث، وقوله: (وحكم المسبوق) عطف على (ما).\nالفصل الأول\n١١٣٦ - [١] (البراء بن عازب) قوله: (لم يحن) أي: لم يَعْوَجْ ولم يَثْنِ ويعطف ظهره للسجود بضم النون وكسرها، حنى يحني ويحنو لغتان من ضرب ونصر.\nوقوله: (حتى يضع النبي -ﷺ- جبهته على الأرض) فالسنة أن المأموم يتخلف عن الإمام في أفعال الصلاة، قال الطيبي (١): وإن لم يتخلف جاز إلا في تكبيرة الإحرام؛ إذ لا بد أن يصبر المأموم حتى يفرغ الإمام منها (٢)، وقد دلت الأحاديث\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٦٩).\n(٢) في هامش \"بذل المجهود\" (٣/ ٥٤٦): أن متابعة الإمام عند أبي حنيفة بطريق المقارنة، وعند الأئمة الثلاثة بطريق المعاقبة، بل المقارنة عندهم مفسدة لو كانت في التحريمة، وأما في غير التحريمة فمكروهة غير مفسدة خلافًا لمالك فعنده مفسدة في التسليم أيضًا، وأما مسلك الصاحبين فهما لم يقولا بالمقارنة في التحريمة رواية واحدة، وفي غير التحريمة اختلف النقل، فقيل: هما مع أبي حنيفة، وقيل: لا بل مع الجمهور، واللَّه أعلم.","vol":"3","page":260},{"text":"١١٣٧ - [٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: \"أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي إِمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالِانْصِرَافِ؛ فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي\" (١). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٢٦].\n١١٣٨ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُبَادِرُوا الإِمَامَ: إِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، و﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ إِذا قَالَ: فَقُولُوا: آمِينَ،\nــ\nعلى ذلك.\n١١٣٧ - [٢] (أنس) قوله: (فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود) قد عرف أن المأموم يتخلف عن الإمام، وعدم السبق يجتمع مع المقارنة، فكأنه وقع من بعضهم السبق فنهاهم عن ذلك، أو اكتفى بالنهي عن المكروه تنبيهًا على جواز المقارنة في الجملة أو كناية عن اللحوق والخلفية.\nوقوله: (ولا بالانصراف) يحتمل أن يراد به السلام، وهو المناسب لما قبله، وأن يراد التحول من الصلاة قبل الإمام خصوصا في زمنه -ﷺ- لاحتمال أن يسمع قرآنًا نزل أو بحكم بشيء.\n١١٣٨ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (لا تبادروا الإمام) أي: لا تسابقوه في شيء\n_________\n(١) أَيْ: دَاخِلَهَا -أي الصلاة- بِالْمُكَاشَفَةِ أَوِ الْمُشَاهَدَةِ عَلَى طَرِيقِ خَرْقِ الْعَادَةِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ كَمَا أَرَاكُمْ مِنْ أَمَامِي أَرَاكُمْ مِنْ خَلْفِي، وَلَعَلَّ هَذِهِ الْحَالَةَ تَكُونُ حَاصِلَةً لَهُ فِي بَعْضِ الأَوْقَاتِ حِينَ غَلَبَتْ عَلَيْهِ جِهَةُ مَلَكِيَّتِهِ. قُلْتُ: لَا شَكَّ أَنَّ جِهَةَ مَلَكِيَّتهِ عَلَى نِسْبهَ بَشَرِيَّتِهِ غَالِبَةٌ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ، لَا سِيَّمَا فِي أَوْقَاتِ الْمُنَاجَاةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ أَنَّ الْمَلَكَ دائِمًا يَرَى مِنْ خَلْفِهِ كَمَا يَرَى مِنْ قُدَّامِهِ، فَالأَحْسَنُ تَقْيِيدُهُ بِحَالِ الصَّلَاةِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ كَلَامُهُ -﵇-. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٧٥).","vol":"3","page":261},{"text":"وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. إِلَّا أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَذْكُرْ: وَإِذَا قَالَ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. [خ: ٧٦٩، م: ٤١٥].\n١١٣٩ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ فَجُحِشَ شِقُّهُ الأَيْمَنُ، فَصَلَّى صلَاةً مِنَ الصَّلَوَاتِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: \"إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا، وَإِذَا رَكَعَ فَاركعُوا، فَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا: رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ\".\nــ\nمن الأفعال، ثم ذكرها تفصيلًا بقوله: (إذا كبر فكبروا)، وذكر أكثرها.\n١١٣٩ - [٤] (أنس) قوله: (فصرع عنه) بلفظ المجهول، الصرع: الطرح والإسقاط على الأرض، أي: أخطأ الفرس فسقط عنه، و(جحش) أيضًا بلفظ المجهول أي: خدش بحيث منعه من قوة القيام.\nوقوله: (ليؤتم به) فلا يخالف في شيء من الأمور بل يتابع، ثم الظاهر أن اللام في (ليؤتم) للغاية لا للتعليل، فافهم.\nوقوله: (فقولوا: ربنا لك الحمد) فيه أيضًا موافقة واتباع لترغيب الإمام فيه لا سيما على قول من يقول بتحميد الإمام أيضًا، كما ورد في بعض الأحاديث، فتدبر.\nوقوله: (وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا) ذهب إلى ظاهره أحمد رحمة اللَّه عليه بشرط كونه إمام الحي، وكون المرض مرجو الزوال، وأيضًا إن ابتدأ بهم الصلاة قائمًا، ثم اعتل فجلس صلى من وراءه قائمًا بتفاصيل ذكرت في مذهبه، وقيل: معناه إذا","vol":"3","page":262},{"text":"قَالَ الْحُمَيْدِيُّ: قَوْلُهُ: \"إِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا\" هُوَ فِي مَرَضِهِ الْقَدِيمِ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ النَّبِيُّ -ﷺ- جَالِسًا وَالنَّاسُ خَلْفَه قِيَامٌ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْقُعُودِ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالآخِرِ فَالآخِرِ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ -ﷺ-. هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. وَاتَّفَقَ مُسْلِمٌ إِلَى (أَجْمَعُونَ)، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: \"فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا\". [خ: ٦٨٩، م: ٤١١].\n١١٤٠ - [٥] وَعَن عَائِشَة قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: \"مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ\"، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً،\nــ\nجلس للتشهد فأشهدوا، وقيل: هو منسوخ، كما قال الحميدي، والحميدي هذا شيخ البخاري لا صاحب (الجمع بين الصحيحين)، وعند أبي حنيفة والشافعي ومالك ﵏ في رواية جاز أن يكون الإمام قاعدًا لعذر والقوم قيامًا كما صلى النبي -ﷺ- في آخر عمره على قول من ذهب: إن النبي -ﷺ- كان هو الإمام دون أبي بكر -﵁-، وهو الصواب، وعند مالك ﵀ لا تجوز الإمامة قاعدًا على ما ذكره الطيبي (١).\nوقوله: (هذا لفظ البخاري) أي من قوله: (قال الحميدي) إلى ههنا.\n١١٤٠ - [٥] (عائشة -﵂-) قوله: (يؤذنه) بضم الياء من الإيذان، أي: يعلمه ويخبره كما كانت العادة أن بلالًا -﵁- كان يجيء بعد التأذين وحضور الجماعة على باب رسول اللَّه -ﷺ- فيعلمه بالصلاة، وههنا يحتمل أن يكون الإيذان ليؤمهم أو يأمر أحدًا أن يؤمهم، وجاءت الرواية: (يؤذنه) بالتشديد، والتأذين في الأصل بمعنى رفع الصوت في دعاء أحد.\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٣/ ٧١).","vol":"3","page":263},{"text":"فَقَامَ يُهَادَى بَينَ رَجُلَيْنِ، وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الأَرْضِ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ ذَهَبَ يتَأَخَّرُ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ لَا يَتَأَخَّرَ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ،\nــ\nوقوله: (يُهَادَى) بلفظ المجهول، والتهادي: التمايل في المشي البطيء، والمعنى يمشي بين رجلين (١) وإحدى يديه على عاتق أحدهما والأخرى على عاتق الآخر.\nوقوله: (ورجلاه تخطان في الأرض) لعدم القدرة على ارتفاعهما.\nوقوله: (فلما سمع أبو بكر حسه) أي: حركته وصوته، في (القاموس) (٢): الحس بالكسر: الحركة والصوت.\nوقوله: (فأومأ) هو بالهمزة في أوله وآخره، كذا في (مجمع البحار) (٣)، وفي (القاموس) (٤): ومأ كوضع: أشار كأومأ، وفي (المشارق) (٥): وفي الحديث (أومأت برأسها)، وجاء في (البخاري) (٦): (فأومت) في (كتاب الأقضية) وهو مهموز بكل حال، ولعل ههنا أسقطت صورة الهمزة ومعناه أشارت، والاسم الإيماء، وفي (النهاية) (٧): الإيماء الإشارة بالأعضاء كالرأس واليدين والعين والحاجب، يقال:\n_________\n(١) وَالرَّجُلَانِ عَبَّاسٌ وَعَلِيٌّ، وَقِيلَ: عَبَّاسٌ وَأُسَامَةُ، وَقِيلَ: عَبَّاسٌ وَالْفَضْلُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٧٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٩٨).\n(٣) \"مجمع البحار\" (٥/ ١٢٨).\n(٤) القاموس المحيط\" (ص: ٦٥).\n(٥) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٤٩٢).\n(٦) \"صحيح البخاري\" (٢٤١٣).\n(٧) \"النهاية\" (١/ ٨١).","vol":"3","page":264},{"text":"فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي قَائِمًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي قَاعِدًا يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: يُسْمِعُ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ التَّكْبِيرَ. [خ: ٦٨٧، م: ٤١٨].\n١١٤١ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَمَا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩١، م: ٤٢٧].\nــ\nأومأت، وومأت لغة [فيه]، ولا يقال: أوميت، وقد جاءت في الحديث غير مهموز على لغة قريت في قرأت.\nوقوله: (يقتدي أبو بكر بصلاة رسول اللَّه -ﷺ-) فيه رد على من زعم أن النبي -ﷺ - كان مقتديًا بأبي بكر -﵁-. وقال بعضهم: لا يختلف أن النبي -ﷺ- خرج من مرض موته بعد دخول أبي بكر -﵁- في الصلاة أنه صار إمامًا لأبي بكر، وأبو بكر -﵁- بقي على إمامته لجماعة من المسلمين كما قال، (والناس يقتدون بصلاة أبي بكر -﵁-) أي: بمنزلة المقتدين له، وإن كانوا في الحقيقة مقتدين به -ﷺ-، لكنهم لما لم يسمعوا تكبيره، وإنما سمعه أبو بكر -﵁-، ثم يسمعهم إياه كانوا كأنهم يقتدون بأبي بكر -﵁-، أي: يأتون أفعال الصلاة برؤية أفعال أبي بكر -﵁-، وأقول: في لفظ الحديث إشارة إلى ذلك لأنه قال: (يقتدون بصلاة أبي بكر) لا بأبي بكر -﵁-، فإن قيل: فإذا لم يكن أبو بكر -﵁- إمامًا لم يبق لأهل السنة والجماعة في ذلك دليل على خلافة أبي بكر -﵁-؟ قلنا: الدليل لهم إنما هو في أمر رسول اللَّه -ﷺ- إياه بأن يصلي بالقوم ويؤمهم، وكفى بذلك دليلًا.\n١١٤١ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (أن يحول اللَّه رأسه رأس حمار) وفي رواية: (أن يحول اللَّه صورته صورة حمار)، قيل: هذا كناية عن بلادته وعدم فهمه معنى","vol":"3","page":265},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-393> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١١٤٢ - [٧] عَنْ علِيٍّ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -﵄- قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ وَالإِمَامُ علَى حَالٍ فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٥٩١].\nــ\nالإمامة والائتمام وإلا فقد نرى حسًا أنه لم يحول، وفيه أن الثابت خشية التحويل لا وقوعه، وقال الطيبي (١): أي يجعله بليدًا، وإلا فالمسخ غير جائز في هذه الأمة، وأقول: لعل المراد تحويله في الآخرة لا في الدنيا على أن عدم وقوع المسخ في هذه الأمة مختلف فيه (٢)، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n١١٤٢ - [٧] (علي ومعاذ بن جبل) قوله: (فليصنع كما يصنع الإمام) أي: ليكبر تكبيرة الإحرام، ويوافق الإمام فيما هو فيه من القيام أو الركوع أو السجود أو غير ذلك، ولا ينتظر إتمام الركعة أو الركعتين، لكن الركعة تحسب بالدخول في الركوع.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٧٣).\n(٢) وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَقِيقَتِهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مَسْخًا خَاصًّا، وَالْمُمْتَنِعُ الْمَسْخُ الْعَامُّ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ، وَأَنْ يَكُونَ مَجَازًا عَنِ الْبَلَادَةِ، وَيُؤَيِّدُ الأَوَّلَ مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثينَ أَنَّهُ رَحَلَ إِلَى دِمَشْقَ لِأَخْذِ الْحَدِيثِ عَنْ شَيْخٍ مَشْهُورٍ بِهَا، فَقَرَأَ عَلَيْهِ جُمْلَةً، لَكِنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ حِجَابًا وَلَمْ يَرَ وَجْهَهُ، فَلَمَّا طَالَتْ مُلَازَمَتهُ لَهُ رَأَى حِرْصَهُ عَلَى الْحَدِيثِ كَشَفَ لَهُ السِّتْرَ، فَرَأَى وَجْهَهُ وَجْهَ حِمَارٍ فَقَالَ لَهُ: احْذَرْ يَا بُنَيَّ أَنْ تَسْبِقَ الإِمَامَ، فَإِنِّي لَمَّا مَرَّ بِي فِي الْحَدِيثِ اسْتَبْعَدْتُ وُقُوعَهُ فَسَبقْتُ الإِمَامَ فَصَارَ وَجْهِي كَمَا تَرَى، اهـ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٧٩).","vol":"3","page":266},{"text":"١١٤٣ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا، وَلَا تَعُدُّوهُ شَيْئًا، وَمَن أَدْرَكَ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٨٩٣].\nــ\n١١٤٣ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (ونحن سجود) جمع ساجد كقعود جمع قاعد.\nوقوله: (ولا تعدوه شيئًا) أي: لا تحسبونه شيئًا من الصلاة والركعة.\nوقوله: (ومن أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة) له تأويلان، أحدهما: من أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك الركعة، فالمراد بالركعة: الركوع، وبالصلاة: الركعة، ثانيهما: من أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة مع الإمام، وهذا في الجمعة على ظاهره، فالمذهب عندنا أن من أدرك الإمام يوم الجمعة صلى معه، وما أدرك وبنى عليه الجمعة، فعند محمد ﵀ إن أدركت معه أكثر من الركعة الثانية بأن أدركه في الركوع بنى عليه الجمعة، وإن أدرك أقلها بنى عليه الظهر، وعندهما بنى عليها الجمعة وإن أدرك في التشهد وفي سجود السهو، وفي غير الجمعة محمول على أنه أدرك فضل صلاة الجماعة وثوابها.\nقال في (الهداية) (١): ومن أدرك من الظهر ركعة ولم يدرك الثلاث فإنه لم يصل الظهر في الجماعة؛ لأن من أدرك آخر الشيء فقد أدركه فصار محرزًا ثواب الجماعة، لكنه لم يصلها بالجماعة حقيقة، ولهذا يحنث به في يمينه: لا يدرك الجماعة، ولا يحنث في يمينه: لا يصلي الظهر بالجماعة.\nوقال في (مجمع البحار) (٢) في تأويله: من أدرك ممن لا تجب عليه كالصبي\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٧٢).\n(٢) \"مجمع البحار\" (٢/ ١٧٢).","vol":"3","page":267},{"text":"١١٤٤ - [٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤١].\n١١٤٥ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ رَاحَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ صَلَّاهَا وَحَضَرَهَا، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٥٦٤، ن: ٨٥٥].\nــ\nيبلغ أو المجنون يفيق أو الحائض تطهر لزمته تلك الصلاة، أو من أدرك ركعة في الوقت فقد أدرك كله وهو أداء، ومن أدرك مع الإمام ركعة فقد أدرك فضيلة الجماعة، انتهى. وهذا الوجه الأخير هو ما ذكر الطيبي (١) وغيره، ثم قال: وذكر (ركعة) في الحديث خرج مخرج الغالب، فإن فضيلة الجماعة ولزوم الصلاة غير مقيد بها، والأولى لمن أدرك بعض الوقت، والثاني لمن أدرك بعض الصلاة.\n١١٤٤ - [٩] (أنس) قوله: (يدرك التكبيرة الأولى) الظاهر أن المراد إدراك الركعة الأولى، والبراءة من النفاق في الدنيا أن يعصمه من الرياء والكسل في عمل الخير، وفي الآخرة أن لا يعذبه عذاب المنافقين.\nوقوله: (رواه الترمذي) وقد تكلم فيه.\n١١٤٥ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (أعطاه اللَّه مثل أجر من صلاها) هذا إذا لم يكن التأخير بتقصيره.\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٣/ ٧٤).","vol":"3","page":268},{"text":"١١٤٦ - [١١] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ رجُلٌ وَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّيَ معَهُ؟ \" فَقَامَ رَجُلٌ فَصَلَّى مَعَه. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٢٠، د: ٥٧٤]\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-394> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١١٤٧ - [١١] عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: . . . . .\nــ\n١١٤٦ - [١١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (ألا رجل) الهمزة للاستفهام، و(لا) بمعنى ليس، أو المجموع كلمة العرض.\nوقوله: (فيصلي) مرفوع على الأول، ومنصوب على الثاني.\nوقوله: (يتصدق) (١) أي: يحسن إليه، والصدقة لا تختص بالمال، بل يشمل كل نفع واصل إلى الغير دنيويًّا كان أو دينيًّا، والنفع ههنا حصول الدرجات الحاصلة بالجماعة.\nوقوله: (فقام رجل) هو أبو بكر الصديق -﵁- كما في (سنن البيهقي) (٢).\nوقوله: (رواه الترمذي) ليس في بعض النسخ.\nالفصل الثالث\n١١٤٧ - [١٢] (عبيد اللَّه) قوله: (فقلنا) في بعض النسخ: (قلنا)، (لا، هم\n_________\n(١) في \"التقرير\" لا دليل على ما قال الطيبي من أن من صلى مرة يجوز له أن يصلي مرة أخرى تلك الصلاة إمامًا كان أو مأمومًا؛ لأن لفظ \"يتصدق\" تصريح بأن الثاني كان متنفلًا، ولا على تكرار الجماعة في المسجد، وهو مكروه في غير مسجد على ممرّ الناس إلا عند أحمد فلا يكره عنده؛ لأن المكروه هو تكرار جماعة الفرض، بسطه الشيخ الكنكوهي ﵀ في \"القطوف الدانية\".\n(٢) \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٠٣).","vol":"3","page":269},{"text":"دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: أَلَا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَتْ: بَلَى، ثَقُلَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ: \"أَصَلَّى النَّاسُ؟ \" قُلْنَا: لَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ، فَقَالَ: \"ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ\" قَالَتْ: فَفَعَلْنَا فَاغْتَسَلَ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: \"أَصَلَّى النَّاسُ؟ \" قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: \"ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ\" قَالَتْ: فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: \"أَصَلَّى النَّاسُ؟ \" قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: \"ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ\"، فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: \"أَصَلَّى النَّاسُ؟ \". قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ -ﷺ- لِصَلَاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ،\nــ\nينتظرونك) كذا في (صحيح البخاري) بدون الفاء كما في قرائنه. (والمخضب) كمنبر ويقال له: المركن، نوع من الظروف.\nوقوله: (لينوء) في (القاموس) (١): ناء نوءًا: نهض بجهد ومشقة.\nوقوله: (فأغمي عليه) فيه جواز الإغماء على الأنبياء؛ لأنه من جملة المرض بخلاف الجنون فإنه نقص، وقيده جمع من أئمة الشافعية بغير الطويل، كذا في شرح الشيخ.\nوقوله: (والناس عكوف في المسجد) أي: مقيمون به.\nوقوله: (ينتظرون النبي -ﷺ-) في وضع المظهر موضع المضمر من التعظيم والتفنن\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٤).","vol":"3","page":270},{"text":"فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَى أَبِي بَكْرِ بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا: يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَصَلَّىَ أَبُو بَكْرٍ تِلْكَ الأَيَّامَ، ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- وَجَدَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً، وَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ: أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، فَلَمَّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ ذَهَبَ لِيتأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ- بِأَنْ لَا يَتَأَخَّرَ، قَالَ: \"أَجْلِسَانِي إِلَى جَنْبِهِ\" فَأَجْلَسَاهُ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ وَالنَّبِيُّ -ﷺ- قَاعِدٌ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا أَعْرِضُ عَلَيْكَ مَا حَدَّثَتنِي عَائِشَةُ عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: هَاتِ، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَدِيثَهَا، فَمَا أَنْكَرَ مِنْهُ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: أَسَمَّتْ لَكَ الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْعَبَّاسِ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: هُوَ عَليٌّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٧، م: ٤١٨].\nــ\nما لا يخفى.\nوقوله: (فقال أبو بكر) فإن قلت: كيف رد أبو بكر أمر النبي -ﷺ-؟ قلنا: كأنه علم في أول الأمر بالقرينة أنه -ﷺ- لم يعينه على جهة الإلزام وأن الأمر ليس للوجوب.\nوقوله: (تلك الأيام) ظرف (فصلى) وهي سبعة عشر يومًا، كذا في شرح الشيخ.\nوقوله: (وجد من نفسه) في بعض النسخ (في) مكان (من)، والأول موافق لما في (صحيح البخاري).\nوقوله: (فما أنكر منه شيئًا غير أنه قال) كأن الإنكار ههنا بمعنى عد الشيء","vol":"3","page":271},{"text":"١١٤٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: \"مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ، وَمَنْ فَاتَتْهُ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ فَقَدْ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ١٨].\nــ\nمنكرًا ضد المعروف، وإلا فلا إنكار منه في شيء مما روي، ويجوز أن يكون الاستثناء مفرغًا، فافهم. ثم قيل: في سبب عدم تسمية عائشة عليًّا مع العباس أنه كان عندها شيء من علي مذ قضية الإفك، لما ظهر من علي -﵁- من عدم المبالغة في تبريتها، كما يظهر من سياق القضية، وفيه أنها قد سمته في مواضع كثيرة ومدحته، فحاشا أن يكون السبب ذلك، بل قد قيل: إنه جاء في رواية التسميةُ في هذا الحديث أيضًا، بل الحق ما قيل: إن سببه أن عليًّا لم يتعين للجانب الآخر كما تعيَّن العباس، فمرة كان علي وأخرى أسامة أو فضل بن عباس -﵃-، وقد جاء في رواية أخرى: (وفي الجانب الآخر: رجل من أهل بيته)، واللَّه أعلم.\n١١٤٨ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (من أدرك الركعة) أي: الركوع (فقد أدرك السجدة) أي: الركعة، وإنما قال: السجدة لأن الركعة يتم بها.\nوقوله: (من فاتته قراءة أم القرآن فقد فاته خير كثير) ظاهره أن قراءة الفاتحة غير فرض في الصلاة، وفي شرح الشيخ: المراد فاتته قراءتها خلف الإمام وعن المسبوق لكونه لم يكن خلفه ليتحمل عنه، ففيه الحث والتأكيد على حضور الصلاة من أولها حتى لا يفوته الخير، وقال الطيبي (١): من أدرك الركوع وإن كان قد أدرك الركعة، لكنه فاته ثواب كثير، حيث فاتته قراءة أم القرآن، وهذا التقدير أحسن وأنسب ملائمة بالسياق، والمآل واحد.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٧٧).","vol":"3","page":272},{"text":"١١٤٩ - [١٤] وَعنهُ أَنَّهُ قَالَ: الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَخْفِضُهُ قَبْلَ الإِمَامِ فَإِنَّمَا ناصِيَتُهُ بِيَدِ الشَّيْطَانِ. رَوَاهُ مَالكٌ. [ط: ٢٠٨].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-395>٢٩ - باب من صلى صلاة مرتين</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-396> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١١٥٠ - [١] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ فَيُصَلِّي بِهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠٠، م: ٤٦٥].\nــ\n١١٤٩ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (فإنما ناصيته بيد الشيطان) يعني يقلبه على خلاف رضى الحق، وفيه من التشديد ما لا يخفى.\n٢٩ - باب من صلى صلاة مرتين\nيشمل صورًا شتى، والمقصود منها كما ذكر في الأحاديث أنه إذا صلى الفرض مرة، ثم أتى مسجد جماعة يعيدها، ويصلي بجماعة مأمومًا على التفصيل المذكور في الفقه، والاختلاف بين الأئمة على ما ذكرنا نبذة منه في (باب الأوقات المنهي عنها) أنه صلى مع الإمام مرة، ثم يصلي يؤم الناس كما في حديث معاذ الآتي، وهو الموسوم عند الشافعية بتكرار الفرض وليس كذلك، وإنما الثاني نفل، غايته أنه ينوي الفرض على المشهور عندهم، ويلزمه اقتداء المفترض بالمتنفل وهو جائز عندهم، متمسكين بهذا الحديث، وقد سبق الكلام فيه في (باب القراءة)، فتذكر.\nالفصل الأول\n١١٥٠ - [١] (جابر) قوله: (فيصلي بهم) لفظ المسلم: (تلك الصلاة)، ولفظ","vol":"3","page":273},{"text":"١١٥١ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- الْعِشَاءَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّي بِهِمُ الْعِشَاءَ وَهِيَ لَهُ نَافِلَةٌ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالبُخَارِيُّ. [هق: ٥٣٠٥، خ: ٧١١].\nــ\nالبخاري: (الصلاة المكتوبة).\n١١٥١ - [٢] (وعنه) قوله: (وهي له نافلة) وفي رواية: (هي له تطوع)، هذه الزيادة ليست في (الصحيحين) بل رواه البيهقي والدارقطني، وفي شرح الشيخ ورواه عبد الرزاق والشافعي والطحاوي، وقال الشيخ ابن الهمام (١): وقيل: إن تلك الزيادة من كلام الشافعي -﵀- بناء على اجتهاده، ولذا لا يعرف إلا من جهته، وفي كتاب (المشكاة) ههنا بياض، فالمؤلف لم يجده في طريق من السنن.\nوقال التُّورِبِشْتِي (٢): هذا الحديث المشتمل على هذه الزيادة في كتاب (المصابيح) لم نجد له في أحد الكتابين، وقد أورده في قسم الصحاح في كتاب (المصابيح)، فلا أدري أزيد من خائض اقتحم به الفضول [إلى متاهة] لم يعرف طرقها أم حديث أورده المصنف على وجه البيان للحديث الأول، أم سهو وقع منه، وقد ذكر أهل العلم بالحديث أن قوله: (وهي نافلة) في حديث جابر غير محفوظ، انتهى.\nوقال أبو عبد اللَّه أحمد: حديث معاذ أخشى أن لا يكون محفوظًا؛ لأن ابن عيينة يزيد فيه كلامًا لا يقوله أحد، وقد أسلفنا في (باب القراءة) أنه -ﷺ- قال: (يا معاذ لا تكن فتانًا إما أن تصلي معي وإما أن تخفف على قومك)، وهذا يفيد منع الإمامة إذا صلى معه -ﷺ-، يعني لأنها تكون نافلة حينئذٍ فلا تصح الإمامة؛ لئلا يلزم اقتداء المفترض\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (١/ ٣٧٢).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (١/ ٣٠١).","vol":"3","page":274},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-397> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١١٥٢ - [٣] عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- حَجَّتَهُ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ صَلَاةَ الصُّبْحِ فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ وَانْحَرَفَ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلَيْنِ فِي آخِرِ الْقَوْمِ لَمْ يُصَلِّيَا مَعَهُ، قَالَ: \"عَلَيَّ بِهِمَا\" فَجِيءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: \"مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا معَنَا؟ \". فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، قَالَ: \"فَلَا تَفْعَلَا، إِذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٢١٩، د: ٥٧٥، ن: ٨٥٨].\nــ\nبالمتنفل، وهذا ينافي هذه الزيادة، فتدبر.\nالفصل الثاني\n١١٥٢ - [٣]: (يزيد بن الأسود) قوله: (حجته) يعني: حجة الوداع.\nوقوله: (بمسجد الخيف) وهو بمنى، والخيف: ما انحدر من غليظ الجبل وارتفع عن المسيل، وكل هبوط وارتقاء في سفح جبل، ونقل عن (المغرب) (١): الخيف: المكان المرتفع.\nوقوله: (فلما قضى صلاته وانحرف) أي: سلم وانصرف.\nوقوله: (علي بهما) أي: أقبل عليَّ ائتيا بهما، أو أحضرهما عندي كذا فسروه، و(علي) على الوجه الثاني اسم فعل.\nوقوله: (ترعد) بلفظ المجهول: تتحرك، يقال: أرعد الرجل: إذا أخذته الرجفة،\n_________\n(١) \"المغرب\" (ص: ٩٤).","vol":"3","page":275},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-398> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١١٥٣ - [٤] عَنْ بُسْرِ بْنِ مِحْجَنٍ عَن أَبِيه أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأُذِّنَ بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَصَلَّى وَرَجَعَ وَمِحْجَنٌ فِي مَجْلِسِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ النَّاسِ؟ أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٌ؟ \" فَقَالَ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلَكِنِّي كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ فِي أَهْلِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا جِئْتَ الْمَسْجِدَ وَكُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ\". . . . .\nــ\nكذا في بعض الشروح، وفي (القاموس) (١): ارتعد: اضطرب، والاسم الرعدة بالكسر والفتح، وأُرْعِدُ بالضم: أخذته الرعدة، والفرائص جمع فريصة بالمهملة، وهي لحمة بين جنب الدابة والكتف، وهي ترجف عند الخوف، وقد يشاهد ذلك في البقر عند إرادة الذبح، وفي (القاموس) (٢): اللحمة بين الجنب والكتف لا تزال تُرعد، وذلك لهيبة رسول اللَّه -ﷺ- والخوف من غضبه الذي لا يكاد يثبت الجبل عنده.\nالفصل الثالث\n١١٥٣ - [٤] (بسر بن محجن) قوله: (عن بسر) بضم الباء وسكون المهملة. (ابن محجن) بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الجيم.\nوقوله: (فأذن) بلفظ المجهول.\nوقوله: (وإن كنت قد صليت) تكرير وتأكيد، وقال الطيبي (٣):\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٧٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٧٧).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٨٠).","vol":"3","page":276},{"text":"رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ. [ط: ٢٩٦، ن: ٨٥٧].\n١١٥٤ - [٥] وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا أَيُّوبَ الأَنْصَارِيَّ قَالَ: يُصَلِّي أَحَدُنَا فِي مَنْزِلِهِ الصَّلَاةَ، ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ، وَتُقَامُ الصَّلَاةُ فَأُصَلِّي مَعَهُمْ، فَأَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئًا من ذَلِك، فَقالَ أَبُو أَيُّوبَ: سَأَلَنَا عَنْ ذَلِكَ النَّبِيَّ -ﷺ-، قَالَ: \"فَذَلِكَ لَهُ سَهْمُ جَمْعٍ\".روَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ. [ط: ٢٩٩، د: ٥٧٨].\nــ\nوتحسين للكلام.\n١١٥٤ - [٥] (رجل من أسد بن خزيمة) قوله: (من أسد بن خزيمة) قبيلة من مضر، وهو أسد بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، وأسد أيضًا قبيلة من ربيعة ابن نزار.\nوقوله: (فأصلي معهم) فيه التفات من الغيبة إلى التكلم؛ لأن الأصل: يصلي، وأراد بقوله: (يصلي أحدنا) نفسه، فإن قلت: فيكون قوله: (فأصلي معهم) جاريًا على مقتضى الظاهر، فكيف يكون التفاتًا؟ بل الالتفات في قوله: (يصلي أحدنا) من التكلم إلى الغيبة على مذهب السكاكي، قلنا: لما عبر عن نفسه بالغائب وإن كان على خلاف الظاهر صار الظاهر أن يجري بعده على طبقه، وإن كان في نفسه ظاهرًا، ففيه التفات آخر من الغيبة إلى التكلم، كما تقرر في علم المعاني.\nوقوله: (فأجد في نفسي شيئًا من ذلك) أي: حزازة هل ذلك لي أم عليَّ؟ وذلك إما لأن فيه اقتداء متنفل بمفترض، والجماعة تقتضي الاشتراك، وإما لغير ذلك، وقد يراد بقوله: (شيئًا من ذلك) الروح والراحة والأنس والحضور، وقوله في الجواب: (فذلك له سهم جمع) أي: نصيب جماعة، أي: ثوابها، ومعناه على الأول: لا ينبغي","vol":"3","page":277},{"text":"١١٥٥ - [٦] وَعَن يَزِيدَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَجَلَسْتُ، وَلَمْ أَدْخُلْ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَآنِي جَالِسًا، فَقَالَ: \"أَلَمْ تُسْلِمْ يَا يزِيدُ؟ \" قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ أَسْلَمْتُ. قَالَ: \"وَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَدْخُلَ مَعَ النَّاسِ فِي صَلَاتِهِمْ؟ \" قَالَ: إِنِّي كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ فِي مَنْزِلِي أَحْسِبُ أَنْ قَدْ صَلَّيْتُمْ. فَقَالَ: \"إِذَا جِئْتَ الصَّلَاةَ فَوَجَدْتَ النَّاسَ فَصَلِّ مَعَهُمْ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ، تَكُنْ لَكَ نافِلَةً وَهَذِه مَكْتُوبَةٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٧٧].\nــ\nأن تجد من ذلك حزازة، فإن ذلك لك لا عليك، وليس فيه بأس، بل فيه فضل الجماعة وثوابها، وعلى الثاني: ذلك الذي يجد من الروح والأنس حظ من الجماعة وأثرها ونورها.\n١١٥٥ - [٦] (يزيد بن عامر) قوله: (أحسب) حال من فاعل (صليت).\nوقوله: (تكن لك نافلة وهذه مكتوية) جعل الطيبي (١) الضمير في (تكن) للصلاة التي صلاها في البيت، والإشارة في (هذه) إلى التي صلاها مع الجماعة، وقال: جعل الصلاة الواقعة وقتها المسقطة للقضاء نافلة، والصلاة مع الجماعة التي هي غير مسقطة للقضاء فريضة، دلالة على أن الأصل في الصلاة أن يصلي مع الجماعة وما ليس كذلك فهو غير مقيد بها، ولا يذهب عليك أنه قد مرّ في حديث يزيد بن الأسود في مسجد خيف وغيره أن الثانية نافلة، وأما الإشارة بـ (هذه) إلى الصلاة الأولى السابقة فصحيحة لقربها في الذكر، والأمر في ذلك سهل.\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٣/ ٨١ - ٨٢).","vol":"3","page":278},{"text":"١١٥٦ - [٧] وَعَنِ ابنِ عُمَرَ -﵄-: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ فَقَالَ: إِنِّي أُصَلِّي فِي بَيْتِي، ثُمَّ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الإِمَامِ أَفَأُصَلِّي مَعَهُ؟ قَالَ لَهُ: نَعَمْ، قَالَ الرَّجُلُ: أَيَّتَهُمَا أَجْعَلُ صَلَاتِي؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَذَلِكَ إِلَيْكَ؟ إِنَّمَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ ﷿ يَجْعَلُ أيَّتَهُمَا شَاءَ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢٩٧].\n١١٥٧ - [٨] وَعَنْ سُلَيْمَانَ مَوْلَى مَيْمُونَةَ قَالَ: أَتَيْنَا ابْنَ عُمَرَ عَلَى الْبَلَاطِ وَهُمْ يُصَلُّونَ. فَقُلْتُ: أَلَا تُصَلِّي مَعَهُمْ؟ فَقَالَ: قَدْ صَلَّيْتُ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ\". . . . .\nــ\n١١٥٦ - [٧] (ابن عمر) قوله: (وذلك إليك) بتقدير حرف الاستفهام الإنكاري أي: أو ذلك إليك؟ وفي نسخة: (وما ذلك إليك).\nوقوله: (يجعل أيتهما شاء) فيه تائيد لما اختاره بعض الشافعية، واختاره الغزالي أن الفرض أحدهما لا بعينها، لكن أكثر الأحاديث مصرح بأن الثانية نافلة وهو الأقيس؛ لأن الذمة قد برئت بأداء الأول، واللَّه أعلم.\n١١٥٧ - [٨] (سليمان) قوله: (على البلاط) موضع بالمدينة مفروش بالبلاط نوع من الحجارة، قال في (القاموس) (١): البلاط كسحاب: الأرض المستوية الملساء، والحجارة التي تفرش في الدار، وكل أرض فرشت بها أو بالآجر، وموضع بالمدينة، وفي (مقدمة فتح الباري) (٢): وذلك موضع اتخذه عمر -﵁- لمن يتحدث.\nوقوله: (لا تصلوا صلاة في يوم مرتين) يخالف الأحاديث السابقة والذي مر\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٠٨).\n(٢) \"مقدمة الفتح\" (١/ ٨٨).","vol":"3","page":279},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٢/ ١٩، ٤١، د: ٥٧٩، ن: ٨٦٠].\n١١٥٨ - [٩] وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: مَنْ صَلَّى الْمَغْرِبَ أَوِ الصُّبْحَ،\nــ\nمن الأثر من ابن عمر -﵄- نفسه من إفتائه به رجلًا سأله، فيحمل هذا الحديث على من صلى بالجماعة أولًا، والأحاديث الأخر على من صلى منفردًا، كما هو مذهبنا، أو على من أراد أن يعيد منفردًا، ومذهب الشافعية أن صلاته منفردًا لا تنعقد عندهم، كما في شرح الشيخ، قالوا: لأن الأصل عدم الإعادة إلا ما ورد فيه الإعادة، وهو الأداء مع الجماعة فيقتصر عليه، وهذا التأويل ينافي قوله: (ألا تصلي معهم) فإنه ظاهر في الجماعة، فافهم، على أن الكلام في صحة هذا الحديث وحسنه، والأحاديث الدالة على خلافه صحيحة أو أصح منه، كذا قالوا، وقال التُّورِبِشْتِي (١): يحمل حديث ابن عمر -﵄- على إقامة الصلاة في مسجد مرتين إيثارًا أو اختيارًا، أو على إعادة الصلاة بعد أن صليت بجماعة.\nوقد زعم بعض أهل الحديث أن حديث يزيد بن الأسود ناسخ لحديث ابن عمر -﵄- لأنه سمعه في حجة الوداع، وهي من آخر أيام رسول اللَّه -ﷺ-، وهو قول غير سديد؛ لأن ابن عمر -﵄- صحب بعد حجة الوداع إلى أن توفي، فلعله سمع بعد يزيد بن الأسود، ثم إن حديثه لا يبلغ حديث ابن عمر -﵄- في الصحة والاشتهار، ولم يختلف أحد في صحته، وحديث يزيد بن الأسود اختلف في إسناده، انتهى.\n١١٥٨ - [٩] (نافع) قوله: (من صلى المغرب أو الصبح) يؤيد مذهب مالك -﵀- من عدم الإعادة في هاتين الصلاتين، وعندنا العصر أيضًا، وعند الشافعي\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٣٠٣ - ٣٠٤).","vol":"3","page":280},{"text":"ثُمَّ أَدْرَكَهُمَا مَعَ الإِمَامِ فَلَا يَعُدْ لَهُمَا. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٣٠٠].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-399>٣٠ - باب السنن وفضائلها</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-400> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١١٥٩ - [١] عَن أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nيجوز مطلقًا.\n٣٠ - باب السنن (١) وفضائلها\nأراد الصلوات التي تؤدى مع الفرائض في اليوم والليلة، وكان رسول اللَّه -ﷺ- يواظب عليها مؤكدة أو غير مؤكدة، ويسمى القسم الأول الرواتب مأخوذ من الرتوب، وهو الدوام والثبوت يقال: رتب رتوبًا: ثبت ولم يتحرك، ومنه الترتيب، ويمكن أن يجعل الراتبة أعم من المؤكدة، وقد جعلها (٢) من الرواتب صاحب (سفر السعادة) (٣).\nالفصل الأول\n١١٥٩ - [١] (أم حبيبة) قوله: (رواه الترمذي) (٤) يعني أن هذا اللفظ الذي\n_________\n(١) قال القاري (٣/ ٨٨٩): اعْلَمْ أَنَّ السُّنَّةَ، وَالنَّفْلَ، وَالتَّطَوُّعَ، وَالْمَنْدُوبَ، وَالْمُسْتَحَبَّ، وَالْمُرَغَّبَ فِيهِ، وَالْحَسَنَ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ مَا رَجَّحَ الشَّارِعُ فِعْلَهُ عَلَى تَرْكِهِ، وَجَازَ تَرْكُهُ. وإِنْ كَانَ بَعْضُ الْمَسْنُونِ آكَدُ مِنْ بَعْضٍ اتِّفَاقًا.\n(٢) كذا في الأصول المخطوطة، ونقلها صاحب \"المرعاة\" عن \"اللمعات\" فقال: وقد جعل صاحب \"سفر السعادة\" سنة العصر من الرواتب، انتهى. هذا هو الظاهر، واللَّه أعلم بالصواب.\n(٣) انظر: \"سفر السعادة\" (ص: ٦٤).\n(٤) فِيهِ اعْتِرَاضٌ عَلَى صَاحِبِ \"الْمَصَابِيحِ\" حَيْثُ ذَكَرَهُ فِي الصِّحَاحِ وَتَرَكَ الصَّحِيحَ الآتِي. =","vol":"3","page":281},{"text":"\"مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ: أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءَ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٤١٥].\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمِ يُصَلِّي لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ ركْعَةً تَطَوُّعًا غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلَّا بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، أَوْ إِلَّا بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ\". [م: ٧٢٨].\n١١٦٠ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا،\nــ\nذكره في (المصابيح) إنما هو للترمذي، وليس في (الصحيحين)، نعم جاء في رواية مسلم: أن أم حبيبة -﵁- قالت: (سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول. . .) الحديث.\nوقوله: (تطوعًا غير فريضة) التطوع تفعل من الطاعة بمعنى إظهار الطاعة والتكلف فيه من عند نفسه من غير أن فرضها الشارع عليه، وبهذا الوجه تسمى الصلاة النافلة تطوعًا، وقال في (القاموس) (١): وكل متنفل خير: متطوِّع، لكن الغالب إطلاقه في غير السنن الرواتب، ولهذا أورد المؤلف باب التطوع على حدة، وذكر فيه ركعتين بعد الوضوء، وصلاة الاستخارة، وما يفعل العبد لنفسه من الصلوات.\n١١٦٠ - [٢] (ابن عمر) قوله: (ركعتين قبل الظهر) وهذا متمسك الشافعي ﵀ في سنية ركعتين قبل الظهر، وقد جاء حديث ابن عمر -﵄- في الكتب الستة\n_________\n= \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٨٩).\n(١) \"القاموس\" (ص: ٦٨٧).","vol":"3","page":282},{"text":"وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، قَالَ: وَحَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ: . . . . .\nــ\nمع اختلاف في ألفاظها، وعندنا السنة قبل الظهر أربع، وقد جاء فيها أيضًا أحاديث عن أم المؤمنين عائشة وأم حبيبة -﵄- فهو محمول على أنه -ﷺ- كان يصلي تارة أربعًا وأخرى ركعتين، فكل واحد وصف ما رأى، وعقد الترمذي بابًا للأربع قبل الظهر، وأورد حديثًا عن علي -﵁- قال (١): كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي قبل الظهر أربعًا وبعدها ركعتين، وقال: وفي الباب عن عائشة وأم حبيبة، وحديث علي -﵁- حديث حسن، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- ومن بعدهم، يختارون أن يصلي الرجل قبل الظهر أربع ركعات، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق ﵏، وقال بعض أهل العلم: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، يرون الفصل بين [كلِّ] ركعتين، وبه يقول الشافعي وأحمد رحمهما اللَّه، انتهى.\nوالحديث في أربع قبل الظهر كثيرة، وجاء عند الشافعي وأحمد رحمهما اللَّه أيضًا أربع، ولكن بتسليمتين، والوجه ما أشار إليه الترمذي، وبالجملة وجه التطبيق بين الأحاديث الواردة في أربع والواردة في ركعتين إما بأنه -ﷺ- كان يصلي في بيته أربعًا فرأته عائشة -﵂-، وكان يصلي ركعتين إذا أتى المسجد تحية للمسجد فظنه ابن عمر -﵄- أنها سنة الظهر، وإما بأن اعتقاد ابن عمر أن سنة الظهر ركعتان، والأربع صلاة أخرى كان يصليها وقت فيء الزوال، لأنها يفتح عندها أبواب السماء، كما سيأتي، واللَّه أعلم.\nوقوله: (في بيته) ظاهر العبارة يدل على أن ابن عمر -﵄- صلى معه -ﷺ- بأن صلى في بيت حفصة -﵄-، أو حال من رسول، اللَّه أي حال كونه مصليًا في بيته، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٤٢٤).","vol":"3","page":283},{"text":"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ حِينَ يَطْلُعُ الْفَجْرُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٣٧، م: ٧٢٩].\n١١٦١ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- لَا يُصَلِّي (١) بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٣٧، م: ٧٢٩].\n١١٦٢ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ تَطَوُّعِهِ، فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيصَلِي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يُصلي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ وَيَدْخُلُ بَيْتِي فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ فِيهِنَّ الْوِتْرُ، وَكَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَائِمًا وَلَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا،\nــ\nوقوله: (كان يصلي ركعتين خفيفتين حين يطلع الفجر) وفي (صحيح البخاري): وقال ابن عمر: وكانت هذه ساعة ما كنت أدخل عليه، ويفهم منه أنهما أيضًا كانتا في بيته، وقد جاءت أحاديث مصرحة بذلك، كما تجيء في (باب صلاة الليل).\n١١٦١ - [٣] (وعنه) قوله: (فيصلي) بالرفع عطف على مجموع (حتى ينصرف)، أي: إذا انصرف يصلي، لا بالنصب عطف على (ينصرف)؛ لأنه يلزم منه أنه كان يصلي بعد الركعتين؛ لأنه حينئذ يكون الغاية مجموع الانصراف والصلاة.\n١١٦٢ - [٤] قوله: (عبد اللَّه بن شقيق) العقيلي بالضم.\nوقوله: (وكان يصلي من الليل تسع ركعات) قد اختلف الروايات في صلاة التهجد عن رسول اللَّه -ﷺ- ثمانيًّا وستًا وعشرًا واثني عشر معها الوتر ركعة أو ثلاثًا،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"صلاة\".","vol":"3","page":284},{"text":"وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ قَاعِدًا ركَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَكَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْفَجْرِ. [م: ٧٣٠، د: ١٢٥١].\n١١٦٣ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَي الْفَجْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٦٩، م: ٧٢٤].\n١١٦٤ - [٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٢٥].\nــ\nوكان ذلك كله في أوقات مختلفة، وسيأتي تحقيقه وتفصيله في (باب قيام الليل) إن شاء اللَّه تعالى.\nوقوله: (ركع وسجد وهو قائم) أي: ينتقل من القيام إليهما، وكذا معنى قوله: (ركع وسجد وهو قاعد)، لكن هذا في بعض الأحيان، وفي بعضها ينتقل من القعود إلى القيام، ويقرأ بعض القراءة، ثم ينتقل من القيام إلى الركوع والسجود، ولم يرو عكس هذا، فكان له -ﷺ- في صلاة الليل ثلاث أحوال قائمًا في كلها، وقاعدًا في كلها، وقاعدًا في بعضها، ثم قائما وقارئًا فراكعًا وساجدًا، فتدبر.\n١١٦٣ - [٥] (عائشة -﵂-) قوله: (أشد تعاهدًا)، أي: محافظة ومداومة، والظاهر أنه خبر (لم يكن)، و(على شيء) متعلق به إن جاز تقديم معمول التمييز عليه، ويجوز أن يكون (على شيء) خبرًا بتقدير متعاهدًا، و(أشد) حال لا مفعولًا مطلقًا، وإلا لكان الظاهر إضافة (أشد) إلى تعاهد، فافهم.\n١١٦٤ - [٦] (وعنها) قوله: (خير من الدنيا وما فيها) أي: إنفاقها في سبيل اللَّه","vol":"3","page":285},{"text":"١١٦٥ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ، صَلُّوا قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ\". قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: \"لِمَنْ شَاءَ\". كَرَاهِيةَ أَنْ يتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٨٢، م: ٨٣٨].\n١١٦٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَفِي أُخْرَى لَهُ قَالَ: \"إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمُ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبعًا\". [م: ٨٨١].\nــ\nكما جاء في فضيلة الذكر، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، أو قال على زعم من يرى في متاع الدنيا خيرًا من أربابها، قالوا: أقوى السنن وأوكدُها ركعتا الفجر، وبعدها سنة المغرب، وبعدها السنة بعد الظهر، وبعدها سنة العشاء، وبعدها السنة قبل الظهر.\nوقيل: السنة قبل الظهر وبعد الظهر سواءٌ في الرتبة، ذكره الشُّمُنِّي.\n١١٦٥ - [٧] (عبد اللَّه بن مغفل) قوله: (ابن مغفل) بفتح الفاء وتشديدها.\nوقوله: (صلوا قبل صلاة المغرب) أي: ركعتين.\nوقوله: (كراهية) علة للقول، و(سنة) أي: شريعة وطريقة لازمة، فيه استحباب ركعتين قبل صلاة المغرب بعد الغروب، وبه قال أكثر السلف والخلف من الصحابة والتابعين ومَن بعدهم، وأكثر الفقهاء على خلافه، وقد سبق الكلام فيه في (باب فضل الأذان) في شرح قوله -ﷺ-: (بين كلِّ أذانين صلاة)، وستأتي الأحاديث الواردة في هاتين الركعتين في الفصل الثالث.\n١١٦٦ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (فليصل بعدها أربعًا) قد سبق في حديث ابن عمر -﵄-: كان النبي -ﷺ- يصلي بعد الجمعة ركعتين، ويأتي في الفصل الثالث من حديث","vol":"3","page":286},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-401> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١١٦٧ - [٩] عَنْ أُمِّ حَبِيتةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٦/ ٣٢٦، ت: ٤٢٧، د: ١٢٦٩، ن: ١٨١٤، جه: ١١٦٠].\n١١٦٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ لَيْسَ فِيهِنَّ تَسْلِيمٌ. . . . . .\nــ\nعطاء عن ابن عمر -﵄- أنه صلى ست ركعات، وسيجيء تحقيقه في (باب الجمعة).\nالفصل الثاني\n١١٦٧ - [٩] (أم حبيبة) قوله: (والترمذي) وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وجاء في بعض الروايات أنه كان يصليها بتسليمتين، ثم لا يُدرى أنها وراء ركعتي السنة أو معهما، والظاهر الأول، وقال الشيخ ابن الهمام (١): اختلف أهل هذا الزمان في أنها تعتبر غير ركعتي الراتبة أو بهما، وعلى التقدير الثاني هل تُؤدَّى معهما بتسليمة واحدة أو لا، فقال جماعة: لا؛ لأنها إن نوى عند التحريمة السنة لم يصدق في الشفع الثاني، أو المستحبَّ لم يصدق في الأول، ووقع عندي أنه إذا صلى أربعًا بعد الظهر بتسليمة أو بتسليمتين وقع عن السنة والمندوب، سواءٌ احتسب الراتبة منها أو لا؛ لأن المفاد بالحديث المذكور أنه إذا أوقع بعد الظهر أربعًا مطلقًا حصل الوعد المذكور، ولقد أطال الشيخ الكلام ههنا فليُنظَر ثَمة.\n١١٦٨ - [١٠] (أبو أيوب الأنصاري) قوله: (أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم)\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (١/ ٤٤٣).","vol":"3","page":287},{"text":"تُفْتَحُ لَهُنَّ أَبْوَابُ السَّمَاءِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٢٧٠، جه: ١١٥٧].\n١١٦٩ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي أَرْبَعًا بَعْدَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ وَقَالَ: \"إِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَأُحِبُّ أَنْ يَصْعَدَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالحٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٤٧٨].\n١١٧٠ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"رَحِمَ اللَّهُ امْرَءًا صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ١١٧، ت: ٤٣٠، د: ١٢٧١].\nــ\nفيه دليل لمن قال في صلاة النهار أربعًا أربعًا.\nوقوله: (تفتح لهن أبواب السماء) كناية عن صعودها إلى السماء وقبولها، ثم اختلفوا في أنها هي راتبة الظهر أم صلاة أخرى مستقلة تصلى في هذا الوقت تسمى صلاة فيء الزوال، فالقائلون بكون الراتبة قبل الظهر ركعتين جزموا بذلك، والقائلون بكونها أربعًا مترددون فيه، وثبوت هذه الفضيلة لا ينافي كونها من الرواتب، والمختار أنها غيرها.\n١١٦٩ - [١١] (عبد اللَّه بن السائب) قوله: (وقال: إنها ساعة) الضمير لما بعد الزوال والتأنيث باعتبار الخبر.\nوقوله: (أن يصعد) بلفظ المعلوم والمجهول.\nوقوله: (عمل صالح) ولما كانت الصلاة أفضل الأعمال الصالحة، وكان الوقت وقت حضور الصلاة كانت الصلاة أفضل وأنسب، فافهم.\n١١٧٠ - [١٢] (ابن عمر) قوله: (رواه أحمد والترمذي وأبو داود) وقال الترمذي:","vol":"3","page":288},{"text":"١١٧١ - [١٣] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعَ ركَعَاتٍ يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِالتَّسْلِيمِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤمِنِينَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٤٢٩].\n١١٧٢ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٢٧٢].\n١١٧٣ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ ركَعَاتٍ. . . . .\nــ\nهذا حديث حسن غريب، ورواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، وصححه ابن حبان، وفي قوله: (رحم اللَّه عبدًا)، إشارة إلى كونها مستحبة.\n١١٧١ - [١٣] (علي -﵁-) قوله: (يفصل بينهن بالتسليم) يدل على استحباب الفصل بالتسليم في هذه الأربع، وقاس عليه الأربع في الظهر من قال من الشافعية به بالفصل فيها بالتسليم، وقال البغوي: المراد بالتسليم ههنا التشهد، وقال الطيبي (١): سمي التشهد بالتسليم لاشتماله عليه، كما جاء عكس ذلك، أعني ذكر التشهد وإرادة السلام في حديث قيام الليل على ما قيل، كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى.\nوقوله: (ومن تبعهم) التبعية إما باعتبار الوجود أو الذكر.\n١١٧٢ - [١٤] (وعنه) قوله: (يصلي قبل العصر ركعتين) وفي رواية أحمد والترمذي: أربع ركعات، ومن جهة الاختلاف في الروايات صار مذهبنا التخيير بين الأربع والركعتين جمعًا بين الروايات، والأربع أفضل، كما حقق في أصول الفقه.\n١١٧٣ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (ست ركعات) مع الركعتين أو سواهما.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٨٧).","vol":"3","page":289},{"text":"لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيمَا بَيْنَهُنَّ بِسُوءٍ عُدِلْنَ لَهُ بِعِبَادَةِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ أَبِي خَثْعَمٍ، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَضَعَّفَهُ جِدًّا. [ت: ٤٣٥].\nــ\nوقوله: (عدلن له بعبادة ثنتي عشرة سنة) يقال: عدلت فلانًا بفلان: إذا سويت بينهما، وهذا من باب إلحاق الناقص بالكامل حثًّا وترغيبًا، وتعيين العدد موكول إلى علم الشارع، وقيل: تضاعفها يصل إلى هذا المقدار، ولعل اللَّه سبحانه جعل لهذا الوقت هذه الخاصية، وأمثال هذا كثيرة في الشرع، وفضل اللَّه واسع، والعلم عند اللَّه.\nوقوله: (عمر بن أبي خثعم) في (التقريب) (١): عمر بن عبد اللَّه بن أبي خثعم ينسب إلى جده، ضعيف من السابعة، ونقل عن (ميزان الاعتدال) (٢): عمر بن عبد اللَّه ابن أبي خثعم يروي الموضوعات، لا يحل ذكره إلا على سبيل القدح، وفي (الكاشف) (٣): عمر بن عبد اللَّه بن أبي خثعم عن يحيى بن أبي كثير في الست بعد المغرب، وعن زيد بن الحباب وجماعة، قال البخاري: ذاهب الحديث، وفي حاشيته: الهمامي، وقد ينسب إلى جده، قال أبو زرعة: واهي الحديث، روى عن يحيى بن [أبي] كثير ثلاثة أحاديث لو كانت في خمس مئة لأفسدتها، وقال ابن عدي: منكر الحديث، وبعض حديثه لا يتابع عليه، وقيل: عمير بن خثعم.\n_________\n(١) \"تقريب التهذيب\" (ص: ٤١٤).\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٢١١).\n(٣) \"الكاشف\" (٢/ ٦٤).","vol":"3","page":290},{"text":"١١٧٤ - [١٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ صلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ عِشْرِينَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٤٣٥].\n١١٧٥ - [١٧] وَعَنْهَا قَالَتْ: مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْعِشَاءَ قَطُّ فَدَخَلَ عَلَيَّ إِلَّا صَلَّى أَرْبَعَ ركْعَاتٍ أَو سِتَّ رَكْعَاتٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٣٠٣].\n١١٧٦ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩]. . . . .\nــ\n١١٧٤ - [١٦] (عائشة) قوله: (من صلى بعد المغرب عشرين ركعة) رواه الترمذي تعليقًا، وفي بعض الشروح: رواه ابن ماجه مسندًا، وضعفه المحدثون، وفي إسناده يعقوب بن الوليد، وهو كذاب وضاع على ما ذكره أحمد بن حنبل وغيره، وفي (التقريب) (١): يعقوب بن الوليد بن عبد اللَّه بن أبي هلال المدني نزيل بغداد، كذبه أحمد وغيره، من الثامنة.\n١١٧٥ - [١٧] (وعنها) قوله: (إلا صلى أربع ركعات أو ست ركعات) الذي جاء في المشاهير من الروايات ركعتان بعد العشاء، كما عرفت، وقد جاء أربع ركعات، أما الست فلم تجئ إلا في هذا الحديث، واللَّه أعلم.\nوقد كتب في الحواشي: قيل: أراد بالعشاء في هذا الحديث المغرب، ولعله حمله على حديث الترمذي (٢): (من صلى بعد المغرب ست ركعات)، مع التردد في أنها مع ركعتي السنة أو وراءهما، واللَّه أعلم.\n١١٧٦ - [١٨] (ابن عباس) قوله: ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ بالنصب على الحكاية،\n_________\n(١) \"تقريب التهذيب\" (ص: ٦٠٩).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٣٩٩).","vol":"3","page":291},{"text":"الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ، و﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [ق: ٤٠] الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٢٧٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-402> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١١٧٧ - [١٩] عَنْ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ بَعْدَ الزَّوَالِ تُحْسَبُ بِمِثْلِهِنَّ فِي صلَاةِ السَّحَرِ. وَمَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ يُسَبِّحُ اللَّهَ تِلْكَ السَّاعَةَ\"،\nــ\nأي: المراد بالتسبيح في وقت إدبار النجوم بكسر الهمزة في آخر (سورة الطور)، أي: غيبوبتها (الركعتان قبل الفجر)، وبـ ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ بفتح الهمزة في (سورة ق) سنة المغرب، والسجود فريضة المغرب، وقال البيضاوي -﵀- (١): المراد بأدبار السجود النوافل بعد المكتوبات، وقيل: الوتر بعد العشاء، ثم الأدبار بفتح الهمزة في (سورة ق) جمع دبر، وقرأ نافع وابن كثير وخلف وحمزة بالكسر من أدبرت الصلاة إذا انقضت، وكذا قرئ (أدبار) في آخر (سورة الطور) بفتح الهمزة أيضًا.\nالْفَصْل الثَّالِث\n١١٧٧ - [١٩] (عمر) قوله: (أربع قبل الظهر بعد الزوال) يحتمل سنة الظهر وسنة فيء الزوال.\nوقوله: (تحسب) بلفظ المجهول، أي: تعدل وتوازي، يعني ثوابه مثل ثواب أربع ركعات في صلاة السحر، وحمل الطيبي (٢) صلاة السحر على صلاة الفجر سنَّتِها\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٤٢٥).\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (٣/ ٨٩).","vol":"3","page":292},{"text":"ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ [النحل: ٤٨]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [ت: ٣١٢٨، شعب: ٢٨٠٨].\nــ\nوفرضها، والحمل على صلاة التهجد كان أنسب وأظهر بلفظ السحر.\nوروى صاحب (سفر السعادة) (١) أن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- كان يصلي بعد الزوال ثماني ركعات ويقول: إنهن يعدلن مثلهن من قيام الليل، وهذا في حكم المرفوع، ويستأنس بهذا أن المراد بصلاة السحر صلاة الليل، والظاهر أن هذه الركعات الثمانية مجموع سنة الظهر وسنة الزوال، قال بعض المشايخ: لعل السر في هذا أن هذين الوقتين زمان نزول الرحمة، فإنه تفتح أبواب الرحمة والقبول بعد انتصاف النهار، كما عرفت، وتنزل الرحمة الإلهية في الليل بعد انتصاف الليل إلى وقت السحر، فلما تناسب الوقتان تناسب الصلاة الواقعة فيهما، ويكون كل منهما عديل الآخر، ولما كان نزول الرحمة في آخر الليل أظهرَ وأشهر جعل الصلاة وقت الزوال عديله وشبّه به.\nوقوله: (ثم قرأ ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾) ترغيبًا في الصلاة في هذا الوقت، وإظهارًا لفضله بموافقة المصلي لسائر الكائنات في الخضوع والاستسلام والاستصغار لبارئها، وأول الآية ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٤٨] أي: أو لم ينظروا إلى المخلوقات التي لها ظلال متفيئة، أي: مائلة راجعة عن أيمانها وشمائلها، أي: عن جانبي كل واحد منها ساجدين للَّه صاغرين متذللين له، والمراد بالسجود الاستسلام سواء كان بالطبع أو الاختيار، فالكل منقاد للرب تعالى فيما خلق ودبر.\n_________\n(١) \"سفر السعادة\" (ص: ٦٥).","vol":"3","page":293},{"text":"١١٧٨ - [٢٠] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: قَالَتْ: وَالَّذِي ذَهَبَ بِهِ مَا تَرَكَهُمَا حَتَّى لَقِي اللَّهَ. [خ: ٥٩٣، م: ٨٣٥].\n١١٧٩ - [٢١] وَعَنِ الْمُخْتَارِ بْنِ فُلْفُلٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْعَصْرِ،\nــ\n١١٧٨ - [٢٠] (عائشة) قوله: (ما ترك رسول اللَّه -ﷺ- ركعتين بعد العصر عندي) أي: في بيتي، قيل: هاتان الركعتان ركعتا سنة الظهر فاتتا منه -ﷺ- بسبب الوفود فقضاهما بعد العصر، كما جاء من حديث أم سلمة -﵂-، وروي أنه شغله قسمة مال أتاه، ثم داوم عليهما لما كان من عادته الشريفة أنه إذا صلى صلاة أثبتها وأدامها، وعدَّها بعضهم من خصائصه، وقيل: هما الركعتان قبل صلاة المغرب الآتي ذكرهما، وهذا بعيد؛ لأنهما كانتا بعد أذان المغرب، وظاهر الحديث قبله، وأيضًا لم يثبت ذلك من فعله -ﷺ-، وإنما كان بعض أصحابه يصلون فلم يأمرهم ولم ينههم، كما يأتي في الحديث الآتي.\nهذا وقد جاءت أحاديث بطرق متعددة مصرحة أنهما كانتا راتبةَ العصر، ولم يكن بسببٍ عارض، وبالجملة الأخبار والآثار في النهي عن الصلاة بعد العصر كثيرة، وعليه الجمهور، فالأحسن أن يقال: إنه من خصائصه -ﷺ-، كما قال بعض المتأخرين، وقد سبق الكلام فيه في الفصل الأول من (باب أوقات النهي).\n١١٧٩ - [٢١] (المختار بن فلفل) قوله: (بن فلفل) بضم الفائين الكوفي القرشي المخزومي وثقه الأئمة، قال عبد اللَّه بن إدريس: كان من أرق محدث يحدث وعيناه تدمعان.","vol":"3","page":294},{"text":"فَقَالَ: كَانَ عُمَرُ يَضْرِبُ الأَيْدِيَ عَلَى صَلَاةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، وَكُنَّا نُصَلِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ، فَقُلْتُ لَهُ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّيهِمَا؟ قَالَ: كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهِمَا فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٣٦].\n١١٨٠ - [٢٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا بِالْمَدِينَةِ فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ فَرَكعُوا رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَيَحْسَبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٣٧].\n١١٨١ - [٢٣] وَعَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَتَيْتُ عُقْبةَ الْجُهَنِيَّ فَقُلْتُ: أَلَا أُعَجِّبُكَ مِنْ أَبِي تَمِيمِ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ؟ . . . . .\nــ\nوقوله: (كان عمر يضرب الأيدي) أي: أيدي من عقد الصلاة، وأحرم بالتكبير، أي: كان يمنع منهما، ولعل عمر -﵁- ما وقف على قول عائشة -﵂-: ما ترك رسول اللَّه -ﷺ-، وقول أنس -﵁-: وكنا نصلي، وسببه خشيته أن يتخذها الناس عادة، ويقعوا في الصلاة عند الغروب، كما سبق.\n١١٨٠ - [٢٢] (أنس) قوله: (ابتدروا السوارى) جمع سارية وهي الأسطوانة، يعني: يقف كل واحد خلف أسطوانة يصليهما.\n١١٨١ - [٢٣] (مرثد بن عبد اللَّه) قوله: (مرثد) بفتح الميم والمثلثة.\nوقوله: (ألا أعجبك) بضم أوله وتشديد الجيم.\nوقوله: (من أبي تميم) هو عبد اللَّه بن مالك الجيشاني (١) بفتح الجيم وسكون\n_________\n(١) تَابِعِيٌّ كَبِيرٌ ثِقَةٌ مُخَضْرَمٌ، أَسْلَمَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَقَرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، ثُمَّ قَدِمَ =","vol":"3","page":295},{"text":"فَقَالَ عُقْبةُ: إِنَّا كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قُلْتُ: فَمَا يَمْنَعُكَ الآنَ؟ قَالَ: الشُّغْلُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١١٨٤].\n١١٨٢ - [٢٤] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَتَى مَسْجِدَ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ فَصَلَّى فِيهِ الْمَغْرِبَ، فَلَمَّا قَضَوْا صَلَاتَهُمْ رَآهُمْ يُسَبِّحُونَ بَعْدَهَا، فَقَالَ: \"هَذِهِ صَلَاةُ الْبُيُوتِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\nوَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ: قَامَ ناسٌ يتَنَفَّلُونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ\". [د: ١٣٠٠، ت: ٦٠٤، ن: ١٦٠٠].\nــ\nالتحتانية بعدها معجمة وبنون، منسوب إلى جيشان بن عبدان.\n١١٨٢ - [٢٤] (كعب بن عجرة) قوله: (فقال: هذه صلاة البيوت) يحتمل أن يكون إشارة إلى خصوص سنة المغرب، وهو الأظهر، وأن يكون إشارة إلى مطلق صلاة النفل، وفي لفظ ابن ماجه (١): (اركعوا هاتين في بيوتكم)، وهذا أيضًا ظاهر في خصوص سنة المغرب، وبالجملة الأفضل أن تكون الصلاة نافلة في البيوت، وهكذا كان عمل رسول اللَّه -ﷺ- إلا بسبب أو عذر، وكان يقول: (أيها الناس صلوا في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة) خصوصًا سنة المغرب لم يصلها في المسجد في وقت مّا، ومنهم من قال: لو صلى هاتين الركعتين في المسجد لم يجزئ من السنة.\nوقال الإمام المروزي: من صلى الركعتين بعد المغرب في المسجد يكون عاصيًا، وكذا نقل عن أبي ثور من أصحاب الشافعي ﵀، ولعل وجهه أنه قد ورد الأمر\n_________\n= فِي زَمَنِ عُمَرَ فَشَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ وَسَكَنَهَا، قَالَهُ ابْنُ يُونُسُ. وَقَدْ عَدَّهُ جَمَاعَةٌ فِي الصَّحَابَةِ لِهَذَا الإِدْرَاكِ، مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٨٩٨).\n(١) \"سنن ابن ماجه\" (١١٦٥).","vol":"3","page":296},{"text":"١١٨٣ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُطِيلُ الْقِرَاءَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ حَتَّى يَتَفَرَّقَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٣٠١].\n١١٨٤ - [٢٦] وَعَنْ مَكْحُولٍ يَبْلُغُ بِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ. . . . .\nــ\nبذلك بقوله -ﷺ-: (اجعلوها في بيوتكم)، والأصل أن يكون الأمر للوجوب، وتارك الواجب عاص، والجمهور على أن الأمر للاستحباب، فالأولى أن يكون في البيت.\nوفي حاشية الهداية من (الجامع الصغير): أنه إن صلى المغرب في المسجد صلى السنة فيه إن خاف الشغل بعد الرجوع إلى البيت، وإن لم يخف ذلك فالأفضل أن يكون في البيت، وإن لم يتيسر الذهاب إلى البيت فالأولى أن يصلي على باب المسجد، وإن لم يتيسر هذا أيضًا صلى في المسجد الخارجي إن صلى الإمام في الداخلي، وإن صلى الإمام في الخارجي صلى في الداخلي، وإن كان المسجد واحدًا، ولم يكن له خارج، صلى عقب أسطوانة ونحوها.\n١١٨٣ - [٢٥] (ابن عباس) قوله: (يطيل القراءة في الركعتين بعد المغرب حتى يتفرق أهل المسجد) لا يخلو هذا الحديث من نوعِ إشعارٍ بأنه كان يصليهما في المسجد، ولهذا قال الشيخ في (شرحه): يحتمل أنه كان يصليهما في المسجد، فيحمل على أنه كان لعذر منعه من دخول البيت، ويحتمل أنه كان يصليهما في البيت، وأن ابن عباس علم بذلك، انتهى. لأن بيته -ﷺ- كان متصلًا بالمسجد، ولم يكن بينهما إلا جدار، وكان في الجدار باب إلى المسجد.\n١١٨٤ - [٢٦] (مكحول) قوله: (يبلغ به) الباء للتعدية أو للسببية، أي: يبلغ","vol":"3","page":297},{"text":"-وَفِي رِوَايَةٍ: أَرْبَعَ ركَعَاتٍ- رُفِعَتْ صَلَاتُهُ فِي عِلِّيِّينَ\". مُرْسَلًا.\n١١٨٥ - [٢٧] وَعَن حُذَيْفَة نَحْوَهُ وَزَادَ: فَكَانَ يَقُولُ: \"عَجِّلُوا الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فَإِنَّهُمَا تُرْفَعَانِ مَعَ الْمَكْتُوبَةِ\" رَوَاهُمَا رَزِينٌ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ الزِّيَادَةَ عَنْهُ نَحْوَهَا فِي \"شُعَبِ الإِيمَان\". [شعب: ٢٨٠٤].\n١١٨٦ - [٢٨] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ قَالَ: إِنَّ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَرْسَلَهُ إِلَى السَّائِبِ يَسْأَلُهُ عَنْ شَيْءٍ رَآهُ مِنْهُ مُعَاوِيَةُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ: نَعَمْ. . . . .\nــ\nبالحديث إلى رسول اللَّه -ﷺ- ويرفعه إليه، ويقول: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (من صلى بعد المغرب) الحديث، والمقصود بيان الإرسال بإسقاط الصحابي، وكان مكحول تابعيًّا كثير الإرسال ثقة، فقوله: (مرسلًا) متعلق بـ (يبلغ به)، كذا في الحواشي، وهو صحيح، ولكن الظاهر أن يكون التقدير رواه مرسلًا.\nو(علّيون) اسم لمقام فوق السماء السابعة. وقيل: اسم للسماء السابعة، وقيل: لديوان الملائكة الحفظة ترفع إليه أعمال الصالحين، وقيل: أراد أعلى الأمكنة وأشرف المراتب وأقربها من اللَّه في الآخرة، ويعرف بالحروف والحركات على أنه جمع أو واحد.\n١١٨٥ - [٢٧] (حذيفة) قوله: (عجلوا الركعتين بعد المغرب) والظاهر أنه لا ينافي التعجيلَ قراءةُ دعاء أو ذكر صح وروده بعدها، أو يقال: قراءته بعد السنَّة لا تنافي البعدية المرادة ههنا، وقد أسلفنا مثل هذا في باب الذكر بعد الصلاة، لكن يختلج أنه قد ثبتت أفضلية أدائهما في البيت، والبيت إن كان بعيدًا يخلُّ بالاستعجال ماذا يفعل، وفيه وجهان، والظاهر أن يختار البيت لتأكد الأمر في ذلك، واللَّه أعلم.\n١١٨٦ - [٢٨] (عمر بن عطاء) قوله: (فقال نعم) إيجاب لما سأله نافع من قوله: هل رأى منك معاوية شيئًا فأنكره عليك؟","vol":"3","page":298},{"text":"صَلَّيْتُ مَعَهُ الْجُمُعَةَ فِي الْمَقْصُورَةِ، فَلَمَّا سَلَّمَ الإِمَامُ قُمْتُ فِي مَقَامِي، فَصَلَّيْتُ، فَلَمَّا دَخَلَ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَقَالَ: لَا تَعُدْ لِمَا فَعَلْتَ، إِذَا صَلَّيْتَ الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ حَتَّى تَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَنَا بِذَلِكَ أَنْ لَا نُوصِلَ بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٨٢].\n١١٨٧ - [٢٩] وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ بِمَكَّةَ تَقَدَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يتَقَدَّمُ فَيُصَلِّي أَرْبَعًا، وَإِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ صَلَّى الْجُمُعَةَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَيتِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يُصَلِّ فِي الْمَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَفْعَلُهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\nوَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ صَلَّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعًا. [د: ١١٣٠، ت: ٥٢٢].\n* * *\nــ\nوقوله: (في المقصورة) المراد مقصورة المسجد، مكانٌ يبنى فيه للمتكبرين والأمراء، وهو في الأصل الدار الواسعة المحصنة، أو هي أصغر من الدار، وفي (الصراح) (١): قصر كوشك، ومنه مقصورة الجامع.\n١١٨٧ - [٢٩] (عطاء) قوله: (تقدم) أي: من مكان صلى فيه الجمعة إلى مكان آخر، فيكون فصلًا بين الصلاتين بمنزلة التكلم أو الخروج المذكور في قول معاوية.\nوقوله: (وإذا كان بالمدينة صلى الجمعة. . . إلخ) ولعل الفرق بين مكة والمدينة بتقديم الصلاة في مكة والرجوعِ إلى البيت في المدينة: أنه كان بيته في المدينة قريبًا من\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٢٠٨).","vol":"3","page":299},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالمسجد النبوي ومتصلًا به، وكان بمكة مسافرًا والمنزل بعيد، فجعل التقدم قائمًا مقام الرجوع إلى البيت، وقال الطيبي (١): لعله فعل ذلك تعظيمًا لصلاة الجمعة، وتمييزًا لها عن غيرها، وأما تخصيص مكة بما فعل دون المدينة فتعظيم لها، انتهى.\nولعله -﵁- إنما زاد في الصلاة بمكة بأن صلى ثمة ستةً لكثرة الثواب أضعافًا مضاعفة، ولجواز الصلاة في الأوقات المكروهة فيها، وقال الترمذي: روي عن علي ابن أبي طالب -﵁- أنه كان يأمر بالركعتين بعد الجمعة، ثم بأربع، والسنة عند أبي حنيفة -رحمة اللَّه عليه- بعد الجمعة أربع، وعند صاحبيه ست: أربع، ثم اثنتان، هذا في الصلاة بعد الجمعة، وأما الصلاة قبل الجمعة فثابت، وقد أنكره بعض المحدثين وبالغوا في الإنكار، وقال صاحب (سفر السعادة) (٢): الذين قالوا بسنة الجمعة قبلها، إنما قالوا بها قياسًا على الظهر، وإثبات السنن بالقياس غير جائز، وقال: ومن صنف من العلماء في سنن الصلوات واعتنوا بضبطها لم يرووا فيها شيئًا، انتهى.\nوأقول: اعلم أن الترمذي عقد في جامعه بابًا في الصلاة قبل الجمعة وبعدها، وأورد في كل منها أحاديث، وقال: وروي عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- أنه كان يصلي قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا، وذهب سفيان الثوري وابن المبارك إلى قول ابن مسعود، وفي (جامع الأصول) (٣) من حديث (الموطأ) عن الزهري عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي أنه قال: كانوا في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁- يصلون يوم الجمعة، حتى يخرج عمر -﵁-، وإذا خرج جلس على منبر فأذن المؤذن، الحديث.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٩٣).\n(٢) \"سفر السعادة\" (ص: ١١٧).\n(٣) \"جامع الأصول\" (٥/ ٦٨٥).","vol":"3","page":300},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالظاهر أن ما في (صحيح البخاري) (١) من حديث سلمان -﵁-: ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين، ثم يصلي ما كتب له، ثم ينصت، وفي (صحيح مسلم) (٢) عن أبي هريرة: من اغتسل، ثم أتى الجمعة وصلى ما قدر له، ثم أنصت، وارد في السنة قبل الجمعة، وأورد السيوطي في (جمع الجوامع) (٣): من كان مصليًا يوم الجمعة فليصل قبلها أربعا وبعدها أربعًا، رواه ابن النجار.\nوذكر في (المواهب اللدنية) (٤): أنه قيل: إن الركعتين اللتين أمر رسول اللَّه -ﷺ- أبا سليك الغطفاني بهما وقت الخطبة، والتجوز فيهما كانتا سنة الجمعة قبلها، وسيجيء ذكرها في (باب خطبة الجمعة) إن شاء اللَّه تعالى، وفي (المواهب) (٥) أيضًا من حديث أبي داود وابن حبان من طريق أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر -﵄- يطيل في الصلاة قبل الجمعة وبعد الجمعة ركعتين في بيته، ويقول: هكذا كان يفعله رسول اللَّه -ﷺ-، وبهذا الحديث احتج النووي في (الخلاصة) على إثبات السنة قبل الجمعة، وتعقب بأن قول ابن عمر: (هكذا) إشارة إلى الأخير من أداء الركعتين بعد الجمعة في بيته؛ لأنه -ﷺ- كان يخرج بعد الزوال من بيته، ويشتغل بالخطبة بصلاة الجمعة، فمتى كانوا يصلون السنة قبل الجمعة، ومن ظن أنه إذا فرغ المؤذن من الأذان قاموا فركعوا فهو من أجهل الناس، انتهى. وفيه ما فيه؛ لأن حصول اليقين بخروجه -ﷺ- متصل الزوال\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٨٨٣).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٨٥٧).\n(٣) \"جمع الجوامع\" (٦٣٢٦).\n(٤) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ٢٣٦).\n(٥) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ٢٣٤).","vol":"3","page":301},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبحيث كان لم يصل في بيته مشكل جدًا، وقد رواه ابن عمر -﵁-، فافهم.\nوقال الشيخ ابن الهمام (١): خروجه -ﷺ- كان بعد الزوال بالضرورة، فيجوز كونه بعد ما كان يصلي أربع ركعات، ويجب الحكم بوقوع هذا المجوِّز لما مر في باب السنن من عموم أنه كان -ﷺ- يصلي إذا زالت الشمس أربعًا، ويقول: (إن هذه ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح)، وكذا يجب في حقهم لأنهم أيضًا يعلمون الزوال، إذ لا فرق بينهم وبين المؤذن فيه في ذلك الزمان؛ لأن اعتماده في دخول الوقت كاعتمادهم، بل ربما يُعلمونه بدخول الوقت ليؤذن على ما عرف من حديث ابن أم مكتوم أنهم كانوا يعلمونه بالفجر فيؤذن.\nفإن قلت: مقصود النافي نفيُ صلاة قبل الجمعة أن تكون راتبة لها كالظهر، قلنا: لما ثبتت الصلاة قبل الجمعة لمَ لا تكون راتبةً لها، والدليل على عدمها، على أنه قد ذهب بعض الناس إلى أن المراد بهذه الأربعة التي كان يصلي بعد الزوال سنة الظهر، فلم لا تكون سنة الجمعة، واللَّه أعلم.\nوقال البخاري في ترجمة (باب الصلاة بعد الجمعة وقبلها)، ثم أورد حديثًا في الركعتين بعد الجمعة، ولم يورد حديثًا في الصلاة قبلها، فقال في (فتح الباري) (٢) عن ابن المنير أنه قال: لعل قصد البخاري من عدم التعرض بالصلاة قبل الجمعة أن الأصل استواء الظهر والجمعة حتى يدل دليل على خلافه لأنها بدل الظهر، ولما كان اعتناؤه بذكر الصلاة بعد الجمعة أكثر لورود الحديث فيه صريحًا تعرض به، ولهذا\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٢/ ٦٩).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٢٦).","vol":"3","page":302},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-403>٣١ - باب صلاة الليل</span>\nــ\nقدم في الترجمة ذكر الصلاة بعد الجمعة على الصلاة قبلها على خلاف عادة رعاية المناسبة، انتهى.\nوهذا الكلام قريب مما قال صاحب (سفر السعادة) (١): وإن من أثبت السنة في الجمعة أثبتها بالقياس على الظهر، ولا يخفى أن هذا الطريق الذي ذكر في (فتح الباري) ليس بقياس، بل هذه السنة هي التي كانت في الظهر أبقيت في الجمعة لكونها بدلها، فافهم. وباللَّه التوفيق. وذكر في (فتح الباري) (٢): أن أقوى ما يتمسك به في مشروعية الركعتين قبل الجمعة عموم الحديث الذي صححه ابن حبان عن عبد اللَّه بن الزبير -﵄- أنه قال رسول اللَّه -ﷺ-: ما من صلاة مفروضة إلا وبين يديها ركعتان، انتهى.\n٣١ - باب صلاة الليل\nاعلم أنه قد جاءت الروايات في صلاته -ﷺ- بالليل مختلفة، وكانت صلاته فيه متنوعة كمية وكيفية، وقد ذكر منها صاحب (سفر السعادة) (٣) ثمانية أنواع، وزدنا في شرحه أنواعًا أخر، والمتعبد مخير أيها يختار يدرك شرف المتابعة، أو يفعل كلًّا منها في أوقات مختلفة، ولعل هذا أولى وأوفق، وهي مذكورة في ذلك الكتاب مفصلًا فراجع إليها، وبعضها مذكور في هذا الكتاب فجاءت ثلاثة عشر وإحدى عشر وتسعًا وسبعًا، وقال بعض العلماء: خمسًا أيضًا، ولم نر في ذلك حديثًا، ولم يكن أكثر من ثلاثة عشر، فقيل: مع ركعتي سنة الفجر، وقيل: بدونها، وقد وردت الروايات بكل منهما،\n_________\n(١) انظر: \"سفر السعادة\" (ص: ١١٧).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٢٦).\n(٣) انظر: \"سفر السعادة\" (ص: ٧٣).","vol":"3","page":303},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-404> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١١٨٨ - [١] عَنْ عَائِشَةَ -﵄- قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُصَلِّي فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى الْفَجْرِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَيُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، فَيَسْجُدُ السَّجْدَةَ مِنْ ذَلِكَ قَدْرَ مَا يَقْرَأُ أَحَدُكُمْ. . . . .\nــ\nوالثاني أصح وأصوب، وكان تارة يوتر بركعة واحدة وأخرى بثلاث ركعات.\nولْيعلم أن في بعض الروايات عدَّ الوتر داخلًا فيها، وفي بعضها خارجًا، وفي بعضها أدخلت الركعتان بعد الوتر فيها، وفي بعضها أطلق الوتر على ركعة منها، وفي بعضها على ثلاث إلى خمس وسبع، وفي بعضها سميت صلاة الليل كلها وترًا، كما جاءت في رواية أم سلمة -﵁-: كان رسول اللَّه -ﷺ- يوتر بثلاثة عشر ركعة، ولما بدَّن أوتر بسبع، وفي الصحيح عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال: (أوتروا يا أهل القرآن)، وأراد به قيام الليل، ووجهه: أن الصلاة كلها تصير بضم الوتر إليها وترًا، كما تصير صلاة النهار بالمغرب وترًا، وقد ورد: (صلاة المغرب وتر النهار).\nوالكلام في أن التهجد كان فرضًا على رسول اللَّه -ﷺ- أو على كلِّ الأمة ثم نسخ مشهور، والمختار أنه كان فرضًا على الكل، ثم نسخ على الأمة، وبقي فرضًا على النبي -ﷺ- إلى آخر العمر، وقد حقِّق ذلك في موضعه، وقد ذُكر نبذ من ذلك في (سفر السعادة) (١) وشرحه، وقد يتضح هذه المعاني أكثرها في أثناء شرح أحاديث الباب.\nالفصل الأول\n١١٨٨ - [١] (عائشة) قوله: (فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم\n_________\n(١) انظر: \"سفر السعادة\" (ص: ٧٠).","vol":"3","page":304},{"text":"خَمْسِينَ آيَةً قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ، فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ، قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتيْنِ،\nــ\nخمسين آية قبل أن يرفع رأسه) الظاهر -واللَّه أعلم- أن يكون اللام في (السجدة) للعهد الذهني، و(من) للتبعيض، والمراد أنه كان يسجد سجدة من بعض سجداته طويلًا هذا القدر المذكور، ويحتمل أن يكون للاستغراق يعني كان قد يسجد سجدات تلك الركعات طويلة، وقد حمله بعض الشافعية على أنه سجدة شكر كان يسجدها من جهة ما صدر عنه الفعل المذكور.\nواعلم أن ما وقع عليه العمل في بعض البلاد من السجدتين بعد الوتر بالكيفية المعروفة وقع فضلها في بعض الروايات الفقهية الضعيفة المرجوحة، فلا أصل له من الأخبار والآثار، ولا وردت به الرواية الفقهية المختارة، ولا عُمل عليه في الحرمين الشريفين بل سائر ديار العرب، وقد يروى في ذلك حديث حكموا بوضعه، وآثار الوضع منه لائحة، وما ذهب أحد من أئمة المذاهب الأربعة إلى سنِّيتهما أو استحبابهما، وأكثر حنفية تلك الديار لا يعرفونهما، وبعضهم ينقلون كراهيتهما، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فإذا سكت المؤذن) الرواية المشهورة بالتاء الفوقانية، وقد يروى: (سكب) بالموحدة، أي: صب، قال في (مشارق الأنوار) (١): رويناه بالتاء من السكوت في هذا الحديث، ورويناه عن الخطابي (سكب) بالباء، وحدثونا عن أبي مروان بن سراج أن (سكت) و(سكب) بمعنًى واحد.\nوقوله: (من صلاة الفجر) أي: من أذانه.\nوقوله: (وتبين له الفجر) إشارة إلى أنه -ﷺ- كان لا يكتفي في أداء\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٣٦٣).","vol":"3","page":305},{"text":"ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهِ الْمُؤَذِّنُ لِلإِقَامَةِ فَيَخْرُجُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٩٤، م: ٧٣٦].\n١١٨٩ - [٢] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا صَلَّى رَكْعَتَي الْفَجْرِ فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلَّا اضْطَجَعَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٤٣].\nــ\nسنة الفجر بأذان المؤذن لاحتمال أنه أخطأ وأذن بالليلة، بل يتبين الوقت، ثم يصلي.\nوقوله: (ثم اضطجع على شقه الأيمن) نشرحه في الحديث الثالث إن شاء اللَّه تعالى.\n١١٨٩ - [٢] (وعنها) قوله: (إذا صلى ركعتي الفجر) هما سنة الفجر.\nوقوله: (حدثني) يدل على جواز التكلم بعد سنة الفجر، وقد عقد الترمذي (١) في التكلم بعد سنة الفجر بابًا، وأورد حديثًا عن أم المؤمنين عائشة -﵂- قالت: كان النبي -ﷺ- إذا صلى ركعتي الفجر، فإن كانت له إلي حاجة كلمني وإلا خرج إلى الصلاة، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وقد كره بعض العلماء من أصحاب النبي -ﷺ- وغيرهم الكلام بعد طلوع الفجر حتى يصلي صلاة الفجر إلا ما كان من ذكر اللَّه أو مما لا بد منه، وهو قول أحمد وإسحاق، انتهى.\nوتكلمه -ﷺ- كان مما لا بد منه، كما يشعر به قول عائشة -﵂-: فإن كانت له إلي حاجة كلمني، وإن لم يكن من هذا القبيل فلم يُبطل السنة، ولم يوجب الإعادة، اللهم إلا أن يعيد أحد من جهة شدة كراهة التكلم في هذا الوقت احتياطًا وتكميلًا.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٤١٨).","vol":"3","page":306},{"text":"١١٩٠ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا صَلَّى رَكْعَتَي الْفَجْرِ اضْطَجَعَ عَلَى شِقَّهِ الأَيْمَنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٦، م: ٧٣٦].\nــ\n١١٩٠ - [٣] (وعنها) قوله: (إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن) الكلام في هذا الحديث من وجهين، أحدهما: الاضطجاع بعد سنة الفجر، وثانيهما: الاضطجاع على شقه الأيمن، وأما الأول فقد ذهب بعض الظاهرية إلى وجوب الاضطجاع لورود الأمر بذلك، وهو للإيجاب بل جعلوه شرطًا لصحة الفرض حتى لو لم يفعل بطلت صلاة الفريضة، وذهب جماعة إلى كراهة ذلك وعدُّوه بدعة.\nوفي (جامع الأصول) (١): عن نافع عن ابن عمر -﵃- أنه رأى رجلًا صلى ركعتي الفجر، ثم اضطجع فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: أردت أن أفصل بين صلاتي، فقال له: وأيّ فصل أفضل من السلام؟ قال: فإنها سنة، قال: بل هي بدعة. وفي حديث أبي داود والترمذي (٢) عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (إذا صلى أحدكم الركعتين قبل الصبح فليضطجع على يمينه)، وزاد أبو داود: فقال له مروان بن الحكم: أما يجزئ أحدنا ممشاه إلى المسجد حتى يضطجع على يمينه؟ قال: لا، فبلغ ذلك ابن عمر -﵄-، فقال: أكثر أبو هريرة على نفسه، فقيل لابن عمر -﵄-: هل تنكر شيئًا مما يقول؟ قال: لا، لكنه اجترأ وَجَبُنَّا، قال: فبلغ ذلك أبا هريرة قال: فما ذنبي أن حفظت ونسوه.\nولا يذهب عليك أن القول بكونه بدعة بعيد لورود الأحاديث الصحيحة فيه، فإما أن يقال بنسخها، أو باختصاصه بالنبي -ﷺ-، أو بكونه لقصد الاستراحة لا على وجه\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (٦/ ١٩).\n(٢) \"سنن أبي داود\" (١٢٦١)، و\"سنن الترمذي\" (٤٢٠).","vol":"3","page":307},{"text":"١١٩١ - [٤] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، مِنْهَا الْوِتْرُ وَرَكْعَتَا الْفَجْرِ. . . . .\nــ\nالتعبد، وكذا القول بالوجوب، فقد جاءت الروايات مختلفة، وجاء في بعض الأحاديث الصحيحة أنه -ﷺ- صلى الركعتين فخرج بدون ذكر الاضطجاع، فالقول المختار ما ذهب إليه جمهور العلماء أنه مستحب، وقال الإمام أبو حنيفة -﵁-: إن كان للاستراحة ودفع الثقل والتعب الحاصل من صلاة الليل فحسن، وفعلُه -ﷺ- أيضًا كان لهذا، واللَّه أعلم.\nوأما الثاني وهو الاضطجاع على الشق الأيمن، وهكذا كان عادته الكريمة في الاضطجاع في الأحوال كلها، فقالوا: الحكمة فيه أن لا يستغرق في النوم؛ لأن القلب الذي هو المضغة الصنوبرية معلق في جهة اليسار، فلو نام على شقه الأيسر لاستقر القلب وغلبته الاستراحة واستغرق النوم لكونه أغلب في الراحة، وإذا اضطجع على شقه الأيمن يكون القلب معلقًا فلا يستريح فلا يستغرق النوم، ولهذا اختار الأطباء النوم على الشق الأيسر طلبًا لراحة القلب وهضم الطعام لتوجه الحرارة الغريزية إلى داخل البدن في حالة النوم، ومتى كان النوم أغلب وأغرق كانت الراحة وهضم الطعام أقوى وأوفر، وصاحب الشرع اضطجع على الشق الأيمن طلبًا لخفة النوم وتيسر قيام الليل، ويلزم منه رعاية تقليل الطعام أيضًا.\nثم اعلم أنه قد جاء في الأحاديث الصحيحة أنه -ﷺ- كان ينام في هذا الاضطجاع حتى يسمع غطيطه، ثم يقوم ويصلي ولا يتوضأ، وعدم نقض الطهارة بالنوم من خصائصه -ﷺ-، وقيل: من خصائص الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين، وقد سبق مما يتعلق بهذا الكلام في (باب الأذان) في قصة ليلة التعريس.\n١١٩١ - [٤] (وعنها) قوله: (منها الوتر) ركعة أو ثلاث، ومنها (ركعتا الفجر)","vol":"3","page":308},{"text":"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٣٨].\n١١٩٢ - [٥] وَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِاللَّيْلِ. فَقَالَتْ: سَبْعٌ وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً سِوَى رَكْعَتَي الْفَجْرِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١١٣٩].\n١١٩٣ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِيُصَلِّيَ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٦٧].\n١١٩٤ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَلْيَفْتَتِحِ الصَّلَاةَ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٦٨].\nــ\nوالتحقيق أنها سوى ركعتي الفجر، كما جاء في الأحاديث، وإنما ذكرت -﵄- ركعتي الفجر مع صلاة الليل لقربهما منها وانتهائها إليهما.\n١١٩٢ - [٥] (مسروق) قوله: (وإحدى عشرة ركعة سوى ركعتي الفجر) يوافق رواية ثلاث عشر مع ركعتي الفجر.\n١١٩٣ - [٦] (عائشة) قوله: (بركعتين خفيفتين) لعلهما ركعتا الوضوء، ويستحب فيها التخفيف لورود الأخبار به فعلًا وقولًا (١).\n١١٩٤ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (فليفتتح) الأمر للندب.\n_________\n(١) قال القاري: وَالأَظْهَرُ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ جُمْلَةِ التَّهَجُّدِ يَقُومَانِ مَقَامَ تَحِيَّةِ الْوُضُوءِ؛ لأَنَّ الْوُضُوءَ لَيْسَ لَهُ صَلَاةٌ عَلَى حِدَةٍ، فَيَكُونُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ أَرَادَ أَمْرًا يَشْرَعُ فِيهِ قَلِيلًا لِيتَدَرَّجَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: لِيَحْصُلَ بِهِمَا نَشَاطُ الصَّلَاةِ وَيَعْتَادَ بِهِمَا، ثُمَّ يَزِيدُ عَلَيْهِمَا بَعْدَ ذَلِكَ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٩٠٣).","vol":"3","page":309},{"text":"١١٩٥ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ لَيْلَةً، وَالنَّبِيُّ -ﷺ- عِنْدَهَا، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً، ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ أَوْ بَعْضُهُ قَعَدَ، فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَرَأَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى الْقِرْبَةِ، فَأَطْلَقَ شِنَاقَهَا، ثُمَّ صَبَّ فِي الْجَفْنَةِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءًا حَسَنًا بَيْنَ الْوُضُوءَيْنِ. . . . .\nــ\n١١٩٥ - [٨] (ابن عباس) قوله: (فتحدث رسول اللَّه -ﷺ- مع أهله) يدل على جواز الكلام المباح الذي فيه مصلحة بعد العشاء بلا كراهة، وقد سبق الكلام فيه في (باب أوقات الصلاة).\nوقوله: (فلما كان ثلث الليل الآخر) كان تامة، والآخر صفة الثلث، أي: فلما بقي من الليل مقدار الثلث.\nوقوله: (أو بعضه) أي: بعض الثلث الآخر، وهو السدس مثلًا.\nوقوله: (حتى ختم السورة) وورد في بعض الروايات: إلى ﴿لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.\nوقوله: (فأطلق) أي: حل (شناقها) بكسر الشين المعجمة وتخفيف النون والقاف: خيط أو سير يشد به فم القربة، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (ثم صب في الجفنة) استعمال (ثم) للترتيب والتراخي في الذكر والبيان، أو للإشارة إلى أن أفعاله -ﷺ- كانت واقعة بالتؤدة والوقار من غير استعجال واضطراب.\nوقوله: (بين الوضوئين) أي: متوسط بين إسراف وتقتير.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٢٨).","vol":"3","page":310},{"text":"لَمْ يُكْثِرْ وَقَدْ أَبْلَغَ، فَقَامَ فَصَلَّى، فَقُمْتُ وَتَوَضَّأْتُ، فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَأَخَذَ بِأُذُنِي فَأَدَرَنِي عَنْ يَمِيِنِهِ، فَتَتَامَّتْ صَلَاتُهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رِكْعَةً، ثُمَّ اضْطَجَعَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، وَكَانَ إِذَا نَامَ نَفَخَ، فَآذَنَهُ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَكَانَ فِي دُعَائِهِ: \"اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا، وَفِي بَصَرِي نُورًا، وَفِي سَمْعِي نُورًا، وَعَنْ يَمِيِنِي نُورًا، وَعَنْ يَسَارِي نُورًا، وَفَوْقِي نُورًا، وَتَحْتِي نُوْرًا، وَأَمَامِي نُوْرًا، وَخَلْفِي نُورًا، وَاجْعَلْ لِي نُورًا\". وَزَادَ بَعْضُهُمْ: \"وَفِي لِسَانِي نُورًا\" وَذُكِرَ: \"وَعَصَبِي وَلَحْمِي وَدَمِي وَشَعَرِي وَبَشَرِي\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: \"وَاجْعَلْ فِي نَفْسِي نُورًا، وَأَعْظِمْ لِي نُورًا\" وَفِي أُخْرَى لِمُسْلِمِ: \"اللَّهُمَّ أَعْطِنِي نُوْرًا\". [خ: ٦٣١٦، م: ٧٦٣].\n١١٩٦ - [٩] وَعَنْهُ: أَنَّهُ رَقَدَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَاستَيْقَظَ، فَتَسَوَّكَ، وَتَوَضَّأَ وَهُوَ يَقُول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. . . . .\nــ\nوقوله: (لم يكثر) أي: في صب الماء (وقد أبلغ) أي: أبلغ الماء إلى الأعضاء وأسبغ الوضوء.\nوقوله: (فتتامت) بتشديد الميم تفاعلت من تمت، أي: تكاملت.\nوقوله: (فآذنه) بمد الهمزة أي أعلمه بعد الأذان.\nوقوله: (وذُكِرَ: وعصبي ولحمى) وزاد في بعض الروايات وعظمي ومخي.\n١١٩٦ - [٩] (وعنه) قوله: (أنه رقد) نقل الكلام ابن عباس -﵄-، الظاهر: إني رقدت، قال الرضي: يجوز الوجهان، قال زيد: إنه قائم، وإني قائم.\nوقوله: (وتوضأ وهو يقول) جاء قراءة هذه الآيات بعد الاستيقاظ والنظر إلى","vol":"3","page":311},{"text":"حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَطَالَ فِيهِمَا الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَنَامَ حَتَّى نَفَخَ، ثمَّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ سِتَّ رَكَعَاتٍ، كُلَّ ذَلِكَ يَسْتَاكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيَقْرَأُ هَؤُلَاءِ الآيَاتِ، ثُمَّ أَوْتَرَ بِثَلَاثٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٦٣].\n١١٩٧ - [١٠] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: لأَرْمُقَنَّ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- اللَّيْلَةَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ،\nــ\nالسماء وعند الوضوء أيضًا.\nوقوله: (ثم فعل ذلك) ثم للتراخي في الإخبار.\nوقوله: (ست ركعات) بدل من قوله: (فعل ذلك ثلاث مرات) بتقدير: صلى ست ركعات.\nوقوله: (كل ذلك) بالنصب على الظرفية، أي: كلَّ مرة من تلك المرات يستاك.\nوقوله: (ثم أوثر بثلاث) هذا دليل على شرعية الوتر ثلاثًا، وكثير من الروايات جاءت بركعة واحدة، وبالغ بعض الشافعية في تزييف القول بالثلاث، وقد وردت أحاديث وآثار صحيحة في ذلك، والحق أن الإيتار بثلاث ركعات أو ركعة واحدة مختلف فيه بين العلماء من الصحابة وبعدهم، وكلاهما مشروع، وسيجيء الكلام فيه في (باب الوتر)، وهذا الاختلاف في الأَولى والأفضل، وإلا فلا خلاف لأحد في الإيتار بالثلاث.\n١١٩٧ - [١٠] (زيد بن خالد الجهني) قوله: (لأرمقن) أي: قلت: لأرمقن صلاة رسول اللَّه -ﷺ- حتى أرى كم يصلي وكيف يصلي فأحفظها، فذهبت فرأيت أنه صلى ركعتين خفيفتين. . . الحديثَ، ويدل على هذا المعنى ما يأتي في الفصل الثالث من","vol":"3","page":312},{"text":"ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا [ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا]، ثُمَّ أَوْتَرَ، فَذَلِكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nقَوْلُهُ: \"ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَهُمَا دُونَ اللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا\" أَرْبَعَ مَرَّاتٍ هَكَذَا فِي \"صَحِيحِ مُسْلِمٍ\" وأَفْرَادِهِ مِنْ كِتَابِ الْحُمَيْدِي، و\"مُوَطَّأ مَالِكٍ\" وَ\"سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ\"، وَ\"جَامِعِ الأُصُولِ\". [م: ٧٦٥، الجمع بين الصحيحين: ١/ ٣٣٨، ط: ٣٩٧، د: ١١٥٩، جامع الأصول: ٤١٩٦].\nــ\nحديث حميد بن عبد الرحمن بن عوف، فأرمقن مجعول على الاستقبال حقيقة، وقال الطيبي (١): عدل عن الماضي إلى المضارع استحضارًا لتلك الصورة (٢)، فافهم. والرمق في الأصل النظر إلى الشيء بالعداوة شزرًا طويلًا فاستعير في النظر بالتأمل.\nوقوله: (طويلتين طويلتين طويلتين) كرر ثلاث مرات مبالغة في بيان الطول.\nوقوله: (فذلك ثلاث عشرة ركعة) مبني على الإيتار بالثلاث إن لم تدخل الركعتان الخفيفتان تحت المجمل، وعلى الإيتار بركعة إن دخلتا، والظاهر هو الأول.\nوقوله: (أربع مرات) رد على (المصابيح) ففيه: (ثلاث مرات)، وهو مبني على\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٠٠).\n(٢) قال القاري: وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ قَبْلَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِهِ نهَارًا، ثُمَ رَمَقَهُ فَصَلَّى. . . إِلَخْ. وَحِينَئِذٍ فَالْمُضَارعُ عَلَى حَالِهِ. اهـ. وَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ، وَلَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا عَلَى تَقْدِيرِ تَقْدِيرَاتٍ كَثِيرَةٍ كَمَا لَا يَخْفَى.\"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٩٠٦).","vol":"3","page":313},{"text":"١١٩٨ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵄- قَالَتْ: لَمَّا بَدَّنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَثَقُلَ، كَانَ أَكْثَرُ صَلَاتِهِ جَالِسًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١١٨، م: ٧٣٢].\n١١٩٩ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ،\nــ\nدخول الخفيفتين، واللَّه أعلم. وقد يقال في توجيه ما في (المصابيح): إن قوله: (طويلتين طويلتين طويلتين) محمول على ست ركعات بحذف العطف، والركعتان الخفيفتان خارجتان والوتر بركعة، والأظهر أن التكرير للمبالغة في الطول.\n١١٩٨ - [١١] (عائشة) قوله: (لما بدن رسول اللَّه -ﷺ-) قال في (مشارق الأنوار) (١): رويناه بضم الدال مخففة وبفتحها مشددة، وكذا قيدناه على القاضي الشهيد، وأنكر ابن دريد وغير واحد ضم الدال هنا؛ لأن معناه: عظم بدنه وكثر لحمه، قالوا: وليست هذه صفته -ﷺ-، قالوا: والصواب التثقيل؛ لأنه بمعنى أسن أو ثقل في السن، والحجة لصحة الروايتين معًا ما وقع مفسرًا في حديث عائشة -﵄- في الرواية الأخرى: فلما أسنَّ وأخذه اللحم، والحجة للرواية الأولى قولها في الحديث الآخر: معتدل الخلق بَدُن آخر زمانه، والحجة للرواية الثانية قولها: حتى إذا كبر، وقوله في حديث أبي هالة: بادن متماسك، أي: عظيم البدن مشتدُّه غير مترهل ولا خوار، وفي (مجمع البحار) (٢): ورواية التثقيل هي التي نصها العلماء، فالمعنى: ثقل ضعف، فتدبر.\n١١٩٩ - [١٢] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (لقد عرفت النظائر التي كان النبي -ﷺ- يقرن بينهن) النظائر جمع نظيرة، وقد يجيء جمع نظورة بمعنى الخيار، ونظائر الجيش\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ١٢٥).\n(٢) \"مجمع البحار\" (١/ ١٦١ - ١٦٢).","vol":"3","page":314},{"text":"فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ عَلَى تَأْلِيفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، سُورَتَيْنِ فِي رَكْعَةٍ آخِرُهُنَّ ﴿حم﴾ [الدخان: ١] وَ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ: ١]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٩٦، م: ٧٢٢].\nــ\nأفاضلهم، والظاهر ههنا أن يكون جمع نظيرة، والمراد السور التي تتماثل في الطول والقصر، وقيل: في المعاني والمواعظ والحكم والقصص لا في عدد الآي، أو هو المراد بالتقريب، و(يقرن) بضم الراء وكسرها.\nوقوله: (على تأليف ابن مسعود) اعلم أن هذا التأليف الذي يقرأ الناس القرآن عليه إلى يومنا تأليف زيد بن ثابت، وعليه المدار والاتفاق، وقد كان لأبيٍّ تأليف، ولابن مسعود تأليف آخر، هما شاذان مخالفان لهذا التأليف، وقد ذكرا في (كتاب الإتقان) (١) للسيوطي، فيقول ابن مسعود -﵁-: كان رسول اللَّه -ﷺ- قد يقرأ عشرين سورة من أول المفصل في كل ركعة سورتين، وقد ذكر الطيبي (٢) وغيره هذه السور بما يخالف في الترتيب لما في (الإتقان).\nواعلم أن ترتيب الآي القرآنية توقيفي بلا شبهة وعليه الإجماع، ولم يخالف في ذلك أحد؛ فإن جبرئيل ﵇ كان يوقف رسول اللَّه -ﷺ- عند نزول كل آية: أن هذه الآية تكتب عقيب آية كذا في سورة كذا، فثبت أن سعي الصحابة كان في جمعه في موضع واحد لا في ترتيبه، فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب أنزله اللَّه تعالى جملة إلى السماء الدنيا، ثم كان ينزله مفرقًا عند الحاجة، وترتيب النزول على غير ترتيب التلاوة.\n_________\n(١) انظر: \"الإتقان في علوم القرآن\" (ص: ٧٣).\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٠٣).","vol":"3","page":315},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-405> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٢٠٠ - [١٣] عَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ -ﷺ- يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ وَكَانَ يَقُولُ: \"اللَّهُ أَكْبَرُ\" ثَلَاثًا \"ذُو الْمَلَكُوتِ وَالْجَبَرُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ\" ثُمَّ اسْتَفْتَحَ فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ،\nــ\nأما ترتيب السور فهل هو توقيفي أيضًا أو باجتهاد من الصحابة، فيه خلاف، فجمهور العلماء على الثاني، ومما استدل به لذلك اختلاف مصاحف السلف في ترتيب السور، فمنهم من رتبها على النزول، وهو مصحف علي -﵁-، كان أوله ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]، ثم المدثر، ثم المزمل، ثم تبت، ثم التكوير، وهكذا إلى آخر المكي والمدني، وكان أول مصحف ابن مسعود البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران على اختلاف شديد، وكذا مصحف أبيّ وغيره، ومنهم من قال: ترتيب السور والآيات كلاهما توقيفي، ومعنى قولهم: إن ترتيب السور باجتهاد الصحابة: أنهم اجتهدوا وكابدوا في تحقيق ترتيبها فرتبوها كما كانت بخلاف الآيات؛ فإنها معروفة ومعلومة بلا شبهة، والقول المشهور هو الأول، وعليه يبتني قوله: (على تأليف ابن مسعود -﵁-)، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n١٢٠٠ - [١٣] (حذيفة) قوله: (ذو الملكوت) مبالغة في الملك؛ كالرحموت والرغبوت والرهبوت.\nوقوله: (والجبروت) مبالغة في الجبر بمعنى القهر والغلبة.\nوقوله: (والكبرياء والعظمة) قريب في المعنى، ولو حمل أحدهما على الذات والآخر على الصفات لكان وجهًا.\nوقوله: (فقرأ البقرة) أي: بعد الفاتحة.","vol":"3","page":316},{"text":"ثُمَّ رَكَعَ فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، فَكَانَ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ: \"سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ\"، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، فَكَانَ قِيَامُهُ نَحْوًا مِنْ رُكُوعِهِ يَقُولُ: \"لِرَبِّيَ الْحَمْدُ\"، ثُمَّ سَجَدَ، فَكَانَ سُجُودُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، فَكَانَ يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: \"سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى\"، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، وَكَانَ يَقْعُدُ فِيمَا بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ نَحْوًا مِنْ سُجُودِهِ، وَكَانَ يَقُولُ: \"رَبِّ اغْفِرْ لِي رَبِّ اغْفِرْ لِي\" فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَرَأَ فِيهِنَّ الْبَقَرَةَ، وَآلَ عِمْرَانَ، وَالنِّسَاءَ، وَالْمَائِدَةَ، أَوِ الأَنْعَامَ، شَكَّ شُعْبَة. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٨٧٤].\n١٢٠١ - [١٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ. . . . .\nــ\nوقوله: (فكان ركوعه نحوًا من قيامه) أي: في التطويل، فكما طوَّل القيام عن القدر المعهود كذلك طوَّل الركوع لا أنه كان مقدار القيام حقيقة، وكذا في البواقي، وقد كان كذلك في صلاة الخسوف والكسوف.\nوقوله: (فكان قيامه) أي: اعتداله، هكذا أولوه، ولكن قد جاء في حديث النسائي (١) عن عوف بن مالك في صلاة التهجد: فلما ركع مكث قدر سورة البقرة، ويقول في ركوعه: سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة، وكان المقروء فيها أيضًا سورة البقرة، فهذا صريح في أن ركوعه كان على قدر القيام، والصواب أنه قد كان في بعض الأحيان كذلك، والغالب ما ذكروا، واللَّه أعلم.\n١٢٠١ - [١٤] (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص) قوله: (من قام بعشر آيات) أي:\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (١٠٤٩).","vol":"3","page":317},{"text":"لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِئَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطِرِينَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٣٩٨].\n١٢٠٢ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ -ﷺ- بِاللَّيْلِ يَرْفَعُ طَوْرًا وَيَخْفِضُ طَوْرًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٣٢٨].\n١٢٠٣ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ -ﷺ- عَلَى قَدْرِ مَا يَسْمَعُهُ مَنْ فِي الْحُجْرَةِ وَهُوَ فِي الْبَيْتِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٣٢٧].\nــ\nأتى بها وقرأها، مِن قام بالأمر، والظاهر أن المراد قيام الليل يدل عليه إيراده في (باب قيام الليل).\nوقوله: (لم يكتب من الغافلين) وهذا أدنى المراتب.\nوقوله: (كتب من القانتين) أي: المطيعين أو المطيلين للقيام في صلاته ومن الذين قاموا بأمر اللَّه ولزموا طاعته، وهذا أوسط الدرجات.\nوقوله: (كتب من المقنطرين) أي: المكثرين من الثواب، والقنطار هو المال الكثير، قيل: أقله سبعون ألف دينار، وهو أعلى المقامات.\n١٢٠٢ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (كانت قراءة النبي -ﷺ-) يعني: في الصلاة أو في غيرها أو أعم منهما، وخبر كان محذوف، أي: مختلفة.\nوقوله: (يرفع طورًا ويخفض طورًا) بيان له، ويحتمل أن يكون هو خبرًا بتقدير الضمير؛ أي: يرفع بها صوته، والطور: التارة.\n١٢٠٣ - [١٦] (ابن عباس) قوله: (من في الحجرة) المراد بالحجرة صحن البيت، ويحتمل أن يكون المراد بالبيت الحجرة نفسها، أي: يسمع من في الحجرة، وهو فيها، كذا في بعض الشروح.","vol":"3","page":318},{"text":"١٢٠٤ - [١٧] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خَرَجَ لَيْلَةً، فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ يُصَلِّي يَخْفِضُ مِنْ صَوْتِهِ، وَمَرَّ بِعُمَرَ وَهُوَ يُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَهُ، قَالَ: فَلَمَّا اجْتَمَعَا عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"يَا أَبَا بَكْرٍ مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي تَخْفِضُ صَوْتَكَ\"، قَالَ: قَدْ أَسْمَعْتُ مَنْ نَاجَيْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَالَ لِعُمَرَ: \"مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تُصَلِّي رَافِعًا صَوْتَكَ\"، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُوقِظُ الْوَسْنَانَ وَأَطْرُدُ الشَّيْطَانَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"يَا أَبَا بَكْرٍ ارْفَعْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا\"، وَقَالَ لِعُمَرَ: \"اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ شَيْئًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ [د: ١٣٢٩، ت: ٤٤٧].\n١٢٠٥ - [١٨] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى أَصْبَحَ بِآيَةٍ، وَالآيَةُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ن في الكبرى: ١٠٨٣، جه: ١٣٥٠].\nــ\n١٢٠٤ - [١٧] (أبو قتادة) قوله: (أوقظ الوسنان) الوَسَنُ والوَسْنةُ والسَّنةُ ثقل النوم، وأوله النعاس.\nوقوله: (فقال النبي -ﷺ-: يا أبا بكر ارفع من صوتك. . . إلخ) هداية للطريق الوسط الذي هو خير الأمور، وتصرف بتغيير ما هما عليه وسكنا به، وذلك من عادة المرشدين وتصرفهم.\n١٢٠٥ - [١٨] (أبو ذر) قوله: (﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ الآية) وهذه الآية من قول عيسى ﵇ في حق قومه، وكأنه عرض رسول اللَّه -ﷺ- حال أمته على اللَّه سبحانه واستغفر لهم.","vol":"3","page":319},{"text":"١٢٠٦ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَي الْفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ على يَمِينِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٤٢٠، د: ١٢٦١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-406> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٢٠٧ - [٢٠] عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: أَيُّ الْعَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَتْ: الدَّائِمُ، قُلْتُ: فَأَيُّ حِينٍ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَقُومُ إِذا سَمِعَ الصَّارِخَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٣٢، م: ٧٤١].\nــ\n١٢٠٦ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه) (١) قد مر الكلام فيه.\nالْفَصْل الثَّالِث\n١٢٠٧ - [٢٠] (مسروق) قوله: (إذا سمع الصارخ) المراد منه الديك، وجرت العادة بأن الديك يصيح عند نصف الليل غالبًا، كذا في بعض الشروح نقلًا عن الشيخ، وقال صاحب (سفر السعادة) (٢): ويكون صراخه غالبًا بعد انتصاف الليل، انتهى.\nأقول: لعل هذا يختلف باختلاف البلاد، وفي بلادنا يصيح في الثلث الأخير\n_________\n(١) أَيْ: لِيَسْتَرِيحَ مِنْ تَعَبِ قِيَامِ اللَّيْلِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ الْفَرِيضَةَ عَلَى نَشَاطِهِ وَانْبِسَاطِهِ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا أَمْرُ اسْتِحْبَابِ فِي حَقَّ مَنْ تَهَجَّدَ بِاللَّيْلِ. انْتَهَى. فَيَنْبَغِي إِخْفَاؤُهُ وَفِعْلُهُ فِي الْبَيْتِ لَا فِي الْمَسْجِدِ عَلَى مَرْأًى مِنَ النَّاسِ، وَيَحْتَرِسُ مِنْ أَنَّ النَّوْمَ يَأْخُذُهُ فَيُصَلِّي الْفَرْضَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ، كَذَا قَالَهُ السَّيِّدُ زَكَرِيَّا مِنْ مَشَايِخِنَا فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٩١٢).\n(٢) \"سفر السعادة\" (ص: ٧٣).","vol":"3","page":320},{"text":"١٢٠٨ - [٢١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا كُنَّا نَشَاءُ أَنْ نَرَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْنَاهُ، وَلَا نَشَاءُ أَنْ نَرَاهُ نَائِمًا إِلَّا رَأَيْنَاهُ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٦٢٧].\n١٢٠٩ - [٢٢] وَعَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: قُلْتُ وَأَنَا فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: وَاللَّهِ لأَرْقُبَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لِلصَّلَاةِ حَتَّى أَرَى فِعْلَهُ، فَلَمَّا صَلَّى صَلَاةَ الْعِشَاءِ وَهِيَ الْعَتَمَةُ اضْطَجَعَ هَويًّا مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَنَظَرَ فِي الأُفُقِ فَقَالَ: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] حَتَّى بَلَغَ إِلَى ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٤]،\nــ\nبل في السدس الأخير.\n١٢٠٨ - [٢١] (أنس) قوله: (نشاء أن نرى. . . إلخ) قال الطيبي (١): يعني كان أمره قصدًا لا إفراطًا ولا تفريطًا، انتهى. يعني ينام بالليل ويقوم، ولا يقوم الليل كله ولا ينام فيه كله. هذا ويحتمل أن يكون المراد أنه كان -ﷺ- يقوم تارة وينام أخرى، يفعل ذلك المرات في الليل، فمنهم من يتفق [له] رؤيته مصليًّا، ومنهم من يتفق [له] رؤيته نائمًا، قالوا: كان صلاته نصف الليل ونومه نصفه، واللَّه أعلم.\n١٢٠٩ - [٢٢] (حميد بن عبد الرحمن بن عوف) قوله: (للصلاة) اللام بمعنى الوقت.\nوقوله: (هويًا) بفتح الهاء وكسر الواو وتشديد الياء، أي: زمانًا طويلًا، وقيل:\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٠٨).","vol":"3","page":321},{"text":"ثُمَّ أَهْوَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى فِرَاشِهِ، فَاسْتَلَّ مِنْهُ سِوَاكًا، ثُمَّ أَفْرَغَ فِي قَدَحٍ مِنْ إِدَاوَةٍ عِنْدَهُ مَاءً فَاسْتَنَّ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى حَتَّى قُلْتُ: قَدْ صَلَّى قَدْرَ مَا نَامَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى قُلْتُ: قَدْ نَامَ قَدْرَ مَا صَلَّى، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَفَعَلَ كَمَا فَعَلَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ، فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَبْلَ الْفَجْرِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٦٢٦].\n١٢١٠ - [٢٣] وَعَن يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ -ﷺ- عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- وَصَلَاتِهِ؟ فَقَالَتْ: وَمَا لَكُمْ وَصَلَاتُهُ؟ كَانَ يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى، ثُمَّ يُصَلِّي قَدْرَ مَا نَامَ، ثُمَّ يَنَامُ قَدْرَ مَا صَلَّى حَتَّى ثُمَّ نَعَتَتْ قِرَاءَتَهُ، فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٤٦٦، ت: ٢٩٢٣، ن: ١٦٢٩].\n* * *\nــ\nذلك مخصوص بالليل.\nوقوله: (ثم أهوى) أي: مال، وهوى وأهوى بمعنى: سقط من علو إلى سفل.\nوقوله: (فاستل) سل واستل: أخرج الشيء في رفق.\nوقوله: (فاستن) أي: استاك.\n١٢١٠ - [٢٣] (يعلى بن مملك) قوله: (يعلى) بفتح التحتانية واللام (بن مملك) على وزن جعفر.\nوقوله: (وما لكم وصلاته؟) الواو بمعنى مع، أي: ما تصنعون من قراءته","vol":"3","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-407>٣٢ - باب ما يقول إذا قام من الليل</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-408> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٢١١ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ قَالَ: \"اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. . . . .\nــ\nوصلاته، وأنتم لا تستطيعون أن تفعلوا مثله، ففيه نوع استغراب، وقال الطيبي (١): ذكرتْها تحسرًا وتلهّفًا على ما تذكرتْ من أحوال رسول اللَّه -ﷺ-.\n٣٢ - باب ما يقول إذا قام من الليل\nكان رسول اللَّه -ﷺ- يذكر اللَّه ويدعوه في كل أحيانه وأحواله خصوصًا في حال قيام الليل الذي هو أفضل الأوقات والأحوال، ومحلُّ نزول الرب تعالى وسطوعِ أنوار الرحمة والإجابة والقرب والحضور، وذكر في هذا الباب بعض ما يقول ويذكر في هذا الوقت.\nالفصل الأول\n١٢١١ - [١] (ابن عباس) قوله: (يتهجد) في (القاموس) (٢): الهجود: النوم كالتهجُّد، وهَجَّدَ، وتهجَّد: استيقظ، ضد، ثم غلب في الصلاة بالليل، وقيل: التهجد بمعنى ترك الهجود والتجنب عنه، كالتأثم بمعنى التجنب عن الإثم.\nوقوله: (أنت قيم) القيِّم والقيوم والقيَّام بمعنى: الدائم القيام بتدبير الخلق، المعطي لهم ما به قوامهم، أو القائم بنفسه المقيم بغيره، وروي بالألفاظ الثلاثة.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٠٩).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٣٠٩).","vol":"3","page":323},{"text":"وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ،\nــ\nوقوله: (ومن فيهن) التخصيص بالعقلاء لشرفهم وللاهتمام بذكر قيوميته لهم؛ لأن وجود العقل فيهم ربما يوهم بقيامهم بأنفسهم وتدبيرهم لهم.\nوقوله: (أنت نور السماوات والأرض) أي: منوِّرهما وهادي أهلهما، وقيل: أنت المنزَّه عن كل عيب، يقال: فلان منوّر، أي: مبرأ من كل عيب، وقيل: هو اسم مدح، يقال: فلان نور البلد، أي: مزيِّنه، كذا في بعض الشروح، وعند أهل التحقيق: هو محمول على ظاهره، والنور عندهم هو الظاهر بنفسه والمُظْهِر لغيره، وتحقيق الكلام فيه ما ذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥] خصوصًا ما ذكره الإمام الغزالي في (مشكاة الأنوار) في تفسير هذه الآية، ولقد تمت لنا رسالة فارسية مترجمة بما ذكروه، وسنذكر طرفًا منه في (شرح أسماء الحسنى) إن شاء اللَّه تعالى.\nوقوله: (أنت الحق) أي: المحقق الموجود الثابتُ بلا توهُّمِ عدم.\nوقوله: (ووعدك الحق) الحصر للمبالغة، وهذه النكتة تجري في قوله: (وقولك حق)، لكن وعده سبحانه لما تضمن أمورًا عجيبة لا تتناهى من نعيم الجنة ورؤية وجهه الكريم خص المبالغة به.\nوقوله: (ولقاؤك حق) أي: المصير إلى الآخرة، وقيل: رؤيتك، وقد يراد به الموت لكونه وسيلة إلى اللقاء.","vol":"3","page":324},{"text":"اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٢٠، م: ٧٦٩].\n١٢١٢ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ فَقَالَ: \"اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ،\nــ\nوقوله: (لك أسلمت) أي: خضعت واستسلمت.\nوقوله: (وإليك أنبت) أي: رجعت في جميع أموري في الظاهر والباطن، والتوبةُ والإنابة كلاهما بمعنى الرجوع، ومقامُ الإنابة أعلى وأرفع.\nوقوله: (وبك خاصمت) أي: بحجتك وقوتك ونصرتك خاصمت الأعداء.\nوقوله: (وإليك حاكمت) أي: رفعت أمري إليك، فلا حكم إلا لك، والمحاكمة: رفع الأمر إلى القاضي.\nوقوله: (ولا إله غيرك) تأكيد وتصريح بنفي ألوهية الغير بعد ما علم من حصر الألوهية فيه سبحانه.\n١٢١٢ - [٢] (عائشة) قوله: (رب) بالنصب صفة أو بدل، وقد اختلف النحاة في ذلك، وذكر وجهه الطيبي (١)، ثم لم يتعرض أحد من الشراح فيما نرى لعدم التعرض بذكر عزرائيل ﵇ مع كونه أحد هؤلاء الأربعة الملائكة العظام، ولعل وجهه: أن المقام مقام القيام الذي في حكم الحياة، فوضعه تعالى بالملك والبقاء والإبقاء والقيومية\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٣/ ١١٤).","vol":"3","page":325},{"text":"فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٧٠].\n١٢١٣ - [٣] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي\" -أَوْ قَالَ: . . . . .\nــ\nوالإيجاد، وهذه الصفات متعلقة بهؤلاء الثلاثة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فاطر السماوات والأرض) أي: مبدعهما ومخترعهما، والفَطر في الأصل بمعنى الشق.\nوقوله: (اهدني لما اختلف) الهداية يتعدى بنفسه وباللام وبإلى، يقال: هداه اللَّه الطريق وله وإليه، فلا حاجة إلى أن يقال: اللام بمعنى إلى، والمراد طلب الثبات على ما اهتدى، أو زيادة المقامات والأنوار التي لا حد ولا نهاية لها، فإن مقامات القرب غير متناهية، ولذا أُمر رسول اللَّه -ﷺ- بقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤].\nوقوله: (بإذنك) أي: بتيسيرك وتوفيقك.\n١٢١٣ - [٣] (عبادة بن الصامت) قوله: (من تعار من الليل) بتشديد الراء، أي: انتبه واستيقظ، وقيل: تقلَّب، وقيل: تمطَّى، ويستعمل في انتباه معه صوت، يقال: تعار الرجل: إذا هب من نومه مع صوت، مأخوذ من عِرار الظليم، وهو صوته، يقال: عارَّ الظليم وتعارَّ، ويقال: عرَّ الظليم يَعِرُّ عِرارًا بالكسر: صاح، أراد أنه هب من نومه","vol":"3","page":326},{"text":"\"ثمَّ دَعَا\"- اسْتُجِيْبَ لَهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى قُبِلَتْ صَلَاتُهُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١١٥٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-409> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٢١٤ - [٤] عَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: \"لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي، وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ، اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْمًا، وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٦١].\n١٢١٥ - [٥] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَبِيتُ عَلَى ذِكْرٍ طَاهِرًا. . . . .\nــ\nذاكرًا للَّه سبحانه مع الهبوب، وعلى هذا يكون الفاء في قوله: (فقال) للتفسير لما تكلم به المستيقظ، ولو أريد به الاستيقاظ مطلقًا تجريدًا على بعض المعنى كانت للتعقيب.\nوقوله: (استجيب له) قال بعضهم: يقال لهذا الدعاء: درهم الكيس، باعتبار أن إجابته مهيأة قريبة.\nوقوله: (فصلى) في أكثر النسخ: (وصلى) بالواو.\nالفصل الثاني\n١٢١٤ - [٤] (عائشة) قوله: (اللهم زدني علما) طلب المزيد من العلم لكونه غير متناه، وقيل: هو طلب لتنزيل القرآن نجمًا فنجمًا لكونه مَهْذبة ومأدَبة.\n١٢١٥ - [٥] (معاذ بن جبل) قوله: (يبيت) أي: ينام على ذكر من الأذكار.\nوقو له: (طاهرًا) أي: متوضئًا.","vol":"3","page":327},{"text":"فَيَتَعَارُّ مِنَ اللَّيْلِ، فَيسْأَل اللَّهُ خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٥/ ٢٤١، د: ٥٠٤٢].\n١٢١٦ - [٦] وَعَنْ شَرِيقٍ الْهَوْزَنِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَسَأَلْتُهَا: بِمَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَفْتَتِحُ إِذَا هَبَّ مِنَ اللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ: سَأَلْتَنِي عَنْ شَيْءٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ، كَانَ إِذَا هَبَّ مِنَ اللَّيْلِ كَبَّرَ عَشْرًا، وَحَمِدَ اللَّهَ عَشْرًا، وَقَالَ: \"سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ\" عَشْرًا، وَقَالَ: \"سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ\" عَشْرًا، وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ عَشْرًا، وَهَلَّلَ اللَّهَ عَشْرًا، ثُمَّ قَالَ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا وَضِيقِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ\" عَشْرًا، ثُمَّ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٨٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-410> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٢١٧ - [٧] عَن أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ كَبَّرَ ثُمَّ يَقُولُ: . . . . .\nــ\nوقوله: (فيتعار) بصيغة المضارع، وفي بعض النسخ بلفظ الماضي.\n١٢١٦ - [٦] قوله: (شريق) بفتح المعجمة وكسر الراء وبقاف.\nوقوله: (إذا هبَّ) أي: استيقظ.\nوقوله: (اللهم إني أعوذبك من ضيق الدنيا) عبارةٌ عن مكارهها التي يضيق بها الصدر ويزيغ القلب، ويقال لهذا الدعاء: المعشرات السبع، كما يقال للورد المشهور بين المشايخ: المسبعات العشر، فعليك بهما.\nالفصل الثالث\n١٢١٧ - [٧] (أبو سعيد) قوله: (ثم يقول) معنى التراخي في المواضع الثلاثة","vol":"3","page":328},{"text":"\"سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ\" ثُمَّ يَقُولُ: \"اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا\"، ثُمَّ يَقُولُ: \"أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ بَعْدَ قَوْلِهِ: \"غَيْرُكَ\" ثُمَّ يَقُولُ: \"لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ\" ثَلَاثًا، وَفِي آخِرِ الْحَدِيثِ: ثُمَّ يَقْرَأُ. [ت: ٢٤٢، د: ٧٧٥، ن: ٨٩٩].\n١٢١٨ - [٨] وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كَعْبٍ الأَسْلَمِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَبِيتُ عِنْدَ حُجْرَةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَكُنْتُ أَسْمَعُهُ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْل يَقُولُ: \"سُبْحَانَ رَبِّ الْعَالِمِينَ\" الْهَوِيَّ، ثُمَّ يَقُولُ: \"سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ\" الْهَوِيَّ. . . . .\nــ\nلأجل أنه -ﷺ- كان يقول هذه الأذكار بتأن وتدريج وتأمل وتدبر، فيتراخى كل منها عن الآخر، والزمان المعتبر في التراخي ليس له حد مضبوط، بل موكول إلى اعتبار المتكلم، ويختلف باعتبار الأحوال والأفعال التي اعتبر فيها، خصوصا إن اعتبرت هذه الأقوال من حيث مباديها، فافهم.\nوقال الطيبي (١): ثم فيها لتراخي الإخبار، وقال: ويجوز أن يكون لتراخي الأقوال في ساعات الليل، وكانه أراد بالوجه الثاني مثل ما ذكرناه، فتأمل.\nوقوله: (من همزه ونفخه ونفثه) أرادوا بالهمز الوسوسة، وبالنفخ الكِبر، وبالنفث الشعر، وقيل: السحر، وكل هذه يحث عليها الشيطان ويرضى بها.\n١٢١٨ - [٨] (ربيعة بن كعب الأسلمي) قوله: (ربيعة) بفتح الراء.\nوقوله: (الهوي) الحين الطويل، أي: يقول هذا القول زمنًا طويلًا.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١١٨).","vol":"3","page":329},{"text":"رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ن: ١٦١٨، ت: ٣٤١٦].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-411>٣٣ - باب التحريض على قيام الليل</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-412> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٢١٩ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ،\nــ\n٣٣ - باب التحريض على قيام الليل\nالتحريض: الحث، اعلم أن فضائل قيام الليل كثيرة، منها أن اللَّه ينزل رحمته على العباد، وَيقْرب منهم بالفضل والكرم، فيجيب دعاءهم ويعطي سؤلهم ويغفر ذنوبهم، وقد أمر اللَّه سبحانه نبيه المصطفى -ﷺ- بالتهجد، ووعده بأن يبعثه مقامًا محمودًا، ولا بد يكون لمن يتبعه فيه نصيب من هذا المقام وقبس من تلك الأنوار، وكفى به فضلًا.\nالفصل الأول\n١٢١٩ - [١] (أبو هريرة) قوله: (يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم) القافية: القفا وهو وراء العنق، كذا في (القاموس) (١)، وقال القاضي عياض (٢): على قافية\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢١٧).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٣٢٤).","vol":"3","page":330},{"text":"يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ،\nــ\nأحدكم، أي: قفاه، ومنه قافية الشعر لأنها آخر البيت وخلفه. وقال التُّورِبِشْتِي (١): القافية: القفا وهو مؤخر الرأس، وقفا كلَّ شيء وقافيته: آخره، ومنه قافية الشعر. هذا، وقال صاحب (النهاية) (٢): القافية: القفا، وقيل: قافية الرأس مؤخَّره، وقيل: وسطه، أقوال. وعَقْدُ الشيطان قيل: هو على الحقيقة، وأنه كما يعقد الساحر من يسحره، أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ بأن يأخذن خيطًا فيعقدن عليه ويتكلمن عليه ما يسحر، وهل المعقود في شعر الرأس أو غيره وهو الأقرب، إذ ليس لكل أحد شعر في رأسه، كذا قيل، وقيل: على المجاز، وهو تصوير وتمثيل؛ لأن مِن شأن مَن يُؤْثِق أحدًا أن يضرب على وثاقه ثلاث عقد، وهو غاية الاستيثاق عادة، فيكون من الانحلال والانفلات على ثقة، والذي يُشد قافية رأسه بثلاث عقد لا يكاد يمضي بشأنه إلا بعد انحلالها، والمراد أن الشيطان يحبِّب إليه النوم، ويزين له الدعة والاستراحة، ويسوَّل له كلما انتبه أنه لم يستوف حظه من النوم، فيوثقه عن القيام إلى العبادة، ويبطيه بتلك التسويلات عن النهوض إليها.\nوقوله: (يضرب) أي: يلقي الشيطان، من ضَرَبَ الشبكة على الطائر: ألقاها عليه (على كل عقدة) يعقدها، أي: يلقي في نفس النائم وشموله واقعًا ومستوليًا على كل عقد هذا القول: (عليك ليل طويل) مبتدأ وخبر، أي: باق عليك قطعة طويلة من الليل، كما يجيء في (باب الوتر) في الفصل الثالث: (فرأى أن عليه ليلًا).\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٣١٢).\n(٢) \"النهاية\" (٤/ ٩٤).","vol":"3","page":331},{"text":"فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ،\nــ\nوظاهر الحديث العموم، وقيل: يخصَّص من ذلك من صلى العشاء في جماعة، وكذا يخصَّص المحفوظون كالأنبياء وخُلّص عباده كقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠]، وقاري آية الكرسي عند نومه، كذا في (مجمع البحار) (١).\nثم قيل في تخصيص القفا والرأس: لأنه إجابة إلى دعوته، ويجوز أن يقال: إن سبب النوم هو صعود الرطوبات من محل القوة الوهمية ومحل تصرفها، فهي أطوع للشيطان وأسرع الجوف إلى الدماغ، فتصرُّف الشيطان في استجلاب النوم وتثقيله إنما هو في الرأس وأجزائه.\nوقوله: (فإن صلى انحلت عقدة) بلفظ الإفراد في نسخة (المشكاة) و(المصابيح)، قال القاضي عياض في (المشارق) (٢): بلفظ الإفراد في جميعها، واختلف في الآخر منها، فوقع في (الموطأ) لابن وضاح: (عقده) على الجمع، وكذا ضبطناه في البخاري، وكلاهما صحيح، والجمع أوجَهُ لا سيما وقد جاء في رواية مسلم في الأول: عقدة، وفي الثاني: عقدتان، وفي الثالث: انحلت العقد، وفي (البخاري) في (كتاب بدء الخلق): (انحلت عقده كلها). ثم الظاهر أن المراد على رواية لفظ الجمع أنه يتم بالصلاة انحلال العقد، كما يصرح به رواية مسلم، وفي شرح الشيخ (٣): ظاهره أن العقد تنحل كلها بالصلاة خاصة، قال: وهو كذلك في حق من لم يحتج إلى الطهارة كمن نام متمكنًا مثلًا، ثم انتبه فصلى من قبل أن يذكر أو يتطهر؛ لأن الصلاة تتضمن [الطهارة\n_________\n(١) مجمع البحار\" (٤/ ٣١٢).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٧٥).\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٢٩٥).","vol":"3","page":332},{"text":"فَأَصْبَحَ نشَيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٤٢، م: ٧٧٦].\n١٢٢٠ - [٢] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: قَامَ النَّبِيُّ -ﷺ- حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا، وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: \"أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨٣٦، م: ٢٨١٩].\n١٢٢١ - [٣] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- رَجُلٌ، فَقِيْلَ لَهُ: مَا زَالَ نائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ مَا قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: \"ذَلِكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ\" أَو قَالَ: \"فِي أُذُنَيْهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٤٤، م: ٧٧٤].\nــ\nو] الذكر، انتهى. ولا يخفى ما فيه، على أن الظاهر أن عقد الشيطان إنما هو لمن استغرق في النوم وانهمك في الغفلة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فأصبح نشيطًا طيب النفس) لأنه يخلص من وثاق الشيطان كمن تخلص من أسر العدو الذي وثقه بالحبائل وعقد عليها.\n١٢٢٠ - [٢] (المغيرة) قوله: (أفلا أكون عبدًا شكورًا) تقديره: أأترك عبادة ربي لما غفر لي فلا أكون شاكرًا على نعمة المغفرة وغيرها مما لا يعد ولا يحصى من خير الدارين؟ والعبادة لا تنحصر في مغفرة الذنوب، بل إنما هي وجبت شكرًا لنعم المولى تعالى.\n١٢٢١ - [٣] (ابن مسعود) قوله: (ما قام إلى الصلاة) أي: صلاة التهجد.\nوقوله: (بال الشيطان في أذنه) العلم بحقيقة المراد منه موكول إلى علم الشارع، ولا مانع من حمله على الحقيقة، فإنه قد نسب الأكل والشرب والقيء والضراط ونحوها إلى الشيطان فلم يمنع البول أيضًا، وقد يُؤول بتأويلات مناسبة؛ منها: مَثَلٌ ضربه","vol":"3","page":333},{"text":"١٢٢٢ - [٤] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةً فَزِعًا يَقُولُ: \"سُبْحَانَ اللَّهِ مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الْخَزَائِنِ؟ وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الْفِتَنِ؟ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الْحُجُرَاتِ\" يُرِيدُ أَزْوَاجَهُ \"لِكَيْ يُصَلِّينَ؟ رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ\" رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٠٦٩].\nــ\n-لغفلته عن الصلاة وعدم سماعه صوت المؤذن- بحالِ من وقع البول في أذنه فثقل سمعه، وفسد حسه، قاله الخطابي.\nومنها: أن المراد أن الشيطان ملأ سمعه من الكلام الباطل وبأحاديث اللغو، فأحدث ذلك في أذنه وقرًا عن استماعه دعوة الحق، قاله التَّورِبِشْتِي (١).\nوقيل: ذلك كناية عن الاستخفاف والإهانة، فإن عادة من استخف بالشيء يبول عليه.\nوقيل: بوله في أذنه كناية عن ضرب النوم، وخص الأذن لكونها حاسة الانتباه، واللَّه أعلم.\n١٢٢٢ - [٤] (أم سلمة) قوله: (سبحان اللَّه) للتعجب من عظمة قدر الحق وكبريائه.\nوقوله: (ماذا أنزل) استفهام بمعنى التعجب. و(الخزائن) كناية عن الرحمة لإضافتها إليها في مواضع من القرآن. و(الفتن) عن العذاب لكونها سببًا له.\nوقوله: (رب) للتكثير. و(كاسية) بمعنى: صاحب كسوة، أي: امرأةٍ أو نفسٍ مكتسية بأنواع الحلي والحلل.\nوقوله: (عارية) مجرور في أكثر الروايات على أنها صفة، وروي بالرفع، أي:\n_________\n(١) انظر: \"كتاب الميسر\" (١/ ٣١٣).","vol":"3","page":334},{"text":"١٢٢٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَنْزِلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. . . . .\nــ\nهي عارية، والجملة صفة.\n١٢٢٣ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا) وروي: يهبط من السماء العليا إلى السماء الدنيا، النزول والهبوط والصعود والحركات من صفات الأجسام، واللَّه تعالى متعال عنه، والمراد: نزول الرحمة وقربُه تعالى من العباد بإنزال الرحمة وإفاضة الأنوار وإجابة الدعوات وإعطاء المسائل ومغفرة الذنوب، وعند أهل التحقيق النزول صفة الرب تعالى وتقدس يتجلى بها في هذا الوقت يُؤْمَن بها ويُكَفُّ عن التكلم بكيفيتها كما هو حكم سائر الصفات المتشابهات مما ورد في الشرع كالسمع والبصر واليد والاستواء ونحوها، وهذا هو مذهب السلف، وهو أسلم، والتأويل طريقة المتأخرين، وهو أحكم (١).\n_________\n(١) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَشِبْهِهِ مِنْ أَحَادِيثِ الصَّفَاتِ وَآيَاتِهَا مَذْهَبَانِ مَشْهُورَانِ، فَمَذْهَبُ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَبَعْضِ الْمُتَكَلَّمِينَ الإِيمَانُ بِحَقِيقَتِهَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِ تَعَالَى، وَأَنَّ ظَاهِرَهَا الْمُتَعَارَفَ فِي حَقَّنَا غَيْرُ مُرَادٍ، وَلَا نَتَكَلَّمُ فِي تَأْوِيلِهَا مَعَ اعْتِقَادِنَا تَنْزِيهَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَنْ سَائِرِ سِمَاتِ الْحُدُوثِ. وَالثَّانِي: مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ مَالِكٍ وَالأَوْزَاعِيِّ: إِنَّمَا تُتَأَوَّلُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهَا بِحَسَبِ بَوَاطِنِهَا، فَعَلَيْهِ: الْخَبَرُ مُؤوَّلٌ بِتَأْوِيلَيْنِ، أَي: الْمَذْكُورَيْنِ، وَبِكَلَامِهِ وَبِكَلَامِ الشَّيْخِ الرَّبَّانِيِّ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيَّ، وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ، وَالْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّتِنَا وَغَيْرِهِمْ يُعْلَمُ أَنَّ الْمَذْهَبَيْنِ مُتَّفِقَانِ عَلَى صَرْفِ تِلْكَ الظَّوَاهِرِ، كَالْمَجِيءِ، وَالصُّورةِ، وَالشَّخْصِ، وَالرِّجْلِ، وَالْقَدَمِ، وَالْيَدِ، وَالْوَجْهِ، وَالْغَضَبِ، وَالرَّحْمَةِ، وَالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ، وَالْكَوْنِ فِي السَّمَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمُّا يُفْهِمُهُ ظَاهِرُهَا؛ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنْ مَجَالَاتٍ قَطْعِيَّةِ الْبُطْلَانِ تَسْتَلْزِمُ أَشْيَاءَ يُحْكَمُ بِكُفْرِهَا بِالإِجْمَاعِ، فَاضْطَرَّ ذَلِكَ جَمِيعَ الْخَلَفِ وَالسَّلَفِ إِلَى صَرْفِ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرهِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ نَصْرِفُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ مُعْتَقِدِينَ اتِّصَافَهُ سُبْحَانهُ بِمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَعَظَمَتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ نؤُوَّلَهُ بِشَيْءٍ آخَرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ السَّلَفِ، =","vol":"3","page":335},{"text":"حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ؟ \". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: . . . . .\nــ\nوقوله: (حين يبقى ثلث الليل الآخر) ووجه تخصيص الثلث الآخر من الليل: وجود خلوص النية من العباد في عبادة اللَّه والتعرض لنفحاته مع صفاء الباطن بانهضام الطعام وخلو المعدة، وبالجملة هو وقتُ جعله اللَّه تعالى محلَّ ظهور الأسرار وهبوط الأنوار كما يجده أهل الذوق والعرفان، قال بعض المشايخ: مما خلق اللَّه في الدنيا أنموذجًا من نعيم الجنة ولذاتها ما يجده أهل العبادة في هذا الوقت من الذوق والتملق ومناجاة الحق وذكره وحضور القلب والسكون والطمأنينة، رزقنا اللَّه.\nوقوله: (فأستجيب له) بالنصب على لفظ المتكلم، وكذا (فأعطيه) و(فأغفر له) جوابًا للاستفهام.\n_________\n= وَفِيهِ تَأْوِيلٌ إِجْمَالِيٌّ، أَوْ مَعَ تَأْوِيِلِهِ بِشَيْءٍ آخَرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْخَلَفِ وَهُوَ تَأْوَيلٌ تَفْصِيِليٌّ، وَلَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ مُخَالَفَةَ السَّلَفِ الصَّالِحِ، مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا دَعَتِ الضَّرُورَةُ فِي أَزْمِنَتِهِمْ لِذَلِكَ؛ لِكَثْرَةِ الْمُجَسِّمَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَغَيْرِهَا مِنْ فِرَقِ الضَّلَالَةِ، وَاسْتِيلَائِهِمْ عَلَى عُقُولِ الْعَامَّةِ، فَقَصَدُوا بِذَلِكَ رَدْعَهُمْ وَبُطْلَانَ قَوْلِهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ اعْتَذَرَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَقَالُوا: لَوْ كُنَّا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنْ صَفَاءِ الْعَقَائِدِ وَعَدَمِ الْمُبْطِلِينَ فِي زَمَنِهِمْ لَمْ نَخُضْ فِي تَأْوِيلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَالِكًا وَالأَوْزَاعِيَّ وَهُمَا مِنْ كِبَارِ السَّلَفِ أَوَّلَا الْحَدِيثَ تَأْوِيلًا تَفْصِيلِيًّا، وَكَذَلِكَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ أَوَّلَ الِاسْتِوَاءَ عَلَى الْعَرْشِ بِقَصْدِ أَمْرِهِ، وَنَظَيرُهُ ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩]، أَيْ: قَصَدَ إِلَيْهَا، وَمِنْهُمُ الإِمَامُ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ، بَلْ قَالَ جَمْعٌ مِنْهُمْ وَمِنَ الْخَلَفِ: إِنَّ مُعْتَقِدَ الْجِهَةِ كَافِرٌ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْعِرَاقِيُّ، وَقَالَ: إِنَّهُ قَوْلٌ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيَّ وَالأَشْعَرِيَّ وَالْبَاقِلَّانِيِّ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٩٢٣).","vol":"3","page":336},{"text":"ثُمَّ يَبْسُطُ يَدَيْهِ وَيَقُولُ: \"مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدُومٍ وَلَا ظَلُومٍ؟ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ\". [خ: ١١٥٤، م: ٧٥٨].\n١٢٢٤ - [٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُل مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٥٧].\n١٢٢٥ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٣١، م: ١١٥٩].\nــ\nوقوله: (يبسط يديه) بسط اليدين إما كناية عن الإعطاء والإضافة كما أريد به هذا المعنى في مواضع أخر، أو عن طلب الطاعة والعبادة من العباد، كما يناسبه قوله: (يقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم) وفيه حث وترغيب على العمل بالطاعة؛ فإن المانع من الإقراض منحصر في كون المستقرَض عدومًا للمال، أي: فقيرًا، وظالمًا بالامتناع عن الأداء وبالنقص فيه أو تأخيره عن وقته.\n١٢٢٤ - [٦] (جابر) قوله: (إن في الليل لساعة) أي: مبهمة كساعة الجمعة وليلة القدر، وقد ورد في بعض الروايات أنها وسط الليل، واللَّه أعلم.\n١٢٢٥ - [٧] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (أحب الصلاة إلى اللَّه تعالى صلاة داود) الحديث، يشكل أنه لم يكن عمل نبينا -ﷺ- دائمًا على هذا الوجه، فالجواب: أن صيغة التفضيل إما بمعنى أصل الفعل أو الأَحَبيَّةُ إضافية محمولة على بعض الوجوه لكونه أقرب إلى الاعتدال وحفظ صحة المزاج، ولِمَا قيل في نوم السدس الأخير من دفع","vol":"3","page":337},{"text":"١٢٢٦ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ -تَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَنَامُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، وَيُحْيِي آخِرَهُ، ثُمَّ إِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى أَهْلِهِ، قَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ يَنَامُ،\nــ\nالكلفة والملال وإبقاء أثر العبادة من صفرة اللون وانكساره، هذا في الصلاة، والوجه في كون صوم داود أحب وأفضل مشهور، وهو ما يدل عليه حديث: (من صام الدهر فكأنه ما صام وما أفطر)، كما بيّن في موضعه، وفعل نبينا -ﷺ- كان مختلفًا طورًا فطورًا يتضمن حكمًا ومصالح لا تعدُّ ولا تحصى، راجعة إلى نفسه الكريمة، وإلى أمته المرحومة أقويائهم وضعفائهم، فافهم، وباللَّه التوفيق.\n١٢٢٦ - [٨] (عائشة) قوله: (تعني) بصيغة التأنيث والضمير فيه لعائشة -﵂-، وهو قول الراوي، ولفظ عائشة -﵂- إنما هو: (كان ينام)، قال الراوي وبيَّن أن ضمير كان راجع إلى رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (ينام أول الليل) لم تفسر الأول كم كان، والظاهر من قولها: (ويُحْيي آخره) أنه كان نصفًا، ويحتمل الزيادة عليه أيضًا، ثم قوله: (آخره) إما مفعول به لـ (يحيى) أو ظرف له، أي: يحيى نفسه فيه، كما ذكروا الوجهين في لفظ إحياء الليل، فافهم.\nو(ثم) في قوله: (ثم إن كانت له حاجة) للتراخي في الزمان أو الإخبار أو الرتبة اهتمامًا وتقديمًا منه -ﷺ- لخالص حقه تعالى وطلب وجهه الكريم على ما فيه شوبُ حظّ النفس وأداء حقها وحق الأهل، وإن كان الكل من قبيل عبادة اللَّه وطاعته وكان له -ﷺ- مشاهدة الحق تعالى في الكل حاصلًا، والتراخي في الرتبة في (ثم) كما يكون بطريق الترقي، كما في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧]، فلا يبعد أن يكون بطريق التنزل، بل هذا أقرب كما في حتى، فتدبر.","vol":"3","page":338},{"text":"فَإِنْ كَانَ عِنْدَ النِّدَاءِ الأَوَّلِ جُنُبًا وَثَبَ فَأَفَاضَ عَلَيْهِ المَاءَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جُنُبًا تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٤٦، م: ٧٣٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-413> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٢٢٧ - [٩] عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأْبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيَّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ عَنِ الإِثْمِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٤٩].\n١٢٢٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ثَلَاثَةٌ يَضْحَكُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ: . . . . .\nــ\nوقوله: (فإن كان عند النداء الأول (١) جنبًا) أي: على تقدير الاشتغال بقضاء الحاجة.\nالفصل الثاني\n١٢٢٧ - [٩] (أبو أمامة) قوله: (ومكفرة) بفتح الميم وسكون الكاف ظرف أو مصدر ميمي من الكفر بمعنى الستر، أي: مكفرة للسيئات، وكذا قوله: (منهاة) أي: ناهية عن الآثامِ، والحسناتُ كلُّها كفارة للسيئات، ويزيد قيام الليل عليها بكونها ناهية ورادعة لارتكاب الآثام بموجب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].\n١٢٢٨ - [١٠] (أبو سعيد الخدري) قوله: (ثلاثة يضحك اللَّه إليهم) كناية عن\n_________\n(١) قال القاري: قِيلَ: أَيْ: أَذَانُ بِلَالٍ إِذَا مَضَى نِصْفُ اللَّيْلِ، وَالنِّدَاءُ الثَّانِي أَذَانُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ عِنْدَ الصُّبْحِ، وَالأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّدَاءِ الأَوَّلِ الأَذَانُ، وَبِالثَّانِي الإِقَامَةُ، ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ حَجَرٍ نَسَبَ الْقَوْلَ الأَوَّلَ إِلَى غَلَطٍ فَاحِشٍ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٩٢٦).","vol":"3","page":339},{"text":"الرَّجُلُ إِذَا قَامَ بِاللَّيْلِ يُصَلِّي، وَالْقَوْمُ إِذَا صَفُّوا فِي الصَّلَاةِ، وَالْقَوْمُ إِذَا صَفُّوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١/ ٢٢٣].\n١٢٢٩ - [١١] وَعَن عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ الْعَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. [ت: ٣٥٧٩].\nــ\nالرضا عنهم واللطف بهم، والتعدية بإلى لتضمن معنى القرب أو النظر، وهذا إما في الدنيا، أو في الآخرة، أو فيهما معًا.\n١٢٢٩ - [١١] (وعمرو بن عبسة) قوله: (عن عمرو بن عبسة) بالفتحات.\nوقوله: (في جوف الليل (١» يحتمل كونه حالًا من العبد أو الرب، والتركيب من قبيل قوله: وأخطب ما يكون الأمير قائمًا، وهذا أتم من قوله: (وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) على مثال قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، والثاني نحو قوله: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء: ٦٢]، وفي صلاة الليل كلا الحالتين حاصلة، فتدبر.\nوقوله: (غريب إسنادًا) ولفظ الترمذي في (جامعه): غريب من هذا الوجه.\n_________\n(١) قال القاري: وَقَالَ مِيرَكُ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا الْقَوْلِ، وَقَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ السُّجُودِ: \"أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ\"؟ قُلْتُ: الْمُرَادُ هَاهُنَا بَيَانُ وَقْتِ كَوْنِ الرَّبِّ أَقْرَبَ مِنَ الْعَبْدِ، وَهُوَ جَوْفُ اللَّيْلِ، وَالْمُرَادُ هُنَا بَيَانُ أَقْرَبِيَّةِ أَحْوَالِ الْعَبْدِ مِنَ الرَّبِّ وَهُوَ حَالُ السُّجُودِ. تَأَمَّلْ. اهـ. يَعْنِي فَإِنَّهُ دَقِيقٌ وَبِالتَّأَمُّلِ حَقِيقٌ، وَتَوْضِيحُهُ: أَنَّ هَذَا وَقْتُ تَجَلٍّ خَاصٌّ بِوَقْتٍ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى فِعْلٍ مِنَ الْعَبْدِ لِوُجُودِهِ لَا عَنْ سَبَبٍ، ثُمَّ كُلُّ مَنْ أَدْرَكَهُ أَدْرَكَ ثَمَرَتَهُ، وَمَنْ لَا فَلَا. غَايَتُهُ أَنَّهُ مَعَ الْعِبَادَةِ أَتَمُّ مَنْفَعَةً وَنَتِيجَةً، وَأَمَّا الْقُرْبُ النَّاشِئُ مِنَ السُّجُودِ فَمُتَوَقِّفٌ عَلَى فِعْلِ الْعَبْدِ وَخَاصٌّ بِهِ، فَنَاسَبَ كُلُّ مَحَلٍّ مَا ذُكِرَ فِيهِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٩٢٨).","vol":"3","page":340},{"text":"١٢٣٠ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّى، وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ. رَحِمَ اللَّه امْرَأَةً قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ، وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى، فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ المَاءَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٣٠٨، ن: ١٦١٠].\n١٢٣١ - [١٣] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الدُّعَاءِ أَسْمَعُ؟ قَالَ: \"جَوْفَ اللَّيْلِ الآخِرِ وَدُبُرَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٤٩٩].\n١٢٣٢ - [١٤] وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ فِي. . . . .\nــ\n١٢٣٠ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (رحم اللَّه رجلًا) في الحديث (١) إشارة إلى أن الرجل أحق وأحرى بأن يكون سابقًا بالقيام وإيقاظ امرأته لكونه قيمًا عليها وأفضل منها، وإلى أن فضل اللَّه لا يختص بأحد فقد تكون المرأة سابقة على الرجل وأفضل منه، وباللَّه التوفيق.\n١٢٣١ - [١٣] (أبو أمامة) قوله: (أي الدعاء أسمع) الحديث، قد فسرنا الحديث في (باب الذكر بعد الصلاة).\n١٢٣٢، ١٢٣٣ - [١٤، ١٥] (أبو مالك الأشعري، وعلي) قوله: (إن في\n_________\n(١) قال الطيبي (٤/ ١٢٠٨): فيه أن من أصاب خيرًا ينبغي له أن يتحرى إصابته الغير، وأن يحب له ما يحب لنفسه، فيأخذ الأقرب فالأقرب، انتهى. وَفِيهِ بَيَانُ حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَكَمَالِ الْمُلَاطَفَةِ وَالْمُوَافَقَةِ، قاله القاري (٣/ ٩٢٨).","vol":"3","page":341},{"text":"الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِمَنْ أَلَانَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَتَابَعَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٨/ ٤١٨].\n١٢٣٣ - [١٥] وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ وَفِي رِوَايَتِهِ: \"لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ\". [ت: ٢٥٢٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-414> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٢٣٤ - [١٦] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: . . . . .\nــ\nالجنة غرفًا) بضم الغين وفتح الراء جمع غرفة بالضم، أي: المنازل المرفوعة، وهي عبارة عن البيت فوق البيت.\nوقوله: (يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها) لغاية صفائها ولطافتها ونورانيتها.\nوقوله: (لمن ألان الكلام) وروي: (ليَّن الكلام) من التليين.\nوقوله: (تابع الصيام) المراد به الكثرة لا الدوام، من المتابعة بمعنى الإتيان على أثر أحد، وقد يجيء بمعنى الإتقان والإحكام يقال: تابع عمله: إذا أتقنه وأحكمه، وورد: تابَعْنا الأعمال فلم نجد فيها أبلغ من الزهد، كذا في (مجمع البحار) (١)، والثلاثة إشارة إلى استجماع صفة الجود والتواضع والعبادة المتعدية واللازمة.\nالْفَصْل الثَّالِث\n١٢٣٤ - [١٦] (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص) قوله: (يا عبد اللَّه لا تكن مثل\n_________\n(١) \"مجمع البحار\" (١/ ٢٥٢).","vol":"3","page":342},{"text":"قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ، كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٥٢، م: ١١٥٩].\n١٢٣٥ - [١٧] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"كَانَ لِدَاوُدَ ﵇ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةٌ يُوقِظُ فِيهَا أَهْلَهُ يَقُولُ: يَا آلَ دَاوُدَ قُومُوا فَصَلُّوا، فَإِنَّ هَذِهِ سَاعَةٌ يَسْتَجيبُ اللَّهُ ﷿ فِيهَا الدُّعَاءَ إِلَّا لِسَاحِرٍ أَوْ عَشَّارٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ٢٢].\nــ\nفلان) تنبيه على منعه من كثرة قيام الليل والإفراط فيه بحيث يورث الملالة والسآمة على ما عرف من قصته -﵁- أنه كان يقوم الليل كله ولا ينام، وكان يمنعه من ذلك أبوه، فجاء به إلى رسول اللَّه -ﷺ- فنهاه عن ذلك، كما جاء في الأحاديث، وفلان لم يعرف اسمه، قال الشيخ في مقدمة (فتح الباري) (١): لم أقف في شيء من الطرق على تسميته.\n١٢٣٥ - [١٧] (عثمان بن أبي العاص) قوله: (إلا لساحر) يفهم منه أن عمل السحر لا يكون كفرًا، كما ذهب إليه بعضهم.\nوقوله: (أو عشار) أي: آخذ العشور من أموال الناس، وهو يكون مؤذيًا للناس، وقد وقع في حديث ليلة النصف من شعبان استثناء الشرطي والجابي من المغفورين، والشرطي أعوان الولاة، والجابي بالجيم والباء الموحدة من الجباية، وهي تحصيل الغَلات، وهما في حكم العشار، والمقصود التشديد والتغليظ، كأنَّ كل الناس يرجى لهم المغفرة إلا هؤلاء، نعوذ باللَّه من ذلك.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٢١).","vol":"3","page":343},{"text":"١٢٣٦ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"أَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْمَفْرُوضَةِ صَلَاةٌ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٣٤٤].\n١٢٣٧ - [١٩] وَعَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: إِنَّ فُلَانًا يُصَلِّي بِاللَّيْلِ فَإِذَا أَصْبَحَ سَرَقَ، فَقَالَ: \"إِنَّهُ سَيَنْهَاهُ مَا تَقُولُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [حم: ٢/ ٤٤٧، شعب: ٧/ ٢٦٢].\nــ\n١٢٣٦ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (صلاة في جوف الليل (١» هذا باعتبار الزمان، والصلاة في البيت أفضل باعتبار المكان، وقد حكي عن سيد الطائفة جنيد البغدادي -قدس اللَّه سره- أنه قال في المنام: تاهت العبارات، وفنيت الإشارات، وما نفعنا إلا رُكَيعاتٌ صليناها في جوف الليل.\n١٢٣٧ - [١٩] (وعنه) قوله: (سينهاه) في بعض النسخ بالتحتانية، وفي بعضها بالفوقانية، أي: يورثه التوفيق بالتوبة.\nوقوله: (ما تقول)، أي: ما تَحْكي عنه وهي الصلاة، تلميح إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].\n_________\n(١) قَالَ مِيرَكُ: فِيهِ حُجَّةٌ لأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، عَلَى أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ مِنَ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ الرَّوَاتِبَ أَفْضَلُ، وَالأَوَّلُ أَقْوَى لِنَصِّ هَذَا الْحَدِيثِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ: مِنْ أَفْضَلِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ خِلَافُ سِيَاقِ الْحَدِيثِ. اهـ. وَقَدْ يُقَالُ: التَّهَجُّدُ أَفْضَلُ مِنْ حَيْثُ زِيَادَةُ مَشَقَّتِهِ عَلَى النَّفْسِ وَبُعْدِهِ عَنِ الرِّيَاءِ. وَالرَّوَاتِبُ أَفْضَلُ مِنْ حَيْثُ الآكَدِيَّةُ فِي الْمُتَابَعَةِ لِلْمَفْرُوضَةِ، فَلَا مُنَافَاةَ، أَوْ يُقَالُ: صَلَاةُ اللَّيْلِ أَفْضَلُ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْوِتْرِ الَّذِي هُوَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٩٣٠).","vol":"3","page":344},{"text":"١٢٣٨ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أَيْقَظَ الرَّجُلُ أَهْلَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيَا -أَوْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ- جَمِيعًا كُتِبَا فِي الذَّاكِرِينَ وَالذَّاكِرَاتِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٠٩، جه: ١٣٣٥].\n١٢٣٩ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَشْرَافُ أُمَّتِيْ حَمَلَةُ الْقُرْآنِ وَأَصْحَابُ اللَّيْلِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَان\". [شعب: ٦/ ٢٢٧].\nــ\n١٢٣٨ - [٢٠] (أبو سعيد، وأبو هريرة) قوله: (فصليا أو صلى ركعتين جميعًا) (أو) للشك من الراوي، ويكون المعنى على الثاني: صلى كل واحد منهما، فيصح التأكيد لـ (جميعًا)، كذا في (شرح الشيخ)، وقال الطيبي (١): يكون التقدير: صلى وصلت، فافهم.\nوقوله: (كتبا في الذاكرين والذاكرات) أي: المداومين على الذكر والمبالغين فيه والمكثرين له لأجل هذه الخصوصية من القيام وإيقاظ الأهل.\n١٢٣٩ - [٢١] (ابن عباس) قوله: (حملة القرآن) أي: القائمين والعالمين به، فإنهم هم الحملة حقيقة (٢).\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٣٢).\n(٢) قَالَ الطَّيبِيُّ: الْمُرَادُ: مَنْ حَفِظَهُ وَعَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ، وَإِلَّا كَانَ فِي زُمْرَةِ مَنْ قِيلَ فِي حَقِّهِمْ: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] وَ\"أَصْحَابُ اللَّيْلِ\"، أَيْ: أَصْحَابُ الْعِبَادَةِ الْخَالِصَةِ فِي الْوَقْتِ الْبَرِيءِ مِنَ الرِّيَاءِ مَعَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالْعَنَاءِ، يَعْنِي: الأَشْرَافُ هُمُ الْجَامِعُونَ بَيْنَ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ الرَّافِعِ، أَوْ كُلٌّ مِنْهُمَا أَشْرَفُ مِنْ بَقِيَّةِ الأُمَّةِ، فَالأَوَّلُونَ أَفْضَلُ مِنَ الْعُلَمَاءِ الذَّاكِرِينَ، وَالآخِرُونَ أَفْضَلُ الْعُمَّالِ الْحَاضِرِينَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وإِضَافَةُ الأَصْحَابِ إِلَى اللَّيْلِ تَنْبِيهٌ عَلَى كَثْرَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ، كَمَا يُقَالُ: ابْنُ السَّبِيلِ، لِمَنْ يُوَاظِبُ عَلَى السُّلُوكِ. اهـ.=","vol":"3","page":345},{"text":"١٢٤٠ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ أَبَاهُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -﵁- كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ أَيْقَظَ أَهْلَهُ لِلصَّلَاةِ، يَقُولُ لَهُمْ: الصَّلَاةَ، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢٥٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-415>٣٤ - باب القصد في العمل</span>\nــ\n١٢٤٠ - [٢٢] (ابن عمر) قوله: (الصلاة) بالنصب والرفع.\n٣٤ - باب القصد في العمل\nأصل القصد الاستقامة في الطريق كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل: ٩]، ثم استعير للتوسط في الأمور، ومنه قوله -ﷺ-: (القصد القصد) (١) أي عليكم بالقصد من الأمور في القول والفعل، والتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، وحديث: (عليكم هديا قصدًا)، أي: طريقًا معتدلًا، وحديث: (ما عال من اقتصد) أي: ما افتقر من لا يسرف في الإنفاق ولا يقتر، والقصد في العمل محمود وموجب للدوام، وأسلم من عروض الملال المفضي إلى الترك، وأدخل في أداء حق النفس والأهل، كما نطقت به الأحاديث، قالوا: الاقتصاد على نوعين، اقتصاد بين محمود ومذموم كالتوسط بين الجور والعدل والبخل والجود، وهذا أريد بقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ\n_________\n= يَعْنِي سُلُوكَ السَّفَرِ الظَّاهِرِ، كَمَا يُقَالُ: ابْنُ الْوَقْتِ، لِمَنْ يُحَافِظُ أَوْقَاتَهُ وَيُرَاعِي سَاعَاتِهِ لِيُرَتِّبَ طَاعَاتِهِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٩٣١).\n(١) أخرجه البخاري (٦٤٦٣).","vol":"3","page":346},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-416> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٢٤١ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُفْطِرُ مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى يُظَنَّ أَنْ لَا يَصُومَ مِنْهُ، وَيَصُومُ حَتَّى يُظَنَّ أَنْ لَا يُفْطِرَ مِنْهُ شَيْئًا، وَكَانَ لَا تَشَاءُ أَنْ تَرَاهُ مِنَ اللَّيْلِ مُصَلِّيًا إِلَّا رَأَيْتَهُ، وَلَا نَائِمًا إِلَّا رَأَيْتَهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١١٤١].\n١٢٤٢ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٦٤، م: ٧٨٢].\nــ\nمُقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: ٣٢]، وما كان بين إفراط وتفريط كالجود بين الإسراف والبخل، والشجاعة بين التهور والجبن، وهو محمود مطلقًا، وتحقيقه في موضعه.\nالفصل الأول\n١٢٤١ - [١] (أنس) قوله: (حتى يظن) يروى بالنون على صيغة المعلوم، وبالتحتانية على لفظ المجهول، وقد يجعل في بعض النسخ بلفظ المعلوم أيضًا، ولعل المراد: يظن ظان أو أحد، واللَّه أعلم.\nوقوله: (لا تشاء أن تراه من الليل مصلّيًا إلا رأيته. . . إلخ) يعني: كان يصلي وينام ولا يصلي الليل كله، وكذا يصوم ويفطر، وكان عمله قصدًا، والاستثناء لاحتمال المشبِّه وقوع الرؤية وعدمَه فيكون استثناء الأخص من الأعم، فافهم.\n١٢٤٢ - [٢] (عائشة) قوله: (متفق عليه) في بعض الشروح: هذا الحديث من أفراد مسلم، والصواب أنه متفق عليه بتفاوتٍ يسيرٍ في اللفظ، والمؤلف قد لا يلتفت إليه، ففي (البخاري) عن مسروق قال: سألت عائشة -﵂-: أيُّ العمل كان أحبَّ إلى رسول اللَّه -ﷺ-؟ قالت: الدائم، وفي رواية منه: (أحبُّ الدِّين إلى اللَّه أدومه).","vol":"3","page":347},{"text":"١٢٤٣ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٥١، م: ٧٨٥].\nــ\nوقال الطيبي (١): بهذا الحديث ينكر أهل التصوف ترك الأوراد كما ينكرون ترك الفرائض، انتهى. يعني إدامة العمل والتزامهم النوافل والأوراد، ولكن ينبغي أن يعلم أن المداومة على الورد ضربان: بالشخص وبالنوع، أما بالشخص فبأن يواظب ويداوم على ورد واحد بالشخص (٢) من صلاة أو صيام أو آية أو دعاء أو ذكر ويكرره كل يوم، وأما بالنوع فبأن يقرأ كل يوم فردًا منها غير ما قرأ اليوم السابق أيًّا شاءه، وبهذا الطريق أيضًا يحصل المداومة، ويحصل تأثيره، كذا قال شيخنا الإمام عبد الوهاب المتقي -﵀- بل قالوا: هذا الطريق أدخل في الشوق والذوق، وقد تورث المداومةُ بالشخص الملال والسآمة على ما هو خاصية التكرار، واللَّه الموفق.\n١٢٤٣ - [٣] (وعنها) قوله: (خذوا من الأعمال ما تطيقون) أي: اعملوا ما يسهل عليكم حتى يدوم، ويدوم بدوامه الثواب.\nوقوله: (فإن اللَّه لا يملّ حتى تملّوا) بفتح الميم في الموضعين من الملال، وهو الاستثقال من الشيء ونفور النفس عنه بعد محبته، وإطلاقه على اللَّه من باب المشاكلة، كما في قوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وله أمثلة كثيرة، أو باعتبار الغاية، كما في الرحمة والغضب والحياء، أي: إن اللَّه تعالى لا يقطع ثواب عملكم حتى تتركوا العمل ملالًا وسآمة من كثرته وثقله. هذا وأما ما قيل: إن المراد: إن اللَّه لا يمل\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٣٥).\n(٢) أي: بالذات، أي: مقتصرًا عليه دون غيره، واللَّه أعلم.","vol":"3","page":348},{"text":"١٢٤٤ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، وإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٥٠، م: ٧٨٤].\nــ\nوإن أظلم (١)، ففيه أن هذا لا يلائم المقصود من سياق الحديث.\nوقيل: نفي الملال عن اللَّه تعالى لا يحتاج إلى تأويل، وإنما المحتاج إليه إثباته له، كما قيل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦]، وفيه نظر؛ لأن سوق البيان ثبوت الملال والحياء، والنفي في الجملة إنما هو لخصوصية تعلقه بالمفعول فيحتاج إلى التأويل، فتأمل.\nوفي الحديث: أن القليل من العمل بنشاط أصلح من كثيرٍ لا ينشط ويفضي إلى تركه كلَّه أو بعضه، كما قال تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]، ولكن ينبغي أن يعتاد الطالب ويجتهد ويعوِّد النفس على كثرة العمل، فبعد التعويد يسهل العمل ويصير الكثير كالقليل، ولا يكون كأصحاب الدعة والكسل يَملُّون بقليل من العمل ويتركونه، حتى من اعتاد هان عليه مثلًا مئة ركعة وعشرة أجزاء، وأزيد وأزيد بعد ما كان يثقل عليه عشر ركعات وتلاوة جزء منها، والطمع في ثواب اللَّه ورضاه والشوق إلى لقائه ﷿ يهوِّن ويسهل أكثر من ذلك ومن اللَّه التوفيق.\n١٢٤٤ - [٤] (أنس) قوله: (نشاطه) أي: إلى مدة نشاطه، في (القاموس) (٢): نشط: كسمع نشاطًا بالفتح فهو ناشط ونشيط: طابت نفسه للعمل وغيره كتنشط، وفَتَرَ يَفْتُرُ ويَفْتِرُ فُتورًا وفُتارًا: سكن بعد حدّة، ولانَ بعد شدّة، وفي قوله: (فليقعد) (٣) دون\n_________\n(١) كذا في الأصل، والظاهر: \"وإن مللتم\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٣٥).\n(٣) أَيْ: عَنِ الْقِيَامِ بِالْعِبَادَةِ، وَفِي الْعُدُولِ عَنْ \"لِيَتْرُكْ\" نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: التَّقْدِيرُ: لِيُصَلَّ قَائِمًا، وَإِذَا فَتَرَ فَلْيَعُدْ مُصَلِّيًا، وَالْحَاصِلُ أَنَّ سَالِكَ طَرِيقِ الآخِرَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَجْتَهِدَ فِي =","vol":"3","page":349},{"text":"١٢٤٥ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ،\nــ\nأن يقول: يضطجع -مثلًا- إيماء إلى أنه ينبغي أن يقعد منتظرًا لحدوث الشوق والنشاط يتذكر ما يبعثه من ترتُّب الجزاء أو رضا الرب وحصول قربه تعالى.\n١٢٤٥ - [٥] (عائشة) قوله: (إذا نعس) النعاس بالضم: الوسَن محركة، وهو ثقل النوم أو أوله، وكذا السِّنة بكسر السين [في] قوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، نعس: كمنع فهو ناعِس ونَعسانُ، كذا في (القاموس) (١)، وقال في (مجمع البحار) (٢): نعس نعاسًا ونعسة فهو ناعس ولا يقال: نعسان، وهو الوسن وأول النوم من باب نصر، وهي ريح لطيفة تأتي من قبل الدماغ تغطي على العين ولا تصل إلى القلب، فإذا وصله كان نومًا.\nوقوله: (فليرقد (٣» أي: فلينم، والرَّقْد والرُّقاد والرُّقود بضمهما: النوم، من [باب] ضرب، وقيل: الرقافى مخصوص بالليل، والمراد: فليتجوَّز في الصلاة ويتمها وينام، ولا يخفى أنه إن دفع النوم بالقيام ونحوه، لكان أيضًا محصِّلًا للمقصود، اللهم إلا إنْ غلبه النوم، وكان دفعه مضرًا بالمزاج، ومورثًا للثقل، ويعلم ذلك باختلاف\n_________\n= الْعِبَادَةِ مِنَ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا بِقَدْرِ الطَّاقَةِ، وَيَخْتَارَ سَبِيلَ الِاقْتِصَادِ فِي الطَّاعَةِ، وَيَحْتَرِزَ عَنِ السُّلُوكِ على وَجْهِ السَّآمَةِ وَالْمَلَالَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنَاجَى عَنْ مَلَالَةٍ وَكَسَالَةٍ، وَإِذَا فَتَرَ وَضَعُفَ قَعَدَ عَنِ الْقِيَامِ، وَاشْتَغَلَ بِنَوْعٍ مِنَ الْمُبَاحَاتِ مِنَ الْكَلَامِ وَالْمَنَامِ عَلَى قَصْدِ حُصُولِ النَّشَاطِ فِي الْعِبَادَةِ، فَإِنَّهُ يُعَدُّ طَاعَةً، وَإِنْ كَانَ مِنْ أُمُورِ الْعَادَةِ، وَلِذَا قِيلَ: نَوْمُ الْعَالِمِ عِبَادَةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵊ لِعَائِشَةَ: \"كَلَّمِينِي يَا حُمَيْرَاءُ\". \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٩٣٣).\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٣٤).\n(٢) مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٧٥٥ - ٧٥٦).\n(٣) قال القاري (٣/ ٩٣٤): الأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوَابُ وَيُكْرَهُ لَهُ الصَّلَاةُ حِينَئِذٍ.","vol":"3","page":350},{"text":"فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّه يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٢، م: ٧٨٦].\n١٢٤٦ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ. . . . .\nــ\nالأوقات والأحوال.\nوقوله: (لا يدري) مفعوله محذوف، أي: لا يدري ماذا يفعل ويقول من أفعال الصلاة وأقوالها من القرآن والتسبيحات، وجاء في رواية: (حتى يعلم ما يقرؤه) فلا يحصل الحضور، وهذا يكفي في استحباب الرقود، وزاد في بيان المانع بقوله: (لعله يستغفر فيسب) أي: إذا دعا لنفسه وهو لا يعقل يدعو على نفسه، وقوله: (فيسب) الفاء للسببية، كما في قولهم: الذي يطير فيغضب زيد، والرواية بالرفع والنصب، أما الرفع فبالعطف على (يستغفر)، والنصب بتقدير أنْ في جواب لعل، وقد قرأ عاصم قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس: ٣ - ٤] والباقون بالرفع، قال الطيبي (١): النصب أولى، وأقول: كثرة القراءة بالرفع في قوله تعالى: ﴿فَتَنْفَعَهُ﴾ مما يرجِّح الرفع ههنا.\n١٢٤٦ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (إن الدين يسر) أي: مبنيٌّ على اليسر والسهولة، فلا تشدِّدوا على أنفسكم على دأب الرهبانية.\nوقوله: (ولن يشاد الدين أحد) فاعل (يشاد)، و(الدين) مفعوله، وقد جاء في بعض الروايات: (من يشاد الدين [يغلبه])، وقد جاء بلا ذكر (أحد) فيكون فيه ضميره، وقد يرفع (الدين) على هذه الرواية، ويجعل (يشاد) مجهولًا، أي: من يقاويه ويقاومه\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٣٦).","vol":"3","page":351},{"text":"إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ. . . . .\nــ\nويكلف نفسه من العبادة فوق طاقته، ويتعمق بترك الرفق، والمشادة: المغالبة، أتى بصيغة المفاعلة لوجود القوة في جانب الدين أيضًا بعد تيسره، والإتيان به كله، فكأنه يقع التنازع والتجاذب بينه وبين الدين.\nوقوله: (إلا غلبه) أي: الدين يعجزه عن العمل به كله أو بعضه كقوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧].\nوقوله: (فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا) أي: إذا ثبت ما في المشادة من الفترة في العمل فسددوا، أي: فالزموا الطريقة المستقيمة والقصد في العمل والعدل فيه، ومنه حديث: (وما من مؤمن يؤمن باللَّه، ثم يسدد -أي: يقتصد- فلا يغلو ولا يسرف)، وحديث الصديق -﵁- وسئل عن الإزار-: سَدِّدْ وقَارِبْ، أي: فلا تُفْرِط في إرساله ولا تشمره، ومنه حديث: (سل اللَّه السداد، واذكر بالسداد تسديدك السهم) أي: إصابة القصد به. (وقاربوا) أي: اقربوا من السداد، أي: إن عجزتم من السداد فاقربوا منه، وقيل: (قاربوا)، أي: اطلبوا قربة اللَّه، وقيل: (قاربوا) تأكيدٌ لـ (سددوا) مِن قارب فلانٌ في أموره: إذا اقتصد، وروي (قرِّبوا) أي: غيركم إليه. (وأبشروا) بقطع الهمزة من الإبشار، وجاز لغة: ابْشُروا بضم الهمزة والشين من نصر، من البِشر بمعنى الإبشار، كذا قال الكرماني (١)، أي: أبشروا بأن اللَّه رضي لكم الكثير من الأجر بقليل من العمل.\nوقوله: (الغدوة) روي بالضم والفتح، فبالضم: البكرة، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس كالغداة، وبالفتح: السير أول النهار.\nوقوله: (والروحة) بالفتح: السير بعد الزوال، و(الدلجة) بفتح أوله وضمه\n_________\n(١) انظر: \"شرح الكرماني\" (١/ ١٦٢).","vol":"3","page":352},{"text":"وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٩].\n١٢٤٧ - [٧] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ، فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ، كُتِبَ لَهُ كَأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٣٧].\nــ\nاسم من الادِّلاج بتشديد الدال، وهو السير في آخر الليل، وقيل: من الإدْلاج بسكونها، وهو السير في أول الليل، والحمل على الأول أولى وأنسب.\nوهذه الثلاثة أطيب أوقات المسافر، يعني: لا تبلغوا النهاية باستيعاب الأوقات كلها، بل اغتنموا أوقات نشاطكم وطيبكم، وهو أول النهار وآخره وبعض الليل، وارفقوا أنفسكم فيما بينها لئلا ينقطع بكم السير، وتبلغوا مقصدكم على راحته، وإذا سافر المسافر الليل والنهار متصلًا عجز وانقطع، وإذا تحرى السير في هذه الأوقات المنشطة دام سيره وبلغ المقصد.\nوقوله: (وشيء من الدلجة) تنكير (شيء) الدال على القلة إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يترك القيام بالليل ولو يسيرًا، فإن الإكثار منه يتعب الجسد ويضر بالمزاج.\n١٢٤٧ - [٧] (عمر) قوله: (من نام عن حزبه) أي: ورده، والحزب في الأصل: النوبة في ورود الماء كالورد، سمي به ما يجعله الرجل على نفسه من قراءة أو صلاة أو ذكر، كذا ذكره الطيبي (١). ويجيء الحزب بمعنى الطائفة وجماعة الناس، ومناسبة هذا المعنى أيضًا ظاهر، ويجيء بمعنى السلاح أيضًا، ولا يبعد أن يجعل أيضًا أصلًا؛ لأن الورد يكون بمنزلة السلاح لصاحبه، وأمانًا وحفظًا له من الآفات.\nوقوله: (بين صلاة الفجر وصلاة الظهر) يعني: قبل الزوال لقربه من الليل\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٣٨).","vol":"3","page":353},{"text":"١٢٤٨ - [٨] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١١١٧].\nــ\nواتصاله بآخره، فإن الظاهر أن المراد بالحزب الذي نام عنه هو صلاة التهجد، وقد جاء أنه إن فات منه -ﷺ- في بعض الأحيان صلاة الليل صلى اثنتي عشرةَ ركعة قبل الزوال، أو كما جاء، ولقرب هذا الوقت من الليل يجوز نية الصوم فيه لا بَعْدَه، وهذا بيان الأَولى والأفضل، وإلا فالظاهر أنه يقرأ ما فات في أيِّ جزء من النهار تيسر، كما يدل عليه إطلاق قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢] على أحد التفسيرين، إلا أن يكون قراءته في هذا الوقت كأنه قراءة في الليل كالأداء مبالغة، وفي غيره كالقضاء كما يؤمي إليه كلام الطيبي (١)، واللَّه أعلم.\n١٢٤٨ - [٨] (عمران بن حصين) قوله: (فإن لم تستطع فقاعدًا)، إنْ حمل هذا على الفريضة فظاهر، وإن حمل على النافلة فلبيان الأفضل الأكمل، كما يأتي في الحديث الآتي.\nوقوله: (فعلى جنب (٢» يدل على ما هو المختار عند الفقهاء من القولين، والقول\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٣٨).\n(٢) زَادَ النَّسَائِيُّ: \"فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَمُسْتَلْقِيًا لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا\"، اهـ. وَاعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِلْقَاءَ فِي مَذْهَبِنَا أَفْضَلُ مِنَ الِاضْطِجَاعِ، وَمَعْنَى الِاسْتِلْقَاءِ أَنْ يَرْتَمِيَ عَلَى وِسَادَةٍ تَحْتَ كَتِفَيْهِ مَادًّا رِجْلَيْهِ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ الإِيمَاءِ، وَإِلَّا فَحَقِيقَةُ الِاسْتِلْقَاءِ تَمْنَعُ الصَّحِيحَ مِنْ إِيمَاءٍ، فَكَيْفَ الْمَرِيضُ؟ كَذَا حَقَّقَهُ ابْنُ الْهُمَامِ، ثُمَّ قَالَ: وَلَا يَنْتَهِضُ حَدِيثُ عِمْرَانَ حُجَّةً عَلَى الْعُمُومِ، فَإِنَّهُ خِطَابٌ لَهُ، وَكَانَ مَرَضُهُ الْبَوَاسِيرَ وَهُوَ يَمْنَعُ الاسْتِلْقَاءَ فَلَا يَكُونُ خِطَابُهُ خِطَابًا لِلأُمَّةِ، فَوَجَبَ التَّرْجِيحُ بِالْمَعْنَى، =","vol":"3","page":354},{"text":"١٢٤٩ - [٩] وَعَنْهُ: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ -ﷺ- عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ قَاعِدًا. قَالَ: \"إِنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَاعِدِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١١١٥].\nــ\nالآخر: الاستلقاء متوجهًا إلى القبلة.\n١٢٤٩ - [٩] (وعنه) قوله: (إن صلى قائمًا فهو أفضل) هذا في صلاة التطوع، فإن صلاة الفرض قاعدًا غير جائزة إن كان بلا عذر، فلا يحكم على أدائها قائمًا بأنه أفضل، وإن كان معذورًا سقط القيام فلا يكون أفضل من القعود، ولا يكون للقاعد نصف أجر القائم.\nوقوله: (ومن صلى نائمًا) يدل على أنه يجوز أن يصلي التطوع نائمًا مع القدرة على القيام أو القعود، وقد ذهب قوم إلى جوازه، قيل: وهو قول الحسن وهو الأصح (١)، كذا نقل الطيبي (٢).\n_________\n= وَهُوَ أَن الْمُسْتَلْقي تَقَعُ إِشَارَتُهُ إِلَى جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَبِهِ يَتَأَدَّى الْفَرْضُ بِخِلَافِ الآخَرِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ حَقَّقَهُ مُسْتَلْقِيًا كَانَ سُجُودًا وَرُكُوعًا إِلَى الْقِبْلَةِ، وَلَوْ أَتَمَّهُ عَلَى جَنْبٍ كَانَ إِلَى غَيْرِ جِهَتِهَا، وَبِمَا أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْهُ ﵊: \"يُصَلِّي الْمَرِيضُ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى مُسْتَلْقِيًا رِجْلَاهُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ\". \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٩٣٦).\n(١) قال القاري: وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، فَقِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ فِي حَقِّ الْمُفْتَرِضِ الْمَرِيضِ الَّذِي أَمْكَنَهُ الْقِيَامُ، أَوِ الْقُعُودُ مَعَ شِدَّةٍ وَزِيَادَةٍ فِي الْمَرَضِ، فَانْدَفَعَ قَوْلُ ابْنِ حَجْرِ: فِيهِ أَبْلَغ حُجَّةٍ عَلَى مَنْ حَرَّمَ الاضْطِجَاعَ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقُعُودِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٩٣٧).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٣٩).","vol":"3","page":355},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-417> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٢٥٠ - [١٠] عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ طَاهِرًا، وَذَكَرَ اللَّهَ حَتَّى يُدْرِكَهُ النُّعَاسُ، لَمْ يَتَقَلَّبْ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ\". ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي \"كتَابِ الأَذْكَارِ\" بِرِوَايَةِ ابْنِ السُّنِّي. [الأذكار: ١/ ٩٤، ت: ٣٥٢٦].\n١٢٥١ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عَجِبَ رَبُّنَا مِنْ رَجُلَيْنِ: رَجُلٌ ثَارَ عَنْ وِطَائِهِ وَلِحَافِهِ. . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n١٢٥٠ - [١٠] (أبو أمامة) قوله: (من أوى إلى فراشه) بالمد والقصر لازِمٌ، وقد يجيء متعديًا، والمشهور أن الممدود متعدٍّ، والمقصورَ لازم.\nوقوله: (لم يتقلب) أي: الناعس من جنب إلى جنب.\nوقوله: (ساعة) أي: في أيّ زمان من الليل وأيّ مرة، وقد يقرأ (ساعةٌ) بالرفع، أي: لم تمض ساعة، والأول أظهر.\nوقوله: (يسأل) حال من فاعل يتقلب.\nوقوله: (إلا أعطاه) حال من ضمير (يسأل)، ومعنى التيسر في الحديث: أن اللَّه وعد هذه الفضيلة العظيمة على هذا العمل اليسير، وفيه كمال اليسير والفضل.\n١٢٥١ - [١١] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (عجب ربنا) أي: عَظُم ذلك عنده وكبر، وقيل: رضي وأثاب.\nوقوله: (ثار) وثب وقام على سرعة، والوِطاء: الفراش اللَّيِّن، وفي","vol":"3","page":356},{"text":"مِنْ بَيْنِ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي، ثَارَ عَنْ فِرَاشهِ وَوِطَائِهِ مِنْ بَيْنِ حِبِّهِ وَأَهْلِهِ إِلَى صَلَاتِهِ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقًا مِمَّا عِنْدِي، وَرَجُلٌ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَانْهَزَمَ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَعَلِمَ مَا عَلَيْهِ فِي الِانْهِزَامِ، وَمَا لَهُ فِي الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ حَتَّى هُرِيقَ دَمُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي رَجَعَ رَغْبَةً فِيمَا عِنْدِي، وَشَفَقًا مِمَّا عِنْدِي حَتَّى هُرِيقَ دَمُهُ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١/ ٢٢٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-418> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٢٥٢ - [١٢] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ\" قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي جَالِسًا، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى رَأسِهِ،\nــ\n(القاموس) (١): الوطاء ككتاب وسحاب من الكساء خلاف الغطاء، واللحاف بكسر اللام: ما يتغطى به، والتحف به: تغطى، والحب بكسر الحاء: المحبوب، والشفق محركة: الخوف.\nوقوله: (هريق) أي: صب، والياء بدل من الهمزة، وقد سبق تحقيقه.\nالفصل الثالث\n١٢٥٢ - [١٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (فوضعت يدي على رأسه) قيل: هذا على عادة العرب فيما يعتنون به، وقيل: في الاستغراب والتعجب، كفعل المستغرب للشيء المتعجب من وقوعه مع من استغرب منه، ونظيره أن بعض الأعراب كان ربما\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٥).","vol":"3","page":357},{"text":"فَقَالَ: \"مَالَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو؟ \" قُلْتُ: حُدِّثْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَّكَ قُلْتَ: \"صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصْفِ الصَّلَاةِ\" وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا؟ قَالَ: \"أَجَلْ وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٣٥].\n١٢٥٣ - [١٣] وَعَنْ سَالِم بْنِ أَبِي الْجَعْدِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ: لَيْتَنِي صَلَّيْتُ فَاسْتَرَحْتُ فَكَأَنَّهُمْ عَابُوا ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"أَقِمِ الصَّلَاةَ يَا بِلَالُ أَرِحْنَا بِهَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٨٥].\n* * *\nــ\nمس لحيته الشريفة عند مفاوضته معه، ومع ذلك هو خلاف الأدب، وقيل: لعله صدر ذلك منه من غير قصد منه استغرابًا وتعجبًا، والظاهر أنه فعل ذلك بعد فراغه -ﷺ- من الصلاة إذ لا يظن ذلك قبله.\nوقوله: (على نصف الصلاة) أي: واقع ثوابه على مقدار ثواب نصف الصلاة، وقال الطيبي (١): التقدير: تقاس صلاة الرجل قاعدًا على نصف صلاته قائمًا.\nوقوله: (لكني لست كأحد منكم) يعني: ذلك الذي ذكرتُ أن صلاة الرجل قاعدًا على نصف صلاته حكمُ غيري من الأمة، وأما أنا فخارج عن هذا الحكم، ويقبل مني ربي صلاتي قاعدًا مقدار صلاتي قائمًا، أو ذلك من خصائصي لما أختص به من غاية التوجه والحضور والمعرفة والقرب، فلا تقيسوني على أحد ولا تقيسوا أحدًا علي.\n١٢٥٣ - [١٣] (سالم بن أبي الجعد) قوله: (فكأنهم عابوا ذلك عليه) لِمَا\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٤١).","vol":"3","page":358},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nتبادر إلى أفهامهم من طريان الكسل والثقل، كأنه قال: ليتني صليت فاسترحت ونمت فإني لم أطق انتظارها، فقال الرجل: لست أريد ما فهمتم حاشا ذلك، بل أردت ما أراد رسول اللَّه -ﷺ- بقوله: (يا بلال أرحنا بها) فسكتوا.\nواعلم أنه قد ذكر في معنى قوله -ﷺ-: (أرحنا يا بلال) وجهان، أحدهما: أن أَذِّنْ بالصلاة حتى نستريح بأدائها عن شغل القلب بها، وثانيهما: أنه كان اشتغاله -ﷺ- بها راحة له، فإنه كان يَعُدُّ غيرها من الأعمال الدنيوية تعبًا، وكان يستريح بها لما فيها من مناجاة الحق، ولذا قال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة)، وهذان المعنيان المذكوران في (النهاية) (١) للجزري، وبينهما فرق، فإن الراحة في الأول بإبراء الذمة، ووجود الطاعة، وامتثال الأمر، والخلاص من تعب الشغل، وتعلق القلب بها، وفي الثاني الراحة بوجود الصلاة، وذوق المناجاة، والشهود الذي يحصل فيها، ولا شك أن المعنى الثاني أتم وأكمل وأنسب وأليق بحاله -ﷺ-، وقول الرجل الخزاعي: (ليتني صليت فاسترحت) ظاهرًا ينظر إلى المعنى الأول، ويمكن أن يكون مراده: استرحت بها عن الاشتغال بما سوى اللَّه، كما في المعنى الثاني، وأما قول الطيبي في شرح قوله: (فكأنهم عابوا ذلك): أي: تمنيه الاستراحة في الصلاة وهي شاقة على النفس، وثقيلة عليها، وجوابه بقوله: لعلهم نسوا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] (٢)، فلا يخلوا عن بعدٍ عن فهم المرام، فتأمل.\n_________\n(١) \"النهاية\" (٢/ ٢٧٤).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٤٢).","vol":"3","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-419>٣٥ - باب الوتر</span>\nــ\n٣٥ - باب الوتر\nاعلم أن العلماء اختلفوا في الوتر اختلافين، الأول: في أنها واجبة أو سنة، فعامة الأئمة وأبو يوسف ومحمد من أصحابنا يقولون: إنها سنة، وذهب الإمام أبو حنيفة -﵀- إلى أنها واجبة لا بمعنى الفرض، وقال الشُّمُنِّي: وهو آخر أقواله، وقال: وفي (المحيط) (١): وهو الصحيح، وفي الحاشية: هو الأصح، وعنه أنه فرض، وعنه أنه سنة، وهو قول أبي يوسف ومحمد وأكثر أهل العلم، وحجتهم أن آثار السنن ظاهرة فيه حيث لا يكفَّر جاحده، ولا يؤذَّن له، وقيل عليه: إن الواجب بالمعنى المقصود ههنا أيضًا لا يكفر جاحده فلا يقتضي السنية، وكذا عدم التأذين يوجد في بعض الواجبات كصلاة العيد، فلا يستلزم السنية، وأجيب بأن الاستدلال بمجموع عدم التكفير وعدم الأذان، على أنهم قد ذهبوا إلى سنية صلاة العيد أيضًا، وقد يستدل بقوله -ﷺ- للأعرابي الذي قال له: هل علي غيرهن: (لا إلا أن تَطَّوَّع)، كما سبق في أول الكتاب، وقوله: (خمس صلوات كتبهن اللَّه على العباد)، الحديث، والجواب (٢): أنه يجوز أن يكون وجوب الوتر بعد ذلك، لأن هذا القول كان في أول الإسلام، ولهذا لم يذكر الحج فيه، على أنه يجوز أن يكون المراد هناك الفرض القطعي الذي لا شبهة فيه، وبمثل هذا يمكن الجواب عن تمسكهم بقوله -ﷺ-: (خمس صلوات كتبهن اللَّه على العباد)، الحديث.\n_________\n(١) \"المحيط البرهاني\" (٢/ ١٩).\n(٢) هذا الكلام بطريق البحث، وقد وقع في بعض الأحاديث الواردة في آخر العهد ما يدل على وجوبه كحديث بعث معاذ إلى اليمن، كما سيجيء، وفي حديث معاذ أيضًا احتمال نسخه بعده باق، وإن كانت مدة يسيرة، كما سيجيء، (منه).","vol":"3","page":360},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nواستدل صاحب (الهداية) على مذهب أبي حنيفة -﵀- بقوله -ﷺ-: (إن اللَّه زاد لكم صلاة ألا وهي الوتر، فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر)، قال: هذا أمر، والأمر للوجوب، ولهذا يجب القضاء بالإجماع (١)، وإنما لم يكفر جاحده لأن وجوبه ثبت بالسنة، يعني السنة الغير المتواترة التي تكون قطعي الدلالة عليه، وهو المعني بما روي عنه أنه سنة، وهو يؤدى في وقت العشاء فاكتفي بأذانه وإقامته، كذا قال في (الهداية) (٢)\nوقال الشيخ ابن الهمام (٣): إن هذا الحديث قد روي عن عدة من الصحابة: عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وعقبة بن عامر، وابن عباس، وابن عمر، وأبي سعيد الخدري -﵃-، وذكر له طرقًا كثيرة، ونقل عن بعض المحدثين تضعيفها، ثم أثبت صحته، وقال: فتم أمر هذا الحديث على أتم وجه في الصحة، ولو لم يكن هذا كان في كثرة طرقه المضعَّفة ارتفاعٌ له إلى الحسن، بل بعضها حسنٌ حجةٌ.\nثم قال: بقي الكلام في وجه الاستدلال به فقيل: من لفظ (زادكم)، فإن الزيادة لا تتحقق إلا عند حصر المزيد عليه، والمحصور الفرائضُ لا النوافل، ويشكل عليه ما ثبت بسند صحيح أخرجه الحاكم والبيهقي عنه -ﷺ-: (إن اللَّه زادكم صلاة إلى صلاتكم هي خير لكم من حمر النعم ألا وهي ركعتان قبل صلاة الفجر)، فإن اقتضى لفظ (زادكم)\n_________\n(١) وإنما يجب القضاء عند القائل بكونها سنة احتياطًا لموضع الخلاف، وإنما لم يعتبر الاحتياط في القول بوجوب الأداء لئلا يزداد الوجوب على الخمس أو ترك القياس بالأثر، وهو أنه -ﷺ- قضى الوتر ليلة التعريس، وبقوله -ﷺ-: \"من نام عن الوتر أو نسيه فليصل إذا ذكر واستيقظ\"، (منه).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ٦٦).\n(٣) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٤٢٤).","vol":"3","page":361},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالحصر، فإنه يكفي في هذا كونُ المحصورة [المزيدة عليها] السننَ الرواتبَ، وحينئذ فالمحصورة أعم من الفرائض والسنن الرواتب، فلا يستلزم لفظ (زادكم) كون المزيد فرضًا، وكأنّ هذا هو الصارف لصاحب (الهداية) عن التمسك بهذه الطريقة -مع شهرتها بينهم- إلى الاقتصار على التمسك بلفظ الأمر، لكن لفظ الأمر إنما هو في بعض طرق هذا الحديث وقد ضعف، فالأولى التمسك فيه بما في (سنن أبي داود) (١) عن أبي المنيب عبد اللَّه العتكي عن عبد اللَّه بن بريدة عن أبيه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني، الوتر حق فمن لم يوتر فليس مني)، الوتر حق فمن لم يوتر فليس مثي ثلاث مرات، ورواه الحاكم وصححه وقال: أبو المنيب ثقة، ووثقه ابن معين أيضًا، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: صالح الحديث، وأنكر على البخاري إدخاله في الضعفاء، وتكلم فيه النسائي وابن حبان. وقال ابن عدي: لا بأس به، فالحديث حسن.\nوأخرج البزار عن عبد اللَّه عن النبي -ﷺ-: (الوتر واجب على كل مسلم)، فإن قيل: الأمر قد يكون للندب، والحق هو الثابت، وكذا الواجب لغة، ويجب الحمل عليه دفعًا للمعارضة لما أخرج البخاري ومسلم عن ابن عمر -﵄-: أنه -ﷺ- كان يوتر على البعير، وما أخرجاه أيضًا: أنه -﵇- بعث معاذًا إلى اليمن، وقال له فيما قال: (فأعلِمْهم أن اللَّه قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة)، قال ابن حبان: وكان بعثه قبل وفاته -ﷺ- بأيام يسيرة، وفي (موطأ مالك) أنه -ﷺ- توفي قبل أن يقدم معاذ، وما أخرجه ابن حبان (٢) أنه -ﷺ- قام بهم في رمضان، فصلى ثمان ركعات وأوتر، ثم\n_________\n(١) \"سنن أبي داود\" (١٤١٩).\n(٢) \"صحيح ابن حبان\" (٢٤١٥).","vol":"3","page":362},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nانتظرُه من القابلة، فلم يخرج إليهم فسألوه فقال: خشيت أن يكتب عليكم الوتر.\nوالجواب عن الأول: أنه واقعة حال لا عموم له، فيجوز كون ذلك لعذر، والاتفاق على أن الفرض يصلَّى على الدابة لعذر الطين والمطر ونحوه، أو كان قبل وجوبه؛ لأن وجوبه لم يقارن وجوب الخمس بل متأخر، وقد روي أنه -ﷺ- كان ينزل للوتر، وروى الطحاوي عن ابن عمر -﵄- أنه كان يصلي على راحلته ويوتر بالأرض، ويزعم أن النبي -ﷺ- فعل ذلك، فدل على أن وتره ذلك إما حالةَ عدم وجوبه أو للعذر.\nوعن الثاني: أنه يجوز أن يكون الوجوب كان بعد سفر معاذ، وعن الثالث كذلك، أو المراد المجموع من صلاة الليل المختتَمة بوتر. وقد يطلق الوتر على صلاة الليل، كما سبق هناك، وهي غير واجبة، ويدل على ذلك ما صرح به في رواية البجلي لهذا الحديث من قوله: (خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل)، وكيف يحمل الوجوب على المعنى اللغوي، وهو محفوفٌ بما يؤكد مقتضاه من الوجوب، وهو قوله -ﷺ-: (فمن لم يوتر فليس مني) مؤكَّدًا مع التكرار ثلاثًا على ما تقدم، هذا كلام الشيخ ابن الهمام مع حذف واقتصار.\nوقال العبد الضعيف صانه اللَّه عما شانه: لا يضر احتمال الحمل على غير الوجوب بالاستدلال عليه؛ لأن الواجب ههنا ما ثبت بدليل فيه شبهة، ودلائل إيجاب الوتر كلها فيها شبهة، ومع ذلك يثبت غلبة الظن بوجوبه، ويكفي ذلك في المطلوب، والصواب أن دلائل الوجوب والسنة متعارضة ولكلٍّ وجهةٌ هو موليها، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١)، واللَّه أعلم.\nالاختلاف الثاني في أنها ركعة أو ثلاث ركعات، فعند أكثر الأئمة ركعة، وعندنا\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٢٢٠).","vol":"3","page":363},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nثلاث، وقد وردت الأحاديث في كل من الأمرين، بل ورد الإيتار بخمس أو سبع أيضًا، والذي تقرر عليه أمر الوتر ثلاث أو واحدة إلا قول سفيان الثوري، فإنه يخير في خمس أو ثلاث أو واحدة، والذين يقولون بأنها واحدة يصلون قبلها ركعتان يسلم فيهما، ثم يصلي ركعة، وهل يكره إن لم يكن قبلها شفع -وتسمى البتيراء- أو لا يكره؟ لأنه روي عن عشرة من الصحابة -﵃-، منهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، [وعلي]، وعائشة: الوتر ركعة واحدة، وحديث البتيراء ضعيف، ولو صح كان المراد به ما لا يشفع قبلها، كذا في (شرح كتاب الخرقي) (١) في مذهب الإمام أحمد ﵀.\nوورد في الآثار عن أحمد أنه سئل: ما تقول في الوتر؟ قال: أكثر الأحاديث وأقواها ركعة فأنا أذهب إليها، وسئل مرة أخرى، قال: يسلِّم في الركعتين، وإن لم يسلم رجوت أن لا يضره، والتسليم أثبت، انتهى، والإيتار بواحدة هو قول الأئمة الثلاثة، ولقد بالغ بعض الشافعية في تزييف القول بالثلاث، وتضعيف الأحاديث الواردة فيها، والحق خلافه لكثرة الأحاديث والآثار الصحيحة فيها.\nوروى الترمذي من حديث علي بن أبي طالب -﵁-: (كان النبي -ﷺ- يوتر بثلاث) الحديث، وقال: وفي الباب عن عمران بن حصين، وعائشة، وابن عباس، وأبي أيوب -﵃-، وقد ذهب قوم من أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- وغيرهم إلى هذا، ورأوا أن يوتر الرجل بثلاث، وقال سفيان: إن شئت أوتر بخمس، وإن شئت أوتر بثلاث، وإن شئت أوتر بركعة، وقال سفيان: والذي يستحب أن يوتر بثلاث ركعات، وهو قول ابن المبارك وأهل الكوفة.\n_________\n(١) \"الزركشي على مختصر الخرقي\" (١/ ٢٩٣).","vol":"3","page":364},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقال في (الهداية) (١): روت عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- كان يوتر بثلاث ركعات بتسليمة واحدة، وقال ابن الهمام (٢): رواه الحاكم وقال: على شرطهما، وروى النسائي عنها قالت: كان النبي -ﷺ- لا يسلم في ركعتي الوتر، وقال الحاكم: قيل للحسن: إن ابن عمر -﵄- كان يسلم في الركعتين من الوتر، فقال: عمر كان أفقه منه، وكان ينهض في الثانية بالتكبير، وفي (مصنف ابن أبي شيبة) عن الحسن -﵁- أنه قال: اجتمع المسلمون على أن الوتر ثلاث لا يسلم إلا في آخرهن.\nوقال الطحاوي: حدثنا أبو العوام محمد بن عبد اللَّه المرادي قال: حدثنا خالد بن نزارٍ الأيلي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد عن أبيه قال: أَوْعيت عن الفقهاء السبعة أن الوتر ثلاث لا يسلم إلا في آخرهن. ورَوَى عن أبي العالية أنه قال: علمنا أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- أن الوتر مثل صلاة المغرب، وقال: أما قوله -ﷺ-: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة تُوتر له ما قد صلى)، فليس فيه دلالة على أن الوتر واحدة بتحريمة مستأنفة لنحتاج إلى الاشتغال بجوابه، إذ يحتمل كلًّا من ذلك، ومن كونه إذا خشي الصبح صلى واحدة متصلة، فأنّى تقاوِم الصرائحَ التي ذكرناها، وغيرُها كثير تركناه للتطويل مع أن أكثر الصحابة عليه، كذا ذكر ابن الهمام عن الطحاوي.\nونقل الشُّمُنِّي عنه أنه قال: ومذهبنا قوي من جهة النظر؛ لأن الوتر لا يخلو إما أن يكون فرضًا، أو سنة، فإن كان فرضًا فالفرض ليس إلا ركعتين أو ثلاثًا أو أربعًا،\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٦٦).\n(٢) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٤٢٦).","vol":"3","page":365},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-420> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٢٥٤ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"صَلَاةُ اللَّيْلِ. . . . .\nــ\nوكلهم أجمعوا على أن الوتر لا يكون اثنتين ولا أربعًا، فثبت أنه ثلاث، وإن كان سنة، فلم نجد سنة إلا ولها مثل في الفرض منه أخذت، والفرض لم نجد منه وترًا إلا المغرب، وهو ثلاث.\nقال العبد الضعيف -أصلح اللَّه شأنه-: هذا الدليل من الطحاوي في الحقيقة تأييد وتقوية وترجيح للأحاديث التي وردت في أن الوتر ثلاث ركعات على الأحاديث الواردة بخلافها؛ لكونها موافقة للقياس، وقد تقرر في أصول الفقه أن الأحاديث إذا تعارضت فما وافق منها للقياس كان أرجح وأقدم، والخصم يزعم أنه قياس في مقابلة النص، وليس كذلك، وكذا حال سائر الدلائل العقلية التي يوردها بعض الحنفية على إثبات مسائلهم أحيانًا كما هو طريق الهداية ومن يحذو حذوها، وأما الكتب التي في ديار العرب في مذهبنا فيلزمون إيراد الأحاديث الصحيحة والحسنة، وكفى في ذلك شهيدًا شرح الشيخ ابن الهمام (١) -رحمة اللَّه عليه-، ولقد فصلنا الكلام في تثليت الوتر أكثر من هذا في (شرح سفر السعادة) (٢) فليطلب ثمة.\nالفصل الأول\n١٢٥٤ - [١] (ابن عمر) قوله: (صلاة الليل) وفي رواية: (صلاة الليل والنهار)، وبه قال الشافعي ﵀، وقال أبو حنيفة ﵀: الأفضل فيهما رباع، وعندهما في الليل مثنى، وفي النهار رباع، وقد مر ذكره.\n_________\n(١) انظر: \"شرح فتح القدير\" (١/ ٤٢٦ - ٤٢٨).\n(٢) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ١٣٥).","vol":"3","page":366},{"text":"مَثْنَى مَثْنَى،\nــ\nوقوله: (مثنى مثنى) ذكر مثنى هنا بمعنى اثنين، وهو كما ذكره أهل اللغة بمعنى اثنين اثنين مكررًا، فإن ثبت هذا يكون التكرير للتأكيد، ثم اعلم أنهم قالوا: بأن (مثنى) معدول عن اثنين اثنين غير منصرف، واختلفوا في سبب منع صرف مثل هذا المعدول مع صرف المعدول عنه، فقيل: منع صرفه لتكرر العدل فيه؛ لأنه كما عدل من صيغته إلى صيغة أخرى، كذلك عدل من الاسمية إلى الوصفية، فكان فيه عدلين: أحدهما لفظي، وثانيهما معنوي، وهذا القول ضعيف؛ لأن المعدول عنه أيضًا وصفٌ لأنه عدد مكرر، وهو لا يستعمل إلا وصفًا، كما سيظهر، إلا أن يقال: تكرر العدل من جهة الخروج من صيغة إلى صيغة أخرى، ومن مكرر إلى غير مكرر، وهذا أيضًا تكلف، وقيل: منع صرفه للعدل والتعريف بناء على عدم جواز دخول لام التعريف عليه. وصحةُ وقوعه حالًا في قولنا: جاءني القوم مثنى، ينافي هذا القول.\nوالجمهور على أن منع صرفه للعدل والوصفية، ويناقش فيه بأن شرط تأثير الوصف أن يكون ثابتًا في أصل الوضع، والوصف في (مثنى) وأخواته عارض لكونه من أسماء الأعداد، والوصفية فيها عارضة؛ لأن وضعها لنفس الوحدات لا ذات موصوفة بها، نعم قد تَعْرِضها الوصفية، وتستعمل بمعناها كما في قولهم: مررت بنسوة أربع، وذلك لا يؤثر، وأجيب بأن الوصفية لازمة لـ (مثنى) وأخواته فإنها لا تستعمل إلا وصفًا، ولما كانت لازمة كانت في حكم الأصلية، وفيه أن الوصفية لازمة للمكرر الذي هو المعدول عنه أيضًا؛ فإن نحو ثلاثة ثلاثة أيضًا لا تستعمل إلا بمعنى الوصفية، فلو صارت بهذا الاعتبار في حكم الأصلية لكان أربع أربع في حالة التكرار غير منصرف للوصفية ووزن الفعل، وليس كذلك. فالوجه أن يقال: إن الوصفية لما صارت لازمة بعد العدل صارت كأنها أصلية؛ لأن العدل كانه وضع ثان، فالمعنى الذي كان في","vol":"3","page":367},{"text":"فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمُ الصُّبْحَ، صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٩٠، م: ٧٤٩].\nــ\nالمعدول عنه مجازيًّا صار بعد العدل كأنه حقيقي، والمكرر وإن كان لا يستعمل إلا بمعنى الوصفية لكن اللزوم لأجل التكرار دون اللزوم لأجل العدل، وادعاء الوضع الجديد في العدل أقرب من ادعائه في التكرار، كما لا يخفى على المنصف.\nوفي (ضوء المصباح): أن الوصفية قد لزمت عند التكرار فلا يلزم في كل واحد منهما وحده، فبالحري أن يصرف، وأما المجموع فلا يمكن أن يمنع الصرف؛ لأن محل الصرف ومنعِه هو الاسم المفرد أو ما في حكمه، لا الاسمان، وأما ثلاثة فإنه اسم مفرد فقد لزمت له الوصفية فمنع الصرفَ لهذا، انتهى.\nبقي الكلام في الفرق بين ظهور الإعراب في كل من الاسمين في نحو: جاءني القوم ثلاثةً ثلاثةً، مع أن مقتضى الإعراب إنما هو في المجموع، وبين عدم ظهور منع الصرف في كل منهما، وقد بيناه في شرح فارسي لنا على (الكافية)، عملناه في صغر السن لأجل بعض الأحباب، ولم يتم، وقد أفردنا منه رسالة وعرّبناها في تحقيق تعريف العدل فليطلب ثمة.\nوقوله: (فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى) يعني: يقطع صلاته بالليل بأداء الوتر، إذ لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا صلاته، وفي شرح الشيخ: أي ركعة واحدة مفردة عما قبلها، وهذا على مذهبهم في الإيتار بركعة واحدة مفردة بتحريمة مستقلة، وقد عرفت الكلام فيه آنفًا، والإسناد في (توتر) مجازي، الظاهر: يوتر، أي: المصلي بتلك الركعة، والمراد بـ (ما قد صلى): ما أدى من صلاة التهجد، بل كل ما صلى من فرض ونفل؛ لأن الوتر يجعل صلاة الليل كله","vol":"3","page":368},{"text":"١٢٥٥ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٥٢].\n١٢٥٦ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْء إِلَّا فِي آخِرِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٧٠، م: ٧٣٧].\n١٢٥٧ - [٤] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى عَائِشَةَ. . . . .\nــ\nوترًا، كما أن صلاة المغرب تجعل صلاة النهار وترًا، وندب إلى ذلك لأن اللَّه تعالى وتر يحب الوتر، كما جاء في الحديث.\n١٢٥٥ - [٢] (وعنه) قوله: (الوتر ركعة من آخر الليل) المراد أن الوتر ركعة واحدة، والتقييد بآخر الليل لكون الوتر فيه أفضل، وأيضًا فيه إشارة إلى كون الوتر آخر صلاة الليل، وفيه كلام سيجيء.\n١٢٥٦ - [٣] (عائشة) قوله: (يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس) قد ثبت أن صلاته -ﷺ- بالليل كانت على أنواع متعددة، منها أن يصلي ثمان ركعات بأربع تسليمات، ثم يصلي خمس ركعات بنية الوتر بتسليمة لا يجلس إلا في آخرها، فيكون بتشهد واحد وسلام واحد، وهذا صريح في جواز وصل الخمس من غير جلوس فيها، وهو مختلف فيه بين الفقهاء، وأوَّلوا عدم الجلوس بعدم السلام، أي: لا يجلس بالسلام؛ لما جاء في بعض الروايات: لم يسلِّم إلا في آخرهن.\nهذا وأما وصل أكثر من أربع ركعات بتسليمة واحدة فجائز بالاتفاق، ويجوز عندنا إلى ثمان ركعات.\n١٢٥٧ - [٤] (سعد بن هشام) قوله: (فإن خلق نبي اللَّه -ﷺ- كان القرآن) وفي","vol":"3","page":369},{"text":"فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ الْقُرْآنَ. قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْبِئِينِي عَنْ وِتْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَتْ: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سِوَاكَهُ وَطَهُورَهُ، فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ مَا شَاءَ أَنْ يَبْعَثَهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَيَتَسَوَّكُ وَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي تِسْعَ رَكَعَاتٍ، لَا يَجْلِسُ فِيهَا إِلَّا فِي الثَّامِنَةِ، فَيَذْكُرُ اللَّه، وَيَحْمَدُهُ، وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ وَلَا يُسَلِّمُ فَيُصَلِّي التَّاسِعَةَ، ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَذْكُرُ اللَّهَ، وَيَحْمَدُهُ، وَيَدْعُوهُ، ثُمَّ يُسَلِّمُ تَسْلِيمًا يُسْمِعُنَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَتِلْكَ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يَا بُنَيَّ،\nــ\nرواية: (كان خلقه القرآن)، والظاهر أن المراد: إن كل ما بيَّن في القرآن من الأخلاق العظيمة والصفات الحميدة، كان رسول اللَّه -ﷺ- متخلقًا متصفًا بها، وقيل: المراد أن خلقه مذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، وللقوم هنا كلمات مذكورة في كتبهم.\nوقوله: (فيبعثه اللَّه ما شاء أن يبعثه) أي: يوقظه من نومه في ساعة شاء اللَّه إيقاظه فيها.\nوقوله: (لا يجلس فيها إلا في الثامنة) معناه على ما عرف في الحديث السابق، والظاهر ههنا بقرينة قوله: (ثم ينهض ولا يسلم) هو حمل عدم الجلوس على حقيقته لا على عدم التسليم، فافهم.\nوقوله: (فيذكر اللَّه ويحمده ويدعوه) أي: يقرأ التشهد، وهذا نوع آخر من أنواع صلاته -ﷺ- بالليل، وقد ذكرنا أنها كانت على أنواع مختلفة.\nوقوله: (ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد) وهذا لبيان جواز الصلاة بعد","vol":"3","page":370},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالوتر، وقد جاء ذلك في الصحيحين (١) من حديث عائشة الصديقة -﵂-: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين، وهو جالس، الحديث. وفي (مسند الإمام أحمد) (٢) عن أم سلمة -﵂- قالت: كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي بعد الوتر ركعتين خفيفتين وهو جالس. وعن أبي أمامة الباهلي -﵁- (٣): كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي ركعتين بعد الوتر وهو جالس، يقرأ فيهما بـ ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وروي ذلك عن جماعة من الصحابة غير من ذكر، ولكن هذا مع ظاهر حديث: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا)، معارض، واستَشكل ذلك على كثير من العلماء، فأنكر الإمام مالك ﵀ حديث الركعتين بعد الوتر، وقال: لم يصح.\nوقال الإمام أحمد -رحمة اللَّه عليه-: لا أصلِّيهما ولا أمنع منهما أحدًا، وجماهير العلماء قائلون بذلك لوروده في الصحاح، وقالوا: إنما صلاهما بيانًا لجواز التنفل بعد الوتر، وعلى هذا يكون قوله: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا)، محمولًا على الاستحباب لا الوجوب، وذلك أحب وأفضل.\nوهل كانت هاتان الركعتان بعد الوتر أول الليل وآخره؟ فحديث أبي أمامة مطلق، وحديث ثوبان على ما رواه صاحب (المشكاة) عن الدارمي يدل على تقدير الإيتار في أول الليل، وأحاديث البخاري ومسلم والموطأ تدل على أنهما بعد قيام الليل\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (١١٥٩)، و\"صحيح مسلم\" (٧٣٨).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٦/ ٢٩٨).\n(٣) \"مسند أحمد\" (٥/ ٢٦٠).","vol":"3","page":371},{"text":"فَلَمَّا أَسَنَّ -ﷺ- وَأَخَذَ اللَّحْمَ أَوْتَرَ بِسَبعٍ، وَصَنَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَنِيعِهِ فِي الأُولَى، فَتِلْكَ تِسْعٌ يَا بُنَيَّ،\nــ\nوهو الصحيح.\nثم نية التشفيع على تقدير الإيتار أول الليل -كما يفعله بعض الناس بجعل الركعتين قاعدًا في حكم ركعة واحدة- لا معنى له، وهو ناقض ومبطل للوتر من غير ضرورة بعد ما عرف كون الصلاة بعد الوتر جائزة، وعلى هذا إذا صلى الوتر أول الليل، ثم قام وتهجد لا حاجة إلى إعادة الوتر، وهو المختار صرح به الشيخ ابن الهمام، وقد ورد: (لا وتران في ليلة)، وقال بعض العلماء: هاتان الركعتان ملحقتان بالوتر جاريتان مجرى سنة، لا سيما على مذهب من يقول بوجوب الوتر، ولما كان وتر النهار الذي هو صلاة المغرب مشفوعًا بالركعتين جعل وتر الليل أيضًا مشفوعًا بركعتي السنة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فلما أسن) أي: كان في آخر حياته، وفي شرح الشيخ: قبل موته بسنة.\nوقوله: (وأخذ اللحم) قالوا: وذلك بإعطاء اللَّه إياه جميع مطالبه ومراداته، وفراغه واستراحته من عناء الدعوة، ودخول الناس في دين اللَّه أفواجًا، وتهيُّئه لدخول جناب رب العالمين ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥]، وهذا يدل على أن المراد بما ورد في حديث آخر من قوله: (فلما بدَّن رسول اللَّه -ﷺ-) هو أخذ اللحم، كما يكون في آخر العمر، والأكثرون على أن المراد به ضعف الشيبة وكبر السن، وقد يؤول ههنا أخذ اللحم بالضعف المذكور، وقد مر الكلام فيه.\nوقوله: (وصنع في الركعتين) أي: بعد الوتر.\nوقوله: (مثل صنيعه في الأولى) أي: في صورة الأولى وهي الإيتار بالتسع.","vol":"3","page":372},{"text":"وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَحَبَّ أَنْ يُدَاوِمَ عَلَيْهَا، وَكَانَ إِذَا غَلَبَهُ نَوْمٌ أَوْ وَجَعٌ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، صَلَّى مِنَ النَّهَارِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، وَلَا أَعْلَمُ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- قَرَأَ الْقُرْآنَ كُلَّهُ فِي لَيْلَةٍ، وَلَا صَلَّى لَيْلَةً إِلَى الصُّبْحِ، وَلَا صَامَ شَهْرًا كَامِلًا غَيْرَ رَمَضَانَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٤٦].\n١٢٥٨ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"اجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٥١].\nــ\nوقوله: (صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة) يدل على صلاته إياها مطلقًا، ولم تفصِّل في ذلك بأن تصلَّى ثلاثة عشر أو إحدى عشرة أو تسعًا أو سبعًا، كما كان يفعل في الليل.\nوقوله: (ولا أعلم نبي اللَّه. . . إلخ)، نفت الصديقة -﵄- علمها بذلك احتياطًا، إذ يجوز أن يكون -ﷺ- فعل ذلك في بيت غيرها من الأزواج المطهرة أو من الصحابة أو في المسجد أو في سفر، كما قالوا مثل ذلك في صلاة الضحى وغيرها مما وقع فيها نفي العلم لا نفي الفعل قطعًا، وأما جَعْلُ الطيبي -﵀- هذه العبارة من باب نفي الشيء بنفي لازمه مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨]، أي: بما لا يوجد؛ لأنه لو وجد لتعلق علم اللَّه به (١)، فبعيد، كيف ولا يُسلك هذا الأسلوب إلا في حق من أحاط علمه بالمعلوم، كما في حق الباري تعالى أو غيره أيضًا إن أمكن في بعض المعلومات، وإحاطة عائشة -﵂- بجميع أفعاله -ﷺ- غير واقع، كما ذكرنا.\n١٢٥٨ - [٥] (ابن عمر) قوله: (رواه مسلم) وقيل البخاري أيضًا في (باب الوتر).\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٤٧).","vol":"3","page":373},{"text":"١٢٥٩ - [٦] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوِتْرِ\". رَوَاه مُسْلِمٌ. [م: ٧٥٠].\n١٢٦٠ - [٧] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ،\nــ\n١٢٥٩ - [٦] (وعنه) قوله: (بادروا الصبح بالوتر) بادره: عاجله وسابقه، وبدره، وإليه بالأمر: عجل إليه واستبق، وفي (المشارق) (١): بادرني عبدي بنفسه، وبَدَرْتني بالكلام، كلها من المسابقة، فالمراد أي: سارعوا به قبل أن يطلع الصبح، وقد ورد في حديث الترمذي (٢): (أوتروا قبل أن تصبحوا)، وفي رواية: (إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل فأوتروا قبل طلوع الفجر)، ودل الحديث على أنه لا يوتر بعد الصبح، وقال الترمذي: وهو قول غير واحد من أهل العلم، وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق ﵏: لا يرون الوتر بعد صلاة الصبح، وروي عن النبي -ﷺ- أنه قال: لا وتر بعد صلاة الصبح، انتهى. وهذا في الأداء، وأما قضاؤه فيجوز في كل وقت لقوله -ﷺ-: (من نام عن الوتر أو نسيه فليصل إذا ذكره وإذا استيقظ)، أي: ولو في وقت الصبح؛ لحديث رواه أيضًا الترمذي: (من نام عن وتره فليصل إذا أصبح)، بل يجب رعاية الترتيب بين الفوائت، فافهم.\n١٢٦٠ - [٧] (جابر) قوله: (فليوتر أوله) وزاد في رواية: (ثم ليرقد).\nوقوله: (ومن طمع أن يقوم آخره) أي: يثق بالانتباه عن النوم.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ١٢٥).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٤٦٨، ٤٦٩).","vol":"3","page":374},{"text":"فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٥٥].\n١٢٦١ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مِنْ كُلِّ اللَّيْلِ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ، وَانْتَهَى وِتْرُهُ إِلَى السَّحَرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٩٦، م: ٧٤٥].\nــ\nوقوله: (فإن صلاة آخر الليل مشهودة) وزاد في رواية: (محضورة) أي: يشهدها ويحضرها ملائكة الليل والنهار، هذه نازلة، وهذه صاعدة، فهي أقرب إلى الرحمة والقبول، أي: يحضرها أهل الطاعة من سكان السماوات والأرض، و(محضورة) تأكيد لـ (مشهودة)، وورد مثل هذا في صلاة الصبح أيضًا، وهو فيه أظهر، فافهم.\nوقوله: (وذلك أفضل) أي: إيتار آخر الليل، وقد أشار إلى سببه بقوله: (مشهودة)، فهي من هذه الجهة أفضل بالذات، وقد يَعْرِض للإيتار أول الليل ما يجعله أولى بالنسبة إلى شخص وأليق بحاله وأحوط، وقد جاء في حديث أبي داود (١) عن أبي قتادة أن رسول اللَّه -ﷺ- قال لأبي بكر -﵁-: (متى توتر؟) قال: أوتر من أول الليل، وقال لعمر -﵁-: (متى توتر؟) قال: آخر الليل، فقال لأبي بكر: (أخذ هذا بالحذر)، وقال لعمر: (أخذ هذا بالقوة)، وأخرج الموطأ (٢) عن ابن المسيب: كان أبو بكر الصديق -﵁- إذا أراد أن يأتي فراشه أوتر، وكان عمر يوتر آخر الليل.\n١٢٦١ - [٨] (عائشة) قوله: (وانتهى وتره) أي: تقرر وثبت في آخر عمره إلى أن ارتحل.\n_________\n(١) \"سنن أبي داود\" (١٤٣٤).\n(٢) \"موطأ مالك\" (٢٧٠).","vol":"3","page":375},{"text":"١٢٦٢ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ: صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكَعْتَي الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٨١، م: ٧٢١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-421> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٢٦٣ - [١٠] عَنْ غُضَيْفِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَرَأَيْتِ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَغْتَسِلُ مِنَ الْجَنَابَةِ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ أَمْ فِي آخِرِهِ؟ قَالَتْ: رُبَّمَا اغْتَسَلَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَرُبَّمَا اغْتَسَلَ فِي آخِرِهِ،\nــ\n١٢٦٢ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (بثلاث) أي: ثلاث خصال.\nوقوله: (ركعتي الضحى) وسيأتي أنهما أقل صلاة الضحى، ولعله اكتفى لأبي هريرة -﵁- بالأقل؛ لأنه كان يحفظ أحاديث رسول اللَّه -ﷺ-، ويستحضر محفوظاته، فكان يَمضي جزءٌ كثير من الليل، وذلك أفضل لأن الاشتغال بالعلم أفضل من العبادة، وهو السبب بالوصية له بأن يوتر قبل أن ينام، وكنت سمعت قديمًا من بعض أساتذتنا من الفقهاء أقامه اللَّه في دار السلام أنه كان يقول: جاء في الروايات أنه يستحب الركعتان بعد الوتر إذا صلى أول الليل لطالبي العلم، ولم يظهر في ذلك الوقت جهة التخصيص لطالب العلم، فلما اطلعت على هذا الحديث ظهر وجهه، فإن الركعتين يقومان مقام صلاة الليل، كما يجيء في آخر الفصل الثالث.\nالفصل الثاني\n١٢٦٣ - [١٠] (غضيف بن الحارث) قوله: (غضيف) بغين معجمة مضمومة، فضاد معجمة مفتوحة، فياء تحتانية ساكنة ففاء، وقيل: غطيف بالطاء المهملة.","vol":"3","page":376},{"text":"قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ سَعَةً، قُلْتُ: كَانَ يُوتِرُ أَوَّلَ اللَّيْلِ أَمْ فِي آخِرِهِ؟ قَالَتْ: رُبَّمَا أَوْتَرَ فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ، وَرُبَّمَا أَوْتَرَ فِي آخِرِهِ، قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ لسَعَةً، قُلْتُ: كَانَ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ أَمْ يَخْفِتُ؟ قَالَتْ: رُبَّمَا جَهَرَ بِهِ وَرُبَّمَا خَفَتَ، قُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الأَمْرِ سَعَةً. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ الْفَصْلَ الأَخِيرَ. [د: ٢٢٦، جه: ١٣٥٤].\n١٢٦٤ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: بِكَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُوتِرُ؟ قَالَتْ: كَانَ يُوتِرُ بِأَرْبَعٍ وَثَلَاثٍ، وَسِتٍّ وَثَلَاثٍ، وَثَمَانٍ وَثَلَاثٍ، وَعَشْرٍ وَثَلَاثٍ،\nــ\nوقوله: (اللَّه كبر الحمد للَّه) نبه على أن سعة الأمر في التكاليف أمر عظيم ورحمة واسعة، ومنه قوله -ﷺ-: (اختلاف أمتي رحمة)، والاختلاف في الأكثر جاء من تعدد أفعال النبي -ﷺ- وتطوره وشفقته على أمته، وتوسيع الأمر عليهم، ومن اختلاف المجتهدين في استنباط الأحكام، وكلاهما خير محض، ونعمة عظيمة، وزيادة وكمال في الدين، وسبب لمزيد الأنوار، وتخفيف عن الأحمال والآصار، والحمد للَّه.\n١٢٦٤ - [١١] (عبد اللَّه بن أبي قيس) قوله: (كان يوتر بأربع وثلاث) يعني: يصلي أربعًا بتسليمتين أو بتسليمة، وثلاثًا بتسليمة، والحديث ظاهر في كون الوتر ثلاث ركعات، وكذا ما جاء في الصحيحين (١) عن عائشة -﵂- قالت: ما كان رسول اللَّه -ﷺ- يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا، فلا تسأل عن\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (١١٤٧)، و\"صحيح مسلم\" (٧٣٨).","vol":"3","page":377},{"text":"وَلَمْ يَكُنْ يُوتِرُ بِأَنْقَصَ مِنْ سَبْعٍ، وَلَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٣٦٢].\n١٢٦٥ - [١٢] وَعَنْ أَبِي أَيَّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْوِتْرُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِخَمْسٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِثَلَاثٍ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٤٢٢، ن: ١٧١٢، جه: ١١٩٠].\n١٢٦٦ - [١٣] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ،\nــ\nحسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا. ولو كان -ﷺ- يفصل في الوتر بين الثلاثة بسلام لقالت: ثم يصلي بثنتين وواحدة، كذا قال الشُّمُنِّي، وقد سبق تحقيق كون الوتر ثلاث ركعات بما لا مزيد عليه.\nوقوله: (لم يكن يوتر بأنقص من سبع) المراد بالوتر ههنا صلاة الليل كله، وقد يطلق على ذلك، كما سبق.\n١٢٦٥ - [١٢] (أبو أيوب) قوله: (الوتر حق) أي: واجب وثابت.\nوقوله: (فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل) وقد ذهب إلى الخمس سفيان وغيره، كما ذكرنا.\n١٢٦٦ - [١٣] (علي) قوله: (إن للَّه وتر يحب الوتر) بكسر الواو وفتحها: الفرد من العدد، ويطلق على اللَّه تعالى بمعنى الواحد الفرد في حد ذاته لا يقبل الانقسام، وفي صفاته بمعنى لا شبه له ولا مثل، وفي أفعاله بمعنى لا شريك له ولا معين، ففيه تعالى معنى الوترية بمعنى الفردانية، وبهذه المناسبة يحب الوتر، أي: يقبله، ويثبِّت عليه","vol":"3","page":378},{"text":"فَأَوْتِرُوا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٤٥٣، د: ١٤١٦، ن: ١٦٧٥].\n١٢٦٧ - [١٤] وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ: الْوِتْرُ جَعَلَهُ اللَّهُ لَكُمْ فِيمَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٤٥٢، د: ١٤١٨].\nــ\nإن كان من قبيل الأفعال، وله أمثلة كثيرة في الشرع؛ كالإيتار في الاستجمار، وكأكله -ﷺ- التمرات يوم الفطر قبل الخروج إلى المصلَّى ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا ونحو ذلك.\nوالفاء في (فأوتروا) للسببية، أي: إذا علمتم أن اللَّه يحب الوتر فأوتروا، أي: صلوا الوتر واجعلوا صلاتكم بالليل وترًا بضم ركعة أو ثلاث ركعات إليها.\nوقوله: (يا أهل القرآن) أي: المؤمنون المصدقون به، أو المتولون لحفظه وتلاوته، تنبيه على ملازمتهم قيام الليل وتلاوة القرآن في صلواتهم، كما أمر اللَّه تعالى نبيه -ﷺ- بقوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤].\n١٢٦٧ - [١٤] (خارجة بن حذافة) قوله: (إن اللَّه أمدّكم) أي: زاد على صلاتكم، وقد روي: (إن اللَّه زاد لكم)، ويروى: (إن اللَّه أمركم بصلاة)، وقد مر تقرير الاستدلال به على وجوب الوتر.\nوقوله: (من حمر النعم) الحمر بضم الحاء وسكون الميم: جمع أحمر، والمراد بالنعم الإبل، وهي أعز الأموال عند العرب، أي: خير مما تحبون من عرض الدنيا وزينتها، و(الوتر) مجرور بدل من (صلاة)، أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف، وبجوز أن يكون منصوبًا على تقدير أعني.","vol":"3","page":379},{"text":"١٢٦٨ - [١٥] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا. [ت: ٤٦٥].\n١٢٦٩ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَائِشَةَ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يُوتِرُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَتْ: كَانَ يَقْرأُ فِي الأُولَى بِـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وَفِي الثَّانِيَةِ بِـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَفِي الثَّالِثَةِ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمُعَوِّذَتَيْن. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٤٦٣، د: ١٤٢٤].\n١٢٧٠ - [١٧] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى. [ن: ١٦٩٩].\n١٢٧١ - [١٨] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. [حم: ٥/ ١٢٣].\nــ\n١٢٦٨ - [١٥] (زيد بن أسلم) قوله: (فليصل إذا أصبح (١» قد عرفت معناه في حديث ابن عمر: بادروا الصبح بالوتر.\n١٢٦٩، ١٢٧٠، ١٢٧١، ١٢٧٢ - [١٦، ١٧، ١٨، ١٩] (عبد العزيز بن جريج، وعبد الرحمن بن أبزى، وأبي بن كعب، وابن عباس) قوله: (عبد العزيز بن جريج) بالجيمين على صيغة التصغير، وليس في رواية أحد بالجيم والحاء لا مصغرًا ولا مكبرًا، و(عبد الرحمن بن أبزى) بفتح الهمزة وسكون الموحدة بعده زاي مقصورًا.\n_________\n(١) يَعْنِي قَبْلَ فَرْضِ الصُّبْحِ إِذَا كَانَ صَاحِبَ تَرْتِيبٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِنْ أَمْكَنَ، وَإِلَّا فَبَعْدَهُ وَلَوْ آخِرَ الْعُمُرِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُؤَيِّدُ مَذْهَبَهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: فَلْيَقْضِ الْوَتْرَ بَعْدَ الصُّبْحِ مَتَى اتَّفَقَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْهِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: لَا يَقْضِي الْوَتْرَ بَعْدَ الصُّبْحِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٩٤٨).","vol":"3","page":380},{"text":"١٢٧٢ - [١٩] وَالدَّارِمِيُّ عَن ابْن عَبَّاس وَلم يذكرُوا المُعَوِّذَتَيْن. [دي: ٥/ ٢٠].\n١٢٧٣ - [٢٠] وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: \"اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ،\nــ\nوقوله: (ولم يذكروا المعوذتين) قال الترمذي بعد ما روى الحديثين: والذي اختاره أكثر أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- ومن بعدهم أن يقرأ بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، يقرأ في كل ركعة من ذلك سورة.\nوقال الشيخ ابن الهمام (١): روى أحمد في (مسنده) عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة -﵂- قالت: كان رسول اللَّه -ﷺ- يوتر بثلاث ركعات، وكان يقرأ في الأولى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وبهذا أخذ أصحابنا، انتهى.\nهذا، وأما ما يقرأ بعض الناس من أهل ديارنا في الأولى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ فلا يوجد له رواية ولا أثر، ويقال: إنه قد جاء في بعض الروايات الفقهية.\n١٢٧٣ - [٢٠] (الحسن بن علي -﵄-) قوله: (علمني رسول اللَّه -ﷺ- كلمات أقولهن في قنوت الوتر) يحتمل أن التعليم من رسول اللَّه -ﷺ- إياه كان بأن يقولهن في قنوت الوتر، وأن يكون هو -ﷺ- علمه هذا الدعاء فأعجبه أن يقوله في قنوت الوتر،\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (١/ ٤٢٧)، وقوله الآتي: \"روى أحمد\" كذا في المخطوطة، والصواب: \"روى أبو حنيفة\"، كما في \"فتح القدير\".","vol":"3","page":381},{"text":"وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، فَإِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، تَبَارَكتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٤٦٤، د: ١٤٢٥، ن: ١٧٤٥، جه: ١١٧٨، دي: ٥/ ٢٦].\nــ\nويؤيد الأول ما جاء في بعض الروايات: (اجعله في وترك) وإن كان غريبًا.\nوقوله: (تولني فيمن توليت) يجوز أن يكون من تولاه وولاه بمعنى أحبه، ويجوز أن يكون من تولى أمره بمعنى تقلده وقام به، يتضمن المعنيين قولُه تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦].\nوقوله: (وقني شر ما قضيت) وقد عرفت في كتاب الإيمان بالقدر أن القضاء قد يطلق على الحكم السابق الأزلي الإجمالي، والقدر على تفصيله وجريانه فيما لا يزال وقتًا بعد وقت، وقد يطلق القدر على التقدير السابق والقضاء على الأحكام الواقعة وخَلْقِها، على عكس الأول، وعلى كل تقدير لا تبديل لقضاء اللَّه وقدره، وإنما يسأل الوقاية والإعاذة عنهما باعتبار ظاهر الأسباب والآلات المرتبطِ بها وقوعُهما فيما لا يزال، تمسكًا بقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو على كل شيء قدير، كما عرف في تحقيق الدعاء والسؤال، واللَّه أعلم.\nوقوله: (إنه لا يذل من واليت) وزاد في بعض الروايات: (ولا يعز من عاديت)، وفي شرح الشيخ: ذكره البيهقي والطبراني بطرق.\nوقوله: (تباركت ربنا وتعاليت) وزاد الشُّمُنِّي بعده: (فلك الحمد على ما قضيت، نستغفرك اللهم ونتوب إلمِك، رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين)، وجاء في الروايات ختمه بالصلاة على النبي -ﷺ- وآله بلفظ: (وصلى اللَّه على النبي محمد وآله وسلَّم).","vol":"3","page":382},{"text":"١٢٧٤ - [٢١] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا سَلَّمَ فِي الْوِتْرِ قَالَ: \"سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَزَادَ: ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يُطِيلُ فِي آخِرهنَّ. [د: ١٤٣٠، ن: ١٧٢٩].\n١٢٧٥ - [٢٢] وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ يَقُولُ إِذَا سَلَّمَ: \"سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ\" ثَلَاثًا، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالثَّالِثَةِ. [ن: ١٧٣٤].\n١٢٧٦ - [٢٣] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ: \"اللَّهُمَّ إِنَّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٤٢٧، ت: ٣٥٦٦، ن: ١٧٤٧، جه: ١١٧٩].\nــ\n١٢٧٤، ١٢٧٥ - [٢١، ٢٢] (أبي بن كعب، وعن عبد الرحمن بن أبزى) قوله: (وزاد) أي: النسائي (ثلاث مرات يطيل) أي: يرفع صوته بالثالثة كما بينته الرواية الأخرى، وفي الحديث دليل على شرعية الجهر بالذكر، وهو ثابت في الشرع بلا شبهة، لكن الخفي منه أفضل في غير ما ثبتٍ في المأثور.\n١٢٧٦ - [٢٣] (علي -﵁-) قوله: (كان يقول في آخر وتره) قيل: أراد به الاعتدال، وبه قال أحمد، وقيل: أراد بعد السلام، وقيل: أراد قبله يعني في آخر التشهد، وقيل: في السجود، وقيل: بعد التشهد، وجاء في رواية النسائي: (كان يقول إذا فرغ من صلاته وتبوأ مضجعه)، وزاد: (لا أحصي ثناء عليك ولو حرصتُ)، وجاء في بعض الروايات الصحيحة أنه يقول في السجود، كذا ذكروا، ولا شك أن الاحتمال","vol":"3","page":383},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-422> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٢٧٧ - [٢٤] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قِيلَ لَهُ: هَلْ لَكَ فِي أَمِيرِ الْمُؤمنِينَ مُعَاوِيَة مَا أَوْتَرَ إِلَّا بِوَاحِدَةٍ؟ قَالَ: أَصَابَ إِنَّهُ فَقِيهٌ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: أَوْتَرَ مُعَاوِيَةُ بَعْدَ الْعِشَاءَ بِرَكْعَةٍ، وَعِنْدَهُ مَوْلًى لِابْنِ عَبَّاسٍ، فَأَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: دَعْهُ فَإِنَّهُ قَدْ صَحِبَ النَّبِيَّ -ﷺ-. رَوَاه الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٦٤، ٣٧٦٥].\nــ\nالأخير أقرب الاحتمالات من حيث اللفظ، لكون الآخِر فيه محمولًا على حقيقته، وإن كان في الآخَر أيضًا معنى الآخِرية، وقد حمل كثير من الأئمة، ومنهم أحمد بن حنبل، ولا بد من أن يكون له قرينة ودليل على ذلك، وكفى بقولهم مستشهَدًا، وحينئذٍ ثبت منه -ﷺ- قنوت الوتر، واللَّه أعلم.\nالفصل الثالث\n١٢٧٧ - [٢٤] (ابن عباس) قوله: (هل لك في أمير المؤمنين) يقال: هل لك في كذا وإلى كذا، أي: رغبة فيه أو إليه، قاله بطريق الإنكار لمَّا رأى منه ما لا يعرفه، وهو الإيتار بواحدة، وهذه الواحدة إما كانت مستقلة من غير تقديم شفع عليها، وهي البتيراء المنهي عنها بالاتفاق ومحل الإنكار بلا شبهة، أو كان معه، كما يقوله عامة الأئمة في الإيتار، والظاهر هو الثاني كما يظهر من تصويب ابن عباس معاوية لصحبته، فإن هذه الصورة هي التي توافق السنة، ويحتمل أن يكون المراد الأول، كما يومئ إليه تصويبه لفقاهته، يعني: يمكن أن يكون مما أدى إليه اجتهاده، واستنبطه من موارد السنة فلا علينا إنكاره، واللَّه أعلم.\nوهذا الحديث يدل على أن المتعارف بينهم كان هو الإيتار بثلاث.","vol":"3","page":384},{"text":"١٢٧٨ - [٢٥] وَعَن بُرَيْدَة قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا، الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا، الْوِتْرُ حَقٌّ فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٤١٩].\n١٢٧٩ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ نَامَ عَنِ الْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَ أَوْ إِذا اسْتَيْقَظَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وأَبَو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٤٦٥، د: ١٤٣١، جه: ١١٨٨].\n١٢٨٠ - [٢٧] وَعَنْ مَالِكٍ بَلَغَهُ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ عَنِ الْوِتْرِ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَدْ أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَوْتَرَ. . . . .\nــ\nوهذا الكلام شهادة من ابن عباس بصحبة معاوية وفقاهته، وابن عباس تلميذ أمير المؤمنين عليٍّ -﵁- وأخذ العلم منه، ومع ذلك كان يراعي جانب معاوية، وكان يقول له: لم تستعجل وتحارب، فإن كان لك من رسول اللَّه -ﷺ- وعد وخبر، فاصبر على ذلك، كما نحن بشرنا بالخلافة في أعقابنا، وإن لم يكن ذلك فلا فائدة، واللَّه أعلم.\n١٢٧٨ - [٢٥] (بريدة) قوله: (الوتر حق. . . إلخ) دليل على وجوب الوتر، كما جاز أن يكون المراد التأكيد، لكن هذا التكرار يرجح جانب الوجوب، ويكفي في ثبوت الوجوب بالمعنى المراد ههنا، كما عرف.\n١٢٧٩ - [٢٦] (أبو سعيد) قوله: (من نام عن الوتر. . . إلخ)، هذا أيضًا يدل على الوجوب، كما ورد في الصلاة المفروضة، وقضاءُ الوتر متفق عليه بين القائل بالوجوب والقائل بالسنة كما مرّ، ولكنه عند الإنصاف دليل الوجوب، فإنه لم يعهد مثله في السنن.\n١٢٨٠ - [٢٧] (مالك) قوله: (فقال عبد اللَّه: قد أوتر رسول اللَّه -ﷺ- وأوتر","vol":"3","page":385},{"text":"الْمُسْلِمُونَ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُرَدِّدُ عَلَيْهِ، وَعَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ: أَوْتَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَوْتَرَ الْمُسْلِمُونَ. رَوَاهُ فِي \"الْمُوَطَّأِ\". [ط: ٢٧١].\n١٢٨١ - [٢٧] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُوتِرُ بِثَلَاثٍ، يَقْرَأُ فِيهِنَّ بِتِسْعِ سُوَرٍ مِنَ الْمُفَصَّلِ، يَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِثَلَاثِ سُوَرٍ آخِرُهُنَّ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٤٦].\n١٢٨٢ - [٢٩] وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ، وَالسَّمَاءُ مُغَيِّمَةٌ فَخَشِيَ الصُّبْحَ، فَأَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ،\nــ\nالمسلمون) الحديث، ظاهره التردد بين الوجوب وعدمه، يعني الذي ثبت هو فعلهم، وهو يحتمل الوجوب والسنية، ويمكن إشارة إلى كونه فرضًا عمليًّا، وأن دليله ليس بقطعي، وهو معنى الوجوب ههنا.\n١٢٨١ - [٢٨] (علي -﵁-) قوله: (يقرأ في كل ركعة بثلاث سور آخرهن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾) وجاء في رواية مفسرة: ويقرأ في الأولى ألهاكم والقدر وزلزلت، وفي الثانية: العصر والنصر والكوثر، وفي الثالثة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وتبت وإخلاص، كذا في (سنن الهدى)، وفي شرح الشيخ: يحتمل أنه كان يقرأ في كل من الثلاث السورتين، ويختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ويحتمل أنه لم يفعل ذلك إلا في الأخيرة، وبما قلنا من تفصيل السور ظهر أن المراد هو الاحتمال الأخير.\n١٢٨٢ - [٢٩] (نافع) قوله: (والسماء مغيمة) وقال في (المشارق) (١): مغيمة بكسر الغين، ويروى بفتحها وفتح الياء وبكسر الياء أيضًا، كذا ضبطنا هذا الحرف عن\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٣١).","vol":"3","page":386},{"text":"ثُمَّ انْكَشَفَ فَرَأَى أَنَّ عَلَيْهِ لَيْلًا فَشَفَعَ بِوَاحِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا خَشِيَ الصُّبْحَ أَوْتَرَ بِوَاحِدَةٍ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢٧٣].\n١٢٨٣ - [٣٠] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّي جَالِسًا فَيَقْرَأُ وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا بَقِيَ مِنْ قِرَاءَتِهِ قَدْرُ مَا يَكُونُ ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ آيَةً، قَامَ وَقَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ،\nــ\nشيوخنا في (الموطأ)، وكله صحيح، وقد قدمنا أنه يقال: غيَّمت وأغامت كله إذا كان بها غمام، وقال الطيبي (١): يقال: أُغْمِيَ علينا الهلال وغُمِّيَ فهو مُغْمًى ومُغَمًّى إذا حال دون رؤيته غيم، ويظهر من هذا أن لفظ الحديث مغماة بضم الميم وسكون الغين وتخفيف الميم، أو بفتح الغين وتشديد الميم، وفي (القاموس) (٢): أغامت السماء وغيمت تغيمًا، وهو يوافق ما في (المشارق)، واللَّه أعلم.\nوقوله: (أن عليه ليلًا) أي: باق عليه الليل.\nوقوله: (فشفع) (٣) بالتخفيف.\n١٢٨٣ - [٣٠] (عائشة) قوله: (فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية قام) ولم يرو عكس ذلك، ولا شبهة في أصل جوازه ولو مع كراهته من غير عذر (٤).\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٥٥ - ١٥٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٥٥).\n(٣) يحتمل أَن يكون مَذْهَبُهُ الإِيتَار بِوَاحِدَةٍ، وَلِذَا قِيلَ فِي حَقِّهِ: إِنَّ عُمَرَ أَفْقَهُ مِنْهُ، قاله القاري (٣/ ٩٥٦).\n(٤) قال القاري: وَلَا يَظْهَرُ وَجْهُ مُنَاسَبَتِهِ لِلْبَابِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِن الْحَدِيثَ سَاكِتٌ عَنِ =","vol":"3","page":387},{"text":"ثُمَّ يَفْعَلُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِثْلَ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٣١].\n١٢٨٤ - [٣١] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْوِتْرِ رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ: خَفِيفَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ. [ت: ٤٧١، جه: ١١٩٥].\n١٢٨٥ - [٣٢] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ، يَقْرَأُ فِيهِمَا وَهُوَ جَالِسٌ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَرَكَعَ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١١٩٦].\n١٢٨٦ - [٣٣] وَعَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إنَّ هَذَا السَّهَرَ جُهْدٌ وَثِقَلٌ، فَإِذَا أَوْتَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ،\nــ\n١٢٨٤ - [٣١] (أم سلمة) قوله: (كان يصلي بعد الوتر ركعتين) قد مرّ الكلام فيه.\n١٢٨٥ - [٣٢] (عائشة -﵂-) قوله: (ثم يركع ركعتين) كما علم من حديثها السابق غير أنه كان مطلقًا، وهذا مقيد بركعتين بعد الوتر.\n١٢٨٦ - [٣٣] (ثوبان) قوله: (إن هذا السهر جهد) اسم الإشارة لكمال التميز، والسهر: بفتحتين عدم النوم، في (القاموس) (١): سهر كفرح: لم ينم ليلًا، والجهد بالفتح وبالضم: المشقة.\n_________\n= الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، أَوْ ذَكَرَ هَذَا الشَّفْعَ؛ لأَنَّهُ مُقَدّمَةُ الْوِتْرِ، أَوْ يَحْمِلُ هَذَا الشَّفْعَ عَلَى مَا بَعْدِ الْوِتْرِ، فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَذْكُرَهُ فِي آخِرِ الْبَابِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٩٥٦).\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٨٤).","vol":"3","page":388},{"text":"فَإِنْ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ وَإِلَّا كَانَتَا لَهُ\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٣٨٤].\n١٢٨٧ - [٣٤] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْوِتْرِ وَهُوَ جَالِسٌ، يَقْرَأ فِيهِمَا ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾. رَوَاهُ أحمد. [حم: ٥/ ٢٦٠].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-423>٣٦ - باب القنوت</span>\nــ\nوقوله: (فإن قام من الليل وإلا كانتا له) أي: قام بالليل فصلى التهجد فهو الأفضل، وإن لم يقم ولم يصل كانتا مجزئتين عن أصل ثواب التهجد، وحاصله أن فيهما ثواب التهجد لمن لم يتيسر له ذلك.\n١٢٨٧ - [٣٤] (أبو أمامة) قوله: (كان يصليهما) أي: الركعتين، وفي بعض النسخ: (يصليها)، أي: الصلاة المذكورة، وكذا الاختلاف في قوله: (فيهما) و(فيها)، والظاهر من السياق أداؤهما في الإيتار قبل الليل، وقد ثبت أنه -ﷺ- كان يصلي الركعتين بعد الوتر وإن أوتر آخر الليل، كما مرّ.\n٣٦ - باب القنوت\nالقنوت يجيء لمعان، في (القاموس) (١): القنوت: الطاعة، والسكوت، والدعاء، والقيام في الصلاة، والإنصات عن الكلام، وأقنت: دعا على عدوه، وأطال القيام في الصلاة، وأدام الحج، وأدام الغزوة، وتواضع للَّه، والمراد ههنا الذكر والدعاء المخصوص على مذهب الأكثرين بخلاف ما نقل عن بعض المشايخ، ويروى ذلك\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٥٨).","vol":"3","page":389},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعن محمد -﵀- أنه لا يوقت دعاء في القنوت، وفي غيره من مواضع الدعاء كالطواف ونحوه؛ لأن تعيين الدعاء يذهب برقة القلب ويورث السآمة، والأكثرون على التوقيت؛ لأنه ربما يجري على اللسان ما يشبه كلام الناس إذا لم يوقت فتفسد الصلاة، ولا شك أن هذا الخلاف لا يكون فيما ثبت توقيته في الشرع، وفيه يلزم التوقيت، إما وجوبًا فيما يجب أو استحسانًا فيما يستحب، واستثنى في (المحيط) و(الذخيرة) من عدم التعيين: (اللهم إنا نستعينك)، و(اللهم اهدنا)، فعندنا الموقت في القنوت هو (اللهم إنا نستعينك)؛ لأن الصحابة -﵃- اتفقوا عليه، ولو اكتفى به جاز، والأولى أن يقرأ بعده: (اللهم اهدنا فيمن هديت)، وذكر الشُّمُنِّي عن أبي الليث: (اللهم اغفر لي) ثلاث مرات، انتهى.\nوقيل: يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وقيل: من لم يحسن القنوت يقرأ باللهم اغفر لي وربنا آتنا، كذا في شرح ابن الهمام (١)، هذا عندنا، وعند الشافعية يقرؤون هذا ويكتفون به، ولا يرون إنا نستعينك من القنوت، وقالوا: ليس روايته في الصحيحين والسنن المعروفة، ولكن أئمتنا أثبتوه بطرق صحيحة من الطبراني وغيره، وأورد الشيخ ابن الهمام عن أبي داود من حديث خالد بن أبي عمران قال: بينما رسول اللَّه -ﷺ- يدعو على مضر، إذ جاء جبريل ﵇ فأومأ عليه أن اسكت فسكت، فقال: يا محمد! إن اللَّه لم يبعثك سبّابًا ولا لعّانًا، وإنما بعثك رحمة للعالمين، ليس لك من الأمر شيء، ثم علمه اللهم إنا نستعينك ونؤمن بك، ونخضع لك، ونخلع ونترك من يكفرك، اللهم إلى قوله: إن عذابك الجد بالكفار ملحق.\n_________\n(١) انظر: \"شرح فتح القدير\" (١/ ٤٣٠ - ٤٣٢).","vol":"3","page":390},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوذكر الشيخ جلال الدين السيوطي من الشافعية من (عمل اليوم والليلة) بهذا الوجه: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونثني عليك الخير، ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، بسم اللَّه الرحمن الرحيم، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق، اللهم اهدني فيمن هديت. . . إلخ. وقال بعض العلماء: إن هذا كان سورتين من القرآن، لكن لما لم يثبت قرآنيتها بالتواتر بلا شبهة، جعلوها في صلاة الوتر الذي في وجوبه شبهة، واللَّه أعلم.\nوالمشهور فيه هذا اللفظ: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير، ونشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، ونرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق. وقيل: لا حاجة بأن يقول بالواو في أول سبع كلمات، وهي نؤمن، ونثني، ونشكرك، ونخلع، ونسجد، ونحفد، ونرجو، وقالوا: الأولى أن يأتي بالواو، وفي العطف زيادة الثناء وتعدد الأثنية كما في التشهد، وقد حقق في موضعه، وقال الشُّمُنِّي عن شرح الطحاوي: ملحق بكسر الحاء بمعنى لاحق، وعن (غاية البيان) أنه لا يجوز فتحها، وفي (القاموس) (١): ألحقه لازم ومتعد، وإن عذابك بالكفار ملحق، أي: لاحق، والفتح أحسن أو الصواب.\nإذا عرفت هذا فاعلم أن قراءة القنوت في الوتر متفق عليه بين الأئمة الأربعة، فعند الإمام أبي حنيفة -رحمة اللَّه عليه- يقنت في الوتر دائمًا في رمضان وغيره قبل\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٤٩).","vol":"3","page":391},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالركوع، ولا يقنت في صلاة الصبح وغيره، وهو مذهب أحمد، وفي رواية عنه، لكن المشهور من مذهبه أنه يقنت بعد الركوع، ولا قنوت عنده في الصبح إلا في النوازل، إما في الفجر خاصة أو في الفجر والمغرب أو في جميع الصلوات، ثلاث روايات، ويختص ذلك بالإمام الأعظم أو بأمير الجيش، لا لكل إمام على المشهور، وعند الشافعي -رحمة اللَّه عليه- وهو رواية عن مالك وأحمد -رحمهما اللَّه- يقنت في الوتر بعد الركوع في النصف الأخير من رمضان، ويقنت في الصبح دائمًا بعد الركوع عنده وعند مالك ﵀.\nفحصل في الباب ثلاثة اختلافات، الأول: أنه إذا قنت في الوتر قنت قبل الركوع أو بعده، فالقائل بالقنوت بعد الركوع له ما روى الدارقطني (١) عن سويد بن غفلة قال: سمعت أبا بكر وعمر وعثمان وعليًا -﵃- يقولون: قنت رسول اللَّه -ﷺ- في آخر الوتر، وكانوا يفعلون ذلك.\nوأجاب عنه صاحب (الهداية) (٢) بأن ما زاد على نصف الشيء فهو آخره، يعني إذا قنت في الركعة الثانية ولو قبل الركوع صدق أنه قنت في آخر الوتر، فلا دليل فيه على كون القنوت بعد الركوع، ولهم ما هو أصرح في ذلك (٣) وهو حديث حسن بن علي -﵄- على ما رواه الحاكم وصححه قال: علمني رسول اللَّه -ﷺ- كلمات أقولهن في وتري إذا رفعت رأسي، ولم يبق إلا السجود: اللهم اهدني فيمن هديت. . . إلخ.\nولنا ما روي أنه -ﷺ- قنت قبل الركوع، وفي بعض الروايات: كان يقنت، وفي\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ٣٢).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ٦٦).\n(٣) في \"فتح القدير\" (١/ ٤٢٨): أنص من ذلك.","vol":"3","page":392},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nحديث ابن ماجه وحديث النسائي عن أبي بن كعب أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يوتر فيقنت قبل الركوع، وهذا لفظه، ولفظ النسائي: وكان يوتر بثلاث، يقرأ في الأولى بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية: بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة: بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ويقنت قبل الركوع، نعم قد روى هذا الحديث غير واحد، ولم يذكر: (يقنت قبل الركوع)، لكن زيادة الثقة مقبولة.\nوأخرج الخطيب في (كتاب القنوت) له عن ابن مسعود -﵁- قال: إن النبي -ﷺ- قنت في الوتر قبل الركوع، وذكره ابن الجوزي في (التحقيق) وسكت عنه، وأخرج أبو نعيم عن عطاء بن مسلم عن ابن عباس -﵄- قال: أوتر النبي -ﷺ- بثلاث، فقنت فيها قبل الركوع، وأخرج الطبراني في (الأوسط) (١) عن ابن عمر -﵄- أن النبي -ﷺ- كان يوتر بثلاث ركعات، يجعل القنوت قبل الركوع.\nأورد الشيخ ابن الهمام هذه الأحاديث مع أسانيدها، وقال: إن كل طريق منها إما صحيح أو حسن، ولو كان في بعضها غرابةٌ وتفرُّدٌ كما حكم أبو نعيم تظافر بعضها ببعض، وقال: ما في حديث أنس -﵁- أنه -ﷺ- قنت بعد الركوع، فالمراد منه أن ذلك كان شهرًا فقط بدليل ما في (الصحيح) عن عاصم الأحول قال: سألت أنسًا عن القنوت في الصلاة، قال: نعم، فقلت: كان قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله، قلت: فإن فلانًا أخبرني عنك أنك قلت: بعده، قال: كَذَبَ، إنما قنت -ﷺ- بعد الركوع شهرًا، وعاصم كان ثقة جدًا، ولا معارضة متجهة (٢) في ذلك مع ما رواه أصحاب السنن، بل هذه\n_________\n(١) \"المعجم الأوسط\" (٨/ ٣٦، رقم: ٧٨٨٥).\n(٢) كذا في الأصول المخطوطة، وفي \"فتح القدير\" (١/ ٤٢٩): مُحَتَّمَةٌ.","vol":"3","page":393},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nتصلح مفسرة للمراد بمرويهم أنه قنت بعده، ومما تحقق ذلك أن عمل الصحابة وأكثرهم كان على وفق ما قلنا: روى ابن أبي شيبة (١) عن علقمة: أن ابن مسعود وأن أصحاب النبي -ﷺ- كانوا يقنتون في الوتر قبل الركوع، انتهى كلام الشيخ، ولم يتعرض للجواب عن حديث الحسن -﵁-، ويمكن أن يقال: إنه على ما رواه الترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه كما ذكره المؤلف مطلق من أن يكون قبل الركوع أو بعده، فلا حجة لهم في ذلك، فيحمل على ما هو الراجح من كونه قبل الركوع، وأما على ما رواه الحاكم من الحديث الدال على كونه بعد الركوع فيقال بالنسخ، وكونه في المدة التي ذكره الشيخ وهو كونه في المدة التي كان رسول اللَّه -ﷺ- يقنت فيها بعد الركوع، واللَّه أعلم (٢).\nالاختلاف الثاني في أنه هل يقنت دائمًا أو في النصف الأخير من رمضان فقط، استدل القائلون بالتخصيص بما رواه أبو داود أن عمر -﵁- جمع الناس على أبي بن كعب -﵁-، فكان يصلي بهم عشرين ليلة من الشهر يعني رمضان، ولا يقنت بهم إلا في النصف الباقي، وإذا كان العشر الأواخر تخلف فصلى في بيته، وللمتن طريق [آخر] ضعفها النووي في (الخلاصة)، وما أخرج ابن عدي (٣) عن أنس أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يقنت في النصف من رمضان. . . الحديث، ضعيف بأبي عاتكة، وضعّفه البيهقي مع أن القنوت فيه وفيما قبله يحتمل كونُه بمعنى طول القيام، فإنه يقال عليه تخصيصًا\n_________\n(١) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٦٩١١).\n(٢) وإنما قلنا ذلك لأنه في قصته سر معنوي، وهي كانت في سنة أربع، والحسن -﵁- ولد سنة اثنتين. (منه).\n(٣) \"الكامل في ضعفاء الرجال\" (٥/ ١٨٩).","vol":"3","page":394},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nللنصف الآخر بزيادة الاجتهاد، ويستأنس له بما روى مسلم عن عائشة -﵂-: كان رسول اللَّه -ﷺ- يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وفي العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيره، وكذا جاء في رواية الترمذي، وكان الذي يروى عنه -ﷺ- قرأ في صلاة الليل بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران، ولا يمر بآية تخويف إلا وقف وسأل في قيام رمضان بالليل على ما ذكر في (المواهب اللدنية) (١).\nولنا الأحاديث الواردة في قنوت الوتر مطلقًا من غير تخصيص كونه في رمضان أو غيره كقولهم: كان يقنت في الوتر، وقنت في وتره، وكان يقول في وتره، وأمثال ذلك، والوتر كان دائمًا غير مخصوص برمضان ونصفه الأخير، فالقنوت كذلك.\nالاختلاف الثالث في قنوت الصبح، والشيخ ابن الهمام أورد الأحاديث الواردة في ذلك عن رسول اللَّه -ﷺ- وعن الصحابة من الخلفاء الأربعة وغيرهم كثيرًا، وأجاب عن ذلك بتعليل تلك الأحاديث وتضعيف رواتها، وقرر بعد التقييد والتحقيق أن ذلك كما قال صاحب (الهداية): منسوخ تمسكًا بما رواه البزار وابن أبي شيبة والطبراني والطحاوي (٢) كلهم من حديث عبد اللَّه بن مسعود -﵁- أنه قال: لم يقنت رسول اللَّه -ﷺ- في الصبح إلا شهرًا ثم تركه، لم يقنت قبله ولا بعده، وقال: روى الخطيب في (كتاب القنوت) عن أنس: أن النبي -ﷺ- كان لا يقنت إلا إذا دعا لقوم أو دعا عليهم، وهو صحيح، وما روى الخطيب بخلاف ذلك مما يدل على أنه كان يقنت حتى مات، وروى الدارقطني وغيره عن أبي جعفر الرازي عن أنس: ما زال رسول اللَّه -ﷺ- يقنت في الصبح\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ١٩٤، ٢٠٨).\n(٢) \"مسند البزار\" (٥/ ١٥)، و\"مصنف ابن أبي شيبة\" (٦٩٠٤)، و\"المعجم الكبير\" (١٠/ ٦٩)، و\"شرح معاني الآثار\" (١/ ٢٤٥).","vol":"3","page":395},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nحتى فارق الدنيا، فقد شَنَّعَ عليه ابن الجوزي بما لا يجوز ذكره وأبطله، واشتهر بعض الرواة فيها بالوضع على أنس، وقد صح حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه أنه قال: أي بني مُحدَث، يعني المواظبة والمداومة على قنوت الصبح.\nوأخرج ابن أبي شيبة عن أبي بكر وعمر وعثمان -﵃- أنهم كانوا لا يقنتون في الفجر. وأخرج عن علي -﵁- أنه لما قنت في الصبح أنكر الناس عليه، فقال: استنصرنا على عدونا. وأخرج عن ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وابن الزبير -﵃- أنهم كانوا لا يقنتون في صلاة الفجر. وأخرج عن ابن عمر -﵁- أنه قال في قنوت الفجر: ما شهدت وما علمت.\nوقال محمد بن الحسن: أخبرنا أبو حنيفة -رحمة اللَّه عليه- عن حماد عن إبراهيم عن الأسود أنه صحب عمر بن الخطاب -﵁- سنتين في السفر والحضر، فلم يره قانتًا في الفجر، وهذا سند لا غبار عليه.\nوبالجملة لو كان رسول اللَّه -ﷺ- قنت في صلاة الفجر، وكانت سنة راتبة لم يخف ذلك، ونقلوه كنقل جهر القراءة، فكل ما روي عن فعله -ﷺ- إن صح فهو محمول على النوازل بالدعاء لقوم أو على قوم، وهذا خلاصة كلام الشيخ ابن الهمام مع اختصار وتنقيح، وعليه يحمل المداومة المستفادة من مثل قول أبي جعفر وغيره: كان يقنت حتى توفاه اللَّه تعالى، يعني كان يداوم مدة عمره على القنوت في النوازل، وعليه يحمل عمل بعض الصحابة.\nوقد روي عن الصديق -﵁- أنه قنت في الصبح عند محاربة الصحابة مسيلمة وعند محاربة أهل الكتاب، وكذا قنت عمر -﵁-، وكذا علي -﵁- في محاربة معاوية، ويروى في هذا العكس أيضًا، فقد ثبت بما ذكرنا نفي سنية القنوت في الصبح راتبة،","vol":"3","page":396},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-424> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٢٨٨ - [١] عَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لِأَحَدٍ قَنَتَ بَعْدَ الرّكُوعِ، فَرُبَّمَا قَالَ إِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ: اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ،\nــ\nوثبت استمرار شرعيته عند النوازل، ولا يختص القنوت عند النوازل بالفجر، بل يشرع في الصلوات كلها، وبه قال جماعة من أهل الحديث وهو مجتهد فيه، وقد يروى نفيه عنه -ﷺ- وتركه إياه بنزول قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨] كما مر، فتأمل. وانظر في متانة مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة وقوة دلائله وتحقيقه وتقريره رحمه اللَّه تعالى.\nالفصل الأول\n١٢٨٨ - [١] (أبو هريرة) قوله: (اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة) هذا مثال للدعاء لأحد، كما أن قوله: (اللهم اشدد وطأتك. . . إلى آخره) مثال للدعاء على أحد، وكان هؤلاء الصحابة الذين دعا لهم بالإنجاء أسراء في أيدي الكفار بمكة، أما الوليد بن الوليد -﵁- فهو أخو خالد بن الوليد أسر يوم بدر كافرًا فقدم في فدائه أخواه خالد وهشام بن الوليد، فلما أفدي وذهبا به بمكة أسلم، قيل له: هلا أسلمت قبل أن تفتدي وأنت مع المسلمين؟ فقال: كرهت أن يظنوا أني أسلمت جزعًا من الإسار، فحبسوه بمكة، فكان رسول اللَّه -ﷺ- يدعو له في القنوت بالنجاة مع من يدعو له من المستضعفين بمكة، ثم أفلت من إسارهم ولحق برسول اللَّه -ﷺ- وشهد عمرة القضية.","vol":"3","page":397},{"text":"اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ، يَجْهَرُ بِذَلِكَ، وَكَانَ يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ: . . . . .\nــ\nوأما سلمة بن هشام بن المغيرة القرشي المخزومي -﵁- من مهاجرة الحبشة، وكان من خيار الصحابة وفضلائهم، وهو أخو أبي جهل بن هشام لعنة اللَّه عليه، وكان قديم الإسلام، وعذب في اللَّه ﷿، وحبس بمكة، وكان رسول اللَّه -ﷺ- يدعو له في قنوته مع الجماعة الذين كان يدعو لهم في القنوت من المستضعفين بمكة، ولم يشهد بدرًا لذلك، فأفلت فلحق برسول اللَّه -ﷺ-، واستشهد سنة أربع عشرة في خلافة أمير المؤمنين عمر -﵁-، وقيل: في يوم أجنادين سنة ثلاث عشرة قبل موت خليفة رسول اللَّه -ﷺ- أبي بكر الصديق -﵁- بأربع وعشرين ليلة.\nو(عياش) بتشديد الياء التحتانية وبالشين المعجمة هو أبو عبد اللَّه، وقيل: أبو عبد الرحمن عياش بن أبي ربيعة عمرو بن المغيرة المخزومي هو أخو أبي جهل من أمه، أسلم قديمًا قبل دخول النبي -ﷺ- دار الأرقم، وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة هو وعمر بن الخطاب -﵄-، فرده أخوه أبو جهل واستوثقه، ويروى أنه قدم عليه أبو جهل والحارث وقالا: إن أمه حلفت أن لا تستظل حتى تراه، فرجع معهما فأوثقاه وحبساه بمكة، ثم تخلص وعاد إلى المدينة، وقتل يوم اليرموك بالشام، وقيل: مات بمكة -﵁-، وكان من المستضعفين، وكان رسول اللَّه -ﷺ- يدعو له في القنوت.\nوقوله: (اللهم اشدد وطأتك على مضر) الوطأة بفتح فسكون مصدر وطئ كسمع داسه بالقدم كناية عن الأخذ الشديد، ومضر بن نزار كزفر أبو قبيلة.\nوقوله: (واجعلها) أي: الوطاة، أو الأيام التي هم مستمرون فيها على كفرهم وعنادهم، وسنين جمع سنة بمعنى القحط، والمراد بسني يوسف السبع الشداد المذكورة في القرآن بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ [يوسف: ٤٨] قحط فيها أهل مصر،","vol":"3","page":398},{"text":"اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا لِأَحْيَاءٍ مِنَ الْعَرَبِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآيَة. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٩، م: ٦٧٥].\n١٢٨٩ - [٢] وَعَنْ عَاصِمٍ الأَحْولِ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الْقُنُوتِ فِي الصَّلَاةِ، كَانَ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ؟ قَالَ: قَبْلَهُ (١)، إِنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا، إِنَّهُ كَانَ بَعَثَ أُنَاسًا يُقَالُ لَهُمْ: الْقُرَّاءُ سَبْعُونَ رَجُلًا فَأُصِيبُوا،\nــ\nوقد قحط أهل مكة بدعائه -ﷺ- سبع سنين، كانوا يأكلون فيها الجيف والعظام، ونعوذ باللَّه من غضب اللَّه وغضب رسوله جزاء بما كانوا يعملون، وقد يحمل عليه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠ - ١١].\nوقوله: (حتى أنزل اللَّه ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾) روي أنه جاء جبريل -﵇- فأومأ أن اسكت، وقال: يا محمد! إن اللَّه لم يبعثك سبّابًا ولا لعّانًا كما مر في شرح الترجمة، وأكثر أن هذه الآية نزل يوم أحد حين شَجَّه عتبة ابن أبي وقاص، وكسر رباعيته -ﷺ-، فجعل يمسح الدم عن وجهه وقال: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم، فنزلت.\n١٢٨٩ - [٢] (عاصم الأحول) قوله: (إنه كان بعث أناسًا يقال لهم: القراء سبعون رجلًا فأصيبوا) وكان ذلك في سرية المنذر بن عمرو بفتح العين إلى بئر معونة بفتح الميم وضم المهملة وسكون الواو وبعدها نون، موضع ببلاد هذيل بين مكة وعسفان في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا من الهجرة على رأس أربعة عشر من\n_________\n(١) هو دليل الحنفية في أن القنوت الرائج الشائع هو قنوت الوتر قبل الركوع، وأما الذي بعده فكان ثم ترك وهو قنوت الصبح للنازلة، كذا في \"التقرير\".","vol":"3","page":399},{"text":"فَقَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٠٢، م: ٦٧٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-425> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٢٩٠ - [٣] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- شَهْرًا مُتَتَابِعًا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ إِذَا قَالَ: \"سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ\" مِنَ الرَّكْعَةِ الآخِرَة، يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ: عَلَى رِعْلٍ. . . . .\nــ\nأحد، وهذه الغزوة تعرف بسرية القراء، قال ابن سعد عن أنس بن مالك -﵁-: ما رأيت رسول اللَّه -ﷺ- وجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة، وقال أنس -﵁-: أنزل اللَّه تعالى في الذين قتلوا يوم بئر معونة قرآنًا قرأناه، ثم نسخ بعده -أي: نسخت تلاوته-: بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا عنه.\nوفي رواية: اللهم أبلغ عنا نبينا أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا، وفي رواية: جاء جبريل النبي -ﷺ- فأخبره أنهم قد لقوا ربهم فرضي عنهم وأرضاهم، وروي أنه أتى رجل حرامًا خال أنس من خلفه، فطعنه برمح حتى أنفذه، فقال حرام: اللَّه أكبر فزت ورب الكعبة، وفي رواية: قال بالدم هكذا، فنضحه على وجهه ورأسه، ثم قال: فزت ورب الكعبة.\nوقوله: (فقنت رسول اللَّه -ﷺ- بعد الركوع شهرًا) وفي لفظ: ثلاثين صباحًا، وفي رواية: أربعين صباحًا.\nالفصل الثاني\n١٢٩٠ - [٣] (ابن عباس) قوله: (من بني سليم) بلفظ التصغير.\nوقوله: (على رعل) بكسر الراء وسكون المهملة بدل من (على أحياء) بدل","vol":"3","page":400},{"text":"وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٤٤٣].\n١٢٩١ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَنَتَ شَهْرًا ثُمَّ تَرَكَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٤٤٥، ن: ١٠٧٩].\n١٢٩٢ - [٥] وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ! إِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ هَهُنَا بِالْكُوفَةِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِ سِنِينَ أَكَانُوا يَقْنُتُونَ؟ . . . . .\nــ\nالبعض، وإن أبدل بعد العطف يكون من قبيل بدل الكل؛ لأن الثلاثة بطون من بني سليم؛ لأن رِعْلًا ينسبون إلى رعل بن عوف بن مالك بن امرئ القيس بن بهية بن سليم، و(ذكوان) بفتح المعجمة وسكون الكاف وبالنون ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة بن بهية بن سليم، و(عصية) بلفظ التصغير كذلك.\n١٢٩١ - [٤] (أنس) قوله: (ثم تركه) أي: ترك القنوت كما حققنا قبل، وإليه ذهب أكثر أهل العلم أنه لا يقنت في الصبح ولا في غيرها سوى الوتر، وكذا الحديث الآتي يدل عليه، وقال مالك والشافعي: يقنت في الصبح، ويقنت في جميع الصلوات إن نزلت نازلة، ومعنى تركه ترك اللعن والدعاء على تلك القبائل، أو تركه في الصلوات الأربع سوى الصبح بدليل ما روي عن أنس قال: ما زال رسول اللَّه -ﷺ- يقنت في صلاة الصبح حتى فارق الدنيا، وقد عرفت مما ذكرنا في شرح الترجمة ما يكشف الغطاء عن الحق، واللَّه أعلم.\n١٢٩٢ - [٥] (مالك الأشجعي) قوله: (ههنا بالكوفة) متعلق بصلاته مع علي؛ لأنه -﵁- كان بالكوفة دون الثلاثة.\nوقوله: (كانوا) بإثبات الهمزة في بعض الروايات وبحذف في بعضها، (يقنتون) أي في صلاة الصبح.","vol":"3","page":401},{"text":"قَالَ: أَيْ بُنَيَّ مُحْدَثٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٤٠٢، ن: ١٠٨٠، جه: ١٢٤١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-426> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٢٩٣ - [٦] عَنِ الْحَسَنِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَمَعَ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ ابْنِ كَعْبٍ، فَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَلَا يَقْنُتُ بِهِمْ إِلَّا فِي النِّصْفِ الْبَاقِي، فَإِذَا كَانَتِ الْعَشْرُ الأَوَاخِرُ يَتَخَلَّفُ (١) فَصَلَّى فِي بَيْتِهِ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: أَبَقَ أُبَيٌّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٤٢٩].\nــ\nوقوله: (محدث) أي: المواظبة عليه، فإنه -ﷺ- إنما قنت في الصبح شهرًا ثم تركه، كما في الحديث السابق، وفي شرح الشيخ: أجاب عنه أئمتنا بأن الذين أثبتوه معهم زيادة علم يوجب تقديمهم لا سيما وهم أكثر، وشهادتهم على الإثبات، وهذا على النفي، انتهى. وقال: ما روي عن ابن مسعود أنه -ﷺ- لم يقنت في شيء من صلاته ضعيف جدًا، وكذلك ما روي عن ابن عباس -﵁- أنه بدعة، وكذا ما روي عن أم سلمة -﵂- أنه -ﷺ- نهى عن القنوت في الصبح، فهذه كلها ضعيفة، والصواب أن المداومة من رسول اللَّه -ﷺ- على القنوت في الفجر كما ذهب إليه الشافعي -رحمة اللَّه عليه- غير ثابت، وما روي في بعض الروايات من المداومة فالمراد المداومة عند النازلة، واللَّه أعلم.\nالفصل الثالث\n١٢٩٣ - [٦] (الحسن) قوله: (ولا يقنت بهم إلا في النصف الباقي) قد سبق\n_________\n(١) وَفِي نُسْخَةٍ: (تَخَلَّفَ) بِالْمَاضِي، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْهُمَامِ وَهُوَ الظَّاهِرُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٩٦٣).","vol":"3","page":402},{"text":"١٢٩٤ - [٧] وَسُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ الْقُنُوتِ، فَقَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ الرُّكُوعِ، وَفِي رِوَايَةٍ: قَبْلَ الرُّكُوعِ وَبَعْدَهُ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١١٨٤].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-427>٣٧ - باب قيام شهر رمضان</span>\nــ\nالكلام فيه فتذكر.\n١٢٩٤ - [٧] (أنس بن مالك) قوله: (بعد الركوع) قد سبق الكلام فيه أيضًا فلا حاجة أن نعيده.\n٣٧ - باب قيام شهر رمضان\nوهو الذي يسمى بالتراويح جمع ترويحة، وهي المرة الواحدة من الراحة، سميت بذلك؛ لأنهم أول ما اجتمعوا عليها كان يستريحون بين كل تسليمتين، والكلام في التراويح كثير من حيث الفقه، وذكرناه في رسالة لنا مسماة بـ (ما ثبت من السنة في أيام السنة)، ونقتصر ههنا على ما يتعلق بالأحاديث، فالنبي -ﷺ- لم يواظب عليها كما يجيء في الأحاديث، وإنما صلى ليالي فصلى بصلاته ناس، فلما كثر اجتماع الناس تركها مخافة أن يفرض عليهم، فقد جاء عن عائشة -﵂- (١) أن رسول اللَّه -ﷺ- خرج من جوف الليل، فصلى في المسجد، فصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس يتحدثون بذلك، فاجتمع أكثر منهم فخرج في الليلة الثانية، فصلوا بصلاته، فلما أصبح الناس يذكرون\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (٢٠١٢)، و\"صحيح مسلم\" (٧٦١)، و\"مسند أحمد\" (٢٥٣٦٢)، و\"صحيح ابن خزيمة\" (٢٢٠٧)، و\"صحيح ابن حبان\" (٢٥٤٣).","vol":"3","page":403},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nذلك، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج فصلوا بصلاته، فلما كان في الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله، فلم يخرج إليهم، فطفق رجال منهم يقولون: [الصلاةَ] فلم يخرج إليهم حتى خرج لصلاة الفجر، أقبل على الناس ثم تشهد وقال: أما بعد! فإنه لم يخف علي شأنكم الليلة، ولكني خشيت أن يفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها، قال: وذلك في رمضان، ثم الصحيح أنها كانت صلاته التي كان يصليها بالليل وهي إحدى عشرة ركعة كما جاءت في حديث عائشة -﵂-.\nوروى ابن أبي شيبة (١) من حديث ابن عباس -﵄-: كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر، وقالوا: إسناده ضعيف، وقد عارضه حديث عائشة -﵂-، وهي أعلم بحال النبي -ﷺ- من غيرها، وقد كان الأمر في زمنه -ﷺ- يستمر على أن كل واحد يقوم رمضان في بيته منفردًا، حتى انقضى صدر من خلافة عمر -﵁-، الحديث.\nوروى البيهقي بإسناد صحيح: أن الناس كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب -﵁- في شهر رمضان عشرين ركعة، وقال الحليمي: والسر في كونها عشرين أن الرواتب في غير رمضان عشرة، فضوعفت لأنه وقت جد وتشمير، كذا في (المواهب اللدنية) (٢)، ولا يذهب عليك أن تقدير الأعداد من غير سند من جانب الشارع لا يجوز بمثل هذه النكتة التي ذكرها الحليمي، فالظاهر أنه كان قد ثبت عندهم صلاة النبي -ﷺ- عشرين ركعة كما جاء في حديث ابن عباس -﵄-، فاختارها عمر -﵁-، وقال في (الموطأ): كانوا يقومون بثلاث وعشرين، وجمع البيهقي بينهما بأنهم كانوا يوترون بثلاث، وفي\n_________\n(١) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ١٦٤، رقم: ٧٦٩٢).\n(٢) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ١٩٨ - ١٩٩).","vol":"3","page":404},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-428> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٢٩٥ - [١] عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- اتَّخَذَ حُجْرَةً. . . . .\nــ\n(الموطأ) عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد: كانت إحدى عشرة، وعند عبد العزيز إحدى وعشرين، والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال والأوقات، ويحتمل أن يكون ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها.\nوقد روى محمد بن نصر من طريق داود بن قيس قال: أدركت الناس في إمارة أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز بالمدينة يقومون بست وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث. وقال مالك: هو الأمر القديم عندنا.\nوعن الشافعي قال: رأيت الناس يقومون بالمدينة بتسع (١) وثلاثين، وبمكة بثلاث وعشرين، وقالوا: هل يجوز بغير أهل المدينة صلاتها بست وثلاثين؟ قال النووي: قال الشافعي: لا يجوز؛ لأن لأهلها شرفا بهجرته -ﷺ- ومدفنه، وقال الحليمي: إن من اقتدى بأهل المدينة فقام بست وثلاثين فحسن أيضًا، ويفهم من (المحيط) في مذهبنا أيضًا الجواز، لكن لا بجماعة؛ لأن النفل بالجماعة في غير التراويح مكروه عندنا، ثم قيل في سبب قيام أهل المدينة بست وثلاثين ركعة: إن أهل مكة كانوا يطوفون بالبيت أسبوعًا، ويصلون ركعتي الطواف بين كل ترويحتين، فأهل المدينة لما بعدوا من هذا الفضل صلوا بدلها من ذلك أربع تكبيرات فرادى فرادى، وعملهم اليوم أن يصلوها بالجماعة، ويسمونها الست عشرية يأتون بها آخر الليل بعد الفراغ من التراويح في أوله.\nالفصل الأول\n١٢٩٥ - [١] (زيد بن ثابت) قوله: (اتخذ حجرة) للأكثر بالراء، وللكشميهني بالزاي.\n_________\n(١) في النسخ المخطوطة: \"بسبع\" وهو خطأ، والتصويب من \"فتح الباري\" (٤/ ٢٥٣).","vol":"3","page":405},{"text":"فِي الْمَسْجِدِ مِنْ حَصِيرٍ، فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَيْهِ ناسٌ، ثُمَّ فَقَدُوا صَوْتَهُ لَيْلَةً، وَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ نَامَ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَتَنَحْنَحُ لِيَخْرُجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: \"مَا زَالَ بِكُمُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْكُمْ، وَلَوْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا قُمْتُمْ بِهِ،\nــ\nوقوله: (من حصير) الحصير ما اتخذ من سعف النخل قدر طول الرجل أو أكبر منه، كذا في (مجمع البحار) (١)، وفي (المشارق) (٢): هو ما ينسج من لحاء القضبان، وفي (القاموس) (٣): الحصير كل ما ينسج من جميع الأشياء.\nوقوله: (ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم) أي: شدة حرصكم في إقامة الصلاة بالليل بالجماعة.\nوقوله: (حتى خشيت أن يكتب عليكم) ظاهره يدل على افتراض الصلاة بالليل جماعة في رمضان لوجود المواظبة عليها، وهو مشكل لأن مجرد المواظبة لا يدل على الفرضية، وأجاب المحب الطبري بأنه يحتمل أن يكون اللَّه ﷿ أوحى إليه بأنك إن واظبت على هذه الصلاة معهم افترضتها عليهم، وقيل: خشي أن يظن أحد من أمته من مداومته عليها الوجوب، قال القرطبي: أي يظنونه فرضًا، فيجب على من ظن ذلك كما إذا ظن المجتهد حل شيء أو حرمته فإنه يجب عليه العمل، كذا في (المواهب) (٤) نقلًا من (فتح الباري).\n_________\n(١) \"مجمع البحار\" (١/ ٥٠٩).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٢٣).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٥١).\n(٤) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ١٩٥ - ١٩٦)، و\"فتح الباري\" (٣/ ١٣ - ١٤).","vol":"3","page":406},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقد يقال: كان عادة اللَّه تعالى جرت في الأكثر بأن ما واظب عليه النبي -ﷺ- حكم بفرضيته، وفيه ما فيه، وقيل: وقع ذلك في نفسه اتفاقًا، كما في بعض القرب التي داوم عليها فافترضت.\nثم استشكل أصل هذه الخشية مع ما ثبت في حديث الإسراء من أن اللَّه تعالى قال: هن خمس وهن خمسون لا يبدل القول لدي، فإذا أمن التبديل كيف يقع خوف الزيادة؟ وأجاب عنه بعضهم بأن صلاة الليل كانت واجبة عليه -ﷺ-، وأفعاله الشرعية يجب على الأمة الاقتداء به فيها، يعني عند المواظبة، فترك الخروج إليهم لئلا يدخل في الواجب من طريق الأمر بالاقتداء، لا من طريق إنشاء فرض جديد زائد على الخمس، وهذا كما يوجب المرء على نفسه صلاة نذر فتجب عليه، ولا يلزم من ذلك زيادة فرض في أصل الشرع، كذا نقل عن الخطابي.\nوأقول: في هذا الجواب نظر؛ لأنه على تقدير وجوب صلاة الليل على النبي -ﷺ- ووجوب اقتداء الأمة الوجوبان باقيان سواء خرج إليهم وصلى معهم أو لا، ولو قيل بكونها من خصائصه -ﷺ- فلا يجب عليهم سواء خرج أو لا، فما الوجه في ترتب خشية الفرضية على المواظبة؟ وأيضًا كيف يترك -ﷺ- ما هو واجب عليه لهذه الخشية؟ فلا يفيد هذا الوجوب ويندفع السؤال بما ذكر من الأجوبة السابقة.\nوأجاب الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) (١) بثلاثة أجوبة، أحدها: أن المخوف عليه قيام الليل بمعنى جعل التهجد في المسجد جماعة، وثانيها: أن يكون المخوف افتراض قيام الليل على الكفاية لا على الأعيان، ولا يكون ذلك زائدًا على الخمس،\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ١٣).","vol":"3","page":407},{"text":"فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ الْمَكْتُوبَةُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣١، م: ٧٨١].\n١٢٩٦ - [٢] وَعَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ فَيَقُولُ: \"مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ\". فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٥٩].\nــ\nبل هو نظير ما ذهب إليه قوم في العيد ونحوها، وثالثها: أن يكون المخوف افتراض قيام رمضان خاصة، وقد وقع في الحديث أن ذلك كان في رمضان.\nوقوله: (في بيته) خبر (إن) بتقدير: صلاتُه في بيته، وقد خص من هذا العموم بعض ما شرع فيه الجماعة من النوافل، وكذا ما خص بالمسجد كركعتي التحية، وهو ظاهر.\n١٢٩٦ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (بعزيمة) أي: بجد وتأكيد، وقيل: بفرضية، وفي الحديث: (خير الأمور عزائمها) أي: فرائضها، ومنه في (ص): ليست من عزائم السجود.\nوقوله: (من قام رمضان) أي: بجماعة أو منفردًا، (إيمانًا) أي: تصديقًا بحكم اللَّه، (واحتسابًا) أي: طلبًا لثوابه من غير رياء وسمعة.\nوقوله: (ما تقدم من ذنبه) أي: الصغائر من حقوق اللَّه تعالى كما هو المقرر من المذهب.\nوقوله: (ثم كان الأمر على ذلك) أي: على ما كانوا عليه من قيام رمضان من","vol":"3","page":408},{"text":"١٢٩٧ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا قَضَى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصِيبًا مِنْ صَلَاتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْرًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٧٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-429> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٢٩٨ - [٤] عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّادِسَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا،\nــ\nغير جماعة بقرينة ما جاء في الحديث من قوله: فأمر أبي بن كعب أن يصليها بالناس جماعة.\n١٢٩٧ - [٣] (جابر) قوله: (من صلاته) من سببية أو تبعيضية أو زائدة، وفي إيراد هذا الحديث في هذا الباب إشارة إلى أداء التراويح في المسجد بالجماعة، ومع ذلك ينبغي أن يصلي في رمضان شيئًا من النوافل في البيت وإلا لو أريد من الصلاة في المسجد الفريضة، وفي البيت الرواتب والنوافل، فلا وجه لإيراده في هذا الباب، فافهم.\nالفصل الثاني\n١٢٩٨ - [٤] (أبو ذر) قوله: (حتى بقي سبع، فقام بنا) أي: ليلة الثالث والعشرين.\nوقوله: (فلما كانت السادسة) أي: بقي ست، يدل على هذا ما روي في (المواهب) (١) عن النعمان بن بشير قال: قمنا مع رسول اللَّه -ﷺ- في شهر رمضان ليلة\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ١٩٧).","vol":"3","page":409},{"text":"حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ نَفَلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ. فَقَالَ: \"إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيامُ لَيْلَةٍ\". فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا حَتَّى بَقِيَ ثُلَثُ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ وَالنَّاسَ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ. قُلْتُ: وَمَا الْفَلَاحُ؟ قَالَ: السَّحُورُ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا بَقِيَّةَ الشَّهْرِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّ التِّرْمِذِيَّ لَمْ يَذْكُرْ: ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا بَقِيَّةَ الشَّهْرِ. [د: ١٣٧٥، ت: ٨٠٦، ن: ١٦٠٥، جه: ١٣٢٧].\nــ\nثلاثة وعشرين إلى ثلث الليل الأول، ثم قمنا ليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل، ثم قمنا معه ليلة سبع وعشرين، الحديث، حتى ظننا أن لا ندرك الفلاح ويسمونه السحور، رواه النسائي، انتهى. وهذا الأخير هو ما قال في حديث الكتاب: فلما كانت الثالثة جمع أهله ونساءه.\nوقوله: (لَوْ نفلتنا) أي: لو زدتنا من صلاة الليل وقيامه على نصف الليل، و(لو) للشرط أو للتمني.\nوقوله: (حتى بقي ثلث الليل) أي: فقام بعض قيامه المعتاد، ومن ثم نفى في بعض الروايات قيامه بهم في هذه الليلة؛ لأنه لم يقم زيادة على المعتاد، كذا في شرح الشيخ.\nوقوله: (قلت: وما الفلاح؟) قائله الراوي عن أبي ذر، وفاعل (قال) في: (قال: السحور) أبو ذر، في (القاموس) (١): الفلاح: الفوز، والنجاة، والسحور، انتهى. وإنما سمي السحور فلاحًا لأنه يعين على إتمام الصوم والفوز بما قصده، ويوجب الفلاح\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٢٧).","vol":"3","page":410},{"text":"١٢٩٩ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةً، فَإِذَا هُوَ بِالْبَقِيعِ، فَقَالَ: أَكُنْتِ تَخَافِينَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي ظَنَنْتُ أنَّكَ أَتَيْتَ بَعْضَ نِسَائِكَ، فَقَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْزِلُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا،\nــ\nفي الآخرة، ولأن فيه إقامة سنة، وذلك الفلاح كل الفلاح، فعلم من هذا الحديث أن قيامه -ﷺ- بهم كان في ثلاث ليال، وهو المراد بالليالي المذكورة في الفصل الأول في حديث زيد بن ثابت -﵁-، ولم تكن متوالية.\n١٢٩٩ - [٥] (عائشة) قوله: (فقال: أكنت تخافين أن يحيف اللَّه عليك ورسوله؟) إيراد هذا الحديث في هذا الباب للمناسبة والتقريب، وتفصيل هذا الحديث وقصته ما رواه البيهقي (١) عن عائشة -﵂- قالت: دخل علي رسول اللَّه -ﷺ- فوضع عنه ثوبيه، ثم لم يستتم أن قام فلبسهما، فأخذتني غيرة شديدة، ظننت أنه يأتي بعض صويحباتي، فخرجت أتبعه فأدركته بالبقيع بقيع الغرقد، يستغفر للمؤمنين والمؤمنات والشهداء، فقلت: بأبي أنت وأمي، أنت في حاجة ربك، وأنا في حاجة الدنيا، فانصرفت فدخلت في حجرتي، ولي نفس عال، ولحقني رسول اللَّه -ﷺ- فقال: (ما هذا النفس يا عائشة -﵂-؟) فقلت: بأبي أنت وأمي، أتيتني فوضعت ثوبيك، ثم لم تستتم أن قمت فلبستهما، فأخذتني غيرة شديدة، وظننت أنك تأتي بعض صويحباتي، حتى رأيتك بالبقيع تصنع ما تصنع، قال: (يا عائشة أكنت تخافين أن يحيف اللَّه عليك ورسولك؟، بل أتاني جبريل ﵇ فقال: هذه الليلة ليلة النصف من شعبان، وللَّه فيها عتقاء من النار بعدد شعر غنم كلب، لا ينظر اللَّه فيها إلى مشرك، ولا إلى مشاحن، ولا إلى قاطع\n_________\n(١) \"شعب الإيمان\" (٣/ ٣٨٣).","vol":"3","page":411},{"text":"فَيَغْفِرُ لِأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعْرِ غَنَمِ كَلْبٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَزَادَ رَزِينٌ: \"مِمَّنِ اسْتَحَقَّ النَّارَ\" وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي البُخَارِيَّ يُضَعِّفُ هَذَا الْحَدِيثَ. [ت: ٧٣٩، جه: ١٣٨٩].\n١٣٠٠ - [٦] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَسْجدِي هَذَا إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ١٠٤٤، ت: ٤٥٠].\nــ\nرحمه، ولا إلى مسبل، ولا إلى عاقٍّ لوالديه، ولا إلى مدمن خمر)، الحديث، وبنو كلب قبيلة، وهم أكثر غنما من سائر قبائل العرب، ثم الظاهر من قوله: (لأكثر) باللام الجارة أن يكون المراد أصحاب الذنوب، ويؤيده رواية رزين: (ممن استحق النار)، وفي بعض الشروح: المراد بغفران الأكثر عدد الذنوب المغفورة لا عدد أصحابها، هكذا رواه البيهقي.\n١٣٠٠ - [٦] (زيد بن ثابت) قوله: (أفضل من صلاته في مسجدي) فيه تتميم ومبالغة، فإن الصلاة في مسجده -ﷺ- يعدل ألف صلاة في غيره، وإنما خص بمسجده ولم يذكر المسجد الحرام، والأفضلية ثابتة بالنسبة إلى المسجد الحرام أيضًا لورود الحديث في المدينة المطيبة، وفيها مسجده على أن الصلاة في مسجده قد تكون أفضل وأكمل باعتبار الكيفية، وإن كانت الصلاة في المسجد الحرام أكثر كمية كما يقوله القائلون بأفضلية المدينة من مكة، وقد ذكرنا هذا المبحث بالتفصيل في (تاريخ المدينة)، فلينظر ثمة.\nوقد تمسك بهذا الحديث مالك وأبو يوسف وبعض الشافعية وغيرهم في أن الأفضل صلاة التراويح فرادى في البيوت، وإنما فعلها -ﷺ- بالجماعة في المسجد لبيان الجواز، أو لأنه كان معتكفًا، وقال أبو حنيفة والشافعي وجمهور أصحابه وبعض","vol":"3","page":412},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-430> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٣٠١ - [٧] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ ابْنِ الْخَطَّابِ لَيْلَةً فِي رَمَضَان إِلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، ويُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ، ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ ابْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئهِمْ. . . . .\nــ\nالمالكية وغيرهم: الأفضل صلاتها جماعة في المسجد كما فعله عمر بن الخطاب والصحابة -﵃- واستمر عمل المسلمين عليه؛ لأنه من شعائر الدين الظاهرة، فأشبه صلاة العيد، وبهذا البيان ظهر مناسبة ذكر هذا الحديث في هذا الباب إشارة إلى جواز التراويح في البيت، والمختار أنه إذا كان رجل يقتدى به ويكثر بوجوده الجماعة صلى بالمسجد بالجماعة، ومن لم يكن كذلك جاز أن يصلي في البيت، كذا ذكر في بعض كتب الفقه.\nالفصل الثالث\n١٣٠١ - [٧] (عبد الرحمن بن عبد القاري) قوله: (عن عبد الرحمن بن عبد القاري) عبد بالتنوين، والقاري بياء مشددة منسوب إلى بني قارة، والقارئ من القراءة إنما هو بالهمزة.\nوقوله: (متفرقون) تأكيد لأوزاع، والتوزيع القسمة والتفريق كالإيزاع.\nوقوله: (يصلي الرجل لنفسه. . . إلخ) بيان لما أجمل من التفرق والتوزع، أي: بعضهم كان يصلي منفردًا وبعضهم بجماعة. (والرهط) جماعة دون العشرة.\nوقوله: (على قارئ واحد) بالهمزة من القراءة، و(أمثل) أي: أفضل، وقد كان عمر -﵁- وجد إشارة من رسول اللَّه -ﷺ- في فضل الجماعة بها، وقد صلى مع الناس","vol":"3","page":413},{"text":"قَالَ عُمَرُ: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي تَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي تَقُومُونَ. يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٥٩٢].\n١٣٠٢ - [٨] وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ فِي رَمَضَانَ. . . . .\nــ\nليالي، وإنما قطعها إشفاقًا على أمته من أن يفرض، وقد حصل الأمن من فرضيته بعده -ﷺ-، وقد روي عن علي -﵁- أنه قال: نوّر اللَّه مضجع عمر كما نور مساجدنا.\nوقوله: (نعمت البدعة هذه) سماها بدعة باعتبار حدوث هذه الهيئة، وأما أصل الجماعة فقد كانت في زمن رسول اللَّه -ﷺ-، والحق أن ما فعله الخلفاء الراشدون سنة، وقد سن -﵁- سنة حسنة، له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، وكان أحق بذلك.\nوقوله: (والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون) قال الطيبي (١): تنبيه منه أن صلاة التراويح آخر الليل أفضل، فمعنى العبارة: تقومون التراويح أول الليل، والتي تنامون غافلين عنها تاركين وهو أن تقوموها آخر الليل أفضل، وذلك لفضل الوقت وشدة المشقة، وأفضل الأعمال أحمزها، وأما ما قال الطيبي: وقد أخذ بذلك أهل مكة فإنهم يصلونها بعد أن يناموا، فلعله كان عادتهم في الزمان القديم، وأما الآن فلا؛ فإنهم يصلون في أول الليل ويحيون الليل كله، وقيل: معنى (تنامون عنها) فارغين عنها، أي: الصلاة أول الليل أفضل من الصلاة في آخرها.\n١٣٠٢ - [٨] (السائب بن يزيد) قوله: (أمر عمر أبي بن كعب وتميمًا الداري) فأبي بن كعب يصلي بالرجال، وتميم الداري بالنساء، كما ذكر في (المواهب) (٢) عن\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٦٦).\n(٢) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ١٩٩).","vol":"3","page":414},{"text":"بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، فَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالْمِئِينَ، حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعَصَا مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، فَمَا كُنَّا نَنْصَرِفُ إِلَّا فِي فُرُوعِ الْفَجْرِ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢٥١].\n١٣٠٣ - [٩] وَعَنِ الأَعْرَجِ قَالَ: مَا أَدْرَكْنَا النَّاسَ إِلَّا وَهُمْ يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي رَمَضَانَ قَالَ: وَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فِي ثَمَانِ رَكَعَاتٍ، وَإِذَا قَامَ بِهَا فِي ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً رَأَى النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ خَفَّفَ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢٥٣].\nــ\nسعيد بن منصور من طريق عروة.\nوقوله: (بإحدى عشرة ركعة) الصحيح أنهم كانوا يقومون على عهد عمر -﵁- بعشرين ركعة، ولذا رد ابن عبد البر هذه الرواية وقال: إنها وهم، وتعقب بأن سندها صحيح أيضًا، فالحق أن ذلك باعتبار اختلاف الأوقات والأحوال، كما ذكرنا في شرح الترجمة، وقيل: لعلهم في بعض الأوقات قصدوا التشبيه برسول اللَّه -ﷺ-، فإن الصحيح أنه -ﷺ- صلى إحدى عشرة ركعة، وإن روي أيضًا عشرون ركعة، والذي استقر عليه الأمر هو عشرون.\nوقوله: (بالمئين) أي: بالسور التي يزيد على مئة، كذا في شرح الشيخ.\nوقوله: (إلا في فروع الفجر) أي: أوائله وأعاليه، وفرع كل شيء أعلاه، يقال: جبل فارع، أي: عال، وفي الحديث: كان يرفع يديه إلى فروع أذنيه، أي: أعاليهما.\n١٣٠٣ - [٩] (الأعرج) قوله: (وهم يلعنون الكفرة) أي: في قنوت وتره.\nوقوله: (في ثمان ركعات) يوافق رواية إحدى عشرة ركعة مع الوتر.","vol":"3","page":415},{"text":"١٣٠٤ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعتُ أُبَيًّا (١) يَقُولُ: كُنَّا نَنْصَرِفُ فِي رَمَضَانَ مِنَ الْقِيَامِ، فَنَسْتَعْجِلُ الْخَدَمَ بِالطَّعَامِ مَخَافَةَ فَوْتِ السَّحُورِ. وَفِي أُخْرَى: مَخَافَةَ الْفَجْرِ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢٥٤].\n١٣٠٥ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"هَلْ تَدْرِينَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ؟ \"-يَعْنِي لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ- قَالَتْ: مَا فِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: \"فِيهَا أَنْ يُكْتَبَ كُلُّ مَوْلُودٍ [مِنْ] بَنِي آدَمَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَفِيهَا أَنْ يُكْتَبَ كُلُّ هَالِكٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، وَفِيهَا تُرْفَعُ أَعْمَالُهُمْ، وَفِيهَا تُنْزَلُ أَرْزَاقُهُمْ\". . . . .\nــ\n١٣٠٤ - [١٠] (عبد اللَّه بن أبي بكر) قوله: (مخافة فوت السحور، وفي أخرى: مخافة الفجر) ومال الروايتين واحد في المعنى.\n١٣٠٥ - [١١] (عائشة) قوله: (كل مولود بني آدم) أي: كل من يولد من بني آدم فهو بمعنى الاستقبال، وكذا قوله: (هالك). (وفيها ترفع أعمالهم) الظاهر من رفع الأعمال إصعادها وعرضها على جناب الحق أو على كتب الأعمال، وهو إنما يكون بعد العمل، ولكن لا تخصيص له بهذه الليلة، بل يعرض يومًا فيومًا، إن قلت: يمكن أن ترفع أعمال تمام السنة الماضية جملة بعد أن رفعت يومًا يومًا تأكيدًا وتحقيقًا ومقابلة\n_________\n(١) كذا وقع في جميع نسخ \"المشكاة\" وهو خطأ، والصواب ما في \"الموطأ\" و\"جامع الأصول\"، و\"سنن البيهقي\": \"سمعت أَبِي\" بفتح الهمزة وكسر الباء وسكون التحتية، يعني والده أبا بكر ابن محمد بن عمرو بن حزم، وعبد اللَّه بن أبي بكر لم يدرك أبيًّا، فإن بين وفاتيهما نحو مئة سنة، مات عبد اللَّه بن أبي بكر سنة (١٣٥ هـ)، وهو ابن (٧٠) سنة، فيكون ولادته سنة (٦٥) بعد وفاة أبيّ بن كعب بأكثر من ثلاثين سنة، وتوفي أُبَيٌّ سنة (٣٢ هـ) في خلافة عثمان على ما قيل، والأكثر على أنه توفي سنة (٢٢ هـ) في خلافة عمر. كذا في \"التقرير\".","vol":"3","page":416},{"text":"فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى؟ فَقَالَ: \"مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى\". ثَلَاثًا. قُلْتُ: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى هَامَتِهِ فَقَالَ: . . . . .\nــ\nكما يفعله أهل الحساب، وتخصيصه بهذه الليلة تشريف لها، قلت: نعم يمكن وهو أمر معقول، وقد قيل به نظرًا إلى ظاهر عبارة الحديث، ولكن المناسب في هذا المقام نظرًا إلى قرائنه أن يكون المراد برفع الأعمال كتابة الأعمال الصالحة التي يعمله العبد في الاستقبال، وترفع في تلك السنة يوما فيومًا، كما يكتب من يولد ومن يهلك، كما حمله الطيبي عليه (١)، وعلى هذا يكون المراد بإنزال أرزاقهم أيضًا كتابتها كما ورد في الأحاديث: (يكتب فيها الآجال والأرزاق، ويكتب فيها الحاج) أخذًا من قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٤]، قال عكرمة (٢): في ليلة النصف من شعبان يبرم أمر السنة وينسخ الأحياء [من الأموات]، ويكتب الحاج، فلا يزاد فيهم أحد ولا ينقص منهم أحد، وذهب أكثر أهل العلم إلى أن ذلك في ليلة القدر، والآية نازلة فيها بدليل ما قبله ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي: القرآنَ ﴿فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، ولعل الابتداء فيه يكون من ليلة النصف من شعبان.\nوقوله: (فقالت: يا رسول اللَّه! ما من أحد يدخل الجنة إلا برحمة اللَّه تعالى) لما سمعت عائشة -﵂- ذكر الأعمال الموصلة إلى الجنة وأنها تكتب وتقدر قبل وجودها من العبد سألت النبي -ﷺ- على طريق الاستفهام التقريري: ما من أحد يدخل الجنة إلا برحمة اللَّه؟ يعني يلزم منه أن لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة اللَّه وفضله، فقرره\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٢٣٨).\n(٢) انظر: \"تفسير الطبري\" (٢١/ ٩)، و\"تفسير القرطبي\" (١٦/ ١٢٦)، و\"الدر المنثور\" (٧/ ٤٠١).","vol":"3","page":417},{"text":"\"وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَتِهِ\". يَقُولُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ\". [الدعوات الكبير: ٥٣٠].\n١٣٠٦ - [١٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٢٩٠].\n١٣٠٧ - [١٣] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَفِي رِوَايَته: \"إِلَّا اثْنَيْنِ مُشَاحِنٌ وَقَاتِلُ نَفْسٍ\". [حم: ١/ ١٧٦].\nــ\nرسول اللَّه -ﷺ- وقال: نعم ما من أحد يدخل الجنة إلا برحمة اللَّه، ووضعه -ﷺ- يده على هامته -بتخفيف الميم، أي: على رأسه- تواضعٌ وافتقار وامتنان من اللَّه هذه النعمة العظيمة كما يقال: بالرأس والعين، وقال الطيبي (١): هو إشارة إلى شمول الستر من رأسه إلى قدمه.\nوقوله: (إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته) أي: يسترني ويغمرني، وفي (القاموس) (٢): تغمَّدَه اللَّه برحمته: غمره بها، وفلانًا: سَتَرَ ما كان فيه، والغِمد: جفن السيف.\n١٣٠٦، ١٣٠٧ - [١٢، ١٣]: (أبو موسى الأشعري، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص) قوله: (إن اللَّه تعالى ليطلع) بفتح الطاء المشددة من الاطلاع بمعنى الوقوف على الشيء، وقد يصحح بسكونها من الطلوع، والمراد به النزول الذي ورد في حديث التهجد: (ينزل ربنا)، وقد يروى ههنا أيضًا به، كما جاء في حديث البيهقي: (ينزل اللَّه إلى سماء الدنيا ليلة النصف من شعبان فيغفر) الحديث. وحاصله التجلي بصفة الرحمة\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٦٧ - ١٦٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٨٩).","vol":"3","page":418},{"text":"١٣٠٨ - [١٤] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا يَوْمَهَا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْزِلُ فِيهَا لِغُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ: أَلَا مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ أَلَا مُسْتَرْزِقٌ فَأَرْزُقَهُ؟ أَلَا مُبْتَلًى فَأُعَافِيَهُ؟ أَلَا كَذَا أَلَا كَذَا حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٣٨٨].\n* * *\nــ\nوالمغفرة، والمراد بالمشاحن المعادي لمسلم من غير سبب ديني، من الشحناء بمعنى العداوة، وقد زيد في بعض الأحاديث: (أو قاطع رحم)، وفي بعضها: (أو مسبل أو عاق لوالديه أو مدمن خمر)، وجاء في حديث نوف البكالي (١) عن علي -﵁- أنه خرج ليلة النصف من شعبان ينظر إلى سماء الدنيا فقال: إن داود ﵇ خرج ليلة في مثل هذه الساعة، فنظر إلى السماء فقال: هذه الساعة ما دعا اللَّه فيها أحد إلا أجابه، ولا استغفره أحد في هذه الليلة إلا غفر له، ما لم يكن عشَّارًا أو ساحرًا أو كاهنًا أو عريفًا أو شرطيًّا أو جابيًا أو صاحب كوبة أو عرطبة، قال نوفل: والعرطبة الطنبور، اللهم رب داود! اغفر لمن دعاك في هذه الليلة، أو استغفرك فيها.\n١٣٠٨ - [١٤] (علي) قوله: (فقوموا ليلها) الظاهر (فيها) وأنت الضمير؛ لأن النصف متعدد، أضاف الليلة إليها باعتبار المبدأ، فافهم.\nوقوله: (لغروب الشمس) وفي سائر الليالي خص النزول بالثلث الأخير.\nوقوله: (ألا من مستغفر) مجرور بزيادة (من).\nوقوله: (ألا مسترزق) مرفوع بترك (من)، فليتأمل.\n_________\n(١) انظر: \"حلية الأولياء\" (١/ ٧٩).","vol":"3","page":419},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-431>٣٨ - باب صلاة الضحى</span>\nــ\n٣٨ - باب صلاة الضحى\nالضحو والضحوة والضحية كعشية: ارتفاع النهار، والضحى بالضم والقصر فوقه، ويجيء بمعنى شعاع الشمس أيضًا كقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]، والضحاء بالفتح والمد: انتصاف النهار، ووقت ارتفاع الشمس إلى ربع السماء وقرب انتصاف النهار، والمتعارف بين الناس في أول النهار من النوافل صلاتان، إحداهما: بعد طلوع الشمس وارتفاعها قدر رمح أو رمحين، ويسمونه صلاة الإشراق، وثانيتهما: وقت ارتفاعها إلى ربع السماء إلى قبيل نصف النهار، ويسمونه صلاة الضحى، وجاء في كثير من الأحاديث اسم صلاة الضحى شاملًا لكل من الصلاتين في الوقتين، وفي بعض الأحاديث أيضًا أطلق عليه صلاة الإشراق، كما أورده السيوطي من حديث الطبراني أنه -ﷺ- قال: (يا أم هانئ هذه صلاة الإشراق) بعد حديث آخر أورده أيضًا عن الطبراني عن عمر -﵁-: (ابن آدم اضمن لي ركعتين أول النهار أكفك آخره).\nوقال البيضاوي (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾: وقت الإشراق حين تشرق الشمس، أي: تضيء ويصفو شعاعها وهو وقت الضحى، وأما شروقها فطلوعها، يقال: شرقت الشمس لما تشرق، وعن أم هانئ -﵂- أنه -ﷺ- قال: هذه صلاة الإشراق، وعن ابن عباس -﵄-: ما عرفت صلاة الضحى إلا بهذه الآية، انتهى.\nوالشيخ الإمام الأجل علي المتقي رحمة اللَّه عليه في تبويب (جمع الجوامع) المسمى بـ (الجامع الكبير) جعل لصلاة الإشراق عنوانًا على حدة، وأورد فيه حديث الترمذي عن أنس: من صلى صلاة الفجر في جماعة، ثم جلس يذكر اللَّه حتى تطلع\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٨٩).","vol":"3","page":420},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالشمس، ثم صلى ركعتين كان له أجر حجة وعمرة تامتين تامتين تامتين، وقد صح أن رسول اللَّه -ﷺ- صلى في الوقتين ورغب الأمة فيها، وفي الحقيقة هو وقت واحد وصلاة واحدة، أولها وقت الإشراق وآخرها إلى قبيل انتصاف النهار، ولما صلى في بعض الأحيان في الوقتين ظنوا من ذلك أن ههنا وقتين وصلاتين، وبعضهم يقولون: الضحوة الصغرى والضحوة الكبرى، واللَّه أعلم.\nثم اعلم أنه قد جاءت الأخبار والآثار فيها مختلفة، وجاءت في صلاته -ﷺ- وترغيبه فيها أحاديث كثيرة، وقال في (المواهب اللدنية) (١): إن الشيخ ولي الدين بن العراقي قال: جاءت فيها أحاديث كثيرة صحيحة مشهورة، حتى قال محمد بن جرير الطبري: إن الأخبار في هذا الباب واصلة إلى درجة التواتر المعنوي وبالغة إلى حد اليقين، وقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي: إن هذه لصلاة السابقين من الأنبياء والمرسلين، واللَّه تعالى يخبر عن داود ﵇ ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص: ١٨] فأبقى اللَّه تعالى من ذلك التسبيح في دين محمد -ﷺ- صلاة العصر وصلاة الإشراق.\nوأورد السيوطي عن الديلمي من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: كانت صلاة الضحى أكثر صلاة داود، وعن ابن النجار من حديث ثوبان: صلاة الضحى صلاة كان يحافظ عليها آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين.\nواستحباب صلاة الضحى هو مذهب أكثر العلماء؛ لأن خبر المثبت مقدم على خبر النافي، وقد ذهب جمع من العلماء إلى كراهة صلاة الضحى، وقالوا: إنها بدعة\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ٢١٤).","vol":"3","page":421},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمن البدع الحادثة بعد زمن رسول اللَّه -ﷺ- وزمن الخلفاء الراشدين -﵃-، وتمسكوا بأحاديث كثيرة وردت في نفيها عن رسول اللَّه -ﷺ- وعن أصحابه، وحكم فيها بعض الصحابة أنها بدعة، وقال ابن عمر -﵄-: بدعة ونعمت البدعة، وقال: ما ابتدع المسلمون أفضل من صلاة الضحى.\nوقال العلماء في تطبيق الأحاديث: إن رسول اللَّه -ﷺ- لم يكن يداوم عليها خشية أن يفرض على الأمة ويقعوا في المشقة كما كانت عادته الشريفة -ﷺ-، لكن كان يرغبهم عليها ويحرص، ولا شبهة في صلاته -ﷺ- إياها لما ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة، فمن نفاها عنه -ﷺ- إما نفى علمه ورؤيته إياها أو مداومته عليها كما نفت عائشة عنها؛ لأنه -ﷺ- لم يكن عندها في ذلك الوقت إلا نادرًا، وتارة كان يصلي في السفر وأخرى في المسجد، وتارة في بيت نسائه غيرها، ولو كان عندها ما كانت صلاته إلا نادرًا فلم ترها، وقد جاء صريحًا في حديثها: ما رأيت يصلي، مع أنه قد جاء في أحاديث كثيرة عنها إثباتها، وأما تسميتها بدعة فالمراد منه صلاتها في المسجد مكثرين مواظبين، وما روى قيس بن عبيد أنه كان عامًا في صحبة ابن مسعود -﵁- فما رآه يصلي، فذلك لكون عبد اللَّه بن مسعود -﵁- مشتغلًا بالفقه والعلم، والاشتغال بالعلم أفضل من الصلاة النافلة.\nوقال مسروق: كنا نقرأ فنبقى بعد قيام ابن مسعود، ثم نقوم فنصلي، فبلغ ابن مسعود ذلك فقال: لم تحمِّلون عباد اللَّه ما لم يُحملهم اللَّه؟ إن كنتم لا بد فاعلين ففي بيوتكم، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أنه ينبغي أن يصلي أحيانًا ويترك أحيانًا، ويصلي في البيوت دون المساجد، والصواب أن المواظبة عليها أيضًا مستحبة؛ لأن توهم الفرضية قد ارتفع.","vol":"3","page":422},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-432> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٣٠٩ - [١] عَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- دَخَلَ بَيْتَهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَاغْتَسَلَ، وَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، فَلَمْ أَرَ صَلَاةً قَطُّ أَخَفَّ مِنْهَا غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. وَقَالَتْ فِي رِوَايَة أُخْرَى: وَذَلِكَ ضُحًى. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٧، م: ٣٣٦].\nــ\nوجاءت في أعدادها أيضًا أخبار مختلفة من اثنين إلى اثني عشرة ركعة، وذلك باختلاف الأوقات والأحوال، والعبد مخير في ذلك، واختار أكثر العلماء أربعًا؛ لأن أحاديثها أصح، والأخبار والآثار من كل جانب مذكورة في كتاب (سفر السعادة) (١)، وقد تكلمنا في شرحه بما يسع الوقت، واللَّه أعلم.\nالفصل الأول\n١٣٠٩ - [١] قوله: (أم هانئ) بهمزة في آخره اسمها فاختة، وقيل: عاتكة.\nوقوله: (وصلى ثماني ركعات) حديث أم هانئ هو العمدة والمشهور في باب صلاة الضحى، وقال بعضهم: صلاته -ﷺ- هذه في بيت أم هانئ كانت شكرًا لفتح مكة، فكان الأمراء يسمونه صلاة الفتح، وقيل: كانت صلاته هذه في بيت أم هانئ قضاء لحزبه -ﷺ- الذي فات في تلك الليلة بسبب الاهتمام بمهمات الفتح وشغله عنها، ورده النووي بما رواه أبو داود من طريق كريب عن أم هانئ أنها قالت: صلى سبحة الضحى، وأخرج مسلم (٢) أيضًا في (كتاب الطهارة) عن أم هانئ: صلى ثمان ركعات سبحة الضحى، والإضافة إلى الضحى يدل على سببية الوقت كما في صلاة الظهر\n_________\n(١) انظر: \"سفر السعادة\" (ص: ٢٨ - ٨٩).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٣٣٦).","vol":"3","page":423},{"text":"١٣١ - [٢] وَعَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: كَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى؟ قَالَتْ: أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧١٩].\n١٣١١ - [٣] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ،\nــ\nوالعصر، وفي (المواهب اللدنية) (١): عن ابن عبد البر في (التمهيد) (٢) من طريق عكرمة بن خالد عن أم هانئ قالت: صلى رسول اللَّه -ﷺ- ثماني ركعات، فقلت: ما كانت يا رسول اللَّه -ﷺ- هذه الصلاة منك؟ قال: (هذه صلاة الضحى).\nوقال الترمذي (٣): وفي الباب عن أم هانئ وأبي هريرة ونعيم بن همار وأبي ذر وعائشة وأبي أمامة وعتبة بن عبد السلمي وابن أبي أوفى وأبي سعيد -﵃-، وقال أحمد: أصح ما جاء في صلاة الضحى حديث أم هانئ -﵂-، وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: لم يخبرني أحد أنه رأى رسول اللَّه -ﷺ- يصلي الضحى إلا أم هانئ.\n١٣١٠ - [٢] قوله: (عن معاذة) بضم الميم، وقوله: (كم كان) أي: كم ركعة كان.\nوقوله: (ويزيد ما شاء اللَّه) ولم يزد أكثر من ثنتي عشرة ركعة.\n١٣١١ - [٣] (أبو ذر) قوله: (يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة) ذكر\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ٢١٦).\n(٢) \"التمهيد\" لابن عبد البر (٨/ ١٣٦).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٤٧٣).","vol":"3","page":424},{"text":"وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٢٠].\nــ\nالطيبي (١) في إعرابه وجوهًا، وأظهرها أن قوله: (صدقة) اسم (يصبح)، و(على كل سلامى) خبره، و(السلامى) بضم السين وتخفيف اللام وفتح الميم عظم في فِرْسِنِ البعير، وعظامٌ [صِغارٌ] طولُ إصبَعٍ أو أقلُّ في اليد والرجل، وجمعه سلاميات، وقال النووي في (الأذكار) (٢): السلامى العضو، وقيل: الأنملة، وقيل: كل عظم له مفصل، وكل عظم يعتمد به الإنسان عند الحركة، ويؤيده ما في حديث بريدة: (فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منه بصدقة)، والمعنى: على كل عضو وعظم من بني آدم كل يوم صدقة، ويستحق الشكر على أن خلقه، وجعله بحيث يمكنه الحركة، وعلى صحته وسلامته، ولما تعسر ذلك يسره الشارع بأن جعل ما يصدر من ذكر اللَّه وثنائه وغيرها من الخيرات حتى أمر بالمعروف ونهي عن المنكر من جملة الصدقات التي يجب على كل سلامى، وأيسر من ذلك أن يصلي ركعتين في أول النهار، وفي الحقيقة الصلاة شكر لكل نعمة ظاهرة وباطنة، أو يشتغل فيها كل عضو وكل جزء من أجزاء بني آدم القلب والبدن بذكر اللَّه وعبادته، وخص منها بهذه الفضيلة صلاة الضحى، لكونه واقعا في أول النهار الذي هو مبدأ النعم ومفتحه.\nوقوله: (ويجزئ من ذلك) يروى بضم التحتانية وفتحها، قال القاضي عياض في (المشارق) (٣): بالفتح بمعنى ينوب عنه ويقوم مقامه غير مهموز، وجزاه اللَّه خيرًا\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٧١).\n(٢) \"الأذكار\" (ص: ٥٤).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٣٠).","vol":"3","page":425},{"text":"١٣١٢ - [٤] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ رَأَى قَوْمًا يُصَلُّونَ مِنَ الضُّحَى فَقَالَ: لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِ هَذِهِ السَّاعَةِ أَفْضَلُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"صَلَاةُ الأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٤٨].\nــ\nأي: أثابه وكافأه، وجزيت فلانًا وجازيته على فعله، وبالضم بمعنى كفى، أجزأ الشيء كفى مهموزًا، وقال الهروي: فإن أردت معنى الكفاية، قلت: جزا وأجزا، وإلى هذا ذهب آخرون، وإن جزا وأجزا بمعنى متقارب في كفى وقضى، وقال آخرون: أجزيت عنك: قضيت، وأجزيت: كفيت، ويجزي منه ذلك ركعتان، أي: ينوب ويقضي، انتهى. ونقل عن (مطالع الأنوار) يجزئ مهموزًا وغير مهموز، هذا والمشهور أن يجزي بغير همزة من الجزاء بمعنى القضاء والإنابة، وبهمزة من الإجزاء بمعنى الكفاية، فتدبر.\n١٣١٢ - [٤] (زيد بن أرقم) قوله: (رأى قومًا يصلون من الضحى) من زائدة أو تبعيضية، فإن ما يصلون بعض من صلاة الضحى وفرد منها، أو بيانية، أي: يصلون شيئًا هو الضحى، فافهم. والمعنى: كيف يصلون في هذا الوقت مع علمهم بأن هذه الصلاة في غير هذه الساعة أفضل؟ وهي حين ترمض أي: يجد الفصيل -وهو ولد البعير أو البقر- حر الشمس، والرمض محركة: شدة وقع الشمس على الرمل وغيره، رمض يومنا كفرح: اشتد حره، وقدمه: احترقت من الرمضاء بالمد الأرض الشديدة الحرارة، كذا في (القاموس) (١)، والأوابون: هم الراجعون بالتوبة والتوجه إلى اللَّه، من الأوب بمعنى الرجوع، وهذا وقت تركن فيه النفوس إلى الاستراحة، فلا يصلي فيه إلا من رجع إلى اللَّه، وآنس بذكره كجوف الليل.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٩٤).","vol":"3","page":426},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-433> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٣١٣ - [٥] عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي ذَرٍّ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ اللَّهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: \"يَا ابْنَ ادَمَ ارْكَعْ لِي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ أَكْفِكَ آخِرَهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٧٧٥].\n١٣١٤ - [٦] وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ نُعَيْمِ بْنِ هَمَّارٍ الْغَطَفَانِيِّ، وَأَحْمَدُ عَنْهُمْ. [د: ١٢٨٩، دي: ١/ ٣٣٨، حم: ٥/ ٢٨٦].\nــ\nالفصل الثاني\n١٣١٣ - [٥] (أبو الدرداء، وأبو ذر) قوله: (اركع لي أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره) أي: فرغ بالك لعبادتي في أول النهار واشتغل بعبادتي، أفرغ بالك في آخره بقضاء حوائجك كما وعد اللَّه للمتقين والمتوكلين.\n١٣١٤ - [٦] (أبو داود، والدارمي) قوله: (عن نعيم) بضم النون (بن همار) بالراء، وفي بعض النسخ بالزاي، وفي هذا الاسم اختلاف كثير، يقال: نعيم بن همار بفتح الهاء وتشديد الميم وبالراء، ويقال: هبار مثله إلا أن الموحدة عوض الميم، وخمار كذلك وعوض الهاء خاء معجمة، ويقال: همام بتعويض الميم من الراء، هذه الأربعة ذكره الترمذي (١)، وقال: والصحيح ابن همار بالهاء والراء، وقال: أبو نعيم وهم فيه فقال: ابن حِمَاز، وأخطأ فيه، ثم ترك فقال: نعيم عن النبي، وفي (الكاشف (٢»: ابن همار أو هبار أو خمار أو حمار بكسر الحاء المهملة وهدار، وذكر في (الجامع) الستة كلها، وليس في شيء منها هماز بالزاي، واللَّه أعلم، و(الغطفاني)\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٤٧٤).\n(٢) \"الكاشف\" (٢/ ٣٢٥).","vol":"3","page":427},{"text":"١٣١٥ - [٧] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"فِي الإِنْسَانِ ثَلَاثُ مِئَةٍ وَسِتُّونَ مَفْصِلًا، فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهُ بِصَدَقَةٍ\" قَالُوا: وَمَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: \"النُّخَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ تَدْفِنُهَا، وَالشَّيْءُ تُنَحِّيهِ عَنِ الطَّرِيقِ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَرَكْعَتَا الضُّحَى تُجْزِئُكَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٤٢].\n١٣١٦ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا مِنْ ذَهَبٍ فِي الْجَنَّةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. [ت: ٤٧٣، جه: ١٣٨٠].\n١٣١٧ - [٩] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَعَدَ فِي مُصَلَّاهُ حِينَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ. . . . .\nــ\nبفتح المعجمة والمهملة.\n١٣١٥ - [٧] (بريدة) قوله: (فإن لم تجد فركعتا الضحى تجزئك) يشير إلى أن الدفن والتنحية المذكورين أفضل من الركعتين، وذلك لأن دفع المكروه والاجتناب عنه أهم من إتيان المستحب وفعله مع ما فيهما من تعظيم مساجد اللَّه ورفع الأذى عن خلق اللَّه.\n١٣١٦ - [٨] (أنس) قوله: (من صلى الضحى ثنتي عشرة ركعة) وهذا أكثر عددٍ روي في صلاة الضحى.\n١٣١٧ - [٩] (معاذ بن أنس الجهني) قوله: (من قعد في مصلاه) يعني حتى تطلع الشمس.","vol":"3","page":428},{"text":"حَتَّى يُسَبِّحَ رَكْعَتَي الضُّحَى لَا يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ زَبَدِ الْبَحْرِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدْ. [د: ١٢٨٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-434> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٣١٨ - [١٠] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ حَافَظَ عَلَى شُفْعَةِ الضُّحَى، غُفِرَتْ لَهُ ذنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٤٤٣، ت: ٤٧٦، جه: ١٣٨٢].\n١٣١٩ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي الضُّحَى ثَمَانِي ركَعَاتٍ ثُمَّ تَقُولُ: \"لَوْ نُشِرَ لِي أَبَوَايَ مَا تَرَكْتُهَا\". رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٣٥٨].\n١٣٢٠ - [١٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي الضُّحَى حَتَّى نَقُولَ: لَا يَدَعُهَا، وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ: لَا يُصليهَا. . . . .\nــ\nوقوله: (لا يقول إلا خيرًا) الظاهر أن المراد منه ما يتضمن ثواب الآخرة من ذكر اللَّه ونحوه.\nالفصل الثالث\n١٣١٨ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (على شفعة الضحى) في (القاموس) (١): الشفعة من الضحى ركعتاه بالضم وتفتح، وكلاهما رواية.\n١٣١٩ - [١١] (عائشة) قوله: (لو نشر لي أبواي) تعليق بالمحال العادي للمبالغة، أي: لا أترك هذه اللذة بتلك.\n١٣٢٠ - [١٢] (أبو سعيد) قوله: (ويدعها حتى نقول: لا يصليها) كما كانت\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٧٧).","vol":"3","page":429},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٤٧٧].\n١٣٢١ - [١٣] وَعَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: تُصَلِّي الضُّحَى؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَعُمَرُ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَأَبُو بَكْرٍ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَالنَّبِيُّ -ﷺ-؟ قَالَ: لَا إخَالُهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١١٧٥].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-435>٣٩ - باب التطوع</span>\nــ\nعادته الشريفة في النوافل، وفي هذا دليل لمن ذهب إلى أنه لا يسن المواظبة على صلاة الضحى، بل ينبغي أن يصلي أحيانًا ويترك أخرى.\n١٣٢١ - [١٣] قوله: (مورق) على لفظ اسم الفاعل من التفعيل، (العجلي) بكسر عين وسكون جيم منسوب إلى عجل بن لجيم على صيغة التصغير.\nوقوله: (لا إخاله) بكسر أوله وهو الأكثر، وفتحه وهو الأقيس، أي: لا أظنه يصليها، قد علمت تأويل ما ورد في نفيها، واللَّه أعلم.\n٣٩ - باب التطوع\nمن الطوع بمعنى الانقياد، وصلاة التطوع النافلة، وكل متنفل خير: متطوع، كذا في (القاموس) (١)، ومنه قوله -ﷺ-: (إلا أن تطوع)، وصيغة التفعُّل إما للتكلف بمعنى أنه يفعلها من غير تكليف من الشارع، أو للمبالغة لأنه يزيد ويبالغ في الطاعة بإتيان النوافل.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٨٧).","vol":"3","page":430},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-436> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٣٢٢ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ: \"يَا بِلَالُ! حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ فِي الإِسْلَامِ، فَإِنِّي سَمِعتُ دَفَّ نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الْجَنَّةِ\". قَالَ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي. . . . .\nــ\nالفصل الأول\n١٣٢٢ - [١] (أبو هريرة) قوله: (حدثني بأرجى عمل) من إضافة الصفة إلى الموصوف، و(أرجى) يجوز أن يكون بمعنى المفعول، والإضافة والوصف بحال المتعلق، أي: عمل مرجو ثوابه وصعوده، أو بمعنى الفاعل، والمعنى بعمل أنت ترجو به الثواب عند اللَّه من بين سائر الأعمال، وقيد (في الإسلام) اتفاقي ذكر لبيان شرف العمل.\nوقوله: (فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة) في (القاموس) (١): الدف: السير اللين من سير الإبل، والمشي الخفيف كالدفيف، ومن الطائر: سيره فويق الأرض، أو أن يحرك جناحيه ورجلاه في الأرض، والمراد ههنا صوت دبيبه على الأرض، وبنعليه حسيسه كما يجيء في الفصل الثاني: (إلا سمعت خشخشتك أمامي)، ومشى بلال بين يدي رسول اللَّه -ﷺ- كما يمشي الخادم بين يدي سيده للخدمة، وهذا شيء كوشف رسول اللَّه -ﷺ- في نومه أو يقظة، ويحتمل أن يكون ذلك ليلة المعراج، واللَّه أعلم.\nفإن قلت: هل يكون هذا بشارة بدخول الجنة كما للمبشرين به من الصحابة؟ قلت: محتمل، فإن دخول الجنة في حالة الحياة لا يستلزم دخولها بعد الممات\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٤٧).","vol":"3","page":431},{"text":"أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طُهُورًا مِنْ سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ مَا كُتِبَ لِي أَنْ أُصَلِّيَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٤٩، م: ٢٤٥٨].\n١٣٢٣ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ، كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ،\nــ\nلاحتمال عروض ما يخرجه عن استحقاقه، والعياذ باللَّه، ويحتمل أن يكون مبالغة في دخول الجنة كأنه دخل في حالة حياته، ومن دخل الجنة لا يخرج منها إلا أن يكون ذلك مخصوصًا بالآخرة، فليتدبر. وتحقيقه في رسالة لنا مسماة بـ (تحقيق الإشارة إلى تعميم البشارة)، واللَّه أعلم.\nوقوله: (أني لم أتطهر) أي: من أني لم أتطهر (طهورًا) أي: وضوءًا أو غسلًا أو تيممًا.\nوقوله: (ما كتب لي) أي قدر، وهذا كما وقع في بعض الأحاديث: فصلى أو صليت ما شاء اللَّه، ومر في حديث معاذة: ويزيد ما شاء اللَّه، وقيل: كتب بمعنى وجب، بأن أوجب ذلك على نفسه، والأوقات المكروهة مستثناة كما يستثنى في من نذر صوم سنة الأيامُ الخمسة التي يكره فيها الصوم، وتلك الأوقات قليلة تمضي بأدنى صبر وتوقف واستعداد للطهارة، فلا يتم الاستدلال به على جواز إيقاعها في الأوقات المكروهة.\n١٣٢٣ - [٢]: (جابر) قوله: (يعلمنا الاستخارة) الاستخارة طلب الخير، والمراد ههنا الصلاة المعهودة مع الدعاء المأثور بعدها، والمراد بالأمور التي يعتني لشأنها ويندر وجودها مثل السفر والعمارة ونحوهما لا كالأكل والشرب المعتاد بعد أن يكون مباحًا، وأما ما كان خيرًا محضًا فالاستخارة فيه يكون باعتبار تعين وقت أو حالة مخصوصة.","vol":"3","page":432},{"text":"يَقُولُ: \"إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّك تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاقْدُرْهُ لِي، وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي -أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ- فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقَدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ. . . . .\nــ\nوقوله: (فليركع ركعتين) في بعض الأحاديث: وليقرأ من القرآن ما تيسر، وفي بعضها ورد التخصيص بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وهذا هو المأثور.\nوقوله: (من غير الفريضة) فتجزئه السنة الراتبة.\nوقوله: (بعلمك) الباء للاستعانة.\nوقوله: (أو قال: عاجل أمري واجله) قال الشيخ (١): هذا بدل الألفاظ كلها، أو بدل الآخرين (٢).\nوقوله: (فاقدره) يروى بضم الدال وكسرها، أي: اقض به وهيِّئْه لي من القدر لا من القدرة.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١١/ ١٨٦).\n(٢) وزاد بعده في نسخة (ب): وفي \"الحصن الحصين\": أو عاجل أمري وآجله، قال مصنفه: أو فيها للتخيير، أي أنت مخير إن شئت قلت: عاجل أمري أو عاقبه أمري، ولا يخفى ما فيه.","vol":"3","page":433},{"text":"ثُمَّ أَرْضِنِي بِهِ. قَالَ: \"وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١١٦٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-437> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٣٢٤ - [٣] عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ -وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَقُومُ، فَيَتَطَهَّرُ ثُمَّ يُصَلِّي، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلَّا غَفَرَ اللَّه لَهُ، ثمَّ قَرَأَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ إِلَّا أَنَّ ابْنَ مَاجَهْ لَمْ يَذْكُرِ الآيَةَ. [ت: ٣٠٠٦، جه: ١٣٩٥].\nــ\nوقوله: (ثم أرضني) من الإرضاء، أي: اجعلني راضيًا بذلك الخير الذي طلبت منك، وقدرته لي بأن يحصل اليقين وانشراح الصدر من غير شك ودغدغة، وهذا هو الأصل المعتبر في الباب.\nوقوله: (ويسمي حاجته) ظاهره أن يذكر باللسان بعد قوله: هذا الأمر، أو يذكرها مكانه، ولعله يكفي أن يتصور الحاجة في هذا الوقت، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n١٣٢٤ - [٣] (علي) قوله: (ثم يصلي ثم يستغفر) وهذه تسمى صلاة الاستغفار، ولو قرأ فيها من آيات القران ما فيها ذكر الاستغفار والمغفرة والرحمة لكان أنسب، وقراءته -ﷺ- الآية المذكورة كأنه دليل على استحباب الصلاة والاستغفار بعد وقوع الذنب؛ لأن قوله تعالى: (والذين) عطف على (المتقين) أي: الجنة أعدت للمتقين والتائبين، والمراد بالفاحشة الكبيرة، وبالظلم الصغائر، والصلاة هو ذكر اللَّه بل أعظم أقسامه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].","vol":"3","page":434},{"text":"١٣٢٥ - [٤] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٣١٩].\n١٣٢٦ - [٥] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَدَعَا بِلَالًا فَقَالَ: \"بِمَ سَبَقْتَنِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ مَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَطُّ. . . . .\nــ\n١٣٢٥ - [٤] (حذيفة) قوله: (إذا حزبه أمر) في (القاموس) (١): حزبه الأمر: نابه واشتد عليه أو ضغطه.\nوقوله: (صلى) امتثالًا لقوله: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، واختلف إشاراتهم في أن الاشتغال بالعبادة يكشف الغم والحزن عن القلب، فقال بعض المحققين: إذا اشتغل الإنسان بالعبادة انكشف عالم الربوبية، ومتى حصل ذلك الانكشاف صارت الدنيا بكليتها حقيرة، فخف على القلب فقدانها ووجدانها، فلا يستوحش من فقدانها، ولا يستريح من وجدانها، وعند ذلك يزول الحزن والغم، وقال بعضهم: إذا نزل بالعبد بعض المكاره وفزع إلى الطاعات كأنه يقول: تحتسب علي عبادتك، سواء أعطيتني الخيرات أو ألقيتني في المكروهات، قال اللَّه لنبيه: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٧ - ٩٩].\n١٣٢٦ - [٥] (بريدة) قوله: (ما دخلت الجنة قط) يدل على كثرة دخوله إياها (٢)، والخشخشة: حركة صوت السلاح، وكل شيء يابس إذا حك بعضه ببعض،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٢).\n(٢) لَعَلَّ إِحْدَاهَا لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، وَالثَّانِيَةَ فِي الْمَنَامِ، وَالثَّالِثَةَ فِي عَالَمِ الْكَشْفِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٩٩٠).","vol":"3","page":435},{"text":"إِلَّا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَكَ أَمَامِي\". قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَذَّنْتُ قَطُّ إِلَّا صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، وَمَا أَصَابَنِي حَدَثٌ قَطُّ إِلَّا تَوَضَّأْتُ عِنْدَهُ، وَرَأَيْتُ أَنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"بِهِمَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٨٩].\n١٣٢٧ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ إِلَى اللَّهِ أَوْ إِلَى أَحَدٍ مِنْ بَنِي آدَمَ فَليَتَوَضَّأ فَلْيُحْسِنِ الْوُضُوءَ، ثُمَّ لْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ لْيُثْنِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، ثُمَّ لْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرتِكَ، وَالْغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، وَالسَّلَامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، لَا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ، وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًى إِلَّا قَضَيْتَهَا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ،\nــ\nوتخشخش: صوَّت، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (ما أذنت قط إلا صليت ركعتين) يؤخذ منه استحباب الركعتين للمؤذن بعد الأذان.\nوقوله: (رأيت أن للَّه علي ركعتين) كناية عن محافظته إياهما ومواظبته عليهما.\n١٣٢٧ - [٦] (عبد اللَّه بن أبي أوفى) قوله: (وعزائم مغفرتك) أي: أعمالًا وخصالًا تحصل بها مغفرتك، وتنعزم وتتأكد بها لي، والعزم القصد على الفعل وعقد القلب عليه.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٤٨).","vol":"3","page":436},{"text":"وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٤٧٩، جه: ١٣٨٤].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-438>٤٠ - [باب] صلاة التسبيح</span>\n١٣٢٨ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: \"يَا عَبَّاسُ! يَا عَمَّاهُ! أَلَا أُعْطِيكَ؟ أَلَا أَمْنَحُكَ؟ أَلَا أَحْبُوكَ؟ أَلَا أَفْعَلُ بِكَ؟ عَشْرَ خِصَالٍ إِذَا أَنْتَ فَعَلْتَ ذَلِكَ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ذَنْبَكَ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، قَدِيمَهُ وَحَدِيثَهُ، خَطَأَهُ وَعَمْدَهُ، صَغِيرَهُ وَكَبِيرَهُ، سِرَّهُ وَعَلَانِيَتَهُ: أَنْ تُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، تَقْرَأُ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَسُورَةً، فَإِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي أَوَّلِ رَكْعَةٍ وَأَنْتَ قَائِمٌ قُلْتَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةً،\nــ\nوقوله: (هذا حديث غريب) وقال الترمذي: في إسناده مقال، وفائد بن عبد الرحمن أبو الورقاء يضعف في الحديث، في (الكاشف) (١): فائد أبو الورقاء الكوفي العطار عن ابن أبي أوفى وغيره، وعنه يزيد بن هارون الفرياني وجمع، تركوه، أخرج حديثه الترمذي وابن ماجه.\n٤٠ - باب صلاة التسبيح\n١٣٢٨، ١٣٢٩ - [١، ٢] (ابن عباس، وأبو رافع) قوله: (ألا أفعل بك؟ عشر خصال) المراد بها أنواع الذنوب المعدودة لقوله: أوله وآخره إلى سره وعلانيته، والتقدير أفعل بك وأعلم لك بما يكفر عشر خصال، وقيل: المراد بها التسبيحات،\n_________\n(١) \"الكاشف\" (٢/ ١١٩).","vol":"3","page":437},{"text":"ثُمَّ تَرْكَعُ فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ رَاكِعٌ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَهْوِي سَاجِدًا فَتَقُولُهَا وَأَنْتَ سَاجِدٌ عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَسْجُدُ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، ثُمَّ تَرْفَعُ رَأْسَكَ فَتَقُولُهَا عَشْرًا، فَذَلِكَ خَمْسٌ وَسَبْعُونَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُصَلِّيَهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً فَافْعَلْ، فَإِنْ لَم تَفْعَلْ ففِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَفِي عُمرِكَ مَرَّةً\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"الدَّعْوَاتِ الْكَبِيرِ\". [د: ١٢٩٧، جه: ١٣٨٧، الدعوات الكبير: ٤٤٤].\n١٣٢٩ - [٢] وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي رَافِعٍ نَحْوَهُ. [ت: ٤٨٢].\nــ\nفإنها فيما سوى القيام عشرًا عشرًا، ومعنى أفعل بك: آمرك، واعلم أن حديث صلاة التسبيح أورده صاحب (جامع الأصول) (١) من حديث أبي داود والترمذي وجعل في روايةٍ نهايتَه: في كل سنة مرة، ولم يذكر (٢): فإن لم تفعل ففي عمرك مرة، وأورده المؤلف من حديث ابن ماجه والبيهقي أيضًا، وفي (الحصن الحصين) برمز أبي داود وابن ماجه و(المستدرك) للحاكم و(صحيح ابن حبان)، وقال الترمذي في (جامعه) (٣): وفي الباب عن ابن عباس وعبد اللَّه بن عمرو وأنس -﵃-، وحديث أنس حسن غريب، وقال: قد روي عن النبي -ﷺ- في صلاة التسبيح ولا يصح منه كثير شيء، وقد رأى ابن المبارك وغير واحد من أهل العلم صلاة التسبيح وذكروا الفضلَ فيه، انتهى.\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (٦/ ٢٥٢).\n(٢) بل ذكره.\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٢/ ٣٤٧، رقم: ٤٨١).","vol":"3","page":438},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالكلام المشبع في هذا الباب ما ذكر في (تنزيه الشريعة) (١) بعد ما أورده من الدارقطني وقال: ولا يثبت، وفيه موسى بن عبد العزيز مجهول، وجاء من حديث العباس منه، وفيه صدقة بن يزيد الخراساني ضعيف، ومن حديث أبي رافع مولى رسول اللَّه -ﷺ- منه، وفيه موسى بن عبيدة ليس بشيء، وتعقب بأن حديث ابن عباس أخرجه أبو داود وابن ماجه والحاكم، وحديث أبي رافع أخرجه الترمذي وابن ماجه، وقد رد على ابن الجوزي في إيراده الأحاديث الثلاثة في (الموضوعات)، وأورد الحافظ ابن حجر حديث عباس -﵁- في (كتاب الخصال المكفرة)، وقال: رجال إسناده لا بأس بهم، وقد أساء ابن الجوزي بذكره في (الموضوعات)، وقوله: إن موسى بن عبد العزيز مجهول لم يصب فيه، فإن ابن معين والنسائي وثقاه فلا يضره أن يجهل حاله من جاء بعدهما، وشاهده ما أخرجه الدارقطني من حديث العباس، والترمذي وابن ماجه من حديث أبي رافع، وأبو داود من حديث ابن عمر، وله طرق أخرى، انتهى.\nوقال في (أمالي الأذكار): حديث ابن عباس أخرجه البخاري في (جزء القراءة خلف الإمام)، وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة في (صحيحه)، والحاكم في (مستدركه) والبيهقي وغيرهم، وقال ابن شاهين في (الترغيب): سمعت أبا بكر بن أبي داود يقول: سمعت أبي يقول: أصح حديث في صلاة التسبيح هذا، وقال: موسى بن عبد العزيز وثقه ابن معين والنسائي وابن حبان، وروى عنه خلق، وأخرج له في (الأدب) حديثًا في سماع الرعد، وببعض هذه ترفع الجهالة، وممن صحح هذا الحديث وحسنه غير من تقدم ابن منده وألف فيهما كتابًا، والآجري والخطيب وأبو سعد بن السمعاني\n_________\n(١) \"تنزيه الشريعة\" (٢/ ١٠٧ - ١٠٨).","vol":"3","page":439},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوأبو موسى المديني وأبو الحسن بن المفضل والمنذري وابن الصلاح والنووي في (تهذيب الأسماء واللغات) والسبكي وآخرون، وقال الديلمي في (مسند الفردوس): صلاة التسبيح أشهر الصلوات وأصحها إسنادًا، وقال: وأصح شيء في فضائل السور حديث ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وأصح شيء في فضل الصلاة حديث التسبيح، وروى البيهقي وغيره عن أبي حامد بن الشرقي قال: كتب مسلم بن الحجاج معنا هذا الحديث عن عبد الرحمن بن بشير يعني حديث صلاة التسبيح، فسمعت مسلمًا يقول: لا يروى فيه أحسن من هذا، وقال الترمذي: قد رأى ابن المبارك وغيره صلاة التسبيح وذكروا الفضل فيه.\nوقال الحاكم: ومما يستدل به على صحته استعمال الأئمة له كابن المبارك والبيهقي، وكان عبد اللَّه بن المبارك يصليها وتداولها الصالحون بعضهم عن بعض، وفي ذلك تقوية للحديث المرفوع، قال الحافظ ابن حجر: وأقدم مَن روي عنه فعلها صريحًا أبو الجوزاء أوس بن عبد اللَّه البصري من ثقات التابعين، أخرجه عنه الدارقطني بسند حسن، وقال: عبد العزيز بن أبي رَوَّاد وهو أقدم من ابن المبارك: من أراد الجنة فعليه بصلاة التسبيح.\nوقال أبو عثمان الحيري الزاهد: ما رأيت للشدائد والهموم مثل صلاة التسبيح، وقد نص على استحبابها أئمة الطريقين من الشافعية، ولحديث ابن عباس هذا طرق فتابع موسى بن عبد العزيز إبراهيم بن الحكم، ومن طريقه أخرجه ابن راهويه وابن خزيمة والحاكم، وقال: إنه أصح طرقه، وتابع عكرمة عن ابن عباس عطاء أخرجه الطبراني في (الكبير) وأبو نعيم بسند رجاله ثقات، وأبو الجوزاء أخرجه الطبراني في (الأوسط) والدارقطني في صلاة التسبيح من طريقين عنه، ومجاهد أخرجه الطبراني","vol":"3","page":440},{"text":"١٣٣٠ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ، قَالَ الرَّبُّ ﵎: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَيُكَمَّلُ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ\". . . . .\nــ\nفي (الأوسط) وهذه ست طرق، ولكل منها متابعات وشواهد ذكرها ابن حجر يطول المقام بذكرها، وممن صحح حديثها أو حسنها غير من تقدم الحافظ العلائي والشيخ سراج الدين البلقيني والشيخ بدر الدين الزركشي، ولقد ناقض كلام ابن حجر فيه، وكذا كلام النووي في تحسين هذا الحديث وتضعيفه، هذا كلام (تنزيه الشريعة) مع اختصار في آخره بحذف الطرق، وبالجملة حديث صلاة التسبيح لا يخلو عن نوع من الاختلاف بين الأئمة، والراجح المختار فيها الصحة أو الحسن، واللَّه أعلم.\n١٣٣٠، ١٣٣١ - [٣، ٤] (أبو هريرة، وعن رجل) قوله: (فإن صلحت) في (القاموس) (١) صلح كمنع وكرم، وفي (الصحاح) (٢): من باب نصر وكرم.\nوقوله: (فإن انتقص من فريضته شيء) أي: من مكملاتها من السنن والآداب.\nوقوله: (فيكمل) بالنصب والرفع، والأول أظهر وأشهر على معنى أنه من كلام اللَّه تعالى جوابًا للاستفهام.\nوقوله: (ثم يكون سائر عمله) من الزكاة والصوم والحج يكمل فرائضها بتطوعها.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٢٣).\n(٢) \"الصحاح\" (١/ ٣٨٣).","vol":"3","page":441},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: \"ثُمَّ الزَّكَاةُ مِثْلَ ذَلِك، ثُمَّ تُؤْخَذُ الأَعْمَالُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٨٦٤، ٨٦٦].\n١٣٣١ - [٤] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ. [حم: ٥/ ٧٢، ٣٧٧].\n١٣٣٢ - [٥] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا أَذِنَ اللَّهُ لِعَبْدٍ فِي شَيْءٍ أَفْضَلَ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ يُصَلِّيهِمَا، وَإِنَّ الْبِرَّ لَيُذَرُّ عَلَى رَأْسِ الْعَبْدِ مَا دَامَ فِي صَلَاتِهِ، وَمَا تَقَرَّبَ الْعِبَادُ إِلَى اللَّهِ بِمِثْلِ مَا خَرَجَ مِنْهُ\" يَعْنِي الْقُرْآنَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٥/ ٢٦٨، ت: ٢٩١١].\n* * *\nــ\n١٣٣٢ - [٥] (أبو أمامة) قوله: (ما أذن اللَّه لعبد في شيء أفضل من الركعتين) في (القاموس) (١): أذن له وإليه كفرح: استمع معجبًا، أو عامٌّ، والمعنى ههنا الإقبال من اللَّه بالرحمة والرأفة إلى العبد، ولعله إنما ذكر الاستماع وإن كانت الصلاة من جملة الأفعال لكونه مشتملًا على الكلام من القرآن والتسبيحات.\nوقوله: (ليذر) على صيغة المجهول من الذر بالذال المعجمة، أي: ينثر ويفرق، وقد يروى بالدال المهملة، وقيل: هو تصحيف؛ لأنه وإن تضمن معنى النثر والتفريق لكنه مختص بالمبايعات وليس له كثير مناسبة بالمقام.\nوقوله: (بمثل ما خرج منه) الضمير للَّه أو للعبد، والمراد القرآن، والمراد على الأول خرج من علمه أو لوحه المحفوظ، وعلى الثاني برز من لسانه.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٨٢).","vol":"3","page":442},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-439>٤١ - باب صلاة السفر</span>\nــ\n٤١ - باب صلاة السفر (١)\nاعلم أنه لا خلاف في جواز قصر الرباعية في السفر لأحد من الأئمة، وعلماء الأمة مجمعون على ذلك، ولكن عندنا هذا القصر واجب، وفرض الوقت على المسافر ركعتان، والقصر هو العزيمة وإن كان يسمى رخصة لكن تسميته بها مجاز، كما علم في أصول الفقه، ولو صلى المسافر أربع ركعات لم يجز إلا أن يقعد القعدة الأولى؛ لأنها في الحقيقة القعدة الأخيرة وإن أثم بترك السلام، وإن لم يقعد لم تقع جائزة ولزم الإعادة، وهو مذهب مالك على ما يفهم من (رسالة ابن أبي زيد) في مذهبهم؛ لأنه قال: من سافر أربعة برد، وهي ثمانية وأربعون ميلًا، فعليه أن يقصر الصلاة ويصلي ركعتين، ويفهم من بعض الشروح أن مذهبه يوافق مذهب الشافعي وأحمد أن القصر رخصة، والمصلي مخير بين القصر والإتمام، وأصل الفرض أربعة، ودليلهم على ذلك قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾، فإن ظاهره يدل على الرخصة والتخفيف لا على اللزوم والإيجاب، وأيضًا قاسوا الصلاة على الصوم، فكما أن الصوم في السفر عزيمة والإفطار رخصة، فكذلك يكون الإتمام فيه عزيمة والقصر رخصة، وحديث عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ- كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم، وفي صحة هذا الحديث كلام، وجاء عن عثمان -﵁- أنه صلى في أيام الحج\n_________\n(١) السَّفَرُ لُغَةً: قَطْعُ الْمَسَافَةِ، وَلَيْسَ كُلُّ قَطْعٍ تَتَغَيَّرُ بِهِ الأَحْكَامُ مِنْ جَوَازِ الإِفْطَارِ وَقَصْرِ الرُّبَاعِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ شَرْعًا، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ أَنْ يَقْصِدَ مَسَافَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامِ وَلَيَالِيهَا بِسَيْرٍ وَسَطٍ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ: هُوَ مَسِيرَةُ مَرْحَلَتَيْنِ بِسَيْرِ الأَثْقَالِ، وَذَلِكَ يَوْمَانِ أَوْ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا أَرْبَعَ بُرُدٍ، وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ: يقصُرُ فِي مَسِيرَةِ يَوْمٍ، وَقَالَ دَاوُدُ: يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي طَوِيلِ السَّفَرِ وَقَصِيرِهِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٩٩٩).","vol":"3","page":443},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفي منى أربع ركعات، والصحابة الذين معه أيضًا صلوا أربعًا، وكانت عائشة -﵂- أيضًا تتم.\nوقال علماؤنا: قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ليس نصًّا في الرخصة والتخيير، وإنما قال بهذه العبارة لأن المسلمين لكمال ولعهم وشغفهم بالعبادة وتكثيرها وإتمامها كأنهم كانوا يتحرجون في القصر وكانوا يعدونه جناحًا، فقال: لا جناح عليكم أن تقصروا، ولا حرج، فإن الركعتين في حكم الأربعة على قياس ما قال بعض العلماء الذين قالوا بوجوب السعي بين الصفا والمروة في قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، والقياس على الصوم فاسد، فإن قضاء الصوم واجب، وهذه علامات الوجوب، وكونه عزيمة بخلاف الشفع الثاني في صلاة السفر فعلم أنه ليس بواجب، وبعضهم قالوا: إن القصر المذكور في الآية قصر الأفعال دون قصر الأعداد، كما في صلاة الخوف بسقوط الاستقبال والتزام المكان ونحوهما فيها، وجاء عن رسول اللَّه -ﷺ- بطريق الشهرة أنه لم يتم في سفر أبدًا، وروى مسلم عن عائشة -﵂- بطرق متعددة أنها قالت: كان فرض الصلاة في الابتداء ركعتين في السفر والحضر، فقررت في السفر تلك الركعتان، وزيد في الحضر، ويعلم من هذا أن الركعتين في السفر ليستا رخصة حقيقة بعد ما كانت أربعًا، بل هو أصل المشروع وهو معنى العزيمة، فتدبر.\nوروى النسائي وابن ماجه (١): صلاة السفر ركعتان، وصلاة الضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام [غير] قصر على لسان محمد -ﷺ-، وكذلك روى ابن حبان في (صحيحه) ومسلم عن ابن عباس -﵄- قال: فرض اللَّه تعالى\n_________\n(١) \"سنن النسائي\" (١٤٢٠)، و\"سنن ابن ماجه\" (١٠٦٣).","vol":"3","page":444},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعلى لسان نبيكم -ﷺ- في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ركعتان، وفي الخوف ركعة، وروى الطبراني بهذا اللفظ: فرض رسول اللَّه -ﷺ- ركعتين في السفر كما فرض في الحضر أربعًا، ذكر هذه الأحاديث الشيخ ابن الهمام في شرح (الهداية) (١)، وأيضًا روى مسلم عن أمير المؤمنين عمر -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (هذه صدقة تصدق اللَّه بها على عباده فاقبلوا صدقته)، والتصدق فيما لا يقبل القبض محض إسقاط، وأيضًا لما يسر اللَّه تعالى وخفف وأسقط يكون تشديد العبد على نفسه واختياره الأشد جرأة منه، لا يليق بمقام العبودية، بخلاف صوم المسافر فإن فيه بموافقة المسلمين يسرًا كما في الإفطار، ولهذا ذهب الشافعي وأحمد رحمهما اللَّه مع تجويزهما القصر والإتمام أن القصر أحب، وكذلك جعلا الإفطار أحب لمثل هذا الوجه، وذكر في (الحاوي) (٢) في مذهب الشافعي ﵀ حديثًا: (خير عباد اللَّه الذين إذا سافروا قصروا)، ولأن القصر متفق عليه، فالأخذ به كان أولى للخروج عن الخلاف.\nهذا والكلام في صلاة أمير المؤمنين عثمان -﵁- أربع ركعات بمنى، وموافقة الصحابة إياه طويل، فقد ذكر في (صحيح البخاري) (٣) من حديث ابن عمر -﵁- أنه قال: صليت مع النبي -ﷺ- بمنى ركعتين، ومع أمير المؤمنين أبي بكر وعمر -﵄- ركعتين، ومع أمير المؤمنين عثمان -﵁- في صدر من خلافته، ثم كان يتم عثمان -﵁-، وقالوا: مدة قصر عثمان -﵁- في أوائل خلافته ست سنين أو ثمان سنين على خلاف فيها، هذا وقد ذكر\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٢/ ٣٣).\n(٢) \"الحاوي الكبير\" (٢/ ٣٦٢).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (١٠٨٢).","vol":"3","page":445},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفي الصحيح (١) عن ابن عمر -﵄- أنه قال: صحبت رسول اللَّه -ﷺ- فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، وصحبت أبا بكر -﵁- فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، [وَصَحِبْتُ عُمَرَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ]، وصحبت عثمان فلم يزد على ركعتين حتى قبضه اللَّه، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، ومن هذا يعلم أن إتمام الصلاة كان من عثمان -﵁- بمنى لمصلحة رآها لا دائمًا بعد مضي سنين من خلافته، واللَّه أعلم.\nوفي (صحيح البخاري) (٢) عن حارثة بن وهب: صلى بنا النبي -ﷺ- آمن ما كان بمنى ركعتين، وعن عبد الرحمن بن يزيد يقول: صلى بنا عثمان بن عفان -﵁- بمنى أربع ركعات، فقيل في ذلك لعبد اللَّه بن مسعود -﵁- فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول اللَّه -ﷺ- بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر الصديق -﵁- بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب -﵁- بمنى ركعتين، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان، وقيل لابن مسعود -﵁-: لم وافقته أنت؟ قال: الخلاف شر، يعني أن المخالفة مع إمام العصر فيما يفعل لم يحسن، ويظهر من هذا لجواز الإتمام وجه؛ لأن سكوت ابن مسعود -﵁- وغيره من الصحابة فيما لا يجوز أصلًا مما لم يجز.\nواختلف في ذلك الوجه فقيل: إن عثمان -﵁- إنما أتم لأنه كان تأهل بمكة، أو لأنه كان أمير المؤمنين فكل موضع له دار، أو لأنه عزم على الإقامة بمكة، ورد هذه الوجوه أما الأول فبأن النبي -ﷺ- كان يسافر بزوجاته وقصر، والثاني بأن النبي -ﷺ- كان\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (١١٠٢)، و\"صحيح مسلم\" (٦٨٩).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (١٠٨٣، ١٠٨٤).","vol":"3","page":446},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأولى بذلك، والثالث بأن الإقامة بمكة على المهاجر حرام، ولأن هذه الوجوه لا تجري في صلاة عائشة -﵂- أربعًا، وقد ورد: (تأولت كما تأول عثمان -﵁-) كما سيأتي، على أن أكثر هذه الوجوه ظنون لا دليل عليها، وقيل: لعل عثمان -﵁- يرى القصر مختصًا بمن كان شاخصًا سائرًا، وأما من أقام في مكان في أثناء سفره فله حكم المقيم فيتم، وأما القول بأن عثمان -﵁- كان قائلًا بأن القصر -كما يفهم من ظاهر الآية- مخصوص بحالة الخوف، وإذا أمن كان الإتمام أفضل فمردود بحديث عمر -﵁-: (صدقة تصدق اللَّه بها) الحديث، ولأن النبي -ﷺ- كان آمن منه، وقد قصر، والقيد في الآية اتفاقي مبني على الأكثر والأغلب، وقال الطحاوي عن الزهري قال: إنما صلى عثمان -﵁- أربعًا؛ لأن الأعراب وأهل البدو والذين لا يعرفون بتفاصيل الأحكام كانوا أكثر في ذلك المقام، فأحب أن يعلمهم أن الصلاة أربع، ويؤيده ما روى البيهقي عن عبد الرحمن بن عوف -﵁- أنه قال: إن عثمان -﵁- بعد ما صلى أربعًا خطب واعتذر أن القصر سنة رسول اللَّه -ﷺ- وصاحبيه -﵄-، ولكنه حدث طغام -بفتح الطاء والمعجمة (١) - فخفتُ أن يستنوا، وعن ابن جريج أن أعرابيًا ناداه في منى: يا أمير المؤمنين! ما زلت أصليها منذ رأيتك عام أول ركعتين، ولهذا طرق بعضها يقوي بعضًا، ولا مانع أن يكون هذا أصل سبب الإتمام، كذا في (فتح الباري) (٢).\nوقال ابن بطال: الصحيح في ذلك أن عثمان وعائشة -﵂- كانا يريان النبي -ﷺ- إنما قصر لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته شفقة عليهم، وكان مخيرًا بالقصر\n_________\n(١) في المخطوطة: ظعام بفتح الظاء المعجمة، والصواب: طغام بفتح الطاء والمعجمة، كذا في \"فتح الباري\" (٢/ ٥٧١).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٧١).","vol":"3","page":447},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-440> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٣٣٣ - [١] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى الظُّهْرَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٤٧، م: ٦٩٠].\nــ\nوالإتمام، فأخذا لأنفسهما بالشدة، ورجح هذا الوجه جماعة، منهم القرطبي، ويؤيده ما روى البيهقي من طريق عروة بن الزبير حديثًا أنه قال: رأيت عائشة -﵂- تصلي في السفر أربعًا، فقلت: يا أم المؤمنين! هلا صليت ركعتين، قالت: يا ابن أختي لا يشق علي.\nوبالجملة المسألة مختلف فيها بأن القصر واجب أو رخصة، وذهب الجمهور إلى أنه يجوز القصر في كل سفر مباح، وذهب بعض السلف إلى أنه يشترط في القصر الخوف في السفر، وبعضهم كونه سفر حج أو عمرة أو جهاد، وبعضهم كونه سفر طاعة، وذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ أن القصر واجب سواء كان فيه مشقة أو لا، وسائرًا كان أو نازلًا أو آمنًا، ويكون سفر طاعة أو معصية، ووافقه في الأخير الثوري؛ وهكذا حكم سائر الرخص.\nالفصل الأول\n١٣٣٣ - [١] (أنس) قوله: (صلى الظهر) أي: في اليوم الذي أراد الخروج إلى مكة لحجة الوداع، وصلى العصر في ذلك اليوم بذي الحليفة -بضم الحاء المهملة وفتح اللام-: موضع على خمسة أو ستة أميال من المدينة، ميقات أهل المدينة والشام.\nوقوله: (ركعتين (١» مفعول (صلى)، فعلم أن المسافر يقصر.\n_________\n(١) لأَنَّهُ كَانَ فِي السَّفَرِ. اعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْقَصْرُ إِلَّا بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ بُنْيَانَ الْبَلَدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، =","vol":"3","page":448},{"text":"١٣٣٤ - [٢] وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَنَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا قَطُّ وَآمَنُهُ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٥٦، م: ٦٩٦].\nــ\n١٣٣٤ - [٢] (حارثة بن وهب الخزاعي) قوله: (ونحن أكثر ما كنا قط وآمنه بمنًى ركعتين) إعراب هذا التركيب يحتاج إلى بيان وفيه وجوه، أحدها: أن قوله: (ونحن أكثر) جملة حالية أو معترضة بين (صلى) ومعموله الذي هو (بمنى ركعتين)، فإن رفع (أكثر) وهو أظهر على أنه مبتدأ وخبره محذوف، وجعل (ما) مصدرية، و(آمنه) بصيغة التفضيل عطفًا على (أكثر)، وكان تامة، فالتقدير: نحن أكثرُ زمان أكواننا وآمنُه حاصلٌ، ويجوز أن يكون (ما) موصوفة كناية عن العدد، ويكون (أكثر) خبرًا لـ (نحن)، والتقدير: ونحن أكثر عددًا من عدد كنا قبل إياه، ويشكل على هذا وجود (قط) فإنه للنفي، فقيل: إنما جيء به لاشتمال الكلام على معنى النفي أو مقدر النفي، والتقدير: ما كنا وقت أكثر قط، وإن نصب (أكثر) جعل خبرًا لـ (كنَّا)، و(ما) نافية، ويجوز عمل ما بعد (ما) فيما قبلها وهو ضعيف، هذا وقد يجعل (آمنه) بلفظ الماضي أي: آمنه اللَّه عطفًا على (صلى)، أو حالًا بتقدير قد، فتدبر. وقد يروى (أَمَنَةً) جمع آمن على وزن طلبة جمع طالب منصوبًا على الحالية، ودل الحديث على جواز القصر في السفر من غير خوف، وهو مصرح في الحديث الثاني.\n_________\n= وَالشَّافِعِيِّ، وَأَحْمَدَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ، وَعَنْهُ أَنَّهُ يقصُرُ إِذَا كَانَ مِنَ المصرِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ، وَقَالَ بَعْضُ التَّابِعِينَ: إِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يقصُرَ مِنْ مَنْزِلِهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيٍّ -﵁- أَنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْبَصْرَةِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّا لَوْ جَاوَزْنَا هَذَا الْخُصَّ لَصَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَاحْتَجَّ بِهِ الظَّاهِرِيَّةُ عَلَى جَوَازِ الْقَصْرِ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْهُمْ؛ لأَنَّهُ -﵊- كَانَ قَاصِدًا مَكَّةَ، لَا أَنَّ ذَا الْحُلَيْفَةِ غَايَةُ سَفَرِهِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٩٩٩).","vol":"3","page":449},{"text":"١٣٣٥ - [٣] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُميَّةَ قَالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ. قَالَ عُمَرُ: عَجبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٨٦].\n١٣٣٦ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، حَتَّى رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، قِيلَ لَهُ: أَقَمْتُمْ بِمَكَّة شَيْئًا؟ قَالَ: \"أَقَمْنَا بِهَا عَشْرًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٨١، م: ٦٩٣].\nــ\n١٣٣٥ - [٣] (يعلى بن أمية) قوله: (عجبت مما عجبت منه) الأول بلفظ التكلم، والثاني بلفظ الخطاب، ويحتمل العكس، والرواية هي الأولى.\nوقوله: (فاقبلوا صدقته) (١) أي: اقصروا، وأما التقييد في الآية فقد خرج مخرج العادة وباعتبار الأغلب، فإن الغالب من حال المسافرين الخوف خصوصًا في ذلك الزمان؛ لأن أعداء اللَّه كانوا في صدد إيذائهم وإهلاكهم، ومفهوم المخالف لا اعتبار له إذا خرج مخرج العادة، وقد تقرر ذلك في أصول الفقه.\n١٣٣٦ - [٤] (عن أنس) قوله: (أقمنا بها عشرًا)، هذا في حجة الوداع؛ فإنه -ﷺ- وأصحابه قدموا فيها مكة لصبح رابعة ذي الحجة، وخرج منها في اليوم الثامن إلى منى، وصلى الظهر بها، ثم خرج صبح الرابع عشر إلى المدينة، فإن قلت: فعلى هذا لم يكن إقامته بمكة إلا أربعة؟ قلت: نعم، والمراد أن هذه الإقامة بمكة وحواليها عشرة.\n_________\n(١) ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ، فَيُؤَيِّدُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْقَصْرَ عَزِيمَةٌ وَالإِتْمَامُ إِسَاءَةٌ. وَقَدْ قَالَ الْبَغَوِيُّ: أَكْثَرُهُمْ عَلَى وُجُوبِ الْقَصْرِ، وَرَدُّ ابْنِ حَجَرٍ عَلَيْهِ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٠٠).","vol":"3","page":450},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nواعلم أن المذهب عندنا أن من نوى الإقامة مدة خمسة عشر يومًا أو أكثر أتم الصلاة، ويقصر إن نوى أقل من ذلك، وإن لبث أكثر من خمسة عشر من غير نية لا يصير مقيمًا ولو أقام أشهرًا أو سنين، وهذا التقدير مروي عن ابن عباس وعن ابن عمر -﵃- أخرجه الطحاوي عنهما قائلًا بأن إذا أقمت ببلدة وأنت مسافر وفي نفسك أن تقيم خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة بها، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصرها، وكذا روى ابن أبي شيبة عن ابن عمر -﵄- أنه إذا جمع على إقامة خمسة عشر أتم.\nوقال محمد في (كتاب الآثار) (١): حدثنا أبو حنيفة رحمة اللَّه عليه، حدثنا موسى ابن مسلم عن مجاهد عن عبد اللَّه بن عمر -﵄- قال: إذا كنت مسافرًا فوطّنت نفسك على إقامة خمسة عشر يومًا فأتمم الصلاة، وإن كنت لا تدري متى تظعن فاقصر، قالوا: والأثر في مثله كالخبر لأنه لا مدخل للرأي في المقدرات الشرعية، وأما قول صاحب (الهداية): فقدرناه بمدة الطهر؛ لأنها مدتان موجبتان، فمعناه أن بعد ثبوت التقدير بالخبر وجدناه على وفق صورة قياس ظاهر، فرجحنا به المروي عن ابن عباس وابن عمر -﵃- على المروي عن عثمان -﵁- أنها أربعة أيام، كما هو مذهب الشافعي ﵀ من أنه إن نوى الإقامة أربعة أيام فصاعدأ أتم، كما هو دأبنا في التمسك بالقياسات والدلائل العقلية، إنما هو لترجيح بعض الأخبار على بعض لا قياس في مقابلة النص، كما زعم الخصم، وأيضًا الحديث المذكور الناطق بالقصر مع الإقامة بمكة عشرًا ينفي هذا التقدير؛ لأن الإقامة بمكة كان بنية الزيادة على أربعة؛ لأن الحديث إنما هو في حجة الوداع، فافهم.\n_________\n(١) \"كتاب الآثار\" (١/ ٤٨٩).","vol":"3","page":451},{"text":"١٣٣٧ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَافَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- سَفَرًا، فَأَقَامَ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا يُصَلِّي. . . . .\nــ\nوهذا مذهب الشافعي ﵀ في النية، وأما مذهبه في عدم النية واللبث ببلد مع العزم على الخروج حتى انقضى شغله فإنه يقدره بثمانية عشر يومًا، فإن ازداد على هذه المدة أتم، ويرده إقامة ابن عمر -﵄- بآذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة يقول: أخرج اليوم أو غدًا، يقولون في جوابه: إنه كانت إقامته في بقاع متفرقة، ولم يقم في مكان واحد أكثر من ثلاثة أيام، واللَّه أعلم.\nوقال الشيخ ابن الهمام (١): روى البيهقي في (المعرفة) بإسناد صحيح أن ابن عمر -﵄- قال: ارتج علينا الثلج، ونحن بآذربيجان ستة أشهر، فكنا نصلي ركعتين، وهذا يدل على أنه كان مع غيره من الصحابة يفعلون ذلك، وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال: كنا مع عبد الرحمن بن سمرة ببعض بلاد فارس سنتين، فكان لا يجمع ولا يزيد على ركعتين، وأخرج عن أنس بن مالك -﵁- أنه كان مع عبد الملك بن مروان بالشام شهرين يصلي ركعتين ركعتين.\n١٣٣٧ - [٥] (ابن عباس) قوله: (فأقام تسعة عشر يومًا) هذا في غزوة الفتح، فلا منافاة بينه وبين حديث أنس، ثم أنه جاء في رواية أبي داود عن عكرمة سبعة عشر بتقديم السين يقصر الصلاة، وفي رواية له من حديث عمران بن الحصين: غزوت مع رسول اللَّه -ﷺ- للفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة، لا يصلي إلا ركعتين، وله من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد اللَّه عن ابن عباس -﵄-: أقام بمكة عام الفتح خمس عشرة يقصر الصلاة، وجمع البيهقي بين هذه الروايات بأن من قال: تسع عشرة عدّ يومي\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٢/ ٣٦).","vol":"3","page":452},{"text":"رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَنَحْنُ نُصَلِّي فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَكَّةَ تِسْعَةَ عَشَرَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَإِذَا أَقَمْنَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ صَلَّيْنَا أَرْبَعًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٠٨٠].\nــ\nالدخول والخروج، ومن قال: سبعة عشر حذفهما، ومن قال: ثمانية عشر عد أحدهما وحذف الآخر، وأما رواية خمسة عشر فضعفها النووي في (الخلاصة)، قال الشيخ (١): وليس -يعني تضعيفه- بجيد؛ لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي من رواية عراك بن مالك عن عبيد اللَّه كذلك، وإذا ثبت أنها صحيحة فليحمل على أن الراوي ظن أن الأصل رواية سبع عشرة، فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمس عشرة، قالوا: وأخذ الشافعي رحمة اللَّه عليه بحديث عمران بن حصين، فتدبر.\nوقوله: (فنحن نصلي فيما بيننا وبين مكة تسعة عشر ركعتين ركعتين) يعني إذا ثبت أن رسول اللَّه -ﷺ- يصلي في إقامة تسعة عشر يومًا ركعتين ركعتين، فنحن إذا اتفق لنا الإقامة في منزل بين مكة والمدينة تسع عشر يومًا نصلي ركعتين عملًا بفعله القصر في إقامته تسعة عشر يومًا، وهذا تقرير الطيبي (٢)، وفي شرح الشيخ: المراد إذا سافرنا سفرًا طويلًا كما بيننا وبين مكة؛ لأنها نهاية المدة التي يجوز للمسافر فيها القصر وإن لم يكن السفر فيهما، انتهى. يعني التقييد بما بيننا وبين مكة اتفاقي، والمقصود التعبير عن السفر الطويل، وعند الشافعي ﵀ نهاية مدة القصر إقامة تسعة عشر، وفيما زاد الإتمام كما ذكرنا من مذهبه تمسكًا بهذا الحديث.\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٥٦٢).\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٩٢).","vol":"3","page":453},{"text":"١٣٣٨ - [٦] وَعَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ فَصَلَّى لَنَا الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَاءَ رَحْلَهُ وَجَلَسَ فَرَأَى نَاسًا قِيَامًا فَقَالَ: مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ قُلْتُ: يُسَبِّحُونَ، قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا أَتْمَمْتُ صَلَاتِي، صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَكَانَ لَا يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٠١، ١١٠٢، م: ٦٨٩].\nــ\n١٣٣٨ - [٦] (حفص بن عاصم) قوله: (يسبحون) أي: يصلون نفلًا يحتمل الراتبة وغيرها.\nوقوله: (لو كنت مسبحًا أتممت صلاتي) أي: الفريضة أي: لو تنفلت الرواتب لكان إتمام فريضتي أحب، فالفرائض لما قصرت كان ترك النوافل أولى، وأجابوا عن قول ابن عمر -﵄- هذا بأن الفريضة متحتمة، فلو شرعت تامة لتحتم إتمامها بخلاف النافلة فإنها شرعت مع التخيير، فالرفق فيه أن تكون مشروعة، ويكون للعبد اختيار، كذا في (فتح الباري) (١) نقلًا عن النووي. رأى ابن عمر -﵄- عدم استحباب السنن الرواتب وغيرها، ويروى عنه عدم المنع والإنكار أيضًا كما يأتي في آخر (الفصل الثالث) برواية مالك ﵀: أنه كان يرى ابنه يتنفل في السفر فلا ينكره، وأجاز الجمهور من الصحابة من بعدهم بدليل الأحاديث الصحيحة المطلقة في مذهبها، وقيل: اتفقوا على استحباب النوافل المطلقة، وإنما الاختلاف في الرواتب، والمجوزون للرواتب قاسوها على النوافل المطلقة، وبعضهم فرقوا بين حالتي السير والنزول، وبعضهم بين النوافل قبل الصلاة وبعدها بأن التي قبلها مفصولة عن الفرض بالإقامة فلا يظن أنها منها، فكأنها خرجت من حكم الرواتب بخلاف التي بعدها فإنها متصلة بها صورة ومعنى، وقد ثبت\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٥٧٧).","vol":"3","page":454},{"text":"١٣٣٩ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَجْمَعُ بَين صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إِذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ، وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١١٠٧].\nــ\nفعله -ﷺ- الرواتب والمطلقة وصلاة الضحى يوم فتح مكة كركعتي الفجر وكركعتي الظهر قبلها وبعدها كما يأتي في حديثه الآتي في (الفصل الثاني).\nوقال الطيبي (١): لعله -ﷺ- كان يصلي الرواتب في رحله، ولا يراه ابن عمر -﵄-، ولعله تركها أيضًا في بعض الأحيان تعليمًا بجواز الترك، واللَّه أعلم. فالمراد بقوله: (كان لا يزيد في السفر على ركعتين) غالبُ الأحوال، وبهذا يندفع أيضًا ما استشكل من ذكر عثمان ههنا بأنه كان يتم في آخر أمره كما سيأتي، ويروى عن أصحابنا الحنفية في السنن ثلاثة أقوال: الإتمام، والقصر، والترك، والأول هو المختار.\n١٣٣٩ - [٧] (ابن عباس) قوله: (يجمع بين الظهر والعصر) (٢) يشتمل جمع التأخير والتقديم.\nوقوله: (إذا كان على ظهر سير) يحتمل أن يكون المراد به مطلق السفر، أو كونه في حالة السير، فيؤيد مذهب من قال: إن الجمع على تقدير كونه في حالة السير دون حالة النزول كما ستعرف، ولفظ الظهر مقحم للتأكيد لأنه يشير إلى سيره -ﷺ- كان مستندًا إلى ظهر قوي للمطي والركاب كما في قوله: أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وقال\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٩٢).\n(٢) وَالْحَدِيثُ بِظَاهِرِهِ مُوَافِقٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وأحمد بالجمع الحقيقي، وروايات المالكية مضطربة، وَهُوَ عِنْدَنَا مَحْمُولٌ عَلَى القول بالجمع الصوري على أَنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ فِي آخِرِ وَقْتِهِ وَالْعَصْرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِهِ. كذا في \"التقرير\"، وَبُسِطَ هَذَا الْمَبْحَثُ فِي \"البذل\" (٥/ ٣٤٦ - ٣٥٤) فارجع إليه.","vol":"3","page":455},{"text":"١٣٤٠ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي فِي السَّفَرِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَيْثُ. . . . .\nــ\nالطيبي (١): والظهر قد يزاد في مثل هذا إشباعًا للكلام وتمكينًا.\n١٣٤٠ - [٨] (ابن عمر) قوله: (يصلي في السفر على راحلته) الحديث يدل على حكمين، أحدهما: أن جواز الصلاة على الدابة مخصوص بالنوافل، وأرادوا بها ما يشمل الرواتب وغيرها وكذا التهجد، وهذا الحديث خص بذكر صلاة الليل، ووردت أحاديث أخر عامة، وعن أبي حنيفة أنه ينبغي أن ينزل لسنة الفجر لأنها آكد من سائرها، وفي رواية: يجب النزول لها، ولهذا لم يجز أن يصليها قاعدًا بلا عذر، وأما الفرائض فلا يصليها على الدابة بلا عذر، ومن الأعذار أن يكون في بادية يخاف الهلاك على نفسه وماله عن السبع واللص بغالب الظن، أو بعد القافلة أو ضلال الطريق، أو تكون الدابة جموحًا لا يتيسَّر ركوبه بعد النزول، أو يكون المصلي شيخًا كبيرًا ضعيفًا لا يمكن له الركوب، ولا يجد من يعينه ويحمله على الدابة، أو يكون هناك طين لا يمكن الصلاة عليه. ويجوز بعذر المطر ونحوه أيضًا؛ لأن الضرورات مستثناة من قواعد الشرع كذا في شروح (الهداية).\nوقال في (سفر السعادة) (٢): إنه جاء في حديث مستقيم الإسناد: انتهى النبي -ﷺ- إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راحلته، والسماء من فوقهم، والبلة من أسفل منهم، فحضرت الصلاة فأمر المؤذن فأذن فأقام، ثم تقدم رسول اللَّه -ﷺ- على راحلته فصلى بهم يومئ إيماء، فجعل السجود أخفض.\nوأما الوتر فقد دل هذا الحديث على جوازه على الراحلة، وأورد محمد في\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٩٣).\n(٢) \"سفر السعادة\" (ص: ١٣٠).","vol":"3","page":456},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n(موطئه) آثارًا كثيرة عن ابن عمر -﵄- وغيره من الصحابة والتابعين أنهم كانوا ينزلون للوتر، وأورد عن مجاهد قال: صحبت ابن عمر -﵄- من مكة إلى المدينة، فكان يصلي الصلوات كلها على راحلته متوجهًا إلى جهة المدينة ويومئ بركوع وسجود، وجعل سجوده أخفض إلا الفرائض والوتر، فإنه كان ينزل لهما، فسألته عن ذلك فقال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يفعل كذلك.\nوقال الشُّمُنِّي: ولا يجوز صلاة الجنازة والمنذور وسجدة التلاوة التي قرأها على الأرض.\nوثانيهما: أن الصلاة على الدابة يشرط لها السفر، وعليه الجمهور، وهو رواية عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما اللَّه؛ لأن جوازها إنما هو للضرورة لئلا تنقطع القافلة، والنافلة مخصوصة بحالة السفر، والصحيح من مذهب أبي حنيفة ﵀ أن الشرط كون المصلي خارج المصر سواء كان مسافرًا أو غير مسافر لتحقق بعض الضرورات فيه أيضًا من غير سفر، ونحن نقول: الأحاديث الواردة في الباب بعضها مطلق، وبعضها مقيد بالسفر، فان لم يحمل المطلق على المقيد كما هو المذهب عندنا سقط قيد السفر، وإن حمل ببعض القرائن والدلائل مثلًا لزم التقييد بالسفر، ويكون التجويز خارج المصر بالقياس أو دلالة النص، ولعل ورود الروايتين، وأصحية رواية الإطلاق تنشأ من هذه النكتة، ثم المسافر إن كان داخل المصر لم يجز له التنفل على الدابة عند أبي حنيفة، وقال محمد: يجوز ويكره، وقال أبو يوسف: لا بأس به؛ لأنه روي أنه -ﷺ- ركب الحمار في المدينة يعود سعدَ بْنَ عبادة، وكان يصلي وهو راكب، كذا في شرح (الهداية) (١).\n_________\n(١) انظر: \"فتح القدير\" (١/ ٤٦٣).","vol":"3","page":457},{"text":"تَوَجَّهَتْ بِهِ يُومِئُ إِيمَاءً صَلَاةَ اللَّيْلِ إِلَّا الْفَرَائِضَ، وَيُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ (١). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٩٦، م: ٧٠٠].\nــ\nثم اختلفوا في مقدار بعد المسافة خارج المصر حتى يجوز له، فقيل: فرسخان أو ثلاثة فراسخ، وعند البعض يكفي مقدار ميل، والصحيح أنه يجوز بعد مفارقة بيوت البلد كما في جواز القصر.\nوقوله: (حيث توجهت) لكنه يتوجه إلى القبلة عند تكبيرة الإحرام كما يأتي في حديث أنس وهو المذهب.\nوقوله: (يومئ) بالهمزة ذكره صاحب (القاموس): ومأ في (باب الهمزة) وكذا أومأ بالهمزة، نعم قد يخفف فتبدل ألفًا في الماضي وياء في المضارع كما في بعض النسخ، واللَّه أعلم.\nوقاس أئمة الشافعية الماشي على الراكب فجوَّزوا له أن يحرم بالصلاة للقبلة، ثم يتحول لقصده ويمشي، ثم ينحرف ويركع للقبلة، ثم يمشي لقصده، ثم ينحرف ويسجد، ثم يجلس، ثم يسجد للقبلة، ثم يمشي لجهة مقصده، وهكذا حتى يتشهد ويسلم ماشيًا إلى جهة مقصده، كذا في شرح الشيخ، وفي (الهداية) (٢): وإن افتتح راكبًا ثم نزل يبني، وإن صلى ركعة نازلًا ثم ركب استقبل، وعن أبي يوسف يستقبل\n_________\n(١) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْوِتْرِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا يَتَمَشَّى إِذَا اتَّحَدَ مَعْنَى الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَالْوَجْهُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُوتِرُ عَلَى رَاحِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُحكَمَ الْوِتْرُ، وَيُؤَكَّدَ، ثُمَّ أُكِّدَ مِنْ بَعْدُ وَلَمْ يُرَخَّصْ فِي تَرْكِهِ، وَقَالَ: ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ وَيُوتِرُ بِالأَرْضِ، وَيَزْعُمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَذَلِكَ كَانَ يَفْعَلُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٠٢).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ٧٠).","vol":"3","page":458},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-441> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٣٤١ - [٩] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُلَّ ذَلِكَ قَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: قَصَرَ الصَّلَاةَ وَأَتَمَّ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" [١/ ٢٤٥].\n١٣٤٢ - [١٠] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- وَشَهِدْتُ مَعَهُ الْفَتْحَ، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَا يُصَلِّي إِلَّا رَكْعَتَيْنِ، يَقُولُ: \"يَا أَهْلَ الْبَلَدِ صَلُّوا أَرْبَعًا فَإِنَّا سَفْرٌ\". رَوَاهُ أَبُوْ دَاوُدَ. [د: ١٢٢٩].\nــ\nإذا نزل أيضًا، وكذا عند محمد إذا نزل بعد ما صلى ركعة، والأصح هو [الأول وهو] الظاهر.\nالفصل الثاني\n١٣٤١ - [٩] (عائشة) قوله: (كل ذلك) بالنصب مفعول (فعل)، وبالرفع على أنه مبتدأ بحذف العائد، و(ذلك) إشارة إلى مبهم يفسره قوله: (قصر الصلاة) أي في السفر تارة (وأتم) فيه أخرى، وهو مذهب الشافعي ﵀ ومن معه.\nوعندنا يجب القصر، وقال صاحب (سفر السعادة) (١): لم يثبت أنه -ﷺ- صلى الرباعية في سفر تمامًا، والحديث المروي عن أم المؤمنين عائشة -﵂-: أن النبي -ﷺ- كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم لم يصح، انتهى. وقد ادعى الدارقطني صحتها، وأورد حديثًا آخر عن ابن عمر -﵄- وحكم بحسنه، واللَّه أعلم، وقد سبق الكلام فيه مفصلًا في شرح الترجمة.\n١٣٤٢ - [١٠] (عمران بن حصين) قوله: (فإنا سفر) بفتح السين وسكون الفاء جمع سافر كصحب وركب، والسافر لا يستعمل هو ولا فعله كذا قيل، وفي شرح (جامع\n_________\n(١) \"سفر السعادة\" (ص: ١٢٨).","vol":"3","page":459},{"text":"١٣٤٣ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- الظُّهْرَ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، فَصَلَّيْتُ مَعَهُ فِي الْحَضَرِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْتُ مَعَهُ فِي السَّفَرِ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يُصَلِّ بَعْدَهَا شَيْئًا، وَالْمَغْرِبَ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ سَوَاءٌ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ، وَلَا يَنْقُصُ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ، وَهِيَ وِتْرُ النَّهَارِ، وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٥٥٢].\nــ\nالأصول): جمع سافر، يقال: سفرتُ السفَرَ سُفورًا فأنا سافر إذا خرجتَ إلى السفر، والقوم سَفْر كراكب ورَكْب، ودل الحديث على أن المقيم إذا اقتدى بالمسافر يصلي أربعًا ولا يتبعه، وأما المسافر إذا اقتدى بالمقيم فإنه يتبعه ويصلي أربعًا.\n١٣٤٣ - [١١] (ابن عمر) قوله: (وبعدها ركعتين) الحديث دل على الإتيان بالراتبة في السفر وعدم تخصيصه بسنة الفجر، وقد أشبعنا الكلام في ذلك في (شرح سفر السعادة) (١).\nوقوله: (سواء) بالنصب حال، أي: مستوية في الحالتين.\nوقوله: (ثلاث ركعات) بيان له أو بدل عنه.\nوقوله: (وهي وتر النهار) الظاهر أنه بيان حكم آخر إشارة إلى أن الوتر ثابت بالليل والنهار بحكم إن اللَّه وتر يحب الوتر، وجعله الطيبي (٢) جملة حالية كالتعليل لعدم جواز النقصان لئلا يكون شفعًا بإسقاط ركعة أو يبقى ركعة بإسقاط ركعتين وهي في الوتر\n_________\n(١) انظر: \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٢٣٤).\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٩٤).","vol":"3","page":460},{"text":"١٣٤٤ - [١٢] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَإِنِ ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعَصْرِ،\nــ\nمختلف فيها، ولا يخلو عن تكلف، ثم زيادة قوله بعد هذا البيان لتقرير عدم جواز إسقاط ركعتين: (ولم يرو في النوافل ركعة فذَّة، فكيف بالفرض؟) مستدرك لا يتصل بذلك البيان وهو دليل آخر أقامه من عند نفسه على عدم إسقاط الركعتين منها، فافهم.\n١٣٤٤ - [١٢] (معاذ بن جبل) قوله: (إذا زاغت الشمس) أي: مالت.\nوقوله: (جمع بين الظهر والعصر) وهذا جمع تقديم بأن جمع الصلاة المتأخرة مع المتقدمة.\nوقوله: (أخر الظهر حتى ينزل للعصر) فجمع بينهما وهذا جمع تأخير، وهكذا في المغرب والعشاء كما بين، اعلم أنه قد وردت أحاديث صحيحة في الجمع بين الصلاتين في السفر بعضها مطلق وبعضها مقيد بحالة السير، وبعضها بالجد في السير، وبعضها بتعجيل السير، ومن ههنا اختلف العلماء فبعضهم قال بجواز الجمع على الإطلاق، والشافعي ﵀ منهم، وبعضهم خصوه بحالة السير دون النزول، وبعضهم خصوه بصورة الجد في السير والتعجيل فيه، وذكر في (فتح الباري) (١) أن المشهور من مالك هذا.\nوقال صاحب (سفر السعادة) (٢) ﵀: الجمع في السفر لم يكن عادة دائمة له -ﷺ-، بل كان إذا عجل في السير جمع، وأما الجمع في حالة النزول والقرار فلم يرو،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٨٠).\n(٢) \"سفر السعادة\" (ص: ١٣١).","vol":"3","page":461},{"text":"وَفِي الْمَغْرِبِ مِثْلَ ذَلِكَ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَإِنِ ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَنْزِلَ لِلْعِشَاءِ، ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ١٢٢٠، ت: ٥٥٣].\nــ\nوأيضًا خصه بعضهم بحالة عذر زائد على السفر، وعند بعضهم جاز جمع التأخير دون التقديم، وهو مروي عن الإمام أحمد ﵀، وأيضًا عنده مقيد بحالة السير، والمشهور من مذهبه الجواز مطلقًا، وعند الإمام أبي حنيفة رحمة اللَّه عليه لا يجوز مطلقًا، ونحن نقول في إثباته وباللَّه التوفيق: إن تعين أوقات الصلاة قطعي وثابت بالتواتر الذي لم يتطرق إليه شبهة حتى عدوا تأخير الصلاة عن وقته من الكبائر، قال محمد ﵀ في (موطئه) (١): قد بلغنا عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه كتب إلى حكامه في الآفاق، ونهاهم أن يجمعوا بين الصلاتين في وقت واحد، وأخبرهم بأن الجمع بين الصلاتين في وقت واحد كبيرة من الكبائر، قال محمد: أخبرنا بذلك الثقات عن العلاء ابن الحارث أنه روى ذلك عن مكحول، وإذا كان تعيين أوقات الصلاة قطعيًا متواترًا لم يعارضه خبر الآحاد بخلاف الإفطار والقصر في السفر؛ فإنهما ثبتا بالنص القرآني.\nوروى البخاري ومسلم (٢) عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- قال: ما رأيت رسول اللَّه -ﷺ- صلى صلاة في غير وقتها إلا المغرب والعشاء جمع بينهما بمزدلفة، وقد جاء الجمع بين الظهر والعصر في عرفات، وكان ذلك من جهة مناسك الحج دون السفر، ثم لم يكن الجمع من رسول اللَّه -ﷺ- دائمًا بل الذي روي من ذلك ووقع التصريح به في الأحاديث إنما هو في غزوة تبوك، ولم يثبت فيه أيضًا الدوام، والتحقيق أن كلمة (كان) لا يدل على الدوام والاستمرار كما حقق في موضعه، ولا يخفى ذلك على المتدبر.\n_________\n(١) \"التعليق الممجد\" (١/ ٣٠٧).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (١٦٨٢)، و\"صحيح مسلم\" (١٢٨٩).","vol":"3","page":462},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوروي في (جامع الأصول) (١) من حديث أبي داود عن ابن عمر -﵄- أنه قال: لم يجمع رسول اللَّه -ﷺ- قط بين المغرب والعشاء في سفر إلا مرة واحدة، وأورد عن ابن عمر -﵄- أنه لم يجمع إلا ليلة حين استُصرخ (٢) على امرأته صفية بنت أبي عبيد فخرج إليه فجمع، وفي رواية: لم يجمع إلا مرة أو مرتين، وأورد من حديث الترمذي سئل سالم بن عبد اللَّه بن عمر -﵃- أكان يجمع عبد اللَّه في ليلة الصلاتين في السفر؟ قال: لا إلا بالمزدلفة، والأحاديث في جمع التقديم أقل قليل في الصحاح.\nواختلفت روايات البخاري في ذلك، ولهذا ذهب كثير من الأئمة إلى عدم جواز جمع التقديم، ولم يقولوا إلا بجمع التأخير في بعض الأحيان، وتأويله عندنا أن المراد بالجمع بين الصلاتين أن تؤخر الصلاة الأولى وتؤدى في آخر وقتها، وتعجل الثانية وتؤدى في أول وقتها، وسماه بعضهم الجمع الصوري وهو جمع صورة وليس بجمع في الحقيقة والمعنى، وإطلاق الجمع على مثل هذه الصورة التي حمل عليها الحنفية الجمع في السفر، وقد جاء في (باب الاستحاضة) في حديث حمنة بنت جحش كما سبق، فتدبر.\nولفظ الحديث وإن جاء في بعض الروايات هكذا: جمع فصلى الظهر والعصر في وقت العصر، فهو إن صح محمول على هذا المعنى للدلائل التي ذكرناها، وتحقق التخفيف ورفع الحرج الذي ذكر في بعض الأحاديث من أنه -ﷺ- فعل ذلك لئلا يوقع أمته في حرج ومشقة، حاصل فيما ذكرنا، ومعرفة آخر الوقت ظاهرة في المغرب، وكذا في الظهر ميسرة بحسب الظن والتخمين خصوصًا في صورة كثرة القافلة وكثرة الناس الذين لهم مهارة في معرفة الوقت، فلا يرد ما قالت الشافعية العمل بهذه الطريقة التي\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (٥/ ٧١٣).\n(٢) كذا في نسخة (ع)، وفي نسخة (ب) و(ر) و(د) و(ك): \"استصرح\"، وهو خطأ.","vol":"3","page":463},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nذكرتم فيه حرج ومشقة، وفي تعيين آخر الوقت وأوله إشكال للخواص فما بال العوام، وقد أخرج أبو داود (١) عن علي -﵁- أنه كان إذا سافر يسير بعد غروب الشمس إلى أن تغرب غيبوبة الشفق فينزل ويصلي المغرب، فيدعو الطعام ويتعشى، ثم يصلي العشاء ويرتحل، ويقول: هكذا كان يفعل رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقال محمد في (موطئه) (٢): بلغنا عن ابن عمر أنه صلى المغرب أخرها إلى قبيل غروب الشفق على خلاف رواية مالك ﵀ حتى غاب الشفق.\nوفي (جامع الأصول) (٣) عن أبي داود عن نافع وعبد بن واقد أنه قال مؤذن ابن عمر: الصلاة، فقال ابن عمر -﵄-: سر حتى كان قبيل غروب الشفق نزل وصلى المغرب، فانتظر حتى غاب الشفق، وصلى العشاء، ثم قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- لما عجله أمر يفعل كما فعلت، وجاء في رواية النسائي: حتى إذا كان آخر الشفق، فهذه روايات تنظر إلى الجمع على طريق ذهب إليه الإمام أبو حنيفة، وقد جاء في ذلك روايات كثيرة، والظاهر أن الروايات في عدم الجمع والجمع في وقت واحد والجمع بمعنى التأخير إلى آخر الوقت واردة فيها كلها، فاختار أبو حنيفة عدم الجمع، والجمع بالمعنى الأخير احتياطًا، واختيارًا لمحافظة الوقت لا ردًّا وإنكارًا لأحاديث الجمع.\nوقال الشيخ في (فتح الباري) (٤): إن الشافعية قالوا: إن ترك الجمع أفضل، وفي رواية عن مالك أن الجمع مكروه، وكان فعله -ﷺ- لبيان الجواز، هذا ما تيسر لنا الكلام\n_________\n(١) \"سنن أبي داود\" (١٢٤٣).\n(٢) \"التعليق الممجد\" (١/ ٣٠٥).\n(٣) \"جامع الأصول\" (٥/ ٧١٣).\n(٤) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٨٤).","vol":"3","page":464},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفي هذا المقام بعون الملك العلام، ولم نر من تكلم فيه أحد من الشارحين هذا القدر، ولا الشيخ ابن الهمام، واللَّه أعلم.\nهذا في الجمع بين الصلاتين للمسافر، فأما الجمع للمقيم فقال الترمذي (١): ذهب بعض التابعين إلى الجمع بين الصلاتين للمريض، وبه قال أحمد وإسحاق، وذهب بعضهم بالجمع للمطر، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق، ولم يقل الشافعي ﵀ بالجمع للمريض، هذه عبارة الترمذي، وأورد من ابن عباس -﵄- أنه قال: من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر، والعمل على هذا عند أهل العلم أن لا يجمع بين الصلاتين إلا في السفر أو بعرفة، انتهى.\nوأخرج مسلم (٢) بطرق متعددة عن ابن عباس -﵄- قال: صلى رسول اللَّه -ﷺ- الظهر والعصر جميعًا، والمغرب والعشاء جميعا بالمدينة من غير خوف ولا سفر، فسئل ابن عباس -﵄- عن ذلك فقال: أراد أن لا يحرج أمته، وفي رواية: في غير خوف ولا مطر، وفي رواية (الموطأ): أن رسول اللَّه -ﷺ- جمع بين الظهر والعصر جميعًا من غير خوف ولا سفر، قال مالك: أرى ذلك كان في مطر، وفيها عن نافع عن ابن عمر -﵄-: كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم.\nوروى الترمذي وأبو داود والنسائي أيضًا مثل رواية مسلم عن ابن عباس -﵄-، وقال الترمذي: وفي الباب عن أبي هريرة -﵁-، وحديث ابن عباس -﵄- روي عنه من غير وجه، ونقل النووي عن الترمذي أنه قال: ليس في كتابي حديث أجمع الأمة على تركه إلا حديث الجمع من غير خوف وسفر ومطر، وإلا حديث قتل شارب الخمر في\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (١٨٨).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٧٠٥).","vol":"3","page":465},{"text":"١٣٤٥ - [١٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا سَافَرَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ بِنَاقَتِهِ، فَكَبَّرَ، ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ وَجَّهَهُ رِكَابُهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٢٢٥].\nــ\nالمرة الرابعة، وقال النووي: هذا الكلام من الترمذي في حديث القتل صحيح؛ لأنه منسوخ بالإجماع متروك العمل لجميع الأمة، وأما حديث الجمع من غير خوف ومطر فقد قال به بعض الناس بعذر مرض وجماعة كابن سيرين والأشهب بالجمع لأجل الحاجة أيضًا لمن لا يعتاد ذلك، ولهذا علل بعدم الحرج لا بالمرض ونحوه، انتهى، وهذا كله عند الحنفية محمول على مثل ما ذكرنا من التأويل من التأخير والتعجيل.\nوفي (جامع الأصول) (١): من حديث البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: إن النبي -ﷺ- صلى بالمدينة سبعًا وثمانيًا الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، فقال أيوب: لعله في ليلة مطيرة؟ قال: عسى، وفي رواية: قال: صليت مع النبي -ﷺ- ثمانيًا جميعًا وسبعًا جميعًا، قال عمرو بن دينار: قلت: يا أبا الشعثاء لعله أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء، قال: وأنا أظن ذلك، أخرجه البخاري ومسلم، وبهذا علم أن تأويل الحنفية كانت في التابعين ومن بعدهم في الجمع للمقيم، فليكن في المسافر أيضًا كذلك، فتدبر.\n١٣٤٥ - [١٣] (أنس) قوله: (استقبل القبلة بناقته فكبر) وفي كتب الفقه الحنفية الصحيح أنه لا فرق بين أن يفتتح الصلاة مستقبل القبلة، وبين أن يفتحها مستدبر القبلة، فكأنهم حملوا الحديث على الاستحباب، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ثم صلى حيث وجهه ركابه) فاعل وجهه، (ثم) هنا للتراخي في الرتبة على طريقة قوله تعالى: ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٥]، دليل للحنفية على خروج التكبيرة\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (٥/ ٧٢٤).","vol":"3","page":466},{"text":"١٣٤٦ - [١٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي حَاجَةٍ، فَجِئْتُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى رَاحِلَتِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٢٢٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-442> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٣٤٧ - [١٥] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمِنَى رَكْعَتَيْنِ وَأَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَعُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَعُثْمَانُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ، ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بَعْدُ أَرْبَعًا (١)، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الإِمَامِ. . . . .\nــ\nالأولى من الصلاة، وإنما خص الاستقبال بحالة التكبير لكونه مقارنًا للنية، فنوى الاستقبال في جملة الصلاة، والركاب ككتاب: الإبل، واحدتها راحلة، كذا في (القاموس) (٢).\n١٣٤٦ - [١٤] (جابر) قوله: (ويجعل السجود أخفض من الركوع) قالوا: لا يسجد وإن قدر عليه على سرجه، هكذا السنة فكأنه كره حقيقة السجود إلى غير القبلة.\nالفصل الثالث\n١٣٤٧ - [١٥] (ابن عمر) قوله: (إذا صلى مع الإمام) أي: أمير المؤمنين\n_________\n(١) لِأَنَّهُ تَأَهَّلَ بِمَكَّةَ عَلَى مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ أَنَّهُ صَلَّى بِمِنَى أَرْبَعَ ركَعَاتٍ، فَأَنْكَرَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَأَهَّلْتُ بِمَكَّةَ مُنْذُ قَدِمْتُ، وَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ تَأَهَّلَ فِي بَلَدٍ فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ\". ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ، وَفِي إِنْكَارِ النَّاسِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ -﵊- لَمْ يَكُنْ يُتِمُّ الصَّلَاةَ فِي السَّفَرِ، وَأَنَّ الْقَصْرَ عَزِيمَةٌ وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِلإِنْكَارِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ حَجَرٍ: لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْقَصْرِ وَالإِتْمَامِ جَائِزٌ، فَمَدْفُوعٌ فَإِنَّ الْمُبَيِّنَ لِلْجَوَازِ لَيْسَ إِلَّا النَّبِيَّ -ﷺ-، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَفِي وُقُوعِ هَذَا مِنْ عُثْمَانَ مُتَكَرِّرًا مَعَ عَدَمِ إِنْكَارِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ أَظْهَرُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَمُنْكَرٌ مِنَ الْقَوْلِ نَشَأَ مِنْ قِلَّةِ اطلَاعِهِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٠٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٨).","vol":"3","page":467},{"text":"صَلَّى أَرْبَعًا، وَإِذَا صَلَّاهَا وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٥٥، م: ٦٩٤].\n١٣٤٨ - [١٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا وَتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْفَرِيضَةِ الأُولَى. قَالَ الزُّهْرِيُّ: قُلْتُ لِعُرْوَةَ: مَا بَالُ عَائِشَةَ تُتِمُّ؟ قَالَ: تَأَوَّلَتْ كَمَا تَأَوَّلَ عُثْمَانُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٩٠، م: ٦٨٥].\n١٣٤٩ - [١٧] وَعِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ -ﷺ- فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٨٧].\nــ\nعثمان -﵁-.\n١٣٤٨ - [١٦] (عائشة) قوله: (وتركت صلاة السفر على الفريضة الأولى) يؤيد مذهب الحنفية كما سبق.\nوقوله: (تأولت كما تأول عثمان) قد مر وجوه في إتمام عثمان الصلاة أربعًا بمنى، ومنها ما لا يتسع جريانها في تأويل عائشة -﵂-، وذكر أن الصحيح أن عثمان وعائشة -﵂- كانا يريان أن النبي -ﷺ- إنما قصر لأنه أخذ بالأيسر من ذلك على أمته وكان مخيّرًا بالقصر والإتمام فأخذا أنفسهما بالشدة، ويمكن أن يكون تأويلهما أنهما كانا يريان القصر مختصًّا بمن كان شاخصًا سائرًا، وأما من قام في مكان في أثناء سفره فله حكم المقيم فيتم، ويمكن أن يكون التشبيه في مطلق التأويل من غير أن يكون مشتركًا بينهما، فافهم.\n١٣٤٩ - [١٧] (ابن عباس) قوله: (وفي الخوف ركعة) أخذ بظاهره طائفة من","vol":"3","page":468},{"text":"١٣٥٠ - [١٨] وَعَنْهُ وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَا: سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاةَ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَهُمَا تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، وَالْوِتْرُ فِي السَّفَرِ سُنَّةٌ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١١٩٤]\n١٣٥١ - [١٩] وَعَنْ مَالكٍ بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ فِي مِثْلِ مَا يَكُونُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَعُسْفَانَ، وَفِي مِثْلِ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَجُدَّةَ، قَالَ مَالِكٌ: . . . . .\nــ\nالسلف، وحمله الجمهور على أنه إنما قال ذلك لأنه يصلي مع الإمام ركعة كما يجيء تفصيل ذلك في (باب صلاة الخوف).\n١٣٥٠ - [١٨] (وعنه، وابن عمر) قوله: (وهما تمام غير قصر) أي: في الثواب، أو المراد أنهما المشروع في السفر كما نطق به حديث عائشة -﵂-، قد وقع عليه إطلاق القصر في كتاب اللَّه تعالى حيث قال: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا﴾ [النساء: ١٠١].\nوقوله: (والوتر في السفر سنة) أي: طريقة مسلوكة مستمرة لا يترك في السفر كالنوافل وإلا فالوتر إن كان واجبًا فليس بسنة، وإن كان سنة فهو سنة في الحضر والسفر، فما وجه التخصيص بالسفر.\n١٣٥١ - [١٩] (مالك) قوله: (في مثل ما يكون بين مكة والطائف) المراد طريق القرى التي يسير فيها الإبل، وأما طريق وادي نعيمان التي فيها الجبل فهو قريب، والطائف اسم لبلاد ثقيف التي في الحجاز، سميت به لأنها طافت على الماء في الطوفان، أو لأن جبرئيل ﵇ طاف بها على البيت، أو لأنها كانت بالشام فنقلها اللَّه تعالى إلى الحجاز بدعوة إبراهيم ﵇، وهذا أطول المسافات الثلاث المذكورة، والظاهر من عبارة الحديث أنها متساوية مقدار أربعة برد إلا أن تكون الإشارة بذلك إلى الأخير، واللَّه أعلم.","vol":"3","page":469},{"text":"وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ بُرُدٍ. رَوَاهُ فِي \"الْمُوَطَّأ\". [ط: ٣٤٢].\nــ\nو(البرد) جمع بريد وهي أربعة فراسخ، فأربعة برد تكون ستة عشر فرسخًا، والفرسخ ثلاثة أميال، وميل الأرض منتهى مد البصر؛ لأن البصر يميل إلى وجه الأرض إلى أن يفنى إدراكه، وقال بعضهم: حده أن ينظر إلى شخص في أرض مستوية ولا يدري أنه رجل أو امرأة أو ذاهب أو جاءٍ، وقدره بعضهم بستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون أصبعًا على عرض، وهذا القول أشهر، وقيل: اثنا عشر ألف قدم [بقدم] الإنسان، وقيل: أربعة آلاف ذراع، وقيل: ثلاثة آلاف، كذا في (فتح الباري) (١).\nثم اعلم أنهم قالوا: لم يثبت في كتاب ولا سنة نص قطعي في مسافة معينة، والذي وقع فيهما مطلق السفر، والمسافر والأسفار التي قصر فيها متفاوتة، بعضها قريب وبعضها بعيد كما يظهر من الأحاديث، ولكن للصحابة والتابعين ومن بعدهم في تحديده اختلافًا كثيرًا، والذي عليه أئمة المذاهب الأربعة أن الشافعي قدره في قول بيوم وليلة، وفي قول آخر بيومين كما في (الهداية) (٢) وشروحه، وفي (الحاوي) (٣) في مذهبهم: عينه ستة عشر فرسخًا وهي ثمان وأربعون ميلًا وهي أربعة برد، وهو قول مالك وأحمد، وتمسكوا بحديث جاء عن ابن عباس وابن عمر -﵄- قالا: قال رسول اللَّه -ﷺ-: يا أهل مكة! لا تقصروا في أقل من أربعة برد في مثل ما يكون بين مكة إلى عسفان، رواه أحمد، وكذا في رواية (الموطأ) عن ابن عباس -﵄-. وفي رواية: من مكة إلى الطائف، وفي رواية: من مكة إلى جدة، وفي صحة هذه الأحاديث كلام.\nوعند أبي حنيفة ﵀ المعتبر مسافة ثلاثة أيام بسير إبل ومشي أقدام، قال\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٦٧).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ٨٠)، و\"فتح القدير\" (٢/ ٢٩ - ٣٠).\n(٣) \"الحاوي\" (٣/ ٤٤٥).","vol":"3","page":470},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nشمس الأئمة السرخسي: إذا سافر من أول النهار إلى وقت الزوال ووصل إلى المنزل واستراح وبات فيه، وفي اليوم الثاني إلى ما بعد الزوال، وفي اليوم الثالث إلى وقت الزوال، ووصل إلى القصد يصير مسافرًا، ويترتب عليه أحكام السفر في القول الصحيح، ولا يشترط أن يسير من الصبح إلى المغرب، والمعتبر عندهم مراحل دون الفراسخ وهو الصحيح، وبعضهم يعتبر الفراسخ وقدروه بإحدى وعشرين فرسخًا، وبعضهم بستة عشر فرسخًا، وبعضهم بخمسة عشر، والأولى التقدير بثمانية عشر وهو الوسط، وعليه الفتوى، كذا في بعض شروح (الهداية)، وكل من قدر بشيء ظن أن ذلك مسيرة ثلاثة أيام، وعند أبي يوسف يومان وأكثر اليوم الثالث؛ لأن للأكثر حكم الكل.\nوقد يستدل على مذهب الإمام أبي حنيفة بحديث البخاري (١) عن ابن عمر -﵄- أنه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع محرم)، فعلم أن غاية طول حد السفر والمشقة وعروض لوازمه مسافة ثلاثة أيام، وما هو أقل منها قصير، ولا يعتد به، وأنت خبير بأن في دلالة هذا الحديث على نفي كون السفر أقل من ثلاثة أيام خفاء ظاهرًا، وفي بعض طرق هذا الحديث مسيرة يوم، والأكثرون استدلوا بحديث مسح الخفين: يمسح المقيم يومًا والمسافر ثلاثة أيام ولياليها؛ لأن اللام للاستغراق، فيكون المعنى يمسح كل مسافر ثلاثة أيام ولياليها، فلو اعتبر حد السفر أقل لزم أن يكون مسافر لا يمكن له المسح ثلاثة أيام، وإرادة أن المسافر يمسح إن استوعب سفره ثلاثة أيام خلاف ظاهر العبارة، وكذا كون ثلاثة أيام ظرفا للمسافر لا للمسح كذا ذكره، فليفهم.\nوبالجملة بعض الأحاديث والأخبار ناظر إلى ثلاثة أيام وبعضها إلى أقل منها،\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (١٠٨٦).","vol":"3","page":471},{"text":"١٣٥٢ - [٢٠] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا، فَمَا رَأَيْتُهُ تَرَكَ رَكْعَتَيْنِ إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [د: ١٢٢٢، ت: ٥٥٠].\nــ\nوبعضها في أربعة برد، ووقع في بعضها ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ كما جاء في حديث أنس: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ -على شك الراوي- قصر الصلاة، رواه مسلم وأبو داود (١)، وقالوا: هذا أصح حديث ورفى في هذا الباب، وقال بعضهم: المراد بهذا مسافة أن يكون ابتداء القصر منها لا غاية السفر، كذا في (فتح الباري) (٢)، وذهب أصحاب الظواهر إلى أن السفر سواء كان ممتدًّا أو قصيرًا يباح قصر الصلاة فيه؛ لأن نص القرآن والأحاديث ورد في مطلق السفر وهو شامل للقريب والبعيد، وأيضًا اختلفت الأئمة في تحديده وتعيينه حتى بلغ عشرين قولًا، فالرجوع إلى حكم ظاهر النصوص أولى، ولا شك أن مذهب الإمام أبي حنيفة رحمة اللَّه عليه أقرب إلى الاحتياط، واللَّه أعلم.\n١٣٥٢ - [٢٠] (عن البراء) قوله: (فما رأيته ترك ركعتين إذا زاغت الشمس قبل الظهر) الظاهر أنهما سنة الظهر القبلية (٣)، وإنكار ابن عمر -﵄- رأي خولف فيه، كذا في شرح الشيخ، واختلفت روايته أيضًا كما علم، وقول من قال: لعل هاتين الركعتين غير الرواتب ليس بشيء.\nوقوله: (حديث غريب) قال الترمذي: وسألت عنه محمدًا فلم يعرفه إلا من\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٦٩١)، و\"سنن أبي داود\" (١٢٠٣).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٦٧).\n(٣) قال القاري: لَعَلَّهُمَا شُكْرَ الْوُضُوءِ، أَو الِاقْتِصَارَ عَلَيْهِمَا فِي سُنَّةِ الظُّهْرِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٠٧).","vol":"3","page":472},{"text":"١٣٥٣ - [٢١] وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَرَى ابْنَهُ عُبَيْدَ اللَّهِ يَتَنَفَّلُ فِي السَّفَرِ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيهِ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٣٥٢].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-443>٤٢ - باب الجمعة</span>\nــ\nحديث ليث بن سعد، انتهى. بقي الكلام في ليث فنقل عن (الميزان) (١) أنه ثقة حجة، وقال في (التقريب) (٢): ليث بن سعد بن عبد الرحمن أبو الحارث المصري ثقة ثبت، فقيه إمام، مشهور من كبار أتباع التابعين، مات سنة خمس وسبعين ومئة، وفي (الكاشف) (٣): ليث بن سعد أبو الحارث الإمام مولى بني فهم من نظراء مالك، قيل: كان مغله في العام ثمانين ألف دينار فما وجبت عليه زكاة، عاش إحدى وثمانين سنة، وفي (التهذيب) (٤): قال أحمد: وهو ثقة ثبت، وقال مرة: وليس فيهم -يعني أهل مصر- أصح حديثًا من الليث، وقال مرة: كثير العلم صحيح الحديث، وقال الشافعي ﵀: الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به، وقال: الليث أتبع للأثر من مالك ﵀، وقال أحمد بن صالح: إمام قد أوجب اللَّه علينا حقه.\n١٣٥٣ - [٢١] (نافع) قوله: (فلا ينكر عليه) مخالف للحديث السابق في الفصل الأول، والنفل يشمل الرواتب وغيرها، وهذا أصح، واللَّه أعلم.\n٤٢ - باب الجمعة\nالمشهور في لفظ الجمعة ضم الجيم والميم، وقد تسكن وقرأ بها الأعمش،\n_________\n(١) \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٤٢٣).\n(٢) \"التقريب\" (ص: ٤٦٤).\n(٣) \"الكاشف\" (٢/ ١٥١).\n(٤) \"التهذيب\" (٨/ ٤١٣).","vol":"3","page":473},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوحكي عن الفراء فتح الميم، وعن الزجاج كسرها أيضًا، وكان هذا اليوم يدعى عروبة بفتح المهملة وضم الراء وبالباء الموحدة، وتسمية الجمعة، قيل: لأن اجتماع خلق العالم وتمامه فيه؛ لأن ابتداءه يوم الأحد وتم في الجمعة، كذا ذكره أبو حذيفة عن ابن عباس، وفي إسناده ضعف، وهذا الخبر يدل على تعيين الأيام وأسمائها قبل خلق السماوات، ولا يخلو تعقل ذلك عن إشكال، واللَّه أعلم.\nوقيل: لأن خلق آدم تم واجتمع فيه، روى هذا القول أحمد ﵀ وابن خزيمة من حديث سلمان، وابن أبي حاتم وأحمد من أحديث، أبي هريرة -﵁-، وهذا أصح الأقوال رواية، ويعلم من حديث أبي هريرة الذي يأتي أن تسميته من جهة اجتماع الأمور العظام فيه، أحدها: خلق آدم وهذا أنسب لظهور معنى الاجتماع فيه من تسميته من جهة خلق آدم واجتماع أجزائه، وقيل: كان كعب بن لؤي يجمع قومه في هذا اليوم ويذكِّرهم ويأمرهم بتعظيم حرم اللَّه تعالى ويخبرهم بخروج نبي آخر الزمان -ﷺ- منه، وقيل: كان قصي يجمعهم.\nوقال ابن حزم: التسمية بالجمعة لاجتماع الناس فيه للصلاة، وهو اسم إسلامي، وكان اسمه في الجاهلية عروبة لا الجمعة، والتحقيق أن عروبة اسمه القديم في الجاهلية ثم غيّر في الجاهلية إلى الجمعة كما غيروا أسماء أيام الأسبوع، وكان أسماؤها في الجاهلية أوّلَ، أهونَ، حُبَار، دُبار، مؤنس، عروبة، شيار (١)، وكان لهذا اليوم في الجاهلية أيضًا شرف وامتياز، وقد خص في دور الإسلام بفضائل وخصائص التي ذكرت في الأحاديث (٢).\n_________\n(١) انظر: \"تاج العروس\" (٣/ ٣٤١).\n(٢) وذكر ابن القيم في \"زاد المعاد\" (١/ ٣٦٣ - ٤٠٧) ليوم الجمعة ثلاثًا وثلاثين خصوصية =","vol":"3","page":474},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-444> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٣٥٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ. . . . .\nــ\nالفصل الأول\n١٣٥٤، ١٣٥٥ - [١، ٢] (أبو هريرة، وحذيفة) قوله: (نحن الآخرون) أي زمانًا (السابقون) وفي رواية: (الأولون) أي: شرفًا ومنزلة بكوننا أول من يحشر، وأول من يحاسب، وأول من يقضى بينهم، وأول من يدخل الجنة، وقيل: المراد بالسبق إحراز فضيلة اليوم الذي هو سابق بالفضل وهو يوم الجمعة، وقيل: المراد السبق إلى القبول والطاعة التي حرمها أهل الكتاب فقالوا: سمعنا وعصينا، والأول أقوى، كذا قال في (فتح الباري) (١). ويمكن أن يعدّ منها رفع التكاليف الشاقة عنهم، فإن قلت: ذلك في الدنيا وقد قيد السابقية بيوم القيامة، قلت: لما كان ظهور نتائجها وثمراتها في الآخرة يمكن جعلها داخلًا في السابقية يوم القيامة.\nوقوله: (بيد أنهم أوتوا الكتاب) في (القاموس) (٢): بيد بمعنى غير وعلى، وفي (المشارق) (٣): بفتح الباء والدال وسكون الياء، معناه ههنا غير، وقيل: إلا، وقيل: على، ويأتي بمعنى من أجل، ومنه قوله في الحديث الآخر: (بيد أني من قريش)، وقد قيل ذلك في الحديث الأول وهو بعيد، وفيها لغة أخرى ميد بالميم، انتهى.\n_________\n= يختص يوم الجمعة بها.\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٥٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٥٨).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (١/ ١٦٦).","vol":"3","page":475},{"text":"مِنْ قَبْلِنَا، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ ثمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ يَعْنِي يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ. . . . .\nــ\nوقال الشيخ: بيد مثل غير وزنًا ومعنى وإعرابًا، وبه جزم الخليل والكسائي ورجحه ابن سيده، وروى ابن أبي حاتم عن الربيع عن الشافعي ﵀ أن معنى بيد من أجل، وكذا ذكره ابن حبان والبغوي عن المزني عن الشافعي ﵀، وقد استبعده عياض ولا يعتدّ به، ومعناه: إنا سبقنا بالفضل إذ هدينا للجمعة مع تأخرنا في الزمان، بسبب أنهم ضلوا عنها مع تقدمهم، ويشهد له ما وقع في رواية من أبي هريرة: (نحن الآخرون في الدنيا، ونحن أول من يدخل الجنة إلا أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا)، وقال الداودي: هو بمعنى غير أو مع، وقال الطيبي (١): هو بمعنى الاستثناء، وبه قال ابن مالك، وهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم لما أدمج فيه معنى النسخ لكتابهم، فالناسخ هو السابق في الفضل وإن كان مسبوقًا في الوجود، انتهى.\nوبهذا يظهر موقع قوله: (نحن الآخرون) مع كونه أمرًا واضحًا لا يحتاج إلى ذكره، ولا يظهر فائدته إلا ببيان الواقع وكونه توطئة لذكر قرينته، واللام في (الكتاب) للجنس.\nوقوله: (ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم يعني يوم الجمعة فاختلفوا فيه) اختلف الشارحون في المراد من فرض اللَّه تعالى على اليهود والنصارى يوم الجمعة واختلافهم فيها وضلالهم عنها، كما جاء في رواية أخرى عن أبي هريرة: (أضل اللَّه عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد)، فقال بعضهم: إن اللَّه فرض عليهم العبادة في يوم الجمعة بعينه، وأمرهم بالاجتماع فيه للعبادة شكرًا للنعمة، كما هو ظاهر لفظ الحديث، فخالفوا وتمردوا وأبوا كما هو عادتهم، واختار اليهود بدله\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ١٩٩).","vol":"3","page":476},{"text":"فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ،\nــ\nالسبت، وتعللوا بأن ذلك يوم انتهاء الخلق، والنصارى يوم الأحد؛ لأنه يوم ابتدائه، واستبعد هذا المعنى ابن بطال بأنه لا يجوز لأحد أن يترك ما فرض اللَّه عليه وهو مؤمن، ورجح الاستبعاد القاضي عياض بأنه لو كان فرض عليهم بعينه لقيل: فخالفوا لا اختلفوا، وأنت خبير بأنه لا يستبعد ذلك منهم كما وقع منهم كثير من العناد والتمرد، وهم الذين قالوا: سمعنا وعصينا، وأنه يمكن أن يكون الاختلاف بمعنى أنهم اختلفوا في أنه هل يلزم بعينه أم يسوغ إبدالُه بيوم آخر، فاجتهدوا في ذلك فأخطؤوا.\nقال الشيخ (١): ويشهد له ما رواه الطبري بإسناد صحيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ١٢٤]، ويحتمل أن يراد بالاختلاف اختلاف اليهود والنصارى، وذهب الأكثرون إلى أن المراد من ذلك أمرهم باستخراجه بأفكارهم، وتعيينه باجتهادهم، فقيل لهم: إن اللَّه فرض عليكم يومًا تتفرغون فيه للفكر والذكر والعبادة فاجتهدوا في تعيينه، وذلك ابتلاؤهم من اللَّه هل يصادفون الحق أم لا؟ فعيق اليهود يوم السبت واختاروه، وقالوا: هذا يوم فراغ وقطع عمل، فإن اللَّه سبحانه فرغ فيه عن شغل الخلق، فعلى الخلق أيضًا أن يفرغوا عن الشواغل والصنائع ويتركوا أعمال الدنيا، ويشتغلوا بعبادة الرب تعالى، وعيّن النصارى يوم الأحد واختاروه؛ لأن الرب تعالى ابتدأ فيه الخلق، فهذا اليوم مبدأ جميع الكمالات والنعم، فهو أحق بالتعظيم وشكرًا للنعمة وإيجاب العبادة فيه، ولكن كل واحد من الفريقين أخطأ ولم يصب ما عند اللَّه الحكم.\nوقوله: (فهدانا اللَّه له) حملوه أيضًا على الوجهين، فالأول أن اللَّه أمر هذه الأمة\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٥٥).","vol":"3","page":477},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبالعبادة في يوم الجمعة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] الآية، فهداهم بالامتثال لأمره، ولم يضلّهم بالإباء والتمرد والتعلل، والثاني أن اللَّه تعالى هداهم ووفقهم للإصابة حتى عينوا الجمعة، وقالوا: إن اللَّه خلق آدم لعبادتهم، وكان خلقه يوم الجمعة، فكانت العبادة فيه أولى وأنسب، ولأنه تعالى خلق في سائر الأيام ما ينتفع به الإنسان، وفي يوم الجمعة أوجد نفسه، والشكر على نعمة الوجود أهم وأحرى من الشكر على النعم الخارجة من الذات، وأيضًا لما اجتمع الخلق في يوم الجمعة والإنسان الذي يشفع به أيضًا خلق فيه تعين هذا اليوم للعبادة، وكان أنسب وأوفق بذلك، ولا شك أن هداية اللَّه الجمعة بالنص عليها دون الاجتهاد وهو الأظهر الأشهر.\nوذكر الشيخ ابن حجر ما يؤيد المعنى الثاني وقال: ويشهد له ما رواه عبد الرزاق (١) بإسناد صحيح عن محمد بن سيرين قال: جمَّع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول اللَّه -ﷺ- وقبل أن تنزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يومًا يجتمعون فيه كل سبعة أيام، وللنصارى مثل ذلك، فلنجعل يومًا نجتمع فيه، فنذكر اللَّه تعالى ونشكره، فجعلوه يوم العروبة واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة فصلى بهم يومئذ، وأنزل اللَّه تعالى بعد ذلك ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية، وهذا وإن كان مرسلًا فله شاهد بإسناد حسن أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث كعب بن مالك قال: كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول اللَّه -ﷺ- المدينة أسعد بن زرارة، الحديث، وعلى هذا فقد حصلت لنا الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"مصنف عبد الرزاق\" (٥١٤٤).","vol":"3","page":478},{"text":"وَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، الْيَهُودُ غَدًا، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٧٦، م: ٨٥٥].\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: \"نَحْنُ الآخِرُونَ الأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بَيْدَ أَنَّهُمْ\". وَذَكَرَ نَحْوَهُ إِلَى آخِرِهِ.\nــ\nهذا وقد روي أنه -ﷺ- لما بعث مصعب بن عمير إلى المدينة قال: إذا مالت الشمس فصلِّ بالناس الجمعة، ذكره الشيخ ابن الهمام في شرح (الهداية) (١)، وهذا يدل على أن الجمعة كانت واجبة بمكة، وكان الصحابة الذين بالمدينة مأمورين بإقامته، وكأنه أشار الشيخ ابن حجر إلى الجواب عن هذا حيث قال في آخر الكلام: ولا يمنع ذلك أن يكون النبي -ﷺ- علمه بالوحي وهو بمكة فلم يتمكن من إقامتها ثمة، وقد ورد فيه حديث ابن إسحاق عند الدارقطني، ولذلك جمَّع بهم أول ما قدم المدينة كما حكاه ابن إسحاق وغيره، هذا ولكن حديث مصعب بن عمير ظاهر في أن إقامة الجمعة قبل النبي -ﷺ- كان بالأمر إلا أن يقال: إقامة أسعد بن زرارة كان مقدمًا على بعث مصعب، وهو خلاف ما يحكى، واللَّه أعلم.\nوقوله: (والناس لنا فيه تبع) التبعية باعتبار الفضل والقبول والطاعة التي حرمها أهل الكتاب، وقيل: الجمعة وإن كان مسبوقًا بسبت أو أحد قبله، لكن لا يتصور اجتماع الأيام الثلاثة متوالية إلا ويكون يوم الجمعة سابقًا، وقد يقال: هذا الحديث يدل على أن الجمعة أول الأسبوع شرعًا، وتدل عليه تسمية الأسبوع بالجمعة كما يسمى اليهود الأسبوع بالسبت.\nوقوله: (اليهود غدًا والنصارى بعد غدٍ) لا بد فيه من تقدير مثل تعبد اليهود أو\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٢/ ٥٦).","vol":"3","page":479},{"text":"١٣٥٥ - [٢] وَفِي أُخْرَى لَهُ عَنْهُ وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي آخِرِ الْحَدِيثِ: \"نَحْنُ الآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَالأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمَقْضِي لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ\". [م: ٨٥٦].\n١٣٥٦ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيه أُخْرِجَ مِنْهَا، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٥٤].\nــ\nتعظيم اليهود ونحو ذلك؛ لأن ظرف الزمان لا يقع خبرًا عن الجنة.\n١٣٥٦ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (خير يوم طلعت عليه الشمس) المراد ظهر بظهور الشمس أو طلعت على ما سكن فيه، والمقصود من ذكر هذا الوصف التعميم كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود: ٦].\nوقوله: (فيه خلق آدم) أي: جمع خلقه وتم.\nوقوله: (وفيه أخرج منها) وفضيلة الإخراج من الجنة لكونه سببًا لوجود الأنبياء والأولياء وتضمنه حكمًا وبركات لا تعد ولا تحصى، وكذا موت آدم الآتي في الحديث الآخر لكونه سببًا لوصوله إلى جوار رب العالمين، ولذلك ذكره الخليل ﵇ في النعم لقوله: ﴿وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾، وكذا قيام الساعة سبب لدخول الجنة وظهور مواعيد الحق للمتقين، أو المقصود بيان الأمور العظام الواقعة في هذا اليوم.\nثم الظاهر أن المراد وقوع هذه الأمور الثلاثة في يوم واحد كما يروى أنه خلق صبيحة الجمعة، وأدخل الجنة وقت الظهر، وأخرج وقت العصر.\nوقوله: (ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة) قيام الساعة يحتمل النفخة الأولى التي للصعق والهلاك، والثانية التي للبعث والنشور، وكلاهما في يوم الجمعة كما سيجيء","vol":"3","page":480},{"text":"١٣٥٧ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاه\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٢٥، م: ٨٥٢].\nوَزَاد مُسْلِمٌ: \"وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ\". وَفِي رِوَايَةِ لَهُمَا قَالَ: \"إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّه خَيْرًا إِلَّا أعْطَاهُ إِيَّاهُ\".\n١٣٥٨ - [٥] وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ فِي شَأْنِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ: \"هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إِلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٥٣].\nــ\nفي (الفصل الثاني) من حديث أوس بن أوس، وفيه النفخة وفيه الصعقة أي التي للموت، والمراد بالنفخة التي للبعث كما سنذكر.\nثم هذا الحديث يدل على أن الجمعة أفضل الأيام، وقد اختلف فيه فقيل: أفضل الأيام عرفة، وكذلك حديث أبي لبابة الآتي في (الفصل الثالث): (إن يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند اللَّه)، ولكن يأتي في (الفصل الثاني) من حديث أوس بن أوس: (إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة)، وهدا يدل على أنه من جملة الأيام الفاضلة، ويحتمل أن يكون يوم عرفة أفضل منه أو مساويًا له أو أدنى منه، واللَّه أعلم.\n١٣٥٧ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (يسأل اللَّه فيها خيرًا) الظاهر أن المراد به ما يشتمل المباح، كذا في شرح الشيخ.\nوقوله: (قائم يصلي) قيل: المراد بالصلاة الدعاء، وبالقيام الملازمة والمواظبة، فقوله: (يسأل اللَّه) بدل عنه، ويفهم من حديث عبد اللَّه بن سلام أن المراد بالصلاة هي الأفعال المخصوصة فيحتمل أن يكون المراد بالقيام ما ذكر أو حقيقة.\n١٣٥٨ - [٥] (أبو بردة بن أبي موسى) قوله: (ما بين أن يجلس الإمام) حمله","vol":"3","page":481},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالطيبي (١) على الجلوس بين الخطبتين، واللفظ يحتمل أن يكون المراد الجلوس بعد الصعود إلى المنبر، فإن الإمام يجلس ويسمع الأذان ثم يقوم.\nاعلم أن الأقوال في تعيين هذه الساعة كثيرة، تبلغ كما ذكروه إلى ثلاثة وثلاثين قولًا، أرجحها وأقواها قولان، أحدهما: ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يقضي الصلاة، وثانيهما: آخر ساعة من اليوم، وقال في (فتح الباري) (٢): وما عداهما إما موافق [لهما أو] لأحدهما أو ضعيف الإسناد أو موقوف استند قائله إلى اجتهاده من غير سماع وتوقيف (٣)، ثم الأكثرون على أرجحية القول الأخير، قال الإمام أحمد: أكثر الأحاديث في هذا الجانب.\nوقال ابن عبد البر: أثبت شيء في هذا الباب حديث عبد اللَّه بن سلام، ورجحه أكثر الأئمة ونص الشافعي ﵀ عليه، وحديث أبي موسى وإن كان مذكورًا في (صحيح مسلم) لكن في إسناده مقال، وهذا من جملة الساعات التي وقعت في بعض أحاديث مسلم، ورجح جماعة من العلماء القول الأول، وقال البيهقي: قال مسلم: حديث أبي موسى أصح وأجود شيء في هذا الباب.\nوقال القرطبي: هذا الحديث نص في موضع الخلاف، فلا يلتفت إلى غيره، وقال النووي: هو الصحيح بل الصواب الذي لا يجوز غيره، قال العبد الضعيف عفا اللَّه\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢٠٢).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٢١).\n(٣) وَقَدْ سُئِلَ الْبُلْقِيِنِيُّ: كَيْفَ يَدْعُو حَالَ الْخُطْبَةِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْإِنْصَاتِ؟ فَأَجَابَ: لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الدُّعَاءِ التَّلَفُّظُ، بَلِ اسْتِحْضَارُهُ لِقَلْبِهِ كَافٍ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَبَلَغَنِي أَنَّ الدُّعَاءَ يُسْتَجَابُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَيْضًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠١٣).","vol":"3","page":482},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-445> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٣٥٩ - [٦] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى الطُّورِ فَلَقِيتُ كَعْبَ الأَحْبَارِ فَجَلَسْتُ مَعَهُ، فَحَدَّثَنِي عَنِ التَّوْرَاةِ وَحَدَّثْتُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثْتُهُ أَنْ قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ مَاتَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ دَابَّهٍ إِلَّا وَهِي مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. . . . .\nــ\nعنه: وقد صح عن سيدتنا فاطمة الزهراء -﵂- أنها كانت تسلط خادمها يراقب آخر ساعة من اليوم فتذكر اللَّه وتدعوه، واللَّه أعلم، هذا وقيل: هذه الساعة كانت في زمن رسول اللَّه -ﷺ- ثم رفعت، نقله ابن عبد البر عن قوم وزيّفه، والصحيح أنها باقية، ثم جملة الأقوال المذكورة ذكرها الشيخ في (فتح الباري) (١) ونسب كل قول إلى قائله وذكر مخارجها ودلائلها، ثم وفق بين الأقوال كلها وأرجحها إلى القولين المذكورين، ونقلت أكثرها في شرح (سفر السعادة) (٢) فليطلب ثمة (٣)، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n١٣٥٩ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (كعب الأحبار) جمع حبر بفتح الحاء المهملة وكسرها بمعنى العالم وغلب في علماء اليهود.\nوقوله: (إلا وهي مصيخة) بضم الميم وكسر الصاد وسكون الياء من أصاخ له استمعه، أي: مصيخة منتظرة قيام الساعة، وروي مسيخة بالسين، وأصاخ وأساخ بمعنى\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٤٢١ - ٤٢٢).\n(٢) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ١٧٣).\n(٣) وذكر في \"البذل\" (٥/ ٦٣٦) في ساعة الإجابة اثنين وأربعين قولًا، فارجع إليه.","vol":"3","page":483},{"text":"مِنْ حِينِ تُصْبحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَل اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعطَاهُ إِيَّاهُ، قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ، فَقُلْتُ: بَلْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ، فَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِي مَعَ كَعْبٍ الأَحْبَارِ وَمَا حَدَّثْتُهُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَقُلْتُ لَهُ: قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبَ كَعْبٌ، فَقُلْتُ لَهُ: ثُمَّ قَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ. . . . .\nــ\nواحد، وأصاخ أكثر استعمالًا، وكأنه هو الأصل، قلبت صاده سينًا، والعرب يفعل ذلك إذا كان في الكلمة خاء أو طاء أو عين أو قاف كالصماخ والصراط والصُّداع والبصاق.\nوقوله: (من حين) مبني على الفتح، ويجوز بالجر إعرابًا لكن الرواية بالفتح.\nوقوله: (شفقًا من الساعة) أي: خوفًا من قيام القيامة؛ لأنه يقوم يوم الجمعة بين الصبح وطلوع الشمس، فكأن اللَّه تعالى ألهم الدواب بقدرته قيامها فيه في ذلك الوقت وعظم هولها حتى صار ذلك كامنًا عندها، يترقبه كل جمعة في ذلك الوقت، أو أن اللَّه تعالى يحدث يوم الجمعة في الأرض من عظائم الأمور وجلائلها ما تكاد الأرض يمتدّ بها، فيبقى كل دابة ذاهلة دهشة كأنها مسيخة للرعب الذي يدخلها، والحالة التي يشاهدها، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١). وأما الجن والإنس فإنهم جعلوا غافلين عن ذلك؛ لأنهم لو كوشفوا به زالت قاعدة التكليف والابتلاء.\nوقوله: (ذلك في كل سنة يوم) أي: يوم من أيام الجمعة، والمراد باليوم إما مطلق\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٣٣٣).","vol":"3","page":484},{"text":"فَقَالَ: بَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: صَدَقَ كَعْبٌ، ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: قَدْ عَلِمْتُ أَيَّةَ سَاعَةٍ هِيَ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَة فَقُلتُ: أَخْبرنِي بهَا وَلا تَضِنَّ عَليَّ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: وَكيْفَ تَكُونُ آخِرَ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي فِيهَا\"؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ\"؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقلت: بلَى، قَالَ: فَهُوَ ذَلِكَ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى أَحْمَدُ إِلَى قَوْلِهِ: صَدَقَ كَعْبٌ. [ط: ٢٤١، د: ١٠٤٦، ت: ٤٩١، ن: ١٤٣، حم: ٢/ ٤٨٦].\n١٣٦٠ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْتَمِسُوا السَّاعَةَ الَّتِي تُرْجَى فِي يَوْم الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلَى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٤٨٩].\nــ\nالوقت إن كان ذلك إشارة إلى الساعة بتأويل الزمان أو الوقت، أو المراد يوم فيه تلك الساعة إن كان إشارة إلى اليوم الذي فيه الساعة كما قال الطيبي (١).\nوقوله: (قد علمت أية ساعة هي) (أية) بالرفع، و(هي) خبره، وألغى (علمت) بالاستفهام كما في قوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾.\nوقوله: (ولا تضن) بالفتح والكسر، أي: لا تبخل.\n١٣٦٠ - [٧] (أنس) قوله: (الساعة التي ترجى) أي: ترجى إجابة الدعوة فيها.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢٠٤).","vol":"3","page":485},{"text":"١٣٦١ - [٨] وَعَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ قُبِضَ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَليَّ\"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ؟ . . . . .\nــ\n١٣٦١ - [٨] (أوس بن أوس) قوله: (وفيه النفخة وفيه الصعقة) المراد النفخة الثانية المشار إليها بقوله: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾، وأراد بالصعقة النفخة الأولى المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨]، وقد وقع ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾، وهي مقدمة لنفخ الصعق، أو يقال: بثلاث نفخات، لكن المشهور النفختان.\nوقوله: (وقد أرمت) الاختلاف في تصحيح هذا اللفظ كثير، والصواب (أَرَمْتَ) على وزن (ضَرَبْتَ)، أصله أرمَمْتَ فحذفت إحدى الميمين، وحذف إحدى حرفي المضاعف كثير، كما أحَسْتَ في أحْسَسْتَ وظَلْتُ أفعل كذا في ظَللْتُ، وهذا قول الخطابي، وهو المذكور في (القاموس) (١)، وقد روي (أرمَمْتَ) بإظهار الحرفين على ما قال الطيبي (٢)، وقيل: إنما هو (أرَمت) بفتح الراء والميم المشددة وإسكان التاء، أي: أرمَّت العظامُ، من رمّ الميت وأرمّ: إذا بَلِيَ، وقيل: (رممت) بمعنى صرت رميمًا، وقيل: (أرمت) بضم الهمزة وكسر الراء من قولهم: أرمه بفتح الراء بمعنى أكله، ويقال: أَرَمَتِ الإبل تَأْرِم: إذا تناولت العلفَ وقلعته من الأرض، وقيل: (أرمت) بتشديد تاء بإدغام إحدى الميمين في التاء، وقد يروى (أرمّت) بتشديد الميم والتاء. قال الحربي\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٢٨).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢٠٥).","vol":"3","page":486},{"text":"قَالَ: يَقُولُونَ: بَلِيتَ، قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"الدَّعْوَاتِ الْكَبِيرِ\". [د: ١٠٤٧، ن: ١٣٧٤، جه: ١٠٨٥، دي: ١/ ٣٦٩، الدعوات الكبير: ٥٢٥].\n١٣٦٢ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْيَوْمُ الْمَوْعُودُ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْيَوْمُ الْمَشْهُودُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّاهِدُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، وَمَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ وَلَا غَرَبَتْ عَلَى يَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْهُ،\nــ\nكذا رووه، ولا أعرف وجهه، قاله في (مجمع البحار) (١).\nوقوله: (قال) أي: قال الراوي: (يقولون) أي: يعنون، أي: الصحابة، من قولهم: أَرِمْتَ: بليت بفتح الباء وكسر اللام، وهذا الكلام من الراوي أدرجه لبيان معنى (أرمت)، وقد يجعل ضمير (قال) لرسول اللَّه -ﷺ- و(يقولون) مقوله، أي: يزعمون أني بليت، قاله استبعادًا لقولهم، ولا يناسبه زيادة (قال) قبل قوله: (إن اللَّه) إلا أن يكون تأكيدًا.\nوقوله: (إن اللَّه حرم على الأرض أجساد الأنبياء) كناية عن حياتهم كما يأتي من حديث أبي الدرداء في (الفصل الثالث)، والمذهب أن الأنبياء أحياء حياة حقيقية دنياوية، وقد حققنا هذه المسألة في (تاريخ المدينة).\n١٣٦٢ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (اليوم الموعود يوم القيامة) لأن اللَّه تعالى وعد الناس بإتيانه، أو لأنه وعد المؤمنين بعد إتيانه بنعيم الجنة، (واليوم المشهود يوم عرفة) لأن المؤمنين يشهدون ويحضرون فيه من الآفاق، وكذا تشهده الملائكة، (والشاهد يوم الجمعة)، وكأنه إنما سمى يوم عرفة مشهودًا ويوم الجمعة شاهدًا؛ لأن الخلائق يذهبون إلى عرفة ويشهدون فيها، فكان مشهودًا، وفي يوم الجمعة هم على مكانهم، فكان اليوم\n_________\n(١) \"مجمع البحار\" (١/ ٦٨).","vol":"3","page":487},{"text":"فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يَدْعُو اللَّهَ بِخَيْرٍ إِلَّا اسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَلَا يَسْتَعِيذُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا أَعَاذَهُ مِنْهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ، وَهُوَ يُضَعَّفُ. [حم: ٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩، ت: ٣٣٣٩].\nــ\nجاءهم وحضر، فكان شاهدًا، ثم إن المفسرين قد فسروا الشاهد بالخلق يشهدون يوم القيامة، والمشهود بما يشاهد فيه من العجائب، أو المراد بالشاهد النبي -ﷺ- وبالمشهود أمته خصوصًا أو عمومًا، أو الشاهد هذه الأمة والمشهود سائر الأمم، أو الخالق والخلق، أو العكس؛ لأن الخالق يطلع على أحوال المخلوقات، والمخلوقات شاهدة على وجوده وصفاته، أو الملك الحافظ والمكلف، أو يوم عرفة والحجيج، أو يوم الجمعة وأهله، أو كل يوم وأهله، كذا في (تفسير البيضاوي) (١)، والظاهر أن هذه تأويلات من محتملات اللفظ يمكن حمله عليها، والتفسير هو الذي أسند إلى رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (إلا من حديث موسى بن عبيدة) بضم العين الربذي، (وهو ضعيف) لا يكتب حديثه، وقال النسائي وغيره: ضعيف، قال ابن سعد: ثقة وليس بحجة، قال عباس عن زيد بن الحباب: يفوح ريح المسك والعنبر من قبره، وليس بالربذة حينئذ مسك ولا عنبر، كذا نقل عن (الميزان) (٢). وقال في (الكاشف) (٣): موسى بن عبيدة ضعفوه، أخرج حديثه الترمذي وابن ماجه، توفي سنة اثنتين وخمسين ومئة، وقال أحمد: ليس به بأس، وقال يحيى: لا يحتج به، وقال أبو زرعة: ليس بقوي، فهو مختلف فيه.\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٥٨٤).\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٢١٣).\n(٣) \"الكاشف\" (٢/ ٣٠٦).","vol":"3","page":488},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-446> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٣٦٣ - [١٠] عَنْ أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَيِّدُ الأَيَّامِ وَأَعْظَمُهَا عِنْدَ اللَّهِ، وَهُوَ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ الأَضْحَى وَيَوْمِ الْفِطْرِ، فِيهِ خَمْسُ خِلَالٍ: خَلَقَ اللَّهُ فِيهِ آدَمَ، وَأَهْبَطَ اللَّهُ فِيهِ آدَمَ إِلَى الأَرْضِ، وَفِيهِ تَوَفَّى اللَّه آدَمَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يَسْأَلُ الْعَبْدُ فِيهَا شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ مَا لَمْ يَسْأَلْ حَرَامًا، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، مَا مِنْ مَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَلَا سَمَاءٍ وَلَا أَرْضٍ وَلَا رِبَاحٍ وَلَا جِبَالٍ وَلَا بَحْرٍ إِلَّا هُوَ مُشْفِقٌ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٠٤٨].\n١٣٦٤ - [١١] وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: أَخْبِرْنَا عَنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مَاذَا فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ؟ قَالَ: \"فِيهِ خَمْسُ خِلَالٍ\" وَسَاقَ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ. [حم: ٥/ ٢٨٤].\n١٣٦٥ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: لِأَيِّ شَيْءٍ سُمِّيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: \"لأَنَّ فِيهَا طُبِعَتْ طِينَةُ أَبِيكَ آدَمَ،\nــ\nالفصل الثالث\n١٣٦٣، ١٣٦٤ - [١٠، ١١] (أبو لبابة بن عبد المنذر، سعد بن عبادة) قوله: (أبي لبابة) بضم اللام وتخفيف الباء الموحدة، اسمه رفاعة، (ابن عبد المنذر) صحابي معروف.\nوقوله: (إلا هو مشفق) أي: خائف من يوم الجمعة، أي: من فجاءة الساعة يوم الجمعة.\n١٣٦٥ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم) في","vol":"3","page":489},{"text":"وَفِيهَا الصَّعْقَةُ وَالْبَعْثَةُ، وَفِيهَا الْبَطْشَةُ، وَفِي آخِرِ ثَلَاثِ سَاعَاتٍ مِنْهَا سَاعَةٌ مَنْ دَعَا اللَّهَ فِيهَا اسْتُجِيبَ لَهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٣١١].\n١٣٦٦ - [١٣] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّهُ مَشْهُودٌ تَشْهَدُهُ الْمَلَائِكَةُ، وَإِنَّ أَحَدًا لَنْ يُصَلِّيَ عَلَيَّ إِلَّا عُرِضَتْ عَلَيَّ صَلَاتُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهَا\". . . . .\nــ\n(القاموس) (١): الطين معروف، والطينة: قطعة منه، ويقال: طبع السيف والدرهم والجرة من الطين: عَمِلَها، والمراد بطبع طينة آدم ﵇ جعلها مسواة على صورة مخصوصة مبدعة، وحاصل بيان وجه التسمية بحدوث هذه الأمور أنه محل اجتماع هذه الأمور العظام، فسمي جمعة، والبطشة بمعنى الأخذ القوي الشديد، والمراد بها يوم القيامة كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦]، وذكره بعد الصعقة والبعثة للتأكيد، وإن أريد أخذ اللَّه تعالى وبطشه للعباد بعد البعث والحشر يوم الجزاء لم يبعد، وقيل: المراد أخذ مشركي قريش يوم البدر، فإنه أيضًا كان يوم الجمعة.\nوقوله: (في آخر ثلاث ساعات منها ساعة) فإن قلت: لم لم يقل في آخر ساعة منها، وآخر ثلاث ساعات إنما يكون آخر ساعة، قلت: لعل فيما قال إشارة إلى مبدؤها ومنتهاها، كأنه قيل: في الساعات الثلاث الأخيرة ساعة (٢)، وكلمة (في) ههنا كما في قولهم: في البيضة عشرون رطلًا من الحديد، وهي عينها، فافهم.\n١٣٦٦ - [١٣] (أبو الدرداء) قوله: (عرضت عليّ صلاته) أي: في كل وقت،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٨٦).\n(٢) وَلَعَلَّ الْعُدُولَ عَنْ أَنْ يَقُولَ: وَفِي آخِرِهَا سَاعَةٌ مَنْ دَعَا اللَّهَ فِيهَا اسْتُجِيبَ لَهُ، إِشَارَةٌ إِلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَى السَّاعَتَيْنِ قَبْلَ تِلْكَ السَّاعَةِ لِقُرْبِهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٢٠).","vol":"3","page":490},{"text":"قَالَ: قُلْتُ: وَبَعْدَ الْمَوْتِ؟ قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ، فَنَبِيُّ اللَّهِ حَيٌّ يُرْزَقُ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٦٣٧].\n١٣٦٧ - [١٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ إِلَّا وَقَاهُ اللَّهُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ. [حم: ٢/ ١٦٩، ت: ١٠٧٤].\n١٣٦٨ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآيَةَ، وَعِنْدَهُ يَهُودِيٌّ، فَقَالَ: لَوْ نزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَيْنَا لَاتَّخَذْنَاهَا عِيدًا، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنَّهَا نزَلَتْ فِي يَوْمِ عِيدَيْنِ: فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ وَيوْمِ عَرَفَةَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٠٤٤].\nــ\nفعرضها في يوم الجمعة التي هي أفضل الأيام أولى، ويحتمل أن يكون ذلك العرض مخصوصًا بيوم الجمعة، أي: وجوبًا والبتة على وجه الكمال، فافهم، واللَّه أعلم.\n١٣٦٧ - [١٤] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (أو ليلة الجمعة): (أو) للشك أو للتنويع، وهو الأظهر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ليس إسناده بمتصل) لأنه من رواية ربيعة بن سيف عن عبد اللَّه بن عمرو، ولا يعرف له سماع منه، كذا في (جامع الترمذي).\n١٣٦٨ - [١٥] (ابن عباس) قوله: (اتخذناها) أي: اتخذنا وقت نزولها.\nوقوله: (نزلت في يوم عيدين في يوم جمعة ويوم عرفة) وتسمية الجمعة بالعيد يدل على أنها من الأيام الفاضلة، ولا ينافي هذا أفضليته من يوم العيد كما جاء في حديث آخر، إذ يمكن أن يكون عيد أفضل من عيد آخر، فافهم.","vol":"3","page":491},{"text":"١٣٦٩ - [١٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا دَخَلَ رَجَبٌ قَالَ: \"اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ وَشَعْبَانَ، وَبَلِّغْنَا رَمَضَانَ\" قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ: \"لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ لَيْلَةٌ أَغَرُّ، وَيَوْمُ الْجُمُعَةِ يَوْمٌ أَزْهَرُ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ\". [الدعوات الكبير: ٥٢٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-447>٤٣ - باب وجوبها</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-448> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٣٧٠ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمَا قَالَا: سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ: . . . . .\nــ\n١٣٦٩ - [١٦] (أنس) قوله: (ليلة الجمعة ليلة أغر) من الغُرة، وكان الظاهر أن يقال: غراء كما وقع في الحديث: (أكثروا الصلاة علي في الليلة الغراء واليوم الأزهر)، وإنما قال: أغر بحذف الموصوف، أي: زمان أو وقت أغر، وقد نقل عن الإمام أحمد أنه قال: تفضل ليلة الجمعة على ليلة القدر من جهة أن فيها حدث علوق النبي -ﷺ- في رحم آمنة، والأزهر من الزهرة بالضم: البياض الحسن.\n٤٣ - باب وجوبها\nالجمعة فريضة محْكَمَةٌ بالكتاب والسنة والإجماع، يكفر جاحدها، وقد صرح أصحابنا بأنها فرض آكدُ من الظهر، والمراد بالذكر في قوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] صلاة الجمعة أو خطبتها، ووجوبها يستلزم وجوب صلاتها، والمذكور في التفسير أن المراد الخطبة والصلاة، وهو الحق؛ لصدقه عليهما.\nالفصل الأول\n١٣٧٠ - [١] (ابن عمر، وأبو هريرة) قوله: (يقول على أعواد منبره) كأنهما","vol":"3","page":492},{"text":"\"لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٦٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-449> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٣٧١ - [٢] عَنْ أَبِي الْجَعْدِ الضَّمْرِيِّ قَالَ: . . . . .\nــ\nسمعاه في زمان أول ما صنع المنبر، وكانوا لا يعرفونه ولم يتعارفوه، وإنما يعرفون أنه عدة قطع خشب ضمت ووضعت ليقوم عليها ويخطب، أو تصريح بأن منبره -ﷺ- كان من الأعواد ولم يكن من حجر أو مدر، فعبرا عنه بهذه العبارة، وإلا فالظاهر أن يقولا: سمعناه يقول على منبره.\nوقوله: (عن ودعهم) أي: تركهم الجمعات والاعتياد بتركها، ولذا أتى بلفظ الجمع، ونهايته بترك ثلاث جمع كما يأتي في الحديث الآتي، و(وَدْع) مصدر ودع يدع، والصرفيون حكموا بأن العرب أماتوا ماضي (يدع) ومصدره اكتفاءً بـ (ترك) ومصدره، وهو باعتبار الأغلب صحيح، وقد وقع نادرًا في بعض أشعار العرب، وكفى حجة وردًّا عليهم بوقوعه في كلام أفصح فصحاء العرب -ﷺ- إن صح أنه لفظه، وليس نقلًا بالمعنى من بعض الرواة الغير الموثوق بعربيتهم، واللَّه أعلم.\nوقوله: (أو ليختمن اللَّه) أي: أحد الأمرين كائن لا محالة.\nوقوله: (ثم ليكونن من الغافلين) أي: الدائمين في الغفلة الثابتين عليه، والمشهود لهم بذلك، فيصح معنى التراخي.\nالفصل الثاني\n١٣٧١، ١٣٧٢، ١٣٧٣ - [٢، ٣، ٤] (أبو الجعد الضمري، وصفوان بن سليم، وأبو قتادة) قوله: (أبي الجعد) بفتح الجيم وسكون المهملة، (الضمري) بفتح المعجمة وسكون الميم، وهكذا في جميع الكتب التي رأيناها من (الجامع) و(المغني)","vol":"3","page":493},{"text":"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا، طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ. [د: ١٠٥٢، ت: ٥٠٠، ن: ١٣٦٩، جه: ١١٢٥، دي: ٢/ ٨٠].\n١٣٧٢ - [٣] وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ. [ط: ٢٠].\n١٣٧٣ - [٤] وأَحْمَدُ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ. [حم: ٣/ ٣٣٢].\n١٣٧٤ - [٥] وَعَن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَلْيَتَصَدَّقْ بِدِينَارٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِنِصْفِ دِينَارٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٥/ ٨، د: ١٠٥٣، جه: ١١٢٨].\nــ\nو(الكاشف)، منسوب إلى ضمرة بن بكر بن عبد مناف، وقد وقع في نسخ (المشكاة) الضميري بلفظ التصغير، وصوابه الضمري.\nوقوله: (تهاونًا) الظاهر أن المراد بالتهاون التكاسل وعدم الجد في أدائه لا الإهانة والاستخفاف، فإنه كفر، والمراد بيان كونه معصية عظيمة يفضي إلى الطبع والرَّين.\nوقوله: (طبع اللَّه على قلبه) وفي رواية رزين: (برئ اللَّه تعالى منه)، وجاء عن ابن عباس: (أن من ترك الجمعات متوالية، فقد نبذ الإسلام وراء ظهره).\n١٣٧٤ - [٥] (سمرة بن جندب) قوله: (من ترك الجمعة) أي: اكتفى بالظهر عن الجمعة.\nوقوله: (من غير عذر) من الأعذار التي تسقط بها فرضية الجمعة.\nوقوله: (فليتصدق بدينار) فإن قلت: هذا علامة عدم فرضية الجمعة، فإن الفرض لو ترك لا يكفر بالتصدق، ولذلك توهم بعض الناس من قول القدوري: من صلى الظهر في منزله يوم الجمعة قبل صلاة الإمام ولا عذر له كره له ذلك، وجازت","vol":"3","page":494},{"text":"١٣٧٥ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمعَ النِّدَاءَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٠٥٦].\n١٣٧٦ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ آوَاهُ اللَّيْلُ إِلَى أَهْلِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.\nــ\nصلاته، عدمَ فرضية الجمعة عند الحنفية، قلنا: لا شك أن ترك الجمعة والاكتفاء بالظهر حرام، وهو المراد بقول القدوري: كره له ذلك، وصحة الظهر والاكتفاء من جهة أن أصل الفرض هو الظهر في حق الكافة إلا أنه مأمور بالإسقاط بأداء الجمعة باستجماع الشرائط، لكنه قصَّر وترك المأمور به، فيكون مرتكبًا للحرام ولم يترك الفرض مطلقًا، وجعل الشارع لهذا التقصير المذكور جزاء وكفارة، ولهذا الكلام شرح وتفصيل أزيد من هذا ذكر في (الهداية) وشروحه (١)، فليتدبر.\n١٣٧٥ - [٦] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (الجمعة على من سمع النداء) أي: السعي إليها واجب في وقت النداء (٢).\n١٣٧٦ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (الجمعة على من آواه الليل) أي: الجمعة واجبة\n_________\n(١) انظر: \"الهداية\" (١/ ٨٣)، و\"فتح القدير\" (٢/ ٤٩ - ٥٠).\n(٢) قال في \"الميزان\" تجب الجمعة على من سمع النداء إن كان في موضع خارج عن المصر عند الثلاثة دون الإمام، فتأمل. وفي \"العَرف\": إن للحنفية فيه ثمانية أقوال. وفِي \"شَرْحِ الْمُنْيَةِ\": مَنْ هُوَ فِي أَطْرَافِ الْمِصْرِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِصْرِ فُرْجَةٌ، بَلِ الأَبْنِيَةُ مُتَّصِلَةٌ فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، يَعْنِي: وَلَوْ لَمْ يَسْمَعِ النِّدَاءَ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِصْرِ فُرْجَةٌ مِنَ الْمَزَارعِ وَالْمَرَاعِي، فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ: إِنْ سَمِعَ النِّدَاءَ فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ. اهـ، كذا في \"التقرير\" و\"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٢٥).","vol":"3","page":495},{"text":"١٣٧٧ - [٨] وَعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا عَلَى أَرْبَعَةٍ: عَبْدٍ مَمْلُوكٍ، أَوِ امْرَأَةٍ، أَوْ صَبِيٍّ، أَوْ مَرِيضٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" بِلَفْظِ \"الْمَصَابِيحِ\": عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي وَائِلٍ. [د: ١٠٦٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-450> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٣٧٨ - [٩] عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ: \"لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُحْرِقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ [م: ٦٥٢].\nــ\nعلى من كان بين وطنه وبين الموضمع الذي يصلي فيه الجمعة مسافةٌ يمكن له الرجوع بعد أداء الجمعة إلى وطنه قبل الليل، وتسمى هذه مسافة العَدْوَى على خلاف مسافة القصر الذي يصير به مسافرًا، قال الطيبي (١): وبهذا قال الإمام أبو حنيفة ﵀ بشرط أن يكون أخراج، وطنه ينقل إلى ديوان المصر الذي يأتيه للجمعة، فإن كان لوطنه ديوان غير ديوان المصر؛ لم يجب عليه الإتيان.\n١٣٧٧ - [٨] (طارق بن شهاب) قوله: (عبد مملوك) كأنه وصف به للدلالة على علية عدم الوجوب، ثم المسافر والأعمى والأعرج أيضًا لا يجب عليهم الجمعة، ووردت الأحاديث بذلك.\nالفصل الثالث\n١٣٧٨ - [٩] (ابن مسعود) قوله: (لقد هممت أن آمر رجلًا يصلي بالناس ثم أحرق) أي: قصدت أن أترك رجلًا يصلي بالقوم خلافة عني، وأذهب أنا لأحرق على\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢١٢).","vol":"3","page":496},{"text":"١٣٧٩ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، كُتِبَ مُنَافِقًا فِي كتَابٍ لَا يُمْحَى وَلَا يُبَدَّلُ\". وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ثَلَاثًا. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. [مسند الشافعي: ١/ ٧٠].\n١٣٨٠ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَعَلَيْهِ الْجُمُعَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا مَرِيضٌ أَوْ مُسَافِرٌ أَوِ امْرَأةٌ أَوْ صَبِيٌّ أَوْ مَمْلُوكٌ، فَمَنِ اسْتَغْنَى بِلَهْوٍ أَوْ تِجَارَةٍ اسْتَغْنَى اللَّهُ عَنْهُ، وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيْدٌ\". رَوَاهُ الدَّارقُطْنِيُّ. [قط: ٢/ ٣].\n* * *\nــ\nرجال. . . إلخ، فإن قلت: كيف جاز أن يترك النبي -ﷺ- الجمعة ويشتغل بالإحراق؟ قلت: قالوا: يجوز للإمام إذا عرض له شغل ديني أن يستخلف من يصلي بالناس كما سبق في (باب الجماعة وفضلها) (١)، وقوله: (ثم أحرق) بالتخفيف والتشديد.\n١٣٧٩ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (ثلاثًا) أي: قال: من ترك الجمعة ثلاثًا.\n١٣٨٠ - [١١] (جابر) قوله: (فعليه الجمعة) أي: صلاة الجمعة.\nوقوله: (إلا مريض) بالرفع وإن كان في الكلام الموجب بتقدير: فلا يترك الجمعة إلا مريض، ومثله قوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٢٤٩] بتقدير: فلم يطيعوه إلا قليل، كذا في (الكشاف) (٢).\nوقوله: (واللَّه غني) أي: عن العباد أو طاعتهم لا يعود نفعها إليه، (حميد) حامد\n_________\n(١) الْمَقْصُودُ التَّغْلِيظُ وَالْمُبَالَغَةُ دُونَ الْحَقِيقَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ جَعْلِ الْخَلِيفَةِ تَرْكُ فَرْضِ الْجُمُعَةِ مُطْلَقًا، فَإِنَّهُ يَتَصَوَّرُ تَكْرَارُهَا. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٢٦).\n(٢) \"الكشاف\" (١/ ٢٩٥).","vol":"3","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-451>٤٤ - باب التَّنظيف والتَّبكير</span>\nــ\nلمن أطاعه وشاكر له.\n\n٤٤ - باب التنظيف والتبكير\nالنظافة: النقاوة، نظف ككرم فهو نظيف، ونظّفه تنظيفًا فتنظف، والمراد ههنا تنظيف البدن بالغسل، وقص الشارب، وقلم الأظفار، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتنظيف الثياب، واستعمال الطيب، والتبكير بتقديم الباء على الكاف بمعنى الإتيان بكرة، وبمعنى المبادرة إلى الشيء، والمجيء إليه في أول الوقت أيّ وقت كان، ولا يختص بالبكرة، وكل من بادر إلى الشيء فقد بكّر إليه وابتكر وأبكره وباكره، كذا في (القاموس) (١)، والمراد به ههنا هو المعنى الأخير، وعن سهل بن سعد -﵁- قال: ما كنا نقيل ونتغدى إلا بعد الجمعة (٢) خوفًا من فوات التبكير إليها.\nوقال الكرماني (٣) في تفسير (كنا نبكر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة): أي نبادر لصلاتها قبل القيلولة، وقال: التبكير العمل في أول الوقت، وأول كل شيء باكورته، ومنه حديث: (لا تزال أمتي على سنتي ما بكروا بصلاة المغرب)، وحديث: (بكروا بالصلاة في يوم الغيم) (٤)، أي: حافظو عليها وقدموها، وحديث: (لا تعلموا أبكار أولادكم كتب النصارى) (٥) أي أحداثكم، وبكر الرجل بالكسر: أول ولده، فحقيقة التبكير\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٣٢).\n(٢) أخرجه البخاري (٩٣٨)، ومسلم (٨٥٩)، وابن ماجه (١٠٩٩).\n(٣) \"شرح الكرماني\" (٦/ ٢٢).\n(٤) أخرجه البخاري (٥٩٤)، والنسائي (٤٧٤)، وابن ماجه (٦٩٤)، وأحمد (٢٣٠٥٥)، وابن حبان (١٤٦٣).\n(٥) انظر: \"المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام\" (١٥/ ٣١٦)، و\"تاج العروس\" (١٠/ ٢٤٠).","vol":"3","page":498},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-452> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٣٨١ - [١] عَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ،\nــ\nإلى الجمعة المبادرة إليه والمسارعة حتى يحضرها في أول الوقت، وله مراتب متفاوتة، ولو كان في أول النهار كان أكمل وأفضل، كما نقل الإمام الغزالي في (الإحياء) عن بعض السلف أنهم كانوا يأتونه بكرة، والعادة في المسجد الشريف النبوي الآن أنهم يأتون بكرة، ويحرزون الأمكنة الشريفة، ويفرشون السجادة فيها، ولا يجلسون، وقد تكلم العلماء على ذلك بأنه تضييق على الناس.\nنعم لو جلسوا وذكروا فذاك، وإلا مجرد إحراز المكان المستلزم للتضييق غير مستحسن، ذكره السيد السمهودي في (تاريخ المدينة).\nالفصل الأول\n١٣٨١ - [١] (سلمان) قوله: (لا يغتسل رجل يوم الجمعة) قد مر الكلام في غسل الجمعة أهو واجب أو سنة في (باب الغسل المسنون).\nوقوله: (ويتطهر ما استطاع من طهر) إشارة إلى المبالغة في التطهير وإكماله بما ذكر من غير أن يبلغ درجة الوسواس والإسراف ولو في الوقت.\nوقوله: (من دهنه) الإضافة للإشعار إلى أنه يدهن مما تيسر في بيته ولا يتكلف ولا يسأل الناس، يدل عليه الحديث الآتي في أول (الفصل الثاني)، وقيل: للإشارة إلى أن الأولى للإنسان أن لا يخلو بيته من طيب، وأن يعتاد استعمال ذلك للجمعة وغيرها من كل اجتماع، كذا في شرح الشيخ، وكذا الكلام في قوله: (من طيب بيته)، ولا حاجة إلى تقييد الدهن بطيب الرائحة كما في شرح الشيخ، وإن كان أفضل، ولكن ذكر مس الطيب يغني عن التقييد إن لم يكن (أو) للشك من الراوي، وعند الإمام أبي","vol":"3","page":499},{"text":"أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ، فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ\nــ\nحنيفة رحمة اللَّه عليه دهن السمسم طيب، ولا يجوز مسه للمحرم، و\"أو\" في قوله: (أو يمس) بمعنى الواو، وفي شرح الشيخ: أي إن لم يجد دهنًا، وكان وجهه أن الادّهان بالدهن عمل كثير يستدعي دهنًا كثيرًا، فإن لم يجد يمس شيئًا من الطيب وإن كان قليلًا، لا سيما أن الشيخ قيّده بدهن طيب الرائحة، فافهم.\nوقوله: (فلا يفرق بين اثنين) بأن يجلس بين اثنين متلاصقين من غير أن يكون بينهما مكان فيتأذيان، أو يفرق بالتخطي والذهاب إلى مكان فوق، وقال الطيبي (١): هو كناية عن التبكير، أي: لا يبطئ حتى لا يفرق، فينطبق الحديث على الباب.\nولا حاجة إليه، والأحاديث المذكورة في أول الباب أحاديث التنظيف، وأحاديث التبكير تأتي من الحديث الرابع، وهكذا عادة المؤلف إذا جمع في الترجمة شيئين، والأمر في ذلك سهل.\nوقوله: (ثم يصلي ما كتب) أي: قدر، وهو سنة الجمعة، وقد وقع الكلام من العلماء في السنة قبل الجمعة، فأنكره قوم أنه ليس لها راتبة، وإنما يثبتون بالقياس على الظهر، والسنة لا تثبت بالقياس، وقد أطلنا فيه الكلام في شرح (سفر السعادة) (٢)، وفي هذا الباب نوع إيماء إلى ذلك، فإن هذه العبارة أكثر ما تستعمل في التطوع غير الرواتب، كما مرّ في حديث بلال في أول (باب التطوع).\nوقوله: (ثم ينصت) بضم الياء من أنصت: إذا سكت سكوت مستمع، لازم ومتعد، ومنه الإنصات للعلماء، أي: السكوت والاستماع لما يقولون، وجاء (ينصت)\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢١٤).\n(٢) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٢١١).","vol":"3","page":500},{"text":"إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٨٨٣].\n١٣٨٢ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنِ اغْتَسَلَ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّيَ مَعَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الأُخْرَى وَفَضْلُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٥٧].\n١٣٨٣ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ. . . . .\nــ\nبالفتح أيضًا، من نصت بمعنى سكت.\nوقوله: (إذا تكلم الإمام) أي: الخطيب، وفيه أن الأفضل أن يكون الإمام هو الخطيب.\nوقوله: (وبين الجمعة الأخرى) أي: الماضية التي قبلها كما يجيء في حديث سلمان، وتدل عليه الأحاديث الأخر، فـ (أخرى) ههنا بمعنى (غير) من غير اعتبار معنى التأخر.\n١٣٨٢ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (وفضل ثلاثة أيام) لتكون الحسنة بعشر أمثالها، و(فضل) منصوب على أنه مفعول معه، وفي (شرح صحيح مسلم): نصب (فضل) و(زيادة) على الظرفية، وقد يرفع عطفا على (ما) في (ما بينه)، أو يقدر: وزيد له فضل ثلاثة أيام، ويجوز أن يكون مجرورًا على أنه عطف على (الجمعة)، كذا قيل.\n١٣٨٣ - [٣] (وعنه) قوله: (من توضأ فأحسن الوضوء) إيراد هذا الحديث للإشارة إلى أن التنظيف أعمّ من الغسل، وليس الغسل بواجب.","vol":"3","page":501},{"text":"فَاسْتَمَعَ وَأَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَمَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٥٧].\n١٣٨٤ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقَفَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، يَكْتبونَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ. . . . .\nــ\nوقوله: (فاستمع وأنصت) عطف تفسيري.\nوقوله: (ومن مسّ الحصى) أي: لعب به عبثًا، وقيل: المراد تسويته ليسجد عليه، وقيل: المراد تقليب الحصى والعد بها للتسبيح، وهذا أنسب بالنهي عن التكلم عند الخطبة.\nوقوله: (فقد لغا) اللغو: التكلم بما لا يعني، والباطل، والكلام الساقط، وفي (القاموس) (١): كلمة لاغية، أي: فاحشة، جعل المس كاللغو؛ لأنه يشغله عن سماع الخطبة كما يشغله الكلام.\n١٣٨٤ - [٤] (وعنه) قوله: (الأول فالأول) الفاء في أمثاله تجيء للترتيب، كقولهم: الأمثل فالأمثل، والأبعد فالأبعد، ويحتمل الرتبة من الأعلى إلى الأدنى والعكس، وأما ههنا فمتعين أن يكون من القسم الأول.\nوقوله: (ومثل المهجِّر) بلفظ اسم الفاعل من التهجير، وهو في الأصل السير في الهاجرة، بمعنى نصف النهار عند زوال الشمس، لأن الناس يستكنّون في بيوتهم، فكأنهم تهاجروا شدة الحر، والمراد به ههنا وفي الحديث: لو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، بمعنى التبكير، أي: المجيء في أول أوقاتها والمبادرة إليها، وهي لغة حجازية، وقيل: التهجير ههنا بمعنى الهجير بكسر الهاء وتشديد الجيم، بمعنى ملازمة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٢٢).","vol":"3","page":502},{"text":"كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشًا، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٢٩، م: ٨٥٠].\nــ\nذكر شيء، وهو يفيد معنى المبادرة والمسارعة، أو مشتق من الهجر بمعنى هجر المنزل وتركه، يعني يهجر المنزل إلى وقت الجمعة ويتركه، كناية عن إتيان الجمعة من أول النهار، وفيه بعد؛ لأن الظاهر حيتئذ ذكر الهجر لا التهجير، وقيل: التهجير: السير في وقت الحر، سواء كان في أول الزوال وآخره، وقد ادعى بعضهم التهجير في أول النهار، وقال التُّورِبِشْتِي (١): جعل الوقت الذي يرتفع فيه النهار ويأخذ الحر في الازدياد من الهاجر [ة] تغليبًا، بخلاف ما بعد زوال الشمس، فإن الحر يأخذ فيه في الانحطاط.\nوقوله: (الذي يهدي بدنة) بفتحات: اسم لما يهدى إلى مكة، وجمعه بدن على وزن كتب، وهو اسم للإبل خاصة عند جماعة منهم الشافعي ﵀ بدلالة هذا الحديث؛ لجعلها مقابلة للبقر، وعامة للإبل والبقر والغنم عند جمهور أهل اللغة وبعض الفقهاء، ومنهم أبو حنيفة ﵀، والمراد في الحديث الإبل بقرينة المقابلة، قال الجوهري (٢): البدنة: ناقة أو بقرة تنحر بمكة، سميت بذلك لأنهم يسمّنونها، وقال الأزهري: البدنة لا تكون إلا من الإبل، وأما الهدي فمن الإبل والبقر والغنم.\nوقوله: (دجاجة) بفتح الدال، وهو الأفصح، ويثلث، وعطفه على ما قبله من قبيل الاتباع والمشاكلة، كقولهم: علفتها ماءً وتبنًا، والتقدير: تصدق دجاجة.\nوقوله: (فإذا خرج الإمام) وفي رواية لمسلم: (فإذا جلس الإمام)، والجمع بينهما بأن ابتداء طي الصحف عند ابتداء خروج الإمام وانتهائه بجلوسه على المنبر.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٣٣٦).\n(٢) \"الصحاح\" (٥/ ٢٠٧٧).","vol":"3","page":503},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nثم اعلم أنه قد استشكل هذا الحديث بأنه يلزم منه أن يكون إقامة الجمعة قبل الزوال، ومن ثم استدل به من ذهب إلى أن الجمعة تصح قبل الزوال كما هو في رواية عن أحمد ﵀ أيضًا، وبيانه: أن النهار كله اثنتا عشرة ساعة، وقد علم منه خروج الإمام للخطبة في آخر الساعة الخامسة، ولا شك أنها تكون قبل الزوال.\nوأجيب بأنه ليس في الحديث ذكر الإتيان من أول النهار، فلعل الساعة الأولى منه جعلت للتأهب بالاغتسال وغيره، ويكون مبدأ الجميع من أول الثانية، فيكون آخر الخامسة أول الزوال، وإلى هذا أشار بعضهم حيث قال: أول التبكير يكون من ارتفاع النهار، وقد يقال: يحتمل أن يكون الراوي لم يذكر الساعة السادسة.\nوقد وقع في بعض الروايات زيادة مرتبة بين الدجاجة والبيضة، وهي العصفور، وله متابعات وشواهد، وفي بعضها زيادة البط بين الكبش والدجاجة، وهذا إن أريد بالساعات ما يتعارف بها عند أهل التنجيم، وإلا فلا إشكال، ولو أريد تفاوت درجات الجائين للجمعة ومراتبهم في تقدم الأوقات وتأخرها فلا إشكال، سواء قدر لها خمس درجات أو ست، أو أزيد أو أنقص.\nوقدَّر الإمام الغزالي الساعة الأولى من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، والثانية إلى ارتفاعها، والثالثة إلى انبساطها، والرابعة إلى أن ترمض الأقدام، والخامسة إلى الزوال.\nوقال الشيخ ابن حجر (١): تجاسر الغزالي فقسمها برأيه، واعترض ابن دقيق العيد أيضًا بأن الرد إلى الساعة المعروفة أولى، وإلا لم يكن لتخصيص العدد بالذكر معنى؛ لأن المراتب متفاوتة جدًا.\nثم اعلم أنه وقع في بعض الروايات: (ثم راح إلى الجمعة)، وحقيقة الرواح الذهاب\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٣٦٩).","vol":"3","page":504},{"text":"١٣٨٥ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: أنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَقَدْ لَغَوْتَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٣٤، م: ٨٥١].\nــ\nمن الزوال إلى آخر النهار، كما أن الغدو من أوله إلى الزوال، وحينئذٍ يشكل اعتبار الساعات الخمسة أو الستة، ولهذا قال بعض الشافعية والمالكية رحمهما اللَّه: إن المراد بالساعات لحظات لطيفة بعد زوال الشمس، وآخرها قعود الخطيب على المنبر، وإطلاق الساعة على جزء من الزمان غير محدود متعارف، هذا وقد أنكر الأزهري على من زعم أن الرواح لا يكون إلا بعد الزوال، قال: العرب تقول: راح بمعنى ذهب في جميع الأوقات، قال: وهي لغة أهل الحجاز، ونقل أبو عبيد في (الغريبين) مثله، فقد ثبت أن المراد بالرواح الذهاب مطلقًا، وقيل: يمكن أن تكون النكتة في التعبير بالرواح الإشارة إلى أن الفعل المقصود لا يكون إلا بعد الزوال، فسمي الذاهب إلى الجمعة رائحًا بهذا الاعتبار وإن لم يجئ وقت الرواح، كما يسمى القاصد إلى الحج حاجًّا.\nوقد نقل عن مالك ﵀ حمل الرواح على حقيقته، والتجوز في الساعة بحملها على جزء لطيف من الزمان، وقد اشتد إنكار أحمد وابن حبيب من المالكية على هذا المنقول (١)، وقالا: هذا خلاف حديث رسول اللَّه -ﷺ-، وقد احتج بعض المالكية بحديث التهجير، وقد عرفت أن المراد به التبكير، فليتدبر.\n١٣٨٥ - [٥] (وعنه) قوله: (فقد لغوت) أي: عملت اللغو، وهو الكلام عند الخطبة مع ما فيه من التكلم مع الأمر بالإنصات لغيره، ففيه وجوب الإنصات ولو كان التكلم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو يكفيه الإشارة.\n_________\n(١) أي: ما نقل عن مالك من كراهية التبكير إلى الجمعة \"فتح الباري\" (٢/ ٣٦٩).","vol":"3","page":505},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوتفصيل الكلام في الإنصات: أن الإنصات واجب عند أكثر العلماء، والإمام أبي حنيفة ﵀ منهم، وعند بعضهم مستحب، ومنهم الشافعي ﵀، وقال في (المواهب اللدنية) (١): إن للشافعي ﵀ قولين، وكذا عن أحمد، وقال: إن ابن عبد البر نقل الإجماع على وجوب الإنصات إلا عن قليل من التابعين، وهذا القول غريب، انتهى.\nوقال الترمذي (٢): كره أهل العلم التكلم وقت الخطبة، واختلفوا في رد السلام وتشميت العاطس، فبعضهم كرهوه، وبعضهم ترددوا فيه، انتهى. ومذهبُ أبي حنيفة ﵀ أن من وقت خروج الإمام للخطبة إلى أن يشرع في الصلاة الصلاةُ والكلامُ كليهما حرام، وإن كان في الصلاة والإمامُ شرع في الخطبة قطع الصلاة على رأس ركعتين، وعند صاحبيه لا بأس بالكلام بعد خروج الإمام قبل الشروع في الخطبة، وبعد النزول عن المنبر قبل أن يكبر؛ لأن الكراهة إنما هي من جهة الإخلال بالاستماع، ولا استماع في هذين الوقتين، وقد أورد الترمذي في التكلم بعد نزول الإمام حديثًا في \"جامعه\"، بخلاف الصلاة فإن لها امتدادًا، ولعله لا يتيسر قطعها إلى الشروع في الخطبة، والدليل لأبي حنيفة على حرمتها حديث ورد فيها، والكلام أيضًا لا يتيسر قطعه بحكم الطبيعة، وروى مالك في (الموطأ) (٣): إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام.\nوقال الشيخ ابن الهمام (٤): في رفع هذا الحديث كلام، والمعروف أنه من كلام الزهري، وقال: إن ابن أبي شيبة روى في (مصنفه) عن علي وابن عباس وابن عمر -﵃-:\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ١٧٠).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٥١٢).\n(٣) \"موطأ مالك\" (٢٣٣).\n(٤) \"فتح القدير\" (٢/ ٦٨).","vol":"3","page":506},{"text":"١٣٨٦ - [٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يُقِيمَنَّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ يُخَالِفُ إِلَى مَقْعَدِهِ فَيَقْعُدَ فِيهِ، وَلَكِنْ يَقُولُ: افْسَحُوا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٧٨].\nــ\nأنهم كانوا يكرهون الصلاة والكلام بعد خروج الإمام، وقول الصحابي حجة عندنا ويجب تقليده، انتهى. وقالوا: المراد بالصلاة هي النافلة، ولم يكره قضاء الفائتة.\nواختلفوا فيمن جلس بعيدًا بحيث لا يسمع الخطبة، والمختار السكوت، وقيل: الأحسن أن يشتغل بالذكر والتسبيح خصوصًا عند ذكر صفات الظلمة، وقال الشيخ ابن الهمام: كره الكلام عند الخطبة وإن كان الأمر بالمعروف أو التسبيح أو التهليل، وحرم الأكل والشرب والكتابة، وكره تشميت العاطس ورد السلام، وفي رواية عن أبي يوسف: لا يكره لأنهما فرض، والجواب أنهما فرضان في كل وقت إلا عند سماع الخطبة؛ لعدم الإذن فيهما، ويصلي في نفسه؛ لئلا يشغل عن سماع الخطبة، وهو الصواب، وكذا الحمد عند العطسة، وفي ردِّ المُنكَر بالإشارة بالعين واليد لا يكره، وهو الصحيح، وفي النظر إلى كتاب وإصلاحه بالقلم رواية عن أبي يوسف، انتهى. وسيجيء الكلام في تحية المسجد في آخر (باب الخطبة) إن شاء اللَّه تعالى.\n١٣٨٦ - [٦] (جابر) قوله: (ثم يخالف إلى مقعده) أي: يقصد إلى مقعده ويلازمه.\nوقوله: (افسحوا) أي: وسعوا، وفي حديث الجماعة: (ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم) أي: آتيهم على تأويل، ويقال: خالفني إلى كذا، أي: قصده وهو مولٍّ عنه، وفي (القاموس) (١): هو يخالف فلانة: أي يأتيها إذا غاب زوجها، وخالفها إلى موضع آخر: لازمها، انتهى. وفي الحديث: (ما من رجل يخالف إلى امرأة رجل\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٤٦).","vol":"3","page":507},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-453> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٣٨٧ - [٧] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"من اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ، وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ، فَلَمْ يَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ، ثُمَّ صَلَّى مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ إِمَامُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ، كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ جُمُعَتِهِ الَّتِي قَبْلَهَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٤٣].\nــ\nمن المجاهدين) (١)، الحديث.\nالفصل الثاني\n١٣٨٧ - [٧] (أبو سعيد، وأبو هريرة) قوله: (من اغتسل يوم الجمعة) وزاد في بعض الطرق: (غسل الجنابة)، والمراد به عند الأكثر غسل كامل مستجمع لجميع الأركان والشرائط والسنن كغسل الجنابة، وقال بعضهم: هذا إشارة إلى استحباب الجماع في هذا اليوم لتخلية الباطن، وتسكين النفس من الخواطر الردية، وسد باب النظر الحرام، وتؤيده رواية (غسّل) بالتشديد في حديث أوس بن أوس.\nوقوله: (ولبس من أحسن ثيابه) الظاهر أن المراد أجمل الثياب وأزينها وأحبها إليه بعد أن لا يكون غير مشروع، وقيل: المراد بها الثياب البيض؛ لأنه كان أحب الثياب إلى رسول اللَّه -ﷺ-، وقد ورد في بعض الروايات استحباب لبسها يوم الجمعة.\nوقوله: (ومس من طيب إن كان عنده) يؤيد الاحتمال الأول من الاحتمالين المذكورين في شرح قوله: \"يمس من طيب بيته\" كما أشرنا إليه.\nوقوله: (كانت) أي: هذه الأفعال بجملتها أو هذه الفعلة المشتملة على ما ذكر.\n_________\n(١) أخرج نحوه النسائي (٣١٨٩).","vol":"3","page":508},{"text":"١٣٨٨ - [٨] وَعَنْ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ وَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ: أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٤٩٦، د: ٣٤٥، ن: ١٣٨١، جه: ١٠٨٧].\n١٣٨٩ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدَ أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سِوَى. . . . .\nــ\n١٣٨٨ - [٨] (أوس بن أوس) قوله: (من غسّل يوم الجمعة) روي بالتشديد والتخفيف، فالتشديد يحتمل المبالغة؛ لأن هذه الصيغة تجيء لها، ويحتمل حمل المرأة على الغسل بأن يطأها، والتخفيف إما للتأكيد، أو المراد به غسل الرأس بخطمي وغيره؛ لأن العرب لهم لِمَمٌ وشعور في غسلها كلفة، وبالاغتسال غسل تمام البدن، وإفراد غسل الرأس لما ذكرنا.\nوقوله: (وبكّر) أي: أتى الصلاة أول وقتها.\nوقوله: (وابتكر) أي: أدرك أول الخطبة، أو هما بمعنًى كرِّر للتأكيد، وقيل: بكّر: تصدق قبل خروجه على ما في الحديث: \"باكروا الصدقة؛ فإن البلاء لا يتخطاها\" (١).\nوقوله: (بكل خطوة عمل سنة) وجاء في المشي إلى مطلق الصلاة رفع درجة في كل خطوة، وكتابة حسنة، ومحو سيئة فيها، أما ثبوت أجر سنة قيام ليل وصيام نهار، فهو من خصائص الجمعة.\n١٣٨٩، ١٣٩٠ - [٩، ١٠]: (عبد اللَّه بن سلام، ويحيى بن سعيد) قوله: (سوى\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"الأوسط\" (٥٦٤٣)، والبيهفي في \"الشعب\" (٣٠٨٢)، وفي \"السنن الكبرى\" (٧٨٣١).","vol":"3","page":509},{"text":"ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٠٩٥].\n١٣٩٠ - [١٠] وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيْدٍ. [ط: ٢٤٢].\n١٣٩١ - [١١] وَعَن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"احْضُرُوا الذِّكْرَ وَادْنُوا مِنَ الْإِمَامِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يَتَبَاعَدُ حَتَّى يُؤَخَّرَ فِي الْجَنَّةِ وَإِن دَخَلَهَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١١٠٨].\n١٣٩٢ - [١٢] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nثوبي مهنته) بكسر الميم وفتحها وسكون الهاء بمعنى الخدمة، يعني الثياب المتبذلة في سائر الأيام، ونقل عن الأصمعي إنكار الكسر، كذا في الكتب، وفي (القاموس) (١): المهنة بالكسر والفتح والتحريك، وككلمة: الحِذْق بالخدمة والعمل، مَهَنَهُ كمنعه ونصره مَهْنًا ومَهْنَةً، ويكسر: خدمَهُ، وجاء في بعض الروايات أنه كان له -ﷺ- بُردان يلبسهما ليوم الجمعة، ويستنبط منه أنه لو كان ثوب زائد على الحاجة اتخذ لمصلحة دينية لم يُخِلّ بالزهد.\n١٣٩١ - [١١] (سمرة بن جندب) قوله: (احضروا الذكر) أي: الخطبة، (وادنوا من الإمام) أي: قوموا إلى الصف الأول، وفيه ترغيب إلى طلب أعالي الأمور وزجر عن السكون إلى سفسافها.\n١٣٩٢ - [١٢] (معاذ بن أنس الجهني) قوله: (وعن معاذ بن أنس الجهني) بضم الجيم وفتح الهاء (عن أبيه) قيل: الصواب سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه كما في (الترمذي)، ووجهه: أن معاذًا صحابي وأنس أبوه ليس بصحابي، فلا يصح معاذ عن\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٣٩).","vol":"3","page":510},{"text":"\"مَنْ تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ اتَّخَذَ جِسْرًا إِلَى جَهَنَّمَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٥١٣].\nــ\nأبيه، وأما سهل بن معاذ فتابعي روى عن أبيه، وقال في (جامع الأصول) (١): سهل بن معاذ لين الحديث، إلا أن أحاديثه حسان في الرغائب والفضائل، وفي (التهذيب) (٢): ضعفه يحيى بن معين، وذكره ابن حبان في (كتاب الثقات).\nوقوله: (اتخذ جسرًا) روي (اتخذ) مبنيًّا للفاعل، وقال التُّورِبِشْتِي (٣): هي الرواية المعتدّ بها، والمعنى أن صنيعه ذلك يؤدي إلى جهنم، كالجسر الذي يؤدي مَن يعبر عليه إلى ما وراءه، وقال: ومنهم من يرويه على بناء ما لم يسم فاعله، وفيه وهنٌ روايةً ومعنًى، انتهى. ولا يذهب أن أمر الرواية شيء آخر لا كلام فيه، وأما ثبوت الوهن والضعف معنًى فمحل تردد، ومعناه ظاهر؛ مجازاةً بمثل عمله.\nوقوله: (وقال: هذا حديث غريب) قال الترمذي: حديث سهل بن معاذ بن أنس الجهني حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد، والعمل عليه عند أهل العلم، كرهوا أن يتخطى الرجل رقاب الناس يوم الجمعة، وشددوا في ذلك، وقد تكلم بعض أهل العلم في رشدين بن سعد وضعفوه من قبل حفظه، وقال في (التقريب) (٤): كان صالحًا في دينه، فأدركته غفلة الصالحين، وفي (الكاشف) (٥): كان صالحًا عابدًا محدثًا، سيئ الحفظ، توفي في سنة ثمان وثمانين ومئة.\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٨٥٣).\n(٢) \"تهذيب التهذيب\" (٤/ ٢٢٧).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (١/ ٣٣٩).\n(٤) \"تقريب التهذيب\" (٢٠٩).\n(٥) \"الكاشف\" (١/ ٢٩٧).","vol":"3","page":511},{"text":"١٣٩٣ - [١٣] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى عَنِ الْحَبْوَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٥١٤، د: ١١١٠].\n١٣٩٤ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٥٢٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-454> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٣٩٥ - [١٥] عَنْ نَافِعٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُقِيمَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَقْعَدِهِ وَيَجْلِسَ فِيهِ. قِيلَ لِنَافِعٍ: فِي الْجُمُعَةِ، قَالَ: فِي الْجُمُعَة وَغَيْرِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩١١، ٦٢٧، م: ٢١٧٧].\nــ\n١٣٩٣ - [١٣] (معاذ بن أنس) قوله: (عن الحبوة) بفتح الحاء ويثلث، اسم من الاحتباء، وهو أن يجمع ظهره وساقيه إلى بطنه بيديه أو نحو ثوب، وإنما نهي عنه لأنه يجلب النوم فيلهي عن الخطبة، وقد ينقض الوضوء، وأما في غير حال الخطبة فليس بمكروه، كيف وقد جلس رسول اللَّه -ﷺ- محتبيًا في فناء الكعبة، والعادة على هذا في الحرمين الشريفين.\n١٣٩٤ - [١٤] (ابن عمر) قوله: (إذا نعس) كمنع.\nوقوله: (فليتحول من مجلسه) أي: يقوم ويجلس في موضع آخر ليذهب النوم.\nالفصل الثالث\n١٣٩٥ - [١٥] (نافع) قوله: (ويجلس) بالنصب عطفًا على (يقيم)، ويروى بالرفع، والجملة حالية، والنهي عن الجمع، كذا في شرح الشيخ، والحمل على النهي عن الجمع إنما هو بالنظر إلى هذا المقام اتفاقًا، وإلا فالإقامة من مقعده وحدها بغير سبب منهي عنه موجب للإيذاء، والحديث عام في الجمعة وغيرها.","vol":"3","page":512},{"text":"١٣٩٦ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ: فَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِلَغْوٍ، فَذَلِكَ حَظُّهُ مِنْهَا، وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِدُعَاءٍ، فَهُوَ رَجُلٌ دَعَا اللَّهَ إِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ، وَرَجُلٌ حَضَرهَا بِإِنْصَاتٍ وَسُكُوتٍ وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُؤْذِ أَحَدًا، فَهِيَ كَفَّارَةٌ إِلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا وَزِيَادَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١١١٣].\n١٣٩٧ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَهُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَالَّذِي يَقُولُ لَهُ: . . . . .\nــ\n١٣٩٦ - [١٦] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (حضرها بِلَغْوٍ) أي: كلام باطل وعبث بشيء في حال الخطبة وغيرها، وكذا الدعاء، وأمر الدعاء متردد بين الرد والقبول خصوصًا في هذه الحالة؛ لكونه حرامًا أو مكروهًا، فالمنع غالب، أو المراد الدعاء بالقلب في الباطن، فالرجل الأول مسيء جزمًا، والثاني وإن كان داعيًا متوجهًا إلى اللَّه فهو مشغول بحظ نفسه، وأما الثالث فطالب رضا اللَّه تعالى، صادق، منقطع عن الخلق وعن نفسه.\nوقوله: (فهي كفارة إلى الجمعة التي تليها) قد مرّ في (الفصل الثاني): (كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة قبلها)، ولا ريب أن الجمعة التي قبلها تلي هذه الجمعة وتتصل بها، فلا منافاة، فافهم.\n١٣٩٧ - [١٧] (ابن عباس) قوله: (فهو كمثل الحمار) أي: مثله كمثل الحمار يحمل أسفارًا، كناية عن العلم بلا عمل.","vol":"3","page":513},{"text":"أَنْصِتْ لَيْسَ لَهُ جُمُعَةٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ٢٣٠].\n١٣٩٨ - [١٨] وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ مُرْسَلًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي جُمُعَةٍ مِنَ الْجُمَعِ: \"يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! إِنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا فَاغْتَسِلُوا، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طِيبٌ فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ\". رَوَاهُ مَالِكٌ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنهُ. [ط: ١٤٤، جه: ١٠٩٨].\n١٣٩٩ - [١٩] وَهُوَ عَنِ ابْنِ عَبَّاس مُتَّصِلًا.\n١٤٠٠ - [٢٠] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"حَقًّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَغْتَسِلُوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَلْيَمَسَّ أَحَدُهُمْ مِنْ طِيبِ أَهْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَالْمَاءُ لَهُ طِيبٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [حم: ٤/ ٢٨٢ - ٢٨٣، ت: ٥٢٨].\n* * *\nــ\nوقوله: (ليس له جمعة) لكونه لاغيًا، فليس له فضل وثواب.\n١٣٩٨، ١٣٩٩ - [١٨، ١٩] (عبيد بن السباق، وابن عباس) قوله: (عبيد بن السباق) بفتح السين وتشديد الموحدة، تابعي، يعد في الحجازيين، حديثه فيهم.\nوقوله: (فلا يضره أن يمس منه) كان إيثار هذه العبارة لتوهم بعض الناس أن التطيب من شيمة النساء، وفيه إسراف وحرج.\n١٤٠٠ - [٢٠] (البراء) قوله: (حقًّا) مصدر مؤكد أقيم مقام فعله، أي: حق حقًّا، قدِّم اهتمامًا بشأنه.\nوقوله: (فإن لم يجد) أي: عند أهله، فلا حاجة إلى السؤال من الناس، ويكفي الماء.","vol":"3","page":514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-455>٤٥ - باب الخطبة والصلاة</span>\nــ\n٤٥ - باب الخطبة والصلاة\nالخطبة: بالضم مصدر خَطَبَ يَخْطُبُ خطابةً وخُطْبةً، ويطلق على الكلام الذي يخطب به، وهو الكلام المنثور المسجع ونحوه، كذا في (القاموس) (١)، وفي عرف الشرع: عبارة عن كلام يشتمل على الذكر والتشهد والصلاة والوعظ، والخطبة شرط صلاة الجمعة فرض فيها، ويكفي في أدنى مقدار الفرض عند أبي حنيفة ﵀ أدنى ما يشتمل على ذكر اللَّه تعالى من تسبيحة أو تحميدة؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] من غير فصل بين كونه ذكرًا طويلًا يسمى خطبة، أو ذكرًا قصيرًا لا يسمى خطبة، فكان الشرط الذكر الأعم، غير أن المأثور عنه -ﷺ- اختيار أحد الفردين، أعني الذكر المسمى بالخطبة، والمواظبة عليه، فكان ذلك واجبًا أو سنة، لا أنه الشرط الذي لا يجزئ غيره، إذ لا يكون بيانا لعدم الإجمال في لفظ الذكر، وقد علم وجوب تنزيل المشروعات على حسب أدلتها.\nوقالا: لا بد من ذكر طويل يسمى خطبة في العادة؛ لأن الخطبة هي الواجبة، والتسبيحة والتحميدة لا تسمى خطبة، وقال الشافعي ﵀: لا يجوز حتى يخطب خطبتين، وقد يحكى عن عثمان -﵁- أنه قال: الحمد للَّه، فأُرتج عليه، فنزل وصلى بهم، ولم ينكر عليه أحد منهم، فكان إجماعًا، وقال الشيخ ابن الهمام (٢): قصة عثمان -﵁- لم تعرف في كتب الحديث، بل ولا في كتب الفقه، وهي أنه لما خطب في أول جمعة في الخلافة صعد المنبر، فقال: الحمد للَّه، فارتج عليه، فقال: إن أبا بكر وعمر -﵄- كانا يُعِدَّان لهذا المقام مقالًا، وأنتم إلى إمام فعال أحوج منكم إلى إمام\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٨).\n(٢) \"فتح القدير\" (٢/ ٦٠).","vol":"3","page":515},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-456> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٤٠١ - [١] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٩٠٤].\n١٤٠٢ - [٢] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى. . . . .\nــ\nقوال، وسيأتيكم الخطب بعد الخطب، وسيغفر اللَّه لي ولكم، واللَّه أعلم.\nالفصل الأول\n١٤٠١ - [١] (أنس) قوله: (حين تميل الشمس) أي: تزول وتميل إلى المغرب، وهذا في صورة عدم اشتداد الحر، والمراد الأصلي أنه لا يصلي قبل الزوال، فلا منافاة بينه وبين الحديث الآتي، وقد روي عن أحمد أنه أجاز الجمعة قبل الزوال كالعيد، ولم يوافقه أحد على هذا.\n١٤٠٢ - [٢] (سهل بن سعد) قوله: (ما كنا نقيل) من القيلولة، والقائلة: نصف النهار، وقال قيلًا وقائلةً وقيلولةً ومَقالًا ومقيلًا وتَقَيَّلَ: نام فيه، فهو قائل، كذا في (القاموس) (١)، ونقل عن الأزهري أن القيلولة والمقيل عند العرب: الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن مع ذلك نوم، وقد يستدل على هذا بقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤]، والجنة لا نوم فيها.\nأقول: لعل ما ذكر في (القاموس) أصل اللغة، ثم اتسع في العرب في الاستراحة من غير نوم، كما قد يشعر به قول الأزهري: (عند العرب)، وهذا هو المعتبر في إقامة سنة القيلولة.\nوقوله: (ولا نتغدى) أي: لا نأكل، من التغدي، وهو أكل الطعام قبل الزوال،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٧٠).","vol":"3","page":516},{"text":"إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٣٩، م: ٨٥٩].\n١٤٠٣ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ، وَإِذَا اشتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ. يَعْنِي الْجُمُعَةَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٩٠٦].\n١٤٠٤ - [٤] وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ النِّدَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوَّلُهُ إِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ وَكَثُرَ النَّاسُ زَادَ النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٩١٢].\nــ\nوهذا الحديث قد يؤيد مذهب أحمد، ولكن المراد التبكير والاهتمام للجمعة وعدم الاشتغال بمهم آخر، لا أداؤها قبل الزوال، فافهم.\n١٤٠٣ - [٣] (أنس) قوله: (إذا اشتد البرد) فيه نوع من المشاكلة، والمراد عدم اشتداد الحر.\nوقوله: (بكَّر بالصلاة) أي: عجل بها وأداها في أول الوقت.\nوقوله: (يعني الجمعة) لعل هذا الحديث ورد في الجمعة، وإلا فأصل الحكم في الظهر والجمعة خلفه.\n١٤٠٤ - [٤] (السائب بن يزيد) قوله: (فلما كان عثمان): (كان) تامة.\nوقوله: (زاد النداء الثالث) المراد به النداء الأول الذي قبل خروج الإمام ليحضر الناس من بعيد ويدركوا أول الخطبة، وأما في زمن النبوة فكانوا حاضرين في المسجد ملازمين لمجلسه الشريف -ﷺ-، ولما رأى عثمان -﵁- كثرة الناس وتفرقهم واشتغالهم بأمورهم استحسن الإعلام قبل وقت الخطبة ليحضروا، والمعتبر في وجوب السعي وحرمة البيع عند البعض هو الأذان عند الخطبة؛ لأنه الأصل في الشرع، والأصح أن","vol":"3","page":517},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالمعتبر هو الأول المستحدث إن أوقع في وقتها، وهو بعد الزوال؛ لأن المقصود -وهو الإعلام- إنما حصل به، كذا في (الهداية) (١).\nثم هذا النداء الأول العثماني قد سمي في بعض الأحاديث ثانيًا باعتبار الحدوث وإن كان أولًا باعتبار الفعل، وقد استغرب بعض الفضلاء في العبارة فقال: الأول ثان والثاني الأول، وسمي في بعضها ثالثًا باعتبار تسمية الإقامة أذانًا باعتبار أنه إعلام كما ورد: (بين كل أذانين صلاة)، وكما ورد بهذا الاعتبار أنه كان في زمن رسول اللَّه -ﷺ- أذانان.\nوذكر في بعض الكتب أن الأذان الأول من محدثات بني أمية، والظاهر أن هذا لما ذكر بعض المحققين أن هذا النداء العثماني الذي أمره بالزوراء نقله هشام بن عبد الملك إلى المسجد، وجاء في بعض الروايات أن الأذان الأول حدث في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁-، واستمر إلى زمن أمير المؤمنين عثمان -﵁-.\nوقال بعضهم: إن في زمن عمر -﵁- كان مجرد إعلام، فأمر عثمان -﵁- أن يفعل بلفظ الأذان على مكان عال، وهو الزوراء: موضع مرتفع بالمدينة في سوقها خارج المسجد، ويسمى أحجار الزيت؛ لما فيه أحجار سود، كأنها طليت بالزيت، وعلى كل تقدير لا يقال: لما فعلته الخلفاء الراشدون بدعة، فقد جاء إطلاق السنة عليها، وقد أطلق بعض العلماء بمعنى أنه أمر مستحدث لم يكن في زمنه -ﷺ-، ولم يقصد تذميم تلك الفعلة وتقبيحها، كذا قال العلماء.\nثم اعلم أن الحادث في زمان عثمان -﵁- هو الأذان الأول الذي سبق ذكره، أما الأذان الآخر بعده في وقت السنة، فلم يكن في زمن النبوة، ولا في زمن الصحابة، ولا بعدهم، ولا عمل عليه في أكثر ديار الإسلام، ولم يعلم متى حدث، ويقال: إنه\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٨٤).","vol":"3","page":518},{"text":"١٤٠٥ - [٥] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَتْ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- خُطْبَتَانِ يَجْلِسُ بَيْنَهُمَا، يَقْرَأ الْقُرْآنَ وُيذَكِّرُ النَّاسَ،\nــ\nأحدثه الحجاج، واللَّه أعلم، فينبغي أن يؤدي السنة بالأذان الأول، ولو قيل لقصد الإعلام: الصلاة الصلاة لكفى.\n١٤٠٥ - [٥] (جابر بن سمرة) قوله: (يجلس بينهما) (١) ومقدار هذا الجلوس أن يستقر كل عضو في موضعه، ولم يصح دعاء فيه من النبي -ﷺ-، وهو سنة وليس بواجب (٢)، وروي في شرح (كتاب الخرقي) (٣) عن المغيرة بن شعبة رأيت علي بن أبي طالب -﵁- خطب ولم يجلس، وعند بعض أصحاب أحمد ﵀ واجب.\nوقوله: (يقرأ القرآن) أي: في الخطبتين لا بينهما، (ويذكر الناس) من التذكير أي: يعظهم.\n_________\n(١) فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ خُطْبَتَهُ كَانَتْ حَالَةَ الْقِيَامِ، وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَ الشَّافِعِيُّ، وقال مالك: هو واجب لو تركه أساء وصحت صلاته، وفي \"البدائع\" (١/ ٢٦٣): وَالْقِيَامُ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ، حَتَّى لَوْ خَطَبَ قَاعِدًا يَجُوزُ عِنْدَنَا لِظَاهِرِ النَّصِّ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ قَاعِدًا حِينَ كَبِرَ وَأَسَنَّ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، إِلَّا أَنَّهُ مَسْنُونٌ فِي حَالِ الِاخْتيَارِ؛ لأَنَّ النَّبِيِّ -ﷺ- كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا. انظر: \"أوجز المسالك\" (٢/ ٤٠٤)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٤٢).\n(٢) ذهب الشَّافِعِي إِلَى أن الْجُلُوس بَين الْخطْبَتَيْنِ واجب، وَذهب أَبُو حنيفَة وَمَالك إِلَى أَنَّه سنة وَلَيْس بواجب، كجلسة الاسْتِرَاحَة فِي الصَّلَاة عِنْد من يَقُول باستحبابها، وَقَالَ ابْن عبد الْبر: ذهب مَالك والعراقيون وَسَائِر فُقَهَاء الأَمْصَار إِلّا الشَّافِعِي: إِلَى أَن الْجُلُوس بَين الْخطْبَتَيْنِ سنة لَا شَيْء على من تَركه، وَذهب بعض الشَّافِعِيَّة إِلَى أَن الْمَقْصُود الْفَصْلُ وَلَو بِغَيْر الْجُلُوس، حَكَاهُ صَاحب \"الْفُرُوع\". وَفِي \"التَّوْضِيح\": وَصرح إِمَام الْحَرَمَيْنِ بِأَن الطُّمَأْنِينَة بَينهمَا وَاجِبَة، وَهُوَ خَفِيف جدًّا قدر قِرَاءَة سُورَة الْإِخْلَاص تَقْرِيبًا. انظر: \"عمدة القاري\" (٦/ ٢٢٨).\n(٣) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (١/ ٣٤٦).","vol":"3","page":519},{"text":"فَكَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا، وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٦٢].\n١٤٠٦ - [٦] وَعَنْ عَمَّارٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ،\nــ\nوقوله: (فكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا) أي: لم يكونا طويلتين، وهذا لا ينافي أقصرية الخطبة بالنسبة إلى الصلاة كما يأتي في الحديث الآتي، فافهم.\n١٤٠٦ - [٦] (عمار) قوله: (مَئِنَّة من فقهه) بفتح الميم وكسر الهمزة وتشديد نون، أي: مظنة له ودليل عليه يعرف به فقهه، وكل شيء دل على شيء فهو مئنة له، وهي مفعلة من (إنَّ) التي للتحقيق، فيكون موضع ثبوته وتحقيقه، وهم قد يأخذون من غير المصادر ألفاظًا تضمينًا لمعناه، كمعساة من عسى، وقيل: الهمزة بدل من ظاء (مظنة)، فالميم على هذا زائدة، وقيل: وزنه فعلة، وهو غلط، كذا في حاشية مسلم بخط مولانا محمد طاهر الفتني ﵀، والكلام الفصل الجامع فيه ما ذكر في (المشارق) (١): (مئنة من فقه الرجل)، كذا رويناه عن أكثرهم ومتقنيهم في الصحيح وفي غيره من كتب الحديث والشروح بقصر الألف المكسورة ونون مشددة وآخره تاء منونة، وقد خلط فيه كثير من الرواة بألفاظ كلها تصحيف ووهم، وكان في كتاب شيخنا القاضي أبي علي والفقيه أبي محمد بن [أبي] جعفر (مائنة) بالمد، وبعضهم يقوله بهاء الكناية، كأنه يجعله (ما) بمعنى الذي، و(إنه) للتأكيد، وكله خطأ ووهم، والحرف معلوم محفوظ على الصواب كما قدمناه.\nقال أبو عبيدة عن الأصمعي: معناه مَخْلَقةٌ ومَجْدَرةٌ وعلامةٌ به، كأنه دالٌّ على فقه الرجل، وحقيق بفقه الرجل، وهذا الكلام جمع تفسيرين ولف معنيين؛ لأن الدلالة على الشيء غير ما يستحقه ويليق به، قال غيره: المئنة للشيء: الدليل عليه، وقيل:\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٦٠٤).","vol":"3","page":520},{"text":"وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ، وَإِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٦٩].\nــ\nمعناه حقيقة، والميم فيه زائدة عند الخطابي والأزهري وغيرهما، و[هي] ميم (مَفعِلة)، وهو نحو ما ذهب إليه الأصمعي في أحد تفسيريه المختلط بقوله: مَخْلَقة ومَجْدَرَة، وقال لي شيخنا أبو الحسين عن أبيه: هي أصلية وزنها (فَعِلَّة)، من مأنتُ: إذا اشعرتُ، أي: أنها مشعرة بذلك، وهذا على أحد تفسيري الأصمعي في قوله: علامة، وقال الخطابي: مئنة (مفعلة) من الأنِّ، وذكر بعضهم أنها مبنية من إنِّية الشيء بمعنى إثباته، وقولهم فيه: إنه كذا. وحكى الجياني أنه مما يتعاقب فيه الظاء والهمزة، وأن مئنة ومظنة بمعنى واحد، كان الهمزة عنده مبدلة من الظاء.\nوقوله: (واقصروا الخطبة) بهمزة الوصل من نصر، في (القاموس) (١): قصره يقصره جعله قصيرًا، وقد روي من فعله -ﷺ- أنه كان يقصر الخطبة، كما روى أحمد وأبو داود أنه قال بعد ما أثنى على ربه: (أيها الناس! لن تفعلوا ولن تطيقوا كل ما أمرتكم به، ولكن سددوا وأبشروا)، ولعل الوجه في قصر الخطبة أنه يكفي للمتيقظ كلمة خصوصًا منه -ﷺ- حيث كان مصدر جوامع الكلم، ومظهر غرائب الحكم، وفي ذلك تنبيه منه -ﷺ- للأمة على أن يسعوا في طاعة اللَّه وعبادته، ويشتغلوا بتهذيب نفوسهم، وفي وعظ الناس مظنةُ العُجْب، وعدم موافقة القول بالفعل، وأن يقال: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، فأرشد الأمة بذلك قولًا وفعلًا. وقال الطيبي (٢): الصلاة هي الأصل والخطبة فرع عليها، ومن القضايا الفقهية أن يؤثر الأصل على الفرع.\nوقوله: (وإن من البيان سحرًا) يتضمن هذا مدحًا للبيان وذمًّا له، فإن له تأثيرًا في القلوب وصرفها وإمالتها إلى جانب كالسحر يؤثر في النفوس، فإن صرفها إلى جانب\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٣١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢٢٥).","vol":"3","page":521},{"text":"١٤٠٧ - [٧] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: \"صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ\"، وَيَقُولُ: \"بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ\". وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَابَةِ وَالْوُسْطَى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٦٧].\nــ\nالحق فيمدح، وإن صرفها إلى جانب الباطل فيذم، وقد يجيء تفصيل الكلام فيه في (باب البيان والشعر)، ويمكن أن يكون ذكره ههنا دليلًا على قصر الخطبة بأنه ينبغي أن تكون الخطبة بألفاظ وجيزة قليلة، دالة على معان جزيلة، كما يقال: خير الكلام ما قلّ ودلّ.\n١٤٠٧ - [٧] (جابر) قوله: (إذا خطب احمرت عيناه) لما يتجلى عليه من بوارق أنوار العظمة والجلال، ولوامع أضواء الإبلاغ والإنذار.\nوقوله: (منذر جيش) أي: مخبر عن جيش ينذر قومًا بنزوله، والإنذار: تخويف مع إبلاغ. (يقول) أي: ذلك المنذر للقوم: (صبحكم) الجيش (ومساكم) أي: حان وقرب أن ينزل عليكم ويغير وقت الصباح والمساء، ويحتمل أن يكون الضمير في (يقول) للنبي -ﷺ- كما يناسب قوله: (ويقول: بعثت أنا. . . إلخ).\nوقوله: (والساعة) بالرفع والنصب كما في جئت أنا وزيد.\nوقوله: (يقرن) بضم الراء وكسرها.\nوقوله: (بين إصبعيه السبابة والوسطى) ويشير بـ (هاتين) إليهما، واختلف في تأويله فقيل: المراد اقتران السبابة بالوسطى إشارة إلى اقتران الساعة ببعثه -ﷺ-، وقيل: المراد أن بُعد ما بين الساعة وبينه -ﷺ- كبعد ما بين السبابة ورأس الوسطى، وهو أيضًا إشارة إلى القرب، لكن الأول أبلغ، كذا قالوا، والظاهر من لفظ (يقرن) أن يكون المراد هو الأول، إلا أن يقال: تقدم الوسطى من المسبحة أيضًا إنما يظهر بالقران دون","vol":"3","page":522},{"text":"١٤٠٨ - [٨] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقْرَأُ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨١٩، م: ٨٧١].\n١٤٠٩ - [٩] وَعَنْ أُمِّ هِشَامٍ بِنْتِ حَارِثَةَ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَتْ: مَا أَخَذْتُ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إِلَّا عَنْ لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، يَقْرَؤُهَا كُلَّ جُمُعَةٍ عَلَى الْمِنْبَرِ إِذَا خَطَبَ النَّاسَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٧٣].\n١٤١٠ - [١٠] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خَطَبَ (١) وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ. . . . .\nــ\nالانفراج، فافهم.\n١٤٠٨ - [٨] (يعلى بن أمية) قوله: (﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾) الضمير في (نادوا) لأهل النار الداخلين فيها، و(مالك) اسم خازن النار، وقضى عليه بمعنى أماته، والمعنى: سل ربك أن يميتنا، فيجابون بأنكم ماكثون، أي: خالدون، وكان -ﷺ- يقرأ هذه الآية إنذارًا لهم.\n١٤٠٩ - [٩] (أم هشام بنت حارثة بن النعمان) قوله: (ما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾) قيل: المراد أول السورة؛ لأن جميعها لم يقرأ رسول اللَّه -ﷺ- في الخطبة، وعلى هذا أخذها هذه السورة أيضًا يكون بمعنى أخذ أولها، واللَّه أعلم.\nوقوله: (يقرؤها كل جمعة) لعل المراد جمعات حضرت أم هشام فيها.\n١٤١٠ - [١٠] (عمرو بن حريث) قوله: (عمامة سوداء) (٢) فيه استحباب لبس\n_________\n(١) قَالَ مِيرَكُ فِي حَاشِيَةِ \"الشَّمَائِلِ\": هَذِهِ الْخُطْبَةُ وَقَعَتْ فِي مَرضِ النَّبِيِّ -ﷺ- الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٤٥).\n(٢) ظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ \"الْمَدْخَلِ\" أَنَّ عِمَامَتَهُ -ﷺ- كَانَتْ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ، نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ. \"مرقاة =","vol":"3","page":523},{"text":"قَدْ أَرْخَى طَرَفَيْهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٥٩].\n١٤١١ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ يَخْطُبُ: \"إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ، وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٧٥].\nــ\nالسواد، وهو مذهب الحنفية.\nوقوله: (بين كتفيه) بالتثنية في جميع نسخ مسلم، وصوب القاضي الإفراد، كذا في (مجمع البحار) (١)، وقال في (شرح مسلم): كذا هو بالتثنية في جميع نسخ بلادنا، وهكذا في \"الجمع بين الصحيحين\" للحميدي، وقال القاضي: هو الصواب، والمعروف هو بالإفراد، هذا ولا يخفى أن كلمة (بين) تقتضي التثنية، والروايات متعاضدة فيها، ومع ذلك ما وجه تصويب الإفراد؟ واللَّه أعلم.\n١٤١١ - [١١] (جابر) قوله: (فليركع ركعتين) حملها الشافعية على تحية المسجد، فإنها واجبة عندهم، وكذا عند أحمد.\nوقوله: (وليتجوز فيهما) أي: يخفف، يقال: تجوز في الصلاة: خفف، وفي الكلام: تكلم بالمجاز، وعند الحنفية لما لم تجب في غير وقت الخطبة لم تجب فيه بطريق الأولى، وهو مذهب مالك وسفيان الثوري، وعليه جمهور الصحابة والتابعين، كذا قال النووي، وتأوله بأن المراد أراد أن يخطب بقرينة الأحاديث الصحيحة الدالة على وجوب حرمة الصلاة في وقت الخطبة، وقد ثبت في الصحيحين من حديث جابر بطرق متعددة أنه جاء رجل إلى النبي -ﷺ- وهو يخطب، فقال: أصليت يا فلان؟ قال: لا، قال: صل ركعتين وتجوز فيهما، وتأولوه بأن ورود هذا كان قبل المنع، أو كان\n_________\n= المفاتيح\" (٣/ ١٠٤٥).\n(١) \"مجمع البحار\" (٤/ ٣٧٨).","vol":"3","page":524},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمخصوصًا بذاك الرجل الداخل، وقيل: كانت هذه القضية قبل أن يشرع -ﷺ- في الخطبة، وقيل: كانت الخطبة لغير الجمعة، واللَّه أعلم.\nوقال الشيخ ابن الهمام (١): معارضة هذا الحديث والأحاديث الأخر غير لازم؛ لجواز كونه قطع الخطبة حتى فرغ، وهو كذلك، رواه الدارقطني في (سننه) من حديث عبيد بن محمد العبدي قال: حدثنا معتمر عن أبيه عن قتادة عن أنس -﵁- قال: دخل رجل المسجد ورسول اللَّه -ﷺ- يخطب، فقال له النبي -ﷺ-: (قم فاركع ركعتين)، وأمسك عن الخطبة حتى فرغ من صلاته، ثم قال: أسنده عبيد بن محمد العبدي ووهم فيه، ثم أخرجه عن أحمد بن حنبل حدثنا معتمر عن أبيه قال: جاء رجل، الحديث، وفيه: انتظره حتى صلى، قال: وهذا المرسل هو الصواب، ونحن نقول: المرسل حجة لا سيما إذا جاء مرفوعًا أيضًا وهو خال عن معارض؛ لأن غيره ساكت عن قطع الخطبة والإمساك عنها، وزيادة الثقة مقبولة، وعلى هذا فما جاء من حديث مسلم: (إذا جاء أحدكم الجمعة) يكون المراد به أن يركع مع سكوت الخطيب، لما ثبت في السنة من ذلك، انتهى ملخصًا.\nوقد أورد في (تكملة المشكاة) حديث الدارقطني المذكور عن محمد بن قيس، وقال في (فتح الباري) (٢): إن حديث دخول الرجل واقعة عين لا عموم لها، فيحتمل اختصاصه به، ويدل عليه حديث أبي سعيد الذي أخرجه أصحاب السنن وغيرهم: جاء رجل والنبي -ﷺ- يخطب، والرجل في هيئة بذَّة، فقال: أصليت؟ قال: لا، قال: صل ركعتين، وحض الناس على الصدقة، فأمره بأن يصلي ليراه بعض الناس وهو قائم\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٢/ ٦٨).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٠٨).","vol":"3","page":525},{"text":"١٤١٢ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ مَعَ الإِمَامِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ كُلَّهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٠، م: ٦٠٧].\nــ\nفيتصدق عليه، وقد جاء في حديث عند أحمد أن النبي -ﷺ- قال: (إن هذا الرجل دخل في هيئة بذَّة فأمرته أن يصلي ركعتين، وأنا أرجو أن ينظر له رجل فيتصدق عليه)، وقيل: الصلاة التي أمر النبي -ﷺ- الرجل بذلك كانت صلاة الفجر فاتته، فعلم النبي -ﷺ- ذلك بالوحي فأمره بقضائها، والكلام في هذا المقام في غاية الطول أورده في (فتح الباري)، فليطلب ثمة.\n١٤١٢ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام فقد أدرك الصلاة) هذا الحكم عام، لكنهم حملوه على صلاة الجمعة بقرينة الحديث الآتي في آخر الباب عن أبي هريرة، قال في (الهداية) (١): ومن أدرك الإمام يوم الجمعة صلى معه ما أدركه، وبنى عليه الجمعة؛ لقوله ﵇: \"ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا\"، وإن كان أدركه في التشهد أو في سجود السهو، بنى عليها الجمعة عندهما، وقال محمد: إن أدرك معه أكثر الركعة الثانية بنى عليها الجمعة، وإن إدرك أقلها بنى عليها الظهر، انتهى.\nوالمراد بإدراك أكثر الركعة الثانية إدراكها في الركوع لا بعد الرفع منه.\nوقال الشيخ ابن الهمام (٢): ولهما إطلاق الحديث المذكور، وما رواه (من أدرك ركعة من الجمعة، أضاف إليها ركعة أخرى، وإلا صلى أربعًا) لم يثبت.\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٨٣ - ٨٤).\n(٢) \"فتح القدير\" (٢/ ٦٦).","vol":"3","page":526},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-457> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٤١٣ - [١٣] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ، كَانَ يَجْلِسُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ حَتَّى يَفْرُغَ، أُرَاهُ الْمُؤَذِّنَ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ، ثُمَّ يَجْلِسُ وَلَا يَتَكَلَّمُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٠٩٢].\n١٤١٤ - [١٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا اسْتَوَى عَلَى الْمِنْبَرِ اسْتَقْبَلْنَاهُ بِوُجُوهِنَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، ذَاهِبُ الْحَدِيثِ. [ت: ٥٠٩].\nــ\nالفصل الثاني\n١٤١٣ - [١٣] (ابن عمر) قوله: (أراه المؤذن) هذا قول الراوي لعدم حفظه، أي: أظن أن المراد فراغ المؤذن عن الأذان، ولا يخفى أن الظاهر أن يقول: يعني المؤذن؛ لأن من المتعين أن المراد فراغ المؤذن، و(المؤذن) إما مرفوع باعتبار (يفرغ)، أو منصوب باعتبار (أراه)، أي: أظن الفارغ المؤذن.\nوقوله: (لا يتكلم) في شرح الشيخ: أي: بغير الذكر والدعاء، انتهى.\nولم يثبت في ذلك دعاء مأثور، كذا قالوا (١).\n١٤١٤ - [١٤] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (ذاهب الحديث) كناية عن سوء حفظه (٢).\n_________\n(١) قال القاري: وَالأَوْلَى الْقِرَاءَةُ لِرِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ: كَانَ الرَّسُولُ -ﷺ- يَقْرَأُ فِي جُلُوسِهِ كِتَابَ اللَّهِ. قِيلَ: وَالأَوْلَى قِرَاءَةُ الإِخْلَاصِ، كَذَا فِي شَرْحِ الطِّيبِيِّ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٤٧).\n(٢) قال القاري في شرح هذا الحديث: وَفِي \"شَرْحِ الْمُنْيَةِ\": وَإِذَا صَعِدَ الْخَطِيبُ الْمِنْبَرَ لَا يُسَلِّمُ عَلَى =","vol":"3","page":527},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-458> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٤١٥ - [١٥] عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَخْطُبُ قَائِمًا ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ نَبَّأَكَ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا فَقَدْ كَذَبَ، فَقَدْ وَاللَّهِ صَلَّيْتُ مَعَهُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَي صَلَاةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٦٢].\n١٤١٦ - [١٦] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أَنَّهُ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ أُمِّ الْحَكَم يَخْطُبُ قَاعِدًا، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْخَبِيثِ يَخْطُبُ قَاعِدًا وَقد. . . . .\nــ\nالفصل الثالث\n١٤١٥ - [١٥] (جابر بن سمرة) قوله: (ثم يجلس) كان للتراخي باعتبار المبدأ، وفي قوله: (ثم يقوم) للمشاكلة.\nوقوله: (أكثر من ألفي صلاة) (١) ليس المراد بها صلاة الجمعة؛ لأنه -ﷺ- صلى الجمعة يوم قدومه المدينة في عشر سنين، ولا يبلغ ذلك إلا نحو خمس مئة، بل المراد الصلوات الخمس، والمراد بيان كثرة صحبته.\n١٤١٦ - [١٦] (كعب بن عجرة) قوله: (كعب بن عجرة) بضم المهملة وسكون الجيم، (وعبد الرحمن بن أم الحكم) كان من بني أمية وأتباعهم.\nوقوله: (انظروا إلى هذا الخبيث) فيه جواز التغليظ على من ارتكب حرامًا عند من قال بوجوب القيام، أو مكروهًا عند من قال بعدم وجوبه.\n_________\n= الْقَوْمِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، اهـ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٤٧).\n(١) قال القاري: أَيْ: مِنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، أَوْ أَرَادَ التَّكْثِيرَ لَا التَّحْدِيدَ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٤٧).","vol":"3","page":528},{"text":"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٦٤].\n١٤١٧ - [١٧] وَعَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُوَيْبَةَ: أَنَّهُ رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ فَقَالَ: قَبَّحَ اللَّهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَا يَزِيدُ. . . . .\nــ\nوقوله: (﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾) فهذا دليل على أنه -ﷺ- كان يخطب قائمًا، والقيام في الخطبة عند أبي حنيفة ومالك وأحمد ﵏ سنة، وعند الشافعي ﵀ وفي رواية عن مالك ﵀ واجب، وعند الباقين أن القيام في الخطبة يشترط للقادر كالصلاة.\nوقال في (فتح الباري) (١): روى ابن أبي شيبة من طريق طاوس قال: أول من خطب قاعدًا معاوية حين كثر شحم بطنه، وهو مرسل يعضده ما روى سعيد بن منصور عن الحسن قال: أول من استراح في الخطبة يوم الجمعة عثمان -﵁-، فكان إذا أعيا جلس، ولم يتكلم حتى يقوم، وأول من خطب جالسًا معاوية، وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة أن النبي -ﷺ- وأبا بكر وعمر وعثمان -﵃- كانوا يخطبون يوم الجمعة قيامًا حتى شقَّ على عثمان -﵁- القيام، وكان يخطب قيامًا ثم يجلس، فلما كان معاوية خطب الأولى جالسًا والأخرى قائمًا، ولا حجة في ذلك لمن أجاز الخطبة قاعدًا؛ لأنه تبين أن ذلك للضرورة.\n١٤١٧ - [١٧] (عمارة بن رويبة) قوله: (وعن عمارة) بضم المهملة وتخفيف الميم، (بن رويبة) بضم الراء وفتح الواو وسكون الياء.\nوقوله: (رافعًا يديه) عند التكلم كما هو دأب جهلة الوعاظ والخطباء.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٠١).","vol":"3","page":529},{"text":"عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ الْمُسَبِّحَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٧٤].\n١٤١٨ - [١٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا اسْتَوَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: \"اجْلِسُوا\"، فَسَمِعَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَجَلَسَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"تَعَالَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٠٩١].\n١٤١٩ - [١٩] وَعَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الْجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيَصِلْ إِلَيْهَا أُخْرَى، وَمَنْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَتَانِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا\" أَو قَالَ: \"الظُّهْرَ\". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ٢/ ١١].\n* * *\nــ\nوقوله: (على أن يقول) أي: يشير، (وأشار) أي: الراوي لإراءة الإشارة المذكورة، وكان ذلك للتنبيه على الاستماع والتأمل في ما ذكره.\n١٤١٨ - [١٨] (جابر) قوله: (فقال: تعال يا عبد اللَّه بن مسعود) فيه دليل على جواز التكلم على المنبر، أو كان قبل الشروع في الخطبة، أو أنه -ﷺ- أشار إليه، فعبر الراوي عن ذلك بالقول، واللَّه أعلم. وفي شرح ابن الهمام (١): أنه يكره للخطيب أن يتكلم في حالة الخطبة للإخلال بالنظم، إلا أن يكون أمرًا بالمعروف؛ لقصة عمر مع عثمان -﵄- في الوضوء، وهي معروفة، انتهى. وفي قصة الرجل الداخل وأمر النبي -ﷺ- الناس بالتصدق عليه على ما رواه أيضًا دليل على ذلك، واللَّه أعلم.\n١٤١٩ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (فليَصِلْ) بفتح الياء وكسر الصاد مخففًا من الوصل، وقد مرّ الكلام فيه.\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٢/ ٦٨).","vol":"3","page":530},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-459>٤٦ - باب صلاة الخوف</span>\nــ\n٤٦ - باب صلاة الخوف\nثابتة بالكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢]، وأما الآية السابقة وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١]، فالجمهور على أنها نازلة في قصر الرباعي بركعتين، وبعضهم حملوه على صلاة الخوف؛ لأن فيه قصرًا بترك بعض الأفعال والكيفيات كما أن في السفر قصرًا في الكمية والعدد، وبعضهم أرادوا بها ما يعمهما.\nوفي رواية عن أبي يوسف وحسن بن زياد من الحنفية والمزني من الشافعية صلاة الخوف كانت مخصوصة بزمن النبوة لقصد إحراز فضيلة الصلاة خلف رسول اللَّه -ﷺ- وليس بمشروع بعده، وهو ظاهر مفهوم الآية الكريمة ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾، والمختار عند الجمهور جوازها بعد زمان النبوة أيضًا، وإقامة بعض الصحابة كعلي وأبي موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان -رضوان اللَّه عليهم أجمعين- إيّاها بعده -ﷺ- حجة لهم، وأيضًا كل ما فعله رسول اللَّه -ﷺ- ولم يثبت اختصاصه به بدليل، فعلى الأمة اتباعه في ذلك، وعموم قوله -ﷺ-: (صلوا كما رأيتموني) دليل عليه، وقيد ﴿إِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ اتفاقي، والمراد كنت أنت أو من يقوم مقامك كما ثبت في قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣].\nوقال الشيخ: صلاة الخوف على الصفة المذكورة إنما تلزم إذا تنازع القوم في الصلاة خلف الإمام، أما إذا لم يتنازعوا فالأفضل أن يصلي بإحدى الطائفتين تمام الصلاة، ويصلي بالطائفة الأخرى إمام آخر تمامها، وقيل: إنما يجوز إذا تهيؤوا للقتال","vol":"3","page":531},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوسووا الصفوف لا بمجرد الخوف واحتمال وجود القتال إلا أن يغلب الظن بحضور العدو بغتة، وقد صحت روايتها، وأيضًا بعض الأئمة ومنهم مالك خصوها بحالة السفر، وعندنا في السفر والحضر، ولهذا قالوا: يصلي الإمام في الثنائية سواء كان في الفجر أو قصر السفر مع كل طائفة ركعة، وفي غير الثنائية إن كان رباعيًا يصلي مع كل طائفة ركعتين، وفي المغرب يصلي مع الطائفة الأولى ركعتين ومع الثانية ركعة، وهو مذهب أحمد والشافعي لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ [النساء: ١٠٢] كذا قالوا.\nثم إن صلاة الخوف تروى على وجوه متعددة (١) بحسب اختلاف المكان والزمان على ما رآه الإمام أحوط في الحراسة والتوقي من العدو، واختار كل من الأئمة وجهًا منها، واختار الإمام أبو حنيفة رواية ابن عمر الثابثة في الكتب الستة، وقال الشُّمُنِّي: وقع صلاة الخوف منه -ﷺ- في أربعة مواضع: ذات الرقاع، وبطن نخل، وعسفان، وذي قرد، ويظهر من هذا أنها إنما كانت في السفر، فتجويز الفقهاء إياها في الحضر يكون بالقياس، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) قال في \"البذل\" (٥/ ٣٩٨): كتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه الكَنكَوهي -قدس سره-: ومما ينبغي أن يعلم أن أحدًا من أصحاب الكتب المتداولة بأيدينا لم يعتن بتفصيل صور صلاة الخوف المروية عن رسول اللَّه -ﷺ- غير أبي داود، فإنه فصل في \"سننه\" إحدى عشرة صورة بحسب الظاهر، وهي تبلغ أكثر منها لإبداء بعض الاحتمالات في بعض الروايات، وهي كلها مقبولة عند كافة الفقهاء بحسب جوازها، وإنما اختلفوا فيما بينهم فيما هي أولى منها وأفضل، إلا صورتين، فإن أبا حنيفة -رحمه اللَّه تعالى- يؤولهما على تقدير ثبوتهما عنه -ﷺ- أو لحمل على اختصاصهما به -ﷺ-، وهما ما ذكره المؤلف بعد الكل بقوله: (باب من قال: يصلي بكل طائفة ركعة ولا يقضون)، وقال: (باب من قال: يصلي بكل طائفة ركعتين)، انتهى.","vol":"3","page":532},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-460> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٤٢٠ - [١] عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قِبَلَ نَجْدٍ فَوَازينَا الْعَدُوَّ، فَصَافَفْنَا لَهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي لَنَا، فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ، وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ، وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَنْ مَعَهُ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، فَجَاؤُوا، فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِهِمْ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ،\nــ\nالفصل الأول\n١٤٢٠ - [١] (سالم) قوله: (عن سالم بن عبد اللَّه بن عمر عن أبيه) هذا الحديث مروي في الكتب الستة بأجمعها عن عبد اللَّه بن عمر -﵄-، واللفظ المذكور للبخاري، وقد استدل في (الهداية) (١) بحديث عبد اللَّه بن مسعود -﵁- بهذا المعنى، رواه أبو داود عن خصيف الجزري عن أبي عبيدة عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁-، وخصيف ليس بالقوي، فالأولى الاستدلال بحديث ابن عمر -﵄-.\nوقوله: (قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: نحوه وجهته، فهو منصوب على الظرفية، والنجد في الأصل: ما ارتفع من الأرض والطريق الواضح المرتفع، وهو اسم لبلاد مخصوصية أعلاه تهامة واليمن، وأسفله العراق والشام، وفي بعض الشروح أن المراد ههنا نجد الحجاز لا نجد اليمن.\nوقوله: (فوازينا العدو) أي: واجهناهم وحاذيناهم، (فصاففنا لهم) أي: أقمنا لحربهم صفًّا صفًّا، أي: جعلنا نفوسنا صفين في مقابلتهم، فدل الحديث على أن كل\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٨٨).","vol":"3","page":533},{"text":"فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ. وَرَوَى نافِعٌ نَحْوَهُ، وَزَادَ: فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا، قَالَ نَافِعٌ: لَا أُرَى ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٩٤٢].\n١٤٢١ - [٢] وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ: . . . . .\nــ\nطائفة اقتدوا برسول اللَّه -ﷺ- في ركعة واحدة، وصلوا لأنفسهم الركعة الأخيرة منفردين، وهذا مذهب أبي حنيفة ﵀، وقالوا: هذا الطريق أوفق بنص القرآن، فتدبر. ولا يخفى أنه لا سبيل إلى أن يصلي كلا الطائفتين في حالة واحدة لما فيه من تضييع أمر الحرب، ولم يدل الحديث على أن أي الفريقين يتم صلاته أولًا، فقال أشهب صاحب مالك ﵀: الطائفة الثانية التي يدل عليه الحديث الآتي لسلامتها عن كثرة المخالفة، وقال أبو حنيفة ﵀: الطائفة الأولى، كذا في بعض الشروح.\nوقوله: (فإن كان خوف هو أشد من ذلك) بأن لا يتمكنوا من الهيئة المذكورة.\nوقوله: (صلوا رجالًا) جمع راجل كما بينه بقوله: (قيامًا) أي: قائمين على أقدامهم.\n١٤٢١ - [٢] قوله: (يزيد بن رومان) بضم الراء وسكون الواو، و(خوات) بفتح المعجمة وتشديد الواو وآخره مثناة، أنصاري.\nوقوله: (عمن صلى) هو سهل بن أبي حثمة أو والده، وهذا أرجح.\nوقوله: (يوم ذات الرقاع) اسم غزوة غزاها رسول اللَّه -ﷺ- في السنة الخامسة، فلقي الكفار فصلى رسول اللَّه -ﷺ- هذه الصلاة، ثم انصرف المسلمون والكافرون، ولم يجر بينهم حرب على ما هو المشهور، سميت بذات الرقاع؛ لأنهم شدوا الرقاع على","vol":"3","page":534},{"text":"أَنَّ طَائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ، وَطَائِفَةً وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِالَّتِي مَعَهُ ركْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ الطَّائِفَةُ الأُخْرَى فَصَلَّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٢٩، م: ٨٤٢].\nوَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ بِطَرِيقٍ آخَرَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-. [خ: ٤١٣١].\n١٤٢٢ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ، قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. . . . .\nــ\nأرجلهم لحفاوتهم وفقد نعالهم، وقيل: لأن فيه أرضًا أو جبلًا بعضه أحمر وبعضه أبيض وبعضه أسود، أقول: ويؤيد الأول ما روي عن موسى قال: خرجنا مع رسول اللَّه -ﷺ- في غزاة، ونحن ستة نفر بيننا بعير نعتقبه، فنقبت أقدامنا ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع.\nوقوله: (وطائفة) بالنصب والرفع عطف على طائفة أو على الضمير في (صفّت)، و(وجاه) بكسر الواو ويُضم، وفي رواية: تجاه بإبدال التاء من الواو كما في تراث ووراث.\nوقوله: (ثم سلم بهم) أي: بالطائفة الأخرى، وفي هذا الطريق أيضًا صلى كل طائفة ركعة مع رسول اللَّه -ﷺ- وركعة فرادى، ولكن في وقت صلاة رسول اللَّه -ﷺ- لا قضاءها بعد إتمام صلاته -ﷺ- كما كانت في الطريق الأول، وبهذا عمل مالك والشافعي -رحمهما اللَّه-.\n١٤٢٢ - [٣] (جابر) قوله: (فجاء رجل من المشركين) قيل: اسمه غورث بالغين","vol":"3","page":535},{"text":"وَسَيْفُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُعَلَّقٌ بِشَجَرَةٍ، فَأَخَذَ سَيْفَ نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ- فَاخْتَرَطَهُ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: أَتَخَافُنِي؟ قَالَ: \"لَا\". قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: \"اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْكَ\" قَالَ: فتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَغَمَدَ السَّيْفَ وَعَلَّقَهُ، قَالَ: فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَرْبَعُ ركَعَاتٍ وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٣٦، م: ٨٣٤].\nــ\nالمعجمة على وزن جعفر، وقيل: بضم العين، وقيل: غويرث بالتصغير، وقيل: دعثور بالدال والعين المهملتين والمثلثة، وروي أنه أسلم.\nوقوله: (فاخترطه) أي: سلّه عن غمده.\nوقوله: (فتهدده) هدد وتهدد بمعنى.\nوقوله: (فكانت لرسول اللَّه -ﷺ- أربع ركعات وللقوم ركعتان) واختلفوا في توجيه كون صلاته -ﷺ- أربعًا، فقيل: القصر كانت رخصة كما هو مذهب بعض الأئمة فصلى أربعًا، لكن هذا يخالف ما ذكره بعض المحققين أنه لم يصل رسول اللَّه -ﷺ- أربعًا في سفر قط، واللَّه أعلم.\nوقيل: هذا من خصائص صلاة الخوف حتى يصلي كل طائفة خلف رسول اللَّه -ﷺ- الصلاة تامة، ولعله وقع النزاع في ذلك منهم في هذا الوقت دون غيره من الأوقات، وقيل: من جهة جواز تكرار الصلاة كما يقول به الشافعية، ويصح اقتداء المفترض بالمتنفل، ولذا وقع في بعض عبارات الشافعية من شروح (الحاوي): كان للقوم ركعتان وللنبي -ﷺ- أربع، وفي المغرب ست، وقيل: لعله كانت الصلاة في هذه الحالة في الحضر، واقتصار القوم على اثنين اثنين كان من خصائص ضرورة الخوف كما جاء من رواية أبي داود والنسائي عن حذيفة أنه كان في بعض الأحيان صلى مع كل طائفة ركعة،","vol":"3","page":536},{"text":"١٤٢٣ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ -ﷺ- السُّجُودَ وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، ثُمَّ قَامُوا ثُمِّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ وَتَأَخَّرَ الْمُقَدَّمُ، ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوْعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ -ﷺ- السُّجُودَ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ،\nــ\nوكانوا يكتفون بركعة، ولم يقضوا ركعة أخرى، وجاء في رواية لأبي داود القضاء، كذا في (جامع الأصول) (١)، واللَّه أعلم.\n١٤٢٣ - [٤] (عنه) قوله: (ثم انحدر بالسجود) أي: انهبط إليه، والباء بمعنى (إلى).\nوقوله: (والصف الذي يليه) بالرفع عطف على فاعل (انحدر)، وبالنصب على أنه مفعول معه.\nوقوله: (وقام الصف المؤخر) أي: بقي قائمًا.\nوقوله: (في نحر العدو) بالراء، أي: مقابله وإزاءه، النحر: موضع القلادة من الصدر.\nوقوله: (وقام الصف الذي يليه) أي: رفعوا رؤسهم من السجود.\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (٥/ ٧٤٠).","vol":"3","page":537},{"text":"انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٤٠].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-461> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٤٢٤ - [٥] عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ صَلَاةَ الظُّهْرِ فِي الْخَوْف بِبَطْنِ نَخْلٍ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ جَاءَ طَائِفَةٌ أُخْرَى فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١/ ٢٦٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-462> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٤٢٥ - [٦] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَزَلَ بَيْنَ ضَجْنَانَ وَعُسْفَانَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: . . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n١٤٢٤ - [٥] (جابر) قوله: (ببطن نخل) موضع بين مكة والطائف، كذا في (الصحاح) (١).\nوقوله: (ثم سلم) في هذه الصورة سلم مع كل من الطائفتين على حدة، وكانت فيه أيضًا أربع له -ﷺ- وللقوم ركعتان، كما في الحديث السابق عن جابر، لكنه كان ساكتًا هناك عن نكرار السلام منه -ﷺ- كما أورده المؤلف، وفي (سفر السعادة) (٢) أنه توقف -ﷺ- في التشهد حتى صلت الطائفة الثانية، فسلم هو -ﷺ- والقوم بالاتفاق.\nالفصل الثالث\n١٤٢٥ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (نزل بين ضجنان وعسفان) ضجنان كسكران:\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٥/ ١٨٢٧).\n(٢) \"سفر السعادة\" (ص: ١٣٤).","vol":"3","page":538},{"text":"لِهَؤُلَاءَ صَلَاةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وَهِيَ الْعَصْرُ، فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ فَتَمِيلُوا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْسِمَ أَصْحَابَهُ شَطْرَيْنِ، فَيُصَلِّيَ بِهِمْ، وَتَقُومَ طَائِفَةٌ أُخْرَى وَرَاءَهُمْ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ،\nــ\nجبل قرب مكة، وجبل آخر بالمدينة، كذا في (القاموس) (١)، وفي (النهاية) (٢): موضع أو جبل بين مكة والمدينة، وعسفان بضم العين وسكون السين على مرحلتين من مكة مشهور.\nوقوله: (آبائهم وأبنائهم) وفي رواية: من أبنائهم وأموالهم.\nوقوله: (فأجمعوا) بقطع الهمزة (أمركم) أي: رأيكم، والإجماع: الاتفاق، وجعل الأمر جميعًا بعد تفرقه، والعزم على الأمر، فمعنى أجمع الأمر، أي: جعله جمعًا بعد ما كان متفرقًا، وتفرقه أنه جعل يقول مرة: افعل كذا، ومرة: افعل كذا، فلما عزم على أمر أجمعه أي جعله جمعًا.\nوقوله: (فتميلوا عليهم ميلة واحدة) أي: تشدوا عليهم شدة واحدة، والشدة بالفتح: الحملة في الحرب.\nوقوله: (فيصلي بهم) أي: بأحد الشطرين، (وتقوم طائفة أخرى) أي: الشطر الآخر، والمراد بقوله: فيصلي بهم: بأصحابه جميعًا، ويكون حال الطائفة الأولى محذوفًا على كل تقدير ليس تمام كيفية الصلاة مذكورًا في الحديث، بل المقصود الأصلي من الحديث بيان قيام طائفة وراء المصلين والأخذ بالحذر والأسلحة، والحذر بالكسر الاحتراز كالاحتذار، فالمراد ما فيه الحذر، و(أسلحتهم) عطف تفسير له.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١١٧).\n(٢) \"النهاية\" (٣/ ٧٤).","vol":"3","page":539},{"text":"فَتَكُونَ لَهُمْ رَكْعَةٌ وَلِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- رَكْعَتَانِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٣٠٣٥، ن: ١٥٤٤].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-463>٤٧ - باب صلاة العيدين</span>\nــ\nوقال صاحب (الكشاف) (١): جعل الحذر وهو التحرز والتيقظ آلة يستعملها الغازي، فلذلك جمع بينه وبين الأسلحة في الأخذ دلالة على التيقظ التام والحذر الكامل ومن ثم قدمه على الأسلحة.\nوقوله: (فتكون لهم) أي: لكل من الحارسين إذا تناوبوا الحراسة ركعة مع رسول اللَّه -ﷺ-، ولرسول اللَّه -ﷺ- ركعتان تامتان، فالمراد بقوله: (فتكون لهم ركعة) كونها مع رسول اللَّه -ﷺ-، والركعة الأخرى التي يقضونها لا تكون معه، ويحتمل أن يكون المراد ما ذكرنا من (جامع الأصول) (٢) في الحديث السابق لجابر من اكتفائهم بركعة من غير قضاء الأخرى، وكون ذلك من خصائص صلاة الخوف، واللَّه أعلم.\n٤٧ - باب صلاة العيدين\nقيل: سمي العيد عيدًا؛ لأنه يعود ويتكرر لأوقاته، وهذا الوجه عام يصدق على المواسم الأخر أيضًا، فزاد بعضهم قيدًا آخر، وقال: يعود بالفرح والسرور، والفرح والسرور في عيد الفطر لشكر نعمة تمام الصيام، وفي الأضحى تمام نعمة الحج بالوقوف بعرفات الذي هو عمدة أركانه، والجمعة التي هي عيد كل أسبوع شكر لنعمة صلوات الأسبوع، فوضعوا الشكر لكل طاعة عيدًا من جنسها حتى يكون سببًا لمزيدها بحكم\n_________\n(١) \"الكشاف\" (١/ ٥٦٠).\n(٢) \"جامع الأصول\" (٥/ ٧٣٣).","vol":"3","page":540},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-464> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٤٢٦ - [١] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَخرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى إِلَى الْمُصَلَّى،\nــ\n﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، وأما الزكاة فلما لم يكن لأدائها وقت معين ولم يتفق فيها اجتماع لم يقع بشكر تمامها عيد مناسب، كذا قالوا، وقال بعضهم: سمي العيد عيدًا تفاؤلًا، يعني يرزق البقاء ويعود في العام القابل، كما سميت القافلة قافلة في ابتداء خروجها تفاؤلًا بقفولها، أي: رجوعها سالمة.\nوفي بعض شروح \"الهداية\": سمي عيدًا لأن اللَّه تعالى وعد المؤمنين فيه بفضله ورحمته يفرحون بذلك، ويرد على هذا الوجه أن اشتقاق العيد من الوعد بعيد، لأنه أجوف، والوعد مثال، إلا أن يجعل من قبيل الجبذ والجذب.\nوصلاة العيدين فرض على مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀ كالجمعة، وفي رواية: واجب، وقال: تسميته بالسنة من جهة ثبوته بالسنة دون الكتاب، وعند صاحبيه سنة، وعند الشافعية نفل، وجعلوه أفضل النوافل، وفي قول: سنة مؤكدة، وقال مالك ﵀: سنة واجبة، ولعل الوجوب ههنا بمعنى التأكيد، ويحتمل أن يكون المراد ما ذكر في مذهب أبي حنيفة ﵀، وعند أحمد ﵀ فرض عين كما عند أبي حنيفة، والصحيح عنده أنها فرض كفاية كصلاة الجنازة والجهاد، وفي رواية عن أبي حنيفة أيضًا كذلك.\nالفصل الأول\n١٤٢٦ - [١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (إلى المصلى) (١) وهو موضع معروف\n_________\n(١) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالسُّنَّةُ أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ إِلَى الْجَبَّانَةِ، وَيَسْتَخْلِفَ مَنْ يُصَلِّي بِالضُّعَفَاءِ فِي الْمِصْرِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَائِزَةٌ بِالِاتِّفَاقِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَالْكَلَامُ كُلُّهُ فِي غَيْرِ =","vol":"3","page":541},{"text":"فَأَوَّلُ شَيْءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَاةُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، وَالنَّاسُ جُلُوسٌ عَلَى صُفُوفِهِمْ، فَيَعِظُهُمْ وَيُوصِيهِمْ وَيَأْمُرُهُمْ، وَإِنْ كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْطَعَ بَعْثًا قَطَعَهُ،\nــ\nبالمدينة خارجها، ولم يكن فيه منبر في زمنه -ﷺ-، وسيجيء ذكر بنائه في آخر الباب، وقد قيل في الفرق: إن المصلى يكون بمكان فيه فضاء، فيتمكن من رؤيته كل من حضر بخلاف المسجد فإنه يكون في مكان محصور، فقد لا يراه بعضهم، فلهذا لم يوضع المنبر للعيد ووضع للجمعة.\nوقوله: (فأول شيء يبدأ به الصلاة) يعني كان لا يقدم الخطبة على الصلاة، وسيجيء الكلام فيه، والظاهر المتبادر بحسب المعنى أن يكون (أول) مبتدأ و(الصلاة) خبره، وقيل بالعكس لكون الصلاة أعرف.\nوقوله: (فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم) الظاهر أنها معان متكررة متقاربة ذكرت تأكيدًا وتقريرًا. وقال الطيبي (١): فيعظهم، أي: ينذرهم ويخوفهم، ويوصيهم في حق الغير لينصحوا لهم، ويأمرهم بالحلال والحرام.\nوقوله: (وإن كان يريد أن يقطع بعثًا) أي: جيشًا بسكون العين ويحرك، فالبعث الجيش الذي يبعث إلى العدو، و(قطعه) توزيعه على القبائل وقسمته، وإنما استعمل فيه القطع لأن الآمر يقطع القول به فيقول: يخرج من بني فلان كذا، ومن بني فلان كذا، كذا قال التُّورِبِشْتِي (٢)، والظاهر أن استعمال القطع بمعنى الإفراد، وإفراد جماعة من\n_________\n= مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَمَّا هُمَا فَهِيَ فِيهِمَا أَفْضَلُ مُطْلَقًا تَبَعًا لِلسَّلَفِ وَالخَلَفِ، وَلشَرَقِهِمَا مَعَ اتِّسَاعِهِمَا. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٦٠).\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢٣٦).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (١/ ٣٤٤).","vol":"3","page":542},{"text":"أَوْ يَأْمُرَ بِشَيْءٍ أَمَرَ بِهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٥٦، م: ٨٨٩].\n١٤٢٧ - [٢] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْعِيدَيْنِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَلَا مَرَّتَيْنِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٨٧].\n١٤٢٨ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ. . . . .\nــ\nبين القوم وإرسالها على العدو.\nوقوله: (أو يأمر بشيء) أي: بشيء معين مخصوص بين الأوامر العامة، أو المراد أمر الجيش المبعوث بأوامر تليق بهم، وهذه كلها داخلة في الخطبة؛ لأن الخطبة إنما هي لتعليم الأوامر والأحكام، فلا يتجه ما ذكر الطيبي أن فيه دليلًا على أن الكلام في الخطبة غير حرام على الإمام.\nوقوله: (ثم ينصرف) أي: من المصلى إلى البيت.\n١٤٢٧ - [٢] (جابر بن سمرة) قوله: (غير مرة ولا مرتين) أي: كثيرًا، فهو حال عن المفعول أو عن الفاعل.\nوقوله: (بغير أذان ولا إقامة) يعني لم يكن في صلاة العيدين أذان ولا إقامة، وزاد في رواية: ولا الصلاة جامعة (١)، قال الترمذي (٢): والعمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- وغيرهم أنه لا يؤذن لصلاة العيدين ولا لشيء من النوافل.\n١٤٢٨، ١٤٢٩ - [٣، ٤] (ابن عمر، وابن عباس) قوله: (وأبو بكر وعمر) خصهما بالذكر لتأكيد السنة بقوله -ﷺ-: (اقتدوا باللذين بعدي أبي بكر وعمر -﵄-)، مع\n_________\n(١) قال القاري (٣/ ١٠٦١): بَلْ يُنَادِي: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، لِيَخْرُجَ النَّاسُ عِنْدَ سَمَاعِ ذَلِكَ، وَهَذَا النِّدَاءُ مُسْتَحَبٌّ.\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٥٣٢).","vol":"3","page":543},{"text":"قَبْلَ الْخُطْبَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٦٣، م: ٨٨٨].\n١٤٢٩ - [٤] وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَشَهِدْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْعِيدَ؟ قَالَ: نَعَمْ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَذَانًا وَلَا إِقَامَةً، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ فَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُهُنَّ يُهْوِينَ إِلَى آذَانِهِنَّ وَحُلُوقِهِنَّ يَدْفَعْنَ إِلَى بِلَالٍ، ثُمَّ ارْتَفَعَ هُوَ وَبِلَالٌ إِلَى بَيْتِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٤٩، م: ٨٨٥].\nــ\nأنه كان بمحضر الصحابة فانعقد الإجماع، قالوا: وقد غيره عثمان -﵁- وخطب قبل الصلاة حين كثر الناس ليدركوا الصلاة، وسيجيء تمام الأحكام فيه.\nوقوله: (وسئل ابن عباس) لا يظهر وجه ذكر حديث ابن عباس بهذا الطريق المذكور في (المصابيح) دون الطريقة المعتادة للمؤلف مصدّرًا بـ (عن).\nوقوله: (ولم يذكر) أي: ابن عباس -﵄- أذانًا ولا إقامة.\nوقوله: (يهوين) بضم الياء وقد يفتح من الإهواء، والهوي: السقوط والامتداد والارتفاع، في (القاموس) (١): أهوت يدي لها: امتدت وارتفعت، وقال في (النهاية) (٢): أهوى بيده إليه، أي: مدها نحوه وأمالها إليه، ويقال: أهوى بيده إلى الشيء ليأخذه.\nوقوله: (إلى آذانهن وحلوقهن) أي: حليهن من القرط والقلادة.\nوقوله: (ثم ارتفع) أحب: ذهب وأسرع، من ارتفع البعير في سيره، أي: أسرع وبالغ، وارتفع القوم، أي: صعدوا في البلاد.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٣٥).\n(٢) \"النهاية\" (٥/ ٢٨٥).","vol":"3","page":544},{"text":"١٤٣٠ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- صَلَّى يَوْمَ الْفِطْرِ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا وَلَا بَعْدَهُمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٦٤، م: ٨٨٤].\nــ\n١٤٣٠ - [٥] (ابن عباس) قوله: (لم يصل قبلهما ولا بعدهما) فيه دليل على أنه لا صلاة قبل صلاة العيد ولا بعدها، قال الترمذي (١): وفي الباب عن عبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن عمرو وأبي سعيد، وحديث ابن عباس حسن صحيح، والعمل عليه عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- وغيرهم، وقد رأى طائفة من أهل العلم الصلاة بعد صلاة العيدين وقبلها من أصحاب النبي -ﷺ- وغيرهم، والقول الأول أصح، انتهى.\nوفي شرح (كتاب الخرقي) (٢) في مذهب أحمد: استخلف علي -﵁- أبا مسعود على الناس فخرج يوم عيد، فقال: يا أيها الناس! إنه ليس من السنة أن يصلى قبل الإمام، رواه النسائي، وعن ابن سيرين: أن ابن مسعود وحذيفة قاما أو قام أحدهما فنهيا أو نهى الناس أن يصلوا يوم العيد قبل خروج الإمام، رواه سعيد، وقال الزهري: لم أسمع أحدًا من علمائنا يذكر -أي: أحدًا من سلف هذه الأمة- كان يصلي قبل تلك الصلاة ولا بعدها، رواه الأثرم. وروي عن أبي سعيد الخدري أن النبي -ﷺ- كان لا يصلي قبل العيد شيئًا، فإذا رجع إلى المنزل صلى ركعتين، رواه ابن ماجه وأحمد (٣).\nوفي (الهداية) (٤): ولا يتنفل في المصلى قبل صلاة العيد، لأنه ﵊ لم يفعل مع حرصه على الصلاة، ثم قيل: الكراهة في المصلى خاصة، وقيل: فيه وفي غيره عامة، لأنه ﵇ لم يفعله، انتهى.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٥٣٧).\n(٢) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (١/ ٣٧٢).\n(٣) \"سنن ابن ماجه\" (١٢٩٣)، و\"مسند أحمد\" (٣/ ٢٨).\n(٤) \"الهداية\" (١/ ٨٥).","vol":"3","page":545},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوفي بعض شروح \"الهداية\": إن صلى الإشراق والضحى قبل الخروج إلى الجبانة لا يكره، وهذا النفي بإطلاقه يتناول الإمام والقوم جميعا، وقال الشافعي ﵀: يكره للإمام دون القوم، وقالوا: المراد بهذا النفي أنه ليس لصلاة العيد صلاة مسنونة، لا أنها تكره في حد ذاتها.\nوفي (فتح الباري) (١): قال الكوفيون: يصلون بعدها لا قبلها، والبصريون يصلون قبلها لا بعدها، والمدنيون لا قبلها ولا بعدها، وبالأول قال الأوزاعي والثوري والحنفية، وبالثاني قال الحسن البصري وجماعة، وبالثالث قال الزهري وابن جريح وأحمد، وقال الشافعي وجماعة من السلف: لا كراهة في الصلاة قبلها ولا بعدها.\nثم اعلم أنهم اختلفوا في أنه إذا فاتت صلاة العيد هل تقضى؟ فظاهر مذهب الحنفية أنه إن فاتته مع الإمام لم يقضها؛ لأن الصلاة بهذه الصفة لم تعرف قربة إلا بشرائط لا تتم بالمنفرد، كذا في (الهداية) (٢)، وذكر في بعض شروحها أنه إن شاء صلى ركعتين أو أربع ركعات مثل صلاة الضحى التي يصلي في سائر الأيام، ونقل عن (المحيط) و(فتاوى قاضيخان) أن من جاء المصلى ولم يدرك الصلاة مع الإمام فهو مخير إن شاء رجع إلى بيته من غير أن يصلي، وإن شاء صلى ثم رجع، والأفضل أن يصلي أربع ركعات حتى تكون له صلاة الضحى، وكذلك في مذهب أحمد، والدليل على ذلك حديث روي عن ابن مسعود بسند صحيح، وقال أحمد: ويقويه حديث علي -﵁- أنه أمر رجلًا أن يصلي بضعفة الناس أربعًا ولا يخطب، كذا في شرح (كتاب الخرقي) (٣)،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٧٦).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ٨٥).\n(٣) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (١/ ٣٧٤).","vol":"3","page":546},{"text":"١٤٣١ - [٦] وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الْحُيَّضَ يَوْمَ الْعِيدَيْنِ وَذَوَاتَ الْخُدُورِ، فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَدَعْوَتَهُمْ، وَتَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ، قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ؟ قَالَ: \"لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥١، م: ٨٩٥].\nــ\nوقال: وبلا تكبير كصلاة التطوع، وذكر البخاري في ترجمة باب أن أنسا -﵁- جمع أهله وولده في الزاوية -اسم موضع على فرسخين من بصرة- وصلى صلاة العيد، وقال الكرماني (١): إذا فاتت صلاة العيد مع الإمام صلى، قال مالك والشافعي رحمهما اللَّه: صلى ركعتين، وقال أحمد: أربع ركعات، وقال أبو حنيفة ﵀: إن شاء صلى وإن شاء لم يصل، وعلى تقدير الصلاة هو مخير بين أربع واثنتين، واللَّه أعلم.\n١٤٣١ - [٦] (أم عطية -﵂-) قوله: (أن نخرج الحيض) بفتح الياء المشددة جمع حائض، (وذوات الخدور) بضم الخاء جمع خدر بكسرها: ستر يمد للجارية في ناحية البيوت تقعد البكر وراءه، وكل ما واراك من بيت ونحوه، والمراد ههنا النساء المستورات.\nوقوله: (وتعتزل) بالرفع خبر في معنى الأمر، والجلباب بكسر الجيم: الملحفة، ومعنى (لتلبسها) أن تعير القادرة العاجزة جلبابًا، ولا كراهة في استعارتها منها، أو تشركها جلبابها في اللبس، وما جاء في رواية أخرى: (تلبسها صاحبتها طائفة من ثوبها) يؤيد المعنى الثاني (٢).\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (٦/ ٨٧).\n(٢) فَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَمَرَ جَمِيعَ النِّسَاءِ بِحُضُورِ الْمُصَلَّى يَوْمَ الْعِيدِ لِتُصَلِّيَ مَنْ لَيْسَ لَهَا عُذْرٌ، وَتَصِلَ بَرَكَةُ الدُّعَاءِ إِلَى مَنْ لَهَا عُذْرٌ، وَفِيهِ تَرْغِيبٌ لِلنَّاسِ فِي حُضُورِ الصَّلَوَاتِ، وَمَجَالِسِ الذِّكْرِ، وَمُقَارَبَةِ الصُّلَحَاءِ لِيَنَالَهُمْ بَرَكتهُمْ، وَهَذَا -أَيْ: حُضُورُهُنَّ- غَيْرُ مُسْتَحَبٌ فِي زَمَانِنَا لِظُهُورِ الْفَسَادِ. وَفِي =","vol":"3","page":547},{"text":"١٤٣٢ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا جَارِيَتَانِ فِي أَيَّامِ مِنًى تُدَفِّفَانِ وَتَضْرِبَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ: تُغَنِّيَانِ. . . . .\nــ\n١٤٣٢ - [٧] (عائشة) قوله: (وعندها جاريتان) زاد في رواية: من جوار الأنصار، وللطبراني من حديث أم سلمة: أن إحداهما كانت لحسان بن ثابت، والجارية من النساء من لم تبلغ الحلم.\nوقوله: (في أيام منى) أي: أيام التشريق، (تدففان وتضربان) أي: تغنيان وتضربان بالدف، فهو تأكيد لما قبله، وقيل: معناه ترقصان من ضرب الأرض إذا وطئها، والدف بالضم على الأشهر وقد يفتح، وأصله الجنب، ومنه دفتا المصحف لتشبيههما بالجنبين، سمي بذلك لاتخاذه من جلد الجنب، كذا في شرح الشيخ.\nوقوله: (تغنيان) وزاد في رواية للبخاري: وليستا بمغنيتين، أي: لا تحسنان\n_________\n= \"شَرْحِ السُّنَّةِ\": اخْتُلِفَ فِي خُرُوجِ النِّسَاءِ لِيَوْمِ الْعِيدَيْنِ، فَرَخَّصَ بَعْضُهُمْ، وَكَرِهَهُ بَعْضُهُمْ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِخَبَرِ عَائِشَةَ: لَوْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَا أَحْدَثَثِ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ، اهـ.\nوَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَتَخْرُجُ الْعَجَائِزُ لِلْعِيدِ لَا الشَّوَابُّ، اهـ. وَهُوَ قَوْلٌ عَدْلٌ، لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يُقَيَّدَ بِأَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُشْتَهَاةٍ فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ، بِإِذْنِ حَلِيلِهَا مَعَ الأَمْنِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ بِأَنْ لَا يَخْتَلِطْنَ بِالرِّجَالِ، وَيَكُنَّ خَالِيَاتٍ مِنَ الْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ، وَالْبَخُورِ وَالشُّمُومِ، وَالتَّبَخْتُرِ وَالتَّكَشُّفِ، وَنَحْوِهَا مِمَّا أَحْدَثْنَ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنَ الْمَفَاسِدِ، وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مُلَازِمَاتٌ الْبُيُوتَ لَا يَخْرُجْنَ، وَوَجَّهَ الطَّحَاوِيُّ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَوَّلَ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمُونَ قَلِيلٌ، فَأُرِيدَ التَّكْثِيرُ بِهِنَّ تَرْهِيبًا لِلْعَدُوِّ. اهـ.\nوَمُرَادُهُ أَنَّ الْمُسَبَّبَ يَزُولُ بِزَوَالِ السَّبَبِ، وَلذَا أُخْرِجَتِ الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ مِنْ مَصْرِفِ الزَّكَاةِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّ هَذَا صَارَ مَنْسُوخًا فَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ حَجَر. وَهُوَ تَوْجِيهٌ ضَعِيفٌ؛ لأَنَّ مُجَرَّدَ احْتِمَالِ ذَلِكَ لَا يُجْدِي، إِذْ لَا بُدَّ فِي النَّسْخِ الَّذِي زَعَمَهُ مِنْ تَحَقُّقِ مَعْرِفَةِ النَّاسِخِ، وَمَعْرِفَةِ تَأَخُّرِهِ عَنِ الْمَنْسُوخِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ الْحَائِضَ لَا تَهْجُرُ ذِكْرَ اللَّهِ وَمَوَاطِنَ الْخَيْرِ، وَيُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُ الصِّبْيَانِ. كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُخْرِجُ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فِي الْعِيدِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٦٤).","vol":"3","page":548},{"text":"بِمَا تَقَاوَلَتِ الأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ، وَالنَّبِيُّ -ﷺ- مُتَغَشٍّ بِثَوْبِهِ، فَانْتَهَرَهُمَا أَبُو بَكْرٍ،\nــ\nالغناء ولا اتخذتاه صنعة وكسبًا، ولا تعرفان به، أو ليستا كالمغنيات في التشويق إلى الهوى والتعريض بالفاحشة، والتشبيب الداعي إلى الفتنة كما يشعر به قوله: تغنيان.\nوقوله: (بما تقاولت الأنصار يوم بعاث) تقاولت، أي: قال بعضهم لبعض، وتفاخر من أشعار الحرب والشجاعة، وفي رواية: تقاذفت بقاف وذال معجمة من القذف، وهو هجاء بعضهم لبعض، وفي بعضها: تعازفت بعين مهملة وزاي من العزف وهو الصوت الذي له دوي، ومنه المعازف، وبعاث بموحدة مضمومة فمهملة مخففة، وقيل: بمعجمة، وقيل: إنه تصحيف، وتعقب بأن القائل بذلك أبو عبيدة وهو من أئمة اللغة، وبالجملة فيه اختلاف، والأشهر فيه منع الصرف، قيل: اسم موضع بالمدينة على ليلتين، وقيل: اسم حصن للأوس، وقيل: موضع بديار بني قريظة فيه أموالهم، وقع فيه حرب بين الأوس والخزرج قبيلتي الأنصار، وكان فيه مقتلة عظيمة، واستمرت الحرب والعداوة فيهم إلى مئة وعشرين سنة فارتفعت بالإسلام، وذلك قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]، فالشعر الذي كانتا تغنيان كان في وصف الحرب والشجاعة، وفي ذكره معونة في أمر الدين، وأما الغناء بذكر الفواحش والمنكر من القول فمحظور، وحاشاه أن يجري شيء من ذلك بحضرة رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: وهو (متغش بثوبه) أي: متغط به ومتلبس، وفي رواية للبخاري: فاضطجع -يعني: النبي -ﷺ- على الفراش وحوّل وجهه، وفي رواية: تغشّى بثوبه، وفي رواية لمسلم: تسجّى، أي: التف بثوبه.\nوقوله: (فانتهرهما) أي: زجرهما عن التدفيف والغناء بحضرته، وفي رواية","vol":"3","page":549},{"text":"فَكَشَفَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَنْ وَجْهِهِ فَقَالَ: \"دَعْهُمَا يَا أَبَا بَكْرٍ! فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدٍ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٥٢، ٩٨٧، م: ٨٩٢].\nــ\nللبخاري: فانتهرني، ولا منافاة، وزجرهما لفعلهما وزجر عائشة لتقريرها، وفي (صحيح البخاري) وقال -أي: أبو بكر-: مزمارة الشيطان عند النبي -ﷺ-، وأراد بالمزمارة الغناء والدف؛ لأن المزمار مشتق من الزمير وهو الصوت الذي له الصفير، سميت به الآلة المعروفة التي بها يزمرون، كذا في (فتح الباري) (١)، وفي (القاموس) (٢): زمر يَزْمُرُ زميرًا وزمّر تزميرًا: غنّى في القصب، والزمارة ما يزمر به كالمزمار، وإضافتها إلى الشيطان من جهة أنها تلهي وتشغل القلب عن الذكر.\nوقوله: (فكشف النبي -ﷺ-) وفي رواية مسلم: فأقبل عليه رسول اللَّه -ﷺ-، (فقال: دعهما) فلما غفل غمزتهما فخرجتا.\nوقوله: (فإنها) أي: الأيام التي نحن فيها (أيام عيد) أي: فرح وسرور شرعي، وهذا من جملته، قال الشيخ ابن حجر في شرح (صحيح البخاري) (٣): استدل جماعة من الصوفية بهذا الحديث على إباحة الغناء وسماعه بآلة، ويكفي في رد ذلك تصريح عائشة -﵂- بقولها: وليستا بمغنيتين، فنفت عنهما من طريق المعنى ما أثبته لهما باللفظ؛ لأن الغناء يطلق على رفع الصوت وعلى الترنم الذي يسميه العرب النصب بفتح النون وسكون المهملة، وعلى الحداء، ولا يسمى فاعله مغنيًّا، وإنما يسمى بذلك من ينشط بتمطيط وتكسير وتهييج وتشويق بما فيه التعريض بالفواحش أو تصريح بها،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٤٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٧٤).\n(٣) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٤٢).","vol":"3","page":550},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقال القرطبي: قولها: ليستا بمغنيتين، أي: ليستا ممن يعرف الغناء كما تعرفه المغنيات المعروفات بذلك، وهذا منها تحرز عن الغناء المعتاد عند المشتهرين به، وهو الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن، وهذا النوع إذا كان في شعر فيه وصف محاسن النساء والخمر وغيرهما من الأمور المحرمة لا يختلف في تحريمه، لكن النفوس الشهوانية غلبت على كثير ممن ينسب إلى الخير، حتى لقد ظهرت من كثير منهم فعلات المجانين والصبيان، حتى رقصوا بحركات متطابقة وتقطيعات متلاحقة، وانتهى التواقح بقوم منهم إلى أن جعلوها من باب القرب وصالح الأعمال، وأن ذلك يثمر سني الأحوال، وهذا -على التحقيق- من آيات الزندقة، وقول أهل المخرفة (١)، واللَّه المستعان، انتهى كلام القرطبي.\nوقال أيضًا في (الفتح) (٢): ولا يلزم من إباحة الضرب بالدف في العرس ونحوه إباحة غيره من الآلات كالعود ونحوه كما سنذكر ذلك في وليمة العرس، وأما التفافه -ﷺ- بثوبه فيه إعراض عن ذلك لكون مقامه يقتضي أن يرفع الإصغاء إلى ذلك، لكن عدم إنكاره دال على تسويغ مثل ذلك على الوجه الذي أقره، والأصل التنزه عن اللعب واللهو، فيقتصر على ما ورد فيه النص وقتًا وكيفيته تقليلًا لمخالفة الأصل، واللَّه أعلم، انتهى.\nقال العبد الضعيف أصلح اللَّه حاله: إن الذي يتبادر من الحديث وفي العدول عنه تعسف أن أبا بكر -﵁- أنكر التغني والتدفيف وزجر عنهما لما تقرر عنده وهو أعلم بالشريعة من حرمة ذلك أو كراهيته، وظن أنه -ﷺ- لا يعلم ذلك لمثل نوم أو غفلة فلم ينه عنه، أو كان يريد أن ينهى فلم يفرغ لذلك، ولم يعلم أبو بكر -﵁- أنه -ﷺ- قررهن\n_________\n(١) في النسخ المخطوطة: أهل الجزية، وهو خطأ.\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٤٣).","vol":"3","page":551},{"text":"١٤٣٣ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَا يَغْدُو يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ وَيَأْكُلَهُنَّ وِتْرًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٩٥٣].\nــ\nعلى هذا القدر اليسير في يوم العيد، ولذلك قال: دعهما فإنها أيام عيد، فدل الحديث على إباحة مقدار يسير منه في يوم العيد وغيره من مواضع يباح فيه السرور، ويكون ذلك من شعائر الدين كالأعراس والولائم، ومثل ذلك لعب السودان بالدرق والحراب في يوم العيد، وقصد عمر -﵁- أن يضربهم بالحصى، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: دعهم يا عمر.\nوأما قول القرطبي: يظهر من كثير منهم فعلات المجانين والصبيان، فذلك عند فقدان الضبط والاختيار، والمرء في ذلك معذور مع توجه المؤاخذة في التسبيب، ومن فعل ذلك في غير هذه الحالة فهو كما قال، ولقد صدر سماع الغناء ممن انكسرت شهوته وعلا مقامه من اللهو واللعب لا سيما عن الزندقة والإلحاد، ولما ثبت أنه يحرك السواكن ويبعث الكوامن فمن كان ساكنه وكامنه ذكر الحق والشوق إلى الآخرة والانجذاب إلى جناب القرب كيف يذم ذلك؟ اللهم إلا إن ثبتت الحرمة القطعية، ولم تثبت، ولقد صرح بعض المتأخرين من المحدثين وإن كان قولًا متعقبًا بأنه لم يصح حديث في حرمة الغناء، وقال بعض العلماء: لم يوجد على حرمته ولا على إباحته دليل قاطع، فيترك على الأصل، والأصل في الأشياء الإباحة وبعد اللَّتَيَّا والتي لا شك أن ذلك خلاف طريقة الاتباع، واللَّه أعلم.\n١٤٣٣ - [٨] (أنس) قوله: (لا يغدو يوم الفطر) أي: لا يروح إلى المصلى.\nوقوله: (حتى يأكل تمرات) لعلها كانت حاضرة الوقت فيأكلها، وقالوا: الحكمة في استحباب أكل التمر حلاوتها وهي نافعة في تقوية البصر والصوم يضعفه، والحلاوة يوافق مزاج الإيمان، وقالوا: ومن رأى في المنام يأكل حلوًا فتعبيره أن يرزق حلاوة الإيمان ويرفق القلب، ولهذا كان الإفطار بشيء حلو أفضل كالعسل وغيره، وكان (وترًا)","vol":"3","page":552},{"text":"١٤٣٤ - [٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٩٨٦].\nــ\nوفي رواية الحاكم عن عتبة بن حميد: يأكل ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا أو أقل من ذلك أو أكثر منها وترًا، ورعاية الوتر محمودة في الأمور كلها، (إن اللَّه وتر ويحب الوتر).\n١٤٣٤ - [٩] (جابر) قوله: (إذا كان يوم عيد خالف الطريق) أي: يخرج من طريق ويرجع من أخرى.\nوقوله: (رواه البخاري) ورواه الترمذي عن أبي هريرة قال: وقد استحب بعض أهل العلم للإمام إذا خرج في طريق أن يرجع في غيره اتباعًا للحديث، وبه قال الشافعي، وقال في (الفتح) (١): والذي في (الأم) أنه يستحب للإمام والمأموم، وبه قال أكثر الشافعية، وقال الرافعي: لم يتعرض في (الوجيز) إلا للإمام، وبالتعميم قال أكثر أهل العلم، ومنهم من قال: إن علم المعنى وبقيت العلة بقي الحكم وإلا انتفى بانتفائها، وإن لم يعلم المعنى بقي الاقتداء، وقال الأكثر: يبقى الحكم ولو انتفت العلة كما في الرَّمَل وغيره، انتهى.\nولا يذهب عليك أن العلة الحكم فيما نحن فيه ليست منصوصة كما في الرَّمَل وهو إظهار الجلادة والشهامة للمشركين، وأما فيما نحن فيه فإنما يستنبطون المعاني بالظن والاحتمال، فلا ينظر ههنا إلى العلة، بل يجب الاقتداء والاتباع على احتمال وجود بعض المعاني التي استنبطوها في شأنه -ﷺ-، فافهم.\nثم قد كثرت الأقوال في ذلك، فمنها أنه فعل ذلك ليشهد له بقاع ومواضع متكثرة مختلفة، ويشهد الطريقان وسكانهما من الجن والإنس، وقيل: ليسوّى بينهما في مزية الفضل بمروره -ﷺ-، وقيل: لإظهار شعائر الإسلام فيهما، وقيل: لإظهار ذكر اللَّه\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٧٢).","vol":"3","page":553},{"text":"١٤٣٥ - [١٠] وَعَنِ الْبَرَاءَ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ -ﷺ- يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: \"إِنَّ أَوَّلَ مَا نبدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ نُصَلِّيَ فَإِنَّمَا هُوَ شَاةُ لَحْمٍ عَجَّلَهُ لأَهْلِهِ،\nــ\nوإشاعته، وقيل: لغيظ الكافرين وترهيبهم بإظهار شوكة الإسلام ورفعة إعلام الدين ولعزة أهله وكثرتهم، وقيل: حذرًا من كيد أعداء الدين، وفيه نظر؛ لأنه لو كان كذلك لم يكرره؛ لأنهم يترصدونه في طريق الرجوع على تقدير العلم بطريق الخروج، فافهم.\nوقيل: ليشمل مسلمي الطريقين ويعمهما بالبركة وبرؤيته، والانتفاع في قضاء حوائجهم في الاستفتاء والتعلم والاسترشاد والصدقة والسلام عليهم، وقيل: ليتفاءل بتغير الحال إلى المغفرة والرضى والترقي بمقام القرب والوصول، يعني إذا تغير الطريق تغير الحال، ولا يخلو هذا الوجه عن خفاء، فافهم. وقيل: كان في ذهابه يتصدق، فإذا رجع لم يبق معه شيء، فيرجع في طريق أخرى؛ لئلا يرد من يسأله، وهذا الوجه لا يقتضي الاعتياد، بأنه يُدَّعى بأنه كان البتة يتصدق بجميع ما معه ولا يبق شيئًا، ولا يخفى بعده.\nوقيل: فعل ذلك لتخفيف الزحام، وقيل: كان طريقه التي يتوجه منها أبعد من التي يرجع فيها، فأراد تكثير الأجر بتكثير الخطى في الذهاب، وتعقب بأن أجر الخطى يكتب في الرجوع أيضًا كما صرحوا في الحج، وثبت عند الترمذي وغيره من حديث أبي بن كعب إلا أن يخص ذلك بالحج، واللَّه أعلم. ولو عكس هذا الوجه لكان له وجه، ويكون سلوك الطريق القريبة للمبادرة إلى فعل الطاعة وإدراك فضيلة أول الوقت، ولا يخفى أن كل ما ذكر احتمالات يمكن وجودها جمعًا وفرادى، واللَّه أعلم بأسرار ومصالح أفاض على حبيبه -ﷺ-، وتقصر عقول الخلق عن إدراكها، ففي كل فعل من حركة وسكون له -ﷺ- من دقائق الحكم والأسرار ما لا يحيط به سواه، واللَّه أعلم.\n١٤٣٥ - [١٠] (البراء) قوله: (شاة لحم) الإضافة بيانية، أي: شاة هي مجرد","vol":"3","page":554},{"text":"لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٦٨، م: ١٩٦١].\n١٤٣٦ - [١١] وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ حَتَّى صَلَّيْنَا فَلْيَذْبَحْ عَلَى اسْم اللَّهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٠٠، م: ١٩٦٠].\n١٤٣٧ - [١٢] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا يَذْبَحُ لِنَفْسِهِ، وَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَقَدْ تَمَّ نُسُكُهُ، وَأَصَابَ سُنَّةَ الْمُسْلِمِيْنَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٤٦، م: ١٩٦١].\n١٤٣٨ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٩٨٢].\nــ\nلحم يؤكل، ليس فيها معنى النسك والعبادة، والحديث يتضمن بيان وقت التضحية، وتفصيله في كتب الفقه، و(النسك) بضم النون وسكون السين: العبادة، والناسك: العابد، نَسَكَ ويَنْسُكُ: تعبد، والنسيكة الأضحية، والجمع نسك بضمتين والنسائك، والمنسك بكسر السين وفتحها: مكان التضحية، وضبط (النسك) في الحديث بوجهين.\n١٤٣٦ - [١١] (جندب) قوله: (فليذبح مكانها أخرى) أي: ليذبح شاة غيرها.\nوقوله: (فليذبح على اسم اللَّه) فهو مقبول صحيح وإلا فوجوب التسمية معلوم مقرر في الدين.\n١٤٣٧ - [١٢] (البراء) قوله: (فقد تم نسكه) أي: ثبت وصح.\n١٤٣٨ - [١٣] (ابن عمر) قوله: (ويذبح وينحر) الذبح للشاة والنحر للإبل، وقد يطلق الذبح على كليهما كما في الأحاديث.","vol":"3","page":555},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-465> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٤٣٩ - [١٤] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ -ﷺ- الْمَدِينَةَ وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فَقَالَ: \"مَا هَذَانِ الْيَوْمَانِ؟ \" قَالُوا: كُنَّا نلعَبُ فِيهِمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قَدْ أَبْدَلَكُمُ اللَّهُ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١١٣٤].\n١٤٤٠ - [١٥] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الْفِطْرِ حَتَّى يَطْعَمَ، وَلَا يَطْعَمُ يَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٥٤٢، جه: ١٧٥٦، دي: ١/ ٣٧٥].\nــ\nالفصل الثاني\n١٤٣٩ - [١٤] (أنس) قوله: (ولهم يومان) أي: لأهل المدينة.\nوقوله: (قد أبدلكم اللَّه بهما خيرًا منهما) يريد أن العيد الحقيقي والفرح والسرور للمؤمن ينبغي أن يكون في العبادة، ففيه نهي عن اللهو واللعب مع إشارة خفية إلى جواز شيء منهما في يوم العيدين مما ليس فيه فاحشة، وخروج عن طريقة الدين وشعاره، فافهم. وعن تعظيم أعياد المشركين ومواسمهم والسرور فيها، ولقد بالغ في النهي عنه بعض العلماء حتى حكموا بالكفر زجرًا وتشديدًا وسدًّا للذرائع واتقاء عن مظان الكفر، كذا في (فتح الباري) (١).\n١٤٤٠ - [١٥] (بريدة) قوله: (لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي) قالوا: الحكمة في الأكل قبل صلاة عيد الفطر أنه لما كان وجوب الفطر بعد وجوب الصوم أحب تعجيل الفطر قصدًا إلى المبادرة بالامتثال لأمر اللَّه تعالى،\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٢/ ٤٤٢).","vol":"3","page":556},{"text":"١٤٤١ - [١٦] وَعَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَبَّرَ فِي الْعِيدَيْنِ فِي الأُولَى سَبْعًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ، وَفِي الآخِرَةِ خَمْسًا قَبْلَ الْقِرَاءَةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٥٣٦، جه: ١٢٧٩، دي: ٢/ ٩٩٩، ولكن عن رواية عبد اللَّه بن محمد بن عمار عن أبيه عن جده].\nــ\nولولا قصد مجرد الامتثال لأكل على شبعه، وكان يكتفي بتمرات كما مرّ، وقيل: كان أكله -ﷺ- في كل من العيدين في وقت إخراج صدقة خصت لكل منهما، وإذا كان إخراج صدقة الفطر قبل أن يخرج إلى المصلى أكل ثم غدا إليه، وكان إخراج صدقة الأضحى بعد الذبح ووقته بعد الصلاة ذبح وتصدق فأكل.\n١٤٤١ - [١٦] (كثير بن عبد اللَّه) قوله: (عن كثير بن عبد اللَّه عن أبيه عن جده) ضمير جده راجع إلى كثير؛ فإن الصحابي جد كثير، وهو عمرو بن عوف المزني، لا جد أبيه وهو عوف، ثم إن كثير بن عبد اللَّه تكلموا فيه، قال أحمد: لا يساوي شيئًا، وقال أبو داود: كذاب، وقال الشافعي ﵀: أحد أركان الكذب، وقال الدارقطني: متروك، وقال أبو زرعة: واهي الحديث ليس بقوي، وقال يحيى: ضعيف الحديث، لكن قال الترمذي لهذا الحديث: حسن، وهو أحسن شيء روي في هذا الباب، وقال في (علله الكبرى): سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: ليس في هذا الباب أصح منه، وبه أقول.\nواعلم أن الأحاديث في تكبيرات العيدين جاءت مختلفة، ولذلك اختلفت مذاهب الأئمة، فعند الثلاثة سبع في الركعة الأولى وخمس في الثانية، ولكن عند مالك وأحمد يعدّ مع السبع تكبيرة الإحرام، ولا يعد مع الخمس تكبيرة القيام، وعند الشافعي ﵀ لا يعد شيء منهما معهما، وقال في شرح (كتاب الخرقي) (١) في مذهب أحمد\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (١/ ٣٦٩).","vol":"3","page":557},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n﵀: إنما عدت تكبيرة الافتتاح من السبع؛ لأنها تفعل في القيام، بخلاف تكبيرة القيام في الثانية، فإنها لم تعد من الخمس؛ لأنها تفعل مع القيام، وعند الإمام أبي حنيفة ﵀: ثلاث في الأولى وثلاث في الآخرة، زائدة على تكبيرة الافتتاح والقيام، وهذا مذهب ابن مسعود -﵁-، وما ذهب الشافعي ﵀ وغيره مذهب ابن عباس -﵁-، وقد وقع الكلام في أسانيد مذهبهم.\nونقل الشيخ ابن الهمام (١) عن أحمد بن حنبل ﵀ أنه قال: ليس في تكبيرات العيدين عن النبي -ﷺ- حديث صحيح، وإنما أخذ فيها بفعل أبي هريرة، ولكن قال في شرح (كتاب الخرقي): روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي -ﷺ- كبر ثنتي عشرة تكبيرة، سبعًا في الأولى وخمسًا في الآخرة، رواه أحمد وابن ماجه، وقال أحمد: أنا أذهب إلى هذا، وكذلك ذهب إليه ابن المديني وصحح الحديث، نقله عنه حرب، وكذلك رواه أبو داود، ولحديث عمرو بن عوف المزني مع أنه روي عن جماعة من الصحابة، انتهى.\nوقال الشيخ ابن الهمام (٢): إن أبا داود وإن روى ما ذكرنا، ولكن روى ما يعارضه أيضًا وهو أن سعيد بن العاص سأل أبا موسى الأشعري وحذيفة بن اليمان -﵃- فكل كيف كان رسول اللَّه -ﷺ- يكبر في الأضحى والفطر؟ فقال أبو موسى: كان يكبر أربعًا تكبيره على الجنائز، فقال حذيفة: صدق، فقال أبو موسى: كذلك كنت أكبر في البصرة حيث كنت عليهم، وسكت عنه أبو داود ثم المنذري في مختصره، وهو ناطق بحديثين إذ تصديق حذيفة رواية كمثله وسكوت أبي داود والمنذري تصحيح أو تحسين منهما، وتضعيف\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٢/ ٧٥).\n(٢) \"فتح القدير\" (٢/ ٧٥).","vol":"3","page":558},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nابن الجوزي له بعبد الرحمن بن ثوبان نقلًا عن ابن معين والإمام أحمد معارض بقول صاحب (التنقيح) فيه، وثقه غير واحد، وقال ابن معين: ليس به بأس.\nوأخرج عبد الرزاق أنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن علقمة والأسود قالا: كان ابن مسعود -﵁- جالسًا، وعنده حذيفة وأبو موسى الأشعري -﵄-، فسألهم سعيد بن العاص عن التكبير في صلاة العيد، فقال حذيفة: سل الأشعري، فقال الأشعري: سل عبد اللَّه؛ فإنه أقدمنا وأعلمنا، فقال ابن مسعود -﵁-: يكبر أربعًا ثم يقرأ فيركع، ثم يقوم في الثانية فيقرأ، ثم يكبر أربعًا بعد القراءة، وجاءت هذه القصة بطريق آخر، رواه محمد ابن الحسن أنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم النخعي عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- قال: كان قاعدًا في مسجد الكوفة. . . الحديث، وروى ابن أبي شيبة حدثنا هشام أنا مجالد عن الشعبي عن مسروق قال: كان عبد اللَّه بن مسعود يعلمنا التكبير في العيدين تسع تكبيرات، خمس في الأولى وأربع في الآخرة، ويوالي بين القراءتين، والمراد بالخمس تكبيرة الافتتاح والركوع وئلاث زوائد، وبالأربعة تكبيرة الركوع، وقد روي عن غير واحد من الصحابة نحو هذا، وهذا أثر صحيح قاله بحضرة جماعة من الصحابة، ومثل هذا يحمل على الرفع؛ لأنه مثل نقل أعداد الركعات، وما جاء على خلافه فمتعارض، ويترجح ما قلنا بأثر ابن مسعود مع أن المروي عن ابن عباس -﵄- متعارض مضطرب، انتهى.\nوقال مشايخنا: لما وردت أحاديث مختلفة أخذنا بالأقل؛ لأن التكبير ورفع الأيدي خلاف المعهود، فكان الأخذ بالأقل أولى، كذا في (الهداية) (١)، ثم إن المتعارف في بلاد الإسلام من عمل العامة هو مذهب ابن عباس وشيبة -﵃- أنه لما انتقلت الدولة إلى بني عباس كتبوا إلى الحكام وولاة وجه الأرض أن يعملوا بمذهب جدهم، وشرطوا\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٨٥).","vol":"3","page":559},{"text":"١٤٤٢ - [١٧] وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ مُرْسَلًا: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كبَّرُوا فِي الْعِيدَيْنِ وَالِاسْتِسْقَاءِ سَبْعًا وَخَمْسًا، وَصَلَّوْا قَبْلَ الْخُطْبَةِ، وَجَهَرُوا بِالْقِرَاءَةِ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. [مسند الشافعي: ١/ ٧٦].\n١٤٤٣ - [١٨] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا مُوسَى وَحُذَيْفَةَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكَبِّرُ فِي الأَضْحَى وَالْفِطْرِ؟ فَقَالَ أَبُو مُوسَى: كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا تَكْبِيرَهُ عَلَى الْجَنَائِزِ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: صَدَقَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١١٥٣].\n١٤٤٤ - [١٩] وَعَنِ الْبَرَاءِ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نُووِلَ يَوْمَ الْعِيدِ قَوْسًا فَخَطَبَ عَلَيْهِ. . . . .\nــ\nأن لا يعملوا لغيره، فاستمر العمل على ذلك إلى اليوم حتى في أكثر بلاد الحنفية كذلك، ونقل عن (فتاوى الحجة) أنه إن عمل بقول ابن مسعود جاز؛ لأنه مذهب أصحابنا، وعلى مذهب ابن مسعود -﵁- العمل في بلدنا الدهلي -عمرها اللَّه وعصمها-، وفي نواحيه وسائر البلاد بقي العمل بقول ابن عباس -﵄-.\n١٤٤٢ - [١٧] قوله: (جعفر بن محمد) هو الإمام جعفر الصادق بن الإمام محمد الباقر -﵄- وعن جميع أهل بيت النبوة.\n١٤٤٣ - [١٨] (سعيد بن العاص) قوله: (كان يكبر أربعًا تكبيره على الجنائز) وهو متمسك أبي حنيفة ﵀ كما ذكرنا.\n١٤٤٤ - [١٩] (البراء) قوله: (فخطب عليه) أي: متكئًا عليه، وجاء في بعض الروايات الفقهية أن الاتكاء على القوس والعصا مكروه، والصحيح أنه لا يكره لورود السنة بها، ونقل من (روضة العلماء): أن كل بلدة فتحت عنوة ومحاربة يعتمد فيها","vol":"3","page":560},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١١٤٥].\n١٤٤٥ - [٢٠] وَعَنْ عَطَاءٍ مُرْسَلًا: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا خَطَبَ يَعْتَمِدُ عَلَى عَنَزَتِهِ اعْتِمَادًا. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. [مسند الشافعي: ١/ ٧٧].\n١٤٤٦ - [٢١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: شَهِدْتُ الصَّلَاةَ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ بِغَيْرِ أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ، قَامَ مُتَّكِئًا عَلَى بِلَالٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ النَّاسَ وَذَكَّرَهُمْ وَحَثَّهُمْ عَلَى طَاعَتِهِ، وَمَضَى إِلَى النِّسَاءِ وَمَعَهُ بِلَالٌ، فَأَمَرَهُنَّ بِتَقْوَى اللَّهِ وَوَعَظَهُنَّ وَذَكَّرَهُنَّ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٥٧٥].\nــ\nبالسلاح، وما فتح بغيرها يعتمد على العصا، ولهذا يعتمد الشافعية بمكة على السيف؛ لأن فتحه عندهم بالعنوة، وعند الحنفية بالعصا؛ لأن فتحها عندهم بالصلح، وأما في المدينة المطهرة لا يعتمد بالسلاح اتفاقًا؛ لأنه لم يكن فتحه بالمحاربة.\n١٤٤٥ - [٢٠] (عطاء) قوله: (على عنزته) وهي فوق العصا ودون الرمح في طرفها زج، أي: نصل، وقد كان معه -ﷺ- يحملها خدامه كما ورد في الأحاديث.\nوقوله: (اعتمادًا) مفعول مطلق للتأكيد.\n١٤٤٦ - [٢١] (جابر) قوله: (قام متكئًا على بلال) فيه جواز الاعتماد للخطيب على إنسان.\nوقوله: (ووعظ الناس) في (القاموس) (١): وَعَظَ يَعِظُ وعظًا وعظةً وموعظةً: ذَكَّرَه ما يُلَيِّن قلبه من الثواب والعقاب، فقوله: (وذكّرهم) كالعطف التفسيري له، وقيل: الوعظ زجر مقترن بتخويف.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٤٥).","vol":"3","page":561},{"text":"١٤٤٧ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا خَرَجَ يَوْمَ الْعِيدِ فِي طَرِيقٍ رَجَعَ فِي غَيْرِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٥٤١، دي: ١/ ٣٧٨].\n١٤٤٨ - [٢٣] وَعَنْهُ أَنَّهُ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ -ﷺ- صَلَاةَ الْعِيدِ فِي الْمَسْجِدِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَه. [د: ١١٦، جه: ١٣١٣].\n١٤٤٩ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَتَبَ إِلَى عَمْرِو ابْنِ حَزْمٍ وَهُوَ بِنَجْرَانَ: عَجِّلِ الأَضْحَى وَأَخِّرِ الْفِطْرَ وَذَكِّرِ النَّاسَ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. [مسند الشافعي: ١/ ٧٤].\nــ\n١٤٤٧ - [٢٢] (أبو هريرة) قوله: (رجع في غيره) قد سبق الكلام في سببه.\n١٤٤٨ - [٢٣] (وعنه) قوله: (أصابهم مطر في يوم عيد فصلى بهم النبي -ﷺ- صلاة العيد في المسجد) ظاهره أن الصلاة في الجبّانة أفضل منها في المسجد إلا لعذر، والآن جرت عادة أهل المدينة المطهرة، وكذا المكة المعظمة بالصلاة في المسجد، ولم يرضوا بمفارقة المسجد الشريف والحرام العظيم.\n١٤٤٩ - [٢٤] (أبو الحويرث) قوله: (بنجران) بتقديم النون المفتوحة على الجيم الساكنة، وفي (القاموس) (١): نجران كعطشان موضع باليمن، فتح سنة عشر، سمي بنجران بن زيدان بن سبأ، وموضع بحوران قرب دمشق، انتهى. والمراد في الحديث هو الأول، وفي (النهاية) (٢): موضع بين الحجاز والشام واليمن.\nوقوله: (عجل الأضحى وأخر الفطر) ولعل الحكمة في ذلك أنه لما أديت صدقة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٤٦).\n(٢) \"النهاية\" (٥/ ٢١).","vol":"3","page":562},{"text":"١٤٥٠ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-: أَنَّ ركْبًا جَاؤُوا إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ رَأَوُا الْهِلَالَ بالأَمْس، فَأَمَرَهُمْ أَن يُفْطِرُوا، وَإِذا أَصْبحُوا أَن يَغْدُو إِلَى مُصَلَّاهُمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١١٥٧، ن: ١٥٥٧].\nــ\nالفطر وأكل طعام ولم يبق لهم بعد ذلك، كان التأخير موجبًا لكثرة الجماعة وازياد اجتماع الناس مع أنه قد تطرق ضعف وفتور يمنع عن الإسراع والاستعجال بخلاف الأضحى، فإن بعد الصلاة ذبحًا وتصدقًا وأكلًا فيناسب الاستعجال، وقد حكي عن ابن عمر -﵄- وهو الإمام في رعاية السنة أنه كان يروح إلى المصلى بعد طلوع الشمس، وهو لا ينافي تأخير الصلاة، ففي الخروج إلى المصلى مبادرة إلى الامتثال واستعجاله إلى الحضرة.\n١٤٥٠ - [٢٥] (أبو عمير بن أنس) قوله: (عن أبي عمير) بلفظ التصغير، (ابن أنس بن مالك) قيل: كان أكبر أولاد أنس -﵁-، كذا في (التقريب) (١).\nوقوله: (عن عمومة) العمومة جمع عم كالبعولة جمع بعل كقوله تعالى: ﴿وَوَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، ويجمع العم على أعمام وعمومة وأَعَمّ وأعمُمون، ويجمع البعل على بعال وبعولة وبعول، ويجيئان بمعنى المصدر أيضًا كالأبوة والخؤولة.\nوقوله: (جاؤوا) أي: بعد الزوال، وقد جاء في رواية ابن ماجه والدارقطني أنهم قدموا آخر النهار، ولفظه عن أبي عمير بن أنس حدثني عمومتي من الأنصار من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- قالوا: أغمي علينا هلال شوال فأصبحنا صيامًا، فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول اللَّه -ﷺ- أنهم رأوا الهلال بالأمس، وقد جاء في رواية: بعد زوال الشمس، وهذا هو المذهب عندنا، قال في (الهداية) (٢): فإن غم الهلال وشهدوا عند\n_________\n(١) \"التقريب\" (ص: ٦٦١).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ٨٥).","vol":"3","page":563},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-466> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٤٥١ - [٢٦] عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاء عَنِ ابْن عَبَّاسٍ وَجَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَلَا يَوْمَ الأَضْحَى، ثُمَّ سَأَلْتُهُ يَعْنِي عَطَاءً بَعْدَ حِينٍ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَنِي قَالَ: أَخْبَرَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنْ لَا أَذَانَ لِلصَّلَاةِ يَوْمَ الْفِطْرِ حِينَ يَخْرُجُ الْإِمَامُ وَلَا بَعْدَ مَا يَخْرُجُ، وَلَا إِقَامَةَ وَلَا نِدَاءَ وَلَا شَيْءَ، وَلَا نِدَاءَ يَوْمَئِذٍ وَلَا إِقَامَةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٨٦].\n١٤٥٢ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَخْرُجُ يَوْمَ الأَضْحَى وَيَوْمَ الْفِطْرِ فَيَبْدَأُ بِالصَّلَاةِ،\nــ\nالإمام بالهلال بعد الزوال صلى العيد من الغد؛ لأن هذا تأخير بعذر، وقد ورد فيه الحديث، انتهى.\nالفصل الثالث\n١٤٥١ - [٢٦] (ابن جريج) قوله: (أن لا أذان للصلاة يوم الفطر) لعله جرى الكلام بعد ذلك في يوم الفطر خاصة، فلذلك خصصه بالذكر لا لتخصيص الحكم به.\nوقوله: (حين يخرج الإمام) أي: للصلاة، (ولا بعد ما يخرج) أي: للخطبة.\nوقوله: (ولا نداء ولا شيء) إطناب لمزيد التقرير.\nوقوله: (لا نداء يومئذ ولا إقامة) إطناب بعد إطناب، وكان المراد بالنداء في الأول مثل: الصلاة الصلاة، أو الصلاة جامعة ونحو ذلك، وفي الثاني الأذان أو أعم، ويحتمل أن يكون قوله: (لا نداء)، (ولا إقامة) من كلام عطاء، فتعين أن يكون المراد بالنداء المعنى الأعم، فافهم.\n١٤٥٢ - [٢٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فيبدأ بالصلاة) أي: يصلي قبل الخطبة.","vol":"3","page":564},{"text":"فَإِذَا صَلَّى صَلَاتَهُ قَامَ فَأقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَهُمْ جُلُوسٌ فِي مُصَلَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَة بِبَعْثٍ ذَكَرَهُ لِلنَّاسِ، أَوْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ أَمَرَهُمْ بِهَا، وَكَانَ يَقُولُ: \"تَصَدَّقُوا تَصَدَّقُوا تَصَدَّقُوا\" وَكَانَ أَكْثَرَ مَنْ يَتَصَدَّقُ النِّسَاءُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى كَانَ مَرْوَان بْن الْحَكَمِ، فَخَرَجْتُ مُخَاصِرًا مَرْوَانَ حَتَّى أَتَيْنَا الْمُصَلَّى، فَإِذَا كَثِيرُ بْنُ الصَّلْتِ قَدْ بَنَى مِنْبَرًا مِنْ طِينٍ وَلَبِنٍ، فَإِذَا مَرْوَانُ يُنَازِعُنِي يَدَهُ كَأَنَّهُ يَجُرُّنِي نَحْوَ الْمِنْبَرِ، وَأَنَا أَجُرُّهُ نَحْوَ الصَّلَاة، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ مِنْهُ قُلْتُ: . . . . .\nــ\nوقوله: (فإذا صلى صلاته قام) أي: للخطبة.\nوقوله: (بغير ذلك) أي: من مصالح المسلمين العامة أو الخاصة.\nوقوله: (تصدقوا) مكرر ثلاث مرات.\nوقوله: (وكان أكثر من يتصدق النساء) لأنه -ﷺ- أخبرهن بأنه رآهن أكثر أهل النار.\nوقوله: (فلم يزل) أي: الأمر (كذلك) أي: على تقديم الصلاة على الخطبة، (حتى كان مروان بن الحكم) أي: وجدت إمارته على المدينة من قبل معاوية.\nوقوله: (فخرجت) هذا قول أبي سعيد الخدري يقول: خرجت ماشيًا لمروان يدي في يده، والمخاصرة أن يأخذ رجل بيد رجل آخر يتماشيان، فتقع يد كل واحد عند خاصرة صاحبه، عبارة عن شدة التصاقهما في المشي.\nوقوله: (فإذا كثير بن الصلت قد بنى منبرًا) في المصلى (من طين ولبن) بفتح اللام وكسر الباء ككتف، وقد جاء بكسرتين كإبل، وقد يقال: بكسر اللام وسكون الباء.\nوقوله: (كأنه يجرني نحو المنبر) أي: يريد أن يخطب قبل الصلاة.\nوقوله: (وأنا أجره نحو الصلاة) لتقدمها على الخطبة.","vol":"3","page":565},{"text":"أَيْنَ الِابْتِدَاءُ بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: لَا يَا أَبَا سَعِيدٍ، قَدْ تُرِكَ مَا تَعْلَمُ، قُلْتُ: كَلَّا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَأْتُونَ بِخَيْرٍ مِمَّا أَعْلَمُ ثَلَاثَ مِرَارٍ ثُمَّ انْصَرفَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٨٩].\n* * *\nــ\nوقوله: (أين الابتداء بالصلاة) أي: الذي هو المعروف من فعله -ﷺ- وخلفائه -﵃-، (فقال) أي: مروان: (لا) أي: لا تنازع في ذلك، أو لا نبتدئ بالصلاة، (قد ترك ما تعلم) أي: تركته لأجل مصلحة رأيتها، وهو أن الناس لا ينتظرون لاستماع الخطبة لو قدمت الصلاة.\nوقوله: (ثم انصرف) أي: قال أبو سعيد ذلك ثم انصرف، ولم يحضر الجماعة كذا قال الطيبي (١)، ويحتمل أن يكون المعنى ثم انصرف أبو سعيد من جهة المنبر إلى جهة الصلاة، وأن يكون فاعل (انصرف) مروان، أي: انصرف إلى المنبر ليخطب قبل الصلاة، وقد يتراءى هذا المعنى أظهر من حيث العبارة؛ لأن أبا سعيد متكلم، واللَّه أعلم.\nواعلم أنه قد ذكر في هذا الحديث حكمان، أحدهما: أنه لم يكن في المصلى في زمن النبي -ﷺ- منبر، وقد ورد في الصحيح أنه كان ينصرف من الصلاة، فيقوم مقابل الناس، كما مرّ من حديث أبي سعيد الخدري -﵁- في أول الباب، وفي رواية: فينصرف إلى الناس قائمًا في مصلاه، ولابن خزيمة: خطب يوم عيد قائمًا على رجليه، ومقتضى ظاهر هذا الحديث أن من اتخذ المنبر هو مروان، وقد وقع في (المدونة) لمالك أن أول من خطب الناس في المصلى على المنبر عثمان بن عفان -﵁- كلمهم على منبر من طين بناه كثير بن الصلت، لكن هذا معضل، وما في الصحيحين أصح، ويحتمل أن\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢٤٦).","vol":"3","page":566},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nيكون عثمان -﵁- فعل ذلك مرة ثم أعاده مروان، ولم يطلع على ذلك أبو سعيد، وإنما اختص كثير بن الصلت ببناء المنبر بالمصلى؛ لأن داره كانت مجاورة للمصلى، كما جاء في (صحيح البخاري) من حديث ابن عباس -﵄-: أنه -ﷺ- أتى في يوم العيد إلى العلم الذي عند دار كثير بن الصلت، قال ابن سعد: كانت دار كثير بن الصلت في قبلة المصلى في العيدين، وإنما بنى كثير بن الصلت داره بعد النبي -ﷺ- بمدة، لكن لما كانت شهيرة في تلك البقعة وصف المصلى بمجاورتها.\nوثانيهما: أن السنة في العيدين الصلاة قبل الخطبة، واتفق أصحاب الكتب الستة على رواية: أن رسول اللَّه -ﷺ- صلى قبل الخطبة وعمل أبو بكر وعمر -﵄- بعده كذلك، وقال الترمذي: وعليه العمل عند أهل العلم من الصحابة وغيرهم، وقالوا: أول من خطب قبل الصلاة مروان بن الحكم حين كان أمير المدينة من قبل معاوية.\nوقال في (فتح الباري) (١): اختلف في أول من غير ذلك، فرواية طارق بن شهاب عن أبي سعيد -﵁- عند مسلم صريحة في أنه مروان، وقيل: بل سبقه إلى ذلك عثمان -﵁-، فروى ابن المنذر بإسناد صحيح إلى الحسن البصري ﵀ قال: أول من خطب قبل الصلاة عثمان -﵁- صلى بالناس، ثم خطبهم -يعني على العادة- فرأى ناسًا فلم يدركوا الصلاة ففعل ذلك، أي: صار يخطب قبل الصلاة، وهذه العلة غير التي اعتل بها مروان؛ لأن عثمان -﵁- راعى مصلحة الجماعة في إدراكهم الصلاة، وأما مروان فراعى مصلحتهم في إسماعهم الخطبة، لكن قيل: إنهم كانوا في زمن مروان يتعمدون ترك سماع الخطبة لما فيها من سب من لا يستحق السب، والإفراط في مدح بعض الناس، فعلى هذا إنما\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٤٥١).","vol":"3","page":567},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-467>٤٨ - باب في الأضحية</span>\nــ\nراعى مصلحة نفسه، ويحتمل أن يكون عثمان -﵁- فعل ذلك أحيانًا بخلاف مروان فواظب عليه، فلذلك نسب إليه بدليل أن البخاري ومسلمًا وأبا داود والنسائي أخرجوا عن ابن عباس -﵄- قال: حضرت يوم العيد مع رسول اللَّه -ﷺ- وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي -﵃- فكانوا يصلون قبل الخطبة، وقد روي عن عمر [مثل] فعل عثمان، وقال عياض ومن تبعه: لا يصح عنه وفيما قالوه نظر، وروى عبد الرزاق عن ابن جريج عن الزهري قال: من أحدث الخطبة قبل الصلاة في العيد معاوية، وروى ابن المنذر عن ابن سيرين أنه فعل ذلك زياد بالبصرة، قال: ولا مخافة بين هذين الأثرين وأثر مروان؛ لأن كلا من مروان وزياد كان عاملًا لمعاوية، فيحمل على أنه ابتدأ ذلك فتبعه عُمّاله، واللَّه أعلم، انتهى.\nومن فوائد الحديث إنكار العلماء على الأمراء إذا صنعوا ما يخالف السنة وجواز عمل العالم بخلاف الأولى؛ لأن أبا سعيد -﵁- حضر ولم ينصرف على ما هو الصحيح، فيستدل به على أن البداية بالصلاة فيها ليس بشرط في صحتها، وقال الشيخ ابن الهمام (١): لو خطب قبل الصلاة خالف السنة ولا يعيد الخطبة، وقيل: حمل أبو سعيد فعل النبي -ﷺ- على التعيين، وحمله مروان على الأولوية، واعتذر من ترك الأولى بما ذكره، فرأى أن أصل السنة وهو استماع الخطبة أولى من المحافظة على هيئته فيما ليست من شرطها، كذا قال الشيخ، واللَّه أعلم.\n٤٨ - باب في الأضحية\nفيه أربع لغات: الأضحية بضم الهمزة وكسرها مع تشديد الياء وتخفيفها، وجمعها\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٢/ ٧٧).","vol":"3","page":568},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأضاحي بتشديد الياء وتخفيفها، وجاء ضحية على وزن عطية، وجمعها ضحايا كعطايا، وأضحاة بالفتح، وجمعه أضحى كأرطاة وأرطى، وهي اسم لما يذبح من النعم تقربًا إلى اللَّه مما يجوز ذبحها في الشرع في وقت مخصوص، والتضحية مصدر، وبها سمي يوم النحر بالأضحى، أو من الضحوة بمعنى ارتفاع النهار، بل التضحية أيضًا مشتق منها؛ لأنها تذبح في وقت الضحى، وهو أول وقتها.\nثم اختلفوا في أن التضحية واجب أو سنة (١)، فذهب أبو حنيفة وصاحباه وزفر وحسن -﵏- أنها واجبة على كل حر مسلم مقيم موسر، وعند الشافعي -﵀- وفي رواية عن أبي يوسف سنة مؤكدة، وهو المشهور المختار في مذهب أحمد -﵀-، وفي رواية عنه: واجب على الغني، وسنة على الفقير، وفي (رسالة ابن أبي زيد) في مذهب مالك: أنها سنة واجبة على من استطاعها، فإما أن يريد بالسنة الطريقة المسلوكة أو بالوجوب التأكيد، والمعنى الأول أقرب، ودليل الوجوب حديث روى الترمذي وأبو داود والنسائي عن مخنف بن سليم (٢) قال: كنا مع رسول اللَّه -ﷺ- بعرفات، فسمعته يقول: (أيها الناس! على كل أهل بيت في كل عام أضحية)، وهذا صيغة الوجوب، وقال -ﷺ-: (من وجد سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا)، ومثل هذا الوعيد لا يلحق إلا بترك الواجب، كذا في (الهداية) (٣).\n_________\n(١) في \"المرقاة\" (٣/ ١٠٧٧): اخْتُلِفَ هَلْ هِيَ سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَصَاحِبَا أَبِي حَنِيفَةَ: هِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُقِيمِينَ مِنْ أَهْلِ الأَمْصَارِ، وَاعْتَبَرَ فِي وُجُوبِهَا النِّصَابَ.\n(٢) \"سنن الترمذي\" (١٥١٨)، و\"سنن أبي داود\" (٢٧٨٨)، و\"سنن النسائي\" (٤٢٢٤)، وفي المخطوطة: \"المحبق بن سليم\" وهو تحريف، والصواب: ما كتبناه، هكذا في السنن الثلاثة.\n(٣) \"الهداية\" (٤/ ٣٥٥).","vol":"3","page":569},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-468> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٤٥٣ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنينِ، ذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ وَسَمَّى وَكبَّرَ،\nــ\nوقد يتمسك أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، فإن المراد بالصلاة عيد الأضحى، وبالنحر التضحية بدليل صيغة الأمر وترتيبه وتفريعه على عطاء الكوثر الذي هو أجلّ النعم وأعظم العطايا، فإن المراد به الخير الكثير في الدنيا والآخرة، كذا قيل، ودلائل السنة ما رواه أحمد وابن ماجه (١) من حديث زيد بن أرقم: قالوا: يا رسول اللَّه! ما الأضحية؟ فقال: (سنة أبيكم إبراهيم)، ورواه الدارقطني عن ابن عباس عن النبي -ﷺ-: (ما أنفق مال في شيء أفضل من نحرة يوم العيد)، وقال رسول اللَّه -ﷺ- عند التضحية: (هذا مني وممن لم يضح من أمتي)، رواه أحمد وأبو داود والترمذي (٢)، فعلم أن في الأمة من لم يضح وتكفيه أضحية النبي -ﷺ-، ولا يخفى أن هذه الأحاديث ليست بنص في عدم الوجوب، فالأولى التمسك بما رواه الدارقطني عن ابن عباس -﵄- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (ثلاث فرض علَيَّ ولكم تطوع: الوتر، والنحر، وركعتا الفجر)، إن صح الحديث، ويتمسك أيضًا بحديث أم سلمة -﵂- الآتي في آخر الفصل الأول: (من رأى هلال ذي الحجة وأراد أن يضحي. . .)؛ لأن التعليق بالإرادة ينافي الوجوب، واللَّه أعلم.\nالفصل الأول\n١٤٥٣ - [١] (أنس) قوله: (بكبشين) الكبش بفتح وسكون: الفحل من الغنم:\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٤/ ٥٥٦)، و\"سنن ابن ماجه\" (٣١٢٧).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٣/ ٣٥٦)، و\"سنن أبي داود\" (٢٨١٠)، و\"سنن الترمذي\" (١٥٢١).","vol":"3","page":570},{"text":"قَالَ: رَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا وَيَقُولُ: \"بِسْمِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٤٦، ٥٥٦٥، م: ١٩٦٦].\n١٤٥٤ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَ بِكَبْشٍ أَقْرَنَ، يَطَأُ فِي سَوَادٍ، وَيَبْرُكُ فِي سَوَادٍ، وَيَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، فَأُتِيَ بِهِ لِيُضَحِّيَ بِهِ، قَالَ: \"يَا عَائِشَةُ! هَلُمِّي الْمُدْيَةَ\"، ثُمَّ قَالَ: . . . . .\nــ\nالذي يناطح، والأملح: الذي يخالط سواده بياضه، والملحة من الألوان: بياض يخالط سوادًا، وقيل: الذي بياضه أكثر من سواده، وخالفهم ابن الأعرابي فقال: هو أنقى البياض، قال التُّورِبِشْتِي (١): ولعله ذهب إلى ذلك بقول العرب لبعض شهور الشتاء: مِلْحان لبياض ثلجه، والأقرن ذو القرن، والمراد ههنا العظيم القرن، وإلا فكل كبش ذو القرنين، أو المراد سالم القرنين، والصفاح بالكسر جمع صفح بفتح الصاد وسكون الفاء، قيل: هو الجنب، وقيل: الوجه، وفي (مختصر النهاية) (٢): صفح كل شيء: وجهه وناحيته، وقيل: جمع صفحة وهي عرض الوجه.\n١٤٥٤ - [٢] (عائشة) قوله: (يطأ في سواد) أي: يطأ الأرض ويمشي في سواد أي: كان رجلاه سوداوين، (ويبرك في سواد) أي: كان بطنه وصدره أسود، (وينظر في سواد) أي: أسود العين، كذا قال الطيبي (٣)، وقيل: أسود حوالي العين، (وهلمي) أي: أعطيني و(المدية) مثلثة الميم: السكين، سمي بذلك لأنه يقطع مدة الحياة، وسمي سكينًا لأنها تسكن حركة الحياة وحرارتها، كذا في شرح الشيخ، وكأنه أبدلت\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٣٤٧).\n(٢) \"مختصر النهاية\" (٢/ ٥٧١).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢٤٨).","vol":"3","page":571},{"text":"\"اشْحَذِيهَا بِحَجَرٍ\" فَفَعَلَتْ ثُمَّ أَخَذَهَا، وَأَخَذَ الْكَبْشَ، فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ ثُمَّ قَالَ: \"بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ وَمِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ\". ثُمَّ ضَحَّى بِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٦٧].\nــ\nأحد حرفي المضاعف بالياء.\nوقوله: (اشحذيها) أمر من الشحذ بالشين المعجمة والحاء المهملة والذال المعجمة، أي: حدّيها، في (القاموس) (١): شحذ السكين: كمنع: حدها كأشحذها.\nوقوله: (ثم ذبحه) أي: أراد ذبحه.\nوقوله: (من محمد وآل محمد ومن أمة محمد) يريد به الاشتراك في الثواب تفضلًا منه -ﷺ- (٢).\nوقوله: (ثم ضحى به) أي: غدى به، في (القاموس) (٣): ضحيته تضحية: أطعمته في الضحوة، وضحى بالشاة ذبحها فيها، وفي (مجع البحار) (٤): في حديث: بينما نحن نتضحى، أي: نتغدى ونأكل في الضحى، وفي (الأساس) (٥): ضحى قومه، أي: غداهم وأطعمهم في الضحى.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣١٥).\n(٢) وَقَالَ مُحَمَّدٌ في \"موطئه\" (ص: ٢١٧): كَانَ الرَّجُلُ يَكُونُ مُحْتَاجًا فَيَذْبَحُ الشَّاةَ الْوَاحِدَةَ يُضَحِّي بِهَا عَنْ نفسِهِ، فَيَأْكُلُ وَيُطْعِمُ أَهْلَهُ، فَأَمَّا شَاةٌ وَاحِدَةٌ تُذْبَحُ عَنِ اثْنَيْنِ، أَوْ ثَلاثَةِ أُضْحِيَةٌ فَهَذَا لا يُجْزِئُ، وَلا يَجُوزُ شَاةٌ إِلا عَنِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنَا، انتهى. وقال الموفق: وَلَا بَأْسَ أَنْ يَذْبَحَ الرَّجُلُ عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ شَاةً وَاحِدَةً، أَوْ بَقَرَةً أَوْ بَدَنَةً. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ. \"المغني\" (٩/ ٤٣٨).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩).\n(٤) \"مجمع البحار\" (٣/ ٣٩٠).\n(٥) \"أساس البلاغة\" (١/ ٥٧٦).","vol":"3","page":572},{"text":"١٤٥٥ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٦٣].\nــ\n١٤٥٥ - [٣] (جابر) قوله: (لا تذبحوا إلا مسنة) بضم الميم وكسر السين والنون المشددة، اعلم أن الأضحية لا يجوز إلا من الإبل والبقر والغنم، ولم يرو من النبي -ﷺ- ولا من أصحابه -﵃- التضحية من غير هذه الأقسام الثلاثة من الذبائح، والغنم صنفان المعز والضأن، والجاموس نوع من البقر، ويجوز من جميع هذه الأقسام الثني وهو المراد بالمسنة، وهو من الإبل ما استكمل خمس سنين وطعن (١) في السادسة، ومن البقر ما استكمل سنتين، ومن الغنم ضأنًا كان أو معزًا ما استكمل سنة، هكذا في (الهداية) (٢) وهو مذهب الحنفية، والشافعية فسروا الثني من الغنم أيضًا بما استكمل سنتين، وهو المذكور في (القاموس) (٣).\nوفي (رسالة ابن أبي زيد) في مذهب مالك: الثني من الغنم ما أوفى سنة ودخل في الثانية، ومن البقر ما دخل في السنة الرابعة، ومن الإبل ابن ست سنين، وفي مذهب أحمد -﵀- عند أكثر أصحابه الثني من الغنم ابن سنة، وعند بعضهم ابن سنتين، ومن البقر ابن سنتين، ومن الإبل ابن خمس سنين، وهو يوافق مذهبنا، ووجه التسمية بالثني أنه يلقي الثنايا في هذا العمر، والمسنة من السن إما بمعنى الأسنان أو بمعنى العام، وبالجملة الثني شرط في التضحية في هذه الأقسام بالاتفاق مع اختلاف في تفسيره إلا الضأن، فإنه يجوز منه الجذع (٤) بالذال المعجمة بفتحتين كما قال، إلا أن يعسر عليكم\n_________\n(١) قال في \"الخلاصة\": ما تم عليه أربعة أحوال. (منه).\n(٢) \"الهداية\" (٤/ ٣٥٩).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٦٦).\n(٤) وإنما يجوز الجذع إذا كانت عظيم الجسم، وأما إذا كانت صغيرة لا يجوز إلا أن يتم لها =","vol":"3","page":573},{"text":"١٤٥٦ - [٤] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَعْطَاهُ غَنَمًا يُقَسِّمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ ضَحَايَا، فَبَقِيَ عَتُودٌ، فَذَكَرَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: \"ضَحِّ بِهِ أَنْتَ\". وَفِي. . . . .\nــ\nفتذبحوا جذعة من الضأن، فإنه أعز وأعلى من المعز.\nقال في (الهداية) (١): الجذع من الضأن في مذهب الفقهاء ما تم عليه ستة أشهر. وقال: وذكر الزعفراني أنه ما تم عليه سبعة أشهر، وقال: إنما يجوز إذا كانت عظيمة بحيث لو خلطت بالثنيان يشتبه على الناظر من بعيد، انتهى. وعند الشافعي ما تم عليه سنة، وفي قولٍ: ستة أشهر، وعند مالك: ابن سنة، وقيل: ابن ثمانية أشهر، وفي مذهب الإمام أحمد: ابن ستة أشهر، ونقل الخرقي من أئمة مذهبهم من أهل البادية أنهم إنما يقولون: الجذع إذا قام الصوف على ظهره، وهذا احتراز عن الجذع من المعز وإلا فالجذع من الإبل والبقر جائز، كما يجيء في الفصل الثاني من حديث مجاشع.\n١٤٥٦ - [٤] (عقبة بن عامر) قوله: (أعطاه غنمًا) أي: عدة من الجنس، (فبقى عتود) بفتح العين بعدها تاء مثناة وهو ابن سنة من أولاد المعز، وقيل: ما أتى عليه أكثر الحول، قال في (الخلاصة): العتود من المعز كالجذع من الضأن، وهو الذي أتى عليه أكثر الحول.\nوقوله: (ضح به أنت) العتود إن كان ما تم عليه الحول فهو جائز عندنا مطلقًا، وإن كان ما تم عليه أكثر الحول فإجزاؤها عنه خصوصية له كما جاء في حديث أبي بردة في جذعة المعز: (اذبحها ولن تجزئ عن أحد بعدك)، وعند الشافعية خصوصية له البتة إذ الثني من الغنم عنده ما تم له سنتان، فافهم.\n_________\n= سنة وبلغت الثانية.\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٣٥٩).","vol":"3","page":574},{"text":"رِوَايَةٍ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَصَابَنِي جَذَعٌ، قَالَ: \"ضَحِّ بِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٤٧، م: ١٩٦٥].\n١٤٥٧ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٩٨٢].\n١٤٥٨ - [٦] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"الْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْجَزُورُ عَنْ سَبْعَةٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لَهُ. [م: ١٣١٨، د: ٢٨٠٨].\n١٤٥٩ - [٧] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ وَأَرَادَ بَعْضُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَمَسَّ مِنْ شَعْرِهِ. . . . .\nــ\nوقوله: (أصابني جذع) أي: من المعز.\n١٤٥٧ - [٥] (ابن عمر) قوله: (يذبح وينحر) النحر مخصوص بالإبل، وهذا الحديث سبق في (باب صلاة العيد) في آخر الفصل الأول عن ابن عمر برواية البخاري، وكان الظاهر أن يذكره ههنا لا هناك (١).\n١٤٥٨ - [٦] (جابر) قوله: (والجزور) أي: البعير، (عن سبعة) أي: سبعة أشخاص.\nوقوله: (واللفظ له) كأنه تعريض لصاحب (المصابيح) حيث أورده في الفصل الأول اعتبارًا بمعناه.\n١٤٥٩ - [٧] (أم سلمة) قوله: (إذا دخل العشر) أي: عشر ذي الحجة.\n_________\n(١) قال القاري: ذَكَرَهُ هُنَا لِبَيَانِ مَكَانِ الذَّبْحِ؛ إِذِ الذَّبْحُ فِي الْمُصَلَّى أَفْضَلُ لإِظْهَارِ الشِّعَارِ، وَذُكِرَ ثَمَّةَ لِبَيَانِ وَقْتِ الأُضْحِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا ذَبَحَ بِالْمُصَلَّى عُلِمَ أَنَّ الأَفْضَلَ الذَّبْحُ بَعْدَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ: \"أَوَّلُ مَا نَبْدَأُ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ فَنَنْحَرَ\" قَالَهُ زَيْنُ الْعَرَبِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٨٠).","vol":"3","page":575},{"text":"وَبَشَرِهِ شَيْئًا\"، وَفِي رِوَايَةٍ: \"فَلَا يَأْخُذَنَّ شَعْرًا، وَلَا يَقْلِمَنَّ ظُفْرًا\"، وَفِي رِوَايَةٍ: \"مَنْ رَأَى هِلَالَ ذِي الْحِجَّةِ، وَأَرَادَ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٧٧].\nــ\nوقوله: (وبشره) في (القاموس) (١): البشر محركة: ظاهر جلد الإنسان، قيل: وغيره، جمع بشرة، قال الطيبي (٢): المراد بالبشرة هنا الظفر بقرينة الرواية الأخرى، ويحتمل أن يراد أنه لا يقشر من جلده شيئًا إذا احتيج إلى تقشيره، وفي شرح الشيخ: كقطع بعض جلده كما صرح به الأئمة ولم يطلع عليه الشارح، انتهى.\nوقوله: (فلا يأخذن شعرًا) ولو من نحو إبط.\nوقوله: (ولا يقلمن) من التقليم أو من القلم، ثم تكلموا في الحكمة في ذلك، فقيل: للتشبيه بحجاج بيت اللَّه الحرام على نحو التعريف، وقيل: ليكون فداء عن المضحي بكل جزء حتى بكل شعره وظفره، ولذلك كان الذبح قبل الحلق يوم النحر بمنى، ويؤيد ذلك أنه لو كان المقصود التشبه بالحجاج لشاع ذلك في سائر محظورات الإحرام، ثم هذا النهي للتحريم عند قوم، وللكراهة عند آخرين بقول عائشة: كنت أفتل قلائد هدي رسول اللَّه -ﷺ-، ثم يقلدها، ثم يبعث بها، ولا يحرم عليه شيء أحله اللَّه له، متفق عليه (٣)، ولا ريب أن دلالة الأول أعنى حديث أم سلمة أقوى لاحتمال خصوصية النبي -ﷺ- بذلك، واحتمال أن قص الشعر ونحوه مما يَقِلّ فعله إذ لا يفعل في الجمعة إلا مرة، فلعل عائشة لم يرها، ثم حديث أم سلمة -﵂- في الأضحية، وحديث عائشة -﵂-\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٢٩).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢٥٠).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٥٥٦٦)، و\"صحيح مسلم\" (١٣٢١).","vol":"3","page":576},{"text":"١٤٦٠ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشَرَةِ\"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: \"وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٩٦٩].\nــ\nفي الهدي المرسل، فلا تعارض بينهما، وعلى هذا إذا فعله فليس عليه إلا التوبة ولا فدية إجماعًا، وينتهي النهي بذبح الأضحية؛ لأن المنع لذلك، فإذا نحر استحب الحلق، كذا في شرح (كتاب الخرقي) (١).\nوفي (جامع الأصول) (٢) من حديث مسلم عن عمرو بن مسلم بن عمار الليثي قال: كنا في الحمام قريبًا من يوم الأضحى فاطّلى جمع من أهل الحمام، وقالوا: يمنعون منه، فلما لقيت سعيد بن المسيب ذكرت له ذلك، قال: يا ابن أخي! هذا حديث نسيه الناس وتركوه، حدثتني أم سلمة -﵂- زوج النبي -ﷺ- قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (إذا رأيتم هلال ذي الحجة) الحديث.\n١٤٦٠ - [٨] (ابن عباس) قوله: (من هذه الأيام العشرة) اختلفوا في أن هذه العشرة أفضل أم عشرة رمضان، والمختار أن أيام هذه العشرة أفضل بوجود يوم عرفة فيها، وليالي عشرة رمضان بوجود ليلة القدر فيها.\nوقوله: (ولا الجهاد في سبيل اللَّه) أي: في أيام آخر.\nوقوله: (فلم يرجع من ذلك بشيء) وذلك فضل الشهادة وليس بعمل، فافهم.\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٧/ ٩).\n(٢) \"جامع الأصول\" (٣/ ٣٧٨).","vol":"3","page":577},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-469> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٤٦١ - [٩] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: ذَبَحَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَوْمَ الذَّبْحِ كَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ، فَلَمَّا وَجَّهَهُمَا قَالَ: \"إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي. . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n١٤٦١ - [٩] (جابر) قوله: (موجوءين) في (القاموس) (١): وجأ التيس وجأً ووجاء فهو موجوء ووجيء: دقّ عروق خصيتيه بين الحجرين ولم يخرجهما، أو رضّهما حتى تنفضخا (٢)، والخصاء: سل الخصيتين، فإن قلت: كيف يجوز الموجوء، والوجاء نقصان؟ قلنا: الخصا ههنا نقصانٌ صورة وكمالٌ معنًى؛ لأن لحم الخصي أطيب وألذ، وقول من كره الخصي في الأضحية غير صحيح.\nوقوله: (فلما وجههما) أي: جعل وجههما إلى القبلة.\nوقوله: (على ملة إبراهيم) (٣) حال من ضمير المتكلم في (وجهت) قريب من معنى الحال المؤكدة، (وحنيفًا) (٤) أيضًا حال منه مترادفة أو متداخلة، ويجوز أن يكون حالًا من (إبراهيم) كما في الآية.\nوقوله: (إن صلاتي ونسكي) في (القاموس) (٥): النسك مثلثة وبضمتين: العبادة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٤).\n(٢) تَنْكَسِرَا.\n(٣) يَعْنِي فِي الأُصُولِ وَبَعْضِ الْفُرُوعِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٨٣).\n(٤) أَيْ: مَائِلًا عَنِ الأَدْيَانِ الْبَاطِلَةِ إِلَى الْمِلَّةِ الْقَوِيمَةِ الَّتِي هِيَ التَّوْحِيدُ الْحَقِيقِيُّ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمُسْتَقِيمَةِ، بِحَيْثُ لَا يَلْتَفِتُ إِلَى مَا سِوَى الْمَوْلَى. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٨٣).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٧٩).","vol":"3","page":578},{"text":"وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ مِنْكَ وَلَكَ عَنْ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ بِسْم اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ\" ثُمَّ ذَبَحَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ: ذَبَحَ بِيَدِهِ وَقَالَ: \"بِسْم اللَّهِ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُمَّ هَذَا عَنِّي وَعَمَّنْ لَمْ يُضَحِّ مِنْ أُمَّتِي\". [حم: ٣/ ٣٧٥، د: ٢٧٩٥، جه: ٣١٢١، دي: ٢/ ٧٥ - ٧٦].\nــ\nوكل حق للَّه ﷿، والنسك بالضم وبضمتين، وكسفينة: الذبيحة، أو النسك: الدم، والنسيكة: الذبح، وقال الطيبي (١): أي: تقربي وذبحي. وفي الحديث: (ونسك نسكنا)، قال الكرماني (٢): أي ضحى مثل أضحيتنا.\nوقوله: (ومحياي ومماتي) أي: حياتي وموتي، يعني ما أعمل فيهما.\nقوله: (وأنا من المسلمين) ورواية: (وأنا أول المسلمين) أي: أول مسلمي هذه الأمة؛ لأن إسلام كل نبي مقدم على إسلام أمته، ويجوز أن يكون المعنى على إظهار غاية الإسلام والانقياد لغرض تقدم إسلامه على إسلام كل مسلم وسبقه عليه، فيكون في معنى الإنشاء، فعلى هذا المعنى إن قاله غير رسول اللَّه -ﷺ- لجاز أيضًا، فافهم، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ثم ذبح) ثم ههنا ليس على حقيقتها من التراخي، أو المراد ثم أتم الذبح\nوقوله: (ذبح بيده) فيه تأكيد وبيان نفي أن يراد أمر بالذبح، وفيه أن الذبح بنفسه أحب.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢٥١).\n(٢) \"شرح الكرماني\" (٦/ ٦٤).","vol":"3","page":579},{"text":"١٤٦٢ - [١٠] وَعَنْ حَنَشٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَلِيًّا يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ فَقُلْتُ لَهُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَوْصَانِي أَنْ أُضَحِّيَ عَنْهُ فَأَنَا أُضَحِّي عَنْهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ. [د: ٢٧٩٠، ت: ١٤٩٥].\n١٤٦٣ - [١١] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالأُذُنَ، وَأَلَّا نُضَحِّيَ بِمُقَابَلَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ وَلَا شَرْقَاءَ وَلَا خَرْقَاءَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَانْتَهَتْ رِوَايَتَهُ إِلَى قَوْله: وَالأُذُنَ. [ت: ١٤٩٨، د: ٢٨٠٤، ن: ٤٣٧٢، دي: ٢/ ٧٧].\nــ\n١٤٦٢ - [١٠] قوله: (وعن حنش) بفتح المهملة والنون الخفيفة بعدها معجمة، ابن المعتمر، وقيل: ابن ربيعة الكناني الكوفي.\nوقوله: (فأنا أضحي عنه) فيه جواز أن يضحي عن ميت، ولم ير بعض العلماء التضحية عن الميت.\n١٤٦٣ - [١١] (علي) قوله: (أن نستشرف العين والأذن) أي: نتأملها حتى لا يكون فيهما نقصان يمنع عن جواز التضحية بها.\nوقوله: (وأن لا نضحي بمقابلة) بفتح الباء وهو ما يقطع من قبل أذنها، أي: مقدمها شيء، والمدابرة أيضًا بفتح الباء وهي التي قطع من دبر أذنها، (ولا شرقاء) على وزن حمراء أي مشقوقة الأذن، وقيل: مقطوعتها طولًا، (ولا خرقاء) كذلك مشقوقتها، أي: مقطوعتها ثقبًا مستديرًا (١).\n_________\n(١) قَالَ الْمُظْهِرُ: لَا تَجُوزُ التَّضْحِيَةُ بِشَاةٍ قُطِعَ بَعْضُ أُذُنِهَا عِنْدَ الشَّافِعِيُّ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ إِذَا قُطِعَ أَقَلُّ مِنَ النِّصْفِ، وَلَا بَأْسَ بِمَكْسُورِ الْقَرْنِ. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: أَخَذَ الشَّافِعِيُّ بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ الْوَجْهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثِ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ كُلَيْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ عَضْبَاءِ الْقَرْنِ وَالأُذُنِ، قَالَ قَتَادَةُ: =","vol":"3","page":580},{"text":"١٤٦٤ - [١٢] وَعَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ نُضَحِّيَ بَأَعْضَبِ الْقَرْنِ وَالأُذُنِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣١٤٥].\n١٤٦٥ - [١٣] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سُئِلَ: مَاذَا يُتَّقَى مِنَ الضَّحَايَا؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ فَقَالَ: \"أَرْبَعًا: الْعَرْجَاءُ. . . . .\nــ\n١٤٦٤ - [١٢] (وعنه) قوله: (بأعضب القرن) أي: مكسورة من داخل، ويقال للانكسار من الخارج: القَصْمُ، وقالوا: العضب أكثر ما يستعمل في القرن، وقد يستعمل في الأذن كما في الحديث، والمراد به قطعها (١).\n١٤٦٥ - [١٣] (البراء بن عازب) قوله: (أربعًا) أي: اتقوا، وقد يقال: إن قوله: (يتقى) بالياء بلفظ المجهول تصحيف من (تنقي) بالنون ولفظ المعلوم.\nوقوله: (العرجاء) بالنصب بدل من أربعًا، ويجوز الرفع على الخبر، وكذلك\n_________\n= فَقُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: مَا عَضْبَاءُ الأُذُنِ؟ قَالَ: إِذَا كَانَ النِّصْفُ أَوْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ مَقْطُوعًا، اهـ.\nوَحَاصِلُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَقْطُوعُ الأُذُنِ كُلِّهَا أَوْ أَكْثَرِهَا، وَلَا مَقْطُوعُ النِّصْفِ خِلَافَ الَّتِي لَا أُذُنَ لَهَا خِلْقَةً، وَلَا مَقْطُوعُ الذَّنَبِ وَالأَنْفِ وَالألْيَةِ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ مَا يُعْتَبَرُ فِي الأُذُنِ، وَلَا الَّتِي يَبِسَ ضَرْعُهَا، وَلَا الذَّاهِبَةُ ضَوْءُ إِحْدَى الْعَيْنَيْنِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يَنْقُصَ رَعْيُهَا؛ إِذْ لَا تُبْصِرُ أَحَدَ شِقَّيِ الْمَرْعَى، وَلَا الْعَجْمَاءُ الَّتِي لَا مُخَّ لَهَا وَهِيَ الْهَزِيلَةُ، وَلَا الْعَرْجَاءُ الَّتِي لَا تُنْسَبُ إِلَى الْمَنْسَكِ، وَلَا الْمَرِيضَةُ الَّتِي لَا تَعْتَلِفُ، وَلَا الَّتِي لَا أَسْنَانَ لَهَا بِحَيْثُ لَا تَعْتَلِفُ، وَلَا الْجَلَّالَةُ، وَيَجُوزُ الَّتِي شُقَّتْ أُذُنُهَا طُولًا، أَوْ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهَا، وَهِيَ مُتَدَلِّيَةٌ أَوْ مِنْ خَلْفِهَا، فَالنَّهْيُ فِي الْحَدِيثِ مَحْمُولٌ عَلَى التَّنْزِيهِ، مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ مَوْقُوفٌ عَلَى عَلِيٍّ -﵁- كَمَا قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَمْ يُبَالُوا بِتَصْحِيحِ التِّرْمِذِيِّ لَهُ، وَقَالَ ابْنُ جَمَاعَةَ: ذَهَبَ الأَرْبَعَةُ أَنْ تُجْزِئَ الشَّرْقَاءُ وَهِيَ الَّتِي شُقَّتْ أُذُنُهَا، وَالْخَرْقَاءُ وَهِيَ الْمَثْقُوبَةُ الأُذُنِ مِنْ كَيٍّ أَوْ غَيْرِهِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٨٤).\n(١) في \"التقرير\": وذهبت الحنفية والشافعية والجمهور إلى أنها تجوز التضحية بمكسورة القرن مطلقًا، وكرهه مالك إذا كان يدمي.","vol":"3","page":581},{"text":"البَيِّنُ ظَلْعُهَا، وَالعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنْقِي\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ط: ٢١٢٥، حم: ٤/ ٢٨٩، ت: ١٤٩٧، د: ٢٨٠٢، ن: ٤٣٧١، جه: ٣١٤٤، دي: ٢/ ٧٦].\nــ\nأخواتها كذا في بعض الشروح.\nوقوله: (البين ظلعها (١» بالسكون بمعنى العرج، في (القاموس) (٢): ظلع البعير كمنع: غمز في مشيه، وأصله الظلاع بالضم: داء في قوائم الدابة لا من مسير ولا من تعب، وقال: والعرجاء التي لا تمشي إلى المنسك.\nوقوله: (والعوراء البين عورها) بأن يكون قد ذهب إحدى عينها كلها أو أكثرها. وقد اختلفت الروايات عن أبي حنيفة في تفسير الأكثر، وقد ذكر في (الهداية) بالتفصيل.\nوقوله: (والمريضة البين مرضها) بحيث لا يرجى صحتها، وهذه الثلاثة علة للعجف وسبب لنقصان لحمها في عظامها، ثم ذكر العجف صريحًا.\nوقوله: (والعجفاء التي لا تنقي) بضم التاء وكسر القاف، أي: المهزولة التي لا نقي في عظامها، والنقي بكسر النون وسكون القاف: المخ، أنقى ينقي صار ذا مخ، والمنقى كل عظم ذي مخ (٣).\n_________\n(١) قوله: ظلعها وقع بخط الشيخ عفيف الدين بتحريك اللام، قال في \"الصحاح\" (٣/ ١٢٧١): الضلع بالتحريك الاعوجاج لكنه قال في \"النهاية\" (٣/ ١٥٨): الظلع بالسكون العرج. (منه).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٨٨).\n(٣) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَيْبَ الْخَفِيَّ فِي الضَّحَايَا مَعْفُوٌّ عَنْهُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٨٥).","vol":"3","page":582},{"text":"١٤٦٦ - [١٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُضَحِّي بِكَبْشٍ أَقْرَنَ فَحِيلٍ، يَنْظُرُ فِي سَوَادٍ، وَيَأْكُلُ فِي سَوَادٍ، وَيَمْشِي فِي سَوَادٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٤٩٦، د: ٢٧٩٦، ن: ٤٣٩٠، جه: ٣١٢٨].\n١٤٦٧ - [١٥] وَعَنْ مُجَاشِعٍ مِنْ بَنِي سُلَيْم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ: \"إِنَّ الْجَذِعَ يُوَفِّي مِمَّا يُوَفِّي مِنْهُ الثَّنِيُّ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٧٩٩، ن: ٤٣٨٣، جه: ٣١٤٠].\n١٤٦٨ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"نِعْمَتِ الأُضْحِيَّةُ الْجَذَعِ مِنَ الضَّأْنِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٤٩٩].\nــ\n١٤٦٦ - [١٤] (أبو سعيد) قوله: (فحيل) ككريم وزنًا ومعنًى، هو القوي الخلق، كثير اللحم (١).\n١٤٦٧ - [١٥] (مجاشع) قوله: (إن الجذع) بفتحتين، والمراد ما من الضأن بدليل الأحاديث الأخر، ولو فسر بما تم له سنة جاز من المعز أيضًا، وقد سبق المفاسير، فتدبر.\nوقوله: (يوفي) من التوفية، هذا إن خصص الحكم بالغنم، وإن عمم فالثني من الأقسام قد عرف تفسيره، وأما الجذع من الإبل ما دخل في السنة الخامسة، ومن البقر ما دخل في الثانية.\n١٤٦٨ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (نعمت الأضحية الجذع من الضأن) مدح له\n_________\n(١) قوله: \"يَنْظُرُ فِي سَوَادٍ\" أَيْ: حَوَالَيْ عَيْنَيْهِ سَوَادٌ. \"وَيَأْكُلُ فِي سَوَادٍ\" أَيْ: فَمُهُ أَسْوَدُ. \"وَيَمْشِي فِي سَوَادٍ\" أَيْ: قَوَائِمُهُ سُودٌ مَعَ بَيَاضِ سَائِرِهُ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُسْتَحَبُّ لِلتَّضْحِيَةِ الأَسْمَنُ الأَكْحَلُ، حَتَّى إِنَّ التَّضْحِيَةَ بِشَاةٍ سَمِينَةٍ أَفْضَلُ مِنْ شَاتَيْنِ، وَكَثَرَةُ اللَّحْمِ أَفْضَلُ مِن كَثْرَةِ الشَّحْمِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ اللَّحْمُ رَدِيئًا، قَالَهُ فِي \"الأَزْهَارِ\". \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٨٥).","vol":"3","page":583},{"text":"١٤٦٩ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي سَفَرٍ فَحَضَرَ الأَضْحَى، فَاشْتَرَكنَا فِي الْبَقَرَةِ سَبْعَةٌ، وَفِي الْبَعِيرِ عَشَرَةٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غريبٌ. [ت: ١٥٠١، ن: ٤٣٩٢، جه: ٣١٣١].\nــ\nبجوازه بخلاف الجذع من المعز كما سبق، وروى الترمذي (١) عن أبي كِباش قال: جلبت غنمًا وجذعان إلى المدينة فكسدت عليّ، فلقيت أبا هريرة فسألته، فقال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: نعمت الأضحية الجذعة من الضأن، قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- وغيرهم أن الجذع من الضأن يجزئ في الأضحية.\n١٤٦٩ - [١٧] (ابن عباس) قوله: (سبعة) منصوب بتقدير أعني بيانًا لضمير الجمع، وقيل: على الحالية، وقيل: مرفوع بدل من الضمير في (اشتركنا)، ويجوز مثل هذا في بدل البعض.\nوقوله: (وفي البعير عشرة) عمل به بعض العلماء، والجمهور على أنه منسوخ (٢).\nوقوله: (قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب) قال في (جامعه): وفي الباب عن أبي الأسد السلمي عن أبيه عن جده وأبي أيوب، وحديث ابن عباس -﵄- حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الفضل بن موسى، ثم روى الترمذي عن جابر -﵁-\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (١٤٩٩).\n(٢) أي: مِمَّا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ -ﷺ-: \"الْبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْجَزُورُ عَنْ سَبْعَةٍ\"، والأَظْهَرُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ مَعَارَضٌ بِالرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ، كذا في \"المرقاة\" (٣/ ١٠٨٦). وقال الكاساني في \"البدائع\" (٥/ ٧١): إِنَّ الأَخْبَارَ إذَا اخْتَلَفَتْ فِي الظَّاهِرِ يَجِبُ الأَخْذُ بِالِاحْتيَاطِ، وَذَلِكَ فِيمَا قُلْنَا، لِأَنَّ جَوَازَهُ عَنْ سَبْعَةٍ ثَابِتٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَفِي الزِّيَادَةِ اخْتِلَافٌ، فَكَانَ الأَخْذُ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَخْذًا بِالْمُتَيَقَّنِ، انتهى.","vol":"3","page":584},{"text":"١٤٧٠ - [١٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ مِنْ عَمَلٍ يَوْمَ النَّحْرِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ إِهْرَاقِ الدَّمِ، وَإِنَّهُ لَيَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَشْعَارِهَا وَأَظْلَافِهَا،\nــ\nقال: نحرنا مع رسول اللَّه -ﷺ- بالحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- وغيرهم، وقال إسحاق: يجزئ أيضًا البعير عن عشرة، واحتج بحديث ابن عباس.\nواعلم أن الترمذي عقد بابًا في ما جاء في أن الشاة الواحدة تجزئ عن أهل البيت، وروى أن أبا أيوب الأنصاري سئل كيف كانت الضحايا على عهد رسول اللَّه -ﷺ-؟ فقال: كان الرجل يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون، حتى تباهى الناس فصارت كما ترى، قال الترمذي: هذا حديث حسن، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق، واحتجا بحديث النبي -ﷺ- أنه ضحى بكبش، فقال: هذا عمن لم يضح من أمتي، وقال بعض أهل العلم: لا تجزئ الشاة إلا من نفس واحدة.\n١٤٧٠ - [١٨] (عائشة) قوله: (من إهراق الدم) ولذلك قال علماؤنا ﵏: التضحية فيها أفضل من التصدق بثمن الأضحية، ولأنها تقع واجبة أو سنة، والتصدق تطوع محض فتفضل عليه، ولأنها تفوت بفوات وقتها، والصدقة تؤتى بها في الأوقات كلها، فنزلت منزلة الطواف والصلاة في حق الآفاقي، كذا في (الهداية) (١).\nوقوله: (وإنه) الضمير لما يفهم من الإهراق، وفي (بقرونها) وأخويه أيضًا، والتأنيث باعتبار الجنس.\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٣٥٨).","vol":"3","page":585},{"text":"وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ بِالأَرْضِ، فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٤٣٩، جه: ٣١٢٦].\n١٤٧١ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ أَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فِيهَا مِنْ عَشْرِ ذِي الْحِجَّةِ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. [ت: ٧٥٨، جه: ١٧٢٨].\nــ\nوقوله: (فطيبوا) من التطييب أو من الطيب، فـ (نفسًا) (١) على الأول مفعول به، وعلى الثاني تمييز.\n١٤٧١ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (أن يتعبد له فيها من عشر ذي الحجة) فالعبادة في هذا العشر مطلقًا أحب وأفضل منها في غيره، ثم التضحية فيها أفضل من العبادات الأخر، وقد عرفت الاختلاف فيها وفي عشر رمضان، ووجه التطبيق بينهما، فتدبر.\nوقوله: (بصيام سنة) والمراد سوى عرفة؛ فإن صومها يعدل صيام سنتين.\nوقوله: (وقال الترمذي: إسناده ضعيف) عبارة الترمذي هكذا: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث مسعود بن واصل عن النهاس، وسألت محمدًا عن هذا الحديث فلم يعرفه من غير هذا الوجه مثل هذا، انتهى. وقال في (التقريب) (٢): مسعود ابن واصل الأرزق البصري لين الحديث، من التاسعة. وقال: النهاس بتشديد الهاء ثم مهملة، ابن قهم بفتح القاف وسكون الهاء، ضعيف، من السادسة، وكتب في حاشية\n_________\n(١) قال السندي: وَجَعْلُهُ مِنْ طَيِّبَ وَنَصْب نَفْسًا عَلَى الْمَفْعُولِ بَعِيدٌ. \"حاشية السندي على سنن ابن ماجه\" (٢/ ٢٧٣).\n(٢) \"التقريب\" (ص: ٥٢٨).","vol":"3","page":586},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-470> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٤٧٢ - [٢٠] عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: شَهِدْتُ الأَضْحَى يَوْمَ النَّحْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمْ يَعْدُ أَنْ صَلَّى وَفَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا هُوَ يَرَى لَحْمَ أَضَاحِيٍّ قَدْ ذُبِحَتْ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ، فَقَالَ: \"مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ أَوْ نُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى\". وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ -ﷺ- يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ ذَبَحَ وَقَالَ: \"مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَلْيَذْبَحْ مَكَانَهَا أُخْرَى، وَمَنْ لَمْ يَذْبَحْ فَلْيَذْبَحْ بِاسْم اللَّهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٤٠٠، م: ١٩٦٠].\n١٤٧٣ - [٢١] وَعَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: الأَضْحَى. . . . .\nــ\nالكتاب: قد اختلف في توثيق مسعود، والنهاس ضعيف بالاتفاق.\nالفصل الثالث\n١٤٧٢ - [٢٠] (جندب بن عبد اللَّه) قوله: (يوم النحر) بدل من (الأضحى) إن كان (الأضحى) بمعنى يوم الأضحى بتقدير المضاف، وإن كان جمع أضحاة بمعنى الأضحية لغة فيه كما ذكرنا آنفا فهو ظرف لـ (شهدت).\nوقوله: (فلم يعد) بسكون العين وضم الدال، أي: من العدو، أي: لم يتجاوز، وفي بعض النسخ صحح بضم العين وسكون الدال من العود، وهذا أظهر.\nوقوله: (قبل أن يصلي) بضم الياء بصيغة الغائب والضمير لـ (من).\nوقوله: (أو نصلي) بالنون من شك الراوي.\nوقوله: (مكانها أخرى) في بعض النسخ: أخرى مكانها.\n١٤٧٣، ١٤٧٤ - [٢١، ٢٢] (نافع، وعلي بن أبي طالب) قوله: (الأضحى","vol":"3","page":587},{"text":"يَوْمَانِ بَعْدَ يَوْمِ الأَضْحَى. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ١٣٨٨].\n١٤٧٤ - [٢٢] وَقَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِثْلُهُ. [ط: ١٣٨٩].\n١٤٧٥ - [٢٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ يُضَحِّي. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٥٠٧].\nــ\nيومان) جمع أضحاة.\nوقوله: (بعد يوم الأضحى) أي: يوم العيد، فالتضحية جائزة في ثلاثة أيام: يوم العيد ويومان بعده، هذا مذهبنا ومذهب مالك وأحمد، وعند الشافعي ﵏ ثلاثة أيام بعده، قال في (الهداية) (١): ولنا ما روي عن عمر وعلي وابن عباس -﵃- أنهم قالوا: أيام النحر ثلاثة، أفضلها أولها، فقد قالوا سماعًا؛ لأن الرأي لا يهتدي إلى المقادير، وفي الأخبار تعارض، فاخذناه بالمتيقن وهو الأقل أخذًا بالاحتياط، انتهى.\nوفي شرح (كتاب الخرقي) (٢): أن النبي -ﷺ- نهى عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، ويلزم منه تاقيت الذبح بثلاث، فلا يجوز الذبح في وقت لا يجوز ادخار الأضحية إليه، لا يقال: فقد ثبت نسخ ذلك، لأنا نقول: الحديث دل على حكمين: [المنع من الادخار فوق ثلاث، وأن وقت الذبح ذلك]، ونسخ المنع من الادخار فوق ثلاث لا يلزم منه نسخ الحكم الآخر، وهذا قول عمر وعلي وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وأنس -﵃-، وفي رواية: لم يذكر أنس ولا مخالف لهم إلا رواية [رويت] عن علي -﵁-، كذا في شرح (كتاب الخرقي).\n١٤٧٥ - [٢٣] (ابن عمر) قوله: (عشر سنين يضحي) ذكر في كتب السير أن\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٣٥٧).\n(٢) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٧/ ٣٧).","vol":"3","page":588},{"text":"١٤٧٦ - [٢٤] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا هَذِهِ الأَضَاحِي؟ قَالَ: \"سُنَّةُ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ﵇\" قَالُوا: فَمَا لَنَا فِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةٌ\". قَالُوا: فَالصُّوفُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"بِكُلِّ شَعْرَةٍ مِنَ الصُّوفِ حَسَنَةٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٤/ ٣٦٨، جه: ٣١٢٧].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-471>٤٩ - باب في العتيرة</span>\nــ\nصلاة الأضحى كانت في السنة الثانية، فتدبر.\n١٤٧٦ - [٢٤] (زيد بن أرقم) قوله: (فما لنا فيها) أي: من الأجر والثواب، فإن السنن يتفاوت ثوابها بالتأكيد وكونه من شعار الدين مثلًا.\nوقوله: (بكل شعرة) أي: من الأضحية كما في المعز والبقر.\nوقوله: (قالوا: فالصوف) أي: الثواب فيه كما في الضأن والإبل؟ (بكل شعرة من الصوف) يدل على أن الشعر يطلق في الصوف أيضًا.\n٤٩ - باب العتيرة\nفي (القاموس) (١): العتر بالكسر والعتيرة: الذبح، وكل ما ذبح، وشاة كانوا يذبحونها لآلهتهم، قال التُّورِبِشْتِي (٢): كره العتيرة كثير من العلماء ولم يرها؛ لحديث أبي هريرة، ومنهم من لم ير بها بأسًا، وقد كان ابن سيرين يذبح العتيرة في شهر\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٠٦).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (١/ ٣٥١).","vol":"3","page":589},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-472> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٤٧٧ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا فَرَعَ وَلَا عَتِيرَةَ\". قَالَ: وَالْفَرَعُ: أَوَّلُ نِتَاجٍ كَانَ يُنْتَجُ لَهُمْ، كَانُوا يَذْبَحُونَهُ لِطَوَاغِيتِهِمْ. وَالْعَتِيرَةُ: فِي رَجَبٍ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٧٣، م: ١٩٧٦].\nــ\nرجب، ووجه ذلك أنهم رأوا النهي مخصوصًا بصنيع الجاهلية، وأنهم كانوا يذبحونها لآلهتهم، فأما المسلم الذي يذبحه للَّه تعالى فهو في سعة من أمره.\nقلت: ويدل على ذلك حديث نبيشة رواه أبو داود (١)، قال: قال رجل: يا رسول اللَّه إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب، فما تأمرنا؟ قال: (اذبحوا للَّه في أي شهر كان)، وإن ادعى الضعف في إسناد حديث مخنف؛ فلا سبيل له إلى ادعاء ذلك في حديث نبيشة، فإن رجاله مرضيون، انتهى.\nالفصل الأول\n١٤٧٧ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لا فرع ولا عتيرة) (٢) وفي رواية أخرى عند البيهقي: \"من شاء عتر ومن شاء لم يعتر\"، كذا في شرح الشيخ، وفي (القاموس) (٣): الفرع بالتحريك: أول ولد تنتجه الناقة أو الغنم، كانوا يذبحونه لآلهتهم، أو كانوا إذا تمت إبلُ واحد مئةً قَدَّمَ بَكْرَهُ فنحره لصنمه، وكان المسلمون يفعلونه في صدر الإسلام، ثم نسخ، وجمعه فُرُع بضمتين.\n_________\n(١) \"سنن أبي داود\" (٢٨٣٢).\n(٢) هما مُسْتَحَبَّانِ عند الشَّافِعِيّ، وَادَّعَى الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ الأَمْرَ بِالْفَرَعِ وَالْعَتِيرَةِ مَنْسُوخٌ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، كذا في \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٩٠).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٨٩).","vol":"3","page":590},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-473> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٤٧٨ - [٢] عَنْ مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: كُنَّا وُقُوفًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِعَرَفَةَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَّةً وَعَتِيرَةً، هَلْ تَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَةُ؟ هِيَ الَّتِي تُسَمُّونها الرَّجَبِيَّةَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ضَعِيفُ الْإِسنَادِ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَالْعَتِيرَةُ مَنْسُوخَةٌ. [ت: ١٥١٨، د: ٢٧٨٨، ن: ٤٢٢٤، جه: ٣١٢٥].\nــ\nالفصل الثاني\n١٤٧٨ - [٢] قوله: (عن مخنف) بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح النون آخره فاء، (ابن سليم) بلفظ التصغير.\nوقوله: (قال أبو داود: والعتيرة منسوخة) قال التُّورِبِشْتِي (١): أكثر الظن أنه زيادة من تصرف في الحديث برأيه، فإن النسخ إنما يرد على الأحكام الواجبة، ولم يقل أحد بوجوب العتيرة لا قبل ولا بعد، وإنما حمل حديثه في العتيرة على الاستحباب على ما هو في حديث نبيشة، والعجب ممن يرمي في حديث مخنف بالضعف ثم يزعم أنه منسوخ، والقائل بالنسخ قائل بثبوت الحديث المنسوخ.\nهذا وقد ذكر في حديث مخنف أنه شهد خطبة النبي -ﷺ- يوم عرفة فسمعه يقول ذلك، ولا يخفى على ذي علم بالحديث أن النبي -ﷺ- لم يخطب في الموسم إلا في حجة الوداع، وذلك قبل موته بأشهر، ومَنْ لنا أن يثبت أن النهي كان بعد ذلك، فالصواب أن يحمل كل واحد منهما على ما ذكرناه ليتفق الحديثان، هذا كلامه، فتدبر.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٣٥٢).","vol":"3","page":591},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-474> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٤٧٩ - [٣] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أُمِرْتُ بِيَوْمِ الأَضْحَى عِيدًا جَعَلَهُ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ\". قَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ أَجِدْ إِلَّا مَنِيحَةً أُنْثَى أَفَأُضَحِّي بِهَا؟ قَالَ: \"لَا، وَلَكِنْ خُذْ مِنْ شَعْرِكَ وَأَظْفَارِكَ، وَتَقُصُّ مِنْ شَارِبِكَ، وَتَحْلِقُ عَانَتَكَ، فَذَلِكَ تَمَامُ أُضْحِيَّتِكَ عِنْدَ اللَّهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٨٧٩، ن: ٤٣٧٧].\n* * *\nــ\nالفصل الثالث\n١٤٧٩ - [٣] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (أمرت بيوم الأضحى) هذا الحديث يناسب إيراده في (باب الأضحية)، لكن المؤلف إنما أورد العتيرة تبعًا وتتمة لـ (باب الأضحية) فذكرها ثم عاد إلى بيان التضحية، وأورد هذا الحديث بعد (باب العتيرة) قصدًا منه أن يجعل لهذا الباب فصلًا ثالثًا، وفيه نهي عن التضحية بالمنيحة، فشابه العتيرة في النهي، والأمر [في] ذلك سهل.\nوقوله: (عيدًا) منصوب على شريطة التفسير.\nوقوله: (إن لم أجد إلا منيحة) على وزن كريمة، يقال: منحه الناقة: جعل له وبرها ولبنها وولدها، ثم يعيدها، أي: لي ناقة ذات لبن أنتفع به وأعطيه للمحتاج، والتقييد بالأنثى يدل على أنه يقال للذكر أيضًا منيحة، فالتاء كما في: حمامة ذكر، وقد سبق الكلام فيه في لفظة (بهمة)، ولعله إنما منعه -ﷺ- لأنه لم يكن عنده سواها.\nوقوله: (وتقص من شاربك وتحلق) بالرفع، وقد ينصبان بتقدير (أن)، والأول أظهر وأقوى.","vol":"3","page":592},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-475>٥٠ - باب صلاة الخوف</span>\nــ\n٥٠ - باب صلاة الخوف\nأشهر ما يستعمل الخسوف في القمر والكسوف في الشمس، وفي (القاموس) (١): خسف القمر: كَسَفَ، أو كَسَفَ للشمس وخَسَفَ للقمر، أو الخسوف: إذا ذهب بعضهما، والكسوف كلهما، وفي موضع آخر منه: كسف الشمس والقمر: احتجبا، كانكسفا، وكسفهما اللَّه: حجبهما، والأحسن في القمر خسف، وفي الشمس كسفت، انتهى.\nوفي (مختصر النهاية) (٢): الكسوف والخسوف للشمس والقمر، والكثير في اللغة أن الأول لها والثاني له، فرواه جماعة بالكاف فيهما، وجماعة بالخاء فيهما، وجماعة في الشمس بالكاف، وفي القمر بالخاء، وقال المنذري: روى حديث الكسوف تسعة عشر نفسًا، بعضهم بالكاف، وبعضهم بالخاء، وبعضهم باللفظين جميعًا، وقيل: الخسوف في الكل والكسوف في البعض، ثم إن كلًّا منهما جاء لازمًا ومتعديًا، يقال: كسف الشمس وكسفها اللَّه وانكسفت، وكذا خسف القمر وخسفه اللَّه وانخسف، كذا في (مجمع البحار) (٣) وغيره.\nواعلم أن الأحاديث المذكورة في الباب المخبرة عن فعله -ﷺ- إنما هي في كسوف الشمس سوى ما وقع في الأمر في حديث ابن عباس وعائشة -﵂-: \"إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه، فإذا رأيتم ذلك فاذكروا اللَّه\"، وفي حديث عائشة -﵂-: \"فادعوا اللَّه وكبروا وصلوا وتصدقوا\"، ولهذا الحديث طرق كثيرة، ولم يرو في الباب حديث في\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٤٢، ٧٧٣).\n(٢) \"مختصر النهاية\" (٢/ ٨٨٧).\n(٣) \"مجمع البحار\" (٢/ ٤٢).","vol":"3","page":593},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nصلاته -﵁- في خسوف القمر إن حمل صلاة الخسوف في الحديث الثاني على خسوف الشمس كما في الأحاديث الأخر، وإن حمل على خسوف القمر كما في شرح الشيخ فذاك.\nوأورد الشيخ ابن الهمام (١) من الدارقطني عن ابن عباس: أنه صلى في كسوف الشمس والقمر ثمان ركعات في أربع سجدات، وأخرج عن عائشة -﵂- قالت: إن رسول اللَّه -ﷺ- مكان يصلي في كسوف الشمس والقمر أربع ركعات وأربع سجدات. وفي إسنادهما مقال.\nثم عندنا صلاة كسوف الشمس ركعتان بالجماعة كهيئة النافلة، في كل ركعة ركوع واحد مع تطويل القراءة من غير خطبة، وليس في خسوف القمر جماعة (٢)، وإنما يصلي كل واحد بنفسه، وعند الشافعي ﵀ يصلى كل منهما بجماعة وخطبة، وركوعين في كل ركعة على الوجه المذكور في حديث ابن عباس، وكذا عند أحمد ﵀ في المشهور من مذهبه، ويجوز عند أكثر أصحابه فرادى أيضًا وبركوع واحد وبلا خطبة، ولنا حديث ابن عمر -﵁- الناطق بما ذكر، والحال أكشف للرجال لقربهم، فكان الترجيح لروايته، كذا في (الهداية) (٣).\nوالشيخ ابن الهمام ﵀ (٤) أورد أحاديث بروايات متعددة صحيحة وحسنة مثبتة لمذهب الحنفية، وتكلّم على أحاديث تعدد الركوع بأنها اضطرب فيه الرواة، فان منهم من روى ركوعين، ومنهم من روى ثلاث ركوعات، فوجب أن يصلى على ما هو\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٢/ ٩٠).\n(٢) وكذا عند مالك ﵀.\n(٣) \"الهداية\" (١/ ٨٦).\n(٤) \"فتح القدير\" (٢/ ٨٧ - ٨٨).","vol":"3","page":594},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-476> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٤٨٠ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ الشَّمْسَ خَسَفَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَبَعَثَ، مُنَادِيًا: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ،\nــ\nالمعهود، وهو الموافق لروايات الإطلاق، نحو قوله ﵊: \"فإذا كان ذلك فصلوا\"، وعن هذا الاضطراب الكثير وفَّقَ بعض مشايخنا بحمل روايات التعدد على أنه لما أطال في الركوع أكثر من المعهود جدًّا، ولا يسمعون له صوتًا؛ رفع مَن خلفه متوهِّمين رفعَه، فرفع الصفُّ الذي يلي مَن رفع، فلما رأى مَن خلفه أنه -ﷺ- لم يرفع فلعلهم انتظروه على توهم أن يدركهم فيه، فلما أيسوا من ذلك رجعوا إلى الركوع، فظن مَن خلفهم أنه ركوع بعد ركوع منه -ﷺ-.\nثم قال: لعل روايات الثلاث والأربع بناء على اتفاق تكرُّر الرفع من الذي خلف الأول هكذا، وهذا كله إذا كان الكسوف الواقع في زمنه مرة واحدة، فإن حمل على أنه تكرر مرارًا على بُعْدِ أن يقع نحو ثلاث مرات في نحو عشر سنين؛ لأنه خلاف العادة، كان رأينا أولى؛ لأنه لما لم ينقل تاريخ فعله المتأخر في الكسوف المتأخر فقد وقع التعارض، فوجب الإحْجَام عن الحكم بأنه كان المتعدد على وجه التثنية والجمع ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا أو كان المتحد، فبقي المجزوم به استنانَ الصلاة مع التردد في كيفية معينة من المرويات، فيترك ويصار إلى المعهود، واللَّه سبحانه أعلم بحقيقة الحال.\nوصاحب \"الهداية\" رجّح بأن الحال أكشف للرجال، وهو يتم لو لم يروِ حديث الركوعين غَيْرُ عائشة -﵂- من الرجال، فالمعوّل على ما صرنا إليه، انتهى.\nالفصل الأول\n١٤٨٠ - [١] (عائشة) قوله: (الصلاة جامعة) برفعهما على أنهما مبتدأ وخبر، وهذا أظهر الوجوه، والجملة خبرية لفظًا وإنشاءٌ معنًى، والمقصود طلب الحضور للجماعة،","vol":"3","page":595},{"text":"فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فِي رَكْعَتَيْنِ وَأَرْبَعَ سَجدَاتٍ. قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَكَعْتُ رُكُوعًا قَطُّ وَلَا سَجَدْتُ سُجُودًا قَطُّ كَانَ أَطْوَلَ مِنْهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٦٦، م: ٩٠١].\n١٤٨١ - [٢] وَعَنْهَا قَالَتْ: جَهَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي صَلَاةِ الْخُسُوفِ بِقرَاءَتِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٦٥، م: ٩٠١].\n١٤٨٢ - [٣] وَعَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: انْخَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَالنَّاسُ مَعَهُ،\nــ\nواللام في (الصلاة) للعهد، أي: هذه الصلاة تصلى بجماعة فاحضروها، ويجوز نصبهما، الأول بتقدير نحو احضروا، والثاني على الحالية، ورفع الأول بتقدير مبتدأ، ونصب الثاني على أنه حال، ونصب الأول بتقدير الفعل، ورفع الثاني بتقدير المبتدأ.\nوقوله: (أربع ركعات) أي: ركوعات (١).\n١٤٨١ - [٢] (وعنها) قوله: (في صلاة الخسوف) أي: خسوف القمر، كذا في شرح الشيخ، لعله ثبت ذلك رواية، وإلا فالخسوف يستعمل في الشمس أيضًا كما ذكرنا.\n١٤٨٢ - [٣] (عبد اللَّه بن عباس) قوله: (انخسفت الشمس) كذا في رواية البخاري، وفي مسلم: انكسفت، وفي (شرح السنة): خسفت، كذا قال الطيبي (٢)، و(خسفت) يحتمل صيغة المعلوم والمجهول؛ لكونه لازمًا ومتعديًا كما ذكرناه.\n_________\n(١) به قال الشافعي وأحمد، وعند الحنفية بركوعين، واستدل برواية أَبِي بَكْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَلَاتِكُمْ هَذِهِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ. قَالَ الْحَاكِمُ (١/ ٤٨٤): إِنَّهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ الذَّهَبِيُّ. انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٩٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢٦١).","vol":"3","page":596},{"text":"فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا نَحْوًا مِنْ قِرَاءَةِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ قَامَ فَقَامَ قِيامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ فَقَامَ قِيَامًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الْقِيَامِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَكَعَ رُكُوعًا طَوِيلًا، وَهُوَ دُونَ الرُّكُوعِ الأَوَّلِ، ثُمَّ رَفَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ تَجَلَّتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ -ﷺ-: \"إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيتُمْ ذَلِكَ فَاذْكُرُوا اللَّه\"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! رَأَيْنَاك تَنَاوَلْتَ شَيْئًا فِي مَقَامِكَ هَذا،\nــ\nوقوله: (فقام قيامًا طويلًا. . . إلخ) فكان بقراءتين وركوعين.\nوقوله: (ثم سجد) أي: سجدتين كما هو المعهود.\nوقوله: (ثم انصرف) أي: بعد التشهد والتسليم، ولم يذكرهما للظهور.\nوقوله: (لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته) دفع لما كان يعتقده أهل الجاهلية من أن ذلك يكون لحادث عظيم، كموت عظيم وضرر عام، وقد كان مات يومئذ إبراهيم ابن رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (ولا لحياته) إما أن يكون هذا معتقدهم؛ بأن يكون بسبب أمر عظيم، سواء كان من قِبلَ الضرر أو غيره، لكن الذي بينوه إنما هو الضرر، فيكون ذكره استتباعًا وتقريبًا لذكر الموت، واللَّه أعلم.\nوقوله: (تناولت) أي: قصدت التناول، والتناول: الأخذ بعد الإعطاء، يقال: ناوله فتناول، والمعطي هو اللَّه سبحانه.\nوقوله: (في مقامك هذا) أي: في حال قيامك في هذه الصلاة، أو في قيامك","vol":"3","page":597},{"text":"ثُمَّ رَأَيْنَاكَ تَكَعْكَعْتَ؟ فَقَالَ: \"إِنِّي رَأَيْتُ الْجَنَّةَ، فَتَنَاوَلْتُ عُنْقُودًا، وَلَوْ أَخَذْتُهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، وَرَأَيْتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ مَنْظَرًا قَطُّ أَفْظَعَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ\". قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"بِكُفْرِهِنَّ\"، قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: \"يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا؟ قَالَتْ: . . . . .\nــ\nالذي وعظتنا وخوفتنا فيه، وكان -ﷺ- خطب بعد الصلاة كما جاء في الأحاديث.\nوقوله: (ثم رأيناك تكعكعت) أي: تأخرت، وأصله التأخر للجبن والخوف، (فتناولت) أي: قصدت الأخذ ولو أخذته، أو المراد تناولت لنفسي ولو أخذته، أي: تناولته لكم وأعطيتكم لأكلتم ما بقيت الدنيا، والخطاب لجماعة الحاضرين كما هو الظاهر.\nويفهم من كلام الطيبي (١) أنه محمول على الخطاب العام، وهو قليل بصيغة الجمع كما صرحوا به، والأكل منه إلى مدة بقاء الدنيا بأن يخلق اللَّه مكان كل حبة تُقتطف حبةً أخرى كما هو المروي من خواص ثمار الجنة، وهذا الاحتمال هو الأظهر في هذا المقام كما في زيادة الطعام والتمر بمعجزته -ﷺ-، وقيل: بأن يزرع فيبقى نوعه، وهذا تأويل وصرف عن الظاهر، واللَّه أعلم. وإنما لم يفعل -ﷺ- ذلك ليبقى الإيمان بالغيب.\nوقوله: (فلم أر كاليوم منظرًا) أي: ما رأيت منظرًا مثل منظر رأيته اليوم، أو ما رأيت منظرًا في يوم كرؤيتي اليوم منظرًا، والمآل واحد.\nوفظع الأمر: اشتدت شناعته وجاوز المقدار في ذلك.\nوقوله: (يكفرن العشير) أي: الزوج.\nوقوله: (يكفرن الإحسان) أي: من العشير وغيره.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢٦٢).","vol":"3","page":598},{"text":"مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٦٥، م: ٩٠٧].\n١٤٨٣ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَتْ: ثُمَّ سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدِ انْجَلَتِ الشَّمْسُ، فَخَطَبَ النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَخْسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأْيْتُمْ ذَلِكَ فَادْعُوا اللَّهَ وَكَبِّرُوا، وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا\"، ثُمَّ قَالَ: \"يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! وَاللَّهِ مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ أَنْ يَزْنِيَ عَبْدُهُ أَوْ تَزْنِيَ أَمَتُهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ؛ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٤٤، م: ٩٠١].\n١٤٨٤ - [٥] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: خَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَزِعًا يَخْشَى أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ، فَصَلَّى بِأَطْوَلِ قِيَامٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ يَفْعَلُهُ،\nــ\n١٤٨٣ - [٤] (عائشة) قوله: (أغير من اللَّه) الغيرة: كراهة اشتراك غيره فيما هو حقه، وغيرة اللَّه: كراهة مخالفة أمره ونهيه، ومعنى صيغة التفضيل في (أغير) إما مطلق، يعني أن اللَّه أغْيَرُ من غيره في كل المعاصي، وذِكْر الزنا يكون تمثيلًا، أو مقيد بالزنا، يعني غيرته في الزنا أزيد وأكثر من غيرته في غيره، فقوله: (أن يزني) متعلق (بأغير) بتقدير حرف الجر.\n١٤٨٤ - [٥] (أبو موسى) قوله: (فزعًا) بكسر الزاء، (يخشى أن تكون الساعة) (كان) تامة، قيل: هذا تخييل من الراوي وتمثيل منه، كأنه قال: فزعًا كفَزَعِ مَنْ يخشى أن تكون الساعة، وإلا فالنبي -ﷺ- كان عالمًا بأن الساعة لا تقوم وهو بين أظهرهم، وقد وعد اللَّه مواعد لم تتم بعد، وأيضًا كيف يعلم أبو موسى ما في ضمير رسول اللَّه -ﷺ- من","vol":"3","page":599},{"text":"وَقَالَ: \"هَذِهِ الآيَاتُ الَّتِي يُرْسِلُ اللَّهُ لَا تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغفَارِهِ\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٩٥، م: ٩١٢].\n١٤٨٥ - [٦] وَعَن جَابِرٍ قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-،\nــ\nأن سبب الفزع خشية قيام الساعة، بل الظاهر أن الفزع من وقوع العذاب والهيبة من جلال اللَّه سبحانه.\nوقوله: (هذه الآيات) أي: العلامات؛ كالخسوف والزلازل، والرياح والصواعق.\nوقوله: (يخوف اللَّه بها عباده) التخويف بالإنذار بنزول البلايا وتغير الحالات، وبسلب نور الإيمان -والعياذ باللَّه- كما سلب نور الشمس في ساعة وقد كان بها العالم مضيئًا منورًا.\n١٤٨٥ - [٦] (جابر) قوله: (يوم مات إبراهيم ابن رسول اللَّه -ﷺ-) ولد بالمدينة في ذي الحجة سنة ثمان، ومات في ذي الحجة سنة عشر، وله ستة عشر شهرًا، فقيل: ثمانية عشر، وقيل: إن وفاته كانت يوم الثلاثاء بعشر ليال خلت من ربيع الأول سنة عشر، كذا في (جامع الأصول) (١)، وفي بعض الكتب: بلغ سنة وعشر أشهر وستة أيام، وقيل: مات في الليلة الرابم من ربيع الأول، وقيل: يوم عاشوراء كما قاله بعض الحفاظ، واتفقت الروايات أنه كان في مدة الرضاع.\nوقد ورد في بعض الطرق الضعيفة: لو عاش إبراهيم لكان نبيًّا، ومعناه أنه لو عاش لكان نبيًّا، ولا نبي بعدي فلم يعش، لكن الكلام في الملازمة، فإنه لا يلزم أن\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (١٢/ ١٠٧).","vol":"3","page":600},{"text":"فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٠٤].\n١٤٨٦ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّه -ﷺ- حِينَ كَسَفَتِ الشَّمْسُ ثَمَانَ رَكْعَاتٍ فِي أَرْبَعِ سَجدَاتٍ.\n١٤٨٧ - [٨] وَعَنْ عَليٍّ مِثْلُ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٠٨].\nــ\nيكون أبناء الأنبياء أنبياء، والحديث ليس بصحيح، كذا ذكروا، ثم كسوف الشمس يوم مات يبطل قول المنجمين في قولهم: إنه لا يمكن كسوفها في غير اليوم السابع أو الثامن أو التاسع والعشرين.\nوقوله: (فصلى بالناس ست ركعات بأربع سجدات) يعني صلى ركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات (١).\n١٤٨٦ - [٧] (ابن عباس) قوله: (ثمان ركعات) أي: في كل ركعة أربع ركوعات.\n١٤٨٧ - [٨] (علي) قوله: (وعن علي مثل ذلك) أي: روي عنه أنه مثل ذلك، أو روي عنه أيضًا أن رسول اللَّه -ﷺ- صلى كذلك كما روي عن ابن عباس -﵄-، والظاهر أن المراد هو الأول، ولو كان المراد الثاني لجعله حديثًا على حدة.\n_________\n(١) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْخُسُوفَ إِذَا تَمَادَى جَازَ أَنْ يُرْكَعَ فِي كُلِّ رَكْعَةِ ثَلَاثُ رُكُوعَاتٍ، وَخَمْسُ رُكُوعَاتٍ، وَأَرْبَعُ رُكُوعَاتٍ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الآتِي. قَالَ مِيْرَكُ: وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ كُتُبِهِمْ مِنَ \"الْمِنْهَاجِ\" وَ\"الْمُحَرَّرِ\" وَ\"الْعُجَالَةِ\" وَ\"الْقُونَوِيِّ\".\nأقولُ: لَكِنَّهُ مُوَافِقٌ لِلْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ النَّوَوِيِّ وَأَتْبَاعِهِ، وَفِيهِ إِشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّهُ كَيْفَ يَعْرِفُ التَّمَادِيَ فِي الْخُسُوفِ أَوَّلَ وَهْلَةِ حَتَّى يَبْتَدِئَ بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ أَوْ بِثَمَانٍ أَوْ بِنَحْوِهَا، مَعَ أَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ كُلَّهَا فِي صَلَاةِ كُسُوفِ الشَّمْسِ، وَلَا يُمْكِنُ تَعَدُّدُهُ عَادَةً فِي زَمَنٍ يَسِيرِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الأَثَرِ وَالنَّظَرِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٠٩٦).","vol":"3","page":601},{"text":"١٤٨٨ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَرْتَمِي بِأَسْهُمِ لِي بِالْمَدِينَةِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، إِذْ كَسَفَتِ الشَّمْسُ فَنَبَذْتُهَا، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لأَنْظُرَنَّ إِلَى مَا حَدَثَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الصَّلَاةِ رَافِعٌ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يُسَبِّحُ وَيُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ وَيَحْمَدُ وَيَدْعُو حَتَّى حُسِرَ عَنْهَا، فَلَمَّا حُسِرَ عَنْهَا قَرَأَ سُورَتَيْنِ وَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي \"صَحِيحِهِ\" عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ، وَكَذَا فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" عَنْهُ، وَفِي نُسَخِ \"الْمَصَابِيحِ\" عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ. [م: ٩١٣، \"شرح السنة\" ٤/ ٣٧٩].\nــ\n١٤٨٨ - [٩] (عبد الرحمن بن سمرة) قوله: (كنت أرتمي بأسهم لي) وروي: (أترامى)، رميت بالسهم وارتميت وتراميت وراميت: إذا رميت به عن القسي، وقيل: يقول: خرجت أرتمي: إذا رميتَ القنص، وأترامى: إذا خرجتَ ترمي في الأهداف ونحوها.\nوقوله: (حتى حسر عنها) أي: أزيل الخسوف عن الشمس، ويحتمل أن لا يكون في (حسر) ضمير، ويكون مسندًا إلى الجار والمجرور.\nوقوله: (ويحمد) قد صحح في النسخ بالتخفيف من الحمد، وإن كان الفهم يذهب إلى أن يكون بالتشديد من التحميد، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وصلى ركعتين) أي: أتم صلاته التي كان شرع فيها وحسر عنها في أثنائها.\nوقوله: (رواه مسلم في \"صحيحه\" عن عبد الرحمن بن سمرة) هو أبو سعيد عبد الرحمن بن سمرة بن نجيب بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي.\nوقوله: (وفي نسخ \"المصابيح\" عن جابر بن سمرة) أبو عبد اللَّه، ويقال: أبو خالد جابر بن سمرة بن جنادة بن جندب، وهو ابن أخت سعد بن أبي وقاص.","vol":"3","page":602},{"text":"١٤٨٩ - [١٠] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: لَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِالْعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٠٥٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-477> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٤٩٠ - [١١] عَن سَمُرَة بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي كُسُوفٍ لَا نَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٥٦٢، د: ١١٨٤، ن: ١٤٩٥، جه: ١٢٦٤].\nــ\n١٤٨٩ - [١٠] (أسماء بن أبي بكر -﵂-) قوله: (بالعتاقة) بالفتح بمعنى الإعتاق.\nالفصل الثاني\n١٤٩٠ - [١١] (سمرة بن جندب) قوله: (سمرة بن جندب) بضم الدال وفتحها، ابن هلال الفزاري، صحابي.\nوقوله: (لا نسمع له صوتًا) ظاهر في إخفاء القراءة في الكسوف، وهو قول أبي حنيفة ﵀، وقالا: يجهر، وعن محمد مثل قول أبي حنيفة، لهما رواية عائشة -﵂- التي مرت في الفصل الأول: أن النبي -ﷺ- جهر فيها، ولأبي حنيفة هذا الحديث، ولأنها نهارية وهي عجماء، وهو قول الشافعي، والمراد في حديث عائشة -﵂- خسوف القمر، كذا في شرح الشيخ، وعند أحمد ﵀ أيضًا يجهر لحديث عائشة -﵂-، ولأن تعين السور كما جاء في الروايات أنه قرأ في الركوع الأول العنكبوت وفي الثاني الروم، رواه الدارقطني (١)، يدل على الجهر، إلا أن يقال: أسمع آية منها فعرفوا ذلك، ولهم أن يؤولوا حديث سمرة بن جندب بأن عدم سماعهم صوت النبي -ﷺ- لأجل بُعْدِهم عنه، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ٤١٨).","vol":"3","page":603},{"text":"١٤٩١ - [١٢] وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَاتَتْ فُلَانَةُ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -ﷺ- فَخَرَّ سَاجِدًا، فَقِيلَ لَهُ: تَسْجُدُ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ؟ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا رَأَيْتُمْ آيَةً فَاسْجُدُوا\" وَأَيُّ آيَةٍ أَعْظَمُ مِنْ ذَهَابِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -ﷺ-؟ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ١١٩٧، ت: ٣٨٩١].\nــ\n١٤٩١ - [١٢] (عكرمة) قوله: (بعض أزواج النبي -ﷺ-) وهي صفية -﵂-، و(بعض) مرفوع بَدْل من (فلانة)، أو منصوب بتقدير أعني.\nوقوله: (فخر ساجدًا) إما أن يحمل على ظاهره، أو على الصلاة كما أول بعض العلماء في سجدة الشكر.\nوقوله: (تسجد في هذه الساعة) أي: من غير موجب للسجود، والسجود من غير موجب ممنوع، كذا في شرح الشيخ، ويجوز أن يكون وقت كراهة فقاسوا عليها كراهة السجدة، وظاهر قوله: (في هذه الساعة) يؤيد هذا المعنى، ولكن الجواب ناظر إلى المعنى الأول، واللَّه أعلم.\nوقوله: (إذا رأيتم آية) (١) أي: آية من الآيات المنذرة بنزول البلاء وسلب السلامة.\nوقوله: (وأي آية أعظم من ذهاب أزواج النبي -ﷺ-) لأن لهن فضل الصحبة مع فضل خاص ثابت للزوجية ليس لأحد من الأصحاب ذلك، وأيضًا بذهابهن يذهب ما تفردن من العلم بأحواله -ﷺ-.\n_________\n(١) قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا مُطْلَقٌ، فَإِنْ أُرِيدَ بِالآيَةِ خُسُوفُ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، فَالْمُرَادُ بِالسُّجُودِ الصَّلَاةُ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرُهَا كَمَجِيءِ الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ، وَالزَّلْزَلَةِ، وَغَيْرِهِمَا، فَالسُّجُودُ هُوَ الْمُتَعَارَفُ، وَيَجُوزُ الْحَمْلُ عَلَى الصَّلَاةِ أَيْضًا لِمَا وَرَدَ: \"كَانَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إِلَى الصَّلَاةِ\"، اهـ.\nقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَفِي \"مَبْسُوطِ شَيْخِ الإِسْلَامِ\" قَالَ: فِي ظُلْمَةٍ أَوْ رِيحٍ شَدِيدَة الصَّلَاةُ حَسَنَةٌ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ صَلَّى لِزَلْزَلَةٍ بِالْبَصْرَةِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١٠٠).","vol":"3","page":604},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-478> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٤٩٢ - [١٣] عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَصَلَّى بِهِمْ، فَقَرَأَ بِسُورَةٍ مِنَ الطُّوَلِ، وَرَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قَامَ الثَّانِيَةَ فَقَرَأَ بِسُورَةٍ مِنَ الطُّوَلِ، ثُمَّ رَكَعَ خَمْسَ رَكَعَاتٍ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ كَمَا هُوَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ (١) يَدْعُو حَتَّى انْجَلَى كُسُوفُهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١١٨٢].\n١٤٩٣ - [١٤] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَجَعَلَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ،\nــ\nالفصل الثالث\n١٤٩٢ - [١٣] (أبي بن كعب) قوله: (فقرأ سورة) وفي بعض النسخ: بسورة، و(الطول) بضم الطاء وفتح الواو المخففة كصُرَد جمع طولى على وزن طوبى، مؤنث أطول، كذا في (القاموس) (٢)، وكتب في بعض النسخ بكسر الطاء، ولا يظهر وجهه.\nوقوله: (ركع خمس ركعات) أي: خمس ركوعات.\n١٤٩٣ - [١٤] (النعمان بن بشير) قوله: (فجعل يصلي ركعتين ركعتين) قالوا: يشبه أن يكون صلاها مرة فلم تنجل، فصلاها مرة أخرى.\nوقوله: (ويسأل عنها) أي: يسأل الناس عن انجلاء الشمس، وهو الأظهر من\n_________\n(١) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ (٢/ ٩٠): وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ إِنْ شَاءَ دَعَا مُسْتَقْبِلًا جَالِسًا أَوْ قَائِمًا، أَوْ يَسْتَقْبِلُ الْقَوْمَ بِوَجْهِهِ وَدَعَا وُيُؤَمِّنُونَ. قَالَ الْحُلْوَانِيُّ: وَهَذَا أَحْسَنُ، وَلَوْ قَامَ وَدَعَا مُعْتَمِدًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْسِ؛ كَانَ أَيْضًا حَسَنًا. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١٠١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٤٥).","vol":"3","page":605},{"text":"وَيَسْأَلُ عَنْهَا حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\nوَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- صَلَّى حِينَ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ مِثْلَ صَلَاتِنَا يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ.\nوَلَهُ فِي أُخْرَى: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خَرَجَ يَوْمًا مُسْتَعْجِلًا إِلَى الْمَسْجِدِ وَقَدِ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ، فَصَلَّى حَتَّى انْجَلَتْ، ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الشَّمْسُ وَالْقَمَرَ لَا يَنْخَسِفَانِ إِلَّا لِمَوْتِ عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَاءِ أَهْلِ الأَرْضِ، وَإِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَا يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا خَلِيقَتَانِ مِنْ خَلْقِهِ، يُحْدِثُ اللَّهُ فِي خَلْقِهِ مَا شَاءَ، فَأَيُّهُمَا انْخَسَفَ فَصَلُّوا حَتَّى يَنْجَلِيَ. . . . .\nــ\nالعبارة، أو يسأل اللَّه بالدعاء لأجلها.\nوقوله: (مثل صلاتنا) أي: من غير تكرار الركوع ونحوه، وهذا دليل الحنفية، وله أمثال كثيرة ذكرت في شرح الشيخ لابن الهمام.\nوقوله: (خليقتان من خلقه) والخلق والخليقة واحد، وقيل: يجيء الخليق بمعنى البهائم، قال في (القاموس) (١): الخليقة: الطبيعة، والناس كالخلق والبهائم.\nقال الطيبي (٢): الحمل على هذا المعنى أنسب، لأنه لِرَدّ زعم من يرى أثرهما في هذا العالم، أي: ليس كما يزعمون بل هما مسخوان كالبهائم، ولا يخلو عن تكلف وبعد، لأنه لو قصد هذا المعنى لكان التعبير عنهما بالجمادات أنسب، اللهم إلا أن يكون باعتبار حركتهما وسيرهما، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨١١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢٦٨).","vol":"3","page":606},{"text":"أَو يُحْدِثَ اللَّهُ أَمْرًا\". [د: ١١٩٣، ن: ١٤٩٠].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-479>٥١ - باب في سجود الشكر</span>\nوَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ: الْفَصْلِ الأَوَّلِ وَالثَّالِثِ.\nــ\nوقوله: (أو يحدث اللَّه أمرًا) أي: عذابًا أو القيامة.\n٥١ - باب في سجود الشكر\n(وهذا الباب خال عن الفصل الأول والثالث).\nقد اختلف العلماء في السجدة المنفردة خارج الصلاة هل هي جائزة ومسنونة وعبادة موجبة للتقرب إلى اللَّه أم لا؟ فقال بعضهم: بدعة وحرام، ولا أصل لها في الشرع، وعلى هذا يبنون حرمة السجدتين بعد الوتر، وما جاء في الأحاديث أن رسول اللَّه -ﷺ- كان يطيل السجود والدعاء، المراد بها السجدة الصلاتية كما يفهم من سياق تلك الأحاديث صريحًا، وعند بعضهم جائزة مسنونة، ونقل عن بعض الحنفية أنها جائزة مع الكراهة، واستدل المجوزون بحديث عائشة -﵂- في صلاة الليل، قالت: كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة، فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه، قالوا: المراد أنه كان يسجد شكرًا لتوفيقه لذلك هذا المقدار، ومن في (من ذلك) تعليلية، والفاء في \"فيسجد\" للتعقيب، وهذا الاستدلال ضعيف، والظاهر المتبادر أن (من) تبعيضية، والفاء لتفصيل الإجمال، والمراد بالسجدة جنسها، يعني كان يطيل السجود في الوتر، كذا قال الطيبي (١)، وقد سبق في صلاة الليل.\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٣/ ٩٤).","vol":"3","page":607},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوتفصيل الكلام أن السجدة خارج الصلاة على عدة أقسام، أحدها: سجدة السهو وهو في حكم سجدة الصلاة، وثانيها: سجدة التلاوة، ولا خلاف فيهما، وثالثها: سجدة المناجاة بعد الصلاة، وظاهر كلام الأكثرين أنها مكروهة، ورابعها: سجدة الشكر على حصول نعمة واندفاع بلية، وفيها اختلاف، فعند الشافعي وأحمد رحمهما اللَّه سنة، وهو قول محمد ﵀، والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة، وعند أبي حنيفة ومالك رحمهما اللَّه ليست بسنة، بل هي مكروهة (١)، وهم يقولون: إن المراد بالسجدة الواقعة في تلك الأحاديث والآثار الصلاة، عبر عنها بالسجدة وهو كثير؛ إطلاقًا للجزء على الكل، أو هو منسوخ، وقالوا: نعم اللَّه لا تعد ولا تحصى، والعبد عاجز عن أداء شكرها، فالتكليف به ولو كان بطريق السنية والاستحباب يؤدي إلى التكليف بما لا يطاق.\nهذا ولكن القائلين به يريدون النعم العظيمة التي تحدث نادرًا ينتظرها أو لا ينتظرها، وكذلك وقع في السنة، لا كل نعمة مثل الوجود ولوازمه الثابتة، ولما وقع ذلك من بعض الخلفاء الراشدين -﵃- بعده -ﷺ- لم يجز القول بالنسخ كما روي عن أبي بكر الصديق -﵁- بعد وصول خبر قتل مسيلمة الكذاب، وعن علي المرتضى -﵁- بقتل ذي الثدية الخارجي رئيس الخوارج، وعن كعب بن مالك -﵁- لبشارة قبول توبته الذي تخلف عن غزوة تبوك، وههنا قسم آخر من السجدة يقال لها: سجدة التحية، وجاءت الرخصة فيها في بعض الروايات الفقهية، والمختار حرمتها، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) وروي عن أبي حنيفة أنه قال: لا أراه شيئًا، قيل في معناه: لا أراه واجبًا بل مباحًا، أو لا أراه شكرًا تامًّا، والتمام الصلاة، وقال محمد وأبو يوسف في إحدى الروايتين عنه: هي -أي: سجدة الشكر- قربة يثاب عليها، وعليه الفتوى. كذا في \"حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح\" (ص: ٥٠٠).","vol":"3","page":608},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-480> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٤٩٤ - [١] عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا جَاءَهُ أَمْرٌ سُرُورًا أَوْ يُسَرُّ بِهِ خَرَّ سَاجِدًا شَاكِرًا لِلَّهِ تَعَالَى (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [د: ٢٧٧٤، ت: ١٥٧٨].\n١٤٩٥ - [٢] وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَأَى رَجُلًا مِنَ النُّغَاشِينَ فَخَرَّ سَاجِدًا. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مُرْسَلًا، وَفِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" لَفْظُ \"الْمَصَابِيحِ\". [قط: ١/ ٤١٠].\nــ\nالفصل الثاني\n١٤٩٤ - [١] (أبو بكرة) قوله: (إذا جاءه أمر سرورًا) بالنصب بتقدير يوجب سرورًا، أو حال بمعنى سارًّا.\nوقوله: (أو يسرّ به) بلفظ المجهول، شكٌّ من الراوي، وجاء في حديث أنس: أن النبي -ﷺ- بشر بحاجة فخرّ ساجدًا، ويفهم من حديث أبي بكرة الدوام والاستمرار بقرينة (كان) على ما قالوا، وبدلالة قوله: \"إذا جاءه أمر\" كما في ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾، ويعلم من حديث أنس -﵁- خصوص واقعة، ومع ذلك يثبت به الاستحباب.\n١٤٩٥ - [٢] (أبو جعفر) قوله: (من النغاشين) وروي: من النُّغاشيين، والنغاش\n_________\n(١) وعند الإِمام أبي حنيفة المراد به الصلاة، ودليله أنه وقع في الروايات أنه ﵊ لما أتي برأس أبي جهل خرّ ساجدًا، وقد جاء في الأثر عَنِ الشَّعْثَاءِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، قَالَتْ: \"دَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي أَوْفَى، فَرَأَيْتُهُ صَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: إِنَّكَ صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ! فَقَالَ: رَسُولُ اللَّه -ﷺ- صَلَّى الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ حِينَ بُشِّرَ بِالْفَتْحِ، وَحِينَ جِيءَ بِرَأْسِ أَبِي جَهْلٍ\". رواه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٣/ ٨٩)، والدارمي في \"سننه\" (١٥٠٣). كذا في \"التقرير\".","vol":"3","page":609},{"text":"١٤٩٦ - [٣] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ مَكَّةَ نُرِيدُ الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا كُنَّا قَرِيبًا مِنْ عَزْوَزَاءَ نَزَلَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَدَعَا اللَّهَ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا، فَمَكَثَ طَوِيلًا، ثُمَّ قَامَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا، فَمَكَثَ طَوِيلًا، ثُمَّ قَامَ فَرَفَعَ يَدَيْهِ سَاعَةً، ثُمَّ خَرَّ سَاجِدًا، قَالَ: \"إِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي وَشَفَعْتُ لأُمَّتِي، فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي شُكْرًا، ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي فَسَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي، فَأَعْطَانِي ثُلُثَ أُمَّتِي، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي شُكْرًا،\nــ\nبضم النون، وكذا النغاشي بضم النون وتخفيف الغين المعجمة: القصير جدًّا، أقصر ما يكون من الرجال، وزاد في (النهاية) (١): الضعيف الحركة، الناقص الخلق، ومن السنة إذا رأى مبتلًى أن يسأل اللَّه العافية ويقول: الحمد للَّه الذي عافاني مما ابتلاك به، ولكنه إذا رأى مبتلًى ببلاء ظاهر كالمريض وسوء الخلقة يقول ذلك سرًّا ولا يسمعه؛ كيلا يتأذى به وينكسر به قلبه، وإذا رأى فاسقًا يجهر به ويسمعه؛ لينزجر به ويتوب عنه.\n١٤٩٦ - [٣] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (من عزوزاء) بفتح المهملة وسكون الزاي وفتح الواو والزاي تأنيث ممدود، وقيل: مقصورة، ثنية بالجحفة في طريق الحرمين.\nوقوله: (إني سألت ربي وشفعت لأمتي) وهذه الشفاعة إما دعاء وسؤال للشفاعة لهم يوم القيامة، ووعد الحق تعالى إياه بإجابته، أو شفاعته بالفعل وقبولها بالفعل في الدعاء، وتعذيب اللَّه تعالى ووعيده للعاصين مقيد بالمشيئة، فلو شاء مغفرة الكل لجاز، وقيل: المراد أن لا يخلدهم في النار ويخرجهم منها بشفاعته، وقيل: هو المراد بهذا\n_________\n(١) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (٥/ ٨٦).","vol":"3","page":610},{"text":"ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي فَسَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي، فَأَعْطَانِي الثُّلُثَ الآخِرَ، فَخَرَرْتُ سَاجِدًا لِرَبِّي شُكْرًا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (١). [د: ٢٧٧٥].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-481>٥٢ - باب الاستسقاء</span>\nــ\nالدعاء، والشفاعة والإعطاء هو الأمن من الخسف والمسخ ونحوهما دون عذاب الآخرة، واللَّه أعلم بالصواب.\n٥٢ - باب الاستسقاء\nالاستسقاء في اللغة: طلب السقي، وفي الشرع: صلاة أو دعاء، وسؤال المطر من اللَّه تعالى عند قحوط، والصلاة مع الكيفية المخصوصة كالعيد سنة عند أكثر الأئمة، وأبو حنيفة ﵀ يقول: هو دعاء واستغفار وسؤال وتضرع من جناب الحق الرزاق الوهاب؛ لقوله سبحانه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١١]، وأيضًا ما وقع من وجوه الاستسقاء في أكثر الأحاديث ليست فيها صلاة إلا في وجه واحد، وهو أول -ﷺ- خرج إلى المصلى وصلى ركعتين وخطب، الحديث. وهو لم يَصِل بجميع خصوصياته حدَّ الصحة، أو هو مخصوص برسول اللَّه -ﷺ-، والسنة ما واظب عليه النبي -ﷺ- مع الترك أحيانًا، وههنا عدم الصلاة أكثر، وما صلى إلا في حين، وقد صح أن أمير المؤمنين عمر -﵁- استسقى واقتصر على الدعاء والاستغفار ولم يصل،\n_________\n(١) كذا في جميع النسخ، لكن لم أجده في \"مسند الإِمام أحمد\" في مسند سعد بن أبي وقاص، والحديث ذكره المجد ابن تيمية في \"المنتقى\"، وعزاه لأبي داود فقط، وأخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٢/ ٣٧٠) من طريق أبي داود، وقد سكت عليه أبو داود. \"مرعاة المفاتيح\" (٥/ ١٦٩).","vol":"3","page":611},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-482> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٤٩٧ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالنَّاسِ إِلَى الْمُصَلَّى يَسْتَسْقِي، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، جَهَرَ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ يَدْعُو، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ. . . . .\nــ\nولو كانت الصلاة مسنونة لما تركها، وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعين، وعدم علم عمر -﵁- بذلك مع عموم البلوى وقرب العهد بزمان النبوة بعيد، وتركه مع العلم بذلك أبعد، وعدم تنبيه الصحابة إياه على ذلك كذلك، والمراد يقول الإِمام: لا صلاة في الاستسقاء أنه ليست بجماعة، وخصوصيات أخر مسنونة، وإلا لو صلى كل واحد صلاة كالنافلة ودعا وتضرع وسأل واستغفر؛ صح ذلك وحسن، والأحاديث المروية في باب الاستسقاء لا تخلو عن اضطراب، وكثير من الطرق التي ذكرت فيها الخصوصيات والكيفيات لا يخلو عن ضعف، فأخذ أبو حنيفة ﵀ بخلاصة ذلك، والمقصودِ الأصلي الذي هو الدعاء والاستغفار، وجوّز أن تصلى من غير جماعة وخطبة وأمثالها أخذًا بالمتقين، واللَّه أعلم. وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما اللَّه فيه صلاة وجماعة وخطبة كما يقوله الأئمة، وقيل: محمد مع أبي حنيفة، والفتوى الآن عند الحنفية على مذهبهما بثبوت فعله -ﷺ- مع عدم دليل الخصوصية (١).\nالفصل الأول\n١٤٩٧ - [١] (عبد اللَّه بن زيد) قوله: (واستقبل القبلة يدعو) الذي يفهم من الأحاديث أن الدعاء كان قبل الصلاة، والواو لا تفيد الترتيب، (وحوّل رداءه) بحيث\n_________\n(١) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ (٢/ ٩١): يَخْرُجُونَ لِلِاسْتِسْقَاءِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَكْثَرُ مِنْهَا، مُتَوَاضِعِينَ، مُتَخَشِّعِينَ، فِي ثِيَابِ خَلَقٍ، مُشَاةَ، يُقَدِّمُونَ الصَّدَقَةَ كُلَّ يَوْمٍ بَعْدَ التَّوْبَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، إِلَّا فِي مَكَّةَ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَيَجْتَمِعُونَ فِي الْمَسْجِدِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١٠٥).","vol":"3","page":612},{"text":"حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٢٤، م: ٨٩٤].\n١٤٩٨ - [٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ دُعَائِهِ إِلَّا فِي الِاسْتِسْقَاءِ، فَإِنَّهُ يَرْفَعُ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إبطَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٢١، م: ٨٩٥].\nــ\nصار طرفه الأيمن إلى الجانب الأيسر، وطرفه الأيسر إلى الجانب الأيمن، وصار باطنه ظاهرًا وظاهره باطنًا، وطريقة هذا القلب والتحويل أن يأخذ بيده اليمنى الطرف الأسفل من جانب يساره، وبيده اليسرى الطرف الأسفل من جانب يمينه، ويقلب يديه خلف ظهره حتى يكون الطرف المقبوض بيده اليمنى على كتفه الأعلى من جانب اليمنى، والطرف المقبوض بيده اليسرى على كتفه الأعلى من جانب اليسار، وقالوا: هذا التحويل والتقليب كان تفاؤلًا لتبديل الحال وتبديل الإمساك بالأمطار والضيق بالسعة، وقيل: بل هذا امتثال أمر الرب تعالى، أمره -ﷺ- بأن يفعل ذلك لتبديل الحال، أو فعل باجتهاده لا مجردِ التفاؤل؛ لأن التفاؤل لا يكون بقصد واختيار، بل يكون بأن يرى شيء في الخارج لا لهذا القصد فيتفاؤل به، والظاهر أن مراد ذلك القائل بالتفاؤل ههنا هو المعنى المذكور، يعني فعل ذلك ليكون دالًّا في الظاهر على تغير الحال وعلامة عليه، على أن كون التفاؤل البتة فيما لا اختيار فيه غير مسلم.\n١٤٩٨ - [٢] (أنس) قوله: (لا يرفع يديه في شيء من دعائه) أي: رفعًا بليغًا فوق حذاء الصدر والوجه، قالوا: كما كانت الواقعة أصعب والمطلب أقوى كان رفع الأيدي أرفع وأعلى.\nوقوله: (حتى يرى بياض إبطيه) إن لم يكن حينئذ على بدنه الشريف ثوب أو كان رداء؛ فرؤية بياض الإبطين على الحقيقة، وإن كان عليه قميص، فالمراد رؤية موضع الإبطين، والإبط: باطن المنكب، بكسر الهمزة وسكون الباء، وتكسر، يذكر ويؤنث.","vol":"3","page":613},{"text":"١٤٩٩ - [٣] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- اسْتَسْقَى فَأَشَارَ بِظَهْرِ كَفَّيْهِ إِلَى السَّمَاءِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٩٦].\n١٥٠٠ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ قَالَ: \"اللَّهُمَّ صَيِّبًا نافِعًا\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٠٣٢].\n١٥٠١ - [٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَصَابَنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَطَرٌ، قَالَ: فَحَسَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثَوْبَهُ حَتَّى أَصَابَهُ مِنَ الْمَطَرِ،\nــ\n١٤٩٩ - [٣] (وعنه) قوله: (فأشار بظهر كفيه إلى السماء) على عكس ما هو المتعارف في الدعاء، قالوا: إذا كان الدعاء للطلب وسؤال شيء من جنس النعماء يستحب أن يجعل بطن الكف إلى جهة السماء، وإذا كان لدفع فتنة أو بلاءً يجعل ظهرها إليها؛ إطفاءً لنائرة الفتنة والبلاء، وخفضًا بقوة الحادثة وغلبتها، وقال الطيبي (١): فعل ذلك تفاؤلًا بتقلب الحال ظهرًا لبطنٍ، وذلك نحو صنيعه في تحويل الرداء، أو إشارة إلى ما يسأله، وهو أن يجعل بطن السحاب إلى الأرض لينصَبَّ ما فيه من الأمطار.\n١٥٠٠ - [٤] (عائشة) قوله: (كان إذا رأى المطر) قال: يحتمل أن يكون المراد إذا رأى المطر بعد الاستسقاء، وهذا أيضًا نوع من الاستسقاء بطلب النافع منه، والصيّب بفتح الصاد وتشديد تحتية: مطر يَصُوبُ؛ أي: ينزل، وقيل: الصيب: المطر الكثير، والمقصود به نعته، وهو كونه نافعًا، ولبعضهم: صبًّا بموحدة مشددة، أي: صبه صبًّا نافعًا.\n١٥٠١ - [٥] (أنس) قوله: (فحسر) أي: كشف ثوبه عن بدنه، وفسر النووي الحسر بكشف الثوب عن بعض بدنه.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢٧٤).","vol":"3","page":614},{"text":"فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لِمَ صَنَعْتَ هَذَا؟ قَالَ: \"لِأَنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٩٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-483> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٥٠٢ - [٦] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْمُصَلَّى فَاسْتَسْقَى، وَحَوَّلَ رِدَاءَهُ حِينَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَجَعَلَ عِطَافَهُ الأَيْمَنَ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْسَرِ، وَجَعَلَ عِطَافَهُ الأَيْسَرَ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ دَعَا اللَّه. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٠٦٣].\n١٥٠٣ - [٧] وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: اسْتَسْقَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَعَلَيْهِ خَمِيصَةٌ لَهُ سَوْدَاءُ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ أَسْفَلَهَا فَيَجْعَلَهُ أَعْلَاهَا، فَلَمَّا ثَقُلَتْ قَلَبَهَا. . . . .\nــ\nوقوله: (لأنه حديث عهد بربه) أي: حادث قريب مجيئه من عالم القدس، لم يتدنس بأجزاء هذا العالم.\nالفصل الثاني\n١٥٠٢ - [٢] (عبد اللَّه بن زيد) قوله: (عطافه) في (القاموس) (١): العطاف: ككتاب: الرداء، والمراد جانب الرداء.\n١٥٠٣ - [٧] (وعنه) قوله: (وعليه خميصة له) هي ثوب خزٍّ أو صوف مُعَلَّمٌ، وقيده بعضهم بسوداء، وفي شرح الشيخ: هي كساء مربع له علمان في طرفيه من صوف أو خزٍّ.\nوقوله: (فلما ثقلت) أي: عسرت، أي: عسر جعل أسفلها أعلاها (٢)، (وقلبها)\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٧٣).\n(٢) كَذَا قَالَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ، وَالصَّوَابُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ، أَيْ: لَمْ يَجْعَلْ أَسْفَلَهَا أَعْلَاهَا، بَلْ جَعَلَ مَا عَلَى كَتِفِهِ الأَيْمَنِ عَلَى عَاتِقِهِ الأَيْسَرِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١٠٨).","vol":"3","page":615},{"text":"عَلَى عَاتِقَيْهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٤٢، د: ١١٦٤].\n١٥٠٤ - [٨] وَعَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْم أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ -ﷺ- يَسْتَسْقِي عِنْدَ أَحْجَارِ الزَّيْتِ قَرِيبًا مِنَ الزَّوْرَاءِ قَائِمًا يَدْعُو، يَسْتَسْقِي رَافِعًا يَدَيْهِ قِبَلَ وَجْهِهِ لَا يُجَاوِزُ بِهِمَا رَأْسَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ. [د: ١٠٦٨، ت: ٥٥٧، ن: ١٥١٤].\n١٥٠٥ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَعْنِي فِي الِاسْتِسْقَاءَ- مُتَبَذِّلًا مُتَوَاضِعًا مُتَخَشِّعًا مُتَضَرِّعًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. . . . .\nــ\nبالتشديد والتخفيف.\n١٥٠٤ - [٨] (عمير) قوله: (عمير مولى آبي اللحم) بالمد: رجل من قدماء الصحابة، أبي من أكل اللحم فسمي به، كذا قال الطيبي (١)، وقيل: هو عبد اللَّه بن عبد الملك، استشهد يوم حنين، لم يأكل اللحم الذي ذبح باسم الصنم في الجاهلية، و(عمير) بلفظ التصغير.\nو(أحجار الزيت) موضع بالمدينة، سميت بها لسواد أحجارها، كأنها طليت بالزيت، وقد عرف في أذان الجمعة.\nوقوله: (لا يجاوز بهما رأسه) هذا في بعض الأحوال، وما سبق من المبالغة في الرفع كان في بعضها.\n١٥٠٥ - [٩] (ابن عباس) قوله: (متبذلًا) أي: في ثياب بذلة، أي: مهنة، وهي ما يلبسه الرجل من غير لباس الزينة، والتبذل: ترك التزين تواضعًا.\nوقوله: (متواضعًا) أي: في الظاهر، (متخشعًا) أي: في الباطن، (متضرعًا)\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢٧٦).","vol":"3","page":616},{"text":"وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٨٥٩، د: ١١٦٥، ن: ١٤٢١، جه: ١٢٦٦].\n١٥٠٦ - [١٠] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا اسْتَسْقَى قَالَ: \"اللَّهُمَّ اسْقِ عِبَادَكَ وَبَهِيمَتَكَ، وَانْشُرْ رَحْمَتَكَ، وَأَحْي بَلَدَكَ الْمَيِّتَ\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ. [ط: ٦٤٩، د: ١١٧٦].\n١٥٠٧ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُوَاكِئُ فَقَالَ: \"اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، مَرِيئًا. . . . .\nــ\nإلى اللَّه.\n١٥٠٦ - [١٠] (عمرو بن شعيب) قوله: (وبهيمتك) قال البيضاوي (١): البهيمة: كل حي لا يميز، وقيل: كل ذات أربع.\nوقوله: (وأحي بلدك الميت) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.\n١٥٠٧ - [١١] (جابر) قوله: (يواكئ) فسروا هذا اللفظ بأن يرفع يديه للدعاء، أي: يتحامل على يديه، من توكأ على العصا: تحامل عليها.\nوقوله: (غيثًا مغيثًا) أي: مشبعًا منقذًا من الشدة، من أغاث الغيث من الأرض: إذا أصابها، والمغيث في الحقيقة هو اللَّه، وإسناده إلى الغيث مجاز، هكذا قالوا، ويجوز أن يكون من باب ظل ظليل للمبالغة، واللَّه أعلم. و(مريئًا) بالهمزة بفتح أوله من مرأ الطعام وأمرأ: إذا انحدر من المعدة سريعًا ولم يثقل، يعني محمود العاقبة\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١١٣).","vol":"3","page":617},{"text":"مُرِيعًا، نافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ\" قَالَ: فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١١٦٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-484> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٥٠٨ - [١٢] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: شَكَا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قُحُوطَ الْمَطَرِ، فَأَمَرَ بِمِنْبَرٍ، فَوُضِعَ لَهُ فِي الْمُصَلَّى، وَوَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ بَدَا حَاجِبُ الشَّمْسِ، فَقَعَدَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَكَبَّرَ وَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ. . . . .\nــ\nغير ضار، (مريعًا) أي: آتيًا بالريع والخصب، يقال: أمرعت الأرض: إذا أخصبت، ويروى (مُرْبِعًا) بضم الميم وكسر الباء، أي: منبتًا للربيع، و(مرتعًا) بالفوقانية أي: منبتًا ما يرتع الإبل.\nوقوله: (فأطبقت) بلفظ المجهول (١) أي: ملأت (السماء) أي: السحاب، أي: عمَّهم المطر.\nالفصل الثالث\n١٥٠٨ - [١٢] (عائشة) قوله: (قحوط المطر) مصدر بمعنى القحط أو جمعه، وفي (القاموس) (٢): القحط: احتباس المطر، قحط العام كمنع وفرح.\nوقوله: (حين بدا) بالألف من البدو، هوالصحيح، وجعل في بعض النسخ (بدأ) بالهمزة، و(الجدب) بالجيم المفتوحة وبالدال المهملة الساكنة: القحط.\n_________\n(١) قال القاري (٣/ ١١١٠): عَلَى بِنَاءِ الْفَاعِلِ، وَقِيلَ: بِالْمَفْعُولِ.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٢٨).","vol":"3","page":618},{"text":"وَاسْتِئْخَارَ الْمَطَرِ عَنْ إِبَّانِ زَمَانِهِ عَنْكُمْ، وَقَدْ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أَنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أَنْ يَسْتَجِيبَ لَكُمْ\"، ثُمَّ قَالَ: \"الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْغَنِيُّ وَنَحْنُ الْفُقَرَاءُ، أَنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أَنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إِلَى حِينٍ\"، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ يَتْرُكِ الرَّفْعَ حَتَّى بَدَا بَيَاضُ إِبِطَيْهِ، ثُمَّ حَوَّلَ إِلَى النَّاسِ ظَهْرَهُ، وَقَلَبَ أَوْ حَوَّلَ رِدَاءَهُ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ وَنَزَلَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَأَنْشَأَ اللَّهُ سَحَابَةً، فَرَعَدَتْ وَبَرَقَتْ، ثُمَّ أَمْطَرَتْ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَلَمْ يَأْتِ مَسْجدَهُ حَتَّى سَالَتِ السُّيُولُ، فَلَمَّا رَأَى سُرْعَتَهُمْ إِلَى الْكِنِّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، فَقَالَ: \"أَشْهَدُ أَنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ،\nــ\nوقوله: (استئخار المطر) أي: تأخر تأخرًا بعيدًا.\nوقوله: (عن إبان) بكسر الهمزة وتشديد الباء، وفي (القاموس) (١): إبان الشيء: حينه أو أوله، أورده في باب (الأبن) دون (الأبِّ)، فيعلم منه أن نونه أصلية، وإضافته إلى الزمان من إضافة الخاص إلى العام إن كان بمعنى الحين، أو بمعنى اللام إن كان بمعنى أول، قال:\nوسبحاتُ الخير له مطر ... فإذا جاء الإبَّانُ تَجِي\nوقوله: (وبلاغًا إلى حين) أي: زمان طويل، أي: نتبلغ ونتوصل به إلى مطلوبنا، أي: يكمل ويتم انتفاعنا به، والبلاع: ما يتبلغ به إلى المطلوب.\nوقوله: (وبرقت) بفتح الباء والراء، وأما بكسر الراء فبمعنى تحيَّر، ومنه قوله تعالى: و﴿بَرِقَ الْبَصَرُ﴾ [القيامة: ٧] و(الكن) بكسر الكاف: وقاء كل شيء وستره،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٨٢).","vol":"3","page":619},{"text":"وَأَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١١٧٣].\n١٥٠٩ - [١٣] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ إِذَا قُحِطُوا اسْتَسْقَى بِالعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا كُنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّنَا فَتَسْقِينَا، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ بِعَمِّ نبَيِّنَا فَاسْقِنَا. قَالَ: فَيُسْقَوْنَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٠١٠].\nــ\nوالأبنية والمساكن (١).\n١٥٠٩ - [١٣] (أنس) قوله: (فقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا) بفتح التاء وضمها، والأول أفصح، وروي أنه كان العباس يقول حينئذ: اللهم إنهم توسلوا إلى بقرابة نبيك، فلا تخب ولا تخجل شيبتي عندهم (٢).\n_________\n(١) ثم المذكور في هذا الحديث الخطبة قبل الصلاة وهو غريب، وفي الرواية السابقة بعد الصلاة، قال القاري: (٣/ ١١١٢): قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ (٢/ ٩٤): وَذَلِكَ الْكَلَامُ السَّابِقُ هُوَ الْمُرَادُ بِالْخُطْبَةِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ، وَلَعَلَّ الإِمَامَ أَحْمَدَ أَعَلَّهُ بِهَذِهِ الْغَرَابَةِ أَوْ بِالِاضْطِرَابِ، فَإِنَّ الْخُطْبَةَ فِيهِ مَذْكُورَةٌ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَفِيمَا تَقَدَّمَ بَعْدَهَا، انتهى.\nواختلفوا في الجمع بينهما، ومختار الأئمة الذين قالوا بالصلاة فيها أنها تقدم على الخطبة، فقيل: رواية أبي داود هذه شاذة، وفي \"البداية\" عكسه، فقال: من ذكر الخطبة ذكر في علمي قبل الصلاة، وقال الطحاوي: رأيت خطبة الاستسقاء أشبه بالعيد، وجمع الحافظ بأنه دعا أولًا، ثم صلى ثم خطب، فذكر كل راو أحدهما، كذا في \"الأوجز\" (٤/ ١٤٠)، و\"بذل المجهود\" (٥/ ٢٨٣).\n(٢) قَالَ عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ:\nبِعَمِّي سَقَى اللَّهُ الْبِلَادَ وَأَهْلَهَا ... عَشِيَّةَ يَسْتَسْقِي بِشَيْبَتِهِ عُمَرُ\nتَوَجَّهَ بِالْعَباسِ بِالْجَدْبِ دَاعِيًا ... فَمَا جَازَ حَتَّى جَاءَ بِالدِّيمَةِ الْمَطَرُ\nقَالَ ابْنُ حَجَر: وَاسْتَسْقَى مُعَاوِيَةُ بِيَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَسْقِي بِخَيْرِنَا وَأَفْضَلِنَا، =","vol":"3","page":620},{"text":"١٥١٠ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"خَرَجَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي، فَإِذَا هُوَ بِنَمْلَةٍ رَافِعَةٍ بَعْضَ قَوَائِمِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: ارْجِعُوا فَقَدِ اسْتُجِيبَ لَكُمْ مِنْ أَجَلِ هَذِهِ النَّمْلَةِ\". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ٢/ ٤٢١].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-485>٥٣ - باب في الرياح</span>\nــ\n١٥١٠ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (خرج نبي من الأنبياء) قيل: هو سليمان بن داود ﵉ (١).\n٥٣ - باب\nهكذا باب من غير تقييد وإضافة بشيء، ومن عادة المؤلف أن يعقد بابًا في لواحق ومتممات لما سبق، وفي بعضها: (باب ريح هبت)، وفي بعضها: (باب في الرياح)، وفي بعضها: (والسحب).\n_________\n= اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَسْقِي بِيَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ، يَا يَزِيدُ: ارْفَعْ يَدَيْكَ إِلَى اللَّهِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَرَفَعَ النَّاسُ أَيْدِيَهُمْ، فَثَارَتْ سَحَابَةٌ مِنَ الْمَغْرِبِ كَأَنَّهَا تُرْسٌ، وَهَبَّتْ رِيحٌ، فَسُقُوا حَتَّى كَادَ النَّاسُ لَا يَبْلُغُونَ مَنَازِلَهُمْ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١١٣).\n(١) وروى أحمد في \"الزهد\" (٤٤٩)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٩٤٨٧) عَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِي: \"أَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ خَرَجَ بِالنَّاسِ يَسْتَسْقِي، فَمَرَّ عَلَى نَمْلَةٍ مُسْتَلْقِيَةٍ عَلَى قَفَاهَا، رَافِعَةٍ قَوَائِمَهَا إِلَى السَّمَاءِ، وَهِيَ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ لَيْسَ لَنَا غِنًى عَنْ رِزْقِكَ، فَإِمَّا أَنْ تَسْقِيَنَا وَإِمَّا أَنْ تُهْلِكَنَا، فَقَالَ سُلَيْمَانُ لِلنَّاسِ: ارْجِعُوا فَقَدْ سُقِيتُمْ بِدَعْوَةِ غَيْرِكُمْ\". وَرُوِيَ أَنَّهَا قَالَتِ: \"اللَّهُم إِنَّا خَلْقٌ مِنْ خَلْقِكَ، لَا غِنَى بِنَا عَنْ رِزْقِكَ، فَلَا تُهْلِكْنَا بِذُنُوبِ بَنِي آدَمَ\". انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١١٣).","vol":"3","page":621},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-486> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٥١١ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٣٥، م: ٩٠٠].\n١٥١٢ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ،\nــ\nالفصل الأول\n١٥١١ - [١] (ابن عباس) قوله: (نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور) الصَّبا: الريح التي تجيء من قبل ظهرك إذا استقبلت القبلة، والدبور في مقابلها، وهذا هو المشهور، وقال في (القاموس) (١): الصَّبا: الريح مهبُّها من مطلع الثريا إلى بنات نعش، والدبور ما يقابلها، وفرق ما بين التفسيرين، فإن الأول يشمل سعة المشرق والمغرب كلها، والثاني في ناحية منها، ونصره -ﷺ- بالصَّبا كان يوم الخندق الذي يقال له: غزوة الأحزاب كما ذكر في كتب السير، وقصة إهلاك عاد بالدبور مشهورة، والمقصود إما تفضيل الصبا على الدبور، أو المعنى أن الريح مأمورة تارة لنصرة قوم، وتارة لإهلاك آخرين.\n١٥١٢ - [٢] (عائشة) قوله: (حتى أرى منه لهواته) في (القاموس) (٢): جمع لهاة، وهي اللحمة المشرفة على الحلق، أو ما بين منقطع أصل اللسان إلى منقطع الحلق من أعلى الفم، والجمع لهوات، وقال الطيبي (٣): وهي اللَّحمات في سقف أقصى الفم، وقال بعضهم: اللهاة قعر الفم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٢٣).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢٨٠).","vol":"3","page":622},{"text":"إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ، فَكَانَ إِذَا رَأَى غَيْمًا أَوْ رِيحًا عُرِفَ فِي وَجْهِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨٢٨، ٤٨٢٩، ط: ٨٩٩].\n١٥١٣ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا عَصَفَتِ الرِّيحُ قَالَ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ\"، وَإِذَا تَخَيَّلَتِ السَّمَاءُ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، وَخَرَجَ وَدَخَلَ، وَأَقْبَلَ وَأَدْبَرَ،\nــ\nوقوله: (إنما كان يتبسم) أي: كان خائفًا أبدًا لا يضحك، وكان عند رؤية الغيم والريح أشد خوفًا، حتى كان يظهر أثر الخوف في وجهه لمشاهدة الصفات الجلالية للحق سبحانه وشفقته على الخلق؛ لئلا يلحق بهم ضرر (١).\n١٥١٣ - [٣] (وعنها) قوله: (إذا عصفت الريح) تعصف عصفًا وعصوفًا: اشتدت، فهي عاصفة وعاصف وعصوف.\nوقوله: (ما أرسلت به) بصيغة المجهول فيهما أو المعلوم، والأول أظهر.\nوقوله: (وإذا تخيلت السماء) أي: تغيمت، والمراد بالسماء السحاب، وتخيلت السماء وخيلت: تهيأت للمطر، والسحابة المخيلة: التي تحسبها ماطرة؛ لأنها محل\n_________\n(١) فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِ الأَعْرَابِيِّ مِنْ ظُهُورِ النَّوَاجِذِ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا عِنْدَ الِاسْتِغْرَاقِ فِي الضَّحِكَ وَظُهُورِ اللَّهَوَاتِ؟ قُلْتُ: مَا قَالَتْ عَائِشَةُ: لَمْ يَكُنْ، بَلْ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ شَهِدَ مَا لَمْ تَشْهَدْهُ عَائِشَةُ، وَأَثْبَتَ مَا لَيْسَ فِي خَبَرِهَا، وَالْمُثْبِتُ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنَ النَّافِي، أَوْ كَانَ التَّبَسُّمُ عَلَى سَبِيلِ الأَغْلَبِ وَظُهُورُ النَّوَاجِذِ عَلَى سَبِيلِ النُّدْرَةِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالنَّوَاجِذِ مُطْلَقُ الأَسْنَانِ، أَيْ: لَا أَوَاخِرُهَا. قَالَ مِيرَكُ: جَوَابُهُ الأَوَّلُ غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لأَنَّ ظُهُورَ النَّوَاجِذِ ثبتَ في حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا كَمَا سَبَقَ، وَالْحَدِيثِ الأَوَّلِ مِنَ (الْفَصْلِ الثَّالِثِ) فِي (بَابِ صَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ)، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١١٤).","vol":"3","page":623},{"text":"فَإِذَا مَطَرَتْ سُرِّيَ عَنْهُ، فَعَرَفَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ، فَسَأَلَتْهُ فَقَالَ: \"لَعَلَّهُ يَا عَائِشَةُ كَمَا قَالَ قَوْمُ عَادٍ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ \" [الأحقاف: ٢٤]. وَفِي رِوَايَةٍ: وَيَقُولُ إِذَا رَأَى الْمَطَرَ: \"رَحْمَةً\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٠٦، م: ٨٩٩].\n١٥١٤ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآيَة [لقمان: ٣٤] \". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٧٧٨].\nــ\nخيال كالمظنة.\nوقوله: (سري عنه) بلفظ المجهول مخففًا، والتشديد للمبالغة، وهي الرواية، أي: كشف عنه الخوف وأذهب.\nوقوله: (قوم عاد) الإضافة بيانية.\nوقوله: (﴿هَذَا عَارِضٌ﴾) أي: سحاب عرض (﴿مُمْطِرُنَا﴾)، وآخر الآية ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٤ - ٢٥] الآية.\nوقوله: (رحمة) بالنصب، أي: اجعله رحمة، ويكون على هذا كلامًا مبتدأ غير داخل تحت (وإذا تخليت السماء. . . إلخ) يعني كان [من] عادته الشريفة أن يقول وقت نزول المطر: \"رحمة\"، وقد يروى بالرفع، أي: هذه رحمة فلا تخافوا، ويكون على هذا داخلًا تحت (وإذا تخيلت السماء) ومن تتمته مكان (فإذا أمطرت سري عنه)، وقوله: (وفي رواية) يناسب هذا الوجه، فافهم.\n١٥١٤ - [٤] (ابن عمر) قوله: (مفاتيح الغيب) قيل: هي جمع مفتح بفتح الميم، وهو المخزن، أي: خزائن الغيب خمس لا يعلمها إلا اللَّه، وروي (مفاتح)،","vol":"3","page":624},{"text":"١٥١٥ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيْسَتِ السَّنَةُ بِأَنْ لَا تُمْطَرُوا، وَلَكِنِ السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا وَتُمْطَرُوا وَلَا تُنْبِتُ الأَرْضُ شَيْئًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٠٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-487> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٥١٦ - [٦] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"الرِّيحُ مِنْ رَوح اللَّهِ تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَبِالْعَذَابِ،\nــ\nوهو جمع مفتاح، أي: العلوم التي يتوصّل بها إلى الغيب لا يعلمها إلا اللَّه، وقيل: مفاتيح ومفاتح كلاهما جمع مفتاح ومفتح، كذا نقل الطيبي (١).\n١٥١٥ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (ليست السنة) السنة العام، وغلبت على السنة التي فيها القحط والشدة، يعني لا تظنوا أن الرزق والبركة من المطر، بل هو من اللَّه تعالى، فرب مطر لا ينبت منه شيء.\nالفصل الثاني\n١٥١٦ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (الريح من روح اللَّه) أي: رحمته غالبًا، أو رحمة بالنسبة إلى قوم، وقد يكون عذابًا بالنسبة إلى آخرين، وقيل: في الكلام حذف، أي: الريح من روح اللَّه وعذابه، كذا في بعض الشروح (٢).\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢٨٢).\n(٢) قَالَ الْمُظْهِرُ: فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ تَكُونُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ -أَيْ: رَحْمَتِهِ- مَعَ أَنَّهَا تَجِيءُ بِالْعَذَابِ؟ ! فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: الأَوَّلُ: أَنَّهُ عَذَابٌ لِقَوْمٍ ظَالِمِينَ، رَحْمَةٌ لِقَوْمٍ مُؤْمِنِينَ. قَالَ الطِّيبَيُّ -﵀-: وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥] (الْكَشَّافُ): فِيهِ إِيذَانٌ بِوُجُوبِ الْحَمْدِ عِنْدَ إِهْلَاكَ الظَّلَمَةِ، وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ النِّعَمِ وأَجْزَلِ القِسَمِ. الثَّانِي: بِأَنَّ الرُّوحَ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ، أَي: الرَّائِحُ، فَالْمَعْنَى أَنَّ الرِّيحَ مِنْ رَوَائِحِ اللَّهِ تَعَالَى، =","vol":"3","page":625},{"text":"فَلَا تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا اللَّه مِنْ خَيْرِهَا، وَعُوذُوا بِهِ مِنْ شَرِّهَا\". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ\". [مسند الشافعي: ١/ ٨١، د: ٥٠٩٧، جه: ٣٧٢٧، الدعوات الكبير: ٣٦٧].\n١٥١٧ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا لَعَنَ الرِّيحَ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- فقَالَ: \"لَا تَلْعَنُوا الرِّيحَ فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ، وَإِنَّهُ مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٩٧٨].\n١٥١٨ - [٨] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مَا تَكْرَهُونَ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا وَخَيْرِ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ هَذِهِ الرِّيحِ وَشَرِّ مَا فِيهَا وَشَرِّ مَا أُمِرَتْ بِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٢٥٢].\nــ\n١٥١٧ - [٧] (ابن عباس) قوله: (لا تلعنوا الريح (١) فإنها مأمورة) وهذا قريب من معنى قوله: (لا تسبوا الدهر فأنا الدهر).\n١٥١٨ - [٨] (أبي بن كعب) قوله: (فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا) الحديث،\n_________\n= أَيْ: مِنَ الأَشْيَاءِ الَّتِي تَجِيءُ مَنْ حَضَرَتْهُ بِأَمْرِهُ، فَتَارَةً تَجِيءُ بِالرَّحْمَةِ وَأُخْرَى بِالْعَذَابِ، فَلَا يَجُوزُ سَبُّهَا، بَلْ تَجِبُ التَّوْبَةُ عِنْدَ التَّضَرُّرِ بِهَا، وَهُوَ تَأْدِيبٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَتأْدِيبُهُ رَحْمَةٌ لِلْعِبَادِ. قِيلَ: الرِّيَاحُ ثَمَانٍ: أَرْبَعٌ لِلرَّحْمَةِ: النَّاشِرَاتُ، وَالذَّارِيَاتُ، وَالْمُرْسَلَاتُ، وَالْمُبَشِّرَاتُ، وَأَرْبَعٌ لِلْعَذَابِ: الْعَاصِفُ، وَالْقَاصِفُ، وَهُمَا فِي الْبَحْرِ. وَالصَّرْصَرُ، وَالْعَقِيمُ، وَهُمَا فِي الْبَرِّ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١١٦).\n(١) وَقَالَ الْغَزَالِيُّ: الصِّفَاتُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلَّعْنِ ثَلَاثٌ: الْكُفْرُ، وَالْبِدْعَةُ، وَالْفِسْقُ، وَلَيسَتِ الرِّيحُ مُتَّصِفَةً بِوَاحِدَةٍ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١١٧).","vol":"3","page":626},{"text":"١٥١٩ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا هَبَّتْ رِيحٌ قَطُّ إِلَّا جَثَا النَّبِيُّ -ﷺ- على رُكْبَتَيْهِ وَقَالَ: \"اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلَا تَجْعَلْهَا عَذَابًا، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِيَاحًا وَلَا تَجْعَلْهَا رِيحًا\". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩]، و﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]، ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]،\nــ\nوهذا كما قال: (لا تطيروا، فإذا وقع في القلب شيء، فقولوا: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك)، الحديث.\n١٥١٩ - [٩] (ابن عباس) قوله: (إلا جثا) جثى جثوًّا وجثيًّا: جلس على ركبتيه، أو قام على أطراف أصابعه، كذا في (القاموس) (١)، فقوله: (على ركبتيه) على الأول تأكيدٌ، نحو كتب بيده، وعلى الثاني هو قرينة على إرادة أحد معنيي المشترك، وجثوه -ﷺ- إما لخوفه وهيبته أو لجلوسه على هيئة الدعاء، والأول يناسب المعنى الثاني، والثاني الأول.\nوقوله: (اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا) قد شاع استعمال الرياح في الرحمة، والريح في العذاب، ويأتي بيانه.\nوقوله: (لواقح) جمع لاقحة بمعنى حاملة، شبه الريح التي جاءت بخير من إنشاء سحاب ماطر بالحامل، كما شبه ما لا يكون كذلك بالعقيم، واللواقح بمعنى الملقحات للشجر والسحاب، ونظيره الطوائح بمعنى المطيحات في قوله: ومختبط مما تطيح الطوائح، كذا قال البيضاوي (٢)، وإطلاق اللواقح على الملقحات إما على الإسناد\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٦٧).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٥٢٨).","vol":"3","page":627},{"text":"و﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦]. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"الدَّعْوَاتِ الْكَبِيرِ\". [مسند الشافعي: ١/ ٨١، الدعوات الكبير: ٣٦٩].\nــ\nالمجازي بأن توصف الرياح بصفة ما هي أسباب له، أو المجازي اللغوي باعتبار السببية؛ لأن لقح الرياح سبب لإلقاحها، أو باعتبار ما كان، فإن الملقح كان أولًا لاقحًا، أو من باب النسبة؛ كلابن وتامر، أو على حذف الزوائد، نحو أثقل فهو ثاقل، كذا قيل.\nوقوله: (﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾) أولى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ﴾، وإذا عرفت هذا فاعلم أنه قد اشتهر أن الريح بلفظ الواحد يستعمل في العذاب، والرياح بلفظ الجمع في الرحمة كما وقع في كتاب اللَّه تعالى من الآيات المذكورة، وحمل الدعاء الذي ورد في هذا الحديث الذي جاء عن ابن عباس -﵄- من قوله -ﷺ-: (اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا) على ذلك، ووجَّهه الخطابي بأن الرياح إذا كثرت جلبت السحاب وكثرت الأمطار، فتركت الزروع والأشجار، وإذا لم تكثر وكانت ريحًا واحدة فإنها تكون عقيمة، والعرب تقول: لا تَلْقَحُ السحابُ إلا من رياح، وأنكر ذلك أبو جعفر الطحاوي مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾، وبما جاء في بعض الأحاديث من استعمال المفرد في الخير والشر معا، كحديث أبي هريرة -﵁-: (الريح من روح اللَّه تأتي بالرحمة وبالعذاب) الحديث، وحديث أبي بن كعب: (اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها)، وكحديث عائشة -﵂-: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا عصفت الريح قال: (اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به)، وكحديث ابن عباس: (نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور)، ثم حكم بضعف هذا الحديث الذي جاء من ابن عباس، وقال: لا أصل له في السنن الثابتة، ثم قال أبو جعفر: ففي هذه الآية والأحاديث بيان واضح أن الريح قد تأتي بالرحمة، ومثل هذه الأحاديث مع صحتها","vol":"3","page":628},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلا تعطل بهذا الحديث مع ضعفه ومخالفته للأحاديث الصحاح.\nقال التُّورِبِشْتِي (١): والذي قاله أبو جعفر وإن كان قولًا مبنيًّا على قاعدة العلم مبذولًا في نصرة الحق، ولكنا نرى أن لا نتسارع إلى رد هذا الحديث وقد تيسر علينا تأويله وتخريج المعنى على وجه لا يخالف النصوص التي أوردها، وهو أن نقول: التضادُّ الذي جدَّ أبو جعفر في الهرب منه إنما نشأ من التأويل الذي نقل عن ابن عباس -﵄-، فأما الحديث نفسه فإنه محتمل لتأويل يمكن معه التوفيق بينه وبين النصوص التي عارضه بها أبو جعفر، وذلك أن نذهب في قوله -ﷺ-: (اللهم اجعلها رياحًا ولا تجعلها ريحًا) إلى أنه سأل النجاة من التدمير بتلك الريح، فإنها إن تكن مهلكة لم تعقبها أخرى، وإن كانت غير ذلك فإنها توجد كرة بعد كرة، وتستنشق مرة بعد مرة، فكأنه قال: أفسح لنا في المهلة وانسأ لنا في الأجل حتى تهب علينا رباح كثيرة بعد هذه الريح، انتهى.\nولا يذهب عليك أن كلام الطحاوي إنما هو على القول بأن الريح تنحصر في الشر والعذاب على ما يدل عليه تأويل ابن عباس -﵄-، فإنه يعارض على هذا التقدير الآية والأحاديث المذكورة، ويلزم منه الرد على ابن عباس -﵄-، ولهذا حكم بضعف إسناد هذا الحديث مع ما اشتمل عليه من تأويل ابن عباس، وقال: لم يصح هذا الحديث من رسول اللَّه -ﷺ-، ولا هذا التوجيه من ابن عباس -﵄-، ففي الحقيقة كلامه في التأويل ورده بضعف الحديث، وإن كان له تأويل آخر؛ فلا كلام، فافهم.\nوقال الطيبي (٢): إن الريح والرياح إذا كانا مطلقتين كان إطلاق الريح غالبًا في\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ٣٦٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢٨٥).","vol":"3","page":629},{"text":"١٥٢٠ - [١٠] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا أَبْصَرَ ناشِئًا مِنَ السَّمَاءِ -تَعْنِي السَّحَابَ- تَرَكَ عَمَلَهُ وَاسْتَقْبَلَهُ وَقَالَ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ\" فَإِنْ كَشَفَهُ حَمِدَ اللَّه، وَإِن مَطَرَتْ قَالَ: \"اللَّهُمَّ سَقْيًا نافِعًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّفْظ لَهُ. [د: ٥٠٩٩، ن في الكبرى: ١٨٤٢، جه: ٣٨٨٩، مسند الشافعي: ١/ ٨١].\n١٥٢١ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا سَمِعَ صَوْتَ الرَّعْدِ. . . . .\nــ\nالعذاب، والرياح في الرحمة، فعلى هذا لا ترد تلك الآية على قوله ابن عباس؛ لأنها مقيدة بالوصف، انتهى. وهذا التوجيه أقرب وأسلم من لزوم الرد على ابن عباس -﵄- من غير احتياج إلى الحكم بضعف الحديث، واللَّه أعلم.\n١٥٢٠ - [١٠] (عائشة) قوله: (تعني السحاب) تفسير السحاب بالناشئ لأنه ينشأ من الجو ويخرج منه كما يسمى عارضًا.\nوقوله: (حمد اللَّه) أي: على النجاة مما كان يخاف من العذاب، (وإن مطرت) شكر ودعا بقوله: (اللهم سقيًا نافعًا) خوفًا من لزوم الضرر الذي فيه أيضًا نوع العذاب، و(السقيا) بالضم اسم، وبالفتح مصدر.\n١٥٢١ - [١١] (ابن عمر) قوله: (صوت الرعد) في (القاموس) (١): الرعد: صوت السحاب، أواسم ملك يسوقه كما يسوق الحادي الإبل، انتهى. فإن كان اسمًا للصوت؛ فالإضافة بيانية من إضافة العام إلى الخاص (٢).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٧٠).\n(٢) قال القاري: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الرَّعْدَ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ، وَقَدْ نَقَلَ الشَّافِعِيُّ عَنِ الثِّقَةِ، عَنْ =","vol":"3","page":630},{"text":"وَالصَّوَاعِقَ قَالَ: \"اللَّهُمَّ لَا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ، وَلَا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ، وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [حم: ٢/ ١٠٠، ١٠١، ت: ٣٤٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-488> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٥٢٢ - [١٢] عَنْ [عَامِرِ بْنِ] (١) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَمِعَ الرَّعْدَ تَرَكَ الْحَدِيثَ وَقَالَ: سُبْحَانَ الَّذِي يُسَبِّحُ الرَّعْدُ. . . . .\nــ\nوقوله: (والصواعق) جمع صاعقة، وهي الصوت الشديد المسموع من الرعد معها نار (٢)، فيصح عطفها على ما قبلها، ومن فسرها بنار تسقط من السماء قدر لها فعلًا مناسبًا لها، نحو رأى وشاهد.\nالفصل الثالث\n١٥٢٢ - [١٢] ([عامر بن] عبد اللَّه بن الزبير) قوله: (سبحان الذي يسبح الرعد\n_________\n= مُجَاهِدٍ: أَنَّ الرَّعْدَ مَلَكٌ وَالْبَرْقَ أَجْنِحَتُهُ يَسُوقُ السَّحَابَ بِهَا، ثُمَّ قَالَ: وَمَا أَشْبَهَ مَا قَالَهُ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَعَلَيْهِ فَيَكُونُ الْمَسْمُوعُ صَوْتَهُ أَوْ صَوْتَ سَوْقِهِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِيهِ، وَنَقَلَ الْبَغَوِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ: أَنَّ الرَّعْدَ مَلَكٌ يَسُوقُ السَّحَابَ، وَالْمَسْمُوعَ تَسْبِيحُهُ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الرَّعْدَ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ، وَأَنَّهُ يُحْرِزُ الْمَاءَ فِي نُقْرَةِ إِبْهَامِهِ، وَأَنَّهُ يُسَبِّحُ اللَّهَ، فَلَا يَبْقَى مَلَكٌ فِي السَّمَاءِ إِلَّا سَبَّحَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَنْزِلُ الْمَطَرُ، وَرُوِيَ: أَنَّهُ -ﷺ- قَالَ: \"بَعَثَ اللَّهُ السَّحَابَ فَنَطَقَتْ أَحْسَنَ النُّطْقِ، وَضَحِكَتْ أَحْسَنَ الضَّحِكَ، فَالرَّعْدُ نُطْقُهَا، وَالْبَرْقُ ضَحِكُهَا\". وَقِيلَ: البَرْقُ لَمَعَانُ سَوْطِ الرَّعْدِ يُزْجَرُ بِهِ السَّحَابُ، وَأَمَّا قَوْلُ الْفَلَاسِفَةِ: إِنَّ الرَّعْدَ صَوْتُ اصْطِكَاكِ أَجْرَامِ السَّحَابِ، وَالْبَرْقَ مَا يُقْدَحُ مِنَ اصْطِكَاكِهَا، فَهُوَ مِنْ حَزْرِهِمْ وَتَخْمِينِهِمْ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١١٩).\n(١) انظر: \"أوجز المسالك\" (١٧/ ٥٣٩).\n(٢) قَالَ الطِّيبِيُّ (٤/ ١٣٢٩): هِيَ قَعْقَعَةُ رَعْدٍ يَنْقَضُّ مَعَهَا قِطْعَةٌ مِنْ نَارِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١١٩).","vol":"3","page":631},{"text":"بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيْفَتِهِ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٣٦٤١].\nــ\nبحمده) إن كان الرعد بمعنى الصوت فإسناد مجازي؛ لأنه سبب التسبيح، وإن كان اسمًا للملك؛ فحقيقي.\nوقوله: (والملائكة من خيفته) (١) أي: من خوفه، والضمير للَّه تعالى، وقيل: للرعد.\nتمّ بحمد اللَّه وتوفيقه المجلد الثالث ويتلوه إن شاء اللَّه تعالى المجلد الرابع وأوله: \"كتاب الجنائز\" وصلى اللَّه تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وبارك وسلم تسليمًا كثيرًا.\n* * *\n_________\n(١) قال القاري: وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عَبَّاس: كُنَّا مَعَ عُمَرَ فِي سَفَرٍ فَأَصَابَنَا رَعْدٌ وَبَرْقٌ، فَقَالَ لَنَا كَعْبٌ: مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الرَّعْدَ: سُبْحَانَ مَنْ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ثَلَاثًا؛ عُوفِيَ مِنْ ذَلِكَ، فَقُلْنَا فَعُوفِينَا. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١١٩).","vol":"3","page":632},{"text":"لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح\nللخطيب التبريزي (ت: ٧٤١ هـ)\nتأليف العلامة المحدث عبد الحق الدهلوي\nعبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدهلوي الحنفي\nالمولود بدهلي في الهند سنة (٩٥٨ هـ) والمتوفى بها سنة (١٠٥٢ هـ) رحمه اللَّه تعالى\nتحقيق وتعليق الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي\nطبع على نفقة سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان\nممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة\nالمجلد الرابع\nدار النوادر","vol":"4","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"4","page":2},{"text":"لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح (٤)","vol":"4","page":3},{"text":"دار النوادر\nالمؤسس والمالك نور الدين طالب\nمؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي والإسلامي والدراسات الأكاديمية والجامعية المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية تأسست في دمشق سنة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م، وأُشهرت سنة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م.\nسوريا - دمشق - الحلبوني:\nص. ب: ٣٤٣٠٦\nجميع الحقوق محفوظة للمحقق\nيمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بكافة طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي أو المسموع أو استخدامه حاسوبيًا بكافة أنواع الاستخدام وغير ذلك من الحقوق الفكرية والمادية إلا بإذن خطي من المؤسسة.\nالطبعة الأولى\n١٤٢٥ هـ - ٢٠١٤ م\nE-mail: info@daralnawader.com\nWebsite: www.daralnawader.com\nشركات شقيقة\nدار النوادر اللبنانية - لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)\nدار النوادر الكويتية - الكويت - ص. ب: ١٠٠٨ - هاتف: ٢٢٤٥٣٢٣٢ - فاكس: ٢٢٤٥٣٣٢٣ (٠٠٩٦٥)\nدار النوادر التونسية - تونس - ص. ب: ١٠٦ (أريانة) - هاتف: ٧٠٧٢٥٥٤٦ - فاكس: ٧٠٧٢٥٥٤٧ (٠٠٢١٦)\nمركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية\nمظفرفور - أعظم جراه - يوبي - الهند\nالهاتف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤ - ٠٠٩١\nالفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦ - ٠٠٩١\nمتحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥ - ٠٠٩١\nالبريد الإلكتروني: drnadwi@gmail.com","vol":"4","page":4},{"text":"(٥) كتاب الجنائز","vol":"4","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-489>(٥) كتاب الجنائز</span>\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n٥ - كتاب الجنائز (١)\nجمع جنازة، من جَنَزَه يَجْنِزُهُ: ستره وجمعه، والجِنازة بالكسر ويفتح: الميت، ويقال بالكسر: الميت، وبالفتح: السرير، أو عكسه، أو بالكسر: السرير مع الميت، كذا في (القاموس) (٢)، وفي \"النهاية\" (٣) هي بالفتح والكسر: الميت بسريره، وقيل بالكسر: السرير، وبالفتح: الميت، وقال الكرماني: وقيل بالعكس، أو بالكسر: النعش وعليه الميت (٤).\n_________\n(١) في \"الأوجز\" (٤/ ٣٨٨): وأكثر المحدثين والفقهاء يذكرون الجنائز بعد الصلاة؛ لأن الذي يفعل بالميت من غسل وتكفين وغير ذلك أهمه الصلاة عليه، ولأن الصلاة أهم العبادات، ولذا تقدم في المؤلفات، ولما فرغوا من أحكامها المتعلقة بالأحياء ذكروا ما يتعلق بالأموات، وفي \"الأنوار الساطعة\": شرعت صلاة الجنازة بالمدينة المنورة في السنة الأولى من الهجرة، فمن مات بمكة المشرفة لم يُصَلَّ عليه، انتهى.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٦٩).\n(٣) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (١/ ٣٠٦).\n(٤) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ١٠٩)، و\"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ٤٨٩)، و\"أوجز المسالك\" (٤/ ٣٨٧)، و\"بذل المجهود\" (١٠/ ٣٤٠).","vol":"4","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-490>١ - باب عيادة المريض وثواب المرض</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-491> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٥٢٣ - [١] عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَطْعِمُوا الْجَائِعَ، وَعُودُوا الْمَرِيضَ، وَفُكُّوا الْعَاِنيَ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٦٤٩].\n١٥٢٤ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِم خَمْسٌ: . . . . . .\nــ\n١ - باب عيادة المريض وثواب المرض\nالعيادة والعياد بالكسر: زيارة المريض، وكذا العُوادة بالضم، وهو عائد وجمعه العُوّاد والعوادة (١) والعُوَّد، والمريض مَعُودٌ ومَعْوُودٌ، كذا في (القاموس) (٢)، وكان أصلها العود بمعنى الرجوع؛ لأنه يعود إلى المريض تارة بعد أخرى، ويجيء العود أيضًا بمعنى العيادة.\nالْفَصْلُ الأَوَّلُ\n١٥٢٣ - [١] (أبو موسى) قوله: (أطعموا الجائع) وهو سنة إن لم يصل حد الاضطرار، وفرض إن وصل، على الكفاية إن لم يتعين أحد، وعينًا إن تعين.\nوقوله: (وعودوا المريض) هي سنة إذا كان له متعهد، وواجب إن لم يكن.\nوقوله: (وفُكُّوا العاني) أي: الأسير، عني الأمر: إذا شق، وفَكَّ الأسير: أخلصه، والمراد من أُسِر بغير حق أو حكم الأمير بالفداء عنه.\n١٥٢٤ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (حق المسلم على المسلم خمس) يدل على\n_________\n(١) \"العوادة\" مقحم وليس في \"القاموس\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٨٨).","vol":"4","page":8},{"text":"رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ، وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٤٠، م: ٢١٦٢].\nــ\nأن العيادة وأخواته من حقوق الإِسلام غير مخصوص بالصحبة، ويفهم من بعض الكتب أنها من حقوق الصحبة، ولهذا أورد في (جامع الأصول) (١) باب العيادة في حقوق الصحبة، وذكرها الإِمام حجة الإِسلام في حقوق الإِسلام، والأول مسامحة بجعل الإِسلام في حكم الصحبة؛ فإن المسلمين كلهم كانوا في عهد رسول اللَّه -ﷺ- أصحابه بالمعنى الأعم.\nوقوله: (رد السلام) والسلام أيضًا منها كما ذكر في الأحاديث الآتية، وخص رده ههنا بالذكر اهتمامًا لكونه فرضًا على الكفاية.\nوقوله: (واتباع الجنائز) المراد به ما يشتمل صلاتها، فإنها فرض كفاية، وذكر اتباعها اهتمامًا وإشارةً إلى أنه ينبغي أن يتوقف بعد الصلاة ويتبعها، والتوقف إلى الدفن أفضل كما سيجيء.\nوقوله: (وإجابة الدعوة) إذا لم يكن هناك بدعة من الملاهي والمناهي، قال الإمام الغزالي (٢): ومن جملتها طعام المباهاة والمفاخرة، فإن السلف كانوا يكرهونها.\nوقوله: (وتشميت العاطس) بالشين والسين، جواب العاطس بـ: يرحمك اللَّه، والأول أفصح وأبلغ، فبالمعجمة مشتق مما اشتق منه الشوامت بمعنى قوائم الدابة، فكأنه دعاء بثبات القدم على الخير، أو من الشماتة بمعنى الفرح ببلية العدو، وباب التفعيل للإبعاد والإزالة، وبالمهملة من السمت دعاء بحسن السمت والهدى، والتشميت\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (٧/ ٣٣٨، ح: ٤٧٣١).\n(٢) \"إحياء علوم الدين\" (٢/ ٢٣).","vol":"4","page":9},{"text":"١٥٢٥ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ\". قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّم عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّه فشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٦٢].\n١٥٢٦ - [٤] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ -ﷺ- بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ، أَمَرَنَا: بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَرَدِّ السَّلَامِ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي، وَإِبْرَارِ الْمُقْسِمِ،\nــ\nمستحب، وقيل: سنة عين على الواحد، وسنة كفاية على الجمع، وسيجيء الكلام فيه في (باب العطاس والتثاؤب) من (كتاب الآداب).\n١٥٢٥ - [٣] (وعنه) قوله: (إذا لقيته فسلم عليه. . . إلخ)، حاصله سلامك عليه في وقت ملاقاتك له، وإجابتك إياه حين دعائه إياك، وكذا في البواقي، فيطابق السؤال بقوله: و(ما هن).\nوقوله: (وإذا استنصحك فانصح له) النصيحة: إرادة الخير للمسلمين، وهي سنة، وعند الاستنصاح واجبة، والنصح في اللغة بمعنى الخلوص.\n١٥٢٦ - [٤] (البراء بن عازب) قوله: (وإبرار المقسم) اسم فاعل من أقسم، أي: جعل الحالف بارًا في حلفه، سواء حلف على فعلك فتفعل ليصير بارًا، أو بفعل من أفعال نفسه فتسعى في تيسيره وتحصيله له، وعلى الوجهين يحمل قوله: (لو أقسم على اللَّه لأبره)، وروي (إبرار القسم) بفتحتين، وذلك يحتمل المعنيين المذكورين مع احتمال أن يكون المراد إبرار القسم حلفه على نفسه بأن يبر قسمه، لكن لا يكون هذا من حقوق المسلم، والحديث لا ينحصر في بيانها بدليل ما ذكر في بيان ما نهى.","vol":"4","page":10},{"text":"وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ، وَنَهَانَا عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ، وَعَنِ الْحَرِيرِ، والإِسْتَبْرَقِ، وَالدِّيبَاجِ، وَالْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ، وَالْقَسِّيِّ، وَآنِيَةِ الْفِضَّةِ -وَفِي رِوَايَةٍ: وَعَنِ الشُّرْبِ فِي الْفِضَّةِ- فَإِنَّهُ مَنْ شَرِبَ فِيهَا فِي الدُّنْيَا لم يشرب فِيهَا فِي الآخِرَة. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٣٩، م: ٢٠٦٦].\nــ\nهذا، وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المعنى من استحلف غَيْرَه بأن يقول: عليك باللَّه أن تفعل، فيستحب هنا أيضًا أن يفعل تعظيمًا لاسم اللَّه، وفي الصورتين السابقتين يستحب لإنقاذه عن المعصية، فتدبر.\nوقوله: (ونصر المظلوم) مسلمًا كان أو ذميًّا أو مستأمنًا.\nوقوله: (ونهانا عن خاتم الذهب) إلى آخرها، منهية للرجال، وأما آنية الفضة فمحرمة للرجال والنساء جميعًا.\nوقوله: (والإستبرق) الديباج الغليظ، أو ديباجٌ يعمل بالذهب، أو ثيابُ حريرٍ صفاقٌ نحو الديباج، وقال: والديباج معروف معرب.\nوقوله: (والميثرة) بكسر الميم وسكون التحتانية وفتح المثلثة: ما يُتّخَذ من حرير أو ديباج، ويُجْعل كالفراش الصغير، ويُحْشى بقطن أو صوف، ويجعله الراكب تحته على الرحال والسروج، ويفهم من تقييده بالحمراء أنها إن لم تكن حمراء لم تحرم، إلا أن يكون بقصد رعونة وتكبر.\nوقوله: (والقسِّيِّ) بفتح القاف وتشديد السين: ثوب منسوب إلى (قس)، اسم قرية من مصر، تنسب إليه الثياب من كتان مخلوط بحرير، وسيجيء ذكر هذه الثياب وأحكامها في (كتاب اللباس) إن شاء اللَّه تعالى.\nوقوله: (لم يشرب فيها في الآخرة) كناية عن نقصان حظه عن نعيم الجنة ولَذَّاتها، ولعله يُحْرم عن هذه الأواني دائمًا أو زمانًا طويلًا معاقبةً على هذه الخطيئة، ولا حاجة","vol":"4","page":11},{"text":"١٥٢٧ - [٥] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٦٨].\n١٥٢٨ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّه تَعَالى يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ! مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ . . . . .\nــ\nإلى قيد استحلالها حتى يصير كافرًا ويُحرم عن دخول الجنة، وجعله كناية عن كونه جهنميًّا من جهة أن دأب أهل الجنة الشرب من أواني الفضة، فمن لم يكن هذا دأبه لم يكن من أهل الجنة، كما ذكره الطيبي (١)، فافهم.\n١٥٢٧ - [٥] (ثوبان) قوله: (لم يزل في خرفة الجنة) الخرفة بضم الخاء وسكون الراء: ما يُخْترف ويُجتَنى من ثمار النخل، والمخرفة والمخرف بفتح ميم وكسر راء وبفتحها: البستان، وسكة بين صَفَّيْنِ من نخيل يخرف من أيهما شاء، يقال: خرف الثمار: جناه، والمراد أن العائد فيما يحوز من الثواب كأنه على نخيل الجنة يخرف ثمارها، أو يكون جزاؤه في الجنة ذلك، والمعنى الأول أظهر من العبارة، وقيل: المخرفة الطريق، أي: أنه على طريق تؤديه إلى الجنة.\n١٥٢٨ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (كيف أعودك) (٢) أي: كيف تمرض حتى أعودك.\nوقوله: (وأنت رب العالمين) والرب: المالك والسيد والمدبر والمربي والمنعم،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٢٩٠).\n(٢) قال النووي (٨/ ٣٦٩): قال العلماء: إنما أضاف المرض إليه ﷾، والمراد العبد تشريفًا للعبد وتقريبًا له. وقال القاري (٤/ ١٠): والحاصل أن من عاد مريضًا للَّه تعالى فكأنه زار اللَّه، انتهى.","vol":"4","page":12},{"text":"قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ؟ يَا ابْنَ آدَمَ! اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ! كَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟ يَا ابْنَ آدَمَ! اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَم تَسْقِهِ؟ أَما إِنَّك لَوْ سَقَيتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي؟ \". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٦٩].\n١٥٢٩ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- دَخَلَ عَلَى أَعْرَابِيٍّ يَعُودُهُ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ قَالَ: \"لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ\". فَقَالَ لَهُ: \"لَا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ\". قَالَ: كَلَّا بَلْ حُمَّى تَفُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ تُزِيرُهُ الْقُبُورَ. فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"فَنَعَمْ إِذَنْ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٦١٦].\nــ\nوهذه الأوصاف تنافي المرض والنقصان والاحتياج والهلاك.\nوقوله: (لوجدتني عنده) أي: وجدت رحمتي ورضائي.\nوقوله: (لوجدت ذلك) أي: ثوابه وجزاءه، وفي العبارة الأولى من المبالغة في بيان أفضلية العيادة من الإطعام والسقي ما لا يخفى، فتأمل.\n١٥٢٩ - [٧] (ابن عباس) قوله: (لا بأس، طهور) أي: لا تحزن ولا تبال بما تجد من الوجع وشدة المرض؛ فإنه مطهِّر للذنوب ومزيل لها، بل منقٍ ومصلح للبدن أيضًا من رديء الأخلاط وكثيف الأجزاء، فقال غضبًا عليه إذ أرشده على الصبر والشكر فأبى، ولم يسلك طريقة الأدب، وتجاوز عن الحد، ويحتمل كفره، والظاهر عدمه لكونه من جفاة الأعراب وأجلافهم، فلم يثبت من شدة الوجع، ومع ذلك تكلَّفَ في","vol":"4","page":13},{"text":"١٥٣٠ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ ثُمَّ قَالَ: \"أَذْهِبِ الْبَاسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٧٥].\n١٥٣١ - [٩] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ إِذَا اشْتَكَى الإِنْسَانُ الشَّيْءَ مِنْهُ أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِأُصْبُعِهِ: \"بِسْمِ اللَّهِ. . . . .\nــ\nالسجع في غير مقامه، فغضب النبي -ﷺ- وألزمه بما تطير على نفسه وألزمه.\n١٥٣٠ - [٨] (عائشة) قوله: (إذا اشتكى منا إنسان) (١) الشكو والشكوى والشكاة والشكاية: المرض، والشكي كغني: المشكُوُّ وَالمُوْجَعُ، ومن يَمْرَضُ أقل مرضٍ وأَهْوَنَه، كالشاكي، ويقال: اشتكى، أي: توجع، أي شكى مرضه، فمآله إلى معنى الشكاية بالمعنى المشهور الذي هو بالفارسية كله كردن.\nوقوله: (لا يغادر) أي: لا يترك (سقمًا) على وزن حَبل وقُفل.\n١٥٣١ - [٩] (وعنها) قوله: (أو كانت به قرحة) القرح بالفتح والضم: ما يخرج من البدن، أو بالفتح الآثار، وبالضم الألم، و(الجرح) بالضم: اسم من الجراحة.\nوقوله: (بإصبعه) متعلق بـ (قال)، أي: حال كونه مارًّا إصبعه على محل الوجع، وفي رواية لمسلم: (بإصبعه السبابة)، وفي أخرى: (المسبحة). و(بسم اللَّه. . . إلخ) مقول (قال).\n_________\n(١) وقال الحافظ (١٠/ ١٣٢): وقد استشكل الدعاء للمريض بالشفاء مع ما في المرض من كفارة الذنوب والثواب كما تضافرت الأحاديث بذلك، والجواب أن الدعاء عبادة ولا ينافي الثواب والكفارة، لأنهما يحصلان بأول مرض وبالصبر عليه، والداعي بين حسنتين إما أن يحصل له مقصوده أو يعوض عنه بجلب نفع أو دفع ضر، وكل من فضل اللَّه تعالى.","vol":"4","page":14},{"text":"تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا لِيُشْفَى سَقِيمُنَا بِإِذِن رَبِّنَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٤٣، م: ٢١٩٤].\nــ\nوقوله: (تربة أرضنا) أي: هذه تربة معجونة وممزوجة.\nوقوله: (بريقة بعضنا) حال أو خبر ثان.\nوقوله: (ليشفى سقيمنا) علة لما يفهم من الكلام، والتقدير: قلنا هذا القول أو فعلنا هذا الفعل ليشفى، وفي رواية بدون اللام.\nقال النووي (١): كان رسول اللَّه -ﷺ- يأخذ من ريق نفسه على أصبعه المسبحة ثم يضعها على التراب فيتعلق (٢) منه بشيء، ثم يمسح به على الموضع العليل القريح (٣) قائلًا الكلام المذكور حال المسح، وللرقى آثار عجيبة لا تظهر أسرارها، انتهى.\nولو قيل باختصاصه به -ﷺ- كان وجهًا، وهذا مما لا يدركه العقل، ولأفعاله -ﷺ- أسرار غامضة علمها موكول إلى علمه، والمقيدون في مضيق الطبيعة والتفلسف يطلبون حقائقها ولا يدركونها كما هي، منها ما قال القاضي البيضاوي ﵀ (٤): إنه قد شهدت المباحث الطبية على أن الريق له مدخل في النضج وتبديل المزاج، ولتراب الوطن تأثير في حفظ المزاج الأصلي، حتى قيل: إنه ينبغي للمسافر أن يستصحب تراب أرضه، ويجعل شيئًا منه في سقائه، ويشرب الماء منها ليأمن تغير مزاجه.\nوقال التُّورِبِشْتِي (٥) في تأويله: الذي يسبق إلى الفهم أن (تربة أرضنا) إشارة إلى\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٧/ ٤٣٨).\n(٢) كذا في المخطوطة، وفي أكثر الشروح: فَيَعْلَقُ بِهَا مِنْه شَيْءٌ.\n(٣) كذا في المخطوطة، وفي أكثر الشروح: \"الجريح\" بدل \"القريح\"، وكلاهما صحيح معنى.\n(٤) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٠٨).\n(٥) \"الميسر\" (٢/ ٣٧١).","vol":"4","page":15},{"text":"١٥٣٢ - [١٠] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا اشْتَكَى نَفَثَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَمَسَحَ عَنْهُ بِيَدِهِ،\nــ\nفطرة آدم، و(ريقة بعضنا) إلى النطفة التي خلق منها الإنسان، فكأنه يتضرع بلسان الحال والقال، إنك اخترعت الأصل الأول من طين، ثم أبدعت بنيه من ماء مهين، فهين عليك أن تشفي من كان شأنه هذا، انتهى. وهذا كما ترى يختل ولا يتبادر من اللفظ، واللَّه أعلم بمراد نبيه من كلامه، وقال بعض الشارحين: المراد بالأرض أرض المدينة التي ثبت لها خاصية في شفاء المريض، وبالبعض ذاته الكريمة الشريفة على طريقة قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢]، قال صاحب (الكشاف): المراد به محمد -ﷺ- تفخيمًا وتعظيمًا، والأظهر ما قلنا في تتمة كلام النووي، واللَّه أعلم.\n١٥٣٢ - [١٠] (عائشة) قوله: (نفث على نفسه) النفث كالنفخ وأقل من التفل.\nوقوله: (بالمعوذات) بكسر الواو المشددة من التعويذ، وفي رواية: (بالمعوذتين) وهو ظاهر، والمراد بالمعوذات إما المعوذتين إطلاقًا بصيغة الجمع على الاثنين على مذهب أن أقل الجمع اثنان، أو مع (سورة الإخلاص) و(قل يا أيها الكافرون) تغليبًا لأن فيهما براءة من الشرك، أو المراد الآيات التي تتضمن معنى الاستعاذة والتفويض والتوكل شاملًا للمعوذتين وغيرهما، مثل ﴿أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧]، وقوله ﷿: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ [هود: ٥٦]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [القلم: ٥١] الآيات، أو المراد الكلمات المعوذة.\nوقوله: (ومسح عنه بيده) أي: مسح متجاوزًا عن ذلك النفث سائر أعضائه بيده، وصورته أن يجمع بيديه الكريمتين ويقابل بهما فيه، وينفث فيهما، ثم يمسح بهما جميع أعضائه التي تصلان إليها، فالضمير في (عنه) للنفث، ويجوز أن يكون للنبي -ﷺ-،","vol":"4","page":16},{"text":"فَلَمَّا اشْتَكَى وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ كُنْتُ أَنْفُثُ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ الَّتِي كَانَ يَنْفُثُ، وَأَمْسَحُ بِيَدِ النَّبِيِّ -ﷺ-. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٣٥، م: ٢١٩٢].\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَتْ: كَانَ إِذَا مَرِضَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ نَفَثَ عَلَيْهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ.\n١٥٣٣ - [١١] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ضَعْ يَدَكَ عَلَى الَّذِي يَأْلَمُ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ: بِسْم اللَّهِ ثَلَاثًا، وَقُلْ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِعِزّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ\". قَالَ: فَفَعَلْتُ فَأَذْهَبَ اللَّهُ مَا كَانَ بِي. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٠٢].\nــ\nأي: يزيل الأذى عن جسمه بإمرار يديه عليه.\nوقوله: (كنت أنفث عليه) بأن كانت تقرأ وتأخد يديه وتنفث فيهما وتمسح بهما بدنه، وفي رواية من (جامع الأصول) (١) أورده مجملًا: (فإذا مرض أمرني أن أفعل كذلك)، وفي رواية أخرى مبينة كما في رواية الكتاب.\n١٥٣٣ - [١١] (عثمان بن أبي العاص) قوله: (على الذي) أي: على الموضع الذي، أو على العضو الذي.\nوقوله: (من شر ما أجد) أي: من الألم في الحال.\nوقوله: (وأحاذر) أي: أخاف في الاستقبال، والحذر: الاحتراز عن المخوف، وصيغة المفاعلة للمبالغة.\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (٤/ ٢٥٩، ح: ٢٢٤٦)، و(٧/ ٥٦٢، ح: ٥٧١٢).","vol":"4","page":17},{"text":"١٥٣٤ - [١٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ جِبْرَئيلَ أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَشْتَكَيْتَ؟ فَقَالَ: \"نَعَمْ\". قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ، مِنْ شَرِّ كُلِّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ، اللَّهُ يَشْفِيكَ، بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٨٦].\n١٥٣٥ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسيْنَ: \"أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ،\nــ\n١٥٣٤ - [١٢] (أبو سعيد الخدري) قوله: (أشتكيت) بفتح الهمزة للاستفهام وحذف همزة الباب.\nوقوله: (أو عين حاسد) بالإضافة، وكلمة (أو) بمعنى الواو من باب التوكيد بلفظ مختلف، أو للشك من الراوي.\n١٥٣٥ - [١٣] (ابن عباس) قوله: (بكلمات اللَّه التامة) المراد معلومات اللَّه أو أسماؤه تعالى أو كتبه المنزلة، ووصفت بالتامة لكونها منزهة عن شائبة النقص، واستدل بها على كونها قديمة إذ لا يخلو الحادث عن نقصان، والشيطان: اسم لكل عات متمرد من الجن والإنس والدواب.\nوقوله: (والهامّة) كل ذات سم قتيل، والجمع هوام، وأما ما لا يَقْتُلُ فهي السامة كالعقرب والزنبور، وقد يقع على ما يَدِبّ من الحيوان وإن لم يَقْتُل كالحشرات والقمل، ومنه: (أتؤذيك هوام رأسك؟) أي: القمل، كذا في (النهاية) (١).\nوقال في (المشارق) (٢): الهامة بتشديد الميم كالزنبور وغيره، وقيل: الهوام\n_________\n(١) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (٥/ ٢٧٥).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٤٥٩).","vol":"4","page":18},{"text":"وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ\" وَيَقُولُ: \"إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي أَكْثَرِ نَسَخِ \"الْمَصَابِيحِ\": \"بِهِمَا\" عَلَى لَفْظِ التَّثْنِيَةِ. [خ: ٣٣٧١].\n١٥٣٦ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٥٤٥].\nــ\nدواب الأرض التي تهم بالإنسان، ومنه قوله: ومأوى الهوام، يعني طرق الدواب، وأريد القمل بقرينة الرأس، وقد جاء مفسرًا: والقمل يتناثر على وجهي لدببيها في الرأس.\nوقوله: (من كل عين لامة) أي: ذات لمم، ولذلك لم يقل: مُلِمّة، وقيل: أصله ألممت بالشيء ولم يقل: سلمة لمشاكلة سامة، واللمم: كل داء يلم من خبل أو جنون أو نحوهما، أي: من عين تصيب بسوء، ومنه حديث: شكت امرأة إليه -ﷺ- لممًا بابنتها، أي: طرفًا من الجنون.\nوقوله: (وفي أكثر نسخ (المصابيح): بهما) أي: بكلمتين، وهما مدخولا (من) (١)، كذا في الحاشية، أي: بذكر الكلمتين مع المذكورتين في المستعاذ منه، وتوجيهه بأن التثنية من جهة أن المراد بكلمات اللَّه معلوماته وكتبه المنزلة بعيد، ولهذا قيل: الظاهر أنه سهو من الكاتب، وفي (شرح الشيخ): وبفرض صحة هذه النسخة يكون مرجع الضمير الجملتين المذكورتين: جملة المستعاذ به، وجملة المستعاذ منه.\n١٥٣٦ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (يصب منه) المصيبة والمصوبة والمصابة: الأمر المكروه الذي يصيب الإنسان ويناله ويأخذ، والجمع مصائب ومصاوب، ويُصَبْ: بصيغة المجهول وضمير نائبه لـ (من)، وضمير منه للَّه، أي: يصير مصابًا بحكم اللَّه، أو\n_________\n(١) كذا في الأصل.","vol":"4","page":19},{"text":"١٥٣٧ - [١٥] وَعَنْهُ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بهَا مِنْ خَطَايَاهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٤١، ٥٦٤٢، م: ٢٥٧٣].\nــ\nنائبه الجار والمجرور وضمير منه لـ (من)، أي: نيل منه، أي من نفسه وماله وولده بالمصائب، كذا في (مجمع البحار) (١)، وبصيغة المعلوم أي: يصب اللَّه منه، أي: ابتلاه بالمصائب ليثيبه عليها بتكفير الذنوب ورفع الدرجات.\n١٥٣٧ - [١٥] (وعنه، وأبو سعيد) قوله: (ما يصيب المسلم) فاعل (يصيب) ضمير (ما)، و(المسلم) مفعوله، والنصب بفتحتين: التعب والكد والجهد، والوصب: المرض، والهم والحزن واحد، لكن الأول يحصل بسبب ما يقصده في الاستقبال، والثاني بسبب حصول مكروه في الماضي، وهمه الأمر هَمًّا وَمَهَمَّةً: حزنه، كأَهَمَّهُ فاهْتَمَّ، والسُقْمُ جِسْمَه: أذابه وأَذهب لحمه، والشَّحْمَ: أذابه، كذا في (القاموس) (٢)، والأذى: المكروه اليسير، والغم والغماء والغمة بالضم: الكرب، غمه فاغتم وانْغَمَّ، والغم في الأصل: الستر والتغطية، من الغمام، كأنه يستر القلب ويغطيه، وهو شامل لجميع أنواع المكروهات.\nوقوله: (حتى الشوكة) بالجر بالعطف و(يشاكلها) صفة لها، وبالرفع على الابتداء وهو خبر، و(يشاكها) بصيغة المجهول، أي: يشاك المسلم تلك الشوكة، من شكته أشوكه، أي: أدخلت في جسده شوكة.\nوقوله: (من خطاياه) (من) زائدة أو تبعيضية، يعني صغائر.\n_________\n(١) \"مجمع البحار\" (٣/ ٣٦٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٥٦).","vol":"4","page":20},{"text":"١٥٣٨ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وَهُوَ يُوعَكُ فَمَسِسْتُهُ بِيَدِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ\". قَالَ: فَقُلْتُ: ذَلِكَ لأَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ؟ فَقَالَ: \"أَجَلْ\". ثُمَّ قَالَ: \"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ فَمَا سِوَاهُ إِلَّا حَطَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ سَيّئَاتِهِ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٤٨، م: ٢٥٧١].\n١٥٣٩ - [١٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا الْوَجَعُ عَلَيْهِ أَشَدُّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٤٦، م: ٢٥٧٠].\n١٥٤٠ - [١٨] وَعَنْهَا قَالَتْ: مَاتَ النَّبِيُّ -ﷺ- بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي،\nــ\n١٥٣٨ - [١٦] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (وهو يوعك) أي: يحمى، والوعك: حرارة الحمى ووجعها في البدن، والرجل مَوعُوكٌ ووَعِكٌ.\nوقوله: (فمسسته) بكسر السين وفتحها.\nوقوله: (كما يوعك رجلان) أي: ضعف ما توعكون.\nوقوله: (كما تحط الشجرة) بالرفع، و(ورقها) بالنصب، أي: عند هبوب الرياح الخريفية، ووجه التشبيه: الإزالة التامة بالسرعة.\n١٥٣٩ - [١٧] (عائشة) قوله: (الوجع عليه أشد من رسول اللَّه -ﷺ-) وذلك لقوة حواسه وصفاء جوهره، وفيه رفع لدرجاته ومضاعفة لأجره كما سبق.\n١٥٤٠ - [١٨] (وعنها) قوله: (بين حاقنتي وذاقنتي) الحاقنة: بين الترقوتين، والذاقنة: الذقن، وهو مجتمع اللحيتين من أسفلهما، أي: توفي مستندًا إلى وكنت مطلعة على شدة موته.","vol":"4","page":21},{"text":"فَلَا أَكْرَهُ شِدَّةَ الْمَوْتِ لِأَحَدٍ أَبَدًا بَعْدَ النَّبِيَّ -ﷺ- (١). رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٤٦].\n١٥٤١ - [١٩] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ، تُفَيِّئُهَا الرِّيَاحُ، تَصْرَعُهَا مَرَّةً وَتُعَدِّلها أُخْرَى حَتَّى يَأْتِيَ أَجَلُهُ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الأَرْزَةِ. . . . .\nــ\n١٥٤١ - [١٩] (كعب بن مالك) قوله: (الخامة) بالتخفيف: الطاقة الغَضَّة اللَّيِّنة من الزروع، كذا في (النهاية) (٢)، و(الصحاح) (٣)، ونقل عن الخليل: هي الزرع أول ما نبت، وقال في (القاموس) (٤): الخامسة من الزرع: أول ما ينبت على ساق، أو الطاقة الغضة منه.\nوقوله: (تفيئها) بلفظ المضارع من التفعيل، من فاء يفيء، أي: تميلها يمينًا وشمالًا، و(تصرعها) أي: تسقطها و(تعدلها) أي: تسويها.\nوقوله: (كمثل الأرزة) قال عياض (٥): الأرزة: بفتح الهمزة وسكون الراء، كذا الرواية، وقيل: هي واحدة شجر الأرز، وهو الصنوبر، ويقال له: الأرزن أيضًا، وقال أبو عبيدة: إنما هو الآرِزة بالمد وكسر الراء على مثال فاعلة، ومعناها الشجر الثابتة في\n_________\n(١) أَيْ: كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ شِدَّةَ الْمَوْتِ تَكُونُ لِكَثْرَةِ الذُّنُوبِ، وَلَمَّا رَأَيْتُ شِدَّةَ وَفَاتِهِ عَلِمْتُ أَنَّ شِدَّةَ الْمَوْتِ لَيْسَتْ مِنَ الْمُنْذِرَاتِ بِسُوءِ الْعَاقِبَةِ، بَلْ لِرَفع الدَّرَجَاتِ الْعَالِيَةِ، وَإِنَّ هَوْنَ الْمَوْتِ لَيْسَ مِنَ الْمَكْرُمَاتِ وَإِلَّا لَكَانَ هُوَ أَوْلَى بِهِ -ﷺ-. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١٢٩).\n(٢) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (٢/ ٨٩).\n(٣) \"الصحاح\" (٥/ ١٩١٦).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠١٩).\n(٥) انظر: \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤٦).","vol":"4","page":22},{"text":"الْمُجْذِيَةِ الَّتِي لَا يُصِيبُهَا شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٤٣، م: ٢٨١٠].\n١٥٤٢ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الزَّرْعِ لَا تَزَال الرِّيحُ تُمَيِّلُهُ، وَلَا يزَالُ الْمُؤمن يُصيبُهُ الْبَلَاءُ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الأَرْزَةِ لَا تَهْتَزُّ حَتَّى تُسْتَحْصَدَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٤٤، م: ٢٨٠٩].\nــ\nالأرض، وأنكر هذا أبو عبيد وصحح ما تقدم، وقد جاء في حديث: (كشجرة الأرز) مفسرًا، انتهى. وقال في (القاموس) (١): الأَرْزُ ويُضَمُّ: شجر الصنوبر، أو ذَكَرُهُ، كالأَرْزَةِ، أو العَرْعَرُ، وبالتحريك: شجرة الأَرْزَن.\nو(المُجْذِية) بضم الميم وسكون الجيم وكسر الذال المعجمة وبالياء التحتانية، أي: الثابتة، جذا يجذو أجذى يجذي: ثبت قائمًا، والجذية بالكسر: أصل الشجرة.\nوقوله: (حتى يكون انجعافها) أي: انقلاعها، جعف الشجرة وأجعفها: قلعها، فانجعفت.\n١٥٤٢ - [٢٠] (أبو هريرة) قوله: (لا تهتز) أي: لا تتحرك.\nوقوله: (حتى تستحصد) أي: تقلع (٢)، وأصل الحصاد في الزرع، واستعماله في الشجرة مجاز، إما مرسل بذكر الخاص وإرادة العام كالمشفر في الشفة والمرسن في الأنف، أو استعارة بتشبيه قلعها بحصاد الزرع في السرعة والسهولة مبالغة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٦٦).\n(٢) قال الطيبي (٣/ ٣٠٠): دل على سوء خاتمته.","vol":"4","page":23},{"text":"١٥٤٣ - [٢١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أُمِّ السَّائِبِ فَقَالَ: \"مَالَكِ تُزَفْزِفينَ؟ \". قَالَتِ: الْحُمَّى لَا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا، فَقَالَ: \"لَا تَسُبِّي الْحُمَّى، فَإِنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٥٧٥].\n١٥٤٤ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ بِمِثْلِ مَا كَانَ يعْملُ مُقِيمًا صَحِيحًا\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٩٩٦].\nــ\n١٥٤٣ - [٢١] (جابر) قوله: (تزفزفين) أي: ترعدين، روي بالزائين أو بالرائين، فالأول من زفَّ الطائر: إذا بسط جناحيه وحركهما كزفزف، والثاني أيضًا بمعنى سقوط الطائر ورميه بنفسه، وذكر في (القاموس) (١): رفَّ الطائر: بسط جناحيه، ذكره في (باب الراء والزاي) كرفرف، وقال: والثلاثي غير مستعمل، وقال في (باب الزاي) أيضًا: الزفزفة: تحريك الريح الحشيش وصوتها فيه، والزفزاف: الريح الشديدة الهبوب في دوام.\nو(الكير) بالكسر والياء: زِقٌّ ينفخ فيه الحداد، وأما المبنيُّ من الطين فكور بالضم والواو، كذا في (القاموس) (٢).\n١٥٤٤ - [٢٢] (أبو موسى) قوله: (كتب له بمثل) الباء زائدة كقوله: ﴿جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾ [يونس: ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٧] على أحد الوجوه المذكوره في تفسيره.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٥١، ٧٥٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٤٠).","vol":"4","page":24},{"text":"١٥٤٥ - [٢٣] وَعَنْ أَنَسٍ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"الطَّاعُونُ شَهَادَةُ كُلِّ مُسْلِمٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٣٢، م: ١٩١٦].\nــ\n١٥٤٥ - [٢٣] (أنس) قوله: (الطاعون شهادة لكل مسلم) قال الخليل: الطاعون الوباء، وقال ابن الأثير: الطاعون المرض العام، والوباء الذي يفسد به الهوى فتفسد به الأمزجة والأبدان، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: الطاعون الوجع الغالب الذي يطفئ الروح، سمي بذلك لعموم مصابه وسرعة قتله، وقال القاضي عياض: الطاعون القروح الخارجة في الجسد، والوباء عموم الأمراض، فسميت طاعونًا تشبيهًا بها في الهلاك.\nوقال النووي: هو بئرٌ وورمٌ مؤلم جدًا، يخرج مع لهب، ويسودّ ما حوله أو يخضر أو يحمر حمرة شديدة بنفسجية كدرة، ويحصل معه خفقان وقيء، ويخرج غالبًا في المراق والآباط، وقد يخرج في الأيدي والأصابع وسائر الجسد.\nوقال ابن سينا: الطاعون مادة سمية تحدث ورمًا قتالًا يحدث في المواضع الرخوة والمغابن من البدن، وأغلب ما يكون تحت الآباط أو خلف الأذن أو عند الأرنبة، وسببه دم رديء يستحيل إلى جوهر سمّي يفسد العضو ويغير ما يليه ويؤدي إلى القلب كيفية رديئة، فيحدث القيء والغثيان والغشي والخفقان، وهو لرداءته لا يقبل من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع، وأردؤه ما يقع في الأعضاء الرئيسية، والأسود منه قلّ من يسلم منه، وأسلمه الأحمر ثم الأصفر، والطواعين تكثر عند الوباء، ومن ثم أطلق على الطاعون وباء وبالعكس، وأما الوباء فهو فساد جوهر الهواء الذي هو مادة الروح وصدده.\nوالحاصل أن حقيقته ورم ينشأ عن هيجان الدم وانصباب الدم إلى عضو فيفسده، وأن غير ذلك من الأمراض العامة الناشئة عن فساد الهواء يسمى طاعونًا بطريق المجاز؛","vol":"4","page":25},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلاشتراكها في عموم المرض وكثرة الموت، والطاعون مِنْ طَعَنَ الجن، كما يأتي من الأحاديث، وإنما لم يتعرض الأطباء لكونه من طعن الجن؛ لأنه أمر لا يدرك بالعقل، وإنما عرف من الشارع، فتكلموا في ذلك على ما اقتضته قواعدهم، وروى أحمد والطبراني (١) عن أبي موسى الأشعري قال: سألت عنه رسول اللَّه -ﷺ- فقال: (هو وخز أعدائكم من الجن، وهو لكم شهادة)، وفي (الصحيحين) (٢) من حديث أسامة بن زيد قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: (الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل -أو على من كان قبلكم- فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارًا منه).\nوقولهم: إنه لفساد الهواء فاسد؛ لأنه (٣) قد يقع الطاعون في أعدل الفصول وفي أصح البلاد هواء وأطيبها ماء؛ ولأنه لو كان بفساد الهواء لعمَّ الناس والحيوان، والموجود بالمشاهدة أنه يصيب الكثير، ولا يصيب منهم بجانبهم ممن هو في مثل مزاجهم، وأيضًا لو كان كذلك لعم جميع البدن، ولا يختص بموضع منه، ولأن فساد الهواء (٤) يقتضي تغير الأخلاط وكثرة الأسقام، وهذا في الغالب يقتل بلا مرض.\nهذا والمراد بالطاعون المذكور في الحديث الذي ورد في الهرب عنه الوعيد هو الوباء، فكل موت عام، وفي حكمه المرض العام، وليس المراد خصوص ما ذكره\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٤/ ٤١٣)، و\"المعجم الأوسط\" للطبراني (١٤١٨).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٣٤٧٣)، و\"صحيح مسلم\" (٢٢١٨).\n(٣) وهذه قرائن وأمارات على استبعاد وجوده من فساد الهواء وانحصار سببه فيه، وأصل الدليل الخبر الصادق إذا صحت روايته. (منه).\n(٤) في المخطوطة: \"الهوى\" والتصويب من \"فتح الباري\" (١٠/ ١٨١).","vol":"4","page":26},{"text":"١٥٤٦ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِيقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٢٩، م: ١٩١٤].\nــ\nالأطباء، وغلط من حمله عليه، وأباح الهرب فيما سوى ذلك تمسكًا يقول الأطباء، ولو فُرِض حمله عليه فما يقول هذا الرجل بالأحاديث التي وقع فيها الوباء والموت العام، غايته أنه يكون الفرار منهيًّا عنه في الوباء وفي الطاعون، لا أنه يختص بالطاعون ويباح في غيره، فتدبر، واللَّه الهادي (١).\n١٥٤٦ - [٢٤] (أبو هريرة) قوله: (الشهداء خمسة) (٢) فإن قلت: فيه جمع بين الحقيقة والمجاز، فإن الظاهر أن إطلاق الشهيد في الشرع على غير من قتل مجاز باعتبار تشبيهه به في الثواب، قلت: لا نسلِّم ذلك، لكن ذلك فرد كامل متعارف في الفهم كالكلي المشكك، وبهذا الاعتبار صح إطلاق الشهيد عليه مطلقًا، وصح حمله على الشهيد، ولم يلزم حمل الشيء على نفسه، فافهم.\nوقوله: (المطعون) هو صاحب الطاعون.\nوقوله: (والمبطون) قيل: المراد به من مات من إسهال، أو استسقاء وانتفاخ بطن، أو ممن يشتكي بطنه، أو من يموت بداء بطنه مطلقًا، أقول: وإنما كان بهذه المعاني من الشهداء لشدتها وكثرة أَلَمها، وجاء في الحديث: (المبطون لا يعذب) (٣) أي: في القبر؛ لأن وجعه أشد، وقيل: المراد بالمبطون: من حافظ البطن من الحرام والشبهة فكأنه قتله بطنه. و(الهدم) بالسكون الفعل نفسه، وبالتحريك البناء.\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ١٨٠ - ١٨٢).\n(٢) ليس للحصر، بل ذكر الشيخ في \"مظاهر حق\" (٢/ ١٥) سبعين قسمًا. كذا في \"التقرير\".\n(٣) لم أعثر على هذا الحديث.","vol":"4","page":27},{"text":"١٥٤٧ - [٢٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الطَّاعُونِ فَأَخْبَرَنِي: \"أَنَّهُ عَذَابٌ يَبْعَثُهُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ يَقَعُ الطَّاعُونُ فَيَمْكُثُ في بَلَدِهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ شَهِيدٍ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٧٣٤].\nــ\n١٥٤٧ - [٢٥] (عائشة) قوله: (عذاب يبعثه اللَّه) أي: من قبل الجن كما نطقت به الأحاديث.\nوقوله: (فيمكث في بلده صابرًا) الحديث، فيه حمل النفس على الصبر والتوكل والاعتماد على اللَّه تعالى وقضائه والرضاء به، فالخارج يقول: لو أقمت لأصبت، والمقيم يقول: لو خرجت لسلمت، فيقع في اللو المنهي عنه (١).\nوقد ذكر بعض العلماء في النهي عن الخروج حِكَمًا، منها: أن الطاعون في الغالب يكون عامًّا في البلد الذي يقع به، فإذا وقع فالظاهر مداخلة سببه لمن بها؛ لأن الهواء لا يضر من حيث ملاقاته ظاهر البدن، بل من حيث دوام استنشاق، فيصل إلى الباطن ويؤثر فيه، فلا يفيده الفرار لأن المفسدة إذا تيقنت حتى لا يقع الانفكاك عنها، كان الفرار عبثًا، فلا يليق بالعاقل.\nومنها: أن الناس لو تواردوا على الخروج لصار من عجز منه -بالمرض المذكور أو بغيره- ضائع المصلحة لفقد من يتعهده حيًّا وميتًا، وأيضًا لو شرع الخروج -وكان الناس يخرجون من غير مبالاة اعتمادًا على شرعية الخروج-[لكان في ذلك] كسر قلوب\n_________\n(١) أشار إلى الحديث الذي نهى فيه النبي -ﷺ- عن استعمال \"لو\" فقال -ﷺ-: \"فإن لو تفتح عمل الشيطان\"، أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٢٦٦٤).","vol":"4","page":28},{"text":"١٥٤٨ - [٢٦] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الطَّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٧٤، م: ٢٢١٨].\nــ\nالضعفاء، وقد قالوا: إن حكمة الوعيد في الفرار من الزحف [لما] فيه من كسر قلب من لم يفر وإدخال الرعب عليه.\nوقال بعضهم: يجب على من كان يحترز من الوباء أن تخرج عن بدنه الرطوبات الفضلية، ويقلل الغذاء، ويميل إلى التدابير المجففة من كل وجه، والخروج من أرض الوباء والسفر منها لا يكون إلا بحركة شديدة وهي مضرة جدًا، فظهر المعنى الصبي من الحديث النبوي، وما فيه من علاج القلب والبدن وصلاحهما، واللَّه أعلم (١).\n١٥٤٨ - [٢٦] (أسامة بن زيد) قوله: (رجز) بكسر الراء وآخره زاي، أي: العذاب.\nوقوله: (أو على من كان قبلكم) أو للشك من الراوي.\nوقوله: (فإذا سمعتم به) أي: أخْبِرْتم بالطاعون (فلا تقدموا عليه)، فإن في الدخول في الأرض التي هو فيها تعرضًا للبلاء والآفة في محل سلطانه، وإيقاع النفس في التهلكة، وهو مخالف للشرع والعقل، وهو من باب الحمية التي أرشد اللَّه إليها عباده، وروى البخاري ومسلم والموطأ وأبو داود (٢): أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁-\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ١٨٩).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٥٧٢٩)، و\"صحيح مسلم\" (٢٢١٩)، و\"موطأ مالك\" (١٥٨٧)، و\"سنن أبي داود\" (٣١٠٣).","vol":"4","page":29},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nخرج إلى الشام، حتى إذا كان بِسَرْغَ لقيه أمراء الأجناد: أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه -﵃-، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، قال ابن عباس: فقال عمر -﵁-: ادع لي المهاجرين الأولين، فدعوتهم فاستشارهم، فأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم: خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع [لي] الأنصار، فدعوتهم، فاستشار بهم فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي من كان ههنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف عليه منهم رجلان، فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس: أني مصبح على ظَهْرٍ فأَصْبِحُوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارًا من قدر اللَّه؟ فقال عمر -﵁-: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة -وكان عمر يكره خلافه- نعم نفر من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديًا له عدوتان، إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر اللَّه وإن رعيت الجدبة رعيت بقدر اللَّه، فجاء عبد الرحمن بن عوف -﵁- وكان متغيبًا في بعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علمًا؛ سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه)، قال: فحمد اللَّه عمر بن الخطاب -﵁- ثم انصرف.\nوقوله: (فلا تقدموا عليه) بعض الرواة فَتَحَ التاءَ وضَمَّ الدَّالَ من قولهم: قَدَمَ يَقْدُمُ بفتح الدال في الماضي وضمها في الغابر، أي: يقدم، ومنهم من يفتح الدال من","vol":"4","page":30},{"text":"١٥٤٩ - [٢٧] وَعَن أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"قَالَ اللَّهُ ﷾: إِذَا ابْتَلَيْتُ عَبْدِي بِحَبِيبَتَيْهِ ثُمَّ صَبَرَ عَوَّضْتُهُ مِنْهُمَا الْجنَّةَ\"، يُرِيد عَيْنَيْهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٦٥٣].\nــ\nقولهم: قَدِمَ من سفر يَقْدَم قُدومًا ومقدمًا، يعني: من باب علم يعلم، والمحفوظ عند حفاظ الحديث ضم التاء من قولهم: أقدم على الأمر إقدامًا، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١)، وفي كلام الطيبي إشارة إلى الثالث.\n١٥٤٩ - [٢٧] (أنس) قوله: (يريد عينيه) يحتمل أن يكون من كلام الرسول أو من كلام الراوي، وإنما سميت العينان بحبيبتين لأنهما أحب الإنسان (٢) إلى الإنسان، يعني ليس الابتلاء بالعمى لسخط بل لدفع مكروه يكون بالبصر، ولتكفير ذنوبه ولتبليغه إلى درجة لم يكن ليبلغها بعمله، وكان شيخنا -﵀- يقول بعد أن عَمي: حصل لنا خلوة لم يكن حاصلا في العمر كله، وكان يقول في سببه: إنه جاء بعض الأصحاب بورد من الحرم فاستشمه بسهو، فدبَّ مثل نملة في أنفه حتى وصلت إلى العين، فذهب يزداد حتى انجر إلى العمى.\nوانشد الطيبي (٣) لابن عباس -﵄-: كان ينشد لما أصيب بكريمتيه:\nإن يذهب اللَّه من عينَيّ نورهما ... ففي لساني وقلبي للهدى نور\nعقلي ذكي وقولي غير ذي دَخَلٍ ... وفي فمي صارم كالسيف مأثور\nويروى في سبب عماه أنه رأى جبرئيل -﵇-، وكل من رآه من غير النبي -ﷺ- فإنه يعمى، وكذلك عائشة -﵂-.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٣٧٥).\n(٢) كذا في المخطوطة، والظاهر: \"أحب الأعضاء\".\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٠٣).","vol":"4","page":31},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-492> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٥٥٠ - [٢٨] عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَا مِنْ مُسْلِمِ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإنْ عَادَهُ عَشِيَّةً إِلَّا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٩٦٩، د: ٣٠٩٨].\n١٥٥١ - [٢٩] وَعَن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: عَادَنِي النَّبِيُّ -ﷺ- مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنَيَّ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٣٧٥، د: ٣١٠٢].\nــ\nالفصل الثاني\n١٥٥٠ - [٢٨] (علي -﵁-) قوله: (غدوة) الغدوة بالضم: البكرة، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، وبالفتح: السير في هذا الوقت، والمراد ههنا قبل الزوال، كما أن المراد بالعشية بعده.\nوقوله: (وإن عاده) (إن) نافية أو شرطية، والتقدير: ما عاده إلَّا صَلَّى.\nوقوله: (وكان له خريف في الجنة) أي: مخروف من ثمر الجنة، أي: مجتنى منها، وقد عرفت معنى اللفظ في الفصل الأول في حديث ثوبان (١).\n١٥٥١ - [٢٩] (زيد بن أرقم) قوله: (من وجع كان بعيني) بلفظ المفرد، وقد يروى بالتثنية، وفي شرح الشيخ (٢): سنده صحيح، وفيه رد لمن زعم أن عيادة الأرمد لا تستحب لكون عائده يرى ما لا يراه، وأما ما أخرجه البيهقي والطبراني (٣) مرفوعًا:\n_________\n(١) انظر: (حديث: ١٥٢٧).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ١١٣).\n(٣) \"شعب الإيمان\" (٩١٨٨)، و\"المعجم الأوسط\" للطبراني (١٥٢).","vol":"4","page":32},{"text":"١٥٥٢ - [٣٠] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ وَعَادَ (١) أَخَاهُ الْمُسْلِمَ مُحْتَسِبًا بُوعِدَ مِنْ جَهَنَّمَ مسيرَة سِتِّينَ خَرِيفًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٠٩٧].\nــ\n(ثلاثة ليس لهم عيادة، العين والدمل والضرس)، فصحح البيهقي (٢) أنه موقوف على يحيى بن أبي كثير، انتهى.\nوقد نقل هذا الحديث في (شرعة الإِسلام) (٣)، وأما توجيهه يكون عائده يرى ما لا يراه كما ذكره الشيخ فلا يعقل معناه ولا يجري في أخويه (٤) أيضًا، واللَّه أعلم.\n١٥٥٢ - [٣٠] (أنس) قوله: (مسيرة ستين خريفًا) المراد بالخريف ههنا العام، وقد نقل ذلك عن أنس -﵁-، قال التُّورِبِشْتِي (٥): جاء في بعض طرق هذا الحديث: فقيل: يا أبا حمزة وما الخريف؟ قال: العام (٦)، وقال: كانت العرب يؤرخون أعوامهم بالخريف؛ لأنه كان أول جدادهم وقطافهم بإدراك غلاتهم، وفي الحديث: (فقراء أمتي\n_________\n(١) وَلَعَلَّ الأَمْرَ بالطَّهَارَةِ لِلْعِيَادَةِ؛ لأَنَّهَا عِبَادَةٌ بِنُقْطَةِ زِيَادَةٍ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى رِعَايَةِ صَاحِبِ الْعِيَادَةِ، فَيَكُونُ جَامِعًا بَيْنَ الِامْتِثَالِ لِأَمْرِ اللَّهِ، وَالشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ أَنَّ الْوُضُوءَ سُنَّةٌ فِي الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا دَعَا عَلَى الطَّهَارَةِ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الإِجَابَةِ. وَقَالَ زَيْنُ الْعَرَبِ: وَلَعَل الْحِكْمَةَ فِي الْوُضُوءِ هُنَا أَنَّ الْعِيَادَةَ عِبَادَةٌ، وَأَدَاءُ الْعِبَادَةِ عَلَى وَجْهِ الأَكْمَلِ أَفْضَلُ، هَذَا وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّهُ لَا يُسَنُّ الْوُضُوءُ لِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١٣٥).\n(٢) انظر: \"شعب الإيمان\" (٨٧٥٥).\n(٣) \"شرعه الإِسلام\" لإمام زاده السمرقندي (ص: ٢٨٧).\n(٤) أي: الدمل والضرس.\n(٥) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٣٧٦).\n(٦) أخرجه أبو داود في \"سننه\" (٣٠٩٧).","vol":"4","page":33},{"text":"١٥٥٣ - [٣١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ مُسْلِمِ يَعُودُ مُسْلِمًا فَيقُولُ سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ، إِلَّا شُفِيَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ حَضَرَ أَجَلُهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٣١٠٦، ت: ٢٠٨٠].\n١٥٥٤ - [٣٢] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يُعَلِّمُهُمْ مِنَ الْحُمَّى وَمِنَ الأَوْجَاعِ كُلِّهَا أَنْ يَقُولُوا: \"بِسْمِ اللَّهِ الْكَبِيرِ، أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيم مِنْ شَرِّ كُلِّ عِرْقٍ نَعَّارٍ، وَمِنْ شَرِّ حَرِّ النَّارِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ،\nــ\nيدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفًا) (١)، وهو الزمان بين الصيف والشتاء، والمراد السنة لأنه لا يكون في السنة إلا مرة واحدة، فإذا انقضى أربعون خريفًا فقد مضت أربعون سنة، وفي حديث آخر: (إن أهل النار يدعون مالكًا أربعين خريفًا) (٢)، وفي آخر: (ما بين منكبي الخازن من خزنة جهنم خريف)، أي: مسافة يقطع ما بين الخريف إلى الخريف.\n١٥٥٣ - [٣١] (ابن عباس) قوله: (سبع مرات) قد جاء كثيرًا في الدعاء تكريره ثلاث مرات، وذلك أدناه، وجاء في بعض الأدعية سبع مرات أيضًا، ويحتمل أن يكون تخصيص هذا العدد في هذا المقام لدفع المرض عن أعضائه السبعة، واللَّه أعلم.\n١٥٥٤ - [٣٢] (وعنه) قوله: (من شر كل عرق) بكسر المهملة وسكون الراء.\nوقوله: (نعار) بفتح النون وتشديد العين المهملة، أي: الممتلئ من الدم، يقال: نعر العرق: فار منه الدم، أو صوت خروج الدم، من فتح يفتح.\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"معجمه الأوسط\" (٣٤٧٧).\n(٢) أخرجه أحمد في \"زهده\" (ص: ٣١٢) (ح: ١٨٣٢).","vol":"4","page":34},{"text":"لَا يُعْرَفُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَهُوَ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ. [ت: ٢٠٧٥].\n١٥٥٥ - [٣٣] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنِ اشْتَكَى مِنْكُمْ شَيْئًا -أَوِ اشْتكَاهُ أَخٌ لَهُ- فَلْيَقُلْ: رَبُّنَا اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ، تَقَدَّسَ اسْمُكَ، أَمْرُكَ فِي السَّمَاء وَالأَرْض كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السَّمَاءِ، فَاجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الأَرْضِ،\nــ\n١٥٥٥ - [٣٣] (أبو الدرداء) قوله: (من اشتكى منكم شيئا) أي: من مرض، فـ (اشتكى) من الشكاية و(شيئًا) مفعول به، وقد يجيء الشكاية بمعنى الوجع والمرض أيضًا، فيكون قوله: (شيئًا) مفعولًا مطلقًا بمعنى مرض شيئًا من المرض، والضمير في (اشتكاه) عائد إلى شيئًا.\nوقوله: (ربنا) مبتدأ (اللَّه الذي في السماء) خبره، والمقصود التبري من آلهة الأرض، ولهذا حكم النبي -ﷺ- بإيمان امرأة سئلت أين اللَّه؟ فقالت: في السماء، وهو مُأوّل بما يُأوّل به قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤].\nوقوله: (تقدس اسمك) التفات من الغيبة إلى الخطاب للتوجه والحضور في الدعاء والسؤال، وزيادة الاسم كما في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: ١٠].\nوقوله: (أمرك في السماء والأرض) أمره سبحانه مشترك بين السماء والأرض غير مختص بواحد منهما، أما الأول فلقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢]، وأما الثاني فقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢].\nوقوله: (كما رحمتك في السماء) أما الرحمة فعامة في السماوات وأهلها،","vol":"4","page":35},{"text":"اغْفِرْ لَنَا حُوبَنَا وَخَطَايَانَا، أَنْتَ رَبُّ الطَّيِّبِينَ، أَنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِكَ وَشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ عَلَى هَذَا الْوَجَعِ، فَيَبْرَأُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٩٢].\n١٥٥٦ - [٣٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا جَاءَ الرَّجُلُ يَعُودُ مَرِيضًا فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ يَنْكَأُ لَكَ عَدُوًّا. . . . .\nــ\nومختصة ببعض أهل الأرض دون بعض فسألها فيها، والمراد الرحمة الخاصة المختصة بالمؤمنين، وإلا فرحمته تعالى وسعت كل شيء، و(ما) في (كما رحمتك) مقحمة.\nوقوله: (اغفر لنا حوبنا) بالضم والفتح: الإثم، وقيل: الضم لغة أهل الحجاز والفتح لغة تميم، وقد يجيء بمعنى الحزن والوحشة والجهد والوجع والهلاك والبلاء، ولو أريدت هذه المعاني أيضًا كان وجهًا، والمراد موجب حوبنا، والمراد بالخطايا هنا الذنوب التي تقع بطريق الخطأ، وقد يطلق على مطلق الذنوب.\nوقوله: (أنت رب الطيبين) (١) جعله معللًا لطلب المغفرة.\nوقوله: (أنزل رحمة) التنكير للتعظيم والتكثير، ويجوز أن يكون للتقليل كما ينظر إليه قوله: (من رحمتك) فإن القليل منها كثير كقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَر﴾ [التوبة: ٧٢].\nوقوله: (على هذا الوجع) بفتح الجيم وكسرها.\nوقوله: (فيبرأ) بالرفع بتقدير فهو يبرأ، وكان يرى في الظاهر أن يكون بالنصب جوابه. لقوله: (فليقل).\n١٥٥٦ - [٣٤] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (ينكأ لك عدوًّا) بالجزم جوابًا للأمر،\n_________\n(١) أَيْ: مُحِبُّهُمْ وَمُتَوَلِّي أَمْرِهِمْ، وَالإِضَافَةُ تَشْرِيفِيَّةٌ، وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الْمُطَهَّرُونَ مِنَ الشِّرْكِ، أَوِ الْمُتَّقُونَ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ الأَفْعَالَ الدَّنِيَّةَ، وَالأَقْوَالَ الرِّدِيَّةَ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١٣٦).","vol":"4","page":36},{"text":"أَوْ يَمْشِي لَكَ إِلَى جِنَازَةٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣١٠٧].\nــ\nويجوز الرفع على تقدير فإنه ينكأ، كذا قال الطيبي (١)، وفي بعض الشروح: أن (ينكأ) في موضع الحال، وكذا (يمشي)، وإلا فالحق الجزم على الجواب للأمر، انتهى. ويفهم منه أن أصل الرواية الرفع، واللَّه أعلم، ولا يخفى أن الحمل على الاستئناف على تقدير الرفع أولى وأظهر كما في أمثاله، ويقال: نكيت في العدو أنكي نكاية، وقد يهمز: أكثرت فيهم الجراح والقتل، كذا في (النهاية) (٢)، والرواية في الحديث بالهمزة، قال النووي في (الأذكار) (٣): ينكأ بفتح أوله وهمزة في آخره، معناه: يؤلمه ويوجعه، وذكره في (القاموس) (٤) في البابين، وذكر من معناه: قشر القرحة قبل أن تبرأ، وقال في (المشارق) (٥): الهمزة لغة، والأشهر ينكي معناه: المبالغة في الأذى، يقال: نكأت الجرح مهموز: إذا جرحت موضع الجرح، وأوقعت جرحًا على جرح.\nوقوله: (أو يمشي) بإثبات الياء وهو يؤيد رواية الرفع في ينكأ، ويجوز أن يكون (يمشي) مجزومًا على لغة رفع المضارع بعد الجازم، وهي لغة فصيحة وعليه قراءة: (إِنَّهُ مَن يَتَّقي وَيَصْبِرُ) بالرفع، وتخصيص نكاية العدو والمشي إلى جنازة بالذكر من بين الأفعال لمناسبة أنه لما كان مريضًا على شرف الموت، ثم برأ ذكر ما يتعلق بالموت من إماتة الأعداء والدعاء والإمداد للموتى من الإحياء، وقال الطيبي (٦): جمع\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٠٥).\n(٢) \"النهاية\" (٥/ ١١٧).\n(٣) \"الأذكار\" (ص: ٢١٩).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٤).\n(٥) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٢).\n(٦) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٠٥).","vol":"4","page":37},{"text":"١٥٥٧ - [٣٥] وَعَن عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أُمَيَّةَ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللَّه ﷿: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] وَعَنْ قَوْلِهِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، فَقَالَتْ: مَا سَأَلَنِي عَنْهَا أَحَدٌ مُنْذُ سَأَلَتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"هَذِهِ مُعَاتَبَةُ اللَّهِ العَبْدَ بِمَا يُصِيبُهُ مِنَ الْحُمَّى وَالنَّكْبَةِ. . . . .\nــ\nبين النكاية وتشييع الجنازة؛ لأن الأول كَدْحٌ في إنزال العقاب على عدو اللَّه، والثاني سَعْيٌ في إيصال الرحمة إلى ولي اللَّه.\n١٥٥٧ - [٣٥] (علي بن زيد) قوله: (علي بن زيد) تابعي بصري تيمي، و(أمية) أيضًا تابعية، وقيل: صحابية.\nوقوله: (فقال: هذه معاتبة اللَّه العبد. . .) الحديث، حاصله أن اللَّه تعالى أخبر بأن العباد يحاسبون على ما يضمرون في أنفسهم من خطرات الذنوب، وما يعملون منها، ويجزون على ما يعملون من سوء؛ قليل أو كثير، صغير أو كبير، فأشكل عليهم الأمر وتحيروا في أمرهم؛ لأنه لا يمكن الاجتناب عنها، فسألت عائشة -﵂- عن النبي -ﷺ- ليخرجها من ورطة الحيرة، فقال -ﷺ-: هذه أي المحاسبة والمجازاة المذكورتين معاتبة اللَّه العبد بما يصيب العبد من الأمراض والمصائب والحوادث والمضار، يعني أنها مؤاخذة عتاب في الدنيا لا مؤاخذة عقاب في الآخرة، والعتاب: الملامة وأن يظهر أحد على خليله من الغضب بسوء أدب ظهر منه ليصلحه ويهذبه مع أن في قلبه محبةً ولطفًا ظاهرًا أو خفيًا، فلا ينبغي أن يسوء ويحزن، بل ينبغي أن ينشط ويفرح لأنها مكفرات لذنوبه بل رفع في درجاته.\nوقوله: (والنكبة) بفتح النون: المصيبة.","vol":"4","page":38},{"text":"حَتَّى الْبِضَاعَةِ يَضَعُهَا فِي يَدِ قَمِيصِهِ فَيَفْقِدُهَا فَيَفْزَعُ لَهَا، حَتَّى إِنَّ الْعَبْدَ لَيَخْرُجُ مِنْ ذُنُوبِهِ كَمَا يَخْرُجُ التِّبْرُ الأَحْمَرُ مِنَ الْكِيرِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٩٩١].\nــ\nوقوله: (البضاعة) بكسر الباء قطعة من المال، يبضع، أي: يقطع ويقتني للتجارة، وهو مجرور بالعطف، أو مرفوع على الابتداء، والمراد بـ (يد قميصه): الكم، كما هو العادة بوضع المال في الكم.\nوقوله: (فيفزع) أي: يتغير ويخاف ويستغيث ويطلبها، ثم إنه قد وقع في (المصابيح): (متابعة اللَّه) بتقديم التاء مكان المعاتبة بتقديم العين، لا يعرف ذلك في الحديث ولا معنى له، وقد وجهه الطيبي معناه بما لا يخلو عن تكلف، فلينظر ثمة، هذا وقد وقع في بعض نسخ (المصابيح): (معاتبة) كما هو المقرر، وكأنه من إصلاح الناسخين، واللَّه أعلم.\nوقوله: (كما يخرج التبر الأحمر) التبر بالكسر: الذهب والفضة، أو ما استخرج من المعدن قبل أن يصاغ، كذا في (القاموس) (١)، وفي (مجمع البحار) (٢): التبر: الذهب الخالص والفضة قبل أن يضربا دنانير ودراهم، فإذا ضربا كانا عينًا، وقد يطلق على غيرهما من المعدنيات كالنحاس والحديد مجازًا، انتهى. وقال في (الصحاح) (٣): التبر الذهب الخالص قبل أن يضرب، ويقال للفضة: تبر أيضًا عند البعض، انتهى. أقول: وتوصيف التبر في الحديث بالأحمر ينظر إلى أنه اسم للذهب خاصة إلا أن يقال: إن الفضة أيضًا يكون عند الإخراج من الكبير الأحمر، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٣٤).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٢٥١).\n(٣) \"الصحاح\" (٢/ ٦٠٠).","vol":"4","page":39},{"text":"١٥٥٨ - [٣٦] وَعَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَمَا فَوْقَهَا أَوْ دُونَهَا إِلَّا بِذَنْبٍ، وَمَا يَعْفُو اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَكْثَرُ، وَقَرَأَ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٢٥٢].\n١٥٥٩ - [٣٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا كَانَ عَلَى طَرِيقَةٍ حَسَنَةٍ مِنَ الْعِبَادَةِ ثُمَّ مَرِضَ قِيلَ لِلْمَلَكِ الْمُوَكَّلِ بِهِ: اكْتُبْ لَهُ مِثْلَ عَمَلِهِ إِذَا كَانَ طَلِيقًا حَتَّى أُطْلِقَهُ أَو أَكْفِتَهُ إِلَيّ\".\n١٥٦٠ - [٣٨] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا ابْتُلِيَ الْمُسْلِمُ بِبَلَاءٍ فِي جَسَدِهِ قِيلَ لِلْمَلَكِ: اكْتُبْ لَهُ صَالِحَ عَمَلِهِ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ، فَإِنْ شَفَاهُ غَسَّلَهُ وَطَهَّرَهُ، وَإِنْ قَبَضَهُ غَفَرَ لَهُ وَرَحِمَهُ\". . . . .\nــ\n١٥٥٨ - [٣٦] (أبو موسى) قوله: (فما فوقها أو دونها) يحتمل فوقها في العظم ودونها في الحقارة والعكس، كذا قال الطيبي (١)، والظاهر هو الأول، فافهم. والتنوين في (نكبة) للتقليل أو التحقير، والمراد فرد منها أصاب العبد.\n١٥٥٩ - [٣٧] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (إذا كان طليقًا) أي: غير مقيد بالمرض.\nوقوله: (أو كفته) أي: أضمه إلى بالموت يقال: كفته الشيء إليه: ضمه وقبضه كأكفته، والكفات بالكسر: الموضع الذي يكفت فيه الشيء، أي: يضم ويجمع، ومنه قيل للأرض: كفات.\n١٥٦٠ - [٣٨] (أنس) قوله: (غسله) بالتشديد والتخفيف.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٠٧).","vol":"4","page":40},{"text":"رَوَاهُمَا (١) فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" [٥/ ٢٤١].\n١٥٦١ - [٣٩] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ، وَالْغَرِيقُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ، وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ، وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ، وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْم شَهِيدٌ،\nــ\n١٥٦١ - [٣٩] قوله: (جابر بن عتيك) بوزن كريم.\nوقوله: (وصاحب ذات الجنب) وهو ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن للأعضاء (٢)، وقد يطلق على ما يعرض في نواحي الجنب من رياح غليظة تحتقن بين الصفاقات والعضل التي في الصدر والأضلاع فيحدث وجعًا، فالأول هو ذات الجنب الحقيقي الذي تكلم عليه الأطباء، قالوا: ويحدث بسببه خمسة أمراض: الحمى والسعال والنخس وضيق النفس والنبض المنشاري، ويقال أيضًا لذات الجنب: وجع الخاصرة وهو من الأمراض المخوفة؛ لأنها تحدث بين القلب والكبد وهو سيئ الأسقام، كذا في (المواهب اللدنية) (٣).\nوفي كتب الطب: ذات الجنب: ورم حار في نواحي الصدر في الفضلات الباطنة والحجاب الداخل، أو الحجاب الحاجز بين آلات الغذاء والات النفس، ويسمى خالصًا، وهو أعظم وأخوف أقسامه، أو في الفضلات الخارجة الظاهرة، أو في الحجاب الخارج بمشاركة الجلد، ومن أعراضه: حمى حارة والسعال وضيق النفس والوجع الناخس\n_________\n(١) وأخرجهما أحمد في \"مسنده\" (رقم: ٦٨٩٥، ١٣٥٠١).\n(٢) كذا في النسخ المخطوطة: \"للأعضاء\" وكذا في \"المواهب\"، وفي \"فتح الباري\" (١٠/ ١٧٢)، و\"زاد المعاد\" (٤/ ٨١): \"للأضلاع\" بدل \"للأعضاء\".\n(٣) \"المواهب اللدنية\" (٣/ ٤٨٢).","vol":"4","page":41},{"text":"وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ط: ٥٥٤، د: ٣١١١، ن: ١٨٤٦].\n١٥٦٢ - [٤٠] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ -ﷺ-: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: \"الأَنْبِيَاءُ ثمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ،\nــ\nوالعطس واختلاط الذهن.\nوقوله: (تموت بجمع) أي: التي تموت عند الولادة ولم يخرج ولدها، وقيل: ومن ماتت عقيب الولادة فهي في حكمها في هذا الثواب، وقيل: هي النفساء، وقيل: هي التي لم يمسها رجل، يقال: فلانة من زوجها بجمع: إذا لم يفتضَّها، والجمع بضم الجيم، وقيل: بكسرها وسكون الميم بمعنى المجموع من حمل أو بكارة؛ لأن البكارة مجموعة فيها كالولد، وفي حديث: (أيما امرأة ماتت بجمع ولم تطمث دخلت الجنة)، أراد به: البكر.\n١٥٦٢ - [٤٠] (سعد) قوله: (ثم الأمثل فالأمثل) أي: الأفضل فالأفضل، كذا فسروه، والظاهر منه أن معنى لفظ (الأمثل): الأفضل، قال في (القاموس) (١): الأمثل: الأفضل، وجمعه أماثل، والْمَثَالَةُ: الفضل، وقد مَثُلَ ككرم، وما وقع في عبارة بعض الشارحين: أن الأمثل يعبر به عن الأشبه بالفضل والأقرب إلى الخير، وأماثل القوم كناية عن خيارهم، يشعر بأن إرادة الأفضل من الأمثل من جهة اعتبار معنى المماثلة، وقد قال في (القاموس) (٢) أيضًا: الطريقة المثلى: الأشبه بالحق، وأمثلهم طريقة: أعدلهم وأشبههم بأهل الحق، وأتى بثم أولًا وبالفاء ثانيًا إشعارًا بالبعد بين مرتبة الأنبياء\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٧٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٧٤).","vol":"4","page":42},{"text":"فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ هُوِّنَ عَلَيْهِ، فَمَا زَالَ كَذَلِكَ حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الأَرْض مَا لَهُ ذَنْبٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٢٣٩٨، جه: ٤٠٢٣، دي: ٣/ ١٨٣، ح: ٢٨٢٥].\nــ\nومن عداهم، وعدمه بين ولي وولي؛ إذ مراتب الأولياء متقاربة ليس فيها ذلك التباعد، والتنوين في (صلبًا) للتعظيم، وفي (رقة) للتقليل، وقد تفنن في العبارة حيث جعل الصلابة صفة للرجل نفسه، والرقّة صفة لدينه، إشارة إلى أن الرجل ينبغي أن يكون في ذاته صلابة، والرقة إن كانت كانت في صفته وهو الدين، ففيه من المبالغة في بيان المقصود ما لا يخفى.\nوقوله: (اشتد بلاؤه) لأنه يصبر عليه، ويعرف أنه نعمة من اللَّه، وفيه ألطاف خفية منه تعالى، فيكمل إيمانه ويكفر سيآته ويرفع درجاته بذلك، وأما الذي في دينه رقة يهون عليه لئلا يخرج بالبلاء من ربقة الدين، فيؤلف قلبه بالنعم.\nوقوله: (حتى يمشي على الأرض ما له ذنب) تفريع على اشتداد البلاء للرجل الصلب وبيان لحاله، قال سيدنا ومولانا الغوث الأعظم محيي الدين أبو محمد عبد القادر الجيلاني ﵀: لا يزال اللَّه يبتلي عبده المؤمن على قدر إيمانه، فمن عَظُمَ إيمانُه وكثر وتزايد عظم بلاؤه، فالرسول بلاؤه أعظم من بلاء النبي؛ لأن إيمانه أعظم، والنبي بلاؤه أعظم من بلاء البدل، وبلاء البدل أعظم من بلاء الولي، كل واحد يُبْتَلى على قدر إيمانه ويقينه، وأصل ذلك قول النبي -ﷺ-: (إنا معشر الأنبياء أشد بلاء ثم الأمثل فالأمثل) (١)، فيديم اللَّه تعالى [البلاء] لهؤلاء السادة الكرام حتى يكونوا [أبدًا] في\n_________\n(١) رواه الترمذي (٢٥٠٩) نحوه.","vol":"4","page":43},{"text":"١٥٦٣ - [٤١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا أَغْبِطُ أَحَدًا بِهَوْنِ مَوْتٍ بَعْدَ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ شِدَّةِ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٩٧٩، ن: ١٨٣].\n١٥٦٤ - [٤٢] وَعَنْهَا قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- وَهُوَ بِالْمَوْتِ. . . . .\nــ\nالحضرة، ولا يغفلوا عن اليقظة؛ لأنه يحبهم، فهم أهل المحبة، ومحبوبو الحق ﷿، والمحب أبدًا لا يختار بُعْدَ محبوبه، فالبلاء خُطَّاف لقلوبهم، وقيد لنفوسهم، يمنعهم عن الميل [إلى غير مطلوبهم] والسكون والارتكان إلى غير خالقهم، وإذا دام ذلك في حقهم ذابت أهويتهم، وانكسرت نفوسهم، وتميز الحق من الباطل، فَتزْوي الشهوات والإرادات والميل إلى اللذات والراحات بأجمعها دنيا وأخرى إلى ما يلي النفس، ويصير السكون إلى وعد الحق ﷿، والرضاء بقضائه، والقناعة بعطائه، والصبر على بلائه، والأمن شر خلقه إلى ما يلي القلب، فتقوى شوكة القلب، فتصير الولاية على الجوارح إليه؛ لأن البلاء يقوي القلب واليقين، ويحقِّقُ الإيمان والصبر، ويضعِّفُ النفس والهوى؛ لأنه كلما وصل الألم ووجد من المؤمن الصبر والرضاء والتسليم لفعل الرب ﷿، ﵁ وشكره فجاءه المدد والزيادة والتوفيق، انتهى كلامه الأقدس (١).\n١٥٦٣ - [٤١] (عائشة) قوله: (بهون موت) الهون: السهولة والخفة، في (القاموس) (٢): هان هونًا: سهل، وهوَّنه اللَّه: سهَّله وخفَّفه.\n١٥٦٤ - [٤٢] (عائشة) قوله: (وهو بالموت) الباء للملابسة، أو بمعنى (في) أي: في حالة الموت.\n_________\n(١) \"شرح فتوح الغيب\" (ص: ١١٨ - ١١٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٤٢).","vol":"4","page":44},{"text":"وَعِنْدَهُ قَدَحٌ فِيهِ مَاءٌ، وَهُوَ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي الْقَدَحِ، ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى مُنْكَرَاتِ الْمَوْتِ أَوْ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٩٧٨، جه: ١٦٢٣].\nــ\nوقوله: (على منكرات الموت) جمع منكرة، بتقدير موصوف مؤنث كالخصلة والصفة، والمنكر: الأمر الشديد، يقال: نكر الأمر بضم الثاني، أي: اشتد، كذا في (الصحاح) (١).\nوقوله: (أو سكرات الموت) (أو) للشك من الراوي، وسكرة الموت: شدته وهمه وغشيه، وسكَّره تسكيرًا: خنقه، وقوله تعالى: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: ١٥] أي: حبست عن النظر وحيرت وغطيت وغشيت، ولقد أبرز بعض العارفين من العلماء المتأخرين في سبب سكرات الموت له -ﷺ- وجوهًا:\nمنها: أن مزاجه الشريف كان أعدل الأمزجة، فكان إحساسه بما يؤلم أكثر ووجدانه لآثاره أكبر، ومن ثم قال: (إني لأوعك كما يوعك رجلان منكم)، وبمثل هذا يأوَّل قوله: (ما أوذي نبي بمثل ما أوذيت).\nومنها: أن تشبث الروح بجسده كان قويًا وتعشقها به كان أوفى، فكان تألمه بمفارقته أكثر.\nومنها: أن في ذلك تسليةً للأمة، فإنهم لما رأوا طريق نقل روحه على هذه الصورة يسهل على كل أحد حال نفسه على ذلك.\nومنها: أن حقيقته الشريفة كانت جامعة بجميع الأكوان، ففراق روحه لجسده الشريف كأنه فراق كل روح لكل جسد، وكل حياة لكل حي.\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٢/ ٨٣٧).","vol":"4","page":45},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nومنها: أنه -ﷺ- تحمل شدة أعباء هذا الأمر وقوة هذا الأمر من الأمة كما جاء في القرآن المجيد: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] خصوصًا على قراءة الوقف على ﴿عَزِيزٌ﴾، وجعل ﴿عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ﴾ خبرأ ومبتدأ.\nومنها: أنه -ﷺ- كان متوليًا مفوضًا إليه أمور المملكة الإلهية، وأي مملكة كان فيها وأي دائرة واسعة كان متوليًا عليها، ومن العادة المستمرة لمن فوض الملك أمر مملكته إليه واستحفظه عليها واستخلفه فيها، ثم أراد نقله عنها ورجوعه إليه يستعد لما يسأل عنه من أمورها ليكون على أهبة لما يطلب منه. وكان سيدي الشيخ عبد الوهاب ينقل من شيخه علي المتقي -رحم اللَّه عليهما- أنه كان يقول وقت وفاته: إذا رأيتم مِنّا شدة سكرات الموت فلا تحزنوا فإن ذلك من لازم منصب القطبية.\nومنها: وهو الوجه الوجيه وحقيقة الأمر -إن شاء اللَّه تعالى-: أتحف إليه في ذلك الوقت تنزلات أحدية، وتجليات صمدية، وأسرار كانت مستكنة في غيابة قدس الذات، ومشاهدة كانت مترفعة بالأسماء والصفات، ولقد كان -ﷺ- يجد من الثقل والشدة في زمان الوحي ما يجد، فهذا آخر ذلك الأوقات وأتمها وأكملها، فموته الذي هو الحياة الأبدية بالإفاضات الإلهية له سكرات مشاهدات تبرز لأجل ضرورة ضيق نطاق الجثمان عن محض عالم العيان بصورة سكرات مجاهدات.\nومنها: إحساسه -ﷺ- باللقاء الخاص على ما عنده من مزيد الخشية وعظيم الهيبة ووافر الإجلال مناسب معرفته وحاله في العبودية في حضرات قربه، كما قال: (إني أعرفكم باللَّه أخوفكم منه)، فلذلك ظهر عليه ما ظهر.\nومنها: استطارة الشوق إلى ذلك اللقاء الروحي الحامل على الإسراع لذلك، حتى كأنه يريد أن يخرج روحه ويدرجها بسرعة في غيب ذلك القرب الخاص، فينشأ","vol":"4","page":46},{"text":"١٥٦٥ - [٤٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٩٦].\nــ\nذلك بقهر عالم الطبيعة وضغطه حضيض مزاج البشرية ما يقوى به الانفعال ويظهر به سلطان ذلك الحال.\nومنها: تعلق أهل هذا العالم به -ﷺ- ممن له نصاب إلى حضرة العلمية، فتمثل صور هذه التعلقات في مرآته التي لا أسطع وأصفى منها، فظهر من ذلك قلق والتفات فحصل ما حصل.\nومنها: أن اللَّه تعالى أجرى رسوله على أوصاف العبودية التي هي أشرف الأوصاف وأجل محامد الإنصاف، وذلك كمال خاص له -ﷺ-، ومقتضى مزاج العبودية منازلة المكاره ومعاناة الشدائد، ولهذا قال عند موت ولده إبراهيم: (العين تدمع والقلب يحزن وأنا على فراقك لمحزونون يا إبراهيم)، واللَّه أعلم.\n١٥٦٥ - [٤٣] (أنس) قوله: (أمسك عنه) أي: العقوبة.\nوقوله: (بذنبه) حال عن الضمير في (عنه) أي: متلبسًا بذنبه ومصاحبًا به غير مفارق إياه، وقال الطيبي (١): أي أمسك عنه ما يستحقه بسبب ذنبه من العقوبة ولا يخفى بعده.\nوقوله: (حتى يوافيه به) أي: يوافي اللَّه العبد بالذنب، أي: يؤاخذه ويعذبه مستوفى، يقال: أوفى فلانًا حقَّه، أي: أعطاه وافيًا.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣١٠).","vol":"4","page":47},{"text":"١٥٦٦ - [٤٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ عُظْمَ الْجَزَاءِ مَعَ عُظْم الْبَلَاءِ، وَإِنَّ اللَّه ﷿ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٣٩٦، جه: ٤٠٣١].\n١٥٦٧ - [٤٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ أَوِ الْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى مَالِكٌ نَحْوَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيح. [ت: ٢٣٩٩، ط: ٥٥٨].\n١٥٦٨ - [٤٦] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ السُّلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\n١٥٦٦ - [٤٤] (وعنه) قوله: (أن عظم الجزاء) بضم العين سكون الظاء (١): اسم من التعظيم.\nوقوله: (إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم) ترك ذكر أحد الفريقين اكتفاء بفهمه عن التفصيل، تقدير الكلام: إذا أحب قومًا وأبغض قومًا ابتلاهم جميعًا، فمن رضي. . . إلخ.\n١٥٦٧ - [٤٥] (أبو هريرة) قوله: (في نفسه) أي: أحد المذكورين.\nوقوله: (وما عليه من خطيئة) جملة حالية.\n١٥٦٨ - [٤٦] (محمد بن خالد السلمي) قوله: (عن جده) قال في (جامع الأصول) (٢): لجده صحبة، حديثه في فضل ثواب المرض أخرجه أبو داود.\n_________\n(١) وَقِيلَ: بِكَسْر ثُمَّ فَتْحٍ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١٤٢).\n(٢) \"جامع الأصول\" (١٠/ ٣٥٧).","vol":"4","page":48},{"text":"\"إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ، ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يُبَلِّغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٥/ ٢٧٢، د: ٣٠٩٠].\n١٥٦٩ - [٤٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِخِّيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مُثِّلَ ابْنُ آدَمَ وَإِلَى جَنْبِهِ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ مَنِيَّةً، إِنْ أَخْطَأَتْهُ الْمَنَايَا وَقَعَ فِي الْهَرَمِ حَتَّى يَمُوتَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ [ت: ٢١٥٠].\nــ\nوقوله: (لم يبلغها) صفة (منزلة)، و(صبَّره) بالتشديد، أي: حمله على الصبر ورزقه الصبر، أي: قدر اللَّه تعالى لعبد منزلةً ودرجةً رفيعةً، ولم يقدر ذلك العبد أن يبلغ تلك المنزلة بالعمل الصالح أصابه اللَّه ببلاء، ورزقه صبرًا على ذلك البلاء، حتى يبلغ تلك المنزلة من ثواب ذلك البلاء. قال الشيخ الإِمام أبو عبد اللَّه محمد بن علي الحكيم الترمذي: ولقد مرضت في سالف أيامي مرضةً، فلما شفاني اللَّه تعالى منها مثلت في نفسي ما دبر اللَّه لي من هذه العلة في مقدار هذه المدة وبين عبادة الثقلين في قدر أيام علتي، فقلت: لو خيرت بين هذه العلة وبين أن يكون لي عبادة الثقلين في مقدار مدتها إلى أيهما أميل اختيارًا، فصح عزمي ودام يقيني ووقعت بصيرتي أن مختار اللَّه تعالى أكثر شرفًا وأعظم أجرًا وأنفع عاقبةً، وهي العلة التي دبَّرها لي ولا شوب فيه.\n١٥٦٩ - [٤٧] (عبد اللَّه بن شخير) قوله: (مثل) بتشديد المثلثة بلفظ المجهول، أي: صور وخلق.\nوقوله: (تسع وتسعون منية) يعني أن الإنسان مشمول بالبلايا والمصائب لا تعد ولا تحصى، لا محيص له عنها، وإن خلص منها نادرًا أدركه.\nوقوله: (الهرم) وهو أقصى الكبير وأشدُّه، وهو داء لا دواء له، والمنية: الموت","vol":"4","page":49},{"text":"١٥٧٠ - [٤٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٤٠٢].\n١٥٧١ - [٤٩] وَعَنْ عَامرٍ الرَّامِ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الأَسْقَامَ فَقَالَ: \"إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَصَابَهُ السَّقْمُ ثمَّ أَعْفَاهُ اللَّهُ ﷿ مِنْهُ، كَانَ كفَّارَةً لِمَا مَضَى مِنْ ذُنُوبِهِ، وَمَوْعِظَةً لَهُ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ. وَإِنَّ الْمُنَافِقَ إِذَا مَرِضَ ثمَّ أُعْفِيَ كَانَ كَالْبَعِيرِ عَقَلَهُ أَهْلُهُ ثُمَّ أَرْسَلُوهُ،\nــ\nكالمنا (١)، والمراد به البلاء، سمي بها لكونه سببًا ومقدمةً لها، وأصل التمنية الابتلاء والتقدير، يقال: منَّاه اللَّه تمنيةً: قدره وابتلاه واختبره، والموت مقدر، والإنسان مبتلى به بقوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧].\n١٥٧٠ - [٤٨] (جابر) قوله: (يود) الود يجيء بمعنى المحبة والتمني، وهما متلازمان، ومفعول (يودّ) محذوف، أي: كونهم مبتلين في الدنيا أشدّ البلاء بقرينة قوله: (لو أن جلودهم. . . إلخ)، أي: قائلين أو متمنين، و(لو) للتمني، ويجوز أن تكون للشرط والجزاء محذوف، ويفهم منه أيضًا معنى التمني، فافهم.\n١٥٧١ - [٤٩] قوله: (وعن عامر الرام) صحابي، ويقال: ابن الرام، والأول أشهر، و(الرام) مخفف الرامي.\nوقوله: (ثم أعفي) بمعنى عُوفي، يقال: عافاه اللَّه من المكروه معافاة وعافية:\n_________\n(١) كذا في الأصل، والظاهر: جمعها المنايا.","vol":"4","page":50},{"text":"فَلَمْ يَدْرِ لِمَ عَقَلُوهُ لِمَ أَرْسَلُوه\". فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الأَسْقَامُ؟ وَاللَّهِ مَا مَرِضْتُ قَطُّ، فَقَالَ: \"قُمْ عَنَّا فَلَسْتَ مِنَّا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٣٠٨٩].\n١٥٧٢ - [٥٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ فَنَفِّسُوا لَهُ فِي أَجَلِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ شَيْئًا وَيُطَيِّبُ بِنَفْسِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٠٨٧، جه: ١٤٣٨].\nــ\nوهب له العافية من العلل، وكذا أعفاه اللَّه، والعافية: دفاع اللَّه عن العبد ما يكرهه.\nوقوله: (فلم يدر) أي: البعير، يعني كان ينبغي أن يعلم ويتنبه بأن مرضه بسبب ما ارتكبه من الذنوب فينتهي عنها.\nوقوله: (فلست منا) في شرح الشيخ: الظاهر أنه كان منافقًا (١).\n١٥٧٢ - [٥٠] (أبو سعيد) قوله: (فنفسوا له) التنفيس: التفريج، أي: فرِّجوا له وأذهبوا كربه فيما يتعلق بأجله، بأن تدعوا له بطول العمر وذهاب المرض، وأن تقولوا: لا بأس ولا تخف، سيشفيك اللَّه، وليس مرضك صعبًا، وما أشبه ذلك، فإنه وإن لم يردّ شيئًا من الموت المقدر، ولا يطول عمره، لكن يطيب نفسه وبفرحه، ويصير ذلك سببًا لانتعاش طبيعته وتقويتها فيضعف المرض.\nوقوله: (ويطيب بنفسه) الباء زائدة في الفاعل نحو كفى باللَّه، أو للتعدية، وفي\n_________\n(١) ويؤيده ما قال القاري (٣/ ١١٤٤): جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنَّهُ -﵊- قَالَ: \"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا\". رواه أحمد في \"مسنده\" (٢/ ٣٦٦)، والبخاري في \"الأدب المفرد\" (٤٩٥)، والحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٤٩٨)، وقال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.","vol":"4","page":51},{"text":"١٥٧٣ - [٥١] وَعَن سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَتَلَهُ بَطْنُهُ لَمْ يُعَذَّبْ فِي قَبْرِهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [حم: ٤/ ٢٦٢، ت: ١٠٦٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-493> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٥٧٤ - [٥٢] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ -ﷺ- يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: \"أَسْلِمْ\". فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ فَقَالَ: أَطِعْ أَبَا الْقَاسِم. فَأَسْلَمَ. فَخَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَهُوَ يَقُولُ: \"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٣٥٦].\nــ\nبعض النسخ: (ويطيب نفسه) من التطييب و(نفسه) مفعول.\n١٥٧٣ - [٥٢] قوله: (عن سليمان بن صرد) بضم الصاد المهملة وفتح الراء.\nوقوله: (من قتله بطنه) قد عرف معناه في قوله: (المبطون شهيد).\nالفصل الثالث\n١٥٧٤ - [٥٢] (أنس) قوله: (كان غلام يهودي) قال في (فتح الباري) (١): لم أقف في شيء من الطرف الموصولة على اسمه، وقيل: اسمه عبد القدوس.\nوقوله: (يخدم) فيه جواز استخدام المشرك.\nوقوله: (يعوده) فيه عيادة المشرك إذا مرض؛ أي: إن كان فيه رجاء إسلام أو قرابة أو جوار.\nوقوله: (أطع أبا القاسم) كان اليهود يدعون رسول اللَّه -ﷺ- بأبي القاسم تحرزًا\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢١١).","vol":"4","page":52},{"text":"١٥٧٥ - [٥٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ عَادَ مَرِيضًا نادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٤٤٣].\n١٥٧٦ - [٥٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ عَلِيًّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي وَجَعِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَقَالَ النَّاسُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ! كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّه بَارِئًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٢٦٦].\n١٥٧٧ - [٥٥] وَعَنْ عَطَاءَ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاس: أَلا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتِ النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَتْ: . . . . .\nــ\nعن تسميته باسم محمد ليلزم عليهم متابعته بحكم التوراة، كذا قيل.\n١٥٧٥ - [٥٣] (أبو هريرة) قوله: (طبت وطاب ممشاك) أي: طاب حالك وكثر ثواب مشيك إلى هذه العبادة.\nوقوله: (وتبوأت من الجنة منزلًا) أي: ثبت وتحقق دخولك الجنة بسببها، ويجوز أن يكون دعاء بطيب العيش في الدنيا والآخرة.\n١٥٧٦ - [٥٤] (ابن عباس) قوله: (بارئًا) من البُرء بمعنى الصحة، وفي بعض الشروح: من برأ: إذا أفاق، وكأنه أخذ هذا المعنى من خصوصية المقام، وفيه استحباب القول: برأ المريض وطيب حاله إذا سئل عنه.\n١٥٧٧ - [٥٥] (عطاء بن أبي رباح) قوله: (امرأة) في بعض الروايات: أن اسمها سُعَيْرة بمهملتين مصغرًا، وفي بعضها: بقاف بدل العين، وفي الأخرى: بالكاف، وفي","vol":"4","page":53},{"text":"يَا رسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُصْرَعُ (١) وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ اللَّه لِي. فَقَالَ: \"إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكَ\" فَقَالَتْ: أَصْبِرُ، فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّه أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٥٢، م: ٢٥٧٦].\n١٥٧٨ - [٥٦] وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا جَاءَهُ الْمَوْتُ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَجَلٌ: هَنِيئًا لَهُ مَاتَ وَلَمْ يُبْتَلَ بِمَرَضٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَيْحَكَ وَمَا يُدْرِيكَ (٢)، لَوْ أَنَّ اللَّه ابْتَلَاهُ بِمَرَضٍ. . . . .\nــ\nرواية: أنها ماشطة خديجة -﵂-، كذا في (فتح الباري) (٣).\nوقوله: (أتكشف) وهو بمثناة وتشديد المعجمة من الكشف، وبالنون الساكنة مخففًا من الانكشاف، أي: أَتَعَرَّى وتنكشف عورتي وأنا لا أشعر، وفي الحديث دليل على جواز ترك التداوي والتوكل على اللَّه وأنه ليس بفرض.\n١٥٧٨ - [٥٦] (يحيى بن سعيد) قوله: (جاءه الموت) أي: من غير مرض وشدة.\nوقوله: (لو أن اللَّه ابتلاه) (لو) للتمني أو للشرط.\n_________\n(١) الصَّرَعُ عِلَّةٌ تَمْنَعُ الأَعْضَاءَ الرَّئِيسَةَ عَنِ انْفِعَالِهَا مَنْعًا غَيْرَ تَامٍّ، وَسَبَبُهُ رِيحٌ غَلِيظٌ يَحْتَبِسُ فِي مَنَافِذِ الدِّمَاغِ، أَوْ بُخَارٌ رَدِيءٌ يَرْتَفِعُ إِلَيْهِ مِنْ بَعْضِ الأَعْضَاءِ، وَقَدْ يَتْبَعُهُ تَشَنُّجٌ فِي الأَعْضَاءِ، فَلَا يَبْقَى مَعَهُ الشَّخْصُ مُنْتَصِبًا، بَلْ يَسْقُطُ وَيَقْذِفُ بِالزَّبَدِ لِغِلَظِ الرُّطُوبَةِ، وَقَدْ يَكُونُ الصَّرَعُ مِنَ الْجِنِّ، وَلَا يَقَعُ إِلَّا مِنَ النُّفُوسِ الْخَبِيثَةِ مِنْهُمْ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الأَطِبَّاءِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١٤٧).\n(٢) أَيْ: أَيُّ شَيْءٍ يُعْلِمُكَ أَنَّ فَقْدَ الْمَرَضِ مَكْرُمَةٌ؟ . \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١٤٧).\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ١١٥).","vol":"4","page":54},{"text":"فَكَفَّرَ عَنْهُ مِنْ سَيِّئَاتِهِ\". رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا. [ط: ١٦٨٥].\n١٥٧٩ - [٥٧] وَعَن شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ وَالصُّنَابِحِيِّ أَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى رَجُلٍ مَرِيضٍ يَعُودَانِهِ فَقَالَا لَهُ: كَيفَ أَصبَحْتَ؟ قَالَ: أَصبَحْتُ بِنِعْمَةٍ. فَقَالَ لَهُ شَدَّادٌ: أَبْشِرْ بِكَفَّارَاتِ السَّيِّئَاتِ وَحَطِّ الْخَطَايَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّه ﷿ يَقُولُ: إِذَا أَنَا ابْتَلَيْتُ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنًا فَحَمِدَنِي عَلَى مَا ابْتَلَيْتُهُ، فَإِنَّهُ يَقُومُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ مِنَ الْخَطَايَا. وَيَقُولُ الرَّبُّ ﵎: أَنَا قَيَّدْتُ عَبْدِي وَابْتَلَيْتُهُ، فَأَجْرُوا لَهُ مَا كُنْتُمْ تُجْرُونَ لَهُ وَهُوَ صَحِيحٌ\". رَوَاهُ أحْمَدُ. [حم: ٤/ ١٢٣].\n١٥٨٠ - [٥٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا كَثُرَتْ ذُنُوبُ الْعَبْدِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُكَفِّرُهَا مِنَ الْعَمَلِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِالْحَزَنِ لِيُكَفِّرَهَا عَنهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ١٥٧].\nــ\n١٥٧٩ - [٥٧] (شداد بن أوس والصنابحي) قوله: (الصنابحي) بضم المهملة وتخفيف النون اسمه عبد اللَّه، وقيل: أبو عبد اللَّه نسبة إلى صنابح بن زاهر.\nوقوله: (ويقول الرب) أي: للملائكة.\nوقوله: (فأجروا) من الإجراء، أي: اكتبوا عمله وأثبتوه من الإجراء بمعنى تمشية الوظيفة والمهم.\n١٥٨٠ - [٥٨] (عائشة) قوله: (ابتلاه اللَّه بالحزن) (١) أي: بما يوجب الحزن من المصائب.\n_________\n(١) هو بضم فسكون وبفتحتين.","vol":"4","page":55},{"text":"١٥٨١ - [٥٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَزَلْ يَخُوضُ الرَّحْمَةَ حَتَّى يَجْلِسَ، فَإِذَا جَلَسَ اغْتَمَسَ فِيهَا\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ. [ط: ١٦٩٤، حم: ٣/ ٣٠٤].\n١٥٨٢ - [٦٠] وَعَنْ ثَوْبَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمُ الْحُمَّى، فَإِنَّ الْحُمَّى قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ فَلْيُطْفِئْهَا عَنْهُ بِالْمَاءِ، فَلْيَسْتَنْقعْ فِي نهرٍ جَارٍ،\nــ\n١٥٨١ - [٥٩] (جابر) قوله: (من عاد) أي: خرج للعيادة ومشى في طريقها.\nوقوله: (يخوض الرحمة) فيه استعارة بالكناية.\n١٥٨٢ - [٦٠] (ثوبان) قوله: (فليطفئها عنه بالماء) جواب (إذا).\nوقوله: (فإن الحمى قطعة من النار) معترضة، قالوا: هذا خاص ببعض الأنواع الحادثة من الحرارة التي يعتادها أهل الحجاز (١)، ولما كان بيانه -ﷺ- لبيان علاج الأمراض تبعًا وتطفلًا لم يستقص في تعميم أنواعها، واقتصر على بيان علاج ما هو أعم، وأغلب وقوعها، واللَّه أعلم، وسيأتي تحقيقه في (كتاب الطب والرقى) في شرح قوله -ﷺ-: (الحمى من فيح جهنم فأبردوها)، وكان على المؤلف أن يذكر هذا الحديث في ذلك الكتاب إذ ليس فيه ذكر عيادة المريض وثواب المرض.\nوقوله: (فليستنقع) بيان للإطفاء، والاستنقاع: الوقوع في الماء، أنقعت الدواء: ألقيته في الماء.\n_________\n(١) وَلَعَلَّ هَذَا خَاصٌّ بِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْحُمَّى الصَّفْرَاوِيِّ الَّتِي يَأْلَفُهَا أَهْلُ الْحِجَازِ، فَإِنَّ مِنَ الْحُمَّى مَا يَكَادُ مَعَهَا أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ قَاتِلًا، فَلَا يَنْبَغِي لِلْمَرِيضِ إِطْفَاؤُهَا بِالْمَاءِ إِلَّا بَعْدَ مُشَاوَرَةِ طَبِيبٍ حَاذِقِ ثِقَةٍ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١٤٩).","vol":"4","page":56},{"text":"-وَلْيَسْتَقْبِلْ جِرْيَتَهُ، فَيَقُولُ: بِسْم اللَّهِ، اللَّهُمَّ اشْفِ عَبْدَكَ وَصَدِّقْ رَسُولَكَ- بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلْيَغْمِسْ فِيهِ ثَلَاثَ غَمْسَاتٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي ثَلَاثٍ فَخَمْسٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ في خَمْسٍ فَسَبعٌ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأَ في سَبْع فَتِسْعٌ، فَإِنَّهَا لَا تَكَادُ تُجَاوِزُ تِسْعًا بِإِذْنِ اللَّهِ ﷿\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٠٨٤].\n١٥٨٣ - [٦١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ذُكِرَتِ الْحُمَّى عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَسَبَّهَا رَجُلٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"لَا تَسُبَّهَا فَإِنَّهَا تُنْقِي الذُّنُوبَ. . . . .\nــ\nوقوله: (وليستقبل جريته) بفتح الجيم وكسرها، أي: جريان النهر.\nوقوله: (وصدق) بلفظ الأمر من التصديق، أي: اجعل رسولك صادقًا في نفع هذا العلاج بأن تشفيني.\nوقوله: (بعد صلاة الصبح) ظرف لقوله: (فليستنقع).\nوقوله: (لينغمس) في نسخة: و(ليغمس) توضيح لقوله: (فليستنقع).\nوقوله: (ثلاث غمسات) بفتح الغين والميم، ويحتمل أن تكون الغمسات الثلاث في كل يوم، أو في الأيام الثلاثة كل يوم غمسة وهو الظاهر.\nوقوله: (هذا حديث غريب) وقيل: في سنده سعيد بن زرعة وهو مختلف فيه، وقال الترمذي (١): يحتمل أن يكون هذا لبعض أنواع الحميات في بعض الأماكن لبعض الأشخاص، أو يكون خطابه خطابًا عامًا، وذلك في فصل الصيف في البلاد الحارة كما ذكرنا.\n١٥٨٣ - [٦١] (أبو هريرة) قوله: (فإنها تنقي الذنوب) وهي بهذا الوجه توجب\n_________\n(١) هكذا في الأصل، والظاهر: \"المازري\". انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١٥٠).","vol":"4","page":57},{"text":"كَمَا تُنْقِي (١) النَّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٤٦٩].\n١٥٨٤ - [٦٢] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَادَ مَرِيضًا فَقَالَ: \"أَبْشِرْ فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُولُ: هِيَ نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ فِي الدُّنْيَا لِتَكَوُنَ حَظَّهُ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ والْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَان\". [حم: ٢/ ٤٤٠، جه: ٣٤٧٠، شعب: ٧/ ١٦١، ح: ٩٨٤٤].\n١٥٨٥ - [٦٣] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ الرَّبَّ ﷾ يَقُولُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أُخْرِجُ أَحَدًا مِنَ الدُّنْيَا أُرِيد أَغْفِر لَهُ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ كُلَّ خَطِيئَةٍ في عُنُقِهِ بِسَقَمٍ فِي بَدَنِهِ وَإِقْتَارٍ فِي رِزْقِهِ\". رَوَاهُ رَزِينٌ.\nــ\nالشكر لا السخط، قالوا: الوظيفة في البلايا الشكر كما في العطايا؛ لكونها متضمنة للألطاف الخفية والنعم الباطنة، إلا أن في ذلك صعوبةً فلا أقل من أن يكون صابرًا.\n١٥٨٤ - [٦٢] (أبو هريرة) قوله: (عاد مريضًا) أي: محمومًا.\nوقوله: (لتكون حظه من النار) أي: نصيبه منها، أي تكون عوضًا منها.\n١٥٨٥ - [٦٣] (أنس) قوله: (أريد) حال من فاعل (لا أخرج) أو صفة لمفعوله.\nوقوله: (أغفر له) أي: أن أغفر.\nوقوله: (كل خطيئة) أي: جزاءه.\nوقوله: (بسقم) أي: بسببه، بضم وسكون وبفتحتين (والإقتار): التضييق.\n_________\n(١) في نسخة: \"تَنْفِي\" في الموضعين. من النفي، أي: تزيل وهو أبلغ من تمحو. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٢٧٥).","vol":"4","page":58},{"text":"١٥٨٦ - [٦٤] وَعَن شَقِيق قَالَ: مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَعُدْنَاهُ، فَجَعَلَ يَبْكِي فَعُوتِبَ، فَقَالَ: إِنِّي لَا أَبْكِي لِأَجْلِ الْمَرَضِ لِأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"الْمَرَضُ كَفَّارَةٌ\" وَإِنَّمَا أبْكِي أَنه أَصَابَنِي عَلَى حَالِ فَتْرَةٍ وَلَمْ يُصِبْنِي فِي حَال اجْتِهَادٍ، لأَنَّهُ يُكْتَبُ للْعَبدِ مِنَ الأَجْرِ إِذَا مَرِضَ مَا كَانَ يُكْتَبُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْرَضَ فَمَنَعَهُ مِنْهُ الْمَرَضُ. رَوَاهُ رَزِينٌ.\n١٥٨٧ - [٦٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- لَا يَعُودُ مَرِيضًا إِلَّا بَعْدَ ثَلَاثٍ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِي فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [جه: ١٤٣٧، شعب: ٦/ ٥٤٢، خ: ٩٢١٦].\nــ\n١٥٨٦ - [٦٤] (شقيق) قوله: (على حال فترة) أي: فتور وضعف في الجسم لا أقدر على عمل كثير.\nقوله: (لأنه يكتب للعبد من الأجر. . . إلخ)، فإن قلت: إذا كُتِبَ له في المرض ما كان يعمل في الصحة فما الفضيلة في تمني المرض في حال القوة وكثرة العمل؟ قلت: لأنه يتمنى ويُحبّ كتابةَ العمل وإثباتَه من غير تعب في العمل، فلو كان المرض في زمان كثرة العمل كتب عمل كثير من غير تعب في العمل، أو لأن العمل الذي يكتب في المرض خال عن شائبة رياء وسمعة وعجب، فليفهم.\n١٥٨٧ - [٦٥] (أنس) قوله: (لا يعود مريضًا إلا بعد ثلاث) حكم الذهبي وغيره بأن هذا الحديث موضوع، فالسنة عندهم العيادة من أول المرض لا بعد مُضِّي ثلاثة أيام، كذا في شرح الشيخ، وقال الجمهور: العيادة لا تتقيد بزمان، لإطلاق الأمر به، وقالوا: هذا الحديث ضعيف جدًّا، تفرد به مسلمة بن علي وهو متروك، وقال أبو حاتم: هو حديث باطل، وقد وُجد له شاهد من حديث أبي هريرة -﵁- عند الطبراني،","vol":"4","page":59},{"text":"١٥٨٨ - [٦٦] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا دَخَلْتَ عَلَى مَرِيضٍ فَمُرْهُ يَدْعُو لَكَ، فَإِنَّ دُعَاءَهُ كَدُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٤٤].\n١٥٨٩ - [٦٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ تَخْفِيفُ الْجُلُوسِ وَقِلَّةُ الصَّخَبِ فِي الْعِيَادَةِ عِنْدَ الْمَرِيضِ، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. . . . .\nــ\nوفيه أيضًا راوٍ متروك (١)، وقال في (إحياء العلوم) (٢): لا يُعاد المريض إلا بعد ثلاثة أيام لهذا الحديث، وقال: في الاستعجال توهم شماتة، وفيه ما فيه.\n١٥٨٨ - [٦٦] (عمر بن الخطاب -﵁-) قوله: (فإن دعاءه كدعاء الملائكة) رواه ابن السني أيضًا بإسناد صحيح أو حسن عن ميمونة بن مهران عن عمر -﵁-، لكن ابن مهران لم يدرك عمر -﵁-، كذا في (الأذكار) (٣).\n١٥٨٩ - [٦٧] (ابن عباس) قوله: (وقلة الصخب) في (القاموس) (٤): الصَّخَبُ محركة: شدة الصوت، صَخِبَ كفرح، واصْطِخَابُ الطير: اختلاط أصواتها، وضبطت في النسخ بالتحريك والتسكين، وجعل في (النهاية) (٥): السخب بالسين والصاد بمعنى الصياح واضطراب الأصوات للاختصام.\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ١١٣)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٥٧ - ٥٨).\n(٢) \"إحياء العلوم\" (٢/ ٢٥٣).\n(٣) \"الأذكار\" (ح: ٤٢٨).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٠).\n(٥) \"النهاية\" (٣/ ١٤).","vol":"4","page":60},{"text":"لَمَّا كَثُرَ لَغَطُهُمْ وَاخْتِلَافُهُمْ: \"قُومُوا عَنِّي\". رَوَاهُ رَزِينٌ.\n١٥٩٠ - [٦٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْعِيَادَةُ فُوَاقَ ناقَةٍ\".\n١٥٩١ - [٦٩] وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا: \"أَفْضَلُ الْعِيَادَةِ سُرْعَةُ الْقِيَامِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإيمَان\". [شعب: ٦/ ٥٤٢، ح: ٩٢١٦].\n١٥٩٢ - [٧٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- عَادَ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ: \"مَا تَشْتَهِيْ؟ \" قَالَ: أَشْتَهِي خُبْزَ بُرٍّ. قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"مَنْ كَانَ عِنْدَهُ خُبْزُ بُرٍّ فَلْيَبْعَثْ إِلَى أَخِيهِ\". ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِذَا اشْتَهَى مَرِيضُ أَحَدِكُمْ شَيْئًا فَلْيُطْعِمْهُ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٤٤٠].\nــ\nوقوله: (لما كثر لغطهم) اللَّغْطُ ويُحرَّكُ: الصوت، أو أصوات مبهمة لا تُفْهَمُ، وسيجيء تفصيل هذا الحديث وتحقيقه في (باب وفاة النبي -ﷺ-).\n١٥٩٠، ١٥٩١ - [٦٨، ٦٩] (أنس، وسعيد بن المسيب) قوله: (فواق ناقة) الفواق بضم الفاء: ما بين الحَلْبَتَيْن من الوقت، ويفتح (١).\n١٥٩٢ - [٧٠] (ابن عباس) قوله: (إذا اشتهى مريض أحدكم) أي: اشتهاءً صادقًا فإنه علامة الصحة، وقد لا يضر ببعض المرضى الأكلُ مما يشتهي إذا كان قليلًا، ويقوي الطبيعة ويفضي إلى الصحة، ولكن فيما لا يكون ضرره غالبًا، وبالجملة ليس هذا حكمًا\n_________\n(١) في \"تقرير الشيخ\": ومن العادة أن يحلب الإبل مرتين أو ثلاثًا، ويفصل بينهن بأوقات يسيرة، كما في \"المظاهر\" (٢/ ٢٢).","vol":"4","page":61},{"text":"١٥٩٣ - [٧١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ بِالْمَدِينَةِ مِمَّنْ وُلِدَ بِهَا، فَصَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: \"يَا لَيْتَهُ مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلدِهِ\". قَالُوا: وَلِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا مَاتَ بِغَيْرِ مَوْلِدِهِ قِيسَ لَهُ مِنْ مَوْلدِهِ إِلَى مُنْقَطَعِ أَثَرِهِ فِي الْجَنَّةِ\". . . . .\nــ\nكليًّا بل جزئيًّا.\nوقال الطيبي (١): مبني على التوكل، أو على اليأس من حياته، وقد جاء في الحديث: (لا تُكْرِهوا مرضاكم على الطعام والشراب؛ فإن اللَّه يطعمهم ويسقيهم) (٢)، والحكمة فيه ظاهرة؛ لأن طبيعة المريض مشغول بإنضاج مادته وإخراجه، ولو أُكْرِهَ على الطعام والشراب تكل الطبيعة عن فعلها، ويشغل بهضمها، وتبقى المادة فجًّا ولا تنضج، ويتقوى المرض، فلا يتقوت المريض إلا بشيء لطيف من الأشربة والأغذية تتقوى به الطبيعة، ولا يستعمل بهضمها كالأشربة اللطيفة وأمراق الفراريج، يعني إن لم يكن مضرة ومنافية لمرضه وبإنعاش القوة بالروائح العطرة المفرحة.\n١٥٩٣ - [٧١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (قيس له) أي: قدر له إلى منقطع أثره، أي موضع انقطع فيه سفره وانتهى إليه، فمات فيه، فالمراد أثر الأقدام، وقال الطيبي (٣): المراد بالأثر الأجل، سمي أثرًا لأنه يتبع العمر، وأصله أيضًا من أثر الأقدام، فإن مات لا يبقى لأقدامه أثر، فافهم.\nوقوله: (في الجنة) متعلق (بقيس) وظاهر العبارة أنه يعطى له في الجنة مكان هذا\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٢١).\n(٢) أخرجه الترمذي (خ: ٢٠٤٠).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٢١).","vol":"4","page":62},{"text":"رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ن: ١٨٣٢، جه: ١٦١٤].\n١٥٩٤ - [٧٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَوْتُ غُرْبَةٍ شَهَادَةٌ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٦١٣].\n١٥٩٥ - [٧٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ مَاتَ مَرِيضًا مَاتَ شَهِيدًا،\nــ\nالمقدار، وهذا ليس بمراد، فإن هذا المقدار من المكان لا اعتبار به في جنب سعة الجنة، إلا أن يقال: المراد ثواب عمل عمله في مثل هذه المسافة، لا يختص بعمله في مولده، وقال الطيبي (١): المراد أنه يفسح له في قبره مقدار ما بين قبره وبين مولده، ويفتح له باب إلى الجنة، فتأمل.\n١٥٩٤ - [٧٢] (ابن عباس) قوله: (موت غربة شهادة) وقال أهل التحقيق: الغربة غربتان: غربة بالجسم وغربة بالقلب، وهو المشار إليه بقوله -ﷺ-: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك من أصحاب القبور) (٢)، وهو يحصل بتحصيل الموت الإرادي وترك التعلق بما سوى اللَّه، وتفصيله في رسالة سيدي الشيخ عبد الوهاب المتقي في رسالة عملها في فضل الغربة والغرباء، فلينظر ثمة.\n١٥٩٥ - [٧٣] (أبو هريرة) قوله: (من مات مريضًا) هكذا وقع في النسخ، وغيره بعضهم إلى (غريبًا)، وقيل: الصواب (مرابطًا)، كذا في (سنن ابن ماجه) في (باب ما جاء فيمن مات مرابطًا) (٣).\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٣٦٠).\n(٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٦٤١٦)، والترمذي في \"سننه\" (٢٣٣٣).\n(٣) قال القاري في \"المرقاة\" (٤/ ٦٢): فإن الحديث غلط فيه الراوي باتفاق الحفاظ، وإنما هو: =","vol":"4","page":63},{"text":"أَوْ وُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ، وَغُدِيَ وَرِيحَ عَلَيْهِ بِرِزْقِهِ مِنَ الْجَنَّةِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٧/ ١٧٣، ح: ٩٨٩٥].\n١٥٩٦ - [٧٤] وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"يَخْتَصِمُ الشُّهَدَاءُ وَالْمُتَوَفَّوْنَ عَلَى فُرُشِهِمْ إِلَى رَبِّنَا ﷿ فِي الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنَ الطَّاعُونِ، فَيَقُولُ الشُّهَدَاءُ: إِخْوَانُنَا قُتِلُوا كَمَا قُتِلْنَا، وَيَقُول الْمُتَوَفَّوْنَ: إِخْوَانُنَا مَاتُوا عَلَى فُرُشِهِمْ كَمَا مِتْنَا، فَيَقُولُ رَبُّنَا: انْظُرُوا إِلَى جَرَاحَتِهِمْ فَإِن أشبهت جِرَاحُهُمْ جِرَاحَ الْمَقْتُولِينَ فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ وَمَعَهُمْ، فَإِذَا جِرَاحُهُمْ قَدْ أَشْبَهَتْ جِرَاحَهُمْ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٤/ ١٢٨ - ١٢٩، ن: ٣١٦٤].\nــ\nوقوله: (أو وقي فتنة القبر) هكذا بـ (أو) في جميع النسخ، فهي إما بمعنى الواو أو للشك أو للتنويع.\nوقوله: (وغدي وريح) كلاهما بلفظ المجهول من الغدو والرواح، أي: أعطي الرزق في الجنة في الصباح والمساء، والتعدية بـ (على) بتضمين معنى الدور والإفاضة والإنزال ونحوها، والمراد الدوام، أو كناية عن التنعم كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢].\n١٥٩٦ - [٧٤] (العرباض بن سارية) قوله: (وعن العرباض) بكسر العين.\nوقوله: (فإذا جراحهم قد أشبهت جراحهم) هذا يؤيد ما ورد أن الطاعون من\n_________\n= \"من مات مرابطًا\" لا من مات مريضًا، وقد أورده ابن الجوزي في الموضوعات لأجل ذلك، انتهى.","vol":"4","page":64},{"text":"١٥٩٧ - [٧٥] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"الْفَارُّ مِنَ الطَّاعُونِ كَالْفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ، وَالصَّابِرُ فِيهِ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣/ ٣٥٢، ٣٦٠].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-494>٢ - باب تمني الموت وذكره</span>\nــ\nطعن الجن، وقال بعض الناس: قد يجد المطعون كضرب الطعن وجراحته، ولذلك سمي طاعونًا.\n١٥٩٧ - [٧٥] (جابر) قوله: (كالفار من الزحف) وهو الجيش يرجعون إلى العدو، أي: يمشون، وأصله من زحف الصبي: إذا مشى على استه.\n٢ - باب تمني الموت وذكره\nالْمَنَى والتَّمْنِيةُ في الأصل بمعنى التقدير، ومنه الأمنية بضم الهمزة وسكون الميم بمعنى شهوة النفس وهواه في إرادة شيء وحصوله، وإن كان محالًا، وفي الحقيقة: هو إظهار محبته من غير طمع وتوقع في الحصول، والتمني تفعل منه.\nوتمني الموت مكروه إن كان من إصابة ضرر دنيوي كمرض وفقر ونحوهما؛ لأنه في معنى التبرم عن قضاء اللَّه وسخطه، وإن كان لمحبة اللَّه والشوق إلى لقائه، والخلاص من مضيق هذه الدار الفانية ومحنتها إلى تلك الآخرة ونعيمها فهو من علامة الإيمان وكماله، ومنه قول النبي -ﷺ-: (اخترت الرفيق الأعلى)، وقول عمار بصفين: غدًا ألقى الأحبةَ: محمدًا وحزبه (١)، وقال حذيفة حين احتضر: (جاء حبيب على ناقة لا أفلح\n_________\n(١) أخرجه البزار في \"مسنده\" (١٤١٠) وفيه \"اليوم ألقى. . . إلخ\"، وأما \"غدًا ألقى. . . إلخ\" =","vol":"4","page":65},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمن ندم) (١)، وقال بلال: حين قالت زوجته عند موته: واكرباه: لا بل واطرباه، وقال أبو الدرداء -﵁-: أحب الموت اشتياقًا إلى ربي (٢)، وقال اللَّه سبحانه لأهل الكتاب حين قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] وقال: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [الجمعة: ٦]؛ لأن من أيقن أنه من أهل الجنة اشتاقها وأحبَّ التخلص إليها من هذه الدار ذات الشوائب، وكذا من زعم أنه من أهل ولاية اللَّه اشتاق إلى جوار اللَّه وقربه والانتقال من دار البلية إلى محل الكرامة، وكل محب يشتاق لقاء محبوبه، وكذا لا يكره تمني الموت لخوف إصابة ضرر في الدين لقوله -ﷺ-: (وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك) (٣)، وذكر الموت كناية عن الخوف والخشية من اللَّه، والعمل بمقتضاه، والتوبة والاستغفار، وتقديم ما ينفع في الدار الآخرة، وإلا فذكره بدون العمل ليس بشيء، بل ربما يورث القسوة كذكر اللَّه بالغفلة كما قال بعض العارفين في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢].\n_________\n= فهو قول بلال -﵁- حين نادت امرأته: واحزناه، فقال: \"واطرباه، غدًا ألقى. . . إلخ\". انظر: \"الشفا\" (٢/ ٥٣)، و\"المواهب اللدنية\" (١/ ١٤٤).\n(١) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٥٤٧).\n(٢) أخره أبو داود في \"الزهد\" (٢٣٧)، والبيهقي في \"الشعب\" (٩٦١١).\n(٣) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (١/ ٧٠٨).","vol":"4","page":66},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-495> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٥٩٨ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا،\nــ\nالفصل الأول\n١٥٩٨ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لا يتمنى أحدكم الموت) بالياء كذا ثبت في أكثر الروايات، فقيل: خبر في معنى النهي، كما يعبر عن الأمر بصيغة الخبر للمبالغة في الامتثال كما يقرر في علم المعاني، وقيل: بمعنى لا ينبغي أن يتمنى، وقيل: نهي أشبعت ألفه، ويجوز أن يكون من باب رفع المضارع في مقام الجزم كما في: لم يخشى، وفي بعض روايات البخاري: (لا يتمنينَّ) بلفظ النهي بزيادة نون التأكيد.\nوقوله: (إما محسنًا) تقديره: إما يكون محسنًا وإما يكون مسيئًا، فحذف (يكون) مع اسمها وأبقي الخبر، وأكثر ما يكون ذلك بعد أن ولو، كذا ذكر الطيبي (١) عن المالكي، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): وردت الرواية فيه بالرفع والنصب، وهي الرواية المعتد بها، تقديره: إما أن يكون محسنًا، أو إما في تمنيه محسن، ويفتح الألف على هذا التقدير، ولفظ الحديث محتمل للكلمتين [أعني] إما وأما، والذي أعتمد عليه (أما) بكسر الألف الذي هو في معنى المجازاة، انتهى.\nاعلم أن الظاهر مما ذكروا أنه على تقدير النصب (كان) مقدرة، وأما على الكسر حرف ترديد، وقول الطيبي: (وأكثر ما يكون ذلك بعد أن ولو) إشارة إلى غير ما في الحديث نحو: إن خيرًا فخير، ويحتمل أن يكون أصله (إن ما كان) و(ما) مزيدة للتأكيد،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٢٣).\n(٢) كتاب الميسر (٢/ ٣٨١).","vol":"4","page":67},{"text":"وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٦٧٣].\n١٥٩٩ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ. . . . .\nــ\nفحذف (كان) وأدغم النون في الميم، كما يشير إليه عبارة التُّورِبِشْتِي: (إما) بكسر الألف الذي هو في معنى المجازاة فتدبر، وعلى تقدير فتح الهمزة لأن ما يكون محسنًا كما جوّزوا الوجهين في قولهم: إما منطلقًا انطلقت، و(لعل) في معنى عسى، ولهذا زيد في خبره (أن).\nوقوله: (يستعتب) بلفظ المعلوم، أي: يطلب رضي اللَّه تعالى بالتوبة وردِّ المظالم وتدارك الفائت، هذا حاصل المعنى، وأما تحقيق معنى هذا اللفظ فبيانه: أن العتب والعتاب والمعتبة: الملامة، والإعتاب: إزالة العتاب، والهمزة للسلب، فيكون معناه الرضا، والعُتْبَى بالضم بمعنى الرضا، والاستعتاب قد يفسر بمعنى طلب العتبى، وقد يُجْعَل بمعنى طلب الإعتاب، فعاتبه بمعنى لامه، وأعتبه أزال عتابه وأرضاه، يقال: استعتبته فأعتبني، أي: أسترضيه فأرضاني، وقال الكرماني (١): هذا على غير القياس؛ لأن الاستفعال إنما يبني من الثلاثي لا من المزيد، فيكون معنى يستعتب: يطلب رضي اللَّه أو يطلب زوال غضبه، فمعنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ [فصلت: ٢٤]، وإن يطلبوا رضا اللَّه عنهم وإجابته إياهم فيما يدعون لا يرضون ولا يحابون فيه، وأما قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ [الجاثية: ٣٥] فيجعل بمعنى لا يسترضون، أي: لا يقال لهم ولا يطلب منهم أن يعتبوا ربهم ويرضوه لفوات أوانه، ويجيء في بادي النظر أن يكون بمعنى لا يرضون، فتدبر واللَّه أعلم.\n١٥٩٩ - [٢] (وعنه) قوله: (لا يتمنى أحدكم) أيضًا بإثبات الياء، وفي بعض\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (٢٠/ ٢٠٠).","vol":"4","page":68},{"text":"الْمَوْتَ، وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ انْقَطَعَ أَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلَّا خَيْرًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٨٢].\n١٦٠٠ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لَابُدَّ فَاعِلًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٧١، م: ٢٦٨٠].\n١٦٠١ - [٤] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ\"،\nــ\nنسخ (المصابيح) ههنا: (لا يتمن) كما هو الظاهر، ويؤيده ويناسبه قوله: (ولا يدع) بحذف الواو، وأما وجود الواو كما في رواية على تقدير إثبات الياء فهما بمعنى النهي.\nوقوله: (إنقطع أمله) وفي بعض الروايات: (عمله) وهذا أظهر، ولكن مال المعنى على الروايتين واحد، أو المراد بالأمل ما يطمع فيه ثواب العمل، ومحل ذم الأمل ما يحمل على بطر وفتور في العمل الصالح.\n١٦٠٠ - [٣] (أنس) قوله: (من ضر) بضم الضاد، أي: دنياوي.\n١٦٠١ - [٤] (عبادة بن الصامت) قوله: (من أحب لقاء (١) اللَّه) المراد بلقاء اللَّه: المصير إلى الدار الآخرة، وطلب ما عند اللَّه، وعدم الركون إلى الدنيا والرضا بحياتها\n_________\n(١) قال الخطابي: اللقاء على وجوه: منها: الرؤية، ومنها: البعث كقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٣١] أي: بالبعث، ومنها: الموت كقوله: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ﴾ [العنكبوت: ٥]. \"عمدة القاري\" (٢٣/ ٩٣).","vol":"4","page":69},{"text":"فَقَالَتْ عَائِشَةُ -أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ-: إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ،\nــ\nوالاطمئنان بها، لا الموت، وإن كان قول عائشة -﵂-: (إنا لنكره الموت) يوهم به، بدليل قوله: (والموت قبل لقاء اللَّه) أي: وسيلته ومقدمته؛ وإنما ذكرت عائشة -﵂- الموت لكونه معترضًا وحائلًا دون الغرض المطلوب ووسيلة إلى اللقاء فيجب أن يصبر عليه، ويحمل مشاقه، كذا ذكر صاحب (النهاية) (١)، وقد أصاب.\nوأما قوله: ليس الغرض به الموت لأن كلًا يكرهه، ففيه أن ذلك كراهة جبلة، والمراد الحب الذي يقتضيه الإيمان باللَّه والثقة بوعده دون ما يقتضيه حكم الجبلة، كما يدل عليه جوابه -ﷺ- لعائشة -﵂-، ولو حمل لقاء اللَّه على ما يعم ما يشاهد عند الموت وما بعده إلى الآخرة لكان وجهًا أيضًا، فافهم.\nومما ينبغي أن يعلم أن المراد بـ (لقاء اللَّه) هو التلاقي والرجوع إلى حضرة عظمته ومشاهدة ما عنده الذي يعبر عنه بالملاقاة، وبالفارسية: بيش آمدن بيك ديكَر، وليس معنى اللقاء الرؤية ولا مستلزمًا لها، ولهذا عدل بعض المحدثين في تعريف الصحابة لمن رأى النبي -ﷺ- إلى من لقيه؛ ليشمل العميان من الصحابة، وبهذا يفسر اللقاء في القرآن، وأيضًا لم يثبتوا جواز رؤيته سبحانه بهذه الآيات بل بالخبر المشهور، وبقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، وأمثال ذلك، ولو كان معنى اللقاء الرؤية لضاق على المعتزلة المعورة إنكارها؛ لكون الآيات الناطقة بذلك نصوصًا لا تقبل التأويل وإن لم يكن ذلك من مكابراتهم وضلالاتهم بعيدًا.\nهذا، وقد قال في (الصراح) (٢): لقاء بالكسر ديدار كردن، وقد فسر بعض الشارحين ما وقع في الدعاء المأثور من قوله: (ولقاؤك حق) بعد تفسيره بالمصير إلى\n_________\n(١) \"النهاية\" (٤/ ٢٦٦).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٥٨٧).","vol":"4","page":70},{"text":"قَالَ: \"لَيْسَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حَضَرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْء أَكُرَهُ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَكَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٠٧، م: ٢٦٨٣].\n١٦٠٢ - [٥] وَفِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ: \"وَالْمَوْتَ قَبْلَ لِقَاءِ اللَّهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [م: ٢٦٨٤].\n١٦٠٣ - [٦] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مُرَّ عَلَيْهِ بِجنَازَةٍ فَقَالَ: \"مُسْتَرِيحٌ أَوْ مُسْتَرَاحٌ مِنْهُ\". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ فَقَالَ: \"الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا. . . . .\nــ\nالآخرة بالرؤية في الآخرة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ليس ذلك) أي: ليس الأمر كما فهمته من أن المراد باللقاء الموت، بل المراد محبة ما يترتب على الموت ويشاهد عنده، أو ليس المراد بذلك تمني الموت ومحبته في الحال، بل عند مشاهدة ما يبشّر عنده، أو ليس المراد محبة الموت بحكم الجبلة بل بحكم الإيمان بما يبشر به من رضوان اللَّه وكرامته.\n١٦٠٢ - [٥] (عائشة) قوله: (وفي رواية عائشة: والموت قبل لقاء اللَّه) وهو مذكور في روايتها كما في (المصابيح) بعد قوله: (من كره لقاء اللَّه كره اللَّه لقاءه).\n١٦٠٣ - [٦] (أبو قتادة) قوله: (مر عليه) بلفظ الماضي المجهول من المرور لتعديته بالباء في قوله: (بجنازة).\nوقوله: (مستريح أو مستراح منه) (أو) للتنويع، ويقال: استراح واستروح: وجد الراحة وهو لازم، وإنما بُنِيَ للمفعول لتعديته بحرف الجر.","vol":"4","page":71},{"text":"وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥١٢، م: ٩٥٠].\n١٦٠٤ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَنْكِبِي فَقَالَ: \"كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ\". وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَياتِكَ لِمَوْتِكَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٤١٦].\n١٦٠٥ - [٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَقُولُ: \"لَا يَمُوتَنَّ أَحَدَكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٧٧].\nــ\nوقوله: (إلى رحمة اللَّه) أي: ذاهبًا إليها.\nوقوله: (والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب) لأن بوجود الفجور والظلم يحصل الفساد في العالم والإخلال في أركانه، وأن الفاجر يبغضه اللَّه فيتأذى به الأرض ومن فيها؛ ولأنه تُحْبَس بشؤم ذنبه الأمطار، فبموته يمطرون وتحى الأرض ومن عليها وما عليها.\n١٦٠٤ - [٧] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (أو عابر سبيل) قالوا: (أو) ههنا بمعنى بل، وفيه مبالغة، إذ الغريب قد يسكن في بلاد الغربة ويقيم بها، وزاد في رواية: (وعُدَّ نفسك من أصحاب القبور).\nوقوله: (وخذ من صحتك لمرضك) أي: خذ زادًا من وقت صحتك لوقت مرضك، أي: اغتنم صحتك واغتنم العمل فيها، وكذا معنى قوله: (من حياتك لموتك).\n١٦٠٥ - [٨] (جابر) قوله: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن باللَّه) حثّ","vol":"4","page":72},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-496> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٦٠٦ - [٩] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنْ شِئْتُم أَنْبَأْتُكُمْ مَا أَوَّلُ مَا يَقُولُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ مَا يَقُولُونَ لَهُ؟ \" قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ يَقُول للْمُؤْمِنين: هَل أَحْبَبْتُمْ لِقَائِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ يَا رَبَّنَا، فَيَقُولُ: لِمَ؟ . . . . .\nــ\nعلى تحسين الظن باللَّه في حالة الموت اعتمادًا على فضله وكرمه، قالوا: من علامة السعادة أن يكون الغالب في مدة الحياة الخوف، فإذا حان الموت يغلب الرجاء، وقال الطيبي (١): المراد الأمر بتحسين العمل، أي: أحسنوا أعمالكم الآن حتى يحسن باللَّه ظنكم عند الموت، قال: من ساء عمله قبل الموت يسوء ظنه عنده، انتهى. وقالوا: حقيقة الرجاء أن يحسن العمل ويرجو من اللَّه قبوله، وأما الرجاء الكاذب الذي يفتر صاحبه عن العمل ويجترئ به على الذنوب والمعاصي، فليس برجاء لكنه أمنية واغترار باللَّه تعالى، وقد ذمَّ اللَّه سبحانه قومًا ظنوا مثل هذا وأصرُّوا على حبِّ الدنيا والرضاء بها، وتمنوا المغفرة على ذلك، فقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف: ١٦٩]، وقال الحسن -﵁-: يقول أحدهم: أحسن الظن بربي، وهو يكذب، لو أحسن الظن به أحسن العمل، وكتب عمر بن منصور إلى بعض إخوانه: أما بعد، فإنك قد أصبحت تأمل بطول عمرك، وتتمنى على اللَّه الأماني بسوء فعلك، وإنما تضرب حديدًا باردًا.\nالْفَصْل الثَّانِي\n١٦٠٦ - [٩] (معاذ بن جبل) قوله: (فيقول: لم؟) أصله لما، خففت ما الاستفهامية\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٢٨).","vol":"4","page":73},{"text":"فَيَقُولُونَ: رَجَوْنا عَفْوَكَ وَمَغْفِرَتَكَ. فَيَقُولُ: قَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ مَغْفِرَتِي\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي \"الْحِلْيةِ\". [\"شرح السنة\" (٥/ ٢٦٩، ح: ١٤٥٢)، \"حلية\" (٨/ ١٧٩)].\n١٦٠٧ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ الْمَوْتِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٣٠٧، ن: ١٨٢٤، جه: ٤٢٥٨].\n١٦٠٨ - [١١] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ لِأَصْحَابِهِ: \"اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ. . . . .\nــ\nبحذف الألف كقولهم بم وفيم، أي: لم أحببتم لقائي؟ وحكمة الاستفهام إعلام السامعين سبب محبتهم للقائه، ويوجد في بعض نسخ (المصابيح) بعد (لم): (أذنبتم)، وهو أوفق بسياق الحديث.\n١٦٠٧ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (أكثروا ذكر هاذم اللذات) يفهم من كلام الطيبي أن هادم من الهدم بالدال المهملة بمعنى نقض البناء، ولكن ذكر الإسنوي في (المهمات): الهاذم بالمعجمة بمعنى القاطع كما قال الجوهري (١)، وهو المراد ههنا، وقد صرح السهيلي بأن الرواية بالمعجمة، كذا في بعض الشروح (٢).\nوقوله: (الموت) بالحركات الثلاث.\n١٦٠٨ - [١١] (ابن مسعود) قوله: (ذات يوم) أي: في وقت اسمه يوم، فهو من\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٥/ ٢٠٥٦).\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٧٣).","vol":"4","page":74},{"text":"حَقَّ الْحَيَاءِ\" قَالُوا: إِنَّا نَسْتَحْيِي مِنَ اللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: \"لَيْسَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ مَنِ اسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَلْيَحْفَظِ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى، وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَى مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [حم: ١/ ٣٨٧، ت: ٢٤٥٨].\nــ\nإضافة المسمى إلى الاسم، والمراد قال يومًا. و(الحياء) انكسار يقع في القلب ينقبض به من فِعْل ما لا ينبغي، وقد سبق تحقيق معناه في أول الكتاب في (كتاب الإيمان).\nوقوله: (قالوا: إنا نستحي من اللَّه) أي: نمتثل أوامره وننتهي عن نواهيه في الجملة، ونشكر اللَّه على ذلك، فما حق الاستحياء الذي تأمرنا به وتطلبه منا.\nوقوله: (قال: ليس ذلك) أي: ليس حق الاستحياء هذا الذي تحسبونه وتفعلونه، بل مقامه أعلى وأرفع، وهو أن تحفظوا قلوبكم وجميع أعضائكم وجوارحكم عما لا يرضاه اللَّه، وهو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] فبينه -ﷺ- بكلام جامع مختصر، وهو أن يحفظ الرأس عن أن يخضع به لغير اللَّه، ويرفعه تكبرًا عليه وعلى خلقه، ويحفظ ما وعاه الرأس، أي: حفظه وجمعه من الحواس والآلات، كالسمع والبصر واللسان وغيرها، ويحفظ البطن عن أكل الحرام وما فيه شبهة، وما حواه البطن -وهو القلب- عن الجهل بما لا يجوز الجهل به من معرفة الحق وأحكام الدين، وقيل: ما جمعه البطن واتصل به من الفرج والرجلين واليدين.\nوقوله: (وليذكر الموت) ويعمل لما بعده ويذكر.\nوقوله: (والبلى) بكسر الباء: صيرورة عظامه بالية؛ فإن من ذكر هذا وعلم أن الدنيا فانية زهد فيها، وترك لذات الدنيا وشهواتها، كما قال: (ومن أراد الآخرة ترك","vol":"4","page":75},{"text":"١٦٠٩ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِ الْمَوْتُ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٧/ ١٧١، ح: ٩٨٨٤].\nــ\nزينة الدنيا)، فهذا هو الاستحياء من اللَّه حق الحياء، فمن فعل ذلك فهو العبد الواصل المقرب.\nقال الشيخ الإِمام العالم العامل العارف باللَّه علي المتقي رحمة اللَّه عليه في رسالة المسماة بـ (تبيين الطرق إلى اللَّه) بعد ما بين أن الطريق الموصل إلى اللَّه هو العبادة؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: ٥١]: معنى قربه تعالى: بعدُ السالك عن غيره تعالى، ومعنى الوصل: قطع السالك عن غيره تعالى، والغير منحصر في المحظور والمباح، والمراد بالمحظور جميع أقسام المنهيات من المحرمات والمكروهات، وبالمباح الاشتغال بالمخلوقات من السماء والأرض والجبال والشجر والحجر وأسباب المعيشة وغير ذلك، فبعد المسالك عن المحظورات دون ذهوله عن المباحات قرب ناقص، ومع ذهوله عن المباحات قرب تام، فبأي مقدار بعد السالك عن الغير قرب إلى اللَّه تعالى بقدره، وأي مقدار انقطع عن الغير وصل إليه، فافهم وباللَّه التوفيق.\n١٦٠٩ - [١٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (تحفة المؤمن الموت) في (القاموس) (١): التحفة بالضم، وكهمزة: البر واللّطَفُ والطرفة، وفيه: الطُّرْفَةُ بالضم: الاسم من الطريف، والمُطْرِفِ والطارفِ: المال المستحدث، والغريب من الثمر وغيره، وفي (الصراح) (٢):\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٣٢، ٧٦٧).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٣٥٦).","vol":"4","page":76},{"text":"١٦١٠ - [١٣] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٩٨٢، ن: ١٨٢٨، جه: ١٤٥٢].\n١٦١١ - [١٤] وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَوْتُ الْفُجَاءَةِ أَخْذَةُ الأَسَفِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" وَرَزِينٌ فِي كِتَابِهِ: \"أَخْذَةُ الأَسَفِ لِلْكَافِرِ. . . . .\nــ\nطرفة بالضم: نووشكَفت، وفي بعض الشروح: التحفة الطرفة فاكهة وغيرها، وفي الحديث: (تحفة الصائم الدهن والمجمر) يعني يذهب عنه مشقة الصوم وشدته، كذا في (مجمع البحار) (١)، فالمراد أن الموت لطف من اللَّه للمؤمن وبِرٌّ منه ونعمة هنيئة له بوصله إلى جنته وقربه، ويذهب عنه مشقة الدنيا وشدتها، قال بعض العارفين: ولو يعلم الناس ما في الموت لأهلكوا أنفسهم بأيديهم، والموت جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب.\n١٦١٠ - [١٣] (بريدة) قوله: (المؤمن يموت بعرق الجبين) قيل: هذا كناية عن التشديد في الموت ليمحص ذنوبه أو يرفع درجته، وقيل: كناية عن كده في طلب الحلال والرياضة في العبادة إلى وقت الموت، وقيل: إن عرق الجبين علامة تتبين من المؤمن عند موته، نقل ذلك عن ابن سيرين، وقيل: المراد أنه ليس عليه شدة الإعراق.\n١٦١١ - [١٤] (عبيد اللَّه بن خالد) قوله: (موت الفجاءة) بضم الفاء مع المد والقصر وبفتحها مع القصر، وهي البغتة، يقال: فجأ الأمر: إذا جاء بغتة.\nوقوله: (أخذة الأسف) رُوي بفتح السين بمعنى الغضب، وبكسرها بمعنى\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٢٥٧).","vol":"4","page":77},{"text":"وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤمِنِ\". [د: ٣١١٠، شعب: ٧/ ٢٥٥، ح: ١٠٢١٩].\n١٦١٢ - [١٥] وَعَن أَنَس قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ، فَقَالَ: \"كَيْفَ تِجِدُكَ؟ \" قَالَ: أَرْجُو اللَّه يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا يَرْجُو، وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٩٨٣، جه: ٤٢٦١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-497> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٦١٣ - [١٦] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَمَنَّوُا الْمَوْتَ فَإِنَّ هَوْلَ الْمُطَّلَعِ شَدِيدٌ،\nــ\nالغضبان، أي: موت الفجاءة من آثار غضب اللَّه؛ لأنه لم يتركه لأن يستعد للآخرة بالتوبة والعمل، وهذا للكافر ولمن ليس على طريقة محمودة بدليل الرواية الأخرى.\n١٦١٢ - [١٥] (أنس) قوله: (تجدك) من الوجدان بمعنى العلم، فيكون من أفعال القلوب.\nوقوله: (لا يجتمعان) أي: الخوف والرجاء، وقد فهم غلبة الرجاء من تعليقه باللَّه وتعليق الخوف بالذنوب مع ما فيه من رعاية الأدب.\nالفصل الثالث\n١٦١٣ - [١٦] (جابر) قوله: (فإن هول المطلع) بضم الميم وتشديد الطاء وفتح اللام: موضع الاطلاع من إشراف إلى انحدار، والمراد ما يطلع عليه العبد من أهوال الآخرة في مواقف القيامة، وأمور يطلع عقيب الموت من أحوال البرزخ، وبه فسروا قول","vol":"4","page":78},{"text":"وَإِنَّ مِنَ السَّعَادَةِ أَنْ يَطُولَ عُمُرُ الْعَبْدِ وَيَرْزُقَهُ اللَّهُ ﷿ الإِنَابَةَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣/ ٣٣٢].\n١٦١٤ - [١٧] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: جَلَسْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَذَكَّرَنا وَرَقَّقَنَا، فَبَكَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَأَكْثَرَ الْبُكَاءَ، فَقَالَ: يَا لَيْتَنِي مِتُّ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"يَا سَعْدُ! أَعِنْدِي تَتَمَنَّى الْمَوْتَ؟ \" فَرَدَّدَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ،\nــ\nأمير المؤمنين عمر -﵁-: لو أن لي ما في الأرض لافتديت به من هول المطلع، وقال الطيبي (١): يريد ما يشرف عليه العبد من سكرات الموت وشدائده؛ فإنه إنما يتمناه من قلة صبر وضجر، فإذا جاء متمناه يزداد ضجرًا على ضجر، فيستحق مزيد سخط على سخط، يعني: أي فائدة في تمني الموت إلا تمني الشدائد والآلام، ومن شأن العاقل أن لا يتمنى ما يقع بسببه في الشدة والبلاء، وهو واقع لا محالة.\nوقوله: (الإنابة) أي: الرجوع والإقبال إليه.\n١٦١٤ - [١٧] (أبو أمامة) قوله: (فذكرنا ورققنا) من التذكير والترقيق، ونصب ضميري المتكلم.\nوقوله: (يا ليتني مت) يقال: مات يموت ويمات ويميت، فعلى الأول مت بضم الميم وعلى الآخرين بكسرها.\nوقوله: (أعندي تتمنى الموت؟) أي: وتمنيه منهي عنه، أو المراد: في حضرتي وحياتي تتمنى الموت، وحضورك عندي ومشاهدتك لجمالي وكمالي خير لك من الموت، وإن حصل لك بعد الموت نعيم ودرجات فكل ذلك لا يوازي النظر إلى وجهي\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٣٤).","vol":"4","page":79},{"text":"ثُمَّ قَالَ: \"يَا سَعْدُ! إِنْ كُنْتَ خُلِقْتَ لِلْجَنَّةِ فَمَا طَالَ عُمُرُكَ وَحَسُنَ مِنْ عَمَلِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٦٧].\n١٦١٥ - [١٨] عَن حَارِثَةَ بْنِ مُضَرِّبٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى خَبَّابٍ وَقَدِ اكْتَوَى سَبْعًا، فَقَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُول: \"لَا يتَمَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ\" لَتَمَنَّيْتُهُ. . . . .\nــ\nوالتشرف بصحبتي، وهو في الدنيا جنة مثل جنة الآخرة بل أعلى وألذ منها، ولنعم ما قال بعض الفقراء حين سئل: الحياة خير للمؤمنين أو الممات؟ فأجاب: بأن في زمان النبوة الحياة خير وبعده الممات.\nوقوله: (إن كنت خلقت للجنة) فإن قلت: هو من العشرة المبشرة فكيف أتى بكلمة الشك، قلت: لعل البشارة حصل بعد هذا القول بوحي من اللَّه ﷿ أو هذا إشارة إلى عظيم هذا الأمر، ومن شأنه أن لا يحرم بذلك، وقال الطيبي (١): (إن) ههنا للتعليل كما قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، فتدبر.\nوقوله: (حسن من عملك) (من) زائدة، وزيادة (مِنْ) في المثبت جائزة على قول الأخفش، ويحتمل أن تكون تبعيضية، فافهم.\n١٦١٥ - [١٨] (حارثة بن مضرب) قوله: (حارثة بن مضرب) بضم الميم وتشديد الراء المكسورة قبلها معجمة، الكوفي ثقة من الثانية. و(خباب) بتشديد الموحدة، ابن الأرت.\nوقوله: (قد اكتوى) من الكي، وهو إحراق جسده بحديدة أو نحوها. و(سبعًا) أي: في سبع مواضع من بدنه، وقد اختلفت الأحاديث والآثار في جوازه والنهي عنه،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٣٥).","vol":"4","page":80},{"text":"وَلَقَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَا أَمْلِكُ دِرْهَمًا، وَإِنَّ فِي جَانِبِ بَيْتِيَ الآنَ لأَرْبَعِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، قَالَ: ثُمَّ أُتِيَ بِكَفَنِهِ فَلَمَّا رَآهُ بَكَى، وَقَالَ: لَكِنَّ حَمْزَةَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ كَفَنٌ إِلَّا بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ، إِذَا جُعِلَتْ عَلَى رَأْسِهِ قَلَصَتْ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَإِذَا جُعِلَتْ عَلَى قَدَمَيْهِ قَلَصَتْ عَنْ رَأْسِهِ حَتَّى مُدَّتْ عَلَى رَأْسِهِ وَجُعِلَ عَلَى قَدَمَيْهِ الإِذْخِرُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: \"ثُمَّ أُتِي بِكَفَنِهِ\" إِلَى آخِرِهِ. [حم: ٥/ ١١١، ت: ٩٧٠].\n* * *\nــ\nويجيء تحقيقه في (كتاب الطب والرقى) إن شاء اللَّه تعالى.\nوقوله: (ولقد رأيتني) أي: علمتني، وكأنه اضطر إلى تمني الموت لضر أصابه فاكتوى بسببه، أو غنى خاف منه البطر، وهذا هو المناسب بسياق الحديث، ثم تحسر على تغير حالته التي كانت في صحبة رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (ثم أتى بكفنه) وكان نفيسًا من الأقمشة.\nوقوله: (لكن حمزة) وهو سيد الشهداء عم رسول اللَّه -ﷺ-، استدراك عن محذوف أي هذا جائز، ولكن ليس فيه اقتفاء بكبار الصحابة في الفقر والشدة؛ لأن حمزة -﵁- والذين معه عليه مضوا على ما مضوا، والتنوين في (بردة) للتحقير. و(الملحاء) من البرود ما فيه خطوط بيض وسود. و(قلصت) أي: اجتمعت وانضمت وقصرت وزالت.\nوقوله: (جعل على قدميه) أي: سُتِرت قدماه بالإذخر، وهي بكسر الهمزة وسكون الذال وكسر الخاء المعجمتين: حشيشة معروفة يسقف بها البيوت، وتجعل في القبور.","vol":"4","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-498>٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-499> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٦١٦ - [١] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩١٦].\nــ\n٣ - باب ما يقال عند من حضره الموت\nأي قرب من الموت بأن تَيقن بحكم العادة أنه يموت، وفي (شرح الهداية) لابن الهمام (١): أن علامات الاحتضار أن تسترخي قدماه وتنتصبان فلا يبقيان، ويتعوَّج أنفه، وينخسف صُدْغَاه، ويمتد جلد خصيتيه لإشماز الخصيتين بالموت، ثم الظاهر من الكلام أن المراد ما يقول الناس الحاضرون من تلقين الميت والدعاء له ولأنفسهم، وفي الباب ذكرت أحاديث كثيرة ليست من هذا القبيل، ومن عادة المؤلف أن يذكر في الباب أحاديث لها مناسبة ولو كانت بعيدة بوجه ما ولا يعقد لها أبوابًا أخر رومًا للضبط وتقليلًا للانتشار، وهذا كثير في هذا الكتاب فلا يطلب صريح المناسبة للباب فاحفظه.\nالفصل الأول\n١٦١٦ - [١] (أبو سعيد، وأبو هريرة) قوله: (لقنوا (٢» من اللَّقْن وهو سرعة الفهم، لَقِنْتُ الحديث بالكسر: فهمته، تلقنته: أخذته، غلام لقن: سريع الفهم، والتلقين: التفهيم، أي: ذكّروا من حضره الموت (لا إله إلا اللَّه) والمراد به تمام الكلمة الطيبة اكتفى بالجزء الأول كما يقال: قراءة (قل هو اللَّه أحد).\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٢/ ١٠٣).\n(٢) وجوبًا عند جماعة منهم بعض الحنفية، ونقل بعض المالكية الاتفاق عليه، والأكثر على أنه ندب. كذا في \"التقرير\". وانظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١٦٦).","vol":"4","page":82},{"text":"١٦١٧ - [٢] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا حَضَرْتُمُ الْمَرِيضَ أَو الْمَيِّتَ فَقُولُوا خَيْرًا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩١٩].\n١٦١٨ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ اللَّهُمَّ آجِرْنِي فِي مُصِيبَتِي، وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا\". . . . .\nــ\n١٦١٧ - [٢] (أم سلمة) قوله: (إذا حضرتم المريض أو الميت) (أو) للشك، والمراد بالثاني هو الأول، أي: المريض الذي أشرف على الموت الذي يقال له: المحتضر، ويحتمل أن تكون للتنويع، ويكون المراد بالمريض غير المحتضر.\nوقوله: (وقولوا خيرًا) بأن تدعوا للمريض بالشفاء، أو للميت بالمغفرة، أو تدعوا لأنفسكم خيرًا، وقيل: المراد بالخير هو لا إله إلا اللَّه، و(قولوا) بمعنى لقنوا.\n١٦١٨ - [٣] (وعنها) قوله: (إنا للَّه وإنا إليه راجعون) بيان لما أمر به، وهو وإن لم يكن مأمورًا به صريحًا لكن الترغيب والبشارة والمدح يقتضي طلب الفعل، وهو معنى الأمر.\nوقوله: (اللهم آجرني) بسكون همزة وضم جيم إن كان ثلاثيًا كنصر ينصر، وإلا فبفتح همزة ممدودة وبكسر جيم يقال: آجره يؤجره: إذا أعطاه أجرًا، وكذا أجره يأجره بمعنى، والمصيبة: الحالة التي تصيب الإنسان، غلب فيما يصيبه من المكروه.\nوقوله: (وأخلف) بفتح الهمزة وكسر اللام، والإخلاف: جعل كل شيء مكان ما ذهب وفات، أي: هب لي خيرًا من مصيبتي، أي: مما فات بهذه المصيبة، والمراد","vol":"4","page":83},{"text":"فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلمَة قُلْتُ: أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا، فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩١٨].\n١٦١٩ - [٤] وَعَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أَبِي سَلمَةَ وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ،\nــ\nالثواب أو البدل مما فات، وهو الظاهر من سياق الحديث.\nوقوله: (فلما مات أبو سلمة) هو اسم زوج أم سلمة قبل النبي -ﷺ-.\nوقوله: (قلت) أي: تذكرت قول النبي -ﷺ- هذا، وقصدت الإتيان بهذا الدعاء المتصور تزوجي بزوج آخر، ثم قلت في نفسي تعجبًا من إجابته: (أي المسلمين خير من أبي سلمة) حتى يخلف اللَّه لي خيرًا منه، ثم مدحته إثباتًا للتعجب.\nوقوله: (أول بيت هاجر) أي: أبو سلمة أول من هاجر إلى رسول اللَّه -ﷺ-، قاله أبو نعيم، ولعل المراد أول من هاجر من الحبشة إلى المدينة، وكان هو وزوجته أول من هاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة.\nوقوله: (ثم إني قلتها) أي: قلت هذا القول ودعوت بهذا الدعاء؛ طلبًا لصدق هذا الحديث وامتثالًا لأمر رسول اللَّه -ﷺ-؛ لا مع ما في نفسي من التعجب والاستبعاد.\nوقوله: (فأخلف اللَّه لي) أي: جعل لي مكان أبي سلمة رسولَ اللَّه -ﷺ-، وتزوجني وهو خير الخيرين وخير جميع الخلائق أجمعين.\n١٦١٩ - [٤] (وعنها) قوله: (وقد شق بصره) في (القاموس) (١): شق بَصَرُ\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٢٧).","vol":"4","page":84},{"text":"ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ تَبِعَهُ الْبَصَرُ\" فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: \"لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ\" ثُمَّ قَالَ: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي الْمَهْدِيِّينَ،\nــ\nالميت: نظر إلى شيء لا يرتد إليه طرفه، ولا تقل: شق الميت بَصَرَه، انتهى. يعني أن (شق) ههنا لازم لا متعد بمعنى الفتح لا بمعنى فتح، ومن ثم قال صاحب (النهاية) (١): بفتح الشين ورفع الراء، وضم الشين غير مختار، ثم قال لبيان سبب شق بصر الميت (أن الروح. . . إلخ)، وقال الطيبي (٢): يحتمل أن تكون علة للإغماض كأنه قال: أغمضته؛ لأن الروح إذا فارق يتبعه البصر في الذهاب، فلم يبق لانفتاح بصره فائدة.\nوقوله: (لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير) أي: لا تقولوا: واويلاه وياكرباه ونحو ذلك، فإنه دعاء على أنفسكم بنسبة الويل والكرب لأنفسكم؛ لأن معناه: يا ويلي ويا كربي، أبدلت ياء المتكلم بالألف، مثل يا غلاماه، أو يريد أن ارتكاب ما لا يرضاه اللَّه يرجع ضرره عليهم، فكأنه دعاء على أنفسكم، أو كان النوحة والجزع دعاء على الميت كما يشير إليه قوله -ﷺ-: (إن الميت ليعذب ببكاء أهله)، أو يكون مثل ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] أي: لا يقتل بعضكم بعضًا، وقوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦١].\nوقوله: (وارفع درجته في المهديين) قال الطيبي (٣): معناه اجعله في زمرة\n_________\n(١) \"النهاية\" (٢/ ٤٩١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٣٨).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٣٩).","vol":"4","page":85},{"text":"وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ فِي الْغَابِرِينَ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، وَأَفْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٢٠].\n١٦٢٠ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤١، م: ٩٤٢].\nــ\nالذين هديتهم إلى الإِسلام ورفعت درجتهم، انتهى. ويحتمل أن يكون معناه بل هو الظاهر: اجعله رفيع الدرجة وعالي المنزلة من بين المهديين، أي: اجعله من أعاظمهم وأعاليهم.\nوقوله: (واخلفه) بوصل الهمزة وضم اللام، أي: كن خليفة له في أولاده الباقين بأن تُصلحهم وتُربِّيهم.\nوقوله: (في الغابرين) أي: الباقين، من غَبَرَ بمعنى بقي، ويجيء بمعنى ذهب ومضى أيضًا ضد، وهو بدل من (في عقبه)، أو حال منه، فعلى الأول يكون الغابرون هم عقبة، وعلى الثاني يكون المراد بهم الناس، أي: أعقابه الكائنين في الباقين من الناس.\nوقوله: (واغفر لنا) يحتمل أن يكون لفظ الجمع للتعظيم وأن يكون لنفسه الشريفة وللصحابة.\n١٦٢٠ - [٥] (عائشة) قوله: (سُجِّي) بضم السين وكسر الجيم المشددة: غُطّي وزنًا ومعنًى.\nقوله: (ببرد حبرة) كعنبة، وهي برد قطن يمان هو شيء مخطط، وهو بالإضافة وبالتوصيف.","vol":"4","page":86},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-500> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٦٢١ - [٦] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣١١٦].\n١٦٢٢ - [٧] وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اقرؤوا سُورهَ ﴿يسَ﴾ عَلَى مَوْتَاكُمْ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٥/ ٢٧، د: ٣١٢١، جه: ١٤٤٨].\nــ\nالفصل الثاني\n١٦٢١ - [٦] (معاذ بن جبل) قوله: (من كان آخر كلامه لا إله إلا اللَّه) قد عرفت أن المراد مجموع لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه.\n١٦٢٢ - [٧] (معقل بن يسار) قوله: (عن معقل) بكسر القاف.\nوقوله: (على موتاكم) الظاهر أن المراد المحتضر، وعليه العمل، والسر في تخصيص هذه السورة بالقراءة على الميت موكول إلى علم النبوة، والاشتمال على أصول الدين مشترك بينها وبين السور الأخر، والظاهر أن ذلك السر مكتوم في فاتحة هذه السورة المتضمنة لتصديق الرسالة بأوكد وجه وخاتمتها المشتملة على الرجوع إلى اللَّه المناسب بهذا الوقت، وهي آية عظيمة، قال ابن عباس -﵄-: كنت لا أعلم ما روي في فضل (يس) كيف خصت به؛ فإذا أنه لهذه الآية: ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: ٨٣] (١).\nوقوله: (رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه) قال في (الأذكار) (٢): في إسناده\n_________\n(١) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٢٨٨).\n(٢) \"الأذكار\" (ص: ٢٣١).","vol":"4","page":87},{"text":"١٦٢٣ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَبَّلَ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ، وَهُوَ يَبْكِي حَتَّى سَالَ دُمُوعُ النَّبِيِّ -ﷺ- عَلَى وَجْهِ عُثْمَانَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٩٨٩، د: ٣١٦٣، جه: ١٤٥٦].\n١٦٢٤ - [٩] وعَنْهَا قَالَتْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَبَّلَ النَّبِيَّ -ﷺ- وَهُوَ مَيِّتٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٩٨٩، جه: ١٤٥٧].\n١٦٢٥ - [١٠] وَعَنْ حُصَيْنِ بْنِ وَحْوَحٍ: أَنَّ طَلْحَةَ بْنَ الْبَرَاءِ مَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ -ﷺ- يَعُودُهُ، فَقَالَ: \"إِنِّي لَا أَرَى طَلْحَةَ إلا قَدْ حَدَثَ بِهِ الْمَوْتُ،\nــ\nضعف، وفيه مجهولان لكن لم يضعفه أبو داود، يريد أنه مما سكت عنه أبو داود، وقد تقرر أن ما سكت عنه أبو داود صالح للاحتجاج، ولا يتجاوز الصحة أو الحسن، وكفى به حجة.\n١٦٢٣ - [٨] (عائشة) قوله: (قبَّل عثمان بن مظعون) وهو أول من مات بالمدينة من المهاجرين، وأول من دُفن ببقيع، وصارت مقبرة بعده، وحمل رسول اللَّه -ﷺ- الحجر بنفسه الشريفة، ووضع على قبره، ومظعون بالظاء المعجمة، وفي الحديث: دليل على أن الميت طاهر خلافًا للبعض، ولعله يعد أمثال هذا من الخصائص، وسيجيء الكلام فيه في غسل الميت.\n١٦٢٤ - [٩] (وعنها) قوله: (إن أبا بكر قبل النبي -ﷺ-) وقال: لقد طبت المحيا والممات.\n١٦٢٥ - [١٠] (حصين بن وحوح) قوله: (حصين) بالصاد المهملة بلفظ التصغير.","vol":"4","page":88},{"text":"فَآذِنُونِي بِهِ وَعَجِّلُوا، فَإِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِجيفَةِ مُسْلِمٍ أَنْ تُحْبَسَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَهْلِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣١٥٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-501> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٦٢٦ - [١١] عَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ، سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ\". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ لِلأَحْيَاءِ؟ . . . . .\nــ\nوقوله: (ابن وحوح) بضم واوين وسكون حاء مهملة أولى، كذا في (المغني) (١)، والصواب فتحهما، وكذا صحح في شرح الشيخ وفي نسخ الكتاب، وهو المشهور.\nوقوله: (فآذنوني) بمد الألف، أي: أعلموني به حتى أصلي عليه، يعني عجلوا في الإعلام.\nوقوله: (لجيفة مسلم) في (القاموس) (٢): الجيفة بالكسر: جثة الميت، وفي (مختصر النهاية) (٣): إذا أنتنت، وجاف وجيف واجتاف: أنتن، وكأنه بها سميت بالجيفة؛ لأن من شأنه أن يجتاف إذا أمهل.\nوقوله: (ظهراني أهله) لفظ (ظهراني) مقحم، وقد يجمع، وقد مر بيانه.\nالفصل الثالث\n١٦٢٦ - [١١] (عبد اللَّه بن جعفر) قوله: (كيف للأحياء) أي: كيف هذا الدعاء\n_________\n(١) \"المغني\" (ص: ٢٨٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٣٦).\n(٣) \"الدر النثير\" (١/ ٢٠١).","vol":"4","page":89},{"text":"قَالَ: \"أَجْوَدُ وَأَجْوَدُ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٤٤٦].\n١٦٢٧ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: الْمَيِّتُ تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَالِحًا قَالُوا: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ، اخْرُجِي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَلَا تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَيُفْتَحَ لَهَا، فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانٌ، فَيُقَالُ: . . . . .\nــ\nلنا لو قلناه أيحسن للأحياء أم لا؟ قالوه حرصًا على ذكر اللَّه، ولما توهموا اختصاصه بالموتى سألوه.\nوقوله: (وأجود) من الجودة، والتكرير للتأكيد، والواو فيه يفيد الاستمرار، كذا قال الطيبي (١).\n١٦٢٧ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (كانت) الغيبة باعتبار النفس، أي: التي كانت كما هو القياس بعد النداء نحو: يا أيها الذين آمنوا، لو قيل: (كُنْتِ) اعتبارا للمعنى لجاز أيضًا نحو: أنا الذي سمتني أمي حيدره، كما يقرر في علم المعاني، و(كانت) حال أو صفة بعد صفة.\nوقوله: (بروح وريحان) الروح بفتح الراء بمعنى الراحة، وروي بضمها، وأريد به الرحمة أو البقاء، والريحان بمعنى الرزق كذا فسر في قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ﴾ [الرحمن: ١٢]، وفي قوله تعالى: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ [الواقعة: ٨٩].\nوقوله: (فيفتح لها) بالياء التحتانية مسند إلى الجار والمجرور.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٤٢).","vol":"4","page":90},{"text":"مَرْحَبًا بِالنَّفسِ الطّيبَة كَانَت فِي الْجَسَدِ الطَّيِّبِ، ادْخُلِي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوْحٍ وَريحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَلَا تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي فِيهَا اللَّهُ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ السُّوءُ قَالَ: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ، اخْرُجِي ذَمِيمَةً، وَأَبْشِرِي بِحَمِيمِ وَغَسَّاقٍ، وَآخَرَ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ،\nــ\nوقوله: (يقال لها) أي: للنفس.\nوقوله: (فيها اللَّه) أي: عظمته وكبرياؤه الخاصة كما يكون للملوك والأمراء، وللَّه المثل الأعلى، واللَّه أعلم، وقال الطيبي (١): أي فيها رحمة اللَّه وهي الجنة، والمراد السماء السابعة كما يأتي في حديث البراء.\nوقوله: (الرجل السوء) بضم السين وفتحها وهو مرفوع صفة للرجل، أو منصوب على الخبرية لكان كما في قوله: (فإذا كان الرجل صالحًا).\nوقوله: (اخرجي) أي: قال قائل من الملائكة التي حضرت، ولعل إيراد لفظ الجمع في الرجل الصالح لتكريمه والاعتناء بشأنه.\nوقوله: (بحميم) أي: ماء حار.\nوقوله: (غساق) بالتخفيف والتشديد: صديد أهل النار يسيل عنهم، غسقت العين: سال دمعها، والمراد الإخبار بالعذاب الذي يكون لها في جهنم.\nوقوله: (وآخر) بالنصب عطف على محل (حميم)، والرفع أي له عذاب آخر (من شكله) أي: مثل ما ذكر (أزواج) أي: أصناف صفة لـ (آخر) لإرادة الجنس.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٤٣).","vol":"4","page":91},{"text":"فَمَا تَزَالُ يُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ فَيُفْتَحُ لَهَا، فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟ فَيُقَالُ: فُلَانٌ، فَيُقَالُ: لَا مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الْخَبِيثَةِ كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الْخَبِيثِ، ارْجِعِي ذَمِيمَةً، فَإِنَّهَا لَا تفتح لكِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ فَتُرْسَلُ مِنَ السَّمَاءِ ثُمَّ تَصِيرُ إِلَى الْقَبْر\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٤٢١٦].\n١٦٢٨ - [١٣] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قالَ: \"إِذَا خَرَجَتْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ تَلَقَّاهَا مَلَكَانِ يُصْعِدَانِهَا\". قَالَ حَمَّادٌ: فَذَكَرَ مِنْ طِيبِ رِيحِهَا وَذَكَرَ الْمِسْكَ، قَالَ: \"وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الأَرْضِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكِ وَعَلَى جَسَدٍ كُنْتِ تَعْمُرِينَهُ، فَيُنْطَلَقُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الأَجَلِ\". . . . .\nــ\n١٦٢٨ - [١٣] (وعنه) قوله: (إذا خرجت روح المؤمن) الروح يذكر ويؤنث.\nوقوله: (تلقاها) بتشديد القاف وتخفيفها.\nوقوله: (ملكان) وذكر الملائكة في الحديث السابق بإرادة ما فوق الواحد، أو كان يلقى بعضهم ملكان وبعضهم أكثر.\nوقوله: (قال حماد) هو راوي الحديث من أبي هريرة، كأنه نسي لفظ الحديث.\nوقوله: (فذكر) بالمعنى، وفاعل (ذكر) أبو هريرة أو الرسول -ﷺ-.\nوقوله: (وذكر المسك) أي: بطريق التشبيه، أي: رائحة كرائحة المسك.\nوقوله: (صلى اللَّه عليك) خطاب للروح على طريقة الالتفات.\nوقوله: (تعمرينه) بضم الميم، والمراد بآخر الأجل أجل القيامة، أو المراد البرزخ، أي: انطلقوا به إلى المكان الذي أُعدَّ له إلى يوم الحشر.","vol":"4","page":92},{"text":"قَالَ: \"وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا خَرَجَتْ رُوحُهُ\" قَالَ حَمَّادٌ: وَذَكَرَ مِنْ نَتَنِهَا وَذَكَرَ لَعْنًا. \"وَيَقُولُ أَهْلُ السَّمَاءِ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ الأَرْضِ، فَيُقَالُ: انْطَلِقُوا بِهِ إِلَى آخِرِ الأَجَل\"، قَالَ أَبُو هُرَيْرَة: فَرَدَّ رَسُول اللَّه -ﷺ- رَيْطَةً كَانَتْ عَلَيْهِ عَلَى أَنْفِهِ هَكَذَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٧٢].\n١٦٢٩ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا حُضِرَ الْمُؤْمِنُ أَتَتْ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ بِحَرِيرَةٍ بَيْضَاءَ فَيَقُولُونَ: اخْرُجِي رَاضِيةً مَرْضِيًّا عَنْكِ إِلَى رَوْحِ اللَّهِ وَريحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَتَخْرُجُ كَأَطْيَبِ رِيحِ الْمِسْكِ،\nــ\nوقوله: (فيقال) ذكر ههنا (يقال) وثمة (يقول) إشارة بأن اللَّه تعالى يقول للمؤمن تشريفًا له واعتناء بالرحمة، والكافر مبعود مطرود من الحضرة تقول له الملائكة.\nوقوله: (ريطة) بفتح الراء وسكون التحتانية: كل ملاءة غير ذات لِفْقَيْنِ، كلها نَسْجٌ واحد، وقطعة واحدة، أو كل ثوب ليِّنٍ رقيق، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (هكذا) أي: كفعلي هذا، فعله أبو هريرة ليُريَ الحاضرين صورة فعله -ﷺ-، كوشف له -ﷺ- عن نتنه، فردَّ الريطة على أنفه.\n١٦٢٩ - [١٤] (وعنه) قوله: (عنك) مفعول ما لم يسم فاعله لقوله: (مرضيًا)، ولهذا لم يقل: مرضية.\nوقوله: (فتخرج كأطيب) أي: رائحة كأطيب روائح المسك، أي: تخرج الروح بهذه الرائحة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦١٥).","vol":"4","page":93},{"text":"حَتَّى إِنَّهُ لَيُنَاوِلُهُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى يَأْتُوا بِهِ أَبْوَابَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُونَ: مَا أَطْيَبَ هَذِهِ الرِّيحَ الَّتِي جَاءَتْكُمْ مِنَ الأَرْضِ، فَيَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَهُمْ أَشَدُّ فَرَحًا بِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ بِغَائِبِهِ يَقْدُمُ عَلَيْهِ، فَيَسْأَلْونَهُ: مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ مَاذَا فَعَلَ فُلَانٌ؟ فَيَقُولُونَ: دَعُوهُ فَإِنَّهُ كَانَ فِي غَمِّ الدُّنْيَا. فَيَقُولُ: قَدْ مَاتَ، أَمَا أَتَاكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: قَدْ ذُهِبَ بِهِ إِلَى أُمِّهِ الْهَاوِيَةِ. وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا احْتُضِرَ أَتَتْهُ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ بِمِسْحٍ فَيَقُولُونَ: أُخْرُجِي سَاخِطَةً مَسْخُوطًا عَلَيْكِ إِلَى عَذَابِ اللَّهِ ﷿. فَتَخْرُجُ كَأنتن رِيحٍ جِيفَةٍ حَتَّى يأْتُونَ بِهِ إِلَى بَابِ الأَرْضِ، فَيَقُولُونَ: مَا أَنْتَنَ هَذِهِ الرِّيحَ حَتَّى يَأْتُونَ بِهِ أَرْوَاحَ الْكُفَّارِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٤/ ٢٨٧، ن: ١٨٣٣].\nــ\nوقوله: (ليناوله بعضهم بعضًا) أي: يتداولونه تبركًا وتعظيمًا للروح، والروح يذكر ويؤنث.\nوقوله: (دعوه) أي: لا تسألوه ولا تنقبوه حتى يذهب عنه بقايا غم تعب الدنيا فيستريح فحينئذ سألوه.\nوقوله: (بمسح) بكسر الميم: البلاس.\nوقوله: (باب الأرض) أي: باب سماء الأرض، كما يدل عليه الحديث السابق، ويحتمل أن يراد باب الأرض فيردونه إلى أسفل السافلين، كذا قال الطيبي (١).\nوقوله: (حتى يأتون) على حد ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢١٤] على قراءة الرفع، كذا في شرح الشيخ، ويحتمل أن يكون (حتى) حرف ابتداء استحضارًا لتلك الحال.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٤٦).","vol":"4","page":94},{"text":"١٦٣٠ - [١٥] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّ عَلَى رُؤُوْسِنَا الطَّيْرَ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ فِي الأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: \"اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ\" مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ نَزَلَ إِلَيْهِ مَلَائِكةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ ﵇ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَيقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ\" قَالَ: \"فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنَ السِّقَاءِ فَيَأْخُذهَا،\nــ\n١٦٣٠ - [١٥] (البراء بن عازب) قوله: (ولما يلحد) أي: لم يلحد بعد.\nوقوله: (ينكت به) والنكت أن تضرب في الأرض بقضيب فيؤثر فيها، كذا في (القاموس) (١)، وبهذه العلاقة من اللزوم تسمى المعنى الدقيق: نكتة؛ لأن من عادة المتفكر أن ينكت، وقيل: لتأثيره في القلب. و(الحنوط) كصبور وككتاب: كل طيب يخلط للميت.\nوقوله: (تسيل كما تسيل القطرة) يريد خروج الروح من البدن بسهولة ولين وسرعة. و(السقاء) بكسر السين: جلد السخلة إذا جدع يكون للماء واللبن، بالفارسية: مشك.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٦٢).","vol":"4","page":95},{"text":"فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، حَتَّى يَأْخُذُوهَا فَيَجْعَلُوهَا في ذَلِكَ الْكَفَنِ، وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ\"، قَالَ: \"فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ -يَعْنِي بِهَا- عَلَى مَلأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذِه الرُّوْحُ الطّيِّبُ؟ ! فَيَقُولُونَ: فلَانُ بْنُ فُلَانٍ بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ فَيُفْتَحَ لَهُ، فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿: اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي علِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الأَرْضِ،\nــ\nوقوله: (فإذا أخذها) أي: ملك الموت الروح سلمها إلى أعوانه إلى الملائكة الذين معهم كفن من أكفان الجنة.\nوقوله: (لم يدعوها في يده) أي: لم يترك هؤلاء الملائكة الروح في يد ملك الموت.\nوقوله: (ما هذا الروح الطيب) الروح يذكر ويؤنث كما ذكرنا.\nوقوله: (فيشيعه) الضمير لفلان أو للروح وهو يذكر ويؤنث، والتشييع والمشايعة: الذهاب مع أحد ومتابعته.\nوقوله: (مقربوها) بفتح الراء: الملائكة المقربون في تلك السماء، فالإضافة بأدنى ملابسة، (حتى ينتهى به) بلفظ المجهول.\nوقوله: (في عليين) اسم موضع في السماء السابعة.\nوقوله: (وأعيدوه إلى الأرض) أي: إلى جسده الذي دفن في الأرض.","vol":"4","page":96},{"text":"فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أخرجهم تَارَة أُخْرَى، قَالَ: \"فَتُعَادُ رُوْحُهُ فِي جَسَدِهِ، فَيَأُتيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الإِسْلَامُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُول: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءَ أَنْ قَدْ صَدَقَ عَبْدِي فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: \"فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا، فَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ\" قَالَ: \"وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ أَحْسَنُ الْوَجْهِ حَسَنُ الثِّيَابِ طَيِّبُ الرّيحِ فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْه يَجِيء بِالْخَيْرِ فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ، رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ،\nــ\nوقوله: (فأفرشوه) بقطع الهمزة، أي: اجعلوا له فراشًا من فرش الجنة.\nوقوله: (فيفسح) من الفسح أو التفسيح.\nوقوله: (فوجهك الوجه) أي: وجهك هو الكامل في الحسن والجمال والكمال، وحقٌّ لمثل هذا الوجه أن يجيء بالخير ويبشر بمثل هذه البشارة. و(يجيء بالخير) (١) صفة الوجه لأن لامه للعهد الذهني.\nوقوله: (فيقول: رب أقم الساعة) أي: أحيني حتى أرجع إلى الدنيا وأزيد في\n_________\n(١) جُمْلَةٌ اسْتِئْنَافِيَّةٌ، وَقِيلَ: الْمَوْصُولُ مُقَدَّرٌ، أَيْ: وَجْهُكَ الَّذِي يَجِيءُ بِالْخَيْرِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١٧٩).","vol":"4","page":97},{"text":"حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي\". قَالَ: \"وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلَائِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ مَعَهُمُ الْمُسُوحُ، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللَّهِ\" قَالَ: \"فَتَفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُودُ من الصُّوفِ الْمَبْلُولِ فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ، وَتَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ،\nــ\nالعمل الصالح حتى يزيد ثوابًا ودرجة، لكنه لما علم أن ليس الإحياء بعد الموت إلا بالبعث يوم القيامة طلب قيام الساعة كناية عن الإحياء، هذا ويحتمل أن يكون المراد حتى أرجع إلى أهلي ومالي لفرط سروره، وتمنيه الرجوع إليهم ليخبرهم به، كما يقول، ويتمنى المسافر الذي حصل له التنعم في بلاد الغربة كما جاء في الحديث.\nوقوله: (فتفرق) أي: تفرق الروح (في جسده) وتنتشر في أعماقه فزعًا وكراهة الخروج إلى ما يضرها على عكس حال روح المؤمن في سرعة الخروج نشاطًا وسرورًا وحسن النظر إلى ما يسرها.\n(فينتزعها) الانتزاع متعد ولازم، والنزع متعد. و(السفود) كتنور: حديدة يشوى بها اللحم ويبقى معها بقية من المحروق، فيتصحب عند الجذب شيئًا من ذلك الصوف المبلول.\nوقوله: (فيأخذها) أي: ملك الموت الروح.\nوقوله: (لم يدعوها) أي: الملائكة الروح.","vol":"4","page":98},{"text":"فَيَصْعَدُونَ بِهَا فَلَا يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرّوح الْخَبيثُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ -بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا- حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فيُسْتَفْتَحُ لَهُ فَلَا يُفْتَحُ لَهُ\"، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ﴿لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]. فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿: اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّين فِي الأَرْض السُّفْلَى، فتطرح رُوحُهُ طَرْحًا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: ٣١]،\nــ\nوقوله: (كان يسمى بها) وذكر فيما قبل (يسمونه بها) تكريمًا، ولذلك ذكر هنا (اكتبوا كتابه) وهناك (كتاب عبدي)، فتدبر.\nوقوله: (حتى يلج الجمل في سم الخياط) يعني: يدخل ما هو مثل في عظم الجرم، وهو البعير فيما هو مثل في ضيق المسلك، وهو ثقبة الإبرة، وذلك مما لا يكون، فكذلك ما توقف عليه، كذا قال البيضاوي (١)، والسم بالفتح: الثقب، والقاتل المعروف، ويثلث فيها، كذا في (القاموس) (٢).\nوقوله: (فكأنه خر من السماء) أي: سقط؛ لأنه سقط من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر.\nوقوله: (فتخطفه) أي: تسلبه الطير؛ لأن الأهواء الرديئة توزع أفكاره.\nوقوله: (أو تهوي به) بكسر الواو، أي: تلقيه، والباء للتعدية.\nوقوله: (في مكان سحيق) أي: بعيد؛ فإن الشيطان قد طرح به في الضلالة،\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٣٣٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٣٥).","vol":"4","page":99},{"text":"فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ فَيُجْلِسَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلَاعُهُ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ قَبِيحُ الثِّيَابِ مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوؤُكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يجِيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ، فَيَقُولُ: رَبِّ لَا تُقِمِ السَّاعَةَ. وَفِي رِوَايَة نَحوه، وَزَاد فِيهِ: \"إِذَا خَرَجَ رُوحُهُ صَلَّى عَلَيْهِ كُلُّ مَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَكُلُّ مَلَكٍ فِي السَّمَاءِ، وَفُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَابٍ إِلَّا وَهُمْ يَدْعُونَ اللَّه أَنْ يُعْرَجَ بِرُوحِهِ مِنْ قِبَلِهِمْ. وَتُنْزَعُ نَفْسُهُ -يَعْنِي الْكَافِرَ- مَعَ الْعُرُوقِ، فَيَلْعَنُهُ كُلُّ مَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَكلُّ مَلَكٍ فِي السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَابٍ إِلَّا وَهُمْ يَدْعُونَ اللَّه أَنْ لَا يُعْرِجَ رُوحَهُ مِنْ قِبلِهِمْ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٨٧].\nــ\nو(أو) للتخيير، كما في قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ أو للتنويع، فإن من المشركين من لا خلاص له أصلًا، ومنهم من يمكن خلاصه بالتوبة ولكن على بعد، كذا في (تفسير البيضاوي) (١).\nوقوله: (وتنزع نفسه مع العروق) كناية عن الشدة.\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٨٨).","vol":"4","page":100},{"text":"١٦٣١ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ كَعْبًا الْوَفَاةُ أَتَتْهُ أُمُّ بِشْرٍ بِنْتُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! إِنْ لَقِيتَ فُلَانًا فَاقْرَأْ عَلَيْهِ مِنِّي السَّلَامَ. فَقَالَ: غَفَرَ اللَّهُ لَكِ يَا أُمَّ بِشْرٍ، نَحْنُ أَشْغَلُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! أَمَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُول: \"إِنَّ أَرْوَاحَ الْمُؤْمِنِينَ فِي طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلُقُ بِشَجَرِ الْجَنَّةِ؟ \" قَالَ: بَلَى. قَالَتْ: فَهُوَ ذَاكَ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ في كِتَابِ \"الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ\". [جه: ٤٢٧١، البعث: ٢٢٦].\nــ\n١٦٣١ - [١٦] (عبد الرحمن بن كعب) قوله: (معرور) بفتح الميم وسكون العين المهملة وضم الراء الأولى.\nوقوله: (فأقرأ) من الإقراء، وفي نسخة من القراءة، قال في (القاموس) (١): قرأ ﵇: أبلغه، كأقرأه، ولا يقال: أقرأه إلا إذا كان السلام مكتوبًا.\nوقوله: (نحن أشغل) أي: بأعمالنا وجزائها.\nوقوله: (من ذلك) أي: بعيد من إقراء السلام فإنه يستدعي الفراغ.\nوقوله: (سمعت رسول اللَّه -ﷺ-. . . إلخ)، أي: لست ممن يشغل عن ذلك بل أنت ممن ورد فيهم هذه الكرامة.\nوقوله: (تعلق) علقت الإبل العِضاه كنصر وسمع: رعتها من أعلاها، والباء في (بشجر الجنة) زائدة للملابسة تفيد الاتصال واللحوق.\nوقوله: (فهو ذاك) أي: فالفضل والكرامة الذي يرجى لك ذاك، فتكون أنت في\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٩).","vol":"4","page":101},{"text":"١٦٣٢ - [١٧] وَعَنْهُ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: إنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّما نسمَةُ الْمُؤْمِنِ طَيْرٌ تَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرْجِعَهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ \"الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ\". [ط: ٥٦٨، ن: ٢٠٧٣، البعث: ٢٢٤].\n١٦٣٣ - [١٨] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَمُوتُ فَقُلْتُ: اقْرَأْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- السَّلَام. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٤٥٠].\n* * *\nــ\nغاية السرور والحبور لا مشغولًا ومتعوبًا، وفي الحديث دليل على أن الروح باقية لا يفنى ينعم ويعذب.\n١٦٣٢ - [١٧] (وعنه) قوله: (إنما نسمة المؤمن) أي: روحه، والنسمة يطلق على الروح والبدن، وفي (القاموس) (١): النسمة محركةً: الإنسان، وقد يقيد المؤمن بالشهيد، وقيل: بل المراد جميع المؤمنين، وهو ظاهر الحديث، واللَّه أعلم.\nوقوله: (طير) أي: في طير، وفي رواية: (وفي جوف طير خضر)، وفي رواية: (كطير أخضر)، وفي اخرى: (بحواصل الطير)، وفي أخرى: (في صورة طير بيض)، والكل ثابت في قدرة اللَّه سبحانه لا مجال للعقل في ذلك.\nوقوله: (حتى يرجعه) من المرجع متعديًا، لا من الرجوع لازمًا.\n١٦٣٣ - [١٨] (محمد بن المنكدر) قوله: (فقلت اقرأ) صحح بالأمر من القراءة.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١٠٧١).","vol":"4","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-502>٤ - باب غسل الميت وتكفينه</span>\nــ\n٤ - بَابُ غسْل الْمَيِّتِ وَتَكْفِينهِ\nاعلم أن غسل الميت فرض بالإجماع، وأجمعوا على أن إيجابه لقضاء حقه، فكان على الكفاية لصيرورة حقه مقضيًّا بفعل البعض، واختلف في سبب وجوبه فقيل: ليس لنجاسةٍ تحل بالموت بل للحدث؛ لأن الموت سبب للاسترخاء وزوال العقل، وهو القياس في الحي لأن الإنسان لا يتنجس لكرامته، وإنما اقتصر في الحي على الأعضاء الأربعة للحرج لكثرة تكرر سبب الحدث منه، فلما لم يلزم سبب الحرج في الميت عاد الأصل؛ ولأن نجاسة الحدث تزول بالغسل لا نجاسة الموت، لقيام موجبها بعده.\nوقيل -وهو الأقيس-: سببه نجاسة الميت؛ لأن الآدمي حيوان دموي، فينجس بالموت كسائر الحيوانات، ولذا لو حمل ميتًا قبل غسله لا تصح صلاته، ولو كان للحديث لصحت كحمل المحدث، غاية ما في الباب أن الآدمي المسلم خص باعتبار أن نجاسته الموتية زائلة بالغسل تكريمًا، بخلاف الكافر فإنه لا يطهر بالغسل، ولا تصح صلاة حامله بعده، وقولكم: نجاسة الموت لا تزول لقيام موجبها، مشترك الإلزام، فإن سبب الحدث أيضًا قائم بالغسل.\nوقد روي في حديث أبي هريرة -﵁-: (سبحان اللَّه إن المؤمن لا ينجس حيًا ولا ميتًا (١»؛ فإن صحت هذه الزيادة وجب ترجيح أنه للحديث، وهل يشترط للغسل النية؟ الظاهر أنه يشترط، كذا قال الشيخ ابن الهمام (٢). ولا مضمضة ولا استنشاق في\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٣٧١)، وابن ماجه (٥٣٤).\n(٢) \"فتح القدير\" (٢/ ١٠٦).","vol":"4","page":103},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-503> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٦٣٤ - [١] وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ فَقَالَ: \"اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا. . . . .\nــ\nغسل الميت عند أبي حنيفة، وكذا عند أحمد خلافًا للشافعي ﵏.\nالفصل الأول\n١٦٣٤ - [١] (أم عطية) قوله: (ابنته) وهي زينب، وقيل: أم كلثوم -﵄-، كذا في (شرح الشيخ)، والقول الأول أكثر وأشهر، وزينب -﵂- زوجة أبي العاص بن الربيع أكبر بنات النبي -ﷺ- والدة أمامة، ماتت في أول سنة ثمان، وأم كلثوم -﵂- زوجة عثمان ابن عفان -﵁-، وبكلتيهما جاءت الرواية، أما الأولى: ففي رواية مسلم (١) عن أم عطية قالت: (لما ماتت زينب بنت رسول اللَّه -ﷺ- وقال لنا رسول اللَّه -ﷺ-: اغسلنها) الحديث، وأما الثانية: فأخرج ابن ماجه (٢) بإسناد على شرط الشيخين ولفظه: (دخل علينا ونحن نغسل ابنته أم كلثوم -﵂-)، كذا في (فتح الباري) (٣).\nوقوله: (اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا) قال في (فتح الباري) (٤): وفي رواية: (وترًا ثلاثًا أو خمسًا)، وقال: (أو) هنا للترتيب لا للتخيير، ونقل عن النووي: المراد: اغسلنها وترًا وليكن ثلاثًا، فإن احتجتن إلى زيادة فخمسًا، وحاصله: أن الإيتار مطلوب والثلاث مستحبة، فإن حصل الإنقاء لم يشرع ما فوقها، وإلا زيد وترًا حتى يحصل الإنقاء،\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٩٣٩).\n(٢) \"سنن ابن ماجه\" (١٤٥٨).\n(٣) \"فتح الباري\" (٣/ ١٢٨).\n(٤) \"فتح الباري\" (٣/ ١٢٩).","vol":"4","page":104},{"text":"أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِك إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ في الآخِرَةِ كَافُورًا أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ،\nــ\nوالواجب من ذلك مرة واحدة عامة للبدن.\nوقوله: (أو أكثر من ذلك) وهو السبع كما في الرواية الآتية، وقال الشيخ (١): ولم أر في شيء من الروايات بعد قوله: (سبعًا) التعبير بأكثر من ذلك إلا في رواية لأبي داود، و[أما] ما سواها [فإما] (أو سبعًا)، وإما (أو أكثر من ذلك) فيحتمل أن يكون بيانًا لقوله: (سبعًا)، يعني: وتكون الإشارة بذلك إلى الخمس، وبهذا قال أحمد ﵀، وكره الزيادة على السبع، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا قال بمجاوزة السبع، وقال الماوردي: الزيادة على السبع سرف، انتهى. وفي (شرح الهداية): وإن زاد على ثلاث جاز.\nوقوله: (إن رأيتن ذلك) معناه التفويض إلى اجتهادهن بحسب الحاجة لا التشهي بعد أن يكون وترًا؛ ولذلك لم يذكر أربعًا أو ستًا، والكاف في ذلك في الموضعين مكسور لأنه خطاب للمؤنث.\nوقوله: (أو شيئًا من كافور) شك للراوي، قال الشيخ (٢): وظاهره جعل الكافور في الماء، وبه قال الجمهور (٣). وقال النخعي والكوفيون: إنما يجعل الكافور في الحنوط بعد انتهاء الغسل والتجفيف، وقيل: الحكمة في الكافور -مع كونه يطيب رائحة الموضع لأجل من يحضر من الملائكة وغيرهم- أن فيه تجفيفًا وتبريدًا، وقوة [نفوذ] وخاصية\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ١٢٩).\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ١٢٩).\n(٣) انظر: \"المغني\" (٣/ ٣٧٨).","vol":"4","page":105},{"text":"فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حَقْوَهُ، فَقَالَ: . . . . .\nــ\nفي تصليب بدن الميت وطرد الهوام عنه، ومنع إسراع الفساد إليه، وهو أقوى الأراييح الطيبة في ذلك، وهذا هو السر في جعله في الآخرة.\nوقيل: إن لم يوجد الكافور فالمسك يقوم مقامه، وقد عقد الترمذي (١) بابًا وعنونه بقوله: (باب في المسك للميت)، وأورد حديثًا عن أبي سعيد: أن النبي -ﷺ- سئل عن المسك فقال: (هو أطيب طيبكم)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق، وقد كره بعض أهل العلم المسك للميت.\nوقوله: (فإذا فرغتن) أي: عن الغسل (فآذنني) بمد الألف وتشديد النون بصيغة الأمر، أي: أعلمنني.\nوقوله: (فألقى إلينا حقوه) في رواية: (فأعطانا حقوه)، والحقو بفتح المهملة -ويجوز كسرها، قال الشيخ (٢): وهي لغة هذيل- وسكون القاف: في الأصل معقد الإزار، وقد يراد به الإزار مجازًا بعلاقة المجاورة، كذا قال الشارحون (٣)، وقال في (القاموس) (٤): الحَقْوُ: الإزار، ويكسر، أو معقده كالحقوة، وكذا في (الصحاح) (٥).\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٣/ ٣١٥، ح: ٩٩١).\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ١٢٩).\n(٣) انظر: \"عمدة القاري\" (٦/ ٥٦)، و\"التوضيح\" لابن الملقن (٩/ ٤٥١)، و\"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٤/ ٨).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٧٣).\n(٥) \"الصحاح\" (٦/ ٢٣١٧).","vol":"4","page":106},{"text":"\"أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ\".\nوَفِي رِوَايَةٍ: \"اغْسِلْنَهَا وِتْرًا: ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، وَابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضعِ الْوُضُوءِ مِنْهَا\". وَقَالَتْ: فَضَفَّرْنَا شَعَرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ فَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٥٣، ١٢٦٣، م: ٩٣٩].\n١٦٣٥ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ. . . . .\nــ\nوقوله: (أشعرنها إياه) من الإشعار، أي: اجعلن الحقو شعارًا لها، فالضمير في (أشعرنها) للميت، و(إياه) راجع إلى الحقو، والشعار: الثوب الذي يلي الجسد لأنه يلي شعره، أي: اجعلن الحقو تحت الكفن ليس ببدنها وتحصل البركة، وقيل: الحكمة في تأخير إعطاء الإزار إلى وقت فراغهن من الغسل -ولم يناولهن إياه أولًا- ليكون قريب العهد من جسده الكريم، وهذا الحديث أصل في التبرك بآثار الصالحين ولباسهم كما يفعله بعض مريدي المشايخ من لبس أقمصتهم في القبر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فضفرنا شعرها) ضَفَر الشعرَ: نَسَجَ بعضه على بعض، والحبل: فتله، ولعله كان أيضًا بأمر رسول اللَّه -ﷺ- أو إذنه، أو كان معلومًا من الشرع قبل هذا (١).\n١٦٣٥ - [٢] (عائشة -﵂-) قوله: (في ثلاثة أثواب) هي إزار ورداء ولفافة.\n_________\n(١) قال ابن قدامة في \"المغني\" (٣/ ٣٩٣): إن شعر الميتة يغسل، وإن كان معقوصًا نقض ثم غسل، ثم ضفر ثلاثة قرون، قرنيها وناصيتها، ويلقى من خلفها، وبهذا قال الشافعي وإسحاق وابن المنذر، وقال الأوزاعي وأصحاب الرأي: لا يضفر، ولكن يرسل مع خديها من بين يديها من الجانبين ثم يرسل عليه الخمار، انتهى. وقال صاحب \"التوضيح\" (٩/ ٤٦٣): ويضفر شعرها بعده أحسن من استرساله وانتشاره؛ لأن التضفير يجمعه ويضمه.","vol":"4","page":107},{"text":"يَمَانِيةٍ بِيضٍ سَحُوليَّةٍ. . . . .\nــ\nوقوله: (يمانية) بتخفيف الياء، و(الحكمة يمانية) أيضًا بالتخفيف، وقد يشدد، كذا في (مجمع البحار) (١)، والنسبة إلى اليمن: يمني، وقد جاء يمان بمعناه بحذف ياء النسبة وإبدال الألف المتوسط منها، وقد يجيء يماني بحذف إحدى اليائين وإبدال الألف، واليمانين في قول الشاعر:\nهواي مع الركب اليمانين مصعدٌ\nيحتمل أن يكون جمع يمان بالواو والنون كما هو الظاهر، ويحتمل أن يكون جمع يماني بالياء المخففة أعلّ كإعلال قاض، وقد يجيء يمانيّ بالألف والنون المشددة، وهذا على خلاف القياس من عدم الجمع بين العوض والمعوَّض عنه.\nوقوله: (سحولية) منسوب إلى سحول قرية باليمن، والفتح هو المشهور، وعن الزهريّ الضم، كذا في (شرح ابن الهمام) (٢)، وهو مبني على أنه بالضم أيضًا قرية، لكن الضم فيه غير مشهور، وقد يُجعل بالضم جمعَ سحل بفتح السين وسكون الحاء، قال في (القاموس) (٣): السَّحْل [ثوب] أبيض [أو] من القطن، يجمع على أسحال وسُحول، لكن النسبة إلى الجمع شاذ. والفرائضي منسوبٌ إلى الفرائض بمعنى الاسم لِعِلْمٍ مخصوص. وقيل: [بالفتح] منسوب إلى السَّحول بمعنى القصَّار لأنه يسحلها، أي: يغسلها، كذا قال الطيبي (٤)، فسحولية بمعنى مقصورة، أي: مغسولة.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٢١٧).\n(٢) \"فتح القدير\" (٢/ ١١٤).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٣٢).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٥٣).","vol":"4","page":108},{"text":"مِنْ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَة. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [خ: ١٢٦٤، م: ٩٤١].\nــ\nوفي (المشارق) (١): سحولية بفتح السين وضم الحاء، منسوب إلى قرية باليمن يقال لها: سحول، وقال ابن حبيب وابن وهب: السحول القطن، وقال ابن الأعرابي: هي ثياب بيض نقية من القطن خاصة، وقال: السحل: الثوب النقي من القطن، ووقع في كتاب مسلم من رواية السمرقندي: (أثواب سحول)، فمَن فتح السين أضاف الأثواب وأراد الموضع، ومن ضمَّها نوَّن وأراد صفةَ الأثواب أنها من قطن أو بِيضٌ.\nوقوله: (من كرسف) وهو بضم الكاف والسين: القطن، وفي رواية بدون (من)، وصف به الثياب وإن لم يكن مشتقًا كـ: حيةٌ ذراعٌ، ولا يخفى أن ذكر الكرسف قرينة على أنه يراد بـ (سحولية) من معانيه ما لا يوجد فيه معنى القطن، إلا أن يكون مبنيًا على التجريد أو التأكيد.\nوقوله: (ليس فيها قميص ولا عمامة) أي: ليسا موجودين أصلًا، وقيل: ليسا فيها بل خارجين عنها، فيكون أكفانه خمسة، والأول هو الأصح؛ لأنه قد ثبت أنه لم يكن كفنه -ﷺ- إلا ثلاثة أثواب (٢)، وبه أخذ الشافعي ﵀، وعندنا أيضًا السنة ثلاثة أثواب، لكن ذكر منها في (الهداية) (٣): القميص لا العمامة، وقد استحسن العمامة\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٣٥٢).\n(٢) قَالَ في \"الْمَوَاهِبِ\" (٣/ ٥٨٠): الصَّحِيحُ أَنَّ مَعْنَاهُ: لَيْسَ فِي الْكَفَنِ قَمِيصٌ أَصْلًا، وَقِيلَ: إِنَّهُ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ خَارِجٍ عَنِ الْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ، وَتَرَتَّبَ عَلَى هَذَا اخْتِلَافُهُمْ فِي أَنَّهُ هَلْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَفَنِ قَمِيصٌ وَعِمَامَةٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الثَّلَاثَةُ لَفَائِفَ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ. وَقَالَ الْحَنَفِيَّهٌ: الأَثْوَابُ الثَّلَاثَةُ: إِزْارٌ، وَقَمِيصٌ، وَلِفَافَةٌ. اهـ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١١٨٥).\n(٣) انظر: \"الهداية\" (١/ ٨٩).","vol":"4","page":109},{"text":"١٦٣٦ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا كَفَّنَ أَحَدَكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٤٣].\n١٦٣٧ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ. . . . .\nــ\nبعض المتأخرين للأشراف، وقيل: يجعل ذَنَبُ العمامة إلى الوجه، ولا يرسل من قبل القفا كما في حالة الحياة، والمراد ثلاثة لفائف، وكذا عند أحمد، وتحقيقه في مقامه من كتب الفقه (١).\n١٦٣٦ - [٣] (جابر) قوله: (فليحسن كفنه) المراد بتحسين الكفن أن يكون أنظف وأتم من غير إسراف وتبذير، والجديد والمغسول سواء، كذا في (شرح ابن الهمام) (٢).\n١٦٣٧ - [٤] (ابن عباس) قوله: (فوقصته راحلته)، في (القاموس) (٣): وقص عنقَهُ، كَوَعَدَ: كسرها، فوقَصَتْ لازم ومتعد، وقد يقال: وقصت به راحلته، بزيادة الباء، وفي بعض الشروح: الوقص كسر العنق، فإن كان حصل الكسر بسبب الوقوع فإسناد الوقص إلى الناقة مجاز، وإن حصل من الناقة بأن تكون أصابتْه بعد أن وقع فحقيقةٌ، وبالجملة المراد أنه سقط من راحلته فانكسر عنقه.\n_________\n(١) انظر: \"شرح فتح القدير\" (٢/ ١١٤)، و\"المحيط البرهاني\" (٢/ ٢٩٨)، و\"المغني\" (٣/ ٣٨٣)، و\"المجموع\" (٥/ ١٠٦)، و\"بداية المجتهد\" (١/ ٢٤٠/ ٢٤١).\n(٢) \"فتح القدير\" (٢/ ١١٤).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٨٥).","vol":"4","page":110},{"text":"فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا\".\nوَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ خَبَّابٍ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، فِي \"بَابِ جَامِعِ الْمَنَاقِبِ\" إِنْ شَاءَ اللَّهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٦٧، م: ١٢٠٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-504> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٦٣٨ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا مَنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ، وَمِنْ خَيْرِ أَكْحَالِكُمُ. . . . .\nــ\nوقوله: (في ثوبيه) أي: ثوبي إحرامه، وبه أخذ الشافعي وأحمد، وعندنا وعند مالك ﵏: حكم المحرم حكم سائر الموتى (١)، وإنما أمر النبي -ﷺ-[بتكفين] هذا المحرم في ثوبيه لأنه لم يكن معه غيرهما فكان للضرورة، فلا يَستلزم جوازَ الاقتصار على ثوبين حالة القدرة، وأما عدم مس الطيب وتخميرِ الرأس فكان مخصوصًا به، ولم يأمر -ﷺ- حكمًا كليًا بطريق التشريع، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n١٦٣٨ - [٥] (ابن عباس) قوله: (البياض) أي: الأبيض (٢).\nوقوله: ([ومن] خير أكحالكم) كلام مستأنف.\n_________\n(١) لأن بالموت انقطع التكليف، قاله ابن الملقن في \"التوضيح\" (٩/ ٤٧٥)، وانظر: \"المغني\" (٣/ ٤٧٨).\n(٢) يدل الحديث على استحباب التكفين في البياض، وقال النووي: وهو المجمع عليه، انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٤١٢)، و\"البدائع\" (١/ ٣٠٧)، و\"المغني\" (٣/ ٣٨٣).","vol":"4","page":111},{"text":"الإِثْمِدُ، فَإِنَّهُ يُنْبِتُ الشَّعْرَ وَيَجْلُو الْبَصَر\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَرَوَى ابنُ مَاجَهْ إِلَى \"مَوْتَاكُمْ\" [خ: ٤٠٦١، ت: ٩٩٤، جه: ٣٥٦٦].\n١٦٣٩ - [٦] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَغَالَوْا فِي الْكَفَنِ فَإِنَّهُ يُسْلَبُ سَلْبًا سَرِيعًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣١٥٤].\n١٦٤٠ - [٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ دَعَا بِثِيَابٍ جُدُدٍ فَلَبِسَهَا، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"الْمَيِّتُ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [٣١١٤].\nــ\nوقوله: (الإثمد) بكسر الهمزة والميم: الحجر الذي يُكتحل به (١).\n١٦٣٩ - [٦] (علي) قوله: (لا تَغالَوا) بفتح التاء من الغل، أي: لا تتغالوا، وقد يروى بضم التاء من المغالاة، وهو إكثار الثمن ضد الرخص، والمراد بالسلب: النبلاء (٢)، نهى عن التبذير والإسراف في الكفن.\n١٦٤٠ - [٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (جدد) بضمتين: جمع جديد.\nوقوله: (ثم قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها) ظاهره أن أبا سعيد إنما لبس ثيابًا جددًا امتثالًا لهذا الحديث، وأن المراد به ظاهره،\n_________\n(١) واختلف هل هو اسم الحجر الذي يتخذ منه الكحل، أو هو نفس الكحل؟ كذا في \"فتح الباري\" (١٠/ ١٥٨)، وقال التُّورِبِشْتِي: هو الحجر المعدني، وقيل: هو الكحل الأصفهاني الذي ينشف الدمعة والقروح ويحفظ صحة العين، ويقوي غصنها لا سيما للشيوخ والصبيان. \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٢٤٩).\n(٢) قال السهارنفوري (١٠/ ٤٣٠): حاصله: أن الكفن في الأرض يبلى سريعًا ويضيع، وقال النووي في \"الأسماء واللغات\" (٣/ ١٥١): يفسر تفسيرين: أحدهما هذا، والثاني: أن النباش يقصده إذا كان غاليًا فيسلبه سريعًا، قاله الكاندهلوي في \"حاشية البذل\".","vol":"4","page":112},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوهو أن البعث يكون في الثياب، واستشكل ذلك بأنه قد ورد في الحديث الصحيح: (يحشر الناس حفاة عراة) فأجاب بعضهم بأن البعث غير الحشر (١)، أو كأنه أراد أن البعث هو إخراج الموتى من القبر أحياء، والحشر نشرهم في عرصات القيامة، فيحتمل أن يكون البعث في الثياب، والحشر عراة، وهذا الكلام بعيد في غاية البعد (٢).\nقال التُّورِبِشْتِي (٣): قائل هذا لم يصنع شيئًا، فإنه ظن أنه نَصَر السنَّةَ، وقد ضيَّع أكثر مما حفظ، وسعى في تحريف سنن كثيرة؛ ليسوِّي كلام أبي سعيد، وكيف وقد ورد عن أبي بكر الصديق -﵁-: أنه أوصى أن يكفن في ثوبيه اللذين كان لابِسَهما، وقال: (اغسلوهما وكفنوني فيهما، فإن الحي أحوج إلى الجديد)، وقال: (إنما هما للمُهْل والتراب) (٤)، وقد ورد في حديث علي -﵁-: (لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلبًا سريعًا) (٥)، وأمثال ذلك كثيرة، فيعلم من ذلك أن ثياب الميت وكفنه يفنيان ولا يبقيان معه.\nوقال المحققون من أهل الحديث: إن الثياب في قوله -ﷺ-: (الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها) كناية عن الأعمال التي يموت فيها، وقد ورد: \"يبعث العبد على\n_________\n(١) قال الكاندهلوي: به جمع الخطابي في \"معالمه\" (١/ ٣٠٢)، كذا في \"التلخيص الحبير\" (٢/ ٢٥٧) وأجاب عنه العيني بوجوه، \"عمدة القاري\" (١١/ ٥٤)، وخصّه في \"الفتاوى الحديثية\" (ص: ٢٤٤) بالشهيد، انظر: \"بذل المجهول\" (١٠/ ٣٧٨).\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٢٥).\n(٣) \"الميسر\" (٢/ ٣٨٨).\n(٤) أخرجه مالك في \"موطئه\" (٥٢٤).\n(٥) أخرجه أبو داود في \"سننه\" (٣١٥٣).","vol":"4","page":113},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nما مات عليه من عمل صالح أو سيِّئ\"، والعرب تكني بالثياب عن الأعمال لملابسة الرجل بها ملابسته بالثياب، وقيل في تأويل قوله سبحانه: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]: أي: أعمالك فأصلح، وأبو سعيد -﵁- فهم من كلامه -ﷺ- ما دل عليه الظاهر، فغاب عن مفهوم الكلام أيضًا.\nوقال الشيخ التُّورِبِشْتِي: وكان في الصحابة رضوان اللَّه عليهم مَن يقصر فهمه في بعض الأحايين عن المعنى المراد، والناس متفاوتون في ذلك، فلا يعدُّ أمثالُ ذلك عشرة (١)، وقد سمع عدي بن حاتم الطائي -﵁- قول اللَّه تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فعمد إلى عقالين: أسود وأبيض، فوضعهما تحت وسادته، فلما سمع رسول اللَّه -ﷺ- قال: (إنك لعريض الوسادة)، وفي بعض طرقه: (إنك لعريض القفاء)، انتهى (٢).\nوهذا القول كما يُرى في الظاهر مما لا يُجترأ عليه؛ لما فيه من توهم نسبة النقص إلى الصحابة في فهم معاني أحاديث رسول اللَّه -ﷺ-، ولكنه ليس كلامًا يبالَغ في إنكاره، وقد تكلم هذا الشيخ في حديث: (وإنما أنا قاسم واللَّه يعطي) (٣) أيضًا بمثل هذا الكلام، وقال: أعلم رسول اللَّه -ﷺ- أصحابه: أني ما فضَّلتُ ولا رجَّحتُ أحدًا من أمتي على\n_________\n(١) كذا في النسخ المخطوطة، وفي \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٢٥): \"فلا يعد في أمثال ذلك عليهم\"، فليتأمل.\n(٢) قصة عدي بن حاتم الطائي أخرجها البخاري في \"صحيحه\" (١٩١٦)، ومسلم في \"صحيحه\" (١٠٩٠)، وأبو داود في سننه (٢٣٤٩)، والترمذي في \"جامعه\" (٢٩٧٠)، وأحمد في \"مسنده\" (٤/ ٣٧٧).\n(٣) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٧١).","vol":"4","page":114},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nآخر في قسمة ما أوحي إلى من العلم والدين، بل سوَّيت بينهم في الإبلاغ، وعدلت في القسمة، والتفاوت بينهم إنما هو في إدراك وفهم معناه، وذلك عطاء من اللَّه وفضل منه، وقد كان بعض الأصحاب يسمعون حديثًا ولم يفهموا منه إلا [ما] هو الظاهر الجلي منه، وكان يسمعه بعضٌ آخر من قَرْنهم أو مَنْ بعدهم مِن التابعين وتبع التابعين، ويستنبطون منه معاني، ويخرِّجون مسائل، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، انتهى كلامه بمعناه.\nقال العبد الضعيف -أصلح اللَّه شأنه وصانه عما شانه-: ومن هذا القبيل ذرع الأزواج المطهرة ﵅ بقبضة أيديهن عند سماع حديث: (أسرعكن لحوقًا بي أطولكن يدًا) الحديث (١). ونقل الطيبي (٢) عن القاضي البيضاوي: أنه قال في جواب الشيخ التُّورِبِشْتِي: إن العقل لا يأبى حمله على ظاهره حسبما فهم منه الراوي، إذ لا يَبعد إعادة ثيابه البالية كما لا يَبعد إعادة عظامه الناخرة، فإن [الدليل] الدال على جواز إعادة المعدوم لا مخصِّص له بشيء دون شيء، انتهى.\nوفيه: أن الإشكال إنما هو من جهة منافاته الحديثَ الناطق: (يحشر الناس عراة) الدالَّ على عدم إعادة الثياب مع الميت، والآبيَ عن العمل على الظاهر، نعم قد زاد الشيخ في أثناء الكلام كون الأكفان والثياب: المهلَ والتراب، وكلام القاضي يصلح جوابًا عنه، ولكن هذه الزيادة المذكورة لا مما حاجة إليه في أصل الكلام.\nهذا وغاية ما يقال في توجيه حديث أبي سعيد وتوفيقه بالحديث الآخر: إنه -﵁-\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٢٤٥٢)، وذكر قصة ذرعهن.\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٥٦).","vol":"4","page":115},{"text":"١٦٤١ - [٨] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"خَيْرُ الْكَفَنِ الْحُلَّةُ،\nــ\nإنما لبس الثياب الجدد لقصد النظافة والطهارة مثلًا، واتفق له في ذلك حضور الحديث الذي سمعه من رسول اللَّه -ﷺ- في ثياب الميت، فروى ذلك لمناسبة المقام، لا بيانًا بسبب لبس الثياب، وكان تأويله عنده ما ذكروه من إرادة الأعمال من الثياب لا الظاهر، ويمكن أن يكون مقصوده -﵁- من ذلك الإبهامَ بحمله على الظاهر، حرصًا على أمثال الظواهر، وإن كان حقيقة المراد غير ذلك، ومثله ما ذكره العلماء في قوله -ﷺ-: (سأزيد على السبعين) في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠]-مع القطع بأن المراد به التكثير- تخييلًا لإظهار رحمة ورأفة على من بعث إليه، واللَّه أعلم.\n١٦٤١، ١٦٤٢ - [٨، ٩] (عبادة بن الصامت، وأبو أمامة) قوله: (خير الكفن الحلة) الحلة: إزار ورداء من برود اليمن، ولا يطلق إلا على ثوبين، والمقصود -واللَّه أعلم- أنه لا ينبغي الاقتصار على الثوب الواحد، والثوبان خير منه، وإن أريد التشبه والكمال فثلاث على ما عليه الجمهور، وقد ذكر الشيخ ابن الهمام (١) من رواية محمد ابن الحسن عن أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم النخعي: أن رسول اللَّه -ﷺ- كفن في حلّة يمانية وقميص.\nويحتمل أن يكون المراد أنه ينبغي أن يكون من برود اليمن، وفيه خطوط أحمر أو أخضر، ويفهم هذا من تقرير الطيبي (٢) حيث قال: اختار بعض الأئمة أن يكون الكفن\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٢/ ١١٤).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٥٧).","vol":"4","page":116},{"text":"وَخَيْرُ الأُضْحِيَةِ الْكَبْشُ الأَقْرَنُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٣١٥٦].\n١٦٤٢ - [٩] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ. [ت: ١٥١٧، جه: ٣١٣٠].\n١٦٤٣ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُم الْحَدِيدُ وَالْجُلُودُ، وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣١٣٤، جه: ١٥١٥].\nــ\nمن برود اليمن لهذا الحديث، والأصح أن الثوب الأبيض أفضل (١)، فافهم.\nوقوله: (وخير الأضحية الكبش الأقرن) قال الطيبي (٢): لكونه أعظم جثة وسِمَنًا في الغالب، انتهى. وقد جاء في الروايات أن فداء ولد إبراهيم الخليل ﵉ كان بذلك.\n١٦٤٣ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (أن ينزع عنهم الحديد والجلود) المذهب عندنا أن ينزع عن الشهيد السلاح ولباس الحرب، وإن كان ثيابه أقلَّ من الكفن المسنون يزاد، وإن كان أكثر ينقص، ثم عدم غسل الشهيد متفق عليه بين الأئمة، وأما في الصلاة فخلاف، فعندنا يصلَّى، وعند مالك والشافعي لا يصلَّى، وعن أحمد قولان، والمشهور من مذهبه عدم الصلاة، وفي قول منه التخييرُ لتعارض الأدلة، والكلام مذكور في كتب الفقه (٣)، وقد بسطناه في (شرح سفر السعادة) فليرجع إليه.\n_________\n(١) وقد مر بيان استحباب التكفين في الأبيض، وهو إجماع.\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٥٧).\n(٣) انظر: \"شرح فتح القدير\" (٢/ ١٤٣)، و\"المحيط البرهاني\" (٢/ ٢٩٥)، و\"المغني\" (٣/ ٣٧٩)، و\"المجموع\" (٥/ ١٦٣)، و\"بداية المجتهد\" (١/ ٢٤٨).","vol":"4","page":117},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-505> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٦٤٤ - [١١] عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أُتِيَ بِطَعَامٍ وَكَانَ صَائِمًا، فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، كُفِّنَ في بُرْدَةٍ، إِنْ غُطّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ، وَأُرَاهُ قَالَ: وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ -أَوْ قَالَ: أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا- وَلَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٢٧٥].\nــ\nالفصل الثالث\n١٦٤٤ - [١١] (سعد بن إبراهيم) قوله: (وهو خير مني) في (شرح الشيخ) (١): لعله قال ذلك تواضعًا منه، ويحتمل أن يكون ما استقر عليه الأمر من تفضيل العشرة بالنظر إلى من لم يقتل في زمن النبي -ﷺ-، انتهى. يعني: ومصعب من شهداء أحد.\nوقوله: (وأراه قال) أي: أظن عبد الرحمن بن عوف أنه قال هذا أيضًا.\nوقوله: (أن تكون حسناتنا عجلت لنا) أي: فيدخل في عموم قوله ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾ [الإسراء: ١٨] و﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]، وأمثال ذلك، أي: من كان العاجلةُ همَّه ولم يُرِد غيرها، وروي عن عمر -﵁-: جاءه رجل بشربة من ماء فيه عسل فلم يشربه، وقال: نخشى أن نكون ممن قال اللَّه في حقهم ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] (٢)، وذلك من غاية الزهد\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٥٣).\n(٢) أخرجه أبو داود في \"الزهد\" (٩٤).","vol":"4","page":118},{"text":"١٦٤٥ - [١٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَنَفَثَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ، وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ، قَالَ: وَكَانَ كسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا. . . . .\nــ\nفي الدنيا ﵃ أجمعين (١).\n١٦٤٥ - [١٢] (جابر) قوله: (عبد اللَّه بن أبي) وكان منافقًا ظاهر النفاق.\nوقوله: (فنفث فيه) أي: في كفنه، كذا في الحواشي، قالوا: يحتمل أنه فعل ذلك قبل نزول قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]، وقيل: فعل ذلك تأليفًا لابنه، فإنه كان من المؤمنين المخلِصين في غاية الإخلاص، كأنه أشار -ﷺ-: أنا فعلنا ما استطعنا وحكمُ اللَّه ماض، وقيل: التمس ذلك ابنُه ففعل، فجذبه عمر -﵁- قال: أليس نهاك اللَّه عن ذلك؟ فقال -ﷺ-: أنا في خيرة من ذلك لقوله تعالى: ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]، وههنا قال: (سأزيد على السبعين) فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾، وكأنه فهم عمر النهي من موضع آخر، كذا في بعض الشروح (٢)، وجاء في كتب السير أنه آمن بعد ذلك من أصحاب [ابن] أُبَيٍّ ألف رجل، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وكان) أي: [ابن] أُبَيّ (كسا عباسًا) عم رسول اللَّه -ﷺ- (قميصًا) يوم بدر حين أتي بأسارى بدر وأتي بالعباس ولم يكن عليه ثوب، فنظر النبي -ﷺ- له قميصًا،\n_________\n(١) قال ابن الملقن (٩/ ٤٩٢): وفيه: أنه ينبغي للمرء أن يتذكر نعم اللَّه عنده، ويعترف بالتقصير عن أداء شكره، ويتخوف أن يقاص بها في الآخرة، ويذهب سعيه فيها، وبكاء عبد الرحمن -وإن كان أحد العشرة المشهود لهم بالجنة- هو ما كانت عليه الصحابة من الإشفاق والخوف من التأخر عن اللحاق بالدرجات العلى وطول الحساب، انتهى.\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٣٤٠)، و\"عمدة القاري\" (٦/ ٧٥).","vol":"4","page":119},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٥٠، م: ٢٧٧٣].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-506>٥ - باب المشي بالجنازة والصلاة عليها</span>\nــ\nفوجدوا قميص عبد اللَّه بن أبيٍّ يقدر عليه، فكساه إياه، وكان العباس بيِّن الطول، وكذلك كان عبد اللَّه بن أبي، فصنع رسول اللَّه -ﷺ- ما صنع مكافأة لما صنع بالعباس، حتى لا يبقى لمنافق عنده يد لم يجازه عليها، كذا قالوا (١).\n٥ - باب المشي بالجنازة والصلاة عليها\nالباء للمصاحبة، ويجوز المشي والركوب في تشييع الجنازة، وتخصيص المشي بالذكر لكونه أكثر عادة وثوابًا، وينبغي للراكب أن يذهب خلف الجنازة، والماشي خلفها وأمامها، وخلفها أفضل، وكان أبو بكر وعمر -﵄- قد يمشيان أمامها، وسيجيء له تأويل.\nوأما الصلاة على الجنازة فهي فرض كفاية إجماعًا؛ لأن ما هو الغرض من قضاء حق الميت يحصل بالبعض، وشرط صحتها: إسلام الميت، وطهارته، ووضعه أمام المصلي، فبهذا القيد لا يجوز على غائب، ولا على حاضر محمول على دابة وغيرها، ولا موضوعٍ متقدم عليه المصلي.\nوإذا دفن بلا غسل، ولا يمكن إخراجه إلا بالنبش، سقط شرط الطهارة وصُلِّي على قبره بلا غسل للضرورة، بخلاف ما إذا لم يُهَلْ (٢) عليه التراب بعدُ، فإنه يُخرج فيغسل.\nولو صُلي عليه بلا غسل جهلًا مثلًا، ولا يُخرج إلا بالنبش، تعاد لفساد الأولى،\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (٣٠٠٨).\n(٢) هال عليه التراب، يهيل، هيلًا، وأَهَالَهُ: صَبَّه. \"القاموس\" (ص: ٩٩١).","vol":"4","page":120},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-507> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٦٤٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً. . . . .\nــ\nوقيل: تنقلب الأولى صحيحة عند تحقق العجز فلا تعاد، كذا ذكره في (شرح ابن الهمام) (١)، وسيأتي الكلام في قيد الحضور في صلاته -ﷺ- على النجاشي.\nالفصل الأول\n١٦٤٦ - [١] (أبو هريرة) قوله: (أسرعوا بالجنازة) أي: بحملها إلى القبر، والأمر فيه للاستحباب بلا خلاف (٢)، وشذَّ ابن حزم الظاهري فقال بوجوبه بظاهر الأمر (٣)، وقيل: المراد بالإسراع تجهيزها، أو ما هو أعم من الأول، وينافيه (تضعونه عن رقابكم)، وتعقب بأن الحمل عن الرقاب يعبر به عن أداء الحق، كما يقال: حمل فلان عن رقبته ديونًا. والجنازة تطلق على الميت، والضمير في قوله: (فإن تك صالحة) راجعٌ إليها، ولا حاجة إلى إرجاعه إلى الجثة المحمولة، كما في بعض الشروح، ولا إلى ما قال الطيبي (٤): أَسند الفعلَ إلى الجنازة وأراد به الميت، وقال: إذ جعلت\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ١١٧).\n(٢) انظر: \"المغني\" (٣/ ٣٩٤)، قال ابن قدامة: لا خلاف بين الأئمة في استحباب الإسراع بالجنازة، انتهى. والمراد بالإسراع: الإسراع المتوسط بين الخبب، أي: شدة السعي -وبين المشي المعتاد، قال العيني (٦/ ١٥٥): مراده الإسراع المتوسط، قال الحافظ (٣/ ١٨٤): وهو قول الجمهور، والحاصل أنه يستحب الإسراع بها لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت أو مشمه على الحامل أو المشيع، انتهى.\n(٣) \"المحلى بالآثار\" (٣/ ٣٨١).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٦٠).","vol":"4","page":121},{"text":"فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣١٥، م: ٩٤٤].\n١٦٤٧ - [٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا وُضِعَتِ الْجَنَازَةُ فَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ: قَدِّمُونِي، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَت لأَهْلهَا: يَا ويْلَهَا، أَيْن تذهبون بِهَا؟ يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءِ إِلَّا الإِنْسَانَ، وَلَوْ سَمِعَ الإِنْسَانُ. . . . .\nــ\nالجنازة عين الميت ووصفت بأعماله الصالحة. . . إلى آخر ما قرر، فافهم.\nوقوله: (فخير تقدمونها إليه) أي: فالإسراع سببُ خيرٍ تقدمون الجنازة إليه، وهو وصولها إلى جزاء عمله من نعيم القبر.\n١٦٤٧ - [٢] (أبو سعيد) الخدري، قول: (إذا وضعت الجنازة) أي: وضع الميت على النعش.\nوقوله: (قالت) أي: الجنازة، قيل: القائل الروح، وأسند القول إلى الجنازة -وهو الجسد- مجازًا، وقيل: لا مانع من إن يردَّ اللَّه سبحانه الروح إلى الجسد في تلك الحال (١).\nوقوله: (يا ويلها) الويل: الهلاك، ينادي الهلاك ويقول: يا هلاكي احْضُرْ فهذا أوانُكَ، والظاهر أن يقول: يا ويلي، ولكنه من تصرف الراوي كراهة أن يضيف الويل إلى نفسه، وقيل: لما كان أبصر نفسه غير صالحةٍ نزعها وجعلها كأنها غيره، وهذه نكتة، والوجه هو الأول.\n_________\n(١) قال ابن بزيزة: قوله في آخر الحديث: \"يسمع صوتها كل شيء\" قال على أنه قول بلسان القال لا بلسان الحال، انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ١٨٥)، و\"عمدة القاري\" (٦/ ١٥٨).","vol":"4","page":122},{"text":"لَصَعِقَ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٣١٦].\n١٦٤٨ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا، فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣١٠، م: ٩٥٩].\n١٦٤٩ - [٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: مَرَّتْ جَنَازَةٌ فَقَامَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقُمْنَا مَعَهُ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا يَهُودِيَّةٌ، فَقَالَ: \"إِنَّ الْمَوْتَ فَزَعٌ،\nــ\nوقوله: (لصعق) أي: مات، وقيل: يغشى عليه، والصعق يجيء بالمعنيين.\n١٦٤٨ - [٣] (وعنه) قوله: (فقوموا) ترحيبًا للميت وتعظيمًا لإيمانه، أو تهويلًا للموت وتفظيعًا له، وهو المفهوم من حديث جابر (١).\nوقوله: (حتى توضع) أي: بالأرض، وقيل: في اللحد، والأول أصح وأوفق بالأحاديث، وترجم البخاري (٢): (باب من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال) (٣).\n١٦٤٩ - [٤] (جابر) قوله: (مرت جنازة) بضم الميم وفتحها، والضم أكثر.\nوقوله: (فزع) الرواية بفتح الزاي، أي: محلُّ فزع (٤).\n_________\n(١) الآتي برقم (١٦٤٩).\n(٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (١٣١٠).\n(٣) قال شيخنا: إن ههنا قيامين اختلفت الأئمة في حكمهما، الأول: القيام لمن مرت عليه الجنازة، والثاني: قيام من تبعها، ثم لخص الكلام عليهما مختصرًا. فالقيام للجنازة لمن مرت به منسوخ عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وصاحبيه، ومستحب عند أحمد ومن وافقه، والقيام لمن تبعها حتى توضع بالأرض مستحب عند الجمهور، انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٥٢٠ - ٥٢٨).\n(٤) اختلفت الروايات في بيان التعاليل للقيام بالجنازة، فلا منافاة بين هذه التعاليل، إذ يجوز =","vol":"4","page":123},{"text":"فَإِذَا رَأَيْتُمْ الْجَنَازَة فَقُومُوا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣١١، م: ٩٦٠].\n١٦٥٠ - [٥] وَعَن عَليٍّ قَالَ: رَأَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَامَ فَقُمْنَا وَقَعَدَ فَقَعَدْنَا، يَعْنِي فِي الْجَنَازَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَأَبِي دَاوُدَ: قَامَ فِي الْجَنَازَةِ ثُمَّ قَعَدَ بَعْدُ. [م: ٩٦٢، ط: ٣٣، د: ٣١٧٥].\n١٦٥١ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ،\nــ\n١٦٥٠ - [٥] (علي -﵁-) قوله: (قام فقمنا) وفي رواية أبي ذر: (وقمنا) بالواو، وأما قوله: (فقعدنا) فبالفاء، وللحديث معنيان: أحدهما: أنه قام لرؤية الجنازة، ثم قعد بعد تجاوزه وبُعده عنه، وثانيهما: أنه كان أولًا يقوم، ثم قعد، فيكون الأول منسوخًا، أو دل فعله الأخير على أن الأول كان مندوبًا لا واجبًا.\n١٦٥١ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (من اتبع) بالتشديد، وللأصيلي: (تبع) على وزن سمع.\nوقوله: (حتى يصلي) بكسر اللام، ويروى بفتحها والفتح أكثر، ولكنها محمولة على الكسر، فإن حصول القيراطين موقوف على وجود الصلاة من الذي يتَّبع، كذا في بعض الشروح نقلًا عن الشيخ (١).\nوقوله: (يفرغ) بصيغة المعلوم، وفي رواية بالمجهول، والقيراط جزء من أربعة\n_________\n= تعدد الأغراض والعلل، انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ١٨٠)، و\"أوجز المسالك\" (٤/ ٥١٨)، و\"مرعاة المفاتيح\" (٥/ ٣٦٦).\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ١٩٦ - ١٩٧).","vol":"4","page":124},{"text":"كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٢٥، ٩٤٥].\n١٦٥٢ - [٧] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَعَى لِلنَّاسِ النَّجَاشِيَّ الْيَوْمَ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ، وَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَات. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣١٨، م: ٩٥١].\nــ\nوعشرين، وهو ثلث الثمن، كذا نقل عن (نزهة الحسَّاب) (١)، وقال الجوهري (٢): القيراط: نصف الدانق، فهو جزء من اثني عشر؛ لأن الدانق جزء من ستة. وقال في (القاموس) (٣): القيراط يختلف وزنه بحسب البلاد، فبمكة: ربع سدس دينار، وبالعراق: نصف عُشره، والقيراط: أصله قِرّاط برائين، فأبدل من إحدى حرفي التضعيف ياء بدليل جمعه على قراريط؛ كدينار ودِنّار لجمعه على دنانير، والمراد في الحديث: القسط والنصيب (٤).\n١٦٥٢ - [٧] (وعنه) قوله: (نعى للناس) أخبرهم بموته، نعاه له نعيًا ونعوًا\n_________\n(١) هو للشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد الهائم، المتوفى سنة ٨١٥ هـ، لخصه من \"المرشدة في علم الغبار\"، ورتبة على مقدمة وبابين وخاتمة. \"كشف الظنون\" (٢/ ١٩٤٢).\n(٢) \"الصحاح\" (٣/ ١١٥١).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٢٨).\n(٤) قال الحافظ (٣/ ١٩٤ - ١٩٥): ذهب الأكثر إلى أن المراد بالقيراط جزء من أجزاء معلومة عند اللَّه، وقد قرّبها النبي -ﷺ- للفهم بتمثيله القيراط بأحد، انتهى.\nقال النووي: اعلم أن الصلاة يحصل بها قيراط إذا انفردت، فإن انضم إليها الاتباع حتى الفراغ حصل له قيراط ثان، ولمن اقتصر على الصلاة قيراط واحد، انتهى نقلًا عن \"عمدة القاري\" (١/ ٤٠١).","vol":"4","page":125},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nونعيانًا: أخبره بموته (١)، والنجاشي (٢) اسمه أصحمة بفتح الهمزة وسكون صاد وفتح حاء مهملتين على الصواب، ولبعضهم صحمة، ولآخرين صمحة، كذا في (شرح صحيح مسلم) (٣)، والنجاشي لقب ملك الحبشة، وهو بفتح النون -وقيل: بكسرها- وخفة جيم وبمعجمة وخفة ياء وهو الأكثر، وعن صاحب (التكملة): تشديدها، وقيل: بهما، وتشديد جيمه خطأ.\nوالحديث متمسَّك الشافعي في الصلاة عن الغائب، ونحن نقول: رُفع سريره له -ﷺ- حتى رآه بحضرته، أو كشف له، فيكون صلاة من خلفه كالصلاة على ميت يراه الإمام ويحضره دون المأمومين، وهذا غير مانع من الاقتداء، وقيل: ذلك مخصوص بالنجاشي فلا يلحق به غيره وإن كان أفضل منه، كشهادة خزيمة من شهادة الصديق.\nوفي صلاته -ﷺ- على غير النجاشي كمعاوية المزني الذي مات بالمدينة والنبيُّ -ﷺ- بتبوك، وعلى زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب استُشهدا بمؤتةٍ كلام من حيث إسناد الأحاديث التي رويت فيها، وعلى تقدير التسليم إنما قلنا بتخصيصه بالنجاشي على تقديرِ أن لم يرفع ولم يكشف سريره للنبي -ﷺ-، وأما على تقدير الرفع والكشف فلا\n_________\n(١) فيه جواز النعي، قال الحافظ: (٣/ ١١٧): إن النعي ليس ممنوعًا كله، وإنما نهي عما كان أهل الجاهلية يصنعونه، قال ابن العربي في \"عارضة الأحوذي\" (٢/ ٢٠٦): تؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات: الأولى: إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح، فهذا سنة، والثانية: دعوة الحفل للمفاخرة، فهذه تكره، الثالثة: الإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك، فهذا يحرم، انتهى. انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٤٣٩).\n(٢) اختلف العلماء في أن النجاشي هذا هو الذي أرسل إليه رسول اللَّه -ﷺ- كتابه أو غيره؟ فلينظر لزامًا: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٤٤٠)، و\"زاد المعاد\" (١/ ١١٦)، و\"تاريخ الخميس\" (٢/ ٣٠).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٢٧).","vol":"4","page":126},{"text":"١٦٥٣ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا، وَأَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكَبِّرُهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٥٧].\nــ\nصلاة على الغائب، وفي قصة زيد وجعفر كان كذلك (١).\n١٦٥٣ - [٨] (عبد الرحمن بن أبي ليلى) قوله: (كبر على جنازة خمسًا) قد اتفق الأئمة الأربعة على أن التكبيرات في صلاة الجنازة أربع (٢)، وردت فيها الأحاديث الصحيحة من الكتب الستة، وجاء في بعض الروايات الخمسُ وأكثر منها، والذي ثبت من فعله -ﷺ- آخرًا هي الأربع.\nوقال في (فتح الباري) (٣): قد اختلف السلف في ذلك، فروى مسلم عن زيد بن أرقم أنه كبر خمسًا، ورفع ذلك إلى النبي -ﷺ-، وروى ابن المنذر عن ابن مسعود -﵁-: (أنه صلى على جنازة رجل من بني أسد فكبَّر خمسًا)، وروى ابن المنذر وغيره [عن عليٍّ]: (أنه كان يكبر على أهل بدر ستًّا، وعلى باقي الصحابة خمسًا، وعلى سائر الناس أربعًا) وذهب بكر بن عبد اللَّه المزني: أنه لا يُنقص من ثلاث ولا يزاد على سبع، وقال أحمد مثله، لكن قال: لا يُنقص من أربع، وروي عن أنس الاقتصار على ثلاث، وروي أيضًا أنه كبر على جنازة ثلاثًا، ثم انصرف ناسيًا، فقيل: يا أبا حمزة إنك كبَّرت ثلاثًا، قال: فصُفُّوا، فصَفَّوا فكبَّر الرابعة. وقال: والذي نختاره ما ثبت عن عمر، فإنه جمع الناس على أربع، وروى البيهقي بإسناد [حسن إلى] أبي وائل قال: كانوا يكبرون\n_________\n(١) انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٤٤٢ - ٤٤٨).\n(٢) انظر: \"المغني\" (٣/ ٤١٠)، و\"المجموع\" (٥/ ١٣٤)، و\"فتح القدير\" (٢/ ١٢٣).\n(٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٠٢).","vol":"4","page":127},{"text":"١٦٥٤ - [٩] وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، فَقَالَ: لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١١٣٥].\nــ\nعلى عهد رسول اللَّه -ﷺ- سبعًا وخمسًا وستًا وأربعًا، فجمع عمر الناس على أربع، وقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار يزيد التكبير على أربع إلا ابن أبي ليلى، انتهى.\nوقال الشُّمُنِّي: قال محمد في (الآثار) (١): عن أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم النخعي: أن الناس كانوا يكبرون على الجنائز خمسًا وستًّا وأربعًا حتى قبض النبي -ﷺ-، ثم كبروا كذلك في ولاية أبي بكر، ثم ولي عمر ففعلوا ذلك، فقال لهم عمر: إنكم أصحاب محمد متى تختلفون يختلف الناس بعدكم، والناس حديث عهد بالجاهلية، فاجمعوا على شيء يجتمع عليه مَنْ بعدكم، فاجتمع رأي أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- أن ينظروا آخر جنازة كبر عليها [النبي -ﷺ- حين قبض] فيأخذوا به ويرفضوا ما سواه، [فنظروا] فوجدوا آخر جنازة كبر عليها أربعًا، فأجمعوا عليه.\nثم إنه لا دعاء بعد التكبيرة الرابعة، بل يسلم من غير ذكر بعدها في ظاهر الرواية، واستحسن بعض المشايخ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]، و﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨] الآيتين، كذا في (شرح ابن الهمام) (٢).\n١٦٥٤ - [٩] (طلحة بن عبد اللَّه بن عوف) قوله: (فقرأ فاتحة الكتاب) قال علماؤنا: لا يقرأ الفاتحة إلا أن يقرأها بنية الثناء، ولم يثبت القراءة عن رسول اللَّه -ﷺ-،\n_________\n(١) انظر: \"كتاب الآثار\" (ص: ٤٩)، مع اختلاف يسير في ألفاظ الحديث.\n(٢) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ١٢٣).","vol":"4","page":128},{"text":"١٦٥٥ - [١٠] وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى جَنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وَهُوَ يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ، وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مَدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْج وَالْبَرَدِ، وَنقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَأَهْلَا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. . . . . .\nــ\nوفي (موطأ مالك): عن نافع: أن ابن عمر كان لا يقرأ في صلاة الجنازة، ويصلي بعد التكبيرة الثانية كما يصلي في التشهد وهو الأولى، كذا قال الشيخ ابن الهمام (١)، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك والثوري، وكان عمل الصحابة في ذلك مختلفًا.\nوقال الطحاوي (٢): لعل قراءة بعض الصحابة الفاتحة في صلاة الجنازة كان بطريق الثناء والدعاء لا على وجه القراءة، وعند مالك والشافعي: يقرأ الفاتحة، ويظهر من كلام (فتح الباري) (٣) أن مرادهم بذلك مشروعية القراءة لا وجوبها، وقال الكرماني (٤): يجب، والمراد بالسنة التي وقع في كلام ابن عباس: الطريقة المسلوكة في الدين، وبه قال الطيبي (٥).\n١٦٥٥ - [١٠] (عوف بن مالك) قوله:) (وكرم نزله) بضم النون والزاي وتسكن: ما يقدم إلى الضيف من الطعام.\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ١٢١ - ١٢٢).\n(٢) انظر: \"شرح ابن بطال\" (٣/ ٣١٧)، و\"الجوهر النقي\" لابن التركماني (٤/ ٣٩).\n(٣) \"شرح الكرماني\" (٧/ ١١٦).\n(٤) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٠٤).\n(٥) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٦٤).","vol":"4","page":129},{"text":"وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"وَقِهِ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَعَذَابَ النَّارِ\" قَالَ: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا ذَلِكَ الْمَيِّتَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٦٣].\n١٦٥٦ - [١١] وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ عَائِشَة لما تُوُفِّيَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَتِ: ادْخُلُوا بِهِ الْمَسْجِدَ حَتَّى أُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَأُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- علَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ. . . . .\nــ\nوقوله: (ومن عذاب النار) (أو) للشك أو بمعنى الواو، وقد جاء في رواية بالواو.\nوقوله: (قال) أي: عوف بن مالك، والميت كان أبا سلمة.\n١٦٥٦ - [١١] (أبو سلمة بن عبد الرحمن) قوله: (لما توفي سعد بن أبي وقاص) توفي -﵁- في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، وحمل إليها على أعناق الرجال ليدفن بالبقيع، وذلك في إمرة معاوية، وعلى المدينة مروان.\nوقوله: (قالت: ادخلوا به المسجد) فأصلي عليه، وفي رواية لمسلم (١): (أرسلت أزواج النبي -ﷺ- أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه).\nوقوله: (فأنكر ذلك عليها) على صيغة الماضي المجهول، أنكره الصحابة.\nوقوله: (على ابني بيضاء) امرأة اسمها دعد بنت الجحدم، وسهل وسهيل ابناها من الصحابة، ينسبان إلى الأم، واسم أبيهما وهب بن ربيعة، ويظهر مما ذكر في (جامع الأصول) (٢): أن سهلًا وسهيلا كلاهما مات في حياة النبي -ﷺ- بالمدينة، وأما صلاته -ﷺ-\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (خ: ٩٧٣).\n(٢) \"جامع الأصول\" (٦/ ٢٣٣)، و(١٢/ ٤٥١، ٤٥٣).","vol":"4","page":130},{"text":"فِي الْمَسْجِدِ: سُهَيْلٍ وَأَخِيهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٧٣].\nــ\nفلم يذكرها إلا على سهل بلا ياء، ويفهم من هذا الحديث عن عائشة عند مسلم أنه صلى عليهما، وقد جاء في رواية لمسلم تخصيصها بسهيل بالياء، وذكر التُّورِبِشْتِي (١): أنهم لم يختلفوا في سهيل أنه مات بالمدينة سنة تسع، وصلى عليه رسول اللَّه -ﷺ- في المسجد، وأما سهل فقيل: إنه مات في زمان رسول اللَّه -ﷺ- وهو الأكثر، وذكر عن الواقدي: أنه مات بعد رسول اللَّه -ﷺ-، وروى مالك بن أنس هذا الحديث عن أبي النضر عن أبي سلمة، ولم يذكر فيه سهلًا، وأرسل الحديث، وقد روي هذا الحديث عن عائشة مبيَّنًا، وذكر فيه سهلًا وسهيلًا، انتهى كلام التُّورِبِشْتِي، واللَّه أعلم.\nإذا عرفت هذا فاعلم أنهم اختلفوا في صلاة الجنازة في المسجد، فعندنا مكروه، سواء كان الميت والقوم في المسجد، أو كان الميت خارج المسجد والقوم في المسجد، أو كان الإمام مع بعض القوم خارج المسجد والميت والباقون في المسجد، أو الميت في المسجد والإمام والقوم خارج المسجد، قال في (الخلاصة): هكذا في (الفتاوى الصغرى)، وقال: هو المختار، خلافًا لما أورده النسفي، كذا نقل الشيخ ابن الهمام (٢)، وقال: وهذا الإطلاق في الكراهة بناء على أن المسجد إنما بني للصلاة المكتوبة وتوابعها من النوافل والذكر وتدريس العلم.\nوقيل: لا يكره إذا كان الميت خارج المسجد، وهو بناء على أن الكراهة لاحتمال تلويث المسجد، والأول هو الأوفق لإطلاق الحديث الذي رواه أبو داود وابن ماجة (٣)\n_________\n(١) \"الكتاب الميسر\" (٢/ ٣٩١ - ٣٩٢).\n(٢) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ١٢٨).\n(٣) \"سنن أبي داود\" (٣١٩١)، و\"سنن ابن ماجة\" (١٥١٧).","vol":"4","page":131},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعن ابن أبي ذئب، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (من صلى على ميت في المسجد فلا أجر له)، وروي: (فلا شيء له).\nثم هي كراهة تحريم أو تنزيه؟ روايتان، ويظهر لي أنّ الأَولى كونها تنزيهية، إذ الحديث ليس هو نصًا غير مصروف، ولا قرن الفِعْل بوعيد بل سلبُ الأجر، وسلب الأجر لا يستلزم ثبوت استحقاق العقاب؛ لجواز الإباحة، ويجوز أن يكون المراد نفي الأجر الكامل، وقد يقال: إن الصلاة نفسها سببٌ موضوع للثواب، فسلبُ الثواب مع فعلها لا يكون إلا باعتبار ما يقرن بها من إثم يقاوم ذلك، وفيه نظر لا يخفى، كذا قال الشيخ ابن الهمام (١). وهذا هو مذهب مالك، والظاهر من قوله ﵀: (لا أحبه) كراهة التنزيه، وعند الشافعي جائزة، وما وجدنا فيه نصًا من الإمام أحمد ﵀ في كتابه (٢)، ولكنه قد يفهم من تخصيص الشارحين الخلاف بأبي حنيفة ومالك أن أحمد مع الشافعي في ذلك، واللَّه أعلم.\nدليل الشافعي الحديث المذكور في الكتاب، وهو حديث صحيح رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، وقد أقسمت عائشة فيه على صلاة رسول اللَّه -ﷺ- على ابني بيضاء في المسجد، وفي رواية: أنها قالت لما أنكر عليها: (ما أسرع مَا نسِيَ الناسُ! ما صلى رسول اللَّه -ﷺ- على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد) (٣)، وفي رواية: (فبلغهن أن الناس عابوا ذلك، وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد، فقالت عائشة:\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ١٢٨).\n(٢) وفي \"المغني\" لابن قدامة (٣/ ٤٢١): ولا بأس بالصلاة على الميت في المسجد إذا لم يخف تلويثه.\n(٣) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٩٧٣).","vol":"4","page":132},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nما أسرع الناس أن يعيبوا ما لا علم لهم به! عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد، وما صلى رسول اللَّه -ﷺ- على سهيل بن البيضاء إلا في المسجد) (١).\nوتمسك أبو حنيفة ومالك بالحديث المذكور عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (من صلى على ميت في المسجد فلا أجر له)، وروي: (فلا شيء له) (٢). وأما حديث عائشة فروايةُ واقعةٍ لا عموم لها، وما يثبت به إلا أنه -ﷺ- فعل ذلك ولو مرة أو مرتين، ويجوز أن يكون ذلك لضرورة دعت إليه، وقد يروى: أن رسول اللَّه -ﷺ- كان معتكفًا، لهذا صلى في المسجد، ويروى أيضًا: أن الجنازة كانت خارج المسجد، وفي هذه الصورة اختلاف بين الحنفية، وأيضًا قالوا: إن مصلى المسجد كان مكانًا متصلًا بالمسجد، فيحتمل أن رواية الصلاة في المسجد باعتبار كونه قريبًا من المسجد متصلًا به، وما جاء في رواية مسلم: (فوضعت عند حُجَرِهن) أيضًا مبني على ذلك، ويظهر أيضًا أن ذلك مبنَى ما يروى عن أبي يوسف أنه قال: إن كان مسجد معدًّا لذلك جازت فيه بلا كراهة، واللَّه أعلم. على أن إنكار الصحابة والتابعين مع كثرتهم دليل على أن الأمر استقر بعد ذلك على تركه ونسخه، ونسبة عائشة -﵂- عدم العلم والنسيان إليهم محل كلام، ويحتمل أن تكون عائشة هي غير عالمة بالنسخ، وهو الظاهر لكثرتهم وإيقانهم، على أن في خروج النبي -ﷺ- إلى المصلى للصلاة على النجاشي دليلًا ظاهرًا على كراهته في المسجد، ولو كانت جائزة في المسجد لم يخرج كما هو الظاهر.\nوقال بعض الشافعية: إن حديث أبي هريرة ضعيف؛ لأنه من أفراد صالح مولى\n_________\n(١) هو الحديث السابق.\n(٢) مر تخريجه.","vol":"4","page":133},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالتوأمة، وهو يضعَّف، وعلى تقدير التسليم [فإن] الرواية: (فلا شيء عليه) -كما رواه الخطيب البغدادي- والمعنى: فلا حرج ولا إثم عليه.\nوقال الشيخ ابن الهمام (١): مولى التوأمة ثقة، لكنه اختلط في آخر عمره، وأسند النسائي إلى ابن معين أنه قال: هو ثقة، لكنه اختلط قبل موته، فمن سمع منه قبل ذلك فهو ثبت حجة، وكلهم على أن ابن أبي ذئب راوي هذا الحديث عنه سمع منه قبل الاختلاط، فوجب قبوله بخلاف سفيان أو غيره، ورواية: (فلا شيء له) مشهور، ولا يعارضه رواية: (فلا شيء عليه)، انتهى كلام الشيخ.\nوقال العبد الضعيف: رواه في (الهداية) (٢): (فلا أجر له)، ورواه صاحب (جامع الأصول) (٣): (فلا شيء له)، وقال: في نسخة: (فلا شيء عليه)، ويظهر من ذلك أن الأصل والأكثر (فلا شيء له)، وروى السيوطي في (جمع الجوامع) (٤): (فليس له شيء)، وإذا ثبت أن الأكثر المشهور (فلا شيء له) ينبغي أن يحمل عليه رواية (فلا شيء عليه) إن ثبت، على معنى: فلا أجر له على هذا العمل، تطبيقًا وحملًا للظاهر على النص، واللَّه أعلم.\nوما روي: أن أبا بكر وعمر -﵄- قد صلي عليهما في المسجد، كما روى ابن أبي شيبة (٥): أنه صلى عمر على أبي بكر، وصهيب على عمر في المسجد، وقد حضرها\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ١٢٨ - ١٢٩).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ٩١).\n(٣) \"جامع الأصول\" (٦/ ٢٣٥، ص: ٤٣٣٥).\n(٤) \"الجامع الكبير\" للسيوطي (٧/ ٥٥، ح: ٢٠٨٢٤).\n(٥) \"المصنف\" (٣/ ٤٤، ص: ١١٩٦٧ - ١١٩٦٩).","vol":"4","page":134},{"text":"١٦٥٧ - [١٢] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا فَقَامَ وَسَطَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْه. [خ: ١٣٣٢، م: ٩٦٤].\nــ\nالمهاجرون والأنصار، فلم ينكر ذلك أحد، فعلى تقدير ثبوته يحمل على أن الجنازة كانت خارج المسجد.\nهذا والحق أن قولهم إن كان أن السنة والأفضل أن يصلَّى في المسجد، فهو باطل قطعًا (١)، وإلا لكان هو المعمول في زمن النبي -ﷺ- ولتوارث بعده، ولم ينكره أحد، بل لم يتركه أحد إلا لضرورة، وليس فليس، وإن كان المقصود أصل الجواز والإباحة فلا مناقشة على أن المختار عندنا الكراهة التنزيهية، ومآله أن الأولى والأفضل خصوصًا إذا كانت الجنازة خارج المسجد، فلا خلاف في الحقيقة، هذا وقد اعتاد في زماننا الصلاة في الحرم الشريف استحسانًا من المتأخرين، واللَّه أعلم.\n١٦٥٧ - [١٢] (سمرة بن جندب) قوله: (ماتت في نفاسها) القيد اتفاقي، وبيان لواقعة رأى فيها، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فقام وسطها) الرواية المشهورة بالتحريك، وقد يسكن، والفرق بينهما أن المتحرك ما بين الطرفين والساكن أعم، قالوا: المتحرك ساكن والساكن متحرك، واستدل به الشافعي على أن المستحب أن يقف الإمام عند عجيزة المرأة، والمذهب عندنا أن يقوم الإمام حذاء صدر الميت رجلًا كان أو امرأة، ويناسبه رواية وسط.\nقال الشيخ ابن الهمام (٢): هذا لا ينافي كونه الصدرَ، بل الصدر وسطٌ باعتبار\n_________\n(١) وقال الشيخ ابن القيم بعد الكلام الطويل: فالصواب ما ذكرنا أولًا أن سنته وهديه الصلاة على الجنازة خارج المسجد إلا لعذر، وكلا الأمرين جائز، والأفضل الصلاة عليها خارج المسجد، نقلًا عن \"أوجز المسالك\" (٤/ ٤٧٧).\n(٢) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ١٢٦).","vol":"4","page":135},{"text":"١٦٥٨ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّ بِقَبْرٍ دُفِنَ لَيْلًا، فَقَالَ: \"مَتَى دُفِنَ هَذا؟ \" قَالُوا: الْبَارِحَة. قال: \"أَفَلَا آذَنْتُمُونِي؟ \" قالوا: دَفَنَّاهُ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ فَكَرِهْنَا أَنْ نُوقِظَكَ، فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٤٧، م: ٩٥٤].\nــ\nتوسط الأعضاء، إذ فوقه يداه ورأسه وتحته بطنه وفخذاه، ويحتمل أنه وقف كما قلنا إلا أنه مال إلى العجيزة في حقها، فظن الراوي ذلك لتقارب المحلين، واستدلوا بما روى أبو داود والترمذي من فعل أنس: أنه قام على جنازة رجل، فقام عند رأسه، ثم جيء بجنازة امرأة فصلى عليها وقام حذاء عجيزتها، ثم سئل أنس: يا أبا حمزة! هكذا كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي على الجنازة كصلاتك: يكبر عليها أربعًا ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم (١).\nوأجاب الحنفية عنه بأنه إنما قام عند عجيزة المرأة لأنه لم يكن النعوش حينئذ، فكان يقوم حيال عجيزتها يسترها من القوم، وسيأتي ذلك في آخر الفصل الثاني من حديث أبي غالب (٢)، وقد قال الشُّمُنِّي: إنه روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنه يقوم من المرأة حذاء العجيزة كما هو مذهب الجماعة.\n١٦٥٨ - [١٣] (ابن عباس) قوله: (البارحة) الليلة الماضية، إن ذكرت قبل الزوال يقال لها: الليلة، وإن ذكرت بعده يقال: البارحة.\nوقوله: (فصلى عليه) أي: على القبر بعد ما كان الناس قد صلوا عليه، كذا يفهم من بعض الأحاديث، وهو الظاهر لأن دفنهم الميت بدون الصلاة بعيد.\n_________\n(١) واختاره الطحاوي وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة كما في \"الهداية\"، كذا في \"التقرير\".\n(٢) انظر: (١٦٧٩).","vol":"4","page":136},{"text":"١٦٥٩ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ -أَوْ شَابٌّ- فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَسَأَلَ عَنْهَا -أَوْ عَنْهُ- فَقَالُوا: مَاتَ. قالَ: \"أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي؟ \". قالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا -أَوْ أَمْرَهُ- فَقَالَ: \"دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ\" فَدَلُّوهُ فَصَلَّى عَلَيْهَا، .\nــ\n١٦٥٩ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (كانت تقم) بضم القاف، قَمَّ البيت: كَنَسَه.\nوقوله: (أو شاب) شك من الراوي بأن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، أو شاب أسود كان يقمه.\nوقوله: (فقدها) أي: لم يرها حاضرة في المسجد، هذا من قبيل اكتفاء ذكر حال المرأة، واكتفى به عن ذكر حال الرجل كما جاء في رواية: (أو شاب)، وقد يوجد في بعض النسخ: (أو فقده) على سبيل الشك، ويلائمه قوله: (فسأل عنها أو عنه) و(أمرها أو أمره).\nوقوله: (قال: فكأنهم) قول الراوي من أبي هريرة، وفاعل (قال): أبو هريرة، كان الصحابة تخيلوا أن ذلك الميت حقير لا يليق أن يكلف لأجله رسول اللَّه -ﷺ-، وذلك لغاية تعظيمهم أمره -ﷺ-.\nوقوله: (دُلُّوني على قبره) وهو الموجود في أكثر النسخ، وفي بعضها: (قبرها)، وعلى كل تقدير هو من باب الاكتفاء، ويمكن أن يكون الضمير للميت أو للشخص.\nواعلم أن الصلاة على القبر مختلف فيه بين العلماء، فذهب الجمهور إلى مشروعيتها سواء صلِّي أولًا أو لا، والنخعي وأبو حنيفة ومالك على أنه يصلى إن لم يصلَّ أولًا وإلا فلا، وفي رواية عن أحمد كذلك، وعن مالك أن من صلى أولًا مرة على الجنازة لم يصل على القبر. وأيضًا إنما يصلى عند أبي حنيفة إن لم يتفسَّخ في القبر،","vol":"4","page":137},{"text":"ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللَّهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ. [خ: ١٣٣٧، م: ٩٥٦].\n١٦٦٠ - [١٥] وَعَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ مَاتَ لَهُ ابْنٌ بِقُدَيْدٍ -أَوْ بِعُسْفَانَ- فَقَالَ: يَا كُرَيْبُ! انْظُرْ مَا اجْتَمَعَ لَهُ مِنَ النَّاسِ. قَالَ: فَخَرَجْتُ فَإِذَا نَاسٌ قَدِ اجْتَمَعُوا لَهُ فَأَخْبَرْتُهُ،\nــ\nوقدَّره بعضهم بثلاثة أيام، وفي رواية عن محمد: يصلِّى ما لم يتمزق، وهو مقدر إلى شهر، وقد جاء مثل ذلك في بعض الأحاديث، كذا في حواشي (الهداية) (١).\nوقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ما جاء من ذلك لم يكن على وجه الصلاة، وإنما كان دعاء واستغفارًا فحسب، ولذا لم تذكر التكبيرات في بعض تلك الروايات، وما ذكرت فيه التكبيرات من الروايات لم تصح، كما يروى من صلاته -ﷺ- على شهداء أحد بعد ثمان سنين، وكان ذلك بطريق التوديع لا الصلاة، أو كان ذلك من خصائصه -ﷺ-، حتى ذهب بعض العلماء أن الصلاة على القبر مطلقًا من خصائص النبوة كما يفهم من قوله: (إن اللَّه ينورها لهم بصلاتي عليهم) (٢).\n١٦٦٠ - [١٥] (كريب مولى ابن عباس) قوله: (مات له ابن) الظاهر أن (له) صفة لابن قدمت عليه للاهتمام، ويجوز أن يكون متعلقًا بـ (مات)، لأن في موت الولد نفعًا للوالد، و(قديد) و(عسفان) بضم أوّلهما: موضعان بين مكة والمدينة، وعسفان أقرب إلى مكة من قديد.\nوقوله: (انظر ما اجتمع له) (ما) عامة للعقلاء وغيرهم، إذ المراد الصفة، كما\n_________\n(١) انظر: \"العناية\" (٢/ ١٢١)، و\"البناية\" (١/ ٥٥٨).\n(٢) انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٤٥٣ - ٤٥٦).","vol":"4","page":138},{"text":"فَقَالَ: تَقُولُ: هُمْ أَرْبَعُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَخْرِجُوهُ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٌ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللَّهُ فِيهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٤٨].\n١٦٦١ - [١٦] وَعَنْ عَائِشَةَ عَن النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَا مِنْ مَيِّتٍ تُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ مِئَةً كُلُّهُمْ يَشْفَعُونَ لَهُ، إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٤٧].\nــ\nفعله البيضاوي في قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (٦) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٦ - ٧].\nوقوله: (فقال: يقول) كذا في نسخة الأصل (يقول) بالتحتانية، أي: قال كريب: يقول ابن عباس، وقوله: (هم أربعون) بحذف حرف الاستفهام، وفي نسخة صحيحة: (فقال: تقول) بالفوقانية، أي: قال ابن عباس خطابًا لي تقول: هم أربعون؟\nوقوله: (قال: نعم) أي: قال كريب: قلت: نعم.\nوقوله: (ما من رجل) ظاهره يدل على أن الابن كان بلغ مبلغ الرجال، أو قاس غير الرجال عليه.\nوقوله: (فيقوم) أي: يصلون، وفيه إيماء إلى أن مجرد قيام المؤمنين الموحدين على الجنازة ودعائهم له مؤثر.\n١٦٦١ - [١٦] (عائشة -﵂-) قوله: (يبلغون مئة) لا منافاة بينه وبين حديث ابن عباس؛ لأن الظاهر أن الأربعين أقل من يرجى شفاعتهم والمئة أكثرهم، وقال التُّورِبِشْتِي (١): السبيل في أمثال هذا الحديث أن يكون الأقل من العددين متأخرًا فضلًا\n_________\n(١) \"الميسر في شرح مصابيح السنة\" (٢/ ٣٩٣).","vol":"4","page":139},{"text":"١٦٦٢ - [١٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَرُّوا بِجَنَازَةٍ فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"وَجَبَتْ\"، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: \"وَجَبَتْ\" فَقَالَ عُمَرُ: مَا وَجَبَتْ؟ فَقَالَ: \"هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا فَوَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاء اللَّه فِي الأَرْض\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: \"الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاءُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ\". [خ: ١٣٦٧، م: ٩٤٩].\n١٦٦٣ - [١٨] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ\". قُلْنَا: وَثَلَاثَةٌ؟ قَالَ: \"وَثَلَاثَةٌ\". قُلْنَا: وَاثْنَانِ؟ قَالَ: \"وَاثْنَانِ\"، ثُمَّ لم نَسْأَلَهُ عَنِ الْوَاحِدِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٣٦٨].\nــ\nمن اللَّه وتكرمًا على عباده.\n١٦٦٢ - [١٧] (أنس) قوله: (فأثنوا عليها) من إطلاق الثناء في الشر للمشاكلة.\nوقوله: (هذا أثنيتم عليه خيرًا فوجبت له الجنة) معناه: أن الذين أثنوا عليه رأوا منه الخير والصلاح، وذلك علامة كون الرجل من أهل الجنة، وفي الثناء بالشر على عكس ذلك، وقطعه -ﷺ- باطِّلاعه عليه، كذا قالوا، ولا يذهب عليك أن قوله -ﷺ-: (أنتم شهداء) يدل بظاهره أن من شهد له أو عليه المؤمنون يثبت به قطعًا ما شهدوا به، فعلى هذا يكون المراد المؤمنون أهل الصدق والتقوى من غير مدخلية غرض نفساني، لا سيما إذا كانوا من أهل الإجماع لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، فافهم.\n١٦٦٣ - [١٨] (عمر) قوله: (ثم لم نسأله عن الواحد) ولعله لو سئل عنه لأجاب بقوله: وواحد، واللَّه أعلم، وهذا إخبار وإشارة منه -ﷺ- بكمال سعة رحمة اللَّه ورجاء","vol":"4","page":140},{"text":"١٦٦٤ - [١٩] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٣٩٣].\n١٦٦٥ - [٢٠] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: . . . . .\nــ\nوتوقع لذلك من فضله وكرمه، واللَّه ذو الفضل العظيم، واللَّه أعلم (١).\n١٦٦٤ - [١٩] (عائشة) قوله: (لا تسبوا الأموات) النهي عن سب الأموات إنما هو في غير المنافق والكافر والفاسق المجاهر بفسقه، وأما هؤلاء فلا يحرم سبُّهم للتحذير من طريقهم، كما في الغيبة.\nوقوله: (فإنهم قد أفضوا) أي: وصلوا (الى ما قدموا) من أعمالهم، فإن كان خيرًا فلا ينبغي أن يذكروا بشر، وإن كان شرًّا فلعله يغفر لهم، وإن لم يغفر فذكركم إياه وقوع فيما لا يعني.\n١٦٦٥ - [٢٠] (جابر) قوله: (في ثوب واحد) قال زين العرب (٢): المراد به القبر الواحد إذ لا يجوز تجريدهما بحيث تتلاقى بشرتاهما (٣)، وقال الخطابي: يجوز\n_________\n(١) قال الحافظ (٣/ ٢٣٠): قال الزين بن المنير: إنما لم يسأل عمر عن الواحد استبعادًا منه أن يكتفى في مثل هذا المقام العظيم بأقل من النصاب.\n(٢) هو شارح \"مصابيح السنة\" للبغوي، اسمه: علي بن عبيد اللَّه بن أحمد المصري، الشهير بزين العرب، المتوفى ٧٥٨ هـ، شرحه مخطوط في مجلدين في دار الكتب. \"الأعلام\" (٤/ ٣١٠).\n(٣) قال السندي في \"حاشية النسائي\" (٤/ ٦٢): نقله غير واحد وأقروه عليه، لكن النظر في الحديث يردّه، بقي أنه ما معنى ذلك والشهيد يدفن بثيابه التي كانت عليه، فكأن هذا فيمن قطع ثوبه، ولم يبق على بدنه أو بقي منه فليل لكثرة الجروح، وعلى تقدير بقاء شيء من الثوب السابق =","vol":"4","page":141},{"text":"\"أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ؟ \"، فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدِهِمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ، وَقَالَ: \"أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٣٤٣].\n١٦٦٦ - [٢١] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِفَرَسٍ مُعْرَوْرٍ. . . . .\nــ\nعند الضرورة جمعهما في ثوب واحد، كما في قبر واحد.\nوقوله: (أيهم) وفي نسخة: (أيهما).\nوقوله: (واللحد) بفتح اللام وبضم وسكون الحاء: الشق في عرض القبر.\nوقوله: (ولم يصل عليهم ولم يغسلوا) ترك الغسل على الشهيد متفق عليه، وأما ترك الصلاة فمختلف فيه، وعندنا يصلى، والكلام فيه طويل (١)، وقد استوفيناه في (شرح سفر السعادة).\n١٦٦٦ - [٢١] (جابر بن سمرة) قوله: (بفرس معرور) في (القاموس) (٢): اعرورى فرسًا: ركبه عريانًا، فهو متعد، وقال النووي (٣): مُعْرَوْرًى بضم الميم وفتح الراء، قال أهل اللغة: اعْرَوْريت الفرس: إذا ركبته عريانًا، فهو مُعْرَوْرًى، قالوا: لم يأت افعوعل متعديًا إلا قولهم: اعروريت الفرس واحْلَوْلَيْت الشيء، انتهى. وهكذا ذكر\n_________\n= فلا إشكال لكونه فاصلًا عن ملاقاة البشرة.\n(١) انظر: \"المغني\" (٣/ ٤٦٧)، و\"أوجز المسالك\" (٩/ ٣٦٨ - ٣٧٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٠٤).\n(٣) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٤/ ٣٨، ح: ٩٦٤).","vol":"4","page":142},{"text":"فَرَكِبَهُ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ جَنَازَةِ ابْنِ الدَّحْدَاحِ، وَنَحْنُ نَمْشِي حَوْلَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٦٥].\nــ\nالقاضي عياض (١).\nوقال الطيبي (٢): القياس فتح الراء لكن صحت الرواية بكسر الراء، وعلى هذا ينبغي أن يكون مُعْرَوْرًى لازمًا، فيكون قد جاء المعرورى متعديًا لا لازمًا، فيكون معناه: فرس عار عن السرج، ولكن يفهم من كلامهم أن مجيئه لازمًا في غير هذا اللفظ، وفيه متعدٍّ.\nقال في (القاموس) (٣): اعرورى: سار في الأرض وحده، واعرورى فرسًا: ركبه عريانًا. ويجوز أن يكون الكسر على تقدير التعدية على سبيل الإسناد المجازي وصفًا للفرس بوصف صاحبه، كذا قيل، فتدبر.\nثم في حصر النووي وعياض التعدية في اعرورى فرسه نظر، فقد جاء التعدية في غيره أيضًا، لأن صاحب (القاموس) قال: اعرورى قبيحًا: أتاه، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فركبه حين انصرف) وأما وقت الذهاب والمشايعة فلم يركب، بل أبى عنه، وجاء في رواية أبي داود ما معناه: أنه أتي بدابة حتى يركب، فأبى عن الركوب، ولما انصرف ركب، فسئل عنه فقال: (إن الملائكة يمشون على أقدامهم (٤».\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٣٦).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٧١).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٠٤).\n(٤) انظر: \"سنن أبي داود\" (٣١٧٧)، والرواية الكاملة هكذا: أن رسول اللَّه -ﷺ- أتي بدابة وهو مع الجنازة، فأبى أن يركبها، فلما انصرف أتي بدابة فركب، فقيل له، فقال: \"إن الملائكة كانت تمشي فلم أكن لأركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبت\".","vol":"4","page":143},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-508> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٦٦٧ - [٢٢] عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"الرَّاكِبُ يَسِيرُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ، وَالْمَاشِي يَمْشِي خَلْفَهَا وَأَمَامَها وَعَنْ يَمِنِيهَا وَعَن يَسَارِهَا قَرِيبًا مِنْهَا، وَالسِّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣١٨].\nوَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ قَالَ: \"الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجَنَازَةِ. . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n١٦٦٧ - [٢٢] (المغيرة بن شعبة) قوله: (والسقط يصلى عليه) السقط مثلثة: الولد لغير تمام، فعندنا وعند الشافعي هذا مخصوص بأن يَسْتَهِلّ، وهو أن يكون منه ما يدلُّ على الحياة من حركةِ عُضْوٍ أو رَفْعِ صوب، والمعتبر في ذلك خروج أكثره حيًّا، حتى لو خرج أكثره وهو يتحرَّك صُلِّي عليه، وفي الأقلّ لا، وروى النسائي (١) عن جابر: (إذا استهل الصبي صُلِّي عليه ووُرِّثَ)، ورواه الحاكم (٢) عن أبي الزبير، وقال: صحيح. والحديث المذكور في الكتاب صحَّحه الترمذي، لكن الحظر مقدم على الإطلاق عند التعارض، كذا قال الشيخ ابن الهمام (٣)، وعند أحمد يصلَّى من غير استهلال لهذا الحديث، ولحديث ابن عمر جاء في معناه، وقال: إذا بلغ أربعة أشهر في البطن جاز وإن لم يستهل؛ لأنه ينفخ فيه الروح في هذه المدة، غايته أنه خرج ميتًا، وصلاة الجنازة\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (٤/ ٧٧، ح: ٦٣٥٨) وكذا أخرجه ابن ماجة في \"سننه\" (١٥٠٨، ٢٦٥١).\n(٢) \"المستدرك\" (٤/ ٣٨٨، ص: ٨٠٢٣).\n(٣) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ١٣١).","vol":"4","page":144},{"text":"وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا، وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ\". وَفِي \"الْمَصَابِيحِ\" عَنِ الْمُغيرَةِ بْنِ زِيَادٍ. [حم: ٤/ ٢٤٧، ت: ١٠٣١، س: ١٩٤٢، جه: ١٤٨١].\n١٦٦٨ - [٢٣] وَعَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: . . . . .\nــ\nإنما تكون على الميت وهم يقولون: إنه لا يسمى ميتًا إلا إذا خرج حيًّا ثم مات.\nوقوله: (وفي المصابيح عن المغيرة بن زياد) قالوا: فيه تحريف لا يدرى من أين وقع، فإن المغيرة بن زياد لا يعرف أصلًا لا في الصحابة ولا في التابعين، وهذا الحديث إنما يروى عن المغيرة بن شعبة، وعليه مداره في (سنن أبي داود) (١) عن زياد بن جبير عن أبيه عن المغيرة بن شعبة، فلعل بعض النُّسَّاخ تَخَبَّطَ فيه فصار أُسْوَةً لمن لا عناية له بعلم الحديث، كذا قال التُّورِبِشْتِي (٢)، واللَّه أعلم.\n١٦٦٨ - [٢٣] (الزهري) قوله: (يمشون أمام الجنازة) اختلفوا في المشي مع الجنازة، فقال أبو حنيفة والأوزاعي: المشي خلفها أحب، وقال الثوري وطائفة: هما سواء، وقال مالك والشافعي وأحمد بن حنبل: قدامها أفضل، كذا قال الشُّمُنِّي، وقال: لنا في الصحيحين (٣) من حديث أبي هريرة: أن النبي -ﷺ- قال: (من صلى على جنازة فله قيراط، ومن اتَّبع حتى يوضع في القبر فله قيراطان)، وروى عبد الرزاق في (مصنفه) (٤)\n_________\n(١) \"سنن أبي داود\" (٣١٨٠).\n(٢) \"الميسر في شرح مصابيح السنة\" (٢/ ٣٩٤).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (١٣٢٥)، و\"صحيح مسلم\" (٩٤٥).\n(٤) \"مصنف عبد الرزاق\" (٣/ ٤٤٥، ح: ٦٢٦٢).","vol":"4","page":145},{"text":"وَأَهْلُ الْحَدِيثِ كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ مُرْسَلًا. [حم: ٢/ ٨، د: ٣١٧٩، ت: ١٠٠٧، س: ١٩٤٥، جه: ١٤٨٢].\nــ\nعن معمر عن ابن طاوس عن أبيه قال: ما مشى رسول اللَّه -ﷺ- حتى مات إلا خلف الجنازة، وروى هو وابن أبي شيبة (١) عن عبد الرحمن بن أبزى قال: كنت في جنازة وأبو بكر وعمر يمشيان أمامها، وعليّ يمشي خلفها، فقلت لعلي: أراك تمشي خلف الجنازة وهذان يمشيان أمامها، قال عليٌّ: لقد علمنا أن فضل المشي خلفها على المشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذّ، لكنهما أحبَّا أن ييسرا على الناس، انتهى.\nولأن المشي خلف الجنازة أظهر وأدخل في الاتعاظ والتفكر، وأقرب إلى المعاونة إذا احتيج إليها، وروى الترمذي وأبو داود (٢) عن ابن عمر: أن الجنازة متبوعة، ومن تقدمها فكأنها ليس معها.\nودليل الثلاثة هذا الحديث المذكور في الكتاب، وقالوا أيضًا: القوم شفعاء، والشفيع يتقدم في العادة، ومن سوَّى الأمرين قال: الدلائل متعارضة فيجوز الأمران، ولحديث المغيرة بن شعبة المذكور، وأيضًا روى رزين عن أنس أنه قال: (أنتم شفعاء فامشوا عن خلف وأمام ويمين وشمال)، وروي في كتب الفقه (٣) عن أبي حنيفة أنه قال: لا بأس بالمشي أمام الجنازة وعن يمينه وعن يساره (٤).\n_________\n(١) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (ح: ١١٢٣٩)، و\"مصنف عبد الرزاق\" (ح: ٦٢٦٣).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (١٠١١)، و\"سنن أبي داود\" (٣١٨٤)، هي الرواية الآتية، برقم (١٦٦٩) ولكنها عن ابن مسعود، وما وقع في الشرح: \"عن ابن عمر\" لعله سبق قلم.\n(٣) انظر: \"المحيط البرهاني\" (٢/ ٣٠٤).\n(٤) وقد بسط الكلام على المسألة الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (١/ ٤٧٩)، والزيلعي في \"نصب الراية\" (٢/ ٢٩٠ - ٢٩١).","vol":"4","page":146},{"text":"١٦٦٩ - [٢٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْجَنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ وَلَا تتَّبعُ، لَيْسَ مَعَهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَأَبُو مَاجِدٍ الرَّاوِيُّ رَجَلٌ مَجْهُولٌ. [ت: ١٠١١، د: ٣١٨٤، جه: ١٤٨٤].\n١٦٧٠ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"من تبع جَنَازَةً وَحَمَلَهَا ثَلَاثَ مِرَارٍ، فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ مِنْ حَقِّهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٠٤١].\n١٦٧١ - [٢٦] وَقَدْ رُوِيَ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\": أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ-. . . . .\nــ\n١٦٦٩ - [٢٤] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (الجنازة متبوعة) هذا الحديث أيضًا يؤيد مذهب أبي حنيفة.\nوقوله: (ولا تتبع (١» بالتشديد، وفيه ضمير الفاعل للجنازة، أي: هي متبوعة غير تابعة، ذكره للتأكيد والتقرير، وكذا قوله: (ليس معها من تقدمها).\nوقوله: (وأبو ماجد الراوي رجل مجهول) ونقل عن (ميزان الاعتدال) (٢): أن أبا ماجد عن ابن مسعود لا يعرف، وقال النسائي: هو منكر الحديث، وقال البخاري: ضعيف، وقيل: أبو ماجد حديثه في المشي مع الجنازة رواه أبو الأحوص عن أبي يحيى التيمي عن أبي ماجد عن ابن مسعود.\n١٦٧٠، ١٦٧١ - [٢٥، ٢٦] (أبو هريرة) قوله: . . . . .\n_________\n(١) قال القاري (٣/ ١٢٠٦): بفَتْحِ التَّاءِ وَالْبَاءِ وَبِرَفع الْعَيْنِ عَلَى النَّفْي، وَبِسُكُونِهَا عَلَى النَّهْي، وَفِي نُسْخَةٍ: بِتَشْدِيدِ التَّاءِ الثَّانِيَةِ، أَيْ: لَا تَتَّبِعُ هِيَ النَّاسَ.\n(٢) \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٥٦٦).","vol":"4","page":147},{"text":"حَمَلَ جَنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ. [شرح السنة: ٥/ ٣٣٧].\nــ\n(بين العمودين) السنة عند الشافعي في حمل الجنازة: أن يَدخل واحد بين الخشبتين المقدَّمتين الشاخصتين وهما العمودان، ويجعلهما على عاتقيه والخشبةُ المعترضة بينهما على كاهله، ويحمل مؤخر النعش اثنان أحدهما من الجانب الأيمن والآخر من الأيسر، ولا يمكنه توسط الخشبتين فإنه لا يرى موضع قدميه والطريقَ بين يديه، قالوا: وإن لم يستقل المتقدم بالحمل أعانه رجلان خارج العمودين، فيكون محمولًا على خمسة، كذا في (الحاوي) (١) و(شرحه).\nوذكر في (الهداية) (٢) قول الشافعي: السنة أن يحملها الرجلان يضعها السابق على أصل عنقه، والثاني أعلى صدره، لأن جنازة سعد بن معاذ هكذا حملت، ولعله قول آخر منه. وذكر في بعض الشروح (٣): أن هذا عند حمل الجنازة من الأرض، ثم لا بأس بأن يعاونهم من شاء كيف شاء.\nوالسنة عندنا أن يحملها أربعة، لما روي عن ابن مسعود أنه قال: من السنة حمل السرير بجوانبه الأربع، رواه محمد في (الآثار) (٤) عن أبي حنيفة ﵀ بسنده إلى ابن مسعود، كذا رواه أبو داود الطيالسي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق (٥) عن شعبة عن\n_________\n(١) انظر: \"الحاوي الكبير\" للماوردي (٣/ ٣٩ - ٤٠).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ٩١).\n(٣) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٥٩).\n(٤) \"كتاب الآثار\" (ص: ٤٨، ح: ٢٣٥).\n(٥) \"مسند أبي داود الطيالسي\" (ص: ٤٤، ح: ٣٣٢)، و\"مصنف ابن أبي شيبة\" (٢/ ٤٢١، ح: ١١٢٨١)، و\"مصنف عبد الرزاق\" (٣/ ٥١٢، ح: ٦٥١٧).","vol":"4","page":148},{"text":"١٦٧٢ - [٢٧] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي جَنَازَةٍ فَرَأَى نَاسًا رُكْبَانًا، فَقَالَ: \"أَلَا تَسْتَحْيُونَ؟ إِنَّ مَلَائِكَةَ اللَّهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ نَحْوَهُ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَقدْ رُوِيَ عَنْ ثَوْبَانَ مَوْقُوفًا. [ت: ١٠١٢، جه: ١٤٨٠، د: ٣١٧٧].\n١٦٧٣ - [٢٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَرَأَ عَلَى الْجَنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٠٢٦، د: ٣١٩٨، جه: ١٤٩٥].\nــ\nمنصور، وذكر الشيخ ابن الهمام (١) في الحمل بين العمودين آثارًا من الصحابة وحديثًا مرفوعًا ضعفه، وفي الحمل بجوانبه الأربع آثارًا وأحاديث مرفوعة صحيحة، وقال: تلك الآثار وقائع أحوال مخصوصة، فاحتمل كون ذلك للسنة، أو لعارض اقتضى ذلك في خصوص تلك الأوقات، وقال: ولا يجب على المناظر تعيين العارض، ولو يشاء يُبدي محتملات مناسبة كضيق المكان أو كثرة الناس أو قلة الحاملين وغير ذلك، واللَّه أعلم.\n١٦٧٢ - [٢٧] (ثوبان) قوله: (فقال: ألا تستحيون) يفهم منه كراهة الركوب، وفي بعض الحواشي: في قوله: (فرأى ناسًا ركبانًا) أي: قريبًا من الجنازة، والحق أنه يجوز الركوب للضرورة بلا كراهة (٢).\n١٦٧٣ - [٢٨] (ابن عباس) قوله: (رواه الترمذي) وقال: ليس إسناده بذاك، وإبراهيم بن عثمان منكر الحديث، والصحيح عن ابن عباس [قوله]: من السنة القراءة\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ١٣٤ - ١٣٥).\n(٢) قال السندي في \"حاشية سنن ابن ماجه\" (٢/ ٢١٠): إنه لا ينبغي الركوب في جنائز الصلحاء الذين يرجى حضور الملائكة في جنائزهم، وأنه ترك الأولى، وإلا فالركوب قد جاء ما يدل على جوازه، انتهى.","vol":"4","page":149},{"text":"١٦٧٤ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ الدُّعَاءَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣١٩٩، جه: ١٤٩٨].\n١٦٧٥ - [٣٠] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا صَلَّى عَلَى الْجَنَازَةِ قَالَ: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا. اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فتَوَفَّهُ عَلَى الإِيمَانِ. . . . .\nــ\nعلى الجنازة بفاتحة الكتاب، انتهى. وقالوا: إن قول الصحابي: (من السنة) في معنى المرفوع، وقد سبق الكلام فيه في الفصل الأول.\n١٦٧٤ - [٢٩] (أبو هريرة) قوله: (فأخلصوا له الدعاء) الإخلاص في الدعاء مستحسَن دائمًا، خصوصًا في هذه الحالة؛ لكون الاحتياج فيها أشد (١).\n١٦٧٥ - [٣٠] (أبو هريرة) قوله: (وصغيرنا) قيل: المراد بالمغفرة للصغار: إعلاء الدرجة في الجنة، وقيل: هذا الكلام مجموعُهُ كناية عن شمول المغفرة للكل، ولا ينظر إلى مفرداته.\nوقوله: (فتوفه على الإيمان) خصه بالإيمان لأن الإسلام أكثر ما يطلق على الأعمال الظاهرة، وليس هذا وقتها، كذا قيل، والحق أنهما مترادفان يدل عليه تعكيس العبارة في الرواية الأخرى، وقال الطيبي (٢): المراد بالإسلام في الرواية الأولى:\n_________\n(١) قال الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (٣/ ٧): فيه دليل على أنه لا يتعين دعاء مخصوص من هذه الأدعية الواردة، وأنه ينبغي للمصلي على الميت أن يخلص الدعاء له.\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٧٤).","vol":"4","page":150},{"text":"اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٣٦٨، د: ٣٢٠١، ت: ١٠٢٤، جه: ١٤٩٨].\n١٦٧٦ - [٣١] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ الأَشْهَلِيِّ عَنْ أَبِيهِ، وَانْتَهَتْ رِوَايَتُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَ\"أُنْثَانَا\". وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: \"فَأَحْيِهِ عَلَى الإِيمَانِ وَتَوَفَّهُ عَلَى الإِسْلَامِ\" (١). وَفِي آخِرِهِ: \"وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ\". [س: ١٩٨٦، د: ٣٢٠١].\nــ\nالانقياد والأعمال الظاهرة، وفي الثانية: الاستسلام وإخلاص العمل، وهو فوق الإيمان.\nوقوله: (لا تحرمنا) بضم أوله وفتحه، كذا في شرح الشيخ، وفي (الصراح) (٢): حرم: نوميد كردن كسى را أز جيزى، إحرام كذلك، والمشهور الفتح.\n١٦٧٦ - [٣١] قوله: (عن أبي إبراهيم) ليس في بعض النسخ لفظ (أبي)، والصواب وجوده، فإنه أبو إبراهيم الأشهلي عن أبيه، له ذكر في الصلاة على الجنازة، ولا يعرف، روى عنه يحيى بن أبي كثير فقط، وقال أبو حاتم: لا يدرى من هو ولا أبوه، كذا في الحاشية نقلًا عن (الميزان) (٣)، ومن قال: هو عبد اللَّه بن قتادة فقد وهم؛ لأنه من بني سلمة، وهذا من بني عبد الأشهل، وقيل: أبو إبراهيم اسمه إسماعيل بن إبراهيم\n_________\n(١) المشهور ما في رواية الترمذي (١٦٧٥): \"فأحيه على الإسلام. فتوفه على الإيمان\"، قال القاري (٤/ ١٦٣): الرواية المشهورة هي العمدة، ورواة أبي داود إما من تصرفات الرواة نسيانًا، أو بناء على زعم أنه لا فرق بين التقديم والتأخير، وجواز النقل بالمعنى، انتهى.\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٤٦٥).\n(٣) \"ميزان الاعتدال\" (٤/ ٤٨٦، ح: ٩٩٢٧).","vol":"4","page":151},{"text":"١٦٧٧ - [٣٢] وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ إِنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ فِي ذِمَّتِكَ وَحَبْلِ جِوَارِكَ فَقِهِ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ، وَأَنْتَ أَهْلُ الْوَفَاءَ وَالْحَقِّ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٢٠٢، جه: ١٤٩٩].\n١٦٧٨ - [٣٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ وَكُفُّوا عَنْ مَسَاوِيهِمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٤٩٠٠، ت: ١٠١٩].\nــ\nابن بسام.\n١٦٧٧ - [٣٢] قوله: (واثلة) بالمثلثة (ابن الأسقع) بالسين المهملة والقاف.\nوقوله: (وحبل جوارك (١» أي: عهدك وأمانك.\n١٦٧٨ - [٣٣] (ابن عمر) قوله: (وكفوا عن مساويهم) قد علم أنه مخصوص بالمسلمين والصالحين (٢).\n_________\n(١) \"حبل جوارك\" بكسر الجيم، قيل: عطف تفسيري، وقيل: الحبل: العهد، أي: في كنف حفظك وعهد طاعتك، وقيل: أي: في سبيل قربك، وهو الإيمان، والأظهر أن المعنى أنه متعلق ومتمسك بالقرآن، والمراد بالجوار الأمان، والإضافة بيانية، انتهى مختصرًا من \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٦٣).\n(٢) قال حجة الإسلام: غيبة الميت أشد من الحيِّ، وذلك لأن عفو الحي واستحلاله ممكن ومتوقع، بخلاف الميت، وفي \"الأزهار\": قال العلماء: وإذا رأى الغاسل منه الميت ما يعجبه كاستنارة وجهه وطيب ريحه، وسرعة انقلابه على المغتسل، استحب أن يتحدث به، وإن رأى ما يكره، =","vol":"4","page":152},{"text":"١٦٧٩ - [٣٤] وَعَنْ نَافِعٍ أَبِي غَالِبٍ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَلَى جَنَازَةِ رَجُلٍ، فَقَامَ حِيَالَ رَأسِهِ، ثُمَّ جاؤوا بِجَنَازَةِ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا: يَا أَبَا حَمْزَةَ صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَامَ حِيَالَ وَسَطِ السَّرِيرِ، فَقَالَ لَهُ الْعَلَاءُ بْنُ زِيادٍ: هَكَذَا رَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَامَ على الْجِنَازَة مَقَامَكَ مِنْهَا؟ وَمِنَ الرَّجُلِ مَقَامَكَ مِنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ نَحْوُهُ مَعَ زِيَادَةٍ وَفِيهِ: فَقَامَ عِنْدَ عَحيزَةِ الْمَرْأَةِ. [ت: ١٥٣٤، جه: ١٤٩٤، د: ٣١٩٤].\nــ\n١٦٧٩ - [٣٤] قوله: (وعن نافع أبي غالب) خص بذلك لئلا يشتبه بنافع مولى ابن عمر.\nوقوله: (حيال رأسه) بالتحتانية، أي: حذاءه.\nوقوله: (وفيه: فقام عند عجيزة المرأة) العجيزة والعجز بمعنى: مؤخر الجسد، وهذا بيان قوله: (قام حيال وسط السرير)، وتمام الحديث مع قصته: أن نافعًا أبا غالب قال: فإذا أنا برجل عليه كساء رقيق، على رأسه خرقة تقيه من الشمس، فقلت: من هذا الدِّهقان؟ قالوا: أنس بن مالك، قال: فلما وضعت الجنازة فقام أنس فصلى عليها وأنا خلفه، لا يحول بيني وبينه شيء، فقام عند رأسه وكبر أربع تكبيرات، لم يُطل ولم يسرع، ثم ذهب يقعد، فقالوا: يا أبا حمزة، المرأة الأنصارية، فقربوها وعليها نعش أخضر، فقام عند عجيزتها، فصلى عليها نحو صلاته على الرجل، ثم جلس، فقال العلاء بن زياد: يا أبا حمزة، هكذا كان رسول اللَّه -ﷺ- يصلي على الجنازة كصلاتك:\n_________\n= كنَتْنهِ، وسواد وجهه، أو بدنه، أو انقلاب صورته، حرم أن يتحدث به. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٦٥).","vol":"4","page":153},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-509> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٦٨٠ - [٣٥] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: كَانَ سَهْلُ بْن حُنَيْفٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ قَاعِدَيْنِ بِالْقَادِسِيَّةِ، فَمُرَّ عَلَيْهِمَا بِجَنَازَةٍ فَقَامَا، فَقيل لَهُمَا: إِنَّهَا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ -أَيْ: مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ- فَقَالَا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَقَامَ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ. فَقَالَ: \"أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟ \". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣١٢، م: ٩٦١].\nــ\nيكبر عليها أربعًا، ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم. . .، الحديثَ إلى أن قال أبو غالب: فسألته عن صنيع أنس في قيامه على المرأة عند عجيزتها، فحدثوني أنه إنما كان لأنه لم تكن النعوش، فكان [الإمام] يقوم حيال عجيزتها يسترها من القوم (١)، وقد مر في الفصل الأول تمامه.\nالْفَصْل الثَّالِث\n١٦٨٠ - [٣٥] (عبد الرحمن بن أبي ليلى) قوله: (بالقادسية) اسم موضع على خمسة عشر ميلًا من الكوفة.\nوقوله: (من أهل الأرض) سماهم أهل الأرض لسفالتهم ورذالتهم أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، أي: مال إليها، أو لأن المسلمين أقرُّوهم بعد الفتح على الأرض والخراج، وهذا المعنى أظهر.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في \"سننه\" (٣١٩٤)، والترمذي في \"سننه\" (١٠٣٤)، وابن ماجه في \"سننه\" (١٤٩٤)، والبيهقي في \"سننه\" (٤/ ٣٣)، وأحمد في \"مسنده\" (٣/ ١١٨)، وقال السهارنفوري في \"البذل\" (١٠/ ٤٨٣): وهذا الكلام يدل على أن قيام الإمام حيال عجيزة المرأة على خلاف الأصل للتستر فقط، والأصل في القيام هو موضع آخر، وهو وسطها، وهو الصدر.","vol":"4","page":154},{"text":"١٦٨١ - [٣٦] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا تَبِعَ جَنَازَةً لَمْ يَقْعُدْ حَتَّى تُوضَعَ فِي اللَّحْدِ، فَعَرَضَ لَهُ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ لَهُ: إِنَّا هَكَذَا نَصْنعُ يَا مُحَمَّدُ، قَالَ: فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقَالَ: \"خَالِفُوهُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَبِشْرُ بْنُ رَافِعٍ الرَّاوِي لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. [ت: ١٠٢٠، د: ٣١٧٦، جه: ١٥٤٥].\n١٦٨٢ - [٣٧] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَنَا بِالْقِيَامِ فِي الْجَنَازَةِ، ثُمَّ جَلَسَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ٨٢ - ٨٣].\n١٦٨٣ - [٣٨] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: إِنَّ جَنَازَةً مَرَّتْ بِالْحَسَنِ ابْنِ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَامَ الْحَسَنُ وَلَمْ يَقُم ابْنُ عَبَّاسٍ، فَقَالَ الْحَسَنُ: أَلَيْسَ قَدْ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ؟ . . . . .\nــ\n١٦٨١ - [٣٦] (عبادة بن الصامت) قوله: (إنا هكذا نصنع) أي: نحن نقوم ولا نجلس.\nوقوله: (فجلس) أي: كان بعد ذلك لا يقوم إلى الوضع في اللحد، فكان هذا ناسخًا لما قبله.\n١٦٨٢ - [٣٧] (علي) قوله: (ثم جلس بعد ذلك وأمرنا بالجلوس) فأكَّد ذلك فعلًا وقولًا.\n١٦٨٣ - [٣٨] (محمد بن سيرين) قوله: (قال) أي: ابن عباس في جواب","vol":"4","page":155},{"text":"قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ جَلَسَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٩٢٣].\n١٦٨٤ - [٣٩] وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ كَانَ جَالِسًا فَمُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ، فَقَامَ النَّاسُ حَتَّى جَاوَزَتِ الْجَنَازَةُ، فَقَالَ الْحَسَنُ: إِنَّمَا مُرَّ بِجَنَازَةِ يَهُودِيٍّ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى طَرِيقِهَا جَالِسًا، وَكَرِهَ أَن تَعْلُوَ رَأْسَهُ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ فَقَامَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٩٢٦].\n١٦٨٥ - [٤٠] وَعَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا مَرَّتْ بِكَ جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ أَوْ مُسْلِمٍ فَقُومُوا لَهَا،\nــ\nالحسن: (نعم، ثم جلس) أي: نعم قام رسول اللَّه -ﷺ- في أوائل الأمر، ثم جلس بعده، أي: فعل رسول اللَّه -ﷺ- كلا الأمرين، لكن جلوسه كان متأخرًا، فيكون ناسخًا لما قبله، وهذا هو الظاهر بل المتعين لأن يكون مرادًا، أو قيل: (ثم جلس) هو كلام ابن سيرين، وفاعل (جلس) الحسن بن علي، وهو خلاف المتبادر من الكلام جدًّا كما لا يخفى.\n١٦٨٤ - [٣٩] (جعفر بن محمد) قوله: (فمر عليه) بلفظ المجهول.\nوقوله: (إنما مر بجنازة يهودي) أي: فلا تقوموا، ثم ذكر جوابًا عما يستجيبون بقيام رسول اللَّه -ﷺ- لها.\nوقوله: (وكان رسول اللَّه -ﷺ-. . . إلخ)، يعني إنما قام لرؤية جنازة يهودي لكراهة أن تعلو رأسه الشريف جنازة يهودي، لا لأن يستن القيام لها.\nوقوله: (رأسه) مفعول (تعلو)، وفاعله (جنازة)، وهذا بعد علم الحسن بن علي بعدم القيام للجنازة ونسخ القيام، وهذا حديث منقطع؛ لأن محمدًا لم يدرك الحسن.\n١٦٨٥، ١٦٨٦ - [٤٠، ٤١] (أبو موسى، وأنس) قوله: (إذا مرت بك) في بعض النسخ: (بكم).","vol":"4","page":156},{"text":"فَلَسْتُمْ لَهَا تَقُومُونَ، إِنَّمَا تَقُومُونَ لِمَنْ مَعهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ٣٩١].\n١٦٨٦ - [٤١] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ جَنَازَةً مَرَّتْ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَامَ، فَقِيلَ: إِنَّهَا جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: \"إِنَّمَا قُمْتُ لِلْمَلَائِكَةِ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٩٢٨].\n١٦٨٧ - [٤٢] وَعَنْ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا أَوْجَبَ\". فَكَانَ مَالِكٌ إِذَا اسْتَقَلَّ أَهْلَ الْجَنَازَةِ. . . . .\nــ\nوقوله: (من الملائكة) أي: ملائكة الرحمة مع جنازة المسلم، وملائكة العذاب مع جنازة الكافر.\nقال الطيبي (١): اختلفت علل القيام، فتارة للفزع، وتارة كراهة رفع جنازة اليهودي على رأسه -ﷺ-، وتارة لكراهة الملائكة، وتارة لم يعتبر شيئًا من ذلك لاختلاف الأحوال والمقامات، انتهى.\nولو ثبت أن آخر الأمر كان عدم القيام، نسخ ما قبله، واللَّه أعلم.\n١٦٨٧ - [٤٢] (مالك بن هبيرة) قوله: (إلا أوجب) أي: اللَّه تعالى لذلك الميت الجنة، أو أوجب ذلك الفعل على اللَّه تعالى المغفرة منه تعالى (٢).\nوقوله: (إذا استقل أهل الجنازة) أي: عدهم قليلًا، تَقَلَّل الشيء واستقله وتقاله: رآه قليلًا.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٧٧).\n(٢) أي: وعدًا منه وفضلًا.","vol":"4","page":157},{"text":"جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ صُفُوفٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣١٦٦].\nوَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: قَالَ كَانَ مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ إِذَا صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ فَتَقَالَّ النَّاسَ عَلَيْهَا، جَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ أَوْجَبَ\". وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ نَحْوَهُ. [ت: ١٠٢٨، جه: ١٤٩٠].\n١٦٨٨ - [٤٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجَنَازَةِ: \"اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبَّهَا وَأَنْتَ خَلَقْتَهَا، وَأَنْتَ هَدَيْتَهَا إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَنْتَ قَبَضْتَ رُوحَهَا، وَأَنْتَ أَعْلَمُ بِسِرِّهَا وَعَلَانِيَتِهَا، جِئْنَا شُفَعَاءَ فَاغْفِرْ لَهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٢٠٠].\n١٦٨٩ - [٤٤] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى صَبِيٍّ لَمْ يَعْمَلْ خَطِيئَةً قَطُّ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْر. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٥٣٦].\nــ\nوقوله: (جزَّأَهم) بالتشديد والهمزة، من التجزئة.\n١٦٨٨ - [٤٣] قوله: (وعن أبي هريرة في الصلاة على الجنازة) جاءت أدعية متعددة، فيختار أيهما شاء، خصوصًا على قول من قال: تعيين الدعاء يذهب بالحضور والخشوع.\n١٦٨٩ - [٤٤] (سعيد بن المسيب) قوله: (اللهم أعذه من عذاب القبر) هذا يشعر بأن للصبيان سؤالًا في القبر، وقد مر توجيهاته.","vol":"4","page":158},{"text":"١٦٩٠ - [٤٥] وَعَنِ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا: قَالَ: الْحَسَنُ يَقْرَأُ عَلَى الطِّفْلِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا سَلَفًا وَفَرَطًا وَذُخْرًا وَأَجْرًا. [خ: ٢٣ - الجنائز، ٦٥ باب].\n١٦٩١ - [٤٦] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"الطِّفْلُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ حَتَّى يَسْتَهِلَّ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: \"وَلَا يُورَثُ\". [ت: ١٠٣٢، جه: ١٥٠٨].\n١٦٩٢ - [٤٧] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَقُومَ الإِمَامُ فَوْقَ شَيْءٍ وَالنَّاسُ خَلْفَهُ، يَعْنِي أَسْفَلَ مِنْهُ. رَوَاهُ الدَّارقُطْنِيُّ في \"الْمُجَتَبى\" في كِتَابِ الْجَنَائِزِ. [قط: ٢/ ٨٨].\n* * *\nــ\n١٦٩٠ - [٤٥] (البخاري) قوله: (تعليقًا) التعليق: أن تحذف من أول الإسناد كلًّا أو بعضًا، وقالوا: تعليقات البخاري في حكم المسانيد، وقد مر في المقدمة تفصيل ذلك.\n١٦٩١ - [٤٦] (جابر) قوله: (حتى يستهل) قد مر بيانه.\n١٦٩٢ - [٤٧] (أبو مسعود الأنصاري) قوله: (أن يقوم الإمام) يعني وحده (١).\n_________\n(١) قال ابن الهمام في \"شرح فتح القدير\" (٢/ ١٢٧): لا تجوز الصلاة والميت على دابة أو أيدي الناس؛ لأنه كالإمام، واختلاف المكان مانع من الاقتداء.","vol":"4","page":159},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-510>٦ - باب دفن الميت</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-511> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٦٩٣ - [١] عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَن سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي هَلَكَ فِيهِ: أَلْحِدُوا لِي لَحْدًا وَانْصِبُوا عَلَيَّ اللَّبِنَ نَصْبًا كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٦٦].\nــ\n٦ - باب دفن الميت\nدَفَنَهُ يَدْفِنُهُ: ستره وواراه، غلب في ستر الميت في الأرض، والقبر بمعناه، قَبَرَهُ يَقْبُرُهُ قَبْرًا: دفنه، وأَقْبَرَهُ: جعل له قبرًا، والقبر مخصوص بمدفن الإنسان، والمقبرة: موضع القبور، مفتوحة الميم ومثلثة الباء، وجاء بكسر الميم وفتح الباء، وأوَّلُ من دفن في الأرض هابيل؛ لكونه أول من مات، والقبر نوعان: باللحد وبالشق، وكلاهما مشروع، لكن اللحد أفضل وأوفق بالسنة، كما سيجيء بيانه في شرح الأحاديث.\nالفصل الأول\n١٦٩٣ - [١] (عامر بن سعد بن أبي وقاص) قوله: (ألحدوا) (١) اللحد بفتح اللام وبضم، والإلحاد في اللغة: الميل، وفي الشرع: الشق الذي يحفر في عرض القبر في جانب القبلة، يقال: لَحَدَ القبر كمنع. والحده: عمل له لحدًا، ولحد الميت: دفنه، و(ألحدوا) جاء بوصل الهمزة من اللحد، وبقطعها من الإلحاد. و(اللبن) بفتح اللام وكسر الباء ككتف، واللبنة واحدها، على مثال كلم وكلمة، وجاء بكسرتين.\n_________\n(١) قال النووي: (٤/ ٣٩): فيه استحباب اللحد ونصب اللبن؛ وأنه فعل ذلك برسول اللَّه -ﷺ- باتفاق الصحابة، وقد نقلوا أن عدد لبناته -ﷺ- تسع، انتهى.","vol":"4","page":160},{"text":"١٦٩٤ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جُعِلَ فِي قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَطِيفَةٌ حَمْرَاءُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٦٧].\n١٦٩٥ - [٣] وَعَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ: أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ -ﷺ- مُسَنَّمًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٣٩].\nــ\n١٦٩٤ - [٢] (ابن عباس) قوله: (قطيفة) القطيفة: دِثَارٌ مُخَمَّلٌ، كذا في (القاموس) (١)، ويقال له: الخميلة، وسبب فرش القطيفة في قبره -ﷺ- قيل: ألقاها شقران مولى النبي -ﷺ- وَقالَ: كرهت أن يلبسها أحد بعده -ﷺ-، ألقاها بعد أمر الصحابة ورضاهم، وكرهه العلماء لكونه تضييعًا وإسرافًا، وقيل: ذلك من خواص النبوة لكونه حيًّا في قبره، واللَّه أعلم (٢).\n١٦٩٥ - [٣] قوله: (وعن سفيان التمار) من كبار أتباع التابعين، وقد لحق عصر الصحابة، ولم أر له رواية عن صحابي، كذا في (فتح الباري) (٣).\nوقوله: (مسنمًا) أي: على هيئة سنام البعير، وروى هذا الحديث ابن أبي شيبة في (مصنفه)، ولفظه: عن سفيان يعني التمار: دخلت البيت الذي فيه قبر النبي -ﷺ-، [فرأيت قبر النبي -ﷺ-] وقبر أبي بكر وعمر مسنَّمةً، والسنة في القبر التسنيم، وقد جاء في ذلك أخبار وآثار صحيحة، قال أبو حنيفة: حدثنا شيخ لنا يرفعه إلى النبي -ﷺ- أنه نهى عن تربيع القبور وتجصيصها، وروى محمد بن الحسن عن أبي حنيفة عن حماد بن\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٧٨٠).\n(٢) وقال الحافظ العراقي في \"ألفيته\" في السيرة (ص: ١٥٥): وفرشت في قبره قطيفة، وقيل: أخرجت، وهذا أثبت، انتهى.\n(٣) \"فتح الباري\" (٣/ ٢٥٧).","vol":"4","page":161},{"text":"١٦٩٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الأَسَدِيِّ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ: . . . . .\nــ\nسليمان عن إبراهيم قال: أخبرني من رأى قبر النبي -ﷺ- وقبر أبي بكر وعمر ناشزة من الأرض، عليها فلق من مدر أبيض.\nوما عورض به مما روى أبو داود عن القاسم بن محمد قال: دخلت على عائشة فقلت لها: يا أمه اكشفي لي عن قبر رسول اللَّه -ﷺ- وصاحبيه، فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء (١)، ليس معارضًا لهذا حتى يحتاج إلى الجمع، يعرف بأدنى تأمل، كذا قال الشيخ ابن الهمام (٢).\nوعند الشافعي يسطح القبر، وقال في (الحاوي) (٣): التسطيح أولى من التسنيم، وقال في شرحه: لأن النبي -ﷺ- سطح قبر ابنه إبراهيم، وعن القاسم بن محمد أنه قال: رأيت قبر النبي -ﷺ- وأبي بكر وعمر -﵄- مسطحة، هذا وقد ذكر الشيخ ابن الهمام عن جماعة من التابعين والصحابة أنهم قالوا: إنها مسنمة، وأما حديث أبي الهَيَّاج الأسدي الآتي فلا يدل على التسطيح، بل هو على ما كانوا يفعلونه من تعلية القبور بالبناء الحسن العالي، وليس مرادنا بالتسنيم ذلك، بل قدر ما يبدو من الأرض، واللَّه أعلم.\nوقيل: السنة أن يرفع القبر شِبرًا، وقد يروى ابن حبان (٤) أن قبره -ﷺ- كذلك.\n١٦٩٦ - [٤] قوله: (وعن أبي الهياج الأسدي) بفتح الهاء وتشديد التحتانية، تابعي جليل، صحيح الحديث.\n_________\n(١) سيأتي برقم (١٧١٢).\n(٢) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ١٤٠).\n(٣) \"الحاوي الكبير\" (٣/ ٢٥).\n(٤) \"صحيح ابن حبان\" (٦٧١٢)، روي عن جابر -﵁-: أن النبي -ﷺ- ألحد ونصب عليه اللبن نصبًا، ورفع قبره من الأرض نحوًا من شبر.","vol":"4","page":162},{"text":"أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيتَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٦٩].\n١٦٩٧ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٧].\n١٦٩٨ - [٦] وَعَنْ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٧٢].\nــ\nوقوله: (على ما بعثني) التعدية بـ (على) لتضمين معنى الإمارة والتسليط، وفي الحديث دلالة على أن هذه الأمور الثلاثة المذكورة من الأمور العظيمة المهمة في الدين.\nوقوله: (تمثالًا) أي: صورة، (إلا طمسته) أي: محوته، (ولا قبرًا مشرفًا) أي: عاليًا، أي: بني عليه حتى صار عاليًا، لا ما أعلم بالتراب والحجارة والرمل والحصى حتى يتميز من الأرض.\nوقوله: (إلا سويته) قيل: المراد تسطيحه لا تسويته بالأرض؛ جمعًا بين الأخبار، كذا في شرح الشيخ.\n١٦٩٧ - [٥] (جابر) قوله: (أن يبنى عليه) قيل: المراد البناء بالحجارة ونحوها، وقيل: أن يضرب الخباء ونحوه، فإن ذلك مكروه منهي عنه.\nوقوله: (وأن يقعد عليه) لأن فيه خلاف ما يقتضيه القبر وإكرام المؤمن، وقيل: المراد الجلوس عليه لقضاء الحاجة (١).\n١٦٩٨ - [٦] (أبو مرثد الغنوي) قوله: (لا تجلسوا على القبور) لأن فيه استخفافًا، (ولا تصلوا إليها) لأن فيه تعظيمًا بليغًا.\n_________\n(١) انظر: مسألة القعود على القبر في \"الأوجز\" (٤/ ٥٢٨).","vol":"4","page":163},{"text":"١٦٩٩ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتُحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٧١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-512> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٧٠٠ - [٨] عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ بِالْمَدِينَةِ رَجُلَانِ أَحَدُهُمَا يَلْحَدُ وَالآخَرُ لَا يَلْحَدُ، فَقَالُوا: أَيُّهُمَا جَاءَ أَوَّلًا عَمِلَ عَمَلَهُ. فَجَاءَ الَّذِي يَلْحَدُ، فَلَحَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٥/ ٣٨٨، خ: ١٥١].\n١٧٠١ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اللَّحْدُ لَنَا. . . . .\nــ\n١٦٩٩ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (فتحرق ثيابه) صححوه من الإحراق.\nوقوله: (فتخلص) أي: تصل، من الخلوص.\nالفصل الثاني\n١٧٠٠ - [٨] (عروة بن الزبير) قوله: (أحدهما يلحد) الرواية بفتح الياء من باب فتح يفتح، وهو أبو طلحة الأنصاري. (والآخر لا يلحد) وهو أبو عبيدة بن الجراح، فإنه كان يشق وسط القبر، ويطلق عليه الشق بفتح الشين، وهو الضريح، والضريح يقال للقبر أيضًا بلحد وبلا لحد، من الضرح بمعنى الدفع، وضرح للميت: حفر له ضريحًا، واختلفت الصحابة في أيهما يفعل للنبي -ﷺ-، فاتفقوا على أن أيَّ الرجلين جاء أولًا عمل عمله، فجاء أبو طلحة فلحد، فلا شك أن اللحد يكون هو الأفضل، ومع ذلك قيل: اللحد أفضل إن كانت الأرض صلبة، والشق أفضل إن كانت رخوة، كذا نقل عن الجزري.\n١٧٠١، ١٧٠٢ - [٩، ١٠] (ابن عباس، وجرير بن عبد اللَّه) قوله: (اللحد لنا","vol":"4","page":164},{"text":"وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٠٤٥، د: ٣٢٠٨، ن: ٢٠٠٩، جه: ١٥٥٤].\n١٧٠٢ - [١٠] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. [حم: ٤/ ٣٥٦].\n١٧٠٣ - [١١] وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: \"احْفِرُوا وَأَوْسِعُوا وَأَعْمِقُوا. . . . .\nــ\nوالشق لغيرنا) إن كان المراد بضمير الجمع في (لنا) المسلمون و(لغيرنا) اليهود والنصارى مثلًا، فلا شك أنه يدل على أفضلية اللحد، بل على كراهة غيره، وإن كان المراد (لغيرنا) الأمم السابقة، ففيه أيضًا إشعار بالأفضلية، وعلى كل تقدير ليس اللحد واجبًا، والشق منهيًّا عنه، وإلا لما كان يفعله أبو عبيدة، وهو لا يكون إلا بأمر من الرسول وتقرير منه، وأيضًا لم يتفقوا على أن أيهما جاء أولًا عمل عمله، فهذا من الاختيارات دون السنن، أي: اللحد هو الذي نؤثر ونختار، والشق اختيار من قبلنا، وقيل: المراد (لغيرنا) غير أهل المدينة من مكة وغيرها؛ لأن أرض المدينة صلبة صالحة للحد بخلاف أرض مكة، وهذا محل نظر (١)، وقال الطيبي (٢): هذا إخبار عن الكائن، فيكون معجزة، واللَّه أعلم.\n١٧٠٣ - [١١] (هشام بن عامر) قوله: (وأعمقوا) فيه دليل على أن الإعماق سنة في القبر، والمعنى فيه أن فيه صيانة الميت عن الضياع، وعن محمد ﵀ قال: ينبغي أن يكون مقدار العمق إلى صدر رجل وسط القامة، وكلما زاد فهو أفضل، وعن عمر -﵁- أنه قال: يعمق القبر إلى صدر الرجل، فإن أعمق على مقدار قامة الرجل فهو\n_________\n(١) انظر: \"أوجز المسالك\" (٤/ ٥٠٦ - ٥٠٩).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٨٢).","vol":"4","page":165},{"text":"وَأَحْسِنُوا، وَادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، وَقَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرآنًا\". رَوَاهُ أحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْله: \"وأَحْسِنُوا\". [حم: ٤/ ١٩، ت: ١٧١٣، د: ٣٢١٥، ن: ٢٠١١، جه: ١٥٦].\n١٧٠٤ - [١٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ جَاءَتْ عَمَّتِي بِأَبِي لِتَدْفِنَهُ فِي مَقَابِرِنَا، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: \"رُدُّوا الْقَتْلَى إِلَى مَضَاجِعِهِمْ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَلَفْظُهُ لِلتِّرْمِذِيِّ. [حم: ٤/ ٢٩٧، ت: ١٧١٧، د: ٣١٦٥، ن: ٣١٤٩، دي: ١/ ١٩ - ٢١].\nــ\nأحسن، كذا في (مطالب المؤمنين) نقلًا عن (المحيط) (١).\nوقوله: (وأحسنوا) أي: أجيدوا العمل في تسوية حفره وتنظيفه من التراب والقذاة ونحوهما، وفي شرح الشيخ: أحسنوا إلى الميت بالمبالغة في الرفق في تغسيله وتكفينه وحمله وإنزاله القبر.\nوقوله: (وادفنوا الاثنين والثلاثة) هذا في حالة الضرورة، وأما في حالة الاختيار فيحرم جمع اثنين في قبر واحد.\n١٧٠٤ - [١٢] (جابر) قوله: (ردوا القتلى إلى مضاجعهم) أي: لا تنقلوهم من الموضع الذي قُتِلوا فيه إلى غيره، بل ادفنوهم حيث قتلوا، ويُفْهمُ من خصوص قصة جابر وأبيه أنه نُقِل وَرُدَّ وَأُعيد إلى الموضع الأول، إلا أن يراد بمجيء عمته بأبيه إرادتها لذلك، ولكن صحّ أن جابرًا جاء بأبيه عبد اللَّه بعد ستة أشهر من أحد،\n_________\n(١) \"المحيط البرهاني\" (٢/ ٣٢٥).","vol":"4","page":166},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nودفنه في البقيع (١).\nوفي نقل الأموات من مكان إلى مكان تفصيل ذكر في الفقه (٢)، والمختار أنه لا يجوز بلا ضرورة، ككون الأرض مغصوبة مثلًا، وقد جاء في بعض الروايات نقل الأم ولدها إلى قربها، وقال الشيخ ابن الهمام (٣): إذا أرادوا نقله قبل الدفن وتسوية اللبن، فلا بأس بنقله نحو ميل أو ميلين؛ لأن المسافة في المقابر قد تبلغ هذا المقدار، والمستحب أن يدفن كل في مقبرة البلدة التي مات بها، وقالت عائشة حين رأت قبر أخيها عبد الرحمن -وكان مات على مرحلة من مكة، وحمل منها إليها-: لو كان الأمر قبل (٤) إلي ما نقلتك، ولدفنتك حيث متَّ.\nوقال في (التجنيس): في النقل من بلد إلى بلد لا إثم، لما نُقِل أن يعقوب ﵇ مات بمصر فنقل إلى الشام، وموسى ﵇ نقل تابوت يوسف بعد ما أتى عليه زمان من مصر إلى الشام ليكون مع آبائه الكرام، ولا يخفى أن هذا شرع من قبلنا، ولم يتوفر فيه شروط كونه شرعًا لنا، إلا أنه نقل عن سعد بن أبي وقاص أنه مات في ضيعة على أربعة فراسخ من المدينة، فحمل على أعناق الرجال إليها، وفي النقل من بلدة إلى بلدة اشتغال بما لا يعني، وفيه تأخير دفنه، وكفى بذلك كراهة.\nولا ينبش بعد إهالة التراب لا لمدة طويلة ولا قصيرة إلا لعذر، والعذر أن يظهر\n_________\n(١) انظر: \"الإصابة\" (٤/ ١١٠).\n(٢) انظر: \"شرح فتح القدير\" (٢/ ١٤١)، و\"أوجز المسالك\" (٤/ ٥١٣)، و\"شرح الزرقاني\" (٢/ ٦٨)، و\"الشرح الكبير\" للمالكية (١/ ٤٢١)، و\"رد المحتار\" (٢/ ٢٥٩).\n(٣) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ١٤١).\n(٤) \"قبل إلي\" كذا في النسخ المخطوطة، وفي \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٨٤) \"فيك إليَّ\".","vol":"4","page":167},{"text":"١٧٠٥ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سُلَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. [مسند الشافعي: ٦٠٠].\n١٧٠٦ - [١٤] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- دَخَلَ قَبْرًا لَيْلًا،\nــ\nأن الأرض مغصوبة أو يأخذها شفيع، ولهذا لم يحول كثير من الصحابة، وقد دُفِنوا بأرض الحرب، فإن أحب صاحب الأرض أن يسوي الأرض ويزرع فوقه كان له ذلك؛ فإن حقه في باطنها.\nومن الأعذار أن يسقط في اللحد مال أو ثوب أو درهم لأحد، واتفقت كلمة المشايخ في امرأة دُفِن ابنها وهي غائبة في غير بلدها فلم تصبر وأرادت نقله أنه لا يسعها ذلك، فتجويز بعض المتأخرين لا يلتفت إليه، ولم نعلم خلافًا بين المشايخ في أنه لا ينبش وقد دفن بلا غسل أو بلا صلاة، ولا يدفن صغير ولا كبير في البيت الذي كان فيه؛ فإن ذلك خاص بالأنبياء، بل ينقل إلى مقابر المسلمين، ولا يدفن اثنان في قبر واحد إلا لضرورة، انتهى.\n١٧٠٥ - [١٣] (ابن عباس) قوله: (سل رسول اللَّه -ﷺ-) أي: جُرَّ، والسلّ والإسلال: انتزاع الشيء وإخراجه في رفق كسلِّ السيف، وذلك بأن توضع الجنازة في مؤخر القبر، ثم يخرج من قبل رأسه ويدخل القبر، وبه أخذ الشافعي، وعندنا السنة: أن توضع الجنازة إلى القبلة من القبر، ويحمل منها الميت ويوضع في القبر، وهكذا كان رسول اللَّه -ﷺ- يدخل الميت في القبر كما يأتي في الحديث الآتي؛ لأن جانب القبلة معظَّم، فيستحب الإدخال منه، والأخبار جاءت مضطربة متعارضة فتساقطت، ولم يكن في حجرة النبي -ﷺ- سعة في ذلك الجانب؛ لأن قبره ملصق بالجدار، واللَّه أعلم.\n١٧٠٦ - [١٤] (وعنه) قوله: (دخل قبرًا) قيل: صاحب القبر هو عبد اللَّه","vol":"4","page":168},{"text":"فَأُسْرِجَ لَهُ بِسِرَاجٍ، فَأَخَذَ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةِ وَقَالَ: \"رَحِمَكَ اللَّهُ إِنْ كُنْتَ لأَوَّاهًا تَلَّاءً لِلْقُرْآنِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\": إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. [ت: ١٠٥٧].\nــ\nذو البجادين، والبجاد بكسر الموحدة وبالجيم: كساء مخطط، وسمي به لأنه قطع بجادًا قطعتين فارتدى بإحداهما واتَّزر بالأخرى، كان دليل رسول اللَّه -ﷺ-، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (فأسرج له) بلفظ المجهول، أي: اشعل له سراج.\nوقوله: (فأخذ) أي: الميت، والضمير للنبي -ﷺ-.\nوقوله: (إن كنت) مخففة من المثقلة، و(الأواه) أي: الموقن بالدعاء، أو الرحيم الرقيق، أو الفقيه، أو المؤمن بالحَبَشِيَّةِ، وَالأهّةُ: التحزن والتوجع، كذا في (القاموس) (٢)، وقال البيضاوي (٣): كثير التأوه من الذنوب والتأسف على الناس.\nوقوله: (إسناده ضعيف) لأن فيه الحجاج بن أرطاة، ومنهال بن خليفة، وقد اختلفوا فيهما، وبذلك ينحط الحديث عن درجة الصحيح إلى الحسن، ولذا حسَّنَهُ الترمذي، وفيه دليل لمذهبنا، وفيه جواز الدفن بالليل، وعليه أكثر أهل العلم، كذا قال الترمذي، وقال أيضًا: وفي الباب عن جابر ويزيد بن ثابت، وهو أخو زيد بن ثابت، وحديث ابن عباس حديث حسن صحيح، وقد ذهب بعض أهل العلم [إلى هذا]، وقالوا: يدخل الميت القبر من قبل القبلة، وقال بعضهم: يسلّ سلًّا.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٢٥٥).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ١١٤٤).\n(٣) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٤٢٣).","vol":"4","page":169},{"text":"١٧٠٧ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا أَدْخَلَ الْمَيِّتَ الْقَبْرَ قَالَ: \"بِسم اللَّه وَبِاللَّهِ وعَلى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى أَبو دَاوُدَ الثَّانِيَةَ. [حم: ٢/ ٢٧، ت: ١٠٤٦، جه: ١٥٥، د: ٣٢١٣].\n١٧٠٨ - [١٦] وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- حَثَى عَلَى الْمَيِّتِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، وَأَنَّهُ رَشَّ عَلَى قَبْرِ أَبْنِهِ إِبْرَاهِيمَ وَوَضَعَ عَلَيْهِ حَصْبَاءَ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\"، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ من قَوْلِهِ: \"رَشَّ\". [شرح السنة: ٥/ ٤٠١، ح: ١٥١٥، مسند الشافعي: ٦٠٢].\nــ\n١٧٠٧ - [١٥] (ابن عمر) قوله: (إذا أدخل) رُوي بصيغة المجهول وبالمعلوم، وكان -ﷺ- يدخل بعض أصحابه القبر بنفسه الكريمة.\n١٧٠٨ - [١٦] (جعفر بن محمد) قوله: (حثى على الميت ثلاث حثيات) حثية التراب قبضة، قال في (القاموس) (١): الحَثْيُ كالرَّمي: ما رفعت به يدك.\nوقوله: (بيديه جميعًا) تأكيد، أي: لا بإحداهما، والحصباء بالمد: الحصى الصغار (٢).\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١١٧٠).\n(٢) قال الشوكاني في \"نيل الأوطار\" (٣/ ٣٠): ويستحب أن يقول عند الحثي ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]، انتهى. وقال النووي في \"الأذكار\" (ص: ٢٥٣): السنة لمن كان على القبر أن يحثي في القبر ثلاث حثيات بيديه جميعًا من قبل رأسه، قال جماعة من أصحابنا: يستحب أن يقول في الحثية الأولى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾، وفي الثانية: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾، وفي الثالثة: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾.","vol":"4","page":170},{"text":"١٧٠٩ - [١٧] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُجَصَّصَ الْقُبُورُ، وَأَن يُكْتَبُ عَلَيْهَا، وَأَنْ تُوطَأَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٠٥٢].\n١٧١٠ - [١٨] وَعَنهُ قَالَ: رُشَّ قَبْرُ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَكَانَ الَّذِي رَشَّ الْمَاءَ عَلَى قَبْرِهِ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ بِقِرْبَةٍ، بَدَأَ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى رِجْلَيْهِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. فِي \"دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ\". [٧/ ٢٦٤].\nــ\n١٧٠٩ - [١٧] (جابر) قوله: (أن يجصص القبور) لما فيه من الزينة والتكلف، وجوز الحسن البصري التطيين، وقال الشافعي: يستحب أن يطين القبر، وقال في (الخانية): وتطيين القبور لا بأس به خلافًا لما قاله الكرخي، كذا في (مطالب المؤمنين).\nوقوله: (وأن يكتب عليها) اسم اللَّه والقرآن واسم الرسول؛ لئلا يمتهن، أو يبول عليه حيوان، ويكره أيضًا اتخاذ الألواح المكتوبة على القبور؛ لأنه لا يغني عنه شيء (١).\nوقوله: (وأن توطأ) أي: بالأرجل والنعال، ويستحب أن يمشي في القبور حافيًا، كذا في (شرعة الإسلام) (٢).\n١٧١٠ - [١٨] (وعنه) قوله: (رش على قبر النبي -ﷺ-) وذلك لمصلحة رآها الأصحاب، والعلة في رش قبر غيره -ﷺ- التفاؤل باستنزال الرحمة، وغسل الخطايا، وتطهير الذنوب، وعلل أيضًا بأنه يمسك تراب القبر عن الانتشار ويمنعه عن الدروس.\n_________\n(١) قال ابن حجر: وَيُسَنُّ كِتَابَةُ اسْمِ الْمَيِّتِ لَا سِيَّمَا الصَّالِحُ لِيُعْرَفَ عِنْدَ تَقَادُمِ الزَّمَانِ؛ لأَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْكِتَابَةِ مَنْسُوخٌ كَمَا قَالَهُ الْحَاكِمُ، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الزَّائِدِ عَلَى مَا يُعْرَفُ بِهِ حَالُ الْمَيِّتِ، اهـ. قال القاري: وَفِي قَوْلِهِ: (يُسَنُّ) مَحَلُّ بَحْثٍ، وَالصَّحِيحُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ يَجُوزُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٢٢٣).\n(٢) \"شرعة الإسلام\" (ص: ٣٠٥).","vol":"4","page":171},{"text":"١٧١١ - [١٩] وَعَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ قَالَ: لَمَّا مَاتَ عُثْمَان بْنُ مَظْعُونٍ أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ فَدُفِنَ، أَمَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ، فَلم يسْتَطِعْ حَمْلَهَا، فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَحَسَرَ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، قَالَ الْمُطَّلِبُ: قَالَ الَّذِي يُخْبِرُنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: كأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ ذِرَاعَيْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ حَسَرَ عَنْهُمَا، ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ وَقَالَ: \"أُعْلِمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي،\nــ\n١٧١١ - [١٩] قوله: (المطلب بن أبي وداعة) (١) بفتح الواو السهمي، له ولأبيه صحبة.\nوقوله: (لما مات عثمان بن مظعون) وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة، وأول من دفن بالبقيع منهم، وما شرب الخمر في الجاهلية، وقال: لا أشرب ما يُضحك مَن هو دوني، وكان من أكابر أهل الصفة.\nوقوله: (أخرج بجنازته) كأنه حال بتقدير (قد)، أو لعل الواو سقط من قلم الكاتب.\nوقوله: (حملها) الضمير للحجر بتأويل الصخرة.\nوقوله: (وحسر) أي: كشف كميه عن ذراعيه، أي: أخرجهما عن كميه.\nوقوله: (أعلم) من الإعلام.\nوقوله: (قبر أخي) سماه أخًا لأخوة الإسلام؛ تعظيمًا له، أو لقرابة؛ فإنه كان\n_________\n(١) أخرجه أَبُو دَاوُدَ ولَمْ ينسب المطلب راويه، وَكَذَا فِي \"الْمَصَابِيحِ\" وَقَعَ غَيْرَ مَنْسُوبٍ، وَالْمُصَنِّفُ جَعَلَهُ مَنْسُوبًا إِلَى أَبِي وداعة مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ، وَأَخْطَأَ فِي ذَلِكَ، هُوَ الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ الْمَخْزُومِيُّ، تَابِعِيٌّ. كذا \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٢٢٤).","vol":"4","page":172},{"text":"وَأَدْفِنُ إِلَيْهِ مَنْ مَاتَ من أَهلِي\".\n١٧١٢ - [٢٠] وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمَّاهُ! اكْشِفِي لِي عَنْ قَبْرِ النَّبِيِّ -ﷺ- وَصَاحِبَيْهِ، فَكَشَفَتْ لِي عَنْ ثَلَاثَةِ قُبُورٍ لَا مُشْرِفَةٍ وَلَا لَاطِئَةٍ، مَبْطُوحَةٍ بِبَطْحَاءِ الْعَرْصَةِ الْحَمْرَاءِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٢٢].\nــ\nقرشيًا، وفي بعض الشروح: أو لرضاع، واللَّه أعلم.\nوفيه أن جعل العلامة على القبر ووضع الأحجار ليعرفه الناس سنة.\nوقوله: (من مات من أهلي) وأول من ضمَّ إليه إبراهيم بن رسول اللَّه، ولما ماتت زينب بنته -ﷺ- قال: (الحقي بسلفنا الخير؛ عثمان بن مظعون) (١).\n١٧١٢ - [٢٠] (القاسم بن محمد) قوله: (لا مشرفة) من الإشراف بمعنى الرفعة، فكانت مرتفعة قدر شبر.\nوقوله: (ولا لاطئة) أي: ملتصقة بالأرض، لطأ بالأرض لَطْأً وَلُطُوءًا: لصق، والمراد بـ (البطحاء) ههنا الحصى، وهو في الأصل اسم للمسيل فيه الحصى، و(العرصة) كل بقعة من الدور واسعة ليس فيها بناء، كذا في (القاموس) (٢)، ويطلق على كل موضع واسع، ثم صار اسمًا لموضع مخصوص (٣).\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٢١٠)، وأخرجه أيضًا أحمد في \"مسنده\" (١/ ٣٣٥)، ولكن فيه ذكر موت رقية بنت رسول اللَّه -ﷺ-.\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٥٧٣، ٥٧٤).\n(٣) وقد اختلف في صفة قبر النبي -ﷺ- وصاحبيه، وبسطها العلامة السمهودي في كتابه: \"وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى\" (٢/ ٣٠٩) في الفصل الحادي والعشرين من الباب الرابع.","vol":"4","page":173},{"text":"١٧١٣ - [٢١] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي جَنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَانْتُهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ بَعْدُ، فَجَلَسَ النَّبِيُّ -ﷺ- مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ وَجَلَسْنَا مَعَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: \"كَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِنَا الطَّيْرَ\". [د: ٣٢١٢، ن في الكبرى: ٣١٢٨، جه: ١٥٤٩].\n١٧١٤ - [٢٢] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ط: ٥٦٣، د: ٣٢٠٧، جه: ١٦١٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-513> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٧١٥ - [٢٣] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- تُدْفَنُ. . . . .\nــ\n١٧١٣ - [٢١] (البراء بن عازب) قوله: (ولما يلحد بعد) بلفظ المجهول (١)، ولفظ (بعد) تأكيد لما في (لما) من التوقع.\nوقوله: (وزاد) أي: ابن ماجه، وفي نسخة: (زادا) بلفظ التثنية، راجع إلى النسائي وابن ماجه.\n١٧١٤ - [٢٢] (عائشة) قوله: (ككسره حيًّا) قال ابن عبد البر (٢): يستفاد منه أن الميت يتألم بجميع ما يتألم به الحي، ومن لازمه يستلذ بما يستلذ به الحي، واللَّه أعلم.\nالفصل الثالث\n١٧١٥ - [٢٣] (أنس) قوله: (بنت رسول اللَّه -ﷺ-) هي أم كلثوم، [كانت] تحت عثمان بن عفان -﵁-.\n_________\n(١) يعني لم ينته حفر اللحد بعد وصولنا إلى القبر. \"المنهل العذب المورود\" (٩/ ٦٢).\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ٧٩).","vol":"4","page":174},{"text":"وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، فَقَالَ: \"هَلْ فِيكُمْ مِنْ أَحَدٍ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟ \". فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنَا. قَالَ: \"فَانْزِلْ فِي قَبْرِهَا\" فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٢٨٥].\nــ\nوقوله: (لم يقارف الليل) في (القاموس) (١): اقترف الذنب: أتاه وفعله، واقترف المرأة: جامعها، فقد جاء بالمعنيين، فقيل: المراد هنا المعنى الأول، أي: لم يذنب ذنبًا، وقيل: الثانية، أي: لم يجامع امرأة، والأرجح هو المعنى الثاني، وسِرُّه ما قيل: إن عثمان -﵁- كان جامع بعض جواريه الليلة، فعرض به رسول اللَّه -ﷺ- في منعه من النزول في القبر، حيث لم يعجبه ذلك، ولعل العذر لعثمان أنه طال مرضها، ولم يكن يظن أنها تموت ليلتئذ، كذا قال الكرماني (٢).\nوفي شرح الشيخ: ولا يشكل هذا الحديث على أن المحارم والزوج أولى من مصلحي الجانب، قال النووي (٣): لاحتمال أنه -ﷺ- وعثمان كان لهما عذرٌ منعهما نزول القبر.\nنعم يؤخذ أنه لو كان ثمة واحدهم بعيد العهد من الاقتراف فهو أولى، انتهى (٤).\nوقد عرفت ما مقصوده -ﷺ- من هذا القول من التعريض بعثمان، فافهم.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٧٧٩).\n(٢) \"شرح الكرماني\" (٧/ ٨٢).\n(٣) \"المجموع\" (٥/ ١٨٠).\n(٤) قال ابن الهمام: لَا يُدْخِلُ أَحَدًا مِنْ النِّسَاءِ الْقَبْرَ وَلَا يُخْرِجُهُنَّ إِلَّا الرِّجَالُ وَلَوْ كَانُوا أَجَانِبَ، لأَنَّ مَسَّ الأَجْنَبِيِّ لَهَا بِحَائِلٍ عِنْدَ الضَّرُورَةِ جَائِزٌ فِي حَيَاتِهَا، فَكَذَا بَعْدَ مَوْتِهَا، فَإِذَا مَاتَتْ وَلَا مَحْرَمَ لَهَا، دَفَنَهَا أَهْلُ الصَّلَاحِ مِنْ مَشَايخِ جِيرَانِهَا، فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَالشَّبَابُ الصُّلَحَاءُ، أَمَّا إنْ كَانَ لَهَا مَحْرَمٌ وَلَوْ مِنْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرِيَّةٍ، نَزَلَ وَأَلْحَدَهَا. \"فتح القدير\" (٢/ ١٤١).","vol":"4","page":175},{"text":"١٧١٦ - [٢٤] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ لِابْنِهِ وَهُوَ فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ: إِذَا أَنَا مُتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا يُنْحَرُ جَزُورٌ وَيُقَسَّمُ لَحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ وَأَعْلَمَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢١].\n١٧١٧ - [٢٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ فَلَا تَحْبِسُوهُ، وَأَسْرِعُوا بِهِ إِلَى قَبْرِهِ، وَلْيُقْرَأْ. . . . .\nــ\n١٧١٦ - [٢٤] (عمرو بن العاص) قوله: (وهو في سياق الموت) أي: سكراته، يقال: ساق المريضُ سَوْقًا وسِياقًا: شرع في نزع الروح.\nوقوله: (ولا نار) كان من عادة الجاهلية إرسال النار مع الميت، وقيل: المراد به البخور، وإنما منعه من ذلك لأنه من التفاؤل القبيح، وهو مكروه، كذا قيل.\nوقوله: (فشنوا علي التراب) بضم الشين، أمر، من شنَّ الماء على التراب: فرقه، وقال النووي في (الأذكار) (١): معناه: صبوه قليلًا قليلًا، قال: وروي بالمهملة، وفي شرح الشيخ: موافقًا لما في الطيبي (٢) من (النهاية) (٣): الشنّ: الصبّ في سهولة ورفق، وقال: هذا إشارة إلى أن الميت يحس ويتألم بما يحس به الحي.\nوقوله: (حتى أستأنس بكم) أي: بسؤالكم التثبيت (٤).\n١٧١٧ - [٢٥] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (وليقرأ) أي: بعد الدفن فاتحة البقرة،\n_________\n(١) \"الأذكار\" (ص: ٢٥٦).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٨٨).\n(٣) \"النهاية\" (٢/ ٥٠٧).\n(٤) قال النووي (١/ ٤١٦): فيه فوائد، منها: إثبات فتنة القبر وسؤال الملكين، وهو مذهب أهل الحق، ومنها: استحباب المكث عند القبر بعد الدفن لحظة.","vol":"4","page":176},{"text":"عِنْدَ رَأْسِهِ فَاتِحَةُ الْبَقَرَةِ، وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ بِخَاتِمَةِ الْبقَّرَةِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَان\". وَقَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ. [شعب: ٩٢٩٤].\n١٧١٨ - [٢٦] وَعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ بالْحُبْشِيِّ، وَهُوَ مَوْضعٌ، فَحُمِلَ إِلَى مَكَّةَ فَدُفِنَ بِهَا،\nــ\nوهي من ﴿الم﴾ إلى ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾، وخاتمتها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إلى آخر السورة، وجاء في الآثار قراءة فاتحة الكتاب والمعوذتين و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وجعل ثواب ذلك لأهل المقابر، واختلفوا في جعل ثواب القرآن للميت ووصول ثوابه إليه، والصحيح وصوله (١)، ولا يكره قراءة القرآن على القبر، وهو الصحيح، ذكره الشيخ ابن الهمام (٢).\n١٧١٨ - [٢٦] (ابن أبي مليكة) قوله: (وعن ابن أبي مليكة) مضاف إلى جده، وهو عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مليكة بضم الميم وفتح اللام وسكون التحتانية، من مشاهير التابعين.\nوقوله: (بالحبشي) بضم الحاء وسكون الموحدة والمعجمة وتشديد الياء على صورة لفظ النسبة، وليس بمنسوب، اسم جبل بأسفل مكة، ومنه أحابيش قريش، كذا في (القاموس) (٣)، ومات عبد الرحمن بن أبي بكر سنة ثلاث وخمسين، وقيل: ثمان وخمسين، وكان شقيق عائشة -﵂-، وهو موضع على بريد من مكة.\n_________\n(١) قال ابن القيم ﵀ في كتابه \"الروح\" (ص: ١٩١): وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعًا يصل إليه كما يصل ثواب الصوم والحج، ومن لم يعترف بوصول تلك الأشياء إلى الميت فهو محجوج بالكتاب والسنة والإجماع وقواعد الشرع، انتهى.\n(٢) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ١٤٢).\n(٣) \"القاموس\" (ص: ٥٤٤).","vol":"4","page":177},{"text":"فَلَمَّا قَدِمَتْ عَائِشَةُ أَتَتْ قَبْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَتْ:\nوَكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً ... مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لَنْ يَتَصَدَّعَا\nفَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًا ... لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَا\nــ\nوقوله: (فلما قدمت عائشة) أي: للحج.\nوقوله: (كندماني جذيمة) أي: نديميه اسمهما مالك وعقيل، قيل: بقيا منادمته أربعين سنة قتلهما النعمان، وفي قتله قصة عجيبة طويلة ذكرت في شرح المقامات، و(جذيمة) بالجيم والذال المعجمة: اسم ملك بالعراق والحيرة، وضم إليه العرب يقال له: جُذيمة الأبرش بضم الجيم وفتح الذال المعجمة، كما صرح في (الصراح) (١)، وبفتحها وكسر الذال كما في (القاموس) (٢)، وكما صحح في النسخ الصحيحة المقروءة، وكذا صحح في أكثر نسخ الصحاح، وقد صحح في بعضها بالضم أيضًا، كذا قيل.\nو(الحقبة) بالكسر من الدهر: مدة لا وقت لها، كذا في (القاموس) (٣)، وفي (الصراح) (٤): حقبة بالكسرة: سالها، والجمع: كعنب وحبوب، وأما الحقب بالضم وبضمتين: ثمانون سنة أو أكثر، والدهر، والسنة، والسنون، وفي (الصراح) (٥): حُقُبَةٌ بضمتين: روزكَار، وجمعه أحقاب، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ: ٢٣].\nو(لن يتصدعا) أي: لن ينشقا، ولن يتقطعا ويتفرقا، واللام في (لطول) بمعنى\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٤٦٣).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ١٠٠٣).\n(٣) \"القاموس\" (ص: ٨٤).\n(٤) \"الصراح\" (ص: ٢٥).\n(٥) \"الصراح\" (ص: ٢٥).","vol":"4","page":178},{"text":"ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ لَوْ حَضَرْتُكَ مَا دُفِنْتَ إِلَّا حَيْثُ مُتَّ، وَلَوْ شَهِدْتُكَ مَا زُرْتُكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٠٥٥].\nــ\n(بعد)، ويجوز أن يكون بمعنى (مع)، كذا نقل من (مغنى اللبيب) (١)، وهذان البيتان لتميم بن نويرة، قالها في مرثية أخيه مالك لما قتله خالد بن الوليد في خلافة أبي بكر -﵄- لقوله عن النبي [-ﷺ-]: (صاحبكم) (٢).\nوقوله: (لو حضرتك) أي: وقت وفاتك (ما دفنت) بلفظ المجهول المخاطب، (إلا حيث مت) أي: منعت أن تنقل منه إلى مكة؛ لأن عدم النقل هو السنة والأفضل، (ولو شهدتك) وقت موتك ودفنك، (ما زرتك) أي: قبرك الآن، لكني زرتك لعدم حضوري وقت موتك ودفنك.\nوَوُجِّه بأن النبي -ﷺ- نهى النساء عن زيارة القبور ولعنهن عليها، وقيل: هذا إنما يتم لو لم تكن عائشة عالمة بنسخ ذلك، وأجيب بأن النسخ إنما هو في حق الرجال بقوله -ﷺ-: (قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها)، وأما النساء فباقية على النهي، كما ذهب إليه البعض، نعم يرد أن عائشة كيف زارت مع النهي وإن كانت لم تشهد وقت موته ودفنه؟ وقد يقال: أشارت بذلك إلى ما هو المقرر من أن أمهات المؤمنين في حكم المعتدات على الأبد، فيلزمهن ملازمة مساكنهن، ولا يجوز لهن الخروج منها إلا لضرورة أو حاجة مهمة كالحج ونحوه، ومجرد الزيارة ليست كذلك، كذا قيل، وفيه\n_________\n(١) \"مغني اللبيب\" (ص: ٢٨١).\n(٢) وكان النبي -ﷺ- استعمل مالك بن نويرة على صدقات قومه، فلما بلغته وفاة النبي -ﷺ- أمسك الصدقة وفرقها في قومه، فقتله ضرار بن الأزور بأمر خالد بن الوليد بعد فراغه من قتال الردة، وكان خالد يقول: إنه إنما أمر بقتل مالك لأنه كان إذا ذكر النبي -ﷺ- قال: \"ما إخال صاحبكم إلا قال كذا وكذا، فقال له: أو ما تعده لك صاحبًا؟ \"، انتهى مختصرًا من \"الإصابة\" (٦/ ٣٦ - ٣٧).","vol":"4","page":179},{"text":"١٧١٩ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: سَلَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَعْدًا وَرَشَّ عَلَى قَبْرِهِ مَاءً. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٥٥١].\n١٧٢٠ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ ثُمَّ أَتَى الْقَبْرَ فَحَثَا عَلَيْهِ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ ثَلَاثًا. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ [١٥٦٥].\n١٧٢١ - [٢٩] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قَالَ: رَآنِي النَّبِيُّ -ﷺ- مُتَّكِئًا عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ: لَا تُؤْذِ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ، أَوْ لَا تُؤْذِهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣٩/ ٤٧٦، ح: ٢٤٠٠٩].\n* * *\nــ\nأن على هذا الوجه لا مناسبة يظهر لوجه الاشتراط بقوله: (لو شهدتك)، بل الظاهر أن تقول: لو لم أخرج إلى الحج ما زرتك، فافهم، واللَّه أعلم.\n١٧١٩ - [٢٧] (أبو رافع) قوله: (سَلَّ رسول اللَّه -ﷺ- سعدًا) أي: سعد بن معاذ، أي: أخرجه من الجنازة وأدخله القبر.\nوقوله: (ورشَّ على قبره ماء) أي: تعهد أمر دفنه بنفسه الكريمة تكريمًا له، وعناية بحاله -﵁-.\n١٧٢٠ - [٢٨] (أبو هريرة) قوله: (ثلاثًا) أي: ثلاث حثيات بيديه جميعًا، كما سبق في حديث جعفر بن محمد.\n١٧٢١ - [٢٩] قوله: (عن عمرو بن حزم) بفتح الحاء المهملة وسكون الراء.\nوقوله: (أو لا تؤذه) شك الراوي، ولعل المراد أن روحه تكره ولا ترضى بالاتكاء على قبره؛ لتضمنه إهانةً واستخفافًا به، واللَّه أعلم.","vol":"4","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-514>٧ - باب البكاء على الميت</span>\nــ\n٧ - باب البكاء على الميت\nالبكاء على الميت من غير نوح وصياح ورفع صوت لا بأس به، كذا في (المحيط) (١)، ويكره الندبة والنوح وذكر مدائح الميت بإفراط مما هو شبيه بالمحال كما هو عادة الجاهلية، وأما أصل الثناء على الميت فلا يكره، وقد جاء في الآثار والأخبار، وقال النبي -ﷺ- في حق ابن رواحة حين استشهد (كان أولنا وصولًا وآخرنا قفولًا، وكان يصلي الصلاة لوقتها معنا) (٢)، ويكره تحديد المصائب فوق ثلاثة أيام، وفي رأس المقابر، وتستحب التعزية قبل الدفن وبعده إلى ثلاثة أيام، ويكره الجلوس على الأبواب، كذا في (درر البحور). ويستحب أن يقال لصاحب التعزية: غفر اللَّه لميتك، ورزقك الصبر على مصيبتك، وآجرك على موته، وعن بعض مشايخنا: لا بأس بأن يجلسوا للمأتم ثلاثة أيام، ويكره الزيادة عليها، وقال بعضهم: إلى سبعة أيام، وقال عطاء الخراساني: لما مات آدم بكت الخلائق سبعة أيام، وقال كثير من المتأخرين: يكره الاجتماع عند صاحب الميت، ويكره له أن يجلس في بيته حتى يؤتى ويعزى، إذا فرغ من دفنه ورجع الناس فليتفرقوا، واشتغل صاحب الميت بأمره، ويشتغل الناس بأمورهم، وروى الحسن ابن زياد عن أبي حنيفة -﵀-: إذا عزى أهل الميت مرة فلا ينبغي للذي عزاه مرة أن يعزي مرة أخرى، وجاء في ذلك الخبر المروي، وقال بعض مشايخ بخارى: تعزية الحاضر ثلاثة أيام، وتعزية الغائب في يوم واحد، كذا في (مفاتيح المسائل).\nويكره الجلوس على باب الدار لأنه عمل الجاهلية، ونهى النبي -ﷺ- عن ذلك،\n_________\n(١) \"المحيط البرهاني\" (٢/ ١٧٦).\n(٢) نقل هذه الرواية ابن عساكر في \"تاريخه\" (٢٨/ ١٢٧)، والسرخسي في \"سيره\" (١/ ١٨).","vol":"4","page":181},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-515> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٧٢٢ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ، وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيمَ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ،\nــ\nوما يصنع في بلاد العجم من فرش البسط والقيام على قوارع الطريق من أقبح القبائح، كذا في (الظهيرية). وكره التعزية عند القبر، كذا في (القنية). وفي (جمع التفاريق): لا بأس بالجلوس ثلاثة أيام في بيت أو مسجد، جلس رسول اللَّه -ﷺ- لما قتل جعفر وزيد ابن حارثة وابن رواحة والناس يأتونه، ولو قال للمعزى: بزركَ مصيبتى يا سخت مصيبتى ترا رسيد، بعض المشايخ قالوا: إنه يكفر، وبعضهم قالوا: إنه ليس بكفر، ولكنه خطأ عظيم، قالوا: ليس بخطأ ولا كفر، وإليه مال الحاكم وعليه الفتوى، ولو قال: هرجه از جان أو بكاست در جان تو زيادت باد، يخشى على قائله الكفر، ولو قال: زيادت كناد، فهذا خطأ وجهل، ذكر هذا كله في (مطالب المؤمنين).\nالفصل الأول\n١٧٢٢ - [١] (عن أنس) قوله: (القين) هو الحداد، واسمه البراء بن أعوش، واسم زوجته خولة بنت المنذر.\nوقوله: (وكان ظئرًا لإبراهيم) أي: زوج مرضعته، في (القاموس) (١): الظئر: العاطفة على ولد غيرها، المرضعة له في الناس وغيرهم، للذكر والأنثى. وإبراهيم كان ابن سنتين، وفي رواية: ابن ستة عشر شهرًا وثمانية أيام، وفي رواية: ابن سنة وعشرة أشهر وستة أيام، وبالجملة كان في مدة الرضاع، وقد سبق شيء من الكلام مما يتعلق به في (باب صلاة الخسوف).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٠٣).","vol":"4","page":182},{"text":"ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ ! فَقَالَ: \"يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ\" ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ: \"إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضِى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٣، م: ٢٣١٥].\nــ\nوقوله: (ثم دخلنا) أي: مع رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (يجود بنفسه) جاد بنفسه: قَارَبَ أَنْ يَقْضِيَ، من الجود، كأنه يجود بها كما يجود بماله، وفي هذا التعبير إشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن لا يضيق فزعًا عند الموت؛ لأن الحياة عارية.\nوقوله: (تذرفان) ذرفت العين: سال دمعها، وذرف الدمع: سال، من باب ضرب.\nوقوله: (وأنت يا رسول اللَّه) تعجب واستبعاد لصدوره -ﷺ-؛ لدلالته في الظاهر على الضعف وعدم تحمل المصيبة، والواو للعطف على محذوف، أي: الناس يبكون وأنت تبكي مثلهم.\nوقوله: (إنها رحمة) أي: هذا الدمع أثر رحمة ورأفة على المقبوض بمشاهدة حالته التي ابتلي بها من شدة الأمر وضعف البنية، لا من الجزع كما توهمت.\nوقوله: (ثم أتبعها بأخرى) أي: أتبع الدمعة بدمعة أخرى، أو الكلمة بكلمة أخرى، ويلائمه قوله: (فقال: إن العين تدمع، والقلب يحزن) من باب سمع لازم، ومن نصر متعد، أي: أنها جبلة للمؤمن الرقيق القلب، ورحمة من اللَّه أودعت فيه (١).\n_________\n(١) في هذا الحديث فوائد جليلة ذكرها الحافظ في \"فتح الباري\" (٣/ ١٥٨) فلينظر ثمة.","vol":"4","page":183},{"text":"١٧٢٣ - [٢] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ -ﷺ- إِلَيْهِ: إِنَّ ابْنًا لِي قُبِضَ فَأْتِنَا، فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ. . . . .\nــ\nوالتحقيق في هذا الباب أن كماله -ﷺ- كمال بشري على الإطلاق، يشمل جميع اللطائف والقوى الظاهرة والباطنة، كما هو اللائق بحال البشر الجامع لصفات الروح والنفس والطبيعة على خلاف حال الملائكة، وكان يعطي كل شيء حقه، وتظهر منه آثار جميع الحواس والقوى، فما كان منها مقدورًا يصدر بالقدرة والاختيار، وما لم يكن مقدورًا بحكم الطبيعة والاضطرار، وإلا يلزم النقصان، ولكن الكل موافق للحق والحكمة، وهذا دليل سلامة الحواس والقوى، فله -ﷺ- في كل مرتبة تمام وكمال، وهذا أحط وجوه وجودِ سكرات الموت في حقه -ﷺ-.\nقال أهل التحقيق من السادة الصوفية -قدس اللَّه أسرارهم-: إن جميع اللطائف من الطبيعة والنفس والروح والقلب والسر في أرباب التمكين في العمل فرادى من غير خلط ومزج بين هذه اللطائف وأعمالها وآثارها، فالسر متصل بذات اللَّه تعالى وتقدس، والروح مستغرق بمحبته، والقلب مشغول بذكره، والنفس عامل بخدمته، والطبيعة تأخذ من الحظوظ ما يقوم به البدن، والكل مطيع ومنقاد للحق فيما خلق لأجله، واللَّه أعلم.\n١٧٢٣ - [٢] (أسامة بن زيد) قوله: (ابنة النبي -ﷺ-) وهي زينب زوجة أبي العاص.\nوقوله: (إن ابنا لي قبض) (١) أي: أشرف على الموت وحان أن تقبض روحه.\nوقوله: (فأرسل) أي: النبي -ﷺ- أحدًا إليها حال كونه (يقرئـ) ـها (السلام) بضم الياء.\n_________\n(١) قِيلَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ عَاشَ حَتَّى نَاهَزَ الْحُلُمَ، وَمِثْلُهُ لَا يُقَالُ لَهُ صَبِيٌّ عُرْفًا، بَلْ لُغَةً، وَيُجَابُ بِأَنَّ الْوَضْعَ اللُّغَوِيَّ يَكْفِي هُنَا، وَقِيلَ: الصَّوَابُ أَنَّهُ أُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ، كَمَا ثَبَتَ فِي \"مُسْنَدِ أَحْمَدَ\". \"مرقاة المفاتيح\" (٣/ ١٢٣١).","vol":"4","page":184},{"text":"وَيَقُولُ: \"إِنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ\". فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأُبَيُّ بنُ كَعْبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ، فرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا هَذَا؟ فَقَالَ: \"هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، فَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٨٤، م: ٩٢٣].\n١٧٢٤ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوًى لَهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ -ﷺ- يَعُودُهُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَجَدَهُ فِي غَاشِيَةٍ،\nــ\nوقوله: (فلتصبر) أمر الغائبة، (ولتحتسب) أي: تدخر ثواب فقد الابن والصبر عليه عند اللَّه، حتى يجعل في حسابها، كذا في شرح الشبخ، والمعنى: فلتصبر ولتحتسب ثوابه في أعمالها، من الحسبة.\nوقوله: (ومعه سعد بن عبادة)، وفي (المصابيح): ومعه سعد بن عبادة ورجال.\nوقوله: (تتقعقع) أي: تضطرب، والقعقعة: حكاية صوت السلاح، وصوت الأسنان لشدة وقعها في الأكل، وتحريك الشيء اليابس الصلب مع صوت.\n١٧٢٤ - [٣] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (فوجده) بالفاء في أكثر النسخ، وفي نسخة الفربري بلا (فاء)، كذا في نسخ (المصابيح)، وهو الأظهر.\nوقوله: (في غاشية) أي: في داهية تتغشاه من كرب ووجع، ولم يُرِدْ به حالة الموت، لأنه قد برأ من ذلك المرض، وعاش بعد النبي -ﷺ-، ومات في خلافة عمر، وقيل: في خلافة أبي بكر -﵁-، أو في جماعة حاضرة عنده أحاطت به للخدمة","vol":"4","page":185},{"text":"فَقَالَ: \"قَدْ قُضِي؟ \" قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبَكَى النَّبِيُّ -ﷺ-، فَلَمَّا رَأَى الْقَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ -ﷺ- بَكَوْا، فَقَالَ: \"أَلَا تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ بِدَمْعِ الْعَيْنِ وَلَا بِحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا\" وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ \"أَوْ يَرْحَمُ، وَإِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٠٤، م: ٩٢٤].\nــ\nوالعيادة ونحوهما.\nوقوله: (قد قضي) بصيغة المجهول، وقد يروى بالمعلوم على طريق الاستفهام، أو قال على ظن الموت، لكن ظاهر حاله كذلك، وهذا اللفظ ربما ينظر إلى المعنى الأول، وما جاء في رواية: (وجده على غشية)، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١).\nوقوله: (أو يرحم) أي: بهذا إن قال خيرًا، مثل أن يقول: إنا واصلون إليه راجعون، ورضينا بقضاء اللَّه، ومثل ذلك.\nوقوله: (وإن الميت ليعذب ببكاء أهله) عليه، أي: مع إطالة اللسان فيما لا يعني.\nاعلم أن ابن عمر روى هذا عن أبيه -﵁-، وأنكرت عليه عائشة لما سمعت حديثه هذا، وقالت: ذُهِلَ ابن عمر، وفي رواية: رحم اللَّه أبا عبد الرحمن، سمع شيئًا فلم يحفظه، إنما مرت على رسول اللَّه -ﷺ- جنازةُ يهودي -وفي رواية: جنازة يهودية- وهم يبكون عليه، فقال: (إنه يعذب وهم يبكون)، فليس المراد أن تعذيبه بسبب بكائهم، بل مقارن له وواقع في تلك الحالة، فالباء في قوله: (ببكاء) للملابسة والمصاحبة، لا للسببية كما فهمه ابن عمر، فردّ عائشة على ابن عمر ليس في عدم صحة الحديث، بل في تأويله وفهم معناه، فإن الحديث صحيح، رواه عمر وابن عمر والمغيرة بن شعبة، ولم يذكر أحدهم حديث اليهودي أو اليهودية، وقد احتجت عليهم عائشة بقوله تعالى:\n_________\n(١) \"الميسر\" (٢/ ٤٠١).","vol":"4","page":186},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. وظهر مما ذكرنا من التقرير أن ليس مقصود عائشة أن الحديث واقع في مادة مخصوصة، وأن التعذيب ببكاء الأهل في مادة الكفار، بل المقصود أن تعذيب الميت ليس بسبب بكاء أهله في شيء من المواد أصلًا، بل هو مقارن له في المادة المخصوصة، فافهم.\nثم إن العلماء أولوا الحديث بتأويلات أخر لا يلزم بها التعذيب بفعل الغير، فقيل: إن ذلك إذا كان الميت راضيًا به في حال حياته، وقد أمرهم وأوصاهم به، كما كانوا يفعلونه في الجاهلية، فحينئذ يعذب ببكاء أهله؛ لأن بكاءهم بواسطة فعله، وقيل: ليس المراد تعذيبه ببكائهم بعد الموت، بل المراد بالميت من أشرف على الموت، كما في حديث: (لقنوا موتاكم)، والمراد بالعذاب ما يتأذى به من جزعهم وصراخهم وهو في كرب الموت، فيصير صنيعهم زيادة في كربه، فيقع ذلك منهم موقع التعذيب، وقد روى مسلم (١) عن أنس: أن عمر بن الخطاب لما طُعِنَ عَوَّلَتْ عليه حفصة، فقال: يا حفصة أما سمعتِ رسول اللَّه -ﷺ- يقول: (المعوَّل عليه يُعَّذب؟) وعَوَّلَ عليه صهيبٌ، فقال عمر لصهيب مثل ذلك، ويفهم منه ظاهرًا أن المراد بالتعذيب مثل ما ذكرنا، لا التعذيب بعد الموت، فإن ذلك ببكائهم ونوحهم عليه بعد الموت، وضعف الطيبي هذا التأويل لما ورد في بعض الروايات: (أن الميت يعذب ببكاء الحي) (٢)، وفي رواية: (يعذب في قبره) (٣)، وفي منافاة الرواية الأولى من هذين الروايتين للتأويل المذكور نظر، نعم الرواية الثانية تنافيه، والجواب أن يحمل هذا الحديث على الميت الذي أوصى\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٩٢٧).\n(٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (١٢٩٠).\n(٣) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٣٩٧٨).","vol":"4","page":187},{"text":"١٧٢٥ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الْخُدُودَ وَشَقَّ الْجُيُوبَ وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٩٤، م: ١٠٣].\n١٧٢٦ - [٥] وَعَن أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى أَبِي مُوسَى فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ تَصِيحُ بِرَنَّةٍ، ثمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: أَلَمْ تَعْلَمِي؟ وَكَانَ يُحَدِّثُهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"أَنَا بَرِيٌ مِمَّنْ حَلَقَ وَصَلَقَ وَخَرَقَ\". . . . .\nــ\nبالنياحة عليه، والحديث الآخر محتمل للوجهين من التأويل، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١)، واللَّه أعلم.\n١٧٢٥ - [٤] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (ودعا بدعوى الجاهلية) كالدعاء بالويل والثبور، كما تفعله النوائح.\n١٧٢٦ - [٥] (أبو بردة) قوله: (تصيح برنة) بفتح الراء وتشديد النون، في (القاموس) (٢): الرنة: الصوت، رَنَّ يَرِنُّ رنينًا: صاح، وفي (النهاية) (٣): صوت مع البكاء فيه ترجيع، ولعل هذا أوجه في معنى الحديث.\nوقوله: (أن رسول اللَّه -ﷺ-) يتعلق بـ (ألم تعلمي)، و(يحدثها) سبيل التنازع.\nوقوله: (حلق) أي: الرأس عند المصيبة، (وصلق) أي: صات صوتًا، كذا في (القاموس) (٤)، وفي (النهاية) (٥): هو الصوت الشديد، (وخرق) أي: الجيوب، ويروى:\n_________\n(١) \"الميسر\" (٢/ ٤٠٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٠٧).\n(٣) \"النهاية\" (٢/ ٢٧١).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٣٠).\n(٥) \"النهاية\" (٣/ ٤٨).","vol":"4","page":188},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ. [خ: ١٢٩٦، م: ١٠٤].\n١٧٢٧ - [٦] وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ\".\nوَقَالَ: \"النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا. . . . .\nــ\n(سلق) بالسين، وهو أيضًا بمعنى عدا وصاح، والسين والصاد كثيرًا ما يتناوبان.\n١٧٢٧ - [٦] (أبو مالك الأشعري) قوله: (لا يتركونهن) قال التُّورِبِشْتِي (١): أراد أن الأمة بأسرهم لا يتركونها، إن تركها طائفة تمسك بها آخرون.\nوقوله: (الفخر في الأحساب) الفخر والفخار: التمدح والتعظيم، والحسب: ما يعده الرجل من مفاخر آبائه وشرفهم ومجدهم وفضائل نفسه وكرمه. (والطعن في الأنساب) أي: العيب في أنساب الغير، وهو أن يعظم آباءه ويحقر آباء غيره، اللهم إلا بالإسلام والكفر، كذا قال الطيبي (٢). (والاستسقاء بالنجوم) أي: توقع الأمطار عند وقوع النجوم في منازلها، كما جاء في الحديث: (يقولون: مُطِرْنا بِنَوْءٍ كذا) (٣) أي: يقولون: إذا جاء الكوكب الفلاني في منزل كذا جاء المطر، وفي هذا زجر ومنع عن التمسك بقواعد النجوم. (وقال) الضمير لرسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (النائحة) مبتدأ و(تقام) خبره، مقول القول.\nوقوله: (إذا لم تتب قبل موتها) إنما قال هذا لأن من شرط التوبة أن يكون في حالة الاختيار، وأن يكون قبل مشاهدة أحوال الموت، وهو المشار إليه\n_________\n(١) \"الميسر\" (٢/ ٤٠٣).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٣٩٥).\n(٣) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٧١).","vol":"4","page":189},{"text":"تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٣٤].\nــ\nبقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ الآية [النساء: ١٧].\nوقوله: (تقام) أي: تحشر، أو تقام في الموقف، وهذا أظهر.\nوقوله: (وعليها سربال) أي: قميص كما في قوله تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠].\nقال البيضاوي (١): أي: قمصانهم، و(القطران) بكسر الطاء وسكونها: دهن يتحلب من شجر معروف، ثم يطبخ ويسرج به؛ لأنه أشد في اشتعال النار، ويطلى به الإبل الجربى، حارٌّ مُحْرِقٌ للجلد، و(الدرع) قميص المرأة، والسربال أعم، وذكره مع السربال تأكيد ومبالغة، وإشارة إلى أنه يجمع بينهما.\nو(الجرب) محركة: داء معروف، يعني يسلط على أعضائها الجرب والحكة، ويطلى بالقطران ليداوى به زيادة في الألم والبشاعة.\nوقال الشيخ التُّورِبِشْتِي (٢): إنا نظرنا إلى المناسبات الواقعة بين الذنوب وبين عقوبتها فوجدنا لتعذيبها بالجرب وجهين:\nأحدهما: أنها كانت تخمش وجهها فابتليت بما لا صبر لها عليه إلا بالخمش والتمزيق.\nوالآخر: أنها كانت تجرح بكلماتها المُرِقَّة قلوبَ ذوات المصيبات، وتحرك بها بواطنهم، فعوقبت في ذلك المعنى بما يماثله في الصورة، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٠٤).\n(٢) \"الميسر\" (٢/ ٤٠٥).","vol":"4","page":190},{"text":"١٧٢٨ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ -ﷺ- بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ، فَقَالَ: \"اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي\" قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ -ﷺ-. فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ. فَقَالَ: \"إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٨٣، م: ٩٢٦].\nــ\n١٧٢٨ - [٧] (أنس) قوله: (إليك عني) أي: تنح عني و(إليك) من أسماء الأفعال بمعنى أبعد.\nوقوله: (فلم تجد عنده بوابين) كأنه كانت استشعرت في نفسها خوفًا وهيبة من رسول اللَّه -ﷺ-، وظنت أنه مثل الملوك والسلاطين فلا أجد مجال الدخول عليه حتى أعتذر عن خطيئتي فطابت نفسها بذلك.\nوقوله: (لم أعرفك) أي: تبت وامتنعت عن البكاء والجزع، وامتثلت أمرك، ولم أعرفك قبل حتى أمتثل أمرك، أو هو اعتذار عما أساءت الأدب بحضرته، وقالت ما قالت، فافهم.\nوقوله: (إنما الصبر) أي: الصبر الكامل المعتد به (عند الصدمة الأولى) أي عند وقع المصيبة وقربها، فأما بعد ذلك فلا محالة تصبر، وهذا الجواب من الأسلوب الحكيم أي: دعي الاعتذار عني، فإن من شيمتي أن لا أغضب لنفسي وأنت لم تقصديني بذلك ولم تعرفيني وكنت معذورة، وانظري إلى تفويتك الثواب بالجزع. و(الصدم) ضرب صلب بمثله، وإصابة الأمر، والمعنى الأخير أظهر، ولكن في الأول إشارة إلى ضرب صلابة المصيبة بالقلب الذي هو صلب وشديد في تحمل الشدائد، وكسره ويجعله لينًا ورقيقًا.","vol":"4","page":191},{"text":"١٧٢٩ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَيَلِجُ النَّارَ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٥٦، م: ٢٦٣٢].\nــ\n١٧٢٩ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (فيلج) روي بالنصب والرفع، وفي النصب إشكال؛ لأن النصب بتقدير (أن) مشروط بوجود سببية ما قبل الفاء لما بعدها، وهي ههنا غير ظاهرة، وفي شرح الشيخ: بالنصب بظاهر الفاء، ولا يخفى ما فيه، وأما الرفع فلكون الفاء بمعنى الواو، والمراد عدم اجتماع موت ثلاثة من أولاده وولوجه النار، أو الفاء على حقيقتها، فيدل على عدم وجود الولوج عقيب الموت.\nوقوله: (إلا تحلة القسم) تحلة مصدر بمعنى التحليل، يقال: حللته تحليلًا وتحلة، قال اللَّه تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، شرع لكم تحليلها بالكفارة أو بالاستثناء، فالتحلة ما تنحل به عقدة اليمين، ويتحلل به ما حرم على المقسم، والعرب تقول: فعلت تحلة القسم، أي: لم أفعل إلا بقدر ما حللت به يميني ولم أبالغ، وهو صار مثلًا للقليل المفرط في القلة.\nثم القسم الذي يلج المسلم لتحلته هو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا﴾ [مريم: ٧١]، إما بإضمار القسم فيه، أي: واللَّه إن منكم إلا واردها، أو المراد بالقسم ما دل على القطع والبت، وقيل: هو في قوله قبل هذا: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨] الآية، أقسم اللَّه تعالى على أن يورد ويدخل جهنم كُلَّ أحد، وهو عام للكل حتى الأنبياء والمرسلين إلا سيد المرسلين -ﷺ- وعليهم أجمعين- في الأصح من القول، ولو في آنٍ كالبرق الخاطف أو الريح العاصف على ما ورد في المرور على الصراط، ولولا هذا القسم لما ولج المسلم الذي مات له ثلاثة من الولد.","vol":"4","page":192},{"text":"١٧٣٠ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ: \"لَا يَمُوتُ لإِحْدَاكُنَّ ثَلَاثَةٌ من الْوَلَدِ فَتَحْتَسِبُهُ إِلَّا دَخَلَتِ الْجنَّةَ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ: أَوِ اثْنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَوِ اثْنَانِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهما: \"ثَلَاثَةٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ\". [م: ٢٦٣٤].\n١٧٣١ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَقُولُ اللَّهُ: مَا لِعَبْدِي الْمُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ. . . . . .\nــ\n١٧٣٠ - [٩] (وعنه) قوله: (فتحتسبه) أي: تصبر حسبة للَّه، وقد مرت حقيقة معناه، وهو مرفوع لا غير، إذ ليس هذا مقام النصب، بل هو عطف على (يموت)، وحرف النفي داخل على كليهما.\nوقوله: (أو اثنان) عطف على (ثلاثة)، ويقال لمثل هذا: عطف تلقيني، كأنه يلقن المخاطب المتكلم بأن يعطفه على ما قبله، أي: قل: يا رسول اللَّه أو مات اثنان؟ فقال: أو اثنان، وهذا يحتمل الوحي في هذا الآن بعد قول الامرأة وتوجهه -ﷺ- إلى جناب رحمة اللَّه والدعاء منه وإجابته، واللَّه أعلم.\nوقوله: (لهما) أي: للبخاري ومسلم.\nوقوله: (لم يبلغوا الحنث) صفة (ثلاثة)، والحنث بالكسر: الإثم، والمراد به البلوغ الذي هو سبب حرمان الحنث، أي: الصغار، وإنما خص بهم لأنهم يشفعون ويجرون والديهم إلى الجنة، وأما موت الكبار فهو مصيبة أشدّ منه، وله ثواب عظيم.\n١٧٣١ - [١٠] (وعنه) قوله: (إذا قبضت صفيه) على وزن [غنيٍّ]: الحبيب المصافي، وخالص كل شيء، كذا في (القاموس) (١)، وقال: (من أهل الدنيا) وكيف\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩٧).","vol":"4","page":193},{"text":"احْتَسَبَهُ إِلَّا الْجنَّةُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٤٢٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-516> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٧٣٢ - [١١] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣١٢٨].\n١٧٣٣ - [١٢] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عَجَبٌ لِلْمُؤْمِنِ: إِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ حَمِدَ اللَّه وَشَكَرَ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ حَمِدَ اللَّهَ وَصَبَرَ، فَالْمُؤْمِنُ يُؤْجَرُ فِي كُلِّ أَمْرِهِ. . . . .\nــ\nالصفي من أهل الآخرة؟\nالفصل الثاني\n١٧٣٢ - [١١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (والمستمعة) أي: المصغية إليه والمتوجهة إليه، وإنما أنث؛ لأنه فِعْلُ النساء غالبًا، أو المراد الجماعة أو النفس، والوجه الأول هو الظاهر.\n١٧٣٣ - [١٢] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (وإن أصابته مصيبة حمد اللَّه وصبر) فهو في كلتا حاليته النعماء والضراء حامد للَّه تعالى، مستن على صفاته الجمالية والجلالية واللطف والقهر؛ لأن مقصوده سبحانه في إيراد النوازل القدرية على العبد التعرف إليه، وإذا عرف حمد، وقال العارفون: الوظيفة في النعمة والبلاء معًا الشكر للَّه سبحانه، أما في النعمة فظاهر، وأما في البلاء فباعتبار تضمنه الألطاف الخفية، ولما كان العبد ضعيفًا لا يثبت في البلاء، ولا يتيسر له الشكر، اقتصر على الصبر لا أقل، فافهم وباللَّه التوفيق.\nوقوله: (فالمؤمن يؤجر في كل أمره) أي: إذا حمد في كل حال كان له أجر لا محالة، أما في العبادات والحقوق فظاهر، وأما في العادات والحظوظ فباعتبار تضمنه","vol":"4","page":194},{"text":"حَتَّى فِي اللُّقْمَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِهِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٩٩٥].\n١٧٣٤ - [١٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَلَهُ بَابَانِ: بَابٌ يَصْعَدُ مِنْهُ عَمَلُهُ، وَبَابٌ يَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ، فَإِذَا مَاتَ بَكَيَا عَلَيْهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٢٥٥].\nــ\nإليه، فالمباحات وإن كان يرى في الظاهر من قبيل الشهوات فباشتمالها على نية التقرب إلى اللَّه تعالى تصير مستحبات، والعادات تصير عبادات، ولهذا كان حظوظ العارفين في حكم الحقوق.\nوقوله: (يرفعها إلى في امرأته) مودة ورحمة، فإنه وإن يرى في الظاهر حظًّا للنفس، ولكنه في الحقيقة يتضمن حقًّا، كما ورد (١): (وإن لزوجتك عليك حقًا)، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١].\n١٧٣٤ - [١٣] (أنس) قوله: (باب يصعد منه عمله) إلى مستقر الأعمال، وهو محل كتابتها في السماء يرفعها الملائكة النازلة ليلًا ونهارًا، بعد كتابتها في الأرض، يكتبها الملكان الكاتبان، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠].\nوقوله: (بكيا عليه) أي: البابان حقيقة، أو أهلهما من الملائكة، واللَّه أعلم. والظاهر هو الأول كما هو ظاهر الآية، أما بكاء باب صعود العمل فلأنه كان يتشرف به، وأما بكاء باب الرزق؛ لأن رزقه هو العون له على العمل الصالح، فيبكيان من\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (١٩٧٥).","vol":"4","page":195},{"text":"١٧٣٥ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ كَانَ لَهُ فَرَطَانِ مِنْ أُمَّتِي أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهِمَا الْجَنَّةَ\". فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: \"وَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ يَا مُوَفَّقَةُ! \". فَقَالَتْ: فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَطٌ مِنْ أُمَّتِكَ؟ قَالَ: \"فَأَنَا فَرَطُ أُمَّتِي لَنْ يُصَابُوا بِمِثْلِي\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٠٦٢].\n١٧٣٦ - [١٥] وَعَن أبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ. فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيتَ. . . . .\nــ\nحرمانهما من هذه النعمة.\n١٧٣٥ - [١٤] (ابن عباس) قوله: (فرطان) الفرط بالتحريك فعل بمعنى الفاعل، يستوي فيه الواحد والجمع، فَرَطَ فُرُوطًا بالضم: سبق وتقدم، وهو المتقدم إلى الوِرْدِ لإصلاح الحوض والدلاء، كذا في (القاموس) (١)، وقيل: من يتقدم القافلة يُهَيِّئُ لهم الماء والمنزل، وما يحتاجون إليه فيه.\nوقوله: (يا موفقة) للخيرات الحريصة على تعلم الشرائع وسؤال العلم.\nوقوله: (لن يصابوا بمثلي) أي: بمثل موتي، فإنه -ﷺ- أحق وأحب عند المؤمن من أهله ونفسه ومن كل شيء.\n١٧٣٦ - [١٥] (أبو موسى الأشعري) قوله: (قبضتم ولد عبدي) المقصود من\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٦٢٧).","vol":"4","page":196},{"text":"الْحَمْدِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٤/ ٤١٥، ت: ١٠٢١].\n١٧٣٧ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"من عَزَّى مُصَابًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ عَاصِمٍ الرَّاوِي، وَقَالَ: وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَوْقَةَ بِهَذَا الإِسْنَاد مَوْقُوفًا. [ت: ١٠٧٣، جه: ١٦٠٢].\n١٧٣٨ - [١٧] وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ عَزَّى ثَكْلَى كُسِيَ بُرْدًا فِي الْجَنَّةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٠٧٦].\nــ\nالسؤال إظهار التفضيل وتوطئة الإنعام على العبد الصابر، أو المتصبر في المصائب، فأول المراتب التصبر، ثم الصبر، ثم الرضا، ثم الفناء، درجات بعضها فوق بعض.\n١٧٣٧ - [١٦] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (من عزَّى مصابًا) بالتشديد، والعزاء: الصبر، أو حُسْنُه، عَزِيَ كرضي، عزاء، فهو عَزٍ، وعَزَّاهُ تعزيةً، كذا في (القاموس) (١)، فالعَزْيُ: الصبر، والتعزية: حمل الغير عليه.\n١٧٣٨ - [١٧] (أبو ذر) قوله: (من عزَّى ثكلى) بفتح المثلثة: المرأة التي مات ولدها، وفي (القاموس) (٢): الثُّكل بالضم: الموت والهلاك، وفقد الحبيب أو الولد، ويُحَرَّكُ، وثَكِلَ كفرح، فهو ثاكل وثَكْلان، وهي ثاكلة وثكلانة قليل، وقد ذكرنا بعض أحكام التعزية وآدابها في شرح ترجمة الباب.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١٢٠٤).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٨٩٥).","vol":"4","page":197},{"text":"١٧٣٩ - [١٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: اصْنَعُوا لآِلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٩٩٨، د: ٣١٣٢، جه: ١٦١٠].\nــ\n١٧٣٩ - [١٨] (عبد اللَّه بن جعفر) قوله: (لما جاء نعي جعفر) النعي بفتح النون وسكون العين: الإخبار بموت أحد، والنَّعِيُّ على وزن فعيل بمعنى خبر الموت، وقد جاء بمعنى الناعي، أي: المخبر، ويصح الحمل عليه، والأول، بل الثاني أظهر.\nوقوله: (ما يشغلهم) شغله كمنعه شغلًا، وأشغله لغة رديئة، كذا قيل، وقال في (القاموس) (١): أشغله لغة جيدة، أو قليلة أو رديئة، والشغل بضمتين وبالضم، والفتح وبفتحتين: ضد الفراغ، كذا في (القاموس) (٢).\nوفي الحديث دليل على أنه يستحب للجيران والأقارب تهيئة طعام لأهل الميت، وكره بعض المشايخ إرسال الطعام إلى صاحب المصيبة، والصحيح أنه لا بأس بذلك لحديث نعي جعفر، كذا في (مفاتيح المسائل). وقال في (درر البحور): حَسُنَ لأقرباء الميت وجيرانه أن يبعثوا طعامًا لأهل الميت، وفي (الخانية): حمل الطعام إلى أهل المصيبة في اليوم الأول غير مكروه لشغلهم بجهاز الميت، وفي اليوم الثاني مكروه إذا اجتمعت النائحة لأنه إعانة على الإثم والعدوان، واختلف في أكل غير أهل المصيبة ذلك الطعام، وقال أبو القاسم: لا بأس لمن كان مشغولًا بجهاز الميت، كذا في (وصايا جامع الفقه)، ذكر هذه الروايات في (مطالب المؤمنين) والكتب المذكورة.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٩٣٧).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٩٣٧).","vol":"4","page":198},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-517> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٧٤٠ - [١٩] عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَة\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٩١، م: ٩٣٣].\n١٧٤١ - [٢٠] وَعَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ -وَذُكِرَ لَهَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ عَلَيْهِ- تَقُولُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ، وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ (١)، إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا، فَقَالَ: \"إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٨٩، م: ٩٣٢].\nــ\nالفصل الثالث\n١٧٤٠ - [١٩] (المغيرة بن شعبة) قوله: (بما نيح) عبارة عن القول الذي ناحت به النائحة، يقال ذلك القول في حقه تهكمًا وسخريةً، كما في حديث النعمان، فكأنه أظهر نفسه بين الناس متصفًا بتلك الصفات ورضي بها، فكان محلًا للتوبيخ.\nوقوله: (يوم القيامة) لعل المراد من يوم القيامة ما يشتمل عالم البرزخ بل أعم منه، كما يظهر من حديث النعمان بن بشير.\n١٧٤١ - [٢٠] (عمرة بنت عبد الرحمن) قوله: (عمرة) بفتح العين، وأبو عبد الرحمن كنية عبد اللَّه بن عمر.\n_________\n(١) قيل في الفرق بينهما: إن في الأول ليس بشعور أصلًا، وفي الثاني شعور لكنه انتقل إلى الأخرى. كذا في \"التقرير\".","vol":"4","page":199},{"text":"١٧٤٢ - [٢١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: تُوُفِّيَتْ بِنْتٌ لِعُثْمَانَ ابْنِ عَفَّانَ بِمَكَّةَ، فَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ، فَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن عمر لعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ وَهُوَ مُوَاجِهُهُ: أَلَا تَنْهَى عَنِ الْبُكَاءِ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ\". فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَدْ كَانَ عُمَرُ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَدَّثَ فَقَالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى. . . . . .\nــ\n١٧٤٢ - [٢١] (عبد اللَّه بن أبي مليكة) قوله: (فإني لجالس)، وفي رواية: (وإني)، كذا في صحيح البخاري (١)، وهو الظاهر.\nوقوله: (لعمرو بن عثمان) بفتح العين، سمع أسامة وأباه، وروى عنه مالك، قيل: قال يومًا مالك: حدثنا عمر بن عثمان بضم العين فقال أحد من الحاضرين: بل هو عمرو بفتح العين، فقال مالك: هكذا سمعنا، ثم بعد ذلك لما كان يروي مالك عنه قال: حدثنا صاحب هذا الدار، يشير إلى دار عثمان الذي في جوار مسجد رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (يقول بعض ذلك) أي: بعض هذا الحديث، أي: قريبًا من هذه العبارة، ولم تكن بعينها، هكذا في الحواشي، ويمكن أن يكون المراد كان عمر يقول: إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه، كما يأتي فيما يروي ابن عباس عن عمر: أن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه.\nوقوله: (ثم حدث) أي: ابن عباس: (صدرت مع عمر من مكة) من الحج إلى المدينة، فوقع فيها قتل عمر على يد أبي لؤلؤة غلام المغيرة، و(البيداء) موضع قريب\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (١٢٨٦).","vol":"4","page":200},{"text":"إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ فَإِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ؟ فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ صُهَيْبٌ. قَالَ: فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ادْعُهُ، فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَمَّا أَنْ أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُول: وَاأَخَاهُ وَاصَاحِبَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِي عَلَيَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ؟ \" فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ذَكَرْتُ ذَلِك لعَائِشَة فَقَالَت: يَرْحَمُ اللَّهُ عُمَرَ، لَا وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ: إِنَّ اللَّهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]،\nــ\nمن المدينة، وهو بمعنى الفلاة.\nوقوله: (فأخبرته) أي: أخبرت عمر بأنه صهيب، فقال عمر: ادعه.\nوقوله: (ببعض بكاء أهله) أي: ما كان منه بالندبة والتفجع، أو هو مظنة التعذيب إن شاء اللَّه تعالى.\nوقوله: (ما حدث رسول اللَّه -ﷺ-) أي: على إرادة العموم والإطلاق، كما فهم عمر؛ لأن الحديث صحيح، وقد ذكرنا في الفصل الأول أن إنكار عائشة إنما هو على تأويل الحديث لا على نفسه.\nوقوله: (يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه)، إما بمعنى أن عذابه مقارن وملابس ببكاء أهله، أو لأنه كان يرضى، أو يأمر ويوصي به، وذلك فعله، فلا يعذب بفعل غيره، بل بفعل نفسه، بخلاف المؤمن فإنه لا يرضى بالمعصية أصلًا ولا يأمر به.\nوقولها: (حسبكم القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾) [الأنعام: ١٦٤]، عام في","vol":"4","page":201},{"text":"قَالَ ابْن عَبَّاس عِنْد ذَلِك: وَاللَّهُ أَضْحَكَ وأَبْكَى. قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: فَمَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ شَيْئًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٨٦، م: ٩٢٨].\n١٧٤٣ - [٢٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ النَّبِيَّ -ﷺ- قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ. . . . .\nــ\nالمؤمن والكافر، ولكن فيما نحن فيه رضا الكافر وأمره ووصيته فعله، فقد وَزَرَ بِوِزْرِ نفسه، فقول الطيبي (١): أي: كافيكم أيها المؤمنون من القرآن هذه الآية، أنها في شأنكم، وما ذكر رسول اللَّه -ﷺ- من قوله: (إن اللَّه يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله) في شأن الكفار، ليس على ما ينبغي، فافهم.\nوقول ابن عباس عند ذلك: (واللَّه أضحك وأبكى) مقتبسان من قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: ٤٣]، تقرير لنفي ما ذهب إليه ابن عمر في الجملة، لما أن بكاء الإنسان وضحكه وحزنه وسروره من اللَّه، يظهرها فيه من غير اختياره، فلا أثر لها في التعذيب، وإنما قلنا: (في الجملة)؛ لأن الكلام في البكاء الاختياري بل فيما يصاحبه فعل اللسان، كما تدل عليه الأحاديث.\nوقوله: (فما قال ابن عمر شيئًا) وفيه أن المجتهد أسير الدليل، وأن له لأجل ذلك أن يخطِّئ غيره وأن يحلف على خطأه، وإن كان أجلَّ منه قدرًا، وأوسع علمًا، وعمر كذلك مع عائشة، وإن من الآداب أن يسكت بعد ظهور الحق ولا يشاغب، وذلك من دأب الكرام، وقال بعضهم: إن الحديث يحتمل التأويلين بأن كان واردًا فيمن يُوصي ويرضى بذلك أو في غيره، وأن تكون الباء للسببية أو للملابسة، لكن غلب على الفاروق الخوف، وعلى الصديقة الرجاء، فحمل كل منهما على ما يناسب مقامه، واللَّه أعلم.\n١٧٤٣ - [٢٢] (عائشة) قوله: (قتل ابن حارثة) فاعل (جاء)، أي: خبر قتلهم،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٤٠٤).","vol":"4","page":202},{"text":"وَجَعْفَرٍ وَابْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ، وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ -تَعْنِي شَقَّ الْبَابِ- فَأَتَاهُ رَجُل فَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ -وَذَكرَ بُكَاءَهُنَّ-، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ لَمْ يُطِعْنَهُ، فَقَالَ: انْهَهُنَّ فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ قَالَ: وَاللَّهِ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَزَعَمْتُ أَنَّهُ قَالَ: \"فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ\". . . . .\nــ\nوذلك في غزوة موتة بضم الميم وبالتائين: موضع قريب الشام، وقصتها مشهورة.\nوقوله: (جلس) أي: في المسجد، فيه جواز الجلوس للتعزية ولو في المسجد، ولكن الزيادة على الثلاثة مكروه كما ذكرنا.\nوقوله: (من صائر الباب) أي: شقه، والأصل بمعنى الشق الصِّير، وبالعكس: شق الباب، واشتق منه الصائر بمعنى النسبة، أي: ذي صير، إذ الباب ليس فاعلًا للشق.\nوقوله: (إن نساء جعفر) خبر (إن) محذوف، أي: فعلن كذا وكذا.\nوقوله: (فزعمت) بلفظ الغائبة، وهذا قول عمرة راوية الحديث، والضمير لعائشة، والزعم قد يطلق على القول المحقق، أي: قالت عائشة: إن رسول اللَّه -ﷺ-، وفي نسخة صحح بلفظ المتكلم، فيكون قول عائشة، أي: علمت أنه قال: (فاحث) بضم الثاء بصيغة الأمر كـ (ادع)، من (يحثو)، وفي بعض النسخ: (فاحث) بكسر الثاء، من (يحثي) كـ (ارم) يقال: حثى التراب عليه يحثو ويحثيه حثوًا وحثيًا، كذا في (القاموس) (١)، أي: ألق بيديك في أفواههن التراب، مبالغة في منعهن عن البكاء وإكراههن عليه، حيث أَصْرَرْن على البكاء، وكان من غير نياحة، أو حملن النهي على التنزيه، إذ يبعد تمادي الصحابيات بعد تكرر النهي التحريمي، ولذا لم يُطِعْنَه ظنًا منهن أنه كالمحتسب لا رسوله -ﷺ-، أو غلبة نفوسهن عليهم لحرارة المصيبة، كذا قال في (مجمع\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١١٧٠).","vol":"4","page":203},{"text":"فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ، لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-. وَلَمْ تَتْرُكْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْعَنَاءِ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٩٩، م: ٩٣٥].\n١٧٤٤ - [٢٣] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ: غَرِيبٌ وَفِي أَرْضِ غُرْبَةٍ، لأَبْكِيَنَّهُ بُكَاءً يُتَحَدَّثُ عَنْهُ، فَكُنْتُ قَدْ تَهَيَّأْتُ لِلْبُكَاءِ عَلَيْهِ، إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ تُرِيدُ أَنْ تُسْعِدَنِي، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"أَتُرِيدِينَ أَنْ تُدْخُلِي الشَّيْطَانَ بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ مِنْهُ؟ \" مَرَّتَيْنِ، وَكَفَفْتُ عَنِ الْبُكَاءِ فَلَمْ أبْكِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٢٢].\nــ\nالبحار) (١) نقلًا عن القرطبي.\nوقوله: (فقلت) يؤيد أن يكون (فزعمتُ) بلفظ المتكلم، وعلى تقدير كون (فزعمت) بلفظ التأنيث داخل تحته عطف على (أنه قال)، أو على (فزعمت) بتقدير: وقالت، فقلت للرجل: أذلّك اللَّه فإنك آذيت رسول اللَّه، وما كففتهن عن البكاء.\nوقوله: (لم تترك) أي: تخلصه من العناء، أي: التعب.\n١٧٤٤ - [٢٣] (أم سلمة) قوله: (وفي أرض غربة) تأكيد، وكان من المهاجرين الأولين.\nوقوله: (مرتين) أي: بالإسلام، ثم الهجرة، أو بالهجرتين إلى الحبشة وإلى المدينة، أو يوم دخوله في الإسلام ويوم خروجه من الدنيا، قال الطيبي (٢): ويجوز أن يراد به التكرير، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤]، وأقول: ويجوز أن يكون متعلقًا بقوله (فقال).\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٣٨ - ٤٣٩).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٤٠٦).","vol":"4","page":204},{"text":"١٧٤٥ - [٢٤] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ، فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي: وَاجَبَلَاهَ وَاكَذَا وَاكَذَا، تُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلَّا قِيلَ لِي: أَنْتَ كَذَلِكَ؟ زَادَ فِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَبْكِ عَلَيْهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٢٦٧ - ٤٢٦٨].\n١٧٤٦ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ. . . . .\nــ\n١٧٤٥ - [٢٤] (النعمان بن بشير) قوله: (أغمي) أي: أوقع الإغماء عليه، ولما لم يكن الإغماء باختياره كأنه أوقع عليه، ولهذا لا يستعمل إلا بصيغة المجهول مثل جُنّ.\nوقوله: (واجبلاه) أي: قائلة هذا القول، ومفعول (تُعَدِّدُ) محذوف، أي: الأوصاف.\nوقوله: (إلا قيل) أي: تهكمًا واستهزاء.\nوقوله: (كذلك) أي: كما قلت من الأوصاف أو قالت الملائكة لي: كذلك، أي: أنت كذلك، أي: كما قالت أختك، ويلائمه ظاهر قوله: (أهكذا كنت؟) في حديث أبي موسى.\nوقوله: (فلما مات لم تبك عليه) أخته عمرة مخافة أن يقال له بعد الموت أيضًا كما قيل في حالة الإغماء، وإن لم تكن جازمة بذلك لتفاوت حالتي الإغماء وما بعد الموت، فليس فيه دليل على قول عمر -﵁-، كما قال الطيبي (١)، قتدبر.\n١٧٤٦ - [٢٥] (أبو موسى) قوله: (ما من ميت يموت) أي: كان في حالة الاحتضار وانزهاق الروح والإغماء، فهو كحديث النعمان، أو يقال: إن هذا ليس بتعذيب، بل هو استهزاء وسخرية لا يدوم، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٤٠٦).","vol":"4","page":205},{"text":"فَيقُومُ بَاكِيهِمْ فَيَقُولُ: وَاجَبَلَاهُ وَاسِيِّدَاهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ إِلَّا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكَيْنِ يَلْهَزَانِهِ وَيَقُولَانِ: أَهَكَذَا كُنْتَ؟ \". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ. [ت: ١٠٠٣].\n١٧٤٧ - [٢٦] وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَاتَ مَيِّتٌ مِنْ آلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَاجْتَمَعَ النِّسَاءُ يَبْكِينَ عَلَيْهِ، فَقَامَ عُمَرُ يَنْهَاهُنَّ وَيَطْرُدُهُنَّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"دَعْهُنَّ يَا عُمَرُ، فَإِنَّ الْعَيْنَ دَامِعَة، وَالْقَلْبَ مُصَابٌ، وَالْعَهْدَ قَرِيبٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٢/ ١١٠، ن: ١٨٥٩].\n١٧٤٨ - [٢٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَاتَتْ زينَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَبَكَتِ النِّسَاءُ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَضْرُبهُنَّ بِسَوْطِهِ، فَأَخَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِهِ وَقَالَ: \"مَهْلًا يَا عُمَرُ! \" ثُمَّ قَالَ: \"إِيَّاكُنَّ وَنَعِيقَ الشَّيْطَانِ\". . . . .\nــ\nوقوله: (فيقوم باكيهم) أي: باكي القوم.\nوقوله: (ويلهزانه) أي: يدفعانه ويضربانه، واللهز: الضرب بجميع الكف في الصدر، ولَهَزَه بالرمح: طَعَنَه به، كذا في (النهاية) (١)، وفي (الصراح) (٢): لهز مشت بر سينه زدن، ونيزه برسينه زدن، وفي (القاموس) (٣): لهز الفصيل: ضَرَبَ ضَرْعَ أمّهِ برأسه عند الرَّضَاع.\n١٧٤٧ - [٢٦] (أبو هريرة) قوله: (يبكين) أي: من غير نياحة وجزع.\nوقوله: (العهد) أي زمان المصيبة (قريب).\n١٧٤٨ - [٢٧] (ابن عباس) قوله: (ونعيق الشيطان) أي: صياحه، يريد\n_________\n(١) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (٤/ ٢٨١).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٢٣٠).\n(٣) \"القاموس\" (ص: ٤٨٦).","vol":"4","page":206},{"text":"ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّهُ مَهْمَا كَانَ مِنَ الْعَيْنِ وَمِنَ الْقَلْبِ فَمِنَ اللَّهِ ﷿ وَمِنَ الرَّحْمَةِ، وَمَا كَانَ مِنَ الْيَدِ وَمِنَ اللِّسَانِ فَمِنَ الشَّيْطَانِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ٣٣٥].\n١٧٤٩ - [٢٨] وَعَنِ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا قَالَ: لَمَّا مَاتَ الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ ابْنِ عَليٍّ ضَرَبَتِ امْرأَتُهُ الْقُبَّةَ عَلَى قَبْرِهِ سَنَةً، ثُمَّ رَفَعَتْ فَسَمِعَتْ صَائِحًا يَقُولُ: أَلَا هَلْ وَجَدُوا مَا فَقَدُوا؟ فَأَجَابَهُ آخَرُ: بَلْ يَئِسُوا فَانْقَلَبُوا. [خ: ك ٢٣: الجنائز، ب: ٦١].\n١٧٥٠ - [٢٩] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَأَبِي بَرْزَةَ قَالَا: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي جَنَازَةٍ، فَرَأَى قَوْمًا قَدْ طَرَحُوا أَرْدَيْتَهُمْ يَمْشُونَ فِي قُمُصٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nالنياحة والتفجع.\nوقوله: (فمن اللَّه) أي: اللَّه تعالى راضٍ عنه.\nوقوله: (فمن الشيطان) أي: لا يرضى اللَّه عنه.\n١٧٤٩ - [٢٨] (البخاري تعليقًا) قوله: (لما مات الحسن بن الحسن) وهو الحسن المثنى.\nوقوله: (فسمعت) عقيب الرفع إنكارًا لها.\nوقوله: (هل وجدوا ما فقدوا) إيراد ضمير المذكرين مع أن الظاهر أن يقول: هل وجدت ما فقدت؟ تنبيه على عموم الحكم للكل، وكأنه في حكم المثل، فافهم.\n١٧٥٠ - [٢٩] (عمران بن حصين وأبو برزة) قوله: (وأبي برزة) بفتح الموحدة وسكون الراء قبل الزاي.\nوقوله: (قد طرحوا أرديتهم) كانوا في الجاهلية إذا مشوا خلف الجنازة تركوا","vol":"4","page":207},{"text":"\"أَبِفِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ تأْخُذُونَ؟ أَوْ بِصَنِيعِ الْجَاهِلِيَّةِ تَشَبَّهُونَ؟ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَدْعُوَ عَلَيْكُمْ دَعْوَةً تَرْجِعُونَ فِي غَيْرِ صُوَرِكمْ\" قَالَ: فَأَخَذُوا أَرْدِيَتَهُمْ وَلَمْ يَعُودُوا لِذَلِكَ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٤٨٥].\n١٧٥١ - [٣٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ تُتْبَعَ جَنَازَةٌ مَعهَا رَانَّةٌ. رَوَاهُ أَحْمدُ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٩٢، جه: ١٥٨٣].\n١٧٥٢ - [٣١] وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لَهُ: مَاتَ ابْنٌ لِي فَوَجَدْتُ عَلَيْهِ، هَلْ سَمِعْتَ مِنْ خَلِيلِكَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ شَيْئًا يُطَيِّبُ بِأَنْفُسِنَا عَنْ مَوْتَانَا؟ قَالَ: نَعَمْ سَمِعْتُهُ -ﷺ- قَالَ: \"صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ،\nــ\nأرديتهم.\nوقوله: (أو بصنيع الجاهلية تشبهون) كلمة (أو) للشك أو للتنويع، كذا في شرح الشيخ، والظاهر هو الأول، فإن معنى الكلامين واحد.\nوقوله: (ترجعون) أي: تصيرون خنازير أو قردة أو غيرها، أو ترجعون إلى بيوتكم حال كونكم في غير صوركم.\n١٧٥١ - [٣٠] (ابن عمر) قوله: (أن تتبع جنازة معها رانة) بتشديد النون، أي: صائحة نائحة، يعني أن اتباع الجنازة سنة، ولكن يترك عند وجود النائحة، وهذا كما أن إجابة الدعوة سنة، ويترك لأجل وجود المناهي.\n١٧٥٢ - [٣١] (أبو هريرة) قوله: (فوجدت عليه) أي حزنت عليه.\nوقوله: (يطيب بأنفسنا) الباء للتعدية أو زائدة.\nوقوله: (دعاميص الجنة) جمع دُعْموصِ بالضم: دُويبةٌ أو دُوْدَةٌ سوداءُ تكون في الغُدْرانِ إذا نَشَّتْ، أو الدَّخَّال في الأمور الزَّوَّارُ للملوك، ومنه (أطفالُ المؤمنين","vol":"4","page":208},{"text":"يَلْقَى أَحَدُهُمْ أَبَاهُ فَيَأْخُذ بِنَاحِيَةِ ثَوْبِهِ، فَلَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَاللَّفْظُ لَهُ. [م: ٢٦٣٥، حم: ٢/ ٥٠٩].\n١٧٥٣ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ذَهَبَ الرِّجَالُ بِحَدِيثِكَ، فَاجْعَلْ لَنَا مِنْ نَفْسِكَ يَوْمًا نَأْتِيكَ فِيهِ تُعَلِّمُنَا مِمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ. قَالَ: \"اجْتَمِعْنَ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فِي مَكَانِ كَذَا وَكَذَا\" فَاجْتَمَعْنَ، فَأَتَاهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَعَلَّمَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: \"مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمَ بَيْنَ يَدَيْهَا من وَلَدِهَا ثَلَاثَةً إِلَّا كَانَ لَهَا حِجَابًا مِنَ النَّارِ\" فَقَالَتِ امْرأَةٌ مِنْهُنَّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أوَ اثْنَيْنِ؟ فَأَعَادَتْهَا مَرَّتَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: \"وَاثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ وَاثْنَيْنِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٣١٠].\nــ\nدَعَاميصُ الجنة)، أي: سياحون في الجنة، لا يُمْنَعون من بيت، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (يلقى أحدهم أباه) لعل وجه التخصيص بالأب واللَّه أعلم، لكونه متبوعًا والأم تابعة له، أو لأن الرجال يجيء منهم الصبر غالبًا بخلاف النساء، وقد يأتي تخصيص النساء في الحديث الآتي، وفي الحديث الآخر ذكر الوالدين، ولعل ذلك باختلاف المقام ووجود تقريب الكلام فيه.\n١٧٥٣ - [٣٢] (أبو سعيد) قوله: (ذهب الرجال بحديثك) أي: أخذوا نصيبًا وافرًا من مواعظك، و(يومًا)، أي: نصيبًا، إطلاقًا للمحل على الحال، أو مفعول (اجْعَل) محذوف و(يومًا) ظرف و(من) في (من نفسك) ابتدائية أو تبعيضية.\nوقوله: (إلا كان) أي: المذكور أو التقديم لها حجابًا من النار، وهذا مقيد بالصبر وترك النياحة، فيوافق العنوان.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٥٧١).","vol":"4","page":209},{"text":"١٧٥٤ - [٣٣] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يُتَوَفَّى لَهُمَا ثَلَاثَةٌ إِلَّا أَدْخَلَهُمَا اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إِيَّاهُمَا\". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه! أَوْ اثْنَان؟ قَالَ: \"أَوْ اثْنَانِ\". قَالُوا: أَوْ وَاحِدٌ؟ قَالَ: \"أَوْ وَاحِدٌ\". ثُمَّ قَالَ: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ السِّقْطَ لَيَجُرُّ أُمَّهُ بِسَرَرِهِ إِلَى الْجَنَّةِ إِذَا احْتَسَبَتْهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ قَوْلِهِ: \"وَالَّذِي نفَسِي بِيَدِهِ\". [حم: ٥/ ٢٤١، جه: ١٦٠٨].\n١٧٥٥ - [٣٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"من قَدَّمَ ثَلَاثَةً مِنَ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ؛ . . . . .\nــ\n١٧٥٤ - [٣٣] (معاذ بن جبل) قوله: (ما من مسلمين) أي: الوالدين.\nوقوله: (يتوفى لهما) إدخال اللام باعتبار نفعه لهما، ويحتمل أن يكون صفة (لثلاثة)، والأول أظهر وأولى.\nوقوله: (بفضل رحمته) وفي بعض النسخ: (بفضله ورحمته).\nوقوله: (إياهما) تأكيد للضمير المنصوب في قوله: (أدخلهما)، كذا قال الطيبي (١)، ويجوز أن يكون مفعولًا (لرحمته)، والمصدر المضاف قد يعمل.\nوقوله: (إن السقط ليجر أمه) فكيف بالوالد مع قوة العلاقة والألفة.\nوقوله: (بسرره) بفتحتين: ما تقطع القابلة من سرته، وهو إشارة إلى العلاقة بينهما، كأنه يصير مثل الجبل يجر به.\nوقوله: (إذا احتسبته) أي: صبرت عليه.\n١٧٥٥ - [٣٤] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (أبو المنذر) كنية أبي بن كعب.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٤١٠).","vol":"4","page":210},{"text":"كَانُوا لَهُ حِصْنًا حَصِينًا مِنَ النَّارِ\" فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: قَدَّمْتُ اثْنَيْنِ. قَالَ: \"وَاثْنَيْنِ\". قَالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَبُو الْمُنْذِرِ سَيِّدُ الْقُرَّاءِ: قَدَّمْتُ وَاحِدًا. قَالَ: \"وَوَاحِدًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٠٦١، جه: ١٦٠٦].\n١٧٥٦ - [٣٥] وَعَنْ قُرَّةَ الْمُزَنِيِّ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْتِي النَّبِيَّ -ﷺ- وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"أَتُحِبُّهُ؟ \" فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَحَبَّكَ اللَّهُ كَمَا أُحِبُّهُ، فَفَقَدَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ: \"مَا فَعَلَ ابْنُ فُلَانٍ؟ \" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَاتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَمَا تُحِبُّ أَنْ لَا تَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إِلَّا وَجَدْتَهُ يَنْتَظِرُكَ؟ \" فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَهُ خَاصَّةً أَمْ لِكُلِّنَا؟ قَالَ: \"بَلْ لِكُلِّكُمْ\". رَوَاهُ أَحْمدُ. [حم: ٥/ ٣٥].\nــ\nوقوله: (سيد القراء) كان أقرأ الصحابة، وقد ورد ذلك في الحديث، والمراد السيد من بين القراء.\n١٧٥٦ - [٣٥] (قرة المزني) قوله: (قرة) بضم القاف وتشديد الراء، (المزني) بضم الميم وفتح الزاي نسبة إلى مزينة، قبيلة من العرب.\nوقوله: (ففقده النبي -ﷺ-) أي: لم ير ذلك الابن معه.\nوقوله: (ما فعل ابن فلان؟) كان الرجل حاضرًا بدليل الخطاب في قوله: (أما تحب أن لا تأتي)، ولكن لم يسأله رسول اللَّه -ﷺ- لشدة مصيبته، وخاطبه في البشارة ليفرج كربه.\nوقوله: (ينتظرك) أي: لِيَفْتح لك الباب.\nوقوله: (لكلنا) و(لكلكم) يبطل قول بعض النحاة: إن الكل بالإضافة إلى الضمير","vol":"4","page":211},{"text":"١٧٥٧ - [٣٦] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِن السِّقْطَ لَيُرَاغِمُ رَبَّهُ إِذَا أَدْخَلَ أَبَويهِ النَّارَ، فَيُقَالُ: أَيُّهَا السِّقْطُ الْمُرَاغِمُ رَبَّهُ أَدْخِلْ أَبَويْكَ الْجَنَّةَ، فَيَجُرُّهُمَا بِسَرَرِهِ حَتَّى يُدْخِلَهُمَا الْجَنَّةَ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٦٠٨].\n١٧٥٨ - [٣٧] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"يَقُولُ اللَّهُ ﵎: ابْنَ آدَمَ إِنْ صَبَرْتَ وَاحْتَسَبْتَ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى لَمْ أَرْضَ لَكَ ثَوَابًا دُونَ الْجَنَّةِ\". رَوَاهُ ابْن مَاجَه. [جه: ١٥٩٧].\n١٧٥٩ - [٣٨] وَعَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَا مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا مُسْلِمَةٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَذْكُرُهَا وَإِنْ طَالَ عَهْدُهَا، فَيُحْدِثُ لِذَلِكَ اسْتِرْجَاعًا إِلَّا جَدَّدَ اللَّهُ ﵎ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَأَعْطَاهُ مِثْلَ أَجْرِهَا يَوْمَ أُصِيبَ بِهَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [حم: ١/ ٢٠١].\n١٧٦٠ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ أَحَدِكُمْ فَلْيَسْتَرْجِعْ فَإِنَّهُ مِنَ الْمَصَائِبِ\".\nــ\nلا يستعمل إلا تأكيدًا.\n١٧٥٧ - [٣٦] (علي) قوله: (ليراغم ربه) المراغمة في اللغة بمعنى المغاضبة، والمراد ههنا المحاجة.\n١٧٥٨ - [٣٧] (أبو أمامة) قوله: (عند الصدمة الأولى) أي: حال حدوث المصيبة، وقد عرفت معناه.\n١٧٥٩ - [٣٨] (الحسين بن علي) قوله: (إلا جدد اللَّه) أي: الثواب.\n١٧٦٠ - [٣٩] (أبو هريرة) قوله: (شسع) بالكسر: قبال النعل.","vol":"4","page":212},{"text":"١٧٦١ - [٤٠] وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ: يَا عِيسَى! إِنِّي بَاعِثٌ مِنْ بَعْدِكَ أُمَّةً إِذَا أَصَابَهُمْ مَا يُحِبُّونَ حَمِدُوا اللَّه، وَإِنْ أَصَابَهُمْ مَا يَكْرَهُونَ احْتَسَبُوا وَصَبَرُوا، وَلَا حِلْمَ وَلَا عَقْلَ. فَقَالَ: يَا رَبِّ! كَيْفَ يَكُونُ هَذَا لَهُمْ وَلَا حِلْمَ وَلَا عَقْلَ؟ قَالَ: أُعْطِيهِمْ مِنْ حِلْمِي وَعِلْمِي\". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٩٦٩٣، ٤٤٨٢].\n* * *\nــ\n١٧٦١ - [٤٠] (أم الدرداء) قوله: (ولا حلم ولا عقل) يعني: إنما حمدوا لا من جهة أنهم فرحوا بالنعم من جهة حظوظ نفوسهم وشهواتها، ويتعقلون ويريدون بأفكارهم وعقولهم في ذلك أغراضًا ومصالح لهم، (وصبروا) ليُحَصِّل لهم الصبر الخلف والبدل، كما وعدوا عليه، بل لمجرد الإخلاص وطلب رضا اللَّه تعالى والفناء في فعل اللَّه وإرادته، وهذا إشارة إلى مقام الفناء الذي يشير إليه السادة الصوفية قدس اللَّه أسرارهم.\nقال سيدنا الشيخ محيي الدين أبو محمد عبد القادر الجيلي (١) ﵀: ثم صبر، ثم رضا، ثم فنا في فعل اللَّه وإرادته، لكن لما كان يختلج في صدر السامع أنه كيف يحمد ويصبر بلا حلم وعقل، قال عيسى: واستفسر ربه يا رب! كيف يحصل الحمد والصبر والاحتساب بدون العلم والعقل والإدراك؟ قال الرب تعالى في جوابه:\n_________\n(١) هو الإمام الزاهد محيي الدين أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي الحنبلي، شيخ بغداد، مولده بجيلان في ٤٧١ هـ، وكانت وفاته في ٥٦١ هـ، قال الذهبي: ليس في كبار المشايخ من له أحوال وكرامات كثر من الشيخ عبد القادر، وفي الجملة: الشيخ عبد القادر كبير الشأن، وعليه مآخذ في بعض أقواله ودعاويه. أنظر: \"سير أعلام النبلاء\" (٢/ ٤٣٩).","vol":"4","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-518>٨ - باب زيارة القبور</span>\nــ\nإذا فنوا عن أنفسهم، ولم يبق لهم عقل وعلم أعطيهم من حلمي وعلمي، بهما يحمدون ويصبرون وكنت متولي أمورهم، فإن البقاء لازم للفناء، فإذا فنوا في اللَّه بقوا باللَّه، هكذا يسنح في الحال تقرير هذا الحديث، واللَّه أعلم. وهذا التقرير يشمل الحمد والصبر.\nوقال الطيبي (١): قوله: (لا حلم ولا عقل) تأكيد لمفهوم (احتسبوا وصبروا) لأن معنى الاحتساب أن يبعثه على العمل الإخلاص وابتغاء مرضات اللَّه، لا الحلم والعقل، فحينئذ يتوجه عليه أنه كيف يصبر ويحتسب من لا عقل له ولا حلم؟ فقال: إذا فني من حلمه وعقله، يتحلم ويتعقل من حلم اللَّه وعلمه، وإلى هذا المعنى يلمح قوله صلوات اللَّه عليه: (من أحب للَّه وأبغض للَّه، وأعطى للَّه فقد استكمل الإيمان) (٢)، فتدبر.\n٨ - باب زيارة القبور (٣)\nزيارة القبور مستحب؛ فإنه يورث رقة القلوب، ويذكِّر الموت والبلى إلى غير\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٣/ ٤١٢).\n(٢) أخرجه أبو داود في \"سننه\" (٤٦٨١).\n(٣) قال الشيخ محمد بن العلوي المالكي في كتابه \"الزيارة النبوية بين البدعية والشرعية\" (ص: ١١ - ١٢): مسألة الزيارة مسألة فقهية تتعلق بها الأحكام الشرعية من حلال وحرام ومكروه ومندوب، ولا صلة لها بحديث: \"لا تشد الرحال\" وليست من القضايا العقدية.\nوقد جعلها بعض المتنطعين -هداهم اللَّه إلى الصراط المستقيم- قضية اعتقادية مثل ما فعلوا تمامًا بقضية التوسل بالنبي -ﷺ- حيث جعلوها قضية اعتقادية توحيدية، وبنوا عليها الحكم بالشرك والكفر والإخراج عن الملة، مع أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يقرر في رسائله أنها -يعني قضية التوسل- قضية فقهية.\nقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: فكون البعض يرخص التوسل بالصالحين، وبعضهم يخصه بالنبي -ﷺ-، وأكثر العلماء ينهى عن ذلك ويكرهه، فهذه المسألة من مسائل الفقه، وإن كان =","vol":"4","page":214},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nذلك من الفوائد، والعمدة في ذلك الدعاء للأموات والاستغفار لهم، وبذلك وردت السنة، وكان رسول اللَّه -ﷺ- يأتي البقيع ويسلم على أهلها ويستغفر لهم.\nوأما الاستمداد من أهل القبور في غير النبي -ﷺ- أو الأنبياء ﵈ فقد أنكره كثير من الفقهاء، وقالوا: ليست الزيارة إلا للدعاء للموتى والاستغفار لهم وإيصال النفع إليهم بالدعاء وتلاوة القرآن، وأثبته المشايخ الصوفية قدس اللَّه أسرارهم، وبعض الفقهاء رحمة اللَّه عليهم، وذلك أمر مقرر عند أهل الكشف والكمال منهم، لا شك في ذلك عندهم، حتى إن كثيرًا منهم حصل لهم الفيوض من الأرواح، وتسمى هذه الطائفة أويسية في اصطلاحهم.\nقال الإمام الشافعي رحمة اللَّه عليه: قبر موسى الكاظم ترياق مجرب لإجابة الدعاء، وقال حجة الإسلام محمد الغزالي: كل من يستمد به في حياته يستمد به بعد وفاته، وقال أحد من المشايخ العظام: رأيت أربعة من المشايخ يتصرفون في قبورهم كتصرفهم في حياتهم أو أكثر، الشيخ معروف الكرخي، والشيخ عبد القادر الجيلي -﵄-، وذكر رجلين غيرهما، وقال سيدي أحمد بن زروق شارح (كتاب الحكم)، وهو من\n_________\n= الصواب عندنا قول الجمهور من أنه مكروه فلا ننكر على من فعله ولا إنكار في مسائل الاجتهاد.\nوهذا يدل على جواز التوسل عنده، غاية ما يرى أنه مكروه في رأيه عند الجمهور، والمكروه ليس بحرام فضلًا عن أن يكون بدعة أو شركًا.\nوالحاصل أن الخلاف في مسألة الزيارة والتوسل هو خلاف في الفروع، ومثله لا يصح أن يشنع أخ به على أخيه أو يعيبه به، وأن من قال به متمسك بأدلة ثابتة ثبوت الجبال الرواسي، وردها لا يجيء إلا من متعنت أو مكابر، فإن لم تقنع فاسكت وسلم ولا تشنع؛ فالخلاف في الفروع لا يحتمل هذا الإفراط، سلك اللَّه بنا سواء السبيل.","vol":"4","page":215},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأعاظم الفقهاء وعلماء الصوفية من ديار مغرب قال: قال لي شيخي أبو العباس الحضرمي يومًا: هل إمداد الحي أقوى أم إمداد الميت؟ فقلت: إنهم يقولون: إمداد الحي أقوى، وأنا أقول: إمداد الميت أقوى، فقال: نعم، لأنه في بساط الحق، والنقل في ذلك كثير عن هذه الطائفة، ولم يعرف في الكتاب والسنة وأقوال السلف ما ينافي ذلك ويرده، كيف وقد ثبت في الدين أن الروح باقية، ولها علم وشعور بالزائرين، ولأرواح الكاملين قرب ومكانة من جناب الحق تعالى، كما كان في الحياة أو أتم من ذلك، وهم يثبتون الكرامات، والتصرف في الأكوان للأولياء، وليس ذلك إلا لأرواحهم المقدسة، وهي باقية، والمتصرف الحقيقي ليس إلا اللَّه سبحانه، والكل بقدرته، وهم فانون في جلال الحق في الحياة وبعد الممات، فلو أعطى لأحد بوساطة أحد من أوليائه ومكانته عنده شيئًا كما كان في حالة الحياة لم يبعد، وليس الفعل والتصرف في الحالتين إلا للَّه تعالى وتقدس، وليس في الحالتين ما يوجب الفرق، ولم يدل عليه دليل في الشرع (١).\n_________\n(١) قال الشيخ ابن تيمية ﵀ في \"اقتضاء الصراط المستقيم\" (ص: ٣٧٣ - ٣٧٤) في معرض كلامه عن اتخاذ القبر مسجدًا أو وثنًا يعبد: ولا يدخل في هذا الباب ما يروى من أن قومًا سمعوا رد السلام من قبر النبي -ﷺ- أو قبور غيره من الصالحين، وأن سعيد بن المسيب كان يسمع الأذان من القبر ليالي الحرة، ونحو ذلك.\nثم قال في موضع آخر: وكذلك ما يذكر من الكرامات وخوارق العادات التي توجد عند قبور الأنبياء والصالحين مثل نزول الأنوار والملائكة عندها، وتوقي الشياطين والبهائم لها، واندفاع النار عنها، وعمن جاورها، وشفاعة بعضهم في جيرانه من الموتى، واستحباب الاندفان عند بعضهم، وحصول الأنس والسكينة عندها، ونزول العذاب بمن استهانها، فجنس هذا حق ليس مما نحن فيه، وما في قبور الأنبياء والصالحين من كرامة اللَّه ورحمته، وما لها عند اللَّه من الحرمة والكرامة فوق ما يتوهمه أكثر الخلق، ولكن ليس هذا موضع تفصيل ذلك، انتهى.","vol":"4","page":216},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقال الشيخ ابن حجر الهيثمي المكي في شرح حديث: (لعن اللَّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد): هذا إذا صلى إلى القبر تعظيمًا له؛ فإنه حرام، وأما اتخاذ مسجد بجوار نبي أو صالح، وصلاة عند قبر لا لتعظيمه، أو التوجه نحوه، بل لحصول مدد منه حتى يكمل عبادته ببركة مجاورته لتلك الروح الطاهرة، فلا حرج في ذلك، وسيجيء في آخر الباب ما يتعلق بذلك، ويتم هذا البحث إن شاء اللَّه تعالى في (كتاب الجهاد) في قضية قتلى بدر.\nومن آداب الزيارة أن يقوم مستقبل القبر، مستدبر القبلة، حذاء الوجه، وأن يسلم، ولا يمسح القبر، ولا يقبله، ولا ينحني، ولا يعفر الوجه على التراب، فإن ذلك عادة النصارى، وقراءة القرآن مكروه عند أبي حنيفة، وعند محمد لا يكره، وأخذ الصدر الشهيد أحد مشايخنا الحنفية بقول محمد وعليه الفتوى، وحكي عن الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل: إنما كره قراءة القرآن عند المقبرة جهرًا، وأما المخافتة فلا بأس بها وإن ختم، وعن الشيخ محمد بن إبراهيم: يقرأ على المقابر سورة الملك أخفى أو أجهر، ولا فرق بين المخافتة والجهر في ظاهر الرواية؛ لأن الأثر ورد به.\nوحكي عن أبي بكر بن سعد أنه قال: المستحب عند زيارة القبور قراءة سورة الإخلاص سبع مرات، ووهب ثوابه للميت، والأصح أنه يصل إلى الميت. والزيارة يوم الجمعة أفضل خصوصًا في أوله، وهو المتعارف في الحرمين الشريفين، يخرجون إلى المعلى والبقيع للزيارة، وجاء في الروايات أنه يعطى للميت في يوم الجمعة الإدراك أكثر مما يعطى في سائر الأيام، حتى إنه يعرف الزائر أكثر مما في الأيام الباقية، وما اشتهر بين عامة الناس المنع عنه في يوم الجمعة مع ما ينقلون في ذلك أثرًا فلا أثر له.\nوكره وطء القبور بالإقدام بلا ضرورة، ويستحب أن يتصدق عن الميت بعده إلى","vol":"4","page":217},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-519> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٧٦٢ - [١] عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا، وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأَضَاحِي فَوْقَ ثَلَاثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ، وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ. . . . .\nــ\nسبعة أيام، والصدقة عن الميت ينفعه بلا خلاف بين أهل العلم، وفيه وردت الأحاديث الصحيحة خصوصًا الماء، قال بعض العلماء: لا يصل إلى الميت إلا الصدقة والدعاء، وقد جاء في بعض الروايات أن روح الميت تأتي داره ليلة الجمعة فينظر هل يتصدق لأجله، واللَّه أعلم (١).\nالفصل الأول\n١٧٦٢ - [١] (بريدة) قوله: (نهيتكم عن زيارة القبور) سبب النهي قرب عهدهم بالجاهلية وخوفًا أن يقولوا ويفعلوا ما كانوا يتعاهدونه في الجاهلية، وأما الآن فقد تقررت وثبتت قواعد الإسلام.\nوقوله: (فزوروها) واختلف في النساء، فقيل: الرخصة إنما هي للرجال، وأما النساء فباقية على النهي إلا في زيارة الرسول -ﷺ-، وقيل: تعم الرخصة الرجال والنساء، وقد جاء الحديث عن أبي هريرة: (لعن اللَّه زوارات القبور) (٢)، فالمبيحون يقولون: إن ورود هدا الحديث كان قبل الرخصة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ونهيتكم عن لحوم الأضاحي) أي: عن إمساكها وادّخارها، وكان السبب\n_________\n(١) انظر لمسألة زيارة القبر: \"شفاء السقام في زيارة خير الأنام\" للعلامة تقي الدين السبكي، و\"إتحاف الزائر وإطراف المقيم للسائر في زيارة النبي -ﷺ-\" لابن عساكر، و\"الجوهر المنظم في زيارة قبر النبي الشريف المكرم\" لابن حجر الهيثمي.\n(٢) أخرجه الترمذي في \"سننه\" (١٠٥٦).","vol":"4","page":218},{"text":"فَاشْرَبُوا فِي الأَسْقِيَةِ كُلِّهَا وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٧٧].\n١٧٦٣ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: زَارَ النَّبِيُّ -ﷺ- قَبْرَ أُمِّهِ فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهَ، فَقَالَ: \"اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي فِي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ فِي أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا الْقُبُورَ فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْمَوْتَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٧٦].\nــ\nفي النهي عن ادّخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث احتياج الناس وفقرهم، فيستحب التصدق ولا يمسك، ثم لما وسع اللَّه تعالى عليهم، ولم يبق الاحتياج رخص أن يدخروا إلى ما شاؤوا، وكان السبب في النهي عن النبيذ إلا في سقاء -أي: قربة- أن السقاء يبرد الماء، فلا يشتد فيها كما يشتد في الأواني، فربما يصير خمرًا وسكرًا، وكانوا قريبي العهد من تحريم الخمر، فربما شربوا الخمر ما اشتد، فلما تقرر تحريم الخمر رخص الانتباذ في الظروف كلها، وقد كان أيضًا حرم في ابتداء الأمر من الأواني الأربعة، وهي الحنتم والدباء والنقير والمزفت، كما سبق في أول الكتاب في (كتاب الإيمان)، ثم رخص إلا عند بعض العلماء منهم مالك وأحمد.\n١٧٦٣ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (فلم يؤذن لي) وقيل: فيه نزول: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ [التوبة: ١١٣]، وقوله: ﴿وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾ [البقرة: ١١٩] على قراءة المعلوم، هذا على طريقة المتقدمين، وأما المتأخرون ﵏ فقد أثبتوا إسلام والديه بل جميع آبائه وأمهاته -ﷺ- إلى آدم، ولهم في إثباته ثلاث طرق: إما أنهما كانا على دين إبراهيم ﵇، أو أنهما لم تبلغهما الدعوة لكونهما في زمان الفترة وماتا قبل زمان نبوته -ﷺ-، أو أنهما أحياهما اللَّه على يديه -ﷺ-، فآمنا به، وحديث الإحياء وإن كان في حد ذاته ضعيف لكنه صححه بعضهم لبلوغه درجة الصحة لتعدد طرقه، وهذا العلم كأنه كان مستورًا عن المتقدمين","vol":"4","page":219},{"text":"١٧٦٤ - [٣] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى الْمَقَابِرِ: \"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُون،\nــ\nفكشفه اللَّه للمتأخرين، واللَّه يختص من يشاء بما شاء من فضله، وقد صنف الشيخ جلال الدين السيوطي رحمة اللَّه عليه في هذا الباب رسائل (١)، وأثبته بدلائل كثيرة، وأجاب عن شبه المخالفين، ولو نقلناه لطال الكلام، فلينظر ثمة، وبالغ فيه حتى إنه لا يكاد ينقل مذهب المخالف صريحًا كراهة أن يجري على لسانه ذلك، ولو بطريق الحكاية، جزاه اللَّه خيرًا.\n١٧٦٤ - [٣] (بريدة) قوله: (السلام عليكم) فيه أنه لا يجب أن يقال في تحية الموتى: عليكم السلام، كما ذهب إليه البعض، كما ورد في الحديث: (عليكم السلام تحية الموتى) وله تأويل، وقد ذكرناه في موضعه. و(الديار) جمع الدار اسم لمحل فيه البناء، وله عرصة، ويسعمل ذلك في منازل الأحياء، وإنما سمى القبور دارًا تشبيهًا بجعلهم في حكم الأحياء، وجعل القبور في حكم العمارات، بل هي العمارة وما سواه خراب.\nوقوله: (وإنا إن شاء اللَّه) الاستثناء للتبرك والرغبة، أو المراد اللحوق في الموافاة على الإيمان، وقيل: (إن) بمعنى إذا.\nوقوله: (من المؤمنين والمسلمين) الإسلام هنا بمعنى الاستسلام، كما في قوله\n_________\n(١) وقال صاحب \"المرعاة\" (٥/ ٥١٣): واعلم أن هذه المسألة كثير النزاع والخلاف بين العلماء، فمنهم من نص على عدم نجاة الوالدين، وقد بسط الكلام في ذلك القاري في \"شرح الفقه الأكبر\" وفي رسالة مستقلة له، ومنهم من شهد لهما بالنجاة كالسيوطي، وقد ألف في هذه المسألة سبع رسائل بسط الكلام فيها وذكر الأدلة من الجانبين، انتهى.","vol":"4","page":220},{"text":"نَسْأَلُ اللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٥٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-520> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٧٦٥ - [٤] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ -ﷺ- بِقُبُورٍ بِالْمَدِينَةِ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: \"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْقُبُورِ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ، أَنْتُمْ سَلَفُنَا وَنَحْنُ بِالأَثَرِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٥٠٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-521> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٧٦٦ - [٥] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كُلَّمَا كَانَ لَيْلَتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَخْرُجُ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ إِلَى الْبَقِيعِ، فَيَقُولُ: \"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَأَتَاكُمْ مَا تُوعِدُونَ غَدًا مُؤَجَّلُونَ،\nــ\nتعالى: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١].\nالفصل الثاني\n١٧٦٥ - [٤] (ابن عباس) قوله: (فأقبل عليهم بوجهه) كما يفعل بالحي، قالوا: زيارة الميت كزيارة الحي في المواجهة والاحترام وحفظ الأدب، فتدل على أنه في حكم الحي، وعلى هذا معنى قول الغزالي: كل من يتبرك في حال حياته يتبرك به بعد وفاته.\nالْفَصْل الثَّالِث\n١٧٦٦ - [٥] (عائشة) قوله: (كلما كان ليلتها) أي: نوبتها، وهذه العبارة تدل على الدوام والاستمرار، وكان المراد في أغلب الأحوال، واللَّه أعلم.\nوقوله: (دار قوم) أي: أهل دار، كما قال في الحديث الأول.\nوقوله: (غدًا مؤجلون) حال بحذف المبتدأ، أي: وأنتم، أو بدل مما قبلها بحسب","vol":"4","page":221},{"text":"وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَهْلِ بَقِيعِ الْغَرْقَدِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٧٤].\n١٧٦٧ - [٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَيْفَ أَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ تَعْنِي فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ قَالَ: \"قُولِي: السَّلَامُ عَلَى أَهْلِ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ اللَّهُ الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنَّا وَالْمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ\". رَوَاهُ مُسلِمٌ. [م: ٩٧٤].\n١٧٦٨ - [٧] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ زَارَ قَبْرَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا فِي كُلِّ جُمُعَةٍ غُفِرَ لَهُ وَكُتِبَ بَرًّا\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" مُرْسَلًا. [شعب: ٧٩٠١].\n١٧٦٩ - [٨] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا،\nــ\nالمعنى.\nوقوله: (اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) والبقيع اسم مقبرة المدينة المطهرة، والبقيع: الموضع المتسع فيه الشجر من ضروب شتى، وبقيع الغرقد كان فيه هذا النوع من الشجر الذي يقال له: الغرقد.\n١٧٦٧ - [٦] (وعنها) قوله: (تعني في فلارة القبور) فيه دليل على إباحة الزيارة للنساء، وأن حديث اللعن كان قبل الرخصة.\n١٧٦٨ - [٧] (محمد بن النعمان) قوله: (من زار قبر أبويه أو أحدهما) وقد جاء في بعض الروايات تقبيل قبرهما، ولا يجوز في غير قبرهما.\n١٧٦٩ - [٨] (ابن مسعود) قوله: (فزوروها) صيغة المذكر على تقدير وجود","vol":"4","page":222},{"text":"فَإِنَّهَا تُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا وَتُذكِّرُ الآخِرَةَ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٥٧١].\n١٧٧٠ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَعَنَ زُوَّارَاتِ الْقُبُورِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيح. [ت: ١٠٥٦، حم: ٢/ ٣٣٧، جه: ١٥٧٦].\nوَقَالَ: قَدْ رَأَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يُرَخِّصَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ، فَلَمَّا رَخَّصَ دَخَلَ فِي رُخْصَتِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا كَرِهَ زِيَارَةَ الْقُبُورِ لِلنِّسَاءِ لِقِلَّةِ صَبْرِهِنَّ وَكَثْرَةِ جَزَعِهِنَّ. تمّ كَلَامُهُ.\n١٧٧١ - [١٠] وَعَن عَائِشَة قَالَتْ: كُنْتُ أَدْخُلُ بَيْتِيَ الَّذِي فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَإِنِّي وَاضعٌ ثَوْبِي وَأَقُولُ: إِنَّمَا هُوَ. . . . .\nــ\nالرخصة للنساء باعتبار الأصل والأغلب، كما في أكثر أحكام الشريعة.\n١٧٧٠ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (لعن زوارات القبور) يحتمل أن يكون اللعن لأجل عدم رعايتهن آداب الزيارة لا للنهي وإليه الإشارة بقوله: وقال بعضهم: إنما كره زيارة القبور لقلة صبرهن وكثرة جزعهن، فلا حاجة إلى حمله على ما قبل زمان الرخصة.\n١٧٧١ - [١٠] (عائشة) قوله: (وإني واضع) التذكير باعتبار الشخص، والظاهر أن المراد بالثوب الرداء.\nوقوله: (وأقول) أي: في قلبي أو كنت أقول في جواب من يسألني من ذلك ويلومني.\nوقوله: (إنما هو) أي: المدفون، أو (هو) ضمير الشأن، والخبر محذوف، أي:","vol":"4","page":223},{"text":"زَوْجِي وَأَبِي، فَلَمَّا دُفِنَ عُمَرُ مَعَهُمْ فَوَاللَّهِ مَا دَخَلْتُهُ إِلَّا وَأَنَا مَشْدُودَةٌ عَلَيَّ ثِيَابِي حَيَاءً مِنْ عُمَرَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ٢٠٢].\nــ\nمدفونان.\nوقوله: (فلما دفن عمر) في بعض النسخ: (معهم)، والظاهر معهما، كأنه جمع لحصول الجماعة بعده.\nوقوله: (حياء من عمر) فيه أوضح دليل على حياة الميت، وعلى أنه ينبغي احترام الميت عند زيارته مهما أمكن، لا سيما الصالحون بأن يكون في غاية الحياء والتأديب بظاهره وباطنه، فإن للصالحين مددًا بالغًا لزوارهم بحسب أدبهم وقبولهم، كذا في شرح الشيخ. واللَّه أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب.\nتم كتاب الصلاة بفضل اللَّه وكرمه وتوفيقه، والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه على خير خلقه محمد وآله أجمعين، ونسأله التوفيق لتميم ما قصدناه، وهو أرحم الراحمين، ويتلوه (كتاب الزكاة).\n* * *","vol":"4","page":224},{"text":"(٦) كتاب الزكاة","vol":"4","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-522>(٦) كتاب الزكاة</span>\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n٦ - كِتَابُ الزَّكَاةِ\nالزكاة في اللغة: النماء والزيادة والتطهير، وقال: من زكا الزرع يزكو زكاء بالمد: إذا زاد، وقال اللَّه تعالى: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] أي: يطهرهم، والزكاة موجبة لنماء المال وطيبه وطهارته، ونماء أجر صاحبه وطهارته من الذنوب، وقيل: من التزكية؛ لأنها تزكي صاحبه وتشهد بصحة إيمانه، وتطلق على المال المؤدى، وعلى أدائه على الوجه المخصوص المعين في الشرع.\nواختلف في أنها نزلت قبل الهجرة أو بعدها؟ فادعى ابن خزيمة في (صحيحه) (١) أنها نزلت قبل الهجرة، واحتج بحديث أم سلمة -﵂- في قصة هجرة الحبشة: أن جعفر ابن أبي طالب -﵁- قال للنجاشي رحمة اللَّه عليه: أمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، وهجرة الحبشة سابقة على هجرة المدينة، والصحيح أن وجوب الزكاة بعد الهجرة في السنة الثانية، وعليه الأكثرون، وبهذا جزم ابن الأثير، ولكنه قيل: إنها قبل فرضية رمضان في السنة الأولى أو الثانية، والتحقيق أنها بعد رمضان لحديث أحمد والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة والحاكم من حديث قيس بن سعد بن عبادة قال: أمرنا رسول اللَّه -ﷺ- بصدقة الفطر قبل نزول الزكاة، ثم نزلت الزكاة فلم يأمرنا بصدقة الفطر\n_________\n(١) \"صحيح ابن خزيمة\" (٤/ ١٣، رقم: ٢٢٦٠).","vol":"4","page":227},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nولم ينهنا عنها ونحن نفعلها، وهذا يدل على تأخرها عن رمضان (١).\nثم أعلم أن في شرعية الزكاة وسائر الصدقات كالعشر ونحوه وأحكامها وحدودها قد روعي حكم ومصالح يجد من يتأمل فيها من الناظرين، وفي كل الأحكام الشرعية دقائق وحكم لا تعدّ ولا تحصى، فالأصل في شرعية الزكاة والصدقة مراعاة الفقراء ومواساتهم، وكان رسول اللَّه -ﷺ- يوصي ويرغب في إيصالها إليهم، فيبعث الديانة والأمانة بلا محنة ولا مشقة وَمَنٍّ وأذى، وإيجاب الأنثى في الإبل لكون المنفعة فيها أكثر من الذكور من هذا القبيل، ومع ذلك قد روعي حال أصحاب الأموال بنهي العمال عن أن يظلموا عليهم، ويتجاوزوا عن الحد، ويتجنبوا الجياد من أموالهم، ويأخذوا الزيادة على قدر الفريضة من الهدايا والضيافات، واشتراط النماء وحولان الحول وسائر ما هو من باب البر والرفق من هذا الباب على ما هو دأبه -ﷺ- في رعاية غاية العدالة والتوسط في الحقوق والأحكام، -ﷺ- وجزاه عن الأمة خير الجزاء.\nومن جملة ذلك إيجاب الزكاة في أربعة أصناف من المال التي دورانها ووجودها بين الناس أكثر واحتياجهم إليها أوفر، حتى يكون أداؤها أيسر وأخذها للحاجة أوقع، أحدها: الزروع والثمار كالحبوب والتمر والزبيب، لا كالبقول والخضراوات التي تفسد في أدنى مدة. وثانيها: بهيمة الأنعام من الإبل والبقر والغنم بالشرائط والصفات المعتبرة فيها المذكورة في الفقه. وثالثها: الذهب والفضة والأثمان التي بها القوام ومعاش الناس\n_________\n(١) والمعتمد أن الزكاة فرضت بمكة إجمالًا، وبينت بالمدينة تفصيلًا جمعًا بين الآيات التي تدلّ على فرضيتها بمكة، وغيرها من الآيات والأدلة، واللَّه أعلم. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٢٦٠).","vol":"4","page":228},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nباعتبار التقويم والمعاملة. ورابعها: سائر أموال التجارة من الظروف والفروش والثياب والأقمشة والأمتعة.\nوشرع في كل سنة مرة، وفي الزروع والثمار حين حصادها وكمالها الذي هو وقت حصول الغلات، وفيه غاية العدل ورعاية الجانبين، ومن جملة ذلك رعاية العدالة في مقدار الواجب بحسب سعي صاحب المال في تحصيله بالسهولة والمشقة، فجعل الخمس في مال يحصل بغتة من غير مشقة وتكلف في تحصيله في الأزمنة المتطاولة كالركاز والكنز، ولم يشترط فيه حولان الحول كما في أموال التجارة، بل كما وجد وجب، وما كان من الأموال في تحصيله نوع مشقة وكلفة بقدر من غير زيادة أوجب نصف الخمس، وهو العشر، كما في الزروع والثمار التي تحصل بماء المطر، وأوجب نصف العشر وهو واحد من العشرين فيما فيه زيادة تكلف كالتي تسقى بالدلاء من الحياض والأنهار والبيار، ونصف ذلك وهو واحد من الأربعين فيما يحتاج إلى عمل كثير وتعب دائم بارتكاب الأسفار وركوب البحار إلى البلاد وأكناف الأرض، وترقب وانتظار وقيم وأسعار.\nثم عين في كل نوع من المال بحسب اقتضاء مصلحة وحكمة لا يحيط به إلا علم الشارع نصابًا، فجعل في الفضة مئتي درهم، وفي الذهب عشرين مثقالًا، وفي الغلات والثمار خمسة أوسق، وفي الغنم أربعين، وفي البقر ثلاثين، وفي الإبل خمسة، وأوجب في منصاب مقدارًا من الزكاة، والأصل في هذا الباب كتاب رسول اللَّه -ﷺ- وعمل الخلفاء الراشدين بعده، وإجماع الأمة على ذلك بعدهم، ولذلك لم يقع فيه كثير خلاف، واللَّه أعلم وعلمه أحكم.","vol":"4","page":229},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-523> الفصل الأول:</span>\n١٧٧٢ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: \"إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى. . . . .\nــ\n[الفصل الأول]\n١٧٧٢ - [١] (ابن عباس) قوله: (بعث معاذًا إلى اليمن) جعله قاضيًا، وعلّمه الأحكام وأمره بالعمل بالكتاب والسنة والقياس، وشايعه بنفسه الكريمة راجلًا ومعاذ راكب، وقال: (لعلك لا تدركني بعده يا معاذ) وكذلك وقع.\nوقوله: (قومًا أهل كتاب) أي: فيهم أهل كتاب، خصَّهم اهتمامًا بهم.\nوقوله: (فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم) يدل على أن الكفار غير مخاطبين بالفروع، وهو المذهب عند الحنفية، وقد تقرر ذلك في علم الأصول، وينبغي أن يعلم أن ثمرة الخلاف إنما تظهر في عذاب الآخرة، فعندنا يعذبون لترك الإيمان فقط، وعند الشافعية له ولترك الأعمال أيضًا، وأما طلب الأعمال منهم في الدنيا فلا بالاتفاق، لعدم صحتها بدون الإيمان، كما حقق في موضعه، هذا وأما تقديم الإعلام بالصلوات قبل الإعلام بالزكاة فلفضلها على سائر الأعمال، لا لاشتراطها لها.\nوقوله: (تؤخذ من أغنيائهم) قال الطيبي (١): وفيه دليل على أن الطفل تلزمه الزكاة\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٦).","vol":"4","page":230},{"text":"فُقَرَائِهِمْ (١)، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٩٦، م: ١٩].\n١٧٧٣ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ. . . . .\nــ\nلعموم الأغنياء. وهذا مذهب الشافعي ﵀، فإنه قال: الزكاة غرامة مالية، فتعتبر بسائر المؤون كنفقة الزوجات وصار كالعشر والخراج. ولنا أنها عبادة، فلا تتأدى إلا بالاختيار تحقيقًا لمعنى الابتلاء، ولهذا لا تجب على المجنون، بخلاف الخراج لأنه مؤنة الأرض، وكذا العشر لأن الغالب فيه معنى المؤنة، وقد شاع تخصيص غير البالغ والعاقل من عمومات الشرع، وهذا ظاهر.\nوقوله: (وكرائم أموالهم) أي: نفائسها كالحامل والمسمنة للأكل ونحو ذلك.\n١٧٧٣ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (لا يؤدي منها حقها) أي: الدراهم والدنانير أو الأموال أو من الفضة؛ لأنه الأقرب، والذهب يعلم بالأولى.\nوقوله: (صفحت) بالتشديد، أي: طُرِقَتْ ومدت، والصفائح جمع صفيحة،\n_________\n(١) قال الطيبي: وفيه أيضًا أن نقل الزكاة عن بلد الوجوب لا يجوز مع وجود المستحقين فيه، بل صدقة كل ناحية استحق تلك الناحية، واتفقوا على أنه إذا نقلت وأديت يسقط الفرض، إلا عمر بن عبد العزيز -﵀- فإنه رد صدقة نقلت من خراسان إلى الشام إلى مكانها من خراسان، اهـ. وفيه أن فعله هذا لا يدل على مخالفته للإجماع، بل فعله إظهارًا لكمال العدل، وقطعًا للأطماع، ثم ظاهر الحديث أن دفع المال إلى صنف واحد جائز كما هو مذهبنا، بل له أن يقتصر على شخص واحد، فالحديث محمول على مقابلة الجمع بالجمع. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٢٦١).","vol":"4","page":231},{"text":"لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا رُدَّتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ،\nــ\nوهو ما ينطبع مما يتطرق، كالحديد والنحاس، وصفائح الأبواب، ألواحها، والسيوف العريضة، وحجارة عراض رقاق، وصفيحة الوجه: بشرة جلده، و(صفائح) يروى مرفوعًا ومنصوبًا، فالرفع على إسناد (صفحت) إليها، والنصب على أنه مفعول ثان على معنى جعلت، أي: الدراهم والدنانير صفائح، وهو أقوى في المعنى.\nوقوله: (من نار) لشدة إحمائها وحرارتها كما يدل عليه قوله: (فأحمي عليها نار جهنم) و(أحمي) مسند إلى قوله: (عليها)، ولذا أتي بضمير المذكر (١)، وأصله تحمى النار عليها، فانتقل الإسناد عن النار إلى (عليها)، وجعلت النار ظرفًا إفادة للمبالغة، والظاهر أن هذا القول بيان وتفصيل لجعله صفائح من نار. وقيل: المعنى أن تلك الصفائح النارية تحمى مرة ثانية بنار جهنم ليزيد حرها ولهبها. ووجه تخصيص هذه الأعضاء أن جمعهم وإمساكهم المال كان لطلب الوجاهة بالغنى، والتنعم بالمطاعم الشهية والملابس البهية، أو لأنهم ازورّوا (٢) عن السائل وأعرضوا عنه وولّوه ظهورهم، أو لأنَّها مشتملة على الأعضاء الرئيسية التي هي الدماغ والقلب والكبد، كذا قال البيضاوي (٣).\nقوله: (كلما ردت أعيدت له) كما ترد الحديدة المحماة إلى الكُور وتخرج منها\n_________\n(١) قوله: \"بضمير المذكر\" كذا في (ب)، وفي (ر): \"بضمير بلفظ المذكر\".\n(٢) أي: عدلوا وانحرفوا.\n(٣) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٤٠٤).","vol":"4","page":232},{"text":"فَيُرَى سَبِيلُهُ: إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ\"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَالإِبِلُ؟ قَالَ: \"وَلَا صَاحِبُ إِبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، وَمِنْ حَقِّهَا حَلْبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ. . . . .\nــ\nساعة فساعة.\nوقوله: (فيرى) بضم الياء، فـ (سبيله) بالرَّفع، وبفتحها فهو بالنصب، ويحتمل النصب على الأول بإسناد (يرى) إلى ضميره، وجعل (سبيله) مفعولًا ثانيًا، وهذا أوجه، فافهم.\nوقوله: (فالإبل؟) أي: عرفنا حكم النقدين فما حكم الإبل؟ فقال في بيان حكمه: (ولا صاحب إبل) وهو عطف على قوله: (ما من صاحب ذهب)، و(لا) زائدة لتأكيد النفي.\nوقوله: (ومن حقها حلبها يوم وردها) جملة معترضة، ذكرها زيادة على الزكاة، والحلب بسكون اللام وقد يحرك: إخراج ما في الضرع من اللبن، والورد بكسر الواو: الإشراف على الماء، والمراد يوم ورود الإبل على الماء للاستقاء، وإنما يستحب الحلب في ذلك اليوم لاجتماع الناس فيه صادرًا واردًا، فينبغي أن يسقيهم من ألبانها (١).\nوقوله: (بطح) بلفظ المجهول، أي: طرح وألقي صاحب الإبل على وجهه، من بطحه كمنعه: ألقاه على وجهه.\n_________\n(١) قيل: حلبها للفقراء لأنهم يجتمعون يوم الورد، أو المعنى: يحلبهم يوم شربها الماء دون غيره لئلا تلحقها مشقة العطش والحلب، فعلى هذين المعنيين يكون ذكره معترضة، ندب إليه استطرادًا، فلا دخل في العذاب له لأن العذاب يكون على الوجوب، ويحتمل أن يكون محمولًا على وقت كانت الضيافة واجبة. كذا في \"التقرير\" نقلًا عن \"المرقاة\" (٤/ ١٢٦٣).","vol":"4","page":233},{"text":"لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ لَا يَفْقِدُ مِنهَا فَصِيلًا وَاحِدًا، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ. . . . .\nــ\nوقوله: (لها) أي: لأجل الإبل، وفي بعض النسخ: (له). قال التُّورِبِشْتِي (١): بل في أكثر النسخ من (المصابيح) بل في أجمعها، ولا يصح رواية، وإن صح معنى بتأويل الجنس أو الذكور، والأول هو الوجه. و(القاع) أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال والآكام، و(القرقر) بمعناه، فهو صفة كاشفة أو تأكيد.\nوقوله: (أوفر) حال من الضمير في (بطح) أي: حال كون الإبل أسمن وأتم هيئة ليزداد ثقلها، و(ما) مصدرية، والوقت مقدر.\nوقوله: (لا يفقد) حال من صاحب الإبل، وهو الضمير في (بطح)، والفصيل: ولد الناقة.\nوقوله: (كلما مر عليه أولاها رد عليه أُخراها) قال التُّورِبِشْتِي (٢): في هذا الكلام تحريف عن وجهه، وهو أن الرد إنَّما يستعمل في الأول لا في الآخر، فالآخر تبع للأول في مروره، فإذا انتهت النوبة ردت الأولى لاستئناف المرور، وهذا الحديث على هذا السياق رواه مسلم (٣) في كتابه وفيه: (كلما مضى عليه أُخراها ردت عليه أولاها)، وقد روي هذا الحديث أيضًا عن أبي ذر وفي روايته: (كلما جازت أُخراها ردت عليه أولاها) (٤) وهذا هو الصواب، وأما على الوجه الذي في كتاب (المصابيح) فهو سهو\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤١٠).\n(٢) \"كتاب المسير\" (٢/ ٤١٠).\n(٣) \"صحيح مسلم\" (٩٨٧).\n(٤) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (١٤٦٠).","vol":"4","page":234},{"text":"مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلُهُ: إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ\"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَالْبقَرُ وَالْغَنَمُ؟ قَالَ: \"وَلَا صَاحِبُ بَقْرٍ وَلَا غَنَمِ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا، إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ، لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا، لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ وَلَا عَضْبَاءُ،\nــ\nمن بعض الرواة، لم يتأمل فيه المؤلف فنقله، انتهى.\nوفي شرح الشيخ: أن المقصود من العبارتين من تتابعها عليه واحد، وحاصله أنه كناية عن التتابع والاستمرار، ويحصل فيه تارة الابتداء من الأولى وأخرى من الأخرى (١)، وتفصيله ما ذكره الطيبي (٢) في توجيه ما في الكتاب: إن (أولاها) إذا مرت عليه على التتابع، فإذا انتهى أُخراها إلى الغاية، فردت من هذه الغاية، وتتبعها ما يليها فما يليها إلى أولاها حصل الغرض من التتابع والاستمرار (٣)، فيكون الابتداء في المرة الأولى من الإبل الأولى، وفي الثانية من الثانية، فافهم، ويمكن أن يقال: المراد من الرد في قوله: (رد عليه أُخراها) الإمرار لا الإرجاع، فلا إشكال، واللَّه أعلم.\nو(العقصاء) بالقاف: ملتوية القرنين، في (القاموس) (٤): الأعقص من التيوس: ما التوى قرناه على أذنيه من خلفه. و(الجلحاء) بتقديم الجيم على الحاء المهملة: التي لا قرن لها، في (القاموس): بقرٌ جُلَّحٌ: بلا قرون. و(العضباء) بالعين المهملة والضاد\n_________\n(١) قوله: \"من الأخرى\" سقط في (ض).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٩ - ١٠).\n(٣) قوله: \"فما يليها إلى أولاها حصل الغرض من التتابع والاستمرار، فيكون الابتداء\" سقط في (ر).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٧٥).","vol":"4","page":235},{"text":"تَنْطِحُهُ بِقُرُونهَا، وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا، كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيُرَى سَبِيلُهُ: إِمَّا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ\"، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! فَالْخَيْلُ؟ قَالَ: \"فَالْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِياءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الإِسْلَامِ، فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا. . . . .\nــ\nالمعجمة: الشاة المنكسرة القرن، وقد تجيء بمعنى الناقة (١) المشقوقة الأذن، وبها لقبت ناقة رسول اللَّه -ﷺ-، ولم تكن عضباء.\nوقوله: (تنطحه) أي: تضربه بقرنه، من باب ضَرَبَ ومَنَعَ.\nوقوله: (فالخيل) أي: ما حكمه؟ .\nوقوله: (فالخيل ثلاثة) أي: أحكامها ثلاثة.\nوقوله: (هي لرجل وزر) أي: موجبه، والوزر: الإثم. (وهي لرجل ستر) بكسر السين، أي: موجب للتعفف والتغني، وستر حال فقره واحتياجه، وحجاب يمنعه عن إظهار الحاجة للناس.\nوقوله: (فأما التي هي له وزر فرجل ربطها) الحمل يحصل باعتبار حاصل المعنى أي: فهي خيل ربطها رجل رياء، أي: حتى يقول الناس: هو شجاع مجاهد، فإن الرياء إنما يكون فيما هو عبادة، وأما الفخر فظاهر، والنواء بالكسر: المناداة وهي المعاداة، من النوء: وهو النهوض بجد ومشقة وثقل.\n_________\n(١) قوله: \"الناقة\" سقط في (ب).","vol":"4","page":236},{"text":"فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ في ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِهَا، فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِأَهْلِ الإِسْلَامِ فِي مَرْجٍ وَرَوْضَةٍ، فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدَ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٌ،\nــ\nقوله: (في سبيل اللَّه) أي: في طاعته غير مختص بالجهاد؛ لئلا يتحد بما بعده، فإن المراد بذلك الجهاد والإعانة عليه خاصة، وقد جاء في رواية: (ربطها تغنيًا وتعففًا) وبه يظهر المراد بـ (سبيل اللَّه) هنا.\nوقوله: (ثم لم ينس حق اللَّه) الشامل للواجب والمندوب.\nوقوله: (في ظهورها) بأن يركبها في الطاعات والحاجات، ويركبها (١) للمحتاجين. (ولا) في (رقابها) بأن يؤدي حقها من الزكاة. وفي شرح الشيخ: أي: يتعهدها بما يصلحها ويدفع ضررها، والاختلاف مبني على الاختلاف في وجوب الزكاة في الخيل عندنا وعدمه عند الشافعية، وسنذكره بعد شرح مفردات الحديث.\nوقوله: (في مرج) هو بسكون الراء: موضع ترعى فيه الدواب، كذا في (القاموس) (٢)، وقال الشارحون: صحراء واسعة كثيرة العشب تمرح فيها الدواب، أي: تسرح، و(الروضة) مستنقع الماء فيه العشب، وكل أرض ذات نبات وماء، فهي من عطف الخاص على العام، وقد جاء الروضة بمعنى البستان في غاية النضارة، كذا في (مجمع البحار) (٣).\n_________\n(١) قوله: \"في الطاعات والحاجات، ويركبها\" سقط في (ب).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٠٠).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٣٩٧).","vol":"4","page":237},{"text":"وَكُتِبَ لَهُ عَدَدَ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٌ، وَلَا تَقْطَعُ طِوَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ، إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا وَأَرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ، وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا، إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ\"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَالْحُمُرُ؟ قَالَ: \"مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الآيَةُ الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ. . . . .\nــ\nوقوله: (عدد أرواثها وأبوالها) فكيف بعرها وفيه مبالغة.\nوقوله: (ولا تقطع) أي: للفرس، (طولها) بكسر الطاء وفتح الواو، وكذا الطيل بفتح الياء على وزن عنب، وقد تشد اللام في الشعر: حبل يشد به قائمة الدابة، ويمسك طرفه الآخر، أو تشد وترسل لترعى. (فاستنت) أي: الفرس، أي: عدت واضطربت في مرجه. و(الشرف) المكان العالي، والشوط، وهو المراد، وقال في (القاموس (١»: أو نحو ميل، ومنه: (فاستنّت شرفًا أو شرفين)، انتهى.\nوقوله: (ولا يريد أن يسقيها) ولا نية له في ذلك، فكيف إذا أراد سقيها وكان له في ذلك نية.\nوقوله: (فالحمر؟) بضمتين جمع حمار.\nوقوله: (الفاذة) أي: المنفردة، (الجامعة) أي: لكل شيء خير وشر غير مخصوصة بشيء، فيدخل فيه حكم الحمر وغيره، فمن أدى في الحمر شيئًا وتحرى فيها الخير فله ثوابه، وليس فيه واجب مخصوص.\nتنبيه: ذهب الإمام أبو حنيفة ﵀ إلى أن الخيل إذا كانت سائمة ذكورًا وإناثًا فصاحبها بالخيار، إن شاء أعطى من كل فرس دينارًا، وإن شاء قومها وأعطى من كل\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٤٩).","vol":"4","page":238},{"text":"﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ \" [الزلزلة: ٧ - ٨]. . . . .\nــ\nمئتين خمسة دراهم، وهو قول زفر، وقالا: لا زكاة في الخيل، وهو قول الشافعي ﵀ لقوله -ﷺ-: (ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة) (١)، وله قوله -ﷺ-: (في كل فرس (٢) سائمة دينار) وتأويل ما روياه: فرس الغازي، وهو المنقول عن زيد بن ثابت -﵁-، والتخيير بين الدينار والتقويم مأثور عن أمير المؤمنين عمر -﵁-، كذا في (الهداية) (٣).\nوفي شرح ابن الهمام (٤): في (فتاوى قاضيخان) (٥): قالوا: الفتوى على قولهما، وكذا رجح قولهما في (الأسرار)، وأما شمس الأئمة وصاحب (التحفة) فرجحا قول أبي حنيفة رحمة اللَّه عليه، وحديث: (ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة) رووه في الكتب الستة، وزاد مسلم: (إلا صدقة الفطر)، انتهى.\nوقد جاء في عدم وجوب زكاة الخيل أخبار وآثار كثيرة، وجاء في تأويله بفرس الغازي أيضًا أقوال من السلف، ويؤيد ظاهره الإضافة في فرسه كما في عبده، فافهم، وأما إذا كانت للتجارة فلا خلاف في وجوب الزكاة؛ لكونها كسائر أموال التجارة، وأما إذا كانت سائمة لا للتجارة ولا للغزو ففيه الخلاف، وجاء في حديث جابر -﵁- عند\n_________\n(١) قوله: \"لقوله -ﷺ-: ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة\" سقط في (ب).\n(٢) قوله: \"فرس\" سقط في (ر).\n(٣) \"الهداية\" (١/ ٩٩).\n(٤) \"فتح القدير\" (٢/ ١٨٣).\n(٥) في (ب): \"فتاوى خان\".","vol":"4","page":239},{"text":"رَوَاه مُسْلِمٌ. [م: ٩٨٧].\n١٧٧٤ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ -ﷺ-: \"مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ. . . . .\nــ\nالبيهقي والدارقطني: (في الخيل السائمة في كل فرس دينار)، والحديث الذي ذكر في (الهداية) رواه جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر -﵃-، والكلام فيه كثير ذكرنا بعضًا منه في (شرح سفر السعادة) (١).\nإذا عرفت هذا فاعلم أن الحديث من قبيل الأسلوب الحكيم، أما عند الشافعي ﵀ فظاهر، وأما عند أبي حنيفة ﵀ فلاقتصارهم على سؤال حق الزكاة فيها، فنبه على أن المهم أن تسألوا عن أقسامها أيضًا، ولا تقتصروا على سؤال حق الزكاة، كما قرره الطيبي (٢)، وأما في الحمر والبغال فلا زكاة بالاتفاق، والحديث المذكور في الكتاب في الحمر أورده صاحب (الهداية) فيهما، وفي كتب الأحاديث مخصوص بالحمر، واللَّه أعلم.\n١٧٧٤ - [٣] (وعنه) قوله: (شجاعًا) في (النهاية) (٣): الشجاع بالضم والكسر: الحية الذكر، وقيل: مطلقًا. وفي شرح الشيخ: التِّنِّينُ الذكر، وقيل: مطلقًا، وفي (القاموس) (٤): أو ضرب من الحية صغير، و(الأقرع) من الحيات: المُتَمَعِّطُ شعرُ رأسه لكثرة سُمِّه، ويقال: لطول عمره. و(الزبيبتان) نقطتان سوداوان فوق عيني الحية، أو\n_________\n(١) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٢٨١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٠).\n(٣) \"النهاية\" لابن الأثير (١/ ٨٤٥).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٧٥)، (ص: ٦٩٢).","vol":"4","page":240},{"text":"يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ\". ثمَّ تَلَا ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآيَةَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٤٠٣].\n١٧٧٥ - [٤] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ لَهُ إِبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا إِلَّا أُتِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا يَكُونُ وَأَسْمَنَهُ، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَنْطِحُهُ بِقُرُونهَا، كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُوْلَاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٦٠، م: ٩٩٠].\nــ\nهما نكتتان يكتنفان فاها، أو زَبَدَتان في شدقيها، كذا في (مجمع البحار) (١). وقال في (القاموس) (٢): الزبيبتان: نقطتان [سوداوان] فوق عيني الحية والكلب، وقال: الزبيب: السم في فم الحية، وبهاء: زبدة في شِدْقِ مُكْثِرِ الكلام، ومن هذا قيل: إنهما زبدتان في شدقيه إذا غضب. و(يطوقه) بلفظ المجهول، أي: يجعل كالطوق في عنقه. و(اللهزمتين) اللحيين، أي: العظمين الذين نبتت عليهما اللحية، وهو قريب من الشدقين، ولذلك فسرهما بهما، والضمير في (لهزمتيه) للأقرع، كذا قيل، ويجوز أن يكون لـ (من)، والباء زائدة، (تلا ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآية) إلى قوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠].\n١٧٧٥ - [٤] (أبو ذر) قوله: (تطؤه بأخفافها) هذا للإبل.\nوقوله: (تنطحه) للبقر والغنم.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٤١٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٩ - ١٠٠).","vol":"4","page":241},{"text":"١٧٧٦ - [٥] وَعَنْ جَرِيرِ بن عَبدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أَتَاكُمُ المُصَدِّقُ فَليَصْدُرْ عَنْكُمْ وَهُوَ عَنْكُمْ رَاضٍ\". رَوَاه مُسْلِمٌ. [م: ٩٨٩].\n١٧٧٧ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: \"اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ\"، فَأَتَا أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: \"اللَّهُمَّ صَلِّ علَى آلِ أَبِي أَوْفَى\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٩٧، م: ١٠٧٨].\nوَفي رِوَايَةٍ: إِذَا أَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ -ﷺ- بِصَدَقَتِهِ قَالَ: \"اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ\".\nــ\n١٧٧٦ - [٥] (جرير بن عبد اللَّه) قوله: (إذا أتاكم المصدق) في (القاموس) (١): المصَدِّقُ كمُحَدِّثٍ: آخذ الصدقات، والمتصدق: معطيها.\nوقوله: (فليصدر) أي: تلقوه بالترحيب وأدوا زكاتكم تامة؛ حتى يصدر -أي: يرجع- عنكم راضيًا.\n١٧٧٧ - [٦] (عبد اللَّه بن أبي أوفى) قوله: (فأتاه أبي) وهو أبو أوفى.\nوقوله: (اللهم صل عليه) بدون إقحام لفظ آل، ومنه (اللهم صل على عمرو بن العاص، فإنه كان يؤدي الصدقة تامة حسنة)، كذا جاء في الحديث، وهذه الصلاة غير ما يصلى به على النبي -ﷺ-، وإنما هو بمعنى الترحم والتعطف والترحيب لا على وجه التعظيم والتكريم، أخذًا من قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]، وقيل: لا يجوز الدعاء بالصلاة على أحد إلا للنبي -ﷺ-، ولمن سواه من الأئمة أن يدعوا عند أخذ الصدقة بمضمونه وبمعناه لا بلفظ\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٢٩).","vol":"4","page":242},{"text":"١٧٧٨ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عُمَرَ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَالْعَبَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا، فَأَغْنَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا،\nــ\nالصلاة.\n١٧٧٨ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (منع ابن جميل) قال في (فتح الباري) (١): لم أقف على اسمه في كتب الحديث، لكن في تعليق القاضي الحسين المروزي وتبعه الروياني: أن اسمه عبد اللَّه، وقيل: ابن جميل كان منافقًا ثم تاب بعد ذلك، وقال القاضي حسين: نزلت فيه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية [التوبة: ٧٥]، انتهى.\nوقوله: (ما ينقم ابن جميل) نقم الأمر: كرهه، من باب ضرب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨]، ومنه الانتقام بمعنى العقوبة (٢) لبلوغ الكراهة حد السخط، ويقال: نَقِمَ من فلان الإحسان إذا جعله مما يؤديه إلى كفر النعمة، أي: ما يعيب ويكره في منعه الزكاة إلا إغناء اللَّه إياه، وفي هذا (٣) مبالغة وغاية تقريع على كفران النعمة منه.\nوقوله: (فأغناه اللَّه ورسوله) إنما ذكر -ﷺ- نفسه لأنه الواسطة في إضافة الخيرات والنعماء من جناب الحق، ولأنه -ﷺ- دعا له بالغناء والثروة كما جاء في تفسير قوله تعالى:\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٣٣).\n(٢) قوله: \"ابن جميل نقم الأمر كرهه من باب ضرب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا﴾، ومنها لانتقام بمعنى العقوبة\" سقط في (ب).\n(٣) قوله: \"هذا\" سقط في (ر).","vol":"4","page":243},{"text":"قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَهِيَ عَلَيَّ وَمِثْلُهَا مَعَهَا\"، ثُمَّ قَالَ: \"يَا عُمَرُ! أَمَا شَعَرْتَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ\"، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٦٨، م: ٩٨٣].\n١٧٧٩ - [٨] وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ. . . . .\nــ\n﴿مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [التوبة: ٧٥].\nوقوله: (قد احتبس) أي: وقف درعه وسائر ما أعده من السلاح والدواب على المسلمين، ومن يتطوع بمثل ذلك لا يمنع الزكاة، فلعل منعه لظلمكم إياه، ومن شأن (١) الشجاع أن لا يصبر على ظلم وضيم، وقيل: المراد أنه لم تجب عليه الزكاة لأنه وقف ما عنده فلا يملك شيئًا.\nوقوله: (فهي علي ومثلها معها) ذكروا في معناها وجهين: أحدهما: أنه -ﷺ- استسلف منه صدقة عامين: هذا العام الذي طلب منه والعام الذي بعده، وهو المراد بقوله: (ومثلها معها)، ثانيهما: أن عباس استمهل رسول اللَّه -ﷺ- بذلك عامين لحاجة كانت له، فأمهله، ويجوز للإمام أن يؤخرها إذا كان ذلك على وجه النظر، ثم يأخذها بعد، كذا قال التُّورِبِشْتِي (٢)، وقيل: ذلك من خصائصه -ﷺ-، ولم يجز للساعي ذلك، كذا في شرح الشيخ. و(الصنو) المثل، وأصله أن تطلع نخلتان من عرق واحد هما صنوان، وكل واحد صنو، ومنه قوله تعالى: ﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾ [الرعد: ٤].\n١٧٧٩ - [٨] (أبو حميد الساعدي) قوله: (من الأزد) بفتح الهمزة وسكون\n_________\n(١) قوله: \"شأن\" سقط في (ب).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤١٣).","vol":"4","page":244},{"text":"يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي. فَخَطَبَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: \"أَمَّا بَعْدُ! فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ رِجَالًا مِنْكُمْ عَلَى أُمُورٍ مِمَّا وَلَّانِيَ اللَّهُ، فَيَأْتِي أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟ !\nوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ،\nــ\nالزاي، ابن الغوث، وبالسين أفصح، أبو حي باليمن، ومن أولاده الأنصار كلهم، ويقال: أَزْدَ شَنُوءَةَ، كذا في (القاموس) (١). وقال التُّورِبِشْتِي (٢): السين أفصح؛ لكن الزاي أكثر استعمالًا، ولعل ذلك لمجانبته عن موقع الاشتباه، فإنك إذا قلت: الأسْدي اشتبه بالأَسَدي.\nوقوله: (يقال له: ابن اللتبية) بضم لام وفتح مثناة فوق وكسر موحدة وشد ياء تحتية، وقيل: بفتح لام، وقيل: هو بسكون فوقية وفتحها، وقيل: هو بمضمومة فساكنة، أمه المنسوبة إلى بني لتب بسكون تاء قبيلة معروفة، وقيل: ابن الأتبية بهمزة مضمومة بدل لام، ولا يصح، وهو الذي استعمل على الصدقة، فقال: هذا لكم وهذا أهدي إلي، ذكر ذلك كله في (المغني) (٣)، والخطاب في (لكم) للمسلمين.\nوقوله: (لا يأخذ أحد منه) أي: مما جعل عاملًا عليه.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٥٤).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤١٥).\n(٣) \"المغني في ضبط الأسماء\" (ص: ٢٣٨ - ٢٣٩).","vol":"4","page":245},{"text":"إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بقْرًا لَهُ خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ\"، ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبِطَيْهِ ثُمَّ قَالَ: \"اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغَتُ؟ \". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٩٧، م: ١٨٣٢].\nــ\nوقوله: (له رغاء) بالضم: صوت البعير، في (القاموس) (١): رغى البعير والضبع والنعام رغاءً، بالضم: صَوّتَتْ فَضَجَّتْ، والصبي: بكى أشد البكاء، والأكثر في الجملة الاسمية الواقعة جزاء أن يكون بالفاء، وقد يحذف، ويحتمل أن يكون التقدير: جاء وله رغاء بحذف الجزاء، والواو من الجملة الاسمية الواقعة حالًا، و(الخوار) بضم الخاء: صوت البقر، وفي (القاموس) (٢): صوت البقر والغنم والظباء.\nوقوله: (أو شاة تيعر) بكسر العين، وقيل: بفتحها، من يعرت الغنم تيعر يعارًا بالضم، أي: صاحت، كذا في (مجمع البحار) (٣)، وفي (القاموس) (٤): اليعار كغراب: صوت الغنم أو المِعْزى، أو الشديد من أصوات الشاء، يَعَرَتْ تَيْعِرُ وتَيْعَرُ كيضرب ويمنع. كأنه لم يقل: له يعار؛ لأن الشاة لها صوت ضعيف بالنسبة إلى الإبل والبقر، لا يحس كإحساسها، فأتي بصيغة المضارع ليفيد الاستمرار ليحصل باستمراره صوت ويظهر، فافهم.\nوقوله: (عفرة إبطيه) أي: بياضهما على وزن حمرة، والأعفر الأبيض ليس بالشديد البياض، وهي عفراء، والاسم العفرة، والأعفر من الظباء: ما يعلو بياضه حمرة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٦٢).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٢١٣ - ٢١٤).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٦٥).","vol":"4","page":246},{"text":"قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَفِي قَوْلِهِ: \"هَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أُمِّهِ أَوْ أَبِيهِ فَيَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لَا؟ \" دَلِيلٌ عَلَى أَن كُلَّ أَمْرٍ يتذَرَّعُ بِهِ إِلَى مَحْظورٍ فَهُوَ مَحْظُورٌ، وَكُلُّ دَخِيلٍ (١) فِي الْعُقُودِ يُنْظَرُ هَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ عِنْدَ الِانْفرَادِ كَحُكْمِهِ عِنْدَ الِاقْتِرَانِ أَمْ لَا؟ هَكَذَا فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٥/ ٤٩٨].\n١٧٨٠ - [٩] وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ عمِيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلٍ فَكَتَمَنَا مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ كَانَ غُلُولًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٣٣].\nــ\nوقوله: (يتذرع) أي: يتوسل به، من الذريعة بمعنى الوسيلة، فهو محظور، ومن ثم جاء: كل قرض جر منفعة فهو ربا، وللوسائل حكم مقاصدها.\nوقوله: (وكل دخيل في العقود. . . إلخ) يحتمل رفعه ونصبه، وفي شرح الشيخ: أن الرفع أحسن؛ لأنه لم يحرم بحكم هذا الدخيل، فتعين قطعه لتعذر العطف، والدليل إنما يدل على الحكم لا على التردد، فتأمل.\nثم هذه الكُلِّيَّة الثانية إنما تليق بمذهب من منع الحيل كمالك وأحمد، وأما الشافعي وأبو حنيفة وغيرهما ممن يرى إباحة الحيل فلا ينظرون إلى هذا الدخيل، كذا في شرح الشيخ.\n١٧٨٠ - [٩] قوله: (عدي بن عميرة) بفتح العين وكسر الميم وبالراء.\nوقوله: (فكتمنا) بفتحات متوالية، و(المخيط) بكسر الميم وسكون الخاء: الإبرة، والفوقية تحتمل الأعلى والأدنى، وهذا منع للساعي في الزكاة عن الخيانة، والغلول:\n_________\n(١) في نسخة: دخل.","vol":"4","page":247},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-524> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٧٨١ - [١٠] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَنَا أُفَرِّجُ عَنْكُمْ فَانْطَلَقَ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنَّهُ كَبُرَ عَلَى أَصْحَابِكَ هَذِهِ الآيَةُ، فَقَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ الزَّكَاةَ إِلَّا لِيُطَيِّبَ مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ، وَإِنَّمَا فَرَضَ الْمَوَارِيثَ وَذَكَرَ كَلِمَةً لِتَكُونَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ\" فَقَالَ: فَكَبَّرَ عُمَرُ،\nــ\nالخيانة، وقد يخص بالغنيمة، فيكون تشبيهًا.\nالفصل الثاني\n١٧٨١ - [١٠] (ابن عباس) وقوله: (كبر) على وزن كرم، أي: شق وعظم؛ لأن ظاهره الوعيد على جمع المال قل أو كثر، وأن إنفاق كل المال فرض.\nوقوله: (إلا ليطيب ما بقي من أموالكم) فإذا أديتم الزكاة طاب وحلّ ما بقي، وإن اجتمع الكثير منه، فبين -ﷺ- أن المراد بالكنز في الآية ما اجتمع بمنع الزكاة لا الجمع مطلقًا.\nوقوله: (وذكر كلمة) هذا قول الراوي، أي: ذكر رسول اللَّه -ﷺ- كلمة بعد (المواريث) لم أحفظها.\nوقوله: (لتكون لمن بعدكم) أي: فرض المواريث، إشارة إلى جمع المال ليكون للورثة، فلو امتنع جمع المال لم يكن زكاة ولا ميراث.\nوقوله: (قال) أي: ابن عباس: (فكبّر عمر) -﵁- فرحًا واستبشارًا لرفع الحرج","vol":"4","page":248},{"text":"ثُمَّ قَالَ لَهُ: \"أَلَا أُخْبِرُكَ بِخَيْرِ مَا يَكْنِزُ الْمَرْءُ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِذَا أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِذَا غَابَ عَنْهَا حَفِظَتهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٦٦٤].\n١٧٨٢ - [١١] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"سَيَأْتِيكُمْ رُكَيْبٌ مُبْغَضُونَ، فَإِنْ جَاؤُوكُمْ فَرَحِّبُوا بِهِمْ، وَخَلُّوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَبْتَغُونَ، فَإِنْ عَدَلُوا فَلأَنْفُسِهِمْ، وَإِنْ ظَلَمُوا فَعَلَيْهِمْ، وَأَرْضُوهُمْ، فَإِنَّ تَمَامَ زَكَاتِكُمْ رِضَاهُمْ، وَلْيَدْعُوا لَكُمْ\". رَوَاهُ أبو دَاوُدَ. [د: ١٥٨٨].\nــ\nودفع الإشكال ودلالة على فخامة الأمر. (ثم قال له) أي: نبي اللَّه -ﷺ- لعمر -﵁- إرشادًا إلى ما هو أنفع للمرء وأصلح بالحال من جمع المال، وهي المرأة الصالحة، وبيّن خيريتها بقوله: (إذا نظر إليها سرته) فيطيب بها وقته، (وإذا أمرها أطاعته) فيقضي عنها حاجته، (وإذا غاب عنها حفظته) في ماله ونفسها، يلمح إلى قوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ [النساء: ٣٤]، وتتضمنه فوائد آخر لا تعد ولا تحصى، أولاها وأعلاها حصول الأولاد، والمال يغدو ويروح وتعرضه الآفات.\n١٧٨٢ - [١١] قوله: (جابر بن عتيك) على وزن شريك، و(ركيب) تصغير ركب، والمراد عمال الزكاة، والغالب أنهم معدودون قليلون فلذا صغر.\nوقوله: (مبغضون) على لفظ المفعول، أي: يبغضهم الناس بحكم الطبعية لطلبهم أموالهم ولسوء خلقهم وتشديدهم.\nوقوله: (فرحبوا بهم) أي: قولوا لهم: مرحبًا بكم.\nوقوله: (وإن ظلموا) أي: بحسب زعمكم، أو على الفرض والتقدير مبالغة، ولو كانوا ظالمين حقيقة كيف يأمر بإرضائهم ودعائهم لكم؟ !","vol":"4","page":249},{"text":"١٧٨٣ - [١٢] وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ -يَعْنِي مِنَ الأَعْرابِ- إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالُوا: إِنَّ نَاسًا مِنَ الْمُصَدِّقِينَ يَأْتُونَّا فَيَظْلِمُونَّا، فَقَالَ: \"أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ\"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ ظَلَمُونَا؟ قَالَ: \"أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ وَإِنْ ظُلِمْتُمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٥٨٩].\n١٧٨٤ - [١٣] وَعَنْ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَّةِ قَالَ: قُلْنَا: إِنَّ أَهْلَ الصَّدَقَةِ يَعْتَدُونَ عَلَيْنَا، أَفَنَكْتُمُ مِنْ أَمْوَالِنَا بِقَدْرِ مَا يَعْتَدُونَ؟ قَالَ: \"لَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٥٨٦].\n١٧٨٥ - [١٤] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْعَامِلُ عَلَى الصَّدَقَةِ بِالْحَقِّ كَالْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ١٩٣٦، ت: ٦٤٥].\nــ\n١٧٨٣ - [١٢] (جرير بن عبد اللَّه) قوله: (يأتونا) بتشديد النون، وكذا قوله: (فيظلمونا)، وفي بعض النسخ كلاهما بالتخفيف بحذف نون الإعراب.\nوقوله: (وإن ظلمتم) تأويله ما ذكر في الحديث الأول، والتعبير بصيغة المجهول إشارة إلى تسليتهم بأنه لا ضرر لكم بإدراك جزاء الصبر، بل هم المتضررون بظلمهم، فافهم.\n١٧٨٤ - [١٣] (وعن بشير) على وزن الخبير (ابن الخصاصية) بفتح الخاء المعجمة وتخفيف الصاد المهملة وتشديد الياء التحتانية، وقد يخفف، وهي أمه.\nوقوله: (يعتدون) أي: يظلمون ويتجاوزون عن الحد.\n١٧٨٥ - [١٤] (رافع بن خديج) قوله: (حتى يرجع إلى بيته) أي: يكون له","vol":"4","page":250},{"text":"١٧٨٦ - [١٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ، وَلَا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلَّا فِي دُوْرِهِمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٥٩١].\nــ\nثواب ذهابًا وإيابًا إلى حين الرجوع كما ثبت في الغازي والحاج.\n١٧٨٦ - [١٥] (عمرو بن شعيب) قوله: (لا جلب ولا جنب) كلاهما متحرك الوسط، والجلب والجنب يكون في الزكاة، وفي سباق الفرس، فالجلب في الزكاة أن ينزل الساعي محلًا بعيدًا عن الماشية، ولا يأتي مياههم وأماكنهم لأخذ الصدقات، ولكن يأمرهم أن يجلبوا نعمهم إليه. والجنب فيها أن ينزل بأقصى محال أهل الصدقة، ثم يؤمر بالأموال أن تُجْنَبَ، أي: تحضر، وكلاهما منهي عنه لما فيه من المشقة على المزكين، وفي الثاني أكثر، والأولى أن ينزل على مياههم وأمكنة مواشيهم وقريبًا منهم. وقيل: الجنب أن يجنب، أي: يبعد رب الماشية بها عن محله، فيحتاج الساعي أن يتكلف ويأتي إليه، فالحاصل أن الجلب هو أن يُقَرِّب العاملُ أموال الناس إليه، والجنب أن يبعد صاحب المال ماله من العامل، فعلى التفسير الأول يكون حكم النهي يتعلق بالساعي، وعلى الثاني بالمعطي، وهذا أولى وأدخل في الفرق بينه وبين الجلب بخلاف التفسير السابق، فإنه لا فرق كثير بينهما عليه.\nوأما الجلب في السباق والرهان فهو أن يتبع فرسه رجلًا أو يركب فرسه إياه فيزجره ويجلب عليه ويصيح حثُّا له على الجري. والجنب فيه أن يجنب فرسًا إلى فرسه الذي يسابق عليه، فإذا أفتر المركوب تحول إلى المجنوب، وهذا أيضًا منهي عنه، وكذا المعنيين للجلب والجنب مذكور في اللغة، ومن الظاهر أن المراد في هذا الحديث هو المعنى الذي يكون في الزكاة لا في السباق.","vol":"4","page":251},{"text":"١٧٨٧ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنِ اسْتَفَادَ (١) مَالًا فَلَا زَكَاةَ فِيهِ حَتَّى يَحُولَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُمْ وَقَفُوْهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ. [ت: ٦٣١].\nــ\nقال التُّورِبِشْتِي (٢): ولعل الذي فسره بالمعنى الذي في الرهان لم يبلغه الحديث بتمامه، أو قال هذا القول في حديث آخر كقوله -ﷺ-: (لا جلب ولا جنب ولا شغار في الإسلام)، فأما الذي جعله أحد وجهي الحديث فإنه لم يصب لما ذكرنا من التعليل.\n١٧٨٧ - [١٦] (ابن عمر) قوله: (وذكر) أي: الترمذي جماعةً من العلماء أنهم وقفوا هذا الحديث على ابن عمر -﵄-، يعني أنهم قالوا: هذا قول ابن عمر، ولم يرفعه إلى رسول اللَّه -ﷺ-، قال الترمذي بعد ما روى الحديث مرفوعًا: وروى أيوب وعبيد اللَّه وغير واحد عن نافع عن ابن عمر -﵄- موقوفًا. فقول المؤلف: (أنهم) بدل اشتمال من جماعة.\n_________\n(١) أي: ابتداءً عند الحنفية وهو مذهب مالك أيضًا، وقال الشافعي وأحمد: المستفاد لا يضم لهذا الحديث. قال شيخنا في \"التقرير\": دليل الحنفية ما يستفاد من كلام ابن الهمام في \"الفتح\" أن المستفاد من الأولاد والأرباح يضم بالاتفاق، فعلة الضم فيه عندنا التجانس وهو يوجد في المستفاد بسبب خارج وهو المتخلف فيه فيدخل فيه لا محالة. وتفصيله أن المستفاد في وسط الحول إن كان من غير الجنس للمال الأول فيستأنف حوله بالاتفاق، وإن كان من جنسه لكن الأول ليس من النصاب فيعتبر حوله من هذا الوقت بالاتفاق، وإن كان حصوله بسبب المال الأول كالأرباح والأولاد فيضم بالاتفاق، وإن كان من جنس الأول لكن حصوله لم يكن منه بل كان بسبب مستقل كالإرث وغيره فهذا المختلف ذكره. فالحديث ليس على عمومه بالاتفاق، فيشمل بعض الصور عنهم دون عندنا.\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٢/ ١٧).","vol":"4","page":252},{"text":"١٧٨٨ - [١٧] وَعَنْ عَلِيٍّ: أَنَّ الْعَبَّاسَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي تَعْجِيلِ صَدَقَةٍ قَبْلَ أَنْ تَحِلَّ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ١٦٢٤، ت: ٦٧٨، جه: ١٧٩٥، دي: ١/ ٣٨٥].\n١٧٨٩ - [١٨] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: \"أَلَا مَنْ وَلِيَ (١) يَتِيمًا لَهُ مَال فَلْيَتَّجِرْ فِيهِ، وَلا يَتْرُكْهُ حَتَّى تَأْكُلَهُ الصَّدَقَةُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: . . . . .\nــ\n١٧٨٨ - [١٧] (علي) قوله: (قبل أن تحل) أي: قبل أن يتم حولها، وتحل بكسر الحاء، يقال: حل الدين يحل بالكسر، حل العذاب يحل بالضم والكسر، كذا في بعض الشروح، وقد قرئ قوله تعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١] بكسر الحاء وضمها، وبكسر اللام وضمها، هذا وقد يجعل من الحلال أو من الحلول، وفيه بعد، وهذا الحديث يؤيد التأويل الأوّل من التأويلين المذكورين لقوله -ﷺ-: (وأما العباس فهي علي ومثلها معها) كما مر في الفصل الأول من حديث أبي هريرة -﵁-.\nوقوله: (فرخص له في ذلك) وجواز تعجيل الزكاة هو المذهب عندنا وعند أكثر الأئمة لتحقق السبب وهو النصاب، وفيه خلاف مالك ﵀.\n١٧٨٩ - [١٨] (عمرو بن شعيب) قوله: (حتى تأكله الصدقة) (٢) أي: تنقصه\n_________\n(١) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ اللَّامِ، وَفِي نُسْخَة بِضَمِّ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَكْسُورَةِ، أَيْ: صَارَ وَلِيَّ يَتِيمٍ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٢٧٥).\n(٢) قالت الأئمة الثلاثة بوجوب الزكاة في مال الصبي لهذا الحديث. وقال الإمام أبو حنيفة: لا زكاة في ماله، والجواب بعد ضعفه أنه يعارض حديث الرفع عن الصبي حتى يحتلم، وهو صححه الحاكم وغيره، فالمراد بالصدقات غير الزكاة من الحقوق المالية كالعشر والنفقات. كذا في \"التقرير\".","vol":"4","page":253},{"text":"فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، لأَنَّ الْمُثَنَّى بْنَ الصَّبَّاحِ ضَعِيفٌ. [ت: ٦٤١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-525> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٧٩٠ - [١٩] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَاسْتخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ الْعَرَبِ،\nــ\nوتفنيه.\nوقوله: (لأن المثني بن الصباح ضعيف) قال أحمد ﵀: لا يسوى حديثه شيئًا، وروي عن ابن معين: هو رجل صالح في نفسه ليس بذلك، وقال النسائي: متروك، وقال ابن عدي: الضعف على حديثه بَيِّنٌ، كذا نقل عن (ميزان الاعتدال) (١).\nوفي (الكاشف) للذهبي (٢): قال أبو حاتم وغيره: لين الحديث، توفي سنة تسع وأربعين ومئة، ويظهر مما ذكر أن ضعف الحديث لضعف المثني بن الصباح لا لأن ضمير جده يحتمل أن يكون لعمرو فيكون مرسلًا، أو لابنه فيكون منقطعًا، كما ذكرناه في غير موضع؛ لأنهم عَدُّوا هذا الإسناد في المراتب الخمس التي عدوها في الصحيح على أن الحق أن الضمير لعمرو، كما في أمثاله على ما لا يخفى على المتتبع، فيكون مرسلًا وهو قد يكون صحيحًا.\nالْفَصْل الثَّالِث\n١٧٩٠ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (وكفر من كفر من العرب) لأنهم أنكروا وجوب الزكاة، ولحقوا بمسيلمة، فيكون كفرًا حقيقة، لأن وجوبها مما علم كونه من الدين\n_________\n(١) \"ميزان الاعتدال\" (٣/ ٤٣٥).\n(٢) \"الكاشف\" (٢/ ٢٣٩، رقم: ٥٢٨٠).","vol":"4","page":254},{"text":"قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ\"؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا. . . . .\nــ\nبالضرورة، أو امتنعوا منها فيكون تسميته كفرًا تغليظًا. وفي شرح الشيخ: لعل بعضهم أنكروا، وبعضهم منعوا، فصح إطلاق الكفر عليهم تارة ونفيه أخرى، وقد أخذ عمر -﵁- بالظاهر، فلما تبين له حقيقة الحال وافق أبا بكر كما قال: (فعرفت أنه الحق)، وقيل: كان أهل الردة ثلاثة أصناف: صنف عادوا إلى عبادة الأوثان، وصنف تبعوا مسيلمة والأسود، وصنف استمروا على الإسلام لكنهم جحدوا الزكاة، وتأولوا بأنها مخصوصة بزمان النبي -ﷺ-، وهم الذين ناظر عمر أبا بكر -﵃- في قتالهم كما وقع في حديث الباب (١).\nقوله: (إلا بحقه) أي: حق الإسلام، كما جاء صريحًا في رواية أخرى.\nوقوله: (من فرق) بالتشديد (بين الصلاة والزكاة) بالقول بوجوب الأولى وإنكار وجوب الثانية، أو بإتيان الأولى ومنع الثانية.\nوقوله: (عناقًا) بفتح العين: هي أنثى ولد الضأن ما لم يبلغ سنة، وفي رواية:\n_________\n(١) في هامش \"اللامع\": قوله: (كفر من كفر. . . إلخ) قد صار هؤلاء إلى ثلاث فرق، منهم من ارتد عن الإسلام، ومنهم من أنكر فرضية الزكاة، ومنهم أنكر أداءها إليه -أبي بكر -﵁- وإن أقر بأنها فريضة اللَّه على عباده، والأولان منهم كافرون دون الثالث، فإطلاق (كفر من كفر) في الرِّواية تغليب، أو المقصود بيان الكافرين لا الثالث، وكان هؤلاء الذين أبوا أن يؤدوها إلى الإمام بغاةً، وكان اختلاف عمر -﵁- في هذا. وقال شيخنا: كان اختلاف الشيخين في هذا المصنف بوجوه، الأول: أنه يبعد عن عمر أن يتردد في قتال الجاهلين عن الزكاة، والثاني: في ورود استثناء الزكاة عدة روايات، مختصرًا. انظر: \"لامع الدراري\" (٥/ ١٢ - ١٣).","vol":"4","page":255},{"text":"كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا، قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا رَأَيْتُ أَنَّ اللَّهَ شَرَحَ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَقُّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٩٩، م: ٢٠].\n١٧٩١ - [٢٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ، وَهُوَ يَطْلُبُهُ حَتَّى يُلْقِمَهُ أَصَابِعَهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٢٧٩].\n١٧٩٢ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَا مِنْ رَجُلٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي عُنُقِهِ شُجَاعًا\"، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ. . . . .\nــ\n(عقالًا) وهو بالكسر: زكاة عام من الإبل والغنم، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (لقاتلتهم) لكفرهم وارتدادهم، أو حفظًا لشعار الإسلام وسدّ باب الفتنة.\nوقوله: (ما هو) أي: شأني وحالي في هذه المحاجة.\nوقوله: (إلا أن رأيت) أي: اتضح فظهر لي، أو التقدير: ليس الأمر شيئًا من الأشياء إلا علمي بأن أبا بكر محق، فالضمير مبهم يفسره ما بعده، فافهم.\n١٧٩١ - [٢٠] (عنه) قوله: (حتى يلقمه) بضم الياء والضمير المرفوع لصاحب الكنز، والمنصوب للشجاع، و(أصابعه) مفعول ثان، وإلقام الأصابع لأن منع الزكاة كان باليد، لأن أثر الجود والبخل يظهر فيها، أو كما هو العادة عند الخوف.\n١٧٩٢ - [٢١] (ابن مسعود) قوله: (مصداقه) بالنصب مفعول (قرأ)، أي:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٥٢).","vol":"4","page":256},{"text":"﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٨٠]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٣٠١٢، ن: ٢٤٤١، جه: ١٧٨٤].\n١٧٩٣ - [٢٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَا خَالَطَتِ الزَّكَاةُ مَالًا قَطُّ إِلَّا أَهْلَكَتْهُ\". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْبُخَارِيُّ فِي \"تَارِيخِهِ\"، وَالْحُمَيْدِيُّ. [مسند الشافعي: ٦٠٧، التاريخ الكبير: ١/ ١٨٠، رقم: ٥٤٩، مسند الحميدي: ٢٣٩].\nوَزَادَ: قَالَ: يَكُونُ قَدْ وَجَبَ عَلَيْكَ صَدَقَةٌ فَلَا تُخْرِجُهَا فَيُهْلِكُ الْحَرَامُ الْحَلَالَ، وَقَدِ احْتَجَّ بِهِ مَنْ يَرَى تَعَلُّقَ الزَّكَاةِ بِالْعَيْنِ،\nــ\nما يصدقه ويوافقه.\n١٧٩٣ - [٢٢] (عائشة) قوله: (ما خالطت الزكاة مالًا) بأن لم يخرج منه، والمراد بالإهلاك إما المحو والاستئصال، أو جعله حرامًا بمخالطتها، والحرام لا ينتفع به شرعًا فكأنه هلك.\nوقوله: (وزاد) أي: الحميدي في تفسير المراد بمخالطة الزكاة المهلكة.\nوقوله: (وقد احتج به من يرى تعلق الزكاة بالعين) وهم الأئمة الثلاثة ومن تبعهم، ولهذا لا يجوزون دفع القيم في الزكاة؛ لأنها قربة تعلقت بمحل، فلا يتأدى بغيره كالهدايا والضحايا، وتعلق الزكاة بالمال عندهم تعلق شركة؛ لأن المنصوص عليه إنما هو الشاة، فالشارع أوجب المنصوص عليه عينًا، والواجب لا يسع تركه، ولنا أن الأمر بالأداء إلى الفقير إيصال للرزق الموعود إليه بقوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، الرزق عبارة عما يقع به الكفاية، وذا يختلف باختلاف الحوائج،","vol":"4","page":257},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nثم أوجب مالًا مسمى على الأغنياء بنفسه، وأمر بإنجاز تلك المواعيد من ذلك المسمى، وذا لا يحتمله مع اختلاف المواعيد، فيتضمن الأمر بالإنجاز والإذن بالاستبدال، وبطلان قيد الشاة بعينه، كالسلطان يجوز الغزاة آلات الحرب إلى بعض وكلائه من مال بعينه له عنده، فإنه يكون إذنًا منه له بالاستبدال، فصار كالجزية يؤخذ فيها قدر الواجب كما يؤخذ عينه، وإنما لم تجز القيمة في الضحايا والهدايا لأن القربة إراقة الدم وهي غير معقولة، وفي المتنازع فيه سد حاجة المحتاج وهو معقول، قد روى البخاري معلقًا: عن طاوس أن معاذًا قال لأهل اليمن: ائتوني بعَرْض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة، مكان الشعير والذرة أهونُ عليكم، وخير لأصحاب النَّبي -ﷺ- بالمدينة (١).\nوروى ابن أبي شيبة في (مصنفه) (٢) بإسناد له: أبصر النبي -ﷺ- ناقة حسنة في إبل الصدقة فقال: (ما هذه؟) قال صاحب الصدقة: إني ارتجعتها ببعيرين من حواشي الإبل. فعلمنا أن التنصيص على الأسنان المخصوصة والشاة لبيان قدر المالية وتخصيصها في التعبير لأنها أسهل على أرباب المواشي، كذا في شرح الشيخ ابن الهمام (٣).\nهذا وتخصيص الاحتجاج بالحديث بمن يرى تعلق الزكاة بالعين دون من يرى تعلقها بالذمة محل نظر؛ لأن المخالطة بالمال وإهلاك الحرام للحلال وأكل الصدقة حاصل على قوله أيضًا، نظرًا إلى المعنى وإن لم يكن صورة، لأنه لما تعلق الحق بذمته\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" ٣٣ - باب العرض في الزكاة، ٢٤ - كتاب الزكاة.\n(٢) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٦/ ٤٠٣، رقم: ١٠٠٠٧) ما يكره للمصدق أخذه من الإبل.\n(٣) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ١٩٣).","vol":"4","page":258},{"text":"هَكَذَا فِي \"الْمُنْتَقَى\". وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَائِشَةَ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِي \"خَالَطَتْ\": تَفْسِيرُهُ أَنَّ الرَّجُلَ يَأْخُذُ الزَّكَاةَ وَهُوَ مُوسِرٌ أَوْ غَنِيٌّ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلْفُقَرَاءِ. [شعب: ٣٢٤٦].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-526>١ - باب ما يجب فيه الزكاة</span>\nــ\nتعلق بمالة أيضًا معنى، لكن يكون فيه شبهة، ويكفي في المنع التقوى والاحتياط، فتأمل.\nوقوله: (هكذا في المنتقى) كتاب لابن عبد البر (١)، فإنه ذكر فيه الاحتجاج المذكور.\nوقوله: (وهو موسر أو غني) شك، أو تنويع إن جعل الغنى أخص من اليسار، كذا في شرح الشيخ، أو قد يجيء اليسر بمعنى الغني وبمعنى السهولة ضد العسر فيتغايران.\n١ - باب ما يجب فيه الزكاة\nقد اتفقوا على وجوب الزكاة في الأنعام والأثمان والعروض وسائر أموال التجارة، واختلفوا في البقول والخضراوات والفواكه التي لا تبقى ولا تدخر إلى تمام السنة، فعند الأئمة لا تجب فيها الزكاة، وفي التمر والزبيب يجب إذا كان خمسة أوسق فصاعدًا، وعند أبي حنيفة ﵀ يجب العشر في كل ما يخرج من الأرض قليلًا كان أو كثيرًا، لا في القصب والحطب والحشيش، والحجة لأبي حنيفة قوله -ﷺ-: (ما أخرجته الأرض ففيه العشر) (٢)، وتفاصيل هذا الباب يطلب من كتب الفقه.\n_________\n(١) كذا في الأصول، والصواب: لابن تيمية.\n(٢) انظر: \"نصب الراية\" (٢/ ٣٨٤).","vol":"4","page":259},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-527> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٧٩٤ - [١] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخِدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ. . . . .\nــ\nالفصل الأول\n١٧٩٤ - [١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (ليس فيما دون خمسة أوسق) جمع وسق بالتحريك، وهو ستون صاعًا، والصاع أربعة أمداد، والمد رطل وثلث رطل (١)، وقد ذكرنا تحقيقه وتطبيقه بوزن ديارنا في (شرح سفر السعادة) (٢)، فليطلب ثمة، و(الأواق) جمع أوقية بضم الهمزة وتشديد الياء، وهي في ذلك الزمن كان أربعون درهمًا، والآن يختلف باختلاف البلاد ويعتبر بما كان، و(الورق) بفتح الواو وكسر الراء: الفضة، و(الذود) بالذال المعجمة ما بين الاثنين والتسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر، اسم\n_________\n(١) وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ كُلُّ مُدَّ رِطْلَانِ، وَالرِّطْلُ مِئَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَقالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ قَدْرُ ثَمَانِ مِئَةٍ مِنْ كُلٍّ مِنْ مِئَتَيْ دِرْهَمٍ وَسِتِّينَ دِرْهَمًا. قَالَ الْمُظْهِرُ: هَذَا دليلٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَكَذَا الْحَالُ فِي الزَّبِيبِ وَالْحُبُوبِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: يَجِبُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ مِنَ الْحُبُوبِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَغَيْرِهَا، مِنَ النَّبَاتِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: فِيهِ حُجَّةٌ لأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ فِي عَدم الوُجُوب حَتَّى تبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، وَأَوَّلَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ زَكَاةُ التِّجَارَةِ، لأَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَبَايَعُونَ بِالأَوْسَاقِ، وَقِيمَةُ الْوَسْقِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، انتهى. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٢٧٩). وأورد عليه في \"الكوكب الدري\" (٢/ ١١): أن ما في الوسق من الحنطة والشعير وغير ذلك مختلف، فكيف يحكم بالكلية أن قيمته أربعون درهمًا، ثم وجهه، فارجع إليه لو شئت، وأجاب عن الحديث في \"الأوجز\" (٥/ ٤٩٨ - ٥٠١) بعشر وجوه.\n(٢) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٢٧٩).","vol":"4","page":260},{"text":"مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٥٩، م: ٩٧٩].\n١٧٩٥ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ صَدَقَةٌ فِي عَبْدِهِ، وَلَا فِي فَرَسِهِ\"، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: \"لَيْسَ فِي عَبْدِهِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الْفِطْرِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٦٤، م: ٩٨٢].\n١٧٩٦ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْبَحْرِينِ: بِسْم اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم، هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَالَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا رَسُولَهُ، فَمَنْ سُئِلَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى وَجْهِهَا فَلْيُعْطِهَا، وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِ: فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ. . . . .\nــ\nجمع لا واحد له، ففيه معنى الجمعية، ومن ثم أضيف إليه الخمس مؤنث اللفظ، وروي خمسٌ منونًا، فـ (ذود) بدل منه، وجاء في رواية: (خمسة ذود) بالتاء، والأشهر بدونها، كذا في بعض الشروح.\nوقوله: (من الإبل) صفة مؤكدة؛ لأن الذود اسم للإبل خاصة.\n١٧٩٥ - [٢] (أبو هريرة) وقوله: (في عبده ولا في فرسه) أي: عبده للخدمة، وفرسه للركوب، وقد سبق الكلام فيه.\n١٧٩٦ - [٣] (أنس) قوله: (على وجهها) أي: كائنة على الوجه المشروع من غير تعد.\nوقوله: (ومن سئل فوقها فلا يعط) أي: لا يجب عليه الإعطاء، والصبر على الظلم كما مر، وهذا على سبيل المبالغة والفرض والتقدير، أو المراد به سوء الخلق","vol":"4","page":261},{"text":"مِنَ الإِبِلِ فَمَا دُونَهَا، مِنَ الْغَنَمِ مِنْ كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ إِلَى خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَثَلَاثِينَ إِلَى خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا بِنْتُ لبونٍ أُنْثَى، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَأَرْبَعِينَ إِلَى سِّتِّينَ فَفِيهَا حِقَّةٌ طَرُوقَةُ الْجَمَلِ، فَإِذَا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتِّينَ إِلَى خَمْسٍ وَسَبْعِينَ فَفِيهَا جَذَعَةٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ سِتًّا وَسَبْعِينَ إِلَى تِسْعِينَ فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ، فَإِذَا بَلَغَتْ إِحْدَى وَتِسْعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ فَفِيهَا حِقَّتَانِ طَرُوقَتَا الْجَمَلِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي خَمْسِينَ حِقَّة،\nــ\nونحوه، لا الزيادة على الواجب.\nوقوله: (من الغنم) بيان للشاة تأكيدًا.\nوقوله: (بنت مخاض) وهي التي تمت له سنة، وطعنت في الثانية، سميت بذلك لأن أمها يكون حاملًا.\nوقوله: (أنثى) صفة مؤكدة. و(بنت لبون) هي التي طعنت في الثالثة.\nوقوله: (حقة) الحقة بكسر الحاء وتشديد القاف: هي التي طعنت في الرابعة، سميت بذلك لأنها استحقت الركوب والحمل، (طروقة الجمل) أي: تصلح أن يطرقها الجمل ويطأها، بفتح الطاء من الطرق بمعنى الضرب.\nوقوله: (جذعة) الجذعة بفتحات: التي طعنت في الخامسة.\nوقوله: (إلا أن يشاء ربها) أي: صاحبها ومالكها تطوعًا.\nوقوله: (فإذا زادت على عشرين ومئة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة) وبه أخذ الشافعي رحمة اللَّه عليه ومن معه، وأما عند أبي حنيفة والنخعي","vol":"4","page":262},{"text":"وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعٌ مِنَ الإِبِلِ فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، فَإِذَا بَلَغَتْ خَمْسًا فَفِيهَا شَاةٌ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةَ الْجَذَعَةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ جَذَعَةٌ وَعِنْدَهُ حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ، وَيُجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَتَا لَهُ، أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةَ الْحِقَّةِ، وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ الْحِقَّةُ وَعِنْدَهُ الْجَذَعَةُ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْجَذَعَةُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَهُ صَدَقَةَ الْحِقَّةِ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ إِلَّا بِنْتُ لَبُونٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ لَبُونٍ وَيُعْطَى شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بَنَتَ لَبُونٍ وَعِنْدَهُ حِقُّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ الْحِقَّةُ وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بَنْتَ لِبَوْنٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَيُعْطَى مَعَهَا عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، وَمَنْ بَلَغَتْ صَدَقَتُهُ بَنْتَ مَخَاضٍ وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُ بِنْتُ لَبُونٍ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ، وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقُ عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ بِنْتُ مَخَاضٍ عَلَى وَجْهِهَا وَعِنْدَهُ ابنُ لَبُونٍ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ، وَلَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ، وَفِي صَدَقَةِ الْغَنَم فِي سَائِمَتِهَا. . . . .\nــ\nوالثوري يستأنف الحساب بإيجاب الشاة ثم بنت مخاض ثم بنت لبون ثم فثم على الترتيب الذي سبق، وحجتهم كتاب كتبه رسول اللَّه -ﷺ- لعمرو بن حزم في الصدقات والديات، وقد روي مثل ذلك عن علي -﵁-.\nوقوله: (فإنه يقبل منه وليس معه شيء) ففضيلة الأنوثة تجبر بفضل السن، ولا يحتاج إلى جبران.\nوقوله: (سائمتها) قيد به؛ لأنه ليس في العلوفة صدقة، وكذا ليس في العوامل","vol":"4","page":263},{"text":"إِذَا كَانَتْ أَرْبَعِينَ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ إِلَى مِئَتَيْنِ فَفِيهَا شَاتَانِ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِئَتَيْنِ إِلَى ثَلَاثِ مِئَةٍ فَفِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِ مِئَةٍ فَفِي كُلِّ مِئَةٍ شَاةٌ، فَإِذَا كَانَتْ سَائِمَةُ الرَّجُلِ نَاقِصَةً مِنْ أَرْبَعِينَ شَاةً وَاحِدَةً فَلَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا، وَلَا تُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ هَرِمَةٌ، وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ، وَلَا تَيْسٌ، إِلَّا مَا شَاءَ الْمُصَدِّقُ،\nــ\nوإن كانت سائمة إلا عند مالك ﵀.\nوقوله: (فإذا زادت على ثلاث مئة) أي: يزيد مئة أخرى يجب أربع شياه لا بزيادة أقل من مئة خلافًا لبعضهم.\nوقوله: (ناقصة من أربعين شاة واحدة) منصوب بنزع الخافض، وفي رواية: (بشاة)، أو مرفوع على أنه فاعل (ناقصة).\nوقوله: (ولا تخرج في الصدقة هرمة) بفتح الهاء وكسر الراء: التي نال منها كبر السنن وأضر بها، والهَرَمُ بفتحتين: أقصى الكبر، هَرِمَ كفرح فهو هرم وهي هرمة. (ولا ذات عوار) بفتح العين وقد يضم: العيب والنقص، وقال في (القاموس) (١): العوار مثلثة: العيب. (ولا تيس) بفتح التاء الفوقانية وسكون التحتانية في آخره سين مهملة: فحل الغنم.\nوقوله: (إلا ما شاء المصدق) قال التُّورِبِشْتِي (٢): رواه أبو عبيد بفتح الدال وتشديدها، وهو الذي يعطي صدقة ماشيته، وخالفه عامة الرواة فقالوا: بكسر الدال وتشديدها، وهو الذي يأخذ الصدقات، وأكثر ظني أني وجدته في بعض الرِّوايات\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤١٦).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٢١).","vol":"4","page":264},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبتشديد الصاد، وهو في معنى ما رواه أبو عبيد، وأصله المتصدق فقلبت التاء صادًا فأدغمت، وبه ورد التنزيل: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، وقلّ من تابع أبا عبيد في روايته، وقد وجدت أبا جعفر الطحاوي يختار رواية أبي عبيد وينصرها ويقول: هو عندي كما قال أبو عبيد؛ لأنه إن كان زيادة على الذي وجب عليه كان حرامًا على العامل أخذه لما فيه من الزيادة على الواجب، وإن كان دونه كان حرامًا عليه أن يأخذه بما عليه، وإن كان مثله في القيمة فهو خلاف النوع الذي أمر بأخذه لوجوبه على رب المال، فحرام عليه أخذه من غير طيب نفس من صاحبه، فعلم أنه لم يرد به العامل، وإنما أراد به رب المال؛ لأن له أن يعطي فوق ما عليه أو مثل ما عليه من نوع آخر.\nقلت: ولعل الذي يأخذ بهذا القول يجعل الاستثناء مختصًا بقوله: (ولا تيس)؛ لأن رب المال ليس له أن يخرج من صدقته ذات عوار، وأما التيس فإنه وإن كان غير مرغوب فيه لنتنه وفساد لحمه، فإنه ربما زاد على خيار الغنم في القيمة لطلب الفحولة، ويشهد لهذا التأويل ما ورد في بعض طرق هذا الحديث: (ولا تيس الغنم) أي: الفحل الذي يضربها، والذي ذكرناه من كلام أبي جعفر وإن كان صحيحًا فإن الرواية التي ذهب إليها الجمهور لم تخل أيضًا من محمل صحيح، وهو أن يقول: جعل الأمر في ذلك إلى العامل إذا كان على وجه النظر ورعاية المصلحة؛ لأنه أبعد من التهمة، أو هو يسعى لغيره، ورب المال يسعى لنفسه، وهذا كلام التُّورِبِشْتِي (١)، وذكره الطيبي (٢) مختصرًا، وقال: ويحتمل تخصيص ذلك بما إذا كانت المواشي كلها معيبة. وزاد عليه توجيهًا\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٢١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٣١).","vol":"4","page":265},{"text":"وَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ، وَلَا يُفَرَّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ، خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ، وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ، وَفِي الرِّقَةِ رُبُعُ الْعُشْرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا تِسْعِينَ وَمِئَةٍ. . . . .\nــ\nآخر بما عليه الجمهور من الرواية، وهو أن يكون الاستثناء منقطعًا، والمعنى: لا يخرج المزكي الناقص والمعيب، لكن يخرج ما شاء المصدق من السليم والكامل، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ولا يجمع بين متفرق) بلفظ المجهول، وكذا قوله: (ولا يفرق بين مجتمع)، وهذا يحتمل النهي لرب المال وللساعي، فعلى الأول تقدير قوله: (خشية الصدقة) تقليلها أو إسقاطها، وعلى الثاني تكثيرها وإيجابها، مثال الأول: رجل ملك أربعين شاة، فخلطها بأربعين لغيره ليعود واجبه من شاة إلى نصفها، أو كان له عشرون شاة مخلوط بمثلها، فيفرق حتى لا يكون نصابًا، ومثال الثاني: رجل له مئة وعشرون شاة، وواجبها شاة، ففرق الساعي أربعين أربعين لتكون فيها ثلاث شياه، أو كان لرجلين أربعون شاة متفرقة فجمعها لتجب فيه الزكاة. وقد ذكرت في الشروح في هذه المسألة أقوال وتفاصيل، وما ذكرناه يكفي في فهم المقصود.\nوقوله: (وما كان من خليطين. . . إلخ) مثلًا: رجلان في مئتي شاة شريكان لأحدهما أربعون شاة، وللآخر مئة وستون، فيجب على الأول شاة، وعلى الثاني شاة، على هذا الحساب من غير جمع ولا تفريق.\nوقوله: (في الرقة) بكسر الراء وتخفيف القاف على وزن عدة: الدراهم المضروبة كورق مثله، أو ككتف وحبل، وجمع الرقة رقون، وجمع ورق الأوراق.\nوقوله: (فإن لم تكن إلا تسعين ومئة) يريد أقل من مئتين وإن زادت على تسعين","vol":"4","page":266},{"text":"فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٤٥٤].\n١٧٩٧ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ. . . . .\nــ\nومئة، وذكر التسعين لكونه آخر العقود من مئة.\n١٧٩٧ - [٤] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (أو كان عثريا) بالثاء المثلثة، ذكر في (القاموس) (١): العثري: ما سقته السماء، كذا ذكر التُّورِبِشْتِي (٢) وبعض الشراح، ولا يخفى أنه يلزم منه التكرار، وعطف الشيء على نفسه، فالحق ما ذكره بعض آخرون من أن العثري ما سقي بالعاثور، والعاثور شبه نهر يحفر في الأرض يسقى به البقول والنخل والزرع، والعثري يجيء أيضًا بمعنى الفارغ من أمر الدنيا والآخرة لا يعمل لأحد منهما، وفي الحديث: (أبغض الناس إلى اللَّه العثري) أي: الرجل الفارغ من أمر الدنيا والدين، وسمي النخل عثريًا لأنه لا يحتاج في سقيه إلى تَعَب بِدَالِيةٍ وغيرها، كذا في (مجمع البحار) (٣). وقال في (مشارق الأنوار) (٤): العثري بفتح العين والثاء: هو ما سقته السماء من النخل والثمار؛ لأنه يصنع له شبه الساقية تجمع ماء المطر إلى أصوله يسمى العاثور، انتهى. ويعلم منه أن تفسيره بما سقاه ماء المطر صحيح إلا أنه ناقص ترك فيه قيد، فافهم.\nوقوله: (وما سقي بالنضح) نضح النخل: سقاها بالسانية، أي: البعير، والمراد\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٠٧).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٢٢).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥٢٥).\n(٤) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١١٧).","vol":"4","page":267},{"text":"نِصْفُ الْعُشْرِ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٤٨٣].\n١٧٩٨ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٩٩، م: ١٧١٠].\nــ\nسقي النخل والزرع بالبعير أو البقر أو الحمير.\n١٧٩٨ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (العجماء) على وزن حمراء، و(جرحها) بضم الجيم وكذا قوله: (جبار) أي: هدر، يعني أن البهيمة إذا جرحت أحدًا أو أتلفت شيئًا ولم يكن معها قائد أو سائق وكان نهارًا فلا ضمان.\nوقوله: (والبئر جبار) معناه من استأجر أحدًا ليحفر له البئر أو نحوه كالمعدن فسقط عليه البئر أو المعدن فلا ضمان، وكذا البئر إن حفرها في ملكه أو في فلاة من غير عدوان ووقع فيه إنسان لا ضمان عليه.\nوقوله: (وفي الركاز الخمس) هذا هو المقصود من ذكر هذا الحديث في الباب، والمراد بالركاز عند الحنفية المعدن، وعند أهل الحجاز دفين أهل الجاهلية، واشتقاقه من ركزت الرمح في الأرض، ولا زكاة في المعدن عند الشافعي، بل حكمه حكم الصيد، إلا إذا كان المستخرج ذهبًا أو فضة، والمعنى الذي حمله عليه أبو حنيفة وأصحابه أنسب لسياق الحديث، وقد جاء في حديث عبد اللَّه بن سعيد المقبري عن أبي هريرة قالوا: يا رسول اللَّه ما الركاز؟ قال: (الذهب والفضة الذي خلق اللَّه في الأرض يوم خلقت)، وقال الطيبي (١): المعنى الذي حمل عليه أهل الحجاز أوفق لاستعمال\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٣٤).","vol":"4","page":268},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-528> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٧٩٩ - [٦] عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: \"قَدْ عَفَوْتُ عَنِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ، فَهَاتُوا صَدَقَةَ الرِّقَةِ، مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ، وَلَيْسَ فِي تِسْعِينَ وَمِئَةٍ شَيْءٌ، فَإِذَا بَلَغَتْ مِئَتَيْنِ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٦٢٠، د: ١٥٧٤].\nوَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ عَنِ الْحَارِثِ الأَعْوَرِ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ زُهَيْرٌ: أَحْسَبُهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: \"هَاتُوا رُبع الْعُشْرِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا دِرْهَمٌ، وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ حَتَّى تَتِمَّ مِئَتَيْ دِرْهَمٍ، فَإِذَا كَانَتْ مِئَتَيْ دِرْهَمٍ فَفِيهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، فَمَا زَادَ فَعَلَى حِسَابِ ذَلِكَ، وَفِي الْغَنَمِ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ إِلَى عِشْرِينَ وَمِئَةٍ، فَإِنْ زَادَتْ وَاحِدَةٌ فَشَاتَانِ إِلَى مِئَتَيْنِ،\nــ\nالعرب، وقال التُّورِبِشْتِي (١): قد نقل عن محمد بن الحسن الشيباني -وهو مع رسوخه في الفقه يعد من علماء العربية- أنه قال: إن العرب تقول: ركز المعدن إذا كثر ما فيه من الذهب والفضة.\nالفصل الثاني\n١٧٩٩ - [٦] (علي) قوله: (قد عفوت عن الخيل) قد يشعر هذا الكلام سبق الوجوب ثم نسخه، وليس بصريح في ذلك، بل يكفي في ذلك سبق ذنب من إمساك المال عن الإنفاق، وقد سبق تأويله عند أبي حنيفة بخيل الغزاة كرقيق الخدمة.\nوقوله: (حتى تتم مئتي درهم) الضمير في (تتم) للرقة، ومئتي حال، ويجوز\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٢٣).","vol":"4","page":269},{"text":"فَإِنْ زَادَتْ فَثَلَاثُ شِيَاهٍ إِلَى ثَلَاثِ مِئَةٍ، فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِ مِئَةٍ فَفِي كُلِّ مِئَةٍ شَاةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا تِسْعٌ وَثَلَاثُونَ فَلَيْسَ عَلَيْكَ فِيهَا شَيْءٌ، وَفِي الْبقَرِ فِي كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعٌ، وَفِي الأَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ، وَلَيْسَ عَلَى الْعَوَامِلِ شَيْءٌ\". [د: ١٥٧٢].\n١٨٠٠ - [٧] وَعَنْ مُعَاذٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَمْرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْبَقَرَةِ مِنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا أَوْ تَبِيعَةً، وَمِنْ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ١٥٧٦، ت: ٦٢٣، ن: ٢٤٥، دي: ١٦٦٤].\nــ\nأن تُضَمَّن (تتم) معنى تصير.\nوقوله: (فثلاث شياه) بالهاء إذ أصل شاة شاهة بدليل تصغيره على شويهة، والجمع شياه كجمع شفة شفاه.\nوقوله: (فإذا زادت على ثلاث مئة) أي: صارت أربع مئة كما سبق.\nوقوله: (وفي البقر: في كل ثلاثين تبيع) ذكر الذكر يشعر بأنه لا فرق فيه بين الذكر والأنثى، وفي (الهداية) (١): في كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة، وهي التي طعنت في الثانية، وفي أربعين مسن أو مسنة، وهي التي طعنت في الثالثة، و(العوامل) ما يعمل من الإبل والبقر في الحرث والسقي، وفيه خلاف مالك.\n١٨٠٠ - [٧] (معاذ) قوله: (ومن كل أربعين مسنة) ذكر في التبيع الذكر والأنثى، وفي المسن الأنثى، ولعلّه من باب الاكتفاء، وعندنا يجوز كلاهما فيهما كما نقلنا من\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٩٨).","vol":"4","page":270},{"text":"١٨٠١ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْمُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ كَمَانِعِهَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ١٥٨٥، ت: ٦٤٦].\n١٨٠٢ - [٩] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"لَيْسَ فِي حَبٍّ وَلَا تَمْرٍ صَدَقَةٌ حَتَّى يَبْلُغَ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٢٤٨٥].\n١٨٠٣ - [١٠] وَعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: عِنْدَنَا كِتَابُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، [أَنَّهُ] قَالَ: إِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الصَّدَقَةَ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ. . . . .\nــ\n(الهداية).\n١٨٠١ - [٨] (أنس) قوله: (المعتدي في الصدقة كمانعها) الاعتداء مجاوزة الحد، فيحتمل أن يكون المراد به المزكي الذي يعتدي بإعطاء الزكاة غير مستحقيها، ولا على وجهها، أو العامل، وقال التُّورِبِشْتِي (١): إن العامل المعتدي في الصدقة عن المقدار الواجب هو في الوزر كالذي يمنع عن أداء ما وجب عليه.\n١٨٠٢ - [٩] (أبو سعيد) قوله: (حتى يبلغ خمسة أوسق) قد سبق شرحه في أول الباب، وقد خص هناك التمر بالذكر، وضم هنا إليه الحب.\n١٨٠٣ - [١٠] (موسى) قوله: (إنما أمره أن يأخذ الصدقة من الحنطة (٢). . . إلخ) ليس المراد حقيقة الحصر، وإنما ذلك بحسب الواقع وكثرة وجودها.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٢٤).\n(٢) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ إِلَّا فِي هَذِهِ الأَرْبَعَةِ فَقَطْ، بَلْ تَجِبُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِيمَا تُنْبِتُهُ الأَرْضُ إِذَا كَانَ قُوتًا، وَعِنْدَنَا فِيمَا تُنْبِتُهُ الأَرْضُ قُوتًا كَانَ أَوْ لَا، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِالأَخْذِ مِنْ هَذِهِ الأَرْبَعَةِ لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ غَيْرُهَا. اهـ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٢٩١).","vol":"4","page":271},{"text":"وَالتَّمْرِ. مُرْسَلٌ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٦/ ٤٠].\n١٨٠٤ - [١١] وَعَنْ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ فِي زَكَاةِ الْكُرُومِ (١): \"إِنَّهَا تُخْرَصُ كَمَا تُخْرَصُ النَّخْلُ، ثُمَّ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ زَبِيبًا، كَمَا تُؤَدَّى زَكَاةُ النَّخْلِ تَمْرًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٦٤٤، د: ١٦٠٣].\n١٨٠٥ - [١٢] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ حَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ: \"إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا الثُّلُثَ،\nــ\nوقوله: (مرسل) لأن موسى بن طلحة تابعي، ومع ذلك في كونه مرسلًا نظر لذكر الصحابي فيه، بل هو من قبيل الوجادة، وهو النقل من كتاب الغير من غير سماع أو قراءة أو إجازة.\n١٨٠٤ - [١١] (عتاب) قوله: (وعن عتاب) بفتح العين وتشديد الفوقية (ابن أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين.\nوقوله: (إنها تخرص (٢» الخرص الحرز والقول بالقياس والتخمين.\n١٨٠٥ - [١٢] (سهل) قوله: (ودعوا الثلث) بعد الخرص حتى يطعم جيرانه\n_________\n(١) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَلَا يُنَافِي تَسْمِيةُ الْعِنَبِ كَرْمًا خَبَرَ الشَّيْخَيْنِ: \"لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ كَرْمًا، فَإِنَّ الْكَرْمَ هُوَ الْمُسْلِمُ\"، وَفِي رِوَايَةٍ: \"فَإِنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ\"، لأَنَّهُ نَهْيُ تَنْزِيهٍ عَلَى أَنَّ تِلْكَ التَّسْمِيَةَ مِنْ لَفْظِ الرَّاوِي، فَلَعَلَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ، أَوْ خَاطَبَ بِهِ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا بِهِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٢٩٢).\n(٢) به قال الشافعي وعامة أهل الحديث. وقال الحنفية: لا يخرص لأنه يؤدي إلى الرِّبا. ونُقِضَ برواية عتّاب، فإنه أسلم يوم الفتح، فلا يصح حمل روايات الخرص على بدء الإسلام، ورُدّ بأن تحريم الربا في حجة الوداع، أو بأن الخرص كان لئلا يأكلوا قبل العشر. كذا في \"التقرير\".","vol":"4","page":272},{"text":"فَإِنْ لَمْ تَدَعُوا الثُّلُثَ فَدَعُوا الرُّبُعَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأبو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٦٤٣، د: ١٦٠٥، ن: ٢٤٩١].\n١٨٠٦ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى يَهُودٍ فَيَخْرُصُ النَّخْلَ حِينَ يَطِيبُ، قَبْلَ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٦٠٦].\n١٨٠٧ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فِي الْعَسَلِ فِي كُلِّ عَشْرَةِ أَزُقِّ زِقٌّ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَلَا يَصِحُّ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرُ شَيْءٍ. [ت: ٦٢٩].\nــ\nومن مر عليه، وهذا إحسان وتوسعة على الملاك في الفواكه (١).\n١٨٠٦ - [١٣] (عائشة) قوله: (إلى يهود) أي: يهود خيبر.\nوقوله: (حين يطيب) أي: حين تظهر في الثمار الحلاوة، وهذه الأحاديث تدل على كفاية الخرص في هذا الباب، وعليه عامة أهل الحديث، وهو قول قديم للشافعي كما قال الطيبي (٢)، لكن الفقهاء قالوا: إنَّه يفضي إلى الربا، وقالوا: هذه الأحاديث وردت قبل تحريم الربا، واللَّه أعلم.\n١٨٠٧ - [١٤] (ابن عمر) قوله: (في كل عشرة أزق) بفتح الهمزة وضم الزاي\n_________\n(١) هذا الحديث مذهب الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَمَالِكٍ: لَا يُتْرَكُ شَيْءٌ مِنَ الزَّكَاةِ، وَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ فِي يَهُودِ خَيْبَرَ، فَإِنَّهُ -ﷺ- سَاقَاهُمْ عَلَى أَنَّ لَهُمْ نِصْفَ الثَّمَرَةِ، وَلرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نِصْفَهَا، فَأَمَرَ الْخَارِصَ أَنْ يَتْرُكَ الثُّلُثَ أوِ الرُّبُعَ مُسَلَّمًا لَهُمْ، وَيُقَسِّمَ الْبَاقِي نِصْفًا لَهُمْ ونِصْفًا لَهُ -ﷺ-. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٢٩٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٣٨).","vol":"4","page":273},{"text":"١٨٠٨ - [١٥] وَعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"يَا مَعْشَر النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ، وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ،\nــ\nوتشديد القاف جمع زق بكسر الزاي، واختلف العلماء في وجوب الزكاة في العسل، فلا زكاة عند الشافعي، وروى البيهقي عن علي -﵁-: ليس في العسل زكاة (١)، وعند أبي حنيفة فيه العشر (٢) إن كان في الأرض العشرية قلّ أو كثر، ولم يعتبر فيه نصابًا متعينًا كما في الخارج من الأرض الخضراوات والفواكه، وحجته قوله -ﷺ-: (ما أخرجته الأرض ففيه العشر)، وفي رواية عن أبي يوسف: يعتبر فيه القيمة، وفي أخرى: عشرة قرب، كما في حديث الترمذي المذكور في الكتاب. وأما العسل الذي يخرج من الجبل ففيه أيضًا العشر عند الإمام، وعند أبي يوسف: لا شيء فيه، ونقل عن (الجامع الصغير) أن ما يوجد في الجبال والبرية وأرض الموات من العسل إن أحرزه ففيه العشر، وما لم يحرزه فحكمه حكم الصيد، وعند أبي يوسف والحسن حكم الصيد في كلا القسمين، وقد ذكر في (جامع الأصول) من أبي داود والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده حديثًا ترجمناه في (شرح سفر السعادة) (٣) فلينظر ثمة.\n١٨٠٨ - [١٥] (زينب) قوله: (من حليكن) بضم الحاء وكسر اللام وتشديد الياء، وفي بعض النسخ: (حليتكن) بكسر الحاء وسكون اللام وبالتاء الفوقانية بعد التحتانية، واختلف في زكاة الحلي للنساء؟ فعند الإمام أبي حنيفة ﵀ فيه زكاة، وقال مالك ﵀: لا زكاة في الحلي الذي يباح استعماله، وهو أظهر القولين\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (٧٤٦٧).\n(٢) به قال أحمد والشافعي في القديم، وقال في الجديد وبه قال مالك: لا عشر فيه. كذا في \"المرقاة\" (٤/ ١٢٩٣).\n(٣) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٢٨٠).","vol":"4","page":274},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nللشافعي ﵀، وهو المختار في مذهب أحمد ﵀، وفيما لم يلبس أو يكون للإجارة أو للتجارة أو يكون حرامًا أو أعدتها للإنفاق عند الحاجة ففيه الزكاة بالاتفاق عندهم أيضًا. وقال محمد في (الموطأ) (١): لا زكاة في الحلي من الجواهر واللآلئ في كل حال.\nوحجة الأئمة أنه مستعمل مباح، فيشبه بثياب البذلة وعبيد الخدمة ودور السكنى، وحجة أبي حنيفة ومن تبعه عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: ٣٤]، وعموم قوله -ﷺ-: (في الرقة ربع العشر) في المضروبة وغيرها، وفيما يكون مرآة أو حليًا أو غيرهما، وأيضًا سبب الزكاة المال النامي، ودليل النماء موجود في الذهب والفضة بحسب الخلقة، والمعتبر في هذا الباب الدليل بخلاف الثياب وأمثالها.\nوقد وردت الأحاديث والآثار في الجانبين، أما في جانب الوجوب فهذا الحديث من زينب امرأة عبد اللَّه، فإن ظاهره الوجوب، والحديث الآتي من عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رواه أبو داود والترمذي والنسائي، مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ، وإن تكلم فيه الترمذي، وقال الشُّمُنِّي: عن ابن قطان أنه قال: إسناد هذا الحديث صحيح. وحديث أم سلمة رواه مالك وأبو داود، وروى نحوه أبو داود والحاكم على شرط الشيخين عن عائشة -﵂- أيضًا، وفي إسناد هذين الحديثين أيضًا مقال ذكره في (شرح الخرقي) (٢).\n_________\n(١) \"الموطأ\" للإمام محمد (٣٣٠).\n(٢) انظر: \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٢/ ٥٠٠).","vol":"4","page":275},{"text":"فَإِنَّكُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٦٣٥].\nــ\nوأما في جانب عدم الوجوب فقال أحمد: خمسة من الصحابة مذهبهم عدم وجوب الزكاة في الحلي: ابن عمر، وعائشة، وأنس، وجابر، وأسماء بنت أبي بكر، وروي عن جابر مرفوعًا أيضًا، وهو ضعيف، انتهى.\nوقال البيهقي (١): وما روي عن جابر مرفوعًا: (ليس في الحلي زكاة) باطل، ولا أصل له، وإنما هو قول جابر، وروي عن ابن عمر: كان يلبس بناته وجواريه حلي ذهب، ولم يخرج زكاته، وكذا روي عن أسماء بنت أبي بكر -﵄-: كانت تلبس بناتها ذهبًا نحوًا من خمسين ألفًا ولم تخرج زكاته.\nوقال الترمذي (٢): اختلف أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم في هذا الباب، ولم يصح عن النبي -ﷺ- فيه شيء، وقيل: المراد بزكاة الحلي إعارته، وروي هذا التأويل عن سعيد بن المسيب والحسن البصري، وورود الوعيد على ترك المندوب غير بعيد كما في قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧].\nوورد: (الحلي يلبس ويعار)، قال في (المقاصد الحسنة) (٣): يروي هذا القول بعض الفقهاء حديثًا، وعند البيهقي ثبت من حديث كامل بن العلاء عن حبيب بن أبي ثابت من قول ابن عمر، وجاء من طريق قتادة والشعبي عن سعيد بن المسيب، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ولو من حليكن) قد يؤول بأن المراد المبالغة، أي: تصدقن حتى مما\n_________\n(١) \"معرفة السنن والآثار\" (٦/ ١٤٣، رقم: ٨٣٠٥).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٦٣٦) نحوه.\n(٣) \"المقاصد الحسنة\" (١/ ٣٧٨).","vol":"4","page":276},{"text":"١٨٠٩ - [١٦] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ امْرَأَتَيْنِ أَتَتَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَفِي أَيْدِيهِمَا سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ لَهُمَا: \"تُؤَدِّيَانِ زَكَاتَهُ؟ \" قَالَتَا: لَا. فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَتُحِبَّانِ أَنْ يُسَوِّركُمَا اللَّهُ بِسِوَاريْنِ مِنْ نَارٍ؟ \" قَالَتَا: لَا، قَالَ: \"فَأَدِّيَا زَكَاتَهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ قَدْ رَوَى الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ نَحْوَ هَذَا، وَالْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ وَابْنُ لَهِيعَةَ يُضَعَّفَانِ فِي الْحَدِيثِ. وَلَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- شَيْءٌ. [ت: ٦٣٧].\n١٨١٠ - [١٧] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَنْزٌ هُوَ؟ فَقَالَ: . . . . .\nــ\nلا تجب فيه الزكاة، ويناسبه التعليل: (فإنكن أكثر أهل جهنم)، كذا قال الطيبي (١).\n١٨٠٩ - [١٦] (عمرو بن شعيب) قوله: (أن امرأتين أتتا) وفي رواية أبي داود (٢): (أتت امرأة ومعها بنت لها)، وفي رواية النسائي (٣): (أتت امرأة من أهل اليمن) وذكر الحديث بتمامه.\nوقوله: (وفي أيديهما سواران) أي: في يدي كل منهما سواران، وتوحيد الضمير في الزكاة بتأويل المال أو الذهب.\n١٨١٠ - [١٧] (أم سلمة) قوله: (كنت ألبس أوضاحًا) جمع وضح بالضاد\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٣٩).\n(٢) \"سنن أبي داود\" (١٥٦٣).\n(٣) \"سنن النسائي\" (٢٤٧٩).","vol":"4","page":277},{"text":"\"مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاتُهُ فَزُكِّيَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ. [ط: ٨٨٦، د: ١٥٦٤].\n١٨١١ - [١٨] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُخْرِجَ الصَّدَقَةَ مِنَ الَّذِي نُعِدُّ لِلْبَيْعِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٠٦١].\n١٨١٢ - [١٩] وَعَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَقْطَعَ لِبِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنيِّ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ، وَهِيَ مِنْ ناحِيَةِ الْفُرْعِ، فَتِلْكَ الْمَعَادِنُ لَا تُؤْخَذُ مِنْهَا إِلَّا الزَّكَاةُ إِلَى الْيَوْمِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٠٦١].\nــ\nالمعجمة والحاء المهملة: نوع من الحلي من الفضة، ويعلم من الحديث أنه يستعمل في الذهب أيضًا، والوضح جاء بمعنى بياض الصبح والقمر والغرة والبرص والتحجيل في القوائم لوضوحها.\n١٨١١ - [١٨] (سمرة) قوله: (نعد للبيع) أي للتجارة.\n١٨١٢ - [١٩] (ربيعة) قوله: (أقطع) الإقطاع ما يجعله الإمام لبعض الأخيار قطعة أرض ليرتزق من ريعها، ويكون تمليكًا وغير تمليك، و(القبلية) بفتح القاف والياء، أي: ناحية من ساحل البحر، و(الفرع) بضم الفاء وسكون الراء: موضع من أعالي المدينة بين الحرمين.\nوقوله: (لا تؤخذ منها إلا الزكاة) وهو ربع العشر، ولا يؤخذ منه الخمس كما هو حكم المعادن، وهذا مذهب مالك والشافعي رحمهما اللَّه في قول، وأما أبو حنيفة والشافعي في قول فيوجبان الخمس، والقول الآخر للشافعي: إن وجده بتعب ومؤنة","vol":"4","page":278},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-529> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٨١٣ - [٢٠] عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"لَيْسَ فِي الْخَضْرَاوَاتِ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي الْعَرَايَا صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي الْعَوَامِلِ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي الْجَبْهَةِ صَدَقَةٌ\"، قَالَ الصَّقْرُ (١): الْجَبْهَةُ الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْعَبِيدُ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ٢/ ٩٤].\nــ\nيجب فيه ربع العشر، وإلا فالخمس، ذكره الطيبي (٢).\nالْفَصْلُ الثَّالِثُ\n١٨١٣ - [٢٠] (علي) قوله: (ولا في العرايا) جمع عرية، وهو بيع الرطب الذي على النخل بتمر خرصًا، ورخص في ذلك، فإنه لما نهى عن المزابنة وهو بيع الثمرة في رؤوس النخل بالتمر خص منها العرية، وهو أن من لا نخل له من ذوي الحاجة يريد الرطب، ولا نقد بيده يشتري به الرطب لعياله، ولا نخل له يطعمهم منه، ويكون قد فضل له من قوته تمر، فيشتري من صاحب النخل ثمرة نخله بخرصها من التمر، فرخص له فيما دون خمسة أوسق. وهو فعيلة بمعنى مفعولة، من عراه يعروه: إذا قصده، أو بمعنى فاعلة من عرى يعري: إذا خلع ثوبه، كأنها عريت من التحريم، فعريت، أي: خرجت، هكذا في الكرم، وقد يقرأ (الرطب) بفتح الراء وسكون الطاء، فيتناول العنب أيضًا، فيشمل نوعي العرية، وقيل: العرية النخل التي يُعْرِيها صاحبها رجلًا محتاجًا، فيجعل له ثمرها عامها، وفي تفسيره اختلاف كثير، وسيجيء تحقيقه إن شاء اللَّه تعالى في (كتاب البيوع).\n_________\n(١) الصقر: اسم راو يكنى بأبي سعيد.\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٤١).","vol":"4","page":279},{"text":"١٨١٤ - [٢١] وَعَنْ طَاوُسٍ: أَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أُتِيَ بِوَقَصِ الْبَقَرِ فَقَالَ: لَمْ يَأْمُرْنِي فِيهِ النَّبِيُّ -ﷺ- بِشَيْءٍ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ: الْوَقَصُ: مَا لَمْ يَبْلُغِ الْفَرِيضَةَ. [قط: ٢/ ٩٨، مسند الشافعي: ٦٤٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-530>٢ - باب صدقة الفطر</span>\nــ\n١٨١٤ - [٢١] (طاوس) قوله: (وقال: الوقص ما لم يبلغ الفريضة) وهو أعم من أن يكون ابتداء أو ما بين الفريضتين، والمراد هنا الأول لأنه المأتي به معاذ، كذا قالوا، والوقص في اللغة: الكسر والنقص.\n٢ - باب صدقة الفطر\nوهي فرض عند الشافعي، وكذا عند أحمد في ظاهر مذهبه، وسنة مؤكدة عند مالك، وواجب عندنا بمعنى المقابل للفرض، وقد وقع في حديث ابن عمر -﵄- في الصحيحين (١) عن رسول اللَّه -ﷺ-: فرضَ زكاةَ الفطر من رمضان، فمالك يحمله على معنى قَدَّرَ كما هو حقيقته اللغوية، وهو بعيد في عرف الشرع، ولعل له دليل آخر بعثه على ذلك، واللَّه أعلم.\nوأصحابنا يقولون: قد وقع في حديث آخر أنه أمر زكاة الفطر، فيكون المراد بفرض: أمر، والأمر الثابت بظني إنما يفيد الوجوب، وأيضًا الافتراض الذي يثبتونه ليس على وجه يكفر جاحده، فإنهم صرحوا بأن منكر وجوبها لا يكفر، فكان المتيقن\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (١٥٠٣)، و\"صحيح مسلم\" (٩٨٤).","vol":"4","page":280},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالوجوب بالمعنى العرفي عندنا، واللَّه سبحانه أعلم. كذا قال الشخ ابن الهمام (١).\nوشرط عندنا ملك النصاب الفاضل عن حاجته الأصلية من غير اشتراط النماء، وعند الشافعي ﵀ هي فرض على من ملك قوت يومه لنفسه، ولمن وجب عليه نفقته فاضل عن اللباس والمسكن والخادم والدين، ولا يشترط النصاب، وهم يقولون: إن صدقة الفطر من العبادات البدنية دون المالية، وتسميتها بزكاة الفطر كما وقع في الأحاديث ينافي هذا القول.\nثم اعلم أنه قد وقع في بعض الأحاديث: نصف صاع من البر، لكن بلفظ: مدان من قمح، والصاع أربعة أمداد، وقد جاء في بعضها: نصف صاع من قمح، وفي بعضها: نصف صاع من بر وصاع منه من اثنين، وفي بعضها: صاع مطلقًا، وفي بعضها: صاع من طعام، أو صاع من شعير، أو صاع من تمر، أو من أقط، أو من زبيب، فقيل: المراد بالطعام الحنطة على ما هو المتعارف، وبقرينة مقابلتها بالأشياء المذكورة، وقيل: المراد به الذرة؛ لأنه كان متعارفًا عند أهل الحجاز في ذلك الوقت، وكانت غالب أقواتهم، والواجب عند الأئمة الثلاثة هو الصاع من كل منها، وعندنا وعليه سفيان الثوري وابن المبارك نصف صاع من بر أو صاع من شعير أو تمر، والذي وقع في الحديث منه مطلق الصاع محمول على التطوع، كما جاء عن علي -﵁- في رواية النسائي أنه قال في نوبة خلافته: إن الواجب نصف صاع من تمر أو شعير، أما إذا وسع اللَّه عليكم اجعلوها صاعًا من بر وغيره، وفي لفظ لأبي داود (٢): فلما قدم علي -﵁- رَأَى رُخْصَ\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ٢٨٢).\n(٢) \"سنن أبي داود\" (١٦٢٢).","vol":"4","page":281},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-531> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٨١٥ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. . . . .\nــ\nالسِّعْرِ فقال: قد أوسع اللَّه عليكم، فلو جعلتموه صاعًا من كل شيء، ولا شك أن الصاع الذي قال به عليّ -﵁- كان تطوعًا، فالذي وقع في زمان النبوة كان تطوعًا أيضًا، وذكر بعض الأئمة أن الواجب في زمن النبوة كان صاعًا من بر أو تمر أو شعير، فأخذ الناس بعده نصف صاع من بر لكونه معادلًا في القيمة بصاع من تمر أو شعير، والصواب عندنا هو الأول.\nوقال في (الهداية) (١): مذهبنا مذهب جماعة من الصحابة منهم الخلفاء الراشدون، والزيادة محمولة على التطوع، والتمر عند أبي حنيفة ﵀ في حكم الشعير، والزبيب في حكم البر، وعندهما الزبيب في حكم الشعير، وعليه ظاهر الأحاديث، وقد روي ذلك عن ابن عمر -﵄-، والأحاديث في الباب كثيرة ذكرناها في (شرح سفر السعادة) (٢)، وما ذكرنا ههنا يكفي.\nالفصل الأول\n١٨١٥ - [١] (ابن عمر) قوله: (صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير) ليس في هذا الحديث ذكر البر، ومن هنا ذهب بعض الأئمة [إلى] أن إخراج نصف صاع من البر كان بعده لمعادلته صاعًا من تمر أو شعير، والصواب كما ذكر أنه قد وقع ذلك في بعض الأحاديث، وفي بعضها: صاع منه، وكان ذلك تطوعًا، وقد جاء في بعض الآثار أنه\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ١١٤).\n(٢) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٢٨٤).","vol":"4","page":282},{"text":"عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٠٣، م: ٩٨٦].\n١٨١٦ - [٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مَنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مَنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٠٦، م: ٩٨٥].\nــ\nكان ابن عمر -﵄- لا يخرج إلا من التمر، ولما ندر وجود التمر في المدينة أخرج من الشعير، وفي رواية: كان لا يخرج إلا من التمر إلا مرة أخرج من الشعير.\nوقوله: (على العبد والحر) الإيجاب على العبد مجازًا باعتبار وجوبه على سيده، وكذا على الصغير، وقيل: (على) بمعنى عن.\nوقوله: (وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة) ظاهر الحديث أنه لا يجزئ إخراجها بعد الصلاة، لكن الأئمة الأربعة اتفقوا على أن إخراجها قبل الصلاة مستحب غير واجب، وقال في (الهداية) (١): فإن قدموها على يوم الفطر لم تسقط (٢)، ثم في تقديمها على يوم الفطر أقوال شتى نقلتها في (شرح سفر السعادة) (٣).\n١٨١٦ - [٢] (أبو سعيد) قوله: (وعن أبي سعيد الخدري) وكان -﵁- لا يخرج إلا من هذه الأشياء اتباعًا لما كان في زمن النبوة.\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ١١٥).\n(٢) قوله: \"لم تسقط\" هكذا في الأصل، والصواب بدله \"جاز\" كما في \"الهداية\".\n(٣) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٢٨٧). وانظر: \"بذل المجهود\" (٦/ ٤٣٤).","vol":"4","page":283},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-532> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٨١٧ - [٣] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فِي آخِرِ رَمَضَانَ أَخْرِجُوا صَدَقَةَ صَوْمِكِمْ، فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- هَذِهِ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ مَمْلُوكٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n١٨١٧ - [٣] (ابن عباس) قوله: (أو نصف صاع من قمح) صريح في أن إيجاب نصف صاع من البر كان في زمن النبوة.\nوقوله: (رواه أبو داود) وذكر في (جامع الأصول) (١) حديث أبي داود والنسائي عن الحسن البصري رحمة اللَّه عليه قال: خطب ابن عباس في آخر رمضان على منبر البصرة وقال: أخرجوا صدقة صومكم، وكان الناس لا يعلمون فقال: مَنْ ههنا من أهل المدينة؟ قوموا إلى إخوانكم فعلِّموهم فإنهم لا يعلمون، ثم قال: فرض رسول اللَّه -ﷺ- هذه الصدقة صاعًا من تمر أو من شعير، أو نصف صاع من قمح على كل حر أو مملوك ذكر أو أنثى صغير أو كبير، فلما قدم علي -﵁- ورأى رخص الشعير فقال: قد أوسع اللَّه عليكم فلو جعلتموها صاعًا من كل شيء، أخرجه أبو داود (٢)، وفي رواية النسائي (٣) بعد قوله: فإنهم لا يعلمون أن رسول اللَّه -ﷺ- فرض صدقة الفطر على الصغير والكبير والحر والعبد والذكر والأنثى: نصفَ صاع من تمر وشعير، وفي الأخرى للنسائي\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (٢٧٣١).\n(٢) \"أبو داود\" (١٦٢٢).\n(٣) \"سنن النسائي\" (١٥٨٠).","vol":"4","page":284},{"text":"وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٦٢٢، ن: ٢٥٠٨].\n١٨١٨ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَ الصِّيَامِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكينِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٦٠٩].\nــ\nمختصرًا: قال ابن عباس في صدقة الفطر: صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو صاعًا من أقط.\n١٨١٨ - [٤] (ابن عباس) قوله: (طهر الصيام) بالإضافة، وفي بعض النسخ: (طهرة للصيام) بضم الطاء، و(اللغو) ما لا يعتد به من كلام وغيره، و﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]، أي: الإثم في الحلف إذا كفرتم، ولغا في القول كسعى ودعا ورضي: أخطأ، وكلمة لاغية، أي: فاحشة، كذا في (القاموس) (١). وفي (مجمع البحار) (٢): لغا يلغو ولغي يلغى: إذا تكلم بالمطرح من القول وما لا يعني، وألغى: أسقط، وفسر البيضاوي (٣) قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ [الواقعة: ٢٥]: أي: باطلًا، و(الرفث) محركة: الجماع والفحش، وكلام النساء في الجماع، أو ما وُوجِهْن به من الفحش، كنصر وفرح وكرم، كذا في (القاموس) (٤)، والرفث المنهي عنه في الحج ما خوطبت به المرأة لا ما يقال بغير سماعها، وقال الأزهري: هو كل ما يريده الرجل من المرأة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٢٢).\n(٢) \"مجمع البحار\" (٤/ ٥٠٥).\n(٣) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٤٦٠).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٦٩).","vol":"4","page":285},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-533> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٨١٩ - [٥] عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- بَعَثَ مُنَادِيًا فِي فِجَاجِ مَكَّةَ: \"أَلَا إِنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ، أَوْ سِوَاهُ، أَوْ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ\". . . . .\nــ\nالفصل الثالث\n١٨١٩ - [٥] (عمرو بن شعيب) قوله: (في فجاج مكة) جمع فج، وهو الطريق الواسع، ولا أدري متى كان بعث المنادي بمكة بوجوب صدقة الفطر، فإن فرضية صدقة الفطر بعد فرضية صوم رمضان الذي هو بعد الهجرة بالاتفاق، فما معنى بعث المنادي في مكة، إلا أن يقال: بعث المنادي بمكة من المدينة، ولما كانت فرضيتها في السنة الثانية فذلك أيضًا بعيد؛ لأن مكة إذ ذاك كانت دار الحرب، فما الغرض ببعث الشريعة فيها، وكيف يمكن ذلك، أو فعل ذلك عام فتح مكة أو في حجة الوداع، هذا أيضًا لا يخلو عن خلاف الظاهر؛ لأن المسلمين قد علموا ذلك قبل ذلك، فما الفائدة في بعث المنادي، وأيضًا الظاهر في بعث المنادي الوارد في أمثال ذلك أن يكون عند نزول الشريعة المجددة إلا أن يكون لتعليم الجماعة الذين أسلموا في فتح مكة، وقصد إلى إشاعة الشرائع وشعائرها، واللَّه أعلم.\nوقوله: (مدان من قمح أو سواه أو صاع من طعام) قال الطيبي (١): (أو) في (أو سواه) للتنويع، وفيه: أن المدين نصف صاع، وهو إنما يكون في البر، إلا أن يراد بـ (سواه) الزبيب، ولكن الأحاديث أكثرها يدل على أن الزبيب في حكم التمر كما هو\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٤٥ - ٤٦).","vol":"4","page":286},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٦٧٤].\n١٨٢٠ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، أَوْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صُعَيْرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"صَاعٌ مِنْ بُرٍّ أَوْ قَمْحِ عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ، صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، أَمَّا غَنِيُّكُمْ فَيُزكِّيهِ اللَّهُ، وَأَمَّا فَقِيرُكُمْ فَيَرُدُّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٦١٩].\n* * *\nــ\nمذهب أبي يوسف ومحمد، فهذا الحديث إن صح حجةٌ لأبي حنيفة في جعله الزبيب في حكم البر، وقال: و(أو) في قوله: (أو صاع من طعام) للشك من الراوي، انتهى. وهذا إن أريد بالطعام البر حمله عليه في الأحاديث الأخر، وإن أريد غيره من التمر أو الذرة كما قيل فهي للتنويع، فتأمل.\n١٨٢٠ - [٦] (عبد اللَّه بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد اللَّه) قوله: (وعن عبد اللَّه بن ثعلبة أو ثعلبة بن عبد اللَّه بن أبي صعير عن أبيه) هكذا في نسخ (المشكاة)، والصواب عبد اللَّه بن ثعلبة بن صعير أو ابن أبي صعير، بالصاد والعين المهملتين، على لفظ التصغير، وثعلبة صحابي، له حديث واحد عن النبي -ﷺ- في صدقة الفطر، قال في (الكاشف) (١): ثعلبة بن صعير، وقيل: ابن أبي صعير، له صحبة، عنه ابنه عبد اللَّه، وصعير بمهملتين مصغرًا، وأما بالفتح وكسر المعجمهَ فلم يأت علمًا إلا مع الهاء، كذا في (المغني) (٢).\n_________\n(١) \"الكاشف\" (١/ ٢٨٣، رقم: ٧٠٧).\n(٢) \"المغني في ضبط الأسماء\" (ص: ١٧٥).","vol":"4","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-534>٣ - باب من لا تحل له الصدقة</span>\nــ\n٣ - باب من لا تحل له الصدقة\nوالظاهر أن معناه من لا يحل له أكل الصدقة كبني هاشم ومواليهم، وقد يجعل العنوان: باب من لا يجوز دفع الزكاة إليه، والمآل واحد، لكنه يختلف المعنى في تأدية الكافر، فإنه لا يجوز أن يدفع إليه الزكاة، يعني لا تسقط الذمة بأدائها إليه، ولا يبحث من عدم حلها عليه، ويصدق المعنيان في مثل بني هاشم، فافهم، فمن لا تدفع الزكاة إليه الكافر الذمي، ويجوز دفع ما سوى الزكاة من الصدقات كصدقة الفطر والكفارات، ولا يجوز دفعها إلى حربي مستأمن، وفقراء المسلمين أحب، ولا تدفع إلى غني يملك النصاب، ولا إلى من بينه وبين المزكي نسبة ولاء، ولا تدفع إلى المخلوق من مائه بالزنا، ولا إلى أولاده وسائر أولي القربات غير الولاء، ويجوز الدفع إليهم وهم أولى بالصلة مع الصدقة كالإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات وأولاد هؤلاء وإن كان بعضهم في عياله، ولا في نسبة الزوجية، ولا إلى مكاتبه ومدبره وأم ولده، ولا إلى بني هاشم ومواليهم، وهذا في ظاهر الرواية، وروى أبو عصمة عن أبي حنيفة رحمة اللَّه عليه أنه يجوز في هذا الزمان، وإنما كان ممتنعًا في ذلك الزمان، وعنه وعن أبي يوسف يجوز أن يدفع بعض بني هاشم إلى بعض، وفسروا بني هاشم بآل عباس وآل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل حارث بن عبد المطلب -﵃-، والمقصود من هذا التفسير أن ليس جميع بني هاشم ممن تحرم عليهم الصدقة كأبي لهب فإنه يجوز الدفع إلى بنيه؛ لأن حرمة الصدقة لبني هاشم كرامة من اللَّه تعالى لهم ولذريتهم حيث نصروه -ﷺ- في جاهليتهم وإسلامهم، وأبو لهب كان حريصًا على أذاه فلم يستحقها بنوه، كذا قال الشيخ ابن الهمام (١).\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ٢٧٤).","vol":"4","page":288},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-535> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٨٢١ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ -ﷺ- بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: \"لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكْلَتُهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٥٥، م: ١٠٧١].\n١٨٢٢ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: \"أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"كِخْ كِخْ\" لِيَطْرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ: \"أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ؟ ! \". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤١٩، م: ١٠٦٩].\nــ\nالفصل الأول\n١٨٢١ - [١] (أنس) قوله: (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة) فيه حسن التواضع بتعظيم التقاطه أدنى شيء من الطعام ساقط على الأرض، وجواز أكله، ورعاية الاحتياط فيما فيه شبهة في الحل.\n١٨٢٢ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (كخ كخ) هو زجر للصبي وردع له، ويقال عند التعذر أيضًا، فكأنه أمر بإلقائها من فيه، وتكسر الكاف وتفتح وتسكن الخاء وتكسر بتنوين وتركه، وقيل: هي كلمة أعجمية.\nوقوله: (أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة؟) (١) يشعر سبق علم بهذا الحكم\n_________\n(١) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَجَبَ عَلَى الآبَاءِ نَهْيُ الأَوْلَادِ عَمَّا لَا يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ، اهـ. وَلِذَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا: يَحْرُمُ عَلَى الآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ إِلْبَاسُ الصَّبِيِّ الْحَرِيرَ وَالْحُلِيَّ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ، وَقَدْ أَوْرَدَ الْغَزَالِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي \"الإِحْيَاءِ\" عِنْدَ ذِكْرِ وَرَعِ الْمُتَّقِينَ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ -ﷺ- الصَّدَقَةُ الْوَاجِبَةُ وَالْمَنْدُوبَةُ، وَأَمَّا عَلَى آلِهِ فَالْمَفْرُوضَةُ لَا غَيْرَ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٠١).","vol":"4","page":289},{"text":"١٨٢٣ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٧٢].\n١٨٢٤ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ: \"أَهَدْيَةٌ أَمْ صَدَقَةٌ؟ \" فَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: \"كُلُوا\"، وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ، ضَرَبَ بِيَدِهِ. . . . .\nــ\nللحسن -﵁-، فكأنه كان صغيرًا يعقل، وقد تحمّل الإمامان أحاديث من رسول اللَّه -ﷺ- في صغرهما، وقد كان -﵄- عند وفاة النبي -ﷺ- ثمان سنة، إذ ولادتهما في سنة اثنين من الهجرة (١).\n١٨٢٣ - [٣] (عبد المطلب) قوله: (وعن عبد المطلب بن ربيعة) بن حارث ابن عبد المطلب بن هاشم.\nوقوله: (وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد) أما له -ﷺ- فكان لا تجوز [له] الصدقة نافلة كانت أو واجبة، وأما لآله -ﷺ- فلا تجوز الزكاة ويجوز سائر الصدقات.\n١٨٢٤ - [٤] (أبي هريرة) قوله: (فإن قيل: صدقة) نافلة أو واجبة، والصدقة ما ينفق على الفقير يراد به ثواب الآخرة ولا يكافئ، وفيه ذل للمعطى له، والهدية يراد به الإكرام، وينفق على الأغنياء ويكافئ.\nوقوله: (ضرب بيده) أي: مدّ يده إلى الطعام من غير تحامٍ، والضرب بمعنى\n_________\n(١) ولد الحسن بْن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب في النصف من رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وولد الحسين ابْن عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب لخمس خلون من شعبان سنة أربع من الهجرة. انظر: \"أسد الغابة\" (٢/ ١٣ - ٢٤).","vol":"4","page":290},{"text":"فَأَكَلَ مَعَهُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٧٦، م: ١٠٧٧].\n١٨٢٥ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ: إِحْدَى السُّنَنِ أَنَّهَا عَتقَتْ، فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ\"، وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. . . . .\nــ\nالإسراع في الذهاب، وبمعنى الذهاب لطلب الرزق كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النساء: ١٠١]، كذا في (الصحاح) (١).\n١٨٢٥ - [٥] (عائشة) قوله: (كان في بريرة) على وزن كريمة براءين، كانت مولاة لأم المؤمنين عائشة -﵂-، روت عنها عائشة وابن عباس وعروة بن الزبير -﵃-، وجعلها محلًا للسنن لورودها فيه وشرعها بسببها، وقد روى عروة عنها أنها قالت: كانت فيَّ ثلاث سنن، والظاهر أن في تعليلة كما في: (عذبت امرأة في هرة).\nوقوله: (إحدى السنن) الإظهار موضع الإضمار للاهتمام بكونها سنة وتأكيده.\nوقوله: (فخيرت في زوجها) اسمه مغيث بضم الميم وكسر الغين المعجمة وسكون الياء تحتها نقطتان وبالثاء المثلثة، وكانت بريرة مملوكة لليهود، فكاتبوها، فجاءت عائشة -﵂-، فقالت: أعينيني، فقالت عائشة: إن أحبوا أن أشتريك ويكون ولاؤك لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم، فأبوا عليها، فجاءت من عندهم ورسول اللَّه -ﷺ- جالس، فقالت: إني عرضت ذلك عليهم فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم، فسمع النبي -ﷺ- فقال: \"خذيها واشترطي لهم الولاء، فإن الولاء لمن أعتق\"، ففعلت عائشة، ثم قام رسول اللَّه -ﷺ- في الناس فخطب وقال: (ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب اللَّه، [ما كان] من شرط ليس في كتاب اللَّه فهو باطل، وإنما الولاء لمن\n_________\n(١) \"الصحاح\" (١/ ١٦٨).","vol":"4","page":291},{"text":"وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدُمِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: \"أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً فِيهَا لَحْمٌ؟ \" قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بهِ عَلَى بَرِيرَةَ، وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، قَالَ: \"هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٧٩، م: ١٥٠٤].\n١٨٢٦ - [٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٥٨٥].\nــ\nأعتق) (١)، ولما عتقت بريرة خيرها رسول اللَّه -ﷺ- في زوجها بأن تختاره أو تفارقه، وذلك خيار العتق الذي أثبته العلماء إذا عتقت الزوجة، فعندنا هو ثابت وإن كان الزوج حرًّا، وعند الشافعي إن كان عبدًا، كما ذكر في أصول الفقه، وقد اختلف في أنه كان مغيث مولى لآل أحمد بن جحش، وقيل: كان عبدًا لبعض بني مطيع، فتدبر.\nوقوله: (والبرمة) بضم الباء: قدر من الحجارة، وهي المتعارفة الآن في الحرمين الشريفين، وجمعه بُرْمٌ بالضم وكصرد وجبال، كذا في (القاموس) (٢). و(تفور) أي: تغلي، والأدم بضم الهمزة وسكون الدال وضمها.\nوقوله: (ولنا هدية) أي: إن أهدتها إلينا بريرة، وهذه السُّنَّة الثالثة الواردة بسبب بريرة، فإذا تصدق على الفقير شيء صار ملكه، فله أن يهديه ويهبه للغني ولكل من لا تحل له الصدقة، أو يبيعه منه.\n١٨٢٦ - [٦] (عائشة) قوله: (ويثيب عليها) أي: يجزئ ويكافئ، وكان عادته الكريمة أن لا يقبل من أحد هديته إلا يكافئ عليها، لئلا يبقى عليه منّة عنه.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٥٦)، ومسلم (١٥٠٤) واللفظ لمسلم.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٩٦).","vol":"4","page":292},{"text":"١٨٢٧ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لأَجَبْتُ. وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ لَقَبِلْتُ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٥٦٨].\n١٨٢٨ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَا يجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ،\nــ\n١٨٢٧ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (لو دعيت إلى كراع) بضم الكاف: وهو مستدق الساق من الغنم والبقر، أي: إلى ضيافة كراع غنم، وقيل: هو اسم موضع على أميال من عسفان يقال له: كراع الغميم، فالحمل على الأول يفيد مبالغة في القلة، وعلى الثاني في البعد، وقال بعضهم: المراد هو كراع الشاة، وغلط من حمله على كراع الغميم، انتهى، وهو الأظهر. قلت: لأن الظاهر أن الحديث ورد في المدينة ولا وجه ظاهر لذكر موضع قريبَ مكة مع عدم شهرته كل الشهرة، وعسفان على مرحلة من مكة، واللَّه أعلم. ولأن المبالغة في الإجابة مع حقارة الشيء واضح في المراد.\nوقوله: (ولو أهدي إلي ذراع) هذا في الإهداء، والأول كان في دعوة، وذكر في الإهداء الذراع دون الكراع؛ لأن العادة أن لا يهدى الكراع ونحوه، وإنما يهدى شيء له قدر كالذراع بخلاف الدعوة، فإنه قد يدعو بعض الفقراء بعض أهل الكرم على شيء قليل تبركًا وتعززًا، هكذا العادة.\n١٨٢٨ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (ليس المسكين) إلى آخر الحديث، المقصود ذم من يسأل الناس ويتردد إلى أبوابهم ليؤتى شيئًا، فكان أن لا تحل له الصدقة إلا عند الاضطرار، والترغيب بالتصدق على المتعفف والمتستر حاله عن الناس، ولو كان عنده","vol":"4","page":293},{"text":"وَلَا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٧٩، م: ١٠٣٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-536> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٨٢٩ - [٩] عَنْ أَبِي رَافِعٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعَثَ رَجُلًا مِنْ (١) بَنِي مَخْزُومٍ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ: اصْحَبْنِي كَيْمَا تُصِيبَ مِنْهَا، فَقَالَ: لَا، حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَسْأَلَهُ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: \"إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لَنَا، وَإِنَّ مَوَالِيَ الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. . . . .\nــ\nشيء مما لا يغنيه.\nوقوله: (ولا يفطن) بلفظ المجهول مرفوع.\nوقوله: (فيتصدق) منصوب، وكذا (لا يقوم) مرفوع، و(فيسأل) منصوب، أي: لا يعلم حاله أنه محتاج حتى يتصدق عليه الناس، ولا يقوم من بيته حتى يسألهم، والفرق بين الفقير والمسكين قد عوف في كتب الفقه (٢).\nالفصل الثاني\n١٨٢٩ - [٩] (أبو رافع) قوله: (كيما تصيب منها) أي: من الصدقة.\n_________\n(١) في نسخة: في.\n(٢) قِيلَ: الفَقِير: الَّذِي لَا شَيْءَ لَهُ، والمِسْكين: الَّذِي لَهُ بَعْضُ مَا يكْفيه، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ. وَقِيلَ فِيهِمَا بالعَكْس، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ. \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (٣/ ٤٦٢).","vol":"4","page":294},{"text":"وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٦٥٧، د: ١٦٥٠، ن: ٢٦١٢].\n١٨٣٠ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٦٥٢، د: ١٦٣٤، دي: ١٦٧٩].\n١٨٣١ - [١١] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [حم: ٢/ ٣٨٩، ن: ٢٥٩٧، جه: ١٨٣٩].\nــ\n١٨٣٠، ١٨٣١ - [١٠، ١١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (ولا لذي مرة سوي) (١) المرة بالكسر والتشديد: قوة الخلق وشدته، والعقل والإحكام والقوة وطاقة الحبل، والمراد بالسوي على وزن الغني: صحيح الأعضاء مستوي الخلق، وقال الطيبي (٢): وذلك كناية عن كونه كسوبًا، فإن من كان ظاهر القوة غير أنه أخرق لا كسب له فتحل له الزكاة، وقد أخذ الشافعي بهذا الحديث، وقال بعدم حل الزكاة للقوي القادر على الكسب، وعندنا تحل الزكاة لمن لم يملك مئتي درهم وإن كان قويًا قادرًا على الكسب؛ لأن رسول اللَّه -ﷺ- بعث معاذًا إلى اليمن أن يأخذ الصدقة عن أغنيائهم ويصرفها إلى الفقراء من غير فرق بين الأقوياء والضعفاء، وهو آخر الأمرين من رسول اللَّه -ﷺ- يعطي الصدقة فقراء أصحابه الذين هم أصحاء أقوياء، فهذا الحديث منسوخ، والمراد به أنه لا ينبغي لمن له قوة وقدرة على الكسب أن يرضى بهذه المذلة والدناءة، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) هو على ثلاثة أقسام: الأول: من تجب عليه الزكاة، وهو مالك النصاب الحولي، والثاني: من يحرم عليه الأخذ، ولا يجب عليه الإعطاء، والثالث: من يحرم عليه السؤال وهو من يملك قوت يوم وليلة. كذا في \"التقرير\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٥٢).","vol":"4","page":295},{"text":"١٨٣٢ - [١٢] وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلَانِ أَنَّهُمَا أَتَيَا النَّبِيَّ -ﷺ- وَهُوَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهُوَ يُقَسِّمُ الصَّدَقَةَ، فَسَأَلَاهُ مِنْهَا، فَرَفَعَ فِينَا النَّظَرَ، وَخَفَضَهُ فَرَآنَا جَلْدَيْنِ، فَقَالَ: \"إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٦٣٣، ن: ٢٥٩٨].\n١٨٣٣ - [١٣] وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا لِخَمْسَةٍ: لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا، أَوْ لِغَارِمٍ، أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ، أَوْ لِرَجُلٍ كَانَ لَهُ جَارٌ مِسْكِينٌ فَتُصُدِّقَ عَلَى الْمِسْكِينِ، فَأَهْدَى الْمِسْكِينُ لِلْغَنِيِّ\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ. [ط: ٩١٩، د: ١٦٣٦].\n١٨٣٤ - [١٤] وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ: \"أَوِ ابْنِ السَّبِيلِ\". [د: ١٦٣٧].\nــ\n١٨٣٢ - [١٢] (عبيد اللَّه بن عدي) قوله: (إن شئتما أعطيتكما) هذا توبيخ وتقريع كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، والمعنى على مذهب الشافعي: إن رضيتما بأكل الحرام، وعلى مذهبنا إن رضيتما بالذل والهوان.\n١٨٣٣ - [١٣] (عطاء بن يسار) قوله: (لغاز في سبيل اللَّه أو لعامل عليها أو لغارم) وبه أخذ الشافعي ﵀ في استحقاق الغازي الغني، وعندنا يجوز للعامل وإن كان غنيًا، لأنه أجرته، وللمديون الذي لا يفضل له بعد قضاء دينه نصاب دون الغازي لإطلاق حديث معاذ: خذ من أغنيائهم واصرفها إلى فقرائهم، ولقوله -ﷺ-: (لا تحل الصدقة لغني).\nوقوله: (أو لرجل اشتراها بماله) فهو بالنسبة إليه ليس بصدقة، وكذا في الإهداء.\n١٨٣٤ - [١٤] (أبو سعيد) قوله: (أو ابن السبيل) لخروج المال عن ملكه","vol":"4","page":296},{"text":"١٨٣٥ - [١٥] وَعَنْ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَبَايَعْتُهُ فَذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا: فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَعْطِنِي مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ نَبِيٍّ وَلَا غَيْرِهِ فِي الصَّدَقَاتِ، حَتَّى حَكَمَ فِيهَا هُوَ، فَجَزَّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ، فَإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلْكَ الأَجْزَاءِ أَعْطَيْتُكَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٦٣٠].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-537> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٨٣٦ - [١٦] عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: شَرِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَبَنًا فَأَعْجَبَهُ، فَسَأَلَ الَّذِي سَقَاهُ: مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَاءٍ قَدْ سَمَّاهُ، فَإِذَا نَعَمٌ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ، وَهُمْ يَسْقُونَ، فَحَلَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا، فَجَعَلْتُهُ فِي سِقَائِي فَهُوَ هَذَا،\nــ\nبإشارة قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨].\n١٨٣٥ - [١٥] (زياد بن الحارث) قوله: (حتى حكم فيها هو) تأكيد للضمير المتمكن في حكم.\nوقوله: (فجزأها ثمانية أجزاء) ظاهره يؤيد قول الشافعي: إنه لا يجوز جمع الصدقة في صنف واحد، وعندنا المراد بالآية بيان المحل والمصرف بأنه لا يجوز صرفها إلى غيرهم، وعليه مالك وأحمد، واختاره بعض أصحاب الشافعي، وقد حقق ذلك في كتب أصول الفقه.\nالفصل الثالث\n١٨٣٦ - [١٦] (زيد بن أسلم) قوله: (نعم) بالتحريك وقد يسكن: الإبل والشاة،","vol":"4","page":297},{"text":"فَأَدْخَلَ عُمَرُ يَدَهُ فَاسْتَقَاءَ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [ط: ٧٠٤، شعب: ٥٣٨٧].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>٤ - باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له</span>\nــ\nأو خاص بالإبل، جمعه أنعام، وجمع الجمع أناعيم، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (فاستقاءه) أي: عمر، وهذا من باب الورع والاتقاء من الشبهة، وإلا فالفقير إن وهب أو أهدى من صدقته جاز أكله، وقول النبي -ﷺ- في حديث بريرة لبيان الجواز والوخصة.\n٤ - باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له\nلا ينبغي للإنسان أن يسأل وعنده قوت يوم؛ لأن السؤال لا يجوز من غير ضرورة، كذا في (واقعات الناطقي)، ولا يحل لأحد أن يسأل الناس وعنده قوت يومه، كذا في (الخانية)، فإن لم يكن له قوت يومه، ولا شيء يستر به عورته، حلّ له أن يسأل الناس؛ لأن الحال حال ضرورة، كذا في شرح الطحاوي، ومن كان له قوت غدائه وعشائه لا يجوز أن يسأل في ذلك اليوم صدقة التطوع، كذا في (الكاشف)، والفقير من له قوت يومه وعياله، أو يقدر على كسب ما ينفق على نفسه وعياله تحل له الزكاة، ولا يحل له السؤال، والمسكين من ليس له شيء، ولا يقدر على الكسب يحل له السؤال مقدار القوت، كذا في (التاتارخانية) (٢).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٧٢).\n(٢) \"الفتوى التاتارخانية\" (٣/ ١٩٨)، رقم المسألة: ٤١٢١.","vol":"4","page":298},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nواتفق العلماء على النهي عن السؤال من غير ضرورة، واختلفوا في أنه حرام أو حلال مع الكراهة بثلاثة شروط: أن لا يذل نفسه، ولا يلح في السؤال، ولا يؤذي المسؤول، فإن فقد أحد هذه الشروط فحرام بالاتفاق، وروي أنه سمع عمر -﵁- سائلًا يسأل بعد المغرب، فقال لواحد: عش الرجل فعشاه، ثم سمعه ثانيًا يسأل فقال: ألم أقل لك: عشه؟ فقال: عشيته، فنظر عمر -﵁- فإذا تحت يده مخلاة محشوة من خبز، فقال: لست بسائل، ولكنك تاجر، ثم أخذ المخلاة ونثرها بين يدي إبل الصدقة، وضربه بالدرة، وقال: لا تعد.\nوعن ابن المبارك أنه قال: يعجبني أن السائل إذ سأل لوجه اللَّه لا يعطى شيئًا؛ لأن الدنيا خسيسة، فإذا سألها لوجه اللَّه تعالى فقد عظّم ما حقّره اللَّه، فلا يعطى زجرًا له، كذا في (الظهيرية)، وإذا قال الْمُكْدِي (١): بحق اللَّه تعالى أو بحق محمد -ﷺ- أن تعطيني كذا، لا يجب على المسؤول عنه في الحكم، كذا في (السراجية)، ومن أخذ بإظهار الحاجة كاذبًا لا يملكه، وكذا بقوله: أنا علوي وهو كاذب، ولمن أعطاه لصلاحه وهو في الباطن يقارف معصية لو عرفها المعطي لما أعطاه، فما أخذه لا يملكه وهو حرام عليه، ويجب رده على المالك، وكذا من يعطى لشر لسانه أو لشر سعايته فهو حرام عليه، كذا في (إحياء العلوم) (٢).\nوإذا جاء الفقير وأراد أن يقبّل يد المسؤول عنه لينال شيئًا من عرض الدنيا فهو مكروه، فالأفضل أن يناول يده منعًا له عن المكروه، كذا في (نصاب الاحتساب)،\n_________\n(١) الْمُكْدي من الرجال الذي لا يثوب له مال ولا ينمي. \"لسان العرب\" (١٥/ ٢١٦).\n(٢) \"إحياء علوم الدين\" (٣/ ٤٠٠).","vol":"4","page":299},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-539> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٨٣٧ - [١] عَنْ قَبِيصَة بْنِ مُخَارِقٍ قَالَ: تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَسْأَلُهُ فِيهَا، فَقَالَ: \"أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ\nــ\nولا يعطى السائل الذي يضرب الطبل على الأبواب، فالأحب أن لا يعطى زجرًا له عن المعصية، وأفحش من هذا المطرب يسأل ويتغنى على الأبواب، كذا في (نصاب الاحتساب)، ذكرت هذه المسائل كلها في كتاب (مطالب المؤمنين)، وقد استوفى كتاب (الإحياء) أمثال هذه المسائل، فلينظر ثمة.\nالفصل الأول\n١٨٣٧ - [١] قوله: (عن قبيصة) بفتح القاف وكسر الموحدة وسكون التحتانية والصاد المهملة (ابن مخارق) بضم الميم وبالخاء المعجمة في آخره قاف.\nوقوله: (تحملت حمالة) بفتح الحاء المهملة، في (القاموس) (١): حمل به يحمل حمالةً: كفل، وفي (المشارق) (٢): الحمالة: الضمان، والحميل: الضامن، وقالوا: الحمالة ما يتحمله الإنسان عن القوم من الدية والغرامة في ماله وذمته، ويقع بينهم الحرب وسفك الدماء، فيصلح ذات البين فيتحمل الديات، ويظهر من ذلك أن تحمل الحمالة مخصوص بصورة إصلاح ذات البين وتكفل الديات، وأما إذا استدان من غير هذه الجهة من غير أن يكون معصية كنفقة عياله أو إعانة لأحد فلا، هذا ولكن قد يظهر من كلام الطيبي (٣) حيث قال: وإنما تحل له المسألة في إصلاح ذات [البين]، ويعطى\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٠٨).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣١٥).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٥٦).","vol":"4","page":300},{"text":"فَنَأمُرَ لَكَ بِهَا\". ثُمَّ قَالَ: \"يَا قَبِيصَةُ! إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمَالَةً فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيْبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ. . . . .\nــ\nمن الزكاة بشرط أن يستدين لغير معصية الإطلاقُ، ولكن هو أيضًا صورة المسألة في إصلاح ذات البين، ويفهم من عبارة (الهداية) (١) أن هذا قول الشافعي، وعندنا الغارم من لزمه دَين ولا يملك نصابا فاضلًا عن دينه، وفي شرح ابن الهمام (٢): أو له دين على الناس لا يقدر على أخذه، وليس عنده نصاب فاضل في الفصلين، ولو دفع إلى فقيرة لها مهر دين على زوجها يبلغ نصابًا وهو موسر بحيث لو طلبت أعطاها لا يجوز، وإن كانت بحيث لا يعطي لو طلبت جاز.\nوقوله: (رجل) بدل من (أحد)، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف.\nوقوله: (حتى يصيبها) أي: الحمالة، أي: مالًا يؤدى عما ضمن وهو الصدقة.\nوقوله: (ثم يمسك) أي: نفسه عن السؤال بعد أداء الحمالة اكتفاء بقدر الضرورة لئلا يعتاد بحكم الطبيعة.\nوقوله: (أصابته جائحة) الجوح: الإهلاك والاستئصال، كالإجاحة والاجتياح، ومنه الجائحة للشدة المجتاحة للمال، يقال: جاحتهم الحاجة واجتاحتهم، وجاح اللَّه ماله وأجاحه، أي: أهلكه واستأصله بالجاحة، وهذا إشارة إلى حال المسكين وإصابة الفاقة للفقير على القول المشهور بأن المسكين من لا شيء له.\nوقوله: (حتى يصيب قوامًا من عيش) بكسر القاف، أي: ما يغني عنه يقوم به\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ١١٠).\n(٢) انظر: \"فتح القدير\" (٤/ ١٨٦).","vol":"4","page":301},{"text":"-أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ-، وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِن ذَوِي الْحِجَى مِنْ قَوْمِهِ،. . . . .\nــ\nحاجته، وأيضًا قوام الشيء بالكسر: نظامه وعماده وملاكه، وهو قريب من هذا المعنى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥]، وأما القوام لا فهو بمعنى العدل والوسط، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] أي: كان إنفاقهم وسطًا عدلًا بين الإسراف والتقتير، هكذا في الشروح وكتب اللغة والتفسير، وأما صاحب (القاموس) (١) فقد جعل القوام كَسَحَابٍ بمعنى العدل وما يعاش به، وبالكسر نظام الأمر وعِمَاده، فتدبر.\nوقوله: (أو قال: سدادًا) بكسر السين بمعنى ما يسدّ به الحاجة، وكل ما يسدّ به شيء فهو سداد، ومنه سداد الثغر والقارورة، قال التُّورِبِشْتِي (٢): والسين منه مكسورة، ومن فتح فقد أخطأ، وأما السداد -بالفتح- فهو بمعنى الصواب والقصد في القول والعمل، وفي ذكر القوام أو السداد مبالغة في الكفّ عن المسألة كأنه شبه السائل بالمضطر الذي يحل له أكل الميتة لسدّ رمقه وقيام بدنه، وليس ذلك شرطًا في حلّ السؤال، بل يكفى في ذلك فقدان قوت يومه.\nوقوله: (يقوم) هكذا في رواية مسلم، وقيل: الصواب (يقول) كما جاء في رواية أبي داود، وأجيب بأن التقدير: يقوم ثلاثة قائلين: لقد أصابت، ولكنه ذكر (يقوم) مبالغة، ولهذا برزه في معرض القسم في قوله: (لقد أصابت) بقرينة ذكر اللام، وليس المراد معنى الشهادة، وذكر الثلاثة أيضًا للاحتياط؛ ولكونها جماعة، وكذا ذكر (ذوي الحجى)\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٦٢)\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٣٢)","vol":"4","page":302},{"text":"لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ -أَوْ قَالَ: سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ-، فَمَا سِوَاهُنَّ مِنَ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتٌ. . . . .\nــ\nبكسر الحاء وفتح الجيم بمعنى العقل، حتى لا يقولوا بالتخمين والمساهلة، وكل ذلك للمبالغة في المنع والزجر عن المسألة والمساهلة فيها، وظاهر الحديث أن الفاقة تثبت بشهادة ثلاثة رجال، ولكنهم أجمعوا على أن ذلك ليس بمراد.\nقال التُّورِبِشْتِي (١): نحن وإن علمنا أن اللَّه يتعبد عباده بما يشاء من أمره، فله أن يجعل الحجة في هذه القضية مثبتة بثلاثة كما جعلها مثبتة في هلال رمضان بواحد، وفي الحقوق الواجبة باثنين، وفي الزنا بأربعة، ولكنا وجدنا تلك الصور مثبتة بصريح الحكم مبنية على النصوص البينة، ووجدنا الأمر في هذا الحديث معدولًا به عن صيغة الشهادة، ثم إنا وجدنا الأحكام الراجعة إلى الدماء والأموال والفروج مثبتة بشهادة اثنين، وليس الأمر فيها بأيسر من الأمر في هذه القضية، بل هذه أقرب فيما يهتدى إليه من النظر إلى التسامح والتساهل فيها، فالوجه فيه أن يجعل الأمر فيه إلى ثلاثة من طريق الاستحباب لا من طريق الوجوب، انتهى. وإنما لم يعتبر قيام البينة في رجل أصابته الجائحة لظهور حاله بخلاف إصابة الفاقة.\nوقوله: (فما سواهن من المسألة [يا قبيصة] سحت) السحت -بالضم وبضمتين-: الحرام أو ما خبث من المكاسب، فيلزم منه العار، أسحت الشيء: اكتسبه، والشيء: استأصله، كسحَّت فيهما، كذا في (القاموس) (٢). فعلى المعنى الأول يكون المراد بالمسألة ما يحصل بها، وعلى الثاني محمول على ظاهرها.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٣٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٤).","vol":"4","page":303},{"text":"يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحُتًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٤٤].\n١٨٣٨ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا، فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتكْثِرَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٤١].\n١٨٣٩ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ\". . . . .\nــ\nوقوله: (يأكلها صاحبها سحتًا) تأكيد وإشارة إلى أنه سحت خالص لا اشتباه في كونه سحتًا.\nوقوله: (يأكلها) خبر بعد خبر، فالضمير للمسألة أو صفة لـ (سحت)، وتأنيث الضمير بتأويل الصدقة، ولا يخفى أن الحصر في الصورة المذكورة لأجل حلّ السؤال وإباحته، لا لحصر مصارف الزكاة فيها، فإنها كثيرة سوى الفقراء والمساكين، ولا حاجة إلى ما قال الطيبي (١): إن ما سوى المذكور داخل فيه ومندرج فيه، قال: الغارم والغازي والعامل والمؤلفة قلوبهم يجمعهم معنى السعي في مصالح المسلمين، والرقاب وابن السبيل من جنس الفقراء والمساكين.\n١٨٣٨ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (أموالهم) بدل اشتمال. و(تكثرًا) بمعنى الإكثار مفعول له، أي: يسأل لتكثر ماله لا ليدفع الحاجة، و(الجمر) النار المتَّقِدة، أي: ما يكون سببًا لدخولها.\nوقوله: (فليستقل) أي: الجمر أو السؤال.\n١٨٣٩ - [٣] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (مزعة لحم) بضم الميم وكسرها وسكون\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٥٨).","vol":"4","page":304},{"text":"متَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٧٤، م: ١٠٤٠].\n١٨٤٠ - [٤] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ، فوَاللَّهِ لَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا فَتُخْرِجَ لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئًا وَأَنَا لَهُ كَارِهٌ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتُهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٣٨].\n١٨٤١ - [٥] وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّام قَالَ: . . . . .\nــ\nالزاي بعدها مهملة: القطعة من اللحم، كذا في (القاموس) (١)، وقد ضبط بعضهم بفتح الميم والزاي، والمحفوظ عن المحدثين الضم والسكون، وهو إما كناية عن الذل والهوان، أي: لا جاه ولا قدر له، أو يكون عظمًا لا لحم عليه (٢)، والصور في الآخرة تختلف باختلاف المعاني.\n١٨٤٠ - [٤] (معاوية) قوله: (لا تلحفوا) أي: لا تلحوا، من الإلحاف لاحفه لحفه: لازمه، ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]، ومنه: كان يلحف شاربه، أي: يبالغ في قصه.\nوقوله: (فيبارك) بالنصب بعد الفاء على معنى الجمعية، وقد يرفع وهو أظهر بحسب المعنى، وكذا صحح قوله: (فتخرج) وهو بصيغة المعلوم من الإخراج، و(مسألته) فاعله.\n١٨٤١ - [٥] قوله: (عن الزبير بن العوّام) بتشديد الواو.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٠٥).\n(٢) وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ عَلَامَةً لَهُ يَعْرِفُهُ النَّاسُ بِتِلْكَ الْعَلَامَةِ أَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا فَيَكُونُ تَفْضِيحًا لِحَالِهِ وَتَشْهِيرًا لِمَا لَهُ وَإِذْلَالًا لَهُ كَمَا أَذَلَّ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا وَأَرَاقَ مَاءَ وَجْهِهِ بِالسُّؤَالِ، وَمِنْ دُعَاءِ الإِمَامِ أَحْمَدَ: اللَّهُمَّ كَمَا صُنْتَ وَجْهِي عَنْ سُجُودٍ لِغَيْرِكَ فَصُنْ وَجْهِي عَنْ مَسْأَلَةِ غَيْرِكَ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٠٩).","vol":"4","page":305},{"text":"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ حَطَبٍ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٤٧١].\n١٨٤٢ - [٦] وَعَنْ حَكِيم بْنِ حِزَامٍ قَالَ: سَأَلَتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأْلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثمَّ قَالَ لِي: \"يَا حَكِيمُ! إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ، فَمَنْ أَخَذَ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُوْرِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ. وَكَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى\". قَالَ حَكِيمٌ: . . . . .\nــ\nوقوله: (بحُزمة) بضم المهملة وسكون الزاي: قدر ما يحمله الرجل بصدره بين عضديه، ويستعمل فيما يحمله على الظهر من الحطب، وحزمه يحْزمُه: شدَّه، والحزيم: الصدر أو وَسَطُه، والحُزْمة: ما حُزِمَ.\nقوله: (فيكف اللَّه بها وجهه) أي: ذاته وقدره عن الذل الذي يلحق به بالسؤال، وفي هذه العبارة تنبيه على أن ذلك فضل من اللَّه وتكريم له بتوفيقه لما يصان به ماء وجهه وعرضه.\n١٨٤٢ - [٦] قوله: (حكيم بن حِزام) بكسر الحاء بعدها زاي.\nوقوله: (خضر) بفتح الخاء وكسر الضاد. (حُلو) بضم الحاء وسكون اللام، والخضرة باعتبار حسنه ومرغوبيته في الظاهر، والحلاوة باعتبار ذوقه ولذّته في الباطن.\nقوله: (فمن أخذه بسخاوة نفس) أي: بغير إلحاح وإشراف، أو ممن يعطيه بانشراح وانبساط، ويناسب المعنى الأول مقابلته بقوله: (ومن أخذه بإشراف).\nوقوله: (واليد العليا) المراد منها اليد المنفقة والمتعففة، كما ستعرف في شرح","vol":"4","page":306},{"text":"فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٧٢، م: ١٠٣٥].\n١٨٤٣ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ عَنِ الْمَسَأَلَةِ: \"الْيَدُ الْعُلْيَا. . . . .\nــ\nالحديث الآتي، وعلى كل تقدير فيه نهيٌ عن السؤال وبيانٌ لفضل تركه، ففرَّعَ عليه قَوْلَهُ: (قلت: يا رسول اللَّه! والذي بعثك بالحق لا أرزأ) أي: لا أسأل أحدًا بعدك شيئًا، وأصل الرُّزْء بتقديم الراء على الزاي مهموز أو غير مهموز، من باب فتح وعلم: إصابة الخير من أحدٍ، يقال: رزأتُ الوحلَ ورزئتُهُ: إذا أصبت منه خيرًا، ورجل مُرَزَّأ: كريم يصيب الناس خيره، ويجيء بمعنى النقص، يقال: ما رزأته وما رزئته: أي: ما نقصته، فيكون المعنى لا أنقص أحدًا، أي: (شيئًا)، أي: مالًا، أي: لا أنقص مال أحد بالسؤال عنه والأخذ منه، وقد يجيء بمعنى إصابة مصيبة، والرزيئة: المصيبة، يقال: رَزَأَتْهُ، أي: أصابته مصيبة، ولو حمل على هذا المعنى ويراد عدم الطلب والسؤال لم يبعد، فإن سؤال مال أحد وأخذه لا يخلوا عن معنى إصابة المصيبة له، فافهم.\n١٨٤٣ - [٧] (ابن عمر) قوله: (واليد العليا) هي المنفقة من الإنفاق، هكذا وقع في (صحيح البخاري) و(صحيح مسلم)، وقال الطيبي (١): وكذا ذكره أبو داود عن أكثر الرواة، وفي رواية أخرى له: اليد العليا هي المتعففة، من العفّة، والتعفف بمعنى الاستعفاف بمعنى طلب العفاف، يقال: عفّ عفًّا وعفافًا ومعافةً بفتحتين وعفّةً بالكسر، وهو الكف عن السؤال وعما لا يحل كاستعفّ وتعفّف، وهذا أنسب بسياق الحديث من قوله: (وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة)، وكلا المعنيين صحيح، ونقل\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٦٢).","vol":"4","page":307},{"text":"خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى، وَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ، وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٢٩، م: ١٠٣٣].\n١٨٤٤ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: إِنَّ أُناسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ. فَقَالَ: \"مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً هُوَ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ (١) \". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٦٩، م: ١٠٥٣].\n١٨٤٥ - [٩] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ: أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي. فَقَالَ: \"خُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ. . . . .\nــ\nعن النووي: أن الصحيح الرواية الأولى، واللَّه أعلم.\n١٨٤٤ - [٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (ومن يستعف يعفّه) بضم الياء وكسر العين، أي: من يجاهد نفسه في تحصيل العفاف يصيره اللَّه عفيفًا ويوفقه له، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وفيه ترغيب على الرياضة والمجاهدة ليحصل التحلي بالمحامد.\n١٨٤٥ - [٩] (عمر بن الخطاب) قوله: (فتموّله) أدخله في ملكك ومالك، أي:\n_________\n(١) وَذَلِكَ لِأَنَّ مَقَامَ الصَّبْرِ أَعْلَى الْمَقَامَاتِ؛ لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِمَكَارِمِ الصِّفَاتِ وَالْحَالَاتِ، وَلِذَا قُدِّمَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، وَمَعْنَى كَوْنِهِ أَوْسَعَ أَنَّهُ تَتَّسِعُ بِهِ الْمَعَارِفُ وَالْمَشَاهِدُ وَالأَعْمَالُ وَالْمَقَاصِدُ، فَإِنْ قِيلَ: الرِّضَا أَفْضَلُ مِنْهُ، كَمَا صَرَّحُوا بِهِ، أُجِيبُ: بِأَنَّهُ غَايَتُهُ الَّتِي لَا يُعْتَدُّ بِهِ إِلَّا مَعَهَا فَلَيْسَ أَجْنَبِيًّا عَنْهُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣١١).","vol":"4","page":308},{"text":"وَتَصَدَّقْ بِهِ، فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ، ومَا لَا، فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٧٣، م: ١٠٤٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-540> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٨٤٦ - [١٠] عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْمَسَائِلُ كُدُوحٌ يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ،\nــ\nاجعله مالًا لك.\nوقوله: (من هذا المال) إشارة إلى جنس المال.\nوقوله: (أنت غير مشرف) أي: غير طامع وطالب، والإشراف: الاطلاع من الشرف، وهو المكان العالي.\nوقوله: (فلا تتبعه) بتقديم الباء على العين من الإتباع، أي: لا تجعل نفسك تابعة له في طلبه، كذا في الحاشية من (المفاتيح شرح المصابيح) (١).\nالفصل الثاني\n١٨٤٦ - [١٠] (سمرة بن جندب) قوله: (المسائل كدوح) بضم الكاف جمع كدح بالفتح والسكون، وهو الخدش، في (القاموس) (٢): كدح وجهه: خدش، أو عمل به ما يشينه، وتكدّح الجلد: تخدّش، وكل أثر من خدش أو عض فهو كدح، ثم يحتمل أن يكون ذلك في القيامة، كما يدل عليه حديث ابن مسعود ككون الوجه عظمًا لا لحم عليه، أو هو كناية عن إراقة ماء الوجه وإسقاط جانبه وذله وشينه عند الناس، وهو الأنسب بقوله: (يكدح بها الرجل وجهه).\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٣٥٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٣٠).","vol":"4","page":309},{"text":"فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلِى وَجْهِهِ، وَمَن شَاءَ تَرَكَهُ، إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ ذَا سُلْطَانٍ أَوْ فِي أَمْرٍ لَا يَجِدُ مِنهُ بُدًّا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٦٣٩، ت: ٦٨١، ن: ٢٥٩٩].\n١٨٤٧ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"من سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ أَوْ خُدُوشٌ أَوْ كُدُوحٌ\". . . . .\nــ\nوقوله: (فمن شاء أبقى على وجهه) أي: صان وجهه عن الكدح ومنعه منه، وفي نسخة: (أبقى عليه وجهه)، والضمير في (عليه) لـ (كدح) أو لـ (من)، وفي أخرى: (أبقى على وجهه ماء).\nوقوله: (ذا سلطان) أي: ذا ملك وسلطنة بيده بيت المال فيطلب حقه منه، وأما أخذ الأموال من الملوك والسلاطين من غير حق له في بيت المال مما يحوي أيديهم من الغضب والظلم فله حكم آخر، وهو إن غلب الحرام فيما أيديهم حرمت، وإن غلب المباح فمباح، وإلا فهو من قبيل الشبهة بعد ما كان الآخذ مستحقًا.\nوقوله: (أو في أمر لا يجد منه بدًّا) كدفع الفاقة ورفع الحاجة (١)، كما سبق في أول الباب.\n١٨٤٧ - [١١] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح) أن تكون الألفاظ الثلاثة جمعًا لكون المسألة جنسًا، وأن تكون\n_________\n(١) قَالَ الْغَزَالِيُّ: وَكَذَا يَجِبُ السُّؤَالُ عَلَى مَنِ اسْتَطَاعَ الْحَجَّ فَتَرَكَهُ حَتَّى أَعْسَرَ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: لِأَنَّهُ أَوْقَعَ نفَسَهُ فِي وَرْطَةِ الْفِسْقِ لَوْ مَاتَ قَبْلَ الْحَجِّ، فَلَزِمَهُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْ هَذِهِ الزَّلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْفِسْقِ بِسُؤَالِ الأَغْنِيَاءِ مَا يُؤَدِّي بِهِ هذَا الوَاجِبَ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ نِزَاعُ بَعْضِهِمْ للْغَزَالِيِّ فِي الْوُجُوبِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣١٢).","vol":"4","page":310},{"text":"قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ: \"خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ١٦٢٦، ت: ٦٥٠، ن: ٢٥٩٢، جه: ١٨٤٠، دي: ١٦٤٠].\n١٨٤٨ - [١٢] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنَ النَّارِ\". قَالَ النُّفَيْلِيُّ -وَهُوَ أَحَدُ رُوَاتِهِ- فِي مَوْضع آخَرَ: وَمَا الْغِنَى الَّذِي لَا يَنْبَغِي مَعَهُ الْمَسْأَلَةُ؟ . . . . .\nــ\nمصدرًا، وهو الظاهر، وأما في الحديث السابق فجمع لا غير بجمع (المسائل)، قال التُّورِبِشْتِي (١): هذه الألفاظ متقاربة المعاني، وكلها يعرب عن أثر ما يظهر على الجلد واللحم من ملاقاة الجسد ما يُقَشّر أو يجرح، والظاهر أنه قد اشتبه على الراوي لفظ النبي -ﷺ- فذكرها سائرها احتياطًا واستقصاء في مراعاة ألفاظه، ويمكن أن يفرق بينها فيقول: الكدح دون الخدش، والخدش دون الخمش.\nوقال الطيبي (٢): فيكون ذلك إشارة إلى أحوال السائلين من الإفراط والإقلال والتوسط، وأقول: ويناسب ذلك ذكر الخدش في البين فأعلاها الخمش، ثم الخدش، ثم الكدح، واللَّه أعلم.\n١٨٤٨ - [١٢] قوله: (سهل بن الحنظلية) بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الظاء المشالة، اسم أم سهل أو من أمهاته. و(النفيلي) نسبة إلى نفيل، نسبه بلفظ التصغير.\nوقوله: (في موضع آخر) متعلق بـ (قال).\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٣٥).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٦٥).","vol":"4","page":311},{"text":"قَالَ: \"قَدْرُ مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيهِ\". وَقَالَ فِي مَوْضعٍ آخَرَ: \"أَنْ يَكُونَ لَهُ شَبَعُ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٦٢٩].\n١٨٤٩ - [١٣] وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أَسَدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ سَأَلَ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ. . . . .\nــ\nوقوله: (قدر ما يغدِّيه ويعشِّيه) قد سبق في حديث ابن مسعود -﵁-: أن حدّ الغناء الذي يمنع عن السؤال: أن يملك خمسين درهمًا أو عدلها، وفي الحديث الآتي عن عطاء: أن يملك أوقية، قالوا: والأوقية يومئذٍ أربعون درهمًا، وفي هذا الحديث: (قدر ما يغديه ويعشيه)، وأخذ الشافعي بالأول، وأحمد وابن المبارك وإسحاق بالثالث، وبعض العلماء بالثاني، وأخذ أبو حنيفة وأصحابه بأن يملك مئتي درهم وإن لم يكن ناميًا، وقد ورد ذلك في الحديث، ذكره في (الكافي).\nوقال الطيبي (١): قد روي مرسلًا: (من سأل الناس وله عدل خمس أواق فقد سأل إلحافًا) (٢)، وخمس أواق يكون مئتي درهم؛ لأنه أيسر على الناس، وقال في (الكافي): وهو ناسخ للأحاديث الآخر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (أن يكون له شبع يوم أو ليلة) الشبع بالفتح وكعنب: ضد الجوع، وبالكسر، وكعنب: اسم ما يشبعك، كذا في (القاموس) (٣)، وفي (مجمع البحار) (٤): شبع بكسر الشين وفتح الموحدة وهو بسكون الباء اسم: ما يشبع، وبالفتح مصدر.\n١٨٤٩ - [١٣] (عطاء بن يسار) قوله: (وله أوقية) بضم الهمزة وتشديد الياء\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٦٦).\n(٢) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٤/ ١٣٨).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٧٥).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ١٧٥).","vol":"4","page":312},{"text":"أَوْ عِدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ط: ١٨١٦، د: ١٦٢٧، ن: ٢٥٩٦].\n١٨٥٠ - [١٤] وَعَنْ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيِّ إِلَّا لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ غُرْمٍ مُقْطِعٍ (١)، وَمَنْ سَأَلَ النَّاسَ لِيُثْرِيَ بِهِ مَالَهُ كَانَ خُمُوشًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَرَضْفًا يَأْكُلُهُ مِنْ جَهَنَّمَ،\nــ\nوقد تخفف (٢).\n١٨٥٠ - [١٤] (حُبشِيّ بن جُنادة) قوله: (لذي فقر مدقع) بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر القاف: الملصق بالدقعاء، وهي التراب كناية عن شدة الحاجة والفقر ألصقه بالتراب، ومنه سمي المسكين سكن ولم يقدر على الحركة، كما قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦].\nوقوله: (أو غرم مقطع) قطع الأمر ككرم: اشتدت شناعته وجاوز المقدار في ذلك، كأقطع وأقطعه واستقطعه وتقطعه: وجده قطيعًا.\nوقوله: (ليثري به ماله) أي: يكثره، والثروة كثرة العدد من الناس والمال، وفي (القاموس): ثري كرضي: كثر ماله كأثرى، فعلى هذا يجوز أن يكون (ماله) مرفوعًا على الفاعلية، لكن الرواية بالنصب وهو الأوجه معنى. و(الرضف) بالفتح وسكون\n_________\n(١) في النسخة الهندية: \"مفظع\".\n(٢) قال القاري (٤/ ١٣١٤): وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ النَّسَائِيِّ (ح: ٢٥٩٥) مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: سَرَّحَتْنِي أُمِّي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَتَيْتُهُ وَقَعَدْتُ، فَاسْتَقْبَلَنِي، وَقَالَ: \"مَنِ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللَّهُ ﷿، وَمَنِ اسْتَعَفَّ أَعَفَّهُ اللَّهُ ﷿، وَمَنِ اسْتَكْفَى كَفَاهُ اللَّهُ ﷿، وَمَنْ سَأَلَ وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ، فَقُلْتُ: نَاقَتِي الْيَاقُوتَةُ خَيْرٌ مِنْ أُوقِيَّةٍ، فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَسْأَلْهُ\".","vol":"4","page":313},{"text":"فَمَنْ شَاءَ فَلْيُقِلَّ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٦٥٣].\n١٨٥١ - [١٥] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- يَسْأَلُهُ، فَقَالَ: \"أَمَا فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ؟ \" فَقَالَ: بَلَى، حِلْسٌ نَلْبَسُ بَعْضَهُ، وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ، وَقَعْبٌ نَشْرَبُ فِيهِ مِنَ الْمَاءِ، قَالَ: \"ائْتِنِي بِهِمَا\" قَالَ: فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِهِ، وَقَالَ: \"مَنْ يَشْتَرِيْ هَذَيْنِ؟ \" قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمِ، قَالَ: \"مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ \" مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ، فَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا الأَنْصَارِيَّ، وَقَالَ: \"اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا، فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالآخَرِ قَدُومًا، فَائْتِنِي بِهِ\"،\nــ\nالضاد المعجمة: الحجارة المحماة.\nوقوله: (فليقل) من الإقلال، وكذا (فليكثر) من الإكثار، والمفعول محذوف، أي: السؤال أو الوصف، كما سبق.\n١٨٥١ - [١٥] (أنس) قوله: (حِلس) بِالكسر: كساء على ظهر البعير تحت البرذعة يبسط في البيوت تحت حُرِّ الثياب، ويحرك، كذا في (القاموس) (١). والقعب بفتح القاف وسكون العين: القدح الضخم الجافي، أو إلى الصِّغر، أو يُرْوِي الرَّجُلَ.\nوقوله: (أنا آخذهما) بصيغة المضارع، وفي الثاني: بصيغة اسم الفاعل.\nو(القدوم) بفتح القاف وضم الدال مخففة أو مشددة، قدوم [آلة] النجار مؤنثة، والذي وقع في حديث إبراهيم: (اختتن بالقدوم) (٢)، قيل: هي هذه، وقيل: اسم موضع\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٩٩).\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٤٣٥، رقم: ٩٦٢).","vol":"4","page":314},{"text":"فَأَتَاهُ بِهِ، فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عُودًا بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: \"اذْهَبْ، فَاحْتَطِبْ، وَبِعْ، وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا\" فَذَهَبَ الرَّجُلُ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ، فَجَاءَهُ، وَقَدْ أَصَابَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ، فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِثَلَاثَةٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ إِلَى قَوْلِهِ: \"يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". [د: ١٦٤١، جه: ٢١٩٨].\n١٨٥٢ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّه أَوْشَكَ اللَّهُ لَهُ بِالْغِنَى، إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ. . . . .\nــ\nمن الشام.\nوقوله: (نكتة) في (القاموس) (١): النكت أن تضرب في الأرض بقضيب فيؤثر فيها، والنكتة بالضم: النقطة، جمعها نِكات كبِرام جمع برمة، وشبه الوسخ في المرآة، والمراد بـ (الدم الموجع) الدية لزمتها أو تحملها من غيره.\n١٨٥٢ - [١٦] (ابن مسعود) قوله: (أوشك اللَّه) في (القاموس) (٢): وشك الأمر ككرُم: سرعُ، وأوشك: أسرع.\nوقوله: (بالغِنى) قال التُّورِبِشْتِي (٣): معناه جعل اللَّه له الغناء -بفتح الغين- أي:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٦٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٨١).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٣٧).","vol":"4","page":315},{"text":"أَوْ غِنًى آجِلٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ١٦٤٥، ت: ٢٣٢٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-541> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٨٥٣ - [١٧] عَنِ ابْنِ الْفِرَاسِيِّ أَنَّ الْفِرَاسِيَّ قَالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: أَسْأَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"لَا، وَإِنْ كنْتَ لَا بُدَّ فَسَلِ الصَّالِحِينَ\". . . . .\nــ\nبالكفاية عما هو فيه (إما بموت عاجل أو بغنى آجل) هو ضد العاجل، انتهى. وجه التعليل أن على تقدير الكسر لا يصح هذا الترديد؛ لأنه لا يحصل الغناء بالموت.\nوقوله: (أو غنى عاجل) بالعين، كذا في أكثر نسخ (المصابيح)، وفي (سنن أبي داود) و(الترمذي): (أو غنى آجل) وهو أصح درايةً كقوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢] كذا قال الطيبي (١)، وجه الأصحية أنه إذا لم يكن موت عاجل يكون بعده غناء آجل، أما تأييده بالآية فلا يخلو عن خفاء.\nالفصل الثالث\n١٨٥٣ - [١٧] قوله: (عن ابن الفراسي) بكسر الفاء، نسبته إلى فراس بن غنم ابن مالك بن كنانة.\nوقوله: (أسأل) بتقدير حرف الاستفهام.\nوقوله: (وإن كنت لا بدّ) أي: وإن كنت تريد أن تسأل الناس ولا بد لك من ذلك لحاجة أو فاقة، و(لا بدّ) بمعنى لا فراق ولا محالة، بدَّده تبديدًا: فرّقه.\nوقوله: (فسل الصالحين) لكرمهم وكون رزقهم حلالًا (٢).\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٦٩).\n(٢) قال القاري: وَلذَا كَانَ فُقَرَاءُ بَغْدَادَ يَسْأَلُونَ الإِمَامَ أَحْمَدَ، وَمِنْ غَرِيبِهِ مَا وَقَعَ أَنَّ أَهْلَ بَيْتِ الإِمَامِ =","vol":"4","page":316},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٦٤٦، ن: ٢٥٨٦].\n١٨٥٤ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ السَّاعِدِيِّ أَنه قَالَ: اسْتَعْمَلَنِي عُمَرُ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْهَا وَأَدَّيْتُهَا إِلَيْهِ أَمَرَ لِي بِعُمَالَةٍ، فَقُلْتُ: إِنَّمَا عَمِلْتُ لِلَّهِ، وَأجْرِي عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ: خُذْ مَا أُعْطِيتَ، فَإِنِّي قَدْ عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَعَمَّلَنِي، فَقُلْتُ مِثْلَ قَوْلِكَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أُعْطِيْتَ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَسْأَلَ فَكُلْ وَتَصَدَّقْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٦٤٧].\nــ\n١٨٥٤ - [١٨] (ابن الساعدي) قوله: (بعُمَالة) مثلثة: أجر العمل.\nوقوله: (خذ ما أعطيت) بلفظ المجهول.\nوقوله: (فعمّلني) عمّله تعميلًا: أعطاه أجرة عملِه (١).\n_________\n= احْتَاجُوا إِلَى الْخَمِيرَةِ فِي حَالِ الْعَجْنِ مَرَّةً، فَطَلَبُوا مِنْ بَيْتِ وَلَدِهِ، وَكَانَ قَدْ تَوَلَّى الْقَضَاءَ، وَمِنْ صَلَاحِهِ وَتَقْوَاهُ يَرْقُدُ عِنْدَ بَابِهِ فِي اللَّيْلِ قَائِلًا: لَعَلَّهُ احْتَاجَ إِلَيَّ، وَلَمَّا خَبَزُوا انْكَشَفَ لِلإِمَامِ أَنَّ فِيهِ شُبْهَةً، فَسَأَلَهُمْ، فَحَكَوْا لَهُ بِالْقَضِيَّةِ، فَامْتَنَعَ مِنْ أَكْلِهِ، وَتَبِعُوهُ، ثُمَّ قَالَ: هَلْ نُعْطِيهِ لِلْفُقَرَاءِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ إِجْلَاءِ عَيْبِهِ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ الْفُقَرَاءُ، فَرَمَوْهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَمَّا اطَّلَعَ عَلَى فِعْلِهِمُ امْتَنَعَ مِنْ أَكْلِ الْحُوتِ مُدَّةَ حَيَاتِهِ -﵃ أَجْمَعِينَ-. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣١٦).\n(١) قال القاري: فِيهِ جَوَازُ أَخْذِ الْعِوَضِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ الْعَامِّ، وَإِنْ كَانَ فَرْضًا كَالْقَضَاءِ وَالْحِسْبَةِ وَالتَّدْرِيس، بَلْ يَجِبُ عَلَى الإِمَامِ كِفَايَةُ هَؤُلَاءِ، وَمَنْ فِي مَعْنَاهُمْ فِي مَالِ بَيْتِ الْمَالِ، وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِه مِمَّا سَبَقَ وُجُوبُ قَبُولِ مَا أُعْطِيَهُ الإِنْسَانُ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَحَمَلَ الْجُمْهُورُ الأَمْرَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، أَوِ الإِبَاحَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣١٧).","vol":"4","page":317},{"text":"١٨٥٥ - [١٩] وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ سَمِعَ يَوْمَ عَرَفَةَ رَجُلًا يَسْأَلُ النَّاسَ فَقَالَ: أَفِي هَذَا الْيَوْمِ؟ وَفِي هَذَا الْمَكَانِ تَسْأَلُ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ؟ فَخَفَقَهُ بِالدِّرَّةِ. رَوَاهُ رَزِينٌ.\n١٨٥٦ - [٢٠] وَعَن عُمَرُ قَالَ: تَعْلَمُنَّ أَيُّهَا النَّاسُ أَنَّ الطَّمَعَ فَقْرٌ، وَأَنَّ الإِيَاسَ غِنًى، وَأَنَّ الْمَرْءَ إِذَا يَئِسَ عَن شَيْءٍ اسْتَغنَى عَنْهُ. رَوَاهُ رَزِينٌ.\n١٨٥٧ - [٢١] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ يَكْفُلُ لِي أَن لَا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا فَأَتَكَفَّلَ لَهُ بِالْجَنَّةِ؟ \" فَقَالَ ثَوْبَانُ: أَنَا، فَكَانَ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٦٤٣، ن: ٢٥٩٠].\nــ\n١٨٥٥ - [١٩] (علي) قوله: (فخفقه) أي: ضربه، في (القاموس) (٢): الخفق: الضرب بالدوة أو بعريض (٣).\n١٨٥٦ - [٢٠] (عمر) قوله: (تعلمُنَّ) بتقدير لام الأمر أو الابتداء. و(الإياس) بكسر الهمزة: القنوط وقطع الطمع، أيس ويئس لغتان.\n١٨٥٧ - [٢١] (ثوبان) قوله: (من يكفل) أي: يضمن ويتعهد.\n_________\n(١) أَيْ: وَلَوْ كَانَ بِهِ خَصَاصَةٌ، وَاسْتُثْنِيَ مِنْهُ إِذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْمَوْتَ فَإِنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ، بَلْ قِيلَ: إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَسْأَلْ حَتَّى يَمُوتَ؛ يَمُوتُ عَاصِيًا. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣١٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨١١).\n(٣) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: هَذَا الْمَكَانُ، وَهَذَا الْيَوْمُ يُنَافِيَانِ السُّؤَالَ مِنْ غَيْرِ اللَّهِ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ السُّؤَالُ فِي الْمَسَاجِدِ، إِذْ لَمْ تُبْنَ إِلَّا لِلْعِبَادَةِ، اهـ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣١٧).","vol":"4","page":318},{"text":"١٨٥٨ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ يَشْتَرِطُ عَلَيَّ: \"أَنْ لَا تَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا\" قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: \"وَلَا سَوْطَكَ إِنْ سَقَطَ مِنْكَ حَتَّى تَنزلَ إِلَيْهِ فتأْخُذَهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ١٧٢].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-542>٥ - باب الإنفاق وكراهية الإمساك</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-543> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٨٥٩ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا لَسَرَّنِي أَنْ لَا يَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثُ لَيَالٍ\nــ\n١٨٥٨ - [٢٢] (أبو ذر) وقوله: (ولا سوطك) مبالغة في النهي عن السؤال وحسم لمادته وإن لم يكن من السؤال المحرم.\n٥ - باب الإنفاق وكراهية الإمساك\nأنفق ماله: أنفده، وكل ما فاؤه نون وعينه فاء فهو دالّ على معنى الذهاب والخروج، نحو نفر ونفع ونفس، والإمساك: البخل، ولعل المراد الإنفاق من غير الزكاة، ولذا ذكر الكراهية؛ لأن الزكاة وأحكامها قد ذكرت، ويجوز أن يراد مطلقًا ما يشمل الفرض والنفل، ويكون المراد مدح صفة الإنفاق وذم الإمساك مطلقًا، وقد فسر الإنفاق والبخل الواقعان في الآيات بما يشملهما، ولكن سوق الأحاديث المذكورة في الباب أكثرها ينظر إلى مدح السخاء وإنفاق المال كله وعدم إبقاء شيء منه.\nالفصل الأول\n١٨٥٩ - [١] (أبو هريرة) وقوله: (أن لا يمر عليّ ثلاث ليال) إشارة إلى غاية ما يبقى منه شيء إلى ثلاث ليال مع غاية كثرة ذلك المال، وقد كان لا يمر عليه -ﷺ- أكثر","vol":"4","page":319},{"text":"وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا شَيْءٌ أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٣٨٩].\n١٨٦٠ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ فَيقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٤٢، م: ١٠١٠].\n١٨٦١ - [٣] وَعَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَنْفِقِي وَلَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ، وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْكِ، ارْضَخِي. . . . .\nــ\nمن ليلة واحدة حتى ينفق ما عنده، فافهم.\nوقوله: (إلا شيء أرصده) بضم الهمزة، يقال: أرصدت له: أعددت، وفيه أن إعداد المال وحفظه لأجل الدين جائز، بل عسى أن يجب في بعض الأحيان، وتخصيصه بالدَّين للاهتمام دِينًا ودنُيًا، والحاجات الضرورية تكون في حكمه.\n١٨٦٠ - [٢] (وعنه) قوله: (خلفًا) أي: مالًا عوضًا مما أنفق، ويجوز أن يكون المراد أعم من المال والولد، فكأنه ببركة الإنفاق يبارك في المال والأولاد، والخلف ما استخلفت من شيء والولد الصالح. و(أعطى) الثاني بمعنى حصل وأوجد، و(التلف) تلف المال، أو أعم كما في الخلف.\n١٨٦١ - [٣] قوله: (عن أسماء) أي: بنت أبي بكر -﵁-.\nوقوله: (ولا تحصي) بلفظ نهي المخاطبة وحذف النون من الإحصاء، وهو الإحاطة بالشيء حصرًا وتعدادًا؛ لأن عادة العرب أن يعدد الشيء بالحصاء، والمراد هنا عدّ الشيء لتبقيته وادخاره، والمراد بإحصاء اللَّه إما قطع مادة البركة والمزيد، وإما حساب الآخرة. و(الإيعاء): حفظ الأمتعة بالوعاء، والمراد هنا الإمساك وترك الإنفاق.\nوقوله: (ارضخي) من رضخ يرضخ من باب فتح يفتح، يقال: رضخ له: أعطاه","vol":"4","page":320},{"text":"مَا اسْتَطَعْتِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٩١، م: ١٠٢٩].\n١٨٦٢ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٣٥٢، م: ٩٩٣].\n١٨٦٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا ابْنَ آدَمَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ، وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُوْلُ\". . . . .\nــ\n[عطاءً] غير كثير، والمراد أعطي شيئًا وإن كان يسيرًا، وقال التُّورِبِشْتِي (١): إنما قال: ارضخي لما عرف من حالها ومقدرتها، ولأنه لم يكن لها تصرف في مال زوجها إلا في شيء يسير، الذي جرت فيه العادة بالتسامح من قبل الأزواج كالكسرة والتمرة والطعام الذي يفضل في البيت، ولا يصلح للخزن لتسارع الفساد إليه، أو فيما سبق إليها من نفقتها وحصتها.\n١٨٦٢ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (أُنفق عليك) أي: أعطيك وأفيض عليك، وإسناد الإنفاق إلى اللَّه تعالى مجاز للمشاكلة؛ لما عرفت أن أصل الإنفاق يتضمن معنى النفاد والفناء، وخزائن اللَّه تعالى لا تنفد ولا تفنى.\n١٨٦٣ - [٥] (أبو أمامة) قوله: (أن تبذُل الفضل) أي: بذلك الزيادة على الحاجة خير وفيه نفع لك.\nوقوله: (ولا تلام على كفاف) أي: لا تلام على إمساك الكفاف، أي: القوت الذي يكف عن السؤال، وهو يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان.\nوقوله: (وابدأ بمن تعول) أي: تمون، أي: ابدأ في إنفاق الزائد على الكفاف\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٣٨).","vol":"4","page":321},{"text":"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٣٦].\n١٨٦٤ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَثَلُ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ، قَدِ اضْطُرَّتْ أَيْدِيهِمَا إِلَى ثُدِيِّهِمَا، وَتَرَاقِيهِمَا،\nــ\nبعيالك، ووسع عليهم أولًا زيادة على نفقتهم الواجبة.\n١٨٦٤ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (عليهما جنتان) بضم الجيم، في (المشارق) (١): هي بالنون، أي: درعان، ويروى: (جبتان) بالباء، والنون هنا أوجه، ونقل الطيبي (٢) بعلامة -مح- هي بالنون في هذا الموضع بلا شك، وقال التُّورِبِشْتِي (٣): وقد رواه البخاري في بعض طرقه عن أبي هريرة بالباء مكان النون، وهو تصحيف عن بعض الرواة لا خفاء به، ولا يلتبس ذلك على من له أدنى فهم، وذلك أن الجبة بالباء من حديد شيء لم يعهد ولم يعرف في كلامهم، يعني أن المراد هنا الدرع بدليل ذكر الحديد، والحلقة والدرع لا يسمى جبة بالباء بل النون.\nوقوله: (قد اضطرت) بلفظ المجهول، أي: التصقت، وأصل الاضطرار الاحتياج إلى الشيء.\nوقوله: (إلى ثُديِّهما) بضم المثلثة وكسر المهملة وشدة تحتية: جمع ثدي بمفتوحة فساكنة، وروي بالإفراد، كذا في (مجمع البحار) (٤)، و(التراقي) جمع ترقوة\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٤٥).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٧٦).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٣٨).\n(٤) \"مجمع البحار\" (١/ ٢٨٧).","vol":"4","page":322},{"text":"فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ انْبَسَطَتْ عَنهُ، وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ بِمَكَانِهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٤٣، م: ١٠٢١].\n١٨٦٥ - [٧] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اتَّقُوا الظُّلْمَ؛ فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ،\nــ\nبفتح التاء وضم القاف وفتح الواو: العظم بين ثغرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين، وقد يجمع باعتبار الجوانب والأطراف. و(جعل) بمعنى طفق من أفعال المقاربة، و(قلصت) بفتحات، أي: انضمت وانقبضت الجُنة، والمعنى أن الجواد إذا هم بالنفقة انشرح لذلك صدره وطاوعته يداه فامتدتا بالعطاء والبذل، والبخيل يضيق صدره وتنقبض يده عن الإنفاق.\n١٨٦٥ - [٧] (جابر) قوله: (اتقوا الظلم) يشمل أنواع المعاصي، وأعظمها وأشدها الشرك، وإِنّ الشرك لظلم عظيم، فجمعه ظلمات يحتمل أن يكون بهذا الاعتبار، وأن يكون المراد أن الظلم الواحد يكون سبب ظلمات متراكمة وشدائد متعددة من أهوال يوم القيامة وأحوالها.\nوقوله: (واتقوا الشحَّ) مثَلَّثة: البخل والحرص. فهو شحاح كسحاب وشحيح، كذا في (القاموس) (١)، وقال في (النهاية) (٢): الشح: أشد البخل، وقيل: البخل مع الحرص، وقيل: البخل في أفراد الأمور وآحادها، والشح عام، وقيل: البخل في مال، وهو في مال ومعروف، وقيل: الشح خلة غريزية جبل عليها الإنسان، وهي كالوصف\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢١٩).\n(٢) \"النهاية\" (٢/ ٤٤٨).","vol":"4","page":323},{"text":"حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٧٨].\n١٨٦٦ - [٨] وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَصَدَّقُوا فَإِنَّهُ يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلَا يجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا، يَقُولُ الرَّجُلُ: لَوْ جِئْتَ بِهَا بِالأَمْسِ لَقَبِلْتُهَا، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا\" (١). . . . .\nــ\nاللازم، ومركزها النفس، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨] فإذا انتهى سلطانه إلى القلب واستولى على عرش القلب ومنع عن أحكام الإيمان فهي مذمومة؛ لأنه يشح بالطاعة فلا يسمح بها، ولا يبذل الانقياد لأمر اللَّه، والشح في النفوس كالشهوة والحرص جبلت للابتلاء ولمصلحة عمارة العالم، فالمذموم أن يستولي سلطانه على القلب فيطاع، وهو المراد بقوله: (شح مطاع)، هذا خلاصة ما ذكره التُّورِبِشْتِي (٢).\nوقوله: (حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلوا محارمهم) أي: سائر ما حرم اللَّه عليهم من المعاصي، فهو أعم من سفك الدماء، وإنما حملهم الشح على ذلك لما فيه من التهاجر والتقاطع المؤدي إلى المعاداة المفضي إلى التشاجر والتقاتل.\n١٨٦٦ - [٨] (حارثة بن وهب) قوله: (يأتي عليكم) الخطاب لجنس الأمة ولو\n_________\n(١) قال القاري (٤/ ١٣٢١): وَهُوَ إِمَّا مِنْ غِنَاهُ الصُّورِيِّ مِنْ إِصَابَةِ الْمَالِ أَوْ لِغِنَاهُ الْمَعْنَوِيِّ مِنْ حُصُولِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَوُصُولِ الْكَمَالِ، قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: يَعْنِي يَصِيرُ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَغْنِيَاءَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ رَاغِبِينَ فِي الآخِرَةِ وَتَارِكِينَ لِلدُّنْيَا يَقْنَعُونَ بِقُوتِ يَوْمِ وَلَا يَدَّخِرُونَ الْمَالَ لِلْمَآلِ. انتهى.\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٣٩).","vol":"4","page":324},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤١١ م: ١٠١١].\n١٨٦٧ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا؟ قَالَ: \"أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَخْشَى الْفَقْرَ، وَتَأْمُلُ الْغِنَى، وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلَانٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤١٩، م: ١٠٣٢].\n١٨٦٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي ذَرِّ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: \"هُمُ الأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ\" فَقُلْتُ: فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي مَنْ هُمْ؟ قَالَ: \"هُمُ الأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا إِلَّا مَنْ قَالَ. . . . .\nــ\nفي ضمن البعض، وذلك يكون في آخر الزمان زمن المهدي، كما يجيء في (باب أشراط الساعة)\n١٨٦٧ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (أن تصدق) أي: تتصدق.\nوقوله: (وأنت صحيح شحيح) أي: مظنة أن تشح وتمنعك نفسك أن تبذل.\nوقوله: (ولا تُمهِل) بالنصب عطفًا على (تصدق)، وبالجزم على صيغة النهي، والضمير في (بلغت) للروح.\nوقوله: (قلتَ: لفلان كذا) هذا على سبيل التمثيل، فقيل: فلان الأول والثاني الموصى له، وفلان الأخير الوارث؛ لأنه إن شاء أبطله وإن شاء أجازه، يعني بخل حتى أشرف على الموت ثم طفق يتصدق مما تعلق به حق الوارث وهو باطل، ويحتمل أن يكون المراد بالجميع الموصى له، وإنما أدخل (كان) في الثالث إشارة إلى تقدير المقدر له، وقال الكرماني: يحتمل أن بعضها وصية وبعضها إقرار، فتدبر.\n١٨٦٨ - [١٠] (أبو ذر) وقوله: (إلا من قال) أي: فعل، والقول يطلق في","vol":"4","page":325},{"text":"هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا؛ مِنْ بَين يَدَيْهِ وَمن خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِيْنِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٣٨، م: ٩٩٠].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-544> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٨٦٩ - [١١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"السَّخِيُّ قَرِيبٌ مِنَ اللَّهِ،\nــ\nلسان العرب على الأفعال كلها، يقال: قال بيده، أي: أخذ، وقال برجله، أي: مشى ونحو ذلك، وذلك كثير في الأحاديث، أي: فعل (هكذا وهكذا وهكذا) أي: بذله ونثره في كل جانب.\nوقوله: (من بين يديه) وأخواته بيان للإشارة بهكذا وهكذا وهكذا، واكتفى في الإشارة بثلاثة مع أن الجوانب المذكورة أربعة اكتفاء (١).\nوقوله: (وقليل ما هم) أي: وهم قليل، و(ما) مزيدة للإبهام والتعجب من قلتهم، كذا قال البيضاوي (٢).\nالفصل الثاني\n١٨٦٩ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (السخي قريب من اللَّه) الحديث مبالغة في\n_________\n(١) قال القاري (٤/ ١٣٢٢): وَلَعَلَّ التَّثْلِيثَ إِشَارَةٌ إِلَى الْيَمِينِ وَالْيَسَارِ وَالأَمَامِ لَكِنَّ قَوْلَهُ: \"مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ\" يَأْبَى عَنْ ذَلِكَ ظَاهِرًا فَإِنَّهُ بَيَان لِقَوْلِهِ: \"هَكَذَا\" فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالثَّلَاثِ الْجَمْعَ لأَنَّهُ أَقَلُّ مَرَاتِبِ الْجَمْعِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: إِلَّا مَنْ تَصَدَّقَ بِهِ مِنْ جَوَانِبِهِ الأَرْبَعِ عَلَى الْمُحْتَاجِينَ، أَيْ: فَلَيْسَ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلْ مِنَ الْفَائِزِينَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالثَّلَاثِ الْقُدَّامُ وَالْخَلْفُ وَأَحَدُ الْجَانِبَيْنِ، وَعَلَى نسخَةِ التَّثْنِيَةِ فَالْمُرَادُ بِهَا التَّكْرِيرُ وَالتَّكْثِيرُ، انتهى.\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٣١٠).","vol":"4","page":326},{"text":"قَرِيبٌ مِنَ الْجَنَّةِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّارِ. وَالْبَخِيلُ بَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ، بَعِيدٌ مِنَ الْجَنَّةِ، بَعِيدٌ مِنَ النَّاسِ، قَرِيبٌ مِنَ النَّارِ. وَلَجَاهِلٌ سَخِيٌّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ عَابِدٍ بَخِيلٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٩٦١].\n١٨٧٠ - [١٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لأَنْ يَتَصَدَّقَ الْمَرْءُ فِي حَيَاتِهِ بِدِرْهَمٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمِئَةٍ عِنْدَ مَوْتِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٨٦٦].\n١٨٧١ - [١٣] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَثَلُ الَّذِي يَتَصَدَّقُ عِنْدَ مَوْتِهِ أَوْ يُعْتِقُ كَالَّذِي يُهْدِي. . . . .\nــ\nمدح السخاوة وذمِّ البخل، والظاهر أن المراد بالبخل والسخاء هنا في أداء الزكاة، أو المراد الاتصاف بهذين الخلقين مطلقًا، وعلى الأول يناسب حمل اللام على العهد الخارجي نوعًا، وعلى الثاني على الجنس.\nوقوله: (من عابد بخيل) ظاهر المقابلة يقتضي أن يقال هنا: من عالم بخيل، أو يقال هناك: غير عابد سخي، وسلوك هذه الطريقة في الكلام يشتمل على ذكر كل من مقابلي كل منهما، وهذا معنى قول الطيبي (١): ليفيد أن الجاهل غير العابد [السخي] أحب إلى اللَّه من العالم العابد [البخيل]، فافهم.\n١٨٧٠ - [١٢] (أبو سعيد) قوله: (في حياته) أي: في الحالة التي يكون فيها صحيحًا شحيحًا.\nوقوله: (بمئة) في بعض النسخ: (بماله).\n١٨٧١ - [١٣] (أبو الدرداء) قوله: (كالذي يهدي) بضم الياء من الهدية، أي:\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٨٠).","vol":"4","page":327},{"text":"إِذَا شَبعَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. [حم: ٥/ ١٩٦، ن: ٣٦١٤، د: ٣٢٢٦، ت: ٢١٢٣].\n١٨٧٢ - [١٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَصْلَتَانِ لَا تَجْتَمِعَانِ فِي مُؤْمِنٍ: الْبُخْلُ وَسُوءُ الْخُلُقِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٩٦٢].\nــ\nيعطي، وفي التعبير بالإهداء استهزاء.\n١٨٧٢ - [١٤] (أبو سعيد) قوله: (خصلتان لا تجتمعان) قال الطيبي (١): مبتدأ موصوف وخبره محذوف، أي: فيما أحدثكم، و(البخل وسوء الخلق) خبر مبتدأ محذوف، والجملة مبنية، ويجوز أن يكون خبرًا، والبخل مبتدأ، انتهى. ويحتمل العكس، وهذا كله على محافظة ما اشتهر من النحويين من عدم جواز كون المبتدأ نكرة، ولو جوز ذلك وجعل المدار على الإفادة كما قال الرضي في: (كوكب انقض الساعة) لم يحتج إلى هذه التحملات، ويكون (خصلتان) مبتدأ و(لا تجتمعان) خبره، وهو المتبادر إلى الفهم، وقد ذكرنا هذا الكلام مرارًا، فتدبر.\nوقال التُّورِبِشْتِي (٢): وتأويل هذا الحديث أن نقول: المراد به اجتماع الخصلتين فيه مع بلوغ النهاية بحيث لا ينفك عنهما، ويوجد منه الرضاء بهما، فأما الذي يبخل حينًا ويسوء خلقه في وقت، أو في أمر دون أمر، أو يندر منه فيندم [عليه] ويلوم نفسه أو تدعوه النفس إلى ذلك فينازعها فإنه بمعزل عن ذلك، انتهى. ثم المراد من سوء الخلق فيما يخالف أحكام الإيمان، وإلا فالغضب للَّه محمود، فافهم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٨١).\n(٢) \"كتاب التيسر\" (٢/ ٤٤٠).","vol":"4","page":328},{"text":"١٨٧٣ - [١٥] وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ خِبٌّ وَلَا بَخِيلٌ وَلَا مَنَّانٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٩٦٣].\n١٨٧٤ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"شَرُّ مَا فِي الرَّجُلِ شُحٌّ هَالِعٌ، وَجُبْنٌ خَالِعٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥١١].\nوَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: \"لَا يَجْتَمعُ الشُّحُّ وَالإِيمَانُ\" فِي \"كِتَابِ الْجِهَاد\" إِن شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.\nــ\n١٨٧٣ - [١٥] (أبو بكر الصديق) قوله: (لا يدخل الجنة خبٌّ) الخب: الخدّاع الجُرْبُز، ويكسر خاؤه كما ورد: (المنافق خب لئيم)، والظاهر أن (المنان) من المنة المنهي عنها بقوله تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤]، وقد يجعل من المن بمعنى القطع والنقص، أي: قطع الحق ونقصه بالخيانة فيه وقطع التحاب والتوادد، وهذا تغليظ وتشديد بليغ من الشارع على هذه الصفات الذميمة، وقد عرف تأويله في أصول الدين جمًا بين الأدلة، والنبي -ﷺ- اقتصر في مثل هذه المواطن على القول المجمل إبقاء للخوف في نفوس المكلفين، وتحذيرًا عما فيه المنقصة في الدين، علمًا منه أنه يرده العلماء الراسخون إلى ما هو الحق من أصول الدين.\n١٨٧٤ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (شح هالع) الهلع أفحش الجزع، وقد علم تفسيره من قوله تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠ - ٢١] والمراد هنا أنه يجزع في شحه أشد الجزع على استخراج الحق فيه، و(هالع) على لفظ النسبة أو الإسناد المجازي للملابسة، وكذا (خالع)، والخلع: النزع إلا أن في الخلع مهلة، أي حين يخلع فؤاده من الخوف يريد شدتهما، فأما أصل الشح والجبن فموجود في الكل؛ لكونهما غريزتين.","vol":"4","page":329},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-545> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٨٧٥ - [١٧] عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَعْضَ أَزْوَاج النَّبِيِّ -ﷺ- قُلْنَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: أَيُّنَا أَسْرعُ بِكَ لُحُوقًا؟ قَالَ: \"أَطْوَلُكُنَّ يَدًا\" فَأَخَذوا قَصَبَةً يَذْرَعُونها، وَكَانَت سَوْدَةُ أَطْوَلَهُنَّ يَدًا، فَعَلِمْنَا بَعْدُ أَنَّمَا كَانَ طُولُ يَدِهَا الصَّدَقَةَ، وَكَانَتْ أَسْرَعَنَا لُحُوقًا بِهِ زينَبُ،\nــ\nالفصل الثالث\n١٨٧٥ - [١٧] (عائشة) قوله: (أينا أسرع بك لحوقًا؟) اللحوق: انضمام شيء بشيء، واللحاق بالفتح: إدراك شخص غيره، والمقصود استكشاف أنه من يموت بعده -ﷺ- من أزواجه بلا واسطة كما في حديث فاطمة: (إنك أول أهلي لحوقًا بي) (١).\nوقوله: (فأخذوا) وضع ضمير المذكر مكان ضمير المؤنث تعظيمًا بشأنهن، وليس المراد أن رجالًا من أهل بيته -ﷺ- أخذوا (قصبة يذرعونها) أي: أيديهن، وهو ظاهر، وليس أيضًا من باب التغليب كما قيل في قوله تعالى: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣]؛ لأن الذكور لم يكونوا داخلين في هذا الفعل كما في الرواية الأخرى: (وكانت يتطاولن أيتهن أطول يدًا).\nوقوله: (إنما كانت طول يدها) أي: يد المرأة المرادة من قوله: (أطولُكُنَّ يدًا) يعني كان المراد باليد الصدقة؛ فإنه قد تستعمل اليد في معنى النعمة مجازًا، فيكون ذكر الطول ترشيحًا للمجاز.\nوقوله: (وكانت أسرعنا لحوقًا به زينب) هي زينب بنت جحش، وماتت سنة عشرين أو إحدى وعشرين، فهي أول من ماتت من أزواج النبي -ﷺ-، وهو الصحيح،\n_________\n(١) انظر: \"سنن ابن ماجه\" (١٦٢١).","vol":"4","page":330},{"text":"كَانَتْ تُحِبُّ الصَّدَقَةَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٤٢٠].\nوَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: [م: ٢٤٥٢] قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَسْرَعكُنَّ لُحُوقًا بِي أَطْوَلكُنَّ يَدًا\". قَالَتْ: وَكَانَتْ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا، قَالَتْ: فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زَيْنَبُ، لأَنَّهَا كَانَت تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَتَصَدَّقُ.\nــ\nقال الشيخ (١): وقع في (التاريخ الصغير) للبخاري بهذا الإسناد: (فكانت سودة -﵂- أسرعنا لحوقًا)، وكذا أخرجه البيهقي، وكذا في رواية عفان عند أحمد وابن سعد أيضًا، وفسره الخطابي وقال: لحوق سودة به من أعلام النبوة، لكن هذا خلاف المعروف عند أهل العلم لاتفاق أهل السير على أنها زينب -﵂-، صرح به النووي، وسبقه إلى نقل الاتفاق ابن بطال، فكانت ماتت في زمان أمير المؤمنين عمر -﵁-، وبقيت سودة -﵁- إلى أن توفيت في زمان معاوية في شوال سنة أربع وخمسين، حتى قال ابن الجوزي: هذا الحديث غلط من بعض الرواة، والعجب من البخاري كيف لم يتنبه عليه، كما رواه مسلم من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة -﵂- بلفظ: (فكانت أطولهن يدًا زينب) انتهى كلام الشيخ، وله فيه كلام بعد، وهذا الذي ذكره الشيخ للبخاري كان في (تاريخه الصغير) فإنه صرح فيه بأن سودة أسرعهن لحوقًا، ولفظ البخاري في (صحيحه) أيضًا ظاهر في ذلك؛ فإنه ليس فيه لفظ (زينب) في قوله: (فكانت أسرعنا لحوقًا به زينب) كما في أكثر نسخ (المشكاة)، فظاهر السياق أن الضمير لسودة.\nفقال السيوطي: قال بعض الحفاظ: كأن الحديث سقط عنه لفظ (زينب) بعد قوله: (فكانت)، وعندي أنها من بعض نساخ الصحيح لا من المصنف، أو سقطت من المصنف حال الكتابة، وقيل: وإما أن في الحديث اختصارًا وطيًّا لذكر زينب -﵂-،\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٢٨٦).","vol":"4","page":331},{"text":"١٨٧٦ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"قَالَ رَجُلٌ: لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى سَارِقٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى سَارِقٍ؟ ! لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى زَانِيَةٍ؟ ! لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ، فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِيٍّ، فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ: تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى غَنِيٍّ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، عَلَى سَارِق وزَانِيَة وغَنِيٍّ؟ فَأُتِيَ، فَقِيلَ لَهُ: أَمَّا صَدَقَتُكَ عَلَى سَارِقٍ فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعِفَّ عَنْ سَرِقَتِهِ، وَأَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا أَنْ تَسْتَعِفَّ عَنْ زِنَاهَا، وَأَمَّا الْغَنِيُّ فَلَعَلَّهُ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقَ. . . . .\nــ\nفالضمائر كلها لزينب لاشتهارها به، يعني اختصر البخاري القصة، ونقل القطعة الأخيرة من حديث فيه ذكر زينب، فالضمائر راجعة إليها، وإما أنه اكتفى بشهرة الحكاية فيعود الضمير إلى من هو مقرر في أذهانهم، وإما أن يأول الكلام بأن الضمير راجع إلى المرأة التي علم رسول اللَّه -ﷺ- لحوقها به أولًا، كذا قال الكرماني (١).\n١٨٧٦ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (قال رجل) يعني: من بني إسرائيل.\nوقوله: (يتحدثون) أي: الناس بطريق التعجب أو الإنكار، ويقولون: (تصدق) بلفظ المجهول، أي: أرى من تصدق، (فقال) أي: الرجل شكرًا أو تعجبًا وتسليةً.\nوقوله: (فأتِيَ) بلفظ المجهول، أي: أري في المنام أتاه ملك النوم.\nوقوله: (فلعله يعتبر فينفق) فإن الغني إذا نظر إلى تصدقه اقتدى به، ويزجر عن صفة البخل.\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (٧/ ١٩٠).","vol":"4","page":332},{"text":"مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ. [خ: ١٤٢١، م: ١٠٢٢].\n١٨٧٧ - [١٩] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتًا فِي سَحَابَةٍ: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ، فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ، فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ، فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ، يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ، فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ؟ قَالَ: فُلَان -الاسْمُ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ- فَقَالَ لَهُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي؟ . . . . .\nــ\nوقوله: (مما أعطاه اللَّه) وفي بعض النسخ: (مما آتاه اللَّه)، وكلاهما بمعنى (١).\n١٨٧٧ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (بفلاة) هي المفازة لا ماء فيها، أو الصحراء الواسعة، و(اسق) أمر للسحابة، و(الحديقة) الروضة ذات الشجر، والبستان من النخل والشجر، والقطعة من النخل.\nوقوله: (فتنحى ذلك السحاب) أي: ذهب نحو حديقة فلان، (الحرة) أرض ذات حجارة، و(الشرجة) مسيل ماء من الحرة إلى السهل، والجمع: الشراج والشروج، والضمير في (تتبع) للرجل، و(المسحات) بكسر الميم وسكون السين، من سحا الطين يسحيه ويسحوه ويسحاه سحيًا: قشره وجرفه، [والمسحاة] ما سُحِيَ به (٢)، والضمير\n_________\n(١) قال القاري (٤/ ١٣٢٦): اعْلَمْ أَنَّهُ إِذَا دَفَعَ الزَّكَاةَ لِمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ فَقِير ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ غَنِيٌّ لَا يُعِيدُهَا، خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَلَكِنْ لَا يَسْتَرِدُّ مَا أَدَّاهُ. وفي \"المغني\" (٢/ ٤٩٨): \"وَإِذَا أَعْطَى مَنْ يَظُنُّهُ فَقِيرًا فَبَانَ غَنِيًّا. فَعَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا: يُجْزِئُهُ. اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ. وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ وَأَبِي عُبَيْدِ وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُجْزِئُهُ. وَهَذَا قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَأَبِي يُوسُفَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالرِّوَايَتَيْنِ.\n(٢) انظر: \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨٩).","vol":"4","page":333},{"text":"فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتًا فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ، وَيَقُول: اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لِاسْمِكَ، فَمَا تَصْنعُ فِيهَا؟ قَالَ: أَمَّا إِذَا قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ، وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالِي ثُلُثًا، وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٨٤].\n١٨٧٨ - [٢٠] وَعَنْهُ أَنَّهُ سَمعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ ثَلَاثَةً فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ أَبْرَصَ، وَأَقْرَعَ، وَأَعْمَى، فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَبْتَلِيَهُمْ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ مَلَكًا فَأَتَى الأَبْرَصَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ ! قَالَ: لَوْنٌ حَسَنٌ، وَجِلْدٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي الَّذِي قَدْ قَذِرَني النَّاسُ\"، قَالَ: \"فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ قَذَرُهُ، وَأُعْطِيَ لَوْنًا حَسَنًا وَجِلْدًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الإبِلُ -أَوْ قَالَ: الْبَقَرُ شَكَّ إِسْحَاقُ- إِلَّا أَنَّ الأَبْرَصَ أَوِ الأَقْرَعَ قَالَ أَحَدُهُمَا: الإِبِلُ، وَقَالَ الآخَرُ: الْبَقَرُ، قَالَ: . . . . .\nــ\nفي (يقول) للصوت مجازًا.\nوقوله: (أما إذا قلت هذا) إشارة إلى أنه لا ينبغي إظهار أمر العبادة إلا بضرورة أو مصلحة اتقاء عن الرياء.\nوقوله: (وأرد فيها) أي: في الحديقة، أي: لزراعتها وغرسها وعمارتها.\n١٨٧٨ - [٢٠] (وعنه) قوله: (فأراد اللَّه) الفاء زائدة، أو لتضمن المبتدأ معنى الشرط، ومن جعل (أن) مانعة عنها يقدر الخبر، ويجعل الفاء للتعقيب.\nوقوله: (ويذهب) بتقدير (أن) بالرفع والنصب، و(قذر) كفرح ونصر وكرم، قذرًا محركة وقذارة فهو قذر بالفتح وككتف، قذره كسمعه ونصره، ويقذره واستقذره: تجتنبه الناس.","vol":"4","page":334},{"text":"فَأُعْطِيَ نَاقَةً عُشَرَاءَ، فَقَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا\". قَالَ: \"فَأَتَى الأَقْرَعَ فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ: شَعَرٌ حَسَنٌ، وَيَذْهَبُ عَنِّي هَذَا الَّذِي قَدْ قَذِرَنِي النَّاسُ\". قَالَ: \"فَمَسَحَهُ فَذَهَبَ عَنْهُ\"، قَالَ: \"وَأُعْطِيَ شَعَرًا حَسَنًا، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْبَقَرُ، فَأُعْطِيَ بَقَرَةً حَامِلًا، قَالَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهَا\"، قَالَ: \"فَأَتَى الأَعْمَى فَقَالَ: . . . . .\nــ\nوقوله: (فأعطي) بلفظ المجهول، أي: الأبرص.\nوقوله: (ناقة) مبني على الرواية الأولى.\nوقوله: (عشراء) بضم العين وفتح الشين، في (القاموس) (١): العشراء من النوق التي مضى لحملها عشرة أشهر، أو ثمانية، أو هي كالنفساء من النساء، قال في (النهاية) (٢): وأكثر ما يطلق على الإبل والخيل، (فقال) أي: الملك.\nوقوله: (فأعطي بقرة حاملًا) حملت المرأة تَحْمِلُ: عَلِقَتْ، وهي حامل وحاملة، كذا في (القاموس) (٣)، وقال في (الصحاح) (٤): فمن قال: (حامل) قال: هذا نعت لا يكون إلا للإناث، ومن قال: (حاملة) بناه على حملت فهي حاملة، فإذا حملت شيئًا على ظهرها أو رأسها فهي حاملة لا غير؛ لأن الهاء إنما ملحق للفرق، فأما ما لا يكون للمذكر فقد استغنى فيه عن علامة التأنيث، فإن أتي بها فإنما هو على الأصل، وهذا قول أهل الكوفة.\nوقوله: (قال: بارك اللَّه) هنا بدون الفاء والواو، وفي الأول كان (فقال) بالفاء.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤١٠).\n(٢) \"النهاية\" (٣/ ٢٤٠).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٠٨).\n(٤) \"الصحاح\" (٤/ ١٦٧٦ - ١٦٧٧).","vol":"4","page":335},{"text":"أَيُّ شَيْءٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: أَنْ يَرُدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَأُبْصِرَ بِهِ النَّاسَ\". قَالَ: \"فَمَسَحَهُ فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ بَصَرَهُ، قَالَ: فَأَيُّ الْمَالِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْغَنَمُ، فَأُعْطِيَ شَاةً وَالِدًا.\nفَأَنْتَجَ هَذَانِ، وَولَّد هَذَا، فَكَانَ لِهَذَا وَادٍ مِنَ الإِبِلِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْبَقَرِ، وَلِهَذَا وَادٍ مِنَ الْغَنَمِ\". قَالَ: . . . . .\nــ\nوقوله: (شاة والدًا) هو أيضًا مثل حامل، ويقال: هي والد ووالدة وولود.\nوقوله: (فأنتج هذان) يعني صاحب الإبل والبقر، هكذا الرواية أنتج من الإنتاج، ويفهم من (المشارق) (١) أنه من رواة مسلم، وغيرهم رووا: (فنتج) بلفظ المعلوم وهو الصواب؛ لأن الناتج للإبل كالقابلة للنساء، يقال: نتجت الناقة أنتجها: إذا ولدتَها وتوليتَ نتاجها، فأما أنتجت فمعناه: حملت أو حان نتاجها أو ولدت فهي نتوج، ولا يقال: منتج، وأنكر بعضهم أنتجت على ما جاء في الرواية، وحكى الأخفش الوجهين: نتجت وأنتجت، وقال: لغتان، وقال النووي (٢): أنتج لغة في نتج بمعنى تولي الولادة، وسيجيء الكلام فيه في قوله: (كما تنتج البهيمة) في حديث الفطرة.\nوقوله: (وولد هذا) أي: الأعمى بصيغة المعلوم من التوليد، يقال: وَلَّدَ الرجل غنمه توليدًا، أي: تولى ولادة ماشيته، في (الصحاح) (٣): فالناتج للإبل والمولد للغنم كالقابلة للنساء، وقد يستعمل الناتج في الغنم كالتوليد في مطلق الماشية، لكن الأغلب ما ذكر.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٥).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ٣٣٤).\n(٣) \"الصحاح\" (٢/ ٥٥٤).","vol":"4","page":336},{"text":"\"ثُمَّ إِنَّهُ أَتَى الأَبْرَصَ فِي صُوْرَتِهِ وَهَيْئَتِهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ قَدِ انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَا بَلاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي أَعْطَاكَ اللَّوْنَ الْحَسَنَ وَالْجِلْدَ الْحَسَنَ وَالْمَالَ بَعِيرًا أَتَبَلَّغُ بِهِ فِي سَفَرِي، فَقَالَ: الْحُقُوقُ كَثِيرَةٌ، فَقَالَ: إِنَّهُ كَأَنِّي أَعْرِفُكَ، أَلَمْ تَكُنْ أَبْرَصَ يَقْذَرُكَ النَّاسُ، فَقِيرًا فَأَعْطَاكَ اللَّهُ مَالًا؟ فَقَالَ: إِنَّمَا وُرِّثْتُ هَذَا الْمَالَ. . . . .\nــ\nوقوله: (ثم إنه) أي: الملك المذكور.\nوقوله: (في صورته وهيئته) أي: التي جاء فيها أول مرة، وهذا أدخل في شناعة منعه وإنكاره، (فقال: رجل) أي: أنا رجل (مسكين قد انقطعت بي) الباء للتعدية، (الحبال) بالباء الموحدة، أي: الأسباب في طلب الرزق، وفي (فتح الباري) (١): وفي بعض روايات مسلم: (الحيال) بالتحتانية جمع حيلة، وفي بعض روايات البخاري: (الجبال) بالجيم والموحدة وهو تصحيف، والمراد بهذا الكلام إنشاء الاستعطاف لا الإخبار حقيقة، و(البلاغ) بالفتح: اسم من الإبلاع، ويجيء بمعنى الكفاية أيضًا، وهو المراد هنا، أي: لا كفاية لي في تحصيل القوت، ويجوز أن يكون من البلوغ، أي: ما أبلغ به إلى غرضي.\nوقوله: (ثم بك) بطريق التنزيل على وجه التسبب والمجاز، ويجوز أن يقال: رفعت حاجتي إلى اللَّه ثم إليك، ولا يجوز إلى اللَّه وإليك، واستعنت باللَّه وبك، و(بعيرًا) مفعول (أسألك)، و(أتبلغ) بالغين المعجمة: من البلغة بالضم ما يتبلغ ويتوصل ويكتفي به إلى العيش، و(ورثت) بلفظ المجهول من التوريث هكذا الرواية.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٠٢).","vol":"4","page":337},{"text":"كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ\". قَالَ: \"وَأَتَى الأَقْرَعَ فِي صُورَتِهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لِهَذَا، وَرَدَّ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَى هَذَا، فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَصَيَّرَكَ اللَّهُ إِلَى مَا كُنْتَ\". قَالَ: \"وَأَتَى الأَعْمَى فِي صُورَتِهِ وَهَيْئَتِهِ فَقَالَ: رَجُلٌ مِسْكِينٌ وَابْنُ سَبِيلٍ، انْقَطَعَتْ بِيَ الْحِبَالُ فِي سَفَرِي، فَلَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إِلَّا بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ، أَسْأَلُكَ بِالَّذِي رَدَّ عَلَيْكَ بَصَرَكَ شَاةً أَتَبَلَّغُ بِهَا فِي سَفَرِي، فَقَالَ: قَدْ كُنْتُ أَعْمَى فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيَّ بَصَرِي، فَخُذْ مَا شِئْتَ، وَدَعْ مَا شِئْتَ، فَوَاللَّهِ لَا أُجْهِدُكَ الْيَوْم شَيْئًا أَخَذْتَهُ لِلَّهِ، فَقَالَ: أَمْسِكْ مَالَكَ، فَإِنَّمَا ابْتُلِيتُمْ، فقد رَضِيَ عَنْكَ وَسَخَطَ عَلَى صَاحِبَيْكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٦٤، م: ٢٩٦٤].\nــ\nوقوله: (كابرًا عن كابر) الكابر: الكبير، أي: عن آبائي وأجدادي كبيرًا عن كبير في العز والشرف، و(إنْ) في (إن كنت كاذبًا) ليس للشك، بل فيه توبيخ وتقريع.\nوقوله: (وأتى الأعمى في صورته وهيئته) إلى آخره، لم يختصر فيه كما اختصر في الأقرع؛ لأنه كان في حكم الأبرص في المنع، وأما الأعمى فقد اعترف بالنعمة وشكرها، فبالغ في استعطافه وسؤاله.\nوقوله: (لا أجهدك) بضم الهمزة وكسر الهاء وبفتحها روايتان، والجهد الطاقة، ويضم، والمشقة، واجهَدْ جهدَك: ابلُغْ غايَتَك، وجَهَدَ كمنع.\nوقوله: (فقد رضي عنك وسخط) كلاهما على لفظ المعلوم، أي: رضي اللَّه وسخط، وصححا أيضًا بلفظ المجهول، في (القاموس) (١): رضيه فهو مرضو ومرضي.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨٤).","vol":"4","page":338},{"text":"١٨٧٩ - [٢١] وَعَنْ أُمِّ بُجَيْدٍ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الْمِسْكِينَ لَيَقِفُ عَلَى بَابِي حَتَّى أَسْتَحْيِيَ، فَلَا أَجِدُ فِي بَيْتِي مَا أَدْفَعُ فِي يَدِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ادْفَعِي فِي يَدِهِ وَلَوْ ظِلْفًا مُحْرَقًا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٦/ ٣٨٢، د: ١٦٦٧، ت: ٦٦٥].\n١٨٨٠ - [٢٢] وَعَنْ مَوْلًى لِعُثْمَانَ قَالَ: أُهْدِيَ لأُمِّ سَلَمَةَ بُضْعَةٌ مِنْ لَحْمٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُعْجِبُهُ اللَّحْمُ، فَقَالَتْ لِلْخَادِمِ: ضَعِيهِ فِي الْبَيْتِ، لَعَلَّ النَّبِيَّ -ﷺ- يَأْكُلُهُ، فَوَضَعَتْهُ فِي كَوَّةِ الْبَيْتِ، وَجَاءَ سَائِلٌ فَقَامَ عَلَى الْبَابِ، فَقَالَ: تَصَدَّقُوا، بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ، فَقَالُوا: بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ. فَذَهَبَ السَّائِلُ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ: \"يَا أُمَّ سَلَمَةَ! هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ أَطْعَمُهُ؟ \". فَقَالَتْ: نَعَمْ. قَالَتْ لِلْخَادِمِ: اذْهَبِي فَأتِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِذَلِكِ اللَّحْم. فَذَهَبَتْ فَلَمْ تَجِدْ فِي الْكَوَّةِ إِلَّا قِطْعَةَ مَرْوَةٍ، فَقَالَ النَّبِي -ﷺ-: \"فَإِنَّ ذَلِك اللَّحْمَ عَادَ مَرْوَةً لِمَا لَمْ تُعْطُوهُ السَّائِلَ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"دَلَائِل النُّبُوَّةِ\". [هق: ٢٥٥٩].\nــ\n١٨٧٩ - [٢١] (أم بجيد) قوله: (أم بجيد) بباء موحدة مضمومة وفتح جيم وسكون تحتية وإهمال دال.\nوقوله: (ولو ظلفًا) بكسر الظاء المعجمة وسكون اللام: للبقر والغنم كالحافر للفرس والبغل، والخف للبعير.\n١٨٨٠ - [٢٢] (مولى لعثمان) قوله: (الخادم) الخادم يطلق على الذكر والأنثى، و(الكوة) بالفتح والضم، والكو: الخرق في الحائط، أو التذكير للكبير والتأنيث للصغير، و(المروة) حجارة بيض براقة توري النار، أو أصلب الحجارة.\nوقوله: (لِما) بكسر اللام وتخفيف الميم وبفتحها وتشديد الميم، والأول أظهر،","vol":"4","page":339},{"text":"١٨٨١ - [٢٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ مَنْزِلًا؟ قِيلَ: نَعَمْ، قَالَ: الَّذِي يُسْأَلُ بِاللَّهِ وَلَا يُعْطِي بِهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ٢٣٧].\n١٨٨٢ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ عَلَى عُثْمَانَ، فَأَذِنَ لَهُ، وَبِيَدِهِ عَصَاهُ، فَقَالَ عُثْمَانُ: يَا كَعْبُ! إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ مَالًا فَمَا تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ يَصِلُ فِيهِ حَقَّ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ. فَرَفَعَ أَبُو ذَرٍّ عَصَاهُ فَضَرَبَ كَعْبًا وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَا أُحِبُّ لَوْ أَنَّ لِي. . . . .\nــ\nفتدبر.\n١٨٨١ - [٢٣] (ابن عباس) قوله: (الذي يسأل باللَّه) الباء للاستعانة أو القسم.\nوقوله: (ولا يعطي به) قال الطيبي (١): وهذا مشكل إلا أن يهتم السائل بعدم الاستحقاق، وأقول: أو يكون المسؤول عنه محتاجًا لنفسه أو لعياله، ولا يكون له سوى ما في يده، واللَّه أعلم.\n١٨٨٢ - [٢٤] (أبو ذر) قوله: (بيده) أي: بيد أبي ذر، (عصاة) التاء للوحدة مثل تمرة.\nوقوله: (وترك مالًا) أي: مالًا عظيمًا، وقد روي أنه كان له أربع نسوة فصولحت على ربع الثمن الذي هو حقهن، فأصاب كل واحدة منهن ثمانين ألفًا.\nوقوله: (فرفع أبو ذر عصاه فضرب كعبًا) كان أبو ذر -﵁- من فقراء الصحابة وزهادهم، وكان مذهبه ترك الكل واختيار التجريد، وإلا فما أدى زكاته فلا كنز\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٩١).","vol":"4","page":340},{"text":"هَذَا الْجَبَلَ ذَهَبًا أُنْفِقُهُ وَيُتَقَبَّلُ مِنِّي أَذَرُ خَلْفِي مِنْهُ سِتَّ أَوَاقِيَّ\". أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ يَا عُثْمَانُ! أَسَمِعْتَهُ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ٦٣].\n١٨٨٣ - [٢٥] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ -ﷺ- بِالْمَدِينَةِ الْعَصْرَ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ. . . . .\nــ\nولا وعيد عليه، لاسيّما إذا وصلت فيه الحقوق من الصدقات النافلة (١)، و(هذا الجبل) إشارة إلى الجبل المتخيل المستحضر في الذهن تمثيلًا، أو يكون إشارة إلى جبل أحد، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ويتقبل مني) فيه مبالغة، أي: مع أنه يتقبل ويترتب عليه الثواب، و(أذر) مفعول (أحب) بتقدير أن بالرفع بعد تقديرها كقوله: وتسمع بالمعيدي.\nوقوله: (ثلاث مرات) ظرف (قال) أي: قاله أبو ذر ثلاث مرات.\n١٨٨٣ - [٢٥] (عقبة بن الحارث) قوله: (إلى بعض حجر نسائه) متعلق بـ (قام) أو (مسرعًا).\n_________\n(١) قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يَضْرِبُهُ وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ بِكَنْزٍ بَعْدَ إِخْرَاجِ حَقِّ اللَّهِ مِنْهُ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ إِنَّمَا ضَرَبَهُ لِأَنَّهُ نَفَى الْبَأْسَ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُحَاسَبُ وَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ بَعْدَ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ أَيْ: بِخَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ، وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْمَقَامَ الأَعْلَى هُوَ صَرْفُ الْمَالِ فِي مَرْضَاةِ الْمَوْلَى كَمَا هُوَ طَرِيقُ أَكْثَرِ الأَنْبِيَاءِ وَالأَصْفِيَاءِ، إِلَّا أَنَّ فِيهِ إِشْكَالًا وَهُوَ أَنَّ كَعْبًا أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى إِجْمَالًا بِقَوْلِهِ: (لَا بَأْسَ) فَإِنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الرُّخْصَةِ دُونَ الْعَزِيمَةِ، وَمَعَ هَذَا لَا يَظْهَرُ وَجْهُ الإِهَانَةِ لَا سِيَّمَا فِي حَضْرَةِ الْخَلِيفَةِ، وَلَعَلَّ أَبَا ذَرٍّ غَلَبَتْ عَلَيْهِ الْجَذْبَةُ الْمُؤَدِّيَةُ إِلَى الضَّرْبَةِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِـ (لَا بَأْسٍ) نَفْيَ الْحُرْمَةِ أَوِ الْكَرَاهَةِ كَمَا هُوَ اصْطِلَاحُ الشَّافِعِيَّةِ، وَالأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَلَعَلَّ هَذَا الْفِعْلَ وَأَمْثَالَهُ مِمَّا صَدَرَ عَنْهُ فِي جَذْبِهِ حَالَةَ أَمْرِ عُثْمَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِإِخْرَاجِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى رَبْزَةَ حَتَّى تُوفِيَ بِهَا -﵄-. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٣١).","vol":"4","page":341},{"text":"عَلَيْهِمْ، فَرَأَى أَنَّهُمْ قَدْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ، قَالَ: \"ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ: \"كُنْتُ خَلَّفْتُ فِي الْبَيْتِ تِبْرًا مِنَ الصَّدَقَةِ فَكَرِهْتُ أَنْ أُبَيِّتَهُ\". [خ: ٨٥١، ١٤٣٠].\n١٨٨٤ - [٢٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عِنْدِي فِي مَرَضِهِ سِتَّةُ دَنَانِيرَ أَوْ سَبْعَةٌ، فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ أُفَرِّقَهَا، فَشَغَلَنِي وَجَعُ نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ- ثُمَّ سَأَلَنِي عَنْهَا: \"مَا فَعَلَتِ السِّتَّةُ أَوِ السَّبْعَةُ؟ \" قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، لَقَدْ كَانَ شَغَلَنِي وَجَعُكَ، فَدَعَا بِهَا، ثُمَّ وَضَعَهَا فِي كَفِّهِ، فَقَالَ: \"مَا ظَنُّ نبِيِّ اللَّهِ لَوْ لَقِيَ اللَّهَ ﷿ وَهَذِهِ عِنْدَهُ؟ \". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ١٠٤].\nــ\nوقوله: (أن يحبسني) أي: يمنعني عن مقام الزلفى ويلهيني عن خالص التوجه.\nوقوله: (أبيته) أي: أتركه يدخل عليه الليل.\n١٨٨٤ - [٢٦] (عائشة) قوله: (ما فعلت الستة) (١) فعلٌ وفاعلٌ، أي: ما حالها؟ وإلى ما صارت، أنفقتها أم لا؟ فقولها: (لا) اختيار للشق الأول المقدر، ويحتمل أن تكون كلمة (لا) من لواحق القسم كما يقولون: لا واللَّه، وهي أيضًا وإن كانت نفيًا للكلام السابق لكن يكون قوله: (ما فعلت الستة) في معنى قد قصرت في تفريقها، فقالت: (لا واللَّه، شغلني وجعك)، فافهم.\nوقوله: (ما ظن نبي اللَّه) الإضافة إلى الفاعل، أي: هي منافية لمقام النبوة.\n_________\n(١) قال القاري (٤/ ١٣٣٢): بِالرَّفْعِ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِذَا رُوِيَ بِالنَّصْبِ كَانَ \"فَعَلْتِ\" عَلَى خِطَابِ عَائِشَةَ، اهـ. وَالتَّقْدِيرُ: مَا فَعَلْتِ بِالسِّتَّةِ أَوِ السَّبْعَةِ؟ يَعْنِي هَلْ فَرَّقْتِهَا أَوْ مَا فَرَّقْتِهَا \"قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ\" أَيْ: مَا فَرَّقْتُهَا، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْقَسَمِ تَحْقِيقُ التَّقْصِيرِ لِيَكُونَ سَبَبًا لِقَبُولِ الْعُذْرِ.","vol":"4","page":342},{"text":"١٨٨٥ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- دَخَلَ عَلَى بِلَالٍ، وَعِنْدَهُ صُبْرَةٌ مِنْ تَمْرٍ، فَقَالَ: \"مَا هَذَا يَا بِلَالُ؟ \" قَالَ: شَيْءٌ ادَّخَرْتُهُ لِغَدٍ. فَقَالَ: \"أَمَا تَخْشَى أَنْ تَرَى لَهُ غَدًا بُخَارًا فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَنْفِقْ بِلَالُ! وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا\" (١).\n١٨٨٦ - [٢٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"السَّخَاءُ شَجَرَةٌ فِي الْجَنَّةِ، فَمَنْ كَانَ سَخِيًّا أَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْهَا فَلَمْ يَتْرُكْهُ الْغُصْنُ حَتَّى يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ. وَالشُّحُّ شَجَرَةٌ فِي النَّارِ، فَمَنْ كَانَ شَحِيْحًا أَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْهَا فَلَمْ يَتْرُكْهُ الْغُصْنُ حَتَّى يُدْخِلَهُ النَّارَ\". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ١٣٤٥، ١٠٨٧٧].\n١٨٨٧ - [٢٩] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"بَادِرُوا بِالصَّدَقَةِ؛ فَإِنَّ الْبَلَاءَ لَا يَتَخَطَّاهَا\". رَوَاهُ رَزِينٌ.\n* * *\nــ\n١٨٨٥ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (أن ترى له غدًا بخارًا) أي: أثرًا يصل إليك، يقال: أصابه من بخاره، أي: يصل أثره إليه، وهذا إرشاد إلى مقام التوكل والوثوق باللَّه.\n١٨٨٦ - [٢٨] (وعنه) قوله: (السخاء شجرة في الجنة) أي: كشجرة ذات شعب وأغصان، فمن تعلق بطرف منها دخل الجنة.\n١٨٨٧ - [٢٩] (علي) قوله: (لا يتخطاها) أي: لا يتجاوزها، تفعّل من الخطو.\n_________\n(١) قال القاري (٤/ ١٣٣٢): \"أَنْفِقْ بِلَالُ! \" أَيْ: يَا بِلَالُ \"وَلَا تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلَالًا\" أَيْ: فَقْرًا وَاعِدًا مَا، وَهَذَا أَمْرٌ إِلَى تَحْصِيلِ مَقَامِ الْكَمَالِ وَإِلَّا فَقَدْ جَوَّزَ ادِّخَارَ الْمَالِ سَنَةً لِلْعِيَالِ وَكَذَا لِضُعَفَاءِ الأَحْوَالِ، قِيلَ: وَمَا أَحْسَنَ مَوْقِعَ ذِي الْعَرْشِ فِي هَذَا الْمَقَامِ، أَيْ: أَتَخْشَى أَنْ يُضَيِّعَ مِثْلَكَ مَنْ هُوَ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ؟ اهـ.","vol":"4","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-546>٦ - باب فضل الصدقة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-547> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٨٨٨ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلَّا الطَّيِّبَ (١)،\nــ\n٦ - باب فضل الصدقة\nهذا أيضًا يحتمل أن يحمل على النافلة وهو الأغلب، وعلى ما يعم الفرض والنفل، وإنما سميت صدقة لدلالتها على صدق صاحبها في دعوى صحة الإيمان ظاهرًا وباطنًا كما سمي الزكاة؛ لأنها تزكي صاحبه وتشهد بصحة إيمانه على أحد الوجوه التي ذكروها فيها كما مرّ.\nالفصل الأول\n١٨٨٨ - [١] (أبو هريرة) قوله: (من تصدق بعدل تمرة) أي: بما يعادلها\n_________\n(١) قال القاري: وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَن غَيْرَ الْحَلَالِ غَيْرُ مَقْبُولٍ وَأَنَّ الْحَلَالَ الْمُكْتَسَبَ يَقَعُ بِمَحَلٍّ عَظِيمٍ، وَكَانَ شَيْخُنَا الْعَارِفُ بِاللَّهِ الْوَليُّ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الْمُتَّقِي -﵀- يَحْكِي أَنَّ أَحَدًا مِنَ الصَّالِحِينَ كَانَ يَكْتَسِبُ وَيَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثِ وَيُنْفِقُ الثُّلُثَ وَيَصْرِفُ الثُّلُثَ فِي الْمُكْتَسَبِ، فَجَاءَهُ أَحَدٌ مِنْ أَرْبَابِ الدُّنْيَا وَقَالَ: يَا شَيْخُ أُرِيدُ أَنْ أَتَصَدَّقَ فَدُلَّنِي عَلَى الْمُسْتَحِقِّ، فَقَالَ: حَصِّلِ الْمَالَ مِنَ الْحَلَالِ ثُمَّ أَنْفِقْ فَإِنَّهُ يَقَعُ فِي يَدِ الْمُسْتَحِقِّ، فَأَلَحَّ عَلَيْهِ الْغَنِيُّ فَقَالَ: اخْرُجْ فَإِذَا لَقِيتَ أَحَدًا حَنَّ عَلَيْهِ قَلْبُكَ فَأَعْطِهِ، فَخَرَجَ فَرَأَى شَيْخًا كَبِيرًا أَعْمَى فَقِيرًا فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ مَرَّ عَلَيْهِ يَوْمًا آخَرَ فَسَمِعَ أَنَّ الأَعْمَى يَحْكِي إِلَى مَنْ بِجَنْبِهِ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى شَخْصٍ بِالأَمْسِ فَأَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا، فَانْبَسَطْتُ وَصَرَفْتُ الْبَارِحَةَ فِي الشُّرْبِ مَعَ فُلَانَةَ الْمُغَنِّيَةِ، فَجَاءَ إِلَى الشَّيْخِ وَحَكَى لَهُ بِالْوَاقِعَةِ فَأَعْطَاهُ الشَّيْخُ مِنْ دَرَاهِمِ كَسْبِهِ دِرْهَمًا وَقَالَ لَهُ: إِذَا خَرَجْتَ مِنَ الْبَيْتِ فَأَوَّلُ مَنْ يَقَعُ نَظَرُكَ عَلَيْهِ فَادْفَعِ =","vol":"4","page":344},{"text":"فَإِنَّ اللَّهَ يَتَقَبَّلُهَا بِيَمِينِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ،\nــ\nويماثلها في القيمة، والعدل بالكسر: المثل، وبالفتح في الأصل مصدر بمعنى التسوية، فجعل اسمًا للمثل، ويطلق أيضًا على الفدية؛ لأنها سميت بالمفدى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨]، ويفرق بأن العدل بالفتح مثل الشيء من غير جنسه، وبالكسر من جنسه، نقل ذلك عن الفراء، وربما يكسر بعض العرب في غير الجنس أيضًا، قال الجوهري: وكأنه منهم غلط، ويروى في الحديث بالفتح والكسر.\nوقوله: (فإن اللَّه يتقبلها بيمينه) المراد حسن القبول ووقوعها منه ﷿ موضع الرضا، وذكر اليمين للتعظيم والتشريف، وكلتا يدي الرحمن يمين، والمراد بـ (تربيتها) تضعيفها ومزيد الثواب عليها كما أومئ إليه بذكر (الفلو) بالنسبة إلى تمرة، وهو بفتح الفاء وضم اللام وروي بسكون لام وفتح فاء، كذا في (مجمع البحار)، الْمُهْر وهو ولد الفرس أول ما ينتج، وفي (مجمع البحار) (١): الفلو المهر الصغير، وقيل: هو العظيم من أولاد ذات الحافر، وفي (القاموس) (٢): والفِلْوُ، بالكسر وكعَدُوٍّ وسُمُوٍّ: الجَحْشُ والمُهْرُ\n_________\n= الدِّرْهَمَ إِلَيْهِ، فَخَرَجَ فَرَأَى شَخْصًا مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ يَظْهَرُ مِنْهُ آثَارُ الْغِنَى فَخَافَ مِنْهُ أَنْ يُعْطِيَهُ لَكِنْ لَمَّا كَانَ بِأَمْرِ الشَّيْخِ عَرَضَ عَلَيْهِ وَدَفَعَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا أَخَذَهُ رَجَعَ مِنْ طَرِيقِهِ وَتَبِعَهُ الْغَنِيُّ إِلَى أَنْ رَآهُ دَخَلَ فِي خَرَابَةٍ وَخَرَجَ مِنْ بَابٍ آخَرَ وَرَجَعَ إِلَى الْبَلَدِ، فَدَخَلَ وَرَاءَهُ فِي تِلْكَ الْخَرَابَةِ فَلَمْ يَرَ فِيهَا إِلَّا حَمَامَةً مَيِّتَةً فَتَبِعَهُ وَأَقْسَمَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَهُ بِمَا وَقَعِ لَهُ مِنَ الْحَالِ، فَذَكَرَ أَنَّ مَعَهُ أَوْلَادًا صِغَارًا وَكَانُوا فِي غَايَةِ مِنَ الْمَجَاعَةِ فَحَصَلَ لَهُ اضْطِرَابٌ، فخَرَجَ دَائِرًا فَرَأَى الْحَمَامَةَ فَأَخَذَ بِهَا لَهُمْ، فَلَمَّا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْفُتُوحِ رَدَّ الْحَمَامَةَ إِلَى مَكَانِهَا، فَعَرَفَ تَحْقِيقَ مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٣٣).\n(١) \"مجمع البحار\" (٤/ ١٨٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢١٤).","vol":"4","page":345},{"text":"حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الْجَبَل\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤١٠، م: ١٠١٤].\n١٨٨٩ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ شَيْئًا، وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٨٨].\n١٨٩٠ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دُعِيَ مِنْ أَبْوَاب الْجنَّة،\nــ\nفُطِمَا، أو بَلَغَا السَّنَةَ، وقال في (مشارق الأنوار) (١): فلوه بفتح الفاء وضم اللام وهو المهر؛ لأنه يفلي عن أمه، أي: يعزل ويتحد، وحكي فيه فلو بكسر الفاء وسكون اللام، وحكاه الداودي، وأنكر ابن دريد وغيره غير الوجه الأول، وخص الفلو بالتشبيه لأنه أقبل للتربية من سائر النتاج وأشرف، وأصل الفلو: العظم، فَلَا الصبيُّ والمهر فلوًا وفَلاءً: عزله عن الرضاع أو فطمه، ثم بالغ في التشبيه فقال: (حتى تكون) أي: التمرة، أي: ثوابها عظيمًا كنسبة الجبل إلى ما هو مثل التمرة في المقدار.\n١٨٨٩ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (من مال) (من) زائدة أو تبعيضية أو بيانية، بل يزيد أضعافًا مضاعفة في الدنيا بالبركة وجلب المزيد، وفي الآخرة بزيادة الأجر والثواب، وكذا العفو وإن كان يرى ذلًّا في الصورة لكنه يزيد عزه وكرامته وسيادته في الدنيا والآخرة، وكذا في التواضع، وفي الحديث دليل على أن العبرة للمعنى والحقيقة، دون الصورة والظاهر.\n١٨٩٠ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (من أنفق زوجين) قال في (المشارق) (٢):\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٦٥).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٥٠١).","vol":"4","page":346},{"text":"وللجنة أَبْوَابٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجهَاد دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجهَادِ، وَمَنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ\". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ،\nــ\nقال الحسن البصري: يعني اثنين درهمين دينارين ثوبين، وقال غيره: يريد شيئين درهمًا ودينارًا، درهمًا وثوبًا، فالمراد بالزوج الصنف، وما يأتي من حديث أبي ذر في (الفصل الثالث) صريح في المعنى الأول، وقال الباجي: يحتمل أن يريد بذلك العمل من صلاتين أو صيام يومين، انتهى. ولا يخفى أن الإنفاق لا يلائم هذا المعنى، وأما إرادة تكرار الإنفاق مرة بعد أخرى، ومعنى الكلام الإنفاق بعد الإنفاق فلا يخلو عن بعد، ووجهه أنه إذا أنفق درهمًا في سبيل اللَّه ثم عاد فأنفق آخره يصير زوجين.\nوقوله: (فمن كان من أهل الصلاة) أي: من كان الغالب عليه ذلك وكذا في البواقي، وإلا فالمؤمن يتصف بالجميع لا يخلو عن شيء منها أو أكثرها.\nوقوله: (من باب الريان) بفتح الراء وتشديد الياء التحتية بوزن فعلان: من الري اسم علم لباب من أبواب الجنة يختص بدخوله الصائمون، وقد روي: (من دخله لم يظمأ) اكتفى بذكر الري عن الشبع من حيث إنه يستلزمه، أو لكونه أشق على الصائم، كذا قال الشيخ (١)، أو لكونه أهم حينئذٍ، قاله الطيبي (٢).\nوقوله: (ما على من دعي من تلك الأبواب) (ما) نافية، أي: ليس ضرورة على\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ١١١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٩٧).","vol":"4","page":347},{"text":"فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: \"نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٩٧، م: ١٠٢٧].\n١٨٩١ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا؟ \" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا، قَالَ: \"فَمَنْ تَبعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟ \" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. قَالَ: \"فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟ \" قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. قَالَ: \"فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟ \". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا اجْتَمَعْنَ فِي امْرِئٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ (١) \". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٢٨].\nــ\nمن دعي من تلك الأبواب، إذ لو دعي من باب واحد يحصل مراده، وهو دخول الجنة، وهذا نوع تمهيد قاعدة السؤال في قوله: (فهل يدعى) أي: ومع أنه لا ضرورة في أن يدعى من جميع الأبواب، فهل يدعى أحد. . . إلخ (٢).\n١٨٩١ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (قال أبو بكر: أنا) فيه أنه لا منع لأن يقال: أنا، وإنما منع من منع ذلك من بعض الصوفية إذا كان على قصد التكبر ودعوى الوجود والأنانية، وإلا فوقوعه في الكتاب والسنة والآثار أكثر من أن يحصى، فكيف يمنع منه، وكفى بقول الصديق هذا، وتقرير النبي -ﷺ- إياه حجة، وقد بسط الكلام فيه الشيخ التُّورِبِشْتِي (٣)، ونقله الطيبي.\n_________\n(١) قال القاري: أَيْ: بِلَا مُحَاسَبَةٍ وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ الإِيمَانِ يَكْفِي لِمُطْلَقِ الدُّخُولِ، أَوْ مَعْنَاهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ بَابٍ شَاءَ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٣٦).\n(٢) وقد أجاد شيخ مشايخنا الكلام على هذا الحديث في \"لامع الدراري\" (٣/ ٧٩)، و\"الكوكب الدري\" (٢/ ٣١٩) فليراجعه.\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٤٢)، و\"شرح الطيبي\" (٤/ ٩٨).","vol":"4","page":348},{"text":"١٨٩٢ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠١٧، م: ١٠٣٠].\n١٨٩٣ - [٦] وَعَنْ جَابِرٍ وَحُذَيْفَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كُلُّ مَعْرُوفٍ. . . . .\nــ\n١٨٩٢ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (يا نساء المسلمات) فيه وجوه، أحدهما: أنه منادى مضاف إضافة الموصوف إلى الصفة كمسجد الجامع، فعلى مذهب الكوفية متروك على ظاهره، والبصرية يأولونه بحذف الموصوف، والتقدير: يا نساء الطوائف المسلمات، قال الطيبي (١): هذا أصح الوجوه يعني من حيث الرواية.\nوثانيهما: أنه منادى مفرد مضموم، والمسلمات صفة، إما مرفوع على لفظ أو منصوب على المحل مثل يا زيد العاقل، وهذا أظهر الوجوه من حيث المعنى.\nوقوله: (لا تحقرن) بصيغة المعلوم، والمراد الحقارة في الإهداء، أي: لا تحقر امرأة أن تهدي إلى جارتها ولو أن تهدي فرسن شاة، أي: لا ينبغي ترك الصدقة وإن كان شيئًا قليلًا وأن يستحيى منها، و(الفرسن) بكسر الفاء وسكون الراء وكسر السين آخره نون على وزن زبرج: خف البعير كالحافر للدابة، وقد يستعار للشاة، والذي للشاة الظلف، وهو مما لا ينتفع به، فذكره للمبالغة كما في حديث (٢): (من بنى للَّه مسجدًا ولو كمَفْحصَ قطاة)، وفي حديث آخر (٣): (ولو بظلف محرق).\n١٨٩٣ - [٦] (جابر وحذيفة) قوله: (كل معروف) أي: أمر حسن فيه خير\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٩٩).\n(٢) أخرجه أحمد (١/ ٢٤١، رقم: ٢١٥٧).\n(٣) أخرجه أحمد (٤/ ٧٠، رقم: ١٦٩٩).","vol":"4","page":349},{"text":"صَدَقَةٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٢١، م: ١٠٠٥].\n١٨٩٤ - [٧] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلِيقٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٢٦].\nــ\nوتقرب، وهو ما عرف في الشرع، ولم ينكر من الأموال والأقوال والوجه الطليق ونحو ذلك.\nوأما قوله: (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) فقيل: ظاهره أن كلًّا من البخاري ومسلم أخرجه من حديث جابر وحذيفة، وأصل الحديث معًا وليس كذلك، فقد أخرجه البخاري من حديث جابر، ومسلم من حديث حذيفة، وأصل الحديث مع قطع النظر عن الراويين متفق عليه، انتهى.\nوقال الشيخ: الحديث المتفق عليه إنما يطلق اصطلاحًا إذا كان البخاري ومسلم روياه من صحابي واحد، وإذا كان البخاري رواه من صحابي، ومسلم من صحابي آخر لا يسمى متفقًا عليه، فتدبر.\n١٨٩٤ - [٧] (أبو ذر) قوله: (بوجه طليق) أي: بشاش به، قال في (القاموس) (١): طلق ككرم، وهو طلق الوجه مثلثة، وككتف وأمير، أي: ضاحكة مشرقة (٢).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٣٣).\n(٢) قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَعْرُوفُ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا عُرِفَ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ -تَعَالَى- وَالإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ وَهُوَ مِنَ الصِّفَاتِ الْغَالِبَةِ، أَيْ: أَمْرٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ النَّاسِ إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يُنْكِرُوهُ، وَمِنَ الْمَعْرُوفِ النَّصَفَةُ وَحُسْنُ الصُّحْبَةِ مَعَ الأَهْلِ وَغَيْرِهِمْ وَتَلَقِّي النَّاسَ بِوَجْهٍ طَلِيقٍ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٣٦).","vol":"4","page":350},{"text":"١٨٩٥ - [٨] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ\". قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: \"فَلْيَعْمَلْ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعَ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقَ\". قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: \"فَيُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ\". قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ؟ قَالَ: \"فَيَأْمُرُ بِالْخَيْرِ\". قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: \"فَيُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهُ لَهُ صَدَقَةٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٢٢، م: ١٠٠٨].\n١٨٩٦ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كُلُّ سُلَامَى. . . . .\nــ\n١٨٩٥ - [٨] (أبو موسى الأشعري) وقوله: (أو لم يفعل) شك من الراوي، ويؤيده ما بعده قوله: (فإن لم يفعله) ويكون هذا أيضًا محمولًا على عدم الاستطاعة كيلا يعد تقصيرًا، و(الملهوف) المكروب، وفي (القاموس) (١): لهف كحزن، الملهوف واللهفان واللاهف: المظلوم المضطر يستغيث ويضطر.\nوقوله: (فإن لم يفعله) مع الضمير المنصوب، وبعده (فإن لم يفعل) بلا ضمير.\nوقوله: (فيمسك) أي: نفسه أو الناس.\n١٨٩٦ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (كل سلامى) بضم السين وتخفيف اللام وفتح الميم، جمعه السلاميات بفتح الميم، قال في (المشارق) (٢): أي كل عظم ومفصل، وأصله عظام الكف والأكارع، وقد جاء في الحديث مفسرًا، فذكر ثابت في دلائله عنه -ﷺ-: (لابن آدم ثلاث مئة وستون مفصلًا، على كل مفصل صدقة) الحديث (٣)، وتذكير الضمير في (عليه) باعتبار (كل) يعني يجب في مقابلة كل عظم ومفصل من\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٨٨).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٣٦٩).\n(٣) أخرجه أبو داود (٥٢٤٢).","vol":"4","page":351},{"text":"مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ: يَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩٨٩، م: ١٠٠٩].\n١٨٩٧ - [١٠] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خُلِقَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِ مِئَةِ مَفْصِلٍ، فَمَنْ كَبَّرَ اللَّه، وَحَمِدَ اللَّهَ، وَهَلَّلَ اللَّهَ، وَسَبَّحَ اللَّهَ، وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ، وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ شَوْكَةً، أَوْ عَظْمًا،\nــ\nالإنسان صدقة شكرًا لما في خلقها من رغائب النعم وعجائب الحكم.\nوقوله: (كل يوم) منصوب على الظرفية لما في (عليه) من معنى الفعل.\nوقوله: (يعدل) استئناف لبيان الصدقة وتفسيرها، وتنبيه على أن الصدقة هنا ليست مخصوصة بإنفاق المال، وهو مبتدأ بتقدير أن، و(صدقة) خبره، ويحتمل أن يكون (كل يوم) ظرفًا لـ (يعدل) فيكون ابتداء الاستئناف منه، والضمير في (دابته) للرجل، ويجوز أن يكون لما هو فاعل (يعين).\nوفي قوله: و(الكلمة الطيبة) و(الخطوة) تفنن لما لم يأت بلفظ الفعل إشارة إلى أن ذاتيهما صدقة.\nوقوله: (كُلُّ خطوة) بالرفع والنصب، وعلى الثاني يكون المبتدأ (يخطوهما) بتقدير أن كما في القرائن الآخر، وسبق معنى إماطة الأذى عن الطريق في أول الكتاب في (كتاب الإيمان).\n١٨٩٧ - [١٠] (عائشة) قوله: (كل إنسان) أي: كل شخص.","vol":"4","page":352},{"text":"أَوْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ عَدَدَ تِلْكَ السِّتِّينَ وَالثَّلَاثِ مِئَةِ، فَإِنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٠٧].\n١٨٩٨ - [١١] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ،\nــ\nوقوله: (عدد) منصوب بنزع الخافض أو بفعل مقدر أي: يعد هذا العدد، والظاهر أن المراد أن يكون أحد من المذكورات بهذا العدد، أو بعض من هذه الأقوال وبعض من الأفعال مختلط، ولعل إيراد (أو) في قوله: (أو أمر) والواو في بواقيها أنه أراد مقابلة الأمر والنهي للأفعال والترديد بينهما يعني أن ثواب الأمر والنهي في جانب، ولسائر الأفعال في جانب.\nوقوله: (ونهى) في بعض النسخ بـ (أو)، وفي أكثرها بالواو، فافهم.\nوقوله: (والثَّلَاثِ مِئَةِ) وقيل في الاعتداد عن إضافة المعرفة إلى النكرة: إن اللام زائدة، وقال الطيبي (١): يجوز أن يكون التعريف بعد الإضافة.\nوقوله: (يمشي) بالمعجمة من المشي، أو بالمهملة من الإمساء.\nوقوله: (يومئذٍ) إشعار بأنه ينبغي أن يفعل ذلك كل يوم ليكون شكرًا له.\nوقوله: (قد زحزح نفسه) في (القاموس) (٢): زَحَّه: نَحَّاهُ عن مَوْضِعِه، ودَفَعَه، وجَذَبَه في عَجَلَةٍ. وزَحْزَحَه عنه: باعَدَه فَتَزَحْزَحَ.\n١٨٩٨ - [١١] (أبو ذر) قوله: (أن بكل تسبيحة صدقة) منصوب على أنه اسم\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٠٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢١٦).","vol":"4","page":353},{"text":"وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ\" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: \"أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٠٦].\n١٨٩٩ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نِعْمَ الصَّدَقَةُ اللِّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، وَالشَّاةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً تَغْدُو بِإِناءٍ وَتَرُوحُ بِآخَرَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٠٨، م: ١٠٢٠].\nــ\n(إن)، وفي البواقي إما منصوب على العطف عليه ولفظ (كل) مجرور، أو كلاهما مرفوع على أنه كلام مستأنف، وترك (كل) في (أمر) و(نهي) إشارة إلى عظم شأنهما كأنه يكتفي واحد منهما ولو في العمر مرة، و(البضع) بالضم: الجماع والفرج نفسه، وإدخال (في) إشارة إلى أن ذاته ليست صدقة، بل ما في ضمنه من التحصن وأداء حق الزوجة، والأمور المذكورة ذواتها صدقة، لأنها أذكار وقربات.\nوقوله: (أكان عليه) بهمزة الاستفهام قبل (كان).\n١٨٩٩ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (اللقحة) بكسر اللام وقد يفتح: الناقة الحلوب، وهي اللَّقُوحُ، كصَبُورٍ، أو التي نتُجَتْ لَقُوحٌ إلى شَهْرَيْنِ أو ثلاثةٍ، ثم هي لَبُونٌ، و(الصفي) على وزن الغني: الغزير الدر، و(المنحة) بكسر الميم: العطية، ويطلق على ناقة عارية ليشرب درها مدة ثم ترد إلى مالكها.\nوقوله: (منحة) تمييز، وهذا يؤيد مذهب المبرد من صحة وقوع التمييز بعد الفاعل الظاهر لباب (نِعْمَ)، ومنعه سيبويه، وخصه بالفاعل المضمر، كذا ذكره","vol":"4","page":354},{"text":"١٩٠٠ - [١٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ إِنْسَانٌ أَوْ طَيْرٌ أَوْ بَهِيمَةٌ إِلَّا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠١٢، م: ١٥٥٣].\n١٩٠١ - [١٤] وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ: \"وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ\". [م: ١٥٥٢].\n١٩٠٢ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ. . . . .\nــ\nالطيبي (١)، و(تغدو) إما بلفظ التأنيث أو بصيغة الخطاب صفة (منحة)، أو استئناف لبيان وجه المدح الذي تفيده (نِعم)، أي: تحلب من لبنها ملء إناء بالغدوة، وملء إناء آخر وقت المساء.\n١٩٠٠ - [١٣] (أنس) قوله: (يغرس) غرسًا، في (القاموس) (٢): غَرَسَ الشَّجَرَ يَغْرِسُهُ: أثْبَتَهُ في الأرضِ، كأَغْرَسَهُ، والغرس -بالفتح- المغروس.\nوقوله: (إلا كانت له صدقة) بالرفع والنصب (٣).\n١٩٠٢ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (مومسة) أي: زانية، بضم الميم الأولى وكسر الثانية، من الومس؛ احتكاك الشيء بالشيء حتى تجرد، وفي حديث جريج الراهب (٤):\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٠٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥١٩).\n(٣) قَالَ الطِّيبِيُّ: الرِّوَايَةُ بِرَفع (الصَّدَقَةِ) عَلَى أَنَّ كَانَتْ تَامَّةٌ، اهـ. وَفِي نُسْخَةِ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّ الضَّمِيرَ رَاجِعٌ إِلَى الْمَأْكُولِ، وَأُنِّثَ لِتَأْنِيثِ الْخَبَرِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٣٩).\n(٤) أخرجه البخاري (٣٤٣٦)، ومسلم (٢٥٥٠).","vol":"4","page":355},{"text":"مَرَّتْ بِكَلْبٍ عَلَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ كَادَ يَقْتُلُهُ الْعَطَشُ، فَنَزَعَتْ خُفَّهَا فَأَوْثَقَتْهُ بِخِمَارِهَا، فَنَزَعَتْ لَهُ مِنَ الْمَاءِ، فَغُفِرَ لَهَا بِذَلِكَ\". قِيلَ: إِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: \"فِي كُلِّ ذَاتِ كبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٢١، م: ٢٢٤٥].\nــ\n(لا تمته حتى ينظر في وجوه المومسات)، وفي حديث أبي وائل (١): (أكثر تبع الدجال أولاد الموامس). والركي: بوزن الزكي: البئر، والركية واحدة منها. واللهث بالتحريك: العطش، كمنع لهثًا ولهاثًا -بالضم-: أخرج لسانه عطشًا.\nوقوله: (في كل ذات كبد رطبة أجر) أي: حية، إذ الرطوبة لازمة للحياة، كذا في (مجمع البحار) (٢).\nواللهاث كغراب: حر العطش، ولهث الكلب كمنع لهثًا ولهاثًا بالضم: أخرج لسانه عطشًا.\nوقال التُّورِبِشْتِي (٣): قيل: الكبد إذا ظمئت ترطبت، وقيل: هو من باب وصف الشيء باعتبار ما يؤول، وروي: (كبد حرّى) (٤)، وقيل: فيه مبالغة؛ فإن الرطبة تدل على الحرّى بالأولوية، ثم قد استثنى من هذا ما أمر بقتله من البهائم المؤذية كالحية والعقرب وغيرها (٥).\n_________\n(١) أخرجه نعيم بن حماد في \"كتاب الفتن\" (١٥٣٤).\n(٢) \"مجمع البحار\" (٢/ ٣٤٢).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٤٥).\n(٤) أخرجه ابن ماجه (٣٦٨٦).\n(٥) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى غُفْرَانِ الْكَبِيرَةِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ، قِيلَ: وَفِي الْحَدِيثِ تَمْهِيدُ فَائِدَةِ الْخَيْرِ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٣٩).","vol":"4","page":356},{"text":"١٩٠٣ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ أَمْسَكَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ مِنَ الْجُوعِ، فَلَمْ تَكُنْ تُطْعِمُهَا وَلَا تُرْسِلُهَا فَتَأْكُلَ مِنْ خِشَاشِ الأَرْضِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣١٨، م: ٢٢٤٢].\n١٩٠٤ - [١٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَجَرَةٍ عَلَى ظَهْرِ طَرِيقٍ، فَقَالَ: لأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنْ طَرِيقِ الْمُسلمين لَا يُؤْذِيهِمْ، فَأُدْخِلَ الْجنَّةَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٢، م: ١٩١٤].\n١٩٠٥ - [١٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ (١) فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ. . . . .\nــ\n١٩٠٣ - [١٦] (ابن عمر) وقوله: (في هرة) أي: في شأن هرة، والتحقيق أن (في) للتعليل، وهو كثير في كلامهم، ومنه قوله تعالى: ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٨] وفي موضع آخر ﴿فِي مَا أَفَضْتُمْ﴾ [النور: ١٤]، ومنه قولهم: التفكر في معرفة اللَّه واجب، ثم دخولها قد يكون علة موجبة، وقد يكون علة غاية كما هو شأن العلة في المفعول، و(الخشاش) بالكسر ما لا دماغ له من دواب الأرض ومن الطير، ومثله حشرات الأرض والعصافير ونحوها.\n١٩٠٤ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (على ظهر طريق) أي: على ظاهره وفوقه.\nوقوله: (لأنحين) من التنحية، أي: أبعده وأجعله على ناحية من الطريق وجانبه منها.\nوقوله: (فأدخل) ماض مجهول، يعني: أدخل الجنة بمجرد النية وإن نحاها فذاك.\n١٩٠٥ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (في شجرة) أي: لأجل شجرة، وفي هذا\n_________\n(١) أَيْ: يَمْشِي وَيَتَبَخْتَرُ، أَيْ: يَتَرَدَّدُ وَيَتَنَعَّمُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٤٠).","vol":"4","page":357},{"text":"قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩١٤].\n١٩٠٦ - [١٩] وَعَنْ أَبِي بَرْزَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعْ بِهِ، قَالَ: \"اعْزِلِ الأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦١٨].\nوَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ: \"اتَّقُوا النَّارَ\" فِي \"بَابِ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ\".\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-548> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٩٠٧ - [٢٠] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ -ﷺ- الْمَدِينَةَ جِئْتُ، فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ. فَكَانَ أَوَّلُ مَا قَالَ: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ! . . . . .\nــ\nالحديث ذكر قطع الشجرة، وفي الحديث السابق تنحية غصنها من غير قطع على وفق مصلحة في قطع أو تنحية شجرة أو غصن منها، وفي الكل أجر.\n١٩٠٦ - [١٩] وقوله: (وعن أبي برزة) بتقديم الراء على الزاي، وتقديم الموحدة عليهما على وزن طلحة.\nوقوله: (أنتفع) بالجزم.\nوقوله: (اتقوا النار) تمام الحديث: (ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة).\nالفصل الثاني\n١٩٠٧ - [٢٠] (عبد اللَّه بن سلام) قوله: (فلما تبينت وجهه) أي: شاهدته وتأملته، و(تبين) لازم ومتعد، وذلك إما بعلامات قرأها في الكتب السماوية، أو بالتفرس في سيمائه وهو أنسب بقوله: (عرفت أنه ليس بوجه كذاب) بالإضافة وهو السماع، وقد","vol":"4","page":358},{"text":"أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَصلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلامٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَمِيُّ. [ت: ٢٤٨٥، جه: ١٣٣٤، دي: ٣٤٠].\n١٩٠٨ - [٢١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اعْبُدُوا الرَّحْمَنَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَأَفْشُوا السَّلَامَ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلام\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٨٥٥، جه: ٣٦٩٤].\n١٩٠٩ - [٢٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السَّوْءِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٦٦٤].\nــ\nيُنَوَّن، و(أفشوا) من الإفشاء، إما بمعنى أظهروه رغبة فيه حتى يسمع المسلّم عليه، أو بمعنى التسليم على من عرف أو لم يعرف؛ لأنه حق الإسلام لا الصحبة.\n١٩٠٨ - [٢١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (اعبدوا الرحمن) في معنى قوله: (وصلّوا بالليل)، وفي الحديثين تنبيه على أداء حق اللَّه وحقوق الناس وتعظيم أمر اللَّه والشفقة على خلق اللَّه.\n١٩٠٩ - [٢٢] (أنس) قوله: (أن الصدقة لتطفيء غضب الرب) [في] الحديث إشارة إلى حصول العافية في الدين والدنيا، و(ميتة) بكسر الميم وسكون الياء، أصله موتة مصدر للنوع كالجلسة، أبدلت واوه ياء لسكونها وكسر ما قبلها، والمراد بـ (ميتة السوء) الحالة السيئة التي يكون عليها عند الموت مما يؤدي إلى كفران النعمة من الآلام والأوجاع المفضية إلى الجزع والفزع أو الغفلة عن ذكر اللَّه، ومنها موت الفجاءة وسائر ما يشغله عن اللَّه مما يؤدي إلى سوء الخاتمة ووخامة العاقبة، نعوذ باللَّه منها.","vol":"4","page":359},{"text":"١٩١٠ - [٢٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ، وَأَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ أَخِيكَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٣/ ٣٦٠، ت: ١٩٧٠].\n١٩١١ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيك صَدَقَةٌ، وَأَمْرُكَ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيُكَ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَإِرْشَادُكَ الرَّجُلَ فِي أَرْضِ الضَّلَالِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَنَصْرُكَ الرَّجُلَ الرَّدِيءَ الْبَصَرِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِمَاطَتُكَ الْحَجَرَ وَالشَّوْكَ وَالْعَظْمَ عَن الطَّرِيقِ لَكَ صَدَقَةٌ، وَإِفْرَاغُكَ مِنْ دَلْوِكَ فِي دَلْوِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٩٥٦].\n١٩١٢ - [٢٥] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"الْمَاءُ\". فَحَفَرَ بِئْرًا، وَقَالَ: هَذِهِ لأُمِّ سَعْدٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٦٨١، ن: ٣٦٦٤].\nــ\n١٩١٠ - [٢٣] (جابر) قوله: (وأن تفرغ) من الإفراغ بالغين المعجمة، أي: تصب الماء من دلوك في إناء أخيك، محمول على ظاهره، أو المراد الإحسان إليه من فضل مالك.\n١٩١١ - [٢٤] (أبو ذر) قوله: (في أرض الضلال) وهي التي لا علامة فيها للطريق، وردأة البصر إما فقدانه أو نقصانه، وظاهر اللفظ في المعنى الثاني، و(البصر) مجرور على الإضافة، وقد يرفع على الفاعلية كما في الحسن الوجه ولا تظهر زيادة (لك) في بعض هذه الأمور دون بعض، فتأمل.\n١٩١٢ - [٢٥] (سعد بن عبادة) قوله: (قال: الماء) لأنه أعم نفعًا في الأمور","vol":"4","page":360},{"text":"١٩١٣ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَيُّمَا مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا عَلَى عُرْيٍ كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ خُضْرِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ أَطْعَمَ مُسْلِمًا عَلَى جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ، وَأَيُّمَا مُسْلِمٍ سَقَا مُسْلِمًا عَلَى ظَمَأٍ سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ\". رَوَاهُ أَبَو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ١٦٨٢، ت: ٢٤٤٩].\nــ\nالدينية والدنيوية، وكان الظاهر أن يضع هذا الحديث في الباب الآتي في (أفضل الصدقة).\n١٩١٣ - [٢٦] (أبو سعيد) قوله: (على عري) بالضم والسكون: خلاف اللبس.\nوقوله: (من خضر الجنة) جمع أخضر، أي: من ثيابها الخضر تلميح إلى قوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾ [الإنسان: ٢١]. و(الظمأ) العطش وزنًا ومعنًى، وقيل: أشد العطش، و(الرحيق) الخمر أو أطيبها أو الخالص أو الصافي، والمراد بـ (المختوم) الأواني بالمسك مكان الطين، ولعله تمثيل لنفاسته، أو الذي ختامه أي مقطعه رائحة المسك كذا في التفسير.\nوقال التُّورِبِشْتِي (١): وإن ذهب ذاهب إلى أن معنى الختم هنا بلوغ الآخر من قولهم: ختمت الكتاب، أي: انتهيت إلى آخره كان له وجه، ويكون المعنى أنه رحيق لا ينهى الشارب في شربه إلى آخره، فلا يترك منه شيئًا كما يترك الشراب الذي يشوبه الكدر وتمنع من شرب آخره، انتهى. ولا يخفى ما فيه لأن نعيم الجنة لا ينتهي فيها، وفيها: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥]، فافهم.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٤٧).","vol":"4","page":361},{"text":"١٩١٤ - [٢٧] وَعَن فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ فِي الْمَالِ لَحَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ\" ثُمَّ تَلَا: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ الآيَة [البقرة: ١٧٧]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَمِيُّ. [ت: ٦٦٠، جه: ١٧٨٩، دي: ١٦٣٧].\n١٩١٥ - [٢٨] وَعَنْ بُهَيْسَةَ عَنْ أَبِيهَا قَالَتْ: قَالَ: يَا رَسُول اللَّه! مَا الشَيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: \"الْمَاءُ\". قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: \"الْمِلْحُ\". قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! مَا الشَّيْءُ الَّذِيْ لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: \"أَنْ تَفْعَلَ الْخَيْرَ خَيْرٌ لَكَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٤٧٦].\nــ\n١٩١٤ - [٢٧] (فاطمة بنت قيس) قوله: (ثم تلا: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾) [البقرة: ١٧٧] وفي هذه الآية ذكر الزكاة بعد إيتاء المال، فدل ذلك على أن في المال حقًا سوى الزكاة، وقال الترمذي: إن هذا الحديث مقطوع، وقال: الأصح أنه من قول الشعبي، كذا قيل، ويدل على ذلك كلام صاحب (الكشاف) (١)، والحديث المقطوع ما يكون قول التابعي أو فعله.\n١٩١٥ - [٢٨] (بهيسة) قوله: (وعن بهيسة) بالباء الموحدة والسين المهملة مصغرًا.\nوقوله: (أن تفعل الخير خير لك) مبتدأ وخبر، فالخير لا يحل لك منعه، وهذه كلمة جامعة للخيرات كلها.\nوقوله: (الماء)، وقوله: (الملح) وفيه تفصيل سنذكره في (باب إحياء الموات والشرب).\n_________\n(١) \"الكشاف\" (١/ ١٥٨).","vol":"4","page":362},{"text":"١٩١٦ - [٢٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَلَهُ فِيهَا أَجْرٌ، وَمَا أَكَلَتِ الْعَافِيَةُ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ\". رَوَاهُ [النَّسَائِيُّ] وَالدَّارَمِيُّ. [ن في الكبرى: ٥٧٥٧، دي: ٢٦٠٧].\n١٩١٧ - [٣٠] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ مَنَحَ مِنْحَةَ لَبَنٍ أَو وَرِقٍ، أَوْ هَدَى زُقَاقًا. . . . .\nــ\n١٩١٦ - [٢٩] (جابر) قوله: (وما أكلت العافية منه) من العافي الوارد وكل طالب خير أو رزق، والعافية الجماعة، وضمير (منه) لحاصل الأرض وريعها.\n١٩١٧ - [٣٠] (البراء) قوله: (من منح منحة لبن) قد عرفت أن المنحة العطية، فإضافته إلى اللبن ظاهر، والمراد بمثحة اللبن: الناقة أو الشاة، أي: أعطى الفقير ليشرب لبنها مدة ثم يردها، وقد يجيء بمعنى الشاة، فإضافتها للبيان والتأكيد.\nوقوله: (أو ورق) بفتح الواو وكسر الراء، وهو الأشهر وهي الرواية هنا، وفي (القاموس) (١): مثلثة، وككتف وجبل: الدراهم المضروبة، وهو عطف على (لبن)، فإن كانت المنحة بمعنى العطية فظاهر، وإن كانت بمعنى الشاة المعطاة فمجاز ومشاكلة، والمراد بمنحة الورق: قرض الدراهم، وإنما فسروه به لأن المنحة من شأنها أن ترد على صاحبها.\nوقوله: (أو هدى) الرواية المشهورة بالتخفيف من الهداية، و(الزقاق) بضم الزاي: السكة، ومنه زقاق الحجر بمكة، أي: من هدى ضريرًا أو ضالًّا الطريق والسكة التي توصل إلى بيته، وقد يروى بالتشديد للمبالغة من الهدية، أي: أهدى وتصدق زقاق\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٥٥).","vol":"4","page":363},{"text":"كَانَ لَهُ مِثْلُ عِتْقِ رَقَبَةٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٩٥٧].\n١٩١٨ - [٣١] وَعَنْ أَبِي جُرَيٍّ جَابِرِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا يَصْدُرُ النَّاسُ عَنْ رَأْيِهِ، لَا يَقُولُ شَيْئًا إِلَّا صَدَرُوا عَنْهُ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ: قُلْتُ: عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَرَّتَيْنِ، قَالَ: \"لَا تَقُلْ: عَلَيْكَ السَّلَامُ، عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةُ الْمَيِّتِ، قُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكَ\" قُلْتُ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ؟ . . . . .\nــ\nالنخل وهي السكة والصف من أشجارها، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١)، وقال الطيبي (٢): ويحتمل أن يكون للمبالغة من الهداية بمعنى هدى وعرف زقاق النخل، أي: أعطاها وتصدق بها، واللَّه أعلم.\nوقوله: (كان له مثل) بالرفع والنصب، والأول أشهر وأظهر.\n١٩١٨ - [٣١] (أبو جري) قوله: (عن أبي جري) بضم الجيم وفتح الراء وتشديد الياء هو جابر بن سليم، ويقال: سليم بن جابر، والأول أكثر.\nوقوله: (يصدر الناس عن رأيه) الصدور: الرجوع من المنهل بعد ري، ويقال: صدر عن المكان، أي: يرجع عنه، به شبه المنصرفين عن حضرته بعد توجههم إليه واستصوابهم برأيه ليسألوا عن أمر دينهم ومصالح معاشهم ومعادهم واغترافهم من بحر علمه وفضله بالصادرين عن المنهل بعد ورودهم عليه وارتوائهم به.\nوقوله: (إلا صدورا عنه) أي: أطاعوه وعملوا بما حكم واستصوب.\nوقوله: (عليك السلام تحية الميت) هذا على عادة الناس وإلا فالسنة في الميت\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٤٨).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١١٢).","vol":"4","page":364},{"text":"قَالَ: \"أَنَا رَسُولُ اللَّهِ الَّذِي إِن أَصَابَكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَهُ عَنْكَ، وَإِنْ أَصَابَكَ عَامُ سَنَةٍ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَهَا لَكَ، وَإِذَا كُنْتَ بِأَرْضٍ قَفْرٍ أَوْ فَلَاةٍ فَضَلَّتْ رَاحِلَتُكَ فَدَعَوْتَهُ رَدَّهَا عَلَيْكَ\". قُلْتُ: اعْهَدْ إِلَيَّ. قَالَ: \"لَا تَسُبَّنَّ أَحَدًا\"، قَالَ: فَمَا سَبَبْتُ بَعْدَهُ حُرًّا وَلَا عَبْدًا وَلَا بَعِيرًا وَلَا شَاةً. قَالَ: \"وَلَا تَحْقِرَنَّ شَيْئًا مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَأَنْ تُكَلِّمَ أَخَاكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ وَجْهُكَ، إِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمَعْرُوفِ، وَارْفَعْ إِزَارَكَ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ، فَإنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَإِيَّاكَ. . . . .\nــ\nأيضًا السلام عليك بتقديم السلام؛ لما ثبت أنه -ﷺ- كان يقول في الزيارة: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين) ومع ذلك يجوز أن يقال: تحية الموتى ذلك دون تحية الأحياء لوجهين؛ أحدهما: الحي يرد بـ (عليك السلام)، فلا يحسن أن يجيء به كراهة التكرار، وثانيهما: أن تقديم (عليك) يوهم ابتداء بالدعاء عليه، وهو مناف لما وضع له السلام من المبادرة لوجود السلامة والأمن من جانب المسلم والإشعار بكونه مؤمنًا محبًّا لا كافرًا عدوًا، كذا قالوا.\nوقوله: (أنا رسول اللَّه الذي إن إصابك ضر فدعوته. . . إلخ)، زاد على الجواب توصيفه بهذه الصفات إشارة إلى أنه مبعوث رحمة وواسطة لإفاضة الخير والبركة من رب العالمين، والتاء في قوله: (فدعوته) مفتوح وقد يضم، وكذا فيما بعد، والإضافة في (عام سنة) من إضافة العام إلى الخاص؛ لأن السنة غلبت في القحط.\nوقوله: (بأرض قفر) بالوصف وقد يضاف، والقفر بتقديم القاف على الفاء: أرض خال عن الماء والكلأ، و(الفلاة) المفازة والصحراء الواسعة، وعهد إليه: أوصاه.\nوقوله: (ولا تحقرن شيئًا من المعروف) أي: يصنع بك أحد أو تصنع بأحد كما","vol":"4","page":365},{"text":"وَإِسْبَالَ الإِزَارِ؛ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَخِيلَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ، وَإِنِ امْرُؤٌ شَتَمَكَ وَعَيَّرَكَ بِمَا يَعْلَمُ فِيكَ فَلَا تُعَيِّرْهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ، فَإِنَّمَا وَبَالُ ذَلِكَ عَلَيهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْهُ حَدِيثَ السَّلَامِ، وَفِي رِوَايَةٍ: \"فَيَكُونُ لَكَ أَجْرُ ذَلِكَ وَوَبَالُهُ عَلَيْهِ\". [د: ٤٠٨٤، ت: ٢٧٢١].\n١٩١٩ - [٣٢] وَعَن عَائِشَةَ أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"مَا بَقِيَ مِنْهَا؟ \" قَالَتْ: مَا بَقِي مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا، قَالَ: \"بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. [ت: ٢٤٧٠].\nــ\nسبق، و(إسبال الإزار) إرخاءه.\nوقوله: (فإنها) أي: الإزار المسبلة، الإزار يذكر ويؤنث، و(المخيلة) بفتح الميم وكسر الخاء وسكون الياء: الكبر، وستعرف في (كتاب اللباس) حد الإسبال، وإن كراهة الإسبال يجري في الثياب كلها.\nوقوله: (وروى الترمذي منه) أي: من هذا الحديث المذكور صدره إلى حديث السلام من تسليم أبي جري على رسول اللَّه بقوله: (عليك السلام)، ونهيه -ﷺ- إيّاه عن ذلك ولم يرو ما بعده، وذكر في بعض الحواشي أن الحديث بتمامه عند الترمذي أيضًا، لكن اللفظ لأبي داود، وبناء على ذلك قيل في قوله: (وفي رواية): إن الأولى أن يقول المؤلف: وفي رواية له، أي: للترمذي، فإن هذه الرواية للترمذي أيضًا (١)، فتدبر.\n١٩١٩ - [٣٢] (عائشة) قوله: (قال: بقي كلها غير كتفها) لبقاء ثوابها عند اللَّه\n_________\n(١) كذا قال القاري (٤/ ١٣٤٦)، ولم أجد هذه الرواية عند الترمذي ولا عند أبي داود، بل وجدتها عند النسائي في الكبرى (٩٦١٦) وعند أحمد في \"مسنده\" (٢٠٦٣٤)، فالأولى أن يقول المؤلف: وفي رواية للنسائي، واللَّه أعلم.","vol":"4","page":366},{"text":"١٩٢٠ - [٣٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَا مِنْ مُسْلِمٍ كَسَا مُسْلِمًا ثَوْبًا إِلَّا كَانَ فِي حِفْظٍ مِنَ اللَّهِ مَا دَامَ عَلَيْهِ مِنْهُ خِرْقَةٌ\". رَوَاهُ أَحْمدُ (١) وَالتِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٨٤].\n١٩٢١ - [٣٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَرْفَعُهُ قَالَ: \"ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ: رَجُلٌ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتْلُو كِتَابَ اللَّهِ، وَرَجُلٌ يَتَصَدَّقُ بِصَدَقَةٍ بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا، -أُرَاهُ قَالَ: مِنْ شِمَالِهِ-، وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ فَانْهَزَمَ أَصْحَابُهُ، فَاسْتَقْبَلَ الْعَدُوَّ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، أَحَدُ رُوَاتِهِ أَبُو بَكْرِ ابْنُ عَيَّاشٍ كَثِيرُ الْغَلَطِ. [ت: ٢٥٦٧].\nــ\nتعالى، و(غير) روي بالرفع على البدل من (كلها)، وبالنصب على الاستثناء، ويعلم من قوله: (بقي كلها) جواز استعمال (كل) مضافًا إلى ضمير لغير التأكيد إن كان هذا لفظ رسول اللَّه -ﷺ- أو من أحد من الرواة ممن يوثق بعربيتهم، وقد حكم التفتازاني بعدم جواز ذلك، واللَّه أعلم. ويمكن أن يعتبر الضمير في (بقي) فيكون (كلها) تأكيدًا.\n١٩٢٠ - [٣٣] (ابن عباس) قوله: (في حفظ اللَّه) وفي أكثر النسخ: (في حفظ من اللَّه)، والنكرة للتعظيم أو للتنويع.\n١٩٢١ - [٣٤] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (أحد رواته أبو بكر بن عياش كثير الغلط) وغلطه أنه رواه عن الأعمش عن منصور عن ربعي بن خراش عن ابن مسعود، قال الترمذي: هذا غريب غير محفوظ، والصحيح ما روى شعبة وغيره عن منصور عن\n_________\n(١) لم أجده في مسند عبد اللَّه بن عباس، ولعله ذكره في أثناء مسند غيره من الصحابة، أو هذا سهو من المصنف، ويقوى ذلك إنه لم ينسبه المنذري في \"الترغيب\" والسيوطي في \"الجامع الصغير\" لأحمد، واللَّه أعلم. \"مرعاة المفاتيح\" (٦/ ٣٥٦).","vol":"4","page":367},{"text":"١٩٢٢ - [٣٥] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ، وَثَلَاثَةٌ يُبْغِضُهُمُ اللَّهُ، فَأَمَّا الَّذِينَ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ فَرَجُلٌ أَتَى قَوْمًا فَسَأَلَهُمْ بِاللَّهِ وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ بِقرَابَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، فَمَنَعُوهُ، فتخَلَّفَ رَجُلٌ بِأَعْيَانِهِمْ فَأَعْطَاهُ سِرًّا، لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلَّا اللَّهُ وَالَّذِي أَعْطَاهُ، وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ، فَوَضَعُوا رُؤوسَهُمْ، فَقَامَ. . . . .\nــ\nزيد بن ظبيان عن أبي ذر، فمقصوده أن أبا بكر بن عياش غلط في شيخ منصور واسم الصحابي أيضًا، وأراد بحديث شعبة الحديث الذي بعده، وهو حديث صحيح رواه الترمذي وصححه، وصححه أبو داود أيضًا وابن حبان في (صحيحه) وغيرهم، كذا في بعض الحواشي، فتدبر.\n١٩٢٢ - [٣٥] (أبو ذر) قوله: (فرجل أتى قومًا) ليس أحد الثلاثة هذا الرجل، بل هو المذكور في قوله: (فتخلف رجل بأعيانهم) وقال التُّورِبِشْتِي (١) في شرح هذا الكلام: أي ترك القوم المسؤول عنهم خلفه وتقدم فأعطاه، ويحتمل أن يكون المراد أنه سبقهم بهذا الخبر فجعلهم خلفه، وفي رواية الطبراني: (من أعيانهم)، وهذا أشبه من طريق اللفظ، والمعنى أنه تأخر عن أصحابه حتى خلا بالسائل وأعطاه سرًا، وإن كانت الرواية الأولى أوثق من طريق السند، انتهى، فافهم.\nوقوله: (وقوم) أي: رجل من قوم.\nوقوله: (مما يعدل به) بلفظ المجهول، أي: مما يقابل ويساوي بالنوم، أي: من كل شيء.\nوقوله: (فقام) أي: رجل منهم، وفي نسخة: (أحدهم).\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٥٠).","vol":"4","page":368},{"text":"يَتَمَلَّقُنِي وَيَتْلُو آيَاتِي، وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ فَلَقِيَ الْعَدُوَّ فَهَزَمُوا فَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ لَهُ، وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ يُبْغِضُهُمُ اللَّهُ: الشَّيْخُ الزَّانِي، وَالْفَقِيرُ الْمُخْتَالُ، وَالْغَنِيُّ الظَّلَومُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٢٥٦٨، ن: ٢٥٧٠].\n١٩٢٣ - [٣٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الأَرْضَ جَعَلَتْ تَمِيدُ، فَخَلَقَ الْجبَالَ، فَقَالَ بِهَا عَلَيْهَا، فَاستَقَرَّتْ، فَعَجِبَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ شِدَّةِ الْجبَالِ، فَقَالُوا: يَا رَبِّ! هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنِ الْجِبَالِ؟ . . . . .\nــ\nوقوله: (يتملقني) تملقه: تودد إليه وتلطف له، والملق -محركة-: الود واللطف، والمراد هنا الدعاء وغاية التضرع، وقد يجيء الملق بمعنى أن تعطي باللسان ما ليس في القلب، فكأنه بهذا المعنى ما وقع في الحديث: (ليس من خلق المؤمن الملق)، وياء المتكلم في (يتملقني) يدل على أنه كلام اللَّه، رواه النبي -ﷺ- على طريق الحديث القدسي.\nوقوله: (فأقبل بصدره) أبلغ في الإقبال والجرأة من أن يقال: بوجهه.\nوقوله: (والغني الظلوم) قيل: أراد به مطله في أداء حق الغير.\n١٩٢٣ - [٣٦] (أنس) قوله: (جعلت تميد) بالدال المهملة، أي: تتحرك.\nوقوله: (فقال بها عليها) أي: ضرب بالجبال في الأرض حتى استقرت، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١)، ونقل عن ابن الأنباري أنه قال: تقول العرب: قال بمعنى تكلم، وبمعنى أصل، وبمعنى مال، وبمعنى ضرب، وبمعنى استخرج، وبمعنى غلب، ونقل عن غيره: أن العرب تجعل القول عبارة عن كثير من الأفعال نحو: قال برجله بمعنى\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٥٠).","vol":"4","page":369},{"text":"قَالَ: نَعَمْ، الْحَدِيدُ. قَالُوا: يَا رَبِّ! هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْحَدِيدِ؟ قَالَ: نَعَمْ، النَّارُ. فَقَالُوا: يَا رَبِّ! هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: نَعَمْ، الْمَاءُ، قَالُوا: يَا رَبِّ! فَهَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الْمَاءَ؟ قَالَ: نَعَمْ، الرِّيحُ، فَقَالُوا: يَا رَبِّ! هَلْ مِنْ خَلْقِكَ شَيْءٌ أَشَدُّ مِنَ الرِّيحِ؟ قَالَ: نَعَمْ، ابْنْ آدَمَ تَصَدَّقَ صَدقَةً بِيَمِينِهِ يُخْفِيهَا مِنْ شِمَالِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَريبٌ. وَذُكِرَ حَدِيثُ مُعَاذٍ: \"الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ\" فِي \"كِتَابِ الإِيمَانِ\". [ت: ٣٣٦٩].\nــ\nمشى، وقال بيده بمعنى أخذ، قال الطيبي (١): فالمراد ألقى بالجبال على الأرض، والباء زائدة كما في قوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وفي بعض الحواشي قيل: القول بمعنى الأمر، والمفعول محذوف، أي: أمر اللَّه تعالى الملائكة بالجبال، أي: بوضعها على الأرض، وقيل: ضمن القول معنى الأمر، أي: أمر الجبال قائلًا: استقري عليها.\nوقوله: (نعم، الحديد) هو أشد من الجبال يدقها ويكسرها، وهكذا في أخواته.\nوقوله: (نعم، ابن آدم تصدق. . . إلخ)، أي: التصدق من بني آدم أشد من الريح ومن كل ما ذكر، وذلك إما لأن فيه مخالفة النفس وقهر الطبيعة أو الشيطان، ولا يحصل ذلك من شيء مما ذكر، أو لأن صدقة السر تطفئ غضب الرب، وغضب اللَّه تعالى لا يقابله شيء في الصعوبة والشدة، وإذا فرض نزول عذاب اللَّه بالريح على أحد وتصدق في السر اندفع العذاب المذكور وانكشف، فكان أشد من الريح، وقيل: ذلك لعظم ثواب صدقة السر، وقيل: لأنه يحصل به مرضاة اللَّه تعالى.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١١٩).","vol":"4","page":370},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-549> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٩٢٤ - [٣٧] عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُنْفِقُ مِنْ كُلِّ مَالٍ لَهُ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا اسْتَقْبَلَتْهُ حَجَبَةُ الْجَنَّةِ، كُلُّهُمْ يَدْعُوهُ إِلَى مَا عِنْدَهُ\". قُلْتُ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: \"إِنْ كَانَتْ إِبِلًا فَبَعِيرَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ بَقَرَةً فَبَقَرَتَيْنِ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٣١٨٥].\n١٩٢٥ - [٣٨] وَعَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْد اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ سَمعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ ظِلَّ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَدَقَتُهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ٢٣٣].\n١٩٢٦ - [٣٩] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nالفصل الثالث\n١٩٢٤ - [٣٧] (أبو ذر) قوله: (كلهم) أي: كل واحد منهم (يدعوه إلى ما عنده) من النعم الجسام والمنح العظام.\nوقوله: (إن كانت) أي: أمواله.\n١٩٢٥ - [٣٨] قوله: (عن مرثد) بالثاء المثلثة.\nوقوله: (إن ظل المؤمن يوم القيامة صدقته) كأنهم قالوا: هل للمؤمن ظل يوم القيامة وأي شيء ظله؟ فقال: ظله صدقته، فلا حاجة إلى ارتكاب القلب، والقول بعكس التشبيه كما قال الطيبي (١)، فافهم.\n١٩٢٦، ١٩٢٧ - [٣٩، ٤٠] (ابن مسعود، أبو هريرة، وأبو سعيد، وجابر).\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٢١).","vol":"4","page":371},{"text":"\"مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيَالِهِ فِي النَّفَقَةِ يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَائِرَ سَنَتِهِ\". قَالَ سُفْيَانُ: إِنَّا قَدْ جَرَّبْنَا فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ. رَوَاهُ رَزِينٌ.\n١٩٢٧ - [٤٠] وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" عَنْهُ وَعَنْ أبي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ وَضَعَّفَهُ. [شعب: ٣٧٩٢، ٣٧٩٥، ٣٧٩٤، ٣٧٩١].\n١٩٢٨ - [٤١] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ الصَّدَقَةُ مَاذَا هِيَ؟ قَالَ: \"أَضْعَافٌ مُضَاعَفَةٌ، وَعِنْدَ اللَّهِ الْمَزِيدُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٦٥].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-550>٧ - باب أفضل الصدقة</span>\nــ\nقوله: (وضعفه) وقال: طرقه وإن كان ضعيفة لكن إذا ضم بعضها إلى بعض انجبر ضعفه، وقد ذكرها في (كتاب ما ثبت من السنة في أيام السنة).\n١٩٢٨ - [٤١] (أبو أمامة) قوله: (الصدقة) بالرفع (وماذا هي؟) خبره، والمراد: ماذا ثوابها.\nوقوله: (أضعاف) ضعف الشيء بالكسر: مثله، وهو الذي يثنيه، فثواب الصدقة أضعاف إلى عشرة، ثم يضاعف هذه إلى سبع مئة، (وعند اللَّه المزيد) أن يشاء يضاعف سبع مئة أيضًا.\n٧ - باب أفضل الصدقة\nأفضليتها بأن تكون نفسها مما ينفع الناس ويكثر احتياجهم إليه كالماء وكل ما كان محتاجًا إليه في وقت أو في حال أو بالنسبة إلى قوم، أو يكون على حالة محمودة","vol":"4","page":372},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-551> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٩٢٩ - [١] عَنْ أَبِي هُريرَةَ وَحَكِيم بْنِ حِزَامٍ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى،\nــ\nموجودة في جانب المتصدق كجهد المقل، ومثل كونها عن ظهر غنى، وكونها صادرة على وجه الصدق والإخلاص وانشرح الصدر من غير منّ ولا أذى ونحو ذلك، أو صفة مرعية في المتصدق عليه ككونه مستحقًا للإحسان والإنعام، وكونه أهل المتصدق وعياله وذا ارحم له وسائلًا باللَّه وأمثال ذلك، وأكثر ما ذكر في الباب من الأحاديث من القسم الأخير.\nالفصل الأول\n١٩٢٩ - [١] (أبو هريرة، وحكيم بن حزام) قوله: (ما كان عن ظهر غنى) لفظ الظهر مقحم زائد لإشباع الكلام، ويتم المقصود بدونه، ومع ذلك يفيد، أي: كأن صدقته مستندة إلى ظهر قوي من المال، كذا قال الطيبي (١)، قال التُّورِبِشْتِي (٢): سئل بعض السلف عن معناه فقال: ما فضل عن العيال، وقد فسره الخطابي فقال: أي عن غنى يعتمد عليه ويستظهر به على النوائب التي تنوبه، لقوله في حديث آخر (٣): (خير الصدقة ما أبقت غنى)، وحاصله أن يترك قوت نفسه وعياله ويتصدق بالفضل، انتهى.\nوقال في (مشارق الأنوار) (٤): فسره أيوب في الحديث عن فضل عيال، وبيانه\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٢٢).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٥١).\n(٣) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٤٣٤، رقم: ١٥٦١٥).\n(٤) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٥٣٤).","vol":"4","page":373},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n[من وراء] ما يحتاج إليه العيال كالشيء الذي يطرح خلف الظهر، وبيّنه قوله في الحديث: (وابدأ بمن تعول)، ومثله قوله: (من دعا لأخيه بظهر الغيب) كأنه من وراء معرفته [ومعرفة] الناس بذلك، وقد يكون [قوله:] (عن ظهر غنى) [بمعنى] بيان الغنى وما فوق الكفاف، إذ الكفاف غنى، ويحتاج في الصدقة إلى زيادة وظهور عليه أو ارتفاع مال وزيادته عليه، وقيل: عن ظهر غنى، أي: ما أغنيت به السائل عن المسألة، ومساق الحديث ومقدمته يمنع هذا التأويل لأنه قال: (وابدأ بمن تعول)، انتهى كلام (المشارق).\nهذا ثم قال التُّورِبِشْتِي (١) ما حاصله: إن ظهر غنى عبارة عن تمكن المتصدق من غنى ما؛ إما استغناؤه عما بذل بسخاوة النفس وقوة العزيمة ثقة باللَّه سبحانه، وهذا أفضل اليسارين، وقد ورد في الحديث: (ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس)، وإما استغناؤه بالعرض الحاصل في يده، ولهذا جيء بـ (غنى) منكرًا، وذلك مثل قولهم: هو على ظهر سير وراكب متن السلامة ونحو ذلك من العبارات التي يعبر بها عن التمكن من الشيء والاستواء عليه؛ لأنا وجدنا النبي -ﷺ- حمد صنع أبي بكر -﵁- لما انخلع من ماله أجمع، ولما سأله: (ما أبقيت لنفسك وعيالك؟) وقال: اللَّه، حمد هذا القول منه، ولما سئل عن أفضل الصدقة قال: (جهد المقل)، فلو حملنا الحديث على الجد وكثرة العرض لتناقضت الأحاديث، انتهى.\nوأما تأييد المعنى الأول بقوله: (وابدأ بمن تعول) فضعيف؛ لأنه يصح على أحد محتملي الغنى، ولو خص بغنى النفس لم يتأيد؛ لأنه كلام مستبد وحكم مستقل، ولا يجب أن يكون مرتبًا على الأول، ولذا ذكره في حديث: (جهد المقل)\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٥٢).","vol":"4","page":374},{"text":"وَأبْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ حَكِيمٍ وَحْدَهُ. [خ: ١٤٢٦، م: ١٠٣٤].\n١٩٣٠ - [٢] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذا أَنْفَقَ الْمُسْلِمُ نَفَقَةً عَلَى أَهْلِهِ وَهُوَ يَحْتَسِبُهَا كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٣٥١، م: ١٠٠٢].\n١٩٣١ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِيْنَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ. . . . .\nــ\nأيضًا، فافهم.\nوقوله: (وابدأ بمن تعول) عال الرجل عياله: قَاتَهُمْ وأنفق عليهم، والمراد أن تضيع (١) حق من وجب عليك رعايته، وتفضل من لا جناح عليك من حاجته، ويفهم منه أن التصدق على الأهل والعيال أفضل.\nوقوله: (ورواه مسلم عن حكيم وحده) فهو باعتبار الرواية عن حكيم حديث متفق عليه لاشتراط تسمية الحديث متفقًا عليه اصطلاحًا بروايته عن صحابي واحد.\n١٩٣٠ - [٢] (أبو مسعود) قوله: (وهو يحتسبها) أي: يطلب الحسبة وهو الأجر، لأنه يعده مما يدخر عند اللَّه، والظاهر أن المراد النفقة الواجبة، وأما التطوع فلا شبهة في كونه صدقة، فافهم.\n١٩٣١ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (في سبيل اللَّه) المراد به: الجهاد أو الحج.\n_________\n(١) كذا في النسخ المخطوطة، والظاهر: (أن لا تضيع).","vol":"4","page":375},{"text":"أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٩٥].\n١٩٣٢ - [٤] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٩٤].\n١٩٣٣ - [٥] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلِيَ أَجْرٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ؟ (١) إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ، فَقَالَ: \"أَنَفِقِي عَلَيْهِمْ فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٦٧، م: ١٠٠١].\nــ\nقوله: (أعظمها) أي: الدنانير أو النفقات، وإنما كان أعظم إما لكونه فرضًا، أو لأنهم أقرب وأولى.\n١٩٣٢ - [٤] (ثوبان) قوله: (ينفقه على دابته في سبيل اللَّه) الظاهر المتبادر أن الظرف متعلق بـ (ينفقه)، وقال الطيبي (٢): هو صفة لـ (دابة) فيقدر: مربوطة أو مجاهدة في سبيل اللَّه؛ والثاني أولى، وكذا القول في (ينفقه على أصحابه في سبيل اللَّه).\n١٩٣٣ - [٥] (أم سلمة) قوله: (أن أنفق) (أن) بفتح الهمزة أو كسرها فـ (أنفق) منصوب أو مجزوم، وأبو سلمة زوج أم سلمة قبل النبي -ﷺ-، صحابي كبير الشأن.\n_________\n(١) أي: من بطني، وهي زَيْنَبُ وَدُرَّةُ وَعُمَرُ وَمُحَمَّدٌ، فيكونون بنيّ على الحقيقة، أو من بطن غيرها، فيكونون من المجاز. \"مظاهر\". كذا في \"التقرير\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٢٣).","vol":"4","page":376},{"text":"١٩٣٤ - [٦] وَعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَصَدَّقْنَ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ\" قَالَتْ: فَرَجَعْتُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: إِنَّكَ رَجُلٌ خَفِيفُ ذَاتِ الْيَدِ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، فَأْتِهِ فَاسْأَلْهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنِّي وَإِلَّا صَرَفْتُهَا إِلَى غَيْرِكُمْ، قَالَت: فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ: بَلِ ائْتِيهِ أَنْتِ، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ بِبَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، حَاجَتِيْ حَاجَتُهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ الْمَهَابَةُ. فَقَالَتْ: فَخَرَجَ عَلَيْنَا بِلَالٌ، فَقُلْنَا لَهُ: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَخْبِرْهُ أَنَّ امْرَأتَيْنِ بِالْبَابِ تَسْأَلَانِكَ: أتُجْزِئُ الصَّدَقَةُ عَنْهُمَا عَلَى أَزْوَاجِهِمَا وَعَلَى أَيْتَامٍ فِي حُجُورِهِمَا؟ وَلَا تُخْبِرْهُ مَنْ نَحْنُ. قَالَتْ: فَدَخَلَ بِلَالٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَسَأَلَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ هُمَا؟ \" قَالَ: امْرَأةٌ مِنَ الأَنْصَارِ وَزَيْنَبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\n١٩٣٤ - [٦] (زينب) قوله: (خفيف ذات اليد) أي: فقير، وذات اليد: الأموال، والخطاب في (غيركم) لابن مسعود ومن معه من أهله وأيتام معه.\nوقوله: (قد ألقيت عليه المهابة) وأيّ مهابة وعظمة كان لرسول اللَّه -ﷺ-، كان لا يقوم لعظمته أحد مع أنه كان أحسن خلقًا ورحمةَ وشفقةً على خلق اللَّه، وذلك لظهور صفات جلال الحق وكبريائه عنه وسطوع أنواره تعالى عليه.\nوقوله: (على أيتام في حجورهما) سألتا عنهم أيضًا، وإن لم يكن ذلك مذكورًا قبل، فافهم.\nوقوله: (ولا تخبره من نحن) وإنما منعتاه عن هذا الإخبار اكتفاءً بالمقصد، ولئلا يصير سببًا لشغله -ﷺ- زيادة على الجواب بمعرفتهما، واللَّه أعلم.","vol":"4","page":377},{"text":"\"أَيُّ الزَّيَانِبِ؟ \". قَالَ: امْرَأةُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَهُمَا أَجْرَانِ: أَجْرُ الْقَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظ لِمُسْلِمٍ. [خ: ١٤٤٦، م: ١٠٠].\n١٩٣٥ - [٧] وَعَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ: أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٩٢، م: ٩٩٩].\n١٩٣٦ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَت: يَا رَسُول اللَّه! إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: . . . . .\nــ\nوقوله: (أي الزيانب؟) جمع زينب بتنكيرها (١).\n١٩٣٥ - [٧] (ميمونة) قوله: (أعتقت وليدة) الوليد: المولود والصبي والعبد، وأنثاهما بهاء.\nوقوله: (أخوالك) لصلة الرحم، ولأنهم كانوا محتاجين إلى خادم.\n١٩٣٦ - [٨] (عائشة) قوله: (إن لي جارين) اختلفوا في حد الجوار، فعن علي -﵁-: من سمع النداء فهو جار، وقيل: من صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار، وعن عائشة: الجوار أربعون دارًا من كل جانب، أخرج البخاري في (الأدب المفرد) (٢) عن الحسن مثله.\n_________\n(١) قال القاري (٤/ ١٣٥٢): اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَدْفَعُ الرَّجُلُ زَكَاتَهُ إِلَى امْرَأَتِهِ بِاتِّفَاقٍ، وَلَا تَدْفَعُ الْمَرْأَةُ زَكَاتَهَا إِلَى زَوْجِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفةَ لِلِاشْتِرَاكِ بَيْنَهُمَا فِي الْمَنَافِعِ عَادَةً، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: تَدْفَعُ، انتهى. وهو قول الشافعي والثوري وإحدى الروايتين عن مالك وعن أحمد، انظر: \"فتح الباري\" (٣/ ٣٢٩).\n(٢) \"الأدب المفرد\" (١/ ٥١، رقم: ١٠٩).","vol":"4","page":378},{"text":"\"إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٥٩٥].\n١٩٣٧ - [٩] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٢٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-552> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٩٣٨ - [١٠] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"جُهْدُ الْمُقِلِّ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٦٧٧].\nــ\n١٩٣٧ - [٩] (أبو ذر) قوله: (وتعاهد جيرانك) أي: تفقدهم وتجدد عهدك واحفظ به حق الجوار، والتعهد: التحفظ بالشيء وتجديد العهد به، والتعاهد ما بين اثنين من ذلك، ذكره التوربشي (١)، وفي (القاموس) (٢): تعهده وتعاهده: تفقده وأحدث العهد به.\nالفصل الثاني\n١٩٣٨ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (جهد المقل) أي: قليل المال، في (النهاية) (٣): الجهد بالضم: الوسع والطاقة، وبالفتح: المشقة، وقيل: المبالغة والغاية، وقيل: هما لغتان في الوسع، فأما في المشقة والغاية فالفتح لا غير، وهذا على تقدير عدم العيال وصحة التوكل كما أسلفناه.\nوقوله: (وابدأ بمن تعول) إذا كان لك عيال ولم يرضوا بفوات حقهم ولم يصح لهم التوكل.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٥٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٨٩).\n(٣) \"النهاية\" (١/ ٣٢٠).","vol":"4","page":379},{"text":"١٩٣٩ - [١١] وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الصَّدَقَةُ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِم ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٤/ ١٧، ن: ٦٥٨، ن: ٢٥٨٢، جه: ١٨٤٤، دي: ١٦٨٠].\n١٩٤٠ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: عِنْدِي دِينَارٌ، قَالَ: \"أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ\"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: \"أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ\"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: \"أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ\"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: \"أَنْفِقْهُ عَلَى خَادِمِكَ\"، قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: \"أَنْتَ أَعْلَمُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٦٩١، ن: ٢٥٣٥].\n١٩٤١ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ النَّاسِ؟ . . . . .\nــ\n١٩٣٩ - [١١] قوله: (وعن سليمان بن عامر) كذا في نسخ (المشكاة) سليمان بالضم والياء، وكتب في الحاشية: صوابه سلمان مكبرًا، وسليمان سهو إما من الكتّاب أو من صاحب الكتاب، واللَّه أعلم بالصواب.\nوقوله: (وهي على ذي الرحم) أي: شخص ذي قرابة الولادة والأقرب فالأقرب.\n١٩٤٠ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (أنت أعلم) أي: بحال من يستحق الصدقة، يعني: أنفقْها على الفقراء وتحرّ في ذلك من هو أولى وأحرى.\n١٩٤١ - [١٣] (ابن عباس) قوله: (ألا أخبركم بخير الناس؟) أراد أنه من خير الناس، إذ قد علمنا أن من القاعدين من هو خير من هذا الذي أمسك بعنان فرسه إذا","vol":"4","page":380},{"text":"رَجُلٌ مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالَّذِي يَتْلُوهُ؟ رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ فِيهَا. أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ؟ رَجُلٌ يُسْأَلُ بِاللَّهِ وَلَا يُعْطِي بِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٦٥٢، ن: ٢٥٦٩، دي: ٢٣٩٥].\n١٩٤٢ - [١٤] وَعَنْ أُمِّ بُحَيْدٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"رُدُّوا السَّائِلَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ مَعْنَاهُ. [ط: ٩٣٢، ن: ٢٥٦٥، ت: ٦٦٥، د: ١٦٦٧].\nــ\nكان أعلم باللَّه وأخشى من اللَّه وأزهد في الدنيا، ولم يكن الجهاد عليه فرض عين، وكذلك قوله: (ألا أخبركم بشرّ الناس؟) أي: من هو شر الناس، ولإرادة هذا المعنى نظائر كثيرة في الأحاديث، هذا حاصل كلام التُّورِبِشْتِي (١)، والمراد بـ (رجل ممسك عنان فرسه) الغازي.\nوقوله: (يتلوه) أي: يتبعه في الفضيلة ويقربه، و(غنيمة) تصغير غنم.\nوقوله: (يسأل) بلفظ المجهول.\nوقوله: (ولا يعطي) بالمعلوم، وقد يضبط الأول بالمعلوم، والثاني بالمجهول، فافهم.\n١٩٤٢ - [١٤] (وعن أم بجيد) بضم الموحدة وفتح الجيم.\nوقوله: (لا تردوا) وفي بعض النسخ: (ردوا) (السائل).\nوقوله: (ولو بظلف محرق) مبالغة؛ لأن الظلف المحرق لا ينتفع به.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٥٣).","vol":"4","page":381},{"text":"١٩٤٣ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنِ اسْتَعَاذَ مِنْكُمْ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ، وَمَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ، وَمَنْ دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوهُ فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تُرَوْا أَنْ قَدْ كَافَأتُمُوهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٢/ ٦٨، د: ١٦٧٢، ن: ٢٥٦٧].\nــ\n١٩٤٣ - [١٥] (ابن عمر) قوله: (من استعاذ منكم باللَّه فأعيذوه) يعني إذا طلب أحد منكم أن تدفعوا عنه شركم [أو] شر غيركم باللَّه فأجيبوه وادفعوا عنه الشر، والعوذ: الالتجاء كالعياذ والمعاذ والتعوذ والاستعاذة.\nوقوله: (ومن صنع إليكم معروفًا) في (الصراح) (١): صنع بالضم نيكوئي كردن بر كسى، صلته بإلى، وبدي كردن وصلته بالباء، يقال: صنع إليه معروفًا وصنع به صنيعًا قبيحًا، أي: فعل.\nوقوله: (فكافئوه) المكافأة المجازاة، وهي أفضل الصدقة، فناسب الترجمة.\nقوله: (ما تكافئوه) بحذف النون من غير ناصب وجازم تخفيفًا، قال الكرماني في \"شرح صحيح البخاري\": حذف النون بدون ناصب وجازم فصيح، وقد ذكرنا ذلك في باب الأذان.\nوقوله: (فادعوا له حتى تُرَوا أن قد كافأتُموه) بالهمزة؛ أي: كرروا الدعاء، وبالغوا فيه حتى تحصل المثلية، ويكفي في ذلك قول القائل: جزاك اللَّه خيرًا؛ إذ فيه مبالغة من حيث رؤية العجز من نفسه في المكأفاة وتفويضه إلى اللَّه تعالى، كذا كان يقول الشيخ -﵁-.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٣١٩).","vol":"4","page":382},{"text":"١٩٤٤ - [١٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ إِلَّا الْجَنَّةُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٦٧١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-553> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٩٤٥ - [١٧] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَة أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا نزَلَتْ هَذِهِ الآيةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَة إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وَإِنَّ أَحَبَّ مَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَاءُ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\n١٩٤٤ - [١٦] (جابر) قوله: (لا يسأل بوجه اللَّه إلا الجنة) فيه وجهان؛ أحدهما: المنع عن السؤال عن الناس بوجه اللَّه لأنه لما قال: (لا يسأل بوجه اللَّه إلا الجنة) والجنة لا تسأل عن الناس لزم أن لا يسأل عنهم شيء بوجهه تعالى، وثانيها: لا يسأل من اللَّه شيء من متاع الدنيا لحقارتها، وإنما يسأل الجنة، والمقصود المبالغة.\nالفصل الثالث\n١٩٤٥ - [١٧] (أنس) قوله: (بيرحاء) اختلف في هذا اللفظ هل هو بكسر موحدة أو فتحها وبعدها همزة أو تحتية، والراء مفتوحة أو مضمومة، معرب أو لا، ممدود أو مقصور، منصرف أو لا، واسم قبيلة أو امرأة أو بئر أو بستان.\nوقوله: (مستقبلة المسجد) أي: باعتبار قبلة الشام، أو المراد مقابل باب المسجد.","vol":"4","page":383},{"text":"\"بَخٍ بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ\". فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَسَّمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٦١، م: ٩٩٨].\n١٩٤٦ - [١٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ تُشْبعَ كَبِدًا جَائِعًا\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٣٣٦٧].\n* * *\nــ\nوقوله: (بخ بخ) في (القاموس) (١): بخ، أي: عظُم الأمر وفخُم، تقال وحدها وتكرّر: بَخٍ بَخْ، الأول منوَّن والثاني مسكَّن، وقيل في الإفراد: بَخْ ساكنة، وبخِ مكسورةً، وبخٍ منوَّنة مكسورةً، وبخٌ منوَّنة مضمومةً، ويقال: بَخْ بَخْ مُسَكَّنَيْنِ، وبخٍ بخٍ منوَّنين، وبخٍّ بخٍّ مُشدَّدين، كلمة تقال عند الرِّضى والإعجاب بالشيء، أو الفخر والمدح. وقال في (المشارق) (٢): بخ بخ يقال: بإسكان الخاء فيهما وبكسرها فيهما دون التنوين، وبالكسر مع التنوين، وبالتشديد أيضًا، والضم والتنوين.\nقال الخطابي: والاختيار إذا كررت تنوين الأولى وتسكين الثانية، قال الخليل: يقال ذلك للشيء إذا رضيته، وقيل: لتعظيم الأمر، فمن سكن شبهها بهل وبل، ومن كسرها ونونها أجراها مجرى صه ومه وشبهها من الأصوات.\nوقوله: (مال رابح) أي: ذو ربح بالموحدة والمهملة.\n١٩٤٦ - [١٨] (أنس) قوله: (كبدًا جائعًا) إسناد مجازي، قال الطيبي (٣): مؤمنًا\n_________\n(١) \"الفاموس المحيط\" (ص: ٢٤٠).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ١٥٤).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٢٩).","vol":"4","page":384},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-554>٨ - باب صدقة المرأة من مال الزوج</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-555> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٩٤٧ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذْ أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ، وَلِزَوْجِهَا أَجْرُهُ بِمَا كَسَبَ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ أَجْرَ بَعْضٍ شَيْئًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٣٧، م: ١٠٢٣].\nــ\nكان أو كافرًا، ناطقًا أو غير ناطق.\n٨ - باب صدقة المرأة من مال الزوج\n(باب) من عادة المؤلف أن يذكر الباب ولم يجعل له ترجمة، ويذكر فيه متممات وملحقات بالباب السابق، وفي بعض النسخ: (باب صدقة المرأة)، وفي بعضها: (نفقة المرأة من مال الزوج)، وأحاديث الباب لا يختص بها، بل يشمل الخازن والخادم أيضًا.\nالفصل الأول\n١٩٤٧ - [١] (عائشة) قوله: (إذا أنفقت) أي: تصدقت.\nوقوله: (غير مفسدة) أي: غير مسرفة.\nوقوله: (من طعام بيتها) أي: ما يؤكل ولا يدخر، والحديث مطلق في جواز التصدق بأمر الزوج وبدونه، ومن لم يجوز للمرأة أن تتصدق بشيء من مال الزوج دون إذنه، تأول الحديث على عادة أهل الحجاز أنهم يطلقون الأمر للأهل والخادم في الإنفاق والتصدق مما يكون في البيت للسائل والضيف، ولكن الحديث الآتي صريح في الجواز بدون الأمر، ولعلهم يحملونه على عدم أمر جديد، فافهم.","vol":"4","page":385},{"text":"١٩٤٨ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٣٦٠، م: ١٠٢٦].\n١٩٤٩ - [٣] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْخَازِنُ الْمُسْلِمُ الأَمِينُ الَّذِي يُعْطِي مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبَةً بِهِ نَفْسُهُ، فَيَدْفَعُهُ إِلَى الَّذِي أُمِرَ لَهُ بِهِ أَحَدُ الْمُتَصَدِّقَيْنِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٣٨، م: ١٠٢٣].\n١٩٥٠ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: إِنَّ أُمِّي افْتُلِتَتْ. . . . .\nــ\n١٩٤٨ - [٢] (أبو هريرة) وقوله: (فلها نصف أجره) أي: الأجر بينهما مشترك.\nقوله: (من غير أمره) مع علمها برضى الزوج صريحًا أو دلالةً وكان شيئًا قليلًا، كذا في الحواشي، قال التُّورِبِشْتِي (١): الأمر في ذلك راجع إلى عادة الناس باديهم وحاضرهم، وهو المختار.\n١٩٤٩ - [٣] (أبو موسى الأشعري) قوله: (موفرًا) بفتح الفاء من التوفير، وقد يكسر، حال من المفعول أو الفاعل.\nوقوله: (أحد المتصدقين) خبر قوله: (الخازن) بلفظ التثنية والجمع، كما في حديث: (أحد الكاذبين)، والمراد شركته في الأجر.\n١٩٥٠ - [٤] (عائشة) قوله: (افتلتت) على لفظ المجهول من الافتعال، أي:\n_________\n(١) \"كتاب المسير\" (٢/ ٤٥٥).","vol":"4","page":386},{"text":"نَفْسُهَا، وَأَظُنُّهَا لَوْ تَكَلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فَهَلْ لَهَا أَجْرٌ إِنْ تَصَدَّقْتُ عَنْهَا؟ قَالَ: \"نعم\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٨٨، م: ١٠٠٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-556> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٩٥١ - [٥] عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حُجَّةِ الْوَدَاعِ: \"لَا تُنْفِقُ امْرَأَةٌ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا\". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَلَا الطَّعَامَ؟ قَالَ: \"ذَلِكَ أفضَلُ أَمْوَالِنَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٦٧٠].\n١٩٥٢ - [٦] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: لَمَّا بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النِّسَاءَ قَامَتِ امْرَأَةٌ جَلِيلَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نِسَاءِ مُضَرَ،\nــ\nماتت فجاءة من الفلتة، ومنه كان الأمر فلتة، أي: فجأة من غير تردد وتدبر، أفلت الكلام: ارتجله.\nوقوله: (نفسها) بالرفع على أنه مفعول ما لم يسم فاعله لـ (افتلتت) وبالنصب على أنه مفعول ثان أبقي منصوبًا وأسند الفعل إلى الأول، وهو متعد إلى مفعولين يقال: افتلته الشيء؛ أي: اختلسه واستلبه منه، وفي الحديث دليل على أن ثواب الصدقة يصل إلى الميت، وكذا حكم الدعاء، هذا هو مذهب أهل الحق، واختلفوا في العبادات البدنية كالصلاة وتلاوة القرآن، والمختار [عند الحنفية] نعم قياسًا على الدعاء.\nالفصل الثاني\n١٩٥١ - [٥] (أبو أمامة) قوله: (ذلك أفضل أموالنا) وفي بعض النسخ: (أموال الناس).\n١٩٥٢ - [٦] (سعد) وقوله: (كأنها من نساء مُضر) بضم الميم وفتح الضاد","vol":"4","page":387},{"text":"فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنَّا كَلٌّ عَلَى آبَائِنَا وَأَبْنَائِنَا وَأَزْوَاجِنَا، فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ؟ قَالَ: \"الرَّطْبُ تَأْكُلْنَهُ وَتُهْدِينَهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٦٨٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-557> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٩٥٣ - [٧] عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ قَالَ: أَمَرَنِي مَوْلَايَ أَنْ أُقَدِّدَ لَحْمًا، فَجَاءَنِي مِسْكِينٌ فَأَطْعَمْتُهُ مِنْهُ، فَعَلِمَ بِذلِكَ مَوْلَايَ فَضَرَبَنِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَدَعَاهُ فَقَالَ: \"لِمَ ضَرَبْتَهُ؟ \" فَقَالَ: يُعْطِي طَعَامِي بِغَيْرِ أَنْ آمُرَهُ، فَقَالَ: \"الأَجْرُ بَيْنَكُمَا\". وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: . . . . .\nــ\nالمعجمة مخففًا، قبيلة مشهورة من قبائل العرب، أخو ربيعة وهو مضر بن نزار، ويقال له: مضر الحمراء، ولأخيه: ربيعة الفرس، لأنه أعطي في الميراث الذهب، وأخوه الخيل، وفي الحديث: (مضر مَضَّرَها اللَّه في النار) وكان أصله من مَضْرِ اللبن، وهو قَرْصُه اللسانَ وحَذْيُه له، كذا في (الصحاح) (١)، وفي (الصراح) (٢): ماضر شير ترش زبان كز.\nقوله: (إنّا كَلٌّ) بفتح الكاف وتشديد اللام: الثقل والعيال، وقيل: الكل من لا يستقل بأمره.\nوقوله: (قال: الرطب) ضد اليابس، وهو ما يسرع إليه الفساد من الأطعمة.\nالفصل الثالث\n١٩٥٣ - [٧] (عمير مولى آبي اللحم) (٣) قوله: (الأجر بينكما) فيه تسلية للمولى\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٢/ ٨١٧).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٢١٣).\n(٣) سُمِّيَ بِهِ لأَنَّهُ كَانَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ، وَقِيلَ: كَانَ لَا يَأْكُلُ مَا ذُبِحَ عَلَى الأَصْنَامِ، وَكَانَ اسْمُهُ =","vol":"4","page":388},{"text":"كُنْتُ مَمْلُوكًا فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: أَتَصَدَّقُ مِنْ مَالِ مَوَالِيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: \"نَعَمْ، وَالأَجْرُ بَيْنَكُمَا نِصْفَانِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٢٥].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-558>٩ - باب من لا يعود في الصدقة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-559> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٩٥٤ - [١] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: . . . . .\nــ\nوترغيبه في الثواب ومنع عن ضربه العبد لا أنه إطلاق ليد العبد في الإنفاق.\n٩ - باب من لا يعود في الصدقة\nأي لا ينبغي للإنسان أن يعود فيما تصدق على أحد، وظاهره أن يسترد ويندم على التصدق، وفي الحديث أن لا يشتريه منه أيضًا، وذلك مبالغة وأخذ عزيمة كما سيأتي.\nالفصل الأول\n١٩٥٤ - [١] (عمر بن الخطاب) قوله: (حملت على فرس) أي: أعطيت أحدًا من المجاهدين الذين لم يكن عنده ما ينفق، وتصدقت عليه (فأضاعه) أي: أساء بسياسته في القيام بعلفه وسقيه، و(الرخص) ضد الغلاء، وقد رخص ككرم.\n_________\n= عَبْدَ اللَّهِ، ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَالأَظْهَرُ أَنَّ وَجْهَ تَسْمِيَتِهِ أَنَّهُ آبِي اللَّحْمِ أَنْ يُعْطِيَهُ مَوْلَاهُ إِلَى الْمِسْكِينِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٥٨).","vol":"4","page":389},{"text":"\"لَا تَشْتَرِهِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ؛ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٠٣، م: ١٦٢٠].\n١٩٥٥ - [٢] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي تَصَدَّقْتُ عَلَى أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، قَالَ: \"وَجَبَ أَجَرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ\". قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ أفأَصُومُ عَنْهَا؟ قَالَ: \"صُوْمِي عَنْهَا\". قَالَتْ: . . . . .\nــ\nوقوله: (لا تشتره) معناه لا تشتر برخص، فإن ذلك في حكم العود، ولكن ظاهر سوق الكلام يقتضي أن يقال: وإن أعطاكه بالألف مثلًا، وفيه مبالغة تأمل. وقال الطيبي (١): معناه لا ترغب البتة ولا تنظر إلى رخصه، وصحة بيعه، بل انظر إلى أنه صدقتك، وأن العود فيه مكروه، فافهم.\n١٩٥٥ - [٢] (بريدة) قوله: (وإنها ماتت) يعني تعود تلك الجارية بعد موت أمي إليّ بالإرث، فهل هذا من قبيل العود في الصدقة؛ فقال: لا، لأنها دخلت في ملكك بالميراث، والملك بالميراث ضروري ثبت من غير اختيار لك فيه بخلاف الشراء؛ فإنه في حكم الاسترداد بالاختيار.\nوقوله: (صومي عنها) يدل على أن للولي أن يصوم عن الميت ما كان عليه من الصوم من قضاء رمضان أو نذر وكفارة، وإليه ذهب أحمد لهذا الحديث، ولم يجوزه الأئمة الثلاثة، كذا قال الطيبي (٢)، ومذهبنا أنه لا يصوم عنه وليه؛ لقوله -ﷺ-: (لا يصوم\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٣٤).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٣٥).","vol":"4","page":390},{"text":"إِنَّهَا لَمْ تَحُجَّ قَطُّ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: \"نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٤٩].\nــ\nأحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد)، بل يطعم عنه ويفدي، فإن أوصى وجبت الفدية من الثلث، وإن لم يوص جاز أن يتبرع الورثة ولم يلزمهم، وعند الشافعي -﵀- لا حاجة إلى الوصية، كذا ذكر في (الهداية) (١).\nوتفصيله أن العبادات أنواع: مالية محضة كالزكاة، وبدنية محضة كالصلاة، ومركبة منهما كالحج، والنيابة تجري في النوع الأول في حالتي الاختيار والضرورة لحصول المقصود بفعل النائب، ولا تجري في النوع الثاني بحال؛ لأن المقصود هو إتعاب النفس، وهو لا يحصل به، ويجري في النوع الثالث عند العجز للمعنى الثاني وهو المشقة بتنقيص المال، ولا تجري عند القدرة لعدم إتعاب النفس، وفي الحج النفل تجوز الإنابة حالة القدرة؛ لأن باب النفل أوسع، انتهى. ثم الظاهر من قوله في الحديث: (إنها لم تحج قط) أن الحج كان نفلًا، فافهم.\nثم اعلم أن الباب خال من الفصل الثاني، وقد فات المؤلف الإشارة إلى ذلك هنا على ما هو عادته، وليس في هذا الباب الفصل الثالث أيضًا، واللَّه أعلم.\nتم (كتاب الزكاة) بعون اللَّه وتوفيقه، ويتلوه (كتاب الصوم).\n* * *\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ١٢٥).","vol":"4","page":391},{"text":"(٧) كتاب الصوم","vol":"4","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-560>(٧) كتاب الصوم</span>\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n٧ - كتاب الصوم\nالصوم والصيام مصدرا صام، وهو في اللغة الإمساك من أي شيء كان، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦]، وقال الشاعر:\nخيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ ... تحتَ العَجَاجِ وَأخرى تعلُكُ اللُّجُمَا\nأي: ممسكة عن الصهيل، وفي الشرع: إمساكٌ مخصوص، واختلفوا في أن الصوم أفضل أم الصلاة؟ والمشهور عند الجمهور أن الصلاة أفضل من سائر الأعمال لحديث: (واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة) رواه أبو داود وغيره (١)، وقيل: الصوم أفضل لحديث النسائي عن أبي أمامة (٢) قال: (أتيت النبي -ﷺ-، وقلت: يا رسول اللَّه! مرني بأمر آخذه عنك، قال: عليك بالصوم، فإنه لا عدل له)، وصوم رمضان من أركان الإسلام المعلوم كونه من الدين بالضرورة، وكان فرضيته في شهر شعبان سنة اثنتين من الهجرة على رأس ثمانية عشر شهرًا بعد ما صرفت القبلة إلى الكعبة بشهر، ثم المعتبر في ابتداء الصوم أول طلوع الصبح عند الجمهور، وقيل: استنارته، وهو مروي عن عثمان وحذيفة وابن عباس وطلق بن علي وعطاء بن أبي رباح والأعمش، قال مسروق:\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (٢٧٧).\n(٢) \"سنن النسائي\" (٢٢٢٢).","vol":"4","page":395},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-561> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٩٥٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا دَخَلَ شَهَرُ رَمَضَانَ فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ\".\nــ\nلم يكونوا يعدون الفجر فجركم، وإنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ البيوت، قال شمس الأئمة الحلواني: الأول أحوط، والثاني أرفق (١).\nالفصل الأول\n١٩٥٦ - [١] (أبو هريرة) قوله: (إذا دخل [شهر] رمضان) في (القاموس) (٢): الرمض محركة شدةُ وقعِ الشمس على الرمل وغيره. رمض يومُنا، كفرح: اشتد حرّه، وقدمه: احترقت من الرمضاء، للأرض الشديدة الحرارة، ورمضان معروف، والجمع رمضانات ورمضانون وأرمضة، وأرمض شاذ، سمي به لأنهم لما نقلوا أسماء الشهور من اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر زمن الحر والرمض، أو من رَمَضَ الصائمُ: اشتد حرُّ جوفه، أو راجع إلى معنى الغافر، أي: يمحو الذنوب ويمحقها، انتهى.\nوقوله: (فتحت أبواب السماء) بالتخفيف والتشديد، وفي التشديد من المبالغة ما ليس في التخفيف، وقد قرئت بهما في الآية، لكن التخفيف في الحديث أكثر وأشهر وأظهر؛ لأن الفتح كل الفتح إنما يكون في الآخرة للدخول والاستقرار فيها، وأما في الدنيا فشيء منها في الجملة، ثم إنهم قالوا: الفتح هنا كناية عن تنزيل الرحمة وكثرتها وتواترها، وتؤيده رواية: (فتحت أبواب الرحمة) وكذلك فتح أبواب الجنة كناية عن\n_________\n(١) \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ٤٨٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٩٤).","vol":"4","page":396},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: \"فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ (١) \".\nــ\nالتوفيق للخيرات الذي هو سبب لدخول الجنة، وغلق أبواب جهنم كناية عن تخلص نفوس الصوام من بواعث المعاصي بقمع الشهوات، ولا يحسن حملها على الظواهر؛ لأن ذكرها على سبيل المن على الصوام، وأي فائدة في فتح باب السماء، وكذا في فتح أبواب الجنة وغلق أبواب جهنم؛ لأنه لا يدخل فيها أحد ما دام في هذه الدار إلا أن يقال: المقصود بيان شرف رمضان وفضله على سائر الشهور، وإنزال الرحمة والتوفيق والتخلص المذكور حاصل أيضًا، أو يحمل ذلك على أن الأمر متعلق بمن مات من صوام رمضان من صالحي أهل الإيمان وعصاتهم الذين استحقوا العقوبة، فوصول الروح من الجنة وعدم إصابة لفح جهنم وسمومها عليهم في عالم البرزخ أكثر وأوفر على تقدير الفتح والغلق كذا قيل.\n_________\n(١) قال القاري (٤/ ١٣٦١): أَيْ قُيِّدَتْ بِالسَّلَاسِلِ مَرَدَتُهُمْ، وَقِيلَ: كِنَايَةٌ عَنِ امْتِنَاعِ تَسْوِيلِ النُّفُوسِ، وَاسْتِعْصَائِهَا عَنْ قَبُولِ وَسَاوِسِهِمْ، إِذْ بِالصَّوْمِ تَنْكَسِرُ الْقُوَّةُ الْحَيَوَانِيَّةُ الَّتِي هِيَ مَبْدَأُ الْغَضَبِ وَالشَّهَوَاتِ الدَّاعِيَيْنِ إِلَى أَنْوَاعِ السَّيِّئَاتِ، وَتَنْبَعِثُ الْقُوَّةُ الْعَقْلِيَّةُ الْمَائِلَةُ إِلَى الطَّاعَاتِ، كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ أَنَّ رَمَضَانَ أَقَلُّ الشُّهُورِ مَعْصِيَةَ، وَأَكْثَرُهَا عِبَادَةً، انتهى. وقال التُّورِبِشْتِي: ولنا أن نحمل ذلك على ظاهره كما يحمل قوله سبحانه: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص: ٣٨] على الظاهر. فان قال قائل: فما أمارة ذلك، ونحن نرى الفاسق في رمضان لا يرعوي عن فسقه، وإن ترك بابًا أتى بابًا آخر؟ . قلنا: أَمَارَةُ ذَلِكَ تَنَزُّهُ أَكْثَرِ الْمُنْهَمِكِينَ فِي الطُّغْيَانِ عَنِ الْمَعَاصِي وَرُجُوعُهُمْ إِلَى اللَّهِ بِالتَّوْبَةِ، وإكبابهم على إقام الصلاة بعد التهاون بها، وإقبالهم على تلاوة كتاب اللَّه واستماع الذكر بعد الإعراض عنهما، وتركهم ارتكاب المحظورات بعد حرصهم عليها. وَأَمَّا مَا يُوجَدُ مِنْ خِلَافِ ذَلِكَ فِي بَعْضِهِمْ ويؤنس عنهم من الأباطيل والأضاليل فَإِنَّهَا تَأْثِيرَاتٌ مِنْ تَسْوِيلَاتِ الشَّيَاطِينِ أُغْرِقَتْ فِي عُمْقِ تِلْكَ النُّفُوسِ الشِّرِّيرَةِ، وَبَاضَتْ فِي رُؤُوسِهَا، وقد أشار بعض العلماء فيه إلى المعنى الذي ذكرنا. \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٥٦).","vol":"4","page":397},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: \"فُتِحَتْ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٩٩، م: ١٠٧٩].\n١٩٥٧ - [٢] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فِي الْجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، مِنْهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٥٧، م: ١١٥٢].\n١٩٥٨ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. وَمَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٠١، م: ٧٦٠].\n١٩٥٩ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ. . . . .\nــ\nوقوله: (متفق عليه) قيل: رواية: (أبواب السماء) من أفراد البخاري، و(أبواب الرحمة) من أفراد مسلم، والمتفق عليها (فتحت أبواب الجنة).\n١٩٥٧ - [٢] (سهل بن سعد) قوله: (يسمى الريان) قد سبق بيانه في (باب فضل الصدقة).\n١٩٥٨ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (ومن قام رمضان (١» المراد قيام ليالي رمضان للصلاة.\n١٩٥٩ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (كل عمل ابن آدم) مبتدأ، وقوله:\n_________\n(١) قال القاري (٤/ ١٣٦١): وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: (رَمَضَانُ) بِدُونِ شَهْرٍ، وَكَرِهَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لِخَبَرِ أَنَّهُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَهُوَ شَاذٌّ، لِأَنَّ الْخَبَرَ الضَّعِيفَ لَا يُثْبِتُ اسْمَ اللَّهِ، انتهى. وفي \"التقرير\": ونُسِبَ القولُ بكراهته لمحمد كما في \"الشامي\".","vol":"4","page":398},{"text":"يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ. . . . .\nــ\n(يضاعف) خبره بتقدير الضمير، أي: يضاعف الحسنة منه.\nوقوله: (إلا الصوم) فإن ثوابه لا يقادر قدره ولا يقدر إحصاءه إلا أنا، فأنا أجزي به ما أشاء.\nوقوله: (فإنه لي) أضافه تعالى إليه إضافة تشريف وتكريم كما في قوله تعالى: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ مع أن العالم كله له سبحانه، وقيل: لأنه لم يعبد غيره تعالى به، فلم يعظم الكفار في عصر من الأعصار معبودًا لهم بالصيام، وإن كانوا يعظمونه بصورة الصلاة والسجود وغيرهما، وقيل: لأن الصوم بعيد من الرياء لخفائه، بخلاف غيره من العبادات الظاهرة، يعني: لا يدخل الرياء بفعله وإن كان قد يدخله بالقول كمن يخبر بأنه صائم، فإنما يدخل الرياء من جهة الإخبار، بخلاف بقية الأعمال؛ فإن الرياء يدخلها بمجرد فعلها، وقيل: لأنه ليس للصائم ونفسه فيه حظ، وقيل: لأن الاستغناء عن الطعام وغيره من الشهوات من صفات الرب تعالى، فلما تقرب الصائم إليه بما يوافق صفاته تعالى أضافه إليه، والموافق بسياق الحديث أن الإضافة لأجل أنه تعالى هو المتفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته.\nوقوله: (يدع شهوته وطعامه) جملة موجبة لعلة الحكم، و(طعامه) من عطف الخاص على العام، وفي رواية: (طعامه وشرابه) فحينئذٍ يكون المراد بالشهوة شهوة الجماع.\nوقوله: (فرحة عند فطره) إما بما يحصل من انتعاش الطبيعة بالأكل والشرب بعد الجوع والعطش مع ضميمة نورانية العبادة والتقرب والشكر كما قيل: الماء الحلو","vol":"4","page":399},{"text":"وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِبح الْمِسْكِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ،\nــ\nالبارد يخرج الشكر من صميم القلب، وإما بالشكر على تمام النعمة وتوفيق اللَّه سبحانه به، و(الخلوف) بالضم تغير فم الصائم وطيبه (١)، (عند اللَّه) كناية عن قربه تعالى ورضاه عن الصائم، وقيل: يكون يوم القيامة أطيب منه كدم الشهيد (٢).\nوقوله: (والصيام جنة) أي: من المعاصي في الدنيا، أو من النار في الآخرة.\nوقوله: (فلا يرفث) بضم الفاء أي لا يفحش ولا يتكلم بكلام قبيح، (ولا يصخب) بفتح الخاء، أي: لا يرفع صوته بالهذيان والخصومة.\n_________\n(١) قال الباجي: الْخُلُوفُ تَغَيُّرُ رَائِحَةِ فَمِ الصَّائِمِ، وَإِنَّمَا يَحْدُثُ مِنْ خُلُوِّ الْمَعِدَةِ بِتَرْكِ الأَكْلِ وَلَا يَذْهَبُ بِالسِّوَاكِ؛ لأَنَّهَا رَائِحَةُ النَّفَسِ الْخَارِجِ مِنْ الْمَعِدَةِ، وَإِنَّمَا يَذْهَبُ بِالسِّوَاكِ مَا كَانَ فِي الأَسْنَانِ مِنْ التَّغَيُّرِ. وَقَالَ الْبَرْنِيُّ: خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ تَغَيُّرُ طَعْمِ فَمِهِ وَرِيحِهِ لِتَأَخُّرِ الطَّعَامِ، وَهَذَا لَيْسَ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ -﵀-، وَإِنَّمَا هُوَ جَارٍ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَلِذَلِكَ مُنِعَ الصَّائِمُ السِّوَاكَ بَعْدَ نِصْفِ النَّهَارِ؛ لأَنَّهُ وَقْتُ وُجُودِ الْخُلُوفِ فِيهِ عِنْدَهُ، وَأَبَاحَهُ مَالِكٌ -﵀-؛ لأَنَّ الْخُلُوفَ عِنْدَهُ لَا يَزُولُ بِالسِّوَاكِ؛ لأَنَّ أَصْلَهُ مِنَ الْمَعِدَةِ، وَلَوْ زَالَ بِالسِّوَاكِ لَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ قَبْلَ الزَّوَالِ؛ لأَنَّ تَعَاهُدَهُ بِالسِّوَاكِ قَبْلَ الزَّوَالِ يَمْنعُ وُجُودَهُ مِنْهُ بَعْدَ الزَّوَالِ. انتهى. \"المنتقى شرح الموطأ\" (٢/ ٧٤).\n(٢) اختلف في كون الخلوف أطيب عند اللَّه من ريح المسك مع أنه ﷾ منزه عن استطابة الروائح إذ ذاك من صفات الحيوان، ومع أنه يعلم الشيء على ما هو عليه على أوجه. قال المازري: هو مجاز لأنه جرت العادة بتقريب الروائح الطيبة منا، فاستعير ذلك للصوم لتقريبه من اللَّه، فالمعنى أنه أطيب عند اللَّه من ريح المسك عندكم، أي: يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم، وإلى ذلك أشار ابن عبد البر. وقيل: المراد أن ذلك في حق الملائكة، وأنهم يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما تستطيبون ريح المسك. وقد بسط في \"الفتح\" عدة أقوال فارجع إليه (٤/ ١٠٥ - ١٠٦).","vol":"4","page":400},{"text":"فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِم\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٠٤، م: ١١٥١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-562> الْفصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٩٦٠ - [٥] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ. . . . .\nــ\nوقوله: (فإن سابه) أي شتمه (أو قاتله) أي: خاصمه.\nوقوله: (فليقل) إما باللسان وهو الأظهر؛ لأن حقيقة القول فعل اللسان، وقال في (فتح الباري) (١): وبه جزم المتولي ونقله عن الرافعي، أو بالقلب يعني يذكر نفسه أني صائم حتى لا يجيبه بالشتم، ورجحه النووي في (الأذكار) (٢)، وقال في (شرح المهذب) (٣): كلا القولين حسن، والقول باللسان أقوى، ولو جمع بينهما كان أحسن، وقيل: إن كان صوم فرض يقول باللسان، وإن كان نفلًا فبالقلب ليبعد عن الرياء، واختاره الروياني، ونقل عن القاضي أبي بكر بن العربي أن موضع الخلاف صوم التطوع، وفي الفرض يقول باللسان قطعًا (٤).\nالفصل الثاني\n١٩٦٠، ١٩٦١ - [٥، ٦] (أبو هريرة) قوله: (صفِّدت) بلفظ المجهول من التصفيد، في (القاموس) (٥): صفده: شده وأوثقه، كأصفَده وصفّده، وككتاب:\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ١٠٥).\n(٢) \"الأذكار\" (ص: ٢٤٩).\n(٣) \"المجموع\" (٦/ ٢٥٨).\n(٤) انظر: \"مرعاة المفاتيح\" (٦/ ٤١٢).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٨٠).","vol":"4","page":401},{"text":"وَمَرَدَةُ الْحِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ. . . . .\nــ\nما يوثق به الأسير من قِدٍّ أو قيد، (مردة) بفتحات جمع مارد وهو العاتي الشديد المتجرد للشرور، والمراد من التصفيد والفتح والتغليق المذكورة إما حقائقها أو كناية عن قلة إغواء الشياطين وفعل الخيرات والكف عن المخالفات، وأغرب من قال بتخصيصه بزمان النبوة، وإرادة الشياطين المسترقة للسمع، والظاهر العموم ولعدم خصوصيتها في ذلك الزمان برمضان إلا أن يراد الكثرة والغلبة، واللَّه أعلم (١).\n_________\n(١) فَإِن قيل: كيف ترى الشرور والمعاصي واقعة فِي رَمَضَان كثيرًا، فَلَو صُفِّدَتِ الشَّيَاطِين لم يَقع شَيْء من ذَلِك؟ وأجيب عن ذلك بوجوه، الأول: أَن المراد من الشَّيَاطِين مسترقو السّمع مِنْهُم، فإنهم منعُوا زمن نزُول الْقُرْآن من استراق السّمع، فزيد التسلسل مُبَالغَة فِي الْحِفْظ. وَالثاني: أَن المراد أَن الشَّيَاطِين لَا يخلصون من إِفْسَاد الْمُسلمين إِلَى مَا يخلصون إِلَيْهِ فِي غَيره لاشتغالهم بالصيام الَّذِي فِيهِ قمع الشَّيَاطِين، وبقراءة الْقُرْآن، وَالذكر. وَالثالث: أن ذلك فِي حق الصائمين الَّذين حَافظُوا على شُرُوط الصَّوْم وراعوا آدابه. والرابع: أن المراد منها بعض الشَّيَاطِين وهم المردة كَمَا ورد في بعض الروايات، فالمطلق من الأحاديث محمول على المقيد، وَبذلك ترْجم ابْن خُزَيْمَة فِي \"صَحِيحه\" كذا في \"العيني\" (٨/ ٢٧). والخامس: ما أشار إليه ابن العربي في الجواب: أنه لَيْسَ مِنْ شَرْطِ وَسْوَسَة الشيطان وإغوائه اتِّصَالُه، بل يحتمل أن يوجد كَمَا يُوجَدُ الأَلَمُ فِي جَسَدِ الْمَسْحُورِ وَالْمَعْيُونِ عِنْدَ تَكَلُّمِ السَّاحِرِ أَوِ الْعَاكنِ، فَكَذَلِكَ يُوجَدُ عِنْدَ وَسْوَسَتِهِ مِنْ خَارِجٍ، كذا في \"الزرقاني\" (٢/ ٢٩٩). وقريب منه ما قال الباجي: إن المصفَّد هو المغلول اليد إلى العنق يتصرف بالكلام والرأي وكثير من السعي، انتهى. والسادس وهو الأوجه عندي: أن صدور المعاصي في رمضان ليس من أثر الشيطان بل من أثر النفس اللوّامة التي تشرّبتْ من أثر الشيطان في سائر السنة، فإن النفس لما تصبَّغَتْ بلونه تَصْدُرُ منها أفعاله، والفائدة إذ ذاك في تصفيد الشيطان ضعف التأثير في ارتكاب المعاصي، فمن أراد التجنب عن ذلك يسهل عليه. وهذا أمر مشاهد. والسابع: ما أفاده شيخ مشايخنا الشاه محمد إسحاق: أن ذلك مختلف =","vol":"4","page":402},{"text":"فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ (١): يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٦٨٢، جه: ١٦٤٢].\n١٩٦١ - [٦] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [حم: ٤/ ٣١٢].\nــ\nوقوله: (يا باغي الخير) أي طالب الثواب (أقبل) ويقال: واطلب الثواب، فهذا أوانه وموسمه، و(أقصر (٢» من الإقصار أقصر وقصر وتقاصر، انتهى. وقصر عنه تركه هو لا يقدر عليه.\n_________\n= باختلاف الأشخاص، فيُصَفَّدُ الْمَرَدَةُ في حق الفسقة، والعامةُ في حق الصلحاء، وفيه سرٌّ لا يخفى. \"أوجز المسالك\" (٥/ ٣٤٥ - ٣٤٦).\n(١) قيل: يحتمل أنه ملك أو المراد أنه يلقي في قلوب من يريد اللَّه إقباله على الخير، كذا في \"قوت المغتذي\" (١/ ٢٥٤). قال السندي: إن قلت: أيّ فائدة في هذا النداء مع أنه غير مسموع للناس؟ قلت: قد علم الناس به بإخبار الصادق وبه يحصل المطلوب بأن يتذكر الإنسان كل ليلة بأنها ليلة المناداة فيتعظ بها. \"حاشية السندي على سنن النسائي\" (٤/ ١٤٠).\n(٢) قال القاري: أَيْ أَمْسِكْ عَنِ الْمَعَاصِي وَارْجِعْ إِلَى اللَّهِ -تَعَالَى- فَهَذَا أَوَانُ قَبُولِ التَّوْبَةِ وَزَمَانُ الاسْتِعْدَادِ لِلْمَغْفِرَةِ، وَلَعَلَّ طَاعَةَ الْمُطِيعيِنَ وَتَوْبَةَ الْمُذْنِبِينَ وَرُجُوعَ الْمُقَصِّرِينَ فِي رَمَضَانَ مِنْ أثَرِ النِّدَاءَيْنِ، وَنَتِيجَةُ إِقْبَالِ اللَّهِ -تَعَالَى- عَلَى الطَّالِبِينَ، وَلِهَذَا تَرى أَكْثَرَ الْمُسْلِمِينَ صَائِمِينَ حَتَّى الصِّغَارَ وَالْجَوَارِ، بَلْ غَالِبُهُمُ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ الصَّلَاةَ يَكُونُونَ حِينَئِذٍ مُصَلِّيِنَ مَعَ أَنَّ الصَّوْمَ أَصْعَبُ مِنَ الصَّلَاةِ، وَهُوَ يُوجِبُ ضَعْفَ الْبَدَنِ الَّذِي يَقْتَضِي الْكَسَلَ عَنِ الْعِبَادَةِ، وَكَثْرَةَ النَّوْمِ عَادَةً، وَمَعَ ذَلِكَ تَرَى الْمَسَاجِدَ مَعْمُورَةً، وَبِإِحْيَاءِ اللَّيَالِي مَغْمُورَةً، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٦٤).","vol":"4","page":403},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-563> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٩٦٢ - [٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ، فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فِيهِ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَتُغْلَقُ فِيهِ أَبْوَابُ الْجَحِيم، وَتُغَلُّ فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (١)، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٢/ ٢٣٠، ن: ٢١٠٦].\n١٩٦٣ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ،\nــ\nالفصل الثالث\n١٩٦٢ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (فقد حرم) (٢) أي: خيرًا كثيرًا، أو حرم الخير كله كما يأتي في حديث أنس -﵁-.\n١٩٦٣ - [٨] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (الصيام والقرآن) الظاهر أن المراد به قيام رمضان به في التراويح وصلاة الليل، ويحتمل أن يكون مطلقًا.\nوقوله: (يشفعان) (٣) الرواية المشهورة بالتخفيف وقد يثقل.\n_________\n(١) أَيِ: الْعَمَلُ فِيهَا أَفْضَلُ مِنَ الْعَمَلِ فِي أَلْفِ شَهْرٍ لَيْسَ فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ.\n(٢) قَالَ الطِّيبِيُّ: اتَّحَدَ الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ دَلَالَةً عَلَى فَخَامَةِ الْجَزَاءِ، أَيْ: فَقَدْ حُرِمَ خَيْرًا لَا يُقَادَرُ قَدْرُهُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٦٦).\n(٣) يحتمل تَجسيدهما، وَيحتمل بِبَيَانِ الْحَالِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الشَّفَاعَةُ وَالْقَوْلُ مِنَ الصِّيَامِ وَالْقُرْآنِ إِمَّا أَنْ يُؤَوَّلَ أَوْ يَجْرِيَ عَلَى مَا عَلَيْهِ النَّصُّ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْهَجُ الْقَوِيمُ وَالصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، فَإِنَّ الْعُقُولَ الْبَشَرِيَّةَ تَتَلَاشَى وَتَضْمَحِلُّ عَنْ إِدْرَاكِ الْعَوَالِمِ الإِلَهِيَّةِ، وَلَا سَبِيلَ لنَا إِلَّا الإِذْعَانُ وَالْقَبُولُ، وَمَنْ أَوَّلَ قَالَ: اسْتُعِيرَتِ الشَّفَاعَةُ وَالْقَبُولُ لِلصِّيَامِ وَالْقُرْآنِ لإِطْفَاءِ غَضَبِ اللَّهِ وَإِعْطَاءِ الْكَرَامَةِ وَرَفع الدَّرَجَاتِ وَالزُّلْفَى عِنْدَ اللَّهِ، انتهى. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٦٦).","vol":"4","page":404},{"text":"يَقُولُ الصِّيَامُ: أَيْ رَبِّ! إِنِّي مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، فَيُشَفَّعَانِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ١٩٩٤].\n١٩٦٤ - [٩] وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: دَخَلَ رَمَضَانُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مَنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا كُلُّ مَحْرُومٍ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٦٤٤].\n١٩٦٥ - [١٠] وَعَن سلمَانَ الْفَارَسِيِّ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ فَقَالَ: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ! قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مَنْ أَلْفِ شَهْرٍ،\nــ\nوقوله: (أي رب) دون أن يقول: يا رب إشارة إلى قربهما من حضرة الحق تعالى.\n١٩٦٤ - [٩] (أنس بن مالك) قوله: (فقد حرم الخير كله) في (حرم) ضمير لـ (من)، و(الخير) منصوب بنزع الخافض، وفيه مبالغة في بيان فضل هذه الليلة، أو المراد ما يتعلق برمضان والقيام فيه من الخير وأمثاله، واللَّه أعلم.\nوقوله: (إلا كل محروم) أي: من السعادة والطاعة والتقرب إلى اللَّه محكوم عليه بالحرمان مستحيل عليه بذلك.\n١٩٦٥ - [١٠] (سلمان الفارسي) قوله: (قد أظلكم) أي: شارفكم وألقى ظله عليكم، وفي (القاموس) (١): أظلني الشيء: غشِيني، والظلّة بالضم الغاشية وما أظلك\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٤٦).","vol":"4","page":405},{"text":"جَعَلَ اللَّهُ صِيَامَهُ فَرِيضَةً، وَقِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعًا، مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ من الْخَيْرِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيهِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَشَهْرُ الْمُوَاسَاةِ، وَشَهْرٌ يُزَادُ فِيهِ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ، مَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِمًا كَانَ لَهُ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ، وَعِتْقَ رَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ\" قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَيْسَ كُلُّنَا نَجِدُ مَا نُفَطِّرُ بِهِ الصَّائِمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُعْطِي اللَّهُ هَذَا الثَّوَابَ مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا عَلَى مَذْقَةِ لَبَنٍ،\nــ\nمن شجر.\nوقوله: (وشهر المواساة) (١) أصله بالهمزة، قلبت واوًا، وآساهُ بمالِهِ: أَنالَه، وجَعَلَه فيه إسْوَةً، لا يكون ذلك إلا من كفاف، فإن كان من فضلة فليس بمواساة، كذا في (القاموس) (٢).\nوقوله: (من فطّر) بالتشديد، أي: أطعم صائمًا، (كان له مغفرة) بالنصب والرفع، وكذا قوله: (وعتق).\nوقوله: (ليس كلنا يجد) بصيغة الغائب باعتبار لفظ (كل)، والمتكلم باعتبار المعنى.\nوقوله: (مذقه) بفتح الميم وسكون الذال المعجمة (لبن) أي شربة لبن يخلط\n_________\n(١) فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْجُودِ وَالإِحْسَانِ عَلَى جَمِيعِ أَفْرَادِ الإِنْسَانِ، لَا سِيَّمَا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَالْجِيرَانِ. \"وَشَهْرٌ يُزَادُ فِي رِزْقِ الْمُؤْمِنِ\" وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ: \"يُزَادُ فِيهِ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ سَوَاءٌ كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا\"، وَهَذَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ فِيهِ، وَيحتملُ تَعْمِيمُ الرِّزْقِ بِالْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٦٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٥٩).","vol":"4","page":406},{"text":"أَوْ تَمْرَةٍ، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ، وَمَنْ أَشْبَعَ صَائِمًا سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ حَوْضِي شَرْبَةً لَا يَظْمَأُ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ، وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ خَفَّفَ عَنْ مَمْلُوكِهِ فِيهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَأعْتَقَهُ مِنَ النَّارِ\".\n١٩٦٦ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ أَطْلَقَ كُلَّ أَسِيرٍ، وَأَعْطَى كُلَّ سَائِلٍ.\n١٩٦٧ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ الْجَنَّةَ تُزَخْرَفُ. . . . .\nــ\nبالماء، والمذيق كأمير [اللبن] الممزوج بالماء، مَذَقَهُ فَامْتَذَقَ فهو ممذوق ومذيق.\nوقوله: (أو تمرة) عطف على (مذقة).\n١٩٦٦ - [١١] (ابن عباس) قوله: (أطلق كل أسير) فإن قلت: كيف يجوز إطلاق كل أسير وقد يكون على بعض الأسراء حق لأحد من الناس؟ قلنا: لم يكن أسراؤه -ﷺ- إلا الكفار أسروا في الغزوات، وهو مخير فيهم بعد الأسر بين المن والإطلاق وأخذ الفداء والاسترقاق عند أكثر الأئمة، ويتعين القتل أو الاسترقاق عند الحنفية، ولم يكن بينهم من عليه حقوق الناس من الديون ونحوها، ولو كانت فلعله -ﷺ- كان يُرضي أهلها ويطلق، واللَّه أعلم.\n١٩٦٧ - [١٢] (ابن عمر) قوله: (تزخرف) (١) أي: تزين،\n_________\n(١) قال القاري: أَيْ: يُبْتَدَأُ التَّزْيِينُ مِنْ أَوَّلِ السَّنَةِ مُنْتَهِيًا إِلَى سَنَةٍ آتِيَةٍ أَوَّلَ الْحَوْلِ غُرَّةَ الْمُحَرَّمِ، وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الْجَنَّةَ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ مِنْ أَوَّلهَا إِلَى آخِرِهَا مُزَيَّنَةٌ لِأَجْلِ رَمَضَانَ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الْغُفْرَانِ وَرَفْعِ دَرَجَاتِ الْجِنَانِ، مَا قَبْلَهُ وَمَا بَعْدَهُ مِنَ الزَّمَانِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُجْعَلَ رَأْسُ الْحَوْلِ مِمَّا بَعْدَ رَمَضَانَ، وَلَعَلَّهُ اصْطِلَاحُ أَهْلِ الْجِنَانِ، وَيُنَاسِبُهُ كَوْنُهُ يَوْمَ عِيدٍ وَسُرُورٍ، وَوَقْتَ زِينَةٍ وَحُبُورٍ، وقَالَ ابْنَ حَجَرِ: لَعَلَّ الْمُرَادَ هُنَا بِالْحَوْلِ بِأَنْ تَبْتَدِئَ الْمَلَائِكَةُ فِي تَزْيِنيِهَا أَوَّلَ شَوَّالٍ وَتَسْتَمِرَّ إِلَى أَوَّلِ رَمَضَانَ، فَتُفْتَحُ أَبَوَابُهَا حِينَئِدٍ لِيَطَّلِعَ الْمَلَائِكَةُ عَلَى مَا لَا يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ =","vol":"4","page":407},{"text":"لِرَمَضَانَ مِنْ رَأْسِ الْحَوْلِ إِلَى حَوْلٍ قَابِلٍ\". قَالَ: \"فَإِذَا كَانَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ هَبَّتْ رِيحٌ تَحْتَ الْعَرْشِ (١) مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ عَلَى الْحُورِ الْعِينِ، فَيَقُلْنَ: يَا رَبِّ! . . . . .\nــ\nفي (القاموس) (٢): الزخرف بالضم: الذهب وكمال حسن الشيء، والمزخرف المزين، وزخارف الدنيا أنواع فلنتها.\nوقوله: (على الحور العين) الحور جمع حوراء من الحور بفتحتين شدة بياض العين في شدة سوادها، أحور وحوراء نعت منه، وقال أبو عمرو: الحور أن تسود العين كلها مثل أعين الظباء والبقر، وليس في بني آدم حور، وإنما يقال للنساء: حور العيون تشبيهًا بالظباء والبقر، كذا في (الصحاح) (٣). قال في (القاموس) (٤): الحور جمع أحور وحوراء بالتحريك: أن يشتد بياض العين وسوادها، وتستدير حدقتها،\n_________\n= قَبْلُ، إِعْلَامًا لَهُمْ بِعِظَمِ شَرَفِ رَمَضَانَ وَشَرَفِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَمُجَازَاتِهِمْ عَلَى صَوْمِهِمْ بِمِثْلِ هَذَا النَّعِيمِ الْمُقِيمِ الظَّاهِرِ الْبَاهِرِ، اهـ. وَالأَظْهَرُ أَنَّ ابْتِدَاءَ الزِّينَةِ مِنْ أَوَّلِ رَمَضَانَ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ: \"فُتِحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ. . . إِلَخْ\"، لأَنَّ الزِّينَةَ الْمُتَعَارَفَةَ تَكُونُ فِي أَوَائِلِ أَمْرِ الْفَرَحِ، وَقَدْ تَكُونُ بَعْدَ الْفَرَحِ، وَالْمُنَاسِبُ هُنَا الأَوَّلُ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُرَادَ بِاللَّامِ فِي قَوْلِهِ: (لرَمَضَانَ) وَقْتُهُ، وَمِنْ بَيَانِيَّةٌ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٧٠).\n(١) أَيْ: مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فَنَثَرَتْ رَائِحَةً عَطِرَةً طَيِّبَةً، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: تَحْتَ الْعَرْشِ أَيْ فِي الْجَنَّةِ، لأَنَّ سَقْفَ الْجَنَّةِ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ سَقْفًا بِمَعْنَى أَعْلَاهَا، وَأَنَّهُ لَيْسَ فَاصِلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا أَنْ يَكُونَ هُبُوبُ الرِّيحِ فِي الْجَنَّةِ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ الرِّيحَ تَنْزِلُ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ مُبْتَدَأً بِاعْتِبَارِ ظُهُورِهَا فِي الْجَنَّةِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٧١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٥٢).\n(٣) \"الصحاح\" (٢/ ٦٣٩).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٥٥).","vol":"4","page":408},{"text":"اجْعَلْ لَنَا مِنْ عِبَادِكَ أَزْوَاجًا تَقَرَّ بِهِمْ أَعْيُنُنَا، وَتَقَرَّ أَعْيُنُهُمْ بِنَا\". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٣٦٠٨، ٣٦٢٩، ٣٦٣٣].\n١٩٦٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: \"يُغْفَرُ لأُمَّتِهِ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ\". . . . .\nــ\nوترق جفونها، ويبيضّ ما حواليها، أو شدة بياضها وسوادها في بياض الجسد، أو اسوداد العين كلها مثل الظباء، ولا يكون في بني آدم، بل يستعار لها، والعِينُ جمع عَيناء وهي المرأة الواسعة العين، في (القاموس) (١): عَيِنَ كفرح عينًا وعِينةً بالكسر: عَظُم سَوادُ عينه في سعة فهو أعيَنُ.\nوقوله: (تقر) -بفتح القاف وكسرها- إما من القر بفتح القاف وكسرها بمعنى القرار والثبات، فهو عبارة عن نيل المقصود والفوز بالبغية؛ لأن العين تقر وتسكن بالنظر إلى المحبوب وتطمئن برؤيتها، وبالنظر إلى غير المحبوب يتحرك ويلتفت إلى كل جانب، أو من الفرح والسرور؛ لأن العين يستقر في حالة السرور، وفي الهم والحزن يتحرك كقوله تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، أو من القر بضم القاف بمعنى البرودة، وبرودة العين ولذته في مشاهدة المحبوب، وحره واحتراقه في رؤية الأعداء، ولهذا سمي الولد قرة العين، كأنهن لما رأين زخرفة الجنة وزينتها زادت أمنيتهن في الأزواج، فسألن اللَّه ذلك.\n١٩٦٨ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (يغفر لأمته) هكذا في النسخ المصححة، وفي نسخة: (لأمتي) فهو لفظ النبي -ﷺ-، وبلفظ الغائب حكاية عن معنى ما تلفظ به -ﷺ- لا لفظه.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٢٤).","vol":"4","page":409},{"text":"قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَهِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ؟ (١) قَالَ: \"لَا، وَلَكِنَّ الْعَامِلَ إِنَّمَا يُوَفَّى أَجْرَهُ إِذَا قَضَى عَمَلَهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٢٩٢].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-564>١ - باب رؤية الهلال</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-565> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٩٦٩ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ\". . . . .\nــ\n١ - باب رؤية الهلال\nالهلال اسم لغُرّة القمر أو لِليلتين أو إلى ثلاثٍ أو إلى سبع، ولِليلتين من آخر الشهر ست وعشرين وسبع وعشرين، وفي غير ذلك قمر، كذا في (القاموس) (٢)، والمراد هنا المعنى الأول، وهو ما يرى في الليلة الأولى من رمضان أو من شوال، يجب في نهاره الصوم أو الإفطار.\nالفصل الأول\n١٩٦٩ - [١] (ابن عمر) قوله: (فإن غُمّ عليكم) أي غطي الهلال وستر بالغمام ووقع الشك في رؤيته (فاقدروا له) بكسر الدال وضمها، وقيل: الضم خطأ رواية،\n_________\n(١) فيه رَدٌّ عَلَى مَنِ اخْتَارَ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ هِيَ لَيْلَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ، إِذْ قَدْ تَكُونُ آخَرَ لَيْلَةٍ مِنْهُ، وَيُمْكِنُ تَأْوِيلُهُ بِأَنْ يُقَالَ: لَا، أَيْ: لَيْسَ سَبَبُ الْمَغْفِرَةِ كَوْنَهَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، بَلْ سَبَبُهَا كَوْنُهَا آخِرَ لَيْلَةٍ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ هِيَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَأَنْ تَكُونَ غَيْرَهَا مِنْ بَقِيَّةِ لَيَالِي الْعَشْرِ الأَخِيرِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٧١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٨٩).","vol":"4","page":410},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: \"الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٠٦، ١٠٨٠].\nــ\nواختلفوا في معناه على وجوه، والمختار الذي عليه الجمهور أن المراد قدروا له تمام ثلاثين وأكملوا هذا العدد في الشهر الذي كنتم فيه كما في الرواية الأخرى: (فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)، قال في (المواهب) (١): وهذا مذهبنا ومذهب مالك وأبي حنيفة -﵁- وجمهور السلف والخلف.\nوقال بعضهم: إن المراد تقدير منازل القمر وضبط حساب النجوم حتى يعلم أن الشهر ثلاثون أو تسع وعشرون، وهذا القول غير سديد، فإن قول المنجمين غير مقبول، ولا يعتبر في الشرع، فلا يعتمد عليه إلا في رواية شاذة في الفقه، وقد نقل عن ابن شريح أنه قال: هذا لمن خصه اللَّه تعالى بهذا العلم.\nوقوله: (فأكملوا العدة) خطاب للعامة، قال ابن العربي (٢): فصار وجوب رمضان عنده مختلف الحال، يجب على قوم بحساب الشمس والقمر، وعلى آخرين بحساب العدد، وهذا بعيد، انتهى.\nوقال التُّورِبِشْتِي (٣): قد خالف ابن شريح في هذه الفتيا من جعل لأهل التنجيم مدخلًا في عبادات المسلمين، ولقد علم أن العرب لم يكن يتعاطاه وكان النبي -ﷺ- يأباه، وإلى هذا المعنى أشار بقوله -ﷺ-: (نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) الحديث، وقال: (فأكملوا العدة ثلاثين) خطابًا للعامة، وخفي عليه أن الصحابة -رضوان اللَّه عليهم- لم يفتوا بذلك ولم يعلموه، وهم خير هذه الأمة وأخصهم بعلم الشريعة وأولاهم\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ٣٣٢).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ١٢٢).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٦٠).","vol":"4","page":411},{"text":"١٩٧٠ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"صُومُوا لِرُؤيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُم فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٠٩، م: ١٠٨١].\n١٩٧١ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا\". . . . .\nــ\nبالتأييد والتوفيق، وقال الشيخ ابن الصلاح: معرفة منازل القمر وهو معرفة الأهلة، وأما معرفة الحساب فأمر دقيق يختص بمعرفة الآحاد، فمعرفة منازل القمر يدرك بأمر محسوس يدركه من يوافق النجوم، وهذا هو الذي أراده ابن شريح وقال به في حق العارف بها في خاصة نفسه، ونقل الروياني عنه أنه لم يقل بوجوبه عليه، وإنما قال بجوازه، وأما أبو إسحاق فقد نقل فيه في (المهذب) (١) لزوم الصوم في هذه الصورة.\nوقوله: (الشهر تسع وعشرون ليلةً) أي قد يكون كذا، وقيل: هو محمول على الغالب.\n١٩٧٠ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (صوموا لرؤيته) اللام بمعنى الوقت.\n١٩٧١ - [٣] (ابن عمر) قوله: (إنا أمة أمية) أي: العرب، وقيل: أراد نفسه، وأمية قيل: نسبة إلى أمة العرب؛ لأنها لا تكتب، وقيل: نسبة إلى الأمهات، أي: إنهم على أصل ولادة أمهم، أو لأن المرأة هذه صفتها غالبًا، وقيل: منسوبون إلى أم القرى، وإنما قيل للعرب: أميون؛ لأن الكتابة كانت فيهم نادرة، وكذا معرفة الحساب.\nوقوله: (لا نكتب ولا نحسب) دل على أن معرفة الشهر عندنا ليس بالحساب، كما هو عند المنجمين، وأكده بالإشارة بقوله: (هكذا وهكذا. . . إلخ) كما هو شأن\n_________\n(١) \"المجموع\" (٦/ ١٩١).","vol":"4","page":412},{"text":"وَعَقَدَ الإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ. ثُمَّ قَالَ: \"الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا\". يَعْنِي تَمَامَ الثَّلَاثِينَ، يَعْنِي مَرَّةً تِسْعًا وَعِشْرِينَ، وَمرَّة ثَلَاثِينَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩١٣، م: ١٠٨٠].\n١٩٧٢ - [٤] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ: رَمَضَانُ وَذُو الْحِجَّةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩١٢، م: ١٠٨٩].\n١٩٧٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ،\nــ\nالعامة ممن لم يعرف الحساب أصلًا.\nوقوله: (يعني تمام الثلاثين) متعلق بالأخير.\nوقوله: (يعني مرةً تسعًا وعشرين، ومرةً ثلاثين) متعلق بكليهما، وكلاهما من كلام الراوي.\n١٩٧٢ - [٤] (أبو بكرة) قوله: (شهرا عيد لا ينقُصان: رمضان وذو الحجة) ذكروا لهذا توجيهات، والأصوب ما قال في (النهاية) (١): أي: في الحكم وإن نقصا في العدد، أي: ينبغي أن لا يعرض في قلوبكم شك إذا صمتم تسعًا وعشرين يومًا، أو أن يقع في الحج خطأ لم يكن في نسككم نقص. فإن قلت: فكيف يتصور ذلك في ذي الحجة، فإن الحج في العشر الأول؟ قلت: يتصور بإغماء هلال ذي الحجة، ويقع منه في الغلط بزيادة يوم نقصانه، فيقع عرفة في الثامن أو العاشر منه.\n١٩٧٣ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين) المشهور في تعليله كما صرح به الترمذي التقوي بالفطر لرمضان ليدخل فيه\n_________\n(١) \"النهاية\" (٥/ ١٠٦).","vol":"4","page":413},{"text":"إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمًا فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩١٤، م: ١٠٨٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-566> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٩٧٤ - [٦] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٢٢٣٧، ت: ٧٣٨، جه: ١٦٥١، دي: ١٧٤٠].\nــ\nبنشاط، وينافيه التخصيص بيوم أو يومين لأنه يدل أنه لو تقدمه بصوم ثلاثة أيام أو أربعة جاز، كذا قال الشيخ (١)، اللهم إلا أن يكون ذكر يوم أو يومين على وجه التمثيل لا التخصيص.\nوقيل: الحكمة فيه خشية اختلاط النفل بالفرض وإيراثه الشك بين الناس فيقولون: لعله رأى هلال رمضان حتى يصوم، وهذا الوجه أيضًا لا يخلو عن ضعف على أنه يجوز لمن له عادة، والاختلاط المذكور باق، إلا أن يقال: جوز ذلك لأن ترك الورد شاق على من ألِفه، فيكون في حكم صوم القضاء والنذر، فالوجه هو الأول، وذكر بعضهم أن النهي مخصوص بالضعفاء، وقد كان رسول اللَّه -ﷺ- جمع بين صوم الشهرين.\nالفصل الثاني\n١٩٧٤ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (إذا انتصف شعبان فلا تصوموا) (٢) هذا في\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ١٢٨).\n(٢) قال القاري: وَالنَّهْيُ لِلتَّنْزِيهِ رَحْمَةً عَلَى الأُمَّةِ أَنْ يَضْعُفُوا عَنْ حَقِّ الْقِيَامِ بِصِيَامِ رَمَضَانَ عَلَى وَجْهِ النَّشَاطِ، وَأَمَّا مَنْ صَامَ شَعْبَانَ كُلَّهُ فَيَتَعَوَّدُ بِالصَّوْمِ وَيَزُولُ عَنْهُ الْكُلْفَةُ، وَلِذَا قَيَّدَهُ بِالِانْتِصَافِ، أَوْ نَهَى عَنْهُ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنَ التَّقَدُّمِ الْمُقَدَّمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ الْقَاضِي: الْمَقْصُودُ اسْتِجْمَامُ مَنْ لَا يَقْوَى =","vol":"4","page":414},{"text":"١٩٧٥ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَحْصُوا هِلَالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٦٨٧].\n١٩٧٦ - [٨] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ إِلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ. . . . .\nــ\nحق من لم يقو على تتابع الصيام الكثير.\n١٩٧٥ - [٧] (وعنه) قوله: (أحصوا هلال شعبان لرمضان) (١) يؤيد أن المراد بالقدر هو عد الثلاثين من شعبان، لكنهم قالوا: الإحصاء أبلغ من العد في الضبط.\n١٩٧٦ - [٨] (أم سلمة) قوله: (إلا شعبان ورمضان) اعلم أن الأحاديث في صوم شعبان وردت مختلفة، منها: حديث أبي هريرة (٢) الناهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين، ومنها حديثه (٣) الناطق بالنهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان، ومنها\n_________\n= عَلَى تَتَابُع الصِّيَامِ فَاسْتُحِبَّ الإِفْطَارُ كَمَا اسْتُحِبَّ إِفْطَارُهُ عَرَفَةَ لِيَتَقَوَّى عَلَى الدُّعَاءِ، فَأَمَّا منْ قَدَرَ فَلَا نَهْيَ لَهُ، وَلذَلِكَ جَمَعَ النَّبِيُّ -ﷺ- بَيْنَ الشَّهْرَيْنِ فِي الصَّوْمِ، اهـ. قال القاري: وَهو كَلَامٌ حَسَنٌ لَكِنْ يُخَالِفُ مَشْهُورَ مَذْهَبِهِ أَنَّ الصِّيَامَ بِلَا سَبَبٍ بَعْدَ نِصْفِ شَعْبَانَ مَكْرُوهٌ، وَفي \"شَرْحِ ابْنِ حَجَرٍ\": قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا: يَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ الصَّوْمُ بَعْدَ النِّصْفِ مُطْلَقًا تَمَسُّكًا بِأَنَّ الْحَدِيثَ غَيْرُ ثَابِتٍ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ يَخَافُ الضَّعْفَ بِالصَّوْمِ، وَرَدَّهُ الْمُحَقِّقُونَ بِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَدِيثَ ثَابِتٌ بَلْ صَحِيحٌ، وَبِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِلضَّعْفِ، وَمَا نِيطَ بِالْمَظِنَّةِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَحَقُّقُهَا. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٧٦).\n(١) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيِ: اجْتَهِدُوا فِي إِحْصَائِهِ وَضَبْطِهِ بِأَنْ تَتَحَرَّوْا مَطَالِعَهُ وَتَتَرَاءَوْا مَنَازِلَهُ لِأَجْلِ أَنْ تَكُونُوا عَلَى بَصِيرَةٍ فِي إِدْرَاكِ هِلَالِ رَمَضَانَ عَلَى حَقِيقَتِهِ حَتَّى لَا يَفُوتَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٧٧).\n(٢) أخرجه البخاري (١٩١٤)، ومسلم (١٠٨٢).\n(٣) أخرجه ابن ماجه (١٦٥١)، وأحمد (٢/ ٤٤٢/ ٩٧٠٥).","vol":"4","page":415},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٣٣٦، ت: ٧٣٦، ن: ٢١٧٥، جه: ١٦٤٨].\nــ\nهذا الحديث من أم سلمة -﵂- الدال على استيعاب شهر شعبان بالصوم، وقد جاء من عائشة -﵂- (١): (ما رأيت رسول اللَّه -ﷺ- استكمل صيام شهر قط)، وجاء في حديث آخر (٢) منها: (ما رأيته في شهر أكثر منه صائمًا، كان يصوم شعبان كله إلا قليلًا)، ويدل هذا الحديث على خلاف ما دل عليه حديث أم سلمة، وقالوا في التوفيق بين هذه الأحاديث: إن عائشة وأم سلمة -﵄- أخبرت كل واحدة منهما بما رأت منه -ﷺ-، فيحتمل أن أم سلمة وجدته صائمًا في أيام نوبتها في شعبان، فظنت أنه واصل شعبان برمضان، ووجدته عائشة -﵂- مفطرًا في بعض أيامها فأخبرت عما رأت، ويدل على ذلك قولها: (ما رأيته في شهر أكثر منه صائمًا) الحديث، ولا يلزم أن يقدر ما قدرناه في حديث أم سلمة -﵂- على التعاقب والتوالي في سائر السنين بل في بعضها، فإنها إذا رأته على ذلك عامًا أو عامين صح لها أن تخبر عما أخبرت، كذا قال التُّورِبِشْتِي (٣).\nوقال أيضًا: وأرى إحدى المعاني التي كانت تستدعي النبي -ﷺ- أن يواصل شعبان برمضان أو يصوم أكثرها اشتغال أزواجه بقضاء ما فاتهن من رمضان، ويدل على ذلك حديث عائشة -﵂-: (كان يكون عليّ الصوم من رمضان فلا أستطيع أن أقضي إلا في شعبان)، قال الراوي: تعني الشغل بالنبي -ﷺ-، وفيه أنه لا يمكن الجزم بأن الباعث للنبي -ﷺ- على صوم شهر شعبان كله أو أكثره كان اشتغال أزواجه بقضاء ما فاتهن من صوم رمضان، بل الظاهر أن الأمر بالعكس، كان الباعث لهن على قضاء ما فات وجود\n_________\n(١) أخرجه البخاري (١٩٦٩)، ومسلم (١١٥٦).\n(٢) أخرجه مسلم (١١٥٦).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٦٢).","vol":"4","page":416},{"text":"١٩٧٧ - [٩] وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: \"مَنْ صَامَ الْيَوْمَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَقَدَ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ -ﷺ-\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٢٣٣٤، ت: ٦٨٦، ن: ٢١٨٨، جه: ١٦٤٥، دي: ١٦٨٢].\nــ\nالفرصة لهن باشتغاله -ﷺ- بالصوم في شعبان.\nفالظاهر أن سبب كثرة صومه -ﷺ- في شعبان فضله بقرب رمضان، وتحصيل صفاء الوقت وتنوير القلب للتهيؤ لصوم رمضان مع كونه -ﷺ- قويًا مغتذيًا بالأنوار والأسرار كما يظهر من حديث صوم الوصال، والنهي للأمة للشفقة والترحم عليهم، على أن بعض المحققين صرحوا بأن النهي إنما هو في حق الضعفاء ومن لم يقو على الصيام، ومن هذا ظهر محمل حديث أبي هريرة المفيد للنهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان المنافي لتتابع صومه وأكثريته، وهو أنه نهاهم شفقة عليهم ليتقووا على صيام الفرض ويباشروا العمل فيه بنشاط، وكان حاله في ذلك خلاف حال غيره -ﷺ- كما قلنا، أو كان النهي منسوخًا، والوجه الأول هو المعتمد المختار، واللَّه أعلم.\n١٩٧٧ - [٩] (عمار بن ياسر) قوله: (من صام اليوم الذي يشك فيه) وهو اليوم المحتمل لأن يكون أول رمضان بأن غم هلاله بغيم أو غيره، والمراد الصوم بنية رمضان، والمختار عند أبي حنيفة والشافعي ومالك وأكثر الأئمة أن لا يصوم يوم الشك، وإن صام فليصم بنية النفل، ويستحب ذلك عندنا لمن صام يومًا يعتاد وللخواص، ويفطر غيرهم بعد نصف النهار، وقال الإمام أحمد وجماعة: إذا كان بالسماء غيم فليس بيوم الشك، ويحسب صومه عن رمضان، وكان ابن عمر وكثير من الصحابة -﵃- إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يومًا التمسوا الهلال؛ فإن رأوه أوسمعوا خبره صاموا وإلا فإن كان المطلع صافيًا بغير علة أصبحوا مفطرين، وإن كان فيه علة صاموا، وحمله","vol":"4","page":417},{"text":"١٩٧٨ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ -يَعْنِي هِلَالَ رَمَضَانَ- فَقَالَ: \"أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ \" قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: \"أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ \" قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: \"يَا بِلَالُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَن يَصُومُوا غَدًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٢٣٤٠، ت: ٦٩١، ن: ٢١١٢، جه: ١٦٥٢، دي: ١٦٩٢].\nــ\nالجمهور على صوم النفل، واللَّه أعلم.\n١٩٧٨ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (جاء أعرابي) الحديث، في الحديث دليل على أن الرجل الواحد إن كان مستور الحال فخبره مقبول في هلال رمضان، وتفصيل المذاهب أن مذهب الحنفية والصحيح من مذهب الشافعية والمشهور من مذهب أحمد -رحمهم اللَّه تعالى- أنه يثبت بخبر واحد عدل، ولا يشترط لفظ الشهادة وعددها؛ لأن هذا أمر ديني يتعلق به وجوب الصوم، فشابه رواية الأخبار والأحاديث يقبل فيها خبر واحد عدل، وعند مالك وفي قول للشافعي وفي رواية عن أحمد وإسحاق: يشترط شهادة اثنين كما في سائر الشهادات، وتمسكوا بحديث رواه أبو داود والدارقطني (١) عن حارث بن حاطب وكان أمير مكة قال: عهد إلينا رسول اللَّه -ﷺ- أن نصوم برؤية الهلال، وإن لم نره فبشهادة عدلين، وقالوا: إسناده صحيح متصل، وفي رواية النسائي عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب نحوه، وأجيب بأن لهذا الحديث منطوقًا ومفهومًا، ومفهومه يعارض بالأحاديث التي وردت\n_________\n(١) \"سنن أبي داود\" (٢٣٣٨)، و\"سنن الدارقطني\" (٢/ ١٦٧).","vol":"4","page":418},{"text":"١٩٧٩ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٢٣٤٢، دي: ١٦٩١].\nــ\nفي قبول خبر الواحد، ورجحناها بالدليل الذي ذكرنا، لكن عدالة المخبر شرط بالاتفاق (١).\nوقال الطحاوي: يقبل خبره عدلًا كان أو غيره، وأراد بغير العدل المستور، وهو موافق لإطلاق الحديث المذكور، ونقل الشُّمُنِّي عن (المحيط) أنه ينبغي أن يفسر جهة الرؤية، فإن احتمل انفراده برؤية يقبل وإلا فلا، ثم عندنا يقبل وإن كان الواحد امرأة أو فتى، وهذا في الصوم، أما في الفطر مع الغيم فيشترط العدد والثقة والشهادة والعدالة والحرية، وبدون العلة يشترط فيهما جمع عظيم، وهو عند الأكثر عدد التواتر، وعند البعض أهل محلته، وروي عن أبي يوسف أنه خمسون رجلًا.\n١٩٧٩ - [١١] (ابن عمر) قوله: (تراءى الناس) أي أرى بعضهم بعضًا، يعني\n_________\n(١) قال القاري (٤/ ١٣٧٨): قَالَ الْمُظْهِرُ: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ فِسْقٌ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَعَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ مَقْبُولَةٌ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ اهـ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ عُدُولٌ. انتهى. وقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ يُتَمَسَّكُ بِهِ فِي قَبُولِ الْمَسْتُورِ؛ لَكِنَّ الْحَقَّ أَنْ لَا يُتَمَسَّكَ بِهِ بِالنِّسْبَةِ لِهَذَا الزَّمَانَ، لأَنَّ ذِكْرَهُ الإِسْلَامَ بِحَضْرَتِهِ -ﷺ- حِينَ سَأَلَهُ عَنِ الشَّهَادَتَيْنِ إِنْ كَانَ هَذَا أَوَّلَ إِسْلَامِهِ فَلَا شَكَّ فِي ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ لأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَسْلَمَ أَسْلَمَ عَدْلًا إِلَى أَنْ يَظْهَرَ خِلَافُهُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ إِخْبَارًا عَنْ حَالِهِ السَّابِقِ فَكَذَلِكَ، لأَنَّ عَدَالتَهُ قَدْ ثَبَتَتْ بِإسْلَامِهِ فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِبَقَائِهَا مَا لَمْ يَظْهَرِ الْخِلَافُ، وَلَمْ يَكُنِ الْفِسْقُ غَالِبًا عَلَى أَهْلِ الإِسْلَامِ فِي زَمَانِهِ -ﷺ- فَتُعَارِضُ الْغَلَبَةُ ذَلِكَ الأَصْلَ فَيَجِبُ التَّوَقُّفُ إِلَى ظُهُورِهَا، انتهى. \"فتح القدير\" (٢/ ٣٢٣).","vol":"4","page":419},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-567> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٩٨٠ - [١٢] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتَحَفَّظُ مِنْ شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ. ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٣٢٥].\n١٩٨١ - [١٣] وَعَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا لِلْعُمْرَةِ فَلَمَّا نَزَلْنَا بِبَطْنِ نَخْلَةَ تَرَاءَيْنَا الْهِلَالَ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ، فَلَقِينَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْنَا: إِنَّا رَأَيْنَا الْهِلَالَ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ، وَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: هُوَ ابْنُ لَيْلَتَيْنِ، فَقَالَ: أَيَّ لَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ؟ قُلْنَا: لَيْلَةَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: . . . . .\nــ\nاجتمعوا لرؤية الهلال (١).\nالفصل الثالث\n١٩٨٠ - [١٢] (عائشة) قوله: (يتحفظ من شعبان) أي يتكلف ويبالغ في عدّ أيامه وحفظها.\n١٩٨١ - [١٣] (أبو البختري) قوله: (وعن أبي البختري) بفتح الموحدة والمثناة بينهما خاء معجمة ساكنة وكسر راء وشدة ياء، اسمه سعيد بن فيروز الكوفي، تابعي، و(بطن نخلة) موضع بين مكة والطائف.\nوقوله: (ابن ثلاث) أي: ثلاث ليال.\n_________\n(١) وقبول خبر الواحد في الصوم محمول على ما إذا كان في السماء علة، كذا في \"البذل\" (٨/ ٤٧٩).","vol":"4","page":420},{"text":"إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَدَّهُ لِلرُّؤْيَةِ فَهُوَ لِلَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ (١).\nوَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: قَالَ: أَهَلَلْنَا رَمَضَانَ وَنَحْنُ بِذَاتِ عِرْقٍ، فَأَرْسَلْنَا رَجُلًا إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَمَدَّهُ لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٨٨].\n* * *\nــ\nوقوله: (مدّه للرؤية) أي: جعل مدة رمضان زمان رؤية الهلال، وقيل: أطال مدته إلى الرؤية، كذا فسره الطيبي (٢).\nوقوله: (وفي رواية عنه) أي: عن أبي البختري.\nوقوله: (أهللنا رمضان) أي: أبصرنا هلاله، أهلّ واستهلّ إذا أبصر الهلال، ويجيء بمعنى رفع صوته بالتكبير عند رؤية الهلال، و(ذات عرق) بكسر عين وسكون راء اسم ميقات أهل العراق سمي به لأن فيه عرقًا، وهو الجبل الصغير، وقيل: العرق [أرض] سبخة تُنبت الطرفاء (٣).\nوقوله: (قد أمدّه) أي: أطال مدته إلى زمان رؤيته، وقيل: هو بتشديد الميم من الأمد.\n_________\n(١) قَالَ ابْنُ حَجَر بِإِضَافَةِ \"لَيْلَةِ\" إِلَى الْجُمْلَةِ، وَفِي النُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ بِالتَّنْوِينِ، وَيَدُلُّ مَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: \"أَيُّ لَيْلَةٍ رَأَيْتُمُوهُ\" غَايَتُهُ أَنَّهُ يُقَدَّرُ فِيهَا فِيهِمَا. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٧٩).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٤٩).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٣٧).","vol":"4","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-568>٢ - باب</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-569> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٩٨٢ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٢٣، م: ١٠٩٥].\n١٩٨٣ - [٢] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٩٦].\nــ\n٢ - باب\nفي متممات ولواحق لما سبق.\nالفصل الأول\n١٩٨٢ - [١] (أنس) قوله: (فإن في السحور بركة) السحور هو بالضم مصدر، وبالفتح اسم ما يتسحر من الطعام، والمحفوظ عند المحدثين بالفتح، والأظهر هو الضم؛ لأن البركة إنما هو في الفعل بموافقة السنة، وكذا في حديث أنس (١): (أن نبي اللَّه -ﷺ-[وزيد بن ثابت] تسحرا فلما فرغا من سحورهما)، وفي حديث سمرة بن جندب عن النبي -ﷺ- (٢): (لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال)، وأما في حديث العرباض ابن سارية الآتي في الفصل الثالث فتعين الفتح، وكذا في حديث أبي هريرة.\n١٩٨٣ - [٢] (عمرو بن العاص) قوله: (فصل) بالصاد المهملة و(الأكلة) بفتح الهمزة للمرة، وهي الرواية، وبالضم بمعنى اللقمة، وتوافق رواية السحور بالفتح،\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٥٧٦).\n(٢) \"سنن أبي داود\" (٢٣٤٦)، و\"سنن الترمذي\" (٧٠٦).","vol":"4","page":422},{"text":"١٩٨٤ - [٣] وَعَنْ سَهْلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٥٧، م: ١٠٥٨].\nــ\nلكن الرواية ههنا بالفتح (١).\n١٩٨٤ - [٣] (سهل) قوله: (ما عجّلوا الفطر) مخالفة لأهل الكتاب، فإنهم يؤخرونه إلى اشتباك النجوم، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): وقد صار ذلك في ملتنا شعارًا لبعض أهل البدعة وسمة لهم، ويعتقدون وجوب ذلك، ولو أن بعض الناس صنع هذا الصنع وقصده في ذلك تأديب النفس، ودفع جماحها، أو مواصلة العشاءين بالنوافل غير معتقد لوجوبه لم يضره (٣)، ويصحح هذا التأويل الحديث الصحيح الذي رواه أبو سعيد عن النبي -ﷺ- (٤): (لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر)، وتأخير الإفطار نظرًا إلى سياسة النفس وقمع الشهوة أمر قد صنعه كثير من الربانيين وأصحاب النظر في الأحوال والمعاملات، أعاد اللَّه علينا من بركاتهم، انتهى كلامه، وأقول: نعم\n_________\n(١) قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ (٢/ ٤٦٣): وَالْمَعْنَى أَنَّ السَّحُورَ هُوَ الْفَارِقُ بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ، لأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَهُ لَنَا إِلَى الصُّبْحِ بَعْدَ مَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْنَا أَيْضًا فِي بَدْءِ الإِسْلَامِ، وَحَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ يَنَامُوا أَوْ مُطْلَقًا، وَمُخَالَفَتُنَا إيَّاهُمْ تَقَعُ مَوْقعَ الشُّكْرِ لِتِلْكَ النِّعْمَةِ، انتهى. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٨١).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٦٣).\n(٣) قال القاري: بَلْ يَضُرُّهُ حَيْثُ يَفُوتُهُ السُّنَّةَ، وَتَعْجِيلُ الإِفْطَارِ بِشَرْبَةِ مَاءٍ لَا يُنَافِي التَّأْدِيبَ وَالْمُوَاصَلَةَ، وقال: ثُمَّ رَأَيْتُ التُّورِبِشْتِيَّ قَالَ: وَهَذِهِ الْخَصْلَةُ الَّتِي لَمْ يَرْضَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَقُولُ: يُشَابِهُ هَذَا التَّأْخِيرُ تَقَدُّمَ صَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ عَلَى صَوْمِ رَمَضَانَ، وَفِيهِ أَنَّ مُتَابَعَةَ الرَّسُولِ هِيَ الطَّرِيقُ الْمُسْتَقِيمُ، مَنْ تَعَوَّجَ عَنْهَا فقَدِ ارْتَكَبَ الْمُعْوَجَّ مِنَ الضَّلَالِ وَلَوْ فِي الْعِبَادَةِ، اهـ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا صَحَّ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا أَعْجَلَ النَّاسِ إِفْطَارًا وَأَبْطَأَهُمْ سَحُورًا، انتهى. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٨١).\n(٤) أخرجه البخاري (١٩٩٣)، وأبو داود (٢٣٦٣).","vol":"4","page":423},{"text":"١٩٨٥ - [٤] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ هَهُنَا وَأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَهُنَا وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٥٤، م: ١١٠٠].\n١٩٨٦ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْوِصَالِ فِي الصَّوْمِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ . . . . .\nــ\nالتعجيل مستحب، ولكن لا بد من تحقيق الوقت وتيقنه والاحتياط لا الاستعجال بحيث تردد الباطن في ذلك كما يفعله بعض أرباب التكلف في إظهار رعاية السنة.\n١٩٨٥ - [٤] (عمر) قوله: (إذا أقبل الليل) أي: ظلمته (من ههنا) أي: المشرق (وأدبر النهار) أي: ضوؤه (من ههنا) أي المغرب (فقد أفطر الصائم) أي: دخل في وقت الإفطار كأمسى وأصبح وأظهر إذا دخل في هذه الأوقات، أو صار مفطرًا حكما وإن لم يفطر حسًّا.\nوقوله: (وغربت الشمس) تأكيد لدخول الليل وتقرير له، أي: غربت بتمامها (١).\n١٩٨٦ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (نهى رسول اللَّه -ﷺ- عن الوصال في الصوم) وهو عبارة عن صوم يومين فصاعدًا من غير أكل وشرب بينهما (٢).\n_________\n(١) قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ فَلْيُفْطِرِ الصَّائِمُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَيْرِيَّةَ مَنُوطَةٌ بِتَعْجِيلِ الإِفْطَارِ فَكَأَنَّهُ قَدْ وَقَعَ وَحَصَلَ وَهُوَ يُخْبِرُ عَنْهُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٨٢).\n(٢) قال الطحاوي: هو أن يصوم ولا يفطر بعد الغروب أصلًا حتى يتصل صوم الغد بالأمس، والفرق بين صيام الوصال وصيام الدهر، أن من صام يومين أو أكثر ولم يفطر ليلتهما فهو مواصل، وليس هذا صوم الدهر، ومن صام عمره وأفطر جميع لياليه هو صائم الدهر، وليس بمواصل، فهما حقيقتان مختلفان متغايرتان. \"مرعاة المفاتيح\" (٦/ ٤٥٧).","vol":"4","page":424},{"text":"إنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٦٥، م: ١١٠٣].\nــ\nوقوله: (إني أبيت) وفي رواية أنس -﵁- (١): (إني أظل).\nوقوله: (يطعمني ربي ويسقيني) اختلف في معناه فقيل: هو على حقيقته، وأنه -ﷺ- كان يؤتى بطعام وشراب من عند ربه كرامة له، وتعقب بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلًا، ورواية (أظل) يدل على وقوع ذلك بالنهار، فلم يكن صومًا، وأجيب بأن ما يؤتى به من طعام الجنة وشرابها كرامة لا يجري عليه أحكام التكليف كغسل صدره الشريف في طست الذهب مع أن استعمال أواني الذهب الدنيوية محرم.\nوقال ابن المنير: الذي يفطر شرعًا إنما هو الطعام المعتاد، وأما الخارق للعادة كالمحضر من الجنة فلا، وليس تعاطيه من جنس الأعمال، وإنما هو من جنس الثواب كأكل أهل الجنة في الجنة، وأما رواية (أظل) فهي محمولة على مطلق الكون كما يقال: أضحى زيد قائمًا بمعنى صار، ولا يراد تخصيص ذلك بوقت الضحى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ [النحل: ٥٨] فإن المراد به مطلق الوقت، ولا اختصاص لذلك بنهار أو بليل، وعلى تقدير التسليم تفطيره بذلك وإن كان نهارًا ممنوع، على أن الرواية المشهورة هو (أبيت) الدال على وقوعه ليلًا دون أظل، وعلى تقدير ثبوته محمول على مطلق الكون.\nوقال الأكثرون: هو مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة، وهذا الوجه يرجع إلى معنيين، إما أنه يعطى القوة من غير وجود شبع وريّ بل مع الجوع والعطش، أو يخلق الشبع والري أيضًا بدون الطعام والشراب، ويرجح المعنى الأول بأن الثاني ينافي حال الصائم، ويفوت المقصود من الصوم والوصال؛ لأن الجوع والعطش هو روح هذه العبادة والمقصود منها، وأيضًا كانت حالته الشريفة في الأكثر الجوع حتى\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٧٢٤١)، وصحيح مسلم (١١٠٤).","vol":"4","page":425},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nيربط على بطنه الحجر، والمختار أن المراد بالطعام والشراب الغذاء الروحاني الحاصل مما يفيض عليه ربه من المعارف ولذة مناجاته ونعيمه بحبه والشوق إليه وما تتبعه من الأنوار والأسرار والأحوال التي هي غذاء القلوب ونعيم الأرواح وقرة العين وبهجة النفوس، وقد يغني هذا الغذاء عن غذاء الأجسام لما يحصل من القوة والقدرة والمسرة كما يشاهد ذلك في المحبة المجازية والمسرة الصورية، فكيف في المحبة الحقيقية المعنوية، وكيف بسيد المحبين وأفضلهم مع أعظم المحبوبين وأجملهم، ولا محبية ولا محبوبية أعلى وأرفع من ذلك، وفي مثل ذلك أنشد بعضهم:\nلها أحاديث من ذكراك تشغلها ... عن الشراب وتلهيها عن الزّاد\nلها بوجهك نور تستضيء به ... ومن حديثك في أعقابها حاد\nإذا اشتكت من كلال السير أَوْعَدَهَا ... روحُ القلوب (١) فتحيا عند ميعاد\nثم اختلفوا في أنه هل يجوز صوم الوصال لنا أم هو مكروه أو محرم؟ والأكثر على أنه لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة ومالك -رحمهما اللَّه-، ونص الشافعي وأصحابه على كراهته، إما كراهة تحريم أو كراهة تنزيه، والأول أصح، وقال محمد في (الموطأ) (٢): الوصال مكروه، وهو قول أبي حنيفة، انتهى.\nوذهب طائفة إلى أنه جائز لمن قدر عليه، وقد يروى عن عبد اللَّه بن الزبير وغيره من السلف: وكان ابن الزبير -﵄- يواصل الأيام، وروى ابن أبي شيبة (٣) بإسناد صحيح\n_________\n(١) هكذا في الأصل، والظاهر: \"روح القدوم\" كما في \"جامع العلوم والحكم\" (٢/ ٥٠٠)، أو \"روح اللقاء\" كما في \"موارد الظمآن لدروس الزمان\" (٢/ ٢٦٨).\n(٢) \"التعليق الممجد\" (٢/ ١٩٠).\n(٣) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٩٥٩٩).","vol":"4","page":426},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأنه كان يواصل خمسة عشر يومًا، وذكر معه بعض الصحابة، ومن التابعين عبد الرحمن ابن أبي يعمر وعامر بن عبد اللَّه بن الزبير، وإبراهيم التيمي، وأبو الجوزاء، كما نقله أبو نعيم في (الحلية) (١)، كذا ذكر في (المواهب اللدنية) (٢)، ومن حجتهم ما روي أنه -ﷺ- واصل بأصحابه بعد النهي وأقرهم على ذلك، فعلم أنه أراد بالنهي الرحمة لهم والتخفيف عنهم لا التحريم كذا قيل.\nلكن روي عن أبي هريرة أنه (٣) قال: نهى رسول اللَّه -ﷺ- عن الوصال في الصوم، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا ثم رأوا الهلال، فقال: (لو تأخر لزدتكم)، كالتنكيل لهم، يدل على أن مقصوده -ﷺ- من تركهم على المواصلة يومًا أو يومين تأكيد زجرهم وبيان المصلحة في نهيهم وإظهار المفسدة عن الوصال، وهي الملل من العبادة والتعرض للتقصير في بعض وظائف الدين من القوة في الصلاة وإتمام أركانها وأدائها، والخشوع فيها لحصول الضعف والتواني، وتعلق الباطن بالطعام والشراب، ويحتج أيضًا بأقدام الصحابة عليه بعد النهي، فدل على أنهم فهموا أن النهي للتنزيه لا للتحريم، وهو لا ينافي الجواز، ويفهم من هذا أن القول بالجواز ليس مطلقًا، بل مع الكراهة ولو تنزيهًا، كذا قيل، لكن يفهم من كلام بعضهم أنهم واصلوا بعدما رأوه -ﷺ- يواصل، وقالوا: إنك تواصل فنهاهم عن ذلك، فكان وصالهم قبل النهي، واللَّه أعلم.\nواختار أحمد وابن وهب وإسحاق جواز الوصال إلى السحر لحديث أبي سعيد عند البخاري (٤) أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (لا تواصلوا فأيكم أراد أن يواصل فليواصل\n_________\n(١) \"حلية الأولياء\" (٥/ ٧٠ - ٧١).\n(٢) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ٣٥٠).\n(٣) أخرجه البخاري (١٩٦٥)، ومسلم (١١٠٣).\n(٤) \"صحيح البخاري\" (١٩٦٣).","vol":"4","page":427},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-570> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n١٩٨٧ - [٦] عَن حَفْصَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمَيُّ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَقَفَهُ عَلَى حَفْصَةَ مَعْمَرٌ وَالزُّبَيْدِيُّ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَيُونُسُ الأَيْلِيُّ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ. [ت: ٧٣٠، د: ٢٤٥٤، ن: ٢٣٣٣، دي: ٢/ ٧٠٦].\nــ\nإلى السحر) وهذا في الحقيقة تأخير في الإفطار، وليس من الوصال في شيء، وذلك أخف في قيام الليل، وذلك أيضًا ما لم يشق على الصائم، هذا والظاهر من الحديث أن الوصال من خصائص رسول اللَّه -ﷺ-، ولهذا ذهب الجمهور من الأئمة أن النهي للتحريم لعموم النهي في قوله -ﷺ-: (لا تواصلوا)، وتعليله بما يختص بنفسه الكريمة بقوله: (لست كهيئتكم)، و(أيكم مثلي) كما جاء في الروايات الأخر، والرحمة والشفقة لا يمنع كون النهي للتحريم، غايته أن التحريم كان بسبب الشفقة، وكم من حكم إيجابي من أمر ونهي سببه الشفقة والرحمة، وروى الطبراني في (الأوسط) (١) من حديث أبي ذر: أن جبريل ﵇ قال للنبي -ﷺ-: (إن اللَّه قد قبل وصالك، ولا يحل لأحد بعدك)، وقد تكلم في إسناده، كذا في (المواهب) (٢)، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n١٩٨٧ - [٦] (حفصة) قوله: (من لم يجمع) من الإجماع بمعنى العزم وإحكام النية، يقال: أجمع على الأمر: عزم كما في قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾\n_________\n(١) \"المعجم الأوسط\" (٣١٣٨).\n(٢) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ٣٥١).","vol":"4","page":428},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n[يونس: ٧١] أي: من لم ينو الصوم من الليل فلا صيام له، وفي رواية: (من لم يبيّت الصيام)، وهذا حديث صحيح رواه الخمسة (١)، ورواه الدارقطني (٢) وقال: رجال إسناده كلهم ثقات، وظاهره أنه لا يصح الصوم بلا نية من الليل فرضًا كان كصوم رمضان والكفارة والقضاء والنذر أو نفلًا، وهو مذهب مالك ﵀، فيشترط التبييت في كل صوم نظرًا إلى عموم الحديث، وبه قال الشافعي وأحمد -رحمهما اللَّه- في غير النفل، ثم عند أحمد في بعض الروايات تبطل النية إن عمل بعدها في الليل ما ينافي الصوم من الوطء والأكل والشرب، والصحيح عند أصحابه أنها لا تبطل.\nوأما النفل فيجوز عندهما بنية في نصف النهار الشرعي، وهو قبل الزوال، بل يجوز عند الشافعي بعده لكونه مبنيًا على النشاط كجواز صلاة النفل قاعدًا مع القدرة على القيام، ولعله ينشط بعد الزوال إلا أن من شرطه الإمساك في أول النهار، ويصير صائمًا من حين نوى، ويتجزى الصوم عند الشافعي، كذا عند أحمد في المختار من مذهبه، فهما خصصا النفل من هذا الحديث، لأن مبناه على التخفيف، وتمسكا في ذلك بحديث عائشة -﵂- قالت: دخل عليّ رسول اللَّه -ﷺ- ذات يوم فقال: (هل عندكم شيء؟) قلنا: لا، فقال: (إني صائم)، وجاء في بعض الروايات قالت: كان النبي -ﷺ- يأتيني [فيقول:] (أعندك غداء؟) فأقول: لا، فيقول: (إني صائم)، وأوله المالكية بأنه إخبار منه -ﷺ- بصومه السابق على السؤال الذي نواه من الليل، وهو خلاف الظاهر جدًا من كلمة الفاء في قوله: (فإني صائم)، ويبطله ما جاء في رواية أخرى صحيحة عند مسلم: (إني إذن صائم) وإذن للاستقبال، والمذهب عندنا أنه يجوز صوم رمضان\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٧٣٠)، و\"سنن أبي داود\" (٢٤٥٤)، و\"سنن النسائي\" (٢٣٣١).\n(٢) \"سنن الدراقطني\" (٢٢٣٦).","vol":"4","page":429},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالنفل والنذر المعين بنية من نصف النهار الشرعي، وشرط للقضاء والكفارة والنذر المطلق أن يبيت النية؛ لأنها غير متعينة، فلا بد من التعيين من الابتداء.\nوالدليل لنا في الفرض قوله -ﷺ- وقد روي في السنن الأربعة (١) بعدما شهد عنده الأعرابي برؤية الهلال: (ألا من أكل فلا يأكل بقية يومه، ومن لم يأكل فليصم)، وما روي عن حفصة -﵂- مع أنه قد اختلف في وقفه ورفعه، وبعض طرقه لا يخلو عن ضعف كما قال الشيخ ابن الهمام (٢) محمولٌ على نفي الفضيلة والكمال، أو معناه لم ينو أنه صوم من الليل، وحديث حفصة عام خص منه النفل، فيخص هذا أيضًا بالقياس، وهو أن هذا يوم صوم، فيتوقف الإمساك في أول النهار على أن يصير قربة بالنية المتأخرة المقترنة بأكثره كالنفل، وبالكثير يترجح جانب الوجود على جانب العدم فيجعل كاقتران النية بجميعه، ثم اقتران النية بحالة الشروع ليس بشرط في باب الصوم بدليل جواز التقديم، فتصير حالة الشروع في الصوم كحالة البقاء، وإذا جاز بنية متقدمة دفعًا للحرج جاز بنية متأخرة عن حالة الشروع بطريق الأولى، كذا في (الهداية) (٣) وشروحه، وقال الشيخ ابن الهمام (٤): رواية حديث الأعرابي على ما في (الهداية) مستغرب جدًا، والمعروف فيه أنه -ﷺ- أمر أن ينادي في الناس يصومون غدًا، وظاهره أن شهادة الأعرابي كان في الليل، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"سنن أبي داود\" (٢٣٤٠)، و\"سنن الترمذي\" (٦٩١)، و\"سنن النسائي\" (٢١١٢)، و\"سنن ابن ماجه\" (١٦٥٢).\n(٢) \"فتح القدير\" (٢/ ٣٠٦).\n(٣) انظر: \"الهداية\" (١/ ١١٧).\n(٤) \"فتح القدير\" (٢/ ٣٠٤).","vol":"4","page":430},{"text":"١٩٨٨ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ أَحَدُكُمْ وَالإِنَاءُ فِي يَدِهِ فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٣٥٠].\nــ\nوقد يستدل بما في (الصحيحين) (١) من حديث سلمة بن الأكوع في صوم عاشوراء: أن رسول اللَّه -ﷺ- أمر رجلًا من أسلم أن أذن في الناس: (من أكل فليمسك بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم فإن اليوم يوم عاشوراء)، وقال الطحاوي: فيه دليل على أن من يعين صوم يوم ولم ينوه ليلًا يجزيه النية نهارًا، كذا قال الشُّمُنِّي، وتعقب بأن وجوب عاشوراء كان في ذلك النهار، فلذلك أجزأت النية، ولم يكن فرضًا قبل ذلك كما في رمضان، فتدبر. وسيأتي بقية الكلام فيه في باب قبل (باب ليلة القدر).\n١٩٨٨ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (إذا سمع النداء أحدكم) يحتمل أن يراد بالنداء نداء المغرب، فيكون تأكيدًا لتعجيل الإفطار، وإن كان ترك الأكل والشرب عند الأذان مسنونًا، أو نداء الصبح، فقيل: المراد نداء بلال فإنه كان ينادي بالليل كما سبق في (باب الأذان)، وقيل: المراد يسمع النداء وهو شاك في طلوع الصبح للتغيم، فلا يقع العلم له بأذانه أن الفجر قد طلع، فينبغي أن يتحرى، وإذا لم يقع تحريه على أحد الجانبين فلا ينبغي أن يشرب، وقيد كون الإناء في يده اتفاقي (٢).\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٢٠٥٧)، و\"صحيح مسلم\" (١١٣٥).\n(٢) وفي \"البذل\" (٨/ ٤٩٠): وكتب مولانا محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه -رحمه اللَّه تعالى-: قوله: \"إذا سمع أحدكم النداء. . . إلخ\" إن كان المراد بالنداء نداء المغرب فالمعنى ظاهر، وهو أنه لا ينبغي له أن ينتظر بعد الغروب شيئًا من تمام النداء أو غيره، بل يجب له المسارعة في الإفطار، وإن أريد به نداء صلاة الفجر فالمعنى أن النداء لا يعتدُّ به، وإنما المناط هو الفجر، فلو أذَّن المؤذن والصائم يعلم أن الفجر لم ينبلج بعدُ، فليس له أن يضعه من يده =","vol":"4","page":431},{"text":"١٩٨٩ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَحَبُّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٧٠٠].\n١٩٩٠ - [٩] وَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى مَاءٍ فَإِنَّهُ طَهُورٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. وَلَمْ يَذْكُرْ: \"فَإِنَّهُ بَرَكَةٌ\" غَيْرُ التِّرْمِذِيِّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى (١). [حم: ٤/ ١٧، ت: ٦٥٨، د: ٢٣٥٥، جه: ١٦٩٩، دي: ٢/ ٧].\nــ\n١٩٨٩ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (أحب عبادي إلي أعجلهم فطرًا) لأن متابعة النبي -ﷺ- سبب لمحبة اللَّه تعالى، وقيل: المراد بهم المسلمون؛ لأن اليهود والنصارى يؤخرون الفطر، والأول أظهر.\n١٩٩٠ - [٩] (سلمان بن عامر) قوله: (فليفطر على تمر) وقد ذكر بعض العلماء في ذلك حكمة بالغة وهي أن المعدة حين خلوها وسبق المطلب والاشتهاء يقبل الطعام\n_________\n= حتى يقضي حاجته، هذا وقد ذهب به وبما يشير إليه قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى أن المراد هو التبين دون نفس انبلاج الفجر، وهو أولى بحال العوام نظرًا إلى تيسير الشرع، فإن أكثر الخواص أيضًا عاجزون عن درك حقيقته فكيف لغير الخواص؟ فإناطة الأمر بنفس الانبلاج لا يخلو من إحراج وتكليف، فلا تتعلق هي بالفجر ولا بالمغرب، بل هي واردة على أمر الصلاة، كورود قوله ﵊: \"إذا حضر العَشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعَشاء\"، فإنهما سيقا على نمط واحد، والمرعي فيهما قطع بال المصلي عن الاشتغال بغير أمر الصلاة، فكما أنها واردة بقضاء حاجته فكذلك هي واردة بقضاء حاجته من الشراب، فلا يلزم ما لزم، واللَّه تعالى أعلم. انتهى.\n(١) قال القاري: \"فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى\" أَيْ لَهُمْ أَوْ لَهُ، وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٨٥).","vol":"4","page":432},{"text":"١٩٩١ - [١٠] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَتُمَيْرَاتٌ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تُمَيْرَاتٌ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٦٩٦، د: ٢٣٥٦].\n١٩٩٢ - [١١] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"من فَطَّرَ. . . . .\nــ\nبإقبال تام، وإذا كان أول ما يصل إليه من الطعام حلوًا انتفع البدن به غاية الانتفاع، لا سيما القوة الباصرة؛ فإن انتفاعها من الحلاوة أكثر وأقوى من سائر القوى، ولما كان حلاوة الحجاز التمر، وقد جبلت طباعهم وربيت به، كان انتفاعهم به أكثر من الانتفاع بغيرها من الحلاوات، وأما الماء فإن الكبد يحصل لها من الصوم نوع يبس، فإذا رطب بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده، ولهذا كان الأولى بالظمآن الجائع أن يبدأ بشرب قليل من الماء، ثم يأكل بعده، قاله ابن القيم، كذا في (المواهب) (١).\n١٩٩١ - [١٠] (أنس) قوله: (فتميرات) بلفظ التصغير مجرور ومرفوع، وقد وقع في بعض الروايات: (ثلاث رطبات) و(ثلاث تميرات).\nوقوله: (حسا) أي: شرب قليلًا، وفي (القاموس) (٢): حسا الطائرُ الماءَ حسْوًا، ولا تقُل: شرِبَ، وزيدٌ الماءَ: شرِبهُ شيئا بعد شيءٍ كتحسّاهُ واحتسَاهُ (٣).\n١٩٩٢ - [١١] (زيد بن خالد) قوله: (من فطر) بالتشديد، والتفطير جعل أحد\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ٣٤٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٧١).\n(٣) قال القاري: وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: السُّنَّةُ بِمَكَةَ تَقْدِيمُ مَاءِ زَمْزَمَ عَلَى التَّمْرِ أَوْ خَلْطُهُ بِهِ مَرْدُودٌ بِأَنَّهُ خِلَافُ الإِتِّبَاعِ، وَبِأَنَّهُ -ﷺ- صَامَ عَامَ الْفَتْحِ أَيَّامًا كَثِيرَةً بِمَكَةَ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ خَالَفَ عَادتَهُ الَّتِي هِيَ تَقْدِيمُ التَّمْرِ عَلَى الْمَاءِ، وَلَوْ كَانَ لَنُقِلَ، انتهى. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٨٦).","vol":"4","page":433},{"text":"صَائِمًا أَوْ جَهَّزَ غَازِيًا فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\"، وَمُحْيِي السُّنَّةِ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" وَقَالَ: صَحِيحٌ (١). [شعب: ٣٩٥٣، شرح السنة: ١/ ٤٤٩].\n١٩٩٣ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: \"ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٢) \".\nــ\nمفطرًا، أي: أطعمَ.\nوقوله: (جهز غازيًا) وزاد ابن خزيمة والنسائي: (أو جهز حاجًا أو خلفه في أهله) (٣).\n١٩٩٣ - [١٢] (ابن عمر) وقوله: (ذهب الظمأ) هو مهموز مقصور وممدود،\n_________\n(١) قَالَ الْجَزَرِيُّ: وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِلَفْظِهِ جُمْلَةً، وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مُقَطَّعًا، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: فِي كُلٍّ مِنْهُمَا حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَقَالَ مِيرَكُ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِمَا مِنْ حَدِيثِ زيدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مَنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْءٌ\" قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلَفْظُ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَالنَّسَائِيِّ: \"مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا أَوْ جَهَّزَ حَاجًّا أَوْ خَلَفَهُ فِي أَهْلِهِ أَوْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أُجُورِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ\"، وَكَأَنَّ الْمُصَنِّفَ لَمْ يَقِفْ عَلَى هَذَيْنِ الطَرِيقَيْنِ فَعَزَا الْحَدِيثَ إِلَى الْبَيْهَقِيِّ وَ\"شَرْحِ السُّنَّةِ\"، وَالْعَزْوُ إِلَى أَصْحَابِ السُّنَنِ أَوْلَى وَأَصْوَبُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَفِيهِ أَنَّهُ إِنَّمَا نُسِبَ إِلَيْهِمَا لأَنَّ لَفْظَهُمَا مُغَايِرٌ لِلَفْظِ الطَّرِيقَيْنِ، فَإِنَّ الأَوَّلَ مُخْتَصَرٌ وَالثَّانِي مُطَوَّلٌ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مُخَالَفَةِ بَقِيَّةِ الأَلْفَاظِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٨٦).\n(٢) قوله: \"إِنْ شَاءَ اللَّهُ\" مُتَعَلِّقٌ بِالأَخِيرِ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ، وَيَصِحُّ التَّعْلِيقُ لِعَدَمِ وُجُوبِ الأَجْرِ عَلَيْهِ -تَعَالَى-، رَدًّا عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ، أَوْ لِئَلَّا يَجْزِمَ كُلُّ أَحَدٍ فَإِنَّ ثُبُوتَ أَجْرِ الأَفْرَادِ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ، ويُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِنْ بِمَعْنَى إِذْ فَتَتَعَلَّقُ بِجَمِيعِ مَا سَبَقَ. انتهى. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٨٦).\n(٣) قَالَ الطِّيبِيُّ (٥/ ١٥٨٨): نَظَمَ الصَّائِمَ فِي سِلْكِ الْغَازِي لِانْخِرَاطِهِمَا فِي مَعْنَى الْمُجَاهَدَةِ مَعَ أَعْدَاءِ اللَّهِ، وَقَدَّمَ الْجِهَادَ الأَكْبَرَ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٨٦).","vol":"4","page":434},{"text":"١٩٩٤ - [١٣] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ زُهْرَةَ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: \"اللَّهُمَّ لَكَ صَمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ (١) \". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُرْسَلًا. [د: ٢٣٥٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-571> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n١٩٩٥ - [١٤] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا مَا عَجَّلَ النَّاسُ الْفِطْرَ؛ لأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٣٥٣، جه: ١٦٩٨].\nــ\nوالقصر لغة القرآن قوله تعالى: ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ﴾ [التوبة: ١٢٠] وهو العطش أو شدته (٢).\n١٩٩٤ - [١٣] قوله: (معاذ بن زهرة) بضم الزاي، تابعي.\nالفصل الثالث\n١٩٩٥ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (لا يزال الدين ظاهرًا) أي: غالبًا، وفي تعليله بأن (اليهود والنصارى يؤخرون) إشارة إلى أن قوام الدين وغلبته في مخالفة أعدائه.\n_________\n(١) قال المظهر (٣/ ٢٤): يعني لم يكن صومي رياءً، بل كان خالصًا لك؛ لأنك الرازق أنت، فإذا أكلتُ رزقك ولا رازقَ غيرُك فلا ينبغي العبادةُ لغيرك. انتهى. وَقَالَ الطِّيبِيُّ (٥/ ١٥٨٨): قَدَّمَ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ فِي الْقَرِينتَيْنِ عَلَى الْعَامِلِ دَلَالَةً عَلَى الاخْتِصَاصِ إِظْهَارًا لِلاخْتِصَاصِ فِي الافْتِتَاحِ وإِبْدَاءً لِشُكْرِ الصَّنِيعِ الْمُخْتَصِّ بِهِ فِي الاخْتِتَامِ. انتهى.\n(٢) قَالَ الطِّيبِيُّ (٥/ ١٥٨٨): ذِكْرُ ثُبُوتِ الأَجْرِ بَعْدَ زَوَالِ التَّعَبِ اسْتِلْذَاذٌ أَيَّ اسْتِلْذَاذِ، وَنظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٨٦).","vol":"4","page":435},{"text":"١٩٩٦ - [١٥] وَعَنْ أَبِي عَطِيَّةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَمَسْرُوقٌ عَلَى عَائِشَةَ، فَقُلْنَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ، وَالآخَرُ يُؤَخِّرُ الإِفْطَارَ ويُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ. قَالَتْ: أَيُّهُمَا يُعَجِّلُ الإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ؟ قُلْنَا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. قَالَتْ: هَكَذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَالآخَرُ أَبُو مُوسَى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٩٩].\n١٩٩٧ - [١٦] وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى السَّحُورِ فِي رَمَضَانَ، فَقَالَ: \"هَلُمَّ إِلَى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٣٤٤، ن: ٢١٦٣].\nــ\n١٩٩٦ - [١٥] (أبو عطية) قوله: (قالت: هكذا صنع رسول اللَّه -ﷺ-) فابن مسعود عمل بالعزيمة، وأبو موسى بالرخصة (١)، أو كان -﵁- رأى الاحتياط في التيقن بالوقت، أو منعه من التعجيل شيء، واللَّه أعلم.\n١٩٩٧ - [١٦] (العرباض بن سارية) قوله: (هلم) أي: تعال، قد سبق تحقيقه في أوائل الكتاب، و(الغداء) بفتح المعجمة والدال المهملة طعام الغُدْوة، ولما كان السحر قريبًا من الغدوة سمي طعامه الغداء، وفيه إشارة ما إلى تأخير التسحر، وهو المسنون كتعجيل الإفطار، وفي بعض النسخ: (الغذاء) بكسر المعجمة وبالذال المعجمة بمعنى ما به نماء الجسم وقوامه، أي: الطعام.\n_________\n(١) قال القاري: وَهَذَا إنما يَصِحُّ لَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ فِي الْفِعْلِ فَقَطْ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْخِلَافُ قَوْليًّا فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ اخْتَارَ الْمُبَالَغَةَ فِي التَّعْجِيلِ وَأَبا مُوسَى اخْتَارَ عَدَمَ الْمُبَالَغَةِ فِيهِ، وَإِلَّا فَالرُّخْصَةُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ الْكُلِّ، وَالأَحْسَنُ أَنْ يُحْمَلَ عَمَلُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى السُّنَّةِ وَعَمَلُ أَبِي مُوسَى عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ، كَمَا سَبَقَ مِنْ عَمَلِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ -﵃ أَجْمَعِينَ-. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٨٧).","vol":"4","page":436},{"text":"١٩٩٨ - [١٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٣٤٥].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-572>٣ - باب تنزيه الصوم</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-573> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n١٩٩٩ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\n١٩٩٨ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (نعم سحور المؤمن) بفتح السين فحسب، والتمر بركة، وتناوله في وقت السحر بركة على بركة، ونور على نور، ولما كان الإفطار والتسحر به كان الابتداء والانتهاء بركة.\n٣ - باب تنزيه الصوم\nأي: تبعيده عما يفسده أو يكره فيه (١)، والنزه: البعد، نزه نزاهة وتنزه تنزهًا إذا بعد، وكل مشتقاته وتصاريفه لا يخلو عن معنى البعد، وتنزيه اللَّه تبعيده عما لا يجوز عليه من النقائص، ومنه حديث (٢): (الإيمان نزه)، أي: بعيد عن المعاصي، وحديث (٣): (الجابية نزهة)، أي: بعيدة من الوباء، وهي قرية بدمشق.\nالفصل الأول\n١٩٩٩ - [١] (أبو هريرة) قوله: (قول الزور) بالضم الكذب، وهو قسم من\n_________\n(١) قال القاري: أَيْ في بَيَان مَا يَدُلُّ عَلَى مَا يَجِبُ تَبْعِيدُ الصَّوْمِ عَمَّا يُبْطِلُهُ من أصله، أَوْ يُبْطِلُ ثَوَابَهُ أَوْ يَنْقُصُهُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٨٨).\n(٢) أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٤٩٨٠).\n(٣) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٣/ ٣٩٥).","vol":"4","page":437},{"text":"\"مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٩٠٣].\nــ\nالقول، ولعل المراد به هنا ما يشتمل الفعل ليصح قوله: (والعمل به)، أو محمول على القول، والفواحش عمل بمقتضاه، كما أشار إليه الطيبي (١)، وفي بعض الحواشي أن الفواحش عمل بالزور؛ لأنها في الإثم كالزور.\nوقوله: (فليس للَّه حاجة) (٢) أي: عناية ومبالاة، وهو كناية عن عدم القبول، قال المشايخ -﵏-: الصوم ثلاثة: صوم العوام: وهو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، وصوم الخواص: وهو منع الحواس كلها عن شهواتها ولذاتها المحرمة والمكروهة، بل وعن الانهماك في المباح أيضًا عما ينافي كسر النفس وقمعها، وصوم خواص الخواص: وهو الإمساك عما دون اللَّه وعدم الالتفات إلى غيره والتعلق بما سواه (٣).\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٥٧).\n(٢) قال البيضاوي: ليس المقصود من شرعية الصوم نفس الجوع والعطش بل ما يتبعه من كسر الشهوات وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر اللَّه إليه نظر القبول، فقوله: \"ليس للَّه حاجة\" مجاز عن عدم قبول، فنفى السبب وأراد المسبب، وإلا فاللَّه تعالى لا يحتاج إلى شيء. وقال ابن بطال: ليس معناه يؤمر بأن يدع صيامه وإنما معناه التحذير من قول الزور، وما ذكر معه، كذا في \"فتح الباري\" (٤/ ١١٧). وفي \"هامش البذل\" (٨/ ٥٠٥): قال الشعراني في \"ميزانه\" (٢/ ٢٨٢): ومن ذلك إبطال الأوزاعي الصوم بالغيبة والكذب مع قول الأئمة بصحة الصوم مع النقص، انتهى. وفي \"نفع المفتي والسائل\": حكي الإجماع على عدم النقص، وقال: الروايات فيها كلها مدخولة أو مؤولة بفساد الثواب، أو بأن الصوم له ثلاث مراتب: صوم العوام والخواص والمقربين، فهذا يفسد غير الأول، وكذا جعل الصيام ثلاثة أنواع شارح \"الإحياء\".\n(٣) قَالَ الطِّيبِيُّ (٥/ ١٥٩٠): وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكَذِبَ وَالزُّورَ أَصْلُ الْفَوَاحِشِ، وَمَعْدِنُ =","vol":"4","page":438},{"text":"٢٠٠٠ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِأَرَبِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٢٧، م: ١١٠٦].\nــ\n٢٠٠٠ - [٢] (عائشة) قوله: (ويباشر) أي: يلامس، وجاء في رواية أنها قالت: (وكان -ﷺ- يقبّل بعض أزواجه وهو صائم فضحكت)، وزاد في بعضها: (وظننا أنها هي).\nوقوله: (وكان أملككم لأربه) وفي رواية: لنفسه، والأرب بفتح الهمزة والراء بمعنى الحاجة، وهو المشهور من الرواية عند المحدثين، وقد يروى بكسر الهمزة وسكون الراء وهو أيضًا بمعنى الحاجة، وقد يجيء بمعنى العضو والفرج، كذا في (القاموس) (١)، وعلى تقدير إرادة العضو المراد به العضو المخصوص، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): حمله على العضو غير سديد مائل عن سنن الأدب و[نهج] الصواب (٣)، فالأحسن حمله على الحاجة.\n_________\n= الْمَنَاهِي، بَلْ قَرِينُ الشِّرْكِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الشِّرْكَ مُضَادٌّ لِلإِخْلَاصِ، وَللصَّوْم مزيد اختصاص بِالاخْتِصَاصِ فَيَرْتَفِعُ بِمَا يُضَادُّهُ. انتهى. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٨٨).\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٨).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٦٧).\n(٣) قال الطيبي (٥/ ١٥٩١): ولعل ذلك مستقيم؛ لأَنَّ الصَّدِّيقَةَ -﵂- ذَكَرَتْ أَنْوَاعَ الشَّهْوَةِ مُتَرَقِّيَةً مِنَ الأَدْنَى إِلَى الأَعْلَى، فَبَدَأَتْ بِمُقَدِّمَتِهَا الَّتِي هِيَ الْقُبْلَةُ ثُمَّ ثَنَّتْ بِالْمُبَاشَرَةِ مِنْ نَحْوِ الْمُدَاعَبَةِ وَالْمُعَانَقَةِ، وَأَرَادَتْ أَنْ تُعَبِّرَ عَنِ الْمُجَامَعَةِ فَكَنَّتْ عَنْهَا بِالأَرَبِ، وَأَيُّ عِبَارَة أَحْسَنَ مِنْهَا، انتهى. وَفِيهِ أَنَّ الْمُسْتَحْسَنَ إِذًا أَنَّ الأَرَبَ بِمَعْنَى الْحَاجَةِ كِنَايَةً عَنِ الْمُجَامَعَةِ، وَأَمَّا ذكر الذَّكَر فَغَيْرُ مُلَائِمٍ لِلأُنْثَى كَمَا لَا يَخْفَى، لَا سِيَّمَا فِي حُضُورِ الرِّجَالِ، قاله القاري. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٨٩).","vol":"4","page":439},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقال الترمذي (١): وفي الباب عن عمر بن الخطاب وحفصة وأبي سعيد وأم سلمة وابن عباس وأنس وأبي هريرة، وحديث عائشة حديث حسن صحيح. واختلف أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- وغيرهم في القبلة للصائم، فرخص بعض أصحاب النبي -ﷺ- في القبلة للشيخ، ولم يرخصوا للشاب مخافة أن لا يسلم له صومه، والمباشرة عندهم أشد، وقد قال بعض أهل العلم: القبلة ينقص الأجر ولا يفطر الصائم، ورأوا أن الصائم إذا ملك نفسه له أن يقبّل، وإذا لم يأمن على نفسه ترك القبلة ليسلم له، وهو قول سفيان الثوري والشافعي، انتهى.\nوالمذهب عندنا أنه لا بأس بالقبلة إذا أمن على نفسه الجماع أو الإنزال، ويُكْرَهُ إن لم يأمن؛ لأن القبلة ليست بمفطر لذاتها، ويمكن أن تفضي إليه في العاقبة، فاعتبرت في حالة الأمن ذاتها، وفي غير حالة الأمن تعتبر عاقبتها، وقال محمد في (الموطأ) (٢): والكف أفضل، وهو قول أبي حنيفة والعامة ممن قبلنا. والمباشرة في حكم التقبيل في ظاهر الرواية، ويروى عن محمد أنه تكره المباشرة الفاحشة لغلبة خوف الفتنة فيها، وفي (المواهب اللدنية) (٣): أن مذهب الشافعي وأصحابه أن القبلة ليست محرمة على من لم تحرك شهوته، لكن الأولى تركها، وأما من حركت شهوته فهي حرام في حقه على الأصح، وقد روى ابن ماجه (٤): أنه سئل رسول اللَّه -ﷺ- عن رجل قبّل امرأته وهما صائمان، فقال: (فقد أفطرا) وإسناده ليس بثابت، أو يؤول بأنهما تعرضا للإفطار\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٧٢٧).\n(٢) \"الموطأ\" لمحمد (٣٥٢).\n(٣) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ٣٣٨).\n(٤) \"سنن ابن ماجه\" (١٦٨٦).","vol":"4","page":440},{"text":"٢٠٠١ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ جُنُبٌ. . . . . .\nــ\nكما قيل في: (أفطر الحاجم والمحجوم).\nوفي (الموطأ) (١): أن ابن عمر -﵄- كان ينهى عن القبلة والمباشرة للصائم، وروى سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب أنه كان ينهى الصائم عن التقبيل ويقول: لم يكن من العصمة لأحد ما كان لرسول اللَّه -ﷺ-، رواه ابن أبي شيبة (٢) والطبراني في (الصغير) (٣)، والدارقطني في (الأفراد) كذا ذكره السيوطي (٤).\n٢٠٠١ - [٣] (عائشة) قوله: (يدركه الفجر في رمضان وهو جنب) وقد روي مثله عن أم سلمة أيضًا، وقد كان أبو هريرة يروي عن فضل بن عباس أنه لا صيام لمن أصبح بالجنابة، فلما بلغه حديث عائشة وأم سلمة رجع عنه، وقال: هما أعلم مني في هذا الأمر، وله قصة ذكرناها في (شرح سفر السعادة) (٥)، وقد يستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ لأن حذف كلمة (في) من ظرف الزمان يدل على استيعاب الوقت وكونه معيارًا، فتجوز المباشرة إلى الصبح، ومع وجود ذلك لا يمكن الاغتسال بالليل، وعليه عامة أهل العلم إلا ما حكي عن النخعي أنه يجزئه التطوع ويقضي الفريضة كما نقل عنه الطيبي (٦)، وقال\n_________\n(١) \"الموطأ\" (١٠٢٩).\n(٢) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٩٤١٠).\n(٣) انظر: \"المعجم الأوسط\" للطبراني (٤٩٥٦).\n(٤) \"جامع الأحاديث\" (٢٩٤٨٠).\n(٥) \"شرح سفر السعادة\" (٣٠٣).\n(٦) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٥٩).","vol":"4","page":441},{"text":"مِنْ غَيْرِ حُلْمٍ، فَيَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٣٠، م: ١١٠٩].\n٢٠٠٢ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَاحْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٣٨، م: ١٢٠٢].\nــ\nالترمذي (١): والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- وغيرهم، وقال قوم من التابعين: إذا أصبح جنبًا يقضي ذلك اليوم، والقول الأول أصح، انتهى.\nثم قوله: (من غير حلم) وقد يستدل به على جواز الاحتلام على رسول اللَّه -ﷺ- وإلا لم يكن لهذا القيد فائدة، لكنهم قالوا: لم يجز الاحتلام عليه -ﷺ-؛ لأن الاحتلام من الشيطان وهو معصوم عنه، ونقل في (المواهب اللدنية) (٢) عن القرطبي أنه قال: الصحيح أنه لا يجوز عليه الاحتلام، ويراد بالاحتلام في الحديث رؤية الإنزال من غير رؤية شيء في المنام، وهذا ليس من الشيطان، وذلك لبعد العهد من الجماع واجتماع الماء، أو مبنى القيد على عدم الجواز يعني كان غسله -ﷺ- من الجماع لا من الاحتلام؛ لأن الاحتلام غير جائز في حقه ﵇، واللَّه أعلم.\n٢٠٠٢ - [٤] (ابن عباس) قوله: (احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم) ظاهر هذه العبارة أن الاحتجام حالة الإحرام كان في وقت، والاحتجام حالة الصيام في وقت آخر، وقد جاء في رواية أبي داود والترمذي (٣): (احتجم وهو صائم) من غير ذكر الاحتجام وهو محرم، وقد نقل في بعض الحواشي أنه احتجم في حال اجتماع الصوم مع الإحرام لما روى أبو داود (٤) من حديثه أيضًا: (أنه -ﷺ- احتجم صائمًا محرمًا)،\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٧٧٩).\n(٢) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ٣٣٩).\n(٣) \"سنن أبي داود\" (٢٣٧٢)، و\"سنن الترمذي\" (٧٧٦).\n(٤) \"سنن أبي داود\" (٢٣٧٣).","vol":"4","page":442},{"text":"٢٠٠٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٣٣، م: ١١٥٥].\nــ\nورواه الترمذي (١): (وهو صائم محرم)، لكن الجواز في الإحرام مقيد بأن لا ينتف شعرًا، وإن نتف فعليه الجزاء، وسيجيء الكلام في الاحتجام للصائم في حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم).\n٢٠٠٣ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (فليُتمّ صومه) اتفقت الأئمة على ذلك إلا مالكًا فإنه يقول: يلزم القضاء في صوم رمضان وهو القياس، وحكى محمد عن أبي حنيفة -﵁- أنه كان يقول: لولا أقوال الناس لقلت: يقضي، يعني لولا قول الأئمة وروايتهم هذا الحديث لقلت بالقضاء، كذا في بعض شروح (الهداية)، وقال في (الهداية) (٢): وإذا ثبت هذا في الأكل والشرب ثبت في الوقاع للاستواء في الركنية (٣).\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٧٧٥).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ١٢٠).\n(٣) قال القاري: فِي \"شَرْحِ النُّقَايَةِ\" لِلشُّمُنِّيِّ: قَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ دُونَ الْكَفَّارَةَ، وَقَالَ الأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ: يَجِبُ الْقَضَاءُ فِي الْجِمَاعِ دُونَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَقَالَ أَحْمَدُ: يَجِبُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ فِي الْجِمَاعِ دُونَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ لِمَا رَوَى ابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحَيْهِمَا، وَالْحَاكِمُ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ ناسِيًا فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ\"، وَأَمَّا إِنْ أَفْطَرَ خَطَأَ أَوْ مُكْرَهًا فَإِنَّهُ يَقْضِي فَقَطْ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَقْضِي فِيهمَا لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥] وَقَوْلِهِ -ﷺ-: \"رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ\". وَلَنَا أَنَّ الْمُفْطِرَ وَصَلَ إِلَى جَوْفِهِ فَيَفْسَدُ صَوْمُهُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي النَّاسِي، إِلَّا أَنَّا نَزَّلْنَاهُ فِيهِ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَصَارَ كَمَا إِذَا أُكْرِهَ عَلَى أَنْ يَأْكُلَ بِيَدِهِ، وَأُجِيبَ عَنِ الآيَةِ وَالْحَدِيثِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا نَفْيُ الْمَأْثَمِ =","vol":"4","page":443},{"text":"٢٠٠٤ - [٦] وَعَنهُ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكْتُ، قَالَ: \"مَا لَكَ؟ \" قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَلْ تَجدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ \" قَالَ: لَا، قَالَ: \"فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ \" قَالَ: لَا، قَالَ: \"هَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ \" قَالَ: لَا، قَالَ: \"اجْلِسْ\" وَمَكَثَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ أُتِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، -وَالْعَرَقُ: الْمِكْتَلُ الضَّخْمُ- قَالَ: \"أَيْنَ السَّائِلُ؟ \" قَالَ: أَنَا،\nــ\n٢٠٠٤ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (هلكتُ) وزاد في رواية: (وأهلكت) أي: زوجتي.\nوقوله: (وأنا صائم) وفي نسخ (المصابيح): (في نهار رمضان) بدل قوله: (وأنا صائم)، و(المكث) مثلثة ويحرك، والفعل كنصر وكرم، كذا في (القاموس) (١)، و(العرق) محركة: السَّفيفَةُ المَنْسوجَةُ من الخوصِ قَبْل أَنْ يُجْعَلَ منه الزِّنْبيلُ نَفْسُه، ويُسَكَّنُ، كذا في (القاموس) (٢)، وقال في (المشارق) (٣): هو بفتح العين والراء الزنبيل يسع خمسة عشر إلى عشرين صاعًا، وقد فسره في الحديث بالمكتل وهو نحو منه، ضبط بعضهم بالسكون وصححه بعضهم، والأشهر الفتح، جمع عرقة وهي الضفيرة التي تخاط منها القفة، انتهى.\nوقوله: (أين السائل؟) في معنى (من هو) في العرف.\n_________\n= وَرَفْعُهُ، كَذَا ذَكَرَهُ الشُّمُنِّيُّ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٩٠)، وانظر: \"بذل المجهود\" (٨/ ٥٧٢).\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٧٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٣٦).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٣٣).","vol":"4","page":444},{"text":"قَالَ: \"خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ\". فَقَالَ الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا -يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ- أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النَّبِيُّ -ﷺ- حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: \"أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٣٦، م: ١١١١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-574> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٠٠٥ - [٧] عَن عَائِشَة: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ، وَيَمَصُّ. . . . .\nــ\nوقوله: (فتصدق به) أي كفارة لذنبك.\nقوله: (أعلى أفقر مني؟) بلفظ الاستفهام.\nوقوله: (يريد الحرتين) الحرة أرض ذات حجارة، و(أفقر) بالرفع والنصب.\nوقوله: (حتى بدت أنيابه) وفي (المصابيح): (نواجذه)، وظهور النواجذ مستبعد، بل غير ممكن، فقيل: أريد به الأسنان مطلقًا، وقد عرف في موضعه.\nوقوله: (ثم قال: أطعمه أهلك) لما رأى احتياج الرجل أخّر الكفارة عنه إلى وقت الوجدان، وعليه أكثر العلماء، قال التُّورِبِشْتِي (١): ذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك حكم خص به هذا الرجل، وقال بعضهم: هذا منسوخ، وكلا القولين قول لا استناد له، والقول القويم فيه أن الرجل لما أخبر أن ليس بالمدينة أحوج منه جعله في فسحة منه حتى يجد ما يؤديه في الكفارة (٢).\nالفصل الثاني\n٢٠٠٥ - [٧] (عائشة) قوله: (يمصّ) -بفتح الميم- من علِم يعلَمُ، والمصمصة\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٦٩).\n(٢) انظر ما يتعلق به من الأحكام في: \"أوجز المسالك\" (٥/ ١٣٦)، و\"بذل المجهود\" (٨/ ٥٥٣).","vol":"4","page":445},{"text":"لِسَانَهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٣٨٦].\n٢٠٠٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ -ﷺ- عَنِ الْمُبَاشَرَةِ لِلصَّائِم فَرَخَّصَ لَهُ. وَأَتَاهُ آخَرُ فَسَأَلَهُ فَنَهَاهُ، فَإِذَا الَّذِي رَخَّصَ لَهُ شَيْخٌ، وَإِذَا الَّذِي نَهَاهُ شَابٌّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٣٨٧].\n٢٠٠٧ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ وَهُوَ صَائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عِيسَى بْنِ يُونسُ. وَقَالَ مُحَمَّد -يَعْنِي البُخَارِيَّ- لَا أَرَاهُ مَحْفُوظًا.\nــ\nبمهملتين كالمضمضة بمعجمتين إلا أن المهملة بطرف اللسان، والمعجمة بالفم كله، وفي إسناد هذا الحديث ضعف؛ لأن في إسناده محمد بن دينار الطاحي البصري وسعد ابن أوس، وهما ضعيفان، قاله ابن معين، ومع ذلك إنما يجوز إذا لم يبتلع الريق.\n٢٠٠٦ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (فإذا الذي رخص له شيخ. . . إلخ)، مآله إلى الأمن وعدمه، ولكنه أقام السبب مقام المسبب باعتبار الغالب.\n٢٠٠٧ - [٩] (عنه) قوله: (من ذَرَعَه القيءُ) أي: غلبه وسبقه.\nوقوله: (من استقاء عمدًا فليقض) وكلتا الصورتين مطلق سواء كان القيء ملء الفم أو أقل من ذلك، وهو مذهب الأئمة الثلاثة، وأما المذهب عند أصحابنا فمحمد يوافق الأئمة في إطلاق الصورتين لإطلاق الحديث، وأبو يوسف يقيد الاستقاء عمدًا بملء الفم، فلو تقيأ قليلًا لا يقضي لعدم الخروج حكمًا حتى لم يجعل حدثًا، ولم يذكر في (الهداية) قول أبي حنيفة، وفي شروحه أن قول محمد هو ظاهر الرواية عن","vol":"4","page":446},{"text":"٢٠٠٨ - [١٠] وَعَنْ مَعْدَانَ بْنِ طَلْحَةَ أَنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَاءَ فَأَفْطَرَ. قَالَ: فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ في مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَقُلْتُ: إِنَّ أَبَا الدَّرْدَاءِ حَدَّثَنِي أَن رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَاءَ فَأَفْطَرَ. قَالَ: صَدَقَ، وَأَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوْءَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٢٣٨١، ت: ٨٧، دي: ١٧٢٨].\n٢٠٠٩ - [١١] وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- مَا لَا أُحْصِي يَتَسَوَّكُ وَهُوَ صَائِمٌ. . . . .\nــ\nأبي حنيفة، قلت: صرح محمد في (الموطأ) (١) بأنه قول أبي حنبفة.\n٢٠٠٨ - [١٠] (معدان بن طلحة) قوله: (وعن معدان) بفتح الميم وسكون المهملة (ابن طلحة)، وقيل: ابن أبي طلحة.\nوقوله: (قاء) محمول على أنه استقاء ولم يميز الحال الراوي، و(دمشق) بفتح الميم وبكسرها، والفتح أقوى وأفصح.\nوقوله: (أنا صببت له وضوءه) فيه دليل على أن القيء ناقض الوضوء كما هو مذهب أبي حنيفة وأحمد -رحمهما اللَّه-، وعليه إسحاق وابن المبارك والثوري -﵏-، وأوله الشافعية على الاستحباب أو غسل الفم والوجه.\n٢٠٠٩ - [١١] (عامر بن ربيعة) قوله: (ما لا أحصي) أي: مرّات لا أقدر على عدها و(يتسوّك) حال لأن الظاهر أن الرؤية بصرية.\nوقوله: (وهو صائم) حال متداخلة أو مترادفة، والأول أظهر، واختلف في التسوك للصائم، فعند أبي حنيفة ومالك: يتسوك سواء كان رطبًا أو مبلولًا قبل الزوال\n_________\n(١) \"الموطأ\" لمحمد (٣٥٧).","vol":"4","page":447},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٧٢٥، د: ٢٣٦٤].\n٢٠١٠ - [١٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: اشْتَكَيْتُ عَيْنَيَّ أفأَكْتَحِلُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ قَالَ: \"نَعَمْ\". . . . .\nــ\nأو بعده، وقال أبو يوسف: يكره بالرطب والمبلول، وعند الشافعي يكره بعد الزوال؛ لأن فيه إزالة الخلوف (١).\nوقال الترمذي: مذهب الشافعي عدم الكراهة في أول النهار، وعند أحمد وإسحاق مكروه في آخر النهار، والحديث مجمل، ثم من لا يكرهه يجعله سنة أو مستحبة كما في غير رمضان صرح به بعض العلماء.\nوقوله: (رواه الترمذي وأبو داود) ورواه أحمد والبخاري في ترجمة الباب، وروى البخاري عن ابن عمر -﵄- أيضًا في ترجمة باب أنه قال: يتسوك الصائم في أول النهار وآخره.\n٢٠١٠ - [١٢] (أنس) قوله: (اشتكيت عيني) (٢) بلفظ التثنية، وقد يروى\n_________\n(١) وَرُدَّ بأن الْخُلُوفَ هو تَغَيُّرُ رَائِحَةِ الْفَمِ مِنْ خُلُوِّ الْمَعِدَةِ وَذَلِكَ لَا يُزَالُ بِالسِّوَاكِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: بَلْ إِنَّمَا يُزِيلُ أَثَرَهُ الظَّاهِرَ عَنِ السِّنِّ مِنَ الاصْفِرَارِ وَهَذَا لأَنَّ سَبَبَ الْخُلُوفِ خُلُوُّ الْمَعِدَةِ مِنَ الطَّعَامِ، وَالسِّوَاكُ لَا يُفِيدُ شَغْلَهَا بِطَعَامٍ لِيَرْتَفِعَ السَّبَبُ، وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ مِثْلُ مَا قُلْنَا، رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قَالَ: سَأَلْتُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَتَسَوَّكُ وَأَنَا صَائِمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْتُ: أَيَّ النَّهَارِ أَتَسَوَّكُ؟ قَالَ: أَيَّ النَّهَارِ شِئْتَ، غَدْوَةً وَعَشيَّةَ، قُلْتُ: إِنَّ النَّاسَ يَكْرَهُونَهُ عَشِيَّةً، وَيَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ\"، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ لَقَدْ أَمَرَهُمْ بِالسِّوَاكِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا بُدَّ بِفِي الصَّائِمِ خُلُوفٌ وَإِنِ اسْتَاكَ، وَمَا كَانَ بِالَّذِي يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُنْتِنُوا أَفْوَاهَهُمْ عَمْدًا، مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ، بَلْ فِيهِ شَرٌّ إِلَّا مَنِ ابْتُلِيَ بِبَلَاءٍ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٩٤).\n(٢) وكان السبب في السؤال عنه أن الريق يتغير بلون ما يكتحل به العين وتحس مرارة الصبر إذا =","vol":"4","page":448},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ، وَأَبُو عَاتِكَةَ الرَّاوِي يُضَعَّفُ. [ت: ٧٢٦].\nــ\nبالإفراد، الحديث رواه الترمذي (١) وقال: وفي الباب حديث عن أبي رافع أيضًا، وحديث أنس ليس إسناده بالقوي، ولم يصح عن النبي -ﷺ- في هذا الباب شيء، واختلف أهل العلم في ذلك فكرهه بعضهم، وهو قول سفيان وابن المبارك وأحمد وإسحاق، ورخص بعضهم، وهو قول الشافعي ﵀، انتهى. وهذا هو قول أبي حنيفة ﵀ أيضًا (٢)، وقد أورد في (جامع الأصول) (٣) عن أنس بن مالك برواية أبي داود: (وكان رسول اللَّه -ﷺ- يكتحل)، وفي حديث آخر (٤) قال رسول اللَّه -ﷺ-: (لِيَتَّقِهِ الصائمُ)، وقالوا: وكلا الحديثين ضعيف، واللَّه أعلم.\n_________\n= ألقي العين في الحلق، فعلم بذلك وصوله إلى الجوف وهو السبب فكان مظنة توهم انتقاض الصوم، لكن لما كان ورودهما لا بطريق المنفذ بل بطريق الجذب والترشح كان معفوًا؛ لأن في الحكم بانتقاض الصوم بذلك حرجًا ظاهرًا، فإن المتوضئ إذا أصابت أعضاءه بلة فإنها تجذب بمساماته إلى الداخل، إلى غير ذلك مما لم يكن منه بدّ، فأشار النبي -ﷺ- بذلك إلى أن النقض في الصوم لا يكون بذلك النفوذ وهذا معفو، انتهى. \"الكوكب الدري\" (٢/ ٥١).\n(١) \"سنن الترمذي\" (٧٢٦).\n(٢) قال القاري: جَوَازُ الاكْتِحَالِ بِلَا كُرْهٍ لِلصَّائِمِ، وبِهِ قَالَ الأَكْثَرُونَ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: مَكْرُوهٌ، نَقَلَهُ مِيرَكُ، وَلَعَلَّ الْخِلَافَ فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ عُذْرٍ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ (٣/ ٣٠): الِاكْتِحَالُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ لِلصَّائِمِ وَإِنْ ظَهَرَ طَعْمُهُ فِي الْحَلْقِ عِنْدَ الأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَكَرِهَهُ أَحْمَدُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٩٥).\n(٣) \"جامع الأصول\" (٤٤١٧).\n(٤) \"سنن أبي داود\" (٢٣٧٧).","vol":"4","page":449},{"text":"٢٠١١ - [١٣] وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- بالْعَرْجِ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ وَهُوَ صَائِمٌ مِنَ الْعَطَشِ أَوْ مِنَ الْحَرِّ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ. [ط: ١٠٣٢، د: ٢٣٧٨].\nــ\n٢٠١١ - [١٣] (بعض أصحاب النبي -ﷺ-) قوله: (بالعرج) بالفتح والسكون موضع بين مكة والمدينة، وفي (القاموس) (١): منزلة بطريق مكة (٢).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٩٤).\n(٢) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنْ لَا يُكْرَهَ لِلصَّائِمِ أَنْ يَصُبَّ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ وَأَنْ يَنْغَمِسَ فِيهِ، وَإِنْ ظَهَرَتْ بُرُودَتُهُ فِي بَاطِنِهِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ (٢/ ٣٣٠): وَلَوِ اكْتَحَلَ لَمْ يُفْطِرْ سَوَاءً وَجَدَ طَعْمَهُ فِي حَلْقِهِ أَوْ لَا، لأَنَّ الْمَوْجُودَ فِي حَلْقِهِ أثَرُهُ دَاخِلًا مِنَ الْمَسَامِّ، وَالْمُفْطِرُ الدَّاخِلُ مِنَ الْمَنَافِذِ كَالْمدْخَلِ وَالْمخْرَجِ لَا مِنَ الْمَسَامِّ الَّذِي هُوَ جَمِيعُ الْبَدَنِ، لِلإِتِّفَاقِ فِيمَنْ شَرَعَ فِي الْمَاءِ يَجِدُ بَرْدَهُ فِي بَاطِنِهِ أَنَّهُ لَا يُفْطِرُ، وَإِنَّمَا كَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ -﵀- ذَلِكَ أَعَنِيَ الدُّخُولَ فِي الْمَاءِ وَالتَّلَفُّفِ بِالثَّوْبِ الْمَبْلُولِ لِمَا فِيهِ مِنْ إِظْهَارِ الضَّجَرِ فِي إِقَامَةِ الْعِبَادَةِ، لَا لأَنَّهُ قَرِيبٌ مِنَ الإِفْطَارِ، اهـ. فَكَأَنَّ الإِمَامَ حَمَلَ فِعْلَهُ -ﷺ- عَلَى إِظْهَارِ الْعَجْزِ وَالتَّضَرُّعِ عِنْدَ حُصُولِ الآلَامِ وَعَلَى ارْتِكَابِ الْحِكْمَةِ فِي دَفْعِ الْمَضَرَّةِ بِالتَّعَلُّقِ بِالأَسْبَابِ اسْتِعَانة لِلْقِيَامِ بِوَاجِبِ الْعُبُودِيَّةِ لِرَبِّ الأَرْبَابِ، وَإِشَارَةً إِلَى مُشَاركَتِهِ الأُمَّةَ الآمِنَةَ فِي الْعَوَارِضِ الْبَشَرِيَّةِ، مَيْلًا إِلَيْهِمْ وَتَسْهِيلًا عَلَيْهِمْ، وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ كَلَامَ الإِمَامِ مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، وَخِلَافِ الأَوْلَى، وَهُوَ -ﷺ- فَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ مِنْ إِظْهَارِ الْعَجْزِ لِلرَّحْمَةِ عَلَى ضُعَفَاءَ الأُمَّةِ. مرقاة المفاتيح (٤/ ١٣٩٦)، وفي \"الدر المختار\" (٢/ ٤١٩): لَا تُكْرَهُ حِجَامَةٌ وَتَلَفُّفٌ بِثَوْبٍ مُبْتَلِّ وَمَضْمَضَةٌ أَوْ اسْتِنْشَاقٌ أَوْ اغْتِسَالٌ لِلتَّبَرُّدِ عِنْدَ الثَّانِي، وَبِهِ يُفْتَى شُرُنْبُلَالِيَّةٌ عَنْ الْبُرْهَانِ. انتهى. وقال العيني (١١/ ١١): كَراهة الِاغْتِسَال للصَّائِم، رِوَايَة عَن أبي حنيفَة غير مُعْتَمد عَلَيْهَا، وَالْمذهب الْمُخْتَار أَنه لَا يكره، ذكره الْحسن عَن أبي حنيفَة، نَبّه عَلَيْهِ صَاحب \"الْوَاقِعَات\"، وَذكر فِي \"الرَّوْضَة\" و\"جَوَامِع الْفِقْه\": لَا يكره الِاغْتِسَال وبلّ الثَّوْب وصبّ المَاء على الرَّأْس للْحرّ، انتهى.","vol":"4","page":450},{"text":"٢٠١٢ - [١٤] وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَتَي رَجُلًا بِالْبَقِيعِ وَهُوَ يَحْتَجِمُ، وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِي لِثَمَانِيَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ: \"أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. قَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ مُحْيِي السُّنَّةِ رَحِمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: وَتأَوَّلَهُ بَعْضُ مَنْ رَخَّصَ فِي الْحِجَامَةِ: أَيْ تَعَرَّضَا لِلإفْطَارِ: الْمَحْجُومُ لِلضَّعْفِ، وَالْحَاجِمُ لأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ مِنْ أَنْ يَصِلَ شَيْءٌ إِلَى جَوْفِهِ بِمَصِّ الْمَلَازِمِ. [د: ٢٣٦٩، جه: ١٦٨١، دي: ١٧٣٠].\nــ\n٢٠١٢ - [١٤] (شداد بن أوس) قوله: (وهو يحتجم وهو آخذ بيدي) الضمير الأول للرجل، والثاني لرسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (أفطر الحاجم والمحجوم) اعلم أن جمهور العلماء على أن الحجامة لا يفطر، ولا يكره للصائم إلا من جهة طريان الضعف، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة ومالك والشافعي ﵏، وهو المروي من فعله -ﷺ- وجماعة من الصحابة سعد ابن أبي وقاص وعبد اللَّه بن عمر وزيد بن أرقم وأم سلمة -﵃-، وروي أنه كان احتجم عند عائشة ولم تنه عنه، وذهب الإمام أحمد وطائفة من العلماء عبد اللَّه بن المبارك والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور إلى أن الحجامة يفطر الحاجم والمحجوم، ويجب القضاء، وشدد عطاء فأوجب الكفارة أيضًا، وقال بقول أحمد من الشافعية: ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان، ونقل عن الزعفراني أن الشافعي علق القول به على صحة الحديث، وكان يقول: روي عن النبي -ﷺ-: (أنه احتجم وهو صائم)، وروي أيضًا أنه قال: (أفطر الحاجم والمحجوم) ولا أرى شيئًا من الحديثين ثابتًا، فلو اجتنب الصائم الحجامة كان أحب إليّ، وإن احتجم لا أقول: إنه أفطر.","vol":"4","page":451},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقال الترمذي (١): كان الشافعي يقول ذلك ببغداد، أما بمصر فقال إلى الرخصة محتجًّا بأن النبي -ﷺ- احتجم في حجة الوداع وهو صائم، وكان على ذلك عمل بعض الصحابة أيضًا، وكان أبو موسى الأشعري -﵁- إذا احتجم احتجم بالليل، ونقل بعضهم عمل ابن عمر -﵄- كذلك، ودليل القائلين بالتفطير هذا الحديث المروي عن شداد بن أوس، وعدّ الترمذي اثني عشر نفرًا من الصحابة رووا الحديث في هذا الباب، وحديث رافع بن خديج أصحها، وبعضهم جعلوا حديث شداد بن أوس أصح، وقال: كره قوم من أهل العلم الحجامة للصائم من غير تفطير.\nوقال في (فتح الباري) (٢): كان الشافعي يقول في بيان اختلاف الحديثين: حديث ابن عباس في احتجام النبي -ﷺ- أمثل وأرجح من جهة الإسناد، ومع ذلك لو اجتنب كان أحب إلي للاحتياط، والقياس يوافق حديث ابن عباس يعني من جهة أن بالحجامة يخرج شيء من الداخل إلى الخارج، ولا يدخل شيء من الخارج إلى الداخل، وأيضًا الحجامة موجب للضعف وكسر الشهوة، وموافق لمصلحة الصيام والجماع، وإن كان كذلك لكنه ثبت الاجتناب عنه بالنص، ومجمع عليه، والمحفوظ من الصحابة والتابعين وعامة أهل العلم عدم الإفطار بالحجامة، انتهى. وقال البخاري (٣) في ترجمة باب: قال الحسن البصري: أفطر الحاجم والمحجوم، قالوا: عن النبي -ﷺ-؟ قال: واللَّه أعلم. وعلماء مذهب أحمد بالغوا في تصحيح حديث: (أفطر الحاجم والمحجوم) وتأييد مذهبهم ونصرته بالمعقول والمنقول، وقد نقلناه في (شرح سفر\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٧٧٤).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ١٧٧).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (١٩٣٧).","vol":"4","page":452},{"text":"٢٠١٣ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ وَلَا مَرَضٍ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ وَإِنْ صَامَهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: . . . . .\nــ\nالسعادة) (١) فلينظر ثمة، والجمهور أولوا هذا الحديث بأن المراد بالإفطار التعرض له والوقوع فيه كما بين المؤلف في الكتاب، وأيضًا لما كان الاحتجام للصائم أمرًا مكروهًا، وارتكاب المكروه موجب لنقصان الأجر في العبادة، فكان ارتكابه موجبًا للفساد، وفيه ما فيه، وقيل: قوله -ﷺ- ذلك كان للشخصين بعينهما لارتكابهما أمرًا آخر صدر عنهما مفسدًا للصوم لا لأجل الحجامة، وليس الحديث نصًّا في أن الإفطار للحجامة، فكانا يغتابان، وقد وردت الأحاديث بتفطير الاغتياب، وكلا التوجيهين بعيد، وقيل: إنه -ﷺ- مرّ بهما مساء فقال ذلك، فكأنه عذرهما، أي: قد أمسيا ودخلا في وقت الإفطار، وقيل: الرخصة كان بعد النهي، واللَّه أعلم.\n٢٠١٣ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (لم يقض عنه صوم الدهر كله) (٢) من باب التشديد والمبالغة، وإلا فالكفارة بصيام شهرين مجزئ عنه.\n_________\n(١) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٣٠٥).\n(٢) قال في \"البذل\" (٨/ ٥٦٩): أي لا تحصل به فضيلة رمضان وطهرته وبركته، وليس معناه لو صام الدهر بنية القضاء من يوم رمضان لا يسقط قضاء ذلك اليوم عنه، بل الحكم الشرعي فيه أنه لو صام بذلك اليوم يومًا آخر بعد رمضان يجزئه ويسقط عنه ما كان يجب عليه، فهذا من باب التغليظ والتشديد. انتهى. وقال الشعراني في \"ميزانه\" (٢/ ٢٧٤): اتفقوا على أن من تعمّد الأكل والشرب صحيحًا مقيمًا في يوم من شهر رمضان يجب عليه قضاء يوم فقط، وقال ربيعة: لا يحصل إلا باثني عشر يومًا، وقال ابن المسيب: يصوم عن كل يوم شهرًا، وقال النخعي: لا يقضي إلا بألف يوم، وقال علي وابن مسعود: لا يقضيه صوم الدهر. . . إلخ.","vol":"4","page":453},{"text":"سَمِعْتُ مُحَمَّدًا -يَعْنِي البُخَارِيَّ- يَقُولُ: أَبُو الْمُطَوِّسِ الرَّاوِي لَا أَعْرِفُ لَهُ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ. [حم: ٢/ ٣٨٦، ت: ٧٢٣، د: ٢٣٩٦، جه: ١٦٧٢، دي: ١٧١٤، خ: باب: ٢٩ كتاب الصوم].\n٢٠١٤ - [١٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَمْ مِنْ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الظَّمَأُ، وَكَمْ مِنْ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. . . . .\nــ\nوقوله: (أبو المطَوِّس) بضم الميم وفتح الطاء وكسر الواو المشددة روى هذا الحديث عن أبيه عن أبي هريرة، فقال البخاري: لا أرى أبوه سمع من أبي هريرة، وقال القرطبي: هو حديث ضعيف لا يحتج بمثله، كذا في بعض الحواشي (١).\n٢٠١٤ - [١٦] (عنه) قوله: (كم من صائم ليس له من صيامه إلا الظمأ) (٢) وهو الذي لا يخلص للَّه ولا يجتنب عما نهى عنه، وكذا القائم.\n_________\n(١) قال القاري (٤/ ١٣٩٨): وَعَلَى تَقْدِيرِ ضعفه مِنْ طَرِيقِ التِّرْمِذِيِّ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ضَعِيفًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي دَاوُدَ، فَإِنَّهُ إِذَا سَكَتَ يَدُلُّ عَلَى حُسْنِهِ لَا سيَّمَا وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، فَوَجْهُ ضَعْفِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ مِنْ طَرِيقٍ وَاحِدٍ لِلْكُلِّ، وَوَقَعَ الشَّكُ فِي اتِّصَالِ سَنَدِهِ، فَتَأَمَّلْ. انتهى. وقد بسط الكلام عليه في \"البذل\" فانظر إليه لو شئت التفصيل (٨/ ٥٦٨).\n(٢) قَالَ الطِّيبِيُّ (٥/ ١٥٩٦): إِنَّ الصَّائِمَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُحْتَسِبًا أَوْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَنِبًا عَنِ الْفَوَاحِشِ مِنَ الزُّورِ وَالْبُهْتَانِ وَالْغِيبَةِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْمَنَاهِي فَلَا حَاصِلَ لَهُ إِلَّا الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَإِنْ سَقَطَ الْقَضَاءُ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ فِي الدَّارِ الْمَغْصُوبَةِ وَأَدَاؤُهَا بِغَيْرِ جَمَاعَةٍ بِلَا عُذْرٍ فَإنَّهَا تُسْقِطُ الْقَضَاءَ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الثَّوَابُ، اهـ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَكَذَا جَمِيعُ الْعِبَادَاتِ إِذا لَمْ تَكُنْ خَالِصَةً، اهـ. كَالْحَجِّ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ بِهِمَا إِلَّا خَسَارَةُ الْمَالِ، وَتَعَبُ الْبَدَنِ فِي الْمَالِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ وَأَنَّ النَّفْيَ مَحْمُولٌ عَلَى نَفْي الْكَمَالِ، أَوِ الْمُرَادُ بِهِ الْمرَائِي فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ ثَوَابٌ أَصْلًا. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٣٩٨).","vol":"4","page":454},{"text":"وَذُكِرَ حَدِيثُ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ فِي \"بَابِ سُنَنِ الوُضُوءِ\". [دي: ٢٧٢٠].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-575><span data-type=\"title\" id=toc-576> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span></span>\n٢٠١٥ - [١٧] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ثَلَاثٌ لَا يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ: الْحِجَامَةُ، وَالْقَيْءُ، وَالِاحْتِلَامُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زيْدٍ الرَّاوِي يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ. [ت: ٧١٩].\n٢٠١٦ - [١٨] وَعَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ قَالَ: سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: كُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِم عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: لَا إِلَّا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٩٤٠].\n٢٠١٧ - [١٩] وَعَنِ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَحْتَجمُ وَهُوَ. . . . .\nــ\nوقوله: (لقيط) بفتح اللام وكسر القاف (ابن صبرة) بفتح المهملة وكسر الموحدة.\nالفصل الثالث\n٢٠١٥ - [١٧] (أبو سعيد) قوله: (والقيء) يعني إذا ذرعه (١)، (عبد الرحمن بن زيد الراوي يضعف في الحديث).\n٢٠١٦ - [١٨] قوله: (ثابت البناني) بضم الباء، قوله: (إلا من أجل الضعف) يعني لا لأنه يفسد الصوم ويكره فيه.\n٢٠١٧ - [١٩] (عن البخاري تعليقًا) قوله: (كان [ابن عمر] يحتجم وهو\n_________\n(١) تقدم الكلام عليه برقم (٢٠٠٧).","vol":"4","page":455},{"text":"صَائِمٌ ثُمَّ تَرَكَهُ، فَكَانَ يَحْتَجِمُ بِاللَّيْلِ. [١٩٣٧].\n٢٠١٨ - [٢٠] وَعَنْ عَطَاءٍ قَالَ: إِنْ مَضْمَضَ ثُمَّ أَفْرَغَ مَا فِي فِيهِ مِنَ الْمَاءِ لَا يَضِيرُهُ أَنْ يَزْدَرِدَ رِيقَهُ وَمَا بَقِيَ فِي فِيهِ،\nــ\nصائم) بعدم تفطيره الصوم وعدم كراهة فيه، (ثم تركه فكان يحتجم بالليل) خوف الضعف لئلا يفضي إلى الإفطار فهو أفضل، فافهم.\n٢٠١٨ - [٢٠] (عطاء) قوله: (لا يضيره) من الضير، في (القاموس) (١): ضاره الأمر يضوره ويضيره ضورًا وضيرًا: ضرّه، وفي نسخة: لا يضره من الضر، و(يزدرد) أي يبتلع، في (القاموس) (٢): زرد اللقمة كسمع: بلعها كازدردها، والمزرد: الحلق، و(ما) في قوله: (وما بقي) موصولة عطف على (ريقه)، أو نافية، والجملة حالية، وقال ابن بطال: أظن أنه سقطت كلمة (ذا) عن الناسخ، وكان أصله: وماذا بقي في فيه، أي: لا ماء في فيه بعد تفريغه، كذا قال الكرماني (٣)، قيل: وقد وقع لفظ (ذا) في بعض الروايات حيث قال في (فتح الباري) (٤): هذا التعليق وصله سعيد بن منصور عن ابن المبارك عن ابن جريج، قلت لعطاء: الصائم يمضمض ثم يزدرد ريقه وهو صائم؟ قال: لا يضره وماذا بقي في فيه (٥)، وكذلك أخرجه عبد الرزاق عن ابن جريج،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٠١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٧٢).\n(٣) \"شرح الكرماني\" (٩/ ١٠٨).\n(٤) \"فتح الباري\" (٤/ ١٦٠).\n(٥) قال القاري (٤/ ١٣٩٩): وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الْهُمَامِ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَائِنَا أَنَّهُ لَا يَضُرُّ الصَّائِم إِنْ دَخَلَ غُبَارٌ أَوْ دُخَانٌ أَوْ ذُبَابٌ حَلْقَهُ لأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الإِحْتِرَازُ عَنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ كَمَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنِ الْبَلَلِ الْبَاقِي فِي الْمَضْمَضَةِ، انتهى.","vol":"4","page":456},{"text":"وَلَا يَمْضَغُ الْعِلْكَ، فَإِنِ ازْدَرَدَ رِيقَ الْعِلْكِ لَا أَقُولُ: إِنَّهُ يُفْطِرُ، وَلَكِنْ يُنْهَى عَنْهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ. [خ: كتاب الصوم، باب: ٢٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-577>٤ - باب صوم المسافر</span>\nــ\nانتهى. أقول: يجوز أن يكون (ما) استفهامية استفهام إنكار وإن لم يكن معها (ذا)، ويتم المعنى كما لا يخفى.\nوقوله: (ولا يمضغ العلك) بالكسر صمغ معروف يمضغ مثل المصطكى، وشيء عِلْكٌ، أي: لَزِجٌ، والعَلك اللَّوك والمضغ، وكرهه الشافعي لأنه يجفف الفم ويعطش، وفي بعض النسخ: ويمضغ العلك بحذف كلمة (لا)، كذا وقع عند بعض رواة البخاري وكلاهما صحيح، ووجود كلمة (لا) أوفق بالسياق، وقال في (الهداية) (١): مضغ العلك لا يفطر الصائم؛ لأنه لا يصل إلى جوفه، وقيل: إذا لم يكن ملتئمًا يفسد؛ لأنه يصل إليه بعض أجزائه، وقيل: إذا كان أسود يفطر وإن كان ملتئمًا؛ لأنه يتفتت إلا أنه يكره للصائم لما فيه من التعرض على الفساد، ولأنه يتهم بالإفطار، انتهى.\n٤ - باب صوم المسافر\nالأحاديث الواردة في صوم المسافر وإفطاره، منها: ما ورد في إباحة الإفطار مطلقًا من غير تعرض لكون الصيام والإفطار أفضل، وبعضها ورد في التخيير بين الصيام والإفطار، وبعضها في جواز الإفطار وذم الصيام، واتفق جمهور العلماء من أهل الفتوى أن الإفطار والصيام كلاهما جائز، واختلفوا في أن أحدهما أفضل أو هما\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ١٢٣).","vol":"4","page":457},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-578> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٠١٩ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الأَسْلَمِيَّ قَالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: أَصُومُ فِي السَّفَرِ وَكَانَ كَثِيرَ الصِّيَامِ، فَقَالَ: \"إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأفْطِرْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٤٣، م: ١١٢١].\n٢٠٢٠ - [٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَسِتَّ عَشْرَةَ مَضَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَمِنَّا مَنْ صَامَ وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ،\nــ\nسواء، فأبو حنيفة ومالك والشافعي والثوري وغيرهم على أن الصوم أفضل لمن يطيقه لتبرئة الذمة، ويسره بموافقة المسلمين، وعسر القضاء بعد مضي رمضان، وفعله -ﷺ- في الصيام يصلح حجة لهم، وعند أحمد وإسحاق وسعيد بن المسيب والأوزاعي الإفطار أفضل مطلقًا.\nونقل بعض أصحاب الشافعي هذا القول عنه أيضًا تمسكًا بظاهر قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وبأحاديث وردت في ذم الصوم حتى إنه ذهب بعض أهل الظواهر إلى عدم جواز الصوم في السفر، وإن صام قضى، وذهب بعض العلماء إلى أن أفضل الأمرين أيسرهما، وبعضهم إلى استوائهما، والمرء مخيَّرٌ بينهما.\nالفصل الأول\n٢٠١٩ - [١] (عائشة) قوله: (إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر) هذا الحديث دليل على جواز الصيام في السفر، والتخيير بينهما.\n٢٠٢٠ - [٢] (أبو سعيد الخدري) قوله: (غزونا) والمراد غزوة الفتح.\nوقوله: (لستّ عشرة) والمشهور أنه خرج لعاشر من رمضان وكان الفتح لعشرين.","vol":"4","page":458},{"text":"فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِم. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١١٦].\n٢٠٢١ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي سَفَرٍ فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: \"مَا هَذَا؟ \" قَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: \"لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٤٦، م: ١١١٥].\nــ\nوقوله: (فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم) هذا أيضًا ظاهر في التخيير والمساواة إلا أن يراد بعدم العيب أصل جواز الأمرين وإن كان أحدهما أفضل.\n٢٠٢١ - [٣] (جابر) قوله: (قد ظُلِّل عليه) أي: جعل على رأسه ظل ليفيق عن ما وجد من الجهد بالعطش وحرارة الصوم، أو كناية عن قيام الناس على رأسه وجوانبه.\nوقوله: (ما هذا؟) أي: ما سبب هذا الزحام والتظليل؟ فقالوا ههنا: (صائم) سقط بضعفه فظلل بسببه، أو (ما) بمعنى (من).\nوقوله: (ليس من البر الصوم في السفر) إشارة إلى كراهة الصوم في مثل هذه الحالة، والعبرة وإن كان لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، لكن يمكن أن يدعى في مثل هذا المقام أن النظر إلى العلة، واللَّه أعلم (١).\n_________\n(١) قَالَ الشُّمُنِّيُّ: وَصَوْمُ سَفَرٍ لَا يَضُرُّ أَحَبُّ مِنَ الْفِطْرِ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَحْمَدُ وَالأَوْزِاعِيُّ: الْفِطْرُ أَحَبُّ مُطْلَقًا لِهَذَا الْحَدِيثِ، وَلَنَا أَنَّ الصَّوْمَ هُوَ الْعَزِيمَةُ فِي حَقِّ الْكُلِّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وَالأَخْذُ بِالْعَزِيمَةِ أَفْضَلُ، وَأَيْضًا رَمَضَانُ أَفْضَلُ الْوَقْتَيْنِ فَالأَدَاءُ فِيهِ أَفْضَلُ، قَالَ مِيرَكُ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفِطْرَ مَعَ الْقُوَّةِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ مَعَ الْعَجْزِ، كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالأَكْثَرُونَ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ خِدْمَةَ الصُّلَحَاءِ خَيْرٌ مِنَ النَّوَافِلِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ فِي الْعَوَارِفِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٠٢).","vol":"4","page":459},{"text":"٢٠٢٢ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي السَّفَرِ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ، فَسَقَطَ الصَّوَّامُونَ، وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ، فَضَرَبُوا الأَبْنِيةَ وَسَقَوا الرِّكَابَ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ اليَوْمَ بِالأَجْرِ (١) \". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٩٠، م: ١١١٩].\n٢٠٢٣ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَرَفَعَهُ إِلَى يَدِهِ. . . . .\nــ\n٢٠٢٢ - [٤] (أنس) قوله: (فضربوا الأبنية) أي: الخيام، و(الركاب) بالكسر جمع راكب، كذا في (القاموس) (٢)، ولعل المراد مراكبهم، وفي (الصراح) (٣): وركاب أيضًا شتران كه برآن سفر كرده شود، لا واحد لها من لفظها، وفيه دليل على أن الفطر مع القوة أفضل من الصوم مع العجز.\n٢٠٢٣، ٢٠٢٤ - [٥، ٦] (ابن عباس) قوله: (خرج رسول اللَّه -ﷺ- من المدينة إلى مكة) أي: عام الفتح، و(عسفان) بضم العين وسكون السين المهملة موضع على مرحلتين من مكة، فيه أبيار عذبة الماء.\nوقوله: (فرفعه إلى يده) أي: رفع الماء منتهيًا إلى أقصى مدّ يده.\n_________\n(١) قال القاري (٤/ ١٤٠٢): أَيْ بِالثَّوَابِ الأَكْمَلِ؛ لأَنَّ الإِفْطَارَ كَانَ فِي حَقِّهِمْ حِينَئذٍ أَفْضَلَ، وَفِي ذِكْرِ الْيَوْمِ إِسارَةٌ إِلَى عَدَمِ إِطْلَاقِ هَذَا الْحُكْمِ، انتهى. وقال الحافظ (٦/ ٨٤): وفيه الحض على المعاونة في الجهاد، وعلى أن الفطر في السفر أولى من الصيام، وأن الصيام في السفر جائز خلافًا لمن قال: لا ينعقد، وليس في الحديث بيان كونه إذ ذاك كان صوم فرض أو تطوع. انتهى.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٨).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٣٢).","vol":"4","page":460},{"text":"لِيَرَاهُ النَّاسُ فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، وَذَلِكَ فِي رَمَضَانَ. فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: قَدْ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَفْطَرَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أفْطَرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٤٨، م: ١١١٣].\n٢٠٢٤ - [٦] وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ شَرِبَ بَعْدَ الْعَصْرِ. [١١١٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-579> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٠٢٥ - [٧] عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ الْكَعْبِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنِ الْمُسَافِرِ شَطْرَ الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمَ عَنِ الْمُسَافِرِ وَعَنِ الْمُرْضِعِ وَالْحُبْلَى\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٤٠٨، ت: ٧١٥، ن: ٢٢٧٤، جه: ١٦٦٧].\n٢٠٢٦ - [٨] وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ كَانَ لَهُ حَمُولَةٌ تَأْوِي إِلَى شِبْعٍ فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ حَيْثُ أدْرَكَهُ\". . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n٢٠٢٥ - [٧] (أنس بن مالك الكعبي) قوله: (والصوم) ليس عطفًا على (شطر الصلاة)، بل منصوب بفعل مقدر تقديره: ووضع (الصوم عن المسافر، وعن المرضع والحبلى).\n٢٠٢٦ - [٨] (سلمة بن المحبّق) قوله: (وعن سلمة بن المحبّق) بضم الميم وفتح المهملة وكسر الموحدة، والمحدثون يفتحونها، كذا في (المغني) (١).\nوقوله: (من كان له حمولة) بفتح الحاء كل ما يحمل عليه من إبل أو حمار أو\n_________\n(١) \"المغني\" (ص: ٢٤٤).","vol":"4","page":461},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٤١٠].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-580> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٠٢٧ - [٩] عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: \"أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١١٤].\nــ\nغيرهما، أي: مركب يوصله إلى المنزل في حال شبع ورفاهة، ولم يلحقه في سفره جهد ومشقة، والأمر فيه محمول على الندب وإلا فالإفطار جائز في السفر وإن لم يلحقه مشقة، وهذا الحديث ضعيف بسبب بعض رجاله، ذكره الشيخ ابن حجر (١).\nالفصل الثالث\n٢٠٢٧ - [٩] (جابر) قوله: (حتى بلغ كراع الغميم) يعني فأفطر كما مرّ في الفصل الأول من حديث ابن عباس، و(كراع الغميم) بضم الكاف وفتح الغين المعجمة وكسر الميم، اسم موضع بين مكة والمدينة على ثلاثة أميال من عسفان.\nوقوله: (أولئك العصاة) لأنهم خالفوا فعل الرسول ولم يقبلوا رخصة اللَّه، وقد ورد (٢): (إن اللَّه يحب أن يؤتى رخصه كما يحب أن يؤتى عزائمه) وفيه تشديد وتغليظ.\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٦/ ٣٢٦).\n(٢) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١٨٨٠).","vol":"4","page":462},{"text":"٢٠٢٨ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"صَائِمُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ كَالْمُفْطِرِ فِي الْحَضَرِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٦٦٦].\n٢٠٢٩ - [١١] وَعَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأسْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي أَجِدُ بِي قُوَّةً عَلَى الصِّيَامٍ فِي السَّفَرِ، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ؟ قَالَ: \"هِيَ رُخْصَةٌ مِنَ اللَّهِ ﷿، فَمَنْ أَخَذَ بِهَا فحَسَنٌ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَصُومَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٢١].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-581>٥ - باب القضاء</span>\nــ\n٢٠٢٨ - [١٠] (عبد الرحمن بن عوف) قوله: (صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر) فيه مبالغة في المنع عن الصوم في السفر، وهو محمول على حال عدم القدرة، ولحوق الضرر والاستنكاف عن العمل برخصة اللَّه، وقيل: التشبيه في أن أحدهما تارك الرخصة، والآخر تارك العزيمة.\n٢٠٢٩ - [١١] (حمزة بن عمرو الأسلمي) قوله: (هي رخصة) التأنيث للخبر، وفي الحديث إشعار بأولوية الإفطار، ومحمله ما ذكرنا.\n٥ - باب القضاء\nالظاهر أن المراد قضاء صوم رمضان، وإن أريد التعميم يراد الصوم الواجب سواء كان من رمضان أو من النذر، ولصوم رمضان ثلاثة أحكام: إن كان الإفطار ناسيًا فلا قضاء ولا كفارة، وإن كان متعمدًا من غير عذر ففيه الكفارة، وقد سبق في الأبواب حكمها، وإن كان بعذر كالسفر والمرض فحكمه القضاء، وقد ذكر في هذا الباب من الأحاديث ما يتعلق بذلك.","vol":"4","page":463},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-582> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٠٣٠ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ، فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَ إِلَّا فِي شَعْبَانَ. قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: تَعْنِي الشُّغْلُ مِنَ النَّبِيِّ، أَوْ بِالنَّبِيِّ -ﷺ-. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٥٠، م: ١١٤٦].\n٢٠٣١ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ،\nــ\nالفصل الأول\n٢٠٣٠ - [١] (عائشة) قوله: (كان يكون عليّ الصوم) قال الطيبي (١): (الصوم) اسم (كان)، و(عليّ) خبره، و(يكون) زائدة، انتهى. ويجوز أن يكون اسم (كان) ضمير الشأن، و(يكون عليّ الصوم) الجملة خبره، أي: كان من عادتي يكون علي الصوم، وحينئذٍ لا حاجة إلى القول بزيادة (يكون).\nوقوله: (الشغل) مرفوع بفعل مقدر، أي: يمنعها الشغل الصادر من جانب النبي لطلبه منها الاستمتاع، أو من جانبها لتهيئها له، وذلك لأنه -ﷺ- كان يصوم شعبان أكثره بل كله كما ورد في الحديث، فلا يسعها القضاء إلا في شعبان لفراغها عن خدمة النبي -ﷺ- سواء كان في هذه السنة أو في السنة الآتية، فافهم.\n٢٠٣١ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد) يشمل ابتداء الصيام والإفطار بعده، وحينئدٍ تقضيه كما هو مذهب أبي حنيفة ومن وافقه في قضاء صوم النفل بعد نقضه، فيوافقه الترجمة بهذا الاعتبار، أو المراد بالترجمة حكم قضاء الصوم وجودًا أو عدمًا، فيوافق على مذهب الشافعي ومن معه في عدم\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٧٢).","vol":"4","page":464},{"text":"وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٢٦].\n٢٠٣٢ - [٣] وَعَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوِيَّةِ أَنَّهَا قَالَتْ لِعَائِشَةَ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٣٥].\n٢٠٣٣ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صَوْمٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٥٢، م: ١١٤٧].\nــ\nوجوب قضائه، فافهم.\nوقوله: (ولا تأذن) منصوب بالعطف على (تصوم)، (ولا) زائدة لتأكيد النفي، أي لا يحل لها أن تأذن أحدًا في دخول بيت الزوج إلا بإذنه (١)، وقد يرفع، والخبر في معنى النهي، ويحتمل الجزم على النهي، كذا في بعض الحواشي.\n٢٠٣٢ - [٣] (معاذة العدوية) قوله: (كان يصيبنا ذلك فنؤمر. . . إلخ) تعني أنه أمر تعبدي، وقد تعقل العلة في ذلك وهي دفع الحرج، لكن لا حاجة إلى السؤال عنها، ويكفي أمر الشارع بذلك.\n٢٠٣٣ - [٤] (عائشة) قوله: (صام عنه وليه) أخذ قوم بظاهر هذا الحديث، فأجازوا أن يصوم عنه وليه ما وجب عليه قضاؤه، وبه قال أحمد وهو أحد قولَي الشافعي، وصححه النووي، وقال بعض الشافعية: يخير بين الصوم والإطعام، وذهب الجمهور إلى أنه لا يصام عنه، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في أصح قوليه عن أكثر أصحابه، وأولوا الحديث بأن المراد إطعام الولي عنه وتكفيره عنه، فعندنا إن أوصى فيؤخذ من الثلث، وعند الشافعي أوصى أو لم يوص فيؤخذ من كل ماله.\n_________\n(١) وَفِي مَعْنَاهُ الْعِلْمُ برِضَاهُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٠٧).","vol":"4","page":465},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-583> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٠٣٤ - [٥] عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ فَلْيُطْعَمْ عَنْهُ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ (١). [ت: ٧١٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-584> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٠٣٥ - [٦] عَنْ مَالِكٍ بَلَغَهُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُسْأَلُ: هَلْ يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، أَوْ يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ؟ فَيَقُولُ: لَا يَصُومُ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يُصَلِّي أَحَدٌ عَنْ أحَدٍ. رَوَاهُ فِي \"الْمُوَطَّأِ\". [ط: ١٠٦٩].\n* * *\nــ\nالفصل الثاني\n٢٠٣٤ - [٥] (نافع) قوله: (فليطعم عنه) بلفظ المجهول، وهذا يؤيد ما ذهب إليه الجمهور في تأويل الحديث السابق.\nالفصل الثالث\n٢٠٣٥ - [٦] (مالك) قوله: (لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد) وهذا أيضًا حجة الجمهور في عدم صيام الولي عن الميت، بل وجب الإطعام، والإطعام في الصلاة استحسان من المشايخ قياسًا على الصوم، وقال محمد: نرجو القبول، كما علم في أصول الفقه، واللَّه أعلم (٢).\n_________\n(١) وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْمَوْقُوفَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ فَإِنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْي. قاله القاري (٤/ ١٤٠٨).\n(٢) انظر: \"أوجز المسالك\" (٥/ ٢٣١ - ٢٤٠).","vol":"4","page":466},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-585>٦ - باب صيام التطوع</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-586> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٠٣٦ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، وَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- اسْتكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ فِي شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَامًا فِي شَعْبَانَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيْلًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٦٩، م: ١١٥٦].\nــ\n٦ - باب صيام التطوع\nتطوَّعَ: تفعَّلَ من الطَّوع بمعنى الانقياد، طاع له يطوع ويطاع: انقاد، فرس طَوْعُ الْعِنَان: سَلِسٌ، ويقال: تطوع بالشيء: تبرع منه، كذا في (الصحاح) (١)، وقال في (القاموس) (٢): صلاة التطوعِ: النافلةُ، وكل متنفّلِ خيرٍ: متطوّعٌ.\nالفصل الأول\n٢٠٣٦ - [١] (عائشة) قوله: (حتى نقول) بالنون، وفي بعض النسخ بالتاء على خطاب العام، وفي شرح ابن الملك: ويجوز بياء الغائب، أي: يقول القائل، ولكن الرواية الصحيحة بالنون على لفظ المتكلم.\nوقوله: (ما رأيته) الضمير لرسول اللَّه -ﷺ-، وكذا في (منه)، و(رأيت) إما بمعنى علمت أو أبصرت، و(أكثر) إما مفعول ثان أو حال، و(في شعبان) متعلق بـ (صيامًا).\nوقوله: (كان يصوم شعبان إلا قليلًا) قيل: هو تفسير للأول، وبيان أن المراد\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٣/ ١٢٥٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٨٧).","vol":"4","page":467},{"text":"٢٠٣٧ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: أَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَصُومُ شَهْرًا كُلَّهُ؟ قَالَ: مَا عَلِمْتُهُ صَامَ شَهْرًا كُلَّهُ إِلَّا رَمَضَانَ، وَلَا أَفْطَرَهُ كُلَّهُ حَتَّى يَصُومَ مِنْهُ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٥٦].\n٢٠٣٨ - [٣] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: أَنَّهُ سَأَلَهُ أَوْ سَأَلَ رَجُلًا وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ فَقَالَ: \"يَا أَبَا فُلَانٍ! . . . . .\nــ\nبالكل الأكثر، قال ابن المبارك: ومن عادة العرب أنه إذا صام أحد أكثر الشهر قالوا: صام كله، كما يقال: يقوم الليل كله ويصلي، وهو يأكل فيه ويفعل أفعالًا سوى الصلاة، وبالجملة تنزيل الأكثر منزلة الكل من عادة الناس في المحاورات مبالغة، وفي نسخة: (وكان يصوم) بالواو، وعلى هذا يكون المعنى كان يصوم تارة كله وأخرى أكثر، وهذا أحسن وأقوى، فافهم.\n٢٠٣٧ - [٢] (عبد اللَّه بن شقيق) قوله: (حتى يصوم منه) أي: بعضه، و(حتى) الأولى بمعنى كي، والثاني بمعنى إلى، وقيل: المراد يصوم كله في سنة، وأكثره في سنة أخرى.\nوقوله: (حتى مضى لسبيله) كناية عن الموت، أي: إلى أن توفي، وفي (القاموس) (١): مضى سبيله: مات (٢).\n٢٠٣٨ - [٣] (عمران بن حصين) قوله: (أنه سأله) الضمير المرفوع للرسول -ﷺ-، والمنصوب لعمران.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٢٥).\n(٢) قال النووي: قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَإِنَّمَا لَمْ يستكمل غير رمضان لئلا يظن وجوبه، وفيه أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُخَلِّيَ شَهْرًا مِنْ صِيَامٍ. \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٨/ ٣٧).","vol":"4","page":468},{"text":"أَمَا صُمْتَ مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ؟ \" قَالَ: لَا، قَالَ: \"فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٨٣، م: ١١٦١].\n٢٠٣٩ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَفْضَلُ الصِّيامِ بَعْدَ رَمَضَانَ شَهْرُ اللَّهِ الْمُحَرَّمُ،\nــ\nوقوله: (أما صمت من سرر شعبان؟) بفتح السين وكسرها، وحكي ضمها، وروي (من سرار هذا الشهر) وهما بمعنى، ويجيء بمعنى أول الشهر وأوسطه وآخره، ذكره في (القاموس) (١)، فقيل: المراد هنا أوله أو مستهله أو وسطه لا آخره، إذ لم يأت في صوم آخره ندب، بل ورد النهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين كما سبق.\nوقال الأزهري: لا أعرفه بهذا المعنى إنما يقال: سرار الشهر وسراره وسرره لآخر ليلة يستتر الهلال بنور الشمس. فيجاب أنه كان معتادًا بصيام آخره أو نذره، فتركه لظاهر النهي، فبين -ﷺ- أن المعتاد أو المنذور ليس بمنهي.\nوقد يقال: هو سؤال زجر وإنكار، ولا يناسبه قوله: (فإذا أفطرت) أي: رمضان، أي: فرغت منه (فصم يومين)، فالظاهر أن هذا الرجل قد أوجبه على نذر فاستحب له الوفاء بالنذر، وقد ورد في الحديث (٢): (صوموا الشهر وسرّه)، فقيل: أوله، وقيل: مستهله، وقيل: وسطه، وقالوا: سر كل شيء جوفه، فكأنه أراد أيام البيض، فتدبر (٣).\n٢٠٣٩ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (شهر اللَّه المحرم) أي: صومُه، وقالوا: المراد\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٧٩).\n(٢) أخرجه أبو داود (٢٣٣٩).\n(٣) في \"التقرير\": والحديث مما استدل به أحمد على وجوب صوم يوم الشك، وحمله الشامي على الاستحباب.","vol":"4","page":469},{"text":"وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ صَلَاةُ اللَّيْلِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٦٣].\n٢٠٤٠ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ. . . . .\nــ\nيوم عاشوراء ذكرًا للكل وإرادة للجزء الأعظم، ويؤيده الحديث الآتي من ابن عباس -﵁-، والإضافة إلى اللَّه للتشريف لا للتخصيص، ولو أريد المحرم كله صار محلًا أن يستفسر عن وجه صيام شعبان كله أو أكثره دون المحرم، ويقال في جوابه: لعله ظهر فضل شعبان أخيرًا، أو لعله كان يمنع من صيام المحرم مانع، واللَّه أعلم.\nوقوله: (أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل) فيه دليل لمن قال بذلك، وقال كثير من الشافعية: الرواتب أفضل بعد الفريضة، كذا قال الطيبي (١)، ولكن قال في (الحاوي) (٢) في مذهب الشافعي ﵀: أفضل النفل صلاة العيد، فالخسوف، فالاستسقاء، فالوتر، ثم ركعتان قبل الصبح، ثم قبل الظهر وبعده، وبعد المغرب والعشاء، ثم التراويح، ثم الضحى، ثم ركعتا الطواف والإحرام والتحية، هذا عند الشافعية، وأما عندنا فالرواتب أفضل، وأفضلها وأقواها ركعتا الفجر، ثم سنة المغرب، ثم ركعتا العشاء، ثم أربع ركعات قبل الظهر، وقيل: السنة قبل الظهر مثلها بعد ركعتي الفجر، كذا ذكره الشُّمُنِّي، وأما العيدان والوتر فواجبة عندنا.\n٢٠٤٠ - [٥] (ابن عباس) قوله: (فضّله على غيره) بلفظ الماضي من التفضيل صفة (يوم) أو (صيام)، وقد يروى (فَضْلِه) بالتخفيف بلفظ المصدر، فهو بدل اشتمال منه.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٧٧).\n(٢) \"الحاوي الكبير\" (٢/ ٣٨٣).","vol":"4","page":470},{"text":"إلَّا هَذَا الْيَوْمَ: يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٠٦، م: ١١٣٢].\nــ\nوقوله: (إلا هذا اليوم يوم عاشوراء) وقيل: لعل هذا على فهم ابن عباس، وإلا فيوم عرفة أفضل الأيام (١) ما عدا الجمعة، فبينهما اختلاف، والمختار هو الأول، وعاشوراء بالمدّ والقصر، وكذا عشوراء وعاشور اسم لليوم العاشر من المحرم، وقيل: لليوم التاسع، كذا في (القاموس) (٢)، وسيجيء أن الصواب هو الأول، ثم قيل: عاشوراء اسم لليلة، ويوم عاشور بالإضافة بمعنى يوم الليلة العاشوراء، وبعد غلبة الاسمية ترك ذكر الموصوف، كذا ذكره بعضهم.\n_________\n(١) قال القاري (٤/ ١٤١٢): وَدُفِعَ بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي فَضْلِ الصَّوْمِ فِي الْيَوْمِ لَا فِي فَضْلِ الْيَوْمِ مُطْلَقًا مَعَ أَنَّ الْيَوْمَ أَيْضًا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، انتهى. وقال الحافظ (٤/ ٢٤٩): هذا يقتضي أن يوم عاشوراء أفضل الأيام للصائم بعد رمضان لكن ابن عباس أسند ذلك إلى علمه فليس فيه ما يرد علم غيره، وقد روى مسلم من حديث أبي قتادة مرفوعًا: \"إن صوم عاشوراء يكفر سنة وإن صيام يوم عرفة يكفر سنتين\" وظاهره أن صيام يوم عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء، وقد قيل في الحكمة في ذلك: إن يوم عاشوراء منسوب إلى موسى ﵇، ويوم عرفة منسوب إلى النبي -ﷺ- فلذلك كان أفضل، انتهى.\nوقال الإمام ولي اللَّه الدهلوي في \"حجة اللَّه البالغة\" (٢/ ٨٤): اعلم أن السِّرّ فِي صَوْم عَرَفَة أَنه تشبُّهٌ بالحاجِّ، وَتَشَوُّقٌ إِلَيْهِم، وَتعرُّضٌ للرحمة الَّتِي تنزل عَلَيْهِم، وسِرُّ فَضله على صَوْم يَوْم عَاشُورَاء أَنه خوض فِي لُجَّةِ الرَّحْمَة النَّازِلَة ذَلِك الْيَوْم، وَالثَّانِي تعرُّضٌ للرحمة الَّتِي مَضَت، وَانْقَضَت، فَعَمِدَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَى ثَمَرَة الْخَوْض فِي لجة الرَّحْمَة -وَهِي كَفَّارَةُ الذُّنُوب السَّابِقَة، والنُّبُوُّ عَنِ الذُّنُوب اللاحقة بأن لا يقبلهَا صميم قلبه-، فَجَعلهَا لصوم عَرَفَة، وَلم يَصُمْه رَسُول اللَّه -ﷺ- فِي حجَّته، لما ذكرنا فِي التَّضْحِيَة وَصَلَاةِ الْعِيد من أَن مبناها كلّهَا على التَّشَبُّه بالحاج، وَإِنَّمَا المتشبهون غَيرهم. انتهى.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤١٠).","vol":"4","page":471},{"text":"٢٠٤١ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ يَوْمٌ يُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٣٤].\nــ\n٢٠٤١ - [٦] (ابن عباس) قوله: (لأصومن التاسع) الظاهر أن المراد لأضم إليه يومًا آخر ليخالف اليهود في تعظيمه، وخص التاسع لتقدمه على يوم عاشوراء، وهو أدخل في نفي التعظيم عنه، ثم إنه -ﷺ- لم يعش إلى قابل ولم يضم، لكن صار صوم التاسع سنة بهذا القول، وكان -ﷺ- يصوم يوم عاشوراء البتة، وكان ذلك من أوكد السنن عنده، كما يجيء من حديث حفصة في (الفصل الثالث)، وقالوا: مراتب صوم المحرم ثلاث: الأفضل أن يصوم يوم العاشر ويومًا قبله ويومًا بعده (١)، وقد جاء ذلك في حديث أحمد والبزار عن ابن عباس (٢)، وثانيهما: أن يصوم التاسع والعاشر، وثالثهما: يصوم العاشر فقط، وقد جاء في التاسع والعاشر أحاديث، ولهذا لم يجعلوا صوم العاشر والحادي عشر من المراتب وإن كانت مخالفة اليهود في هذه الصورة أيضًا، وكذا لا يجزئ صوم التاسع من السنة كما ذهب إليه بعض العلماء مع أنه أيضًا يتضمن\n_________\n(١) وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْوَاوَ بِمَعْنَى (أَوْ) لأَنَّ الْمُخَالَفَةَ تَحْصُلُ بِأَحَدِهِمَا، وتدل عليه رواية أحمد عن ابن عباس قال: صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَخَالِفُوا الْيَهُودَ وَصُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا أوبَعْدَهُ يَوْمًا. ولعل في نسخة \"مسند أحمد\" التي عند المصنف والقاري ففيها: \"ويومًا بعده\" بالواو، فقال القاري (٤/ ١٤١٢): وَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وقال شيخنا في \"التقرير\": استحب بعضهم التاسع فقط، وقال الشافعية به مع العاشر، والحنفية بالعاشر مع الآخر أيًّا ما كان.\n(٢) \"مسند أحمد\" (١/ ٢٤١)، و\"كشف الأستار\" (١٠٥٢).","vol":"4","page":472},{"text":"٢٠٤٢ - [٧] وَعَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بِنْتِ الْحَارِثِ: أَنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَوْمَ عَرَفَةَ فِي صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ صَائِمٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ بِصَائِمٍ،\nــ\nمخالفة اليهود؛ لأنها تحصل بضم التاسع إليه أو بنقل الصوم منه إليه، وذلك لأنه وإن تضمن المخالفة لكن لا بد من صوم عاشوراء مع ضميمة المخالفة.\nواعلم أنه قد توهم بعض الناس أن عاشوراء اسم لليوم التاسع، وتكلفوا للتسمية بعاشوراء، وأخذوه من إظماء الإبل؛ لأن العرب من عادتهم أن جعلوا لسقي الإبل نوبة، وهي ثمانية أيام يسمونها الورد بكسر الواو، وسموا الثالث منها رِبعًا بالكسر، وبهذا الاعتبار يكون اليوم التاسع عِشرًا، وهذا وهم منهم، ومنشأ التوهم حديث ابن عباس رواه مسلم (١) أنه قال حكم بن الأعرج: أتيت ابن عباس وقلت: أخبرني عن صوم عاشوراء، فقال ابن عباس: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد أيامه فأصبح اليوم التاسع منه وأنت صائم، قلت: أكان محمد -ﷺ- يصبح هذ اليوم؟ قال: نعم، قال النووي (٢): هذا تصريح من ابن عباس أن مذهبه أن عاشوراء اسم لليوم التاسع من المحرم، وهذا محل نظر، لأن الذي يفهم من كلام ابن عباس صريحًا هو الأمر بصوم اليوم التاسع، وقد جاء ذلك في السنة مع العاشر، فترك تعين يوم عاشوراء على شهرته وظهوره، وعلم السائل بأنه اليوم العاشر وأرشده إلى كيفية صومه بضم التاسع إليه، وأخبره بفعل الرسول -ﷺ- بتنزيل عزمه عليه في العام القابل منزلة فعله -ﷺ-، فتدبر.\n٢٠٤٢ - [٧] (أم الفضل بنت الحارث) قوله: (تماروا) بفتح الراء وسكون الواو\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (١١٣٣).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٤/ ٢٦٧).","vol":"4","page":473},{"text":"فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ بِقَدَحِ لَبَنٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَعِيْرِهِ بِعَرَفَةَ فَشَرِبَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٨٨، م: ١١٢٣].\nــ\nأي: شكوا وتجادلوا وتباحثوا، وفي (القاموس) (١): المرية بالكسر والضم: الشك والجدل، ماراهَ مماراةً ومِراءً، وامترى [فيه] وتمارى: شك، وقد روى أبو داود (٢) عن أبي هريرة، والبخاري ومسلم (٣) نحو هذا الحديث عن ميمونة أيضًا، وقال الترمذي (٤): وفي الباب عن أبي هريرة وابن عمر، وقد روي عن ابن عمر قال: حججت مع النبي -ﷺ- فلم يصمه -يعني يوم عرفة-، ومع أبي بكر فلم يصمه، ومع عمر فلم يصمه، وأنا لا أصومه، ولا آمر به ولا أنهى عنه، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم يستحبون الإفطار بعرفة ليتقوى به الرجل على الدعاء، وقد صام بعض أهل العلم يوم عرفة بعرفة، انتهى. وقد ورد في فضل يوم عرفة أحاديث، وأنه يكفر السنة التي بعده والتي قبله، فالمختار أن صوم عرفة مستحب إلا للحاج إذا لم يقو على الدعاء والاجتهاد فيه. (٥).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٢٤).\n(٢) \"سنن أبي داود\" (٢٤٤٠).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (١٩٨٩)، و\"صحيح مسلم\" (١١٢٤).\n(٤) \"سنن الترمذي\" (٦٨١).\n(٥) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: اسْتَحَبَّ الأَكْثَرُ إِفْطَارَ يَوْمِ عَرَفَةَ لِيَتَقَوَّى عَلَى الدُّعَاءِ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ سُنَّةٌ لِغَيْرِ الْحَاجِّ، أَمَّا الْحَاجُّ فَلَيْسَ سُنَّةً لَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمَ، كَيْلَا يَضْعُفَ عَنِ الدُّعَاءِ بِعَرَفَةَ، وَقَالَ إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهَوَيِهِ: سُنَّةٌ لَهُ أَيْضًا، وَقَالَ أَحْمَدُ: سُنَّةٌ لَهُ إِنْ لَمْ يَضْعُفْ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الْحَاجِّ مُسْتَحَبٌّ، وَلِلْحَاجِّ إِنْ كَانَ يُضْعِفُهُ عَنِ الْوُقُوفِ وَالدَّعَوَاتِ فَالْمُسْتَحَبُّ تَرْكُهُ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤١٣).","vol":"4","page":474},{"text":"٢٠٤٣ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَطُّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٧٦].\n٢٠٤٤ - [٩] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: كَيْفَ تَصُومُ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ قَوْله، فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ غَضَبَهُ قَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نبَيًّا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ، فَجَعَلَ عُمَرُ يُرَدِّدُ هَذَا الْكَلَامَ حَتَّى سَكَنَ غَضَبُهُ،\nــ\n٢٠٤٣ - [٨] (عائشة) قوله: (في العشر) أي: عشر ذي الحجة، وقد ثبت في الأحاديث فضيلة الصوم في هذه الأيام، وفضيلة مطلق العمل فيها، وثبت صومه -ﷺ- فيها، وحديث عائشة لا ينافيه؛ لأنها إنما أخبرت عن عدم رؤيتها، فلعلها لم تطلع على عشرة صامه -ﷺ- فيها، أو كان له مانع منه من مرض أو سفر أو غيرهما.\nوجاء في (صحيح البخاري) (١): أنه قال رسول اللَّه -ﷺ-: (ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل من هذه الأيام)، وفي (صحيح أبي عوانة) و(صحيح ابن حبان) (٢) عن جابر -﵁-: (ما من أيام أفضل من عشر ذي الحجة)، ولو نذر أحد صيام أفضل أيام السنة انصرف إلى هذه الأيام، وإن نذر صوم يوم أفضل من سائر الأيام فإلى يوم عرفة، وإن نذر صوم يوم من الأسبوع فإلى يوم الجمعة، والمختار أن أيام هذه العشرة أفضل لما فيها من يوم عرفة، وليالي عشرة رمضان لما فيها من ليلة القدر، وهذا هو القول الفصل.\n٢٠٤٤ - [٩] (أبو قتادة) قوله: (كيف تصوم؟) الظاهر أن يقول: كم تصوم؛ لأن\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٩٦٩).\n(٢) \"صحيح ابن حبان\" (٣٤٤٨)، و\"مستخرج أبي عوانة\" (٢٤٣٠).","vol":"4","page":475},{"text":"فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيفَ بِمن يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ؟ قَالَ: \"لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ\"، أَوْ قَالَ: \"لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ\". قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنِ وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ . قَالَ: \"وَيُطِيقُ ذَلِكَ أَحَدٌ؟ \". . . . .\nــ\nالظاهر أن سؤاله كان من صوم الدهر أو أقل من ذلك، كما فعله عمر -﵁-، لا من كيفية الصوم، ولكن يحصل للصوم من ذلك صفة وحالة مخصوصة فيجوز أن يعبر عنها بالكيفية كما يجوز أن يعبر بالكمية أيضًا، كما يظهر ذلك من كلامهم في بيان تخطئة السائل وتسفيهه، وسبب غضبه -ﷺ- عليه بأنه كان حقه أن يقول: كيف أصوم؟، أو كم أصوم؟، فيخص السؤال بنفسه ليجاب بمقتضى حاله مع ما فيه من سوء الأدب لوجود المصالح في فعله -ﷺ- في القلة والكثرة مما لا يصلح لغيره.\nوقوله: (لا صام ولا أفطر) اختلفوا في توجيه معناه فقيل: هذا دعاء عليه كراهة لصنعه وزجرًا له عن فعله، والظاهر أنه إخبار، فعدم إفطاره ظاهر لأنه لم يطعم شيئًا، وأما عدم صومه فلمخالفة السنة، وفيه احتياط لأجره على صومه، وقيل: لأنه يستلزم صوم الأيام المنهية وهو حرام، وقيل: لأنه يتضرر به، وربما يفضي إلى إلقاء النفس إلى التهلكة، وإلى العجز عن الجهاد والحقوق الأخرى، ويختص النهي على هذه التوجيهات بمن لم يفطر في الأيام المنهية وبمن يتضرر به بضعف، وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى جوازه لمن عداه، واستدلوا بما حكي عن بعض الصحابة كأبي طلحة الأنصاري وحمزة بن عمرو الأسلمي، وقد قررهما رسول اللَّه -ﷺ- على ذلك، وكثير من التابعين من سردهم الصوم واختيارهم صوم الدهر، وقيل: معناه من اعتاده زال عنه كلفة ومشقة يتعلق به الثواب، وهي الغاية من شرعية الصوم، وهذا على عكس ما أفاده الوجه الأول من الوقوع في الكلفة والمشقة، فافهم.\nوقوله: (ويطيق ذلك أحد) على معنى الاستفهام لتبعيده عن درجة القبول","vol":"4","page":476},{"text":"قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُوم يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ: \"ذَاك صَوْمُ دَاوُدَ\" قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمَيْنِ؟ قَالَ: \"وَدِدْتُ أَنِّي طُوِّقْتُ ذَلِكَ\". ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كلِّهِ، صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ،\nــ\nوالرضا به.\nوقوله: (ذلك صوم داود) فيه فضيلة وكمال ونوع من الاعتدال، ولكنه شاق كما ينبئ عنه سياق الحديث، فافهم.\nوقوله: (وددت أني طوّقت) بالتشديد، أي: لم يشغلني عن ذلك الحقوق حتى أصوم، وفي لفظ (طوّقت) بلفظ المجهول مبالغة بمعنى أنه ليس في طاقتي وطبيعتي إلا أن يجعله اللَّه فيها، والغرض تبعيد هذا القسم أيضًا ورده.\nوقوله: (ثلاث) كان الظاهر أن يقال: ثلاثة؛ لأنه عبارة عن الأيام، أي: صيام ثلاثة أيام، ولكنهم يعتبرون في مثل ذلك الليالي، والأيام داخلة معها، قال صاحب (الكشاف) (١): تقول: صمت عشرًا، ولو قلت: عشرة خرجت من كلامهم، ثم الأولى أن يكون (ثلاث) خبر مبتدأ محذوف، أي: الأولى أو الأليق ثلاث من كل شهر.\nوقوله: (فهذا) تعليل له، وقال الطيبي (٢): (ثلاث) مبتدأ و(فهذا) خبره، أدخل الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط.\nوقوله: (صيام الدهر كله) أي: في حكمه في الأجر والثواب، أما رمضان فقد\n_________\n(١) \"الكشاف\" (١/ ٢٨٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٨١).","vol":"4","page":477},{"text":"وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُوراءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٦٢].\n٢٠٤٥ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ صَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَقَالَ: \"فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٦٢].\nــ\nفرض اللَّه ولا بد من فعله، وصوم ثلاثة أيام من كل شهر في حكم صوم الشهر كله؛ لأن الحسنة بعشرة أمثالها.\nوقوله: (أحتسب على اللَّه) أي: أعده وأطلب أجره واجبًا على اللَّه بفضله وكرمه أن يكفر ذنوب السنة التي قبله وذنوب السنة التي بعده بأن يحصل له من الرحمة والثواب ما يكفر ذنوب السنة الآتية أيضًا إن وقعت (١)، وقالوا: هذه المزية لصوم يوم عرفة على صوم يوم عاشوراء؛ لأن صوم يوم عرفة من شريعة محمد -ﷺ- وصوم عاشوراء من شريعة موسى ﵇.\n٢٠٤٥ - [١٠] (أبو قتادة) قوله: (عن صوم الاثنين) يحتمل أن يكون السؤال عن سبب صيامه -ﷺ- يوم الاثنين، فالجواب أنه لما كان ولادتي ونزول الوحي عليّ في هذا اليوم أحب أن أصوم فيه شكرًا لهاتين النعمتين العظيمتين، ويحتمل أنهم سألوا عن استحباب صومهم فيه، فالمراد لما كان وجود نبيكم ونزول كتابكم في هذا اليوم استحب لكم أن تصوموا فيه، وكلام الطيبي (٢) ناظر إلى الوجه الثاني.\n_________\n(١) قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: وَالْمُكَفَّرُ الصَّغَائِرُ، قَالَ الْقَاضِيَ عِيَاضٌ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَأَمَّا الْكَبَائِرُ فَلَا يُكَفِّرُهَا إِلَّا التَّوْبَةُ، أَوْ رَحْمَةُ اللَّهِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: قَالُوا: الْمُرَادُ بِالذُّنُوبِ الصَّغَائِرُ، وإِنْ لَمْ تَكُنِ الصَّغَائِرُ يُرْجَى تَخْفِيفُ الْكَبَائِرِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُفِعَتِ الدَّرَجَاتُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤١٥).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٨٢).","vol":"4","page":478},{"text":"٢٠٤٦ - [١١] وَعَنْ مُعَاذَةَ الْعَدَوَّيةِ أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ: أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَصُومُ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، فَقُلْتُ لَهَا: مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كَانَ يَصُومُ؟ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ يُبَالِي مِنْ أَيِّ أَيَّام الشَّهْر يَصُومُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٦٠].\nــ\n٢٠٤٦ - [١١] (معاذة العدوية) قوله: (فقلت) أي: قالت معاذة: فقلت، اعلم أنه قد ثبت في السنة قولًا وفعلًا استحباب صوم ثلاثة أيام من الشهر مطلقًا، ومقيدًا بكونها ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة التي يقال لها: أيام البيض، وهو الأحب، ومقتضى أكثر الأحاديث والآثار وقول أكثر أهل العلم، وقد ورد صوم ثلاثة أولها يوم الاثنين مع الثلاثاء والأربعاء، وأولها الخميس مع الجمعة والسبت، وكان قد يصوم من شهر السبت والأحد والاثنين، ومن شهر آخر الثلاثاء والأربعاء والخميس كما يجيء في حديث عائشة وأم سلمة -﵄-، وقد روى ابن خزيمة (١) في حديث ابن مسعود -﵁-: (أنه -ﷺ- كان يصوم ثلاثة من غرة كل شهر).\nوكان للسلف في ذلك أقوال واختيارات، اختار كل منهم ما ثبت عنده بخبر أو أثر يقتضي أولويته ورجحانه، ومجموع ذلك عشرة أقوال؛ أحدها: عدم التعيين وكره التعيين. وثانيها: الثلاثة الأول من الشهر، قاله الحسن البصري والنخعي وجماعة، ورجحوه بأنه الأحوط، فإنه لا يدري أن يدرك بعدها أو لا، وفي التأخير آفات، وثالثها: من الثاني عشر إلى الرابع عشر، ورابعها: من الثالث عشر إلى الخامس عشر، وهو قول الأكثرين والراجح من الأقوال لوقوعه في أكثر الأحاديث: (وخير الأمور أوساطها)، ولأن الزمان له فيها نور خاص وحالة مخصوصة، ولأن خسوف القمر يكون فيها،\n_________\n(١) \"صحيح ابن خزيمة\" (٢١٢٩).","vol":"4","page":479},{"text":"٢٠٤٧ - [١٢] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالَ. . . . .\nــ\nونحن أمرنا بمزيد العبادة وفعل الخيرات في الخسوف، وخامسها: آخر ثلاث من الشهر، حكاه الأسنوي عن الماوردي أنه يستحب صيام أيام السود في مقابلة أيام البيض، وسادسها: أولها أول سبت من أول الشهر ثم من أول الثلاثاء من الشهر الذي يليه، وهكذا وهو مروي عن عائشة -﵂-، وسابعها: أول الشهر والعاشر والعشرون، وهو مروي عن أبي الدرداء، وقالوا كان صوم الإمام مالك هكذا، وثامنها: أول كل عشر فيكون أول الشهر، والحادي عشر، والحادي والعشرين، وهو منقول عن ابن شعبان المالكي، وتاسعها: من أول اثنين في الشهر، ومن أول خميس في الشهر الآخر، كما يأتي من حديث عائشة في الكتاب، وعاشرها: عكس ذلك لأنه قد ثبت الصوم في الاثنين والخميس منه -ﷺ-، فالابتداء منه أفضل (١)، وبالجملة صوم ثلاثة أيام من الشهر سنة، فمن صام أي أيام الشهر كان أدرك هذه الفضيلة، واللَّه الموفق.\n٢٠٤٧ - [١٢] (أبو أيوب الأنصاري) قوله: (أنه حدثه) الضمير المرفوع لأبي أيوب، والمنصوب لروايه، وجَعْلُه للحديث كما جوّزه الطيبي (٢) مجرد احتمال اللفظ في عبارة (المشكاة)، وأما في عبارة مسلم يتعين رجوعه إلى الراوي؛ لأن عبارته تكون هكذا: حدثنا فلان قال: ثنا فلان عن أبي أيوب أنه حدثه، ولا يحتاج بل لا يتجه رجوعه إلى الحديث كما لا يخفى، وعلى كل تقدير لا حاجة للمؤلف إلى ذكر هذه اللفظة كما لا يخفى.\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٤/ ٢٢٧).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٨٢).","vol":"4","page":480},{"text":"كَانَ كصِيَامِ الدَّهْرِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٦٤].\n٢٠٤٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ صَوْمِ يَوْمِ. . . . .\nــ\nوقوله: (كان كصيام الدهر) (١) يعني إذا صام مدة عمره وإلا ففي كل سنة صام كان كصيام تلك السنة، وقد ورد في هذا المعنى أيضًا حديث ثوبان رواه ابن ماجه (٢)، وفي رواية: (فأتبعه)، وليس المراد التعقيب الحقيقي لاستلزامه صوم يوم العيد فيصح من أول الشهر وآخره، والمختار عند الشافعية من أول شهر متتابعة، وعندنا أعم، وكذا عند أحمد، قالوا: عندنا تفريقها أبعد عن الكراهة والتشبه بالنصارى.\n٢٠٤٨ - [١٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (نهى رسول اللَّه -ﷺ- عن صوم يوم\n_________\n(١) قال النووي (٨/ ٥٦): فِيهِ دَلَالَةٌ صَرِيحَةٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَداوُدَ وَمُوَافِقِيهِمْ فِي اسْتِحْبَابِ صَوْمِ هَذِهِ السِّتَّةِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يُكْرَهُ ذَلِكَ، قَالَ مَالِكٌ فِي \"الْمُوَطَّأِ\" (١/ ٣١١): مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَصُومُهَا، قَالُوا: فَيُكْرَهُ لِئَلَّا يُظَنَّ وُجُوبُهُ، وَدَلِيلُ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ، وَإِذَا ثَبَتَتِ السُّنَّةُ لَا تُتْرَكُ لِتَرْكِ بَعْضِ النَّاسِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ أَوْ كُلَّهِمْ لَهَا، وَقَوْلُهُمْ: قَدْ يُظَنُّ، يُنْتَقَضُ بِصَوْمِ عَرَفَةَ وَعَاشُورَاءَ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الصَّوْمِ الْمَنْدُوبِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: وَالأَفْضَلُ أَنْ تُصَامَ السِّتَّةُ مُتَوَالِيَةً عَقِبَ يَوْم الْفِطْرِ، فَإِنْ فَرَّقَهَا أَوْ أَخَّرَهَا عَنْ أَوَائِلِ شَوَّالٍ إِلَى أَوَاخِرِهِ حَصَلَتْ فَضِيلَةُ الْمُتَابَعَةِ؛ لأَنَّهُ يَصْدُقُ أَنَّهُ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ. قَالَ الْعُلَمَاءُ: وإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ؛ لأَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، فَرَمَضَانُ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَالسِّتَّةُ بِشَهْرَيْنِ. انتهى.\nوأما مذهب الحنفية في ذلك، ففال في \"نور الإيضاح\" وشرحه \"مراقي الفلاح\" (ص ٥٢٥): وأما الرابع وهو المندوب، ومنه صوم ست من شهر شوال، وقال في \"البحر\": الست من شوال صومها مكروه عند الإمام متفرقة أو متتابعة، لكن عامة المتأخرين لم يروا به بأسًا. وقال الشعراني في \"ميزانه\" (٢/ ٢١٩): ومن ذلك قول الأئمة الثلاثة باستحبابها، وقال مالك: يكره. وصرح بالكراهة في \"الشرح الكبير\" (٢/ ١٤١)، و\"البداية\" (١/ ٣١١).\n(٢) \"سنن ابن ماجه\" (١٧١٥).","vol":"4","page":481},{"text":"الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٩١، م: ٨٢٧].\n٢٠٤٩ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا صَوْمَ فِي يَوْمَيْنِ: الْفِطْر وَالأَضْحَى\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٩٧، م: ٨٢٧].\n٢٠٥٠ - [١٥] وَعَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللَّهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٤١].\nــ\nالفطر والنحر) هذا مما اتفق عليه الأئمة، وعند أكثرهم لا يجوز النذر أيضًا، وعندنا يجوز ويقضى في يوم آخر.\n٢٠٤٩ - [١٤] (أبو سعيد الخدري) قوله: (لا صوم في يومين) أي: فعله، وأما نذره فيهما فليس صومًا فيهما، وتحقيقه في أصول الفقه.\n٢٠٥٠ - [١٥] قوله: (نبيشة) بضم النون وفتح الموحدة وسكون التحتانية وبالشين المعجمة، و(الهذلي) بضم الهاء وفتح الذال المعجمة منسوب إلى هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار.\nوقوله: (أيام التشريق) في (القاموس) (١): التشريق تقديد اللحم، ومنه أيام التشريق، أو لأن الهدي لا ينحر حتى تطلع الشمس، ومنه المُشرَّق على وزن مُعظَّم مسجد الخيف الذي بمنى.\nوقوله: (وذكر اللَّه) لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، وذلك بالتكبير أدبار الصلاة وعند ذبح القرابين ورمي الجمار وغيرها في هذه الأيام.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٢٦).","vol":"4","page":482},{"text":"٢٠٥١ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَصُومُ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا أَن يَصُومَ قَبْلَهُ أَو يَصُومَ بَعْدَهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٨٥، م: ١١٤٤].\n٢٠٥٢ - [١٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلَا تَخْتَصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٤٤].\nــ\n٢٠٥١ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده) بمعنى أنه يكفي أحدهما، ولو صامهما معًا جاز أيضًا، وهو الظاهر.\n٢٠٥٢ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (ولا تختصّوا يوم الجمعة) وفي رواية: (ولا تخصوا)، وخص متعد، واختص جاء متعديًا أيضًا كقوله تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥]، وفي (القاموس) (١): اختصه بالشيء: خصه به فاختصّ وتخصص لازم متعد، وقد ذكروا للنهي عن تخصيص يوم الجمعة بصوم وجوهًا (٢):\nالأول: أنه نهى عن صومه لئلا يحصل له ضعف يمنعه عن إقامة وظائف الجمعة وأورادها، وهذا الوجه اختاره النووي، ويتعقب بوجهين؛ أحدهما: أن هذا المعنى موجود في صومها مع وجود الصوم قبلها أو بعدها، بل أكثر من صورة الإفراد، ويجاب بأنه يحصل بفضيلة صوم اليوم الذي قبله أو بعده جبر ما يحصل بصوم يومها من فتور أو تقصير، وفيه نظر؛ لأن الجبران لا ينحصر في الصوم، بل يحصل بجميع أفعال الخير، فيلزم منه جواز إفراده لمن عمل فيه خيرًا يقوم مقام صيام يوم قبله أو بعده كمن\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٧٠).\n(٢) ذكر في \"الأوجز\" ثمانية وجوه (٥/ ٣٦٥).","vol":"4","page":483},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأعتق فيه رقبة، ولا قائل بذلك. وثانيهما: أن النهي حينئذٍ يختص بمن يخشى عليه الضعف لا من يتحقق له القوة إلا أن يقال: أقيم مظنة الضعف مقام حقيقته كما في السفر في حق جواز الإفطار.\nوالثاني: خوف المبالغة في تعظيمه، فيفتتن به كما افتتن اليهود بالسبت والنصارى بالأحد، وهو منتقض بثبوت تعظيمه في الشرع بغير الصيام، وأجيب بأن اللَّه تعالى لما خص هذا اليوم وعظمه بفضائل كثيرة فاللائق أن يقتصر على تلك الفضائل والتعظيمات التي وردت في الشرع، ولا نزيد من عند أنفسنا شيئًا مبالغة في تعظيمه لئلا يوهم الفضل بجميع الوجوه، ويصير سببًا للتجاوز عن الحد والإفراط، ويصير سببًا للافتتان، نعم يرد عليه أن اليهود والنصارى لا يعظمون السبت والأحد بالصيام، فلو كان الملحوظ ترك موافقتهم لتَحَتَّمَ صومه. وقد يأتي في (الفصل الثالث) من حديث أم سلمة رواه أحمد وقد رواه النسائي أيضًا وصححه ابن حبان (١): أن النبي -ﷺ- كان يصوم يوم السبت والأحد، وكان يقول: (إنهما يوما عيد للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهم).\nوالثالث: أن سبب النهي خوف اعتقاد وجوبه وهو منتقض بصوم يوم الاثنين والخميس، وقد ورد فضلها.\nوالرابع: أن يوم الجمعة يوم عيد فلا يصام فيه، وقد ورد في الحديث (٢): (يوم الجمعة يوم عيد، ولا تجعلوا يوم عيدكم يوم صيامكم)، وهذا الوجه أحسن الوجوه؛ لأنه منطوق الحديث، لكن جاز فيما إذا صام قبله وبعده، فيدفع بأن اللائق أن لا يصوم فيه، وإن صام فلا ينبغي منفردًا مقصودًا بالذات بل يكون في موافقة يوم آخر وفي\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٦/ ٣٢٣)، و\"سنن النسائي الكبرى\" (٢٧٧٦)، و\"صحيح ابن حبان\" (٣٦١٦).\n(٢) أخرجه أحمد (٢/ ٣٠٣، رقم: ٨٠١٢).","vol":"4","page":484},{"text":"٢٠٥٣ - [١٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٤٠، م: ١١٥٣].\n٢٠٥٤ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا عَبْدَ اللَّهِ! أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟ \". . . . .\nــ\nضمنه، هذا وقد نقل عن مالك أنه قال في (الموطأ) (١): (لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه)، وقال النووي (٢): هذا الذي قاله مالك هو الذي رآه، وقد رأى غيره خلاف ما رأى هو، والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره، وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة، فيتعين القول به، ومالك معذور؛ فإنه لم يبلغه، وقال الداودي من أصحاب مالك: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث، ولو بلغه لم يخالفه، واللَّه أعلم (٣).\n٢٠٥٣ - [١٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (في سبيل اللَّه) الظاهر أن المراد به الغزو، وقد ورد في فضل الصوم مع الجهاد أحاديث، قال الطيبي (٤): ويجوز أن يراد به لوجه اللَّه، ويؤيد ما قال ما ورد في حديث أبي هريرة -﵁- يأتي في آخر الباب، والمراد بـ (الخريف) السنة، والعرب يبتدئون السنة بالخريف، وقد مرّ وجهه فيما سبق.\n٢٠٥٤ - [١٩] (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص) قوله: (ألم أخبر) بلفظ المضارع\n_________\n(١) \"الموطأ\" (١١٠٤).\n(٢) \"شرح النووي\" (٨/ ١٩).\n(٣) ذكر شيخنا مذاهب الأئمة في \"الأوجز\" بالتفصيل فارجع إليه لو شئت (٥/ ٣٦٠).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٤/ ١٨٥).","vol":"4","page":485},{"text":"فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: \"فَلَا تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ. صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كلِّهِ، صُمْ كُلَّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَاقْرَأ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ شَهْرٍ\". قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. قَالَ: \"صُمْ أَفْضَلَ الصَّوْمِ صَوْمَ دَاوُدَ: صِيَامُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ. وَاقْرَأْ فِي كُلِّ سَبع لَيَالٍ مَرَّةً، وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٧٥١ م: ١١٥٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-587> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٠٥٥ - [٢٠] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَصُومُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٧٤٥، ن: ٢٣٦٤].\n٢٠٥٦ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تُعْرَضُ الأَعْمَالُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٧٤٧].\nــ\nالمتكلم المجهول.\nوقوله: (وإن لزورك) جمع زائر كركب جمع راكب، وقد يجعل مصدرًا وضع موضع اسم الفاعل كرجل عدل.\nالفصل الثاني\n٢٠٥٥ - [٢٠] (عائشة) قوله: (يصوم الاثنين والخميس) سببه مبين في الحديث الآتي.\n٢٠٥٦ - [٢١] (أبو هريرة) قوله: (وأنا صائم) لعله إنما اختار الصوم لفضله،","vol":"4","page":486},{"text":"٢٠٥٧ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا أَبَا ذَرٍّ! إِذَا صُمْتَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٧٦١، ن: ٢٤٢٤].\n٢٠٥٨ - [٢٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَصُومُ مِنْ غُرَّةِ كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَلَّمَا كَانَ يُفْطِرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ: إِلَى ثَلَاثَة أَيَّام. [ت: ٧٤٢، ن: ٢٣٦٨، د: ٢٤٥٠].\nــ\nولأنه لا يدري في أية ساعة تعرض، والصوم يستوعب النهار، ولأنه يجتمع مع الأعمال الأخر بخلاف ما عداه من الأعمال (١).\n٢٠٥٧ - [٢٢] (أبو ذر) قوله: (فصم ثلاث عشرة. . . إلخ) لا ينافي هذا صوم ما عداها من الأيام، وإنما هو على أنها أفضل وأحبّ.\n٢٠٥٨ - [٢٣] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (يصوم من غرة كل شهر) يعني في بعض الأحيان.\nوقوله: (وقلّما كان يفطر يوم الجمعة) مطلق يشمل انفراده وجمعه مع يوم قبله أو بعده إلا أن يقيد بقرينة الأحاديث الأخر.\n_________\n(١) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَهُ -﵊-: \"يُرْفَعُ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ\" لِلْفَرْقِ بَيْنَ الرَّفْعِ وَالْعَرْضِ؛ لِأَنَّ الأَعْمَالَ تُجْمَعُ فِي الأُسْبُوعِ وَتُعْرَضُ فِي هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ. قَالَ ابْنُ حَجَر: وَلَا يُنَافِي هَذَا رَفْعَهَا فِي شَعْبَانَ، فَقَالَ: \"إِنَّهُ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ وَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ\" لِجَوَازِ رَفع أَعْمَالِ الأُسْبُوعِ مُفَصَّلَةً وَأَعْمَالِ الْعَامِ مُجْمَلَةً، انتهى. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٢٢).","vol":"4","page":487},{"text":"٢٠٥٩ - [٢٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَصُومُ مِنَ الشَّهْرِ السَّبْتَ وَالأَحَدَ وَالِاثْنَيْنِ، وَمِنَ الشَّهْرِ الآخِرِ الثُّلَاثَاءَ وَالأَرْبِعَاءَ وَالْخَمِيسَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٧٤٦].\n٢٠٦٠ - [٢٥] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَأْمُرُنِي أَنْ أَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، أَوَّلُهَا الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٤٥٢، ن: ٢٤١٥].\n٢٠٦١ - [٢٦] وَعَنْ مُسْلِمٍ الْقُرَشِيِّ قَالَ: سَأَلتُ أَوْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ صِيَامِ الدَّهْرِ فَقَالَ: \"إِنَّ لِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، صُمْ رَمَضَانَ وَالَّذِي يَلِيهِ وَكُلَّ أَرْبِعَاءَ وَخَمِيسٍ، فَإِذًا أَنْتَ قَدْ صُمْتَ الدَّهْرَ كلَّهُ\". . . . .\nــ\n٢٠٥٩ - [٢٤] (عائشة) قوله: (الثلاثاء) بالمد والفتح ويضم، و(الأربعاء) مثلثة الباء ممدودة.\n٢٠٦٠ - [٢٥] (أم سلمة) قوله: (أولها الاثنين) مع الثلاثاء والأربعاء في شهر، (والخميس) مع الجمعة والسبت في شهر آخر، وفي بعض النسخ: (أو الخميس)، فيكون مخيرًا بين الابتداء من الاثنين أو من الخميس وهو رواية الطبراني، ثم قالوا في قوله: (أولها الاثنين): إن الظاهر أولها الاثنان بالألف لكونه خبرًا، فقيل في توجيهه: إن الاثنين صار علمًا لذلك اليوم، فأعرب بالحركة برفع النون، أو إن التقدير: يوم الاثنين فحذف المضاف وأبقي المضاف إليه على حاله على قراءة ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] بجرّ القرية، وإن كانت شاذة، والأكثر اكتساء إعراب المضاف، والمشهور في (اسأل القرية) القراءة بنصبهما، أو إن (أولها) منصوب بتقدير اجعل.\n٢٠٦١ - [٢٦] (مسلم القرشي) قوله: (والذي يليه) أراد به الست من شوال،","vol":"4","page":488},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٢٤٣٢، ت: ٧٤٨].\n٢٠٦٢ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٤٤٠].\n٢٠٦٣ - [٢٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ عَنْ أُخْتِهِ الصَّمَّاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا لِحَاءَ عِنَبَةٍ أَوْ عُودَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضغْهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٦/ ٣٦٨، د: ٢٤٢١، ت: ٤٣، جه: ١٧٢٦، دي: ١٧٤٩].\nــ\nوقيل: أراد به شعبان، كذا في (شرح ابن الملك).\n٢٠٦٢ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (نهى) أي: نهي تنزيه عن صوم يوم عرفة بعرفة، ومحمله وجدان المشقة والجهد في أداء وظائفها.\n٢٠٦٣ - [٢٨] (عبد اللَّه بن بسر) قوله: (عن عبد اللَّه بن بسر) بضم الموحدة وسكون المهملة (عن أخته الصماء) -بفتح المهملة وتشديد الميم ممدودة- بنت بسر.\nوقوله: (لا تصوموا يوم السبت) أي: وحده (إلا فيما افترض عليكم) ولو بالنذر، و(اللحاء) ككساء قشر الشجرة، لَحَوت الشجرة ولَحَيْتُها والْتَحَيْتُها: إذا أخذت لحاءها، وهو قشرها، وسبب النهي لزوم تعظيمه بالصوم فيه، ففيه مخالفة لليهود، وإن كانوا لا يصومونه لأجل أنه عيد لهم، فهم يعظمونه لوجه آخر.\nوسيأتي من حديث أم سلمة -﵂-: أنه -ﷺ- كان يصوم يوم السبت ويوم الأحد قصدًا لمخالفة اليهود والنصارى؛ لأنهم لا يصومونهما لكونهما عيدين لهم، فحينًا ترك","vol":"4","page":489},{"text":"٢٠٦٤ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ خَنْدَقًا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٦٢٤].\n٢٠٦٥ - [٣٠] وَعَنْ عَامِرِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. [حم: ٤/ ٣٣٥، ت: ٧٩٧].\n٢٠٦٦ - [٢١] وَذَكرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: . . . . .\nــ\nصوم يومهما لئلا يلزم تعظيمهما، ووقتًا صامهما لمخالفتهم، ولعل الأول قبل أن يؤمر بمخالفتهم، كذا قيل، فتدبر، واللَّه أعلم.\n٢٠٦٤ - [٢٩] (أبو أمامة) قوله: (خندقًا) في (القاموس) (١): الخندق كجعفر: حفير حول أسوار المدن، معربُ كَنْدَه.\nوقوله: (كما بين السماء والأرض) (٢) وهذا أبلغ مما سبق في حديث أبي سعيد الخدري: (بعد اللَّه وجهه عن النار سبعين خريفًا) لأن بُعْدَ ما بين السماء والأرض على ما هو المشهور مسيرة خمس مئة سنة.\n٢٠٦٥، ٢٠٦٦ - [٣٠، ٣١] (عامر بن مسعود) قوله: (الغنيمة الباردة) كناية عمّا يحصل من غير تعب ومشقة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨١٢).\n(٢) قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْتِعَارَةٌ تَمْثيلِيَّةٌ عَنِ الْحَاجِزِ الْمَانِعِ، شَبَّهَ الصَّوْمَ بِالْحِصْنِ وَجَعَلَ لَهُ خَنْدَقًا حَاجِزًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ الَّتِي شُبِّهَتْ بِالْعَدُوِّ، ثُمَّ شَبَّهَ الْخَنْدَقَ فِي بُعْدِ غَوْرِه بِمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، انتهى. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٢٥).","vol":"4","page":490},{"text":"\"مَا مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ\" فِي (بَابِ الأُضْحِيَّةِ).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-588> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٠٦٧ - [٣٢] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْيَهُودَ صِيَامًا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي تَصُومُونَهُ؟ \" فَقَالُوا: هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ: أَنْجَى اللَّهُ فِيهِ مُوسَى وَقَوْمَهُ، وَغَرَّقَ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، فَصَامَهُ مُوسَى شُكْرًا، فَنَحْنُ نَصُومُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُمْ\" فَصَامَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٩٧، م: ١١٣٠].\nــ\nالفصل الثالث\n٢٠٦٧ - [٣٢] (ابن عباس) قوله: (فوجد اليهود صيامًا) الصيام مصدر صام، ويوصف به الشخص، يقال: هو صائم وصومانُ وصومٌ وصيام، والصائم للواحد والجمع، كذا في (القاموس) (١)، فلما كان (صيام) وصفًا للصائم يقال للواحد والجمع، فكذلك الصيام يقال لهما، فتدبر.\nوقوله: (غرق) بالتشديد بمعنى أغرق، ويروى بالتخفيف كفرح.\nوقوله: (فنحن أحق وأولى) أي: أقرب (بموسى منكم) فيه دفع توهم موافقتهم يعني نحن نصوم موافقة لموسى لا موافقة لكم، بقي أن خبر اليهود في الديانات غير مقبول فكيف عمل به رسول اللَّه -ﷺ-؟ ويمكن أن يقال: صدق هذا الخبر ظهر له -ﷺ- بالتواتر أو بخبر جماعة منهم أسلموا كعبد اللَّه بن سلام وأمثاله من علمائهم، أو أوحي إليه بعد إخبارهم بذلك.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٤٢).","vol":"4","page":491},{"text":"٢٠٦٨ - [٣٣] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَصُومُ يَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الأَحَدِ أَكْثَرَ مَا يَصُومُ مِنَ الأَيَّامِ، وَيَقُولُ: \"إِنَّهُمَا يَوْمَا عِيدٍ لِلْمُشْرِكِينَ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ٣٢٣].\n٢٠٦٩ - [٣٤] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَأْمُرُ بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَيَحُثُّنَا عَلَيْهِ وَيَتَعَاهَدُنَا عِنْدَهُ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ لَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا عَنْهُ وَلَمْ يَتَعَاهَدْنا عِنْدَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٢٨].\n٢٠٧٠ - [٣٥] وَعَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: أَرْبَعٌ لَمْ يَكُنْ يَدَعُهُنَّ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"صِيَامُ عَاشُورَاءَ، وَالْعَشْرِ، وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٢٤١٦].\n٢٠٧١ - [٣٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَا يُفْطِرُ أَيَّامَ الْبِيضِ فِي حَضَرٍ وَلَا فِي سَفَرٍ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٢٣٤٥].\nــ\n٢٠٦٨ - [٣٣] (أم سلمة) قوله: (إنهما يوما عيد للمشركين) فلا يصومون فيهما (فأنا أحب أن أخالفهم) بالصوم فيهما، فالصوم فيهما لقصد المخالفة لا للتعظيم، وقد مر الكلام فيه في حديث عبد اللَّه بن بسر، فتدبر.\n٢٠٦٩ - [٣٤] (جابر بن سمرة) قوله: (ويتعاهدنا) أي: يحفظنا ويراعي أحوالنا بالموعظة والتوصية بصومه عند حضور هذا اليوم.\n٢٠٧٠ - [٣٥] (حفصة) قوله: (أربع) أي: خصال.\nوقوله: (والعشر) أي: عشر ذي الحجة، والمراد تسعة أيام منه.\n٢٠٧١ - [٣٦] (ابن عباس) قوله: (أيام البيض) بالإضافة، وقد يروى بالتوصيف،","vol":"4","page":492},{"text":"٢٠٧٢ - [٣٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لِكُلِّ شَيْءَ زَكَاةٌ، وَزَكَاةُ الْجَسَدِ الصَّوْمُ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٧٤٥].\n٢٠٧٣ - [٣٨] وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَصُومُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّكَ تَصُومُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَقَالَ: \"إِنَّ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ يَغْفِرُ اللَّهُ فِيهِمَا لِكُلِّ مُسْلِمٍ إِلَّا ذَا هَاجِرَيْنِ، يَقُولُ: دَعْهُمَا حَتَّى يَصْطَلِحَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٢٦٨، جه: ١٧٤٠].\n٢٠٧٤ - [٣٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ بَعَّدَهُ اللَّهُ مِنْ جَهَنَّمَ كَبُعْدِ غُرَابٍ طَائِرٍ وَهُوَ فرْخٌ حَتَّى مَاتَ هَرِمًا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٥٢٦].\n٢٠٧٥ - [٤٠] وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي\"شُعَبِ الإِيمَانِ\". . . . .\nــ\nوالبيض حقيقة صفة لِلياليها.\n٢٠٧٢ - [٣٧] (أبو هريرة) قوله: (زكاة الجسد) أي: وجوده وصحته وعافيته كأنه يصرف بالجوع والعطش وترك الشهوة شيئًا منه إلى اللَّه تعالى.\n٢٠٧٣ - [٣٨] (أبو هريرة) قوله: (إلا ذا هاجرين) أي: قاطعين للرحم، أو تاركين حق الإسلام، و(ذا) معجمة كذا قالوا.\nوقوله: (يقول) أي اللَّه تعالى: (دعهما) خطاب عام لكل من يحضر هذه القضية ويطلب غفرانهما، وجاء في بعض الأحاديث: (اتركوا)، وفي بعضها: (أنظروا هذين حتى يصطلحا)، وأنظروا من الإنظار بمعنى الإمهال.\n٢٠٧٤، ٢٠٧٥ - [٣٩، ٤٠] (أبو هريرة) قوله: (وهو فرخ) حال من ضمير (طائر) أي: طار في زمان كونه فرخًا، و(حتى مات) غاية الطيران، و(هرمًا) حال من","vol":"4","page":493},{"text":"عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْسٍ. [شعب: ٣٣١٨].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-589>٧ - باب</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-590><span data-type=\"title\" id=toc-591> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span></span>\n٢٠٧٦ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: \"هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ \" فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: \"فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ\". ثُمَّ أَتَانَا يَوْمًا آخَرَ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ،\nــ\nفاعل (مات)، هو كناية عن طول عمر الغراب (١)، وهذا المثل بحسب العرف.\n٧ - باب (٢)\nباب في متممات ولواحق بالأبواب السابقة وما يتعلق بصوم التطوع ونقضه وقضائه.\nالفصل الأول\n٢٠٧٦ - [١] (عائشة) قوله: (ثم أتانا يومًا آخر) ويفهم من بعض الروايات أتى في ذلك اليوم الذي أتى فلم يجد ونوى الصوم، فخرج وعاد، وسأل فوجد الطعام فأكل.\nوقوله: (أُهدي لنا حَيس) الحيس: الخلط، وتَمْرٌ يُخْلَطُ بِسَمْنٍ وأقِطٍ، فَيُعْجَنُ\n_________\n(١) قِيلَ: يَعِيشُ الْغُرَابُ أَلْفَ عَامٍ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٢٩).\n(٢) كذا في النسخة الهندية \"باب\" بدون الترجمة. قال القاري (٤/ ١٤٣٠): بِالتَّنْوِينِ، وَقِيلَ: بِالسُّكُونِ، وَفَي نُسْخَةٍ: \"فِي تَوَابِعَ لِصَوْمِ التَّطَوُّعِ\"، انتهى. وفي نسخة \"المشكاة\" المطبوعة بتحقيق الألباني: \"في الإفطار من التطوع\".","vol":"4","page":494},{"text":"فَقَالَ: \"أَرِينِيهِ فَلَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا\" فَأَكَلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٥٤].\nــ\nشديدًا، ثم يُنْدَرُ منه نَواهُ، ورُبَّما جُعِلَ فيه سَويقٌ، حاسَهُ يَحيسُهُ، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (أرينيه) بلفظ خطاب الواحدة، والمراد: قَرِّبيه، وقد جاء في رواية كذلك، وفي رواية: (أدنيه) بمعنى قربيه.\nوقوله: (فلقد أصبحت صائما) أي: ناويًا للصوم.\nاعلم أن هذا الحديث مشتمل على حكمين: الأول: أن نية صوم التطوع جائزة في النهار، ولا يجب التبييت، وهذا مما اتفق عليه الأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد بشرط أن يكون قبل الزوال، وفي رواية عن الشافعي بعد الزوال أيضًا، والخلاف في الفرض، فعندنا يجوز، وعندهما لا يجوز، ومالك يشترط التبييت في الكل، وقد سبق تفصيل الكلام فيه مع دلائلهم في الفصل الثاني من باب بعد (باب رؤية الهلال) في حديث: (من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له).\nوالحكم الثاني: أن إفطار صوم التطوع بلا عذر جائز، وعليه أكثر العلماء، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يجب إتمامه، ولا يجوز الإفطار بعذر ضيافة أو نحوها؛ لأنه إبطال عمل، وإبطال العمل منهي عنه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، وكذا في كل عمل الشرع يلزم عندنا، ولو نقضه قضى، وفي رواية: يجوز مطلقًا؛ لأن القضاء خَلَفَه فلا بأس به، وفي وجوب قضاء صوم النفل أيضًا خلاف، وعند مالك يقضي حيث لا عذر له، وسيشرح ذلك في حديث الزهري عن عروة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٠٠).","vol":"4","page":495},{"text":"٢٠٧٧ - [٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ، فَقَالَ: \"أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ، وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ، فَإِنِّي صَائِمٌ\". ثُمَّ قَامَ إِلَى ناحِيةٍ مِنَ الْبَيْتِ فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ فَدَعَا لأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيتِهَا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٩٨٢].\n٢٠٧٨ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ\". وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: \"إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَلْيُجبْ، فَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ، وَإِن كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٥٠، ١٤٣١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-592> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٠٧٩ - [٤] عَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ فَتْح مَكَّةَ،\nــ\n٢٠٧٧ - [٢] (أنس) قوله: (على أم سليم) هي أم أنس.\nوقوله: (فإني صائم) يؤيد مذهبنا، وفيما سبق لعله كان له عذر في ذلك، وللخصم أن يقول: لعله كان بعد الزوال وحينئذٍ يكره الإفطار، أو يقول: إن الإفطار جائز، فلا ينافيه عدم الإفطار.\nوقوله: (فصلى غير المكتوبة) يدل على أن المراد بقوله: (فليصل) في الحديث الآتي حقيقة الصلاة، وقيل: المراد الدعاء لصاحب البيت.\n٢٠٧٨ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (فليقل: إني صائم) أي: لا يفطر، وفي قوله باللسان كلام سبق في الفصل الأول من (كتاب الصوم).\nالفصل الثاني\n٢٠٧٩ - [٤] (أم هانئ) قوله: (لما كان يوم الفتح فتح مكة) اتفقت الروايات","vol":"4","page":496},{"text":"جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَجَلَسَتْ عَلَى يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (١)، وَأَمُّ هَانِئٍ عَنْ يَمِينِهِ، فَجَاءَتِ الْوَلِيدَةُ بِإِنَاءٍ فِيهِ شَرَابٌ، فَنَاوَلَتْهُ فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ ناوَلَهُ أُمَّ هَانِئٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! . . . . .\nــ\nعلى أن فتح مكة كان في رمضان، إما في الثالث عشر منه أو عشرين، وعليه الأكثر، وعلى هذا يشكل كون صوم أم هانئ تطوعًا أو قضاء، وقد تكلموا في حديث أم هانئ، ويحتمل أن يكون هذا أحد وجوه الكلام فيه إلا أن يقال: ليس المراد بيوم الفتح أول أيامه، بل الزمان الممتد الذي أقام فيه رسول اللَّه -ﷺ- بمكة، ويمكن أن يسمى بيوم الفتح وليس فيه كثير بعد، وقد روي حديث أم هانئ بطريق ليس فيها ذكر يوم الفتح كما في (جامع الترمذي) (٢).\nوقوله: (وأم هانئ) من وضع المظهر موضع المضمر.\nوقوله: (فجاءت الوليدة) أي: الجارية (فناولته) أي: أعطت الجارية النبي، والمفعول الثاني محذوف، أي: ذلك الإناء، (ثم ناوله أم هانئ) أي: ناول النبي -ﷺ-\n_________\n(١) قال القاري في \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٣٢): وَلَعَلَّ اخْتِيَارَ الْيَسَارِ كَانَ بِإِشَارَة مِنْهُ -﵊-، أَوْ إِيمَاءً إِلَى قَصْدِ تَوَجُّهِ قَلْبِهِ وَخَاطِرِهِ إِلَيْهَا بِحُسْنِ الْمُقَابَلَةِ وَالِالْتِئَامِ، وَإِمَّا تَوَاضُعًا مِنْهَا مَعَ بِنْتِ عَمِّهَا، وَأُخْتِ زَوْجِهَا، وَعَمَّةِ أَوْلَادِهَا، مَعَ إِمْكَانِ أَنَّهَا كَانَتْ أَكْبَرَ مِنْهَا، وَإِمَّا لِشَغْلِ الْيَمِينِ أَوَّلًا بِهَا وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلهَا: \"وَأُمُّ هَانِئٍ عَنْ يَمِيِنِهِ\": فَإِنَّ الْجُمْلَةَ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ (جَلَسَتْ). قَالَ الطِّيبِيُّ: إِمَّا حَالٌ، أَيْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ وَجَلَسَتْ عَلَى يَسَارِهِ، وَالْحَالُ أَنَّ أُمَّ هَانِئٍ عَنْ يَمِينِهِ، وإِمَّا عَطْفًا عَلَى تَقْدِيرِ: وَجَاءَتْ أُمُّ هَانِئٍ، فَجَلَسَتْ عَنْ يَميِنِهِ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ الْكَلَامُ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ، لأَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يُقَالَ: وَأَنَا جَالِسَةٌ عَنْ يَمِينِهِ، أَوْ جَلَسَتْ عَنْ يَمِينِهِ، فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّجْرِيدِ كَأَنَّهَا تَحْكِي عَنْ نَفْسِهَا بِذَلِكَ، أَوْ أَنَّ الرَّاوِيَ وَضَعَ كَلَامَهُ مَكَانَ كَلَامِهَا، اهـ. يَعْنِي بِهِ أَنَّهُ نَقَلَ بِالْمَعْنَى. انتهى.\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٧٣٢).","vol":"4","page":497},{"text":"لَقَدْ أَفْطَرْتُ وَكُنْتُ صَائِمَةً، فَقَالَ لَهَا: \"أَكُنْتِ تَقْضِينَ شَيْئًا؟ \" قَالَتْ: لَا. قَالَ: \"فَلَا يَضُرُّكِ إِنْ كَانَ تَطَوُّعًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لأَحْمَدَ وَالتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ، وَفِيهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمَا إِنِّي كُنْتُ صَائِمَةً فَقَالَ: \"الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ، إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ\". [د: ٢٤٥٦، ت: ٤٣١، دي: ٢/ ١٦، حم: ٦/ ٤٢٤].\nــ\nالإناء أم هانئ، وأم هانئ المفعول الأول، أُخّر لاتصال الأول بالفعل.\nوقوله: (لقد أفطرت وكنت صائمة) وفي رواية (١): (أني أذنبت فاستغفر لي).\nوقوله: (أكنت تقضين شيئًا؟) أي: كان عليك قضاء صوم من رمضان أو من نذر حتى تحرجت من إفطاره.\nوقوله: (رواه أبو داود والترمذي) وقال الترمذي: في إسناده مقال، وكذا قال المنذري، قال: ولا يثبت، وفي إسناده اختلاف كثير أشار إليه النسائي.\nوقوله: (أمير نفسه) وفي رواية: (أمين نفسه، أو أمير نفسه) على الشك.\nوقوله: (إن شاء صام وإن شاء أفطر) تأويله أن له أن يفطر نظرًا إلى ما يبدو له من الأمور التي ائتمن عليها كالذي يضيف قومًا أو ينزل بقوم وهم يحبون أن يفطر، ويرى في ترك الإفطار استيحاشًا من جانب صاحبه، فله أن يساعده على ما يؤنسه من غير حرج وتبعة، وهو أمين نفسه راعيًا شرائط الأمانة فيما يتوخاه، وهذا معنى قوله: (لا يضرك)، وليس في أحد القولين دليل على أن القضاء غير واجب عليه بعد الالتزام، لا سيما وقد ورد في الحديث الأمر بقضائه، وهو حديث عائشة الذي بعد هذا الحديث، كذا قال التُّورِبِشْتِي (٢).\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٧٣١).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٧٩).","vol":"4","page":498},{"text":"٢٠٨٠ - [٥] وَعَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ، فَعُرِضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا صَائِمَتَيْنِ، فَعُرِضَ لَنَا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ، فَأَكَلَنَا مِنْهُ قَالَ: \"اقْضِيَا يَوْمًا آخَرَ مَكَانَهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَذَكَرَ جَمَاعَةً مِنَ الْحُفَّاظِ رَوَوْا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلًا، وَلَمْ يَذْكرُوا فِيهِ عَن عُرْوَةَ، وَهَذَا أَصَحُّ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ زُمَيْلٍ مَوْلَى عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ. [ت: ٧٣٥، د: ٢٤٥٧].\nــ\n٢٠٨٠ - [٥] (الزهري) قوله: (فعرض) بلفظ المجهول، وفي بعض النسخ بلفظ المعلوم بمعنى ظهر وحضر.\nوقوله: (اقضيا يومًا آخر) وهذا دليل الحنفية على وجوب قضاء صوم التطوع، وقال الشافعية: كان الأمر بالقضاء على طريق الاستحباب، ولعله كان صوم نذر أو قضاء، والمذهب عندهم أنه لا يجب قضاؤه لقوله -ﷺ-: (المتطوع أمير نفسه)، وأيضًا: (المتطوع متبرع)، ولا يلزم التبرع، وقضاء الشيء يكون حكمه حكم الأصل، وكذا عند أحمد، وفي رواية منه: إن نوى في الليل وأفطر بلا عذر وجب القضاء، وكذا عند مالك، وعندنا يجب القضاء، ويلزم النفل بالشروع كما يلزم بالنذر، وتحقيقه في أصول الفقه.\nوقوله: (مرسلًا) أراد به المنقطع كما هو اصطلاح البعض.\nوقوله: (ورواه أبو داود) من حديث يزيد بن الهاد (عن زميل) بالزاي على صيغة التصغير، وقيل: لا يعرف لزميل سماع من عروة، ولا ليزيد من زميل، انتهى.\nوقال الخطابي (١): إسناده ضعيف، وزميل مجهول.\n_________\n(١) انظر: \"معالم السنن\" (٢/ ١٣٥)، و\"بذل المجهود\" (٨/ ٦٨٣).","vol":"4","page":499},{"text":"٢٠٨١ - [٦] وَعَنْ أُمِّ عُمَارَةَ بِنْتِ كَعْبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- دَخَلَ عَلَيْهَا فَدَعَتْ لَهُ بِطَعَامٍ، فَقَالَ لَهَا: \"كُلِي\"، فَقَالَتْ: إِنِّي صَائِمَة، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِنَّ الصَّائِمَ إِذَا أُكِلَ عِنْدَهُ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ حَتَّى يَفْرَغُوا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٦/ ٣٦٥، ت: ٧٨٥، جه: ١٧٤٨، دي: ٢/ ١٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-593> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٠٨٢ - [٧] عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: دَخَلَ بِلَالٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ يَتَغَدَّى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْغَدَاءَ يَا بِلَالُ\". قَالَ: إِنِّي صَائِمٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نَأْكُلُ رِزْقَنَا، وَفَضْلُ رِزْقِ بِلَالٍ فِي الْجَنَّةِ، أَشْعَرْتَ يَا بِلَالُ أَن الصَّائِم يُسَبِّحُ عِظَامُهُ، وَيَسْتَغْفِرُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ مَا أُكِلَ عِنْدَهُ؟ \". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٣٥٨٦].\n* * *\nــ\n٢٠٨١ - [٦] (أم عمارة) قوله: (وعن أم عمارة) بضم العين وتخفيف الميم (بنت كعب) الأنصارية صحابية.\nالفصل الثالث\n٢٠٨٢ - [٧] (بريدة) قوله: (الغداء) بالنصب، أي: احضر الغداء بالمعجمة المفتوحة، والدال المهملة؛ طعام الغدوة.\nوقوله: (وفضل رزق بلال في الجنة) زاد لفظ: (فضل) تنبيهًا على أن رزقه الذي هو بدل من [الرزق] هذا زائد عليه (١).\n_________\n(١) قاله الطيبي (٥/ ١٦٢٠).","vol":"4","page":500},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-594>٨ - باب ليلة القدر</span>\nــ\n٨ - باب ليلة القدر\nسميت بها لأنه تقدر فيها الأرزاق وتقضى، وتكتب الآجال والأحكام التي تقدر في السنة، والقدر بهذا المعنى يجوز فيه تسكين الدال، والمشهور التحريك، وقيل: سميت بها لعظم قدرها وشرفها، والإضافة على هذا من قبيل: حاتم الجود وزيد الخير، وقيل: لأن من أتى الطاعات فيها صار ذا قدر، أو أن الطاعات لها قدر زائد فيها، واعلم أنه قد كثر فيها الاختلاف، واختلفت الأقوال، وقد ذكر الشيخ في (فتح الباري) (١) أكثر من أربعين قولًا مثل ما ذكر في ساعة الجمعة، ونسب كل قول إلى قائله وذكر ما استند به قائله من الأحاديث والآثار على ما هو عادته ﵀ في البحث والتحقيق في أمثال هذا المقام، وأكثر الأحاديث في أنها في رمضان خصوصًا في أوتار العشر الأخير لاسيما في السابع والعشرين، وفي قول هي دائرة في تمام السنة وتنتقل وتتحول، وجعل الشيخ هذا القول مشهورًا من الحنفية، وذكر أن قاضيخان وأبا بكر الرازي من علماء الحنفية حكيا ذلك، وقالوا: إنه روي عن ابن مسعود وابن عباس وعكرمة وغيرهم، انتهى.\nقال الشيخ ابن الهمام (٢): إنه روي عن أبي حنيفة أن ليلة القدر في رمضان، ولكن لا يدرى أنها أية ليلة منه، فتارة تتقدم، وأخرى تتأخر، وكذا عن صاحبيه، لكنها متعينة عندهما لا يتقدم ولا يتأخر، وفي (فتاوى قاضيخان) (٣): أن الرواية المشهورة\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٥٥).\n(٢) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ٣٨٩).\n(٣) \"فتاوى قاضيخان\" (١/ ١٠٩).","vol":"4","page":501},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعن أبي حنيفة أنها تتحول في السنة، وتكون في رمضان وفي غيره، وأجاب أبو حنيفة عن الأدلة التي دلت على أنها في العشر الأخير من رمضان بأن المراد الرمضان الذي طلبها فيه رسول اللَّه -ﷺ-، وسياق الحديث يدل عند من تأمل طرق الأحاديث وألفاظها على هذا المعنى، انتهى. وهذا القول أقرب إلى تطبيق الأقوال وجمعها، واللَّه أعلم.\nقالوا: والحكمة في إخفائها ليجِدّوا ويجتهدوا في الطاعة، وقيل: من اجتهد في قيام السنة أدركها إن شاء اللَّه تعالى، وفي مثل هذا المعنى قيل: من لم يعرف قدر الليلة لم يعرف ليلة القدر، وقد ذكر بعض العلماء لها علامات وأمارات استنبطوها من بعض الأحاديث والآثار، وأدرك بَعْضَها أهلُ الكشف من ذوي الأبصار، وقال الإمام الغزالي: ليلة القدر في حق كل أحد ما كوشف فيها له من عالم الملكوت، وقد نقل الطبري عن قوم أن الأشجار في تلك الليلة تسجد وتقع على الأرض ثم ترجع إلى منابتها، ويسجد فيها كل شيء.\nوروى البيهقي في (فضائل الأوقات) (١) من طريق الأوزاعي عن عبيدة بن أبي لبابة: أن المياه المالحة تعذب تلك الليلة، وروى ابن عبد البر (٢) من طريق زهرة بن معبد نحوه، وتسطع الأنوار حتى في الأماكن المظلمة، ويسمع السلام والخطاب من الملائكة، والتحقيق أنه لا يشترط في إدراكها مشاهدة أمثال هذه الأمور، فقد يكون من يدركها ولا يشاهد منها، ويمكن أن يكون اثنان في مكان واحد ويدركانها فيكشف لواحد ولا يكشف لآخر، وأحسن ما يحصل فيها توفيق الذكر والعبادة والمناجات\n_________\n(١) \"فضائل الأوقات\" (١/ ٢٤٧).\n(٢) \"التمهيد\" لابن عبد البر (٢١/ ٢١٦).","vol":"4","page":502},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-595> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٠٨٣ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٠١٧].\n٢٠٨٤ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبع الأَوَاخِرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nوالخضوع والخشوع والذوق والحضور والإخلاص، وهذه الأشياء كرامات بلا شبهة، ومشاهدة الخوارق محل خطر، ومن مظان الاشتباه، وقد ورد في الأحاديث الترغيب في إحياء تلك الليلة، والمختار أن المعتبر إحياء أكثرها، ولو أحيا تمام الليلة ولم ينجرّ إلى مرض وملال واختلال في الفرائض والسنن المؤكدة فهو أفضل وأكمل، وإلا فأي مقدار قام حصل المرام، وليس للإنسان إلا ما سعى، وكان سعيه مشكورًا، رزقنا اللَّه السعي والجد في طلب مرضاته، ولم يحرمنا من فضله وبركاته، آمين.\nالفصل الأول\n٢٠٨٣ - [١] (عائشة) قوله: (تحروا) أمر من تتحرى تفعل من الحر، أو معنى تحراه تعمد وطلب ما هو أحرى وأولى، أي: اطلبوا ليلة القدر في الأوتار من ليالي العشر الأواخر من رمضان، وهي خمس ليال.\n٢٠٨٤ - [٢] (ابن عمر) قوله: (في السبع الأواخر (١» الظاهر أن المراد السبع\n_________\n(١) قال شيخنا في \"التقرير\": قال القاري: اختلف في معناها، فقيل: أراد السبع التي تلي آخر الشهر، فيكون مبدأه على المحقق من الليلة الثالثة والعشرين، وعلى المحتمل، أي: تقدير الشهر بثلاثين يكون المبدأ من الرابع والعشرين. وقيل: السبع الأخيرة، أي: السبع الرابع، فيكون بدؤه من الليلة الثانية والعشرين، والختم على ثمانية وعشرين، وما بعده ساقط؛ لأنه لا يتم =","vol":"4","page":503},{"text":"\"أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبع الأَوَاخِرِ، فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الأَوَاخِرِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠١٥، م: ١١٦٥].\nــ\nالأواخر التي تلي [آخر] الشهر؛ لأن معنى التأخر فيه أظهر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (قد تواطأت) بالهمزة، وفي بعض النسخ: تواطت بدونها، والأول أصوب، قال التُّورِبِشْتِي (١): المواطأة الموافقة، وأصله أن يطأ الرجل برجله موطأ صاحبه، وقد رواه بعضهم بالهمزة وهو الأصل، وجاء في عامة نسخ الجامعين للصحيحين وغيرهما بغير همز، ولعل بعضهم لم يكتب للهمزة ألفًا، فترك بعضهم همزها، فأقرت على ذلك، انتهى. ومثل هذا قال في (المشارق) (٢) حيث قال: جاء في عامة نسخ البخاري والموطأ ومسلم: تواطت، وعند ابن الحذاء: تواطأت مهموزًا،\n_________\n= منه سبع. وقيل: المراد السبع بعد العشرين، فيكون البدء من الحادي والعشرين، والختم على سبع وعشرين، وقيل: هذا أولى لأنه يتناول الليلة الحادية والعشرين، لكن أشكل بأن إطلاق السبع الأواخر على ما بعد العشرين ليس بوجيه، مع أن ليلة الحادي والعشرين ليست في السبع الأخير بل في السبع الثالث. وقيل: جاء ذكر السبع فيه ثلاث مراث: الأول بعد الست قبل الثمانية، والثاني في سبع عشرة، والثالث في سبع وعشرين، فالمراد السبع الأخير وهو السبع والعشرون، وجمعه باعتبار جنسه، أي: اطلبوا في كل سبع وعشرين. هذا ما فهمت من كلام القاري مهذبًا ومهذبًا. وما يخطر بالبال في معناه أن (الأواخر) ليس بصفة لـ (سبع)، بل موصوفه محذوف اختصارًا، أي: اطلبوا في السبع الأوتار من النصف الآخر، وجمعيته باعتبار الأيام، فيكون المبدأ من ليلة سبع عشرة، والمنتهى ليلة التسع والعشرين، وقريب منه الاحتمال الثالث، أي: التمسوها في السبع من العشر الأواخر، فيكون البدء من ليلة إحدى والعشرين، والختم على سبع وعشرين.\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٨١).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٤٨٦).","vol":"4","page":504},{"text":"٢٠٨٥ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ: فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى، فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى، فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٠٢١].\nــ\nوكذا للقابسي مرة بالهمزة، وكذا قيدناه في (الموطأ) عن شيخنا أبي إسحاق، ولعلهم لم يكتبوا للهمزة ألفًا فترك بعضهم ذكرها جهلًا، وفي الحديث دليل على أن الرؤيا لها اعتبار في الأمور الموجودية، وذلك حق إذا لم يكن مخالفًا للأحكام الشرعية.\n٢٠٨٥ - [٣] (ابن عباس) قوله: (التمسوها) الضمير مبهم يفسره قوله: (ليلة القدر)، ويمكن أن يكون راجعًا إلى ليلة القدر المذكورة في مقام السؤال، وقوله: (ليلة القدر) بدلًا منه، ويجوز الإبدال في الضمير الغائب.\nوقوله: (في تاسعة تبقى (١). . . إلخ) الذي يظهر في توجيهه أن يكون المراد التاسعة والعشرين والسابعة والعشرين والخامسة والعشرين كما ذكر في الرواية الأخرى، من حديث عبادة بن الصامت في الفصل الثالث، فيكون الترديد بين الأوتار الثلاثة من أوتار العشر الأخير، أو يكون المراد من التاسعة والسابعة والخامسة التسعة والسبعة والخمسة كما في حديث أبي بكرة في الفصل الثاني، فيكون الترديد بين الأوتار التي وقعت في تسعة أيام باقية من العشر الأخير وهي أربع ليال، والأوتار التي وقعت في سبعة أيام وهي ثلاث ليال، والأوتار التي في خمسة أيام، وهي ليلتان، واللَّه أعلم.\nوقد يقال: (تاسعة تبقى) الليلة الثانية والعشرون؛ فإنها تاسعة، والرابعة والعشرون سابعة منها، والسادسة والعشرون خامسة منها، وهذا له وجه إن كان ذهب أحد إلى أن هذه الليالي ليلة القدر، نعم قد نقل في (فتح الباري) (٢) قول شاذ في أربعة وعشرين،\n_________\n(١) أي: يرجى بقاؤها.\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٢٥٦).","vol":"4","page":505},{"text":"٢٠٨٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ اعْتكَفَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ فِي قُبّهٍ تُرْكيَّةٍ، ثُمَّ أَطْلَعَ رَأسَهُ فَقَالَ: \"إِنِّي اعْتكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هَذِه اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتَكَفْتُ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ، ثُمَّ أُتِيتُ فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِر، فَمَنْ كَانَ اعْتكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ، فَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالْتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ\". قَالَ: فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ،\nــ\nواللَّه أعلم.\n٢٠٨٦ - [٤] (أبي سعيد الخدري) قوله: (في قبة تركية) نوع من القباب من لبود، ويسمى بالفارسية خِركَاه، كذا في بعض شروح (المصابيح).\nوقوله: (أطلع) بفتح الهمزة وسكون الطاء، أي: أخرجه من القبة.\nوقوله: (اعتكف) حكاية عن الحال الماضية كأنه يعتكف الآن طلبًا لها، وإلا كان الظاهر (اعتكفت).\nوقوله: (ثم أتيت) بلفظ المجهول، أي: أتاني آت من الملائكة.\nوقوله: (في العشر الأواخر) وصف بالجمع لما أن أوتارها مظنة الليلة كما جاء في الروايات بخلاف العشر الأول والأوسط فلم يصفهما بالجمع (١).\nوقوله: (فقد أريت هذه الليلة) أي: معينة.\n_________\n(١) قَالَ الطِّيبِيُّ (٥/ ١٦٢٣): فَإِنْ قُلْتَ: لِمَ خُولِفَ بَيْنَ الأَوْصَافِ فَوَصَفَ الْعَشرَ الأَوَّلَ وَالأَوْسَطَ بِالْمُفْرَدِ، وَالآخِرَ بِالْجَمْعِ؟ قُلْتُ: تَصَوَّرَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي الْعَشْرِ الأَخِيرِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَجَمَعَهُ، وَلَا كَذَلِكَ فِي الْعَشْرَينَ، انتهى.","vol":"4","page":506},{"text":"وَكَانَ الْمَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ، فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَعَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الْمَاءِ وَالطِّينِ مِنْ صَبِيحَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي الْمَعْنَى، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمِ إِلَى قَوْلِهِ: \"فَقِيلَ لِي: إِنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ\". وَالْبَاقِي للْبُخَارِيِّ. [خ: ٢٠١٦، م: ١١٦٧].\n٢٠٨٧ - [٥] وَفِى رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ: \"لَيْلَةُ (١) ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٦٨].\n٢٠٨٨ - [٦] وَعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كعْبٍ. . . . .\nــ\nو(العريش) بيت يسقف من أغصان الشجر كما يجعل للكروم، والعريش كل ما يستظل به، وكان سقف مسجده فى زمانه من أغصان النخل.\nوقوله: (فوكف المسجد) أي: قطر ماء المطر من سقفه، وكف البيت يكف وكْفًا وكيفًا: قطر.\n٢٠٨٧ - [٥] (عبد اللَّه بن أنيس) قوله: (من حديث) (٢) وفي بعض النسخ: (في رواية عبد اللَّه بن أنيس) بضم الهمزة بلفظ التصغير.\n٢٠٨٨ - [٦] (زرّ بن حبيش) قوله: (وعن زرّ) بكسر الزاي وتشديد الراء (ابن حبيش) بضم المهملة وفتح الموحدة وسكون التحتانية في آخره شين معجمة.\nوقوله: (سألتُ أبي بن كعب) وكان كثير الصحبة لأبي، وقال في\n_________\n(١) قال القاري: بِجَرِّ لَيْلَةٍ فِي النُّسَخِ الْمُعْتَبَرَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عِوَضٌ مِنْ صَبِيحَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: لَيْلَةُ الْقَدْرِ هِيَ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، لأَنَّهُ أَمَرَهُ -﵊- بِقِيَامِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَلَيْلَةٌ مَرْفُوعَةٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٣٩).\n(٢) كذا في الأصل، والصواب: \"في حديث\"، انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٣٩).","vol":"4","page":507},{"text":"فَقُلْتُ: إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: مَنْ يَقُم الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، فَقَالَ: ﵀، أَرَادَ أَنْ لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ أَمَا إِنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ، وَأَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ، ثُمَّ حَلَفَ لَا يَسْتَثْنِي أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ. فَقُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ؟ قَالَ: بِالْعَلَامَةِ -أَوْ بِالآيَةِ- الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمَئِذٍ لَا شُعَاعَ لَهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٦٢].\nــ\n(الكاشف) (١): قال أبي بن كعب: يا زرّ ما تريد أن تدع آية إلا سألتني عنها.\nوقوله: (ثم حلف لا يستثني) عطف على قال، أي: حلف أبي جازمًا من غير أن يقول: إن شاء اللَّه، ويتردد فيه، والضمير في (أنها تطلع) للشمس، وشعاعُ الشمس وشُعُّها، بضمهما: الذي تراه كأنه الحِبال مقبلةً عليك إذا نظرت إليها، أو الذي ينتشر من ضَوئها، أو الذي تراه ممتدًّا كالرِّماح بُعَيْدَ الطُّلوعِ وما أشْبهه، كذا في (القاموس) (٢).\nوجاء في رواية من حديث أحمد (٣): (مثل الطست) فظهر أن أُبيًّا إنما قال بأمارة لا بالنص، وروي (٤) أنه دعا عمرُ أصحابَ رسول اللَّه -ﷺ- وسألهم عن ليلة القدر فأجمعوا على أنها في العشر الأواخر، فقال ابن عباس لعمر: إني لأعلم -أو أظن- أيّ ليلة، هي سابعة تمضي أو سابعة تبقى من العشر، فقال: من أين علمت ذلك؟ قال: خلق اللَّه سبع سماوات، وسبع أرضين، وسبعة أيام، والدهر يدور في سبع، والإنسان خلق من سبع، ويأكل من سبع، ويسجد على سبع، وذكر الطواف والجمار وأشياء ذكرها،\n_________\n(١) \"الكاشف\" (١/ ٤٠٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٧٦).\n(٣) \"مسند أحمد\" (٥/ ١٣٢).\n(٤) أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (٨٨٢١)، وعبد الرزاق في \"مصنفه\" (٧٦٧٩).","vol":"4","page":508},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفقال: لقد فطنت لأمر ما فطنا له، انتهى.\nوقال بعض الفضلاء: إن اللَّه تعالى ذكر ليلة القدر في سورة ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ ثلاث مرات، وهي تسعة أحرف، ومجموعها سبعة وعشرين، وفيه إشارة إلى أنها الليلة السابعة والعشرون، وهذه وأمثالها كلها أمارات ظنية لا دلائل قطعية، ولا قطع بتعينها لأحد، وإن كان رسول اللَّه -ﷺ- عالمًا بها قطعًا فلم يؤذن بتعينها للصحابة، وإن كان من الصحابة من أعلم بها فهو أيضًا ممنوع عنه، وفي ذلك سر وحكمة، واللَّه أعلم.\nوقد روي (١) عن أبي ذر -﵁-: أنه سأل رسول اللَّه -ﷺ- وأقسم عليه ليخبره بها حتى أغضبه فقال: (لو أذن اللَّه لي أن أخبركم بها لأخبرتكم)، فإن قلت: فكيف حلف أبيّ من غير استثناء وهو يدل على الجزم والتوقيف؟ قلنا: هو مبالغة منه، ولعله حلف على غلبة ظنه، ويجوز الحلف على غلبة الظن، وعدم الاستثناء من باب المبالغة، واللَّه أعلم.\nقالوا: قد اختلفت الروايات في تعيين هذه الليلة اختلافًا لا يرتفع معه الخفاء، إذ لم يثبت فيما يعول عليه من النقل من أحد من الصحابة، فإنه ما قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يحدث بميقاتها مجزومًا به، وإنما ذهب كل واحد إلى ما ذهب مما تبين له من معاريض الكلام الذي سمعه من رسول اللَّه -ﷺ-، والفهم يبلغ تارة ويقصر أخرى، والمجتهد يخطئ ويصيب، هذا ما ذكره الشارحون، وأقول: الظاهر أن رسول اللَّه -ﷺ- كان عالمًا به، وأيُّ سرٍّ هذا يكتم له وقد كوشف له من الأسرار ما لا يعلمه إلا اللَّه؟\n_________\n(١) أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (٣٦٨٣).","vol":"4","page":509},{"text":"٢٠٨٩ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٧٥].\n٢٠٩٠ - [٨] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٢٤، م: ١١٧٤].\nــ\nولا يبعد أن كان هو -ﷺ- قد خصه به بعض المقربين من أصحابه كما خص حذيفة بن اليمان بإعلام المنافقين، ولا يستنكر ذلك، وإنما يستنكر في الحدود والأحكام التي يتعبد بها المكلفون، فإن قلت: كيف يصح ذلك وقد قال -ﷺ-: (أريت هذه الليلة ثم أنسيتها؟) قلنا: يحتمل أنه أنسيها في عامه ذلك ثم كوشف بها بعد، فأخبر بها، كذا ذكر التُّورِبِشْتِي (١) ﵀ رحمة واسعة.\n٢٠٨٩ - [٧] (عائشة) قوله: (ما لا يجتهد في غيره) وذلك أمارة أن فيها ليلة القدر ولا يجزم، لعله كان لتمام شهر رمضان وانقضائه، واللَّه أعلم.\n٢٠٩٠ - [٨] (عنها) قوله: (شدّ مئزره) أي: إزاره، وهو كناية عن الاجتهاد في العبادة أو عن الاعتزال عن النساء ومباشرتهن، ولا معنى لإرادة حقيقة شد المئزر، ولا فائدة في بيانها، والذي تقرر في علم البيان من جواز إرادة المعنى الحقيقي في الكناية إنما هو بمعنى عدم المانع من إرادته؛ لعدم نصب القرينة المانعة من إرادته كما في المجاز، لا بإرادتهما معًا إلا بطريق التوسل والعبور عنه إلى المعنى المقصود الذي كني عنه، فتدبر.\nوقوله: (وأحيا ليله) الظاهر أن (ليله) مفعول به، ويحتمل أن يكون ظرفًا، والمفعول به محذوف، أي: أحيا نفسه في ليله، والاحتمالان جاريان في قولنا: إحياء\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٨١).","vol":"4","page":510},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-596> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٠٩١ - [٩] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-! أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: \"قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعفُ عَنِّي\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. [حم: ٦/ ١٧١، جه: ٣٨٥٠، ت: ٣٥١٣].\nــ\nالليل، بأن تكون الإضافة معنوية بمعنى (في)، أو لفظية إلى المفعول به، وجهها أن النائم في حكم الميت، وأن الزمان حياته أن يعبد فيه، كذا قالوا (١).\nالفصل الثاني\n٢٠٩١ - [٩] (عائشة) قوله: (أيّ ليلة) الظاهر (أية ليلة) بالتأنيث، وإنما ذكره بتأويل الزمان، وقد وقع مثل ذلك في قوله -ﷺ-: (أيّ آية من كتاب اللَّه معك أعظم) باعتبار الكلام أو اللفظ، كذا قيل، ويجوز أن يكون ذلك باعتبار أن التأنيث لفظي.\n_________\n(١) قَالَ الطِّيبِيُّ (٥/ ١٦٢٥): وَفِي إِحْيَاءِ اللَّيْلِ وَجْهَانِ: أَحَدُهما رَاجِعٌ إِلَى نَفْسِ الْعَابِدِ، فَإِنَّ الْعَابِدَ إِذَا اشْتَغَلَ بِالْعِبَادَةِ عَنِ النَّوْمِ الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا نَفْسَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: ٤٢]. وَثَانِيهُمَا أَنَّهُ رَاجِعٌ إِلَى نَفْسِ اللَّيْلِ فَإِنَّ لَيْلَهُ لَمَّا صَارَ بِمَنْزِلَةِ نَهَارِهِ فِي الْقِيَامِ فِيهِ كَأَنه أَحْيَاهُ وَزَيَّنَهُ بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم: ٥٠]، فَمَنِ اجْتَهَدَ فِيهِ وَأَحْيَاهُ كُلَّهُ وَفَّرَ نَصِيبَهُ مِنْهَا، وَمَنْ قَامَ فِي بَعْضِهِ أَخَذَ نَصِيبَهُ بِقَدْرِ مَا قَامَ فِيهَا، وَإِلَيْهِ لَمَّحَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بِقَوْلِهِ: مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَقَدْ أَخَذَ حَظَّهُ مِنْهَا، انتهى. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٤١).","vol":"4","page":511},{"text":"٢٠٩٢ - [١٠] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"الْتَمِسُوهَا -يَعْنَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ- فِي تِسْعٍ يَبْقَيْنَ، أَو فِي سَبْعٍ يَبْقَيْنَ، أَو فِي خَمْسٍ يَبْقَيْنَ، أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ آخِرِ لَيْلَةٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٧٩٤].\n٢٠٩٣ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالَ: \"هِيَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: رَوَاهُ سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ. [د: ١٣٨٧].\nــ\n٢٠٩٢ - [١٠] (أبي بكرة) قوله: (في تسع يبقين أو في سبع يبقين أو في خمس يبقين) قيل: (في تسع يبقين) محمول على الثانية والعشرين، و(في سبع يبقين) محمول على الرابعة والعشرين، و(في خمس) على السادسة والعشرين، و(أو ثلاث) على الثامن والعشرين.\nوقوله: (أو آخر ليلة) محمول على التاسع والعشرين، وقيل: على السلخ، أقول: هذا إذا كان الشهر ثلاثين يومًا، وأما إذا كان تسعًا وعشرين فالأولى على الحادية والعشرين، والثانية على الثالثة والعشرين، والثالثة على الخامسة والعشرين، والرابعة على السابعة والعشرين، وهذا أولى لكثرة الأحاديث الواردة في الأوتار، بل نقول: لا دليل على كونها أولى هذه الأعداد، فالظاهر أن المراد من كونها (في تسع يبقين. . . إلخ) ترديدها في الليالي الخمس أو الأربع أو الثلاث أو الاثنين أو الواحدة، وآخر ليلة يحتمل التاسعة والعشرين والسلخ، فافهم.\n٢٠٩٣ - [١١] (ابن عمر) قوله: (في كل رمضان) أي: ليست مخصوصة بالعشر الآخر، فهذا متمسك ما روي عن أبي حنيفة أن ليلة القدر في رمضان، ولكن لا يدرى أنها أية ليلة منه على ما ذكر الشيخ ابن الهمام كما مر، أو ليست مخصوصة برمضان","vol":"4","page":512},{"text":"٢٠٩٤ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي بَادِيَةً أُكَونُ فِيهَا، وَأَنَا أُصَلِّي فِيهَا بِحَمْدِ اللَّهِ، فَمُرْنِي بِلَيْلَةٍ أَنْزِلُهَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: \"انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ\". قِيلَ لِابْنِهِ: كَيْفَ كَانَ أَبُوكَ يَصْنَعُ؟ قَالَ: كَانَ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ، فَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ لِحَاجَةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ، فَإِذَا صَلَّى الصُّبْحَ وَجَدَ دَابَّتَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَلَحِقَ بِبَادِيَتِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٣٨٠].\nــ\nسنة دون سنة بل في رمضانات جميع السنين، فلا ترفع كما قيل: ولا في غير رمضان، وهذا أيضًا قول من الأقوال.\n٢٠٩٤ - [١٢] (عبد اللَّه بن أنيس) قوله: (إن لي بادية (١» إما دار إقامة له فيها فيكون من الأعراب، أو خيمة أو بيتًا هناك كما هو دأب العرب.\nوقوله: (فمرني بليلة) أي: من رمضان.\nوقوله: (أنزلها) بلفظ المتكلم من النزول مرفوع أو مجزوم، أي: أنزل فيها كما في: دخلت الدار، وفي ترك (في) إشارة إلى قيام الليل كله.\nوقوله: (إلى هذا المسجد) أي: قاصدًا إليه أو منتهيًا إليه، والمراد المسجد النبوي، ولفظ (هذا) لتعظيمه وقربه إلى القلوب وانجذابها إليه.\nوقوله: (فلا يخرج منه لحاجة) أي: لحاجة منافية للاعتكاف، وفي رواية: إلا في حاجة، أي: ضرورية يضطر إليه.\n_________\n(١) اسم البادية: الوَطَاءة.","vol":"4","page":513},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-597> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٠٩٥ - [١٣] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: \"خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٠٣٣].\n٢٠٩٦ - [١٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ نَزَلَ جِبْرِيْلُ ﵇ فِي كُبْكُبَةٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ، يُصَلُّونَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ قَائِمٍ أَوْ قَاعِدٍ يَذْكُرُ اللَّهَ ﷿، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدِهِمْ -يَعْنِي يَوْمَ فِطْرِهِمْ- بَاهَى بِهِمْ مَلَائِكَتَهُ. . . . .\nــ\nالفصل الثالث\n٢٠٩٥ - [١٣] (عبادة بن الصامت) قوله: (فتلاحى رجلان (١» في (القاموس) (٢): لَحَاه: شَتَمَه، ولَاحَاه مُلاحاةً ولِحاءً: نازعَه، فيكون تلاحى بمعنى تنازع وتخاصم.\nوقوله: (فرفعت) أي: رفع عن خاطري تعيينها، ولذلك قال: فالتمسوها في الليالي المذكورة، لعلها يصادف أحد بها، ويعلم من هذا أنها كانت مترددة بين هذه الليالي، أو قال ذلك لغلبة الظن، واللَّه أعلم.\n٢٠٩٦ - [١٤] (أنس) قوله: (كبكبة) الكبة والكبكب والكبكبة بالفتح والضم:\n_________\n(١) قِيلَ: هُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، أَيْ: وَقَعَتْ بَيْنَهُمَا مُنَازَعَةٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا الَّتِي كَانَتْ فِي الدَّيْنِ الَّذِي لِلأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي فَأَمَرَهُ -ﷺ- بِوَضْعِ شَطْرِ ديْنهِ عَنْهُ فَوَضَعَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٤٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٢١).","vol":"4","page":514},{"text":"فَقَالَ: يَا مَلَائِكَتِي! مَا جَزَاءُ أَجِيرٍ وَفَّى عَمَلَهُ؟ قَالُوا: رَبَّنَا جَزَاؤُهُ أَنْ يُوَفَّى أَجْرَهُ. قَالَ: مَلَائِكَتِي! عَبِيدِي وَإِمَائِي قَضَوْا فَرِيْضَتِي عَلَيْهِمْ، ثُمَّ خَرَجُوا يَعُجُّونَ إِلَى الدُّعَاءِ، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وكَرَمِي وَعُلُوِّي وَارْتفَاعِ مَكَانِي لأُجِيبَنَّهُمْ. فَيَقُولُ: ارْجِعُوا قَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ، وَبَدَّلْتُ سَيِّئَاتِكُمْ حَسَنَاتٍ. قَالَ: فَيَرْجِعُونَ مَغْفُورًا لَهُمْ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٣٧١٧].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-598>٩ - باب الاعتكاف</span>\nــ\nجماعة، والمباهاة (١): المفاخرة.\nوقوله: (يعجون) عج يعج من ضرب وعلم صاح ورفع صوته، (لأجيبنهم) أي: لأقبلن دعاءهم.\n٩ - باب الاعتكاف\nالاعتكاف في اللغة: الحبس، والمكث، واللزوم، والإقبال على شيء، وفي الشرع عبارة عن المكث في المسجد ولزومه على وجه مخصوص، وهو في الظاهر من مذهب الحنفية سنة مؤكدة لمواظبة رسول اللَّه -ﷺ- حتى توفاه اللَّه تعالى، كما جاء في الصحيحين من حديث عائشة، قال الزهري (٢): عجبًا من الناس كيف تركوا الاعتكاف ورسول اللَّه -ﷺ- كان يعمل من النوافل تارة ويتركها أخرى، ولم يترك الاعتكاف أبدًا، ولم يجب؛ لأنه كان من دأبه -ﷺ- في الواجب مع وجود المواظبة أن يأمر به وينكر على\n_________\n(١) قال القاري: الأَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الْمُبَاهَاةَ مَعَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ طَعَنُوا فِي بَنِي آدَمَ فَيَكُونُ بَيَانًا لإِظْهَارِ قُدْرتِهِ وَإِحَاطَةِ عِلْمِهِ، انتهى. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٤٥).\n(٢) انظر: \"عمدة القاري\" (١١/ ١٤٠)، و\"فتح الباري\" (٤/ ٢٨٥).","vol":"4","page":515},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nتركه، ولم يفعل في الإنكار كذلك، بل قال: (من أحب منكم أن يعتكف فليفعل) كما جاء في الصحيحين، انتهى.\nوالحق أنه ثبت ترك الاعتكاف منه -ﷺ- في بعض الرمضانات، وقيل: يستحب استحبابًا متأكدًا، والصواب أنه على ثلاثة أقسام: واجب، وهو الاعتكاف المنذور، وسنة، وهو في العشر الأخير، وما سواهما مستحب، واتفق العلماء (١) على اشتراط المسجد في الاعتكاف إلا محمد بن عمر بن لبابة المالكي؛ فإنه جوزه في كل مكان، وجوز الحنفية للنساء في مسجد البيت، والمراد بمسجد البيت مكان تقرر فيه للصلاة، وليس له حكم المسجد إلا في هذا الحكم، وهو قول قديم للشافعي، ونقل عن بعض أصحابنا أن اعتكاف المرأة في المسجد مع زوجه جائز، وبه قال الإمام أحمد، وإذنه -ﷺ- للأزواج المطهرة دليل على ذلك، والمنع كان لمصلحة أخرى كما سيأتي. ثم خص أبو حنيفة وأحمد بمسجد تقام فيه الصلوات الخمس لئلا يكون الاعتكاف سببًا لترك الجماعة، ولا يكون باعثًا على الخروج في خمس أوقات مع إمكان الاحتراز عنه، وفي شرح ابن الهمام (٢): أنه قال بعضهم: إن المراد غير مسجد الجامع؛ فإنه يجوز فيه، وإن لم تقم فيه الصلوات الخمس، وفي رواية عن أبي يوسف: أن الاعتكاف الواجب لا يجوز في غير مسجد الجماعة، ويجوز النفل، ومالك ﵀ شرط مسجد الجامع، وهو قول للشافعي، وقال في (الحاوي) (٣): الجامع أولى، وعند جمهور الشافعية جاز في كل مسجد.\n_________\n(١) انظر: \"أوجز المسالك إلى موطأ مالك\" (٥/ ٤٢٣).\n(٢) \"فتح القدير\" (٢/ ٣٩٤).\n(٣) \"الحاوي الكبير\" (٣/ ٤٨٥).","vol":"4","page":516},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-599> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٠٩٧ - [١] عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٢٦، م: ١١٧٢].\n٢٠٩٨ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ،\nــ\nثم اعلم أنه ليس لأكثر مدة الاعتكاف حد، فإن نوى الاعتكاف مدة عمره جاز، وإنما الاختلاف في أقل مدته، فعند البعض أقله ساعة، ولهذا قالوا: ينبغي للمرء إذا دخل المسجد أن ينوي الاعتكاف ليحرز ثوابه، وعند هذا القائل القعود أيضًا ليس بشرط، والصحيح أن العبور غير معتبر، وعند البعض أقله يوم، وهو المختار في مذهب الحنفية، وقيل: هذا الاختلاف فرع الاختلاف في اشتراط الصوم، والتحقيق أن مع وجود اشتراط الصوم يحتمل الاعتكاف أن يكون في أقل من يوم، فإن الصائم إن مكث ساعة أو ساعتين حصل الاعتكاف، وثمرة اشتراط الصوم أنه إذا نوى اعتكاف الليلة لم يجز عند من يشرط الصوم؛ فإنه ليس محلًا للصوم، وسيأتي الكلام فيه في ضمن شرح الأحاديث.\nالفصل الأول\n٢٠٩٧ - [١] (عائشة) قوله: (حتى توفاه اللَّه) هذا دليل لمن قال: إنه سنة مؤكدة كما قلنا.\n٢٠٩٨ - [٢] (ابن عباس) قوله: (كان رسول اللَّه -ﷺ- أجود الناس) الحديث، كان هو -ﷺ- المظهر الأتم الأكمل لجود اللَّه سبحانه وكرمه، فكان أجود الناس وأكرمهم","vol":"4","page":517},{"text":"وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، كَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ- الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٠٢، م: ٢٣٠٨].\n٢٠٩٩ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ يُعْرَضُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- الْقُرْآنُ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً،\nــ\nدائمًا، ولما كان هذا الشهر العظيم موسم الخيرات ومنبع البركات، وكان نعم اللَّه سبحانه وفيوضه فيه أجلّ وأعظم، كان يفعل العبادات والقربات فيه أكثر وأوفر شكرًا لنعم اللَّه، وأيضًا لما كان جوده سبحانه على عباده فيه متضاعفًا كان جوده -ﷺ- على أمته أيضًا متكاثرًا؛ لأنه تعالى جعله مظهرًا لأنوار صفاته، ومحلًا لآثار كمالاته، فجبله على مجابه، وجعلها عادة له، فافهم.\nوقوله: (وكان أجود ما يكون في رمضان) (ما) مصدرية، والوقت مقدر، أي: كان أجود أوقات كونه حال كونه في رمضان، وفي الحديث إشارة إلى أن الإنسان ينبغي أن يكون في موسم الخيرات وأفاضل الأوقات، وفي حضرة الصلحاء وصحبتهم أشد في اكتساب الخيرات والميراث.\nوقوله: (من الريح المرسلة) (١) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] فإن الرياح تبعث السحاب، وتنزل الأمطار، وبها تنشأ الأرزاق والبركات والروح والريحان.\n٢٠٩٩ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (كان يعرض) بلفظ المجهول، أي: يعرض جبرئيل\n_________\n(١) في \"التقرير\": مناسبة الحديث بالترجمة إما لأن الأجودية تكون بالاعتكاف أكثر الأكثر، أو الغرض إتيان أفضل الملائكة إلى أفضل البشر بافضل الكلام في أفضل الأوقات ينبغي أن يكون في أفضل البقاع.","vol":"4","page":518},{"text":"فَعُرِضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ، وَكَانَ يَعْتَكِفُ كُلَّ عَامٍ عَشْرًا، فَاعْتَكَفَ عَشْرَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٩٩٨].\n٢١٠٠ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا اعْتَكَفَ أَدْنَى إِلَيَّ رَأَسَهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ،\nــ\nعلى النبي -ﷺ- القرآن، ولا منافاة بين عرض النبي -ﷺ- القرآن على جبرئيل وبين عرض جبرئيل عليه؛ لأنه كان يعرض جبرئيل ثم يعرض هو على جبرئيل كما في السماع عن الشيخ ثم القراءة عليه، وفيه أحكام القراءة وإتقانها، وقد ورد أنهما كانا يقرأان بطريق المدارسة، فيصح العرض من الجانبين (١)، فلا حاجة إلى القول بالقلب كما قال الطيبي (٢).\nوقوله: (فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض) ومنه علم النبي -ﷺ- أنه عام وفاته، فأخبر به بنته فاطمة الزهراء فبكت، ثم أخبر بأنها أول من يلحق به فضحكت، كما جاء في الحديث.\nوقوله: (عشرين) بفتح العين والراء تثنية (عشر)، أو بكسرهما: العقد الذي بعد العشر.\n٢١٠٠ - [٤] (عائشة) قوله: (أدنى إليّ رأسه) فيه أنه لا بأس بإخراج المعتكف رأسه من المسجد، وقد سبق في (باب الحيض) أنها -﵂- كانت حائضة فيقول -ﷺ- لها: (إن حيضتك ليست في يدك).\n_________\n(١) في \"التقرير\": هل يعرض سائر القرآن أو المنزل فقط؟ الظاهر الثاني وبه أفاد الشيخ، وصرح صاحب \"المظاهر\" بالأول.\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢٠٩).","vol":"4","page":519},{"text":"وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٢٩، م: ٢٩٧].\n٢١٠١ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ؟ قَالَ: \"فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٣٢، م: ١٦٥٦].\nــ\nوقوله: (إلا لحاجة الإنسان) من بول أو غائط وكذا غسل الجنابة لوجوب خروجه من المسجد إذ ذاك، وكذا لصلاة الجمعة، وأما غسل الجمعة فلا ندري أنه من الحاجة أم لا، ولا نجد فيه رواية صريحة سوى ما ذكر في (شرح الأوراد): أنه يخرج للغسل فرضًا كان أو نفلًا.\n٢١٠١ - [٥] (ابن عمر) قوله: (فأوف بنذرك) استدل به الشافعي وأحمد في رواية، وعلى قولهما أن الصوم ليس بشرط في الاعتكاف إلا بالتزامه بالنذر؛ لأنه لو كان الصوم شرطًا لما أمر بوفاء هذا النذر، والجواب عن هذا الاستدلال أنه قد جاء في رواية صحيحة (١) أنه قال عمر: أن أعتكف يومًا، والجمع بين الروايتين: المراد الليلة مع يومها أو يوم مع ليلة، واستدل أيضًا بحديث رواه الدارقطني والحاكم والبيهقي (٢) عن ابن عباس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (ليس على المعتكف صيام إلا أن يلتزم على نفسه)، وقال بعض الحفاظ: إن في إسناد هذا الحديث عبد اللَّه بن محمد الرملي وهو مجهول، والصحيح أنه موقوف على ابن عباس ومذهبه، ومع ذلك لا يخلو عن معارض؛ لأن البيهقي (٣) روى عن ابن عمر وابن عباس -﵃-: (أن المعتكف يصوم)،\n_________\n(١) أخرجه مسلم (١٦٥٦).\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (٢/ ١٩٩)، و\"المستدرك\" (١٦٠٣)، و\"السنن الكبرى\" (٨٨٤٩).\n(٣) \"السنن الكبرى\" (٨٨٤٧).","vol":"4","page":520},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوكذا روى عبد الرزاق (١) عن ابن عباس أنه قال: من اعتكف لزم عليه الصوم، وقد قيل: معنى قول ابن عباس أنه قال في الحديث السابق: (إلا أن يلتزمه) أي: يلزم الاعتكاف دون أن يلتزم الصوم. فمذهبه وجوب الصوم في الاعتكاف المنذور دون النفل، فخص به أيضًا حديث عبد الرزاق.\nوعند أبي حنيفة ومالك الصوم شرط في الاعتكاف مطلقًا: واجبًا كان أو نفلًا، وهذه رواية الحسن عن أبي حنيفة، ومتمسكه حديث عائشة الآتي في الفصل الثاني من قوله: (ولا اعتكاف إلا بصوم) ولمواظبته -ﷺ- على ذلك، وفي رواية الأصل وقيل: هو قول محمد: أقل الاعتكاف ساعة فيكون بلا صوم، وجعل بعض الفقهاء عدم اشتراط الصوم في الاعتكاف ظاهر الرواية عن أبي حنيفة، ولا يثبت له متمسك صحيح إلا ما روي من اعتكافه -ﷺ- في العشر الأول من شوال؛ فإن الظاهر منه الابتداء من أول شوال، وهو يوم الفطر، كذا قال الشيخ ابن الهمام (٢)، وأورد في (المواهب اللدنية) (٣) هذا الحديث دليلًا على قول الشافعي بعدم اشتراط الصوم إلا بالالتزام والنذر، ولكن قد جاء في بعض الروايات العشر الأخير أو العشر المطلق من شوال، واللَّه أعلم بحقيقة الحال (٤).\n_________\n(١) \"مصنف عبد الرزاق\" (٨٠٣٦).\n(٢) \"فتح القدير\" (٢/ ٣٩٠).\n(٣) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ٣٨٩).\n(٤) قال شيخنا في \"الأوجز\" (٥/ ٤٤٨): وعند الحنفية فيه تفصيل، وهو أن الاعتكاف على ثلاثة أنحاء: المنذور الواجب، والصوم شرط له، رواية واحدة. والمندوب، وليس بشرط له على ظاهر الرواية، ورواية الحسن أنه شرط للتطوع أيضًا، والمرجح الأول. والثالث سنة مؤكدة، =","vol":"4","page":521},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-600> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢١٠٢ - [٦] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَعْتكِفُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ اعْتَكَفَ عِشْرِيْنَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٨٠٣].\n٢١٠٣ - [٧] وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أُبِيِّ بْنِ كَعْبٍ. [د: ٢٤٦٤، جه: ١٧٧١].\n٢١٠٤ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ فِي مُعْتَكَفِهِ. . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n٢١٠٢، ٢١٠٣ - [٦، ٧] (أنس) قوله: (اعتكف عشرين) اهتمامًا ودلالة على التأكيد، لا لأن ما فات من النوافل المؤقتة تقضى، واللَّه أعلم.\n٢١٠٤ - [٨] (عائشة) قوله: (إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل في معتكفه) ظاهر الحديث أنه -ﷺ- كان يبدأ بالاعتكاف من أول النهار، وبه قال جماعة\n_________\n= والمتون ساكتة عن اشتراط الصوم فيه، وتحدث فيه ابن عابدين ورجح الاشتراط، حتى لو اعتكفه أحد بلا صوم لمرض أو سفر ينبغي أن يكون نفلًا ولا تحصل به إقامة سنة الكفاية، ورجح ابن نجيم في \"البحر\" عدم اشتراط الصوم في ذلك النوع لتقييدهم الصوم بالواجب.\nوَقَالَ النَّوَوِيّ: قد تقرر أَن النّذر الْجَارِي فِي الْكفْر لَا ينْعَقد على الصَّحِيح، فَلم يكن ذَلِك شَيْئًا وَاجِبًا عَلَيهِ، وَقَالَ الْمُهلب: كل مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّة من الأَيْمَان وَالطَّلَاق وَجَمِيع الْعُقُود يَهْدِمهَا الإِسْلَام وَيسْقط حرمتهَا، فَيكون الأَمر بذلك أَمر اسْتِحْبَاب كَيْلا يكون خلفًا فِي الْوَعْد. وَقَالَ ابْن بطال: مَحْمُول عِنْد الْفُقَهَاء على الحض وَالنَّدْب؛ لِأَنَّ الإِسْلَام يجبُّ مَا قبله. انتهى. قلت: وإذا صار ندبًا فلا حاجة إلى الجواب لمن لم يشترط الصوم في الاعتكاف المندوب.","vol":"4","page":522},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٤٦٤، جه: ١٧٧١].\n٢١٠٥ - [٩] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَعُودُ الْمَرِيضَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَيَمُرُّ كَمَا هُوَ فَلَا يُعَرِّجُ يَسْأَلُ عَنْهُ. . . . .\nــ\nمن الأئمة، وأما الأئمة الأربعة فقد ذهبوا إلى أنه يدخل قبل الغروب من ليلة الحادي والعشرين؛ لأنه ورد في أكثر الأحاديث (العشر الأواخر) بدون التاء، فكان المراد بها الليالي، والليالي العشر لا يكون إلا في هذه الصورة، وفي صورة الدخول في وقت الصبح لا يكون إلا ثماني أو تسعًا، وأيضًا أول محتملات وجود ليلة القدر في الليلة الحادية والعشرين، والعمدة في الاعتكاف إدراك تلك الليلة الشريفة، فينبغي أن يكون الدخول في ليلة الحادي والعشرين، وتأولوا هذا الحديث بأن المراد بالمعتكف فيه الموضع الذي كان يخلو فيه، فإنه -ﷺ- كان يتخذ في المسجد حجرة لنفسه يخلو فيه ويستتر من أعين الناس مثل الخيمة أو من الحصير، وقد ورد في الحديث الصحيح: إذا اعتكف اتخذ حجرة من حصير فيدخل المسجد في الليلة، ثم يدخل في وقت الصبح في ذلك الموضع، هكذا قالوا.\nوقوله: (رواه أبو داود وابن ماجه) قال الجزري: ورواه البخاري ومسلم وكذا رواه الأربعة في حديث مطول، انتهى (١). وهو حديث ورد في ضرب الأزواج القباب، ورفعها بترك النبي -ﷺ- الاعتكاف في ذلك الرمضان ورفع تلك القباب.\n٢١٠٥ - [٩] (عائشة) قوله: (فلا يعرّج) عرج تعريجًا: مال وأقام، و(يسأل) بيان لقوله: (يعود)، قال الطيبي (٢): من خرج لقضاء حاجة، واتفق له عيادة المريض،\n_________\n(١) في \"التقرير\": أُورِدَ على المصنِّفَين أن الحديث متفق عليه، فَلِمَ ذكره البغوي في الحسان، ولِمَ نسبه الخطيب إلى أبي داود وابن ماجه؟\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢١٢).","vol":"4","page":523},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٤٧٢، جه: ١٧٧٦].\n٢١٠٦ - [١٠] وَعَنْهَا قَالَتْ: السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا، وَلَا يَشْهَدُ جِنَازَةً، وَلَا يَمَسُّ الْمَرْأَةَ، وَلَا يُبَاشِرُهَا، وَلَا يَخْرُجُ لِحَاجَةٍ إِلَّا لِمَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ، وَلَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ جَامِعٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٤٧٣].\nــ\nوالصلاة على الميت فلم ينحرف عن الطريق ولم يقف فيه وقوفًا أكثر من قدر الصلاة على الميت لم يبطل اعتكافه وإلا بطل، هذا عند الأئمة الأربعة، وقال الحسن والنخعي: يجوز الخروج للمعتكف لصلاة الجمعة وعيادة المريض والصلاة على الميت، انتهى.\n٢١٠٦ - [١٠] (عنها) قوله: (ولا يمس المرأة) المراد بالمس الجماع والمباشرة فيما دون الفرج، قيل: يبطل، وقيل: لا يبطل، وقيل: إن أنزل يبطل وإلا فلا، قال في (الهداية) (١): ولو جامع فيما دون الفرج فأنزل، أو قبّل أو لمس فأنزل بطل اعتكافه؛ لأنه في معنى الجماع حتى يفسد به الصوم، ولو لم ينزل لا يفسد، وإن كان محرمًا.\nوقوله: (ولا اعتكاف إلا بصوم) وهذا دليل أبي حنيفة في اشتراط الصوم للاعتكاف مطلقًا كما قلنا.\nوقوله: (ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) إن كان (الجامع) بمعنى ما يقام فيه الجمعة فهو مذهب الشافعي في قول، والتحقيق من مذهبه أنه الأولى، ويجوز في مسجد الجماعة كما هو المذهب عندنا، فالمراد بمسجد الجامع هنا مسجد الجماعة، أو هذا بيان الأفضل والأولى، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ١٣٠).","vol":"4","page":524},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-601> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢١٠٧ - [١١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ طُرِحَ لَهُ فِرَاشُهُ، أَوْ يُوضَعُ لَهُ سَرِيرُهُ وَرَاءَ أُسْطُوَانَةِ التَّوْبَةِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٧٧٤].\n٢١٠٨ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ فِي الْمُعْتَكَفِ: \"هُوَ يُعْتَكَفُ الذُّنُوبَ وَيُجْرَى لَهُ مِنَ الْحَسَنَاتِ كَعَامِلِ الْحَسَنَات كُلِّهَا\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه. [جه: ١٧٨١].\nــ\nالفصل الثالث\n٢١٠٧ - [١١] (ابن عمر) قوله: (أسطوانة التوبة) هي أسطوانة من أسطوانات مسجد النبي -ﷺ-، أضيفت إلى التوبة؛ لأن أبا لبابة الأنصاري تيب عليه عندها، وقصته (١) مذكورة في كتب السير والأحاديث.\n٢١٠٨ - [١٢] (ابن عباس) قوله: (وهو يعتكف) بلفظ المجهول، أي: يحبس ويمنع عن الذنوب، واللام في (الحسنات) للعهد، أي: التي يمتنع عنها بالاعتكاف كعيادة المريض، وتشييع الجنازة، وأمثالهما مما يحصل بالخروج كذا قال الطيبي (٢)، وعلى هذا فاللام في قوله: (كعامل الحسنات) أيضًا يكون للعهد، ولا يناسبه التأكيد بـ (كلها)، ويجوز أن يراد بهذه الحسنات جنسها يعني كما يعطى لعامل الحسنات في\n_________\n(١) روى مَالِكٌ في \"الموطأ\" (٢١١٨) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ: أَن أَبَا لُبَابَةَ ارْتَبَطَ بِسِلْسلَةٍ ربوط، والربوط الثقيلة، بِضْعَةَ عَشَرَ لَيْلَةَ، حَتَّى ذَهَبَ سَمْعُهُ، فَمَا كَادَ يَسْمَعُ حَتَّى كَادَ يَذْهَبُ بَصَرُهُ، فَكَانَتِ ابْنتهُ تَحُلُّهُ إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَأَرَادَ أَنْ يَذْهَبَ حَتَّى يَفْرغ، ثُمَّ يُؤْتَى بِهِ فَتَرْبِطَهُ كَمَا كَانَ فَتُعِيدُهُ. وبسط قصته السمهودي في \"وفاء الوفاء\" (٢/ ٤٠ - ٤٣).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢١٤).","vol":"4","page":525},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالأمراض والأسفار وسائر الموانع أجوره، واللَّه أعلم.\nتم (كتاب الصوم) بعون اللَّه وتوفيقه، ويتلوه (كتاب فضائل القرآن).\n* * *","vol":"4","page":526},{"text":"(٨) كتاب فضائل القرآن","vol":"4","page":527},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-602>(٨) كتاب فضائل القرآن</span>\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n٨ - كتاب فضائل القرآن\n(الفضائل) جمع فضيلة، من الفضل، وهو ضد النقص، وفضل كنصر وعلم، وأما فَضِلَ كعلم، ويفضُل كينصر، فمركبة منهما، و(القرآن) في الأصل مصدر: قَرَأهُ كَنَصَرَهُ ومنعه قَرْءًا وقراءَةً وقُرْآنًا، فهو قارِئ: تَلَاهُ، كذا في (القاموس) (١)، وأصل القراءة الجمع، يقال: قرأ الشيء: جمعه وضمه، ويقال: ما قرأتْ هذه الناقةُ سَلًا قطُّ، وما قرأت جنينًا، أي: لم يضم رحمها ولدًا، قال أبو عبيدة: وبه سمي القرآن؛ لأنه يجمع السور ويضمها، ويجمع القصص، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، والآيات والسور، وهو مصدر كالغفران، وقد يطلق على الصلاة؛ لأن فيها قراءة، وعلى القراءة نفسها، كما في قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧]، وتحذف همزته فيقال: قران، وقد يجعل القرآن من القران؛ لاقتران مقاصده بعضها مع بعض، وعلى هذا يكون الألف والنون أصليتين، وعلى الأول زائدتين، ولم يمنع من الصرف لعدم العلمية، بل هو من الأسماء الغالبة كأسود وأدهم، وذكره صاحب (الصحاح) (٢) و(القاموس) (٣) في\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٦١).\n(٢) \"الصحاح\" (١/ ٦٥).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٩).","vol":"4","page":529},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالقراءة دون القرآن (١).\n_________\n(١) قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي \"الإِتْقَانِ\": اخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ فِي الْقُرْآنِ شَيْءٌ لا أَفْضَلُ مِنْ شَيْءٍ؟ فَذَهَبَ الإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِيِّ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ إِلَى الْمَنْعِ؛ لأَنَّ الْجَمِيعَ كَلَامُ اللَّهِ، وَلِئَلَّا يُوهِمَ التَّفْضِيلُ نَقْصَ الْمُفَضَّلِ عَلَيْهِ، وَرُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ مَالِك، وَذَهَبَ آخَرُونَ وَهُمُ الْجُمْهُورُ إِلَى التَّفْضِيلِ لِظَوَاهِرِ الأَحَادِيثِ، قَالَ الْقُرطُبِيُّ: إِنَّهُ الْحَقُّ، وَقَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ: الْعَجَبُ ممن يَذْكُرُ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ مَعَ النُّصُوصِ الْوَارِدَةِ فِي التَّفْضِيلِ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي \"جَوَاهِرِ الْقُرْآنِ\": لَعَلَّكَ أَنْ تَقُولَ: قَدْ أَشَرْتَ إِلَى تَفْضِيلِ بَعْضِ آيَاتِ الْقُرْآنِ عَلَى بَعْضٍ، وَالْكَلَامُ كَلَامُ اللَّهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ بَعْضُهَا أَشْرَفَ مِنْ بَعْضٍ؟ فَاعْلَمْ أَنَّ نُورَ الْبَصِيرَةِ إِنْ كَانَ لَا يُرْشِدُكَ إِلَى الْفَرقِ بَيْنَ آيَةِ الْكُرسِيِّ وَآيَةِ الْمُدَايَنَةِ، وَبَيْنَ سُورَةِ الإِخْلَاصِ وَسُورَةِ ﴿تَبَّتْ﴾، وَتَرْتَاعُ عَلَى اعْتِقَادِ الْفَرْقِ نَفْسُكَ الْخَوَّارَةُ الْمُسْتَغْرِقَةُ بِالتَّقْلِيدِ، فَقَلِّدْ صَاحِبَ الرِّسَالَةِ -ﷺ-، فَهُوَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَقَالَ: (يس قَلْبُ الْقُرْآنِ)، وَ(فَاتِحَةُ الْكِتَابِ أَفْضَلُ سُوَرِ الْقُرْآنِ)، وَ(آيَةُ الْكُرْسِيِّ سَيِّدَةُ آي الْقُرْآنِ)، وَ(﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ)، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصَى، اهـ كَلَامُهُ. ثمَّ قِيلَ: الْفَضْلُ رَاجِعٌ إِلَى عِظَمِ الأَجْرِ وَمُضَاعَفَةِ الثَّوَابِ بِحَسَبِ انْفِعَالَاتِ النَّفْسِ وَخَشْيَتِهَا وَتَدَبُّرِهَا وَتَفَكُّرِهَا عِنْدَ وُرُودِ أَوْصَافِ الْعَلِيِّ، وَقِيلَ: بَلْ يَرْجِعُ إِلَى ذَاتِ اللَّفْظِ وَأَنَّ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] الآيَة، وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ، وَآخِرُ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَسُورَةُ الإِخْلَاصِ مِنَ الدَّلَالَاتِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ وَصِفَاتِهِ لَيْسَ مَوْجُودًا مَثَلًا فِي ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ وَمَا كَانَ مِثْلَهَا، فَالتَّفْضِيلُ إِنَّمَا هُوَ بِالْمَعَانِي الْعَجِيبةِ وَكَثْرتهَا؛ وَاللَّهُ أَعْلَم. ثُمَّ الْقُرْآنُ يُطْلَقُ عَلَى الْكَلَامِ الْقَدِيمِ النَّفْسِيِّ الْقَائِمِ بِالذَّاتِ الْعَلِيِّ، وَعَلَى الأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ الْكَلَامِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الثَّانِي، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ بِهَذَا الْمَعْنَى حَادِثٌ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي النَّفْسِيِّ، فَهُمْ نَفَوْهُ لِقُصُورِ عُقُولهِمُ النَّاقِصَةِ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى كَلَامًا إِلَّا اللَفْظِيُّ، وَهُوَ مُحَالٌ عَلَيْهِ تَعَالَى، وَبَنَوا عَلَى هَذَا التَّعْطِيلِ قَوْلَهُمْ: مَعْنَى كَوْنِهِ تَعَالَى مُتَكَلِّمًا أَنَّهُ خَالِقٌ لِلْكَلَامِ فِي بَعْضِ الأَجْسَامِ، وَنَحْنُ أَثْبَتْنَاهُ عَمَلًا بِمَدْلُولِ الأَسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ الْوَارِدَةِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَبِمَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ أَنَّ الْكَلَامَ حَقِيقَةٌ فِي النَّفْسي وَحْدَهُ أَوْ بِالِاشْتِرَاكِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ إِطْلَاقُ كُلٍّ مِنَ =","vol":"4","page":530},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-603> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢١٠٩ - [١] عَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٠٢٧].\nــ\nالفصل الأول\n٢١٠٩ - [١] (عثمان) قوله: (خيركم من تعلم القرآن) قيل: المراد من خيركم؛ لورود ذلك في غير المعلم والمتعلم، كذا في بعض الحواشي، أقول: إن قيد بالعمل به الإتيان بكل ما فيه كما هو الظاهر؛ لأن تعلم القرآن وتعليمه إنما هو للعمل، ولا يعتد به كثيرًا بدون ذلك كما ورد: (رب تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه) فلا حاجة إلى هذه الإرادة؛ فإن كل ما يفرض من وجوه الخيرية داخل في العمل بالقرآن (١)، ولا يتجه أيضًا ما نقل النووي في (فتاواه) (٢): إن تعلم قدر الواجب من القرآن والفقه سواء في الفضل، وأما الزيادة على الواجب فالفقه أفضل (٣)، فافهم.\n_________\n= الْمَعْنَيَيْنِ اللَّفْظِيِّ وَالنَّفْسِيِّ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢]، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وَاللَّفْظُ مُحَالٌ عَلَيْهِ تَعَالَى، وَخَلْقُ الْكَلَامِ فِي الشَّجَرَةِ مَجَازٌ لَا ضَرُورَةَ عَلَيْهِ، ثُمَّ الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْقُرْآنَ بِمَعْنَى الْقِرَاءَةِ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، أَوْ فُعْلَانِ مِنَ الْقِرَاءَةِ بِمَعْنَى الْجَمْعِ؛ لِجَمْعِهِ السُّورَ وَأَنْوَاعَ الْعُلُومِ، وَأَنَّهُ مَهْمُوزٌ، وَقِرَاءَةُ ابْنُ كَثِيرٍ إِنَّمَا هِيَ بِالنَّقْلِ كَمَا قَالَ الشَّاطِبِيُّ ﵀. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٥٢).\n(١) قال القاري: وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ خَيْرُ الْكَلَامِ كَلَامَ اللَّهِ، فَكَذَلِكَ خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ النَّبِيِّينَ مَنْ يَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ وَيُعَلّمُهُ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ التَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ بِالإِخْلَاصِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٥٣).\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٤٥٨).\n(٣) قال القاري: وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ ظَاهِرٌ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ إِسَاءَةِ الإِطْلَاقِ؛ لأَنَّ تَعَلُّمَ قَدْرِ الْوَاجِبِ مِنَ الْقُرْآنِ عِلْمٌ يَقِينِيٌّ وَمِنَ الْفِقْهِ ظَنِّيٌّ، فَكَيْفَ يَكُونَانِ فِي الْفَضْلِ سَوَاءٌ؟ وَالْفِقْهُ إِنَّمَا يَكُونُ أَفضَلَ =","vol":"4","page":531},{"text":"٢١١٠ - [٢] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ، فَقَالَ: \"أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْم إِلَى بُطْحَانَ أَوِ الْعَقِيقِ فَيَأْتِيَ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَينِ. . . . . .\nــ\n٢١١٠ - [٢] (عقبة بن عامر) قوله: (ونحن في الصُفّة) (١) المراد صفة المسجد، وهي موضع مظلل من المسجد، كذا في (القاموس) (٢)، وقيل: هو المسجد القديم الذي كان قبلته إلى بيت المقدس.\nوقوله: (إلى بطحان) بضم الباء.\nوقوله: (أو العقيق) شك من الراوي تدل عليه عبارة (جامع الأصول) (٣): أو قال: إلى العقيق، وهما واديان بالمدينة، وإنما خصهما بالذكر لأنهما أقرب أسواق الإبل إلى المدينة، و(الكوماء) بالفتح: الناقة العظيمة السنام، وقد كَوِمتْ كفرِح،\n_________\n= لِكَوْنِهِ مَعْنَى الْقُرْآنِ، فَلَا يُقَابَلُ بِهِ، نَعَمْ لَا شَكَّ أَنَّ مَعْرِفَةَ مَعْنَى الْقُرْآنِ أَفْضَلُ مِنْ مَعْرِفَةِ لَفْظِهِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَدْرِ الْوَاجِبِ مِنَ الْقُرْآنِ تَعَلُّمُ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ مَثَلًا، فَإِنَّهُ رُكْنٌ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَبِالْفِقْهِ مَعْرِفَةُ كَوْنِ الرُّكُوعِ رُكْنًا مَثَلًا، فَلَا يَسْتَوِيَانِ أَيْضًا مِنْ وُجُوهٍ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٥٣).\n(١) قال القاري: وَفِي \"الْقَامُوسِ\": أَهْلُ الصُّفَّةِ كَانُوا أَضْيَافَ الإِسْلَامِ يَبِيتُونَ فِي صُفَّةِ مَسْجِدِهِ ﵊. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَكَانَتْ هِيَ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ مُعَدَّةً لِفُقَرَاءِ أَصْحَابِهِ الْغَيْرِ الْمُتَأَهِّلِينَ، وَكَانُوا يَكْثُرُونَ تَارَةَ حَتَّى يَبْلُغُوا نَحْوَ الْمِئتَيْنِ، وَيَقِفُونَ أُخْرَى لإِرْسَالِهِمْ فِي الْجِهَادِ وَتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ، وَفِي \"التَّعَرُّفِ\": إِنَّمَا سُمُّوا صُوفِيةَ لِقُرْبِ أَوْصَافِهِمْ مِنْ أَوْصَافِ أَهْلِ الصُّفَّةِ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِلِبْسِهُمُ الصُّوفَ، أَوْ لِصَفَاءِ أَسْرَارِهِمْ، أَوْ لِصَفَاءِ مُعَامَلَتِهِمْ؛ لأَنَّهُمْ فِي الصَّفِّ الأَوَّلِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى، أَيْ: مِنَ السَّابِقِينَ الْمُسَارِعِينَ فِي الْخَيْرَاتِ وَالْمُبَادِرِينَ فِي الطَّاعَاتِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٥٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٦٣).\n(٣) \"جامع الأصول\" (٦٢٨١).","vol":"4","page":532},{"text":"فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كُلُّنَا نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: \"أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٠٣].\nــ\nوالأكوم المرتفِع.\nوقوله: (في غير إثم) أي: في غير ما يوجب إثمًا؛ كسرقة وغصب.\nوقوله: (نحب) الرواية بالنون باعتبار المعنى، والظاهر (يحب) بالياء باعتبار لفظ (كل)، وقد يروى بها.\nوقوله: (فيعلم أو يقرأ) في أكثر نسخ (المشكاة) من التعليم، وصحح في (جامع الأصول) (١): من العلم، وكلمة (أو) للشك أو للتنويع، وهما منصوبان إن حمل (أفلا) على معنى العرض، ومرفوعان إن كان نفيًا.\nوقوله: (خير له) خبر مبتدأ محذوف.\nوقوله: (ومن أعدادهن من الإبل) أي: وعلى هذا القياس يكون عدد الآيات التي يعلمها أو يقرأها خيرًا من أعدادهن، فخمس خير من خمس، وست من ست، هذا هو المتبادر من هذا الكلام، وقال الطيبي (٢): ويحتمل أن يكون المعنى: الآيات تفضل على مثل عددها من النوق، ومثل عددها من الإبل، انتهى.\nأقول: قد يؤيد هذا المعنى ذكر الإبل مكان النوق؛ فإن الظاهر على تقدير المعنى الأول أن يقال: من أعدادهن من النوق، إلا أن الإبل اسم جنس يشمل الذكر والأنثى، يقال للأنثى منه: ناقة، وللذكر: الجمل، كالإنسان الشامل للرجل والمرأة، فتدبر.\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (٦٢٨١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢١٦).","vol":"4","page":533},{"text":"٢١١١ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ أَنْ يَجِدَ فِيهِ ثَلَاثَ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ؟ \" قُلْنَا: نَعَمْ. قَالَ: \"فَثَلَاثُ آيَاتٍ يَقْرَأُ بِهِنَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثِ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٠٢].\nــ\nفإن قلت: إن آية من القرآن خير من الدنيا وما فيها، فأيّ شيء الناقة حتى يفضل عليها؟ قلنا (١): حقيقة المراد أن اشتغالهم بأمر الدين خير لهم مما يكدحون فيه من طلب الرزق، ولم يرد حقيقة بيان المقدار الواقع في المقايسة بين الشيئين، وإنما مثله بمثال، وخصه بالناقة الكوماء، لأنها خيار أموال العرب، أو أراد أنها خير منها في أمر المعاش، إذ يحصل منها من الخير والبركة ما لا يحصل منها، وأما في أمر المعاد فإنها خير من الدنيا وما فيها، هذا حاصل ما ذكره التُّورِبِشْتِي (٢).\n٢١١١ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (خلِفات) الخلف ككتف: المخاض، وهي الحوامل من النوق، الواحدة بهاء، يقال: خلفت الناقة: إذا حملت، فهي خلفة، وأخلفت فهي مخلفة، أي: لم تحمل، وهي الحوامل من النوق التي تظن بها حملًا ولم يكن كذلك.\nوقوله: (يقرأ بهن) يقال: قرأه وقرأ به، والباء زائدة أو للملابسة والإلصاق.\nوقوله: (من ثلاث خلفات) لم يعرِّفها لإرادة التنكير للتعظيم، وبهذا\n_________\n(١) قال القاري (٤/ ١٤٥٤): وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ -﵊- أَرَادَ تَرْغِيبَهُمْ فِي الْبَاقِيَاتِ وَتَزْهِيدَهُمْ عَنِ الْفَانِيَاتِ، فَذِكْرُهُ هَذَا عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ وَالتَّقْرِيبِ إِلَى فَهْمِ الْعَلِيلِ، وَإِلَّا فَجَمِيعُ الدُّنْيَا أَحْقَرُ مِنْ أَنْ يُقَابَلَ بِمَعْرِفَةِ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِثَوَابِهَا مِنَ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى، انتهى.\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٤٨٧).","vol":"4","page":534},{"text":"٢١١٢ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجْرَانِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٣٧، م: ٧٩٨].\nــ\nيغاير الأولى، فلا يراد أن النكرة إذا أعيدت نكرة تكون الثانية غير الأولى، فينبغي أن يعرف.\n٢١١٢ - [٤] (عائشة) قوله: (الماهر) وهو الحاذق، والمراد به الجيد اللفظ والحفظ، و(السفرة) جمع سافر بمعنى كاتب، من السِّفر بمعنى الكتابة، أو بمعنى السفير من السفارة، والتركيب للكشف، يقال: سفرت المرأة: إذا كشفت وجهها، والمراد بهم الملائكة أو الأنبياء ينتسخون الكتب السماوية من اللوح المحفوظ أو الوحي، [أو سفراء] يسفرون بالوحي بين اللَّه وبين رسله أو الأمة، كذا قال البيضاوي (١)، وقيل: هم أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-؛ لأنهم أول ما نسخوا القرآن، وقيل: الملائكة الكاتبون لأعمال العباد، وقيل: مشتق من السفارة بالكسر بمعنى الإصلاح، سفر بين القوم: أصلح، والمراد الملائكة النازلون بأمر اللَّه لإصلاح العباد وحفظهم من الآفات والمعاصي وإلهامهم الخير، والمراد الملائكة بكونه مع هؤلاء كونه في الآخرة رفيقًا لهم، وفي الدنيا عاملًا بعملهم، و(التعتعة) في الكلام: التردد فيه من حصر أو عيّ، وعدم إطاعة اللسان إياه، وفي (القاموس) (٢): تعتعه: حركه بعنف.\nوقوله: (له أجران) أي: أجر القراءة وأجر المشقة، لا أنه يفضل في الأجر على الماهر، فإنه لا شك أن الماهر به أفضل ممن يتعب في تعهده، وقيل بالعكس؛ لأن\n_________\n(١) \"البيضاوي\" (٥/ ٣٧١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٥١).","vol":"4","page":535},{"text":"٢١١٣ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا حَسَدَ إِلَّا على اثْنَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وآنَاءَ النَّهَارِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٢٥، م: ٨١٥].\nــ\nالأجر بقدر التعب، والأول أشبه.\n٢١١٣ - [٥] (ابن عمر) قوله: (لا حسد) (١) أي: لا غبطة (إلا في اثنين) وفي بعض النسخ: (اثنتين) بالتاء، أي: خصلتين، فعلى الأول الكلام محمول على الظاهر، وعلى الثاني المضاف محذوف، أي: في خصلة، (رجل) وهو مرفوع أو مجرور، و(آناء الليل) ساعتها جمع إِنّى بالكسر كـ (مِعًى)، وبالفتح كـ (عصًا)، وإِنوٌ وإِنيٌ بسكون النون (٢).\n_________\n(١) قال القاري: قَالَ مِيرَكُ: الْحَسَدُ قِسْمَانِ: حَقِيقِيٌّ وَمَجَازِيٌّ، فَالْحَقِيقِيُّ تَمَنِّي زَوَال النِّعْمَةِ عَنْ صَاحِبِهَا، وَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ مَعَ النُّصُوصِ الصَّرِيحَةِ، وَأَمَّا الْمَجَازِيُّ فَهُوَ الْغِبْطَةُ، وَهِيَ تَمَنِّي مِثْل النعْمَةِ الَّتِي عَلَى الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ تَمَنِّي زَوَالٍ عَنْ صَاحِبِهَا، فَإِنْ كَانَتْ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا كَانَتْ مُبَاحَةً، وَإِنْ كَانَتْ طَاعَةَ فَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ، وَالْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ: لَا غِبْطَةَ مَحْمُودَةً إِلَّا فِي هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ، اهـ.\nيَعْنِي فِيهِمَا وَأَمْثَالِهِمَا، وَلِذَا قَالَ الْمُظْهِرُ: يَعْنِي لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَمَنَّى الرَّجُلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُ صَاحِبِ نِعْمَةٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَ النِّعْمَةُ مِمَّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ كَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَالتَّصَدُّقِ بِالْمَالِ وَغَيْرِهِمَا مِنَ الْخَيْرَاتِ، اهـ. يَعْنِي مِنَ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَالطَّاعَاتِ الْمَالِيَّةِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٥٦).\nوقال شيخنا في \"التقرير\": وفي تقديم الليل إشارة إلى أفضلية الإخفاء على الإظهار.\n(٢) قال النووي (٣/ ٣٥٩): وَاحِدُهُ أَنَا وَإِنًى وَإِنْيٌ وإِنْوٌ، أَرْبَعُ لُغَاتٍ. انتهى.","vol":"4","page":536},{"text":"٢١١٤ - [٦] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الأُتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ،\nــ\n٢١١٤ - [٦] (أبي موسى الأشعري) قوله: (مثل الأترجة) (١) بضم الهمزة والراء\n_________\n(١) قال الحافظ (٩/ ٦٦): قيل: الحكمة في تخصيص الأترجة بالتمثيل دون غيرها من الفاكهة التي تجمع طيب الطعم والريح كالتفاحة، لأنه يتداوى بقشرها، وهو مفرح بالخاصية، ويستخرج من حبها دهن له منافع، وقيل: إن الجن لا تقرب البيت الذي فيه الأترج، فناسب أن يمثل به القرآن الذي لا تقربه الشياطين، وغلاف حبه أبيض، فيناسب قلب المؤمن، وفيها أيضًا من المزايا كبر جرمها، وحسن منظرها، وتفريح لونها، ولين ملمسها، وفي أكلها مع الالتذاذ طيب نكهة، ودباغ معدة، وجودة هضم، ولها منافع أخرى مذكورة في المفردات، انتهى.\nوقال الطيبي (٥/ ١٦٣٦): إن هذا التشبيه والتمثيل في الحقيقة وَصْفٌ لِمَوْصُوفٍ اشْتَمَلَ عَلَى مَعْنًى مَعْقُولٍ صِرْفٍ لَا يُبْرِزُهُ عَنْ مَكْنُونِهِ إِلَّا تَصْوِيرُهُ بِالْمَحْسُوسِ الْمُشَاهَدِ، ثُمَّ إِنَّ كَلَامَ اللَّهِ المجيد لَهُ تَأْثِيرٌ فِي بَاطِنِ الْعَبْدِ وَظَاهِرِهِ، وَإِنَّ الْعِبَادَ مُتَفَاوِتُونَ فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ لَهُ النَّصِيبُ الأَوْفَرُ مِنْ ذَلِكَ التَّأْثِيرِ، وَهُوَ الْمُؤْمِنُ الْقَارِئُ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا نَصِيبَ لَهُ الْبَتَّةَ، وَهُوَ الْمُنَافِقُ الْحَقِيقِيُّ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَثَّر ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ، وَهُوَ الْمُرَائِي، أَوْ بِالْعَكْسِ، وَهُوَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي لَا يَقْرَؤُهُ، وإِبْرَازُ هَذِهِ الْمَعَانِي وَتَصْوِيرُهَا إِلَى الْمَحْسُوسَاتِ مَا هُوَ مَذْكُورٌ فِي الْحَدِيثِ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يُوَافِقُهَا وَيُلَائِمُهَا أَقْرَبُ وَلَا أَحْسَنُ وَلَا أَجْمَعُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُشَبَّهَاتِ وَالْمُشَبَّهَ بِهَا وَارِدَةٌ عَلَى التَّقْسِيمِ الْحَاصِر؛ لأَنَّ النَّاسَ إِمَّا مُؤْمِنٌ أَوْ غَيْرُ مُؤْمِنٍ، وَالثَّانِي إِمَّا مُنَافِقٌ صِرْفٌ أَوْ مُلْحَقٌ بِهِ، وَالأَوَّلُ إِمّا مُوَاظِبٌ عَلَى الْقِرَاءَةِ أَوْ غَيْرُ مُوَاظِبٍ عَلَيْهَا، فعَلَى هَذَا قِسِ الأَثْمَارَ الْمُشَبَّهَ بِهَا، وَوَجْهُ الشَّبَهِ فِي الْمَذْكُورَاتِ مُنْتَزَعٌ مِنْ أَمْرَيْنِ مَحْسُوسَيْنِ: طَعْمٌ وَرِيحٌ، وَلَيْسَ بِمُفَرَّقٍ كَمَا فِي قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ:\nكَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسًا ... لَدَى وَكْرِهَا الْعُنَّابُ وَالْحَشَفُ الْبَالِي\nانتهى.\nوقال التُّورِبِشْتِي (٢/ ٤٨٩): إن الشارع -ﷺ- أشار في ضرب هذا المثل إلى معان لا يهتدي إليها إلا من أُيِّد بالتوفيق، فمنها: أنه ضرب المثل بما تنبته الأرض ويخرجه الشجر للمشابهة التي بينها وبين الأعمال، فإنها من ثمرات النفوس، والمثل وإن ضرب للمؤمن نفسه فإن العبرة فيه =","vol":"4","page":537},{"text":"وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يقْرَأ الْقُرْآن مَثَلُ التَّمْرِةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلُوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ، لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يقْرَأ الْقُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٢٧، م: ٧٩٧].\nوَفِي رِوَايَةٍ: \"الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالأُتْرُجَّةِ، وَالْمُؤْمِنُ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَعْمَلُ بِهِ كَالتَّمْرَةِ\". [خ: ٥٠٥٩، م: ٧٩٧].\n٢١١٥ - [٧] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨١٧].\nــ\nوسكون التاء بينهما، وتشديد جيم مفتوحة، ويقال: الأترج بدون الهاء، وتُرنْجَة وتُرُنْج، ثمر معروف جامع لطيب الطعم والرائحة وحسن اللون ومنافع كثيرة، وكذلك المؤمن الذي يقرأ القرآن يلتذ بقراءته، ويستريح الناس بصوته، وتنعكس أشعة أنوار القدس من باطنه إلى ظاهره حتى تظهر من وجناته، ويحسن في أعين الناظرين، وقس عليه حال المشبهين الآخرين.\n٢١١٥ - [٧] (عمر) قوله: (أقوامًا) يؤمنون به ويعملون ويقرؤون ويخلصون،\n_________\n= بالعمل الذي يصدر منه، لأن الأعمال هي الكاشفة عن حقيقة الحال. ومنها: أنه ضرب مثل المؤمن بالأترجة والتمرة وهما مما يخرجه الشجر، وضرب مثل المنافق بما تنبته الأرض؛ تنبيهًا على علو شأن المؤمن، وارتفاع عمله، ودوام ذلك وبقائه ما لم تيبس الشجرة، وتوقيفًا على ضعة شأن المنافق وإحباط عمله، وقلة جدواه وسموط منزلته. ومنها: أن الأشجار المثمرة لا تخلو عمن يغرسها فيسقيها ويُصلح أودَها ويربيها، وكذلك المؤمن يقيض له من يؤدِّبه ويعلّمه ويهذّبه ويلمّ شعثه ويسومه، ولا كذلك الحنظلة المهملة المتروكة بالعراء أذلّ من نقع الفلا، والمنافق الذي وكل إلى شيطانه وصبعه وهواه، انتهى.","vol":"4","page":538},{"text":"٢١١٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ أُسَيْدَ بنَ حُضَيْرٍ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، وَفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ عِنْدَهُ، إِذْ جَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، فَقَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ،\nــ\nوآخرين حالهم على عكس هؤلاء (١).\n٢١١٦ - [٨] قوله: (أسيد بن حضير) كلاهما على صيغة التصغير.\nوقوله: (سورة البقرة) قال السيوطي عن القتبي (٢): السورة تهمز ولا تهمز، فمن همزها جعلها من أَسْأَرَتْ، أي: أفضلت، من السؤر، وهو ما بقي من الماء في الإناء، كأنها قطعة من القرآن، ومن لم يهمزها جعلها منه وسهّل همزها، ومنهم من شبهها بسور البناء، أي: القطعة منه، أي: منزلة بعد منزلة، وقيل: من سُور المدينة؛ لإحاطتها بآياتها واجتماعها كاجتماع البيوت بالسور، ومنه السوار؛ لإحاطته بالساعد، وقيل: لارتفاعها؛ لأنها كلام اللَّه، والسورة المنزلة الرفيعة، قال النابغة:\nألم ترأن اللَّه أعطاك سورةً ... ترى كل ملك حولها يتذبذب\nوقيل: لتركيب بعضها على بعض، من التسور بمعنى التصاعد والتركب، ومنه ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص: ٢١]، وقال الجعبري: حد السورة قرآن يشتمل على آي ذي فاتحة وخاتمة، وأقلها ثلاث آيات، وقال غيره: السورة الطائفة المترجمة توقيفًا، أي: المسماة باسم خاص بتوقيف من النبي -ﷺ-، ويجوز أن يقال: سورة البقرة وسورة العنكبوت، وقد كرهه بعضهم، وقال: ينبغي أن يقال: السورة التي تذكر فيها البقرة،\n_________\n(١) قَالَ الطِّيبِيُّ (٥/ ١٦٣٧): فَمَنْ قَرَأَهُ وَعَمِلَ بِهِ مُخْلِصًا رَفَعَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَرَأَهُ مُرَائِيًا غَيْرَ عَامِلٍ بِهِ وَضَعَهُ اللَّه أسفل السافلين. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٥٧).\n(٢) انظر: \"الإتقان في علوم القرآن\" (١/ ١٨٦).","vol":"4","page":539},{"text":"ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ، فَانْصَرَفَ، وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا، فَأَشْفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ، وَلَمَّا أَخَّرَهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ، فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: \"اقْرَأْ يَا بْنَ حُضَيْرٍ، اقْرَأْ يَا بْنَ حُضيْرٍ\". قَالَ: فَأَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أن تَطَأَ يَحْيَي وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا، فَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ، وَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ، فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابيحِ، فَخَرَجْتُ حَتَّى لَا أَرَاهَا، قَالَ: \"وَتَدْرِي مَا ذَاكَ؟ \". . . . .\nــ\nويذكر فيها العنكبوت، وروى الطبراني والبيهقي ذلك [عن أنس مرفوعًا] (١)، وإسناده ضعيف، بل ادعى ابن الجوزي أنه موضوع، وروي أن المشركين كانوا يقولون: سورة البقرة وسورة العنكبوت يستهزؤن بها فنزل: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥].\nوقوله: (فانصرف) أي: عن القرآن، والضمير المرفوع في قوله: (ولما أخره) لأسيد، والمنصوب لابنه، و(الظلة) بضم الظاء المعجمة: سحابة تظل، وما أظلك من شجر وغيره.\nوقوله: (اقرأ يا بن حضير) مكرر مرتين للتأكيد (٢)، والمراد الاستمرار على القراءة، فاعتذر بقوله: (فأشفقت) وفي نسخة: (أشفقت) بدون الفاء.\nوقوله: (حتى لا أراها) أي: لغلبة الفزع، و(حتى) حرف ابتداء.\n_________\n(١) \"المعجم الأوسط\" (٥٧٥٥)، و\"شعب الإيمان\" (٢٥٨٢).\n(٢) قال القاري (٤/ ١٤٥٨): أَيْ رَدِّدْ وَدَاوِمْ عَلَى الْقِرَاءَةِ الَّتِي [هي] سَبَبٌ لِمِثْلِ تِلْكَ الْحَالَةِ الْعَجِيبَةِ؛ إِشْعَارًا بأَنَّهُ لَا يَتْرُكُهَا إِنْ وَقعَ لَهُ ذَلِكَ بَعْدُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، بَلْ يَسْتَمِرُّ عَلَيْهَا اسْتِمْتَاعًا بِهَا، وَقَالَ الطِّيبِيَّ ﵀: (اقْرَأْ) لَفْظُ أَمْر طلب لِلْقِرَاءَةِ فِي الْحَالِ، وَمَعْنَاهُ تَخْصِيص وَطَلَبُ الِاسْتِزَادَةِ فِي الزَّمَانِ الْمَاضِي، فَكَأَنَّهُ اسْتَحْضَرَ تِلْكَ الْحَالَةَ الْعَجِيبَةَ الشَّأْنِ فَأَمَرَهُ تَحْرِيضًا عَلَيْهِ. اهـ.","vol":"4","page":540},{"text":"قَالَ: لَا، قَالَ: \"تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لأَصْبَحَتَ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا لَا تَتَوَارَى مِنْهُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠١٨، م: ٧٩٦].\nوَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ، وَفِي مُسْلِمٌ: \"عَرَجَتْ فِي الْجَوِّ\" بَدَلَ: \"فَخَرَجْتُ\" عَلَى صِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ.\n٢١١٧ - [٩] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ وَإِلَى جَانِبِهِ حِصَانٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ، فتغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو وَتَدْنُو،\nــ\nوقوله: (وفي مسلم: عرجت) من العروج على صيغة المؤنث الغائبة، والضمير راجع إلى الظلة، و(الجو) الهواء ما بين السماء والأرض.\n٢١١٧ - [٩] (البراء) قوله: (وإلى جانبه) يقال: قعدت الجنب والجانب، والجنبة محركة: شق الإنسان، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): جنب بهلو، ويقال: قعدت إلى جنب فلان وإلى جانب فلان بمعنًى.\nوقوله: (حصان) بكسر الحاء: الفرس الذكر، أو الكريم المضنون بمائه، وجمعه حصن ككتب، كذا في (القاموس) (٣)، و(الشطن) بفتح المعجمة والمهملة: الحبل الطويل، أو عام، وفي (الصراح) (٤): شطن: رسن دراز، ووصف الأعرابي فرسًا فقال: كأنه شيطان في أشطان.\nوقوله: (فتغشته) أي: سترت الفرس من فوق رأسه، والضمير في (جعلت)\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٧).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٢٢).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٩٦).\n(٤) \"الصراح\" (ص: ٥١٥).","vol":"4","page":541},{"text":"وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ-، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: \"تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنزَّلَتْ بِالْقُرْآنِ\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠١١، م: ٧٩٥].\n٢١١٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ فَدَعَانِي النَّبِيُّ -ﷺ- فَلَمْ أُجِبْهُ (١)، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، قَالَ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]، ثُمَّ قَالَ: \"أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ\". فَأَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّكَ قُلْتَ: لأُعَلِّمِّنَكَ أَعْظَمَ سُوْرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. . . . .\nــ\nلـ (سحابة)، و(ينفر) بالياء والتاء؛ لأن لفظ الفرس يذكر ويؤنث، وإن كان المراد المذكر، و(السكينة) الطمأنينة، وقد تجيء بمعنى الرحمة، وبمعنى التأني والوقار، وقيل: هي ما يحصل به السكون وصفاء القلب وذهاب الظلمة النفسانية، ونزول ضياء الرحمانية والحضور والذوق والغيبة، وقد مرّ الكلام فيها أكثر من هذا في (كتاب العلم) في الفصل الأول منه.\n٢١١٨ - [١٠] (أبو سعيد بن المعلى) قوله: (عن أبي سعيد بن المعلى) بالضم والتشديد.\nوقوله: (فلم أجبه) وفي حديث الترمذي (٢) عن أبي هريرة مخبرًا عن وقوع هذه القصة بالنسبة إلى أُبيّ: (فخففت الصلاة ثم أتيته).\nوقوله: (أعظم سورة) من حيث اشتمالها عن معان كثيرة مع وجازة ألفاظها.\n_________\n(١) زاد بعده في نسخة: \"حَتَّى صَلَّيْتُ\".\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٢٨٧٥).","vol":"4","page":542},{"text":"هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٧٤].\nــ\nوقوله: (هي السبع المثاني) اللام للعهد إشارة إلى المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، وقال البيضاوي في (تفسيره) ما نصه (١): ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا﴾ سبع آيات وهي الفاتحة، وقيل: سبع سور وهي الطوال، وسابعتها: الأنفال والتوبة فإنهما في حكم سورة واحدة، أو الحواميم السبع، وقيل: سبع صحائف وهي الأسباع (٢)، ﴿مِنَ الْمَثَانِي﴾ بيان للسبع، والمثاني من التثنية أو الثناء، فإن كل ذلك مثنى تكرر قراءته أو ألفاظه أو قصصه ومواعظه، أو مثني عليه بالبلاغة والإعجاز، أو مثنٍ على اللَّه بما هو أهله من صفاته العظمى وأسمائه الحسنى، ويجوز أن يراد بالمثاني القرآن أو كتب اللَّه تعالى، فتكون (من) للتبعيض، ﴿وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ إن أريد بالسبع الآيات أو السور فمن عطف الكل على البعض أو العام على الخاص، وإن أريد به الأسباع فمن عطف أحد الوصفين على الآخر، انتهى. فظهر مما ذكر أن قوله تعالى: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ محتملة للفاتحة وغيرها، وقد ذكر في الحديث أنها هي السبع المثاني بلفظ الحصر، اللهم إلا أن لا يراد به معنى الحصر أو يراد مبالغة، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"البيضاوي\" (٢/ ٥٣٥).\n(٢) وَقِيلَ: لأَنَّ فِيهَا سَبْعُ آدَابٍ، وَقِيلَ: لأَنَّهَا خَلَتْ عَنْ سَبْعَةِ أَحْرُفٍ: الثَّاءِ وَالْجِيمِ وَالتَّاءِ وَالزَّاي وَالشِّينِ وَالظَّاءِ وَالْفَاءِ، وَرُدّ بِأَنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا يُسَمَّى بِمَا فِيهِ دُونَ مَا فُقِدَ مِنْهُ، وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنَّهُ قَد يُسَمَّى بِالضِّدِّ كَالْكَافُورِ لِلأَسْوَدِ، وَالْمَثَانِي لِتَكَرُّرِهَا فِي الصَّلَاةِ كَمَا جَاءَ عَنْ عُمَرَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ: السَّبْعُ الْمَثَانِي فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، تُثَنَّى فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا تُثَنَّى بِسُورَةٍ أُخْرى، أَوْ لأَنَّهَا نَزَلَتْ مَرَّةً بِمَكَةَ وَمَرَّةً بِالْمَدِينَةِ تَعْظِيمًا لَهَا وَاهْتِمَامًا بِشَأْنِهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا اسْتُثْنِيَتْ لِهَذِهِ الأُمَّةِ لَمْ تَنْزِلْ عَلَى مَنْ قَبْلَهَا، انتهى. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٥٩ - ١٤٦٠).","vol":"4","page":543},{"text":"٢١١٩ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَجْعَلُوا بِيُوتَكُمْ مَقَابِرَ، إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مَنَ الْبَيْتِ الَّذِي تُقْرَأ فِيْهِ سُوْرَةُ الْبقَرَةِ! . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٨٠].\n٢١٢٠ - [١٢] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُول: \"اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَؤُوا الزَّهْرَاوَيْنِ: الْبقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ غَيَايتَانِ، أَو فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ. . . . .\nــ\n٢١١٩ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (لا تجعلوا بيوتكم مقابر) أي: لا تجعلوا بيوتكم خالية عن الذكر والتلاوة والطاعة مثل المقابر، أي: لا تكونوا كالموتى لا يذكرون ولا يتلون، ثم ذكر ما هو أفضل وأقرب نفعًا للبيوت وأهلها بقوله: (إن الشيطان ينفر) إلى آخره.\n٢١٢٠ - [١٢] (أبو أمامة) قوله: (الزهراوين) الزهراء تأنيث الأزهر (١)، والممدود إن كانت همزته للتأنيث قلبت واوًا في التثنية كما في حمراوين، و(الغمامة) السحابة البيضاء، و(الغياية) بالتحتانيتين: كل ما أظل الإنسان من فوق رأسه كالسحابة ونحوها، كذا في (القاموس) (٢).\nوقوله: (الفرق) بالكسر في الأصل: القطيع من الغنم، والمراد ههنا الجماعة\n_________\n(١) وَهُوَ الْمُضِيءُ الشَّدِيدُ الضَّوْءِ، أَي: الْمُنِيرَتَيْنِ لِنُورِهِمَا وَهِدَايَتهِمَا وَعِظَمِ أَجْرِهِمَا، فَكَأَنَّهُمَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا عَدَاهُمَا عِنْدَ اللَّهِ مَكَانُ الْقَمَرَيْنِ مِنْ سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَسُمِّيتا زَهْرَاوَيْنِ لِكَثْرَةِ أَنْوَارِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَالأَسْمَاءِ الْحُسْنَى الْعَلِيَّةِ، وَذِكْرُ السُّورةِ فِي الثَّانِيةِ دُونَ الأُولَى لِبيانِ جَوَازِ كُلٍّ مِنْهُمَا. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٦٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢١٢).","vol":"4","page":544},{"text":"صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا، اقْرَؤُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ (١)، فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلَا يَسْتَطِيعُهَا البَطَلَةُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٠٤].\n٢١٢١ - [١٣] وَعَنِ النَّوَاسِ بْنِ سِمْعَانَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبقَرَةِ وَآلُ عِمْرانَ، كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْداوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ تُحَاجَّانِ عَن صَاحِبِهِمَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٠٥].\nــ\nمن طير، و(صواف) جمع صافة، من الصف و(أو) للتنويع.\nوقوله: (لا تستطيعها البطلة) أي: أصحاب البطالة والكسالة، وقد يراد بها السحرة والفجرة.\n٢١٢١ - [١٣] قوله: (وعن النوّاس) بفتح النون وتشديد الواو (ابن سمعان) بكسر السين، وقد تفتح.\nوقوله: (تقدُمه) بضم الدال، من باب نصر ينصر.\nوقوله: (سوداوان) وصفهما بالسواد لكثافتهما ولشدة ظلمتهما.\nوقوله: (بينهما شرق) بالشين المعجمة وبفتح الراء وإسكانها، أي: ضوء، وقيل: فُرجة، قالوا: كأنه نور التسمية، أو فصلها بين السورتين.\n_________\n(١) قال الطيبي (٥/ ١٦٤٢): تخصيص بعد تخصيص بعد تعميم، أمر أولًا بقراءة القرآن وعلق بها الشفاعة، ثم خص الزهراوين وأناط بهما التخليص من حر يوم القيامة بالمحاجة، وأفرد ثالثًا البقرة وأناط بها الأمور الثلاثة الآتية؛ إيماءً إلى أن لكل خاصة يعرفها الشارع. وانظر: \"مرعاة المفاتيح\" (٧/ ١٨٩).","vol":"4","page":545},{"text":"٢١٢٢ - [١٤] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا أَبَا الْمُنْذِرِ! أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَكَ أَعْظَمُ؟ \" قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: \"يَا أَبَا الْمُنْذِرِ! أَتَدْرِي أَيُّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَكَ أَعْظَمُ؟ \" قُلْتُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، قَالَ: فَضرب فِي صَدْرِي وَقَالَ: \"لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨١٠].\n٢١٢٣ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ، فَجَعَلَ يَحْثُو من الطَّعَام، فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: إِنَّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ، وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"يَا أَبَا هُرَيْرَة! مَا فَعَلَ أَسِيْرُكَ الْبَارِحَةَ؟ \" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيالًا فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: \"أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ\"، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّهُ سَيَعُودُ\". فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-،\nــ\n٢١٢٢ - [١٤] (أبيّ بن كعب) قوله: (فضرب) في (المصابيح): بيده.\nوقوله: (ليهنِك) بلفظ الأمر الغائب بفتح التحتانية وسكون الهاء وكسر النون، وفي بعض النسخ: ليهنئك بالهمزة وهي الأصل، وخففت، أي: ليكن العلم هنيئًا لك، مدحه لإصابته في درك أنها ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وفي الحقيقة كان دركه أيضًا من تصرفه -ﷺ- وتعليمه في الباطن.\n٢١٢٣ - [١٥] (أبي هريرة) قوله: (زكاة رمضان) المراد به صدقة الفطر، و(يحثو) أي: يغترف ويأخذ من كفيه، و(لأرفعنك) من رفع الخصم إلى الحاكم.","vol":"4","page":546},{"text":"قَالَ: دَعْنِي؛ فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيالٌ لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! مَا فَعَلَ أَسِيرُك؟ \" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَقَالَ: \"أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ\"، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَولِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّهُ سَيَعُودُ\"، فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ، إِنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ، قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا، إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرُبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟ \" قُلْتُ: زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا، قَالَ: \"أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ، وَهُوَ كذُوبٌ، وَتَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ؟ \" قُلْتُ: لَا، قَالَ: \"ذَاكَ شَيْطَان\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٣١١].\nــ\nوقوله: (إنك تزعم) صحح بكسر (إن) وفتحها، والكسر أظهر؛ فإن الفتح يوهم أن الزعم يكون ثلاث مرات، وليس كذلك، فافهم.\nوقوله: (أما إنه قد صدقك) في هذا القول (وهو كذوب) في سائر أحواله.\nوقوله: (ذاك شيطان) أي: شيطان من الشياطين، ولا يلزم أن يكون إبليس نفسه، ثم إنه يحتمل أن تكون آية الكرسي محفوظة له، أو كانت هذه الخاصية له معلومة من غير أن يحفظها كلها، واللَّه أعلم (١).\n_________\n(١) قال الحافظ (٤/ ٤٨٩): وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم: أن الشيطان قد يعلم ما ينتفع =","vol":"4","page":547},{"text":"٢١٢٤ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ ﵇ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: \"هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ، لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلكٌ، فَقَالَ: هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا الْيَوْمَ، فَسَلَّمَ، فَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورينِ أُوتيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: . . . . .\nــ\n٢١٢٤ - [١٦] (ابن عباس) قوله: (إذ سمع نقيضًا) أي: صوتًا مثل صوت الباب والمحامل والرحال، والأول هو الأنسب بقوله: (فتح)، والضمير فيه وفي (رفع) و(قال) لجبرئيل، وقيل: الأولى أن في الأولين للنبي -ﷺ-، وفي (قال) لجبرئيل.\nوقوله: (فنزل) الظاهر أنه عطف على (فتح)، فهو من تتمة كلام جبرئيل، وفي الحاشية أنه كلام الراواي، ويلائمه قوله: (فقال) أي: جبرئيل: (هذا ملك نزل) فإنه على المعنى الأول يكون فيه شائبة تكرار.\nوقوله: (فسلم) أي: الملك النازل على النبي -ﷺ-.\n_________\n= به المؤمن، وأن الحكمة قد يتلقاها الفاجر فلا ينتفع بها وتؤخذ عنه فينتفع بها، وأن الكافر قد يصدق ببعض ما يصدق به المؤمن ولا يكون بذلك مؤمنًا، وأن الكذاب قد يصدق، وأن الشيطان من شأنه أن يكذب، وأنه قد يتصور ببعض الصور فتمكن رؤيته، وأن قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] مخصوص بما إذا كان على صورته التي خلق عليها، وأن من أقيم في حفظ شيء سمي وكيلًا، وأن الجن يأكلون من طعام الإنس، وأنهم يظهرون للإنس لكن بالشرط المذكور، وأنهم يتكلمون بكلام الإنس، وأنهم يسرقون ويخدعون. وفيه فضل آية الكرسي، وفيه جواز جمع زكاة الفطر قبل ليلة الفطر وتوكيل البعض لحفظها وتفرقتها، انتهى مختصرًا.","vol":"4","page":548},{"text":"فَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَخَوَاتِيم سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٠٦].\n٢١٢٥ - [١٧] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الآيَتَانِ مِنْ آخَرِ سُورَةِ الْبقَرَةِ، مَنْ قَرَأَ بِهِمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠٠٨، م: ٨٠٧].\n٢١٢٦ - [١٨] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [٨٠٩].\nــ\nوقوله: (فاتحة) بالجر، ويحتمل الرفع والنصب، وكذا قوله: (خواتيم)، والضمير في (أعطيته) بلفظ المجهول المخاطب لـ (الحرف)، فهو بمعنى الطرف، والمراد به الجملة الواقعة فيهما مثل ﴿اهْدِنَا﴾، و﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾، وغير ذلك من المطالب، أي: أجيبت دعواتك، أو المراد أعطيت ثوابه، أي: يكون البتة مقبولًا ومجزئًا، وعلى هذا المراد بـ (الحرف) أجزاء الكلمات من حروف التهجي، فقد ورد: إن لكل حرف من القرآن جزاء، وعليه ثواب.\n٢١٢٥ - [١٧] (أبو مسعود) قوله: (كفتاه) أي: دفعتا عنه شر الجن والإنس، أو كفتا عن سائر أوراد الليل.\n٢١٢٦ - [١٨] (أبو الدرداء) قوله: (من حفظ) ظاهره أن العصمة جزاء الحفظ من غير أن يقرأ، ويحتمل أن يكون المراد قرأ، فإن الحفظ إنما يكون للقراءة.\nوقوله: (من الدجال) أي: المعهود، أو كل كذاب مُلَبِّس، والدَّجل في اللغة: الكذب والخيانة، والخداع والتلبيس.","vol":"4","page":549},{"text":"٢١٢٧ - [١٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَيَعْحِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ \" قَالُوا: وَكَيْفَ يَقْرَأُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: \" ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨١١].\n٢١٢٨ - [٢٠] وَرَوَاهُ البُخَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. [خ: ٥٠١٥].\n٢١٢٩ - [٢١] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: \"سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنعُ ذَلِكَ فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٧٥، م: ٨١٣].\nــ\n٢١٢٧، ٢١٢٨ - [١٩، ٢٠] (أبو الدرداء) قوله: (يعدل ثلث القرآن) أي: في الثواب والفضيلة إلحاقًا للناقص بالكامل كما في أمثال ذلك، قيل: إن القرآن قصص وأحكام وتوحيد، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يشتمل على الأخير.\n٢١٢٩ - [٢١] (عائشة) قوله: (يقرأ لأصحابه) أي: يؤمهم (فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أي: يختم قراءته بها، يعني كان من عادته أن يقرأها بعد الفاتحة، كذا قال الطيبي (١)، وفي (صحيح البخاري) (٢) في ترجمة (٣) عن عبيد اللَّه عن ثابت عن أنس قال: (كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، فكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يُقرأ به افتتح بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ حتى يفرغ منها، ثم يقرأ بسورة\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢٣٤).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٧٧٤).\n(٣) أي: في ترجمة الباب.","vol":"4","page":550},{"text":"٢١٣٠ - [٢٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ قَالَ: \"إِنَّ حُبَّكَ إِيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى البُخَارِيُّ مَعْنَاهُ. [ت: ٢٩٠١، خ: ٧٧٤].\n٢١٣١ - [٢٣] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ \". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨١٤].\nــ\nأخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة، فكلمه أصحابه فقالوا: إنك تفتتح بهذه السورة، ثم لا ترى أنها تجزئك حتى تقرأ بأخرى، فإما أن تقرأ بها وإما أن تدعها وتقرأ بأخرى، فقال: ما أنا بتاركها، إن أحببتم أن أؤمكم بذلك فعلتُ، وإن كرهتم تركتكم، وكانوا يرون أنه من أفضلهم، وكرهوا أن يؤمهم غيره، فلما أتاهم النبي -ﷺ- أخبروه الخبر فقال: (يا فلان! ما يمنعك أن تفعل ما يأمرك به أصحابك، وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟) قال: إني أحبها، قال: (حبك إياها أدخلك الجنة).\n٢١٣٠ - [٢٢] (أنس) قوله: (أدخلك الجنة) فإن حبك إياها سبب لحب اللَّه إياك، وحب اللَّه إياك سبب لدخولك الجنة.\n٢١٣١ - [٢٣] (عقبة بن عامر) قوله: (ألم تر) أي: ألم تعلم، وهي كلمة تعجب وتعجيب.\nوقوله: (لم ير مثلهن قطّ) أي: في باب التعوذ؛ فإن فيهما تعوذًا من المكاره الظاهرة والباطنة على أبلغ وجه وأوكده، وقد نقل الطيبي (١) شيئًا، فانظره.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢٣٦).","vol":"4","page":551},{"text":"٢١٣٢ - [٢٤] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَعَ كَفَّيْهِ ثُمَّ نَفَثَ فِيهِمَا، فَقَرَأَ فِيهِمَا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ يَبْدَأُ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ، وَمَا أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠١٧، م: ٢١٩٢].\nوَسَنَذْكرُ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي \"بَابِ الْمِعْرَاج\" إِن شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-604> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢١٣٣ - [٢٥] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"ثَلَاثَةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْقُرْآنُ يُحَاجُّ الْعِبَادَ،\nــ\n٢١٣٢ - [٢٤] (عائشة) قوله: (ثم نفث فيهما، فقرأ) النفث كالنفخ، وأقل من التفل، كذا في (القاموس) (١)، وحقيقته إخراج ريح من الفم مع شيء من الريق، ثم اختلفوا في توجيه الفاء في قوله: (فقرأ) فإنه يدل على تأخير القراءة عن النفث، والظاهر العكس، فقيل: المراد أراد النفث فقرأ، وقيل: الفاء بمعنى الواو، وقيل: تقديم النفث على القراءة مخالفة للسحرة البطلة، وقيل: هي سهو من الراوي أو الكاتب، واللَّه أعلم. وقد روي أنه -ﷺ- في مرضه أخذ بيدي عائشة -﵂- فقرأ ونفث فيهما وأمرها بإمرارهما على جسده الشريف.\nالفصل الثاني\n٢١٣٣ - [٢٥] (عبد الرحمن بن عوف) قوله: (يحاج العباد) فيما ضيعوا من\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٧٥).","vol":"4","page":552},{"text":"لَهُ ظَهْرٌ وَبَطْنٌ، وَالأَمَانَةُ، وَالرَّحِمُ تُنَادِي: أَلَا مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّه\". رَوَاهُ فِي \"شَرْح السُّنَّةِ\" [شرح السنة: ٣٤٣٣].\nــ\nأحكامه وحدوده، وأيضًا يحاج ويخاصم عنهم بسبب محافظتهم عليها، وقد ورد أن القرآن حجة لك أو عليك، وظاهر سياق هذا الحديث أيضًا ناظر في ذلك كما قال في الرحم: (من وصلني وصله اللَّه، ومن قطعني قطعه اللَّه) كذا قيل، لكن إرادة كلا المعنيين هنا لا يخلو عن الإشكال، فافهم، وهذه مع قوله: (له ظهر وبطن) (١) جملة معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه، وقد علم معنى الظهر والبطن في كتاب العلم، والمراد بـ (الأمانة) حفظ حقوق الناس في أموالهم وأعراضهم ودمائهم، أو يخص بالأموال كما في الودائع، فإنه قد يتبادر منه هذا المعنى، وإلا فالأمانة المشار إليها بقوله تعالى:\n_________\n(١) قال القاري: \"ظَهْرٌ\" أَيْ: مَعْنًى ظَاهِرٌ يَسْتَغْنِي عَنِ التَّأَمُّلِ يَفْهَمُهُ أَكْثَرُ النَّاسِ الَّذِينَ عِنْدَهُمْ أَدَوَاتُ فَهْمِهِ، \"وَبَطْنٌ\" أَيْ: مَعْنًى خَفِيٌّ يَحْتَاجُ إِلَى التَّأْوِيلِ مِنْ إِشَارَاتٍ خَفِيَّةٍ لَا يَفْهَمُهَا إِلَّا خَوَاصُّ الْمُقَرَّبِينَ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْعَالِمِينَ بِحَسَبِ الِاسْتِعْدَادِ وَحُصُولِ الإِمْدَادِ، وَقِيلَ: ظَهْرُهُ تِلَاوَتُهُ كَمَا أُنْزِلَ، وَبَطْنُهُ التَّدَبُّرُ لَهُ، وَقِيلَ: ظَهْرُهُ مَا اسْتَوَى فِيهِ الْمُكَلَّفُونَ مِنَ الإِيمَانِ بِهِ وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهُ وَمُوجِبِهِ، وَبَطْنُهُ مَا وَقَعَ فِيهِ التَّفَاوُتُ فِي فَهْمِهِ بَيْنَ الْعِبَادِ. وَإِنَّمَا خَصَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّ مَا يُحَاوِلُهُ الإِنْسَانُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ دَائِرًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتَعَلَّق بغَيْرِه، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَامَّةِ النَّاسِ، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَقَارِبِهِ وَأَهْلِهِ، فَالْقُرْآنُ وصْلَةٌ إِلَى أَدَاء حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ، وَالأَمَانَةُ تَعُمُّ النَّاسَ، فَإِنَّ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَعْرَاضَهُمْ وَسَائِرَ حُقُوقِهِمْ أَمَانَاتٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَمَنْ قَامَ بِهَا فَقَدْ أَقَامَ الْعَدْلَ، وَمَنْ وَصَلَ الرَّحِمَ، وَرَاعَى الأَقَارِبَ بِدَفْعِ الْمَخَاوِفِ وَالإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا فَقَدْ أَدَّى حَقَّهَا، وَقَدَّمَ الْقُرْآنَ لِأَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ أَعْظَمُ، وَلِاشْتِمَالِهِ عَلَى الْقِيَامِ بِالأَخِيرَيْنِ، وَعَقَّبَهُ بِالأَمَانَةِ لأَنَّهَا أَعْظَمُ مِنَ الرَّحِمِ، وَلِاشْتِمَالِهَا عَلَى أَدَاءِ حَقِّ الرَّحِمِ، وَصَرَّحَ بِالرَّحِمِ مَعَ اشْتِمَالِ الأَمْرَيْنِ الأَوَّلَيْنِ عَلَى مُحَافَظَتِهَا تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهَا أَحَقُّ حُقُوقِ الْعِبَادِ بِالْحِفْظ، انتهى. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٦٨).","vol":"4","page":553},{"text":"٢١٣٤ - [٢٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارَتْقِ، وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٢/ ١٩٢، ت: ٢٩١٤، د: ١٤٦٤، ن في الكبرى: ٨٠٥٦].\n٢١٣٥ - [٢٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الَّذِي لَيْسَ فِي جَوْفهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ كَالْبَيْتِ الْخَرِبِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. [ت: ٢٩١٣، دي: ٣٣٠٦].\n٢١٣٦ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَقُولُ الرَّبُّ ﵎: مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي. . . . .\nــ\n﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] شامل للتكاليف كلها، والنداء إما مخصوص بالرحم تنبيهًا على المبالغة في حقها، أو من باب اكتفاء فحذف في القرآن والأمانة، ومع ذلك يفهم منه الاهتمام في باب الرحم.\n٢١٣٤ - [٢٦] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (وارتق) أي: في الدرج على قدر ما يقرأ من آي القرآن، فمن استوفى جميع آي القرآن استولى على أقصى درج الجنة المعد لها واللائقة بحالها، فالأمر شامل لجميع أصحاب القرآن من الأنبياء والمرسلين والأولياء وسائر الصالحين على قدر درجاتهم في الحفظ والتلاوة والعمل.\n٢١٣٥ - [٢٧] (ابن عباس) قوله: (في جوفه) أي: في قلبه، والظاهر منه الحفظ، ويمكن أن يراد منه القراءة حفظًا أو نظرًا.\n٢١٣٦ - [٢٨] (أبو سعيد) قوله: (ذكري ومسألتي) أي: اللتين ليستا في القرآن.","vol":"4","page":554},{"text":"أَعْطَيْتُهُ أفضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ، وَفَضْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلَامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\"، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٩٢٦، دي: ٣٣٥٦، شعب: ٢٠١٥].\n٢١٣٧ - [٢٩] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أقولُ: ﴿الم﴾ حَرْفٌ، أَلْفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، غَرِيب إِسْنَادًا. [ت: ٢٩١٠، دي: ٣٣٠٨].\n٢١٣٨ - [٣٠] وَعَنِ الْحَارِثِ الأَعْوَرِ قَالَ: مَرَرْتُ فِي الْمَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ يَخُوضُونَ فِي الأَحَادِيثِ، فَدَخَلْتُ عَلَى عَلِيٍّ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: أَوَقَدْ فَعَلُوهَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنِّي قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُول: . . . . .\nــ\nوقوله: (ما أعطي السائلين) أي: الذاكرين، اكتفى بالسؤال لأن الذكر أيضًا سؤال تعريضًا.\n٢١٣٧ - [٢٩] (ابن مسعود) قوله: (لا أقول: ﴿الم﴾ حرف، ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف) قد يتبادر من ظاهر لفظ الحديث أن المراد نفي الحرفية من مجموع ﴿الم﴾ التي هي ثلاثة أحرف وإثباتها لأسامي الحروف، ولكنهم صرحوا بأن المراد نفيها من الأسامي وإثباتها للمسميات التي هي بسايط الحروف؛ لأن توهم الحرفية على المجموع الثلاث بعيد حتى تنفى، فقالوا: تكون حسنات ﴿الم﴾ التي هي فاتحة سورة البقرة تسعين، والتي في ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ثلاثين، فافهم.\n٢١٣٨ - [٣٠] (الحارث الأعور) قوله: . . . . .","vol":"4","page":555},{"text":"\"أَلا إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتْنَةٌ\"، قُلْتُ: مَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: \"كِتَابُ اللَّهِ، فِيهِ نبَأٌ مَا قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُم، هُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ تَرَكهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الأَلْسِنَةُ،\nــ\n(نبأ ما قبلكم) النبأ محركة: الخبر، ومنه النبي -ﷺ- على وجه، والمراد بـ (ما قبلكم) أحوال الأمم الماضية، وبـ (ما بعدكم) الأمور الآتية وأحوال القيامة، والتعبير بـ (الخبر) تفنن، وبـ (ما بينكم) من الحوادث والوقائع.\nوقوله: (وهو الفصل) الفاصل بين الحق والباطل (ليس بالهزل) فإنه جد كله، وتعريف الخبر لقصره على الفصل، فقوله: (ليس بالهزل) تأكيد.\nوقوله: (من تركه) أي: استبد برأيه غير منقاد له (من جبار) متكبر معاند للحق، فغير الجبار بطريق الأولى.\nوقوله: (قصمه اللَّه) كسره قطعة قطعة.\nوقوله: (وهو حبل اللَّه المتين) (١) فيه استعارة مشهورة، و(المتين) إما ترشيح إن أريد به المتانة الحسنة، أو تجريد إن أريد رصانة ألفاظه ومعانيه.\nوقوله: (لا تزيغ) بفتح الفوقانية (به) أي: بسببه (الأهواء) وإنما زاغ من اتبع المتشابهات وترك المحكمات، وهذا وصف معانيه.\nوقوله: (ولا تلتبس به الألسنة) لا يختلط على الألسنة؛ بأن يشتبه بغيرها، أو\n_________\n(١) أَي: الْمُحْكَمُ الْقَوِيُّ، وَالْحَبْلُ مُسْتَعَارٌ لِلْوَصْلِ وَلِكُلِّ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى شَيْءٍ، أَي: الْوَسِيلَةُ الْقَوِيَّةُ إِلَى مَعْرِفَةِ رَبِّهِ وَسَعَادَةِ قُرْبِهِ، وَهُوَ مُقْتَبَسٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٧٣).","vol":"4","page":556},{"text":"وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلَا يَخْلُقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا يَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ١]، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ،\nــ\nلا تتغير به ألسنة المؤمنين بانشراح صدورهم لتلاوتها من غير ضيق، (ولا يشبع منه العلماء) أي: لا يحفظ على علومهم به (١) فيقفوا وقوف من شبع من مطعوم، أو لا يشبع من تلاوته من يعلم ويشهد سلاسة ألفاظه ولطائف معانيه، (ولا يخلق) خلق الثوب كنصر وكرم وسمع، والخلق محركة: البالي عن كثرة التردد؛ أي: الترداد والتكرار.\nوقوله: (ولا ينقضي عجائبه) كالعطف التفسيري والفذلكة لما قبله.\nوقوله: (لم تنته الجن) أي: لم يمتنعوا عن مدحه وثنائه، ولم يتوقفوا فيه.\nوقوله: (من قال به) في (القاموس) (٢) قال به: أي غلب [به]، ومنه: (سبحان من تعطّف بالعزّ وقال به)، و(قال) يجيء بمعنى (تكلّم)، وبمعان أخر، ويعبّر بها عن التهيُّؤ للأفعال والاستعداد لها. يقال: قال فأكل، وقال فتكلم ونحوه.\nوقال في (النهاية) (٣): قال به بمعنى أحبه واختصه لنفسه، وقيل: معناه حكم به، وقيل: غلب به، أصله من القَيْل بمعنى المَلِك؛ لأنه ينفذ قوله.\nوقوله: (ومن دعا إليه هُدي) روي مجهولًا، أي: من دعا إليه وفق لمزيد الاهتداء،\n_________\n(١) قوله: \"أي لا يحفظ على علومهم به\" كذا في الأصول، وفي \"المرقاة\" (٤/ ١٤٧٣): \"أي: لا يصلون إلى الإحاطة بكنهه\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٦٩).\n(٣) \"النهاية\" (٤/ ١٢٣).","vol":"4","page":557},{"text":"وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ مَجْهُولٌ، وَفِي الْحَارِثِ مَقَالٌ. [ت: ٢٩٠٦، دي: ٣٣٣١].\n٢١٣٩ - [٣١] وَعَنْ معَاذٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ أُلْبِسَ وَالِدَاهُ تَاجًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ضَوْؤهُ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ فِي بُيُوتِ الدُّنْيَا لَوْ كَانَتْ فِيكُمْ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ بِهَذَا؟ \". رَوَاهُ أحمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٣/ ٤٤٠، د: ١٤٥٣].\n٢١٤٠ - [٣٢] وَعَنْ عُقْبةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَوْ جُعِلَ الْقُرْآنُ فِي إِهَابٍ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ مَا احْتَرَقَ\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٣٣١٠].\nــ\nولو روي معروفًا كان المعنى: من دعا الناس إلى القرآن هداهم إلى صراط مستقيم، وهذا أظهر في المعنى، ولكن الرواية المشهورة هي الأولى، كذا يفهم من كلام الطيبي (١)، ويجوز أن يكون المعنى على الأولى هدي المدعو بهدايته إلى صراط مستقيم.\n٢١٣٩ - [٣١] (معاذ الجهني) قوله: (أُلبس والداه تاجًا) يجوز أن يكون محمولًا على ظاهره، وأن يكون كناية عن الملك والسيادة.\nوقوله: (ولو كانت) أي: الشمس (فيكم) أي: في بيوتكم، في هذا مبالغة.\nوقوله: (عمل بهذا) أي: قرأ القرآن وعمل بما فيه.\n٢١٤٠ - [٣٢] (عقبة بن عامر) قوله: (ولو جُعل القرآن في إهاب) قيل: هذا على سبيل الفرض والتقدير مبالغة في بيان شرف القرآن وعظمته، أي: من شأنه ذلك، على وتيرة قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ﴾ [الحشر: ٢١] الآية، وقيل: المراد\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢٤٨).","vol":"4","page":558},{"text":"٢١٤١ - [٣٣] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَاسْتَظْهَرَهُ، فَأَحَلَّ حَلَالَهُ، وَحَرَّمَ حَرَامَهُ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ، وَشَفَّعَهُ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، كلُّهمُ قَدْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ\" (١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ (٢)، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَحَفْصُ بْنُ سُلَيْمَانَ الرَّاوِي لَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ، يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ. [حم: ١/ ١٤٨، ت: ٢٩٠٥، جه: ٢١٦].\n٢١٤٢ - [٣٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: \"كَيْفَ تَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ؟ \" فَقَرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الإِنْجيلِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهَا، وَإِنَّهَا سَبْعٌ مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُعْطِيتُهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ مِنْ قَوْلِهِ: \"مَا أُنْزِلَتْ\". . . . .\nــ\nالنار التي خلقها اللَّه مميزة بين الحق والباطل، وقيل: كان ذلك معجزة في زمن النبي -ﷺ-، وقيل: المراد من علّمه اللَّه القرآن لم تحرقه نار الآخرة، واللَّه أعلم.\n٢١٤١ - [٣٣] (علي) قوله: (فاستظهره) أي: حفظه، وفي (القاموس) (٣): استظهر: استعان من ظهر القلب، أي: حفظًا بلا كتاب.\nوقوله: (أحل حلاله وحرم حرامه) أي: عمل به أو اعتقده.\n٢١٤٢ - [٣٤] (أبو هريرة) قوله: (كيف تقرأ في الصلاة) كأنه سؤال عن حال\n_________\n(١) قال القاري (٤/ ١٤٧٦): وَالْوُجُوبُ عَلَى سَبِيلِ الْمُوَاعَدَةِ.\n(٢) زيادة \"والدارمي\" خطأ من الناسخ؛ لأنه لم يوجد هذا الحديث في \"مسند الدارمي\".\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٠٥).","vol":"4","page":559},{"text":"وَلَمْ يَذْكُرْ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٢٨٧٥، دي: ٣٣٧٣].\n٢١٤٣ - [٣٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ فَاقْرَؤُوهُ، فَإِنَّ مَثَلَ الْقُرْآنِ لِمَنْ تَعَلَّمَ فَقَرَأَ وَقَامَ بِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ مَحْشُوٍّ مِسْكًا، تَفُوحُ رِيحُهُ كُلَّ مَكَانٍ، وَمَثَلُ مَنْ تَعَلَّمَهُ فَرَقَدَ وَهُوَ فِي جَوْفِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ أُوكِئَ عَلَى مِسْكٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٨٧٦، ن في الكبرى: ٨٧٤٩، جه: ٢١٧].\n٢١٤٤ - [٣٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَرَأَ ﴿حم﴾ الْمُؤْمِنَ إِلَى ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ قَرَأَ بِهِمَا حِينَ يُمْسِي حُفِظَ بِهِمَا حَتَّى يُصْبحَ\". . . . .\nــ\nالقراءة في الصلاة وتعيّنها، أي: ما تقرأ؟\nوقوله: (ولم يذكر) أي: الدارمي (أبي بن كعب) وسؤال رسول اللَّه -ﷺ- عنه، بل روى عن أبي هريرة (١) أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (ما أنزلت في التوراة ولا في الإنجيل والزبور والقرآن مثلها، يعني أم القرآن)، الحديث.\n٢١٤٣ - [٣٥] (وعنه) قوله: (وقام به) أي: عمل به، أو قام الليل بالقرآن.\nوقوله: (فرقد) أي: نام وغفل ولم يقم ولم يعمل به، وظاهره يدل على أن المراد بـ (قام به) قيام الليل.\n٢١٤٤ - (وعنه) قوله: (من قرأ ﴿حم﴾ المؤمن) في أكثر النسخ صُحِّح بكسر الميم، وفي بعض النسخ بفتحها.\n_________\n(١) \"سنن الدارمي\" (٣٣٧٣).","vol":"4","page":560},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٨٧٩، دي: ٣٣٨٦].\n٢١٤٥ - [٣٧] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِأَلْفَيْ عَامٍ، أَنْزَلَ مِنْهُ آيتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ الْبقَرَةِ،\nــ\n٢١٤٥ - [٣٧] (نعمان بن بشير) قوله: (إن اللَّه كتب كتابًا تبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام، أنزل منه آيتين) وقد ورد في الحديث (١): (إن اللَّه كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة)، ومن جملتها كتابة القرآن، فقيل في توجيه كتابة كتاب قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام الذي أنزل منه هذين الآيتين اللتين (ختم بهما سورة البقرة): إنه أظهر كتابته على طائفة من الملائكة في هذا الزمان، وخص منها الآيتين بالإنزال مختومًا بهما سورة البقرة، فالكتابة بمعنى إظهار الكتابة، وقيل: من الجائز أن لا تكون كتابة الكوائن في اللوح المحفوظ دفعة واحدة، بل ثبتها اللَّه فيه شيئًا فشيئًا، فيكون هذا الكتاب مكتوبًا في اللوح قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام، والمقادير الأخر بخمسين ألف عام، إلى هذا أشار التُّورِبِشْتِي (٢)، ويمكن أن يقال -واللَّه أعلم-: يجوز أن تكون المقادير كلها مكتوبةً قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام، ويكون الكتاب المذكور أيضًا مثبتًا فيه إذ ذاك، ثم أمر اللَّه ملائكته بإفراد كتابة هذا الكتاب على حدة في الزمان الذي بعده قبل خلق السماوات والأرض بألفي عام تشريفًا وتكريمًا له، كما ينتخب ويقرر من الكتاب\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٦٥٣).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٥٠٢).","vol":"4","page":561},{"text":"وَلَا تُقْرَأَانِ فِي دَارٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ فَيَقْرَبَهَا الشَّيْطَانُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٨٨٢، دي: ٣٣٨٧].\n٢١٤٦ - [٣٨] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ الْكَهْفِ عُصِمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٢٨٨٦].\n٢١٤٧ - [٣٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ قَلْبًا، وَقَلْبُ الْقُرْآنِ ﴿يس﴾، وَمَنْ قَرَأَ ﴿يس﴾ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِقِرَاءَتِهَا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ عَشْرَ مَرَّاتٍ\". . . . .\nــ\nالكبير بعض أبوابه وفوائده، وأنزل من هذا المنتخب المفرد الآيتين المذكورتين مختومًا بهما سورة البقرة، وهكذا الكلام فيما وقع في الحديث (١) محاجة آدم وموسى إن اللَّه كتب التوراة قبل خلق آدم بأربعين عامًا، وفيما ذكر في حديث أبي هريرة (٢) قراءةِ ﴿طه ويس﴾ السورتين يذكر النبي -ﷺ- قبل أن يخلق السماوات والأرض بألف عام، فافهم، وباللَّه التوفيق.\nوقوله: (فيقربها) بالنصب بتقدير (أن).\n٢١٤٦ - [٣٨] (أبو الدرداء) قوله: (عُصم من فتنة الدجال) كما عصم أصحاب الكهف من فتنة ذلك الجبار دقيانوس.\n٢١٤٧ - [٣٩] (أنس) قوله: (وقلب القرآن ﴿يس﴾) قالوا في توجيهه: إن قلب الشيء زُبدته، وقد اشتملت هذه السورة الشريفة على زبدة مقاصد القرآن على وجه أتم\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٦٥٢).\n(٢) أخرجه الدارمي (٣٤١٤).","vol":"4","page":562},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٨٨٧، دي: ٣٤١٦].\n٢١٤٨ - [٤٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَرَأَ: ﴿طه﴾ و﴿يس﴾ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِأَلْفِ عَامٍ، فَلَمَّا سَمِعَتِ الْمَلَائِكَةُ الْقُرْآنَ قَالَتْ: طُوبَى لأُمَّةٍ يُنْزَلُ هَذَا عَلَيْهَا، وَطُوبَى لِأَجْوَافٍ تَحْمِلُ هَذَا، وَطُوبَى لِأَلْسِنَةٍ تَتَكَلَّمُ بِهَذَا\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٣٤٧٧].\nــ\nوأكمل مع قصر نظمها وصغر حجمها، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وقال الترمذي: هذا حديث غريب) قال التُّورِبِشْتِي (١): لأن في إسناده هارون بن محمد، وهو ممن لم يعرفه أهل الصنعة في رجال الحديث.\n٢١٤٨ - [٤٠] (أبو هريرة) قوله: (فلما سمعت الملائكة القرآن) أي: القراءة كما في قوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]؛ لأنه في الأصل مصدر، وأيضًا القرآن موضوع للقدر المشترك بين الكل والأجزاء كالعالم، ويمكن أن يقال: إن المراد القرآن كله، فلما وجدوا فيه ﴿طه﴾ و﴿يس﴾ قالوا ذلك.\nوقوله: (طوبى لأمة) في (القاموس) (٢): طوبى: الطيب، وتأنيث الأطيب، والحسنى، والخير، والخِيَرة، وشجرة في الجنة، [أو الجنة] بالهندية، كطِيبى، وطوبى لك وطوباك لغتان، أو طوباك لحنٌ.\nوقوله: (ينزل) بلفظ المجهول.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٥٠٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٥).","vol":"4","page":563},{"text":"٢١٤٩ - [٤١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَرَأَ ﴿حم﴾ الدُّخَانِ فِي لَيْلَةٍ، أَصْبَحَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَعُمَرُ بْنُ أَبِي خَثْعَمِ الرَّاوِي يُضَعَّفُ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ -يَعْنِي الْبُخَارِيَّ-: هُوَ مُنكِرُ الحَدِيثِ. [ت: ٢٨٨٨].\n٢١٥٠ - [٤٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَرَأَ ﴿حم﴾ الدُّخَانِ فِي لَيْلَةِ الْجُمْعَةِ غُفِرَ لَهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ، وَهِشَامٌ أَبُو الْمِقْدَامِ الرَّاوِي يُضَعَّفُ. [ت: ٢٨٨٩].\n٢١٥١ - [٤٣] وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقْرَأُ الْمُسَبِّحَاتِ قَبْلَ أَنْ يَرْقُدَ، يَقُولُ: \"إِنَّ فِيهِنَّ آيَةً خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ آيَةٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٩٢١، د: ٥٠٥٧].\nــ\n٢١٤٩ - [٤١] (وعنه) قوله: (﴿حم﴾) بالكسر والفتح، و(الدخان) بالجر بالإضافة، وقد ينصب هذا أيضًا على أنه بدل من ﴿حم﴾.\nوقوله: (في ليلة) أية ليلة كانت ليلة الجمعة أو غيرها، أو المراد ليلة من الليالي.\n٢١٥٠ - [٤٢] (وعنه) قوله: (في ليلة الجمعة) قيد في هذا الحديث بليلة الجمعة، والحديث السابق مطلق، والأحوط أن يقرأ ليلة الجمعة ليحصل الفضيلة يقينًا.\nوقوله: (هذا حديث غريب ضعيف) كذا في بعض النسخ بتقديم (غريب) على (ضعيف)، ووضع (خ) علامة النسخة على (غريب)، وفي بعضها بتقديم (ضعيف)، ووضع (خ) على (ضعيف)، وفي بعضها (ضعيف) بدل (غريب).\n٢١٥١، ٢١٥٢ - [٤٣، ٤٤] (العرباض بن سارية) قوله: (فيهنّ آية) يحتمل أن يكون المراد آخر آية من سورة الحشر، وأن يكون المراد أول آية من سورة","vol":"4","page":564},{"text":"٢١٥٢ - [٤٤] وَرَوَاهُ الدَّارِمِي عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ مُرْسَلًا، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [دي: ٣٤٢٤].\n٢١٥٣ - [٤٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ سُورَةً فِي الْقُرْآنِ ثَلَاثُونَ آيَةً (١) شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ، وَهيَ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ \". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٢٩٩، ت: ٢٨٩١، د: ١٤٠٠، ن في الكبرى: ١٠٥٤٦، جه: ٣٧٨٦].\n٢١٥٤ - [٤٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَرَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- خِبَاءَهُ عَلَى قَبْرٍ، وَهُوَ لَا يَحْسَبُ أَنَّهُ قَبْرٌ، فَإِذَا فِيهِ إِنْسَان يَقْرَأُ سُورَةَ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ حَتَّى خَتَمَهَا، فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هِيَ الْمَانِعَةُ، هِيَ الْمُنجِيَةُ تُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٨٩٠].\nــ\nالحديد، واللَّه أعلم.\n٢١٥٣ - [٤٥] (أبو هريرة) قوله: (شفعت لرجل) إن حمل على معنى المضي كما هو ظاهره كان إخبارًا عن الغيب، وإن جعل بمعنى (تشفع) كان تحريضًا على المواظبة عليها، ويحمل (رجل) على العموم، كما في: تمرة خير من جرادة.\n٢١٥٤ - [٤٦] (ابن عباس) قوله: (خِباءه) بكسر الخاء المعجمة، وفي نسخة: (خباءة) بتاء الوحدة.\nوقوله: (فإذا فيه إنسان يقرأ) سمعه في النوم أو اليقظة، وهو الظاهر، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) في \"التقرير\": فيه دليل لمذهب مالك والإمام أبي حنيفة أن البسملة ليست جزءًا من السورة؛ لأنها ثلاثون بدونها.","vol":"4","page":565},{"text":"٢١٥٥ - [٤٧] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ لَا يَنَامُ حَتَّى يَقْرَأَ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ و﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. وَكَذَا فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". وَفِي \"الْمَصَابِيح\": غَرِيبٌ. [حم: ٣/ ٣٤٠، ت: ٢٨٩٢، دي: ٣٤١١].\n٢١٥٦ - [٤٨] وَعَن ابْن عَبَّاس وَأنسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \" ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تَعْدِلُ نِصْفَ الْقُرْآنِ، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ تَعْدِلُ رُبْعَ الْقُرْآنِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٨٩٤].\n٢١٥٧ - [٤٩] وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيم مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَقَرَأَ ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ،\nــ\n٢١٥٥ - [٤٧] (جابر) قوله: (كان لا ينام حتى يقرأ) يفيد بظاهره أنه كان يقرؤها وقت النوم من الليل، فلو قرأها أحد في أول الليل لم يكن مقيمًا للسنة، لكن في هذه الصورة يصدق أنه قرأ قبل النوم وإن لم يكن وقت النوم، فيصدق أنه كان لا ينام حتى يقرؤها، فافهم.\n٢١٥٦ - [٤٨] (ابن عباس) قوله: (﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تعدل نصف القرآن) لأن القرآن لبيان المبدأ والمعاد، وهذه السورة لبيان المعاد، وقد عرفت وجه كون (﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن)، وأما كون (﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ تعدل ربع القرآن) فلأن القرآن يشتمل على تقرير التوحيد والنبوة والأحكام والقصص، وهذه السورة محتوية على الأول.\n٢١٥٧ - [٤٩] (معقل بن يسار) قوله: (ثلاث آيات من آخر سورة الحشر) من","vol":"4","page":566},{"text":"وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيدًا. وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي كَانَ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٩٢٢، دي: ٣٤٢٥].\n٢١٥٨ - [٥٠] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ قَرَأَ كُلَّ يَوْمٍ مِئَتَيْ مرَّةَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ مُحِيَ عَنْهُ ذُنُوبُ خَمْسِينَ سَنَةً إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَفِي رِوَايتِهِ \"خَمْسِينَ مَرَّةً\"، وَلَمْ يَذْكُرْ \"إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ\". [ت: ٢٩٢٢، دي: ٣٤٣٨].\n٢١٥٩ - [٥١] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: \"مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَنَامَ عَلَى يَمِينهِ، ثُمَّ قَرَأَ مِئَةَ مَرَّةٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إِذا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَقُولُ لَهُ الرَّبُّ: يَا عَبْدِي! ادْخُلْ عَلَى يَمِينكَ الْجَنَّةَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٨٩٨].\nــ\nقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [الحشر: ٢٣] إلى آخر السورة.\n٢١٥٨ - [٥٠] (أنس) قوله: (مئتي مرة) لا يعلم سر الأعداد إلا الشارع.\nوقوله: (إلا أن يكون عليه دين) قال الطيبي (١): جعل الدين من جنس الذنوب تهويلًا له ثم استثني منها، انتهى. ويحتمل أن يكون معناه أن محو الذنوب مشروط بعدم الدين، وهذا أظهر من عبارة الحديث.\n٢١٥٩ - [٥١] (عنه) قوله: (ثم قرأ مئة مرة) ظاهره يفيد أن تكون القراءة بعد الاضطجاع، إلا أن يحمل (ثم) على التراخي في الرتبة، واللَّه أعلم (٢).\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢٥٩).\n(٢) قال القاري (٤/ ١٤٨٤): وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ بَسَاتِينَ الْجَنَّةِ وَقُصُورَهَا الَّتِي فِي جَانِبِ =","vol":"4","page":567},{"text":"٢١٦٠ - [٥٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- سَمِعَ رَجُلًا يَقْرَأُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فَقَالَ: \"وَجَبَتْ\" قُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: \"الْجَنَّةُ\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ط: ٧٠٩، ت: ٢٨٩٧، ن في الكبرى: ١١٧١٥].\n٢١٦١ - [٥٣] وَعَنْ فَرْوَةَ بْنِ نَوْفَلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَقُولُهُ إِذَا أَوَيْتُ إِلَى فِراشِي، فَقَالَ: \"اقْرأْ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾؛ فَإِنَّهَا بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٣٤٠٣، د: ٥٠٥٥، دي: ٣٤٢٧].\n٢١٦٢ - [٥٤] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ الْجُحْفَةِ. . . . .\nــ\n٢١٦٠ - [٥٢] (أبو هريرة) قوله: (قال: الجنة) وجهه ما مرّ من محبة اللَّه إياه.\n٢١٦١ - [٥٣] (فروة بن نوفل) قوله: (إذا آويتُ) بالمد وبدونه بمعنى.\n٢١٦٢ - [٥٤] (عقبة بن عامر) قوله: (بين الجحفة) بتقديم الجيم المضمومة\n_________\n= الْيَمِينِ أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي فِي جَانِبِ الْيَسَارِ، وَإِنْ كَانَتْ تَانِكَ الْجِهَتَانِ يَمِينًا، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ أَصْنَافٌ ثَلَاثَةٌ: مُقَرَّبُونَ وَهُمْ أَصْحَابُ عِلِّيِّينَ، وَأَبْرَارٌ وَهُمْ أَصْحَابُ الْيَمِينِ، وَعُصَاةٌ مَغْفُورُونَ أَوْ مُشَفَّعُونَ أَوْ مُطَهَّرُونَ وَهُمْ أَصْحَابُ الْيَسَارِ، وَيُقْتَبَسُ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر: ٣٢ - ٣٣] أَي: الْعِبَادُ الْمُصْطَفَونَ مِنَ الأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا مُكَافَأَةٌ لِطَاعَتِهِ لِلرَّسُولِ -ﷺ- فِي الِاضْطِجَاعِ عَلَى الْيَمِينِ وَقِرَاءَةِ السُّورَةِ الَّتِي فِيهَا صِفَاتُهُ تَعَالَى، فَيجْعَلُ مَنْ أَصْحَابُ الْيَمِينِ فِي دخُولِ الْجَنَّةِ مِنَ الْجَانِبِ الْيَمِينِ. تنبيه: قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَيَنْبَغِي لِمَنْ بَلَغَهُ فِي فَضَائِلِ الأَعْمَالِ شَيْءٌ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ وَلَوْ مَرَّةً وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ ضَعِيفًا؛ لأَنَّهُ يُعْمَلُ بِهِ فِي ذَلِكَ اتِّفَاقًا. انتهى.","vol":"4","page":568},{"text":"وَالأَبْوَاءِ إِذْ غَشِيتنَا رِيحٌ وَظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يتعَوِّذُ بِـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ وَ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، وَيَقُولُ: \"يَا عُقْبَةُ! تَعَوَّذْ بِهِمَا، فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٤٦٣].\n٢١٦٣ - [٥٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ قَالَ: خَرَجْنَا فِي لَيْلَةِ مَطَرٍ وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ نَطْلُبُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَدْركْنَاهُ، فَقَالَ: \"قُلْ\". قُلْتُ: مَا أَقُولُ؟ قَالَ: \" ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُصْبِحُ وَحِينَ تُمْسِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٣٥٧٥، د: ٥٠٨٢، ن: ٥٤٢٨].\n٢١٦٤ - [٥٦] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَقْرَأُ سُورَةَ (هُودٍ) أَوْ سُورَةَ (يُوسُفَ)؟ قَالَ: \"لَنْ تَقْرَأَ شَيْئًا أَبْلَغَ عِنْدَ اللَّهِ. . . . .\nــ\nعلى الحاء المهملة الساكنة، (والأبواء) بفتح الهمزة وكسرها: موضعان بين المدينة ومكة.\nوقوله: (يتعوذ بـ ﴿أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾) أي: بهذه السورة، وقد جاء في بعض الروايات الفقهية أنه يجوز ترك (قُلْ) من هذين السورتين.\n٢١٦٣ - [٥٥] قوله: (عبد اللَّه بن خبيب) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة بلفظ التصغير.\nوقوله: (تكفيك من كل شيء) أي: من كل شر، أو من كل وِرد يتعوذ به.\n٢١٦٤ - [٥٦] (عقبة بن عامر) قوله: (أقرأ) بلفظ المتكلم على حذف حرف الاستفهام، أي: أأقرأ للتعوذ ودفع الشر عني، (قال: لن تقرأ شيئًا أبلغ) أي: في باب التعوذ.","vol":"4","page":569},{"text":"مِنْ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ (١). رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٤/ ١٤٩، ن: ٩٥٣، دي: ٣٤٣٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-605> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢١٦٥ - [٥٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَعْرِبُوا الْقُرْآنَ، وَاتَّبِعُوا غَرَائِبَهُ، وَغَرَائِبُهُ فَرَائِضُهُ وَحُدُودُهُ\".\n٢١٦٦ - [٥٨] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ،\nــ\nالفصل الثالث\n٢١٦٥ - [٥٧] (أبو هريرة) قوله: (أعربوا القرآن) أي: بينوا معانيه وأظهروها، والإعراب: الإبانة والإفصاح، وهذا يشترك فيه جميع من يعرف لسان العرب، ثم ذكر ما يختص بأهل الشريعة من المسلمين بقوله: (واتبعوا كرائبه) وفسر الغرائب بالفرائض من الأحكام، وبالحدود من الأحكام الشاملة لها ولغيرها حتى السنن والآداب، وسماها غرائب لاختصاصها بأهل الدين، أو لأن الإيمان غريب، فأحكامه أن تكون غرائب.\nوقال الطيبي (٢): يجوز أن يراد بالفرائض فرائض المواريث، وبالحدود حدود الأحكام، أو يراد بالفرائض ما يجب على المكلف اتباعه، وبالحدود ما يطلع به على الأسرار والرموز، فتدبر.\n٢١٦٦ - [٥٨] (عائشة) قوله: (أفضل من التسبيح والتكبير) وإن كانا في الصلاة.\n_________\n(١) في \"التقرير\": ذكر أحدهما اكتفاءً على الفهم، والمراد كلاهما، ويحتمل أن ذكر الواحد فقط لأنه كان سأله.\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢٦٢).","vol":"4","page":570},{"text":"وَالتَّسْبِيحُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ، وَالصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنَ الصَّوْمِ، وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ\".\n٢١٦٧ - [٥٩] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قِرَاءَةُ الرَّجُلِ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِ الْمُصْحَفِ أَلْفُ دَرَجَةٍ،\nــ\nوقوله: (والتسبيح أفضل من الصدقة) كأنه لم يذكر التكبير اكتفاء، أو المراد بالتسبيح ذكر اللَّه، قد اشتهر أن العبادة المتعدية أفضل من اللازمة، لكن ينبغي أن يخص هذا بما عدا ذكر اللَّه، فإن ذكر اللَّه أكبر، وقد ورد أنه خير من إنفاق الذهب والفضة في سبيل اللَّه، والأخبار في ذلك كثيرة، وهذا الحديث واحد منها، فتدبر.\nوقوله: (والصدقة أفضل من الصوم) كأنه جعلها أفضل من جهة أن في الصوم إمساك المال عن نفسه ثم إنفاقه عليها، وفي الصدقة إنفاقه على الغير، وجهة أفضلية الصوم المشار إليها بقوله -ﷺ-: (كل عمل ابن آدم يضاعف، الحسنة بعشر أمثالها إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) باقية، ولا شك أن اختلاف الجهات معتبر في أمثال هذه المسائل، وإلى هذا أشار بقوله: (والصوم جنة).\nوقال الطيبي (١): إذا نظر إلى نفس العبادة كانت الصلاة أفضل من الصدقة، وهي من الصوم؛ فإن موارد التنزيل وشواهد الأحاديث جارية على تقديم الأفضل، وإذا نظر إلى كل منها وما يدلى إليه من الخاصية التي لم يشاركه غيره فيها كان الصوم أفضل، وقال: إنما ذكر خاصية المفضول يعني بقوله: (والصوم جنة) ولم يذكر خواص الفواضل تنبيهًا على أنها تناهت عن الوصف، فتأمل.\n٢١٦٧ - [٥٩] (عثمان بن عبد اللَّه) قوله: (ألف درجة) أي: ذات ألف درجة.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢٦٢).","vol":"4","page":571},{"text":"وَقِرَاءَتُهُ فِي الْمُصْحَفِ تُضَعَّفُ عَلَى ذَلِك إِلَى أَلْفَيْ دَرَجَةٍ\".\n٢١٦٨ - [٦٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ تَصْدَأُ كَمَا يَصْدَأُ الْحَدِيدُ إِذَا أَصَابَهُ الْمَاءُ\"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا جِلَاؤُهَا؟ قَالَ: \"كَثْرَةُ ذِكْرِ الْمَوْتِ،\nــ\nوقوله: (إلى ألفي درجة) لمزيد ثواب النظر إلى المصحف وحمله ومسه، وقد جاء أن النظر في المصحف عبادة، وإن كثيرًا من الصحابة كانوا يقرؤون في المصحف، قيل: خرق عثمان -﵁- مصحفين لكثرة قراءته فيهما، وقال النووي (١): ليس هذا على إطلاقه، بل إن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبر والتفكر وجمع القلب [والبصر] أكثر مما يحصل له من المصحف، فالقراءة من الحفظ أفضل، وإن استويا فمن المصحف أفضل، وهذا مراد السلف، ويدل كلام الطيبي (٢) أن التمكن من التفكر واستنباط المعاني في صورة القراءة من المصحف أكثر، وفي كُلِّيته نظر.\n٢١٦٨ - [٦٠] (ابن عمر) قوله: (إن هذه القلوب تصدأ (٣) كما يصدأ الحديد) كفرح وكرم، عَلاه الطِّبعُ (٤) والوسخُ.\n_________\n(١) \"الأذكار\" (ص: ١٠٧).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢٦٣).\n(٣) أَيْ: يَعْرِضُ لَهَا دَنَسٌ بِتَرَاكُمِ الْغَفَلَاتِ وَتَزَاحُمِ الشَّهَوَاتِ. وقوله: \"كَثْرَةُ ذِكْرِ الْمَوْت\" وَهُوَ الْوَاعِظُ الصَّامِتُ، وَيُوَافِقُهُ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ: \"أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ\" بِالْمُهْمَلَةِ وَالْمُعْجَمَةِ، أَيْ: قَاطِعُهَا أَوْ مُزِيلُهَا مِنْ أَصْلِهَا، وَفَسَّرَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] بِأَكْثَر ذِكْرًا لِلْمَوْتِ. \"وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ\" بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ جَرُّهُ، وَهُوَ الْوَاعِظُ النَّاطِقُ، فَهُمَا بِلِسَانِ الْحَالِ وَبَيَانِ الْقَالِ يبْردَانِ عَنْ قُلُوبِ الرِّجَالِ أَوْسَاخَ مَحَبَّةِ الْغَيْرِ مِنَ الْجَاهِ وَالْمَال، انتهى. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٨٧).\n(٤) الطِّبع: الصدأ والدنس.","vol":"4","page":572},{"text":"وَتِلَاوَةُ الْقُرْآنِ\". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الأَرْبَعَةَ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٢٢٩٣، ٢٢٤٣، ٢٢١٨، ٢٠١٤].\n٢١٦٩ - [٦١] وَعَنْ أَيْفَعَ بْنِ عَبْدٍ الْكَلَاعِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-! أَيُّ سُورَةِ الْقُرْآنِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: \" ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ \"، قَالَ: فَأَيُّ آيَةٍ فِي الْقُرْآنِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: \"آيَةُ الْكُرْسِيِّ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ \"، قَالَ: فَأَيُّ آيَةٍ يَا نَبِيَّ اللَّهِ تُحِبُّ أَنْ تُصِيبَكَ وَأُمَّتَكَ؟ قَالَ: \"خَاتِمَةُ سُورَةِ الْبقَرَةِ، فَإِنَّهَا مِنْ خَزَائِنِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ تَحْتِ عَرْشِهِ، أَعْطَاهَا هَذِهِ الأُمَّةَ، لَمْ تَتْرُكْ خَيْرًا من خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ\". . . . .\nــ\nوقوله: (وتلاوة القرآن) بالرفع، وقد يجرُّ.\n٢١٦٩ - [٦١] قوله: (وعن أيفع) بفتح الهمزة وسكون الياء تحتها نقطتان، وفتح الفاء، و(الكلاع) بفتح الكاف، كذا في (جامع الأصول) (١)، وفي (المغني) (٢): بفتح الكاف وتخفيف اللام منسوب إلى ذي الكلاع قبيلة من اليمن.\nوقوله: (قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾) قد سبق أن أعظم سورة في القرآن فاتحة الكتاب، فيعتبر تعدد الجهات، ففاتحة الكتاب أعظم من جهة جامعيتها لمقاصد القرآن ووجوب قراءتها في الصلاة، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لبيان توحيد الحق سبحانه، و(آية الكرسي) لجامعية صفاته الثبوتية والسلبية وعظمته وجلاله، وخواتيم البقرة لاشتمالها على الدعاء الجامع لخير الدنيا والآخرة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (أن تصيبك) أي: خيرها وبركتها ودعاؤها.\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٢٠٢).\n(٢) \"المغني\" (ص: ٢٣٥).","vol":"4","page":573},{"text":"رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٣٣٨٠].\n٢١٧٠ - [٦٢] وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ مُرْسَلًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ داءٍ\". رَوَاهُ الدَّارمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَان\". [دي: ٣٣٧٠، شعب: ٢٣٧٠]\n٢١٧١ - [٦٣] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: مَنْ قَرَأَ آخِرَ آلِ عِمْرَانَ فِي لَيْلَةٍ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ٣٣٩٦].\n٢١٧٢ - [٦٤] وَعَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: مَنْ قَرَأَ سُورَةَ آلِ عِمْرَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ إِلَى اللَّيْلِ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٣٣٩٧].\nــ\n٢١٧٠ - [٦٢] (عبد الملك بن عمير) قوله: (من كل داء) (١) جسماني وروحاني.\n٢١٧١ - [٦٣] (عثمان بن عفان) قوله: (آخر آل عمران) من قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] إلى آخر السورة، وقد صح قراءته -ﷺ- بعد القيام لصلاة الليل والنظر إلى السماء.\n٢١٧٢ - [٦٤] (مكحول) قوله: (من قرأ سورة آل عمران يوم الجمعة صلت عليه الملائكة إلى الليل) وقد ورد في فضيلة سورة الكهف يوم الجمعة (٢): (أضاء له النور ما بين الجمعتين)، فانظر إلى تفاوت ما بين الفضيلتين أيهما أتم وأكمل.\n_________\n(١) قال القاري: دِينيٍّ أَوْ دُنْيَوِيٍّ، حِسِّيٍّ أَوْ مَعْنَوِيٍّ، قَالَ الطِّيبِيُّ: يَتَنَاوَلُ دَاءَ الْجَهْلِ وَالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي وَالأَمْرَاضَ الْبَدَنِيَّةَ. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٨٨).\n(٢) أخرجه الحاكم في \"مستدركه\" (٣٣٩٢).","vol":"4","page":574},{"text":"٢١٧٣ - [٦٥] وَعَن جُبَير بنِ نُفَيرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ خَتَمَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ بِآيتيْنِ، أُعْطِيتُهُمَا مِنْ كَنْزِهِ الَّذِي تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَعَلَّمُوهُنَّ وَعَلِّمُوهُنَّ نِسَاءَكُمْ؛ فَإِنَّهَا صَلَاةٌ وقُرْبَانٌ وَدُعَاءٌ رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مُرْسَلًا (١). [دي: ٣٣٩٠].\n٢١٧٤ - [٦٦] وَعَن كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"اقْرَؤُوا سُورَةَ هُودٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٣٤٠٤].\nــ\n٢١٧٣ - [٦٥] قوله: (وعن جبير بن نفير) بلفظ التصغير بالراء في آخره.\nوقوله: (فإنها) أي: الجمل التي فيهما، وأرادوا بـ (الصلاة) الاستغفار كما في صلاة الملائكة، و(القربان) بالضم والكسر مصدر قَرِبَ كسمع، والقربان بالضم ما يتقرب به إلى اللَّه تعالى، ولعل الطيبي (٢) حمله على المعنى الأول فقال: إما إلى اللَّه، وهو المشار إليه بقوله: ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾، وإما إلى الرسول -ﷺ- بعطف قوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ على (الرسول)، ثم جمعه في قوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ﴾، والظاهر هو المعنى الثاني، فافهم.\n٢١٧٤ - [٦٦] قوله: (عن كعب) كعب من الصحابة كثير، ولا يدرى من هو، وإن كان كعب الأحبار فالحديث مرسل (٣)، والظاهر أن المراد كعب بن مالك؛ لأنه المشهور بهذا الاسم.\nوقوله: (اقرؤوا سورة هود) وفي (كتاب الدارمي): (اقرؤوا هودًا).\n_________\n(١) وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٨٩).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢٦٥).\n(٣) قال القاري: (٤/ ١٤٨٩): وَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ، وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعِنْدَ الْكُلِّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْفَضَائِلِ.","vol":"4","page":575},{"text":"٢١٧٥ - [٦٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"من قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ النُّورُ مَا بَيْنَ الْجُمْعَتَيْنِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"الدَّعَوَاتِ الْكَبِير\". [٥٢٦١].\n٢١٧٦ - [٦٨] وَعَن خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: اقْرَؤُوا الْمُنْجِيَةَ، وَهِي ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَقْرَؤُهَا، مَا يَقْرَأُ شَيْئًا غَيْرَهَا، وَكَانَ كَثِيرَ الْخَطَايَا، فَنَشَرَتْ جَنَاحَهَا عَلَيْهِ، قَالَتْ: رَبِّ اغْفِرْ لَهُ، فَإِنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ قِرَاءَتِي، فَشَفَّعَهَا الرَّبُّ تَعَالَى فِيهِ وَقَالَ: اكْتُبُوا لَهُ بِكُلِّ خَطِيئَةٍ حَسَنَةً، وَارْفَعُوا لَهُ دَرَجَةً، وَقَالَ أَيْضًا: إِنَّهَا تُجَادِلُ عَنْ صَاحِبِهَا فِي الْقَبْرِ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ مِنْ كِتَابِكَ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَإِنْ لَمْ أَكنْ مِنْ كِتَابِكَ فَامْحُنِي عَنْهُ، وَإِنَّهَا تَكُونُ كَالطَّيْرِ تَجْعَلُ جَنَاحَهَا عَلَيْهِ فَتَشْفَعُ لَهُ، فتَمْنَعُهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ. وَقَالَ فِي ﴿تَبَارَكَ﴾ مِثْلَهُ. وَكَانَ خَالِدٌ لَا يَبِيتُ حَتَّى يَقْرَأَهُمَا،\nــ\n٢١٧٥ - [٦٧] (أبو سعيد) قوله: (أضاء) (١) جاء لازمًا ومتعديًا، والضوء: هو النور، ففي (أضاء) تجريد على بعض المعنى.\n٢١٧٦ - [٦٨] (خالد بن معدان) قوله: (وعن خالد بن معدان) بفتح الميم وسكون العين، تابعي كبير.\nوقوله: (ما يقرأ شيئًا غيرها) بمعنى أنه ما جعل لنفسه وِردًا غيرها.\nوقوله: (وقال) أي: ابن معدان، وهذا في (كتاب الدارمي) حديث آخر بسند آخر عن خالد بن معدان، فالأول (٢) أنا أبو المغيرة قال: أنا عبدة عن خالد بن معدان،\n_________\n(١) أَيْ: فِي قَلْبِهِ أَوْ قَبْرِهِ أَوْ يَوْمَ حَشْرِهِ فِي الْجَمْعِ الأَكْبَرِ. قاله القاري (٤/ ١٤٨٩).\n(٢) \"سنن الدارمي\" (٣٤٠٨).","vol":"4","page":576},{"text":"وَقَالَ طَاوُوسٌ: فُضِّلَتَا عَلَى كُلِّ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ بِسِتِّينَ حَسَنَةً. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ٣٤١٠].\n٢١٧٧ - [٦٩] وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ قَرَأَ ﴿يس﴾ فِي صَدْرِ النَّهَارِ قُضِيَتْ حَوَائِجُهُ\" رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ مُرْسَلًا. [دي: ٣٤١٨].\n٢١٧٨ - [٧٠] وَعَنْ مَعقِلِ بْنِ يَسَارٍ الْمُزَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ قَرَأَ ﴿يس﴾ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ،\nــ\nوالثاني (١) أنا عبد اللَّه بن صالح قال: حدثني معاوية بن صالح أنه سمع أبا خالد عامر ابن جشيب وبحير بن سعد يحدثان أن خالد بن معدان قال: (﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ تجادل عن صاحبها في القبر) الحديث، وهذان الحديثان مرسلان في حكم المرفوع؛ لأن هذه الأخبار لا تعلم إلا من جهة الرسول -ﷺ-.\nوقوله: (وقال طاوس) هذا أيضًا حديث رواه الدارمي (٢) عن موسى بن خالد قال: أخبرنا معتمر عن ليث عن طاوس، وهو أيضًا مرسل، وقول المؤلف: (رواه الدارمي) يوهم أن الكل حديث واحد.\n٢١٧٧ - [٦٩] (عطاء بن أبي رباح) قوله: (وعن عطاء بن أبي رباح) أبو محمد القرشي، مولاهم المكي، أحد الأعلام.\n٢١٧٨ - [٧٠] (معقل بن يسار) قوله: (وعن معقل) بفتح الميم وكسر القاف (ابن يسار) بالتحتانية والمهملة.\n_________\n(١) \"سنن الدارمي\" (٣٤١٠).\n(٢) \"سنن الدارمي\" (٣٤١٢).","vol":"4","page":577},{"text":"فَاقْرَؤُوْهَا عِنْدَ مَوْتَاكُمْ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٢٤٥٨].\n٢١٧٩ - [٧١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامًا، وَإِنَّ سَنَامَ الْقُرْآنِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَإِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ لُبَابًا، وَإِنَّ لُبَابَ الْقُرْآن الْمُفَصَّلُ. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ٣٣٧٧].\n٢١٨٠ - [٧٢] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُول: \"لِكُلِّ شَيْءٍ عَرُوْسٌ، وَعَرُوْسُ الْقُرْآنِ الرَّحْمَنُ\".\nــ\nوقوله: (عند موتاكم) أي: مشرفي الموت حتى يسمعها ويجريها على قلبه، وكان في حكم القراءة، كذا قالوا، ويحتمل أن تكون لها خاصية في غفران الذنب ممن أشرف على الموت وقرئ عنده، لكن الفاء في قوله: (فاقرؤوها) أوقعهم في ذلك، واللَّه أعلم.\n٢١٧٩ - [٧١] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (سنامًا) بفتح السين واحدة أسنمة الإبل، ثم استعير لكل شيء رفيع، وسنام الأرض وسطها، ثم استعير للرفعة والعلوّ، و(اللباب) بالضم: خالص كل شيء، و(المفصل) السبع الأخير من القرآن، وأوله على القول المشهور من سورة الحجرات؛ لأن سوره قصار، وكل سورة كفصل من الكلام، وقيل: لقلة المنسوخ فيه، وقد قيل فيه أقوال شتّى ذكرت في (القاموس) (١).\n٢١٨٠ - [٧٢] (علي) قوله: (لكل شيء عروس) أي: كل شيء يستقيم ويناسب أن يضاف إليه العروس، والمراد به هنا زينة وحسن وجمال بذكر الملزوم وإرادة اللازم، وذلك بتكرار قوله سبحانه: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣].\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٦١).","vol":"4","page":578},{"text":"٢١٨١ - [٧٣] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْوَاقِعَةِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فَاقَةٌ أَبَدًا\". وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَأْمُرُ بَنَاتَهُ يَقْرَأْنَ بِهَا فِي كُلِّ لَيْلَةٍ. رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٤٩٤، ٢٤٩٨].\n٢١٨٢ - [٧٤] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُحِبُّ هَذِهِ السُّورَةَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ٩٦].\n٢١٨٣ - [٧٥] وَعَن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: أَقْرِئْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: \"اقْرَأْ ثَلَاثًا مِنْ ذَوَاتِ ﴿الر﴾ \"،\nــ\n٢١٨١ - [٧٣] (ابن مسعود) قوله: (وعن ابن مسعود) أنه (قال)، ظاهر أنه قول ابن مسعود، فيكون الحديث موقوفًا، ولا حاجة إلى جعله في حكم المرفوع، فتدبر.\nوقوله: (لم تصبه فاقة) الفاقة: الفقر والحاجة، كذا في (القاموس) (١)، قد حرض الشارع على بعض العبادات المؤثرة في الأمور الدنيوية التي حصولها ممد ومعين على الآخرة؛ ليكونوا مشغولين بالعبادة على أي وجه كان، فذلك يورث المحبة بها، ومحبتها تفضي إلى محبة من أتى بها؛ لأن محبة المنعم جبلية، ولذلك امتنانه تعالى بقوله: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الشعراء: ١٣٣ - ١٣٤] الآية.\n٢١٨٢ - [٧٤] (علي) قوله: (﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾) قيل: إن ذلك بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩].\n٢١٨٣ - [٧٥] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (ثلاثًا من ذوات ﴿الر﴾) وفي نسخة:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٤٧).","vol":"4","page":579},{"text":"فَقَالَ: كَبُرَتْ سِنِّي، وَاشْتَدَّ قَلْبِي، وَغَلُظَ لِسَانِي، قَالَ: \"فَاقْرَأْ ثَلَاثًا مِنْ ذَوَاتِ ﴿حم﴾ \"، فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ، قَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَقْرِئْنِي سُورَةً جَامِعَةً، فَأَقْرَأَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهِ أَبَدًا، ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَفْلَحَ الرُّوَيْجِلُ\" مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ١٦٩، د: ١٣٩٩].\n٢١٨٤ - [٧٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ أَلْفَ آيَةٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ؟ \" قَالُوا: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْرَأَ أَلْفَ آيَةٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ؟ قَالَ: \"أَمَا يَسْتَطِيعُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾؟ \". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٢٥١٨].\nــ\nذوات الراء.\nوقوله: (أفلح الرويجل) تصغير راجل أو رجل، وهو شاذ، كذا قيل، وهو للتعظيم أو للتعطيف.\n٢١٨٤ - [٧٦] (ابن عمر) قوله: (أن يقرأ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾) يعني أن ثوابها يعدل ثواب ألف آية، وسرُّه موكول إلى علم الشارع (١).\n_________\n(١) قال القاري: هَذه السورة كَقِرَاءَةِ أَلْفِ آيَةٍ فِي التَّزْهِيدِ عَنِ الدُّنْيَا وَالتَّرْغِيبِ فِي عِلْمِ الْيَقِينِ بِالْعُقْبَى، وَقِيلَ: وَجْهُهُ أَنَّ الْقُرْآنَ سِتَّةُ آلَافٍ وَكَسْرٍ، وَإِذَا تَرَكَ الْكَسْرَ كَانَتِ الأَلْفُ سُدُسَهُ، وَمَقَاصِدُ الْقُرْآنِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْغَزَالِيُّ سِتَّةٌ، ثَلَاثَةٌ مُهِمَّةٌ، وَثَلَاثَةٌ مُتِمَّةٌ، وَاحِدُهَا مَعْرِفَةُ الآخِرَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَيْهَا السُّورَةُ، وَالتَّعْبِيرُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى بِأَلْفِ آيَةٍ أَفْخَمُ مِنَ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِسُدُسِ الْقُرْآنِ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ عَبَّرَ عَنْهُ بِثُلُثِ الْقُرْآنِ صَحَّ، انتهى. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٤٩٣).","vol":"4","page":580},{"text":"٢١٨٥ - [٧٧] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ قَرَأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ عَشْرَ مَرَّاتٍ بُنِيَ لَهُ بِهَا قَصْرٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَرَأَ عِشْرِينَ مَرَّةً بُنِي لَهُ بِهَا قَصْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَرَأَهَا ثَلَاثِينَ مَرَّةً بُنِيَ لَهُ بِهَا ثَلَاثَةُ قُصُورٍ فِي الْجَنَّةِ\". فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِذًا لَنُكْثِرَنَّ قُصُورَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اللَّهُ أَوْسَعُ من ذَلِك\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٣٣٠٥].\n٢١٨٦ - [٧٨] وَعَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ قَرَأَ فِي لَيْلَةٍ مِئَةَ آيَةٍ لَمْ يُحَاجَّهُ الْقُرْآنُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَمَنْ قَرَأَ فِي لَيْلَةٍ مِئَتَيْ آيَةٍ كُتِبَ لَهُ قُنُوتُ لَيْلَةٍ، وَمَنْ قَرَأَ فِي لَيْلَةٍ خَمْسَ مِئَةٍ إِلَى الأَلْفِ أَصْبَحَ وَلَهُ قِنْطَارٌ مِنَ الأَجْرِ\". قَالُوا: وَمَا الْقِنْطَارُ؟ . . . . .\nــ\n٢١٨٥ - [٧٧] (سعيد بن المسيب) قوله: (اللَّه أوسع من ذلك) أي: قدرة اللَّه وفضله ورحمته أوسع وأكثر من أن يتعجب من ذلك ويستبعد، كذا يدل عليه كلام الطيبي (١)، والظاهر أن يكون غرضه إظهار الرغبة في تكثيره كما يظهر من قوله: (إذًا لنكثرن) مع تضمنه شيئًا من الاستبعاد، فيكون الجواب أن ثواب اللَّه وفضله ورحمته أوسع، فارغبوا فيه ولا تستبعدوه، وكلام الطيبي منحصر في التعجب والاستبعاد، وما ذكرنا أظهر، فافهم.\n٢١٨٦ - [٧٨] (الحسن) قوله: (لم يحاجه القرآن تلك الليلة) أي: لم يأخذه اللَّه ولم يسأله عن أداء حق القرآن في تلك الليلة.\nوقوله: (قنوت ليلة) القنوت يجيء بمعان، منها: الطاعة والقيام، و(القنطار)\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢٦٩).","vol":"4","page":581},{"text":"قَالَ: \"اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا\". رَوَاهُ الدِّارِمِيُّ. [دي: ٣٣٣٣].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-606>١ - باب</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-607> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢١٨٧ - [١] عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَعَاهَدُوا الْقُرْآنَ،\nــ\nوزن أربعين أوقية من ذهب، أو ألف ومئتا دينار، أو مِلء مسك ثور ذهبًا أو فضة، كذا في (القاموس) (١)، والمقصود المبالغة في كثرة الثواب، والمناسب له حمله على المعنى الأخير.\n١ - باب آداب التلاوة\nفي أكثر النسخ: (باب) من غير ترجمة كما هو عادته، يذكر من متممات ولواحق ما سبق، وفي بعض النسخ: (باب آداب التلاوة ودروس القرآن)، والتلاوة: قراءة القرآن على سبيل التتابع والتوالي كما في الأوراد والوظائف والآداب، تقال في قراءته على المشايخ لتعليم التجويد، والقراءة أعم من ذلك، والدرس أيضًا بمعنى القراءة، يقال: درس الكتاب وأدرسه درسًا ودراسة: قرأه، والمدارسة تكون بين اثنين وأكثر.\nالفصل الأول\n٢١٨٧ - [١] (أبو موسى الأشعري) قوله: (تعاهدوا القرآن) تعاهده وتعهده: تفقده وأحدث العهد به، والمراد هنا التحفظ بالقرآن، وتجديد العهد بقراءته؛ لئلا يذهب\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٣٤).","vol":"4","page":582},{"text":"فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهْوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنَ الإِبِلِ فِي عُقُلِهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٣٣، م: ٧٩١].\n٢١٨٨ - [٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"بِئْسَ مَا لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَقُولَ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ، بَلْ نُسِّيَ، وَاسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ؛ فَإِنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنَ النَّعَمِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. . . . .\nــ\nمن القلب، وفي معناه ما وقع في حديث ابن مسعود (١): (استذكروا القرآن) عبارة عن استحضاره في القلب، وحفظه عن النسيان، و(التفصي) التخلص من الشيء، يقول: تفصيت من أمر: إذا خرجت منه وتخلصت، و(العقل) جمع عقال ككتب وكتاب، وهو الحبل، عقل البعير: إذا شدّ وظيفه إلى ذراعه (٢).\n٢١٨٨ - [٢] (ابن مسعود) قوله: (بئس ما لأحدهم أن يقول): (ما) نكرة موصوفة، و(أن يقول) مخصوص بالذم، أي: بئس شيئًا كائنًا لأحدهم.\nوقوله: (نسيت آية كيت وكيت) فإنه يشعر تركه وعدم مبالاته بها، (بل) يقول: (نسي) بلفظ المجهول من التفعيل تحسّرًا وإظهارًا للخذلان على تقصيره في إحراز هذه السعادة وحفظها، أو تحرزًا عن التصريح بإرتكاب المعصية وتأدبًا مع القرآن العظيم، وإطلاق (كيت) باعتبار كون الآية مشتملة على مضمون جملة، وإلا فالظاهر آية كذا وكذا.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥٠٣٢)، ومسلم (٧٩٠).\n(٢) قال الحافظ (٩/ ٨٢): والحاصل تشبيه من يتفلت منه القرآن بالناقة التي تفلتت من عقالها وبقيت متعلقة به، كذا قال، والتحرير أن التشبيه وقع بين ثلاثة بثلاثة، فحامل القرآن شبه بصاحب النافة، والقرآن بالناقة، والحفظ بالربط. قال الطيبي: ليس بين القرآن والناقة مناسبة؛ لأنه قديم وهي حادثة، لكن وقع التشبيه في المعنى، وفي هذه الأحاديث الحض على محافظة القرآن بدوام دراسته وتكرار تلاوته، انتهى.","vol":"4","page":583},{"text":"وَزَادَ مُسْلِمٌ: \"بِعُقُلِهَا\". [خ: ٥٠٣٢، م: ٧٩٠].\n٢١٨٩ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ، إِنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٣١، م: ٧٨٩].\n٢١٩٠ - [٤] وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٦٠، م: ٢٦٦٧].\nــ\nوقوله: (بعقلها) أي: مربوط بها.\n٢١٨٩ - [٣] (ابن عمر) قوله: (المعقلة) أي: المشددة بالعقال، والتشديد للمبالغة.\nوقوله: (ذهبت) أسند الذهاب إلى الإبل، والإمساك إلى صاحب الإبل، فيلزم بحكم التشبيه حرمانه (١) في القرآن، ولا يخفى وجهه، فتأمل.\n٢١٩٠ - [٤] قوله: (وعن جندب) بضم الجيم وسكون النون وضم الدال وفتحها.\nوقوله: (ما ائتلفت عليه قلوبكم) أي: ما دامت قلوبكم وخواطركم مجموعة ذات نشاطة في قراءته، (فإذا اختلفتم) أي: حصل لكم تفرق وملالة (فقوموا عنه) أي: اتركوا قراءته، قام بالأمر: إذا دام عليه، وقام عن الأمر: إذا تركه.\nهذا، ولكن ينبغي أن يعتاد الرجل ويجدّ ويروض النفس حتى ينشط في قراءته ولا يملّ، فإن أهل الدعة والكسل يملّون سريعًا بعدم اعتبارهم وارتياضهم، فكم من كسلان يملّ في قراءة جزء منه، وآخر ينشط في قراءة عشرة أجزاء ولا يملّ، واللَّه الموفق.\n_________\n(١) كذا في الأصل، والظاهر: \"جريانه\"، واللَّه أعلم.","vol":"4","page":584},{"text":"٢١٩١ - [٥] وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ: كَيْفَ كَانَتْ قِرَاءَةُ النَّبِيِّ -ﷺ-؟ فَقَالَ: كَانَتْ مَدًّا مَدًّا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يَمُدُّ بِبَسْم اللَّهِ، وَيَمُدُّ بِالرَّحْمَنِ، وَيَمُدُّ بِالرَّحِيمِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٠٤٦].\nــ\nوقيل في معنى الحديث: (فقوموا عنه) أي: تفرقوا لئلا يؤدي بكم الاختلاف إلى الشر، وقال القاضي عياض: يحتمل اختصاصه بزمن النبي -ﷺ- لئلا يكون ذلك سببًا لنزول ما يسوءُهم، وقيل: ويحتمل أن يكون المعنى تمسكوا بالمحكم منه، فإذا عرض المتشابه الذي هو مغلنة الاختلاف فأعرضوا عن الخوض فيه، وقيل: المراد اقرؤوا ما دام بين أصحاب القراءة ائتلاف، فإذا حصل اختلاف فقوموا عنه.\nوقال القسطلاني كما في (الفتح) (١): اقرؤوا والزموا الائتلاف على ما دل عليه [وقاد إليه]، فإذا وقع الاختلاف أو عرض عارض شبهة يقتضي المنازعة الداعية إلى الافتراق، فاتركوا القراءة وتمسكوا بالمحكم الموجب للألفة، وأعرضوا عن المتشابه المؤدي إلى الفرقة، وهو كقوله -ﷺ-: (فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَاحْذَرُوهُمْ) (٢).\nقال ابن الجوزي (٣): كان اختلاف الصحابة يقع في القراءة واللغات، فأمروا بالقيام لئلا يجحد أحدهم بالقراءة الأخرى، فيكون جاحدًا لما أنزله اللَّه تعالى، وهذه أقوالهم بعضها متقاربة وبعضها متخالفة، فتدبر.\n٢١٩١ - [٥] (قتادة) قوله: (كانت مدًّا) يفهم من كلام التُّورِبِشْتِي (٤) أن الرواية\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ١٠١).\n(٢) أخرجه مسلم (٢٦٦٥)، وأبو داود (٤٥٩٨)، والترمذي (٢٩٩٤)، والدارمي (١٤٧).\n(٣) \"كشف المشكل\" (١/ ٣٤٤).\n(٤) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٥٠٧).","vol":"4","page":585},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n(مدًّا) بلفظ المصدر بتقدير المضاف، أي: ذات مد، وقال: وفي (كتاب البخاري): (يمدّ مدًّا)، وفي رواية: (كان مدًّا)، أي: يمدّ مدًّا، وقال: وفي أكثر نسخ (المصابيح): (مداء) يعني على وزن (فعلاء)، أي: كانت قراءته مداء، والظاهر أنه قول على التخمين ممن يخبط خبط عشواء، كذا قال، ثم المراد بالمد هنا المد الأصلي الذي يسمى مدًّا طبيعيًّا أيضًا لكونه لازمًا لذوات حروف المدّ وطبائعها كالألف والواو في (قالوا)، والياء في (قيل)، ولا يزاد إلا مقدار حركتها ولا ينقص منه، ويحصل بإتمام الحركات وبشيء من إشباعها، ويمكن أن يمدّ بمقدار ألف أو أقل، كذا السماع، فإنها لو لم تقرأ هكذا لم يحصل النطق بها تمامًا، بل يصير (قالوا) (قل)، وبعض الناس يكثرون الإشباع، وهو خارج عن قانون التجويد.\nوالمدّ المتعارف المبحوث عنه عند أرباب الصناعة هو المدّ الفرعي، وله سببان: سكون وهمزة واقعين بعد هذه الأحرف، والسكون قد يكون للإدغام كـ ﴿دَابَّةٍ﴾ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، وقد يكون لغير الإدغام كما في حروف المدّ الواقعة في فواتح السور مثل ﴿الم﴾ ونحوه، وقد يكون السكون عَرَضَ للوقف كـ ﴿نَسْتَعِينُ﴾ و﴿الْمُفْلِحِينَ﴾ و﴿أُولِي الْأَلْبَابِ﴾، والهمزة إما في كلمة نحو: ﴿السَّمَاءِ﴾، و﴿السُّوءَ﴾، و﴿جِيءَ﴾، أو في كلمتين كما في: ﴿مَا أَنْزَلَ﴾، ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾، ﴿وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾، وللقراء اختلاف في مقدار هذه المدات من ألف ونصف، وألفين ونصف، وثلاث ألفات إلى أربع ألفات، وقد ذكر أقسام هذا المد الفرعي من الواجب والجائز، ومقاديرها وأحكامها والاختلاف الواقع فيها في كتب التجويد، وقد نقلناها في رسالة لنا مسماة بـ (الدر النضيد في بيان قواعد التجويد) (١) فلينظر ثمة، فعلم مما ذكرنا أن المراد في الحديث\n_________\n(١) ذكر الشيخ خليق أحمد النظامي في ترجمة الشيخ عبد الحق اسم الكتاب \"درة الفريد =","vol":"4","page":586},{"text":"٢١٩٢ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٢٣، م: ٧٩٢].\n٢١٩٣ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسِنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٥٤٤، م: ٧٩٢].\nــ\nبالمدّ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ المدّ في الجلالة، والميم في ﴿الرَّحْمَنِ﴾، والحاء في ﴿الرَّحِيمِ﴾، وأما الوقف في ﴿الرَّحِيمِ﴾ للوقف فخارج عنه، داخل في المدّ الفرعي كما ذكرنا.\n٢١٩٢ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (ما أذن اللَّه) في (القاموس) (١): أذن إليه وله كفرح: استمع معجبًا، أو عام، وهو ههنا مجاز عن الرضا والتقريب.\nوقوله: (لشيء) مسموع، (ما أذن) أي: مثل إذنه واستماعه، (لنبي) أي: لصوته، والمراد بـ (التغني بالقرآن) الجهر به وتحسين الصوت وتحزينه بتلاوته، وحملُ التغني على معنى الاستغناء عن الناس لا يلائم سوق هذا الحديث، وإنما يسع حمله على ذلك في قوله: (ليس منّا من لم يتغنّ بالقرآن) كما سنذكر.\n٢١٩٣ - [٧] (عنه) قوله: (ما أذن لنبي حسن الصوت) قيد النبي في هذا الحديث بحسن الصوت، وقد ورد (٢): (ما بعث اللَّه نبيًّا إلا حسن الوجه والصوت)، فالمراد نبي يحسن الصوت كما يدل عليه قوله: (بالقرآن يجهر به) تفسير لمعنى التغني المراد في هذا الباب، فإن المراد تحسين الصوت وتطييبه وتزيينه وترقيقه وتحزينه بحيث يورث الخشية، ويجمع الهم، ويزيد الحضور، ويبعث الشوق، ويرقّ القلب، ويؤثر\n_________\n= في قواعد التجويد\".\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٨٢).\n(٢) أخرجه الترمذي في \"الشمائل\" (٢٧٤).","vol":"4","page":587},{"text":"٢١٩٤ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٥٢٧].\nــ\nفي السامعين مع رعاية قوانين التجويد، ومراعاة النظم في الكلمات والحروف، كما جاء في الحديث (١): أيّ الناس أحسن صوتًا للقرآن وأحسن قراءة؟ قال: (من إذا سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى)، وهو الصوت الطبيعي الذي للعرب بحسن غاية الطبيعية المراد بلحن العرب، وإليه الإشارة بقول أبي موسى: لَحَبَّرْتُهُ تحبيرًا، وأما التكلف برعاية قوانين الموسيقى فمكروه، وإذا أدى إلى تغير القرآن فحرام بلا شبهة، وسيأتي من الأحاديث ما يدل على ذلك.\n٢١٩٤ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) قال سفيان بن عيينة: المراد من التغني بالقرآن الاستغناء به من الناس، فينبغي لمن آتاه العلم والقرآن أن يستغني ويتوكل على مولاه، ولا يتكل على الناس، وقد ورد الوعيد في القراء الزائرين للأمراء المتوسلين بالقرآن والعلم إلى الأغنياء، فقد جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] أن المراد بالفضل الإيمان، وبالرحمة القرآن، وقيل: المراد أن يستغني عن غيره من الكتب السالفة، وقد أنكر بعض العلماء تفسير التغني بالاستغناء، وقال: لم يجئ ذلك في كلام العرب، والصواب مجيئه فيه، قال القاضي عياض: تغنيت وتغانيت بمعنى: استغنيت. وقد جاء في حديث البخاري (٢) في الخيل: (ربطها تغنِّيًا وتعففًا)، ولا شك أن التغني هنا بمعنى الاستغناء، وفي (القاموس) (٣): تغنيت: استغنيت، وتغانَوا: استغنى بعضهم عن بعض، وكذا في\n_________\n(١) أخرجه الدارمي في \"سننه\" (٣٤٨٩).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٢٣٧١).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢١١).","vol":"4","page":588},{"text":"٢١٩٥ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: \"اقْرَأْ عَلَيَّ\". قُلْتُ: أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: \"إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي\". فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى أَتَيْتُ إِلَى هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] قَالَ: \"حَسْبُكَ الآنَ\"، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٨٢، م: ٨٠٠].\nــ\n(الصحاح) (١)، فظهر أن هذا معنى صحيح، ولكن الظاهر أن المراد هو تحسين الصوت المذكور في الأحاديث الأخر، وعليه الشافعي وأصحابه وأكثر العلماء.\n٢١٩٥ - [٩] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا﴾) الآية، قال البيضاوي في (تفسيره) (٢): فكيف حال هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم (﴿إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾) يعني نبيهم يشهد على فساد عقائدهم وقبح أعمالهم، (﴿وَجِئْنَا بِكَ﴾) يا محمد (﴿عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾) تشهد على صدق هؤلاء الشهداء، وقيل: (هؤلاء) إشارة إلى الكفرة المستفهم عن حالهم، وقيل: إلى المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].\nوقوله: (فإذا عيناه تذرفان) ذرف الدمع: سال، وذرفت عينه: سال دمعها، وذرفت العينُ دمعَها: أسالها، والدمع مذروف وذريف، وإنما بكى -ﷺ- لتصور القيامة وأهوالها، وشدة أحوال الناس فيها لفرط رأفته ومزيد شفقته عليهم، فافهم.\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٦/ ٢٤٥٠).\n(٢) \"البيضاوي\" (١/ ٤٥٨).","vol":"4","page":589},{"text":"٢١٩٦ - [١٠] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لأُبَيِّ بْنِ كعْبٍ: \"إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ\" قَالَ: آللَّهُ سَمَّانِي لَكَ؟ قَالَ: \"نَعَمْ\". قَالَ: وَقَدْ ذُكِرْتُ عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: \"نَعَمْ\". فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قَالَ: وَسَمَّانِي؟ قَالَ: \"نَعَمْ\". فَبَكَى. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٦٠، م: ٧٩٩].\n٢١٩٧ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ. . . . .\nــ\n٢١٩٦ - [١٠] (أنس) قوله: (أن أقرأ عليك) قراءة تعليم وإملاء لتحفظها من فيّ، وفيه منقبة عظيمة لأبيّ، وقد ورد في الحديث (١): (أقرؤكم أبيّ)، وقد أخذ منه قوم كثير من التابعين.\nوقوله: (آللَّه سماني) الاستفهام للتعجب من تسمية اللَّه إياه لنبيه -ﷺ-، وفيه استلذاذ كثير، ولذلك قال: (وقد ذكرت عند رب العالمين) أي: في حضرته، (فذرفت عيناه) فرحًا وسرورًا، وذلك أحد أسباب البكاء، وليس البكاء منحصرًا في الغم والحزن، يعرفه أهل المحبة والذوق.\nوقوله: (أن أقرأ عليك ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾) وجه تخصيص هذه السورة كونها وجيزة جامعة، وكان الوقت يقتضي الاختصار، كذا قيل، واللَّه أعلم.\n٢١٩٧ - [١١] (ابن عمر) قوله: (أن يسافر) بفتح الفاء.\nوقوله: (بالقرآن) حال، والباء للمصاحبة، كما في: دخلت عليه بثياب السفر، والمراد بالقرآن المصحف.\n_________\n(١) انظر: \"سنن الترمذي\" (١٠٦١).","vol":"4","page":590},{"text":"إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩٩٠، م: ١٨٦٩].\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ: \"لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ، فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ\".\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-608> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢١٩٨ - [١٢] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَلَسْتُ فِي عِصَابَةٍ مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ بَعْضَهُمْ لَيَسْتَتِرُ بِبَعْضٍ مِنَ الْعُرْي، وَقَارِئٌ يَقْرَأُ عَلَيْنَا، إِذْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَامَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَكَتَ الْقَارِئُ، فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: \"مَا كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ؟ \" قُلْنَا: كُنَّا نَسْتَمِعُ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ: \"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ مِنْ أُمَّتِي. . . . .\nــ\nقوله: (إلى أرض العدو) وكان يكتبه بعض الصحابة لنفسه للحفظ أو التلاوة، وإن لم يكن مجموعًا كله في مصحف واحد، أو كان هذا إخبارًا بالغيب، وقيل: المراد نهي الحفاظ من الصحابة أن يذهبوا إلى أرض العدو فيهلكوا ويضيع ما عندهم من القرآن كما قتل القراء في بئر معونة، فإن قلت: قد كانوا يذهبون إلى الغزوات؟ قلت: لعل المراد تفردهم بالسفر، ومع العسكر لا يتعين هلاكهم، واللَّه أعلم بالصواب.\nالفصل الثاني\n٢١٩٨ - [١٢] (أبو سعيد الخدري) قوله: (في عصابة) أي: جماعة، والعصابة بالكسر، والعصبة بالضم من الرجال والخيل والطير: ما بين العشرة إلى الأربعين.\nوقوله: (العري) بالضم والسكون خلاف اللبس.\nوقوله: (فسلم) أي: رسول اللَّه -ﷺ-، والفاء جواب شرط محذوف، أي: فلما سكت سلّم، فيفهم منه أن السلام على قارئ القرآن مكروه، فافهم.\nوقوله: (كنا نستمع إلى كتاب اللَّه) أي: نصغي، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ","vol":"4","page":591},{"text":"مَنْ أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُمْ\". قَالَ: فَجَلَسَ وَسَطَنَا لِيَعْدِلَ بِنَفْسِهِ فِينَا، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا، فَتَحَلَّقُوا وَبَرَزَتْ وُجُوهُهُمْ لَهُ، فَقَالَ: \"أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وَذَاكَ خَمْسُ مِئَةِ سَنَةٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٦٦].\n٢١٩٩ - [١٣] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ\"،\nــ\nإِلَيْكَ﴾ [الأنعام: ٢٥].\nوقوله: (ليعدل بنفسه) أي: ليجعل نفسه عديلًا مساويًا من غير امتياز، (ثم قال) أي: أشار (بيده هكذا) أي: تحلقوا؛ لتبرز وجوههم له، و(الصعاليك) جمع صعلوك كعصفور: الفقير، وتَصَعْلَك: افتقر، وصعلكه: أفقره.\nوقوله: (قبل أغنياء الناس) أي: الشاكرين منهم، كما أن المراد بالفقراء الصابرون، أي: وإن كان الأغنياء أفضل كما يدل عليه الحديث الآخر، وذهب إليه بعض، ويفهم من ظاهر الحديث أن هذا مخصوص بفقراء المهاجرين إلا أن يكون قيدًا اتفاقيًا، وقد جاء في حديث آخر (١): (إن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفًا)، إلا أن يقال: إن العلة هو الفقر، وهي مشتركة بين الفقراء، وقد جاء بلفظ الإطلاق أيضًا (٢): (يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمس مئة عام)، ويجيء الكلام فيه في: (باب فضل الفقراء) إن شاء اللَّه تعالى، واللَّه أعلم.\n٢١٩٩ - [١٣] (البراء بن عازب) قوله: (زينوا القرآن بأصواتكم) قيل: هو\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٢٩٧٩).\n(٢) أخرجه الترمذي (٢٣٥٣).","vol":"4","page":592},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٤/ ٢٨٥، د: ١٤٦٨، جه: ١٣٤٢، دي: ٢/ ٤٧٤].\n٢٢٠٠ - [١٤] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنِ امْرِئٍ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ ثُمَّ يَنْسَاهُ إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمَ\". . . . .\nــ\nمحمول على القلب، وقد روي كذلك، ويجوز أن يجري على ظاهره؛ لما يأتي من قوله -ﷺ- (١): (فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا)، ولا محذور في ذلك، لأن ما يزين الشيء يكون تابعًا له وملحقًا، كالحلي بالنسبة إلى العروس، وأيضًا المراد بالقرآن قراءته، وهو فعل العبد، وفيه أن تحسين الصوت بالقرآن مستحب، وذلك مقيد برعاية التجويد وعدم التغير.\n٢٢٠٠ - [١٤] (سعد بن عبادة) قوله: (ثم ينساه) ظاهره نسيانه بعد حفظه، فقد عدّ ذلك في الكبائر، وقيل: المراد به جهله بحيث لا يعرف القراءة، وقيل: النسيان يكون بمعنى الذهول وبمعنى الترك، وهو ههنا بمعنى الترك، أي: ترك العمل به وقراءته، وقد جاء في الحديث (٢) عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أوتيها رجل ثم نسيها).\nوقوله: (أجذم) الجذم بمعنى القطع، جذمه يجذمه: قطعه، وذكرت في تفسيره أقوال، فقيل: مقطوع اليد، قال في (القاموس) (٣): الأجذم: المقطوع اليد، أو الذاهب\n_________\n(١) أخرجه الدارمي (٣٥٠١).\n(٢) أخرجه أبو داود (٤٦١)، والترمذي (٢٩١٦).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٠٣).","vol":"4","page":593},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ١٤٧٤، دي: ٢/ ٤٣٧].\n٢٢٠١ - [١٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَمْ يَفْقَهْ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ. . . . .\nــ\nالأنامل، يقال: جذِمتْ يده كفرح، وجذمتُها وأجذمتُها، وفي (الصحاح) (١): جذم الرجل، أي: صار أجذم، وهو المقطوع اليد، ثم أورد هذا الحديث مستشهدًا له، وقيل: الأجذم هنا بمعنى الذي ذهبت أعضاؤه كلها، إذ ليست يد القارئ أولى من سائر أعضائه، ويقال: أجذم ومجذوم: إذا تهافتت أطرافه، ولعله أخذه من الجذام للعلة المعروفة التي تحدث من انتشار السوداء في البدن كله، فيفسد مزاج الأعضاء وهيئاتها، وربما انتهى إلى تأكّل الأعضاء وسقوطها، لكن الجوهري منع استعمال أجذم في هذا المعنى، وقال: إنما يقال فيه: مجذوم لا أجذم، وخطأه صاحب (القاموس) في ذلك وقال: وهم الجوهري في منعه، نعم حمل (أجذم) على معنى قطع اليد خاصة يناسب ما وقع في حديث علي -﵁-: (من نكث بيعته لقي اللَّه وهو أجذم)؛ فإن البيعة تكون باليد، فيعاقب على نكثها بقطع اليد، على أنه قد يتكلم في تخصيصه فيه أيضًا ويقال: لو كان العقاب لا يقع إلا بجارحة عصت لما عوقب الزاني بالجلد والرجم في الدنيا وبالنار في الآخرة، فافهم.\nهذا، وقد يحمل (أجذم) على معنى مقطوع الحجة، أي: لا لسان له يتكلم، ولا حجة في يده، ويقال: ليس له يد، أي: لا حجة له، وكأنه اعتبر أن الحجة تكون مكتوبة في صحيفة تؤخذ باليد عند الاحتجاج، وقيل: خالي اليد عن الخير، وقيل: ساقط الأسنان، والجذم في الأصل بمعنى القطع، فتدبر.\n٢٢٠١ - [١٥] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٥/ ١٨٨٤).","vol":"4","page":594},{"text":"ثَلَاثٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٩٤٩، د: ١٣٩٤، دي: ١/ ٣٥٠].\n٢٢٠٢ - [١٦] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْجَاهِرُ بِالْقُرْآنِ كَالْجَاهِرِ بِالصَّدَقَةِ، وَالْمُسِرُّ بِالْقُرْآنِ كَالْمُسِرِّ بِالصَّدَقَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٩١٩، د: ١٣٣٣، ن: ٢٥٦١].\nــ\nثلاث) ظاهره المنع من ختمه في أقل من هذه المدة، ولكنهم قالوا: قد اختلفت عادات السلف في مدة الختم من ختمة في شهرين إلى ثماني ختمات في كل يوم وليلة، والمختار أنه يكره التأخير في ختمه أكثر من أربعين يومًا، وروي أنه يحاج القرآن لمن لم يختمه في أربعين يومًا، وكذا التعجيل من ثلاثة أيام لهذا الحديث، والأولى أن يختمه في الأسبوع يبتدأ ليلة الجمعة ويختم ليلة الخميس.\nوالحق أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص كما ذكره الطيبي (١) نقلًا عن النووي في (الأذكار) (٢).\n٢٢٠٢ - [١٦] (عقبة بن عامر) قوله: (الجاهر بالقرآن. . . إلخ)، يدل على أفضلية القراءة سرًّا، وقد جاءت أخبار وآثار في فضيلة الجهر، والجمع بينهما أن الإسرار أفضل في حق من يخاف الرياء، وإلا فالجهر أفضل بشرط أن لا يؤذي غيره من مصل أو نائم أو غيرهما، والتوسط أفضل كما يدل عليه الكتاب والسنة.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢٨٢).\n(٢) \"الأذكار\" (١/ ١٠٢).","vol":"4","page":595},{"text":"٢٢٠٣ - [١٧] وَعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا آمَنَ بِالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ. [ت: ٢٩١٨].\n٢٢٠٤ - [١٨] وَعَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ أَنَّهُ سَأَلَ أُمَّ سَلَمَةَ عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَإِذَا هِيَ تَنْعَتُ قِرَاءَةً مُفَسَّرَةً حَرْفًا حَرْفًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٢٩٢٣، د: ١٤٦٦، ن: ١٠٢٢].\n٢٢٠٥ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجِ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ، يَقُولُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثُمَّ يَقِفُ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثُمَّ يَقِفُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ، لأَنَّ اللَّيْثَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ. . . . .\nــ\n٢٢٠٣ - [١٧] (صهيب) قوله: (من استحل محارمه) الظاهر أن المراد باستحلال المحارم عدم الاجتناب عنها، والحديث على التغليظ والتشديد، واللَّه أعلم.\n٢٢٠٤ - [١٨] (الليث بن سعد) قوله: (وعن الليث بن سعد عن ابن أبي مليكة) بضم الميم وفتح اللام وسكون التحتانية آخره تاء (عن يعلى بن مملك) بفتح الميم الأولى وسكون الثانية وفتح اللام.\nوقوله: (فإذا هي تنعت) يحتمل أن يكون نعتها بالقول أو بالفعل.\n٢٢٠٥ - [١٩] (ابن جريج) قوله: (ابن جريج) بالجيمين بلفظ التصغير.\nوقوله: (﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثم يقف، ثم يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثم يقف) اعلم أن الوقف على ثلاثة أقسام: تام، وكاف، وحسن؛ لأن الكلام إذا كان","vol":"4","page":596},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nتامًّا، أي: مفيدًا فائدة يصح عليها السكوت، وكان مع ذلك غير متعلق بما بعده لا لفظًا ولا معنى فالوقف تام، فينبغي أن يوقف عليه ويبدأ بما بعده، وذلك عند تمام القصص، وأكثر ما يكون موجودًا في الفواصل ورؤس الآي كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، يوقف عليه ويبدأ بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وكقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، يوقف عليه ويبدأ بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾.\nوإذا كان الكلام تامًّا وله تعلق بما بعده من حيث المعنى دون اللفظ فالوقف كافٍ، يوقف ويبدأ أيضًا؛ لكون الكلام السابق كافيًا في أداء المقصود، وعدم شدة تعلقه بما بعده، بناء على كون التعلق من جهة المعنى فقط في حكم العدم، حتى لا ينضم إليه التعلق اللفظي الظاهر أثره في اللفظ والإعراب نحو: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، يوقف عليه ويبدأ بـ ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، وكالوقف على قوله: ﴿هُمْ يُوقِنُونَ﴾.\nوإن كان الكلام تامًّا متعلقًا بما بعده لفظًا ومعنًى -وهو الغاية في التعلق- فالوقف حسن. جاز الوقف أيضًا على حسن لعدم ما يوجب القبح نظرًا إلى كون الكلام مفيدًا صحيح السكوت عليه، ولكن لا يحسن الابتداء بما بعده نظرًا إلى شدة التعلق والارتباط، ومثاله قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ جاز الوقف عليه من غير قبح، ولكن لا يحسن الابتداء بقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾؛ لأنه مجرور تابع لما قبله، والابتداء بمثل ذلك يكون قبيحًا، فينبغي للقارئ إن وقف عليه [أن] يرجع ويقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\nنعم إذا كان هذا القسم رأس آية صح الابتداء بما بعده؛ فإن الوقف على رؤس الآي والابتداء بما بعده سنة مطلقًا، وإن كان التعلق شديدًا.\nوأصله هذا الحديث المروي عن أم سلمة، وله طرق كثيرة وإن كان بعضها ضعيفًا،","vol":"4","page":597},{"text":"عَنْ يَعْلَى بْنِ مَمْلَكٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَحَدِيثُ اللَّيْثِ أَصَحُّ.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-609> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٢٠٦ - [٢٠] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَفينَا الأَعرَابِيُّ وَالأَعْجَمِيُّ، فَقَالَ: \"اقْرَؤُوا فَكُلٌّ حَسَنٌ،\nــ\nكذا ذكروا، وهو أصل في هذا الباب، فظهر أن ما قال الطيبي (١): إن الوقف هنا يوجب قطع الصفة عن الموصوف وهو غير صواب، وما قال صاحب (سفر السعادة) (٢): إن القراء اشترطوا في الوقف انفصال الكلام عما قبله وهو خلاف السنة، غير وارد، فتدبر.\nوقوله: (وحديث الليث أصح) ليس بين الحديثين منافاة وتقابل، فلم يقع هذا القول في موقعه كما لا يخفى.\nالفصل الثالث\n٢٢٠٦ - [٢٠] (جابر) قوله: (وفينا الأعرابي والأعجمي) في (القاموس) (٣): العرب: سكان الأمصار أو أعم، والأعراب منهم سكان البادية، لا واحد له، ولا بد أن لا تكون قراءتهم في مرتبة قراءة العرب الفصحاء في التجويد ورعاية القواعد من الأصحاب، ولكنه -ﷺ- أجاز قراءتهم كلهم وقررها وحسنها، ومراده دفع الحرج، والاستقصاء إلى الغاية، والنية في تحري الحسبة، والإخلاص في العمل، والتفكر في معاني القرآن، والغوص في بحارها، وشدة الاهتمام بهذا؛ فإن الاستقصاء في الأول دون الاهتمام بالثاني مما لا ينفع، ومع الاهتمام بالثاني والمساهلة في الأول لا يضر،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢٨٣).\n(٢) انظر: \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٥٤).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨).","vol":"4","page":598},{"text":"وَسَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يُقِيمُونَهُ كَمَا يُقَامُ الْقِدْحُ، يَتَعَجَّلُونَهُ وَلَا يَتَأَجَّلُونَهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [د: ٨٣٩، شعب: ٤/ ٢٠٤].\n٢٢٠٧ - [٢١] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اقْرَؤُوا الْقُرْآنَ بِلُحُونِ الْعَرَبِ وَأَصْوَاتِهَا، وَإِيَّاكُمْ وَلُحُونَ أَهْلِ الْعِشْق وَلُحُون أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، وَسَيَجِيءُ بَعدِي قَومٌ يُرَجِّعُونَ بِالْقُرْآنِ تَرْجِيعَ الْغِنَاءِ وَالنَّوْحِ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ،\nــ\nكما قال: (وسيجيء أقوام يقيمونه) أي: يصلحونه ويسوّونه (كما يقام القِدح) بالكسر: وهو السهم قبل أن يراش وينصل، و(يتعجّلون) أي: يطلبون ثوابه في الدنيا ولا يطلبونه في الآخرة، أي: يؤثرون الدنيا على الآخرة.\n٢٢٠٧ - [٢١] (حذيفة) قوله: (بلُحون العرب) في (القاموس) (١): لَحَّنَ في قِراءَتِهِ: طَرَّبَ فيها، وفي (الصراح) (٢): لحن آواز ألحان لحون جماعت وآواز كردانيدن، لحن في قراءته: إذا طرب بها وغرد، وهو ألحن الناس أحسنهم قراءة، والمراد بلحون العرب ما كان فيه تحسين الصوت وتطريبه من غير تكلف في رعاية القوانين الموسيقية بإعانة الطبيعة كما يشاهد ذلك في قراءتهم، و(لحون أهل العشق) ما يفعلون في مغازلة النساء ومحادثتهن في الأشعار وما يجري مجراها من رعاية قواعد الموسيقي، وكان اليهود والنصارى يقرؤون كتبهم نحوًا من ذلك ويتكلفون فيها، وقد يصحف لفظ العشق بالفسق وليس بصحيح، و(الترجيع) في القراءة ترديد الحروف وتحريك الصوت.\nوقوله: (ولا يجاوز حناجرهم) كناية عن عدم صعودها إلى مصعد القبول.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٣٤).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٥٢٦).","vol":"4","page":599},{"text":"مَفْتُونَةٌ قُلُوبُهُمْ وَقُلُوبُ الَّذِينَ يُعْجبُهُمْ شَأْنُهُمْ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" وَرَزِينٌ فِي كِتَابِهِ. [شعب: ٤/ ٢٠٨].\n٢٢٠٨ - [٢٢] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"حَسِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ، فَإِنَّ الصَّوْتَ الْحَسَنَ يَزِيدُ الْقُرْآنَ حُسْنًا\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢/ ٤٧٤].\n٢٢٠٩ - [٢٣] وَعَنْ طَاوُوسٍ مُرْسَلًا قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ -ﷺ-: أَيُّ النَّاسِ أَحْسَنُ صَوْتًا لِلْقُرْآنِ؟ وَأَحْسَنُ قِرَاءَةً؟ قَالَ: \"مَنْ إِذَا سَمِعْتَهُ يَقْرَأُ أُرِيتَ أَنَّهُ يَخْشَى اللَّه\". قَالَ طَاوُوسٌ: وَكَانَ طَلْقٌ كَذَلِك. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢/ ٤٧١ - ٤٧٢].\nــ\nوقوله: (مفتونة قلوبهم) أي مبتلى بحب الدنيا ومراءاة الناس وتحسينهم، نعوذ باللَّه من ذلك.\n٢٢٠٨ - [٢٢] (البراء بن عازب) قوله: (فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسنًا) وبذلك تزداد لذته على السامع، ويدخل في قلبه، ويؤثر تأثيرًا، فيورث زيادة محبة وشوق إلى طاعة اللَّه ولقائه، وبهذا الوجه كان سماع الصحابة -﵃- المشار إليه بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨]، وهذا مما لا يختلف في حسنه واستحبابه اثنان من أهل الإيمان، والكلام في هذا المقام طويل تركناه مخافة التطويل.\n٢٢٠٩ - [٢٣] (طاوس مرسلًا) قوله: (أريت) بلفظ الماضي المجهول من الإراءة، حاصل الجواب أنه تظهر في حسن صوته آثار الخشية والتحزن، فالخشية إنما تفهم من صوته وقراءته على الصفة المخصوصة، فمن يوجد في صوته بهذه الصفة فهو","vol":"4","page":600},{"text":"٢٢١٠ - [٢٤] وَعَنْ عَبِيدَةَ الْمُلَيْكِيِّ -وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ! لَا تَتَوَسَّدُوا الْقُرْآنَ، وَاتْلُوهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ مِنْ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَفْشُوهُ وَتَغَنُّوهُ وَتَدَبَّرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَلَا تُعَجِّلُوا ثَوَابَهُ فَإِنَّ لَهُ ثَوَابًا\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٥/ ١٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-610>٢ - باب</span>\nــ\nأحسن صوتًا، فليس الجواب من الأسلوب الحكيم كما قال الطيبي (١): حيث اشتغل بالجواب عن الصوت الحسن بما يظهر الخشية في القارئ المستمع، فافهم.\n٢٢١٠ - [٢٤] قوله: (عبيدة) بفتح العين وكسر الباء (٢) (المليكي) بضم الميم وفتح اللام، كذا صحح في النسخ.\nوقوله: (لا تتوسدوا القرآن) كناية عن التكاسل والنوم والتغافل عن القيام بحقوقه.\nوقوله: (وأفشوه) بالإسماع والتعليم والكتابة والتفسير والمدارسة.\nوقوله: (ولا تعجلوا) أي: لا تطلبوا ثوابه في العاجلة، (فإن له ثوابًا) عظيمًا في الآخرة. بضم التاء وكسر الجيم المشددة وبفتحهما.\n٢ - باب في اختلافات القرآن\nهذا أيضًا باب من غير ترجمة، وفي بعض النسخ: (باب في اختلافات القرآن وجمع القرآن)، ويكون المراد اختلاف قراءاته ولغاته وجمعه في مصحف واحد.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢٨٦).\n(٢) قال القاري (٤/ ١٥٠٦): وفي نسخة بضم ففتح.","vol":"4","page":601},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-611> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٢١١ - [١] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يقْرَأ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَقْرَأَنِيهَا، فَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقلت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَرْسِلْهُ، اقْرَأ\" فَقَرَأَ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَكَذَا أُنْزِلَتْ\"، ثُمَّ قَالَ لي: \"اقْرَأ\" فَقَرَأتُ، فَقَالَ: \"هَكَذَا أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظ لِمُسْلِمٍ. [خ: ٢٤١٩، م: ٨١٨].\nــ\nالفصل الأول\n٢٢١١ - [١] (عمر بن الخطاب) قوله: (هشام بن حكيم بن حزام) بكسر الحاء وبالزاي.\nوقوله: (على غير ما أقرؤها) أي: على [غير] وجه قراءة كنت أقرأ السورة عليه.\nوقوله: (أن أعجل) بالتخفيف، وفي بعض النسخ: بالتشديد.\nوقوله: (ثم [أمهلته حتى] انصرف) أي: عن القراءة، أي: تركها.\nوقوله: (ثم لببته بردائه) لببته تلبيبًا: إذا جمعت ثيابه عند نحره في الخصومة ثم جررته، واللَّبَّة واللَّبب: المنحر.\nوقوله: (أرسله) خطاب لعمر -﵁-، و(اقرأ) خطاب لهشام.\nوقوله: (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف) قد سبق في كتاب العلم بيان المراد بسبعة أحرف أنها القراءات أو اللغات المختلفة.","vol":"4","page":602},{"text":"٢٢١٢ - [٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ، وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقْرَأُ خِلَافَهَا، فَجئْتُ بِهِ النَّبِيَّ -ﷺ- فَأَخْبَرْتُهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ، فَقَالَ: \"كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ، فَلَا تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٤١٠].\n٢٢١٣ - [٣] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ يُصَلِّي، فَقَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ دَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ قِرَاءَةً سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ دَخَلْنَا جَمِيعًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذَا قَرَأَ قِرَاءَةً أَنْكَرْتُهَا عَلَيْهِ، وَدَخَلَ آخَرُ فَقَرَأَ سِوَى قِرَاءَةِ صَاحِبِهِ، فَأَمَرَهُمَا النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَرَأَا، فَحَسَّنَ شَأْنَهُمَا، فَسُقِطَ فِي نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ (١) وَلَا إِذْ كُنْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ،. . . . .\nــ\n٢٢١٢ - [٢] (ابن مسعود) قوله: (في وجهه الكراهية) لجداله وخلافه، والاختلاف المنهي عنه إنكار أحد وجوه القرآن التي أنزل عليها.\n٢٢١٣ - [٣] (أبي بن كعب) قوله: (فلما قضينا) بلفظ المتكلم مع الغير، وفي بعض النسخ: (فلما قضيا) بلفظ التثنية.\nوقوله: (ولا إذ كنت في الجاهلية) أي: ولا وقع في نفسي التكذيب والوسوسة إذ كنت في الجاهلية، وهذا مبالغة، ولأنه كان في الجاهلية جاهلًا، فلا يستبعد وقوع التكذيب والوسوسة إذ ذاك.\n_________\n(١) قال القاري: جاء في الفرقان الحميد: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٤٩]، يقال: سقط في يده أو يديه بمعنى ندم، فالمراد ههنا: ندمت من تكذيبي إياهم مثل ما لم أندم مثله في زمان قطّ من الإسلام والجاهلية، فتأمل. انتهى ملخصًا. انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٥١٠).","vol":"4","page":603},{"text":"فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَا قَدْ غَشِيَنِي ضَرَبَ فِي صَدْرِي، فَفِضْت عَرَقًا، وَكَأَنَّمَا أَنظُرُ إِلَى اللَّهِ فَرَقًا، فَقَالَ لِي: \"يَا أُبَيُّ! أُرْسِلَ إِلَيَّ: أَنِ اقْرَأ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ: أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّانِيَةَ: اقْرَأْهُ عَلَى حَرْفَيْنِ، فَرَدَدْتُ إِلَيْهِ: أَنْ هَوِّنْ عَلَى أُمَّتِي، فَرَدَّ إِلَيَّ الثَّالِثَةَ: اقْرَأْهُ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، وَلَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مَسْأَلَةٌ. . . . .\nــ\nوقوله: (ما قد غشيني) أي: من التكذيب والوسواس.\nوقوله: (ففضت) على وزن (بعت)، من فاض الماء يفيض فيضًا: كثر حتى سال، و(عرقًا) تمييز، وهذا أبلغ من أن يقول: فاض عرقي، مثل قول القائل: سالت عيني دمعًا، و(فرقًا) بفتحتين، أي: خوفًا، مفعول له، و(أرسل) بصيغة المجهول أو المعلوم، أي: اللَّه تعالى، والأول أشهر رواية، والثاني أبلغ معنى؛ لأنه لما انكشف على أبيّ جلال اللَّه ونظر إليه بعين قلبه أرجع إليه الضمير غير ما سبق ذكره، أي: أرسل الذي رأيته ونظرت إليه.\nوقوله: (أن أقرأ) بلفظ المتكلم والأمر.\nوقوله: (فرددت) أي: راجعت إليه (فرد) أي: أرسل (إليّ الثانية) بلفظ المجهول أو المعلوم، والظاهر أن (اقرأه) هذا بلفظ الأمر، وكذا ما بعده.\nوقوله: (ولك بكل ردة [رَدَدْتُكَهَا] مسألة) (١) أي: إجابة مسألة أيّ مسألة كانت،\n_________\n(١) قال القاري (٤/ ١٥١١): أَيْ لَكَ بِمُقَابَلَةِ كُلِّ دَفْعَةٍ رَجَعَتْ إِلَيَّ، وَ(رَدَدْتُكَهَا) بِمَعْنَى أَرْجَعْتُكَ إِلَيْهَا بِحَيْثُ مَا هَوَّنْتُ عَلَى أُمَّتِكَ مِنْ أَوَّلِ الأَمْرِ \"مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُنِيهَا\" قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذِهِ الْجُمْلَةُ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، يَعْنِي مَسْأَلَةً مُسْتَجَابَةً قَطْعًا، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ يَنْبَغِي أَنْ تَسْأَلَنِيهَا فَأُجِيبَكَ إِلَيْهَا، انتهى.","vol":"4","page":604},{"text":"تَسْأَلُنِيهَا، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأُمَّتِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لأُمَّتِي، وَأَخَّرْتُ الثَّالِثَةَ لِيَوْمٍ يَرْغَبُ إِلَيَّ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ ﵇\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٢٠].\nــ\nولذا وصفها بصيغة الجنس للتعميم، وقال: (تسألنيها) على وزن ﴿طَائِرٍ يَطِيرُ﴾.\nلما سأل رسول اللَّه -ومحبوبه ومقبوله في الحضرة -ﷺ- ثلاث مرات (أن هون على أمتي)، بارك ﷾ عليه وكرّمه زيادة بركات وتكريمات متعلقة بأمر الآخرة لأمته المرحومة بعد أن أنجح مرامه وأسعف سؤله فيهم في أمر الدنيا بجميع التيسير والتسهيل عليهم في الدنيا والآخرة، فأمره تعالى بأن يسأله ثلاث مسائل، فسأل صلاة اللَّه وسلامه المغفرة لهم ثلاثًا، فالأولى للسابقين لما يصدر عنهم من الهفوات والزلات ما لا يليق بشأن قربهم ومكانهم من اللَّه على ما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، والثانية للمقتصدين المقصِّرين الذين خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وأَخَّرَ الثالثة للظالمين الذين ظلموا أنفسهم بارتكابهم المعاصي وانهماكهم فيها، حتى لعل واحدًا منهم لم يكن فيهم إلا مثل حبة خردل من إيمان أو خير.\nقال الطيبي (١): إنه -ﷺ- جعل الدعوات الثلاثة مقصورة على دعوة واحدة -وهي المغفرة- اقتصارًا على الأهم والأصل الجامع لجميع الخيرات، وامتثل أمره تعالى بالتثليث بتكراره ثلاثًا بطريق التأكيد، أو في أزمنة متعددة مرتين في الدنيا ومرة في الآخرة يوم تظهر رفعة شأنه وعظمة برهانه، وذلك اليوم يوم ينادي كل نبي: نفسي نفسي، وهو -ﷺ- يقول: (أمتي أمتي).\nوقوله: (حتى إبراهيم) تخصيصه بالذكر لأنه أبوه وأصله وأفضل الأنبياء بعد نبينا صلوات اللَّه وسلامه عليه كما نص عليه العلماء، وليس عنهم نص في غيره من الأنبياء\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢٩١).","vol":"4","page":605},{"text":"٢٢١٤ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"أَقْرَأَنِي جِبْرِيلُ عَلَى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُنِي حَتَّى انْتَهَى إِلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ\". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: بَلَغَنِي أَنَّ تِلْكَ السَّبْعَةَ الأَحْرُفَ إِنَّمَا هِيَ فِي الأَمْرِ تَكُونُ وَاحِدًا لَا تَخْتَلِفُ فِي حَلَالٍ وَلَا حَرَامٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٩١، م: ٨١٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-612> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٢١٥ - [٥] عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جِبْرِيلَ فَقَالَ: \"يَا جِبْرِيلُ! إِنِّي بُعِثْتُ إِلَى أُمَّةٍ أُمِّيِّينَ، مِنْهُمُ الْعَجُوزُ،\nــ\nمراتب (١)، وقيل: موسى أفضل بعد إبراهيم صلوات اللَّه وسلامه أجمعين، بل كلهم في الحقيقة داخلون في حوزة أمته؛ لأنه نبي الأنبياء ورسول الرسل، وكأنه لهذا تمنى من تمنى منهم: اللهم اجعلني من أمة محمد -ﷺ- أجمعين.\n٢٢١٤ - [٤] (ابن عباس) قوله: (إنما هي في الأمر) أي: أمر الدين (تكون واحدًا لا تختلف) مرجع الجميع إلى معنى واحد وإن اختلف اللفظ؛ فإن القراءات السبع لا تتناقض، وكذا اللغات المذكورة.\nالفصل الثاني\n٢٢١٥ - [٥] (أبي بن كعب) قوله: (أميين) في (القاموس) (٢): الأمي: من لا يكتب، ولم يتعلم الكتاب، وهو باق على جبلته كما ولدته أمه.\nوقوله: (منهم العجوز) العجوز والعجوزة: امرأة مسنّة، كذا في (مجمع\n_________\n(١) كذا في الأصول، والظاهر: \"في ذكر المراتب\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٩٤).","vol":"4","page":606},{"text":"وَالشَّيْخُ الْكَبِيرُ، وَالْغُلَامُ، وَالْجَارِيَةُ، وَالرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَقْرَأْ كِتَابًا قَطُّ، قَالَ: يَا مُحَمَّد! إِن الْقُرْآن أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ: قَالَ: \"لَيْسَ مِنْهَا إِلَّا شَافٍ كَافٍ\". [ت: ٢٩٤٤، حم: ٥/ ١٢٤، د: ١٤٧٧].\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ قَالَ: \"إِنَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ أَتَيَانِي، فَقَعَدَ جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِي وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِي، فَقَالَ جِبْرِيلُ: اقْرَأ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، قَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ، حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، فَكُلُّ حَرْفٍ شَافٍ كَافٍ\". [ن: ٩٤١].\n٢٢١٦ - [٦] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَاصٍّ يَقْرَأُ ثُمَّ يَسْأَلُ، فَاسْتَرْجَعَ ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: . . . . .\nــ\nالبحار) (١)، وقال في (القاموس) (٢): العجوز: الشيخ والشيخة، ولا تقل: عجوزة، أو هي لُغَيَّةٌ رَديئَةٌ.\nوقوله: (والرجل الذي لم يقرأ كتابا قطّ) وإن تعلمه.\nوقوله: (ليس منها إلا شاف كاف) أي: ليس حرف منها إلا هو شاف للصدور وكاف في الحجة.\n٢٢١٦ - [٦] (عمران بن حصين) قوله: (مر على قاص) قص الخبر: أعلمه، والقاصّ: من يأتي بالقصة، ويطلق القُصّاص على الوعاظ، والمراد ههنا من يقصّ الأخبار ويقرأ آيات القرآن أيضًا، و(يسأل) الناس (فاسترجع) عمران، أي: قال: إنا للَّه\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥٣٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٧٨).","vol":"4","page":607},{"text":"\"مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فَلْيَسْأَلِ اللَّهَ بِهِ، فَإِنَّهُ سَيَجِيءُ أَقْوَامٌ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ يَسْأَلُونَ بِهِ النَّاسَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٤/ ٤٣٢، ت: ٢٩١٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-613> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٢١٧ - [٧] عَن بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ يَتَأَكَّلُ بِهِ النَّاسَ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ عَظْمٌ لَيْسَ عَلَيْهِ لَحْمٌ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٢٦٢٥].\n٢٢١٨ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَا يَعْرِفُ فَصْلَ السُّورَةِ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٧٨٨].\nــ\nوإنا إليه راجعون؛ لابتلاء القاصّ بهذه المصيبة التي هي السؤال من الناس بالقرآن، أو لابتلاء عمران بمشاهدة هذه الحال الشنيعة، وهي مصيبة.\nوقوله: (فليسأل اللَّه به) أي: بالقرآن حاجاته الدنيوية والأخروية.\nالفصل الثالث\n٢٢١٧ - [٧] (بريدة) قوله: (يتأكل به الناس) أي: يستأكل ويطلب منهم الأكل، أي: يجعل القرآن وسيلة إلى حطام الدنيا.\n٢٢١٨ - [٨] (ابن عباس) قوله: (لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾) قال الطيبي (١): هذا الحديث وما سيرد في آخر هذا الباب دليلان ظاهران على أن البسملة آية من كل سورة، أنزلت مكررة للفصل.\nأقول: في دلالتهما على أنها جزء من كل سورة كما هو مذهب الشافعي خفاء ظاهر.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٢٩٥).","vol":"4","page":608},{"text":"٢٢١٩ - [٩] وَعَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كُنَّا بِحِمْصَ، فَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ سُورَةَ يُوسُفَ، فَقَالَ رَجُلٌ: مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَاللَّهِ لَقَرَأْتُهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"أَحْسَنْتَ\"، فَبَيْنَا هُوَ يُكَلِّمُهُ إِذْ وَجَدَ مِنْهُ رِيحَ الْخَمْرِ، فَقَالَ: أَتَشْرَبُ الْخَمْرَ وَتُكَذِّبُ بِالْكِتَابِ؟ فَضَرَبَهُ الْحَدَّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٧١٥، م: ١٨٦٧].\n٢٢٢٠ - [١٠] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ: . . . . .\nــ\nنعم يدلان على أنها من القرآن أنزلت للفصل، كما هو مذهبنا، واللَّه أعلم.\n٢٢١٩ - [٩] (علقمة) قوله: (فقال) الضمير فيه لرسول اللَّه -ﷺ-، وفي قوله: (فبينا هو) لرجل، وفي (يكلمه) لابن مسعود، و(وجد) بلفظ المعلوم أو المجهول.\nوقوله: (وتكذب بالكتاب) لا شك أن ما ثبت كونه من كتاب اللَّه يقينًا فتكذيبه كفر، وكان ذلك معلومًا قطعًا عند الصحابة خصوصًا على أمثال ابن مسعود، وبعدهم يثبت ذلك بالتواتر، وقد ادعى الجمهور ذلك في القراءات السبع، وبعضهم في العشرة، وفي هذا الباب كلام يعرف في كتب هذا الفن، وكتاب (الإتقان) للسيوطي وافٍ بذلك، وإن لم يكن ما قرأ ابن مسعود من سورة يوسف في هذه القصة من ذلك القبيل، فإطلاق تكذيب الكتاب عليه المستلزم للكفر تغليظ وتشديد، ولذا لم يحكم بارتداده، واللَّه أعلم.\n٢٢٢٠ - [١٠] (زيد بن ثابت) قوله: (مقتل أهل اليمامة) بالنصب ظرف زمان، أي: أرسل إليّ وطلبني عنده في زمان قتل أهل اليمامة، وهو مقتل بني حنيفة الذي قتل فيه مسيلمة الكذاب -لعنة اللَّه عليه- في خلافة أبي بكر الصديق -﵁-.","vol":"4","page":609},{"text":"إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمَامَةِ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنِ اسْتَحَرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ بِالْمَوَاطِنِ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ، قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرحَ اللَّهُ صَدْرِي لذَلِكَ، وَرَأَيْتُ فِي ذَلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ، قَالَ زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ،\nــ\nوقوله: (إن القتل قد استحر) في (القاموس) (١): استحر القتل: اشتد، والحارّ من العمل: شاقّه.\nوقوله: (بقراء القرآن) وكان عِدّة من قتل من القرّاء سبع مئة.\nوقوله: (وإني أخشى أن استحرّ) إن كان (أن) بالفتح فهو مفعول (أخشى)، وإن كان بالكسر فمفعول (أخشى) محذوف، وكذا جزاء الشرط محذوف بقرينة ما قبله، أو ما قبله هو الجزاء على المذهبين للنحاة في مثل هذا التركيب.\nوقوله: (فيذهب) مرفوع أو منصوب.\nوقوله: (إني أرى) من الرأي.\nوقوله: (قلت: لعمر) قول أبي بكر.\nوقوله: (هذا واللَّه خير) فيه أنه بدعة حسنة، ومن البدع ما هو واجب كتعلم الصرف والنحو، ومنه ما هو مستحب، وقد مر بيانه في أول الكتاب في (باب الاعتصام بالكتاب والسنة).\nوقوله: (فتتبع [القرآن] فاجمعه) أمر من الجمع.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٥٠).","vol":"4","page":610},{"text":"فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْحِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أَمَرَنِي بِهِ مِنْ جَمْعِ الْقُرْآن، قَالَ: قُلْتُ: كَيفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ خَيْرٌ، فَلَمْ يَزَلْ أَبُو بَكْرٍ يُرَاجِعُنِي حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَاللِّخَافِ وَصُدُورِ الرِّجَال، حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوبَةِ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ، لَمْ أَجِدْهَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ حَتَّى خَاتِمَةِ بَرَاءَةَ، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ،\nــ\nوقوله: (فواللَّه) قول زيد بن ثابت.\nوقوله: (لو كلفوني) أي: الناس، ولم يسنده إلى أبي بكر -﵁- تأدّبًا وصونًا له عن الأمر بالمحال، ولو فرضًا وتقديرًا.\nوقوله: (العسب) بضمتين جمع عسيب بالمهملة، وهو جريدة النخل أو ورقه، وأكثر ما يقال إذا يبست، وإذا كانت رطبة فَشَطْبَةٌ، وقال السيوطي: كانوا يكشطون الخوص ويكتبون في الطرف العريض، (واللخاف) بالكسر جمع لخفة بالفتح: حجارة بيض رقاق، وفي رواية: والرقاع، وفي أخرى: وقطع الأديم، وفي أخرى: والأكتاف، وفي أخرى: والأضلاع، وفي أخرى: والأقتاب، والرقاع جمع رقعة، وقد يكون من جلد أو ورق أو كاغد، والأكتاف جمع كتف: وهو العظم الذي للبعير أو الشاة، كانوا إذا جف كتبوا عليه، والأقتاب جمع قتب، وهو الخشب الذي يوضع على ظهر البعير ليركب عليه.\nوقوله: (وصدور الرجال) هذا هو الأصل والمعتمد، ووجدانه من العسب واللِّخاف وغيرها تقرير على تقرير، والمراد بقوله: (لم أجدها مع أحد غيره) يعني","vol":"4","page":611},{"text":"ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٦٩٠].\nــ\nمكتوبًا لا محفوظًا، وكذا ما ورد في بعض الروايات: أنهم كانوا يحلفون من عنده أنه من القرآن، أو قام على ذلك شاهدان، والمراد به التأكيد والتحقيق والمبالغة في الاحتياط، وإلا فقد كان زيد وعدة من الأصحاب حافظين له، وقال الشيخ ابن حجر (١): المراد بالشاهدين الحفظ والكتاب، وقال السخاوي في (جمال القراء) (٢): المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول اللَّه -ﷺ-، وقال أبو شامة: وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي -ﷺ- لا من مجرد الحفظ، قال: ولذلك قال في آخر سورة التوبة: لم أجدها مع غيره، أي: لم أجدها مكتوبة مع غيره؛ لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة، أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك مما عرض على النبي -ﷺ- عام وفاته، وكل ذلك تأكيد ومبالغة في التحقيق والتفتيش، ذكر هذا كله السيوطي في (الإتقان) (٣).\nوأقول: لا شبهة أن القرآن كان معلومًا بالقطع، معروفًا عندهم، متميزًا عما سواه، وكان مجمعًا عليه مقطوعًا به لا أنه كان مشتبهًا، وكان بعضه عند أحد ولا يعرفه آخر، أو ينكر كونه قرآنًا، أو يثبت بالحلف أو الشهادة، حاشا من ذلك، وكانوا يُبدون عن تأليف معجز ونظم معروف، وقد شاهدوا تلاوته من النبي -ﷺ- ثلاثًا وعشرين سنة، فكان عن تزوير ما ليس منه مأمونًا، وإنما كان الخوف من ذهاب شيء من صحيفة، ونقل السيوطي عن الحارث المحاسبي من (كتاب فهم السنن): كتابة القرآن ليست بمحدثة، فإنه -ﷺ- كان يأمر بكتابته، ولكنه كان مفرقًا في الرقاع وغيرها، وإنما أمر الصديق -﵁-\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٤).\n(٢) \"جمال القراء\" (١/ ١٦١).\n(٣) انظر: \"الإتقان في علوم القرآن\" (١/ ٦٨).","vol":"4","page":612},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبنسخها من مكان إلى مكان مجتمعًا، وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول اللَّه -ﷺ- فيها القرآن منتشرًا، فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء.\nوقال الخطابي: إنما لم يجمع -ﷺ- القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بفوته ألهم اللَّه الخلفاء الراشدين ذلك وفاءً بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة، فكان ابتداء ذلك على يد الصديق الأكبر بمشورة عمر -﵄-، والكلام في كتابة مخصوصة على صفة مخصوصة (١).\nتنبيه: قد كان القرآن كله كتب في عهد رسول اللَّه -ﷺ-، لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السورة، ولهذا قال الحاكم (٢): جمع القرآن ثلاث مرات:\nأحدها: بحضرة النبي -ﷺ-، وأخرج بسند على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت قال: (كنا عند رسول اللَّه -ﷺ- نؤلف القرآن في الرقاع)، الحديث.\nوقال البيهقي (٣): يشبه أن يكون المراد تأليف ما نزل من الآيات المتفرقة في سورها، وجمعها فيها بإشارة النبي -ﷺ-.\nوالثانية: بحضرة أبي بكر الصديق -﵁-، روى البخاري في (صحيحه) (٤) عن زيد ابن ثابت قال: (أرسل إليّ أبو بكر)، الحديث المذكور في الكتاب، وأخرج ابن أبي داود في (المصاحف) بسند حسن عن عبد خير قال: سمعت عليًّا -﵁- يقول: أعظم\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٢).\n(٢) \"المستدرك\" (٢٩١٠).\n(٣) \"شعب الإيمان\" (١/ ١٩٥).\n(٤) \"صحيح البخاري\" (٤٩٨٦).","vol":"4","page":613},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالناس في المصحف أجرًا أبو بكر، رحمة اللَّه على أبي بكر، هو أول من جمع كتاب اللَّه (١).\nالثالث: جمع عثمان -﵁-، جمع الصحابة فنسخوها في المصاحف وكتبوها بلغة قريش، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا كما يأتي في الحديث الآتي.\nقال ابن حجر (٢): وكان ذلك في سنة خمس وعشرين، وأخرج ابن أبي داود بسند صحيح عن سويد بن غفلة قال: قال علي -﵁-: لا تقولوا في عثمان إلا خيرًا، فواللَّه ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منا، قال: فما يقولون في هذا القرآن، فقد بلغني أن بعضهم يقول: إن قراءتي خير من قراءتك، وهذا يكاد أن يكون كفرًا، قلنا: فما ترى؟ قال: أرى أن نجمع الناس على مصحف واحد، فلا تكون فرقة ولا اختلاف، قلنا: فنعم ما رأيت.\nقال ابن التين وغيره (٣): الفرق بين جمع أبي بكر وجمع عثمان -﵄- أن جمع أبي بكر كان لخشية أن يذهب من القرآن شيء بذهاب حملته؛ لأنه لم يكن مجموعًا في موضع واحد، وجمع عثمان كان لما كثر الاختلاف في وجوه القراءات حين قرؤوه بلغاتهم على اتساع اللغات، فأدى ذلك إلى تخطئة بعضهم بعضًا، فخشي من تفاقم الأمر، واقتصر من سائر اللغات على لغة قريش محتجًّا بأنه نزل بلغتهم، وإن كان وسع في قراءته بلغة غيرهم رفعًا للحرج والمشقة في ابتداء الأمر، فرأى أن الحاجة إلى ذلك انتهت، فاقتصر على لغة واحدة.\n_________\n(١) انظر: \"المصاحف\" (١/ ١٥٤، رقم: ١٧).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ١٢).\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" (٩/ ٢١).","vol":"4","page":614},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقال الحارث المحاسبي: المشهور عند الناس أن جامع القرآن عثمان، وليس كذلك، إنما حمل عثمان الناس على القراءة بوجه واحد على اختيار وقع بينه وبين من شهده من المهاجرين والأنصار لما خشي الفتنة عند اختلاف أهل العراق والشام في حروف القراءات، فأما قبل ذلك فقد كانت المصاحف بوجوه من القراءات المطلقات على الحروف السبعة التي أنزل بها القرآن، فأما السابق إلى جمع الجملة فهو الصديق، وقد قال علي -﵁-: لو وليت لعملت بالمصاحف عمل عثمان بها (١)، انتهى.\nواختلف في عدة المصاحف التي أرسلها عثمان إلى الآفاق، فالمشهور أنها خمسة، قال أبو داود: سمعت أبا حاتم السجستاني يقول: كتب سبعة مصاحف، فأرسل إلى مكة وإلى الشام وإلى اليمن وإلى البحرين وإلى البصرة وإلى الكوفة، وحبس واحدًا بالمدينة، هذا في جمع المصاحف.\nأما ترتيب السور والآيات فالإجماع والنصوص مترادفة على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك ولا خلاف فيه بين المسلمين، أما النصوص فمنها حديث ابن عباس الآتي، ومنها ما أخرج أحمد (٢) بإسناد حسن عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسًا عند رسول اللَّه -ﷺ- إذ شخص ببصره ثم صوبه، قال: (أتاني جبريل ﵇ فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] الآية.\nومنها حديث في خواتيم سورة البقرة.\n_________\n(١) \"الإتقان في علوم القرآن\" (١/ ٦٩).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٤/ ٢١٨، رقم: ١٧٩٤٧).","vol":"4","page":615},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nومنها ما جاء من حفظ عشر آيات من أول سورة البقرة، ومنها ما أخرجه ابن أبي داود (١) من طريق أبي الغالب (٢) عن أبي بن كعب أنهم جمعوا القرآن، فلما انتهوا إلى الآية التي في سورة براءة: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢٧] ظنوا أن هذا آخر ما نزل، فقال أبي: إن رسول اللَّه -ﷺ- أقرأني بعد هذا آيتين ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ إلى آخر السورة، وغير ذلك من الأحاديث.\nوقال مكي وغيره: ترتيب الآيات في السورة بأمر من النبي -ﷺ-.\nوقال البغوي في (شرح السنة) (٣): الصحابة جمعوا بين الدفتين القرآن الذي أنزل اللَّه على رسوله من غير أن زادوا أو نقصوا شيئًا؛ خوف ذهاب بعضه بذهاب حفظته، فكتبوه كما سمعوا من رسول اللَّه -ﷺ- من غير أن قدموا شيئًا أو أخروه، أو وضعوا له ترتيبًا لم يأخذوه من رسول اللَّه -ﷺ-، وكان رسول اللَّه -ﷺ- يلقن أصحابه ويعلمهم ما أنزل عليه من القرآن على الترتيب الذي هو الآن في مصاحفها بتوقيف جبرئيل إياه على ذلك وإعلامه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقيب آية كذا في سورة كذا، فثبت أن سعي الصحابة كان في جمعه في موضع واحد لا في ترتيبه؛ فإن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب، أنزله اللَّه جملة إلى السماء الدنيا، ثم كان ينزله مفرقًا عند الحاجة، فترتيب النزول على غير ترتيب التلاوة.\nوقال ابن الحصّار: ترتيب السور ووضع الآيات موضعها إنما كان بالوحي، وكان رسول اللَّه -ﷺ- يقول: ضعوا آية كذا في موضع كذا، وقد حصل اليقين من النقل\n_________\n(١) \"المصاحف\" (٨١).\n(٢) كذا في الأصل، والصواب: أبي العالية.\n(٣) \"شرح السنة\" (٤/ ٥٢١).","vol":"4","page":616},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالمتواتر بهذا الترتيب من تلاوة رسول اللَّه -ﷺ-، ومما أجمع الصحابة على وضعه بكذا في المصحف، هذا وقد ظهر به أن ترتيب السور أيضًا توقيفي (١).\nوقال الكرماني في (البرهان) (٢): ترتيب السور هكذا هو عند اللَّه في اللوح المحفوظ، [وهو] على هذا الترتيب كان -ﷺ- يعرض على جبرئيل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه، وعرضه في السنة التي توفي فيها مرتين، هذا هو الذي عليه الجمهور، وقد ينقل عن بعض العلماء، منهم مالك والقاضي أبو بكر في أحد قوليه.\nوقال القاضي: قال أبو بكر ابن الأنباري: أنزل اللَّه القرآن كله إلى سماء الدنيا، ثم فرّقه في بضع وعشرين، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث والآية جوابًا لمستخبر، ويُوقف جبرئيل النبي -ﷺ- على موضع الآية والسور، فاتساق السور كاتساق الآيات، والحروف كلها عن النبي -ﷺ-، فمن قدم سورة أو أخرها فقد أفسد نظم القرآن، وقال القاضي في قوله الآخر في أن ترتيب السور باجتهاد من الصحابة، ومما يستدل به لذلك اختلاف مصاحف بعض السلف في ترتيب السور، فمنهم من رتبها على النزول، وهو مصحف علي -﵁-، كان أوله: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، ثم ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾، ثم ﴿الْمُزَّمِّلُ﴾، ثم ﴿تَبَّتْ﴾، ثم التكوير، وهكذا إلى آخر المكي والمدني، وكان أول مصحف ابن مسعود البقرة، ثم النساء، ثم آل عمران على اختلاف شديد، وكذا مصحف أُبي وغيره.\nوقال الزركشي في (البرهان) (٣): الخلاف بين الفريقين لفظي؛ لأن القائل بأن\n_________\n(١) انظر: \"الإتقان في علوم القرآن\" (١/ ٧٠ - ٧٢).\n(٢) انظر: \"البرهان في توجيه متشابه القرآن\" (ص: ٦٨).\n(٣) \"البرهان في علوم القرآن\" (١/ ٢٥٧).","vol":"4","page":617},{"text":"٢٢٢١ - [١١] وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ قَدِمَ عَلَى عُثْمَانَ، وَكَانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ فِي فَتْحِ أَرْمِينِيَّةَ وَأَذَرْبِيجَانَ مَعَ أَهْلِ الْعِرَاقِ،\nــ\nترتيب السور باتفاق الصحابة واجتهادهم يقول: إنه رمز إليهم بذلك لعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته، ولهذا قال مالك: إنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعون من النبي -ﷺ- مع قوله بأن ترتيب السور باجتهاد منهم، فآل الخلاف إلى أنه هل هو بتوقيف قولي أو بمجرد إستناد فِعْلِيٍّ بحيث بقي لهم فيه مجال للنظر، وسبقه إلى ذلك جعفر ابن الزبير، هذا كله مما نقلناه من كتاب (الإتقان) (١) للسيوطي الذي هو أجمع كتاب في علوم القرآن، ولقد وقع فيه الإكثار والإطناب، ولا بأس فإن المطلب مهم يكثر فيه التكلم والتفاؤل، واللَّه أعلم بالصواب.\n٢٢٢١ - [١١] (أنس بن مالك) قوله: (أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان) قد [تقدم] شرح الحديث في ضمن ما بيناه من الكلام في جمع القرآن، فلم يبق إلا بيان معنى بعض الألفاظ الواقعة فيه.\nوقوله: (فتح أرمينية) (٢) في (القاموس) (٣): بالكسر، وقد تشدد الياء الأخيرة،\n_________\n(١) \"الإتقان في علوم القرآن\" (١/ ٧٣).\n(٢) قال الحافظ (٩/ ١٦): إن أرمينية فتحت في خلافة عثمان، وكان أمير العسكر من أهل العراق سلمان، بن ربيعة الباهلي، وكان عثمان أمر أهل الشام وأهل العراق أن يجتمعوا على ذلك، وكان أمير أهل الشام على ذلك العسكر حبيب بن مسلمة الفهري، وكان حذيفة من جملة من غزا معهم، وكان هو على أهل المدائن، وهي من جملة أعمال العراق. انتهى.\nقال العيني (٢٠/ ١٨): قال الرشاطي: افتتحت فِي سنة أَربع وَعشْرين فِي خلَافَة عُثْمَان، رَضِي اللَّه تَعَالَى عَنهُ، على يَد سلمانَ بن ربيعةَ الْبَاهِلِيّ.\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٠٧).","vol":"4","page":618},{"text":"فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقِرَاءَةِ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إِلَى حَفْصَةَ: أَنْ أَرْسِلِي إِلَيْنَا بِالصُّحُفِ نَنْسَخُهَا فِي الْمَصَاحِفِ ثُمَّ نرُدُّهَا إِلَيْكِ، فَأَرْسَلَتْ بِهَا حَفْصَةُ إِلَى عُثْمَانَ، فَأَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ وَعَبْدَ اللَّهِ ابْنَ الزّبَيْرِ وَسَعِيدَ بنَ الْعَاصِ وَعَبدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ (١) بْنِ هِشَامٍ، فَنَسَخُوهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلَاثِ: إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسَانِ قُرَيْشٍ، فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، فَفَعَلُوا، حَتَّى إِذَا نَسَخُوا الصُّحُفَ فِي الْمَصَاحِفِ رَدَّ عُثْمَانُ الصُّحُفَ إِلَى حَفْصَةَ، وَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا،\nــ\nوفي (المغني) (٢) بفتح الهمزة وسكون الراء وكسر الميم وسكون تحتية أولى وكسر نون وخفة ثانية، ونقل عن (جامع الأصول) بتثليث الهمزة، وفيه لغات أخر، وقد اجتمعت فيه خمس أسباب لمنع الصرف (٣).\nوقوله: (فأفزع حذيفة اختلافهم) الرواية المشهورة بنصب (حذيفة) ورفع (اختلافهم) وهو الظاهر، وقد يعكس.\nو(القرشيين الثلاث) هم غير زيد.\n_________\n(١) في الأصل: \"عبد اللَّه بن الحارث\"، والتصحيح من \"الجامع الصحيح\" للبخاري.\n(٢) \"المغني\" (ص: ٣٥).\n(٣) هذا الكلام في شأن أذربيجان، قال القسطلاني (١١/ ٣٠٢): وهو اسم اجتمعت فيه خمس موانع من الصرف: العجمة والتعريف والتأنيث والتركيب ولحاق الألف والنون.\nوقال الحافظ (٩/ ١٧): وهي الآن تبريز وقصباتها، وهي تلي أرمينية من جهة غربيها، انتهى.","vol":"4","page":619},{"text":"وَأَمَرَ بِمَا سِوَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أَوْ مُصْحَفٍ أَنْ يُحْرَقَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بنُ زَيدِ بنِ ثَابتٍ أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ قَالَ: فَقَدْتُ آيَةً مِنَ الأَحْزَابِ حِينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ قَدْ كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ بِهَا، فَالْتَمَسْنَاهَا فَوَجَدْناهَا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فَأَلْحَقْنَاهَا فِي سُورَتِهَا فِي الْمُصْحَفِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤٩٨٧].\n٢٢٢٢ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قُلتُ لعُثْمَان: مَا حَمَلَكُمْ أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى الأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي، وَإِلَى بَرَاءَةٍ وَهِيَ مِنَ الْمِئينِ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا وَلم تكْتبُوا سَطْرَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبعِ الطُّوَلِ؟ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِك؟ . . . . .\nــ\nو(أن يحرق) المشهور بالحاء المهملة، وقد يروى بالمعجمة، ولعله بعد ردها إلى حفصة -﵂-.\n٢٢٢٢ - [١٢] (ابن عباس) قوله: (وهي من المثاني) أي: من السبع المثاني، وهي السبع الطوال (١).\nوقوله: (وهي من المئين) وهي السور التي تلي المثاني، سميت بذلك لأن كل سورة تزيد على مئة آية أو تقاربها، ثم ما يلي المئين تسمى الثواني؛ لأنها تَثْنيها، أي: كانت بعدها، فهي لها ثوان، والمئون لها أوائل، وقيل: هي السور التي آيها أقل من مئة؛ لأنها تثنى أكثر مما يثنى الطوال والمئون، وقيل: لتثنية الأمثال فيها بالعبر والخبر،\n_________\n(١) في هامش \"الكوكب\" (٤/ ٧): أول القرآن السبع الطول، ثم المثاني، وهي ما لم تبلغ مئة آية، وهي عشرون سورة، ثم المفصل.","vol":"4","page":620},{"text":"قَالَ عُثْمَانُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ وَهُوَ تَنزلُ عَلَيْهِ السُّوَرُ ذَوَاتُ الْعَدَدِ، وَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ دَعَا بَعْضَ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ فَيَقُولُ: \"ضَعُوا هَؤُلَاءِ الآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا\"، فَإِذَا نزَلَتْ عَلَيْهِ الآيَةُ فَيَقُولُ: \"ضَعُوا هَذِهِ الآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا\". وَكَانَتِ الأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ بَرَاءَةُ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا، وَكَانَت قِصَّتُهَا شَبيهَةً بِقِصَّتِهَا، فَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ أَكْتُبْ بَينَهُمَا سَطْرَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾،\nــ\nوالمفصل ما ولي الثواني من قصار السور، كذا ذكر السيوطي في (الإتقان) (١)، فالمراد بقول ابن عباس: (وهي من المثاني) أي: عندكم جعلتموها داخلة في السبع الطوال، وجعلتم براءة من المئين مع أن الأولى أقصر من الثانية، ثم بعد تقدير هذا الجعل لم تكتبوا بينهما ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فكأنه سأل سؤالين، فأجاب عثمان -﵁- أنهما سورة واحدة، فتصح التسمية بالسبع المثاني التي هي السبع الطوال، ولم تصح كتابة البسملة بينهما، لكنهم وضعوا فاصلة بالبياض من غير البسملة لمكان الاحتمال والاشتباه، فافهم.\nوقوله: (وهو تنزل) بلفظ المعلوم والمجهول (٢).\nوقوله: (ذوات العدد) أي: السور المتعددة، أو ذوات الآيات المتعددة، وهذا أولى وأنسب.\n_________\n(١) \"الإتقان في علوم القرآن\" (١/ ٧٥).\n(٢) بِالتَّأْنِيثِ مَعْلُومًا، وَبِالتَّذْكِيرِ مَجْهُولًا. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٥٢٠).","vol":"4","page":621},{"text":"وَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ١/ ٥٧، ت: ٣٠٨٦، د: ٧٨٦].\nــ\nوقوله: (ووضعتها) أي: مجموعها.\nتم (كتاب فضائل القرآن) بعون اللَّه وتوفيقه، ويتلوه (كتاب الدعوات).\nتم بحمد اللَّه وتوفيقه المجلد الرابع ويتلوه إن شاء اللَّه تعالى المجلد الخامس وأوله: (كتاب الدعوات).\nوصلى اللَّه تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وبارك وسلم تسليمًا كثيرًا.\n* * *","vol":"4","page":622},{"text":"لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح\nللخطيب التبريزي (ت: ٧٤١ هـ)\nتأليف العلامة المحدث عبد الحق الدهلوي\nعبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدهلوي الحنفي\nالمولود بدهلي في الهند سنة (٩٥٨ هـ) والمتوفى بها سنة (١٠٥٢ هـ) رحمه اللَّه تعالى\nتحقيق وتعليق الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي\nطبع على نفقة سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان\nممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة\nالمجلد الخامس\nدار النوادر","vol":"5","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"5","page":2},{"text":"لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح (٥)","vol":"5","page":3},{"text":"دار النوادر\nالمؤسس والمالك نور الدين طالب\nمؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي والإسلامي والدراسات الأكاديمية والجامعية المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية تأسست في دمشق سنة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م، وأُشهرت سنة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م.\nسوريا - دمشق - الحلبوني:\nص. ب: ٣٤٣٠٦\nجميع الحقوق محفوظة للمحقق\nيمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بكافة طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي أو المسموع أو استخدامه حاسوبيًا بكافة أنواع الاستخدام وغير ذلك من الحقوق الفكرية والمادية إلا بإذن خطي من المؤسسة.\nالطبعة الأولى\n١٤٢٥ هـ - ٢٠١٤ م\nE-mail: info@daralnawader.com\nWebsite: www.daralnawader.com\nشركات شقيقة\nدار النوادر اللبنانية - لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)\nدار النوادر الكويتية - الكويت - ص. ب: ١٠٠٨ - هاتف: ٢٢٤٥٣٢٣٢ - فاكس: ٢٢٤٥٣٣٢٣ (٠٠٩٦٥)\nدار النوادر التونسية - تونس - ص. ب: ١٠٦ (أريانة) - هاتف: ٧٠٧٢٥٥٤٦ - فاكس: ٧٠٧٢٥٥٤٧ (٠٠٢١٦)\nمركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية\nمظفرفور - أعظم جراه - يوبي - الهند\nالهاتف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤ - ٠٠٩١\nالفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦ - ٠٠٩١\nمتحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥ - ٠٠٩١\nالبريد الإلكتروني: drnadwi@gmail.com","vol":"5","page":4},{"text":"(٩) كتاب الدعوات","vol":"5","page":5},{"text":"(٩) كتاب (١) الدعوات\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-614>٩ - كتاب الدعوات</span>\nاعلم أن الدعاء عند نزول البلاء أو عند خوف نزوله مسنونٌ مأثور عن الأنبياء صلوات اللَّه عليهم وأتباعهم رحمة اللَّه عليهم أجمعين، وقد يكتفون بعلم اللَّه تعالى وتقديره، ويسكتون عن الدعاء كقول الخليل ﵇: حسبي عن سؤالي علمه بحالي، قال الشيخ ابن عطاء اللَّه الإسكندري الشاذلي في (كتاب الحكم): ربما دلَّهم الأدب على ترك الطلب اعتمادًا على قسمته واشتغالًا بذكره عن مسألته.\nوقال ابن عباد في (شرح الكتاب): قال الإمام أبو القاسم القشيري: واختلف الناس في أي شيء أفضل: الدعاء أم السكوت والرضاء؟ فمنهم من قال: الدعاء في نفسه عبادة. قال -ﷺ-: (الدعاء مخ العبادة (٢»، فالإتيان بما هو عبادة أولى من تركه، ثم هو [حقُّ] الحق ﷾، فإن لم يستجب للعبد ولم يصل إلى حظ نفسه فلقد قام بحق ربه؛ لأن الدعاء إظهار فاقة العبودية، وقد قال أبو حازم الأعرج رحمة اللَّه عليه: لأَنْ أُحرم الدعاء أشدُّ عليّ من أن أحرم الإجابة.\nوطائفة قالوا: السكوت والخمود تحت جريان الحكم أتم، والرضا بما سبق\n_________\n(١) في نسخة: \"باب\".\n(٢) أخرجه الترمذي (٣٣٧١).","vol":"5","page":7},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمن اختيار الحق أولى، ولهذا قال الواسطي: اختيار ما جرى لك في الأزل خير لك من معارضة الوقت، وقد قال -ﷺ- خبرًا عن اللَّه تعالى (١): (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين).\nوقال قوم: يجب أن يكون العبد صاحب دعاء بلسانه وصاحب رضًى بقلبه؛ ليأتي بالأمرين جميعًا.\nقال الإمام أبو القاسم القشيري ﵀: والأولى أن يقال: إن الأوقات مختلفة، ففي بعض الأحوال الدعاء أولى من السكوت وهو الأدب، وفي بعض الأحوال السكوت أفضل من الدعاء وهو الأدب، وإنما يعرف ذلك في الوقت؛ لأن علم الوقت يحصل في الوقت، فإذا وجد بقلبه إشارة إلى الدعاء فالدعاء أولى، وإذا وجد إشارة إلى السكوت فالسكوت له أولى.\nويصح أن يقال: ينبغي للعبد أن لا يكون ساهيًا عن شهود ربه تعالى في حال دعائه، ثم يجب أن يراعي حاله، فإن وجد من الدعاء زيادة بسط في وقته فالدعاء له أولى، وإن عاد إلى قلبه في وقت الدعاء ووجد شبه زجر ومثل قبض فالأولى ترك الدعاء في هذا الوقت، وإن لم يجد في قلبه لا زيادة بسط ولا حصول زجر فالدعاء وتركه هنا سِيَّانِ، وإن كان الغالب عليه في هذا الوقت العلم فالدعاء أولى لكونه عبادة، وإن كان الغالب في هذا الوقت المعرفة والحال فالسكوت والسكون أولى.\nويصح أن يقال: ما كان للمسلمين فيه نصيب أو للحق ﷾ فيه حق فالدعاء أولى، وما كان لنفسك فيه حظ فالسكوت أتم، وفي الخبر المروي: (أن العبد يدعو واللَّه تعالى يحبه فيقول: يا جبرئيل أخِّر حاجة عبدي؛ فإني أحب أن أسمع صوته)،\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٢٩٢٦).","vol":"5","page":8},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-615> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٢٢٣ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ، وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، فَهِيَ نائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِلْبُخَارِيِّ أَقْصَرُ مِنْهُ. [م: ٣٣٨، خ: ٦٣٠٤].\n٢٢٢٤ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اللَّهُمَّ إِنِّي اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ،\nــ\nوإن العبد ليدعو وهو يبغضه فيقول: يا جبرئيل اقض لعبدي حاجته فإني أكره أن أسمع صوته، انتهى كلام القشيري (١).\nالفصل الأول\n٢٢٢٣ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لكل نبي دعوة مستجابة) المفهوم من سياق الحديث: أنه جرت العادة الإلهية بأن يأذن كلَّ نبي بدعوة واحدة لأمته يستجيبها، فكل نبي دعا في الدنيا فاستجيب له، وإني سترت وأخرت دعوتي لأشفع أمتي يوم القيامة، فدعوتي تصيب في ذلك اليوم من مات على الإيمان.\nوأما سائر دعوات الأنبياء فقيل: مستجابة كلها، وهذا محل توقُّفٍ بقوله -ﷺ-: (سألت اللَّه ثلاثا فأعطاني اثنين، ومنعني واحدة) (٢) وهي أن لا يذيق بعض أمته بأس بعض، واللَّه أعلم.\n٢٢٢٤ - [٢] (وعنه) قوله: (اللهم إني اتخذت عندك عهدًا لن تخلفنيه) المقصود\n_________\n(١) انظر: \"الرسالة القشيرية\" (١/ ١٢٠).\n(٢) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢٢٠٨٢)، وابن خزيمة في \"صحيحه\" (١٢١٨).","vol":"5","page":9},{"text":"فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ: شَتَمْتُهُ لَعَنْتُهُ جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْم الْقِيَامَة\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣٦١، م: ٢٦٠٩].\n٢٢٢٥ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يقُلْ: اللهُمَّ اغفِرْ لِيْ إِنْ شِئتَ، ارْحمْني إِنْ شِئْتَ، ارْزُقْنِي إِنْ شِئْتَ، وَلِيَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ، إِنَّه يفعلُ مَا يَشَاء وَلَا مُكْرِهَ لَهُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٤٧٧].\nــ\nالمبالغة في الطلب والقبول وتحقيق الرجاء، كأنه عهد لا ينقض، ووعد لن يخلف، ولا يخيب الرجاء فيه.\nوقوله: (فإنما أنا بشر) يعني: فأغضب نادرًا في بعض الأحيان بحكم البشرية التي أُبقيت في حصة منها لحكمة إلهية تقتضي ذلك.\nوقوله: (آذيته: شتمته. . . إلخ)، يحتمل أن يكون كل من الأربعة مستقلة، وأن يكون الثلاثة الأخيرة تفصيلا للأولى، وذكرها بطريق التعداد، وذكر ما يقابلها بالعطف بقصد معارضة كل واحدة من تلك الأمور هذه الخصائلَ من غير قصد اللف والنشر، و(الصلاة) الرحمة، و(الزكاة) الطهارة والبركة، و(القربة) ما يتقرب به إلى اللَّه سبحانه، وهذه رأفته -ﷺ- بالمسيء، فما حال المحسن، فالمراد من يستحق الأذية ومن لا يستحقها، وهذا أبلغ، ويحتمل أن يكون المراد من لا يستحق، واللَّه أعلم.\n٢٢٢٥ - [٣] (وعنه) قوله: (وليعزم مسألته) أي: ليطلبها جازمًا من غير شك وتردد.\nوقوله: (إنه يفعل ما يشاء ولا مكره له) تعليل لترك ذكر المشيئة، يعني: أنه عبث، وهو في الحقيقة ثابت؛ فإنه سبحانه فاعل مختار يفعل ما يشاء، ويستجيب دعاءه إن شاء ويمنع إن شاء، ولكنه بفضله وكرمه وعد الاستجابة، فينبغي للعبد أن يتيقن بذلك، وبنور اليقين ينشرح الصدر ويتنور القلب، والشك والريب ظلمة.","vol":"5","page":10},{"text":"٢٢٢٦ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُل: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ، وَلَكِنْ لِيَعْزِمْ وَلْيُعَظِّمِ الرَّغْبَةَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شيءٌ أَعْطَاهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٧٩].\n٢٢٢٧ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ\". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: \"يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يُسْتَجَابُ لِي،\nــ\n٢٢٢٦ - [٤] (وعنه) قوله: (وليعظم الرغبة) ظاهره أنه تأكيد للعزم، وأما تعليله بقوله: (فإن اللَّه لا يتعاظمه شيء) [فإنه] يدل على أن المراد أن يكون مطلوبه عظيمًا، ولا يقصر همته في طلب المطالب العظيمة الجزيلة، فإن اللَّه تعالى عظيم يعطي من يشاء ما يشاء.\n٢٢٢٧ - [٥] (وعنه) قوله: (ما لم يستعجل) لمَّا فُهم من التقييد بالقيد الأول أنه يستجاب له في كل ما دعا إن لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، قيده ثانيًا: (ما لم يستعجل) فلا حاجة إلى تقدير عامل آخر -كما قال الطيبي- استقلالًا، أي: يستجاب ما لم يدع بإثم يستجاب له ما لم يستعجل (١)، ولا يكون الظاهر أن يجاء بالعاطف كما قاله أيضًا، نعم لو قال بالعطف لكان أظهر، فافهم.\nوقوله: (فلم أر يستجاب لي) أي: فلم أر الاستجابة، فإنْ حُمل الرؤية على معنى العلم يكون المفعول الثاني محذوفًا، وإلا فلا حاجة إلى الحذف، ولعل هذا أولى؛ فإن الاقتصار على أحد مفعولي باب علمت كلامًا، والأكثر على عدم جوازه، وفي الحمل على معنى الإبصار مبالغة.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٣٠٤).","vol":"5","page":11},{"text":"فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعاءَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٣٥].\n٢٢٢٨ - [٦] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"دعوةُ الْمُسْلِم لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ،\nــ\nوقوله: (فيستحسر) أي: ينقطع ويملّ عن الدعاء ورجاءِ القبول، يقال: استحسر، بمعنى: أعيا وتعب، ولا ينبغي للعبد ذلك، لأن الدعاء عبادة تأخير، والإجابة لها وقت عند اللَّه وعوض في الآخرة، وبدل في الدنيا، واللَّه تعالى قد يحبّ الإلحاح من العبد.\nقال الشيخ ابن عطاء اللَّه في (الحكم): لا يَكُنْ تأخُّر أمد العطاء مع الإلحاح في الدعاء موجبًا ليأسك، فهو قد ضمن لك الإجابة فيما يختار لك، لا فيما تختار لنفسك، وفي الوقت الذي يريد لا في الوقت الذي تريد.\nوقال بعض العارفين: فائدة الدعاء إظهار الفاقة بين يدي الرب تعالى، وإلا فهو تعالى يفعل ما يشاء.\nوقال سيدي أحمد زروق في (شرح كتاب الحكم): الدعاء عبودية اقترنت بسببٍ كاقتران الصلاة بوقتها، ورتِّب عليها وجود الإجابة كترتُّب الثواب عليها من غير تقييد وتعيُّن، ولا توقيت، وقع في الحديث: (ما من عبد إلا وهو بين إحدى ثلاث: إما أن يعجل له طلبه، وإما أن يدخر له ثوابها، وإما أن يصرف عنه من السوء بمثلها)، فالإجابة حاصلة غير منحصرةٍ في عين المطلوب ولا غيره، ولا مقيدة بوقت، وإنما جعل اللَّه الإجابة في مختاره لا في مختار العبد، لأن العبد جاهل بمصالحه، قد يظن الشر خيرًا، ولإبقاء سطوة الربوبية واستيفاء أحكام العبودية لئلا يأمن العبد من فوات الأرب فلا يَصْدقَ في وجود الطلب، وليتحقق اضطرار العبد بنفي اختياره فيكون في بساط القربة ملازمًا قرع الباب الذي هو فائدة الدعاء في الحقيقة.\n٢٢٢٨ - [٦] (أبو الدرداء) قوله: (بظهر الغيب) أي: غائبًا وفي السر، والظهر","vol":"5","page":12},{"text":"عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ وَلَكَ بِمِثْلٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٣٣].\n٢٢٢٩ - [٧] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاء فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٠٠٩].\nوَذُكِرَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"اتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ\". فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-616> الْفَصْلُ الثاني:</span>\n٢٢٣٠ - [٨] عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ\" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. . . . .\nــ\nمقحم، والباء في قوله: (ولك بمثل) كالباء في: بحسبك درهم، لكن هنا قدم الخبر اهتمامًا، وفي رواية: (بمثليه) بزيادة التحتانية والهاء، قال القاضي عياض في (المشارق) (١): رويناه بكسر الميم وسكون الثاء، و: (بِمَثَل) أيضًا بفتحهما، يقال: مَثَل ومِثْل ومثيل، مثل شَبَه [وشِبْه] وشبيه.\n٢٢٢٩ - [٧] (جابر) قوله: (يسأل فيها عطاء) منصوب، وفي (يسأل) ضمير للَّه، أو مرفوع فلا ضمير فيه.\nوقوله: (فيستجيب) إما منصوب بتقدير أن، أو مرفوع بتقدير المبتدأ.\nالفصل الثاني\n٢٢٣٠ - [٨] (النعمان بن بشير) قوله: (الدعاء هو العبادة) الحصر للمبالغة،\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٧٣ - ٣٧٤).","vol":"5","page":13},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٤/ ٢٦٧، ت: ٢٩٦٩، د: ١٤٧٩، ن في الكبرى: ١١٤٦٤، جه: ٣٨٢٨].\n٢٢٣١ - [٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٣٧١].\n٢٢٣٢ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الدُّعَاءِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ غَرِيْبٌ. [ت: ٣٣٧، جه: ٣٨٢٩].\n٢٢٣٣ - [١١] وَعَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلَّا الدُّعَاءُ،\nــ\nوقراءة الآية تعليل بأنه مأمور به فيكون عبادة، أقلُّه أن تكون مستحبة، وآخر الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، والمراد بعبادتي هو الدعاء، ولحوقُ الوعيد يَنظر إلى الوجوب، لكن التحقيق أن الدعاء ليس بواجب، والوعيد إنما هو على الاستكبار، فافهم.\n٢٢٣١ - [٩] (أنس) قوله: (مخ العبادة) في (القاموس) (١): المخ بالضم: نقي العظم والدماغ، وشحمة العين، وخالص كل شيء. وإنما كان الدعاء كذلك؛ لأن حقيقة العبادة هو الخضوع والتذلل، وهو حاصل في الدعاء أشد الحصول.\n٢٢٣٢ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (ليس شيء أكرم على اللَّه من الدعاء) قد علم من الحديثين السابقين وجهه.\n٢٢٣٣ - [١١] (سلمان الفارسي) قوله: (لا يرد القضاء إلا الدعاء) كأنه مبالغة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٥٠).","vol":"5","page":14},{"text":"وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٣٩].\n٢٢٣٤ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الدُّعَاءَ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، فَعَلَيْكُمْ عِبَادَ اللَّهِ بِالدُّعَاءِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٤٨].\n٢٢٣٥ - [١٣] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ. [حم: ٥/ ٢٣٤].\nــ\nفي تأثير الدعاء في دفع البلاء حتى لو أمكن رد القضاء لحصل بالدعاء، وقيل: المراد من رد القضاء تهوينه وتيسير الأمر فيه حتى كأن القضاء النازل كان لم ينزل، وقيل: المراد بالقضاء ما يخافه العبد من نزول المكروه ويتوقّاه، فإذا وفق للدعاء رفع اللَّه عنه، والكل تكلف، وحقيقة المعنى أن المراد: القضاء الذي علِّق رده به وجعل سببًا له، فإن القضاء لا ينافي السببية والمسبَّبية، والكل قضاء، فإن قلت: فما فائدة هذا الكلام، وما جرى به القضاء كائن لا محالة؟ قلت: لعل المراد مدح الدعاء والمبالغة فيه بمثل ما ذكر في أول الحاشية، واللَّه أعلم بحقيقة الحال.\nوقوله: (ولا يزيد في العمر إلا البر) قالوا: المراد عدم ضياعه وحصول البركة بالبر فكأنه زيادة فيه، والتحقيق مثل ما ذكر في القضاء، فإنه قد تعلق بأن فلانًا إن فعل كذا يكون عمره كذا، وإن لم يفعل فكذا، ويمحو اللَّه ما يشاء ويثبت، وذلك في مقام القدر والتسبيب، وفي الحقيقة لا تبديل ولا تغيير، ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن.\n٢٢٣٤، ٢٢٣٥ - [١٢، ١٣] (ابن عمر) قوله: (إن الدعاء ينفع مما نزل) بالدفع و(مما لم ينزل) بالرد (فعليكم عباد اللَّه بالدعاء) إشارة إلى أن الدعاء عبادة مأمور بها، فامتثلوا الأمر واستسلموا للقضاء.","vol":"5","page":15},{"text":"٢٢٣٦ - [١٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْعُوْ بِدُعَاءٍ إِلَّا آتَاهُ اللَّهُ مَا سَأَلَ، أَوْ كَفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهُ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٣٨١].\n٢٢٣٧ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"سَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُسْأَلَ، وَأَفْضَلُ الْعِبَادَةِ انْتِظَارُ الْفَرَجِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٥٧١].\n٢٢٣٨ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ يَغْضَبْ عَلَيْهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٣٧٣].\n٢٢٣٩ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ فُتِحَ لَهُ مِنْكُمْ بَابُ الدُّعَاءِ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرَّحْمَةِ، وَمَا سُئِلَ اللَّهُ شَيْئًا -يَعْنِي أَحَبَّ إِلَيْهِ-. . . . .\nــ\n٢٢٣٦ - [١٤] (جابر) قوله: (مثله) أي: مثل ما سأل، وهذا لطف من اللَّه؛ لأن دفع الضرر أهم من جلب النفع.\n٢٢٣٧ - [١٥] (ابن مسعود) قوله: (وأفضل العبادة انتظار الفرج) إشارة إلى الصبر وترك الشكوى، وقال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].\n٢٢٣٨ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (من لم يسأل اللَّه) استكبارًا واستنكافًا، أو هو مبالغة لأنه يحب أن يسأل، وإلا فعدم السؤال استسلامًا لقدر اللَّه مقام عال كما عرف.\n٢٢٣٩ - [١٧] (ابن عمر) قوله: (يعني أحب إليه) أقحم المفسِّر تقريرًا للسؤال","vol":"5","page":16},{"text":"مِنْ أَنْ يُسْأَلَ الْعَافِيَةَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٤٨].\n٢٢٤٠ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجيبَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٣٨٢].\nــ\nواعتناء به، وإلا كان يكفي أن يقال: ما سئل اللَّه شيئًا أحب إليه، كذا قال الطيبي (١)، و(العافية) في العرف يقع على الصحة ضد المرض، وفي (القاموس) (٢): العافية: دفاع اللَّه عن العبد، عافاه اللَّه عن المكروه معافاة وعافية: وهب له العافيةَ من العِلل والبلاء، والمراد في الحديث: السلامة عن جميع الآفات الظاهرة والباطنة في الدنيا والآخرة، وهي تشتمل الخيرات كلها.\nوفي (قواعد الطريقة) لابن زروق: العافية سكون القلب عن الاضطراب، وقد يكون بسبب عادي، أو وجه شرعي، أو حقيقة تامة، وهي سكون القلب إلى اللَّه تعالى، وهذه عافية أهل الكمال، وهي الشاملة لكل حال، حتى لو دخل صاحبها النار لرضي عن ربه.\n٢٢٤٠ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (فليكثر الدعاء في الرخاء) وهذا على عكس حال المسرفين المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٢].\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٣١٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٠٦).","vol":"5","page":17},{"text":"٢٢٤١ - [١٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ادْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٤٧٩].\n٢٢٤٢ - [٢٠] وَعَنْ مَالِكِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّه (١) فَاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا\". [د: ١٤٨٦].\nــ\n٢٢٤١ - [١٩] (عنه) قوله: (وأنتم موقنون با لإجابة) أي: كونوا موقنين بأنه تعالى يجيب الدعاء؛ لأن فيه صدق الرجاء، والكريم لا يخيب راجيه، وقد يقال: إن معناه: كونوا على حالة تستحقون بها الإجابة، وذلك باستجماع شرائط الدعاء وآدابه، وهي مذكورة في الكتب، فلتطلب ثمة، والحضور والإيقان من أعظمها وأقدمها.\nوقوله: (من قلب غافل) في (القاموس) (٢): غفل عنه: تركه، وسها عنه، كأغفله، وسها في الأمر -كدعا- سهوًا: نسيه، وذهب قلبه إلى غيره، و(لاه) لها لهوًا: لعب، ولعب كسمع، وتلاعَبَ ضد جَدَّ، وقد يجيء (لها عنه) بمعنى: سها وترك وغفل، فالغفلة: عدم اليقظ والحضورِ بالدعاء، واللهو: الشغل بالغير، ويتلازمان، فافهم.\n٢٢٤٢ - [٢٠] (مالك بن يسار) قوله: (فاسألوه ببطون أكفكم) لأنه صورة الطلب والإيقان بالإجابة، وجمع اليدين يؤذن بكثرة العطية.\n(ولا تسألوه بظهورها) لكونه في صورة الرد، نعم قد ورد في دعاء الاستسقاء أنه -ﷺ- أشار بظهر كفيه إلى السماء، فقيل: إذا كان الدعاء لطلب شيء من جنس النعماء استُحب أن تُجعل بطون الأكف إلى السماء، وإذا كان لدفع الفتنة والبلاء تجعل ظهورها\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"شيئًا حسنًا\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٥٧).","vol":"5","page":18},{"text":"٢٢٤٣ - [٢١] وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: \"سَلُوْا اللَّهَ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ، وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا، فَإِذَا فَرَغْتُمْ فَامْسَحُوْا بهَا وُجُوهَكُمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ١٤٨٥].\n٢٢٤٤ - [٢٢] وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"الدَّعْوَاتِ الْكَبِيرِ\". [ت: ٣٥٥٦، د: ١٤٨٨، هق: ١٦٩].\nــ\nإليها إشارة إلى إطفاء نار الفتنة وكسر سوء الحادثة وجعلها سافلة.\nوقيل: معناه: أنه رفعها رفعًا تامًا حتى صارت كفاه محاذيتين لرأسه، وكلما كانت الواقعة أصعب والمطلب أقوى كان الرفع أشد وأكثر.\n٢٢٤٣ - [٢١] (ابن عباس) قوله: (فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم) تبركًا بما فاض من أنوار الإجابة وإيصالها بالوجه الذي هو أشرف الأعضاء وأقربها.\n٢٢٤٤ - [٢٢] (سلمان) قوله: (إن اللَّه حيي (١» قد سبق معنى الحياء في أول الكتاب في (كتاب الإيمان)، والمراد به في حق اللَّه سبحانه كما في سائر الصفات الانفعالية آثارها من غير حصول مبادئها الثابتة للحق من الانفعالات.\nوقوله: (أن يردهما صِفرًا) بالكسر، أي: خاليًا، من صَفِرَ كفرح، وأَصْفَرَ البيتَ: أخلاه، يستوي فيه الواحد والتثنية والجمع، والمذكر والمؤنث.\n_________\n(١) قال القاري (٤/ ١٥٣٣): فعيل، أي: مبالغ في الحياء، وفسر في حق اللَّه بما هو الغرض والغاية، وغرض الحيي من الشيء تركه والإباء منه، لأن الحياء تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب ويذم بسببه، وهو محال على اللَّه تعالى، لكن غايته فعل ما يسرّ وترك ما يضرّ، أو معناه عامل معاملة المستحيي، انتهى.","vol":"5","page":19},{"text":"٢٢٤٥ - [٢٣] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ (١) لَمْ يَحُطَّهُمَا حَتَّى يَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ (٢). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٨٦].\n٢٢٤٦ - [٢٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٤٨٢].\n٢٢٤٧ - [٢٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِن أَسْرَعَ الدُّعَاءِ إِجَابَةً دَعْوَةُ غَائِبٍ لِغَائِبٍ\". . . . .\nــ\n٢٢٤٥ - [٢٣] (عمر) قوله: (حتى يمسح) حتى للغاية.\n٢٢٤٦ - [٢٤] (عائشة) قوله: (يستحب الجوامع من الدعاء) أي: الجامعة لخير الدنيا والآخرة، وقيل: هي ما كان لفظه قليلًا ومعناه كثيرًا، وكأنه أخذ من قوله -ﷺ-: (أوتيت جوامع الكلم)، ولا يخفى عليك أن الإضافة إلى الدعاء تفيد أن الجامعية تكون من حيث كونه دعاء وهو يناسب المعنى، والإضافة إلى الكلم من حيث كونه دالًّا على المعاني، فافهم.\nوقوله: (ويدَع) أي: يترك ما سوى المذكور من الدعاء، واسم الإشارة قد يشار بلفظ الواحد المذكر منه إلى الجمع المؤنث.\n٢٢٤٧ - [٢٥] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (دعوة غائب لغائب) ذكرهما كليهما\n_________\n(١) قال القاري (٤/ ١٥٣٣): قيل: حكمة الرفع إلى السماء أنها قبلة الدعاء، ومهبط الرزق، والوحي، والرحمة، والبركة.\n(٢) قال ابن الملك: وذلك على سبيل التفاؤل، فكأنّ كفيه قد ملئتا من البركات السماوية والأنوار الإلهية، اهـ. قال القاري: وهو كلام حسن، إلا أن الإتيان بكأنّ لا يلائم إلا في حق غيره -ﷺ- وكذا التفاؤل فإنه لا شك، ولا ريب في حقه من قبول الدعوة ونزول البركة، انتهى. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٥٣٣).","vol":"5","page":20},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٩٨٠، د: ١٥٣٥].\n٢٢٤٨ - [٢٦] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فِي الْعُمْرَةِ فَأَذِنَ لِي، وَقَالَ: \"أَشْرِكْنَا يَا أُخَيَّ فِي دُعَائِكَ وَلَا تَنْسَنَا\". فَقَالَ كَلِمَةً مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِيَ بِهَا الدُّنْيَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَانْتَهَتْ رِوَايَتُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ \"وَلَا تَنْسَنَا\". [د: ١٤٩٨، ت: ٣٥٦٢].\n٢٢٤٩ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، وَالإِمَامُ الْعَادِلُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ. . . . .\nــ\nتأكيدًا وإشارةً إلى أنه غيبة من الداعي والمدعو له مؤئرة في الإجابة، فافهم.\n٢٢٤٨ - [٢٦] (عمر بن الخطاب) قوله: (يا أخي) بلفظ التصغير رفقًا وتلطفًا.\nوقوله: (ولا تنسنا) تأكيد يفيد غاية التواضع والخضوع.\nوفي الحديث إرشادٌ للأمة إلى الرغبة في دعاء الصالحين، وتعليمٌ بأن لا يَخصوا أنفسهم بالدعاء، ويشاركوا فيه المؤمنين خصوصًا أحبابهم ومعارفهم.\nوقوله: (فقال) قول عمر والضمير لرسول اللَّه -ﷺ-، والمراد بـ (الكلمة (١» هي المذكورة من قوله -ﷺ-: (أشركنا. . . إلخ) والتنوين للتعظيم، أو كلمةٌ زادها على ما قال أولًا، ومعنى التعقيب على الثاني ظاهر، [و] على الأول لتعقيب المفسَّر بعد المفسَّر كما قال الطيبي (٢)، والباء في (بها) للمقابلة.\n٢٢٤٩ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (دعوة المظلوم) صرح ههنا بالدعوة اهتمامًا\n_________\n(١) قال القاري (٤/ ١٥٣٤): وهي أشركنا، أو يا أخي، أو لا تنسنا، أو غير ما ذكر، ولم يذكره توقيا عن التفاخر، أو نحوه من آفات النفوس، انتهى.\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٣١٤).","vol":"5","page":21},{"text":"يَرْفَعُهَا اللَّهُ فَوْقَ الْغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ: وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِيْنٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٩٨].\n٢٢٥٠ - [٢٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٣٤٤٨، د: ١٥٣٦، جه: ٣٨٦٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-617> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٢٥١ - [٢٩] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ كُلَّهَا، حَتَّى يَسْأَلهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ\".\nــ\nبشأنها، و(يرفعها) حال أو استئناف، والضمير لـ (دعوة المظلوم)، ورفعها فوق الغمام كناية عن إيصالها إلى مصعد القبول والإجابة كما قال.\nوقوله: (وتفتح) بصيغة المجهول مؤنثًا، أو المعلوم مذكَّرًا، أي: يفتح اللَّه لدعوة المظلوم أبواب السماء، فيكون قوله: (ويقول الرب) من وضع المظهر موضع المضمر.\nوقوله: (لأنصرنك) بضمير المذكر خطابًا للمظلوم، وقد يكسر للخطاب لدعوته وهو مجاز، وليس في الأصل إلا الفتح.\n٢٢٥٠ - [٢٨] (عنه) قوله: (لا شك فيهن) أي: في استجابتهن.\nوقوله: (دعوة الوالد) سواء كان له أو عليه، ودعاء الوالدة بطريق الأولى، ويجوز أن يجعل الوالد صيغة صفة النسبة.\nالفصل الثالث\n٢٢٥١، ٢٢٥٢ - [٢٩، ٣٠] (أنس) قوله: (شسع) بكسر المعجمة وسكون","vol":"5","page":22},{"text":"٢٢٥٢ - [٣٠] زَادَ فِي رِوَايَةٍ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ مُرْسَلًا: \"حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ، وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَهُ إِذَا انْقَطَعَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٠٧، ٣٦٠٨].\n٢٢٥٣ - [٣١] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الدُّعَاءِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إبطَيْهِ.\n٢٢٥٤ - [٣٢] وَعَن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: كَانَ يَجْعَلُ أُصْبُعَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْه وَيَدْعُو.\n٢٢٥٥ - [٣٣] وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا دَعَا فَرَفَعَ يَدَيْهِ مَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ. رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي \"الدَّعْوَات الْكَبِير\". [\"الدعوات الكبير\": ١٧١، ١٧٤، ١٧٣].\nــ\nالمهملة: قبال النعل، قال الأستاذ أبو علي الدقاق ﵀: من علامات المعرفة أن لا تسأل حوائجك قلّت أو كثرت إلا من اللَّه ﷾، مثل موسى ﵊ اشتاق إلى الرؤية فقال: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] واحتاج مرة إلى رغيف فقال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤].\n٢٢٥٣ - [٣١] (عنه) قوله: (حتى يرى بياض إبطيه) أي: في بعض الأحيان، والإبط بكسر الهمزة وسكون الباء: باطن المنكب، وقد يكسر الباء.\n٢٢٥٤ - [٣٢] (سهل بن سعد) قوله: (يجعل أُصبعَيه) أي: أصابع كفيه، (حذاء منكبيه) هذا هو التوسط والاقتصاد في رفعهما.\n٢٢٥٥ - [٣٣] (السائب بن يزيد) قوله: (فرفع يديه) عطف على الشرط، و(مسح وجهه) جوابه، يفيد أنه إن لم يرفع لم يمسح.","vol":"5","page":23},{"text":"٢٢٥٦ - [٣٤] وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الْمَسْأَلَةُ أن تَرْفَعَ يَدَيْكَ حَذْوَ مَنْكِبَيْكَ أَوْ نَحْوَهمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ أَنْ تُشِيرَ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ، وَالِابْتِهَالُ أَنْ تَمُدَّ يَدَيْكَ جَمِيعًا. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: وَالِابْتِهَالُ هَكَذَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَجَعَلَ ظُهُورَهُمَا مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٤٨٩، ١٤٩٠].\n٢٢٥٧ - [٣٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّ رَفْعَكُمْ أَيْدِيَكُمْ. . . . .\nــ\n٢٢٥٦ - [٣٤] (عكرمة) قوله: (المسألة) أي: أدب السؤال (أن ترفع يديك حذو منكبيك) لأن العادة فيمن طلب شيئًا أن يبسط الأكف إلى المدعو له، وأدب (الاستغفار أن تشير بإصبع واحدة) وهي السبابة سَبًّا للنفس الأمارة والشيطان والتعوذ منهما إلى اللَّه تعالى، (والابتهال) الاجتهاد في الدعاء وإخلاصه، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصحاح) (٢): ابتهل: تضرع، [ويقال في] قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ [آل عمران: ٦١] أي: نُخلِص في الدعاء. وفي (مجمع البحار) (٣): الابتهال: أن تمد يديك، وأصله التضرع والمبالغة في الدعاء والسؤال. وقال الطيبي (٤): ولعل المراد من الابتهال في الحديث دفع ما يتصور من مقابلة العذاب، فيجعل يديه كالترس [ليستره] عن المكروه.\nوقوله: (أو نحوهما) الضمير للمنكبين، شك من الراوي أنه قال: لفظ حذاء أو نحوه.\n٢٢٥٧ - [٣٥] (ابن عمر) قوله: (إن رفعكم أيديكم) يعني: فوق صدوركم دائمًا\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٩٢).\n(٢) \"الصحاح\" (ص: ١٢٤٩).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٢٣٧).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٣١٨).","vol":"5","page":24},{"text":"بِدْعَةٌ، مَا زَادَ رَسُوْلُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى هَذَا. يَعْنِي: إِلَى الصَّدْرِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٦١].\n٢٢٥٨ - [٣٦] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا ذَكَرَ أَحَدًا فَدَعَا لَهُ بَدَأَ بِنَفْسِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ. [ت: ٣٣٨٢].\n٢٢٥٩ - [٣٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنهُ مِنَ السُّوْءَ مِثْلَهَا\" قَالُوا: إِذَنْ نُكْثِرُ. . . . .\nــ\nأو في أكثر الأحول من غير تمييز بين الأحوال المذكورة في الحديث السابق (بدعة) لم يفعله رسول اللَّه -ﷺ-، بل كان حاله -ﷺ- مختلفًا تارة فتارة كما ذكر.\nوقوله: (على هذا) قد رفعهما ابن عمر إلى الصدر فأراهم إياه بقوله وفعله، ولذلك فسر الراوي بقوله: (يعني: إلى الصدر).\n٢٢٥٨ - [٣٦] (أبي بن كعب) قوله: (فدعا له) عطف على الشرط، وجوابُه (بدأ) أي: إذا دعا لأحدٍ دعا أولًا لنفسه (١) ثم دعا له، كما قالوا في تقديم: اللهم اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين.\n٢٢٥٩ - [٣٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (إذن نكثر) ضبط بالرفع في النسخ المصححة، ويشترط في الرفع بعد (إذن) إرادة معنى الحال، وهو غير ظاهر هنا، اللهم إلا أن يراد حال الحياة، أو جُعل الاستقبال حالًا مبالغة في الاستعجال، كذا\n_________\n(١) لئلا يوهم استغناؤه عنه، كذا في \"التقرير\".","vol":"5","page":25},{"text":"قَالَ: \"اللَّهُ أَكْثَرُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣/ ١٨].\n٢٢٦٠ - [٣٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"خَمْسُ دَعَوَاتٍ يُسْتَجَابُ لَهُنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ حَتَّى يَنْتَصِرَ، وَدَعْوَةُ الْحَاجِّ حَتَّى يَصْدُرَ، وَدَعْوَةُ الْمُجَاهِدِ حَتَّى يَفْقِدَ، وَدَعْوَةُ الْمَرِيضِ حَتَّى يَبْرَأَ، وَدَعْوَةُ الأَخِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ\". ثُمَّ قَالَ: \"وَأَسْرَعُ هَذِهِ الدَّعْوَاتِ إِجَابَةً دَعْوَةُ الأَخِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ\". [\"الدعوات الكبير\": ٦٧١].\n* * *\nــ\nفي الحواشي، ويجوز أن يقال: اعتبر نية الفعل مقام نفس الفعل.\nوقوله: (اللَّه أكثر) بالثاء، أي: أكثر إجابة من دعائكم، وقال الطيبي (١): هذا قريب من قولهم: العسل أحلى من الخل، والصيف أحر من الشتاء، انتهى. وفيه خفاء إذ الكثرة ثابتة لدعائهم، لكن الإجابة أكثر بخلاف المثالين المذكورين، فافهم.\n٢٢٦٠ - [٣٨] (ابن عباس) قوله: (حتى ينتصر) أي: ينتقم من ظالمه ولو بالدعاء عليه.\nوقوله: (حتى يصدر) أي: يرجع من الحج ويدخل بيته، من صدر عن الشيء يصدر صدرًا: رجع، من باب نصر.\nوقوله: (حتى يفقد) بالفاء والقاف من الفقدان من [باب] ضرب، أي: حتى يفرغ من الجهاد ويفقد أسبابه، وفي بعض النسخ: (حتى يقعد) من القعود، وكذا في الأصل، وفي بعضها: (يقفل)، أي: يرجع، من القفول.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٣١٩).","vol":"5","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-618>١ - باب ذكر اللَّه ﷿ والتقرب إليه</span>\nــ\n١ - باب ذكر اللَّه ﷿ والتقرب إليه\nفي (الصحاح) (١): الذكر والذكرى نقيض النسيان، انتهى. والذكر يكون بالقلب وباللسان، وقال الفقهاء: الذكر إنما يكون باللسان، وأدناه أن يُسْمِعَ نفسَه على القول المختار، ولا يعتبر بدون ذلك كما في القراءة والطلاق والعتاق، والذي بالقلب هو فعل القلب من قسم العلم والتصور وليس بذكرٍ كما هو ليس بقراءة، أما الذكر فهو اسم لما هو فعل اللسان، ولا يدرى ما مقصودُهم: إن أرادوا أنه لا يسمى ذكرًا في اللغة، فذلك خلاف ما نقلناه من أنه ضد النسيان وهو فعل القلب، نعم يسمى فعل اللسان أيضًا ذكرًا فهو لفظ مشترك بينهما، فالذكر ليس بمعنى القول والكلام، ولو كان بمعناه فالكلام يكون نفسيًّا ولفظيًّا، فكيف لا يكون الذكر قلبيًّا ولسانيًّا؟ وإن أرادوا أن الفضلائل والخواص التي وردت في شأن الذكر لا تثبت لما هو بالقلب ولا تترتب عليه، فذلك أيضًا قول بلا دليل، وكيف لا يكون بعد ما كان اسمًا له؟ وإن أرادوا أن الأفضل أن يكون باللسان مع مواطأة القلب فذلك شيء آخر، وقول لا ينازع فيه.\nونقل الطيبي (٢) عن (شرح صحيح مسلم): أن الذكر قد يكون بالقلب وقد يكون باللسان، والأفضل منهما ما يكون باللسان مع القلب جميعًا، فإن اقتصر على أحدهما فبالقلب أفضل.\nوفي (شرح صحيح مسلم) (٣): ذكر اللَّه سبحانه ضربان: ذكر القلب وذكر اللسان،\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٢/ ٦٦٤).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٣٣٦).\n(٣) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (١٧/ ١٥).","vol":"5","page":27},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوذكر القلب نوعان، أحدهما: أرفع الأذكار وأجلُّها وهو التفكر في عظمة اللَّه وجلاله وجبروته وملكوته وآياته في أرضه وسماواته، ومنه الذكر الخفي في الحديث: (خير الذكر الخفيُّ)، والثاني: ذكره بالقلب عند الأمر والنهي.\nوعند مشايخ الطريقة الذكر نوعان: قلبي ولساني، وأثر القلبي أقوى وأعظم من اللساني، بل الذكر القلبي هو الذكر في الحقيقة، وحقيقة الذكر عندهم نسيان ما سوى اللَّه أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]، والقياس على الطلاق والعتاق غير صحيح، فإنهما اسمان لما هو باللسان، وقد عرف في الشرع أن حكمهما لا يترتب بدون فعل اللسان، وكذلك القراءة، وليس كذلك الذكر، ولعلهم أرادوا أن المعتبر في الأذكار والأوراد الواردة في الشرع فضائلُه كالتسبيح أدبار الصلوات، وفي الصلوات وأمثالها، يترتب ثوابها عليها أن يكون بحيث يحصل بها اللفظ وإسماع النفس كما في القراءة، يدل على ذلك كلام الجزري في (الحصن الحصين)، وأما أن الذكر بالقلب لا يسمى ذكرًا أصلًا، ولا يحصل به ثواب ذكر اللَّه تعالى، فذلك محل نظر، واللَّه أعلم.\nثم إنهم قالوا: ليس الذكر منحصرًا في التسبيح والتهليل والتكبير، بل كل مطيع للَّه سبحانه في عمل فهو ذاكر في امتثال أمر اللَّه، وأفضل الذكر القرآن إلا فيما شُرِعَ لغيره، وقد ورد: (أفضل الذكر لا إله إلا اللَّه)، وهو جزء من القرآن، وقد اختار المشايخ هذه الفوائد ونتائج تحصل منه يعرفها أرباب هذا الشأن.\nثم إنه قد ثبت بالأحاديث المذكورة في الباب ويغيرها من الأحاديث فضل الاجتماع للذكر والتسبيح والتحميد والتكبير، والظاهر أنه يكون على ذكر واحد، فإنه إن كان كل واحد على ذكر على حِدَةٍ، فإن كان سرًّا فجدوى الاجتماع غير ظاهرة، وإن كان","vol":"5","page":28},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nجهرًا وكلٌّ على ذكره ففيه من إساءة الأدب بالتخليط وغيره مما لا يَسُوغ في حديث الناس فضلًا عن ذكر اللَّه سبحانه.\nوتأويل الذكر بالعلم مرة وبذكر الآلاء أخرى بعيد خلاف الظاهر، وتأويل التسبيح والتكبير والتحميد بالتذاكر في التوحيد وصفاته تعالى أبعد، والنصوص محمولة على ظواهرها ما لم يصرف عنها الدليل.\nثم الجهر بالذكر مشروع بلا شبهة؛ لقوله -ﷺ-: (ومن ذكرني في بلاء) كما سيأتي، ومن أدلته ﴿كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]. قال ابن عباس: ما كنت أعرف انصراف الناس من الصلاة على عهد رسول اللَّه -ﷺ- إلا بالذكر، رواه البخاري (١). والجهرُ في ذكر العيد وفي أدبار الصلوات وبالثغور وفي الأسفار حتى قال ﵊: (ارْبَعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا) (٢)، ومضمون (اربعوا) يدل على أن المنع للشفقة عليهم لا لعدم الجواز، وقد جهر -ﷺ- بأذكار وأدعية في مواطن جمة وكذا السلف، وكل هذه دالة على الجهر والجمع، لكن في قضايا مخصوصة يكون وجودها مستنَدًا لا دليلًا؛ لاحتمال قصرها على ما وقعت فيه، فمن نظر إلى المعنى والعلة أجازها على العموم، ومن نظر إلى الخصوص قصرها على مواردها، والأول أوفق بمطالب الشرع ومقاصدها، فظهر مما ذكر صحة ما استحسن بعض المشايخ من الصوفية من الاجتماع للذكر أو الحزب الواحد، والتحليق لذلك، ومنه حديث: (حِلَقُ الذكر).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" نحوه (٨٤١).\n(٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٢٩٩٢).","vol":"5","page":29},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-619> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٢٦١ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فَيْمَنْ عِنْدَهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٠٠].\nــ\nوأما مذهب مالك فالكراهة فيه لعدم عمل السلف، ولسد ذريعة الابتداع بالزيادة على ذلك من اجتماع الذكور والإناث، والخروج إلى غير الحق، والتجاوز عن الحد، وقد وقع ما اتقاه -﵁-.\nوقال بعض المتأخرين من الشاذلية في مسألة الْحزب: إنه من الروائح التي يتعين التمسك بها لذهاب حقائق الديانة في هذه الأزمنة، وإن كان بدعة فهو مما اختلف فيه، وغاية القول فيه الكراهة، فصح العمل به على قول من يقول به، ولعل الشارع إنما قصد ترغيبه مَنْ هو بعد الصدر الأول لاحتياجهم له، وقد يختلف الحكم بالإباحة والندب باختلاف الأزمان والأمكنة بل الأشخاص، فتعين القول بجوازه مع رعاية الشروط والآداب، وهي مذكورة في مواضعها، واللَّه أعلم.\nالفصل الأول\n٢٢٦١ - [١] (أبو هريرة) قوله: (إلا حفتهم الملائكة) أي: أحاطتهم، وما يحصل في ذلك الوقت من النورانية وحضور القلب والطمأنينة فهو أثر ذلك، وقد سبق تفصيل الكلام في هذا الحديث في الفصل الأول من (كتاب العلم).\nوقوله: (وذكرهم اللَّه فيمن عنده) من الملائكة المقربين للمباهاة بهم وإظهار فضلهم عندهم، لِمَا كانوا يدَّعُون لأنفسهم من التسبيح والتقديس ولبني آدم الفساد وسفك الدماء.","vol":"5","page":30},{"text":"٢٢٦٢ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: جُمْدَانُ، فَقَالَ: \"سِيرُوا، هَذَا جُمْدَانُ، سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ\". . . . .\nــ\n٢٢٦٢ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (في طريق مكة) قاصدًا المدينة، و(جمدان) بضم الجيم وسكون الميم: جبل قريب المدينة على ليلة.\nوقوله: (سبق المفردون) قال عياض في (المشارق) (١): هو بفتح الفاء وكسر الراء، كذا ضبطناه.\nوقال التُّورِبِشْتِي (٢): يروى (المفردون) بتشديد الراء وكسرها، وبالفتح وبالتخفيف بهما، واللفظان وإن اختلفا في الصيغة فإن كل واحد منهما في المعنى قريب من الآخر، إذ المراد منه: المتخلصون لعبادة اللَّه، المتخلُّون بذكره عن الناس، المعتزلون فيه، المتبتِّلون إليه، الذين وضع الذكرُ أوزارهم، فهجروا الخِلّان وتركوا الأسباب، فأفردوا أنفسهم للَّه عن العلائق، وأُفردوا عن الأقران، وفروا عن الشهوات، وهو مقام التفريد المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨].\nوقيل: (المفردون): الموحدون الذين لا يرون إلا اللَّه، واعتقدوه واحدًا، وخلصوا له بكليتهم، وفي (المشارق) (٣): قال ابن الأعرابي: يقال: فرَّد الرجل مشدد الراء: إذا تفقه واعتزل الناس، وخلا بمراعاة الأمر والنهي. وعُبِّر معناه بعبارات كلها راجعة إلى معنى الاعتزال عن الناس بعبادة اللَّه.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٥٢).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٥١٩).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٥٢).","vol":"5","page":31},{"text":"قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيْرًا وَالذَّكِرَاتُ (١) \". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٧٦].\n٢٢٦٣ - [٣] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لَا يَذْكُرُ مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٠٧، م: ٧٧٩].\nــ\nوقد جاء مفسرًا في حديث الترمذي: فقال: (المستهتَرون -هم الذين أهْتِروا- في ذكر اللَّه يضع الذكر عنهم أثقالهم فيأتون يوم القيامة خفافًا) وقيل: اهتروا: أصابهم خبال، وقيل: أُولعوا، من أهتر فلان به واستهتر فهو مهترٌ ومستهترٌ، أي: مولع، ولا يتحدث بغيره ولا يعقل.\nوفي (القاموس) (٢): الْهُتر بالضم: ذهاب العقل من كِبَر أو مرض أو حزن، وقد أَهتَرَ فهو مُهتَرٌ بفتح التاء شاذ، وقد قيل: أُهتِر بالضم، ولم يذكر الجوهري [غيره]، وأُهْتِر، بالضم فهو مُهتَرٌ: أُولِعَ بالقول في الشيء.\nوقوله: (وما المفردون) أي: ما صفتهم، على طريقة قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] والجواب من الأسلوب الحكيم، والواو في (وما المفردون) للعطف على محذوف، كأنه قيل: لا نعلم المفردين، ونقول: ما المفردون؟ وقيل: الواو زائدة للتحسين.\n٢٢٦٣ - [٣] (أبو موسى) قوله: (مثل الحي والميت) في ظهور الآثار الروحانية\n_________\n(١) قال القاري (٤/ ١٥٤١): أي: اللَّه، وحذفه للاكتفاء، أو لأن كثرة الذكر توجد كثيرًا في الرجال دون النساء. وقال الطيبي (٥/ ١٧٢٢): أي: الذاكراته، فحذف الهاء كما حذف في التنزيل؛ لأنه رأس آية، ولأنه مفعول وحذفه سائغ، اهـ.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٦٠).","vol":"5","page":32},{"text":"٢٢٦٤ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي،\nــ\nمن المعرفة والذوق والشوق في الذكر وعدمه في غيره، كظهور الآثار الجسمانية وعدمه في الحي والميت.\n٢٢٦٤ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (أنا عند ظن عبدي بي) أي: بالغفران إذا استغفر، والقبول إذا تاب، والإجابة إذا دعا، والكفاية إذا طلبها، والأصح أنه أراد الرجاء وتأميل العفو، فإنْ ظَنَّ العفو فله ذلك، وإن ظن العقوبة فكذلك، وهو إشارة إلى ترجيح جانب الرجاء، ويجوز أن يريد به العلم، أي: أنا عند يقينه بي وعلمه أن مصيره إليَّ وحسابه عليَّ، وأن ما قضيت له من خير وشر فلا مَرَدّ له، أي: إذا تمكن في مقام التوحيد قرب بي بحيث إذا دعاني أجيب.\nأو المراد: علمه بأني معه إذا ذكرني، وأني أجازيه على عمله سرًّا أو علانية، فيكون ما بعده تفصيلًا له، كما قال الطيبي (١)، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وأنا معه إذا ذكرني) اعلم أن المعية المفهومة عند العقل لا تخلو عن أحد هذه الأقسام، إما معية الجزء مع الكل، أو معية العَرَض مع الجوهر، والصفة مع الموصوف، أو الساري مع المسريِّ فيه، كالماء مع الورد، أو الظرف مع المظروف، أو الجارَين أو المتلاصقين، ويستحيل ذلك كله في الباري تعالى وتقدس، وما هو إلا بالتوفيق والمعونة، أو كنايةٌ عن سماعه ما يقوله الذاكر، أو إظهار نور حضوره وشهوده في قلبه، وفي الحقيقة لا يمكن التعبير عنه بلسان القال، واللَّه أعلم بحقيقة الحال.\nوفي رواية: (أنا جليس من ذكرني) وهو أيضًا محمول على مثل هذا المعنى.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٣٢٢).","vol":"5","page":33},{"text":"فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٤٠٥، م: ٢٦٧٥].\nــ\nوقوله: (فإن ذكرني في نفسه) أي: سرًّا (ذكرته في نفسي) أي: أُسرُّ ثوابَه وأتولى بنفسي إثباته بحيث لا يعلمه أحد من الملائكة، كذا قالوا، ولا يخفى أن للَّه تعالى كلامًا نفسيًّا ولفظيًّا كما حقق في موضعه، فيذكر العبدَ بكلا الكلامين، ولا محذور فيه، والثواب لازم لذكره تعالى عبدَه وأثرٌ له، وهذا كما قالوا: إن محبة اللَّه للعبد توفيقُه له، والتحقيق أن المحبة صفة للَّه تعالى من غير أن يكون هنا انجذاب وانفعال، والتوفيق أثره ولازمه، فتدبر.\nوقال القاضي عياض: يحتمل كونه على ظاهره تشريفًا له.\nوقوله: (وإن ذكرني في ملأ) الملأ بفتح الميم واللام واحد الأملاء، وهم أشراف القوم ورؤساؤهم ومقدَّموهم، وفيه دليل على جواز الذكر جهرًا.\nوقوله: (ذكرته في ملأ خير منهم) قد يستدل بهذا على أفضلية الملائكة من البشر، قال الطيبي (١): المراد ملأ من الملائكة المقربين وأرواح المرسلين لا الملائكة فحسب.\nوفيه نظر؛ لأن النقص باق بالذاكر في مجلسه -ﷺ-، إلا أن يقال: إن روحه الأقدس قد كان في الملائكة في الأوقات، وبهذا صار ذلك الملأ خيرًا، ولا يجب أن يكون في وقت الذكر هنالك.\nوالأحسن أن يقال: الخيرية من جهة النزاهة والتقدس والعلو والقرب ثابتة للملأ الأعلى، وهي لا تنافي أفضيلة البشر من جهة كثرة الثواب كما قالوا، وإلى هذا مآل\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٤/ ٣٢٣).","vol":"5","page":34},{"text":"٢٢٦٥ - [٥] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَأَزِيْدُ، وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزاءُ سَيِّئَةٍ مِثْلُهَا أَوْ أَغْفِرُ، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، وَمَنْ لَقِيَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطِيئَةً لَا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَقِيتُهُ بِمِثْلِهَا مَغْفِرَةً\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٨٧].\n٢٢٦٦ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ،\nــ\nما قيل: إن خيريتهم لكونهم عند اللَّه وكونهِ ﷾ معهم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] وقوله تعالى للملائكة: ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ١٢]، والعندية والمعية وإن كان شاملا للبشر أيضًا، ولكن للملائكة أقدم وأسبق، وظهور سلطان الربوبية وأنوار القدس في عالم الملكوت أكثر وأظهر، وإن كان البشر أفضل من وجه آخر، وقد صرح باختلاف الجهتين كثير من العلماء، ولعل هذا هو الوجه، واللَّه أعلم.\n٢٢٦٥ - [٥] (أبو ذر) قوله: (من تقرب مني شبرًا) الشبر بالكسر: ما بين أعلى الإبهام وأعلى الخنصر، و(الذراع) من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى، وما يُذْرَع به الثوب، و(الباع) قدر مد اليدين كالبَوع ويُضمّ، و(الهرولة) بين العَدْو والمشي، وهو كناية عن سبق رحمة اللَّه تعالى وقربه من العباد، وزيادة ثوابه وعطائه وفضله على طاعاتهم وأعمالهم.\nوقوله: (من لقيني بقراب الأرض) بالضم والكسر، أي: بملئه وقَدْرد، وقراب الشيء: ما قارب قدره.\n٢٢٦٦ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (من عادى لي وليًّا) (لي) صفة لقوله: (وليًّا)،","vol":"5","page":35},{"text":"وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أَحْبَبْتُهُ،\nــ\nوالولي بمعنى المحب والناصر ومن يتولى الأمر، فعيل بمعنى فاعل ومفعول.\nوقوله: (وما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضت عليه) يدل على أن قرب العبد من ربه بأداء الفرائض أتمُّ وأكمل مما يحصل من أداء النوافل؛ لأن فناء العبد وانعزاله من اختياره في امتثال الأمر أشد في أداء الفرائض؛ فإن النوافل يهديها العبد إلى الرب بالاختيار والتبرع، ويحصل في الأول فناء الذات وفي الثاني فناء الصفات، كذا قالوا، وهذا هو المشهور المتداول بألسنة القوم في متأخر الزمان.\nوأقول -وباللَّه التوفيق-: إن فائدة النوافل في الحقيقة تكميل الفرائض وتتميم ما وقع فيها من النقصان، فيكون القربُ الحاصل بأداء النوافل بعد أداء الفرائض وتكميلها بها أتمَّ وأكمل باجتماع القربين، فهذا المقام المشار إليه بالحديث هو مقام الفناء في التوحيد الذي يكون وجود العبد وأفعاله وذاته وصفاته فانيًا، ولم يبق في نظر شهوده سوى الحق وذاته وصفاته وأفعاله، وهي أكمل المراتب وأعلى المقامات في القرب شاملًا لجميع أقسامها التي قسَّمها إليها بعض المتأخرين من الصوفية، ولهذا قصر عليه سيدنا ومولانا قطب العارفين غوث الثقلين محي الدين عبد القادر الجيلاني ﵀ في كتابه (فتوح الغيب)، وجعله آخر المراتب ونهايتها، قال: قال اللَّه تعالى: أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، فاللَّه تعالى لا يكون عندك حتى تنكسر جملة هواك وإرادتك؛ فإذا انكسرت ولم يثبت فيك شيء ولم تصلح لشيء، فيَجعل فيك إرادة فتريد بتلك الإرادة، فإذا وُجِدْت بتلك الإرادة المنشأة فيك كَسَرها الرب تعالى لوجودك، فتكون منكسر القلب أبدًا، فهو ﷿ لا يزال يجدد فيك إرادة، ثم يزيلها عند وجودك فيها، هكذا إلى أن يبلغ الكتاب أجله فيحصل اللقاء، قال اللَّه تعالى ﷿ في بعض ما يذكره","vol":"5","page":36},{"text":"فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ فَكُنْتُ سَمْعَهُ (١) الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ. . . . .\nــ\nعنه نبيه -ﷺ-: (لا يزال عبدي المؤمن يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش)، وهذا إنما يكون حالة الفناء لا غير، فتعمى عما سواه فلا ترى بغيره وجودًا.\nهذا كلامه الأقدس، وهو كلام تام شامل لجميع مراتب الفناء، لا كما يزعمه بعض القاصرين أنه مرتبة قرب النوافل وأدنى المراتب، فافهم. وباللَّه التوفيق، وهو يقول الحق ويهدي السبيل.\nوقوله: (فكنت سمعه. . . إلخ) يعني: ما يسمع شيئًا ولا يبصر شيئًا ولا يبطش شيئًا ولا يمشي إلى شيء إلا والحق سبحانه منظوره ومشهوده، على ما أشار إليه بعض العارفين بقوله: ما رأيت شيئًا إلا ورأيت اللَّه فيه أو معه أو قبله أو بعده على تفاوت الأحوال، وأول هذه المراتب العمل لامتثال أمر اللَّه ونية التقرب إليه، وآخره الفناء في التوحيد، وإذا بلغ العبد هذه المرتبة يستجاب دعاؤه البتة بفنائه عن إرادته وتمحض عبوديته.\nوقوله: (ولئن استعاذني) بنون الوقاية، وفي بعض النسخ بالموحدة، وهذا أظهر معنى وإن كان الأول أشهر رواية.\nوقوله: (وما ترددت) إشارة إلى بعض آثار المحبة وخواصها، وتولي الحق سبحانه\n_________\n(١) وقال ابن حجر: والذي في الأصول المشهورة: \"حتى أحببته فكنت سمعه\"، وفي نسخة صحيحة: \"فإذا أحببته كنت سمعه\". \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٥٤٥).","vol":"5","page":37},{"text":"تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مُسَاءَتَهُ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٥٠٢].\n٢٢٦٧ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تنادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ\" قَالَ: \"فَيَحُفُّونَهُمْ بِأَجْنِحَتِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا\" قَالَ: \"فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ \" قَالَ: \"يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُحَمِّدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ\"، قَالَ: \"فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ \" قَالَ: \"فَيَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ\"، قَالَ فَيَقُولُ: كَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: \"فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً،\nــ\nلوليه إلى آخر وقت الموت، وتخصيصه برضوانه وكرامته، وتحبيب الموت والوصول بجنابه إليه، وإطلاقُ التردد على اللَّه سبحانه غير جائز، والمراد به التأخر والتوقف، وعبر به عما صنع بعبده مما يهوِّن عليه الموت بحبه إليه، أو يصيره مشتاقًا إلى الآخرة بإنزال البلايا والأمراض الموصلة له إلى النعيم الباقي ودار البقاء والكرامة والرضوان.\n٢٢٦٧ - [٧] (عنه) قوله: (هلموا إلى حاجتكم) وارد على استعمال بني تميم في الجمع والتثنية، وأهل الحجاز يوحدونه في كل حال، وقد سبق تحقيقه في بعض المواضع من الكتاب.\nوقوله: (فيسألهم ربهم) فائدة السؤال: إظهار شرف بني آدم وصلاحهم وتسبيحهم وتقديسهم، والتعريض للملائكة في قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠].\nوقوله: (ويمجدونك) قريب من معنى التكبير، وفي بعض الشروح: أي يذكرونك","vol":"5","page":38},{"text":"وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا\"، قَالَ: \"فَيَقُولُ: فَمَا يَسْأَلُونَ؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ الْجنَّةَ\" قَالَ: \"يَقُولُ: وَهَلْ رَأَوْهَا؟ \" قَالَ: \"فَيَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا\"، قَالَ: \"يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ \" قَالَ: \"يَقُوْلُونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ عَليْهَا حِرْصًا، وَأَشَدَّ لَهَا طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فِيهَا رَغْبَةً، قَالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ؟ \" قَالَ: \"يَقُولُونَ: مِنَ النَّارِ\"، قَالَ: \"يَقُولُ: فَهَلْ رَأَوْهَا؟ \"، قَالَ: يَقُولُونَ: \"لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا رَأَوْهَا\" قَالَ: \"يَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْهَا؟ \" قَالَ: \"يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْهَا كَانُوا أَشَدَّ مِنْهَا فِرَارًا وَأَشَدَّ لَهَا مَخَافَةً\" قَالَ: \"فَيَقُولُ: فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ\" قَالَ: \"يَقُولُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ: فِيهِمْ فُلَانٌ لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّمَا جَاءَ لِحَاجَةٍ، قَالَ: هُمُ الْجُلَسَاءُ لَا يَشْقَى جَلِيسُهُمْ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٤٠٨].\nوَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَالَ: \"إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّارَةً فُضْلًا يَبْتَغُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا مَجْلِسًا فِيهِ ذِكْرٌ قَعَدُوا معَهُم،\nــ\nبالعظمة. وفي (مجمع البحار) (١): المجد لغةً: الشرف الواسع، ورجل ماجد: مفضال شريف، وقيل: المجيد: الكريم الفعال، وفي (القاموس) (٢): مَجَّدَهُ: عَظَّمَه، وأثْنَى عليه، والعطاءَ: كَثَّرَهُ، وسيأتي شرحه في (باب الأسماء الحسنى).\nوقوله: (وهل رأوها؟) أي: الجنة، المراد أن إيمانهم بالغيب مع ذلك على يقين وثبات، بخلاف إيمان الملائكة فإنه عياني.\nوقوله: (فضلًا) بضم الفاء وسكون الضاد وضمها: جمع فاضل كبزل وبازل\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٥٥٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠١).","vol":"5","page":39},{"text":"وحَفَّ بَعضُهُم بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهمْ حَتَّى يَملؤوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَإِذَا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وَصَعِدُوا إِلَى السَّمَاءِ قَالَ: فَيَسْأَلُهُمُ اللَّهُ وَهُوَ أَعْلَمُ (١): مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادِكَ فِي الأَرْضِ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ (٢) وَيَسْأَلُونَكَ، قَالَ: وَمَاذَا يَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: يَسْأَلُونَكَ جَنَّتَكَ، قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: لَا أَيْ رَبِّ، قَالَ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قَالُوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ، قَالَ: وَمِمَّ يَسْتَجِيرُونِي؟ قَالُوا: مِنْ نَارِكَ، قَالَ: وَهَلْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْا نَارِي؟ قَالُوا: يَسْتَغْفِرُونَكَ، قَالَ: \"فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا\" قَالَ: \"يَقُولُونَ: رَبِّ فِيهِمْ فُلَانٌ عَبْدٌ خَطَّاءٌ، وَإِنَّمَا مَرَّ فَجَلَسَ مَعَهُمْ\". . . . .\nــ\nونزل ونازل، وفي بعض النسخ: (فضلاء) بالمد كفصحاء وعلماء، وقد جاء: (فضل) بضمتين مرفوعًا خبر مبتدأ محذوف، وفي (المشارق) (٣): روايتنا فيه عن أكثرهم بسكون الضاد وهو الصواب، وقد رواه بعضهم بضم الضاد، وكان هذا الحرف في كتاب ابن عيسى: (فضلاء) بضم الفاء وفتح الضاد وهو وهم هنا، وإن كانت صفتهم.\nوقوله: (ويستجيرونك) أي: يستعيذون ويستأمنون بك.\nوقوله: (إنما مر فجلس) أي: إنما صدر منه المرور ثم الجلوس لا تسبيح ولا تكبير ولا تحميد.\n_________\n(١) في نسخة: \"أعلم بهم\"، وفي نسخة: \"أعلم بحالهم\".\n(٢) في نسخة: \"ويمجدونك\".\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٦٩).","vol":"5","page":40},{"text":"قَالَ: \"فَيَقُولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ، هُمُ الْقَوْمُ لَا يَشقَى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [م: ٢٦٨٩].\n٢٢٦٨ - [٨] وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ الرُّبَيِّعِ الأُسَيدِيْ قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيْرًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَاللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَمَا ذَاكَ؟ \" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ، فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الأَزْوَاجَ وَالأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ. . . . .\nــ\nوقوله: (وله غفرت) أي: وله أيضًا غفرت.\n٢٢٦٨ - [٨] (حنظلة بن الربيع) قوله: (وعن حنظلة بن الربيع) بضم الراء وفتح الموحدة وكسر التحتانية المشددة وهو الصحيح، وقد جعل في بعض النسخ على وزن الربيع ضد الخريف، (الأسيدي) بضم الهمزة وفتح السين وتشديد التحتانية المكسورة.\nوقوله: (كأنَّا رأيَ عين) بالنصب مفعول مطلق؛ أي: كأنّا راؤون الجنة والنار بالعين، ويجوز أن يكون حالًا بمعنى اسم الفاعل، وجعل في بعض النسخ: (رأيُ عين) بالرفع وصفا بالمصدر.\nوقوله: (عافسنا الأزواج والأولاد) أي: خالطناهم، والمعافسة: المعالجة، وفي (مجمع البحار) (١): أي: لامسنا ولاعبنا، (والضيعات) جمع ضيعة، ويقال: ضيعة\n_________\n(١) \"مجمع البحار\" (٣/ ٦٢٩).","vol":"5","page":41},{"text":"نَسِينَا كَثِيرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ، وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً\" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٥٠].\nــ\nالرجل لما يكون معاشه به كالزراعة والتجارة، وفي (القاموس) (١): الضيعة: العقار والأرض المُغلة.\nوقوله: (وفي الذكر) عطف على (عندي).\nوقوله: (على فرشكم وفي طرقكم) أي: دائمًا في جميع الأحوال المتضادة والأوقات المتباينة.\nوقوله: (ساعة وساعة) لفظ (المصابيح): (ساعة فساعة) بالفاء، قال التُّورِبِشْتِي: أي: ساعة في الحضور تؤدون حقوق ربكم، وساعة في الغيبة فتقضون حقوق أنفسكم، فأدخل فاء التعقيب في الثانية تنبيهًا على أن إحدى الساعتين مُعقَّبةٌ بالأخرى، وأن الإنسان لا يصبر على الحق الصرف والجد المحض.\nوقوله: (ثلاث مرات) الظاهر أنه لتكرير هذه العبارة وهو قوله: (ولكن يا حنظلة ساعة وساعة).\nأو قوله: (ساعة وساعة)، ويحتمل أن يكون المراد تثليث لفظ ساعة، أي: ساعة في الحضور في الذكر، وساعة في أداء حق النفس خاصة، وساعة في العافية، واللَّه أعلم (٢).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٨٦).\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٥٥٠).","vol":"5","page":42},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-620> الْفَصْلُ الثاني:</span>\n٢٢٦٩ - [٩] عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ؟ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ؟ وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ والوَرِقِ؟ وخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ \" قَالُوا: بَلَى، قَالَ: \"ذِكْرُ اللَّهِ\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا وَقَفَهُ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ. [ط: ٧١٦، حم: ٦/ ٤٤٧، ت: ٣٣٧٧، جه: ٣٧٩٠].\n٢٢٧٠ - [١٠] وَعَن عَبْدِ اللَّهِ بنِ بُسْرٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ فَقَالَ: \"طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمْرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ\" قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"أَنْ تُفَارِقَ الدُّنْيَا وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٤/ ١٨٨، ت: ٣٣٧٥].\nــ\nالفصل الثاني\n٢٢٦٩ - [٩] (أبو الدرداء) قوله: (والورق) في (القاموس) (١): الوَرْقُ مُثَلَّثَةً، وككَتِفٍ وجَبَلٍ: الدَّراهِمُ المَضْروبَةُ، وفي (مجمع البحار) (٢): الورق بكسر راء وتسكين، وبكسر واو مع سكون، والرقة بكسر راء وخفة قاف: الدراهم المضروبة، وفي الحديث دليل على أن ذكر اللَّه تعالى خير من التصدق، فلعل ما يقال: إن العبادة المتعدية أفضل من اللازمة مخصوص بغير الذكر.\n٢٢٧٠ - [١٠] (عبد اللَّه بن بسر) قوله: (ولسانك رطب) عبارة عن سهولة جريانه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٥٥).\n(٢) \"مجمع البحار\" (٥/ ٤٩).","vol":"5","page":43},{"text":"٢٢٧١ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا مَرَرْتُمْ بِرِيَاضِ الْجَنَّةِ فَارْتَعُوا\" قَالُوا: وَمَا رِيَاضُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: \"حِلَقُ الذِّكْرِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥١٠].\n٢٢٧٢ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ، وَمَنِ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تِرَةٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٥٦].\nــ\nمن الموت وهو كناية عن مداومة الذكر، وقيل: أي: متحرك، وقيل: أي: قريب العهد من الموت.\n٢٢٧١ - [١١] (أنس) قوله: (حلق الذكر) في (المشارق) (١): الحلقة بفتح الحاء وسكون اللام، وقيل: بفتحها، والأول أشهر، وهي حلقة القوم يتحلقون فيها، والجمع حِلَق بكسر الحاء، مثل: بَدْرة وبِدَر، قاله الخطابي، وذكرها غير واحد بالفتح، ومنه قوله في الصحيح: الحلق في المسجد، و: حَلَق أصحاب محمد، وقال الحربي: فيه: الحَلَق والحَلْقة بالسكون مثل: ثمرة وثمر، قال: ولا أعرف حَلَقة بالفتح إلا جمع حالق.\nوفي الحديث دليل على أن التحليق للذكر مشروع.\n٢٢٧٢ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (كانت عليه من اللَّه ترة) أي: حسرة ونقصان، وروي بالرفع والنصب، فبالرفع يكون اسم كان، وبالنصب خبره، و(كانت) إن روي بالتأنيث فعلى تقدير النصب يجعل ضميره (للقعدة) و(الاضطجاعة)، وإن روي بالتذكير فلا حاجة إلى ذلك.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٠٩).","vol":"5","page":44},{"text":"٢٢٧٣ - [١٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِيهِ، إِلَّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ، وَكَانَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٥١٥، د: ٤٨٥٥].\n٢٢٧٤ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٣٨٠].\n٢٢٧٥ - [١٥] وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كُلُّ كَلَامِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ لَا لَهُ، إِلَّا أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ، أَوْ ذِكْرُ اللَّهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٤١٢، جه: ٣٩٧٤].\nــ\n٢٢٧٣ - [١٣] (عنه) قوله: (وكان عليهم حسرة) (كان) في هذا الحديث والحديث الآتي مروي بالتذكير.\n٢٢٧٤ - [١٤] (عنه) قوله: (لم يذكروا) وجاء في الحديث الآخر تقييد الذكر بقوله: (قبل أن يقوم)، وتخصيصه بقوله: (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك).\nوقوله: (فإن شاء عذبهم) أي: على ترك الذكر والصلاة، أو على ما جرى في المجلس مما يوجب الإثم، وإذا ذكر وصلى غفر له، فكانت كفارة له.\n٢٢٧٥ - [١٥] (أم حبيبة) قوله: (كل كلام ابن آدم عليه) أي: ضرر عليه (لا له) أي: لا نفع له، وظاهر الحديث يدل على أن المباح أيضًا ضرر عليه، ففيه تشديد ومبالغة، وضرر المباح أنه يحاسَب عليه ويورِث قساوة القلب، وقال بعض الفقهاء في باب","vol":"5","page":45},{"text":"٢٢٧٦ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُكْثِرُوا الْكَلَامَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ فَإِنَّ كَثْرَةَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ، وَإِنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ الْقَلْبُ الْقَاسِي\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤١١].\n٢٢٧٧ - [١٧] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: نَزَلَتْ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، لَوْ عَلِمْنَا أَيُّ الْمَالِ خَيْرٌ فَنَتَّخِدَهُ؟ فَقَالَ: \"أَفْضَلُهُ لِسَانٌ ذَاكِرٌ، وَقَلْبٌ شَاكِرٌ، وَزَوْجَةٌ مُؤْمِنةٌ تُعِينُهُ عَلَى إِيمَانِهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٥/ ٢٧٨، ت: ٣٠٩٤، جه: ١٨٥٦].\nــ\nالاعتكاف حيث قالوا: ولا يتكلم إلا بخير، والمراد بالخير ما فيه ثواب أو ما ليس عليه عقاب، فتدبر.\n٢٢٧٦ - [١٦] (ابن عمر) قوله: (قسوة للقلب) في (القاموس) (١): قَسَا قَلْبُه قَسْوًا وقسوة وقَساوة: صَلُبَ وغَلُظَ.\nوقوله: (إن أبعد الناس) أي: أبعد قلوب الناس، أو التقدير: ذو القلب القاسي.\n٢٢٧٧ - [١٧] (ثوبان) قوله: (لو علمنا أيُّ المال خيرٌ) أي: من غير الذهب والفضة.\nوقوله: (فنتخذه) بالنصب جوابًا للتمني.\nوقوله: (أفضله) أي: أفضل المال، ففيه المشاكلة، أو أفضل ما ينفع، ففيه الاستخدام.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢١٦).","vol":"5","page":46},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-621> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٢٧٨ - [١٨] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ. قَالَ: آللَّهَ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ؟ قَالُوا: اللَّهَ مَا أَجْلَسَنَا غَيْرُهُ، قَالَ: أَمَا إِنِّي لم أسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ: \"مَا أَجْلَسَكُمْ هَاهُنَا؟ ! قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ آللَّهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلإِسْلَامِ وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا. قَالَ: \"آللَّهَ مَا أجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَلِك؟ \" قَالُوا: اللَّهَ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَلِكَ، قَالَ: \"أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ ﷿ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٠١].\n٢٢٧٩ - [١٩] وَعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ بُسرٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ شَرَائِعَ الإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ. . . . .\nــ\nالفصل الثالث\n٢٢٧٨ - [١٨] (أبو سعيد) قوله: (آللَّه) قد يحذف حرف القسم فينصب بالإيصال، وقد يجر، نحو: اللَّه لأفعلن كذا، ثم أدخل حرف الاستفهام فمد، وقيل: حرف الاستفهام صار بدلًا من حرف القسم فجر به، ويرده جواز النصب بل هو الغالب، والجر شاذ، وإدخال حرف الاستفهام في الجواب بطريق المشاكلة.\nوقوله: (أقل عنه حديثًا مني) إيذان بعدم النسيان.\n٢٢٧٩ - [١٩] (عبد اللَّه بن بسر) قوله: (فأخبرني بشيء أتشبث به) أراد أن يعلمه شيئًا من نوافل الخيرات بعد أداء ما افترض عليه يكون أفضل ما يتمسك به ويستغني","vol":"5","page":47},{"text":"قَالَ: \"لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا بِذِكْرِ اللَّهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ غَرِيْبٌ. [ت: ٣٣٧٢، جه: ٣٧٩٣].\n٢٢٨٠ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سُئِلَ: أَيُّ الْعِبَادِ أفضَلُ وَأَرْفَعُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: \"الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ\" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمِنَ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: \"لَوْ ضَرَبَ بِسَيْفِهِ فِي الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَنْكَسِرَ وَيَخْتَضِبَ دَمًا، فَإِنَّ الذَّاكِرَ لِلَّهِ أَفْضَلُ مِنْهُ دَرَجَةً\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ (١). [حم: ٣/ ٧٥، ت: ٣٣٧٣].\n٢٢٨١ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الشَّيْطَانُ جَاثِمٌ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ خَنَسَ، وَإِذا غفَلَ وَسْوَسَ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ تَعْلِيقًا. [خت: ك: ٦٥، ب: ١١٤].\nــ\nبه عما سواه.\n٢٢٨٠ - [٢٠] (أبو سعيد) قوله: (ويختضب دمًا) الظاهر أن الضمير للسيف، ويجوز أن يكون للغازي.\nوقوله: (فإن الذاكر للَّه أفضل منه) فكيف بغيره.\n٢٢٨١ - [٢١] (ابن عباس) قوله: (جاثم) في (القاموس) (٢): جثم الإنسان والطائر والنعام والخِشف واليربوعُ يجثِمُ ويَجْثُمُ جَثْمًا وجُثومًا، فهو جاثمٌ وجَثومٌ: لَزِمَ مكانَهُ، أو وقع على صَدْرِهِ، أو تَلَبَّدَ بالأرضِ، و(خنس) بمعنى تأخر.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"حسن\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٠٢).","vol":"5","page":48},{"text":"٢٢٨٢ - [٢٢] وَعَنْ مَالِكٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ: \"ذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ كَالْمُقَاتِلِ خَلْفَ الْفَارِّينَ، وَذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ كَغُصْنٍ أَخْضَرَ فِي شَجَرٍ يَابِسٍ\".\n٢٢٨٣ - [٢٣] وَفِي رِوَايَةٍ: \"مَثَلُ الشَّجَرَةِ الْخَضْرَاءِ فِي وَسَطِ الشَّجَرِ وَذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ مَثَلُ مِصْبَاحٍ فِي بَيْتٍ مُظْلِمِ، وَذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ يُرِيهِ اللَّهُ مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ حَيٌّ، وَذَاكِرُ اللَّهِ فِي الْغَافِلِينَ يُغْفَرُ لَهُ بِعَدَدِ كُلِّ فَصِيحٍ وَأَعْجَمَ\". وَالْفَصِيحُ: بَنُو آدَمَ، وَالأَعْجَمُ: الْبَهَائِم. رَوَاهُ رَزِيْنٌ.\n٢٢٨٤ - [٢٤] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: مَا عَمِلَ الْعَبْدُ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ط: ٧١٧، ت: ٣٣٧٤، جه: ٣٧٩٠].\n٢٢٨٥ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ\". . . . .\nــ\n٢٢٨٢ - [٢٢] (مالك) قوله: (كالمقاتل خلف الفارّين) أي: بعد ما فرّ أصحابه وانهزموا فهو قاهر لجند الشيطان وهم مقهورون.\nوقوله: (في شجر يابس) منتهى للاحتراق.\n٢٢٨٣ - [٢٣] قوله: (وفي رواية: مثل) صحح بكسر الميم وفتحها، والأول أظهر وأوفق، وكذا قوله: (مثل مصباح).\n٢٢٨٤ - [٢٤] (معاذ بن جبل) قوله: (من عذاب اللَّه من ذكر اللَّه) (من) الأولى [متعلقة] بمعنى النجاة في (أنجى)، والثانية بمعنى التفضيل فيه.\n٢٢٨٥ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (تحركت بي) أي: بذكري، يريد اجتماع","vol":"5","page":49},{"text":"رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خت: ك: ٩٧، ب: ٤٣].\n٢٢٨٦ - [٢٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: \"لِكُلِّ شَيْءٍ صَقَالَةٌ، وَصَقَالَةُ الْقُلُوبِ ذِكْرُ اللَّهِ، وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ\" قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: \"وَلَا أَنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ حَتَّى يَنْقَطِعَ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ\". [\"الدعوات الكبير\": ١٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-622>٢ - كتاب أسماء اللَّه تعالى</span>\nــ\nذكر القلب واللسان فهو أفضل كما قالوا.\n٢٢٨٦ - [٢٦] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (لكل شيء) أي: مما يصدر (صقالة) صقله: جلاه، فهو مصقول وصقيل.\nوقوله: (ولا أن يضرب بسيفه) وفي رواية: (إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع) كما روي في (الحصن الحصين) (١).\n٢ - كتاب أسماء اللَّه تعالى\nاعلم أن أسماء اللَّه تعالى توقيفية، بمعنى أنه لا يجوز أن يطلق عليه اسم ما لم يأذن به الشرع، وإن كان الشرع ورد بإطلاق ما يرادفه، وإليه ذهب الأشعري، وقالت المعتزلة والقاضي أبو بكر الباقلاني منا: إن ذلك جائز بطريق العقل فيما يجوِّز العقل اتصافه سبحانه به جاز التسمية به إلا ما منع الشرع من ذلك أو أشعر بنقصٍ، وقال\n_________\n(١) \"الحصن الحصين\" (رقم: ٦، ص: ١٦).","vol":"5","page":50},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالإمام الغزالي في (المقصد الأسنى في شرح الأسماء الحسنى) (١): المختار عندنا أن نفصِّل ونقول: كل ما يرجع إلى الاسم فذاك موقوف على الإذن، وما يرجع إلى الوصف فلا يقف على الإذن، بل الصادق منه مباح دون الكاذب.\nوحاصله الفرق بين التسمية والتوصيف، فالتسمية بما سمى به الشخص نفسه أو سمى به وليه من والديه أو سيده، فاللفظ هو الاسم الموضوع للذات، وذلك -أعني وضع الاسم- تصرف في المسمى ويستدعي ذلك ولاية، ولذلك لو وضع غير هؤلاء اسمًا أنكره المسمى وغضب عليه، فإذا لم يكن لنا أن نسمي إنسانًا -أي: نضع له اسمًا- فكيف نضع للَّه اسمًا ﷿؟ وكذلك في حق الرسول -ﷺ-، فزيدٌ مثلًا اسمه زيد وهو في نفسه أبيض وطويل، فلو سماه أحد ودعاه بالأبيض أو الطويل غضب وكره، بخلاف ما لو قال: زيد الأبيض، أو: هو أبيض، هذا خلاصة كلامه، وقد فصّله تفصيلًا كما هو دأبه في توضيح المقاصد وتحريرها.\nثم قد اشتهر بين القوم أن العبد قد يتصف بصفات اللَّه ويتخلق بأخلاقه، ويروى أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (تخلقوا بأخلاق اللَّه).\nوقوله: (إن للَّه أخلاقًا من تخلق بواحد منها دخل الجنة (٢».\nفإن قلت: ظاهر هذا الكلام يشير إلى إثبات مشابهة بين العبد وبين اللَّه سبحانه، لأنه إذا تخلق بأخلاقه كان شبيهًا له، ومعلوم شرعًا وعقلًا أن اللَّه تعالى ليس كمثله شيء، وأنه لا يشبه شيئًا ولا يشبهه شيء.\n_________\n(١) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ٢٧).\n(٢) لم أجدهما، وقال الغزالي في \"الإحياء\" (٤/ ٣٠٦): قيل: تخلقوا بأخلاق اللَّه، وعلق عليه الزبيدي في \"شرح الإحياء\" (١٢/ ٣٥٠): أي: تخلقوا بها في صفاته وأسمائه.","vol":"5","page":51},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقلنا: المراد بتخلق العبد بالأخلاق الإلهية: حصول شيء شبيه بها بوجه من الوجوه على ما يناسب حال العبد ويُتصور في حقه كما ستعرفه في أثناء شرح الأسماء، ولا ينبغي أن يظن أن المشاركة في كل وصف توجب المماثلة؛ فإن الضدين بينهما غاية البعد الذي لا يتصور أن يكون بعدٌ فوقه، وهما يتشاركان في أوصاف كثيرة إذ السواد يشارك البياض في كونه عرضًا، وفي كونه لونًا، وفي كونه مدرَكًا بالبصر، وأمورٌ أُخر، بل المماثلة عبارة عن المشاركة في النوع والماهية، والفرس يشابه الإنسان في الكياسة، ولا يكون مِثْلًا للإنسان -وإن كان بالغًا في الكياسة- لأنه مخالف له بالنوع، فكون العبد رحيمًا صبورًا شكورًا لا يوجب المماثلة ككونه سميعًا وبصيرًا وعالمًا وحيًّا، وليست صفات العبد مماثلة لصفاته تعالى، بل مشابهة لها بوجه من الوجوه حتى إن الاشتراك ليس إلا لفظيًّا.\nقال الغزالي: وما تداولته ألسنة الصوفية من كلمات تشير إلى ما ذكرناه، لكن على وجه يوهم عند غير المحصِّل شيئًا من معنى الحلول والاتحاد، وذلك غير مظنون لعاقل فضلًا من المميزين بخصائص المكاشفات؛ فإن معاني الأسماء هي صفات اللَّه تعالى، وصفاته لا تصير صفة لغيره، ولكن معناه أنه يحصل له شيء يناسب تلك الأوصاف، كما يقال: فلان حصَّل علم أستاذه، وعلمُ الأستاذ لا يحصل للتلميذ، بل يحصل له مِثْلُ علمه وشبهه، وإن ظن ظانّ أن المراد به ليس ما ذكرناه فهو باطل، وجملة الأمر أن قول القائل: إن صفات اللَّه تعالى تصير أوصافًا للعبد لا يخلو: إما أن يعنى بها عين تلك الصفات أو مثلها، وإن عني به مثلها فلا يخلو: إما أن يعنى به مثلها مطلقًا من كل وجه، أو مثلها من حيث الاسم أو من وجه المشاركة في عموم الصفات دون خواص المعاني، وإن عني به عينها فلا يخلو: إما أن يكون بطريق انتقال","vol":"5","page":52},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالصفات من الرب إلى العبد أو لا بالانتقال، فإن لم يكن بالانتقال فلا يخلو: إما أن يكون باتحاد ذات العبد بذات الرب حتى يكون هو هو فيكون صفاته، وإما أن يكون بطريق الحلول، والمجموع خمسة أقسام، والصحيح منها قسم واحد وهو أن تثبت للعبد من هذه الصفات أمور تناسبها على الجملة وتشاركها في الاسم ولكن لا تماثلها مماثلة تامة، هذا محصل كلام الغزالي، وقد أبطل الأقسام الأربعة الباقية بما لا مزيد عليه فانظر ثمة.\nقال الإمام أبو القاسم القشيري: ومما يجب أن يشتدّ به العناية أن يتحقق العبد أن المخلوق لا يجوز أن يكون متصفًا بصفات ذات الحق تعالى، فلا يجوز أن يكون العبد عالمًا بعلم الحق، ولا قادرًا بقدرته، ولا سميعًا بسمعه، ولا بصيرًا ببصره، ولا باقيًا ببقائه؛ لأن الصفة القديمة لا يجوز قيامها بالذات الحادثة كما لا يجوز قيام الصفة الحادثة بالذات القديمة، وحفظ هذا الباب أصل التوحيد، وإن كثيرًا ممن لا تحصيل له ولا تحقيق زعموا أن العبد يصير باقيًا ببقاء الحق، سميعًا بسمعه، بصيرًا ببصره، وهذا خروج عن الدين وانسلاخ عن الإسلام بالكلية، وربما تعلقوا في نصرة هذه المقالة الشنيعة بما روي في الخبر: (فإذا أحببته كنت له سمعًا وبصرًا، فبي يسمع وبي يبصر) (١)، ولا احتجاج لهم في ظاهره إذ ليس فيه أنه يسمع بسمعي ويبصر ببصري، بل قال: (بي يسمع)، قال النصر آبادي: اللَّه تعالى باق ببقائه، والعبد باق بإبقائه، ولقد حقق ﵀ وحصَّل، وأخذ عن نكتة الباب وفصَّل، هذه عبارته نقلها الطيبي (٢) في آخر الباب، فافهم.\n_________\n(١) أخرج نحوه البخاري (٦٥٠٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٦٤).","vol":"5","page":53},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-623> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٢٨٧ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ للَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا. . . . .\nــ\nثم إنهم قالوا: معاني سائر الأسماء الحسنى يجوز التخلُّق بها، ويتصور أن يتصف العبد بشيء منها حتى ينطلق عليه الاسم كالرحيم الحليم والصبور والشكور مثلًا، وأما معنى اسم اللَّه فخاص به تعالى لا يتصور فيه مشاركه لا بالمجاز ولا بالحقيقة، فهذا الاسم للتعلق دون التخلق، كذا قالوا، ولا يخفى أن التعلق جاز في كل اسم بأن يعتقد معناه، ويتوجه إليه بصدق الهمة وشراشره، ويستغرق فيه ويستفيض من أنواره وآثاره، ويؤدي فيه حق العبودية، ومع ذلك يتحقق معناه ويتخلق به على وجه عرفت، وأما اسم اللَّه فليس فيه إلا التعلق، ولعل هذا مرادهم مما قالوا، وفي كلامهم إشارة إلى ذلك.\nالفصل الأول\n٢٢٨٧ - [١] (أبو هريرة) قوله: (إن للَّه تعالى تسعة وتسعين اسمًا) فإن قلت: قد ثبت من مذهب أهل السنة والجماعة أن للَّه تعالى سبع صفات، فكيف بهذه الأسامي الكثيرة، وقد منعوا الترادف، فإن معنى المترادفين واحد، فلا وجه بِعدِّهما اثنين والمقصود هو المعنى؟\nفالجواب: أن الصفات وإن كانت سبعة فالأفعال كثيرة، وبهذا الاعتبار تكثر الأوصاف والأسماء، فإن قلت: فما وجه حصر الأسماء في التسعة والتسعين، والأفعال والأوصاف والسلوب أكثر من ذلك؟ .\nقلنا: قد عرفتَ أن المذهب المختار أن أسماء اللَّه توقيفية، ولعل التوقيف وارد بهذه الأسامي، وهذا الجواب غير مرضي؛ لأن التوقيف وارد بأسامٍ سواها؛ فإنه قد","vol":"5","page":54},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوردت في السنة والكتاب أسامٍ كثيرة مما يقرب منها في المعنى ومما لا يقرب مفردات ومركبات، وقد نسبت أفعال إلى اللَّه تعالى نحو: يكشف السوء، ويقذف بالحق، ويفصل بينهم، فلو جوِّز اشتقاق الأسماء لكثرت، وقد روى ابن ماجه مثل هذا الحديث، وقد ذكر فيها أسماء زائدة بالتبديل والاختلاف كما أورده الطيبي (١).\nوبالجملة الأشبه في كثرة أسماء اللَّه تعالى غير منحصرة في هذا العدد، فقيل: التخصيص بذكر هذا العدد لا ينافي الزيادة، فمن ملك ألف درهم جاز أن يقول: لي تسعة وتسعون درهمًا، وهذا الجواب أيضًا غير مرضي؛ لأن تخصيص العدد بالذكر يُفهم نفي وراء العدد في المخاطبات ظاهرًا.\nفالجواب الصحيح: أن الحديث الوارد في الحصر يشتمل على قضية واحدة لا على قضيتين، فتنحصر أسماء اللَّه في هذا العدد باعتبار هذه الخاصية المذكورة، وهي أن من أحصاها دخل الجنة، كالملك الذي له ألف عبد مثلًا، فيقول القائل: أن للملك تسعًا وتسعين عبدًا، من استظهرهم لم يقاومه الأعداء، فيكون التخصيص لأجل حصول الاستظهار بهم إما لمزيد قوتهم وإما لكفاية ذلك العدد في دفع الأعداء من غير حاجة إلى زيادة، لا لاختصاص الوجود بهم. ويجوز أن تتفاوت فضيلة أسماء اللَّه تعالى لتفاوت معانيها في الجلالة والشرف وغير ذلك مما يعلمه اللَّه ورسوله، وأما الاسم الأعظم فيجوز أن يكون خارجًا عنها، ويكون المقصود ترغيب الجماهير بإحصاء أسماء يعرفونها، والاسم الأعظم لا يعرفه إلا الأنبياء والأولياء، ويحتمل أن يقال: يعلم اسم اللَّه الأعظم لكنه مبهم لا يعرفه بعينه إلا من شاء اللَّه، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٦).","vol":"5","page":55},{"text":"مِئَةً إِلَّا وَاحِدَةً (١)، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"وَهُوَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٩٢، م: ٢٦٧٧].\nــ\nوقوله: (مئة إلا واحدًا) وفي رواية: (واحدة)، بتأويل الكلمة أو الصفة وهو بدل الكل من قوله: (تسعة وتسعين)، وفائدته التأكيد والمبالغة في المنع عن الزيادة والنقصان لرعاية التوقيف والاحتياط.\nوقوله: (من أحصاها) أي: حفظها من قلبه كما جاء في رواية أخرى رواها البخاري (٢) في آخر (كتاب الدعوات)، ومنه قولهم: أَكُلّ القرآنِ أحصيت؟ أي: حفظت، وبهذا فسره الأكثرون.\nوقيل: من علمها وأحاط علمًا بها وآمن بها، وقيل: استخرجها من الكتاب والسنة، وقيل: من أطاق العمل والطاعة بمقتضى كل اسم منها، وهو قريب من معنى التعلق والتخلق، وقيل في قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠]: أي: تطيقوه. وقيل: معناه: من حفظ القرآن فأحصاها بحفظه للقرآن، وقيل: (أحصاها): وجدها ودعا إليها، وقيل: من أحاط بمعانيها في مدلولاتها معظِّمًا لمسماها ومقدِّسًا لذاته معتبرًا بمعانيها ومتدبرًا راغبًا فيها وراهبًا، أقوال.\nوقوله: (دخل الجنة) أي: دخولًا أوّليًّا مع المقربين السابقين، و(الوتر) بكسر الواو وفتحها: الفرد، واللَّه تعالى واحد في ذاته لا يقبل التجزي والانقسام، واحد في صفاته لا شِبه له ولا مثل، واحد في أفعاله فلا معين له، والعدد الفرد يشابهه في بعض المعاني من وجه.\nوقوله: (يحب الوتر) أي: يُثيب عليه، ولهذا روعي الوتر في مواضع كثيرة\n_________\n(١) في نسخة: \"واحدًا\".\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٦٤١٠).","vol":"5","page":56},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-624> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٢٨٨ - [٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ للَّهِ تَعَالَى تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا (١)، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَه هُوَ، الرَّحْمَنُ، الرَّحِيمُ،\nــ\nفي الشرع.\nالفصل الثاني\n٢٢٨٨ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (هو اللَّه الذي لا إله إلا هو، الرحمن، الرحيم) كان ظاهر سياق الحديث أن يذكر الأسماء بطريق التعداد من غير إعراب، لكنه ذكرها بطريق التوصيف والإخبار توصيفًا له تعالى بالوحدانية، وإخبارًا عنه بصفات الكمال، وتعليمًا بطريق الإحصاء وذِكْرِ الأسماء ليفيد شوقًا وذوقًا وتيقظًا ولذةً بتوحيد اللَّه وصفاته، وإشعارًا بأن اللَّه اسم للذات، وهذه صفاته، ويحصل في ضمنه التعداد.\nوقيل: لما ذكر أن للَّه تعالى كذا أسمًا، كأنه قيل: ما ذلك المسمى؟ وما تلك الأسماء؟ فقال: ذلك المسمى هو الذي له هذه الأسماء، فافهم.\nوكلمة (هو) إشارة إلى الذات المجردة الهوية المطلقة، و(اللَّه) إشارة إلى المرتبة الجامعة للصفات مجملًا، و(الرحمن الرحيم) إلى تفاصيل الصفات واتصاف الذات بها مفصلًا، فهو لاتصال السر، واللَّه لمشاهدة الروح، والرحمن والرحيم لمكاشفة القلب. وللقوم في شرح (هو) كلمات وإشارات عجيبة يضيق عنها نطاق البيان، والَان نشرع في شرح الأسماء بتوفيق اللَّه وكرمه.\n_________\n(١) في \"التقرير\": وفي الحديث إشكال أيضًا وهو أن تسعة وتسعين معدودة في الأولى، و\"الحنان\" و\"المنان\" الآتيان في الرواية الآتية لم يعدَّا منها مع أنهما من أسمائه تعالى؟ وأجيب عنه بأن الأسماء لا تنحصر في هذا العدد، نعم ينحصر الخصوصية في هذه، انتهى.","vol":"5","page":57},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nواعلم أن الشارح -﵀- فسرها نقلًا عن كلام القاضي ناصر الدين البيضاوي في (شرح المصابيح) (١) بلا تغيير، وأضاف إليه من كلام الشيخ الإمام الأستاذ أبي القاسم القشيري، فوشّحها بالأشعار اللطيفة والحكايات الغريبة فأفاد وأجاد، ونحن اختصرنا كتاب الإمام العالم الرباني أبي حامد محمد الغزالي، وأضفنا إليه شيئًا قليلًا من الشرح وغيره، فليس لنا مجال أن نتكلم في هذا المقام إلا بالنقل من كلام العلماء الأعلام فنقول -وباللَّه التوفيق-: (اللَّه) اسم للموجود الحق الجامع للصفات الإلاهية المتفرد بالوجود الحقيقي، وكل موجود سواه إنما استفاد الوجود منه، فهو من حيث ذاته هالك، ومن الجهة التي تليه موجود، فكل شيء هالك إلا وجهه، وكل شيء معدوم في ذاته، إلا بوجوده الذي أفاض عليه، وهو عَلَم للذات الواجب الوجود المعبود بالحق غلب عليه باللام كالنجم والصَّعْق، وإله بمعنى المعبود مطلقًا، فهذا الاسم أخذ في مفهومه الجامعيةَ لجميع صفات الكمال، وسائرُ الأسماء لا يدل إلا على آحادها، لا يسمى غيره تعالى به لا حقيقة ولا مجازًا، وسائر الأسماء قد يسمى بها غير اللَّه تعالى ولو مجازًا، ولهذين الوجهين يشبه أن يكون هذا الاسم أعظم هذه الأسماء، ووصف سائر الأسماء كالقادر والمريد بانها أسماء اللَّه تعالى وأضاف إليه، ولا يقال لهذا الاسم: إنه اسمها، ولا يضاف إليها.\nومعاني سائر الأسماء يتصور أن يتصف العبد ويتخلق بشيء منها حتى يطلق عليه الاسم، وإن كان إطلاق الاسم عليه على وجه آخر يباين إطلاقه على اللَّه تعالى؛ لأن مفهوم هذا الاسم أنه الموجود الحقيقي الحق، وكل ما سواه فَانٍ وهالكٌ وباطل،\n_________\n(١) انظر: \"تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة\" للبيضاوي (٢/ ٢٢ - ٦٠).","vol":"5","page":58},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nولا يمكن اتصاف العبد بذلك، فهذا الاسم للتعلق دون التخلق، فحظ العبد من هذا الاسم التألّه، وأن يكون العبد مستغرق القلب والهمة باللَّه لا يرى غيره، ولا يلتفت إلى ما سواه، ولا يرجو ولا يخاف إلا إياه، اللهم اجعلنا مستغرقين في بحر ألوهيتك وَالهين، متألهين بك، متوجهين إليك، منقطعين عما سواك، يَا مَنْ كل شيءٍ يرجع إليه، وكل شيء صادر من لديه (١).\nوقوله: (الرحمن، الرحيم) اسمان مبنيان للمبالغة من الرحمة، والرحمن أبلغ من الرحيم لزيادة بنائه، ولهذا قال صاحب (الكشاف) (٢): لما قال: الرحمن، تناول جلائل النعم وعظائمها وأصولها، وأردف الرحيم كالتتمة والرديف ليتناول ما دقّ منها ولطُف.\nوالرحمن مختص به تعالى لا يطلق على غيره وصار كالعَلَمِ، وإن كان صفة مشتقة من الرحمة قطعًا، ولهذا ذكر تِلو اللَّه، وجمع معه في قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] [فـ]ـكان المفهوم من الرحمن نوعًا من الرحمة هي أبعد من مقدورات العباد دنيا وآخرةً فلا يلزم الترادف.\n_________\n(١) قال القاري: (٤/ ١٥٦٣): ولهذه الكلمة مراتب، الأولى: أن يتكلم بها المنافق مجردًا عن التصديق، وذلك ينفعه في الدنيا بحقن دمه وحرز ماله وأهله. الثانية: أن ينضم إليها عقد قلب بمحض التقليد، وفي صحتها خلاف، والصحيح أنه صحيح. الثالثة: أن يكون معها اعتقاد مستفاد من الأمارات والأكثر على اعتبارها. الرابعة: أن يكون معها اعتقاد جازم من جهة قاطعة وهي مقبولة اتفاقًا. والخامسة: أن يكون المتكلم مكاشفًا بمعناها معاينًا ببصيرته، وهذه هي الرتبة العليا، انتهى.\n(٢) \"الكشاف\" (١/ ٨).","vol":"5","page":59},{"text":"الْمَلِكُ،\nــ\nقال الإمام الغزالي (١): الرحمة إفاضة الخير على المحتاجين، وإرادته لهم عناية بهم، والرحمة العامة التي تتناول المستحق وغير المستحق، ورحمة اللَّه تامة عامة، تشمل المستحق وغيره وتعمُّ الدنيا والآخرة، وتتناول الضرورات والحاجات والمزايا الخارجة عنهما، فهو الرحيم المطلق حقًّا، والرحمة عبارة عن رقة مؤلمة تعتري الرحيم فتحركه إلى قضاء حاجة المرحوم، والرب تعالى منزه عنها، وذلك كمال في معنى الرحمة، فإن الرحيم عن رقة وتألم يكاد يريد بفعله دفع ألم الرقة عن نفسه، فيكون قد نظر لنفسه وسعى في غرض نفسه، وذلك ينقص عن كمال معنى الرحمة، وكمال الرحمة أن يكون نظره إلى المرحوم [لأجل المرحوم] لا لأجل استراحة نفسه من ألم الرقة، والعبد لما عرف أنه المنعم الحقيقي المُوْلي للنعم كلها عاجلها وآجلها وجب أن يتوجه بكليته إلى جناب رحمته، ويلتجئ فيما يعنُّ له من الحاجات إليه، ويشغل قلبه بالاستمداد به عن غيره، وهذا وجه التعلق بهذا الاسم والتخلق به: أن يرحم عباد اللَّه، وينظر إلى المعاصي بعين الرحمة دون الازدراء، ويجتهد في إزالة المنكر، ويسعى في سدّ خلة المحتاجين بقدر وسعه وطاقته عناية بهم وإرادة الخير لهم، فظهر بما ذكرنا أن التعلق والتخلق كليهما جاز في الأسماء، وهكذا نشير في سائر الأسماء وإن لم يذكر، فلا تنس أنت ذلك واعتبر، واللَّه الموفق، اللهم يا رحمن يا رحيم ارحمنا، وأفض علينا جلائل نعمك ولطائفها، واجعلنا متعلقين بذيل رحمتك، واجعلنا مظهر رحمتك لعبادك يا أرحم الراحمين.\nوقوله: (الملك) ذو الملك والقدرة على التصرف في الأشياء بالإيجاد والإعدام\n_________\n(١) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ٦٢ - ٦٣).","vol":"5","page":60},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالإماتة والإحياء، وقالوا: هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود، ويَحتاج إليه كلُّ موجود، بل لا يستغني عنه شيء في شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في وجوده ولا في بقائه، فكل شيء سواه فهو له مملوك، وإليه محتاج، وهو مستغنٍ عن كل شيء، متفردٌ بتقديره وتدبيره، ليس لحكمه مرد فهو الملك المطلق، والملك أبلغ وأخص من المالك إذ كلُّ ملكٍ مالكٌ من غير عكس، فإذا عرف العبد أن ما سواه مفتقر إليه مسَخّر لحكمه وقضائه وجب أن يتعلق بجناب قدرته وتصرفه، ويستغني عن الناس رأسًا، ولا يُظهر احتياجه إليهم قطعًا، ولا يخاف ولا يرجو أحدًا سواه، والتخلق بهذا الاسم أن يتصرف في مملكة نفسه وقلبه وقالبه حتى يملك جوارحه وقواه كلها ويطيعونه.\nقال الإمام الغزالي (١): فمن ملكها ولم تملكه، وأطاعته ولم يعطها، فقد نال درجة الملك في عالمه، فإن انضم إليه استغناؤه عن كل الناس، واحتاج الناس كلهم إليه في حياتهم العاجلة والآجلة، فهو الملك في عالم الأرض، وذلك رتبة الأنبياء صلوات اللَّه عليهم، فإنهم استغنوا في الهداية إلى الحياة الآخرة عن كل أحد إلا عن اللَّه تعالى، واحتاج إليهم كل أحد، ويليهم في هذا الملك العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، وإنما ملكهم بقدر قدرتهم على إرشاد العباد، واستغنائهم عن الاسترشاد، قيل لبعض الشيوخ: أوصني فقال: كن ملكًا في الدنيا [تكن ملكا في] الآخرة، معناه: اقطع حاجتك وشهوتك عن الدنيا، فإن الملك في الحرية والاستغناء، انتهى.\nاللهم يا مالك الملك تؤتي الملك من تشاء أعطنا من ملكك، وملّكنا في مملكتك، وارزقنا بقدرتك التصرف في نفوسنا وقلوبنا، وأعنّا حتى يطيعنا جميعُ جوارحنا وقوانا،\n_________\n(١) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ٦٧).","vol":"5","page":61},{"text":"الْقُدُّوسُ،\nــ\nواقطع حاجاتنا وشهواتنا عن الدنيا وما فيها، واجعلنا من ملوك الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير.\nوقوله: (القدوس) من القدس، وهو الطهارة والنزاهة من سمات النقص ولوازم الحدوث، بل المنزه عن كل وصف يدركه حس، أو يتصوره خيال، أو يسبق إليه وهم، أو يحيط به عقل، أو يختلج به ضمير، أو يفضي به تفكير، وقال بعض العارفين: إن تنزيهه تعالى من العيوب والنقائص يكاد يقرب من سوء الأدب، فليس من الأدب أن يقول قائل: مَلِكُ البلد ليس بحائكٍ ولا حجام، بل يقول: هو منزه من كل وصف من أوصاف الكمال الذي يظنه الخلق كمالًا، فإنهم ما فهموا الكمال والنقص إلا من معرفة صفاتهم وأضدادها، فغاية ثنائهم على اللَّه سبحانه أن يصفوه بما عرفوا من معاني صفاتهم وينزّهوه عن أضدادها، واللَّه تعالى كما هو منزّه عن أوصاف نقصهم كذلك منزه عن أوصاف كمالهم، بل كل صفة يتصورها الخلق فهو مقدس عنها وعما يشبهها ويماثلها، ونصيب العبد من هذا الاسم أن يتحقق أنه لا يحق الوصول إلا بعد العروج من عالم الحسِّ والخروجِ عن الحظوظ الجسمانية، وتصفية القلب وتنزيه الباطن عن كل ما سوى الحق.\nقال الإمام الغزالي (١): قُدُس العبد أن ينزه إرادته وعلمه، أما علمه فينزهه عن المتخيلات والمحسوسات والموهومات وكلِّ ما يشاركه فيها البهائم من الإدراك، ويكون تردّد نظره وتطواف فكره حول الأمور الإلهية الكلية المتعلقة بالمعلومات الأزلية الأبدية دون الشخصيات المتغيرة، ويقتني من العلوم ما لو سلبت آلة حسه وتخيله بقي ريَّانًا بالعلوم، وأما إرادته فينزهها عن أن تدور حول الحظوظ البشرية التي ترجع\n_________\n(١) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ٦٨ - ٦٩).","vol":"5","page":62},{"text":"السَّلَامُ،\nــ\nإلى لذة الشهوة والغضب، بل لا يبقى له حظ إلا في اللَّه، ولا يكون له شوق إلا إلى لقاء اللَّه، ولا فرح إلا في القرب من اللَّه، اللهم قدِّسنا عن كل صفة رديئة، وطهِّر ظواهرنا وبواطننا عن الركون إلى ما سواك، حتى لا يبقى لنا حظ إلا فيك، ولا شوق إلا إلى لقائك، ولا فرح إلا في القرب منك، آمين.\nوقوله: (السلام) مصدر نُعِتَ به، وهو الذي يسلم ذاته عن العيب، وصفاته عن النقص، وأفعاله عن الشر، أي: الشرِّ المطلق المراد لذاته، لا لخيرٍ حاصلٍ في ضمنه أعظم منه، فأفعال اللَّه تعالى سالمة عن الشر؛ لأنه رحيم يريد الخير للمرحوم، وليس في الوجود شر إلا وفي ضمنه خير، ولو رفع الشر لبطل الخير الذي في ضمنه، وحصل ببطلانه شر أعظم من الشر الذي يتضمنه، فاليد المتآكلة قطعها شر في الظاهر، وفي ضمنها الخير الجزيل وهو سلامة البدن، والمراد الأولُ السابقُ إلى نظر القاطع: السلامة التي هي خير محض، فلذلك قال: (سبقت رحمتي على غضبي)، فالسلامة مطلوب لذاتها، والقطع مطلوب لغيره، فالخير مقضي بالذات والشر مقضي بالعَرَض.\nقال الإمام الغزالي (١): وإن خطر ببالك نوع من الشر لا ترى تحته خيرًا، أو خطر لك أنه كان تحصيل ذلك الخير ممكنًا لا في ضمن الشر، فاتَّهم عقلك القاصر في [أحد] الخاطرين، أما الأول: فإنك فيه مثل الصبي الذي يرى الحجامة شرًّا محضًا، ومثل الغبي الذي يرى القتل قصاصًا شرًا محضًا، وأما الثاني: فإنه دقيق غامض يقصر عنه الأكثرون، وتحته سِرٌّ يمنع عن إفشائه فاقنع بالإيماء، ولا تطمع في الإفشاء، انتهى.\n_________\n(١) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ٦٥).","vol":"5","page":63},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nولعل ذلك السر الذي يمنع عن إفشائه: أنه لابد حينئذٍ أن يبين أنه لا بد من وجود الشر، ولا يكون خير محض لا يكون في ضمن الشر، ويتوهم من ذلك عدم قدرة الحق سبحانه على إيجاد الخير بدون الشر يكون الخير في ضمنه، ويتوهم أن إيجاد الشر شر وإن كان في ضمنه خير، والكمال إيجاد الخير المحض لا في ضمن الشر، وحله: أن ذلك مقتضى الصفات القهرية، فلا بد من ظهورها، والكمال المطلق الاتصافُ بكلا النوعين من الصفات اللطيفة والقهرية، والجمالية والجلالية، وهو ذو الجلال والإكرام، وإن يظهر آثار كل منها فلا بد أن تقع تلك الشرور الظاهرة، ولكن لطفه ورحمته سابقة على غضبه وقهره، فالسابق في الإرادة أولًا وبالذات الخير الذي في ضمنها، وليس هذا سر يمنع في الشرع ذكره، فإن صاحب الشرع يقول: الخير والشر كلاهما مخلوق اللَّه، ولكن مقتضى رحمته أن في ضمن الشر الخير، واللَّه أعلم.\nوقال الطيبي (١) في الفرق بين القدوس والسلام: إن القدس يدل على براءة الشيء عن نقص يقتضيه ذاته وطهارته في نفسه، ولذا جاء الفعل منه على باب كرُم وشرف، والسلام يدل على نزاهته عن نقص يعتريه لعروض آفة، وقد قيل: القدوس فيما لم يزل، والسلام فيما لا يزال، وهذا قريب من الأول.\nهذا وقد يُجعل بمعنى المسَلِّم على المؤمنين كما قال: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨].\nقال الإمام (٢): وكل عبد سَلِم عن الغش والحقد والحسد وإرادة الشر قلبُه، وسلم من الآثام والمحظورات جوارحُهُ، وسلم عن الانتكاس والانعكاس صفاته، فهو الذي\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٥/ ١٦).\n(٢) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ٧٠).","vol":"5","page":64},{"text":"الْمُؤْمِنُ،\nــ\nيأتي اللَّه بقلب سليم، وهو السلام من العباد والمشرف بالقرب من جناب الإسلام المطلق الذي لا مثنوية في وصفه، والمراد بالانتكاس في صفاته أن يكون عقله أسِيرَ شهوته وغضبه، والحق عكسه، وهو أن تكون الشهوة والغضب أسير العقل وطوعَه، فإذا انعكس فقد انتكس، ولا سلامة حيث يكون الأمير مأمورًا والملك عبدًا، ولن يُوصف بالسلام والإسلام إلا من سلم المسلمون من يده ولسانه، اللهم أنت السلام ومنك السلام، حيِّنا ربنا بالسلام، واجعلنا سالمين عن الانتكاس والانعكاس حتى نأتيك بقلب سليم.\nوقوله: (المؤمن) مفيد الأمن للبَرِيَّة بخلق أسباب الأمان والآلة؛ كالأعضاء والحواس، وسائر الأسباب من الأغذية والأدوية والبيوت والحصون والأسلحة والجنود والأعوان والأنصار، والعبد في أصل فطرته هو عرضة المخاوف والمهالك من الجوع والعطش والأمراض والأعداء وسائر الآفات، فإذا خلق تلك الأسباب فقد آمنهم منها، هذا في الدنيا، وآمنهم من آفات الآخرة بكلمة التوحيد حيث قال: (لا إله إلا اللَّه حِصني فمن دخل حِصني أَمِنَ عذابي)، بل هو حصن من آفات الدنيا والآخرة، وهذا في ذوي الأرواح، وكذلك في ما سواهم ربط بقاءها بأسباب توجب أمانها من الهلاك والعدم.\nوالكل عرضة لذلك، فلا أمن في العالم إلا وهو مستفاد بأسباب هو متفرد بخلقها، والهدايةِ إلى استعمالها، فهو المؤمن المطلق، ومن جملة إفادة الأمن ما لقّنهم خاصة من الحجج والبراهين على صدق الدين وأنوار اليقين بحفظ الإيمان وتأييدات التوفيق للحفظ والعصمة عن المعاصي، وقد يُجعل المؤمن بمعنى: مصدّق رسله بكلامه وبخلق المعجزات.\nومن حق العبد إذا عرف أن اللَّه تعالى هو المؤمن أن يلتجئ إليه ويستأمن به","vol":"5","page":65},{"text":"الْمُهَيمِنُ،\nــ\nمن جميع الآفات الظاهرة والباطنة، والتخلقُ به: أن يأمن الخلق جانبه، ويعضدهم في دفع الهلاك عنهم في دينهم ودنياهم، وأحق العباد باسم المؤمن من كان سببًا لأمن الخلق من عذاب اللَّه، بالهداية إلى طريق الحق والإرشاد إلى سبيل النجاة، وهذه حرفة الأنبياء والعلماء.\nواعلم أن اللَّه تعالى كما هو مؤمن يخلق أسباب الأمن، كذلك هو مخوفٌ يخلق أسباب الخوف، وكونه مَخُوفًا لا يمنع كونه مؤمنًا، كما أن كونه مُعزًّا لا ينافي كونه مذِلًّا، ولكن المخوف لم يَرِدْ به التوقيف.\nاللهم آمنا من عذابك ومن جميع الآفات الظاهرة والباطنة، واجعلنا سببًا لأمان خلقك في الدنيا والآخرة، إنك على كل شيء قدير.\nوقوله: (المهيمن) الرقيب المبالغ في المراقبة والحفظ، يقال: هيمن على كذا: صار رقيبًا عليه وحافظًا، كذا في (القاموس) (١)، والفرق بينه وبين الرقيب لما فيه من المبالغة ما ليس في الرقيب.\nوقال الغزالي (٢): معناه في حق اللَّه تعالى أنه القائم على خلقه بأعمالهم وأرزاقهم وآجالهم، وإنما قيامه عليهم باطِّلاعه واستيلائه وحفظه، فكل مشرفٍ على كنه الأمر مستولٍ عليه حافظ له فهو مهيمن عليه، ولن يجتمع ذلك على الإطلاق والكمال إلا للَّه ﷿، وينبغي للعبد إذا عرف أن اللَّه تعالى مهيمن ورقيب على أحواله الظاهرة والباطنة أن يراقب هذا المعنى فيها فيكون مستحيًا من اللَّه.\nوهذا المعنى يسمى مراقبة في لسان القوم، والتخلق به أن يراقب قلبه ويشرف\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٤٢).\n(٢) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ٧٢).","vol":"5","page":66},{"text":"الْعَزِيزُ،\nــ\nعلى أغواره وأسراره، ويستولي على تقويم أحواله وأوصافه، ويقوم بحفظه على مقتضى تقويمه، فإذا فعل ذلك صار مهيمنًا بالنظر إلى نفسه، فإن اتسع إشرافه واستيلاؤه حتى قام بحفظ عباد اللَّه على نهج السداد كان حظه من هذه الصفة أوفر وأتم، اللهم يا من هو الرقيب الناظر المطلَّع على السرائر والضمائر اجعلنا مراقبين بعلمك ونظرك إلى أحوالنا في الباطن والظاهر، ووفقنا لمراقبة أحوال قلوبنا وتقويمها على نهج الاستقامة، واجعلنا مهيمنين على نفوسنا وتزكيتها عما يوجب الملامة والغرامة، وقائمين بحفظ العباد على نهج السداد والرشاد.\nوقوله: (العزيز) الغالب، ومرجعه إلى القدرة المتعالية عن المعارضة، والقوي الشديد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤]، أو عديم المثل، والعزيز كثير استعماله في هذه المعاني.\nوقال الإمام الغزالي (١): هو الخطير الذي يقل وجود مثله، وتشتد الحاجة إليه، ويصعب الوصول إليه، فما لم يجتمع فيه هذه المعاني الثلاثة لم يطلق عليه اسم العزيز، فكم من شيء يقل وجوده لكن إذا لم يعظم خطره ولم يكثر نفعه لم يسم عزيزًا، وكم من شيء يعظم خطره ويكثر نفعه ولا يوجد نظيره، ولكن [إذا] لم يصعب الوصول إليه لا يسمى عزيزًا؛ كالشمس والأرض لا نظير لهما، وفي كل واحد منهما نفع عظيم، والحاجة شديدة إليهما ولكن لا يوصفان بالعزة؛ لأنه لا يصعب الوصول إلى مشاهدتهما، وليست هذه الصفات الثلاث على الكمال إلا للَّه، فهو العزيز المطلق لا يوازيه فيه غيرُه، انتهى.\n_________\n(١) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ٧٣).","vol":"5","page":67},{"text":"الْجَبَّارُ،\nــ\nومن عرف أن اللَّه هو العزيز من شأنه أن لا يعتقد لمخلوق عزة وإجلالًا، ولا يطلب العزّ إلا في طاعته وخدمته، والتخلق للعبد فيه أن يغلب على نفسه [و] هواها، ويشتد قوته وصولته عليها، ولا يذلها ولا يستهنيها بالمطامع والسؤال عن الناس والافتقار إليهم، بل يسعى أن يصير بحيث يعظم خطره، ويشتد إليه احتياج الناس في الإرفاق والإرشاد، ويصير قليل المِثْل بل عديمَه، ويصعب الوصول إليه وإلى معرفة كنه حاله.\nقال الإمام الغزالي (١): العزيز من العباد من يحتاج إليه خلق اللَّه في أهم أمورهم، وهي الحياة الأخروية والسعادة الأبدية، وذلك مما يقلُّ لا محالة وجوده ويصعب إدراكه، وهذه رتبة الأنبياء صلوات اللَّه عليهم، ويشاركهم في العزة من ينفرد بالقرب من درجتهم كالخلفاء وورثتهم من العلماء، انتهى.\nوأقول: وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨]، اللهم أعزنا بطاعتك، ولا تذلنا بمعصيتك، واجعلنا غالبين على النفس بكسر شهواتها عزيزًا في الدنيا والآخرة، إنك أنت العزيز الحكيم.\nوقوله: (الجبار) المبالغ في الجبر، والجبر يجيء بمعنى الإصلاح وبمعنى القهر، وقد يستعمل بمعنى العلوّ، يقال: نخلة جبارة، للباسقة التي لا تنالها الأيدي، فمعنى الجبار: المصلح لأمور العباد، والمتكفل بفضله لمصالحهم، أو الحامل للعباد على ما يشاء، لا انفكاك لهم عما شاء، أو المتعالي أن يناله كيد الكائدين، ويؤثر فيه قصد القاصدين، وبالنظر إلى المعنيين الأخيرين قال الغزالي: هو الذي ينفّذ مشيئته على\n_________\n(١) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ٧٤).","vol":"5","page":68},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n[سبيل] الإجبار في كل أحد، ولا تنفذ فيه مشيئة أحد، الذي لا يخرج أحد عن قبضته، وتقصر الأيدي دون حمى حضرته، والجبار من العباد من ارتفع عن الأتباع، ونال درجة الاستتباع، وتفرد بعلوّ رتبته بحيث يُجْبِرُ الخلق بهيئته وصورته على الاقتداء به، ومتابعته في سَمْته وسيرته، فيفيد الخلق ولا يستفيد، ويستتبع ولا يتبع، ولا يشاهده أحد إلا ويفنى عن ملاحظة نفسه، ولا يطمع [أحد] في استتباعه، وإنما حظي بهذا الوصف سيد البشر -ﷺ- حيث قال: (لو كان موسى حيّا ما وسعه إلا اتباعي) (١)، انتهى.\nوهذا إشارة إلى بيان التخلق بهذا الاسم، وتفصيلُه: أن يُقبل العبد على نفسه، فيَجْبُرَ نقائصها باستكمال الفضائل، ويَحملَها على ملازمة التقوى، والمواظبةِ على الطاعة، ويترفع عما سوى الحق غيرَ ملتفت إلى الخلق، فلا يتأثر عن تعاور الحوادث وتعاقب النوازل عن الخلق ونزول الحوادث، بل تقوى على التأثير في الأنفس والآفاق بالإرشاد والإصلاح، وإذا عَرَفَ أن اللَّه هو مصلح الأحوال وجابر القلوب فلا يتوجه إلا إليه، ويكون دائمًا منكسر القلب ملتجئًا إليه تعالى، وإذا عرف أنه الجبار الحامل للعباد على ما يشاء لا محيص لهم عما يشاء يكون راضيًا بفعله، ومستسلمًا لإرادته، قانتًا عن حوله وقوته، وتاركًا لتدبيره واختياره، ومن عرف أنه لا تناله الأيدي بعلوّ قدره يتحقق أنه لا سبيل إليه إلا بفضله وكرمه، ولا وصول إليه إلا بإيصاله وتقريبه، اللهم يا مصلح الأحوال ويا جابر القلوب المنكسرة أصلح أحوالنا، واجبر كسر بالنا، واجعلنا راضين بفعلك مسلمين لإرادتك، وأوصلنا إلى علوّ جنابك، فلا وصول إليك إلا بفضلك وكرمك، إنك على كل شيء قدير.\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١٤٦٣١)، والبيهقي في \"الشعب\" (١٧٥)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٦٤٢١).","vol":"5","page":69},{"text":"الْمُتكَبِّرُ، الْخَالِقُ، الْبَارِئُ، الْمُصَوِّرُ،\nــ\nوقوله: (المتكبر) هو الذي يرى غيره حقيرًا بالإضافة إلى ذاته، ولا يرى الكبرياء إلا لنفسه، فينظر إلى غيره نظر الملوك إلى العبد، ولا يصح ذلك إلا على الكبير على الإطلاق حقًّا، وهو اللَّه تعالى ﷿، ومن عرف كبرياء الحق وعلوَّ قدره لازَم طريق التواضع، وسلك سبيل التذلل. والتخلق فيه: أن يَستحقِرَ كل شيء سوى الوصول إلى جناب القدس من مستلذات الدنيا والآخرة، ويترفَّع عن الركون إلى الشهوات والسكون إلى الدنيا وزخارفها بملاحظة علو شأن الإنسانية، وارتفاع قدرها، لا لتعظيم نفسه وذاته، اللهم صغر الدنيا بأعيننا، وعظم جلالك في قلوبنا، وذللنا عند مشاهدة كبريائك وعظمتك، وكبرنا عند ملاحظة المتكبرين، وصغرنا مع المساكين والمنكسرين.\nوقوله: (الخالق، البارئ، المصور) قد يظن أن هذه الأسماء مترادفة، فإن الكل يرجع إلى الخلق والاختراع، وليس كذلك، فإن الخلق هنا بمعنى التقدير، والبرء بمعنى الإيجاد، والتصوير إعطاء الصورة، وكلُّ ما يخرج من العدم إلى الوجود يفتقر إلى التقدير أولًا، وإلى الإيجاد ثانيًا، وإلى التصوير ثالثًا؛ كالبناء مثلًا، فاللَّه تعالى خالق من حيث إنه مقدِّر، وبارئ من حيث إنه مخترع موجد، ومصوِّر من حيث إنه مرتب صور المخترعات، وهذا ظاهر في أجزاء العالم كالإنسان وسائر الحيوانات والنباتات والجمادات وأجزائها وأعضائها، بل العالم كله في حكم شخص واحد من أجزاء وأعضاء، قد رتبت أجزاؤه ترتيبًا محكمًا، وصورت صورة بديعة، وفي جميع ذلك حِكَم ومصالح تُحَيِّر الناظر المتأمل فيها قائلا: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١] ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وينبغي أن يُديم هذا النظرَ حتى يحصِّل مشاهدة الصانع بحيث يصير كلما نظر إلى شيء وجد اللَّه عنده.","vol":"5","page":70},{"text":"الْغَفَّارُ،\nــ\nقال الإمام الغزالي (١): حظ العبد من اسم المصور بأن يحصِّل في نفسه صورة الموجود كله على هيئته وترتيبه حتى يحيط بهيئة العالم كله، كأنه ينظر إليها، ثم ينزل من الكل إلى التفاصيل من الجسمانيات والروحانيات، وبذلك يستفيد العلمَ بمعنى اسم المصور، ويصير أيضًا باكتساب الصورة في نفسه كأنه مصوِّر وإن كان على سبيل المجاز، فإن تلك الصور العلمية إنما تحدث فيه على التحقيق بخلق اللَّه تعالى واختراعه لا بفعل العبد، ولكنْ للعبد سعيٌّ في التعرض لنفحات اللَّه وفيضانه.\nوكذلك اسم الخالق والبارئ لا مدخل للعبد أيضًا فيهما إلا بنوع من المجاز بعيدٍ، ووجهه: أن الخلق والإيجاد يرجع إلى استعمال القدرة بموجب العلم، وقد خلق اللَّه تعالى له علمًا وقدرة، وله سبيل إلى تحصيل مقدوراته على وفق تقديره وعلمه، وهي التي ترجع إلى أعمال العباد كالصناعات والسياسات والعبادات، وإذا بلغ العبد في مجاهدة نفسه [مبلغًا] ينفرد [فيه] باستنباط أمور لم يُسبق إليها [كان كالمخترع لمَا لم يكن له وجود من قبل]. ومن أسماء اللَّه تعالى ما يكون نقلها إلى العبد مجازًا وهو الأكثر، ومنها ما يكون في حق العبد حقيقةً وفي حق اللَّه مجازًا، كالصبور والشكور، ولا ينبغي أن تُلاحظ المشاركة في الاسم، ويُذهَل عن هذا التفاوت العظيم الذي ذكرناه، انتهى.\nوقوله: (الغفار) الغفر: الستر، واللَّه تعالى ساتر القبيح ومظهر الجميل، والذنوب من جملة القبائح التي سترها بإرسال الستر عليها في الدنيا، والتجاوز عن عقوبتها في الآخرة، ومن جملة ستره على العبد أن جعل مقابح بدنه التي تستقبحها الأعين مستورة\n_________\n(١) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ٧٨، ٧٩).","vol":"5","page":71},{"text":"الْقَهَّارُ، الْوَهَّابُ،\nــ\nفي باطنه مغطّاة بجمال ظاهره، وأن جعل مستقرَّ خواطره المذمومة وإرادته القبيحة سرّ قلبه حتى لا يطلع أحد على سر، ولو انكشف للخلق ما يخطر بباله في مجاري وسواسه وما ينطوي عليه ضميره من القبائح لَمَقتوه وأهلكوه، وقد علم بما ذكر أن معنى الغفار والستار واحد، ولكن ليس في هذه الرواية اسم الستار، فلا يحتاج إلى ذكر الفرق بينهما، ولو كان مذكورًا لحملنا الغفار على مغفرة الذنوب، والستارَ على ستر العيوب:\nووجه التخلق بهذا الاسم ظاهرٌ وهو أن يستر عن غيره ما يجب أن يُستر منه، ولا يكافئَ على الإساءة، ولا يُظهر من الخُلق إلا ما هو أحسن منه، اللهم إنك قد سترت علينا المعصية فاسترها عنَّا، وأرسل أستار حفظك بيننا وبين المعاصي حتى لا يجيء إلينا، فهذا هو الستر القوي والفضل العظيم.\nوقوله: (القهار) الذي قصم ظهور الجبابرة وأذلهم وأهلكهم، والذي طاحت عند صولته صولة المخلوقين، بل لا موجود إلا وهو مقهور تحت قدرته مسخر لقضائه عاجز في قبضته، كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: ١٦]، ومَن عَرف أنه القهار خشي بغتاتِ مكره وفجاءةَ قهره، فيكون خائفًا وَجِلًا ملتجئًا إلى جناب لطفه وكرمه، [و] القهار من العباد من قهر أعداءه من الجن والإنس والشياطين، وسدّ مداخلهم حتى لا يُخرجوه عن سلوك طريق الحق، وأعدى عدوِّه نفسُه التي بين جنبيه، اللهم سخّر لنا أعداءنا، وذلّلهم واقهرهم، وسخّر لنا نفوسنا حتى تصير مطيعة لأمرك، ومستسلمة لحكمك، ومطمئنة بذكرك، إنك على كل شيء قدير.\nوقوله: (الوهاب) كثير الهبة، دائم العطاء، والهبة الحقيقية هي العطية الخالية عن الأعواض والأغراض، فإن المعطي لغرضٍ مستعيضٌ وليس بواهب، وهو بمعنى","vol":"5","page":72},{"text":"الرَّزَّاقُ،\nــ\nالجواد، لكنه لم يَرِدْ في هذه الرواية، ولن يتصور الجود والهبة حقيقةً إلا من اللَّه تعالى؛ فإنه الذي يعطي كل محتاج ما يحتاج إليه وأكثر وأزيَد من ذلك، لا بعوضٍ ولا لغرضٍ عاجل ولا آجل، والعبد إذا عرف أن اللَّه تعالى هو الوهّاب يرجو ويسأل من فضله، ولا يرجو غيره ولا يسأل من غيره، ولا يتوقع إلا من اللَّه.\nوأما التخلق بهذا الاسم فلا يتصور من العبد الجود والهبة الحقيقية؛ فإنه ما لم يكن الفعل أولى عنده من الترك لم يقدم عليه، فيكون فعله لغرض نفسه، لكن الذي يبذل جميع ما يملكه حتى الروحَ لوجه اللَّه تعالى فقط، لا للوصول إلى نعيم الجنة، أو الحذر من عذاب النار، أو لحظٍ عاجلٍ أو آجل مما يعدّ من حظوظ البشرية، فهو جدير بأن يسمى وهّابًا وجوادًا، ودونه الذي يجود لينال نعيم الجنة، ودونه من يجود لينال حسن الأحدوثة، وقد فصَّل الإمام هذا الكلام تفصيلًا في (المقصد الأسنى) (١) فليُنظر ثمة.\nولا يكمل معنى الهبة والجود لعبد من عباد اللَّه إلا لسيد البشر -ﷺ-، فإنه أعطى وأنعم بإذن اللَّه تعالى من غير غرض ولا لعوض، بل لمحض امتثال أمر اللَّه، وكذلك سائر الأنبياء والمرسلين صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين، يا وهاب هب لنا من لدنك رحمة، وهَيِّئْ لنا من أمرنا رشدًا، إنك أنت الوهاب.\nوقوله: (الرزاق) خالق الأرزاق وأسبابِها، وموصلُها إلى العباد، والأرزاق قسمان: محسوسة ومعقولة، فالمحسوسة للأبدان، والمعقولة للقلوب، وقد قسمها بين عباده ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: ٦٢]،\n_________\n(١) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ٨٢).","vol":"5","page":73},{"text":"الْفتَّاحُ،\nــ\nومن عرف أن اللَّه هو الرزاق فلا ينتظر الرزق ولا يتوقعه إلا منه، فيكِلُ أمره إليه، ولا يتوكل إلا عليه، وأما التخلق به فبأن يجعل يده خزانة أرزاق الأبدان، ولسانَه خزانة أرزاق القلوب، فيكون واسطة بين الرب تعالى وعباده في وصول الأرزاق الجسمانية والروحانية بصرف المال والإرشاد والتعليم ودعاء الخير وغير ذلك، ومن رزق ذلك نال حظًا وافرًا من هذا الاسم، اللهم ارزقنا رزقًا واسعًا من فضلك وكرمك، رزقًا لا ينفد ولا يزول، واجعلنا سبب إرزاقك لعبادك الصالحين، أنت الرزاق ذو القوة المتين.\nوقوله: (الفتاح) الفتح ضد الغلق، فالفتاح هو الذي يفتح خزائن الرحمة على أصناف البرية، وقيل: معناه: الحاكم بين الخلائق، من الفتح بمعنى الحكم، قال اللَّه تعالى: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا﴾ [الأعراف: ٨٩] أي: احكم، وقال: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٦]؛ لأن الحكم فتح الأمر المغلق بين الخصمين، وقيل: هو مبدع الفتح والنصر، قال اللَّه تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١].\nوقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، وقيل: الفتاح الذي فتح قلوب المؤمنين بمعرفته، وفتح على العاصين أبواب مغفرته، وبالجملة هو اسم جامع لفتح أبواب الخيرات وإفاضة أنواع البركات.\nوقال الإمام الغزالي (١): هو الذي ينفتح بعنايته كلُّ منغلِق، وبهدايته ينكشف كل مشكل، فتارة يفتح الممالك لأنبيائه ويخرجها من أيدي أعدائه، ويقول: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١]، وتارة يرفع الحجاب عن قلوب أوليائه، ويفتح لهم الأبواب\n_________\n(١) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ٨٦).","vol":"5","page":74},{"text":"الْعَلِيمُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ،\nــ\nإلى ملكوت سمائه وجمال كبريائه، ويقول: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢]، ومَنْ بيده مفاتيح الغيب ومفاتيح الرزق فبالحري أن يكون فتّاحًا، ومن عرف أنه الفتاح فأدبه أن يجلس على باب كرمه بحسن الرجاء منتظرًا لفتحه، ويكون دائم الترقب لحصول فضله، ومتطلعًا لنيل كرمه، تاركًا للاستعجال، ساكنًا تحت جريان الحكم، والتخلق [به]: أن يكون يسعى في الفصل بين الناس، وانتصار المظلومين، وفتحِ ما يتغلَّق على الخلق، وتيسير ما يتعسر عليهم من الأمور الدينية والدنيوية، ويكون بلسانه بحيث ينفتح مغاليق المشكلات العلمية والمعارف الإلهية.\nاللهم افتح علينا أبواب فضلك ورحمتك، واجعلنا حاكمين على أنفسنا بإيضاح الحق وإدحاض الباطل، واجعل ألسنتنا مفاتيح أبواب المعارف، وأيدينا خزائن الأرزاق، إنك أنت الفتاح على الإطلاق.\nوقوله: (العليم) بناءُ مبالغةٍ من العلم، وعلمه تعالى محيط بجميع المعلومات ظاهرها وباطنها، دقيقها وجليلها، أولها وآخرها، عاقبتها وفاتحها، وليس علمه مستفادًا من المعلومات بل تكون المعلومات مستفادة منه، وسابق على الأشياء وسبب لها، وعلم العباد بخلاف ذلك، وحظ العبد أن يكون مشغوفًا بتحصيل العلوم الدينية خصوصًا المعارف الإلهية منها المتعلقة بذاته وصفاته، فإن شرف العلم بشرف معلومه، وأشرف المعلومات ذات اللَّه وصفاته، بل العلم بسائر الأشياء إنما تشرف لأنها معرفة لأفعال اللَّه تعالى، أو معرفة إلى معرفة القرب منه، وكل معرفة خارجة منها فليس لها شرف، اللهم ارزقنا علمًا نافعًا وزدنا منه، وعلمنا من لدنك علمًا علمته عبادك المقربين، إنك أنت العليم الحكيم.\nوقوله: (القابض، الباسط) يقبض الرزق على من يشاء، ويبسط لمن يشاء، حسيًّا","vol":"5","page":75},{"text":"الْخَافِضُ، الرَّافِعُ،\nــ\nأو معنويًّا، ويقبض الأرواح عن الأشباح عند الإماتة، ويبسط الأرواح -أي ينشرها فيها- عند الإحياء، ويمكن أن يعتبر ذلك في النوم والاستيقاظ، ويقبض القلوب فيضيقها بما يكشف لها من صفات جلاله، [و] يبسطها بصفات جماله.\nوقيل: يقبض الصدقات عن الأغنياء، ويبسط الأرزاق للفقراء.\nومن عرف اللَّه أنه القابض والباسط رأى القبض عدلًا منه فيصبر، والبسطَ فضلا منه فيشكر عليه.\nقال الإمام الغزالي (١): القابض والباسط من العباد من يبسط قلوب العباد بما يبشرهم به من آلاء اللَّه ونعمائه، ويقبضها بما ينذرهم بها من جلال اللَّه وكبريائه، وفنون عذابه وبلائه، وقيل: يكون ذا قبض وضنَّةٍ على الأسرار الإلهية على غير أهلها، وبسطُه إفاضة لها على أهلها.\nوللقوم كلام في معنى القبض والبسط وآدابهما، وقد أوردت منه في شرح (فتوح الغيب) لسيدنا ومولانا القطب السامي محي الدين عبد القادر الجيلاني ﵀ ناقلًا من كلام السيد الأستاذ القطب أبي الحسن الشاذلي على ما نقله الشيخ الولي العارف باللَّه علي المتقي ما لا يُرى ذلك التفصيل في كتبهم فعليك بها.\nاللهم ألهمنا من علومك بدائع الحكم، وأعطنا جوامع الكلم، نذكِّر عبادك بها، فنبسط قلوبهم ونقبضها بالبشارات والنذارات، بأوضح العبارات وأدق الإشارات، وأنت القابض الباسط.\nوقوله: (الخافض، الرافع) يخفض الكفار بالإشقاء، ويرفع المؤمنين بالإسعاد، ويرفع أولياءه بالتقريب، ويخفض أعداءه بالإبعاد، وقيل: يخفض القسط ويرفعه،\n_________\n(١) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ٨٨).","vol":"5","page":76},{"text":"الْمُعِزُّ، الْمُذِلُّ،\nــ\nولما عرف العبد أن اللَّه تعالى هو الخافض والرافع التجأ إليه واستعاذ به أن يخفضه ويجاوره الأشقياء، ودعا وسأله أن يرفعه ويرزقه مصاحبة السعداء.\nوحظ العبد من ذلك: أن يخفض الباطل ويرفع الحق، ويعاديَ أعداء اللَّه ليخفضهم، ويواليَ أولياء اللَّه ليرفعهم، ومن أفضل الأعمال الحبُّ للَّه والبغض للَّه، كما ورد في الكلام القدسي: (أما زهدك في الدنيا فقد استعجلت به راحة [نفسك]، وأما ذكرك إياي فقد تشرفت بي، فهل واليت لي وليًّا؟ وهل عاديت لي عدوا؟ (١».\nاللهم ارفعنا ولا تخفضنا، وانصرنا ولا تخذلنا، وأعطنا ولا تحرمنا، لنرفع الحق وأهله، ونخفض الباطل وحزبه، يا ناصر يا معين يا حق يا مبين.\nوقوله: (المعز، والمذل) يعز من يشاء، ويذل من يشاء، قال الغزالي (٢): هو الذي يؤتي الملك من يشاء ويسلبه عمن يشاء، والعز الدائم والملك الحقيقي في الخلاص عن ذل الحاجة وأسر النفس وقهر الشهوة ووصمة الجهل، فمن رفع الحجاب عن قلبه حتى شاهد جمال حضرته، ورزق القناعة حتى استغنى بها عن خلقه، وأمدّه بالقوة والتأييد.\nحتى استولى بها على صفات نفسه، فقد أعزه وآتاه الملك عاجلًا وآجلًا، ومن مدّ عينه إلى الخلق حتى احتاج إليهم، وسلط عليه الحرص حتى لم يقنع بالقناعة، واستدرجه بمكره حتى اغترّ بنفسه. وبقي في ظلمة الجهل، فقد أذلّه وسلبه الملك، انتهى.\n_________\n(١) هكذا أورده الدينوري في كتابه \"المجالسة وجواهر العلم\" (٣/ ٣٣٦، و٧/ ١٤٢) عن الفضيل وابن المبارك.\n(٢) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ٨٩).","vol":"5","page":77},{"text":"السَّمِيعُ، الْبَصِيرُ،\nــ\nوهذا هو الإعزاز أو الإذلال الحقيقيين الروحانيين (١)، وقد يشمل الإعزاز والإذلال الحسيين الجسمانيين؛ كالقوة والجمال، والجاه والمال وشرف النسب، والتظاهر بالأتباع والأنصار وأضدادها، إن ظهر نفع ذلك وضرره في الدين ويبقى أثره في المسلمين، وحظ العبد: أن يسأل اللَّه التوفيق لِمَا يعزه وهو الطاعة، ويستعيذ به من موجبات الإذلال أعني المعصية، وأن يعز الحق وأهله، ويذل الباطل وحزبه، كما عرفت في الخافض والرافع.\nقال بعض المشايخ: ما أعز اللَّه عبدًا بمثل ما يرشده إلى ذل نفسه، وما أذل اللَّه عبدًا بمثل ما يردُّه إلى توهم عزّه، اللهم أعزنا بطاعتك، ولا تذلّنا بمعصيتك، فإنه لا يذلّ من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، يا ذا الجلال والإكرام.\nوقوله: (السميع البصير) هما صفتان للَّه تعالى تنكشف بهما المسموعات والمبصَرات انكشافًا تامًا من غير احتياج إلى حاسة وآلة، وهو الأكمل؛ لأن الجوارح والآلات معرَّضة للتغير والآفات، وهذا محل الحذر عن التشبيه، ولما ثبت تنزيهه تعالى عن صفات الجسم ثبت أنه منزَّه عن ذلك، ومن عرف أنّ اللَّه تعالى سميع بصير فلا يتكلم إلا بما يرضاه، ولا يتحرك إلا في رضاه، ويلزم دوام المراقبة ومطالبةَ النفس بالمحاسبة، وإليه الإشارة بقوله: (فبي يسمع وبي يبصر).\nوالتخلق بهذين الاسمين: أن يسمع كلام اللَّه وكتابه العزيز الذي أنزله فيستفيد به الهداية، ويسمع الحق فيتبعه، ويبصر عجائب ملكوت السماوات والأرض فلا يكون نظره إلا عبرة، اللهم ارزقنا سمعًا نسمع به كلامك، وبصرًا نبصر به آياتك، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا، واجعله الوارث منا، إنك أنت السميع البصير.\n_________\n(١) كذا في المخطوطة، والظاهر أنهما الحقيقيان والروحانيان.","vol":"5","page":78},{"text":"الْحَكَمُ،\nــ\nوقوله: (الحكم) الحاكم الذي لا مردّ لقضائه، ولا مُعَقِّب لحكمه، في (القاموس) (١): الحُكم: القضاء، وقال الغزالي (٢): ومن الحكم ينشعب القضاء والقدر، فتدبيره أصل وضع الأسباب ليتوجه إلى المسبَّبات حكمُه، ونصبُه الأسباب الكلية الأصلية الثابتة المستقرة التي لا تزول ولا تحول كالأرض والسماوات والكواكب وحركاتها المتناسبة التي لا تتغير ولا تنعدم إلى أن يبلغ الكتاب أجله قضاؤه كما قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾ [فصلت: ١٢]. وتوجيهُ هذه الأسباب بحركاتها المتناسبة المحدودة المقدرة المحسوبة إلى المسببات الحادثة منها لحظة فلحظة قدرُه، فالحكم هو التدبير الكلي والأمر [الأزلي] الذي كلمح البصر، والقضاء هو الوضع الكلي للأسباب الكلية الدائمة، والقدر هو توجيه الأسباب الكلية بحركاتها المقدرة المحسوبة إلى مسبباتها المعدودة بعدد معلوم لا يزيد ولا ينقص، ولذلك لا يخرج شيء عن قضائه وقدره. ومَثَّلَ لذلك بصندوق الساعات التي بها يعرف أوقات الصلوات، وبيَّنه بما لا يخلو ذكره عن تطويل.\nوحظ العبد منه: أن يستسلم لحكمه، وينقاد لأمره، ويرضى بقضائه، والتخلق: أن يحكم العبد ويقضيَ على نفسه بتدبير الرياضات والمجاهدات، وتقدير السياسات التي تفضي إلى مصالح الدنيا والدين، ولذلك استخلف اللَّه عباده في الأرض واستعمرهم فيها لينظر كيف يعملون، وهذا بحكم الظاهر، والكل على حسب قضاء اللَّه وقدره، وتدبير العبد أيضًا بتقدير اللَّه.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠١١).\n(٢) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ٩٢).","vol":"5","page":79},{"text":"الْعَدْلُ،\nــ\nاللهم يا من لا مَرَدّ لقضائه، ولا مُعَقِّب لحكمه بعطائه وبلائه، رضينا بقضائك وتقديرك، واعزلنا عن تدبيرنا لأنفسنا بتدبيرك، واجعلنا مستسلمين لحكمك منقادين لأمرك، وأخرجنا عن القلق والتحير في بادية القضاء ودائرة التكليف حتى نكون مسلمين مستسلمين محكومين لحكمك، وحاكمين على أنفسنا بأمرك، وأنت أحكم الحاكمين.\nوقوله: (العدل) بمعنى العادل مصدر نعت به للمبالغة، والعدل يجيء بمعنى ضد الجور والظلم وبمعنى الاستقامة والاعتدال، والمعاني الثلاثة قريبة، فهو سبحانه لا يميل عن طريق الحق في أفعاله، ولا يظلم عباده؛ لأنه الحق، والكل ملكه، وكل أفعاله مستقيم واقع على ما ينبغي، متضمن لحِكَم لا تُعدّ ولا تحصى، كما قال تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ الآية [الملك: ٣]، ومن نظر في ملكوت السماوات والأرض، وطالع آيات اللَّه في الأنفس والآفاق، كما في ترتيب الأجرام العلوية والسفلية، وأجزاءِ الإنسان وأعضائه، وباقي أوضاع المخلوقات وأحوالها وصفاتها، عرف أن الكل واقع على ما ينبغي أن يكون عليه، وقد فصَّل بعضها الإمام الغزالي.\nفينبغي للعبد أن لا يعترض على اللَّه سبحانه في تدبيره وحكمه، بل يرى الكل منه حقًّا وعدلًا، وينبغي أن يعدل فيما بين الناس، خصوصًا فيمن كان من رعيته وفي مملكة وجوده [و] يجعل الشهوة والغضب أسيرين تحت سياسة العقل والدين ومنقادين لهما، ويقوِّم أفعاله ليستقيم على حد التوسط بين الإفراط والتفريط الذي هو معنى العدالة، وتنكشف له معرفة الحق وعدالة أفعاله مشاهدة وعيانًا على قدر التصفية والتجلية، وأنّى يفتح ذلك لمن استغرقه هَمُّ الدنيا واستعبده الهوى.\nاللهم افتح علينا أبواب حكمتك، وأقمنا في مقام العدل والاستقامة مائلًا عن الزيغ والظلم على أنفسنا، وأرنا ملكوت السماوات والأرض لنكون من الموقنين.","vol":"5","page":80},{"text":"اللَّطِيفُ،\nــ\nوقوله: (اللطيف) قيل: معناه المُلْطف، كالبديع بمعنى المبدع، وقد اختلف في مجيء فعيل بمعنى مُفْعل، وقيل: العليم بخفيات الأمور ودقائقها وما لَطُفَ منها، وهو الذي اجتمع له الرفق في الفعل، والعلم بدقائق المصالح، وإيصالها إلى من قدَّرها، قال الإمام الغزالي (١): إنما يستحق هذا الاسم من يعلم دقائق المصالح وغوامضها، وما دقّ منها وما لطف، ثم يسلك في إيصالها إلى المستصلح سبيل الرفق، فإذا اجتمع الرفق في الفعل واللطف في الإدراك تمّ معنى اللطف، ولا يتصور كمال ذلك إلا للَّه تعالى، أما إحاطته بالدقائق والخفايا فلا يمكن تفصيل ذلك، وأما رفقه في الأفعال ولطفه فيها، فلا يدخل تحت الحصر، ولا يعرفه إلا من عرف تفاصيل أفعاله، وعرف دقائق الحكمة، وبقدر اتساع المعرفة فيها تتسع المعرفة لمعنى اسم اللطيف.\nثم نبّه الإمام على بعض أمثلته وجُمَله؛ كلطفه في خلقه الجنينَ إلى آخر عمره، وفي إيصال الغذاء إلى الآدمي، وكإخراج اللبن الصافي بين الفرث والدم، وإخراج الجواهر النفيسة من الأحجار، وإخراج العسل من النحل، والإبريسم من الدود، والدر من الصدف.\nقال: وأعجب من ذلك خلقُه من النطفة القذرة مستودعًا لمعرفته وحاملًا لأمانته ومشاهدًا لملكوت سماواته، وهذا مما لا يمكن إحصاؤه، ومن لطفه بعباده أنه أعطاهم فوق الكفاية، وكلّفهم دون الطاقة، وأنه يسَّرَ لهم الوصول إلى سعادة الأبد بسعي خفيف في مدة قصيرة، وهي العمر، بل في ساعة لطيفة كمن آمن ومات من ساعته، وحق من عرفه لطيفًا وعالمًا بمكنونات الضمائر، وموصلًا إليه جلائل النعم برفق، أن يشكره ويعترف بتقصيره.\n_________\n(١) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ١٠١).","vol":"5","page":81},{"text":"الْخَبِيرُ،\nــ\nوالتخلق به: أن يلطف بعباده ويرفق بهم في الأرفاق الحسية الدنيوية والمنافع الروحانية الدينية، كالدعوة إلى اللَّه والإرشاد إلى طريقة الحق برفقٍ ولطفٍ وموعظةٍ حسنة، وشمائل مَرْضية، وأعمال صالحة، يا لطيف الطف بي وبوالدي وأولادي في جميع الأحوال كما تحب وترضى، واعف عنا، وعاملنا بلطفك الجميل يا لطيف:\nوالطف بعبدك في الدارين إن له ... صبرًا متى تدعه الأهوال ينهزمِ\nوقوله: (الخبير) هو الذي لا تعزب عنه الأخبار الباطنة، فلا يجري في الملك والملكوت شيء، ولا تتحرك ذرة ولا تسكن، ولا تضطرب نفس ولا تطمئن، إلا ويكون عنده منه خبر، ويرجع معناه إلى معنى العليم إلا أن يخص بالأخبار كما أشير إليه.\nوقال الغزالي (١): وهو بمعنى العليم، لكن العلم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة يسمى خِبْرةً، ويسمى صاحبها خبيرًا، هذا وقد يجعل الخبير بمعنى المخبر، أي: المتمكن من الإخبار عما علمه، ويرجع إليه صفة الكلام، ومن عرف أن اللَّه تعالى خبير لزم التقوى ظاهرًا وباطنًا، ومن عرف أنه مطلع على سرّه اكتفى عن سؤاله لعلمه بحاله وشأنه، أو أحضر الحاجة بقلبه من غير أن ينطق بلسانه.\nوالتخلق به: أن يكون خبيرًا بما يجري في عالمه وقلبه وبدنه، ويكون ذا خبرة بالغة عن مكايد نفسه ومكرها وخدعها ذا حذر منها، وعلى المعنى الثاني أن يكون مخبرًا بها للناس، ومنذرًا وداعيًا إلى طريق النجاة منها، اللهم أنت العليم الخبير بظواهرنا وبواطننا فأصلحها، ووفقنا للاختيار عن أحوال نفوسنا حتى تتزكى، وصفات قلوبنا حتى تتطهر، واجعلنا مخبرين بها الخلق داعين لهم إلى طريق الحق، يا عليم يا خبير.\n_________\n(١) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ١٠٣).","vol":"5","page":82},{"text":"الْحَلِيمُ، الْعَظِيمُ،\nــ\nوقوله: (الحليم) هو الذي لا يستفزه غضب، ولا يعتريه غيظ، ولا يحمله على استعجال العقوبة ومسارعة الانتقام مع غاية الاقتدار على ذلك، واللَّه هو الحليم على الإطلاق؛ فإن العبد قد لا يستعجل العقوبة لكن يكون على عزمها بالحقد، قال بعضهم: الحقود يؤخر الانتقام انتهازًا للفرصة، والحليم يؤخره انتظارًا للتوبة، وقد وصف تعالى ذاته بالانتقام أيضًا، فحق العبد أن يخاف من انتقامه، ويرجو العفو لحلمه؛ لأنه إذا حلم عنه في الحال فيرجى أن يغفر له في المآل. ووجه التخلق به ظاهر.\nيا حليم ذا الأناة جنبنا عن غضبك، ولا تغرَّنا بحلمك، وأوقفنا في مقام خوفك ورجائك، واجعل عاقبة أمورنا العفو والمغفرة، إنك أنت الحليم الغفور.\nوقوله: (العظيم) الذي لا يتصوره عقل ولا يحيط بكنهه بصيرة، والعظيم قد يطلق على الأجسام فيقال: هذا الجسم عظيم، وذلك أعظم منه، إذا كان امتداد مساحته في الطول والعرض والعمق أكثر منه، ثم هو ينقسم إلى عظيم يملأ العين ويأخذ منه مأخذًا كالجمل والفيل مثلًا، وإلى ما لا يحيط البصر بجميع أطرافه كالأرض والسماء، وهذا أعظم من الأول، وقد يطلق على مدركات البصائر، وفيها أيضًا تفاوت، فمنها ما يحيط العقل بكنه حقيقتها، ومنها ما تقصر العقول عنها أكثرها أو بعضها، ومنها ما لا يتصور أصلًا الإحاطة بكنه حقيقته، وذلك هو العظيم المطلق الذي جاوز جميع حدود العقول، ولم تتصور الإحاطة بكنهه، وذلك هو اللَّه تعالى، ومن عرف عظمته يستحقر نفسه ويذللها للإقبال عليه سبحانه، بالامتثال لأوامره والتسليم لأحكامه، والتخلق بأن يحصِّل من الكمالات والصفات الشريفة ما يَعْظُم به قَدْرُه، حتى يبلغ مرتبة لا يبلغ أكثر العقول كنهه، وقد ورد في الحديث أن العالم العامل الذي يعلِّم الناس الخير يسمى في الملكوت عظيمًا، والعظيم من العباد الأنبياء والعلماء الذين إذا عرف","vol":"5","page":83},{"text":"الْغَفُورُ، الشَّكورُ، العَلِيُّ،\nــ\nالعاقل صفاتهم امتلأ بالهيبة صدره، وأعظم البشر بل كل المخلوقات سيد المرسلين محمد -ﷺ-، اللهم عظّم جلالك في قلوبنا، وصغّر الدنيا بأعيننا، واملأ قلوبنا بعظمتك حتى نستحقر في جنبها كل ما سواك.\nوقوله: (الغفور) بمعنى الغفار، والفرق بينهما -وكلاهما صيغة المبالغة-: أن المبالغة فيه من جهة الكيفية، وفي الغفار باعتبار الكمية، فالغفار ينبئ عن كثرة المغفرة ووقوعها مرة بعد أخرى؛ فإن الفعّال ينبئ عن كثرة الفعل، والفعول عن كماله وشموله، فهو غفور بمعنى أنه تام الغفران وكامله، حتى يبلغ أقصى درجات المغفرة بتعلقها بالذنوب العظيمة. وقيل: الغفور من إذا غفر من عبد نوعًا من الذنب غفر من جميع العباد ذلك النوع، والتخلق فيه ظاهر.\nيا غفار يا غفور يا عظيم المغفرة تُدْعَى لكل عظيم اغفر الذنب العظيم؛ فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا الرب العظيم.\nوقوله: (الشكور) هو الذي يعطي الثواب الجزيل على العمل القليل، وأيُّ ثواب أجزل وأعظم من ثواب الآخرة على العمل بأيام معدودة في الدنيا، ويقال: هو المثْني على عباده المطيعين، وقيل: معناه: المُجازِي عبادَه على شكرهم، فيكون الاسم من قبيل المشاكلة كما في تسمية جزاء سيئة سيئةً، وحظ العبد منه: أن يعرف نعم اللَّه تعالى عليه، ويشكره عليها، ويعرف أن خروجه عن عهدة شكره تعالى غير ممكن، وأن يشكر الناس بمجازاتهم عليها أكثر مما صنعوا إليه، والثناء عليهم والدعاء لهم، اللهم اجعلنا شاكرين لنعمتك مثنين بها قابليها، وأَتِمَّها علينا، واجعلنا من عبادك الشاكرين، واجز من أنعم علينا خيرًا في الدنيا والدين.\nوقوله: (العلي) هو الذي لا رتبة فوق رتبته، وجميع المراتب منحطة عنه،","vol":"5","page":84},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوذلك لأن السبب فوق المسبَّب بالرتبة، وهو تعالى مسبِّبُ جميع الأسباب، وإليه تنتهي مراتب العلية والفاعلية، وأيضًا الموجودات تنقسم إلى ميت وحي، والحي ينقسم إلى ما ليس له إلا الإدراك الحسي وهو البهيمة، وإلى ما له مع الإدراك الحسي الإدراك العقلي، والذي له الإدراك العقلي ينقسم إلى ما يعارضه في معلوماته الشهوةُ والغضب وهو الإنسان، وإلى ما يَسْلَمُ إدراكه عن معارضة المكدّرات، والذي سلم ينقسم إلى ما يمكن أن يبتلى به ولكن رُزِقَ السلامةَ كالملائكة، وإلى ما يستحيل ذلك في حقه وهو اللَّه ﷾ فهو فوق الكل في الرتبة، هكذا ينبغي أن تُفهم فوقيته وعلوه. فإن هذه الأسامي وضعت أولًا بالإضافة إلى إدراك البصر وهو درجة العوام، ولمَّا تنبه الخواص لإدراك البصائر ووجدوا بينها وبين الأبصار موازنات، استعاروا فيها الألفاظ المطلقة، ففهِمها الخواص وأنكرها العوام الذين لم يجاوز إدراكُهم عن الحواس التي هي رتبة البهائم.\nوإذا فهمت هذا [فقد] فهمت كونه فوق العرش؛ لأن العرش فوق جميع الأجسام، والموجود المنزه عن التحدد والتقدر بحدود الأجسام ومقاديرها فوق الأجسام كلها في الرتبة، ولكن خص العرش لأنه فوق جميع الأجسام، فإن كان فوقها كان فوق جيمعها.\nوحظ العبد: أن يبذل جهده في العلم والعمل حتى يفوق جنس الإنس في الكمالات، ويعلوه في المراتب والمقامات من بني نوعه، ولكن لا يكون عليًّا مطلقًا؛ إذ لا ينال درجة إلا ويكون في الوجود [ما هو] فوقها، وهو درجات الأنبياء مع تفاوتها، وأعلى الدرجات درجة نبينا محمد -ﷺ-، والعلي المطلق هو اللَّه ﷻ وتعالى شأنه.\nاللهم يا علي المتعال بلغنا إلى المنزل الرفيع والمقام العالي بالكمال في العلم","vol":"5","page":85},{"text":"الكَبِيرُ، الْحَفيظُ،\nــ\nوالعمل، وارفعنا إلى أعلى الدرجات في الفضائل والكمالات، ثم اخفض أبصارنا بالنظر إلى رؤية علومنا وأعمالنا برفعها إلى كمالات سيد الكائنات، عليه أفضل الصلوات وأكمل التحيات، فنكون مقتبسين من أنواره ومستفيضين من أسراره في الحياة وبعد الممات، برحمتك يا أرحم الراحمين.\nوقوله: (الكبير) ذو الكبرياء، والكبرياء عبارة عن كمال الذات، والمراد بالكمال كمال الوجود، وكمال الوجود يرجع إلى شيئين:\nأحدهما: دوامه، ويقال إذا طال مدة وجود الإنسان: إنه كبير السن، وإذا كان طويل الوجود كبيرًا، فالدائم الأزلي الأبدي أولى بأن يكون كبيرًا، ثم لا يقال: عظيم السن، فالكبير يستعمل فيما لا يستعمل فيه العظيم، وبهذا يظهر أنهما ليسا بمترادفين.\nثانيهما: أن وجوده هو الوجود الذي يصدر عنه كل موجود، فالكبير يكون بمعنى كامل الذات تام الوجود، والعظيم بمعنى كامل الصفات رفيع القدر عالي المرتبة.\nوالتخلق: أن يجتهد في تكميل نفسه حتى يكبر بدوام ذكره وآثار فضله، ويسري كماله إلى غيره بالإفاضة والإرشاد، اللهم صغرنا بشهود عظمتك وكبريائك، وخُصنا بهدايا نعمائك وآلائك، واجعلنا في أعيننا صغارًا، وفي أعين الناس كبارًا، إنك على كل شيء قدير ياعظيم يا كبير.\nوقوله: (الحفيظ) حافظ الموجودات بإبقائها بصيانة المتضادات المتعاديات بعضها عن بعض، كالعناصر في المواليد بالتركيب والمزاج بتعديل قواها، وبخلق الآلات والجوارح في ذواتها الخارجة عنها كالأسلحة، وخلق المعرفة والهداية إلى إعمالها واستعمالها، وبخلق الحواس التي هي كالجواسيس المنذرة بقرب الأعداء","vol":"5","page":86},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالآفات كالعين والأذن وغيرهما، وكذلك شمل حفظُه -جلت قدرته- كُلَّ ذرة في ملكوت السماوات والأرض، حتى الحشيشُ الذي ينبت من الأرض يحفظ لبابه بالقشر الصلب، وطراوته بالرطوبة، وما لا يحفظ بمجرد ذلك يحفظ بالشوك النابت منه، فالشوك سلاح النبات كالقرون والمخالب والأنياب للحيوانات، وكل قطرة من ماء فمها حافظ يحفظها عن استحالتها هواء، وقد ورد في الخبر: أنه لا تنزل قطرة من المطر إلا ومعها ملك يحفظها إلى أن تصل [إلى] مستقرها من الأرض وذلك حق، والمشاهدة الباطنة لأرباب البصائر قد دلت إليه فامنوا بالخبر من غير تقليد بل عن بصيرة، ومن حفظه تعالى إبقاء الإيمان للمؤمنين، وحفظ عقائدهم عن الزيغ والزلل، وصيانة عقود أوليائه في حفظ التوحيد، وأبوابُ حفظه تعالى كثيرة لا تحصى ولا تتناهى.\nوقد يقال: الحفظ صون الشيء عن الزوال والاختلال إما في الذهن وبإزائه النسيان، وإما في الخارج وبإزائه الضياع، والحفيظ يصح إطلاقه على اللَّه تعالى بكل واحد من المعنيين؛ فإن الأشياء كلها محفوظة في علمه تعالى لا يمكن زوالها عنه بسهو أو نسيان، وأنه تعالى يحفظ الموجودات من الزوال والاختلال، والحفيظ من العباد من يحفظ جوارحه عن المعاصي، وقلبَه عن ذكر ما سوى اللَّه، وسرَّه عن ملاحظة الأغيار، ويحفظ جميع أحواله عن الخروج من حد الاستقامة والاعتدال.\nاللهم احفظنا في جميع الأحوال، من جميع الآفات والمخافات والأهوال، واحفظ إيماننا مما يوجب النقص ويورث الزوال، واحفظ أحوالنا عن الاختباط والاختلال، وعقولنا عن النقصان والجنان، وكف جوارحنا عن المعاصي، وقلوبنا عن ذكر ما سواك، وأسرارنا عن ملاحظة ما يوجب الإشراك، واعصمنا عن كل ما يخرجنا عن حد الاستقامة في جميع الأوقات والأحوال.","vol":"5","page":87},{"text":"الْمُقِيتُ، الْحَسِيبُ،\nــ\nوقوله: (المقيت) خالق الأقوات وموصلها إلى الأبدان، وهي الأطعمة، وإلى القلوب وهي المعرفة، ومنه قول بعضهم حين سئل: ما القوت؟ [فقال:] ذكر الحي الذي لا يموت، فيكون بمعنى الرزاق إلا أنه أخص منه؛ إذ الرزق يتناول القوت وغير القوت، والقوت ما يكتفى به في قوام البدن، ويكون بمعنى المقتدر والمستولي.\nوالاستيلاء يتم بالقدرة والعلم كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [النساء: ٨٥] أي: مطَّلعًا قادرًا، وباعتبار اجتماع المعنيين -أعني: القدرة، والعلم- يخرج عن الترادف للقادر والمقتدر والعالم.\nوالتخلق به: أن يكون العبد مطعمًا للجائع، ومرشدًا للغافل، ويكون مطلعًا على أحوال نفسه، ومقتدرًا على إصلاحها.\nاللهم اجعل ذكرك قوت أرواحنا كما جعلت رزقك كفاف أشباحنا، واجعل قدرتك مستولية على إصلاح أحوالنا، حتى نكون بفضل رزقك للجائعين مطعمين، وبكمال قدرتك وعلمك للغافلين مرشدين، إنك على كل شيء قدير.\nوقوله: (الحسيب) الكافي في جميع الأمور، من أَحْسَبَني: إذا كفاني، فعيل بمعنى مُفْعِل، واللَّه تعالى حسيب كل أحد وكافيه، وهذا وصف لا تُتصور حقيقته لغيره تعالى، فإن الكفاية إنما يحتاج إليها المكفيُّ لوجوده، ولدوام وجوده، ولكمال وجوده، وليس في الوجود شيء هو كافٍ لشيء إلا اللَّه؛ لأن به تحصل الأشياء ويدوم به وجودها ويكمل، والأسباب التي لها دخل في وجود الأشياء وكمالها كلها بخلق اللَّه فهو الحسيب المطلق.\nوقيل: الحسيب بمعنى المحاسب كالجليس والنديم، وهو الذي يحاسب الخلائق يوم القيامة، ويَعُدُّ عليهم أنفاسهم في الدنيا، وقيل: الشريف، من الحسب بمعنى","vol":"5","page":88},{"text":"الْجَلِيلُ،\nــ\nالشرف، ومن عرف أن اللَّه هو الكافي ينبغي أن يكتفي به، وبحسن تدبيره، ويتوكل عليه في جميع أموره: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، وإذا عرف أنه يحاسبه ويَعدُّ عليه أنفاسه يضبط أفعاله ويحسن أحواله، وإذا عرف أن له الشرف والكمال ظهر عليه خساسة نفسه ودناءتها فلا يتكبر بذاته ولا يُعجب بفعله.\nوالتخلق به: أن يتسبب لكفاية حاجات المحتاجين وسد خلتهم، ويحاسب نفسه قبل أن يحاسب، ويشرِّف نفسه بالمعرفة والطاعة.\nقال الإمام الغزالي (١): ليس للعبد مدخل في وصف الكفاية إلا بنوع من المجاز بعيدٍ، وبالإضافة إلى بادئ الرأي وسابق الظن العامي، كالأم لطفلها في القيام بتعهده، والأستاذ لتلميذه حتى لم يضطر إلى الاستعانة بغيره، وفي الحقيقة اللَّه هو الكافي، اللهم أنت ربنا وأنت حسبنا وكافينا فاكفنا شر من ظلمنا، وكن لنا كافيًا في جميع المهمات.\nوقوله: (الجليل) هو المنعوت بنعوت الجلال، ونعوتُ الجلال هي: الغنى والملك والقدس والعلم والقدرة وأمثالها، والجامع لجميعها همو الجليل المطلق، والموصوف ببعضها جلالتُه بقدر ما نال من هذه النعوت، والجليل المطلق هو اللَّه سبحانه فقط.\nقال الإمام الغزالي (٢): فكأن الكبير يرجع إلى كمال الذات، والجليل إلى كمال الصفات، والعظيم يرجع إلى كمال الذات والصفات جميعًا منسوبًا إلى إدراك البصيرة، إذا كان بحيث يستغرق البصيرة ولا تستغرقه البصيرة. ثم صفات الجلال إذا نسبت\n_________\n(١) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ١١٤).\n(٢) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ١١٦).","vol":"5","page":89},{"text":"الْكَرِيْمُ،\nــ\nإلى البصيرة المدركة لها سميت جمالًا، وسمي المتصف به جميلًا، كذا قال الإمام، واسم الجميل في الأصل وُضع للصورة الظاهرة المدركة بالبصر مهما كانت، بحيث تلائم البصر وتوافقه، ثم نقل إلى الصورة الباطنة التي تدرك بالبصائر حتى يقال: سيرة حسنة جميلة، ويقال: خلق جميل، والجميل الحق المطلق هو اللَّه تعالى كما أن الجليل المطلق هو سبحانه؛ لأن كل ما في العالم من جمال وكمال وبهاء وحسن فهو من أنوار ذاته وآثار صفاته، ولذلك يدرِك عارفُه والناظر إلى جماله من البهجة والسرور واللذة ما يستحقر معها نعيم الجنة وجمال الصورة المبصرة، بل لا مناسبة بين جمال الصورة الظاهرة وبين جمال المعاني الباطنة المدركة بالبصائر، وهذا المعنى كشفنا عنه الغطاء في كتاب المحبة من كتاب (إحياء علوم الدين).\nوإذا عرف العبد أن الجليل على الحق، والجميل المطلق هو اللَّه، فلا يعظِّم ولا يحب إلا إياه، والتخلق بهما: أن يجعل نفسه موصوفة بصفات الكمال، ويحسن صفاته الباطنة والأخلاق الذميمة حتى يصير جليلًا جميلًا يحبه اللَّه وخَلْقُه.\nاللهم إنا نسألك بجلال ذاتك، وجمال صفاتك، أن تجعلنا مشاهدين لجلالك، ومحبين لجمالك، متصفين بصفات الكمال، مستفيضين من أشعة ذلك الجلال والجمال.\nوقوله: (الكريم) قالوا: هو الذي إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا أعطى زاد على منتهى الرجاء، ولا يبالي كم أعطى ولا لمن أعطى، وإن رفعت حاجة إلى غيره لا يرضى، وإذا جُفي عاتب وما استقصى، ولا يضيع من لاذ به والتجا، ويغنيه عن الوسائل والشفعاء، فمن اجتمع له جميع ذلك لا بالتكليف فهو الكريم المطلق، وما ذلك إلا اللَّه وحده، وحظ العبد: أن يتكلف في تحصيل ذلك، ويتجمل في الاتصاف بها،","vol":"5","page":90},{"text":"الرَّقِيبُ،\nــ\nحتى يحصل له شيء من ذلك أو الكل على ما يليق بشأنه، والأنبياء كلهم متصفون بذلك أتم وأكمل ممن عداهم، خصوصًا سيد الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين، فهو أكرم الأكرمين بعد اللَّه سبحانه.\nوقد قال -ﷺ- في مدح يوسف ﵇: (الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)، وقد يقال: إذا وصفت بالكرم فقد وصفت بجميع محامد الصفات، اللهم يا كريم خصنا بفضلك وكرمك، إنك أنت الكريم ذو الفضل العظيم.\nوقوله: (الرقيب) قال الطيبي (١): هو الحفيظ الذي يراقب الأشياء ويلاحظها، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.\nوقال الغزالي (٢): هو العليم الحفيظ، فمن راعى الشيء حتى لم يغفل عنه، ولاحظه ملاحظة لازمة دائمة، سمي رقيبًا، فكأنه يرجع إلى العلم والحفظ، ولكنه باعتبار كونه لازمًا دائمًا. هذا وقد فسروا المهيمن بالرقيب لكن أخذوا في مفهومه المبالغة في الرقابة، وبهذا يخرج عن الترادف كما سبق.\nوالتخلق به: أن يكون العبد مراقبًا لربه بأن يعلم أن اللَّه رقيبه وشاهده في كل حال ظاهرة وباطنة، ويعلم أن نفسه عدوّ له والشيطان كذلك، وأنهما ينتهزان منه الفرصة حتى يحملانه على الغفلة، فيأخذ منهما حذره بأن يلاحظ مكانهما وتلبسهما ومواضع انبعاثهما حتى يسدّ عليهما المنافذ والمجاري، فهذه مراقبتُه.\nاللهم أنت الرقيب على أحوالنا والعالم بسرائرنا، فاجعلنا مراقبين لك في كل حال\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٤٢).\n(٢) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ١١٧).","vol":"5","page":91},{"text":"الْمُجِيبُ، الْوَاسِعُ،\nــ\nوفي كل شأن، واحفظنا من كيد النفس وتلبيس الشيطان.\nوقوله: (المجيب) هو الذي يجيب دعوة المضطرين بلسان الحال والقال، بل أجاب قبل أن يدعوا، وأعطى قبل أن يسألوا، ومِن إجابته دعوة الخلق، وكفاية حاجاتهم بأن دبّر قبل أن يخلقهم بخلق أسبابها من الأرزاق والآلات في الأرض والسماوات، فينبغي للعبد أن يكون مجيبًا لدعوة الحق فيما أمر ونهى، ولعباده بإسعاف مرامهم بما قدر وأمكن، وبلطفٍ وبقولٍ معروف إن عجز، وبإجابة دعوتهم وقبول هديتهم كما كان يفعله رسول اللَّه -ﷺ-، اللهم أجب دعوتنا بلسان القال والحال والاستعداد، واجعلنا مجيبين لأوامرك، مستقيمين على سبيل السداد والرشاد، إنك أرحم الراحمين، ومجيب دعوة المضطرين.\nوقوله: (الواسع) السعة تضاف إلى العلم إذا اتسع وأحاط بالمعلومات، وإلى الإحسان وبسط النعم، وإلى القدرة والملك والغنى، والواسع المطلق في جميع هذه الصفات هو اللَّه تعالى، وعن بعض العارفين: الواسع الذي لا نهاية لبرهانه، ولا غاية لسلطانه، ولا حد لإحسانه، ومِن حق مَن عرف اللَّه وسعة علمه وقدرته وملكه وغناه أن لا يبقى في مضيق الجهل والعجز والفقر والاحتياج، بل يستغني به عن الكل.\nوالتخلق به: أن يسعى في سعة معارفه وأخلاقه، ويكون جوادًا منشرح الصدر وسيع القلب، ولا يضيق صدره بما يَرِدُ عليه من الحوادث وإيذاءِ الجاهلين.\nاللهم يا واسع العلم والقدرة والعطاء والملك والغنى، يا من وسع كرسيه السماوات والأرض، وسِّع أرزاقنا، وافسح معارفنا وأخلاقنا، [و] أفض علينا من سعة جودك وبسطة وجودك، وإحاطة علمك وقدرتك، وكمال غناك وقوتك، حتى نكون منشرح الصدر وسيع القلب فارغ البال، ولا نبقى في مضيق الجهل والعجز والفقر والضعف،","vol":"5","page":92},{"text":"الْحَكِيمُ، الْوَدُودُ،\nــ\nإنك على كل شيء قدير.\nوقوله: (الحكيم) ذو الحكمة، وهي عبارة عن كمال العلم وإحسان العمل والإتقان فيهما، وقد يطلق بمعنى العليم المحكِم، وقيل: مبالغة الحاكم، وقد يقال: الحكيم لمن يعلم حقائق الأشياء بحسن دقائق الصناعات، ويحكمها ويتقن صنعتها، والكمال في هذه المعاني ليس إلا للَّه وحده ﷿، ومن حق من عرف أن اللَّه حكيم أن يرضى بحكمه، ويعرفَ أن يكون له فيه حكمةٌ بالغة وإن لم تظهر عليه فلا يعترض عليه، وأنه فاعل مختار حاكم على الإطلاق، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.\nوالتخلق به: أن يجتهد في تكميل القوة النظرية والعملية، ويُحْسن دقائق العلوم والصناعات مما يتعلق بتكميل نفسه، اللهم خصصنا بأسرار حكمتك، وأنوار رحمتك، ووفقنا لتكميل نفوسنا بمعرفة حقائق الأشياء الموجودات وأحوالها في مبدئها ومعادها، إنك أنت العليم الحكيم.\nوقوله: (الودود) فعول من الودّ وهو المحبة أقواها وآكدها، بمعنى الفاعل أو المفعول، يود المؤمنين ويودونه، كما قال: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] أي: يرحمهم ويريد بهم الخير وينعم ويحسن إليهم ويمدحهم، ويودونه، أي: يطيعونه ويعظمونه ويهابونه ويذكرونه، والودود من عباد اللَّه من يريد لأخيه كل ما يريد لنفسه، بل يؤثرهم على نفسه، وكمال ذلك أن لا يمنعه عن الإيثار والإحسان الغضبُ والحقدُ وما ناله من الأذى، فيصلُ مَنْ قطعه، ويعطي من حرمه، وعفا عمن ظلمه.\nاللهم يا ودود، ويا واهب الرشاد والسداد، نسألك من فضلك ورحمتك المحبة والوداد، وأن تجعل لنا من خالص ودّك نصيبًا، وأن تجعلنا من حزب من اتخذته عندك حبيبًا، وأن تقيمنا مع إخواننا في مقام التحابِّ والتواد، حتى نريد ونحب لهم ما نحب","vol":"5","page":93},{"text":"الْمَجِيدُ، الْبَاعِثُ،\nــ\nلأنفسنا من كل محبوب ومراد، ويحصل لنا حقيقة الإيمان، أنت الرب الرحمان المستعان.\nوقوله: (المجيد) مبالغة الماجد، من المجد وهو سعة الكرم، من قولهم: مَجَدتِ الماشية: إذا صادفت روضةً أُنُفًا، وأمجدها الراعي، كذا قال الطيبي (١).\nوفي (القاموس) (٢): المجد: نيل الشرف والكرم.\nوقال الغزالي (٣): هو الشريف ذاته، الجميل أفعاله، الجزيل عطاؤه ونواله، فكأن شرف الذات إذا قارنه حسن الفعال سمي مجدًا، وكأنه يجمع معاني اسم الجليل والوهاب والكريم، انتهى.\nيريد أن فيه مبالغة ما ليس في كل واحد باعتبار الاجتماع، فيخرج عن الترادف، ووجه التعلق والتخلق ظاهر.\nيا مجيد وفقنا لتمجيدك وتحميدك، ومجدنا بمجدك، وشرفنا بشرفك، وخصنا بكرمك، بحرمة محمد أمجد العباد وآله الأطهار الأمجاد.\nوقوله: (الباعث) هو الذي يبعث ما في القبور، ويحصِّل ما في الصدور، ويحيي الخلق يوم النشور، والبعث هي النشأة الآخرة، وقيل: باعث الرسل إلى الأمم، وقيل: باعث الهمم إلى البِر، وإذا كان حقيقة البعث يرجع إلى إحياء الموتى، والجهل هو الموت الأكبر، والعلم هو الحياة الأشرف، فمن رقَّى غيره من الجهل إلى العلم أنشأه نشأة أخرى، وأحياه حياة طيبة، وتخلق بهذا الاسم، وذلك رتبة الأنبياء ومن يرثهم\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٤٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠١).\n(٣) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ١٢٣).","vol":"5","page":94},{"text":"الشَّهِيدُ،\nــ\nمن العلماء، وأما على معنى بعث الرسل إلى الأمم فكأن العبد يبعث من نفسه داعيًا بالخير إلى جوارحه وقواه، وأما بعث الهمة إلى البِر فظاهر.\nاللهم ابعث قلوبنا الموتى من أجداث أجسادنا، وأحيها بالحياة الحقيقية الأبدية، وابعث من نفوسنا داعي الخير وباعث البر، وذلك أقصى مرادنا.\nوقوله: (الشهيد) من الشهود وهو الحضور، ويرجع إلى معنى العليم، فإنه تعالى عالم الغيب والشهادة، والغيب عبارة عما بطن، وهو الذي لا يشاهد، والشهادة عما ظهر وهو الذي يشاهد، فإذا اعتُبر العلمُ مطلقًا فهو العليم، وإذا أضيف إلى الغيب والأمور الباطنة فهو الخبير، وإذا أضيف إلى الأمور الظاهرة فهو الشهيد.\nوقيل: الشهيد مبالغة الشاهد، بمعنى: أن اللَّه تعالى يشهد على الخلق يوم القيامة، وهذا راجع إلى المعنى الأول؛ لأنه تعالى يشهد عليهم في ذلك اليوم بما علم وشاهد منهم. ويمكن أن يكون بمعنى الشاهد على وحدانيته؛ لقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، أو الشاهد على أخذ الميثاق من النبيين بالإيمان والنصر لرسولٍ جاءهم مصدق لما معهم كما هو منطوق قوله تعالى: ﴿وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٦].\nوالتخلق بالمعنى الأول يرجع إلى ما ذكر في معنى العليم والخبير.\nوأما المعني الثاني فبأن يسعى العبد بتحصيل التزكية والتصفية والعدالة أن يصير من أهل الشهادة، وأن ينخرط في سلك المخاطبين بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، ويصير من أولي العلم الشاهدين على وحدانية الحق تعالى، وعلى ميثاق اللَّه بأنبيائه وخاصةِ عباده، فافهم.\nاللهم ارزقنا الإيمان بغيبك، والاطِّلاع على شهادتك، واجعلنا من أهل الشهود","vol":"5","page":95},{"text":"الْحَقُّ،\nــ\nوالحضور على وحدانيتك بشهادة العلم والنور، ونكون شهداء على الناس من أمة سيد الأنبياء، ويكون هو علينا من الشاهدين ﷺ وعلى آله وأصحابه وأحزابه وأمته أجمعين.\nوقوله: (الحق) الثابت، وبإزائه الباطل الذي هو المعدوم، والثابت مطلقًا هو اللَّه سبحانه، وسائر الموجودات من حيث إنها ممكنة لا وجود لها في حد ذاتها ولا ثبوت لها من قِبَل أنفسها كما قال:\nألا كل شيء ما خلا اللَّه باطل\nوتحريره: أن كل ما يُخْبَر عنه فإما باطل مطلقًا، وإما حق مطلقًا، وإما حق من وجه باطل من وجه، فالممتنع بذاته هو الباطل مطلقًا، [والواجب بذاته هو الحق مطلقًا] والممكن بذاته [الواجب بغيره] هو حق من وجه باطل من وجه، فهو من جهة ذاته لا وجود له أصلًا فهو باطل، وهو من جهة غيره مستفيد للوجود، فهو من هذا الوجه الذي يلي مفيد الوجود موجود، فهو من ذلك الوجه حق، [ومن جهة نفسه باطل]، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وهو كذلك أزلًا وأبدًا، وليس ذلك في حال دون حال، فعرف أن الحق المطلق هو الموجود الحقيقي بذاته، الذي منه يأخذ الوجود كل شيء وهو اللَّه ﷿ تعالى وتقدس.\nوالحق بمعنى الصدق الذي توصف به الاعتقادات والأقوال والمذاهب له نسبة إلى وجود الحق تعالى بالثبوت، ولهذا سمي حقًّا.\nوحظ العبد منه: أن يرى اللَّه سبحانه حقًّا ثابتًا وما سواه باطلًا في ذاته حقًّا بإيجاده وإثباته، والتخلق به: أن يتَّبع أمر الحق ويستغرق في وجوده حتى يتصف بمعنى الحقانية.","vol":"5","page":96},{"text":"الْوَكِيلُ،\nــ\nقال الإمام الغزالي (١): العبد وإن كان حقًّا فليس حقًّا بنفسه، بل هو حق باللَّه، فإنه موجود لا بذاته، بل هو بذاته باطلٌ لولا إيجاد الحق له. فقد أخطأ من قال: (أنا الحق) إلا بأحد التأويلين:\nأحدهما: أن يعني أنه بالحق، وهذا التأويل بعيد لأن اللفظ لا ينبئ عنه، ولأن ذلك لا يخصه، بل كل شيء سوى الغض احق فهو بالحق. والتأويل الثاني: أن يكون مستغرقًا بالحق حتى لا يكون فيه متّسعٌ لغيره، وما أخذ كلية الشيء واستغرقه، فقد يقال: إنه هو، كما قال: أنا من أهوى ومن أهوى أنا، وعنى به الاستغراق.\nاللهم أنت الحق، وكل ما سواك باطل بالحقيقة، أفض علينا من حقانيتك ونورانية وجودك، حتى نكون مستغرقًا في بحر عرفانك وشهودك، ونوِّر بنور اسمك الحق قلبَ عبدك حتى يصير عبدَ الحق حقيقةً ومعنًى، كما شرفته اسمًا وصورة، إنك على كل شيء قدير، وبإجابة دعاء الراجي جدير.\nوقوله: (الوكيل) هو القائم بأمور العباد، وبتحصيل ما يحتاجون إليه، وقال الغزالي (٢): هو الموكول إليه الأمور كلها، والمستحق بذاته أن [تكون] الأمور موكولة إليه لا بتوكيل وتفويض، وذلك هو الوكيل المطلق، والوكيل قد لا يفي بما وكل إليه وفاء تامًا، والوكيل المطلق هو الذي الأمور موكولة إليه وهو مَليّ بالقيام بها، وَفِيّ بإتمامها، وذلك هو اللَّه تعالى وحده، وحظ العبد: أن يكل جميع أموره إليه، ويتوكل بكليته عليه، ويستكفي بالاستعانة به عن الاستمداد بغيره.\n_________\n(١) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ١٢٧ - ١٢٨).\n(٢) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ١٢٩).","vol":"5","page":97},{"text":"الْقَوِيُّ، الْمَتِينُ، الْوَلِيُّ،\nــ\nوالتخلق به: أن يقوم بأمور الناس، ويسعى في إنجاح مآربهم، وتحصيل مطالبهم، ويصير كأنه وكيل لهم، وأن يصير وكيل اللَّه سبحانه على نفسه في استيفاء حقوقه، واقتضاء أوامره ونواهيه، فيكون خصمه تعالى على نفسه، ولا يفتر عن ذلك لحظة.\nاللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين ولا أقل من ذلك، وكن أنت وكيلًا لنا في جميع أمورنا، واجعلنا من المتوكلين عليك والمفوضين أمورنا كلها إليك، اللهم كن وجهي في كل وِجْهَة، ومقصدي في كل قصد، وغايتي في كل سعي، وملجئي وملاذي في كل شدة، ومهيمني ووكيلي في كل أمر، وتولني تَوَلّي محبة وعناية، فنعم المولى أنت ونعم الوكيل.\nوقوله: (القوي المتين) القوة تدل على القدرة التامة الكاملة البالغة، والمتانةُ تدل على شدة القوة، واللَّه تعالى من حيث إنه بالغ القدرة تامُّها قويٌّ، ومن حيث إنه شديد متين فهو ذوالقوة المتين، ويرجع إلى معاني القدرة، وسيأتي ذكرها.\nوالتخلق: أن يقوى العبد على نفسه بحيث يغلب على هواها، ويكون قويًا في الدين ومتينًا في اليقين، اللهم إنا ضعفاء فقوِّنا، وإنا عاجزون فأقدرنا وانصرنا على نفسنا، وعلى جميع أعدائنا من الجن والإنس والشياطين، إنك أنت القوي المتين.\nوقوله: (الولي) هو المحب الناصر، ومعنى محبة اللَّه قد عرف، وأما نصرته فلأنه يقمع أعداء الدين وينصر أولياءه، قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١] أي: لا ناصر لهم، وقد يجيء الولي بمعنى متولي الأمور، وهو تعالى متولي أمور الخلائق مما يحتاجون إليه من أمور معاشهم ومعادهم، خصوصًا لعباده الصالحين ممن وكله وفوض أموره إليه.","vol":"5","page":98},{"text":"الْحَمِيدُ،\nــ\nوالتخلق: أن يحب اللَّه وأولياءه، ويجتهد في نصره ونصر أوليائه، ويسعى في قضاء حوائج الناس، ونظم مصالحهم، حتى يتشرف بهذا الاسم ويسمى وليًّا.\nومن أمارات ولايته أن يديم توفيقه حتى لو أراد سوءًا أو قصد محظورًا عصمه عن ارتكابه، وهذا معنى: إذا أحب اللَّه عبدًا لم يضره ذنب، وأن يرزقه مودة في قلوب أوليائه فإنه محل نظر الحق، فإذا وَجَدَ فيه أحدًا وقع نظره إليه.\nاللهم يا ولي المؤمنين تولنا بولايتك، وأعِنَّا برعايتك وكِلاءتك، وخصصنا بما خصصت به أولياءك المقربين، واحفظنا بما تحفظ به عبادك الصالحين، كما قلت في كتابك على لسان نبيك: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦].\nوقوله: (الحميد) الحامد لذاته وصفاته بكلامه وبث آياته في الأنفس والآفاق، ولأنبيائه وأوليائه، والمُثْني على فضيلة الإيمان والإحسان لعباده على الإطلاق، والمحمود المستحق للمحامد كلها فإنه الموصوف بكل كمال، والمُوْلي لكل نوال، بحمده لذاته، وحمد عباده له، وكل حمد يعود إليه. وحظ العبد منه: أن يحمد اللَّه سبحانه في كل وقت وفي كل حال، وأن يسعى في تحصيل الكمال وإعطاء النوال ليصير محمودًا وممدوحًا عند اللَّه وعند عباده، والمحمود من العباد من حُمدت عقائده وأخلاقه وشمائله وأعماله وأقواله كلها من غير شوب، وذلك محمد -ﷺ- ومن يَقْرب منه من الأنبياء والأولياء والعلماء، وكل واحد حميد على قدر كماله ونواله، والحميد المطلق هو اللَّه.\nيا اللَّه المحمود في كل فعاله اجعل فعالنا محمودة عندك، وعند عبادك الصالحين، واجعلنا متحلِّين بالحمائد، متخلِّين عن الذمائم، فلك الحمد في الأولى والآخرة، وصل على محمد صاحب المقام المحمود، وأفض علينا من بركات ذلك برحمتك","vol":"5","page":99},{"text":"الْمُحْصِي، الْمُبْدِئُ، الْمُعِيدُ،\nــ\nيا رحيم يا ودود.\nوقوله: (المحصي) هو العالم، لكن إذا أضيف العلم إلى المعلومات من حيث يحصيها ويعدّها ويحيط بها يسمى إحصاء، والمحصي المطلق هو الذي ينكشف في علمه حدُّ كل معلوم وعدده ومبلغه، والعبد وإن أمكنه أن يحصي بعلمه بعض المعلومات فإنه يعجز عن إحصاء أكثرها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، فالمحصي المطلق هو اللَّه، وتخلُّق العبد به على قدره كما في أصل صفة العلم، ومن جملة التخلق به: أن يحصي العبد من أعمال نفسه قبل أن يحصى، ويحاسب قبل أن يحاسب ويجازى.\nوقد يعتبر الإحصاء بالنسبة إلى صفة القدرة في المقدورات فهو القادر الذي لا يشذّ عن قدرته شيء من المقدورات.\nاللهم يا من يحيط علمه وقدرته بكل معلوم ومقدور، لا تُحصِ علينا أعمالنا، ولا تحاسبها فإنك من حاسبته فقد عذبت، فاعف عنا، واغفر لنا، وارحمنا، إنك أرحم الراحمين وخير الغافرين.\nوقوله: (المبدئ، المعيد) الإبداء: الإيجاد والإنشاء ابتداء، والإعادة خلق شيء بعد ما عدم، واللَّه تعالى قادر على إعادة المحدثات إذا عُدمت جواهرها وأعراضها، هذا هو المشهور، وتحقيقه مذكور في الكتب الكلامية، وللإمام الغزالي في حقيقة البعث والنشور كلام يلوح منه أن الإعادة خَلْقُ مثله لا إعادة عينه، وقال: الإيجاد إذا لم يكن مسبوقًا بمثله سمي إبداء، وإذا كان مسبوقًا بمثله سمي إعادة، وقال: إن حقيقة الإنسان هو الروح وهو باق، وله نشاءات وأطوار من التراب والنطفة إلى ما شاء اللَّه، والبعث والإعادة من تلك النشاءات، فبعد مفارقته عن البدن يخلق له بدنٌ يتعلق به،","vol":"5","page":100},{"text":"الْمُحْيِي، الْمُمِيْتُ، الْحَيُّ،\nــ\nفهذا معنى حقيقة البعث المجرد لا أنه يعاد البدن المعدوم، ويركب من أجزاء أصلية معدومة بعينها، ولهذا المعنى شرح وتفصيل مذكور في كتبه فلينظر ثمة، واللَّه أعلم.\nهذا وقد يحمل معنى المعيد على إعادة اللَّه تعالى للعبد عوائده وفوائده وألطافه وإحسانه، وقد أجرى اللَّه سنته بأن ينعم على عباده عَودًا على بدء، وهو رب العباد، رب العالمين، فيكون المبدئ بمعنى منشئ الإنعامات من الوجود ولوازمه، وهو مبتدئ النعم قبل استحقاقها، وحظ العبد من هذين الاسمين: أن يسعى في إبداء الخيرات، وتأسيس الحسنات، وإعادة ما انقطع عنها واضمحل.\nاللهم يا مبدئ يا معيد، يا رحيم يا ودود، أغنني بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، وخُصّنا بعوائد فضلك وإنعامك وكرمك وإكرامك، وأحينا على طاعتك، وأمتنا على دينك، واحشرنا في زمرة المتقين.\nوقوله: (المحيي، المميت) الإحياء خلق الحياة في الجسم، والإماتة إزالتها عنه، وهو محيي قلوب العارفين بالإيمان والمعرفة، ومميت القلوب بالكفر والغفلة، وحظ العبد أن يسعى في إحياء قلبه بالمعارف الإلهية، وإماتة نفسه عن القوى الغضبية والشهوية، اللهم أحينا بالطاعات، وأمتنا عن الشهوات، وأبقنا بك وأفننا عنا، إنك المحيي والمميت والمبقي والمفني، وأنت على كل شيء قدير.\nوقوله: (الحي) هو الفعّال الدرّاك، حتى إن من لا فعل له ولا إدراك فهو ميت، فالحي الكامل المطلق هو الذي يندرج جميع المدركات تحت إدراكه، وجميع الموجودات تحت فعله حتى لا يشذّ عن دركه مُدْرَك، ولا عن فعله مفعول، وذلك هو اللَّه فهو الحي المطلق، وكل حي سواه فحياته بقدر إدراكه وفعله، ومن عرف أنه الحي الذي لا يموت توكل عليه، ومن اعتمد على مخلوق، واتكل عليه ليوم حاجته،","vol":"5","page":101},{"text":"القَيُّوْمُ، الوَاجِدُ،\nــ\nاحتُمِلَ وفاته وقت حاجته إليه، فيضيع رجاؤه وأمله، والتخلق فيه أن يصير حيًّا باللَّه حتى لا يموت أبدًا، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ [يُرْزَقُونَ]﴾ [آل عمران: ١٦٩].\nقال سيدي أحمد المعروف بابن زروق في (قواعد الطريقة في الجمع بين الشريعة والحقيقة): السبب في بقاء ذكر الفقراء أكثر من ذكر الفقهاء هو أن النسبة عند تحقيقها تقتضي ظهور أثر الانتساب، فالفقيه منسوب إلى صفة من أوصاف نفسه هي فهمه وفقهه المنقضي بانقضاء حسه، والفقير منسوب إلى ربه، وكيف يموت من صحَّتْ نسبته للحي الذي لا يموت بلا علة من نفسه، ولمَّا عمل المجاهد حتى مات شهيدًا في تحقيق كلمة اللَّه وإعلائها حسًّا ومعنى كانت حياته حسية معنوية كما أخبر به الكتاب العزيز، ولما عمل الصالحون بذلك معنى كانت حياتهم معنوية، بدوام كراماتهم وذكر بركاتهم على مر الدهور، قد مات قوم وهم في الناس أحياء، يا حي حين لا حي في ديمومة ملكه وبقائه، أحينا بالحياة الباقية الأبدية حتى نكون أحياء عندك مرزوقين فرحين بما آتيتنا من فضلك، إنّك أنت الحي لا يموت ولا يفوت.\nوقوله: (القيوم) القائم بنفسه، والمقيم لغيره، الذي لا يُتصور للأشياء وجودٌ ولا بقاء إلا به، وليس ذلك إلا اللَّه سبحانه، وللعبد حظ منه بقدر استغنائه عما سوى اللَّه وإمداده للناس، ومن عرف أنه القيوم بالأمور كلها استراح عن كد التدبير وتعب الاشتغال، وعاش براحة في ظل التوكل والتفويض، يا حي يا قيوم يا حنان يا منان، نسألك أن تحصي قلوبنا بنور معرفتك، وأن نقوم بعبادتك، ويقوم عبادك بطاعتك، يا حي يا قيوم.\nوقوله: (الواجد) هو الذي يجد كل ما يطلبه ويريده، ولا يعوزه شيء من ذلك،","vol":"5","page":102},{"text":"الْمَاجِدُ، الْوَاحِدُ،\nــ\nوهو في مقابلة الفاقد، وكل ما هو من صفات الكمال فهو موجود للَّه سبحانه، وهو الواجد المطلق، ومن عداه إن كان واجدًا لشيءٍ من صفات الكمال وأسبابه فهو فاقد لأشياء فلا يكون واجدًا مطلقًا.\nوقيل: من الوجد بمعنى الغَناء وهو الغني المطلق، لكن حينئذٍ يلزم الترادف، اللهم إلا أن يفرق بأن في الغنى شيئان: وِجْدان ما يريد، وعدم الاحتياج إلى غيره، فالواجد باعتبار الأول، والغنيُّ باعتبار الثاني، واللَّه أعلم.\nوالتخلق بأن يسعى العبد في تحصيل ما لا بدّ له من الكمالات حتى يستغني عما سوى اللَّه وفضله، اللهم اجعلنا واجدين لأقسام الكمال فاقدين للنقصان، وصيِّرنا واجدين شهودك فاقدين وجودنا لوجودك، ورقِّنا عن التواجد إلى الوجد، وعن الوجد إلى الوجود، وذلك أقصى مقام العرفان والشهود.\nوقوله: (الماجد) بمعنى المجيد؛ كالعالم بمعنى العليم، إلا أن في صيغة المجيد مبالغة، وكل صفات اللَّه كامل وبالغ إلا أنه قد يعتبر بما يدل ظاهرًا على المبالغة أو التكيد، وقد يكتفى بإثبات أصل المعنى الذي هو في نفسه كامل من غير الدلالة عليه باللفظ، وقد سبق معناه.\nيا ماجد يا مجيد، يا غني، يا حميد، مجدنا بمجدك، وأوجدنا بوجدك.\nوقوله: (الواحد) هو الذي لا يتجزأ ولا يثنَّى، أي: لا يكون له نظير، أما الاول فكالجوهر الفرد والنقطة، والثاني كالشمس فإنه لا نظير له، لكنه يمكن أن يكون، والموجود الذي يتفرد بخصوص وجوده غير قابل للانقسام أصلًا، ولا يمكن أن يكون له نظير يشاركه فيه، فهو الواحد المطلق أزلًا وأبدًا، وأما العبد فإنما يكون واحدًا إذا لم يكن له في أبناء جنسه نظير، في خصلةٍ من الخصال، في وقت من الأوقات، مع","vol":"5","page":103},{"text":"الأَحَدُ، الصَّمَدُ،\nــ\nأنه يوجد في خصلة أخرى وفي وقت آخر [مثله]، فلا يكون واحدًا على الإطلاق، ومن عرف أن اللَّه واحد في صفات الكمال لا شريك له لم يتوجه إلا إليه ولا يشركه غيره.\nوالتخلق بأن يسعى أن يكون متوحدًا في الكمال بالنسبة إلى من يمكن التوحد بالنسبة إليه، ويكون واحدًا في العبودية، كما أنه تعالى واحد في الألوهية، وبأن يستغرق في لجة التوحيد فلا يرى إلا الواحد بعين الشهود، والواحد من العباد في صفات الكمال وفي حقيقة العبودية ليس إلا محمد سيد المرسلين -ﷺ-، فههنا إله وعبد، والإله هو اللَّه، والعبد هو محمد، وكما أنه ليس للَّه شريك في الألوهية فكذلك لا شريك لمحمد في العبودية، لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، اللهم اجعلنا واحديًّا أحديًّا ومحمديًّا، واجعلنا متوحدين في عبوديتك، متفردين في طريق صمديتك، مستغرقين في لجة توحيدك، ومشغولين بتحميدك وتمجيدك.\nواعلم أنه ليس في (جامع الترمذي) و(الدعوات) للبيهقي و(شرح السنة) اسم (الأحد) لكن ثبت في (جامع الأصول) (١): الواحد والأحد، وقد يفرق بينهما لفظًا ومعنًى بوجوه ذكرها الطيبي (٢)، أما الفروق اللفظية فلا كثير مناسبة بالمقام، وأما المعنوية فيقال: إن أحدًا أبلغ من الواحد، لأنه صيغة الصفة المشبهة التي بنيت لمعنى الثبات، وأن الواحد بمعنى عديم التجزؤ، والأحد عديم التثني، وأن الواحد باعتبار الذات، والأحد باعتبار الصفات، أو بالعكس.\n(الصمد) السيد الذي يُصمد إليه في جميع الحوائج، ويقصد إليه في الرغائب،\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (٤/ ١٧٣).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٥٣).","vol":"5","page":104},{"text":"الْقَادِرُ، الْمُقْتَدِرُ،\nــ\nمن صمدتُ الأمر: إذا قصدته، وقيل: إنه المنزَّه من أن يكون بصدد الحاجة، أو في معرض الآفة، مأخوذ من الصمد بمعنى المصمَّد كمعظَّم، وهو الصلب الذي لا جوف له، ومن جعله اللَّه مقصد عباده في مهمات دينهم ودنياهم، أو رَسَخَ في الدين متصلبًا فيه، فقد حَظِيَ بمعنى هذا الاسم، لكن الصمد المطلق من يُقْصَد إليه في جميع الحوائج، وعُصم عن جميع الآفات، وليس ذلك إلا اللَّه الواحد الصمد، اللهم يا من يقصد في جميع الحاجات إلى جنابه، ويلجأ في طلب الرغائب إلى بابه، اجعلنا في جميع الأحوال قاصدين إليك، وراغبين فيما لديك، راسخين في دينك، ومستقيمين في طريق يقينك، آمين.\nوقوله: (القادر، المقتدر) معناهما: ذو القدرة لكن المقتدر، أكثر مبالغة من القادر لزيادة البناء، والقادر هو الذي إن شاء فعل وإن شاء لم يفعل، والقدرة عبارة عن المعنى الذي به يوجد الشيء بتقدير الإرادة والعلم واقعًا على وفقهما، والقادر في الحقيقة هو الذي يخترع كل موجود اختراعًا ينفرد به ويستغني فيه عن معاونة غيره، وهو اللَّه تعالى، وأما العبد فله قدرة بإقدار اللَّه في الجملة على بعض الأشياء في بعض الأحوال [ولكنها] ناقصةٌ، ومخترعات العبد أيضًا واقعة بقدرة اللَّه، فحقيقٌ أن لا يقال له قادرًا إلا مجازًا مقيدًا، فليس القادر على الإطلاق إلا اللَّه.\nقال الإمام الغزالي: وتحت هذا غور لا يحتمِلُ مثلُ هذا الكتاب كشفَه، ومن عرف أنه قادر على الكمال لا يزول خوفه منه ولا ينقطع رجاؤه إليه، ومن عرف أن المولى تعالى قدير ترك الانتقام، ثقة بأن قدرة الحق وانتصاره أتم وأشد من انتقامه لنفسه، والتخلق به بأن يكون قادرًا على منع نفسه من المخالفات، وردّ أعداء الدين بالجهاد والقتال، اللهم إنا ضعفاء فقوِّنا، وإنا عاجزون فأقدرنا، وانصرنا على من عادانا من","vol":"5","page":105},{"text":"الْمُقَدِّمُ، الْمُؤَخِّرُ، الأَوَّلُ، الآخِرُ، الظَّاهِرُ، الْبَاطِنُ،\nــ\nالجن والإنس والنفس والشيطان، بقدرتك ونصرتك، ولا تكلنا إلى أنفسنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا، إنك على كل شيء قدير.\nوقوله: (المقدِّم، المؤخِّر) قدم أنبياءه وأولياءه بتقربهم وهدايتهم، وأخر أعداءه بإبعادهم وضرب الحجاب بينه وبينهم، ومن قرَّبه فقد قدَّمه، ومن أبعده فقد أخره بالشرف والرتبة، والكل من اللَّه، وفيه إشارة إلى أنه لم يتقدم من تقدم بعمله بل بتقديم اللَّه إياه، وكذلك المتأخر، والتخلق فيه: أن يقدم نفسه بالمسابقة والمسارعة إلى الخيرات والمقربات، ولا يؤخرها بالاستبطاء والتسويف، فلا يجعل اللَّه عبدًا أسرع إليه كعبد أبطأ عليه.\nاللهم قدمنا ولا تؤخرنا، وأكرمنا ولا تهنا، وانصرنا ولا تخذلنا، فلا مؤخر لمن قدمت، ولا مقدم لمن أخرت، ولا راد لما حكمت، وأنت خير الحاكمين.\nوقوله: (الأول الآخر) الأول السابق على الأشياء بالوجود، والآخر الباقي وحده بعد فناء الخلق، أو الأول بالوجود والآخر بالسلوك، فمنه المبدأ أولًا، وإليه المرجع والمصير آخرًا، أو الأول بإحسانه والآخر بغفرانه، الأول بحسن تعريفه إذ لولا فضله ببداية إحسانه لما تشرفوا بعرفانه ووجدانه، والآخر بإكمال اللطف كما كان أولًا بابتداء العرف، فالذي هداك في الابتداء هو الذي يكفيك في الانتهاء.\nاللهم يا أول كل شيء وآخره، ليس لأوليتك أولٌ، ولا لآخريتك آخِرٌ، أنت الأزلي الأبدي كذلك، وما سواك حادث وهالك، هديتُ بنعمتك في الابتداء، وتكفي في إبقائها في الانتهاء، خُصّنا بنعمك أولًا وآخرًا وبدايةً ونهايةً، فمنك المبدأ، وإليك المعاد، وبك الرشاد، ومن عندك السداد.\nوقوله: (الظاهر، الباطن) الظاهر الجلي وجوده بآياته الباهرة في أرضه وسمائه،","vol":"5","page":106},{"text":"الْوَالِي، الْمُتَعَالِي، الْبَرُّ،\nــ\nوالباطن المحتجب كنه ذاته المقدسة بحُجُب كبريائه، والظاهر بنعمته، والباطن برحمته، والظاهر بالقدرة، والباطن عن الفكرة، الظاهر للبصائر، والباطن عن الأبصار، الظاهر بلا اقتراب، والباطن بلا حجاب، فهو تعالى إنما خفي لشدة ظهوره، وظهوره سبب بطونه، ونوره هو حجاب نوره، فهو الظاهر الذي لا أظهر منه، والباطن الذي لا أبطن منه.\nوحظ العبد من هذه الأسماء: أن يهتم بأمره، ويتفكر أوّله، ويتدبر آخره، ويُصلح باطنه وظاهره. اللهم أصلح ظواهرنا، وطهّر بواطننا، واجعل أبصارنا ناظرة إلى آثارك، وبصائرنا مملوءة بأنوارك، أنت الظاهر [و] أنت الباطن.\nوقوله: (الوالي) هو الذي تولى الأمور وملك الجمهور، والولاية تشعر بالتدبير والقدرة والفعل، وما لم يجمع جميع ذلك لم يطلق عليه اسم الوالي، ولا والي للأمور على الإطلاق إلا اللَّه تعالى، فإنه المنفرد بتدبيرها أولًا، والمنفّذ للأحكام فيها ثانيًا، والقائم عليها بالإدامة والإبقاء ثالثًا.\nاللهم تولّ أمورنا، واشرح صدورنا، أنت متولي الأمور، ومالك الجمهور، وأنت المتفرد بتدبيرها في الإيجاد والإبداء والإدامة والإبقاء، وكن لنا وكيلا، وتولّنا تولي محبة وعناية، ولطف ورعاية، ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦].\nوقوله: (المتعالي) هو المبالغ في العلاء والمرتفع عن النقائص، وهو أبلغ من العلي، وقد سبق فيه في اسم العلي.\nوقوله: (البر) المحسن وهو البر في الحقيقة، إذ ما من بِرٍّ وإحسان إلا وهو موليه، والعبد إنما يكون برًا بقدر ما يتعاطاه من البِرٍّ والتوفيق بوالديه وأستاذه وشيوخه","vol":"5","page":107},{"text":"التَّوَّابُ، الْمُنْتَقِمُ،\nــ\nوغيرهم، وتفصيل برِّ اللَّه تعالى [و] إحسانه إلى خلقه مما يطول شرحه.\nاللهم يا من تولى الأمور، وملك الجمهور، وتعالى عن الاتهام، وعمّ برُّه الأنامَ، كن متوليًا في جميع أمورنا، واشملنا بِبرِّك وإحسانك، واجعلنا بارّين محسنين إلى من له حق علينا بفضلك وامتنانك، إنك أنت البر الرؤف الرحيم.\nوقوله: (التواب) هو الذي يرجع إلى تيسير أسباب التوبة لعباده مرة بعد أخرى، بما ينبههم عن رقدة الغفلة، ويطلعهم بتخويفاته وتحذيراته على وَخامة عواقب المعاصي، فيرجعون إلى التوبة فيرجع إليهم فضله بالقبول، وقيل: هو الذي يرجع بالإنعام على كل مذنب حل عقد إصراره، ورجع إلى التزام طاعته، من التوب وهو الرجع، والتخلق به: أن يصفح العبد عن زلات العباد، ويرجع على المجرمين بالإنعام، اللهم إنا نسألك توبة سابقة منك إلينا ليكون توبتنا إليك منا، وهب لنا التلقي منك كتلقي آدم منك الكلمات، ليكون قدوة لولده في التوبة والأعمال الصالحات، اللهم تب علينا، وتقبل توبتنا، إنك أنت التواب الرحيم.\nوقوله: (المنتقم) هو الذي يعاقب العصاة، ويقصم ظهور العتاة، وفي (الصحاح) (١): النقمة بالفتح ويكسر: المكافأة بالعقوبة، وهو بعد الإنذار والإمهال أشد من المعاجلة بالعقوبة، والتخلق به: أن ينتقم من أعداء اللَّه، وأعدى الأعداء نفسه، وحقه أن ينتقم منها متى قارفت معصية أو أخلَّت بعبادة، نقل عن أبي يزيد قال: تكاسلتْ نفسي علي في بعض الليالي عن بعض الأوراد، فعاقبتها بأن منعتها الماء سنة.\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٥/ ٢٠٤٥).","vol":"5","page":108},{"text":"العَفُوُّ، الرَّؤُوْفُ، مَالِكُ الْمُلْكِ،\nــ\nوقوله: (العفو) وهو الذي يمحو السيئات ويتجاوز عن المعاصي، وهو قريب من الغفور ولكنه أبلغ منه، فإن الغفران ينبئ عن الستر، والعفو عن المحو، ومتى عرف أنه تعالى عفوٌّ طلب عفوه، ومن طلب عفوه تجاوز عن خلقه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، وغاية العفو أن يحسن إلى من ظلمه، كما يرى اللَّه تعالى محسنًا في الدنيا إلى العصاة والكفرة غيرَ معاجل لهم بالعقوبة، بل ربما يعفو عنهم بأن يتوب عليهم، وإذا تاب عليهم محا سيئاتهم، إذ التائب من الذنب كمن لا ذنب له، اللهم اعف عنا جرائمنا، واغفر لنا ذنوبنا، وامح عن جرائد أعمالنا هذه السطور، إنك أنت الكريم العفو الغفور.\nوقوله: (الرؤوف) الرأفة شدة الرحمة، وقيل: الرأفة إحسان مَبْدؤه شفقة المحسن، والرحمة إحسان مَبْدؤه فاقةُ مَن أحسن إليه، قال بعض العارفين: ومن رحمته بعباده أن يصونهم عن موجبات العقوبة، فإن عصمته عن الزلة أبلغ في باب الرحمة من غفران المعصية، انتهى. قلت: لو جعل الرأفة عبارة عن المعنى الأول والرحمة عن الثاني فرقًا بينهما لكان وجهًا، واللَّه أعلم. وقد سبق الكلام في وجه التعلق والتخلق به في بيان اسم الرحيم.\nاللهم ارحمنا، وارؤفْ بنا رأفة الحبيب بحبيبه عند الشدائد ونزولها، واحفظنا عن ارتكاب المعاصي، واعصمنا عنها قبل خطورها وحلولها، إنك أنت الرؤف الرحيم.\nوقوله: (مالك الملك) هو الذي يُنفذ مشيئته في مملكته كيف شاء وكما شاء إيجادًا وإعدامًا وإبقاءً وإفناءً، ومملكة كل عبد بدنه وعياله ورعاياه، فينبغي أن يكون مالكًا لها نافذًا حكمه فيها كيف شاء على موافقة الشرع والعقل، اللهم مالك الملك ملِّكنا","vol":"5","page":109},{"text":"ذُو الْجَلَالِ، وَالإِكْرَامِ، الْمُقْسِطُ،\nــ\nنفوسنا، ولا تجعلنا أسيرًا لشهواتنا، وانصرنا على مملكتها، واعصمنا عن تبعاتها، لك الملك ولك الحكم، وأنت ملك الملوك، وأحكم الحاكمين.\nوقوله: (ذو الجلال والإكرام) الذي لا جلال ولا كمال إلا وهو ثابت له، ولا كرامة ولا مكرمة إلا وهي صادرة منه، فالجلال له في ذاته، والكرامة فائضة منه على عباده، وأنواع إكرامه عبادَه لا تكاد تنحصر وتتناهى، ويتضمن جملتَها قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤]، ومن عرف جلال اللَّه تذلل له، ومن عرف إكرامه شَكَره، فلا يخدم ولا يسأل غيره.\nوالتخلق بأن يحصِّل لنفسه جلالًا وشرفًا وكمالًا، ويكرم وينعم عباد اللَّه على ما يليق وينبغي، اللهم يا ذا الجلال والإكرام شرفنا بجلالك وكمالك، وخَصِّصْنا بإكرامك وإنعامك، واجعلنا متذللين عند مشاهدة جلالك، وشاكرين بملاحظة إكرامك مستصغرين من عداك، ومستنكفين عن السؤال عن الأغيار مستغنين بك عمن سواك.\nوقوله: (المقسط) الذي ينتصف للمظلوم من الظالم، يقال: قسط: إذا جار، وأقسط: إذا عدل، فالهمزة للإزالة، قال الإمام الغزالي (١): وكماله أن يضيف إلى إرضاء [المظلوم إرضاءَ] الظالم، وذلك غاية العدل والإنصاف، ثم ذكر حديث إراءة اللَّه سبحانه الظالم الجنة، وقوله: من يشتري، وقول الظالم: ومن يطيق شراءه، ومن الذي عنده ثمنه، وقول اللَّه ﷿: عندك ثمنه، وهو أن تعفو عن أخيك، والإنصاف من النِّصْف كأنه لما راعى الجانبين نصَّفَ، فنصف لهذا ونصف لذلك، والتخلق به أن يجتنب الظلم رأسًا على نفسه ثم على غيره ويسعى في إماطته، وأوفر العباد حظًّا من هذا الاسم من ينتصف أولًا من نفسه ثم لغيره، ولا ينتصف لنفسه من غيره.\n_________\n(١) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ١٤٢).","vol":"5","page":110},{"text":"الْجَامِعُ، الْغَنِيُّ، الْمُغْنِي،\nــ\nاللهم اجعلنا من المقسطين، ولا تجعلنا من القاسطين، واحفظنا أن نظلم أنفسنا وعبادك المستضعفين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.\nوقوله: (الجامع) هو المؤلف بين المتماثلات، كجمعه الخلق الكثير من الإنس على ظهر الأرض، وحشرهم في صعيد القيامة، وبين المتباينات كجمعه بين السماوات والكواكب، والهواء والأرض والبحار، والحيوانات والنباتات والمعادن المختلفة، وكل ذلك متباين الأشكال والألوان والطعوم والأوصاف، وقد جمعها في الأرض، وجمع الكل في العالم، وكذلك بين العظم والعصب والعِرق والعضلة والمخ وسائر أجزاء الحيوان فيه، وبين المتضادات، كجمعه العناصر وكيفياتها في المزاج، وذلك أبلغ وجوه الجمع، ومَن جمع بين العلم والعمل والكمالات النفسانية والجسمانية فله حظ من هذا الاسم، قال بعض المشايخ: وقد جمع اللَّه قلوب العارفين إلى شهود تقديره حتى يتخلص من أسباب التفرقة، فلا يرى الوسائط ولا ينظر إلى الحادثات إلا بعين التقدير، وجمع همومَهم في طلبه وقلوبَهم إلى ذكره: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].\nاللهم اجمع فينا أسرارك وأنوارك، واجعلنا جامعين بين مرتبتي الفرق والجمع وشهود الوحدة والكثرة، واجمع بيننا وبين حبيبك المصطفى وآله وأصحابه وأتباعه يوم القيامة يا جامع المتفرقين.\nوقوله: (الغني، المغني) الغني هو الذي لا يحتاج في ذاته وصفاته وأفعاله إلى غيره، ولا يتعلق بالغير، بل يكون منزّهًا عن العلاقة مع غيره، ويكون هو المغني أيضًا، ولكن الذي أغناه لا يتصور أن يكون غنيًّا مطلقًا، فإن أقل أموره أنه يحتاج إلى المغني كالواجب بالغير، والغني الحقيقي المطلق هو اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى","vol":"5","page":111},{"text":"الْمَانِعُ،\nــ\nاللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥]، وقد يغني اللَّه بعض عباده عن السؤال منه رضاءً بقضائه واكتفاءً بعلمه، ولكن ذلك لا يرفع الاحتياج الذاتي وإنما هو ترك الإظهار ورفع الاختيار، ومن عرف أنه المغني، وقطع طمعه عن سواه، ولا يسأل إلا إياه، فقد فاز بحظ من اسم الغني، ثم إذا سدّ خلة المحتاجين، وأغناهم عن السؤال، وأفاض من فضل نعمة اللَّه عنده على الفقراء والمساكين، حصل له حظٌّ من اسم المغني أيضًا، وفي دعاء بعض الأجلة من المشايخ: اللهم اجعلنا أفقر عبادك إليك، وأغناهم بالاكتفاء بما لديك، وأغنِنَا بلا سبب، واجعلنا سبب الغَناء لأوليائك وبرزخًا بينهم وبين أعدائك، واجعلنا راضين بقسمتك ومكتفين لعملك، فالسعيد حقًّا من أغنيته عن السؤال منك، والشقي حقًا من حرمته مع كثرة السؤال لك، فأغنِنَا بفضلك عن سؤالنا منك، ولا تحرمنا من رحمتك مع كثرة سؤالنا لك، إنك الغني المغني، وأنت على كل شيء قدير.\nوقوله: (المانع) هو الذي يردُّ أسباب الهلاك والنقصان في الأبدان والأديان، والمنعُ من أسباب الحفظ، وقد سبق معنى الحفيظ، فمن عرف معناه عرف معنى المانع، فالمنع له أبواب غير منحصرة كما أن حفظه أنواع غير متناهية، فالمنع من ضروريات الحفظ ولوازمه، لا يحصل الحفظ بدونه، فالمنع إضافة إلى السبب المهلك، والحفظ إضافة إلى المحروس عن الهلاك، وهو المقصد من المنع وغايته، والمنع من البلاء لطف ظاهر من اللَّه، وقد يكون من العطاء لطفًا خفيًّا منه تعالى، وقد يمنع المنى والشهوات عن نفوس من أراد تخصيصه، ويمنع الإرادات والاختيارات عن قلوب من أراد تخليصه.\nوقد ورد في بعض الروايات: (المعطي، المانع) في غير هذه الرواية من أبي","vol":"5","page":112},{"text":"الضَّارُّ، النَّافِعُ، النُّورُ،\nــ\nهريرة، فيزيد العدد على التسعة والتسعين، فإما أن لا يكون في تلك الرواية ذكر العدد أو متروكًا فيها ذكر اسم آخر، وقد عرفت عدم انحصار الأسماء في العدد المذكور، وكذا الحال في غيره من الأسماء المتروكة في هذه الرواية، والمذكور في غيرها، والتخلق باسم المانع بأن يكون مانعًا من تطرق الفساد والهلاك إلى الدين، وإلى الصالحين من عباد اللَّه، ويحفظ الدين وأهله من الآفات والمخافات، اللهم اجعلنا كذلك ووفقنا لذلك.\nوقوله: (الضار النافع) هو الذي يصدر منه الخير والشر والنفع والضرر، ومجموع الوصفين يرجع إلى الوصف بالقدرة التامة الشاملة، والقدرة صفة تشمل أكثر الصفات خصوصًا الفعلية منها، والفرق بالعموم والخصوص والجهات والحيثيات، فكل ما وقع في العالم منسوب إلى اللَّه تعالى بواسطة أو بغير ذلك، فلا يظن أن السم يقتل ويضرّ بنفسه، وأن الطعام يُشبع وينفع بنفسه، وكذلك كل أجزاء العالم من العلويات والسفليات وسائط وأسباب مسخرة لا يصدر منها إلا ما سخرت له، وكل ذلك بالإضافة إلى القدرة الأزلية كالقلم في يد الكاتب.\nومن عرف ذلك استسلم لحكمه وقضائه، وفوض الأمور كلها إليه، وعاش في راحة من الخلق، والخلق في راحة منه، وهذا هو حظ العبد من هذا الوصف ومن أمثاله، وهذا هو نوع من التعلق، ووجه التخلق فيها لا تخلو عن خفاء، اللهم إلا أن يراد أن يكون ضارًّا أو مخذلًا لأعداء اللَّه، ونافعًا وناصرًا لأوليائه، نسأل اللَّه تعالى إياه إنه على كل شيء قدير، واللَّه أعلم.\nوقوله: (النور) هو الظاهر الذي به كل الظهور؛ فإن الظاهر بنفسه المظهر لغيره يسمى نورًا، ومهما قوبل الوجود بالعدم كان الظهور للوجود، ولا ظلام أظلم من العدم،","vol":"5","page":113},{"text":"الْهَادِي، الْبَدِيعُ،\nــ\nفالبريء عن ظلمة العدم -بل عن إمكان العدم- المخرجُ كلَّ الأشباء من ظلمة العدم إلى ظهور الوجود جدير بأن يسمى نورًا، والوجود نور فائض على الأشياء كلها من نور ذاته، فهو نور السماوات والأرض، والذي أودعَ في قلوب الخاصة من عباده من أنوار الطاعات والأخلاق والمعارف، والتوحيد نورٌ على نور، يهدي اللَّه لنوره من يشاء، والتخلق به: أن يكون ظاهرًا متنوِّرًا بنور الإيمان والعرفان، ومُظْهِرًا لأحكام الدين، ومنوِّرًا للعالم بنور الإيقان، وكمال ذلك لمحمد -ﷺ-، فهو النور، ومعه النور، ومنه النور، فهو مطلع الأنوار ومجمع الأسرار، اللهم نوِّر قلوبنا بنوره، واجعلنا ظاهرين بظهوره.\nوقوله: (الهادي) هو الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، والذي قدّر فهدى، كما هدى الطفلَ إلى التقام الثدي عند انفصاله، والفرخَ إلى التقاط الحبِّ وقت خروجه، والنحلَ إلى بناء بيته على شكل التسديس لكونه أوفق الأشكال له، وشرحُ ذلك يطول، والذي هدى خاصة عباده إلى سواء الطريق، وأطلع في طريقهم أنور التوفيق، وأحظى الناسِ بهذا الاسم الأنبياء والأولياء والعلماء الوارثون الذين هدوا الخلائق إلى الطريق القويم والصراط المستقيم، وهم مسخرون تحت قدرته وتدبيره الذي هداهم به إلى مصالحهم في الدنيا والدين، اللهم اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.\nوقوله: (البديع) هو الذي لم يعهد مثله، فإنه لم يعهد بمثله لا في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فهو البديع المطلق، وليس ذلك إلا اللَّه سبحانه، وقد يجعل البديع بمعنى المبدع، وقد فسِّر بالمعنيين قولُه تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١١٧]، وكل عبد اختص بخاصية من النبوة أو الولاية أو العلم بحيث لم يُعهد مثلها، أو أبدع","vol":"5","page":114},{"text":"الْبَاقِي، الْوَارِثُ،\nــ\nشيئًا من الأمور الراجعة إلى صفة الكمال، إما في سائر الأوقات، وإما في عصره، فهو بديع، وأبدعُ المخلوقات محمد -ﷺ-، وهو الفرد الكامل الأوحد في الاتصاف بصفات اللَّه.\nوالتخلق بأسمائه تعالى على الإطلاق، اللهم خُصّنا بمزايا كرمك، وبدائع فضلك، وخصائص لطفك وإنعامك، إنك على كل شيء قدير.\nوقوله: (الباقي) هو الدائم الوجود الذي لا يقبل الفناء، قال الغزالي (١): هو الموجود الواجب وجوده بذاته، لكنه إذا أضيف في الذهن إلى الاستقبال سمي باقيًا، وإذا أضيف إلى الماضي سمي قديمًا، والباقي المطلق هو الذي لا ينتهي تقدير وجوده في الاستقبال إلى آخر، ويسمى أبديًّا، والقديم المطلق هو الذي لا ينتهي تمادي وجوده في الماضي إلى أول، ويسمى أزليًّا، ومفهوم واجب الوجود بذاته متضمن لجميع ذلك، وإنما هذه الأسامي بحسب إضافة هذا الوجود في الذهن [إلى الماضي والمستقبل] وإلا فهو موجود قبل الزمان وبعده، وإنما يدخل في الماضي والمستقبل المتغيرات.\nوالتخلق بهذا الاسم بأن يسعى في تحصيل كمال يبقى آثاره بعده، ويَفنى في جلال الحق وكماله حتى يبقى ويَحيى بحياة أبدية، اللهم اجعلنا فانين عنا باقين بك، وارزقنا حياة أبدية بالتخلق بأسمائك وصفاتك، غائبين عن وجودنا بشهود ذاتك.\nوقوله: (الوارث) الباقي بعد فناء الموجودات الذي يرجع إليه الأملاك بعد فناء المُلَّاك، وهذا بالنظر الظاهر، وأما في الحقيقة فهو المالك على الإطلاق من الأزل إلى الأبد، ولم يتبدل ملكه ولا يزال، فأرباب المعرفة يسمعون دائما نداءَ: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ\n_________\n(١) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ١٤٧).","vol":"5","page":115},{"text":"الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالبَيْهَقِيُّ فِي \"الدَّعْوَاتِ الْكَبِيْرِ\". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٥٠٧، \"الدعوات الكبير\": ١/ ٣٧٧].\nــ\nالْيَوْمَ﴾، وجوابَ: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾، من غير حرف وصوت، ويوقنون بأن الملك والملكوت للَّه ليس له شريك ومساهم، عظم ملكه وجل جلاله.\nوالتخلق فيه يتصور على نحو ما ذكرنا في معنى الباقي، اللهم اجعلنا وارثين العلم والدين من سيد أنبيائك وسند أصفيائك، اللهم متّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوانا، واجعله الوارث منّا، آمين.\nوقوله: (الرشيد) هو الذي تنساق تدبيراته إلى غاياتها على سَنَن السداد من غير استشارة واسترشاد، وقيل: هو بمعنى المُرشد، واللَّه تعالى رشد كلَّ عبد بقدر هدايته في تدبيراته إلى الصواب في مقاصد دينه ودنياه، ممن استشاره من جنابه، واستخاره في مبدئه ومآبه، والتجأ إليه وسقط على بابه، اللهم أرشدنا وألهمنا الصواب، واجعلنا راشدين مصيبين في كل باب.\nوقوله: (الصبور) هو الذي لا يستعجل في مؤاخذة العصاة ومعاقبة المذنبين، والفرق بينه وبين الحليم: أن الصبور يُشعر بأنه يعاقب بالآخرة بخلاف الحليم.\nوقال الإمام الغزالي (١): هو الذي لا تحمله العَجَلة على المسارعة إلى الفعل قبل أوانه، بل ينزل الأمور بقدر معلوم، ويجريها على سَنَن محدود، ولا يؤخرها عن آجالها المقدرة تأخير متكاسل، ولا يقدمها على أوقاتها تقديم مستعجل، بل يودع كل شيء في أوانه على الوجه الذي يجب أن يكون، وكما ينبغي أن يكون، وكل ذلك في حق اللَّه سبحانه من غير مقاساة داع على مضادة الإرادة.\n_________\n(١) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ١٤٩).","vol":"5","page":116},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوأما صبر العبد فلا يخلو عن مقاساة؛ لأن معنى صبره هو ثباتُ داعي الدين أو العقل في مقابلة داعي الشهوة والغضب، ووجه التخلق به ظاهر، ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].\nتم شرح الأسماء الحسنى بفضل اللَّه وتوفيقه، ونختمه بكلمة نقلها الإمام محمد الغزالي (١) عن الشيخ أبي علي الفارمذي رحمهما اللَّه، حيث قال: سمعت الشيخ أبا علي الفارمذي يحكي عن شيخه أبي القاسم الكركاني قدس اللَّه روحهما أنه قال: [إن] الأسماء التسعة والتسعين تصير أوصافًا للعبد السالك، وهو بَعْدُ في السلوك غير واصل، انتهى.\nويشكل هذا في بادئ النظر أن الظاهر من كلام القوم أن السلوك عبارة عن تهذيب الأخلاق ونفي صفات البشرية، فإذا حصل هذا حصل الفناء، وبه يتم السلوك وبعده البقاء والوصول، وإذا تخلق العبد بأخلاق اللَّه واتصف بصفاته فقد خرج عن صفات البشرية وفني عنها، فماذا بقي بعدُ من الوصول؟\nوبهذه الملاحظة قال الإمام: فإن قلت: فما معنى قوله: إن العبد مع الاتصاف بجميع ذلك سالك لا واصل، فما معنى السلوك وما معنى الوصول؟ فاعلم أن السلوك هو تهذيب الأخلاق والأعمال والمعارف، وذلك اشتغال بعمارة الظاهر والباطن، والعبد في جميع ذلك مشغول بنفسه عن ربه إلا أنه مشتغل بتصفية باطنه استعدادًا للوصول بأن ينكشف له جلية الحق ويصير مستغرقًا به، فإن نظر إلى معرفته فلا يعرف\n_________\n(١) \"المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء اللَّه الحسنى\" (ص: ١٥٠).","vol":"5","page":117},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nإلا اللَّه، وإن نظر إلى همته فلا همة له سواه، فيكون كله مشغولًا بكله مشاهدة، ولا يلتفت في ذلك إلى نفسه ليعمر ظاهره بالعبادة أو باطنه بتهذيب الأخلاق، وكل ذلك طهارة وهي البداية، وإنما النهاية أن ينسلخ من نفسه بالكلية ويتجرد [له]، فيكون كأنه هو، وذلك هو الوصول. هذا كلام الإمام، ويختلج أن كلام الشيخ بعد حصول التخلق بمعاني هذه الأسماء، فيتم بذلك السلوك ويحصل بعده الوصول، فما معنى قوله: وهو بعد في السلوك غير واصل؟ فافهم.\nقال العبد الضعيف عفا اللَّه عنه: لا يخفى أن للتخلق والاتصاف مراتب ودرجات بعضها فوق بعض، وبهذا تتفاوت درجات الأولياء ومراتبهم، فيمكن أن يكون مراد الشيخ أبي القاسم من قوله: إن الأسماء التسعة والتسعين تصير أوصافا للعبد السالك، صيرورتَها في الجملة في أول درجاتها وما يليها، وهو بعدُ في السلوك، أي: في تتميم الاتصاف والتخلق وتكميله حتى يبلغ النهاية التي يمكن له البلوغ إليها، فإذا بلغ النهاية وصل هذا، ولو قيل بحصول الوصول في المراتب التي فوق مرتبة النهاية جاز إطلاق الوصول، لكن كلامه -قدس سره- في أعلى مراتب الوصول مما يبلغ به النهاية.\nوهذا معنًى واضح يكون هو المراد إن شاء اللَّه، ويُستأنس له بما ذكر الشيخ العالم العارف الكامل شهاب الملة والدين عمر السهروردي رحمة اللَّه، في (عوارف المعارف) (١) مما يُشعر بتفاوت مراتب الوصول وتعددها: اعلم [أن] كل من وصل إلى صفو اليقين بطريق الذوق والوجدان فهو رتبة في الوصول، فيتفاوتون:\nفمنهم من يجد اللَّه تعالى بطريق الأفعال وهو رتبة في التجلي، فيفنى فعلُه وفعل\n_________\n(١) انظر: \"عوارف المعارف\" (ص: ٢٥٩).","vol":"5","page":118},{"text":"٢٢٨٩ - [٣] وَعَن بُرَيْدَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّكَ أَنْتَ اللَّه لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الأَحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ فَقَالَ: \"دَعَا اللَّه بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٣٤٧٥، د: ١٤٩٣].\nــ\nغيره لوقوعه مع فعل اللَّه تعالى، ويخرج في هذه الحالة من التدبير والاختيار، وهذه رتبة في الوصول.\nومنهم من يوقف في مقام الهيبة والأنس بما يكاشف قلبه من مطالعة الجلال والجمال، وهذا تجلِّي طريق الصفات وهو مرتبة في الوصول.\nومنهم من يرقى إلى مقام الفناء مشتملًا على باطنه أنوار اليقين والمشاهدة، مغمًّى في شهوده عن وجوده، وهذا ضرب من تجلي الذات للمقربين، وهذه رتبة، وفوق هذا رتبة حق اليقين، ويكون من ذلك [للخواصِّ] لمح في الدنيا، وهو سريان نور المشاهدة في كلية العبد حتى يحظى بها روحه وقلبه ونفسه حتى قالبه، وهذا من أعلى رتب الوصول.\nفإذا تحققت الحقائق يعلم العبد مع هذه الأحوال الشريفة أنه في أول المنزل فأين الوصول؟ هيهات منازل طريق الوصول لا تنقطع أبدًا [أبد] الآباد في عمر الآخرة الأبدي فكيف في العمر القصير الدنياوي! واللَّه أعلم.\n٢٢٨٩، ٢٢٩٠ - [٣، ٤] (بريدة، أنس) قوله: (دعا اللَّه باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب) السؤال أن يقول العبد: أعطني، فيعطي، والدعاء أن ينادي ويقول: يا رب، فيجيبه الرب تعالى ويقول: لبيك يا عبدي، ففي مقابلة السؤال الإعطاء، [وفي مقابلة] الدعاء الإجابة، وهذا هو الفرق بينهما، ويذكر","vol":"5","page":119},{"text":"٢٢٩٠ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي الْمَسْجِدِ وَرَجُلٌ يُصَلِّي فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، الْحَنَّانُ الْمَنَّانُ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ أَسْأَلُكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"دَعَا اللَّه بِاسْمِهِ الأَعْظَمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٣٥٤٤، د: ١٤٩٥، ن: ١٣٥٠، جه: ٣٨٥٨].\nــ\nأحدهما مقام الآخر أيضًا، فتدبر.\nواعلم أنه قد وردت أقوال من العلماء في الاسم الأعظم ذكرها السيوطي في رسالة مسماة بـ (الدر المنظم في الاسم الأعظم) فقال قائلون: إن أسماء اللَّه تعالى كلها عظيمة لا يجوز تفضيل بعضها على بعض، وينسب هذا القول إلى الشيخ أبي الحسن الأشعري والقاضي أبي بكر الباقلاني وجماعة غيرهما، وحمل هؤلاء ما ورد من ذكر الاسم الأعظم على أن المراد به العظيم.\nوقال الطبراني: اختلف في تعيين الاسم الأعظم، والذي عندي أن الأقوال كلها صحيحة؛ إذ لم يرد في خبر منها أنه الاسم الأعظم ولا شيء أعظم منه، فكأنه يقول: كل من أسمائه تعالى يجوز وصفه بكونه أعظم فيرجع إلى معنى عظيم.\nوقال ابن حبان: الأعظمية الواردة في الأخبار المراد بها مزيد ثواب الداعي بذلك، ومثل ذلك في القرآن أيضًا، والمرادُ به مزيد ثواب القارئ، يعني: ليس في ذاته زيادةً عظيمةً بل ذلك باعتبار أمر خارج ولا بحث فيه، فتدبر.\nوقيل: إنه مما استأثر اللَّه بعلمه ولم يُطْلع عليه أحدًا من خلقه، كما قيل بذلك في ليلة القدر وساعة الجمعة والصلاة الوسطى، وقد عينه بعضهم لظاهر ما ورد في","vol":"5","page":120},{"text":"٢٢٩١ - [٥] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"اسْمُ اللَّهِ الأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] وَفَاتِحَةُ (آل عمرانَ): ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: ١ - ٢] \". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٣٤٧٨، د: ١٤٩٦، جه: ٣٨٥٥، دي: ٣٤٣٢].\n٢٢٩٢ - [٦] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"دَعْوَةُ ذِي النُّونِ إِذا دَعَا رَبَّهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ. . . . .\nــ\nالأحاديث، فمنه: ما ورد في هذا الحديث عن بريدة، رواه الترمذي وأبو داود وابن حبان والحاكم، أنه: لا إله إلا هو الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد. ونقل السيوطي عن الشيخ ابن حجر (١) أنه قال: هذا أرجح من حيث السند من جميع ما ورد في ذلك.\nومنه: ما ورد في حديث أنس الآتي: (الحنان المنان بديع السماوات والأرض، ذو الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم). وفي رواية: (الحي القيوم).\nوقد روى هذا الحديث أحمد والحاكم وابن حبان وأبو داود، ورواه في الكتاب عن الترمذي وأبي داود والنسائي وابن ماجه.\n٢٢٩١، ٢٢٩٢ - [٥، ٦] [ومنه] ما ورد في حديث أسماء بنت يزيد، أنه: (﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾) و(﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾).\nوما ورد في حديث سعد: (﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾).\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١١/ ٢٢٥).","vol":"5","page":121},{"text":"إلَّا اسْتَجَابَ لَهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ١/ ١٧٠، ت: ٣٥٠٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-625> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٢٩٣ - [٧] عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّه -ﷺ- الْمَسْجِدَ عِشَاءً فَإِذَا رَجُلٌ يَقْرَأُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه! أَتَقُولُ: هَذَا مُرَاءٍ؟ قَالَ: \"بَلْ مُؤْمِنٌ مُنِيبٌ\" قَالَ: وَأَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ يَقْرَأُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- يَتَسَمَّعُ لِقِرَاءَتِهِ، ثُمَّ جَلَسَ أَبُو مُوسَى يَدْعُو فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّه، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَحَدًا صَمَدًا لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ،\nــ\nوأخرج الحاكم أنه قال رجل: يا رسول اللَّه! هل كانت ليونس خاصة؟ فقال: ألا تسمع قوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٨]، وأخرج ابن أبي حاتم (١) عن كثير بن معبد قال: سألت الحسن عن اسم اللَّه الأعظم، فقال: أما تقرأ القرآنَ قولَ ذي النون، وذكر الآية.\nالفصل الثالث\n٢٢٩٣ - [٧] (بريدة) قوله: (أتقول) أي: أتعتقد أو تحكم، وفي (شرح السنة): (أتراه) أي: أتظن.\nوقوله: (قال: وأبو موسى الأشعري يقرأ) فالرجل في صدر الحديث أبو موسى، وقال الطيبي (٢): فاعل (قال) ضمير راجع إلى رسول اللَّه -ﷺ-، ولا يدرى وجهه، بل الظاهر أنه راجع إلى بريدة.\nوقوله: (أحدًا صمدًا) منصوبان على الاختصاص، وفي بعض الروايات مرفوعان\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٨/ ٢٤٦٥).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٦٩).","vol":"5","page":122},{"text":"وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"لَقَدْ سَأَلَ اللَّه بِاسْمِهِ الَّذِي إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ\" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه! أُخْبِرُهُ بِمَا سَمِعْتُ مِنْكَ؟ قَالَ: \"نَعَمْ\" فَأَخْبَرْتُهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّه -ﷺ- فَقَالَ لِي: أَنْتَ الْيَوْمَ لِي أَخٌ صَدِيقٌ حَدَّثْتَنِي بِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّه -ﷺ-. رَوَاهُ رَزِيْنٌ. [أخرجه النسائي في الكبرى: ١١٢٤٤، وأحمد: ٥/ ٣٤٩].\n* * *\nــ\nمعرّفان، وهذا يوافق الحديث الأول عن بريدة، لكن كان فيه: (إلا هو)، وههنا: (إلا أنت).\nوقوله: (حدثتني بحديث رسول اللَّه -ﷺ-) فيه إشعار بأن الباعث له على مؤاخاته هو تحديثه بحديث رسول اللَّه -ﷺ- لا تضمنه لمدحه، ولو كان ذلك أيضًا ليس فيه بأس؛ لأن تبشيره به من لسان رسول اللَّه -ﷺ- سعادة عظيمة ليس فيه محل عجب أو تزكية للنفس.\nوههنا أقوال أُخر، فقيل: الاسم الأعظم بسم اللَّه الرحمن الرحيم، وقيل: اللَّه؛ لأنه اسم لم يطلق على غيره، ولأنه الأصل في الأسماء الحسنى، ومن ثَم أضيفت إليه، وقد روى ابن أبي حاتم (١) عن جابر بن زيد أنه قال: اسم اللَّه الأعظم هو اللَّه، وكذا جاء عن الشعبي.\nوقد جاء مثله عن القطب الفرد محيي الدين الشيخ عبد القادر الجيلاني.\nوقيل: هو، نقله الإمام فخر الدين عن بعض أهل الكشف، وقيل: الحي القيوم، وقيل: مالك الملك، وقيل: كلمة التوحيد، نقله عياض.\n_________\n(١) \"تفسير ابن أبي حاتم\" (٢/ ٤٨٦).","vol":"5","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-626>٣ - باب ثواب التَّسبيح والتَّحميد والتَّهليل والتَّكبير</span>\nــ\nوقيل: اللَّه الذي لا إله إلا هو رب العرش العظيم، نقل الإمام الرازي عن الإمام زين العابدين: أنه كان يسأل اللَّه أن يعلمه الاسم الأعظم فأراه في المنام أنه هذا.\nوقيل: هو مخفيٌّ في الأسماء الحسنى، ويؤيده حديث عائشة: أنها لما دعت ببعض الأسماء الحسنى قال لها رسول اللَّه -ﷺ-: إنه لفي الأسماء التي دعوت بها.\nوقيل: اللهم، حكاه الزركشي في (شرح جمع الجوامع)، قالوا: من قال: اللهم، فقد دعا اللَّه بجميع أسمائه، ونقل ذلك عن الحسن البصري.\nوقيل: ألم، نقل ذلك عن ابن مسعود وابن عباس.\nوقال بعضهم: إنه كل اسم من أسمائه تعالى دعا العبد به مستغرقًا بحيث لا يكون في فكره حالتئذ غير اللَّه، فإن من تأتَّى له ذلك استجيب له، قاله الإمام جعفر الصادق والجنيد وغيرهما، وأخرج أبو نعيم في (الحلية) (١) عن أبي يزيد البسطامي أنه سأل رجل عن الاسم الأعظم، فقال: ليس له حد محدود، إنما هو فراغ قلبك بوحدانيته، فإذا كنت كذلك فارفع إلى أيِّ اسم شئت، فإنك تسير به إلى المشرق والمغرب.\nوأخرج عن أبي سليمان الداراني قال: سألت بعض المشايخ عن الاسم الأعظم فقال: تعرف قلبك؟ فقلت: نعم، قال: إذا رأيته قد أقبل ورَقّ فسلِ اللَّه حاجتك فذاك اسم اللَّه الأعظم. وأخرج عن أبي الربيع السائح: أن رجلا قال له: علمني الاسم الأعظم، فقال: اكتب: بسم اللَّه الرحمن الرحيم أطع اللَّه يطعك، واللَّه أعلم.\n٣ - بَابُ ثَوَابِ التَّسْبِيح وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ\nفي (القاموس) (٢): سبّح تسبيحًا: قال: سبحان اللَّه، وسبحان اللَّه: تنزيهًا [للَّه] من\n_________\n(١) \"حلية الأولياء\" (١٠/ ٣٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢١٦).","vol":"5","page":124},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-627> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٢٩٤ - [١] عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَفْضَلُ الْكَلَامِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ\".\nــ\nالصاحبة والولد، معرفة، ونُصب على المصدر، أي: أبرّئ اللَّه من السوء براءة، والتحميد: حمد اللَّه مرة بعد مرة، ومنه (محمّد) كأنه حُمِد مرة بعد مرة. وهلل: قال: لا إله إلا اللَّه، وكبّر تكبيرًا وكِبَّارًا بالكسر مشددة: قال: اللَّه أكبر، والشيء: جعله كبيرًا، كذا في (القاموس) (١)، والتهليل مشتق من لا إله إلا اللَّه، انتهى.\nوقال التُّورِبِشْتِي (٢): العرب إذا كثر استعمالهم كلمتين ضموا بعض حروف إحداهما إلى بعض حروف الأخرى، مثل الحوقلة والبسملة، يقال: هيلل الرجل وهلّل: إذا قال: لا إله إلا اللَّه، وقد أخذتا من التهليل والهيللة، ومثله حيعل إذا قال: حي على الفلاح.\nالفصل الأول\n٢٢٩٤ - [١] (سمرة بن جندب) قوله: (أفضل الكلام) قالوا: هو محمول على كلام البشر وإلا فالقرآن أفضل من الكل، فإن قيل: هذه الكلمات من القرآن، قلنا: الثلاثُ الأُول وجدت في القرآن دون الرابعة، وقد يروى أنه -ﷺ- قال: (أفضل الذكر بعد كتاب اللَّه سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٣٥).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٥٣٨).","vol":"5","page":125},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: \"أَحَبُّ الْكَلَامِ إِلَى اللَّهِ أَرْبَعٌ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، لَا يَضُرُّكَ بِأَيِّهِنَّ بَدَأْتَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٣٧].\n٢٢٩٥ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لأَنْ أَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٩٥].\n٢٢٩٦ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ\". . . . .\nــ\nوقوله: (لا يضرك بأيهن بدأت) لأن كلًّا منها مستقل فيما قصد بها من بيان جلال اللَّه وكماله، ولكنَّ لهذا الترتيب معانيَ مناسبةً؛ لأن الناظر في معرفة اللَّه يجد تنزيهه تعالى، ثم يجد النعم والكمالات كلها ثابتة للَّه سبحانه، ثم ينكشف له التوحيد، ثم عجزه عن ثنائه وتوحيده تعالى، كذا قيل.\n٢٢٩٥ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (مما طلعت عليه الشمس) كأنه كناية عن المخلوقات كلها، وليست الأحبية مخصوصة بالنسبة إلى السفليات، فإن ذكر اللَّه تعالى أفضل وأحب من العالم كله.\n٢٢٩٦ - [٣] (عنه) قوله: (في يوم) ظاهره الإطلاق، لكن الأفضل أن يأتي بها متوالية في أول النهار، كذا قال الطيبي (١)، قلت: وفي آخره، كما يدل عليه الحديث الآتي.\nوقوله: (مثل زبد البحر) كنايةٌ عن الكثرة.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٧٢).","vol":"5","page":126},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٠٥، م: ٢٦٩١].\n٢٢٩٧ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللَّه وَبِحَمْدِهِ مِئَةَ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٩٣، م: ٢٦٩٢].\n٢٢٩٨ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٨٢، م: ٢٦٩١].\nــ\n٢٢٩٧ - [٤] (عنه) قوله: (بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه) لا بد من تمحل في بيان معناه، بأن يقال: تقديره: لم يأت أحد بمُساوٍ لما جاء، أو بأفضل مما جاء، إلا أحد قال مثل ما قال، فإنه يأتي بمثله، أو أحد زاد عليه فإنه يأتي بأفضل منه، واللَّه أعلم.\nفإن قلت: كيف يجوز الزيادة وقد قالوا: إن تحديدات الشرع في الأعداد لا يجوز التجاوز عنها؟ قلنا: لما صرح في الحديث بجواز الزيادة علم أنه ليس من ذلك القبيل كأعداد الركعات ونحوها، فعدم جواز الزيادة في الأعداد ليس كلها، أو المراد: زاد عليه من أعمال الخير، فافهم.\n٢٢٩٨ - [٥] (عنه) قوله: (خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان) الخفة والثقل من صفات الأجسام فاستعمالهما هنا مجاز، ويمكن إجراء الثقل على الحقيقة بناء على ما قيل من أن الموزون كُتُبُ الأعمال أو تجسم الأعمال، والأكثرون قائلون بوزن الأعمال أنفسها بناء على ظواهر النصوص، واللَّه تعالى قادر على ذلك.","vol":"5","page":127},{"text":"٢٢٩٩ - [٦] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"أَيَعْحِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ كُلَّ يَوْمٍ أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ \" فَسَأَلَهُ سَائِلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ: كَيْفَ يَكْسِبُ أَحَدُنَا أَلْفَ حَسَنَةٍ؟ قَالَ: \"يُسَبِّحُ مِئَةَ تَسْبِيحَةٍ، فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَةٍ، أَوْ يُحَطُّ عَنهُ أَلْفُ خَطِيْئَةٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٩٨].\nوَفِي كتَابِهِ فِي جَمِيع الرِّوَايَاتِ عَنْ مُوسَى الْجُهَنِيِّ: \"أَوْ يُحَطُّ\" قَالَ أَبُو بِكْرٍ البِرْقَانِي: وَرَوَاهُ شُعْبَةُ وَأَبُو عَوَانَةَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقطَّانُ عَنْ مُوسَى فَقَالُوا: \"ويُحَطُّ\" بِغَيْر ألِفٍ، هَكَذَا فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ.\nــ\n٢٢٩٩ - [٦] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (من جلسائه) ظاهر سَوق العبارة ينظر إلى أن الضمير لرسول اللَّه، إلا أنه لم يُستأنس ذكر هذه الكلمة في الأحاديث، ويمكن أن يكون لـ (سعد) فكأن بعض جلسائه استعجل السؤال قبل أن يذكر سعد تمام الحديث والسؤال والجواب، فيكون الضمير في (قال) أيضًا لسعد، فافهم.\nوقوله: (عن موسى الجهني: أو يحط) بألف، و(البرقاني) بكسر الباء الموحدة وفتحها -وقد يضم- وسكون الراء، نسبة إلى قرية من خوارزم، كذا في (المغني) (١).\nوقوله: (ويحط بغير ألف) أي: همزة، يعني بالواو، وهو ظاهر إذ الحسنات يذهبن السيئات، ويؤيده حديث أبي هريرة الآتي في آخر الفصل: (ومحيت عنه مئة سيئة)، قال الطيبي: وإذا جعل (أو) للتنويع فلا منافاة، فهما سِيّان في القصد (٢)، ولا يخلو عن خفاء، فإن (أو) للتنويع إنما تقال في مقابلة (أو) للشك، وأما معنى الترديد والانفصال فباقٍ، اللهم إلا أن يراد بما قال من جعل (أو) للتنويع معنى\n_________\n(١) \"المغني في ضبط الأسماء\" (ص: ٦٥).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٧٤).","vol":"5","page":128},{"text":"٢٣٠٠ - [٧] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَيُّ الْكَلَامِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"مَا اصْطَفَى اللَّه لِمَلَائِكَتِهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٣١].\n٢٣٠١ - [٨] وَعَنْ جُوَيْرِيَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ وَهِيَ فِي مَسْجَدِهَا ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ قَالَ: \"مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟ \" قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"لَقَدْ قُلْتُ. . . . .\nــ\nما يذكر في كتب المنطق من منع الخلو، فافهم.\n٢٣٠٠ - [٧] (أبو ذر) قوله: (ما اصطفى اللَّه لملائكته) الظاهر أنه (سبحان اللَّه وبحمده) إنما أسند اصطفاء هذه الكلمة للملائكة إلى اللَّه تعالى؛ لأن قولهم: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾ [البقرة: ٣٠] إنما هو بتعليمه وإلهامه تعالى إياهم، بدليل قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢].\nفإن قلت: قد ورد: (أفضل الذكر لا إله إلا اللَّه)، ويلزم من هذا الحديث أن التسبيح أو هو مع الحمد أفضل؟ قلنا: التسبيح يتضمن التوحيد، فبهذا الاعتبار جعله أفضل.\n٢٣٠١ - [٨] (جويرية) قوله: (في مسجدها) بفتح الجيم، أي: موضع سجودها وقد يكسر، ولعل المراد مكانٌ أعدته في بيتها للصلاة، وقد يسمى هو مسجدًا بكسر الجيم.\nوقوله: (بعد أن أضحى) أي: دخل في وقت الضحى.\nقوله: (ما زلت) بكسر التاء خطاب لجويرية بطريق الاستفهام.","vol":"5","page":129},{"text":"بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ، وَرِضَا نَفْسِهِ، وَزِنَةَ عَرْشِهِ، وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٢٦].\nــ\nوقوله: (بعدك) أي: بعد أن خرجت من عندك.\nوقوله: (أربع كلمات) المراد به الكلمات المذكورة للمبالغة وهي: (عدد خلقه) مع أخواته، والتسبيح مشترك بينها ليس زائدًا عليها. وقال الطيبي (١): هو نصب على المصدر، أي: تكلمت بعد مفارقتك أربع كلمات، ولا يظهر له وجه حسن، فإن الظاهر أنه مفعول (قلتُ).\nوقوله: (بما) أي: بكلمات (قلتِ) من وضع المظهر موضع المضمر.\nوقوله: (لوزنتهن) وقال الطيبي (٢): أي: ساوتهن أو رجحتهن، كما تقول: حاججته فحججته أي: غلبته، وقال في (المشارق) (٣): أي عَدَلتهن في الميزان، ووزنْته: عادلْته بغيره، ومنه قوله: (لا يزن عند اللَّه جناح بعوضة) أي: لا يعدل.\nوقوله: (عدد خلقه) وما بعده منصوبات على المصدر، أي: أَعُدُّ تسبيحه بعدد خلقه وبمقدار ما يرضاه وبثقل عرشه، يقال: وَزَنَ الشيءُ وزنًا، أي: ثَقُلَ، وبمقدار كلماته، وهذا ادعاء ومبالغة في تكثيرها كأنه تكلم بها بهذا المقدار، فلا يتجه أن يقال: إنه ما معنى أسبحه بهذا المقدار سواء كان خبرًا أو إنشاء وهو لم يسبح إلا واحدة؟ فافهم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٧٥).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٧٥).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٤٨٥).","vol":"5","page":130},{"text":"٢٣٠٢ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"من قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِئَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِئَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إِلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٠٣، م: ٢٦٩١].\n٢٣٠٣ - [١٠] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّه -ﷺ- فِي سَفَرٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَجْهَرُونَ بِالتَّكْبِيرِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ! ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ،\nــ\nوالمراد بكلمات اللَّه كلامه وهو صفة، وصفاته لا تنحصر بعدد، فذكر العدد مجاز للمبالغة في الكثرة، وقيل: المراد القرآن، وقيل: العلم، وقيل: الأذكار، وقيل: الأسماء، وقيل: المراد عدد أجورها.\n٢٣٠٢ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (كانت له عدل) يروى بكسر العين وفتحها، وقال في (المشارق) (١): العدل بالفتح: المِثْل وما عادل الشيء وكافأه من غير جنسه، وبالكسر: ما عادله من جنسه وكان نظيره، وقيل: الفتح والكسر لغتان فيهما.\n٢٣٠٣ - [١٠] (أبو موسى الأشعري) قوله: (اربعوا) ارفقوا، وفي (القاموس) (٢): ربع كمنع: وقف وتحبَّس، ومنه قولهم: اربع عليك، أو على نفسك، وفيه إشارة\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٢١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٦٢).","vol":"5","page":131},{"text":"إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا وَهُوَ مَعَكُمْ، وَالَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ\" قَالَ أَبُو مُوسَى: وَأَنَا خَلْفَهُ أَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ فِي نَفْسِي فَقَالَ: \"يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ! أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ \" فَقُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: \"لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣٨٤، م: ٢٧٠٤].\nــ\nإلى أن المنع من الجهر للتيسير والإرفاق لا لكون الجهر غير مشروع، ثم أكده بقوله: (إنكم لا تدعون)، ووجه زيادة قوله: (بصيرًا) مع أنه لا حاجة إليه؛ لمناسبة.\nقوله: (سميعًا) فإنهما مذكوران معًا في أكثر المواضع، أو لإرادة أنه لا حاجة لكم إلى الجهر ورفع الصوت فإنه يسمع من غير جهر ورفع صوت، ومع وجود ذلك يبصر حالكم ويعلمها من صورتها وهيئتها، فافهم.\nوقال الطيبي (١): السميع البصير أشد إدراكًا وأكمل إحساسًا من الضرير والأعمى.\nوقوله: (وهو معكم) زيادة تأكيد.\nومعنى كون (لا حول ولا قوة إلا باللَّه) كنزًا: أنه يُعَدُّ لقائله ويدخر له من الثواب ما يقع في الجنة موقع الكنز في الدنيا، وقال سيدنا ومولانا الشيخ عبد الوهاب المتقي -قدس اللَّه روحه- حين سألوه عن حقيقته وتكلموا فيها: يعرف إن شاء اللَّه حقيقة هذا في الجنة، ولا حاجة إلى البحث.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٧٧).","vol":"5","page":132},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-628> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٣٠٤ - [١١] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرِسَتْ لَهُ نَخْلَةٌ فِي الْجَنَّةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٤٤٦].\n٢٣٠٥ - [١٢] وَعَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ صَبَاحٍ يُصْبحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مُنَادٍ يُنَادِي: سَبِّحُوا الْمَلِكَ القُدُّوسَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٦٩].\n٢٣٠٦ - [١٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَفْضَلُ الذِّكْرِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ (١) \". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهُ. [ت: ٣٣٨٣، جه: ٣٨٠٠].\nــ\nالفصل الثاني\n٢٣٠٤ - [١١] (جابر) قوله: (غرست له نخلة) هذا على ظاهره، وأما ما ورد من أن سبحان اللَّه غراس الجنة، فيحتاج إلى تأويل بأنه لما كان سببَ الغِراس سمي به، وله تأويل آخر مذكور في كلام بعض المحققين، حاصله: أن الشيء يكون في موطن عرضًا وفي موطن آخر جوهرًا فغراس الجنة عين سبحان اللَّه، واللَّه أعلم.\n٢٣٠٥ - [١٢] (الزبير) قوله: (سبحوا الملك القدوس) أي: نزهوه عن النقائص، أو قولوا: سبحان الملك القدوس، أو ما في معناه.\n٢٣٠٦ - [١٣] (جابر) قوله: (أفضل الذكر لا إله إلا اللَّه) لدلالته على التوحيد\n_________\n(١) قال شيخنا في \"التقرير\": إما المراد الفاتحة وهذا علم له، أو المراد معناه اللغوي، وعلى كل تقدير فالأفضلية ظاهر.","vol":"5","page":133},{"text":"٢٣٠٧ - [١٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْحَمْدُ رَأْسُ الشُّكْرِ، مَا شَكَرَ اللَّهَ عَبْدٌ لَا يَحْمَدُهُ\". [هب: ٦/ ٢٣٠].\n٢٣٠٨ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إِلَى الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ\". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [هب: ٦/ ٢١٦].\nــ\nولا يصح الإيمان إلا به، وللاشتغال بهذه الكلمة خواصُّ عجيبة في تطهير الباطن وتصفية القلب وظهور السر المكتوم فيه، ولهذا اختاره المشايخ بين سائر الأذكار، وإنما كان (الحمد للَّه) دعاءً؛ لأن الثناء على الكريم دعاء وسؤال، وإنما كان أفضل لأن الحمدَ للَّه سبحانه في معنى الشكر بل هو رأسه، والشكر يستجلب المزيد.\n٢٣٠٧ - [١٤] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (الحمد رأس الشكر) لأن الشكر تعظيم المنعم، وفعل اللسان أظهر وأدلُّ على ذلك، أما فعل القلب فخفي، وفي دلالة أفعال الجوارح قصور.\nوقوله: (ما شكر اللَّه عبد لا يحمده) أي: شكرًا كاملًا، وفيه مبالغة في مدخلية فعل اللسان.\n٢٣٠٨ - [١٥] (ابن عباس) قوله: (في السراء والضراء) (١) في حالة الرخاء والشدة، أو الأحوالِ كلها؛ إذ الإنسان لا يخلو عن مسرة أو مضرة، والمقابل للسرور الحزن، وللضر النفع، وفي إيقاع التقابل بين السراء والضراء مزيد التعميم والإحاطة\n_________\n(١) قال شيخنا في \"التقرير\": الحمد في الضراء مشكل، إذ صرح الفقهاء بأن من قال عند موت ابنه: الحمد للَّه، فإنه يأثم، فمعنى الحمد في الضراء هو ما استحسنه اللَّه ﷿، وهو ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، فهو حمد لهذا الموضع.","vol":"5","page":134},{"text":"٢٣٠٩ - [١٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قَالَ مُوسَى ﵇ (١): يَا رَبِّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ بِهِ أوْ أَدْعُوكَ (٢) بِهِ فَقَالَ: يَا مُوسَى قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، فَقَالَ: يَا رَبِّ! كلُّ عِبَادِكَ يَقُولُ هَذَا، إِنَّما أُرِيدُ شَيْئًا تَخُصُّنِي بِهِ قَالَ: يَا مُوسَى! لَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبع وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي، وَالأَرَضِينَ السَّبع وُضِعْنَ فِي كِفَّةٍ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه فِي كِفَّةٍ لَمَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [\"شرح السنة\": ٥/ ٥٤].\n٢٣١٠ - [١٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، صَدَّقَهُ رَبُّهُ قَالَ: . . . . .\nــ\nلشمول نقيضهما، كأنه قال: في السرور والحزن والضر والنفع؛ لأن ذكر كلٍّ يقتضي ذكر مقابله، فتضمَّن ذكرَ الكل مع الاختصار، وهذا طريق في البيان يسلكه الفصحاء، وله نظائر.\n٢٣٠٩ - [١٦] (أبو سعيد الخدري) قوله: (وعامرهن غيري) عامر الشيء: حافظه ومدبره وممسكه عن الخلل والاختلال، وقيل: معناه: المصلح، فيصح استثناؤه تعالى.\nوقوله: (والأرضين السبع) لم يذكر عامرَ الأرضين اختصارًا ولكونه قليلًا بالنسبة إلى عامري السماوات.\n٢٣١٠ - [١٧] (أبو سعيد، وأبو هريرة) قوله: (صدقه ربه) أي: قرره بأن قال ما قال، وفي ذلك فضيلة لهؤلاء الكلمات.\n_________\n(١) في نسخة: \"قال موسى: يا ربّ\".\n(٢) في نسخة: \"وأدعوك\".","vol":"5","page":135},{"text":"لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَأَنَا أَكْبَرُ، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَقُولُ اللَّه: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي لَا شَرِيكَ لِي، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا لِيَ الْمُلْكُ وَلِيَ الْحَمْدُ، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِي\" وَكَانَ يَقُولُ: \"مَنْ قَالَهَا فِي مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ لَمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٣٤٣٠، جه: ٣٧٩٤].\n٢٣١١ - [١٨] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- عَلَى امْرَأَةٍ وبَيْنَ يَدَيْهَا نَوًى أَوْ حَصًى تُسَبِّحُ بِهِ فَقَالَ: \"أَلَا أُخْبِرُكِ بِمَا هُوَ أَيْسَرُ عَلَيْكِ مِنْ هَذَا أَوْ أَفْضَلُ؟ سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي السَّمَاءِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا خَلَقَ فِي الأَرْضِ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ مَا هُوَ خَالِقٌ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ مِثْلَ ذَلِكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٥٦٨، د: ١٥٠٠].\nــ\n٢٣١١ - [١٨] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (أو أفضل؟) (أو) لشك الراوي، ويجوز أن يكون بمعنى بل، وهذا أولى.\nوقوله: (عدد ما هو خالق) أي: في الاستقبال، أو المراد الاستمرار من بَدْءِ الخلق إلى الأبد، فيكون تعميمًا بعد التخصيص.\nوقوله: (مثل ذلك) منصوب نصبَ (عدد) في القرائن السابقة، وهذا إما عبارة عن العبارة السابقة، أي: قال: اللَّه أكبر عدد ما خلق في السماء. . . إلخ، أو قال: (مثل ذلك) بدل (عدد ما خلق. . . إلخ).","vol":"5","page":136},{"text":"٢٣١٢ - [١٩] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ مِئَةً بِالْغَدَاةِ وَمِئَةً بِالْعَشِيِّ كَانَ كَمَنْ حَجَّ مِئَةَ حَجَّةٍ، وَمَنْ حَمِدَ اللَّهَ مِئَةً بِالْغَدَاةِ وَمِئَةً بِالْعَشِيِّ كَانَ كمَنْ حَمَلَ عَلَى مِئَةِ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَنْ هَلَّلَ اللَّهَ مِئَةً بِالْغَدَاةِ وَمِئَةً بِالْعَشِيِّ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ مِئَةَ رَقَبَةٍ مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ، وَمَنْ كَبَّرَ اللَّهَ مِئَةً بِالْغَدَاةِ وَمِئَةً بِالْعَشِيِّ لَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَحَدٌ بأَكْثَرَ مِمَّا أَتَى بِهِ إِلَّا مَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ أَوْ زَادَ عَلَى مَا قَالَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٤٧١].\n٢٣١٣ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"التَّسْبِيحُ نِصْفُ الْمِيزَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ يَمْلَؤُهُ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَيْسَ لَهَا حِجَابٌ دُونَ اللَّهِ حَتَّى تَخْلُصَ إِلَيْهِ\". . . . .\nــ\n٢٣١٢ - [١٩] (عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده) قوله: (مئة حجة) أي: نافلةً.\nوقوله: (إلا من قال مثل ذلك أو زاد على ما قال) الكلام فيه مثل ما مر في الفصل الأول.\nوقوله: (من ولد إسماعيل) فيه دليل لمن قال باسترقاق العرب وهو مختلف فيه، وقيل: هو مبالغة.\n٢٣١٣ - [٢٠] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (والحمد للَّه يملؤه) لأن الحمد للَّه شكر على نعمه، والشكر يستجلب المزيد فيكون ثوابه أكثر وأوفر، والتوحيد أفضل وأعلى من الكل.\nوقوله: (حتى تخلص إليه) أي: تصل.","vol":"5","page":137},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ. [ت: ٣٥١٨].\n٢٣١٤ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا قَالَ عَبْدٌ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُخْلِصًا قَطُّ إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ حَتَّى يُفْضِيَ إِلَى الْعَرْشِ مَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ\" (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٥٩٠].\n٢٣١٥ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ (٢) أُسْرِيَ بِي فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الْمَاءِ، وَأَنَّهَا قِيعَانٌ،\nــ\n٢٣١٤ - [٢١] (أبو هريرة) قوله: (حتى يفضي إلى العرش) أي: يصل وينتهي إليه، وهو كناية عن وصوله إلى اللَّه تعالى وتقدس، والتقييد باجتناب الكبائر لسرعة القبول وكثرة الثواب؛ فإن الإيمان بدون العمل ناقص، وقال اللَّه سبحانه: ﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠]، وإذهاب الحسنة بالسيئة مخصوص بالصغائر.\n٢٣١٥ - [٢٢] (ابن مسعود) قوله: (أقرئ) من الإقراء والقراءة، وقد خففت هذا اللفظ في مواضع من الكتاب.\nوقوله: (وأنها) أي: الجنة، أي: أراضيها، أو فيها (قيعان) والقيعان: جمع\n_________\n(١) قال شيخنا في \"التقرير\": فيه ثلاث احتمالات: لا يفضي إلى العرش، أو لا يفتح له أبواب السماء، أو لا يسرع، وهذا الاحتمال الثالث أولى لرواية أخرى: \"ليس دون اللَّه حجاب\".\n(٢) بالإضافة، وفي نسخة: بتنوين \"ليلةَ\". \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٦٠٤).","vol":"5","page":138},{"text":"وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. [ت: ٣٤٦٢].\n٢٣١٦ - [٢٣] وَعَنْ يُسَيْرَةَ -وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ- قَالَتْ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عَلَيْكُنَّ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّقْدِيسِ، وَاعْقِدْنَ بِالأَنَامِلِ؛ . . . . .\nــ\nقاع وهي الأرض المستوية الخالية من الشجر والتي لا نبات فيها، و(الغراس) -بالكسر- جمع غرس وهو ما يغرس، غرس الشجر يغرسه: أثبته في الأرض، وفي (الصراح) (١): غرس درخت نشاندن، أو غراس بالكسر نهال. واستشكل بأنه يدل على أن أرضها خالية عن الأشجار والقصور وهو خلاف مدلول الجنة، وأجيب بأنه لا يدل على أنها الآن قيعان، بل على أنها في نفسها قيعان والأشجارُ فيها مغروسة بجزاء الأعمال، أو المراد أن الأشجار فيها لما كانت لأجل الأعمال فكأنها غرست بها، فافهم.\n٢٣١٦ - [٢٣] قوله: (وعن يسيرة) بضم التحتانية بصيغة التصغير في آخرها تاء.\nوقوله: (وكانت من المهاجرات) كذا في (جامع الأصول) (٢)، وقيل: كانت من الأنصاريات، و(التقديس): سبوح قدوس رب الملائكة والروح، أو: سبحان الملك القدوس، أو ما في معناه.\nوقوله: (واعقدن بالأنامل) يقال: عقد عليه الأنملة إذا عدّه.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٢٤٥).\n(٢) \"جامع الأصول\" (٤/ ٣٨٥).","vol":"5","page":139},{"text":"فَإِنَّهُنَّ مَسْؤُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ، وَلَا تَغْفُلْنَ فَتُنْسَيْنَ الرَّحْمَةَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٣٥٨٣، د: ١٥٠١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-629> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٣١٧ - [٢٤] عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّه -ﷺ- فَقَالَ: عَلِّمْنِي كَلَامًا أَقُولُهُ قَالَ: \"قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَ(١) سُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ\". فَقَالَ: فَهَؤُلَاءِ لِرَبِّي فَمَا لِي؟ فَقَالَ: \"قُل: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَارْزُقْنِي وَعَافِنِي\". شَكَّ الرَّاوِي فِي \"عَافِنِي\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٩٦].\nــ\nوقوله: (فإنهن) أي: الأنامل والأصابع (مسؤولات) أي: يسألن يوم القيامة عما اكتسبن.\nوقوله: (مستنطقات) بفتح الطاء، أي: يُستنطقن فيَشهدن على أنفسهن، والمسؤول والمستنطَق كل الجوارح والأعضاء، ولما كان المراد فيما نحن فيه بسبب العد هي الأصابع خص به، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ﴾ [فصلت: ٢٢].\nوقوله: (فتنسين الرحمة) بلفظ المجهول، وقد يروى بلفظ المعلوم.\nالفصل الثالث\n٢٣١٧ - [٢٤] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (اللَّه أكبر كبيرًا) حال مؤكِّدة.\n_________\n(١) سقطت الواو في نسخة.","vol":"5","page":140},{"text":"٢٣١٨ - [٢٥] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّ عَلَى شَجَرَةٍ يَابِسَةِ الْوَرَقِ، فَضَرَبَهَا بِعَصَاهُ، فَتَنَاثَرَ الْوَرَقُ، فَقَالَ: \"إِنَّ الْحَمْدُ (١) لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ تُسَاقِطُ ذُنُوْبَ العَبْدِ كَمَا يتَسَاقَطُ وَرَقُ هَذِهِ الشَّجَرَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٣١٩].\n٢٣١٩ - [٢٦] وَعَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَكْثِرْ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَإِنَّهَا مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ\". . . . .\nــ\n٢٣١٨ - [٢٥] (أنس) قوله: (تساقط) بضم التاء و(ذنوب العبد) مفعوله، والتقدير: تُساقِط فتَساقَطُ كما يتساقط، كذا قال الطيبي (٢).\nوأقول: لما كان المقصود هنا بيان حال هذه الكلمات وفضلها، وثمة -أعني في أوراق الشجرة- بيان سقوطها لا إسقاط العصا إياها، قال كما قال، فافهم.\n٢٣١٩ - [٢٦] (مكحول) قوله: (أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه) لأنها تبرئة عن النفس وحولها وقوتها فيلزمه الإعانة من اللَّه ويوفق.\nقال الشيخ الإمام القطب الأستاذ أبو الحسن الشاذلي (٣): اجتمعت برجل في\n_________\n(١) بالرفع على الحكاية أو على الابتدائية، وفي نسخة بالنصب، وهو ضعيف، قاله القاري (٤/ ١٦٠٧).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٨٩).\n(٣) الشيخ أبو الحسن الشاذلي، شيخ الطائفة الشاذلية، هو الشريف تقي الدين علي بن عبد اللَّه بن عبد الجبار. قال ابن دقيق العيد: ما رأيت أعرف باللَّه من الشاذلي. وقال ابن عطاء اللَّه: منشؤه بالغرب الأقصى، ومبدأ ظهوره بشاذلة، وله السياحات الكثيرة، والمنازلات الجليلة، والعلوم الكثيرة، لم يدخل في طريق اللَّه حتى كان يعد للمناظرة في العلوم الظاهرة، وعلوم جمة، جاء في هذا الطريق بالعجب العجاب، وشرح من علم الحقيقة الأطناب، ووسع للسالكين الركاب. وكان الشيخ عز الدين بن عبد السلام يحضر مجلسه، ويسمع كلامه. انظر: =","vol":"5","page":141},{"text":"قَالَ مَكْحُولٌ: فَمَنْ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا مَنْجَا مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ كَشَفَ اللَّه عَنْهُ سَبْعِينَ بَابًا مِنَ الضُّرِّ، أَدْنَاهَا الفَقْرُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ، ومَكْحُولٌ لَمْ يَسْمَعْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [ت: ٣٦٠٦].\n٢٣٢٠ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ دَوَاءٌ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ دَاءً أَيْسَرُهَا الْهَمُّ\".\n٢٣٢١ - [٢٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ مِنْ كَنْزِ الْجَنَّةِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَسْلَمَ عَبْدِي وَاسْتَسْلَمَ\". . . . .\nــ\nسياحتي، فأوصاني وقال: ليس في الأقوال أعون على الأفعال من لا حول ولا قوة إلا باللَّه، وليس في الأفعال أعون من الفرار إلى اللَّه والاعتصام باللَّه، واعتصموا باللَّه ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١].\nوقوله: (لا منجا) بالقصر، أي: لا مهرب، وقد يزاد (ولا ملجأ) بالهمزة.\nوقوله: (ومكحول لم يسمع عن أبي هريرة) قال الذهبي في (الكاشف) (١): مكحول فقيه الشام، روى عن عائشة وأبي هريرة مرسلًا.\n٢٣٢٠ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (من تسعة وتسعين داء) أي: داء الباطن للقلب أو أعم.\n٢٣٢١ - [٢٨] (عنه) قوله: (أسلم عبدي) انقاد مخلصًا، (واستسلم) أي:\n_________\n= \"حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة\" (١/ ٥٢٠).\n(١) \"الكاشف\" (٢/ ٢٩١).","vol":"5","page":142},{"text":"رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي \"الدَّعْوَات الْكَبِير\". [\"الدعوات الكبير\": ١٩١، ١٥٥].\n٢٣٢٢ - [٢٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ هِيَ صَلَاةُ الْخَلَائِقِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَلِمَةُ الشُّكْرِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةُ الإخْلَاصِ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ تَمْلأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَسْلَمَ وَاسْتَسْلَمَ. رَوَاهُ رَزِينٌ. [مصنف عبد الرزاق: ١١/ ٢٩٥، ولكن عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-630>٤ - باب الاستغفار والتوبة</span>\nــ\nفوض أمره أو أمور الكائنات إلى اللَّه تعالى، وقيل: أسلم واستسلم بمعنى.\n٢٣٢٢ - [٢٩] (ابن عمر) قوله: (صلاة الخلائق) أي: عبادتها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وذلك إما بلسان الحال أو القال، وهو التحقيق بقرينة قوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].\n٤ - باب الاستغفار والتوبة\nالاستغفار لغةً (١): طلب الغفر وهو الستر، غفره يغفره: ستره، والمتاعَ في الوعاء: أدخله وستره، كأغفره، والشيب بالخضاب: غطَّاه، وغفر اللَّه له ذنبه: غطى عليه وعفا عنه، واستغفره إياه: طلب منه غفره.\nوالتوبة في اللغة (٢): الرجوع عن المعصية والندم عليها من حيث إنها معصية،\n_________\n(١) انظر: \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٢٠).\n(٢) انظر: \"القاموس المحيط\" (ص: ٧١).","vol":"5","page":143},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمع صدق العزم بقلبه على أن لا يعود، وقضاء ما فات فيما يمكن قضاؤه في حقوق اللَّه، ورد المظالم في حقوق العباد، وقد تسند التوبة إلى اللَّه تعالى، ويقال: تاب اللَّه عليه بمعنى: وفقه للتوبة، أو رجع عليه بفضله وقبوله، أو رجع من التشديد إلى التخفيف، أو من الحظر إلى الإباحة، ومن أسمائه -ﷺ-: نبي التوبة، لأنه كان يستغفر ويتوب في كل يوم سبعين مرة أو مئة مرة.\nوسئل جنيد -﵀-: التوبة ما هي؟ فقال: هو نسيان ذنبك، ومعناه: أن تخرج حلاوة ذلك الفعل من قلبك خروجًا لا يبقى له في سرّك [أثر]، حتى تكون بمنزلة من لم يعرف ذلك قط.\nوسئل سهل -﵀- فقال: أن لا تنسى ذنبك، كذا في (التعرف) (١)، وقال في شرحه: أشار سهل إلى أحوال المريدين لخوفهم من العقوبة وفرط مجاهدتهم، وأما الجنيد فإنه أشار إلى توبة المحققين، لا يذكرون ذنوبهم لما غلب على قلوبهم من عظمة اللَّه ودوام ذكره تعالى.\nوقال بعضهم: يجوز أن يراد بنسيان الذنب تركُ العود إليه في المستقبل، لا نسيان ما سبق من الجفاء في حال الوفاء، وأما قول سهل فقد فسر بأنه لا يزال خائفًا من عقوبته وعلى حذر من الوقوع في مثله، فتجعله نصب عينيك، انتهى.\nوالتوبة مقبولة بفضل اللَّه وحسب وعده الصادق، وإنما يشك فيه للشك في تحقق الشروط والأركان وهي دقيقة، كما يَشك شارب المسهل في حصول شروط الإسهال في الدواء باعتبار الحال والوقت، وكيفيةِ خلط الدواء وطبخه وجودة عقاقيره وأدويته.\n_________\n(١) \"التعرف لمذهب أهل التصوف\" (ص: ٩٢).","vol":"5","page":144},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-631> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٣٢٣ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَاللَّهِ إِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِيْنَ مرَّةً\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٣٠٧].\n٢٣٢٤ - [٢] وَعَنِ الأَعَرِّ الْمُزَنِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nالفصل الأول\n٢٣٢٣ - [١] (أبو هريرة) قوله: (وأتوب إليه) زيادة هذا قد يسدُّ باب تأويل الحديث بأن الاستغفار منه -ﷺ- كان لأمته كما سنذكره في الحديث الآتي، اللهم إلا أن يراد طلب التوبة لهم، إذ المراد المعنى اللغوي بالرجوع إلى اللَّه تعالى بتوفيق التوبة لهم وقبولها عنهم، واللَّه أعلم (١).\n٢٣٢٤ - [٢] قوله: (وعن الأغر المزني) بفتح الهمزة وفتح الغين المعجمة وتشديد الراء.\n_________\n(١) قال ابن الملك: توبته -ﷺ- كل يوم سبعين مرة واستغفاره ليس لذنب؛ لأنه معصوم، بل لاعتقاد قصوره في العبودية عما يليق بحضرة ذي الجلال والإكرام، وحثٌّ للأمة على التوبة والاستغفار، فإنه -ﷺ- مع كونه معصومًا، وكونه خير المخلوقات، إذا استغفر وتاب إلى ربه في كل يوم أكثر من سبعين مرةً فكيف بالمذنبين، والاستغفار طلب المغفرة بالمقال والفعال جميعًا، والمغفرة من اللَّه أن يصون العبد من أن يمسه عذاب. قال علي -﵁-: كان في الأرض أمانان من عذاب اللَّه، فرفع أحدهما فدونكم الآخر فتمسكوا به. أما المرفوع فرسول اللَّه -ﷺ-، وأما الباقي منهما فالاستغفار قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] أقول: إذا كان الاستغفار ينفع الكفار، فكيف لا يفيد المؤمنين الأبرار؟ وقيل: استغفاره -ﷺ- من ذنوب الأمة فهو كالشفاعة لهم.","vol":"5","page":145},{"text":"\"إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي الْيَوْمِ مِئَةَ مَرَّةٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٠٢].\nــ\nوقوله: (إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر اللَّه في اليوم مئة مرة) الغين: الغيم، وقيل: الغيم الرقيق، يقال: غِينتِ السماء تُغانُ: إذا أطبق عليها الغيم، ويقال: غين [على] كذا، أي: غُطِّي، وأغان الغينُ السماء، أي: ألبسها.\nولقد تحير العلماء في بيان معنى هذا الحديث وتأويله، وحق لهم أن يتحيروا ويتوقفوا في ذلك، فإنه لا مجال لأحد أن يعرف حقيقة القلب المصطفوي -ﷺ- وما يطرأ عليه من الأحوال، وكل ما قيل فيه فقول بالظن والتخمين، اللهم إلا ما وقع في بواطن بعض المحققين من العارفين من نوره المبين، واللَّه أعلم.\nوننقل من كلامهم ما ذكروا في ذلك، فقيل: إن ذلك كان بسبب أمته وما اطَّلع عليه من أحوالهم بعده، فكان يستغفر لهم، هكذا قالوا.\nوقيل: إنه بسبب [ما] يشتغل من النظر في أمور أمته ومصالحهم ومحاربة الأعداء، حتى يرى أنه قد شغل بذلك -وإن كان [في] أعظم طاعة وأشرف عبادة- عن ملازمة عالي مقاماته ورفيع درجاته لتفرده بربه وخلوص قلبه وهمته عن كل شيء سواه، وكان يَعُدُّ ذلك ذنبًا فيستغفر منه كما قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين.\nوقيل: قد يكون هذا الغين السكينةَ التي تغشى قلبه، واستغفاره إظهار للعبودية والافتقار، ويحتمل أن يكون حالة خشية وإعظام يغشى القلب، واستغفاره شكرًا للَّه وملازمة للعبودية، كما قال: (أفلا أكون عبدًا شكورًا) هذا حاصل ما ذكره القاضي عياض في (المشارق) (١).\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٣٧).","vol":"5","page":146},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقال بعض الصوفية: هذا غين الأنوار لا غين الأغيار، وهو إشارة إلى ما ذكره بعض العارفين من أنه كان يكشف على قلبه الشريف في كل ساعة من أنوار صفات الحق، وكان يترقى في كل آن في هذه التجليات ويَعُدُّ بعد الترقي إلى درجة الفوق ما تحتها بمثابة ذنب يستغفر منه، وهكذا حال قلبه -ﷺ- دائما بل إلى أبد الآباد، وتلك الأنوار حجاب على الذات الأقدس الإلهي، وإليه الإشارة بقوله: (إن للَّه سبعين ألف حجاب من نور وظلمة).\nوأرفع الكلام في هذا المقام ما قال الأصمعي حين سئل عن هذا الحديث فقال: عن قلب من تروي؟ فقال: عن قلب النبي -ﷺ-، فقال: لو كان عن قلب غيره لكنت أفسره لك.\nقال الشيخ التُّورِبِشْتِي (١): وللَّه دره في انتهاجه منهج الأدب، وإجلاله القلبَ الذي جعله اللَّه موقع وحيه ومنزل تنزيله، ثم قال: ونحن نذهب في ذلك مذهبين:\nأحدهما: أن نقول: لما كان قلب النبي -ﷺ- أتمَّ القلوب صفاءً وأكثرها ضياءً وأعرفها عرفانًا، وكان معنيًّا مع ذلك بتشريع الملة وتأسيس السنة ميسِّرًا غير معسِّرٍ، لم يكن له بد من النزول إلى الرخص والالتفات إلى حظوظ النفس مع ما كان ممتحنًا به من أحكام البشرية، فكان إذا تعاطى شيئًا من ذلك أسرع كدورةٌ مّا إلى القلب لكمال رقته وفرط نورانيته؛ فإن الشيء كلّما كان أرقّ وأصفى كان ورود التأثيرات عليه أبين وأهدى، وكان -ﷺ- إذا أحسّ بشيء من ذلك عدّه على النفس ذنبًا فاستغفر منه، ولهذا المعنى كان استغفاره عند خروجه من الخلاء فيقول: (غفرانك).\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٥٣٩).","vol":"5","page":147},{"text":"٢٣٢٥ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ! تُوبُوا إِلَى اللَّهِ فَإِنِّي أَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِئَةَ مرَّةٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٠٢].\nــ\nوالآخر: أن نقول: إن اللَّه تعالى كما فناه عن العالمين أراد أن يبقيه لهم لينتفعوا به، وأنه -ﷺ- لو تُرك وما هو عليه وفيه من الحضور والتجليات الإلهية لم يكن ليتفرغ لتعريف الجاحد وتعليم الجاهل، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يرد إليهم الفينة بعد الفينة بنوع من الحَجْبة والاستتار ليكمل حظهم عنه، فيرى ذلك من سيئات حاله فيستغفر منه، هذا كلام التُّورِبِشْتِي. والوجه الأول راجع إلى ما ذكر سابقًا مع ما فيه من حسن التقرير، والوجه الثاني أيضًا موجَّهٌ، ومع ذلك القولُ قولُ الأصمعي، واللَّه أعلم.\n٢٣٢٥ - [٣] (عنه) قوله: (يا أيها الناس! توبوا) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١]، فالتوبة واجبة على الناس كلّهم عامتهم وخاصتهم، ولكن توبة كل أحد على حسب حالهم.\nوقال بعض العارفين: التائب أيضًا داخل في الجميع، فهو أيضًا مأمور بالتوبة، وليس لهم ذنوب يتوبون عنها لأنهم قد تابوا، فبقي أن يتوبوا عن التوبة، يعني: مِن ذكر الجفاء الذي يصحب التوبة؛ لأن التوبة لا تصح إلا بمعرفة الذنب، فهي تحتاج إلى ذكر الذنب، وذكر الجفاء في وقت الصفاء جفاء، فيتوب من ذكر التوبة التي هي سبب ذكر الذنب، وذلك لغاية حرصهم على الجمعية وصفاء الوقت مع اللَّه تعالى، كذا في (منازل السائرين) (١) وشرحه.\n_________\n(١) (ص: ١٣).","vol":"5","page":148},{"text":"٢٣٢٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِيمَا يَرْوِي عَنِ اللَّهِ ﵎ أَنَّهُ قَالَ: \"يَا عِبَادِي! إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلَا تَظَالَمُوا، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكمْ، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يَا عِبَادِي! إِنَّكُمْ تُخْطئون (١) بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يَا عِبَادِي! إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي،\nــ\n٢٣٢٦ - [٤] (أبو ذر) قوله: (إني حرمت الظلم على نفسي) أي: سلبته عن نفسي، كناية عن تقدّسه وتنزّهه عنه.\nوقوله: (كلّكم ضالّ إلا من هديته) يعني: أن الهداية لمن حصل إنما حصل من اللَّه لا من عند نفسه، وكذا المعنى في قوله: (إلا من أطعمته) و(إلا من كسوته)، فالكل من اللَّه تعالى، لكن الأول مخصوص ببعض العباد والآخَرَين يعمّ الكل، فلا يتوجه السؤال أنه ما معنى الاستثناء في قوله: (إلا من أطعمته) و(إلا من كسوته)؛ إذ ليس أحد من الناس محرومًا عنهما؟\nوقال الطيبي (٢): المراد بالإطعام والكسوة البسط في الرزق والإغناء، فافهم.\nوقوله: (لن تبلغوا ضري) أي: بالمعصية، (ولن تبلغوا نفعي) أي: بالطاعة،\n_________\n(١) بضم التاء وكسر الطاء، وفتحهما، وقيل: يجوز ضمهما تخفيفًا بحذف الهمزة، قاله القاري (٤/ ١٦١٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٩٥).","vol":"5","page":149},{"text":"يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانوُا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا، يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ. . . . .\nــ\nوالضر-بالفتح ويضم-: ضد النفع، أو بالفتح مصدر وبالضم اسم، كذا في (القاموس) (١)، وقال في (المشارق) (٢): ومتى قرن بالنفع لم يُقل فيه إلا الضر بالضم.\nوقوله: (كانوا على أتقى) أي: كانوا واقعين على تقوى أتقى قلبِ رجلٍ واحدٍ وعلى صفته في التقوى، أي: لو فرض قلب رجل منكم أتقى من الكل، وكان الكل على هذه الصفة.\nوقوله: (ما زاد ذلك في ملكي شيئًا) (زاد) متعد و(شيئًا) مفعول به، وكذا (ما نقص ذلك من ملكي شيئًا).\nوقوله: (في صعيد واحد) الصعيد: التراب، أو وجه الأرض، والطريق، كذا في (القاموس) (٣)، والظاهر هنا المعنى الثاني، وفي اجتماع السائلين في مكان واحد وازدحامهم وإعطاء كل منهم مبالغة لا تخفى.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٩٩).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٠٠).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٧٩).","vol":"5","page":150},{"text":"الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ، يَا عِبَادِي! إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيْهَا عَلَيْكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّه، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٧٧].\n٢٣٢٧ - [٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ إِنْسَانًا، ثُمَّ خَرَجَ يَسْأَلُ، فَأَتَى رَاهِبًا فَسَأَلَهُ فَقَالَ: أَلَهُ تَوْبَةٌ؟ قَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ، وَجَعَلَ يَسْأَلُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: ائْتِ قَرْيَةَ كَذَا وَكَذَا، فأَدْرَكَهُ الْمَوْتُ، فَنَاءَ بِصَدْرِهِ نَحْوَهَا، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ،\nــ\nو(المخيط) بكسر الميم وسكون المعجمة، وهذا قريب من قبيل المدح بما يشبه الذم؛ لأن نقص المخيط في حكم العدم.\nوقوله: (إنما هي أعمالكم) تفسير للضمير المبهم، أي: جزاء أعمالكم، أو المراد نفس الأعمال، ويحذف المضاف من قوله: (أوفيكم إياها) أي: جزاءها، وهذا أحسن، أو هي راجع إلى الأعمال الصالحة والطالحة المفهوم من قوله: (أتقى) و(أفجر).\n٢٣٢٧ - [٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (ثم خرج يسأل) أي: يسأل الناس عن قبول توبة اللَّه أو مغفرته.\nوقوله: (أله توبة؟) الضمير للقائل أو لفعله.\nوقوله: (فأدركه الموت) أي: أماراته وسكراته.\nوقوله: (فناء) على وزن قال بمعنى: نهض بجهد ومشقة، أو على وزن رمى بمعنى بَعُد، وقد روي في (المصابيح) بهما، والأول أوجه، وقيل: هما بمعنًى، كقولهم:","vol":"5","page":151},{"text":"فَأَوْحَى اللَّه إِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وَإِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي، فَقَالَ: قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا فَوُجِدَ إِلَى هَذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٧٠، م: ٢٧٦٦].\n٢٣٢٨ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّه بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٤٩].\n٢٣٢٩ - [٧] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ، لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ. . . . .\nــ\nرأى وراء، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١).\nوقوله: (فأوحى اللَّه تعالى إلى هذه) أي: إلى القرية الصالحة التي توجه إليها (أن تقرّبي) أي: إلى الميت.\nوقوله: (وإلى هذه) أي: القرية الظالمة التي هاجر منها.\nوقوله: (فوجد إلى هذه) القرية التي توجه إليها.\nوفي الحديث كمال مبالغة في سعة رحمة اللَّه وعدم اليأس منها.\n٢٣٢٨ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (لو لم تذنبوا لذهب اللَّه بكم) الحديث. المقصد بيان عفو اللَّه ومغفرته للذنوب إظهارًا لمقتضى اسم العفو والغفار، وليعظموا الرغبة في التوبة والاستغفار، لا الحث على الذنوب وعدم الاحتفال بالذنوب؛ فإن اللَّه تعالى قد نهى عن الذنوب، وبعث الأنبياء ليردعوا عنها، فافهم وباللَّه التوفيق.\n٢٣٢٩ - [٧] (أبو موسى) قوله: (إن اللَّه يبسط يده) بسط اليد كناية عن التوسعة في الغفران وإظهار الكرم.\n_________\n(١) انظر: \"كتاب الميسر\" (٢/ ٥٤١).","vol":"5","page":152},{"text":"وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٥٩].\n٢٣٣٠ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ ثُمَّ تَابَ، تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٤١، م: ٢٧٧٠].\n٢٣٣١ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ تَابَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٠٣].\n٢٣٣٢ - [١٠] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ (١) رَاحِلَتُهُ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ. . . . .\nــ\n٢٣٣٠ - [٨] (عائشة) قوله: (تاب اللَّه عليه) أي: رجع بالرحمة وقَبِلَ توبته.\n٢٣٣١ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (قبل أن تطلع الشمس من مغربها) وهو المراد من قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، لكن الآية مختصة بعدم قبول الإيمان، والحديث يدل على عدم قبول التوبة مطلقًا سواء كان من الكفر أو من المعصية، وفيه خلاف بين العلماء، فتدبر.\n٢٣٣٢ - [١٠] (أنس) قوله: (للَّه) مرفوع واللام للابتداء.\nوقوله: (أشد فرحًا) أي: رضًا عن العبد بقبول توبته، والفرح من صفات اللَّه المتشابهة.\n_________\n(١) في نسخة: \"كانت\".","vol":"5","page":153},{"text":"إِذْ هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٤٧].\n٢٣٣٣ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ عَبْدًا أَذْنَبَ ذَنْبًا فَقَالَ: رَبِّ أَذْنَبْتُ فَاغْفِرْهُ، فَقَالَ رَبُّهُ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا قَالَ (١): رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا فَاغْفِرْهُ (٢)، فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَذْنَبَ ذَنْبًا قالَ (٣): رَبِّ أَذْنَبْتُ ذَنْبًا آخَرَ فَاغْفِرْ لِي،\nــ\nوقوله: (إذ هو بها) الرجل ملتبس بالراحلة حال كونها (قائمة عنده) من غير طلب وتعب، والمقصود بيان شدة رضا الحق من العبد التائب الراجع إليه، وتشبيهه بفرح الرجل المذكور، والعبدُ العاصي بمنزلة الراحلة المنقلبة، وتوبته بمنزلة وجدانه، فتأمل.\n٢٣٣٣ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (أَعَلِم) استفهام للتقرير والتعجب، وفي ذكر (عبدي) دون أن يقول: (أعلم) تلطف وترحم.\nقوله: (ثم مكث) من باب نصر وكرم.\nوقوله في المرة الثالثة: (رب! أذنبت ذنبًا آخر فاغفر لي) بزيادة لفظ (آخر) و(لي)، وقد يوجد (لي) في الأول في بعض النسخ، و(آخر) و(لي) في الثانية، والذي تقرَّر في النسخ المصححة ما ذكرنا، فافهم.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) في نسخة: \"فاغفر لي\".\n(٣) في نسخة: \"فقال\".","vol":"5","page":154},{"text":"فَقَالَ: أَعَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ؟ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَفْعَلْ مَا شَاءَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٥٠٧، م: ٢٧٥٨].\n٢٣٣٤ - [١٢] وَعَنْ جُنْدُبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حَدَّثَ: \"أَنَّ رَجُلًا قَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لِفُلَانٍ، وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يَتَأَلَّى عَلَيَّ أَنِّي لَا أَغْفِرُ لِفُلَانٍ، فَإنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِفُلَانٍ، وَأَحْبَطْتُ عَمَلَكَ\". أَوْ كَمَا قَالَ: رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٢١].\n٢٣٣٥ - [١٣] وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ، وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ،\nــ\nوقوله: (فليفعل ما شاء) أي: ما دام يذنب ثم يتوب ويستغفر، وليس المقصود الحث على الفعل أو الترخُّصُ فيه، بل المقصود إظهار الحفاوة والتلطف على وزان ما ورد في شأن أهل بدر: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).\n٢٣٣٤ - [١٢] (جندب) قوله: (وأن اللَّه تعالى) بفتح الهمزة وكسرها معًا.\nوقوله: (من ذا الذي يتألى عليّ) أي: يحلف ويتحكم عليّ، وفي هذه العبارة تخويف وتهديد شديد، وفي صورة الغيبة دون أن يقول: أنت الذي تتألى، دلالة على التهديد لكل من يتألى من غير خصوصية بالمخاطب، ثم خاطبه بأنك إذا حلفت عليّ فاعلم أني قد غفرت له على رغم أنفك، (وأحبطت عملك) جزاء على ما قلت، فإن الحكم على اللَّه بأنه يفعل ذلك البتة كفر، وإن لم يكن كفرًا فهذا تغليظ.\nوقيل: المراد: أبطلت قَسَمك وجعلته كذبًا.\n٢٣٣٥ - [١٣] (شداد بن أوس) قوله: (وأنا على عهدك ووعدك) أي: على","vol":"5","page":155},{"text":"أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ\". قَالَ: \"وَمَنْ قَالَهَا مِنَ النَّهَارِ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ قَبْلَ أَنْ يُمْسِيَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا مِنَ اللَّيْلِ وَهُوَ مُوقِنٌ بِهَا، فَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٣٠٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-632> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٣٣٦ - [١٤] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ! إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابنَ آدمَ (١)! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ،\nــ\nما عاهدتك ووعدتك من الإقرار بالعبودية والثبات عليها، وإن لم أفِ بذلك، أو: أنا مقيم على عهدك ووعدك الذي عهدت ووعدت بفضلك وكرمك لأهل طاعتك وإن لم يأت مني طاعة كما ينبغي.\nوقوله: (أبوء) أي: أعترف لك بتواتر نعمك عليّ، وأعترف بدوام ذنوبي والتقصير عن شكرها، وأصل البوء الرجوع، يقال: باء إليه، أي: رجع إليه وانقطع، ويقال: باء بدمه: اعترف، وبذنبه: احتمله، أو اعترف به، كذا في (القاموس) (٢)، وهذا المعنى دائم، أعني توالي النعم من جانب الحق ووجودَ الذنب والتقصير من العبد، وفي ما ذكر العجز والاعتذار والذلة والافتقار، ولذلك سمي سيد الاستغفار.\nالفصل الثاني\n٢٣٣٦، ٢٣٣٧ - [١٤، ١٥] (أنس) قوله: (عنان السماء) العنان -بالفتح-:\n_________\n(١) في نسخة: \"ابن آدم\" بدون حرف النداء.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٦).","vol":"5","page":156},{"text":"ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ! إِنَّكَ لَوْ لَقِيتَنِي بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٤٠].\n٢٣٣٧ - [١٥] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [حم: ٥/ ١٥٤، دي: ٢/ ٣٢٢].\nــ\nالسحاب الذي لا يمسك الماء، واحدته بهاء، كذا في (القاموس) (١)، وقد يجيء بمعنى السحاب مطلقًا وهو المراد ههنا، وإضافته إلى السماء للمبالغة في علوّه وارتفاعه، وقد يكسر العنان بمعنى: ما عنّ لك، فعنان السماء: ما بدا لك منها إذا نظرتها ورفعت رأسك إليها، وقد يروى: (أعنان السماء) بمعنى نواحيها، والأعنان من الشجر أطرافها، ومن السماء نواحيها وما اعترض من أقطارها وآفاقها، جمع عَنَنٍ، قال التُّورِبِشْتِي (٢): إضافة العنان بمعنى السحاب إلى السماء غير فصيح، وأرى الصواب أعنان السماء، ولعل الهمزة سقطت عن بعض الرواة، أو ورد العنان بمعنى العنن، فتدبر.\nوقوله: (والقراب) بالضم والكسر: ما قارب قدر الشيء، وقراب الأرض قريب من ملئها، وقال في (المشارق) (٣): القِراب وعاء كالجراب مستطيل يجعل فيه السيف بغمده والسكين وما أشبهه من سوط ونحوه، وما خف من زاد الراكب بكسر القاف، وأما بضمها فبمعنى القرب، ومنه قوله في الحديث: (من لقيني بقراب الأرض خطيئة) بضم القاف، أي: ما يقارب ملأها، وقال لي أبو الحسين: ويقال: (بقِراب) أيضًا بكسرها.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٢٢).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٥٤٤).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٩٤).","vol":"5","page":157},{"text":"٢٣٣٨ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ عَلِمَ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ غَفَرْتُ لَهُ وَلَا أُبَالِي مَا لَمْ يُشْرِكْ بِي شَيْئًا\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١٤/ ٣٨٨].\n٢٣٣٩ - [١٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ\". رَوَاهُ أحمدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ١/ ٢٤٨، د: ١٥١٨، جه: ٣٨١٩].\n٢٣٤٠ - [١٨] وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٣٥٥٩، د: ١٥١٤].\nــ\n٢٣٣٨ - [١٦] (ابن عباس) قوله: (من علم أني ذو قدرة على مغفرة الذنوب غفرت له) فيه أن اعتراف العبد بأنه تعالى قادر على مغفرة الذنوب سبب للغفران، وذلك لأن من اعترف بذلك ارتجاه، ومن ارتجى الكريم لم يحرمه، مع أن في ذكر القدرة وعدم المبالاة إيماء إلى جواز التعذيب أيضًا، ففيه خوف منه تعالى، ومن خاف القادر رحمه.\n٢٣٣٩ - [١٧] (عنه) قوله: (من لزم الاستغفار جعل اللَّه له. . . إلخ) لأن من لزم الاستغفار تُغفر له الذنوب ويخرج منها فيكون في حكم المتقي الذي لا يذنب، والمتقي وُعد له المخرجُ من كل ضيق ووصولُ الرزق (من حيث لا يحتسب) أي: لا يظن ولا يرجو.\n٢٣٤٠ - [١٨] (أبو بكر الصديق) قوله: (ما أصر من استغفر) الإصرار هو الدوام","vol":"5","page":158},{"text":"٢٣٤١ - [١٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٤٩٩، جه: ٤٢٥١، دي: ٢/ ٣٠٣].\n٢٣٤٢ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَاسْتَغْفَرَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكُمُ الرَّانُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] \". . . . .\nــ\nعلى الذنب، وقد ثبت أن الإصرار على الصغيرة كبيرة، وإذا استغفر لم يدم، فلا إصرار مع الاستغفار، فافهم.\n٢٣٤١ - [١٩] (أنس) قوله: (كل بني آدم خطّاء) حصِّن منه الأنبياء؛ لأنهم معصومون، اللهم إلا أن يحمل الخطاء على ما يشمل الصغائر فلا إشكال بالأنبياء على القول بصدور الصغيرة منهم، وأما صيغة المبالغة فباعتبار وجود الكثرة في الجملة، ويمكن أن يكون باعتبار أن الذنب قليله كثير، هذا وإن حمل على المبالغة فله وجه أيضًا.\n٢٣٤٢ - [٢٠] (أبو هريرة) قوله: (كانت نكتة) روي بالنصب والرفع، فالنصب على أنها خبر كان، والضمير في (كانت) للذنب، والتأنيث بتأويله بالسيئة، والرفع على أن كان تامة، أي: حدثت منه نكتة، والنكتة: النقطة، كذا في (القاموس) (١)، والنكت في الأصل أن تضرب في الأرض بقضيب فيؤثر فيها.\nقوله: (فذلكم الران) قيل: الران بمعنى الرين كالعاب والعيب وهو الطبع والتغطية\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٦٢).","vol":"5","page":159},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [حم: ٢/ ٢٩٧، ت: ٣٣٣٤، جه: ٤٢٤٤].\n٢٣٤٣ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٣٥٣٨، جه: ٤٢٥٣].\nــ\nوالدنس، يقال: ران ذنبه على قلبه رَيْنًا ورُيونًا: غلب، وكل ما غلبك [فقد] رانك وبك وعليك، وقيل: المراد هو الران المذكور في قوله تعالى: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، وأدخل اللام على الفعل قصدًا إلى حكاية اللفظ فأُجري مجرى الاسم كما في قوله: (نهى عن القيل والقال)، والرين الذي ذكر في الآية بيان أحوال الكفار، فذكْرُه في الحديث تخويف للمؤمنين، أو المراد تشبيه بذلك في اسوداد القلب، أو المراد -واللَّه أعلم- أنه قد ينجرّ ارتكاب المعاصي إلى الكفر لا أنه كفر في الحال، ولعله المراد بما قيل بأنه تخويف.\n٢٣٤٣ - [٢١] (ابن عمر) قوله: (ما لم يغرغر) في الأصل: ترديد الماء في الحلق، والمراد: ما لم تبلغ روحُه حلقومَه، فيكون بمنزلة الشيء الذي يتغرغر به، وقد يحصل في تلك الحالة في الحلق صوت مثل صوت الغرغرة، وظاهر الحديث أنه لا يقبل التوبة عند حضور الموت سواءٌ كان من الكفر والمعصية، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية [النساء: ١٧]، وقد ذهب البعض إلى أنه يقبل التوبة عن المعصية لا عن الكفر، فعندهم إيمان اليأس غير مقبول وتوبته مقبولة.\nوقال الطيبي (١): الخلاف في التوبة من الذنوب، أما لو استحلَّ من مظلمة صح تحليلة.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٥/ ١٠٨).","vol":"5","page":160},{"text":"٢٣٤٤ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ لَا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ، فَقَالَ الرَّبُّ ﷿: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَارْتِفَاعِ مَكَانِي لَا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣/ ٢٩].\n٢٣٤٥ - [٢٣] وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ بِالْمَغْرِبِ بَابًا عَرْضُهُ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عَامًا لِلتَّوْبَةِ لَا يُغْلَقُ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ. . . . .\nــ\n٢٣٤٤ - [٢٢] (أبو سعيد) قوله: (وارتفاع مكاني) أي: مكانتي وقدري.\nوقوله: (ما استغفروني) أي: ما دامت أرواحهم في أجسادهم كما يفهم من سياق الحديث، فيفهم منه أن التوبة والاستغفار يقبل في حالة الغرغرة؛ لأنه حالَ الحياة، إلا أن يقيد بقاء الحياة ببقاء الاختيار.\nثم هذا الحديث لا ينافي قوله تعالى: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٣٩ - ٤٠] لدلالته على إغواء غير المخلصين، وهذا الحديث يدل على أن غير المخلصين أيضًا يرفع عنهم الإغواء لاستغفارهم؛ لأن المراد أن الشيطان لا يغوي المخلصين ولا يوقعهم في الذنب كالأنبياء صلوات اللَّه عليهم أجمعين، وغيرهم قد يغويهم ويوقعهم في الذنب، ولكن اللَّه تعالى يرجع عليهم بالتوبة والمغفرة، فافهم.\n٢٣٤٥ - [٢٣] (صفوان بن عسال) قوله: (عرضه مسيرة سبعين عامًا) قيل: المراد به المبالغة في انفتاح باب التوبة، وكون الناس في فسحة ووسعة منها، وهذا تأويل، وصريحُ الإيمان أن يؤمن بها من غير تأويل، والعلم عند اللَّه.","vol":"5","page":161},{"text":"مِنْ قِبَلِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨] \". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٣٥٣٦، جه: ٤٠٧٠].\n٢٣٤٦ - [٢٤] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٤/ ٩٩، د: ٢٤٧٩، دي: ٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠].\n٢٣٤٧ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ مُتَحَابَّيْنِ، أَحَدُهُمَا مُجْتَهِدٌ لِلْعِبَادَةِ، وَالآخَرُ يَقُولُ: مُذْنِبٌ،. . . . .\nــ\nوقوله: (من قبله) بكسر القاف وفتح الباء، أي: من جانبه.\n٢٣٤٦ - [٢٤] (معاوية) قوله: (لا تنقطع الهجرة) المراد بالهجرة هنا: مهاجرة الذنوب والآثام والأخلاق الذميمة بالخروج عن موطن الطبيعة ومستقر النفس، والمراد بقوله: (حتى تنقطع التوبة) أي: ينتهي حكم اللَّه تعالى وشريعته بقبول التوبة، وذلك عند طلوع الشمس من مغربها، وقال الطيبي (١): مهاجرة الذنوب والخطايا عين التوبة فيلزم التكرار، فيجب أن يحمل على الهجرة من مقام لا يتمكن فيه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة حدود اللَّه، فتدبر.\n٢٣٤٧ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (والآخر يقول: مذنب) أي: أنا مذنب،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٥/ ١١٠).","vol":"5","page":162},{"text":"فَجَعَلَ يَقُولُ: أَقْصِرْ عَمَّا أَنْتَ فِيهِ، فَيَقُولُ: خَلِّنِي وَرَبِّي، حَتَّى وَجَدَهُ يَوْمًا عَلَى ذَنْبٍ اسْتَعْظَمَهُ، فَقَالَ: أَقْصِرْ، فَقَالَ: خَلِّنِي وَرَبِّي أَبُعِثْتَ عَلَيَّ رَقِيبًا؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ أَبَدًا، وَلَا يُدْخِلُكَ الْجَنَّةَ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمَا مَلَكًا، فَقَبَضَ أَرْوَاحَهُمَا، فَاجْتَمَعَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لِلْمُذْنِبِ: ادْخُلِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِي، وَقَالَ لِلآخَرِ: أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْظُرَ عَلَى عَبْدِي رَحْمَتِي؟ فَقَالَ: لَا يَا رَبِّ، قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ إِلَى النَّارِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٣٢٣].\nــ\nاعترافًا بذنوبه وانكسارًا من جهة ذلك وترجيًا في مغفرة اللَّه وفضله، وقيل: يمكن أن يكون المعنيُّ بقول النبي -ﷺ-: الآخر مذنب.\nوقوله: (فجعل يقول) أي: حبيبه له: (أقصر) أي: أمسك (عما أنت فيه) من ارتكاب الذنوب، والإقصار: الكف عن الشيء مع القدرة عليه؛ فإن عجز عنه يقول: قصرت عنه، بلا ألف، كذا في (مجمع البحار) (١).\nوقوله: (فيقول: خلني وربي) كان الرجل يستغفر ربه ويعتذر له فغفر له، وبهذا يناسب الترجمة، وظاهر الحديث أنه أدخله الجنة برحمته ومحض فضله، فالمناسب أن يذكره في (باب سعة رحمة اللَّه) الآتي.\nوقوله: (أن تحظر) بالظاء المشالة بمعنى المنع والتحريم.\nوقوله: (اذهبوا به إلى النار) خطاب للملائكة، وإدخاله بمجازاته على قسمه وحُكمِه على اللَّه تعالى بأنه لا يغفر الذنوب، المستلزمِ لإنكار صفة اللَّه إما عمومًا أو خصوصًا، وهو إما كفر أو معصية.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٢٨٥).","vol":"5","page":163},{"text":"٢٣٤٨ - [٢٦] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ: \" ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] وَلَا يُبَالِي\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَفِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\": \"يَقُولُ\" بَدَلَ \"يقْرَأ\". [حم: ٦/ ٤٥٣، ت: ٣٢٣٧].\n٢٣٤٩ - [٢٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٢٨٤].\nــ\n٢٣٤٨ - [٢٦] (أسماء بنت يزيد) قوله: (﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾) إن أريد وجوب المغفرة قيِّد بالتوبة، وإن أريد جوازها فالمغفرة عن الكفر مقيِّد بها لا عن المعاصي، هذا ما يقتضيه المذهب والنصوص الواردة في الباب، وفيه كلام مذكور في التفاسير.\nوقوله: (ولا يبالي) من قول الرسول -ﷺ- زيادة على الآية، أي: لا يبالي بمغفرة الذنوب جميعًا لسعة رحمته وعدم مبالاته من أحد، ويمكن أن يكون قولَ الراوي، أي: يقرأ هذه الآية رسول اللَّه ولا يبالي أحدًا، والظاهر هو الأول.\n٢٣٤٩ - [٢٧] (ابن عباس) قوله: (﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾) في (القاموس) (١): اللمم محركة: الجنون وصغار الذنوب، وقال القاضي في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣٢] ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾: إلا ما قل وصغر.\nوقوله: (الجم) بفتح الجيم وتشديد الميم بمعنى الكبير العظيم، والبيت لأمية\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٦٨).","vol":"5","page":164},{"text":"٢٣٥٠ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ (١) إِلَّا مَنْ هَدَيْتُ فَاسْأَلُونِي الْهُدَى أَهْدِكُمْ، وَكُلُّكُمْ فُقَرَاءُ إِلَّا مَنْ أَغْنَيْتُ، فَاسْأَلُونِي أَرْزُقْكُمْ، وَكُلُّكُم مُذْنِبٌ إِلَّا مَنْ عَافَيْتُ، فَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى الْمَغْفِرَةِ فَاسْتَغْفَرَنِي غَفَرْتُ لَهُ وَلَا أُبَالِي، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي مَا زَاد ذَلِكَ فِي مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ. . . . .\nــ\nابن أبي الصلت أنشده النبي -ﷺ-، والمنفي عنه -ﷺ- إنشاء الشعر لا إنشاده، وهو الصحيح، أي من شأنك غفران الذنوب الكبيرة الكثيرة فضلًا عن الصغائر؛ لأنها لا يخلو عنها أحد وإنها مكفَّرة بالحسنات\n٢٣٥٠ - [٢٨] (أبو ذر) قوله: (وعن أبي ذر) مضمون هذا الحديث هو مضمون الحديث المذكور في الفصل الأول عن أبي ذر، مع ما بينهما من الاختلاف في بعض الكلمات.\nوقوله: (فاسألوني) في بعض النسخ: (فسلوني)، والأول أفصح.\nوقوله: (إلا من عافيت) يدل على أن العافية هي السلامة عن الذنوب وهي أكمل أفرادها.\nوقوله: (ورطبكم ويابسكم) (٢) قيل: المراد به أهل البحر والبر، وقيل: عبارة\n_________\n(١) في \"التقرير\": أي: الذي لم يكن واقفًا على الطريق فيشمل الأنبياء.\n(٢) في \"التقرير\": أي: شابكم وشيخكم، أو عالمكم وجاهلكم، أو مطيعكم وعاصيكم، والغرض الإحصاء.","vol":"5","page":165},{"text":"اجْتَمَعُوا عَلَى أَشْقَى قَلْبِ عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَلَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وآخِرَكُمْ وَحَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلَ كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَّتُهُ، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ سَائِلٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي إِلَّا كَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ مَرَّ بِالْبَحْرِ فَغَمَسَ فِيهِ إِبْرَةً، ثُمَّ رَفَعَهَا. ذَلِكَ بِأَنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُ، عَطَائِي كَلَامٌ، وَعَذَابِي كَلَامٌ، إِنَّمَا أَمْرِي لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ لَهُ: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٥/ ١٥٤، ت: ٢٤٩٥، جه: ٤٢٥٧].\n٢٣٥١ - [٢٩] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَرَأَ ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [المدثر: ٥٦]، قَالَ: \"قَالَ رَبُّكُمْ: أَنَا أَهْلٌ أَنْ أُتَّقَى،\nــ\nعن الاستيعاب، وقيل: أراد أنه لو فرض كون الشجر والحجر إنسانًا.\nوأقول -واللَّه أعلم-: يحتمل أن يكون المراد بالرطب واليابس الإنس والجن، بناء على أن خلق الجن من النار والإنس من الماء، ويؤيده ما ورد في الحديث المذكور في الفصل الأول عن أبي ذر: (جنّكم وإنسكم).\nوقوله: (ذلك بأني جواد ماجد) إشارة إلى مجموع ما ذكر أو للأخير، وعلى الأول يكون الجواد بالنسبة إلى الأخير، والماجد إلى ما قبله، أو الكل في الكل، فافهم.\nوقوله: (عطائي كلام وعذابي كلام) توطئة لقوله: (إنما أمري لشيء إذا أردت أن أقول له: كن فيكون).\n٢٣٥١ - [٢٩] (أنس) قوله: (أنا أهل أن أتقى) بلفظ المتكلم المجهول، أي:","vol":"5","page":166},{"text":"فَمَنِ اتَّقَانِي فَأَنَا أَهْلٌ أَنْ أَغْفِرَ لَهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٣٣٢٨، جه: ٤٢٩٩، دي: ٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣].\n٢٣٥٢ - [٣٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: إِنْ كنَّا لَنَعُدُّ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْمَجْلِسِ يَقُولُ: \"رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الْغَفُورُ\" مِئَةَ مَرَّةٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٢١، ت: ٣٤٣٤، د: ١٥١٦، جه: ٣٨١٤].\n٢٣٥٣ - [٣١] وَعَنْ بِلَالِ بْنِ يَسَارِ بْنِ زَيْدٍ مَوْلَى النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: . . . . .\nــ\nأنا جدير وخليق بأن يتقيَ العباد ويخافون من عذابي.\nوقوله: (فأنا أهل) إشارة إلى أن الفاء بمعنى الواو للترتيب، فافهم.\n٢٣٥٢ - [٣٠] (ابن عمر) قوله: (إن كنا لنعد) (إن) مخففة من المثقلة، وعلامة [ذلك] دخولها على أفعال المبتدأ والخبر، ودخول اللام في الخبر.\nو(يقول) بتقدير (أن) أي: كنا نعدُّ قولَه: (رب اغفر لي. . . إلخ) ويدل على أن استغفاره -ﷺ- كان بلفظ الدعاء، وقد رجحوا على قول القائل: أستغفر اللَّه؛ لأنه إن كان غافلًا ولاهيًا في ذلك يكون كذبًا بخلاف الدعاء، فإنه قد يستجاب إذا صادف الوقت وإن كان مع الغفلة، كذا قالوا، وهذا مبني على أن قوله: (أستغفر اللَّه) خبرٌ، ويجوز أن يكون إنشاء وهو الظاهر، وقد ورد في الصحيح قوله -ﷺ-: (أستغفر اللَّه الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب عليه)، نعم ترجيحهم فيمن سواه -ﷺ-.\n٢٣٥٣ - [٣١] (بلال بن يسار) قوله: (وعن بلال بن يسار بن زيد مولى النبي -ﷺ-): (مولى) بدل من (زيد) وهو زيد بن بَوْلَى بفتح موحدة وسكون واو مقصورًا، وهو غير","vol":"5","page":167},{"text":"\"مَنْ قَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، غُفِرَ لَهُ وَإِنْ كَانَ قَدْ فَرَّ مِنَ الزَّحْفِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، لَكِنَّهُ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ هِلَالُ بْنُ يَسَارٍ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٥٧٧، د: ١٥١٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-633> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٣٥٤ - [٣٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ ﷿ لَيَرْفَعُ الدَّرَجَةَ لِلْعَبْدِ الصَّالِحِ فِي الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! أَنَّى لِي هَذِهِ؟ فَيَقُولُ: بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٣٦٣، ٥٠٩].\nــ\nزيد بن حارثة أبي أسامة، كان عبدًا نوبيًّا.\nقوله: (الحي القيوم) بالرفع بدل من (هو)، وهو المشهور، وقد ينصب على أنه نعتُ (اللَّه) أو بدل منه.\nوقوله: (ولكنه عند أبي داود: هلال بن يسار) كذا في (قاموس اللغة)، والمشهور بلال، كذا في أكثر الكتب مثل (جامع الأصول) (١) و(الكاشف) (٢) وغيرهما.\nالفصل الثالث\n٢٣٥٤ - [٣٢] (أبو هريرة) قوله: (باستغفار ولدك لك) وهذا أحد منافع النكاح وأعظمها، وأحد الأشياء الثلاثة التي تلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته كما جاء في الحديث.\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (٤/ ٣٨٩).\n(٢) \"الكاشف\" (١/ ٢٧٧).","vol":"5","page":168},{"text":"٢٣٥٥ - [٣٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا الْمَيِّتُ فِي الْقَبْرِ إِلَّا كَالْغَرِيقِ الْمُتَغَوِّثِ يَنْتَظِرُ دَعْوَةً تَلْحَقُهُ مِنْ أَبٍ أَوْ أُمٍّ أَوْ أَخٍ أَوْ صَدِيقٍ، فَإِذَا لَحِقَتْهُ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُدْخِلُ عَلَى أَهْلِ الْقُبُورِ مِنْ دُعَاءِ أَهْلِ الأَرْضِ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، وَإِنَّ هَدِيَّةَ الأَحْيَاءِ إِلَى الأَمْوَاتِ الِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [هب: ٩٢٩٥].\n٢٣٥٦ - [٣٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"طُوبَى لِمَنْ وَجَدَ فِي صَحِيفَتِهِ اسْتِغْفَارًا كَثِيرًا\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى النَّسَائِيُّ فِي \"عَمَلِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ\". [جه: ٣٨١٨، عمل اليوم والليلة: ١/ ١٥].\n٢٣٥٧ - [٣٥] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِينَ إِذَا أحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا وإِذَا أَسَاؤُوا اسْتَغْفَرُوا\". . . . .\nــ\n٢٣٥٥ - [٣٣] (عبد اللَّه بن عباس) قوله: (من أب أو أم أو أخ أو صديق) تخصيصٌ ببعض من يرجى منه الغوث ويتوقع الدعاء والاستغفار أكثر مما سواه، وإلا فالحكم عام كما قال في آخر الحديث، ولم يذكر الولد في هذا الحديث لكونه معلومًا مقررًا مذكورًا في الأحاديث الأخر.\n٢٣٥٦ - [٣٤] (عبد اللَّه بن بسر) قوله: (عبد اللَّه بن بسر) بضم الموحدة وسكون السين المهملة.\nوقوله: (طوبى لمن وجد في صحيفته) المقصود مدح الاستغفار والبشارة للمستغفر، وإنما قال كذلك إشارة إلى قوته وثبته وظهور أثره في وقت الحاجة.\n٢٣٥٧ - [٣٥] (عائشة) قوله: (إذا أحسنوا استبشروا) شكرًا لتوفيق اللَّه ورؤية فضله، (وإذا أساؤوا استغفروا) لرؤية تقصيرهم وعدم تزين عملهم في نظرهم.","vol":"5","page":169},{"text":"رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"الدَّعَوَاتِ الْكَبِير\". [جه: ٣٨٢٠، الدعوات الكبير: ١/ ٢٩٩].\n٢٣٥٨ - [٣٦] وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَالآخَرُ عَنْ نَفْسِهِ، قَالَ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ، وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ، فَقَالَ بِهِ هَكَذَا -أَيْ: بِيَدِهِ- فَذَبَّهُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُول: \"لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ نَزَلَ فِي أَرْضٍ دَوِّيَّةٍ مَهْلَكَةٍ مَعَهُ رَاحِلَتُهُ، عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ، فَنَامَ نَوْمَةً، فَاسْتَيْقَظَ وَقَدْ ذَهَبَتْ رَاحِلَتُهُ،\nــ\n٢٣٥٨ - [٣٦] قوله: (وعن الحارث بن سويد) بلفظ التصغير.\nوقوله: (يرى ذنوبه) أي: كلَّها كبيرة كانت أو صغيرة.\nوقوله: (فقال) أي: فعل وأشار.\nوقوله: (في أرض دوية) بفتح الدال وكسر الواو وتشديدها وتشديد التحتانية بعدها، وفي رواية: (داوية) وهي أيضًا بتشديد الياء: الأرض القفر أو المفازة الخالية، قيل: ذلك لإبدال الواو الأولى ألفًا، وقد تبدل في النسبة كالطائي في طيِّئ، وفي (القاموس) (١): والدوُّ والدوِّيَّة والداوِيَّة، ويخفف: الفلاة.\nو(مهلكة) بفتح الميم وسكون الهاء وكسر لام وفتحها: موضع هلاك، وروي بلفظ اسم فاعل، كذا في (مجمع البحار) (٢).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨١).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ١٧٨).","vol":"5","page":170},{"text":"فَطَلَبَهَا حَتَّى إِذَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ وَالْعَطَشُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَ: أَرْجِعُ إِلَى مَكَانِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ، فَاسْتَيْقَظَ فَإِذَا رَاحِلَتُهُ عِنْدَهُ، عَلَيْهَا زَادُهُ وَشَرَابُهُ، فَاللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ\". رَوَى مُسْلِمٌ الْمَرْفُوعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْهُ فَحَسْبُ، وَرَوَى البُخَارِيُّ الْمَوْقُوفَ عَلى ابنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا. [م: ٦٨٨٦، خ: ٥٩٤٩].\nــ\nوقال القاضي عياض (١): (مهلكة) بنصب الميم واللام كذا ضبطناه، أي: يهلك فيها سالكها بغير زاد ولا ماء ولا راحلة، وقال ثعلب: يقال: مهلكة بالكسر.\nوذكر البيضاوي في قوله تعالى: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ [النمل: ٤٩] على قراءة حفص بكسر اللام: وهو يحتمل المصدر والزمان، وقرأ أبو بكر بالفتح فيكون مصدرًا.\nهذا، وقال في (الصحاح) (٢): المهلكة المفازة، وقال في (القاموس) (٣): والمهلكة ويثلث: المفازة.\nوقوله: (أو ما شاء اللَّه) الظاهر أنه من قول الرسول -ﷺ-، أي: أو ما شاء اللَّه من العذاب والبلاء غير الحر والعطش.\nوقوله: (وضع رأسه على ساعده) كما هو العادة.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٤٥٧).\n(٢) \"الصحاح\" (٤/ ١٦١٦).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٨٢).","vol":"5","page":171},{"text":"٢٣٥٩ - [٣٧] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ الْمُؤمِنَ الْمُفَتَّنَ التَّوَّابَ\".\n٢٣٦٠ - [٣٨] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي الدُّنْيَا بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا﴾ (١) الآيَةَ [الزمر: ٥٣] \"، فَقَالَ رَجُلٌ: فَمَنْ أَشْرَكَ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ -ﷺ- ثُمَّ قَالَ: \"أَلا وَمَنْ أَشْرَكَ\" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.\n٢٣٦١ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَغْفِرُ لِعَبْدِهِ مَا لَمْ يَقَعِ الْحِجَابُ\". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْحِجَابُ؟ قَالَ: \"أَنْ تَمُوتَ النَّفْسُ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ\". رَوَى الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ أَحْمَدُ،\nــ\n٢٣٥٩ - [٣٧] (علي) قوله: (المفتن) بلفظ اسم المفعول مشددًا من الفتنة بمعنى الابتلاء والامتحان، أي: المبتلى بالمعاصي كثيرًا، والمحبة إنما هو من جهة التوبة.\n٢٣٦٠ - [٣٨] (ثوبان) قوله: (بهذه الآية) أي: بدلها.\nوقوله: (ألا ومن) لولا الواو حملت (ألا) على استثناء، فهي حرف تنبيه، وغفران الإشراك يكون بالتوبة، وهذا لا ينافي عموم الآية بـ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣].\n٢٣٦١ - [٣٩] (أبو ذر) قوله: (ما لم يقع الحجاب) أي: بينه وبين رحمة اللَّه، تلميح إلى قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥].\n_________\n(١) قوله: \" ﴿لَا تَقْنَطُوا﴾ \" سقط في نسخة.","vol":"5","page":172},{"text":"وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَخِيرَ فِي \"كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ\". [حم: ١/ ٨٠، ٥/ ٢٧٢، ٥/ ١٧٤، كتاب البعث والنشور: ١/ ٢٤].\n٢٣٦٢ - [٤٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ لَقِيَ اللَّهَ لَا يَعْدِلُ بِهِ شَيْئًا فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ كَانَ عَلَيْهِ مِثْلَ جِبَالٍ ذُنُوبٌ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ\". [كتاب البعث والنشور: ١/ ٣٣].\n٢٣٦٣ - [٤١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ النَّهْرَانِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ. وَفِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\": رُوِيَ عَنْهُ مَوْقُوفًا قَالَ: النَّدَمُ تَوْبَةٌ، وَالتَّائِبُ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ. [جه: ٢٤٥، هب: ٧١٩٦، شرح السنة: ٥/ ٩٢].\n* * *\nــ\n٢٣٦٢ - [٤٠] (عنه) قوله: (لا يعدل به شيئًا) أي: يوازي ولا يساوي باللَّه شيئًا بالإشراك، فالباء للتعدية، وقال الطيبي (١): ويجوز أن يكون المعنى: لا يتجاوز إلى شيء، فـ (شيئًا) منصوب على نزع الخافض.\nوقوله: (غفر اللَّه له) أي: إن شاء.\n٢٣٦٣ - [٤١] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (كمن لا ذنب له) في عدم تضرره، واختلفوا في أن التائب أفضل أم الناشئ من الأول على الصلاح، والتحقيق أن الحيثية مختلفة.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٥/ ١٢٠).","vol":"5","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-634>٥ - باب</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-635> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٣٦٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ كِتَابًا، فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"غَلَبَتْ غَضَبِي\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٥٥٣، ٧٥٥٤، م: ٢٧١٥].\nــ\n٥ - باب\nفي متممات ولواحق للأبواب السابقة من غير ترجمة، وفي بعض النسخ: (باب في سعة رحمة اللَّه)، وهذه الترجمة تناسب أحاديث الباب.\nالفصل الأول\n٢٣٦٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لما قضى اللَّه الخلق) أي: خلق وقدَّر وحكم بأحكامه، كقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، وقد سبق تحقيق معنى القضاء والقدر في موضعه.\nوقوله: (إن (١) رحمتي سبقت غضبي) وذلك لأن آثار رحمة اللَّه وَجوده وإنعامه عمت المخلوقات كلها وهي غير متناهية، بخلاف أثر الغضب فإنه ظاهر في بعض بني آدم ببعض الوجوه، كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، وقال: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦]، وأيضًا تهاوُن العباد وتقصيرهم في أداء شكر نعمائه تعالى أكثر من أن يعدّ ويحصى، ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ\n_________\n(١) بالكسر ويفتح، قال العسقلاني: بفتح \"أن\" على الإبدال من الكتاب، وبكسرها على أنها حكاية بمضمون الكتاب، قلت: يؤيد الثاني رواية الشيخين بلفظ: \"إن رحمتي تغلب غضبي\"، قاله القاري، (٤/ ١٦٣٨).","vol":"5","page":174},{"text":"٢٣٦٥ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ للَّهِ مِئَةَ رَحْمَةٍ، أَنْزَلَ مِنْهَا رَحْمَةً وَاحِدَةً بَيْنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ وَالْبَهَائِمِ وَالْهَوَامِّ، فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ، وَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ، وَبِهَا تَعْطِفُ الْوَحْشُ عَلَى وَلَدِهَا، وَأَخَّرَ اللَّهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِهَا عِبَادَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٠٠، م: ٢٧٥٢].\n٢٣٦٦ - [٣] وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ سَلْمَانَ نَحْوُهُ، وَفِي آخِرِهِ قَالَ: فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَكْمَلَهَا بِهَذِهِ الرَّحْمَةِ. [م: ٢٧٥٣].\nــ\nبِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، فمن رحمته أن يبقيهم ويرزقهم وينعِّمهم بالظاهر ولا يؤاخذهم، هذا في الدنيا، وظهور رحمته في الآخرة قد تكفل ببيانه الحديث الآتي، فإذًا لا شك في أن رحمته تعالى سابقة وغالبة على غضبه، اللهم ارحمنا ولا تهلكنا بغضبك وأنت أرحم الراحمين.\n٢٣٦٥ - [٢] (وعنه) قوله: (إن للَّه مئة رحمة) لعل المراد أنواعها الكلية التي تحت كل نوع منها أفراد غير متناهية، والمراد ضرب مثل لبيان المقصود، تقريبًا إلى فهم الناس، أو هو من قبيل قوله: (إن للَّه تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة) في أن الحصر باعتبار هذا الوصف، فافهم.\nوقوله: (وبها تعطف الوحش على ولدها) خصصها بالذكر لأن وجود الترحم والتعطف فيها مستغرب مستبعد لعدم إيناسهم وائتلافهم، ولذلك سميت وحوشًا.\nوقوله: (عباده) أي: المؤمنين منهم، فإن الرحمة الخاصة يوم القيامة مخصوص بهم.\n٢٣٦٦ - [٣] (سلمان) قوله: (أكملها) أي: أتم المئة والتسعة والتسعين بهذه الرحمة التي أنزلها على الجن والإنس وما عداهم.","vol":"5","page":175},{"text":"٢٣٦٧ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٦٩، م: ٢٧٥٥].\n٢٣٦٨ - [٥] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْجَنَّةُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٤٨٨].\nــ\n٢٣٦٧ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (لو يعلم المؤمن) الحديث سياقه لبيان صفتي اللطف والقهر، والرحمة والغضب، وعدم بلوغ أحد إلى كنههما، فلو علم المؤمنون الذين هم مَظاهر رحمة اللَّه ما عند اللَّه من القهر ما طمع أحد منهم الجنة، وكذا في الكافرين، وهذا مقصود آخر لا ينافي سبقة رحمته على غضبه بالمعنى الذي سبق، فافهم.\nوقوله: (قنط) بفتح النون، وقد يروى بالكسر، وفي (الصراح) (١) جعله من باب نصر وضرب وسمع، وقال في (القاموس) (٢): قنط كنصر وضرب وحَسِبَ وكَرُم قُنُوطًا بالضم، وكفرح قَنَطًا وقَنَاطة، وكمنع وحسب، وهاتان على الجمع بين اللغتين: [يئس].\n٢٣٦٨ - [٥] (ابن مسعود) قوله: (الجنة أقرب) الحديث تمثيل لقرب الجنة والنار من الناس؛ لأن سبب دخولهما سعي العبد وحكم اللَّه، وهو منجز، فكأنهما حاصلان.\n_________\n(١) انظر: \"الصراح\" (ص: ٢٩٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٣٠).","vol":"5","page":176},{"text":"٢٣٦٩ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ لِأهْلِهِ\"، وَفِي رِوَايَةٍ: \"أَسْرَفَ رَجُلٌ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ أَوْصَى بَنِيهِ: إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ، ثُمَّ اذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ، وَبصْفَهُ فِي الْبَحْرِ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ، فَلَمَّا مَاتَ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ، فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ، فَغَفَرَ لَهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٨١، م: ٢٧٥٦].\nــ\n٢٣٦٩ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (إذا مات فحرقوه) نقلٌ بالمعنى، وقد يروى بلفظ المتكلم أيضًا وكذا في أخواته.\nوقوله: (ثم اذروا) رواية الكتاب على ما في النسخ المصححة بوصل الهمزة وضم الراء على مثال ادعوا، ويروى بفتح الهمزة، يقال: ذرته الريح تَذروه وأذرته تُذْريه: أطارته، ويروى: (ذرُّوني) بضم الذال وتشديد الراء من الذر بمعنى التفريق، و(ذَرُّوني) بالفتح والتشديد من التذرية، أي: فرِّقوني مقابل الريح لتنتشر أجزاء رماده ويتباعد تفريقها ويتذرَّى.\nوقوله: (لئن قدر اللَّه) إلى آخره، قد ذكروا لهذا الكلام توجيهات وتأويلات، واقتصرنا منها نحن على ما ذكره القاضي عياض في (مشارق الأنوار) (١) قال: روايتنا فيه عن الجمهور بالتخفيف وهو المشهور، ورواه بعضهم: (قدّر)، واختلف في تأويل هذا الحديث، فقيل: هذا رجل مؤمن لكنه جهل صفة من صفات ربه، وقد اختلف المتكلمون في جاهل صفة: هل هو كافر أم لا؟ وقيل: (قَدَرَ) ههنا بمعنى: قَدَّر،\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٨٩).","vol":"5","page":177},{"text":"٢٣٧٠ - [٧] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: \"قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- سَبْيٌ؛ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْي قَدْ تَحَلَّبَ ثَدْيُهَا تَسْعَى، إِذْ وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْي، أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ -ﷺ-: أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ فَقُلْنَا: لَا،\nــ\nيقال: قَدَرَ وقَدَّرَ بمعنى، وقيل: هو بمعنى ضيَّق، من قوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]، وهذان التأويلان قيلا في قوله تعالى عن يونس ﵇: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، ولا يليق في حق يونس التأويل الأول، ولا يصح أن يجهل نبي من أنبياء اللَّه صفة من صفات اللَّه، وقيل: قال: (لئن قدر اللَّه عليّ) في حالة لم يضبط قوله فيها لما لحقه من الخوف وغمرهُ من دهش الخشية، وقيل: هذا من مجاز كلام العرب المسمى بتجاهل العارف، وبمزج الشك باليقين، كقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤].\n٢٣٧٠ - [٧] (عمر بن الخطاب) قوله: (سبي) بفتح السين وسكون الباء، وفي (القاموس) (١): سبى العدوَّ سَبْيًا وسِبَاءً: أسره، فهو سبيٌّ وهي سبيٌّ أيضًا، والجمع سبايا.\nوقوله: (تحلب ثديها) أي: سال لبنه، من تَحَلَّبَ العرق، ويقال: تحلَّب فُوه: إذا سال لعابُه.\nوقوله: (تسعى) أي: تعدو المرأة، وفي رواية لمسلم: (تبتغي) أي: تطلب ولدها، وقد وقع في بعض نسخ (المصابيح) موافقًا لما في كتاب البخاري: (تسقي)، وتوجيهه أنه حال مقدَّرة.\nوقوله: (أترون) بضم التاء، أي: تظنون، وقد يفتح.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨٩).","vol":"5","page":178},{"text":"وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٩٩، م: ٢٧٥٤].\n٢٣٧١ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَنْ يُنْجِيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَتِهِ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا،\nــ\nوقوله: (وهي تقدر) حال.\nوقوله: (لَلَّهُ أرحم بعباده من هذه بولدها) وهو تعالى قادر على أن لا يطرحه في النار فلا يطرحه، وتوجيهه يعلم من حديث عبد اللَّه بن عمر الآتي في الفصل الثالث.\n٢٣٧١ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (إلا أن يتغمدني اللَّه منه برحمته) أي: يُلبسَنيها ويسترني بها، مأخوذ من غمد السيف -بكسر الغين-: غلافه، ومعنى الاستثناء: إني لا ينجيني عملي إلا أن يرحمني اللَّه، فحينئذ ينجيني عملي ويصير سببًا في نجاتي، وبدونه لا يصير سببًا؛ لأن العمل ليس علة حقيقية موجبة في النجاة. وقال الطيبي (١): الاستثناء منقطع، فافهم.\nولمَّا أشعر هذا الكلام بإلغاء العمل من حيث إيجابه النجاةَ، وهو لا ينافي سببيتَه ومدخليتَه فيها باعتبار أنه يَعِدُ العامل لأن يتفضل عليه، ويقرب إلى الرحمة من جهة حكمِه تعالى بذلك، ووصفِه إياه كذلك، أشار إلى إثباته بقوله: (فسددوا) أي: قوموا العمل واطلبوا الصواب في القول والعمل، وقيل: سدد بمعنى: صار ذا سداد، (وقاربوا) أي: اقتصدوا في العمل بلا إفراط وتفريط، قارب الإبل، أي: جمعها حتى لا تتبدد وتنتشر، فهو بمنزلة التأكيد للتسديد.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٥/ ١٢٨).","vol":"5","page":179},{"text":"وَاغْدُوا وَرُوحُوا وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ، وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٦٣، م: ٨١٦].\n٢٣٧٢ - [٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يُدْخِلُ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ، وَلَا يُجِيرُهُ مِنَ النَّارِ، وَلَا أَنَا إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٧٠].\n٢٣٧٣ - [١٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أَسْلَمَ الْعَبْدُ فَحَسُنَ إِسْلَامُهُ يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْهُ كُلَّ سَيِّئَةٍ كَانَ زَلَّفَهَا،\nــ\nوقوله: (واغدوا، وروحوا) أي: اعملوا في الغداة والرواح.\nوقوله: (وشيء) إما مجرور عطفٌ على الغدوة والروحة المفهومين من قوله: (واغدوا وروحوا) أي: سيروا الغدوة والروحة وبشيء (من الدلجة) -بضم الدال وسكون اللام-: السير في الليل، أو مرفوع مبتدأٌ محذوف الخبر، أي: اعملوا فيه، أو: مطلوب في عملكم، وقيل: تقديره: وليكن في مشيتكم شيء من الدلجة.\nوقوله: (والقصد القصد) منصوبان بتقدير الزموا، و(تبلغوا) جواب لهذا الأمر، وقد سبق تفصيل معاني هذه الألفاظ في (باب القصد في العمل).\n٢٣٧٢ - [٩] (جابر) قوله: (ولا أنا) أي: ولا أدخل أنا، أو هو من باب إقامة الضمير المرفوع مقام المنصوب، والضمائر يستعار بعضها لبعض، والانفصال لحذف العامل.\n٢٣٧٣ - [١٠] (أبو سعيد) قوله: (فحسن إسلامه) أي: أخلص فيه واستقام على أداء حقوقه، (زلفها) أي: قدَّمها وأسلفها، والأصل فيه الزلفى بمعنى القرب وهو بتشديد لام مفتوحة، ويروى بتخفيفها، وزَلَفها وزلَّفها وأزلفها كلّها بمعنى.","vol":"5","page":180},{"text":"وَكَانَ بَعْدُ الْقِصَاصُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَالسَّيِّئَةُ بِمِثْلِهَا إِلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤١].\n٢٣٧٤ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٩١، م: ١٣١].\nــ\nو(بعد) بضم الدال، أي: بعد الإسلام، و(القصاص) بالرفع اسم (كان).\nوقوله: (الحسنة بعشر أمثالها) بيان القصاص، قال التُّورِبِشْتِي (١): والمراد به ههنا المجازاة وإتباع كل عمل بمثله، وأخذ القصاص من القَصَص الذي هو تتبع الأثر، وهو رجوع الرجل من حيث جاء، فالقصاص أن يؤخذ الجاني في السبيل الذي جاء منه، فيُجرح مثل جرحه أو يقتل كقتله صاحبه، وذلك يفيد معنى المماثلة والمجازاة، فلهذا استعمل في الحديث بمعنى المماثلة والمجازاة.\nوقوله: (إلا أن يتجاوز اللَّه عنها) أي: بقبول التوبة أو بالعفو عن الجريمة.\n٢٣٧٤ - [١١] (ابن عباس) قوله: (فمن هم بحسنة) الحديث، فيه مبالغات في فضل اللَّه وكرمه وعفوه عن العباد كما ذكره الشارحون.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٥٥٢).","vol":"5","page":181},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-636> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٣٧٥ - [١٢] عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ مَثَلَ الَّذِي يَعْمَلُ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ يَعْمَلُ الْحَسَنَاتِ كَمَثَلِ رَجُلٍ كَانَتْ عَلَيْهِ دِرْعٌ ضَيِّقَةٌ قَدْ خَنَقَتْهُ، ثُمَّ عَمِلَ حَسَنَةً فَانْفَكَّتْ حَلْقَةٌ، ثُمَّ عَمِلَ أُخْرَى فَانْفَكَّتْ أُخرَى حَتَّى تَخْرُجَ إِلَى الأَرْضِ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١/ ٩٩٠].\n٢٣٧٦ - [١٣] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُصُّ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ الثَّانِيَةَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، فَقُلْتُ الثَّانِيَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! . . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n٢٣٧٥ - [١٢] (عقبة بن عامر) قوله: (قد خنقته): عصرت حلقه.\nوقوله: (ثم عمل حسنة) هذا في جانب المشبَّه ذكره لبيان التشبيه، أما في انفكاك حلقة الدرع الذي هو المشبَّه به فليس عملُ الحسنة معتبرةً، فافهم.\nوقوله: (حتى تخرج إلى الأرض) أي: تسقط الدرع على الأرض، والمقصود أن عمل السيئات يضيِّق صدر عاملها ويعسِّر عليه أموره، وعمل الحسنات يشرحه وييسِّر.\n٢٣٧٦ - [١٣] (أبو الدرداء) قوله: (﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾) قال البيضاوي (١):\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٤٥٥).","vol":"5","page":182},{"text":"فَقَالَ الثَّالِثَةَ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ فَقُلْتُ الثَّالِثَةَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: \"وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُ أَبِي الدَّرْدَاءِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٣٥٧].\n٢٣٧٧ - [١٤] وَعَنْ عَامِرٍ الرَّامِ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَهُ -يَعْنِي عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ عَلَيْهِ كِسَاءٌ، وَفِي يَدِهِ شَيْءٌ قَدِ الْتَفَّ عَلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَرَرْتُ بِغَيْضَةِ شجَرٍ. . . . .\nــ\nأي: موقفه الذي يقف فيه العبادَ للحساب، أو قيامه على أحواله، من قام عليه: إذا راقبه، أو مقام الخائف عند ربه للحساب بأحد المعنيين، فأضيف إلى الرب تفخيمًا وتهويلًا، أو ربَّه، و﴿مَقَامَ﴾ مقحم للمبالغة كقوله:\nونَفَيتُ عنه مقامَ الذِّئبِ\nوقال في تفسير (الجنتين): أي: جنة للخائف الإِنسي والأخرى للخائف الجني، فإن الخطاب للفريقين، والمعنى: لكل خائفَيْنِ منكما، أو لكل واحد جنة لعقيدته وأخرى لعمله، أو جنة لفعل الطاعات وأخرى لترك المعاصي، أو جنة يثاب بها وأخرى يتفضل بها عليه، أو روحانية وجسمانية.\nوقوله: (وإن رغم أنف أبي الدرداء) أي: ذل وكره، مر تحقيق هذا اللفظ في (كتاب الإيمان).\n٢٣٧٧ - [١٤] (عامر) قوله: (وعن عامر الرام) مخفف الرامي، ويقال: ابن الرام، والأول أصح.\nوقوله: (بغيضة) بالفتح: الأجمة، ومجتمع الشجر في مغيض ماء، أو خاصٌّ","vol":"5","page":183},{"text":"فَسَمِعْتُ فِيهَا أَصْوَاتَ فِرَاخِ طَائِرٍ، فَأَخَذْتُهُنَّ فَوَضَعْتُهُنَّ فِي كِسَائِي، فَجَاءَتْ أُمُّهُنَّ فَاسْتَدَارَتْ عَلَى رَأْسِي، فَكَشَفْتُ لَهَا عَنْهُنَّ، فَوَقَعَتْ عَلَيْهِنَّ فَلَفَفْتُهُنَّ بِكِسَائِي فَهُنَّ أُولَاءِ مَعِي، قَالَ: ضَعْهُنَّ، فَوَضَعْتُهُنَّ، وَأَبَتْ أُمُّهُنَّ إِلَّا لُزُومَهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَتَعْجَبُونَ لِرُحْم أُمِّ الأَفْرَاخِ فِرَاخَهَا، فَوَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ أُمِّ الأَفْرَاخِ بِفِرَاخِهَا، ارْجِعْ بِهِنَّ حَتَّى تَضَعَهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَذْتَهُنَّ وَأُمُّهُنَّ مَعَهُنَّ، فَرَجَعَ بِهِنَّ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٠٨٩].\nــ\nبالغَرَب لا كل شجر، كذا في (القاموس) (١)، فإضافته إلى الشجر للتجريد على بعض المعنى.\nو(الفراخ): جمع فرخ، وهو ولد الطائر، وفي (القاموس) (٢): الفرخ ولد الطائر، وكل صغير من الحيوان والنبات، وعلى هذا يفيد الإضافة.\nوقوله: (فوضعتهن) بهذا قال الرجل، أو الواضع عامر الرام، و(الرحم) بضم الراء وسكون الحاء وضمها بمعنى الرحمة، وقد قرئ بهما في قوله تعالى: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١].\n(بفراخها) بالباء يتضمن معنى الميل والشفقة، والأصح: (فراخها) منصوبًا بدون الباء.\nوقوله: (وأمهن معهن) جملة حالية.\nوقوله: (فرجع) أي: الرجل.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٩٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٤٨).","vol":"5","page":184},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-637> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٣٧٨ - [١٥] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ فَمَرَّ بِقَوْمٍ فَقَالَ: \"مَنِ الْقَوْمُ؟ \" قَالُوا: نَحْنُ الْمُسْلِمُونَ. وَامْرَأَةٌ تَحْضِبُ بِقِدْرِهَا وَمَعَهَا ابْنٌ لَهَا، فَإِذَا ارْتَفَعَ وَهَجٌ تَنَحَّتْ بِهِ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: \"نَعَمْ\"، قَالَتْ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَلَيْسَ اللَّهُ أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ؟ قَالَ: \"بَلَى\"، قَالَتْ: أَلَيْسَ اللَّهُ أَرْحَمَ بِعِبَادِهِ مِنَ الأُمِّ بِوَلَدِهَا؟ قَالَ: \"بَلَى\"، قَالَتْ: إِنَّ الأُمَّ لَا تُلْقِي وَلَدَهَا فِي النَّارِ، فَأَكَبَّ. . . . .\nــ\nالفصل الثالث\n٢٣٧٨ - [١٥] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (نحن المسلمون) كأنهم توهموا وخافوا أن رسول اللَّه -ﷺ- ظنهم غير مسلمين.\nوقوله: (وامرأة تحضب) بالحاء المهملة والضاد المعجمة، أي: توقد، يقال: حضب النار يحضبها: رفعها أو ألقى عليها الحطب، و(الوهج) بالتحريك اسم من وهج النار تهج، وبالسكون مصدر.\nوقوله: (فأكب) في (الصحاح) (١): كبه فأكب، أي: صرعه فانصرع، وهذا من النوادر، ومنه قوله: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الملك: ٢٢]، هذا والكبُّ ههنا بمعنى اللزوم، وقد جاء في الحديث: (فكبوا رواحلهم) أي: ألزموها الطريق، وفي (القاموس) (٢): أكب على عمله: لزمه وأقبل، أي: جعل يبكي، وقيل: المراد نكس رأسه، فافهم.\n_________\n(١) \"الصحاح\" (١/ ٢٠٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٣٢).","vol":"5","page":185},{"text":"رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَبْكِي، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيْهَا فَقَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ مِنْ عِبَادِهِ إِلَّا الْمَارِدَ الْمُتَمَرِّدَ الَّذِي يَتَمَرَّدُ عَلَى اللَّهِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٤٢٩٧].\n٢٣٧٩ - [١٦] وَعَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ الْعَبْدَ لَيَلْتَمِسُ مَرْضَاةَ اللَّهِ فَلَا يَزَالُ بِذَلِكَ، فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿ لِجبْرِيلَ: إِنَّ فُلَانًا عَبْدِي يَلْتَمِسُ أَنْ يُرْضِيَنِي، أَلَا وَإِنَّ رَحْمَتِي عَلَيْهِ، فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى فُلَانٍ وَيَقُولُهَا حَمَلَةُ الْعَرْشِ، وَيَقُولُهَا مَنْ حَوْلَهُ، حَتَّى يَقُولَهَا أَهْلُ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، ثُمَّ تَهْبِطُ لَهُ إِلَى الأَرْضِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٧٩].\nــ\nوقوله: (إلا المارد المتمرد) المارد والمَريد والمتمرد من شياطين الجن والإنس: المتعري من الخيرات، وفي (القاموس) (١): هو أن يبلغ الغاية التي تُخرج من جملة ما عليه ذلك الصنف.\nوحاصل الجواب: أن الكافر والعاصي خرجا من العبودية وإن سميِّا عبدين للَّه، فلهذا يعذبان، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠].\n٢٣٧٩ - [١٦] (ثوبان) قوله: (مرضاة) بسكون الراء بمعنى الرضا، ونصبُه بالفتحة.\nوقوله: (ثم تهبط) بلفظ المجهول والمعلوم، فالمعلوم من الهبوط، والمجهول من الإهباط، والضمير للرحمة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٢).","vol":"5","page":186},{"text":"٢٣٨٠ - [١٧] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي قَوْلِ اللَّهِ ﷿: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] قَالَ: \"كُلُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ\". [\"كتاب البعث والنشور\": ١/ ٦١].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-638>٦ - باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام</span>\nــ\n٢٣٨٠ - [١٧] (أسامة بن زيد) قوله: (كلهم في الجنة) أول الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بالتقصير في العمل به، ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ يعمل به في أغلب الأوقات، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بضم التعليم والإرشاد إلى العمل.\nوقيل: الظالم الجاهل، والمقتصد المتعلم، والسابق العالم.\nوقيل: الظالم المجرم، والمقتصد الذي خلط الصالح بالسيء، والسابق الذي ترجحت حسناته بحيث صارت سيئاته مكفَّرة، وهو معنى قوله -ﷺ-: (أما الذين سبقوا فأولئك يدخلون الجنة بغير حساب، وأما الذين اقتصدوا فأولئك يحاسبون حسابًا يسيرًا، وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك يُحبسون في طول المحشر، ثم يتلقاهم اللَّه برحمته) (١)، ذكره البيضاوي (٢).\n٦ - باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام\nالصبح والصباح: الفجر، ويطلق على أول النهار إلى طلوع الشمس، والمساء\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٢١٧٢٧).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٢٧٣).","vol":"5","page":187},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-639> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٣٨١ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَمْسَى قَالَ: \"أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ للَّهِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرِ مَا فِيهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ وَسُوءِ الْكِبَرِ وَفِتْنَةِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الْقَبْرِ\"، وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا: \"أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ للَّهِ\".\nوَفِي رِوَايَةٍ: \"رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ. . . . .\nــ\nضده، والأدعية المذكورة عندهما تشمل ما يؤتى بها قبل صلاة الفجر والمغرب وبعدهما، والمنام مصدر ميمي، ويجوز أن يكون ظرفَ زمان.\nثم الظاهر أن المراد النوم بالليل، ولا يشمل القيلولة، يدل على ذلك قوله في الحديث الثاني: (إذا أخذ مضجعه من الليل).\nالفصل الأول\n٢٣٨١ - [١] (عبد اللَّه) قوله: (من خير هذه الليلة) أي: خير ما يقع ويحدث فيها، (وخير ما فيها) أي: ما يسكن فيها، والأظهر أن يراد بخيرها: ما يَعمل فيها بنفسه، وبخير ما فيها: ما يقع فيها ويحدث من الكون والحوادث.\nو(الهرم) بفتحتين: كبر السن أو أقصى الكبر، و(سوء الكبر) إن كان بفتح الباء فهو بمنزلة العطف التفسيري للهرم، وبيانٌ لما استعاذ له منه، وإن كان بسكونها فهو بمعنى البطر، والأول أقوى رواية، وأشد مناسبة للهرم.\nوقوله: (وفي رواية: رب إني أعوذ بك. . . إلخ) الظاهر أنه بدل قوله: (وفتنة الدنيا وعذاب القبر).","vol":"5","page":188},{"text":"وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٢٣].\n٢٣٨٢ - [٢] وَعَنْ حُذَيْفةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ خَدِّهِ، ثُمَّ يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا\"، وَإِذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ: \"الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٣١٤].\n٢٣٨٣ - [٣] وَمُسْلِمٌ عَنِ الْبَرَاءِ. [م: ٢٧١١].\n٢٣٨٤ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ. . . . .\nــ\n٢٣٨٢ - [٢] (حذيفة) قوله: (مضجعه) في (القاموس) (١): ضجع كمنع: وضع جنبه بالأرض، والمضجَع كمقعد: موضعه، كالمضطَجَع.\nوقوله: (وضع يده تحت خده) أي: الأيمن؛ لما ثبت في الأحاديث: (على شقه الأيمن).\nوقوله: (أموت وأحيا) أي: أنام وأستيقظ، في (القاموس) (٢): مات يموت ويمات ويميت: سكن، ونام.\n٢٣٨٣ - [٣] قوله: (ومسلم عن البراء) فليس هذا الحديث متفقًا عليه في عرف المحدثين، إذ شُرط فيه اتحاد الصحابي، كذا قال الشيخ، ولذا لم يقل المؤلف: متفق عليه.\n٢٣٨٤ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (إذا أوى أحدكم إلى فراشه) مقصور، وأما\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٨٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٦١).","vol":"5","page":189},{"text":"بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ\"، وَفي رِوَايَةٍ: \"ثُمَّ لْيَضْطَجِعْ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ لْيَقُلْ: بِاسْمِكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: \"فَلْيَنْفُضْهُ بِصَنِفَةِ ثَوْبِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ\" و\"إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَاغْفِرْ لَهَا\". [خ: ٦٣٢٠، م: ٢٧١٤].\nــ\n(آوانا) الواقع في الحديث الآخر في قوله: (الحمد للَّه الذي آوانا) ممدود، فأوى بالقصر لازم، وآوى بالمد متعدٍّ، هذا هو الأكثر، ويؤيده ما جاء في حديث آخر: (من قال حين يأوي إلى فراشه).\nوقولُه: (فكم ممن لا مؤوي له)، وحكي القصر والمد فيهما، كذا نقل عن النووي (١).\nوقوله: (بداخلة إزاره) هي الحاشية التي تلي الجسد.\nوقوله: (ما خلفه) أي: قام مقامه بعده (عليه) أي: على الفراش، ووقع فيه من تراب أو قذاة أو هوام.\nوقوله: (إن أمسكت نفسي) أي: قبضت روحي بأن تميتني في هذا المنام، (وإن أرسلتها) أي: رددت نفسي إليّ بأن توقظني.\nوقوله: (بصنفة) بفتح المهملة وكسر النون: طرفه مما يلي طُرَّتَهُ، وفي (القاموس) (٢): حاشيته أيَّ جانب كان، أو الجانب الذي لا هدب له، أو الذي فيه الهدب.\n_________\n(١) انظر: \"تهذيب الأسماء واللغات\" (٣/ ١٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٦٤).","vol":"5","page":190},{"text":"٢٣٨٥ - [٥] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ قَالَ: \"اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَنَبِيِّكَ (١) الَّذِي أَرْسَلْتَ\"، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَالَهُنَّ ثُمَّ مَاتَ تَحْتَ لَيْلَتِهِ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ\"، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِرَجُلٍ: \"يَا فُلَانُ! إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَتَوَضَّأْ وُضُوءَكَ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ اضْطَجِعْ. . . . .\nــ\n٢٣٨٥ - [٥] (البراء بن عازب) قوله: (أسلمت نفسي) بسكون الياء وفتحها، وكذا في البواقي، (ألجات ظهري إليك) أي: توكلت عليك، وأعتمد بك في كل أمري، وفي (الصحاح) (٢): ألجات أمري إلى اللَّه، أي: أسندته إليه، و(لا ملجأ) مهموز (ولا منجا) مقصور، وقد يخفف في الأول.\nوقوله: (رغبة ورهبة) المشهور فتح الراء وسكون الغين والهاء فيهما، وفي (المشارق) (٣): رغبُ النفس: سعة الأمل، وطلب الكثير، يقال بسكون الغين وفتحها وبضم الراء وفتحها، والرغبة أيضًا بالفتح، ورغبت في الشيء: طلبته، وقال: الرَّهب والرُّهب بفتح الراء وضمها وسكون الهاء، ويقال: بفتحهما جميعًا: الخوف.\nوقوله: (تحت ليلته) أي: تحت حادثة فيها.\nوالمراد بـ (فلان) أسيد بن حضير.\n_________\n(١) في نسخة: \"بِنَبيِّكَ\".\n(٢) \"الصحاح\" (١/ ٧١).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤٧٠، ٤٨٠).","vol":"5","page":191},{"text":"عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ، ثُمَّ قُلْ: اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفَسِي إِلَيْكَ\"، إِلَى قَوْلِهِ: \"أَرْسَلْتَ\"، وَقَالَ: \"فَإِنْ مِتَّ مِنْ (١) لَيْلَتِكَ مِتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ، وَإِنْ أَصْبَحْتَ أَصَبْتَ خَيْرًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٤٨٨، ٢٤٧، م: ٢٧١٠].\n٢٣٨٦ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ قَالَ: \"الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَكَفَانَا وآوَانَا، فَكَمْ مِمَّنْ لَا كَافِيَ لَهُ وَلَا مُؤْوِيَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧١٥].\n٢٣٨٧ - [٧] وَعَنْ عَلِيِّ: أَنَّ فَاطِمَةَ أَتَتِ النَّبِيَّ -ﷺ- تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنَ الرَّحَى، وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ،\nــ\nوقوله: (على شقك الأيمن) قالوا: الحكمة فيه أن القلب في جانب اليسار، فإذا نام على شقه الأيمن يكون القلب معلقًا فلا يحصل زيادة استراحة، فلا يكون النوم غرقًا فيتيسَّر الاستيقاظ، وبالنوم على اليسار يستريح فيأتي النوم غرقًا، وله زيادة بيان في شرح كتاب (سفر السعادة) (٢) فلينظر ثمة.\nوقوله: (وإن أصبحت أصبت خيرًا، وفي رواية: (إن أصبحت أصبحت خيرًا).\n٢٣٨٦ - [٦] (أنس) قوله: (وكفانا) أي: دفع عنا شر المؤذيات، (فكم ممن لا كافي له) بل تركهم وشرَّهم، (ولا مؤوي) بل تركهم يهيمون في البوادي، أو المراد بالكفاية والإيواء النصر المخصوص بالمؤمنين، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١].\n٢٣٨٧ - (علي) قوله: (تشكو) حال مقدَّرة، و(الرقيق) المملوك، للواحد\n_________\n(١) في نسخة: \"في\".\n(٢) \"سفر السعادة\" (ص: ٣٢١).","vol":"5","page":192},{"text":"فَلَمْ تُصَادِفْهُ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ، فَلَمَّا جَاءَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ، قَالَ: فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْنَا نَقُومُ، فَقَالَ: \"عَلَى مَكَانِكُمَا\"، فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمِهِ عَلَى بَطْنِي، فَقَالَ: \"أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا، إِذَا أَخَذْتُمَا مَضْجَعَكُمَا فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٣٦١، م: ٢٧٢٧].\nــ\nوالجمع، وقد يجمع على رقاق.\nوقوله: (فلم تصادفه) عطف على (أتت) أي: فلم تجد فاطمة النبي -ﷺ-.\nوقوله: (قال: فجاءنا) أي: قال علي: فجاءنا رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (فذهبنا) أي: طفقنا وقصدنا أن نقوم له.\nوقوله: (على مكانكما) أي: اثبتا على مكانكما ولا تقوما.\nوقول علي: (حتى وجدت برد قدمه على بطني) فيه غاية التعطف والشفقة على ابنته وصهره، وإذا جاءت الألفة رفعت الكلفة، ويجوز أن يكون المراد -واللَّه أعلم- برد اليقين الحاصل من قربه -ﷺ- في باطنه.\nوقوله: (فهو خير لكما) فإن الآخرة وثوابها خير وأبقى.\nوالمقصود: أن طلب عمل الخير الذي يحصل به الراحة والنعمة في الآخرة أوكد وأقدم مما تحصل به الراحة في الدنيا، ولعل التخصيص بهذا العمل المخصوص لمناسبة حال الاضطجاع الذي كانا واستراحا به، واللَّه أعلم. وقد يروى عن علي المرتضى -﵁- أنه قال: ما فات مني ذلك حتى في ليلة صِفِّين.","vol":"5","page":193},{"text":"٢٣٨٨ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- تَسْأَلُهُ خَادِمًا، فَقَالَ: \"أَلَا أَدُلُّكِ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ خَادِمٍ، تُسَبِّحِينَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدِينَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرِينَ اللَّهَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَعِنْدَ مَنَامِكِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٢٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-640> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٣٨٩ - [٩] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: \"اللَّهُمَّ بِكَ أَصْبَحْنَا وَبِكَ أَمْسَيْنَا، وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ\"، وَإِذَا أَمْسَى قَالَ: \"اللَّهُمَّ بِكَ أَمْسَيْنَا وَبِكَ أَصْبَحْنَا، وَبِكَ نَحْيَا وَبِكَ نَمُوتُ، وَإِلَيْكَ النُّشُورُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٣٣٨٨، د: ٥٠٦٨، جه: ٣٨٦٨].\nــ\n٢٣٨٨ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (تسأله خادمًا) خدمه يَخْدِمُه ويَخْدُمُه خدمة، ويفتح، فهو خادم، والجمع خَدَم وخُدَّام، وهي خادم وخادمة، كذا في (القاموس) (١).\nالفصل الثاني\n٢٣٨٩ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (بك أصبحنا) مُلْتبِسين بنعمك وفضلك، (وبك أمسينا) بتقديم أصبحنا على أمسينا في الصباح، وذكر (وإليك المصير)، وفي المساء بتقديم أمسينا على أصبحنا، وذكر (وإليك النشور). وفي أكثر الأحاديث ذكر في الصباح: أصبحنا فقط وإليك النشور، وفي المساء: أمسينا وإليك المصير.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠١٤).","vol":"5","page":194},{"text":"٢٣٩٠ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مُرْنِي بِشَيْءٍ أَقُولُهُ إِذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ، قَالَ: \"قُلْ: اللَّهُمَّ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نَفْسِي، وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِرْكِهِ، قُلْهُ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٣٣٨٩، د: ٥٠٦٧، دي: ٢/ ٢٩٢].\n٢٣٩١ - [١١] وَعَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَيَضُرَّهُ شَيْءٌ\" فَكَانَ أَبَانُ قَدْ أَصَابَهُ طَرَفُ فَالَجٍ،\nــ\n٢٣٩٠ - [١٠] (عنه) قوله: (مليكه) فعيل بمعنى فاعل مع ما فيه من المبالغة.\nوقوله: و(شركه) يروى بكسر الشين وسكون الراء بمعنى الإشراك، وبفتحهما وهو حبائل الصيد وما ينصب للطير.\n٢٣٩١ - [١١] (أبان بن عثمان) قوله: (وعن أبان) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة، يصرف، ولا يصرف، والأول أشهر لكونه على وزن فعال، وعلى الثاني يجعل على وزن أفعل.\nوقوله: (طرف فالج) أي: بعضه، وفالج بفتح اللام: علة معروفة، وهي استرخاء لأحد شقي البدن لانصباب خلط بلغمي تنسد منه مسالك الروح، والفلج بسكون اللام ويحرك: النصف، وهما فلجان.","vol":"5","page":195},{"text":"فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ أَبَانُ: مَا تَنْظُرُ إِلَيَّ؟ أَمَا إِنَّ الْحَدِيثَ كَمَا حَدَّثْتُكَ، وَلَكِنِّي لَمْ أَقُلْهُ يَوْمَئِذٍ لِيُمْضِيَ اللَّهُ عَلَيَّ قَدَرَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةٍ: \"لَمْ تُصِبْهُ فُجَاءَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ لَمْ تُصِبْهُ فُجَاءَةُ بَلَاءٍ حَتَّى يُمْسِيَ\". [ت: ٣٣٨٥، د: ٥٠٨٨، جه: ٣٨٦٩].\n٢٣٩٢ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ إِذَا أَمْسَى: \"أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ للَّهِ، وَالْحَمْدُ للَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، رَبِّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ وَشَرِّ مَا بَعْدَهَا، رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَمِنْ سُوءِ الْكِبَرِ، أَوِ الْكُفْرِ\" -وَفِي رِوَايَةٍ: \"مِنْ سُوءِ الْكِبَرِ وَالْكِبْرِ\"- \"رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ، وَإِذَا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ للَّهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ،\nــ\nوقوله: (فجعل الرجل) يعني: الرجل الذي كان يروي الحديث عنه (ينظر إليه) تعجبًا وإنكارًا بأنك كنت تقول هذه الكلمة في كل صباح ومساء، فكيف أصابك الضر إن كان الحديث صحيحا؟\n(فقال له أبان) رفعًا لتعجبه بطريق الاستفهام الإنكاري: (ما تنظر إليّ؟).\nوقوله: (ليمضي) من الإمضاء، واللام فيه للمبالغة، أو التقدير: لم يوفقني اللَّه، والفجاءة بضم الفاء ممدودًا، وقد يقيد بفتحها وسكون الجيم على لفظ المرة.\n٢٣٩٢ - [١٢] (عبد اللَّه) قوله: (أو الكفر) مكان (الكبر) بـ (أو)، أي: من شر","vol":"5","page":196},{"text":"وَفِي رِوَايَتِهِ لَمْ يَذْكُرْ: \"مِنْ سُوءِ الْكُفْرِ\". [د: ٥٠٧١، ت: ٣٣٩٠].\n٢٣٩٣ - [١٣] وَعَنْ بَعْضِ بَنَاتِ النَّبِيِّ -ﷺ-: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يُعَلِّمُهَا فَيَقُولُ: \"قُولِي حِينَ تُصْبِحِينَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا، فَإِنَّهُ مَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبحُ حُفِظَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي حُفِظَ حَتَّى يُصْبحَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٧٥].\n٢٣٩٤ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبحُ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم: ١٧ - ١٩]، أَدْرَكَ مَا فَاتَهُ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَهُنَّ حِينَ يُمْسِي أَدْرَكَ مَا فَاتَهُ فِي لَيْلَتِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٧٦].\nــ\nعاقبة الكفر أو الكفران، وفي رواية: (من سوء الكِبَر والكِبْر) بالواو، والأول بفتح الباء، والثاني بسكونها.\n٢٣٩٣ - [١٣] (بعض بنات النبي -ﷺ-) قوله: (لا قوة إلا باللَّه) وفي نسخة: لا حول ولا قوة إلا باللَّه.\n٢٣٩٤ - [١٤] (ابن عباس) قوله: (فسبحان للَّه) الفاء بملاحظة تقدير شيء قبله أو اتِّباعا للفظ الآية.\nوقوله: (أدرك ما فاته) من الأوراد، أي: ثوابها.","vol":"5","page":197},{"text":"٢٣٩٥ - [١٥] وَعَنْ أَبِي عَيَّاشٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ قَالَ إِذَا أَصْبَحَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَانَ لَهُ عَدْلَ رَقَبَةٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَكُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَحُطَّ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَ فِي حِرْزٍ مِنَ الشَّيْطَانِ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ قَالَهَا إِذَا أَمْسَى كَانَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ حَتَّى يُصْبحَ\" فَرَأَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِيمَا يَرَى النَّائِمُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبَا عَيَّاشٍ يُحَدِّثُ عَنْكَ بِكَذَا وَكَذَا، قَالَ: صَدَقَ أَبُو عَيَّاشٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٧٥٧٧، جه: ٣٨٦٧].\n٢٣٩٦ - [١٦] وَعَنِ الْحَارِثِ بْنِ مُسْلِمٍ التَّمِيمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: أَنَّهُ أَسَرَّ إِلَيْهِ فَقَالَ: \"إِذَا انْصَرَفْتَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَقُلْ قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمَ أَحَدًا: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنَ النَّارِ، سَبع مَرَّاتٍ؛ فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ، ثُمَّ مِتَّ فِي لَيْلَتِكَ كُتِبَ لَكَ جَوَازٌ مِنْهَا، وَإِذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ فَقُلْ كَذَلِكَ، فَإِنَّكَ إِذَا مِتَّ فِي يَوْمِكَ كُتِبَ لَكَ جَوَازٌ مِنْهَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٧٩، ٥٠٨٠].\nــ\n٢٣٩٥ - [١٥] قوله: (وعن أبي عياش) بتشديد الياء التحتانية وبالشين المعجمة وهو زيد بن عياش المخزومي.\nوقوله: (عدل رقبة) بفتح العين وكسرها روايتان بمعنى المثل، و(ولد) بفتحتين، وبالضم والسكون.\nوقوله: (فرأى) هذا قول الراوي عن أبي عياش.\n٢٣٩٦ - [١٦] (حارث بن مسلم التميمي) قوله: (جواز من النار) أي:","vol":"5","page":198},{"text":"٢٣٩٧ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدَعُ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ حِينَ يُمْسِي وَحِينَ يُصْبحُ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي، اللَّهُمَّ استُرْ عَوْرَاتِي وآمِنْ رَوْعَاتِي، اللَّهُمَّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، وَمِنْ فَوْقِي، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي\". يَعْنِي الْخَسْفَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٧٤].\n٢٣٩٨ - [١٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبحُ: اللَّهُمَّ أَصْبَحْنَا نُشْهِدُكَ وَنُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وَمَلَائِكَتَكَ وَجَمِيعَ خَلْقِكَ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا أَصَابَهُ فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ مِنْ ذَنْبٍ، وَإِنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا أَصَابَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِنْ ذَنْبٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٤٩٥، د: ٥٠٧٨].\nــ\nخلاص منها.\n٢٣٩٧ - [١٧] (ابن عمر) قوله: (أن أغتال) بلفظ المجهول، أي: أَدهى من حيث لا أشعر، في (القاموس) (١): غاله: أهلكه، كاغتاله، وأخذه من حيث لم يدر.\n٢٣٩٨ - [١٨] (أنس) قوله: (إلا غفر اللَّه له) الاستثناء مفرغ، والمستثتى منه هو جواب الشرط المحذوف، أي: ما قال ذلك إلا غفر اللَّه له.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٥٨).","vol":"5","page":199},{"text":"٢٣٩٩ - [١٩] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَقُولُ إِذَا أَمْسَى وَإِذَا أَصْبَحَ ثَلَاثًا: رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نبِيًّا، إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٤/ ٣٣٧، ت: ٣٣٨٦].\n٢٤٠٠ - [٢٠] وَعَنْ حُذَيْفَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ: \"اللَّهُمَّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَجْمَعُ عِبَادَكَ\" أَوْ: \"تَبْعَثُ عِبَادَكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٣٩٨].\n٢٤٠١ - [٢١] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنِ الْبَرَاءِ. [حم: ٤/ ٢٩٢].\n٢٤٠٢ - [٢٢] وَعَنْ حَفْصَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْقُدَ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى تَحْتَ خَدِّهِ ثُمَّ يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبَادَكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٤٥].\nــ\n٢٣٩٩ - [١٩] (ثوبان) قوله: (أن يرضيه) أي: يعطيه ثوابًا جزيلًا حتى يرضى.\n٢٤٠٠، ٢٤٠١ - [٢٠، ٢١] (حذيفة) قوله: (تحت رأسه) قد سبق في الفصل الأول من حديث حذيفة، ويأتي من حديث حفصة: (تحت خده)، وأما قوله هنا: (تحت رأسه) فيحتمل أن يكون ذلك لقرب كل واحد منهما من الآخر، أو كان تارة فتارة، وعلى كل تقدير الحكمة في ذلك التهيئ للتيقظ، وهذا هو السر على النوم على الشق الأيمن كما سبق.\n٢٤٠٢ - [٢٢] (حفصة) قوله: (يوم تبعث عبادك) لما كان النوم في حكم الموت، والاستيقاظ كالبعث، دعا بهذا الدعاء متذكرًا لتلك الحالة.","vol":"5","page":200},{"text":"٢٤٠٣ - [٢٣] وَعَنْ عَلِيٍّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ عِنْدَ مَضْجَعِهِ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ وَكَلِمَاتِكَ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، اللَّهُمَّ أَنْتَ تَكْشِفُ الْمَغْرَمَ وَالْمَأْثَمَ، اللَّهُمَّ لَا يُهْزَمُ جُنْدُكَ وَلَا يُخْلَفُ وَعْدُكَ وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٥٢].\n٢٤٠٤ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَالَ حِينَ يَأْوِي إِلَى فِرَاشِهِ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ، أَوْ عَدَدَ رَمْلِ عَالَجٍ، أَوْ عَدَدَ وَرَقِ الشَّجَرِ، أَوْ عَدَدَ أَيَّامِ الدُّنْيَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٣٩٧].\nــ\n٢٤٠٣ - [٢٣] (علي) قوله: (ولا يخلف) بلفظ الغائب المجهول ورفع (وعدك)، وفي بعض النسخ بلفظ المخاطب المعلوم، فـ (وعدك) منصوب، والمراد بـ (المغرم) الدين، وقيل: مَغْرَم المعاصي والذنوبِ، وقد سبق في (كتاب الصلاة) في (باب الدعاء في التشهد).\nو(الجد) بفتح الجيم، وفسر بالغنى وعليه الأكثرون، وقيل: بمعنى الحظ والبخت، وهو قريب من الأول، وقيل: بمعنى أبي الأب، أي: لا ينفعه نسبه، وقيل: بكسرها بمعنى الاجتهاد في الحرص على الدنيا، وهو ضعيف، وقد سبق بيانه في (باب الركوع).\n٢٤٠٤ - [٢٤] (أبو سعيد) قوله: (الحي القيوم) بالرفع، وقد يروى بالنصب.\nوقوله: (عدد رمل عالج) قيِّد بفتح اللام وقد يكسر، اسم موضع بالبادية فيه","vol":"5","page":201},{"text":"٢٤٠٥ - [٢٥] وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَأْخُذُ مَضْجَعَهُ بِقِرَاءَةِ سُورَةٍ مِنْ كتَابِ اللَّهِ إِلَّا وَكَّلَ اللَّهُ بِهِ مَلَكًا، فَلَا يَقْرُبُهُ شَيْءٌ يُؤْذِيهِ حَتَّى يَهُبَّ مَتَى هَبَّ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٤٠٧].\n٢٤٠٦ - [٢٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَلَّتانِ لَا يُحْصِيهِمَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، أَلَا وَهُمَا يَسِيرٌ وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ،\nــ\nرمل، كذا في (الصحاح) (١) و(القاموس) (٢)، وقال في (النهاية) (٣): هو ما تراكم من الرمل ودخل بعضه في بعض. فعلى الأول بالإضافة، وعلى الثاني بالوصف، وهو منصرف، وقد قيِّد في نسخة غيرَ منصرف، ثم إنه قد وقع الترديد في أربعة أشياء ولا يُدرى أيها أكثر وأبلغ، واللَّه أعلم.\n٢٤٠٥ - [٢٥] (شداد بن أوس) قوله: (حتى يهب) بضم الهاء، أي: يستيقظ، في (القاموس) (٤): الهبوب: ثوران الريح، كالهبيب، والانتباه من النوم.\n٢٤٠٦ - [٢٦] (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص) قوله: (خلتان) بفتح المعجمة وتشديد اللام، أي: خصلتان، (لا يحصيهما) أي: لا يأتي بهما ولا يحافظ عليهما.\nوقوله: (ألا وهما) ألا حرف تنبيه، وإفراد (يسير) باعتبار كل واحدة، أو هما في حكم خصلة واحدة لقلَّتهما، أو لكونهما من جنس واحد، وإنما الاختلاف في العدد.\n_________\n(١) \"الصحاح\" (١/ ٤٩٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٩٥).\n(٣) \"النهاية\" (٣/ ٢٨٧).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٤٥).","vol":"5","page":202},{"text":"يُسَبِّحُ اللَّهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا، وَيَحْمَدُهُ عَشْرًا، وَيُكَبِّرُهُ عَشْرًا\". قَالَ: فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَعْقِدُهَا بِيَدِهِ قَالَ: \"فَتِلْكَ خَمْسُونَ وَمِئَةٌ فِي اللِّسَانِ (١)، وَأَلْفٌ وَخَمْسُ مِئَةٍ فِي الْمِيزَانِ، وَإِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ يُسَبِّحُهُ وَيُكَبِّرُهُ وَيَحْمَدُهُ مِئَةً، فَتِلْكَ مِئَةٌ بِاللِّسَانِ وَأَلْفٌ فِي الْمِيزَانِ، فَأَيُّكُمْ يَعْمَلُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَلْفَيْنِ وَخَمْسَ مِئَةِ سَيِّئَةٍ؟ ! \" قَالُوا: وَكَيْفَ لَا نُحْصِيهَا (٢)؟ قَالَ: \"يَأْتِي أَحَدُكُمُ الشَّيْطَانُ وَهُوَ فِي صِلَاتِهِ فَيَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا اذْكُرْ كَذَا حَتَّى يَنْفَتِلَ فَلَعَلَّهُ أَنْ لَا يَفْعَلَ،\nــ\nوقوله: (يسبح اللَّه) بيان إحدى الخصلتين.\nوقوله: (فتلك خمسون ومئة) أي: في يوم وليلة، (وألف وخمس مئة في الميزان) لأن الحسنة بعشر أمثالها.\nوقوله: (وإذا أخذ مضجعه) بيان للخصلة الأخرى.\nوقوله: (يسبحه ويحمده ويكبره مئة) بأن يسبحه ثلاثًا وثلاثين، ويحمده ثلاثًا وثلاثين، ويكبره أربعًا وثلاثين، كما سبق من حديث فاطمة -﵂-.\nوقوله: (فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمس مئة سيئة؟) أي: حتى تكفَّر، فلا بد أن تُرفع الدرجات بما بقي من هذا العدد.\nوقوله: (وكيف لا نحصيها) بإفراد الضمير، أي: هذه الكلمات أو هذه المذكورات.\nوقوله: (حتى ينفتل) أي: ينصرف عن الصلاة، فلعله أن لا يعقلها لعدم حضور\n_________\n(١) في نسخة: \"باللسان\".\n(٢) في نسخة: \"نحصيهما\".","vol":"5","page":203},{"text":"وَيَأْتِيهِ فِي مَضْجَعِهِ فَلَا يَزَالُ يُنَوِّمُهُ حَتَّى يَنَامَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: \"خَصْلَتَانِ -أَوْ خَلَّتَانِ- لَا يُحَافِظُ عَلَيْهِمَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ\"، وَكذَا فِي رِوَايَتِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: \"وَأَلْفٌ وَخَمْسُ مِئَةٍ فِي الْمِيزَانِ\" قَالَ: \"وَيُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ، وَيَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَيُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ\". وَفِي أَكْثَرِ نُسَخِ \"الْمَصَابِيحِ\" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عُمَرَ. [ت: ٣٤١٠، د: ٥٠٦٥، ن: ١٣٤٨].\n٢٤٠٧ - [٢٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَنَّامٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبحُ: اللَّهُمَّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ فَمِنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ، فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ يَوْمِهِ، وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي فَقَدْ أَدَّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٧٣].\n٢٤٠٨ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ: \"اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الأَرْضِ. . . . . .\nــ\nقلبه وعدم تذكّرها.\nوقوله: (عن عبد اللَّه بن عمر) أي: ابن الخطاب -﵁-.\n٢٤٠٧ - [٢٧] (عبد اللَّه بن غنام) قوله: (وعن عبد اللَّه بن غنام) بفتح الغين المعجمة وتشديد النون.\nوقوله: (فمنك وحدك) قد ورد أن داود ﵇ قال: يا رب! قد كثرت نعمك لديّ فكيف أشكرك؟ قال: يا داود، إذا عرفت أن ما بك من نعمة مني فقد شكرتني.\n٢٤٠٨ - [٢٨] (أبو هريرة) قوله: (اللهم رب السماوات ورب الأرض) إشارة","vol":"5","page":204},{"text":"وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، مُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرآنِ، وَ(١) أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ، أَنْتَ الأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ، وَأغْنِنِي مِنَ الْفَقْرِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مَعَ اخْتِلَافٍ يَسِيرٍ. [د: ٥٠٥١، ت: ٣٤٠٠، جه: ٣٨٧٣، م: ٢٧١٣].\n٢٤٠٩ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي الأَزْهَرِ الأَنْمَارِيِّ: . . . . .\nــ\nإلى أصول الأسباب الكلية لبقاء العالم.\nوقوله: (رب كل شيء) تعميم لربوبيته تعالى، أي: من العناصر والمواليد وأفرادها وجزئياتها، و(فالق الحب والنوى) إشارة إلى الأرزاق الجسمانية التي بها بقاؤها، والحب يستعمل في الطعام، والنوى في التمر ونحوه، و(منزل التوراة والإنجيل والقرآن) إشارة إلى الأرزاق الروحانية المتعلقة بتدبير أحوال الآخرة وأحكامها، ولم يذكر الزبور لعدم اشتماله على الأحكام والشرائع، كذا قيل.\nوقوله: (فليس دونك) دون ههنا بمعنى نقيضِ فوق، والظاهر يكون فوق الشيء، فالباطن يكون تحته، فنفي الفوقية يناسب الظهور، ونفي الدونية البطون، فافهم.\nوقوله: (أغنني من الفقر) لعل (من) بمعنى: بعد، كقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ﴾ [قريش: ٤].\n٢٤٠٩ - [٢٩] (أبو الأزهر) قوله: (وعن أبي الأزهر) ويقال: أبو زهير الأنماري، ويقال: النميري، له صحبة.\n_________\n(١) سقطت الواو في نسخة.","vol":"5","page":205},{"text":"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: \"بِسْمِ اللَّهِ وَضَعْتُ جَنْبِي لِلَّهِ، اللَّهُمَّ اغفِرْ لِي ذَنْبِي، وَاخْسَأْ شَيْطَانِي وَفُكَّ رِهَانِي، وَاجْعَلْنِي فِي النَّدِيِّ الأَعْلَى\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٥٤].\n٢٤١٠ - [٣٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: \"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كفَانِي وآوَانِي وَأَطْعَمَنِي وَسَقَانِي، وَالَّذِي مَنَّ عَلَيَّ فَأَفْضَلَ، وَالَّذِي أَعْطَانِي فَأَجْزَلَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، اللَّهُمَّ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ، وَإِلَهَ كُلِّ شَيْءٍ، أَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٥٨].\n٢٤١١ - [٣١] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: شَكَا خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَنامُ اللَّيْلَ مِنَ الأَرَقِ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَقُلْ: اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَاوَاتِ السَّبع وَمَا أَظَلَّتْ، وَرَبَّ الأَرَضِينَ وَمَا أَقَلَّتْ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضَلَّتْ،\nــ\nوقوله: (واخسأ شيطاني) خسأ الكلبَ: طرده وزجره، ومنه قوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] والمراد بـ (شيطاني) قرينه أو مَن قصد إغواءه، (وفك رهاني) أي: خلص نفسي كما يفك الرهن ويخلص، فالمراد بالرهان النفس كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]، و(الندي) بفتح النون وكسر الدال وتشديد الياء أصله المجلس، ويقال للقوم أيضًا، فالمراد الملأ الأعلى.\n٢٤١١ - [٣١] (بريدة) قوله: (من الأرق) هو بفتحتين: السهر بالليل.\nوقوله: (وما أقلت) أقلَّه واستقله وقلَّه: حمله ورفعه.","vol":"5","page":206},{"text":"كُنْ لِي جَارًا مِنْ شَرِّ خَلْقِكَ كُلِّهِمْ جَمِيعًا أَنْ يَفْرُطَ عَلَيَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَوْ أَنْ يَبْغِيَ، عَزَّ جَارُكَ، وَجَلَّ ثَنَاؤُكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ، لَا إِلَهَ إلَّا أَنْتَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيث لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ، وَالْحَكِيمُ بْنُ ظُهَيْرٍ الرَّاوِي قَدْ تَرَكَ حَدِيثَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ. [ت: ٣٥٢٣].\nــ\nوقوله: (أن يفرط عليّ أحد) أي: يقصد بإذائي مسرعًا يقال: فَرَط عليه: حمَّله ما لا يطيق، وجاوز الحد، وأعجل بالأمر، قوله تعالى: ﴿أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه: ٤٥].\nوقوله: (أو أن يبغي) من البغي بمعنى الظلم، ومجاوزة الحد في ذلك، من سمع يسمع، وأما من الابتغاء بمعنى الطلب فمِن ضرب يضرب.\nوقوله: (عزّ جارك) مستجيرك.\nوقوله: (والحكيم بن ظهير) بضم الظاء وفتح الهاء، هكذا في النسخ، وصوابه: (الحكم) بفتحتين كما في (الكاشف) و(التقريب) (١)، قال في (الكاشف): الحكم بن ظهير الفزاري عن علقمة بن مرثد وزيد بن رفيع، وعنه ابن عرفة ومحمد بن الصباح الدولابي، قال البخاري: تركوه، انتهى، وفي حاشيته (٢): الحكم بن ظهير، وقيل: الحكم بن [أبي] خالد، قال ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة، وقال أبو زرعة: واهي الحديث متروك الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وقال أبو حاتم: متروك الحديث لا يكتب حديثه، مات قريبًا من سنة ثمانين ومئة، وروى له الترمذي حديثًا واحدًا في الأرق.\n_________\n(١) \"الكاشف\" (١/ ٣٤٤)، و\"تقريب التهذيب\" (ص: ١٧٥).\n(٢) انظر: \"تهذيب الكمال\" (٧/ ٩٩ - ١٠٢).","vol":"5","page":207},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-641> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٤١٢ - [٣٢] عَنْ أَبِي مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا أَصْبَحَ أَحدُكُمْ فَلْيَقُلْ: أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الْيَوْمِ فَتْحَهُ وَنَصْرَهُ وَنُورَهُ وَبَرَكَتَهُ وَهُدَاهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا فِيهِ وَمِنْ (١) شَرِّ مَا بَعْدَهُ، ثُمَّ إِذَا أَمْسَى فَلْيقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٨٤].\n٢٤١٣ - [٣٣] وَعَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قُلْتُ لأَبِي: يَا أَبَتِ! أَسْمَعُكَ تَقُولُ كُلَّ غَدَاةٍ: اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَدَنِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي سَمْعِي، اللَّهُمَّ عَافِنِي فِي بَصَرِي، لَا إِلَهَ إلَّا أَنْتَ، تُكَرِّرُهَا ثَلَاثًا حِينَ تُصْبِحُ وَثَلَاثًا حِينَ تُمْسِي، فَقَالَ: يَا بُنَيَّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه -ﷺ- يَدْعُو بِهِنَّ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٩٠].\nــ\nالفصل الثالث\n٢٤١٢ - [٣٢] (أبو مالك) قوله: (فتحه ونصره. . . إلخ) بيان خير هذا اليوم.\n٢٤١٣ - [٣٣] (عبد الرحمن بن أبي بكرة) قوله: (كل غداة) لعل المراد بالغداة ههنا اليوم، فيصح تفصيله بقوله: (تكررها ثلاثا حين تصبح وتمسي) أو يقدَّر بعد قوله: (كل غداة): وكل عشية، ويكون قوله: (حين تصبح وتمسي) تعيينًا للوقت؛ لأن الغداة والعشي أوسع من الصبح والمساء؛ لأنهما اسمان لما قبل الزوال وبعده، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) سقط لفظ \"من\" في نسخة.","vol":"5","page":208},{"text":"٢٤١٤ - [٣٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَصْبَحَ قَالَ: \"أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالْكِبْرِيَاءُ وَالْعَظَمَةُ لِلَّهِ، وَالْخَلْقُ وَالأَمْرُ وَاللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَمَا سَكَنَ فِيهِمَا لِلَّهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ أَوَّلَ هَذَا النَّهَارِ صَلَاحًا وَأَوْسَطَهُ نَجَاحًا وآخِرَهُ فَلَاحًا يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ\". ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِ الأَذْكَارِ بِرِوَايَةِ ابْنِ السُّنِّيِّ. [الأذكار: ص: ١٤٥].\n٢٤١٥ - [٣٥] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ إِذَا أَصْبَحَ: \"أصبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الإِسْلَامِ وَكلِمَةِ الإِخْلَاصِ وَعَلَى دِينِ نبَيِّنَا مُحَمَّدٍ -ﷺ- وَعَلَى مِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٣/ ٤٠٦، دي: ٢/ ٢٦٢].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-642>٧ - باب الدعوات في الأوقات</span>\nــ\n٢٤١٤ - [٣٤] (عبد اللَّهِ بن أبي أوفى) قوله: (وأوسطه نجاحا) أي: فوزًا بالمطالب الدنيوية المناسبة لصلاح الدين والفلاح في الآخرة بدخول الجنة.\n٢٤١٥ - [٣٥] (عبد الرحمن بن أبزى) قوله: (وعن عبد الرحمن بن أبزى) بفتح الهمزة وسكون الباء الموحدة.\n٧ - باب الدعوات في الأوقات\nالوقت: الزمان الذي عُيِّن للشيء، فهو أخص من الزمان، ﴿كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ أي: مفروضًا في الأوقات، وميقات الحج: موضع إحرامه، فكأنه لاستلزامه الوقت","vol":"5","page":209},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-643> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٤١٦ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّه -ﷺ-: \"لَوْ أَنَّ أَحَدُكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْم اللَّهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ،\nــ\nبمعنى أنه يجب الإحرام وقت وصوله إلى ذلك الموضع، وهذه الدعوات المذكورة في الباب بعضها من جهة الوقت، وبعضها من جهة الحال كالاستعاذة في حالة الغضب ونحوه، لكنه يستلزم الوقت، وقد يفرق بين الوقت والحال كما قيل: أوقات الإجابة: ليلة الجمعة، ووقت السحر، وساعة الجمعة، وأحوالها: عند النداء للصلاة، وبين الأذان والإقامة، وعند الصف في سبيل اللَّه، بمعنى أن المنظور في الإجابة هي الحالة لكنه مستلزم للوقت، وكما أن الباعث على الدعاء هو حال الغضب لإزالته، لكنه يستلزم الوقت، فهذا الاعتبار يجوز أن يكتفى بالأوقات، ويجوز أن يزاد الأحوال أيضًا، فافهم (١).\nالفصل الأول\n٢٤١٦ - [١] (ابن عباس) قوله: (لو أن أحدكم): (لو) للتمني أو للشرط، وجوابه\n_________\n(١) قال القاري (٤/ ١٦٧٦): اعلم أن كل ما ورد من الشارع في زمن أو حال مخصوص يسن لكل أحد أن يأتي به لذلك ولو مرة للاتباع، قال ابن حجر: بل ويكون أفضل من غيره حتى القرآن، وإن ورد لذلك الغير فضل أكثر من هذا؛ لأن في الاتباع ما يربو على غيره، ومن ثم قالوا: صلاة النافلة في البيت أفضل منها في المسجد الحرام، وإن قلنا بالأصح أن المضاعفة تختص به، اهـ. وفيه بحث لأنه بإطلاقه غير صحيح؛ لأن الدعوات والأذكار المسنونة المعينة في حال كالركوع والسجود وأمثالها لا شك أن الإتيان بها أفضل من تلاوة القرآن حينئذ، وأما غيرها من الأذكار والدعوات سواء تكون معينة أو مطلقة فلا نقول: إنها أفضل من القرآن؛ لقوله -﵊- حكاية عن ربه: \"من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين\"، انتهى.","vol":"5","page":210},{"text":"وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا (١) \". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٧١، ٣٢٨٣، م: ١٤٣٤].\n٢٤١٧ - [٢] وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّه -ﷺ- كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ: \"لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم، لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَرَبُّ الأَرْضِ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيم\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣٤٥، م: ٢٧٣٠].\nــ\nمحذوف، أي: لو ثبت مضمون هذه الشرطية كان خيرًا.\nوقوله: (ما رزقتنا) أي: من الولد.\nوقوله: (فإنه. . . إلخ) علة الجزاء، ويجوز أن يكون هو الجزاء، فافهم.\nوقوله: (في ذلك) أي في: ذلك الإتيان، أو في ذلك الوقت.\n٢٤١٧ - [٢] (عنه) قوله: (عند الكرب) في (القاموس) (٢): الكرب: الحزن يأخذ بالنفس، كالكربة بالضم، والجمع: كروب، وكرَبَه الغمُّ فاكترب فهو مكروب وكَريب، فإن قيل: ليس فيه دعاء؟ قلت: الدعاء قد يكون صريحًا كما يقول: اللهم أعطني، وقد يكون تعريضًا كما إذا أثنى على اللَّه تعالى؛ فإن الثناء على الكريم سؤال كما قال:\nإذا أثنى عليك المرء يومًا ... كفاه مِن تَعَرُّضه الثناء\nوقد قال -ﷺ-: [قال تعالى]: (من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي\n_________\n(١) قال القاري (٤/ ١٦٧٦): فيه إيماء إلى حسن خاتمة الولد ببركة ذكر اللَّه في ابتداء وجود نطفته في الرحم، فالضر مختص بالكفر، أو لم يضر ذلك الولد شيطان بالجنون والصرع ونحوهما، انتهى.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٣٣).","vol":"5","page":211},{"text":"٢٤١٨ - [٣] وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدَ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، وَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا، قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِنِّي لأَعْلَمُ كلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يجِدُ: أَعُوذ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم\"، فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: لَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ النَّبِيُّ -ﷺ-؟ قَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١١٥، م: ٢٦١٠].\n٢٤١٩ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ. . . . .\nــ\nالسائلين) (١).\n٢٤١٨ - [٣] (سليمان بن صرد) قوله: (وعن سليمان بن صرد) بضم الصاد المهملة وفتح الراء.\nوقوله: (ما يجد) أي: الغضب.\nوقوله: (أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم) بدل من (كلمة)، وفي بعض الروايات: (لو قال: أعوذ باللَّه من الشيطان الرجيم)، فجزاؤه محذوف، والجملة بدل من قوله: (لو قالها لذهب عنه)، كذا قال الطيبي (٢).\nوقوله: (إني لست بمجنون) هذا من عدم تهذب أخلاقه وجهله، فإن الغضب من نزغات الشيطان، ويحتمل أن يكون ذلك الرجل من المنافقين أو من جفاة العرب، كذا قالوا.\n٢٤١٩ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (إذا سمعتم صياح الديكة) بفتح تحتية جمع\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"خلق أفعال العباد\" (ص: ١٠٩)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٢٩٢٧١)، والبيهقي في \"الشعب\" (٥٦٧)، و\"فضائل الأوقات\" (١٩٤).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٥/ ١١٦).","vol":"5","page":212},{"text":"فَسَلُوا (١) اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نَهِيقَ الْحِمَارِ فتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم؛ فَإِنَّهُ رَأَى شَيْطَانًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٠٣، م: ٢٧٢٩].\n٢٤٢٠ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا اسْتَوَى عَلَى بَعِيرِهِ خَارِجًا إِلَى السَّفَرِ كَبَّرَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ: \" ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤]، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرَّ وَالتَّقْوَى، وَمِنَ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى، اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا وَاطْوِ لَنَا بُعْدَهُ، اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ فِي السَّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الأَهْلِ،\nــ\nديك كقردة وقرد، وسر الدعاء عند صياحها رجاء التأمين من الملائكة التي رأتها.\nواعلم أنه قد ورد في فضل الديك -خصوصًا في فضل الأبيض منه- أحاديث تكلموا فيها، وقالوا: إنها ضعيفة، وحكم ابن الجوزي بأنها موضوعة، وقد ذكرناها في \"شرح سفر السعادة\" (٢).\n٢٤٢٠ - [٥] (ابن عمر) قوله: (كان إذا استوى على بعيره) أي: استقر على ظهره، وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ أي: مطيقين، من أقرن الشيء: إذا أطاقه، وأصله: وجده قرينه، إذ الصعب لا يكون قرين الضعيف، أي: ما كنا مطيقين قهره واستعماله لولا تسخير اللَّه إياهم لنا، وقرئ بالتشديد والمعنى واحد، ﴿وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ أي: راجعون، واتصاله بذلك؛ لأن الركوب للتنقل، والنقلة العظمى هو\n_________\n(١) في نسخة: \"فاسألوا\".\n(٢) انظر: \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٤٢١).","vol":"5","page":213},{"text":"اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءَ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمَنْظَرِ، وَسُوءِ الْمُنْقَلَبِ فِي الْمَالِ وَالأَهْلِ\"، وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنَّ وَزَادَ فِيهِنَّ: \"آيبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٤٢].\n٢٤٢١ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- إِذَا سَافَرَ يتَعَوَّذُ مِنْ وَعْثَاءَ السَّفَرِ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ،\nــ\nالانقلاب إلى اللَّه تعالى، أو لأنه مخطر فينبغي للراكب أن لا يغفل عنه، ويستعدَّ للقاء اللَّه، كذا في (تفسير البيضاوي) (١)، يعني: مِن شكر هذه النعمة أن يذكر عاقبة أمره، ويعلم أن استواءه على مركب الحياة كاستوائه على ظهر ما سخر له ما لم يكن في المبدأ مطيعًا له، ولا تجد في المنتهى بدًّا من النزول عنه.\nو(الوعثاء) المشقة، والوَعْث: المكان السهل الدَّهِس تغيب فيه الأقدام وتعثر، (والكآبة) بفتح الكاف ومد الألف: الغم وسوء الحال، والانكسار من حزن، كئب كسمع فهو كئيب، (وسوء المنقلب) بفتح اللام، والمعنى: أن يصيب غم بسبب أن نرى في أهلنا وأموالنا من المكاره، وأن يرجع من سفره بأمر يحزنه بآفة أصابته من سفره، أو يعود غير مرضيِّ الحالة ومقضي الحاجة، أو أصابت ماله آفة، أو يجد أهله غير مرضيٍّ، أو فقد بعضهم.\n٢٤٢١ - [٦] (عبد اللَّه بن سرجس) قوله: (وعن عبد اللَّه بن سرجس) بسينين مهملتين مفتوحتين وراء ساكنة وجيم مكسورة (٢)، كذا في (المشارق) (٣)، وقد مرّ الكلام في هذه اللفظة في (الفصل الثاني) من آداب الخلاء.\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٣٧٠).\n(٢) وقيل: بفتح الجيم مصروفًا. \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٦٨١).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٣٩٩).","vol":"5","page":214},{"text":"وَالْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ، وَدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَسُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الأَهْلِ وَالْمَالِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٤٣].\n٢٤٢٢ - [٧] وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيم قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلهِ ذَلِكَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٠٩].\nــ\nوقوله: (والحور بعد الكور) الحور: الرجوع والنقصان، والمراد الاستعاذة من النقصان بعد الزيادة، وقيل: من فساد الأمور بعد صلاحها، وقيل: من الرجوع عن الجماعة بعد أن كان منهم، وأصله من نقض العمامة بعد لفها، وروي: (بعد الكون) بالنون من كان التامة، أي: الرجوع من الحالة المستحسنة بعد أن كان عليها ومن التغير بعد الثبات.\nوقال في (المشارق) (١): (من الحور بعد الكور) بفتح الحاء والكاف بِراء في آخرهما، كذا رواه العذري وابن الحذاء، ويروى (الكون) بالنون في الحرف الآخر وهي رواية الباقين، يقال: كار عمامته إذا لفها، وحارها إذا نقضها، ويقال: حار إذا رجع، و﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ أي: لفت كما يلف الثوب.\n٢٤٢٢ - [٧] (خولة بنت حكيم) قوله: (وعن خولة) بفتح المعجمة وسكون الواو.\nوقوله: (بكلمات اللَّه التامات) أي: الكاملات لا يدخلها نقص، قيل: المراد بها كلمات القرآن، وقيل: أسماؤه وصفاته تعالى.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤٢١).","vol":"5","page":215},{"text":"٢٤٢٣ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ، قَالَ: \"أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرَّكَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٠٩].\n٢٤٢٤ - [٩] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ وَأَسْحَرَ يَقُولُ: \"سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمْدِ اللَّهِ. . . . .\nــ\n٢٤٢٣ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (ما لقيت) استفهام بطريق التعجب، ويحتمل أن تكون موصولة، والخبر محذوف، أي: لا أقدر وصفه، و(البارحة) الليلة الماضية، فإذا قال قبل الزوال يقول: الليلة، وإذا قال بعده يقول: البارحة، و(العقرب) مؤنث.\n٢٤٢٤ - [٩] (عنه) قوله: (وأسحر) أي: دخل في وقت السحر أو سار إلى وقت السحر.\nوقوله: (سمع سامع) روي بفتح الميم وتشديدها من التسميع بمعنى الإسماع للغير، وبكسرها وتخفيفها من السمع، وعلى الوجهين هو خبر بمعنى الأمر، فالمعنى على الأول: ليبلِّغ سامع قولي هذا إلى غيره ليتبعني في الحمد والذكر والدعاء في هذا الوقت، وعلى الثاني: ليسمع السامع ليتبع ويشهد على حمدنا اللَّه تعالى، قال التُّورِبِشْتِي (١): إن الذهاب فيه إلى الخبر أقوى بظاهر اللفظ، والمعنى: أن من كان له سمع فقد سمع بحمد اللَّه وإفضاله علينا، وإن كلا الأمرين قد اشتهر واستفاض حتى لا يكاد يخفى على ذي سمع، انتهى كلامه، ويشير إلى أن على الوجه الأول الحمل على الأمر أولى، ولا يخفى أن الحمل على الخبر لمثل ما ذكر جارٍ فيه أيضًا بمعنى:\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٥/ ٥٦٥).","vol":"5","page":216},{"text":"وَحُسْنِ بَلَائِهِ عَلَيْنَا، رَبَّنَا صَاحِبْنَا، وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا عَائِذًا بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ [م: ٢٧١٨].\n٢٤٢٥ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ. . . . .\nــ\nأنه لما كان هذا أمرًا يقينيًّا لشأنه ويهتم بتبليغه، فكأنه بلَّغه مَن سمعه، فافهم.\nوقوله: (حسن بلائه علينا) أراد بالبلاء الاختبار، واللَّه سبحانه يبلو عباده تارة بالمضارِّ ليصبروا، وتارة بالمسارِّ ليشكروا، وكلاهما نعمة باعتبار حصول التعرف وترتب الأجر وكمال الإيمان، والمراد بالمصاحبة: العناية والكلاءة.\nوقوله: (وأفضل) أي: أحسن علينا، طلبٌ لمزيد العناية وإدامةِ النعمة وحصول البركة، ووقع في المأثور عن بعض السلف: اللهم كما أنعمت فزد، وكما زدت فأدم، وكما أدمت فبارك، وأتم العناية وأهمها التوفيق لأداء شكر النعمة والقيام بحقوقها، وفيه إشارة إلى أن العبد مع وجود إفاضة النعم وتواليها غير مستغن عن طلب المزيد، فإن كان من استغنائه باللَّه أكثر كان افتقاره إليه أشد.\nوقوله: (عائذًا باللَّه) اسم فاعل أقيم مقام المصدر، أي: نعوذ عياذًا، كقولهم: قمت قائمًا، أي: قيامًا، أو حال من فاعل (يقول)، ويكون من كلام الراوي، ويجوز أن يكون من كلام الرسول، والتقدير: أقول هذا عائذًا باللَّه من النار، فيكون جمعًا بين الرجاء والخوف، وقال التُّورِبِشْتِي (١): الرواية فيه بالرفع والنصب، فالرفع بتقدير: أنا عائذ، والنصب على المصدر أو الحال.\n٢٤٢٥ - [١٠] (ابن عمر) قوله: (إذا قفل) أي: رجع، والقفول الرجوع، ومنه\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٥٦٦).","vol":"5","page":217},{"text":"يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمَّ يَقُولُ: \"لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ،\nــ\nسميت القافلة تفاؤلًا برجوعه وعوده إلى الوطن، و(الشرف) محركًا: العلو، أو المكان العالي، والتقييد بقوله: (إذا قفل) لمكان قوله: (آيبون تائبون) وإلا فالتكبير على الشرف سنة مستمرة في كل حال غير مقيد بحال القفول، وقال التُّورِبِشْتِي (١): وجه التكبير في الأماكن العالية هو استحباب الذكر عند تجدد الأحوال والتقلب فيها، وكان -ﷺ- يراعي ذلك في الزمان والمكان، وذلك لأن اختلاف أحوال العبد في الصباح والمساء والصعود والهبوط وما أشبه ذلك مما لا ينبغي أن ينسى ربه عند ذلك؛ فإنه هو المتصرف في الأشياء، والمقلب للأحوال بقدرته، والمدبر لها بجميل صنعه، انتهى.\nوقيل: ويجوز أن يكون الوجه في تشريع ذلك: أنه لِمَا حصل بالصعود على الشرف من العلو والارتفاع الحسيِّ، وحصل من ذلك شيء في النفس، رفع ذلك بشهود كبرياء الحق وعظمته، ويجوز أن يكون ذلك بذكر العارف كبرياء اللَّه تعالى من غير أن يحصل من ذلك في نفسه شيء من الكبر، وهذا أحسن وأوفق بحاله -ﷺ-، ويأتي في آخر (الفصل الثالث) التسبيح عند النزول.\nقد ورد في بعض الأخبار أنه كان يهلل الهبوط، وذلك لِمَا يحصل به من الذلة والانكسار والتنزل، فينزه الحق سبحانه عنه.\nويحتمل أن يكون معنى: قوله: (ثم يقول) بملاحظة معنى: ثم إنه كان يقول\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٥٦٧).","vol":"5","page":218},{"text":"وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٩٧، م: ١٣٤٤].\n٢٤٢٦ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ الأَحْزَابِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ: \"اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، سَرِيعَ الْحِسَابِ، اللَّهُمَّ اهْزِمِ الأَحْزَابَ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩٣٣، م: ١٧٤٢].\n٢٤٢٧ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ: نَزَلَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- عَلَى أَبِي، فَقَرَّبْنَا إِلَيْهِ طَعَامًا وَوَطبَةً،\nــ\nبعد الهبوط، فافهم واللَّه أعلم.\nوقوله: (وهزم الأحزاب) جمع حزب بمعنى طائفة من الناس، ومنه تسمية غزوة الخندق بيوم الأحزاب لاجتماع طوائف من المشركين وقبائل من اليهود، واتفاقهم على محاربة رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (وحده) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥].\n٢٤٢٦ - [١١] (عبد اللَّه بن أبي أوفى) قوله: (اللهم اهزمهم) فهزمهم اللَّه تعالى بأن أرسل عليهم ريحًا وجنودًا لم يروها كما ورد في سورة الأحزاب.\nوقوله: (وزلزلهم) أي: اجعل أمرهم مضطربًا متقلقلًا.\n٢٤٢٧ - [١٢] (عبد اللَّه بن بسر) قوله: (ووطبة) روي هذا اللفظ على أنحاء شتى، واختلف في أن أيها أصح، وقال القاضي عياض في (المشارق) (١) في حرف الواو: [و(وَطيئة)] بكسر الطاء وهمزة بعدها ممدود، هو التمر يُخْرَج نواه ويعجن باللبن،\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٤٨٧، ١/ ٥٦٧).","vol":"5","page":219},{"text":"فَأَكَلَ مِنْهَا، ثُمَّ أُتِيَ بِتَمْرٍ، فَكَانَ يَأْكُلُهُ وَيُلْقِي النَّوَى بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ، وَيَجْمَعُ السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى، وَفِي رِوَايَةٍ: فَجَعَلَ يُلْقِي النَّوَى عَلَى ظَهْرِ أُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى، ثُمَّ أُتُيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَهُ، فَقَالَ أَبِي -وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ-: ادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَقَالَ: \"اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٤٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-644> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٤٢٨ - [١٣] عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: . . . . .\nــ\nقال ابن دريد: هي عصيدة التمر، وفسره ابن قتيبة بالغرارة. وقد تقدم في حرف الراء الاختلاف فيه والوهم فيه من بعض الرواة، والصحيح هذا، وقال في حرف الراء: (قربنا إليه طعامًا ورطبة) كذا للسمرقندي واحدة الرُّطب، وعند غيره: (ووطيئة) بكسر الطاء وهمزة، وأولها واو، وفي كتاب ابن عيسى وغيره عن ابن ماهان: (ووطبة) بسكون الطاء بعدها باء بواحدة، والصواب (وطيئة) بالهمزة ممدود، انتهى.\nونقل عن النووي أن رواية الأكثرين بالواو وإسكان الطاء بعدها باء موحدة، وهو الموجود في نسخ (المشكاة)، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n٢٤٢٨ - [١٣] (طلحة بن عبيد اللَّه) قوله: (إذا رأى الهلال) المشهور أن الهلال يكون من أول الليل والثانية والثالثة، ثم هو قمر، قال في (القاموس) (١): الهلال: غرة القمر، أو لليلتين أو إلى ثلاث أو إلى سبع، ولليلتين من آخر الشهر\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (٩٨٩).","vol":"5","page":220},{"text":"\"اللَّهُمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالأَمْنِ وَالإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالإِسْلَامِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٤٥١].\nــ\nست وعشرين وسبع وعشرين، وفي غير ذلك قمر، والظاهر أن المعتبر في الدعاء هو أول الشهر، وما هو المشهور من الأقوال، والإهلال رفع الصوت، يقال: استهل الصبي: رفع صوته، ومنه سمي هلالًا؛ لأن العادة أن يُرفع الصوت بالإخبار عنه.\nوقوله: (اللهم أهلّه) بلفظ الأمر من الإهلال، وروي بالإدغام وفكه، والثاني أشهر وأكثر، قال التُّورِبِشْتِي (١): يقال: أُهلّ الهلال على ما لم يسم فاعله إذا رُئي، واستُهِلَّ على هذا البناء أيضًا إذا طُلب رؤيته، وقد يعبر عن الإهلال بالاستهلال، نحو الإجابة والاستجابة، ويقال أيضًا: استَهَل هو إذا تبين، وأهللنا الهلالَ: إذا دخلنا فيه، قال: فهذه جملة وجوه الاستعمال اللغوي، ولا نرى استقامة لفظ الحديث عليها إلا أن نقول: معنى قوله: (أهلله) أي: أطلعه علينا وأرنا [إياه]، فالمعنى: اجعل رؤيته لنا مقرونًا (بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام) أي: الأمن من آفات النفس ومخافات الدهر وسلامة القلب والأحوال، والاستسلام لأحكام اللَّه، وهو أصول النعم وأعظامها بل شاملة لجميعها.\nوقوله: (ربي وربك اللَّه) قال التُّورِبِشْتِي (٢): تنزيه للخالق عن الشريك وردٌّ لأباطيل الدهرية، وفي الحديث تنبيه على استحباب الدعاء عند ظهور الآيات، وتقلب الأحوال، والعبور إلى مشاهدة الصانع بالنظر إلى المصنوعات، انتهى.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٥٦٨).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٥٦٩).","vol":"5","page":221},{"text":"٢٤٢٩ - [١٤] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ رَجُلٍ رَأَى مُبْتَلًى فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانَا مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، إِلَّا لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ الْبَلَاءُ كَائِنًا مَا كَانَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٤٣١].\n٢٤٣٠ - [١٥] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ الرَّاوِي لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. [جه: ٣٨٩٢].\n٢٤٣١ - [١٦] وَعَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ دَخَلَ السُّوقَ (١) فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيّئةٍ،\nــ\n٢٤٢٩، ٢٤٣٠ - [١٤، ١٥] (عمر بن الخطاب) قوله: (فقال: الحمد للَّه الذي عافاني مما ابتلاك به) قالوا: إن كان مبتلًى بالفسوق مجاهرًا يقوله جهرًا ويُسمعه لينزجر عنها، وإن كان مريضًا أو ناقص الخلقة يقوله سرًّا، ولا يلزم من لفظ الخطاب الجهر والإسماع، والطيبي (٢) حمله على القِسم الأول بقرينة الخطاب، فافهم.\nوقوله: (كائنا ما كان) الظاهر أنه حال من الفاعل، أي: لم يصبه البلاء أيَّ بلاء كان، وفي الحال معنى الشرط، أي: إن كان البلاء هذا أو كان هذا.\n٢٤٣١ - [١٦] (عمر) قوله: (كتب اللَّه له ألف ألف حسنة) كناية عن كثرة\n_________\n(١) قال الطيبي: خصه بالذكر لأنه مكان الغفلة عن ذكر اللَّه والاشتغال بالتجارة. انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٦٨٧).\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (٥/ ١٦٩).","vol":"5","page":222},{"text":"وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دَرَجَةٍ، وَبَنَى لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\": \"مَنْ قَالَ فِي سُوقٍ جَامِعٍ يُبَاعُ فِيه\" بَدَلَ \"مَنْ دَخَلَ السُّوقَ\". [ت: ٣٤٢٨، جه: ٢٢٣٥].\n٢٤٣٢ - [١٧] وَعَنْ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ قَالَ: سَمِعَ النَّبيُّ -ﷺ- رَجُلًا يَدْعُو يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ تَمَامَ النِّعْمَةِ، فَقَالَ: \"أَيُّ شَيْءٍ تَمَامُ النِّعْمَةِ؟ \" قَالَ: دَعْوَة أَرْجُو بِهَا خَيْرًا، فَقَالَ: \"إِنَّ مِنْ تَمَامِ النِّعْمَةِ دُخُولَ الْجَنَّةِ وَالْفَوْزَ مِنَ النَّارِ\". وَسَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: يَا ذَا الْجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، فَقَالَ: \"قَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ، فَسَلْ\". وَسَمِعَ النَّبِيُّ -ﷺ- رَجُلًا وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الصَّبْرَ، فَقَالَ: \"سَأَلْتَ اللَّهَ الْبَلَاءَ فَاسْأَلْهُ الْعَافِيَةَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٢٧].\n٢٤٣٣ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ،\nــ\nالثواب، قالوا: وذلك من جهة أنه يدفع عنهم ظلمة الغفلة وما هم فيه من الزور والأيمان الكاذبة كما يشاهد في الأسواق، ولما كان في ذلك غلظة وشدة، وفيهم كثرة، كان الأجر أيضًا كثيرًا عظيمًا.\n٢٤٣٢ - [١٧] (معاذ بن جبل) قوله: (قال: دعوة أرجو بها خيرًا) أي: هذه دعوة أرجو بها خيرًا، وأعلم مجملًا أن عند اللَّه نعمة تامة فأسألها ولا أعرف حقيقة تمام النعمة ما هي؟ فعلمه رسول اللَّه -ﷺ- حقيقة تمام النعمة، هذا ما يخطر بالبال في معنى الحديث وهو المتبادر وإن لم يذكره الطيبي، والمراد بـ (الفوز) النجاة.\n٢٤٣٣ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (فكثر فيه لغطه) في (القاموس) (١): اللَّغْط\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٣٢).","vol":"5","page":223},{"text":"فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ\". [ت: ٢٤٣٣، الدعوات الكبير: ١/ ٣٨٥].\n٢٤٣٤ - [١٩] وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ أُتِيَ بِدَابَّةٍ لِيَرْكبَهَا، فَلَمَّا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرِّكابِ قَالَ: بِاسْم اللَّهِ، فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، ثُمَّ قَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ [الزخرف: ١٣ - ١٤]، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ ثَلَاثًا وَاللَّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا، سُبْحَانَكَ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، ثُمَّ ضَحِكَ، فَقِيلَ: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ ضَحِكْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَنَعَ كَمَا صَنَعْتُ ثُمَّ ضَحِكَ، فَقُلْتُ: مِنْ أَيِّ شَيْءَ ضَحِكْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"إِنَّ رَبَّكَ لَيَعْجَبُ مِنْ عَبْدِهِ إِذَا قَالَ: رَبِّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، يَقُولُ (١): يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرِي\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبو دَاوُدَ. [حم: ١/ ٩٧، ت: ٣٤٤٦، د: ٢٦٠٢].\nــ\nويحرك: الصوت، أو أصواتٌ مبهمة لا تفهم. والمراد ههنا: كلام لا طائل تحته وما لا يعني.\n٢٤٣٤ - [١٩] (علي) قوله: (في الرِكاب) ركاب السرج معروف، والذي يكون من الجلد يسمى غرزًا.\nوقوله: (ليعجب) من باب سمع، والتعجب يورث الضحك، فالضحك في هذا المقام موافقة للرب تعالى، يقال: وإن كان المراد بالضحك أو التعجب المسند إليه\n_________\n(١) سقط في نسخة.","vol":"5","page":224},{"text":"٢٤٣٥ - [٢٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا وَدَّعَ رَجُلًا أَخَذَ بِيَدِهِ فَلَا يَدَعُهَا حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ يَدَع يَدَ النَّبِيِّ -ﷺ- وَيَقُولُ: \"أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكَ وَأَمَانتَكَ وآخِرَ عَمَلِكَ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ\"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَتِهِمَا لَمْ يُذْكَرْ \"وآخِرَ عَمَلِكَ\". [ت: ٣٤٤٢، ٣٤٤٣، د: ٢٦٠٠، جه: ٢٨٦٦].\n٢٤٣٦ - [٢١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْخَطْمِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَوْدِعَ الْجَيْشَ قَالَ: \"أَسْتَوْدِعُ اللَّهَ دِينَكُمْ وَأَمَانَتكُمْ وَخَوَاتِيمَ أَعْمَالِكُمْ\". رَوَاه أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٠١].\n٢٤٣٧ - [٢٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أُرِيدُ سَفَرًا فَزَوِّدْنِي،\nــ\nتعالى الرضا والاستعظام.\n٢٤٣٥ - [٢٠] (ابن عمر) قوله: (حتى يكون الرجل هو يدع يد النبي -ﷺ-) وهذا من تواضعه ورفعه -ﷺ- بأمته، وهو واقع في غير حالة الوداع أيضًا.\nوقوله: (أستودع اللَّه) أي: أستحفظ اللَّه وأطلب منه تعالى حفظ (دينك وأمانتك) دعاه بحفظ أمور دينه ودنياه لما يصيب في السفر من المشقة التي تصير سببًا لإهمال الطاعات والأوراد، ومن المعاملة والمعاشرة مع الناس، وقيل: المراد بالأمانة الأهل والأولاد.\nوقوله: (وآخر عملك) أي: سفرك بالرجوع بالعافية والسلامة.\n٢٤٣٦ - [٢١] (عبد اللَّه الخطمي) قوله: (وعن عبد اللَّه الخطمي) بفتح الخاء المعجمة وسكون الطاء المهملة، منسوب إلى خطمة فخذ من الأوس.\n٢٤٣٧ - [٢٢] (أنس) قوله: (فزوِّدني) أي: ادع لي دعاء تكون بركته معي في","vol":"5","page":225},{"text":"فَقَالَ: \"زَوَّدَكَ اللَّهُ التَّقْوَى\" قَالَ: زِدْنِي، قَالَ: \"وَغَفَرَ ذَنْبَكَ\" قَالَ: زِدْنِي بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قَالَ: \"وَيَسَّرَ لَكَ الْخَيْرَ حَيْثُ مَا كُنْتَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٤٤٤].\n٢٤٣٨ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ (١): إِنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُسَافِرَ فَأَوْصِنِي، قَالَ: \"عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالتَّكْبِيرِ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ\"، فَلَمَّا (٢) وَلَّى الرَّجُلُ قَالَ: \"اللَّهُمَّ اطْوِ لَهُ الْبُعْدَ وَهَوِّنْ عَلَيْهِ السَّفَرَ\". رَوَاه التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٤٤٥].\n٢٤٣٩ - [٢٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا سَافَرَ فَأَقْبَلَ اللَّيْلُ قَالَ: \"يَا أَرْضُ رَبِّي وَرَبُّكِ اللَّهُ، أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّكِ. . . . .\nــ\nسفري كالزاد، قال الطيبي (٣): ويحتمل أن يكون المراد الزاد المتعارف، فالجواب على طريقة الأسلوب الحكيم.\nوقوله: (وغفر ذنبك) إشارة إلى صحة التقوى وترتب المغفرة عليها، والتجاوز عما يقع فيه من التقصيرات، والمراد بـ (الخير) خير الدنيا والآخرة.\n٢٤٣٨ - [٢٣] (أبو هريرة) قوله: (إني أريد أن أسافر فأوصني) ربما يؤيد أن يكون المراد بـ (زوِّدني) في الحديث السابق هذا المعنى.\n٢٤٣٩ - [٢٤] (ابن عمر) قوله: (أعوذ باللَّه من شرِّكِ) كالخسف والتحير في\n_________\n(١) سقط في نسخة.\n(٢) في نسخة: \"قال: فلما\".\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٥/ ١٧٤).","vol":"5","page":226},{"text":"وَشَرِّ مَا فِيكِ، وَشَرِّ مَا خُلِقَ فِيكِ، وَشَرِّ مَا يَدِبُّ عَلَيْكِ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ أَسَدٍ وَأَسْودَ، وَمِنَ الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ، وَمِنْ شَرِّ سَاكِنِ الْبَلَدِ، وَمِنْ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٠٣]\n٢٤٤٠ - [٢٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا غَزَا قَالَ: \"اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصِيرِي،\nــ\nالمهامة، (وشر ما فيك) من أحناش الأرض وحشراتها، (وشر ما خلق فيك) ما يعيش في النُّقب وأجوافها، و(ما يدب عليك) بكسر الدال: الحيوانات كذا قيل، فيكون ذكر (أسد وأسود) من باب التخصيص بعد التعميم، وذكرِ ما يغلب منه الأذى والضرر.\nوقيل: (من شرِّك) أي: شرٍّ حصل من ذاتك، (وشر ما فيك) من الأوصاف والأحوال، (وشر ما خلق فيك) من الحيوانات الساكنة في باطنها، (وشر ما يدبُّ عليك) الحيوانات التي على ظاهرها، والأسود: الحية الكبيرة السوداء أخبث الحيات.\nوقوله: (من الحية) بدون الواو، قال الطيبي (١): (من) بيانية على تغليب الأسود، وصحح في بعضها بالواو وهو الظاهر.\nوالمراد بـ (ساكن البلد) الإنس، وقيل: الجن، ولو حمل على كليهما لكان وجهًا، وبـ (الوالد) إبليس وبـ (ما ولد) نسله، وحمله على العموم أولى ليعم الكل.\n٢٤٤٠ - [٢٥] (أنس) قوله: (أنت عضدي) فيه ست لغات: بفتح العين وضمها وكسرها، وسكون الضاد، وبفتح العين وكسر الضاد ككتف، وبضمتين كعنق، وبفتح العين وضم الضاد وهو الأشهر، وهو اسم ما بين المرفق إلى الكتف، ويجيء بمعنى الناصر والمعين، وأعضاد الحوض والطريق وغيره: ما يُسدُّ حواليه من البناء.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٥/ ١٧٥).","vol":"5","page":227},{"text":"بِكَ أَحُولُ وَبِكَ أَصُولُ وَبِكَ أُقَاتِلُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٣٥٨٤، د: ٢٦٢٣].\n٢٤٤١ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي مُوسَى: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا خَافَ قَوْمًا قَالَ: \"اللَّهُمَّ إِنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُحُورِهِمْ، وَنعوذُ بِكَ مِنْ شُرُورِهِمْ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٤١٤، د: ١٥٣٧].\n٢٤٤٢ - [٢٧] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ: \"بِسْمِ اللَّهِ، تَوَكلْتُ عَلَى اللَّهِ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نَزِلَّ أَوْ نَضِلَّ، أَوْ نظلِمَ أَوْ نُظْلَمَ، أَوْ نَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيْنَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، وَابْنِ مَاجَهْ: قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: . . . . .\nــ\nوقوله: (بك أحول) أي: أحتال، أو أكرّ وأتحرك، و(الصول) الحمل على العدو.\n٢٤٤١ - [٢٦] (أبو موسى) قوله: (اللهم إنا نجعلك في نحورهم) جمع نحر وهو أعلى الصدر أو موضع القلادة، قال التُّورِبِشْتِي (١): تقول: جعلته في نحر العدو، أي: قبالته وحذاءه ليقاتل عنك ويحول بينك وبينه، وخص النحر بالذكر؛ لأن العدو به يُستقبل عند المناهضة للقتال، وأقول: مع ما فيه إشارة إلى نحره وذبحه.\n٢٤٤٢ - [٢٧] (أم سلمة) قوله: (أن نزلّ) من زلة القدم، كناية عن وقوع الذنب من غير قصد، (أو نجهل) بلفظ المتكلم المعلوم، أي: نفعل بالناس فعل الجهال من الإيذاء والإضرار، و(يجهل) بلفظ الغائب المجهول، أي: يفعل الناس بنا ذلك.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٥٧١).","vol":"5","page":228},{"text":"مَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: \"اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ\". [حم: ٦/ ٣٠٦، ت: ٣٤٢٧، ن في الكبرى: ٩٩١٥، د: ٥٠٩٤، جه: ٣٨٨٤].\n٢٤٤٣ - [٢٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْتِهِ، فَقَالَ: بِسْم اللَّهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، يُقَالُ لَهُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ، فَيَتَنَحَّى لَهُ الشَّيْطَانُ. وَيَقُولُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ، وَكُفِيَ، وَوُقِيَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: \"لَهُ الشَّيْطَانُ\". [د: ٥٠٩٥، ت: ٣٤٢٦].\n٢٤٤٤ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا وَلَجَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَلْيقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَولج وَخَيْرَ الْمَخْرَجِ، بِسْمِ اللَّهِ وَلَجْنَا، وَعَلَى اللَّهِ رَبِّنَا تَوَكَّلْنَا، ثُمَّ لْيُسَلِّمْ عَلَى أَهْلِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٩٦].\nــ\nوقوله: (أن أضل) بلفظ المعلوم من الضلال.\nوقوله: (أو أضل) من الإضلال معلومًا أو مجهولًا.\n٢٤٤٣ - [٢٨] (أنس) قوله: (فيتنحى له) أي: لإضلاله وإغوائه.\nوقوله: (كيف لك برجل) أي: كيف تيسر لك إغواء رجل هذه حالُه.\n٢٤٤٤ - [٢٩] (أبو مالك الأشعري) قوله: (خير المولج) بكسر اللام -لأن مَفْعِلًا من المثال لا يجيء إلا مكسور العين- من الولوج بمعنى الدخول، ويحتمل الموضع والمصدر، وقد يفتح اللام، ولا وجه له إلا مشاكلة المخرج.","vol":"5","page":229},{"text":"٢٤٤٥ - [٣٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا رَفَّأَ الإِنْسَانَ إِذَا تَزَوَّجَ، قَالَ: \"بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكُمَا، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٣٨١، ت: ١٠٩١، د: ٢١٣، جه: ١٩٠٥].\n٢٤٤٦ - [٣١] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا تَزَوَّجَ أَحَدُكُمُ امْرَأَةً، أَوِ اشْتَرَى خَادِمًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا جَبَلْتَهَا عَلَيْهِ، وَإِذَا اشْتَرَى بَعِيرًا، فَلْيَأْخُذْ بِذِرْوَةِ سَنَامِهِ،\nــ\n٢٤٤٥ - [٣٠] (أبو هريرة) قوله: (إذا رفّأ الإنسان) بالتشديد شرط، جوابه (قال).\nوقوله: (إذا تزوج) ظرف لقوله: (رفّأ)، والترفئة: الدعاء للمتزوج، من الرفاء بكسر الراء ممدودًا بمعنى الالتئام والاتفاق، من رفأت الثوب: إذا أصلحته، فكانوا في الجاهلية يقولون: بالرفاء والبنين، فنهى عنه لما فيه من كراهة البنات، والبركة محركة: النماء والزيادة والسعادة، والتبريك: الدعاء بها، يقال: بارك اللَّه لك، وفيك، وعليك، وبارِكْ على محمد وعلى آل محمد: أَدِمْ له ما أعطيته من الشرف والكرامة، وتبارك اللَّه: تنزه وتقدس (١).\n٢٤٤٦ - [٣١] (عمرو بن شعيب) قوله: (أو اشترى خادمًا) يطلق على الذكر والأنثى.\nوقوله: (بذروة سنامه) ذروة الشيء بالضم والكسر: أعلاه، وسنام البعير\n_________\n(١) انظر: \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٥٩).","vol":"5","page":230},{"text":"وَيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ\". وَفِي رِوَايَةٍ فِي الْمَرْأَةِ وَالْخَادِمِ: \"ثُمَّ لْيَأْخُذْ بِنَاصِيَتِهَا وَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢١٦٠، جه: ١٩١٨].\n٢٤٤٧ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ: اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرفَةَ عَينٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٩٠].\n٢٤٤٨ - [٣٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَديونٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: \"أفلَا أُعَلِّمُكَ كَلَامًا إِذَا قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّكَ، وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ؟ \" قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: \"قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحُزْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ وَقَهْرِ الرِّجَالِ\". قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ، فَأَذْهَبَ اللَّهُ هَمِّي، وَقَضَى عَنِّي ديني. . . . .\nــ\nبالفتح معروف.\n٢٤٤٧ - [٣٢] (أبو بكرة) قوله: (دعوات المكروب) جمعها لاشتمال الكلام المذكور على معان جمة ودعوات متعددة؛ لأن قوله: (رحمتك أرجو) بمعنى: ارحمني، ففيه ثلاث دعوات مع أن قوله: (وأصلح لي شأني كله) يشتمل على ما لا يُعدّ ولا يحصى.\n٢٤٤٨ - [٣٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (أعوذ بك من الهم والحزن) الفرق بين الهم والحزن: أن الهم يكون في الأمر المتوقع، والحزن مما وقع، والمراد بـ (العجز) عدم القدرة على إقامة الحق ودفع الفساد، و(غلبة الدين) ثقله وتعسر أدائه، وفي معناه: ضلَعُ الدَّين، و(القهر) أيضًا بمعنى الغلبة والسلطان.","vol":"5","page":231},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٥٥٥].\n٢٤٤٩ - [٣٤] وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ جَاءَهُ مُكَاتَبٌ فَقَالَ: إِنِّي عَجَزْتُ عَنْ كِتَابَتِي فَأَعِنِّي. قَالَ: أَلَا أعُلِّمُكَ كَلِمَاتٍ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَوْ كَانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلٍ كبِيرٍ دَيْنًا أَدَّاهُ اللَّهُ عَنْكَ. قُلْ: \"اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي: \"الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ\". وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ جَابِرٍ: \"إِذَا سَمِعْتُمْ نُبَاحَ الْكِلَابِ\" فِي \"بَابِ تَغْطِيَةِ الأَوَانِي\" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [ت: ٦٥٦٣، الدعوات الكبير: ١/ ١٩٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-645> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٤٥٠ - [٣٥] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا جَلَسَ مَجْلِسًا أَوْ صَلَّى تَكَلَّمَ بِكَلِمَاتٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْكَلِمَاتِ فَقَالَ: \"إِنْ تُكُلِّمَ بِخَيْرٍ كَانَ طَابَعًا عَلَيْهِنَّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنْ تُكُلِّمَ بِشَرٍّ كَانَ كَفَّارَةً لَهُ: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ،\nــ\n٢٤٤٩ - [٣٤] (علي) قوله: (عجزت عن كتابتي) أي: بَدَلِ كتابتي بأن بلغ وقت أدائه وليس عنده شيء.\nالفصل الثالث\n٢٤٥٠ - [٣٥] (عائشة) قوله: (تكلم بكلمات) لا شك أن الكلمات هي (سبحانك اللهم. . . إلخ) فالسؤال يكون عنها والجواب بها، لكنه -ﷺ- بيّن قبلها فضيلتها بقوله: (إن تكلم) بضم التاء والكاف وكسر اللام، أي، وقع التكلم، أو بفتحات، أي: تكلم متكلم أو رجل بخير في المجلس، والضمير في (كان) راجعٌ إلى قوله: (سبحانك اللهم. . . إلخ) لكونه فاعلًا، أو مسندٌ إلى ظاهره، فهو اسم (كان)، و(طابعًا) بفتح","vol":"5","page":232},{"text":"لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٣٤٤].\n٢٤٥١ - [٣٦] وَعَنْ قَتَادَةَ بَلَغَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ: \"هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ، آمَنْتُ بِالَّذِي خَلَقَكَ\" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: \"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا، وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٩٢].\n٢٤٥٢ - [٣٧] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ كَثُرَ هَمُّهُ، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ وَفِي قَبْضَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ،\nــ\nالباء بمعنى الخاتم خبر مقدم والضمير في (عليهن) راجع إلى الكلمات المفهومة من (تكلم) رعاية للمعنى، وفي قوله: (كفارة له) إلى الشر لرعاية اللفظ، فافهم.\nهذا ما سنح لي في توجيه الكلام، فافهم.\n٢٤٥١ - [٣٦] (قتادة) قوله: (وعن قتادة) اعلم أن قتادة صحابي وتابعي، أما الصحابي فقتادة بن النعمان الأنصاري عَقَبي بدري، والتابعي قتادة بن دعامة -بكسر الدال- السدوسي البصري الحافظ الأعمى، والظاهر أنه المراد في الحديث بقرينة قوله: (بلغه).\nوقوله: (الذي ذهب بشهر كذا) أي: بالخير والسلامة، (وجاء بشهر كذا) أي: أبقى وفسح في العمر وكلاهما نعمة، والمراد ثناؤه تعالى على هذه القدرة الكاملة وإيجاد الحالة العجيبة.\n٢٤٥٢ - [٣٧] (ابن مسعود) قوله: (وفي قبضتك) قَبَضَه بيده يَقْبِضُه: تناوله بيده، والقبضة بالفتح والضم، فبالضم ما قبضت عليه من شيء، والمقدار المقبوض بالكف، وبالفتح المرة من القبض، وقد يطلق بمعنى القبضة تسميةً بالمصدر.","vol":"5","page":233},{"text":"أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ، سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوْ أَلْهَمْتَ عِبَادَكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي مَكْنُونِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ، أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي، وَجِلَاءَ هَمِّي وَغَمِّي. مَا قَالَهَا عَبْدٌ قَطُّ إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ غَمَّهُ وَأَبْدَلَهُ بِهِ فَرَجًا\". رَوَاهُ رَزِينٌ. [حم: ١/ ٣٩١، ٤٥٢].\n٢٤٥٣ - [٣٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا إذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا وَإِذَا نَزَلْنَا سَبَّحْنَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٩٩٣].\nــ\nوقوله: (سميت به نفسك) ظاهر مفهومه يشمل جميع الأقسام المذكورة، فذكرُ ما بعده بكلمة (أو) يحتاج إلى توجيه وتخصيص، وحمله الطيبي (١) على أن المراد: ما ألهم به عباده بغير واسطة، والمراد بـ (الكتاب) الجنس.\nوقوله: (أو استأثرت) انفردت، وقد يوجد في بعض النسخ بعد قوله: (أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك)، وكتب في الحاشية أن هذه العبارة في الحاشية في أصل (ج) (٢) ألحَقَه بصح، فافهم.\nوقوله: (أن تجعل القرآن ربيع قلبي) شبه القرآن بزمان الربيع في ظهور آثار رحمة اللَّه، وحياةِ القلب وارتياحه به، و(الفرج) محركة: كشف الغم، وفي الحاشية: أنه ضبط (ج) في أصله بخطه بالحاء المهملة، وهو بمعنى السرور.\n٢٤٥٣ - [٣٨] (جابر) قوله: (وإذا نزلنا سبحنا) الظاهر أنهم يتبعون في ذلك رسول اللَّه -ﷺ-، وقد ذكرنا وجهه في حديث ابن عمر من (الفصل الثالث).\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٥/ ١٨٤).\n(٢) رمز السيد جمال الدين المحدث -﵀-.","vol":"5","page":234},{"text":"٢٤٥٤ - [٣٩] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا كَرَبَهُ أَمْرٌ يَقُولُ: \"يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَلَيْسَ بِمَحْفُوظٍ. [ت: ٣٥٢٤].\n٢٤٥٥ - [٤٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُلْنَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ مِنْ شَيْءٍ نقُولُه؟ فَقَدْ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ. قَالَ: \"نعُمْ، اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِنَا، وَآمِنْ رَوْعَاتِنَا\". قَالَ: فَضَرَبَ اللَّهُ وُجُوهَ أَعْدَائِهِ بِالرِّيحِ، هَزَمَ اللَّهُ بِالرِّيح. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣/ ٣].\n٢٤٥٦ - [٤١] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا دَخَلَ السُّوقَ قَالَ: \"بِسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذه السُّوقِ وَخَيْرَ مَا فِيهَا،\nــ\n٢٤٥٤ - [٣٩] (أنس) قوله: (إذا كربه أمر) كربه الغم فاكترب.\n٢٤٥٥ - [٤٠] (أبو سعيد) قوله: (بلغت القلوب الحناجر) أي: رعبًا، فإن الرئة تنتفخ من شدة الروع فيرتفع بارتفاعها إلى رأس الحنجرة وهي منتهى الحلقوم مدخل الطعام والشراب، كذا في (تفسير البيضاوي) (١)، ولكن في قوله: مدخل الطعام والشراب، نظر، والصواب أنه مجرى النفس، ومدخل الطعام والشراب هو المري وهو تحت الحلقوم.\n٢٤٥٦ - [٤١] (بريدة) قوله: (هذه السوق) السوق يذكر ويؤنث، كذا في (القاموس) (٢)، ولعله باعتبار ما ذكروا من أن أسماء الأماكن يجوز تذكيرها وتأنيثها بتأويل الموضع أو البقعة.\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٢٤٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٢٥).","vol":"5","page":235},{"text":"وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُصِيبَ فِيهَا صَفْقَةً خَاسِرَةً\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ\". [الدعوات الكبير: ١/ ٤٠٦].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-646>٨ - باب الاستعاذة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-647> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٤٥٧ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جَهْدِ الْبَلَاءِ،\nــ\nوقوله: (صفقة خاسرة) صَفَقَ يدَه على يده صَفْقًا: ضرب يده على يده، وذلك عند وجوب البيع.\n٨ - باب الاستعاذة\nالعوذ: الالتجاء، كالعياذ والمَعاذ والتعوُّذ والاستعاذة، كذا في (القاموس) (١)، وقد اختلف القراء في أن الأفضل: أعوذ باللَّه، أو: أستعيذ باللَّه، والأكثر على الثاني لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨]، وقد وردت الأخبار والآثار بالأول أيضًا، وهذه في قراءة القرآن، وأما في الأدعية المأثورة فقد وقع بلفظ أعوذ، والمعنى واحد ولكن الكلام في اللفظ.\nالفصل الأول\n٢٤٥٧ - [١] (أبو هريرة) قوله: (من جهد البلاء) أي: الحالة الشاقة، قيل: هو حالة يُختار فيها الموت على الحياة، وقيل: قلة المال وكثرة العيال، والصواب أنه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣١٦).","vol":"5","page":236},{"text":"وَدَرَكِ الشَّقَاءِ، وَسُوءِ الْقَضَاءِ، وَشَمَاتَةِ الأَعْدَاءِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦١٦، م: ٢٧٠٧].\nــ\nأعم، والبلاء هي الحالة التي يمتحن بها الإنسان وتشق عليه، والجَهْد: الطاقة ويُضم، والمشقة والغاية، واجْهَدْ جَهْدَك: ابلغ غايتك، وفي (النهاية) (١): بالضم الوسع والطاقة، وبالفتح المشقة، وقيل: المبالغة والغاية، وقيل: هما لغتان في الوسع، فأما في المشقة والغاية فالفتح لا غير، انتهى.\nوقوله: (ودرك الشقاء) في (القاموس) (٢): الدرك محركة: اللحاق، أدركه: لحقه، وفي (مجمع البحار) (٣): هو بسكون راء وفتحها، أي: إدراكًا ولحاقًا، والدرك الأسفل من النار بالحركة، وقد يسكَّن، واحد الإدراك، وهي منازل في النار، والدرك إلى أسفل، والدرج إلى فوق، وقال: (درك الشقاء) بفتح راء: اللحاق والتَّبَعة، وعن النووي: بفتح راء وحكي سكونها، وكذا الدرك الأسفل، والشقاء بالفتح والمد: الشدة، انتهى. وفي (القاموس) (٤): الشقاء: الشدة والعسر ويمدّ، شقي كرضي شَقَاوة وشقًا وشَقْوة ويكسر.\nوقوله: (وسوء القضاء) هو ما يسوء الإنسان ويوقعه في المكروه، والسوء منصرف إلى المقضيِّ دون القضاء، على عكس ما يقال: الرضا واجب بالقضاء لا بالمقضي.\nوقوله: (وشماتة الأعداء) أي: أعداء الدين والدنيا المتعلقةِ بالدين، وأما إذا كان رجل مثلًا له من الدنيا ما يُسرف ويَبطر ويفسق ويظلم، فيَشمت بزوالها الأعداء\n_________\n(١) \"النهاية\" (١/ ٣٢٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٦٤).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ١٧١).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩٥).","vol":"5","page":237},{"text":"٢٤٥٨ - [٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣٦٩، م: ٢٧٠٦].\n٢٤٥٩ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكَسَلِ وَالْهَرَمِ، وَالْمَغْرَمِ وَالْمَأْثَم، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ وَفِتْنَةِ النَّارِ، وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى، وَشَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّ قَلْبِي كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنسِ،\nــ\nفلا استعاذة عنه.\n٢٤٥٨ - [٢] (أنس) قوله: (وضلع الدين) بفتحتين: ثقله، والضَّلْع بالسكون: الميل، كذا في (مختصر النهاية) (١)، وفي (القاموس) (٢): الضلع محركة: الاعوجاج خلقة، ويسكّن، ومن الدَّين: ثقله حتى يميل صاحبه عن الاستواء، وفي (النهاية) (٣): الضَّلاعة القوة وهو من باب سمع، ومصدره ضلعًا بالتحريك، ومن باب فتح ومصدره بالسكون.\n٢٤٥٩ - [٣] (عائشة) قوله: (وفتنة النار) أي: فتنة تؤدي إلى عذاب النار، كذا قال الطيبي (٤).\nوقوله: (بماء الثلج) بسكون اللام، (والبرد) بفتحتين، قيل: إنما خُصَّا لأنهما\n_________\n(١) \"الدر النثير\" (٢/ ٦٠٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٨٥).\n(٣) \"النهاية\" (٣/ ٩٧).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٥/ ١٨٧).","vol":"5","page":238},{"text":"وَبَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٧٥، م: ٥٨٩].\n٢٤٦٠ - [٤] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمِ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٢٢].\n٢٤٦١ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ. . . . .\nــ\nعلى خلقتهما لم يستعملا ولم تنلهما الأيدي ولم تخضهما الأرجل، وفي بعض الروايات: (بالماء والثلج والبرد)، ذكر الأنواع المطهرات.\n٢٤٦٠ - [٤] (زيد بن أرقم) قوله: (أنت وليها ومولاها) الولي: المحب والنصير، والمولى: المالك، والرب، والناصر، والمنعم، والمحب، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (ونفس لا تشبع) عن المال أو عن الأكل.\nوقوله: (ومن دعوة لا يستجاب لها) المراد الدعاء بالمعصية وما لا يرضاه الحق، أو المراد التعوذ من عدم استجابة الدعاء.\n٢٤٦١ - [٥] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (من زوال نعمتك وتحول عافبتك) زوال النعمة من غير بدل، وتحول العافية تبدُّلها بالبلاء، (وفجاءة) صحح بوجهين: بضم\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٣٣).","vol":"5","page":239},{"text":"نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٣٩].\n٢٤٦٢ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ، وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧١٦].\n٢٤٦٣ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالْجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣١٧، م: ٢٧١٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-648> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٤٦٤ - [٨] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الأَرْبَعِ: مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمَنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ. . . . .\nــ\nالفاء وفتح الجيم وبالمد، وبفتح الفاء وسكون جيم بلفظ المرة كما سبق، و(نقمتك) بفتح النون وكسرها.\n٢٤٦٢ - [٦] (عائشة) قوله: (ومن شر ما لم أعمل) أي: من أن أعمل في مستقبل الزمان ما لا ترضاه، أو أن أصبر معجبًا بنفسي بترك القبائح من غير تركها.\n٢٤٦٣ - [٧] (ابن عباس) قوله: (وإليك أنبت) أي: أقبلت، أناب إلى اللَّه: أقبل، (وبك) أي: بقوتك، أو بنصرك، أو بقهرك، أو بدينك، وغير ذلك مما يناسبه المقام.\nالفصل الثاني\n٢٤٦٤، ٢٤٦٥ - [٨، ٩] (أبو هريرة، عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (ومن دعاء","vol":"5","page":240},{"text":"لَا يُسْمَعُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٣٦٥، د: ١٥٤٨، جه: ٢٥٠].\n٢٤٦٥ - [٩] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُمَا. [ت: ٣٤٨٢، ن: ٥٤٤٢].\n٢٤٦٦ - [١٠] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتَعَوَّذُ مِنْ خَمْسٍ: مِنَ الْجُبْنِ، وَالْبُخْلِ، وَسُوءِ الْعُمُرِ، وَفِتْنَةِ الصَّدْرِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٥٣٩، ن: ٥٤٤٣].\n٢٤٦٧ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ، وَالْقِلَّةِ، وَالذِّلَّةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٥٤٤، ن: ٥٤٦٠].\nــ\nلا يسمع) أي: لا يستجاب، فإنه إذا لم يستجب فكأنه لا يسمع.\n٢٤٦٦ - [١٠] (عمر) قوله: (وسوء العمر) يحتمل أن يراد به سوء الكبر، وأن يكون سوءَ المعيشة وضيقها وفسادها.\nوقوله: (وفتنة الصدر) هي ما ينطوي عليه من الأخلاق المذمومة، والعقائد الباطلة، وقيل: ضيقه المانع من قبول الحق وتحمل البلايا.\n٢٤٦٧ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (من الفقر (١» أي: الذي لا صبر فيه، وفي الحقيقة الاستعاذة من فتنة الفقر كما صرح به في الأحاديث، والمراد بـ (القلة) قلة الخيرات والمبَرَّات، والمراد بـ (الذلة) ذلة النفس الموجبةُ للهوان عند اللَّه وعند أرباب\n_________\n(١) في \"التقرير\": تعوذه -ﷺ- من الفقر يشكل عليه ما سيأتي في فضل الفقراء من سؤال المسكنة، وجمع القاري بينهما بأن المراد شر الفقر، انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٤/ ١٧٠٩).","vol":"5","page":241},{"text":"٢٤٦٨ - [١٢] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشِّقَاقِ، وَالنِّفَاقِ، وَسُوءِ الأَخْلَاقِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٥٤٦، ن: ٥٤٧١].\n٢٤٦٩ - [١٣] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوع فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ. . . . .\nــ\nالدين ضد ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].\n٢٤٦٨ - [١٢] (عنه) قوله: (من الشقاق) وهو الخلاف والعداوة والخصومة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥]، وقوله سبحانه: ﴿فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ [ص: ٢]، و(النفاق) في الدين أن يستر الكفر ويظهر الإيمان، ولعل المراد هنا أعم من ذلك مما يشمل الرياء وعلامات النفاق من الكذب والخيانة والخلف في الوعد، وإظهار خلاف ما أضمر مع الأصحاب.\nوقوله: (وسوء الأخلاق) هي تعميم بعد التخصيص؛ لأن الأخلاق هي الصفات الباطنة، أو المراد منه ضد بشاشة الوجه والسماحة مع الخَلْق كما يطلق في العرف، وجمع الأخلاق يؤيد المعنى الأول.\n٢٤٦٩ - [١٣] (عنه) قوله: (من الجوع) استعاذ منه لظهور أثره في بدن الإنسان وقواه الظاهرة والباطنة، ومنعه عن الطاعات والخيرات، كما قال: (فإنه بئس الضجيع) أي: المضاجع، سماه مضاجعًا للزومه للإنسان ليلًا ونهارًا في النوم واليقظة، وفيه إشارة إلى الجوع المذموم الذي يلزم الإنسان ويتضرر به، والضمير في (إنه) للشأن، والمخصوص محذوف، ويجوز أن يكون هو المخصوص (١) ذكر مقدمًا وهو جائز،\n_________\n(١) أي: إن كان الضمير في \"إنه\" عائدًا على \"الجوع\".","vol":"5","page":242},{"text":"فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٥٤٧، ن: ٥٤٦٩، جه: ٣٣٥٤].\n٢٤٧٠ - [١٤] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبَرَصِ، وَالْجُذَامِ، وَالْجُنُونِ، وَمِنْ سَيِّئِ الأَسْقَامِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٥٥٤، ن: ٥٤٩٣].\n٢٤٧١ - [١٥] وَعَنْ قُطْبَةَ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الأَخْلَاقِ، وَالأَعْمَالِ، وَالأَهْوَاءِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٩١].\nــ\nنحو: زيد نعم الرجل.\nوقوله: (فإنها بئست البطانة) في (القاموس) (١): البطانة بالكسر: السريرة، ومن الثوب: خلاف ظِهارته.\n٢٤٧٠ - [١٤] (أنس) قوله: (من البرص) محركة: بياض يظهر في ظاهر البدن لفساد مزاجه، من باب سمع، (والجذام) كغراب علة تحدث من انتشار السوداء في البدن كله، فيفسد مزاج الأعضاء وهيأتها، وربما انتهى إلى تآكل الأعضاء وسقوطها عن تقرح.\nوقوله: (وعن سيئ الأسقام) سائر الأسقام السيئة.\n٢٤٧١ - [١٥] (قطبة بن مالك) قوله: (وعن قطبة بن مالك) بضم القاف وسكون الطاء المهملة.\nوقوله: (من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء) من إضافة الصفة إلى الموصوف.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٨٧).","vol":"5","page":243},{"text":"٢٤٧٢ - [١٦] وَعَنْ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! عَلِّمْنِي تَعْوِيذًا أَتَعَوَّذُ بِهِ، قَالَ: \"قُل: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ سَمْعِي، وَشَرِّ بَصَرِي، وَشَرِّ لِسَانِي، وَشَرِّ قَلْبِي، وَشَرِّ مَنِيِّي\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٥٥١، ت: ٣٤٩٢، ن: ٥٤٤٤].\n٢٤٧٣ - [١٧] وَعَنْ أَبِي الْيَسَرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَدْعُو: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَدْمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ التَّرَدِّي، وَمِنَ الْغَرَقِ، وَالْحَرَقِ،\nــ\n٢٤٧٢ - [١٦] (شتير بن شكل) قوله: (وعن شتير) بضم الشين المعجمة وفتح الفوقانية بعدها تحتانية ساكنة (ابن شكل) بفتح المعجمة والكاف وباللام (ابن حميد) بلفظ التصغير.\nوقوله: (تعويذًا) التعويذ: الرقية، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (شر منيي) المني ماء الرجل، والمراد الاستعاذة من الوقوع في الزنا، والنظر إلى المحارم بسبب غلبته.\n٢٤٧٣ - [١٧] قوله: (وعن أبي اليسر) بياء تحتانية وسين مفتوحتين آخره راء.\nوقوله: (أعوذ بك من الهدم) هو محركًا: البناء المنهدم، وبالسكون الفعل نفسه، وبكسر الدال: من يموت تحت الهدم، والمشهور في الحديث بالسكون مصدرًا أو اسمًا كما في قرائنه، ويروى بالفتح، و(التردي) السقوط من مكان عالٍ، يقال: رَدَى فلانٌ في البئر: سقط، كتردَّى، و(الغرق والحرق) يرويان بالحركة والسكون، وكلاهما مصدر أو اسم، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): الإسكان في الحرق خطأ.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣١٧).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٥٧٩).","vol":"5","page":244},{"text":"وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ تتَخَبَّطَنِيَ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِرًا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَمُوتَ لَدِيغًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: \"وَالْغَمِّ\". [د: ١٥٥٢، ن: ٥٥٣٢].\n٢٤٧٤ - [١٨] وَعَنْ مُعَاذٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ طَمَعٍ يَهْدِي إِلَى طَبَعٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ\". [حم: ٥/ ٢٣٢، الدعوات الكبير: ١/ ٤٤٩].\nــ\nاعلم أن هذه المذكورات من مصائب ومحنٍ وقع الاستعاذة منها -مع ما فيها من خوف انتهاز الشيطان فرصة يُخل فيها بالدين- لوقوعها في الأكثر بغتة، ولكن ورد أيضًا في الأحاديث أنها من قبيل الشهادة، بمعنى ترتب ثوابها عليها، ففي الحقيقة الاستعاذة ترجع إلى وقوعها من حيث الإخلال بالدين، فإن لم يكن كذلك فلا استعاذة، بل الاستعاذة من المحن والمصائب كلها إنما هي من حيث احتمال الجزع والشكوى مع كونها سببًا لكفارة الذنوب ورفع الدرجات.\nوقوله: (من أن يتخبطني الشيطان عند الموت) خبطه يَخْبِطُه: ضربه شديدًا، وكذا البعير بيده الأرضَ، كتخبّطه، واختبطه: وطئه شديدًا، والشيطان فلانًا: مسّه بأذى، كتخبّطه، والمراد بمسه: نزغاته ووساوسه.\nوقوله: (أن أموت في سبيلك مدبرًا) عبارة عن الفرار من الزحف، ويجوز أن يكون عبارة عن ترك طلب الحق وسلوك طريقه والتوحشِ بعد الأنس.\nوقوله: (أن أموت لديغا) لدغته العقرب والحية كمنع لدغًا، فهو ملدوغ، ولديغ، وموت اللديغ أيضًا في حكم ما مر من الهدم والغرق والحرق فيما ذكر.\n٢٤٧٤ - [١٨] (معاذ) قوله: (من طمع يهدي إلى طبع) الطبع محركًا: الدنس،","vol":"5","page":245},{"text":"٢٤٧٥ - [١٩] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ فَقَالَ: \"يَا عَائِشَةُ! اسْتَعِيذِي بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ هَذَا، فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْغَاسقُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٣٦٦].\nــ\nأي: طمع يسوق إلى شَينٍ في الدين وإزراء بالمروءة، وفي (القاموس) (١): الطبع: الختم، والصدأ، والدنس، ويحرّك، أو بالتحريك: الوسخ الشديد من الصدأ، والشين والعيب.\n٢٤٧٥ - [١٩] (عائشة) قوله: (فإن هذا هو الغاسق إذا وقب) قال في (القاموس) (٢) في باب القاف: الغسق محركة: ظلمة أول الليل، وغَسَق الليلُ غَسْقًا، ويحرك، وغَسَقانًا، وأَغسق: اشتدت ظلمته، والغاسق: القمر أو الليل إذا غاب الشفق، ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ أي: الليل إذا دخل، أو الثريا إذا سقطت؛ لكثرة الطّواعِين والأسقام عند سقوطها. وقال ابن عباس وجماعة: من شر الذَّكَر إذا قام، انتهى.\nوقال في باب الباء (٣): وقب الظلام: دخل، والشمس وَقْبًا ووقوبًا: غابت، والقمر: دخل في الكسوف، ومنه ﴿غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾، أو معناه: أيرٍ (٤) إذا قام، حكاه الغزالي وغيره عن ابن عباس، انتهى.\nوالوجه في الاستعاذة من القمر إذا كسف: أنه من آيات اللَّه الدالة على حدوث بلية ونزول نائبة، كما جاء في الحديث: قام النبي -ﷺ- فزعًا يخشى أن تكون الساعة، كذا قيل، وليس المراد ولا ينبغي أن يراد ما يخبر به المنجمون من أحكام الخسوف،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٨٦)، وفي المخطوطة: الوسخ الشديد والصدأ، بغير \"من\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٤٣).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٤٤).\n(٤) أي: الذكر. \"تاج العروس\" (٤/ ٣٥٦).","vol":"5","page":246},{"text":"٢٤٧٦ - [٢٠] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- لِأَبِي: \"يَا حُصَيْنُ! كَمْ تَعْبُدُ الْيَوْمَ إِلَهًا؟ \" قَالَ أَبِي: سَبْعَةً: سِتًّا فِي الأَرْضِ وَوَاحِدًا فِي السَّمَاءِ، قَالَ: \"فَأَيُّهُمْ تَعُدُّ لِرَغْبَتِكَ وَرَهْبَتِكَ؟ \" قَالَ: الَّذِي فِي السَّمَاءِ، قَالَ يَا حُصَيْنُ: \"أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَسْلَمْتَ عَلَّمْتُكَ كَلِمَتَيْنِ تنفَعَانِكَ\"، قَالَ: فَلَمَّا أَسْلَمَ حُصَيْنٌ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! عَلِّمْنِي الْكَلِمَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَعَدْتَنِي فَقَالَ: \"اللَّهُمَّ أَلْهِمْنِي رُشْدِي، وَأَعِذْنِي مِنْ شَرِّ نَفْسِي\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٤٨٣].\n٢٤٧٧ - [٢١] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا فَزِعَ أَحَدُكُمْ فِي النَّوْمِ فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ، وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونَ فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ\"، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يُعَلِّمُهَا مَنْ بَلَغَ مِنْ وَلَدِهِ وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنْهُمْ،\nــ\nفإنها مما لا يعتمد عليه الإسلاميون وهي غير معتبرة عندهم، بل المراد أنها من آيات اللَّه المنذِرة، بمعنى أنه تعالى لما جعل القمر مخسوفًا في الساعة مع كمال نورانيته أثذر عباده أن يغير أحوالهم وينزع عنهم نور الإيمان والعمل، معاذ اللَّه عن ذلك، واللَّه أعلم.\n٢٤٧٦ - [٢٠] (عمران بن حصين) قوله: (ستًّا في الأرض) قالوا: هي يغوث ويعوق ونسر واللات والمناة والعزى، وهي مذكورة في التنزيل.\n٢٤٧٧ - [٢١] (عمرو بن شعيب) قوله: (من همزات الشياطين) أي: وساوسهم، وأصل الهمز: النخس، ومنه مهماز الرائض، شبه حثهم الناس على المعاصي بهمز","vol":"5","page":247},{"text":"كَتَبَهَا فِي صَكٍّ ثُمَّ عَلَّقَهَا فِي عُنُقِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَهَذَا لَفْظُهُ. [د: ٣٨٩٣، ت: ٣٥٢٨].\n٢٤٧٨ - [٢٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الْجَنَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَتِ الْجَنَّةُ: اللَّهُمَّ أَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَمَنِ اسْتَجَارَ مِنَ النَّارِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَتِ النَّارُ: اللَّهُمَّ أَجِرْهُ مِنَ النَّارِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٢٥٧٢، ن: ٥٥٢١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-649> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٤٧٩ - [٢٣] عَنِ الْقَعْقَاعِ أَنَّ كَعْبَ الأَحْبَارِ قَالَ: لَوْلَا كَلِمَاتٌ أَقُولُهُنَّ. . . . .\nــ\nالراضة للدواب على المشي، والجمعُ للمرات أو لتنوع الوساوس أو لتعدد المضاف إليه، كذا في (تفسير البيضاوي) (١).\nو(الصك) الكتاب، جمعه صكوك معرب، وفارسيه جك.\nوقوله: (علقها في عنقه) وهذا هو السند فيما يعلق في أعناق الصبيان من التعويذات، وفيه كلام، وأما تعليق الحِرْز والتمائم مما كان من رسوم الجاهلية فحرام بلا خلاف.\n٢٤٧٨ - [٢٢] (أنس) قوله: (قالت الجنة) و(قالت النار) إما محمول على الحقيقة أو على المجاز، وقد ورد في قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠].\nالفصل الثالث\n٢٤٧٩ - [٢٣] (القعقاع) قوله: (عن القعقاع) بفتح القاف وسكون العين تابعي.\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١١١).","vol":"5","page":248},{"text":"لَجَعَلَتْنِي يَهُودُ حِمَارًا. فَقِيلَ لَهُ: مَا هُنَّ؟ قَالَ: أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيم الَّذِي لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمَ مِنْهُ، وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٣٥٠٢].\n٢٤٨٠ - [٢٤] وَعَنْ مُسْلِمِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: كَانَ أَبِي يَقُولُ في دُبُرِ الصَّلَاةِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، فَكُنْتُ أَقُولُهُنَّ فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ! عَمَّنْ أَخَذْتَ هَذَا؟ قُلْتُ: عَنْكَ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُهُنَ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ. . . . .\nــ\nوقوله: (لجعلتني يهود حمارًا) بسحرهم، والمراد إما جعله ذليلًا بليدًا مسلوب العقل، أو انقلاب الحقيقة، كذا ذكره الطيبي (١)، واللَّه أعلم.\nوقوله: (التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر) قد يراد بكلمات اللَّه العلم، ولعل الجمع باعتبار التعلقات فإنه لا يجاوز أحد عن علمه تعالى، ولا يخرج أحد عن حيطته، وقد يراد القرآن، فإنه لا يخرج أحد عن وعده ووعيده بالثواب والعقاب.\nوقوله: (من شر ما خلق وذرأ وبرأ) متقاربة المعنى، وتشترك في معنى الإيجاد والإخراج من العدم، لكن خلق بمعنى قدَّر، وذرأ بمعنى أنشأ، وقيل: خلق بمعنى أنشا، وذرأ بمنعى نشر، وبرأ بمعنى أوجدها من العدم، وقيل: جعل المخلوقات مبرأة من النقصان والتفاوت فيما تقتضيه الحكمة، كقوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣]، فخلَق كلَّ شيء على ما ينبغي، ووضعه في موضعه.\n٢٤٨٠ - [٢٤] (مسلم بن أبي بكرة) قوله: (عمن أخذت هذا؟) فيه أفضلية\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٥/ ١٩٧).","vol":"5","page":249},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: فِي دُبرِ الصَّلَاةِ، وَرَوَى أَحْمَدُ لَفْظَ الْحَدِيثِ، وَعِنْدَهُ: فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ. [ت: ٣٠٣، ن: ١٣٤٧، حم: ٥/ ٣٩].\n٢٤٨١ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالدَّيْنِ\"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتَعْدِلُ الْكُفْرَ بِالدَّيْنِ، قَالَ: \"نَعَمْ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ\" قَالَ رَجُلٌ: وَيُعْدَلَانِ؟ قَالَ: \"نَعَمْ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٥٤٨٥].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-650>٩ - باب جامع الدعاء</span>\nــ\nالإجازة في الأوراد.\nوقوله: (وروى أحمد لفظ الحديث) أي: دون القصة.\n٢٤٨١ - [٢٥] (أبو سعيد) وقوله: (نعم) أي: نعم، المديون يساوي الكافر والمنافق، فإن الرجل إذا غلبه الدَّين يكذب ويُخلف الوعد ويَفجر، وتلك من صفات المنافقين وعلاماتِ النفاق، والفقير أيضًا إذا لم يصبر كاد يفضي فقره إلى الكفر.\n٩ - باب جامع الدعاء\nمن إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الدعاء الجامع لمعان كثيرة في ألفاظ قليلة مثل جوامع الكلم، أو جامع للمقاصد، وهذا من خواص الأدعية المأثورة، والمراد بالدعاء الجنس.","vol":"5","page":250},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-651> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٤٨٢ - [١] عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي وَجَهْلِي، وَإِسْرافِي فِي أَمْرِي، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي جِدِّي وَهَزْلي، وَخَطَئِي وَعَمْدِي وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أَنْتَ أعلَمُ بِهِ مِنِّي، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ،\nــ\nالفصل الأول\n٢٤٨٢ - [١] (أبو موسى الأشعري) قوله: (جدي وهزلي) في (القاموس) (١): الجِد: الاجتهاد في الأمر، وضد الهزل، وقال الأصوليون: الجد ما يراد معناه، كقولك: بعت واشتريت، مريدًا البيع والشراء، والهزل ضده.\nوقوله: (وكل ذلك عندي) قاله تواضعًا وهضمًا لنفسه، كذا قال الطيبي (٢)، وهو في الحقيقة لتعليم الأمة، وفيه توجيهات أُخر ذكروها في قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢].\nوقوله: (ما قدمت وما أخرت) كناية عن جميع الذنوب، أو ما كان قبل النبوة وبعدها، أو تعتبر نسبة بعض الذنوب إلى بعض؛ فإن التقدم والتأخر إضافيان، فبعضُها يكون متقدمًا بالنسبة إلى بعضٍ ومتأخرًا، أو المراد بـ (ما أخرت): ما لم يعمل بعد، فالمراد غفرانها على تقدير وقوعها.\nوقوله: (أنت المقدم وأنت المؤخر) قد علم معناهما في (باب أسماء اللَّه تعالى).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٦).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٢٠٠).","vol":"5","page":251},{"text":"وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣٩٩، م: ٢٧١٩].\n٢٤٨٣ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لِي دِينِي الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِي، وَأَصْلِحْ لِي دُنْيَايَ الَّتِي فِيهَا مَعَاشِي، وَأَصْلِحْ لِي آخِرتِي الَّتِي فِيهَا مَعَادِي، وَاجْعَلِ الْحَياةَ زِيَادَةً لِي فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لِي مِنْ كُلِّ شَرِّ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٢٠].\n٢٤٨٤ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٢١].\n٢٤٨٥ - [٤] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قُلِ اللَّهُمَّ اهْدِنِي وَسَدِّدْنِي، وَاذْكُرْ بِالْهُدَى هِدَايَتَكَ الطَّرِيقَ. . . . .\nــ\n٢٤٨٣ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (ديني الذي هو عصمة أمري) فإن العصمة في النفس والمال والعِرض إنما تحصل بالدين، وإصلاحُ الدنيا بوصول الكفاف على وجه الحلال، ليتم أمر المعيشة، ويحصل به العونُ على الطاعة، والسلامةُ عن الآفات التي تورث خللًا وتشويشًا في الوقت، وإصلاح المعاد: التوفيق لما يهيِّئ النجاة عن العذاب، والفوز بالسعادة في الآخرة، وجَعْلُ الموتِ راحة من كل شر: التوفي عند خوف الفتنة، ولحوقِ الضرر في الدين.\n٢٤٨٤ - [٣] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (والعفاف) عفّ عَفًّا وعَفافة بالفتح وعِفّة بالكسر: كف عما لا يَحل ولا يُحمد من السؤال والذل، كاستعف وتعفف، (والغنى) بالمال وبالقلب وهو الأصل.\n٢٤٨٥ - [٤] (علي) قوله: (واذكر بالهدى) أي: اخطر ببالك في معنى الهداية","vol":"5","page":252},{"text":"وَبِالسَّدَادِ سَدَادَ السَّهْمِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٢٥].\n٢٤٨٦ - [٥] وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ عَلَّمُهُ النَّبِيُّ -ﷺ- الصَّلَاةَ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٩٧].\n٢٤٨٧ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَكْثَرُ دُعَاءِ النَّبِيِّ -ﷺ-: \"اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣٨٩، م: ٢٦٩٠].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-652> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٤٨٨ - [٧] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَدْعُو يَقُولُ: \"رَبِّ أَعِنِّي وَلَا تُعِنْ عَلَيَّ، وَانْصُرْنِي وَلَا تَنْصُرْ عَلَيَّ،\nــ\nوطلبِها هدايةَ من سلك الطريق المستقيم من غير ميل إلى يمين وشمال، و(سداد) يشبه سداد السهم نحو الغرض، أي: والسداد غاية الهدى ونهايته.\n٢٤٨٦ - [٥] (أبو مالك الأشجعي) قوله: (علمه النبي -ﷺ- الصلاة) لكونها أفضل الأعمال وكونها واجبة بالفعل.\n٢٤٨٧ - [٦] (أنس) قوله: (كان أكثر دعاء النبي -ﷺ-) لكونه جامعًا لجميع الخيرات والبركات.\nالفصل الثاني\n٢٤٨٨ - [٧] (ابن عباس) قوله: (رب أعني) أي: على أعدائي في الدين والدنيا من النفس والشيطان والجن والإنس، والمعين: الظهير، والنصير أيضًا بمعنى الإعانة، ويتضمن معنى الإنجاء والتخليص.","vol":"5","page":253},{"text":"وَامْكُرْ لِي وَلَا تَمْكُرْ عَلَيَّ، وَاهْدِنِي وَيَسِّرِ الْهُدَى لِي، وَانْصُرْنِي عَلَى مَنْ بَغَى عَلَيَّ، رَبِّ اجْعَلْنِي لَكَ شَاكرًا، لَكَ ذَاكِرًا، لَكَ رَاهِبًا، لَكَ مِطْوَاعًا، لَكَ مُخْبِتًا، إِلَيْكَ أَوَّاهًا مُنِيبًا. رَبِّ تَقَبَّلْ تَوْبَتِي، وَاغْسِلْ حَوْبَتِي،\nــ\nوقوله: (وامكر لي ولا تمكر علي) مكرُ اللَّه: إيقاع بلائه بأعدائه من حيث لا يشعرون، وقيل: المكر: حيلة توقع بها المرء في الشر، وهو من اللَّه تعالى تدبير خفي، وهو استدراجه بطول الصحة وبظاهر النعمة، وقد يكون المكر باستدراج العبد بالطاعات، فيتوهم أنها مقبولة وهي مردودة. وحاصله: ألحق مكرك بأعدائي لا بي.\nو(بغى) (١) بفتح الغين، و(راهبًا) أي: خائفًا، و(المطواع) المطيع، طاع له يطوع ويطاع: انقاد، و(أخبت) خشع وتواضع، والخَبْت في الأصل: المطمئن من الأرض، وأخبت الرجل: إذا قصد الخَبْت، فالمخبت هو المتواضع الذي اطمأن قلبه إلى ذكر ربه، و(الأواه) بتشديد الواو كثير التأوه من الذنوب، وكل كلام يدل على الحزن يقال له: التأوه، ويعبر بالأواه عمن يظهر ذلك خشية للَّه، في (الصحاح) (٢): أَوْهِ ساكنة الواو، وربما قلبوا الواو ألفًا، وقالوا: آهِ من كذا، وأَوّه من كذا، بالتشديد، ويحذف الهاء أيضًا ويقال: أوّ من كذا، ويقال: آوَّهْ بالمدّ والتشديد وفتح الواو، ويقال: أَوَّتاهُ بإدخال التاء، وفي (الصراح) (٣): أوه: درد وناله نمودن، تأويه تأوه: آه كَفتن، وفي (القاموس): الأَوَّاهُ: المُوقِنُ أَو الدَّعَّاءُ، أَو الرَّحيمُ الرقيقُ، أَو الفقيهُ، أَو المُؤْمِنُ بالحَبَشِيَّةِ. و(الحوبة) بالفتح الإثم وقد يضم.\n_________\n(١) أي: ظلمني وتعدّى عليّ.\n(٢) \"الصحاح\" (٥/ ٢٢٢٥).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٥٣٢).","vol":"5","page":254},{"text":"وَأَجِبْ دَعْوتِي، وَثَبِّتْ حُجَّتِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاهْدِ قَلْبِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ صَدْرِي\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٣٥٥١، د: ١٥١٠، جه: ٣٨٣٠].\n٢٤٨٩ - [٨] وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- عَلَى الْمِنْبَرِ ثُمَّ بَكَى فَقَالَ: \"سَلُوا اللَّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ، فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْرًا مِنَ الْعَافِيَة\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. [ت: ٣٥٥٨، جه: ٣٨٤٩].\n٢٤٩٠ - [٩] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"سَلْ رَبَّكَ الْعَافِيةَ وَالْمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ،، ثُمَّ أَتَاهُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الدُّعَاءِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَاهُ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: \"فَإِذَا أُعطِيتَ الْعَافِيَةَ وَالْمُعَافَاةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ فَقَدْ أَفْلَحْتَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. [ت: ٣٥١٢، جه: ٣٨٤٨].\nــ\nو(سخيمة الصدر) الحقد والضغينة، والسخمة: السواد، والمعنى: أخرج من صدري وانزع منه ما يستكنُّ فيه، ويستولي عليه من مساوئ الأخلاق.\n٢٤٨٩ - [٨] (أبو بكر) قوله: (بعد اليقين) أي: الإيمان وكماله، فإن ذلك أصل جميع النعم.\n٢٤٩٠ - [٩] (أنس) قوله: (العافية والمعافاة) أراد بالعافية السلامة عن جميع الآفات الظاهرة والباطنة، ويدخل فيه الإيمان، فلذلك سمي هذا الدعاء أفضل، والمعافاة","vol":"5","page":255},{"text":"٢٤٩١ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: \"اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي حُبَّكَ، وَحُبَّ مَنْ يَنْفَعُنِي حُبُّهُ عِنْدَكَ، اللَّهُمَّ مَا رَزَقْتَنِي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ قُوَّةً لِي فِيمَا تُحِبُّ، اللَّهُمَّ مَا زَويتَ عَنِّي مِمَّا أُحِبُّ فَاجْعَلْهُ فَرَاغًا لِي فِيمَا تُحِبُّ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٩١].\n٢٤٩٢ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَلَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- يَقُومُ مِنْ مَجْلِسٍ حَتَّى يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءَ الدَّعَوَاتِ لِأَصْحَابِهِ: \"اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشيِتَكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ،\nــ\nمفاعلة من العافية، فالمعافاة أن يعافيك اللَّه عن الناس بصرف أذاهم عنك وأذاك عنهم، وقيل: مفاعلة من العفو، يعني: عفوك عنهم وعفوهم عنك، والمآل واحد.\n٢٤٩١ - [١٠] (عبد اللَّه بن يزيد) قوله: (عبد اللَّه بن يزيد الخطمي) بفتح الخاء المعجمة نسبة إلى خطمة فخذ من الأوس وقد مرّ.\nوقوله: (ما رزقتني مما أحب) أي: من المال والعافية وسائر النعم الدنياوية، (فاجعله قوة لي فيما تحب) بأن أصرفه في سبيلك وطلب رضائك وطاعتك شكرًا على ذلك، و(ما زويت) أي: قبضت وصرفت عني من الأشياء المذكورة، فاجعل صرفك إياه عني موجبًا لفراغي في طاعتك، واشتغالي بها خالصًا، يعني: إن أعطيتني شيئًا من الدنيا فوفقني بشكره حتى أكون من الأغنياء الشاكرين، وإن منعتني منه فاجعلني فارغًا عنه غير متعلق به حتى أصير من الفقراء الصابرين.\n٢٤٩٢ - [١١] (ابن عمر) قوله: (لأصحابه) لكونهم داخلين في لفظ الجمع، أو تعليمًا لأصحابه.\nوقوله: (ما تحول به) قد جاء نسبة الحول إليه تعالى في قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤].","vol":"5","page":256},{"text":"وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مُصِيْبَاتِ الدُّنْيَا، وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا،\nــ\nوقوله: (وقوتنا) في بعض الروايات: (وقوانا).\nوقوله: (واجعله الوارث منا)، ذكروا في تأويل هذا الحديث وجوهًا:\nالأول: أن الضمير في (اجعله) للمصدر الذي هو الجعل، أي: اجعل جعلًا، وعلى هذا الوجه (الوارث) مفعول أول، و(منا) مفعول ثان، أي: اجعل الوارث من نسلنا لا كلالةً خارجة منا، والكلالة قرابة ليست من جهة الولادة، وهذا الوجه قد ذكره بعض النحاة في قولهم: إن المفعول المطلق قد يضمر، ولكن لا يتبادر إلى الفهم من اللفظ، ولا ينساق الذهن إليه كما لا يخفى.\nوالثاني: أن الضمير للتمتع الذي هو مدلول (مَتِّعْنا)، والمعنى: اجعل تمتعنا بها باقيًا مأثورًا فيمن بعدنا؛ لأن وارث المرء لا يكون إلا الذي يبقى بعده، فالمفعول الثاني (الوارث)، وهذا المعنى يشبه سؤال خليل الرحمن على نبينا وعليه الصلاة والسلام: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤].\nوقيل: معنى وراثته دوامُه إلى يوم الحاجة إليه، يعني يوم القيامة، والأول أوجه؛ لأن الوارث إنما يكون باقيًا في الدنيا.\nوالثالث: أن الضمير للأسماع والأبصار والقوى بتأويل المذكور، ومثل هذا شائع في العبارات لا كثير تكلُّف فيها، وإنما التكلف فيما قيل: إن الضمير راجع إلى أحد المذكورات، ويدل ذلك على وجود الحكم في البواقي؛ لأن كل شيئين تقاربا في معنيهما فإن الدلالة على أحدهما دلالة على الآخر، والمعنيُّ بوراثتها: لزومها له إلى موته؛ لأن الوارث من يلزم إلى وقت موته.","vol":"5","page":257},{"text":"وَاجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، وَلَا تَجْعَلْ مُصِيبَتَنَا فِي دِيننَا، وَلَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا،\nــ\nهذا وقال التُّورِبِشْتِي (١): قد روي هذا الحديث عن النبي -ﷺ- من غير هذا الوجه الذي أوردناه، وهو قوله -ﷺ-: (اللهم متِّعني بسمعي وبصري واجعلهما الوارث مني). أقول: وهذا يؤيد الوجه الثالث.\nثم قد ذهب بعض العلماء في تأويله إلى أن المراد بالسمع والبصر أبو بكر وعمر -﵄-، واستدلوا بقوله -ﷺ-: (لا غنى بي عنهما [إنهما] في الدين بمنزلة السمع والبصر في الرأس)، وبقوله: (هذان بمنزلة السمع والبصر)، فكأنه -ﷺ- دعا بأن يمتع بهما في حياته وأن يرثاه خلافة النبوة بعد وفاته، ولكن الحديث المذكور في الكتاب لا يحتمل ذلك، واللَّه أعلم.\nوقوله: (واجعل ثأرنا على من ظلمنا) الثأر في الأصل: الغضب، من الثور بمعنى الهيجان، أي: قوّنا وأقدرنا على أن ندرك ثأرنا ممن ظلمنا، ويستعمل الثأر في الغالب على طلب الدم من القاتل، والمراد: اجعل ثأرنا مقصورًا على من ظلمنا حتى لا نأخذ غير الجاني كما كان في الجاهلية يقتلون جماعة لواحد، أو غيرَ من قتل من أقربائه.\nوقوله: (ولا تجعل الدنيا أكبر همنا) إنما قال كذلك لأن أصل الهم في الدنيا لا بد منه، ولا يخلو عنه أحد.\nوقوله: (لا مبلغ علمنا) تلميح إلى قوله سبحانه: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: ٢٩ - ٣٠].\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٥٨٥).","vol":"5","page":258},{"text":"وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَرْحَمُنَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٥٠٢].\n٢٤٩٣ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ انْفَعْنِي بِمَا عَلَّمْتَنِي، وَعَلِّمْنِي مَا يَنْفَعُنِي، وَزِدْنِي عِلْمًا، الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ حَالِ أَهْلِ النَّارِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حديثٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. [ت: ٣٥٩٣، جه: ٣٨٣٣].\n٢٤٩٤ - [١٣] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ سُمِعَ عِنْدَ وَجْهِهِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ يَوْمًا فَمَكَثْنَا سَاعَةً،\nــ\nوقوله: (ولا تسلط علينا من لا يرحمنا) يعني: لا تجعلنا مغلوبين للكفار والظَّلمة، أو لا تجعل الظالمين حاكمًا علينا، وقيل: المراد ملائكة العذاب في القبر وفي النار.\n٢٤٩٣ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني) إشارة إلى ما ورد: (مَن عَمِل بما عَلِم أورثه اللَّه علم ما لم يعلم).\nوقوله: (وزدني علمًا) إشارة إلى الترقي في مقامات السلوك إن كان العلم علم المكاشفة، وإن كان علم المعاملة يكون المراد زيادة العلم والعمل، فالعلم يحصل بالعمل ثم هو يحصل بالعلم وهكذا إلى ما شاء اللَّه، فافهم.\n٢٤٩٤ - [١٣] (عمر بن الخطاب) قوله: (عند وجهه) أي: من جانب وجهه، (كدويّ النحل) بفتح الدال وكسر الواو وتشديد الياء، ودوي الريح: حفيفها بالحاء المهملة، وكذا من النحل والطائر، وهذا الدوي إما صوت الوحي يسمعه الصحابة ولا ينكشف لهم انكشافًا تامًّا ولا يفهموا، أو ما كانوا يسمعونه من النبي -ﷺ- من غطيطه","vol":"5","page":259},{"text":"فَسُرِّيَ عَنْهُ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ: \"اللَّهُمَّ زِدْنَا وَلَا تَنْقُصْنَا، وَأَكْرِمْنَا وَلَا تُهِنَّا، وَأَعْطِنَا وَلَا تَحْرِمْنَا، وآثِرْنَا وَلَا تُؤْثِرْ عَلَيْنَا، وَأَرْضِنَا وَارْضَ عَنَّا\"، ثُمَّ قَالَ: \"أُنْزِلَ عَلَيَّ عَشْرُ آيَاتٍ مَنْ أَقَامَهُنَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ حَتَّى خَتَمَ عَشْرَ آيَاتٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ١/ ٢٤، ت: ٣١٧٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-653> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٤٩٥ - [١٤] عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَني، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ\". قَالَ: فَادْعُهُ،\nــ\nوشدة تنفسه من ثقل الوحي، والأول أظهر؛ لأنه قد وَصَف الوحي بأنه كان تارة مثل صلصلة الجرس، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فسرّي) بلفظ المجهول من التسرية، أي: كشف عنه وزال ما اعتراه من الحال.\nوقوله: (من أقامهن) أي: حافظ وداوم عليهن وعمل بهن.\nالفصل الثالث\n٢٤٩٥ - [١٤] قوله: (عن عثمان بن حنيف) بالحاء المهملة بلفظ التصغير.\nوقوله: (فهو خير لك) لأن ثوابه الجنة، كما ورد في من ابتلي بحبيبتيه، الحديث.\nوقوله: (قال: فادعه) أي: قال الرجل للنبي -ﷺ-: فادع اللَّه ذلك؛ لغاية اضطراره، وعدم تصبره واختيارِه الثواب، ولذلك لم يرتض رسول اللَّه -ﷺ- منه ذلك، ولم يَدْع له بنفسه الكريمة، وأمره بأن يدعو لنفسه، لكن علّمه دعاء فيه ليتوسل به.","vol":"5","page":260},{"text":"قَالَ: فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ الْوُضُوءَ وَيَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ: \"اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، إنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي لِيقضِيَ لِي فِي حَاجَتي هَذِهِ، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٥٧٣].\n٢٤٩٦ - [١٥] وَعَنْ أَبِي الدَّرْداءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُدَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ، وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي وَمَالِي وَأَهْلِي، وَمِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ\" قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا ذَكَرَ داود يُحَدِّثُ عَنْهُ: يَقُولُ: \"كَانَ أَعْبَدَ الْبَشَرِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٤٩٠].\nــ\nوقوله: (قال: فأمره) أي: قال عثمان بن حنيف: فأمر رسول اللَّه -ﷺ- ذلك الرجل الضرير بالوضوء والدعاء، والدعاء هذا: (اللهم إني أسألك. . . إلخ) والخطاب في (إني توجهت بك) للنبي -ﷺ-.\nوقوله: (ليقضي لي في حاجتي) أي: ليوقع القضاء في حاجتي، أو (في) زائدة.\n٢٤٩٦ - [١٥] (أبو الدرداء) قوله: (من نفسي) أي: من حبِّ نفسي، أو المراد: اجعل نفسك أحب إلي من نفسي، لكنه لم يقل كذلك، وإن جاز إطلاقه عليه بمُشاكلته لغاية التأدب.\nوقوله: (من الماء البارد) وفيه مبالغة لأن حب الماء البارد طبيعي لا اختيار فيه، ففيه إشارة إلى سراية المحبة إلى الطبيعة أيضًا، وذلك أكمل مراتب المحبة.\nوقوله: (وكان أعبد البشر) أي: في زمانه.","vol":"5","page":261},{"text":"٢٤٩٧ - [١٦] وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّى بِنَا عَمَّارُ ابْنُ يَاسِرٍ صَلَاةً، فَأَوْجَزَ فِيهَا. فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَقَدْ خَفَّفْتَ وَأَوْجَزْتَ الصَّلَاةَ. فَقَالَ: أَمَا عَلَيَّ ذَلِكَ، لَقَدْ دَعَوْتُ فِيهَا بِدَعَوَاتٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا قَامَ تَبِعَهُ رَجُل مِنَ الْقَوْمِ -هُوَ أَبِي، غَيْرَ أَنَّهُ كَنَّى عَنْ نَفْسِهِ. . . . .\nــ\n٢٤٩٧ - [١٦] (عطاء بن السائب) وقوله: (أوجزت الصلاة) يشبه أن يكون بإيجاز الدعاء فيها كما ينظر إليه سياق الحديث، ويحتمل أن يكون المعنى: إني وإن أوجزت الصلاة بتخفيف القراءة فيها، لكني (دعوت [فيها] بدعوات) تجبر النقصان، كما قيل: إن النوافل تكمل الفرائض، واللَّه أعلم.\nوقوله: (أما عليّ ذلك) وجّه الطيبي (١) هذه العبارة بثلاثة وجوه:\nأحدها: أن الهمزة يحتمل أن تكون للإنكار، أي: أتنكر؟ وما علي ضرر من ذلك، انتهى. يعني فقوله: (ما علي ذلك) جملة حالية والواو مقدرة، ولا حاجة إلى تقديرها، فقد تقع حالًا بدون الواو، نحو: كلَّمتُه فوه إلى فيَّ، وكأن في تقديره الواو إشارة إلى كونها حالًا، وقوله: ضرر من ذلك، بيان لحاصل المعنى.\nوثانيها: أن تكون الهمزة لنداء القريب والمنادى محذوف، أي: يا فلان ليس علي ضرر من ذلك.\nوثالثها: أن يكون (أما) للتنبيه، أي: عليَّ بيان ذلك، فتدبر.\nوقوله: (فلما قام تبعه رجل من القوم) إلى ههنا قول السائب، عبر عن نفسه برجل من القوم، ولذلك فسره عطاء بقوله: (هو أبي) وقال: (غير أنه كنّى عن نفسه) أي:\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٥/ ٢١١).","vol":"5","page":262},{"text":"فَسَأَلَهُ عَنِ الدُّعَاءِ ثُمَّ جَاءَ فَأَخْبَرَ بِهِ الْقَوْمَ: اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي، اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيتكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَى وَالْغَضَبِ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَى بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ. . . . .\nــ\nبقوله: (رجل من القوم).\nوقوله: (فسأله) أي: سأل الرجل وهو السائبُ عمارًا عن تلك الدعوات، (ثم جاء) الرجل (فأخبر) بذلك الدعاء (القوم).\nوقوله: (في الغيب والشهادة) في السر والعلانية.\nوقوله: (في الرضا والغضب) أي: في حالة رضا الخلق وغضبهم، يعني سواءٌ كانوا راضين به أو ساخطين، كما قيل: قل الحق وإن كان مُرًّا، أو المراد: (في الرضا) عن الحق (والغضب) عليهم، بأن يثْني عليهم إن كان راضيًا عنهم، ويذمهم إن كان مغضبًا عليهم، وكلاهما لم يكن مطابقًا لنفس الأمر.\nوقوله: (القصد) أي: التوسط (في الفقر والغنى)، فإن المختار أن الكفاف أفضل من الفقر ومن الغنى.\nوقوله: (قرة عين لا تنفطع) يحتمل أن يراد الذرية التي لا تنقطع بعده، أو المحافظةُ على الصلاة وإدامةُ ثوابها، أو المراد ثواب الجنة الذي لا ينقطع، فيكون تأكيدًا لقوله: (نعيمًا لا ينفد) فيكون تخصيصًا بعد تعميم.\nوقوله: (لذة النظر) إما في الدنيا، فيكون المراد الرؤية بالقلب، ويؤيده قوله:","vol":"5","page":263},{"text":"وَالشَّوْقِ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّينَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٣٠٥].\n٢٤٩٨ - [١٧] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ صَلَاةِ الْفَجْرِ: \"اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نافِعًا، وَعَمَلًا مُتَقَبَّلًا، وَرِزْقًا طَيِّبًا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي: \"الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ\". [حم: ٦/ ٢٩٤، جه: ٩٢٥، \"الدعوات الكبير\": ١/ ١٨٦].\n٢٤٩٩ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: دُعَاءٌ حَفِظْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَا أَدَعُهُ: \"اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي أُعْظِمُ شُكْرَكَ،\nــ\n(والشوق إلى لقائك)، أو في الآخرة، ويناسبه ذكره بعد ذكر الموت، واللَّه أعلم.\nوقوله: (في غير ضراء) أي: الحالة التي تضر، وهي نقيض السراء، وهما بناءان للمؤنث ولا مذكر لهما، وهو إما متعلق بقوله: (والشوق إلى لقائك)، والمراد أسألك شوقًا لا يضر في سيري وسلوكي واستقامتي على طريق الأدب ورعاية الأحكام، فإن الشوق قد يفضي إلى ذلك عند غلبة الحال وطفح السُّكْر، وهو المراد بـ (فتنة مضلة)، أو متعلق بـ (أحيني) حتى يتعلق بالكل، أي: أحيني متلبسا بنعمك المذكورة حال عدم كوني في ضراء مضرة، وهي البلية لا أصبر عليها، كذا قيل.\nوقوله: (زينا) بتشديد الياء والنون.\n٢٤٩٨ - [١٧] (أم سلمة) قوله: (في دبر الفجر) وفي بعض النسخ: (دبر صلاة الفجر)، ولعل وقوعه في دبر صلاة الفجر اتفاقي، وإنما سمع الراوي في هذا الوقت، أو لأنه خصصه بها لأنه أول النهار وابتداء ظهور آثار العلم والعمل ووصول الرزق، واللَّه أعلم.\n٢٤٩٩ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (أعظم شكرك) من الإعظام، وفي بعض","vol":"5","page":264},{"text":"وَأُكْثِرُ ذِكْرَكَ، وَأَتَّبِعُ نُصْحَكَ، وَأَحْفَظُ وَصِيَّتَكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٠١].\n٢٥٠٠ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ الصِّحَّةَ، وَالْعِفَّةَ، وَالأَمَانَةَ، وَحُسْنَ الْخُلُقِ، وَالرِّضَى بِالْقَدَرِ\".\n٢٥٠١ - [٢٠] وَعَنْ أُمِّ مَعْبَدٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبِي مِنَ النِّفَاقِ، وَعَمَلِي مِنَ الرِّيَاءِ، وَلِسَانِي مِنَ الْكَذِبِ، وَعَيْنِي مِنَ الْخِيَانَةِ، فَإِنَّكَ تَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ\". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي: \"الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ\". [الدعوات الكبير: ١/ ٣٥٠ - ٣٥١].\nــ\nالنسخ: من التعظيم، (وأكثر) أيضًا من الإكثار والتكثير.\nوقوله: (وأتبع نصحك) أي: نصيحتك، وهو الخلوص وإرادة الخير، والإضافة يحتمل أن تكون إلى الفاعل أو إلى المفعول، والأول أظهر، كما في (وصيتك)، ووصّاه: عهد إليه، والاسم الوصية.\n٢٥٠٠ - [١٩] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (الصحة) الظاهر أن المراد صحة البدن، و(العفة) هو العفاف، وقد مرّ معناه في أول الباب.\n٢٥٠١ - [٢٠] (أم معبد) قوله: (وعن أم معبد) بفتح الميم والباء الموحدة.\nوقوله: (فإنك تعلم خائنة الأعين) أي: النظرة الخائنة؛ كالنظرة الثانية إلى غير المَحْرم، واستراق النظر إليه، أو خيانة الأعين، (وما تخفي الصدور) من الضمائر.","vol":"5","page":265},{"text":"٢٥٠٢ - [٢١] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَادَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ خَفَتَ فَصَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَلْ كُنْتَ تَدْعُو اللَّهَ بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟ ! \". قَالَ نَعَمْ، كُنْتُ أَقُولُ: اللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الآخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"سُبْحَانَ اللَّهِ! لَا تُطِيقُهُ وَلَا تَسْتَطِيعُهُ، أفلَا قُلْتَ: اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ؟ \" قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ بِهِ فَشَفَاهُ اللَّهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٨٨].\n٢٥٠٣ - [٢٢] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ\". قَالُوا: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ: \"يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حديثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٤٢٢٥، جه: ٤٠١٦، هب: ١٣/ ٢٧٦].\nــ\n٢٥٠٢ - [٢١] (أنس) قوله: (قد خفت) يقال: خفت الصوت إذا ضعف وسكن، ويقال أيضًا: خفت بمعنى مات، وفي (القاموس) (١): خفت خفوتًا: سكن وسكت، وخُفاتًا: مات فُجاءة، والخفت: إسرار المنطق كالمخافتة والتخافت، وفي (الصراح) (٢): خَفَت الميت: إذا انقطع كلامه وسكت فهو خافت.\n٢٥٠٣ - [٢٢] (حذيفة) قوله: (من البلاء) بيان (لما لا يطيق).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٥٢).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٦٢).","vol":"5","page":266},{"text":"٢٥٠٤ - [٢٣] وَعَنْ عُمَرَ -﵁- قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"قُلْ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ سَرِيرَتِي خَيْرًا مِنْ عَلَانِيَتِي، وَاجْعَلْ عَلَانِيَتِي صَالِحَةً، اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ صَالِحِ مَا تُؤْتِي النَّاسَ مِنَ الأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ غَيْرِ الضَّالِّ وَلَا الْمُضِلِّ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٨٠].\nــ\n٢٥٠٤ - [٢٣] (عمر) قوله: (إني أسألك من صالح ما تؤتي الناس) قيل: من زائدة على مذهب الأخفش، وقيل: تبعيضية.\nوقوله: (من الأهل) بيانية و(غير) بالجر بدل من مجموع (الأهل والمال والولد).\nتم (كتاب الدعوات) بعون اللَّه وحسن توفيقه، ويتلوه (كتاب المناسك).\n* * *","vol":"5","page":267},{"text":"(١٠) كتاب المناسك","vol":"5","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-654>(١٠) كتاب المناسك</span>\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n١٠ - كتاب المناسك\nالنَّسْكُ مثلثة وبضمتين: العبادة، وكلُّ حق للَّه ﷿، نسك كنصر وكرم، وتنسَّك: صار عابدًا، والمناسك جمع منسك بفتح سين وكسرها، وهو المتعبَّد، ويقع على المصدر والزمان والمكان، ثم سميت به أمور الحج، والنَّسْك الذبح، والنسيكة الذبيحة.\nوالحج بفتح الحاء وكسرها لغتان، وقد قرئ بهما في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، فقيل: بالفتح اسم، وبالكسر مصدر، وقيل بالعكس، وهو الأظهر.\nواختلفوا في وقت ابتداء فرضيته فقيل: قبل الهجرة، وهذا قول في غاية الشذوذ لمخالفته لنقل الثقات، ولا تظنّنّ أنه لِمَا ثبت أنه -ﷺ- حج قبل الهجرة أكثر من ثلاث أو أربع مرات، وإن لم يحفظ عدده معينًا، فلا بد أن يكون فرضًا؛ لأن قريشًا كانوا يحجّون في الجاهلية والإسلام، فيحتمل أن تكون حجته -ﷺ- قبل الهجرة من ذلك القبيل من غير فرضية، واللَّه أعلم.\nوالصحيح أن فرضية الحج في الإسلام إنما هو بعد الهجرة، والجمهور على أنه في السنة السادسة؛ لأنه في هذه السنة نزل قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾","vol":"5","page":271},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n[البقرة: ١٩٦]، وهذا مبنيٌّ على أن المراد من الإتمام ابتداؤه، كما فسره البيضاوي (١) بقوله: أي: ائتوا بهما تامّين، ويؤيّده قراءة علقمة ومسروق وإبراهيم النخعي: (وأقيموا)، وقد روى الطبري هذه القراءة عنهم بأسانيد صحيحة، وقد وقع الأمر بالحج في قدوم ضمام بن ثعلبة، وقدومُه -على ما ذكره الواقدي- كان في السنة الخامسة، فلو ثبت هذا لدلَّ على أن فرضية الحج كان قبل السنة الخامسة أو في هذه السنة، كذا في (فتح الباري) (٢)، وذكر في (جامع الأصول) (٣) أنه قيل: كان قدومه في سنة سبع، وقيل: سنة تسع.\nوقالت طائفة: إن نزول فرضية الحج كان في السنة التاسعة، واحتجوا بأن نزول صدر (سورة آل عمران) الذي وقع فيه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ كان في السنة التاسعة وهي عام الوفود، فاشتغل رسول اللَّه -ﷺ- بتجهيز أسباب سفر الحج، ولم يتيسر له لاشتغاله بأمر الغزوات وتشييد أحكام الشرع وتعليم الوفود إياها، فأمّر أبا بكر الصديق على الحاج، وبعثه إلى مكة ليحج بالناس، وأجابوا عن الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ على فرضيته في السادسة بأنه لا يدل على ابتداء فرضية الحج والعمرة، بل على وجوب إتمامهما بعد الشروع فيهما، فيحتمل أن يكون الأمر بإتمام الحج بعد الشروع في السنة السادسة وبفرضيته في التاسعة، وقال في (فتح الباري): هذه الآية تقتضي تقدم فرضية الحج قبل مشروعيته، والأمر به مما لا معنى له، انتهى (٤).\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٠٩).\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٣٧٨).\n(٣) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٥٣٢).\n(٤) قال في \"فيض الباري\" (٣/ ١٦٩): اختلف الناس في وجوب الحج، هل هو على الفور أو =","vol":"5","page":272},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-655> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٥٠٥ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ! قَدْ فُرِضَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ فَحُجُّوا\"، فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ، حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا، فَقَالَ: \"لَوْ قُلْتُ نعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ\"، ثُمَ قَالَ: . . . . .\nــ\nوهذا ظاهر، ولكن يمكن أن يقال: إن الأمر بإتمام الحج بعد الشروع لا يستلزم تقدم فرضيته، فيمكن أن يكون نفلًا فأمر بوجوب إتمامه بعد الشروع كما هو حكم النفل عند البعض من لزوم إتمامه بالشروع، وأيضًا يكفي في الأمر بإتمامهما ما كانوا يفعلونهما قبل مشروعيتهما، على أنه يمكن أن يكون أمرًا بإتمامهما بعد شرعيتهما كما ذكر، وإن كان فيه شيء من البعد، فتدبر، واللَّه أعلم.\nالفصل الأول\n٢٥٠٥ - [١] (أبو هريرة) قوله: (فقال رجل) وهو الأقرع بن حابس.\nوقوله: (ولو قلت: نعم، لوجبت) استدل بظاهره على أن الأحكام كانت مفوضة إليه -ﷺ- كما ذهب إليه بعضهم، وتعقب بأن القول أعم من أن يكون من تلقاء نفسه أو بوحي نازل، والدال على الأعم لا يدلّ على الأخص.\n_________\n= على التراخي؟ وكيف ما كان، التسارع إليه مطلوب، وحينئذ يشكل حج النبي -ﷺ- في العاشرة مع فرضيته في الأعوام الماضية على اختلافها. فقيل في الجواب: إن النبي -ﷺ- كان يترقب أن تعود الأيام على هيئتها، وقد كانت العرب خلطتها لمكان النسيئة عندهم، فلم تكن أشهر الحج في محلها، فإذا عادت ذو الحجة في موضعها عزم على الحج، ونادى بين الناس. وأجاب ابن الهمام في \"فتح القدير\" (٢/ ٤١٤) عن التأخير أنه كان يعلم أنه يعيش حتى يحج ويعلم الناس مناسكهم تكميلًا للتبليغ، اهـ. وانظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٧٤٠).","vol":"5","page":273},{"text":"\"ذَرُونِي مَا تَرَكتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِذَا نهيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٣٧].\n٢٥٠٦ - [٢] وعَنْهُ قَالَ: \"سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ\"، قِيلَ: ثمَّ مَاذَا؟ قَالَ: \"الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ\"، قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: \"حَجٌّ مَبْرُورٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [م: ٢٦، م: ٨٣].\nــ\nوقوله: (ذروني ما تركتكم) لأني مبعوث لبيان الشرائع وتبليغ الأحكام، فما كان مشروعًا أبيّنه لكم لا محالة ولا حاجة إلى السؤال.\nوقوله: (فأتوا منه ما استطعتم) يجوز أن يكون تأكيدًا ومبالغة في إتيان ما أمر به، وبذلِ الطاقة فيه، وأن يكون إشارة إلى التيسير ورفع الحرج، كما في الصلاة وأركانها وشرائطها إذا عجز عن بعضها أتى بما استطاع، وهذا في الأمر، وأما النهي فينبغي أن يحتاط في تركه ويبذل المجهود بالغًا ما بلغ.\n٢٥٠٦ - [٢] (عنه) قوله: (أي العمل أفضل؟) قد وردت أحاديث مختلفة في بيان الأفضل من الأعمال، ووجه التوفيق بينها: اختلاف الجهات والحيثيات والمقامات وأحوال السائلين والمخاطبين، كما أشرنا إليه في أول (كتاب الصلاة).\nوقوله: (إيمان باللَّه ورسوله) نكِّر الإيمان للدلالة على أن قليلًا منه أفضل، فما حال الكامل منه، وعرّف (الجهاد) للإشارة إلى أنه ينبغي أن يؤتى بالتام الكامل منه، فإن قليله لا يفي بالفرض منه ولا يعتدّ به.\nوقوله: (حج مبرور) البِر يجيء بمعنى الخير والاتساع في الإحسان والطاعة، والمراد بالحج المبرور: ما لا يخالطه الإثم وارتكاب المناهي ولا سمعة ولا رياء،","vol":"5","page":274},{"text":"٢٥٠٧ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٢١، م: ١٣٥٠].\nــ\nوهذا صحيح، والأصح أن المراد: المقبول منه ذلك بفضل اللَّه سبحانه، وإن كان ذلك مما ذكر، ولكن فضل اللَّه واسع، قد يتقبل من العبد ويتجاوز عن سيئاته ويعفو، قالوا: ومن علامته أن يرجع خيرًا مما كان، ولا يعاود المعاصي، ويجيء راغبًا في الآخرة وزاهدًا في الدنيا، وباللَّه التوفيق.\n٢٥٠٧ - [٣] (عنه) قوله: (فلم يرفث) من باب نصر وفرح وكرم، والرفث والرفوث: الجماع، والفحش من القول، وكلام النساء في الجماع، أو ما وُوجِهْنَ به من الفحش، كذا في (القاموس) (١)، وفي (النهاية) (٢): ما رُوجع به النساءُ، والرفث المنهي عنه ما خوطبت به المرأة، لا ما يقال بغير سماعها، وقال الأزهري: هو كل ما يريده الرجل من النساء، والمراد به في قول اللَّه تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [البقرة: ١٨٧] الجماع.\nوقال البيضاوي (٣): ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ فلا جماع، أو فلا فحش من الكلام، ﴿وَلَا فُسُوقَ﴾ ولا خروج عن حدود الشرع بالسيئات وارتكاب المحظورات، ﴿وَلَا جِدَالَ﴾ ولا مراء مع الخدم والرفقة.\nولم يذكر في الحديث الجدال، فلعله لإدخاله في الفسوق، وقال الطيبي (٤): لم يذكر اعتمادًا على الآية.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٦٩).\n(٢) \"النهاية\" (٢/ ٢٤١).\n(٣) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١١١).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٢١٩).","vol":"5","page":275},{"text":"٢٥٠٨ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٧٣، م: ١٣٤٩].\n٢٥٠٩ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٨٢، م: ١٢٥٦].\n٢٥١٠ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَقِيَ ركْبًا بِالرَّوْحَاءِ فَقَالَ: \"مَنِ الْقَوْمُ؟ \" قَالُوا: الْمُسْلِمُونَ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: \"رَسُولُ اللَّهِ\"، فَرَفَعَتْ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ صَبِيًّا، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ؟ . . . . .\nــ\n٢٥٠٨ - [٤] (عنه) قوله: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما) وذلك كالوضوء والصلاة ورمضان كفارة لما بينهما، وهو من الصغائر، والظاهر أن ههنا أيضًا يكون كذلك، فإن الكفارة عن الكبائر مخصوصة بالحج، فتدبر.\n٢٥٠٩ - [٥] (ابن عباس) قوله: (تعدل حجة) أي: في الثواب لا في كل شيء، حتى لو كانت عليه حجة فاعتمر في رمضان لم يجزئ عنها، كذا في بعض الشروح، وهذا حق، ولكن العدل في الثواب أيضًا محل كلام، والظاهر أن المراد المبالغة إلحاقًا للناقص بالكامل، كما تقرر في أمثال ذلك، واللَّه أعلم.\n٢٥١٠ - [٦] (عنه) قوله: (لقي ركبًا) وكان ذلك في الرجوع عن الحج عند وصوله إلى هذا الموضع، في (القاموس): الركب: رُكبان الإبل، اسم جمع، أو جمع، وهم العشرة فصاعدًا، وقد يكون للخيل، والجمع أَرْكُبٌ ورُكوب.\nو(الروحاء) بالفتح: موضع على ثلاثة مراحل من المدينة المشرفة.\nوقوله: (ألهذا حج؟) أي: أجره وثوابه لأن حجه نفل؛ ولهذا لم تذكر","vol":"5","page":276},{"text":"قَالَ: \"نَعَمْ لَكِ أَجْرٌ\". رَواه مُسْلِمٌ. [م: ١٣٣٦].\n٢٥١١ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ (١)، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: \"نَعَمْ\"، وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. . . . .\nــ\nبكلمة على.\nوقوله: (ولكِ أجر) لأجل تربيته وإعانته، والصبي إذا حجَّ في حالة الصبا وجب عليه الحج بعد البلوغ، وكذا العبد بعد الحرية، بخلاف الفقير بعد الغنى.\n٢٥١١ - [٧] (ابن عباس) قوله: (أفأحج عنه؟ قال: نعم) الحج عن الغير إذا كان فرضًا جائز عند العجز إذا استوعب العجزُ إلى الموت وأَمر الغير وأنفق، وبعد موته إذا أوصى، وإن كان نفلًا يجوز عند القدرة مطلقًا، وتفصيله مذكور في كتب الفقه.\nوقوله: (وذلك في حجة الوداع) أي: كانت هذه القصة في حجة الوداع عند\n_________\n(١) قال القاري (٥/ ١٧٤٣): نعت آخر أو استئناف مبيِّن، أي: لا يقدر على ركوبها، قال ابن الملك: وفيه دليل على وجوب الحج على الزمِن والشيخ العاجز عن الحج بنفسه، وهو قول الشافعي -﵀- اهـ، يعني خلافًا لأبي حنيفة. قال ابن الهمام ﵀: يعني إذا لم يسبق الوجوب حالة الشيخوخة بأن لم يملك ما يوصله إلا بعدها، وظاهر الرواية عنهما: يجب الحج عليه إذا ملك الزاد والراحلة ومؤنة من يرفعه ويضعه ويقوده إلى المناسك، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة. وإذا عجز وجب عليه الإحجاج للزومه الأصل وهو الحج بالبدن، فيجب عليه البدل وهو الإحجاج. وقال مالك وأحمد رحمهما اللَّه: لا يجوز الحج عن الحي، سواء وجد المال قبل العجز أو بعده، كذا ذكره المظهر، والظاهر أن معنى الحديث هو: أن فريضة الحج أدركت أبي وهو عاجز أيصح مني أن أحج عنه تبرعًا؟ قال: نعم. وقال شيخنا في \"التقرير\": ظاهر الحديث يقتضي الوجوب على من لا يستطيع الركوب، فالمعنى أنه أدرك الحج أولًا ولم يحج بعد حتى صار شيخًا، انتهى.","vol":"5","page":277},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥١٣، م: ١٣٣٤].\n٢٥١٢ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ وَإِنَّهَا مَاتَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دينٌ أَكُنْتَ قَاضِيَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: \"فَاقْضِ دَيْنَ اللَّهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٩٩، م: ١١٤٨]\n٢٥١٣ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلَا تُسَافِرَنَّ امْرَأةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ\"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وَخَرَجَتِ امْرَأَتِي حَاجَّةً قَالَ: \"اذْهَبْ فَاحْجُجْ مَعَ امْرَأَتِكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٠٦، م: ١٣٤١].\nــ\nانصراف رسول اللَّه -ﷺ- من المزدلفة، وفيه قصة إردافه -ﷺ- فضل بن عباس -﵄-، ونظره إلى تلك المرأة ونظرها إليه، وصرفه وجه الفضل عنها، وقد ذكرناها في (شرح سفر السعادة).\n٢٥١٢ - [٨] (عنه) قوله: (إن أختي نذرت أن تحج وإنها ماتت) وفي هذه الصورة أيضًا إنما يجوز بالوصية والإنفاق، وهذا مذهبنا، وعند الشافعي من مات وفي ذمته حق اللَّه تعالى من حج أو غيره فإنه يجب قضاؤها من رأس ماله مقدمًا على الوصايا والميراث.\n٢٥١٣ - [٩] (عنه) قوله: (اكتُتِبْتُ) بلفظ الماضي المجهول المتكلِّم، من الاكتتاب، افتعال من الكَتْب والكتابة، أي: كتب وأُثبتَ اسمي في من يخرج إلى غزوة، يقال: اكْتَتَب الرجل: إذا كتب اسمه في ديوان السلطان، استفتَى في أن يخرج إلى الغزو أو إلى الحج مع امرأته؟ فأفتاه -ﷺ- بأن يحج مع امرأته؛ لأن الغزو يقوم غيره فيه","vol":"5","page":278},{"text":"٢٥١٤ - [١٠] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فِي الْجِهَادِ، فَقَالَ: \"جِهَادُكُنَّ الْحَجُّ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [خ: ٢٨٧٥].\n٢٥١٥ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُسَافِرُ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. . . . .\nــ\nمقامه، بخلاف الحج معها، ولم يكن لها محرم غيره.\n٢٥١٤ - [١٠] (عائشة) قوله: (جهادكنّ الحج) يعني: يكفي للنساء الخروج إلى الحج من الغزو، ولا حاجة لهن أن يخرجن إليه، وهو اللائق بحالهن.\n٢٥١٥ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (لا تسافر امرأة مسيرة يوم وليلة) وفي رواية للبخاري عن ابن عمر: (لا تسافر امرأة مسيرة ثلاثة أيام)، وعلى كل تقدير ليس المراد التحديد، بل كل ما يسمى سفرًا نهى المرأة أن تسافر فيه بغير محرم، ولم يثبت عند المحدثين من الشارع للسفر وأحكامه حد معين بل يشمل كل مسافة قصيرة وطويلة، والوارد في الأحاديث السفر مطلقًا، وقد كانت الأسفار التي قصر فيها النبي -ﷺ- الصلاة متفاوتة، بعضها قريبة وبعضها بعيدة، وبالجملة لم يُحدَّ لحرمة مسافرة المرأة بغير محرم حد معين، وقد وقع ههنا في رواية ابن عباس السفر مطلقًا من غير ذكر حد معين.\nونقل الطيبي (٢) عن القاضي عياض أنه قال: اتفق العلماء على أنه ليس لها أن تخرج في غير الحج والعمرة إلا مع ذي محرم، إلا الهجرة من دار الحرب؛ لأن إقامتها في دار الكفر حرام إذا لم تستطع إظهار الدين، وسواء في ذلك الشابة والكبيرة، ولو كانت مع نسوة ثقات يجوز، ولو وجدت امرأة واحدة ثقة لم يلزمها، لكن يجوز لها الحج معها، هذا هو الصحيح، كذا قال الطيبي.\n_________\n(١) هذا وهم من المصنف، فإن الحديث من أفراد البخاري، لم يخرجه مسلم في صحيحه أصلًا.\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٢٢٢).","vol":"5","page":279},{"text":"إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٨٨، م: ١٣٣٩].\n٢٥١٦ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّام الْجُحْفَةَ، وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ الْمَنَازِلِ،\nــ\nوالمراد بالمَحرم من يحرم عليه نكاحها على التأبيد، فلا يجوز السفر لأخت المرأة وعمتها مثلًا مع زوجها.\nوقوله: (إلا ومعها ذو محرم) (١) هكذا وقعت في الروايات، والظاهر أن لفظ (ذو) مقحم، أو هو من إضافة المسمى إلى الاسم، نحو ذات مرة وذات يوم.\n٢٥١٦ - [١٢] (ابن عباس) قوله: (وقّت) من التوقيت بمعنى التحديد والتعيين، أي: جعلها ميقاتًا للإحرام، واستعمل ههنا في المكان، والشائع استعماله في الزمان. و(ذو الحليفة) بالحاء المهملة والفاء على لفظ التصغير في آخره تاء: موضع قرب المدينة على أميال (٢). و(الجحفة) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة: موضع بين مكة والمدينة، وقد يحرم أهل المدينة منها إذا وصلوا على طريق الشام، فيأخذون حكم أهل الشام، وذلك جائز كما يأتي. و(قرن) بسكون الراء: موضع بالطائف، وأما القرن المنسوب إليه أويس القَرَني ﵀، فهو بالتحريك منسوب إلى قرن بن رومان بن ناجية بن\n_________\n(١) قال ابن رشد (٢/ ٨٧): اختلفوا هل من شرط وجوب الحج على المرأة أن يكون معها زوج أو ذو محرم منها يطاوعها على الخروج معها إلى السفر للحج؟ فقال مالك والشافعي: ليس من شرط الوجوب ذلك، وتخرج المرأة إلى الحج إذا وجدت رفقة مأمونة. وقال أبو حنيفة وأحمد وجماعة: وجود ذي المحرم ومطاوعته لها شرط في الوجوب. وانظر: \"بذل المجهود\" (٧/ ١٣).\n(٢) وقد اشتهر الآن ببئر علي ولم يعرف مسمى هذا الاسم، وما قيل إن عليا -كرم اللَّه وجهه- قاتل الجن في بئر فيها كذب لا أصل له، قاله القاري (٥/ ١٧٤٥).","vol":"5","page":280},{"text":"وَلأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمَ، فَهُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ. . . . .\nــ\nمراد أحد أجداده. و(يلملم) اسم جبل من جبال تهامة على ليلتين من مكة.\nوقوله: (فهن لهن) أي: هذه المواضع المذكورة مواقيت لأهل هذه البلاد، بحذف المضاف، أي: الساكنين فيها، ووقع في رواية: (فهن لهم) وهذا أظهر.\nوقوله: (ولمن أتى عليهن من غير ساكنين) أي: لمن وصل إلى هذه البلاد من بلاد أخر من أكناف العالم، ويجوز أن يجعل هؤلاء داخلين في أهلهن، ويراد بمن أتى عليهن من يمر من أهل بلد على ميقات غيره من مواقيت البلاد، كما يمرّ الشامي على ميقات المدينة وبالعكس، ولهذا قد يحرم أهل المدينة من جحفة كما ذكرنا، وأهل ديارنا من الهند إذا وصل المركب محاذي يلملم أحرموا فيه، ثم قد لا يأتونهن بل يأتون موضعًا يحاذيهن فيحرمون من ذلك الموضع، وهذا حال أهل ديارنا.\nوقوله: (لمن كان يريد الحج والعمرة) فيه دلالة على أن من مر بالميقات لا يريد حجًّا ولا عمرةً لا يلزمه الإحرام لدخول مكة، كما هو الصحيح عند الشافعية، وعندنا لا يجوز دخول مكة لغير إحرامه وإن لم يرد الحج والعمرة؛ لقوله -ﷺ-: (لا يجاوز أحد الميقات إلا محرمًا)، لأن وجوب الإحرام لتعظيم هذه البقعة، فيستوي فيه التاجر والمعتمر وغيرهما، ومن كان داخل الميقات فله أن يدخل مكة بغير إحرام لحاجته؛ لأنه يكثر دخوله مكة، وفي إيجاب الإحرام في كل مرة حرج بيِّن، فصاروا كأهل مكة، كذا في (الهداية) (١).\nوقوله: (فمن كان دونهن) أي: كان داخل هذه المواقيت، سواء كان من أهل\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ١٣٤).","vol":"5","page":281},{"text":"فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَاكَ وَكَذَاكَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٢٦، م: ١١٨١].\n٢٥١٧ - [١٣] وَعَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَالطَرِيقُ الآخَرُ الْجُحْفَةُ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ، وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٨٣].\nــ\nمكة أو لا، (فمهله) بضم الميم وفتح الهاء وتشديد اللام، أي: موضع الإهلال بمعنى رفع الصوت بالتلبية بعد الإحرام حيث كان.\nوقوله: (حتى أهل مكة يهلون منها) أي: من مكة، وهذا مخصوص بالحج، وأما العمرة فيهل لها أهل مكة من الحل، وقد تعارف الآن الموضع الذي يسمى التنعيم لقربه من مكة من باقي مواضع الحل، ومنه أمر النبي -ﷺ- عائشة أن تحرم منه للعمرة، وفيه مسجد عائشة -﵂-، أي: الموضع الذي أحرمت -﵂- منه، كما يأتي في (باب قصة حجة الوداع).\n٢٥١٧ - [١٣] (جابر) قوله: (والطريق الآخر) (١) أي: مهلّ أهل الطريق الآخر (الجحفة) وذلك لما ذكرنا أنه يصير في حكم أهل الشام.\nوقوله: (ومهل أهل العراق) العراق: بلاد معروفة من عبَّادَان إلى الموصل طولًا، ومن القادسية إلى حلوان عرضًا، ويذكّر، سميت بها؛ لأنه على عراق دجلة والفرات، أي: شاطئهما، والعراق: شاطئ البحر.\nوقوله: (ذات عرق) موضع من شرقي مكة، بينهما مرحلتان يوازي قرنًا، والعرق\n_________\n(١) قال شيخنا في \"التقرير\": الطريق في المدينة اثنان: على أحدهما ذو الحليفة، وعلى الثاني الجحفة، فلكل طريق ميقات، فاحفظ ذلك ولا تغفل.","vol":"5","page":282},{"text":"٢٥١٨ - [١٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَرْبَعَ عُمَرٍ كُلُّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، إِلَّا الَّتِي كَانَتْ مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَةً مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ،\nــ\nبالكسر بمعنى: الجبل الصغير.\n٢٥١٨ - [١٤] (أنس) قوله: (أربع عمر) بضم العين وفتح الميم جمع عمرة بسكون الميم، وهي في اللغة بمعنى الزيارة، وفيها تعمير للمحبة والوداد، وفي الشرع: اسم لأفعال مخصوصة، هي الطواف والسعي بين الصفا والمروة دون الوقوف بعرفة، والحج وقوف وطواف وسعي، وفيها زيارة البيت وتعمير وتعظيم المسجد، ويفهم من (المشارق) (١) أن الحج والعمرة كلاهما يجيء بمعنى القصد؛ ولذا قد يسمى الحج عمرة، كذا قال.\nوقوله: (عمرة من الحديبية) بالرفع والنصب، و(الحديبية) بتخفيف الياء وتشديدها، والتخفيف أكثر وأشهر، قيل: هي اسم بئر سمي المكان بها، وقيل: شجرة، وقيل: قرية قريبة من مكة أكثرها في الحرم، وهي على تسعة أميال من مكة، وفيها كانت بيعة الرضوان التي كانت تحت الشجرة، خرج رسول اللَّه -ﷺ- يوم الاثنين هلال ذي القعدة سنة ست من الهجرة للعمرة في ألف وأربع مئةٍ أو أكثر، فاجتمع له قريش، وصدّوه عن دخول مكة، وكان -ﷺ- يسير حتى إذا وصل إلى هذا الموضع بركت راحلته، فقال الناس: حل حل، فألحّت على عدم القيام، فقال -ﷺ-: (حبسها حابس الفيل)، فصالحهم، ورجع إلى المدينة على أن يأتي العام المقبل، ولم يعتمر، ومن ههنا شرع حكم الإحصار، فعلم أنه لم يكن في الحديبية عمرة، ولكنهم عدُّوها من العُمَر لترتب\n_________\n(١) انظر: \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٥٣).","vol":"5","page":283},{"text":"وَعُمْرَةً مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مِنَ الْجعِرَّانَةِ حَيْثُ قَسَّمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٤٨، م: ١٢٥٣].\nــ\nأحكامها من إرسال الهدي والخروج عن الإحرام.\nوقوله: (وعمرة من العام المقبل) حيث قدم -ﷺ- مكة بحكم المصالحة، واعتمر ومكث بمكة ثلاثة أيام، وخرج في اليوم الرابع، وتسمى هذه العمرة عمرة القضاء، وقد أطلق هذا الاسم في الأحاديث عليها، وهذا يؤيد مذهب الحنفية حيث قالوا: إن المحرم يصير بالإحصار حلالًا، ويجب عليه القضاء، وعند الشافعي لا قضاء عليه، والقضاء الذي وقع في الأحاديث بمعنى الصلح، والقضاء والمقاضاة يجيء بمعنى الصلح والمصالحة، فمعنى عمرة القضاء عندهم: عمرة كانت بمقاضاته مع قريش على أن يأتي في العام المقبل؛ لا أنها وقعت قضاء عما صُدَّ عنه.\nوقوله: (وعمرة من الجعرانة) بكسر الجيم والعين وتشديد الراء: موضع على مرحلة من مكة، اعتمر منها في السنة الثامنة بعد فتح مكة حين قسم غنائم حنين في ذي القعدة، روي أنه -ﷺ- خرج من الجعرانة ليلًا معتمرًا، فدخل مكة ليلًا، فقضى عمرته، ثم خرج من ليلته، فأصبح بالجعرانة كبائت فيها.\nوقوله: (وعمرة مع حجته) أي: حجة الوداع، فهذه أربع عمر، وبعض العلماء عدوها ثلاثًا بناء على أنه لم يكن في الحديبية عمرة حقيقةً كما ذكرنا، فكانت عمره -ﷺ- في ذي القعدة إلا التي كانت في الحج فإنها كانت في ذي الحجة، وقد ورد عن ابن عمر: أنه -ﷺ- اعتمر أربعًا إحداهن في رجب، رواه الترمذي (١) وقال: حديث صحيح\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٩٣٦، ٩٣٧).","vol":"5","page":284},{"text":"٢٥١٩ - [١٥] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٧٨١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-656> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٥٢٠ - [١٦] عَنِ ابْنِ عَباسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ\"، فَقَامَ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَقَالَ: أَفِي كُلِّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"لَوْ قُلْتُهَا نَعَمْ لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمْ تَعْمَلُوا بِهَا وَلَمْ تَسْتَطِيعُوا، وَالْحَجُّ مَرَّةٌ فَمَنْ زَادَ فتَطَوُّعٌ\". . . . . .\nــ\nغريب، ولما بلغ هذا القولُ من ابن عمر إلى عائشة خطأته وقالت: رحم اللَّه أبا عبد الرحمن لم يعتمر رسول اللَّه -ﷺ- عمرة إلا كان هو معه، ولم يكن له عمرة في رجب، فكأنه سها وأخطأ، واللَّه أعلم.\n٢٥١٩ - [١٥] (البراء بن عازب) قوله: (اعتمر رسول اللَّه -ﷺ- في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين) كأنه لم يَعدَّ عمرة الحديبية؛ لأنها لم تكن عمرة حقيقةً كما عرفْتَ، فتكون عمره ثلاثًا: في العام المقبل من الحديبية، والتي من الجعرانة وهما قبل أن يحج، وثالثها التي مع حجته.\nالفصل الثاني\n٢٥٢٠ - [١٦] (ابن عباس) قوله: (لو قلتها) أي: لو قلت لها، أي: للحجة، أي: لإيجابها (نعم)، فالضمير في (لوجبت) للحجة، ويمكن أن يكون الضمير في (قلتها) مبهمًا يفسره قوله: (نعم)، والمراد: لو قلت هذه الكلمة لوجبت، أي: لزمت موجبها.\nوقوله: (الحج مرة) مبتدأ وخبر، أي: واحدة.","vol":"5","page":285},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ١/ ٢٥٥، ن: ٢٦٢٠، دي: ٢/ ٣٩].\n٢٥٢١ - [١٧] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَوْ نصرَانِيًّا، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] \". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَهِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَجْهُولٌ، وَالْحَارِثُ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ. [ت: ٨١٢].\n٢٥٢٢ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا صَرُورَةَ فِي الإِسْلَامِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٧٢٩].\nــ\n٢٥٢١ - [١٧] (علي) قوله: (تُبلّغه) صفة لقوله: (راحلة).\nوقوله: (فلا عليه) أي: لا تفاوت عليه، وفيه تغليظ شديد، وهو مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] حيث عبّر عن ترك الحج بالكفر تغليظًا، وقيل: المراد التشبيه بأحد هذين الفريقين في عدم المبالاة بالحج؛ فإنه لم يكن مفروضًا عليهم، بل فرضه من شعار هذه الملة البيضاء وخصائصهم.\n٢٥٢٢ - [١٨] (ابن عباس) قوله: (لا صرورة في الإسلام) بالصاد المهملة على وزن الضرورة، وهو التبتل وترك النكاح، والصرورة أيضًا الذي لم يحج قط، وأصله من الصر بمعنى الحبس والمنع، وفي (القاموس) (١): رجل صَرورٌ وصرارةٌ وصارورة: لم يحج أو لم يتزوج، انتهى. أي: لا ينبغي للمسلم أن يقول: لا أتزوج ولا أحج،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٩٥).","vol":"5","page":286},{"text":"٢٥٢٣ - [١٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيُعَجِّلْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ١٧٣٢، دي: ٢/ ٢٨].\n٢٥٢٤ - [٢٠] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ،\nــ\nوقيل: أراد أن من قَتَل في الحرم قُتِل، ولا يقبل قوله: إني صرورة ما حججت ولا عرفت حرمة الحرم، كذا في (مجمع البحار) (١).\n٢٥٢٣ - [١٩] (عنه) قوله: (من أراد الحج) أي: قدر على أدائه بوجود الاستطاعة، (فليعجل) وَيغنم الفرصة قبل أن يَمنع منه مانع لم يقدر عليه، وهذا أمر استحباب (٢).\n٢٥٢٤ - [٢٠] (ابن مسعود) قوله: (تابعوا بين الحج والعمرة) أي: ائتوا كُلًّا\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٣١٤).\n(٢) قال القاري (٥/ ١٧٤٩): الأصح عندنا أن الحج واجب على الفور، وهو قول أبي يوسف ومالك رحمهما اللَّه، وعن أبي حنيفة -﵀- ما يدل عليه، وهو ما روى ابن شجاع عنه أن الرجل يجد ما يحج به وقصد التزوج أنه يحج به، وقال محمد -﵀-: وهو رواية عن أبي حنيفة، وقول الشافعي أنه على التراخي إلا أن يظن فواته لو أخره لأن الحج وقته العمر نظرًا إلى ظاهر الحال في بقاء الإنسان، فكان كالصلاة في وقتها يجوز تأخيره إلى آخر العمر كما يجوز تأخيرها إلى آخر وقتها، إلا أن جواز تأخيره مشروط عند محمد بأن لا يفوت، يعني: لو مات ولم يحج أثم، ولأبي يوسف أن الحج في وقت معين من السنة والموت فيها ليس بنادر، فيضيق عليه للاحتياط لا لانقطاع التوسع بالكلية، فلو حج في العام الثاني كان مؤديًا باتفاقهما، ولو مات قبل العام الثاني كان آثمًا باتفاقهما، وثمرة الخلاف بينهما إنما تظهر في حق تفسيق المؤخر وردِّ شهادته عند من يقول بالفور، وعدمِ ذلك عند من يقول بالتراخي، كذا حققه الشُّمُنِّي، انتهى.","vol":"5","page":287},{"text":"فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٨١٠، ن: ٢٦٢٩].\n٢٥٢٥ - [٢١] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُمَرَ إِلَى قَوْلِهِ: \"خَبَثَ الْحَدِيدِ\". [حم: ٣/ ٤٤٧، جه: ٢٩١٨].\n٢٥٢٦ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُوجِبُ الْحَجَّ؟ قَالَ: \"الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٨١٣، جه: ٢٨٩٦]\nــ\nمنهما بعد الآخر، و(الكير) كير الحداد، وهو المبني من الطين، وقيل: زق ينفخ به النار، والمبني الكور، كذا في (النهاية) (١)، وفي (القاموس) (٢): الكير: زق ينفخ فيه الحداد، وأما المبني من الطين فكور.\n٢٥٢٥ - [٢١] (ابن عمر) قوله: (خبث) بفتحتين: ما تُبرزه النار من الجواهر المعدنية فتخلِّصها، وقد يروى بضم وسكون، أي: الشيء الخبيث، والأول أظهر.\nولعل السبب في نفي الحج والعمرة الفقرَ: أنه ينفق فيهما من الأموال فيتحرى أضعافًا مضاعفة، ويكثر في المال، مع ما يحصل من التعب والمشقة المقتضي لتضعيف الأجر إلى ما شاء اللَّه.\n٢٥٢٦ - [٢٢] (ابن عمر) قوله: (الزاد والراحلة) (٣) لما كان هذا عمدةً في\n_________\n(١) \"النهاية\" (٤/ ٢١٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٤٠).\n(٣) في \"التقرير\": الاقتصار على الزاد والراحلة لكونهما أعظم الشروط، فلا إشكال بترك مثل =","vol":"5","page":288},{"text":"٢٥٢٧ - [٢٣] وَعَنْهُ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: مَا الْحَاجُّ؟ قَالَ: \"الشَّعِثُ التَّفِلُ\"، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"الْعَجُّ وَالثَّجُّ\"، فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا السَّبِيلُ؟ قَالَ: \"زَادٌ وَرَاحِلَةٌ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\"، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي \"سُنَنِهِ\" إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الْفَصْلَ الأَخِيرَ. [جه: ٢٨٩٦].\nــ\nشرائطه وآخرها كالجزء الأخير من العلة أسند الإيجاب إليه، والسبب للحج هو البيت وتعظيمه، كما تقرر في علم أصول الفقه، والسبب الحقيقي في العبادات هو أمر اللَّه تعالى.\n٢٥٢٧ - [٢٣] (عنه) قوله: (ما الحاج؟) أي: ما صفته، (فقال: الشعث) بكسر العين: المُغْبَرُّ الرأس، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): أشعث زوليده موئ، وهو المغبر الرأس أيضًا، وبفتحها مصدر من باب سمع، و(التفل) ككتف: المتغير الرائحة لعدم تطييبه في مدة الإحرام، يقال: تفل كفرح: تغيرت رائحته، وهي تفلة، وهذان الوصفان أبلغ في سَمْت المحرم ورياضته ومشقته.\nوقوله: (أي الحج أفضل؟) أي: أيّ أعمال الحج، والمراد بـ (العج) بفتح العين وبالجيم: رفع الصوت بالتلبية، يقال: عجَّ عجًّا وعجيجًا: صاح ورفع صوته، وبـ (الثج): إراقة دم الهدي، يقال: ثجَّ الماءُ: سال، وثجَّه: أَسَالَه.\nوقوله: (وما السبيل؟) أي: الذي ذكر في الآية من قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].\n_________\n= صحة البدن وغيره، وفي \"رسائل\" (ص: ٢٣٦): أن الطريق إذا كان مأمونًا.\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٧٠).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٧٤).","vol":"5","page":289},{"text":"٢٥٢٨ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبِي شَيْخ كبِيرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجَّ وَلَا الْعُمْرَةَ وَلَا الظَّعْنَ، قَالَ: \"حُجَّ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حديثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٩٣٠، د: ١٨١٠، ن: ٢٦٢١].\n٢٥٢٩ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ؟ قَالَ: \"مَنْ شُبْرُمَةُ؟ ! قَالَ: أَخٌ لِي -أَوْ: قَرِيبٌ لِي- قَالَ: \"أَحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِكَ؟ \" قَالَ: لَا، قَالَ: \"حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ\". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٨١١، جه: ٢٩٠٣].\n٢٥٣٠ - [٢٦] وَعَنْهُ قَالَ: \"وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٨٣٢، د: ١٧٤٠].\nــ\n٢٥٢٨ - [٢٤] (أبو رزين العقيلي) قوله: (لا يستطيع الحج والعمرة) أي: أسباب ما يستطيع به السبيل من الزاد والراحلة ومع ذلك بلغ ضعفه إلى حد لا يقوى على الركوب، أو المعنى: لا يستطيع راجلًا ولا راكبًا، و(الظعن) السير والسفر، يقال: ظعن ظعنًا بالسكون والتحريك: سار، وأظعنه: سيَّره، والمراد ههنا السير بالركوب على الراحلة.\n٢٥٢٩ - [٢٥] (ابن عباس) قوله: (عن شبرمة) بضم الشين والراء وسكون الموحدة بينهما.\nوقوله: (ثم حُجّ) بلفظ الأمر، وهو يدل بظاهره أن النيابة إنما تجوز بعد أداء فرض الحج، وإليه ذهب جماعة من الأئمة، والشافعي وأحمد منهم، وذهب آخرون إلى أنه يجوز بدونه وهو مذهبنا ومذهب مالك.\n٢٥٣٠ - [٢٦] (عنه) قوله: (العقيق) موضع قريب ذات عرق.","vol":"5","page":290},{"text":"٢٥٣١ - [٢٧] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَقَّتَ لأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٧٣٩، ن: ٢٦٥٦].\n٢٥٣٢ - [٢٨] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ الأَقْصَى إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٧٤١، جه: ٣٠٠١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-657> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٥٣٣ - [٢٩] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ فَلَا يتَزَوَّدُونَ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ، فَإِذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]. . . . .\nــ\n٢٥٣١ - [٢٧] (عائشة) قوله: (وقت لأهل العراق ذات عرق) لا العقيق وهما متقاربان، لكن العقيق قبل ذات عرق، فقال الشافعي: ينبغي أن يحرم من العقيق احتياطًا وجمعًا بين الحديثين، وقال الطيبي: والأصح أن النبي -ﷺ- ما بيّن لأهل المشرق ميقاتًا، وإنما حدَّ لهم عمر -﵁- حين فتح العراق، انتهى.\nوليس في كتبنا ذكر العقيق، فتدبر.\n٢٥٣٢ - [٢٨] (أم سلمة) قوله: (من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام) ولا بد أن يمر بين ذلك بالمدينة المطهرة، فتشرَّف بأفضل المقامات في الابتداء والوسط والانتهاء، فثبت له هذا الأجر العظيم.\nالفصل الثالث\n٢٥٣٣ - [٢٩] (ابن عباس) قوله: (﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾) أي:","vol":"5","page":291},{"text":"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٥٤١].\n٢٥٣٤ - [٣٠] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! عَلَى النِّسَاءِ جِهَادٌ؟ قَالَ: \"نَعَمْ، عَلَيْهِنَّ جِهَادٌ لَا قِتَالَ فِيهِ: الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٩٣٣].\n٢٥٣٥ - [٣١] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنَ الْحَجِّ حَاجَة ظَاهِرَة، أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ، فَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢/ ٤٥].\n٢٥٣٦ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: \"الْحَاجُّ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ، إِنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ وَإِنِ اسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٨٩٢].\nــ\nتزودوا واتقوا الإبرام بالسؤال من الناس؛ فإن التقوى خير زاد للإنسان لسفر يوم القيامة، وكأنهم جعلوا التوكل واتخذوه زادًا، فقال: التقوى خير من ذلك، ولم يكونوا متوكلين في الحقيقة ولم يفوا بحقه، فافهم.\n٢٥٣٤ - [٣٠] (عائشة) قوله: (عليهن جهاد لا قتال فيه) قد مر معناه في حديث عائشة في (الفصل الأول).\n٢٥٣٥ - [٣١] (أبو أمامة) قوله: (حاجة ظاهرة) أرادوا بها فقد الزاد والراحلة.\n٢٥٣٦ - [٣٢] (أبو هريرة) قوله: (الحاج) واحد الحجاج، وقد يطلق على الجماعة مجازًا، أو المراد ههنا الجنس. (والعمار) جمع عامر بمعنى المعتمر من عمر بمعنى اعتمر، و(الوفد) جمع وافد؛ كركب جمع راكب، وفد عليه وإليه: قدم وورد.","vol":"5","page":292},{"text":"٢٥٣٧ - [٣٣] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"وَفْدُ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: الْغَازِي وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [ن: ٢٦٢٥، شعب: ٣٨٠٨].\n٢٥٣٨ - [٣٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا لَقِيتَ الْحَاجَّ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَصَافِحْهُ، وَمُرْهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَكَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ، فَإِنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٦٩، ١٢٩].\n٢٥٣٩ - [٣٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ خَرَجَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ غَازِيًا ثُمَّ مَاتَ فِي طَرِيقِهِ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ الْغَازِي وَالْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٣٨٠٦].\n* * *\nــ\n٢٥٣٧ - [٣٣] (عنه) قوله: (ثلاثة) وفي حكمهم جماعةٌ وفدوا على رسول اللَّه -ﷺ- لتعلم الأحكام، ولما كانوا في الظاهر وافدين من قوم إلى رسول اللَّه -ﷺ- أضيفوا إليه -ﷺ-، ولكنهم وافدون على اللَّه حقيقة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠].\n٢٥٣٨ - [٣٤] (ابن عمر) قوله: (قبل أن يدخل بيته) لأنه إلى الآن في سبيل اللَّه غير مشتغل عنه بأهله وعياله، وحقيقة المراد أن ثوابه وكونه من وفد اللَّه ثابت من حين خروجه من بيته إلى دخوله.\n٢٥٣٩ - [٣٥] (أبو هريرة) قوله: (أو غازيًا) وفي حكمهم من خرج متعلمًا كما ذكرنا.","vol":"5","page":293},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-658>١ - باب الإحرام والتلبية</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-659> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٥٤٠ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٣٩، ٢٧١، م: ١١٨٩، ١١٩٠].\nــ\n١ - باب الإحرام والتلبية\nالإحرام والتحريم: جعل الشيء حرامًا، ومنه تحريمة الصلاة، والتاء للنقل، أو بتقدير التكبيرة، ويجوز أن يكون من أحرم بمعنى: دخل في الحرم، ولما كان عقد الإحرام سببًا لاستباحة دخوله سمي به.\nالفصل الأول\n٢٥٤٠ - [١] (عائشة) قوله: (ولحلّه) أي: خروجه من الإحرام، حل وأحل بمعنى، وقد وقع في بعض الروايات: (لإحلاله).\nوقوله: (قبل أن يطوف بالبيت) فإن الحاج بعد رمي جمرة العقبة يخرج من الإحرام، ويحل له كل شيء سوى النساء.\nوقوله: (وبيص الطيب) بالصاد المهملة: بريقه، يقال: وَبَصَ البرقُ يَبِصُ وَبْصًا ووبيصًا: لمع وبرق، وفيه مبالغة في بقاء أثر الطيب، و(المفارق) جمع مفرق بمعنى موضع الفرق وهو وسط الرأس، والجمع باعتبار نواحيه وأطرافه وأجزائه.\nوفي الحديث دليل على أن للمحرم أن يتطيب قبل إحرامه بطيبٍ يبقى أثره عليه بعد الإحرام، وأن بقاءه بعد الإحرام لا يضره، وهو المشهور من مذهبنا لهذا الحديث؛","vol":"5","page":294},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nولأن الممنوع التطيب، والباقي بعده كالتابع له لاتصاله به بخلاف الثوب؛ لأنه مباين فلا يصح اعتباره تبعًا، وأيضًا يُعدُّ الرجل بعد بقاء الثوب على بدنه لابسًا، ولا يُعدُّ بعد بقاء الطيب متطيبًا، وكذا لو حلف لا يتطيب فدام على طيب يجده لم يحنث، ولو حلف لا يلبس فدام عليه حنث. وعن محمد أنه يكره إذا تطيب بما تبقى عينُه بعد الإحرام، وهو قول مالك والشافعي؛ لأنه منتفع بالطيب بعد الإحرام.\nوجعل الطيبي (١) الإباحة قول الشافعي، والكراهة قول مالك، وإيجاب الفدية قول أبي حنيفة، والمذكور في (الهداية) (٢) وشروحه ما ذكرناه.\nوفي (شرح كتاب الخرقي) (٣): سئل عبد اللَّه بن عمر عن الرجل يتطيب ثم يصبح محرمًا؟ فقال: ما أحب أن أصبح محرمًا أنضح طيبًا؛ لأن أُطلى بقطرانٍ أحبُّ إليّ [من] أن أفعل ذلك، فبلغ ذلك عائشة فأنكرت ذلك من ابن عمر، وقال مسلم بن صبيح: رأيت ابن الزبير وهو محرم وفي رأسه ولحيته من الطيب [ما لو كان لرجل لاتخذ منه رأس مال]، وما جاء في حديث يعلى بن أمية: أنه -ﷺ- رأى رجلًا وهو مصفِّر لحيته ورأسه وعليه جبة، فقال: (انزع عنك الجبة واغسل عنك الصفرة)، متفق عليه، وفي رواية أبي داود: (اغسل عنك أثر الخلوق)، فذلك محمول على أنه كان زعفرانًا، والنبي -ﷺ- نهى أن يتزعفر الرجل، وإذا نهى عن ذلك في غير الإحرام ففيه أجدر، انتهى.\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٥/ ٢٣٤).\n(٢) انظر: \"الهداية\" (١/ ١٣٤).\n(٣) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٣/ ٧٦).","vol":"5","page":295},{"text":"٢٥٤١ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُهِلُّ مُلَبِّدًا، يَقُولُ: \"لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ\"، لَا يَزِيدُ عَلَى هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩١٥، م: ١١٨٤].\n٢٥٤٢ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَدْخَلَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ، وَاسْتَوَتْ بِهِ ناقتهُ قَائِمَةً، أَهَلَّ مِنْ عِنْدِ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٦٥، م: ١١٨٧].\nــ\n٢٥٤١ - [٢] (ابن عمر) قوله: (ملبدًا) بلفظ اسم الفاعل من التلبيد، وهو أن يجعل المحرم في رأسه شيئًا من صمغ أو غيره ليتلبد شعره وينضم بعضه ببعض دفعًا للشعث.\nوقوله: (إن الحمد لك) بكسر (إن) وهو أظهر معنًى ورواية، وقد تفتح الهمزة ولعله بتقدير: لأن الحمد.\n٢٥٤٢ - [٣] (عنه) قوله: (في الغرز) بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها زاي: ركاب الرجل من جلد، وإذا كان من خشب أو حديد فهو ركاب.\nوقوله: (واستوت به ناقته) أي: رفعته مستويًا على ظهرها، وهذا الحديث يدل على أنه -ﷺ- لبَّى بعد استوائه على ظهرها، وبه أخذ الشافعي، وعندنا يُلبِّي بعد الصلاة، وهو قول مالك، قال في (الهداية) (١): ثم يلبي عقيب صلاته لما روي أن النبي -ﷺ- لبّى في دبر صلاته، فإن لبى بعد ما استوت به راحلته جاز، ولكن الأول أفضل لما روينا، والمشهور في مذهب أحمد بعد الصلاة، والمختار عند بعض أصحابه عند الاستواء.\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ١٣٥).","vol":"5","page":296},{"text":"٢٥٤٣ - [٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نَصْرُخُ بِالْحَجِّ صُرَاخًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٤٧].\n٢٥٤٤ - [٥] وَعَنْ أَنَسٍ: قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ أَبِي طَلْحَةَ، وَإِنَّهُمْ لَيَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٩٨٦].\n٢٥٤٥ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ،\nــ\nوفي (شرح كتاب الخرقي) (١): أنه روى سعيد بن جبير قال: قلت لعبد اللَّه بن عباس: يا ابن العباس! عجبت لاختلاف أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- في إهلال رسول اللَّه -ﷺ-! فقال: إني لأَعلمُ الناسِ بذلك، أهلّ بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام فحفظت عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهلّ، فقالوا: إنما أهل حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول اللَّه -ﷺ-، فلما علا على شرف البيداء أهلّ، وأدرك ذلك منه أقوام، فقالوا: إنما أهل حين علا من البيداء، وايم اللَّه لقد أوجب في مصلَّاه [وأهلَّ حين استوت به ناقته، وأهل حين علا على شرف البيداء]، رواه أبو داود (٢)، وبما ذكر يحصل به التوفيق بين الروايات.\n٢٥٤٣ - [٤] (أبو سعيد الخدري) قوله: (نصرخ بالحج صراخًا) هذا الحديث يدل على أنهم كانوا مُفْردين بالحج.\n٢٥٤٤ - [٥] (أنس) قوله: (وإنهم ليصرخون بهما) يدل على كونهم قارنين.\n٢٥٤٥ - [٦] (عائشة) قوله: (فمنا من أهل بعمرة. . . إلخ)، يدل على أن\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٣/ ٩٦).\n(٢) \"سنن أبي داود\" (رقم: ١٧٧٠).","vol":"5","page":297},{"text":"وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالْحَجِّ، فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ فَحَلَّ،\nــ\nبعضهم كانوا متمتعين، وبعضهم كانوا قارنين، وبعضهم مفردين بالحج (١)، وكذلك اختلفت الأخبار والروايات في فعله -ﷺ-: هل كان قارنًا؟ وفيه أكثر الأحاديث الصحيحة الصريحة مروية عن سبعة عشر من عظام الصحابة، أو مفردًا بالحج؟ وفيه أيضًا أحاديث كثيرة، وجاءت أحاديث صحيحة في التمتع أيضًا، وذكروا في توفيقها وترجيح كونه قارنًا وجوهًا متعددة، وقد ذكرناها في (شرح سفر السعادة) (٢) مستوفى، فلينظر ثمة،\n_________\n(١) أجمعث الأمة على جواز كل من الأقسام الثلاثة مع الاختلاف في الأفضلية، فعند الإمام أحمد في ذلك روايتان: أفضلية التمتع ثم الإفراد ثم القران، الثانية: إن ساق الهدي فالقران أفضل، وإن لم يسق فالتمتع أفضل. ومختار المالكية أفضلية الإفراد ثم القران ثم التمتع، وعن الشافعية في ذلك ثلاث روايات، وقال النووي: والصحيح تفضيل الإفراد ثم التمتع ثم القران، لكن أفضلية الإفراد مشروطة بأن يعتمر في هذه السنة وإلا فهما أفضل منه، ومختار الحنفية أفضلية القران ثم التمتع ثم الإفراد. ثم بعد ذلك اختلفوا في حجه ﵊ فقال النووي: وأما حجة النبي -ﷺ- فاختلفوا فيها هل كان مفردًا أم متمتعًا أم قارنًا؟ وهي ثلاثة أقوال للعلماء بحسب مذاهبهم السابقة، وكل طائفة رجحت نوعًا وادعت أن حجة النبي -ﷺ- كانت كذلك، والصحيح أنه -ﷺ- كان أولًا مفردًا ثم أحرم بالعمرة بعد ذلك وأدخلها على الحج فصار قارنًا، انتهى. وقد اختلفت روايات الصحابة في حجه -ﷺ- حجة الوداع، هل كان مفردًا أم قارنًا أم متمتعًا؟ وروي كل منها في البخاري ومسلم وغيرهما، وطريق الجمع بينها ما ذكرت أنه -ﷺ- كان أولًا مفردًا ثم صار قارنًا، فمن روى الإفراد هو الأصل، ومن روى القران اعتمد آخر الأمر، ومن روى التمتع أراد التمتع اللغوي وهو الانتفاع والارتفاق، وبهذا الجمع تنتظم الأحاديث كلها. انظر: \"جزء حجة الوداع\" (ص: ٦٣)، و\"أوجز المسالك\" (٦/ ٥٠٤)، و\"بذل المجهود\" (٧/ ١٠٠).\n(٢) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٣٣٠).","vol":"5","page":298},{"text":"وَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَلَمْ يَحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمُ النَّحْرِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٦٢، م: ١٢١١].\n٢٥٤٦ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، بَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٩١، م: ١٢٢٧].\nــ\nواللَّه أعلم.\n٢٥٤٦ - [٧] (ابن عمر) قوله: (تمتع بالعمرة إلى الحج) أي: استمتع وانتفع بالتقرب إلى اللَّه بالعمرة قبل الانتفاع بتقربه بالحج في أشهره، وقيل: معناه: استمتع بعد التحلل من عمرته باستباحة محظورات الإحرام إلى أن يحرم بالحج، هكذا فسر البيضاوي (١) قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وحاصله تضمين معنى الانضمام للتعدية بكلمة إلى.\nولا بد أن نشير مجملًا إلى معنى القران والتمتع والإفراد؛ فالإفراد (٢): أن يحرم بالحج أو العمرة منفردًا، والقران: أن يحرم لهما معًا، فيعتمر أولًا ويبقى على إحرامه ويحج، والتمتع: أن يحرم للعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ثم يحج من عامه، وفضله أنه أحرز الفضيلتين في عام واحد، وحكمه أنه إن ساق الهدي بقي على إحرامه، وإن لم يسق يحل، كما يأتي بيانه في (باب حجة الوداع)، وعندنا القران أفضل، ثم التمتع، ثم الإفراد.\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١١٠).\n(٢) قال في \"المغني\" (٥/ ٩٤): هو الإحرام مفردًا من الميقات.","vol":"5","page":299},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-660> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٥٤٧ - [٨] عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ -ﷺ- تَجَرَّدَ لإِهْلَالِهِ وَاغْتَسَلَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٨٣٠، دي: ٢/ ٣١].\n٢٥٤٨ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَبَّدَ رَأْسَهُ بِالْغِسْلِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٧٤٨].\n٢٥٤٩ - [١٠] وَعَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَتَانِي جِبْرَئيلُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالإِهْلَالِ أَوِ التَّلْبِيَةِ\". رَوَاهُ مَالكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ط: ١/ ٣٣٤، ت: ٨٢٩، د: ١٨١٤، ن: ٢٧٥٣، جه: ٢٩٢٢، دي: ٢/ ٣٤].\n٢٥٥٠ - [١١] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ،\nــ\nالفصل الثاني\n٢٥٤٧ - [٨] (زيد بن ثابت) قوله: (تجرد لإهلاله) أي: لإحرامه؛ لأن الإهلال هو رفع الصوت بالتلبية، وفي نسخ (المصابيح): (لإحرامه).\n٢٥٤٨ - [٩] (ابن عمر) قوله: (بالغسل) بالكسر: وهو ما يغسل به كالخطمي وغيره؛ لئلا ينتشر الشعر، وروى بعضهم: (بالعَسَل) بفتحتين والعين المهملة، وهو تصحيف.\n٢٥٤٩ - [١٠] (خلاد بن السائب) قوله: (أن يرفعوا أصواتهم) وتأتي فضيلته في الحديث الآتي.\nوقوله: (أو التلبية): (أو) للشك.\n٢٥٥٠ - [١١] (سهل بن سعد) قوله: (من عن يمينه) وفي بعض الروايات:","vol":"5","page":300},{"text":"أَوْ شَجَرٍ، أَوْ مَدَرٍ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ هَهُنَا وَهَهُنَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٨٢٨، جه: ٢٩٢١].\n٢٥٥١ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"كَانَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- يَرْكَعُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قَائِمَةً عِنْدَ مَسْجدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ، وَيَقُولُ: لَبيكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ. [خ: ١٥٥٣، م: ١١٨٤].\nــ\n(ما عن يمينه)، وهو الأظهر معنًى، ووجه التعبير بـ (مَن) لتنزيل الأشياء المذكورة لإضافة التلبية إليها منزلة ذوي العقول.\nوقوله: (من ههنا وههنا) إشارة إلى المشرق والمغرب، والغاية محذوفة، أي: إلى منتهى الأرض.\n٢٥٥١ - [١٢] (ابن عمر) قوله: (والرغباء إليك) بفتح الراء وسكون المعجمة ممدودًا، وبضم الراء مقصورًا، كلاهما روايتان، يريد أن الرغبة وطلب الخير إليك؛ لأن الخير كله بيديك، وفي (القاموس) (١): رغب فيه، كسمع، رَغْبًا ويضم، ورَغْبة: أراده، كارتَغب، وعنه: لم يُرِده، وإليه رَغَبًا محركة، ورَغْبى، ويضمّ، ورَغْباء كصحراء، ورَغَبوتًا [ورَغَبُوتى] ورَغَبانًا، محرّكاتٍ، ورُغبة بالضم ويحرّك: ابتهل، أو هو الضراعة والمسألة.\nوقوله: (أو العمل) معطوف على (الرغباء)، أي: العمل منتهًى إليك، وأنت المقصود فيه، أو إليك يصعد العمل.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٧).","vol":"5","page":301},{"text":"٢٥٥٢ - [١٣] وَعَنْ عُمَارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: أَنَّهُ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ سَأَلَ اللَّهَ رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ، وَاسْتَعْفَاهُ بِرَحْمَتِهِ مِنَ النَّارِ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. [الأم: ٢/ ١٥٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-661> الْفَصْلُ الْثَّالِثُ:</span>\n٢٥٥٣ - عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا أَرَادَ الْحَجَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فَاجْتَمَعُوا، فَلَمَّا أَتَى الْبَيْدَاءَ أَحْرَمَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (١).\n٢٥٥٤ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الْمُشْرِكونَ يَقُولُونَ: لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَيْلَكُم قَدْ قَدْ\"، إِلَّا شَرِيكًا هُوَ لَكَ تَمْلِكُهُ وَمَا مَلَكَ، يَقُولُونَ هَذَا وَهُمْ يَطُوفُون بِالْبَيْتِ. . . . .\nــ\n٢٥٥٢ - [١٣] (عمارة بن خزيمة) قوله: (عمارة) بضم العين وتخفيف الميم (ابن خزيمة) بضم الخاء وفتح الزاي.\nالفصل الثالث\n٢٥٥٣ - [١٤] (جابر) قوله: (فلما أتى البيداء) الفلاة، وهو اسم لموضع بين مكة والمدينة قريب من ذي الحليفة.\n٢٥٥٤ - [١٥] (ابن عباس) قوله: (قد قد) يروى بسكون الدال وبكسرها مع التنوين بمعنى قط، بمعنى حَسْب، كانوا يقولون: لا شريك لك، (إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك) يعنون الأصنام، فلما بلغوا إلى قولهم: (لا شريك لك) قال النبي -ﷺ-: (قد قد) أي: لا تقولوا: إلا شريكًا لك، واكتفوا بقولكم: (لا شريك لك).\n_________\n(١) هذا وهم من المصنف، فإن حديث جابر هذا ليس في \"صحيح البخاري\"، بل أخرجه الترمذي في \"سننه\" (رقم: ٨١٧).","vol":"5","page":302},{"text":"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٨٥].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-662>٢ - باب قصة حجة الوداع</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-663> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٥٥٥ - [١] عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَكَثَ بِالْمَدِينَةِ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ. . . . .\nــ\nوقوله: (تملكه) صفة شريكًا، (وما ملك) عطف على الضمير المنصوب في (تملكه)، والضمير في (ملك) لـ (شريكا)، وعجبًا من حماقتهم أنهم قائلون بأن الأصنام مملوك اللَّه ثم يشركون بها، هل هذا إلا تناقض؟ ! .\n٢ - باب قصة حجة الوداع\n[(الوداع)] بفتح الواو سميت بها لأن رسول اللَّه -ﷺ- ودعَّ الناس فيها، وعلَّمهم الشرائع، واستشهدهم على أداء الرسالة وتبليغ الأحكام، وكانت في السنة العاشرة، وحديث جابر المذكور أتمّ وأجمع الأحاديث المروية في هذا الباب (١)، وهو مروي عن الإمام جعفر الصادق عن أبيه الإمام محمد الباقر عن جابر -﵃-.\nالفصل الأول\n٢٥٥٥ - [١] (جابر بن عبد اللَّه) قوله: (ثم أذّن) أي: أعلم بلفظ المعلوم من\n_________\n(١) وحديث جابر أجمع حديث لحجة النبي -ﷺ-، وعليه بنى الكلام الذين ذكروا صفة حجة النبي -ﷺ- من المحدثين وأهل السير، منهم شيخنا الإمام محمد زكريا الكاندهلوي تبرك في كتاب \"جزء جحة الوداع\" بشرح هذا الحديث، وقال النووي: وهو حديث عظيم مشتمل على جمل من الفوائد والنفائس، وخرَّج فيه أبو بكر بن المنذر من الفقه مئة ونيفًا وخمسين نوعًا، انظر: \"جزء حجة الوداع\" (ص: ٣٧).","vol":"5","page":303},{"text":"بِالْحَجِّ (١) في الْعَاشِرَةِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حَاجٌّ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ، فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ: \"اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي\" فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ، أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ. قَالَ جَابرٌ: لَسْنَا نَنْوِي إِلَّا الْحَجَّ،\nــ\nالتأذين، ويروى بلفظ المجهول.\nوقوله: (بشر كثير) ورد في بعض الروايات: كانوا أكثر من الحصر والإحصاء، ولم يعيِّنوا عددهم، وقد بلغوا في غزوة تبوك التي هي آخر غزواته -ﷺ- مئة ألف، وحجة الوداع كانت بعد ذلك، لا بد أن يزدادوا فيها، ويروى: مئة وأربعة عشر ألفًا، وفي رواية: مئة وأربعةً وعشرين ألفًا، واللَّه أعلم.\nوقوله: (واستثفري) الاستثفار: أن يدخل إزاره بين فخذيه ملويًّا ويشدّ على هيئة ثفر الدابة بفتح الثاء وضمها.\nوقوله: (وأحرمي) فيه جواز الإحرام للنفساء، وكذا حكم الحائض.\nوقوله: (في المسجد) أي: مسجدٍ كان بذي الحليفة.\nو(القصواء) اسم ناقته -ﷺ-، وقيل: إنما سميت بها لسبقها، وكان عندها أقصى السير وغاية الجري، وقيل: القصواء ناقة قطع طرف أذنها، فكلُّ ما قطع من الأذن\n_________\n(١) قوله: \"بالحج\" كذا في بعض النسخ، والظاهر أن قوله: \"بالحج\" سهو من الكاتب يدل عليه قوله: \"حاج\"، انتهى، كذا في هامش النسخة الهندية.","vol":"5","page":304},{"text":"لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتَ مَعَهُ استَلَمَ الرُّكْنَ فَطَافَ (١) سَبْعًا،\nــ\nفهو جدع، فإذا بلغ الربع فهو قصواء، وإذا جاوز فهو عضب، فإذا استؤصلت فهو صلم، والناقة قصواء، ولا يقال: بعير أقصى، ولم تكن ناقته -ﷺ- قصواء على الصحيح وإنما هو لقبلها، وقد روي في حديث آخر: كان له ناقة تسمى العضباء، وناقة تسمى الجدعاء، وفي أخرى: صلماء، وفي أخرى: مخضرمة، وكله في الأذن، فكل واحدة إما صفة ناقة مفردة، أو الجميع صفة ناقة واحدة، ويؤيده حديث علي -﵁- حين بعث ليبلّغ سورة براءة، فروي: العصواء، وفي آخر: العضباء، وفي آخر: الجدعاء، فهو يصرح بأن الثلاثة صفة ناقة واحدة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (لسنا نعرف العمرة) المتبادر أن معناه: لم تكن العمرة في قصدنا حين الخروج ولم ننوها، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): أن المعنى: لسنا نعرف العمرة في أشهر الحج، وكان أهل الجاهلية يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وإنما شرعت عام حج رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (استلم الركن) أي: الركن الأسود، وإليه ينصرف الركن عند الإطلاق، واستلامه: أن يقبله أو يلمسه باليد إن تيسر، وهو افتعال من السلام بمعنى التحية، ولذلك أهل اليمن يسمون الركن الأسود: المحيا، أي: الناس يحيونه، أي: يسلِّمون عليه، قاله الأزهري (٣).\nوقال القتيبي والجوهري: افتعال من السِّلَام، وهي الحجارة، واحده سَلِمة بكسر\n_________\n(١) قوله: \"فطاف سبعًا\" كذا في جميع النسخ من \"المشكاة\"، وهكذا وقع في \"المصابيح\" وفي رواية مختصرة عند النسائي والترمذي، وليس هو عند مسلم، انتهى. \"مرعاة المفاتيح\" (٩/ ٧).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٥٩٨).\n(٣) انظر: \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ١١٠).","vol":"5","page":305},{"text":"فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعًا،\nــ\nاللام، يقال: استلمت الحجر: إذا لمسته، كما يقال: اكتحلت من الكحل.\nوقيل: افتعال من المسالمة، كأنه فعل ما يفعله المسالم.\nوقيل: الاستلام أن يحيِّي نفسه عند الحجر بالسلام؛ فإن الحجر لا يحيِّيه، كما يقال: اختدم، إذا لم يكن له خادم، وقال ابن الأعرابي: هو مهموز الأصل ترك همزه، مأخوذ من الملاءمة وهي الموافقة، وقيل: من اللأمة وهي السلاح، كأنه حصَّن نفسه بمس الحجر، ذكر هذه الوجوه شارح كتاب الخرقي (١).\nوقوله: (فرمل ثلاثًا) رمل رَمَلًا ورَمَلانًا محركتين: هرول، وقال في (المشارق) (٢): هو وثبٌ في المشي ليس بشديد مع هزِّ المنكبين، وقال: الرمل في الطواف، ورمل فيها بفتح الراء والميم في الاسم والفعل الماضي، وجاءت في رواية بعضهم ساكنة الميم على المصدر. وفي (شرح كتاب الخرقي) (٣): الرمل الهرولة، وقال الأزهري: الإسراع، وفسر الأصحاب الرمل بإسراع المشي مع تقارب الخطأ. وقال في (الهداية) (٤): الرمل أن يهزّ في مشيته الكتفين كالمبارز يتبختر بين الصفين.\nوكان السبب في تشريع هذا الفعل في الابتداء إظهار المسلمين جلادتهم للمشركين، وكان ذلك في عمرة القضاء، ثم لما فعله -ﷺ- في حجة الوداع وقد زال ذلك السبب -لأنه لم يكن حينئذ بمكة من المشركين من تُظهر عنده الجلادة- صار ذلك سنةً\n_________\n(١) انظر: \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٣/ ١٨٩)، وفي بعض ألفاظه تحريف صُحح من \"الإنصاف\" للمرداوي (٤/ ٧).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤٦٣).\n(٣) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٣/ ١٩٢).\n(٤) \"الهداية\" (١/ ١٣٨).","vol":"5","page":306},{"text":"ثُمَّ تَقَدَّمَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، وَفِي رِوَايَةٍ: . . . . .\nــ\nمستقلة، وقد ثبت عن ابن عباس أن رسول اللَّه -ﷺ- رمل في حجته وعمرته وكذلك فُعل بعده، وإلا فقد يرتفع الحكم بارتفاع العلة كما في سهم مؤلفة القلوب ونحوه.\nثم هذا الرمل مسنون في كل طواف بعده سعيٌ كما في طواف العمرة وطواف القدوم وطواف الإفاضة دون طواف الوداع، وليس في هذا الحديث ذكر الاضطباع وهو مسنون أيضًا مع الرمل، وكيفية الاضطباع: أن يجعل رداءه تحت إبطه الأيمن، ويلقيه على كتفه الأيسر، من الضبع بسكون الباء، وهو وسط العضد، وقيل: هو ما تحت الإبط، وفيه أيضًا من التجلد كما في الرمل.\nوقوله: (ثم تقدم إلى مقام إبراهيم) ومقام إبراهيم اسم لحجر، فيه أثر قدميه، موضوع قُبالة البيت.\nوقوله: (فقرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]) في (اتخذوا) قراءتان: فتح الخاء وكسرها، والرواية في الحديث الكسر، وهو الأنسب بالمقام.\nوقوله: (فصلى ركعتين) وهاتان الركعتان واجبتان عندنا لورود الأمر بهما، وعند الشافعي سنة.\nوقوله: (فجعل المقام بينه وبين البيت) أي: صلى الركعتين خلف المقام، وهذا أفضل مكان لصلاة هاتين الركعتين، وجاز أن يصلي حيث شاء. وتقديم ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] على ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] واقع في (صحيح مسلم) و(شرح السنة) في إحدى الروايتين، ويوجّه بأن ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ لإثبات التوحيد، ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ للتبرؤ عن الشركاء، فقدم اهتمامًا بشأن الإثبات، وقد وقع في بعض الروايات بتقديم ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ كما هو الظاهر، والحديث","vol":"5","page":307},{"text":"أنه قَرَأَ في الرَّكْعَتَيْنِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: \" ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ\"، بَدَأَ بِالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نزَلَ وَمَشَى إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ سَعَى،\nــ\nدل على أنه لا بأس بتقديم سورة متأخرة على التي تقدم، وله شواهد كثيرة في الأحاديث.\nوقوله: (إلى الصفا) في (القاموس) (١): الصفاة: الحجر الضخم الصلد لا يُنبت، والصفا من مشاعر مكة بلِحْفِ أبي قبيس.\nوقوله: (فاستقبل القبلة) وكان إذ ذاك تُرى الكعبة من الصفا ولم يكن حائل بينهما والآن حجبها بناء الحرم، ومع ذلك يقع النظر إليها على الركن الأسود من أحد الأبواب بحذائه.\nوقوله: (حتى انصبت قدماه) أي: انحدرت في المسعى، من قولهم: صببت الماء فانصبّ: أي سكبته فانسكب، والمسعى كان إذ ذاك واديًا، ويحصل بالنزول عن الصفا انحدار وسعي، فيسعى إلى الميلين الأخضرين، والعلامة لذلك منصوبة إلى الآن في جدار المسجد، والأصل في ذلك: أن هاجر أم إسماعيل ذهبت يومًا -حين كان طفلًا- للماء، وكانت إذا دخلت الوادي حُجب إسماعيل عن نظرها فكانت تصعد\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩٧).","vol":"5","page":308},{"text":"حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافٍ عَلَى الْمَرْوَةِ نَادَى وَهُوَ عَلَى الْمَرْوَةِ وَالنَّاسُ تَحْتَهُ فَقَالَ: . . . . .\nــ\nالصفا والمروة لتنظر إليه، فبقيت ذلك سنَّة لفعله -ﷺ- السعي، والآن سوَّى التراب أرض البلد، ولا يحصل بعد النزول عن الصفا انحدار، ولكن يتكلفون في السعي إتيانًا بالسنة.\nوالسعي بين الصفا والمروة واجب، وإنما قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾؛ لأن الأنصار كانوا يتحرجون عن الطواف بين الصفا والمروة فقيل لهم: لا جناح عليه أن يطوف بهما، كذا قالوا.\nوقوله: (حتى إذا صعدتا) من الإصعاد، وهو الذهاب في الأرض والإبعاد سواء كان في صعود أو حدور، قال اللَّه تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ [آل عمران: ١٥٣]، وفي (القاموس) (١): أصعد في الأرض: مضى، وفي الوادي: انحدر، كصعّد تصعيدًا، وكذا في (الصحاح)، وفي (المشارق) (٢): يقال: سعد في الجبل: علاه، وصعد وأصعد كله واحد، وأصعد في الأرض لا غير: ذهب مبتدئًا، ولا يقال في الرجوع، قال ابن عرفة: وإنما يقال في الرجوع: انحدر، ومعناه في الحديث: ارتفاع القدمين في بطن المسيل إلى المكان العالي؛ لذكره في مقابلة الانصباب عند الهبوط في الوادي، ومعناه: دخلتا في الصعود. و(المروة) واحد المرو، وهي حجارة بيض برّاقة تورِي النارَ، أو أصلب الحجارة، اسم جبل بمكة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٧٩)، وانظر: \"الصحاح\" (ص: ٥٨٩).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٨٣ - ٨٤).","vol":"5","page":309},{"text":"\"لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً\"، فَقَامَ سُراقَةُ بْنُ مَالِكِ ابْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الأُخْرَى وَقَالَ: \"دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ\" مَرَّتَيْنِ. . . . .\nــ\nوقوله: (لو أني استقبلت من أمري. . . إلخ)، هذا الكلام توطئة وتمهيد لقوله: (فمن كان منكم ليس معه هدي. . . إلخ)، قاله تطييبًا لقلوب أصحابه وتسلية لهم، ومعناه: لو عنَّ لي هذا الرأي الذي رأيته آخرًا وأمرتكم به أولًا في ابتداء أمري في الإحرام لما سقت الهدي، وحاصله: أنه -ﷺ- أمر أصحابه بعد وصوله مكة وأدائه العمرة بخروج من لم يسق الهدي عن الإحرام، وبقاء من ساقه، فشقّ عليهم أن يحلوا ورسول اللَّه محرم ويتركوا متابعته، وأيضًا قالوا: أنحج وتقطر مذاكيرنا؟ كما يأتي، فقال لهم: قد وقع مني ما وقع من سوق الهدي، وقد أمرني اللَّه بأن من ساق الهدي لا يحل حتى ينحر، فلا يصح له فسخ الحج بعمرة بخروجه عن الإحرام، ومن لم يسق الهدي اعتمر وحل من إحرامه ثم يحرم بعد ذلك للحج، ولو كنت علمت قبل هذا أن يشق عليكم الخروج من الإحرام، لما سقت الهدي، وخرجت من الإحرام، وجعلت الحج عمرة كما أمرتكم.\nوقوله: (ابن جعشم) بضم الجيم وسكون العين وضم الشين المعجمة.\nوقوله: (واحدة في الأخرى) حال، أي: جاعلًا واحدة منها في الأخرى، وهي حال مؤكدة؛ لأن التشبيك لا يكون إلا هكذا.\nوقوله: (دخلت العمرة في الحج) قال النووي (١): اختلف العلماء في معناه على\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٤/ ٣٢٦).","vol":"5","page":310},{"text":"\"لَا بَلْ لِأَبَدِ أَبَدٍ، وَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ بِبُدْنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ لَهُ: \"مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ\" قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّى أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ: \"فَإِنَّ مَعِي الْهَدْيَ فَلَا تَحِلَّ\" قَالَ: فَكَانَ جَمَاعَةُ الْهَدْي الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ وَالَّذِي أَتَى بِهِ النَّبِيُّ -ﷺ- مِئَةً، قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُم،\nــ\nأقوال، أصحها -وبه قال جمهورهم- معناه: أن العمرة يجوز فعلها في أشهر الحج إلى يوم القيامة، والمقصود بيان إبطال ما كانت أهل الجاهلية عليه من امتناع العمرة في أشهر الحج، وكانوا يرونه من أفجر الفجور.\nوقوله: (لا بل لأبد أبد) (لا) نفي لكلام مقدر يفهم مما سبق، تقديره: ليس لعامكم بل لأبد، أو المراد نفي ترديده، أي: ليس مردودًا بل يتعين القسم الثاني، و(أبد) مكررٌ اثنين، وفي بعض الروايات ثلاثًا.\nوقوله: (ببدن) بضم الباء وسكون الدال: جمع بدنة بفتح الباء والدال، وهي من الإبل خاصة عند الشافعي، وعندنا يشمل البقر، وقال النووي (١): البدنة عند جمهور أهل اللغة وبعض الفقهاء: الواحدة من الإبل والبقر والغنم، وخصَّها جماعة بالإبل، وهو المراد في حديث تبكير الجمعة، وقد سبق في (باب الجمعة).\nوقوله: (فرضت الحج) أي: ألزمته [على] نفسك بالإحرام.\nوقوله: (فحل الناس كلهم) أي الناس الذين كانوا لم يسوقوا الهدي، وجاء في الحديث: أن أمهات المؤمنين وفاطمة ﵅ كلهن أحللن، كذا في (سفر السعادة) (٢)، وقول الطيبي: هذا من العام الذي خُص؛ لأن عائشة -﵂- لم تحل ولم\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٣/ ٤٠٠).\n(٢) \"سفر السعادة\" (ص: ١٧٥).","vol":"5","page":311},{"text":"وَقَصَّرُوا إِلَّا النَّبِيَّ -ﷺ- وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ،\nــ\nتكن ممن ساق الهدي، مما لا نعرف له سندًا، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وقصروا) يدل بظاهره أنهم كلهم قصروا، وجاء في الحديث أن بعضهم حلقوا وبعضهم قصروا، فدعا رسول اللَّه -ﷺ- للمحلِّقين فقال: (اللهم ارحم المحلقين)، قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه، قال: (اللهم ارحم المحلقين)، قالوا: والمقصرين يا رسول اللَّه، قال: (والمقصرين) مرتين أو ثلاث مرات، قالوا: والسبب في تكرير الدعاء للمحلقين أن أكثر من حج معه -ﷺ- لم يسق الهدي، فلما أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة ثم يتحللوا منها ويحلقوا رؤوسهم شقّ عليهم. ثم لما لم يكن لهم بد من الطاعة كان التقصير في أنفسهم أخف من الحلق ففعله أكثرهم، فرجَّح -ﷺ- فعل من حلق لكونه أبين في امتثال الأمر.\nوقيل: إن عادة العرب أنها كانت تحب توفر الشعور والتزين بها، وكانوا يرون الحلق من الشهرة ومن فعل الأعاجم، فلذلك كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير.\nثم اعلم أنه قد ورد هذا الحديث في الحديبية وفي حجة الوداع، فقيل: كان فيهما، لكن السبب في الموضعين مختلف، فالذي في الحديبية كان بسبب توقفٍ من الصحابة عن الإحلال؛ لِمَا دخل عليهم من الحزن؛ لكونهم منعوا عن الوصول إلى البيت، وفي حجة الوداع ما ذكرنا، ثم في الوداع: هل كان عند أمر النبي -ﷺ- الصحابة بالإحلال بعد العمرة قبل الحج، أو كان في الحج يوم النحر؟ فالمفهوم من (سفر السعادة) (١) أنه كان في الأول، ومن (المواهب اللدنية) وغيرها أنه كان في الحج يوم النحر، وسيأتي في الفصل الأول من (باب الحلق) من حديث ابن عمر أنه قال: في\n_________\n(١) \"سفر السعادة\" (ص: ١٧٥).","vol":"5","page":312},{"text":"فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَى مِنًى فَأَهَلُّوا بِالْحَجِّ، وَرَكِبَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ بِنَمِرَةَ،\nــ\nحجة الوداع، وقد وقع في رواية الشيخين عن أبي هريرة من غير تعيين: هل قاله في الحديبية أو في حجة الوداع؟ قالوا: لم يقع في شيء من طرقه التصريح بسماعه لذلك من النبي -ﷺ-، ولو وقع لقطعنا بأنه كان في حجة الوداع؛ لأنه شهدها ولم يشهد الحديبية، كذا في (المواهب) (١)، فتدبر. واللَّه أعلم.\nوقوله: (فلما كان يوم التروية) وهو اليوم الثامن من ذي الحجة؛ لأنهم كانوا يرتوون فيه من الماء لما بعد، أو لأن إبراهيم ﵇ كان يتروّى ويتفكر في رؤياه فيه، كذا في (القاموس) (٢).\nوقوله: (توجهوا) أي: قصدوا التوجه (إلى مني فأهلوا) أي: أحرموا، ومنى كإلى وقد تصرف؛ سميت لما يمنى بها من الدماء، وعن ابن عباس: لأن جبرئيل ﵇ لما أراد أن يفارق آدم قال له: تمن، قال: أتمنى الجنة؛ فسميت مني لأمنية آدم، والذهاب إلى مني والبيتوتة فيها ليس عندنا واجبًا بل سنة.\nوقوله: (وركب رسول اللَّه -ﷺ-) الحج راكبًا أفضل، خصوصًا على الإبل، و(نمرة) بفتح النون وكسر الميم: اسم موضع قرب عرفات، وهو منتهى أرض الحرم، وكأنه بين الحل والحرم، وعرفات من الحل، وقيل: اسم جبل شبهوه بالنمرة، حيوان معروف فيه النُّمرة، بالضم: النكتة بأيِّ لون كان، والأنْمَر ما فيه نمرة، كما قالوا: جبل ثور، لمشابهته به في الشكل.\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ٤٥١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨٧).","vol":"5","page":313},{"text":"فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ولَا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّا أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامٍ كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصْنعُ في الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ وَقَالَ: \"إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا في شَهْرِكُمْ هَذَا في بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ،\nــ\nوقوله: (ولا تشك قريش) أي: لا تظن (إلا أنه واقف) وقال الطيبي (١): تقديره: لا تشك قريش في أن رسول اللَّه -ﷺ- يخالفهم في سائر المناسك إلا في الوقوف في المشعر الحرام، فتأمل، و(المشعر الحرام) اسم لجبل بمزدلفة يقال له: قُزَح.\nوقوله: (كما كانت قريش تصنع في الجاهلية) فإنهم كانوا يقفون بمزدلفة، ويسمونه موقف الحمس وأهل حرم اللَّه، بخلاف سائر العرب؛ فإنهم كانوا يقفون بعرفات، فظنت قريش أنه -ﷺ- يقف في المشعر الحرام على عادتهم.\nوقوله: (فأجاز) أي: تجاوز من المزدلفة إلى عرفات؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، (حتى أتى عرفة) وهي بفتح الراء، يجيء مفردًا بمعنى المكان والزمان، وعرفات بلفظ الجمع مخصوص بالمكان.\nوقوله: (فرحلت له) بلفظ المجهول، أي: شدَّ على ظهرها الرجل ليركبها.\nوقوله: (كحرمة يومكم هذا. . . إلخ)، تأكيد للحرمة فإنهم كانوا قائلين بحرمتها.\nوقوله: (تحت قدمي) بلفظ التثنية، وقوله: (موضوع) يحتمل أن يكونا خبرين،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٢٥٠).","vol":"5","page":314},{"text":"وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ ابْنِ الْحَارِثِ -وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا في بَنِي سَعْدٍ فَقَتَلَهُ هُذَيْل- وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُ مِنْ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ،\nــ\nأو الخبر هو (موضوع) و(تحت) ظرف له وهو الأظهر، والمراد بالوضع تحت القدم إبطاله وتركه، وتقول العرب في الأمر الذي لا تكاد تراجعه وتذكره: جعلت ذلك تحت قدمي.\nوقوله: (دم ابن ربيعة بن الحارث) ابن عبد المطلب، ربيعة ابن عم رسول اللَّه -ﷺ-، صحبه، وروى عنه، توفي في خلافة عمر -﵁-، واسم ابنه إياس، أصابه حجر في حرب كانت بين سعد وهذيل.\nوقوله: (وكان) أي: ابن ربيعة، قال التُّورِبِشْتِي: وقد وقع في نسخ (المصابيح): (دم ربيعة)، فذكر جمع من أهل العلم أن رواة هذا الحديث لم يصيبوا في نقل (دم ربيعة)، وإنما الصواب: (دم ابن ربيعة)، وقد ألحق هذه الزيادة بنسخ من (المصابيح)، ولا نرى التسليم لهم مع إمكان تقرير معنى الحديث على ما وردت به الرواية عن جماعة من علماء النقل وحفاظهم: (دم ربيعة)، وهي رواية البخاري، وإنما أضاف الدم إلى ربيعة لأنه كان وليَّ الدم، والمراد: قتيل ربيعة، والضمير في قوله: (وكان مسترضعًا) راجع إلى القتيل، فسلك بالكلام مسلك الإيجاز بالحذف والإضمار، ومثل ذلك جائز في الكلام إذا قرنت به دلالة عليه (١).\nوقوله: (بأمان اللَّه) أي: بعهده، وهو ما عهد إليكم فيهن، والمراد\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٦٠٠).","vol":"5","page":315},{"text":"وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْربُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ \"، قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: . . . . .\nــ\nبـ (كلمة اللَّه) قيل: هو قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] وقيل: الإيجاب والقبول؛ لأن اللَّه تعالى أمر بها، وقيل: كلمة التوحيد، إذ لا تحل مسلمة لغير مسلم.\nوقوله: (أن لا يوطئن) ضبط بالتخفيف من الإيطاء، وهو مهموز أبدل الهمزة ياء، ويجوز إثباتها، وهو كناية عن إقدار الغير على الدخول عليهن والاختلاط والحديث بهن.\nوقوله: (غير مبرح) بالحاء المهملة من باب التفعيل، أي: غير شديد، والبرح: الشدة والشر، وبُرَحَاء الحمّى وغيرها: شدة الأذى، ومنه: برّح به الأمر تبريحا، وتباريحُ الشوقِ: توهُّجُه، كذا في (القاموس) (١)، وهذا يدل على أنه ليس المراد بإيطاء الفرش الزنا.\nوقوله: (بعده) أي: بعد التمسك به والعمل به، أو بعد وجوده، أو بعد تركه.\nوقوله: (فقال بإصبعه) أي: أشار، و(يرفعها) حال، و(ينكتها) في نسخ (المشكاة)\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٠٨).","vol":"5","page":316},{"text":"\"اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ\" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ ركبَ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ ناقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ،\nــ\nبالتاء الفوقانية، والصواب: (ينكبها) بالموحدة، قال في (المشارق) (١): روايتنا بتاء باثنتين فوقها، وقال بعض المتقنين: صوابه: (ينكبها) بباء واحدة، ومعناه: يردها ويقلبها إلى الناس مشيرًا إليهم ﵇ كان راكبًا، انتهى. وذلك لأن النكت بالفوقانية من نَكَتَ الأرض بالقضيب: إذا ضرب في الأرض فيؤثر فيها، وهذا بعيد من معنى الحديث، وقيل: مجاز عن الإشارة بقرينة (إلى).\nوفي (مجمع البحار): (ينكبها إلى الناس) أي: يميلها، من نكَب الإناءَ، ونكَّبه تنكيبا: إذا أماله وكبَّه، وروي بالفوقية بعد الكاف، وهو بعيد المعنى.\nوقوله: (فصلى العصر) أي: جمع بين الظهر والعصر بأذان وإقامتين، وهو عندنا، وعليه بعض أصحاب الشافعي، بسبب النسك؛ ليتضرع للوقوف والدعاء، وعند الشافعية للسفر.\nوقوله: (ولم يصل بينهما شيئًا) من السنن والنوافل، وذلك أيضًا للاستعجال بالوقوف.\nوقوله: (إلى الصخرات) وفي رواية: (الصخيرات) بإثبات ياء التصغير.\nوقوله: (وجعل حبل المشاة بين يديه) الحبل بفتح الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة: المستطيل من الرمل، وقيل: هو التّلّ الضخم منه، وجمعه حبال،\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٣).","vol":"5","page":317},{"text":"فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ،\nــ\nوقيل: الحبال في الرمل كالجبال في غير الرمل، وفي [قصة] بدر: صعدنا على حبل، أي: قطعة من الأرض ضخمة ممتدة، وأضيف إلى المشاة لاجتماعهم هناك من الموقف.\nوفي (المشارق) (١): يعني صفَّهم ومجتمعهم تشبيهًا لصفهم بحبل الرمل، وقيل: (حبل المشاة) حيث يسلك الرجالة، والأول أولى، وقد يحتمل أن يراد به كثرة المشاة، والحبل: الخلق، انتهى.\nوهناك موقف النبي -ﷺ-، وهو إن لم يتعين بخصوصه، ولكن ينبغي أن يقف في حوالي هذا الموضع، تارة ها هنا وتارة هناك، قريبَ البناء القديم الذي يقول له العامة: مطبح آدم ﵇؛ ليفوز بموقفه -ﷺ-، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): إنه نقل عن الأخفش أنه قال: الحبل: جبل عرفة.\nوفي (مجمع البحار) (٣) عن النووي: روي بمهملة وسكون جاء بمعنى مجتمعهم، وبجيم وفتح جاء بمعنى طريقهم، وحيث تسلكه الرجالة، والرواية بالجيم مذكور في (شرح كتاب الخرقي) (٤).\nوقوله: (حتى غاب القرص) بيان لما قبله دفعًا لتوهم المجاز بإرادة غروب أكثر الشمس، وقيل: صوابه: حين غاب القرص.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٧٤).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٦٠٠).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٣٠).\n(٤) (٣/ ٢٤١).","vol":"5","page":318},{"text":"وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ، وَدَفَعَ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ،\nــ\nوقوله: (ودفع) أي: أسرع في السير بمعنى اندفع، يقال: اندفع الفرس: أسرع في سيره، وقال في (المشارق) (١): الدفع تكرَّر في الحج في غير حديث، ومعناه: الذهاب والسير، يقال: دَفَعَتِ الخيلُ: إذا سارت، والقوم: جاؤوا بمرة.\nوقال السيوطي في (مختصر النهاية) (٢): دفع من عرفات: خرج منها.\nو(المزدلفة) بين عرفات ومنى، وازدلف افتعل من الزَّلَف بمعنى القُرْبة، ازدلف إليه: اقترب، سميت بها لأنه يتقرب فيها إلى اللَّه، أو لاقتراب الناس إلى مني بعد الإفاضة، أو لمجيء الناس إليها في زلفٍ من الليل، أو لأنها أرض مستوية مكنوسة، والزَّلَف يجيء بمعنى الأرض المكنوسة والمستوي من الجبل الدَّمِث، وهذا أقرب، كذا في (القاموس) (٣)، والمزدلفة تسمى جمْعًا أيضًا بسكون الميم، والمشهور في وجه تسميتها وهو المروي عن ابن عباس: أن آدم وحواء اجتمعا واقتربا فيها، وتعارفا بعرفات، واللَّه أعلم.\nوقوله: (بأذان واحد وإقامتين) كما صلى الظهر والعصر بعرفات، وهذا مذهب الشافعي وزفر وبعض آخر من الأئمة، وعند أبي حنيفة وبرواية عن أحمد وكثير من العلماء: بأذان وإقامة، وجاء رواية ذلك عن ابن عمر في (صحيح مسلم)، وحَسّنه الترمذي وصححه؛ لأن العشاء لما كانت هنا في وقت لم يحتج إلى الإفراد بالإقامة\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤١٣).\n(٢) \"الدر النثير\" (١/ ٣٣٢).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٥٣ - ٧٥٤).","vol":"5","page":319},{"text":"وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ،\nــ\nوالإعلام بها، والعصر بعرفة كانت في غير وقتها فيحتاج بزيادة الإعلام (١).\nوقوله: (لم يسبح بينهما) أي: لم يصل، والنافلة تسمى سبحة بضم السين وسكون الباء.\nوقوله: (ثم اضطجع) ولم يُحي هذه الليلة مع دوام مواظبته على ذلك، والمبيت بمزدلفة واجب عندنا، وكذلك عند أحمد وبعض الشافعية، وعند بعضهم فرض.\nوقوله: (حين تبين له الصبح) أقول: في قوله: (له) إشارة إلى أنه لم يتبين لغيره -ﷺ-، فقد روي أنه صلاها لغير وقته، وفي رواية: (بغلس)، والتحقيق أنه صلاها في وقته، ولكن كان الناس يشكّون في طلوع الفجر، وعلمه رسول اللَّه -ﷺ- إما بالوحي أو لكمال علمه بذلك، وقد سبق الكلام فيه في (باب مواقيت الصلاة) فليتذكره.\nوقوله: (حتى أتى المشعر الحرام) هو اسم جبل بمزدلفة يسمى قُزَح، والوقوف عند المشعر الحرام -أي: ما يليه ويقرب منه- أفضل، وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسِّرٍ، وقال في (القاموس) (٢): المشعر الحرام وتكسر ميمه: المزدلفة، وعليه اليوم بناء، ووهم من ظنه جبيلًا بقرب ذلك البناء.\n_________\n(١) ورجح ابن الهمام والطحاوي روايات تثنية الإقامة وقالا: إن الروايا ات متعارضة، والقياس يقتضي تعدد الإقامة، قاله في \"التقرير\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٨٨).","vol":"5","page":320},{"text":"وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ ابْنَ عَبَّاسٍ حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلًا،\nــ\nاعلم أنه قد ذكر في الحج المشعر الحرام ومشاعر الحج وشعائر الحج، فالمشاعر واحدها مشعر، والشعائر واحدها شعيرة، ويقال: شعارة، وهي أموره ومناسكه، ومعناه: علاماته، وقيل: الشعائر: الذبائح، وقال الفرَّاء والأخفش: هي أمور الحج، وقال الزجَّاج: الشعائر: كل ما كان من موقفٍ ومسعًى وذبحٍ، من قولهم: شعرت به، أي: علمت، وقال الأزهري: الشعائر المعالم، وقال غيره في المشاعر مثله، وذكر إشعار البدن، وهو من هذا، وهو تعليمها بعلامة، وهو شق جلد سنامها عند الحجازيين، وتقليدها بقلادة عند العراقيين، كذا في (مشارق الأنوار) (١).\nوقوله: (فأتى بطن محسر) بضم ميم وكسر سين مهملة مشددة: اسم واد قرب المزدلفة، وقيل: هو من مني، وقيل: ما يصيب منه في المزدلفة فهو من المزدلفة، وما يصيب منه بمنى فهو من مني، فهو برزخ بين المزدلفة ومنى، كوادي عُرَنة ونَمِرة برزخ بين الحرم وعرفات، وقيل: بعضه من مزدلفة وبعضه من مني، وصوّبه بعضهم.\nوقوله: (فحرك) أي: ناقته، وأسرع السير قليلًا، أو يفهم من بعض الأحاديث أنه أسرع شديدًا وعجل في خروجه، ويستحب الإسراع فيه إن كان ماشيًا، ويحرك دابته إن كان راكبًا تاسيا بالمأثور باتباعه -ﷺ-.\nواختلفوا في سبب إسراعه -ﷺ- منه، والمشهور أنه مكان نزول العذاب على أصحاب الفيل القاصدين هدم البيت، فاستحب فيه الإسراع لما ثبت في الصحيح من أمره المارّين على ديار قوم لوط وديار ثمود ونحوهم بذلك، وهكذا كانت عادته -ﷺ- في المواضع التي نزل فيها بأس اللَّه بأعدائه.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٤٣٢).","vol":"5","page":321},{"text":"ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا مِثْلَ حَصَى الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ،\nــ\nونقل في (المواهب اللدنية) (١) عن الإسنوي: سببه أن النصارى كانت تقف فيه كما قاله الرافعي، أو العرب كما في (الوسيط)، فأُمرنا بمخالفتهم، وقال: وظهر لي فيه معنى آخر، وهو أنه مكان نزول العذاب على أصحاب الفيل: إلى آخره.\nوفي (شرح كتاب الخرقي) (٢): يسمى محسرًا لأنه يحسر سالكيه ويتعبهم، وقال الشافعي في (الإملاء): يجوز أن يكون فعل ذلك لسعة الموضع، وقيل: يجوز أن يكون لأنه مأوى الشياطين، وقيل: سمي بذلك لأن قيل أصحاب الفيل حسر فيه، أي: أعيى.\nوقوله: (ثم سلك الطريق الوسطى) وهي غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات، وذلك كانت طريق ضب، وهذا طريق المَأزِمَين اسمان للجبلين، ولأجل هذا لم يمر عليه وقت الذهاب على وادي محسر، ومر وقت الرجوع.\nوقوله: (يخرج على الجمرة الكبرى) هي الجمرة الأولى التي في جانب مزدلفة قريب مسجد الخيف التي يبدأ منها الرمي بعد هذا اليوم، ذكرها لتعيين الطريق، أما اليوم فيمر منه، ويأتي جمرة العقبة التي في جانب مكة، وهي في أصل الجبل، والعقبة بفتح العين والقاف: الطريق إلى الجبل، وهو موضع في أسفل مني، وإليه تضاف بيعة العقبة للأنصار، وسيأتي أحكام رمي الجمار في بابه.\nوقوله: (حصى الخذف) بدل (حصيات)، وفي بعض النسخ: (مثل حصى\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ٤٤٨).\n(٢) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٣/ ٢٥٠).","vol":"5","page":322},{"text":"فَنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا، فَنَحَرَ مَا غَبَرَ، وَأَشْرَكَهُ في هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ فَطُبِخَتْ، فَأَكَلَا مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-،\nــ\nالخذف) وهو بفتح الخاء وسكون الذال المعجمتين: رميُ الحصى بالأصابع، وفي الحديث: (نهى عن الخذف) وهو رميك حصاةً أو نواةً تأخذها بين سبابتيك. وفي (المشارق) (١): أو بين الإبهام والسبابة، وترمي بهما، أو تتخذ مخذفة من خشب ثم ترمي بها الحصاة، والمراد بيان مقدار الحصى في الصغر والكبر، وفسروا حصى الخذف بقدر حبَّة الباقلاء، وفسره الأثرم بأن يكون أكبر من الحمص دون البندق، وعن ابن عمر: مثل بعر الغنم، وهو قريب من ذلك، كذا في (شرح كتاب الخرقي) (٢).\nوقوله: (ما غير) أي: بقي، والغابر أيضًا: الماضي، في (القاموس) (٣): غَبر غُبورًا: مَكث، وذهب، ضِدٌّ، وغُبْرُ الشيء، بالضم: بقيته.\nوقوله: (وأشركه في هديه) حقيقة، أو المراد: أعطاه بدنًا يذبحه.\nوقوله: (فأكلا) يؤيد الأول، وفيه جواز الاستنابة في ذبح الهدي، والأفضل أن يذبح بيده، وفيه استحباب تعجيل ذبح الهدايا يوم النحر وإن كانت كثيرةً.\nو(البضعة) بفتح الباء: القطعة من اللحم، وقد مر تحقيق هذا اللفظ في (كتاب الإيمان)، والضمير في (لحمها) و(مرقها) للهدايا، ويجوز أن يكون للـ (قدر)، فإنها تؤنث.\nو(المرق) بفتح الميم والراء: جمع مرقة، والمَرْق بسكون الراء: إكثار مرقة\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٦١).\n(٢) \"شرح الزركشي على كتاب الخرقي\" (٣/ ٢٥٣).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤١٧).","vol":"5","page":323},{"text":"فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ،\nــ\nالقدر، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (فأفاض) أي: أسرع إلى مكة ليطوف، ويسمى طواف الإفاضة، وهو فرض ثاني ركني الحج: الوقوف بعرفة والطواف بالبيت، وبه يتم الحج، وهو أفضل في يوم النحر، ويجوز بعده.\nوقوله: (فصلى بمكة الظهر) قال في (المواهب اللدنية) (٢): واختلف في أنه أين صلى رسول اللَّه -ﷺ- الظهر يوم النحر؟ ففي رواية جابر عند مسلم: أنه صلى بمكة، وكذلك قالت عائشة، وفي حديث ابن عمر في الصحيحين: أنه -ﷺ- أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى (٣)، فرجح ابن حزم في (كتاب حجة الوداع) له قول عائشة وجابر، وتبعه على ذلك جماعة؛ لأنهما اثنان، والاثنان أولى من الواحد، ولأن عائشة أخص الناس به، ولأن جابرًا ساق أفعال حجه -ﷺ- من أولها إلى آخرها أتم سياق، وهو أحفظ للقصة وأضبطها، حتى ضبط جزئياتها، حتى أمرًا منها (٤) ما لا يتعلق بالمناسك، وهو نزوله -ﷺ- في الطريق، فبال وتوضأ وضوءًا خفيفًا، فمن ضبط هذا القدر فهو بضبط مكان صلاته الظهر يوم النحر أولى، وأيضًا فإن حجة الوداع كانت في آذار، وهو زمان تساوي الليل والنهار، وقد دفع من المزدلفة قبيل طلوع الشمس إلى مني، وخطب بها الناس، ونحر بدنه، وقسمها، وأكل منه، ورمى الجمرة، وحلق رأسه،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٥٠).\n(٢) \"المواهب اللدنية\" (٣/ ٥٠٢).\n(٣) قال شيخنا في \"التقرير\": والجمع سهل بأن الأنبياء يجوز لهم تكرار الفرض مع الاحتمال أنه صلى في أحد الموضعين اقتداء نفلًا.\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"المواهب\": \"حتى أقر منها\".","vol":"5","page":324},{"text":"فَأَتَى عَلَى بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ عَلَى زَمْزَمَ فَقَالَ: \"انْزِعُوا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ\"،\nــ\nوتطيب، ثم أفاض، فطاف، وشرب من ماء زمزم، ووقف عليهم وهم يسقون، وهذه أعمال يظهر منها أنها لا تنقضي في مقدار ما يمكن معه الرجوع إلى مني بحيث يدرك الظهر فيها في فصل آذار.\nورجحت طائفة أخرى حديث ابن عمر بأن حديثه متفق عليه، وحديث جابر من أفراد مسلم، فحديث ابن عمر أصح منه، وبأن رواته أحفظ وأشهر، وبأن حديث عائشة قد اضطرب في وقت طوافه، فروي عنها: أنه طاف نهارًا، وفي رواية عنها: أنه أخر الطواف إلى الليل، وفي رواية عنها: أنه أفاض من آخر يومه، فلم تضبط فيه وقت الإفاضة ولا مكان الصلاة، كما يأتي في (باب خطبة يوم النحر ورمي أيام التشريق)، وأيضًا فإن حديث ابن عمر أصح منه بلا نزاع؛ لأن حديث عائشة من رواية محمد بن إسحاق عن عبد الرحمن بن القاسم، وابن إسحاق مختلف في الاحتجاج به، ولم يصرح بالسماع بل عنعنه، فلا يقدم على حديث عبد اللَّه بن عمر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فأتى علي بني عبد المطلب يسقون) وكانت سقاية البيت على يد العباس بن عبد المطلب، و(زمزم) بئر عند البيت، وفي الأصل عين من ضرب جبرئيل رجله حين عطش إسماعيل، وقد ذكرنا شيئًا من أخبارها في (شرح سفر السعادة) (١)، وكثير من تفاصيل كتاب الحج ومناسكها مذكور فيه لم نذكرها ههنا، فلينظر ثمة.\nوقوله: (فلولا أن يغلبكم الناس. . . إلخ)، أي: لولا خوفُ غلبة الناس عليكم في نزع الماء من البئر لاتِّباع فعلي، وازدحامُهم على ذلك الموجِبُ لخروج هذا المنصب\n_________\n(١) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٣٦٢).","vol":"5","page":325},{"text":"فَنَاوَلُوهُ دلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢١٨].\n٢٥٥٦ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: \"خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي حَجَّةِ الْوَداعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجِّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ فَقَالَ (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيَحْلِلْ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ الْعُمْرَةِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا\"، وَفِي رِوَايَةٍ: \"فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ بِنَحْرِ هَدْيِهِ، وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ\" قَالَتْ: فَحِضْتُ، وَلَم أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفةَ، وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّا بِعُمْرَةٍ، فَأَمَرَنِي النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وَأَمْتَشِطَ، وَأُهِلَّ بِالْحَجِّ وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ،\nــ\nمن يدكم، لنزعت الماء من البئر.\nوقوله: (فناولوه دلوًا فشرب منه) وقد جاء في حديث آخر أن العباس قال: يا فضل، اذهب إلى أمك، فأت رسول اللَّه -ﷺ- بشراب من عندها، فمنعه عن ذلك، وشرب من ماء زمزم من الدلو، كما يأتي في (باب خطبة يوم النحر).\n٢٥٥٦ - [٢] (عائشة) قوله: (ولا بين الصفا والمروة) أي: ولا طفت بينهما، فإن الطواف يطلق على السعي بين الصفا والمروة، كما ورد في الحديث، فإن كان مجازًا كما هو الظاهر -فإن الطواف: الحركة حول الشيء- يقدر بعد (لا): سعيت، أو يحمل على عموم المجاز.\nوقوله: (أن أنقض رأسي. . . إلخ)، أي: أخرج من إحرام العمرة وأستبيح محظورات الإحرام، (وأهل بالحج) أي: أحرم له، وإحرام الحائض والنفساء جائز،\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".","vol":"5","page":326},{"text":"فَفَعَلْتُ حَتَّى قَضَيْتُ حَجِّي، بَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مَكَانَ عُمْرَتِي. . . . .\nــ\nيغتسلن ويُحرمن.\nوقد وقع في بعض الروايات: (أن اغتسلي وأحرمي) كما مرّ في أول الباب من حديث جابر: فأمرها برفض تلك العمرة التي كانت أحرمت بها أولًا والانتقال إلى الحج، المفرد، فلما أن حجها أمرها بالاعتمار قضاء لتلك العمرة السابقة، وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، فإن مذهبهم أن المرأة إذا تمتعت وأحرمت للعمرة فحاضت قبل الطواف تركت العمرة وأحرمت للحج المفرد، ثم قضت العمرة، ويستدلون بهذا الحديث عن عائشة.\nوقال الأئمة: أمر النبي -ﷺ- عائشة بالقران، فلما طهرت وأفاضت من عرفات فطافت وسعت، تم لها الحج والعمرة، كما هو حال القارن، قالت: يقع في نفسي أني طفت للعمرة بعد الوقوف، وكان وقته قبله، بعث معها أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر، حتى أحرمت من التنعيم، واعتمرت، فهذه عمرة زائدة على ما وجب عليها، أمرها بها تطييبًا لقلبها وجبره، وإلا كان الطواف والسعي اللذَين فعلتهما بعد الإحرام كفتها (١) من الحج والعمرة كما للقارن، فكانت -﵂- متمتعة في الابتداء، وصارت قارنة في الانتهاء، وما جاء في الروايات: (ارفضي عمرتك)، و: (دعي عمرتك)، و: (اقضي عمرتك)، يؤيد مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وهم يؤولونها بأن المراد برفض العمرة وتركها التحلل منها، وما جاء في رواية: (أمسكي عن العمرة) محتمِل للوجهين.\nوقوله: (وأمرني أن أعتمر مكان عمرتي) أي: بدلها قضاءً لما فات، وهذا أيضًا يؤيد مذهبنا.\n_________\n(١) كذا في النسخ المخطوطة، والظاهر: \"كفيا\".","vol":"5","page":327},{"text":"مِنَ التَّنْعِيم، قَالَتْ: فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٩، م: ١٢١١].\n٢٥٥٧ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي حَجَّةِ الْوَداعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-. . . . .\nــ\nوقوله: (من التنعيم) متعلق بـ (أعتمر)، والتنعيم: موضع من الحل على ثلاثة أميال من مكة، وفيه مكان يقال له: مسجد عائشة لإحرامها فيه.\nوقوله: (ثم حلّوا) تعني: الذين لم يسوقوا الهدي.\nوقوله: (ثم طافوا طوافًا بعد أن رجعوا من مني) تعني: طواف الزيارة.\nوقوله: (فإنما طافوا طوافًا واحدًا) يعني: يوم النحر للحج والعمرة كما هو حكم القارن (١).\n٢٥٥٧ - [٣] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (تمتع رسول اللَّه -ﷺ-) تأويله عند من قال:\n_________\n(١) في \"التقرير\": اعلم أن الحديث كما أنه يخالف الحنفية يخالف الشافعية أيضًا، فإن طواف القارن عند الحنفية أربعة: القدوم والعمرة والزيارة والصدر، وعند الشافعية ثلاثة، فأي معنى \"طوافًا واحدًا\" مع أنه يخالف فعله ﵇ كما هو المعروف في الروايات، ولذا أوله الشافعية بأن المراد منه السعي، وليس بشيء، ووجَّه الحنفية بأن المراد أنهم طافوا قبل طواف الحج طوافا واحدًا، فكأنهم تداخلوا في طواف القدوم والعمرة، أو المعنى: طافوا طوافا واحدًا وهو طواف الزيارة للحل عن النسكين معًا، وإلا فالمفرد والمتمتع يحل به عن الحج فقط، انتهى.","vol":"5","page":328},{"text":"بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ -ﷺ- مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: \"مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيقصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ\" فَطَافَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ،\nــ\nإنه -ﷺ- كان قارنًا، أن المراد بالتمتع المعنى اللغوي، وهو الانتفاع والالتذاذ، ولا شك أن ذلك في القران موجود للاكتفاء على النسكين بنسك واحد، أو المراد أمر بعض أصحابه بالتمتع على طريق الإسناد إلى السبب الآمر توفيقًا بين الروايات، وأما التوفيق بأحاديث الإفراد أنه أحرم للحج مفردًا، ثم أدخل العمرة في الحج وصار قارنًا، وقال: (دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة)، ثم أهل للحج والعمرة معًا، فمن سمع أول الكلام روى أنه أفرد بالحج، ومن سمع تمامه روى أنه قارن، وتفصيله في (شرح سفر السعادة) (١).\nوقوله: (وليقصر) اقتصاره على الأدنى، وقد مر الكلام فيه في حديث جابر.\nوقوله: (ثلاثة أيام في الحج) الأفضل أن يصوم السابع والثامن والتاسع، وهو المذهب عندنا، وقيل: الأولى أن يصوم الثلاثة قبل التاسع.\nوقوله: (وسبعة إذا رجع إلى أهله) اختلفوا في تفسير قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] فقيل: إذا رجعتم إلى أهليكم، وهو أحد قولي الشافعي، أو: إذا نفرتم وفرغتم من أعمال الحج ورجعتم إلى مكة، وهو مذهب أبي حنيفة، أو: قول\n_________\n(١) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٣٣١).","vol":"5","page":329},{"text":"ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعًا، فَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالْبَيْتِ عِنْدَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَانْصَرَفَ، فَأَتَى الصَّفَا، فَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحِلَّ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ مِنَ النَّاسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٩١، م: ١٢٢٧].\n٢٥٥٨ - [٤] وَعَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الْهَدْيُ فَلْيَحِلَّ الْحِلَّ كلَّهُ، فَإِنَّ الْعُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٤١].\nــ\nللشافعي، كذا قال البيضاوي والطيبي (١)، والمذكور في (الهداية) (٢): إذا رجع إلى أهله.\nوقوله: (ثم خب) الخبب: نوع من العدو، أو كالرمل، كذا في (القاموس) (٣)، والمراد هنا الرمل.\nوقوله: (ثم حل من كل شيء حرم منه) حتى النساء، وأما قبل الطواف بعد النحر فقد حل ما سوى النساء.\n٢٥٥٨ - [٤] (ابن عباس) قوله: (فإن العمرة قد دخلت في الحج) قد مضى شرحه فيما سبق.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١١٠)، و\"شرح الطيبي\" (٥/ ٢٦٢).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ١٥٣).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٥).","vol":"5","page":330},{"text":"وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-664> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٥٥٩ - [٥] عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي ناسٍ مَعِي قَالَ: أَهْلَلْنَا أَصْحَابَ مُحمدٍ -ﷺ- (١) بِالْحَجِّ خَالِصًا وَحْدَهُ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابرٌ: فَقَدِمَ النَّبِيُّ -ﷺ- صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ، قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ: حِلُّوا، وَأَصِيبُوا النِّسَاءَ، قَالَ عَطَاءٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ، فَقُلْنَا: . . . . .\nــ\nوهذا الباب خال عن الفصل الثاني.\nالفصل الثالث\n٢٥٥٩ - [٥] (عطاء) قوله: (أصحاب محمد) منصوب على الاختصاص نحو: نحن معاشر الأنبياء.\nوقوله: (فأمرنا) بلفظ الماضي المعلوم.\nوقوله: (أن نحل) بفتح النون وكسر الحاء.\nوقوله: (قال عطاء: قال: حلوا) الظاهر من السياق أن يكون فاعل (قال) جابرًا، أي: قال جابر في تفسير قوله: (أمرنا أن نحل) حاكيًا عن قول رسول اللَّه -ﷺ-: (حلوا) بكسر الحاء بلفظ الأمر، ويجوز أن يكون فاعل (قال) رسول اللَّه -ﷺ-، أي: قال عطاء: قال جابر في تفسيره: قال رسول اللَّه -ﷺ-، فافهم.\nثم فسر عطاء تفسير جابر بقوله: (ولم يعزم) أي: لم يوجب عليهم وَطْأهن، (ولكن أحلهن) أي: أباح وَطْأهن.\n_________\n(١) سقطت التصلية في نسخة.","vol":"5","page":331},{"text":"لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا خَمسٌ أَمَرَنَا أَنْ نُفْضِيَ إِلَى نِسَائِنَا، فَنَأْتِيَ عرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكيرُنَا الْمَنِيَّ، قَالَ: يَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ كأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِ بِيَدِهِ يُحَرِّكُهَا، قَالَ: فَقَامَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِينَا، فَقَالَ: \"قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَصْدَقُكُمْ، وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، فَحِلُّوا\"، فَحَلَلْنَا، وَسَمِعْنَا، وَأَطَعْنَا. قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: . . . . .\nــ\nوقوله: (إلا خمس) أي: خمس ليال.\nوقوله: (أن نفضي) من الإفضاء، وهو لازم بمعنى الوصول، ولهذا عُدّي بالباء، وفي حديث: (إذا أفضى أحدكم بيده) أي: أوصل يده، وفي (الصحاح) (١): أفضى إلى امرأته: باشرها.\nوقوله: (فنأتي عرفة) ليس من تمام أمر رسول اللَّه -ﷺ-، بل هو عطف على مقدر، أي: فتنزهنا من ذلك، وقلنا: فنأتي عرفة، كذا قال الطيبي (٢)، ويمكن أن يقال: يجوز أن يكون من تمام أمر الرسول عطفًا على قوله: (نفضي) باعتبار ما يستلزمه ذلك الأمر، كأنه لما أمر بالإفضاء إلى النساء أمر بإتيانهم عرفة بهذه الحالة. و(مذاكير) جمع ذكر على غير القياس، كذا قال السيوطي في (مختصر النهاية).\nوقوله: (قال) أي: عطاء: (يقول جابر) أي: يشير.\nوقوله: (انظر إلى قوله) أي: إشارته (بيده يحركها) أي: اليد لأراءة صورة الذكر.\n_________\n(١) \"الصحاح\" (ص: ٨١٤).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٦/ ١٩٧٤).","vol":"5","page":332},{"text":"فَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ سِعَايَتِهِ، فَقَالَ: \"بِمَ أَهْلَلْتَ؟ \"، قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَأَهْدِ، وَامْكُثْ حَرَامًا\"، قَالَ: وَأَهْدَى لَهُ عَلِيٌّ هَدْيًا، فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ قَالَ: \"لِأَبَدٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢١٦].\n٢٥٦٠ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: \"قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَرْبَع مَضَيْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، أَوْ خَمْسٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ وَهُوَ غَضْبَانُ، فَقُلْتُ: مَنْ أَغْضَبَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ، قَالَ: أَوَمَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ، فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ، وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا سُقْتُ الْهَدْيَ مَعِي حَتَّى أَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَحِلَّ كَمَا حَلُّوا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢١١].\n* * *\nــ\nوقوله: (من سعايته) سعى سعايته: باشر عمل الصدقات.\nوقوله: (فأهد) بقطع الهمزة من الإهداء.\nوقوله: (وأهدى له) أي: لنفسه.\nوقوله: (قال: لأبد) قد يدل بعض الأحاديث على أنه كان خاصًّا بالصحابة في تلك السنة، وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي، فوجْهُ التوفيق: أن الاعتمار في أشهر الحج والحل على تقدير عدم الإهداء والبقاءَ على الإحرام على تقدير الإهداء باق إلى يوم القيامة، وأما فسخ الحج إلى العمرة فمختص بتلك السنة، كذا قالوا.\n٢٥٦٠ - [٦] (عائشة) قوله: (من أغضبك) استفهامية، و(أدخله اللَّه النار) دعاء، وهذا أظهر وأعذب من جعل الكلام جملة شرطية كما لا يخفى.","vol":"5","page":333},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-665>٣ - باب دخول مكة والطواف</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-666> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٥٦١ - [١] عَنْ نَافِعٍ قَالَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ لَا يَقْدَمُ مَكَّةَ إِلَّا بَاتَ بِذِي طُوًى حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَغْتَسِلَ وَيُصَلِّيَ،\nــ\n٣ - باب دخول مكة والطواف\nذكر في الباب كيفية دخول مكة، ومن أين يدخل؟ ومن أين يخرج؟ وأيَّ وقت يدخل؟ وذكر كيفية الطواف وما يلزمه من استلام الحجر وكيفيته وما يتبع ذلك، وقال في (القاموس) (١): مكَّهُ: أهلكه، ونقصه، ومنه: مكة: للبلد الحرام، أو للحرم كله، لأنها تنقص الذنوب أو تفنيها، أو تهلك من ظلم فيها. وتسمى بكة أيضًا، من بكَّ عنقه: إذا دقَّها، لدقها أعناق الجبابرة، أو لازدحام الناس بها، وقيل: لأنها تبك الرجال، أي: تدقهم وتكسر سَورتهم بالرياضة والمجاهدة، وقيل: بكة اسم لما بين جبليها، أو للمطاف، والطواف: الحركة حول الشيء، غلب على الحركة حول الكعبة، زادها اللَّه تعظيمًا وتشريفًا.\nالفصل الأول\n٢٥٦١ - [١] (نافع) قوله: (لا يقدم) من القدوم، وهو من باب سمع يسمع، و(ذو طوى) مثلثة الطاء وينون: موضع قرب مكة، كذا في (القاموس) (٢)، وقال التُّوربِشْتِي (٣): هو موضع بمكة داخل الحرم، يفتح طاؤه ويضم، والفتح أشهر، وقد\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٦٠، ٨٧٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٠١).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٦٠١).","vol":"5","page":334},{"text":"فَيَدْخُلَ مَكَّةَ نَهَارًا، وَإِذَا نَفَرَ مِنْهَا مَرَّ بِذِي طُوًى، وَبَاتَ بِهَا حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٧٣، م: ١٢٥٩].\n٢٥٦٢ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَمَّا جَاءَ إِلَى مَكَّةَ دَخَلَهَا مِنْ أَعْلَاهَا، وَخَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٧٧، م: ١٢٥٨].\nــ\nقيدها بعض الرواة بالكسر، ولا أحسبه صوابًا، وفي (مجمع البحار) (١): موضع في صوب طريق العمرة، وفتح الطاء أشهر الثلاثة.\nوقوله: (فيدخل مكة نهارًا) فيه استحباب دخول مكة نهارًا ليرى البيت ويدعو، وجرت العادة الآن لمن يأتي من طريق جدة أن يدخلوه وقت السحر، والسنة مع الأول.\nوقوله: (كان يفعل ذلك) هذا في الدخول، فافهم.\n٢٥٦٢ - [٢] (عائشة) قوله: (دخلها من أعلاها) وهو جانب المعلى، وذو طوى أيضًا في هذا الجانب، والمعلى مقبرة مكة بفتح الميم وسكون العين، والعامة يقول: معلى بضم الميم وفتح العين وتشديد اللام، وفي حديث ابن عمر قال: (كان النبي -ﷺ- إذا دخل مكة دخل من الثنية العليا التي بالبطحاء، وإذا خرج خرج من الثنية السفلى)، متفق عليه (٢)، قال في (شرح كتاب الخرقي) (٣): وعلى هذا يتم فعل الأمة سلفًا بعد سلف.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٤٧٨).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (ح: ١٥٧٦)، و\"صحيح مسلم\" (ح: ١٢٥٧).\n(٣) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٣/ ١٨٥).","vol":"5","page":335},{"text":"٢٥٦٣ - [٣] وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَدْ حَجَّ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ، ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةً. ثُمَّ حَجَّ أَبُو بَكْرٍ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ مِثْلَ ذَلِكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٤١، م: ١٢٣٥].\nــ\n٢٥٦٣ - [٣] (عروة بن الزبير) قوله: (إن أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ، ثم طاف) وهذا هو طواف القدوم.\nوقوله: (ثم لم تكن عمرة) يحتمل أن يكون قولَ عائشة، وأن يكون من قول عروة، وقول التُّوربِشْتِي: والذي يدل عليه سوق الكلام أنه من قول عروة (١)، محل نظر. وأما قوله: (ثم حج أبو بكر) إلى آخر الحديث قول عروة بلا تردد، ويدل على ذلك سياق حديث مسلم.\nو(عمرة) مرفوع وكان تامة، وقد ينصب، أي: لم يكن الطواف عمرةً، أي: لم يحلوا من إحرامهم ذلك، ولم يفسخوا الحج إلى العمرة، فالنبي -ﷺ- لم يفعله بنفسه ولا من جاء بعده من الخلفاء المذكورين، وأما أمر الأصحاب بفسخ الحج إلى العمرة فكان مخصوصًا بهم عامئذ، ولم يكن لأحد بعدهم.\nهذا وقد جاء في بعض الروايات: (ثم لم يكن غيره) أي: غير الطواف، أي: لم يكن تَحَلُّلٌ بالطواف من الإحرام، بل أقاموا على إحرامهم حتى نحروا هديهم.\nوقال القاضي عياض (٢): في حديث مسلم عن هارون بن سعيد في طواف القارن،\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٦٠٢).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٥٤).","vol":"5","page":336},{"text":"٢٥٦٤ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا طَافَ فِي الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَوَّلَ مَا يَقْدَمُ سَعَى ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦١٦، م: ١٢٦١].\n٢٥٦٥ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: رَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْحَجَرِ إِلَى الْحَجَرِ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، وَكَانَ يَسْعَى بِبَطْنِ الْمَسِيلِ إِذَا طَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٦٢].\nــ\nوذكر حج النبي -ﷺ- وحج أبي بكر وطوافهما بالبيت، ثم قال: (ثم لم يكن غيره) بالغين المعجمة بعدها ياء باثنتين تحتها، ثم ذكر في حج عثمان مثل ذلك، وفي حج الزبير، وذكر البخاري هذا وقال: (ثم لم تكن عمرة) بعين مهملة بعدها ميم ساكنة وهو الصواب، انتهى.\n٢٥٦٤ - [٤] (ابن عمر) قوله: (سعى ثلاثة أطواف) والمراد به الرمل المذكور فيما قبلُ، اعلم أن الطواف عبارة عن سبعة أطواف حول البيت، ويقال لكل طوفة: شوط، والشوط: الجري مرة إلى غاية، والجمع أشواط، وقد وقع في رسائل المناسك ذكره، ولكن قال صاحب (القاموس) (١): إنه كره جماعة من الفقهاء أن يقال لِطَوَفات الطواف: أشواط، ولم يبين وجه ذلك، ولعل الوجه في ذلك رعاية الأدب بذكره بلفظ يدل على التعظيم من الجري حوله، أو لأن هذا لفظ الجاهلية، فكرهوا إطلاقه، كما قيل في كراهة إطلاق يثرب على المدينة المطيبة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ثم سجد سجدتين) صلى ركعتين.\n٢٥٦٥ - [٥] (عنه) قوله: (وكان يسعى ببطن المسيل) السعي أشد من المشي\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٢١).","vol":"5","page":337},{"text":"٢٥٦٦ - [٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَتَى الْحَجَرَ فَاشتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشَى عَلَى يَمِينِهِ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢١٨].\n٢٥٦٧ - [٧] وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ قَالَ: سَأَلَ رَجُل ابْنَ عُمَرَ عَنِ اسْتِلَامِ الحَجَرِ، فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَسْتَلِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٦١١].\n٢٥٦٨ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَمْ أَرَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَسْتَلِمُ مِنَ الْبَيْتِ إِلَّا الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ. مُتَّفَقٌ علَيْهِ. [خ: ١٦٠٩، م: ١٢٦٧].\nــ\nوأخف من العدو.\n٢٥٦٦ - [٦] (جابر) قوله: (ثم مشى) يعني: كان ابتداؤه في الطواف باستلام الحجر، وإطلاق (ثم) هنا لا يخلو عن مسامحة إلا أن يعتبر ابتداء الاستلام، على أن التعقيب والتراخي يختلف باختلاف الأمور عرفًا، فرب أمر يعتبر متراخيًا مع قربه وآخر متعاقبًا مع بعده، فتدبر.\n٢٥٦٧ - [٧] (الزبير) قوله: (وعن الزبير بن عربي) على لفظ ضد عجمي، تابعي بصري.\nوقوله: (يستلمه ويقبله) الاستلام يتناول اللمس والتقبيل، فذكرُ التقبيل بعده في حكم ذكر الخاص بعد العام، أو يراد ههنا اللمس بقرينة ذكر التقبيل.\n٢٥٦٨ - [٨] (ابن عمر) قوله: (إلا الركنين اليمانيين) المراد بهما الركن الأسود والركن اليماني تغليبًا، والركنان الآخران أحدهما شامي وثانيهما عراقي، ويقال لهما: الشاميان تغليبًا، وركن البيت جانبه، وللركنين اليمانيين فضيلة باعتبار بقائهما على","vol":"5","page":338},{"text":"٢٥٦٩ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٠٧، م: ١٢٧٢].\nــ\nبناء الخليل؛ فلذلك خصهما بالاستلام، والركن الأسود أفضل لكون الحجر الأسود فيه، ولهذا يقبَّل، ويكتفى باللمس في الركن اليماني، ولم يثبت منه -ﷺ- تقبيل الركن اليماني، وعليه الجمهور، وفي استلام الركنين الشاميين كلام ذكرناه في \"شرح سفر السعادة) (١)، والأشهر في (اليمانيين) بتخفيف الياء وقد تشدد، والأصل في النسبة يمني، وقد جاء يمان بمعنى النسبة بإبدال الألف من الياء المشددة، وقد يجيء يماني بتخفيف الياء بتعويض الألف من إحدى الياءين وإبقاء الأخرى، فيقال: اليمانيين بالتخفيف، وقد تشدد، وفيه جمع بين العوض والمعوض عنه، قال في (فتح الباري) (٢): وجوز سيبويه التشديد، وقال: الألف زائدة.\n٢٥٦٩ - [٩] (ابن عباس) قوله: (على بعير) قالوا: إنما طاف رسول اللَّه -ﷺ- راكبًا لكثرة ازدحام الناس وسؤالهم عنه -ﷺ- الأحكام، وكانت ناقته محفوظة من الروث والبول فيه، وأما الطواف لغيره -ﷺ- فجائز أيضًا، والأفضل المشي. و(المحجن) بكسر الميم وفتح الجيم: العصا المعوجة، وكل معطوف معوج، يقال: حجن العودَ يَحْجِنه: عطَفه، وفلانًا: صدّه وصرفه وجذبه بالمحجن، وكانت في يده -ﷺ- عصا معوجة الرأس مثل الصولجان، والعصا في عرف العرب: خشبة صغيرة أصغر من الرمح والعنزة، والرمح أكبر، ثم العنزة، ثم العصا أصغر من الكل، وكانت عادته -ﷺ- أن يأخذ بيده عصا وراء العنزة التي يحملها الخادم لمصلحة السترة ونحوها، وليس المراد\n_________\n(١) انظر: \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٣٤٢).\n(٢) \"فتح الباري\" (٣/ ٤٧٣).","vol":"5","page":339},{"text":"٢٥٧٠ - [١٠] وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- طَافَ بِالْبَيْتِ عَلَى بَعِيرٍ، كُلَّمَا أَتَى عَلَى الرُّكْنِ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي يَدِهِ وَكَبَّرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٦٣٢].\n٢٥٧١ - [١١] وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٧٥].\n٢٥٧٢ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- لَا نَذْكُرُ إِلَّا الْحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ طَمِثْتُ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: \"لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ \" قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: . . . . .\nــ\nبالعصا العصا التي يأخذ المشايخ والضعفاء بأيديهم، ولم يثبت منه -ﷺ- أخذ هذا العصا، ولم يتعارف أيضًا في فقهاء مكة يعتمدون في المشي عليها إلا بعض الفقراء من أهل اليمن وغيرهم.\n٢٥٧٠ - [١٠] (عنه) قوله: (أشار إليه بشيء) كالمحجن، وليس في هذا الحديث تقبيل ذلك الشيء، ويأتي في الحديث الآتي تقبيل المحجن.\n٢٥٧١ - [١١] (أبو الطفيل) قوله: (ويستلم الركن) أي: الأسود.\nوقوله: (يقبل المحجن) بيَّن ما أبهم في الحديث السابق كما قلنا.\n٢٥٧٢ - [١٢] (عائشة) قوله: (بسرف) بفتح السين المهملة وكسر الراء: موضع على مرحلة من مكة أو أقل، فيه قبر ميمونة زوج النبي -ﷺ-، وقد اتفق تزوجها والبناء بها وموتها في هذا الموضع.\nوقوله: (طمثت) أي: حضت من نصر وسمع، ونفست أيضًا بمعنى حضت من سمع، وقد يقال: نُفست بلفظ المجهول، وأما في الولادة فيقال بالمجهول، والمراد","vol":"5","page":340},{"text":"\"فَإِنَّ ذَلِكِ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ؟ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩٤، م: ١٢١١].\n٢٥٧٣ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَّرَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَداعِ يَوْمَ النَّحْرِ فِي رَهْطٍ، أَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ: \"أَلَا لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٩، ١٦٢٢، م: ١٢٤٧].\nــ\nبـ (بنات آدم) النساء، أو بنات آدم بلا واسطة، وقد مر الكلام في ابتداء حدوث الحيض في بابه.\nوقوله: (غير أن لا تطوفي) وذلك إما لاشتراط الطهارة في الطواف كما هو مذهب الأئمة، أو لأجل حرمة دخول الحائض المسجد، وهذا عند أبي حنيفة، فإن الطهارة ليست شرطًا للطواف عنده.\n٢٥٧٣ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (أمره النبي -ﷺ-) بالتشديد من التأمير، و(يوم النحر) ظرف لـ (بعثني)، وفي بعض النسخ: (في يوم النحر).\nوقوله: (أمره أن يؤذن) الضمير للرهط باعتبار اللفظ، أو لأبي هريرة على الالتفات.\nوقوله: (ألا لا يحج بعد العام مشرك) قيل: هو من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] والمراد بالمسجد الحرام الحرم، والظاهر أن هذا النهي على حِدَةٍ سوى النهي عن قرب المسجد الحرام، فافهم.\nوقوله: (ولا يطوفن بالبيت عريان) وكان ذلك عادة في أهل الجاهلية، وكانوا يقولون: لا نعبد اللَّه في ثياب أذنبنا فيها، ولعل هذا قبل النهي عن قرب المسجد","vol":"5","page":341},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-667> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٥٧٤ - [١٤] عَنِ الْمُهَاجِرِ الْمَكِّيِّ، قَالَ: سُئِلَ جَابِرٌ عَنِ الرَّجُلِ يَرَى الْبَيْتَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَلَمْ نَكُنْ نَفْعَلُهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٨٥٥، د: ١٨٧٠].\n٢٥٧٥ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَدَخَلَ مَكَّةَ، فَأَقْبَلَ إِلَى الْحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ، ثمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ،\nــ\nالحرام، وإلا فالطواف في المسجد، وهم ممنوعون عنه سواء كانوا عارين أو لابسين، ولم يكن طائفون عراة حتى ينهوا عنه، وذلك ظاهر.\nالفصل الثاني\n٢٥٧٤ - [١٤] (المهاجر المكي) قوله: (فلم نكن نفعله) بالنون، وقد يروى بالياء، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي، وقال أحمد: يرفع اليدين ويدعو، وتمسكوا بما روي عن ابن جريج: (أن النبي -ﷺ- كان إذا رأى البيت رفع يديه، وقال: اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا ومهابةً، وزد من شرفه وكرمه ممن حجه واعتمره تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا وبرًّا)، رواه الشافعي في (مسنده)، كذا ذكره في (شرح كتاب الخرقي) (١) في مذهب الإِمام أحمد رحمة اللَّه عليه، وذُكر في بعض رسائل المناسك الحنفية: أن أول ما رأى البيت يدعو، ولا بد أن يرفع اليدين؛ لأنه سنة في الدعاء، فتدبر في حديث جابر.\n٢٥٧٥ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (فاستلمه) (٢) والاستلام: مسح الحجر باليد\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٣/ ١٨٦).\n(٢) قوله: \"فاستلمه. . . في مذهب الإِمام أحمد\"، هذه العبارة ما ثبتت إلا في (ب)، وقد تقدم شرح الاستلام في حديث (٢٥٥٥) (٣٠٥ - ٣٠٦).","vol":"5","page":342},{"text":"ثُمَّ أَتَى الصَّفَا، فَعَلَاهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى الْبَيْتِ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَذْكُرُ اللَّهَ مَا شَاءَ وَيَدْعُو. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٨٧٢].\nــ\nأو بالقبلة، فيقال: من السلام بمعنى التحية، ولهذا يسمي أهل اليمن [الركن] الأسود: المحيا؛ لأن الناس يحيونه، قاله الأزهري، وقال الجوهري: هو مشتق من السِّلام (١) بالكسر بمعنى الحجارة، وواحده سَلِمة بفتح السين وكسر اللام، استلمت الحجر: أي: لمسته، كما جاء اكتحل من الكحل، وقال بعضهم: الاستلام افتعال من المسالمة، كأنه فعل أمرًا يَفعله المسالم والمصالح، وقال بعض من الناس: كأنّ المستلم يحيى نفسه عند الحجر بالسلام؛ لأن الحجر لا يردُّ عليه، كما يقال: اختدم إذا لم يكن له خادم، وقال ابن الأعرابي: هو مهموز الأصل، تُركت همزته، وهو مشتق من الملاءمة وهو بمعنى الموافقة، وقيل: [من اللأمة وهي السلاح] كأنه حفظ وحصَّنَ نفسه ولبس السلاح [بمس الحجر] ذكرت هذه الوجوه كلها في (شرح الخرقي) (٢) في مذهب الإِمام أحمد.\nوقوله: (ثم أتى الصفا) لم يذكر في هذا الحديث ركعتي الطواف، ولعله اقتصر على الأركان والواجبات، والركعتان عند أبي هريرة سنتان كما هو مذهب الشافعي، ولكنهما عندنا واجبتان لورود الأمر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فجعل يذكر اللَّه ما شاء ويدعو) وقد ورد فيه الأدعية المخصوصة المذكورة في كتب المناسك، وهي مذكورة في (سفر السعادة) (٣)، وقال محمد: ليس\n_________\n(١) في الأصل: \"الإِسلام\" وهو تحريف.\n(٢) انظر: \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٣/ ١٨٩).\n(٣) \"سفر السعادة\" (ص: ١٧٤).","vol":"5","page":343},{"text":"٢٥٧٦ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلَاةِ، إِلَّا أَنَّكُمْ تَتَكَلَّمُونَ فِيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ إِلَّا بِخَيْرٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ جَمَاعَةً وَقَفُوهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. [ت: ٩٦٠، ن في الكبرى: ٣٩٣٠، دي: ٢/ ٤٤].\n٢٥٧٧ - [١٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نَزَلَ الْحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدتهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [حم: ١/ ٣٠٧، ت: ٨٧٧].\nــ\nفي مناسك الحج دعاء مخصوص ويدعو بما شاء، وقال: إن تعيين الدعاء يُذهب الشوق.\n٢٥٧٦ - [١٦] (ابن عباس) قوله: (الطواف حول البيت مثل الصلاة) قد يُتمسك بهذا الحديث في اشتراط الطهارة كما هو مذهب الأئمة، ولكن لا يخفى أن ليس المراد حقيقتها؛ لأن طهارة الثوب واستقبال القبلة والقراءة وسائر الأركان ليس بمعتبر، لكن الطهارة أفضل عندنا.\n٢٥٧٧ - [١٧] (عنه) قوله: (نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضًا من اللبن فسودته خطايا بني آدم)، قيل: في هذا الحديث امتحان إيمان الرجل، فإن كان كامل الإيمان يقبل هذا، ولا يتردد، وإن كان ضعيف الإيمان يتردد، والكافر ينكر، انتهى.\nولعمري ما في الحديث ما يخالف الدليل القاطع الحاكم باستحالته حتى يجبَ تأويله وصرفه عن ظاهره، أما النزول من الجنة فلا استحالة فيه، فإن الجنة فيها جواهر، فيمكن أن اللَّه أنزل منها شيئًا إلى الأرض، حتى يحمل الإنزال على معنى القضاء","vol":"5","page":344},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالقسمة، أو معنى الخلق، أو إقامة إنزال الأسباب فيها مقام إنزالها نفسها كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥]، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦].\nوأما قولهم: إنا قد عرفنا بالنصوص الثابتة أن الجنة وما احتوت عليه من الجواهر مباينة لما خلق في هذه الدار الفانية في الخواص وحُكمِ الزوال والفناء وإحاطة الآفات بها، فإن ذلك خَلْقُ الخالق محكما غير قابل لشيء من ذلك، وقد وجدنا الحجر أصابه الكسر حتى صار فلقًا، وذلك من أقوى أسباب الزوال.\nفنقول: يمكن أن يكون فقدان خواص الجنة لنزوله إلى هذه الدار وسراية أحوالها وأحكامها إليه، ويستأنس له بما يأتي من حديث عبد اللَّه بن عمر: (أن الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة، طمس اللَّه نورهما، ولو لم يطمس اللَّه نورهما لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب)، وكما قالوا في الجواب عن قول الزائغين في كون ما بين قبر النبي -ﷺ- ومنبره روضة من رياض الجنة على تقدير كونه محمولًا على الحقيقة: أنه لو كان من الجنة لما نجوع ونظمأ فيها، وكما في عكس هذه الصورة من صعود بعض الأنبياء في السماء من عدم انحلال قواهم وفساد مزاجهم وتغير أحوالهم كما في الدنيا، فليكن ههنا كذلك، واللَّه على كل شيء قدير.\nومثل هذا الكلام في قوله: (أشد بياضًا فسودته خطايا بني آدم) بأن يكون في ابتداء نزوله أبيض، ثم جُعل لذنوب بني آدم ومس أيديهم خاصية وسببية في تسويده. وأما قول بعض الزائغين بأنه لو كان هذا الذي رووه من تسويد خطايا بني آدم الحجر واقعا لتناقلته الأمم في عجائب الأخبار، فساقط من درجة الاعتبار، ولا استبعاد فيه، نعم، لو قيل: المراد هو الظاهر، ولكن يحتمل أن يكون إشارة إلى معنى مناسب،","vol":"5","page":345},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلم يستبعد.\nومما قيل في تأويل كونه من الجنة: إنه جعل لما فيه من اليمن والتبرك والشرف والكرامة كالشيء الذي نزل من الجنة، وأراد به مشاركته جواهر الجنة في بعض أوصافها، ومثله قوله -ﷺ-: (العجوة من الجنة)، وقد علمنا أنه أراد به مشاركتها في أثمار الجنة في بعض الصفات، لِمَا جعل فيها من الشفاء والبركة بدعائه -ﷺ- بذلك فيها، ولم يرد أنه من ثمار الجنة نفسها للاستحالة التي شاهدنا فيها كاستحالة غيرها من الأطعمة، وتحولها عن النعوت والصفات الواردة في ثمار الجنة، أو لأنه من حيث إنه مكفر للخطايا محاء للذنوب كأنه من الجنة.\nوتأويل قوله: (نزل من الجنة) أي: الصفات الموهوبة لها كأنها من الجنة، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد: ٢٥]، وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر: ٦]، فيحمل الإنزال على معنى القضاء والقسمة، أو على معنى الخلق، أو إقامة إنزال الأسباب فيها مقام إنزالها نفسها.\nوتأويل قوله: (كان أشد بياضًا فسؤدته خطايا بني آدم) أنه من كثرة تحمله أوزار بني آدم صار كأنه ذو بياض شديد فسودته الخطايا، وإن خطايا بني آدم تكاد تؤثر في الجماد، فتجعل المبيضَّ منها مسودًّا، فكيف بقلوبهم، وهذا نوع من التمثيل والمبالغة في شأن الحجر، وتفظيع أمر الخطايا والذنوب، ففيه تخويف وتنبيه، فإن الرجل إذا علم أن الذنب يسوِّد الحجر خاف أن يَسْوَدّ بدنه بشؤم ذنوبه، ويذهب نور الإيمان، والعياذ باللَّه.\nوهذا كله تأويلات وتمحلات من النفس ناشئة من ضيق دائرة الإيمان، ومَن","vol":"5","page":346},{"text":"٢٥٧٨ - [١٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْحَجَرِ: \"وَاللَّهِ لَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَان يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ عَلَى. . . . .\nــ\nشرح اللَّه صدره للإسلام (١) ووسع دائرة المعرفة يصدِّقه ويقول: آمنا به، واللَّه على كل شيء قدير، غايته أن يقال: المراد هو الظاهر، ويحتمل -واللَّه أعلم- أن يكون المراد ما ذكرنا من المعاني المتناسبة، فافهم، وباللَّه التوفيق.\nثم اعلم أنه قد اشتهر في الناس أنه قد بقي في الحجر الأسود بياض إذا زال جاءت القيامة أو قربت أو كما يقولون، وكنت متحيرًا في ذلك، وأن له أصلًا أم لا، وذكرت ذلك في حضرة الشيح يومًا فلم يتكلم بشيء، ثم وجدت في (تاريخ مكة) للفاكهي ذكر ذلك، فترجم لذلك بقوله: ذكر ما روي من البياض في الحجر الأسود بعد اسوداده، ثم قال: ذكر ابن جبير في (جزء رحلته) أن في الحجر الأسود نقطة بيضاء صغيرةً مشرقة ولم يذكر سواها، وكانت رحلته في سنة تسع وسبعين وخمس مئة، وقال الفقيه سليمان بن خليل العسقلاني في (منسكه) (٢): لقد أدركت في الحجر الأسود ثلاث مواضع بيض، نقشه في الناحية التي تلي باب الكعبة المعظمة، ثم إني أملح تلك النقط فإذا هي كل وقت في نقص، ونقل القاضي عز الدين ابن جماعة في (منسكه) كلام ابن خليل هذا، وذكر أنه رأى الحجر الأسود في سنة ثمان وسبع مئة، وفيه نقطة بيضاء ظاهرة، وأنه لم يرها في سنة ست وثلاثين إلا بعد جهد، انتهى.\n٢٥٧٨ - [١٨] (عنه) قوله: (يبصر بهما) فيعرف من استلمه. وكلمة (على) باعتبار تضمين معنى الرقيب والحفيظ.\n_________\n(١) كذا في (ع) و(ك) و(ر)، وفي (ب) و(د): \"للإيمان\".\n(٢) انظر: \"العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين\" (١/ ٦٧).","vol":"5","page":347},{"text":"مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٩٦١، جه: ٢٩٤٤، دي: ٢/ ٤٢].\n٢٥٧٩ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ الرّكْنَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا، وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ نُورَهُمَا لأَضَاءَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٨٧٨].\nــ\nوقوله: (بحق) يتعلق بـ (من استلمه) أي: استلمه إيمانًا واحتسابًا، ويجوز أن يتعلق بـ (يشهد).\nوهذا الحديث أيضًا محمول على ظاهره، فإن اللَّه قادر على إيجاد البصر والنطق في الجمادات، فإن الأجسام متشابهة في الحقيقة يقبل كل منها ما يقبل الآخر من الأعراض، ويؤوِّله الذين في قلوبهم زيغ التفلسف -واللَّه العاصم- ويقولون: إن ذلك كناية عن تحقيق ثواب المستلم، وأن سعيه لا يضيع، والعجب من البيضاوي أن يقول: إن الأغلب على الظن أن المواد هذا، وإن لم يمتنع حمله على الظاهر، ولا عجيب فإنه مجبول على التفلسف في تفسير القرآن وشرح الأحاديث، تجاوز اللَّه عنه.\n٢٥٧٩ - [١٩] (ابن عمر) قوله: (ياقوتتان من ياقوت الجنة) وهذا أيضًا يؤولونه بأن المواد بيان شرفهما وكرامتهما؛ لأن الياقوت من أشرف الأحجار، ولا بد أن يكون ياقوت الجنة أشرف وأجود من ياقوت الدنيا، فكأنه قال: كأنهما ياقوتتان من الجنة.\nوقوله: (طمس اللَّه نورهما) ليكون الإيمان بهما إيمانًا بالغيب.\nوقوله: (رواه الترمذي) وأخرجه ابن حنبل في (مسنده) وابن حبان في (صحيحه) (١).\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٧٠٠٠)، و\"صحيح ابن حبان\" (٣٧١٠) عن عبد اللَّه بن عمرو.","vol":"5","page":348},{"text":"٢٥٨٠ - [٢٠] وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُزَاحِمُ عَلَى الرُّكْنَيْنِ زِحَامًا مَا رَأَيْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يُزَاحِمُ عَلَيْهِ. قَالَ: إِنْ أَفْعَلْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ مَسْحَهُمَا كَفَّارَةٌ لِلْخَطَايَا\"، وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: \"مَنْ طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ أُسْبُوعًا، فَأَحْصَاهُ، كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ\" وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: \"لَا يَضَعُ قَدَمًا وَلَا يَرْفَعُ أُخْرَى إِلَّا أَحَطَّ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً وَكَتَبَ لَهُ بِهَا حَسَنَةً\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٩٥٩].\n٢٥٨١ - [٢١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ مَا بَيْنَ الرّكنَيْنِ: \" ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] \". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٨٩٢].\n٢٥٨٢ - [٢٢] وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ: أَخْبَرَتْنِي بِنْتُ أَبِي تُجْرَاةَ قَالَتْ: . . . . .\nــ\n٢٥٨٠ - [٢٠] (عبيد بن عمير) قوله: (وعبيد بن عمير) كلاهما بلفظ التصغير. وقوله: (إن أفعل) أي: إن أزاحم فلا تنكروا علي؛ فإني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- في فضل استلامهما ما لا أطيق الصبر عنه، وفيه الحرص على الفضائل وارتكاب التعب والمشقة في تحصيلها.\nوقوله: (فأحصاه) أي: حافظ على رعاية واجباته وسننه وآدابه، والضمير في (لا يضع) لـ (من)، وفي (بها) للقدم.\n٢٥٨١ - [٢١] (عبد اللَّه بن السائب) قوله: (يقول ما بين الركنين: ﴿رَبَّنَا آتِنَا﴾) الآية، قيل: لم يصح عن رسول اللَّه -ﷺ- دعاء في الطواف إلا هذا، واللَّه أعلم.\n٢٥٨٢ - [٢٢] (صفية بنت شيبة) قوله: (بنت [أبي] تجراة) ضبط بضم التاء","vol":"5","page":349},{"text":"دَخَلْتُ مَعَ نِسْوَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ دارَ آلِ أَبِي حُسَيْنٍ، نَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَرَأَيْتُهُ يَسْعَى، وَإِنَّ مِئْزَرَهُ لَيَدُورُ مِنْ شِدَّةِ السَّعْي وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: \"اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" وَرَوَى (١) أَحْمَدُ مَعَ اخْتِلَافٍ. [حم: ٦/ ٤٢١].\n٢٥٨٣ - [٢٣] وَعَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: \"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى بَعِيرٍ، لَا ضَرْبٌ، وَلَا طَرْدٌ، وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ\"، رَوَاهُ فِي \"شَرْح السُّنَّةِ\". [٧/ ١٤٢، رقم: ١٩٢٢].\nــ\nوسكون الجيم والراء قبل الألف، وفي بعض النسخ بالهمزة بعد الراء.\nوقوله: (وإن مئزره) في (القاموس) (٢): الإزار: الملحفة كالمئزر، وقال في باب الفاء: اللحاف ككتاب: ما يلتحف به، واللباس فوق سائر اللباس من دثار البرد ونحوه، كالملحفة والملحف بكسرهما.\nوقوله: (فإن اللَّه كتب عليكم السعي) ظاهر في الفرضية، وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد، وقيل: هو تطوع بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، وقال أبو حنيفة: واجب، وهو قول جامع في الحديث والآية، فافهم (٣).\n٢٥٨٣ - [٢٣] (قدامة بن عبد اللَّه) قوله: (قدامة) بضم قاف وخفة قال. (ولا إليك إليك) اسم فعل بمعنى تنح.\n_________\n(١) في نسخة: \"ورواه\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٢٢، ٧٨٦).\n(٣) وانظر: \"أوجز المسالك\" (٧/ ٤٣٧ - ٤٤٨)، فيه بحث نفيس في السعي وأحكامه، فلينظر ثمة.","vol":"5","page":350},{"text":"٢٥٨٤ - [٢٤] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- طَافَ بِالْبَيْتِ مُضْطَبِعًا بِبُرْدٍ أَخْضَرَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٨٥٩، د: ١٨٨٣، جه: ٢٩٥٤، دي: ٢/ ٤٤٣].\n٢٥٨٥ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الْجِعْرانَةِ فَرَمَلُوا بِالْبَيْتِ ثَلَاثًا، وَجَعَلُوا أَرْدِيتهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، ثُمَّ قَذَفُوهَا عَلَى عَوَاتِقِهِمُ الْيُسْرَى. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٨٨٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-668> الْفَصْلُ الْثَّالِثُ:</span>\n٢٥٨٦ - [٢٦] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا تَرَكْنَا اسْتِلَامَ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ: الْيَمَانِي وَالْحَجَرِ، فِي شِدَّةٍ وَلَا رَخَاءٍ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَسْتَلِمُهُمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٨، م: ١٢٦٨].\nــ\n٢٥٨٤ - [٢٤] (يعلي بن أمية) قوله: (مضطبعًا) مر معنى الاضطباع.\n٢٥٨٥ - [٢٥] (ابن عباس) قوله: (اعتمروا من الجعرانة) بكسر الجيم والعين المهملة وتشديد الراء: موضع على مرحلة من مكة في جانب حنين وهوازن، فسم رسول اللَّه -ﷺ-[بها] غنائم حنين، وأقام فيها سبعة عشر يومًا أو أقل أو أكثر، والمشهور أنه -ﷺ- أتى مكة ليلًا، ولم يخبر أحدًا، فصلى العشاء في الجعرانة، ثم أتى مكة واعتمر، ثم ذهب إليها وصلى الفجر فيها، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وجعلوا أرديتهم. . . إلخ)، هذا هو معنى الاضطباع.\nالفصل الثالث\n٢٥٨٦ - [٢٦] (ابن عمر) قوله: (في شدة ولا رخاء) أي: ازدحام وخلوة.","vol":"5","page":351},{"text":"٢٥٨٧ - [٢٧] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: قَالَ نَافِعٌ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَبَّلَ يَدَهُ، وَقَالَ: مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَفْعَلُهُ. [م: ١٢٦٨].\n٢٥٨٨ - [٢٨] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنِّي أَشْتَكِي. فَقَالَ: طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبةٌ، فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ الْبَيْتِ يَقْرَأُ بِـ ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١ - ٢]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٤٠، م: ١٢٧٦].\n٢٥٨٩ - [٢٩] وَعَنْ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ يُقَبِّلُ الْحَجَرَ، وَيَقُولُ: إِنِّي لأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ مَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ،\nــ\n٢٥٨٧ - [٢٧] قوله: (ما تركته) الظاهر أن الضمير للاستلام مطلقًا، ويجوز أن يكون للاستلام على الوجه المخصوص المذكور، وهو أنه استلم الحجر بيده ثم قبّل يده، والأول هو الوجه، فافهم.\n٢٥٨٨ - [٢٨] (أم سلمة) قوله: (أني أشتكي) مفعول (شكوت)، الشكوى والشكاية: الإخبار عن مكروه أصاب، وهو المراد بقوله: (شكوت)، ويجيء بمعنى المرض وهو المراد بقوله: (أني أشتكي)، فيكون المعنى: شكوت مرضي، ومقصودها أنها لا تستطيع الطواف راجلًا.\nوقوله: (يصلي) وكانت صلاة الفجر.\n٢٥٨٩ - [٢٩] (عابس بن ربيعة) قوله: (عابس) بالموحدة المكسورة بين المهملتين.\nوقوله: (أنك حجر) باعتبار صورته في هذه الدنيا، قيل: إنما قال عمر هذا","vol":"5","page":352},{"text":"وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٢٠، م: ١٢٧٦].\n٢٥٩٠ - [٣٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"وُكِّلَ بِهِ سَبْعُونَ مَلَكًا -يَعْنِي الرُّكْنَ الْيَمَانِيَ- فَمَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ قَالُوا: آمِينَ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٩٥٧].\n٢٥٩١ - [٣١] وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِـ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ،\nــ\nالقول لئلا يفتتن بعض قريبي العهد بالإِسلام بعبادته، وروي أنه لما قال عمر -﵁- ذلك قال علي ﵁ وكرم وجهه: مه يا أمير المؤمنين، إنه ينفع ويضر بإذن اللَّه.\n٢٥٩٠ - [٣٠] (أبو هريرة) قوله: (يعني الركن اليماني) تفسير لضمير (به)، والظاهر أنه إذا كان فضل الركن اليماني إلى هذه المرتبة كان فضل الركن الأسود أكثر وأعلى من ذلك، إلا أن تكون هذه الخاصية مخصوصة به، وتكون للحجر الأسود فضائل وخواص أخر أوفر وأعظم، واللَّه أعلم.\n٢٥٩١ - [٣١] (عنه) قوله: (ومن طاف فتكلم) أي: بتلك الكلمات وهو في حالة الطواف، وإنما كرر (من طاف) ليناط به غير ما نيط به أو لا، كذا قال الطيبي (١).\nويمكن أن يكون معناه: تكلم بكلام الناس دون ما ذكر من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير مقابلًا لقوله: (ولا يتكلم إلا بسبحان اللَّه) أي: لا يتكلم بغير ذكر اللَّه، فيكون مقابله أن يتكلم بغير ذكره، ومع ذلك كان له ثواب لكنه يكون كالخائض\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٢٧٩).","vol":"5","page":353},{"text":"وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، مُحِيَتْ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَكُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَمَنْ طَافَ فَتَكَلَّمَ وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَالِ، خَاضَ فِي الرَّحْمَةِ بِرِجْلَيْهِ كَخَائِضِ الْمَاءِ بِرِجْلَيْهِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٩٥٨].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-669>٤ - باب الوقوف بعرفة</span>\nــ\nفي الرحمة برجليه وأسفل بدنه؛ لكونه عاملًا وعابدًا به، ولا تبلغ الرحمة إلى أعلاه لكونه متكلمًا بغير ذكر اللَّه، وإذا لم يتكلم إلا بذكر اللَّه يستغرق في بحر الرحمة من قدمه إلى رأسه ومن أسفله إلى أعلاه، هكذا يختلج في القلب معنى الحديث، واللَّه أعلم.\n٤ - باب الوقوف بعرفة\nهذا أحد ركني الحج عظيم حتى ورد: (الحج عرفة)، وعرفة اسم للمكان المخصوص، وقد يجيء بمعنى الزمان، وأما عرفات بلفظ الجمع فيجيء بمعنى المكان فقط، ولعل جمعه باعتبار نواحيه وأطرافه وتعدد محالِّ الوقوف فيه، ووجه تسميتها بها إما لتعارف آدم وحواء في هذا المكان بعد الهبوط، أو لأن جبرئيل كان يعلِّم الخليل المناسك ويقول: أعرفت؟ أو لأنه مكان معظَّم مشهور كأنه معروف قبل التعريف، وقيل: لتعرُّف العباد فيه إلى اللَّه تعالى بالعبادات والأدعية، وهذا المكان محل عظيم لا يوازيه أحد من الأمكنة الأرضية، فسمي بها، وعلى هذه الوجوه هو مشتق من المعرفة.","vol":"5","page":354},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-670> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٥٩٢ - [١] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ وَهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَةَ: \"كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ فِي هَذَا الْيَوْمِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَقَالَ: كَانَ يُهِلُّ مِنَّا الْمُهِلُّ فَلَا يُنْكَرُ عَلَيهِ، وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ مِنَّا فَلَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٥٩، م: ١٢٨٥].\n٢٥٩٣ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"نَحَرْتُ هَهُنَا وَمِنًى كُلُّهَا مَنْحَرٌ؛ فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ، وَوَقَفْتُ هَهُنَا وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَوَقَفْتُ هَهُنَا وَجَمْعٌ كُلُّهَا مَوْقِفٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢١٨].\nــ\nوقيل: هو مشتق من العَرْف بسكون الراء، وششعمل في الأكثر في الرائحة الطيبة، ولما كان في منى الروائح المنتنة من الذبائح سمَّوا في مقابلها عرفة لخلوها عن تلك الروائح.\nالفصل الأول\n٢٥٩٢ - [١] (محمد بن أبي بكر) قوله: (محمد بن أبي بكر) بن عوف (الثقفي).\nوقوله: (غاديان) أي: ذاهبان في الغدوة.\nوقوله: (ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه) علم من هذا أن المقصود للحاج ذكر اللَّه في ذلك اليوم بعد أن لبّى بعد الإحرام مرة أو مرتين، نعم التلبية أولى وأفضل وأقرب إلى السنة.\n٢٥٩٣ - [٢] (جابر) قوله: (نحرت ههنا) إشارة إلى مكان مخصوص في منى نحر فيه، وكذا في عرفات، و(جمع) والجمع عَلَم للمزدلفة، والظاهر أنه قال كلًّا من","vol":"5","page":355},{"text":"٢٥٩٤ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟ ! \". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٤٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-671> الْفَصْلُ الثاني:</span>\n٢٥٩٥ - [٤] عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ خَالٍ لَهُ -يُقَالُ لَهُ يَزِيدُ بْنُ شَيْبَانَ- قَالَ: . . . . .\nــ\nهذه الكلمات في مكانه جمعها الراوي.\n٢٥٩٤ - [٣] (عائشة) قوله: (ما من يوم كثر من أن يعتق اللَّه فيه عبدًا من النار من يوم عرفة) وقعت كلمة (من) في هذا الحديث متعددة، فـ (من) الأولى زائدة في النفي، و(أكثر) بالنصب خبر (ما)، وقد يرفع فيكون خبر مبتدأ محذوف، أو واقع على لغة بني تميم، و(من) الثانية أيضًا زائدة، و(أن يعتق) بتأويل المصدر تمييز، والثالثة متعلقة بـ (يعتق)، والرابعة تفضيلية متعلقة بـ (أكثر)، فيكون المعنى: ليس يوم أكثر إعتاقًا فيه من النار من يوم عرفة.\nوقوله: (ما أراد هؤلاء) بلفظ الاستفهام للتعجب، وحملِ الملائكة على الاعتراف بفضل بني آدم، والإشارةِ إلى أن مبتغاهم المغفرة، وقد غفرت لهم عاجلًا، ولهم من الدرجات العلى في الآخرة آجلًا، فماذا يريدون بعد ذلك؟ .\nالفصل الثاني\n٢٥٩٥ - [٤] (عمرو بن عبد اللَّه) قوله: (عن عمرو بن عبد اللَّه بن صفوان) بن أمية بن خلف الجمحي القرشي.","vol":"5","page":356},{"text":"كُنَّا فِي مَوْقِفٍ لَنَا بِعَرَفَةَ يُبَاعِدُهُ عَمْرٌو مِنْ مَوْقِفِ الإِمَامِ جِدًّا، فَأَتَانَا ابْن مِرْبَعٍ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَيْكُمْ يَقُولُ لَكُمْ: \"قِفُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ، فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْثٍ مِنْ إِرْثِ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ﵇\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٨٨٣، د: ١٩١٩، ن: ٣٠١٤، جه: ٣٠١١].\n٢٥٩٦ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ مِنًى مَنْحَرٌ، وَكُلُّ الْمُزْدَلِفَةِ مَوْقِفٌ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ. [د: ١٩٣٧، دي: ٢/ ٥٦ - ٥٧].\nــ\nوقوله: (كنا في موقف لنا) أي: كنا واقفين بعرفات في موقف كان لآبائنا في الجاهلية.\nوقوله: (يباعده) أي: يبعده ويصفه بالبعد.\nوقوله: (فأتانا ابن مربع) بكسر الميم وسكون الراء، الأنصاري، صحابي، اسمه زيد أو يزيد أو عبد اللَّه، روى عنه يزيد بن شيبان.\nوقوله: (قفوا على مشاعركم) أي: موضع نسككم ومواقفكم القديمة، فإنها جاءتكم من إرث إبراهيم، ولا تحقروا شأن موقفكم بسبب بُعده عن موقف الإمام، فإن عرفة كلها موقف، فمن وقف بأي بقعة من عرفات فهو آتٍ بسنة إبراهيم متبعٌ لملته، والغرض سدّ باب التنازع والتشاجر في المواقف بقربه من موقف النبي -ﷺ- وبعده منه.\n٢٥٩٦ - [٥] (جابر) قوله: (وكل المزدلفة) مزدلفة أيضًا علم لموضع مخصوص كعرفة ومنى، ولكن أدخل عليها الألف واللام؛ لأن العلم المشتق يجوز فيه إدخال اللام وتركها كما في الحارث والحسن مثلًا، و(الفجاج) بكسر الفاء جمع","vol":"5","page":357},{"text":"٢٥٩٧ - [٦] وَعَنْ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَخْطُبُ النَّاسَ يَوْمَ عَرَفَةَ عَلَى بَعِيرٍ، قَائِمًا فِي الرِّكَابَيْنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٩١٧].\n٢٥٩٨ - [٧] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٥٨٥].\nــ\nفج بالفتح: الطريق الواسع بين جبلين، أي: أيّ طريق تدخل مكة جاز، وفي أيّ موضع منها تنحر الهدي جاز، وإن لم يكن طريقًا دخل أو نحر فيه رسول اللَّه -ﷺ-، وكذا المعنى في عرفة ومزدلفة، والمقصود التوسعة ونفي الحرج.\n٢٥٩٧ - [٦] (خالد بن هوذة) قوله: (وعن خالد بن هوذة) بفتح الهاء وسكون الواو وفتح الذال.\nوقوله: (قائمًا في الركابين) كأنه كان لقصد الارتفاع وحصول القوة في الكلام وإسماعه من البعيد.\n٢٥٩٨ - [٧] (عمرو بن شعيب) قوله: (خير ما قلت) أي: دعوت، والدعاء هو: (لا إله إلا اللَّه وحده. . . إلخ)، وتسميته دعاء، إما لأن الثناء على الكريم تعريض بالدعاء والسؤال، وإما لحديث: (من شغله ذكري عن مسألتي) الحديث، هكذا قالوا، ولا يخفى أن عبارة هذا الحديث لا تقتضي أن يكون الدعاء قوله: الا إله إلا اللَّه. . . إلخ)، بل المراد أن خير الدعاء ما يكون يوم عرفة أيَّ دعاء كان.\nوقوله: (خير ما قلت) إشارة إلى ذكر غير الدعاء، فلا حاجة إلى جعل (ما قلت) بمعنى: ما دعوت، نعم قد ورد في بعض الطرق: (دعائي ودعاء من قبلي من النبيين","vol":"5","page":358},{"text":"٢٥٩٩ - [٨] وَرَوَى مَالِكٌ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ \"لَا شَرِيكَ لَهُ\". [ط: ١/ ٤٢٢].\n٢٦٠٠ - [٩] وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ، وَلَا أَدْحَرُ، وَلَا أَحْقَرُ، وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا يَرَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إِلَّا مَا رُئِيَ يَوْمَ بَدْرٍ\"، فَقِيلَ: مَا رُئِيَ يَوْمَ بَدْرٍ؟ قَالَ: \"فَإِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرئِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ\"،\nــ\nيوم عرفة: لا إله إلا اللَّه وحده)، وفي هذا الطريق أيضًا ذُكر بعد هذا الذكر أدعية، فيمكن أن يكون هذا الذكر توطئة لتلك الأدعية؛ لما يستحب من الثناء على اللَّه قبل الدعاء، فافهم.\n٢٥٩٩، ٢٦٠٠ - [٨، ٩] (طلحة بن عبيد اللَّه بن كريز) قوله: (وعن طلحة ابن عبيد اللَّه) هكذا وقع في النسخ: (عبيد اللَّه) بلفظ التصغير موافقًا لما وقع في بعض نسخ (المصابيح)، والصواب (عبد اللَّه) بدون الياء موافقًا لما ذكر في (جامع الأصول) و(المغني) (١)، تابعي، فحديثه مرسل، و(كريز) بفتح الكاف وكسر الراء وسكون الياء وآخره زاي.\nوقوله: (ولا أدحر) الدحر: الطرد والإبعاد والدفع، قوله تعالى: ﴿مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ [الأعراف: ١٨] أي: مطرودًا.\nوقوله: (يزع الملائكة) بالزاي والعين المهملة من وَزَعَه يَزَعُه فهو وازع: إذا\n_________\n(١) قلت: في \"جامع الأصول\" (١٤/ ٣٩٧) بالياء وكذا في \"الموطأ\"، وأما في \"المغني\" (ص: ٢١٢) ففيه بدون الياء، واللَّه أعلم.","vol":"5","page":359},{"text":"رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا، وَفِي: \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" بِلَفْظِ \"الْمَصَابِيحِ\". [ط: ١/ ٤٢٢].\n٢٦٠١ - [١٠] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيقُولُ: انْظُرُوا إِلَى عِبَادِي، أَتَوْنِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاجِّينَ مِنْ كُلِّ فجٍّ عَمِيقٍ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فَيَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ! فُلَانٌ كَانَ يُرَهَّقُ،\nــ\nكفه ومنعه، والمراد: يرتبهم وشمويهم ويكفهم عن الانتشار، وفي (القاموس) (١): الوازع: الزاجر، ومن يدبِّر أمور الجيش، ويرد من شذ منهم، وفي (الصراح) (٢): وزع: باز داشتن و[أول وآخر] لشكر را فراهم آوردن، وزاع: سرهنك وسالار لشكر وباز دارنده.\nوقوله: (بلفظ المصابيح) ولفظه: (إلا ما كان من يوم بدر، فقيل: وما رأى من يوم بدر؟ قال: إنه قد رأى جبرئيل وهو يزع الملائكة).\n٢٦٠١ - [١٠] (جابر) قوله: (فيباهي بهم) الضمير راجع إلى الواقفين بعرفة لتقدم ذكرهم حكمًا في قوله: (إذا كلان يوم عرفة)، ويحتمل أنه كان قد جرى ذكرهم صريحًا فذكر فضلهم.\nوقوله: (ضاجين) في (الصحاح) (٣): أضجّ القوم: صاحوا، وضجوا: جزعوا، والمراد: رفع أصواتهم بالتلبية وجزعهم بالدعاء والتضرع والبكاء.\nوقوله: (فلان كان يرهق) بلفظ المجهول من باب التفعيل أو الإفعال، مَن\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧١١).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٣٣١).\n(٣) \"الصحاح\" (١/ ٣٢٦).","vol":"5","page":360},{"text":"وَفُلَانٌ، وَفُلَانَةُ، قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ ﷿: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ\". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَمَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [١٩٣١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-672> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٦٠٢ - [١١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدلِفَةِ، وَكَانُوا يُسَمَّوْنَ الْحُمْسَ،\nــ\nيُظن به السوء، ومن يغشاه الناس، فالرهق محركة: ركوب الشر والظلم وغشيان المحارم، فيه رهق، أي: غشيان المحارم من شرب الخمر وغيره، رهقه كفرح: غشيه ولحقه، أرهقه طغيانًا: أغشاه إياه، وألحق ذلك به، قوله تعالى: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠].\nوقوله: (وفلان وفلانة) أي: كذا وكذا، أي: عاص وفاسق ونحو ذلك.\nوقوله: (فما من يوم أكثر) خبر (ما) منصوب أو مرفوع على لغة بني تميم، و(عتيقًا) تمييز والعائد محذوف، أي: فيه، أو جعل اليوم عتيقًا على الإسناد المجازي.\nالفصل الثالث\n٢٦٠٢ - [١١] (عائشة) قوله: (ومن دان دينها) أي: اتخذ دينهم له دينًا.\nوقوله: (يقفون بالمزدلفة) ترفعًا على الناس، وكانوا يقولون: نحن أهل اللَّه وقُطَّان حرمه فلا نخرج منه.\nوقوله: (وكانوا) أي: قريش (يسمون) بلفظ المجهول (الحمس) بضم الحاء المهملة وسكون الميم جمع أحمس، من الحماسة بمعنى الشجاعة والشدة، ويقال","vol":"5","page":361},{"text":"فَكَانَ (١) سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ -ﷺ- (٢) أَنْ يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ، فَيَقِفُ بِهَا، ثُمَّ يُفِيضُ مِنْهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷿: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٦٥، م: ١٢١٩].\n٢٦٠٣ - [١٢] وَعَنْ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- دَعَا لِأُمَّتِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بِالْمَغْفِرَةِ، فَأُجِيبَ: أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ مَا خَلَا الْمَظَالِمَ،\nــ\nللعام الشديد: سنة حمساء، وسنون أَحامِسُ، حمس كفرح: اشتد وصلب في الدين والقتال، فهو حَمِسٌ وأَحمسٌ، وهي حمساء، والحُمْس: الأمكنة الشديدة، وبه لقب قريش وكنانة وجديلة ومن تابعهم في الجاهلية؛ لتحمسهم في دينهم، أو لالتجائهم إلى الحمساء، وهي الكعبة، لأن حجرها أبيض إلى السواد وهو يكون شديدًا.\nوقوله: (ثم يفيض منها) من الإفاضة بمعنى الدفع في السير بكثرة، وأصله من أفضت الماء: إذا صببته بكئرة، والخطاب في ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ لقريش، ويلزم منه الأمر للمسلمين أيضًا.\n٢٦٠٣ - [١٢] (عباس بن مرداس) قوله: (وعن عباس بن مرداس) بكسر الميم وسكون الراء.\nوقوله: (ما خلا المظالم) أي: حقوق الناس، جمع مظلمة بكسر لام وفتحها، وقد ينكَر الفتح، وقيل: بضم اللام أيضًا، وهي ما تطلبه من عند الظالم مما أخذه منك بغير حق، وهي في الأصل مصدر بمعنى الظلم، وقيل: جمع مَظْلِم بكسر اللام،\n_________\n(١) في نسخة: \"وكان\".\n(٢) سقطت التصلية في نسخة.","vol":"5","page":362},{"text":"فَإِنِّي آخِذٌ لِلْمَظْلُومِ مِنْهُ قَالَ: \"أَيْ رَبِّ، إِنْ شِئْتَ أَعْطَيْتَ الْمَظْلُومَ مِنَ الْجَنَّةِ، وَغَفَرْتَ لِلظَّالِمِ\"، فَلَمْ يُجَبْ عَشِيَّتَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَعَادَ الدُّعَاءَ، فَأُجِيبَ إِلَى مَا سَأَلَ. قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَوْ قَالَ: تَبَسَّمَ- قَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، إِنَّ هَذِهِ لَسَاعَةٌ مَا كُنْتَ تَضْحَكُ فِيهَا، فَمَا الَّذِي أَضْحَكَكَ، أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ؟ قَالَ: \"إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ، لَمَّا عَلِمَ أَنَّ اللَّهَ ﷿ قَدِ اسْتَجَابَ دُعَائِي، وَغَفَرَ لأُمَّتِي، أَخَذَ التُّرَابَ، فَجَعَلَ يَحْثُوهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، فَأَضْحَكَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ جَزَعِهِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ،\nــ\nوالمظالم أعم من أن تكون مالية أو عَرْضية.\nوقوله: (فإني آخذ) بلفظ اسم الفاعل من الأخذ، وقد يروى بلفظ التكلم.\nوقوله: (فلم يجب) بلفظ الغائب المجهول، والضمير لرسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (فأجيب إلى ما سأل) قيل: (إلى) بمعنى اللام، يمكن أن يكون لتضمين نحو معنى الرجوع والوصول.\nوقوله: (ما كنت تضحك فيها) أي: من شأنها أن لا تضحك فيها، أو المراد: في مثلها مما يبكى ويتضرع فيه، وإلا لم ير رسول اللَّه -ﷺ- في هذه الساعة قبلُ، لأنه لم يحج إلا أول حجتها، وإن قيل: إنه -ﷺ- قد حج قبل عهد الإسلام، فأبو بكر وعمر لم يرياه.\nوقوله: (يحثوه) أي: التراب، أي: يجعله ويلقيه على رأسه بكفه، (ويدعو بالويل والثبور) أي: يقول: يا ويلاه يا ثبوراه، والويل: حلول الشر، وهي كلمة عذاب، واسم واد في جهنم، والثبور: الهلاك.","vol":"5","page":363},{"text":"وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي: كِتَابِ \"الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ\" نَحْوَهُ. [جه: ٣٠٤٧].\n* * *\nــ\nاعلم أنهم قالوا: إن المراد بـ (الأمة) ههنا هم الواقفون بعرفة، ومن ههنا قيل: إن الحج يكفِّر حقوق العباد أيضًا، وقال الطبراني: هو محمول على الظالم الذي تاب وعجز عن وفاء الحقوق، وروى البيهقي نحو هذا الحديث، وقال: وله شواهد كثيرة، إن صحت فهي حجة، وإلا فقول اللَّه سبحانه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء: ٤٨] كاف، والظلم داخل فيما دون الشرك.\nوقال في (المواهب اللدنية) (١): قال الترمذي في الحديث الصحيح: (من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه): وهو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بحقوق اللَّه تعالى خاصة دون العباد، ولا يُسقط الحقوق أنفسها، فمن كان عليه صلاة أو كفارة ونحوها من حقوق اللَّه تعالى لا تسقط عنه؛ لأنها حقوف لا ذنوب، وإنما الذنب تأخيرها، فنفس التأخير يسقط بالحج لا هي أنفسها، فالحج المبرور يُسقط إثم المخالفة لا الحقوق.\nوقال ابن تيمية (٢): من اعتقد أن الحج يسقط ما وجب عليه من الحقوق كالصلاة يستتاب وإلا قتل، ولا يُسقط حق الآدمي بالحج إجماعًا، انتهى.\nوفي هذا من التشديد والتضييق ما لا يخفى، والمشهور أن حقوق اللَّه مغفورة بالحج، وفي حقوق العباد خلاف، والجمهور على أنه لا يغفر، وفضل اللَّه واسع، وظاهر الحديث عام، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ٤٤٢).\n(٢) انظر: \"الفتاوى الكبرى\" لابن تيمية (٥/ ٣٨٤).","vol":"5","page":364},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-673>٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-674> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٦٠٤ - [١] عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سُئِلَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسِيرُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٦٦، م: ٢٨٣].\nــ\n٥ - باب الدفع من عرفة والمزدلفة\nقد عرف معنى الدفع وعرفة والمزدلفة، وحاصله: الرجوع والانصراف من عرفة إلى المزدلفة، ومن المزدلفة إلى منى.\nالفصل الأول\n٢٦٠٤ - [١] (هشام بن عروة) قوله: (كان يسير العنق) انتصابه بالمصدر من قبيل رجع القهقرى، والعنق بفتحتين: السير السريع، وقيل: بين الإبطاء والإسراع فوق المشي، وقيل: هو الخطو الفسيح.\nوقوله: (فإذا وجد فجوةً) بفتح الفاء وسكون الجبم، أي: فرجة وسعة (١)، في (الصراح) (٢): فجوة: شكَاف ميان دوكوه، قوله تعالى في قصة أصحاب الكهف: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾ [الكهف: ١٧]، وفجوة الدنيا: ساحتها، أي: المكان الخالي عن المارة.\n(نصَّ) أي: أسرع شديدًا أكثر من العنق، وأصله: الاستقصاء والبلوغ غاية الشيء، يقال: نص ناقته: استخرج أقصى ما عندها من السير، وفي حديث أبي بكر\n_________\n(١) في نسخة (ع) و(ر): \"واسعة\"، وهو تحريف.\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٥٨٠).","vol":"5","page":365},{"text":"٢٦٠٥ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ دَفَعَ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- يَوْمَ عَرَفَةَ، فَسَمِعَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَرَاءَهُ زَجْرًا شَدِيدًا، وَضَرْبًا لِلإِبِلِ، فَأَشَارَ بِسَوْطِهِ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ، فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالإِيضَاعِ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٦٧١].\n٢٦٠٦ - [٣] وَعَنْهُ: أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ -ﷺ- مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الْفَضْلَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، فَكِلَاهُمَا قَالَ: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ -ﷺ- يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٨٦، م: ١٢٨١].\n٢٦٠٧ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَمَعَ النَّبِيُّ -ﷺ- الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِجَمْعٍ، كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، .\nــ\nحين دخل عليه عمر -﵄- وهو ينصنص لسانه ويقول: (هذا أوردني الموارد)، وقال أبو عبيد: هو بالصاد لا غير، وبالضاد المعجمة كذلك، ولكن ليست في الحديث.\n٢٦٠٥ - [٢] (ابن عباس) قوله: (ليس بالإيضاع) أي: الإسراع في السير والدفع، وأَوْضَعَ الدابةَ: حملها على الإسراع والعدو، أي: ليس البر في الحج بذلك، بل إنما هو باجتناب الرفث والفسوق وسائر المحظورات والمكروهات.\n٢٦٠٦ - [٣] (عنه) قوله: (كان ردف النبي -ﷺ-) الردف بكسر الراء وسكون الدال: الراكب خلف الراكب كالمرتدف والرديف.\n٢٦٠٧ - [٤] (ابن عمر) قوله: (كل واحدة منهما بإقامة) يعني: لم يؤذَّن إلا للمغرب.\nوقوله: (ولم يسبح) أي: لم يصل النوافل بينهما.","vol":"5","page":366},{"text":"وَلَا عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٦٧٣].\n٢٦٠٨ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى صَلَاةً إِلَّا لِمِيقَاتِهَا، إِلَّا صَلَاتَيْنِ: صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ، وَصَلَّى الْفَجْرَ يَوْمَئِذٍ قَبْلَ مِيقَاتِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٨٢، م: ١٢٨٩].\n٢٦٠٩ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ -ﷺ- لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٧٨، م: ١٢٩٣].\nــ\nوقوله: (ولا على إثر كل واحدة منهما) أي: لم يصل بعد العشاء أيضًا، وإثر يضبط بكسر الهمزة وسكون المثلثة وبفتحتين بمعنى: بَعْدَ، وعلى عقبه، وأصله أثر الأقدام.\n٢٦٠٨ - [٥] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (صلاة المغرب والعشاء بجمع) صلاهما في وقت العشاء، هذا الحصر من ابن مسعود متروك الظاهر؛ لأنه قد صلى الظهر والعصر بعرفات في وقت الظهر، كذا قال الكرماني، وقال الشيخ ابن الهمام (١): كأنه ترك جمع عرفة لشهرته.\nوقوله: (قبل ميقاتها) بأن قدَّم على وقت ظهور طلوع الصبح للعامة، وقد ظهر لرسول اللَّه -ﷺ- طلوعه، وقد جاء في (صحيح البخاري) عن ابن مسعود حديث مفسر لهذا الحديث، ومصرِّح بأنه صلى حين طلوع الفجر لا قبله، والغرض أن استحباب الصلاة في أول الوقت في هذا اليوم أشدّ وآكد.\n٢٦٠٩ - [٦] (ابن عباس) قوله: (في ضعفة أهله) المراد بالضعفة النساء والصبيان كما سيأتي من الأحاديث، وجاء في رواية النسائي عن الفضل بن عباس أنه\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ٤٨).","vol":"5","page":367},{"text":"٢٦١٠ - [٧] وعَنْهُ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ -وَكَانَ رَدِيفَ النَّبِيِّ (١) -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ فِي عَشِيَّةِ عَرَفَةَ وَغَدَاةِ جَمْعٍ لِلنَّاسِ حِينَ دَفَعُوا: \"عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ\"، وَهُوَ كَافٌّ نَاقَتَهُ حَتَّى دَخَلَ مُحَسِّرًا، وَهُوَ مِنْ مِنًى،\nــ\nقال: أمر رسول اللَّه -ﷺ- ضعفة بني هاشم أن يخرجوا من جمع في الليل، وفي رواية أخرى عند أبي داود والنسائي عن ابن عباس: قدَّم رسول اللَّه -ﷺ- ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب على حمر، وأمرهم أن لا يرموا حتى تطلع الشمس كما يأتي، وجاء في رواية أبي داود عن عائشة: أنه -ﷺ- أرسل أم سلمة ليلة النحر، وفي رواية للبخاري ومسلم والنسائي: استأذنت سودة رسول اللَّه -ﷺ- أن تخرج ليلة جمع، وكانت امرأة ثقيلة ثبطة، وفي رواية: ضخمة ثبطة، وفي رواية مسلم والنسائي عن أم حبيبة أنها قالت: أرسلني رسول اللَّه -ﷺ- ليلة الجمع، فيحتمل أن يكون قد أرسلهن كلهن، ثم جاء في بعض الروايات أنه أمر بالرمي بعد الطلوع، وفي بعضها قبل الفجر، وفي بعضها مطلق ساكت عن ذلك، فذهب الشافعي وأحمد -رحمهما اللَّه- إلى أنه يجوز رمي جمرة العقبة بعد نصف الليل، وعند الإمام أبي حنيفة -﵁- لا يجوز إلا بعد طلوع الشمس آخذًا بحديث ابن عباس الآتي أن يرمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس، واللَّه أعلم.\n٢٦١٠ - [٧] (الفضل بن عباس) قوله: (وهو كافٌّ ناقته) أي: كان يكفها من الإسراع.\nوقوله: (وهو) أي: وادي محسر (من منى) وقيل: من مزدلفة، والتحقيق أنه كالبرزخ بين مزدلفة ومنى كما مر.\n_________\n(١) في نسخه: \"رسول اللَّه\".","vol":"5","page":368},{"text":"قَالَ: \"عَلَيْكُمْ بِحَصَى الْخَذْفِ الَّذِي يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةَ\". وَقَالَ: لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الْجَمْرَةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٨٢]\n٢٦١١ - [٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَفَاضَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِنْ جَمْع وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، وَأَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ، وَأَوْضَعَ فِي وَادِي مُحَسِّرٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ. وَقَالَ: \"لَعَلِّي لَا أَرَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا\". لَمْ أَجِدْ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الصَّحِيحَيْنِ. . . . .\nــ\nوقوله: (عليكم بحصى الخذف الذي يرمى به) أي: يلزمكم أن ترفعوا حصاة لترموا بها الجمرة، ثم اختلفوا أنه يرفعها من الطريق وهو ظاهر الحديث، وجاء في بعض الروايات رفعها من المزدلفة، وهذا منقول من ابن عمر وسعيد بن جبير، والمختار أنه يجوز أن يرفع من أيِّ مكان شاء إلا الجمرات التي رَمَى بها، ويجوز بها أيضًا لكن الأفضل أن لا يرمي بها.\nثم اختلفوا في أن يرفع سبع حصيات لرمي يوم النحر فقط، ونص الشافعي -﵀- استحباب ذلك، أو سبعين حصاة: سبعة ليوم النحر، وثلاثًا وستين لما بعده من الأيام، فظاهر إفراد الجمرة ينظر إلى القول الأول، واللَّه أعلم.\nوقوله: (حتى رمى الجمرة) أي: جمرة العقبة يوم النحر، وعند ذلك قطع التلبية.\n٢٦١١ - [٨] (جابر) قوله: (وأوضع) أي: أسرع.\nوقوله: (لم أجد هذا الحديث في الصحيحين) أي: في أحاديثهما حتى يشمل (جامع الأصول)، و(الجمع بين الصحيحين) للحميدي، فافهم.\nوهذا اعتراض على صاحب (المصابيح) في إيراده في الصحاح.","vol":"5","page":369},{"text":"إِلَّا فِي \"جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ\" مَعَ تَقْدِيمِ وَتَأْخِيرٍ. [ت: ٨٨٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-675> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٦١٢ - [٩] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"إِنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَدْفَعُونَ مِنْ عَرَفَةَ حِينَ تَكُونُ الشَّمْسُ كَأَنَّهَا عَمَائِمُ الرِّجَالِ فِي وُجُوهِهِمْ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ، وَمِنَ الْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ حِينَ تَكُونُ كَأَنَّهَا عَمَائِمُ الرِّجَالِ فِي وُجُوهِهِمْ، وَإِنَّا لَا نَدْفَعُ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَنَدْفَعُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، هَدْيُنَا مُخَالِفٌ لِهَدْي عَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَالشِّرْكِ\". . . . .\nــ\nوقوله: (إلا في جامع الترمذي) استثناء منقطع.\nالفصل الثاني\n٢٦١٢ - [٩] (محمد بن قيس) قوله: (حين تكون الشمس كأنها عمائم الرجال في وجوههم) نقل الطيبي (١) عن القاضي: شبَّه ما يقع من ضوء الشمس حينما دنت من الأفق بالعمامة؛ لأنه يلمع في وجهه لمعان بياض العمامة، انتهى. وقيل: المراد كأن الشمس حين غاب نصفها عمامة على رأس الجبل؛ لأن شكل العمامة شكل نصف الكرة.\nفإن قلت: قوله: (في وجوههم) يدل على ما ذكره الطيبي؟ قلت: نعم إن كان متعلقًا بقوله: (تكون الشمس)، وليس بمتعيِّن، بل يحتمل أن يتعلق بـ (عمائم الرجال) ظرفًا مستقرًا.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٢٩١).","vol":"5","page":370},{"text":"رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ. وَقَالَ: \"خَطَبَنَا\" وَسَاقَهُ بِنَحْوِهِ. [ق: ٥/ ١٢٠].\n٢٦١٣ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ -أُغَيْلِمَةَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ- عَلَى حُمُرَاتٍ،\nــ\nوقوله: (رواه البيهقي، وقال) فيه: (خطبنا، وساقه بنحوه) في الكتاب ههنا بياض، وهذه العبارة كتبها الجزري في الحاشية، وفي تخريج ابن حجر: أخرجه البيهقي من حديث مِسْوَر بن مَخْرَمة.\n٢٦١٣ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (أغيلمة) بالنصب على الاختصاص، مثل (إنا معاشر الأنبياء)، وأما القول بإبداله من الضمير في (قدَّمَنا) كما قال الطيبي، ففيه أن إبدال الظاهر من ضمير المتكلم بدلَ الكل غيرُ جائز كما ذكر في كتب النحو.\nو(أغيلمة) بضم الهمزة وفتح الغين تصغير أَغْلِمة جمع غلام، وقال في (النهاية) (١) وتبعه التُّوربِشْتِي: إن أغلمة لم يجع في جمع غلام، وإنما جمعه غلمة وغلمان، كما قال في (الصحاح) (٢)، ولكنهم صغروا أغلمة وإن لم يستعمل، ومثله أُصيبية تصغير أصبية، ولم يجئ، وإنما جاء: صبية، هذا وقد يوجد في بعض نسخ (القاموس): أن جمع غلام: أغلمة وغلمان، واللَّه أعلم.\nوقوله: (على حمرات): جمع حمر بضمتين: جمع حمار، كذا في (مجمع البحار) (٣)، هذا ولكن المفهوم من كتب اللغة أنه جمع حمار، قالوا: الحمار يجمع على حمر وحمير وأحمرة وحمور وحمرات، وكأنهم أرادوا بجمعه ما يشمل جمعه وجمع جمعه.\n_________\n(١) \"النهاية\" (١/ ١٧)، وانظر: \"كتاب الميسر\" (٢/ ٦١٢).\n(٢) \"الصحاح\" (٥/ ١٩٩٧).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٥٥٨).","vol":"5","page":371},{"text":"فَجَعَلَ يَلْطَحُ أَفْخَاذَنَا، وَيَقُولُ: \"أُبَيْنِيَّ،\nــ\nو(اللطح) بالحاء المهملة، لطحه: ضربه ببطن كفه، أو ضربًا ليِّنا على الظهر، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (أبيني) صحح بضم الهمزة وفتح الباء وسكون الياء وكسر النون وفتح الياء المشددة في الآخر، نقل الطيبي (٢) عن (النهاية): أنه تصغير أبنى كأعمى وأُعيمى، وهو اسم مفرد يدل على الجمع، وقيل: إن ابنا يجمع على أبنا مقصورًا وممدودًا، وقيل: هو تصغير ابن، وفيه نظر. وقال أبو عبيد: هو تصغير بَنِيَّ جمع ابن مضافًا إلى النفس، فهذا يوجب أن يكون اللفظ في الحديث أبيني بوزن سُرَيْجي، انتهى.\nلا يخفى أن أبنى على وزن أعمى ليس لفظًا مستعملًا بكون مفرد أبنا جمع ابن، ولم يذكر في الكتب المشهورة في اللغة، ولعل هذا القائل وجده، فاعتبِر، واللَّه أعلم.\nنعم لو ثبت جمع ابن على أبنا مقصورًا فذلك وجه، أو يقال: الجمع هو الممدود لكن يقصر على غير القياس، وأما القول بكونه تصغير ابن فوجهوه بأن يعتبر ابن مقطوع الهمزة ويصغر على أُبين، ثم يجمع على أُبينون، ثم يحذف النون للإضافة ويعل إعلال مسلميَّ، وقد استشهد التُّوربِشْتِي على استعمال أبينون محذوف النون للإضافة ببيت (الحماسة) وغيرها، وضعَّف هذا القول أن همزة الابن للوصل، وأصل ابن: بَنَوٌ، وجمعه: بنون، ولا يقال فيه: ابنون، فكيف يصح ذلك، والقاعدة أن يصغر على الأصل ويردّ المحذوف؟\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٣٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٦/ ١٩٩٦).","vol":"5","page":372},{"text":"لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ١٩٤٠، ن: ٣٠٦٤، جه: ٣٠٢٥].\n٢٦١٤ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِأُمِّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ، فَرَمَتِ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ،\nــ\nوقوله: (لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس) اختلف في وقت رمي هذه الجمرة، فقال الشافعي وأحمد في رواية: يجوز قبل طلوع الفجر إذا كان بعد نصف الليل؛ لحديث أم سلمة -﵂- الآتي، لكن فيه مقال، وعندنا وعند أحمد في الأشهر: يجوز بعد طلوع الفجر ولا يجوز قبل ذلك، والأفضل عندنا أن يكون بعد طلوع الشمس وإن جاز بعد طلوع الفجر أيضًا جمعًا بين الأحاديث، وذهب بعض العلماء إلى أنه جاز للمعذور ولا يجوز للقادر، وفي (شرح ابن الهمام) (١): بعد طلوع الفجر جائز مع إساءة، وبعد طلوع الشمس إلى الزوال وقت مسنون، وآخر الوقت إلى غروب الشمس، كذا روي في (الموطأ) عن ابن عمر، وإن رمى في الليل لم يلزم شيء، وإن أخّر إلى الغد رمى ويلزم الدم.\n٢٦١٤ - [١١] (عائشة) قوله: (فرمت الجمرة قبل الفجر) هذا الحديث مستند الشافعي، وفي (سفر السعادة) (٢): إن في إسناد هذا الحديث مقالات، وأساطين الحديث ينكرونه، وهذا في حديث أبي داود، ولكن جاء في رواية النسائي (٣) مبهمًا: أنه -ﷺ- أمر إحدى نسائه من جمع أن ترمي جمرة العقبة وتصبح في منزلها، فيحتمِل ذلك أن\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ٥٠٠).\n(٢) \"سفر السعادة\" (ص: ١٧٩).\n(٣) \"سنن النسائي\" (٣٠٦٦).","vol":"5","page":373},{"text":"ثُمَّ مَضَتْ فَأَفَاضَتْ، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْيَوْمَ الَّذِي يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عِنْدَهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٩٤٢].\n٢٦١٥ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: يُلَبِّي الْمُقِيمُ، أَوِ الْمُعْتَمِرُ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. [د: ١٨١٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-676> الْفَصْلُ الْثَّالِثُ:</span>\n٢٦١٦ - [١٣] عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُرْوَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ الشَّرِيدَ يَقُولُ: أَفَضْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. . . . .\nــ\nتكون أم سلمة أو سودة كما جاء في رواية أخرى، وفي أخرى وقعت أم حبيبة، لكن سكت فيها عن الرمي قبل طلوع الصبح أو بعده.\nوقوله: (فأفاضت) أي: طواف الإفاضة وهو طواف الزيارة.\nوقوله: (وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون. . . إلخ)، أي: كان يوم نوبتها، كأنه إشارة إلى سبب استعجالها في الرمي والإفاضة، واللَّه أعلم.\n٢٦١٥ - [١٢] (ابن عباس) قوله: (يلبي المقيم) المراد مَن يقيم بمكة ويعتمر، وفي (المصابيح): قال ابن عباس: يلبي المعتمر حتى يَفْتَتِح الطواف، ويروى: حتى يستلم، ورفعه بعضهم، انتهى (١).\nالفصل الثالث\n٢٦١٦ - [١٣] (يعقوب بن عاصم بن عروة) قوله: (أنه سمع الشريد) بفتح المعجمة وكسر راء وبتحتية فدال مهملة.\n_________\n(١) قال القاري (٥/ ١٨١٢): أقول: كأن أبا داود رواه مرفوعًا.","vol":"5","page":374},{"text":"فَمَا مَسَّتْ قَدَمَاهُ الأَرْضَ حَتَّى أَتَى جَمْعًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٩٢٠].\n٢٦١٧ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ الْحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ عَامَ نَزَلَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ، سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ: كَيْفَ نَصْنَعُ فِي الْمَوْقِفِ يَوْمَ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ سَالِمٌ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَهَجِّرْ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: صَدَقَ، إِنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ. . . . .\nــ\nوقوله: (فما مست قدماه الأرض حتى أتى جمعًا) عبارة عن الركوب من عرفة إلى الجمع، والمراد أنه -ﷺ- ما مشى وما سلك الطريق في سيره من عرفة إلى مزدلفة، وإلا فقد جاء في (صحيح البخاري (١» من حديث أسامة بن زيد: أن النبي -ﷺ- حيث أفاض من عرفة مال إلى الشعب، فقضى حاجته فتوضأ، فقلت: يا رسول اللَّه -ﷺ-! أتصلي؟ قال: (الصلاة أمامك)، وفي حديث آخر عنه: أنه لما بلغ -ﷺ- الشعب الأيسر الذي دون المزدلفة أناخ فبال ثم جاء، الحديث.\n٢٦١٧ - [١٤] (ابن شهاب) قوله: (نزل بابن الزبير) أي: بارز وقاتل.\nوقوله: (سأل عبد اللَّه) أي: ابن عمر، وعبد اللَّه وإن كان عند الإطلاق ينصرف إلى عبد اللَّه بن مسعود، لكن لم يكن عبد اللَّه بن مسعود إذ ذاك، لأنه مات في زمن عثمان -﵄-.\nوقوله: (فقال سالم) وهو ابن عبد اللَّه بن عمر.\nوقوله: (فهجر بالصلاة) أي: صلاة الظهر والعصر، أي: صل بالهجر، أي: نصف النهار، أي: عجِّل بها.\nوقوله: (كانوا يجمعون بين الظهر والعصر) أي: في وقت الظهر في\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (رقم: ١٦٦٧، ١٦٦٩).","vol":"5","page":375},{"text":"فِي السُّنَّةِ. فَقُلْتُ لِسَالِمٍ: أفعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَقَالَ سَالِمٌ: وَهَلْ يَتَّبِعُونَ ذَلِكَ إِلَّا سُنَّتَهُ؟ ! رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٥٧٠].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-677>٦ - باب رمي الجمار</span>\nــ\nالهجر بعرفة.\nوقوله: (في السنة) أي: لأجل السنة واتباعها، وقال الطيبي: أي: متوغلين في السنة ومتمسكين بها.\nوقوله: (هل يتبعون ذلك) أي: التهجر (إلا سنته) أي: لسنته، أو التقدير: هل يتبعون في ذلك إلا سنته؟ وهذا القول من سالم في مقابلة ذلك الظالم العنيد العتيد من كمال دينه وقوته وتصلبه وسلامته من المساهلة والمداهنة، ولهذا روي أنه قال عبد اللَّه بن عمر: ولقد أحسنت أمه حيث سمَّته سالمًا، أو قولًا هذا معناه.\n٦ - باب رمي الجمار\nوهو واجب عندنا في الأيام كلها، والجمار: الأحجار الصغار، ومنه سمي جمار الحج للحصا التي ترمى بها، وأما موضع الجمار بمنى فسمى جمرة لأنها ترمى بالجمار، أو لأنها مجتمع حصاة ترمى بها، والجمر يجيء بمعنى الجمع كثيرًا، أو من أجمر بمعنى أسرع، ومنه أن آدم ﵇ رمى بمنى فأجمر إبليسُ بين يديه، أي: أسرع (١).\n_________\n(١) وذكر شيخنا في \"الأوجز\" (٨/ ٣٠٢ - ٣٠٨) أحكام الرمي وما يتعلق بالتفصيل فلينظر ثمة.","vol":"5","page":376},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-678> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٦١٨ - [١] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَقُولُ: \"لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٩٧].\nــ\nالفصل الأول\n٢٦١٨ - [١] (جابر) قوله: (لتأخذوا) هي لام الأمر دخل على أمر المخاطب كما في قوله تعالى: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]، أو لام التعليل والمعلل محذوف، أي: فعلت ما فعلت لتأخذوا.\nوفي الحديث دليل على جواز الرمي راكبًا، وقال في (الهداية): وكل رمي بعده رمي فالأفضل أن يرميه ماشيًا، وإلا فيرميه راكبًا؛ لأن الأول بعده وقوف ودعاء، فيرمي ماشيًا ليكون أقرب إلى التضرع، وبيان الأفضل مروي عن أبي يوسف ﵀ (١).\nفعلى هذا يرمي جمرة العقبة راكبًا، سواء كان في يوم النحر أو في أيام بعده لأنه ليس بعده رمي، وحكي عن إبراهيم بن جراح أنه قال: دخلت على أبي يوسف في مرضه الذي مات، ففتح عينه فقال: الرمي راكبًا أفضل أم ماشيًا؟ فقلت: ماشيًا، فقال: أخطأت، فقلت: راكبًا، قال: أخطأت، ثم قال: كل رمي بعده وقوف فماشيًا أفضل، وما ليس بعده وقوف فراكبًا أفضل، فقمت من عنده فما انتهيت إلى باب الدار حتى سمعت الصراخ بموته، فتعجبتُ من حرصه على العلم في مثل تلك الحالة.\nهذا والذي جاء في الأحاديث الصحيحة أنه -ﷺ- رمى جمرة العقبة يوم النحر\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ١٤٨٧).","vol":"5","page":377},{"text":"٢٦١٩ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَمَى الْجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٩٩].\n٢٦٢٠ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: رَمَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَأَمَّا بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٤، م: ١٣٠٠].\n٢٦٢١ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى، فَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَرَمَى بِسَبع حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٤٧، م: ١٢٩٦].\nــ\nراكبًا، وفي الأيام الأُخر رمى ماشيًا في الكل، وقد جاء في بعض كتب الفقه: أنه رمى راكبًا في الكل، ووجهوه بأنه فعله ليكون أظهر للناس حتى يقتدوا به فيما يشاهدون منه، والأول أصح، واللَّه أعلم.\n٢٦١٩ - [٢] (عنه) قوله: (بمثل حصى الخذف) مر شرحه.\n٢٦٢٠ - [٣] (عنه) قوله: (وأما بعد ذلك) يعني: أيام التشريق، فرميها لا يجوز إلا بعد الزوال.\n٢٦٢١ - [٤] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (إلى الجمرة الكبرى) وهي الجمرة التي في جانب مسجد الخيف.\nوقوله: (هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة) يعني رسول اللَّه -ﷺ- وإنما خص (سورة البقرة) بالذكر؛ لأن مناسك الحج مذكور فيها، وأما ما قيل: خصت لأنها التي ذكر فيها الرمي. قال الشيخ: ولم أعرف موضع ذكر الرمي فيها، قلت: لعل الإشارة إلى ذكر الرمي في قوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي","vol":"5","page":378},{"text":"٢٦٢٢ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الِاسْتِجْمَارُ تَوٌّ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ تَوٌّ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَوٌّ، وَالطَّوَافُ تَوٌّ، وَإِذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ بِتَوٍّ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٠٠].\nــ\nيَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، فإن الرمي في تلك الأيام، وينبئ عنه أول حديث عائشة في (الفصل الثاني).\nوقيل: المراد: أنزل عليه القرآن، وإنما خص (سورة البقرة) لكونها أطول السور وأرفعها، كما ورد: (لكل شيء سثام وسنام القرآن سورة البقرة) (١)، وأكثرها اشتمالًا للأحكام الشرعية، والمعنى الأول أنسب وأشبه.\n٢٦٢٢ - [٥] (جابر) قوله: (الاستجمار توّ) التوُّ بفتح الفوقانية وتشديد الواو: الفرد، أي: وتر لا شفع، يقال: جاء الرجل تَوًّا: إذا جاء وحده، ووجَّه فلان من خيله بألف توٍّ، أي: بألف واحد، والمراد بالاستجمار التمسح بالجمار، وهي الحجارة الصغار، أي: الاستنجاء السنة فيه ثلاثة أحجار، وقيل: المراد به البخور، بأن يأخذ منه ثلاث قطع أو ثلاث مرات.\n(ورمي الجمار تو) أي: سبع، وكذا في السعي والطواف، وفي بعض الروايات لم يذكر رمي الجمار بل أريد بالاستجمار ذلك.\nوقوله: (وإذا استجمر أحدكم فليستجمر بتو) تكرير وتأكيد للحكم الأول مبالغة في رعاية التثليث في الاستنجاء، وقيل: ليس بتكرير، فإن قوله: (الاستجمار تو) بيان لكرَّات الفعل، وقوله: (إذا استجمر) بيان عدد الأحجار، ولا يخفى ما فيه.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٢٨٧٨)، وابن حبان في \"صحيحه\" (٧٨٠).","vol":"5","page":379},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-679> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٦٢٣ - [٦] عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: \"رَأَيْتُ النَّبِيَّ (١) -ﷺ- يَرْمِي الْجَمْرَةَ يَوْمَ النَّحْرِ عَلَى ناقَةٍ صَهْبَاءَ، لَيْسَ ضَرْبٌ، وَلَا طَرْدٌ، وَلَيْسَ قِيلُ إِلَيْكَ إِلَيْكَ\". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. [الأم: ٢/ ٢١٣، ت: ٩٠٣، ن: ٣٠٦١، جه: ٣٠٣٥، دي: ٢/ ٦٢].\n٢٦٢٤ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّمَا جُعِلَ رَمْيُ الْجِمَارِ وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ\". . . . .\nــ\nالْفَصْلُ الثَّانِي\n٢٦٢٣ - [٦] (قدامة بن عبد اللَّه) قوله: (عن قدامة) بضم القاف وتخفيف الدال (ابن عبد اللَّه بن عمار) بفتح العين وتشديد الميم. (والصهباء) الناقة التي يعلو بياضَها حمرة تخالطها، وهو أن يحمر أعلى الوبر وتبيضَّ أجوافه، وفي (القاموس) (٢): الصهب محركة: حمرة أو شقرة في الشعر.\nوقوله: (ليس قيل) بكسر القاف وسكون الياء بمعنى القول اسم (ليس)، (وإليك) بمعنى: تنحَّ وابعد.\nوقوله: (والترمذي) ليس في حديث الترمذي لفظ (ابن عمار) وليس في حديثه ذكر (صهباء).\n٢٦٢٤ - [٧] (عائشة) قوله: (إنما جعل رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر اللَّه). . . . .\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول اللَّه\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٢).","vol":"5","page":380},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٩٠٢، دي: ٢/ ٥٠].\n٢٦٢٥ - [٨] وَعَنْهَا قَالَتْ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ألَا نَبْنِي لَكَ بِنَاءً يُظِلُّكَ بِمِنًى؟ قَالَ: \"لَا، مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٨٨١، جه: ٣٠٠٦، دي: ٢/ ٧٣].\nــ\nلما كان أفعال الحج كثرها مما (١) لا يدرك العقلُ أسرارَها، ووجهَ كونها عبادة خصوصًا مثل رمي الجمار والسعي من هنا إلى ههنا، بل هو أمور تعبدية محضة، أشار إلى أن شرع كل منها لإقامة ذكر اللَّه في حد أنفسها، وبما يقارنها من الأذكار والأدعية، وإن لم يظهر عند العقل، على أن العاقل إذا تفكر في السعي والرمي مثلًا يتحير، ولم يفهم منها إلا التعبد المحض، ويرى عقلَه معزولًا مضمحلًّا عند تلك الحركات، فلا يرى غير اللَّه ولا يذكر سواه.\n٢٦٢٥ - [٨] (عنها) قوله: (قال: لا) أي: لا تبنوا، و(المناخ) موضع إناخة الإبل، والمراد هنا المنزل، يعني: أن منى ليست مختصًّا بأحد، وإنما هو موضع العبادة، فلو أجيز فيها البناء لكثرت الأبنية وتضيَّق المكان بالشوارع ومقاعد الأسواق، وهذا توجيه الشافعية، وعندنا وجه النهي: أن أرض الحرم موقوفة، لأن رسول اللَّه -ﷺ- فتح مكة قهرًا، وجعل أرض الحرم موقوفة، فلا يجوز أن يتملكها أحد، وقال بعضهم: إنما لم يأذن في البناء لنفسه والمهاجرين بمنى؛ لأنها دار هاجروا منها للَّه تعالى، فلم يختاروا أن يعودوا إليها أو يقيموا فيها، وقد سبق شيء من ذلك في (باب صلاة السفر).\n_________\n(١) لفظ \"مما\"، لم يثبت إلا في (ب).","vol":"5","page":381},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-680> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٦٢٦ - [٩] عَنْ نَافِعٍ قَالَ: إِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقِفُ عِنْدَ الْجَمْرَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ وُقُوفًا طَوِيلًا يُكَبِّرُ اللَّه، وَيُسَبِّحُهُ، وَيَحْمَدُ، وَيَدْعُو اللَّهَ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ١/ ٤٠٦].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-681>٧ - باب الهدي</span>\nــ\nالفصل الثالث\n٢٦٢٦ - [٩] (نافع) قوله: (ويحمده) من الحمد أو من التحميد.\nوقوله: (ولا يقف عند جمرة العقبة) وسيجيء في (باب خطبة يوم النحر) أنه قال: هكذا رأيت النبي -ﷺ- يفعله، ويذكر هناك وجه عدم الوقوف عند جمرة العقبة، والوقوف عند الجمرتين الأخريين إن شاء اللَّه تعالى.\n٧ - باب الهدي\nهو بفتح وسكون، وبفتح وكسر وتشديد، والأول لغة أهل الحجاز والآخرين، وهي لغة القرآن، والثاني لغة بني تميم مع آخرين، وقرئ بهما، وواحدهما هَدْيَةٌ وهَدِيَّةٌ، وهو ما يُهدى إلى الكعبة من النعم لتنحر، وقد يطلق على مطلق الإبل وإن لم يكن هديًا، يقال: كم هدي بني فلان؟ أي: كم إبلهم، وسمي هديًا لأن صاحبه يتقرب به ويُهديه إلى اللَّه تعالى كالهدية يُهديها الرجل لغيره.\nوالهدي من الإبل والبقر، وفي الغنم خلاف، وعندنا جاز الهدي من الغنم،","vol":"5","page":382},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-682> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٦٢٧ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ، فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الأَيْمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ. . . . .\nــ\nقال في (الهداية) (١): الهدي أدناه شاة، لما روي أنه ﵇ سئل عن الهدي قال: (أدناه شاة)، وقال: وهو من ثلاثة أنواع: الإبل، والبقر، والغنم؛ لأنه ﵇ لما جعل الشاة أدنى فلا بد أن يكون له أعلى وهو البقر والجزور، ولأن الهدي ما يهدى إلى الحرم ليتقرب به، والأصناف الثلاثة سواء في هذا المعنى، ولا يجوز في الهدايا إلا ما جاز في الضحايا؛ لأنه قربة تعلقت بإراقة الدم كالأضحية فيتخصصان بمحلٍّ واحد.\nالفصل الأول\n٢٦٢٧ - [١] (ابن عباس) قوله: (ثم دعا بناقته) أي: التي أراد أن يجعلها هديًا، (فأشعرها) الإشعار: أن يشق أحد سنامي البُدن حتى يسيل دمها، وهو سنة لتعرف أنها هدي، ولتتميز إن خلطت، وعُرفت إذا ضلّت، ويرتدع السرَّاق عنها، ويأكلها الفقراء إذا ذبح حين تعطب، وهو من شعرت بمعنى علمت، وقال في (القاموس): أشعر البدن: أعلمها، وهو أن يشق جلدها أو يطعنها حتى يظهر الدم، و(الصفحة): الجانب، ومنك: جنبك، ومن الوجه والسيف: عرضه، و(السنام) بفتح السين معروف، كذا في (القاموس) (٢).\nوقوله: (الأيمن) صفة (صفحة) بتأويل جانب.\nوقوله: (وسلت الدم) أي: أماطه، يقال: سلتت الخضاب عن يدها: إذا مسحته\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ١٨١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٣٦).","vol":"5","page":383},{"text":"عَنْهَا، وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٤٣].\nــ\nوألقته، وأصله القطع، يقال: سلت الشيء: قطعه، وسلت أنفه، أي: جدعه، وسلت الشعر: حلقه، وسلت القصعة: مسحها بإصبعه، هذا وقال في (القاموس) (١): سلت دم البدنة: قشره حتى أظهر دمها.\nقوله: (قلدها نعلين) أي: جعلها قلادةً في عنقه، قالوا: وكان من عادة الجاهلية إشعار الهدي وتقليده بنعل أو عروة أو لحاء شجرة أو غير ذلك، فقرره الإسلام أيضًا لصحة الغرض، واتفقوا على أن الغنم لا تُشعر لضعفها؛ ولأنه يستر بالصوف، ويقلد.\nواعلم أن الإشعار سنة عند جمهور الأئمة، وروي عن أبي حنيفة أنه يستحب التقليد، والإشعار مكروه بدعة لأنه مُثلة وتعذيب للحيوان وهو حرام، وإنما فعله -ﷺ- لأن المشركين لا يمتنعون عن تعرضه إلا بالإشعار، وقالوا: إنه مخالف للأحاديث الصحيحة الواردة بالإشعار وليس مثلة، بل هو كالفصد والحجامة والختان والكي للمصلحة، وأيضًا تعرض المشركين في ذلك الوقت كان بعيدًا؛ لقوة الإسلام وشوكة الدين، هذا هو المشهور فيما بينهم.\nوقد قيل: إن كراهة أبي حنيفة الإشعار إنما كان من أهل زمانه، كانوا يبالغون فيه بحيث يُخاف سراية الجراحة وفساد العضو، وكان يقول: يكفي التقليد في الإحرام ولا حاجة إلى الإشعار؛ لأن الإشعار مكروه، أو كره أن يشعر ولا يقلد، وأيضًا كان الناس في زمانه تركوا الإشعار، ولم يبق الإشعار علامة للإحرام، والذين يفعلون\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٥٥).","vol":"5","page":384},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nكانوا يبالغون فيه ويتجاوزون عن الحد، فكره لذلك، واللَّه أعلم.\nقال التُّوربِشْتِي (١): قد اختلف في الإشعار بالطعن وإسالة الدم، فرآه الجمهور، ونفرَ عنه نفرٌ، وقد صادقتُ [بعض] علماء الحديث [يشدِّد] في النكير على من أباه، حتى أفضَتْ مقالته إلى الطعن فيه، والادعاءِ بأنه عاند رسول اللَّه -ﷺ- في قبول سنته، وكيف يَسُوغ الطعن في أئمة الاجتهاد، وهم في اللَّه يكدحون وعن سنة نبيه يتناضلون، وأنَّى يظن بهم ذلك؟ ولم يدر أن سبيل المجتهد غير سبيل الناقل، وأن ليس للمجتهد أن يسارع إلى قبول النقل والعمل به إلا بعد الاطمئنان والإيقان وتصفح العلل والأسباب، فلعله علم من ذلك ما لا يعلمه غيره، وغاية ما يرمى به المجتهد في قضية يوجد فيها حديث فخالفه، أن يقال: لعله لم يبلغه الحديث، أو بلغه بطريق لم ير قبوله، على أن النبي -ﷺ- ساق بعضر هديه من ذي الحليفة وساق بعضها من قديد -موضع بين مكة والمدينة، اشترى [-ﷺ- هديه] منه كما روى ابن عمر -﵄- وبعضها أتى به عليٌّ -﵁- من اليمن، أفلا يحتمل أن يتامل المجتهد في فعل النبي -ﷺ-، فيرى أن النبي -ﷺ- إنما أقام الإشعار في واحدة، ثم تركه في البقية حيث رأى الترك أولى لا سيما والترك آخر الأمرين، واكتفى بالإشعار عن التقليد، وهو يسد مسده في المعنى المطلوب، والإشعار يجهد البدنة، وفيه ما لا يخفى من أذية الحيوان، وقد نهى عن ذلك قولًا، ثم استغنى عنه بالتقليد، ولعله بهذه الاحتمالات رأى القول بذلك؛ لأن النبي -ﷺ- قد حج وقد حضره الجم الغفير، ولم يروِ حديث الإشعار إلا شرذمة قليلون، فنظر المجتهد إلى تلك العلل والأسباب، ورأى كراهة الإشعار جمعٌ من التابعين، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٦١٥).","vol":"5","page":385},{"text":"٢٦٢٨ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَهْدَى النَّبِيُّ -ﷺ- مَرَّةً إِلَى الْبَيْتِ غَنَمًا، فَقَلَّدَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٠١، م: ٣٦٧].\n٢٦٢٩ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ عَائِشَةَ بَقَرَةً يَوْمَ النَّحْرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣١٩].\n٢٦٣٠ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: نَحَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَنْ نِسَائِهِ بَقَرَةً فِي حَجَّتِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣١٩].\n٢٦٣١ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا، وَأَشْعَرَهَا، وَأَهْدَاهَا، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ أُحِلَّ لَهُ. . . . .\nــ\n٢٦٢٨ - [٢] (عائشة) قوله: (فقلدها) عُلم من هذا أنه لا إشعار في الغنم.\n٢٦٢٩ - [٣] (جابر) قوله: (عن عائشة) أي: من جهتها ولأجلها، ولعله كان ذلك بإذنها؛ لأن التضحية عن الغير لا تجوز بغير إذنه.\n٢٦٣٠ - [٤] (عنه) قوله: (عن نسائه بقرة) إن كان عن نسائه كلها فهو متمسَّك مالك في اكتفاء البقرة والبعير عن أهل البيت جميعًا وإن كانوا أكثر من سبعة، واللَّه أعلم (١).\n٢٦٣١ - [٥] (عائشة) قوله: (وأهداها) أي: مع أبي بكر في السنة التاسعة، لم يحج بنفسه الكريمة، وأمَّر أبا بكر، وبعثه حتى يحج بالناس.\nوقوله: (فما حرم عليه من شيء) يعني: لم يجر عليه أحكام الإحرام.\n_________\n(١) في \"التقرير\": عن نسائه، أي: السبعة، وأما الباقية فلعله أخذ لها أضحية أخرى، وقال القاري (٥/ ١٨١٩): ويمكن أن يكون هذا تطوعًا، كما ضحى عن أمته، وليس في الحديث ما يدل على كونها أضحية مع أن الأضحية غير واجبة على الحاج لا سيما المسافرين عندنا، انتهى.","vol":"5","page":386},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٩٦، م: ١٣٢١].\n٢٦٣٢ - [٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: \"فَتَلْتُ قَلَائِدَهَا مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدِي، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٠٥، م: ١٣٢١].\n٢٦٣٣ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنةً، فَقَالَ: \"اركَبْهَا\". فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنة. قَالَ: \"ارْكَبْهَا\". فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنةٌ. قَالَ: \"ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ\" فِي الثَّانِيَةِ، أَوِ الثَّالِثَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٨٩، م: ١٣٢٢].\n٢٦٣٤ - [٨] وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْي، فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: . . . . .\nــ\nوإنما قالت عائشة هذا ردًّا لما بلغها من فتوى ابن عباس فيمن بعث هديًا إلى مكة: أنه يَحرم عليه ما يحرم على المحرم حتى يبلغ الهدي مكة وينحر، وذكر النووي في (شرح مسلم) (١) مع ابن عباس ابنَ عمر وعطاء ومجاهدًا وسعيد بن جبير أيضًا.\n٢٦٣٢ - [٦] (عائشة) قوله: (من عهن) بكسر العين وسكون الهاء: الصوف أو الملون منه.\n٢٦٣٣ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (اركبها) ذهب قوم إلى أنه يجوز ركوب الهدي غيرَ مضرٍّ بها، وقوم آخرون إلى أنه لا يركبها إلا أن يضطر إليه، وهو قول أبي حنيفة.\n٢٦٣٤ - [٨] (أبو الزبير) قوله: (وعن أبي الزبير) هو أبو الزبير محمد بن مسلم المكي، تابعي.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ٢٨).","vol":"5","page":387},{"text":"\"ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٢٤].\n٢٦٣٥ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سِتَّةَ عَشَرَ بَدَنَةً مَعَ رَجُلٍ، وَأَمَّرَهُ فِيهَا. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَصْنعُ بِمَا أُبْدِع عَلَيَّ مِنْهَا؟ قَالَ: \"انْحَرْهَا،\nــ\nوقوله: (حتى تجد ظهرًا) أي: مركبًا، غايةٌ لقوله: (اركبها).\n٢٦٣٥ - [٩] (ابن عباس) قوله: (مع رجل) قيل: هو ناجية بالنون وجيم مكسورة وتخفيف التحتانية، الأسلمي، صاحب بدن رسول اللَّه -ﷺ-، ويقال: إنه ناجية ابن عمرو، هو معدود في أهل المدينة، وكان اسمه ذكوان، فسماه رسول اللَّه -ﷺ- ناجية، وهو الذي نزل قليب الحديبية لسهم رسول اللَّه -ﷺ- فيما قال، روى عنه عروة ابن الزبير، مات في المدينة في أيام معاوية.\nوقوله: (وأمره) أي: جعله أميرًا.\nوقوله: (بما أُبدع عليّ) بضم الهمزة وكسر الدال مسند إلى الجار والمجرور، وقد يُعدَّى بالباء كما في الحديث الآخر: (أُبْدِعَ بي فاحملني)، وهو الأصل، وتعديته بـ (على) لقصد معنى التضرر، والعائد إلى الموصول محذوف، ويجوز أن تكون (ما) مصدرية، ومعناه: عطب وهلك، في (المشارق) (١): قال بعضهم: هكذا استعملت العرب هذه اللفظة فيمن وقفت به دابته، وقال غيره: أبدعت الراحلة: إذا كلَّت وعطبت وانقطعت عن السير لكلال أو ضلع، وقيل: الإبداع لا يكون إلا بضلع، وروي: (أبدعت) مجهولًا ومعلومًا. وقال السيوطي: المعلوم أوجه وأقيس.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ١٥٧).","vol":"5","page":388},{"text":"ثُمَّ اصْبُغْ نَعْلَيْهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اجْعَلْهَا عَلَى صَفْحَتِهَا، وَلَا تَأْكُلْ مِنْهَا أَنْتَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٢٥].\nــ\nوقال القاضي عياض في حديث (فعيي بشأنها إن هي أبدعت): كذلك بضم الهمزة على ما تقدم، وفي أصل ابن عيسى من رواية ابن الحذاء: أبدعت بفتحها، والمعروف ما تقدم، وقال في هذا الحديث الذي نحن فيه: قد رواه العذري: (بدِّع) بغير همزة وتشديد الدال، والمعروف رواية غيره كما ذكرنا، انتهى.\nوقوله: (ثم اصبغ) أي: اغمس نعليها اللتين قلد بهما، و(اجعلها) أي: النعل كأنهما شيء واحد (على صفحتها) ليعلم المارة أنه هدي فيأكل منه الفقراء دون الأغنياء، و(الرفقة) بتثليث الراء وسكون القاف: جماعةٌ تُرافِقُهم، والجمع ككتاب وأصحاب وصُرد، كذا في (القاموس) (١)، وإضافة (أهل) إليه بيانية، وليس في بعض النسخ لفظ (أهل)، والصحيح ثبوته، وإنما نهاهم رفعًا للتهمة عنهم، أو قطعًا لطريق الخيانة عليهم، وهذا حكم السابق الذي بعثه مالك البدن معه، وكذلك حكم المالك.\nقال في (الهداية) (٢): وإن عطبت البدنة في الطريق، فإن كانت تطوعًا نحرها وصبغ نعلها بدمها وضرب بها صفحة سنامها، ولم يكل هو ولا غيره من الأغنياء [منها]، بذلك أمر رسول اللَّه -ﷺ- ناجية الأسلمي -﵁-، وإن كانت واجبةً أقام غيرها مقامها، وصنع بها ما شاء؛ لأنه لم يبق صالحًا لما عيَّنه، وهو ملكه كسائر أملاكه.\nبقي ما استُشكل: أنه إذا لم يأكله أحد أكلته السباع، وفيه إضاعة المال؟ وجوابه: أن العادة جارية بأن أهل البوادي يتبعون خلفهم فينتفعون، وقد يأتي قافلة أخرى فيأكلون.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨١٧).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ١٨٣).","vol":"5","page":389},{"text":"٢٦٣٦ - [١٠] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣١٨].\n٢٦٣٧ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بِدَنَتَهُ يَنْحَرُهَا، قَالَ: ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً سُنَّةَ مُحَمَّدٍ -ﷺ-. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧١٣، م: ١٣٢٠].\n٢٦٣٨ - [١٢] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لَا أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا قَالَ: \"نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧١٧، م: ١٣١٧].\n٢٦٣٩ - [١٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَرَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: . . . . .\nــ\n٢٦٣٦ - [١٠] (جابر) قوله: (البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة) يدل بظاهره على أن البدنة اسم للبعير، وكأنه باعتبار غالب الاستعمال، وإلا فهو يتناول البعير والبقرة والشاة.\n٢٦٣٧ - [١١] (ابن عمر) قوله: (قيامًا) حال، أي: انحرها قائمة (مقيدة) أي: مغلولة اليد اليسرى.\nوقوله: (سنة) بالنصب على أنه مفعول، أي: الزم سنة محمد -ﷺ-، فالسنة في الإبل النحر، وفي البقرة والغنم الذبح.\n٢٦٣٨ - [١٢] (علي) قوله: (وأن لا أعطي الجزار) أي: في أجرته لأنه في حكم البيع، وإن تصدق جاز.\n٢٦٣٩ - [١٣] (جابر) قوله: (فرخص) النهي كان لاحتياج الناس في ابتداء الأمر، فيجب التصدق عليهم ولا يتزود، ولما ارتفع الاحتياج ارتفع النهي، وكما","vol":"5","page":390},{"text":"\"كُلُوا وَتَزَوَّدُوا\" فَأَكَلْنَا، وَتَزَوَّدْنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧١٩، م: ١٩٧٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-683> الْفَصْلُ الثاني:</span>\n٢٦٤٠ - [١٤] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَهْدَى عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي هَدَايَا رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- جَمَلًا كَانَ لِأَبِي جَهْلٍ، فِي رَأْسِهِ بُرَةٌ مِنْ فِضَّةٍ -وَفِي رِوَايَةٍ: مِنْ ذَهَبٍ- يَغِيظُ بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٧٤٩].\nــ\nيأتي من حديث سلمة بن الأكوع ونبيشة -﵄-.\nثم الأكل منها إنما هو في غير ما سبق ذكره، وعند أبي حنيفة جاز الأكل من هدايا التطوع والتمتع والقران؛ لأنها دماء النسك فيجوز أكلها كالأضحية، وقد صح أنه -ﷺ- أكل من لحم الهدي وشرب من مرقها كما مرّ، ولا يجوز الأكل من الهدايا التي هي دماء كفارات الجنايات، والذي جاء في حديث ناجية الأسلمي أنه نهى عن الأكل كانت هدايا بعثها في إحصار يوم الحديبية، كذا في (الهداية) (١).\nالفصل الثاني\n٢٦٤٠ - [١٤] (ابن عباس) قوله: (في هدايا رسول اللَّه -ﷺ-) مِن وضعِ المظهَر موضع المضمر، (جملًا كان لأبي جهل) اغتنم يوم بدر (في رأسه) أي: في أنفه (برة) بضم الباء وفتح الراء مخففة: حلقة تجعل في أنف البعير أو لحمة أنفه، كذا في (القاموس) (٢).\nوقوله: (يغيظ) الغيظ: الغضب أو أشدّه أو سورته وأوله، غاظه يغيظه فاغتاظ، وفيه تلميح إلى قوله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩].\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ١٨١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٦١).","vol":"5","page":391},{"text":"٢٦٤١ - [١٥] وَعَنْ ناجِيَةَ الْخُزَاعِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ مِنَ الْبُدْنِ؟ قَالَ: \"انْحَرْهَا، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهَا فَيَأْكُلُونَهَا\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ط: ١٤٨، ت: ٩١٠، جه: ٣١٠٦].\n٢٦٤٢ - [١٦] وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارِمِيُّ، عَنْ ناجِيةَ الأَسْلَمِيِّ. [د: ١٧٦٢، دي: ١٩١٥، ١٩١٦].\n٢٦٤٣ - [١٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ أَعْظَمَ الأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ\". قَالَ ثَوْرٌ: وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّانِي. . . . .\nــ\n٢٦٤١ - [١٥] (ناجية الخزاعي) قوله: (بين الناس) المراد مَن عدا مَن كانت البدن معهم كما مر.\n٢٦٤٢ - [١٦] (ناجية الأسلمي) قوله: (ورواه أبو داودث والدارمي عن ناجية الأسلمي) الظاهر أن الاختلاف في النسبة دون الذات، ولكن ليس من دأب المؤلف التعرض لذلك في الكتاب، ولم يذكر فيما رأينا من الكتب ناجية من الصحابة إلا واحد، هو ناجية بن جندب بن عمير الأسلمي، وكان اسمه ذكوان، فسماه رسول اللَّه -ﷺ- ناجية، إذ نجا من قريش.\n٢٦٤٣ - [١٧] (عبد اللَّه بن قرط) قوله: (عن عبد اللَّه بن قرط) بضم القاف وسكون الراء وإهمال الطاء.\nوقوله: (إن أعظم الأيام) أي: من أعظم الأيام، وإلا فقد ورد في الحديث: أن أفضل الأياء يوم عرفة، فأفضل الأيام عشرة ذي الحجة ويوم النحر منها.\nوقوله: (ثم يوم القر) بفتح القاف من القرار، وهو الغد من يوم النحر، سمي به لأن الناس يقرون ويسكنون فيه بمنى بعد ما تعبوا في أداء المناسك.","vol":"5","page":392},{"text":"قَالَ: وَقُرِّبَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَدَنَاتٌ خَمْسٌ أَوْ سِتٌّ، فَطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إِلَيْهِ بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ، فَلَمَّا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا، قَالَ: فَتَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ خَفِيَّةٍ لَمْ أَفْهَمْهَا، فَقُلْتُ: مَا قَالَ؟ قَالَ: \"مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَذُكِرَ حَدِيثُ (١) ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ فِي (بَابِ الأُضْحِيَّةِ). [د: ١٧٦٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-684> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٦٤٤ - [١٨] عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ، فَلَا يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَفِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيءٌ\". فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا الْعَامَ الْمَاضِي؟ قَالَ: \"كُلُوا،\nــ\nوقوله: (يزدلفن) أي: يقربن إليه -ﷺ- قاصدين متوجهين (٢)، (بأيتهن يبدأ) والباء صلة (يبدأ).\nوقوله: (فلما وجبت) أي: سقطت (جنوبها) جمع جنب، والوجوب بمعنى السقوط، أي: سقطن على الأرض لسراية النحر.\nوقوله: (قال) أي: الراوي: (فتكلم) أي: رسول اللَّه -ﷺ- (فقلت) أي: سألت الذي يليه: (مما قال؟) فقال: (قال) -ﷺ-: (من شاء اقتطع) أي: ليقتطع من شاء من هذا الهدي شيئًا لنفسه، واستدل بعض العلماء على جواز النهب والإغارة في النثار، وقال: ليس هذا من النهب الذي نهي عنه.\nالفصل الثالث\n٢٦٤٤ - [١٨] (سلمة بن الأكوع) قوله: . . . . .\n_________\n(١) في نسخة: \"حديثا ابن عباس\".\n(٢) كذا في نسخة: (ع) و(ر)، وفي (د)، و(ك)، و(ب): \"متوخين\".","vol":"5","page":393},{"text":"وَأَطْعِمُوا، وَادَّخِرُوا، فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهِمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٦٩، م: ١٩٧٤].\n٢٦٤٥ - [١٩] وَعَنْ نُبَيْشَةَ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّا كُنَّا نَهَيْنَاكُمْ عَنْ لُحُومِهَا أَنْ تَأْكُلُوهَا فَوْقَ ثَلَاثٍ لِكَيْ تَسَعَكُمْ، جَاءَ اللَّهُ بِالسَّعَةِ، فَكُلُوا وَادَّخِرُوا وَائْتَجِرُوا، أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الأَيَّامَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللَّهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٨١٣].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-685>٨ - باب الحلق</span>\nــ\n(كان بالناس جهد) بالفتح: المشقة.\nوقوله: (أن تعينوا فيهم) أي: توقعوا الإعانة فيهم وأحسنوا فيهم.\n٢٦٤٥ - [١٩] (نبيشة) قوله: (عن نبيشة) بضم النون وفتح الباء وسكون الياء، الهذلي، ويقال: نبيشة الخير.\nوقوله: (أن تأكلوها) بدل اشتمال.\nوقوله: (وائتجروا) من الأجر، أي: اقبلوا الأجر وأصيبوه واطلبوه لا من التجارة، وإلا لكان مشددًا، ولا يصح التجارة في الضحايا.\n٨ - باب الحلق (١)\nاتفقوا على أن الحلق أفضل من القصر للحاج والمعتمر إلا للنساء؛ لأن الحلق\n_________\n(١) قال الموفق في \"المغني\" (٥/ ٣٠٤): الحلق والتقصير نسك في الحج والعمرة في ظاهر مذهب أحمد، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، انتهى. وقد بسط الباجي الكلام على هذا الباب، وانظر: \"أوجز المسالك\" (٨/ ١١٤).","vol":"5","page":394},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-686> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٦٤٦ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حَلَقَ رَأْسَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَأُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٢٦، م: ١٣٠١].\n٢٦٤٧ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ لِي مُعَاوِيَةُ: إِنِّي قَصَّرْتُ مِنْ رَأْسِ النَّبِيِّ -ﷺ- عِنْدَ الْمَرْوَةِ بِمِشْقَصٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٣٠، م: ١٣٢٦].\nــ\nحرام عليهن، وقال النووي (١): يستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج؛ ليقع الحلق في أكمل العبادتين، انتهى.\nووجه أفضلية الحلق: أن المقصر مبقٍ على نفسه الزينةَ من الشعر، والحاج مأمور بترك الزينة، ولأنه أدل على التذلل والانكسار للَّه تعالى، وأدنى التقصير أن يأخذ من رؤوس شعره مقدار الأنملة، ويكفي في الحلق عندنا حلق ربع الرأس اعتبارًا بالمسح، وحلق الكل أولى للسنة، ولم يثبت الحلق منه -ﷺ- في غير الحج والعمرة، وفي حلق سائر شعور البدن كلام مذكور في موضعه، ولا كلام في أصل الجواز.\nالفصل الأول\n٢٦٤٦ - [١] (ابن عمر) قوله: (وأناس من أصحابه) لإدراك شرف متابعته وفضيلةِ الحلق التي بيَّنها بالدعاء للمحلقين مرات، (وقصر بعضهم) أخذًا بالرخصة بعد دعائه للمقصرين في المرة الآخرة بالتماسهم.\n٢٦٤٧ - [٢] (ابن عباس) قوله: (إني قصرت من رأس النبي -ﷺ-) وجاء في رواية: (أنه -ﷺ- قصَّر عن رأسه)، (بمشقص) وهو كمنبر: نصل عريض، أو سهم فيه ذلك، أو نصل طويل، أو سهم فيه ذلك، وقيل: المراد به الجلم بالجيم بفتحتين، وهو\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٤/ ٤٩١).","vol":"5","page":395},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالذي يجز به الشعر والصوف وهو أشبه.\nثم اعلم: أن في هذا الحديث إشكالًا، وهو أنه لا يدرى أن تقصير رأسه -ﷺ- الذي أخبر به معاوية كان في الحج أو في العمرة؟ ولا يصح الحمل على الأول، لأن الحلق والتقصير من الحاج يكون بمنى لا عند المروة، وقد ثبت حلق رأسه في الحج، فتعين أن يكون في العمرة.\nثم في أيّ عمرة من عُمَره كان؟ لا يجوز أن يكون في العمرة الحكمية التي كانت بالحديبية؛ لأنه حلق يومئذ بالحديبية ولم يدخل مكة، ولم يسلم معاوية يومئذ، ولا يصح أن يحمل على عمرة القضاء؛ لأنه قد ثبت عن أهل العلم بالسير أن معاوية إنما أسلم عام الفتح، نعم قد يُنقل عنه نفسه أنه كان يقول: أسلمت عام القضية، لكن الصحيح أنه أسلم عام الفتح، وفي هذا النقل وهن، أو يحمل على عمرة الجعرانة، وكان في ذي القعدة عام الفتح، وذلك أيضًا لا يصح؛ لأنه قد جاء في بعض ألفاظ الصحيح: (وذلك في حجته)، وفي رواية النسائي بإسناد صحيح: (وذلك في أيام العشر)، وهذا إنما يكون في حجة الوداع، كذا في (المواهب اللدنية) (١)، فتعين حمله على عمرة حجة الوداع، وقد ثبت أنه -ﷺ- لم يحل يومئذ ولا من كان معه هدي، وإنما أمر بحلِّ من لم يسق الهدي، نعم قد توهم بعض الناس أنه -ﷺ- حجَّ متمتعًا، حلّ فيه من إحرامه، ثم أحرم يوم التروية بالحج مع سوق الهدي، وتمسكوا بهذا الحديث من معاوية، لكن الصواب أنه -ﷺ- لم يحلّ يومئذ.\nوقد قالوا: إن الصحابة -﵃- أنكروا هذا القول على معاوية وغلطوه فيه، كما أنكروا على ابن عمر -﵄- في قوله: (إن إحدى عمره -ﷺ- كان في رجب)، وقالت\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ٤٥١ - ٤٥٣).","vol":"5","page":396},{"text":"٢٦٤٨ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: \"اللَّهُمَّ ارْحَم الْمُحَلِّقِينَ\". قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: \"اللَّهُمَّ ارْحَم الْمُحَلِّقِينَ\". قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: \"وَالْمُقَصِّرِينَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٢٧، م: ١٣٠١].\nــ\nعائشة -﵂-: (رحم اللَّه أبا عبد الرحمن، لم يعتمر رسول اللَّه -ﷺ- عمرة إلا كان هو معه، ولم تكن عمرة في رجب)، فكأنه سها وأخطأ.\nوقال الشيخ التُّوربِشْتِي (١): الوجه فيه أن نقول: نسي معاوية أنه كان في حجة الوداع، ولا يستبعد ذلك في من شغلته الشواغل ونازعته الدهور والأعصار في سمعه وبصره وذهنه، وكان قد جاوز الثمانين، وعاش بعد حجة الوداع خمسين سنة، انتهى. فحينئذ يحمل ذلك على عمرة الجعرانة، ويكون ذكر الحجة وأيام العشر سهوًا، واللَّه أعلم.\n٢٦٤٨ - [٣] (ابن عمر) قوله: (قال في حجة الوداع (٢» قد سبق الكلام فيه في قصة حجة الوداع أنه كان فيها أو في الحديبية، وفي الحجة إما في يوم الاعتمار أو يوم النحر.\nوقوله: (والمقصرين) عطف على (المحلقين)، ويقال لهذا النوع من العطف: عطفًا تلقينيًّا، كأن المخاطَب يلقِّن المتكلم أن يعطف عليه، كأنهم قالوا: وضم واعطف يا رسول اللَّه المقصرين على المحلقين، وقل: اللهم ارحم المحلقين والمقصرين، ثلاث مرات أو مرتين، وفي هذه الرواية عن ابن عمر وقع مرتين.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٦٢١).\n(٢) قال شيخنا في \"التقرير\": ومما يجب أن ينبه عليه أن لفظ \"حجة الوداع\" في رواية ابن عمر من سهو المصنف أو الكاتب، ليس في \"المصابيح\" ولا في المتفق عليه.","vol":"5","page":397},{"text":"٢٦٤٩ - [٤] وَعَنْ يَحْيَى بْنِ الْحُصَيْنِ، عَنْ جَدَّتِهِ: أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ -ﷺ- فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ دَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا، وَللْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً وَاحِدَةً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٠٣].\n٢٦٥٠ - [٥] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَتَى مِنًى، فَأَتَى الْجَمْرَةَ، فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى، وَنَحَرَ نُسُكَهُ، ثُمَّ دَعَا بِالْحَلَّاقِ،\nــ\n٢٦٤٩ - [٤] (يحيى بن الحصين) قوله: (وعن يحيى بن الحصين) بضم الحاء (عن جدته) أم الحصين.\nوقوله: (دعا للمحلقين ثلاثًا) يحتمل أنه -ﷺ- قال: اللهم ارحم المحلقين ثلاثًا، وقال في الرابعة: والمقصرين، كما جاء في بعض الروايات، فيكون هذا الحديث موافقًا لتلك الرواية، ويحتمل أن يكون قد قال ذلك مرتين، ويكون ثالث دعائه للمحلقين في قوله: (والمقصرين) بدلالة العطف الدال على الاشتراك، فصح أنه دعا للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين واحدًا، فيكون موافقًا لحديث ابن عمر (١)، وما أحسن موقع لفظ (المقصرين) ههنا؛ لأنهم لتقصيرهم حرموا عن تكرار الدعاء، ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن اللَّه.\n٢٦٥٠ - [٥] (أنس) قوله: (نحر نسكه) أي: ذبائحه.\nوقوله: (ثم دعا بالحلاق) اسمه في المشهور معمر بن عبد اللَّه بن نضلة العدوي، ويقال له: معمر بن أبي معمر، أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، وتأخرت هجرته إلى المدينة، ثم هاجر إليها وسكنها، وهو معدود في أهل المدينة، وحديثه فيهم،\n_________\n(١) ويمكن أن يوجه بما حققه النووي أن الدعاء صار مرتين: في الحديبية وفي حجة الوداع، قاله في \"التقرير\".","vol":"5","page":398},{"text":"وَنَاوَلَ الْحَالِقَ شِقَّهُ الأَيْمَنَ، فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الأَنْصَارِيَّ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَ الشِّقَّ الأَيْسَرَ، فَقَالَ: \"احْلِقْ\"، فَحَلَقَهُ، فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ: \"اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧١، م: ١٣٠٥].\nــ\nوعند الإمام أحمد: أنه استدعى الحلاق فقال له وهو قائم على رأسه بالموسى ونظر في وجهه وقال له: (يا معمر! أَمْكَنك رسول اللَّه -ﷺ- من شحمة أذنه وفي يدك الموسى) قال: فقلت له: أي واللَّه يا رسول اللَّه، إن ذلك لمن نعم اللَّه عليّ ومَنِّه، قال: (أجل)، ذكره في (المواهب) (١).\nقوله: (وناول الحالق شقه الأيمن) دليل على أن المعتبر يمين المحلوق، واعتبر بعضهم يمين الحالق، وفي إسناد القول ببداية الحلق من جانب الأيسر إلى الإمام أبي حنيفة نظر، فقد صرح في بعض شروح (الهداية) بخلاف ذلك، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فحلقه) فإن قلت: ما النكتة في حذف الأمر بالحلق في الأول وذكره في الثاني مع ظاهر أن قياس العبارة يقتضي عكس ذلك، فإنَّ ذكر شيء في أول الكلام والاكتفاء به عن ذكره ثانيًا كثير متعارف في العبارات؟\nقلت: لعله بادر إلى الحلق في جانب اليمين، واكتفى بمناولته -ﷺ- رأسه إياه، ولم يحوجه إلى صريح الأمر، ووقع منه تأخير ثانيا بسبب من الأسباب في الشروع في الحلق، فأمره استعجالًا لاشتغال الهم بالذهاب إلى طواف الإفاضة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ثم دعا أبا طلحة الأنصاري، فأعطاه إياه) وهو زوج أم سليم أم أنس ابن مالك، ولهذا وقع في بعض الروايات: (أعطى أم سليم).\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ٤٥٠).","vol":"5","page":399},{"text":"٢٦٥١ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَيَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ، بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٣٩، م: ١١٩١].\n٢٦٥٢ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أفاضَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٠٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-687> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٦٥٣ - [٨] عَنْ عَلِيٍّ وَعَائِشَةَ قَالَا: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٩١٥].\n٢٦٥٤ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ الْحَلْقُ، إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ\". . . . .\nــ\n٢٦٥١ - [٦] (عائشة) قوله: أكنت أطيب) ليس في هذا الحديث ذكر الحلق، وإنما ذكره ههنا لتلوه بالحلق، وبيانًا لخروجه عن الإحرام بعد الحلق، وأنه كان يُطيَّب بعده.\n٢٦٥٢ - [٧] (ابن عمر) قوله: (فصلى الظهر بمنى) قد سبق في حديث جابر الطويل في قصة حجة الوداع: (فصلى بمكة الظهر) ومضى الكلام فيه هناك.\nوقوله: (رواه مسلم) جعله في (المواهب (١» حديثًا متفقًا عليه.\nالفصل الثاني\n٢٦٥٣ - [٨] (علي) قوله: (أن تحلق المرأة رأسها) لأن الحلق في حقها مثلة.\n٢٦٥٤ - [٩] (ابن عباس) وقوله: (إنما على النساء التقصير) إبقاء للزينة، وأقل\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ٤٦٠).","vol":"5","page":400},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ١٩٨٤، دي: ٢/ ٦٤] (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-688>٩ - باب </span>(٢)\n*<span data-type=\"title\" id=toc-689> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٦٥٥ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِمِنًى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ فَقَالَ: \"اذْبَحْ، وَلَا حَرَجَ\". فَجَاءَ آخَرُ، فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ فَقَالَ: \"ارْمِ،\nــ\nالقصر قدر ثلاث أنملة، كذا في (الهداية) (٣)، وقال الطيبي (٤): أقله ثلاث شعرات.\nثم إن ذكر (على) في قوله: (ليس على النساء الحلق) وهي تدل على نفي الوجوب، والمراد نفي الجواز، يشبه أن يكون بطريق المشاكلة، فافهم.\n٩ - باب\nالفصل الأول\n٢٦٥٥ - [١] (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص) قوله: (وقف) أي: توقف وقام في مكان، وفي رواية: (وقف على راحلته).\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وهذا الباب خال من الفصل الثالث\".\n(٢) في نسخة: \"باب جواز التقديم والتأخير في بعض أمور الحج\". قاله القاري (٥/ ١٨٣٢).\n(٣) \"الهداية\" (١/ ١٤٥).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٥/ ١٤٥).","vol":"5","page":401},{"text":"وَلَا حَرَجَ\". فَمَا سُئِلَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: \"افْعَلْ، وَلَا حَرَجَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٣، ١٧٣٦، م: ٢٣٠٦].\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: \"ارْمِ وَلَا حَرَجَ\" وأَتاهُ آخرُ فَقَالَ: أفَضتُ إِلى البيتِ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: \"ارْمِ وَلَا حَرَجَ\".\n٢٦٥٦ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، فَيَقُولُ: لَا حَرَجَ، فَسَأَلَهُ رَجُل، فَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَمَا أَمْسَيْتُ؟ . . . . .\nــ\nوقوله: (قدم ولا أخر) بلفظي المجهول، قيل: الغالب في الكلام الفصيح أن يتكرر (لا) الداخلة على الماضي، أقول: يكفي في فصاحته وقوعه في الحديث، ولو لم يكف فنقول: لعل ذلك مشروط بقيد تَخرج مثلُ هذه الصورة منه، كأن يقال: إنما ذلك فيما إذا ابتدئ الكلام بالماضي، ولم يقع الماضي الأول بعد نفي آخر سوى (لا) أو نحو ذلك، واللَّه أعلم.\nثم اعلم أن أفعال يوم النحر أربعة: الرمي والذبح والحلق والطواف، واختلفوا في أن هذا الترتيب سنة أو واجب؟ فذهب أكثر العلماء ومنهم الشافعي وأحمد إلى أنها سنة لهذا الحديث، وذهب جماعة منهم الإمام أبو حنيفة ومالك إلى الوجوب، وقالوا: المراد بنفي الحرج رفع الإثم للجهل والنسيان، ولكن الدم واجب، وقال الطيبي (١) ﵀: إن ابن عباس روى مثل هذا الحديث، وأوجب الدم، فلولا أنه فهم ذلك وعلم أنه المراد لما أمر بخلافه.\n٢٦٥٦ - [٢] (ابن عباس) قوله: (رميت بعدما أمسيت) قال الطيبي ﵀:\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٢٠١٢).","vol":"5","page":402},{"text":"فَقَالَ: \"لَا حَرَجَ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٧٢٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-690> الْفَصْلُ الثاني:</span>\n٢٦٥٧ - [٣] عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أَتَاهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَفَضْتُ قَبْلَ أَنْ أَحْلِقَ؟ فَقَالَ: \"احْلِقْ، أَوْ قَصِّرْ، وَلَا حَرَجَ\". وَجَاءَ (١) آخَرُ، فَقَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: \"ارْمِ، وَلَا حَرَجَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٨٨٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-691> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٦٥٨ - [٤] عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ -ﷺ- حَاجًّا، فَكَانَ النَّاسُ يَأْتُونَهُ، فَمِنْ قَائِلٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،\nــ\nأي: بعد العصر، ونقل عن المُظهر: أنه إذا أخّر إلى الغروب لزمه دم، وهذا مذهبهم، وعندنا: إن رمى بالليل لم يلزم شيء، وإن أخّر إلى الغد رمى ويلزمه الدم.\nالفصل الثاني\n٢٦٥٧ - [٣] (علي) قوله: (إني أفضت قبل أن أحلق) هذه الصورة لم تكن مذكورة فيما قبل.\nوقوله: (أو قصر) لمَّا خفف عليه في الترتيب زاد في التخفيف والترخيص بالتقصير، يعني: احلق، وإن تُرد أن لا تحلق فذلك أيضًا جائز بأن تقصر.\nالفصل الثالث\n٢٦٥٨ - [٤] (أسامة) قوله: (عن أسامة بن شريك) بفتح الشين.\n_________\n(١) في نسخة: \"جاءه\".","vol":"5","page":403},{"text":"سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ، أَوْ أَخَّرْتُ شَيْئًا، أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا؟ فَكَانَ يَقُولُ: \"لَا حَرَجَ إِلَّا عَلَى رَجُلٍ اقْتَرَضَ عِرْضَ مُسْلِمِ وَهُوَ ظَالِمٌ، فَذَلِكَ الَّذِي حَرِجَ وَهَلَكَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-692>١٠ - باب خطبة يوم النحر، ورمي أيام التشريق، والتوديع</span>\nــ\nوقوله: (إلا على رجل) الاستثناء منقطع؛ و(اقترض) افتعل من القرض بمعنى القطع، أي: لكن من قطع (عرض مسلم) بكسر العين، وقال منه بالغيبة أو غيرها، والحال أن ذلك القاطع ظالم وجائر، والقطع احتراز عما إذا كان ذِكْره لغرض صحيح كجرح الرواة والشهود ونحوه فإنه مباح، بل قد يجب في بعض المواضع، و(حرج) بلفظ الماضي من باب سمع، أي: أَثِمَ، يريد أن ترك أمثال هذه الأمور ليس مهمًا عظيمًا إذ قد يتدارك ذلك بالجزاء ويعذر عنه بالنسيان، ولكن رعاية حقوق المسلمين وحفظ أعراضهم أعظم وأعظم.\n١٠ - باب خطبة يوم النحر ورمي أيام التشريق والتوديع\nالخطب: الشأن، والأمر الذي يقع فيه المخاطبة صغر أو عظم، والخطاب: توجيه الكلام إلى الغير، والتخاطب والمخاطبة: المراجعة في الكلام، وخطب المخاطب على المنبر خطابة بالفتح، وخطبة بالضم، وذلك الكلام خُطبة أيضًا، وهي الكلام المنثور المسجَّع ونحوه. ورجل خطيب: حَسَن الخُطْبة، كذا في (القاموس) (١)، وقد غلب في العرف على الموعظة كالخِطبة بالكسر على\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٨).","vol":"5","page":404},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-693> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٦٥٩ - [١] عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ -ﷺ- يَوْمَ النَّحْرِ، قَالَ: \"إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ،\nــ\nطلب المرأة.\nوأيام التشريق: الثلاثة بعد يوم النحر، والتشريق: تقديد اللحم وبسطه في الشمس ليجفّ، ومنه سمي أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي كانت تشرَّق فيها بمنى، أو لأن الهدي لا ينحر حتى تطلع الشمس، فيكون من الشروق بمعنى ضوء الشمس وسطوعها، ومنه حديث (من ذبح قبل التشريق فليعد) أي: قبل أن يصلي العيد، وهو لأن وقتها بعد شروق الشمس.\nوالمراد بالتوديع الإتيان لطواف الوداع لتوديع الكعبة -زادها اللَّه شرفا-، أو توديع الناس، وقوله -ﷺ-: (لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه)، بهذا المعنى سميت حجة الوداع، وقوله: (اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب).\nالفصل الأول\n٢٦٥٩ - [١] (أبو بكرة) قوله: (إن الزمان) يعني السنة، (قد استدار) أي: عاد إلى موضعه الذي ابتدأ، و(يوم) متعلق بـ (هيئته).\nوقوله: (السنة اثنا عشر شهرًا) بيان للاستدارة على تلك الهيئة، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة: ٣٦]، ومعنى الحديث: أن العرب كانوا يؤخرون المحرم إلى صفر ليقاتلوا فيه، فيفعلون ذلك في كل سنة، وذلك النسيء المذكور في القرآن","vol":"5","page":405},{"text":"ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ\". . . . .\nــ\nفي قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ الآية [التوبة: ٣٧]، قال: النسيء: شهر كانت تؤخره العرب في الجاهلية، فنهى اللَّه عنه، وذلك يحصل من كبيسة العرب وهي السنة التي يسرق منها يوم، وذلك في كل أربع سنين، ويجيء السنة بها بعد سنين ثلاثة عشر شهرًا، والسنة التي حج فيها رسول اللَّه -ﷺ- قد عاد إلى زمنه المخصوص به قبل، واستدارت كهيئتها الأولى، وعاد المحرم إلى أصله، وكذا كل شهر قبل، ولذلك أخَّر النبي -ﷺ- الحج تلك السنة؛ ليقع حجه في ذي الحجة.\nوالتاء في (أربعة) باعتبار الأشهر، وحذفها في (ثلاث) باعتبار ابتداء الشهور من الليالي، كذا قالوا، و(ذو القعدة) بفتح القاف، وقد يكسر، شهر كانوا يقعدون فيه عن الأسفار، و(ذو الحجة) بالكسر، شهر الحج، كذا في (النهاية) (١)، وقد فتح في بعض النسخ.\nوقال في (المشارق) (٢): ذو الحجة بفتح الحاء، ولا يجوز الكسر عند الأكثر، وأجازه بعضهم، وأما اسم الحج فالحجة بالفتح، والمرة الواحدة منه حِجة بالكسر، ولم يأت فِعْلة بالكسر في المرة الواحدة إلا في هذه، والباب كله فَعْلة بالفتح.\nوقوله: (ورجب مضر) مضر بن نزار، كزفر، أبو قبيلة، سمي لولعه بشرب المضر، وهو اللبن الحامض، أو لبياض لونه، وإنما أضافوا رجب إليها لأنها كانت أشدَّ محافظةً على تحريمه.\nوقوله: (الذي بين جمادى وشعبان) زيادة بيان، وجمادى بضم الجيم.\n_________\n(١) \"النهاية\" (١/ ٣٤١).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٨٣).","vol":"5","page":406},{"text":"وَقَالَ: \"أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ \" قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. فَقَالَ: \"أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟ \" قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: \"أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ \" قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: \"أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ؟ \". قُلْنَا بَلَى. قَالَ: \"فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ ! قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: \"أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ \" قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: \"فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ،\nــ\nوقوله: (أيّ شهر هذا؟) تمهيد وتأسيس لبيان المقصد وتقريره في أذهانهم، وليس المقصود حقيقة الاستفهام.\nوقوله: (اللَّه ورسوله أعلم) تأدب وإحالة للعلم باعتبار احتمال تسميته بغير اسمه.\nوقوله: (أليس البلدة؟) قيل: إن البلدة اسم خاص بمكة كالبيت بالكعبة غلبة لكمالهما، وبَلَدَ بالمكان: إذا أقام.\nوقوله: (وأعراضكم) جمع عرض بالكسر، وهو موضع المدح والذم من الإنسان، سواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره، وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحَسَبه، ويحامي عنه أن ينتقص ويثلب، كذا في (النهاية) (١)، وزاد في (القاموس) (٢): أو ما يفتخر به من حسب وشرف، وقد يراد به الآباء والأجداد، انتهى.\n_________\n(١) \"النهاية\" (٣/ ٢٠٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٩٥).","vol":"5","page":407},{"text":"أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ \" قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: \"اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٤١، م: ١٦٧٩].\n٢٦٦٠ - [٢] وَعَنْ وَبَرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ: مَتَى أَرْمِي الْجِمَارَ؟ قَالَ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ فَارْمِهِ، فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ المَسْأَلَةَ، فَقَالَ: . . . . .\nــ\nوقد يفسر العرض بالنفس وبالأخلاق النفسانية، وقيل: ذلك مجاز إطلاقًا للمحل على الحالِّ فِي الأول، واللازِمِ على الملزوم في الثاني، فتدبر.\nوقوله: (فلا ترجعوا) أي: لا تصيروا بعدي، أي: بعد مفارقتي من الدنيا (ضلالًا) جمع ضال، ويروى: (كفارًا)، والمقصود النهي عن الظلم والتجاوز عن الحد في حفظ حرمة الدماء والأموال والأعراض، وذكروا في توجيه رواية (كفارًا) وجوهًا: أن ذلك كفر في حق المستحِل، أو المراد كفران النعمة وحقِّ الإسلام، أو المراد أنه يقرِّب إلى الكفر ويؤدي إليه، أو أنه فعل شبه فعل الكفار، وقيل: المراد بالكفر لبس السلاح، يقال: تكفَّر الرجل بسلاحه: إذا لبسه، أو المراد: لا يكفِّر بعضكم بعضًا.\nوقوله: (يضرب بعضكم رقاب بعض) تخصيص للاهتمام، و(مبلغ) بفتح اللام والصلة محذوفة، أي: إليه (أوعى) أي: أحفظ وأعلم (من سامع) مني.\n٢٦٦٠ - [٢] (وبرة) قوله: (وعن وبرة) بفتح الواو وسكون الباء الموحدة، كذا في (جامع الأصول) (١)، وبفتح الباء للكرماني والزركشي، وكذا في (المغني) (٢).\nوقوله: (إذا رمى إمامك فارمه) الظاهر أن المراد السلطان والأمير النائب في\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٩٦٩).\n(٢) \"المغني في ضبط الأسماء\" (ص: ٢٨٤).","vol":"5","page":408},{"text":"كنَّا نَتَحَيَّنُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٧٤٦].\n٢٦٦١ - [٣] وَعَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي جَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ، فَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ طَوِيلًا، وَيَدْعُو، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الْوُسْطَى بِسَبْعِ حَصَياتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِذَاتِ الشِّمَالِ، فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَدْعُو، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ،\nــ\nإقامة مناسك الحج، لكن بشرط أن يكون أعلم، وكذا فسره الطيبي (١) بقوله: أي: اقتد في الرمي بمن هو أعلم منك بوقت الرمي.\nوقوله: (نتحين) أي: نطلب دخول الوقت وننتظره.\n٢٦٦١ - [٣] (سالم) قوله: (جمرة الدنيا) من إضافة الموصوف إلى الصفة، وتأويله: جمرة البقعة الدنيا، كجانب الغربي بتأويل: جانب المكان الغربي، وصف بالدنيا لقربه من منازل النازلين عند مسجد الخيف، وهناك كان مناخ النبي -ﷺ-.\nوقوله: (حتى يسهل) من أسهل: إذا دخل في السهل من الأرض، وهي ضد الحزن.\nوقوله: (طويلًا) روي عن ابن عمر: أنه كان يقوم مقدار ما يقرأ سورة البقرة، وعن بعضهم: حتى تتورم قدماه.\nوقوله: (ولا يقف عندها) بل كما رمى انصرف، هكذا السنة، ولهذا قال ابن\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٣١٩).","vol":"5","page":409},{"text":"فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَفْعَلُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٧٥٢].\nــ\nعمر: (هكذا رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يفعله)، وقد عرفتَ أن معظم أركان الحج وأفعاله مما لا يدرك العقل معناه، قال الشيخ ابن الهمام (١): الرِّوايات متظافرة على أنه -ﷺ- لم يقف بعد رمي جمرة العقبة، ولا يدرك في تخصيص الوقوف والدعاء بالجمرتين غير هذه الجمرة وجه، وقد يتخيل أن في اليوم [الأول] كانت مشاغل كثيرة من الذبح والحلق والإفاضة إلى مكة، فلم يقف لوجود هذه المشاغل، ولكن هذا المعنى معدوم في الأيام الأخر، إلا أن يقال: جمرة العقبة وقعت في الطريق، فالوقوف فيها يوجب قطع الطريق على المار ويضيقها، وكان موجبًا لشدة ازدحام الواقفين والمارين، ومفضيان إلى لحوق ضرر عظيم بهم بخلاف باقي الجمرات، فإنها ليست في وسط الطريق بل على طرف منها، انتهى.\nوقد يقال: إن الدعاء إنما يكون في صلب العبادة لا في انتهائها، والدعاء في صلب العبادة أفضل، وكان أكثر دعائه -ﷺ- في الصلاة في التشهد قبل السلام، ورمي الجمرتين الأوليين كان في الوسط، فدعا فيهما، وبعد رمي جمرة العقبة قد انتهت العبادة، وإليه أشار في (الهداية) وذكره في (سفر السعادة).\nوهذا كما ترى ضعيف، فقد شرع الدعاء بعد أداء الصلاة وإفطار الصوم، وقد جعل أحد أحوال الإجابة دبر الصلوات المكتوبة وعقيب تلاوة القرآن، والعبد الضعيف كاتب هذه السطور لما تشرف بهذه العبادة ألقي في رُوعه بلا سابقة فكر وتأمل بطريق الإلهام نكتة في عدم الوقوف عند هذه الجمرة، وأرجو أن يكون صوابًا، وهو أن في عدم وقوفه عندها إشارة من الرب الرحيم ورسوله الكريم أن العبد لما بلغ الجهد في\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ٤٨٦).","vol":"5","page":410},{"text":"٢٦٦٢ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: اسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى، مِنْ أَجْلِ سِقايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٣٤، ١٣١٥].\nــ\nالعبادة، وسعى في طريق المجاهدة والرياضة، وقف على باب الرحمة ودعا وسأل، وأدى حق الخدمة والطاعة في الجمرتين الأوليين، سهَّل اللَّه تعالى عليه الأمر، وأباح عليه الدعة والراحة بفضله وكرمه، وأفاض عليه آثار رحمته وعفوه ومغفرته، لا سيما في هذه العبادة التي هي الحج المثمرة لغاية آثار الرحمة والمغفرة، فكأنه قال: يا عبادي! قد أتعبتم أنفسكم، وجاهدتم حق الجهاد، اربعوا على أنفسكم، فقد غفرت لكم، وعرضت هذه النكتة على أكابر علماء مكة المعظمة الذين كانوا حاضرين في ذلك المقام خصوصًا شيخنا ومولانا القاضي علي بن قاضي جار اللَّه القرشي الخالدي الشهير بابن ظهير فقبلوه واستحسنوه ودعوا بالبركة لهذا الفقير الحقير، واللَّه أعلم.\n٢٦٦٢ - [٤] (ابن عمر) قوله: (أن يبيت بمكة ليالي منى) أعلم أن المبيت بمنًى واجب عند جمهور العلماء، وسنة عند الإمام أبي حنيفة، وكذا في رواية عن الشافعي وأحمد، والمعتبر في المبيت أكثر الليل، وكذا في أمثاله مما يندب فيه قيام الليل، وقيل: يكفي في ذلك ساعة، وتمسك القائلون بالسنة بهذا الحديث؛ لأنه لو كان واجبًا لما أذن للعباس في المبيت بمكة، وأجيب بأنه رخصة للضرورة، وقد وقع في بعض الروايات بلفظ الرخصة، وقد يتمسك باستئذان العباس أنه لو لم يكن واجبًا لما استأذن، وجاز ذهابه بلا إذن، وهذا ضعيف؛ لأن مخالفة السنة كان أمرًا خطيرًا عندهم في مثل هذا المقام؛ لاستلزامه مجانبة الناس كلهم، وتركه ملازمة حضرة الرسول -ﷺ-، ولا شك أن في ترك السنة إساءةً، فالاستئذان لإسقاط تلك الإساءة.","vol":"5","page":411},{"text":"٢٦٦٣ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- جَاءَ إِلَى السِّقَايَةِ، فَاسْتَسْقَى، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا فَضْلُ، اِذْهَبْ إِلَى أُمِّكَ فَأْتِ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِشَرَابٍ مِنْ عِنْدِهَا، فَقَالَ: \"اسْقِنِي\" فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ. قَالَ: \"اسْقِنِي\" فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْقُون وَيَعْمَلُونَ فِيهَا، فَقَالَ: \"اعْمَلُوا، فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالحٍ\" ثُمَّ قَالَ: \"لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا، لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الْحَبْلَ عَلَى هَذِهِ\". وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٦٣٥].\n٢٦٦٤ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- صَلَّى الظُّهْرَ، وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى الْبَيْتِ، فَطَافَ بِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٧٥٦].\nــ\nوقال في (الهداية) (١): البيتوتة بمنى ليست من مناسك الحج وأفعاله المقصودة لذاته، بل ليسهل عليه الرمي في الأيام، وإن بات في غير منى وحضر الرمي لم يلزمه شيء، ولكن كره لترك متابعة فعل رسول اللَّه -ﷺ-، وكان عمر يؤدب على تركه.\n٢٦٦٣ - [٥] (ابن عباس) قوله: (لولا أن تغلبوا) قد عرف معناه في حديث جابر في قصة حجة الوداع.\n٢٦٦٤ - [٦] (أنس) قوله: (بالمحصب) متعلق بقوله: (صلى) و(رقد) على سبيل التنازع، و(المحصب) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة المشددة: اسم مكان خارج مكة؛ سمي به لكثرة الحصباء فيه، ويسمى أبطح أيضًا وهو مسيل واسع يكون فيه حصًى دقيقةٌ كما يكون في الأودية، وبهذا سميت مكة بطحاء، ويسمى\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ١٤٧).","vol":"5","page":412},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأيضًا خَيْفَ بني كنانة، والنزول في هذا المكان كان بعد النفر من منى في اليوم الرابع من يوم النحر بعد أيام التشريق، فجاء -ﷺ- بهذا المكان، وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ورقد بعدها، ثم ركب فأتى البيت، فطاف به طواف الوداع.\nواختلفوا في أن التحصيب -وهو النزول في المحصب- سنة أم لا؟ فقال بعضهم -وهو قول ابن عمر-: إنه من سنن الحج وتمام مناسكه؛ لأنه -ﷺ- قال: (إنا نازلون غدًا إن شاء اللَّه بخيف بني كنانة حيث تقاسموا -يعني قريشًا- على الكفر)، وتعاهدوا على أن لا يخالطوا بني هاشم وبني المطلب، ولا يناكحوهم، ولا يواصلوهم ولا يبايعوهم، حتى يسلّموا محمدًا إليهم، فقصد رسول اللَّه -ﷺ- أن يُظهر شعائر الإسلام في مكان أظهروا شعائر الكفر، ويؤدي شكر نعمة اللَّه وفضله تعالى عليه، وأخرج الطبراني في (الأوسط) (١): عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: من السنة النزول بالأبطح في ليلة يوم النفر، وكان -﵁- يأمر بالتحصيب في ليلة يوم النفر.\nوقال في (الهداية) (٢): الأصح أن نزوله -ﷺ- بالمحصب كان قصد إراءة المشركين لطيف صنع اللَّه تعالى به، فصار سنة كالرمل في الطواف، انتهى.\nوقيل: إن ذلك ليس بسنة، بل كان أمرًا اتفاقيًا، ضرب أبو رافع خيمته -ﷺ- هناك من عند نفسه، لا بأمر من الرسول -ﷺ-، كما رواه مسلم عنه، وهذا قول ابن عباس حيث قال: التحصيب ليس بشيء، إنما هو منزل نزله رسول اللَّه -ﷺ-، رواه البخاري، وكذا قول عائشة كما يأتي.\n_________\n(١) \"المعجم الأوسط\" (٣٤٨٣).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ١٤٧).","vol":"5","page":413},{"text":"٢٦٦٥ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسٍ بْنَ مَالِكٍ قُلْتُ: أَخْبِرْني بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى؟ قَالَ: فَأَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالأَبْطَحِ. . . . .\nــ\nولكن لا يخفى أنه لما نزل رسول اللَّه -ﷺ- وإن لم يكن على سبيل النسك والتعبد فاتباعه أحب وأحسن، وكانوا يفعلونه والخلفاء الراشدون.\nوقال محمد في (الموطأ) (١): حدثنا مالك قال: حدثنا نافع، عن ابن عمر: أنه كان يصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمحصب، ثم يدخل من الليل فيطوف بالبيت، قال محمد: هذا أحسن، ومن ترك النزول بالمحصب فلا شيء عليه، وهو قول أبي حنيفة.\nوالعبد الضعيف لما حج في خدمة الشيخ الأجل الأكرم الأوحد عبد الوهاب المتقي رحمة اللَّه عليه، ونفر من منى معه إلى المحصب نزل الشيخ به، وصلى الظهر، ثم رقد، ثم صلى العصر، ثم قال: اركبوا، هذا القدر يكفي في إحراز سعادة الاتِّباع، أو قال: يكفي بزائد إن شاء اللَّه، وقوله هذا ﵀ مبني على ما قيل: إن النزول بالمحصب سنة، ولكن توقفه -ﷺ- إلى صلاة العشاء كان لأجل عمرة عائشة كما يأتي، واللَّه أعلم.\n٢٦٦٥ - [٧] (عبد العزيز بن رفيع) قوله: (وعن عبد العزيز بن رفيع) بلفظ التصغير.\nوقوله: (فأين صلى العصر يوم النفر؟) بالسكون وقد يفتح. (قال: بالأبطح) ظاهره أن العصر أول صلاة صلاها بالأبطح، فيعارض الحديث السابق، وكأنه وهم\n_________\n(١) \"التعليق الممجد\" (٢/ ٤٣٩، ٤٤٠، رقم: ٥١٨).","vol":"5","page":414},{"text":"ثُمَّ قَالَ: افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٥٣، م: ١٣٠٩].\n٢٦٦٦ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: نزولُ الأَبْطَحِ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، إِنَّمَا نزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لأَنَّهُ كَانَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ إِذَا خَرَجَ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٦٥، م: ١٣١١].\n٢٦٦٧ - [٩] وَعَنْهَا قَالَتْ: أَحْرَمْتُ مِنَ التَّنْعِيمِ بِعُمْرَةٍ، فَدَخَلْتُ فَقَضَيْتُ عُمْرتي، وَانْتَظَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالأَبْطَحِ حَتَّى فرَغْتُ، فَأَمَرَ النَّاسَ بِالرَّحِيلِ، فَخَرَجَ، فَمَرَّ بِالْبَيْتِ، فَطَافَ بِهِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْح، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ. هَذَا الْحَدِيثُ مَا وَجَدْتُهُ بِرِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ، بَلْ بِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مَعَ اخْتِلَافٍ يَسِيرٍ فِي آخِرِهِ. [د: ١٧٥٥].\n٢٦٦٨ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ،\nــ\nفيه أنس أنه الظهر أو العصر، ولهذا قال: (افعل كما فعل أمراؤك) أو قال [ذلك] لاعتقاده بأنه ليس بسنة، وفي هذا المقام كلام ذكرته في (شرح سفر السعادة).\n٢٦٦٦ - [٨] (عنها) قوله: (لأنه كان أسمح لخروجه) يعني: يترك به ثقله ومتاعه، ثم يدخل مكة ليكون خروجه منها أسهل.\n٢٦٦٧ - [٩] (عائشة) قوله: (أحرمت من التنعيم بعمرة) قد مر شرحه في (الفصل الأول) من (باب قصة حجة الوداع) في حديث عائشة.\nوقوله: (فطاف به) وذلك طواف الوداع، وليس فيه الرمل ولا بعده السعي.\n٢٦٦٨ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت) يدل على وجوب طواف الوداع، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد والصحيح","vol":"5","page":415},{"text":"إِلَّا أَنَّهُ خُففَ عَنِ الْحَائِضِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٥٥، م: ١٣٢٧].\n٢٦٦٩ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ لَيْلَةَ النَّفْرِ، فَقَالَتْ: مَا أُرَانِي إِلَّا حَابِسَتَكُمْ. قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"عَقْرَى حَلْقَى، أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟ \" قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: \"فَانْفِرِي\" (١). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٧٧١، م: ١٢١١].\nــ\nمن مذهب الشافعي، وذلك لغير المكي، وسنة عند مالك، وليس بفرض بالاتفاق.\nوقوله: (إلا أنه خفف عن الحائض) فليس واجبًا عليها، ولا يلزمها دم، وذلك إن طافت طواف الزيارة، كما يأتي في الحديث الآتي.\n٢٦٦٩ - [١١] (عائشة) قوله: (ليلة النفر) أي: ليلة يوم النفر.\nوقوله: (ما أراني إلا حابستكم) استثناء مفرغ من ثاني مفعولي (أراني)، أي: لا أظنني فاعلة بشيء إلا حابستكم.\nوقوله: (عقرى حلقى) العَقْر: الجَرح والقتل والقطع والهلاك، والحَلَق متحركًا: إصابة وجع في الحلق، يروونه غير منون كغضبى وعطشى، حيث هو جار على المؤنث، والمعروف في اللغة التنوين على أنه مصدر محذوف الفعل، أي: حلَقَها [حَلَقًا] وعقرها عَقْرًا، ويقال لأمر يُتَعجب منه: عقرًا حلقًا، وللمرأة إذا كانت مؤذية مشؤومة، ولا يراد حقيقة الدعاء، بل جرت عادتهم بالتكلم بذلك تعجبًا وتلطفًا، كذا في (النهاية).\nوقال في (المشارق) (٢): (عقرى حلقى) مقصور غير منون مثل سكرى، ومن المحدثين من ينونهما، وهو الذي صوَّب أبو عبيد، قال: معناه: عقرها اللَّه عقرًا، أي:\n_________\n(١) لأن طواف الصدر ساقط عنها، قاله في \"التقرير\".\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ١٩٧).","vol":"5","page":416},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-694> الْفَصْلُ الثاني:</span>\n٢٦٧٠ - [١٢] عَنْ عَمْرِو بْنِ الأَحْوَصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: \"أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ \" قَالُوا: يَوْمُ الْحَجِّ الأَكْبَرِ. قَالَ: \"فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا لَا يَجْنِي جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَجْنِي جَانٍ عَلَى وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ،\nــ\nأهلكها وأصابها بوجع في حلقها، قال ابن الأنباري: ظاهره الدعاء عليها وليس بدعاء، وقال غير أبي عبيد: (عقرى حلقى) صواب مثل غَضْبى، أي: جعلها اللَّه كذلك، والألف ألف التأنيث، وقيل: عقرى؛ أي: عاقر، أي: لا تلد، وقال الأصمعي: هي كلمة تقال للأمر يعجب منه، عقرى وحلقى وخمشى، أي: يَعقر منه النساء خدودهن بالخدش، ويحلقن رؤوسهن للتسلب على أزواجهن لمصائبهن، ومن التعجب في حديث الطفل الذي تكلم في المهد فقالت له أمه: حلقى، وقال الليث: (معنى عقرى حلقى): مشؤومة مؤذية تعقر قومها وتحلقهم بشؤمها، وقيل: معنى ذلك: أي: ثكلى، فتحلق أمها رأسها، وهي عاقر لا تلد، وقيل: هي كلمة تقولها اليهود للحائض، وفيها جاء الحديث، ونحوه لابن الأعرابي، وفي البخاري: أنها لغة لقريش، وقال الداودي: معناه: أنت طويلة اللسان لمَّا كلمته بما يكره، مأخوذٌ من الحَلْق الذي يخرج منه الصوت، وكذلك عقرى من العقيرة، وهو الصوت، وهذا تفسير متكلف.\nالفصل الثاني\n٢٦٧٠ - [١٢] (عمرو بن الأحوص) قوله: (ألا لا يجني جان إلا على نفسه) خبر في معنى النهي، والمراد: لا يجنِ أحدكم على الغير فيكونَ ذلك سببًا للجناية","vol":"5","page":417},{"text":"أَلَا وَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي بَلَدِكُمْ هَذَا أَبَدًا، وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ فِيمَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ فَسَيَرْضَى بِهِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. [جه: ٣٠٥٥، ت: ٢١٥٩].\n٢٦٧١ - [١٣] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو الْمُزَنِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَخْطُبُ النَّاسَ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى. . . . .\nــ\nعلى نفسه اقتصاصًا مجازاة، ولما كان هذا في معنى النهي عن الجناية على الغير، والغير أعم، أردفه بذكر النهي عن الجناية على والد ومولود تخصيصًا بعد تعميم لاختصاصه بمزيد قبح وشناعة، وقد روي: (ألا لا يجني جان إلا على نفسه)، وحينئذ يكون خبرًا بحسب المعنى أيضًا، ويجوز أن يكون المراد النهي عن أخذ أقارب الشخص بجنايته على ما جرت عادتهم في الجاهلية، ويجوز أن يكون قوله: (ألا لا يجني جان على ولده ولا مولود على والده) أيضًا بهذا المعنى، فافهم.\nوقوله: (أن يعبد في بلدكم) كناية عن عبادة الأصنام.\nوقوله: (أبدًا) أي: إلى يوم القيامة.\nوقوله: (فيما تحتقرون) أي: تعملون أعمالًا تحسبونها حقيرةً صغيرةً، ويكون فيها طاعة ومرضاة للشيطان، فتكون مؤدية إلى الفتن وهيجان الحروب، وهو المراد بالتحريش بينهم كما وقع في حديث آخر (١).\n٢٦٧١ - [١٣] (رافع بن عمرو) قوله: (عن رافع بن عمرو المزني) بضم الميم وفتح الزاي.\n_________\n(١) رواه مسلم (٢٨١٢) ولفظه: \"إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِن فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ\".","vol":"5","page":418},{"text":"عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ، وَعَلِيٌّ يُعَبِّرُ عَنْهُ، وَالنَّاسُ بَيْنَ قَائِم وَقَاعِدٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٩٥٦].\n٢٦٧٢ - [١٤] وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ إِلَى اللَّيْلِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٩٢٠، د: ٢٠٠، جه: ٣٠٥٩].\n٢٦٧٣ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَمْ يَرْمُلْ فِي السَّبْعِ الَّذِي أَفَاضَ فِيهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٠٠١، جه: ٣٠٦٠].\nــ\nوقوله: (على بغلة شهباء) الشهب محركة: بياض يصدعه سواد كالشُّهْبة بالضم، وشهب ككرم وسمع.\nوقوله: (يعبر عنه) من التعبير، وأصله من العبور، فالكلام يَعْبُر من لسان المتكلم إلى سمع السامع، والمراد من التعبير: التبليغ لمن كان بعيدًا ولا يسمع صوته -ﷺ-.\n٢٦٧٢ - [١٤] (عائشة، وابن عباس) قوله: (أخر طواف الزيارة يوم النحر إلى الليل) يخالف ظاهر الحديث: أنه صلى الظهر بمكة (١)، وهذا الاضطراب الذي وقع في حديث عائشة -﵂- ولسببه قدم حديث ابن عمر عليه بأنه صلى الظهر بمنًى، كما ذكرنا في (قصة حجة الوداع).\n٢٦٧٣ - [١٥] (ابن عباس) قوله: (لم يرمل في السبع الذي أفاض فيه) يعني: لا رمل في طواف الإفاضة كما في طواف الوداع، وإنما هو في طواف القدوم.\n_________\n(١) فمعنى أخَّر: أباح التأخير، قاله في \"التقرير\".","vol":"5","page":419},{"text":"٢٦٧٤ - [١٦] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: إِذَا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ الْعَقَبةِ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" وَقَالَ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ [د: ١٩٧٨].\n٢٦٧٥ - [١٧] وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَالنَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ. [حم: ٦/ ١٤٣، ن: ٣٠٨٤].\n٢٦٧٦ - [١٨] وَعَنْهَا قَالَتْ: أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى، فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، يَرْمِي الْجَمْرَةَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبع حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَقِفُ عِنْدَ الأُولَى وَالثَّانِيَةِ فَيُطِيلُ الْقِيَامَ وَيَتَضَرَّعُ، وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ فَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٩٧٣].\n٢٦٧٧ - [١٩] وَعَنْ أَبِي الْبَدَّاحِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ،\nــ\n٢٦٧٤، ٢٦٧٥ - [١٦، ١٧] (عائشة، ابن عباس) قوله: (إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء) أي: كل شيء حرم بالإحرام، ومنه الحلق فإنه حرام على المحرم، فلا يتجه ما قيل: إنه يفهم من بعض الأحاديث أن الحلق محلل، أي: لما بعده من اللبس والتطيب، والنزاع لفظي، فافهم.\n٢٦٧٦ - [١٨] (عنها) قوله: (أفاض رسول اللَّه -ﷺ- من آخر يومه حين صلى الظهر) أي: بمنًى، فهذا أيضًا يخالف بظاهره رواية: أنه صلى الظهر بمكة، فهو من الاضطراب، إلا أن يقال: إنَّه آخر الطواف إلى آخر اليوم عن صلاة الظهر بمكة، فلا منافاة، فتدبر.\n٢٦٧٧ - [١٩] (أبو البداح) قوله: (وعن أبي البداح) بفتح الموحدة وتشديد الدال.","vol":"5","page":420},{"text":"عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِرِعَاءِ الإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ: أَنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَيَرْمُوهُ فِي أَحَدِهِمَا (١). رَوَاهُ مَالِكٌ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. [ط: ٢١٨، ت: ٩٥٥، ن: ٣٠٦٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-695>١١ - باب ما يجتنبه المحرم</span>\nــ\nوقوله: (رخص رسول اللَّه -ﷺ- لرعاء الإبل في البيتوتة) أي: رخص لهم أن يتركوا المبيت بمنًى في ليالي أيام التشريق لاشتغالهم بالرعي، وذلك كما رخص عباس في المبيت بمكة.\nوقوله: (أن يرموا) أي: بأن يرموا جمرة العقبة (يوم النحر) ثم يذهبوا بإبلهم للرعي، (ثم يجمعوا) اليومين الذين (بعد يوم النحر)، فرموا في آخر أيام النحر بعد الغد.\n١١ - باب ما يجتنبه المحرم\nأي: ما يَحرم عليه فعله، سواء وجب عليه الدم أو الصدقة أو لا، والصدقة إما\n_________\n(١) قال شيخنا في \"التقرير\": مشكل على مذهب الكل؛ لأنه لم يقل به أحد، اللهم إلا أن يوجه على الرواية الشاذة للحنفية، وهي أن الجمع صوري، وهو رمي يوم النحر إلى آخر الليل ورمي يوم الثاني إلى أول الوقت وهو على تلك الرواية الشاذة بعد طلوع الفجر، وقال في \"الكوكب\" (١/ ٣٠١): هذا يتصور على وجهين: يقيموا بعد يوم النحر حتى يرموا الحادي عشر، فيذهبوا ثم يأتوا الثالث عشر، فيرموا رمي الثاني عشر والثالث عشر في الثالث عشر، والثاني: أن يذهبوا بعد رمي النحر حتى يأتوا في الثاني عشر، فيرموا رمي الحادي عشر والثاني عشر، ثم يقيموا ثمة حتى يرموا الثالث عشر رمي هذا اليوم، انتهى.","vol":"5","page":421},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-696> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٦٧٨ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: \"لَا تَلْبَسُوا الْقُمُصَ، وَلَا الْعَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا الْبَرَانِسَ، وَلَا الْخِفَافَ إِلَّا أَحَدٌ لَا يجِدُ نَعْلَيْنِ. . . . .\nــ\nنصف صاع من بر أو صاعٌ من شعير أو تمر، أو شيء يسير غير مقدر، والكل مذكور في كتب الفقه ورسائل المناسك، وقد ذكرنا شيئًا منها في رسالة فارسية في المناسك (١).\nالفصل الأول\n٢٦٧٨ - [١] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (فقال: لا تلبسوا القمص ولا العمائم) إنما أجاب بعدِّ ما لا يجوز لبسه مع أن السؤال في الظاهر كان عما يجوز لبسه؛ لأنه المقصود وما يتعلق بيانه الغرض، بل غرض السائل أيضًا هذا المعنى، وإن كان ظاهر عبارته في السؤال عما يجوز لبسه، وذلك ظاهر، والمراد بلبس القميص والسراويل مثلًا: لبسهما على وجه متعارف فيهما ويقال: إنه لبسهما، فلو ألقاهما على البدن كالرداء لم يلزم شيء.\nو(البرانس) جمع البرنس بضم الباء والنون وسكون الراء بينهما، ويفسر بقلنسوة طويلة، وهذا التفسير قاصر في معرفته، وقالوا: هو كل ثوب رأسه منه ملتزق به، من دراعة أو جبة أو ممطر، أو هو ثوب مشهور بحلب من بلاد الشام، يلبس في المطر يستر سائر البدن مع الرأس والعنق. و(الخفاف) بالكسر جمع خف.\n_________\n(١) سماها \"هداية الناسك إلى طريق المناسك\" ألفها في آداب زيارة الحرمين وأعمال الحج.","vol":"5","page":422},{"text":"فَيَلْبَسُ خُفَّيْنِ وَلْيقطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا وَرْسٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ: \"وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازينِ\". [خ: ١٥٤٢، م: ١١٧٧].\nــ\nوقوله: (وليقطعهما أسفل من الكعبين) ليخرجا عن حد الخفين.\nو(الورس) بفتح الواو وسكون الراء: نبت أصفر يصبغ به، وفي (الصراح) (١): ورس: اسبرك.\nوحاصل الحديث: أنه يحرم على الرجل المحرم لبس المخيط والمطيب وستر الرأس، والدليل على اختصاص الحكم بالرجال ما ورد في إباحتها للنساء، والمرأة مع إباحة ما ذكر لها يحرم عليها أن تنتقب وجهها.\n[وقوله: (ولا تنتقب)] وفي بعض النسخ: (لا تتنقب) من التفعل، والنقاب: ما تستر به المرأة وجهها، وورد أن النقاب محدَثٌ، فقيل في معناه: إن المراد أن النساء ماكن يتنقبن، أي: يختمرن، وقيل: ليس هذا معناه، بل النقاب عندهم ما يبدو منه محجر العين، يعني معناه: أن إبداء المحاجر محدث، إنما كان النقاب لاحقًا بالعين، وكانت تبدو إحدى العينين والأخرى مستورة، وكان من لباس النساء البرقع، ثم أحدثن النقاب.\nو(القفاز) (٢) بالضم والتشديد والزاي: شيء يلبسه نساء العرب في أيديهن يغطي الأصابع والكف والساعد من البرد، وفيه قطن محشو، وقيل: هو ضرب من الحلي تتخذه المرأة ليديها.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٢٥٣).\n(٢) في \"التقرير\": النهي ليس للتشريع بل للشفقة، فإن لابسهما لا يستعد للثقل مثل المتجرد عنهما.","vol":"5","page":423},{"text":"٢٦٧٩ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: \"إِذَا لَم يَجدِ الْمُحْرِمُ نَعْلَيْنِ لَبِسَ خُفَّيْنِ، وَإِذَا لَمْ يَجدْ إِزَارًا لَبِس سَرَاوِيلَ\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٤١، م: ١١٧٨].\n٢٦٨٠ - [٣] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- بِالْجعْرَانَةِ، إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ عَلَيْهِ جُبَّةٌ، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِالْخَلُوقِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَحْرَمْتُ بِالْعُمْرَةِ، وَهَذِهِ عَلَيَّ. فَقَالَ: \"أَمَا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ،\nــ\n٢٦٧٩ - [٢] (ابن عباس) قوله: (لبس خفين) أي: بعد قطعهما أسفل من الكعبين، وعليه الجمهور لحديث عمر -﵁-، وإن لبسهما بحالهما فعليه الفدية، وقال أحمد: يلبس الخفين بحالهما، ولا يجب قطعهما؛ لأنه إضاعة المال، وكذا الكلام في السراويل، يلبسه بحاله أو يشقّه ويتزر.\n٢٦٨٠ - [٣] (يعلى بن أمية) قوله: (بالجعرانة) بكسر الجيم وسكون العين من غير تشديد الراء، وقد تكسر العين، ومن الرواة من يشدد الراء، والأكثرون على أنه خطأ، وإن كان مشهورًا، على تسعة أميال من مكة، وقد سبق ذكرها.\nوقوله: (وهو متضمخ) في (القاموس): الضمخ: لطخ الجسد بالطيب حتى كأنه يقطر، كالتضميخ. و(الخلوق) بفتح الخاء المعجمة وبالقاف: نوع من الطيب يجعل فيه الزعفران معروف.\nوقوله: (أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات) لأن التضميخ بالزعفران حرام على الرجال؛ لا لأن الطيب الباقي أثره بعد الإحرام يفسد الإحرام، وإلى هذا المعنى أشار بقوله: (الطيب الذي بك) حتى لو كان على ثوبه طيب آخر لم يغسل،","vol":"5","page":424},{"text":"وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَانْزِعْهَا، ثُمَّ اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٣٦، م: ١١٨٠].\n٢٦٨١ - [٤] وَعَنْ عُثْمَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكِحُ، وَلَا يَخْطُبُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٠٩].\n٢٦٨٢ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. . . . .\nــ\nفلا احتجاج به لمن لا يجوِّز للمحرم أن يَتَطيب قبل إحرامه بما يبقى أثره بعده.\nوقوله: (وأما الجبة فانزعها) يعني: لا تمزقه بالتمزيق، قال الشعبي: إن كان النزع في الحال فلا شيء عليه وإلا فعليه الفدية (١).\nوقوله: (ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك) قيل: كأن الرجل كان عالمًا بأحكام الحج، ولم يكن عالمًا بأن العمرة كالحج، والمراد التشبيه في أحكام الإحرام وما يجتنب فيه كما يدل عليه السياق؛ لأن العمرة كالحج في جميع الأحكام والأركان؛ لأنه ليس في العمرة الوقوف بعرفة إلا الطواف والسعي.\n٢٦٨١ - [٤] (عثمان) قوله: (لا ينكح) بصيغة المعلوم من النكاح مرفوعًا أو مجزومًا، (ولا ينكح) من الإنكاح، معناه: لا يزوج امرأةً بولاية ولا وكالة.\nوقوله: (ولا يخطب) بفتح الياء وضم الطاء أيضًا مرفوع أو مجزوم من الخطبة بكسر الخاء، وهذا مذهب الشافعي وجمهور العلماء، لكن النهي عن النكاح والإنكاح نهي تحريم، وعن الخطبة نهي تنزيه، وعندنا يجوز الكل.\n٢٦٨٢ - [٥] (ابن عباس) قوله: (تزوج ميمونة وهو محرم) بإحرام عمرة القضاء،\n_________\n(١) قال القاري (٥/ ١٨٤٨): أعلم أن محرمات الإحرام إذا ارتكبت عمدًا يجب فيها الفدية إجماعًا، وإن كان ناسيًا فلا يلزمه عند الشافعي والثوري وأحمد وإسحاق، وأوجبها أبو حنيفة ومالك ومن تبعهما.","vol":"5","page":425},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٣٧، م: ١٤١٠].\n٢٦٨٣ - [٦] وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ الأَصَمِّ -ابْنِ أُخْتِ مَيْمُونَةَ- عَنْ مَيْمُونَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤١١].\nقَالَ الشَّيْخُ الإِمَامُ مُحْيي السُّنَّةِ ﵀: وَالأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا حَلَالًا، وَظَهَرَ أَمْرُ تَزْوِيجهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ، ثُمَّ بَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ بِسَرِفَ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ.\nــ\nوهذا حجتنا، وبه نأخذ.\n٢٦٨٣ - [٦] (يزيد بن الأصم) قوله: (تزوجها وهو حلال) وبه يأخذ الشافعية ومن وافقهم، والحِلُّ يحتمل الحِلَّ الأصلي الذي قبل الإحرام، أو العارضي الذي بعد الخروج عن الإحرام، وأكثر الروايات جاءت بالثاني، وعبارات الشافعية صريحة في الأول، ويدل عليه قوله: (وظهر أمر تزويجها وهو محرم) فيكون تقييد قوله: (تزوج ميمونة) بقوله: (وهو محرم) باعتبار ظهوره في حالة الإحرام، قال الطيبي (١): ويحتمل أن يكون حالًا مقدرة، أي: تزوج وهو مقدِّر الإحرام، وقيل: معنى قوله: (محرم): داخل في الحرم، وقيل: هو من خصائص النبي -ﷺ-.\nوقوله: (ثم بنى بها) كناية عن الدخول بها، يقال: بنى بامرأته؛ أي: زفَّها، و(سرف) بفتح السين وكسر الراء: موضع على عشرة أميال من مكة، وقد اتفق تزوج ميمونة -﵂- وزفافها وموتها في هذا المكان.\nإذا عرفت هذا فاعلم أن أصحابنا رجحوا حديث ابن عباس على حديث يزيد ابن الأصم لكون ابن عباس أفضل في الحفظ والإتقان والفقه، مع أنه متفق عليه،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٣٣٥).","vol":"5","page":426},{"text":"٢٦٨٤ - [٧] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٤٠، م: ١٢٠٥].\nــ\nوحديث عثمان محتمِلٌ للتأويل بمعنى أن النكاح والإنكاح ليس من شأن المحرم؛ فإنه في شغل شاغل عن ذلك، وليس المراد التحريم، وهذا المعنى أظهر على رواية صيغة الإخبار، و[على] صيغة النهي أيضًا صحيح، وما ذكروا من التأويلات في حديث ابن عباس تكلفات بعيدة، ويمكن إجراء أكثرها في قوله: (وهو حلال) أيضًا، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١)، وتعقبه الطيبي (٢).\nفإن قيل: هلّا رجح أصحابنا حديث ابن عباس على حديث يزيد بن الأصم بأنه مثبث وذلك نافٍ، فإن الحل أصل والإحرام عارض؟\nقلنا: لم يرجحوا بذلك لأنه قد ثبت عندهم أنه -ﷺ- لم يكن في الحل الأصلي بل في الحل بعد الخروج عن الإحرام، بل هم ادعوا اتفاق الروايات على ذلك، فخبر الإحرام هنا نافٍ لبقائه على الحالة الأصلية باستصحاب الحال، وخبر الإحلال مثبث، وليس الترجيح بالإثبات كليًّا عند أصحابنا، بل إذا كان النفي من جنس ما يعرف بدليله ولم يكن مبنيًّا على استصحاب الحال، كان مثل الإثبات؛ كالإحرام فيما نحن فيه يعارض الإثبات، فيرجح بوجوه آخر، كما فعلوا في ترجيح حديث ابن عباس، وتحقيقُه في كتب أصول الفقه، فتدبر.\n٢٦٨٤ - [٧] (أبو أيوب) قوله: (كان يغسل رأسه وهو محرم) اتفق العلماء على جواز غُسل المحرم للجنابة، وفي التبرد خلاف إذا لم ينتف شعرًا، ويجوز عند\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٦٣٠).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٣٣٥).","vol":"5","page":427},{"text":"٢٦٨٥ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَهُوَ مُحْرِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٣٥، م: ١٢٠٢].\n٢٦٨٦ - [٩] وَعَنْ عُثْمَانَ: حَدَّثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي الرَّجُلِ إِذَا اشْتَكَى عَيْنَيْهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ ضَمَّدَهُمَا. . . . .\nــ\nالشافعية غسل الرأس بالسدر والخطمي، ولا فدية عليه ما لم ينتف شعرًا، وقال أبو حنيفة ومالك: هو حرام يوجب الفدية، كذا قال الطيبي (١)، وذكر في (الهداية) (٢): ولا بأس بأن يغتسل ويدخل الحمام، وفي (شرحه): لأن بمجرد الغسل لا يزول الشعث، بل يزداد تلبد شعره ويزداد وسخه، وقال: ولا يغسل رأسه ولا لحيته بالخطمي لأنه نوع طيب، ولأنه يقتل هوام رأسه.\n٢٦٨٥ - [٨] (ابن عباس) قوله: (احتجم النبي -ﷺ- وهو محرم) قال الطيبي (٣): رخص عامة العلماء في الحجامة وهو محرم إذا لم يقطع شعرًا، فإن قطع فعليه دم.\n٢٦٨٦ - [٩] (عثمان) قوله: (في الرجل) أي: في حق الرجل والمحدَّث به هذه الشرطيةُ: (إذا اشتكى عينيه وهو محرم ضمدهما) صحح بالتشديد والتخفيف، يقال: ضمد الجرح يَضْمِدُه ويَضْمُده وضَمَّده: شدّه بالضِّمادة، وهي العصابة، كالضِّماد، والمراد هنا: وضع الدواء على الجرح وغيره وإن لم يشدّ، كذا قيل، والظاهر أن المراد شد العصابة فإنه لكونه سترًا لبعض الوجه يحتاج إلى بيان أنه لا يلزم به جناية على الإحرام، كما لا يخفى.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٣٣٥ - ٣٣٦).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ١٣٦).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٣٣٦).","vol":"5","page":428},{"text":"بِالصَّبِرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٠٣].\n٢٦٨٧ - [١٠] وَعَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ: رَأَيْتُ أُسَامَةَ وَبِلَالًا، وَأَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَالآخَرُ رَافِعٍ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الْحَرِّ، حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٩٨].\n٢٦٨٨ - [١١] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- مَرَّ بِهِ وَهُوَ بالْحُدَيْبِيَةَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَهُوَ يُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ، وَالْقَمْلُ تَتَهَافَتُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ: \"أَتُؤْذِيكَ (١) هَوَامُّكَ؟ \" قَالَ: نَعَمْ قالَ: \"فَاحْلِقْ رَأْسَكَ، وَأَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ -وَالْفَرَقُ: ثَلَاثَةُ آصُعٍ-،\nــ\nوقوله: (بالصبر) في (القاموس) (٢): الصبر ككتف، ولا يسكَّن إلا في ضرورة الشعر: عصارة شجر مر، والمراد بتضميد العين به: مداواتها واكتحالها به.\n٢٦٨٧ - [١٠] (أم الحصين) قوله: (بخطام) بالكسر: ما يجعل في أنف البعير لينقاد.\nوقوله: (رافع ثوبه) يستره من الحر، وفي رواية: (والآخر رافع مثل التاج على رأسه)، والحديث دليل على جواز الاستظلال للمحرم، قال الطيبي (٣): وهذا قول عامة العلماء، وكرهه مالك وأحمد.\n٢٦٨٨ - [١١] (كعب بن عجرة) قوله: (والقمل) بفتح القاف وسكون الميم. (تتهافت) أي: تتساقط، و(الفرق) بفتحتين، و(الآصع) بمد الهمزة وضم الصاد: جمع\n_________\n(١) قال القارئ (٥/ ١٨٥١): بالتذكير والتأنيث.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٩٣).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٣٣٦).","vol":"5","page":429},{"text":"أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوِ انْسُكْ نَسِيكَةً\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨١٤، م: ١٢٠١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-697> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٦٨٩ - [١٢] عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَنْهَى النِّسَاءَ فِي إِحْرَامِهِنَّ عَنِ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ، وَمَا مَسَّ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ مِنَ الثِّيَابِ، وَلْتَلْبَس بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ، مُعَصْفَرٍ، أَوْ خَزٍّ، أَوْ حُلِيٍّ، أَوْ سَرَاوِيلَ، أَوْ قَمِيصٍ، أَوْ خُفٍّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٨٢٧].\n٢٦٩٠ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُحْرِمَاتٌ، فَإِذَا جَازُوا بِنَا. . . . .\nــ\nصاع، وأصله: أَصْوُعٌ فقلب (١) وأبدل الواو بالهمزة والهمزة ألفًا، وجاء في رواية: (أصوع) على الأصل، وذلك مثل آدُرٍ فِي جمع دارٍ.\nوقوله: (أو انسك) بلفظ الأمر بضم السين، و(النسيكة) الذبيحة.\nالفصل الثاني\n٢٦٨٩ - [١٢] (ابن عمر) قوله: (ينهى النساء في إحرامهن) هذه الأشياء وإن كانت مباحة للنساء لكنها منعت في حالة الإحرام؛ لكونه مقام الشعث والتذلل، والمراد بالألوان الأصناف، أو بيَّن الألوان بالمعصفر، وما بعده مسامحة، أو [بـ] تقدير المضاف، و(الخز) نوع من الثياب معروف، و(الحُليّ) جمع الحَلْي بالفتح: ما يزيَّن به من مصنوع المعدنيات أو الحجارة، وجعلها من الثياب تغليبًا.\n٢٦٩٠ - [١٣] (عائشة) قوله: (فإذا جازوا بنا) من الجواز بمعنى المرور، وفي لفظ (حاذوا) بالحاء المهملة، وفي الثانية: (جاوزوا) من المجاوزة، هكذا في النسخ\n_________\n(١) والمراد بالقلب القلب المكاني بأن تجعل الواو مكان الصاد، قاله القاري (٥/ ١٨٥١).","vol":"5","page":430},{"text":"سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا، فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِابْنِ مَاجَهْ مَعْنَاهُ. [د: ١٨٣٣، جه: ٢٩٣٩].\n٢٦٩١ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَدَّهِنُ بِالزَّيْتِ وَهُوَ مُحْرِمٌ غَيْرَ الْمُقتَّتِ. يَعْنِي: غَيْرَ الْمُطَيَّبِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٩٦٢]\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-698> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٦٩٢ - [١٥] عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَجَدَ الْقَرَّ، فَقَالَ: أَلْقِ عَلَيَّ ثَوبًا يَا نَافِعُ، فَألْقَيْتُ عَلَيْهِ بُرْنُسًا. فَقَالَ: تُلْقِي عَلَيَّ هَذَا وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَلْبَسَهُ الْمُحْرِمُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٨٢٨].\n٢٦٩٣ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ: . . . . .\nــ\nالمصححة.\n٢٦٩١ - [١٤] (ابن عمر) قوله: (يدهن) بتشديد الدال، وعند أبي حنيفة: الزيت من الطيب وفي حكمه لأنه أصله، و(المقتت) زيت طبخ فيه الرياحين أو خلط بأدهان طيِّبة، والتقتيت: جمع الأفاويه وطبخها.\nالفصل الثالث\n٢٦٩٢ - [١٥] (نافع) قوله: (وجد القر) بالفتح، أي: البرد.\nوقوله: (أن يلبسه المحرم) لعل مذهب ابن عمر اجتناب المخيط مطلقًا، أو فعله احتياطًا، وإلا فالمراد النهي عن لبس الثوب المخيط على وجه يتعارف فيه، وقد صرحوا به.\n٢٦٩٣ - [١٦] (عبد اللَّه بن مالك ابن بحينة) قوله: (ابن مالك) بالتنوين و(ابن بحينة) بدل من (ابن مالك)، أو صفةٌ بعد صفة لـ (عبد اللَّه)؛ لأن بحينة اسم أمه، هذا","vol":"5","page":431},{"text":"احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ مُحْرِمٌ بِلَحْي جَمَلٍ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٣٦، م: ١٢٠٣].\n٢٦٩٤ - [١٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٨٣٧، ن: ٢٨٤٩].\n٢٦٩٥ - [١٨] وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ، وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ، وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا. رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [حم: ٦/ ٣٩٢، ت: ٨٤١].\n* * *\nــ\nهو المشهور، وقيل: بحينة اسم أم مالك، وقد بيناه بأكثر من هذا في غير هذا الموضع.\nوقوله: (بلحي جمل) بفتح اللام وسكون الحاء، مضافًا إلى (جمل): اسم موضع بين مكة والمدينة.\nوقوله: (في وسط رأسه) صححوه بفتح السين، قالوا: كل ما كان أجزاء متباينة كوسط الصف فبالإسكان، وما كان متضادة كوسط الدار فبالتحريك، وفيهما فرق من وجوه آخر ذكرناها في مواضع آخر، والمناسب في هذا الحديث الفرق بهذا الوجه المذكور، واللَّه أعلم. وقالوا: هو محمول على الضرورة؛ لأنه لا ينفك عن قطع شعر، وإن كان في موضع لا شعر فيه فهي جائزة ولا فدية.\n٢٦٩٤ - [١٧] (أنس) قوله: (على ظهر القدم) وليست المقدم موضع الشعر غالبًا ومع ذلك كان بها وجع.\n٢٦٩٥ - [١٨] (أبو رافع) قوله: (وعن أبي رافع) قالوا: إسناده ضعيف، لا يبلغ","vol":"5","page":432},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-699>١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد</span>\nــ\nدرجةَ إسناد حديث ابن عباس، واللَّه أعلم.\n١٢ - باب المحرم يجتنب الصيد\nأعلم أن صيد المحرم، ودلالتَه عليه، وإشارته إليه، وإعانته فيه، حرام، وإن فعل شيئًا من ذلك لزمه الجزاء، وأما أكل لحم الصيد ففيه تفصيل، إن اصطاد بنفسه أو اصطاد محرم غيره فهو أيضًا حرام بالاتفاق، وإن اصطاده غيرُ محرم لنفسه أو للمحرم بإذنه أو بغير إذنه ففيه مذاهب وأقوال للفقهاء، فذهب بعض الصحابة والتابعين -ومنهم ابن عباس وطاوس والثوري- إلى أنه يحرم على المحرم أكل لحم الصيد مطلقًا بدليل حديث صعب بن جثامة حيث قال رسول اللَّه -ﷺ-: (إنا لم نردَّه عليك إلا أنَّا حرم)، فجعل الإحرام فقط علة عدم القبول، ولم يضم معه شيئًا آخر.\nوذهب مالك والشافعي وأحمد -﵏- إلى [أنه] إن اصطاد لنفسه أو اصطاده لأجله بإذنه أو بغير إذنه فهو حرام، وأما إن اصطاد غير محرم لنفسه وأهدى منه شيئًا للمحرم فهو حلال.\nومذهب الإمام أبي حنيفة وأصحابه -رحمة اللَّه عليهم- حل أكل لحم الصيد للمحرم ما لم يَصد، ولم يأمر به، ولم يدل، ولم يُعِنْ عليه هو أو محرم آخر وإن صيد له، ويظهر هذا المعنى من حديث أبي قتادة أنه -ﷺ- سألهم: (هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟) قالوا: لا، قال: (فكلوا)، ولم يسأل: هل اصطاده لنفسه أو لكم؟ هذا تحرير المذاهب.\nوالأحاديث كثيرة في هذا الباب، متخالفة بحسب الظاهر، وقد استوفينا الكلام فيه في (شرح سفر السعادة) بما لا مزيد عليه، فليرجع إليه، واللَّه أعلم.","vol":"5","page":433},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-700> الفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٦٩٦ - [١] عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ: أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: \"إِنَّا لَمْ نَردَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٢٥، م: ١١٩٣].\nــ\nالفصل الأول\n٢٦٩٦ - [١] (الصعب بن جثامة) قوله: (عن الصعب) بفتح الصاد المهملة وسكون العين (ابن جثامة) بالجيم والمثلثة على وزن علامة، و(الأبواء) بفتح الهمزة وسكون الموحدة، و(ودان) بفتح الواو وتشديد الدال المهملة: موضعان بين مكة والمدينة، أقرب إلى المدينة، فظاهر الحديث أنه أهدى حمارًا وحشيًا، ولا يجوز قبوله للمحرم، لكن الاختلاف إنما هو في لحمه، وجاء في الروايات: أن المهدى كان لحمَه، ففي رواية لمسلم: (أهدى عجز حمار وحشي كان يقطر منه الدم)، وفي رواية: (شِقَّ حمار)، وفي رواية: (عضوًا منه)، وفي رواية: (رجله)، فيكون قوله: (حمارًا وحشيًا) (١) في الحديث بتقدير مضاف.\nو(الحرم) بضمتين جمع حِرم بالكسر بمعنى الحرام، كذا يفهم من (القاموس) (٢)، وقال في (الصحاح) (٣): إنه جمع حرام.\n_________\n(١) في \"التقرير\": لا إشكال في رده، نعم يشكل الرواية التي فيها لحم حمار وحشي، فلعله ردها سياسة لئلا يجترئ أحد على الصيد، انتهى.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٠٨).\n(٣) \"الصحاح\" (٥/ ١٨٩٥).","vol":"5","page":434},{"text":"٢٦٩٧ - [٢] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَتَخَلَّفَ مَعَ بَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَهُمْ مُحْرِمُونَ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ (١)، فَرَأَوْا حِمَارًا وَحْشِيًّا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ تَرَكُوهُ حَتَّى رآهُ أَبُو قَتَادَةَ، فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ، فَسَأَلُهُمْ أَنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ، فَأَبَوْا، فَتَنَاوَلَهُ فَحَمَلَ عَلَيْهِ، فَعَقَرَهُ، ثُمَّ أَكَلَ فَأَكَلُوا، فَنَدِمُوا، فَلَمَّا أَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سَأَلُوهُ قَالَ: \"هَلْ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟ \" قَالُوا: مَعَنَا رِجْلُهُ. فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ -ﷺ- فَأَكَلَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٥٤، م: ١١٩٦].\nوَفِي رِوَايةٍ لَهُمَا: فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"أَمِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا؟ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟ \" قَالُوا: لَا، قَالَ: \"فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا\".\nــ\n٢٦٩٧ - [٢] (أبو قتادة) قوله: (وعن أبي قتادة: أنه خرج مع رسول اللَّه -ﷺ-) وكان ذلك في عام الحديبية، كذا في (جامع الأصول) (٢).\nوقوله: (سوطه) قيل: المراد سيفه.\nوقوله: (فعقره) أي: قتله، كذا قال الطيبي (٣)، ويجوز حمله على ظاهره، وهو ضرب قوائمه، و(سألوه) أي: عن الحكم.\nوقوله: (معنا رجله) وفي رواية: (عضده).\nوقوله: (أن يحمل عليها) تأنيث الضمير باعتبار النفس.\n_________\n(١) في \"التقرير\": يشكل كونه حلالًا إذ ذاك، فأجيب بأن لأهل المدينة ميقاتين: ذا الحليفة وجحفة كما روى محمد في \"موطئه\" (٣٨٠).\n(٢) \"جامع الأصول\" (٣/ ٥٥).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٣٤٢).","vol":"5","page":435},{"text":"٢٦٩٨ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"خَمْسٌ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ وَالإِحْرَامِ: الْفَأْرةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣١٥، م: ١١٩٩].\n٢٦٩٩ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْحَيَّةُ، وَالْغُرَابُ الأَبْقَعُ،\nــ\n٢٦٩٨ - [٣] (ابن عمر) قوله: (خمس لا جناح على من قتلهن) (١) صفة أو خبر، وقد ذكرناه مكررًا، و(الفأرة) بتخفيف الراء، و(الحدأة) على وزن عنبة واحد حدأ مهموز: طائر معروف.\n٢٦٩٩ - [٤] (عائشة) قوله: (خمس فواسق) روي (خمس) منونًا ومضافًا، و(الغراب الأبقع) بقع كفرح: بَلِقَ، ويستعمل في الطير والكلاب، والغراب الأبقع: الذي في ظهره وبطنه بياض، وقد ورد في قاتل سيد الإمام حسين بن علي بن أبي طالب -عليه التحية والسلام-: (كأني انظر إلى كلب أبقع يلغ في دماء أهل بيتي)، وكان شمر أبرص، رواه ابن عساكر في (تاريخه) (٢)، وفي الحديث: (رأى رجلًا مُبَقَّعَ الرجلين (٣»، وقد توضأ، يريد مواضع في رجله لم يصبها الماء، فخالف لونُها لونَ ما أصابه الماء، وفي حديث: (لا يرى بقع الماء في ثوبه) (٤). قال في (الهداية) (٥):\n_________\n(١) به قالت الحنفية، وأباح الشافعي كل ما لا يؤكل، ومالك كل موذ، قاله في \"التقرير\".\n(٢) \"تاريخ دمشق\" (٢٣/ ١٩٠).\n(٣) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٩٢٦٥).\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"صحيح البخاري\" (٢٢٩): \"وإن بقع الماء في ثوبه\"، وفي \"النهاية\" (١/ ١٤٦): \"إني لأرى بقع الغسل في ثوبه\".\n(٥) \"الهداية\" (١/ ١٦٧).","vol":"5","page":436},{"text":"وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْحُدَيَّا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣١٤، م: ١١٩٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-701> الْفَصْلُ الثاني:</span>\n٢٧٠٠ - [٥] عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَحْمُ الصَّيْدِ لَكُمْ فِي الإِحْرَامِ حَلَالٌ، مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَادُ لَكُمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٨٥١، ت: ٨٤٦، ن: ٢٨٢٧].\nــ\nالمراد بالغراب: الذي يأكل الجيف ويخلط لأنه يبتدئ بالأذى، أما العَقْعَق فغير مستثنى؛ لأنه لا يسمى غرابًا، وأراد بالكلب العقور: كل سبع يعقر، أي: يجرح ويفترس كالأسد والنمر والذئب فإنه يسمى كلبًا.\n(والحديا) تصغير حَدَأ، واحده حِدَأة.\nوأعلم أنه قد ذكر في الحديثين الخَمس، ولكن ذُكر في الحديث الأول العقرب مكان الحية، وذُكر الغراب تارةً مطلقًا، وقيِّد بالأبقع أخرى، وقالوا بالقتل في الحل والحرم، ويقتله المحرم والمحل غير منحصر في ما ذكر، بل المؤذيات كلها حكمها هذا، ويجوز عند الشافعي قتل الجاني وحده في الحرم سواءٌ جنى فيه أو خارجه، وعندنا إن جنى في الحرم ثم التجأ يضيَّق عليه حتى اضطرّ إلى الخروج، فيقتل ويحد.\nالفصل الثاني\n٢٧٠٠ - [٥] (جابر) قوله: (أو يصاد لكم) (١) الظاهر: أو يُصَدْ بالجزم، لكن\n_________\n(١) قال القاري (٥/ ١٨٥٧): وبهذا يستدل مالك والشافعي -﵀- على حرمة لحم ما صاده لأجل المحرم، وأبو حنيفة -﵀- يحمله على أن يهدى إليكم الصيد دون اللحم، أو على أن يكون معناه أن يصاد بأمركم، فلا يحرم لحم صيد ذبحه حلال للمحرم من غير =","vol":"5","page":437},{"text":"٢٧٠١ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"الْجَرَادُ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ١٨٥٣، ت: ٨٥٠].\n٢٧٠٢ - [٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ السَّبُعَ الْعَادِيَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٨٣٨، ١٨٤٨، جه: ٣٠٨٩].\nــ\nرَفْع الفعل المضارع في مقام الجزم لغة مشهورة فصيحة.\n٢٧٠١ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (الجراد من صيد البحر) يعني: حكمه حكم صيد البحر، وورد أنها من نثرة حوت، وقيل: يتولد من الحيتان كالديدان، فيدسرها البحر إلى الساحل، وبهذا الحديث جوّز بعض العلماء أن يصيده المحرم، وأما من لم يجوزه فيقول: إنه من صيد البر (١)؛ لاستقراره فيه، وإزراره في الأرض وتَقوِّيهِ مما تخرجه الأرض من نباتها وثمراتها، وقيل: أراد به أنه صيد البحر، لمشاركته صيدَ البحر في حكم الأكل منه من غير تذكية، واللَّه أعلم.\n٢٧٠٢ - [٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (السبع العادي) في معنى الكلب العقور كما عرفت.\n_________\n= أمره أو دلالته، اهـ.\n(١) قال ابن الهمام: عليه كثير من العلماء، ويشكل عليه ما في أبي داود والترمذي، عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول اللَّه -ﷺ- في حجة أو غزوة، فاستقبلنا رجل من جراد، فجعلنا نضربه بسياطنا وقسينا، فقال -ﷺ-: \"كلوه، فإنه من صيد البحر\". وعلى هذا لا يكون فيه شيء أصلًا، قال القاري: أقول: لو صح حديث أبي داود والترمذي المذكور سابقًا، كان ينبغي أن يجمع بين الأحاديث بأن الجراد على نوعين: بحري وبري، فيعمل في كل منهما بحكمه، انتهى. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٨٥٨).","vol":"5","page":438},{"text":"٢٧٠٣ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الضَّبُعِ: أَصَيْدٌ هِيَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقُلْتُ: أَيُؤْكَلُ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٨٥١، ن: ٢٨٣٦، الأم: ٢/ ١٩٣].\n٢٧٠٤ - [٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الضَّبُعِ قَالَ: \"هُوَ صَيْدٌ، وَيَجْعَلُ (١) فِيهِ كَبْشًا إِذَا أَصَابَهُ الْمُحْرِمُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٣٨٠١، جه: ٣٠٨٥، دي: ٢/ ٧٤].\n٢٧٠٥ - [١٠] وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ جَزِيٍّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ. . . . .\nــ\n٢٧٠٣ - [٨] (عبد الرحمن بن أبي عمار) قوله: (عن الضبع) (٢) بفتح معجمة وضم موحدة: حيوان معروف، وهو مباح عند الشافعي وأحمد، ومكروه عند أبي حنيفة ومالك؛ لأن النبي -ﷺ- نهى عن كل ذي ناب من السباع، وروي حديث في كراهة لحمه على الخصوص أيضًا، لكنهم قالوا: إنه ضعيف.\nوقوله: (أصيد هو؟) أي: مما يَحرم قتله.\n٢٧٠٤ - [٩] (جابر) قوله: (ويجعل) بلفظ المعلوم، أي: في جزائه.\nوقوله: (المحرم) تنازع فيه (يجعل) و(أصابه).\n٢٧٠٥ - [١٠] (خزيمة بن جزي) قوله: (وعن خزيمة بن جزي) في (جامع\n_________\n(١) أي: قاتله، وفي نسخة على بناء المجهول. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٨٥٨).\n(٢) قال الدميري في \"حياة الحيوان\" (٢/ ١١٢): ومن عجيب أمرها أنها كالأرنب، تكون سنة ذكرًا وسنة أنثى فتلقح في حال المذكورة، وتلد في حال الأنوثة، انتهى.","vol":"5","page":439},{"text":"أَكْلِ الضَّبُعِ. قَالَ: \"أَوَيَأْكُلُ الضَّبُعَ أَحَدٌ؟ \". وَسَأَلْتُهُ عَنْ أَكْلِ الذِّئْبِ. قَالَ: \"أَوَيَأْكُلُ الذِّئْبَ أَحَدٌ فِيهِ خَيْرٌ؟ \". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ. [ت: ١٧٩٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-702> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٧٠٦ - [١١] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ طَلْحَةَ ابْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَنَحْنُ حُرُمٌ، فَأُهْدِيَ لَهُ طَيْرٌ وَطَلْحَةُ رَاقِدٌ، فَمِنَّا مَنْ أَكَلَ، وَمِنَّا مَنْ تَوَرَّعَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ وَافَقَ مَنْ أَكَلَهُ قَالَ: فَأَكَلْنَاهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٩٧].\n* * *\nــ\nالأصول (١»: جزء بفتح الجيم وسكون الزاي ويعدها همزة، وأصحاب الحديث يقولون: بفتح الجيم وكسر الزاي وبالياء، وقيل: بكسر الجيم وسكون الزاي، انتهى.\nوقوله: (فيه خير؟) يتبادر من العبارة أن يكون صفة (أحد)، وقال الطيبي (٢): همزة الإنكار محذوفة، معناه: أفي الذئب خير؟ وهو من الضواري والسباع.\nالفصل الثالث\n٢٧٠٦ - [١١] (عبد الرحمن بن عثمان) قوله: (عن عبد الرحمن بن عثمان) ابن عبيد اللَّه (التيمي) ابن أخي طلحة بن عبيد اللَّه، صحابي.\nوقوله: (فلما استيقظ طلحة وافق من أكله) لأنه لم يصد لهم، ولا يلزم من\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (١٢/ ١٣٨).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٣٤٦).","vol":"5","page":440},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-703>١٣ - باب الإحصار وفوت الحج</span>\nــ\nالإهداء له الاصطياد له، وهذا تأويل من قال: لا يأكل مما اصطاد لأجله، وظاهره مطلق، وتورُّع من لم يأكل لاحتمالات أخر من مشاركة محرم في الدلالة أو الإشارة أو الإعانة، واللَّه أعلم.\n١٣ - باب الاحصار وفوت الحج\nفي (النهاية) (١): الإحصار: المنع والحبس، أحصره المرض أو السلطان: إذا منعه عن مقصده، وحصره: إذا حبسه، وحصرهم العدو: ضيَّقوا عليهم، وفي (القاموس) (٢): الحصر كالضرب والنصر: التضييق والحبس عن السفر وغيرِه كالإحصار.\nثم الإحصار عندنا يتحقق بعدو أو مرض، فإذا أحصر المحرم جاز له التحلل، وقال الأئمة الثلاثة: لا يكون الإحصار إلا بالعدو؛ لأن التحلل بالهدي شرع في حق المحصَر ليحصِّل النجاة، وبالإحلال ينجو من العدو؛ لأنه يرجع إلى أهله فيندفع شر العدو، لا من المرض، فعندهم يقيم المريض على إحرامه، فإن زال العذر وقد فاته الحج يتحلل بعمل العمرة، وتمسكوا بقول ابن عباس -﵄-: لا حصر إلا حصر العدو، وبقوله: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولأنه نزل بالحديبية.\nقلنا: إن الإحصار في اللغة المنع والحبس، سواء كان من عدو أو من مرض، وكذا الآية تشملهما، وقد قال رسول اللَّه -ﷺ-: (من كُسِر أو عَرَج فقد حل، وعليه الحج من قابل)، والتحلل قبل أوانه لدفع الحرج الآتي من قبل امتداد الإحرام، والحرجُ فِي الاصطبار عليه مع المرض أشدّ وأعظم.\n_________\n(١) \"النهاية\" (١/ ٣٩٥).\n(٢) (ص: ٣٣٩).","vol":"5","page":441},{"text":"٢٧٠٧ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٨٠٩].\nــ\nوههنا خلاف آخر، وهو أن الهدي يبعث عندنا إلى الحرم؛ لأن دم الإحصار قربة، والإراقة لم تعرف قربة إلا في زمان أو مكان، فلا يقع قربة دونه، فلا يقع به التحلل، ولو واعَدَ من يبعثه ليومٍ بعينه يذبح فيه يتحلل، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، والهدي اسم لما يهدى إلى الحرم، فلا يحل حتى يبلغ الحرم، وقال الشافعية: لا يتوقف به ويذبح حيث أحصر؛ لأنه شُرع رخصةً، وبالتوقيت يبطل التخفيف، قلنا: إن المراعى أصل التخفيف لا نهايته.\nوقالوا: المراد ببلوغ الهدي محله ذبحه حلًّا كان أو حرمًا، قلنا: هذا خلاف الظاهر، وقالوا: ذبح رسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه عام الحديبية بها وهي من الحلّ، قلنا: لعله لم يكن ذلك لهم، فذبحوا بها للضرورة.\nهذا وقد قيل: إن الحديبية بعضها حلٌّ وبعضها حرم، فلا يلزم من ذبحه فيها ذبحه في الحل، ونقل في (المواهب اللدنية) (١) عن المحب الطبري: وهي قرية قريبة من مكة أكثرها في الحرم.\nثم عندنا إذا أحصر يجب القضاء، وعند الشافعي ﵀ لا يجب.\nالفصل الأول\n٢٧٠٧ - [١] (ابن عباس) قوله: (حتى اعتمر عامًا قابلًا) هذا عندنا محمول على القضاء وهو الظاهر.\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (١/ ٤٨٩).","vol":"5","page":442},{"text":"٢٧٠٨ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَحَالَ كفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ الْبَيْتِ، فَنَحَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- هَدَايَاهُ، وَحَلَقَ وَقَصَّرَ أَصْحَابُهُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٨٠٧].\n٢٧٠٩ - [٣] وَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٨١١].\n٢٧١٠ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ\nــ\n٢٧٠٨ - [٢] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (وقصر أصحابه) أي: بعضهم، وحلق آخرون، وذلك أنهم توقفوا في الإحلال لِمَا دخل عليهم من الحزن؛ لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت، فأشارت أم سلمة -﵂- أن يحلّ هو -ﷺ- قبلهم، ففعل، فتبعوه، فحلق بعضهم وقصر بعض، وكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر ممن اقتصر على التقصير، كذا في (المواهب اللدنية) (١).\n٢٧٠٩ - [٣] (المسور بن مخرمة) قوله: (نحر قبل أن يحلق) وقال في (الهداية) (٢): ليس عليه الحلق أو التقصير في الإحصار في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما اللَّه، وقال أبو يوسف ﵀: عليه ذلك، ولو لم يفعل لا شيء عليه؛ لأن النبي -ﷺ- حلق عام الحديبية، ولهما [أن الحلق] إنما عرف قربة مرتبًا على أفعال الحج، فلا يكون نسكًا قبلها، وفعل النبي -ﷺ- وأصحابه ليعرف استحكام عزيمتهم على الانصراف.\n٢٧١٠ - [٤] (ابن عمر) قوله: (أليس حسبكم) أي: حسبكم وكافيكم (سنة\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٤/ ٤٥٢).\n(٢) \"الهداية\" (١/ ١٧٥).","vol":"5","page":443},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا، فَيُهْدِيَ، أَوْ يَصُومَ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٨١٠].\n٢٧١١ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ لَهَا: \"لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الْحَجَّ؟ \" قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا أَجِدُنِي إِلَّا وَجِعَةً. فَقَالَ لَهَا: \"حُجِّي وَاشْتَرِطِي، وَقُولِي: اللَّهُمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٨٩، م: ١٢٠٧].\nــ\nرسول اللَّه -ﷺ-؟) أي: قوله -ﷺ-.\nوقوله: (طاف بالبيت وبالصفا والمروة) أي: إذا أحصر عن الحج يجيء بعمرة ثم يحل، (يحج عامًا قابلًا) أي: يقضيه في العام القابل.\n٢٧١١ - [٥] (عائشة) قوله: (على ضباعة) بضم الضاد المعجمة (بنت الزبير) ابن عبد المطلب، فهي بنت عم رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (لعلك أردت الحج؟) استفسار على وجه التلطف والتعطف، (فقالت: واللَّه ما أجدني إلا وجعة) بفتح الواو وكسر الجيم، تعني: نعم أريد الحج ولكن أظن عروض الوجع لما أجد في نفسي ضعفًا من المرض، ولا أعلم هل أقدر على إتمام الحج أم لا؟ (فقال لها: حجي) أي: أحرمي بالحج، و(المحل) بفتح الميم وكسر الحاء اسم زمانٍ، أي: محل خروجي، أو مكانٍ مِن حَلَّ: إذا خرج من الإحرام.\nوالحديث يدل على تحقق الإحصار بالمرض، لكن يدل على الاشتراط، وقال من ذهب إلى أن الإحصار لا يكون إلا بالعدو: لو كان المرض يبيح التحلل لم يحتج إلى الاشتراط، وأجيب بأن الاشتراط المذكور في هذا الحديث إنما كان ليفيد تعجيل التحلل؛ لأنها لو لم تشترط لتأخر تحللها إلى بلوغ الهدي محله، ومذهب أبي حنيفة","vol":"5","page":444},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-704> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٧١٢ - [٦] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُبَدِّلُوا الْهَدْيَ الَّذِي نَحَرُوا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَفِيهِ قِصَّةٌ، وَفِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ. [د: ١٨٦٤].\nــ\nومن نحا نحوه أن المحصر ليس له أن يحل حتى ينحر هديه بالحرم إلا أن يشترط، فإن اشترط فله أن يحل قبل نحر الهدي، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١) رحمة اللَّه عليه، وذهب بعضهم إلى أنه لا يجوز التحلل مع وجود الاشتراط، وهذا الحكم مخصوص بضباعة، وقد صح عن ابن عمر أنه كان ينكر الاشتراط في الحج: (أليس حسبكم سنة نييكم -ﷺ-؟) ويفهم منه أن ابن عمر قائل بالإحصار لمرض، فافهم.\nالفصل الثاني\n٢٧١٢ - [٦] (ابن عباس) قوله: (أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية) أي: يذبحوا مكان ما ذبحوه هديًا آخر، وهذا يدل على أن هدي الإحصار لا يذبح إلا في الحرم، كما هو مذهب أبي حنيفة، وهذا إن قلنا: إنهم نحروا في الحديبية في غير الحرم، وإن قلنا: إنهم ذبحوا فيها في الحرم، فإن الحديبية أكثرها حرم، كما أشرنا في شرح الترجمة، فالتبديل للاحتياط وإدراك الفضيلة ثانيًا، والأمر للاستحباب، واللَّه أعلم.\nوقوله: (في عمرة القضاء) تسمية عمرة القضاء ظاهر في مذهبنا، والشافعية يقولون: المراد بالقضاء الصلح، والقضاء والمقاضاة يجيء بمعنى الصلح والمصالحة، وقد ذكروا في الصلح: أن يأتي رسولُ اللَّه -ﷺ- في العام القابل.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٦٣٥).","vol":"5","page":445},{"text":"٢٧١٣ - [٧] وَعَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: \"أَوْ مَرِضَ\". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَفِي \"الْمَصَابِيحِ\": ضَعِيفٌ. [ت: ٩٤٠، د: ١٨٦٢، ن: ٢٨٦١، جه: ٢٠٧٧، دي: ٢/ ١١].\nــ\n٢٧١٣ - [٧] (حجاج بن عمرو الأنصاري) قوله: (من كسر) بلفظ المجهول (أو عرج) بكسر الراء، وفي (القاموس) (١): عَرَجَ: أصابه شيء في رجله فخَمَعَ، وليس بخِلْقةٍ، وفي (مجمع البحار) (٢): يقال: عَرَجَ عَرَجانًا: إذا غمز من شيء أصابه، وعَرِج عَرَجًا: إذا صار أعرج، أو كان خِلْقةً.\nوهذا الحديث يدل على كون الإحصار بغير العدو، ووجوبِ القضاء كما هو مذهب أبي حنيفة، وتقييدُه بصورة الاشتراط ضعيف.\nوقوله: (وفي المصابيح ضعيف) قال التُّورِبِشْتِي (٣): الحكم بضعف هذا الحديث باطل، وقال: لهذا الحديث تتمة من قول عكرمة، وهو أحد الرواة عن الحجاج بن عمرو، وذلك قوله: قد ذكرت ذلك لأبي هريرة وابن عباس، فقالا: صدق، ولقد أطنب الكلام فيه ﵀، انتهى.\nوظهر من هذا أن هذا الحديث ثابت عند ابن عباس، فصحة ما يروى عنه (لا حصر\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٩٤).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥٥٧).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٦٣٦).","vol":"5","page":446},{"text":"٢٧١٤ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"الْحَجُّ عَرَفَةُ، مَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَدْ أَدْرَكَ الْحَجَّ. أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَة فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٨٨٩، د: ١٩٤٩، ن: ٣٠٤٤، جه: ٣٠١٥، دي: ٢/ ٥٩].\nوَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ.\n* * *\nــ\nإلا حصر العدو) محلُّ نظر، على أن قوله موقوف عليه، فلا يعارض الحديث المرفوع، واللَّه أعلم.\n٢٧١٤ - [٨] (عبد الرحمن بن يعمر) قوله: (وعن عبد الرحمن بن يعمر) بفتح الياء وسكون العين وفتح الميم (الديلي) بكسر الدال وسكون التحتانية (١).\nوقوله: (الحج عرفة) أي: مِلَاك الحج ومعظم أركانه الوقوف بعرفة؛ لأنه يفوت بفواته، ويفوت الوقوف لا إلى بدل، وهو متَّفقٌ عليه.\nوقوله: (من أدرك عرفة ليلة جمع) أول وقت الوقوف بعد الزَّوال من يوم عرفة وآخره إلى طلوع فجر يوم العيد.\nوقوله: (فمن تعجل في يومين. . . إلخ)، أي: من نفر آخر اليومين الأولين من\n_________\n(١) وقيل: بضم الدال وفتح الهمزة مكان الياء، وحينئذ تكتب بصورة الواو، قاله القاري في \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٨٦٣).","vol":"5","page":447},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-705>١٤ - باب حرم مكة حرسها اللَّه تعالى</span>\nــ\nأيام التشريق -يعني الحادي عشر والثاني عشر- فلا إثم ولا حرج، وليس فيه ترك واجب، ومن تأخر إلى اليوم الثالث وهو الثالث عشر فلا إثم عليه أيضًا، وليس فيه ارتكاب بدعة ومجاوزةٌ عن الحد، يعني: هما سواءان في الجواز، وإن كان التوقف والتأخير أفضل لكثرة العبادة وزيادة السعادة.\n١٤ - باب حرم مكة حرسها اللَّه تعالى\nسمي حرمًا لتحريم اللَّه تعالى كثيرًا مما ليس بمحرَّم في غيره من المواضع، وحرم مكة: ما أحاط بها وأطاف بها من جوانبها، جعل اللَّه [له] حكمها في الحرمة تشريفًا وتعظيمًا لها، واختلف في سبب تحريمه، فقيل: إن آدم ﵇ لما أهبط إلى الأرض، خاف على نفسه من الشيطان، فبعث اللَّه تعالى ملائكة تحرسه، فوقفوا في موضع أنصاب الحرم من كل جانب، فصار ما بينه وبين موقف الملائكة حرمًا.\nوقيل: لأن الحجر الأسود لما وضعه الخليل ﵊ في الكعبة حين بناها، أضاء الحجر يمينًا وشمالًا وشرقًا وغربًا، فحرَّم اللَّه ﷿ من حيث انتهى نور الحجر، وقيل غير ذلك.\nوللحرم علامات بينات، وهي أنصاب مبنية في جميع جوانبه إلا في جهة جِدَّة وجهة الجعرانة، فإنه ليس فيهما أنصاب، وأول من نصب ذلك الخليل ﵊ بدلالة جبرئيل، ثم قصي بن كلاب، وقيل: نصبها إسماعيل بعد أبيه ثم قصي، وقيل: عدنان بن أُدّ أول من وضع أنصاب الحرم حين خاف أن يَدرس الحرم، ثم نصبها قريش، ثم نصبها النبي -ﷺ- عام الفتح، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، ثم معاوية بن أبي سفيان، ثم عبد الملك بن مروان، ثم المهدي العباسي، ثم فثم،","vol":"5","page":448},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-706> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٧١٥ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: \"لَا هِجْرَةَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا\"، وَقَالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: \"إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ،\nــ\nوليس حدود الحرم من جميع الجهات متساوية، أقربها من جهة التنعيم، وقد بيَّنها مفصلًا في (تاريخ مكة) (١).\nالفصل الأول\n٢٧١٥ - [١] (ابن عباس) قوله: (لا هجرة، ولكن جهاد ونية) كانت الهجرة من مكة إلى المدينة مفروضة على من يستطيع بعد أن هاجر رسول اللَّه -ﷺ- إلي المدينة، فلما فتح مكة انقطعت تلك الهجرة المفروضة، وبقيت الهجرة من ديار الكفر إلى ديار الإسلام صونًا للدين، وهي داخلة في قوله: (ولكن جهاد ونية) أي: بقي الجهاد، ويُحرز بها (٢) من الثواب والفضيلة ما فات من الهجرة، وبقي إحسان النية في كل عمل، وهذا أيضًا في معنى الهجرة بترك هوى النفس والخروج عن موطن الطبيعة بهجران ما نهى اللَّه عنه.\nوقوله: (ذا استنفرتم) بلفظ المجهول من النفير، وفي (النهاية) (٣): الاستنفار: الاستنصار، أي: إذا طُلِب منكم النصرة فأجيبوا، أي: إذا دعاكم الإمام إلى الغزو فاذهبوا.\nوقوله: (يوم خلق السماوات والأرض) كناية عن كونه أمرًا قديمًا وشريعة سالفة\n_________\n(١) انظر: \"أخبار مكة\" للفاكهي (٢/ ٢٤٦).\n(٢) كذا في الأصل، والظاهر: \"يحرز به\".\n(٣) \"النهاية\" (٥/ ٩٢).","vol":"5","page":449},{"text":"فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ،\nــ\nليس مما أحدثه الناس أو اختصَّ بشريعة، ويجوز أن يراد أنه خلقت هذه الأرض حين خلقها محرمة، كذا قالوا، والظاهر أن خلقها محرمة حين خلقها بمعنى تقدير التحريم فيها لا الحكم به بالفعل، وإنما حرمتُه في زمان آدم أو الخليل كما نقلنا، ويؤيده ما قيل: إنه كتب في اللوح المحفوظ يوم خلق السماوات والأرض أن إبراهيم سيحرم مكة بأمر اللَّه تعالى.\nوقوله: (ولم يحل لي إلا ساعة من نهار) يدل ظاهرًا على وقوع القتال فيه، وقد وقع من خالد بن الوليد، وكان ذلك بأمر من النبي أو بإذن منه -ﷺ-، ولهذا ذهب الأكثرون ومنهم أبو حنيفة أن مكة فتحت عنوةً، وعن الشافعي وهو رواية عن أحمد أنها فتحت صلحًا؛ لأنهم لم يتهيؤوا للحرب، وإنما وقعت اتفاقًا بعد دخول خالد وتعرض بعض المشركين له، واعتذارُه -ﷺ- بحلِّ القتال له ساعة صريحٌ في وقوع القتال والفتح عنوة، وثمرة الخلاف أن من قال: فتحت عنوة، لا يجوِّز بيع دُورها وإجارتَها؛ لأن النبي -ﷺ- أخذها من الكفار وجعلها وقفًا بين المسلمين، ومن قال بالفتح صلحًا جوَّز ذلك لأنها مملوكة لأصحابها مبقاةٌ على أملاكهم.\nوقوله: (لا يعضد) أي: لا يقطع (شوكه) فضلًا عن أشجارها، وقد وقع في رواية أبي هريرة: (لا تعضد شجرتها) قال في (الهداية) (١): فإن قطع حشيش الحرم أو شجره -وهي ليست بمملوكة وهو ما لا ينبته الناس- فعليه قيمته إلا ما جفّ منه، وما جف\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ١٧١).","vol":"5","page":450},{"text":"وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا،\nــ\nمن شجر الحرم لا ضمان فيه؛ لأنه ليس بنامٍ، ولا يرعى حشيش الحرم، ولا يقطع إلا الإذخر، وقال أبو يوسف ﵀: لا بأس بالرعي؛ لأن فيه ضرورةً، فإنَّ منع الدواب عنه متعذِّر، ولنا ما روينا، وحمل الحشيش من الحلِّ ممكن فلا ضرورة، وبخلاف الإذخر لأنه استثناه رسول اللَّه -ﷺ-، فيجوز قطعه ورعيه، وبخلاف الكمأة لأنها ليست من جملة النبات، انتهى.\nوعند الشافعي ومن وافقه: يجوز رعي البهائم في كلأ الحرم، ومذهب أحمد كمذهبنا.\nسمعت الشيخ الإمام العارف باللَّه عبد الوهاب -﵀- يحكي عن عارضة عماه، وقد عرضه في أواخر عمره، أنه كان من أصحابنا رجل يسمى أحمد السقا، جاء بوَرد من الحرم، فناولنيه، فشممته ساهيًا أنه من الحرم، فكما شممت سرى ألم إلى الخيشوم كما تدبّ النملة حتى بلغ الدماغ، ووصل إلى العينين، وجعلت تزداد يومًا فيومًا، حتى صار ما صار، وآل الأمر إلى ما شاء اللَّه.\nوقوله: (ولا ينفر) من التنفير، ويدلّ على حرمة الإتلاف بطريق الأولى، فالتنفر حرام، فإن تلف في نفاره قبل السكون ضمن.\nوقوله: (ولا يلتقط) بلفظ المعلوم، و(لقطته) بضم اللام وسكون القاف، والأفصح فتحها، في (القاموس) (١): لَقَطه: أخذه من الأرض، فهو ملقوط ولقيط، واللَّقَطُ محركة وكحُزْمة وهُمَزة وثمامة: ما التُقط.\nوقوله: (إلا من عرفها) من التعريف، يعني: ليس في لقط الحرم إلا التعريف،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٣٢).","vol":"5","page":451},{"text":"وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا\"، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِلَّا الإِذْخِرَ فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ. . . . .\nــ\nفلا يستنفقها، ولا يتصدق بها، بخلاف لقط سائر البقاع، وهو أظهر قولي الشافعي، ولم يفرق أكثر العلماء بين لقطة الحرم ولقطة غيره من الأماكن وهو مذهبنا، والدليل لهم إطلاق قوله -ﷺ-: (اعرف عفاصها ووكاءها، ثم عرفها سنة) من غير فصل، وسيجيء الكلام فيه في (باب اللقطة) إن شاء اللَّه تعالى. وقالوا: معنى قوله: (إلا من عرفها) أن يعرِّفها كما يعرّفها في سائر البقاع حولًا كاملًا حتى لا يتوهَّم متوهِّم أنه إذا نادى وقت الموسم فلم يظفر مالكها جاز أن يتملكها.\nوهذا خلاف ظاهر العبارة، وأيضًا أن الكلام ورد مورد بيان الفضائل المختصة بها كتحريم صيدها وقطع شجرها، وإذا سوِّي بين لقطة الحرم ولقطة غيره من البلاد، وجدنا حكم اللقطة في هذا الحديث خاليًا عن الفائدة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ولا يختلى خلاها) بلفظ المجهول، أي: لا يقطع، والخلا مقصورًا: النبت الرقيق ما دام رطبًا، فإذا يبس فهو الحشيش، والحشيش أيضًا لا يحل قطعه كما دل عليه: (ولا يعضد شوكه)، ومن المحدثين من روى (الخلاء) ممدودًا، وهو خطأ، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١).\nوقوله: (فقال العباس) هكذا في أكثر الروايات، وفي حديث أبي هريرة -﵁- من الصحيحين: (فقال رجل من قريش)، و(الأذخر) بكسر الهمزة والخاء: نبت طيب الرائحة.\nوقوله: (فإنه لقينهم) القين بفتح القاف: الحداد والصانع، أي: يحتاج إليه في\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٦٤١).","vol":"5","page":452},{"text":"وَلِبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ: \"إِلَّا الإِذْخِرَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٣٤، م: ١٢٥٣].\n٢٧١٦ - [٢] وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: \"لَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتهَا إِلَّا مُنْشِدٌ\". [خ: ١١٢، م: ١٣٥٥].\n٢٧١٧ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا يَحِلُّ لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلَاحَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٥٦].\n٢٧١٨ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ وَقَالَ: ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ. فَقَالَ: \"اقْتُلْهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٤٦، م: ١٣٥٧].\nــ\nوقود النَّار، (ولبيوتهم) أي: سقفهم، وفي الحديث الآخر: (فإنه لقيوننا (١» جمع قين، وقد جاء في الصحيحين: (فإنا نجعله في قبورنا وبيوتنا).\nوقوله: (فقال إلا الأذخر) أوحي إليه -ﷺ- في الحال باستثناء الإذخر، أو هذا مبني على تفويض الأحكام إليه، أو قال بالاجتهاد، والأول أظهر وأصح، واللَّه أعلم.\n٢٧١٦ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (إلا منشد) أي: منادٍ مُعرِّفٌ، أنشد الضالة: عرفها واسترشد عنها ضد، والنشيد: رفع الصوت.\n٢٧١٧ - [٣] (جابر) قوله: (أن يحمل بمكة السلاح) أي: بلا ضرورة وحاجة، وعليه الجمهور، وقيل: مكروه مطلقًا.\n٢٧١٨ - [٤] (أنس) قوله: (ابن خطل) وفي أكثر النسخ: (أن ابن خطل) واسمه عبد اللَّه، وقيل: عبد العزيز، وقيل: غالب، وكان قد ارتد، وقتل مسلمًا كان يخدمه، وكان يهجو رسول اللَّه -ﷺ- والمسلمين، وقيل: كان له قينتان تغنيان بهجاء المسلمين،\n_________\n(١) رواه ابن أبي شيبة (٣٦٩٠٠).","vol":"5","page":453},{"text":"٢٧١٩ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- دَخَلَ يَوْمَ فَتْح مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٥٨].\n٢٧٢٠ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَغْزُو جَيْشٌ الْكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ\". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ. . . . .\nــ\nوقال النووي (١): في الحديث دليل لمن أجاز إقامة الحدود والقصاص في حرم مكة كمالك والشافعي رحمهما اللَّه، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وأجيب [عن الحديث] بأن حكمه مستثنى كاستثنائه من قوله -ﷺ-: (من دخل المسجد فهو آمن)، وبأنه قتله في الساعة التي أبيحت له، ولعله أخرجه من الحرم فقتل، واللَّه أعلم.\n٢٧١٩ - [٥] (جابر) قوله: (وعليه عمامة سوداء بغير إحرام) فيه دليل على أنه لا يجب الإحرام لمن يريد دخول مكة لا للنسك، وهو أصح قولي الشافعي ﵀، والجواب عند الحنفية أنه أحل له -ﷺ- ساعة.\nوقوله: (سوداء) فيه استحباب لبس الأسود، وقيل: لم تكن سوداء، بل اسودت بالاستعمال بالادِّهان وغيره، واللَّه أعلم.\n٢٧٢٠ - [٦] (عائشة) قوله: (يغزو جيش) إخبار عما يقع في آخر الزمان، والجيش هو جيش السفياني ملك مصر [في] عهد المهدي الموعود.\nوقوله: (ببيداء من الأرض) ظاهره يدل على أن المراد جنس البيداء، وقيل: موضع مخصوص بين مكة والمدينة.\nوقوله: (وفيهم الأسواق) الظاهر أنه جمع سوق، والمراد أهلها، والسوقة يجيء\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٩/ ١٣٢).","vol":"5","page":454},{"text":"وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؛ قَالَ: \"يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١١٨، م: ٢٨٨٤].\n٢٧٢١ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّويقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٩٦، م: ٢٩٠٩].\n٢٧٢٢ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٥٩٥].\nــ\nبمعنى الرعية، ولكن في جمعها على أسواق تردد.\nوقوله: (ومن ليس منهم) أي: موافقًا لهم في قصد تخريب الكعبة كالأسارى والصغار وأمثالهم.\nوقوله: (يخسف بأولهم وآخرهم) وهكذا قد يجري الحكم الإلهي يهلك الأخيار بشؤم الأشرار ثم يميز بينهم في الآخرة.\n٢٧٢١ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (ذو السويقتين) تثنية سويقة تصغير ساق، أبدلت ألفه واوًا للضمة، وظهرت التاء لكون الساق مؤنثًا سماعيًا؛ لأن المكرر من أعضاء الآدمي مؤنث، وإنما صغرت لأن الغالب على سوق الحبشة الدقة والخموشة، كذا قالوا، والظاهر من اللفظ أن ذلك المتخرب يكون صغير الساقين ودقيقهما من بين الحبشة، ولعله يكون أدقهما ممن عداه منهم.\n٢٧٢٢ - [٨] (ابن عباس) قوله: (كأني به) أي: كأني ملتبس بمخرِّب الكعبة، أي: كأني انظر إليه، وهو الآخر (١) عندي، و(أسود) بالنصب، وكذا (أفحج) بتقديم\n_________\n(١) كذا في (ع)، وفي (د): \"وهو خاص\"، والظاهر: \"وهو حاضر\" كما يظهر من عبارة \"أشعة اللمعات\" بالفارسية (٢/ ٤٠٩) ولفظه: \"ومي بينم أو را وو حاضر است نزد من\".","vol":"5","page":455},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-707> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٧٢٣ - [٩] عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"احْتِكَارُ الطَّعَامِ فِي الْحَرَمِ إِلْحَادٌ فِيهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٠٢٠].\n٢٧٢٤ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِمَكَّةَ: \"مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ،\nــ\nالحاء على الجيم من الفحج محركة بمعنى التباعد من الفخذين، وفي (القاموس) (١): فحج في مشيته: تدانى صدور قدميه، وتباعد عَقِبَاه، ونصبهما إما على الحال من الضمير المجرور في (به) إن كان قد جرى ذكره سابقًا، أو على التمييز إن كان مبهمًا فسر بهما نحو ربَّه رجلًا.\nوفي هذه القصة عزة وإظهار قدرة على تخريب مثل هذه البنية العظيم الشأن على يد مثل هذا الشخص الحقير الضعيف البنيان، واللَّه على كل شيء قدير.\nالفصل الثاني\n٢٧٢٣ - [٩] (يعلى بن أمية) قوله: (عن يعلى) بفتح الياء (ابن أمية) بضم الهمزة وتشديد الياء.\nوقوله: (احتكار الطعام في الحرم إلحاد) فيه الاحتكار حرام في جميع البلاد وفي مكة أشد، والإلحاد في الحرم: ارتكاب ما حرم فيه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].\n٢٧٢٤ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (ما أطيبك) بكسر الكاف صيغة تعجب، و(من) بيان للضمير، أو المراد: من بين البلاد أو، من جملتها، و(أحبك) عطف على\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٩٦، ١٩٧).","vol":"5","page":456},{"text":"وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيْحٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. [ت: ٣٩٣٦].\n٢٧٢٥ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ حَمْرَاءَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَاقِفًا عَلَى الْحَزْوَرَةِ، فَقَالَ: \"وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٣٩٢١، جه: ٣١٠٨].\nــ\n(أطيبك) فتكون (ما) داخلةً عليه غير محذوفة، فلا يلزم التغير في صيغة التعجب، وقد حكم بمنعه النحاة، فتدبر.\n٢٧٢٥ - [١١] (عبد اللَّه بن عدي) قوله: (على الحزورة) بحاء مهملة مفتوحة وزاي معجمة، وعوام مكة يصحفونه بالعزورة بعين مهملة، وهي على وزن قسورة، وذكر الدارقطني أن تخفيف الحزورة هو الصواب، وأن المحدثين يفتحون الزاي ويشددون الواو، وهو تصحيف، نقله صاحب (المطالع) وقال: قد ضبطنا بالوجهين عن ابن سراج، انتهى.\nوالحزورة: الرابية الصغيرة، والجمع حزاور، وكان عندها سوق الخياطين بمكة، وهي في أسفلها عند منارة المسجد التي تلي أجياد، وهذا هو المشهور على ما ذكره الأزرقي، ونقل عن بعض المكيين أنها بفناء دار الأرقم المعروف بدار الخيزران عند الصفا، كذا في (تاريخ مكة) للفاسي.\nوذكر فيه أيضًا: أن هذا القول من النبي -ﷺ- المذكورَ في هذا الحديث عند خروجه من مكة في عمرة القضية؛ لأن قريشًا سأل النبي -ﷺ- أن يخرج من مكة بعد الثلاثة الأيام، وظن بعضهم أنه قال ذلك حين خرج من مكة للهجرة إلى المدينة، وليس كذلك، لأن في بعض طرق هذا الحديث: أنه قال ذلك وهو على راحلته بالحزورة،","vol":"5","page":457},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-708> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٧٢٦ - [١٢] عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْعَدَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ -وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ-: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ: حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لإِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلَا يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (١). . . . .\nــ\nولم يكن -ﷺ- بهذه الصفة حين هاجر إلى المدينة، لأنه خرج منها مستخفيًا، وفي (تاريخ الأزرقي): أنه -ﷺ- قال ذلك عام الفتح على الحجون، ولا منافاة لأنه يمكن أنه قال في كليهما، انتهى.\nولا يخفى عليك أن هذا القول منه -ﷺ-: (ولولا أني أخرجت منك لما خرجت) لا يلائم عام الفتح، اللهم إلا أن يقال ذلك من جهة تذكر إخراجهم وإيذائهم سابقًا في قضية الهجرة، فافهم.\nالفصل الثالث\n٢٧٢٦ - [١٢] (أبو شريح العدوي) قوله: (البعوث) جمع بعث، وهو بسكون العين، ويحرك: الجيش.\nوقوله: (قام به) أي: قال خطيبًا.\nوقوله: (سمعته) الضمير للقول، وكذا بواقي الضمائر، وتعليق الإبصار مجاز للمبالغة.\n_________\n(١) سقطت التصلية في نسخة.","vol":"5","page":458},{"text":"فِيهَا فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ. وَإِنَّمَا أُذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ\"، فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو؟ قَالَ: قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ! إنَّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي الْبُخَارِيِّ: الْخَرْبَةُ: الْخِيَانَةُ (١). [خ: ١٧٧، م: ١٣٥٤].\n٢٧٢٧ - [١٣] وَعَنْ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَزَالُ هَذِهِ الأُمَّةُ بِخَيْرٍ مَا عَظَّمُوا هَذِهِ الْحُرْمَةَ حَقَّ تَعْظِيمِهَا، فَإِذَا ضَيَّعُوا ذَلِكَ هَلَكُوا\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣١١٤].\n* * *\nــ\nوقوله: (بخربة) الخربة والخراب بالضم ويفتحان: الفساد في الدين، كذا في (القاموس) (٢).\nوقوله: (وفي البخاري: الخربة: الخيانة) ونقل الطيبي عن (صحيح البخاري) أنها البلية.\n٢٧٢٧ - [١٣] (عياش بن أبي ربيعة) قوله: (وعن عياش بن أبي ربيعة) أخو أبي جهل لأمه، أسلم قديمًا، كان رسول اللَّه -ﷺ- يدعو له في القنوت: (اللهم أنج عياش بن أبي ربيعة).\nوقوله: (هذه الحرمة) أي: حرمة بيت اللَّه وبلده الحرام.\n_________\n(١) في نسخة: \"الجناية\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٦).","vol":"5","page":459},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-709>١٥ - باب حرم المدينة حرسها اللَّه تعالى</span>\nــ\n١٥ - باب حرم المدينة حرسها اللَّه تعالى\nقد ورد في الأحاديث تحريم حرم المدينة، واختلفوا في ترتب حكم التحريم عليه، ومذهب أبي حنيفة أن معنى الحرم فيها مجرد التعظيم والتكريم من غير ثبوت أحكام أخر، مثل حرمة الصيد وقطع الشجر ولزوم الجزاء، ومن فعل شيئًا مما حرم أثم، ولا جزاء عليه، وهو قول مالك، وروايةٌ عن أحمد، وقولٌ للشافعي، وقال النووي (١): المشهور من مذهب مالك والشافعي والجمهور أنه لا ضمان في صيد المدينة وقطع شجرها، بل حرام بلا ضمان، وقال بعض العلماء: يجب فيه الجزاء كحرم مكة.\nقال في (فتح الباري) (٢): احتج الطحاوي على مذهب الحنفية بحديث أنس في قصة أبي عمير: (ما فعل النغير) قال: لو كان صيدها حرامًا ما جاز حبس الطير. وأجيب باحتمال أن يكون من صيد الحل، قال أحمد: من صاد من الحل ثم أدخله المدينة لم يلزمه إرساله؛ لحديث أبي عمير، وهذا قول الجمهور، لكن لا يَرِدُ ذلك على الحنفية لأن صيد الحل عندهم إذا دخل الحرم كان له حكم صيد الحرم، ويحتمل أن تكون قصة أبي عمير كانت قبل التحريم.\nوقال التُّورِبِشْتِي (٣): لم ير تحريم صيد المدينة إلا نفر يسير من الصحابة، والجمهور منهم لم ينكروا اصطياد الطيور بالمدينة، ولم يبلغنا فيه أن النبي -ﷺ- نهى عنه بطريق يعتمد، وقد قال لأبي عمير: (ما فعل النغير)، ولو كان حرامًا لم يسكت\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ١٥٢).\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٨٣).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٦٤٧).","vol":"5","page":460},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-710> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٧٢٨ - [١] عَنْ عَلِيٍّ -﵁- (١) قَالَ: مَا كَتَبْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَّا الْقُرْآنَ، وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْمَدِينَة حَرَامٌ مَا بَيْنَ عَيْرٍ إِلَى ثَوْرٍ،\nــ\nعنه في موضع الحاجة، واحتج بعضهم بحديث أنس في قصة قطع النخل لبناء المسجد، ولو كان قطع شجرها حرامًا ما فعله -ﷺ-، وتعقب بأن ذلك كان في أول الهجرة، وحديث تحريم المدينة كان بعد رجوعه -ﷺ- من خيبر.\nوقال الطحاوي: يحتمل أن يكون سبب النهي عن صيد المدينة وقطع شجرها كون الهجرة إليها، فكان بقاء الصيد والشجر مما يزيد في زينتها ويدعو إلى ألفتها، كما روى ابن عمر: أن النبي -ﷺ- نهى عن هدم آطام المدينة، فإنها من زينة المدينة، فلما انقطعت الهجرة ارتفع ذلك، وتعقب بأن النسخ لا يثبت إلا بدليل.\nوقيل: الجزاء في حرم المدينة أخذُ السلب، حديث (صحيح مسلم) عن سعد بن أبي وقاص، وفي رواية لأبي داود: (من أخذ [أحدًا] بالصيد في حرم المدينة فَلْيَسْلُبْه)، قال القاضي عياض: لم يقل أحد بهذا بعد الصحابة إلا الشافعي في قوله القديم، قال الشيخ: اختاره جماعة معه بعده لصحة الخبر به، وأغرب بعض الحنفية، فادعى الإجماع على ترك الأخذ بحديث السلب، وفي السلب وجهان؛ أحدهما: ثيابه فقط، وأصحهما: ثيابه وفرسه وسلاحه وغير ذلك.\nالفصل الأول\n٢٧٢٨ - [١] (علي) قوله: (ما بين عير إلى ثور) قيل: وهما اسما جبلين، فعيرٌ\n_________\n(١) سقطت الترضية في نسخة.","vol":"5","page":461},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبفتح العين المهملة وسكون التحتانية: جبل مشهور بالمدينة، وأما ثور فهو بمكة، وهو الذي توارى في غاره النبي -ﷺ- في الهجرة، وليس في المشهور بالمدينة جبل يسمى ثورًا، فهذا مشكل، قال في (فتح الباري) (١): اتفقت روايات البخاري كلها على إبهام الثاني، ووقع عند مسلم: (إلى ثور)، فقيل: إن البخاري أبهمه عمدًا لما وقع عنده أنه وهم.\nوقال صاحب (المشارق) (٢): أكثر رواة البخاري ذكروا عيرًا، وأما ثور فمنهم من كنى عنه بـ (كذا)، ومنهم من ترك مكانه بياضًا، والأصل في هذا التوقفِ قول مصعب الزبيري: ليس بالمدينة عير ولا ثور، وأثبت غيره عيرًا، ووافقه على إنكار ثور، قال أبو عبيد: قوله: (ما بين عير إلى ثور) هذه رواية أهل العراق، وأما أهل المدينة فلا يعرفون جبلًا عندهم يقال له: ثور، وإنما ثور بمكة، ونرى أن أصل الحديث (ما بين عير إلى أُحد).\nقلت: وقد وقع ذلك في حديث عبد اللَّه بن سلام عند أحمد والطبراني، وقال عياض: لا معنى لإنكار (عير) بالمدينة، فإنه معروف، وقد جاء ذكره في أشعارهم، وقال ابن الأثير (٣): قيل: إن عيرًا جبل بمكة، ويكون المراد: حرِّم من المدينة مقدار ما بين عير وثور من مكة، وكانه قال: حرّمت المدينة تحريمًا مثل تحريم ما بين عير وثور بمكة، على حذف المضاف ووصف المصدر المحذوف، انتهى.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٤/ ٨٢).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢١١).\n(٣) \"النهاية\" (٣/ ٣٢٨).","vol":"5","page":462},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقال الشيخ مجد الدين في (القاموس) (١): ثور جبل بالمدينة، ومنه الحديث الصحيح: (المدينة حرام ما بين عير إلى ثور)، وأما قول أبي عبيد بن سلَّام وغيرِه من أكابر الأعلام: إن هذا تصحيف، والصواب: إلى أحد، لأن ثورًا إنما هو بمكة، فغير جيد؛ لِمَا أخبرني الشجاع البعلي الشيخ الزاهد عن الحافظ أبي محمد عبد السلام البصري أن حِذاء أحد جانحًا إلى ورائه جبلًا صغيرًا يقال له: ثور، وتكرر سؤالي عنه طوائفَ من العرب العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال، وكلٌّ أخبرني أن ذلك الجبل اسمه ثور، ولِمَا كتب إلي الشيخ عفيف الدين المطري عن والده الحافظ الثقة: أن خلف أحد عن شماليِّه جبلًا صغيرًا مدورًا يسمى ثورًا، يعرفه أهل المدينة خلفًا عن سلفٍ، انتهى كلام (القاموس).\nونقل هذا الكلام المذكور في (فتح الباري) (٢) عن المحب الطبري أنه قال في (الأحكام) بعد حكاية كلام أبي عبيد ومن تبعه: قد أخبرني الثقة العالم أبو محمد عبد السلام البصري: أن حذاء أحد. . . إلخ. ونقل عنه في آخر كلامه أنه قال: فعلمنا أن ذكر ثور في الحديث صحيح، وأن عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه، قال: وهذه فائدة جليلة، انتهى.\nوقال الشيخ: وقرأت بخط شيخ شيوخنا القطب الحلبي في شرحه: حكى لنا شيخنا الإمام أبو محمد عبد السلام بن مزروع البصري: أنه خرج رسولًا إلى العراق، فلما رجع إلى المدينة كان معه دليل، فكان يذكر له الأماكن والجبال، قال: فلما وصلنا\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٣٧).\n(٢) \"فتح الباري\" (٤/ ٨٢).","vol":"5","page":463},{"text":"فَمَنْ أَحْدَثَ فِيْهَا حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ،\nــ\nإلى أحد إذا بقربه جبل صغير، فسألته عنه، فقال: هذا يسمى ثورًا، انتهى.\nوقد نقل كلام المحب الطبري السيد السمهودي في (تاريخ المدينة الطيبة) وقال: وردّ الجمال المطري في تاريخه على من أنكر وجود ثور، وقال: إن خلف أحد من شماليِّه جبلًا صغيرًا مدورًا يعرفه أهل المدينة خلفًا عن سلف، وقال الأقشهري: وقد استقصينا من أهل المدينة تحقيق خبر جبل يقال له ثور عندهم، فوجدنا ذلك اسم جبل خلف جبل أحد يعرفه القدماء دون المحْدَثين من أهل المدينة، والذي يَعلم حجةٌ على من لا يعلم.\nونقل السيد السمهودي أيضًا عن الشيخ مجد الدين: لا أدري كيف وقعت المسارعة من هؤلاء الأعلام إلى إثبات وهم في الحديث المتفق على صحته بمجرد ادعاء أن أهل المدينة لا يعرفون جبلًا يسمى ثورًا مع احتمال تطرق التغير في الأسماء والنسيان؟ ! ولعل ثورًا جبل عند أحد، وهذا غاية الاستقصاء في تحقيق المرام في هذا المقام، واللَّه أعلم (١).\nوقوله: (فمن أحدث فيها حدثًا) أي: أمرًا حادثًا منكرًا في السنَّة، أو (آوى) أي: مكَّن وأجار وأعان (محدثًا) بكسر الدال، أي: مبتدعًا أو جانيًا، وقد يفتح الدال أي: أمرًا مبتدعًا، ويجعل (آوى) بمعنى رضي، فيكون المعنى: من ابتدع فيه أو رضي بالبدعة من غيره، (فعليه لعنة اللَّه) لعنة طردٍ وإبعاد من جناب القرب والرضا.\nوقوله: (صرف ولا عدل) المشهور في تفسيره: فريضة ونافلة، وقد يراد بالصرف\n_________\n(١) انظر: \"وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى\" (١/ ١٩٤ - ٢٠٠).","vol":"5","page":464},{"text":"ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَمَنْ وَالَى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٧٠، م: ١٣٦٣].\nــ\nالشفاعة؛ لأنها تَصرِف العذاب عمن يستحقه، أو التوبة لأنها تصرف العبد عن المعصية، وبالعدل الفدية لأنها تعادل المُفْدى، ومن الأحكام المكتوبة في الصحيفة العلوية هذا الحكم: (ذمة المسلمين واحدة) والذمة بالكسر: العهد؛ لأنه يذم على إضاعتها.\nوقوله: (يسعى بها أدناهم) أي: إذا آمن أحدٌ المسلمين -ولو كان وضيعًا أو عبدًا أو امرأةً- كافرًا لم يحل لأحد نقضه، (فمن أخفر مسلمًا) أي: نقض عهده، وخفرْتُه بمعنى: حفظت عهده، وأخفرتُ بمعنى: نقضت عهده، والخفرة: الإزالة.\nوقوله: (ومن والى قومًا بغير إذن مواليه) يحتمل أن يراد ولاء الموالاة؛ بأن يكون لرجل موالي فأبطل موالاتهم، واتخذ قومًا آخرين مواليَ بغير إذن مواليه والاستشارة بهم، فإن فيه نوعًا من نقض العهد والإيذاء، وقيل: المراد: من وَالى كفارًا لإيذاء المسلمين، ويحتمل أن يراد ولاء العتاقة، وهذا أنسب بما جاء في الروايات الأخرى من أقرانه، وذكرِه مع قوله: (ومن ادعى إلى غير أبيه) فإنهم قالوا: العتق له لحمة كلحمة النسب، أي: من انتسب إلى غير من هو معتِق له كان كالداعي الذي ينتسب إلى غير أبيه.\nوقوله: (بغير إذن مواليه) للتنبيه على ما هو المانع من إبطال حق مواليه وعهدهم، وعلى ما هو الغالب في الوقوع، لا لتقييد الحكم بعدم الإذن حتى يجوز بإذنهم.","vol":"5","page":465},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: \"مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ، فَعَلَيهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ\".\n٢٧٢٩ - [٢] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ الْمَدِينَةِ: أَنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أَوْ يُقْتَلَ صَيْدُهَا\" وَقَالَ: \"الْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانوُا يَعْلَمُونَ، لَا يَدَعُهَا أَحَدٌ رَغْبَةً عَنْهَا إِلَّا أَبْدَلَ اللَّهُ فِيْهَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَلَا يَثْبُتُ أَحَدٌ عَلَى لأَوَائِهَا وَجَهْدِهَا إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٦٣].\nــ\n٢٧٢٩ - [٢] (سعد) قوله: (ما بين لابتي المدينة) أي: حَرَّتيها اللتين تكتنفانها، واللابة بالتخفيف واللُّوبة بالضم: الحرة، وهي أرض ذات حجارة.\nوقوله: (أن يقطع عضاهها) بدل اشتمال من (بين لابتي المدينة)، والضمير للمدينة، و(العضاه) جمع عضاهة بالكسر: أعظم الشجر، أو الخَمْط، أو كلُّ ذات شوك، أو ما عظم منها وطال، أو جمع عِضَهٍ كعنب أو عِضَهةٍ كعنبة.\nوقوله: (أو يقتل صيدها) والدلالة والإشارة والإعانة عليه في حكم القتل.\nوقوله: (والمدينة خير لهم) قيل: الضمير للمهاجرين، والظاهر العموم.\nوقوله: (لا يثبت) أي: لا يصبر، و(اللأواء) بالمد: الشدة والجوع، و(جهدها) صحح في النسخ بالضم، والظاهر الفتح بمعنى المشقة، وأما بالضم فمعنى الوسع والطاقة، وقيل: هما لغتان، و(أو) في قوله: (شفيعًا أو شهيدًا) للشك، وقيل: للتنويع، أي: شفيعًا للعاصين وشهيدًا للمتقين.","vol":"5","page":466},{"text":"٢٧٣٠ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَاءِ الْمَدِينَةِ وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٧٨].\n٢٧٣١ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرَةِ جَاءُوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَإِذَا أَخَذَهُ قَالَ: \"اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنا، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنبَيُّكَ، وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنبَيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَأَنَا أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ\". ثُمَّ قَالَ: يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ لَهُ،\nــ\n٢٧٣٠ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (لا يصبر على لأواء المدينة) قيل: مخصوص بزمان حياته -ﷺ-، وقيل: عام، غايته أن الشدة في ذلك الزمان أكثر وأعظم.\n٢٧٣١ - [٤] (عنه) قوله: (وبارك لنا في مدينتنا) البركة تكون بمعنى النماء والزيادة، وبمعنى الثبات واللزوم، وهي تشمل البركة الدينية والدنيوية، وأيّ بركة لم تُرْزقْها تلك البلدة، وقد فتح كنوز العالم فيها، وأضاء بأنوارها وآثارها المشارق والمغارب.\nوقوله: (وإني عبدك ونبيك) لم يذكر الخلة لنفسه مع ثبوتها له أكمل مما ثبتت لإبراهيم، ولا الحبَّ الذي هو أكمل من الخلة عند البعض، فإن الحبيب هو المحب الذي وصل إلى مقام المحبوبية تواضعًا مع إثبات صفة العبودية الخاصة التي هي أكمل الصفات وأرفع المقامات، والعبودية الحقيقية خاصة بالمحمدية، وكل من سواه فهو دونه في هذه الصفة، كما قرره أهل التحقيق.\nوقوله: (يدعو أصغر وليد) تخصيصه بالأصاغر لرعاية المناسبة الواقعة بينهم","vol":"5","page":467},{"text":"فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٧٣].\n٢٧٣٢ - [٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَجَعَلَهَا حَرَامًا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ حَرَامًا مَا بَيْنَ مَأْزِمَيْهَا؛ أَنْ لَا يُهْرَاقَ فِيهَا دَمٌ، وَلَا يُحْمَلَ فِيهَا سِلَاحٌ لِقِتَالٍ، وَلَا تُخْبَطَ فِيهَا شَجَرَةٌ إِلَّا لِعَلَفٍ\". . . . .\nــ\nوبين الباكورة، ولأن الصغير أرغب فيه وأكثر تطلعًا إليه وأشد فرحًا بذلك، وفي إيثار الغير تنبيه وتعليم للأمة على منع الشره والشهوة، خصوصًا فيما فيه ميل الطبع أشدُّ وأكثر كالباكورة.\n٢٧٣٢ - [٥] (أبو سعيد) قوله: (إن إبراهيم حرم مكة) نسبة التحريم إلى إبراهيم باعتبار دعائه وسؤاله ذلك، فلا ينافي ما سبق في حرم مكة من قوله: (إن مكة حرمها اللَّه ولم يحرمها الناس).\nوقوله: (وإني حرمت المدينة حرامًا) مصدر للتأكيد من قبيل: أنبته نباتًا، وقيل: التقدير: جعلتها حرامًا كما في قرينه، و(المأزمين) بكسر الزاي، أي: طرفيها من الجبال في معنى: ما بين لابتيها، والمأزم: المضيق بين الجبال حيث يلتقي بعضها ببعض ويتسع، ويقال: المأزمان، لمضيق بين جمع وعرفة وبين مكة ومنى.\nوالمراد بإهراق الدم القتال، وإلا فإراقة الدم منهي عنها على الإطلاق، كذا قيل، والأظهر أن المراد النهي عن قتل الجاني فيها حتى يخرج، كما هو مذهب أبي حنيفة، والحمل على النهي عن القتال يوجب التكرار لقوله: (ولا يحمل فيها سلاح لقتال).\nوقوله: (ولا تخبط) بالتاء والياء، خبط الشجرة: شدَّها ثم نقض ورقها.\nوقوله: (إلا لعلف) قد يجعل القائلون بأن تحريم المدينة تحريم التعظيم بدون","vol":"5","page":468},{"text":"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٧٤].\n٢٧٣٣ - [٦] وَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ سَعْدًا رَكِبَ إِلَى قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ، فَوَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا أَوْ يَخْبِطُهُ، فَسَلَبَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ سَعْدٌ جَاءَهُ أَهْلُ الْعَبْدِ، فَكَلَّمُوهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَى غُلَامِهِمْ أَوْ عَلَيهِمْ مَا أَخَذَ مِنْ غُلَامِهِمْ، فَقَالَ: مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ أَرُدَّ شَيْئًا نفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٦٤].\n٢٧٣٤ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: \"اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلْيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا. . . . .\nــ\nالجزاء هذا القولَ قرينةً على ذلك، لأن أشجار مكة لا يجوز خبطها بحال، وفيه ما فيه.\n٢٧٣٣ - [٦] (عامر بن سعد) قوله: (بالعقيق) موضع قريب من المدينة، كذا في (القاموس) (١)، كان يسكنه سعد بن أبي وقاص -﵁-، وله فيه قصر.\nوقوله: (فسلبه) أي: أخذ ثوبه وسلاحه.\nوقوله؛ (على غلامهم أو عليهم) الظاهر أن (أو) للشك.\nوقوله: (نفلنيه) بالتشديد، أي: جعله لي نفلًا بالتحريك، أي: غنيمة.\n٢٧٣٤ - [٧] (عائشة) قوله: (وعك أبو بكر وبلال -﵄-)، الوعك: الحمى أو وجعها.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٣٨).","vol":"5","page":469},{"text":"فَاجْعَلْهَا بِالْجُحْفَةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٨٩، م: ١٣٧٦].\n٢٧٣٥ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ -ﷺ- فِي الْمَدِينَةِ: \"رَأَيْتُ امْرَأَةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ حَتَّى نَزَلَتْ مَهْيَعَةَ، فتَأَوَّلْتُهَا أَنَّ وَبَاءَ الْمَدِينَةِ نُقِلَ إِلَى مَهْيَعَةَ وَهِيَ الْجُحْفَةُ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧٠٣٩].\nــ\nوقوله: (بالجحفة) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة: موضع بين مكة والمدينة، وفيها موضع يسمى بغدير الخم، وكان ساكنوها يومئذ اليهود، قالوا: كانت أرض المدينة قبل هجرة النبي -ﷺ- أرض وباء وبلاء وشدة ولأواء وحمى، فأمرها -ﷺ- أن تنتقل إلى أراضي الكفار، وفيه دليل على جواز الدعاء على الكفار بالأمراض والأسقام والموت والهلاك وفساد بلادهم.\n٢٧٣٥ - [٨] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (في رؤيا النبي -ﷺ-) الإضافة إلى الفاعل.\nوقوله: (في المدينة) أي: في شأن المدينة.\nوقوله: (رأيت امرأة) بيان لرؤيا النبي -ﷺ- ذكره حكاية عنه -ﷺ-.\nوقوله: (ثائرة الرأس) أي: شعثًا، و(مهيعة) بفتح الميم وسكون الهاء وفتح التحتانية.\nوقوله: (إن وباء المدينة) أي: حمَّاها وأمراضها، وفي (القاموس) (١): الوباء: الطاعون أو كل مرض عام، وقال في حرف النون: الطاعون: الوباء، وقد يطلق أيضًا على الأرض الوخمة التي تكثر بها الأمراض، ولم يكن هذا المعنى معلومًا لهم قبل القدوم، وأيضًا لم يكن النهي عن قدوم أرض الوباء ثابتًا.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٤).","vol":"5","page":470},{"text":"٢٧٣٦ - [٩] وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"يُفْتَحُ الْيَمَنُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَيُفْتَحُ الشِّامُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَيُفْتَحُ الْعِرَاقُ فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيَتَحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أَطَاعَهُمْ، وَالْمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٧٥، م: ١٣٨٨].\n٢٧٣٧ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَأُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى،\nــ\n٢٧٣٦ - [٩] (سفيان بن أبي زهير) قوله: (يبسون) أي: يسيرون، من البس، وهو السير باللين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا﴾ [الواقعة: ٥]، وقيل: من بَسْسْتُ الدابة، أي: سُقتها. (فيتحملون) بمعنى: يرتحلون، والمراد: يخرجون من المدينة إلى البلاد، ويسوقون دوابهم ورحالهم إليها، بطلب سعة المعيشة وحظوظ الدنيا وحطامها الفانية، وأعرضوا عن جوار رسول اللَّه -ﷺ- والإقامة في مهبط الوحي ومنزل البركات، ففيه تحقيرهم وتوهين أمرهم، وقيل: المراد أن يخرجوا من البلاد ويسكنون بالمدينة، ففيه مدح المدينة ومدح النازلين فيها، والمعنى الأول أصح وأوجه وأظهر من الحديث، واللَّه أعلم.\n٢٧٣٧ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (أمرت بقرية) أي: بالهجرة إليها واستيطانها، (تأكل القرى) أي: تغلبها وتظهر عليها، بمعنى أن من سكنها واستوطنها غلب على سائر البلاد وفتحها، وهذه خاصية هذا البلد الشريف، سكنها أولًا العمالقة، فغلبوا وفتحوا البلاد والولايات ما بين البحرين وعمان والحجاز والشام ومصر وغير ذلك،","vol":"5","page":471},{"text":"يَقُولُونَ: يَثْرِبَ، وَهِيَ الْمَدِينَةُ. . . . .\nــ\nثم سكن اليهود فغلبوا العمالقة، ثم جاء الأنصار فغلبوا اليهود، ثم جاء سيد المرسلين -ﷺ- ومن معه من المهاجرين فغلبوا، وأيّ غلبة وشوكة حصلت لهم حتى شمل العالم من مشرقها إلى مغربها، وهذه الأخبار بتفاصيلها مذكورة في كتاب (جذب القلوب إلى ديار المحبوب) (١) تاريخ المدينة المطهرة على ساكنها السلام والتحية.\nومن أسماء هذه البلدة المكرمة: (أكالة القرى) و(أكالة البلدان) من جهة تسلطها وغلبتها على سائر البلدان والأمصار، وتنفيذ أمر أهلها على سائر أهل الأقطار، وحمله بعضهم على معنى زيادة الفضل والكرامة لها بالنسبة إلى فضائل سائر الأماكن، بمعنى أن الفضائل كلها مضمحلة ومتوارية في جنب فضائلها، كما سميت مكة أم القرى من جهة أصالتها وعراقتها بالنسبة إلى سائر بقاع الأرض، كما جاء في الأخبار، وقال بعضهم: مضمون (أكالة القرى) أبلغ وأكمل من معنى (أم القرى)، لأن الأمومة لا تقتضي المحو والإهلاك والإفناء إلا ثبوت الأصالة وحق الأمومة بخلاف الأكل، فإنه يقتضي التواري والاضمحلال، ولهذه البلدة أسماء كثيرة تبلغ المئة، ذكرنا نبذة منها في الكتاب المذكور.\nوقوله: (يقولون: يثرب وهي المدينة) كان اسم هذه البلدة الشريفة قبل زمان النبوة يثرب وأثْرِب على وزن مسجد، فسماها رسول اللَّه -ﷺ- (المدينة) من التمدن واجتماع الناس واستئناسهم وائتلافهم فيها، و(طابة) و(طيبة) و(محبوبة) وغيرها من الأسماء، ونهى أن تسمى يثرب إما لأنها اسم جاهلي، أو لأنه مشتق من الثرب بمعنى الهلاك والفساد، والتثريب هو التوبيخ والملامة، أو لأنه في الأصل اسم صنم أو\n_________\n(١) هو من مؤلفات المصنف باللغة الفارسية، مطبوع.","vol":"5","page":472},{"text":"تنفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٧١، م: ١٣٨٢].\n٢٧٣٨ - [١١] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ سَمَّى الْمَدِينَةَ طَابَةَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٨٥].\nــ\nأحد من الجبابرة.\nوروى البخاري في (التاريخ) حديثًا معناه: أن من قال: يثرب مرة فليقل: المدينة عشر مرات ليتدارك ذلك، وجاء في رواية أخرى: فليستغفر، وعن بعضهم: أنه يعزر قائله، وما جاء في القرآن ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ [الأحزاب: ١٣] فإنما هو حكاية عن قول المنافقين، ولذلك قال يقولون: يثرب، يعني إهانة وقصدًا إلى أنها ليست محل الإقامة والتوطن.\nوقوله: (وهي المدينة) يعني مستحقة لأن تُستوطن ويجتمع فيها.\nوقوله: (تنفي) أي: تخرج (الناس) من أهل الكفر والخبث، كما يزيل (الكير) بكسر الكاف وسكون التحتانية بمعنى الكورة أو الزق الذي ينفخ به وهو الأرجح، و(الخبث) بفتحتين: ما تلقيه النار وتبرزه من وسخ الفضة والنحاس والحديد وغيرها إذا أذيبت فيجعلها خالصة نقية.\n٢٧٣٨ - [١١] (جابر بن سمرة) قوله: (إن اللَّه سمى المدينة (١» على لسان حبيبه (طابة)، وكذلك (طيبة) بسكون المثناة، و(طيبة) بالتشديد، و(طائب) من الطيب بمعنى طهارتها من أنجاس الشرك، وموافقتها للطباع السليم، ولطيب رائحته،\n_________\n(١) ذكر المجد الفيروزآبادي في \"المغانم المطابة\" (٩٦ - ١٣٥) خمسة وستين اسمًا للمدينة، وزاد عليه السمهودي في \"وفاء الوفاء\" (١/ ٦١ - ٩٢) نحو ثلاثين اسمًا.","vol":"5","page":473},{"text":"٢٧٣٩ - [١٢] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَصَابَ الأَعْرَابِيَّ وَعَكٌ بِالْمَدِينَةِ، فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، فَخَرَجَ الأَعْرَابِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَتُنصِعُ طَيِّبَهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٨٣، م: ١٣٨٣].\nــ\nبل طيب أمورها كلها، قال بعض العارفين: تهب من تربتها وأبوابها وجدرانها روائح طيبة يجدها من لا تزكم شامة باطنه بزكام الكفر والنفاق، قال أبو عبد اللَّه العطار:\nبطيبِ رسولِ اللَّهِ طابَ نسيمُها ... فَمَا المسكُ والكافورُ والمنْدلُ\nوقيل: لطيب ساكنها وأمنهم بها وسكون حال من هاجر إليها، واليوم الطيب: الساكن الريح، والريح الطيبة: الساكنة، أو من الطيب وحسن العيش بها، من طاب لي الشيء: إذا وافقك، كذا في (المشارق) (١).\n٢٧٣٩ - [١٢] (جابر بن عبد اللَّه) قوله: (أن أعرابيًا بايع) قالوا: كان ممن هاجر وبايع النبي -ﷺ- على الإقامة عنده، ثم أبى وبالغ في الخروج من عنده.\nوقوله: (تنصع) في (القاموس) (٢): نصع كمنع نصاعة ونصوعًا: خلص، ونصع لونه: اشتدّ بياضه، والناصع: الخالص من كل شيء، انتهى. فهو لازم، (يَنْصَع) بمهملتين، أي: يَخْلُص، (طيبها) بالرفع، وروي من التفعيل فـ (طيبها) بالنصب،\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٢٦).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٧٠٨).","vol":"5","page":474},{"text":"٢٧٤٠ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْفِيَ الْمَدِينَةُ شِرَارَهَا كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٨١].\n٢٧٤١ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عَلَى أَنْقَابِ الْمَدِينَةِ. . . . .\nــ\nوقيل: (ينصع) إما من النصوع بمعنى الخلوص، أو من النصع بمعنى الإخلاص، و(طيبها) رفع على الأول ونصب على الثاني، وروي بموحدة مع مهملتين من البصع وهو الجمع، وبمعجمة فمهملة من بضعت اللحم قطعته، كذا في (مجمع البحار) (١)، أي: يخرج ويصفي الطيب من الخبيث.\nوقوله: (طيبها) بكسر طاء وسكون ياء، ويروى بفتح طاء وكسر تحتية مشددة، وهو أصح وأقوم لأنه في مقابلة الخبيث.\nثم قيل: يحتمل كونه في زمن النبي -ﷺ-، وكونه آخر الزمان حين يخرج الدجال، ترجف المدينة ثلاث رجفات، فيخرج إليه كل كافر ومنافق، ويحتمل كونه في أزمنة متفرقة، يحكى أن عمر بن عبد العزيز كان يقول حين خرج منها بعد كونه أميرًا من جانب هشام بن عبد الملك: أخاف أن أكون ممن نفته المدينة، كذلك يخاف كل من خرج منها، اللهم إلا لضرورة وحق شرعي، نسأل اللَّه العافية.\n٢٧٤٠ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة) هذا الحديث ظاهر في كونه في آخر الزمان، كما قيل.\n٢٧٤١ - [١٤] (عنه) قوله: (على أنقاب المدينة) جمع نقب بفتح النون -وحكي ضمها- وسكون قاف: الطريق بين الجبلين أو الفرجة بينهما.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٧٣٤).","vol":"5","page":475},{"text":"مَلَائِكَةٌ لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ وَلَا الدَّجَّالُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٨٠، م: ١٣٧٩].\n٢٧٤٢ - [١٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- \"لَيْسَ مِنْ بَلَدٍ إِلَّا سَيَطَؤهُ الدَّجَّالُ إِلَّا مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ، لَيْسَ نَقْبٌ مِنْ أَنْقَابِهَا إِلَّا عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ صَافِّينَ يَحْرُسُونها، فَيَنْزِلُ السَّبِخَةَ، فَتَرْجُفُ الْمَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلُّ كَافِرٍ وَمُنَافِقٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٨١، م: ٢٩٤٤٣].\nــ\n٢٧٤٢ - [١٥] (أنس) قوله: (من أنقابها) الظاهر أن الضمير للمدينة، كما يدل عليه سياق الحديث، فإن السبخة إنما هي أرض المدينة، فلعل مكة تحفظ بدون حراسة الملائكة.\nوقوله: (فينزل السبخة) بفتحات وقد تكسر الباء: أرض يعلوها الملوحة، وفي (القاموس) (١): السَّبْخة ويحرك: أرض ذات نزٍّ وملح.\nوقوله: (فترجف المدينه بأهلها) في (القاموس) (٢): رجف: حرك وتحرك، انتهى. والظاهر في الحديث المعنى الثاني، فالباء إما للتعدية أو للملابسة، وقال الطيبي (٣): يحتمل أن تكون للسببية، ويجوز أن يحمل على الأول وتكون الباء زائدة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٤٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٤٩).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٣٧٧).","vol":"5","page":476},{"text":"٢٧٤٣ - [١٦] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَكِيدُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ إِلَّا انْمَاعَ كَمَا يَنْمَاعُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٧٧، م: ١٣٨٧].\n٢٧٤٤ - [١٧] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَنَظَرَ إِلَى جُدُرَاتِ الْمَدِينَةِ أَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى دَابَّةٍ حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٨٨٦].\nــ\n٢٧٤٣ - [١٦] (سعد) قوله: (إلا انماع) أي: ذاب وفني، يعني: من أراد المكر بهم وإيذاءهم لا يمهله اللَّه، ولم يبق له سلطان بل يذهبه عن قريب، كما يرى ذلك من حال يزيدَ الشقيِّ عليه ما يستحقه.\n٢٧٤٤ - [١٧] (أنس) قوله: (إلى جدرات) الجدر والجدار: الحائط، والجمع: جدر وجدور وجدران، وفي الحديث جمع الجمع بالألف والتاء.\nوقوله: (أوضع راحلته) وضع البعيرُ: أسرع، وأوضعه راكبه إيضاعًا: إذا حمله على سرعة السير، وفي الحديث: (شر الناس في الفتنة الراكب الموضع) (١)، أي: المسرع إليها، ومنه (فإن البر ليس بالإيضاع) قاله حين الدفع من عرفة وأوضع في وادي محسر، كما مر، وقيل: الإيضاع خاص بالراحلة، أي: بالبعير، ويقال في غيرها كالفرس والبغل والحمار: حركها، ولذا قال: (وإن كان على دابة) يعني: سوى البعير (حركها)، وأعظم ما يكون الشوق يومًا إذا دنت الخيام من الخيام.\n_________\n(١) ينظر: \"كنز العمال\" (ح: ٣١٠٨٧).","vol":"5","page":477},{"text":"٢٧٤٥ - [١٨] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- طَلَعَ لَهُ أُحُدٌ فَقَالَ: \"هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وَإِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٨٩، م: ١٣٦٥].\n٢٧٤٦ - [١٩] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٤٨٢].\nــ\n٢٧٤٥ - [١٨] (عنه) قوله: (هذا جبل يحبنا ونحبه) قيل: هذا مجاز باعتبار محبة أهلها، وهم المؤمنون وأهل التوحيد من الأنصار، كما أنشد:\nومن مذهبي حب الديار لأهلها\nولذا قال في مقابلته: (وعير جبل يبغضنا ونبغضه) لكون ساكنيه المنافقين، والحق أنه محمول على ظاهره؛ لإيداع العلم والفهم ولوازمهما من المحبة والعداوة في الجمادات على ما يليق بشأنها، خصوصًا مع الأنبياء والأولياء، خصوصًا سيد الأنبياء وسلطان الأولياء كان محبوب العالمين لكونه محبوب رب العالمين، ومن أحبه اللَّه أحبه كل شيء، إذ كل شيء خلقه ومحكومه، وحنين الجذع لمفارقته -ﷺ- أدل دليل على ذلك، وهو حديث مشهور بلغ حدّ التواتر.\n٢٧٤٦ - [١٩] (سهل بن سعد) قوله: (أحد جبل يحبنا ونحبه) الظاهر أن هذا القول أيضًا في المقام المذكور، أعني: إذا طلع أُحدٌ، ففي العدول عن اسم الإشارة والتعبير باسمه تشريف وتعظيم له والتذاذ، كما يكون بذكر اسم المحبوب، ويحتمل أن يكون صدوره في وقت آخر لم يكن بحضرته.","vol":"5","page":478},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-711> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٧٤٧ - [٢٠] عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: رَأَيْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ أَخَذَ رَجُلًا يَصِيدُ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ الَّذِي حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَسَلَبَهُ ثِيَابَهُ، فَجَاءَ مَوَالِيهِ فَكَلَّمُوهُ فِيهِ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حَرَّمَ هَذَا الْحَرَمَ، وَقَالَ: \"مَنْ أَخَذَ أَحَدًا يَصِيدُ فِيهِ فَلْيَسْلُبْهُ\"، فَلَا أَرُدُّ عَلَيْكُمْ طُعْمَةً أَطْعَمَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَكِنْ إِنْ شِئْتُمْ دَفَعْتُ إِلَيْكُمْ ثَمَنَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٠٣٧].\n٢٧٤٨ - [٢١] وَعَنْ صَالِحٍ مَوْلًى لِسَعْدٍ: أَن سَعْدًا وَجَدَ عَبِيدًا مِنْ عَبِيدِ الْمَدِينَةِ يَقْطَعُونَ مِنْ شَجَرِ الْمَدِينَةِ، فَأَخَذَ مَتَاعَهُمْ وَقَالَ -يَعْنِي لِمَوَالِيهِمْ-: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَنْهَى أَنْ يُقْطَعَ مِنْ شَجَرِ الْمَدِينَةِ شَيْءٌ وَقَالَ: \"مَنْ قَطَعَ مِنْهُ شَيْئًا فَلِمَنْ أَخَذَهُ سَلَبُهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٠٣٨].\nــ\nالفصل الثاني\n٢٧٤٧ - [٢٠] (سليمان بن أبي عبد اللَّه) قوله: (فسلبه ثيابه) بدل كما في سُلب زيدٌ ثوبُه.\nوقوله: (دفعت إليكم ثمنه) أي: تبرعًا.\n٢٧٤٨ - [٢١] (صالح مولى لسعد) قوله: (وجد عبيدًا من عبيد المدينة) بلفظ الجمع فيهما، ومر في (الفصل الأول) عن عامر بن سعد: (عبدًا) بلفظ المفرد، وفي حديث: (رجلًا)، فإما أن تكون القضية متعددة، وعلى تقدير التعدد وجد عبيدًا مجتمعين، أو وجد مرارًا كلَّ مرة واحدًا منهم، أو يكون من وهم الراوي، واللَّه أعلم.","vol":"5","page":479},{"text":"٢٧٤٩ - [٢٢] وَعَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ صَيْدَ وَجٍّ وَعِضَاهَهُ حِرْمٌ مُحَرَّمٌ لِلَّهِ\"، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: وَجٌّ ذَكَرُوا أَنَّهَا مِنْ ناحِيَةِ الطَّائِفِ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: \"أَنَّهُ\" بَدَلُ \"أَنَّهَا\". [د: ٢٠٣٢].\n٢٧٥٠ - [٢٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا، فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا\". . . . .\nــ\n٢٧٤٩ - [٢٢] (الزبير) قوله: (إن صيد وج) الوجء بفتح الواو وتشديد الجيم: وادٍ بالطائف، ووقع في حديث متشابه: (إن وجًا مقدس، منه عرج الرب إلى السماء)، كما في (مجمع البحار) (١)، وتحريمه يحتمل أن يكون على سبيل الحِمَى، أو حرِّم في وقت ثم نسخ، كذا قال الشافعية وغيرهم، ومثل هذا قالت الحنفية في تحريم المدينة.\nوقوله: (حرم محرم للَّه) الحرم بكسر الحاء بمعنى حرام، و(محرم للَّه) للتأكيد.\nوقوله: (أنه) بضمير المذكر الراجع إلى (وج) (بدل أنها) بضمير المؤنث راجعًا إليه، ويجوز في أسماء المواضع التأنيث بتأويل البقعة أو الناحية، والتذكير بتأويل الموضع أو المكان، ولهذا يصرف ولا يصرف.\n٢٧٥٠ - [٢٣] (ابن عمر) قوله: (فليمت) أي: فليُقم بها حتى يموت، وكان من دعاء عمر -﵁-: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي ببلد رسولك، فاستجيب، ونحن أيضًا ندعو اللَّه رجاء الإجابة: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي ببلد رسولك، آمين آمين.\nوقوله: (فإني أشفع) بالتخفيف معلومًا، وبالتشديد مجهولًا.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٢٠).","vol":"5","page":480},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. [حم: ٢/ ٧٤، ١٠٤، ت: ٣٩١٧].\n٢٧٥١ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"آخِرُ قَرْيَةٍ مِن قُرَى الإِسْلَامِ خَرَابًا الْمَدِينَةُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٩١٩].\n٢٧٥٢ - [٢٥] وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ: أَيَّ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ نزَلْتَ فَهِيَ دَارُ هِجْرَتِكَ: الْمَدِينَةِ أَوِ الْبَحْرَيْنِ أَوْ قِنَّسْرِينَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٩٢٣].\nــ\n٢٧٥١ - [٢٤] (أبو هريرة) قوله: (آخر قرية من قرى الإسلام خرابًا المدينة) وقد جاء في شأن الكعبة أن ما دام هذا البيت على وجه الأرض لا تقوم الساعة.\n٢٧٥٢ - [٢٥] (جرير بن عبد اللَّه) قوله: (أي هؤلاء الثلاثة) بالنصب ظرف (نزلت)، أي: في أيّ هؤلاء المواضع الثلاثة نزلت، خيِّر رسول اللَّه -ﷺ- أولًا قبل أن يهاجر بين هؤلاء الثلاثة المواضع، ثم عيِّنت المدينة، كذا في (تاريخ المدينة) (١).\nو(البحرين) جزيرة ببحر عمّان، و(قنسرين) بلد من الشام، وصحح في النسخ بكسر القاف وفتح النون المشددة وكسر الراء وفتحها، وكتب في الحاشية من (المفاتيح): بكسر القاف والنون مشددة، تكسر وتفتح، وفي (القاموس) (٢): قِنَّسْرين وقِنَّسرون وتكسر نونهما: كورة بالشام، وهو قِنَّسري وقِنَّسرينيٌّ.\n_________\n(١) انظر: \"وفاء الوفاء\" (١/ ٤١٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٣٤).","vol":"5","page":481},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-712> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٧٥٣ - [٢٦] عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٧٢٥].\n٢٧٥٤ - [٢٧] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالْمَدِينَةِ ضِعْفَيْ مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ الْبَرَكَةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٨٥، م: ١٣٦٣].\n٢٧٥٥ - [٢٨] وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ الْخَطَّابِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ زَارَنِي مُتَعَمِّدًا كَانَ فِي جِوَارِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَكَنَ الْمَدِينَةَ وَصَبَرَ عَلَى بَلَائِهَا كُنْتُ لَهُ شَهِيدًا وَشَفِيعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَاتَ فِي أَحَدِ الْحَرَمَيْنِ بَعَثَهُ اللَّهُ مِنَ الآمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\".\nــ\nالفصل الثالث\n٢٧٥٣ - [٢٦] (أبو بكرة) قوله: (رعب) بضم وسكون وبضمتين: الفزع، رَعَبَه كمنعه.\n٢٧٥٤ - [٢٧] (أنس) قوله: (ضعفي ما جعلت) وسبق في (الفصل الأول) عن أبي هريرة: (أنا أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه)، وهذا يدل على أفضلية المدينة من مكة، وهذا مختلف فيه بين الأئمة، وقد ذكرنا دلائل الجانبين في كتاب (جذب القلوب) (١).\n٢٧٥٥ - [٢٨] (رجل من آل الخطاب) قوله: (متعمدًا) أي: لا يكون تبعًا للحج،\n_________\n(١) انظر: \"وفاء الوفاء\" (١/ ٤١٠).","vol":"5","page":482},{"text":"٢٧٥٦ - [٢٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: \"مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِي بَعْدَ مَوْتِي كَانَ كَمَنْ زَارَنِي فِي حَيَاتِي\". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٤١٥٢، ٤١٥٦].\n٢٧٥٧ - [٣٠] وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ جَالِسًا وَقَبْرٌ يُحْفَرُ بِالْمَدِينَةِ، فَاطَّلَعَ رَجُلٌ فِي الْقَبْرِ فَقَالَ: بِئْسَ مَضْجَعُ الْمُؤْمِنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"بِئْسَمَا قُلْتَ\"، قَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا، إِنَّمَا أَرَدْتُ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا مِثْلَ الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،\nــ\nفإنْ قصد الزيارة فقط فذلك ظاهر، وإن قصد الحج والزيارة جميعًا، فهذا أيضًا لا ينافي تعمد الزيارة، ثم تكلموا أن قصد المسجد الشريف والصلاة فيه والاعتكاف فيه هل ينافي تعمد الزيارة والتجرد والإخلاص له أم لا؟ والصواب قوله: (من حج فزار قبري) مبني على العادة، فإن العادة جرت بقصد الزيارة بعد الحج، وهذا يدل على أن قصد الجج والزيارة معًا لا ينافي التعمد للزيارة.\n٢٧٥٦ - [٢٩] (ابن عمر) قوله: (كمن زارني في حياتي) مبناه على ثبوت الحياة له -ﷺ- حقيقة، ولا خلاف فيه، وقد فصَّلْتُ القول في هذا المطلب في (جذب القلوب)، فلينظر ثمة.\n٢٧٥٧ - [٣٠] (يحيى بن سعيد) قوله: (فاطلع رجل في القبر) أي: نظر.\nوقوله: (بئس مضجع المؤمن) أي: هذا القبر.\nوقوله: (إني لم أرد هذا) أي: ذم القبر مطلقًا، بل أردت أن الموت في الغربة بالشهادة أفضل.\nوقوله: (لا مثل القتل) لا بمعنى ليس واسمه محذوف، أي: ليس الموت","vol":"5","page":483},{"text":"مَا عَلَى الأَرْضِ بُقْعَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَكُونَ قَبْرِي بِهَا مِنْهَا\" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا. [ط: ٩٨٨].\n٢٧٥٨ - [٣١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ بِوَادِي الْعَقِيقِ يَقُولُ: أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ: \"صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ،\nــ\nبالمدينة مثل القتل في سبيل اللَّه بل هو أفضل.\nوقوله: (ما على الأرض بقعة. . . إلخ)، دليل على الأفضلية، هكذا ذكر الطيبي (١)، فعلم منه أن الموت بالمدينة والدفن فيها أفضل من الشهادة والدفن في مكان الغربة، قد يختلج أن الظاهر على هذا التقدير أن يقال: ليس القتل في سبيل اللَّه مثل الموت بالمدينة، ويحتمل عبارة الحديث أن يكون معناه: نعم ليس الموت بالمدينة مثل القتل في سبيل اللَّه، والقتل في سبيل اللَّه أفضل وأعظم، ولكن إن لم يرزق الشهادة فالموت في المدينة والقبر فيها أفضل من الموت في سائر البلاد والقبرِ فِيها، فعلى هذا يفهم أفضلية الموت بالمدينة من الموت في سائر البلاد، لكن يبقى أفضلية القتل في سبيل اللَّه، هذا احتمال لفظي، واللَّه أعلم بالمراد، ولا شك أن المعنى الأول أبلغ وأدخل في فضيلة المدينة.\n٢٧٥٨ - [٣١] (ابن عباس) قوله: (وهو بوادي العقيق) واد مشهورٌ معظَّم من أودية المدينة، وذو الحليفة داخل في هذا الوادي أو قريب منه، وذكر فضائله في الأحاديث، وذِكْرُه في الأشعار كثير، قال:\nيا صاحبي هذا العقيق فقف به ... متوالهًا إن كنت لست بواله\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٣٨٤).","vol":"5","page":484},{"text":"وَقُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ\"، وَفِي رِوَايَةٍ: \"وَقُلْ عُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ١٥٣٤].\nــ\nوقوله: (قل عمرة) بالنصب (في حجة) أي: احسب صلاتك في هذا الوادي واعدلها بعمرة داخلة في حجة، والقول يستعمل في الأفعال، كذا قال الطيبي (١)، وفي (الحاشية): أي قل: نويت حجة وعمرة، فلعله كان في وقت إحرام حجة الوداع، واللَّه أعلم.\nتم (كتاب الحج) بحمد اللَّه وتوفيقه، وبه يتم الدفتر الأول من الشرح، والحمد للَّه على نعمه، ونسأله المزيد من فضله وكرمه، وصلى اللَّه على سيدنا، ومولانا محمد وآله وأصحابه وأتباعه أجمعين.\n* * *\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٥/ ٣٨٤).","vol":"5","page":485},{"text":"(١١) كتاب البيوع","vol":"5","page":487},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-713>(١١) كتاب البيوع</span>\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n١١ - كتاب البيوع\nجمعها لتعدد أنواع البيع، وقد أفرد في نحو (كتاب الطهارة) و(كتاب الصلاة) إرادةً للجنس، وهو واحد، والبيع قد يطلق على العقد الذي يفيد خروج المال من ملك أحد، ودخوله في ملكِ آخَرَ، ويفسر بمبادلة المال بالمال، والأكثر إطلاقه على الجزء الأول، وقد يطلق على الثاني، قال في (القاموس) (١): باعه يبيعه: إذا باعه، وإذا اشتراه، ضد، والشراء أيضًا يجيء بالمعنيين، وكلام بعضهم يدل على أن ذلك بناءً على أن الثمن والمثمن كل منهما مبيع ومشترًى، فافهم.\nثم قيل: إن البيع مشتق من البَوْعِ بمعنى مدِّ الباع، وعليه أكثر الفقهاء؛ لأن كل واحد يمدّ باعه للأخذ، وردّ بأنه مصدر، والمصدر على رأي البصريين منبع الاشتقاق، وهو مشتق منه لا أنه مشتق، فإن أجيب بالتزام مذهب الكوفيين بأن الأصل في الاشتقاق الفعل، ردّ بأنه الفعل الذي منه المصدر لا فعل آخر؛ لأن الباع عينه واو من بَوَع، والبيع عينه ياء من بَيعَ، وشرط الاشتقاق اتفاق الأصل والفرع في الحروف الأصلية، وقد يجاب عن هذا وعن كثير من اشتقاق الفقهاء بأن هذا من الاشتقاق الأكبر، وقد\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٥٠).","vol":"5","page":489},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nشرط بعض المحققين في الأكبر المناسبة في المعنى دون الاتفاق في الحروف، ولا ريب أن بين الباع والبيع مناسبة ما، وقيل: إنه مشتق من البيعة. وفيه نظر، إذ المصدر لا يشتق من المصدر، كذا في شرح (كتاب الخرقي) (١).\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٣/ ٢). وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: عُرفَ أَن مَشْرُوعَاتِ الشَّارعِ مُنْقَسِمَة إِلَى حُقُوقِ اللَّهِ -تَعَالَى- خَالِصَةً، وَحُقُوق الْعِبَادِ خَالِصَةً، وَمَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْحَقَّانِ وَحَقُّهُ -تَعَالَى- غَالِبٌ، وَمَا اجتمعا فِيهِ وَحَقُّ الْعِبَادِ غَالِبٌ،، فَحُقُوقُهُ -تَعَالَى- عِبَادَاتٌ وَعُقُوبَاتٌ وَكَفَّارَاتٌ، فَابْتَدَأَ الْمُصَنِّفُ بِحُقُوقِ اللَّهِ -تَعَالَى- الْخَالِصَةِ، حَتَّى أَتَى عَلَى آخِرِ أَنْوَاعِهَا، ثُمَّ شَرَعَ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ وَهِيَ الْمُعَامَلَاتُ، ثُمَّ الْبَيْعُ مَصْدَرٌ، فَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْمَفْعُولُ فَيُجْمَعُ باعتباره كجمع الْمَبِيعِ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْمَعْنَى وَهُوَ الأَصْلُ، فَجَمْعُهُ بِاعْتِبَارِ أَنْوَاعِهِ: فَإِنَّ الْبَيْعَ يَكُونُ سَلَمًا، وَهُوَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالْعَيْنِ، وَقَلْبُهُ وَهُوَ الْبَيْعُ الْمُطْلَقُ، وَصَرْفًا: وَهُوَ بَيْعُ الثَّمَنِ بِالثَّمَنِ، وَمُقَابَضَةً: وَهُوَ بَيْعُ الْعَيْنِ بِالْعَيْنِ وَبِخِيَارٍ، وَمُنْجَزًا، وَمُؤَجَّلَ الثَّمَنِ وَمُرَابَحَةً، وَتَوْليَةً، وَوَضِيعَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ. وَالْبَيْعُ مِنَ الأَضْدَادِ يُقَالُ: بَاعَ إِذَا أَخْرَجَ الْعَيْنَ عَنْ مِلْكِهِ إِلَيْهِ، وَبَاعَهُ إِذَا اشْتَرَاهُ، وَيَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ بِالْحَرْفِ يُقَالُ: بَاعَ زيْدٌ الثَّوْبَ وَبَاعَهُ مِنْهُ.\nوَأَمَّا مَفْهُومُهُ لُغَةً وَشَرْعًا فَقَالَ فَخْرُ الإِسْلَامِ: الْبَيْعُ لُغَةً مُبَادلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ، وَكَذَا فِي الشَّرْعِ، لَكِنْ زِيدَ فِيهِ قَيْدُ التَّرَاضِي، وَشَرْعِيَّةُ الْبَيْعُ بِالْكِتَابِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَالسُّنَّةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ -﵊-: \"يا مَعْشَرَ التُّجَّارِ! إنَّ بَيْعَكُمْ هذا يَحْضُره اللَّغْوُ والكذبُ، فشُوْبُوهُ بالصَّدقةِ\"، وبُعِثَ ﵊ وَالنَّاسُ يَتَبَايَعُونَ فَقرَّرَهُمْ عَلَيْهِ، وَالإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَيْهِ، وَسَبَبُ شَرْعِيَّتِهِ تَعَلُّقُ الْتقَاءِ الْمَعْلُومِ فِيهِ لِلَّهِ -تَعَالَى- عَلَى وَجْهٍ جَمِيلٍ، وَذَلِكَ أَنَّ الإِنْسَانَ لَوِ اسْتَقَلَّ بِابْتِدَاءِ بَعْضِ حَاجَاتِهِ مِنْ حَرْثِ الأَرْضِ، ثُمَّ بَذْرِ الْقَمْحِ وَخِدْمَتِهِ وَحِرَاثَتِهِ وَحَصْدِهِ وَدِرَاسَتِهِ، ثُمَّ تَذْرِيَتِهِ، ثُمَّ تَنْظِيفِهِ وَطَحْنِهِ بِيَدِهِ وَعَجْنِهِ، لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، وَفِي الْكَتَّانِ وَالصُّوفِ لِلُبْسِه، وَبِنَاءِ مَا يُظِلُّهُ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَن تَدْفَعَهُ الْحَاجَةُ إِلَى أَنْ يَشْتَرِيَ شَيْئًا ويبتدئ مُزَاوَلَةَ شَيْءٍ، فَلَوْ لَمْ يُشْرَعِ الْبَيْعُ سَبَبًا لِلتَّمْلِيكِ فِي الْبَدَلَيْنِ =","vol":"5","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-714>١ - باب الكسب وطلب الحلال</span>\nــ\nثم من عادة المؤلف أن يذكر في الكتاب ثلاث فصول في فضائل ما أضيف إليه، ولم يفعل ذلك هنا، ولعله لأجل أنه لم يَرِدْ فِي فضيلة البيع والشراء أحاديث كما في الطهارة والصلاة وأمثالهما، وإنما وجد في فضيلتهما باعتبار الكسب وطلب الحلال، فذكر بابًا في الكسب وطلب الحلال، وذكر فيه فصولًا فقال:\n١ - باب الكسب وطلب الحلال\nالكسب: المطلب والسعي في طلب الرزق والمعيشة، وكَسَبَ الوالدُ: طَلَبَ ولدَه، وسعى في تحصيله، وفي (القاموس) (١): من كَسَبه يَكسِبُه كَسْبًا وتَكَسَّب واكتسب: طلب الرزق، واكتسب: تصرَّف واجتهد، وكَسَبه: جَمَعه، وفلانًا مالًا كأكسبه إياه فكَسَبه هو، انتهى.\nوفي (الصراح) (٢): درزيدن وكرد آوردن، وأصله الجمع، ويروى في حديث: \"وتحمل الكل وتكسب المعدوم\"، بالفتح والضم: تُعِين على كسبه، ويجوز على الفتح أن يراد: تَكْسِبُ المالَ المعدومَ، وتُنفقه في وجوه الخيرات.\n_________\n= لَاحْتَاجَ إِلَى أَنْ يُؤْخَذَ عَلَى التَّغَالُبِ وَالْمُقَاهَرَةِ، أَوِ السُّؤَالِ وَالشِّحَاذَةِ، أَوْ يَصْبِرَ حَتَّى يَمُوتَ، وَفِي كُلٍّ مِنْهَا مَا لَا يَخْفَى مِنَ الْفَسَادِ، وَفِي الثَّانِي مِنَ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ، وَيُزْرِي بِصَاحِبِهِ، فَكَانَ فِي شَرْعِيَّتِهِ بَقَاءُ الْمُكَلَّفِينَ الْمُحْتَاجِينَ وَدَفْعُ حَاجَاتِهِمْ عَلَى النِّظَامِ الْحَسَنِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٨٨٨).\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٣٤).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٥٢).","vol":"5","page":491},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-715> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٧٥٩ - [١] عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٠٧٢].\n٢٧٦٠ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلينَ فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]،\nــ\nالفصل الأول\n٢٧٥٩ - [١] (المقدام بن معدي كرب) قوله: (وإن نبي اللَّه داود ﵇) تنبيه على أن الكسب من سنن الأنبياء والمرسلين، وكان داود ﵇ يعمل السرد (١) لقوته، ولذا قال: (كان يأكل)، وفيه إشارة إلى أن كسب الحلال للأكل والقوت لهم، ولو كسبه لجميع طرق معاشه من اللباس والركوب وغيرهما كان أتم وأكمل، ويمكن أن يحمل قوله: (يأكل) على معنى يتصرف في وجوه معيشته، واللَّه أعلم (٢).\n٢٧٦٠ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (إن اللَّه طيب لا يقبل إلا طيبًا (٣» الطيب ضد\n_________\n(١) السَّرْدُ: نسجُ الدِّرْعِ.\n(٢) قَالَ الْمُظْهِرُ: فِيهِ تَحْرِيضٌ عَلَى الْكَسْبِ الْحَلَالِ، فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ فَوَائِدَ كَثِيرَةً. بسطه القاري (٥/ ١٨٨٨).\n(٣) صرح الفقهاء بأن التصدق بالمال الحرام بنية الثواب كفر، مع أنهم قالوا: من كان عنده مال حرام فليتصدق، والتصدق واجب، وأنت تعرف أن مؤدِّيَ الواجب مثاب، فتعارض القولان معًا. وغاية ما قيل: إن الكفر فيما إذا رجى ثواب ذاك التصدق، وأما إذا نوى بالتصدق =","vol":"5","page":492},{"text":"ثم ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّماءِ: يا ربِّ يا ربِّ،\nــ\nالخبيث، ويجيء بمعنى الطاهر النظيف، ومنه قول علي -﵁- لما مات رسول اللَّه -ﷺ-: طبت حيًّا وطبت ميّتًا، أي: طهرت، وقوله -ﷺ- لعمار: \"مرحبًا بالطيب\"، ويجيء من طيب النفس بمعنى السماحة من غير كراهة، ومن طيب الرائحة بمعنى الحلال، وقالوا: أصل الطيب ما يستلذه الحواس والنفس، والحلال تستلذه النفس شرعًا، والطيب من الإنسان من تزكّى عن نجاسة الجهل والفسق، وتحلّى بالحِكَم ومحاسن الأفعال، ويوصف به الباري تعالى بمعنى تنزُّهه عن النقائص.\nومعنى الحديث: أنه تعالى لما تنزّه عن العيوب لم يقبل إلا الطيب من المال وهو الحلال لتنزُّهه عن العيب، فيناسب جناب القدس، فلا ينبغي أن يتقرب إليه بما يتضادّه وهو الحرام.\nوقوله: (ثم ذكر) الضمير للنبي -ﷺ-، و(الرجل) منصوب على المفعولية، و(يطيل) من الإطالة صفة (الرجل) لكون اللام للعهد الذهني، وقد يرفع على أنه مبتدأ و(يطيل) خبره، فيكون مفعول (ذكر) هذا الكلام، ويكون حينئذ حكاية لفظ النبي -ﷺ-.\nوالمراد بالرجل: إما الحاج، أو مطلق المسافر لكون السفر مظنّةَ الإجابة.\nوقوله: (أشعث أغبر يمدّ يديه) أحوال مترادفة.\nوقوله: (يا رب) بتقدير: قائلًا، حال من ضمير يمدّ، أي؛ قائلًا: يا رب يا رب، مناديًا له تعالى يلجأ في السؤال.\n_________\n= دفع الوزر فيثاب على تلك النية. كذا في \"التقرير\".","vol":"5","page":493},{"text":"وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟ \". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠١٥].\n٢٧٦١ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي الْمَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ الْحَلَالِ أَمْ مِنَ الْحَرَامِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٠٥٩].\n٢٧٦٢ - [٤] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ،\nــ\nوقوله: (ومطعمه حرام) حال من ضمير (قائلًا)، فتكون متداخلة، ويجوز أن تكون حالًا من ضمير يمدّ، فتكون مترادفة، والمطعم مصدر ميمي بمعنى المفعول، وكذا أخواه.\nوقوله: (وغذي) بلفظ المجهول بالتخفيف، وقد يشدد من التغذية، والمراد أنه قد غُذِي بالحرام فيما مضى من الزمان إلى الآن. و(أنى) يحتمل أن يكون بمعنى: كيف، أو: من أين، وعلى التقديرين الاستفهام للإنكار.\nوقوله: (لذلك) إما إشارة إلى الرجل، وقد تتعدى الاستجابة باللام، كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ﴾ [يوسف: ٣٤]، أو إلى ما ذكر من كون مطعمه ومشربه وملبسه وغذائه حرامًا، فيكون اللام للتعليل.\n٢٧٦١ - [٣] (عنه) قوله: (ما أخذ) أي: بما أخذ.\nوقوله: (منه) أي: من المال.\n٢٧٦٢ - [٤] (النعمان بن بشير) قوله: (الحلال بين والحرام بين) هذا الحديث","vol":"5","page":494},{"text":"وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينهِ وعِرْضِهِ، ومَنْ وقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ،\nــ\nأحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام، قال أبو داود في خطبة (سننه) (١): كتبت عن رسول اللَّه -ﷺ- في هذا الكتاب أربعة آلاف وثمان مئة حديث، ويكفي للإنسان في أمر دينه أربعة أحاديث منها؛ الأول: (إنما الأعمال بالنيات)، والثاني: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، والثالث: (لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه)، والرابع: (إن الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشتبهات) الحديث (٢).\nوقوله: (استبرأ لدينه وعرضه) أي: احتاط في طلب البراءة لدينه من النقصان ولعرضه من العيب والطعن.\nوقوله: (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع) والحمى هو المرعى الذي حماه الإمام ومنع من أن يرعى فيه، شبَّه المحارم بالحمى في كونها واجبَ الاجتناب عن الوقوع فيه، فلا ينبغي أن يرعى حوله مخافة الوقوع فيه، فكذلك ينبغي أن لا يقرب من المعاصي بالوقوع في الشبهات، فإنه إذا وقع فيها يوشك أن يقع في الحرام، كما أنه بالرعي حول الحمى والقرب منه يخاف أن يقع في الحمى، هذا ولكنه قال في الشبهات: (وقع في الحرام) تحقيقًا لمداناة الوقوع وتوكيدًا للمنع عن اقتراب الشبهات، وجرى في الحمى على الحقيقة بأن من يرعى حوله يوشك أن يقع فيه.\n_________\n(١) \"سنن أبي داود\" (١/ ٤).\n(٢) وقال الشيخ عبد العزيز الدهلوي: ومعنى الكفاية أنه بعد معرفة القواعد الكلية لا تبقى حاجة إلى مجتهد في الجزئيات، فإن الحديث الأول يكتفى به لتصحيح العبادات، والثاني لمحافظة الأوقات، والثالث لمعرفة الحقوق، والرابع لرفع الشك والتردد من اختلاف العلماء. . . مختصرًا. \"بستان المحدثين\" (ص ١١٩).","vol":"5","page":495},{"text":"كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِي الْقَلْبُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢، ٢٠٥١، م: ١٥٩٩].\n٢٧٦٣ - [٥] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٦٨].\nــ\nوقوله: (ألا إن في الجسد مضغة. . . إلخ) تتميم ببيان منبع الصلاح والفساد ومنشئهما.\nوقوله: (إذا صلحت (١» أي: تنوَّرت بأكل الحلال والتنزه عن الشبهات، وإذا فسدت بضد ذلك (٢).\n٢٧٦٣ - [٥] قوله: (وعن رافع بن خديج) بالخاء المعجمة والجيم في آخره على وزن كريم.\nوقوله: (ومهر البغيّ) أصله بغوي على وزن فعول وهي الزانية، من البغاء\n_________\n(١) بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا، وَالأَوَّلُ أَفصَحُ، قاله القاري (٥/ ١٨٩٣).\n(٢) وَفِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ صَلَاحَهُ إِنَّمَا هُوَ بِأَنْ يَتَغَذَّى بِالْحَلَالِ فَيَصْفُو، وَيَتَأَطَّرُ الْقَلْبُ بِصَفَائِهِ وَيَتَنَوَّرُ، فَيَنْعَكِسَ نُورُهُ إِلَى الْجَسَدِ فَيَصْدُرُ مِنْهُ الأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ، وَهُوَ الْمَعْنِيُّ بِصَلَاحِهَا، وَإِذَا تَغَذَّى بِالْحَرَامِ يَصِيرُ مَرْتَعًا لِلشَّيْطَانِ وَالنَّفْسِ، فَيَتَكَدَّرُ وَيَتَكَدَّرُ الْقَلْبُ فَيُظْلِمُ، وَتَنْعَكِسُ ظُلْمَتُهُ إِلَى الْبَدَنِ فَلَا يَصْدُرُ مِنْهُ إِلَّا الْمَعَاصِي، وَهُوَ الْمُرَادُ بِفَسَادِهَا. هَذَا زُبْدَةُ كَلَامِ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ، وَخُلَاصَةُ تَحْقِيقِ بَعْضِ الْمُدَقِّقِينَ. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٨٩٣).","vol":"5","page":496},{"text":"٢٧٦٤ - [٦] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٣٧، م: ١٥٦٧].\nــ\nبكسر الباء، وهو الزنا، يقال: بغت المرأة، أي: زنت، والمراد بمهرها أجرتها، ثم إنه أطلق الخبيث على الثلاثة، وهو في الأصل ضد الطيب فيطلق على الحرام كما يطلق الطيب على الحلال، وقد يطلق الطيب على ما هو أخص من الحلال، فيكون المراد بالخبيث ما هو في المرتبة الأدنى من الحلال شاملًا للمكروه ولو تنزيهًا، فالمراد بما حمل على مهر البغي المعنى الأول لكونه حرامًا قطعًا، وبما حمل على أجرة الحجام المعنى الثاني لأنه حلال في المرتبة الأدنى لدناءة وخسة في كسبه، وثمن الكلب مختلف قيه، فمنهم من جوز بيع الكلب كأبي حنيفة ومحمد رحمهما اللَّه، فإنهما جوزا بيع الكلب والفهد والسباع المعلَّم وغير المعلم، وعند أبي يوسف ﵀ لا يجوز بيع الكلب العقور لأنه غير منتفع به، فمن حرمه حمله على الأول، ومن جوَّزه على الثاني، فتدبر.\n٢٧٦٤ - [٦] (أبو مسعود الأنصاري) قوله: (وحلوان الكاهن) الحلوان بالضم مصدر بمعنى الحلاوة، سمي به ما يعطى الكاهن مثلًا على كهانته، وقال في (القاموس) (١): والحُلْوانُ، بالضمِّ: أُجْرَةُ الدَّلَّال والكاهِن، ومَهْرُ المَرْأة، أو ما تُعْطَى على مُتْعَتِها، أو ما أُعْطِيَ من نحو رِشْوَةٍ، سمي به تشبيهًا له بالشيء الحلو من حيث إنه يأخذه بلا كلفة ومشقة.\nوالكاهن هو الذي يتعاطى الخبر عن كوائن ما يستقبل ويدعي معرفة الأسرار،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٧٣).","vol":"5","page":497},{"text":"٢٧٦٥ - [٧] وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ: أَنَّ النَّبِيِّ -ﷺ- نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الْكَلْبِ، وَكَسْبِ الْبَغِيِّ، وَلَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ وَالْمُصَوِّرَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٠٨٦، ٥٩٦٢].\nــ\nوفي حكمه العرّاف والمنجّم، وإتيانهم حرام بإجماع المسلمين، وينبغي للمحتسب منعهم وتأديبهم، وأن يؤدب الآخذ والمعطي، كذا في (مجمع البحار) (١)، وسيأتي تفصيل معنى الكهانة وأنواعه في (باب السحر والكهانة) إن شاء اللَّه تعالى.\n٢٧٦٥ - [٧] (أبو جحيفة) قوله: (وعن أبي جحيفة) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة.\nوقوله: (عن ثمن الدم) بيع الدم غير جائز بالإجماع لكونه نجسًا، وحمله بعضهم على أجوة الحجام وقد عُلم حكمه.\nوقوله: (ولعن آكل الربا) بلفظ اسم الفاعل من الأكل، وهو آخذه وهو البائع، (وموكله) من باب الإفعال، أي: معطيه وهو المشتري، وإنما اشتركا في اللعن لاشتراكهما في الفعل.\nوالوشم أن يُغرز الجلد بإبرة ثم يحشى بكحل أو نيل، (والواشمة) فاعلة لغيرها، (والمستوشمة) هي التي يفعل بها ذلك، كذا يفهم من كلامهم، والظاهر أن يكون المراد بالواشمة فاعلتها بنفسها أو بغيرها، وبالمستوشمة من تطلبه، وفي (الصحاح) (٢): استوشمه، أي: سأله أن يَشِمه، والمراد بالمصور من يصور صور الحيوان، وسيأتي الكلام فيه في بابه مفصلًا.\n_________\n(١) \"مجمع البحار\" (٤/ ٤٦٠).\n(٢) \"الصحاح\" (٢/ ٢٨٠).","vol":"5","page":498},{"text":"٢٧٦٦ - [٨] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: \"إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ\". فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهُ تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدَّهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: \"لَا، هُوَ حَرَامٌ\". ثُمَّ قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: \"قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا أَجْمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكلُوا ثَمَنَهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٣٦، م: ١٥٨١].\nــ\n٢٧٦٦ - [٨] (جابر) قوله: (يقول عام الفتح وهو بمكة) هكذا في أكثر النسخ، ووقع في بعض النسخ (يوم الفتح)، فهو تأكيد لتحقيق السماع.\nوقوله: (والأصنام) قالوا: وفي حكمها آلات الملاهي والمعازف ولا ضمان بإتلافها.\nوقوله: (يستصبح بها) أي: بنور المصباح، فهو من المصباح لا من الصبح، في (القاموس) (١): استصبح: استسرج.\nو(لا) في قوله: (لا، هو حرام) نفي لما دل عليه الكلام السابق، كأنه قيل: أخبِرْنا أحلال بيعها أو الانتفاع بها؟ ويحتمل أن يكون التقدير: لا تبيعوها ولا تنتفعوا بها، وعند جمهور الشافعية يجوز الانتفاع بالأدهان المتنجسة من الخارج، وأبو حنيفة وأصحابه أجازوا بيع الزيت النجس إذا بيّنه، كذا نقل الطيبي (٢).\nوقوله: (شحومها): أي أكلَ شحوم الأنعام، (أجملوه) أي: أذابوه، واحتالوا\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٢١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٦/ ١٦).","vol":"5","page":499},{"text":"٢٧٦٧ - [٩] وَعَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٢٣، م: ١٥٨٢].\n٢٧٦٨ - [١٠] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٦٩].\n٢٧٦٩ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَأمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٠٢، م: ١٥٧٧].\nــ\nفي استحلال الشحوم والانتفاع بها، جمل الشحم: أذابه، كأجمله واجتمله، والجميل: الشحم الذائب، كذا في (القاموس) (١).\nوفيه دليل على بطلان كل حيلة يتوصل بها إلى الحرام.\n٢٧٦٧ - [٩] (عمر) قوله: (قاتل اللَّه اليهود) أي: عاداهم.\n٢٧٦٨ - [١٠] (جابر) قوله: (والسنور) قال الطيبي (٢): النهي عن ثمن السنور تنزيهي، والجمهور على جواز بيعه.\n٢٧٦٩ - [١١] (أنس) قوله: (وأمر أهله) أي: أسياده، فإنه كان مملوكًا لبني بياضة، والمراد بخراجه: الوظيفةُ التي ضرب عليه سيده كل يوم، وفي الحديث دليل على حل كسب الحجامة وأخذ الأجرة عليه.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٠١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٦/ ١٨).","vol":"5","page":500},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-716> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٧٧٠ - [١٢] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَالدَّارِمِيِّ: \"إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ، وَإنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ\". [ت: ١٣٥٨، ن: ٤٤٥٠، جه: ٢٢٩٠، د: ٣٥٢٨، دي: ٢/ ٢٣٧].\n٢٧٧١ - [١٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يكْسِبُ عَبْدٌ مَالَ حَرَامٍ فَيَتَصَدَّقُ مِنْهُ فَيُقْبَلَ مِنْهُ، وَلَا يُنْفِقُ مِنْهُ فَيُبَارَكَ لَهُ فِيهِ،\nــ\nالفصل الثاني\n٢٧٧٠ - [١٢] (عائشة) قوله: (وإن أولادكم من كسبكم) (١) فالأكل مما ينفق الأولاد أيضًا حلال طيب في حكم الأكل من كسب اليد، وقد وجبت نفقة الوالدين على الولد.\n٢٧٧١ - [١٣] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (لا يكسب عبد مال حرام فيتصدق. . . إلخ) الأفعال المذكورة في الحديث كلها مرفوعة بالعطف، ثم التقسيم المذكور حاصر؛ لأن المال إما أن ينفق على الفقراء، أو على النفس، أو يدخر، فجزاء\n_________\n(١) أَيْ: مِنْ جُمْلَتِهِ لِأَنَّهُمْ حَصَلُوا بِوَاسِطَةِ تَزَوُّجِكُمْ، فَيَجُوزُ لَكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مَنْ كَسْبِ أَوْلَادِكُمْ إِذَا كُنْتُمْ مُحْتَاجِينَ وَإِلَّا فَلَا، إِلَّا أَنْ طَابَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ، هَكَذَا قَرَّرَهُ عُلَمَاؤُنَا. وَقَالَ الطِّيبِيُّ -﵀-: نَفَقَةُ الْوَالِدَيْنِ عَلَى الْوَلَدِ وَاجِبَةٌ إِذَا كَانَا مُحْتَاجَيْنِ عَاجِزَيْنِ عَنِ السَّعْي عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَغَيْرُهُ لَا يشْتَرطُ ذَلِكَ. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٨٩٧).","vol":"5","page":501},{"text":"وَلَا يَتْرُكُهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إِلَّا كَانَ زَادَهُ إِلَى النَّارِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئ، وَلَكِنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بِالْحَسَنِ، إِنَّ الْخَبِيثَ لَا يَمْحُو الْخَبِيثَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَكَذَا فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [حم: ١/ ٣٨٧].\n٢٧٧٢ - [١٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لَحْمٌ نَبَتَ منَ السُّحْتِ، وَكُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِنَ السُّحْتِ كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [حم: ٣/ ٣٢، ٣٩٩، دي: ٢/ ٣١٨، هب: ٥٥٢].\n٢٧٧٣ - [١٥] وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: . . . . .\nــ\nالأول القبول ويترتب الثواب، وفي الثاني التعيش والبركة في العيش، والادخار إن كان مع أداء الحق فهو داخل في القسم الأول، أو لم يكن معه ففيه الوزر فقط، ولذا جاء بالحصر في قوله: (إلا كان زاده إلى النار)، وأيضًا في التصدق -وإن كان من الحرام- مدحٌ ولو عند الخلق، وفي الإنفاق وإن كان على النفس منفعةٌ ولو في العاجل، بخلاف الادخار فليس فيه إلا الوزر.\nوقوله: (إن اللَّه لا يمحو السيء بالسيء) يعني: أن التصدق والإنفاق من الحرام سيئٌ، فلا يمحو الإثمَ الذي حصل من كسب الحرام، وفيه دفع لتوهم كون التصدق حسنًا، وكونِ الإنفاق مباركًا مطلقًا.\nوقوله: (إن الخبيث لا يمحو الخبيث) تكرير وتأكيد.\n٢٧٧٢ - [١٤] (جابر) قوله: (من السحت) بالضم والسكون، وبضمتين: الحرام وما خبث من المكاسب، وأسحت الشيءَ: استأصله، كسحَّت.\n٢٧٧٣ - [١٥] (الحسن بن علي) قوله: . . . . .","vol":"5","page":502},{"text":"حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: \"دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ، فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَى الدَّارِمِيُّ الْفَصْلَ الأَوَّلَ (١). [حم: ١/ ٢٠٠، ت: ٢٥١٨، ن: ٥٧١١، دي: ٢/ ٢٤٥].\n٢٧٧٤ - [١٦] وَعَنْ وابصَةَ بنْ مَعْبدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"يَا وَابِصَةُ، جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ وَالإِثْمِ؟ \" قُلْتُ: نعَمْ، قَالَ: . . . . .\nــ\n(دع ما يريبك إلى ما لا يريبك) يروى بفتح الياء وضمها، ورابني وأرابني بمعنى: شكَّكني، والصلة بإلى لتضمين معنى الانتقال، يقال: دع هذا إلى ذلك، أي: انتقل منا، إليه واستبدله به، والظاهر أن المقصود الاجتناب عن الوقوع في الشبهات والاتقاء عنها.\nوقوله: (فإن الصدق طمأنينة، والكذب ريبة) والصدق والكذب يستعملان في الأفعال والأقوال، وقالوا: معناه: إذا وجدت نفسك ترتاب في الشيء فاتركه وانتقل إلى ما لا ترتاب فيه، فإن نفس المؤمن تطمئن إلى الصدق وترتاب من الكذب، فارتيابك في الشيء منبئ عن كونه باطلًا أو مظنةً للباطل فاحذره، واطمئنانك إلى الشيء مشعر بأنه حق فاستمسك به، فهذا ضابطة لمعرفة كون الفعل حسنًا وقبيحًا، وكون الشيء حلالًا وحرامًا، ولكن إنما يتحقق ذلك في النفوس الزكية الطاهرة المحلَّاة بالتقوى والعدالة، ويزيد هذا شرحًا في الحديث الآتي.\n٢٧٧٤ - [١٦] قوله: (وعن وابصة) بالواو والموحدة والصاد المهملة.\nوقوله: (جئت تسأل عن البر والإثم؟) إخبار منه -ﷺ- عما في ضمير وابصة، فهو\n_________\n(١) أي: الجملة الأولى.","vol":"5","page":503},{"text":"فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ فَضَرَبَ بِهَا صَدْرَهُ وَقَالَ: \"اسْتَفْتِ نَفْسَكَ، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، ثَلَاثًا، \"الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٤/ ٢٢٨، دي: ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦].\nــ\nمعجزة له -ﷺ-، والبر: الخير والصدق والطاعة والاتساع في الإحسان، كذا في (القاموس) (١)، وقيل: البر اسم جامع للخير كله، والإثم: الذنب، وأن يعمل ما لا يحلّ.\nوقوله: (فجمع أصابعه، فضرب) الضمائر للنبي -ﷺ-، وفي (صدره) لوابصة، وقيل: للنبي -ﷺ- إشارةً إلى مكان القلب.\nوقوله: (استفت نفسك، استفت قلبك) قد يراد بالنفس المعنى المتعارفُ، وهو المتعلق الأوليُّ للروح الإنساني المعبر عنه في الشرع بالقلب والواسطة في تعلقه بالبدن، فإذا ترددت النفس في أمر استتبع ذلك ترددَ القلب للعلاقة التي بينهما، وربما يسري هذا الأمر إلى الباقي من الأعضاء أيضًا، كما يحكى عن بعضهم أنه كان يتحرك إصبعه عند أكل ما فيه شبهة، وقد يراد بالنفس والقلب شيء واحد، والمراد بالتكرير التأكيد والتقرير، والمتبادر من العبارة التغاير.\nوقوله: (ما حاك في النفس) أي: أثَّر فيها ورسخ، يقال: حاك في صدري، أي: رسخ، والحيك أخذ القول في القلب، يقال: ما يحيك فيه الملامة: إذا لم تؤثر فيه، ويروى: (الإثم ما حاك في نفسك)، وفي رواية: (في صدرك)، ويروى: (ما حاكّ) بالتشديد، والمراد: أنه أثر في قلبك وأوهمك أنه ذنب أو خطيئة، وكرهْتَ أن يطَّلع\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٢٧).","vol":"5","page":504},{"text":"٢٧٧٥ - [١٧] وَعَنْ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِيْنَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ بَأْسٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٤٥١، جه: ٤٢١٥].\nــ\nعليه الناس، على ما فهم من قوله -ﷺ-: (إذا لم تستَحْي فاصنع ما شئت) (١)، وهذا مخصوصٌ بالنفوس الزكية والقلوب السليمة الصافية عن كدر الطبع والهوى، كما عرفت، قالوا: نفوسهم تصبو إلى الخير وتنبو عن الشر، فإن الشيء ينجذب إلى ما يلائمه وينفر عما يخالفه.\nومما ينبغي أن يعلم: أن استفتاء القلب إنما يكون بعد ما لم يوجد الدليل الشرعي من الأصول الأربعة للشرع، فإذا تعارضت الآيتان مثلًا عدل إلى الحديث، وإذا تعارض الحديثان نقل إلى أقوال العلماء، فإن تعارضت عدل إلى التحري عن القلب، ويؤخذ من أقوالهم ما أفتى به القلب السليم الصحيح تورعًا واحتياطًا، كذا ينبغي أن يفهم هذا المقام فتدبر، وباللَّه التوفيق.\n٢٧٧٥ - [١٧] قوله: (وعن عطية السعدي) بالسين والعين المهملتين، منسوب إلى سعد بن بكر.\nوقوله: (حتى يدع ما لا بأس به حذرًا لما به بأس) وذلك كترك العَزَب الشِّبعَ والطِّيبَ مخافة غلبة الشهوة فتوقعه في الحرام، وهذا غاية التقوى بعد الاجتناب عن المحرمات والمكروهات والمشتبهات، وهو بالنظر إلى التحقيق في حكم المشتبهات، واللام في (لما به بأس) بمعنى مِن، أو للبيان كما في ﴿هَيْتَ لَكَ﴾، روي عن عمر\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٣٤٨٤).","vol":"5","page":505},{"text":"٢٧٧٦ - [١٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً: عَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَشَارِبَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وآكِلَ ثَمَنِهَا، وَالْمُشْتَرِي لَهَا، وَالْمُشْتَرَى لَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٢٩٥، جه: ٣٥٨١].\nــ\nابن الخطاب -﵁-: (كنا نترك تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام) (١)، وعن أبي بكر -﵁ -: (كنا نترك سبعين بابًا من المباح مخافة أن نقع في الجُناح) (٢).\n٢٧٧٦ - [١٨] (أنس) قوله: (في الخمر) أي: في شأنها أو لأجلها، (عشرة) أي: عشرة رجال أو أشخاص، (عاصرها ومعتصرها) في (القاموس) (٣): عَصَرَ العِنَبَ ونحوَهُ يَعْصِرُهُ، فهو مَعْصورٌ وعَصيرٌ، واعتصره: الشخرج ما فيه، أو: عَصَرَهُ: وَلِيَ ذلك بنفسه، واعْتَصَرَهُ: عُصِرَ له، وقد انْعَصَرَ وتَعَصَّر، انتهى.\nوقال الطيبي (٤): العاصر قد يعتصر لغيره، والمعتصر هو الذي يعصر لنفسه.\nوقوله: (والمحمولة إليه) الظاهر: المحمولة هي إليه؛ لكونها صفةً جرت على غيرِ مَن هي له، ولكن لا التباس، وأَطلق النحاة حتى حكموا بوجوب الانفصال في نحو: هندٌ زيدٌ ضارِبتُه هي، فتدبر.\nوقوله: (وآكل ثمنها) هو أعم من البائع.\nوقوله: (والمشترى له) بفتح الراء كالموكِّل وإن لم يباشر العقد.\n_________\n(١) انظر: \"التفسير الحقي\" (٣/ ١٨٠).\n(٢) \"مدارج السالكين\" (٢/ ٤٨).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤١١).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٢٤/ ٦).","vol":"5","page":506},{"text":"٢٧٧٧ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٦٧٤، جه: ٣٥٨٠].\n٢٧٧٨ - [٢٠] وَعَنْ مَحَيِّصَةَ أَنَّهُ اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي أُجْرَةِ الْحَجَّامِ فَنَهَاهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْتَأْذِنُهُ حَتَّى قَالَ: \"اعْلِفْهُ نَاضِحَكَ، وَأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ط: ١٧٥٦، ت: ١٢٧٧، د: ٣٤٢٢، جه: ٢١٦٦].\nــ\n٢٧٧٧ - [١٩] (ابن عمر) قوله: (لعن اللَّه الخمر) أوقع اللعن على الخمر للسببية، فرجع مآل معناه إلى قوله: (لعن في الخمر) كما في الحديث السابق، وفي هذا الحديث ثمانية أصناف، ولم يذكر آكل ثمنها والمشترى له.\n٢٧٧٨ - [٢٠] قوله: (وعن محيصة) بضم الميم وفتح المهملة وسكون الياء وتشديدها مكسورة، لغتان مشهورتان، وبصاد مهملة، كذا في (المغني) (١)، وفي (جامع الأصول) (٢): بكسر الياء المشددة.\nوقوله: (فنهاه) قالوا: هو نهي تنزيه؛ لما ثبت من إعطائه -ﷺ- الأجرة للحجام، ويدل على ذلك سياق هذا الحديث أيضًا؛ لأنه لو كانت حرامًا لما أطعمه الرقيق، والناضحُ بالضاد المعجمة والحاء المهملة: إبل يسقى عليه.\n_________\n(١) \"المغني\" (ص: ٢٢٥).\n(٢) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٨٤٥).","vol":"5","page":507},{"text":"٢٧٧٩ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَكَسْبِ الزَّمَّارَةِ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٢٠٣٨].\n٢٧٨٠ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَبِيعُوا الْقَيْنَاتِ، وَلَا تَشْتَرُوهُنَّ، وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ، وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ، وَفِي مِثْلِ هَذَا أُنْزِلَتْ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] \". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ،\nــ\n٢٧٧٩ - [٢١] (أبو هريرة) قوله: (وكسب الزمّارة) بفتح الزاي وتشديد الميم: المرأة المغنية، يقال: زمر الرجل: إذا غنى وضرب المزمار فهو زمَّار، وقيل: يقال للرجل: زمار، ولا يقال: زامر، ويقال للمرأة: زامرة، ولا يقال: زمَّارة، فالمراد بالزمارة البَغِيُّ الحسناء، والزمير الغلام الجميل، ويقال: غناء زمير، أي: حسن، وسميت زمارة لأن الزانيات تكون مغنيات في الأكثر.\nوقيل: هو بتقديم الراء على الزاي من الرمز بمعنى الإشارة والإيماء بالعين والحاجب كما هو شأن الزانيات يدعون الرجال إلى الزنا.\n٢٧٨٠ - [٢٢] (أبو أمامة) قوله: (القينات) جمع قينة بفتح القاف وسكون الياء، وهي الأمة المغنية، أو أعم، والتقيُّن التزين، فإن اختصت بالمغنية فالمناسبة ظاهرة، وإن كانت لمطلق الأمة فلأنها تزين البيت وتصلحه، والمراد في الحديث المغنيات خاصة، ثم النهي عن بيعها وشرائها ليس صريحًا في كون البيع فاسدًا؛ لجواز أن يكون لكونه إعانةً وتوسلًا إلى محرم، وهو السبب لحرمة ثمنهن، كما في بيع العصير من النبّاذ، أعني: الذي يعمل الخمر من العصر، و(﴿لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾) الإضافة من قبيل خاتم فضة، واللفظ عام يشمل الغناء وغيرها لكنها نزلت في الغناء.","vol":"5","page":508},{"text":"وَعليُّ بْنُ يَزِيدَ الرَّاوِي يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ. [حم: ٥/ ٢٦٤، ت: ١٢٨٢، ٣١٩٥، جه: ٢١٦٨].\nوَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ جَابِرٍ: نَهَى عَن أكل الهر، فِي \"بَابِ مَا يَحِلُّ أَكْلُهُ\" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-717> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٧٨١ - [٢٣] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"طَلَبُ كَسْبِ الْحَلَالِ فَرِيضَةٌ. . . . .\nــ\nوقوله: (وعلي بن يزيد يضعَّف في الحديث) قال في (الكاشف) (١): علي بن يزيد ضعفه جماعة ولم يترك، وفي حاشيته (٢): علي بن يزيد بن أبي هلال [الألهاني]، ويقال: الهلالي، أبو عبد الملك، ويقال: أبو الحسن، الدمشقي، ضعفه يحيى وأحمد، وقال أبو زرعة: ليس بالقوي، وقال [البخاري]: منكر الحديث ضعيف، وقال النسائي: ليس بثقة، وقال ابن عدي: وله أحاديث ونسخ وهو في نفسه صالح إلا أن يروي عنه ضعيف.\nالفصل الثالث\n٢٧٨١ - [٢٣] (عبد اللَّه) قوله: (طلب كسب الحلال) الظاهر أنه يكفي أن يقال: كسب الحلال (فريضة)، لكنه زاد الطلب تنبيهًا على أنه يجب أن يطلبه ويسعى فيه غاية الجهد لينال درجة المتقين، أو المراد بالكسب: المكتسَب.\n_________\n(١) \"الكاشف\" (٢/ ٤٩).\n(٢) كذا في نسخة (ر)، وفي نسخة (ت): \"وفي التهذيب\" وهو الصواب. انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٧/ ٣٤٦).","vol":"5","page":509},{"text":"بَعْدَ الْفَرِيضَةِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [هب: ٨٤٨٢].\n٢٧٨٢ - [٢٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ أُجْرَةِ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ فَقَالَ: لَا بَأْسَ، إِنَّمَا هُمْ مُصَوِّرُونَ، وَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ مِنْ عَمَلِ أَيْدِيهِمْ. رَوَاهُ رَزِينٌ. [مصنف ابن شيبة: ٤/ ٢٨٨].\n٢٧٨٣ - [٢٥] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجِ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ؟ قَالَ: \"عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ،\nــ\nوقوله: (بعد الفريضة) قيل: المراد به لا إله إلا اللَّه، أي: طلب الحلال أول ما يُهتم به بعد الإيمان، وفيه مبالغة لأنه أصل الورع، أو المراد كل فريضة معلومة في الدين، والمراد بالبعدية المقارنة والاتصال، وقيل: المراد فريضة متعاقبة يعقب بعضها البعض، أي: فرض دائمي مستمر مدة العمر.\n٢٧٨٢ - [٢٤] (ابن عباس) قوله: (فقال: لا بأس، إنما هم مصورون) كأن السائل استبعد أخذ الأجرة على كتابة القرآن؟ لأنه أمر ديني لا ينبغي أن يؤخذ عليه الأجرة، فأجاب أنهم ينقشون صور الألفاظ يعملون عملًا، فيأخذون الأجرة على عملهم مع قطع النظر عن كونه قرآنًا أو غيره، وفي هذا الحكم تعليم القرآن بأجرة، وقد رخص فيه المتأخرون، وقال الطيبي (١): القرآن عبارة عن المجموع من الكتابة والمكتوب، فالمكتوب هو القديم دون الكتابة، فلما نظر السائل إلى المكتوب وأنه من صفات القديم عظَّم شأنه بان ياخذ الأجرة، ونظر ابن عباس -﵄- إلى الكتابة وأنها من صفات الإنسان فجوزها، فتدبر.\n٢٧٨٣ - [٢٥] (رافع بن خديج) قوله: (عمل الرجل بيده) أي: يعمل بنفسه\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٢٧).","vol":"5","page":510},{"text":"وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ١٤١].\n٢٧٨٤ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: كَانَتْ لِمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ جَارِيَةٌ تَبِيعُ اللَّبَنَ وَيَقْبِضُ الْمِقْدَامُ ثَمَنَهُ، فَقِيلَ لَهُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَتَبِيعُ اللَّبَنَ وَتَقْبِضُ الثَّمَنَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَمَا بَأْسٌ بِذَلِكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّا الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ١٣٣].\n٢٧٨٥ - [٢٧] وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كُنْتُ أُجَهِّزُ إِلَى الشَّامِ. . . . .\nــ\nلا عبده وولده -وإن كان ذلك أيضًا كسبه في الحقيقة كما مر- لكون الكلام هنا في الأطيب لا في الطيِّب.\nقوله: (وكل بيع مبرور) أي: صحيح في الشرع غير فاسد، أو مقبول عند اللَّه، على نحو ما قيل في معنى الحج المبرور.\n٢٧٨٤ - [٢٦] (أبو بكر بن أبي مريم) قوله: (أتبيع اللبن؟) خطاب للمقدام، وإسناد البيع إليه على سبيل المجاز باعتبار إذنه ورضاه به وقبض ثمنه، أو مسند إلى الجارية، أي: أتفعل الجارية ذلك الفعل الدنيء وترضى به أنت وتقبض ثمنه؟ ! ولعل الإ إنكار باعتبار أن اللبن معدٌّ للخير فينبغي أن يتصدق به دون أن يباع، و(ما) في قوله: (ما بأس) بمعنى ليس.\nوقوله: (ليأتين على الناس زمان. . . إلخ) أي: لا ينفع الناس شيء إلا الكسب ليحفظهم عن الوقوع في الحرام.\n٢٧٨٥ - [٢٧] (نافع) قوله: (كنت أجهز) أي: أرسل وكلائي ببضاعتي ومتاعي إلى الشام، وتجهيز الميت والعروس والمسافر: إعداد ما يحتاجون إليه.","vol":"5","page":511},{"text":"وَإِلَى مِصْرَ، فَجَهَّزْتُ إِلَى الْعِرَاقِ، فَأَتَيْتُ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ فَقُلْتُ لَهَا: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ! كُنْتُ أُجَهِّزُ إِلَى الشَّامِ فَجَهَّزْتُ إِلَى العِرَاقِ، فَقَالَتْ: لَا تَفْعَلْ، مَالَكَ وَلِمَتْجَرِكَ؟ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِذَا سَبَّبَ اللَّهُ لِأَحَدِكُمْ رِزْقًا مِنْ وَجْهٍ، فَلَا يَدَعْهُ حَتَّى يَتَغَيَّرَ لَهُ أَوْ يَتَنَكَّرَ لَهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٦/ ٢٤٦، جه: ٢١٤٨].\nــ\nوقوله: (مالك ولمتجرك) بفتح الميم وسكون التاء وفتح الجيم، أي: تجارتك، أي: ما تصنع بمتجرك الذي كنت تفعله أن تترك، أي: لا تترك تجارتك التي كنت تفعلها، وكانت البركة فيها.\nوقوله: (إذا سبّب اللَّه) من التسبيب.\nوقوله: (حتى يتغير له، أو يتنكر) قال الطيبي (١): (أو) إما للشك أو للتنويع، والمراد بالتغيير حينئذ عدم الربح، وبالتنكير خسران رأس المال بسبب الحوادث، انتهى. والظاهر أن المراد أن لا يتيسر فيه أداء الحقوق وينسدَّ باب التوفيق، ففيه نهي عن التدبير من نفسه وحث على تركه كما هو شأن المتوكلين المفوضين أمورهم إلى تدبير اللَّه واختياره والمقيمين حيث أقامهم اللَّه، وقالوا: علامة إقامة الحق عبدَه في مقام أن يتيسر أداء الحقوق ويفتح باب التوفيق، سواء كان في التجريد أو في الأسباب، وتفصيل ذلك وتحقيقه في (كتاب التنوير في إسقاط التدبير) لابن عطاء اللَّه الإسكندري، وعليه مدار سلوك السادة الشاذلية قدس اللَّه تعالى أسرارهم، وقد نقلنا في بعض رسائلنا الفارسية منه ما يتضح به المقصود.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٢٩).","vol":"5","page":512},{"text":"٢٧٨٦ - [٢٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ لِأَبِي بَكْرٍ غُلَامٌ يُخَرِّجُ لَهُ الْخَرَاجَ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأْكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ: تَدْرِي مَا هَذَا؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ: كُنْتُ تَكَهَّنْتُ لإِنْسَانٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَا أُحسِنُ الكهَانةَ إِلَّا أَنِّي خَدَعْتُهُ، فَلَقِيَنِي فَأَعْطَانِي بِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَكَلْتَ مِنْهُ، قَالَتْ: فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ فَقَاءَ كُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٨٤٢].\n٢٧٨٧ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ جَسَدٌ غُذِيَ بِالْحَرَامِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [هب: ١١٥٩].\n٢٧٨٨ - [٣٠] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ: شَرِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَبَنًا وَأَعْجَبَهُ، وَقَالَ لِلَّذِي سَقَاهُ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا اللَّبَنُ؟ . . . . .\nــ\n٢٧٨٦ - [٢٨] (عائشة) قوله: (فقاء كل شيء في بطنه) لأنه حلوان الكاهن لا لمجرد الخداع، ولو لم يَخدع لكان أيضًا حرامًا.\n٢٧٨٧ - [٢٩] (أبو بكر) قوله: (لا يدخل الجنة جسد غذي بالحرام) من غَذَيته وغَذَوته، وأنكر الجوهري (١) الثاني، يقال: غذوت الصبي اللبن فاغتذى، أي؟ ربيته به، والتغذية أيضًا بمعنى التربية، والحديث وارد على التشديد والتغليظ.\n٢٧٨٨ - [٣٠] (زيد بن أسلم) قوله: (وعن زيد بن أسلم، أنه قال: شرب عمر ابن الخطاب) هذا الحديث ليس في أكثر النسخ (٢)،\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٢/ ١٤)، لم ينكر الثاني بل أنكر الأول، فقال: ولا يقال: غَذَيْتُهُ بالياء.\n(٢) وليس في النسخة الهندية أيضًا، وقَالَ السِّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ الْمُحَدِّثُ: اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَمْ يُوجَدْ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَكَانَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا مَكْتُوبًا فِي الْحَاشِيَةِ، وَالصَّوَابُ حَذْفُهُ. اهـ؛ =","vol":"5","page":513},{"text":"فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَاءٍ قَدْ سَمَّاهُ، فَإِذَا نَعَمٌ مِنْ نَعَمٌ الصَّدَقَةِ وَهُمْ يَسْقُونَ، فَحَلَبُوا لِي مِنْ أَلْبَانِهَا، فَجَعَلْتُهُ فِي سِقَائِي، وَهُو هَذَا، فَأَدْخَلَ عُمَرُ يَدَهُ فاسْتَقَاءَهُ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [هب: ٥٧٧١].\n٢٧٨٩ - [٣١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَنِ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَفِيهِ دِرْهَمٌ حَرَامٌ، لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ تَعَالَى لَهَ صَلَاةً مَا دَامَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَدْخَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَقَالَ: صُمَّتَا إِنْ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ -ﷺ- سَمِعْتُهُ يَقُولُهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". وَقَالَ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. [حم: ٢/ ٩٨، هب: ٦١١٤].\n* * *\nــ\nوكذا يفهم من الطيبي (١).\n٢٧٨٩ - [٣١] (ابن عمر) قوله: (لم يقبل اللَّه له صلاة) مع أنها مسقطة للقضاء.\nوقوله: (صمتا) بفتح الصاد وتشديد الميم، والصمم محركة: انسداد الأذن وثقل السمع، من صممت القارورة: سددتها، كذا قال الطيبي (٢)، وقد يروى: صُمّتا بضم الصاد.\nوقوله: (إن لم يكن النبي -ﷺ- سمعته يقوله) اسم كان: (النبي)، وخبره (سمعته)، و(يقول) حال، وفيه تأكيد وتقرير لسماعه منه -ﷺ-، وهو أبلغ من قوله: سمعت النبي -ﷺ- يقول ذلك، مع ما أفاده الدعاء على أذنيه من التأكيد والمبالغة.\n_________\n= لأَنَّهُ سَبَقَ بِعَيْنِهِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٩٠٦).\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٦/ ٣٠).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٣٠).","vol":"5","page":514},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-718>٢ - باب المساهلة في المعاملة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-719> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٧٩٠ - [١] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ وَإِذَا اشْتَرَى وَإِذَا اقْتَضَى\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٠٧٦].\n٢٧٩١ - [٢] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ رَجُلًا كَانَ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ أَتَاهُ الْمَلَكُ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ، فَقيل لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ؟ . . . . .\nــ\n٢ - باب المساهلة في المعاملة\nالسهل في الأصل الأرض اللينة ضد الحزن، ويطلق على كل شيء مائل إلى اللين، والمراد هنا المسامحة وعدم المضايقة في المعاملات.\nالفصل الأول\n٢٧٩٠ - [١] (جابر) قوله: (رجلًا سمحًا) أي: سهلًا، بفتح السين وسكون الميم على وزن صعب، صفة مشبهة، فيدل على الثبوت على هذه الشيمة، في (القاموس) (١): سمح، ككرم: جاد، كأسمح فهو سَمْحٌ.\nوقوله: (وإذا اقتضى) من التقاضي وهو طلب قضاء الحق كالدين ونحوه.\n٢٧٩١ - [٢] (حذيفة) قوله: (فقيل له) إن كان هذا السؤال في القبر عند تنازع ملائكة العذاب والرحمة فالتقدير: فقبض وأدخل القبر، وإن كان في القيامة فالتقدير: فقبض فبعثه اللَّه تعالى.\nوقوله: (هل عملت من خير) أي: مما ينفع الناس.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢١٨).","vol":"5","page":515},{"text":"قَالَ: مَا أَعْلَمُ. قِيلَ لَهُ: انْظُرْ، قَالَ: مَا أَعْلَمُ شَيْئًا غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا وَأُجُازِيهِمْ، فَأُنْظِرُ الْمُوسِرَ وَأَتَجَاوَزُ عَنِ الْمُعْسِرِ، فَأَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٥١، م: ١٥٦٠].\n٢٧٩٢ - [٣] وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَأَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ: \"فَقَالَ اللَّهُ: أَنَا أَحَقُّ بِذَا مِنْكَ، تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي\". [م: ١٥٦٠].\n٢٧٩٣ - [٤] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ،\nــ\nوقوله: (وأجازيهم) أي: أتقاضاهم، جازاه، وتجازى دينَه وبدينه: تقاضاه، والمتجازي: المتقاضي.\nوقوله: (فأنظر) بصيغة المتكلم من الإنظار بمعنى الإمهال.\nوقوله: (فأدخله اللَّه الجنة (١» بأن حكم ووعد ذلك، وجعل قبره روضة من رياض الجنة، وإن كان بعد البعث فهو على الحقيقة.\n٢٧٩٢ - [٣] (عقبة بن عامر وأبو مسعود الأنصاري) قوله: (أنا أحق بذا) أي: بالتجاوز، و(منك) خطاب للعبد، و(تجاوزوا) أمر للملائكة.\n٢٧٩٣ - [٤] (أبو قتادة) قوله: (وكثرة الحلف) بالفتح والكسر، وبالفتح والسكون، وارد على عادة أهل السوق في كثرة الحلف، فلا دلالة فيه على جواز قلة الحلف.\n_________\n(١) قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ فَضْلُ إِنْظَارِ الْمُعْسِرِ وَالْوَضْعِ عَنْهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا، وَفَضْلُ الْمُسَامَحَةِ فِي الاقْتِضَاءِ مِنَ الْمُوسِرِ، وَفِيهِ عَدَمُ احْتِقَارِ أَفْعَالِ الْخَيْرِ، فَلعَلَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِلسَّعَادَةِ وَالرَّحْمَةِ.\"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٩٠٨).","vol":"5","page":516},{"text":"فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ ثُمَّ يَمْحَقُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٠٧].\n٢٧٩٤ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٨٧، م: ١٦٠٦].\n٢٧٩٥ - [٦] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ\". قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانٌ وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٦].\nــ\nوقوله: (فإنه) أي: الحلف (ينفق) بالتشديد، أي: يروِّج السلعة في الحال، (ثم يمحق) أي: ينقص ويذهب بالبركة في المآل، فـ (ثم) على حقيقتها للتراخي زمانًا، إما في الدنيا أو في الآخرة، ويجوز أن يحمل على التراخي في الرتبة.\n٢٧٩٤ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (منفقة للسلعة) أي: موضع لنفاقها ورواجها ومظنة له في الحال، و(ممحقة) أي: موضع لنقصان البركة ومظنة له في المآل، وكلاهما على وزن مفعلة بفتح الميم والعين.\n٢٧٩٥ - [٦] (أبو ذر) قوله: (المسبل) أي: المرخي إزاره بل أثوابه مطلقًا تكبرًا واختيالًا، (والمنّان) من المنة بمعنى الاعتداد بالصنيعة، أو من المن بمعنى النقص من الى حق والخيانة، كما في قوله: ﴿لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم: ٣]، أي: غير منقوص، والثلاثة المذكورة تجتمع في التكبر، والترفع على الناس، والهضم من حقهم، فلذلك جمعت في الذكر.","vol":"5","page":517},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-720> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٧٩٦ - [٧] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ. [ت: ١٢٠٩، ٢٥٨١، دي: ٢٥٨١، قط: ٣/ ٧].\n٢٧٩٧ - [٨] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [جه: ٢١٥٥].\n٢٧٩٨ - [٩] وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي غَرَزَةَ قَالَ: كنَّا نُسَمَّى فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- السَّمَاسِرَةَ، فَمَرَّ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَسَمَّانَا بِاسْمِ هُوَ أَحسَنُ مِنْهُ، فَقَالَ: \"يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ! . . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n٢٧٩٦ - [٧] (أبو سعيد) قوله: (التاجر الصدوق الأمين) كلاهما من صيغ المبالغة، ففيه تنبيه على رعاية الكمال في هاتين الصفتين حتى ينال هذه الدرجة الرفيعة العظيمة.\n٢٧٩٨ - [٩] (قيس) قوله: (وعن قيسر بن أبي غرزة) بمعجمة فراء فزاي مفتوحات.\nوقوله: (كنا نسمّى) على صيغة المجهول المتكلم من التسمية، و(السماسرة) بفتح السين الأولى وكسر الثانية جمع سمسار بالكسر: المتوسط بين البائع والمشتري، ويطلق على معان أخر: مالك الشيء، وقيِّمه، والسفير بين المحبين، وسمسار الأرض العالم بها، والمراد هنا المعنى الأول.\nوقوله: (باسم هو أحسن منه، فقال: يا معشر التجار) إنما كان اسم التجار","vol":"5","page":518},{"text":"إِنَّ الْبَيْعَ يَحْضُرُهُ اللَّغْوُ وَالْحَلِفُ فَشُوبُوهُ بِالصَّدَقَةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٣٢٦، ن: ٣٧٩٧، ت: ١٢٠٨، جه: ٢١٤٥].\n٢٧٩٩ - [١٠] وَعَنْ عُبَيدِ بْنِ رفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"التُّجَّارُ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا إِلَّا مَنِ اتَّقَى وَبَرَّ وَصَدَقَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٢٠، جه: ٢١٤٥، دي: ٢/ ٢٤٧].\n٢٨٠٠ - [١١] وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" عَنِ الْبَرَاءِ. . . . .\nــ\nأحسن من السماسرة؛ لأن التجارة مذكورة في مواضع عديدة من القرآن في مقام المدح، وأيضًا الذي يتوسط بين البائع والمشتري يكون تابعًا وقد يكون مائلًا عن الأمانة والديانة، وتسميتهم تجارًا لكونهم داخلين فيهم مصاحبين لهم مع شمول التجار المتبايعين أيضًا، والأمر بشوب الصدقة يشملهم.\nوقوله: (إن البيع يحضره اللغو) اللغو واللغا: ما لا يعتدُّ به من كلام وغيره، ولغى في قوله، كسعى ودعا ورضي، [و] كلمة لاغية، أي: فاحشة، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (فشوبوه) أمر من الشوب بمعنى الخلط، أي: تصدقوا شيئًا ليكون كفارة لذلك، فإن اللغو والحلف يوجبان سخط الرب، والصدقة تطفئ غضبه.\n٢٧٩٩، ٢٨٠٠ - [١٠، ١١] (عبيد بن رفاعة) قوله: (وعن عبيد بن رفاعة) بكسر الراء.\nوقوله: (فجّار) جمع فاجر بمعنى الفاسق والعاصي، والفَجْر: الانبعاث في المعاصي، ومادته للشق والخروج.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٢٢).","vol":"5","page":519},{"text":"وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [هب: ٤٨٤٨].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-721>٣ - باب الخيار</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-722> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٨٠١ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا. . . . .\nــ\n٣ - باب الخيار\nهو اسم من الاختيار وهو طلب خير الأمرين، والخيار أنواع: خيار الشرط، وخيار العيب، وخيار الرؤية، وخيار التعيين، وقد علم أحكامها في الفقه مع اختلافٍ فيها بين العلماء، وهنا قسم آخر يسمى خيار المجلس، بمعنى أنه إذا تم العقد بحصول الإيجاب والقبول فلكل واحد من البائع والمشتري خيار ما لم يتغير المجلس دفعًا للضرر، حتى إنه ينبغي أن لا يستعجل أحدهما في القيام لقصد إبطال الخيار، كما يأتي في الحديث، وفيه خلاف، وهو ثابت عند الشافعي وأحمد رحمهما اللَّه، وعندنا لا يثبت خيار المجلس (١)، وتحقيقه في الحديث الآتي.\nالفصل الأول\n٢٨٠١ - [١] (ابن عمر) قوله: (ما لم يتفرقا) تمسك به من أثبت خيار المجلس، وحمل التفرق على التفرق بالأبدان، وهو الظاهر، وقد روى الدارقطني (٢): (حتى\n_________\n(١) وكذا عند المالكية. انظر: \"الكوكب الدري\" (٢/ ٢٩٧).\n(٢) \"سنن الدارقطني\" (٧/ ٢٨٧).","vol":"5","page":520},{"text":"إِلَّا بَيع الْخِيَارِ\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٠٧، ٢١١١، م: ١٥٣١].\nــ\nيتفرقا من مكانهما)، وقد فرق بعضهم بين التفرق والافتراق، فقال: التفرق بالأبدان، والافتراق بالكلام، يقال: فرقت بين الكلامين فافترقا، وفرقت بين الرجلين فتفرقا، وإن كان الحق أنهما سواء، وأيضًا إنما يسميان متبايعين بعد العقد.\nوذهب الذين لا يثبتون خيار المجلس أن المراد التفرق بالأقوال، وهو الفراغ من العقد، فيكون المعنى: ما لم يتم العقد، فلما تم العقد فلا خيار، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠]، فإن المراد تفرق الزوج والزوجة بالطلاق وهو بالقول، ومن المعلوم أن الزوج إذا طلق امرأته على مال فقبلت ذلك حصل التفرق بينهما بذلك، وإن لم يتفرقا بأبدانهما، والمراد بالمتبايعين المتساومان، وتعقب بأن ثبوت الخيار قبل تمام العقد ظاهر لا حاجة إلى بيانه، وحمل البيع على السوم مجاز، إلا أن يقال: المقصود الحكم المذكور في الغاية، وهذا المجاز شائع بتسمية الشيء باسم ما يَؤُول إليه أو يقرب منه، وقد وقع في الحديث: (لا يَبعْ أحدكم على بيع أخيه) (١)، أي: لا يَسُمْ على سومه.\nوقوله: (إلا بيع الخيار) ذكروا فيه وجوهًا:\nأحدها: أنه مستثنًى من مفهوم الغاية؛ لأن مفهومه أنهما إذا تفرقا سقط الخيار ولزم العقد إلا بيع الخيار، أي: بيع شرط فيه الخيار، فإن الخيار باق إلى أن يمضي الأجل، وهذا التوجيه جار على المذهبين.\nوثانيها: أنه مستثنى من أصل الحكم، والمضاف محذوف من قوله: (بيع الخيار)، أي: بيع إسقاط الخيار ونفيه، أي: الخيار ثابت إلا إذا شرط عدم الخيار.\n_________\n(١) \"مسلم\" (١٤١٢).","vol":"5","page":521},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: \"إِذَا تَبَايَعَ الْمُتَبَايِعَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مِنْ بَيْعِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَكُونَ بَيْعُهُمَا عَنْ خِيَارٍ، فَإِذَا كَانَ بيعُهما عَن خيارٍ فقد وَجَبَ\". [م: ٤٥].\nوَفَي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: \"الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا أَوْ يَخْتَارَا\". وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: \"أَوْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ\" بَدَلَ \"أَوْ يَخْتَارَا\". [ت: ١٢٤٥].\n٢٨٠٢ - [٢] وَعَن حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُوِرَكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكةُ بَيْعِهِمَا\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٧٩، م: ١٥٣٢].\nــ\nوثالثها: أن معناه: إلا بيعًا يقول أحد المتبايعين للآخر: اختر، فيقول: اخترت، فإنه يسقط الخيار وإن لم يتفرقا، وهذان الوجهان إنما يناسبان المذهب الأول، فافهم.\nوقوله: (أو يكون بيعهما عن خيار) روي بالنصب بجعل (أو) بمعنى إلا أن، وبالرفع بحملها على معناها الأصلي، وهذا القول في مكان قوله: (إلا بيع الخيار) في الرواية السابقة، وهو يحتمل الوجهين الأخيرين من الوجوه الثلاثة المذكورة فيه، لا الوجه الأول؛ لابتناء قوله: (فإذا كان بيعهما عن خيار فقد وجب) لأنه على تقدير خيار الشرط يجب البيع.\nوقوله: (أو يختارا) في رواية للترمذي وكذا في المتفق عليه: (أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر) لا يحتمل إلا الوجه الثالث؛ لأن حملهما على خيار الشرط، ونفي الخيار بعيد جدًا خصوصًا الأخيرة.\n٢٨٠٢ - [٢] (حكيم بن حزام) قوله: (فإن صدقا وبيّنا) أي: صدق البائع، وبيَّن","vol":"5","page":522},{"text":"٢٨٠٣ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: إِنِّي أُخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ، فَقَالَ: \"إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ\" فَكَانَ الرَّجُلُ يَقُولُهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١١٧، ٢٤٠٧، م: ١٥٣٣].\nــ\nصفة المبيع وما فيه من عيب ونقص، والمشتري في عوضه، حتى يختار كل منهما لنفسه البيع والشراء.\n٢٨٠٣ - [٣] (ابن عمر) قوله: (إذا بايعت فقل: لا خلابة) الخلابة بالكسر: الخداع، خلبه خلبًا وخلابًا وخلابة بكسرهما: خدعه، كاختلبه وخالبه، ثم اختلفوا في المقصود من هذا القول:\nفقيل: أمره رسول اللَّه -ﷺ- أن يقول هذا القول عند البيع لينبه صاحبه على أنه ليس من أهل البصيرة في البيع، فيمتنع عن مظان الغبن، ويرى له ما يرى لنفسه، وكان الناس في ذلك الزمان ناظرين لإخوانهم كما ينظرون لأنفسهم، لا سيما عند التنبيه والتفويض.\nوقيل: أمره بشرط الخيار والتصدير بهذه الكلمة لبيان الباعث على الاشتراط، وقد روي: (قل: لا خلابة واشترط الخيار ثلاثة أيام).\nوقيل: المقصود الرد عند ظهور الغبن، وللعلماء اختلاف في الرد بالغبن وإن لم يفسد البيع وهو قول كثرهم، وقال مالك: إذا لم يكن المشتري ذا بصيرة فله الخيار (١)، [وأنه] إذا ذكرت هذه الكلمة ثم ظهر الغبن كان له الخيار، وقال أبو ثور: إذا كان الغبن فاحشًا لا يتغابن الناس بمثله فسد البيع، والحق أن الحديث عارٍ عن\n_________\n(١) وَقَالَ أَحْمَدُ: مَنْ قَالَ ذَلِكَ فِي بَيْعِهِ كَانَ لَهُ الرَّدُّ إِذَا غُبِنَ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا رَدَّ لَهُ مُطْلَقًا. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٩١٣).","vol":"5","page":523},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-723> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٨٠٤ - [٤] عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ١٢٣٧، د: ٣٤٥٦، ن: ٤٤٨٣].\n٢٨٠٥ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَتَفَرَّقَنَّ اثْنَانِ إِلَّا عَنْ تَرَاضٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٤٥٨].\nــ\nالدلالة على أن الغبن يفسد البيع أو يثبت الخيار؛ لأنه لو أفسد البيع أو أثبت الخيار لنبّه رسول اللَّه -ﷺ- ولم يأمره بالشرط.\nقال الطيبي (١): الوجه هو الأول، ويوافقه قوله في الحديث السابق: (فإن صدقا وبيّنا. . . إلخ).\nالفصل الثاني\n٢٨٠٤ - [٤] (عمرو بن شعيب) قوله: (ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله) علة للمفارقة المنفية، يعني: ينبغي لكل واحد أن يتوقف في المجلس ولا يستعجل في القيام نظرًا لصاحبه لعله يقيل البيع، وهذا القول لصاحبه يدل على ثبوت خيار المجلس، إلا أن يقال: ذلك ليطلع على عيب فيقيل.\n٢٨٠٥ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (إلا عن تراضٍ) أي: إلا تفرقًا صادرًا عن تراضٍ، وهذا مثل قوله: (ولا يحل له أن يفارق صاحبه).\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٤٠).","vol":"5","page":524},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-724> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٨٠٦ - [٦] عَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خيَّرَ أعرابيًّا بَعْدَ الْبَيْعِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٢٤٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-725>٤ - باب الربا</span>\nــ\nالفصل الثالث\n٢٨٠٦ - [٦] (جابر) قوله: (خير أعرابيًا بعد البيع) هذا ربما يدل على عدم خيار المجلس كما هو مذهبنا؛ لأنه لو كان الخيار ثابتًا لم يكن للتخيير معنى، كذا قيل، إلا أن يكون المراد: أثبت له الخيار وقرره، أو يكون هذا اشتراطًا لخيار المجلس، ويحتمل أن الأعرابي ادعى الغبن أو ندم من البيع فخيره، ولكن يكون برضا صاحبه، واللَّه أعلم.\n٤ - باب الربا (١)\nهو مقصور، وأصله الزيادة، والمادة حيث تصرَّفت لذلك قال اللَّه تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: ٥]، أي: علت وارتفعت، وقال اللَّه تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢]، أي: أكثر وأزيد عددًا، وقال سبحانه: ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، أي: بمكان عال مرتفع، وقال اللَّه تعالى:\n_________\n(١) قال الإمام أبو حنيفة ومحمد لرواية: \"لا ربا بين الحربي والمسلم\": إن الربا لا يتحقق في دار الحرب إلا في المسلم الأصلي. وقال غيرهما: الربا عام في دار الحرب والإسلام. كذا في \"التقرير\".","vol":"5","page":525},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-726> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٨٠٧ - [١] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- آكِلَ الرِّبَا وَمُوْكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: \"هُمْ سَوَاءٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٩٨].\n٢٨٠٨ - [٢] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَواءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الأَصْنَافُ. . . . .\nــ\n﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [الروم: ٣٩]، وهو من ربا يربو، وهو يكتب بالألف لكونه مقصورًا، وبالياء لكسرة أوله، وكتبوه في المصحف بالواو.\nالفصل الأول\n٢٨٠٧ - [١] (جابر) قوله: (آكل الربا) أي: آخذه، (ومؤكله) أي: معطيه، (وكاتبه وشاهديه) للإعانة على الحرام، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].\nوقوله: (هم سواء) إما أن يراد المساواة في أصل الإثم وإن كان يتفاوت، أو في المقدار أيضًا، واللَّه أعلم.\n٢٨٠٨ - [٢] (عبادة بن الصامت) قوله: (مثلًا بمثل) أي: في المقدار، و(سواء بسواء) تأكيد له، وهذا الحديث هو الأصل في باب الربا، فإنه -ﷺ- ذكر الأشياء الستة، وترك ما سواها على القياس، فقاس المجتهدون، واستنبطوا العلة، خلافًا للظاهرية، فإنهم لا يجرون الربا فيما سواها، فعندنا القدر والجنس، وكذا في القول الأشهر عن أحمد، وعند الشافعي الطعم والثَّمَنية، وعند مالك الطعم والادّخار، وقد عرف تفصيل","vol":"5","page":526},{"text":"فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٨٧].\n٢٨٠٩ - [٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى، الآخِذُ وَالْمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٨٤].\n٢٨١٠ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلَا تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلَا تبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٧٧، م: ١٥٨٤].\nــ\nذلك والمسائل المتفرعة عليه في كتب الفقه.\nوقوله: (فبيعوا كيف شئتم) أي: متساويًا أو متفاضلًا.\nوقوله: (إذا كان يدًا بيدٍ) احتراز عن النسيئة، فإنه لا يجوز وإن اختلف الجنس.\n٢٨٠٩ - [٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فقد أربى) أي: أتى بالربا.\n٢٨١٠ - [٤] (وعنه) قوله: (ولا تشفوا) بضم التاء وكسر الشين وتشديد الفاء، من الشف بالكسر: الزيادة، ويجيء بمعنى النقصان أيضًا، والأول يتعدى بـ (على) والثاني بـ (عن)، والضمير في (بعضها) للذهب، وهو قد يؤنث.\nوقوله: (ولا تبيعوا الورق) في (القاموس) (١): الورق، مثلثة، وككتف وجبل: الدراهم المضروبة، والمراد بالناجز: الحاضر والنقد، من إنجاز الوعد، وهو احتراز\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٥٥).","vol":"5","page":527},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: \"لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ\". [م: ١٥٨٤].\n٢٨١١ - [٥] وَعَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمثْلٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٩٢].\n٢٨١٢ - [٦] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْوَرِقُ بِالْوَرِقِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالْبُرُّ بالبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيْرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا [إلا] هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٣٤، ٢١٧٤، م: ١٥٨٦].\nــ\nعن النسيئة.\nوقوله: (إلا ورنًا بوزن) أي: مثلًا بمثل.\n٢٨١١ - [٥] (معمر بن عبد اللَّه) قوله: (الطعام بالطعام مثلًا بمثل) خص الطعام في هذا الحديث بالذكر لِمَا اقتضاه من المقام، وليس مخصوصًا كما جاء في حديث آخر من ذكر الأشياء الستة.\n٢٨١٢ - [٦] (عمر) قوله: (إلا هَاءَ وهاءَ) هاء صوت بمعنى خذ، أي: كل واحد من متولي عقد الصرف يقول لصاحبه: خذ، فيتقابضان قبل التفرق عن المجلس، فهو حالٌ بتقدير القول، تقديره: إلا مقولًا عنده من المتبايعين هاء وهاء، أي: إلا حال التقابض، قال في (المشارق) (١): (إلا هاء وهاء) كذا قيدناه عن متقني شيوخنا، وكذا يقوله أكثر أهل العربية، وأكثر شيوخ أهل الحديث يروونه: (ها وها) مقصورين\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٤٤٧).","vol":"5","page":528},{"text":"٢٨١٣ - [٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ: \"أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ \" قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا لَنأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثِ، فَقَالَ: \"لَا تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِم، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِم جَنِيبًا\". . . . .\nــ\nغير مهموزين، وكثير من أهل العربية ينكرونه ويأبون إلا المد، وقد حكى بعضهم القصر وأجازه.\nواختلف في معنى الكلمة، فقيل: معناها: هاك، فابدلت الكاف همزة، وألقيت حركتها عليها عند من مدّ، أو ها عند من قصر، أي: خذ، كأن كل واحد منهما يقول ذلك لصاحبه: أي: خذ، وقيل: معناه: هاك وهات، أي: خذ وأعط.\nقال صاحب (العين): هي كلمة تستعمل عند المناولة، ويقال للمؤنث على هذا: (هاءِ) بالكسر، كما تقول: (هاكِ)، وفيه لغة ثالثة: (ها) مقصور غير مهموز، مثل خَفْ، وللأنثى هائي، أي: كانها صرِّفت تصريف فعلٍ معتلِّ العين مثل خاف، ولغة رابعة: (هاءِ) بالكسر للذكر والأنثى، إلا أنك تزيد للأنثى ياء فتقول: (هائي) مثل هات وهاتي للمؤنث، كأنها صرِّفت تصريف فعل معتل اللام مثل راعي، ولغة خامسة تقول: (هاك) ممدود بعده كاف وتكسرها للمؤنث.\n٢٨١٣ - [٧] (أبو سعيد، وأبو هريرة) قوله: (بتمر جنيب) بفتح الجيم، في (القاموس) (١): الجنيب: تمر جيد، و(الجمع) الدقل، أو صنف من التمر، أو تمر مختلط من أنواع متفرقة رديئة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٨).","vol":"5","page":529},{"text":"وَقَالَ فِي الْمِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٠١، م: ١٥٩٣].\n٢٨١٤ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَ بِلَالٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"مِنْ أَيْنَ هَذَا؟ \" قَالَ: كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيءٌ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، فَقَالَ: \"أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ، فَبِعِ التَّمْرَ ببَيْعٍ آخَرَ ثمَّ اشْتَرِ بِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣١٢، م: ١٥٩٤].\nــ\nوقوله: (وقال في الميزان مثل ذلك) روي (مثل) مرفوعًا مبتدأ، و(في الميزان) خبره، والجملة مقول (قال)، ومنصوبًا مفعول (قال)، أي: قال في الميزان قولًا مثل ما قال في الصاع، يعني: إذا أراد رطلًا برطلين يبيع الرطلين ثم يشتري بثمنه الرطل.\n٢٨١٤ - [٨] (أبو سعيد) قوله: (بتمر برني) بفتح الباء بصيغة النسبة اللفظية ككرسي: تمر معروف، معوب برنيك، أي: الحِمْلُ الجَيِّدُ، كذا في (القاموس) (١).\nو(أَوَّهْ) كلمة تقال عند الشكاية والتوجع، ساكنة الواو مكسورة الهاء، وقد تقلب الواو ألفًا، وقد تشدد وتكسر وتفتح وتسكن الهاء، وقد تحذف الهاء، كذا في (مختصر النهاية (٢» للسيوطي.\nوفي (القاموس) (٣): أوْه، كجَيرِ وحيثُ وأينَ، وآهِ، وأوِّهِ بكسر الهاء والواو المشددة، وأوِّ، بحذف الهاء، وأوَّهْ بفتح الواو المشددة، وآوُوهُ بضم الواو، وآهٍ بكسر\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٨٧).\n(٢) \"الدر النثير\" (١/ ٤٩).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٤٤).","vol":"5","page":530},{"text":"٢٨١٥ - [٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ عَبْدٌ فَبَايَعَ النَّبِيَّ -ﷺ- عَلَى الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَشْعُرْ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"بِعْنِيهِ\" فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، وَلَمْ يُبَايعْ أَحَدًا بَعْدَهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ أَعَبْدٌ هُوَ أَوْ حُرٌّ؟ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٠٢].\n٢٨١٦ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ لَا يُعْلَمُ مَكِيلَتُهَا. . . . .\nــ\nالهاء منوَّنةً، وآوٍ بكسر الواو منوّنة وغير منوّنة، وأوَّتاهُ، بفتح الهمزة والواو والمثناة الفوقية، وآوِيَّاهُ، بتشديد المثناة التحتية: كلمةٌ تقال عند الشكاية أو التَّوجُّعِ، آهَ أوْهًا، وأوَّهَ تأوِيهًا. وتأوَّهَ: قالها.\n٢٨١٥ - [٩] (جابر) قوله: (فاشتراه بعبدين) ومن هذا حَكم أهل العلم بجواز بيع حيوان بحيوانين نقدًا، سواء كان الجنس واحدًا أو مختلفين، وأما نسيئةً فمنعه جماعة من أصحاب النبي -ﷺ- وهو قول عطاء بن أبي رباح وأصحاب أبي حنيفة؛ لما روي أنه -ﷺ- نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، كذا قال الطيبي (١).\nوقوله: (أَوْ حُرٌّ) في بعض النسخ: (أَمْ حُرٌّ).\n٢٨١٦ - [١٠] (وعنه) قوله: (عن بيع الصبرة) وهي بالضم: ما جمع من الطعام بلا كيل ووزن، كذا في (القاموس) (٢).\nوقوله: (لا يعلم مكيلتها) أي: مقدار كيلها، في (القاموس) (٣): الكيل والمكيال\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٥١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٩٣).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٧٣).","vol":"5","page":531},{"text":"بِالْكَيْلِ الْمُسَمَّى مِنَ التَّمْرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٣٠].\n٢٨١٧ - [١١] وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: اشْتَرَيْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ قِلَادَةً بِاثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، فَفَصَّلْتُهَا فَوَجَدْتُ فِيهَا أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ دِينَارًا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: \"لَا تُبَاعُ حَتَّى تُفصَّلَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٩١].\nــ\nوالمكيلة: ما كيل به، وهذا كالصفة الكاشفة للصبرة على ما ذكر في (القاموس)، وإن كانت الصبرة بمعنى الطعام المجتمع كالكومة -كما يفهم من عبارة (النهاية) (١) - فهي قيدٌ للصبرة.\nوقوله: (بالكيل المسمى) أي: المعلوم، يعني: لا يجوز بيع المال الربوي بجنسه جزافًا لاحتمال الربا.\n٢٨١٧ - [١١] (فضالة بن أبي عبيد) (٢) قوله: (ففصلتها) صحح بالتشديد، أي: ميزت الخرز عن الذهب، وكذا قوله: (حتى تفصل) أي: تميز، وقد يروى: (حتى تميز)، أراد التمييز بين الخرز والذهب في العقد، ولا حاجة إلى تمييز عين المبيع بعضه عن بعض.\n_________\n(١) انظر: \"النهاية\" (٣/ ٩).\n(٢) هو فضالة بن عبيد بغير أداة الكنية كما في \"المرقاة\"، والحديث أخرجه مسلم (١٥٩١)، وأبو داود (٣٣٥٣)، والترمذي (١٢٥٥)، والنسائي (٤٥٧٣)، وأحمد في \"مسنده\" (٦/ ٢١)، عن فضالة بن عبيد بدون أداة الكنية، فما وقع في نسخة \"المشكاة\" بزيادة أداة الكنية خطأ. واللَّه أعلم بالصواب.","vol":"5","page":532},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-727> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٨١٨ - [١٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا آكِلُ الرِّبَا، فَإِنْ لَمْ يَأْكُلْهُ أَصَابَهُ مِنْ بُخَارِهِ\". وَيُرْوَى \"مِنْ غُبَارِهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٤٩٤، د: ٣٣٣١، ن: ٤٤٥٥، جه: ٢٢٧٨].\n٢٨١٩ - [١٣] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ، وَلَا الْبُرَّ بِالْبُرِّ، وَلَا الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ، وَلَا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ، وَلَا الْمِلْحَ بِالْمِلْح، إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ، عَيْنًا بِعَيْنٍ، يَدًا بِيَدٍ، وَلَكِنْ بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ، وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ، وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ، وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ، وَالتَّمْرَ بِالْمِلْحِ، وَالْمِلْحَ بِالتَّمْرِ، يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْتُمْ\". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. [مسند الشافعي: ٢/ ١٢٢].\nــ\nالفصل الثاني\n٢٨١٨ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (إلا آكل الربا) بصيغة اسم الفاعل والرفع في جميع النسخ، وإن احتمل أن يكون بلفظ الماضي والنصب، وهو محمول على عموم المجاز، والمراد بـ (بخاره) أثره، وذلك بأن يكون موكَّلًا أو شاهدًا أو كاتبًا أو ساعيًا، ونحو ذلك.\n٢٨١٩ - [١٣] (عبادة بن الصامت) قوله: (يدًا بيدٍ) تأكيد لقوله: (عينًا بعينٍ)، والمراد بقوله: (كيف شئتم) أي: متساويًا أو متفاضلًا.","vol":"5","page":533},{"text":"٢٨٢٠ - [١٤] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سُئِلَ عَنْ شِرَاءَ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ، فَقَالَ: \"أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ \" فَقَالَ: نَعَمْ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ط: ١٢٩٣، ت: ١٢٢٥، د: ٣٣٥٩، ن: ٤٥٤٥، جه: ٢٢٦٤].\n٢٨٢١ - [١٥] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ مُرْسَلًا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ، قَالَ سَعِيدٌ: . . . . .\nــ\n٢٨٢٠ - [١٤] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (أينقص الرطب إذا يبس؟) الاستفهام للتقرير، والمقصد التنبيه على عدم تحقق المماثلة حال اليبوسة، وإليه ذهب أكثر العلماء والشافعي وأبو يوسف ومحمد ﵏، وأما أبو حنيفة ﵀ فقد أجاز بيع الرطب بالتمر مثلًا بمثلٍ؛ لأن الرطب تمر، لكن الرطوبة واليبوسة بمنزلة وصف الجودة والرداءة، وقد ثبت أن جيدها ورديئها سواء، ولقوله -ﷺ- حين أهدي إليه رطب: (أو كل تمر خيبر هكذا؟) وبيع التمر بمثله جائز، ولأنه لو كان تمرًا جاز البيع بأول الحديث، وإن كان غير تمر فبآخره، وهو قوله -ﷺ-: (وإذا اختلف النوعان فبيعوا كيف شئتم)، ومدار ما روي على زيد بن عياش، وهو ضعيف عند النَّقَلة، كذا ذكر في (الهداية) (١)، ثم ما ذكر من عدم بيع الرطب بالتمر عند الأئمة إنما هو في غير العرايا، وسيجيء الكلام فيه.\n٢٨٢١ - [١٥] (سعيد بن المسيب) قوله: (نهى عن بيع اللحم بالحيوان) وبظاهره أخذ الشافعي ﵀ فقال: لا يجوز بيع اللحم بالحيوان، سواء كان ذلك اللحم من جنس ذلك الحيوان أو من غير جنسه، وقال محمد ﵀: إذا باعه بلحم من\n_________\n(١) \"الهداية\" (٣/ ٦٤).","vol":"5","page":534},{"text":"كَانَ مِنْ مَيْسِرِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ. رَوَاهُ فِي \"شَرْح السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١/ ٥١١].\n٢٨٢٢ - [١٦] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نسَيئَةً. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٢٣٧، د: ٣٣٥٦، ن: ٦٤٢٠، جه: ٢٢٧٠، دي: ٢/ ٢٥٤].\nــ\nجنسه لا يجوز إلا إذا كان اللحم المُفْرَز أكثر؛ ليكون اللحم بمقابلة ما فيه من اللحم والباقي بمقابلة السقط؛ إذ لو لم يكن كذلك يتحقق الربا من حيث زيادة السقط، أو من حيث زيادة اللحم كالخل بالسمسم، وجاز عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وكذا عند أحمد في المختار، والدليل لهم أنه باع الموزون بما ليس بموزون؛ لأن الحيوان لا يوزن عادة، ولا يمكن معرفة ثقله بالوزن لأنه يخفف نفسه مرة ويثقل أخرى، بخلاف تلك المسألة؛ لأن الوزن في الحال يعرف قدر الدهن إذا ميّز بينه وبين الثجير، كذا في (الهداية) (١).\nوقوله: (كان من ميسر أهل الجاهلية) الميسر بكسر السين: اللعب بالقداح، أو هو النرد، أو كل قمار، وبفتح السين: [موضع، ونَبْتٌ]، كذا في (القاموس) (٢)، والميسر إما مشتق من اليُسر؛ لأنه يحصل به المال بيسر وسهولة، أو من اليسار لأنه سبب يسار.\n٢٨٢٢ - [١٦] (سمرة بن جندب) قوله: (نسيئة) بكسر النون وفتحها مع سكون السين، وقد يفتح النون وبكسر السين بعدها ياء وبعدها همزة، وقد منعه جماعة من الصحابة، ورخص فيه آخرون، ودليلهم حديث عبد اللَّه بن عمرو التالي لهذا الحديث.\n_________\n(١) \"الهداية\" (٣/ ٦٣ - ٦٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٦٤).","vol":"5","page":535},{"text":"٢٨٢٣ - [١٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَمَرَهُ أَن يُجهِّزَ جَيشًا، فَنَفِدَتِ الإِبِلُ، فَأَمَرَهُ أَن يَأْخُذَ عَلَى قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ، فَكَانَ يَأْخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٣٥٧].\nــ\n٢٨٢٣ - [١٧] (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص) قوله: (أن يأخذ) أي: يشتري، والقلوص: الناقة الشابة، والجمع: قِلاص وقُلُص، وقلائص جمع الجمع (١)، ولعل المراد هنا الإبل كما يظهر من قوله: (إلى إبل الصدقة) أو لأنه تؤخذ في الصدقات البنات بنت مخاض وبنت لبون وغيرهما، فهذا الحديث يدل على بيع حيوان بحيوان نسيئة، ومنعه أصحاب أبي حنيفة ﵏ لحديث النهي، وعند الشافعي ﵀ يجوز إذا كانت النسيئة من أحد الطرفين كما في هذا الحديث، والنهي فيما إذا كانت النسيئة من الطرفين، كذا نقل عن الخطابي (٢).\nثم استُشكل الحديث بأن فيه عدم توقيت الأجل، ويمكن أن يجاب بأنه لعل وقت إتيان إبل الصدقة كان معلومًا إذ ذاك، أو كان ذلك منسوخًا، وقال التُّوربِشْتِي (٣): في إسناد حديث عبد اللَّه بن عمرو مقال، فإن ثبت فوجه التوفيق بينه وبين حديث سمرة الذي تقدم في الكتاب (أن رسول اللَّه -ﷺ- نهى عن بيع الحيوان بالحيوانين) أن يقال: يُشْبه أن يحمل الأمر فيه على أنه كان قبل تحريم الربا، فنسخ بعد ذلك، ومما يوجب القول بذلك أن حديث سمرة أثبت وأقوى، وأثبته أحمد ولم يثبت حديث عبد اللَّه ابن عمرو، ثم فيه أنه نهي، والنهي عن الفعل دال على أنه كان يتعاطى قبل النهي،\n_________\n(١) ذكر في \"القاموس\": الجمع قلائص وقلص، وجمع الجمع قلاص.\n(٢) انظر: \"معالم السنن\" (٣/ ٧٤ - ٧٥).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٦٧١).","vol":"5","page":536},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-728> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٨٢٤ - [١٨] عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ\". وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: \"لَا رِبًا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣١٢، م: ١٥٩٤].\n٢٨٢٥ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ غَسِيلِ الْمَلَائِكَةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"دِرْهَمُ رِبًا يَأْكُلُهُ الرَّجُلُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَشَدُّ مِنْ سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ زِنْيَةً\". رَوَاهُ أَحْمَدُ والدّارَقُطْنِيُّ. [حم: ٥/ ٢٢٥، قط: ٣/ ١٦].\nوَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَزَادَ: وَقَالَ: \"مَنْ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنَ السُّحت فَالنَّار أولى بِهِ\". [هب: ٥٢٧٧].\nــ\nانتهى، واللَّه أعلم.\nالفصل الثالث\n٢٨٢٤ - [١٨] (أسامة بن زيد) قوله: (الربا في النسيئة) يعني: يتحقق فيه، وإن كان مع اختلاف الجنسين وإن كان مع التساوي.\nوقوله: (لا ربا فيما كان يدًا بيدٍ) أي: مع التساوي في المتفق الجنسين، ومع التفاضل أيضًا في المختلفين، فافهم.\n٢٨٢٥ - [١٩] (عبد اللَّه بن حنظلة) قوله: (من ستة وثلاثين زنية) قيل: توجيهه أن آكل الربا يحارب اللَّه ورسوله كما وقع في التنزيل، يعني: والمحاربة مع اللَّه أشدّ من الزنا، هذا وأما السر في هذا العدد المخصوص فموكول إلى علم الشارع كما في باقي أمثاله.","vol":"5","page":537},{"text":"٢٨٢٦ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الرِّبَا سَبْعُونَ جُزْءًا أَيْسَرُهَا أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ\".\n٢٨٢٧ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ مسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ فإِنَّ عَاقِبَتَهُ تَصِيرُ إِلَى قُلِّ\". رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". وَرَوَى أَحْمَدُ الأَخِيرَ. [جه: ٢٢٧٤، هب: ٥٥٢٠، حم: ١/ ٣٩٥].\n٢٨٢٨ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَتَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ بُطُونُهُمْ كَالْبُيُوتِ، فِيهَا الْحَيَّاتُ تُرَى مِنْ خَارِجِ بُطُونِهِمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ أَكَلَةُ الرِّبَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٣٥٣، جه: ٢٧٣].\n٢٨٢٩ - [٢٣] وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوْكلَهُ وَكَاتِبَهُ وَمَانِعَ الصَّدَقَةِ، وَكَانَ يَنْهَى عَنِ النَّوحِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٥١٠٣].\nــ\n٢٨٢٦ - [٢٠] (أبو هريرة) قوله: (الربا سبعون جزءًا) أي: إثمه، و(ينكح) أي: يطأ، وفي هذا من التشديد كما لا يخفى.\n٢٨٢٧ - [٢١] (ابن مسعود) قوله: (تصير إلى قُلٍّ) بضم القاف بمعنى القلة؛ كالذُّل والذِّلة.\n٢٨٢٨ - [٢٢] (أبو هريرة) قوله: (أتيت) بصيغة المعلوم، وصحح في بعض النسخ بالمجهول، ولا يظهر له وجه، فتدبر.\n٢٨٢٩ - [٢٣] (علي) قوله: (وكان ينهى عن النوح) غيَّر أسلوب الكلام ولم يقل: والنائحة، إما لأنه ليس في الإثم في مرتبة الربا ومنع الصدقة، بل النهي وارد","vol":"5","page":538},{"text":"٢٨٣٠ - [٢٤] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: إِنَّ آخِرَ مَا نَزَلَتْ آيَةُ الرِّبَا، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قُبِضَ وَلَمْ يُفَسِّرْهَا لَنَا، فَدَعُوا الرِّبَا وَالرِّيبَةَ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ الدَّارِميُّ. [جه: ٢٢٧٦، دي: ١/ ٦٤].\n٢٨٣١ - [٢٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أَقْرَضَ أَحَدُكُمْ قَرْضًا، فَأَهْدَى إِلَيْهِ،\nــ\nفيه، وليس ارتكاب كلِّ منهي عنه موجبًا لِلَعن فاعله، إذ ربما كان للتنزيه، ولو كان للتحريم أيضًا فالمحرمات لها مراتب، بعضها أشد من بعض، وإما لإرادة أنه كان يستمر على النهي عنه ويدوم عليه تأكيدًا ومبالغة ولوقوعه في الأوقات، فيكون اللعن عليه أشد وأكثر، واللَّه أعلم.\n٢٨٣٠ - [٢٤] (عمر بن الخطاب) قوله: (آخر ما نزلت آية الربا) يعني: هي ثابتة غير منسوخة، لكن رسول اللَّه -ﷺ- قبض ولم يفسرها بحيث نحيط بجميع جزئياتها وموادها، بل بيَّنها في الأشياء وترك ما سواها على القياس والاجتهاد، فينبغي لكم أن تَدَعُوا الربا الصريح وما يَشتبِه الأمر فيه تورعًا واحتياطًا، هذا ما يفهم من ظاهر سوق العبارة، واللَّه أعلم.\nوقال الطيبي (١): يعني أن هذه الآية ثابتة غير منسوخة، صريحة غير مشتبِهة، فلذلك لم يفسرها النبي -ﷺ-، فأجروها على ما هي عليه ولا ترتابوا فيها، واتركوا الحيلة في حِل الربا، وهو المراد بقوله: (فدعوا الربا والريبة)، انتهى.\n٢٨٣١ - [٢٥] (أنس) قوله: (قرضًا) إما مفعول مطلق من باب أنبت نباتًا، أو مفعول به والمراد به المقروض، والضمير في (فأهدى) راجع إلى (أحد) المقدر مفعولًا\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٥٨).","vol":"5","page":539},{"text":"أَوْ حَمَلَهُ عَلَى الدَّابَّةِ، فَلَا يَرْكَبْهُ وَلَا يَقْبَلْهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَبْلَ ذَلِكَ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [جه: ٢٤٣٢].\n٢٨٣٢ - [٢٦] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا أَقْرَضَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَلَا يَأْخُذُ هَدِيَّةً\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي \"تَارِيخِهِ\"، هَكَذَا فِي \"الْمُنْتَقى\" (١).\n٢٨٣٣ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ، فَقَالَ: إِنَّك بِأَرْضٍ فِيهَا الرِّبَا فَاشٍ، إِذا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَأَهْدَى إِلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ أَو حِمْلَ شَعِيرٍ. . . . .\nــ\nلـ (أقرض)، وكذا في (حمله)، والمجرور في (إليه) والمنصوب في (حمله) لـ (أحدكم).\nوقوله: (فلا يركبه) جواب (إذا) وهو في جميع النسخ بتذكير الضمير بتأويل الدابة بالمركوب، ولعل التاء في (دابة) للنقل لا للتأنيث، والضمير في (لا يقبلها) للهدية المفهوم من (أهدى).\n٢٨٣٢ - [٢٦] (وعنه) قوله: (إذا أقرض الرجل الرجل) هكذا في بعض النسخ بذكر الفاعل والمفعول معًا، وفي بعضها: (إذا أقرض أحدكم) بحذف المفعول كما في الحديث السابق.\n٢٨٣٣ - [٢٧] (أبو بردة بن أبي موسى) قوله: (حمل تبن) الحمل بالكسر: ما يحمل على ظهر أو رأس، والحمل بالفتح: ما كان في بطن أو على شجرة، كذا\n_________\n(١) لم نجد هذه الرواية في تاريخ البخاري ولا في الأصول الأخرى، بل عزاه في \"المنتقى\" إلى تاريخ البخاري. انظر: \"نيل الأوطار\" (٢٢٩٧).","vol":"5","page":540},{"text":"أَو حَبَلَ قَتٍّ فَلَا تَأْخُذْهُ فَإِنَّهُ رِبًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٦٠٣].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-729>٥ - باب المنهي عنها من البيوع</span>\nــ\nفي (الصحاح (١»، والتبن بالكسر: عصيفة الزرع من بُرٍّ أو نحوه.\nوقوله: (أو حبل قت) الحبل بالتحريك مصدر يسمى به المحبول، وقيل: مشدود بالحبل، والقتُّ بفتح القاف وتشديد التاء: الفصفصة اليابسة التي تأكلها الدواب، كذا في (المشارق) (٢)، وفي (القاموس) (٣): الفصفصة، أو يابسه.\nوقال الطيبي (٤): القَتُّ الرطبة من علف الدواب، وفي الحواشي: يقال لها بمكة: برسوم، ويقال: إنه الأَبّ الذي وقع في القرآن (٥)، واللَّه أعلم.\nهذا وفي بعض النسخ: (حمل قت) بالميم، ونحن ما وجدنا في الشروح إلا كذلك، واللَّه أعلم.\nوفي الحديث مبالغة في الامتناع عن قبول الهدية من المستقرض.\n٥ - باب المنهي عنها من البيوع\nوفي بعض النسخ: (المنهي عنه)، اعلم أن النهي عن البيع قد يكون للحرمة كالبيع\n_________\n(١) \"الصحاح\" (١/ ١٤٧).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٨٦).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٥٨).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٥٩).\n(٥) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: ٣١].","vol":"5","page":541},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-730> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٨٣٤ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْمُزَابَنَةِ: . . . . .\nــ\nالفاسد، بمنزلة الصلاة التي فُقد من أركانها أو شرائطها شيء، وقد يكون للكراهة كالبيع عند أذان الجمعة، بمنزلة الصلاة في الأرض المغصوبة. ثم الحنفية جعلوا البيع الحرام قسمين: فاسدًا وباطلًا، فجعلوا البيع بالميتة والدم والحر مثلًا باطلًا لانعدام ركن البيع، وهو مبادلة المال بالمال، فإن هذه الأشياء لا تعدّ مالًا عند أحد، والبيع بالخمر والخنزير فاسدًا لوجود حقيقة البيع، وهو مبادلة المال بالمال فإنه مال عند بعض الناس، لكنه ليس بمال متقومٍ بل أُمرنا بإهانته، والباطل لا يفيد ملك التصرف، ولو هلك المبيع في يد المشتري يكون أمانة عند بعض المشايخ، لأن العقد غير معتبر فبقي القبض بإذن المالك، والفاسد يفيد الملك عند اتصال القبض، ويكون المبيع مضمونًا في يد المشتري بالاتفاق، كذا في (الهداية) (١)، وقد فصِّل وحقق ذلك في كتبهم.\nالفصل الأول\n٢٨٣٤ - [١] (ابن عمر) قوله: (نهى رسول اللَّه -ﷺ- عن المزابنة) من الزبن وهو الدفع، وإنما سمي مزابنة لأن أحد المتبايعين إذا وقف على غبن وأراد فسخ العقد دفعه الآخر، لكن هذا الوجه يجري في كل بيع، ولا يختص بيع الثمر على الشجر بجنسه موضوعًا على الأرض، ويقال في وجه التخصيص: إن المساواة بين البدلين شرط في البيع، وما على الشجر إنما يكون مقدَّرًا بالخرص لا يؤمن فيه من التفاوت، فاحتمال النزاع فيه غالب، فالباع يحرص على إمضاء العقد والمشتري على فسخه.\n_________\n(١) \"الهداية\" (٣/ ٤٢ - ٤٣).","vol":"5","page":542},{"text":"أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إِنْ كَانَ نَخْلًا بِتَمْرٍ كَيلًا، وَإِنْ كَانَ كَرْمًا أنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيْبٍ كيْلًا، أَوْ كَانَ -وَعِنْدَ مُسْلِمٌ: وَإِنْ كَانَ- زَرْعًا أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٠٥، م: ١٥٤٢].\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ، قَالَ: وَالْمُزَابَنَةُ: أَنْ يُبَاعَ مَا فِي رُؤُوسِ النَّخْلِ بِتَمْرٍ بكَيْلٍ مُسمًّى إِنْ زادَ فَلِي وَإِن نَقَصَ فَعَلَيَّ.\nــ\nوقوله: (أن يبيع) بيان للمزابنة، والحائط: البستان.\nوقوله: (وإن كان) أي: الحائط، أي: ما فيه من الأشجار التي يباع ثمرها، أو يراد بالحائط النخل والكرم مجازًا.\nوقوله: (أن يبيعه) تكرير وإعادة لقوله: (أن يبيع) ولو لم يذكره لكفى الأول، والضمير في (أو كان) للحائط، و(زرعًا) خبره، وإطلاق الحائط على الزرع مرتب من المشاكلة، (وعند مسلم: وإن كان) بدل (أو كان)، وهذا أنسب بما قبله.\nوقوله: (بكيل طعام) بالإضافة في جميع النسخ.\nوقوله: (نهى عن ذلك) تكرير وتأكيد، وليس جزاءً لـ (إن كان)؛ لأن جزاءها محذوف لدلالة قوله: (نهى) المذكور قبله، أو هو الجزاء كما يذكرون في مثل هذا التركيب من الوجهين، فعلى هذا تكون المزابنة بيعَ كل ثمر على الشجر غير مختص بالرطب، بل غير مختص بالثمر أيضًا إن لم يسم الزرع ثمرًا.\nوأما قوله: (والمزابنة: أن يباع ما في رؤوس النخل بتمر) فظاهر في التخصيص ببيع الرطب بالتمر، ولعله بناء على الغالب من العادة.\nوقوله: (إن زاد فلي، وإن نقص فعلي) حال بتقدير القول، وهذا قول البائع إن كان ضمير (زاد) راجعًا إلى (تمر)، وقول المشتري إن كان راجعًا إلى (ما على رؤوس","vol":"5","page":543},{"text":"٢٨٣٥ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُحَاقَلَةُ: أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الزَّرْعَ بِمِئَةِ فَرَقٍ حِنطةً،\nــ\nالنخل)، وهذا أنسب لأن احتمال النقصان في جانب المشتري أظهر خصوصًا عند يبس الرطب.\nاعلم أن البيع جائز في صورة العرايا بالاتفاق، فإن كانت العرايا عبارة عن بيع الثمر على الشجر بما في الأرض خرصًا، وهو الظاهر من عبارة الأحاديث، فالعرية مستثناة من المزابنة، وإن لم يكن بيعًا حقيقةً بل مشابهًا به فلا استثناء، ويكون قوله: (قد رخص في العرايا) بطريق الاستثناء دفعًا لتوهم عدم جوازه، ويظهر ذلك بما ذكروا في تفسير العرايا، فقد جاء في تفسيرها عبارات مختلفة كما ستعرف.\n٢٨٣٥ - [٢] (جابر) قوله: (نهى رسول اللَّه -ﷺ- عن المخابرة، والمحاقلة، والمزابنة) اعلم أنه وقع في حديثي جابر ألفاظ هي أسماء لأنواع البيع، قد وقع تفسير أكثرها في الحديث، ولكن الشارحين قد استنبطوا لها معاني من كتب اللغة وكتب غريب الحديث، فنذكر منها ما ظفرنا به، وباللَّه التوفيق.\nفمنها: (المحاقلة) من الحقل، وهو في اللغة الزرع إذا انشعب ورقه، وظهر وكثر قبل أن يغلظ سُوقه، أو ما دام أخضر، والمحاقل المزارع جمع محقلة كالمبقلة من البقلة، أو جمع حقل على خلاف القياس، وفسر في الحديث بـ (أن يبيع الرجل الزرع بمئة فرق حنطة)، والفرق بفتح الفاء والراء: مكيال معروف عند أهل المدينة، وهذا التفسير لا يخلو عن إجمال، وتفصيله ما قيل: إنه بيع الزرع في سنبله بالبُر أو ما دام أخضر، وقيل: إنه بيع الزرع قبل بدو صلاحه أو بيعه قبل طيبه، غير أن قوله: (بمئة فرق حنطة) يوهم أنه إذا زاد أو نقص عن هذا المقدار لم يكن ذلك محاقلة، لكنه","vol":"5","page":544},{"text":"وَالْمُزَابَنَةُ: أَنْ يَبِيعَ التَّمْرَ فِي رُؤُوسِ النَّخْلِ بِمِئَةِ فَرَقٍ، وَالْمُخَابَرَةُ: كِرَاءُ الأَرْضِ بِالثُّلُثِ والرُّبُعِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٣٦].\nــ\nمذكور على طريق التمثيل، والحقل أيضًا: قَرَاح طيِّب يزرع فيه، وإلى هذا المعنى التفت من قال: هو اكتراء الأرض بالحنطة، ومن قال: إنها المزارعة بالثلث والربع مثلًا.\nومنها: (المزابنة) وقد عرف معناها فهي في الثمر كالمحاقلة في الزرع.\nومنها: (المخابرة) وقد فسر في هذا الحديث بـ (كراء الأرض بالثلث والربع (١» مثلًا، كالمحاقلة على قول، وكذلك ذكر في (الصحاح) (٢) و(القاموس) (٣): المخابرة: المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض، وهو الخِبر أيضًا بالكسر، ونقل عن النووي في (الحاشية): لكن البذر في المخابرة من العامل، وفي المزارعة من مالكها،\n_________\n(١) قال شيخنا في التقرير: اعلم أن الحسن البصري منع كلّ صور إعطاء الأرض، وقال: لا بد من أن يزرع بنفسه أعمّ من أن يعطي على الربع أو على الثلث مثلًا أو على روبية في كذا من الأرض أو على موضع مخصوص. ومالك أباح صورةَ النقد أن يعطي على الكراء كلّ ذراع على روبية مثلًا. والإمام أبو حنيفة والشافعي أباحا صورة النقد، وأن يقول: آخذ على كل ذراع منًّا من البُرّ، لا أن يقول منًّا من بُرّ هذا الأرض خاصةً فهي لا تجوز. وأحمد وصاحبا الإمام أبي حنيفة أباحوا الكراء على البُرّ عامًا كان أو مخصوصًا بما يخرج من هذا الأرض، وكذا أباحوا بالنقد. والحديث دليل الإمام، وقصة خيبر دليل الصاحبين. وأجاب الإمام عن دليلهما بأنها كانت خراج مقاسمة لا المزارعة، وأجابا عن دليله بأن النهي محمول على المواساة، أي: لا ينبغي لمن عنده الأرض فارغًا أن يكري، بل ينبغي الإعطاء بدون الأجرة. انتهى. قلت: الفتوى عند الحنفية على قول الصاحبين.\n(٢) \"الصحاح\" (١/ ١٦١).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٥٧).","vol":"5","page":545},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nواختلف في صحتها، انتهى.\nوقد ورد: (ولو تركنا المخابرة) أي: لكان خيرًا، أو هو للتمني، وفي آخر: (لا نرى بالخبر بأسًا) هو بكسر الخاء أفصح من فتحها، وهو المخابرة، كذا في (مجمع البحار) (١)، وقال في (المشارق) (٢): (الخبر) بفتح الخاء وسكون الباء كذا قيدناه من طريق الطبري، وعند ابن عيسى: بضم الخاء، وعن غيرهما بكسر الخاء، وبالفتح ذكره صاحب (العين)، وبالوجهين قيدناه في كتاب أبي عبيد، ومنه المخابرة.\nوقال التُّوربِشْتِي (٣): الخبرة بالضم: النصيب، يقال: تخبَّروا وأَخْبَرُوا: إذا اشتروا شاةً فذبحوها واقتسموا لحمها، وقيل: من الخبر بالكسر بمعنى المؤاكرة، والخبير الأكّار، وقيل: إن أصل المخابرة من خيبر؛ لأن النبي -ﷺ- أقرّها في أيدي أهلها على النصيب من محصولها، فيقال: خابرهم، أي: عاملهم في خيبر، ثم تنازعوا فنهاهم عن ذلك، ثم جازت بعد ذلك، كذا في (المشارق) (٤)، وقال: هذا قول ابن الأعرابي، وغيره يأباه، ويقول: إنها لفظة مستعملة، قال التُّوربِشْتِي (٥): وعلى هذا ينبغي أن لا يكون المخابرة قبل الإسلام، والوجهان الأولان أوضح.\nوقيل: هو من الْخَبَار وهي الأرض السهلة اللينة.\n_________\n(١) \"مجمع البحار\" (٢/ ١٠).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٥٧).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٦٧٢).\n(٤) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٥٧).\n(٥) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٦٧٢).","vol":"5","page":546},{"text":"٢٨٣٦ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ وَالْمُخَابَرَةِ وَالْمُعَاوَمَةِ، وَعَنِ الثُّنْيَا، وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٣٦].\nــ\n٢٨٣٦ - [٣] (وعنه)، ومنها: (المعاومة) وهو بيع ثمر النخل والشجر سنتين فصاعدًا، في (القاموس) (١): عاومَتِ النَّخْلَةُ: حَمَلَتْ سَنَةً، ولم تَحْمِلْ أخرى، وعاوم فلانًا: عامَلَهُ بالعامِ.\nوقال في (المشارق) (٢): وهو بيع ثمر الشجر سنتين، وهو من بيعه قبل طِيبه، وقال بعضهم: هو اكتراء الأرض سنتين، وقال في (القاموس) (٣): والمُعاوَمَةُ المَنْهِيُّ عنها: أن تَبِيعَ زَرْعَ عامِكَ، أو هو أن تَزِيدَ على الدَّيْنِ شيئًا وتُؤَخِّرَهُ.\nومنها: (الثنيا) بالضم على وزن الدنيا اسم من الاستثناء، وكذلك الثَّنْوَي، وهي في البيع أن يستثني شيئًا مجهولًا، وقال القتيبي: هو أن يبيع شيئًا جزافًا ثم يستثني منه شيئًا، وقال: وتكون الثنيا في المزارعة أن يستثني بعد النصف أو الثلث كيلًا معلومًا، وقال في (المشارق) (٤): وبيع الثنيا بضم الثاء، وهو كل ما استثني في البيع مما لا يصح استثناؤه من مجهولٍ وشبهِهِ من مكيل من صُبرة باعها.\nوقوله: (ورخّص في العرايا) جمع عرية بتشديد الياء، واختلف اللغويون والفقهاء في اشتقاقها ومعناها، أما اشتقاقها فقيل: إنها من قولهم: عريتُ الرجلَ النخلةَ، أي: أطعمْتُه ثمرها عامها، فيعروها، أي: يأتيها، وقد يقال: أعريته، أي: جعلت له أن يأتيها\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٥٢).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٨٤).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٥٢).\n(٤) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٠٤).","vol":"5","page":547},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمتى شاء، وعلى هذا يفسرها أكثر أهل اللغة، فهي فعيلة بمعنى مفعولة، والتاء للنقل من الوصفية إلى الاسمية.\nوقيل: إنها من قولهم: عَرَوْت الرجل أعروه [عروًا]: أتيته [طالبًا] معروفه، ويكون أعريته على هذا في معنى أعطيته، وذلك مثل قولهم: أسألته وأطلبته: إذا أعطيته سؤله وآتيته طلبته.\nوقيل: من عَرِيَ يعرى: إذا خلا عن الشيء، من العري خلاف اللبس، ويقال: عرَّاه تعريةً فهو عريان، ومنه المعرَّى، أي: المجرد. قال التُّوربِشْتِي (١): والوجه الذي ينفرد أقاويل أهل اللغة فيه هو أن يكون في معنى العطية والعارفة.\nوأما معناها فهو نوع من المزابنة لمن له حاجة، فلما نهى عن المزابنة، وهو بيع الثمر في رؤوس النخل بالتمر خص منها العرية، وهو أن من لا نخل له من ذوي الحاجة يدرك الرطب، ولا نقد بيده يشتري به الرطب لعياله، ولا نخل له يطعمهم منه، ويكون قد فضل له من قوته تمر، فيشتري منه صاحب النخل ثمرة نخله بخرصها من التمر، روي أنه جاء أهل الحاجة من أهل المدينة، وشكوا إلى رسول اللَّه -ﷺ- وقالوا: نهيت عن هذا البيع ونشتهي الرطب، وليس عندنا من الذهب والفضة ما نشتري به، فرخَّص لهم، ومناسبة هذا المعنى بالمعنيين الأولين المذكورين في اللغة ظاهر، وأما بالثالث فلأنها عريت من التحريم، أو لأنها جردت النخلة عن ثمرها أو عن ملكه.\nوقيل: أن يكون للرجل نخيلات في حائط غيره لهبة له، أو تملكه من الأصل، فيأتي صاحب الحائط باهله فيسكن بين النخيل، فيدخل عليهم ذلك الرجل فيجدون\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٦٧٣).","vol":"5","page":548},{"text":"٢٨٣٧ - [٤] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ بَيع الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ إِلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي الْعَرِيَّةِ أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا تَمْرًا. . . . .\nــ\nفي أنفسهم، ويتأذون ويتضررون بدخوله عليهم، فرخِّص لصاحب الحائط أن يؤتيه مقدار خرص نخيلاته تمرًا عوضًا عما له في ذلك.\nونقل عن مالك ﵀: هو أن يعري -أي: يهب- الرجلُ نخلةً من نخلاته لآخر ويعطيها له، ثم يتأذى الواهب بدخول الموهوب له عليه، فرخّص للواهب أن يشتريها، وهو تخصيص بإحدى الصورتين، وهو أعم من الهبة وغيرها كما أشرنا إليه، لكن اعتبار معنى الهبة أقوم وأنسب بأقاويل أهل اللغة وما وقع في أشعارهم كما ذكر. وكذا ما نقل عن أبي حنيفة ﵀ من أنه يهب ثمرة نخله، ويشقّ عليه تردد الموهوب إلى بستانه، وكره أن يرجع في هبته، فيدفع إليه بدلها تمرًا وهو صورة البيع، ولفظ الحديث صريح في أنها بيعٌ حقيقة، وذكر عن سفيان: العرايا نخل كانت توهب للمساكين، فلا يستطيعون أن ينظروا أجدادها، فرخص لهم أن يبيعوها بما شاء من التمر.\nوقال الشافعي وأحمد ﵏: هو بيع الرطب على روؤس النخل بالتمر على الأرض بالخرص، وهو منهي عنه، والقياس بطلانه، لكن رخص هذا البيع في صورة العرية، كما ذكر.\n٢٨٣٧ - [٤] (سهل بن أبي حثمة) قوله: (وعن سهل بن أبي حثمة) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة.\nوقوله: (عن بيع الثمر بالتمر) بالمثلثة في الأول والفوقية في الثاني.\nوقوله: (بخرصها تمرًا) تمييز أو حال مقدرة، والضمير في (خرصها) للنخلة","vol":"5","page":549},{"text":"يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رُطَبًا. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٩١، م: ١٥٤٠].\n٢٨٣٨ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَرْخَصَ فِي بَيْعِ الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، شَكَّ دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٩٠، ٢٣٨٢، م: ١٥٤١].\nــ\nالمفهومة من المقام أو للعرية إن كانت مطلقة على النخلة، فإنه قد جاء إطلاق العرية على البيع وعلى النخلة التي يباع ثمرها وعلى ثمرها، كما يفهم من إطلاقاتهم، فالمضاف محذوف، أي: بخرص ثمرها، ويجوز أن يكون الضمير للثمر لكونها جنسًا في معنى الجمع، والباء في (بخرصها) للسببية أو للملابسة، والمعنى أنه يقدر الرطب الذي على النخلة محققًا كم يكون، ويعرف مقداره، ويعطي من التمر ذلك المقدار، وكذا حال الضميرين في (يأكلها أهلها) والمراد بأهلها المشتري.\n٢٨٣٨ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (من التمر) متعلق بـ (بيع).\nوقوله: (فيما دون خمسة أوسق) جمع وَسْق كفَلْسٍ وأفلس، وفتح واوه أشهر من كسرها: ستون صاعًا (١)، وهو حمل بعير، كذا قال النووي.\nوقوله: (شك داود) ففي أقل من خمسة أوسق جائز بلا شبهة، وفيما زاد عليها غير جائز، وفي خمسة قولان، أصحهما لا يجوز، لأن القياس فيه أن لا يجوز، وإنما جوز ضرورة رفع الاحتياج فيقتصر على هذا القدر، وهو عدد قد اعتبر في باب الصدقة كما مر في (باب ما يجب فيه الزكاة): (ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة)، ثم الأصح جوازه للأغنياء والفقراء، وفي قول: لا يجوز للأغنياء، وكذلك الخلاف في غير الرطب والعنب، كل ذلك مذهب الشافعي، ولا يعرف ما الحكم في ذلك\n_________\n(١) وَالصَّاعُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٍ بِالْبَغْدَادِيِّ. انظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٧/ ٤٩).","vol":"5","page":550},{"text":"٢٨٣٩ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا (١)، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٩٤، م: ١٥٣٤].\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: نَهَى عَنْ بَيع النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ، وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ العَاهَةَ. [م: ١٥٣٥].\n٢٨٤٠ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ،\nــ\nعندنا، فتدبر.\n٢٨٣٩ - [٦] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (نهى البائع) لئلا يكون آخذًا مال المشتري لا بمقابلة شيء، و(المشتري) لئلا يكون مضيعًا له لوجود المخاطرة قبل ذلك.\nوقوله: (حتى تزهو) أي: تحمرّ أو تصفرّ، والزهو حسن المنظر وإشراق الزهر، وزُها الدنيا [كهُدًى]: زينتها، وزها وأزهى بمعنى، والمراد تمامها وكمالها وسلامتها عن الآفات، وهذه الألوان علامة ذلك كما أشار إلى ذلك بقوله: (ويأمن العاهة).\n٢٨٤٠ - [٧] (أنس) قوله: . . . . .\n_________\n(١) قال شيخنا في \"التقرير\": الصور المنحصرة ههنا ست؛ لأن البيع إما قبل البدو أو بعد بدو الأثمار، وعلى كل تقدير إما على شرط الإبقاء على الأشجار أو بشرط عدم الإبقاء أو بدون الشرط. فالشافعي أدار الحكمَ على بدو الصلاح، فثلاثة صور عنده جائزة، والإمام أباح صورةَ شرط عدم الإبقاء أو صورة بدون الشرط إذا يفرغ المشتري عند استفراغ البائع. والحديث يوافق الشافعية، والجواب عن الحنفية بأن الحديث محمول على بيع السلم، أو بأن المراد البيع بشرط الإبقاء فيكون فاسدًا، أو النهي ليس للتشريع، بل المقصود المشورة. انتهى.","vol":"5","page":551},{"text":"قِيلَ: وَمَا تُزْهِيَ؟ قَالَ: حَتَّى تَحْمَرَّ، وَقَالَ: \"أَرَأَيْتَ إِذَا مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟ \". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٩٨، م: ١٥٥٥].\n٢٨٤١ - [٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ، وَأَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوائِحِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٣٦، ١٥٥٤].\nــ\n(بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟) يشمل حال المشتري والبائع، و(بم) اختصار بما، وجاز دخول الجار على ما الاستفهامية مع أن لها صدر الكلام؛ لكمال الاتصال بين الجار والمجرور، فهما في حكم كلمة واحدة.\nوقوله: (وما تزهي) أي: ما معنى قولك: (تزهي)، وهو الظاهر، ويجوز أن يكون بتقدير أن، فيكون بتأويل المصدر.\n٢٨٤١ - [٨] (جابر) قوله: (عن بيع السنين) هو بيع المعاومة المذكور فيما سبق.\nوقوله: (وأمر بوضع الجوائح) جمع جائحة من الجوح، وهو الإهلاك والاستئصال كالإجاحة والاجتياح، ومنه الجائحة للشدة المجتاحة للمال، وفي (مجمع البحار) (١): الجائحة: آفة تهلك الثمار والأموال، وكل مصيبة عظيمة، وفتنة مبيرة جائحة، وهذا إن كان قبل التسليم فظاهر، وإن كان بعده فالأمر للاستحباب بناء على المروءة والتورع، وقيل: إن ذلك في الأراضي الخراجية التي أمرُها إلى الإمام، أمره بوضع الخراج عنها إذا اجتاحتها الجوائح.\nوفي قوله: (وضع الجوائح) إشارة إلى إسقاط ما يوازي النقصان بقدره.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٠١).","vol":"5","page":552},{"text":"٢٨٤٢ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْ بِعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمَرًا فَأَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَلَا يَحِلُّ لَكَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا، بِمَ تَأْخُذُ مَالَ أَخِيكَ بِغَيْرِ حَقٍّ؟ \". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٥٤].\n٢٨٤٣ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانُوا يَبْتَاعُونَ الطَّعَامَ فِي أَعلَى السُّوقِ فَيَبِيعُونَهُ فِي مَكَانِهِ، فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ بَيْعِهِ فِي مَكَانِهِ حَتَّى يَنْقُلُوهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَلم أَجِدهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. [د: ٣٤٩٤].\n٢٨٤٤ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِيعُهُ. . . . .\nــ\n٢٨٤٢ - [٩] (وعنه) قوله: (لو بعت) لو بمعنى إن، فلذلك أدخل في جوابه الفاء.\n٢٨٤٣ - [١٠] (ابن عمر) قوله: (فيبيعونه) أي: قبل القبض والاستيفاء، وهو المراد بالنقل، كذا قالوا، وأيدوه بالفاء التعقيبية التي تدل على وقوع البيع بعد الابتياع بلا مهملة، والدليل عليه الحديث الآتي.\nوقوله: (ولم أجده في الصحيحين) قال الشيخ الجزري: متفق عليه، ورواه أبو داود والنسائي والبيهقي (١) نحوه، كذا في بعض الحواشي، وأيضًا فيه: أخرجه (البخاري) (٢) في (باب نهي التلقي) من (كتاب البيع) بلا تفاوت حرف، فكان تتبع المصنف قاصرًا غير تام.\n٢٨٤٤، ٢٨٤٥ - [١١، ١٢] (وعنه) قوله: (فلا يبيعه) بصيغة النفي، خبر في\n_________\n(١) \"سنن أبي داود\" (٣٤٩٤)، و\"سنن النسائي\" (٤٦٠٧)، والبيهقي في الكبرى (١٠٧٣).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٢٠٥٩).","vol":"5","page":553},{"text":"حَتَّى يَسْتوْفِيَهُ\".\n٢٨٤٥ - [١٢] وَفَي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"حَتَّى يَكْتَالَهُ\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٢٦، م: ١٥٢٥، ١٥٢٦].\n٢٨٤٦ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ -ﷺ- فَهُوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ. مُتَّفقٌ عَلَيهِ. [خ: ٢١٣٥، م: ١٥٢٥].\n٢٨٤٧ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: لَا تَلَقَّوُا الرُّكْبَانَ لِبَيْعٍ،\nــ\nمعنى النهي في أكثر النسخ، بل في جميعها، وكتب في نسخة في الهامش: (فلا يبعه) بصيغة النهي.\nوقوله: (حتى يستوفيه) أي: يقبضه، فدل الحديثان على عدم جواز بيع ما لم يقبض، وهو بإطلاقه مذهب الشافعي ومحمد رحمهما اللَّه، وقال مالك: لا يجوز في الطعام ويجوز فيما سواه، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمهما اللَّه: يجوز في العقار، وهو ظاهر مذهب أحمد، والدليل لهم أن ركن البيع صدر من أهله في محله، ولا غرر فيه؛ لأن الهلاك في العقار نادر بخلاف المنقول.\n٢٨٤٦ - [١٣] (ابن عباس) قوله: (فهو الطعام أن يباع حتى يقبض) هذا يصلح دليلًا لمالك، ولكن ابن عباس قاس عليه ما سواه، وهذا معنى (ولا أحسب كل شيء إلا مثله).\n٢٨٤٧ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (لا تلقوا الركبان) من التلقي، وذلك بأن يستقبلوا القافلة التي يجلبون الطعام قبل أن يقدموا الأسواق.","vol":"5","page":554},{"text":"وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالْغَنَمَ،\nــ\nوقوله: (ولا يبع بعضكم على بيع بعض) عدي بـ (على) لتضمين معنى الغلبة، والبيع بمعنى الاشتراء، وهذا إن لم يُرد شراءه بل أراد رد عقدهما فقط يكون أقبح.\nوقوله: (ولا تناجشوا) النجش في اللغة: إثارة الصيد، والبحث عن الشيء، وفي الشرع: أن تواطئ رجلًا إذا أراد بيعًا أن تمدحه، أو أن تريد الإنسان أن يبيع بياعة فتساومه بها بثمن كثير؛ لينظر إليك ناظر فيقع فيها، أو أن تنفّر الناس من الشيء إلى غيره، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (ولا يبع حاضر لباد) نهى الحضريَّ أن يتولى البيع من قبل البدوي؛ لما كان في ذلك من تنقيص ما أباح اللَّه من الأرباح على أرباب التجارات، وسدّ باب المرافق على أرباب البياعات، وزاد في حديث جابر الآتي: (دعوا الناس يرزق اللَّه بعضهم من بعض).\nوقوله: (ولا تصروا الإبل والغنم) بفتح التاء وضم الصاد من صرَّ، وبالعكس من صرَّى، قال النووي في (شرح مسلم) (٢): الثانية رواية مسلم، والأولى رواية غيره، كذا في (مجمع البحار) (٣)، وقال في (المشارق) (٤): كذا صحيح الرواية، والضبط في هذا الحرف بضم التاء وفتح الصاد وفتح لام الإبل من صرَّى: إذا جمع مخففًا ومثقلًا،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٦١).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ٤٢١).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٣٢١).\n(٤) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٧٦).","vol":"5","page":555},{"text":"فَمِنِ ابْتَاعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِبَهَا: إِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٥٠، م: ١٥١٥].\nــ\nوهو تفسير مالك والكافة من أهل اللغة والفقه، وبعض الرواة يحذف واو الجمع ويضم لام الإبل على ما لم يسم فاعله، وهو خطأ على هذا التفسير، لكنه يخرَّج على تفسير من فسره بالربط والشد من صرّ يصر، وقال فيه: المصرورة، وهو تفسير الشافعي لهذه اللفظة، كأنما بحبسه لها ربط أخلافها وشدها لذلك، وبعضهم صحح قوله: (تصروا) بفتح التاء وضم الصاد ونصب الراء وإثبات واو الجمع، ولا يصح أيضًا إلا على التفسير الآخر من الصر، وكان شيخنا أبو محمد بن عتاب يقول للقارئ عليه والسامعين منه: اجعلوا أصلكم في هذا الحرف متى أشكل عليكم ضبط قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]، واضبطوه على هذا المثال فيرتفع الإشكال، ويحكي لنا ذلك عن أبيه، لأنه من صرّى مثل زكّى، انتهى. والتصرية هو حبس اللبن في ضروع الإبل والغنم لتباع كذلك، يغرُّ بها المشتري، والمُصرَّاة هي التي يُفعل بها ذلك، وهي المحفلة، يقال: صرَّيت الماء في الحوض: إذا جمعته، وإن كان من الصرّ كما في بعض الروايات، ففيه أيضًا معنى الجمع، ومنه الصُّرَّةُ.\nثم ذكر بعد النهي عن التصرية حكمه فقال: (من ابتاعها) أي: اشترى الإبل والغنم التي بها صريت، ولم يعلم ذلك (فهو بخير النظرين)، أي: ملتبس بخير النظرين لنفسه، أي: مخير (بعد أن يحلبها) من باب نصر وضرب، وإنما قيد به لأن الغالب أنه لا يحصل العلم إلا بعد حلبها، ولو اطلع عليها قبله كان له الخيار.\nوقوله: (وصاعًا من تمر) عطف على الضمير المنصوب في (ردها)، وهو بدل","vol":"5","page":556},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: مَنِ اشْتَرَى شَاةً مُصَرَّاةً فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ رَدَّهَا رَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِنْ طَعَامٍ لَا سَمْرَاءَ. [م: ١٥٢٤]\nــ\nاللبن الموجود في الضرع حال البيع، والمعنى في ذلك: أن اللبن الحادث بعد العقد ملك المشتري، فيختلط باللبن الموجود حال العقد، فلو رد عليه أو مثله لأفضى ذلك إلى حرج ومشقة، وقد يتعذر الوقوف عليه، فجعل الشارع له بدلًا مقدرًا لا يزيد ولا ينقص، وعند البعض لا يختص بالتمر بل يرد صاعًا من طعام أيِّ طعام كان، والأظهر تعيين التمر للتنصيص عليه، ويحتمل أن يكون ذلك بطريق التمثيل والاكتفاء لا على وجه التعيين والتخصيص، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وفي رواية لمسلم: رد معها صاعًا من طعام لا سمراء) ظاهره يدل على أن الواجب رد صاع من طعام سوى الحنطة، فقيل: معناه أن التمر متعيِّن ولا يجوز غيره كالحنطة ونحوها، وإنما خص النفي بالحنطة لكونه أعرف في إطلاق اسم الطعام، وإنما تعين التمر لأنه غالب طعام العرب، فينصرف إليه المطلق العام، وقيل: أراد به أن الواجب ردّ صاع من الطعام أيِّ طعام كان، وإن الحنطة غير واجبة على التعيين، وجاز أن يرد صاعًا من تمر أو شعير أو غيرهما، فتدبر.\nواعلم أن ثبوت الخيار في المصراة وردَّ صاع من تمر أو طعام هو مذهب الشافعي ومالك وأحمد وأبي يوسف ﵏، مع خلاف في مذهب أحمد ﵀ في أنه يجب على الفور أو بعد ثلاثة أيام، وأما مذهب أبي حنيفة ﵀ وطائفة من العراقيين ومالك ﵀ في رواية أخرى أنه إنما يثبت بالشرط لا بدونه، ولا يجب رد صاع لأنه يخالف القياس الصحيح من كل وجه، لأن الأصل أن الشيء إنما يضمن بالمثل، أو بالقيمة في باب العدديات، أو بالثمن في باب البياعات الصحيحة، وهذا","vol":"5","page":557},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nثابت بالكتاب والسنة والإجماع.\nوالقياس الصحيح يقتضي وجوب القيمة أو المثل أو الثمن في هذه الصورة، [و] هذا الحديث يقتضي وجوب رد الصاع من تمر، والتمر ليس بقيمة اللبن قطعًا ولا ثمنه، ولا مماثلة بينهما لا صورة ولا معنى، أما من حيث الصورة فظاهر، وأما من حيث المعنى فلأن المِثْل من حيث المعنى لجميع الأشياء إنما هو الدراهم والدنانير، فيكون العمل به موجبًا لانسداد باب القياس الصحيح، والأصل عندنا أن الراوي إن كان معروفًا بالعدالة والحفظ والضبط دون الفقه والاجتهاد مثل أبي هريرة وأنس بن مالك -﵄-، فان وافق حديثه القياس عمل به، وإلا لم يترك إلا للضرورة وانسداد باب الرأي، وتمام تحقيقه في كتب أصول الفقه (١).\n_________\n(١) قال العلامة الكشميري في \"فيض الباري\" (٤/ ٢١٩): وهذا الجواب باطلٌ لا يُلْتَفَتُ إليه، ولم يزل مَطْعَنًا للخصوم منذ زمن قديم، ولمثل هذا اشتهر أن الحنفية يُقدّمون الرأيَ على الحديث، وحاشاهم أن يقولوا بمثله، فإن هذه المسألة لم يصحّ نقلها عن أبي حنيفة ولا عن أحد من أصحابه، نعم نسُبَتْ إلى عيسى بن أبان -المعاصر للشافعي- وهي أيضًا محل تردُّدٍ عندي، كيف! وقد قال المزني: إن أبا حنيفة أَتْبَعُ للأثر من محمد وأبي يوسف. فلعلّه تكون بين يديه جزئياتٌ ومسائل تدلّ على هذا المعنى.\nوبالجملة هذا الجواب أولى أن لا يُذْكَرَ فِي الكُتُبِ وإن ذكره بعضهم، ومن يجترئ على أبي هريرة فيقول: إنه كان غير فقيه؟ ! ولو سلّمنا فقد يرويه أفقههم أعني ابن مسعود أيضًا، فيعود المحذور. وأجاب عنه الطحاوي بالمعارضة بحديث: \"الخراج بالضمان\".\nوالجواب عندي: أن الحديث محمول على الدّيانة دون القضاء، لما في \"فتح القدير\" في باب الإقالة: أن الغرر إما قوليٌّ أو فعليٌّ، فإن كان الغرر قوليًّا فالإقالة واجبة بحكم القاضي، وإن كان الثاني تجب عليه الإقالة ديانةً ولا يدخل في القضاء. كيف! وأن الخِدَعَاتِ أشياءٌ =","vol":"5","page":558},{"text":"٢٨٤٨ - [١٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَلَقَّوُا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ\" رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥١٩].\n٢٨٤٩ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَلَقَّوُا السِّلَعَ حَتَّى يُهْبَطَ بهَا إِلى السُّوق\". مُتَّفُقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٦٥، م: ١٥١٧].\nــ\n٢٨٤٨ - [١٥] (وعنه) قوله: (لا تلقوا الجلب) الجلب بالجيم محركة: اسم لما يجلب من الطعام من بلد إلى بلد، فتلقَّى واحد من أهل البلد إلى جماعة جاؤوا بالطعام إلى هذا البلد فاشترى منهم، وهذا إذا كان يضر بأهل البلد، فإن كان لا يضر لا بأس به، إلا إذا لَبَس السعر على الواردين فحينئذٍ يُكره لما فيه من الغرر والضرر.\nوقوله: (فإذا أتى سيده) أي: صاحبه ومالكه، والضمير للجلب وهو البائع، وقيل: أطلق السيد وهو اسم لمالك العبد لأن المجلوب قد يكون عبدًا فغلَّبه على غيره من السلع فذكر السيد، والوجه الأول هو الظاهر المتبادر إلى الفهم، والمراد أنه إذا باع الجالب بأرخص من سعر البلد، ثم أتى السوق فعلم بالسعر فله الخيار، وأما إذا لم يبع بالأرخص فلا خيار، وقيل: له الخيار مطلقًا لإطلاق الحديث.\n٢٨٤٩ - [١٦] (ابن عمر) قوله: (لا تلقوا) بالتشديد من تلقي السلع، أي: الجلب.\n_________\n= مستورةٌ ليس إلى علمها سبيلٌ، فلا يُمْكِنُ أن تدخل تحت القضاء. فالتصريةُ أيضًا خديعةٌ، ويجب فيها على البائع أن يُقِيلَ المشتري دِيانةً وإن لم يَجِبْ قضاءً. وحينئذٍ فالحديث مُتأتٍ على مسائلنا أيضًا، انتهى. وبسط شيخ مشايخنا الكلام في \"بذل المجهود\" (١١/ ١٥٢ - ١٥٨).","vol":"5","page":559},{"text":"٢٨٥٠ - [١٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَلَا يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ إِلَّا أنْ يَأْذَنَ لَهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥١٥].\n٢٨٥١ - [١٨] وَعَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَسُمِ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخيهِ الْمُسْلِم\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥١٥].\n٢٨٥٢ - [١٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ،\nــ\n٢٨٥٠ - [١٧] (وعنه) قوله: (لا يبع) بلفظ النهي الغائب، وكذا: (لا يخطب)، أو بلفظ الخبر فيهما بمعنى النهي، والمراد بالبيع المبايعة أعم من الشراء والبيع، وهذا إذا تراضى المتعاقدان على مبلغ ثمن في المساومة، فأما إذا لم يركن أحدهما إلى الآخر، [فهو يبيع من يزيد] ولا بأس به، وهو محمل النهي في النكاح أيضًا، كذا في (الهداية) (١).\n٢٨٥١ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (لا يسم) من باب نصر من السوم، وهذا يؤيد رواية (لا يبع) بلفظ النهي، وهذا أيضًا محمول على الاتفاق والتراضي على ثمن كما في الحديث الأول.\n٢٨٥٢ - [١٩] (جابر) قوله: (لا يبيع حاضر لباد) بلفظ الخبر في جميع النسخ، وهذا يؤيد الرواية الأخرى الواقعة بلفظ الخبر، فكلاهما صحيحان، و(يرزق) صحح بالرفع والجزم، والجزم أظهر.\n_________\n(١) \"الهداية\" (٣/ ٥٣).","vol":"5","page":560},{"text":"دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٢٢].\n٢٨٥٣ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ لِبْسَتَيْنِ وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ: نَهَى عَنِ الْمُلَامَسَةِ والمُنَابَذَةِ فِي البَيْعِ، وَالْمُلَامَسَةُ: لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الآخَرِ بِيَدِهِ. . . . .\nــ\nوقوله: (دعوا) خطابًا للحاضرين أن يفعلوا أو للأمة، وقال الطيبي (١): إنه خطاب للحاضر المذكور بطريق الالتفات، وضمير الجمع باعتبار أن المراد به الجنس، فافهم.\n٢٨٥٣ - [٢٠] (أبو سعيد الخدري) قوله: (عن لبستين وعن بيعتين) لما كان اللباس أقرب إلى الآدمي من البيع قدّمه عليه في الذكر، ثم لما رأى أمر البيع أهم لكونه سببًا للقوت الذي هو أحوط من اللباس قدمه في البيان، واللباس واللَّبوس واللِّبس بالكسر والملبَس بفتح الميم وكسرها: اسم لما يلبس من لَبِسَ كسمع لُبسًا بالضم، واللِّبسة بالكسر حالة من حالات اللُّبس، ويحتمل أن تكون تاؤه للمرة كما في البيعة بالفتح، والأول أظهر؛ إذ الاحتباء واشتمال الصماء هيئتان وحالتان من اللبس، ولكن الأغلب أن الفعلة التي للنوع لا تكون بدون التاء اسمًا مستقلًا كالجلسة، وهنا اللبس اسم للملبوس.\nثم بين المراد بالبيعتين بقوله: (نهى عن الملامسة) وفي رواية (عن اللماس)، (والمنابذة)، وفسر الملامسة: بـ (لمس الرجل ثوب الآخر بيده) وهي أن يقول: إذا لمست ثوبي أو لمست ثوبك فقد وجب البيع، أي: بيع الثوبين، وقيل: هو أن يلمس المتاع من وراء ثوب ولا ينظر إليه، ثم يوقع البيع، أو يجعل اللمس قاطعًا للخيار،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٧١).","vol":"5","page":561},{"text":"بِاللَّيْلِ أَو بالنَّهارِ، وَلَا يَقْلِبُهُ إِلَّا بِذَلِكَ، وَالْمُنَابَذَةُ: أَنْ يَنْبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ بِثَوْبِهِ وَيَنْبِذَ الآخَرُ ثَوْبَهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيْعَهُمَا. . . . .\nــ\nأقوال، كذا في (النهاية) (١)، واقتصر السيوطي في (مختصره) (٢) على قوله: وهي أن يقول: إذا لمست ثوبك فقد وجب البيع، وقال الكرماني (٣) في شرح قوله: (نهى عن اللماس): هو أن يلمس ثوبًا مطويًّا أو في ظلمة، ثم يشتريه بلا خيار رؤية.\nوقوله: (بالليل أو بالنهار) المقصد من ذكر الليل عدم رؤية المتاع، كما ذكر في التفسير الثاني من لمسه من وراء ثوب، وكما ذكر في (مشارق الأنوار) (٤): هو أن يبتاع الثوب لا يقلبه إلا أن يلمسه بيده تحت ثوب أو ليلًا.\nوقوله: (ولا يقلبه) صحح في نسخ (المشكاة) بسكون القاف من المجرد، وفي نسخ (صحيح مسلم) بفتح القاف وتشديد اللام من التقليب، ومعناه: ليس قلبه للثوب إلا بمجرد اللمس، أي: كان عليه أن يقلب الثوب وينشره ويراه، وقد اكتفى باللمس، فعلم مما ذكر أن لبيع الملامسة ثلاثةَ أوجهٍ، أحدها: أن يكون نفس اللمس بيعًا، أو يكون قاطعًا لخيار رؤية، أو يكون لمسه قاطعًا لكل خيار بعد البيع، فعبارة المؤلف تشمل المعاني الثلاثة، فافهم.\nثم فسر المنابذة بقوله: (أن ينبذ) بكسر الباء وضمها. . . إلخ.\nقوله: (بيعهما) بالرفع في أكثر النسخ وبالنصب في بعضها، والضمير فيه للثوبين\n_________\n(١) \"النهاية\" (٤/ ٢٧٠).\n(٢) \"الدر النثير\" (٢/ ٩٢٥).\n(٣) \"شرح الكرماني\" (٤/ ٢٧).\n(٤) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٥٨٣).","vol":"5","page":562},{"text":"عَنْ غَيْرِ نَظَرٍ وَلَا تَرَاضٍ، وَاللِّبْسَتَيْنِ: اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ، وَالصَّمَّاءُ: أَنْ يَجْعَلَ ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ فَيَبْدُوَ أَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، وَاللِّبْسَةُ الأُخْرَى: احْتِبَاؤُهُ بِثَوْبِهِ وَهُوَ جَالِسٌ من لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٢٠، م: ١٥١٢].\nــ\nأو للرجلين، فالفرق بين الملامسة والمنابذة باللمس في الأولى والنبذ في الأخرى، وقيل: المنابذة أن يقول: إذا نبذت إليك الحصاة فقد وجب البيع.\nوقوله (من غير نظر) أي: تأمل وتراض بعد التأمل.\nوقوله: (واللبستين) بالنصب على الحكاية، وفي بعض الرواية: (واللبستان)، و(اشتمال الصماء) هو الالتفاف في ثوب واحد من رأسه إلى قدميه يجلل به جسده كله، وهو التلفع بالفاء، ويقال لها: الشملة الصماء أيضًا، سميت بذلك -واللَّه أعلم- لاشتمالها على أعضائه حتى لا يجد منفذًا كالصخرة الصماء، أو لشدها وضمها جميع الجسد، ومنه: صمام القارورة الذي يسد فيه فوها، كذا في (مشارق الأنوار) (١) وغيرها.\nوقال الطيبي (٢): وعثد الفقهاء هو أن يتغطى بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من جانبه فيضعه على منكبيه فتكشف عورته، وكلا المعنيين مذكور في (النهاية) (٣).\nوالاحتباء: هو أن يضم رجليه إلى بطنه ويجمع ساقه وظهره بثوب ويشدّه عليهما، وقد يكون باليدين مكان الثوب، وهو سنة في الجلوس، والنهي عن الاحتباء إنما هو إذا لم يكن إلا ثوب واحد، فيخاف انكشاف العورة.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٨١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٧٣).\n(٣) \"النهاية\" (٣/ ٥٤).","vol":"5","page":563},{"text":"٢٨٥٤ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ وَعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ. رَوَاهُ مُسلم. [م: ١١٥٣].\nــ\n٢٨٥٤ - [٢١] (أبو هريرة) قوله: (عن بيع الحصاة) وفي رواية: (عن بيع الحصا) مقصورًا، الحصا: صغار الحجارة، والواحد حصاة، من البياعات التي كانت يفعلها أهل الجاهلية، قيل: كانوا يتساومون، فإذا طرح الحصاة وجب البيع، وقيل: بل كانوا يتبايعون شيئًا من الأشياء على أن البيع يجب في الشيء الذي تقع عليه الحصاة، وقيل: بل إلى منتهى الحصاة، وكله من بيوع الغرر والمجهول، كذا في (مشارق الأنوار) (١).\nوقوله: (وعن بيع الغرر) غرّه غرًّا وغرورًا وغرة بالكسر فهو مغرور وغَرير: خدعه وأطمعه بالباطل فاغترّ هو، والاسم الغرر، وبيع الغرر أصل جامع يشمل فروعًا كثيرة وصورًا شتى، وكل ما ذكر من بيع الملامسة والمنابذة والحصا ونحوها من أنواعه أفردت بالذكر لكونها من بياعات الجاهلية المشهورة، والغرر يكون للجهل بالمبيع أو ثمنه أو سلامته أو أجَله، وقد يُتحمل غرر قليل وجهل يسير؛ لأنهم أجمعوا على جواز دخول الحمام بالأجرة مع اختلاف عادة الناس في صبّ الماء وفي قَدْر مكثهم، وعلى جواز الشرب من السقاء بالعوض مع جهالة قدر المشروب واختلاف عادة الشاربين، ولها أمثال ذكرها الطيبي (٢)، وذلك للحاجة وتعذر الاحتراز عنه إلا بمشقة.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٢٤).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٧٤).","vol":"5","page":564},{"text":"٢٨٥٥ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَن بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَكَانَ بَيْعًا يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، كَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إِلَى أَنْ تُنتَجَ النَّاقةُ، ثُمَّ تُنتَجُ الَّتِي فِي بَطْنِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٤٣، م: ١٥١٤].\n٢٨٥٦ - [٢٣] وَعَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ. . . . .\nــ\n٢٨٥٥ - [٢٢] (ابن عمر) قوله: (عن بيع حبل الحبلة) قال في (المشارق) (١): بفتح الحاء والباء فيهما، ويروى في الأول بسكون الباء أيضًا، والفتح أبين وأصح فيهما، كان من بيوع الجاهلية، فسره ابن عمر في الحديث أنه البيع إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج نتاجها، وقيل: هو شراء ما يلد ما تلد، وهو نتاج النتاج، كلاهما من بيوع الغرر والمخاطرة الممنوعة، والتفسيران مرويان عن مالك وغيره، وقيل: بل هو بيع العنب قبل طيبه، والحبلة (٢): بفتح الحاء وسكون الباء وفتحها: الكرمة، قاله ثعلب، وفي الحديث: (لا تسموا العنب الكرم، ولكن قولوا: الحبلة)، وقيل: معناه بيع الأجنة، وهو الحبل في بطون الأمهات، وهن الحبلة جمع حابل، والحبل المصدر، قاله الأخفش، والحبل مختص ببني آدم ولغيرهم حمل إلا ما جاء في هذا الحديث، انتهى.\nوتكلموا في التاء التي في الحبلة، فقيل: للتأنيث؛ لأن معناه أن يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة، ولا بد أن يكون أنثى، وقيل: للمبالغة، ولا يظهر له كثير معنى، وقد ظهر أنه على وجهٍ جمعُ حابل؛ كطلبة جمع طالب، وفجرة جمع فاجر، فتدبر.\n٢٨٥٦ - [٢٣] (وعنه) قوله: (عن عسب الفحل) بفتح العين وسكون السين، هو\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٧٣ - ٢٧٤).\n(٢) وقع في \"القاموس\" مضبوطًا بالضم (ص: ٨٨٣).","vol":"5","page":565},{"text":"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٢٨٤].\n٢٨٥٧ - [٢٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْجَمَلِ، وَعَنْ بَيْعِ الْمَاءِ وَالأَرْضِ لِتُحْرَثَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٦٥].\nــ\nكراء ضرابه، والعسب ليس نفسه الضراب، هذا قول أبي عبيد، وقال غيره: لا يكون العسب إلا الضراب، والمراد الكراء عليه، لكنه حذفه وأقام المضاف إليه مقامه كما قال ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، وقيل: العسب: ماء الفحل، كذا في (المشارق) (١)، ومثله قال في (القاموس) (٢): العَسْبُ: ضِرابُ الفَحْلِ، أو ماؤُه، أو نَسْلُه، والوَلَدُ، وإعْطاءُ الكِراء على الضِّرابِ، والفِعلُ كَضَرَب.\nوالمراد بالفحل أعم من أن يكون فرسًا أو بعيرًا أو غيرهما، وأخذ الكراء عليه منهي عنه، وأما الإعارة فمندوب إليها، وإنما نهي عنه للجهالة، وهو في حكم بيع الغرر لما فيه من الجهالة؛ لأن الفحل قد يضرب وقد لا يضرب، والأنثى قد تلقح وقد لا تلقح، وذهب إلى تحريمه أكثر الصحابة والفقهاء، ورخص فيه جماعة لخوف انقطاع النسل، ويندفع ذلك بالإعارة، ثم لو أكرمه المستعير بشيء يجوز له قبول كرامته، كما سيأتي.\n٢٨٥٧ - [٢٤] (جابر) قوله: (عن بيع ضراب الجمل) بأن يأخذ عليه شيئًا، كما عرفت في عسب الفحل، وأراد بالبيع الإجارة.\nوقوله: (وعن بيع الماء والأرض) محمول على المخابرة، وقد اختلف في صحتها، كما مر في أول الفصل.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٧٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩).","vol":"5","page":566},{"text":"٢٨٥٨ - [٢٥] وَعنهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٦٥].\n٢٨٥٩ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يُبَاعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُبَاعَ بِهِ الْكَلأُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٥٣، م: ١٥٦٦].\n٢٨٦٠ - [٢٧] وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: \"مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ \" قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: \"أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٢].\nــ\n٢٨٥٨ - [٢٥] (وعنه) قوله: (عن بيع فضل الماء) أي: إذا كان له ماء، فإن فضل عن حاجته والناس يحتاجون إليه، لم يجز له أن يمنعهم، وكذلك حكم الكلأ إلا أن يحميه الوالي.\n٢٨٥٩ - [٢٦] (أبو هريرة) قوله: (ليباع به الكلأ) يعني يلزم من بيع فضل الماء بيع الكلأ، وبيع الكلأ منهي عنه، وقيل: يكون بيع فضل الماء في حكم بيع الكلأ ومستلزمًا له؛ لأن من أراد الرعي في حول مائه إذا منعه من الورد على مائه إلا بعوض اضطر إلى شرائه، فيكون بيعه للماء بيعًا للكلأ، واختلف في أنه نهي تنزيه أو تحريم، والأول أولى.\n٢٨٦٠ - [٢٧] (وعنه) قوله: (أصابته السماء) أي: ماء السماء أو الماء مطلقًا، واختلفوا في إرادة المسبب بلفظ السبب هل يختص بما هو سبب له أو لا؟ بل يكتفى بكونه سببًا له في الجملة، كما عرف في بحث علاقات المجاز.\nوقوله: (من غش) أي: خان، وهو ضد النصح.","vol":"5","page":567},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-731> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٨٦١ - [٢٨] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنِ الثُّنْيَا إِلَّا أنْ يُعْلَمَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٢٩٠].\n٢٨٦٢ - [٢٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ، هَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أَنَسٍ. وَالزِّيَادَة الَّتِي فِي \"الْمَصَابِيحِ\" وَهُوَ قَولُهُ: نَهَى عَنْ بَيْعِ التَّمْرِ حَتَّى تَزْهُوَ، إِنَّما ثَبَتَ فِي رِوَايَتِهِمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: . . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n٢٨٦١ - [٢٨] (جابر) قوله: (عن الثنيا) وهو أن يستثنى من البيع شيء، وقد مر بيانه.\n٢٨٦٢ - [٢٩] (أنس) قوله: (حتى يسود) كناية عن بدو صلاحه كما سبق، وكذا اشتداد الحبّ كناية عن ذلك.\nوقوله: (والزيادة التي في (المصابيح) وهي قوله: نهى عن بيع التمر حتى تزهو) عبارة (المصابيح): قال: (نهى رسول اللَّه -ﷺ- عن بيع التمر حتى تزهو وعن بيع العنب حتى يسود وعن بيع الحب حتى يشتد، غريب)، والتمر بالفوقانية في أكثر النسخ، وقد كتب في بعض النسخ: (الثمر) بالمثلثة في (الهامش) بعلامة النسخة، و(تزهو) بلفظ التأنيث لأن التمر جنس، وفي رواية بلفظ التذكير، وقد عرف معنى الزهو في الفصل الأول، وحاصله يرجع إلى معنى الصلاح المذكور، وفي رواية: (حتى تُزْهِيَ) من باب الإفعال، ومنهم من أنكر (تزهو) وآخر ينكر (تزهي).","vol":"5","page":568},{"text":"نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى تَزْهُوَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٢٢٨، د: ٣٣٨١].\n٢٨٦٣ - [٣٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى عَنْ بَيْعِ الكَالِئ بِالْكَالِئِ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ٣/ ٧١ - ٧٢].\n٢٨٦٤ - [٣١] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ بَيْعِ الْعُرْبَانِ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ط: ٥٤١، د: ٣٥٠٢، جه: ٢١٩٢، ٢١٩٣].\nــ\nوقوله: (عن بيع النخل) أي: بيع الثمرة.\n٢٨٦٣ - [٣٠] (ابن عمر) قوله: (بيع الكالئ بالكالئ) بالهمزة، وقد لا يهمز تخفيفًا، من كلأ: إذا تأَخّر، ويقال: كلأت الطعام: إذا أسلفت، والمراد بيع النسيئة بالنسيئة، وفسّروه بأن يشتري الرجل شيئًا إلى أجل، فإذا جاء الأجل لم يجد ما يقضي به، فيقول: بعنيه إلى أجل آخر بزيادة شيء، فيبيعه منه بلا تقابض، وأصله النهي عن بيع ما لم يقبض؛ لأنه لم يدخل في ضمانه، والغُنم إنما هو بالغرم.\nوقيل: صورته أن يكون لزيد على عمرو ثوب موصوف ولبكر على عمرو عشرة دراهم، فقال زيد لبكر: بعت منك ثوبي الذي على عمرو بدراهمك العشرة التي على عمرو، فقال بكر: قبلت، فهذا البيع لم يجز لهذا المعنى.\n٢٨٦٤ - [٣١] (عمرو بن شعيب) قوله: (عن بيع العريان) بضم العين، ويقال: العربون بالضم أيضًا، وأصله من الإعراب بمعنى الإفصاح وإزالة الفساد والإبهام، وفسروه بأن يشتري سلعة ويعطيه شيئا من ثمنه، ويقول: اذهب وتفكر، فإن اخترت فآتيك بالباقي، وإن ندمت أردّه عليك ولك ما أعطيتك، فإنه يصلح البيع، ويؤكده","vol":"5","page":569},{"text":"٢٨٦٥ - [٣٢] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّ وَعَنْ بَيْعِ الغَرَرِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ تُدْرِكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٣٨٢].\n٢٨٦٦ - [٣٣] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ كِلَابٍ سَأَلَ النَّبِيَّ -ﷺ- عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نُطْرِقُ الْفَحْلَ. . . . .\nــ\nبأن لا يشتريه غيره، وفساده أن فيه من الشرط والغرر، وأجازه الإمام أحمد ﵀ (١)، وروي عن ابن عمر أيضًا إجازته، كذا نقل الطيبي (٢).\n٢٨٦٥ - [٣٢] (علي) قوله: (عن بيع المضطر) المراد به المكره، قال الطيبي (٣): أي: لا ينبغي أن يشتري ويبتاع من المكره، وقيل: يجوز أن يراد من المضطر المحتاج الذي اضطر إلى البيع لدين ركبه أو مؤنة لحقته فيبيعه بنقصان رخيصًا بحكم الضرورة، فالمروءة يقتضي أن لا يشترى منه ويعان ويقرض (٤) مثلًا.\nوقوله: (وعن بيع الغرر) وهو ما يغرّ المشتري ويخدعه لجهالةٍ أو تعذرِ تسليمٍ كبيع المجهول والآبق والمعدوم، وهو يشمل أنواعًا كثيرة، وقد سبق شرحه.\n٢٨٦٦ - [٣٣] (أنس) قوله: (إنا نطرق) من الإطراق، أي: نعير.\n_________\n(١) قال شيخنا في \"التقرير\": أباحه أحمد، وضغف الحديث، ومنعه الأئمة الثلاثة الباقية لحديث الباب، ولما فيه من الخطر. والحديث روي عن عمرو بن شعيب بوجوه. انتهى. وانظر: \"بذل المجهود\" (١١/ ٢٢١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٨٠).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٨٠).\n(٤) وفي \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢١٥٣): فالْمُرُوءَة أَنْ لَا يُبَايعَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَلَكِنْ يُعَارُ وَيُقْرَضُ إِلَى الْمَيْسَرَةِ، أَوْ يَشْتَرِي إِلَى الْمَيْسَرَةِ، أَوْ يَشْتَرِي السِّلْعَةَ بِقِيمَتِهَا.","vol":"5","page":570},{"text":"فَنُكْرَمُ، فَرَخَّصَ لَهُ فِي الْكَرَامَةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٢٧٤].\n٢٨٦٧ - [٣٤] وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ أَبِيعَ مَا لَيْسَ عِنْدِي. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَةٍ لَهُ، وَلأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ: قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيُرِيدُ مِنِّي الْبَيْعَ، وَلَيْسَ عِنْدِي، فَأَبْتَاعُ لَهُ مِنَ السُّوقِ، قَالَ: \"لَا تَبِعْ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ\". [ت: ١٢٣٣، د: ٢٥٠٣، ن: ٤٦١٣].\n٢٨٦٨ - [٣٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاودَ وَالنَّسَائِيُّ. [ط: ٥٧٠، ت: ١٢٣١، د: ٣٤٦١، ن: ٤٦٣٢].\nــ\nوقوله: (فنكرم) بلفظ المجهول من الإكرام، أي: يعطي صاحب الأنثى شيئًا بطريق الكرامة والهدية، أي: من غير اشتراط ثمن معلوم وأجرة معلومة، وقد سبق.\n٢٨٦٧ - [٣٤] (حكيم بن حزام) قوله: (أن أبيع ما ليس عندي) كالآبق أو ما لم يقبض أو مال الغير.\nوقوله: (فيريد مني البيع) أي: المبيع، وهذا في غير صورة السلم، فإنه جائز إجماعًا بالشرائط المعتبرة فيه، وكذا بيع مال الغير جائز موقوفًا [على إجازة المالك] عند الأئمة الثلاثة سوى الشافعي ﵀ فإنه لا يجوِّزه.\n٢٨٦٨ - [٣٥] (أبو هريرة) قوله: (عن بيعتين في بيعة) فسروه بتفسيرين:\nأحدهما: أن يقول: بعتك هذا نقدًا بعشرة ونسيئة بعشرين.\nوالثاني: أن يقول: بعتك عبدي بألف على أن تبيعني جاريتك بمئة.\nوالعلة في كلا النوعين جهالة الثمن، أما في الأول فظاهر، وأما في الثاني فلأن","vol":"5","page":571},{"text":"٢٨٦٩ - [٣٦] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٨/ ١٤٤].\n٢٨٧٠ - [٣٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيعٌ، وَلَا شَرْطَانِ فِي بَيعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. [ت: ١٢٣٤، د: ٣٥٠٤، ن: ٤٦٣٠].\nــ\nبيع الجارية لا يلزم بهذا الشرط فينتقض، وقد جعله من الثمن وليس له قيمة، كذا قالوا.\n٢٨٦٩ - [٣٦] (عمرو بن شعيب) قوله: (عن بيعتين في صفقة واحدة) هو البيع في بيع كما عرفت.\n٢٨٧٠ - [٣٧] (وعنه) قوله: (لا يحل سلف وبيع) أي: لا يحل بيع مع شرط سلفٍ، والمراد بالسلف هنا القرض، أي: لا يحل أن يقرضه قرضًا ويبيع منه شيئًا بأكثر من قيمته؛ لأن كل قرض جرّ نفعًا فهو حرام.\nوقوله: (ولا شرطان في بيع (١» فسر بما فسر به البيعتان في بيعة، وقد يفسر بأن يبيع منه ثوبًا بالشرطين كأن يقصّره ويخيطه، والتقييد بشرطين وقع اتفاقًا وعادة، وبالشرط الواحد أيضًا لا يجوز؛ لأنه قد ورد النهي عن بيع وشرط.\nوقوله: (ولا ربح ما لم يضمن) كالمبيع قبل القبض لعدم دخوله في\n_________\n(١) قال شيخنا في \"التقرير\": قال أحمد بظاهره فأباح الشرط الواحد، والأئمة الثلاثة حملوا التعدد على الاتفاق دون الاحتراز، لرواية: \"نهى عن بيع وشرط\". وقيل في الجواب: إن الشرط يكون على قسمين: ملائم وغير ملائم له، فالمعنى أنه ﵇ نهى عن نوعي الشرط ملائم وغير ملائم، أما الواحد وهو الملائم فيجوز، وما جاء في الرواية المنع عن بيع وشرط، فالمراد غير الملائم.","vol":"5","page":572},{"text":"٢٨٧١ - [٣٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنْتُ أَبِيعُ الإبِلَ بِالنَّقِيعِ بِالدَّنانِيرِ فآخُذُ مَكَانَهَا الدَّرَاهِمَ، وَأَبِيعُ بِالدَّرَاهِمِ فآخُذُ مَكَانَهَا الدَّنانِيرَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: \"لَا بَأْسَ أَنْ تأْخُذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا مَا لَمْ تَفْتَرِقَا وَبَيْنَكُمَا شَيْءٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارمِيُّ. [ت: ١٢٤٢، د: ٣٥٥٤، ن: ٤٥٨٥، دي: ٢/ ٢٥٩].\nــ\nضمان المشتري.\n٢٨٧١ - [٣٨] (ابن عمر) قوله: (بالنقيع) بالنون: موضع قريب من المدينة، يَستنقع فيه الماء، أي: يجتمع، كذا في (النهاية) (١)، وشرح التُّوربِشْتِي (٢)، وقد يجعل بالباء مرادًا به بقيع الغرقد، فإنهم كانوا يقيمون السوق فيه قبل أن يتخذ مقبرة، وقيل: هذا أقرب لأن (النقيع) بالنون على عشرين فرسخًا من المدينة، فلا يناسب الاستمرارَ المستفاد من قوله: (كنت أبيع)، وعلى ما نقلنا عن (النهاية) وهو المنقول عن زين العرب: أنه موضع قريب من المدينة، لا يتجه هذا الكلام، واللَّه أعلم.\nوقوله: (أن تأخذها) بفتح همزة (أن) ونصب (تأخذها)، أو بكسرها وجزم (تأخذ) أي: لا بأس أن تأخذ بدل الدنانير الدراهم وبالعكس بشرط التقابض في المجلس.\nوقوله: (وبينكما شيء) حال، أي: لم تفترقا والحال أن بينكما شيئًا، أي: شرطًا وهو التقابض، أي: لم يقبضا أحد البدلين أو كليهما، فافهم. والتقييد بسعر اليوم على طريق الاستحباب.\n_________\n(١) \"النهاية\" (٥/ ١٠٨).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٦٨٣).","vol":"5","page":573},{"text":"٢٨٧٢ - [٣٩] وَعَنِ الْعَدَّاءِ بْنِ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ أَخْرَجَ كِتَابًا: هَذَا مَا اشْتَرَى الْعَدَّاءُ بْنُ خَالِدِ بْنِ هَوْذَةَ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً، لَا دَاءَ وَلَا غَائِلَةَ وَلَا خِبْثَةَ، بَيْعَ الْمُسْلِمِ الْمُسْلِمَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٢١٦].\nــ\n٢٨٧٢ - [٣٩] (العدّاء بن خالد) قوله: (وعن العداء) بفتح العين وتشديد الدال المهملتين، و(هوذة) بفتح الهاء وسكون الواو والذال المعجمة.\nوقوله: (أو أمة) شك من بعض الرواة. والداء في اللغة: المرض، وأريد هنا العيب الموجب للخيار، و(الغائلة): الداهية المهلكة، والمراد هنا: العيب الذي فيه اغتيال، أي: إهلاك مال المشتري، مثل كون العبد سارقًا أو آبقًا، وقيل: المراد به الغش والخيانة في حق المشتري، و(الخبثة) صحح في النسخ بضم الخاء وكسرها، وقال في (القاموس) (١): والخِبْثةُ، بالكسر في الرَّقيقِ: أن لا يكونَ طيبةً، أي: سُبي من قوم لا يحل استرقاقهم. وفي (مختصر النهاية) (٢) للسيوطي: ويكتب في عهدة الرقيق: (لا داء ولا غائلة ولا خبثة) الخبثة أن يكون قد أخذ من قوم لا يحل سبيهم.\nوقوله: (بيع المسلم) بالنصب على أنه مفعول مطلق، أي: باعه بيع المسلم من المسلم، فـ (المسلم) الثاني منصوب على نزع الخافض، والمراد بالبيع الشراء أو المبايعة، والمراد رعاية النصح وحقوق الإسلام، وليس فيه ما يدل على أنه إذا عامل مع غير المسلم جاز الغش والخيانة.\nوقوله: (وقال: هذا حديث غريب) وقال: لا نعرفه إلا من حديث عباد، انتهى.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٦٧).\n(٢) \"الدر النثير\" (١/ ٢٧٢).","vol":"5","page":574},{"text":"٢٨٧٣ - [٤٠] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَاعَ حِلْسًا وَقَدَحًا فَقَالَ: \"مَنْ يَشْتَرِي هَذَا الْحِلْسَ وَالْقَدَحَ؟ \" فَقَالَ رَجُلٌ: آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ؟ \" فَأَعْطَاهُ رَجُلٌ دِرْهَمَيْنِ فَبَاعَهُمَا مِنْهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٢١٨، د: ١٦٤١، جه: ٢١٩٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-732> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٨٧٤ - [٤١] عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ بَاعَ عَيْبًا. . . . .\nــ\nوعباد هو ابن ليثٍ الكرابيسي، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أحمد وابن معين: ليس بشيء، كذا قيل، وقالوا: لم يكن منه -ﷺ- بعد الهجرة البيع إلا نادرًا، والغالب كان الشراء، ولعل هذا البيع من تلك النوادر، وأما قبل الهجرة فكان البيع والشراء معًا.\n٢٨٧٣ - [٤٠] (أنس) قوله: (باع حلسًا) بكسر الحاء وسكون اللام: كساء على ظهر البعير تحت البَرْذَعة، ويبسط في البيت تحت حُرِّ الثياب، كذا في (القاموس) (١). (والقدح) بفتحتين، معروف، وكان لأحد من أصحابه فقير كما سبق.\nوقوله: (من يزيد) وفيه دليل على شرعية بيع من يزيد، وهو غير السوم على سوم أخيه، فإن ذلك بعد استقرار الثمن كما مر.\nالفصل الثالث\n٢٨٧٤ - [٤١] (واثلة بن الأسقع) قوله: (من باع عيبًا) أي: معيبًا، وهو\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٩٨ - ٤٩٩).","vol":"5","page":575},{"text":"لَمْ يُنَبِّهْ، لَمْ يَزَلْ فِي مَقْتِ اللَّهِ، أَوْ لَمْ تَزَلِ الْمَلَائِكَةُ تَلْعَنُهُ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٢٤٧].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-733>٦ - باب</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-734> الفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٨٧٥ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ،\nــ\nوصفٌ بالمصدر.\nوقوله: (لم ينبه) من التنبيه، وفي بعض النسخ: (لم يبينه) من التبيين مع الضمير، و(المقت) الغضب، ويقال: مقته مقتًا: غضبه، وقيل: المقت أشدّ الغضب (١).\nوقوله: (أو لم تزل الملائكة) بـ (أو) للشك من الراوي.\n٦ - باب في متممات ولواحق لما سبق في بيان بعض البيوع المنهي عنها\nالفصل الأول\n٢٨٧٥ - [١] (ابن عمر) قوله: (بعد أن تؤبر) بتشديد الموحدة ويستعمل بالتخفيف كثيرًا من نصر وضرب، والتأبير: إصلاح النخل وتلقيحها، وذلك بأن يوضع\n_________\n(١) كذا في الأصول، والظاهر: \"و(المقت) البغض، ويقال: مقته مقتًا: أبغضه، وقيل: المقت أشد البغض\".","vol":"5","page":576},{"text":"فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ، وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْمُبْتَاعُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَرَوَى البُخَارِيُّ الْمَعْنَى الأَوَّلَ وَحْدَهُ. [خ: ٢٣٧٩، م: ١٥٤٣].\nــ\nشيء من طلع فحلها في طلع الأنثى، وقد مرّ ذكره في (باب الاعتصام بالكتاب والسنة)، وهو في هذا الحديث كناية عن ظهور ثمرتها لكونه لازمًا له غالبًا، فلو أبرت ولم تظهر بعدُ ثمرتُها لا يكون الحكم كما ذكر، وهو كون الثمرة للبائع غير تابع للأصل وهو ظاهر، ثم هذا الحكم مختلف فيه بين العلماء، فقيل: الثمرة تتبع الأصل بكل حال، وقيل: لا تتبع، وقيل: تتبع قبل الظهور والصلاح ولا تتبع بعده، وقال الطيبي (١): الأول مذهب أبي حنيفة، وهذا الخلاف في غير صورة الاشتراط، وأما بالاشتراط فيدخل بالاتفاق (٢).\nوقوله: (ومن ابتاع عبدًا وله مال) إضافة المال إلى العبد ليس بطريق التمليك؛ لأن العبد لا يملك فإنَّ مِلْكه لسيده خلافًا للشافعي ﵀ في قوله القديم في الثانية، فلا يدخل في البيع إلا أن يشترط، واختلفوا في ثيابه، وظاهر الحديث أنها لا تدخل، وقيل: يدخل ساتر العورة فحسب.\nوقوله: (وروى البخاري المعنى الأول وحده) يدل على أن البخاري إنما\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٨٧).\n(٢) قال شيخنا في \"التقرير\": قال الأئمة الثلاثة: إن كان البيع قبل التأبير فالثمرة للمشتري. وقال الإمام: إن كان البيع بعد ظهور الثمرة فهي للبائع وإن لم تؤبر. والجواب عن الرواية بأنها ساكتة عن حكم قبل التأبير، ولا عبرة للمفهوم، أو يقال: إن المراد بالتأبير في الرواية الظهور. انتهى. وانظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٩٤١).","vol":"5","page":577},{"text":"٢٨٧٦ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا، فَمَرَّ النَّبِيُّ -ﷺ- بِهِ فَضَرَبَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَيْسَ يَسِيرُ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: \"بِعْنِيهِ بِوُقيَّةٍ\" قَالَ: فَبِعْتُهُ فَاسْتَثْنَيْتُ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي، فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ وَنَقَدَنِي ثَمَنَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ وَرَدَّهُ عَلَيَّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٧١٨، م: ٧١٥].\nــ\nروى الفصل الأول، وذلك أيضًا بالمعنى وفيه ذهول، فإنه قد روى الحديث بتمامه في أواخر (كتاب الشرب)، نعم أخرج قصة النخل وحده في (كتاب البيع) و(كتاب الشروط)، والمصنف نظر ههنا فقط ولم ينظر في (كتاب الشرب).\n٢٨٧٦ - [٢] (جابر) قوله: (أنه كان يسير على جمل) وكان ذلك في سفر قاصد من المدينة.\nوقوله: (قد أعيا) في (القاموس) (١): أعيا الماشي: كَلَّ.\nوقوله: (فضربه) أي: ضرب الجمل بما كان في يده من سوط أو عود.\nوقوله: (بوقية) بضم الواو -وقد تفتح- وكسر القاف وياء مفتوحة مشدودة، والمشهور أوقية: أربعون درهمًا، وجمع الأولى وقايا كخطية وخطايا، والثانية تجمع على أواقي بتشديد الياء وتخفيفها وبحذفها.\nوقوله: (فاستثنيت حملانه) بضم الحاء وسكون الميم مصدر حمل يحمل بمعنى الحمل. وفي (القاموس) (٢): والحُمْلانُ بالضم: ما يُحْمَلُ عليه من الدوابِّ، في الهِبَةِ خاصَّةً، وتمسك أحمد على جواز بيع الدابة باشتراط البائع لنفسه ركوبَها، وقال\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٠٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٠٨).","vol":"5","page":578},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِبِلَالٍ: \"اقْضِهِ وَزِدْه\" فَأَعْطَاهُ وَزَادَهُ قِيرَاطًا.\n٢٨٧٧ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: . . . . .\nــ\nمالك: يجوز إذا كانت المسافة قريبة، وكذلك كان في قصة جابر.\nوقال أبو حنيفة والشافعي: لا يجوز مطلقًا؛ للحديث الوارد في النهي عن بيعٍ وشرطٍ، والجواب عن حديث جابر أنه لم يكن الشرط في صلب العقد (١) ويؤيده ما وقع في بعض طرق هذا الحديث: (أخذته منك بوقية، اركبه) (٢)، وفي رواية: (قال جابر -﵁-: بعت من النبي -ﷺ- جملًا وأَفْقرني ظهرَه إلى المدينة)، والإفقار لغةً: إعارة الظهر للركوب، في (القاموس) (٣): أفقرك بعيرَه: أعارك ظهره للحمل، ويؤيد هذا الوجه أيضًا ما نقلنا في معنى الحملان من (القاموس).\nوقوله: (وزاده قيراطًا) في (القاموس) (٤): والقِيراطُ والقِرَّاطُ، بكسرهما: يَخْتَلِفُ وزْنُهُ بحسَبِ البِلادِ، فبِمَكَّةَ رُبُعُ سُدُسِ دينارٍ، وبالعراقِ نِصْفُ عُشْرِهِ.\n٢٨٧٧ - [٣] (عائشة) قوله: (جاءت بريرة) بفتح الباء وبرائين على وزن فقيرة، وكانت مملوكة ليهودي.\n_________\n(١) قال القاري: وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ جَابِرٍ بِأَنَّهَا قَضِيَّةٌ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا احْتِمَالَاتٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ الثَّمَنَ وَلَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْبَيْعِ، وَيَحْتَملُ أَنَّ الشَّرْطَ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يَضُرُّ الشَّرْطُ إِذَا كَانَ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ، وَلَعَلَّ الشَّرْطَ كَانَ سَابِقًا فَلَمْ يُؤَثِّرْ ثُمَّ تَبَرَّعَ -ﷺ- بِإِرْكَابِهِ، انتهى. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٩٤٢).\n(٢) انظر: \"شرح السنة\" (٨/ ١٥٧).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٢٦).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٢٨).","vol":"5","page":579},{"text":"إِنِّي كَاتَبْتُ عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ فَأَعِنِينِي، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً وَأُعْتِقَكِ فَعَلْتُ، وَيَكُونُ وَلَاؤُكِ لِي، فَذَهَبَتْ إِلَى أَهْلِهَا فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خُذِيهَا وَأَعْتِقِيهَا\". ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي النَّاسَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: \"أَمَّا بعد! فَمَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِئَةَ شَرْطٍ، فَقَضَاءُ اللَّهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللَّهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٦٨، ٢٥٦٣، م: ١٥٠٤].\nــ\nوقوله: (أن أعدَّها عدة) بفتح العين للمرة، أي: أشتريك منهم، ولعلها عجزت عن أداء بدل الكتابة، وأجاز بعض العلماء -ومنهم مالك وأحمد- بيع المكاتب، وقالوا: ولكن لا تنفسخ كتابته، حتى لو أدى النجوم إلى المشتري عتق.\nوقوله: (خذيها وأعتقيها) ويكون الولاء لك، وشرطُ كون الولاء لهم باطل.\nوقوله: (شروطًا ليست في كتاب اللَّه) أي: في حكم اللَّه، أو ليست على مقتضى حكم كتاب اللَّه، وقيل: يتوهم أن هذا متضمن للخداع والتغرير، فكيف أذن رسول اللَّه -ﷺ- لأهله بذلك؟ والجواب: أنه كان جهلًا باطلًا منهم، فلا اعتداد بذلك.\nوأشكَلُ من ذلك ما ورد في بعض الروايات: (خذيها واشترطي الولاء لهم، فإن الولاء لمن اعتق)، والجواب باشتراط لهم تسليم قولهم الباطل بإرخاء العنان دون إثباته لهم، وقد يجاب بأن قوله: (لهم) بمعنى: عليهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: ٥٢]، أي: عليهم، وحديث بريرة له طرق كثيرة مذكورة في الصحاح وغيرها، والكلام فيه طويل فراجع إليها، واللَّه أعلم.","vol":"5","page":580},{"text":"٢٨٧٨ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ بَيْعِ الْوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٣٥، م: ١٥٠٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-735> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٨٧٩ - [٥] عَنْ مَخْلَدِ بْنِ خُفَافٍ قَالَ: ابْتَعْتُ غُلَامًا فَاسْتَغْلَلْتُهُ، ثُمَّ ظَهَرْتُ مِنْهُ عَلَى عَيْبٍ، فَخَاصَمْتُ فِيهِ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَقَضَى لِي بِرَدِّهِ، وَقَضَى عَلَيَّ بِرَدِّ غَلَّتِهِ، فَأَتَيْتُ عُرْوَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: أَرُوحُ إِلَيْهِ الْعَشِيَّةَ، فَأُخْبِرُهُ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَضَى فِي مِثْلِ هَذَا: . . . . .\nــ\n٢٨٧٨ - [٤] (ابن عمر) قوله: (عن بيع الولاء، وعن هبته) ذهب الجمهور من العلماء من السلف والخلف إلى عدم جوازه، لأنه لحمةٌ كلحمة النسب، وأجازه بعضهم، قال النووي في (شرح صحيح مسلم) (١): ولعلهم لم يبلغهم الحديث، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n٢٨٧٩ - [٥] (مخلد بن خفاف) قوله: (مخلد) بفتح الميم واللام بينهما خاء معجمة، (ابن خفاف) بضم الخاء المعجمة مخففًا.\nوقوله: (ابتعت) أي: اشتريت.\nوقوله: (فاستغللته) أي: أخذت غلته، أي: أجرته، والغلة: الدخل الذي يحصل من كراء دار وأجر غلام وفائدة أرض وغيرها.\nوقوله: (ثم ظهرت) أي: اطلعتُ.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٤٠٧).","vol":"5","page":581},{"text":"أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ، فَرَاحَ إِلَيْهِ عُرْوَةُ فَقَضَى لِي أَنْ آخُذَ الْخَرَاجَ مِنَ الَّذِي قَضَى بِهِ عَلَيَّ لَهُ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٨/ ١٦٤].\n٢٨٨٠ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا اخْتَلَفَ الْبَيِّعَانِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ، وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ\". . . . .\nــ\nوقوله: (أن الخراج بالضمان): أي غلة العين المبتاعة تُستحق بسبب الضمان، والمبيع في هذه الصورة في ضمان المشتري فكان الخراج له، ومنه الغُنْم بالغُرْم (١).\n٢٨٨٠ - [٦] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (إذا اختلف البيعان) بكسر التحتانية وتشديدها بمعنى المتبايعان، إذا اختلف البائع والمشتري في قدر الثمن أو في شرط الخيار أو غيرها من الشرائط فمذهب الشافعي أن يحلف البائع أنه ما باعه\n_________\n(١) قال القاري: وَالْمُرَادُ بِالْخَرَاجِ مَا يَحْصُلُ مِنْ غَلَّةِ الْعَيْنِ الْمُبْتَاعَةِ عَبْدًا كَانَ أَوْ أَمَةً أَوْ مِلْكًا، وَذَلِكَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ فَيَسْتَغِلَّهُ زَمَانًا، ثُمَّ يَعْثُرُ مِنْهُ عَلَى عَيْبٍ قَدِيمٍ لَمْ يُطْلِعْهُ الْبَائِعُ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يَعْرِفْهُ، فَلَهُ رَدُّ الْعَيْنِ الْمَعِيبَةِ وَأَخْذُ الثَّمَنِ وَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي مَا اسْتَغَلَّهُ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ لَكَانَ مِنْ ضَمَانِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ شَيْءٌ. فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\": قَالَ الشَّافِعِيُّ -﵀- فِيمَا يَحْدُثُ فِي يَدِ الْمَشْتَرِي مِنْ نِتَاجِ الدَّابَّةِ وَوَلَدِ الأَمَةِ وَلَبَنِ الْمَاشِيَةِ وَصُوفِهَا وَثَمَرِ الشَّجَرَةِ: إِنَّ الْكُلَّ يَبْقَى لِلْمُشْتَرِي وَلَهُ رَدُّ الأَصْلِ بِالْعَيْبِ، وَذَهَبَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ -﵀-: أَنَّ حُدُوثَ الْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي يَمْنعُ رَدّ الأَصْل بِالْعَيْبِ بَلْ يَرْجِعُ بِالأَرْشِ. وَقَالَ مَالِكٌ -﵀- يَرُدُّ الْوَلَدَ مَعَ الأَصْلِ وَلَا يَرُدُّ الصُّوفَ، وَلَوِ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوُطِئَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي بِالشُّبْهَةِ، أَوْ وَطِئِهَا ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا، فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا رَدَّهَا وَالْمَهْرُ لِلْمُشْتَرِي، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ هُوَ الْوَاطِئَ، وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا فَافْتُضَّتْ فَلَا رَدَّ لَهُ؛ لِأَنَّ زَوَالَ الْبَكَارَةِ نَقْصٌ حَدَثَ فِي يَدِهِ، بَلْ يَسْتَرِدُّ مِنَ الثَّمَنِ بِقَدْرِ مَا نَقَصَ الْعَيْبُ مِنْ قِيمَتِهَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ. انتهى. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٩٤٥).","vol":"5","page":582},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيِّ قَالَ: \"الْبَيِّعَانِ إِذَا اخْتَلَفَا وَالْمَبِيعُ قَائِمٌ بِعَيْنِهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ، فَالْقَوْلُ مَا قَالَ الْبَائِعُ أَوْ يَتَرادَّانِ الْبَيْعَ\". [ت: ١٢٧٠، جه: ٢١٨٦، دي: ٢/ ٢٥٠].\nــ\nبكذا بل بكذا، ثم المشتري مخيّر إن شاء رضي بما حلف عليه البائع وإن شاء حلف أنه ما اشتراه إلا بكذا، فإذا تحالفا فإن رضي أحدهما بقول الآخر فذلك، وإن لم يرضيا فسخ القاضي العقد بينهما سواء كان المبيع باقيًا أو لا، ومتمسكه هذا الحديث بإطلاقه.\nوعندنا إن كان الاختلاف في الثمن وكان المبيع باقيًا يتحالفان؛ لما جاء في بعض ألفاظ الحديث لابن مسعود الآتي: (إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما تحالفا وترادّا)؛ لأن كلًّا منهما مدّعٍ ومنكِرٌ، وهذا إن لم يكن لأحدهما بينة -كما يدل عليه الحديث- بعد أن يقال لكل واحد: إما أن ترضى بقول صاحبك وإلا فسخنا البيع، فإن لم يتراضيا استحلف الحاكم كل واحد منهما على دعوى الآخر، فإن كان لأحدهما بينة فذاك، وإن أقام كل واحد منهما بينة كانت البينة المثبتة للزيادة أولى، ولو كان الاختلاف في الثمن والمبيع جميعًا فبينة البائع أولى في الثمن وبينة المشتري أولى في المبيع نظرًا إلى زيادة الإثبات، ولا تحالف عندنا في الأجل وشرط الخيار وقبض بعض الثمن كذا في (الهداية) (١)، والأحاديث المذكورة كلها قد تكلم فيها، فالمدار على الحديث المشهور: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر) (٢).\n_________\n(١) \"الهداية\" (٣/ ١٦٠).\n(٢) انظر: \"صحيح البخاري\" (٤٥٥٢)، و\"صحيح مسلم\" (١٧١١).","vol":"5","page":583},{"text":"مُسْلِمًا أَقَالَهُ اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٤٦٠، جه: ٢١٩٩].\nوَفِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" بِلَفْظِ \"الْمَصَابِيحِ\" عَنْ شُرَيْحِ الشَّامِي مُرْسَلًا. [شرح السنة: ٨/ ١٦١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-736> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٨٨٢ - [٨] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اشْتَرَى رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ عَقَارًا مِنْ رَجُلٍ، فَوَجَدَ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ عَنِّي إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ الْعَقَارَ وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ، فَقَالَ بَائِعُ الأَرْضِ: إِنَّمَا بِعْتُكَ الأَرْضَ وَمَا فِيهَا، فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدٌ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلَامٌ، وَقَالَ الآخر: لِي جَارِيَةٌ، فَقَالَ: أَنْكِحُوا الْغُلَامَ الْجَارِيَةَ،\nــ\n٢٨٨١ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (بلفظ المصابيح) وهو (من أقال أخاه المسلم صفقةً كرهها أقال اللَّه عثرته يوم القيامة)، وفي قوله: (مرسلًا) إشارة إلى اعتراض على صاحب (المصابيح) حيث ترك المسند وذكر المرسل، ولعله إنما ذكره لكونه صريحًا في المقصود من الباب.\nالفصل الثالث\n٢٨٨٢ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (فقال: أنكحوا الغلام الجارية) لمَّا رأى الرجلُ صدق نيتهما ونصيحة كل واحد منهما لصاحبه، راعى جانب كل منهما في ذلك.","vol":"5","page":584},{"text":"وَأَنْفِقُوا عَلَيْهِمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقُوا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٨٥، م: ١٧٢١].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-737>٧ - باب السلم والرهن</span>\nــ\nوقوله: (وتصدقوا) إما بيان لـ (أنفقوا)، أو المراد: تصدقوا على الفقراء مما فضل من حاجتهما، واللَّه أعلم (١).\n٧ - باب السلم والرهن\nالسلم في اللغة اسم من التسليم، وفي عرف الفقهاء عبارة عن بيع الشيء على أن يكون دينًا على البائع بالشرائط المعتبرة شرعًا (٢)، وقد بينت في كتب الفقه، سمي به لتسليم الثمن إلى البائع قبل تسليمه المبيع، وقد يجيء السلف أيضًا بمعناه، وقد جاء في الحديث: (يسلمون) و(يسلفون) غير أن الاسم الخاص بهذا الباب هو السلم، والسلف يقال على القرض أيضًا، فلذلك ترجموا الباب بالسلم وهو جائز بالإجماع، وقد حملوا عليه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وروي ذلك عن ابن عباس وغيره.\nوالرهن في الأصل بمعنى الحبس وكل ما احتبس بشيء فهو رهينة ومرتهنة، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨]. وفي (القاموس) (٣): الرَّهْنُ:\n_________\n(١) قال شيخنا في \"التقرير\": الخزينة إن كانت حديث عهد فللبائع، وإن كانت قديم عهد فللمختلط له، وإن كان على سبيل المعدن فللمشتري. ووجه التحكيم أن كلًّا منهما كان يثبته للآخر؛ لأنه إذا قال أحد منهما: إن كان لي فانا أعطيك، فلا حاجة إليه.\n(٢) ذكرها شيخنا في \"الأوجز\" بالتفصيل (١٢/ ٦٠٦ - ٦٢٠) فارجع إليه.\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٠٧).","vol":"5","page":585},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-738> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٨٨٣ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ، فَقَالَ: \"مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٢٩، ٢٢٤٠، ٢٢٤١، م: ١٦٠٤].\n٢٨٨٤ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَت: اشْتَرَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- طَعَامًا من يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٦٨، م: ١٦٠٣].\nــ\nما وضع عندك لينوب مناب ما أخذ منك، وجمعه: رهان ورهون ورُهُن، بضمتين، والرهن في الشرع: جعل الشيء محبوسًا بحق يمكن استيفاؤه منه كالديون، وهو ثابت بالكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] والتقييد بالسفر اتفاقي، وأما السنة فلما ورد في الحديث أن النبي -ﷺ- اشترى من يهودي طعامًا ورهنه به درعَه.\nالفصل الأول\n٢٨٨٣ - [١] (ابن عباس) قوله: (إلى أجل معلوم) ظاهره اشتراط الأجل في السلم وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والصحيحُ من مذهب أحمد، وقال الشافعية: لا يشترط الأجل، والمراد في الحديث أنه إن أجّل اشتُرط أن يكون الأجل معلومًا كما في قرائنه.\n٢٨٨٤ - [٢] (عائشة) قوله: (ورهنه درعًا له) نقل الطيبي عن (شرح السنة) (١):\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٩٦).","vol":"5","page":586},{"text":"٢٨٨٥ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٩١٦، ٤٤٦٧].\n٢٨٨٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الظَّهْرُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا،\nــ\nأن فيه دليلًا على جواز المعاملة مع أهل الذمة وإن كان مالهم لا يخلو عن الربا وثمن الخمر.\nأقول: وذلك لأن الكفار غير مكلفين بالشرائع فلا تتحقق الحرمة في أموالهم.\nوفي (القاموس) (١): درع الحديد وقد تذكَّر، والدرع من المرأة: قميصها مذكَّر، وفي (الصراح) (٢): درع بالكسر زره وبيراهن زن.\n٢٨٨٥ - [٣] (وعنها) قوله: (رواه البخاري) وعزاه بعضهم إلى مسلم ولم يكن فيه.\n٢٨٨٦ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (الظهر يركب) الظهر خلاف البطن، والمراد ظهر الدابة. وفي (مختصر النهاية) (٣): الظهر: الإبل التي يحمل عليها وتركب.\nوقوله: (ولبن الدر) قال (الكرماني) (٤): الدر مصدر بمعنى الدارَّة، أي: ذات الضرع.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (٢/ ٢٦٨).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٣١١).\n(٣) \"الدر النثير\" (٢/ ٦٤٥).\n(٤) \"شرح الكرماني\" (١١/ ٧١).","vol":"5","page":587},{"text":"وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَشْربُ النَّفَقَةُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٥١٢].\nــ\nوقوله: (وعلى الذي يركب) أي: سواء كان راهنًا أو مرهونًا.\nوهذا الحديث يدل على أن للمرتهن أن ينتفع بالرهن وينفق عليه، وجمهور الفقهاء على خلافه، وفي (الهداية) (١): وليس للمرتهن أن ينتفع بالرهن، ونفقة الرهن على الراهن، وقالوا: هذا الحديث منسوخ بالحديث الآتي (٢).\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٤١٥ - ٤١٦).\n(٢) قَالَ الطِّيبِيُّ (٧/ ٢١٦٥): وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرْهُونَ لَا يُهْمَلُ وَمَنَافِعَهُ لَا تُعَطَّلُ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ ينْتَفِعَ بِهِ وَيُنْفقَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لَهُ غُنْمُهُ عَلَيْهِ غُرْمُهُ، وَالْعُلَمَاءُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ الأَكْثَرُونَ إِلَى أَن مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ لِلرَّاهِنِ مُطْلَقًا وَنَفَقَتَهُ عَلَيْهِ؛ لأَنَّ الأَصْلَ لَهُ، وَالْفُرُوعُ تَتْبَعُ الأُصُولَ، وَالْغُرْمُ بِالْغُنْمِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَبْدًا فَمَاتَ كَانَ كَفَنُهُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ رَوَى ابْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ\". وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ: لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَنْتَفِعَ مِنَ الْمَرْهُونِ بِحَلْبٍ وَرُكُوبٍ دُونَ غَيْرِهِمَا وَيُقَدَّرُ بِقَدْرِ النَّفَقَةِ، وَاحْتَجَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنْ يُقَالَ: دَلَّ الْحَدِيثُ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى إِبَاحَةِ الِانْتِفَاعِ فِي مُقَابَلَةِ الإِنْفَاقِ، وَانْتِفَاعُ الرَّاهِنِ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لأَنَّ إِبَاحَتَهُ مُسْتَفَادَةٌ لَهُ مِنْ تَمَلُّكِ الرَّقَبَةِ لَا مِنَ الإِنْفَاقِ، وَبِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ جَوَازَ الِانْتِفَاعِ مَقْصُورٌ عَلَى هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ مِنَ الْمَنْفَعَةِ، وَجَوَازُ انْتِفَاعِ الرَّاهِنِ غَيْرُ مَقْصُورِ عَلَيْهِمَا، فَإِذًا الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالرُّكُوبِ وَالْحَلْبِ مِنَ الْمَرْهُونِ بِالنَّفَقَةِ، وَأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ لَزِمَهُ النَّفَقَةُ، وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ بآية الرِّبَا، فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى انْتِفَاعِ الْمُرْتَهِنِ بِمَنَافِعِ الْمَرْهُونِ بِدَيْنِهِ، وَكُلُّ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعًا فَهُوَ رِبًا، وَالأَوْلَى أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ الْبَاءَ فِي \"بِنَفَقَتِهِ\" لَيْسَتْ لِلْبَدَلِيَّةِ بَلْ لِلْمَعِيَّةِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ الظَّهْرَ يُرْكَبُ وَيُنْفَقُ عَلَيْهِ، فَلَا يَمْنَعُ الرَّهْنُ الرَّاهِنَ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِالْمَرْهُونِ، وَلَا يُسْقِطُ عَنْهُ الإِنْفَاقُ كَمَا صُرِّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الآخَرِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٩٤٨).","vol":"5","page":588},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-739> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٨٨٧ - [٥] عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ الرَّهْنَ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ\". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مُرْسَلًا. [مسند الشافعي: ١/ ١٤٨].\n٢٨٨٨ - [٦] وَرُوِيَ مِثْلُهُ أَوْ مِثْلُ مَعْنَاهُ لَا يُخَالِفُ عَنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُتَّصِلًا.\n٢٨٨٩ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: . . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n٢٨٨٧ - [٥] (سعيد بن المسيب) قوله: (لا يغلق الرهن الرهن (١» لا يغلق بفتح الياء واللام، أي: لا يَمنع، والرهن الأول بمعنى المصدر، والثاني: بمعنى المرهون.\nوقوله: (له غنمه) أي: زيادته، (وعليه كرمه) أي: هلاكه، أي: ما يحصل من المرهون زوائد تكون للراهن، وإذا هلك في يد المرتهن لا يسقط بهلاكه شيء من حق المرتهن.\n٢٨٨٨ - [٦] قوله: (وروي) بلفظ المجهول أو المعلوم.\nوقوله: (أو مثل معناه) والظاهر أن يكون: أو نحوه، والضمير في (عنه) لسعيد ابن المسيب، وهو حالٌ عنه، أي: مرويًا عن سعيد بن المسيب.\n٢٨٨٩ - [٧] (ابن عمر) قوله: . . . . .\n_________\n(١) قال القاري: وَكَانَ هَذَا مِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ أَنَّ الرَّاهِنَ إِذَا لَمْ يَرُدَّ مَا عَلَيْهِ فِي الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ مَلَكَ الْمُرْتَهِنُ الرَّهْنَ فَأَبْطَلَهُ الإِسْلَامُ. انتهى. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٩٤٩).","vol":"5","page":589},{"text":"\"الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالْمِيزَانُ مِيزَانُ أَهْلِ مَكَّةَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٣٣٤٠، ن: ٢٥٢٠، ٤٥٩٤].\n٢٨٩٠ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَصْحَابِ الْكَيْلِ وَالْمِيزَانِ: \"إِنَّكُمْ قَدْ وُلِّيتُمْ أَمْرَيْنِ هَلَكَتْ فِيهِمَا الأُمَمُ السَّابِقَةُ قَبْلَكُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٢١٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-740> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٨٩١ - [٩] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إِلَى غَيْرِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ\". . . . .\nــ\n(المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل مكة) أي: في الحقوق الشرعية كالزكاة وصدقة الفطر؛ لأن أهل المدينة أهل زراعات، فهم أعلم بأحوال المكاييل، وأهل مكة أصحاب تجارات فهم أعلم بالموازين، كذا قيل.\n٢٨٩٠ - [٨] (ابن عباس) قوله: (قد وليتم) بلفظ المجهول من التولية، أي: جعلتم حكامًا في أمرين، أي: الكيل والميزان، والمراد بالأمم السابقة قوم شعيب، وإنما أطلق عليهم الأمم لكثرتهم أو لجعل كل جماعة منهم أمة، أو المراد هم ومن يحذو حذوهم، وقيل: المراد بالأمرين الصف في الصلاة والغرر، والأول هو المناسب لترجمة الباب وسياق الحديث.\nالفصل الثالث\n٢٨٩١ - [٩] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فلا يصرفه إلى غيره) أي: غير ما أسلف فيه بأن تبدل المبيع قبل القبض لغيره، والمقصود النهي عن التصرف في المُسْلم فيه","vol":"5","page":590},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٤٦٨، جه: ٢٣٠٣].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-741>٨ - باب الاحتكار</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-742> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٨٩٢ - [١] عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنِ احْتَكَرَ فَهُوَ خَاطِئٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عُمَرَ -﵁-: . . . . .\nــ\nقبل قبضه، وقيل: الضمير لـ (من)، أي: لا يبعه من غيره، والمآل واحد.\n٨ - باب الاحتكار\nالحَكْر في الأصل: الظلم وإساءة المعاشرة، وفي الشرع (١): احتباس الأقوات لانتظار الغلاء به، بأن يشتري الطعام في وقت الغلاء ويدخره ليغلو، أما إن جاء من قرية أو اشترى في وقت الرخص وادخره وباعه في وقت الغلاء فليس باحتكار محرم، وكذا لا يحرم الاحتكار في غير الأقوات (٢).\nالفصل الأول\n٢٨٩٢ - [١] (معمر) قوله: (فهو خاطئ) بالهمزة، أي: آثم، و(بنو النضير)\n_________\n(١) قال القاري (٥/ ١٩٥٠): هُوَ حَبْسُ الطَّعَامِ حِينَ احْتِيَاجِ النَّاسِ بِهِ حَتَّى يَغْلُوَ. وقال الحافظ (٤/ ٣٤٨): الاحتكار الشرعي إمساك الطعام عن البيع وانتظار الغلاء مع الاستغناء عنه وحاجة الناس إليه.\n(٢) وَاسْتَدَلَّ مَالِكٌ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الِاحْتِكَارَ حَرَامٌ مِنَ الْمَطْعُومِ وَغَيْرِهِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٩٥٠).","vol":"5","page":591},{"text":"\"كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ\" فِي \"بَابِ الْفَيْءِ\" إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى. [م: ١٦٠٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-743> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٨٩٣ - [٢] عَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"الْجَالِبُ مَرْزُوقٌ، وَالْمُحْتكِرُ مَلْعُونٌ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [جه: ٢١٥٣، دي: ٢/ ٢٤٩].\n٢٨٩٤ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: غَلَا السِّعْرُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! سَعِّرْ لَنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسطُ الرَّازِقُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَلْقَى رَبِّي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلِمَةٍ بِدَمٍ وَلَا مَالٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٣١٤، د: ٣٤٥١، جه: ٢٢٥، دي: ٢/ ٢٤٩].\nــ\nبالضاد المعجمة وفتح النون على وزن أمير: حي من يهود، وهو أخو قريظة بضم القاف.\nالفصل الثاني\n٢٨٩٣ - [٢] (عمر) قوله: (الجالب) المراد به الذي يجلب الطعام إلى البلد ليبيعه بسعره خلاف المحتكر.\nوقوله: (مرزوق) أي: يرزقه اللَّه ويوسع عليه رزقه وإن باع رخيصًا ويرحمه ببركة نيته، (والمحتكر ملعون) أي: مطرود عن رحمة اللَّه تعالى لفساد نيته، ويحرمه اللَّه عن البركة في الرزق.\n٢٨٩٤ - [٣] (أنس) قوله: (غلا السعر) بالكسر الذي يقوم عليه الثمن، ويقال بالفارسية: نرخ، و(سعر لنا) من التسعير، أي: عيِّن السعر، والمظلمة بكسر اللام:","vol":"5","page":592},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-744> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٨٩٥ - [٤] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنِ احْتكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ ضَرَبَهُ اللَّهُ بِالْجُذَامِ وَالإِفْلَاسِ\" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\"، وَرَزِينٌ فِي كِتَابِهِ. [جه: ٢١٥٥، هب: ١٠٧٠٤].\n٢٨٩٦ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنِ احْتكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا. . . . .\nــ\nما تطلبه من عند الظالم مما أخذه منك، وقد يفتح اللام ويضم، والأشهر الأفصح كسرها، وفي (القاموس) (١): المظلمة بكسر اللام: ما تَظَلَّمَه الرجل، وفيه نهي عن التسعير، ووجه النهي: التصرفُ فِي أموال الناس بغير إذنهم فيكون ظلمًا، وربما يؤدي إلى الامتناع من البيع، وهو يؤدي إلى القحط، والمراد أنه لا يكلَّف الناس بالتسعير، ولكن يؤمرون بالإنصاف والشفقة على الخلق والنصيحة لهم.\nالفصل الثالث\n٢٨٩٥ - [٤] (عمر بن الخطاب) قوله: (طعامهم) أي: قوتهم وما به معاشهم، ولهذا المعنى أضيف إليهم.\nوقوله: (ضربه اللَّه بالجذام والإفلاس) يعني: ابتلاه اللَّه بالبلاء في البدن والمال بالفساد فيهما، وزوال البركة والصلاح عنهما.\n٢٨٩٦ - [٥] (ابن عمر) قوله: (أربعين يومًا) قالوا: ليس المراد به التحديد،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٤٥).","vol":"5","page":593},{"text":"يُرِيدُ بِهِ الْغَلَاءَ، فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ وَبَرِئَ اللَّهُ مِنْهُ\". رَوَاهُ رَزِينٌ. [حم: ٢/ ٣٣].\n٢٨٩٧ - [٦] وَعَنْ مُعَاذٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"بِئْسَ الْعَبْدُ الْمُحْتَكِرُ: إِنْ أَرْخَصَ اللَّهُ الأَسْعَارَ حَزِنَ، وَإِنْ أَغْلَاهَا فَرِحَ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\"، وَرَزِينٌ فِي كِتَابِهِ. [هب: ١٠٧٠٢].\n٢٨٩٨ - [٧] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنِ احْتَكَرَ طَعَامًا أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثمَّ تَصَدَّقَ بِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ كفَّارَةً\". رَوَاهُ رَزِينٌ (١).\n* * *\nــ\nبل المراد أن يجعل ذلك حرفته ويتمرن به، وأقل ما يتمرن المرء في حرفته هذه المدة.\nوقوله: (برئ من اللَّه) فيه تشديد بليغ.\n٢٨٩٧ - [٦] (معاذ) قوله: (أرخص اللَّه الأسعار. . . إلخ) إشارة إلى علة حرمة الاحتكار وهو ترك الشفقة على خلق اللَّه.\n٢٨٩٨ - [٧] (أبو أمامة) قوله: (ثم تصدق به) أي: مع أنه يتصدق بذلك (لم يكن له كفارة) بالنصب على أنه خبر كان، واسمه الضمير في (لم يكن) للتصدق، وقد يرفع، وفيه أن التصدق بالمال المأخوذ من الخلق ظلمًا ليس بمقبول.\n_________\n(١) وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ مُعَاذ بن جبل قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: \"مَنِ احْتَكَرَ طَعَامًا عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَتَصَدَّقَ بِهِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ\". \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٩٥٢)، و\"تاريخ دمشق\" (١٧/ ٦٣).","vol":"5","page":594},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-745>٩ - باب الإفلاس والإنظار</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-746> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٨٩٩ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَيُّمَا رَجُلٍ أَفْلَسَ فَأَدْرَكَ رَجُلٌ مَالَهُ بِعَيْنِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٠٢، م: ١١٩٤].\nــ\n٩ - باب الإفلاس والإنظار\nقال في (القاموس) (١): أفْلَسَ الرجل: إذا لم يَبْقَ له مالٌ، كأَنما صارتْ دَراهِمُه فُلوسًا، أو صارَ بحيثُ يقالُ: ليس معه فَلْسٌ. وفَلَّسَهُ القاضي تَفْليسًا: حَكَمَ بِإِفْلاسِهِ، انتهى. وكأن المعنى الأول مبنيٌّ على كون الهمزة للصيرورة، والثاني: على كونها للسلب، وتوضيحه ما ذكر في (شرح كتاب الخرقي) (٢): الفَلَس في اللغة: ذهاب المال غير الفلوس، قال ابن فارس: يقال: أفلس الرجل: إذا صار ذا فلوس، بعد أن كان ذا دراهم، وقيل: هو العدم، يقال: أفلس بالحجة: إذا عدمها، وقيل: هو من قولهم: تمر مفلس: إذا خرج منه نواه، فهو خروج الإِنسان من ماله، والإنظار والنظِرة بكسر الظاء: التأخير، ومنه قوله تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، وأنظره: أخره.\nالفصل الأول\n٢٨٩٩ - [١] (أبو هريرة) قوله: (أيما رجل أفلس. . . إلخ) مثلًا: اشترى رجل شيئًا بثمن فأفلس، ووجد البائع عين المبيع عنده، جاز له أن يفسخ البيع ويأخذ عين\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٢٢).\n(٢) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٣/ ١٧٥).","vol":"5","page":595},{"text":"٢٩٠٠ - [٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: أُصِيبَ رَجُلٌ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي ثِمَارٍ ابْتَاعَهَا، فَكَثُرَ دَيْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَصَدَّقُوا عَلَيْهِ\"، فَتَصَدَّقَ النَّاسُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِك وَفَاءَ دَيْنِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِغُرَمَائِهِ: \"خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ، وَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٥٦].\n٢٩٠١ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قال: \"كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِرًا تَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، قَالَ: فَلَقِيَ اللَّهَ فَتَجَاوَزَ عَنْهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٧٨، ٢٤٨٠، م: ١٥٦٢].\nــ\nماله، وكذا إن أخذ بعض الثمن وأفلس بالباقي، أخذ من عين ماله بقدر ما بقي من الثمن، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وبه قال مالك والشافعي، كذا ذكره الطيبي عن (شرح السنة) (١)، وبه قال أحمد كما ذكر في (كتاب الخرقي)، ولكن ذكر أنه إنما يثبت إفلاسه بالتفليس، يعني حكم القاضي بإفلاسه (٢).\n٢٩٠٠ - [٢] (أبو سعيد) قوله: (ليس لكم إلا ذلك) أي: ليس لكم زجره وحبسه، لأنه ظهر إفلاسه فيجب الإنظار، وليس معناه أنه قد بطل حقهم في الباقي.\n٢٩٠١ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (لفتاه) أي: لغلامه، ويقال: للعبد فتى وللأمة فتاة وإن كانا شيخين كبيرين لعدم توقيرهما، هكذا قالوا، ويمكن أن يقال: لجلادتهما في الخدمة والتردد فيها مثل الفتيان وإن كانا كبيرين.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ١٠٥).\n(٢) وَعِنْدَنَا لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ وَالأَخْذُ، بَلْ هُوَ كَسَائِرِ الْغُرَمَاءِ، فَحَمَلْنَا الْحَدِيثَ عَلَى الْعَقْدِ بِالْخِيَارِ، أَيْ: إِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ وَظَهَرَ لَهُ فِي مُدَّتِهِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُفْلِسٌ، فَالأَنْسَبُ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ الْفَسْخَ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٩٥٣).","vol":"5","page":596},{"text":"٢٩٠٢ - [٤] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٦٣].\n٢٩٠٣ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَنْجَاهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَة\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٦٣].\n٢٩٠٤ - [٦] وَعَنْ أَبِي الْيَسَرِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٠٠٦].\n٢٩٠٥ - [٧] وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: اسْتَسْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. . . . .\nــ\n٢٩٠٢ - [٤] (أبو قتادة) قوله: (أن ينجيه اللَّه) من الإنجاء أو التنجية روايتان، (فلينفس) من التنفيس بمعنى التفريج، من نَفَس الإنسان أو نَفَس الريح، أي: فليؤخر مطالبته، والكرب بضم الكاف وفتح الراء جمع الكربة: الحزن يأخذ بالنفس، والوضع وضع الكل أو البعض.\n٢٩٠٣ - [٥] (وعنه) قوله: (من أنظر معسرًا. . . إلخ) في معنى الحديث الأول بعينه.\n٢٩٠٤ - [٦] (أبو اليسر) قوله: (وعن أبي اليسر) بفتح التحتانية والسين المهملة.\nوقوله: (أظله اللَّه) أي: وقاه اللَّه من حرّ يوم القيامة، أو أقعده تحت عرشه.\n٢٩٠٥ - [٧] (أبو رافع) قوله: (استسلف) أي: استقرض، وفيه دليل على جواز استقراض الحيوان، وعند أبي حنيفة لا يجوز، وقالوا: هذا الحديث منسوخ (١).\n_________\n(١) قال القاري: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَدَّ الأَجْوَدِ فِي الْقَرْضِ أَوْ فِي الدَّيْنِ سُنَّةٌ وَمَكَارِمُ الأَخْلَاقِ، =","vol":"5","page":597},{"text":"بَكْرًا، فَجَاءَتْهُ إِبِلٌ مِنَ الصَّدَقَةِ. قَالَ أَبُو رَافِعٍ: فَأَمَرَنِي أَنْ أَقْضِيَ الرَّجُلَ بَكْرَهُ، فَقُلْتُ: لَا أَجِدُ إِلَّا جَمَلًا خِيَارًا رَبَاعِيًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَعْطِهِ إِيَّاهُ، فَإِنَّ خَيْرَ النَّاسِ أَحْسَنُهُمْ قَضَاءً\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٠٠].\n٢٩٠٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَجُلًا تَقَاضَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ: \"دَعُوهُ؛ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالًا، وَاشْتَرُوا لَهُ بَعِيرًا فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ\" قَالُوا: لَا نَجِدُ إِلَّا أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ، قَالَ: \"اشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ؛ فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٠٦، م: ١٦٠١].\nــ\nوقوله: (بكرًا) بفتح الباء وسكون الكاف: الفتاة من الإبل.\nوقوله: (خيارًا) أي: مختارًا، و(رباعيًا) بالتخفيف، أي: الإبل الذي ألقى رباعيته، وهي السن الذي بين الثنية والناب، وإعرابه كإعراب قاض، وفي الحديث دليل على أن رد الأجود في الدَّين من مكارم الأخلاق، وليست الإبل من الأموال الربوية، وأيضًا لم يكن مشروطًا في صلب العقد.\n٢٩٠٦ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (فأغلظ) يحتمل أن يكون المتقاضي كافرًا، أو محمول على نوع من الجد والعنف في المطالبة.\n_________\n= وَلَيْسَ هُوَ مِنْ قَرْضٍ جَرَّ مَنْفَعَةً؛ لأَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ مَا كَانَ مَشْرُوطًا فِي عَقْدِ الْقَرْضِ، وَفِي الْحَدِيثِ إِشْكَالٌ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: كَيْفَ قَضَى مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ أَجْوَدَ مِنَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْغَرِيمُ مَعَ أَنَّ النَّاظِرَ فِي الصَّدَقَاتِ لَا يَجُوزُ تَبَرُّعُهُ مِنْهَا؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ -ﷺ- اقْتَرَضَ لِنَفْسِهِ ثُمَّ اشْتَرَى فِي الْقَضَاءِ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ بَعِيرًا وَأَدَّاهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ \"اشْتَرُوا لَهُ بَعِيرًا فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ\". وَقِيلَ: إِنَّ الْمُقْتَرِضَ كَانَ بَعْضَ الْمُحْتَاجِينَ اقْتَرَضَ لِنَفْسِهِ فَأَعْطَاهُ مِنَ الصَّدَقَةِ حِينَ جَاءَتْ وَأَمَرَهُ بِالْقَضَاءِ، انتهى. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٩٥٤).","vol":"5","page":598},{"text":"٢٩٠٧ - [٩] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٨٧، م: ١٥٦٤].\n٢٩٠٨ - [١٠] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا لَهُ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْمَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ، وَنَادَى كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: \"يَا كَعْبُ\" قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَأَشَارَ بِيَدِهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ، قَالَ كَعْبٌ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: \"قُمْ فَاقْضِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٧، ٤٧١، م: ١٥٥٨].\nــ\n٢٩٠٧ - [٩] (وعنه) قوله: (مطل الغني ظلم) المطل: التسويف بالعِدَة والدَّين كالمماطلة، و(أتبع) بلفظ المجهول بإسكان التاء، والمراد: أُحيل، من الحوالة (فليتبع) بلفظ المعلوم مخففًا وقد يشدد، أي: فليقبل حوالته، (مليء) بالهمزة على وزن كريم، وقد يقال بالياء مشددة كغني، والأمر للندب، وقيل: للوجوب.\n٢٩٠٨ - [١٠] (كعب بن مالك) قوله: (ابن أبي حدرد) بفتح الحاء المهملة وسكون الدال وفتح الراء في آخره دال مهملة منونًا.\nوقوله: (فخرج إليهما) أي: أراد الخروج، و(السجف) بكسر السين وسكون الجيم وفتحها، وجاء ككتاب وسحاب بمعنى الستر.\nوقوله: (فأشار بيده أن ضع الشطر) أي: النصف، والمتعارف بينهم أن توضع السبابة اليمنى على وسط السبابة اليسرى، ويحصل بغير هذه الصورة أيضًا.","vol":"5","page":599},{"text":"٢٩٠٩ - [١١] وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- إِذْ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا، فَقَالَ: \"هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ \" قَالُوا: لَا، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ أُتِيَ بِجِنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ: \"هَل عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ \" قَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ: \"فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ \" قَالُوا: ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثمَّ أُتِي بِالثَّالِثَةِ، فَقَالَ: \"هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟ \" قَالُوا: ثَلَاثَةُ دَنانِيرَ، قَالَ: \"هَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟ \" قَالُوا: لَا، قَالَ: \"صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ\". قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: صلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ، فَصَلَّى عَلَيْهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٢٨٩].\nــ\n٢٩٠٩ - [١١] (سلمة بن الأكوع) قوله: (فصلى عليها) كأنهم ذكروا له أن الدين ثلاثة دنانير ولم يذكر في الحديث، أو علم ذلك بالوحي أو الإلهام، ويمكن واللَّه أعلم أنه سامح في أداء بعض الدين وبقاء بعضه، والأول أظهر.\nقوله: (صلوا على صاحبكم) فيه زجر وتشديد على الدين والمماطلة في أدائه.\nوقوله: (وعلي دينه (١» قال الطيبي (٢): فيه دليل على جواز الضمان عن الميت وإن لم يترك وفاءً، وهو قول أكثر أهل العلم، وقال أبو حنيفة: لا يجوز إذا لم يترك\n_________\n(١) قال القاري (٥/ ١٩٥٧): وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا: تَمَسَّكَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ -﵏- فِي أَنَّهُ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ عَنْ مَيِّتٍ لَمْ يَتْرُكْ مَالًا وَعَلَيْهِ دينٌ، فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ لَمَا صَلَّى النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ -﵀-: لَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ عَنْ مَيِّتٍ مُفْلِسٍ؛ لأَنَّ الْكَفَالَةَ عَنِ الْمَيِّتِ الْمُفْلِسِ كَفالةٌ بِدَيْنٍ سَاقِطٍ، وَالْكَفَالَةُ بِالدَّيْنِ السَّاقِطِ بَاطِلَةٌ، وَالْحَدِيثُ يَحْتَملُ أَنْ يَكُونَ إِقْرَارًا بِكَفَالَةٍ سَابِقَةٍ، فَإِنَّ لَفْظَ الإِقْرَارِ وَالإِنْشَاءِ فِي الْكَفَالَةِ سَوَاءٌ، وَلَا عُمُومَ لِحِكَايَةِ الْفِعْلِ. وَيَحْتَملُ أَنْ يَكُونَ وَعْدًا لَا كَفَالَةً، وَكَانَ امْتِنَاعُهُ -ﷺ- عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ لِيَظْهَرَ لَهُ طَرِيقُ قَضَاءِ مَا عَلَيْهِ، فَلَمَّا ظَهَرَ صَلَّى عَلَيْهِ -ﷺ-.\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٦/ ١١١).","vol":"5","page":600},{"text":"٢٩١٠ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٣٨٧].\n٢٩١١ - [١٣] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نَعَمْ\". فَلَمَّا أَدْبَرَ نَادَاهُ فَقَالَ: \"نَعَمْ إِلَّا الدَّيْنَ، كَذَلِكَ قَالَ جِبْرِيلُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٨٥].\n٢٩١٢ - [١٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٨٦].\nــ\nوفاء، انتهى.\nويمكن أن يقال: إنه لم يكن ضمانًا بل وعد بأن يؤدي دينه، ولما علم رسول اللَّه -ﷺ- صدق وعده صلّى لارتفاع المانع.\n٢٩١٠ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (من أخذ أموال الناس) أي: استقرضها وينوي أداءها، ولا بد [أن] يكون استقراض هذا الرجل عند الاحتياج بحكم الضرورة.\nوقوله: (أدّى اللَّه عنه) أي: أعانه على أدائه في الدنيا، أو يرضي خصمه في الآخرة، أو بالإبراء.\nوقوله: (أتلفه اللَّه عليه) أي: لم يعنه.\n٢٩١١ - [١٣] (أبو قتادة) قوله: (غير مدبر) من الإدبار وهو تأكيد لقوله: (مقبلًا).\nوقوله: (إلا الدين) فيه دليل على غاية المضايقة في حقوق العباد.\n٢٩١٢ - [١٤] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (يغفر للشهيد) ففي الحديث الأول","vol":"5","page":601},{"text":"٢٩١٣ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْمُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّينُ فَيَسْأَلُ: \"هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ قَضَاءً؟ \" فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ وَفَاءً، صَلَّى وَإلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: \"صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ\". فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْفُتُوحَ قَامَ فَقَالَ: \"أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوفِّيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٩٨، م: ١٦١٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-747> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٩١٤ - [١٦] عَنْ أَبِي خَلْدَةَ الزُّرَقِيِّ قَالَ: جِئْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ فِي صَاحِبٍ لَنَا قَدْ أَفْلَسَ، فَقَالَ: . . . . .\nــ\nتكفير الذنوب بالشهادة، وفي هذا الحديث مغفرتها، وبينهما فرق فافهم.\n٢٩١٣ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (عليه الدين) جملة حالية.\nوقوله: (قام) يمكن أن يكون بمعنى خطب أو بمعنى قام بالأمر.\nوقوله: (فترك دينًا) أي: وليس له مال.\nوقوله: (فهو لورثته) أي: بعد قضاء دينه، كذا قالوا.\nالفصل الثاني\n٢٩١٤ - [١٦] قوله: (عن أبي خلدة) بفتح معجمة وسكون لام وقيل: بفتحهما وإهمال دال، (الزرقي) بزاي مضمومة وفتح راء نسبة إلى عامر بن زريق كقرشي نسبة إلى قريش.\nوقوله: (في صاحب لنا) أي: في شأن صاحب لنا، (فقال) أي: أبو هريرة -﵁-:","vol":"5","page":602},{"text":"هَذَا الَّذِي قَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَيُّمَا رَجُلٍ مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ فَصَاحِبُ الْمَتَاعِ أَحَقُّ بِمَتَاعِهِ إِذَا وَجَدَهُ بِعَيْنِه\". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [مسند الشافعي: ٢/ ١٦٣، جه: ٢٣٦].\n٢٩١٥ - [١٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ\". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [مسند الشافعي: ٢/ ١٩٠، حم: ٢/ ٤٤٠، ٤٧٥، ٥٠٨، ت: ١٠٨٩، جه: ٢٤١٣، دي: ٢/ ٢٦٢].\n٢٩١٦ - [١٨] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"صَاحِبُ الدَّيْنِ مَأْسُورٌ بِدَيْنِهِ، يَشْكُو إِلَى رَبِّهِ الْوَحْدَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٨/ ٢٠٣].\nــ\n(هذا الذي) أي: هذا الأمر والشأن الذي (قضى فيه رسول اللَّه -ﷺ-) ثم فسر القضاء بقوله: (أيما رجل مات. . . إلخ) ويحتمل أن تكون الإشارة إلى الرجل.\nوقوله: (قضى فيه) أي: في مثله.\n٢٩١٥ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (معلقة بدينه) أي: لا يدخل الجنة، أو لا يصل إلى زمرة عباده الصالحين.\n٢٩١٦ - [١٨] (البراء بن عازب) قوله: (مأسور) أي: أسير ومحبوس، والأسر: الشد بالإسار بكسر الهمزة: ما يشد به، والأسير: الأخيذ والمقيد والمسجون.\nوقوله: (يشكو إلى ربه الوحدة) أي: الانفراد والبعد عن صحبة الصالحين ووجود الشافعين، والتوحش في النار أو خارجها.","vol":"5","page":603},{"text":"٢٩١٧ - [١٩] وَرُوِيَ: أَنَّ مُعَاذًا كَانَ يَدَّانُ، فَأَتَى غُرَمَاؤُهُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَبَاعَ النَّبِيُّ -ﷺ- مَالَهُ كُلَّهُ فِي دَيْنِهِ، حَتَّى قَامَ مُعَاذٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ. مُرْسَلٌ، هَذَا لَفْظُ \"الْمَصَابِيحِ\". وَلَمْ أَجِدْهُ فِي الأُصُول إِلَّا فِي \"الْمُنْتَقى\".\n٢٩١٨ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ مُعَاذُ ابْنُ جَبَلٍ شَابًّا سَخِيًّا وَكَانَ لَا يُمْسِكُ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ يَدَّانُ حَتَّى أَغْرَقَ. . . . .\nــ\n٢٩١٧ - [١٩] (معاذ) قوله: (يدّان) أي: يستقرض، مضارع ادّان بكسر الهمزة وتشديد الدال افتعل من دان، أصله: ادْتان، قلبت التاء دالًا وأدغم، كما علم في علم الصرف.\nوقوله: (فأتي غرماؤه إلى النبي -ﷺ-) أُتي بلفظ المجهول (١)، وفي (القاموس) (٢): أتى إليه الشيء: ساقه، بمعنى: سيق غرماؤه إليه -ﷺ-.\nوقوله: (فباع النبي -ﷺ-) بعد ما طالبه غرماؤه وحبسوه وكلفوه، فافهم.\nوقوله: (إلا في المنتقى) اسم كتاب لابن التيمي (٣)، يريد أن إيراده في (المنتقى) دليل على وجوده في بعض الأصول.\n٢٩١٨ - [٢٠] (عبد الرحمن بن كعب) قوله: (وعن عبد الرحمن بن كعب) حكاية لفظ ما في (كتاب المنتقى).\nوقوله: (حتى أغرق) الضمير لمعاذ.\n_________\n(١) وذكره القاري بصيغة المعلوم فقال: \"فَأَتَى غُرَمَاؤُهُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-\" أَيْ: طَالِبِينِ دُيُونَهُمْ. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٩٦٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٥٧).\n(٣) كذا في الأصل، ولعله ابن تيمية الجدّ.","vol":"5","page":604},{"text":"مَالَهُ كُلَّهُ فِي الدَّيْنِ، فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَكَلَّمَهُ لِيُكَلِّمَ غُرَمَاءَهُ، فَلَوْ تَرَكُوا لِأَحَدٍ لَتَرَكُوا لِمُعَاذٍ لِأَجْلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَبَاعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَالَهُ حَتَّى قَامَ مُعَاذٌ بِغَيْرِ شَيْءٍ. رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي \"سُنَنِهِ\" مُرْسَلًا. [لم نجده في المطبوع من \"سننه\" ولكن رواه عبد الرزاق ٨/ ٢٦٨، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٥٨].\n٢٩١٩ - [٢١] وَعَنِ الشَّرِيدِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ\". قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: يُحِلُّ عِرْضَهُ: يُغَلَّظُ لَهُ. وَعُقُوبَتَهُ: يُحْبَسُ لَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٣٦٢٨، ن: ٤٦٩٠].\n٢٩٢٠ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أُتيَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِجنَازَةٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: \"هَلْ عَلَى صَاحِبِكُمْ دَيْنٌ؟ \" قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: \"هَلْ تَرَكَ لَهُ مِنْ وَفَاءٍ؟ \" قَالُوا: لَا، قَالَ: \"صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ\". قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فتقَدَّمَ فَصَلَّى عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ مَعْنَاهُ وَقَالَ: \"فَكَّ اللَّهُ رِهَانَكَ مِنَ النَّارِ،\nــ\nوقوله: (ليكلم غرماءه) أي: فكلمهم فلم يتركوا.\n٢٩١٩ - [٢١] (الشريد) قوله: (وعن الشريد) بفتح الشين المعجمة.\nوقوله: (ليّ الواجد) الليّ: المطل، لواه بدينه لِيًّا ولِيَّانًا بكسرهما: مطله، كذا في (القاموس) (١)، واللي صحح في النسخ بفتح اللام، والواجد: الغني.\nوقوله: (يحل) بضم الياء من الحلّ ضد الحرمة.\n٢٩٢٠ - [٢٢] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فك اللَّه رهانك) الرهان بالكسر\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٢٣).","vol":"5","page":605},{"text":"كَمَا فَكَكْتَ رِهَانَ أَخِيكَ الْمُسْلِمِ، لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَقْضِي عَنْ أَخِيهِ دَيْنَهُ إِلَّا فَكَّ اللَّهُ رِهَانَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٨/ ٢١٣].\n٢٩٢١ - [٢٣] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ مَاتَ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنَ الْكِبْرِ وَالْغُلُولِ وَالدَّيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٥٧٢، ١٥٧٣، جه: ٢٤١٢، دي: ٢/ ٢٦٢].\n٢٩٢٢ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ أَعْظَمَ الذُّنوُبِ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يَلْقَاهُ بِهَا عَبْدٌ بَعْدَ الْكَبَائِرِ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا أَنْ يَمُوتَ رَجُلٌ. . . . .\nــ\nجمع الرهن بمعنى المرهون، وفكه تخليصه، ونفس الإنسان مرهونة بما كسبه، وإنما جمعه باعتبار تعدد أكسابه التي ترهن بها نفسه، أو لأن كل عضو منه رهين.\n٢٩٢١ - [٢٣] (ثويان) قوله: (من الكبر والغلول والدين) الغلول هو الخيانة في المغنم، والثلاثة تشترك في إيذاء الناس إما من جهة الغرض، وإما من جهة المال عمومًا أو خصوصًا، فافهم.\n٢٩٢٢ - [٢٤] (أبو موسى) قوله: (أن يموت) خبر (إنَّ).\nوقوله: (أن يلقاه) جملة وقعت موضع الصفة للذنوب، أو هي حال أو بدل من الذنوب، كذا قيل، وهذا أقرب مما ذكر الطيبي (١): أن قوله: (أن يلقاه) خبر (إنَّ) و(أن يموت) بدل منه؛ لأنه إذا سكت عن البدل واكتفى بالمبدل منه لا يستقيم المعنى كذا قيل.\nوإنما قال: (بعد الكبائر)؛ لأن نفس الدين ليس من الكبائر، والأحاديث المذكورة\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ١١٧).","vol":"5","page":606},{"text":"وَعَلَيْهِ دينٌ لَا يَدَعُ لَهُ قَضَاءً\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٣٩٢، د: ٣٣٤٢].\n٢٩٢٣ - [٢٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيِّ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"الصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا، وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ إِلَّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُدَ، وَانْتَهَتْ رِوَايَتُه عِنْدَ قَوْله: \"شُرُوطِهِمْ\". [ت: ١٣٥٢، جه: ٢٣٥٣، د: ٣٥٩٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-748> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٩٢٤ - [٢٦] عَنْ سُوَيْدِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: جَلَبْتُ أَنَا وَمَخَرَفَةُ. . . . .\nــ\nفيما سبق إنما هي تشديدات على ذلك (١).\n٢٩٢٣ - [٢٥] (عمرو بن عوف) قوله: (الصلح جائز. . . إلخ) مناسبة هذا الحديث للعنوان خَفِيةٌ إلا أن يكون باعتبار أن الصلح في غالب الأحوال، إنما يكون عند الإفلاس.\nالفصل الثالث\n٢٩٢٤ - [٢٦] (سويد بن قيس) قوله: (ومخرفة) بفتح الميم وسكون الخاء\n_________\n(١) قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: قَدْ سَبَقَ أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ مَبْنَاهَا عَلَى الْمُسَاهَلَةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ حُقُوقُ الآدَمِيِّينَ فِي قَوْلِهِ: \"يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ\"، وَهَاهُنَا جَعَلَهُ دُونَ الْكَبَائِرِ، فَمَا وَجْهُ التَّوْفِيقِ؟ قُلْتُ: قَدْ وَجَّهْنَاهُ أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ تَحْذِيرًا وَتَوَقِّيًا عَنِ الدَّيْنِ، وَهَذَا مجْرًى عَلَى ظَاهِرِهِ. انتهى. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٩٦٢).","vol":"5","page":607},{"text":"الْعَبْدِيُّ بَزًّا مِنْ هَجَرَ، فَأَتَيْنَا بِهِ مَكَّةَ، فَجَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَمْشِي، فَسَاوَمَنَا بِسَرَاوِيلَ فَبِعْنَاهُ، وَثَمَّ رَجُلٌ يَزِنُ بِالأَجْرِ، فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ: \"زِنْ وَأَرْجِحْ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [حم: ٤/ ٣٥٢، د: ٣٣٣٦، ت: ١٣٠٥، جه: ٢٢٢٠، دي: ٢/ ٣٣٨].\nــ\nالمعجمة وفتح الراء بعدها فاء، وفي بعض النسخ (مخرمة) بالميم و(العبدي) بسكون الباء، و(البز) بالزاي: الثياب، أو متاع البيت من الثياب ونحوها، وبائعه البزَّاز، وحرفته البِزازة، و(هجر) بفتحتين: بلد باليمن، واسم لجميع أرض البحرين، وقرية كانت قريب المدينة ينسب إليها القلال أو ينسب إلى هجر اليمن.\nوقوله: (فبعناه) وروى أبو يعلى في (مسنده) (١) عن أبي هريرة -﵁- أنه اشترى ذلك بأربعة دراهم، وكان للقوم وزّان يزن الأثمان.\nوقوله: (بالأجر) أي: ياخذ الأجرة على الوزن، (وأرجح) بفتح الهمزة أمر من أَرْجَحَ: أعطاه راجحًا، قد دل هذا الحديث على اشتراء سراويل ولم يثبت لبسه إياه (٢)،\n_________\n(١) \"مسند أبي يعلى\" (١١/ ٢٣).\n(٢) شراؤه -ﷺ- للسراويل ثابت بلا مرية، وحكى القاري في \"شرح الشمائل\" (١/ ١٧٥) الاختلافَ، ورجّح البيجوري في \"شرح الشمائل\" عدمَ ثبوت اللبس، ورواية \"جمع الفوائد\" (٥٧٥٣) كأنها صريحة في اللبس، وحكم عليه صاحب \"درجات مرقاة الصعود\" (ص ١٣٥) بالضعف، وفي \"الجواهر المضيئة\" (١/ ٦٣): عن أبي حنيفة: لم يصحّ عندي أنه -ﷺ- لبس السراويل، انتهى. قلت: وقد ورد الأمر بلبسه كما في \"كنز العمال\" من حديث علي: \"يرحم اللَّه المتسرولات\" بطرق. [انظر رقم الحديث: ٤١٢٤٤، ٤١٨٣٨]. ومال ابن القيم إلى اللبس. [راجع \"الهدي\" (١/ ١٣٩)]، وقال ابن حجر في \"الفتاوى الحديثية\" (ص ٢١٤): إنه سبق قلم، وكذا =","vol":"5","page":608},{"text":"٢٩٢٥ - [٢٧] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ لِي عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- دَيْنٌ فَقَضَانِي وَزَادَنِي. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٣٤٧].\n٢٩٢٦ - [٢٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ قَالَ: اسْتَقْرَضَ مِنِّي النَّبِيُّ -ﷺ- أَرْبَعِينَ أَلْفًا، فَجَاءَهُ مَالٌ فَدَفَعَهُ إِلَيَّ، وَقَالَ: \"بَارَكَ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْحَمْدُ وَالأَدَاءُ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٤٦٨٣].\n٢٩٢٧ - [٢٩] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَمَنْ أَخَّرَهُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ٢٤٢].\n٢٩٢٨ - [٣٠] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ الأَطْوَلِ قَالَ: . . . . .\nــ\nوقد يجيء ذلك في (باب اللباس)، ومناسبة هذا الحديث أيضًا غير ظاهرة إلا أن يقال: إن الأمر بالإرجاح لإفلاس البائع.\n٢٩٢٥ - [٢٧] (جابر) قوله: (فقضاني وزادني) ولم تكن الزيادة مشروطة في صلب العقد، وذلك في شراء الجمل منه، كما مر.\n٢٩٢٦ - [٢٨] (عبد اللَّه بن أبي ربيعة) قوله: (إنما جزاء السلف) أي: القرض.\n٢٩٢٧ - [٢٩] (عمران بن حصين) قوله: (فمن أخّره) كرر (مَنْ) تأكيدًا.\n٢٩٢٨ - [٣٠] قوله: (سعد بن الأطول) هكذا في نسخ (المشكاة) (١) وصوابه قال القسطلاني في \"المواهب\" (٦/ ٣٤٠ - ٣٤٤).\n_________\n= قال القسطلاني في \"المواهب\" (٦/ ٣٤٠ - ٣٤٤).\n(١) كانت عند الشيخ نسخة وقعت فيه: سعيد، ولذا قال: هكذا في نسخ \"المشكاة\".","vol":"5","page":609},{"text":"مَاتَ أَخِي وَتَرَكَ ثَلَاثَ مِئَةِ دِينَارٍ، وَتَرَكَ وُلْدًا صِغَارًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَخَاكَ مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ فَاقْضِ عَنْهُ\" قَالَ: فَذَهَبْتُ فَقَضَيْتُ عَنهُ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ قَضَيْتُ عَنْهُ، وَلَمْ تَبْقَ إِلَّا امْرَأَةٌ تَدَّعِي دِينَارينِ وَلَيْسَتْ لَهَا بَيِّنَةٌ، قَالَ: \"أَعْطِهَا فَإِنَّهَا صَادِقَةٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ١٣٦].\n٢٩٢٩ - [٣١] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ حَيْثُ يُوضَعُ الْجَنَائِزُ، وَرَسُولُ اللَّهِ جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَيْنَا، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَصَرَهُ قِبَلَ السَّمَاءِ فَنَظَرَ، ثُمَّ طَأْطَأَ بَصَرَهُ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ، قَالَ: \"سُبْحَانَ اللَّه! سُبْحَانَ اللَّه! مَا نزَلَ مِنَ التَّشْدِيدِ؟ \" قَالَ: فَسَكَتْنَا يَوْمَنَا وَلَيْلَتَنَا،\nــ\nسعد بدون الياء كما في كتب أسماء الرجال غير أنه لم يذكر في (جامع الأصول) أصلًا، وفي بعض النسخ غيِّر سعيد إلى سعد.\nوقوله: (ولدًا) بضم الواو وسكون اللام وبفتحهما.\nوقوله: (فأردت أن أنفق عليهم) أي: ولا أقضي الدين.\nوقوله: (فإنها صادقة) لعله عَلم ذلك بالوحي، أو كان معلومًا له قبل ذلك، ويمكن أن يكون قوله ذلك احتياطًا، أي: أعطها، وقَدِّر كونَها صادقة، واللَّه أعلم.\n٢٩٢٩ - [٣١] (محمد بن عبد اللَّه) قوله: (بين ظهرينا) أي: بيننا، ولفظ الظهر مقحم، وقد عرف تحقيقه في موضعه.\nوقوله: (ثم طأطأ بصره) أي: طامنه وخفضه.","vol":"5","page":610},{"text":"فَلَمْ نَرَ إِلَّا خَيْرًا حَتَّى أَصْبَحْنَا، قَالَ مُحَمَّدٌ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: مَا التَّشْدِيدُ الَّذِي نَزَلَ؟ قَالَ: \"فِي الدَّيْنِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ عَاشَ، ثُمَّ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ عَاشَ، ثُمَّ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ عَاشَ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، مَا دَخَلَ الْجَنَّةَ حَتَّى يُقْضَى دَيْنُهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَفِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" نَحْوهُ. [حم: ٥/ ٢٨٩، شرح السنة: ٨/ ٢٠١].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-749>١٠ - باب الشركة والوكالة</span>\nــ\nوقوله: (فلم نر إلا خيرًا) توهموا أن التشديد النازل هو العذاب.\nوقوله: (حتى يقضى دينه) كذا في الجميع بلفظ المجهول وهو الأظهر.\n١٠ - باب الشركة والوكالة\nفي (القاموس) (١): الشِّركُ والشِّركَةُ، بكسرهما، وضَمِّ الثاني (٢) بمعنى، وقد اشْتركا وتشاركا، وشارك أحدهما الآخر، وكأميرٍ: المشاركُ، والجمع أشْراكٌ وشُركاءُ، وشَرِكَه في البيع والميراث، كعَلِمَه.\nووَكَلَ إليه الأَمر وكلًا ووكولا: سلَّمه وتركه، والاسم: الوكالة، بالفتح ويكسر،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٧٠).\n(٢) قال الزبيدي: قَالَ شَيخنَا: هَذِه عِبارَةٌ قلِقَةٌ قاصِرَةٌ، والمعروفُ أَن كلًّا مِنْهُمَا بفتْح فكَسْرٍ، وبِكَسْرٍ أَو فَتْح فسُكُون، ثَلَاث لُغاتٍ حَكَاهَا غيرُ واحدٍ من أَعْلامِ اللُّغةِ، وَهَذَا الضمُّ الَّذِي ذَكَره فِي الثانِي غيرُ مَعْرُوفٍ، فَتَأمل. قلت: الضمُّ فِي الثانِي لُغَةٌ فاشِيَةٌ فِي الشَّام، لَا يكادُونَ يَنْطِقونَ بغَيْرهَا، انتهى مختصرًا. \"تاج العروس\" (٢٧/ ٢٢٣).","vol":"5","page":611},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-750> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٩٣٠ - [١] عَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ: أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ بِهِ جَدُّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِشَامٍ إِلَى السُّوقِ، فَيَشْتَرِي الطَّعَامَ، فَيَلْقَاهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ فَيَقُولَانِ لَهُ: أَشْرِكنَا فَإِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَدْ دَعَا لَكَ بِالْبَرَكَةِ، فَيُشْرِكهُمْ، فَرُبَّمَا أَصَابَ الرَّاحِلَةَ كَمَا هِيَ، فَيَبْعَثُ بِهَا إِلَى الْمَنْزِلِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِشَامٍ ذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٠٥١].\nــ\nوالتَّوكُّل: إظهار العَجْزِ، والاعتماد على الغير، والاسم: التُّكْلانُ (١).\nالفصل الأول\n٢٩٣٠ - [١] (زهرة بن معبد) قوله: (زهرة) بضم الزاي وسكون الهاء (بن معبد) بفتح الميم والباء.\nوقوله: (فربما أصاب الراحلة) أي: يربح حمل بعير، أي: يحصل له الربح مقدار ما يحمله البعير، والراحلة من الإبل: البعير القوي على الأسفار والأحمال، الذكر والأنثى فيه سواء، والظاهر أن التاء فيه للنقل، وقيل: للمبالغة.\nوقوله: (كما هي) أي: من غير نقصان.\nوقوله: (فيشركهم) الظاهر: فيشركهما، وضمير الجمع إما لجعل الجمع اثنين أو أقل، أو المراد: يشركهما وغيرهما من الصحابة.\nوقوله: (وكان عبد اللَّه بن هشام. . . إلخ) بيان لدعائه -ﷺ- لعبد اللَّه بالبركة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٨٧).","vol":"5","page":612},{"text":"٢٩٣١ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَتِ الأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ، قَالَ: \"لَا، تَكْفُونَنَا الْمَؤُونَةَ وَنُشْرِككُمْ فِي الثَّمَرَةِ\". قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٣٢٥، ٣٧٨٢].\n٢٩٣٢ - [٣] وَعَن عُرْوَةَ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ الْبَارِقِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَعْطَاهُ دِينَارًا لِيَشْتَرِيَ لَهُ شَاةً، فَاشْتَرَى لَهُ شَاتَيْنِ، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَار، وَأَتَاهُ بِشَاةٍ وَدِينَارٍ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي بَيْعِهِ بِالْبَرَكَةِ،\nــ\n٢٩٣١ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل) لما قدم رسول اللَّه -ﷺ- وأصحابه المهاجرون المدينة بوّأهم الأنصار في دورهم وأشركوهم في ضياعهم، وسألوا رسول اللَّه -ﷺ- أن يُقسِّم النخيل بينهم وبين المهاجرين، فأبى -ﷺ- عن ذلك، و(قال: لا) ردًّا لما التمسوه من القسمة، وقال: (تكفوننا المؤونة) وهو خبر في معنى الأمر، أي: اكفوننا مؤونة سقيها وتأبيرها ونحوهما، يعني: لكن نخيلكم عندكم، فإن فيه تخفيفًا علينا وعليكم.\nوقوله: (نشرككم) بصيغة المضارع المعلوم بفتح النون والراء من باب سمع يسمع، أو بضم النون وكسر الراء من الإشراك هكذا ذكروا، وهو مرفوع أو منصوب من جهة كون (تكفوننا) في معنى الأمر، ويجوز أن يكون: لا تكفوننا، بحذف همزة الاستفهام على سبيل العرض، فتعين النصب في (نشرككم)، واللَّه أعلم.\n٢٩٣٢ - [٣] (عروة بن أبي الجعد) قوله: (أبي الجعد) بفتح الميم وسكون العين، و(البارقي) بكسر الراء والقاف منسوب إلى بارق بن عوف بن عدي.\nوقوله: (فباع إحداهما بدينار) بيعه بلا إذنه -ﷺ- لكونه وكيلًا مطلقًا من جانبه،","vol":"5","page":613},{"text":"فَكَانَ لَوِ اشْتَرَى تُرَابًا لَرَبِحَ فِيهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٦٤٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-751> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٩٣٣ - [٤] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَإِذَا خَانَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَزَاد رزين: \"وَجَاءَ الشَّيْطَانُ\". [د: ٣٣٨٣].\n٢٩٣٤ - [٥] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٢٦٤، ٣٥٣٥، دي: ٢/ ٢٦٤].\nــ\nوأيضًا بيع مال الغير بلا إذنه يكون موقوفا على إجازته، فلما أجاز صح، وهذا الحديث دليل عليه وحجة على من لم يجوِّزه.\nوقوله: (فكان لو اشترى ترابًا لربح) مبالغة في ربحه، أو محمول على حقيقته فإن بعض أنواع التراب يباع ويشترى.\nالفصل الثاني\n٢٩٣٣ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (أنا ثالث الشريكين) أي: أعينهما وأبارك فيهما.\nوقوله: (خرجت من بينهما) أي: زالت البركة منهما.\n٢٩٣٤ - [٥] (وعنه) قوله: (أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) تنبيه على رعاية مكارم الأخلاق، والإحسانِ إلى من أساء، وعدم مقابلة السيئة بالسيئة.","vol":"5","page":614},{"text":"٢٩٣٥ - [٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَرَدْتُ الْخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وَقُلْتُ: إِنِّي أَرَدْتُ الخُرُوجَ إِلَى خَيْبَرَ، فَقَالَ: \"إِذَا أَتَيْتَ وَكِيلِي فَخُذْ مِنْهُ خَمْسَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فَإِنِ ابْتَغَى مِنْكَ آيَةً فَضَعْ يَدَكَ عَلَى تَرْقُوَتِهِ\".رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٣٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-752> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٩٣٦ - [٧] عَن صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ثَلَاثٌ فِيهِنَّ الْبَرَكَةُ: الْبَيْعُ إِلَى أَجَلٍ، وَالْمُقَارَضَةُ، وَإِخْلاط الْبُرِّ بِالشَّعِيرِ لِلْبَيْتِ لَا لِلْبَيْع. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٢٨٩].\n٢٩٣٧ - [٨] وَعَنْ حَكِيم بْنِ حِزَامٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعَثَ مَعَهُ بِدِينَارٍ لِيَشْتَرِيَ لَهُ بِهِ أُضْحِيَّةً، فَاشْتَرَى كَبْشًا بِدِينَارٍ،\nــ\n٢٩٣٥ - [٦] (جابر) قوله: (فضع يدك على ترقوته) بفتح التاء وسكون الراء وضم القاف: مقدم الحلق في أعلى الصدر حيثما يترقى فيه النفس (١).\nالفصل الثالث\n٢٩٣٦ - [٧] (صهيب) قوله: (والمقارضة) فسروها بالمضاربة، وهو أن بدفع إلى أحد مالًا ليتّجر فيه، والربح بينهما على ما يشترطان، كأنه عَقْدٌ على الضرب في الأرض والسعي فيها، كذا في (القاموس) (٢).\n٢٩٣٧ - [٨] (حكيم بن حزام) قوله: (بعث معه بدينار) الباء زائدة في المفعول\n_________\n(١) انظر: \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٠٠).","vol":"5","page":615},{"text":"وَبَاعَهُ بِدِينَارَيْنِ، فَرَجَعَ فَاشْتَرَى أُضْحِيَّةً بِدِينَارٍ، فَجَاءَ بِهَا وَبِالدِّينَارِ الَّذِي اسْتَفْضَلَ من الأُخْرَى، فَتَصَدَّقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالدِّينَارِ، فَدَعَا لَهُ أَنْ يُبَارَكَ لَهُ فِي تِجَارَتِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٢٨٠، د: ٣٣٨٦].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-753>١١ - باب الغصب والعارية</span>\nــ\nكقوله: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] على وجه\nوقوله: (استفضل من الأخرى) أفضلْتُ منه الشيءَ واستفضلتُه بمعنى.\n١١ - باب الغصب والعارية\nفي (القاموس) (١): غَصَبَهُ يَغْصِبُهُ: أخَذَهُ ظُلْمًا، كاغْتَصَبَهُ، وفي (شرح كتاب الخرقي): الغصب في اللغة: أخذ الشيء ظلمًا. قاله الجوهري وابن سيده وغيرهما، وفي الاصطلاح: قال أبو محمد في (المقنع): إنه الاستيلاء على مال الغير قهرًا بغير حق، فالاستيلاء يستدعي القهر والغلبة، فإذًا قوله: (قهرًا) زيادة في الحد، ولهذا أسقطه في (المغني)، لكن فيه زيادة إيضاح، يخرج بذلك المال المسروق، والمنتَهب، والمختلَس، لأنه لم يأخذه على وجه القهر، وقوله: (بغير حق)، يخرج الاستيلاء بحق، كاستيلاء الولي على مال الصبي، والحاكم على مال المفلس، ونحو ذلك.\nوهذا التعريف غير جامع، لخروج ما عدا المال من الحقوق، كالكلب، وخمر الذمي، ونحو ذلك.\nوقال أبو البركات: الاستيلاء على مال الغير ظلمًا، ويَرِدُ عليه ما ورد على الأول،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٤).","vol":"5","page":616},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-754> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٩٣٨ - [١] عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا. . . . .\nــ\nوأنه غير مانع؛ لدخول السرقة، والانتهاب، والاختلاس، انتهى كلامه (١).\nوفي عدم وجود القهر في الانتهاب كما ذكره خفاء كما لا يخفى فافهم.\n(والعارية) بالتخفيف والتشديد، وفي (الصحاح) (٢): وكأنها بالتشديد منسوب إلى العار؛ لأن طلبها عار وعيب، والعارَة مثل العارية.\nوفي (المغرب) (٣): بالتشديد منسوبة إلى العارة اسم من الإعارة.\nوفي (المبسوط) (٤): وقيل: هي مشتقة من التعاور، وهو التناوب، فكأنه يجعل للغير نوبة في الانتفاع بملكه على أن تعود النوبة إليه بالاسترداد متى شاء، ولهذا كانت الإعارة في المكيل والموزون قرضًا، لأنه لا ينتفع بها إلا باستهلاك العين، فلا تعود النوبة إليه في تلك العين لتكون عارية حقيقة، وإنما تعود النوبة إليه في مثلها، وما يملك الإنسان الانتفاع به على أن يكون مثلُه مضمونًا عليه يكون قرضًا، كذا قال الشُّمُنِّي، فتدبر.\nالفصل الأول\n٢٩٣٨ - [١] (سعيد بن زيد) قوله: (من أخذ شبرًا) بالكسر: ما بين أعلى الإبهام\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٣/ ٢٢٦).\n(٢) \"الصحاح\" (٢/ ٥).\n(٣) \"المغرب في ترتيب المعرب\" (ص: ١٨٥).\n(٤) \"المبسوط\" (٦/ ١٥٧).","vol":"5","page":617},{"text":"فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٩٨، م: ١٦١٠].\n٢٩٣٩ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يُؤْتَى مَشْرَبَتَهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟ وَإِنَّمَا يَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطَعِمَاتِهِمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٢٦].\nــ\nوأعلى الخنصر وهو مذكر جمعه أشبار.\nوقوله: (يطوّقه) بضم الياء وفتح التاء والواو المشددة، أي: يجعل طوقًا في عنقه، وقيل: يطوق، أي: يكلَّف حملها يوم القيامة.\n٢٩٣٩ - [٢] (ابن عمر) قوله: (لا يحلبن) بضم اللام من باب نصر، و(أن يؤتى) بالتحتانية أو الفوقانية كذا في أكثر النسخ، و(المشربة) بفتح الميم وسكون الشين وفتح الراء وضمها: الغرفة يوضع فيها المتاع، وخزن المال: أحرزه، كاختزنه، والخزانة بالكسر: مكان الخزن، ولا يفتح، كالمخزن.\nوقوله: (فينتقل) بلفظ المجهول، قال في (فتح الباري) (١): بالياء والنون من النقل، أي: يُحول من مكان إلى مكان، وعند الإسماعيلي (فينتثل) بمثلئة بدل القاف، وكذا وقع في بعض الطرق عند مسلم، والنثل: النشر مرة واحدة بسرعة، وقيل: الاستخراج، و(يخزن) بالتحتانية والفوقانية بضم الزاي، والأطعمات: جمع أطعمة جمع طعام مفعول (يخزن)، و(ضروع) فاعله.\nوقوله: (رواه مسلم) الحديث متفق عليه، أخرجه البخاري في (كتاب\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٥/ ٨٩).","vol":"5","page":618},{"text":"٢٩٤٠ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتِ الَّتِي النَّبِيُّ -ﷺ- فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ، فَسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ: . . . . .\nــ\nاللقطة) (١) ومسلم في (الغصب).\nونقل الطيبي عن (شرح السنة) (٢) أنه لا يجوز أن يحلب ماشية الغير بغير إذنه إلا إذا اضطر في مخمصة ويضمن، وقيل: لا ضمان عليه، وقد روي أن أبا بكر -﵁- حلب لرسول اللَّه -ﷺ- غنمًا لرجل من قريش يرعاها عبد له في هجرته إلى المدينة، وقيل: الرجل كان من معارف أبي بكر، وقيل: كان سيدُه أذن له، ومن عادتهم أن يأذنوا لرعاتهم في ذلك، واللَّه أعلم.\n٢٩٤٠ - [٣] (أنس) قوله: (عند بعض نسائه) قد جاءت في رواية أن المراد عائشة، والمراد بإحدى أمهات المؤمنين زينب بنت جحش، وقيل: أم سلمة، وقيل: صفية، والصحفة: القصعة المبسوطة، في (القاموس) (٣): أعظم القصاع الجفنة ثم الصحفة.\nوقوله: (فانفلقت) أي: انكسرت، يقال: فَلَقَه يَفْلِقُه: شقَّه، فانفلق وتفلَّق، والفلق بكسر الفاء وفتح اللام: جمع فلقة، وهي القطعة، وفي (القاموس) (٤): هي من الجفنة\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٢٤٣٥).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٦/ ١٢٧).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٦٢).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٤٦).","vol":"5","page":619},{"text":"\"غَارَتْ أُمُّكُمْ\" ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ، حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٢٢٥].\n٢٩٤١ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ نَهَى عَنِ النُّهْبَةِ وَالْمُثْلَةِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٤٧٤، ٥٥١٦].\n٢٩٤٢ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَصَلَّى بِالنَّاسِ سِتَّ رَكَعَاتٍ بِأَرْبَعِ سَجَدَاتٍ، فَانْصَرَفَ، وَقَدْ آضَتِ الشَّمْسُ،\nــ\nنصفها، و(غارت) من الغيرة، اعتذار منه -ﷺ- من جانبها بأن هذه الفعلة من الغيرة التي جبل عليها الإنسان، وإيراد هذا الحديث في هذا الباب لتشبيهه بالغصب، والأولى إيراده في (باب ضمان المتلفات (١».\n٢٩٤١ - [٤] (عبد اللَّه بن يزيد) قوله: (والمثلة) هي العقوبة بقطع الأنف والأذن ونحوهما، وهو حرام إلا على وجه القصاص، وسيجيء ذكرها في كتاب القصاص في قصة العرنيين.\n٢٩٤٢ - [٥] (جابر) قوله: (ست ركعات بأربع سجدات) أي: كان يصلي\n_________\n(١) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ فِي \"شَرْحِ الْمَشَارِقِ\": فَإِنْ قِيلَ: الصَّحْفَةُ مَضْمُونَةٌ بِالْقِيمَةِ لَيْسَتْ مِنْ ذَوَاتِ الأَمْثَالِ، فَمَا وَجْهُ دَفْعِهِ -﵊- صَحْفَةً مَكَانَهَا؟ أُجِيبُ: بِأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُرُوءَةِ لَا عَلَى طَرِيقِ الضَّمَانِ لِأَنَّ الصَّحْفَتَيْنِ كَانتا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَقِيلَ: كَانَتِ الصَّحْفَاتُ مُتَقَارِبَةً فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَانَتْ كَالْعَدَدِيَّاتِ الْمُتَقَارِبَةِ، فَجَازَ أَنْ يَدْفَعَ إِحْدَاهُمَا بَدَلَ الأُخْرَى، وَقِيلَ: فَعَلَ ذَلِكَ بِتَرَاضِيهِمَا فَلَمْ يَبْقَ يَدَّعِي الْقِيمَةَ. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٩٧١).","vol":"5","page":620},{"text":"وَقَالَ: \"مَا مِنْ شَيْءٍ تُوعَدُونَهُ إِلَّا قَدْ رَأَيْتُهُ فِي صَلَاتِي هَذِهِ، لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ، وَذَلِكَ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ،\nــ\nركعتين في كل ركعة ثلاث ركوعات وسجدتان.\nوقوله: (توعدونه) أي: تخبرونه، وقد جاء الوعد والوعيد في الاشتقاق اللغوي متحدًا، كذا قيل.\nوقوله: (وقد آضت الشمس) أي: عادت إلى حالتها.\nوقوله: (إلا قد رأيته) رؤية علم ويقين لم يكن حاصلًا قبل ذلك، أو رؤية بصر وهو الظاهر.\nوقوله: (من لفحها) أي: حرها ووهجها، لفحت النار بحرِّها لفحًا ولفحانًا.\nوقوله: (وحتى رأيت) بالواو عطف على مقدر (فيها صاحب المحجن) بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الجيم: عصًا في رأسه اعوجاج، على رأسه حديد، يقال: حجن العود يَحْجِنُه: عَطَفَه (١)، وهو عمرو بن لحي بضم اللام وفتح الحاء وتشديد الياء، كان في الجاهلية سارقًا، يسرق الثوب ويسلبه بمحجنه، فإذا أُخذ تَعَلَّلَ بأنه لصق بمحجنه من غير فعله، وإذا لم يُدْرَ ذهب به، وقيل: هو أول من سيَّب السوائب، وأول من سنّ عبادة الأصنام.\nوقوله: (يجر قصبه) بضم القاف وسكون الصاد المهملة: المِعَى، جمعه: الأقصاب والقَصَّاب [الزمَّار]، كذا في (القاموس) (٢).\n_________\n(١) انظر: \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٩٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٩).","vol":"5","page":621},{"text":"وَكَانَ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ: إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي، وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بهِ، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ الَّتِي رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، ثُمَّ جِيءَ بِالْجَنَّةِ، وَذَلِكَ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَقَدَّمْتُ حَتَّى قُمْتُ فِي مَقَامِي، وَلَقَدْ مَدَدْتُ يَدِي وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَنَاوَلَ مِنْ ثَمَرَتِهَا لِتَنْظُرُوا إِلَيْهِ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ لَا أَفْعَلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٠٤].\nــ\nوقوله: (يسرق الحاج) بحذف المضاف، أي: متاعهم.\nوقوله: (فإن فطن) بلفظ المجهول، أي: علم.\nوقوله: (حتى رأيت فيها صاحبة الهرة) وهي التي ورد فيها: (عُذبت امرأة في هرة).\nو(خشاش الأرض) بكسر الخاء المعجمة: ما لا دماغ له من دواب الأرض ومن الطير، كذا في (القاموس) (١)، وقال في (المشارق) (٢): بفتح الخاء وكسرها، وحكي بالضم، وبالفتح صحح في نسخ (المشكاة)، وفي (مجمع البحار (٣»: فتح خاء خشاش أشهر الثلاثة، وإعجامه أصوب، وهي الهوام، وقيل: ضعاف الطير، ويروى: (خشيشها) بمعناه، ويروى بحاء مهملة، وهو يابس النبات وهو وهم، وقيل: إنما هو خشيش بمعجمة مصغر خشاش على الحذف، انتهى.\nوقوله: (ثم بدا لي) أي: ظهر، يقال: بدا له في الأمر بَداءٌ: نشأ له فيه رأي،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٤٨).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٩٠).\n(٣) \"مجمع البحار\" (٢/ ٤٥).","vol":"5","page":622},{"text":"٢٩٤٣ - [٦] وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: كَانَ فَزَعٌ بِالْمَدِينَةِ، فَاسْتَعَارَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَرَسًا مِنْ أَبِي طَلْحَةَ يُقَالُ لَهُ: الْمَنْدُوبُ، فَرَكِبَ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: \"مَا رَأَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، وَإِن وَجَدْناهُ لَبَحْرًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٢٧، ٢٩٦٨، م: ٢٣٠٧].\nــ\nوذلك ليكون الإيمان بالغيب ابتداء.\n٢٩٤٣ - [٦] (قتادة) قوله: (كان فزع) محركًا، أي: خوفٌ من عدو.\nوقوله: (يقال له: المندوب) ندبه إلى الأمر، أي: دعاه وحثّه ووجّهه، والندب بالتحريك: أثر الجرح الباقي على الجلد، وتسمية ذلك الفرس به بالمعنى الأول، قال في (النهاية) (١): هو من النَّدَب: الرهن الذي يجعل في السباق، وقيل: بالمعنى الثاني لندبٍ كان في جسمه من أثر الضرب.\nثم الظاهر من الحديث أنه كان فرس أبي طلحة، وقال في (النهاية) (٢): إن المندوب اسم فرس رسول اللَّه -ﷺ-، ولعله كان فرسًا آخر له -ﷺ-، أو أضافه إليه لركوبه -ﷺ- في هذه القضية، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فركب) أي: في مقابلة العدو.\nوقوله: (وإن وجدناه) إن مخففة من المثقلة، والضمير للمركوب أو للفرس، ويذكَّر ويؤنث، وشبَّهه بالبحر لسعة جريه، وكان قبل ركوبه -ﷺ- ضيق الجري جدًّا كذا جاء في الحديث.\n_________\n(١) \"النهاية\" (٥/ ٣٤).\n(٢) \"النهاية\" (٥/ ٣٤).","vol":"5","page":623},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-755> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٩٤٤ - [٧] عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: \"مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ (١) وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٣٧٨، د: ٣٠٧٣].\n٢٩٤٥ - [٨] وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عُرْوَةَ مُرْسَلًا. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَن غَرِيبٌ. [ط: ٥٩٦].\n٢٩٤٦ - [٩] وَعَنْ أَبِي حُرَّةَ. . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n٢٩٤٤ - [٧] (سعيد بن زيد) قوله: (من أحيا أرضًا ميتة) بإذن السلطان عند أبي حنيفة، وعند الشافعي لا حاجة إلى إذن السلطان.\nوقوله: (وليس لعرق ظالم) يروى بالإضافة والوصفية، ومعناه، أي: من غرس في ملك غيره أو زرع فيه فلصاحب الملك قلعه مجانا، وقيل: معناه: من أحيا أرضًا فليس لغيره أن يتصرف فيها.\nوقوله: (رواه أحمد، والترمذي، وأبو داود) من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن سعيد يرفعه.\n٢٩٤٥ - [٨] (مالك) قوله: (ورواه مالك عن عروة) يعني: عن هشام عن أبيه، فالحديث مرسل من وجه، ومسند من وجه آخر، ولعله بهذا الاعتبار قال في (المصابيح): عن أبي سعيد، ثم قال: مرسل، فتدبر.\n٢٩٤٦ - [٩] (أبو حرة الرقاشي) قوله: (عن أبي حرة) بضم المهملة وتشديد\n_________\n(١) لم نجده في \"مسند أحمد\".","vol":"5","page":624},{"text":"الرَّقَاشِي عَنْ عَمِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلا لَا تَظْلِمُوا، أَلَا لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإيمَان\" وَالدَّارَقُطْنِيُّ فِي \"الْمُجْتَبى\". [هب: ٧/ ٣٤٦، سنن الدارقطني: ٣/ ٤٢٤].\n٢٩٤٧ - [١٠] وَعَنْ عِمْرَانَ بْن حُصَيْنٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: \"لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ، وَلَا شِغَارَ فِي الإِسْلَامِ، وَمَنِ انْتُهَبَ نُهْبَةً فَلَيْسَ مِنَّا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١١٢٣].\nــ\nالراء، (الرقاشي) بفتح الراء وتخفيف القاف وبالشين المعجمة نسبة إلى رقاش بنت ضبيعة، كذا في (المغني) (١).\n٢٩٤٧ - [١٠] (عمران بن حصين) قوله: (لا جلب ولا جنب) بفتح الجيم والنون واللام وهما يكونان في السباق وفي الصدقة، فالجلب في السباق أن يُتبع فرسه رجلًا يُجْلِبُ عليه ويزجره، والجنب فيه أن يُجنب إلى فرسه فرسًا عريانًا حتى إذا فتَرَ المركوب تحول إليه، وهما في الصدقة أن ينزل المصدِّق موضعًا فيرسل من يجلب عليه الأموال من أماكنها ليأخذ صدقتها، أو يبعد رب الماشية بها عن محلها فيحتاج الساعي أن يتكلف ويأتي إليه، وقد مر في بابه.\nوقوله: (ولا شغار) بكسر الشين وبالغين المعجمة، والشغار (٢) أن يتزوج الرجل امرأة على أن يزوجك أخرى من غير مهر بينهما، وهذا العقد فاسد عند أكثر العلماء، وقال أبو حنيفة والثوري: يصح، ويجب مهر المثل.\n_________\n(١) \"المغني\" (ص: ١٣٤).\n(٢) كذا في الأصل، والصواب: والشغار أن يزوجَ الرجل ابنته على أن يزوّجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق، وانظر: رقم الحديث (٣١٤٦).","vol":"5","page":625},{"text":"٢٩٤٨ - [١١] وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَأْخُذ أَحَدُكُمْ عَصَا أَخِيهِ لَاعِبًا جَادًّا، فَمَن أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا إِلَيهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبَو دَاوُدَ، وَرِوَايَتُهُ إِلَى قَوْله: \"جَادًّا\". [ت: ٢١٦٠، د: ٥٠٠٣].\n٢٩٤٩ - [١٢] وَعَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ عِنْدَ رَجُلٍ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَيَتَّبعُ الْبَيِّعُ مَن بَاعَهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٥/ ١٣، د: ٣٥٣١، ن: ٤٦٨١].\n٢٩٥٠ - [١٣] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَ\". وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٢٦٦، د: ٣٥٦١، جه: ٢٤٠٠].\nــ\n٢٩٤٨ - [١١] (السائب بن يزيد) قوله: (لا يأخذ (١» بالجزم في جمع النسخ.\nوقوله: (لاعبًا جادًا) قالوا: معناه: يأخذ على سبيل الهزل والمزاح، ثم يحبسها ولا يردها فيصير جادًا، وقيل: المراد: يأخذ ماله بطريق السرقة ولا يريد السرقة، وإنما يريد أن يغيظه، فهو هازل في السرقة جادٌّ فِي إدخال الغيظ، وتخصيص العصا بالذكر ليعلم أن ما كان فوقه فهو بالمنع أولى.\n٢٩٤٩ - [١٢] (سمرة) قوله: (من وجد عين ماله) الحديث، حاصله: أن من غصب أو سرق مثلًا مال أحد، ثم باعه من أحد، فصاحب المال إن وجده في يد المشتري أخذه ويرجع المشتري على البائع بثمنه.\n٢٩٥٠ - [١٣] (وعنه) قوله: (على اليد ما أخذت حتى تؤدي): (ما أخذت)\n_________\n(١) بصيغة النهي، وقيل: بالنفي، قاله القاري (٥/ ١٩٧٤).","vol":"5","page":626},{"text":"٢٩٥١ - [١٤] وَعَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ: أَنَّ ناقَةً لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطًا فَأَفْسَدَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْحَوَائِطِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ، وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتِ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ ضَامِنٌ عَلَى أَهْلِهَا. رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ط: ٦٠٣، د: ٣٥٦٩، جه: ٢٣٣٢].\n٢٩٥٢ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"الرِّجْلُ جُبَارٌ، وَقَالَ: وَالنَّار جُبَارٌ\". . . . .\nــ\nمبتدأ و(على اليد) خبره، والمراد صاحب اليد، فالمعنى: ما أخذت اليد ضمانُه على صاحبها، والإسناد إلى اليد مجاز، والحاصل أن من أخذ مال أحد بغصب أو عارية أو وديعة لزمه ردّه.\n٢٩٥١ - [١٤] (حرام بن سعد) قوله: (وعن حرام) بلفظ ضد حلال، و(محيصة) بضم ميم وفتح مهملة وكسر الياء المشددة، والمراد بالحوائط البساتين، و(ضامن) صيغة النسبة، أي: ذو ضمان، فإذا أتلفت الدابة بستان أحد بالنهار لا يضمن صاحب الدابة؛ لأن صاحب البستان قصَّر في حفظه، والحفظ حقه، وإذا أتلفت بالليل فعلى صاحبها الضمان لتقصيره في حقه.\nوقال الطيبي (١): هذا إذا لم يكن مالك الدابة معها، فإن كان معها فعليه ضمان ما أتلفت، وهذا مذهب مالك والشافعي، وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أنه إذا لم يكن معها صاحبها فلا ضمان ليلًا كان أو نهارًا، وذلك لأن العادة على أن أصحاب الحوائط يحفظونها بالنهار، وأصحاب المواشي يحفظونها بالليل.\n٢٩٥٢ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (الرجل) بكسر الراء بمعنى القدم، و(جبار)\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ١٣٤ - ١٣٥).","vol":"5","page":627},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٥٩٢].\n٢٩٥٣ - [١٦] وَعَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ، فَإِنْ كَانَ فِيهَا صَاحِبُهَا فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا فَلْيُصَوِّتْ ثَلَاثًا، فَإِنْ أَجَابَهُ أَحَد فَلْيَسْتَأْذِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يُجبْهُ أَحَدٌ فَلْيَحْتَلِبْ وَلْيَشْرَبْ وَلَا يَحْمِلْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦١٩].\n٢٩٥٤ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ دَخَلَ حَائِطًا فَلْيَأْكُلْ وَلَا تتَّخِذْ خُبْنَةً\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٢٨٧، جه: ٢٣٠١].\nــ\nبضم الجيم وتخفيف الباء: الهدر، والمعنى: أن ما تطأ الدابة وتضربه في الطريق برجلها، وما أحرقته النار التي يوقدها الرجل في ملكه فيطير بها الريح إلى ملك غيره من حيث لا يمكنه ردُّها، فهو هدر، وهذا إذا أوقدت في وقت سكون الريح، ثم هبت الريح.\nوقوله: (رواه أبو داود) والحديث غير محفوظ.\n٢٩٥٣ - [١٦] (الحسن) قوله: (فليحتلب وليشرب) قالوا: هذا إذا كان مضطرًّا (١).\n٢٩٥٤ - [١٧] (ابن عمر) قوله: (فليأكل) هذا أيضًا إذا كان مضطرًّا، و(خبنة) بضم الخاء وسكون الباء من خَبَن الثوبَ وغيرَه يَخْبِنه خَبْنًا وخِبَانًا: عطفه وخاطه،\n_________\n(١) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَذَا إِنَّمَا يَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ بِأَنْ يَخَافَ الْمَوْتَ مِنَ الْجُوعِ أَوِ انْقِطَاعِهِ مِنَ السَّبِيلِ، وَيَرُدُّ قِيمَتَهُ لِمَالِكِهِ عِنْدَ الْقُدْرَةِ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ رَدُّ قِيمَتِهِ. انتهى. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٩٧٧).","vol":"5","page":628},{"text":"٢٩٥٥ - [١٨] وَعَنْ أُميَّةَ بْنِ صَفْوَانَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- اسْتَعَارَ مِنْهُ أَدْرَاعَهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَقَالَ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: \"بَلْ عَارِيَةً مَضْمُونَةً\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٥٦٢].\n٢٩٥٦ - [١٩] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"الْعَارِيةُ مُؤَدَّاةٌ،\nــ\nوالخبنة بالضم: ما تحمله في حضنك، والمعنى: يأكل ولا يأخذ منه شيئًا في خبنه أو ثوبه.\n٢٩٥٥ - [١٨] (أمية بن صفوان) قوله: (استعار منه أدراعه) وكان يومئذ مشركًا، (فقال: أغصبًا) أي: أتأخذ غصبًا (يا محمد؟) (قال: بل عارية مضمونة) بالنصب والرفع فيهما، وهو يدل على أن العارية مضمونة، أو قد تكون مضمونة، وبه تمسك من قال: تكون العارية مضمونة؛ كالشافعي وأحمد ﵏، ومن قال: إنها غير مضمونة؛ كأبي حنيفة ﵀، قال: إن المراد بمضمونة: مردودة، وذكر الضمان للمبالغة (١).\n٢٩٥٦ - [١٩] (أبو أمامة) قوله: (العارية مؤداة) أي: واجب على المستعير أداؤها وإيصالها إلى المعير، وينطبق هذا على القولين، أعني: القول بوجوب الضمان فيها، والقول بعدم وجوبه، لكن على الأول تؤدى عينًا حال القيام، وقيمته عند التلف.\n_________\n(١) قَالَ الْقَاضِي: هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْعَارَيةَ مَضْمُونَةٌ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، فَلَوْ تَلِفَتْ فِي يَدِهِ لَزِمَهُ الضَّمَانُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاس وَأَبُو هُرَيْرَةَ -﵃-، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ. وَذَهَبُ شُرَيْحٌ وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ إِلَى أَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ لَا تُضْمَنُ إِلَّا بِالتَّعَدِّي، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ -﵄-. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ١٩٧٨).","vol":"5","page":629},{"text":"وَالْمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ، وَالدَّيْنُ مَقْضِيٌّ، وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٢٦٥، د: ٣٥٦٥].\nــ\nوقوله: (والمنحة مردودة) المنحة في الأصل بمعنى العطية والهبة، وأكثر ما يطلق على الناقة يعطيها الرجل لأخيه ليشرب درها، قال في (القاموس) (١): مَنَحَهُ، كمنعهُ وضَرَبَهُ: أعطاهُ، والاسمُ المِنْحَةُ، بالكسر، ومَنَحَه الناقةَ: جَعَلَ له وبَرَها ولَبَنَها وولَدَها، وتطلق في غير الناقة أيضًا.\nوقال في (المشارق) (٢): المنحة عند العرب على وجهين: أحدهما: العطية كالهبة والصلة، والأخرى: تختص بذوات الألبان، وبأرض الزراعة، يمنحه الناقة أو الشاة أو البقرة، ينتفع بلبنها ووبرها وصوفها مدة، ثم يصرفها إليه، أو يعطيه أرضه يزرعها لنفسه، ثم يصرفها عليه، وهي المنيحة أيضًا، فعيلة بمعنى مفعولة، وأصله كله العطية، انتهى.\nوإلى هذا المعنى أشار الطيبي (٣) حيث قال: المنحة: ما يمنحه الرجل صاحبَه من ذات درّ ليشرب درها، أو شجرة ليأكل ثمرها، أو أرضًا ليزرعها، وفي الحديث: (من كانت له أرض فليزرعها أو يمنحها أخاه)، وعلى التقادير كلها المنحة تمليك المنفعة لا تمليك الأصل فوجب ردها.\nوقوله: (والدين مقضي) أي: واجب الأداء، (والزعيم) أي: الكفيل، (غارم) أي: ضامن، والزعم والغرم والغرامة والزعامة بالفتح: ما يلزمه أداؤه.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٣٥).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٦٢٧).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٦/ ١٣٧).","vol":"5","page":630},{"text":"٢٩٥٧ - [٢٠] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا أَرْمِي نَخْلَ الأَنْصَارِ، فَأُتِيَ بِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ: \"يَا غُلَامُ لِمَ تَرْمِي النَّخْلَ؟ \" قُلْتُ: آكُلُ، قَالَ: \"فَلَا تَرْمِ، وَكُلْ مِمَّا سَقَطَ فِي أَسْفَلِهَا\" ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ فَقَالَ: \"اللَّهُمَّ أَشْبِعْ بَطْنَهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٢٨٨، د: ٢٦٢٢، جه: ٢٢٩٩]\nوَسَنَذْكرُ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فِي \"بَابِ اللُّقْطَةِ\" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-756> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٩٥٨ - [٢١] عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَخَذَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبع أَرَضِينَ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٣٢٢].\n٢٩٥٩ - [٢٢] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةِ قَالَ: . . . . .\nــ\n٢٩٥٧ - [٢٠] (رافع بن عمرو) قوله: (وكل مما سقط) قيل: وذلك عند الاضطرار، وقال الطيبي (١): لو كان مضطرًا لجاز أن يأكل ما رماه أيضًا.\nالفصل الثالث\n٢٩٥٨ - [٢١] (سالم) قوله: (خسف به. . . إلى سبع أرضين) وقد مر في (الفصل الأول): (يطوقه) وهو غير الخسف، ولعله يعذَّب بعض بالخسف وآخرون بالتطويق.\n٢٩٥٩ - [٢٢] (يعلى بن مرة) قوله: . . . . .\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ١٣٨).","vol":"5","page":631},{"text":"سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِغَيْرِ حَقِّهَا كُلِّفَ أَنْ يَحْمِلَ تُرَابَهَا الْمَحْشَرَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ١٧٢].\n٢٩٦٠ - [٢٣] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"أَيُّمَا رَجُلٍ ظَلَمَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ، كلَّفَهُ اللَّهُ ﷿ أَنْ يَحْفِرَهُ حَتَّى يَبْلُغَ آخِرَ سَبعِ أَرَضِينَ، ثُمَّ يُطَوَّقُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاس\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ١٧٣].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-757>١٢ - باب الشفعة</span>\nــ\n(كلف أن يحمل ترابها) وهذا تعذيب آخر يكون لبعض.\n٢٩٦٠ - [٢٣] (وعنه) قوله: (ظلم شبرًا) أي: أخذه ظلمًا.\nوقوله: (إلى يوم القيامة) إلى آخر هذا اليوم، فيكون قوله: (حتى يقضى بين الناس) بدلًا وبيانًا له، أي: حتى يَتم حكم الرب تعالى بين العباد في المحشر، أي: إلى دخول الجنة أو النار، فافهم.\n١٢ - باب الشفعة\nبالضم مشتق من الشفع، وهو الضم، سميت بها لما فيها من ضم المشتراة إلى عقار الشفيع، والشفعة إنما تثبت للشريك عند الأئمة الثلاثة، ولا تثبت للجار، وعند أبي حنيفة وفي رواية عن أحمد تثبت للجار أيضًا، وصحح هذه الرواية بعض أصحابه، ومتمسك الأئمة الحديث الآتي في (الفصل الأول).\nودليل أبي حنيفة حديث جابر -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (الجار أحق بشفعة","vol":"5","page":632},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-758> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٩٦١ - [١] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَضَى النَّبِيُّ -ﷺ- بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ وَصُرِفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٢١٣، ٢٢١٤، ٢٢٥٧].\n٢٩٦٢ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ شَرِكَةٍ لَمْ تُقْسَمْ. . . . .\nــ\nجاره ينتظر بها) رواه الخمسة (١)، وقال الترمذي: إنه حسن غريب، لكن قد تكلم فيه بعضهم، وقال بعض المحدثين: إنه صحيح، ومن تكلم فيه تكلم بلا حجة، وعن أنس -﵁- أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (جار الدار أحق بالدار) رواه النسائي (٢)، وابن حبان (٣)، وأيضًا حديث أبي هريرة: (الجار أحق بسقبه) أورده في (باب الشفعة)، فهو أيضًا دليل على مذهبنا.\nالفصل الأول\n٢٩٦١ - [١] (جابر) قوله: (وصرفت الطرق) أي: خَلصت وحولت (فلا شفعة) لعدم بقاء الشركة، وهذا الحديث يدل على أنه لا شفعة للجار، وهو متمسك الأئمة كما ذكرنا.\n٢٩٦٢ - [٢] (وعنه) قوله: (في كل شركة) أي: مشترك.\n_________\n(١) انظر: \"صحيح مسلم\" (١٦٠٨)، و\"سنن أبي داود\" (٣٥١٨)، و\"سنن النسائي\" (٤٧٠٥)، و\"سنن الترمذي\" (١٣٦٩)، و\"سنن ابن ماجه\" (٢٤٩٤).\n(٢) \"السنن الكبرى\" للنسائي (١٠/ ٣٦٤).\n(٣) \"صحيح ابن حبان\" (١٥٨٢).","vol":"5","page":633},{"text":"رَبْعَةٍ أَوْ حَائِطٍ: \"لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَبِيعَ حَتَّى يُؤذِنَ شَرِيكَهُ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَإِذَا بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٠٨].\n٢٩٦٣ - [٣] وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٢٥٨].\nــ\nوقوله: (ربعة) بدل من (شركة) بفتح الراء وسكون الباء، والتاء للوحدة، والربع: الدار بعينها حيث كانت، والمحلة، والمنزل، والموضع، كذا في (القاموس) (١)، ودل على أنْ لا شفعة إلا في العقار وهو متفق عليه بين الأئمة.\nوقوله: (يؤذن) صحح في النسخ بالهمزة والواو.\n٢٩٦٣ - [٣] (أبو رافع) قوله: (الجار أحق بسقبه) السقب محركًا: القُرب، سَقِبَتِ الدار سقوبًا وأسقبت، وأَبْياتُهُمْ مُتَساقبَةٌ، وأسْقَبَهُ: قَرَّبَهُ، ومَنْزِلٌ سَقَبٌ، مُحَرَّكَةً، ومُسْقِبٌ، كَمُحْسِنٍ، والسَّاقِبُ: القَريبُ، والبَعيدُ، ضِدٌّ، كذا في (القاموس) (٢)، وقد يبدل السين صادًا، والصاد فيه أشهر المعنيين، وهذا الحديث يدل على ثبوت الشفعة للجار، والنافي يؤوله على الشريك فإنه يسمى جارًا، وقد تجعل الباء للسببية لا صِلةَ (أحق)، ويراد أنه أحق بالبر والمعونة بسبب قربه وجواره، كما جاء الوصية بإكرام الجار والإحسان إليه.\nوقال التُّورِبِشْتِي (٣): هذا تعسف، وقد علم أن الحديث قد روي عن الصحابي\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٦٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٣).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٧٠٤).","vol":"5","page":634},{"text":"٢٩٦٤ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٦٣، م: ١٦٠٩].\n٢٩٦٥ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا اخْتَلَفْتُمْ فِي الطَّرِيقِ جُعِلَ عَرْضُهُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦١٣].\nــ\nفي قصة صار البيان مقترنًا به، ولهذا أورده علماء النقل في كتب الأحكام في باب الشفعة، وأولهم وأفضلهم البخاري، ذكره بقصته عن عمرو بن الشريد، انتهى.\nوزاد في (الهداية) (١) في آخر هذا الحديث: قيل: يا رسول اللَّه! ما سقبه؟ قال: (شفعته)، ويروى: (الجار أحق بشفعته).\n٢٩٦٤ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (لا يمنع) بالجزم والرفع.\nوقوله: (أن يغرز خشبة) أي: إذا لم يضرَّه، والأصح أنه محمول على الندب، وذهب أصحاب الظواهر إلى أنه للإيجاب.\n٢٩٦٥ - [٥] (وعنه) قوله: (جعل عرضه سبعة أذرع) وفي نسخة: (سبع)، وكلاهما صحيح، لأن الذراع يذكَّر ويؤنث يعني: إذا كان طريق بين أرض لقوم أرادوا عمارتها، فإن اتفقوا على الشيء فذاك، وإن اختلفوا في قدره جعل سبعة أذرع، هذا مراد الحديث، أما إذا وجدنا طريقًا مسلوكًا وهو أكثر من سبعة أذرع، فلا يجوز لأحد أن يستولي على شيء منه، لكن له عمارة ما حواليه من الموات ويملكه بالإحياء بحيث لا يضر المارين.\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٣٠٨).","vol":"5","page":635},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-759> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٩٦٦ - [٦] عَنْ سَعِيدِ بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ بَاعَ مِنْكُمْ دَارًا أَوْ عَقَارًا قَمِنٌ أَنْ لَا يُبَارَكَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ فِي مِثْلِهِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [جه: ٢٤٩٥، دي: ٢/ ٢٧٣].\n٢٩٦٧ - [٧] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَتِهِ يُنْتَظَرُ لَهَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا، إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٣/ ٣٠٣، ت: ١٣٦٩، د: ٣٥١٨، جه: ٢٤٩٤، دي: ٢/ ٢٧٣].\nــ\nالفصل الثاني\n٢٩٦٦ - [٦] (سعيد بن حريث) قوله: (عن سعيد بن حريث) بالحاء المهملة والمثلثة بصيغة التصغير.\nوقوله: (قمن) بفتح القاف وكسر الميم وبفتحها وجاء قمين بمعنى الخليق الجدير، يعني: بيعُ الأراضي والدور وصرفُ ثمنها إلى المنقولات غير مستحسن؛ لكثرة منافعها وقلة تطرق الآفة إليها.\n٢٩٦٧ - [٧] (جابر) قوله: (الجار أحق بشفعته) هذا أيضًا يثبت الشفعة للجار، والشافعية تكلموا في رجال هذا الحديث، وقالوا: ولو سلم من الطعن فلا يعارض تلك الأحاديث، وقيل: لا يدل على شفعة الجوار إلا مقيدًا فافهم.\nوقوله: (وإن كان غائبًا) وقع في الأصول بالواو وبتركها، والظاهر الثاني.","vol":"5","page":636},{"text":"٢٩٦٨ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"الشَّرِيكُ شَفِيعٌ وَالشُّفْعَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ:\n٢٩٦٩ - [٩] وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- مُرْسَلًا وَهُوَ أَصَحُّ. [ت: ١٣٧١].\n٢٩٧٠ - [١٠] وَعَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً صَوَّبَ اللَّهُ رَأْسَهُ فِي النَّارِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ مُخْتَصَرٌ يَعْنِي: مَنْ قَطَعَ سِدْرَةً فِي فَلَاةٍ يَسْتَظِلُّ بِهَا ابْنُ السَّبِيلِ وَالْبَهَائِمُ غَشْمًا وَظُلْمًا بِغَيْرِ حَقِّ يَكُونُ لَهُ فِيهَا،\nــ\n٢٩٦٨، ٢٩٦٩ - [٨، ٩] (عباس) قوله: (والشفعة في كل شيء) أي: من غير المنقولات.\n٢٩٧٠ - [١٠] (عبد اللَّه بن حبيش) قوله: (وعن عبد اللَّه بن حبيش) بالحاء المهملة بصيغة التصغير، وقيل: صوابه حبشي، بضم الحاء وسكون الموحدة بعدها معجمة، ثم ياء ثقيلة، كذا في (التقريب) (١).\nوقوله: (من قطع سدرة) بكسر السين وسكون الدال، هي شجر النبق والواحدة بهاء، وفي (مجمع البحار) (٢): وهي نوعان: عُبْرِي لا شوك له إلا ما لا يضر، وضَالٌ له شوك ونبقه صغار، قيل: المراد سدر مكة لأنها حرم، وقيل: سدر المدينة، نهى عنه ليكون أُنسًا وظلًّا لمن يهاجر إليها، وقيل: سدر الفلاة يستظل بها أبناء السبيل والحيوانات، وقيل: سدرٌ مملوكٌ يقطعه ظالم بغير حق، والحديث مضطرب فإن راويه\n_________\n(١) \"تقريب التهذيب\" (رقم: ٣٢٦٩).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥٥ - ٥٦).","vol":"5","page":637},{"text":"صَوَّبَ اللَّهُ رَأسَهُ فِي النَّارِ. [د: ٥٢٣٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-760> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٩٧١ - [١١] عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: إِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فِي الأَرْضِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهَا، وَلَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ وَلَا فَحْلِ النَّخْلِ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢٦٥٠].\n* * *\nــ\nعروة كان يقطعه ويتخذ منه أبوابًا، وأجمعوا على إباحة قطعه.\nوقوله: (صوب اللَّه رأسه) أي: خفضه.\nوقوله: (يعني: من قطع) بيان ما حذف منه، و(الغشم) بفتح الغين المعجمة: الظلم.\nالفصل الثالث\n٢٩٧١ - [١١] (عثمان بن عفان) قوله: (ولا شفعة في بئر ولا فحل النخل) لأن الشفعة إنما تكون في عقار يحتمل القسمة، والبئر وفحل النخل ليس كذلك، أما البئر فلكونه غير محتمل للقسمة، وأما فحل النخل فليس بعقار، ووجه تخصيصه بالذكر لأن القوم كانوا قد يتوارثون نخيلًا وتقاسموا، ولهم فحل يلقحون منه نخيلهم، فإذا باع أحد نصيبه من تلك النخيل بحقوقه من الفحال وغيره، فلا شفعة للشركاء في الفحال لعدم كونه عقارًا، فافهم.\nاعلم أن الشفعة واجبة عندنا في العقار وإن كان مما لا يقسم كالحمام والرحى، وقال الشافعي ﵀: لا شفعة فيما لا يقسم؛ لأنها إنما وجبت دفعًا لمؤنة القسمة، وهذا لا يتحقق فيما لا يقسم، ولنا قوله -ﷺ-: (الشفعة في كل شيء من عقار أو ربع)","vol":"5","page":638},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-761>١٣ - باب المساقاة والمزارعة</span>\nــ\nإلى غير ذلك من العمومات، ولأن الشفعة سببها الاتصال في الملك، والحكمة دفع ضرر سوء الجوار، وأنه ينتظم القسمين: ما يقسم وما لا يقسم؛ كالرحى والحمام والبئر والطريق، كذا في (الهداية) (١).\n١٣ - باب المساقاة والمزارعة\nالمساقاة أن يدفع الرجل أشجاره إلى غيره ليعمل فيها ويصلحها بالسقي والتربية على سهم معين كنصف أو ثلث، والمزارعة عقد على الأرض ببعض الخارج كذلك، والمساقاة تكون في الأشجار، والمزارعة في لأراضي، وحكمهما واحد، وهما فاسدان عند أبي حنيفة، وعند صاحبيه والآخَرِين من الأئمة جائز، وقيل: لا نرى أحدًا من أهل العلم منع عنهما إلا أبو حنيفة، وقيل: زفر معه.\nوقال في (الهداية): الفتوى على قولهما، والدليل للأئمة: ما روي أن النبي -ﷺ- عامل أهل خيبر على نصف ما يخرج من ثمر أو زرع، وأنه عقد شركة بين المال والعمل، فيجوز اعتبارًا بالمضاربة، والجامع دفع الحاجة، فإن ذا المال لا يهتدي إلى العمل، والقوي عليه لا يجد المال، ولأبي حنيفة: ما روي أن النبي -ﷺ- نهى عن المخابرة، وهي المزارعة، ولأنه استئجار ببعض ما يخرج من عمله، فيكون في معنى قفيز الطحان، ولأن الأجر مجهول أو معدوم، وكل ذلك مفسد، ومعاملة النبي -ﷺ- أهل خيبر كان خراج مقاسمة بطريق المن والصلح، وهو جائز، كذا في (الهداية) (٢)، فإنه لو أخذ الكل جاز، فإنه ملكها عنوة، ولكنه منّ عليهم برقابهم وأراضيهم ونخيلهم،\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٣١٨).\n(٢) \"الهداية\" (٤/ ٣٣٧).","vol":"5","page":639},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-762> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٩٧٢ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- دَفَعَ إِلَى يَهُودِ خَيْبَرَ نَخْلَ خَيْبَرَ وَأَرْضَهَا عَلَى أَنْ يَعْتَمِلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَلِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- شَطْرُ ثَمَرِهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: . . . . .\nــ\nوجعل عليهم نصف الخارج بطريق المقاسمة، وللإمام رأي في أرض الممنون بها على أهلها، إن شاء جعل عليها خراج الوظيفة، وهو أن يوظف الإمام كل سنة على مال، كما صالح -ﷺ- مع أهل خيبر على أن يؤدوا كل سنة ألفًا ومئتي حلة، وإن شاء جعل عليها خراج المقاسمة، وهو أن يقسم الإمام ما يخرج من الأرض كما صالح مع أهل خيبر على أن ما يخرج من أراضيهم يكون نصفين، نصفًا لهم ونصفًا للمسلمين، وللشافعية فيه كلام ذكره (الطيبي) (١).\nالفصل الأول\n٢٩٧٢ - [١] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (شطر ثمرها) الشطر يطلق ويراد به النصف ويراد به البعض، في (القاموس) (٢): الشَّطْرُ نصف الشيء وجزؤُهُ، ومنه حديث الإسْراءِ: فَوَضعَ شَطْرَهَا، أي: بعضَها، انتهى.\nوالمراد في حديث خيبر النصف كما صرح به في الروايات الأخر، وتخصيص الثمر بالذكر من باب الاكتفاء، وكذا حكم الخارج من الأرض بالزراعة، وفيه إيماء إلى كون المزارعة في ضمن المساقاة وتبعًا لها كما ذهب إليه بعض، والحق عدم تبعيتها لها عند المجوِّزين، بل هما جائزتان مجتمعتين ومنفردتين.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ١٤٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٨٧).","vol":"5","page":640},{"text":"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَعْطَى خَيْبَرَ الْيَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. [م: ١٥٥١، خ: ٢١٨٥].\n٢٩٧٣ - [٢] وَعَنهُ قَالَ: كُنَّا نُخَابِرُ وَلَا نَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا حَتَّى زَعَمَ رَافِعُ بْن خَدِيج أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى عَنْهَا، فَتَرَكنَاهَا مِنْ أجلِ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٤٧].\n٢٩٧٤ - [٣] وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ عَنْ رَافِعٍ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمَّايَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأَرْبِعَاءِ. . . . .\nــ\nوقوله: (أعطى خيبر اليهود) خيبر مفعول ثان، واليهود مفعول أول لأعطى.\nوقوله: (أن يعملوها) منصوب بنزع الخافض، أي: على أن يعملوا، ويجوز أن يكون بدل اشتمال.\n٢٩٧٣ - [٢] (وعنه) قوله: (كنا نخابر) أي: نزارع، والمخابرة: المزارعة بالمعنى المذكور.\nوقوله: (نهى عنها) ويكفي هذا دليلا لمانع المزارعة، وحمل المجوزون الأحاديث الواردة في النهي على ما إذا اشترطا لكل واحد منهما قطعة معينة من الأرض.\nواعلم أن الأحاديث في هذا الباب جاءت مختلفة، وحديث النهي من رافع بن خديج أيضًا جاءت مختلفة، تارةً قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ-، وتارةً قال: حدثني عمومتي، وتارةً: أخبرني عماي، وباب التأويل من الجانبين مفتوح، وبالجملة الجمهور على الجواز، والفتوى في مذهبنا أيضًا على الجواز دفعا للحاجة، فتدبر.\n٢٩٧٤ - [٣] (حنظلة بن قيس) قوله: (بما ينبت على الأربعاء) بكسر الباء:","vol":"5","page":641},{"text":"أَوْ شَيْءٍ يَسْتَثْنِيهِ صَاحِبُ الأَرْضِ، فَنَهَانَا النَّبِيُّ -ﷺ- عَنْ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِرَافِعٍ: فَكَيْفَ هِيَ بِالدَّرَاهِمِ وَالدَّنانِيرِ؟ فَقَالَ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ، وَكَأَنَّ الَّذِي نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الْفَهْمِ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَمْ يُجِيزُوهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُخَاطَرَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٤٦، ٢٣٣٢، م: ١٥٤٧].\n٢٩٧٥ - [٤] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَقْلًا،\nــ\nجمع ربيع بمعنى النهر الصغير؛ كنصيب وأنصباء، وقد يجيء جمعه على أربِعة أيضًا، كأنصبة.\nوقوله: (أو شيء) عطف على (ما ينبت) والمعنى: أنهم كانوا يُكرون الأرض على أن يزرعه العامل ببذره، ويكون ما ينبت على أطراف الجداول والسواقي للمكري أجرة لأرضه، وما عدا ذلك للمكتري، أو ما كان ينبت في هذه القطعة بعينها فهو للمكري، وما ينبت على غيرها فهو للمكتري، فنهاهم عن ذلك لما فيه من الخطر والغرر، وهذه الصورة محمل النهي عند المجوزين كما مر.\nوقوله: (وكأن الذي نهي عن ذلك) الظاهر أنه من كلام رافع، وقد توهِّم أنه من كلام البخاري، وقد صرح في البخاري أنه من كلام الليث بن سعد شيخ شيخ البخاري في هذا الحديث، كذا في بعض الحواشي.\nوقوله: (ذوو الفهم) ذوو في بعض الأصول بلفظ الجمع، وفي بعضها بلفظ المفرد، فظاهر قوله: (لم يجيزوه) بضمير الجمع يؤيد الأول، إلا أن يكون باعتبار إرادة الجنس.\n٢٩٧٥ - [٤] (رافع بن خديج) قوله: (حقلًا) الحقل: الزرع، والمحاقل:","vol":"5","page":642},{"text":"وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ فَيَقُولُ: هَذِهِ الْقِطْعَةُ لِي، وَهَذِهِ لَكَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِه، وَلَمْ تُخْرِجْ ذِه، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ-. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٣٢، م: ١٥٤٧].\n٢٩٧٦ - [٥] وَعَنْ عَمْرٍو قَالَ: قُلْتُ لِطَاوُوسٍ: لَوْ تَركْتَ الْمُخَابَرَةَ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى عَنْهُ، قَالَ: أَيْ عَمْرو! إِنِّي أُعْطِيهِمْ وَأُعِينُهُمْ، وَإِنَّ أَعْلَمَهُمْ أَخْبَرَنِي -يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ- أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَلَكِنْ قَالَ: \"إِنْ يَمْنَحْ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ خَرْجًا مَعْلُومًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٣٠، م: ١٥٥٠].\nــ\nالمزارع، والمحاقلة: بيع الزرع قبل بدو صلاحه أو بيعه في سنبله، والمزارعة بالثلث أو الربع أو أقل أو أكثر، أو اكتراء الأرض بالحنطة، كذا في (القاموس) (١)، والمراد هنا الزرع أو المزارعة.\nوقوله: (فربما أخرجت ذه، ولم تخرج ذه (٢» بيان لوجه عدم الجواز، و(ذه) إشارة إلى القطعة، وهي لفظ اسم الإشارة إلى الواحدة المؤنث مثل ذي.\n٢٩٧٦ - [٥] (عمرو) قوله: (وعن عمرو) هو ابن دينار.\nوقوله: (لم ينه عنه) أي: عن عقد المخابرة، و(إن يمنح) بكسر (إن) حرف الشرط، فيكون (يمنح) بالجزم، أو بالفتح فيكون بالنصب، والمراد: أنه ما جعله حرامًا، ولكن قال: مقتضى المروءة أن يعطيه تفضلًا ولا يأخذ البدل، وذلك خير لا واجب.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٠٧).\n(٢) بسكون الهاء وبإشباعها، قاله القاري (٥/ ١٩٨٨).","vol":"5","page":643},{"text":"٢٩٧٧ - [٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٤٠، ٢٦٣٢، م: ١٥٣٦].\n٢٩٧٨ - [٧] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَرَأَى سِكَّةً وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الْحَرْثِ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ الذُّلَّ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٣٢١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-763> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٩٧٩ - [٨] عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنَ الزَّرْعِ شَيْءٌ وَلَهُ نَفَقَتُهُ\". . . . .\nــ\n٢٩٧٧ - [٦] (جابر) قوله: (فإن أبى فليمسك أرضه) قيل: هذا توبيخ على العدول عن الأمرين إلى المخابرة، ففيه توبيخ لمن له مال ولم ينفع ولم ينتفع.\n٢٩٧٨ - [٧] (أبو أمامة) قوله: (ورأى سكة) جملة حالية، والسكة بكسر السين: حديدة الفدان التي يحرث بها الأرض (١).\nوقوله: (اللَّه) فاعل (أدخله)، ولا يوجد اسم الجلالة في بعض النسخ، وهو رواية الكشميهني من رواة البخاري، والأول أكثر عندهم، فيكون في (أدخل) ضمير راجع إلى المشار إليه بـ (هذا)، وفي هذا ترغيب وحث على الجهاد.\nالفصل الثاني\n٢٩٧٩ - [٨] (رافع بن خديج) قوله: (وله نفقته). . . . .\n_________\n(١) انظر: \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٦٨).","vol":"5","page":644},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبَو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٣٦٦، د: ٣٤٠٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-764> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٩٨٠ - [٩] عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: مَا بِالْمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ، وَزَارَعَ عَلِيٌّ وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالقَاسِمُ وَعُرْوَةُ وآلُ أَبِي بَكْرٍ وآلُ عُمَرَ وآلُ عَلِيٍّ وَابْنُ سِيرِينَ، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ: كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ فِي الزَّرْعِ، وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى إِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالْبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشّطْرُ، وَإِنْ جَاؤُوا بِالْبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا. . . . .\nــ\nأي: أجر عمله (١).\nالفصل الثالث\n٢٩٨٠ - [٩] (قيس بن مسلم) قوله: (عن أي جعفر) هو محمد الباقر عليه وعلى آبائه التحية والسلام.\nوقوله: (وزارع علي. . . إلخ) كل هذه الأقوال تعليقات أوردها البخاري في صحيحه، فالأولى أن يقول المؤلف: رواه البخاري تعليقًا، كما هو دأبه.\nوقوله: (على إن جاء) بكسر الهمزة، أي: بهذه الطريقة من الاشتراط.\n_________\n(١) قال القاري: (٥/ ١٩٨٩): يَعْنِي مَا حَصَلَ مِنَ الزَّرْعِ يَكُونُ لِصَاحِبِ الأَرْضِ وَلَا يَكُونُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ إِلَّا بَذْرُهُ، إِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَا حَصَلَ مِنَ الزَّرْعِ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَعَلَيْهِ نُقْصَانُ الأَرْضِ، كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: عَلَيْهِ أُجْرَةُ الأَرْضِ مِنْ يَوْمِ غَصْبِهَا إِلَى يَوْمِ تَفْرِيغِهَا، وَكَذَا ذَكَرَهُ الْمُظهر.","vol":"5","page":645},{"text":"رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: معلقًا: ٤١ - كتاب المزارعة/ ٧ - باب المزارعة بالشطر ونحوه].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-765>١٤ - باب الإجارة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-766> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٩٨١ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: . . . . .\nــ\n١٤ - باب الإجارة\nآجرتُ الدار مؤاجرة: أكريتها، والعامة تقول: أجَّرت الدار، كذا في (الصحاح) (١)، وفي (شرح الوقاية): فِعَالة من المفاعلة، وآجر على وزن فاعَلَ لا أَفْعَلَ؛ لأن الإيجار لم يجئ، فالمضارع يؤاجر، واسم الفاعل المؤاجر، وعن الخليل: آجرت زيدًا مملوكي أوجره إيجارًا، وفي (الأساس) (٢): آجرني فهو مُؤْجر، ولا تقل: مؤاجر، وأَجَره يَأْجُره من باب طلب، أي: أعطاه الأجرة فهو آجر، والإجارة في الشرع: عقد على المنافع بعِوَض، والقياس يأبى جوازه؛ لأن المعقود عليه المنفعة وهي معدومة، لكنها جوزت لحاجة الناس إليه، وقد شهدت بصحتها الأخبار والآثار.\nالفصل الأول\n٢٩٨١ - [١] قوله: (عبد اللَّه بن مغفل) بضم الميم وفتح المعجمة وتشديد الفاء في جميع نسخ (المشكاة)، صحابي مشهور من أصحاب الشجرة، مات بالبصرة سنة ستين، قال الحسن البصري: ما نزل البصرة أشرف منه، وكتب في الهامش من بعض النسخ (ابن معقل) بفتح الميم وسكون المهملة وكسر القاف، كذا في نسخ مسلم،\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٢/ ٥٧٦).\n(٢) \"أساس البلاغة\" (ص: ٥).","vol":"5","page":646},{"text":"زَعَمَ ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنِ الْمُزَارَعَةِ، وَأَمَرَ بِالْمُؤَاجَرَةِ، وَقَالَ: \"لَا بَأْسَ بِهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٤٩].\n٢٩٨٢ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- احْتَجَمَ، فَأَعْطَى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَاسْتَعَطَّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٩١، م: ١٢٠٢].\n٢٩٨٣ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَا بَعَثَ اللَّهُ نبَيًّا إَلَّا رَعَى الْغَنَمَ\". . . . .\nــ\nوهو تابعي كما ذكر في (جامع الأصول) (١).\nو(ثابت بن الضحاك) أنصاري شهد بيعة الرضوان في صغر، وقيل: كانت ولادته في السنة الثالثة من الهجرة، نزل البصرة ومات سنة سبعين.\nوالمراد بالأمر أمر إباحة، ولهذا أكده بقوله: (لا بأس بها) في مقابلة النهي عن المزارعة.\n٢٩٨٢ - [٢] (ابن عباس) قوله: (احتجم فأعطى الحجام أجره)، فيه صحة الإجارة وحِلُّ عمل الحجامة، (واستعط) استعمل السعوط، السعوط بالفتح: دواء يصَبُّ في الأنف، وفيه جواز المداواة.\n٢٩٨٣ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (ما بعث اللَّه نبيًّا إلا رعى الغنم) قالوا: الحكمة فيه حصول سياسة الأمم، والشفقة عليهم، والصبر على مشقة الرعي، فإن شأن السلطان مع الرعية كشأن الراعي مع الغنم، وقيل: ذلك ليعرفوا منن اللَّه عليهم حيث بلَّغهم بعد ذلك إلى تلك المراتب، وجعلهم أفضل الكائنات على تفاوت درجاتهم، وقال الخطابي:\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٦٨٠).","vol":"5","page":647},{"text":"فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: \"نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَى عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٢٦٢].\nــ\nلم يضع النبوة في أبناء الدنيا وملوكها، لكن في رعاة الغنم، وأهل التواضع من أصحاب الحرف، فإن أيوب كان خياطًا، وزكريا نجارًا، كذا نقل الكرماني (١)، واللَّه أعلم.\nوقوله: (على قراريط) الظاهر المشهور أنه جمع قيراط، وهو جزء من أجزاء الدينار نصف عشره أو جزء من أربعة وعشرين، وقالوا: الياء فيه بدل من الراء لأن أصله قِرَّاط بالتشديد، ولهذا يجمع على قراريط، وعدم تعيين عددها لبيان تقليلها أو لنسيان عددها، وجاء في رواية: (بالقراريط).\nوقيل: قراريط اسم موضع بمكة، وصوّبه ابن الجوزي وغيره، وتعقِّب بأن أهل مكة لا يعرفون بها مكانًا يقال له القراريط.\nوروى النسائي (٢) من طريق نصر بن حزن: افتخر أهل الإبل، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: (بعث موسى وهو راعي غنم، وبعث داود وهو راعي غنم، وبعثت أنا أرعى غنمًا لأهلي بجياد)، وزعم بعضهم أنه ينافي حمل القراريط على معنى جزء الدينار؛ لأنه لم يكن يرعى لأهله بالأجرة، فتعين أنه أراد المكان فعبّر تارة بجياد وتارة بقراريط، ولا منافاة إذ يجوز الجمع بأنه كان يرعى لأهله بغير أجرة، ولغيرهم بأجرة، أو يكون المراد بـ (أهلي) أهل مكة، فيتحد الخبران لكنه بيَّن في أحد الخبرين الأجرة وفي الآخر المكان، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) انظر: \"شرح الكرماني\" (١٤/ ٥٦).\n(٢) \"السنن الكبرى\" للنسائي (١٠/ ١٧١).","vol":"5","page":648},{"text":"٢٩٨٤ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٢٢٧].\n٢٩٨٥ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- مَرُّوا بِمَاءِ فِيهِمْ لَدِيغٌ أَوْ سَلِيمٌ، فَعَرَضَ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ فَقَالَ: هَلْ فِيكُمْ مِنْ رَاقٍ؟ إِنَّ فِي الْمَاءَ لَدِيغًا أَوْ سَلِيمًا،\nــ\n٢٩٨٤ - [٤] (وعنه) قوله: (رجل أعطى بي) بلفظ المعلوم والمفعول محذوف، أي: أعطى العهد باسمي وبأيماني، بقرينة قوله: (ثم غدر).\nوقوله: (فأكل ثمنه) تأكيدٌ لزيادة توبيخ وتقريعٍ، لا تقييدٌ، وأما قوله: (فاستوفى منه) أي: العمل، فيشبه أن يكون تقييدًا، فإنه إذا عقد الإجارة ولم يستعمله لا يجب عليه إعطاء الأجر، ومع ذلك فيه أيضًا نوع تقريع وتوبيخ، فافهم.\n٢٩٨٥ - [٥] (ابن عباس) قوله: (مروا بماء) أي: بماء يسكنون عليه قوم كما يسكنون أو ينزلون على أنهار وحياض.\nوقوله: (فيهم لديغ أو سليم) في (القاموس) (١): لدغَتْهُ العَقْرَبُ والحَيَّةُ، كمنع، لَدْغًا وتَلْداغًا، فهو مَلْدُوغٌ ولَدِيغٌ، وقال أيضًا: السَّلْمُ: لَدْغُ الحية، وفي (مختصر النهاية) (٢): السليم اللديغ، سمي به تفاؤلًا بالسلامة، ويظهر من هذا اتحاد السليم واللديغ\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٢٦، ١٠٣٣).\n(٢) \"الدر النثير\" (١/ ٤٨٣).","vol":"5","page":649},{"text":"فَانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ عَلَى شَاءٍ فَبَرِئَ، فَجَاءَ بِالشَّاءِ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: أَخَذْتَ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ أَجْرًا حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخَذَ عَلَى كتَابِ اللَّهِ أَجْرًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ: \"أَصَبْتُمُ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا\". [خ: ٥٧٣٧، ٥٧٤٩].\nــ\nفي المعنى، فيكون (أو) للشك من الراوي، وفي (المشارق) (١): لدغته العقرب: ضربته بذنبَها، وأشباهُها من ذوات السموم: عضّته، وقال: يقال لمن لدغه ذوات السموم: سليم، على معنى التفاؤل بسلامته من ذلك، انتهى. ونقل الطيبي (٢) عن القاضي: أن أكثر ما يستعمل اللديغ فيمن لدغته العقرب، والسليم فيمن لسعته الحية، فتدبر.\nوقوله: (على شاء) جمع شاة، أي: بمقابلتها وشرط أجرتها.\nوقوله: (واضربوا لي معكم سهمًا) أي: اجعلوا لي سهمًا، والمقصود تطييب قلوبهم وبيان أنه حلال طيب، وفيه دليل على أن الرقية بالقرآن وأخذ الأجرة عليها جائز بلا شبهة، وهكذا حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن وكتابته مع خلاف فيه، والمشهور من مذهب أبي حنيفة الحرمة والكراهة، ورخص فيه المتأخرون.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٥٧٩، ٢/ ٣٦٨).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٦/ ١٥٨).","vol":"5","page":650},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-767> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٩٨٦ - [٦] عَنْ خَارِجَةَ بْنِ الصَّلْتِ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: أَقْبَلْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَتَيْنَا عَلَى حَيٍّ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَالُوا: إِنَّا أُنْبِئْنَا أَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرَّجُلِ بِخَيْرٍ، فَهَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ دَوَاءً أَوْ رُقْيَةٍ؟ فَإِنَّ عِنْدَنَا مَعْتُوهًا فِي الْقُيُودِ، فَقُلْنَا: نَعَمْ، فَجَاؤُوا بِمَعْتُوهٍ فِي الْقُيُودِ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً، أَجْمَعُ بُزَاقِي ثُمَّ أَتْفُلُ، قَالَ: فَكَأَنَّمَا أُنشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَأَعْطَوْنِي جُعْلًا، فَقُلْتُ: لَا، حَتَّى أَسْأَلَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَقَالَ: \"كُلْ، فَلَعَمْرِي لَمَنْ أَكَلَ بِرُقْتةِ بَاطِلٍ، لَقَدْ أَكَلْتَ بِرُقْيةِ حَقٍّ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٥/ ٢١٠ - ٢١١، د: ٣٤٢، ٣٨٩٦].\nــ\nالفصل الثاني\n٢٩٨٦ - [٦] (خارجة بن الصلت) قوله: (فإن عندنا معتوهًا) العته: نقصان العقل، ويقال: المعتوه لمن يُجنّ تارة ويفيق أخرى.\nوقوله: (فكأنما أنشط) أي: حُلّ (من عِقال) بالكسر: ما يشدّ به وظيف البعير إلى ذراعه، ونشط الحبلَ: عقده، وأنشطه: حلّه، كناية عن سرعة برئه من الجنون وببركة قراءة الفاتحة، و(الجعل) بضم الجيم وسكون العين: ما يجعل للرجل على عمله.\nوقوله: (لعمري) قيل: هذه الكلمة جارية على ألسنتهم من غير قصد القسم، وقيل: إنه من خواصه -ﷺ-؛ لأن اللَّه تعالى أقسم بعمره، فيجوز أن يقسم هو أيضًا به، واللام في (لمن أكل) موطئة للقسم.\nوقوله: (لقد) جواب للقسم سادّ مسدّ الجزاء، (برقية باطل) بالإضافة كرقية حق،","vol":"5","page":651},{"text":"٢٩٨٧ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أعْطوا الأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٤٤٣].\n٢٩٨٨ - [٨] وَعَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِي \"الْمَصَابِيحِ\": مُرْسَلٌ. [حم: ١/ ٢٠١، د: ١٦٦٥].\nــ\nيعني: إنْ أكل غيرك أكلًا برقية باطل فقد أساء، ولا تحزن إذ أنت أكلت برقية حق.\n٢٩٨٧ - [٧] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (قبل أن يجف عرقه) بكسر الجيم وهو كناية عن التعجيل بإعطاء الأجر.\n٢٩٨٨ - [٨] (الحسين بن علي) قوله: (للسائل حق) بسبب سؤاله، فكأنه أجرة له، وبهذا الوجه يناسب إيراده في هذا الباب.\nوقوله: (وفي المصابيح مرسل) قد وجد هذا في أكثر النسخ، وفي بعضها لم يوجد، وهو الصحيح لأنه مسند، قال التُّورِبِشْتِي (١): وُصف هذا الحديث في (المصابيح) بالإرسال، فلا أدري أثبت ذلك في الأصل أم هو شيء ألحق به؟ وقد تُكلم في هذا الحديث، وقال أحمد: لا أصل له.\nوقوله: (رواه أحمد وأبو داود) من طريق يعلى بن أبي يحيى المدني عن فاطمة بنت حسين عن الحسن بن علي، وهذا إسناد جيد، وقد سكت عليه أبو داود، فهو عنده صالح، ويعلى هذا ذكره ابن حبان في (الثقات)، وإن جهله أبو حاتم، وباقي رجاله ثقات، وفيه كلام ذكره بعض النقاد.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٧١٢).","vol":"5","page":652},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-768> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٢٩٨٩ - [٩] عَنْ عُتْبَةَ بْنِ النُّدَّرِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَرَأَ: ﴿طسَم﴾ حَتَّى بَلَغَ قِصَّةَ مُوسَى، قَالَ: \"إِنَّ مُوسَى ﵇ آجَرَ نَفْسَهُ ثَمَان سِنِينَ أَوْ عَشْرًا عَلَى عِفَّةِ فَرْجِهِ وَطَعَامِ بَطْنِهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٤٤٤، ولم نجد في \"المسند\"].\n٢٩٩٠ - [١٠] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! رَجُلٌ أَهْدَى إِلَيَّ قَوْسًا مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْقُرآنَ، وَلَيْسَتْ بِمَالٍ، فَأَرْمِي عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: \"إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقًا مِنْ نارٍ فَاقْبَلْهَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَه. [د: ٣٤١٦، ٢١٥٧].\n* * *\nــ\nالفصل الثالث\n٢٩٨٩ - [٩] (عتبة بن الندر) قوله: (عن عتبة) بالتاء (ابن الندر) بضم النون وفتح الدال المهملة المشددة، وفي بعض النسخ (عقبة) بالقاف، و(المنذر) على لفظ اسم الفاعل من الإنذار، والصحيح هو الأول.\nوقوله: (على عفة فرجه) كناية عن النكاح، ولعله كان جَعْلُ الخدمة مهرًا في شريعتهم جائزًا، أو كان المهر شيئًا آخر، وكانت هذه الخدمة زائدًا عليه تبرعًا.\n٢٩٩٠ - [١٠] (عبادة بن الصامت) قوله: (وليست بمال) يريد أن القوس لم يعهد في المتعارف أن يعدّ من الأجرة.\nوقوله: (إن كنت تحب أن تطوق) فإن قلت: قد سبق (إن أحق ما أخذتم إليه","vol":"5","page":653},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-769>١٥ - باب إحياء الموات والشرب</span>\nــ\nأجرًا كتاب اللَّه)، أجيب بأن عبادة كان متبرعًا بالتعليم حسبة للَّه، فكره رسول اللَّه -ﷺ- أن يُضيِّع أجرَه، ويُبْطِلَ حسنتَه بما يأخذه هدية، وذلك لا يمتنع أن يقصد به الأجرة ابتداءً، ويشترط عليه، كذا قيل، وهذا تهديد على فوت العزيمة والإخلاص، وما سبق كان لبيان الرخصة، كذا قالوا.\n١٥ - باب إحياء الموات والشرب\nفي (القاموس) (١): الموات كسحاب: أرض لا مالك لها، وفي (النهاية) (٢): المَوَاتُ: الأرضُ التي لم تُزرَعْ ولَم تُعْمَرْ، ولا جَرى عليها مِلْكُ أحَدٍ، وإحياؤُها: مبُاشَرَةُ عمِارَتها، ومنه حديث: (مَوَتَان الأرض للَّه ولرسوله) (٣)، أي: مَوَاتها الذي ليس ملكًا لأحد، وهو بسكون واو وفتحها مع فتح ميم، وفي (الهداية) (٤): الموات: ما لا ينتفع به من الأراضي لانقطاع الماء عنه، أو لغلبة الماء عليه، أو ما أشبه ذلك مما يمنع الزراعة، سمي بذلك لبطلان الانتفاع به، فما كان منها عاديًا لا مالك له، أو كان مملوكًا في الإسلام لا يعرف له مالك بعينه، وهو بعيد من القرية بحيث لو وقف إنسان منه أقصى العامر فصاح لا يسمع الصوت [فيه]، فهو موات.\nوالشرب بالكسر: نصيب الماء، وللناس حق في الماء لا يُمنعون عنه، وفيه تفصيل بين ماء البحار والأنهار والأودية والمياه المحرزة في الأواني وغيرها، وأحكامها\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٦١).\n(٢) \"النهاية\" (٤/ ٨٠٩).\n(٣) \"أخرجه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١١٧٨٦).\n(٤) \"الهداية\" (٤/ ٣٨٣).","vol":"5","page":654},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمذكورة في الفقه، والمذهب فيه عندنا: أما ماء البحار فللناس كلهم فيها حق الشَفَة، أي: الشُّرب، وسقي الأراضي، وكري الأنهار منها إلى أرضه، والانتفاع بماء البحار كالانتفاع بالشمس والقمر والهواء.\nومنها: ماء الأودية العظام كجيحون، وسيحون، ودجلة، والفرات، وحكمه أيضًا حكم ماء البحار إن كان لم يضرّ بأن يميل الماء إلى جانب فيُغرق القرى والأراضي.\nومنها: الماء الذي في وحل المقاسم (١) كالبئر والنهر، فحق الشفة فيه ثابت؛ لأن البئر ونحوها ما وضع للإحراز، ولا يُملك المباح بدون الإحراز، كالظبي إذا تَكَنَّس (٢) في أرضه، ولأن في إبقاء الشفة ضرورة؛ لأن الإنسان لا يمكنه استصحاب الماء إلى كل مكان وهو محتاج إليه لنفسه وظهره، وإن أراد أحد أن يسقي بذلك أرضًا أحياها كان لأهل النهر أن يمنعوه عنه أضرّ بهم أولم يضرّ بهم، لأنه حق خالص لهم ولا ضرورة.\nومنها: الماء المحرز في الأواني، وأنه صار مملوكًا له بالإحراز، وانقطع حق غيره عنه كما في الصيد المأخوذ، ولو كان البئر أو العين أو النهر أو الحوض في ملك رجل له أن يمنع من يريد الشفة من الدخول في ملكه، إذا كان يجد ماء آخر يقرب من هذا الماء في غير ملك أحد، وإن كان لا يجد يقال لصاحب النهر: إما أن تعطيه الشفة، أو تتركه يأخذ بنفسه بشرط أن لا يكسر ضِفَّته، وهذا إذا احتفر في أرض مملوكة له، أما إذا احتفرها في أرض موات فليس له أن يمنعه؛ لأن الموات كان مشتركًا،\n_________\n(١) هكذا في الأصل، والظاهر: الماء الذي دخل في المقاسم. انظر: \"الهداية\" (٤/ ٣٨٨).\n(٢) أي: استتر.","vol":"5","page":655},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-770> الفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٢٩٩١ - [١] عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ عَمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ\". قَالَ عُرْوَةُ: قَضَى بِهِ عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٣٣٥].\nــ\nوالحفر لإحياء حق مشترك، فلا يقطع الشركة في الشفة، ولو منعه عن ذلك، وهو يخاف على نفسه وظهره العطش، له أن يقاتله بالسلاح، لأنه قصد إتلافه بمنع حقه، وهو الشفة، والماء في البئر مباح غير مملوك بخلاف الماء المحرز في الإناء حيث يقاتله بغير السلاح بعصًا، لأنه قد ملكه، وكذا الطعام عند إصابة المخمصة، وقيل في البئر نحوها: الأولى أن يقاتله بغير سلاح لأنه ارتكب معصية، فقام ذلك مقام التعزير له، ذكر هذا كله في (الهداية) (١).\nالفصل الأول\n٢٩٩١ - [١] (عائشة) قوله: (من عمر) بالتخفيف، وفي بعض نسخ (المصابيح): (أعمر) بزيادة الألف، وقد ينكر استعمال أَعمر بمعنى عمر، والصحيح وجودهما.\nوقوله: (أرضًا ليست لأحد فهو أحق) بها، قال أبو حنيفة: يشترط فيه إذن الإمام، وعند الشافعي، وأبي يوسف، ومحمد ﵏: لا يشترط؛ لإطلاق هذا الحديث، ولأنه مال مباح سبقت يده إليه، فيملكه كما في الحطب والصيد، ولأبي حنيفة ﵀ قوله -ﷺ-: (ليس للمرء إلا ما طاب به نفس إمامه)، وما روي يحتمل أنه إذنٌ لقوم لا نصبٌ لشرع، ولأنه مغنوم لوصوله إلى يد المسلمين بإيجاف الخيل والركاب،\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٣٨٧ - ٣٨٨).","vol":"5","page":656},{"text":"٢٩٩٢ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٣٧٠].\n٢٩٩٣ - [٣] وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرُ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ فِي شِرَاجٍ مِنَ الْحَرَّةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ\"، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: . . . . .\nــ\nفليس لأحد أن يختص به بدون إذن الإمام كما في سائر الغنائم، كذا في (الهداية) (١).\n٢٩٩٢ - [٢] (ابن عباس) قوله: (الصعب) بفتح الصاد وسكون العين المهملة، (ابن جثامة) بفتح الجيم وشدة المثلثة.\nوقوله: (لا حمى) بغير تنوين لبنائه على أنه اسم (لا): هو ما يحميه الإمام لمواشي الصدقة ونحوها، قيل: كان الشريف في الجاهلية إذا نزل أرضًا في حيه استعوى كلبًا، فحمى مَدَى عواء الكلب لا يشركه فيه غيرُه، وهو يشارك القومَ فِي سائر ما يرعُون فيه، فنهى عن ذلك، وأضافه إلى اللَّه ورسوله، أي: إلا ما يُحْمَى للخيل التي ترصد للجهاد، والإبلِ التي يحمل عليها في سبيل اللَّه، وإبل الزكاة وغيرها، كما حمى عمر النقيع لنَعَم الصدقة، وخيل الجهاد، كذا في (مجمع البحار) (٢)، وبهذا ظهر أن المختار أنه يجوز للإمام أن يحمي لمصالح العامة، وهو ظاهر مقتضى حديث: (ألا إن لكل ملك حمى).\n٢٩٩٣ - [٣] (عروة) قوله: (في شراج) الشراج: بكسر الشين المعجمة جمع\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٣٨٣).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٥٦٨).","vol":"5","page":657},{"text":"أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ، ثُمَّ قَالَ: \"اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ، ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ\"، فَاسْتَوْعَى النَّبِيُّ -ﷺ- لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ فِي صَرِيح الْحُكْم حِينَ أَحْفَظَهُ الأَنْصَارِيَّ، وَكَانَ أَشَارَ عَلَيْهِمَا بِأَمْرٍ لَهُمَا فِيهِ سَعَةٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٥٩، ٤٥٨٥، م: ٢٣٥٧].\nــ\nشرجة: مسيل ماء من الحرة إلى السهل، والحرّة بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء: أرض ذات حجارة.\nوقوله: (أن كان) بفتح الهمزة، أي: لأنْ كان، وتقدير الجارِّ مع (أنْ) كثير مطرد، وهذا القول من الرجل إما لكونه منافقًا، وجعله من الأنصار لكونه من قبيلتهم، وقد كان فيهم من يتصف بالنفاق كابن أبيٍّ وغيره، وإما لزلته عند الغضب، وأما القول بكونه يهوديًّا فبعيد غاية البعد، وأما عدم قتله إما لتأليفه أو صبره على أذى المنافقين حتى لا يحدَّث أن محمدًا يقتل أصحابه.\nو(الجدر) بفتح الجيم وسكون الدال: الحائط وأصل الجدار وجانبه، أي: حتى يبلغ الماء جميع الأرض، وقدروه بأن يبلغ كعب الإنسان.\nوقوله: (فاستوعى) أي: استحفظ واستوفى.\nوقوله: (حين أحفظه) أي: أغضبه، في (القاموس) (١): الحفيظة: الحمية، والغضب، وأحفظه: أغضبه، فاحتفظ، أو لا يكون إلا بكلام قبيح، قالوا: كان رسول اللَّه -ﷺ- أمر زبيرًا أولًا بالمسامحة وحسن الجوار بترك بعض حقه دون أن يكون حكما شرعيًا، فلما رأى الأنصاري يجهل موضع حقه أمره باستيفاء حقه، وقيل: كان قوله الآخر عقوبة له في ماله، والأول أظهر، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٤١).","vol":"5","page":658},{"text":"٢٩٩٤ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الْكلِأ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٥٤، م: ١٥٦٦].\n٢٩٩٥ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ: لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أُعْطِيَ، وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمِ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ، فَيَقُولُ اللَّهُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَاءً لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٦٩، م: ١٠٨].\nــ\n٢٩٩٤ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (لتمنعوا به فضل الكلأ) يعني يلزم من منع الماء المنع من الكلأ، وهذا لا يجوز؛ للاحتياج إليه في بقاء المواشي، وقد مرّ الحديث في آخر الفصل الأول من (باب المنهي عنه من البيوع).\n٢٩٩٥ - [٥] (وعنه) قوله: (لقد أعطي بها أكثر مما أعطي) كلا الفعلين على بناء المفعول، ويحتمل أن يعتبر فيهما الضمير للحالف أو يسند إلى المصدر، وهو بيان للحلف، ونقلٌ لقول الحالف بالمعنى، ولو حكي لفظه لقيل في الفعل الأول على بناء المفعول بضمير المتكلم، وفي الثاني على بناء الفاعل بضمير الخطاب بأن يقول: لقد أُعطيت بها أكثر مما تُعطي.\nوقوله: (بعد العصر) خص بعد العصر لأنه زمان شريف تقع الأيمان الغليظة فيه، لأنه وقت اجتماع الناس، وتصادم ملائكة الليل ملائكة النهار، كما في القرآن المجيد: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] فسره الأكثرون بصلاة العصر لما ذكر، وقيل: أيّ صلاة كانت، والحديث مؤيِّد للقول الأول.\nوقوله: (لم تعمل يداك) صفة (ماء)، أي: خرج بمحض قدرتي ورحمتي.","vol":"5","page":659},{"text":"وَذُكِرَ حَدِيثُ جَابِرٍ فِي \"بَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا مِنَ الْبُيُوعِ\".\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-771> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٢٩٩٦ - [٦] عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى الأَرْضِ فَهُوَ لَهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٠٧٧].\n٢٩٩٧ - [٧] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَقْطَعَ لِلزُّبَيْرِ نَخِيلًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٠٦٩].\nــ\nالفصل الثاني\n٢٩٩٦ - [٦] (الحسن) قوله: (من أحاط حائطًا على الأرض فهو له) ظاهر الحديث يدل على أن الإحاطة بالحائط كافية في التملك، وإليه ذهب أحمد في أشهر الروايات عنه، لكن يشترط أن يكون الحائط منيعًا مما تجري العادة بمثله، وأكثر العلماء على أن التملك إنما هو بالإحياء، والتحجيرُ ليس من الإحياء في شيء، والحديث محمول على كون الإحياء للسكون، وقال في (الهداية) (١): ومن حجّر أرضًا ولم يعمرها ثلاث سنين، أخذها الإمام ودفعها إلى غيره؛ لأن الدفع إلى الأول كان ليعمرها فتحصل المنفعة للمسلمين من حيث العُشر أو الخراج، فإذا لم تحصل يدفعها إلى غيره تحصيلًا للمقصود، ولأن التحجير ليس بإحياء ليملكه، لأن الإحياء إنما هو العمارة، والتحجير الإعلام، فبقي غير مملوك كما كان هو الصحيح، وإنما اعتبر ترك ثلاث سنين لقول عمر -﵁-: ليس لمتحجر بعد ثلاث سنين حق.\n٢٩٩٧ - [٧] (أسماء بنت أبي بكر) قوله: (أقطع) أي: أعطى، والإقطاع:\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٣٨٤).","vol":"5","page":660},{"text":"٢٩٩٨ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَقْطَعَ لِلزُّبَيْرِ حُضْرَ فَرَسِهِ، فَأَجْرَى فَرَسَهَ حَتَّى قَامَ، ثُمَّ رَمَى بِسَوْطِهِ، فَقَالَ: \"أَعْطُوهُ مِنْ حَيْثُ بَلَغَ السَّوْطُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٠٧٢].\n٢٩٩٩ - [٩] وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَقْطَعَهُ أَرْضًا بِحَضْرَمَوْتَ قَالَ: فَأَرْسَلَ مَعِي مُعَاوِيَةَ قَالَ: \"أَعْطِهَا إِيَّاه\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٣٨١، دي: ٢/ ٢٦٨].\n٣٠٠٠ - [١٠] وَعَن أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالِ الْمَأْرِبِيِّ: أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. . . . .\nــ\nتعيين قطعة من الأرض لغيره، ويحتمل أن يكون أعطاه ذلك من الخمس الذي هو حقه، ويحتمل أن يكون مواتًا لم يملكه أحد فيتملك بالإحياء.\n٢٩٩٨ - [٨] (ابن عمر) قوله: (حضر فرسه) أي: قَدْرَ حُضْره، والحضر بضم المهملة وسكون المعجمة: ارتفاع الفرس في عدوه عدوة واحدة.\nوقوله: (ثم رمى) أي: الزبير (بسوطه) على الأرض، الباء زائدة.\n٢٩٩٩ - [٩] (علقمة بن وائل) قوله: (بحضرموت) بفتح مهملة وسكون ضاد معجمة وفتح راء وميم: بلدة مشهورة من اليمن، وقد يضم الميم، (قال) أي: وائل: (فأرسل) أي: النبي -ﷺ-.\nوقوله: (أعطها) أي: اذهب معه وأفرزها له.\n٣٠٠٠ - [١٠] (أبيض بن حمال) قوله: (ابن حمال) بالحاء المهملة على وزن علام، (المأربي) بفتح الميم وسكون همزة وكسر راء وبموحدة نسبة إلى مأرب مدينة باليمن مَمْلحة.","vol":"5","page":661},{"text":"فَاسْتَقْطَعَهُ الْمِلْحَ الَّذِي بِمَأْرِبَ، فَأَقْطَعُهُ إِيَّاهُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّمَا أَقْطَعْتَ لَهُ الْمَاءَ الْعِدَّ، قَالَ: فَرَجَعَهُ مِنْهُ، قَالَ: وَسَأَلَهُ: مَاذَا يُحْمَى مِنَ الأَرَاكِ؟ قَالَ: \"مَا لَمْ تَنَلْهُ أَخْفَافُ الإِبِلِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٣٨٠، جه: ٢٥٠٠، دي: ٢/ ٢٦٨].\nــ\nوقوله: (فاستقطعه) أي: سأله أن يُقطعه إياه فأسعفه إلى ملتمسه.\nوقوله: (إنما أقطعت له الماء العدّ) بالكسر والتشديد: ماء له مادة لا ينقطع كالعين والأكثر والقديم، والظاهر هنا معنى الكثرة بدلالة قوله في رواية أخرى: (ما يقف دونه العد) بالفتح، وفي (المشارق) (١): العِدُّ بكسر العين: الماء المجتمع المعين، وجمعه أعداد.\nوقوله: (فرجعه) من المرجع المتعدي، أي: أرجع الملح المذكور منه، ولم يعطه، ظن رسول اللَّه -ﷺ- أن القطيعة معدن يحصل من الملح بعمل وكدّ، ثم لما قالوا: إنه مثل العد لا عمل فيه ولا كدّ، رجع من الإعطاء، فعلم منه أن إقطاع المعادن إنما يجوز إذا كانت باطنة لا ينال منها شيء إلا بتعب ومؤنة، وإن كانت ظاهرة يحصل المقصود منها من غير كدّ وتعب لا يجوز إقطاعها، بل الناس فيها سواء كالكلأ ومياه الأودية.\nوفيه: أن الحاكم إذا حكم ثم ظهر أن الحق في خلافه رجع عنه.\nوقوله: (وسأله) أي: سأل أبيضُ رسولَ اللَّه -ﷺ-: (ماذا يحمى) بلفظ المجهول، والمراد بالحمي الإحياء لا الحمي، لأنه لا يجوز لأحد أن يخصه.\nوقوله: (ما لم تنله أخفاف الإبل) أراد به البعيد من المرعى، ففيه دليل على أن\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٢١).","vol":"5","page":662},{"text":"٣٠٠١ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ، وَالْكَلأَ، وَالنَّارِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٤٧٧، جه: ٢٤٩٧].\n٣٠٠٢ - [١٢] وَعَنْ أَسْمَرَ بْنِ مُضَرِّسٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَبَايَعْتُهُ، فَقَالَ: \"مَنْ سَبَقَ إِلَى مَاءٍ لَمْ يَسْبِقْهُ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٠٧١].\n٣٠٠٣ - [١٣] وَعَنْ طَاوُسٍ مُرْسَلًا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ أَحْيَا مَوَاتًا مِنَ الأَرْضِ فَهُوَ لَهُ، وَعَادِيُّ الأَرْضِ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ،\nــ\nالإحياء لا يجوز بقرب البلد، لاحتياج أهله إلى مرعى مواشيهم.\n٣٠٠١ - [١١] (ابن عباس) قوله: (في الماء والكلأ والنار) والكلأ على وزن الجبل المراد به العشب رطبه ويابسه، والمراد به ما نبت في الموات، قد علم حكم الماء والكلأ، وأما النار فلا يمنع من الاستصباح والاستضاءة والاصطلاء بها، قال الطيبي (١): وللمستوقد أن يمنع أخذ جذوة منها [لأنه] نقصها ويؤدي إلى إطفائها.\n٣٠٠٢ - [١٢] (أسمر بن مضرّس) قوله: (ابن مضرس) بضم الميم وفتح المعجمة وتشديد الراء المكسورة في آخره سين مهملة.\nوقوله: (من سبق إلى ماء لم يسبقه إليه مسلم فهو له) يدل على أن الماء يصير ملكًا بالإحراز، وقد سبق تفصيل المذهب فيه، وعلى أن سبق الكافر لا يقدح في التمليك، والظاهر أن يكون المراد الكافر الحربي، واللَّه أعلم.\n٣٠٠٣ - [١٣] (طاوس) قوله: (وعادي الأرض) أي: قديمها الذي لا يعرف\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ١٧٠).","vol":"5","page":663},{"text":"ثُمَّ هِيَ لَكُمْ مِنِّي\". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. [مسند الشافعي: ١/ ٣٨٢].\n٣٠٠٤ - [١٤] وَرُوِيَ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\": أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَقْطَعَ لِعَبْدِ اللَّهِ ابْنِ مَسْعُودٍ الدُّورَ بِالْمَدِينَةِ، وَهِيَ بَيْنَ ظَهْرَانِي عِمَارَةِ الأَنْصَارِ مِنَ الْمَنَازِلِ وَالنَّخْلِ، فَقَالَ بَنُو عَبْدِ بْنِ زُهْرَةَ: نَكِّبْ عَنَّا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: . . . . .\nــ\nله مالك، نسبةً إلى عاد قوم هود.\nوقوله: (ثم هي لكم مني) أي: أتصرف فيه كيف أشاء، فإن قلت: ظاهر السياق أن يقال: هي لكم من اللَّه ومني، قلت: ذكر اللَّه للتبرك كما في قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١].\n٣٠٠٤ - [١٤] قوله: (وروي) كذا في النسخ بلفظ المجهول، وإنما ذكره بهذا اللفظ؛ لأنه لم يعرف اسم الراوي لهذا الحديث من الصحابة والتابعين.\nقوله: (الدور بالمدينة) أراد بها العرصة ليبني فيها دورًا، والعرب تسمي المنزل دارًا، والظاهر أنه باعتبار ما يؤول إليه أو بعلاقة السببية، وهذا يدل على إقطاع الموات في العمارات، وقيل: المراد به العارية.\nوقوله: (فقال بنو عبد بن زهرة) كان عبد اللَّه حليفًا لهم، وكان أبوه مسعود قد حالف في الجاهلية عبد الحارث بن زهرة، وأم عبد اللَّه كانت منهم، (نكّب) بالتشديد بلفظ الأمر، والنكوب: العدول، نَكَبَ عنه كنصر وفرح نكبًا ونكوبًا: عدل، كنَكَّبَ وتَنَكَّب، ونَكَّبه تنكيبًا: نحّاه. و(ابن أُمِّ عَبْدٍ) منصوب على أنه مفعول، وفيه من توهين أمر ابن مسعود ما لا يخفى.","vol":"5","page":664},{"text":"\"فَلِمَ ابْتَعَثنَي اللَّهُ إِذًا (١)؟ إِنَّ اللَّهَ لَا يُقَدِّسُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ لِلضَّعِيفِ فِيهِمْ حَقُّهُ\". [شرح السنة: ٨/ ٢٧١].\n٣٠٠٥ - [١٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَضَى فِي السَّيْلِ الْمَهْزُورِ أَنْ يُمْسِكَ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ،\nــ\nقوله: (ابتعثني) بمعنى: بعثني، في (القاموس) (٢): بعثه، كمنعه: أرسله، كابتعثه فانبعث.\n٣٠٠٥ - [١٥] (عمرو بن شعيب) قوله: (في السيل المهزور) بتقديم الزاي على الراء: اسم واد، كذا في (القاموس) (٣)، وفي (النهاية) (٤): واد ببني قريظة، ووقع في أكثر نسخ (المصابيح): (في السيل المهزور) بالوصف معرفين باللام، وفي بعضها: (في سيل المهزور) بالإضافة مع تعريف المضاف إليه، قال التُّورِبِشْتِي (٥): وكلاهما مصروف عن الوجه، والصواب: (سيل مهزور) بغير ألف ولام فيهما بصيغة الإضافة، انتهى.\n_________\n(١) قال القاري: بِالتَّنْوِينِ، أَيْ: إِذَا لَمْ أُسَوِّ بَيْنَ الضَّعِيفِ وَالْقَوِيِّ فِي أَخْذِ الْحَقِّ مِنْ صَاحِبِهِ، وَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ضَعِيفٌ، قَالَ الْقَاضِيَ: وَإِنَّمَا بَعَثَنِي اللَّهُ لإِقَامَةِ الْعَدْلِ وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ، فَإِذَا كَانَ قَوْمِي يَذُبُّونَ الضَّعِيفَ عَنْ حَقِّهِ وَيَمْنَعُونَهُ فَمَا الْفَائِدَةُ فِي ابْتِعَاثِي؟ وقوله: \"إِنَّ اللَّهَ لَا يُقَدُسُ أُمَّةً\" أَيْ: لَا يُطَهِّرُهَا وَلَا يُزكِّيهَا مِنَ الذُّنُوبِ وَالْعُيُوب. انتهى. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٢٠٠١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٦٤).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٦٢).\n(٤) \"النهاية\" (٥/ ٢٦٢).\n(٥) \"كتاب الميسر\" (٢/ ٧١٨).","vol":"5","page":665},{"text":"ثُمَّ يُرْسِلَ الأَعْلَى عَلَى الأَسْفَلِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٦٣٩، جه: ٢٥٠٨].\n٣٠٠٦ - [١٦] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ عَضَدٌ مِنْ نَخْلٍ فِي حَائِطِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَمَعَ الرَّجُلِ أَهْلُهُ، فَكَانَ سَمُرَةُ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فَيَتَأَذَّى بِهِ، فَأتى النَّبِيَّ -ﷺ- فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَطَلَبَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ- ليَبِيْعَهُ فَأَبَى، فَطَلَبَ أَنْ يُنَاقِلَهُ فَأَبَى، قَالَ: \"فَهَبْهُ لَهُ وَلَكَ كَذَا\" أَمْرًا رَغَّبَهُ فِيهِ فَأَبَى،\nــ\nوأجيب بأن المهزور مستعمل من صفة مشتقة من هزر: إذا غمزه، والعلم المنقول من الصفة يجوز فيه الوجهان: التعريف والتجريد؛ كالحارث والعباس، ومعنى الحديث: أن النهر الجاري بنفسه من غير عمل ومؤنة يسقي الأعلى إلى الكعبين، ثم يرسل إلى من هو أسفل عنه كما مرّ في الفصل الأول من حديث عروة.\nقوله: (ثم يرسل) بلفظ المعلوم منصوبًا ومرفوعًا، و(الأعلى) فاعله.\n٣٠٠٦ - [١٦] (سمرة بن جندب) قوله: (عضد) والعضد: الطريقة من النخل، وإذا صار للنخل جذع يتناول منه فهو عضيد، والضمير في (فيتأذى) للرجل، وكذا في (أتى). وفي قوله: (فطلب إليه) أي: سمرة، أي: أنهى إليه طلب البيع.\nوقوله: (أن يناقله) أي: يبادله بنخل في موضع آخر.\nوقوله: (ولك كذا) أي: في الجنة.\nوقوله: (أمرًا) أي: قال له أمرًا، ويجوز أن يكون منصوبًا بتقدير أعني، و(رغّبه) صفته، وفيه إشعار بأن المطلب والأمر كان بطريق الترغيب والاستشفاع، لا بطريق الإيجاب والإلزام، وإلا كيف يتصور من سمرة التوقف في الامتثال؟","vol":"5","page":666},{"text":"فَقَالَ: \"أَنْتَ مُضَارٌّ\" فَقَالَ لِلأَنْصَارِيِّ: \"اذْهَبْ فَاقْطَعْ نَخْلَهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٣٦].\nوَذَكَرَ حَدِيثَ جَابِرٍ: \"مَنْ أَحْيَا أَرْضًا\" فِي \"بَابِ الْغَصْبِ\" بِرِوَايَةِ سَعِيدِ ابْنِ زَيْدٍ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي صِرْمَةَ: \"مَنْ ضَارَّ أَضَرَّ اللَّهُ بِهِ\" فِي \"بَابُ مَا يُنْهَى مِنَ التَّهَاجُرِ\".\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-772> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٠٠٧ - [١٧] عَن عَائِشَة أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا الشَّيْءُ الَّذِي لَا يَحِلُّ مَنْعُهُ؟ قَالَ: \"الْمَاءُ وَالْمِلْحُ وَالنَّارُ\" قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذَا الْمَاءُ قَدْ عَرَفْنَاهُ، فَمَا بَالُ الْمِلْح وَالنَّارِ؟ قَالَ: \"يَا حُمَيْرَاءُ! مَنْ أَعْطَى نَارًا فَكَانَّمَا تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا أنْضَجَتْ تِلْكَ النَّارُ، وَمَنْ أَعْطَى مِلْحًا فَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَا طَيَّبَتْ تِلْكَ الْمِلْحُ، وَمَنْ سَقَى مُسْلِمًا شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ حَيْثُ يُوجَدُ الْمَاءُ، فَكَأَنَّمَا أَعْتَقَ رَقَبَةً، وَمَنْ سَقَى مُسْلِمًا شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ حَيْثُ لَا يُوجَدُ الْمَاءُ فَكَأَنَّمَا أَحْيَاهَا\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٤٩٩].\n* * *\nــ\nقوله: (فقال) رسول اللَّه -ﷺ- أي: لسمرة: (أنت مضارّ) لأن سمرة كان غرسها بالعارية، و(أبي صرمة) بكسر المهملة.\nالفصل الثالث\n٣٠٠٧ - [١٧] (عائشة) قوله: (قد عرفناه) أي: قد عرفنا حاله، واحتياج الناس والدواب إليه وتضررهم بالمنع، وليس كذلك أمر الملح والنار فإنهما حقيران ليسا","vol":"5","page":667},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-773>١٦ - باب العطايا</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-774> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٠٠٨ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ أَصَابَ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ. . . . .\nــ\nبتلك المثابة، فأجاب بأن المنع منهما يفوت الأجر الجزيل مع كونهما أمرين حقيرين، ثم ذكر في الماء الثواب أيضًا، مع شدة الاحتياج إليه، وقال الطيبي (١): الجواب على الأسلوب الحكيم، وتأنيث الملح لإرادة القلة والنزرة، والضمير في (أحياها) للمسلم باعتبار النفس أو النسمة كذا قيل، ويجوز أن يكون للرقبة.\n١٦ - باب العطايا\nجمع عطية، وهذا الباب في أنواعها من الوقف، والهبة، والعمرى، والرقبى، اعلم أن صاحب (المصابيح) أورد هذه الأبواب الآتية، والسابقة في كتاب البيوع، وتبعه المؤلف ولا يظهر وجه جعلها منها خصوصًا الأبواب الآتية، اللهم إلا أن يتكلف بالوجوه البعيدة، وقد جعل في كتب الفقه لأكثرها كتبًا مستقلة، فتدبر.\nالفصل الأول\n٣٠٠٨ - [١] (ابن عمر) قوله: (إني أصبت أرضًا) قال الطيبي (٢): اسمها ثمغ بفتح الثاء المثلثة وسكون الميم والغين المعجمة، وقال في (القاموس) (٣): ثمغ،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ١٧٣ - ١٧٤).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٦/ ١٧٥).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٢٠).","vol":"5","page":668},{"text":"لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُني بِهِ؟ قَالَ: \"إِنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا\". فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ: أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُوهب وَلَا يُورث، وَتَصَدَّقَ بِهَا فِي الْفُقَرَاءَ، وَفِي الْقُرْبَى، وَفِي الرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nــ\nبالفتح: مال بالمدينة كان لعمر -﵁-، وقفه، وهذا يدل على أن الثمغ اسم مال بالمدينة لا بخيبر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (إن شئت حبست) صحح في النسخ بالتشديد، وفي (مجمع البحار) (١) عن الكرماني: حبَّست بالتشديد، وأَحبست، أي: وقفت، وحَبَسته بالخفة، أي: منعته، وضيقت عليه، وحكي الخفة، أي: في الوقف، يريد أن يقف أصل الملك، ويبيح الثمر لمن أوقفها عليه.\nوقوله: (أنه) بفتح الهمزة، أي: على أنه.\nوقوله: (غير متمول) حال أو مفعول به لـ (يطعم).\nوقوله: (غير متأثل) أي: غير متأصل، أي: غير جامع، وكل شيء له أصل قديم أو جُمع حتى يصير له أصل فهو مؤثَّل، أي: قديم، وفي (الصراح) (٢): تأثيل: با أصل واستوار كردن، يقال: مجد مؤثل وأثيل وتأثل: كَرفتن أصل مال، وفي الحديث في وصي اليتيم: أنه يأكل من ماله غير متأثل مالًا.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٢٦).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٤٠٨).","vol":"5","page":669},{"text":"٣٠٠٩ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"الْعُمْرَى جَائِزَةٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٢٦، م: ١٦٢٦].\nــ\nوفي الحديث دليل على أن الوقف لا يباع، ولا يوهب، ولا يورث، وأنه ينتفع به بشرط الواقف، وعلى أن خيبر فتحت عنوة، وأن الغانمين ملكوها واقتسموها، كذا قال الطيبي (١)، وفيه نظر؛ لأن عمر لعله ابتاع فيه مالًا بعد الفتح صلحًا واستقرارها على أهلها، ومن أين علم أنه كان غنيمة، كما هو مذهبنا كما مر (٢).\n٣٠٠٩ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (العمرى جائزة) بضم العين على وزن حبلى من أعمرتك الدار، أي: جعلتها لك عمرَك، والعمرى اسم منه، فيصير معناها: جعلت سكناها لك مدة عمرك، والعمرى على ثلاثة أوجه:\nأحدها: أن يقول أعمرتك هذه الدار، فإذا متَّ فهي لورثتك أو لعقبك، ولا خلاف لأحد أنه يكون هبة، ويخرج من ملك المْعُمِر، وأن يملك الْمُعْمَر له رقبتها، ويكون بعده لورثته، وإن لم يكن له ورثة فلبيت المال.\nوثانيها: أن يقول مطلقًا، بأن يقول: أعمرتها لك أو جعلتها لك عمرك، فالجمهور على أن حكمه حكم الأول، ويكون بعد المعمَر له لورثته، وهو مذهبنا، وقول الشافعي في الأصح، وعند بعض العلماء: لا يكون لورثته ويعود بعده إلى المعمِر.\nوثالثها: أن يقول: جعلتها لك عمرك فماذا متَّ عادت إليّ أو إلى ورثتي، فهذا أيضًا صحيح، وحكمه حكم الأول عندنا؛ لأنه شرط فاسد، والهبة لا تبطل بالشرط الفاسد، بل الشرط باطل، بخلاف البيع فإنه قد نهي عن بيع وشرط، وكذلك الحكم\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٦/ ١٧٥ - ١٧٦).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٧/ ٤٧٨).","vol":"5","page":670},{"text":"٣٠١٠ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ الْعُمْرَى مِيرَاثٌ لِأَهْلِهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٢٥].\n٣٠١١ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أيُّمَا رَجُلٍ أُعْمِرَ عُمْرَى لَهُ وَلِعَقَبِهِ، فَإِنَّهَا لِلَّذِي أُعْطِيهَا، لَا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا؛ لأَنَّهُ أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فِيهِ الْمَوَارِيثُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٢٥، م: ١٦٢٥].\n٣٠١٢ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّمَا الْعُمْرَى الَّتِي أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَن يَقُولَ: هِيَ لَكَ وَلِعَقَبِكَ، فَأَمَّا إِذَا قَالَ: هِيَ لَكَ مَا عِشْتَ، فَإِنَّهَا تَرجِعُ. . . . .\nــ\nفي أصح قولي الشافعي ﵀، واعتمد في ذلك على الأحاديث المطلقة، منها هذا الحديث عن أبي هريرة، وجاء في حديث آخر أورده في (الهداية) (١): (من أعمر عمرى فهي للمعمَر له، ولورثته من بعده)، وقيل: لا يصح للشرط الفاسد، وقال الطيبي (٢): وبه قال أحمد.\n٣٠١٠ - [٣] (جابر) قوله: (إن العمرى ميراث لأهلها) أي: للمعمَر له، هذا أيضًا من الأحاديث المطلقة التي تدل على مذهب الجمهور.\n٣٠١١ - [٤] (وعنه) قوله: (أيما رجل أعمر عمرى) بلفظ المجهول.\nوقوله: (له ولعقبه) هذا الحديث يدل بطريق المفهوم على أن العمرى المطلقة لا تورث بل ترجع إلى المعمِر، وأجاب الجمهور بأن المفهوم لا يعارض المنطوق ولا يخصصه.\n٣٠١٢ - [٥] (وعنه) قوله: (فأما إذا قال: هي لك ما عشت، فإنها ترجع\n_________\n(١) \"الهداية\" (٣/ ٢٢٣).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٦/ ١٧٧).","vol":"5","page":671},{"text":"إِلَى صَاحِبِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٢٦، م: ١٦٢٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-775> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٠١٣ - [٦] عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تُرْقِبُوا أَوْ لَا تُعْمِرُوا، فَمَنْ أُرْقِبَ شَيْئًا أَوْ أُعْمِرَ فَهِيَ لِوَرثَتِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٥٥٦].\n٣٠١٤ - [٧] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا، وَالرُّقْبَى جَائِزَةٌ لِأَهْلِهَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٣/ ٣٠٣، ت: ١٣٥١، د: ٣٥٥٨].\nــ\nإلى صاحبها) يعني: للمعمِر، هذا أيضًا يخالف مذهب الجمهور، ويقولون: إنه قول جابر برأيه لا حديث مرفوع، وفيه ما فيه.\nالفصل الثاني\n٣٠١٣ - [٦] (جابر) قوله: (لا ترقبوا) بضم التاء وسكون الراء وكسر القاف من الرقبى على وزن العمرى، وصورتها أن يقول: جعلت لك هذه الدار، فإن متُّ قبلك فهو لك، وإن متَّ قبلي عاد إليّ؛ لأن كل واحد يراقب موت صاحبه، ففي هذا الحديث نهي عن الرقبى والعمرى، وعلله بأن من أرقب شيئًا أو أعمر بلفظ المجهول في الفعلين فهي لورثته، الضمير للمعمَر له، يعني: لا تضيعوا أموالكم ولا تخرجوها من أملاككم بالرقبى والعمرى، فيكون لورثة المعمر له، فكان النهي قبل تجويزه، أو المعنى: لا يليق ذلك بالمصلحة، ولكن بعد ما فعلتم يكون صحيحًا، ويكون لورثة المعمر له، فلا حاجة إلى القول بالنسخ، فافهم.\n٣٠١٤ - [٧] (وعنه) قوله: (العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها)","vol":"5","page":672},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-776> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٠١٥ - [٨] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَمْسِكُوا أَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ لَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَ حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقَبِهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٢٥].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-777>١٧ - باب</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-778> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٠١٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nالمراد بالأهل المُعْمَر له والمُرْقَب له، وفي (الهداية) (١): أن الرقبى جائزة عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما اللَّه كالعمرى، وعند أبي يوسف العمرى جائزة دون الرقبى، وذكر حديثًا أن رسول اللَّه -ﷺ- أجاز العمرى ورد الرقبى، واللَّه أعلم.\nالفصل الثالث\n٣٠١٥ - [٨] (جابر) قوله: (أمسكوا أموالكم عليكم) يؤيد التأويل الذي ذكرنا في الفصل الثاني.\n١٧ - باب في متممات ولواحق للباب السابق من أنواع العطايا\nالفصل الأول\n٣٠١٦ - [١] (أبو هريرة) قوله: . . . . .\n_________\n(١) \"الهداية\" (٣/ ٢٢٨).","vol":"5","page":673},{"text":"\"مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ فَلَا يَرُدُّهُ، فَإِنَّهُ خَفِيفُ الْمَحْمِلِ طَيِّبُ الرِّيحِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٥٣].\n٣٠١٧ - [٢] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيْبَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٩٢٩].\n٣٠١٨ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئهِ، لَيْسَ لنا مَثَلُ السَّوْءِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٦٢٢].\nــ\n(من عرض عليه ريحان فلا يرده) في (القاموس) (١): الريحان: نبت طيب الرائحة، أو كل نبت كذلك، أو أطرافه، أو ورقه، و(خفيف المحمل) بمعنى: قليل المنة، ودل الحديث على أن الهدية إذا كانت قليلة نافعة لا ترد تجنبًا عن تأذي المهدي.\n٣٠١٧ - [٢] (أنس) قوله: (كان لا يرد الطيب) فثبت عدم رد الطيب مطلقًا قولًا وفعلًا منه -ﷺ-.\n٣٠١٨ - [٣] (ابن عباس) قوله: (ليس لنا مثل السوء) تأكيد للنهي، أي: لا يليق بحالنا معاشر المسلمين ارتكابُ مثل هذه الشنيعة.\nاعلم أن الرجوع عن الهبة والصدقة بعد إقباضهما جائز عندنا إلا بأسباب سبعة ذكرت في الفقه، منها التعويض وقرابة المَحْرَمية؛ لقوله -ﷺ-: (الواهب أحق بهبته ما لم يثب منها) (٢)، أي: لم يعوَّض، وقوله -ﷺ-: (إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها)، كذا ذكر في (الهداية) (٣)، وهذا لبيان الحكم، وحديث العائد في هبته لبيان الكراهة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢١٤).\n(٢) \"السنن الكبرى\" للبيهقي (٦/ ٣٠٠)، و\"سنن الدارقطني\" (٣/ ٣٦١).\n(٣) \"الهداية\" (٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦).","vol":"5","page":674},{"text":"٣٠١٩ - [٤] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: إنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا، فَقَالَ: \"أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟ \" قَالَ: لَا، قَالَ: \"فَارْجِعْهُ\". وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ قَالَ: \"أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟ \" قَالَ: بَلَى، قَالَ: \"فَلَا إِذَنْ\". . . . .\nــ\nوالاستقباح وعدم المروءة كما يفهم من سياقه.\nوعند الشافعي ومالك وأحمد ﵏: لا يجوز الرجوع بهذا الحديث، فإنهم حملوه على الحرمة، وفي رواية عن أحمد عن قتادة أنه قال: ولا أرى القيء إلا حرامًا، وعن طاوس أن ابن عمر وابن عباس رفعاه إلى النبي -ﷺ-.\nوقال الشافعي وكذا أحمد في رواية: يجوز رجوع الوالد عما وهب لولده؛ لأن الولد وماله لوالده، وقد نطقت به الأحاديث، وعند أبي حنيفة معنى رجوع الوالد عما وهب لولده: أخذُه عنه وصرفه في نفقته عند الحاجة كسائر أمواله؛ فإن للأب أن يتصرف في مال ولده عند الحاجة، ولهذا لا يجب عليه الحد في وطء جارية ولده، ويصير ما ولدت حرًا بالقيمة، فسمي هذا التملك والتصرف رجوعًا، فافهم.\n٣٠١٩ - [٤] (النعمان بن بشير) قوله: (نحلت) أي: أعطيت ووهبت.\nوقوله: (فلا) أي: فلا تفرق بين أولادك بالإعطاء (إذن) أي: إذ تحب أن يكونوا في البر سواء إليك، سواء كان (١) ذكورًا أو إناثًا، وقيل: يعطي للذكر مثل حظ الأنثيين، وعلى كل تقدير هذا أخذ بالأفضل والأعدل، والجمهور على جواز الهبة وعدم حرمته، وقيل: حرام، واللَّه أعلم.\nوقوله: (قال: بلى) وقع (بلى) هنا في جواب الاستفهام، وقد شرط النحويون\n_________\n(١) كذا في النسخ المخطوطة، والصواب: كانوا ذكورًا.","vol":"5","page":675},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ قَالَ: أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً، فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: إنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: \"أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلِدِكَ مِثْلَ هَذَا؟ \" قَالَ: لَا، قَالَ: \"فَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ\". قَالَ: فَرَجَعَ، فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ قَالَ: \"لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٨٧، م: ١٦٢٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-779> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٠٢٠ - [٥] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَرْجِعُ أَحَدٌ فِي هِبَتِهِ إِلَّا الْوَالِدُ مِنْ وَلَدِهِ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ن: ٣٦٨٩، جه: ٢٣٧٨].\nــ\nوقوعه بعد النفي فتدبر.\nوقوله: (فقالت عمرة) بفتح العين (بنت رواحة) بفتح الراء، وهي أم النعمان ابن بشير قالت حين نحل بشير ابنه منها: (لا أرضى حتى تشهد) من الإشهاد، أي: تأخذه شاهدًا.\nالفصل الثاني\n٣٠٢٠ - [٥] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (إلا الوالد من ولده) أي: من الهبة لولده، وهذا الحديث أصرح من الأول في جواز رجوع الوالد من هبة الولد.","vol":"5","page":676},{"text":"٣٠٢١ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا إِلَّا الْوَالِدَ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ، وَمَثَلُ الَّذِي يُعْطِي الْعَطِيَّةَ ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا كَمَثَلِ الْكَلْبِ أَكَلَ حَتَّى إِذَا شَبِعَ قَاءَ، ثُمَّ عَادَ فِي قَيْئِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ. [د: ٣٥٣٩، ت: ٢١٣٢، ن: ٣٦٩٠، جه: ٢٣٧٧].\n٣٠٢٢ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَكْرَةً، فَعَوَّضَهُ مِنْهَا سِتَّ بَكَرَاتٍ، فَتَسَخَّطَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّ فَلَانًا أَهْدَى إلَيَّ ناقَةً، فَعَوَّضْتُهُ مِنْهَا سِتَّ بَكَرَاتٍ، فَظَلَّ سَاخِطًا، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أَقْبَلَ هَدِيَّةً إِلَّا مِنْ قُرَشِيٍّ أَوْ أَنْصَارِيٍّ أَوْ ثَقَفِيٍّ أَوْ دَوْسِيٍّ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٣٩٤٥، د: ٣٥٣٧، ن: ٣٧٥٩].\nــ\n٣٠٢١ - [٦] (ابن عمر) قوله: (لا يحل للرجل أن يعطي عطية) تشمل الهبة والصدقة والهدية.\n٣٠٢٢ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (بكرة) البكرة بالفتح: الإبل الحديث السن، وبالهاء مؤنثة، والجمع بكار كفرخ وفراخ، و(بكرات) بفتح الكاف.\nوقوله: (فتسخط) أي: لم يرض ذلك الأعرابي مع أنها كانت أضعاف ما أهدَى لجفاء وتكبر وتسخط يكون في الأعراب، والسخط: بالضم وبضمتين وبفتحتين ضد الرضى، وتسخَّط عطاءَه: استقله ولم يقع منه موقعًا.\nوقوله: (إلا من قرشي أو أنصاري. . . إلخ) قالوا: إنما خص هذه القبائل بالذكر لعلو همتهم وسخاوة نفوسهم.","vol":"5","page":677},{"text":"٣٠٢٣ - [٨] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ (١) النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ أُعْطِيَ عَطَاءً فَوَجَدَ فَلْيَجْزِ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَجدْ فَلْيُثْنِ، فَإِنَّ مَنْ أَثْنَى فَقَدْ شَكَرَ، وَمَنْ كَتَمَ فَقَدْ كَفَرَ، وَمَنْ تَحَلَّى بِمَا لَمْ يُعْطَ كَانَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُوْرٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٠٣٤، د: ٤٨١٣].\n٣٠٢٤ - [٩] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ صُنِعَ إِلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠٣٥].\n٣٠٢٥ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّه\". . . . .\nــ\n٣٠٢٣ - [٨] (جابر) قوله: (فوجد) أي: شيئًا من المال.\nوقوله: (من تحلى) أي: تزين، أي: يُظهر من نفسه ما لم يكن فيه، (كان كلابس ثوبي زور)، قيل: هو أن يلبس لباس الزهاد، وليس بزاهد، وقيل: أن يلبس قميصًا ويصل بكمه كمين آخرين، يرى بذلك أنه لابس قميصين، وقالوا: كان الرجل في العرب يلبس ثوبين كثياب المعاريف، ليُظَنّ أنه معروف محترم، فيعتمد على قوله وشهادته الزور.\n٣٠٢٤ - [٩] (أسامة بن زيد) قوله: (فقد أبلغ في الثناء) لأنه اعترف بالقصور ففوض إلى اللَّه تعالى.\n٣٠٢٥ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (لم يشكر اللَّه) لعدم رعاية حق الوساطة،\n_________\n(١) في \"المرقاة\": \"عن\".","vol":"5","page":678},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٢/ ٢٥٨، ت: ١٩٥٤].\n٣٠٢٦ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ، أَتَاهُ الْمُهَاجِرُونَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا رَأَيْنَا قَوْمًا أَبْذَلَ مِنْ كَثِيرٍ، وَلَا أَحْسَنَ مُوَاسَاةً مِنْ قَلِيلٍ؛ مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ: لَقَدْ كَفَوْنَا الْمَؤُونَةَ، وَأَشْرَكُونَا فِي الْمَهْنَأِ، حَتَّى لَقَدْ خِفْنَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالأَجْرِ كلِّهِ، فَقَالَ: \"لَا، مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ، وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. [ت: ٢٤٨٧].\n٣٠٢٧ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"تَهَادَوْا. . . . .\nــ\nوقد أمر اللَّه تعالى بها، أو المراد: من كان لم يشكر الناس ولم يعرف بحقهم لم يشكر اللَّه أيضًا؛ لاعتياده بالكفران وكونه مجبولًا على ذلك.\n٣٠٢٦ - [١١] (أنس) قوله: (من قوم) متعلق بـ (أبذل) باعتبار معنى التفضيل، و(من) الأولى باعتبار معنى أصل الفعل، والثانية بـ (مواساة) أي: معاونة، و(المهنأ) بفتح الميم وسكون الهاء مهموزًا: ما يقوم بكفاية الرجل وإصلاح معاشه، وقال في (القاموس) (١): الهنيء والمهنأ: ما أتاك بلا مشقة، يعني: يحملون المشقة على أنفسهم، ويشركوننا في الراحة.\nوقوله: (لا) أي: ليس الأمر كما زعمتم (ما دعوتم) أي: ما دام دعوتم، دل الحديث على أن المنعَم عليه إذا دعا وأثنى على المنعم، يحصل له من الأجر ما حصل للمنعم.\n٣٠٢٧ - [١٢] (عائشة) قوله: (تهادوا) بفتح الدال أمر، والتهادي بمعنى إرسال\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٦).","vol":"5","page":679},{"text":"فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ الضَّغَائِنَ\". رَوَاهُ. [مسند الشهاب: ٦٦٠].\n٣٠٢٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ، وَلَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ شِقَّ فِرْسِنِ شَاةٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٣٠].\n٣٠٢٩ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nالهدية، و(الضغائن) جمع ضغينة بمعنى الحقد كالضغن، كذا في (القاموس) (١)، وفي (النهاية) (٢): الضغن: الحقد والعداوة والبغضاء.\n٣٠٢٨ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (وحر الصدر) بالواو والحاء المهملة المفتوحتين: غشه ووسواسه، وقيل: الحقد والغيظ، وقيل: العداوة، وقيل: أشد الغضب، كذا في (مختصر النهاية) (٣).\nوقوله: (ولو شق فرسن شاة) الفرسن: بكسر الفاء وسكون الراء وكسر السين المهملة للشاة والبعير، كالحافر للفرس، وفي بعض الروايات (بشق فرسن) بزيادة حرف الجر، والمراد: لا تحقرن امرأةٌ إهداء جارتها الفرسن إليها بأن تكون الجارة الأولى مُهْديةً والثانيةُ مُهْداةً إليها أو بالعكس، وفي ذكر الفرسن الذي هو أحقر الأشياء وأخسها مبالغة لا تخفى.\nوقيل: المراد بجارتها ضرتها.\n٣٠٢٩ - [١٤] (ابن عمر) قوله: . . . . .\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١١٧).\n(٢) \"النهاية\" (٣/ ٩١).\n(٣) \"الدر النثير\" (٢/ ١٠٣٢).","vol":"5","page":680},{"text":"\"ثَلَاثٌ لَا تُرَدُّ: الْوَسَائِدُ، وَالدُّهْنُ، وَاللَّبَنُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. قِيلَ: أَرَادَ بِالدُّهْنِ الطِّيبَ. [ت: ٢٧٩].\n٣٠٣٠ - [١٥] وَعَن أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدَيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أُعْطِيَ أَحَدُكُمْ الرَّيْحَانَ فَلَا يَرُدُّهُ، فَإِنَّهُ خَرَجَ مِنَ الْجَنَّةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا. [ت: ٢٧٩١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-780> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٠٣١ - [١٦] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةُ بَشِيرٍ: انْحَلِ ابْنِي غُلَامَكَ وَأَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: إِنَّ ابْنَةَ فُلَانٍ سَأَلَتْنِي أَنْ أَنْحَلَ ابْنَهَا غُلَامِي، وَقَالَتْ: أَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: \"أَلَهُ إِخْوَةٌ؟ \" قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"أَفَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَهُمْ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ؟ \" قَالَ: لَا، قَالَ: \"فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا، وَإِنِّي لَا أَشْهَدُ إِلَّا عَلَى حَقٍّ\". . . . .\nــ\n(لا ترد الوسائد) جمع وسادة بالكسر ويثلث، وقد يجمع على وُسُدٍ، وهي المتكأ والْمِخَدَّة، وإنما لا تُرَدّ لكونها هدايا قليلة المؤنة، وفيها تكريم الضيف.\nوقوله: (والدهن)، (قيل: أراد بالدهن الطيب) إما أن يكون المراد الدهن المطيّب، أو على طريقة ذكر الخاص وإرادة العام، فافهم.\n٣٠٣٠ - [١٥] (أبو عثمان النهدي) قوله: (النهدي) بفتح النون وسكون الهاء.\nالفصل الثالث\n٣٠٣١ - [١٦] (جابر) قوله: (انحل ابني) وهو النعمان بن بشير.\nوقوله: (إن ابنة فلان) كناية عن رواحة، واسمها عمرة بنت رواحة كما سبق","vol":"5","page":681},{"text":"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٢٤].\n٣٠٣٢ - [١٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أُتِيَ بِبَاكُورَةِ الفَاكِهَةِ وَضَعَهَا عَلَى عَيْنَيْهِ، وَعَلَى شَفَتَيْهِ، وَقَالَ: \"اللَّهُمَّ كَمَا أَرَيْتَنَا أَوَّلَهُ فَأَرِنَا آخِرَهُ\" ثُمَّ يُعْطِيهَا مَنْ يَكُونُ عِنْدَهُ مِنَ الصِّبْيَانِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ\". [الدعوات الكبير: ٢/ ١١٤].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-781>١٨ - باب اللقطة</span>\nــ\nفي الفصل الأول.\n٣٠٣٢ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (إذا أتي بباكورة) أول كل شيء باكورته، وغلبت في ثمرة تدرك أولًا، والسر في وضعه -ﷺ- إياها على عينيه وشفتيه المباركتين إرادة تكريمها ومحبتها لكونها قريبة العهد من جناب القدس، وإعطاؤها الصبيان للمناسبة الظاهرة في الباكورية، ولكون الصبيان أشد فرحًا بذلك.\nوقوله: (أوله) الظاهر أن الضمير فيه وفي (آخره) راجع إلى الفاكهة، والهاء للنقل أو بتأويل المأكول أو المأتي.\n١٨ - باب اللقطة\nلقطه: أخذه من الأرض فهو ملقوط ولقيط، وحكي عن الخليل أن اللقطة بضم اللام وفتح القاف: الكثير الالتقاط، وبسكون القاف: ما يلتقط، قال أبو منصور: وهو قياس اللغة، وقال الأصمعي وابن [الأعرابي و] الفراء: بفتح القاف اسم المال الملقوط، ويقال فيه: لقاط بضم اللام، ولقط بفتح اللام والقاف، وهي في الاصطلاح:","vol":"5","page":682},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-782> الفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٠٣٣ - [١] عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: \"اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً،\nــ\nالمال الضائع عن ربه يلتقطه غيره، كذا في (شرح كتاب الخرقي) (١)، وفي (المشارق) (٢) في حديث: (ولا تحل لقطتها): بضم اللام وفتح القاف هذا هو المعروف، ولا يجوز الإسكان.\nالفصل الأول\n٣٠٣٣ - [١] (زيد بن خالد) قوله: (اعرف عفاصها) العفاص بالكسر: الوعاء الذي فيه النفقة جلدًا أو خرقة، وغلاف القارورة، والجلد يغطى به رأسها (٣)، والمراد: ما تكون فيه اللقطة من جلد أو خرقة أو غير ذلك.\nوقوله: (ووكاءها) وهو أيضًا بالكسر: رباط القربة وغيرها، كذا في (القاموس) (٤)، وفي (النهاية) (٥): الوكاء: الخيط الذي تشد به الصرة والكيس والقربة وغيرها، و(أوكوا الأسقية): شدوا رؤوسها.\nوقوله: (ثم عرفها) ومحل التعريف محل وجدانها إن أمكن، والأسواق وأبواب المساجد في أدبار الصلوات، ونحو ذلك من مجامع الناس، ولا يعرِّف في المسجد\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقى\" (٣/ ٣٠٠).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٥٨٨ - ٥٨٩).\n(٣) انظر: \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٧٥).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٣٣).\n(٥) \"النهاية\" (٥/ ٢٢٢).","vol":"5","page":683},{"text":"فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وِإلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا\". . . . .\nــ\nللنهي عن ذلك، ووقته النهار، وصفة التعريف أن يقول: من ضاع له شيء أو نفقة أو ذهب، ولا يذكر الصفة، ثم التقدير بسنة هو قول محمد والشافعي ومالك وأحمد ﵏ بظاهر هذا الحديث، والصحيح عند أبي حنيفة وأبي يوسف ﵏ أنه غير مقيد بمدة معلومة، وذكر السنة في الحديث وقع اتفاقًا باعتبار الغالب.\nقال في (الهداية) (١): إن كانت أقل من عشرة دراهم عرّفها أيامًا، وإن كانت عشرة فصاعدًا عرّفها شهرًا، وإن كانت مئة أو أكثر عرّفها حولًا، وهذه رواية عن أبي حنيفة ﵀.\nوقوله: (أيامًا) معناه: على حسب ما يرى، وقدره محمد ﵀ في (الأصل) بالحول من غير تفصيل بين القليل والكثير.\nوقيل: الصحيح أن شيئًا من هذه المقادير ليس بلازم، ويفوض إلى رأي الملتقط، فيعرفها إلى أن يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلب بعد ذلك، والتعريف فيما لا يبقى كالأطعمة المعدة للأكل، وبعض الثمار، إلى أن يخاف فساده.\nوقوله: (فإن جاء صاحبها) أي: وعَرَفَها رُدَّها إليه، فعندنا يجب الرد إن أقام البينة، ولا يجب بدونه، وحَلَّ الدفع عند إعطاء العلامة، ولا يجبر على ذلك عندنا، وهو قول الشافعي ومالك على ما ذكر في (الهداية) (٢)، والعلامة مثل أن يسمي وزن الدراهم وعددها ووكاءها ووعاءها.\nوقوله: (وإلا) أي: وإن لم يجئ صاحبها، (فشأنك بها) بالنصب، أي: الزم\n_________\n(١) \"الهداية\" (٢/ ٤١٧).\n(٢) \"الهداية\" (٢/ ٤١٩).","vol":"5","page":684},{"text":"قَالَ: فَضَالَّةُ الْغَنَمِ؟ قَالَ: \"هِيَ لَكَ. . . . .\nــ\nشأنك، أي: اجتهد وافعل ما شئت، وقال الطيبي (١): هو منصوب على المصدر، يقال: شأنتُ شأنه، أي: قصدت قصده، أي: اشأن شأنك، أي: اعمل ما تحبه، فدلّ على أن بعد التعريف له أن يتملكها غنيًا كان أو فقيرًا، وبه قال كثير من الصحابة ومن بعدهم، وبه قال الشافعي وأحمد. وذهب بعض الصحابة إلى أنه يتصدق بها الغني ولا يتملكها، وهو قول ابن عباس والثوري وابن المبارك وأصحاب أبي حنيفة ﵏، كذا قال الطيبي (٢).\nوفي (الهداية) (٣): فإن جاء صاحبها وإلا تصدق بها إيصالًا للحق إلى المستحِق، وهو واجب بقدر الإمكان، وذلك بإيصال عينها عند الظفر بصاحبها، وإيصال الثواب عند فقده، وهو يدل بإطلاقه على أن الفقير أيضًا يتصدق، وقالوا: يجوز أن يتصدق على أصله وفرعه وعرسه، ثم إن جاء أجازه وله أجره أو ضمن الآخذ.\nوفي بعض حواشي شرح (الوقاية) (٤) نقلًا عن (النهاية): أن التصدق بعد التعريف رخصة، والعزيمة هي الحفظ.\nوقوله: (قال) أي: الرجل: (فضالة الغنم؟) أي: ما حكمها؟ (قال) أي: رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (هي لك) أي: إن أخذتها وعرَّفتها ولم تجد صاحبها كان لك\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ١٨٩).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٦/ ١٩٠).\n(٣) \"الهداية\" (٢/ ٤١٨).\n(٤) \"شرح الوقاية\" (٢/ ٣٨٨).","vol":"5","page":685},{"text":"أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ\" قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِل؟ قَالَ: \"مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ الْمَاءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَقَالَ: \"عَرِّفْهَا سَنَةً،\nــ\nأن تملكها.\nوقوله: (أو لأخيك) أي: صاحبها إن أخذتها فجاء، أو تركتها فاتفق أن صادفها أو التقطها غيرك.\nوقوله: (أو للذئب) إن لم يحصل من هذه الصور شيء، والمقصود التنبيه على جواز التقاطها وتملكها تحرزًا عن الضياع، وهذا الحكم مطرد في كل حيوان يضيع بغير راع.\nوقوله: (مالك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها) إشارة إلى ترك التقاط الإبل وعدم احتياجها إليه؛ فإنها تعيش بدون راع، والسقاء بالكسر: القِربة، والمراد هنا بطنها وكروشها فإن فيها رطوبة تكفي أيامًا كثيرة من الشرب، فإن الإبل قد تتحمل الظمأ أيامًا لا يتحمله ما سواها من البهائم، والحذاء بالمد: النعل، ومنه: لا أرى عليك حذاء، أي: نعلًا، وما احتذى النعال، أي: لبس، والاحتذاء: لبس الحذاء وهو النعل، كذا في (مجمع البحار) (١)، أراد أنها تَقْوى على المشي وقطع الأرض، وعلى قصد المياه وورودها ورعي الشجر، والامتناع عن السباع المفترسة، شبهها بمن كان معه حذاء وسقاء في سفره، وهكذا حكم ما كان في معنى الإبل من البقر والخيل والحمير.\nوبهذا الحديث تمسك مالك والشافعي في عدم التقاط البعير والبقر في الصحراء، وتركه أفضل، ولأن الأصل في أخذ مال الغير الحرمة، والإباحةُ لمخافة الضياع، وإذا\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٦٣ - ٤٦٤).","vol":"5","page":686},{"text":"ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ اسْتَنْفِقَ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ\". [خ: ٢٤٢٩، م: ١٧٢٢].\n٣٠٣٤ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ آوَى ضَالَّةً فَهُوَ ضَالٌّ مَا لَمْ يُعَرِّفْهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٢٥].\nــ\nكان معها ما يدفع عن نفسها يقل الضياع، ولكنه متوهم، فيقضى بالكراهة، والندب إلى الترك، كذا في (الهداية) (١)، وبهذا يظهر أن المراد بالمنع عن التقاطها عندهم على سبيل الكراهة، والترك أفضل، وعندنا يجوز الالتقاط في الكل لتوهم ضياعها، فيستحب أخذها وتعريفها صيانةً لأموال الناس كما في الشاة وغيرها، ولا يجب الالتقاط في شيء من الأموال، وحديث الإبل وما في حكمها إنما يدل على جواز الترك دون وجوبها واستحبابها.\nوقوله: (ثم اعرف وكاءها) ثم ليست للتراخي في الزمان، بل معناه: دم على هذه المعرفة، أو للتراخي في الرتبة.\n٣٠٣٤ - [٢] (وعنه) قوله: (من آوى) بالمدّ متعدٍّ، وقد يجيء بالقصر أيضًا بهذا المعنى، والأول أكثر وأشهر.\nوقوله: (فهو ضال) أي: الواجد غير راشد طريق الحق؛ لأن الحق أن يعرفها، والمراد بالضالة: المفقود مطلقًا، وأكثر إطلاقه على ما ضلّ من الإبل، ولو حمل على هذا المعنى كان وجه إسناد الضلال إلى الواجد الغير المعرِّف أظهر؛ لأن الإبل ونحوه لا يلتقط للتملك، وإنما يلتقط للحفظ والتعريف عند من يقول بالتقاطه، فافهم.\nوقيل: الضمير للضالة بتأويل ما وجد، أي: ما وجد ضال كما كان، لأنه لما\n_________\n(١) \"الهداية\" (٢/ ٤١٨).","vol":"5","page":687},{"text":"٣٠٣٥ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ التَّيْمِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ لُقْطَةِ الْحَاجِّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٢٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-783> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٠٣٦ - [٤] عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، فَقَالَ: \"مَنْ أَصَابَ مِنْهُ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ،\nــ\nلم يعرّف لا يتيسر وصوله إلى صاحبه، وهذا الوجه ليس له كثير فائدة، واللَّه أعلم.\n٣٠٣٥ - [٣] (عبد الرحمن بن عثمان) قوله: (نهى عن لقطة الحاج) قد ورد الحديث في حرم مكة: (لا تحل لقطته إلا لمنشدها)، وفي رواية: (ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها) أي: ليس في لقطة الحرم إلا التعريف، فلا يتملكها ولا يتصدق بها، وهو مذهب الشافعي، فإما أن يراد بقوله: (نهى عن لقطة الحاج) هذا المعنى باعتبار أن الغالب أن تكون لقطة الحاج فيه، وقد سبق الكلام فيه في (باب حرم مكة)، وإما أن يراد ما هو ظاهر العبارة من النهي عن لقطة الحاج ولو في غير الحرم، لكن التعريف إنما يفيد في لقطتهم في الحرم لاجتماعهم فيه، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n٣٠٣٦ - [٤] (عمرو بن شعيب) قوله: (عن الثمر المعلق) لعلّ المراد به ما يعلق منه للجفاف قبل أن يجعل في الجرين ويحرز، فإنهم أولًا يعلِّقونها ليحصل نوع من الجفاف، ولا ينتن بجمعها رطبًا، ويحتمل أن يكون المراد المعلق بالشجر قبل أن يقطع، فأبيح لمن به حاجة ولو لم يبلغ حد المخمصة أن يصيب منها على قدر حاجته من غير أن يرفعه ويدخر، والى (خبنة) بالضم: ما تحمله في حِضْنِك، خَبَنَ الطعام:","vol":"5","page":688},{"text":"وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ\". وَذَكَرَ فِي ضَالَّة الإِبِلِ وَالْغَنَمِ كَمَا ذَكَرَ غَيْرُهُ، قَالَ: وَسُئِلَ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: \"مَا كَانَ مِنْهَا فِي الطَّرِيقِ الْمِيتَاءِ وَالْقَرْيَةِ الْجَامِعَةِ، فَعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَادْفَعْهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فَهُوَ لَكَ، وَمَا كَانَ فِي الْخَرَابِ الْعَادِيِّ فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ مِنْ قَوْلِهِ: . . . . .\nــ\nغيّبه وخبأه.\nوقوله: (فعليه غرامة مثليه) قيل: تضعيف الغرامة للمبالغة في الزجر والتغليظ، وأرادوا بالعقوبة التعزير، وإنما لم يوجب القطع؛ لأن مواضع النخل بالمدينة لم تكن محوطة محروزة، وأوجب فيما يؤخذ مما جمع في البيدر لكونه محرزًا.\nوقوله: (بعد أن يؤويه) من الإيواء بمعنى اتخاذ المنزل، والمراد هنا الضم والجمع، و(الجرين) على وزن فعيل: البيدر، من أَجرْنَ التمرَ: جَمَعَه فيه، كذا في (القاموس) (١). و(المجن) بكسر الميم وفتح الجيم وتشديد النون: الترس، وكان ثمنه قيل: أربعة دراهم، وقيل: ثلاثة، وهو نصاب السرقة عند الشافعي، قال الشُّمُنِّي: وقد جاء موقوفًا ومرفوعًا أن قيمة المجن إذ ذاك عشرة دراهم كما هو مذهبنا.\nو(الطربق الميتاء) عامر واضح، وهو مجتمع الطريق أيضًا، مفعال من أتى يأتي، أي: يأتيه الناس ويسلكونه، أي: ما يؤخذ في العمران.\nوقوله: (في الخراب العادي) نسبة إلى عاد قوم هود بمعنى القديم، أي:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٩٢)، وفي المخطوطة: جعله، والصواب: جمعه، كما في \"القاموس\".","vol":"5","page":689},{"text":"وَسُئِلَ عَنِ اللُّقْطَةِ إِلَى آخِرِهِ. [ن: ٤٩٥٨، د: ١٧١٠].\n٣٠٣٧ - [٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَجَدَ دِينَارًا فَأَتى بِهِ فَاطِمَةَ، فَسَأَلَ (١) عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَذَا رِزْقُ اللَّهِ\" فَأَكَلَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَكَلَ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَتَتِ امْرَأَةٌ تَنْشُدُ الدِّينَارَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا عَلِيُّ أَدِّ الدِّينَارَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٧١٤].\nــ\nالخراب الذي لم يُعمر ولم يملك في الإسلام، فحكمه وحكم الركاز واحد، وهو وجوب الخمس، والركاز هو ما ركزه اللَّه في المعادن، أي: أحدثه، كالركيز ودفين أهل الجاهلية.\n٣٠٣٧ - [٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (هذا رزق اللَّه) ظاهره أنه لم يعرّف، وهو مذهب بعض العلماء أنه لا يجب التعريف في القليل، وأن الدينار من القليل، وأما القول بدلالته على أن الغني له التملك كالفقير ففيه أنه لم يثبت غِنى علي -﵁- في ذلك الوقت (٢).\n_________\n(١) أي: علي، كما في \"المرقاة\"، وفي \"سنن أبي داود\": \"فسألت\" أي: فاطمة -﵂-.\n(٢) قال في \"نصب الراية\" (٣/ ٤٦٩): قَالَ الْمُنْذِرِيُّ: وَاسْتُشْكِلَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ عَلِيًّا أَنْفَقَ الدِّينَارَ قَبْلَ تَعْرِيفِهِ، قَالَ: وَأَحَادِيثُ التَّعْرِيفِ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ إسْنَادًا، وَلَعَلَّ تَأْوِيلَهُ أَنَّ التَّعْرِيفَ لَيْسَ لَهُ صِيغَةٌ يُعْتَدُّ بِهَا. فَمُرَاجَعَتُهُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى مَلأ الْخَلْقِ إعْلَانٌ بِهِ، فَهَذَا يُؤَيِّدُ الإِكْتِفَاءَ بِالتَّعْرِيفِ مَرَّةً وَاحِدَة، انْتَهَى. قُلْت: رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي \"مُصَنَّفِهِ\" (١٨٦٣٧) وَفِيهِ أَنَّهُ عَرَّفَهُ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ.\nقال في \"البذل\": وهذا الحديث وأمثاله بظاهرها تخالف الحنفية بأن عندهم أن اللقطة يجب التصدق بها إذا كان الملتقط غنيًّا، ولا يجوز صرفها على نفسه، واستشكل بأن ههنا التقط =","vol":"5","page":690},{"text":"٣٠٣٨ - [٦] وَعَنِ الْجَارُودِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ضَالَّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النَّارِ\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢/ ٢٦٦].\n٣٠٣٩ - [٧] وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ وَجَدَ لُقَطَةً فَلْيُشْهِدْ ذَا عَدْلٍ أَوْ ذَوَيْ عَدْلٍ وَلَا يَكْتُمْ وَلَا يُغَيِّبْ، فَإِنْ وَجَدَ صَاحِبَهَا فَلْيَرُدَّهَا عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَهُوَ مَالُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ\". . . . .\nــ\n٣٠٣٨ - [٦] (الجارود) قوله: (حرق النار) بفتحتين وبسكون، وهذا وعيد لمن لم يراع حكم الشرع فيها.\n٣٠٣٩ - [٧] (عياض بن حمار) قوله: (فليشهد) من الإشهاد، وهو أمر ندب، وقيل: أمر وجوب، قالوا: والحكمة فيه دفع طمع النفس، وأن لا يُعدَّ من تركته على تقدير الفجاءة، أقول: وأن لا يدعي صاحبها الزيادة عن حقه، وهو ظاهر.\nوقوله: (ولا يكتم) بأن لا يعرف (ولا يغيب) بالتشديد بأن لا يحضر.\n_________\n= علي -﵁- الدينار وأكله وأكل رسول اللَّه -ﷺ- معه، فلو كان كما قالت الحنفية لم يجز لرسول اللَّه -ﷺ- أن يأكل منها ولا لعلي -﵁-. واختلفوا في الجواب عن هذا الإشكال، وقد كتبه مفصلًا مولانا الشيخ محمد يحيى المرحوم من تقرير شيخه -﵀- فقال: استدل الشافعية بهذه الروايات على أن أكل اللقطة بعد التعريف لا يختص بالفقير، كيف وقد ثبت أن عليًّا وفاطمة أكلا منه وهم بنو هاشم لا تحلّ لهم الصدقة بحال، فكذلك الغني يجوز له التناول منه. وأجاب الحنفية عن ذلك بوجوه: بضعف الروايات، وبالاضطرابات في الروايات، ثم بسط الكلام فيه. قلت: وقد أجاب عنه الإمام السرخسي في \"مبسوطه\" (١١/ ٨) فقال: وَأَمَّا حَدِيثُ عَلِيٍّ -﵁- فقَدْ قِيلَ: مَا وَجَدَهُ لَمْ يَكُنْ لُقَطَةً، وَإِنَّمَا أَلْقَاهَا مَلَكٌ لِيَأْخُذَهُ عَلِيٌّ -﵁- فَقَدْ كَانُوا لَمْ يُصِيبُوا طَعَامًا أَيَّامًا، وَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْوَحْي، فَلِهَذَا تَنَاوَلُوا مِنْهُ عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ الْوَاجِبَةَ كَانَتْ لَا تَحِلُّ لَهُمْ، وَهَذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ تِلْكَ الْجُمْلَةِ، فَلِهَذَا اسْتَجَازَ عَلِيٌّ -﵁- الشِّرَاءَ بِهَا لِحَاجَتِهِ، انتهى. \"بذل المجهود\" (٦/ ٦٠١ - ٦٠٦).","vol":"5","page":691},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٤/ ١٦١ - ١٦٢، د: ١٧٠٩، دي: ٢/ ٢٦٦].\n٣٠٤٠ - [٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَخَّصَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْعَصَا وَالسَّوْطِ وَالْحَبْلِ وَأَشْبَاهِهِ، يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ يَنْتَفِعُ بِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٧١٧].\nوَذُكِرَ حَدِيثُ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ: \"أَلا لَا يَحِلُّ\" فِي \"بَابِ الِاعْتِصَامِ\".\nــ\n٣٠٤٠ - [٨] (جابر) قوله: (وأشباهه) مما يعدّ قليلًا تافهًا، واختلفوا في حد القليل، فقيل: هو ما دون عشرة دراهم، وقيل: الدينار وما دونه قليل، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"5","page":692},{"text":"(١٢) كتاب الفرائض والوصايا","vol":"5","page":693},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-784>(١٢) [كتاب الفرائض والوصايا]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-785>١ - باب الفرائض</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-786> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٠٤١ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً، فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"مَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَو ضيَاعًا. . . . .\nــ\n[١٢ - كتاب الفرائض والوصايا]\n١ - باب الفرائض\nجمع فريضة من الفرض بمعنى التقدير، والمراد: السهام المقدرة في كتاب اللَّه في المواريث، ثم سمي العلم بمسائل الميراث علم الفرائض، والعالم بها فرضي، وقد يقال: فرائضي، بناءً على صيرورته عَلَمًا لهذا العلم، وإلا فالأصل عدم جواز النية إلى الجمع.\nالفصل الأول\n٣٠٤١ - [١] (أبو هريرة) قوله: (أنا أولى بالمؤمنين) أي: أحقُّ بهم وأقرب إليهم.\nوقوله: (أو ضياعًا) بالفتح مصدر ضاع يضيع: هلك، ويطلق على العيال تسميةً للفاعل بالمصدر؛ لأنها إذا لم تُتعهد ضاعت، وقد يروى بكسر الضاد جمع ضائع","vol":"5","page":695},{"text":"فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهٌ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧٦٣، م: ١٦١٩].\n٣٠٤٢ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧٣٢، م: ١٦١٥].\nــ\nكجياع وجائع، وروي: (ضيعًا) وهو أيضًا مصدر.\nوقوله: (فليأتني) ظاهر اللفظ أن الضمير لـ (من) فيكون الإسناد مجازيًا، أي: يأت وصيُّه ووكيله، ويحتمل أن يكون للضياع المراد به العيال.\nوقوله: (فأنا مولاه) أي: وليُّه وناصره وكافل أمره.\nو(الكل) بالفتح والتشديد: الثِّقْل والثقيل والعيال، كذا في (القاموس) (١)، وقال الطيبي (٢): هو يشمل الدين والعيال، وكان -ﷺ- أولًا لا يصلي على من مات مديونًا زجرًا وتوبيخًا له، فلما فتح اللَّه تعالى الفتوح عليه كان يقضي دينه، وكان من خصائصه، ولا يجب ذلك اليوم على الأئمة.\n٣٠٤٢ - [٢] (ابن عباس) قوله: (فهو لأولى رجل ذكر) المراد به العصبة، و(أولى) بمعنى أقرب، أي: إلى الميت، من الوَلْي بمعنى القرب، والوصف بالذَّكَر، قيل: للإشارة إلى سبب العصوبة والترجيح، وذلك لأن الذكر يلحقه مؤن لا تلحق المؤنث، وقيل: احتراز عن الخنثى (٣).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٧٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٦/ ١٩٥).\n(٣) وَقِيلَ: ذُكِرَ لِنَفْي الْمَجَازِ إِذِ الْمَرْأَةُ الْقَوِيَّةُ قَدْ تُسَمَّى رَجُلًا. قاله القاري (٥/ ٢٠٢٢). =","vol":"5","page":696},{"text":"٣٠٤٣ - [٣] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ، وَلَا الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧٦٤، م: ١٦١٤].\n٣٠٤٤ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٧٦١].\n٣٠٤٥ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُم\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧٦٢، م: ١٠٥٩].\nوَذُكِرَ حَدِيثُ عَائِشَةَ: \"إِنَّمَا الْوَلَاءُ\" فِي بَابٍ قَبْلَ \"بَابِ السَّلَمِ\"، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ الْبَرَاءِ: \"الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ\" فِي \"بَابِ بُلُوغِ الصَّغِيرِ وَحَضَانتَهِ\" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.\nــ\n٣٠٤٣ - [٣] (أسامة بن زيد) قوله: (لا يرث المسلم الكافر) فيه خلاف لبعض الصحابة والتابعين، وهو مذهب مالك، وأما عدم وراثة الكافر المسلم فمجمع عليه.\n٣٠٤٤ - [٤] (أنس) قوله: (مولى القوم من أنفسهم) (من) اتِّصالية، ومن فروعه حرمة الصدقة على موالي بني هاشم، والمقصود من إيراده في الباب أن المعتق بكسر التاء يرث المعتق بفتحها إذا لم يكن له عصبة ولا عكس، قيل: إلا عند طاوس.\n٣٠٤٥ - [٥] (وعنه) قوله: (ابن أخت القوم منهم) المقصود توريثه وهو من ذوي الأرحام، وتوريثهم مذهب أبي حنيفة وأحمد رحمهما اللَّه، وفيه اختلاف.\n_________\n= وفي \"التقرير\": ذكر الرجل باعتبار الأكثر وإلا فتكون الأخوات مع البنات عصبات.","vol":"5","page":697},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-787> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٠٤٦ - [٦] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَتَوَارَثُ أَهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٩١١، جه: ٢٧٣١].\n٣٠٤٧ - [٧] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ جَابِرٍ. [ت: ٢١٠٨].\n٣٠٤٨ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْقَاتِلُ لَا يَرِثُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢١٠٩، جه: ٢٧٣٥].\n٣٠٤٩ - [٩] وَعَنْ بُرَيْدَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- جَعَلَ لِلْجَدَّةِ السُّدُسَ إِذَا لَمْ تَكُنْ دُونها أُمٌّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٨٩٥].\n٣٠٥٠ - [١٠] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ صُلِّيَ عَلَيْهِ. . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n٣٠٤٦، ٣٠٤٧ - [٦، ٧] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (شتى) جمع شتيت كمريض ومرضى، فلا يرث يهودي من نصراني وعكسه، والمجوسي منهما وبالعكس.\n٣٠٤٨ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (القاتل لا يرث) قال أبو حنيفة ﵀: قتل الصبي لا يمنع الميراث، وقال مالك ﵀: القتل خطأً لا يمنع.\n٣٠٤٩ - [٩] (بريدة) قوله: (إذا لم تكن دونها أم) أي: قدامها، والمراد أنه تحجب الأم الجدة.\n٣٠٥٠ - [١٠] (جابر) قوله: (إذا استهلّ الصبي صلي عليه) المشهور أن الاستهلال رفع الصوت، والمراد هنا مطلق الصوت برفع أو خفض، وفي","vol":"5","page":698},{"text":"وَوُرِّثَ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [جه: ٢٧٥، دي: ٢/ ٣٩٢].\n٣٠٥١ - [١١] وَعَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْهُمْ، وَحَلِيفُ الْقَوْمِ مِنْهُمْ، وَابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢/ ٢٤٣ - ٢٤٤].\n٣٠٥٢ - [١٢] وَعَنِ الْمِقْدَامِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ، فَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيْعَةً فَإِلَيْنَا،\nــ\n(القاموس) (١): استهل الصبي: رفع صوته أو خفض.\nوعندنا إنما اعتبر الاستهلال لأنه دليل الحياة؛ فإن وجد شيء من أمارات الحياة فالحكم كذلك وإن لم يستهلّ، وهو مذهب الشافعي، وعند أحمد يصلَّى عليه إذا ولد لأكثر من أربعة أشهر؛ لأنه تنفخ الروح بعد هذه المدة، غايته أنه خرج ميتًا، وصلاة الجنازة إنما تفعل على الميت، ونحن نقول: لا يقال له في العرف ميت، ولا يثبت له الحياة.\nوقوله: (وورث) فلو مات إنسان ووارثه حَمْلٌ فِي البطن، يوقف له الميراث، فإن خرج حيًّا كان له وإلا كان لسائر ورثته.\n٣٠٥١ - [١١] (كثير بن عبد اللَّه) قوله: (وحليف القوم منهم) قالوا: كانوا يتحالفون ويقولون: دمي دمك، وسلمي سلمك، وحربي حربك، وأرث منك وترث مني، فنسخ بآية المواريث.\n٣٠٥٢ - [١٢] (المقدام) قوله: (أو ضيعة) الضيعة: المرة من الضياع، يقال: ضاع يضيع ضيعًا وضيعة وضياعًا.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٩٠).","vol":"5","page":699},{"text":"وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَأَنَا مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ، أَرِثُ مَالَهُ، وَأَفُكُّ عَانَهُ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، يَرِثُ مَالَهُ وَيَفُكُّ عَانَهُ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"وَأَنَا وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، أَعْقِلُ عَنْهُ وَأَرِثُهُ، وَالْخَالُ وَارِثُ مَنْ لَا وَارِثَ لَهُ، يَعْقِلُ عَنْهُ وَيَرِثُهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٢٩٠٠].\n٣٠٥٣ - [١٣] وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَحُوزُ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَ مَوَارِيثَ: عَتِيقَهَا، وَلَقِيطَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَنْهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢١١٥، د: ٢٩٠٦، جه: ٢٧٤٢].\nــ\nوقوله: (أرث ماله) أي: أضعه في بيت المال، وإلا فالأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين لا يرثون، (وأفك عانه) أي: عانيه بحذف الياء كما في يد، والعاني الأسير، ومنه اشتقاق العَنْوة بمعنى القهر والغلبة، وأصله الخضوع، ومنه ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١]، وكل من ذلّ واستكان وخضع فقد عَني، أي: أخلِّص أسيره بالفداء عنه.\nقوله: (والخال وارث من لا وارث له) أي: من أصحاب الفرائض والعصبات، وهذا دليل على ميراث ذوي الأرحام كما هو مذهب أبي حنيفة.\nوقوله: (أعقل عنه) أي: أقضي عنه ما يلزمه بسبب الجنايات، والعقل الدية.\n٣٠٥٣ - [١٣] (واثلة بن الأسقع) قوله: (تحوز المرأة) بالحاء المهملة من الحيازة، أي: تجمع وتأخذ، و(المواريث) جمع ميراث كالموازين جمع ميزان، وظاهر هذا الحديث مجموعُه غير مراد، فإنها ترث عتيقها بلا خلاف، وأما من لقيطها والولد الذي لاعنت عنه ونفاه الرجل فلا، [و] ميراثُها من لقيطها -أي: الذي التقطته من الطريق وربّته- معناه: إن تركته لبيت المال، وهذه المرأة أولى بأن يُصْرف إليها ما خلَّفه","vol":"5","page":700},{"text":"٣٠٥٤ - [١٤] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"أَيُّمَا رَجُلٍ عَاهَرَ بِحُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ، فَالْوَلَدُ وَلَدُ زِنًا، لَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١١٣].\n٣٠٥٥ - [١٥] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ مَوْلًى لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَاتَ وَتَرَكَ شَيْئًا، وَلَمْ يَدَعْ حَمِيمًا وَلَا وَلَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَعْطُوا مِيرَاثَهُ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٢٩٠٢، ت: ٢١٠٦].\nــ\nمن غيرها من آحاد المسلمين، وأما الولد الذي نفاه الرجل باللعان فلا خلاف أن أحدهما لا يرث الآخر، وأما نسبته من جهة الأم فثابت يتوارثان كذا قالوا، وقد قيل: إن هذا الحديث غير ثابت، واللَّه أعلم.\n٣٠٥٤ - [١٤] (عمرو بن شعيب) قوله: (عاهر) أي: زَنَى، عَهَر المرأة، كمنع، عَهْرًا ويكسر ويحرك، وعَهارة، بالفتح، وعُهورًا وعُهورة، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (لا يرث ولا يورث) أي: من الأب، فحكمه حكم الولد المنفي.\n٣٠٥٥ - [١٥] (عائشة) قوله: (ولم يدع حميمًا) أي: قريبًا، ولعل المراد به أصحاب الفرض، وبقوله: (ولدًا) العصبات.\nوقوله: (أعطوا ميراثه رجلًا من أهل قريته) قالوا: كان ذلك تصدقًا أو ترفقًا أو لأنه كان لبيت المال، ومصرفه مصالح المسلمين، فوضْعُه في أهل قريته لقربهم، أو لما رأى من المصلحة، والمراد بالميراث التركة، وسماه ميراثًا مسامحة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤١٦).","vol":"5","page":701},{"text":"٣٠٥٦ - [١٦] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: مَاتَ رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ فَأُتِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِمِيرَاثِهِ، فَقَالَ: \"الْتَمِسُوا لَهُ وَارِثًا أَوْ ذَا رَحِمٍ\" فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ وَارِثًا وَلَا ذَا رَحِمٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَعْطُوهُ الْكُبْرَ مِنْ خُزَاعَةَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: قَالَ: \"انْظُرُوا أَكْبَرَ رَجُلٍ مِنْ خُزَاعَةَ\". [د: ٢٩٠٤].\n٣٠٥٧ - [١٧] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١١] وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَضَى بِالدّينِ قَبْلَ الْوَصِيَّةِ، وَأَنَّ أَعْيَانَ بَنِي الأُمِّ يَتَوَارَثُونَ. . . . .\nــ\n٣٠٥٦ - [١٦] (بريدة) قوله: (وارثًا ولا ذا رحم) ظاهر الحديث في عدم كون ذي الرحم وارثًا، فلعل ذكره لإرادة أحد من المسلمين يكون له قرب من الميت يخص ممن يكون له نصيب في بيت المال، أو يكون المراد بالوارث العصبة، فافهم.\nوقوله: (أعطوه الكبر) بضم الكاف وسكون الباء: أقرب القوم إلى الجد الأعلى الذي ينسبون إليه، وهو كالحديث الأول في إعطاء الميراث لرجل من أهل قريته، ولكن قيِّد ههنا بأكبرهم.\n٣٠٥٧ - [١٧] (علي) قوله: (إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾) [النساء: ١١] يعني: قد قدِّمت الوصية في هذه الآية على الدين مع أن النبي -ﷺ- قضى بالدين قبل الوصية، فلا تظنوا المخالفة بين الآية وفعله -ﷺ-، واعلموا أن الدَّين مقدّم في الحكم وإن كان مؤخرًا في الذكر، وتأخيره في الذكر إنما هو للاعتناء بشأن الوصية لكونها شاقة على نفوس الورثة، فقوله: (وإن رسول اللَّه -ﷺ-) بكسر الهمزة عطفًا على (إنكم).\nوقوله: (وأن أعيان) بفتح الهمزة بتقدير الجار عطفًا على قوله: (بالدين) أي:","vol":"5","page":702},{"text":"دُونَ بَنِي الْعَلَّاتِ، الرَّجُلُ يَرِثُ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ دُونَ أَخِيهِ لِأَبِيهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ: قَالَ: \"الإِخْوَةُ مِنَ الأُمِّ يَتَوَارَثُونَ دُونَ بَنِي الْعَلَّاتِ\" إِلَى آخِرِهِ. [ت: ٢٠٩٤، ٢٠٩٥، جه: ٢٧٣٩، دي: ٢/ ٣٦٨].\n٣٠٥٨ - [١٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ بِابْنتَيْهَا مِنْ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَاتَانِ ابْنتَا سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، قُتِلَ أَبُوهُمَا مَعَكَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، وَإِنَّ عَمَّهُمَا أَخَذَ مَالَهُمَا، وَلَمْ يَدَعْ لَهُمَا مَالًا، وَلَا تُنْكَحَانِ إِلَّا وَلَهُمَا مَالٌ، قَالَ: \"يَقْضِي اللَّهُ فِي ذَلِكَ\" فَنَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى عَمِّهِمَا فَقَالَ: \"أَعْطِ لِابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وَأَعْطِ أُمَّهُمَا الثُّمُنَ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لَكَ\". . . . .\nــ\nقضى بأن.\nوقوله: (دون بني العلات) يعني أن أعيان بني الأم -يعني الإخوة لأب وأم- إذا اجتمعوا مع بني العلات -يعني الإخوة لأب- فالميراث للإخوة من أب وأم، وهم مقدمون على الإخوة لأب لقوة القرابة، فلا يوهمكم ذكر الإخوة في القرآن التسوية، وأما بني الأخياف وهم الإخوة لأم فهم من أصحاب الفرائض من الكلالة، والكلام في العصبات.\nوقوله: (يرث أخاه. . . إلخ) تفسير لما تقدم.\n٣٠٥٨ - [١٨] (جابر) قوله: (قتل أبوهما معك) ظرف مستقر، أي: كائنًا معك، لا ظرفٌ لغو متعلق بـ (قتل).\nوقوله: (وما بقي فهو لك) هذا غير مذكور في آية المواريث بل المذكور فيها هو الحكمان الأولان، وهما الثلثان للبنتين فصاعدًا، والثمن للزوجة عند وجود","vol":"5","page":703},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [حم: ٣/ ٣٥٢، ت: ٢٠٩٢، د: ٢٨٩٢، جه: ٢٧٢٥].\n٣٠٥٩ - [١٩] وَعَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ قَالَ: سُئِلَ أَبُو مُوسَى عَنِ ابْنَةٍ وَبِنْتِ ابْنٍ وَأُخْتٍ، فَقَالَ: للْبِنْتِ النِّصْفُ، وَللأُخْتِ النِّصْفُ، وَائْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَسَيُتَابِعُنِي، فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأُخْبِرَ بِقَوْلِ أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إِذَنْ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ، أَقْضِي فِيهَا بِمَا قَضَى النَّبِيُّ -ﷺ-: \"لِلْبِنْتِ النِّصْفُ، وَلِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وَمَا بَقِيَ فَلِلأُخْتِ\" فَأَتَيْنَا أَبَا مُوسَى، فَأَخْبَرْناهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: . . . . . .\nــ\nالولد للزوج.\n٣٠٥٩ - [١٩] (هزيل بن شرحبيل) قوله: (وعن هزيل) بالزاي بلفظ التصغير (ابن شرحبيل) بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الحاء وكسر الموحدة وسكون التحتانية.\nوقوله: (وائت ابن مسعود) أمر أبو موسى هزيلًا التابعي بعد إفتائه بما أفتى بإتيانه ابن مسعود حتى يوافقه، حيث قال: (فسيتابعني) أي: يوافقني.\nوقوله: (لقد ضللت إذن) أي: إن تابعته في هذه الفتوى.\nوقوله: (تكملة الثلثين) معناه: أن حق البنات الثلثان، وقد أخذت الصُّلبية الواحدة النصف لقوة القرابة، فبقي سدسٌ من حق البنات، فتأخذه بنات الابن واحدةً كانت أو متعددة.\nوقوله: (وما بقي فللأخت) لقوله -ﷺ-: (اجعلوا الأخوات مع البنات عصبة)، إليه ذهب أكثر الصحابة، وهو قول جمهور العلماء خلافًا لابن عباس متمسكًا بقوله","vol":"5","page":704},{"text":"لَا تَسْأَلُونِي مَا دَامَ هَذَا الْحَبْرُ فِيكُمْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٧٣٦].\n٣٠٦٠ - [٢٠] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: إِنَّ ابْنِي مَاتَ فَمَا لِي مِنْ مِيراثِهِ؟ قَالَ: (لَكَ السُّدُسُ) فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ قَالَ: \"لَكَ سُدُسٌ آخَرُ\" فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ قَالَ: \"إِنَّ السُّدُسَ الآخَرَ طُعْمَةٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ،\nــ\nتعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١٧٦]، فقد جعل الولد حاجبًا للأخت، ولفظ الولد يتناول الذكر والأنثى، فلا ميراث للأخت مع الولد ذكرًا كان أو أنثى، بخلاف الأخ؛ فإنه يأخذ ما بقي من الأنثى بالعصوبة، وأجيب بأن المراد بالولد هنا هو الذكر بدليل قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: ابن بالاتفاق؛ لأن الأخ يرث مع الابنة، وقد تأيَّد ذلك بالسنة.\nو(هذا الحبر) بفتح الحاء، وقد تكسر، يعني ابن مسعود بمعنى العالم بتحبير الكلام، أي: تزيينه، من بُرْد محبَّر، أي: ملوّن، وفي الأصل هو العالم اليهودي، ويقال: كعبُ الأحبارِ لذلك، أي: عالم العلماء، قاله [ابن] قتيبة، وسمي: كعب الحِبر، بالكسر للحبر الذي يكتب، حكاه أبو عبيد لأنه كان صاحب كتاب، وكان يكتب، وأنكر أبو الهيثم الكسر وقال: إنما هو بالفتح لا غير نعتًا لكعب (١).\n٣٠٦٠ - [٢٠] (عمران بن حصين) قوله: (قال: لك السدس) صوّروا المسألة بأنْ مات رجل وخلَّف بنتين وهذا السائلَ الذي هو الجد، فللبنتين الثلثان فبقي ثلث، فدفع إليه السدس بالفرض، ثم دفع سدسًا آخر بالرد للتعصيب، ولم يدفع الثلث مرة واحدة، لئلا يتوهم أن فرضه الثلث، وإنما سماه (طعمة) لأنه زائد على أصل الفرض\n_________\n(١) انظر: \"غريب الحديث\" (١/ ٨٧).","vol":"5","page":705},{"text":"وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [حم: ٤/ ٤٢٨ - ٤٢٩، ت: ٢٠٩٩، د: ٢٨٩٦].\n٣٠٦١ - [٢١] وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ قَالَ: جَاءَتِ الْجَدَّةُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ لَهَا: مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْءٌ، وَمَا لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- شَيْءٌ، فَارْجِعِي حَتَّى أَسْأَلَ النَّاسَ، فَسَأَلَ، فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَعْطَاهَا السُّدُسَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مِثْلَ مَا قَالَ الْمُغِيْرَةُ، فَأَنْفَذَهُ لَهَا أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ جَاءَتِ الْجَدَّةُ الأُخْرَى إِلَى عُمَرَ تَسْأَلُهُ مِيرَاثَهَا، فَقَالَ: هُوَ ذَلِكَ السُّدُسُ، فَإِنِ اجْتَمَعْتُمَا فَهُوَ بَيْنَكُمَا، وَأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا. رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ط: ١٨٧٦، حم: ١٧٩٨٠، ت: ٢١٠٠، د: ٢٨٩٤، دي: ٢/ ٣٥٦].\nــ\nالذي لا يتغير.\n٣٠٦١ - [٢١] (قبيصة بن ذؤيب) قوله: (قبيصة) بفتح القاف المعجمة (ابن ذؤيب) بضم الذال.\nوقوله: (محمد بن مسلمة) فاعل (قال).\nوقوله: (فأنفذه لها) أي: الحكم بالسدس للجدة.\nوقوله: (ثم جاءت الجدة الأخرى) أي: لهذا الميت إما من جهة الأب أو من جهة الأم.\nوقوله: (هو ذلك السدس) أي: ميراث الجدة السدس سواء كانت واحدة أو اثنين.","vol":"5","page":706},{"text":"٣٠٦٢ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ فِي الْجَدَّةِ مَعَ ابْنِهَا: أَنَّهَا أَوَّلُ جَدَّةٍ أَطْعَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سُدُسًا مَعَ ابْنِهَا، وَابْنُهَا حَيٌّ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ ضَعَّفَهُ. [ت: ٢١٠٢، دي: ٢/ ٣٥٨].\n٣٠٦٣ - [٢٣] وَعَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَتَبَ إِلَيْهِ: \"أَنْ وَرِّثْ امْرَأَةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٢١١٠، د: ٢٩٢٧].\nــ\n٣٠٦٢ - [٢٢] (ابن مسعود) قوله: (في الجدة مع ابنها) أي: ابن الجدة، وهو أبو الميت، اعلم أن الجدات سواء كانت أبويَّات أو أميَّات يسقطن بالأم، أما الأميات فلوجود إدلائها بالأم واتحاد السبب الذي هو الأمومة، وأما الأبويات فلاتحاد السبب مع زيادة القرب، وتسقط الأبويات دون الأميات بالأب أيضًا، وهو قول عثمان وعلي وزيد بن ثابت وغيرهم، ونقل عن عمر وابن مسعود وأبي موسى الأشعري أن أم الأب ترث مع الأب، واختاره شريح والحسن وابن سيرين لهذا الحديث.\nوقيل: الجدة ليس لها ميراث، والذي أعطاها رسول اللَّه -ﷺ- طعمةٌ أطعمها ولم يكن ميراثًا كما يشعر به لفظ الحديث، وأقربهن وأبعدهن في ذلك سواء، واللَّه أعلم.\n٣٠٦٣ - [٢٣] (الضحاك بن سفيان) قوله: (أن ورث امرأة أشيم الضبابي) بكسر الضاد المعجمة وتخفيف الباء الموحدة الأولى منسوب إلى ضباب بن كلاب، قتل في حياة النبي -ﷺ- خطأ، وقال في (أسد الغابة) (١): إن عمر -﵁- كان يقول: لا ترث المرأة من دية زوجها، حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي أن رسول اللَّه -ﷺ- كتب\n_________\n(١) \"أسد الغابة\" (١/ ٦٢).","vol":"5","page":707},{"text":"٣٠٦٤ - [٢٤] وَعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: مَا السُّنَّةُ فِي الرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ يُسْلِمُ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؟ فَقَالَ: \"هُوَ أَولَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٢١١٢، جه: ٢٧٥٢، دي: ٢/ ٣٧٧].\n٣٠٦٥ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا إِلَّا غُلَامًا كَانَ أَعْتَقَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"هَلْ لَهُ أَحَدٌ؟ \" قَالُوا: لَا إِلَّا غُلَامٌ لَهُ كَانَ أَعْتَقَهُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِيرَاثَهُ لَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٩٠٥، ت: ٢١٠٦، جه: ٢٧٤١].\n٣٠٦٦ - [٢٦] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. . . . .\nــ\nإليه هذا الحديث، ونقل الطيبي (١) عن علي -﵁- أنه كان لا يورِّث من دية الزوج الزوجةَ ولا الإخوة من الأم.\n٣٠٦٤ - [٢٤] (تميم الداري) قوله: (هو أولى الناس بمحياه ومماته) قيل: كان الموالي يتوارثون في بدء الإسلام ثم نسخ، وقيل: المراد: هو أولى بالنصرة في حال الحياة، وبالصلاة عليه بعد الموت، واللَّه أعلم.\n٣٠٦٥ - [٢٥] (ابن عباس) قوله: (إلا غلامًا كان أعتقه) هذا الحديث دليل لمن قال بتوريث العتيق من المعتِق كالعكس بالإجماع، وقال الجمهور: هو على طريقة ما مر من جعل الميراث لرجل من أهل قريته.\n٣٠٦٦ - [٢٦] (عمرو بن شعيب) قوله: . . . . .\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٢٠٧).","vol":"5","page":708},{"text":"أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"يَرِثُ الْوَلَاءَ مَنْ يَرِثُ الْمَالَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ. [ت: ٢١١٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-788> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٠٦٧ - [٢٧] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَا كَانَ مِنْ مِيرَاثٍ قُسِّمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلَى قِسْمَةِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَا كَانَ مِنْ مِيرَاثٍ أَدْركَهُ الإِسْلَامُ فَهُوَ عَلَى قِسْمَةِ الإِسْلَامِ\". رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ. [جه: ٢٧٧٦].\n٣٠٦٨ - [٢٨] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ أَنَّهُ سَمعَ أَبَاهُ كَثِيرًا يَقُولُ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ: عَجَبًا لِلْعَمَّةِ تُورَثُ وَلَا تَرِثُ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ١٨٨٣].\nــ\n(يرث الولاء من يرث المال) أي: إذا مات عتيق الأب أو عتيق عتيقه يرث الابن ذلك الولاء، وهذا مخصوص بالعصبة، ولا ترث النساء الولاء إلا ممن أعتقنه أو أَعْتقَ من أعتقنه.\nالفصل الثالث\n٣٠٦٧ - [٢٧] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (ما كان من ميراث قسّم في الجاهلية) لم يبينوا كيف كان قسمة الجاهلية، واللَّه أعلم.\n٣٠٦٨ - [٢٨] (محمد بن أبي بكر بن حزم) قوله: (ولا ترث) مبني على عدم ميراث ذوي الأرحام، وإلا فالعمات والأعمام لأم والأخوال والخالات من ذوي الأرحام يرثون عند من يورث ذوي الأرحام على تفصيل ذكر في علم الفرائض.","vol":"5","page":709},{"text":"٣٠٦٩ - [٢٩] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ، وَزَادَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَالطَّلَاقَ وَالْحَجَّ، قَالَا: فَإِنَّهُ مِنْ دِيِنكُمْ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢/ ٤٤١].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-789>٢ - باب الوصايا</span>\nــ\n٣٠٦٩ - [٢٩] (عمر) قوله: (من دينكم) أي: من مُهمات دينكم.\n٢ - باب الوصايا\nجمع وصية كالخطايا جمع خطية، في (القاموس) (١): وأوصاه ووصّاه توصية: عَهِدَ إليه، والاسم: الوَصاة والوِصاية والوَصِيّة، ويقال: وَصَيْتُ الشيء إذا وصلته.\nثم الوصية مستحبة غير واجبة، وقد ذهب قوم من أصحاب الظواهر إلى وجوبها؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠]، وفيه: أن ذلك كان قبل نزول آية المواريث للوالدين والأقربين، ثم نسخ بها، ولذا لا تجوز الوصية للوارث، وأما للأجانب فمستحبة لا واجبة؛ لأنها مشروعة لنا لا علينا، وما شرع لنا يكون مندوبًا لا واجبًا، وهي تبرع بعد الوفاة فيعتبر بالتبرع في حال الحياة، لكن قالوا: إنه إن كان على الإنسان دين أو وديعة لزمه الإيصاء بذلك، وأن يكتب بذلك ويشهد عليها، والقياس يأبى جواز الوصية؛ لأنه تمليكٌ مضافٌ إلى حال زوال المالكية، ولو أضيف إلى حال قيامها بأن قال: ملكتك غدًا كان باطلًا، فهذا أولى، إلا أنَّا استحسناه لحاجة الناس إليها، تلافيًا لبعض ما فَرَط منهم في أموالهم، وقد نطق به الكتاب والسنة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٣٢).","vol":"5","page":710},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-790> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٠٧٠ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّته مَكْتُوبَة عِنْده\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٧٣٨، م: ١٦٢٧].\n٣٠٧١ - [٢] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: مَرِضْتُ عَامَ الْفَتْح مَرَضًا أَشْفَيْتُ عَلَى الْمَوْتِ، فَأَتَانِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَعُودُنِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا وَلَيْسَ يَرِثُنِي إِلَّا ابْنَتِي، أَفَأُوصِي بِمَالِي كلِّهِ؟ قَالَ: \"لَا\" قُلْتُ: فَثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: \"لَا\" قُلْتُ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: \"لَا\" قُلْتُ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: \"الثُّلُثَ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، .\nــ\nالفصل الأول\n٣٠٧٠ - [١] (ابن عمر) قوله: (يوصي فيه) صفة لـ (شيء) أي: شيءٌ يصلح لأن يوصي فيه، و(يبيت) صفة ثالثة لـ (امرئ) وقيد (ليلتين) تأكيد لا تحديد، يعني قد سومح في ليلة، ولكن لا ينبغي أن يتجاوز عنه، وقد تمسك بهذا الحديث القائلون بوجوب الوصية، ولا يَتم؛ لأن المراد المبالغة والتأكيد، وأصل المعنى الحزم والاحتياط.\n٣٠٧١ - [٢] (سعد بن أبي وقّاص) قوله: (أشفيت على الموت) أي: أشرفت عليه.\nوقوله: (وليس يرثني) أي: من أصحاب الفرائض أو ممن أخاف عليه الضياع (إلا ابنتي) بقرينة قوله: (أن تذر ورثتك) وكان له -﵁- عصبة كثيرة.\nوقوله: (قال: الثلث) بالنصب على الإغراء أو بتقدير: أعط، أو بالرفع","vol":"5","page":711},{"text":"إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَفَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى اللُّقْمَةَ تَرْفَعُهَا إِلَى فِي امْرَأَتِكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٧٤٢، ٦٧٣٣، م: ١٦٢٨].\nــ\nبتقدير: يكفيك.\nوقوله: (أن تذر) مبتدأ بتأويل المصدر و(خير) خبره، وقيل: يجوز أن يكون (إنْ) شرطية و(خير) جزاؤه بحذف المتبدأ والفاء، لكن قد حكم النحاة بعدم جواز حذف الفاء من الجزاء إذا كان جملة اسمية، ولا التفات إلى قولهم بعد أن صحت الرواية، بل تصير حجة عليهم، وقد جاء في كلامهم أيضًا، وليس ذلك مخصوصًا بضرورة الشعر، بل جاء في السعة على قلة، كذا قيل.\nوقوله: (يتكففون) تكفَّف السائل واستكف: طلب بكفه، كذا في (القاموس) (١)، وفي (النهاية) (٢): استكف وتكفف: مدّ كفه للسؤال، أو سأل كفًّا من الطعام أو ما يكف الجوع، هذا على تقدير أن يموت.\nوقوله: (وإنك لن تنفق) عطف على قوله: (إنك أن تذر) وهو على تقدير أن يعيش.\nوقوله: (حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك) مبالغة في أن ما تبتغي به وجه اللَّه تؤجر به، وإن كان من قبيل الشهوات، وأن المباح إذا قصد به وجه اللَّه تعالى صار طاعة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٨٤).\n(٢) \"النهاية\" (٤/ ١٩٠).","vol":"5","page":712},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-791> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٠٧٢ - [٣] عَن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا مَرِيضٌ فَقَالَ: \"أَوْصَيْتَ؟ \" قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: \"بِكَمْ؟ \" قُلْتُ: بِمَالِي كُلِّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. قَالَ: \"فَمَا تَرَكْتَ لِوَلَدِكَ؟ \" قُلْتُ: هُمْ أَغْنِيَاءُ بِخَيْرٍ. فَقَالَ: \"أَوْصِ بِالْعُشْرِ\" فَمَا زِلْتُ أُنَاقِصُهُ حَتَّى قَالَ: \"أَوْصِ بِالثُّلُثِ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٩٧٥].\n٣٠٧٣ - [٤] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ: \"إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ: \"الْوَلَدُ لِلْفَرَاشِ،\nــ\nالفصل الثاني\n٣٠٧٢ - [٣] (سعد بن أبي وقّاص) قوله: (نعم) أي: نعم أريد أن أوصي، أو نقض رسول اللَّه -ﷺ- وصيته.\nوقوله: (هم أغنياء بخير) أي: ملتبسون بخير، والخير: المال الكثير.\nوقوله: (أناقصه) أي: أَعُدُّ ما ذكره ناقصًا حتى قال (بالثلث)، وقد يروى بالضاد المعجمة من نقض البناء، وبالجملة المراد المراجعة والمرادّة.\n٣٠٧٣ - [٤] (أبو أمامة) قوله: (فلا وصية لوارث) كانت الوصية للأقربين فرضًا قبل نزول آية المواريث؛ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]، فلما نزلت آية المواريث نسخت الوصية.","vol":"5","page":713},{"text":"وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ\". [د: ٢٨٧٠، جه: ٢٧١٣، ت: ٢١٢٠].\n٣٠٧٤ - [٥] وَيُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵄- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْوَرَثَةُ\" مُنْقَطِعٌ، هَذَا لَفْظُ \"الْمَصَابِيحِ\". وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ: قَالَ: \"لَا تَجُوزُ وَصِيَّةٌ لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يَشَاء الْوَرصنَةُ\". [قط: ٤/ ٩٧ - ٩٨].\n٣٠٧٥ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ وَالْمَرْأَةَ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً، ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ، فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ\"،\nــ\nوقوله: (وللعاهر الحجر) أي: الخيبة، فلا حظّ له في نسب الولد كما يقال: له التراب، ويجوز أن يراد به الرجم، وإن كان في بعض الصور، وقد يرجح هذا الاحتمال بقوله: (وحسابهم على اللَّه) أي: نحن نقيم الحد على الزناة، وحسابهم على اللَّه: إن شاء عفا، وإن شاء عاقب، كذا قيل، وجمع الضمير لإرادة الجنس.\n٣٠٧٤ - [٥] (ابن عباس) قوله: (إلا أن يشاء الورثة) أي: يرضون بها لأنهم شركاء.\nوقوله: (منقطع) أي: هذا حديث منقطع، وهو ما سقط من إسناده راو ولم يتصل، وقد سبق في المقدمة.\n٣٠٧٥ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (والمرأة) بالنصب عطف على (الرجل)، أي والمرأة لتعمل.\nوقوله: (فيضارّان) المضارة: إيصال الضرر، والمراد به في الوصية أن لا تمض","vol":"5","page":714},{"text":"ثُمَّ قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٢ - ١٣]. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٢٧٨، ت: ٢١١٧، د: ٢٨٦٧، جه: ٢٧٠٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-792> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٠٧٦ - [٧] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ مَاتَ عَلَى وَصِيَّةٍ مَاتَ عَلَى سَبِيلٍ وَسُنَّةٍ، وَمَاتَ عَلَى تُقًى وَشَهَادةٍ، وَمَاتَ مَغْفُورًا لَهُ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٧٣٤].\nــ\nأو ينقص بعضها أو أن يوصي لغير أهلها كذا قال الطيبي (١)، ونحو ذلك مما يلزم منه الضرر.\nوقوله تعالى: (﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا﴾) بلفظ المجهول، وهو آخر الكلمات الثلاث بقرينة قوله تعالى إلى قوله: (﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾)، فإنه لو كان إحدى الأوليين لم يحتج إلى ذكر قوله: ﴿وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: ١٢ - ١٣] فافهم.\nوقوله: (﴿أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾)، قال البيضاوي (٢): أي: غير مضار لورثته بالزيادة على الثلث، أو قصد المضارة بالوصية دون القربة، والإقرار بدين لا يلزمه، فتدبر.\nالفصل الثالث\n٣٠٧٦ - [٧] (جابر) قوله: (وسنة) عطف تفسيري.\nوقوله: (ومات مغفورًا) إتمام بما هو المقصد.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٢١٤).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٢٠٥).","vol":"5","page":715},{"text":"٣٠٧٧ - [٨] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ الْعَاصَ ابْنَ وَائِلٍ أَوْصَى أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ مِئَةُ رَقَبَةٍ، فَأَعْتَقَ ابْنُهُ هِشَامٌ خَمْسِينَ رَقَبَةً، فَأَرَادَ ابْنُهُ عَمْرٌو أَنْ يُعْتِقَ عَنهُ الْخَمْسِينَ الْبَاقِيَةَ، فَقَالَ: حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبِي أَوْصَى أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ مِئَةُ رَقَبَةٍ، وَإِنَّ هِشَامًا أَعْتَقَ عَنْهُ خَمْسِينَ، وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ خَمْسُونَ رَقَبَةً، أفأَعْتِقُ عَنْهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّهُ لَو كَانَ مُسْلِمًا فَأَعْتَقْتُمْ عَنْهُ أَوْ تَصَدَّقْتَمْ عَنْهُ أَوْ حَجَجْتَمْ عَنْهُ بَلَغَهُ ذَلِكَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٨٨٣].\n٣٠٧٨ - [٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَطَعَ مِيرَاثَ وَارِثهِ، قَطَعَ اللَّهُ مِيرَاثَهُ مِنَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٧٠٣].\n٣٠٧٩ - [١٠] وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" عَنْ أَبِي هُرَيْرَة. [هب: ١٠/ ٣٤٠].\nــ\n٣٠٧٧ - [٨] (عمرو بن شعيب) قوله: (ابنه هشام) هو هشام بن العاص أخو عمرو بن العاص المشهور أنه كان أصغر منه، وكان قديم الإسلام، وكان خيّرًا فاضلًا.\nوقوله: (فأراد اينه) أي: ابن العاص (عمرو) الأخ الكبير لهشام.\nوقوله: (إنه لو كان مسلمًا) دلّ على أن الصدقة لا تنفع الكافر ولا تنجيه، وعلى أن المسلم تنفعه العبادة المالية والبدنية.\n٣٠٧٨، ٣٠٧٩ - [٩، ١٠] (أنس) قوله: (ميراثه من الجنة) قد وقع إطلاق الإرث والتوارث على ما يحصل للمرء من نصيبه في الجنة، ويقال لكل ما حصل مهيأ","vol":"5","page":716},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمن غير تعب.\nتم (كتاب البيوع) بعون اللَّه وتوفيقه ويتلوه (كتاب النكاح) إن شاء اللَّه تعالى.\nتمّ بحمد اللَّه وتوفيقه المجلد الخامس ويتلوه إن شاء اللَّه تعالى المجلد السادس وأوله: (كتاب النكاح).\nوصلى اللَّه تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وبارك وسلم تسليمًا كثيرًا.\n* * *","vol":"5","page":717},{"text":"لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح\nللخطيب التبريزي (ت: ٧٤١ هـ)\nتأليف العلامة المحدث عبد الحق الدهلوي\nعبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدهلوي الحنفي\nالمولود بدهلي في الهند سنة (٩٥٨ هـ) والمتوفى بها سنة (١٠٥٢ هـ) رحمه اللَّه تعالى\nتحقيق وتعليق الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي\nطبع على نفقة سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان\nممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة\nالمجلد السادس\nدار النوادر","vol":"6","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"6","page":2},{"text":"لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح (٦)","vol":"6","page":3},{"text":"دار النوادر\nالمؤسس والمالك نور الدين طالب\nمؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي والإسلامي والدراسات الأكاديمية والجامعية المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية تأسست في دمشق سنة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م، وأُشهرت سنة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م.\nسوريا - دمشق - الحلبوني:\nص. ب: ٣٤٣٠٦\nجميع الحقوق محفوظة للمحقق\nيمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بكافة طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي أو المسموع أو استخدامه حاسوبيًا بكافة أنواع الاستخدام وغير ذلك من الحقوق الفكرية والمادية إلا بإذن خطي من المؤسسة.\nالطبعة الأولى\n١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م\nE-mail: info@daralnawader.com\nWebsite: www.daralnawader.com\nشركات شقيقة\nدار النوادر اللبنانية - لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)\nدار النوادر الكويتية - الكويت - ص. ب: ١٠٠٨ - هاتف: ٢٢٤٥٣٢٣٢ - فاكس: ٢٢٤٥٣٣٢٣ (٠٠٩٦٥)\nدار النوادر التونسية - تونس - ص. ب: ١٠٦ (أريانة) - هاتف: ٧٠٧٢٥٥٤٦ - فاكس: ٧٠٧٢٥٥٤٧ (٠٠٢١٦)\nمركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية\nمظفرفور - أعظم جراه - يوبي - الهند\nالهاتف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤ - ٠٠٩١\nالفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦ - ٠٠٩١\nمتحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥ - ٠٠٩١\nالبريد الإلكتروني: drnadwi@gmail.com","vol":"6","page":4},{"text":"(١٣) كتاب النكاح","vol":"6","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-793>(١٣) كتاب النكاح</span>\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n١٣ - كتاب النكاح\nالمشهور عند علمائنا أن النكاح في اللغة الضم، ثم استعمل في الوطء لوجود الضم فيه، ثم في العقد لأنه سببه، كذا في شروح (الهداية)، وظاهر كلام الجوهري (١)، وصاحب (القاموس) (٢): كونُه مشتركًا بين الوطء والعقد، من باب منع وضرب.\nوفي (شرح كتاب الخرقي) (٣): النكاح في كلام العرب: الوطءُ، قاله الأزهري، ويسمى التزويج نكاحًا لأنه سبب الوطء، قال أبو عمرو: والذي حصلناه عن ثعلب من الكوفيين، والمبرد من البصريين: أن النكاح في اللغة هو اسم للجمع بين الشيئين، قال الشاعر:\nأيها المُنكِحُ الثُّريَّا سُهَيلًا ... عَمرَكَ اللَّهُ كيف يجتمِعَانِ\nوقال الجوهري (٤): النكاح الوطء، وقد يكونُ العقد، وعن الزجاج: النكاح في كلام العرب بمعنى الوطء والعقد جميعًا، وقال ابن جني عن شيخه: فرقت العرب\n_________\n(١) \"الصحاح في اللغة\" (١/ ٤١٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٣٧).\n(٣) \"شرح الزركشي على الخرقي\" (٥/ ٢ - ٣).\n(٤) \"الصحاح في اللغة\" (١/ ٤١٣).","vol":"6","page":7},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفرقًا لطيفًا يعرف به العقد من الوطء، فإذا قالوا: نكح فلانة أو ابنة فلان أرادوا تزوجها، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته لم يرد إلا المجامعة.\nقلت: وظاهر هذا الاشتراكُ كالذي قبله، وأن القرينة تعيِّنُ.\nوأما في الشرع فقيل: العقد، وبقيد الإطلاق ينصرف إليه، اختار [هـ] ابن عقيل وابن البناء وأبو محمد، والقاضي في (التعليق) في كون المحرم لا ينكح لما قيل له: إن النكاح حقيقة في الوطء، قال: إن كان في اللغة حقيقة في الوطء، فهو في عرف الشرع للعقد، وذلك لأنه الأشهر في الكتاب والسنة، ولهذا ليس في الكتاب لفظ النكاح بمعنى الوطء إلا في قوله: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] على المشهور، ولصحة نفيه عن الوطء، فيقال: هذا سِفاح وليس بنكاح، وصحةُ النفي دليلُ المجاز، وقال القاضي في (المجرد): الأشبه بأصلنا أنه حقيقة في العقد والوطء جميعًا، وذلك لورودهما في الكتاب العزيز، والأصل في الإطلاق الحقيقة، وقال القاضي في (العدة) وأبو الخطاب وأبو يعلى: هو حقيقة في الوطء مجاز في العقد، وذلك كما تقدم عن الأزهري، والأصل عدم النقل، انتهى.\nثم النكاح عندنا سنة، وعند التوقان واجب إن وجد المؤنة، وكذا عند أحمد في رواية، وفي أخرى: واجب إذا خاف الزنا، ويُسنُّ عند التوقان، وفي رواية عنه: يباح عند عدم التوقان لكبر أو مرض أو غير ذلك، وفي أخرى: يستحب، وحيث قيل بالوجوب هل يندفع بالتسري؟ فيه وجهان، هذا عند أحمد، وعند الشافعي يستحب عند وجود التوقان والمؤن، ويكره عند عدمهما بالاتفاق في الأحوال كلها، ثم النكاح أفضل عندنا من التخلي للعبادة خلافًا للأئمة، والخلاف إنما يكون في غير صورة الوجوب.","vol":"6","page":8},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-794> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٠٨٠ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ\". . . . . . .\nــ\nالفصل الأول\n٣٠٨٠ - [١] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (يا معشر الشباب) المعشر: الجماعة، والشباب على وزن سَحَاب جمع شابٍّ، ولا يجمع فاعِلٌ على فَعَالٍ غيره، وقد يجمع على شُبَّان بضم الشين وتشديد الباء، والمشهور أن حدَّ الشباب إلى أربعين، وعند الشافعي إلى ثلاثين.\nو(الباءة) بالمد والتاء على وزن باعَة بمعنى الجِماع، وفيه أربع لغات، أحدها هذا المذكور، وثانيها: باء بالمد بلا تاء، وثالثها: باهة بالهاء والتاء بلا مد، وباه مقصورًا بالهاء بلا تاء، قال الطيبي (١): الأول هو الأشهر، وقال في (القاموس) (٢): الباه كالجاه: النكاح، وقد يطلق على عقد النكاح أيضًا من المَبَاءة بمعنى المنزل؛ لأن من تزوج امرأة بوَّأَها منزلًا، والمراد في الحديث هذا المعنى الثاني بقرينة قوله: (ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)، اللهم إلا أن يقدر المضاف، أي: أسبابَ الباءة بأنه يرجع إلى معنى عقد النكاح.\nو(الوجاء) بكسر الواو ممدودًا: رَضُّ (٣) الأنثيين، أي: الصومُ قاطعٌ لشهوة\n_________\n(١) شرح الطيبي\" (٦/ ٢١٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (٣/ ٣٧٧).\n(٣) كذا في (ع) و(ت) و(ب) و(ر)، وفي (ك): \"دَقُّ\" بدل \"رَضّ\".","vol":"6","page":9},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٦٦، م: ١٤٠٠].\n٣٠٨١ - [٢] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٧٣، م: ١٤٠٢].\n٣٠٨٢ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا. . . . .\nــ\nالنكاح كالوجاء.\nوقوله: (فعليه بالصوم) قيل: لم يوجد إغراء الغائب إلا في هذا الحديث، فإنه يقال: عليك بزيد، ولا يقال: عليه بزيد، واللَّه أعلم.\n٣٠٨١ - [٢] (سعد بن أبي وقّاص) قوله: (التبتل) أي: الانفراد والاعتزال عن النساء بترك النكاح، وهو في الأصل بمعنى الانقطاع، بتَلَه يَبتلُه من نصر وضرب بمعنى قطعه، والبتول المنقطعة عن الرجال كالبَتِيل، وهو اسم لمريم بنت عمران العذراء لانقطاعها عن الرجال، ويقال لفاطمة بنت سيد المرسلين وخاتم النبيين وسيدة نساء العالمين لانقطاعها عن نساء الأمة فضلًا ودينًا وحسنًا، ولانقطاعها عن الدنيا إلى اللَّه ﷿.\nوقوله: (ولو أذن له) أي لعثمان بن مظعون في التبتُّل (لاختصينا) أي: بالغنا في التبتل حتى كدنا اختصينا، وهو مبالغة في التبتل والانقطاع عن النساء، أو كان ذلك ظنًا منهم جواز الاختصاء إذ ذاك، والاختصاء جائز في المأكول من الحيوان في صغره.\n٣٠٨٢ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (تنكح المرأة) على ما هو الغالب المتعارف.\nوقوله: (ولحسبها) الحَسَبُ: ما يعدُّه الرجل من مآثره ومآثر آبائه، والمراد","vol":"6","page":10},{"text":"وَلجَمَالِهَا وَلدِينهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٩٠، م: ١٤٦٦].\n٣٠٨٣ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الدُّنْيَا كلُّهَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٦٧].\n٣٠٨٤ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإبِلَ صَالِحُ نسَاءِ قُرَيْشٍ، أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرِهِ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ. . . . .\nــ\nبالحسب هنا هو الفعال الحسن، كذا في (مجمع البحار) (١)، والظاهر أن المراد أعم.\nوقوله: (تربت يداك) أصل معناه: الدعاء بالذلِّ والهلاك، ويراد في العرف الإنكار والتعجب والحثُّ على الأمر.\n٣٠٨٣ - [٤] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (الدنيا كلها متاع) هو اسم لما يُتمتَّعُ ويُنتفَعُ به، والمراد تقليلها وتحقيرها.\n٣٠٨٤ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (خير نساء ركبن الإبل) أي: نساء العرب.\nوقوله: (أحناه) أي: أشفَقُه، وتذكير الضمير بتأويل هذا الصنف، أو من يركب الإبل، وإلا فالظاهر أحناهنَّ.\nوقوله: (على ولد) أيَّ ولدٍ كان، وإن كان ولدَ زوجِها من غيرها، وهذا معنى التنكير، كذا قال الطيبي (٢)، فعلى هذا التنكيرُ فِي (زوج) للمشاكلة، (وأرعاه) أي:\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٤٩١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٢٢١).","vol":"6","page":11},{"text":"فِي ذَاتِ يَدِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٨٢، م: ٢٥٢٧].\n٣٠٨٥ - [٦] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِن النِّسَاءِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٩٦، م: ٢٧٤٠].\n٣٠٨٦ - [٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٤٢].\nــ\nأحفَظُه، و(في ذات يده) أي: مال الزوج.\n٣٠٨٥ - [٦] (أسامة بن زيد) قوله: (أضرّ على الرجال) وذلك عند كونهن فاسداتٍ غيرَ مطيعة للرجال، فذلك متضمِّنٌ لضر الدنيا والآخرة، وهذا إذا حمل الرجال والنساء على الأزواج كما هو المناسب للباب، وإن حملت على الأعم فمعناه التحذير عن فتنة النساء.\n٣٠٨٦ - [٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (حلوة) مطيبة في نفوسكم، (خضرة) مزينة في عيونكم.\nوقوله: (إن اللَّه مستخلفكم) أي: جاعلكم خلفاء بعد قوم، أو بعد الجن على ما فُسِّرَ به قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠].\nوقوله: (فإن أول فتنة بني إسرائيل) إشارة إلى قصة الأمر بذبح البقرة، فإنها كانت من جهة أن رجلًا منهم خطب إلى عمِّه ابنتَه فلم يزوِّجها منه، فقتله لذلك. . . إلى آخر القصة.","vol":"6","page":12},{"text":"٣٠٨٧ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الشُّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالْفَرَسِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٩٣، م: ٢٢٢٥].\nوَفِي رِوَايَةٍ: \"الشُّؤْمُ فِي ثَلَاثَةٍ: فِي الْمَرْأَةِ والْمَسْكَنِ وَالدَّابَّةِ\".\n٣٠٨٨ - [٩] وَعَنْ جَابِرٍ: قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي غَزْوَةٍ، فَلَمَّا قَفَلْنَا كنَّا قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ قَالَ: \"تَزَوَّجْتَ؟ \" قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: \"أَبِكْرٌ أم ثَيِّبٌ؟ \" قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبٌ قَالَ: \"فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ\". . . . .\nــ\n٣٠٨٧ - [٨] (ابن عمر) قوله: (الشؤم) ضد اليُمْنِ، وأصله بالهمزة فخففت، قيل: الشؤمُ بمعنى الطِّيَرة باطلٌ، وإثباتها في هذه الأشياء الثلاثة على سبيل الفرض والتقدير، أي: لو كانت الطيرة لكانت في هذه الأشياء، وقيل: يمكن أن يخصها اللَّه تعالى بذلك من بين الأشياء، وقيل: شؤم المرأة أن لا تلِدَ وتكون سيئة الخُلق، وشؤم الدار ضيقُها وسوءُ جيرانها، وشؤم الفرس سوء خلقه وأن لا يغزى عليه، وبالجملة المراد بالشؤم عدم التضمُّن للمصالح المطلوبة، وخُصَّ هذه الأشياء الثلاثة بالذكر لأنها أهم الأشياء المطلوبة منافعها وصلاحها، واللَّه أعلم.\n٣٠٨٨ - [٩] (جابر) قوله: (فلما قفلنا) أي: رجعنا، والقافلة بمعنى الراجعة، وإنما سميت بها قبل الرجوع باعتبار ما يَؤُولُ تفاؤلًا.\nوقوله: (حديث عهد بعرس) بالضم وبضمتين بمعنى طعام الوليمة، ومنه حديث: (كان إذا دُعِيَ إلى طعام قال: أفي عرس أم خرس؟) يريد طعام الوليمة يسمى باسم سببه، أو بمعنى النكاح، وهو اسم مِنْ أعرس، وهو المراد هنا.\nوقوله: (هلا بكرًا) أي: هلا تزوجت بكرًا، (تلاعبها وتلاعبك) كناية عن الألفة","vol":"6","page":13},{"text":"فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ فَقَالَ: \"أَمْهِلُوا حَتَّى نَدْخُلَ لَيْلًا أَيْ عِشَاءً لكَي تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ وَتَسْتَحِدَّ الْمُغِيْبَةُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٤٧، م: ١٤٦٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-795> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٠٨٩ - [١٠] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: الْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ، وَالْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه. [ت: ١٦٥٥، ن: ٣٢١٨، جه: ٢٥١٨].\nــ\nالتامة والمحبة الكاملة، فإن الثيِّبَ قد تكون متعلقة الخاطر بالزوج الأول عند عدم وجدان الثاني كما تريد.\nوقوله: (لكي تمتشط) أي تهيَّأَ وتزيَّنَ، (الشعثة) بفتح الشين وكسر العين: المنتشرة الشعرِ، (وتستحد المغيبة) بضم الميم من أَغابَت: إذا غاب عنها زوجُها، والاستحداد: استعمال الحديد، والمراد هنا نتف شعر عانتها وإبطها، والنساء لا يستعملن الحديدة عادةً ولا يحسنُ بهنَّ، وذكر بلفظ الاستحداد استهجانًا وكنايةً عن طول شعرها.\nوقوله: (حتى ندخل ليلًا) لعله كان بعد إعلام ولَبْث، وإلا فدخولُ القادم ليلًا منهيٌّ عنه، وقيل: المراد بالليل العشية، وكتب في بعض النسخ في (الهامش): بعلامة صح بعد قوله: (ليلًا أي: عشاءً) وهو تفسير من الراوي.\nالفصل الثاني\n٣٠٨٩ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (حق على اللَّه) أي: بفضله (عونهم) فيعين المكاتب بإيصال مالٍ يؤدي منه بدل الكتابة، ويعين الناكح بما يجعله مهرًا، والمجاهدَ","vol":"6","page":14},{"text":"٣٠٩٠ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِنْ لَا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتَنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٠٨٤].\n٣٠٩١ - [١٢] وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٠٥٠، ن: ٣٢٢٧].\n٣٥٩٢ - [١٣] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَالِم بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عُوَيْم بْنِ سَاعِدَةَ الأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عَلَيْكُمْ بِالأَبْكَارِ؛ . . . . .\nــ\nبما ييسِّر له الجهاد من الأسباب والآلات.\n٣٠٩٠ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (إن لا تفعلوا) أي: إن لم تُزوِّجوا مَن هذه صفته، ورغبتُم في مجرد الحسب والمال تكن فتنة في الأرض وفساد؛ لأن المال والحسب يوجبان الطغيان والفساد، أو لبقي أكثر النساء بلا زوج، والرجال بلا زوجة، فيكثر الزنا وتقع الفتنة، وهذا أوجه.\n٣٠٩١ - [١٢] (معقل بن يسار) قوله: (وعن معقل) بكسر القاف.\nوقوله: (تزوجوا الودود الولود) فإن قلت: كيف تعرف هاتان الصفتان في الأبكار؟ قلنا: يعرف من أقاربهن؛ لأن الغالب سراية طباع الأقارب من بعضهن إلى بعض.\n٣٠٩٢ - [١٣] (عبد الرحمن بن سالم) قوله: (ابن عويم) بعين مهملة وواوٍ مصغرًا.","vol":"6","page":15},{"text":"فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا، وَأَنْتَقُ أَرْحَامًا، وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه مُرْسَلًا. [جه: ١٨٦١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-796> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٠٩٣ - [١٤] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَمْ تَرَ لِلْمُتَحَابَّينِ مِثْلَ النِّكَاحِ\".\nــ\nوقوله: (أعذب أفواهًا) العذب: الماء الطيب، فالمراد عذوبة الريق، وقيل: عذوبة الألفاظ وقلة بذائها وفحشها مع زوجها، (وأنتق أرحامًا) في (القاموس) (١): نتقه: زعزَعَه ونفَضَه، والغربَ من البئر: جذبه، والمرأةُ: كثر ولدُها، فهي ناتق ومنتاق، وفي (مجمع البحار) (٢): النتق: الرمي والنفض والحركة والرفع، وامرأة ناتق، أي: كثيرة الأولاد لأنها ترميهم، وجاء في الحديث: (الكعبة أقل نتائق الدنيا مَدَرًا)، هي جمع نَتِيقة بمعنى منتوقة من النتق، وهو أن يقلع الشيء فيرفعه من مكانه ليرمي به، وأراد هنا البلاد لرفع بنائها وشهرتها في موضعها.\nوقوله: (أرضى باليسير) من الإرفاق من المال والجماع ونحوهما.\nالفصل الثالث\n٣٠٩٣ - [١٤] (ابن عباس) قوله: (لم تر للمتحابين مثل النكاح) لم تر خطاب عام، أي: يزيد وُصْلَةُ النكاح المحبةَ بين المتحابين، وكثيرًا ما يكون بين قوم تباغض، فإذا حصلت وُصْلَةُ النكاح تحابوا، فلا جرم إذا كانت المحبة ثابتةً زادت\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٥٢).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٦٧٣ - ٦٧٤).","vol":"6","page":16},{"text":"٣٠٩٤ - [١٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ طَاهِرًا مُطَهَّرًا فَلْيَتَزَوَّجِ الْحَرَائِرَ\".\n٣٠٩٥ - [١٦] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ يَقُولُ: \"مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وإِن أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ\". رَوَىَ ابْنُ مَاجَه الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ. [جه: ١٨٤٧، ١٨٦٢، ١٨٥٧].\n٣٠٩٦ - [١٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ نِصْفَ الدِّينِ،\nــ\nبها، وقيل: إذا أحبَّ رجل امرأةً وعشقها، فالتعشق ألذُّ وأزيد في الألفة والالتئام، ويمكن أن يراد القاصدين للتحابب، فتزوُّجُه إياها يورث ازدياد المحبة، فالنكاح بعد المحبة أيضًا.\n٣٠٩٤ - [١٥] (أنس) قوله: (من أراد أن يلقى اللَّه طاهرًا مطهرًا فليتزوج الحرائر) لكونهن طاهراتِ مطهَّراتٍ بالنسبة إلى الإماء، فلا بدّ يسري ذلك من صحبتهن ومخالطتهن إلى الأزواج، ولا يذهب عليك أنه قد ثبت في جانب بعض الإماء أيضًا منافع وفوائد، ومن ذلك ما قيل: إن ولد الجارية أنجب، فلو أريد الحرية المعنوية وهي نجابة الصفات لكان له وجه، فتدبر، واللَّه أعلم.\n٣٠٩٥ - [١٦] (أبو أمامة) قوله: (إن أمرها أطاعته. . . إلخ) تفسيرٌ للصلاح إن أريد صلوح الزوجية وما يحصِّلُ صلاح أمر المعيشة وانتظامه، وتفصيلٌ لفوائده وثمراته إن أريد به العفة والتقوى والتحلي بالأعمال الصالحة.\n٣٠٩٦ - [١٧] (أنس) قوله: (فقد استكمل) جواب للشرط.","vol":"6","page":17},{"text":"فَلْيَتَّقِ اللَّهَ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي\".\n٣٠٩٧ - [١٨] وَعَن عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِنَّ أَعْظَمَ النِّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مُؤْنَةً\". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٥١٠٠، ٦١٤٦].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-797>١ - باب النظر إلى المخطوبة وبيان العورات</span>\nــ\nوقوله: (فليتق اللَّه) عطف عليه، وإنما جعل التزوج نصفًا لأن الغالب في إفساد الدين الفرج والبطن.\n٣٠٩٧ - [١٨] (عائشة) قوله: (إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤنة) حاصله أن أحسن الزوجة أرضى باليسير.\n١ - باب النظر إلى المخطوبة وبيان العورات\nالمخطوبة من الخِطبة بالكسر، وهو أن يخاطب الرجل المرأة وأولياءها بتزوُّجه إياها، وأصله من الخطاب بمعنى توجيه الكلام إلى الغير، ومنه الخطبة بالضم لكلام منثور مسجَّع، كذا في (القاموس) (١)، وفاعله الخطيب، وفاعل الخطبة بالكسر الخاطب، والمرأة مخطوبة.\nويجوز النظر إلى المرأة التي يريد أن يتزوجها عندنا وعند الشافعي وأحمد وأكثر العلماء، وجوز مالك بإذنها، وروي عنه المنع مطلقًا، ولو بعث امرأة تصفها له لكان\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٨).","vol":"6","page":18},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-798> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٠٩٨ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَ: \"فَانْظُرْ إِلَيْهَا؛ فَإِنَّ فِي أَعْيُنِ الأَنْصَارِ شَيْئًا\". . . . .\nــ\nأدخل في الخروج عن الخلاف.\nوالعورة: سوءَة الإنسان، وكل أمر يُستحيى منه ويلحق العار بإظهاره، والعوراء: الكلمة أو الفعلة القبيحة.\nالفصل الأول\n٣٠٩٨ - [١] (أبو هريرة) قوله: (إني تزوجت) أي: أردت التزوَّجَ وخطبت.\nوقوله: (فإن في أعين الأنصار شيئًا) قيل: الزرقة، وقيل: الصفرة، قال الطيبي (١): وإنما عرف رسول اللَّه -ﷺ- ذلك إما لأنه رأى في أعين رجالهم فقاس بهم النساء، وقيل: لتحدُّثِ الناس به، انتهى. أقول: الأول هو الظاهر من لفظ الحديث، ثم إنه قد ثبت أنه -ﷺ- كالأب بالنسبة إلى أمته، بل كل رسول أبو أمته، فيتوهم منه أنه لا حاجة إلى التوجيه المذكور، فإنه يجوز أن ينظر الأب إلى بناته وأعينهن، ولكنهم صرحوا بأن الأبوة هنا من حيث إنه شفيق ناصح لهم واجبُ التوقيرِ والطاعة عليهم، صرح به البيضاوي (٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] الآية، ولم نجد ذلك فيما ذكره بعض الأئمة من خصائصه -ﷺ-، وقد ذكروا لتوجيه\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٢٣١).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٢٣٣).","vol":"6","page":19},{"text":"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٢٤].\n٣٠٩٩ - [٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتُهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْه (١). [خ: ٥٢٤٠].\n٣١٠٠ - [٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ،\nــ\nخلوته -ﷺ- ببعض النساء أنها كانت خالته رضاعًا، وقد ذكرناه في موضعه، فتدبر.\n٣٠٩٩ - [٢] (ابن مسعود) قوله: (لا تباشر المرأة المرأة) نفي في معنى النهي، وأصل المباشرة بمعنى لمس البشرة، وهي ظاهر جلد الإنسان، ولعل الظاهر أن المراد هنا المخالطة والمصاحبة.\nوقوله: (فتنعتها) عطف على (تباشر)، والفاء للسببية، مثل قولك: الذي يطيرُ فيغضَبُ زيدٌ الذبابُ، والنفي مُنَصَّبٌ عليهما، فيكون المنفي مجموعَهما، وفي الحقيقة النفي راجع إلى النعت.\n٣١٠٠ - [٣] (أبو سعيد) قوله: (لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة) لما كان هذان القسمان محلَّ أن يُتوهَّمَ جوازُهما والمسامحةُ فِيهما خَصَّهما بالذكر، فنظر الرجل إلى عورة المرأة ونظر المرأة إلى عورة الرجل أشدّ وأغلظ وأقرب إلى الحرمة؛ فلهذا لم يتعرض لذكرهما، وعورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته، وكذا عورة المرأة في حق المرأة، وأما في حق الرجل فكلها إلا الوجه والكفين، ولذلك سميت المرأة عورة، والأصح أن الأمرد الصبيح حكمه حكم النساء، والنظر\n_________\n(١) كذا في نسخ \"المشكاة\"، ولكن الحديث غير موجود عند مسلم، ولم يعزه المزي إلى مسلم في \"تحفة الأشراف\".","vol":"6","page":20},{"text":"وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلَا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٣٨].\n٣١٠١ - [٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلَا لَا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا أَو ذَا مَحْرَمٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٧١].\n٣١٠٢ - [٥] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ\" فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: . . . . .\nــ\nإلى المرأة الأجنبية حرام بشهوة أو بغير شهوة، وقيل: مكروه إن كان بغير شهوة، ويفهم من بعض الروايات أن حرمة النظر إلى الغلام مشروطة بالشهوة، وقد عرف تفصيل هذه المسائل في الفقه.\nوقوله: (ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد) أي: لا يضطجعان في ثوب واحد متجردين.\n٣١٠١ - [١٤] (جابر) قوله: (عند امرأة ثيب) خص الثيب بالذكر لأن البكر تكون أغَضَّ وأخوفَ على نفسها، وقيل: المراد بالثيب مَن لا زوج لها، والأظهر أن يكون المراد بها الشابة.\nوقوله: (أو ذا محرم) هو كلُّ مَن حرم عليه نكاحُها على التأبيد.\n٣١٠٢ - [٥] (عقبة بن عامر) قوله: (أريت الحمو) (١) بسكون الميم بهمزة، وجاء حَمًا كعَصًا، وحَمُو كأبو، وحَمٌ كأبٍ، وهو اسم لأقارب المرأة من جانب الزوج،\n_________\n(١) هو بفتح الحاء وكسرها وسكون الميم واحد الأحماء. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٢٠٥١).","vol":"6","page":21},{"text":"\"الْحَمْوُ الْمَوْتُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٣٢، م: ٢١٧٢].\n٣١٠٣ - [٦] وَعَن جَابِرٍ: أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ اسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْحِجَامَةِ، فَأَمَرَ أَبَا طَيْبَةَ أَنْ يَحْجُمَهَا. قَالَ: حَسِبْتُ أَنَّهُ كَانَ أَخَاهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ أَو غُلَامًا لم يَحْتَلِم. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٠٦].\n٣١٠٤ - [٧] وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ، فَأَمرنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٥٩].\nــ\nوالمراد هنا غير آبائه وأبنائه إلا أن يحمل على المبالغة والتشديد.\nوقوله: (الحمو الموت) هذه كلمة تقولها العرب للتشبيه في الشدة والفظاعة، فيقال: الأسدُ الموتُ، والسلطانُ النارُ، والمراد تحذير المرأة منهم، كما يحذر من الموت؛ لأن الخوف من الأقارب أكثر، والفتنة منهم أوقَعُ لتمكنهم من الوصول والخلوة من غير نكير.\n٣١٠٣ - [٦] (جابر) قوله: (فأمر أبا طيبة) بفتح الطاء وسكون الياء.\nوقوله: (حسبت) هذا قول جابر، أي: إنما أمر أبا طيبة أن يحجُمَها -بضم الجيم من نصر- لأنه كان أخا أمِّ سلمة من الرضاعة، أو كان صغيرًا لم يصلْ حدَّ البلوغ، وقيل: يجوز للمعالجة كالطبيب.\n٣١٠٤ - [٧] (جرير بن عبد اللَّه) قوله: (عن نظر الفجاءة) بضم الفاء وفتح الجيم ممدودًا، وبفتح الفاء وسكون الجيم وفتح الهمزة من غير ألف قبلها على وزن حمزة.\nوقوله: (أن أصرف بصري) أي: بأن لا أُتبِعَه بنظرة أخرى، ولا أديم النظر.","vol":"6","page":22},{"text":"٣١٠٥ - [٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْمَرْأَةَ تُقْبِلُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، وَتُدْبِرُ فِي صُورَةِ شَيْطَانٍ، إِذَا أَحَدُكُمْ أَعْجَبَتْهُ الْمَرْأَةُ فَوَقَعَتْ فِي قَلْبِهِ فَلْيَعْمِدْ إِلَى امْرَأَتِهِ فَلْيُوَاقِعْهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِي نفسِهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٠٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-799> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣١٠٦ - [٩] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيفْعَلْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٠٨٢].\nــ\n٣١٠٥ - [٨] (جابر) قوله: (في صورة شيطان) من الاستعارة التجريدية، نحو رأيتُ فِيكَ أسدًا، والمقصد تشبيهها بالشيطان في الدعاء إلى الشر والوسوسة.\nالفصل الثاني\n٣١٠٦ - [٩] (جابر) قوله: (فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل) الظاهر من العبارة أن يراد بما يدعو إلى النكاح جميعُ المعاني التي تكون داعيًا (١) إلى النكاح من المال أو الحسب أو الجمال أو الدين، فإن تحقيق ذلك والنظر إليه قبل التزوج يحفظ عن الندامة بعد التزوج لعدم حصول الداعي، وقد لا يفيد، وهذا لا ينافي أفضلية رعاية الدين وأولويتها، فيكون النظر بمعنى الفكر والتأمل، لكن الظاهر حينئذ إيراد كلمة (في) مكان (إلى)، ويجوز أن يحمل الداعي على كسر الشهوة وغضّ البصر عن الحرام؛ فإنه الداعي إلى النكاح في الغالب، وهو يحصل\n_________\n(١) كذا في النسخ المخطوطة، والظاهر: \"داعية\".","vol":"6","page":23},{"text":"٣١٠٧ - [١٠] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: خَطَبْتُ امْرَأَةً فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَلْ نَظَرْتَ إِلَيْهَا؟ \" قُلْتُ: لَا قَالَ: \"فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٤/ ٢٤٦، ت: ١٠٨٧، ن: ٣٢٣٥، جه: ١٨٦٥، دي: ٢/ ١٣٤].\n٣١٠٨ - [١١] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- امْرَأَةً فَأَعْجَبَتْهُ، فَأَتَى سَوْدَةَ وَهِيَ تَصْنَعُ طِيبًا وَعِنْدَهَا نِسَاءٌ، فَأَخْلَيْنَهُ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ قَالَ: \"أَيُّمَا رَجُلٍ رَأَى امْرَأَةً تُعْجِبُهُ فَلْيَقُمْ إِلَى أَهْلِهِ، فَإِنَّ مَعَهَا مِثْلَ الَّذِي مَعهَا\". رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ٢/ ١٤٦].\nــ\nبالجمال، فيكون المراد النظر بمعنى الإبصار، ولا ينافي النهيَ عن رعاية الجمال؛ لأن ذلك إذا كان المرعيُّ الجمالَ فقط ولو مع الفساد في الدين، فافهم. والظاهر من الأحاديث الواردة استحبابُ النظر إلى المخطوبة وتحقيق ذلك، ولو ببعث من ينعتها له.\n٣١٠٧ - [١٠] (المغيرة بن شعبة) قوله: (أن يؤدم بينكما) أي: يُوقَعَ الأدمُ، فهو مسند إلى المصدر، والأدم: الخلطة والموافقة، وأَدَمَ بينهم يَأْدِمُ: لأَمَ، كآدَمَ، فَعَلَ وأَفعَلَ بمعنًى، ومنه الإدامُ: المُصلحِ للطعام.\n٣١٠٨ - [١١] (ابن مسعود) قوله: (فأعجبته) بمقتضى الطبيعة، وذلك كالنظرة الأولى التي لا بأس فيها، وقد يُعدّ من خصائصه -ﷺ- وجوب طلاق مرغوبته على الزوج (١)، فله -ﷺ- شأن ليس لغيره من الأمة، وقد صار ذلك سببًا لحكم شرعي كالسهو في الصلاة، وإنما فعله -ﷺ- وأكده بالقول تعليمًا وتشريعًا، فافهم، وباللَّه التوفيق.\n_________\n(١) انظر: \"حدائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النبي المختار\" (ص: ٣٢٠).","vol":"6","page":24},{"text":"٣١٠٩ - [١٢] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١١٧٣].\n٣١١٠ - [١٣] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِعَلِيِّ: \"يَا عَلِيُّ! لَا تُتْبعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ والدَّارِمِيُّ. [حم: ٥/ ٣٥٣، ت: ٢٧٧٧، د: ٢١٤٩، دي: ٢/ ٢٩٨].\n٣١١١ - [١٤] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ أَمَتَهُ فَلَا يَنْظُرَنَّ إِلَى عَوْرَتِهَا\"، وَفِي رِوَايَةٍ: \"فَلَا يَنْظُرَنَّ إِلَى مَا دُونَ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١١٣].\nــ\n٣١٠٩ - [١٢] (ابن مسعود) قوله: (المرأة عورة) فمن حقها أن تستتر وتحتجب.\nوقوله: (استشرفها الشيطان)، في (القاموس) (١): استشرف الشيءَ: رفع بصوه إليه وبسط كفه فوق حاجبه، والمراد نظر الشيطان إليها ليُغويَها ويُغويَ بها، أو المراد استشرف أهلَ الرِّيبة إليها، والإسناد إلى الشيطان لكونه الباعثَ على ذلك.\n٣١١٠ - [١٣] (بريدة) قوله: (فإن لك الأولى) كأنَّ المراد بكونها له عدمُ كونها عليه، أو التقدير جائزة لك، وذلك أيضًا إذا كانت فجاءة من غير قصد إلا لقصد الخِطبة.\n٣١١١ - [١٤] (عمرو بن شعيب) قوله: (فلا ينظرن إلى عورتها) يعني تصير\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (٢/ ٣٩٦).","vol":"6","page":25},{"text":"٣١١٢ - [١٥] وَعَنْ جَرْهَدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ؟ \". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٧٩٥، د: ٤٥١٤].\n٣١١٣ - [١٦] وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لَهُ: \"يَا عَلِيُّ! لَا تُبْرِزْ فَخِذَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إِلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلَا مَيِّتٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَه. [د: ٣١٤٠، جه: ١٤٦٠].\n٣١١٤ - [١٧] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى مَعْمَرٍ وَفَخِذَاهُ مَكْشُوفَتَانِ قَالَ: \"يَا مَعْمَرُ غَطِّ فَخِذَيْكَ فَإِنَّ الفخذين عَورَةٌ\". . . . .\nــ\nكأمة أجنبية، وعورة الأمة الأجنبية من السرة إلى الركبة كالرجل.\n٣١١٢ - [١٥] (جرهد) قوله: (جرهد) بفتح الجيم وضمها.\nوقوله: (أما علمت أن الفخد عورة؟) في (أسد الغابة) (١): مرّ النبي -ﷺ- بجرهد في المسجد، وقد انكشفت فخذه فقال: (إن الفخذ عورة)، وفي هذا حجةٌ على مالك في قوله: إن الفخذ ليست بعورة.\n٣١١٣ - [١٦] (علي) قوله: (ولا ميت) دل على أن الحي والميت سواء في حكم العورة.\n٣١١٤ - [١٧] (محمد بن جحش) قوله: (على معمر) بفتح الميم وسكون العين.\nوفي قوله: (يا معمر) بتقديم النداء باسمه على الأمر بالتغطية، ثم التعليلُ بقوله: (فإن الفخدين عورة) بوضع المظهر موقع المضمر تأكيدٌ وتقرير لهذا الحكم.\n_________\n(١) \"أسد الغابة\" (١/ ١٧٥)، وأخرجه الترمذي أيضًا (٣٧٩٥).","vol":"6","page":26},{"text":"رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٢٢٥١].\n٣١١٥ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّيَ؛ فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لَا يُفَارِقُكُمْ إِلَّا عِنْدَ الْغَائِطِ وَحِينَ يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى أَهْلِهِ، فَاسْتَحْيُوهُمْ وَأَكْرِمُوهُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٨٠٠].\n٣١١٦ - [١٩] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَمَيْمُونَةَ إِذْ أَقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"احْتَجبَا مِنْهُ\" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَيْسَ هُوَ أَعْمَى لَا يُبْصِرُنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا؟ أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ؟ \". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبو دَاوُدَ. [حم: ٢٩٦، د: ٤١١٢، ت: ٢٧٧٨].\nــ\n٣١١٥ - [١٨] (ابن عمر) قوله: (فإن معكم من لا يفارقكم) من الكرام الكاتبين والحفظة من الملائكة، ودل الحديث على أنهم يفارقونهم عند الغائط، وعند إفضاء الرجل إلى أهله، وقيل: المراد الحفظة فقط، فإن الكاتبين لا يفارقان المرء بحال.\n٣١١٦ - [١٩] (أم سلمة) قوله: (وميمونة) الأظهر أنها منصوبة عطفًا على اسم (أنَّ)، ويجوز رفعه بالعطف على ضمير (كانت)، أو على اسم (أنَّ) بعد مضي الخبر، وجره بالعطف على (رسول اللَّه -ﷺ-).\nوقوله: (أفعمياوان) تثنية عمياء، مؤنث أعمى، والاسم الممدود إذا ثُنِّيَ أبدلت همزته واوًا، مثل حمراوان.\nدلّ هذا الحديث على أنه ليس للمرأة النظرُ إلى الأجانب مطلقًا، ودل حديث لَعِبَ الحبشةِ على خلافه، فحمله بعضهم على الورع، وحديثَ الحبشة على الرخصة، وقيل: لم تكن عائشة إذ ذاك بالغةً، والمختار جواز نظر المرأة إلى الرجل فيما فوق","vol":"6","page":27},{"text":"٣١١٧ - [٢٠] وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"احْفَظْ عَوْرتَكَ إِلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَو مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ\" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أفرَأَيْت إِذا كَانَ الرَّجُلُ خَالِيًا؟ قَالَ: \"فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَى مِنْه\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٧٩٤، د: ٤٠١٧، جه: ١٩٣٠].\n٣١١٨ - [٢١] وَعَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٦٥].\n٣١١٩ - [٢٢] وَعَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تَلِجُوا عَلَى الْمُغِيبَاتِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ أَحَدِكُمْ مَجْرَى الدَّمِ\". . . . .\nــ\nالسرة وتحت الركبة، واستدل بحضورهن الصلاة، ولا بد أن يقع نظرهن على الرجال، وهذا إذا لم يكن النظر عن الشهوة.\n٣١١٧ - [٢٠] (بهز بن حكيم) قوله: (وعن بهز) بفتح الموحدة وسكون الهاء في آخره زاي.\nوقوله: (احفظ عورتك) أي: استرها، وأما حفظ الفرج فذلك حكم آخر.\nوقوله: (فاللَّه أحق أن يستحى منه) وذلك أدب.\n٣١١٨ - [٢١] (عمر) قوله: (بامرأة) أي: أجنبية، والاستثناء من أعم الأحوال، أي: على حالٍ من الأحوال إلا على هذه الحال.\n٣١١٩ - [٢٢] (جابر) قوله: (على المغيبات) جمع مُغِيبَةٍ بضم الميم وكسر المعجمة وسكون التحتانية، وتخصيص المغيبات بالذكر لشدة اشتياقهن إلى الوِقاع وارتفاع المانع.\nوقوله: (فإن الشيطان يجري. . . إلى آخره)، مضى شرحه في أول الكتاب في","vol":"6","page":28},{"text":"قُلْنَا: وَمِنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"وَمِنِّي وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١١٨٢].\n٣١٢٠ - [٢٣] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَتَى فَاطِمَةَ بِعَبْدٍ قَدْ وَهَبَهُ لَهَا، وَعَلَى فَاطِمَةَ ثَوْبٌ إِذَا قنَعَتْ بِهِ رَأْسَهَا لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْهَا، وَإِذَا غَطَّتْ بِهِ رِجْلَيْهَا لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَهَا، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَا تَلْقَى قَالَ: \"إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ إِنَّمَا هُوَ أَبُوكِ وَغُلَامُكِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٠٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-800> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣١٢١ - [٢٤] عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ عِنْدَهَا وَفِي الْبَيْتِ مُخَنَّثٌ، فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ أَخِي أُمِّ سَلَمَةَ: . . . . .\nــ\n(باب الوسوسة)، وكذا تحقيق قوله: (فأسلم)، وهو بالرفع والنصب.\n٣١٢٠ - [٢٣] (أنس) قوله: (ما تلقى) أي: من المشقة في التستر، والضمير في (إنما هو) لمَن استحيَيتِ، دلّ الحديث على أن الغلام محرم كالأب، وفيه من المبالغة ما لا يخفى، ويؤيده قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ١٣]؛ لأنه يعم الإماء والعبيد، وقيل: المراد بها الإماء، وعبد المرأة كالأجنبي، وعند الحنفية لا يجوز للمملوك أن ينظر إلى سيدته إلا ما يجوز للأجنبي النظرُ إليها، وعلله في (الهداية) (١) بأنه فحل غير مَحرَم ولا زوج.\nالفصل الثالث\n٣١٢١ - [٢٤] (أم سلمة) قوله: (وفي البيت مخنث) التخنُّثُ: التكسُّرُ والتثنيِّ،\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٣٧٢).","vol":"6","page":29},{"text":"يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ لَكُمْ غَدًا الطَّائِفَ فَإِنِّي أَدُلُّكَ عَلَى ابْنَةِ غَيْلَانَ، فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"لَا يَدْخُلَنَّ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٣٧، م: ٢١٨].\nــ\nخنِثَ كفرح، وتخنَّثَ وخنَّثَه تخنيثًا: عطفه فتخنث، ومنه حديث وفاته -ﷺ-: (فانخنث في حجري) أي: انكسر وانثنى لاسترخاء أعضائه عند الموت، والمخنث بفتح النون، ونقل الطيبي بكسر النون أيضًا، ولعل الأول فيمن كان خِلْقةً، والثانيَ فِيمن يتكلف التشبُّهَ بالنساء وتكسُّر الأعضاء، وفي (مجمع البحار) (١): في حديث (لا نرى أن نصلي خلف المخنث) بفتح النون من يؤتى في دبره، وبكسرها من فيه تسكن وتكسر كالنساء.\nواسم هذا المخنث قيل: ماطع، وقيل: هيت بكسر هاء وسكون تحتية ومثناة فوق، وقيل: بهاء ونون وموحدة، وهو مولى عبد اللَّه بن أبي أمية المذكور أخي أم سلمة، أسلم يوم الفتح، و(غيلان) بفتح الغين المعجمة، واسم ابنته بادية.\nوقوله: (فإنها تقبل) من الإقبال، (بأربع) أي: أربع عُكَنٍ من قدَّامها، و(تدبر) من الإدبار (بثمان) هي أطراف هذه العُكَن من الجنبين.\nوقوله: (لا يدخلن هؤلاء) إشارة إلى جنس الحاضر الواحد، ومن هو على صفته وعادته، وإنما كان يدخل هذا المخنث على أمهات المؤمنين، ولم يكن ممنوعًا من ذلك لاعتقادهن أنه من غير أولي الإربة من الرجال، أي: الذين ليس لهم حاجة ورغبة في النساء كالشيوخ الهِمِّ والممسوحين، وهم الذين قطع ذكرهم وخصاهم، وكالبُلْه الذين يتبعون الناس لفضل طعامهم ولا يعرفون شيئًا من أمور النساء، فلما سمع رسول اللَّه -ﷺ- منه هذا الكلام علم أنه من أولي الإربة فمنعه، وفي الحديث منع\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ١١٨).","vol":"6","page":30},{"text":"٣١٢٢ - [٢٥] وَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: حَمَلْتُ حَجَرًا ثَقِيلًا، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَقَطَ عَنِّي ثَوْبِي، فَلَمْ أَسْتَطِعْ أَخْذَهُ، فَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ لِي: \"خُذْ عَلَيْكَ ثَوْبَكَ وَلَا تَمْشُوا عُرَاةً\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٤١].\n٣١٢٣ - [٢٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا نَظَرْتُ -أَوْ مَا رَأَيْتُ - فَرْجَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَطُّ. رَوَاهُ ابْن مَاجَه. [جه: ٦٦٢].\n٣١٢٤ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَنْظُرُ إِلَى مَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أَوَّلَ مَرَّةٍ ثُمَّ يَغُضُّ بَصَرَهُ إِلَّا أَحْدَثَ اللَّهُ لَهُ عِبَادَةً يَجِدُ حَلَاوَتَهَا\". رَوَاهُ أَحْمدُ. [حم: ٥/ ٢٦٤].\nــ\nالمخنث من الدخول على النساء، وكذا حكم الخَصِيِّ والمجبوب، وقال البيضاوي (١): في المجبوب والخصي خلاف.\n٣١٢٢ - [٢٥] (المسور بن مخرمة) قوله: (ابن مخرمة) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء.\nوقوله: (خذ عليك ثوبك) أفرد الخطاب لاختصاصه به، ثم عمَّم بقوله: (ولا تمشوا عراة) لعموم الأمر.\n٣١٢٣ - [٢٦] (عائشة) قوله: (ما نظرت أو ما رأيت) شك من الراوي، ولعل الفرق بين الروايتين أن المراد بالنظر قصدًا وبالرؤية أعم، أي: ما وقع عليه نظري قط لا قصدًا ولا بغير قصد، واللَّه أعلم.\n٣١٢٤ - [٢٧] (أبو أمامة) قوله: (عبادة يجد حلاوتها) هي جزاء صبره عن\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٣٧٨).","vol":"6","page":31},{"text":"٣١٢٥ - [٢٨] وَعَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ -ﷺ- قَالَ: \"لَعَنَ اللَّهُ النَّاظِرَ وَالْمَنْظُورَ إِلَيْهِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٦/ ١٦٢].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-801>٢ - باب الولى فى النكاح واستئذان المرأة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-802> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣١٢٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ،\nــ\nمعصية اللَّه، والحلاوة جزاء المرارة التي احتملها في الصبر.\n٣١٢٥ - [٢٨] (عن الحسن) قوله: (لعن اللَّه الناظر) ظاهر اللفظ يتناول جميع ما لا يجوز النظر إليه، والمراد الناظر إلى عورة بدليل قوله: (والمنظور إليه)، وهذا إذا كان عن قصد.\n٢ - باب الولي في النكاح واستئذان المرأة\nالولي: من يتولى أمر أحد، والمراد هنا من يتولى أمر النكاح كالأب والجد وغيرهما، ففي هذا الباب يورد أحاديث واردة في أن الولي هل يجب وجوده في النكاح؟ وأنه هل يجب استئذان المرأة فيه؟\nالفصل الأول\n٣١٢٦ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لا تنكح الأيم حتى تستأمر،","vol":"6","page":32},{"text":"وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ\" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ إِذْنُها؟ قَالَ: \"أَنْ تَسْكُتَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٦٨، م: ١٤١٩].\nــ\nولا تنكح البكر حتى تستأذن) الأيم بفتح الهمزة وكسر الياء المشددة: المرأة التي لا زوجَ لها، ثيبًا كانت أو بكرًا، صغيرة كانت أو كبيرة، والمراد هنا الثيب بقرينة مقابلتها بالبكر، وإنما قال ههنا: (تستأمر) بمعنى يُطلَب أمرُها وتُستشارُ؛ لأنها قد تأمر وتشير صريحًا، ولا تستحيي عن ذلك بخلاف البكر، فإنها تستحيي عن التصريح، بل تأذن وترضى ولو بالسكوت.\nوهذا الحديث يفيد بظاهره أنه لا يجوز النكاح بلا إذن المرأة، لكنْ للعلماء فيه تفصيلٌ، فجملة الأقسام أربعة: ثيب بالغة، وبكر صغيرة، وثيب صغيرة، وبكر بالغة، ففي الثيب البالغة اتفقوا على أنه لا يجوز تزويجها بدون إذنها بشرط أن تكون عاقلة، وكذلك في البكر البالغة عندنا، واتفقوا أيضًا على أنه لا حاجة إلى إذن البكر الصغيرة، وكذلك في الثيب الصغيرة عندنا، فمبنى الولاية وعدمها عندنا البلوغ والصغر كما في الأموال، دون الثيابة والبكارة، وعند الشافعي بالعكس؛ لأن البكر جاهلة بأمر النكاح لعدم التجربة والثيب عالمة به، فالحديث محمول على البالغة عندنا سواء كانت ثيبة أو بكرًا.\nوقوله: (ولا تنكح البكر حتى تستأذن) حجة على الشافعي، فافهم، ثم عنده لا بد من إذن الولي وتوليته عقد النكاح، وإن كانت ثيبة بالغة وجب إذنها، فإن النكاح لا ينعقد عنده بدون الولي، ولا ينعقد بعبارة النساء، وعندنا لا حاجة إلى ذلك، فالبالغة العاقلة بكرًا كانت أو ثيبًا مالكةُ نفسِها، تتصرف في حقها كيف تشاء كتصرفها في الأموال، فلها اختيار الأزواج، وإنما يطالب الولي بالتزويج كيلا تنسب إلى الوقاحة،","vol":"6","page":33},{"text":"٣١٢٧ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا\" وَفِي رِوَايَةٍ. قَالَ: \"الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ،\nــ\nولا فرق في ظاهر الرواية بين الكُفْءِ وغير الكُفْءِ، لكن للولي الاعتراض في غير الكُفْءِ، وظاهر مذهب أحمد كمذهب الشافعي، وفي رواية كمذهبنا، ويأتي الكلام فيه في الحديث الآتي.\n٣١٢٧ - [٢] (ابن عباس) قوله: (الأيم أحق بنفسها من وليها) المراد الثيب البالغة.\nوقوله: (والبكر) أي: البالغة (تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها) بضم الصاد بمعنى سكوتها، وحجةُ الشافعي حديثُ أبي موسى الآتي في الفصل الثاني: (لا نكاحَ إلا بوليٍّ)، وحديثُ عائشةَ الآتي فيه: (وأيُّما امرأةٍ نُكِحَت بغير إذن وليها فنكاحُها باطلٌ)، وحجتنا هذا الحديث: (الأيم أحق بنفسها)، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فأسند النكاح إليها، فعلم أنه يجوز بعبارتها. وقوله سبحانه: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، فأضاف النكاح إلى النساء ونهى عن منعهن منه، وظاهره أن المرأة يصح أن تنكح نفسها، وكذا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٤]، فأباح سبحانه فعلها في نفسها من غير شرط الولي، ويؤيده قوله -ﷺ-: (ليس للوليِّ مع الثيِّبِ أمرٌ)، ذكره في (شرح كتاب الخرقي) (١).\nوروي أنه -ﷺ- لما خطب أم سلمة قالت: ليس أحد من أوليائي حاضرًا، قال:\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٤/ ٣٥).","vol":"6","page":34},{"text":"وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا\" وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: \"الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا، وَإِذْنُهَا صِمَاتُهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٢١].\nــ\n(ليس أحدٌ من أوليائك حاضرٌ أو غائبٌ إلا ويرضاني)، وقالت لابنها عمر بن أبي سلمة -وكان صغيرًا-: قم فزوِّجْ رسولَ اللَّه -ﷺ-، فتزوج رسول اللَّه -ﷺ- بغير ولي، وإنما أمرت ابنها بالتزويج على وجه الملاعبة، إذ قد نقل أهل العلم بالتاريخ أنه كان صغيرًا، قيل: ابن ست، وبالإجماع لا تصح ولاية مثل ذلك، ولهذا قالت: ليس أحد من أوليائي حاضرًا.\nوأيضًا قصة صاحب الإزار، فإنه -ﷺ- قال له: (زوَّجْتُكها)، ولم يسأل هل لها ولي أم لا؟ كما يأتي في (باب الصداق)، وتكلم على حديث أبي موسى: (لا نكاح إلا بولي) بأن محمد بن الحسن روى عن أحمد: أنه سئل عن النكاح بغير ولي أثبت فيه شيءٌ عن النبي -ﷺ-؟ فقال: ليس يثبت فيه شيء عندي عن النبي -ﷺ-، ثم هو محمول على نفي الكمال، ويقال بموجبه، فإن نكاح المرأة العاقلةِ تنكح (١) نفسَها نكاحٌ بولي، والنكاح بغير ولي إنما هو نكاح المجنونة والصغيرة، إذ لا ولاية لهم على أنفسهم.\nوتكلم على حديث عائشة بأنه رواية سليمان بن موسى، وقد ضعفه البخاري، وقال النسائي: في حديثه شيء، وقال أحمد في رواية أبي طالب: حديثُ عائشة: (لا نكاحَ إلا بوليِّ) ليس بالقوي، وقال في رواية المروزي: ما أراه صحيحًا؛ لأن عائشة -﵂- فعلت بخلافه، قيل له: فلم تذهب إليه؟ قال: أكثر الناس عليه، ثم ابن جريج نقل عن الزهري أنه أنكر الحديث، قال أحمد في رواية أبي الحارث: لا أحسبه صحيحًا لأن إسماعيل قال: قال ابن جريج: لقيت الزهري فسألته، فقال: لا أعرفه،\n_________\n(١) قوله: \"تنكح\" كذا في الأصل، والظاهر سقوطه، كما في \"شرح الزركشي\" (٥/ ١٣).","vol":"6","page":35},{"text":"٣١٢٨ - [٣] وَعَنْ خَنْسَاءَ بِنْتِ خِذَامٍ: أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَرَدَّ نِكَاحَهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَه: \"نِكَاحَ أَبِيهَا\"، [خ: ٥١٣٨].\n٣١٢٩ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سَبعِ سِنِينَ، وَزُفَّتْ إِلَيْهِ وَهِيَ بِنْت تِسْعِ سِنِينَ، وَلُعَبُهَا مَعَهَا،\nــ\nويقوي الإنكار أن الزهري قال بخلاف ذلك، قاله أحمد وغيره.\nواعترض على ادعاء إجماع الصحابة بفعل عائشة، وقال في رواية أخرى: لا يصح الحديث عن عائشة -﵂- أنها زوجت بناتِ أخيها، وقد روى الشالنجي بإسناده عن القاسم، قال: زوَّجت عائشةُ بنتَ عبد الرحمن بن أبي بكر من ابن الزبير، فقدم عبد الرحمن فأنكر ذلك، فقالت عائشة: أوَ ترغبُ عن ابن الحَواريِّ؟ كذا ذكر في (شرح كتاب الخرقي) (١) في مذهب أحمد، هذا وللشافعية أيضًا مقال في هذا المقام، وفي حديث (لا نكاحَ إلا بوليٍّ)، واللَّه أعلم.\n٣١٢٨ - [٣] (خنساء بنت خذام) قوله: (وعن خنساء) بفتح الخاء المعجمة وسكون النون وسين مهملة على وزن حمراء، بنت خذام بكسر الخاء وبالذال المعجمتين، قوله: (وهي ثيب) يدل بظاهره على مذهب الشافعي على وجوب استئذان الثيب مطلقًا، وعندنا يحمل على أنها كانت بالغة.\nوقوله: (فرد نكاحه) كذا في أكثر الأصول، والضمير للأب، وفي نسخ (المصابيح): (نكاحها)، ورواية ابن ماجه يؤيد الأول.\n٣١٢٩ - [٤] (عائشة) قوله: (ولعبها) بضم اللام وفتح العين جمع لُعْبة بسكون\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٥/ ١٣ - ١٥).","vol":"6","page":36},{"text":"وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٢٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-803> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣١٣٠ - [٥] عَن أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا نِكَاحَ إِلَّا بِوَليٍّ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٤/ ٣٩٤، ت: ١١٠١، د: ٢٠٨٥، جه: ١٨٨١، دي: ٧/ ١٣٧].\n٣١٣١ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا (١) بِغَيْرِ إِذْنِ وَلَيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ،\nــ\nالعين، أرادت ما كانت تلعب به، وفيه إباحة لعب الجواري بهن، ولم يثبت كونها صورًا محرمة، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n٣١٣٠ - [٥] (أبو موسى) قوله: (لا نكاح إلا بولي) قد مضى الكلام في صحة هذا الحديث، ثم الظاهر أن المراد لا نكاح إلا بإذنه (٢)، كما يدل عليه حديث عائشة، فما دليل قول الشافعي: إنه لا ينعقد النكاح بعبارة النساء؟\n٣١٣١ - [٦] (عائشة) قوله: (أيما امرأة نكحت. . . إلخ)، قد عرفت الكلام في صحة هذا الحديث أيضًا، ولو صحَّ كان المراد غيرَ البالغة، والعام مخصوص بدلائل أخر.\n_________\n(١) قوله: \"نفسها\" ثبت في نسخة، كما في \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٢٠٦٢).\n(٢) أجاب عنه ابن الهمام: أن الولي بمعنى المتولي أعم أن كان امرأة أو رجلًا، فالمعنى: لا نكاح إلا أن يكون متوليه موجودًا، وقيل: المراد الخاص وهو إذا نكح في غير الولي، وحققه ابن الهمام بأبسط شيء.","vol":"6","page":37},{"text":"فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ، فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ والدَّارِمِيُّ. [حم: ٦/ ٦٦، ت: ١١٠٢، د: ٢٠٨٣، جه: ١٨٧٩، دي: ٢/ ١٣٧].\n٣١٣٢ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"الْبَغَايَا اللَّاتِي يُنْكِحنَ. . . . .\nــ\nوقوله: (فإن اشتجروا) أي: اختلفوا كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، ومنه مشاجرات الصحابة، أي: إن اختلف الأولياء كان الأمرُ مفوَّضًا إلى السلطان.\n٣١٣٢ - [٧] (ابن عباس) قوله: (البغايا) جمع بغية، وهي الزانية من البِغاء بالكسر: الزنا، وفيه: أن النكاح بلا شهود فاسد، وهو المذهب عند جمهور الأئمة وعند الشافعي وعندنا، وقد جاء في مذهبنا رواية في نكاح الخفية، وهي رواية شاذة، والصحيح ما تقرر في المذهب من وجوب الشاهدين، وهذا هو المشهور من مذهب مالك وأحمد رحمهما اللَّه، ورواه الجماعة، وقد جاء في بعض طرق حديث عائشة -﵂-. (أيُّما امرأةٍ نكحَت نفسَها بغير إذنِ وليِّها وشاهدَي عدلٍ فنكاحُها باطلٌ)، ذكره الدارقطني عن يونس عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن الزهري عن عائشة عن النبي -ﷺ-، وروى مالك في (الموطأ) عن أبي الزبير المكي: أن عمر بن الخطاب -﵁- أتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة فقال: هذا نكاحُ السرِّ ولا أجيزه، ولو كنت تقدَّمتُ فِيه لرجَمتُه، وعن أحمد رواية أخرى: وهي أنه ينعقد بدون الشهادة، وذكرها أبو بكر في (المقنع) وجماعة، لأن النبي -ﷺ- أعتق","vol":"6","page":38},{"text":"أَنْفُسَهُنَّ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ\" وَالأَصَحُّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عَبَّاس. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١١٠٣].\n٣١٣٣ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا،\nــ\nصفية وتزوجها بغير شهود، وقال للذي تزوج الموهوبة: (زوَّجتُكها بما معكَ من القرآنِ)، ولم يقل أنه أشهد، واحتج بأن ابن عمر تزوج بلا شهود، ويروى ذلك عن ابن الزبير والحسن بن علي، ولأنه عقد معاوضة أشبه البيع، وقد قال أحمد في رواية الميموني: لم يثبت عن النبي -ﷺ- في الشاهدين شيء، وكذلك قال ابن المنذر.\nوقال في (سفر السعادة): لم يثبت في باب (لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل) شيءٌ، واللَّه أعلم. هذا وقد يراد بالبينة في حديث ابن عباس الوليُّ؛ لأن به يتبين النكاح، قال: فالوصف بالبغاء على المعنى الأول على حقيقته على ما هو المشهور، وعلى الثاني تشديد وتغليظ.\nوقوله: (رواه الترمذي) وقال: لم يرفعه غير عبد الأعلى، والوقفُ أصحُّ، وقال بعض الحفاظ: وعبد الأعلى ثقة، فيقبل رفعه وزيادته.\n٣١٣٣، ٣١٣٤ - [٨، ٩] (أبو هريرة) قوله: (اليتيمة تستأمر في نفسها) أي: في نكاحها، والمراد البكر البالغة من اليتامى، وسماها اليتيمة باعتبار ما كانت، كذا نقل الطيبي (١)، واعتبار هذه العلاقة لا ينافي أن يراد الثيب أيضًا، ولكن إرادة البكر\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٢٥١).","vol":"6","page":39},{"text":"فَإِنْ صَمَتَتْ فَهُوَ إِذْنُهَا، وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا\". رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ١١٠٩، د: ٢٠٩٣، ن: ٣٢٧٠].\n٣١٣٤ - [٩] وَرَوَاهُ الدَّارمِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى. [دي: ٢/ ١٨٥].\n٣١٣٥ - [١٠] وَعَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إَذْنِ سَيِّدِهِ فَهُوَ عَاهِرٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارمِيُّ. [ت: ١١١١، د: ٢٠٧٨، دي: ٢/ ١٥٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-804> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣١٣٦ - [١١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ جَارِيَةً بِكرًا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَذَكَرَتْ أَنَّ أَبَاهَا زَوَّجَهَا وَهِي كَارِهِةٌ، فَخَيَّرَهَا النَّبِيُّ -ﷺ-. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٠٩٦].\nــ\nمتعينة لقوله: (فإن صمتت. . . إلخ).\nقوله: (جواز عليها) أي: لا تعدِّيَ ولا إكراهَ عليها.\n٣١٣٥ - [١٠] (جابر) قوله: (فهو عاهر) أي: زانٍ، وهو دليل على أن نكاح العبد بغير إذن سيده غير جائز، وقال أبو حنيفة: يجوز وينفذ إن أجازه بعدُ، وهو في حكم الفُضوليِّ.\nالفصل الثالث\n٣١٣٦ - [١١] (ابن عباس) قوله: (فخيرها النبي -ﷺ-) لأنها كانت بالغة، والمراد خيار البلوغ كما هو المذهب عندنا، لكنه لا يشترط فيه الكراهة، فلعله إنما قيَّد به اتفافًا.","vol":"6","page":40},{"text":"٣١٣٧ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُزَوِّجِ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلَا تُزَوِّجِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، فَإِنَّ الزَّانِيةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٨٨٢].\n٣١٣٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدُ فَلْيُحْسِنِ اسْمَهُ وَأَدَبَهُ، فَإِذَا بَلَغَ فَلْيُزَوِّجْهُ فَإِنْ بَلَغَ وَلَمْ يُزَوِّجْهُ فَأَصَابَ إِثْمًا فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى أَبِيهِ (١) \".\n٣١٣٩ - [١٤] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"فِي التَّوْرَاةِ مَكْتُوبٌ: مَن بَلَغَتِ ابْنَتُهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَة وَلَمْ يُزَوِّجْهَا، فَأَصَابَتْ إِثْمًا فَإِثْمُ ذَلِكَ عَلَيْهِ\". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٨٢٩٩، ٨٣٠٣].\n* * *\nــ\n٣١٣٧ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (فإن الزانية هي التي تزوج نفسها) يدل على اشتراط الولي، ويجوز أن يحمل على الصغيرة.\n٣١٣٨ - [١٣] (أبو سعيد) قوله: (فإذا بلغ فليزوجه) فيه استحباب التزويج بمجرد وصول زمان البلوغ فإنه أحصنُ وأحفظُ.\n٣١٣٩ - [١٤] (عمر بن الخطاب) قوله: (اثنتي عشرة سنة) هذا أيضًا زمان البلوغ.\n_________\n(١) زجر وتوبيخ، لا أنه لا إثم على الفاعل، كذا في \"التقرير\".","vol":"6","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-805>٣ - باب إعلان النكاح والخطبة والشرط</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-806> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣١٤٠ - [١١] عَنِ الرُّبَيِّعِ بْنَتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ قَالَتْ: جَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَدَخَلَ حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ، فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي، فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ،\nــ\n٣ - باب إعلان النكاح والخطبة والشرط\nعلنَ الأمرُ كنصر وضرب وكرم وفرح علنًا وعلانية، واعتلن: ظهر، وأعلنته وبه: أظهرته، والإعلان: المجاهرة، وقد استحب الإعلان بالنكاح، وورد: (أعلنوا بالنكاح ولو بالدُّفِّ)، واختلفوا في ضرب الدف، قيل: يحرم أو يكره مطلقًا، وقيل: مباح مطلقًا، والصحيح أنه يباح في بعض الأحيان كالعيد والقدوم والنكاح ويحرم في غيرها، وقيل: يستحب في النكاح، واللَّه أعلم.\nوقوله: (والخطبة) صحح بكسر الخاء وبضمها وهو الأظهر بل المتعين.\nقوله: (والشرط) أي: ما يشترط في النكاح من الشروط الفاسدة وغيرها، وعندنا لا يفسد النكاح بالشرط الفاسد كالبيع.\nالفصل الأول\n٣١٤٠ - [١] (الربيع بنت معوذ بن عفراء) قوله: (بني عليَّ) بلفظ المجهول، يقال: بنى على زوجته بمعنى: زَفَّها، وهو في الأصل من البناء، ثم صار كناية عن الزِّفاف وإن لم يبن.\nوقوله: (كمجلسك مني) هذا قول الربيع لمن تروي له الحديث.","vol":"6","page":42},{"text":"وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ، إِذْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، فَقَالَ: \"دَعِي هَذِهِ وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولينَ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥١٤٧].\n٣١٤١ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: زُفَّتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا كَانَ مَعَكُمْ لَهْوٌ؟ فَإِنَّ الأَنْصَارَ يُعْجبُهُمُ اللَّهْوُ\". رَوَاهُ البُخَارِيّ. [خ: ٥١٦٢].\n٣١٤٢ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي شَوَّالٍ، وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ، فَأَيُّ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ أَحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي؟ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٢٣].\nــ\nوقوله: (ويندبن) بضم الدال من النُّدبة.\nوقوله: (دعي هذه. . . إلخ)، قالوا: إنما منعهن عن ذلك كراهة أن يسند علم الغيب إليه مطلقًا -ﷺ-، ولا يعلم الغيب إلا اللَّه، ولأنه استصحبن ذكره في أثناء اللهو واللعب، وإن كان ضرب الدف والتغني في مثل هذا الموضع مباحًا في الجملة لكنه كره لما ذكر، واللَّه أعلم.\n٣١٤١ - [٢] (عائشة) قوله: (ما كان معكم لهو) ما نافية، وهمزة الاستفهام للإنكار مقدرة، والمراد باللهو ضربُ الدُّفِّ والتغنِّي، وفيه إباحة اللهو في العرس.\n٣١٤٢ - [٣] (عائشة) قوله: (وبنى بي) المشهور بنى عليها، وقد يجيء بالباء.\nقوله: (فأي نساء) إنما قال: (فأي نساء) والظاهر فأية امرأة ليؤذن كثرة نسائه","vol":"6","page":43},{"text":"٣١٤٣ - [٤] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥١٥١، م: ١٤١٨].\n٣١٤٤ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَخْطُبِ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَنْكِحَ أَو يَتْرُكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥١٤٤، م: ١٤١٣].\nــ\nالمفضَّلات عليهنَّ، وهي أحظى عنده -ﷺ- منهن، كذا قال الطيبي (١)، وفي الحديث استحباب التزوج والدخول في شوال ردًا لما كان أهل الجاهلية يتشاءمونه لما في اسم شوال من الإشالة والرفع.\n٣١٤٣ - [٤] (عقبة بن عامر) قوله: (أحق الشروط) مبتدأ، و(أن توفوا) بتقدير الباء متعلق بـ (أحقُّ)، و(ما استحللتم به الفروج) خبر، والمراد به المهر، وقيل: جميع ما يشترط الرجل ترغيبًا للمرأة في النكاح ما لم يكن محظورًا، وقيل: جميع ما تستحقه المرأة بمقتضى الزوجية، فإن الزوج التزمها بالعقد فكأنه شرط فيه.\n٣١٤٤ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (لا يخطب) بالرفع والجزم خبرًا أو نهيًا.\nوقوله: (حتى ينكح) فحينئذ لا يتصور الخطبة (أو يترك) فيخطب، وقيل: (حتى) بمعنى (كي)، و(أو) بمعنى (إلى)، والضمير في (ينكح) راجع إلى (الرجل)، وفي (يترك) إلى (أخيه)، ولا يخلو عن تكلف.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٢٥٥).","vol":"6","page":44},{"text":"٣١٤٥ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا وَلِتَنْكِحَ، فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥١٥٢، م: ١٤٠٨].\n٣١٤٦ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنِ الشِّغَارِ، وَالشِّغَارُ: أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابْنَتَهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَ: \"لَا شِغَارَ فِي الإِسْلَامِ\". [خ: ٥١١٢، م: ١٤١٥].\nــ\n٣١٤٥ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (لا تسأل المرأة طلاق أختها) المراد نهي المخطوبة عن أن تسأل الخاطب طلاق التي في نكاحه، والمرأة تسأل زوجها طلاق ضرتها، والمراد الأخت في الدين.\nوقوله: (لتستفرغ صحفتها) والصحفة بفتح الصاد وسكون الحاء المهملة: ما تشبع خمسة، والقصعة تشبع عشرة، وسيجيء في أول (كتاب الأطعمة)، والمراد ظرف الطعام. (ولتنكح) بلفظ المجهول عطف على (لتستفرغ)، فالأول إشارة إلى علة سؤال الضرة، والثاني إلى علة سؤال المخطوبة، ويجوز أن يكون النكاح بمعنى الجماع، والطيبي (١) خص الكلام بالمخطوبة، فتدبر.\n٣١٤٦ - [٧] (ابن عمر) قوله: (أن يزوج الرجل ابنته) التقييد بالابنة اتفاقيٌّ، وعلى طريق التمثيل.\nوقوله: (لا شغار في الإسلام) سبق ذكره بهذا اللفظ في (باب الغصب والعارية).\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٢٥٧).","vol":"6","page":45},{"text":"٣١٤٧ - [٨] وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ أَكل لُحُوم الْحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٢١٦، م: ١٤٠٧].\n٣١٤٨ - [٩] وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ أَوْطَاسٍ فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا ثُمَّ نَهَى عَنْهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٠٥].\nــ\n٣١٤٧ - [٨] (علي) قوله: (نهى عن متعة النساء) أي: عن نكاح المتعة، وهو النكاح إلى أجلٍ معيَّن، من التمتع بالشيء: الانتفاع به، كأنه ينتفع به إلى أمد معلوم، وأبيح به في أول الإسلام، ثم حرم، وهو جائز (١) عند الشيعة، والتحقيق أن نكاح المتعة كانت حلالًا قبل خيبر فحرمت فيه، ثم أبيحت عام فتح مكة، ثم حرمت بعد ثلاثة أيام تحريمًا مؤبدًا، وقد أشبع الكلام فيه في (شرح صحيح مسلم) (٢).\nوقوله: (وعن كل لحوم الحمر الإنسية) بكسر الهمزة في أكثر الروايات، وفي (مجمع البحار) (٣): كسر همزة الإنسية وسكون نونه أشهر من فتحها، نسبة إلى الإنس لاختلاطها بالناس، وفي (النهاية) (٤): بالكسر نسبة إلى الإنس بني آدم، وقيل: بالضم نسبة إلى الأَنَس ضد الوحشة، وبفتحتين نسبة إلى الأُنْس مصدر أَنِسْت به.\n٣١٤٨ - [٩] (سلمة بن الأكوع) قوله: (عام أوطاس) بفتح الهمزة وسكون الواو: وادٍ من ديار هوازن، قسم فيه رسول اللَّه -ﷺ- غنائم حنين، والترخيص كان يومَ فتح مكة، ويومُ أوطاسٍ كان قريبًا منه متصلًا به فسمي به، كذا قالوا.\n_________\n(١) وما نسب إلى المالكية من الجواز فهو غلط، انظر: \"أوجز المسالك\" (١٠/ ٥٢٠).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٥/ ١٩٩ - ٢٠٢).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ١٢٣).\n(٤) \"النهاية\" (١/ ٧٥).","vol":"6","page":46},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-807> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣١٤٩ - [١٠] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ، وَالتَّشَهُّدَ فِي الْحَاجَةِ قَالَ: التَّشَهُّدُ فِي الصَّلَاةِ: \"التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ\" وَالتَّشَهُّدُ فِي الْحَاجَةِ: \"أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ و(١) نَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ\" وَيَقْرأُ، ثَلَاثَ آيَاتٍ: . . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n٣١٤٩ - [١٠] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (والتشهد في الحاجة) أي: في النكاح وغيره كما يأتي في آخر الحديث من رواية (شرح السنة)، وعند الشافعي ﵀ الخطبة سنة في أول العقود كلِّها مثل البيع والنكاح وغيرهما، والحاجة إشارة إليها.\nوقوله: (أنِ الحمد للَّه) أن مخففة من المثقلة، وإنما سمي حمد اللَّه شهادة لأن الحمد للَّه شهادة بثبوت الكمالات الذاتية والفعلية له تعالى، كذا قيل، ولا حاجة إليه، فإن الشهادة مذكورة فيه، والتحميد والاستعانة والاستغفار توطئة وتمهيد لذكرها تبرُّكًا وتيمُّنًا.\nوقوله: (ويقرأ ثلاث آيات) عطف على مقدر، أي يقول: الحمد للَّه ويقرأ ثلاث\n_________\n(١) ثبت \"و\" في نسخة.","vol":"6","page":47},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].\nرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَفِي \"جَامِعِ التِّرمِذِيِّ\" فَسَّرَ الآيَاتِ الثَّلَاثَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ بَعْدَ قَوْلِهِ: \"أنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ\": \"نَحْمَدُهُ\"، وَبَعْدَ قَوْلِهِ: . . . . .\nــ\nآيات، أحدها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (١) إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وثانيها: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، وفي بعض النسخ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ الآية، قيل: لعل هذا في مصحف ابن مسعود، أو تأويل لما في الإمام، أي: في مصحف عثمان -﵁-، يعني أن في الإمام: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾، والمراد بالناس الذين آمنوا، فروي بالمعنى بهذا الوجه، وهذا بعيد في القراءة، نعم قد وقع في الرواية مثل هذا من الشيوخ، لكن قد قيل: إنه خطأ أو سهو، لا تأويلٌ وحملٌ على المعنى، فتدبر. وثالثها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمًا﴾.\nوقوله: (سفيان الثوري) فاعل (فسَّرَ).\n_________\n(١) قال شيخنا في \"التقرير\": لفظ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ على الآيات الثلاث لا توجد في \"الترمذي\" ولا \"ابن ماجه\" ولا \"المصابيح\"، فهو سهو من الناسخ أو المصنف، أو هكذا أقرأه ابن مسعود.","vol":"6","page":48},{"text":"\"مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا\": \"وَمِنْ سَيِّئاتِ أَعْمَالِنَا\"، وَالدَّارِمِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ: \"عَظِيمًا\": ثُمَّ يَتَكَلَّمُ بِحَاجَتِهِ، وَرَوَى فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي خُطْبَةِ الْحَاجَةِ مِنَ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ. [حم: ١/ ٣٩٢، ت: ١١٠٥، د: ٢١١٨، ن: ١٤٠٤، جه: ١٨٩٢، دي: ٢/ ١٤٢].\n٣١٥٠ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كُلُّ خُطْبَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَشَهُّدٌ فَهِيَ كَالْيَدِ الْجَذْمَاءِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١١٠٦].\n٣١٥١ - [١٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ (١) فِيهِ. . . . .\nــ\n٣١٥٠ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (ليس فيها تشهد) وفي بعض الروايات: (ليس فيها شهادة).\nوقوله: (كاليد الجذماء) بالذال المعجمة، أي: التي بها الجذام العلة المشهورة، وقيل: أي: المقطوعة لا فائدة فيها.\n٣١٥١ - [١٢] (عنه) قوله: (أمر ذي بال)، قال السيوطي في (مختصر النهاية) (٢): أي: شريف يحتفل له ويهتم به، والبال: القلب، وما ألقى له بالًا، أي: ما استمعَ إليه ولا جعلَ قلبَه نحوه، انتهى. وقيل: إنما قال (ذي بال) لأنه من حيث إنه شغل القلب كأنه ملَكَه، فيكون صاحبَ بالٍ، وقيل: البال: الحال والشأن، أي:\n_________\n(١) في نسخة: \"لم يبدأ\".\n(٢) انظر: \"النهاية\" (١/ ١٦٤).","vol":"6","page":49},{"text":"بِالحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٨٩٤].\n٣١٥٢ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ، وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٠٨٩].\nــ\nله حال خاص وشأن مخصوص، ويرجع إلى معنى الشرف والاهتمام والاحتفال، وقيل: ذو بال، أي: له قلب بالاستعارة، والتنكير للتفخيم.\nوقوله: (بالحمد للَّه) وفي رواية: (بحمد اللَّه)، وفي رواية: (بالحمد)، وفي رواية: (لا يبدأ فيه بذكر اللَّه)، وفي رواية: (ببسم اللَّه الرحمن الرحيم).\nوقوله: (فهو أقطع) وفي رواية: (فهو أجذم)، قال النووي في (شرح مسلم) (١): روينا كل هذه في (كتاب الأربعين) للحافظ عبد القادر الرهاوي بسماعنا من صاحبه الشيخ أبي محمد عبد اللَّه بن سالم الأنباري عنه، ورويناه فيه من رواية كعب بن مالك الصحابي -﵁-، والمشهور رواية أبي هريرة -﵁-، وهذا الحديث حسن، رواه أبو داود وابن ماجه في (سننهما)، ورواه النسائي في كتابه (عمل اليوم والليلة)، روى موصولًا ومرسلًا، ورواية الموصول إسنادها جيد، ومعنى (أقطع) قليل البركة، وكذلك أجذم بالجيم والذال المعجمة، ويقال منه: جَذِمَ بكسر الذال يَجْذَمُ بفتحها، واللَّه أعلم، انتهى.\n٣١٥٢ - [١٣] (عائشة) قوله: (وقال: هذا حديث غريب) وقال: وعيسى بن ميمون الأنصاري يضعف في الحديث.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (١/ ٧٨).","vol":"6","page":50},{"text":"٣١٥٣ - [١٤] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ الْجُمَحِيِّ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"فَصْلُ مَا بَينَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ: الصَّوْتُ وَالدُّفُّ فِي النِّكَاحِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٣/ ٤١٨، ت: ١٠٨٨، ن: ٣٣٦٩، جه: ١٨٩٦].\n٣١٥٤ - [١٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَتْ عِنْدِي جَارِيَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ زَوَّجْتُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا عَائِشَةُ! أَلَا تُغَنِّينَ؟ . . . . .\nــ\n٣١٥٣ - [١٤] (محمد بن حاطب الجمحي) قوله: (وعن محمد بن حاطب) بحاء وطاء مهملتين بكسر الطاء، و(الجمحي) بجيم مضمومة وفتح ميم وإهمال حاء، منسوب إلى جمح بن عمرو بن هصيص.\nوقوله: (ما بين الحلال والحرام) أي: النكاح الحلال والحرام.\nوقوله: (الصوت والدف) وقيل: المراد بالصوت الذكر والتشهير بين الناس، ونقل عن (شرح السنة) (١): أن بعض الناس يذهب إلى السماع يعني سماع الغناء المتعارف بين الناس الآن، وهذا خطأ، انتهى. أقول: إذا ثبت إباحة ضرب الدفوف فكيف لا يباح سماع الغناء، وقد ثبت إباحة ذلك في الأعياد والأعراس، كما يجيء من الأحاديث، واللَّه أعلم.\nوقوله: (رواه أحمد والترمذي) وقال: حديث حسن.\n٣١٥٤ - [١٥] (عائشة) قوله: (ألا تغنين) قال التُّورِبِشْتِي (٢): تَغَنَّى وغَنَّى\n_________\n(١) (٩/ ٤٨).\n(٢) \"الميسر\" (٣/ ٧٥٢).","vol":"6","page":51},{"text":"فَإِنَّ هَذَا الْحَيَّ مِنَ الأَنْصَارِ يُحِبُّونَ الْغِنَاءَ\". رَوَاهُ [ابْنُ حِبَّانَ فِي \"صَحِيْحِهِ\"]. [حب: ٢١٠٦].\n٣١٥٥ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أنكَحَتْ عَائِشَةُ ذَاتَ قَرَابَةٍ لَهَا مِنَ الأَنْصَارِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"أَهَدَيْتُمُ الْفَتَاةَ؟ \" قَالُوا: نعم قَالَ: \"أرْسَلْتُم مَعهَا مَن تُغَنِّي (١)؟ \". . . . .\nــ\nبمعنًى، وكلا الفعلين فيه جائز، ويحتمل أن يكون على لفظ الغيبة لجماعة النساء، والمراد منهنَّ مَن يتعانى ذلك من الإماء والسفلة، فإن الحرائر من نساء العرب يستنكِفنَ عن ذلك، لا سيما في الإسلام، وأن يكون على خطاب الحضور لهن، أو يكون من إضافة الفعل إلى الآمر به والآذن فيه، ولا يحسن فيه تفريد الخطاب ههنا، إذ قد جل منصب الطيبات الصديقات الصالحات القانتات عن معاناة ذلك بأنفسهن، انتهى. فيضبط على الأول بفتح تاء وغين ونون ماضيًا لجمع المؤنث الغائبة من التفعُّل كتقدَّمَن وتأخَّرنَ، وعلى الثاني بضم تاء وفتح غين وكسر نون مضارعًا لجمع النساء الحاضرة من التفعيل، ويحتمل كونه بفتحات كما على الأول بحذف إحدى التاءَين، وقيل: يحتمل على صيغة الواحدة خطاب لعائشة -﵂-، ويكون غَنَّى بمعنى استغنى، ومجيءُ تفعَّلَ بمعنى استفعَلَ غيرُ عزيز، والوجه الأخير بعيد من سياق الأحاديث، فتدبر.\nوقوله: (رواه ابن حبان في صحيحه) في الأصل هنا بياض، وهذه العبارة مكتوية في الهامش.\n٣١٥٥ - [١٦] (ابن عباس) قوله: (أهديتم الفتاة؟) هدى العروس إلى بعلها\n_________\n(١) في نسخة: \"تَغَنَّى\" بفتح التاء والنون على حذف إحدى التاءين. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٢٠٧٣).","vol":"6","page":52},{"text":"قَالَتْ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الأَنْصَارَ قَوْمٌ فِيهِمْ غَزَلٌ، فَلَوْ بَعَثْتُمْ مَعَهَا مَنْ يَقُولُ: أَتَيْنَاكُمْ أَتَيْنَاكُمْ فَحَيَّانَا وَحَيَّاكُمْ\". رَوَاهُ ابْن مَاجَه. [جه: ١٩٠٠].\n٣١٥٦ - [١٧] وَعَنْ سَمُرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ فَهِيَ لِلأَوَّلِ مِنْهُمَا، وَمَنْ بَاعَ بَيْعًا مِنْ رَجُلَيْن فَهُوَ للأَوَّلِ مِنْهُمَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ والدارمِيُّ. [ت: ١١١٠، د: ٢٠٨٨، ن: ٤٦٨٢، دي: ٢/ ١٣٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-808> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣١٥٧ - [١٨] عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ، فَقُلْنَا: أَلَا نَخْتَصِي؟ فَنَهَانَا عَن ذَلِكَ، ثُمَّ رَخَّصَ لَنَا أَنْ نَسْتَمْتِعَ،\nــ\nوأهداها واهتداها: زَفَّها إليه، فإن كان من هدى مجردًا فالهمزة للاستفهام، وإن كان من الإهداء مزيدًا فيه فهمزة الاستفهام محذوفة والهاء ساكنة، و(الغزل) محركة: اسم من المغازلة، ومغازلة النساء: محادثتهن.\nوقوله: (فحيانا وحياكم) وآخره: ولولا الحنطة السمراء لم تسمن عذاراكم.\n٣١٥٦ - [١٧] (سمرة) قوله: (فهي للأول) إذا كانا في مرتبة واحدة.\nالفصل الثالث\n٣١٥٧ - [١٨] (ابن مسعود) قوله: (ثم رخص لنا أن نستمتع) ذكر في هذا الحديث الرخصة في المتعة، ولم يذكر تحريمها، وحقيقة الحال ما ذكرنا في (الفصل","vol":"6","page":53},{"text":"فَكَانَ أَحَدُنَا يَنْكِحُ الْمَرْأَةَ بِالثَّوْبِ إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ قَرَأَ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٦١٥، م: ١٤٠٤].\n٣١٥٨ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا كَانَتِ الْمُتْعَةُ فِي أَوَّلِ الإِسْلَام كَانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ الْبَلْدَةَ، لَيْسَ لَهُ بِهَا مَعْرِفَةٌ، فَيَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ بِقَدْرِ مَا يُرَى أَنَّهُ يُقِيمُ، فَتَحْفَظُ لَهُ مَتَاعَهُ وَتُصْلِحُ لَهُ شَيَّهُ، حَتَّى إِذَا نَزَلَتِ الآيَةُ ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَكُلُّ فَرْجٍ سِوَاهُمَا فَهُوَ حَرَامٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١١٢٢].\nــ\nالأول) من حديث علي -﵁-.\n٣١٥٨ - [١٩] (ابن عباس) قوله: (وتصلح له شيه) هكذا يوجد هذه اللفظة في هذه النسخ: (شيه) بفتح الشين المعجمة والتحتانية المشددة، ولا يدرى صريح المراد به إلا أن يجعل من الشواء، يقال: شوى اللحم شيًّا فاشتوى، فيكون الشيّ بمعنى الشوي، والمراد طعامه ومأكوله، ولم يتعرض له أحد من شراح مشكل الحديث، والظاهر أنه مخفف مهموزًا، أي: تصلح أشياءه وأمواله وسائر الأشياء التي من ضروراته وحاجاته، وهكذا في النسخة من (جامع الترمذي) مصححة قديمة بخط العرب، ولعل هذا هو السبب في عدم تعرض الشراح له ولبيان معناه، واللَّه أعلم.\nوقوله: (قال ابن عباس: فكل فرج سواهما فهو حرام) والمستمتعة ليست زوجة، بدليل أنها لا ترث إجماعا، ولا مملوكة، بل هي مستأجرة نفسها أيامًا معدودة، رخصت فيها لضرورة دفع الاحتياج، وبهذا يعلم أن حل المتعة قد نسخ بالكتاب، قال","vol":"6","page":54},{"text":"٣١٥٩ - [٢٠] وَعَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى قَرَظَةَ بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ فِي عُرْسٍ، وَإِذَا جَوَارٍ يُغَنِّينَ فَقُلْتُ: أَيْ صَاحِبَيْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَهْلَ بَدْرٍ يُفْعَلُ هَذَا عِنْدَكُمْ؟ فَقَالَا: اجْلِسْ إِنْ شِئْتَ فَاسْمَعْ مَعَنَا، وَإِنْ شِئْتَ فَاذْهَبْ، فَإِنَّهُ قَدْ رُخِّصَ لَنَا فِي اللَّهْوِ عِنْدَ الْعُرْسِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٣٣٨٣].\n* * *\nــ\nالترمذي (١) بعد ما روى حديث علي -﵁-: (أن النبي -ﷺ- نهى عن متعة النساء وعن لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر): وفي الباب عن ميسرة بن معبد الجهني، وأبي هريرة -﵄-، وحديث علي حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي -ﷺ- وغيرهم، وإنما روي عن ابن عباس شيء من الرخصة، ثم رجع عن قوله حيث أخبر عن النبي -ﷺ-، وأمر أكثر أهل العلم على تحريم المتعة، وهو قول سفيان الثوري وعبد اللَّه بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، انتهى.\n٣١٥٩ - [٢٠] (عامر بن سعد) قوله: (على قرظة) بفتحات والظاء المعجمة.\nوقوله: (اجلس إن شئت) عملًا بالرخصة، وفي قوله: (فاسمع معنا) إشارة إلى نوع من الرجحان بموافقتهم، كما أن في قوله: (وإن شئت فاذهب) شيء من التفريع.\nوقوله: (قد رخص لنا) أي: للمسلمين، أو للصحابة، والرخصة قد تصير بمقارنة\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٣/ ٤٢١، رقم: ١١٢١).","vol":"6","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-809>٤ - باب المحرمات</span>\nــ\nالنية في حكم العزيمة، واللَّه أعلم.\n٤ - باب المحرمات (١)\nالمحرمات على قسمين، أحدهما: من النسب، وهي الأمهات والبنات والأخوات والعمات والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت، وتكون حرمتها مؤبدة، وثانيهما: من المصاهرة، وهي ما تكون حرمتها بسبب التزوج، فمنها ما تكون حرمتها على التأبيد كأم الزوجة، وزوجة الابن وابن الابن وإن سفل، وزوجة الأب وأبي الأب وإن علا، وبنت الزوجة التي دخل بها، وما لا يكون على التأبيد كأخت الزوجة وعمتها وخالتها.\n_________\n(١) قال ابن الهمام: انتفاءُ محليَّة المرأة للنكاح شرعًا بأسباب، الأول: النسب فيحرم على الإنسان فروعه وهم بناته وبنات أولاده وإن سفلن وأصوله وهم أمهاته وأمهات أمهاته وآبائه وإن علون، وفروع أبويه وإن نزلن فيحرم بنات الإخوة والأخوات وبنات أولاد الإخوة والأخوات وإن نزلن، وفروع أجداده وجداته ببطن واحد؛ فلهذا تحرم العمات والخالات وتحل بنات الأعمام والعمات والأخوال والخالات. الثاني: المصاهرة يحرم بها فروع نسائه المدخول بهن وإن نزلن وأمهات الزوجات وجداتهن بعقد صحيح وإن علوا، وإن لم يدخل بالزوجات وتحرم موطوءات آبائه وأجداده وإن سفلوا ولو بزنا والمعقودات لهم عليهن بعقد صحيح، وموطوءات أبنائه وأبناء أولاده وإن سفلوا ولو بزنا والمعقودات لهم عليهن بعقد صحيح، الثالث: الرضاع يحرم كالنسب ويأتي تفصيله في محله، الرابع: الجمع بين المحارم يعني كالأختين والعمة وبنت أخيها أو الأجنبيات كالأمة مع الحرة السابقة، الخامس: حق الغير كالمنكوحة والمعتدة والحامل بثابت النسب، السادس: عدم الدين السماوي كالمجوسية والمشركة، السابع: التنافي كنكاح السيد أمته والسيدة عبدها. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٢٠٧٦).","vol":"6","page":56},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-810> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣١٦٠ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا\". مُتفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥١٠٩، م: ١٤٠٨].\n٣١٦١ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَة\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٠٩٩].\n٣١٦٢ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيَّ، فَأَبَيْتُ أَنْ آذَنَ لَهُ حَتَّى أَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-،\nــ\nالفصل الأول\n٣١٦٠ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لا يجمع بين المرأة وعمتها) وإن علت كأخت الجد، (ولا بين المرأة وخالتها) وإن علت كأخت الجدة، وإطلاق العمة والخالة عليهما إما بالمجاز أو بالاشتراك، فتدبر. والتخصيص بالعمة والخالة وقع اتفاقًا لوقوع السؤال عنهما، فإن الأختين حكمهما كذلك، أو لأنهما مذكورتان في نص القرآن بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣].\n٣١٦١ - [٢] (عائشة) قوله: (يحرم من الرضاعة) رضع كسمع وضرب رَضْعًا ويحرَّك، ورَضاعًا ورَضاعة ويكسران، ثم إنه تخصَّص من عموم قوله: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة) صورٌ كأم أخته وأخت ابنه وامرأة أبيه وامرأة ابنه، وتفصيل ذلك مذكور في كتب الفقه.\n٣١٦٢ - [٣] (عائشة) قوله: (جاء عمي من الرضاعة) لا يخلو عن إشكال،","vol":"6","page":57},{"text":"فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: \"إِنَّهُ عَمُّكِ فَأْذَنِي لَهُ\" قالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَة وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّه عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ (١) \" وَذَلِكَ بَعْدَمَا ضُرِبَ عَلَيْنَا الْحِجَابُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٣٩، م: ١٤٤٥].\n٣١٦٣ - [٤] وَعَن عَلِيٍّ أَنَّهُ (٢) قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ لَكَ فِي. . . . .\nــ\nفإن الظاهر أن العم من الرضاع أخو الأب منه بأن أم أبيها أرضعته أو أمه أرضعت أباها، ويظهر من قولها: (إنما أرضعتني المرأة) أن الرجل أبوه من الرضاعة، قال الطيبي (٣). سمَّاه عمًّا لأنه بمنزلة أبيها، ثم اختلفوا في اسم هذا الرجل الذي هو أبو عائشة أو عمها رضاعًا، فقيل: اسمه أفلح، وكنيته أبو قعيس بضم القاف، وقيل: أبو الجعد، وقيل: أبو القعيس عمها أو أبوها، وأفلح ابنه، وقيل: أخوه، وهو الأصح، وهو عمها، وأبو الجعد كنيته، وقيل: أبو القعيس أبوها من الرضاع، وأفلح أخوها منه، وهو الذي جاء يستأذن عائشة، كذا في (أسد الغابة في معرفة الصحابة) (٤)، واللَّه أعلم.\n٣١٦٣، ٣١٦٤، ٣١٦٥ - [٤، ٥، ٦] (علي) قوله: (هل لك في بنت عمك)\n_________\n(١) وفي \"شرح السنة\": فيه دليل على أن لبن الفحل يحرم حتى تثبت الحرمة في جهة صاحب اللبن كما تثبت من جانب المرضعة فإن النبي -ﷺ- أثبت عمومة الرضاع وألحقها بالنسب. \"مرقاة المفاتيح\" (٥/ ٢٠٧٨).\n(٢) لفظ \"أنه\" سقط في نسخة.\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٢٦٦).\n(٤) \"أسد الغابة\" (١/ ٦٦).","vol":"6","page":58},{"text":"بِنْتِ عَمِّكَ حَمْزَةَ؟ فَإِنَّهَا أَجْمَلُ فَتَاةٍ فِي قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُ: \"أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ حَمْزَةَ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ؟ وَأَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا حَرَّمَ مِنَ النَّسَبِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٤٦].\n٣١٦٤ - [٥] وَعَنْ أُمِّ الْفَضْلِ قَالَتْ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ أَوِ الرَّضْعَتَانِ\". [م: ١٤٥١].\n٣١٦٥ - [٦] وَفِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ قَالَ: \"لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ\". [م: ١٤٥].\n٣١٦٦ - [٧] وَفِي أُخْرَى لأُمِّ الْفَضْلِ قَالَ: \"لَا تُحَرِّمُ الإِمْلَاجَةُ أَوِ (١) الإِمْلَاجَتَانِ\". هَذِه رِوَايَاتٌ لِمُسْلِمٍ. [م: ١٤٥١].\nــ\nأي: هل لك رغبة في تزوُّجِ بنت عمك (حمزة) وهو حمزة بن عبد المطلب سيد الشهداء عم رسول اللَّه -ﷺ-، وهو -﵁- كان أخًا لرسول اللَّه -ﷺ- من الرضاع، أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب.\n٣١٦٦ - [٧] (أم الفضل) قوله: (لا تحرم الإملاجة والإملاجتان) (٢)، في\n_________\n(١) في نسخة: \"والإملاجتان\" بالواو.\n(٢) في \"التقريب\": قال صاحب \"الهداية\": إنها مستدل الشافعي، وأورد عليه ابن الهمام أن مذهبه تحريم خمس رضعات لا يثبت من ذلك، وأطال الكلام فيه، وأجيب بأن الحديث إذا خالف مذهب الإمام وهو التحريم مطلقًا صار دليلًا لهم لعدم القائل بالفصل، فإن مذهب الإمام التحريم مطلقًا، ومذهب الشافعي وأحمد تحريم خمس رضعات، ولمالك روايتان، فإذا انتفى أحدهما ثبت الآخر، وردّ بأن هناك مذهبًا ثالثًا لأبي ثور وداود الظاهري تحريم ثلاث رضعات، فلم يبق دليل لهم، لا يقال: إن الإملاجتين والمصتين إذا نفيا وهما أربع بلغ =","vol":"6","page":59},{"text":"٣١٦٧ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ: عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ، ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهِيَ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٥٢].\nــ\n(القاموس) (١): ملَجَ الصبيُّ أمَّه، كنصر وسمع: تناولَ ثدَيها بأدنى فمه، وامتلج اللبنَ: امتصَّه، وأملجه: أرضعه، والمليج: الرضيع، وظاهر مفهوم هذا الحديث إلى أن الثلاث محرمة، وإليه ذهب بعض العلماء، وقيل: خمس رضعات، وقيل: عشر رضعات، وعندنا وعند أكثر العلماء من الصحابة والتابعين وغيرهم قليل الرضاع وكثيره محرِّمٌ، ويحصل برضعة واحدة، وهو الظاهر من إطلاق قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣].\n٣١٦٧ - [٨] (عائشة) قوله: (معلومات) أي: معلومٍ وجودُها يقينًا.\nوقوله: (ثم نسخن بخمس) وللجمهور أن يقولوا: ثم نسخت الخمس بإطلاق الآية المذكورة.\nوقوله: (وهي فيما يقرأ) الظاهر أن الضمير لخمس، وقد يجعل للعشر، لكنه يشكل أنه ليس في القرآن الآن لا عشر ولا خمس، ولو كانت خمس فيما يقرأ في القرآن إلى حين وفاة رسول اللَّه -ﷺ- فكيف تركت بعده، ولا نَسْخَ بعده -ﷺ-، والقرآن محفوظ من الزيادة والنقصان من قبل الناس، وجوابه أن المراد أنه كان يقرؤها من لم يبلغه النسخُ، واللَّه أعلم.\n_________\n= خمسًا، لأن مذهب الشافعي تحريم ما فوق الخمس، والتفصيل في \"فتح القدير\" (٣/ ٤٣٩).\n(١) \"القاموس المحيط\" (١/ ١٩٦).","vol":"6","page":60},{"text":"٣١٦٨ - [٩] وَعَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا رَجُلٌ، فَكَأَنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ فَقَالَت: إِنَّه أَخي فَقَالَ: \"انْظُرْنَ مَنْ إِخْوَانُكُنَّ؟ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥١٠٢، م: ١٤٥٥].\n٣١٦٩ - [١٠] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ: أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لِأَبِي إِهَابِ بْنِ عَزِيزٍ، فَأَتَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ بِهَا، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ قَدْ (١) أَرْضَعْتِنِي وَلَا أَخْبَرْتِنِي، فَأَرْسَلَ إِلَى آلِ أَبِي إِهَابٍ فَسَأَلهُم فَقَالُوا: مَا عَلِمْنَا أَرْضَعَتْ صَاحِبَتَنَا، فَرَكِبَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟ \" فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٦٤٠].\nــ\n٣١٦٨ - [٩] (عائشة) قوله: (فإنما الرضاعة من المجاعة) أي: الرضاعة التي تثبت بها الحرمة إنما هي التي تكون من المجاعة، ويشبع بها البطن، وذلك يكون في الصغر قبل تمام الحولين عند الأكثر، وحولين ونصف عند أبي حنيفة، وهذه المدة لا يكون شبعه بالطعام، وحاصله أن حرمة الرضاع لا تثبت في الكبر، والرجل الذي كان عند عائشة وادعت أخوتها إنما رضع في الكبر، قيل: مذهب عائشة -﵂- أن حرمة الرضاع تثبت في الكبر أيضًا، فتدبر.\n٣١٦٩ - [١٠] (عقبة بن الحارث) قوله: (وعن عقبة) بضم العين وسكون القاف.\nوقوله: (ابن عزيز) بفتح وزايين على لفظ المضاف إليه من اسم عبد العزيز.\nوقوله: (كيف وقد قيل؟) أي: كيف تباشرها وتفضي إليها، وقد قيل وأخبر\n_________\n(١) لفظ \"قَدْ\" سقط في نسخه.","vol":"6","page":61},{"text":"٣١٧٠ - [١١] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعَثَ جَيْشًا إِلَى أَوْطَاسٍ، فَلَقُوا عَدُوًّا فَقَاتَلُوهُمْ، فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ وَأَصَابُوا لَهُمْ سبَايَا، فَكَأَنَّ نَاسًا مِنْ أَصحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- تَحَرَّجُوا مِنْ غِشْيَانِهِنَّ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْمُشْرِكينَ، فَأَنزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (١) فِي ذَلِكَ: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] أَيْ: . . . . .\nــ\nبأنك وزوجتك ارتضعا من ثدي واحد، وإن لم يثبت ذلك بالبينة، فالتورع والاحتياط في الاجتناب عن ذلك، هذا ما عليه الجمهور ذهبوا إلى أن الرضاع لا يثبت إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين، ونقل عن مالك أنه يثبث بشهادة امرأتين، وقيل: بشهادة أربع، وعند أحمد يثبت بشهادة المرضعة، ومعنى الحديث عنده عدم الجواز، وظاهر الحديث ما قال الجمهور، واللَّه أعلم.\n٣١٧٠ - [١١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (إلى أوطاس) وهو من ديار هوازن، يصرف ولا يصرف كما هو حكم أسماء المواضع.\nوقوله: (تحرجوا) أي: تجنَّبُوا، والتحرُّجُ التجنُّبُ من الحرج بمعنى الإثم، والغِشْيانُ والمجامعةُ.\nقوله: (فأنزل اللَّه في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾) أى: حُرِّمت عليكم ذواتُ الأزواج، سميت محصنات لأن التزويج أو الأزواج أحصنهن، أي: فروجهن، وقرئ بكسر الصاد بمعنى أنهن أحصنَّ فروجهن، (﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾) من اللاتى سُبِينَ ولهن أزواج.\n_________\n(١) \"تعالى\" سقط في نسخة.","vol":"6","page":62},{"text":"فَهُنَّ لَهُم حَلَالٌ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٥٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-811> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣١٧١ - [١٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا، أَوِ الْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ أَخِيهَا، وَالْمَرْأَةُ عَلَى خَالَتِهَا، أَوِ الْخَالَةُ عَلَى بِنْتِ أُخْتِهَا، لَا تُنْكَحُ الصُّغْرَى عَلَى الْكُبْرَى وَلَا الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، وَرِوَايَتُهُ إِلَى قَوْلِهِ: \"بِنْتِ أُخْتِهَا\". [ت: ١١٢٦، د: ٢٠٦٥، دي: ٢/ ١٣٦، ن: ٣٢٩٦].\n٣١٧٢ - [١٣] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: مَرَّ بِي خَالِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ (١) وَمَعَهُ لِوَاءٌ فَقُلْتُ: أَيْنَ تَذْهَبُ؟ قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ آتِيهِ بِرَأْسِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد. [ت: ١٣٦٢، د: ٤٤٥٦].\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِلنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارمِي: . . . . .\nــ\nوقوله: (إذا انقضت عدتهن) أي بالاستبراء، إما بوضع الحمل أو بحيضة.\nالفصل الثاني\n٣١٧١ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (لا تنكح الصغرى على الكبرى) بيان وتأكيد لما تقدم، والمراد بالصغرى بنت أخي المرأة، وبالكبرى عمتها على ما هو الغالب في العادة، أو أراد الصغر والكبر بحسب المرتبة.\n٣١٧٢ - [١٣] (البراء بن عازب) قوله: (ابن نِيَارٍ) بكسر النون وبالتحتانية.\nوقوله: (ومعه لواء) قالوا: كان ذلك علامة كونه مبعوثًا من جهته -ﷺ-.\n_________\n(١) في نسخة: \"دينار\" بدل \"نيار\".","vol":"6","page":63},{"text":"فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَآخُذُ مَالَهُ، وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَالَ: \"عَمِّي\" بَدَلَ \"خَالِي\".\n٣١٧٣ - [١٤] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَت: قَالَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلَّا مَا فَتَقَ الأَمعَاءَ فِي الثَّدي، وَكَانَ قبلَ الفِطَام\". رَوَاهُ التَرِّمِذِي. [ت: ١١٥٢].\n٣١٧٤ - [١٥] وَعَنْ حَجَّاجِ بْنِ حَجَاجٍ الأَسلَمِيِّ عنْ أَبيِهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسولَ اللَّهِ! مَا يُذهِبُ عَنِّي مَذَمَّةَ الرَّضَاعِ؟ . . . . .\nــ\nوقوله: (أن أضرب عنقه وآخذ ماله) قالوا: كان الرجل اعتقد حلَّه وأنكر حكم الشريعة فكان كافرًا (١).\n٣١٧٣ - [١٤] (أم سلمة) قوله: (إلا ما فتق الأمعاء) أي: شقّ أمعاء الصبي ووقع فيه موقع الغذاء، كما يشق الطعام إذا نزل إليها، وذلك إنما يكون في أوان الرضاع.\nوقوله: (في الثدي) أي: كائنًا فيه كما يكون الماء في الإناء، ولا يشترط في ثبوت حرمة الرضاع أن يكون بالارتضاع من الثدي، ولذا لم يقل: من الثدي.\nقوله: (وكان قبل الفطام) أي: قبل أوانه، والفِطام بالكسر: اسمٌ من فَطَمَ الصبيَّ: فصَلَه من الرضاع.\n٣١٧٤ - [١٥] (حجاج بن حجاج الأسلمي) قوله: (مذمة الرضاع) أي: حقَّه،\n_________\n(١) في \"التقرير\": قال الإمام فيمن زنى بأمه لا حد له، بل هو إلى الإمام متى رأى قتله يقتله.","vol":"6","page":64},{"text":"فَقَالَ: \"غُرَّةٌ: عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١١٥٣، د: ٢٠٦٤، دي: ٢/ ١٥٧، ن: ٣٣٢٩].\n٣١٧٥ - [١٦] وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ الْغَنَوِيِّ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ، فَبَسَطَ النَّبِيُّ -ﷺ- رِدَاءَهُ حَتَّى قَعَدَتْ عَلَيْهِ، فَلَمَّا ذَهَبَتْ قِيلَ: هَذِهِ أَرْضَعَتِ النَّبِيَّ -ﷺ-. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٤٤].\n٣١٧٦ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ، وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"أَمْسِكْ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٤٤، ت: ١١٢٨، جه: ١٩٥٣].\nــ\nيقال: قضى مذمته بكسر الذال وفتحها: أحسن إليه لئلا يُذَمَّ، واستذمَّ إليه: فعل ما يُذَمُّ على فعله، ويجيء بالفتح بمعنى الذم أيضًا، والمراد أيُّ شيءٍ يُسقطُ عنِّي حقَّ الرضاع وأكون به مؤديًا حقه؟ (فقال: غرة) وهو اسم للمملوك عبدًا كان أو أمة كما فسره في الحديث، ولما كانت المرضعة خادمة جعل جزاء حقها من جنس فعلها بأن تعطى مملوكًا يخدمها.\n٣١٧٥ - [١٦] (أبو الطفيل الغنوي) قوله: (الغنوي) بفتح الغين المعجمة والنون، منسوب إلى غني بن أعصر.\nوقوله: (هذه أرضعت النبي -ﷺ-) إما أن تكون هي حليمة السعدية أو غيرها.\n٣١٧٦ - [١٧] (ابن عمر) قوله: (غيلان) بفتح الغين المعجمة (ابن سلمة) بفتح السين واللام.","vol":"6","page":65},{"text":"٣١٧٧ - [١٨] وَعَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي خَمْسُ نِسْوَةٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: \"فَارِقْ وَاحِدَةً، وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا\" فَعَمَدْتُ إِلَى أَقْدَمِهِنَّ صُحْبَةً عِنْدِي: عَاقِرٍ مُنْذُ سِتِّينَ سَنَةً فَفَارَقتُهَا. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُنَّةِ\". [٢٢٨٩].\n٣١٧٨ - [١٩] وَعَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزٍ الدَّيْلَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي أُخْتَانِ قَالَ: \"اخْتَر أَيَّتَهُمَا شِئْتَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابنُ مَاجَهْ. [ت: ١١٣٠، د: ٢٢٤٣، جه: ١٩٥١].\nــ\n٣١٧٧ - [١٨] (نوفل بن معاوية) قوله: (أمسك أربعًا) فيه أن أنكحة الكفار صحيحة إذا أسلموا، ولا يؤمرون بإعادة النكاح إلا إذا كان في نكاحهم مَن لا يجوز نكاحُها، وإن أسلم أحد الزوجين لا يفرق كارتداده كما هو مذهب الحنفية، اللهم إلا أن يعرض الإسلام ههنا معًا في آن واحد من غير تقدم وتأخر، وهو بعيد، أو يراد بالإمساك النكاح.\nوقوله: (فعمدت) أي: قصدت للتفريق إلى أقدمهن صحبة، فيه أنه يجوز أن يعمد التفريق للكِبَر والعُقْر.\n٣١٧٨ - [١٩] (الضحاك بن فيروز الديلمي) قوله: (ابن فيروز) بفتح الفاء وسكون الياء.\nوقوله: (اختر أيتهما شئت) سواء كانت المختارة من تزوجها أولًا أو آخرًا، وعليه الأئمة الثلاثة، وقال أبو حنيفة: إن تزوجهما متعاقبتين لا يختار إلا الأولى لعدم صحة الأخرى إذ ذاك.","vol":"6","page":66},{"text":"٣١٧٩ - [٢٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَسْلَمَتِ امْرَأَةٌ فَتَزَوَّجَتْ، فَجَاءَ زَوْجُهَا إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ وَعَلِمَتْ بإِسْلَامِي، فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ زَوْجِهَا الآخَرِ، وَرَدَّهَا إِلَى زَوْجِهَا الأَوَّلِ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا أَسْلَمَتْ مَعِي فَرَدَّهَا عَلَيْهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٢٣٩].\n٣١٨٠ - [٢١] وَرُوِيَ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\": أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ النِّسَاءِ رَدَّهُنَّ النَّبِيُّ -ﷺ- بِالنِّكَاحِ الأَوَّلِ عَلَى أَزوَاجِهِنَّ عِنْد اجْتِمَاعِ الإِسْلَامَيْنِ بَعْدَ اخْتِلَافِ الدِّينِ وَالدَّارِ، مِنْهُنَّ: بِنْتُ الْوَليدِ بْنِ مُغِيرَةَ (١) كَانَتْ تَحْتَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَةَ، فَأَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ،\nــ\n٣١٧٩ - [٢٠] (ابن عباس) قوله: (وقد علمت) بصيغة الخطاب للنبي -ﷺ- تأكيدًا للإسلام وتحقيقه بلا شبهة، وفي بعض النسخ: (علمت) بلفظ الغائبة.\n٣١٨٠ - [٢١] (ابن عباس) قوله: (وروي في شرح السنة: أن جماعة من النساء. . . إلخ)، هذا الحديث موافق لمذهب الحنفية من حيث تقرير النكاح الأول، وعدم وقوع الفُرقة بإسلام أحد الزوجين، سواء كان قبل الدخول أو بعده، كما هو مذهب الشافعي إن كان الإسلام قبل الدخول، لكن نخالف مذهبهم في بقائه مع اختلاف الدارين، فإن مذهبهم أنه لا يحصل الفرقة إلا بأحد أمور ثلاثة: انقضاء العدة، وهي ثلاث حيض إن كانت تحيض وثلاثة أشهر إن لم تحض، أو عرض الإسلام على الآخر مع الامتناع عنه، أو بنقل أحدهما من دار الإسلام إلى دار الحرب أو بالعكس.\n_________\n(١) في نسخة: \"المغيرة\".","vol":"6","page":67},{"text":"وَهَرَبَ زَوْجُهَا مِنَ الإِسلَامِ فَبَعَثَ إِلَيْهِ ابْنَ عَمِّهِ وَهْبَ بْن عُمَيرٍ بِرِدَاءِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَمَانًا لِصَفْوَانَ،\nــ\nوعند الشافعي ﵀ لا تَبِينُ بتباين الدارين؛ لأن زينب بنت رسول اللَّه -ﷺ- هاجرت من مكة إلى المدينة، وخلفت زوجها أبا العاص كافرًا بمكة، فردّها رسول اللَّه -ﷺ- إليه بالنكاح الأول بعد أن أسلم (١)، ولأن تباين الدارين له أثر في انقطاع الولاية دون النكاح، ولهذا إذا دخل الحربي دارنا بأمان، أو دخل المسلم دارهم تاجرًا لا تَبِينُ مع وجود تباين الدارين.\nولنا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]؛ فهذا يدل على أن تباين الدارين يوجب الفرقة، وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]؛ إذ لو لم يوجب التباين انقطاع النكاح لم يجز للمسلمين أن ينكحوهن، وإنما لا تَبِينُ إذا دخل أحدهما دارنا بأمان أو دخل المسلم دارهم بأمان لعدم التباين حكمًا لأن الدخول على سبيل العارية.\nوقوله: (فبعث) أي: رسولُ اللَّه -ﷺ- (إليه) أي: إلى الوليدِ (وهب بن عمير) بلفظ التصغير، وهو من أبناء أعمام صفوان بن أمية بن خلف الجُمَحي، ووهب بن عمير بن وهب بن خلف بن الجُمَحي.\nوقوله: (برداء رسول اللَّه -ﷺ-) فيه وضعُ المظهر موضعَ المضمر، والأصل: بردائه.\n_________\n(١) يجاب بأن في رواية الترمذي أيضًا تصريح النكاح الثاني، فلا بد من حمل قوله: \"بالنكاح الأول\" على أن الباء سببية أي: بسببه، وإلا فتناقض الحديثان معًا، كذا في \"التقرير\".","vol":"6","page":68},{"text":"فَلَمَّا قَدِمَ جَعَلَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- تَسْيِيرَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ حَتَّى أَسْلَمَ، فَاسْتَقَرَّتْ عِنْدَهُ، وَأَسْلَمَتْ أَمُّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ امْرَأَةُ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْل يَوْمَ الْفَتْح بِمَكَّةَ، وَهَرَبَ زَوْجُهَا مِنَ الإِسْلَامِ حَتَّى قَدِمَ الْيَمَنَ، فَارْتَحَلَتْ أَمُّ حَكِيمٍ حَتَّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ الْيَمَنَ، فَدَعَتْهُ إِلَى الإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَ، فَثَبَتَا عَلَى نِكَاحِهِمَا. رَوَاهُ مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شهَاب مُرْسَلًا. [ط: ٢/ ٥٤٣، رقم: ٤٤ - ٤٦].\nــ\nقوله: (جعل له) ولغيره من المشركين، هو واحد منهم (تسيير أربعة أشهر) أي: تمكينه من السير آمنًا في مدة أربعة أشهر، وذلك إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢]، فإنه -ﷺ- بعدما فتح مكة أطلق مشركيها أن يسيحوا في الأرض حيث شاؤوا، فينظروا في أحوال المسلمين، ويتيهوا ويعجزوا حتى إذا لم يتيسر لهم الفرار عن دين اللَّه ندموا وأسلموا، وذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ﴾ [التوبة: ٢].\nقوله: (حتى أسلم) أي: صفوانُ، (فاستقرت) أي: زوجتُه بنت الوليد، قيل: كان ذلك بعد إسلامها بشهر.\nوقوله: (وأسلمت أم حكيم) هذه أيضًا إحدى جماعة من النساء ردَّهنَّ النبي -ﷺ- بالنكاح الأول على أزواجهن، و(الحارث بن هشام) هو أخو أبي جهل بن هشام من أمه (١).\n_________\n(١) والجواب من الحنفية في قصة بنت الوليد أنه لا تصريح فيها بتباين الدار مع أن معنى قوله: \"استقرت\" يحتمل الاستقرار بالنكاح الجديد، وأجاب ابن الهمام عن قصة أم حكيم أنه كان في اليمن على الساحل فلم يتحقق تباين الدارين، قاله الشيخ في \"التقرير\".","vol":"6","page":69},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-812> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣١٨١ - [٢٢] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حُرِّمَ مِنَ النَّسَبِ سَبْعٌ وَمِنَ الصِّهْرِ سَبْعٌ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية [النساء: ٢٣]. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥١٠٥].\n٣١٨٢ - [٢٣] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"أَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَدَخَلَ بهَا فَلَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُ ابْنَتِهَا، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلْيَنْكِحِ ابْنَتَهَا، وَأَيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ أُمَّهَا دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ مِنْ قِبَلِ إِسْنَادِهِ، إِنَّمَا رَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ وَالْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شعَيْبٍ، وَهُمَا يُضَعَّفَانِ فِي الْحَدِيثِ. [ت: ١١١٧].\n* * *\nــ\nالفصل الثالث\n٣١٨١ - [٢٢] (ابن عباس) قوله: (حرم من النسب سبع ومن الصهر سبع) وقد عددناه في شرح ترجمة الباب.\nوقوله: (ثم قرأ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾) لاشتمالها على جميع ما حرم من النسب، وأكثر ما حرم من الصهر، والباقي منه بالسنة.\n٣١٨٢ - [٢٣] (عمرو بن شعيب) قوله: (فلينكح ابنتها) أي بعد تفريقها، وهو أمر إباحة.\nقوله: (دخل بها أو لم يدخل) فقوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: ٢٣] بعد قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾","vol":"6","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-813>٥ - باب المباشرة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-814> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣١٨٣ - [١] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: إِذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٢٨، م: ١٤٣٥].\nــ\nمتعلق بالربائب، لا بالأمهات أيضًا لهذا الحديث، وإليه ذهب عامة العلماء غير أنه روي عن علي -﵁- تقييد التحريم فيها بالدخول، كذا قال البيضاوي (١)، واللَّه أعلم.\n٥ - باب المباشرة\nأصلها من البشرة بمعنى ظاهر جلد الإنسان العاري عن الشعر، ومنه سمي الإنسان بشرًا لظهور جلده من الشعر بخلاف الحيوانات، فالمباشرة الإفضاء بالبشرتين بشرة الذكر وبشرة الأنثى، كني بها عن الجماع.\nالفصل الأول\n٣١٨٣ - [١] (جابر) قوله: (من دبرها) أي: من جانب دبرها.\nوقوله: (أنى شئتم) أي: كيف شئتم، ويشتمل هذا الإتيان من كل جانب وعلى كل هيئة، بعد أن يكون المأتي موضعَ الحَرْثِ، وأما الإتيان في الدبر فحرام، ومن الذكور أشدُّ حرمةً، وقد ينقل عن مالك ﵀ حله من امرأته وأمته (٢)، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٤٤٣).\n(٢) في \"بذل المجهود\" (٨/ ١٠٤): وقد روي الجواز أيضًا عن مالك، روى ذلك عنه أهل مصر وأهل المغرب، وأصحاب مالك العراقيون لم يثبتوا هذه الرواية عنه، وقد رجع متأخرو أصحابه عن ذلك، وأفتوا بتحريمه، انتهى.","vol":"6","page":71},{"text":"٣١٨٤ - [٢] وَعنهُ قَالَ: كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. [خ: ٥٢٠٨، م: ١٤٤٠].\nوَزَادَ مُسْلِمٌ: فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -ﷺ- فَلَمْ يَنْهَنَا.\n٣١٨٥ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فقَالَ: إِن لي جَارِيَةً هِيَ خَادِمَتُنَا، وَأَنَا أَطُوفُ عَلَيْهَا، وَأَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ فَقَالَ: \"اعْزِلْ عَنْهَا إِنْ شِئْتَ، فَإِنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا\" فَلَبِثَ الرَّجُلُ، ثمَّ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ الْجَارِيَةَ قَدْ حَبِلَتْ فَقَالَ: \"قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ سَيَأْتِيهَا مَا قُدِّرَ لَهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٣٩].\n٣١٨٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ، فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْي الْعَرَبِ، فَاشْتَهَينَا النِّسَاءَ،\nــ\n٣١٨٤ - [٢] (جابر) قوله: (كنا نعزل) العَزْلُ: أن يُجامعَ ولا يُنزِلَ في الفرج، وهو حرام في الحرة إلا برضاها، وجائز في الأمة، سواء كانت مملوكة أو منكوحة.\nوقوله: (والقرآن ينزل) أي: ولم ينه عنه.\n٣١٨٥ - [٣] (جابر) قوله: (اعزل عنها إن شئت) أي: إن شئت العزل أو إن شئت أن لا تحبل، ولكن ذلك لا ينفعك، فإنه سيأتيها ما قدر لها.\nوقوله: (قد حبلت) بكسر الباء من باب سمِعَ يسمَعُ، وفي هذا الحديث ترخيص للعزل مع إشارة إلى كراهته، وفيه إلحاق النسب مع العزل.\n٣١٨٦ - [٤] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فى غزوة بني المصطلق) بضم الميم وسكون المهملة وفتح الطاء وكسر اللام وفتحها: قبيلة من خزاعة.","vol":"6","page":72},{"text":"وَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ، وَأَحْبَبْنَا الْعَزْلَ فَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ، وَقُلْنَا: نَعْزِلُ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَبْلَ أَنْ نَسْأَلَهُ؟ فَسَأَلْنَاهُ عَن ذَلِك فَقَالَ: \"مَا عَلَيْكُمْ أَلَّا تَفْعَلُوا، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا وَهِيَ كَائِنةٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٣٨، م: ١٤٣٨].\n٣١٨٧ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْعَزْلِ فَقَالَ: \"مَا مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ،\nــ\nوقوله: (واشتدت علينا العزبة) بضم العين وبالزاي الساكنة: فقد الأزواج والنكاح، وفي (القاموس) (١): العَزَب، محركة: مَن لا أهلَ له، كذا قال القسطلاني (٢).\nوقوله: (ما عليكم) روي بـ (ما) وروي بـ (لا)، والمعنى لا بأس عليكم في أن تفعلوا، و(لا) زائدة، وقيل: روي بكسر الهمزة، وإن شرطية، أي: ما عليكم جناح إن تفعلوا، وقال القسطلاني (٣): المعنى ليس عدم الفعل واجبًا، وقيل: على تقدير رواية (لا) يمكن أن يكون (لا) نفيًا للعزل الذي سألوا عنه، و(عليكم أن لا تفعلوا) تأكيدًا له، وعلى هذا حمل من منع العزل، وهو تكلف، وحديث جابر: (اعزل إن شئت. . . إلخ)، يؤيد المعنى الأول، كذا قوله: (ما من نسمة. . . إلخ)، يناسبه، وقد اختلفوا في ذلك، والمختار عندنا وعند الشافعي ﵀ ما ذكرنا (٤).\n٣١٨٧ - [٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (ما من كل الماء يكون الولد) يعني\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩).\n(٢) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٣٣٧).\n(٣) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٣٣٧).\n(٤) ينظر: \"بذل المجهود\" (٨/ ١١٦).","vol":"6","page":73},{"text":"وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ خَلْقَ شَيْءٍ لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٣٨].\n٣١٨٨ - [٦] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (١) -ﷺ- فَقَالَ: إِنِّي أَعْزِلُ عَنِ امْرَأَتي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لِمَ تَفْعَلُ ذَلِكَ؟ \" فَقَالَ الرَّجُلُ: أُشْفِقُ عَلَى وَلَدِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْ كَانَ ذَلِكَ ضارًّا ضَرَّ فَارِسَ وَالرُّومَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٤٣].\n٣١٨٩ - [٧] وَعَنْ جُدَامَةَ (٢) بِنْتِ وَهْبٍ قَالَتْ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي أُنَاسٍ وَهُوَ يَقُولُ: . . . . .\nــ\nأن سؤالكم عن العزل يدل على أنكم توهمتم أن صبَّ الماءِ في الرحم سبب للولد وعزله سبب لعدمه وليس كذلك، فكم من صبٍّ لا يكون منه الولد، وكم من عزل يكون معه الولد، بأن يعزل قصدًا إلى أن لا تحبل وتقع من غير قصده النطفة في الرحم لما شاء اللَّه أن يخلق الولد، فافهم.\n٣١٨٨ - [٦] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (أشفق) من الإشفاق بمعنى الخوف كالشفق، أي: أخاف أن يضر الحبَلُ بالولد الرضيع.\nوقوله: (لو كان ذلك) أي: الوطءُ أو الحبَلُ حالَ الرَّضاع (ضارًا ضَرَّ فارس والروم)، فإنهم يفعلون ذلك ولا يظهر الضرر فيهم.\n٣١٨٩ - [٧] (جذامة بنت وهب) قوله: (وعن جذامة) بضم الجيم والذال المعجمة.\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) قال القاري: (٥/ ٢٠٩٢): بضم الجيم والدال المهملة، ويروى بالذال المعجمة، قال الدارقطني: وهو تصحيف.","vol":"6","page":74},{"text":"\"لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ، فَنَظَرْتُ فِي الرُّومِ وَفَارِسَ فَإِذَا هُمْ يُغِيلُونَ أَوْلَادَهُمْ، فَلَا يَضُرُّ أَوْلَادَهُمْ ذَلِكَ شَيْئًا\". . . . .\nــ\nوقوله: (أن أنهى عن الغيلة) بالكسر الاسم من الغَيْل بالفتح، وهو أن يجامع زوجته مرضعًا، وكذا إذا حبلت وهي مرضع، في (القاموس) (١): الغيل: اللبن ترضعه المرأة ولدها وهي تؤتى، أو وهي حامل، واسم ذاك اللبن الغيل أيضًا، وأغالت ولدَها وأغيَلَتْه: سقَتْه الغَيلَ، فهي مُغِيل ومُغْيِل، وهو مُغَال ومُغْيل، واستُغِيلَت هي، والاسم: الغيلة بالكسر.\nقال القاضي عياض في (المشارق) (٢): ضبطناه بكسر الغين وفتحها، وقال بعضهم: لا يصح فتح الغين إلا مع حذف الهاء، فيقال: الغيل، وحكى أبو مروان بن سراج وغيره من أهل اللغة: الغيلة والغيلة معًا في الرضاع، وفي القتل بالكسر لا غير، وقال بعضهم: هو بالفتح من الرضاع المرة الواحدة، وفي بعض روايات مسلم: عن الغيال بالكسر، جاء تفسيره في الحديث عن مالك وغيره: أن يطأ الرجل امرأته وهي ترضع، يقال من ذلك: أغال فلان ولده، والاسم الغيل والاغتيال، وعلة ذلك لما يخشى من حملها فترضعه كذلك فهو الذي يضر به في لحمه وقوته، انتهى.\nوالظاهر أن الجماع في حال الرضاع غير مضر لأنه يقوي المرأة فيزيد في لبنها، وأما الحمل فمضرٌّ لأنه ينقص اللبن ويجففه، ولو نهى عن الجماع لكان لخوف الحبل كما ذكرنا في شرح قوله: (أُشفِقَ على ولدِها)، وكان نهيه -ﷺ- بالاجتهاد، وترك النهي أيضًا به قياسًا على حال فارس والروم، فلا ينافي ما وقع في حديث آخر في آخر الباب\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٥٨).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٤٢).","vol":"6","page":75},{"text":"ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنِ الْعَزْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ وَهِي ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٤٢].\n٣١٩٠ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَعْظَمَ الأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ -وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ- الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا\". رَوَاهُ مُسلمٌ. [م: ١٤٣٧].\nــ\nمن قوله: (فإن الغِيلةَ تدركُ الفارسَ فِيدعثره عن فرسه)، وفسره في شرح (جامع الأصول) (١) المصنف بقوله: أراد أن من سوء أثره وإفساد مزاجه وإرخاء قواه أن لا يزال ماثلًا فيه إلى أن يكتمل، وإذا أراد مقاومة قِرْن في الحرب وَهَنَ عنه وانكسر، فتدبر.\nوقوله: (وهي ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾)، أي: هذه الفعلة الشنيعة التي هي العزل مندرجة تحت هذه الآية، ذكرها تأكيدًا لبيان شناعته، والوأد: دفن الولد حيًا، وجعل العزل في حكم الوأد لما فيه من إضاعة النطفة المهيأة لكونها ولدًا، لكنه ليس بوأد ظاهرًا، فالحديث لا يدل على حرمة، غايته الكراهة كذا قيل، واللَّه أعلم.\n٣١٩٠ - [٨] (أبو سعيد) قوله: (الرجل يفضي) خبر (إن) على اختلاف الروايتين في اسمها، فالرواية الثانية وهي (من أشر الناس. . . إلخ)، لا يحتاج إلى تأويل وتقدير لارتباط الخبر بالاسم بلا تكلف، وأما الرواية الأولى وهي (إن من أعظم الأمانة عند اللَّه يوم القيامة)، فلا بد فيه من تقدير بأن يقال: تقديره إن أعظم أمانةٍ عند اللَّه خان فيها\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (١١/ ٥٢٨).","vol":"6","page":76},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-815> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣١٩١ - [٩] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُوحِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٣]: \"أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ، وَاتَّقِ الدُّبُرَ وَالْحِيْضَةَ\". رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ. [ت: ٢٩٨٠].\n٣١٩٢ - [١٠] وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ، لَا تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنَّ\". رَوَاهُ أَحْمدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ والدَّارمِيُّ. [حم: ٥/ ٢١٣، ت: ١١٦٤، جه: ١٩٢٤، دي: ٢/ ١٤٥].\n٣١٩٣ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا\". . . . .\nــ\nالرجلُ أمانةُ الرجلِ الذي يفضي. . . إلخ، أو يقال: إن أعظمَ خيانةِ الأمانةِ عند اللَّه خيانةُ الرجل، فافهم.\nالفصل الثاني\n٣١٩١ - [٩] (ابن عباس) قوله: (أقبل وأدبر) خطاب عام تفسير لقوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، أي: ائت من جانب القبل ومن جانب الدبر.\n٣١٩٢ - [١٠] (خزيمة بن ثابت) قوله: (وعن خزيمة) بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي.\nوقوله: (إن اللَّه لا يستحي من الحق) تنبيه على شدة حرمته، حتى إنه يستكره ذكره، وإن كان بطريق النهي والمنع.\n٣١٩٣ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (ملعون من أتى امرأته) وفي نسخة:","vol":"6","page":77},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٤٤٤، د: ٢١٦٢].\n٣١٩٤ - [١٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ في دبرِهَا لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" [٩٧٢٢].\n٣١٩٥ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً فِي الدُّبُرِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١١٦٥].\n٣١٩٦ - [١٤] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ سِرًّا، فَإِنَّ الْغَيْلَ يُدْرِكُ الْفَارِسَ فَيُدَعْثِرُهُ عَنْ فَرَسِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٨١].\nــ\n(امرأة).\n٣١٩٤ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (لا ينظر اللَّه إليه) أي: نظرَ رحمةٍ وعناية خاصة، وهو قريب من معنى اللعن.\n٣١٩٥ - [١٣] (ابن عباس) قوله: (أتى رجلًا أو امرأة) والأول أشدّ وأغلظ حرمة ولذا قدم.\n٣١٩٦ - [١٤] (أسماء بنت يزيد) قوله: (لا تقتلوا أولادكم سرًا)، كناية عن الغيل؛ فإنه في حكم القتل.\nوقوله: (فيدعثره عن فرسه) أي: يَصرَعُه ويُسقِطُه، أي: يبقى أثره ويظهر ضعفه إلى أن يبلغ مبلغ الرجال، أي: على زعمهم كما أشرنا، أو النفي في الحديث السابق باعتبار الحقيقة، وأنه غير مؤثر في الضرر والهلاك، والإثبات باعتبار جريان العادة بأن جعله اللَّه تعالى سببًا له، كما يقال مثل ذلك في العدوى وأمثالها.","vol":"6","page":78},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-816> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣١٩٧ - [١٥] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُعْزَلَ عَنِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٩٢٨].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-817>٦ - باب</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-818> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣١٩٨ - [١] عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لَهَا فِي بَرِيرَةَ: \"خُذِيهَا فَأَعْتِقِيهَا\" وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا،\nــ\nالفصل الثالث\n٣١٩٧ - [١٥] (عمر بن الخطاب) قوله: (عن الحرة) يفهم منه جوازه عن الأمة، وعليه الجمهور.\n٦ - باب في لواحق ومتممات لما سبق\nالفصل الأول\n٣١٩٨ - [١] (عائشة) قوله: (في بريرة) برائين على وزن كريمة، مولاة لعائشة -﵂-، اشترتها من يهود، وأعتقتها، وكانت اليهود تقول لعائشة: نبيعها منك بشرط أن تعتقيها، ويكون ولاؤها لنا، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: (خذيها، أي: اشتريها وأعتقيها، والولاءُ لمَن أعتَقَ)، وقد مضت قصتها في (كتاب البيوع).","vol":"6","page":79},{"text":"وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٦٣، م: ١٥٠٤].\n٣١٩٩ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ، يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ يَبْكِي وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- للْعَبَّاسِ: \"يَا عَبَّاسُ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ؟ وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا؟ \" فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- \"لَوْ رَاجَعْتِيهِ\" فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: \"إِنَّمَا أَشْفَعُ\" قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٢٨٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-819> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٢٠٠ - [٣] عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تُعْتِقَ مَمْلُوكيْنِ لَهَا زَوْجٌ،\nــ\nوقوله: (ولو كان) أي: زوجها (حرًا لم يخيرها) هذا مذهب الأئمة الثلاثة، وعند أبي حنيفة للأمة الخيار بعد العتق وإن كان زوجها حرًا، فعنده علة الخيار للامتناع عن زيادة الملك، فإن الحرة يملك الزوج عليها ثلاث تطليقات وعلى الأمة تطليقتين، وعندهم العلة دفع العار بكونها فراشًا للعبد، ولعل هذه الزيادة في الحديث -أعني قوله: (ولو كان حرًا لم يخيرها) - لم تثبت عند أبي حنيفة، أو هو قول الراوي بناء على مذهبه، واللَّه أعلم. ولو أعتقا معًا فلا خيار بالاتفاق، ولو أعتق الزوج فلا خيار سواء كانت زوجته مملوكة أو حرة.\n٣١٩٩ - [٢] (ابن عباس) قوله: (لو راجعتيه) بزيادة الياء للإشباع، و(لو) للتمني، والجزاء محذوف، أي: لكان خيرًا، أو كان أولى ونحوهما.\nالفصل الثاني\n٣٢٠٠ - [٣] (عائشة) قوله: (أن تعتق مملوكين لها زوج) هكذا في نسخ","vol":"6","page":80},{"text":"فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَأَمَرَهَا أَنْ تَبْدَأَ بالرَّجُلِ قَبْلَ المَرْأَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسائِيُّ. [د: ٢٢٣٧، ن: ٣٤٤٦].\n٣٢٠١ - [٤] وَعَنْهَا: أَنَّ بَرِيرَةَ عَتَقَتْ وَهِيَ عِنْدَ مُغِيثٍ، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقَالَ لَهَا: \"إِنْ قَرِبَكِ فَلَا خِيَارَ لَكِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٢٣٦].\n* * *\nــ\n(المشكاة)، واستشكل إعراب قوله: (زوج)، فقيل: تقديره: أحدهما زوج للآخر، أو بينهما ازدواج، فالزوج بمعنى الازدواج، وقال الطيبي (١): يجوز أن يكون الضمير في (لها) للجارية المفهومة من قوله: (مملوكين)، وأقول: الزوج يطلق على اثنين كما يطلق على كل واحد فلا إشكال، واللَّه أعلم. وفي أكثر نسخ (المصابيح) و(شرح السنة): (زوجين) على أنه صفة مملوكين، وفي بعض نسخ (المصابيح): (مملوكة لها زوج)، فالضمير للمملوكة.\nوقوله: (فسألت) أي: عائشةُ -﵂- (النبي -ﷺ-) بأيهما تبتدئ في الإعتاق، فأمرها أن تبتدئ بإعتاق الزوج لئلا ينفسخ النكاح إن بدأت بإعتاق الزوجة باختيارها نفسَها.\n٣٢٠١ - [٤] (عائشة) قوله: (إن قربك) بكسر الراء من باب علم، أي: جامعَك زوجُك، وهو من القربان، وأما من القرب المكاني فيكون من نصر.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٢٨٦).","vol":"6","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-820>٧ - باب الصداق</span>\nــ\nوهذا الباب خال عن الفصل الثالث.\n٧ - باب الصداق\nوهو بفتح الصاد وكسرها مهر المرأة، وجمعه صُدُق كسُحُب وسَحَاب وكُتُب وكِتَاب، وقد يجيء صَدُقَةٌ بضم الدال مع فتح الصاد كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤].\nقيل: للمهر ثمانية أسماء: الصداق، والنِّحْلة، كما في هذه الآية، والأجر، والفريضة، قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤]، والمهر وهو مشهور، والعلائق، يروى عن النبي -ﷺ- أنه قال: (أدُّوا العلائقَ) قالوا: يا رسول اللَّه! وما العلائق؟ قال: (ما يرضى به الأهلون)، والعقر بضم العين وسكون القاف، قال عمر -﵁-: (لها عقر نسائها)، والحباء بكسر الحاء ممدودًا.\nوأقل المهر عندنا عشرة دراهم، وعند مالك ربع دينار، وهو ثمن المِجَنِّ، وعند الشافعي وأحمد رحمهما اللَّه: كل ما يصلح ثمنًا يصلح مهرًا قليلًا كان أو كثيرًا، ويشترط في رواية عن بعض أصحاب أحمد ﵀: أن يكون شيئًا له نصف، فلا يجوز على فلس ونحوه حذرًا من أن يبتغى بغير مال كما إذا طلقها قبل الدخول، واستدل في (الهداية) (١) بحديث جابر وابن عمر: (لا مهرَ أقلُّ من عشرة).\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ١٩٨ - ١٩٩).","vol":"6","page":82},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-821> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٢٠٢ - [١] عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ، فَقَامَتْ طَوِيلًا، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! زَوِّجْنِيهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ فِيهَا حَاجَةٌ، فَقَالَ: \"هَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا؟ \" قَالَ: مَا عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي هَذَا قَالَ: \"فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ\" فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجدْ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَلْ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْءٌ\" قَالَ: نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا، فَقَالَ: \"قد زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ\". . . . .\nــ\nالفصل الأول\n٣٢٠٢ - [١] (سهل بن سعد) قوله: (فقامت) أي: تلك المرأةُ، يعني ورسول اللَّه -ﷺ- ساكت، و(تصدقها) من الإصداق، أي: تجعلُه صَداقًا لها.\nوقوله: (ولو كان خاتمًا من حديد) قال أصحابنا: مثل هذا محمول على المعجَّل، فإن العادة عندهم تعجيل بعض المهر قبل الدخول، فلا دليل فيه على أن المهر لا تقدير فيه، بل يجوز أيُّ شيءٍ كان وإن قلَّ لقوله -ﷺ-: (لا مهرَ أقلُّ من عشرة دراهمَ)، كذا في (الهداية) (١)، رواه جابر وعبد اللَّه بن عمر -﵃-، كذا في شروحه.\nوقوله: (بما معك من القرآن) ظاهره أن الباء للمقابلة كما هو مذهب الأئمة، وقالت الحنفية: الواجب فيه مهر المثل كما في صورة عدم التسمية، وقالوا: الباء ليست\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ١٩٨).","vol":"6","page":83},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: \"انْطَلِقْ فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا فَعَلِّمْهَا مِنَ الْقُرْآنِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥١٣٥، م: ١٤٢٥].\n٣٢٠٣ - [٢] وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: كَمْ كَانَ صَدَاقُ النَّبِيِّ -ﷺ-؟ قَالَتْ: كَانَ صَدَاقُهُ لِأَزْوَاجِهِ ثِنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّهً وَنَشٌّ، قَالَتْ: أَتَدْرِي مَا النَّشُّ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَتْ: نِصْفُ أُوقِيَّةٍ فَتِلْكَ خَمْسُ مِئَةِ دِرْهَمٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَ(نَشٌّ) بِالرَّفْعِ فِي \"شَرْحِ السُّنَّة\" وَفِي \"جَمِيع الأُصُول\". [م: ١٤٢٦].\nــ\nللمقابلة بل للسببية، والمعنى زوَّجتُها منك بسبب ما معك من القرآن، ويكون ذلك سبب الاجتماع بينهما، لا أنه مهرها كما يجيء من حديث تزوُّجِ أبي طلحةَ أمَّ سُلَيمٍ على إسلامه، أو لعل تلك المرأة وهبت صداقها لذلك الرجل (١).\nوقوله: (فعلمها) بلفظ الأمر.\n٣٢٠٣ - [٢] (أبو سلمة) قوله: (كان صداقه لأزواجه) ظاهره أن ذلك كان صداق أزواجه كلهن، ويدل على ذلك حديث عمر الآتي في أول (الفصل الثاني)، واللَّه أعلم. و(الأوقية) بالضم وكسر القاف وفتح المثناة التحتية المشددة: أربعون درهمًا.\nوقوله: (ونش) بفتح النون وتشديد الشين المعجمة: النصف من كل شيء، ونشُّ الرغيفِ: نصفُه، فنصف الأوقية عشرون درهمًا، وهو مرفوع في أكثر نسخ (المصابيح)، تقديره: معها نش أو يزاد نش، وفي بعضها بالنصب -وهو ظاهر-\n_________\n(١) انظر: \"بذل المجهود\" (٨/ ٣٠).","vol":"6","page":84},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-822> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٢٠٤ - [٣] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: أَلَا لَا تُغَالُوا صَدُقَةَ النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا وَتَقْوَى عِنْدَ اللَّهِ لَكَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ-، مَا عَلِمْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَكَحَ شَيْئًا مِنْ نِسَائِهِ، وَلَا أَنْكَحَ شَيْئًا مِنْ بَنَاتِهِ عَلَى أَكْثَرَ مِنَ اثْنَتَيْ عَثسْرَةَ أُوقِيَّهً. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ١/ ٤٠ - ٤١، د: ٢١٠٦، ت: ١١١٤، ن: ٣٣٤٩، جه: ١٨٨٧، دي: ٢/ ١٤١].\nــ\nعطفًا على ثنتي عشرة، لكنه ليس برواية، كذا قيل.\nالفصل الثاني\n٣٢٠٤ - [٣] (عمر بن الخطاب) قوله: (لا تغالوا) غلا غلاءً فهو غالٍ ضد رخُصَ، والمراد لا تكثروا (صدقة النساء) بضم الدال بمعنى الصداق كما مر، في بعض النسخ: (صدقات النساء)، والضمير في (إنها) للمغالاة، و(المكرمة) بفتح الميم وضم الراء بمعنى الكرم.\nوقوله: (على أكثر من اثنتي عشرة أوقية) لم يذكر الكسر، وهو النَّشُّ، وأما ما روي من نكاح أم حبيبة بأربعة الآف درهم فكان من قبل النجاشي من ماله إكرامًا له -ﷺ-، وقد ورد أن امرأة قالت حين قاله عمر -﵁-: كيف ذلك وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾؟ [النساء: ٢٠] فقال عمر -﵁-: كلُّكم أعلمُ من عمر، فكان هذا تواضعًا منه -﵁-، وإلا فالكلام كان في الأفضل والأولى، لا في أصل الجواز، فلا يرِدُ ما قالت، وما ذكر في الآية مبالغة في عدم الأخذ.","vol":"6","page":85},{"text":"٣٢٠٥ - [٤] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (١) -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقِ امْرَأَتِهِ مِلْءَ كَفَّيْهِ سَوِيقًا أَوْ تَمْرًا فَقَدِ اسْتَحَلَّ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢١١٠].\n٣٢٠٦ - [٥] وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: أَنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي فَزَارَةَ تَزَوَّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَرَضِيتِ مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِكِ بِنَعْلَيْنِ؟ \" قَالَت: نَعَمْ، فَأَجَازَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١١١٣].\n٣٢٠٧ - [٦] وَعَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا شَيْئًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ. . . . .\nــ\n٣٢٠٥ - [٤] (جابر) قوله: (أعطى في صداق امرأته) محمول على المعجَّل منه كما قالوا.\n٣٢٠٦ - [٥] (عامر بن ربيعة) قوله: (تزوجت على نعلين) هذا أيضًا محمول على ما ذكرنا.\n٣٢٠٧ - [٦] (ابن مسعود) قوله: (حتى مات) وإن طلّق في هذه الصورة فلها المتعة على المُوسِع قدرُه وعلى المقتِرِ قدرُه، كما هو مدلول الآية.\nوقوله: (فقال ابن مسعود) قيل: اجتهد فيها شهرًا ثم قال.\nوقوله: (مثل صداق نسائها) أي: نساء قومها كأخواتها وعماتها وبناتهن التي تشاركها في المال والجمال والثيوبة والبكارة، و(الوكس) بفتح الواو وسكون الكاف:\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".","vol":"6","page":86},{"text":"وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الأَشْجَعِيُّ فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشَقٍ امْرَأَةٍ مِنَّا بِمِثْلِ مَا قَضَيْتَ، فَفَرِحَ بِهَا ابْنُ مَسْعُودٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١١٤٥، د: ٢١١٥، ن: ٣٣٥٤، دي: ٢/ ١٥٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-823> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٢٠٨ - [٧] عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ: أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ،\nــ\nالنقصان والتنقيص. و(الشطط) بفتحتين: الجَوْر والظلم. و(معقل) بفتح الميم وكسر القاف. و(بروع) بكسر الباء وسكون الراء، وروي بفتح الباء، وقيل: الفتح أصح، وقيل: بالكسر عند أهل الحديث وبالفتح عند أهل اللغة، وقال في (القاموس): بَرْوَع كجدول ولا يكسر، و(واشق) بكسر المعجمة.\nوقوله: (منا) أي: من الأشجعيين.\nوقوله: (ففرح بها) أي: بهذه الفتيا، أو بهذه الموافقة (ابن مسعود) روي عنه أنه قال: ما فرحت بعد إسلامي مثل فرحي بموافقة رأيي قضاءَ رسول اللَّه -ﷺ-، ومذهب علي وجماعة من الصحابة -﵃- في هذه المسألة أنه لا مهر لها لعدم الدخول، وللشافعي فيه قولان، أحدهما كقول علي -﵁-، والآخر كقول ابن مسعود -﵁-، ومذهبنا مذهب ابن مسعود.\nالفصل الثالث\n٣٢٠٨ - [٧] (أم حبيبة) قوله: (كانت تحت عبد اللَّه بن جحش) كذا وقع في نسخ (المشكاة)، وصوابه: (عبيد اللَّه) بصيغة التصغير كما في (سنن أبي داود) و(جامع الأصول) و(المنتقى)، كذا في حاشية (المشكاة) بخط السيد أصيل الدين، وعبيد اللَّه هذا هاجر إلى الحبشة الهجرةَ الثانيةَ، وكانت أم حبيبة تحته، فولدت له حبيبة، وكنيت","vol":"6","page":87},{"text":"فَمَاتَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَزَوَّجَهَا النَّجَاشِيُّ النَّبِيَّ -ﷺ- وَأَمْهَرَهَا عَنْهُ أَرْبَعَةَ آلافٍ، وَفِي رِوَايَة: أَرْبَعَة آلافِ دِرْهَمٍ، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَعَ شُرَحَبِيلَ ابْنِ حَسَنَةَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢١٠٧، ن: ٣٣٥٠].\n٣٢٠٩ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: تَزَوَّجَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ، فَكَانَ صَدَاقُ مَا بَيْنَهُمَا الإِسْلَامُ أَسْلَمَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ قَبْلَ أَبِي طَلْحَةَ، فَخَطَبَهَا فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَسْلَمْتُ، فَإِنْ أَسْلَمْتَ نَكَحْتُكَ، فَأَسْلَمَ، فَكَانَ صَدَاقَ مَا بَيْنَهُمَا. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٣٣٤٠].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-824>٨ - باب الوليمة</span>\nــ\nبها، ثم تنصَّر وارتد عن الإسلام، ومات هناك، وثبتت أم حبيبة -﵂- على الإسلام، وروي أنه -ﷺ- بعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ليخطبها فزوَّجها سنة ست، و(حسنة) أم شرحبيل، وكان شرحبيل، من مهاجرة الحبشة معدود في وجوه قريش.\n٣٢٠٩ - [٨] (أنس) قوله: (أم سليم) هي أم أنس بن مالك.\nوقوله: (فكان) أي: الإسلامُ (صداق ما يينهما) معناه صار الإسلام سببًا لاستحقاقه واستئهاله بها، لا أنه كان مهرًا، كذا ذكر علماؤنا الحنفية ﵏، وعند الشافعية محمول على ظاهره، واللَّه أعلم.\n٨ - باب الوليمة\nفي (النهاية) (١): الوليمة: الطعام الذي يصنع عند العرس، من أولمت، وفي\n_________\n(١) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (٥/ ٢٢٦).","vol":"6","page":88},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-825> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٢١٠ - [١] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أثَرَ صُفْرَةٍ فَقَالَ: . . . . .\nــ\n(القاموس) (١): الوليمة: طعام العرس أو كل طعام، وسميت وليمة لاجتماع الزوجين، ووليمة الشيء: كماله وجمعه من الالئتام.\nوالأكثر على أن الوليمة سنة، والتقدير بالشاة لمن أطاقها لا على الحتم، وقد صح أنه -ﷺ- أولم على بعض نسائه بمُدَّين، وعلى الأخرى بسَوِيق وتمرٍ، وعلى أخرى بحَيْس، وورد: (الوليمة حق) أي: سنة ثابت شرعًا، وقيل: مستحبة، وقيل: واجبة، ووقتها بعد الدخول أو وقت العقد أو عندهما.\nأقول: واختلف في تكرارها أكثر من يومين، فكرهه طائفة، واستحب مالك كونها أسبوعًا، وفي (مجمع البحار) (٢): الضيافة ثمانية: الوليمة للعرس، والخُرْس للولادة، والإعذار للخِتان، والوَكِيرة للبناء، والنَّقيعة لقدوم مسافر من النقع، وهو الغبار، ويصنع المسافر أو يصنع له، والوَضِيمة للمصيبة، والعقيقة لتسمية الولد، والمأدبة طعام متَّخذ للضيافة بلا سبب، وكلها مستحبة إلا الوليمة فإنها تجب عند قوم، قال البغوي: يستحب للمرء أن يحدث شكر اللَّه إذا أحدث نعمة.\nالفصل الأول\n٣٢١٠ - [١] (أنس) قوله: (أثر صفرة) أي: تعلق بثوبه أو ببدنه من زعفران من طيب العروس، أو من غير طيب العروس، بل من استعمال الزعفران على قول من يجوِّز للمتزوِّج.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٧٦).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٤٣٠).","vol":"6","page":89},{"text":"\"مَا هَذَا؟ \" قَالَ: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ: \"بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥١٤٨، م: ١٤٢٧].\n٣٢١١ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: مَا أَوْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَائِهِ مَا أَوْلَمَ عَلَى زَيْنَبَ،\nــ\nوقوله: (ما هذا؟) سؤال عن السبب بأنه للتزوج فيجوز، أو لغيره فلا يجوز، فأجاب بأنه للتزوج فقرَّره، أو إنكار على ذلك فأجابه بأنه لم يتضمَّخ بل علق به من مخالطة العروس، فافهم.\nوقوله: (على وزن نواة) قيل: هي اسم لخمسة دراهم، كذا نقل الطيبي (١) وقال: إن النواة اسم لخمسة دراهم، كما أن النَّشَّ اسم لعشرين درهمًا، والأوقية لأربعين، وقال صاحب (القاموس) (٢): والنواة من العدد عشرون، أو عشرة، والأوقية من الذهب أربعون أو أربعة دنانير، أو ما زنته خمسة دراهم، أو ثلاثة دراهم، أو ثلاثة ونصف. وقيل: المراد نواة التمر.\nوقوله: (أولم ولو بشاة) ظاهر هذه العبارة أنه للقلة، أي: ولو بشيء قليل كالشاة، وقد يجيء مثل هذه العبارة لبيان التكثير والتبعيد كما في قوله: (ولو بالصين)، وقيل: وهو المراد هنا لأن كون الشاة قليلة لم يعرف في ذلك الزمان، وهو الظاهر من الحديث الآتي، ولو أريد التقليل لم يبعد، أي: ولو بشاة واحدة صغيرة، وقد ثبت كون الوليمة بأقل ذلك كالسَّوِيق والحَيْس والمُدَّين من شعير، واللَّه أعلم.\n٣٢١١ - [٢] (أنس) قوله: (ما أولم) ما نافية، وفي (ما أولم على زينب)\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٢٩٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٣٠).","vol":"6","page":90},{"text":"أَوْلَمَ بِشَاةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥١٦٨، م: ١٤٢٨].\n٣٢١٢ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: أَوْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ بَنَى بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَأَشْبَعَ النَّاسَ خُبْزًا وَلَحْمًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٧٩٤].\n٣٢١٣ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَعْتَقَ صَفِيَّةَ، وَتَزَوَّجَهَا، وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا، وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا بِحَيْسٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥١٦٩، م: ١٣٦٥].\n٣٢١٤ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: أَقَامَ النَّبِيُّ -ﷺ- بَيْنَ خَيْبَرَ وَالْمَدِينَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ يُبْنَى عَلَيْهِ بِصَفِيَّةَ،\nــ\nموصولة، والمضاف محذوف، أي: مثلَ، أو قدرَ ما أولم عليها.\nوقوله: (أولم بشاة) يدل على أن الوليمة بشاةٍ كثيرةٌ.\n٣٢١٢ - [٣] (أنس) قوله: (حين بنى بزينب) يدل على أن وقت الوليمة بعد العقد بل وبعد الدخول.\n٣٢١٣ - [٤] (أنس) قوله:) (وجعل عتقها صداقها) هذا عندنا محمول على أنها وهبت له صداقها، أو هو من خواصه -ﷺ-، والأقرب أن يقال: إنها وهبت له نفسها، فإنه نكاح بلا مهر، وهو في معنى الهبة، وهو أيضًا من خواصه، وعند جماعة يجوز أن يجعل العتق مهرًا. و(الحيس) بفتح الحاء وسكون التحتانية في الأصل بمعنى الخلط، ويطلق على تمر يخلط بسمن وأقط، فيعجن شديدًا، ثم يُندر منه نواه، وربما جعل فيه السويق، كذا في (القاموس) (١).\n٣٢١٤ - [٥] (أنس) قوله: (يبنى عليه بصفية) أي: يبنى على رسول اللَّه -ﷺ-\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٩٦).","vol":"6","page":91},{"text":"فَدَعَوْتُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى وَلِيمَتِهِ، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ خُبْزٍ وَلَا لَحْمٍ، وَمَا كَانَ فِيهَا إِلَّا أَنْ أَمَرَ بِالأَنْطَاعِ فَبُسِطَتْ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهَا التَّمْرُ وَالأَقِطُ وَالسَّمْنُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٢١٣].\n٣٢١٥ - [٦] وَعَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ: أَوْلَمَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى بَعْضِ نِسَائِهِ بِمُدَّيْنِ مِنْ شَعِيرٍ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥١٧٢].\n٣٢١٦ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْوَليمَةِ فَلْيَأْتِهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥١٧٣، م: ١٤٢٩].\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ: . . . . .\nــ\nخباء مع صفية أو بسببها، كناية عن الزفاف معها، والمشهور من العبارة أن يقال: بنى بصفية أو على صفية، ولعل صيغة المضارع لحكاية الحال الماضي. و(الأنطاع) جمع نطع بالكسر والفتح والسكون وبالتحريك: بساط من الأديم، والمراد السُّفْرةُ المبسوطة للطعام، وكانت من الأديم، و(الأقط) مثلثة ويحرك وككتف ورجل وإبل: شيء يتخذ من المخيض الغنمي، كذا في (القاموس) (١)، وهذه الثلاثة مجموعها في معنى الحيس كما في الحديث السابق.\n٣٢١٥ - [٦] (صفية بنت شيبة) قوله: (على بعض نسائه) قال السيوطي: لعلها أم سلمة.\n٣٢١٦ - [٧] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (فليأتها) قيل: إجابة الوليمة مستحبة، وقيل: واجبة، وقيل: فرض كفاية؛ لأنها إكرام موالاة أشبه رد السلام، وهذا إذا\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٠٦).","vol":"6","page":92},{"text":"فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ.\n٣٢١٧ - [٨] وَعَنْ جَابِرٍ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجبْ، فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٣٠].\n٣٢١٨ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ، وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ. . . . .\nــ\nعيّن الداعي المدعوَّ بالدعوة، فلو لم يعينه كقوله: يا أيها الناس أجيبوا إلى الوليمة لم يجب الإجابة، بل لا يستحب؛ لأن الإجابة معلل بما فيها من كسر قلب الداعي؛ وإذا عمم فلا كسر، ويسقط وجوب الإجابة أو ندبها بأعذار، منها: أن يكون في الطعام شبهة، أو خص بها الأغنياء، أو يكون هناك من لا يليق به مجالسته، أو يدعوه لجاهه، أو لتعاونه على باطل، أو يكون هناك منكر، ولا يجب إجابة الذمي بل يكره.\nوقوله: (أو نحوه) بأن كان عقيقة مثلًا، وكان المراد بالوليمة في هذه الرواية مطلق الطعام.\n٣٢١٧ - [٨] (جابر) قوله: (فليجب) أي: فليحضر، إذ الواجب أو المندوب إنما هو الحضور لا الأكل، والأكل مستحب إن لم يكن صائمًا.\n٣٢١٨ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (يدعى لها الأغنياء) إما إشارةٌ إلى علة كونها شرًّا بناء على ما هو العادة فيكون مستأنفة، ويكون المراد بالوليمة جنسها، أو تقييدٌ فيكون صفة للوليمة، فلا يشكل بأنه قد أولم النبي -ﷺ- فكيف يكون شرًّا.\nوقوله: (ومن ترك الدعوة) أي: إجابتها بغير عذر.","vol":"6","page":93},{"text":"فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ [خ: ٥١٧٧، م: ١٤٣٢].\n٣٢١٩ - [١٠] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُكْنَى أَبَا شُعَيْبٍ، كَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ، فَقَالَ: اصْنَعْ لِي طَعَامًا يَكْفِي خَمْسَةً، لَعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ -ﷺ- خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَصَنَعَ لَهُ طُعَيْمًا، ثمَّ أَتَاهُ فَدَعَاهُ فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"يَا أَبَا شُعَيْبٍ! إِنَّ رَجُلًا تَبِعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَذِنْتَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ تَرَكْتَهُ\" قَالَ: لَا، بَلْ أَذِنْتُ لَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٦١، م: ٢٠٣٦].\nــ\nوقوله: (فقد عصى اللَّه) ظاهره الوجوب، أو هو محمول على تأكد الاستحباب، وعليه الجمهور.\n٣٢١٩ - [١٠] (أبو مسعود الأنصاري) قوله: (يكنى) بلفظ المجهول بالتخفيف والتشديد، و(اللحام) بصيغة المبالغة: بائع اللحم، وألفاظ المحترفة واقعة بصيغة المبالغة بناء على كثرة عملهم ومزاولتهم له.\nوقوله: (خامس خمسة) بالنصب حال من النبي -ﷺ-.\nوقوله: (طعيمًا) بضم الطاء وفتح العين وكسر الياء المشددة للتصغير.\nوقوله: (ثم أتاه) أي: أتى الرجلُ النبيَّ -ﷺ- فدعاه.\nوقوله: (فإن شئت أذنت له) بلفظ الخطاب، فيه أنه لا يجوز لأحد أن يَدْخُلَ في ضيافة قوم بغير إذنهم، ولا يجوز أن يُدْخِلَ الضيف أحدًا بغير إذن المضيف، وقيل: إن كان الضيف رجلًا كبيرًا مقتدى قوم يجوز، وأن يستحب للمضيف إذنه، وفيه إكرام للضيف.","vol":"6","page":94},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-826> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٢٢٠ - [١١] عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَوْلَمَ عَلَى صَفِيَّةَ بِسَوِيقٍ وَتَمْرٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَه [حم: ٣/ ١١٠، ت: ١٠٩٥، د: ٣٧٤٤، جه: ١٩٠٩].\n٣٢٢١ - [١٢] وَعَنْ سَفِينَةَ: أَنَّ رَجُلًا ضَافَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا،\nــ\nالفصل الثاني\n٣٢٢٠ - [١١] (أنس) قوله: (بسويق وتمر) قد تعددت الروايات فيه، ففي بعضها: بالتمر والأقط والسمن، وفي بعضها: بالحيس، وفي بعضها: بالتمر والسويق، ولا منافاة بينها، فافهم.\n٣٢٢١ - [١٢] (سفينة) قوله: (أن رجلًا ضاف علي بن أبي طالب) أي: نزل عليه شخص للضيافة، في (النهاية) (١): يقال: ضِفْتُ الرجلَ: إذا نزلْتَ به في ضيافته، وأضَفتُه: إذا أنزَلتَه، وتضيَّفتُه: إذا نزَلتَ به، وتضيَّفَني: إذا أنزَلَني، وفي (المشارق) (٢): ضاف رسولَ اللَّه -ﷺ- ضيفٌ، أي: نزل به وطلب ضيافته، وتضيَّفَ أبو بكر رَهْطًا؛ أي: اتخذهم أضيافًا، يقال: ضِفتُ الرجلَ: إذا طلبت ضيافته ونزلت به، وأضَفتُه: أنزلتَه للضيافة وضيَّفتُه بمعنًى، وقيل: ضيفته: أنزلته منزلة الأضياف، وفي كتاب آخر مسمى بـ (المصباح): ضافه كباع: إذا نزل عنده، وأضفته: إذا أنزلته وقربته، فعُلم\n_________\n(١) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (٣/ ١٠٩).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٠٩ - ١١٠).","vol":"6","page":95},{"text":"فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: لَوْ دَعَوْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَكَلَ مَعَنَا، فَدَعَوْهُ فَجَاءَ فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى عِضَادَتَي الْبَابِ، فَرَأَى الْقِرَامَ قَدْ ضُرِبَ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، فَرَجَعَ. قَالَتْ فَاطِمَةُ: فَتَبِعْتَهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَدَّكَ؟ قَالَ: \"إِنَّهُ لَيْسَ لِي أَوْ لِنَبِيِّ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتًا مُزَوَّقًا\". . . . .\nــ\nمن ذلك كله أَن ضاف بمعنى جاء ضيفًا وأضاف بمعنى اتخذه ضيفًا، فالأول بمعنى (مهمان شد)، والثاني بمعنى (مهمان كَرفت)، وتضيَّف مشترك بين المعنيين، ويعلم من (القاموس) أن أضاف قد يجيء بمعنى ضاف، أي: نزل عليه ضيفًا، وبالجملة لا يظهر وجاه ما نقل الطيبي (١) عن المظهر في تفسير قوله: أن رجلًا ضاف عليًّا: أي صنع طعامًا وأهدى لعلي بن أبي طالب -﵁-، وليس معناه أنه دعا عليًّا إلى بيته، وهذا مما يُتعجَّب منه، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فصنع) أي: عليٌّ (له) أي: للرجل.\nوقوله: (لو دعونا رسول اللَّه -ﷺ-) فيه استحباب دعوة بعض الأحباب في الضيافة وإن لم يفعل لأجله، و(عضادتا الباب) خشبتان منصوبتان على جنبي الباب، و(القرام) بالكسر: الستر الرقيق، وقيل: العِهْن من صوف ذي ألوان، وقيل: الستر الرقيق وراء الستر الغليظ، وقيل: ثوب منقَّش ستر به الجدار، وقيل: لم يكن منقشًا لكن ضرب مثل حَجَلة العروس ستر به الجدار، وبالجملة ستر الجدار بالثوب مكروه يشبه أفعال الجبابرة، ففيه دليل على ترك دعوة فيها منكر.\nوقوله: (بيتًا مزوقًا) (٢) بالزاي على لفظ اسم المفعول من التفعيل، أي: منقَّش\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٢٩٧).\n(٢) في \"التقرير\": لعله كان هناك التصاوير، أو احتراز عن التنعم أيضًا.","vol":"6","page":96},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٥/ ٢٢٠ - ٢٢١، جه: ٣٣٦٠].\n٣٢٢٢ - [١٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ (١) فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَمَنْ دَخَلَ عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَلَ سَارِقًا وَخَرَجَ مُغِيرًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٧٤١].\n٣٢٢٣ - [١٤] وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا اجْتَمَعَ الدَّاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ\". . . . .\nــ\nمزيَّن، وأصله أن الزُّوَق كصُرَد: الزئبق يجعل مع الذهب، فيطلى به، فيدخل في النار، فيطير الزاوُوق، ويبقى الذهب، ثم قيل لكلِّ منقَّش ومزيَّن، كذا في (القاموس) (٢)، وفيه: تصريح بأن القِرام كان منقَّشًا إلا أن يراد تزيين البيت بذلك الستر من غير أن يكون الستر منقوشًا، واللَّه أعلم.\n٣٢٢٢ - [١٣] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (دخل سارقًا) لدخوله بغير إذن صاحب البيت فكأنه دخل خفية، (وخرج مغيرًا) من الإغارة إن أكل أو حمل شيئًا معه؛ لأنه لما كان بغير إذن المالك كان في حكم الغصب والغارة.\n٣٢٢٣ - [١٤] (رجل) قوله: (إذا اجتمع الداعيان) أي: إذا دعاك اثنان معًا ضيافة، فأجب الذي هو أقرب منك جوارًا، وحدُّه أن يكون أقرب بابًا، وإن سبق أحدهما فهو الراجح، وإن كان الآخر أقرب، ولعل هذا في أهل الجوار، وأما في\n_________\n(١) أي: تعنتًا وتكبرًا لا بعذر، كذا في \"التقرير\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٢٢).","vol":"6","page":97},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٧٤١].\n٣٢٢٤ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"طَعَامُ أَوَّلِ يَوْمٍ حَقٌّ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّانِي سُنَّةٌ، وَطَعَامُ يَوْمِ الثَّالِثِ سُمْعَةٌ، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٠٩٧].\nــ\nغيرهم من أهل البلد فالترجيح يكون بأمور أخرى كالصلاح والمعرفة ونحوهما، واللَّه أعلم.\n٣٢٢٤ - [١٥] (ابن مسعود) قوله: (طعام أول يوم) من أيام الضيافة والوليمة حق، أي: واجب أو سنة مؤكدة، (وطعام يوم الثاني) من إضافة الموصوف إلى الصفة، وفي بعض النسخ بالتوصيف، وكذا في الثالث، (سنة) لجبر نقصان وقع في الأول وتكميله، وأما اليوم الثالث فليس إلا رياء وسمعة يُري الناس ويسمعهم بإطعامه، يقال: ما فعله إلا رياء، و(سمعة) بالضم والسكون، وقد يضم ويحرك، وهي ما نوَّهَ بذكره ليرى وشممع، ويجيء بيانهما في بابهما، فالإجابة في الأول واجبة أو سنة مؤكدة، وفي الثاني سنة أو مستحبة، وفي الثالث مكروه أو حرام، والمقصد أن اللَّه تعالى لما أحدث نعمة على عبده ينبغي أن يُحدث له شكرًا، ولكن لا ينبغي أن يتجاوزَ عن الحد فيما يفضي إلى السرف والسمعة والرياء.\nوقوله: (ومن سمَّع) بلفظ الماضي المعلوم مشددًا، أي: شهر نفسه بكرم أو غيره فخرًا ورياءً.\nقوله: (سمع اللَّه به) شهره اللَّه يوم القيامة بين أهل العرصات بأنه مراءٍ كذابٌ، أو في الدنيا بذلك ويفضحه بين الناس.","vol":"6","page":98},{"text":"٣٢٢٥ - [١٦] وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى عَنْ طَعَامِ الْمُتَبَارِيَينِ أَنْ يُؤْكَلَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- مُرْسَلًا. [د: ٣٧٥٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-827> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٢٢٦ - [١٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْمُتَبَارِيَانِ لَا يُجَابَانِ، وَلَا يُؤكَلُ طَعَامُهُمَا\". قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: يَعْنِي المُتَعَارِضَيْنِ بِالضِّيافَةِ فَخْرًا وَرِياءً.\n٣٢٢٧ - [١٨] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ إِجَابَةِ طَعَامِ الْفَاسِقينَ.\nــ\n٣٢٢٥ - [١٦] (عكرمة) قوله: (عن طعام المتباريين) أي: المتعارضين المغالبين بفعلهما ليرى أيهما يغلب صاحبه، والمباراة: المعارضة، يقال: باراه: عارضه، والسلف كانوا لا يجيبون دعوة المباراة، ولا يأكلون طعام المباهاة.\nالفصل الثالث\n٣٢٢٦ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (المتباربان لا يجابان) فهم من الحديث الأول كراهة أكل طعامهما، وهو لا ينافي بحسب الظاهر جواز إجابتهما، وصرح في هذا الحديث بكراهة إجابتهما أيضًا.\n٣٢٢٧ - [١٨] (عمران بن حصين) قوله: (عن إجابة دعاء الفاسقين) لأن الغالب أن الفاسق لا يحتاط في طعامه وكل الحرام، وأيضًا قد يكون ظالمًا، وقد ورد: (اللهم لا تجعل للظالم عليَّ يدًا).","vol":"6","page":99},{"text":"٣٢٢٨ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- (١): \"إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ الْمُسْلِم، فَلْيَأْكُلْ مِنْ طَعَامِهِ، وَلَا يَسْأَلْ، وَيَشْرَبْ مِنْ شَرَابِهِ، وَلَا يَسْأَلْ\" رَوَى الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَة الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" وَقَالَ: هَذَا إِنْ صَحَّ فَلِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُطْعِمُهُ وَلَا يسْقِيه إِلَّا مَا هُوَ حَلَالٌ عِنْدَهُ [شعب: ٥/ ١٢٩، ٥/ ٦٨، ٥/ ٦٧].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-828>٩ - باب القسم</span>\nــ\n٣٢٢٨ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (ولا يسأل) بحيث يفضي إلى سوء الظن وإيذائه، ويستكشف حقيقة الحالى من غير سؤال وإيذاء، وذلك إذا لم يُعلم فسقُه وظلمُه وتجاوزُه عن الحد، وبالجملة إذا عُلم بيقين أو غلبة الظن أنه محتاط في أمر طعامه فذاك، وإن تساويا فالاحتياط في الترك، وإن كان له وجوه متعددة في الرزق بعضها طيب وبعضها خبيث، وأحسن الظن باحتمال أنه يأكل من الوجوه الطيبة فله وجه الجواز، وإن تعين أنه لا يحتاط، أو تعين أنه يأكل الحرام، أو ليس له إلا مداخل سوء فكلا، واللَّه الموفق.\nوفي قوله -ﷺ-: (على أخيه المسلم) نوع إيماء إلى تحسين الظن، واللَّه أعلم كما ذكر بقوله: (هذا) أي الحديث الأخير (إن صح. . . إلى آخره).\n٩ - باب القسم\n(القسم) بالفتح: مصدر قسَمَ يقسِمُ، ومنه القسم بين النساء، وبالكسر: النصيب\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول اللَّه\".","vol":"6","page":100},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-829> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٢٢٩ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قُبِضَ عَنْ تِسْعِ نِسْوَةٍ،\nــ\nوالجزء من الشيء المقسوم، وبالفتحتين بمعنى الحَلِف، والقَسْم يجب للمرأتين وأكثر، فإن ترك وجب قضاؤه للمظلومة، وليس له أن يبيت في نوبةِ واحدةٍ عند أخرى، ولا أن يجمع بين اثنتين في ليلة من غير إرادتهن، وحديث (كان يطوف على نسائه في ليلة) كان قبل أن يجب القسم، أو بإذنهن، والمذهب عند الحنفية أنه لم يكن القسم واجبًا على رسول اللَّه -ﷺ- لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١]، ورعاية ذلك كان تفضُّلًا لا وجوبًا، واللَّه أعلم.\nفإن وهبت واحدة لا يلزم في حق الزوج، بل له أن يدخل على الواهبة، ولا يلزم رضاء الموهوبة، وللواهبة أن ترجع متى شاءت في المستقبل دون الماضي، وإن وهبت للزوج فله أن يجعل نوبتها لمن يشاء، وإن تركت حقها ولم تعيِّن واحدة يُسوِّي بينهن، والقرعة واجبة، وعندنا يُستحب عند السفر، ولا يجب قضاء أيام السفر، ولو خرج بواحدة من غير قوعة يجب القضاء للأخرى، وإن حمل اثنتين بالقرعة فعليه التسوية بينهما، وعماد القسم في حق المقيم الليل، والنهار تبع له، فإن كان الرجل ممن يعمل بالليل فعماده في حقه النهار، وباقي الأحكام والمسائل مذكور في كتب الفقه (١).\nالفصل الأول\n٣٢٢٩ - [١] (ابن عباس) قوله: (عن تسع نسوة) وهي: عائشة، وحفصة، وأم\n_________\n(١) في \"التقرير\": والقسم عند الحنفية في البيتوتة لا الجماع، نعم لو لم يجامع أبدًا يؤاخذ عند اللَّه، وكذا مذاهب الأئمة الثلاثة، كما في \"المغني\" (٨/ ١٤٩) قال: لا نعلم خلافًا بين أهل العلم، في أنه لا تجب التسوية بين النساء في الجماع، وهو مذهب مالك والشافعي، انتهى.","vol":"6","page":101},{"text":"وَكَانَ يَقْسِمُ مِنْهُنَّ لِثَمَانٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٦٧، م: ١٤٦٥].\n٣٢٣٠ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ سَوْدَةَ لَمَّا كَبِرَتْ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِي مِنْكَ لِعَائِشَةَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَيْنِ: يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَة. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢١٢، م: ١٤٦٣].\n٣٢٣١ - [٣] وَعَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: \"أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ \". . . . .\nــ\nحبيبة، وسودة، وأم سلمة، وصفية، وميمونة، وزينب بنت جحش، وجويرية رضي اللَّه تعالى عنهن، وقد ذكرناهن وغيرهن من أزواجه -ﷺ-، وبعض أحوالهن في (شرح سفر السعادة) (١) فلينظر ثمة.\nوقوله: (كان يقسم منهن لثمان) هي المذكورات سوى سودة فإنها وهبت نوبتها لعائشة.\n٣٢٣٠ - [٢] (عائشة) قوله: (لما كبرت) بكسر الباء من عَلِمَ فِي السن، وبضم الباء من كَرُمَ فِي القدر، وأراد رسول اللَّه -ﷺ- أن يطلقها، واتفقت الروايات على إرادة الطلاق، أما وقوعه ففيه خلاف، والأصح عدمه، وسيأتي الكلام فيه في (الفصل الثالث).\n٣٢٣١ - [٣] (عائشة) قوله: (أين أنا غدًا؟) يريد الاستئذان منهن أن يأذنَّ له أن يكون عند عائشة، (فأذن) بلفظ الواحد المذكر للفصل، وفي بعض النسخ: (فَأَذِنَّ) بلفظ جمع المؤنث من قبيل ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [طه: ٦٢].\n_________\n(١) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٤٤١).","vol":"6","page":102},{"text":"يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونُ حَيْثُ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٢١٧].\n٣٢٣٢ - [٤] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٨٨، ٢٧٧].\n٣٢٣٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدهَا سَبْعًا. . . . . .\nــ\nوقوله: (أن (١) يكون حيث شاء) فيه غاية الامتثال والاسترضاء، وإلا كان الظاهر أن يقال: أن يكون في بيت عائشة.\n٣٢٣٢ - [٤] (عائشة) قوله: (أقرع بين نسائه) وكان ذاك تفضلًا وتطييبًا لقلوبهن من غير أن يجب ذلك عليه، وهذا مذهبنا كما مر، ومع قطع النظر عن ذلك المسافر مخيَّرٌ، والقرعة أفضل (٢).\n٣٢٣٣ - [٥] (أبو قلابة) قوله: (إن (٣) من السنة) أي من جملة السنة هذا الحكم، وهو (إذا تزوج الرجل البكر. . . إلخ) أو يقدر (أنْ) المصدرية قبل قوله: (أقام).\nوقوله: (سبعًا) (٤) أي: سبعَ ليالٍ.\n_________\n(١) كذا في النسخ المخطوطة بزيادة \"أن\".\n(٢) في \"التقرير\": القرعة عند السفر ضروري عند الشافعية دون الحنفية.\n(٣) كذا في النسخ المخطوطة بزيادة \"إن\".\n(٤) في \"التقرير\": قال الشافعي بالتسبيع للبكر، والتثليث للثيب بدون القسم، والحنفية أدخلوا كلها في القسم.","vol":"6","page":103},{"text":"وَقَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمَّ قَسَمَ، قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: وَلَو شِئْتُ لَقُلْتُ: إِنَّ أَنَسًا رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢١٤، م: ١٤٦١].\n٣٢٣٤ - [٦] وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ تَزَوَّجَ أُمَّ سَلَمَةَ وَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ قَالَ لَهَا: \"لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ، وَإِنْ شِئْتِ. . . . .\nــ\nوقوله: (وقسم) أي: سوَّى بعد ذلك بين القديمة والحديثة.\nوقوله: (ثم قسم) لعل إدخال (ثم) ههنا -أعني في الصورة الثانية وهي صورة تزوُّجِ الثيب دون تزوُّجِ البكر- لأن الإقامة عند البكر لما كانت لاستحقاقها ورجحانها ورغبة الزوج عندها فكأنها لم يتراخَ الزمان ولم تمضِ مدة طويلة بخلاف الإقامة عند الثيب، فافهم.\nوقوله: (إن أنسًا رفعه) وذلك لأن قول الصحابي: (من السنة كذا) في حكم المرفوع على ما هو المختار؛ لأن السنةَ سنةُ رسول اللَّه -ﷺ-، وهو المتبادِرُ، وإن كان يطلق أحيانًا على غيرها كقولهم: سنة العُمَرين، وقد عرف في موضعه.\n٣٢٣٤ - [٦] (أبو بكر بن عبد الرحمن) قوله: (ليس بك) أي: ليس بسببك (على أهلك)، يريد نفسه الكريمة -ﷺ- أو قبيلتها، (هوان) أي: مذلة، أي: ليس اقتصاري على الثلاث لهوانك عليّ ولعدم رغبتي فيك، بل لأن حكم الشرع كذلك، وهذا تمهيد للعذر في الاقتصار على التثليث لها.\nوقوله: (إن شئت) أي: التسبيع، والتقدير: إن شئت صحبتي ومخالطتي وعزتك وامتيازك عند الناس (سبعت) بتشديد الباء، أي: أقصت عندك سبعةً، وكذلك أقصت سبعًا عندهن، أي: عند سائر النساء، (وإن شئت) أقمتُ عندك ثلاثةً كما هو حكم","vol":"6","page":104},{"text":"ثَلَّثْتُ عِنْدَكِ وَدُرْتُ\". قَالَتْ: ثَلِّثْ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهُ قَالَ لَهَا: \"لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٦٠].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-830> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٢٣٥ - [٧] عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فَيَعْدِلُ، وَيَقُولُ: \"اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١١٤٠، د: ٢١٣٤، ن: ٣٩٤٣، جه: ١٩٧١، دي: ٢/ ١٤٤].\n٣٢٣٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا كَانَتْ عِنْدَ الرَّجُلِ امْرَأَتَانِ. . . . .\nــ\nالشرع، (ودرت) أي: أطوف حولهن وبِتُّ عندهن كما هو العادة.\n(قالت) أي: أمُّ سلمة: (ثلث) على لفظ الأمر من الثلاث، أي أقم ثلاثة أيام عندي على ما هو حقي، ويكفيني ذلك، بقي أنه لما كانت الأيامُ الثلاثة حقَّ الثيب خالصة لها لكان ينبغي أن يدور عليهن أربعًا أربعًا لا سبعًا سبعًا، وأجابوا بأن طلبها لما هو أكثر من حقها أسقط اختصاصها بما كان حقًا مخصوصًا بها، فتدبر.\nالفصل الثاني\n٣٢٣٥ - [٧] (عائشة) قوله: (هذا قسمي) أي: القسم ورعاية الاعتدال في البيتوتة، والمراد بما (لا أملك) المحبة والجماع.\n٣٢٣٦ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (امرأتان) الظاهر أن الحكم غير مقصور على امرأتين بل اقتصار على الأدنى، فإنه لو كانت ثلاث أو أربع كان السقوط على حسبها،","vol":"6","page":105},{"text":"فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ سَاقِطٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١١٤١، د: ٣١٣٣، ن: ٣٩٤٢، جه: ١٩٦٩، دي: ٢/ ١٤٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-831> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٢٣٧ - [٩] عَنْ عَطَاءَ قَالَ: حَضَرْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ جَنَازَةَ مَيْمُونَةَ بِسَرِفَ فَقَالَ: هَذِهِ زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا فَلَا تُزَعْزِعُوهَا وَلَا تُزَلْزِلُوهَا وَارْفُقُوا بِهَا، فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- تِسْعُ نِسْوَةٍ كَانَ يَقْسِمُ مِنْهُنَّ لِثَمَانٍ، وَلَا يَقْسِمُ لِوَاحِدَةٍ، قَالَ عَطَاءٌ: الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَا يَقْسِمُ لَهَا بَلَغَنَا. . . . .\nــ\nواللَّه أعلم.\nالفصل الثالث\n٣٢٣٧ - [٩] (عطاء) قوله: (بسرف) بفتح السين المهملة وكسر الراء: اسم موضع قريب مكة، فيه قبر ميمونة، وفيه تزوجها، وفيه بنى عليها، وفيه ماتت سنة إحدى وستين، وقيل: إحدى وخمسين، وهذا أشهر، وكانت خالة ابن عباس.\nوقوله: (فلا تزعزعوها) الزعزعة: تحريك الشيء بقوة، والزعزعة والزلزلة بمعنى، وفي الأولى معنى الشدة والقوة، ولعله تأكيد، ولعل الزعزعة في رفعها من الأرض، والزلزلة في حملها على الرأس، أي: عظِّموا شأنها برفع جنازتها بتأنٍّ وتأدُّبٍ.\nوقوله: (فإنه كان. . . إلخ)، الضمير للشأن، يعني كانت ميمونة من اللاتي يهتم النبي -ﷺ- بشأنهن، ويقسم بينهن بالسوية، فافهم.","vol":"6","page":106},{"text":"أَنَّهَا صَفِيَّةُ، وَكَانَتْ آخِرَهُنَّ مَوتًا، مَاتَتْ بِالْمَدِينَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٧٨٠، م: ١٤٦٥].\nوَقَالَ رَزِينٌ: قَالَ غَيْرُ عَطَاءٍ: هِيَ سَوْدَةُ وَهُوَ أصَحُّ، وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ حِينَ أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- طَلَاقَهَا فَقَالَتْ لَهُ: أَمْسِكْنِي قَدْ وَهَبْتُ. . . . .\nــ\nوقوله: (أنها صفية وكانت آخرهن موتًا) ماتت سنة اثنتين وخمسين، وقيل: خمس وخمسين.\nوقوله: (وهو أصح) وهو الأشهر، وقال الخطابي: القول بأنها صفية وهم، والغلط فيه من ابن جريجٍ راوي الحديث، وقال عياض: لعل روايته صحيحة، فإنه لما نزل ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] كانت التي أرجاها سودة وجويرية وصفية وأم حبيبة وميمونة، والتي آوى عائشة وأم سلمة وزينب وحفصة، وتوفي -ﷺ- وقد آوى إليه جميعهن إلا صفية أرجاها، ولم يقسم لها، فأخبر عطاء عن آخر الأمر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (حين أراد رسول اللَّه -ﷺ- طلاقها) يدل على أنه -ﷺ- أراد طلاق سودة، ولم يطلقها بخلاف ما قال محمد ﵀: بلغنا من رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال لسودة بنت زمعة: اعتدِّي فسألته بوجه اللَّه أن يراجعها ويجعل نوبتها لعائشة -﵂-، وما رواه البيهقي (١) عن عروة: أن رسول اللَّه -ﷺ- طلق سودة، فلما خرج إلى الصلاة أمسكت بثوبه -ﷺ-، فقالت: واللَّه مالي إلى الرجال من حاجة، ولكني أريد أن أحشر في نسائك، قال: فراجعها وجعل يومها لعائشة، فهو مرسل، ويمكن الجمع بأنه كان -ﷺ- طلقها رجعية، والفرقة فيها لا يقع بمجرد الطلاق بل بانقضاء العدة، فمعنى قوله: (أراد طلاقها)\n_________\n(١) \"السنن الكبرى\" (١٣٤٣٥).","vol":"6","page":107},{"text":"يَومِي لعَائِشَةَ لَعَليِّ أَكُونُ مِنْ نِسَائِكَ فِي الْجَنَّةِ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-832>١٠ - باب عشرة النساء وما لكل واحدة من الحقوق</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-833> الفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٢٣٨ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا. . . . .\nــ\nأراد استمرار طلاقها، وإن استمر الحال إلى انقضاء العدة، كذا ذكر الشيخ ابن الهمام (١)، واللَّه أعلم.\n١٠ - باب عشرة النساء وما لكل واحدة من الحقوق\n(العشرة) بالكسر: المخالطة، عاشَرَه معاشرةً: خالطَه، وتعاشروا: تخالطوا، وعَشِيرة الرجل: بنو أبيه والأَدنَون أو قبيلته، والجمع عشائر، والمعشر كمسكن: الجماعة، وأهل الرجل، كذا في (القاموس) (٢)، والعشير: يطلق على الزوج وعلى كل مُعاشِر، قال اللَّه تعالى: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ [الحج: ١٣].\nوقوله: (وما لكل واحدة) أي: من النساء، (من الحقوق) الظاهر في العبارة أن يقول: وما لهن من الحقوق.\nالفصل الأول\n٣٢٣٨ - [١] (أبو هريرة) قوله: (استوصوا بالنساء خيرًا)، أوصاه ووصَّاه توصية:\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٣/ ٤٣٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤١٠).","vol":"6","page":108},{"text":"فَإِنَّهُنَّ خُلِقْنَ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسْرَتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. [خ: ٥١٨٦، م: ١٤٦٨].\n٣٢٣٩ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلاقُهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٦٨].\nــ\nعهد إليه، والاسم الوَصاة والوِصاية والوَصيَّة، واستشكل صيغة الاستفعال هنا فقيل: الاستيصاء بمعنى الإيصاء، أو بمعنى قبول الوصية، والمعنى أوصوا بهن خيرًا، أو أوصيكم بهن خيرًا، فاقبلوا وصيتي، وقيل: معناه اطلبوا الوصية من أنفسكم بخير في حقهن، وهذا أقرب من حيث اللفظ، والوجه الأول أظهر من حيث المعنى.\nوقوله: (فإنهن خلقن من ضلع) بكسر وفتح وبفتحتين: عظم الجنب، وهو معوج، إشارة إلى خلق أول النساء، أعني حوَّاءَ من الضلع الأعلى من أضلاع آدم ﵉، والمقصد أن النساء في خلقهن اعوجاج في الأصل، فلا يستطيع أحد أن يغيِّرهن عما جُبلن عليه.\nوقوله: (فإن ذهبت تقيمه) أي: شرعت أن تجعل الضلع مستقيمةً (كَسَرْتَهَا) ولعل تذكير الضمير والضلع مؤنث كما قال في (القاموس) بتأويل العظم، كذا المرأة إن أردت أن تجعلها مستقيمةً أدَّى إلى كسرها، أي: طلاقها، كما فسره في الحديث الآتي، فلا يمكن الانتفاع بها إلا بالترك على اعوجاجها وتحسين الخلق معها، ولكن ذلك مشروط بأن لا يكون في ذلك إثمٌ وشرٌّ.\n٣٢٣٩ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (وبها عوج) جملة حالية، والعوج بكسر العين","vol":"6","page":109},{"text":"٣٢٤٠ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٦٩].\n٣٢٤١ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْلَا بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنَزِ اللَّحْمُ،\nــ\nوفتحها والكسر أرجح، وقيل: الفتح في الأعيان والكسر في المعاني، وقيل: يقال في كل منتصب كالحائط والعصا بالفتح، وفي نحو الأرض والدِّين بالكسر.\n٣٢٤٠ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (لا يفرك) بالرفع والجزم، في (القاموس) (١): الفرك بالكسر ويفتح: البِغْضَةُ، عام أو خاصٌّ ببغضة الزوجين، كسمع فيهما، وكنصر شاذٌّ، وظاهر الحديث عام، ويفهم من إيراد الحديث في هذا الباب التخصيص، قال في (الصحاح) (٢): لم يسمع هذا الحرف في غير الزوجين، يقال: شركت المرأة زوجها بالكسر فركًا: أي أبغضته، والمقصد لا ينبغي للرجل أن يبغض المرأة؛ لأنه إن كره منها شيئًا رضي شيئًا آخر، ولا يكون جميع صفاتها سيئة، وهذا حثٌّ على حسن العشرة والصبر على سوء خلقهن.\n٣٢٤١ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (لولا بنو إسرائيل لم يخنز اللحم) بالخاء المعجمة والنون والزاي، خَنِزَ اللحمُ كفرح خُنُوزًا وخَنَزًا: أنتَنَ، روي أنهم نهوا في التيه -وقد أنزل عليهم المن والسلوى- أن يأخذوا زيادة على قوت كفايتهم، فخالفوا حرصًا منهم، فتغيرت رائحة اللحم وأنتَنَ، فخَنَزُ اللحم شيءٌ عوقب به بنو إسرائيل بسوء صنيعهم، وهو الادخار الناشئ من الحرص وعدم الثقة باللَّه، ثم استمر النتن من ذلك الوقت.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٧٥).\n(٢) \"الصحاح\" (٤/ ١٦٠٣).","vol":"6","page":110},{"text":"وَلَوْلَا حَوَّاءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا الدَّهْرَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٠٠، م: ١٤٧٠].\n٣٢٤٢ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَجْلِدْ أَحَدُكُمُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ ثُمَّ يُجَامِعْهَا فِي آخِرِ الْيَوْمِ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"يَعْمِدُ أَحَدُكُمُ فَيَجْلِدُ امْرَأَتَهُ جَلْدَ الْعَبْدِ، فَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا فِي آخِرِ يَوْمِهِ\". ثُمَّ وَعَظَهُمْ فِي ضَحِكِهِمْ مِنَ الضَّرْطَةِ فَقَالَ: \"لِمَ يَضْحَكُ أَحَدُكُمُ مِمَّا يَفْعَلُ؟ \". . . . .\nــ\nوقوله: (لولا حواء) أي: خيانتُها، قيل: خيانتها أنها ذاقت الشجرة قبل آدم، وكان قد نهاها، فغوته حتى أكل منها، وقيل: خيانتها أنها أرسلها آدم لقطع الشجرة، فقطعت سنبلتين، وأدته واحدة وأخفت أخرى، ووقع ذلك من جهة العوج في خلقها.\n٣٢٤٢ - [٥] (عبد اللَّه بن زمعة) قوله: (وعن عبد اللَّه بن زمعة) بفتحتين وقد تسكن الميم.\nوقوله: (لا يجلد) بالرفع والجزم.\nوقوله: (جلد العبد) ربما يختلج أنه كان الظاهر ذكر الأمة مكان العبد، ولعله ذكره لأن جَلْدَه يكون أشدَّ من جَلْدِ الأمة.\nوقوله: (ثم يجامعها) بالرفع، أي: ثم هو يجامعها، ولو جزم لكان المنع من الجمع، ولكن الجلد المذكور ممنوع مطلقًا، وفيه: إشارة إلى جواز ضرب العبيد والإماء للتأديب إذا لم يتأدبوا بالتغليظ في الكلام، لكن العفو أولى، والضمير في (آخر يومه) للجلد، ويجوز أن يكون لأحد.\nوقوله: (ثم وعظهم) أي: رسولُ اللَّه -ﷺ- بعد التكلم بالكلام السابق بعدما رأى من بعض القوم يضحكون من الضرطة، وهو صوت الفقح، وهو حلقة الدبر، وفي قوله: (لم يضحك أحدكم مما يفعل؟) تنبيه على أنه ينبغي للمرء أن لا يعيب على","vol":"6","page":111},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. [خ: ٥٢٠٤، م: ٢٨٥٥].\n٣٢٤٣ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْقَ مَعِي، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا دَخَلَ يَنْقَمِعْنَ فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٤٢، م: ٢٨٥٥].\n٣٢٤٤ - [٧] وَعَنْهَا قَالَتْ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُومُ عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِالْحِرَابِ. . . . .\nــ\nأحد بما فيه.\n٣٢٤٣ - [٦] (عائشة) قوله: (ألعب بالبنات) جمع بنت، أرادت بها اللُّعَبَ التي تلعب بها الصَّبيَّةُ، فالباء للتعدية، وهو الأظهر، ويجوز أن يراد بها الجواري التي يلعبن معها، فيكون الباء بمعنى (مع).\nوقوله: (ينقمعن) أي: يستترن، انقمع: دخل البيت مستخفيًا.\nوقوله: (فيسربهن إليّ) أي: يرسلهن ويسرحهن إليّ، من التسريب، والسَّرْبُ: الماشية والطريق والوجة والقطيع من الظباء والنساء وغيرها، فالمعنى يذهبهنّ إليَّ جماعةً جماعة، قوله تعالى: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: ١٠] أي: ذاهب في سربه بالفتح، أي: في طريقه ووجهه، يقال: سرب في الأرض سروبًا: ذهب وتوجه للرعي.\nوقوله: (فيلعبن معي) لعب كفرح لعبًا بفتح اللام وكسر العين وهو الأشهر، ويجوز تخفيفه بكسر اللام وسكون العين، ونقل عن ابن قتيبة أنه قال: لم يسمع في التخفيف فتح اللام مع السكون، كذا في (الحاشية)، وفيه: كمال خلقه وحسن معاشرته وشفقته ومحبته -ﷺ- لعائشة -﵂-.\n٣٢٤٤ - [٧] (عائشة) قوله: (بالحراب) بالكسر جمع حربة: رمح صغير.","vol":"6","page":112},{"text":"فِي الْمَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسْتُرُنِي بِردَائِهِ لأَنْظُرَ إِلَى لَعِبِهِمْ بَيْنَ أُذُنِهِ وَعَاتِقِهِ، ثُمَّ يَقُومُ مِنْ أَجْلِي حَتَّى أَكُونَ أَنَا الَّتِي أَنْصَرِفُ، فَاقْدُرُوا قَدْرَ الْجَارِيَةِ الْحَدِيثَةِ السِّنِّ الْحَرِيصَةِ عَلَى اللَّهْوِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٣٦، م: ٨٩٢].\n٣٢٤٥ - [٨] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنِّي لأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى\" فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولينَ: لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٢٨، م: ٢٤٣٩].\nــ\nوقوله: (في المسجد) أي: رَحْبة المسجد المتصلة به، أو في نفس المسجد، وإنما سومح بذلك لأن لعبهم ذلك كان من عُدّة الحرب مع أعداء اللَّه كالرمي، فصار في حكم العبادة، وكان يباح ذلك في مثل أيام العيد كالتغني والتدفيف، وكان يوم عيد، وقد جاء أن عمر -﵁- منعهم عن ذلك، فاعتذر إليه رسول اللَّه -ﷺ- بكونه يوم عيد، وكانت عائشة -﵂- إذ ذاك صغيرة، كما قالت: (فاقدروا) بضم الدال وبالكسر ضبطه الأصيلي، يقال: قدرتُ الأمرَ أقدُره وأقدِره: إذا نظرتَ فِيه وقدَّرته ودبَّرته، ومنه (واقدُرْ لي الخير) على الوجهين، كذا في (المشارق) (١)، تعني فاقدروا من الزمان (قدر) وقفة (الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو) كم يكون قدر مكثها في النظر إلى اللهو، فإني مكثت في ذلك القدر، تريد طول مكثها.\n٣٢٤٥ - [٨] (عائشة) قوله: (ما أهجر إلا اسمك) أي: هجراني حالةَ الغضب\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٨٩).","vol":"6","page":113},{"text":"٣٢٤٦ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ، فَبَاتَ غَضْبَانَ، لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. [خ: ٣٢٣٧، م: ١٤٣٦].\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا قَالَ: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَتَأْبَى عَلَيْهِ، إِلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا\".\nــ\nالذي يفسد الاختيارَ ويسلبه مقصورٌ على اسمك، لا يتعدى منه إلى ذاتك، وقلبي مستغرق في محبتك ومشغوف بشراشره (١) بك، قال الطيبي (٢): وإنما عبرت عن الترك بالهجران لتدلّ بها على أنها تتألم من هذا الترك الذي لا اختيار لها فيه، يعني كما يتألم على هجران الحبيب بدون اختيار فيه، فافهم.\nوهذا من أطوار المحبة وغنجها ودلالها (٣)، يعرفه من ذاق من مشربها، والأمر فيه موكول إلى الذوق، فافهم وباللَّه التوفيق.\n٣٢٤٦ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (إلا كان الذي في السماء) أي: الملائكة المقربون كما صرح في الرواية السابقة، وقال الطيبي (٤): إذا عبر عن رحمة اللَّه تعالى أو غضبه وقرب نزولها على الخلق خص السماء بالذكر، انتهى. وقد ورد: (في السماء أمره)،\n_________\n(١) \"الشراشر\": النفس، والمحبة، وجميع الجسد.\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٣١٠).\n(٣) قوله: \"دلالها\" دلُّ المرأة، ودلالها ودالولاؤها: تدللها على زوجها، تريه جراءة عليه في تغنجٍ وتشكلٍ كأنها تخالفه وما بها خلاف. \"القاموس\" (ص: ٩٢٠).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٣١٠).","vol":"6","page":114},{"text":"٣٢٤٧ - [١٠] وَعَنْ أَسْمَاءَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي ضَرَّةً، فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ إِنْ تَشَبَّعْتُ مِنْ زَوْجِي غَيْرَ الَّذِي يُعْطِينِي؟ فَقَالَ: \"الْمُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢١٩، م: ٢١٣٠].\n٣٢٤٨ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: آلى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ نِسَائِهِ. . . . .\nــ\nوقد سأل رسول اللَّه -ﷺ- جارية: (أين اللَّه؟) قالت: في السماء، فحكم بإسلامها، وقد ورد أمثال ذلك من المتشابهات، وله تأويل مشهور، ومعنى ظاهر، ولا اشتباه ولا إشكال.\n٣٢٤٧ - [١٠] (أسماء) قوله: (إن لي ضرة) الضَّرَّتان: زوجتا الرجل، وكل واحدة ضَرَّة للأخرى.\nوقوله: (إن تشبعت من زوجي) أي: أظهرت لضرتي أنه يعطيني أكثر مما يعطيها إدخالًا للغيظ عليها، وأصله إظهار الشبع، والتشبه بالشبعان وليس به.\nوقوله: (كلابس ثوبي ذور) قال السيوطي (١): قيل: هو أن يلبس ثوبي وديعة أو عارية، يظن الناس أنهما له، ولباسهما لا يدوم فيفتضح بكذبه، وقيل: هو الرجل يلبس الثياب المشبهة بثياب الزهاد، يوهم أنه منهم، وأتى بالتثنية لإرادة الرداء والإزار إذ هما متلازمان، وللإشارة إلى أنه متصف بالزور من رأسه إلى قدمه، وقيل: كان شاهد الزور يلبس ثوبين ويشهد، فيقبل لحسن ثوبيه، وقيل: التعبير بالثوبين للإشارة إلى أنه حصل بالتشبع حالتان مذمومتان، فقدان ما يشبع به، وإظهار الباطل، انتهى.\n٣٢٤٨ - [١١] (أنس) قوله: (آلى) أي: حلف أن لا يدخل على نسائه شهرًا،\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (١٠/ ١٨٧).","vol":"6","page":115},{"text":"شَهْرًا وَكَانَتِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! آلَيْتَ شَهْرًا فَقَالَ: \"إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٢٠١].\nــ\nوالإيلاء باب معروف في الفقه من كتاب الطلاق.\nوقوله: (وكانت انفكت رجله) الضمير في كانت للقصة، ويجوز أن يكون (رجله) اسم كانت، و(انفكت) خبره، ومعنى انفكت: زالت، يقال: انفكت قدمه: زالت، وأصبعه: انفرجت، والفكُّ دون الكسر، وقيل: معناه تألمت مفصل قدمه، وسبب انفكاكها أنه -ﷺ- سقط عن فرسه، فخرج عظم رجله من موضعه، والانفكاك ضرب من الوهن والخلع، وهو أن ينفك بعض أجزائها عن بعض، كذا في (النهاية) (١). و(المشربة) بفتح الميم وضم الراء وفتحها: الغرفة.\nوقوله: (فقال: إن الشهر يكون تسعًا وعشرين) قد سبق إلى الفهم من اللفظ أنه -ﷺ- آلى شهرًا من غير تعيين، فقعد تسعًا وعشرين ليلة من غير أن جاء ذلك الشهر هكذا، ثم نزل فسألوا: آليت شهرًا والشهر يكون ثلاثين؟ فأجاب بأنه يكون تسعًا وعشرين أيضًا، فينطلق عليه، لكنه يفهم من الأحاديث الأخرى من (صحيح البخاري) أن ذلك الشهر الذي آلى فيه وقعد جاء تسعًا وعشرين، ولذلك قال الفقهاء: إذا عين شهرًا فقال: للَّه علي أن أصوم شهر كذا، فخرج ناقصًا لا يلزمه سوى ذلك، وإن لم يعين فقال: للَّه عليّ صوم شهر، يلزمه صوم ثلاثين يومًا، ولا يخفى إنه على هذا التقدير لا يكون لسؤالهم بقولهم: (آليت شهرًا)، وجه ظاهر؛ لأنه إذا عين الشهر، وجاء الشهر ناقصًا، لا يظهر وجه سؤالهم: كيف نزلت على تسع وعشرين، وقد آليت الشهر؟ هذا\n_________\n(١) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (٣/ ٤٦٦).","vol":"6","page":116},{"text":"٣٢٤٩ - [١٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ لَمْ يُؤْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ قَالَ: فَأُذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ، فَدَخَلَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ، فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ، فَوَجَدَ النَّبِيَّ -ﷺ- جَالِسًا حَوْلَهُ نِسَاؤُهُ، وَاجِمًا سَاكتًا قَالَ: فَقَالَ: لأَقُولَنَّ شَيْئًا أُضْحِكُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ رَأَيْتَ بِنْتَ خَارِجَةَ سَأَلَتْنِي النَّفَقَةَ، فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَوَجَأْتُ عُنُقَهَا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقَالَ: \"هُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى، يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ\". فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، وَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، كِلَاهُمَا يَقُولُ: . . . . .\nــ\nوالمفهوم الصريح من الأحاديث ما ذكرنا، واللَّه أعلم فتدبر.\n٣٢٤٩ - [١٢] (جابر) قوله: (فأذن لأبي بكر) بلفظ المجهول، ويروى المعلوم.\nوقوله: (فوجد) الضمير لعمر -﵁-، و(الواجم) العبوس المطرق لشدة الحزن، وجَمَ كوعَدَ وَجْمًا ووُجُومًا: سكت على غيظ.\nوقوله: (قال) أي: جابر: (فقال) أي: عمر، وفي نسخة: (فقلت)، فيكون ضمير (قال) لعمر، أي: قال عمر: فقلت في نفسي أو باللسان: (لأقولن شيئًا. . . إلخ)، وفيه: أن الإنسان إذا رأى خليله مغمومًا، وأراد كشف غمه، يستحب أن يحدث بما يضحكه ويطيب نفسه.\nوقوله: (لو رأيت) بصيغة الخطاب، ولو للشرط أو للتمني، و(بنت خارجة) هي زوجة عمر.\nوقوله: (فقمت إليها) بصيغة المتكلم، (فوجأت) أي: ضربت (عنقها)، والوجاء: الضرب باليد والسكين، من باب منع، يقال: وَجَأَ يَجَأُ وَجْئًا ووجاءً.","vol":"6","page":117},{"text":"تَسْأَلِينَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَا لَيْسَ عِنْدَهُ؟ ! فَقُلْنَ: وَاللَّهِ لَا نَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عِنْدَهُ، ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا، أَوْ تِسْعًا وَعشْرين، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ حَتَّى بلغ ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]. قَالَ: فَبَدَأَ بعائشة فَقَالَ: \"يَا عَائِشَةُ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَيْكِ أَمْرًا، أُحِبُّ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ\". قَالَتْ: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَتَلَا عَلَيْهَا الآيَةَ. قَالَتْ: أَفِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ؟ بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، وَأَسْأَلُكَ أَنْ لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلْتُ، قَالَ: \"لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إِلَّا أَخْبَرْتُهَا،\nــ\nوقوله: (ثم اعتزلهن شهرًا) الظاهر أنه آلى شهرًا غير معيِّنٍ للأيام.\nوقوله: (أو تسعًا وعشرين) صريح في أنه آلى عدد هذه الأيام، شك من الراوي، فتدبر.\nوقوله: (ثم نزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨، ٢٩]).\nوقوله: (أن لا تعجلي فيه) أي: في جوابه من تلقاء نفسك.\nوقوله: (وأسالك أن لا تخبر. . . إلخ)، أرادت اختصاصها بهذه السعادة، وذلك لغاية محبتها لرسول اللَّه -ﷺ-، وحرصها على الاختصاص باختيار الخير، ولامتحانها أحوال باقي النساء.\nوقوله: (قال: لا تسألني امرأة. . . إلخ)، وذلك لكونه -ﷺ- مظهرًا للشفقة والرأفة والنصيحة والرحمة للعالمين، وفيه أنه -ﷺ- وإن كان يحب عائشة أكثر وأشدّ ما يحب","vol":"6","page":118},{"text":"إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا وَلَا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٧٨].\n٣٢٥٠ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ مِنَ اللَّاتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ: أَتَهَبُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا؟ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ [الأحزاب: ٥١] قُلْتُ: . . . . .\nــ\nسائر النساء، ولكن كان لا ينقص الحق لهواها، فإنه كان محبته للَّه ولدينه أشدّ وأكثر وأوفر وأغلب من محبة كل شيء، -ﷺ-.\nوقوله: (معنتًا ولا متعنتًا) من العنت محركة: الفساد، والإثم، والهلاك، والمشقة، والشدة، فمعنتًا بلفظ اسم الفاعل من التفعيل بمعنى مُوقِعًا أحدًا في العنت، ومتعنتًا من التفعُّل بمعنى واقعًا بنفسه في العنت. (ولكن بعثني معلمًا) للخير، وداعيًا لكافة الناس إليه، و(ميسرًا) بكسر السين، أي: محصِّلًا لليسر والتوفيق لهم.\n٣٢٥٠ - [١٣] (عائشة) قوله: (كنت أغار على اللائي وهبن أنفسهن) قال الطيبي (١): أي أعيب؛ لأن من غار عاب، لئلا يهبن أنفسهن فلا يكثر النساء، ويقصر رسول اللَّه -ﷺ- على من يحبه، حتى نزل قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٥١] الآية، يعني تؤخر وتترك مضاجعة من تشاء وتضاجع من تشاء، أو تطلِّقُ من تشاء وتمسك من تشاء، أو تترك تزوج من شئت من نساء أمتك، وتتزوج من شئت، انتهى. ويؤيِّد ما ذكره قولُ عائشة: (أتهب المرأة نفسها).\nأقول -واللَّه أعلم-: ويمكن حمل الغيرة على حقيقتها، ويكون جعل نزول الآية\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٣١٣).","vol":"6","page":119},{"text":"مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا يُسَارعُ فِي هَوَاكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٧٨٨، م: ١٤٦٤].\nوَحَدِيثُ جَابِرٍ: \"اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ\" ذُكِرَ فِي \"قِصَّةِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ\".\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-834> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٢٥١ - [١٤] عَن عَائِشَة أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي سَفَرٍ، قَالَتْ: فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ عَلَى رِجْلَيَّ، فَلَمَّا حَمَلْتُ اللَّحْمَ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي قَالَ: \"هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٧٨].\n٣٢٥٢ - [١٥] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي، وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ. . . . .\nــ\nالمذكورة غايةً لها ظاهرًا؛ لكون إرجاء النبي -ﷺ- من يشاء منهن موجبًا لتسلية عائشة -﵂-، وأما على تقدير حمل الغيرة على العيب فالظاهر جعل الغاية نزول قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] الآية، فتأمل.\nالفصل الثاني\n٣٢٥١ - [١٤] (عائشة) قوله: (فسبقته) أي: تقدَّمته وغلبته في العَدْو.\nوقوله: (على رجليّ) بلفظ التشديد من قبيل كتبت بيدي، وأبصرت بعينيّ.\nوقوله: (فلما حملت اللحم) أي: سمنتُ.\nوقوله: (قال) أي: رسولُ اللَّه -ﷺ-: (هذه) أي: تقدُّمي عليكِ في هذه النوبة مقابل بتقدُّمك عليَّ في النوبة الأولى، والمراد بيان حسن خلقه وحسن معاشرته -ﷺ- مع أهله لمباسطته إياهن بمثل هذه الأفعال والأقوال.\n٣٢٥٢، ٣٢٥٣ - [١٥، ١٦] (عائشة، وابن عباس) قوله: (وإذا مات صاحبكم","vol":"6","page":120},{"text":"فَدَعُوهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٢٥٧٨].\n٣٢٥٣ - [١٦] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِلَى قَوْلِهِ: \"لِأَهْلِي\". [جه: ١٩٧٧].\n٣٢٥٤ - [١٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْمَرْأَةُ إِذَا صَلَّتْ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَأَحْصَنَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ بَعْلَهَا، فَلْتَدْخُلْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَتْ\". رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي \"الْحِلْيَةِ\". [٦/ ٣٠٨].\nــ\nفدعوه) ذكروا في معنى هذا الكلام وجوهًا نقلها الطيبي (١): أظهرها أنه لما أشار بقوله: (خيركم خيركم لأهله) إلى تحسين الأخلاق بالأهل والأصحاب في الحياة، وَصَّاهم برعاية ذلك بعد الممات بعدم ذكر مساويهم وسوء أخلاقهم بعدهم، كما ورد: (اذكروا موتاكم بالخير)، وما ذكر من الوجوه الأخر من أنه أراد بالصاحب نفسه، وعنى بقوله: (فدعوه) أي: اتركوا التحسُّر والتلهُّفُ عليَّ، فإن في اللَّه خلفًا عن كل فائت، أو أراد أني إذا مت فلا تؤذوني بإيذاء عترتي وأهل بيتي، أو أراد بالصاحب أعمّ، والمعنى أنه إذا مات فاتركوا محبته بعد الموت، ولا تعلقوا قلوبكم به بأن تجلسوا على مصيبته وللبكاء = فبعيدٌ، لا يناسب سياق الحديث، واللَّه أعلم.\n٣٢٥٤ - [١٧] (أنس) قوله:) (وأطاعت بعلها) فيه أن طاعة البعل فرض على المرأة فيما هو من حق النكاح من الوطء ونحوه.\nوقوله: (فلتدخل من أي أبواب الجنة) معناه: يقال لها يوم القيامة: ادخلي من أي أبواب الجنة شئت.\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٦/ ٣١٥).","vol":"6","page":121},{"text":"٣٢٥٥ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَو كُنْتُ آمُرُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ؛ لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١١٥٩].\n٣٢٥٦ - [١٩] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ دَخَلَتِ الْجَنَّةَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١١٦١].\n٣٢٥٧ - [٢٠] وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا الرَّجُلُ دَعَا زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّورِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١١٦١].\nــ\n٣٢٥٥ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (لأمرت المرأة أن تسجد) مبالغة وبيان لكمال وجوب طاعة الزوج عليها.\n٣٢٥٦ - [١٩] (أم سلمة) قوله: (دخلت الجنة) أي: حتمًا، أو مع السابقين.\n٣٢٥٧ - [٢٠] (طلق بن علي) قوله: (وإن كانت على التنور) أي: وإن كانت مشغولة بشغل ضروري ربما يضيع به مال كالخبز، وهذا إذا كان الخبز للزوج؛ لأنه إذا دعاها في هذه الحالة فقد رضي بإتلاف مال نفسه، كذا قالوا، ويحتمل أن يكون المراد وإن كان في شدة ومكان لا يمكن فيه قضاء الحاجة، وفيه مبالغة تعليقًا بالمحال، واللَّه أعلم، وقد جاء في حديث آخر: (لا تمنع المرأةُ نفسَها عن زوجها وإن كانت على ظهر قَتَبٍ) (١)، والقتب محركة للجمل كالإكاف لغيره، وهو حثٌّ على مطاوعة الأزواج ولو في حال الركوب، فكيف في غيرها، وقيل: كانت نساء العرب إذا أردن الولادة\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٤/ ٣٨١).","vol":"6","page":122},{"text":"٣٢٥٨ - [٢١] وَعَنْ مُعَاذٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا قَالَت زَوجَتُهُ مِنَ الحُورِ الْعِينِ: لَا تُؤْذِيهِ، قَاتَلَكِ اللَّهُ، فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكِ دَخِيلٌ، يُوشِكُ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١١٧٤، جه: ٢٠١٤].\n٣٢٥٩ - [٢٢] وَعَن حَكِيم بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا حَقُّ زَوْجَةٍ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: \"أَنْ نُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ،\nــ\nجلسن على قتب، ويقلن: إنه أسلس لخروج الولد، فأريدت تلك الحالة.\n٣٢٥٨ - [٢١] (معاذ) قوله: (عندك دخيل) أي: غريب نزيل، يقال: هو دخيل فيهم، أي: ليس منهم.\nوقوله: (يوشك أن يفارقك إلينا) إنما قالت: يوشك لأنه لا يجزم بكونه من أهل الجنة.\n٣٢٥٩ - [٢٢] (حكيم بن معاوية القشيري) قوله: (ما حق زوجة أحدنا عليه) الضمير لأحدنا.\nوقوله: (ولا تضرب الوجه) يفهم منه ضرب غير الوجه إذا ظهرت منها فاحشة، أو ترك فرائض اللَّه، أو لمصلحة التأديب، والضرب على الوجه منهي عنه مطلقًا.\nوقوله: (ولا تقبح) أي: لا تنسب فعلها وقولها إلى القبح، أو لا تسبها بقولك: قبحك اللَّه من غير حق.","vol":"6","page":123},{"text":"وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَهْ. [حم: ٤/ ٤٤٦ - ٤٤٧، د: ٢١٤٢، جه: ١٨٥٠].\n٣٢٦٠ - [٢٣] وَعَنْ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي امْرَأَةً فِي لِسَانِهَا شَيْءٌ يَعْنِي الْبَذَاءَ، قَالَ: \"طَلِّقهَا\" قُلْتُ: إِنَّ لِي مِنْهَا وَلَدًا وَلَهَا صُحْبَةٌ قَالَ: \"فَمُرْهَا\" يَقُولُ: عِظْهَا \"فَإِنْ يَكُ فِيهَا خَيْرٌ فَسَتَقْبَلُ، وَلَا تَضْرِبَنَّ ظَعِيْنَتَكَ ضَرْبَكَ أُمَيَّتَكَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٤٢].\nــ\nوقوله: (ولا تهجرها إلا في البيت) يعني إن كان لك في هجرانها مصلحة، ولا تهجو إلا في المضجع، ولا تحول إلى بيت آخر، قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤].\n٣٢٦٠ - [٢٣] (لقيط بن صبرة) قوله: (وعن لقيط) على وزن فعيل (ابن صبرة) بفتح الصاد وكسر الباء.\nوقوله: (يعني البذاء) بفتح الموحدة والذال المعجمة ممدودًا: الفحش، والمباذأة: المفاحشة، وبَذِيءٌ كبديع: رجل فاحش.\nوقوله: (ولها صحبة) أي: معي أرضى عنها.\nوقوله: (يقول) مستأنفة لبيان المراد من قوله: (فمرها) وهو قول الراوي.\nوقوله: (فستقبل) أي: وعظَكَ تنزجر عن البذاء.\nوقوله: (ولا تضربن ظعينتك) الظعينة على وزن السكينة: المرأة في الهودج، من الظعن بمعنى السفر والارتحال، ثم قيل للمرأة: ظعينة وإن لم تكن في الهودج؛ لكونها من شأنها ذاك، وقد يطلق على الهودج بلا امرأة، وكأن المراد معنى الرفيقة والصاحبة، و(أميتك) بضم الهمزة وتشديد الياء تصغير الأمة، وأصل أَمَة أَموَة،","vol":"6","page":124},{"text":"٣٢٦١ - [٢٤] وَعَنْ إِيَاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَضْرُبوا إِمَاءَ اللَّهِ\" فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: ذَئِرْنَ النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، فَرَخَّصَ فِي ضَرْبِهِنَّ، فَأَطَافَ بآلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نِسَاءٌ كَثِيرٌ، يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَقَدْ طَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ نِسَاءٌ كَثِيرٌ، يَشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ، لَيْسَ أُولَئِكَ بِخِيَارِكُمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. . . . .\nــ\nردت إلى الأصل حالة التصغير.\n٣٢٦١ - [٢٤] (إياس بن عبد اللَّه) قوله: (لا تضربوا إماء اللَّه) المراد بها الزوجات؛ لأن المذكور عباد اللَّه والإناث إماؤه.\nوقوله: (ذئرن النساء) في (القاموس) (١): ذئر، كفرح: اجترأ، وغضب، وذئرت المرأة على بعلها: نشَزَت، والتركيب من قبيل: أكلوني البراغيث.\nوقوله: (فرخص في ضربهن) ونزل القرآن موافقًا له، ولكن لما بالغوا في الضرب نهى عن ذلك بقوله: (ليس أولئك) أي: الرجالُ الذين يضربون نساءهم ويبالغون فيه (بخياركم).\nوقوله: (فأطاف) صحح بالهمزة، ويقال: أطاف بمعنى: ألمَّ به، كذا في (القاموس) (٢)، وأما قوله: (لقد طاف بآل محمد) صحح بغير همزة، وفي نسخ (المصابيح) كلاهما بالهمزة، وطاف من الطوف بمعنى: الحركة حول الشيء.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٦٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٦٩).","vol":"6","page":125},{"text":"وَالدَّارمِيُّ. [د: ٢١٤٦، جه: ١٩٨٥، دي: ٢/ ١٤٧].\n٣٢٦٢ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ\". رَوَاهُ أَبُو أَبُو دَاوُدَ: [د: ٥١٧٠].\n٣٢٦٣ - [٢٦] وَعَن عَائِشَة قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ مِنْ أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنَهُمْ خُلُقًا، وَأَلْطَفَهُمْ بِأَهْلِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦١٢].\n٣٢٦٤ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيرَة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ إِلَى قَوْلِهِ: \"خُلُقًا\". [ت: ١١٦٢، د: ٤٦٨٢].\nــ\n٣٢٦٢ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (من خبّب) بلفظ الماضي مشددًا، أي: خدع وأفسد بأن يذكر مساوئ الزوج عند امرأته، أو مساوئَ العبد على سيده، أو بالعكس.\n٣٢٦٣ - [٢٦] (عائشة) قوله: (من أكمل المؤمنين) يعني حسن الخلق واللطف بالأهل من أسباب (١) كمال الإيمان.\n٣٢٦٤ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (أكمل المؤمنين إيمانًا) أبلغ من قوله: (من أكمل المؤمنين).\n_________\n(١) كذا في النسخ المخطوطة إلا في نسخة (ك)، ففيها: \"من علامات\".","vol":"6","page":126},{"text":"٣٢٦٥ - [٢٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَوْ حُنَيْنٍ، وَفِي سَهْوَتِهَا سِتْرٌ، فَهَبَّتْ رِيحٌ، فَكَشَفَتْ نَاحِيةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ، فَقَالَ: \"مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ \" قَالَتْ: بَنَاتِي، وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ، فَقَالَ: \"مَا هَذَا الَّذِي أَرَى وَسْطَهُنَّ؟ \" قَالَتْ (١): فَرَسٌ قَالَ: \"وَمَا الَّذِي عَلَيْهِ؟ \" قَالَتْ (٢): جَنَاحَانِ قَالَ: \"فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ؟ \" قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ خَيْلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ؟ قَالَتْ: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَوَاجِذَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٣٢].\nــ\n٣٢٦٥ - [٢٨] (عائشة) قوله: (وفي سهوتها) السهوة بفتح المهملة وسكون الهاء في آخره تاء، في (القاموس) (٣): الصُّفَّة، والْمُخْدَعُ بين بيتين، أو شبه الرفّ والطاق يوضع فيه الشئ، أو بيت صغير شبه الخزانة الصغيرة، أو أربعة أعواد أو ثلاثة يعارض بعضها على بعض، ثم يوضع عليه شيء من الأمتعة، والكوة، والحجلة، أو شبهها، وسترهٌ قدامَ فناء البيت، جمع الكل: سِهَاءٌ.\nو(اللعب) بضم اللام وفتح العين جمع لُعْبة، وهي التمثال وما يلعب به كالشطرنج، والمراد هنا ما يلعب به الصبية من الخرق والرقع، ولم يكن لها صور مشخصة كالتصاوير المحرمة، فلا حاجة إلى ما قيل: إن عدم إنكاره -ﷺ- لعبها بالصور وإبقاءها في بيتها دال على أن ذلك كان قبل التحريم، أو أن لعب الصغار مظنة الاستخفاف.\n_________\n(١) في نسخة: \"قلت\".\n(٢) في نسخة: \"قلت\".\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩٣).","vol":"6","page":127},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-835> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٢٦٦ - [٢٩] عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أَتَيْتُ الْحِيرَةَ، فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانٍ لَهُمْ، فَقُلْتُ: لَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَحَقُّ أَنْ يُسْجَدَ لَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقُلْتُ: إِنِّي أَتَيْتُ الْحِيرَةَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِمَرْزُبَانٍ لَهُمْ، فَأَنْتَ أَحَقُّ بِأَنْ (١) يُسْجَدَ لَكَ، فَقَالَ لِي: \"أَرَأَيْتَ لَوْ مَرَرْتَ بِقَبْرِي أَكُنْتَ تَسْجُدُ لَهُ؟ \": لَا فَقَالَ: \"لَا تَفْعَلُوا لَوْ كُنْتُ آمُرُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ، لأَمَرْتُ النِّسَاءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لِأَزْوَاجِهِنَّ لِمَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُمْ عَلَيْهِنَّ\nــ\nالفصل الثالث\n٣٢٦٦، ٣٢٦٧ - [٢٩، ٣٠] (قيس بن سعد، ومعاذ بن جبل) قوله: (الحيرة) بكسر الحاء المهملة وإسكان المثناة من تحت بعدها راء ثم تاء: البلد القديم (٢) بظهر الكوفة، و(المرزبان) بفتح الميم وضم الزاي: الفارس الشجاع المقدَّم على القوم دون الملك، وأهل اللغة يضمون ميمه، كذا في (النهاية) (٣)، وقال في (القاموس) (٤): والمَوْزَبَةُ، كمرحلة: رياسة الفرس، وهو مَرْزُبانهم، بضم الزاي.\nوقوله: (فقلت: لرسول اللَّه -ﷺ-) بفتح اللام الابتدائية.\nوقوله: (أرأيت لو مررت بقبرى أكنت تسجد؟) يعني إنما يسجد للحي إكرامًا وإجلالًا له؛ فإذا مات وقد زال ذلك لم يسجد له، فلا ينبغي السجدة إلا للحي الذي\n_________\n(١) في نسخة: \"أن\".\n(٢) كذا في النسخ المخطوطة، أما في (ك) ففيها: \"البلدة القديمة\".\n(٣) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (٤/ ٣١٨).\n(٤) \"القاموس\" (ص: ٩٦).","vol":"6","page":128},{"text":"مِنْ حَقٍّ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢١٤].\n٣٢٦٧ - [٣٠] وَرَوَاهُ أَحْمدُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ. [حم: ٥/ ٢٢٧].\n٣٢٦٨ - [٣١] وَعَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يُسْأَلُ الرَّجُلُ فِيمَا ضَرَبَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢١٤٧، جه: ١٩٨٦].\n٣٢٦٩ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَنَحْنُ عِنْده، فَقَالَت: زَوْجِي صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ يَضْرِبُنِي إِذَا صَلَّيْتُ، وَيُفَطِّرُني إِذَا صُمْتُ، وَلَا يُصَلِّي الْفَجْرَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، قَالَ: وَصَفْوَانُ عِنْدَهُ، قَالَ: فَسَأَلَهُ عَمَّا قَالَتْ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمَّا قَوْلُهَا: يَضْرِبُنِي إِذَا صَلَّيْتُ فَإِنَّهَا تَقْرَأُ بِسُورتَيْنِ وَقَدْ نَهَيْتُهَا، قَالَ: فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْ كَانَتْ سُورَةً وَاحِدَةً لَكَفَتِ النَّاسَ\"\nــ\nلا يموت، فافهم.\n٣٢٦٨ - [٣١] (عمر) قوله: (فيما ضرب امرأته عليه) الضمير لما، وهو عبارة عن النشوز، وهو منصوص عليه في قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: ٣٤]، فلا يسأل الرجل فيه ولا يعاقب، ولكن إذا راعى شرائطه وحدوده.\n٣٢٦٩ - [٣٢] (أبو سعيد) قوله: (ابن المعطل) بفتح الطاء.\nقوله: (تقرأ بسورتين) يريد به طول القراءة.\nوقوله: (سورة واحدة) بالنصب والضمير في (كانت) للقراءة، قيل المراد به الفاتحة.","vol":"6","page":129},{"text":"قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهَا يُفَطِّرُنِي إِذَا صُمْتُ، فَإِنَّهَا تَنْطَلِقُ تَصُومُ وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ فَلَا أَصْبِرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَصُومُ امْرَأَةٌ إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا\"، وَأَمَّا قَوْلُهَا: إِنِّي لَا أُصَلِّي حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإنَّا أَهْلُ بَيْتٍ قَدْ عُرِفَ لَنَا ذَاكَ، لَا نَكَادُ نَسْتَيْقِظُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ قَالَ: \"فَإِذَا اسْتَيْقَظْتَ يَا صَفْوَانُ فَصَلِّ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ (١). [د: ٢٤٥٩].\n٣٢٧٠ - [٣٣] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، فَجَاءَ بَعِيرٌ، فَسَجَدَ لَهُ، فَقَالَ أَصْحَابُهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تَسْجُدُ لَكَ الْبَهَائِمُ وَالشَّجَرُ، فَنَحْنُ أَحَقُّ أَنْ نَسْجُدَ لَكَ فَقَالَ: \"اعْبُدُوا رَبَّكُمْ، وَأَكْرِمُوا أَخَاكُمْ، وَلَوْ كُنْتُ آمُرُ أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لِأحَدٍ لأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا،\nــ\nوقوله: (تنطلق تصوم) يريد به دوام صومها.\nوقوله: (قد عرف) بلفظ المجهول يعني أنّا مشتهرون بذلك، أي بالاستيقاظ حين تطلع الشمس، وذلك أنهم يسقون الماء طول الليالي، فلا يتيسر لهم المنام بالليل.\nوقوله: (فإذا استيقظت يا صفوان فصل) يعني اقض ذلك حين استيقظت، كقوله: (من نام أو نسي الصلاة فليصلها إذا ذكرها؛ فإن ذلك وقتها)، وفي قبول عذره مع التقصير وعدم القبول منها تنبيه ومبالغة في رعاية حق الرجال على النساء.\n٣٢٧٠ - [٣٣] (عائشة) قوله: (وأكرموا أخاكم) يريد نفسه الكريمة تواضعًا وتنبيهًا على أنه بشر مثلهم في عدم جواز السجدة والعبادة له.\n_________\n(١) لفظ \"ابن ماجه\" سقط في نسخة.","vol":"6","page":130},{"text":"وَلَوْ أَمَرَهَا أَنْ تَنْقُلَ مِنْ جَبَلٍ أَصْفَرَ إِلَى جَبَلٍ أَسْوَدَ وَمِنْ جَبَلٍ أَسْوَدَ إِلَى جَبَلٍ أَبْيَضَ كَانَ يَنْبَغِي لَهَا أَن تَفْعَلهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ٧٦].\n٣٢٧١ - [٣٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ثَلَاثَةٌ لَا تُقْبَلُ لَهُمْ صَلَاةٌ، وَلَا تَصْعَدُ (١) لَهُمْ حَسَنَةٌ، الْعَبْدُ الآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَوَالِيهِ، فَيَضَعَ يَدَهُ فِي أَيْدِيهِمْ، وَالْمَرْأَةُ السَّاخِطُ عَلَيْهَا زَوْجُهَا، وَالسَّكْرَانُ حَتَّى يَصْحُوَ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَان\". [شعب: ٨٧٢٧].\n٣٢٧٢ - [٣٥] وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ قَالَ: \"الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَلَا مَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [ن: ٣٢٣١، شعب: ٨٣٦٣].\nــ\nوقوله: (من جبل أصفر. . . إلخ)، وفي ذكر الألوان للجبال مبالغة في بُعد كل واحد عن الآخر؛ لأنه لا يكاد يوجد أمثال هذه الجبال متقاربة.\n٣٢٧١ - [٣٤] (جابر) قوله: (لا تقبل لهم صلاة) أي: لا يتم لهم ثواب أعمالهم وإن صح شرعًا بإبراء الذمة عنها.\nوقوله: (فيضع يده في أيديهم) أي: يدخل في تصرفهم وخدمتهم.\n٣٢٧٢ - [٣٥] (أبو هريرة) قوله: (تسره) الضمير للرجل.\nوقوله: (ولا مالها) أي: ماله الذي في يدها وتصرفها، وقيل: يحتمل أن يحمل على الحقيقة بأن يكون الزوج معسرًا، والأول هو الظاهر.\n_________\n(١) في نسخة: \"يصعد\".","vol":"6","page":131},{"text":"٣٢٧٣ - [٣٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: أَرْبَعٌ مَنْ أُعْطِيَهُنَّ فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ: قَلْبٌ شَاكِرٌ، وَلسَانٌ ذَاكِرٌ، وَبَدَنٌ عَلَى الْبَلَاءِ صَابِرٌ، وَزَوْجَةٌ لَا تَبْغِيهِ خَوْنًا فِي نَفْسِهَا وَلَا مَالِهِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٤١١٥].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-836>١١ - باب الخلع والطلاق</span>\nــ\n٣٢٧٣ - [٣٦] (ابن عباس) قوله: (وبدن على البلاء صابر) لم يقل: وبدن معافى؛ لأنه لا يمكن دوام العافية من غير أن يبتلى أبدًا كما هو العادة.\nوقوله: (لا تبغيه خونًا) أي: لا تطلب للزوج خيانة.\nوقوله: (ولا في ماله) يدل على ما ذكر من التأويل في مالها في الحديث السابق.\n١١ - باب الخلع والطلاق\n(الخلع) بالضم، اسم من الخلع بالفتح بمعنى النزع والأخراج، وكثيرًا ما يطلق في نزع الملبوس عن البدن، وبهذا الاعتبار قال الطيبي (١) في بيان المناسبة بينه وبين المعنى الشرعي الذي هو افتداء المرأة نفسها عن زوجها: إن كلًّا من الزوجين لباس صاحبه؛ فإذا فعلا ذلك فكأنهما نزعا لباسهما، وقد يجيء بمعنى مطلق الطلاق، ومنه حديث: أن امرأة نشَزَت على زوجها، فقال عمر: اخلَعْها، أي: طلِّقْها، والطلاق\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٣٢٣).","vol":"6","page":132},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-837> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٢٧٤ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ . . . . .\nــ\nفي اللغة ينبئ تركيبه عن معنى الحل والانحلال، والطليق: الأسير [الذي] أطلق عنه إساره، ويقال: طَلْق الوجه وطَلْق اللسان وغير ذلك.\nوعطف الطلاق على الخلع من عطف العام على الخاص إن قيل: يكون الخلع طلاقًا كما هو مذهبنا ومذهب مالك، وأصح قولي الشافعي أنه طلاق بائن، وإن كان فسخًا كما هو مذهب أحمد وأحد قولي الشافعي، فهو غير الطلاق، فعطفه عليه ظاهر.\nالفصل الأول\n٣٢٧٤ - [١] (ابن عباس) قوله: (امرأة ثابت بن قيس) قيل: إنها بنت أُبَي أخت عبد اللَّه بن أبي ابن سلول، وكانت جميلة، وقيل: هي بنت سهل الأنصاري.\nوقوله: (ما أعتب) بضم التاء وكسرها من العتب، وهو الغضب والمَوجِدة، يعني لا أغضب عليه ولا أريد مفارقته لسوء خُلقه، ولا لنقصان في دِينه.\nوقوله: (ولكني أكره الكفر في الإسلام) أي: كفران نعمة الزوج، وقيل: معناه أني أكره طبعًا فأخاف على نفسي في الإسلام ما ينافي حكمه من فرك ونشوز، وقيل: ضربها زوجها ضرب تأديب فكسر بعضها وهو معنى قولها: (أكره الكفر في الإسلام)، وهذه الرواية ينافي بظاهره قوله: (ما أعتب عليه في خلق)، واللَّه أعلم.\nوقوله: (أتردين عليه حديقته) أي: التي أعطاك بالمهر.","vol":"6","page":133},{"text":"قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٢٧٣].\n٣٢٧٥ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَذَكَرَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَتَغَيَّظَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثُمَّ قَالَ: \"لِيُرَاجِعْهَا ثُمَّ يُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ فَتَطْهُرَ،\nــ=\nوقوله: (اقبل الحديقة وطلقها) أي: إن شئت وترى فيه المصلحة، ويفهم من ظاهر الحديث أن الخلع ليس نفسُه طلاقًا كما هو مذهبنا أن نفس الخلع تطليقة بائنة، اللهم إلا أن قصة ثابت ليس بخلع، وكلامنا فيما إذا قال: خالعتك فقبلت وقعت تطليقة بائنة، وقد أورد في (الهداية) (١) الحديث أنه -ﷺ- قال: (الخلع تطليقة بائنة) (٢).\n٣٢٧٥ - [٢] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (فتغيظ فيه رسول اللَّه -ﷺ-) فيه دليل على حرمة الطلاق في الحيض. وفي قوله: (ليراجعها) دليل على وقوع الطلاق مع كونه حرامًا، وعلى استحباب المراجعة.\nوقوله: (ثم تحيض فتطهر) قيل: فائدة التأخير إلى الطهر لئلا يصير الرجعة لغرض الطلاق، فيجب أن يمسك زمانًا، وقيل: إنه عقوبة له على معصيته، وقيل: وجهه أن الطهر الأول مع الحيض الذي طلق فيه كأمر واحد، فلو طلقها في أول طهر كان كما طلق في الحيض، وهذا الوجه ضعيف كما لا يخفى، وقيل: ذلك ليطول مقامه معها، فلعله يجامعها فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها فيمسكها، وبالجملة مقتضى هذه الوجوه كلها أن لا يكون الإمساك إلى الطهر الثاني واجبًا بل أولى وأحب،\n_________\n(١) \"الهداية\" (٢/ ٢٦١).\n(٢) أخرجه الدارقطني في \"سننه\" (٤٠٢٥)، والبيهقي في \"سننه\" (١٤٨٦٥).","vol":"6","page":134},{"text":"فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا، فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ\".\nوَفِي رِوَايَةٍ: \"مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٠٨، م: ١٥٧١].\nــ\nواللَّه أعلم.\nقال الطيبي (١): من فوائد الحديث: التنبيه على أن علة حرمة التطليق في حالة الحيض تطويل العدة عليها؛ فإنه طلقها في زمان لا يحسب من عدتها، يعني لما طلق في حالة الحيض، ولا يحسب ذلك الحيض من العدة بالاتفاق، فلا بدّ أن يكون العدة بعد ذلك بمدة مستقلة، فلا بد يطول هذه العدة، وأما إذا طلق في الطهر يحسب ذلك الطهر الذي وقع فيه الطلاق، ويكون بعده طهران آخران، فتقصر العدة لا محالة، هذا عند الشافعي، وأما عندنا فعلة الحرمة احتمال أنه إنما طلق لكراهة الطبع ونفرته لا لمصلحة رأى في ذلك، وفي حالة الطهر ينتفي هذا الاحتمال.\nويرد على الشافعية أنه إذا طلق في الطهر وعدَّ باقيَ ذلك الطهر من العدة لم يكن العدة بثلاثة قروء، بل بقرءَين وبعضِ قرءٍ، واسم العدد نص في مدلوله لا يحتمل الزيادة والنقصان، وهذا ودليلنا على حمل القرء على الحيض دون الطهر، وعندنا تطول العدة ولكن ذلك أهون من حمل الثلاثة على غير مدلوله، واستدلوا على حمل القرء على الطهر بهذا الحديث لقوله -ﷺ-: (فتلك العدة التي أمر اللَّه أن تطلق لها النساء) فإن الإشارة بـ (تلك) إلى الحالة المذكورة، وهي حالة الطهر، واللام بمعنى (في)، فعلم أن العدة بالأطهار، قلنا: لا نسلم أن اللام بمعنى (في)، بل للعاقبة كما هو\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٣٢٤).","vol":"6","page":135},{"text":"٣٢٧٦ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَاخْتَرْنَا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ عَلَيْنَا شَيْئًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٦٢، م: ١٤٧٧].\n٣٢٧٧ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: فِي الْحَرَامِ يُكَفِّرُ، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩١١، م: ١٤٧٣].\nــ\n﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، كذا في بعض الشروح، فتأمل.\n٣٢٧٦ - [٣] (عائشة) قوله: (قالت: خيرنا رسول اللَّه -ﷺ-) وذلك بعد نزول قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٢٨].\nوقوله: (فلم يعدّ ذلك علينا شيئًا) أي: شيئًا من الطلاق، لا ثلاث ولا واحدة بائنة ولا رجعية، وفيه أنه قال الزوج لامرأته: اختاري نفسك أو إياي فاختارت الزوج لم يقع شيء، وبه قال أبو حنيفة والشافعي رحمهما اللَّه، وهو المنقول عن جماعة من الصحابة، وقد نقل عن علي -﵁-: أنه تقع واحدة رجعية بمجرد تخيير الزوج زوجته وإن اختارته، وعند زيد بن ثابت: تقع واحدة بائنة، وفي قول عائشة -﵂- إشارة إلى ردّ قوليهما، وإن اختارت نفسها وقع به طلاق رجعي عند الشافعي وأحمد، وبائن عند أبي حنيفة، وثلاث تطليقات عند مالك.\n٣٢٧٧ - [٤] (ابن عباس) قوله: (في الحرام يكفر) بلفظ المعلوم من التكفير، أي إذا حرم على نفسه شيئًا مما أحل اللَّه زوجة كانت أو غيرها فعليه كفارة اليمين، ولا يحرم ذلك الشيء عليه، وهو مذهب ابن عباس -﵄-، وهو المذهب عندنا، وعند الشافعي لا كفارة عليه، وقيل: إذا قال المرء: حلال اللَّه تعالى عليّ حرام وقع الطلاق، وهو خلاف مذهب الجمهور، نعم إذا قال لامرأته: أنت عليّ حرام أو حرمتك، فإن نوى به الطلاق فذاك وإلا فالواجب الكفارة، وقراءة ابن عباس قوله تعالى: ﴿لَقَدْ","vol":"6","page":136},{"text":"٣٢٧٨ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَشَرِبَ عِنْدَهَا عَسَلًا، فَتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ -ﷺ- فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: \"لَا بَأْسَ، شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ،\nــ\nكَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] استدلال على قوله، وذلك إشارة إلى قصة تحريمه -ﷺ- العسل ومارية (١) على نفسه، ونزول قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] بعد ذلك، والأسوة بضم الهمزة وسكون السين بمعنى الاقتداء والاتباع.\n٣٢٧٨ - [٥] (عائشة) قوله: (كان يمكث عند زينب) أي: عند تمام نوبتها. و(المغافير) على وزن المصابيح، ووقع في الأصول في (كتاب مسلم): مغافر على وزن مساجد، والصواب مغافير، كذا ذكر القاضي عياض في (مشارق الأنوار) (٢)، وقال أيضًا: هو شبه الصمغ في أصل الرمث، فيه حلاوة، والتفسير صحيح في (الأم) في رواية الجرجاني، والميم فيه زائدة عند بعضهم وأصلية عند آخرين، قال ابن دريد: واحدها مُغفور بالضم، وهو مما جاء على مُفْعُول موضع الفاء ميم، وقال غيره: ليس في الكلام مفعول بضم الميم إلا مُغفور ومُغدود لضرب من الكمأة، ومُنخور للمِنخَر، ويقال أيضًا: لواحدها مغفار ومغفير، وهي المغاثير بالثاء أيضًا حكاه الفراء.\nوقوله: (أكلت مغافير؟) بحذف حرف الاستفهام تكرير للتأكيد والتقرير.\n_________\n(١) لفظ \"مارية\" ثبت في (ب) و(ر)، وسقط في غيرهما.\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٨٦).","vol":"6","page":137},{"text":"فَلَنْ أَعُودَ لَهُ، وَقَدْ حَلَفْتُ؛ لَا تُخْبِرِي بِذَلِكِ أَحَدًا\" يَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِهِ فَنَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ الآيَة [التحريم: ١]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩١٢، م: ١٤٧٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-838> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٢٧٩ - [٦] عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ\". . . . .\nــ\nوقوله: (فلن أعود له) أي: لشرب العسل تحريم لشربه.\nقوله: (وقد حلفت) الحلف هو بطريق التحريم أو اليمين، والظاهر هو الأول كما هو المشهور.\nقوله: (يبتغي) حال من فاعل (فقال) أي قال الراوي: قال -ﷺ- حال كونه مبتغيًا وطالبًا بذلك رضا أزواجه، قالوا: كان هذا زلة منه -ﷺ-، ولذا نبهه اللَّه على ذلك بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ الآية، واللَّه أعلم.\nو(المرضاة) بفتح الميم وسكون الراء مصدر بمعنى الرضا، وما في هذا الحديث صريح في أن الآية نزلت في تحريم العسل، وقد جاء أنها نزلت في تحريم مارية أو كليهما، وفي القصة اختلاف ذكر في موضعه.\nالفصل الثاني\n٣٢٧٩ - [٦] (ثوبان) قوله: (في غير ما بأس) ما زائدة، والبأس: شدة الحرب، أي: تسأل الطلاق في غير حال شدة وضرورة تدعوها وتلجئها إلى المفارقة.\nوقوله: (فحرام عليها رائحة الجنة) تشديد وتهديد مبالغة في النهي عن ذلك؛","vol":"6","page":138},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٥/ ٢٧٧، ت: ١١٧٨، د: ٢٢٢٦، جه: ٢٠٥٥، دي: ١٦٢].\n٣٢٨٠ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢١٧٨].\n٣٢٨١ - [٨] وَعَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ، وَلَا عَتَاقَ إِلَّا بَعْدَ مِلْكٍ، وَلَا وِصَالَ فِي صِيَامٍ، وَلَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ، وَلَا رَضَاعَ بَعْدَ فِطَامٍ،\nــ\nلأنَّ الازدواج أمر مطلوب مهم للتوالد والتناسل، والشيطان يريد التفريق.\n٣٢٨٠ - [٧] (ابن عمر) قوله: (أبغض الحلال إلى اللَّه الطلاق) أي: الطلاق مع أنَّه حلال في الجملة، وليس بحرام، مبغوضٌ ومكروه عند اللَّه إلا أن يكون لمصلحة وغرض صحيح.\n٣٢٨١ - [٨] (علي) قوله: (لا طلاق قبل نكاح) لأن الطلاق فرع ملك المتعة، وقد جوَّز أبو حنيفة والزهري تعليقَه بالنكاح عمومًا بأن يقول: كلُّ امرأة نكحتُها فهي طالقٌ، أو خصوصًا بأن يقول لامرأة معيَّنة: إذا نكحتُكِ فأنت طالق، فيقع الطلاق عند النكاح، والجمهور على خلافه، وقد عرف تحقيقه في أصول الفقه، وكذا الكلام على قوله: (ولا عتاق إلا بعد ملك) وذهب بعضهم إلى الجواز في الخصوص دون العموم.\nوقوله: (ولا وصال في صوم) أي: يحرم صوم الوصال لغير النبي -ﷺ-، وقد مرّ الكلام فيه في (باب الصوم). (ولا يتم) بضم الياء وسكون التاء (بعد احتلام) أي بلوغ، فإن أحكامه وإطلاق اسم اليتيم إنما يكون قبل البلوغ. (ولا رضاع بعد فطام) الرضاع بفتح الراء، وقد يكسر مصدر رضع أمه كسمع وضرب رضعًا ويحرك ورضاعًا","vol":"6","page":139},{"text":"وَلَا صَمْتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [٢٣٥٠].\n٣٢٨٢ - [٩] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَلَا طَلَاقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: \"وَلَا بَيْعَ إِلَّا فِيمَا يَمْلِكُ\". [ت: ١١٨١، د: ٢١٩٠].\n٣٢٨٣ - [١٠] وَعَنْ رُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ: أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ الْبَتَّةَ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ النَّبِيَّ -ﷺ-. . . . . .\nــ\nورضاعة ويكسران، كذا في (القاموس) (١)، والفطام بكسر الفاء: فصل الصبي عن الرضاع، وقد اختلف في حدِّه. (ولا صمت يوم إلى الليل) بفتح الصاد، أي: لا فضيلة في ذلك كما كان يفعله بعض من قبلنا في الصوم.\n٣٢٨٢ - [٩] (عمرو بن شعيب) قوله: (لا نذر لابن آدم فيما لا يملك) كما لو قال: للَّه عليّ أن أعتق هذا العبد ولم يكن في ملكه وقتَ النذر، حتى لو ملكه بعد ذلك لم يعتق.\n٣٢٨٣ - [١٠] (ركانة بن عبد يزيد) قوله: (وعن ركانة) بضم الراء، و(سهيمة) بالسين المهملة والهاء بلفظ التصغير.\nوقوله: (البتة) البت: القطع، والتاء للمرة، وهو مفعول مطلق لم ينون لوجود اللام أي قال: طلقتك البتة، وكذا البت وبتًا وبتَّةً.\nوقوله: (فأخبر) بلفظ المجهول أو المعلوم.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٦٦٥).","vol":"6","page":140},{"text":"وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَاللَّهِ مَا أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً؟ \" فَقَالَ رُكَانَةُ: واللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً، فَرَدَّهَا إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَطَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ فِي زَمَانِ عُمَرَ، وَالثَّالِثَةَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَة. [د: ٢٢٠٦، ت: ١١٧٧، جه: ٢٠٥١، دي: ٢/ ١٦٣].\n٣٢٨٤ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلَاقُ، وَالرَّجْعَةُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١١٨٤، د: ٢١٩٤].\nــ\nوقوله: (وقال) أي: فأتى وقال، هذا على تقدير المجهول، وأما على المعلوم فهو عطف على أخبر.\nوقوله: (فردّها) أي: أمرأتَه إليه، أي: إلى رُكانة، أي: أمر بالرجعة، وطلاق البتة عند الشافعي رجعية، لهذا الحديث، وإن نوى اثنتين أو ثلاثة فهو على ما نوى، وعند مالك ثلاث، وعند أبي حنيفة بائنة، فتأويل الرد عنده تجديد النكاح.\n٣٢٨٤ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (ثلاث جدّهن جد وهزلهن جد) الجد أن يتلفظ باللفظ قصدًا إلى إرادة معناه الحقيقي أو المجازي، والهزل ضده، فمن طلق أو نكح أو راجع، وقال: كنت فيه لاعبًا وهازلًا وما قصدتُ معانيَها لم يعتبر قوله، ويقع الطلاق، وينعقد النكاح، ويثبت الرجعة، وكذا الحكم في جميع العقود كالبيع والهبة وغيرهما من التصرفات، وإنما خص هذه الثلاثة لتأكيد أمر الفرج والاهتمام به.","vol":"6","page":141},{"text":"٣٢٨٥ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، قيل: مَعْنَى الإغْلَاقِ: الإِكْرَاهِ. [د: ٢١٩٣، جه: ٢٠٤٦].\n٣٢٨٦ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كُلُّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إِلَّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ وَالْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: . . . . .\nــ\n٣٢٨٥ - [١٢] (عائشة) قوله: (لا طلاق ولا عتاق في إغلاق) بكسر الهمزة، أي: إكراه، والأئمة الثلاثة أخذوا بهذا الحديث، وقالوا: لا يقع الطلاق والعتاق من المكره، وأما عندنا فيصح قياسًا على صحتها عند الهزل، والأصل عندنا أن كل عقد لا يحتمل الفسخ فالإكراه لا يمنع نفاذه، وكذلك كل ما ينفذ مع الهزل ينفذ مع الإكراه.\nوقوله: (قيل: معنى الإغلاق: الإكراه) كذا في كتب اللغة؛ لأنَّ المكرَهَ مغلَقٌ ومضيَّقٌ عليه في تصرُّفه، وقيل: معناه لا يغلق التطليقات دفعة واحدة حتى لا يبقى منها شيء، ولكن يطلق طلاق السنية، كذا نقل الطيبي (١)، وعلى هذا يكون المعنى نفي الأولوية والأفضلية، ولكن هذا المعنى لا يجري في الإعتاق كما لا يخفى.\n٣٢٨٦ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (إلا طلاق المعتوه) أي: المجنون الذي في عقله نقصان واختلاف، فتارة يغيب وتارة يفيق، في (القاموس) (٢): عَتَهَ عتهًا وعُتهًا وعُتاهًا بضمهما، فهو معتوه: نقصَ عقلُه، أو فُقِد ودُهِش، فالمغلوب عطف تفسيري للمعتوه، ويؤيده رواية المغلوب بلا واو، وإذا كان طلاق المعتوه بالمعنى المذكور غيرَ جائز فالمجنون المطلَقُ الذي لا يشعُر بطريقِ الأَولى كما لا يخفى.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٣٣٠).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ١١٥٠).","vol":"6","page":142},{"text":"هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَعَطَاءُ بْنُ عَجْلانَ الرَّاوِي ضَعِيفٌ ذَاهِبُ الحَدِيثِ. [ت: ١١٩١].\n٣٢٨٧ - [١٤] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ الْمَعْتُوهِ حَتَّى يَعْقِلَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٤٢٣، د: ٤٤٠٣].\n٣٢٨٨ - [١٥] وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُمَا. [دي: ٢/ ٢٢٥، جه: ٢٠٤١].\nــ\nوقوله: (عطاء بن عجلان) بكسر العين وفتحها، و(ذاهب الحديث) بمعنى ساهيه، في (الكاشف) (١): عطاء بن عجلان البصري، عن أنس وأبي عثمان النهدي، وعنه عبد الوارث وابن نمير وجماعة، واه، اتهمه بعض الأئمة، وفي الحاشية: عطاء ابن عجلان الحنفي، أبو محمد العطار، قال يحيى: ليس بثقة، وقال مرة: كذاب، وقال مرة: ليس بشيء، كان يوضع له أحاديث فيحدث، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث متروك الحديث، وقال: منكر الحديث، وقال الترمذي: ذاهب الحديث، وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه، روى له الترمذي (٢) حديثًا واحدًا عن عكرمة بن خالد عن أبي هريرة مرفوعًا: (كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله).\n٣٢٨٧، ٣٢٨٨ - [١٤، ١٥] (علي، وعائشة) قوله: (رفع القلم عن ثلاثة عن النائم. . . إلخ)، لكن النائم يقضي ما فات عنه بخلاف الصبي والمعتوه، وفي طلاق\n_________\n(١) \"الكاشف\" (٢/ ٢٣٢).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (١١٩١).","vol":"6","page":143},{"text":"٣٢٨٩ - [١٦] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"طَلَاقُ الأَمَةِ تَطْلِيقَتَانِ، وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١١٨٢، د: ٢١٨٩، جه: ٢٠٨٠، دي: ٢/ ١٧٠].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-839> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٢٩٠ - [١٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"الْمُنْتَزِعَاتُ. . . . .\nــ\nالصبي خلاف أحمد في إحدى الروايتين عنه، وأما طلاق السكران فمختلف فيه، فذهب بعضهم إلى أنه لا يقع؛ لأنه لا عقلَ له، وآخرون إلى أنه يقع؛ لأنه عاصٍ لم يَزُلٍ عنه الخطاب، وهو قول مالك وظاهر مذهب الشافعي وأبي حنيفة، وعن أحمد فيه روايات: في رواية يقع، وفي أخرى يتوقف عن الجواب، وكان يقول: قد اختلف فيه أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، وقال في (الهداية) (١): وطلاق السكران واقع، واختيار الكرخي والطحاوي أنه لا يقع، وهو أحد قولي الشافعي لأن صحة القصد بالعقل، وهو زائل العقل فصار كزواله بالبَنْجِ والدواء، ولنا أن العقل زال بسببٍ هو معصيةٌ فجعل باقيًا حكمًا زجرًا له، انتهى. وفي كلامه إشارةٌ إلى أن المراد السكران بالحرام لا بأمر مباح وهو المذهب.\n٣٢٨٩ - [١٦] (عائشة) قوله: (طلاق الأمة تطليقتان وعدتها حيضتان) وبهذا الحديث قال أبو حنيفة ﵀: إن الطلاق والعدة باعتبار المرأة، وقال الشافعي: يتعلقان بالرجل.\nالفصل الثالث\n٣٢٩٠ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (المنتزعات) بكسر الزاي: النساء اللاتي\n_________\n(١) \"الهداية\" (١/ ٢٢٤).","vol":"6","page":144},{"text":"وَالْمُخْتَلِعَاتُ هُنَّ الْمُنَافِقَاتُ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٣٤٦١].\n٣٢٩١ - [١٨] وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ مَوْلَاةٍ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ: أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِكُلِّ شَيْءٍ لَهَا، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ١١٩٩].\n٣٢٩٢ - [١٩] وَعَن مَحْمُودِ بْنِ لَبيِدٍ قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانَ، ثُمَّ قَالَ: \"أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّهِ ﷿ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ \" حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: . . . . .\nــ\nينتزِعْن أنفسَهن عن أزواجهن وينشُزْنَ عليهم، (والمختلعات) بكسر اللام: اللاتي يلتمِسْنَ الخُلعَ، وفي قوله: (هن المنافقات) تشديد وتغليظ، ولعله إنما سماهن منافقات لأن ظاهر الازدواج والاختلاط يقتضي أن لا يبطن العداوة والخلاف.\n٣٢٩١ - [١٨] (نافع) قوله: (فلم ينكر ذلك عبد اللَّه) لكون الخلع جائزًا وإن كان بكلِّ ما للمرأة، وإن كان مكروهًا خصوصًا بهذه الصيغة.\n٣٢٩٢ - [١٩] (محمود بن لبيد) قوله: (أيلعب) بلفظ المعلوم والمجهول، (بكتاب اللَّه) قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، معناه: التطليق الشرعي تطليقة بعد تطليقة على التفريق، ولهذا قال الحنفية: الجمعُ بين التطليقتين والثلاث بدعةٌ، كذا في (تفسير البيضاوي) (١)، وفي (الكشاف) (٢): والسنة أن لا يُوقِعَ عليها إلا واحدةً في طُهرٍ لا يجامعها فيه، ويفهم من كلام البيضاوي أن كراهة الجمع مذهب الحنفية.\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٢٦١).\n(٢) \"الكشاف\" (١/ ٢٠١).","vol":"6","page":145},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَا أَقْتُلُهُ؟ . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٣٤٠١].\n٣٢٩٣ - [٢٠] وَعَن مَالِكٍ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي طَلَّقْتُ امْرَأَتِي مِئَةَ تَطْلِيقَةٍ فَمَاذَا تَرَى عَلَيَّ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: طُلِّقَتْ مِنْكَ بِثَلَاثٍ، وَسَبْعٌ وَتِسْعُونَ اتَّخَذْتَ بِهَا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا. رَوَاهُ فِي \"الْمُوَطَّأ\". [ط: ١١٦٨].\n٣٢٩٤ - [٢١] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا مُعَاذُ مَا خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا. . . . .\nــ\nوقال الطيبي (١): إن الجمع بين التطليقات الثلاث دفعة ليس بحرام عندنا، لكن الأولى تفريقها، ويه قال أحمد، وقال مالك وأبو حنيفة: هو بدعة، ونقل عن أهل الظواهر أنه إذا قال: أنت طالق ثلاثًا لا يقع إلا واحدة، وعن بعض السلف أنه لا يقع شيء، والجمهور على أنه يقع الثلاث وإن كان حرامًا أو خلاف الأولى.\nوقوله: (ألا أقتله؟) لأنَّ اللعب بكتاب اللَّه كفر، ولم يَدرِ أن المقصود الزجر والتوبيخ، وليس المراد حقيقةَ الكلام.\n٣٢٩٣ - [٢٠] (مالك) قوله: (اتخذت بها آيات اللَّه هزوًا) إشارة إلى ما ذكر بعد قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] إلى آخره: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [البقرة: ٢٣١]، فالجمعُ بين الثلاث، والتجاوزُ عنها والزيادةُ عليها كلاهما لعبٌ واستهزاء، والجد والعزيمة أن يطلق واحدة، ولو أراد الثلاث ينبغي أن يفرِّقَ.\n٣٢٩٤ - [٢١] (معاذ بن جبل) قوله: (ما خلق اللَّه شيئًا) أي: مما فيه قطع\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٣٣٣).","vol":"6","page":146},{"text":"عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَتَاقِ، وَلَا خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلاقِ\". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ٣٩٨٤].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-840>١٢ - باب</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-841> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٢٩٥ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي، فَبَتَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيْرِ. . . . .\nــ\nوتفريق، وإنما كان العتاق أحبَّ لأن فِيه رفعَ قيد الرقبة الموجبِ للذل والهوان، وكان الطلاق أبغض لما فيه من قطع علاقة الازدواج المفضي إلى التوالد والتناسل.\n١٢ - باب\nفي متممات ولواحق لما قبله، وفي أكثر النسخ: (باب المطلقة ثلاثًا)، وزاد في بعضها: (وفيه ذكر الظهار والإيلاء).\nالفصل الأول\n٣٢٩٥ - [١] (عائشة) قوله: (جاءت امرأة رفاعة) تسميتها امرأةَ رفاعةَ باعتبار ما كان، أو لاشتهارها بها.\nوقوله: (فبتَّ طلاقي) أي: قطعه وجزم النية به فلم يبق من الثلاث شيئًا. و(الزبير) على وزن أمير، والزبير كله بضم زاي إلا عبد الرحمن بن الزبير فإنه بفتحها.","vol":"6","page":147},{"text":"وَمَا مَعَهُ إِلَّا مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَقَالَ: \"أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ \" قَالَتْ (١): نَعَمْ قَالَ: \"لَا، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٨٤، م: ١٤٣٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-842> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٢٩٦ - [٢] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَعَنَ رسولُ اللَّه -ﷺ- الْمُحَلِّلَ. . . . .\nــ\nو(الهدب) بضم الهاء وسكون الدال: خمل الثوب، واحدها بهاءٍ، كذا في (القاموس) (٢)، شبهت ذكره بها في الإرخاء وعدم الانتشار.\nو(العسيلة) تصغير عسل، وقد يؤنث، وكذا قيل في تصغيره: عسيلة بالتاء، وقيل: التاء فيها على نية اللذة كناية عن لذة الجماع، وفيه: أنه لابد من إصابة الزوج الثاني في التحليل، ويكفي فيه تغيب الحشفة ولا يشترط الإنزال، وهذا حديث مشهور وقع عليه الإجماع، ولا خلاف فيه إلا ما نقل عن سعيد بن المسيب حيث قال: يكفي فيه النكاح أخذًا بظاهر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] وقالوا: المراد به الوطء على ما هو أصل معنى النكاح، وتحقيقه في أصول الفقه.\nالفصل الثاني\n٣٢٩٦، ٣٢٩٧ - [٢، ٣] (عبد اللَّه بن مسعود، علي، ابن عباس، عقبة بن عامر) قوله: (لعن المحلل) اسم فاعل من التحليل، هو الرجل الذي تزوَّجَتْ به للتحليل.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقالت\".\n(٢) \"القاموس\" (ص: ١٤٥).","vol":"6","page":148},{"text":"والمُحلَّلَ لَهُ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ١٧٢].\n٣٢٩٧ - [٣] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ. [جه: ١٩٣٤].\n٣٢٩٨ - [٤] وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: أَدْرَكْتُ بِضْعَةَ عَشَرَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كُلُّهُمْ يَقُولُ: يُوقَفُ الْمُؤْلِي. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُنَّةِ\". [٢٣٦٣].\nــ\n(والمحلل له) بفتح اللام وهو الزوج الأوّل الذي وقع التحليل لأجله، وإنما لعن المحلل لأنه نكح على قصد الفراق، والنكاح شُرع للدوام، وصار كالتيس المستعار على ما وقع في الحديث، واللعن علي المحلل له لأنه صار سببًا لمثل هذا النكاح، والمراد إظهارُ خساستها؛ لأن الطبع السليم ينفر عن فعلها، لا حقيقةُ اللعن، وقيل: المكروه اشتراط التزوج بالتحليل في القول لا في النية، بل قد قيل: إنه مأجور بالنية لقصد الإصلاح، واللَّه أعلم.\n٣٢٩٨ - [٤] (سليمان بن يسار) قوله: (يوقف) بصيغة المجهول. و(المؤلي) من فعل الإيلاء، قال في (الهداية) (١): الإيلاء أن يقول الرجل لامرأته: واللَّه لا أقربك، أو قال: واللَّه لا أقربك أربعة أشهر، فهو مُؤلٍ لقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٦]، فإن وطئها في الأربعة الأشهر حنث في يمينه، ولزمته الكفارة، وسقط الإيلاء؛ لأن اليمين يرتفع بالحنث، وإن لم يقربها حتى مضت أربعة أشهر بانت منه بتطليقة، هذا مذهبنا ومذهب جماعة من العلماء، وقال الأئمة الثلاثة: لا يقع الطلاق بمضيِّها، بل يوقف، أي: يُحبَس، إما أن يَفِي ويكفر عن يمينه، وإما أن\n_________\n(١) \"الهداية\" (٢/ ٢٥٩).","vol":"6","page":149},{"text":"٣٢٩٩ - [٥] وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ: أَنَّ سَلْمَانَ بْنَ صَخْرٍ -وَيُقَالُ لَهُ: سَلَمَةُ ابْنُ صَخْرٍ- الْبَيَاضِيُّ جَعَلَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ حَتَّى يَمْضِيَ رَمَضَانُ، فَلَمَّا مَضَى نِصْفٌ مِنْ رَمَضَانَ وَقَعَ عَلَيْهَا لَيْلًا، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَعْتِقْ رَقَبَةً\" قَالَ: لَا أَجِدُهَا، قَالَ: \"فَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ\" قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: \"أَطْعِمْ سِتِّينَ مِسْكِينًا\" قَالَ: لَا أَجِدُ،\nــ\nيُطلِّقَ، وإن أبى طلَّق عليه الحاكم؛ لأنه مانع حقها في الجماع، فينوب القاضي منابه في التسريح، كما في الجَبِّ والعنَّة، ولنا أنَّه ظلمها بمنع حقها فجازاه الشرع بزوال نعمة النكاح عند مضي هذه المدة، وهو المأثور عن عثمان وعلي والعبادلة الثلاثة وزيد بن ثابت -﵃- وكفى بهم قدوة، كذا في (الهداية).\n٣٢٩٩ - [٥] (أبو سلمة) قوله: (ويقال له: سلمة بن صخر) بفتح اللام، وهذا أصح، كذا في (جامع الأصول) (١)، و(البياضي) نسبة إلى بَياضةَ بن عامر.\nوقوله: (جعل امرأته عليه كظهر أمه) المراد تشبيه امرأته بالأم، والظهرُ مُقحَمٌ، وكذا رد اللَّه تعالى عليهم بقوله: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]، وكان هذا من أيمان الجاهلية، فقرره الشرع ونقل حكمه إلى تحريم موقتٍ بالكفارة غيرِ مزيلٍ للنكاح، فلا يجوز له الوطءُ ولا دواعيه ما لم يُخرِج الكفارة.\nوقوله: (حتى يمضي رمضان) دليل على صحة الظهار الموقَّت، فإنه كان ظهاره إلى مضي رمضان.\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٤٤٦).","vol":"6","page":150},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِفَرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو: \"أَعْطِهِ ذَلِكَ الْعَرَقَ\" وَهُوَ مِكْتَلٌ يَأْخُذُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا أَوْ سِتَّةَ عَشَرَ صَاعًا \"لِيُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٢٠٠].\n٣٣٠٠ - [٦] وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وابنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، عَن سُلَيْمَانَ ابْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ نَحْوَهُ، قَالَ: كُنْتُ امْرأً أُصِيبُ مِنَ النِّسَاءِ مَا لَا يُصِيبُ غَيْرِي، وَفِي رَوايَتِهِمُا أَعْنِي أَبَا دَاوُدَ وَالدَّارِمِيَّ: \"فَأَطْعِمْ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ بَيْنَ سِتِّينَ مِسْكينًا\". [د: ٢٢١٤، جه: ٢٠٦٢، دي: ٢/ ١٦٣، ١٦٤].\nــ\nوقوله: (لفروة) بالفاء المفتوحة، وفي بعض نسخ (المصابيح): عروة، وهو تصحيف، كذا قالوا.\nو(العرق) بفتحتين. وقوله: (مكتل يأخذ) أي: يسع (خمسة عشر أو سنة عشر)، قيل: ليس في بعض النسخ: أو ستة عشر (صاعًا).\nوقوله: (ليطعم ستين مسكينًا) يدل على عدم وجوب نصف صاع لكل مسكين، وقد وقع حديث أوس بن الصامت وسهل بن صخر: (لكلِّ مسكينٍ نصفُ صاعٍ من بُرٍّ)، ويعتبر بصدقة الفطر، ولعل ما ورد هنا كان قبل ذلك، أو ذلك لخصوصية ذلك الرجل؛ لكونه محتاجًا، كما في تجويز التضحية بجذعة المعز لأبي بردة دون غيره، كما مرّ في التضحية، واللَّه أعلم.\n٣٣٠٠ - [٦] (سليمان بن يسار) قوله: (أصيب من النساء ما لا يصيب غيري) يريد كثرة شهوته في النساء، و(الوسق) بسكون السين: ستون صاعًا، أو حمل بعير، كذا في (القاموس) (١).\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٨٥٥).","vol":"6","page":151},{"text":"٣٣٠١ - [٧] وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي الْمُظَاهِرِ يُوَاقِعُ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ قَالَ: \"كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١١٩٨، جه: ٢٠٦٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-843> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٣٠٢ - [٨] عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا ظَاهَرَ مِنِ امْرَأَتِهِ فَغَشِيَهَا قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ-، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: \"مَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ؟ \" قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! رَأَيْتُ بَيَاضَ حِجْلَيْهَا فِي الْقَمَرِ، فَلَمْ أَمْلِكْ نَفْسِي أَنْ وَقَعَتُ عَلَيْهَا، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا حَتَّى يُكَفِّرَ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: المُرْسَلُ أَوْلَى بالصَّوابِ مِنَ الْمُسْنَدِ. [جه: ٢٠٦٥، ت: ١١٩٩، د: ٢٢٢٣، ن: ٣٤٥٩].\n* * *\nــ\n٣٣٠١ - [٧] (سليمان بن يسار) قوله: (كفارة واحدة) وعليه جمهور الأئمة، وقيل: إذا واقعها قبل أن يكفِّرَ يجب عليه كفارتان.\nالفصل الثالث\n٣٣٠٢ - [٨] (عكرمة) قوله: (فغشيها) غَشَا امرأتَه يغَشُوها: جامَعَها.\nوقوله: (والحجل) بالكسر والفتح وكإبل وظهر: الخَلْخَال، والجمع أَحْجَال وحُجُول.","vol":"6","page":152},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-844>١٣ - باب</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-845> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٣٠٣ - [١] عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ جَارِيَةً كَانَتْ لِي تَرْعَى غَنَمًا لِي، فَجِئْتُهَا وَقَدْ فُقِدَتْ شَاةٌ مِنَ الْغَنَمِ، فَسَأَلْتُهَا عَنْهَا فَقَالَتْ: أَكَلَهَا الذِّئْبُ، فَأَسِفْتُ عَلَيْهَا وَكُنْتُ مِنْ بَنِي آدَمَ، فَلَطَمْتُ وَجْهَهَا، وَعَلَيَّ رَقَبَةٌ، أَفَأُعْتِقُهَا؟ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَيْنَ اللَّهُ؟ \" فَقَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، فَقَالَ: \"مَنْ أَنَا؟ \". . . . . .\nــ\n١٣ - بَابٌ\nفِي بَيَانِ بَعْضِ أحْكَامِ كَفَّارِةِ الظِّهَارِ، ذكر فيه حديثًا واحدًا من رواية مالك ومسلم، ولم يذكر الفصل الثاني، ولم يشر المؤلف أيضًا إلى هذا كما هو عادته، وكان الظاهر على صاحب (المصابيح) أن يورد هذا الحديث، ولم يضع له بابًا كما لا يخفى.\nالفصل الأول\n٣٣٠٣ - [١] (معاوية بن الحكم) قوله: (فأسفت عليها) أي: غضِبتُ، يقال: أسف عليه كفرح: غضب، ومنه: (موتُ الفجاءةِ راحةٌ للمؤمن، وأخذةُ أسفٍ للكافر)، والأسف أيضًا شدة الحزن، وعلى هذا يجوز أن يكون الضمير للشاة.\nوقوله: (وكنت من بني آدم) وعذر لغضبه ولطمه وجهها.\nوقوله: (وعلي رقبة) واجبة من جهة كفارة الظهار أو اليمين أو نحوهما. (أفأعتقها) من تلك الجهات مع أني ندمت من لطمها، وأريد أن أعتقها جزاء من فعلي هذا، ولما كان الإيمان شرطًا في الكفارة امتحن رسول اللَّه -ﷺ- إيمانها، وسألها: (أين اللَّه؟) وفي","vol":"6","page":153},{"text":"فَقَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَعْتِقْهَا\". رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢/ ٧٧٦].\nوَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَالَ: كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّئْبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا،\nــ\nرواية: أين ربُّكِ؟ (فقالت: في السماء)، وليس المراد السؤالَ عن مكان الرب تعالى، حاشا من ذلك، بل أراد أن يتعرَّف أنها موحِّدة أو مشركة، فقنع منها بأن نفَت الآلهة الأرضية، وبرأت منها، وعلمت أن لها ربًّا يدبِّر الأمر من السماء إلى الأرض، كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٦]، ولم يطالبها بالتنزيه الصرف والعلم بما يجب الاعتقاد به من صفات الحق تعالى وتقدس، وقد يكتفى بهذا القدر في أمثال ذلك، كذا قالوا، على أن في اشتراط الإيمان في غير كفارة القتل كلامًا بين الأئمة، ولعل الحق كان عنده -ﷺ- عدمه كما هو مذهب الحنفية، ومع ذلك كان الأولى والأفضل ذلك، ويكفي في ذلك هذا القدر من الإيمان فتدبر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (الجوانية) بفتح الجيم وتشديد الواو وبعد الألف نون ثم ياء مشددة، هكذا ضبطوا، وكذا ذكره أبو عبيد البكري والمحققون، وحكى عياض تخفيف الياء، والمختار التشديد، وهي موضع بقرب أحد في شمال المدينة، كذا ذكر النووي في (شرح مسلم) (١)، وذكره في (باب تحريم الكلام في الصلاة)، وقال القاضي عياض في (المشارق) (٢): الجوانية بفتح الجيم وتشديد الواو وبعد الألف نون مكسورة بعدها ياء باثنتين تحتها مخففة، كذا ضبطه أكثرهم، وكذا قيدته على أبي بحر، وعند ابن\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" (٣/ ٢٩).\n(٢) \"المشارق\" (١/ ١٦٩).","vol":"6","page":154},{"text":"وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنْ صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ قُلْتُ (١): يَا رَسُولَ اللَّهِ!\nــ\nأبي جعفر بتشديد الياء، قال البكري: كأنها تنسب إلى جَوَّانٍ، وهذا يدل على تشديد الياء، وهو أرض من عمل المدينة من جهة الفَرْعِ.\nوقوله: (آسف) بفتح السين ومد الهمزة على لفظ المتكلم.\nوقوله: (ولكن صككتها صكة) أي: أردت أن أضربها ضربًا شديدًا أوجعها به، وما فعلت ذلك، لكن صككتها صكة، أي: لطمتها لطمة، قال البيضاوي (٢) في تفسير قوله تعالى: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾: لطمت بأطراف الأصابع جبهتها فعل المتعجب، هذا وقال في (المشارق) (٣): صَكَّ فِي صدري، أي: ضرب فيه ضربةً شديدةً بكفِّه، وكذلك قوله: (لكني صككتها صكة) أي: لَطَمْتُها، وفي (مجمع البحار) (٤): في حديث موسى: (فلمَّا جاء صكَّه) أي: لطمه على عينه التي رُكِّبت في الصورة البشرية ففقأها، وقال في (القاموس) (٥): صكه: ضربه شديدًا، تعريض أو عام، وقال السيوطي في (مختصر النهاية) (٦): قال ابن الجوزي: الصكة: الدفعة.\nوقوله: (فعظم) من التعظيم، والضمير للرسول اللَّه -ﷺ-، أي: عدَّ ذلك الفعلَ، أي: اللطمَ عظيمًا.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقلت\".\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٢٢٩).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٤٤).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٣٤١).\n(٥) \"القاموس\" (ص: ٨٧١).\n(٦) \"الدر النثير\" (٢/ ٥٧٦).","vol":"6","page":155},{"text":"أفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: \"ائتِني بهَا؟ \" فأتيتُه بِهَا فَقَالَ لَهَا: \"أَيْنَ اللَّهُ؟ \" قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: \"مَنْ أَنَا؟ \" قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ قَالَ: \"أعْتِقْهَا فإنَّها مُؤْمِنَةٌ\". [م: ٥٣٧].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-846>١٤ - باب اللعان</span>\nــ\nوقوله: (أفلا أعتقها؟) ظاهر هذه الرواية أن سؤاله عن الإعتاق بسبب اللطمة عذر لهذا التقصير، وليس فيه ذكر الإعتاق بسبب كفارة كانت عليه، وقد جاء عن ابن عمر قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: (مَن ضربَ غلامًا له حدًّا لم يأتِه أو لطَمَه، فإن كفَّارتَه أن يُعتِقَه)، رواه مسلم (١)، كما يجيء في الفصل الأول من (باب النفقات) إلا أن يحمل على الرواية السابقة لطي ذكره لاتحاد القصد، ويدل على ذلك سؤاله -ﷺ- الجارية عن إيمانها، وقولُه: (أعتقها فإنها مؤمنة)، واللَّه أعلم.\n١٤ - باب اللعان\nلعَنَه كمنعه: طرَدَه فهو لَعِين وملعون، والجمع الملاعين، والاسم اللِّعان، ولاعَنَ امرأتَه لِعانًا وملاعنةً وتلاعن والتعن: لعن بعض بعضًا، ولاعن الحاكم بينهما لعانًا: حكم، وإنما سمي قذف الرجل امرأته بالزنا؛ لأن كل واحد يلعن نفسه في الخامسة إن كان كاذبًا، وقيل: لأنهما لا ينفكان من أن يكون أحدهما كاذبًا فيحصل اللعنة عليه، وفيه ما فيه، وينبغي أن يكون اللعان عند حاكم وجمع من الناس، وذلك تغليظ حتى لا يجترئ على القذف بلا شهود.\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (١٦٥٧).","vol":"6","page":156},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-847> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٣٠٤ - [١] عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: إِنَّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رجُلًا أَيَقْتُلُهُ فِيَقْتُلُونَهُ؟ أمْ كَيْفَ يَفْعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَاذْهَبْ فَأْتِ بِهَا\" قَالَ سَهْلٌ: فَتَلَاعَنَا فِي الْمَسْجِدِ، وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيْمِرٌ: كَذَبْتُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِن أَمْسَكْتُهَا. . . . .\nــ\nالفصل الأول\n٣٣٠٤ - [١] (سهل بن سعد الساعدي) قوله: (إن عويمرًا) بضم العين وفتح الواو وسكون التحتانية وكسر الميم في آخره راء تصغير عامر. (العجلاني) بفتح العين وسكون الجيم، نسبة إلى بني عجلان بطن من الأنصار.\nوقوله: (فيقتلونه) أي: أولياءُ المقتول ذلك الرجلَ القاتلَ، وفي بعض النسخ: (فتقتلونه) بتاء الخطاب للنبي -ﷺ- وأصحابه، قاله زين العرب، أي: تحكمون بقتله، واختلفوا في مَن قتل رجلًا وجد مع امرأته قد زنى، قال الجمهور: يقتل إلا أن تقوم بذلك بينة، أو يعترف له ورثة القتيل، ويكون القتيل محصنًا، والبينة أربعة من العدول من الرجال يشهدون على الزنا، وأما فيما بينه وبين اللَّه تعالى فإن كان صادقًا فلا شيء عليه، هذا ما قاله الطيبي (١).\nوقوله: (كذبت عليها يا رسول اللَّه إن أمسكتها) كلام مستقل توطئة لتطليقها ثلاثًا، يعني إن أمسكتُ هذه المرأة في نكاحي ولم أطلِّقها يلزم كأني كذبتُ فِيما قذفتُها؛ لأنَّ الإمساك ينافي كونها زانيةً، فلو أمسكت فكأني قلت: هي عفيفة لم تزنِ،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٣٤٣). قوله: \"هذا ما قاله الطيبي\" ما ثبت إلا في نسخة (ب) و(ر) فقط.","vol":"6","page":157},{"text":"فَطَلَّقهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"انْظُرُوا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَسْحَمَ، أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ، عَظِيمَ الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا،\nــ\n(فطلَّقها ثلاثًا) تصديقًا لقوله: إنه لا يمسكها، وإنما طلقها لأنه ظن أن اللعان لا يحرمها عليه، ولم يقع التفريق من رسول اللَّه -ﷺ- أيضًا، وهذا يؤيد أن الفرقة باللعان لا يحصل إلا بقضاء القاضي بها بعد التلاعن كما يأتي في الحديث الآتي: (ثم فرّق بينهما)، والجمهور على أنه يقع الفرقة بنفس اللعان، ويحرم عليه نكاحها على التأبيد، نعم يجوز أن يكون عويمرٌ غيرَ عالم بحكم المسألة، فافهم.\nوقوله: (إن جاءت) أي: امرأةُ عويمرٍ بالولد (أسحم) أي أسود، والسحم بفتحتين، والسحمة بالضم، والسحام بالضم: السواد.\nوقوله: (أدعج العينين) الدَّعَج بفتحتين، والدُّعجة بالضم: شدة سواد العين مع سعتها. (عظيم الأليتين) تثنية ألية بفتح الهمزة وسكون اللام: العجيزة، أو ما رَكِبَ العجز من شحم ولحم، كذا في (القاموس) (١).\n(خدلج الساقين) بفتح المعجمة والدال وتشديد اللام: الممتلئ الساقين، أي: عظيمهما، وفي (القاموس) (٢): الخدلجة مشددة اللام: المرأة الممتلئة الذراعين والساقين، وكان الرجل الذي نسب إلى الزنا بهذه الصفة، ولهذا قال: (فلا أحسب عويمرًا إلا قد صدق عليها)، قيل: وفيه جواز الاستدلال بالشبه، ويؤول إلى مسألة الحكم بالقيافة، وسيأتي.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١١٥٩).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ١٨٣).","vol":"6","page":158},{"text":"وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ، فَلَا أَحْسِبُ عُوَيْمِرًا إِلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا\"، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ تَصْدِيقِ عُوَيْمِرٍ، فَكَانَ بَعْدُ يُنْسَبُ إِلَى أُمِّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧٤٥، م: ١٤٩٢].\n٣٣٠٥ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَاعَنَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ فَانْتَفى مِنْ وَلَدِهَا، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٣١٥، م: ١٤٩٤].\nوَفِي حَدِيثِهِ لَهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَعَظَهُ وَذَكَّرَهُ وَأَخْبَرَهُ: أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، ثُمَّ دَعَاهَا فَوَعَظَهَا وَذَكَّرَهَا وَأَخْبَرَهَا: أَنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ.\n٣٣٠٦ - [٣] وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لِلْمُتَلَاعِنَيْنِ: \"حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ، أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ، لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيْهَا\". . . . .\nــ\nوقوله: (وإن جاءت به أحيمر) تصغير أحمر، (والوحرة) بفتحات: دويبة حمراء يلزق بالأرض، وفي (القاموس) (١): وزغة كسام أبرص، وكان عويمر كذلك.\n٣٣٠٥ - [٢] (ابن عمر) قوله: (فانتفى من ولدها) الفاء للسببية، أي: انتفى الرجلُ من ولدها بسبب الملاعنة.\nوقوله: (وعظه وذكره) لئلا يجترئ على الكذب.\n٣٣٠٦ - [٣] (ابن عمر) قوله: (لا سبيل لك عليها) أي: لا تسلُّطَ لك عليها،\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٤٥٧).","vol":"6","page":159},{"text":"قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَالِي قَالَ: \"لَا مَالَ لَكَ، إِنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ وَأَبْعَدُ لَكَ مِنْهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٣٥٠، ١٤٩٣].\n٣٣٠٧ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- بِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"الْبَيِّنَةَ. . . . .\nــ\nولا تملك منها حِلَّها، أي: حرمت عليك أبدًا، قال الطيبي (١): هذا يدل على أن الفرقة تحصل بنفس الملاعنة، وليس بواضح؛ لأنه يجوز أن يكون قوله هذا بعد التفريق، أي: فرَّقَ وقال: لا يحل لك أبدًا، واللَّه أعلم.\nوقوله: (مالي) أي: ما شأن مالي، أو تقديره: أيذهب مالي، أي: المهرُ الذي أعطيتُها إياه.\nوقوله: (فهو) أي: المالُ بدل ما استحللت بها، أي: استمتعت بها وجعلتها حلالًا لنفسك، وهذا بعد الدخول متفق عليه، وأما قبل الدخول فعند أبي حنيفة ومالك والشافعي رحمهم اللَّه تعالى لهذا نصف المهر، واختلفت الروايات عن أحمد.\nوقوله: (فذلك) أي: عَودُ المهرِ (أبعد وأبعد) تكرير للتأكيد لوجود الاستحلال مع اتهامها وإيحاشها بالقذف.\n٣٣٠٧ - [٤] (ابن عباس) قوله: (بشريك) بفتح الشين (ابن سحماء) على وزن حمراء بالسين المهملة وتقديم الحاء المهملة على الميم.\nوقوله: (البينةَ) أي: أقِمِ البينةَ.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٣٤٥).","vol":"6","page":160},{"text":"أَوْ حَدًّا فِي ظَهْرِكَ\" فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِذَا رَأَى أَحَدُنَا عَلَى امْرَأَتِهِ رَجُلًا يَنْطَلِقُ يَلْتَمِسُ الْبَيِّنَةَ؟ فَجَعَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَقُولُ: \"الْبَيِّنَةَ، وَإِلَّا حَدٌّ فِي ظَهْرِكَ\" فَقَالَ هِلَالٌ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنِّي لَصَادِقٌ، فَلَيُنْزِلَنَّ اللَّهُ مَا يُبَرِّئُ ظَهْرِي مِنَ الْحَدِّ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦] فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩]، فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ \". . . . .\nــ\nوقوله: (أو حدًّا) بالنصب، أي: تُحَدُّ حد القذف.\nوقوله: (ينطلق) بحذف همزة الاستفهام للإنكار، وهو جواب (إذا).\nوقوله: (وإلا حد) الرواية هنا بالرفع، أي: وإلا ثبت حدٌّ في ظهرك.\nوقوله: (فلينزلن) بلام التأكيد جوابًا للقسم. و(ما يبرئ) بالتشديد من التبرئة.\nوقوله: (وأنزل عليه) بلفظ المجهول والمعلوم، وهو نص في أن نزول الآية في هلال، وقوله -ﷺ- لعويمر: (قد أنزل فيك) ظاهر في أن النزول في عويمر، والصحيح هو الأول؛ لأنه قد جاء في رواية مسلم في قصة هلال، وكان أول رجل لاعن في الإِسلام، وقوله لعويمر: (قد أنزل فيك) لا يعارضه لأن معناه نزل في شأنك ما نزل في هلال؛ لأن ذلك شامل لجميع الناس، ويحتمل تكرار النزول، كذا قال النووي (١)، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فشهد) أي: لاعن.\nوقوله: (فهل منكما تائب) قيل: الظاهر أنه قال بعد فراغهما من اللعان، وقيل:\n_________\n(١) انظر: \"شرح صحيح مسلم\" (٥/ ٣٨٧).","vol":"6","page":161},{"text":"ثُمَّ قَامَتْ، فَشَهِدَتْ فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْخَامِسَةِ وَقَفُوهَا، وَقَالُوا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ، ثُمَّ قَالَتْ: لَا أَفْضَحُ قَوْمِي. . . . . .\nــ\nقاله قبل تحذيرًا لهما، والظاهر من العبارة أنه قال بعد فراغ هلال وقبل فراغ امرأته.\nوقوله: (عند الخامسة) أي: عند الشهادة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٩].\nوقوله: (وقفوها) أي: حبسوها ومنعوها عن المضي فيها وهدَّدوها، وقيل: معنى (وقفوها) أطلعوها على حكم الخامسة، ولعل هذا القائل قرأه بالتشديد، ولكن المصحح في النسخ: وقفوها بالتخفيف، قال في (القاموس) (١): وقَفَ يقِفُ وُقوفًا: دام قائمًا، ووقَفتُه أنا وَقْفًا: فعَلتُ به ما وقف، كَوَقَّفْتُه وأَوْقَفْتُه، واللَّه أعلم.\nوقوله: (إنها موجبة) أي: للتفريق بينكما؛ لأنه يتم به اللعان وبعده التفريق، أو إنها موجبة للعن ومؤدية إلى العذاب إن كانت كاذبة.\nوقوله: (فتلكأت) أي: تبطأت ووقفت، في (القاموس) (٢): تلكأ عليه: اعتلَّ، وعنه: أبطأ. (ونكصت) أي: رجعت، في (القاموس) (٣): نكص عن الأمر نَكْصًا ونُكُوصًا: تكَأكَأَ وأحجَمَ، وعلى عقبه: رجع عما كان عليه من خير، خاصٌّ بالرجوع عن الخير، ووهم الجوهوي في إطلاقه، أو في الشر نادر، انتهى.\nولا يخفى أنه استعمل هنا في الرجوع عن الشر، وكفى به للجوهوي تمسكًا\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٧٩٤).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٦١).\n(٣) \"القاموس\" (ص: ٥٨٤).","vol":"6","page":162},{"text":"سَائِرَ الْيَوْمِ، فَمَضَتْ، وَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"أَبْصِرُوهَا، فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ، سَابِغَ الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فَهُوَ لِشَرِيكِ بْنِ سَحْمَاءَ\" فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: . . . . . .\nــ\nفي الإطلاق، ولذلك رجع صاحب (القاموس) إلى القول بأنه نادر.\nوقوله: (سائر اليوم) أي: جميعَ الأيام مدَّةَ عمرِهم، أو عمرِ الدنيا، وأما إرادة أبد الدهر فبعيد، بل لا وجه له، أو ما بقي من الأيام، فالسائر يجيء بمعنى الجميع، واشتقاقه من سور البلد المحيط به بالواو، ويجيء بمعنى ما بقي، واشتقاقه حينئذ من سؤر الطعام والشراب بالهمزة بمعنى البقية والفضلة، وهذا هو المشهور، وقد أنكر بعضهم مجيئه بمعنى الجميع، قال في (القاموس) (١): السائر: الباقي لا الجميع كما توهم جماعات، أو قد يستعمل له، واستشهد له بعدة مواضع. ونقل في (مجمع البحار) (٢): ويستعملونه بمعنى الجميع، وليس بصحيح، بل كلُّ ما استعمل فيه فهو بمعنى الباقي، غير أنهم فسروه في سائر الأيام بالجميع، أي: جميع الأيام، ومن فسره ببقيتها فليس بمصيب، وفيه نظر، انتهى.\nوقوله: (فمضت) أي: أتمت وأنفذت.\nوقوله: (أكحل العينين) في (القاموس) (٣): الكَحَل محركة: أن يعلو منابتَ الأشفار سوادٌ خِلقةً، أو أن تسودّ مواضع الكحل، كحل كفرح، فهو أكحل، انتهى. والاكتحال والتكحُّل استعمال الكُحْل، ومنه قيل: ليس التكحل كالكحل (سابغ)\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٣٧٦).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥).\n(٣) \"القاموس\" (ص: ٩٧٠).","vol":"6","page":163},{"text":"\"لَوْلَا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٧٤٧].\n٣٣٠٨ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ وَجَدْتُ مَعَ أَهْلِي رَجُلًا لَمْ أَمَسَّهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نَعَمْ\" قَالَ: كَلَّا، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ كُنْتُ لأُعَاجِلُهُ بِالسَّيْفِ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . . .\nــ\nبالغين المعجمة، أي: عظيمهما، درع سابغة: تامة طويلة، وأسبغ اللَّه النعمة: أتمها، والوصف: أبلغه، ويقال للشيء إذا كان تامًا وافيًا وافرًا: إنه سابغ.\nوقوله: (لولا ما مضى من كتاب اللَّه) أي: لولا أن القرآن حكم بعدم إقامة الحد أو التعزيز على المتلاعنين لفعلت بها ما فعلت، قالوا: وفي الحديث دليل على أن الحاكم لا يلتفت إلى المظنة والأمارات والقرائن، وإنما يحكم بظاهر ما تقتضيه الحجج والدلائل، ويفهم من كلامهم هذا أن الشبه والقيافة ليست حجة، وإنما هي أمارة ومظنة فلا يحكم بها كما هو مذهبنا.\n٣٣٠٨ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (لم أمسه) بحذف حرف الاستفهام جواب لو، كما ذكرنا في الحديث السابق من قوله: (إذا رأى أحدُنا على امرأته رجلًا ينطلقُ).\nوقوله: (كلا. . . أَلخ) ليس ردًّا لقول النبي -ﷺ- ومخالفة لأمره، وإنما حاصل كلامه الإخبار عن حقيقة حاله عند رؤية أحد مع امرأته من استيلاء الغضب ومعاجلته بالسيف أو الطمع في الرخصة (١).\n_________\n(١) قوله: \"أو الطمع في الرخصة\" لم يثبت إلا في (ب) و(ر).","vol":"6","page":164},{"text":"\"اسْمَعُوا إِلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ، إِنَّهُ لَغَيُورٌ، وَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٩٨].\n٣٣٠٩ - [٦] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفِحٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ وَاللَّهِ لأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ. . . . .\nــ\nوقوله -ﷺ-: (اسمعوا إلى ما يقول سيدكم. . . إلخ) ليس تقريرًا ومدحًا له على المعاجلة بالسيف وقتله الرجل بدون الشهداء، بل حاصله مدح صفة الغيرة، وأنه من سمت سادات الناس وكرامهم، واعتذار من جانب بأنه إنما صدر منه هذا القول من غاية غيرته وحميته، وأكَّده بقوله: (وأنا أغير منه، واللَّه أغير مني) والغيرة تغيُّرٌ يعتري الإنسانَ عند رؤيته ما يكره على الأهل وما يتعلق به، والغيرة من اللَّه زجر يزجر به عباده عن المعاصي، كما يأتي في الحديث الآتي.\n٣٣٠٩ - [٦] (المغيرة) قوله: (غير مصفح) الصفح: الجانب، ومنك: جنبك، ومن الوجه والسيف: عرضه، ويضم، فمعنى قوله: (غير مصفح) غير ضارب بصفح السيف، أي: جانبه، بل بحدّه، يقال: أَصفَحَه بالسيف: ضربه بعرضه وجانبه لا بحدّه، فقوله: غير مصفح بكسر الفاء، قيل: وبفتحها أيضًا. وفي (فتح الباري) (١): قال عياض: هو بكسر الفاء وسكون الصاد المهملة، وقد رويناه أيضًا بفتح الفاء، فمن فتح جعله وصفًا للسيف وحالًا منه، ومن كسر جعله وصفًا للضارب وحالًا منه، وزعم ابن\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٣٢١).","vol":"6","page":165},{"text":"حَرَّمَ اللَّهُ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُنْذِرِينَ وَالْمُبَشِّرِينَ، وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٤١٦، م: ١٤٩٩].\n٣٣١٠ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغَارُ، وَإنَّ الْمُؤْمِنَ يَغَارُ، وَغَيْرَةُ اللَّهِ أَنْ لَا يَأْتِيَ الْمُؤْمِنُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٢٣، م: ٢٧٦١].\nــ\nالتين أنه وقع في سائر الأمهات بتشديد الفاء.\nوقوله: (حرم اللَّه الفواحش) ورتب عليها العقوبة في الدنيا والآخرة، ويريد أن لا يصيبه مكروه، ولا يبعد من حضرته، ولا يتطرق إليه آفة بارتكاب المعاصي.\nوقوله: (ولا أحد أحب إليه العذر) روي أحب بالرفع والنصب، والمراد بالعذر الإعذار، وهو بمعنى إزالة العذر، يعني إنما بعث اللَّه تعالى الرسل ليزيل أعذارهم كما قال ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، كذا قالوا، فتأمل.\nوقوله: (ولا أحد أحب إليه المدحة) بكسر الميم، أي: المدح والثناء على ذاته وصفاته وأفعاله، (ومن أجل ذلك وعد اللَّه الجنة) ليفي بوعده، فيشكروه ويمدحوه، أو لأنه لما وعد ورغب فيها كثر سؤال العباد وثناؤهم إياه تعالى.\n٣٣١٠ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (إن اللَّه تعالى يغار) من باب خاف يخاف.\nوقوله: (وغيرة اللَّه أن لا يأتي) أي: لأجل أن لا يأتيَ المؤمنُ ما حرَّمَ اللَّه.","vol":"6","page":166},{"text":"٣٣١١ - [٨] وَعَنْهُ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: إنَّ امْرَأَتي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ \" قَالَ: نَعَمْ قَالَ: \"فَمَا أَلْوَانُهَا؟ \" قَالَ: حُمْرٌ قَالَ: \"هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ \" قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا قَالَ: \"فَأَنَّى تُرَى ذَلِكَ جَاءَهَا؟ \" قَالَ: عِرْقٌ نَزَعَهَا قَالَ: \"فَلَعَلَّ هَذَا عِرْقٌ نزَعَهُ\"، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣١٤، م: ١٥٠٠].\n٣٣١٢ - [٩] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ. . . . .\nــ\n٣٣١١ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (هل فيها من أورق) أي: أسود، والوُرْقةُ سواد في غُبْرةٍ كلون الرَّماد، ولهذا سميت الحمامة ورقاء، والوُرْق بضم الواو وسكون الراء جمع أورق.\nوقوله: (فأنى ترى ذلك؟) أي: من أين، أو كيف تظن ذلك؟ وقد يفتح ترى من الرؤية العلمية، فإن قلت: لم لم يعتبر وصف اللون في هذا الحديث، واعتبر الأوصاف في حديث عويمر وشريك؟ قلت: لأنها كانت أظهر في الدلالة والأمارة بخلاف اللون وحده، وأقول: لعله -ﷺ- عرف هناك بالوحي دون هنا، واللَّه أعلم.\n٣٣١٢ - [٩] (عائشة) قوله: (كان عتبة بن أبي وقاص) قال أبو نعيم: ذكره بعض المتأخرين في الصحابة، وقال: وعتبة هو الذي شجَّ وجهَ رسول اللَّه -ﷺ- وكسر رباعيته يوم أحد، وما علمت له إسلامًا، ولم يذكره أحد من المتقدمين من الصحابة، كذا في (أسد الغابة) (١).\n_________\n(١) \"أسد الغابة\" (٢/ ٢٤٤).","vol":"6","page":167},{"text":"إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي فَاقْبِضْهُ إِلَيْكَ، فَلَمَّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدٌ فَقَالَ: إِنَّهُ ابْنُ أَخِي، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي، فَتَسَاوَقَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَخِي كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ، وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ ولِيدَةِ أَبِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ\" ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ: \"احْتَجِبِي مِنْهُ\" لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: \"هُوَ أَخُوكَ يَا عَبْدَ بْنَ زَمَعَةَ\" مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٧٤٥، م: ١٤٥٦].\nــ\nوقوله: (ابن وليدة زمعة) أي: جاريته، وزمعة بسكون الميم وفتحها هو والد سودة زوجة النبي -ﷺ-، يعني أنه كان وطئَ هذه الجارية، وولدت ابنًا، فظن عتبة أن نسب ولد الزنا ثابت عن الزاني إذا استلحقه، على ما هو عادة الجاهلية، فأوصى بأخيه سعد بن أبي وقاص، وأمره بأن يقبض ذلك الابن إلى نفسه.\nوقوله: (وقال عبد بن زمعة: أخي) لأنه كان يطؤها بملك اليمين، وقد ولدت على فراشه، وكان حكم الجاهلية أنه إذا استلحق الولدَ أحدٌ من الزاني والسيد فذاك، وإن استلحقه كلُّ واحد منهما وتنازعا فيه عُرِض على القائف.\nوقوله: (فتساوقا) أي: ذهبا وترافعا، أي: عتبةُ وعبدٌ.\nوقوله: (وللعاهر) أي: الزاني (الحجر) كناية عن الحرمان، والمراد الرجم.\nوقوله: (شبهه) الرواية بفتحتين.\nوقوله: (من أجل) متعلق بـ (قال)، وهو حكايةٌ من الراوي.","vol":"6","page":168},{"text":"٣٣١٣ - [١٠] وَعَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ مَسْرُورٌ فَقَالَ: \"أَيْ عَائِشَةُ! أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ دَخَلَ، فَلَمَّا رَأَى أُسَامَةَ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِمَا قطيفةٌ قَدْ غَطَّيَا رُؤُوسَهُمَا وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعضٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧٧١، م: ١٤٥٩].\n٣٣١٤ - [١١] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبِي بَكْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُ [أَنَّهُ غَيْرُ أَبِيهِ] فَالْجَنَّةُ عَلَيْهِ حَرَامٌ\". . . . . .\nــ\n٣٣١٣ - [١٠] (عنها) قوله: (أن مجزِّزًا) بضم الميم وفتح الجيم وبالزايين المنقوطتين الأولى منهما مشددة مكسورة، وهو من بني مدلج بضم الميم وسكون الدال وكسر اللام في آخره جيم.\nوقوله: (رأى أسامة وزيدًا) وهما نائمان في المسجد، وكان المنافقون يقدحون في نسب أسامة لكونه أسود، وكان زيد أبيض، وإن كانت أم أسامة وهي أم أيمن سوداء، فلما حكم هذا القائف بإلحاق نسبه يزيد، وكانت العرب تعتمد قول القائف فرح النبي -ﷺ-؛ لكونه زاجرًا لهم عن الطعن في نسبه، ولا يلزم من هذا اعتبارُ قول القائف في إثبات النسب في الشرع، وإنما المقصد إلزام الكفار في الطعن في نسبه، وهو المذهب عندنا، والشافعي وغيره يعتبرون القيافة، كما إذا جاءت جارية بولد بين شريكين ودعاه كل واحد منهما، وعندنا يجعل ولدًا لكل منهما في حكم الشرع.\n٣٣١٤ - [١١] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (من ادعى إلى غير أبيه) أي: نسب نفسه إلى غير أبيه.\nوقوله: (فالجنة عليه حرام) تغليظ وتشديد، أو المراد المستحلُّ، أو لا يدخل","vol":"6","page":169},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧٦٦، م: ٦٣].\n٣٣١٥ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ أَبِيهِ فَقَدْ كَفَرَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧٦٨، م: ٦٢].\nوَقَدْ ذُكِرَ حَدِيثُ عَائِشَةَ \"مَا مِنْ أَحَدٍ أَغْيَرُ مِنَ اللَّهِ\" فِي \"بَاب صَلَاة الْخُسُوفِ\".\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-848> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٣١٦ - [١٣] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْمُلَاعَنَةِ: \"أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَلَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ، وَلَنْ يُدْخِلَهَا اللَّهُ جَنَّتَهُ، وَأَيُّمَا رَجُلٍ جَحَدَ وَلَدَهُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، احْتَجَبَ اللَّهُ مِنْهُ وَفَضَحَهُ عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ فِي الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالْدَّارِمِيُّ. [د: ٢٢٦٣، ن: ٣٤٨١، دي: ٢/ ١٥٣].\nــ\nمع السابقين.\n٣٣١٥ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (فقد كفر) من الكفران، أي: كفر نعمة الأبوة.\nالفصل الثاني\n٣٣١٦ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (فليست من اللَّه في شيء) أي: من دين اللَّه ومن رحمة اللَّه، وهذا تشديد وتغليظ، وكذا قوله: (ولن يدخلها اللَّه الجنة)، أو المراد من الناجين ومع من يدخلها من المحسنين، وهذا وعيد وإنذار للمرأة.\nوقوله: (وأيما رجل جحد ولده. . . إلخ)، إنذار للرجل.","vol":"6","page":170},{"text":"٣٣١٧ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: إِنَّ لِي امْرَأَةً لَا تَرُدُّ يَدَ لَامِسٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"طَلِّقْهَا\" قَالَ (١): إِنِّي أُحِبُّها قَالَ (٢): \"فَأَمْسِكْهَا إِذًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَقَالَ النَّسَائِيُّ: رَفَعَهُ أَحَدُ الرُّوَاةِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَحَدُهُمْ لَمْ يَرْفَعْهُ، قَالَ: وَهَذَا الحَدِيثُ لَيْسَ بِثَابِتٍ. [د: ٢٠٤٩، ن: ٣٤٦٥].\n٣٣١٨ - [١٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَضَى أَنَّ كلَّ مُسْتَلْحَقٍ. . . . . .\nــ\n٣٣١٧ - [١٤] (ابن عباس) قوله: (لا ترد يد لامس) أي: لا تمنع نفسها مَنْ يقصدها بفاحشة، ويؤيده قوله: (لامس)، وقيل: معناه: لا ترد يد من يأخذ شيئًا مما في البيت، وقد يرجح هذا المعنى بأن النبي -ﷺ- لا يأمر بإمساك الفاجرة، وقد يوجّه بأنه يمكن أنه أمر به بسبب شدة محبته إياها لئلا يقع من مفارقتها في الفتنة، لكنه يحفظها ويمنعها عن الزنا والوقوع في الفاحشة، ويجوز أن يكون هذا معنى قوله: (فأمسكها) (٣) أي: حافظها وامنعها عن الزنا، فافهم.\nوقوله: (وهذا الحديث ليس بثابت) أي: وصلُه.\n٣٣١٨ - [١٥] (عمرو بن شعيب) قوله: (أن كل مستلحق) بفتح الحاء الذي طلب الورثةُ إلحاقَه بهم، ومعنى استلحقه: ادَّعاه.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) في نسخة: \"فقال\".\n(٣) استدل به الشامي (٦/ ٤٢٧) على أنه لا يجب على الزوج تطليق الفاجرة، كذا في \"التقرير\".","vol":"6","page":171},{"text":"اسْتُلْحِقَ بَعْدَ أَبِيهِ الَّذِي يُدْعَى لَهُ ادَّعَاهُ وَرَثَتُهُ، فَقَضَى أَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ أَمَةٍ يَمْلِكُهَا يَوْمَ أَصَابَهَا فَقَدْ لَحِقَ بِمَنِ اسْتَلْحَقَهُ، وَلَيْسَ لَهُ مِمَّا قُسِمَ قَبْلَهُ مِنَ الْمِيرَاثِ شَيْءٌ، وَمَا أَدْرَكَ مِنْ مِيرَاثٍ لَمْ يُقْسَمْ فَلَهُ نَصِيبُهُ، وَلَا يُلْحَقُ إِذَا كَانَ أَبُوهُ الَّذِي يُدْعَى لَهُ أَنْكَرَهُ، فَإِنْ كَانَ مِنْ أمَةٍ لَمْ يَمْلِكْهَا أَوْ مِنْ حُرَّةٍ عَاهَرَ بِهَا فَإِنَّهُ لَا يُلْحَقُ وَلَا يَرِثُ،\nــ\nوقوله: (استلحق) بلفظ المجهول كالصفة الكاشفة لـ (مستلحَق).\nوقوله: (بعد أبيه) أي: بعد موت أبيه، وإضافة الأب إليه باعتبار الادعاء والاستلحاق كما قال: (الذي يدعى له).\nوقوله: (ادعاه ورثته) قال الطيبي (١): إنه خبر (أن)، ولعله بتقدير هو الذي ادعاه، ولا شك أنه لا فائدة في هذا الإخبار؛ لأنه يفهم من عنوان المبتدأ، وعندي أنه وصف ثان لقوله: (مستلحق) تأكيدًا وتفسيرًا لمعناه كالأول، وخبر (أن) ما يفهم من مضمون قوله: (أن من كان. . . إلخ)، وهذا الوجه ورد في خاطري، ثم وقع النظر في الحاشية الشريفة فظهر أنه من توارد الخاطرين، تقديره: أن كلَّ مستلحَق حكمُه أنَّ مَن كان من أمة. . . إلخ، فافهم.\nوقوله: (فقضى) تكرير لـ (قضى) الأول للبعد، أو المراد أراد أن يقضي فقضى.\nوحاصل هذه الأحكام أن المستلحَق إن كان من أمَة للميت يملكها يوم جامعها فقد لحق بمن استلحقه من الورثة، وصار وارثًا في حقه كلًّا أو بعضًا، ولكن ليس له\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٣٥٧).","vol":"6","page":172},{"text":"وَإِنْ كَانَ الَّذِي يُدْعَى لَهُ هُوَ (١) ادَّعَاهُ، فَهُوَ وَلَدُ زِنْيَةٍ مِنْ حُرَّةٍ كَانَ أَوْ أَمَةٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٢٦٥].\n٣٣١٩ - [١٦] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مِن الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ، وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللَّهُ، فَأَمَّا الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ، وَأَمَّا الَّتِي يُبْغِضُهَا اللَّهُ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ،\nــ\nنصيب مما قُسِم من الميراث قبل الاستلحاق، وما لم يُقسَم بعدُ فله نصيبه منه، وهذا إذا لم يكن الرجلُ الذي يُدعَى له قد أنكره في حياته، فإن كان قد أنكره قبلُ لم يرث، ولم يُفِد الاستلحاقُ، وإن كان من أمةٍ لم يملكها يومَ جامعَها بأن كان من أمةِ غيره زنا بها، أو كان من حرةٍ زنا بها؛ فإنه لا يلحق بلفظ المجهول، أي: لا يجوز إلحاقه بالميت، ولا يرث، ويجوز أن يكون بلفظ المعلوم، وكذا (يلحق) الأول.\nوقوله: (وإن كان الذي يدعى له هو ادعاه) إن متصلة، تأكيد لما قبله من عدم جواز الإلحاق في صورة الزنا بأمة غيره أو حرة، أي: لا يرث في هذه الصورة، أعني أن يكون من أمة غيره أو حرة زنا بها، لأنه ولد زنًا، وإن كان ادعاه في حياته لأنه ولد زنا لا يثبت نسبه منه، سواء كان من حرة أو أمة فليفهم.\n٣٣١٩ - [١٦] (جابر بن عتيك) قوله: (وعن جابر بن عتيك) على وزن كريم.\nوقوله: (في الريبة) بالكسر: التهمة، أي: يكون في مواضع الشك والتردد بحيث يمكن اتهامها فيه، كما كانت زوجته أو أمته تدخل على أجنبي، أو يدخل أجنبي\n_________\n(١) في نسخة: \"هو الذي\".","vol":"6","page":173},{"text":"وَإِنَّ مِنَ الْخُيَلَاءِ مَا يُبْغِضُ اللَّهُ، وَمِنْهَا مَا يُحِبُّ اللَّهُ، فَأَمَّا الْخُيَلَاءُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ فَاخْتِيَالُ الرَّجُلِ عِنْدَ الْقِتَالِ وَاخْتِيَالُهُ عِنْدَ الصَّدَقَةِ، وَأَمَّا الَّتِي يُبْغِضُ اللَّهُ فَاخْتِيَالُهُ فِي الْفَخْرِ\" وَفِي رِوَايَةٍ: \"فِي الْبَغْي\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٥/ ٤٤٥، د: ٢٦٥٩، ن: ٢٥٥٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-849> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٣٢٠ - [١٧] عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ فَلَانًا ابْنِي عَاهَرْتُ بِأُمِّهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا دِعْوَةَ فِي الإِسْلَامِ، ذَهَبَ أَمْرُ الْجَاهِلِيَّةِ، الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ. . . . .\nــ\nعليها، وتجري بينهما مزاح وانبساط، وأما إذا لم يكن كذلك فهو من ظن السوء الذي نهينا عنه. و(الخيلاء) بضم الخاء وفتح التحتانية: التكبر كالمخيل والمخيلة، واختيال الرجل عند القتال، هو الدخول في المعركة بنشاط وقوة إظهارًا لجلادة، والتبختر فيه، والاستهانة والاستخفاف بالعدو، وإدخال الرَّوع في قلبه، والاختيال عند الصدقة أن يعطيها طيبةً بها نفسه، وينبسط صدره ولا يستكثر، ولا يبالي بما أعطى.\nالفصل الثالث\n٣٣٢٠ - [١٧] (عمرو بن شعيب) قوله: (ابني) خبر (إن).\nوقوله: (لا دعوة في الإِسلام) أي: بسبب الزنا، والدعوة بالكسر: ادعاء الولد، وبالفتح: الدعاء إلى الإِسلام، وأما إلى الطعام فيفتح ويضم، والفتح أكثر.","vol":"6","page":174},{"text":"الْحَجَرُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٢٧٤].\n٣٣٢١ - [١٨] وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"أَرْبَعٌ مِنَ النِّسَاءِ لَا مُلَاعَنَةَ بَيْنَهُنَّ (١): النَّصْرَانِيَّةُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ، وَالْيَهُودِيَّةُ تَحْتَ الْمُسْلِمِ، وَالْحُرَّةُ تَحْتَ الْمَمْلُوكِ، وَالْمَمْلُوكَةُ تَحْتَ الْحُرِّ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه. [جه: ٢٠١٧].\n٣٣٢٢ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَمَرَ رَجُلًا حِينَ أَمَرَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يَتَلَاعَنَا أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عِنْدَ الْخَامِسَةِ عَلَى فِيهِ وَقَالَ: \"إِنَّهَا مُوجِبَةٌ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٣٤٧٢].\nــ\n٣٣٢١ - [١٨] (وعنه) قوله: (بينهن) أي: وبين أزواجهن، وليس هذه اللفظة في النسخ، ولابدّ منها، وقد كتب في هامش أصل الشيخ عفيف الدين بخطه مع علامة صح، واللَّه أعلم.\nوالأصل في هذه المسألة أن اللعان شهادة، فلابدّ أن يكون الزوجان من أهل الشهادة، والمملوك والكافر ليس أهلًا لها، لكن لا يتصور في الصورتين الأوليين العكس بأن يكون المسلمة تحت النصراني واليهودي، ويتصور في المملوك كلتا الصورتين، فافهم.\n٣٣٢٢ - [١٩] (ابن عباس) قوله: (أن يتلاعنا) متعلق بـ (أَمَرَ) الثاني.\nوقوله: (أن يضع) متعلق بـ (أَمَرَ) الأولِ.\nوقوله: (أن يضع يده) الظاهر أن الضمير للرجل، وفي قوله: (على فيه) للمتلاعن، ويحتمل أن يكون الضميران للمتلاعن، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"وبين أزواجهن\".","vol":"6","page":175},{"text":"٣٣٢٣ - [٢٠] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا لَيْلًا قَالَتْ: فَغِرْتُ عَلَيْهِ، فَجَاءَ فَرَأَى مَا أَصْنَعُ فَقَالَ: \"مَا لَكِ يَا عَائِشَةُ أَغِرْتِ؟ \" فَقُلْتُ: وَمَا لِي لَا يَغَارُ مِثْلِي عَلَى مِثْلِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَقَدْ جَاءَكِ شَيْطَانُكِ\" قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمَعِي شَيْطَانٌ؟ قَالَ: \"نَعَمْ\" قُلْتُ: وَمَعَكَ يَا رَسُولَ اللَّه؟ قَالَ: \"نعم وَلَكِنْ أَعَانَنِي اللَّهُ علَيهِ حَتَّى أسلَمَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨١٥].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-850>١٥ - باب العدة</span>\nــ\n٣٣٢٣ - [٢٠] (عائشة) قوله: (فغرت) من المغيرة كخفت.\nوقوله: (ما أصنع) من شيء عقبه.\nوقوله: (ما لي لا يغار) أي: كيف لا يغار من هو على صفتي من المحبة، ولها ضرائر على من هو على صفتك من النبوة والجمال والكمال، والمراد كيف لا أغار عليكَ؟\nوقوله: (لقد جاءك شيطانك) لأن الرسول لا يَحِيف على أحد، ولا يظلم في حقه.\nوقوله: (حتى أسلم) بلفظ المضارع المتكلم، أو بلفظ الماضي والضمير للشيطان، وقد مر الكلام فيه في أول الكتاب في (باب الوسوسة).\n١٥ - باب العدة\nمن العدِّ بمعنى الإحصاء، والعدة ما تعده المرأة من أيام أقرائها أو أيام حملها","vol":"6","page":176},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-851> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٣٢٤ - [١] عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيْلُهُ الشَّعِيرَ فَسَخِطَتْهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: \"لَيْسَ لَكِ نَفَقَةٌ\"،\nــ\nأو غير ذلك، والأصل فيها قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: ٤] أي: فعدتهن كذلك، أو في الآية تقديم وتأخير، وقوله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، وورد فيها الأحاديث، وانعقد عليه الإجماع.\nالفصل الأول\n٣٣٢٤ - [١] (أبو سلمة) قوله: (طلقها البتة) أي: الطلقات الثلاث؛ فإنها قاطعة وُصْلةَ النكاح، والبَتُّ: القطع.\nوقوله: (فسخطته) أي: استقلّت الشعير ولم ترض به، وفي بعض النسخ: (تسخَّطته)، في (القاموس) (١): تسخَّطَ عطاءَه: استقلَّه، ولم يقع منه موقعًا.\nوقوله: (فقال) أي وكيل أبي عمرو لفاطمة: (واللَّه مالك علينا من شيء) أي: من نفقتها لأنك مطلَّقة بتةً.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٦١٧).","vol":"6","page":177},{"text":"فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: \"تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى تَضَعِينَ ثِيَابَكِ،\nــ\nوقوله: (يغشاها أصحابي) أي: يدخلون عليها، فإنها كانت امرأة كريمة صالحة فاضلة يزورها الناس وتضيفهم.\nوقوله: (فإنه رجل أعمى) لا يدل على جواز نظر المرأة إلى الأجنبي؛ فإن المقصد أنك آمنة عنده من نظر غيره، فإنه لا يتردد إلى بيته الناس، كما يترددون إلى بيت أم شريك، وأما غض بصرك عنه فبحاله كما دل عليه نص القرآن، وحديث أم سلمة: (أفعمياوان أنتما؟)، وقد احتج بعض الناس بهذا الحديث على جواز نظر المرأة إلى الأجنبي الأعمى بخلاف نظره إليها، والصحيح الذي عليه الجمهور أنه حرام.\nوقوله: (تضعين ثيابك) خبر في معنى الأمر، أي: ضعي ثيابك، ولا تلبسي ثياب الزينة في حال العدة، ويحتمل أن يكون معناه -واللَّه أعلم- أنك تكونين في بيته بلا تكلف، تضعين ثيابك وتجردين؛ لأنه ليس هناك من تخافين من نظره.\nاعلم أن هذا الحديث من فاطمة بنت قيس يدل على أنه لا نفقة ولا سكنى لمعتدة الثلاث، أما نفي النفقة فصريح، وأما نفي السكنى؛ فإنها إنما تكون في بيتها لا في بيت الناس، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد، وهو مذهب ابن عباس أنه لا نففة ولا سكنى لمعتدة الثلاث لهذا الحديث.\nوقال مالك والشافعي وآخرون: لها السكنى لقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦]، ولا نفقة لهذا الحديث، وقال أبو حنيفة وآخرون وهو قول عمر -﵁-: لها السكنى والنفقة، وقد قال عمر -﵁-: (لا ندع كتاب ربنا بقول امرأة).","vol":"6","page":178},{"text":"فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي\" قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ: \"أَمَّا أَبُو الْجَهْمِ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ\" فَكَرِهْتُهُ ثُمَّ قَالَ: \"انْكِحِي أُسَامَةَ\" فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا وَاغْتُبِطْتُ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهَا: \"فَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَرَجُلٌ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَأَتَتِ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: \"لَا نَفَقَةَ لَكِ إِلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا\". [م: ٢٨١٥].\nــ\nوقوله: (فإذا حللت فآذنيني) أي: إذا خرجتِ من العدة وتمَّت عدتك فأعلميني وأخبريني بذلك حتى ننظر في إنكاحك ونطلب لك زوجًا.\nوقوله: (فلا يضع عصاه عن عاتقه) كناية عن كثرة ضربه للنساء وتهديده إياهن، كما جاء في رواية أخرى: (رجل ضرّاب للنساء). و(الصعلوك) كالعصفور: الفقير، وتصَعلَكَ: افتقر، فقوله: (لا مال له) صفة كاشفة، وفيه أن المستشار مؤتمن، وفيه جواز ذكر عيب أحد الخاطبين على الآخر نصحًا.\nوقوله: (فكرهته) لأنه كان مولى أسود وفاطمة هذه من قريش جميلة، (ثم قال: انكحي أسامة) لما رأى رسول اللَّه -ﷺ- من مصلحتها، وفيه: أن ترك الكفاءة من الوليّ الناصح جائز خصوصًا برضاء المرأة.\nوقوله: (واغتبطت) بلفظ المجهول من الاغتباط.\nوقوله: (أن تكوني حاملًا) لقوله تعالى: ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، ومفهومه أنهن إن لم يكنَّ أولاتِ حمل لا يُنفَقُ عليهنَّ.","vol":"6","page":179},{"text":"٣٣٢٥ - [٢] وَعَنْ عائشةَ قَالَتْ: إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا، فَلِذَلِكَ رَخَّصَ لَهَا النَّبِيُّ -ﷺ- تَعْنِي فِي النُّقْلَةِ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَتْ: مَا لِفَاطِمَةَ؟ أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ؟ تَعْنِي فِي قَوْلِهَا: لَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٣٢٥، م: ٥٣٢٦].\n٣٣٢٦ - [٣] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: إِنَّمَا نُقِلَتْ فَاطِمَةُ لِطُولِ لِسَانِهَا عَلَى أَحْمَائِهَا. رَوَاهُ فِي \"شرح السّنة\". [٩/ ٢٩٤].\nــ\n٣٣٢٥ - [٢] (عائشة) قوله: (في مكان وحش) بفتح الواو وسكون المهملة، أي: خالٍ لا ساكنَ فِيه، والوحشة: الخلوة.\nوقوله: (على ناحيتها) أي: جانبها، أي: نفسها.\nوقوله: (تعني) أي: عائشة. و(النقلة) بالضم: الانتقال، أي: في انتقال فاطمة وسكناها إلى بيت ابن أم مكتوم، وفيه إشارة إلى أن الأصل هو وجوب السكنى، وإنما رخص لفاطمة في الانتقال للخوف المذكور.\nوقوله: (وفي رواية: قالت) أي: عائشةُ: (ما لفاطمة) ما استفهامية للإنكار، أي: ما شأن فاطمة تروي أنه -ﷺ- قال لها: لا سكنى ولا نفقة، وما قال ذلك، وهذا مثل قول عمر -﵁-: (لا ندع كتاب ربنا بقول امرأة لا ندري حفظت أو نسيت) (١).\n٣٣٢٦ - [٣] (سعيد بن المسيب) قوله: (إنما نُقلت فاطمة لطول لسانها على أحمائها) هذا سبب آخر لنقلها من سكناها للعدة، والأحماء: أقارب المرأة من جانب الزوج.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (١١٨٠)، و\"مصنف ابن أبي شيبة\" (١٨٦٥٩).","vol":"6","page":180},{"text":"٣٣٢٧ - [٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: طُلِّقَتْ خَالَتِي ثَلَاثًا، فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا، فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: \"بَلَى فَجُدِّي نَخْلَكِ، فَإِنَّهُ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٨٣].\n٣٣٢٨ - [٥] وَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ: أَنَّ سُبَيْعَةَ الأَسْلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بَعْدَ وَفَاةِ زَوْجِهَا بِلَيَالٍ، فَجَاءَتِ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَاسْتَأَذَنَتْهُ أَنْ تَنْكِحَ،\nــ\n٣٣٢٧ - [٤] (جابر) قوله: (أن تجدّ نخلها) بضم الجيم وتشديد الدال، الجَدَادُ في النخل كالحَصَادِ فِي الزَّرع، أي: أرادت أن تخرج في العدة لتقطع ثمرة نخلها.\nوقوله: (فقال: بلى) أي قالت: أليس لي الخروج؟ فقال: بلى، والفاء في (فجدّي) للسببية، أي: إن كان لابد لك من الخروج فاخرجي وجُدِّي، وفيه جواز خروج المعتدة للحاجة.\nوقوله: (أو تفعلي معروفًا) كلمة (أو) للشك، ويحتمل أن يكون للتنويع بأن يراد بالتصدق الفريضة وبالمعروف النافلة.\n٣٣٢٨ - [٥] (المسور بن مخرمة) قوله: (وعن المسور) بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو. و(سبيعة) بلفظ التصغير بالسين المهملة.\nوقوله: (نفست) بضم النون بصيغة المجهول: إذا ولَدَت، وبالفتح بلفظ المعلوم: إذا حاضت، والمراد هنا الأول، وفي (مجمع البحار) (١): بالضم والفتح في الحيض والنفاس، لكن الضم في الولادة والفتح في الحيض أكثر، وقال في (المشارق) (٢) في\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٧٧٥).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٣٨).","vol":"6","page":181},{"text":"فأَذِنَ لَهَا فَنَكَحَتْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٣٢٠].\n٣٣٢٩ - [٦] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا. . . . .\nــ\nحديثِ (لعلَّكِ نُفِسْتِ): [قاله لعائشة في حجة الوداع]، كذا ضبطه الأصيلي بضم النون وكثير من الشيوخ، وكذا سمعناه من غير واحد، وفي الولادة: فنفست بعبد اللَّه كذا أيضًا ضبطناه بالضم، وقال الهروي: يقال في الولادة: نفست المرأة ونفست بالوجهين في النون الضم والفتح، وإذا حاضت بالفتح في النون لا غير، ونحوه لابن الأنباري، وذكر أبو حاتم عن الأصمعي الوجهين معًا فيهما، انتهى.\nوقوله: (فأذن لها) لأن عدة الحامل وضع الحمل، وهذا مذهبنا لعموم قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]، وقال ابن مسعود: من شاء باهلته أن سورة النساء القصرى وهي سورة ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، وفيها قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ بعد سورة النساء الطولى، وهي سورة البقرة التي فيها قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤]، وبيانه أن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ الآية [البقرة: ٢٣٤]، عام في الحامل وغيرها، وقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ عام في المتوفى عنها زوجها وغيرها، فيتعارضان في الحامل المتوفى عنها زوجها، فاختار بعضهم أنه تعتدّ أبعدَ الأجَلَين، ويروى ذلك عن علي وابن عباس -﵃-، وعندنا عدتها بوضع الحمل، وهو مذهب ابن مسعود -﵁-، وقال: قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ﴾ متأخر وناسخ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ وهو المراد من قول ابن مسعود -﵁-: من شاء باهلته. . . إلخ.\n٣٣٢٩ - [٦] (أم سلمة) قوله: (وقد اشتكت عينها) بالرفع والنصب، وعلى","vol":"6","page":182},{"text":"أَفَنَكْحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا\" مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ: \"لَا\"، ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وعشرٌ، وَقد كَانَت إِحْدَاكُنَّ فِي الجاهليَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٣٣٦، م: ١٤٨٨].\nــ\nالثاني في (اشتكت) ضميرُ (ابنتي).\nوقوله: (أفنكحلها) بالنون والتاء من باب منع ونصر، والضمير للبنت أو لعينها.\nوقوله: (مرتين أو ثلاثًا) المتبادر إلى الفهم أنه متعلق بقال، فيكون قوله: (كل ذلك يقول: لا) تأكيدًا، ويحتمل أن يتعلق بقوله: (قالت: إن ابنتي. . . إلخ)، فيكون ذلك القول تأسيسًا، وكل بالنصب، أي: في كل مرة، وفيه منع الاكتحال للمتوفى عنها زوجها لوجوب الحِداد بترك الطيب والزينة، وفي الاكتحال خلاف، فقال الشافعي: تكتحل للرمد ليلًا وتمسحه نهارًا، وعند أحمد لا يجوز أصلًا، وعندنا وعند مالك يجوز لعذر.\nوقوله: (إنما هي) أي: العدةُ.\nوقوله: (وعشر) بالرفع، وقد ينصب على حكاية لفظ القرآن، وفي بعض النسخ بالجر، ولعله للجِوار، ونقل الطيبي (١) عن (شرح السنة): قيل: كانت عدة المتوفى عنها زوجها في الابتداء حولًا كاملًا، ثمَّ نسخ بأربعة أشهر وعشرًا، وكان في الجاهلية أمور أخر يقضي منها العجب، كما أشار إليه بقوله: (وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة) بفتح الباء وسكون العين: روث البعير، (على رأس الحول) قالوا: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها، دخلت بيتًا ضيقًا، ولبست شرّ ثيابها، ولا تمس\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٣٦٣).","vol":"6","page":183},{"text":"٣٣٣٠ - [٧] وَعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ وَزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٣٣٤، م: ١٤٨٧].\n٣٣٣١ - [٨] وَعَن أُمِّ عطيَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تُحِدُّ امْرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، وَلَا تَلْبَسْ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلَّا ثَوْبَ عَصْبٍ، وَلَا تَكْتَحِلْ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إِلَّا إِذَا طَهُرَتْ نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ أَوْ. . . . .\nــ\nطيبًا ولا شيئًا فيه زينة حتى تمضي عليها سنة، ثم تؤتى بدابة، فتمسح بها قُبُلها، وتخرج عن البيت، فتعطى بعرة فترمي بها، وتخرج بذلك عن العدة.\n٣٣٣٠ - [٧] (أم حبيبة) قوله: (أن تحدّ) بضم التاء وكسر الحاء من الإحداد، وذلك لغة في الحداد بكسر الحاء، وهو الرواية، وجاء حَدَّ يَحدُّ من باب فرّ ومدّ حدًّا وحِدادًا، وفي (القاموس) (١): المُحِدُّ: تاركةُ الزينةِ للعدَّةِ.\n٣٣٣١ - [٨] (أم عطية) قوله: (إلا ثوب عصب) بفتح العين وسكون الصاد: نوع من البرود اليمنية، يصبغ غزله قبل النسج، والعصب الجمع أو الشد، أي: يعصب ويصبغ، وقد جاءت الرواية الفقهية في لبس الأحمر المصبوغِ غزلُه قبل النسج للرجال، ولا يعدّ زينة فلا بأس بلبسه.\nوقوله: (إلا إذا طهرت) أي: من الحيض، و(نبذة) منصوب بتقدير تمسّ، وهي بضم النون وسكون الباء: الشيء القليل اليسير، و(القسط) بضم القاف، وقد تبدل\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٢٦٨).","vol":"6","page":184},{"text":"أَظْفَارٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: \"وَلَا تَخْتَضِبُ\". [خ: ٥٣٤٢، م: ٩٣٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-852> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٣٣٢ - [٩] عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبٍ: أَنَّ الْفُرَيْعَةَ بِنْتَ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ -وَهِيَ أُخْتُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ- أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- تَسْأَلُهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهَا فِي بَنِي خُدْرَةَ، فَإِنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ أَبَقُوا. . . . . .\nــ\nالقاف بالكاف والطاء بالتاء: عود يحمل من الهند، وقيل: يكون هنديًّا وعربيًّا طيب عود، ويجعل في الأدوية، و(الأظفار) بفتح الهمزة: نوع من الطيب يبخر به، يشبه أظفار الإنسان، تستعملها النساء.\nوالإحداد واجب على المدخول بها وغيرها سواء كانت صغيرة أو كبيرة، بكرًا أو ثيبًا، حرةً أو أمة، مسلمة أو كافرة، وعندنا لا يجب على الكافرة، ولا على الصغيرة، ولا على أمة، وإنما خص الإحداد بالتي مات زوجها؛ لأنه إنما وجب إظهارًا للتأسف على فوت زوج، ومَن أوحشَها بالطلاق فلا تأسفُ بفوته، وقيل: الحكمة في وجوب الإحداد في عدة الوفاة دون الطلاق أن الزينة والطيب يستدعيان النكاحَ، فنهيت عنه زجرًا لأن الميت لا يتمكن من المنع بخلاف المطلِّق الحي؛ فإنه بوجوده مستغنٍ عن زجر آخر، وجعلت أربعة أشهر لأن فِيها ينفخ الروح في الولد وعشر للاحتياط، وهذا لا يخلو عن تكلف، والظاهر أن علم الأعداد موكول إلى علم الشارع، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n٣٣٣٢ - [٩] (زينب بنت كعب) قوله: (أن الفريعة) بالفاء والراء والعين المهملتين بلفظ التصغير.","vol":"6","page":185},{"text":"فَقَتَلُوهُ، قَالَتْ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي، فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَنْزِلٍ يَمْلِكُهُ وَلَا نَفَقَةٍ، فَقَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نَعَمْ\" فَانْصَرَفْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي الْحُجْرَةِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ دَعَانِي فَقَالَ: \"امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ\" قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ط: ٢/ ٥٩١، ت: ١٢٠٤، د: ٢٣٠٠، ن: ٣٥٢٨، جه: ٢٠٣١، دي: ٢/ ١٦٨].\n٣٣٣٣ - [١٠] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ وَقَدْ جَعَلْتُ عليَّ صَبِرًا،\nــ\nوقوله: (فقتلوه) أي: الأعبدُ، أو الناسُ من قُطَّاع الطريق.\nوقوله: (حتى يبلغ الكتاب أجله) أي حتى تنقضي العدة، سميت العدة كتابًا لأنه فريضة من اللَّه، كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، وهذه العبارة تكون كناية عن بلوغ الأجل.\n٣٣٣٣ - [١٠] (أم سلمة) قوله: (وقد جعلت علي صبرًا) بفتح الصاد وكسر الباء، وقد يسكن وقد يكسر الصاد، في (القاموس) (١): الصبر ككتف، ولا يسكّن إلا في ضرورة الشعر: عصارة شجر مر، ولعل معنى جعله عليها تطليةُ وجهها به كما يظهر من سياق الحديث، وفي حاشية (٢) (مجمع البحار) (٣): في حديث (اضمدها بالصبر)\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٣٩٣).\n(٢) أي: تكملته.\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٥٤٠).","vol":"6","page":186},{"text":"فَقَالَ: \"مَا هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ؟ \" قُلْتُ: إِنَّمَا هُوَ صَبِرٌ لَيْسَ فِيهِ طِيبٌ، فَقَالَ: \"إِنَّهُ يَشُبُّ الْوَجْهَ فَلَا تَجْعَلِيهِ إِلَّا بِاللَّيْلِ وَتَنْزِعِيهِ بِالنَّهَارِ، وَلَا تَمْتَشِطِي بِالطِّيبِ وَلَا بِالْحِنَّاءِ فَإِنَّهُ خِضَابٌ\" قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ أَمْتَشِطُ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: \"بِالسِّدْرِ تَغَلفِينَ بِهِ رَأْسَكِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٣٠٥، ن: ٣٥٣٧].\n٣٣٣٤ - [١١] وَعَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"المُتَوَفَّى عَنْهَا زوجُها لَا تَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ مِنَ الثِّيَابِ، وَلَا الْمُمَشَّقَةَ،\nــ\nأي: اكتحل، وقال: وهو شيء أحمر يجعل في العين بمنزلة الكحل.\nوقوله: (إنه يشب الوجه) بضم الشين، أي يوقد اللون ويحسِّنه، من شبّ النارَ وشبّت النارُ لازم متعدٍّ، والشَّبُوب بفتح الشين: ما توقد به النار كالوَقُود.\nوقوله: (وتنزعيه) بحذف النون للتخفيف، والأصل تنزعين، وهو خبر في معنى الأمر.\nوقوله: (بالطيب) حال، أي: حال كون المشط مطيبًا.\nوقوله: (تغلفين) حال أو استئناف، وهو بفتح التاء أصله تتغلفين من قولهم: تغلَّفَ بالغالية: إذا تلطَّخَ بها، أي: تكثرين منه على شعرك حتى يصير غلافًا له فتغطيه كتغطية الغلاف المغلوف، وروي بضم التاء من التغليف، وهو جعل الشيء غلافًا، فالباء في (به) زائدة، كذا في الحاشية.\n٣٣٣٤ - [١١] (أم سلمة) قوله: (المعصفر من الثياب) أي: المصبوغ بالعصفر. (ولا الممشقة) على لفظ اسم المفعول من التفعيل: المصبوغ بالمِشْق بكسر الميم،","vol":"6","page":187},{"text":"وَلَا الْحُلِيَّ، وَلَا تَخْتَضِبُ، وَلَا تَكْتَحِلُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٣٠٤، ن: ٣٥٣٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-853> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٣٣٥ - [١٢] عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ: أَنَّ الأَحْوَصَ هَلَكَ بِالشَّامِ حِينَ دَخَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا، فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ ابْنُ أَبِي سُفْيَانَ إِلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ يَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ زَيْدٌ: أَنَّهَا إِذَا دَخَلَتْ فِي الدَّمِ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ وَبَرِئَ مِنْهَا، لَا يرِثُهَا وَلَا تَرِثُهُ. . . . . .\nــ\nوهو الطين الأحمر، ويسمى مُغرة بسكون الغين المعجمة وفتحها، ويقال للثوب المصبوغ بها: المغر أيضًا، والتأنيث في الممشقة باعتبار الثياب، والتذكير في المعصفر باعتبار الثوب.\nوقوله: (ولا الحليّ) بالضم والتشديد جمع حَلْي بالفتح والسكون مثل ثَدْيٍ وثُدِيٍّ، وهو فُعُول بضم الفاء ويكسر لمكان الياء، منها من قوله تعالى: ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ [الأعراف: ١٤٨] يقرأ بعضهم بالكسر، كذا في (الصحاح) (١).\nالفصل الثالث\n٣٣٣٥ - [١٢] (سليمان بن يسار) قوله: (فقد برئت منه وبرئ منها) قال الطيبي (٢): فيه تصريح بأن المراد بالقروء الثلاثة في قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٦/ ٢٣١٨).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٣٦٨).","vol":"6","page":188},{"text":"رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢/ ٥٧٧].\n٣٣٣٦ - [١٣] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁-: أَيُّمَا امْرَأَةٍ طُلِّقَتْ فَحَاضَتْ حَيْضَةً أَوْ حَيْضَتَيْنِ، ثُمَّ رُفِعَتْهَا حَيْضَتُهَا؛ فإنَّهَا تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ، فَإِنْ بَانَ بِهَا حَمْلٌ فَذَلِكَ، وَإِلَّا اعْتَدَّتْ بَعْدَ التِّسْعَةِ الأَشْهُرِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ ثم حلَّتْ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢/ ٥٨٢].\n* * *\nــ\nثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] الأطهار، انتهى. يعني أن البراءة إنما يحصل بمضي العدة، وهذا ظاهر، ويحتمل أن يكون المراد الحيض، وجعل الدخول في الحيضة الثالثة باعتبار مضي أكثر العدة سببًا في درء اعتبار عدة الوفاة، واللَّه أعلم.\n٣٣٣٦ - [١٣] (سعيد بن المسيب) قوله: (ثم رفعتها حيضتها) (رفعت) بلفظ المجهول، و(حيضتُها) فاعله، والضمير في رفعتها منصوب على نزع الخافض، أي: رفعت حيضتها عنها؛ فإذا رفعت حيضتها احتمل أن يكون هذا الانقطاع لإياسها من الحيض، فيصير عدتها بالأشهر، واحتمل أن يكون للحمل فـ (تنتظر تسعة أشهر) التي هي مدة ظهور الحمل ووضعه.\nوقوله: (فذلك) أي حكمه ظاهر لأنه تمضي عدتها بالوضع، وإن لم يبِنْ حمل ووضع حمل (اعتدت بعد تسعة أشهر) بالأشهر (ثلاثة أشهر) لأنه ظهر أنها من اللائي يئسن من المحيض (١).\n_________\n(١) ولشيخنا ﵀ بحث واف في عدة المرأة التي طلقت فحاضت حيضة أو حيضتين ثم رفعتها حيضتها، انظر: \"أوجز المسالك\" (١١/ ٣٥١).","vol":"6","page":189},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-854>١٦ - باب الاستبراء</span>\nــ\n١٦ - باب الاستبراء\nوهو في الأصل طلب البراءة، وغلب في طلب براءة رحم الجارية من الحمل، فمن ملك أمة بشراء أو وصية أو هبة أو إرث حرم عليه وطؤها ودواعيه حتى يستبرئ بحيضة فيمن تحيض، وبشهر في ذات أشهر، وبوضع الحمل في الحامل، وإن كانت بكرًا أو مشتراةً من امرأة، أو مَحرَمِها، أو من مال الصبي، وكان القياسُ أن لا يجب الاستبراء إذا كانت بكرًا أو مشتراةً من امرأة أو صبي أو مَحرَمِها مثلًا؛ لأن الحكمة في الاستبراء تعرُّفُ براءة الرحم صيانةً للماء عن الاختلاط، وذلك عند الشغل أو توهم الشغل بماءٍ محترمٍ، لكنهم تركوا القياس بالنص، وهو قوله -ﷺ- في سَبايا أوطاسٍ: (ألا لا تُوطَأُ حاملٌ حتى تضَعَ، ولا غيرُ ذاتِ حَملٍ حتى تحيضَ حيضةً)، فإن السَّبايا لا تخلو من أن يكون فيها بكرٌ ومسبيَّةٌ من امرأة ونحو ذلك، مع أنه -ﷺ- حكم حكمًا عامًا فلا يختص بالحكمة، كما أن الحكمة في تحريم الخمر إيقاع الشيطان العداوة وصدُّه عن الصلاة، فلا يمكن أن يقول: أنا أشرب بحيث لا يقعُ العداوة ولا يصدُّني عن الصلاة، فإذن المصلحة غالبة في تحريمه، فالشرع يحرِّمه على العموم لما في التخصيص ما لا يخفى من الخبط وتجاسر الناس، فإذا ثبت الحكم في السبي على العموم ثبت في سائر أسباب الملك قياسًا أو دلالةً، ثم تأيَّد ذلك بالإجماع، وهذا هو المراد مما قالوا: الحكمة إنما تراعى في النوع لا في كل فرد، والحاصل أنه أمر تعبدي، ثبت بحكم الشارع في السبايا نصًّا، وفي غيرها قياسًا، فإن قلت: إذا كان النص تعبديًّا غير معقول المعنى فلا يقاس عليه؟ قلنا: العلة هنا معلومة قطعًا، لكنها موجودة في غالب الأفراد، فحرم على العموم احتياطًا وسدًّا للذرائع، واللَّه أعلم.","vol":"6","page":190},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-855> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٣٣٧ - [١] عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ -ﷺ- بِامْرَأَةٍ مُجِحٍّ، فَسَأَلَ عَنْهَا فَقَالُوا: أَمَةٌ لِفُلَانٍ قَالَ: \"أَيُلِمُّ بِهَا؟ \" قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: \"لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ، كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ أَمْ كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟ \". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٤١].\nــ\nالفصل الأول\n٣٣٣٧ - [١] (أبو الدرداء) قوله: (بامرأة مجح) بميم مضمومة فجيم مكسورة فحاء مهملة مشددة: الحامل التي قرب ولادتها، يقال: أجحت المرأة: حملت، وعظم بطنها، وقربت ولادتها، فهي مجح بدون التاء؛ لكونها من صفاتها الخاصة، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصحاح) (٢): وأكثر استعماله للسباع، وكل سبعة حملت فَأقْرَبَتْ ولادتها وعَظُمَ بطنُها: قد أجَحَّت، فهي مُجِحٌّ [والجمع] مجاحٌّ.\nوقوله: (هذه (٣) أمة لفلان) وكانت مسبية.\nوقوله: (أيلم بها؟) من الإلمام، أي: يجامعها، والإلمام بالمرأة كناية عن جماعها.\nوقوله: (لقد هممت أن ألعنه) إنما همّ باللعن لتركه الاستبراء بوضع حملها، ثم أشار بقوله: (كيف يستخدمه. . . إلخ)، إلى ما في ترك الاستبراء من المعنى المقتضي للعن، والضمير في (يستخدمه) و(يورثه) للولد المفهوم من السياق، وضمير (وهو لا يحل) للاستخدام والتوريث.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٢٠٩).\n(٢) \"الصحاح في اللغة\" (١/ ٨٠).\n(٣) كلمة \"هذه\" لم تثبت في نسخ \"المشكاة\"، لعل المصنف ﵀ زادها شرحًا.","vol":"6","page":191},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-856> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٣٣٨ - [٢] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ: \"لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا غَيْرُ ذَاتِ حَمْلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٣/ ٦٢، د: ٢١٥٧، دي: ٢/ ١٧٠].\n٣٣٣٩ - [٣] وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْم حُنَيْنٍ: \"لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ. . . . .\nــ\nوحاصله: أنه إذا وطئها، ثم جاءت بولد لزمان يحتمل فيه أن يكون من الواطئ ومن زوجها لستة أشهر، فإن كان من زوجها فإن أقرّ بالنسب يكون مورثًا ولد الغير، وهو لا يحل، وإن كان من الواطئ فإن لم يقرَّ به يبقى غلامًا، ويلزمه منه استخدام الولد وقطع النسب، وهو أيضًا لا يحل، فيجب عليه أن لا يطأها حذرًا عن لزوم أحد المحظورين اللازم من اختلاط الماء، فيجب الاستبراء ليتحقق الحال.\nالفصل الثاني\n٣٣٣٨ - [٢] (أبو سعيد الخدري) قوله: (حتى تحيض حيضة) اقتصار على أحد الصورتين على اعتبار الأغلب، وإن كانت لا تحيض لصغرها أو لكبرها فاستبراؤها يحصل بالشهر، ودلّ الحديث على أن بالسبي يرتفع النكاح الأول، وظاهره مطلق، أي: سواء كان معها الزوج أو لا، وإليه ذهب مالك والشافعي، وعندنا إذا سبيا معًا فهما على نكاحهما.\n٣٣٣٩ - [٣] (رويفع بن ثابت الأنصارى) قوله: (عن رويفع) بضم الراء تصغير رافع.","vol":"6","page":192},{"text":"أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ\" يَعْنِي إِتْيَانَ الْحَبَالَى، \"وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنَ السَّبْي حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا، وَلَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَبِيعَ مَغْنَمًا حَتَى يُقَسَّمَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ إِلَى قَوْله: \"زَرْعَ غَيْرِهِ\". [د: ٢١٥٨، ت: ١١٣١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-857> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٣٤٠ - [٤] عَن مَالِكٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَأْمُرُ بِاسْتِبْرَاءِ الإِمَاءِ بِحَيْضَةٍ إِنْ كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ، وَثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ إِنْ كَانَت مِمَّن لَا تَحِيضُ، وَيَنْهَى عَنْ سَقْيِ مَاءِ الْغَيْرِ.\n٣٣٤١ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ قَالَ: إِذَا وُهِبَتْ الْوَلِيدَةُ الَّتِي تُوطَأُ، أَوْ بِيعَتْ، أَوْ أُعْتِقَتْ فَلْتَسْتَبْرِئْ رَحِمَهَا بِحَيْضَةٍ وَلَا تُسْتَبْرَأُ الْعَذْرَاءُ،\nــ\nوقوله: (يسقي ماءه زرع غيره) بنصب الاسمين بحذف الصلة من الأول، أي: بمائه.\nوقوله: (حتى يستبرئها) كأنه غلب الاستبراء في الاستبراء بالحيض، وإلا فوضع الحمل أيضًا استبراء، فافهم.\nالفصل الثالث\n٣٣٤٠ - [٤] (مالك) قوله: (وثلاثة أشهر إن كانت ممن لا تحيض) قد تقرر مذهب جمهور الأئمة على أن الاستبراء يحصل بشهر، وذهب قوم إلى ثلاثة أشهر لهذا الحديث.\n٣٣٤١ - [٥] (ابن عمر) قوله: (ولا تستبرأ العذراء) أخذ بظاهر هذا الحديث","vol":"6","page":193},{"text":"رَوَاهُمَا رَزِينٌ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-858>١٧ - باب النفقات وحق المملوك</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-859> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٣٤٢ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ هِنْدًا بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ: . . . . .\nــ\nابن شريح، وقال: لا يجب استبراء البكر، والجمهور على خلافه كما عرفت، واللَّه أعلم.\n١٧ - باب النفقات وحق المملوك\nنفَقَ الشيءُ: نَفِدُ، وفي (القاموس) (١): نفَقَ: فَنِيَ أو قَلَّ، وقال البيضاوي (٢): وأنفقَ الشيءَ وأنفدَه أخوان، ولو استقرَيتَ الألفاظَ وجدتَ كلَّ ما فاؤه نون وعينه فاء دالًا على معنى الذهاب والخروج، انتهى. والنفقة اسم لما يُنفَق، وجمعها باعتبار أنواعها كنفقة الزوجة والأولاد والوالدين والأقارب مثلًا، والظاهر أن المراد هنا أعم من الواجب وغيره، والمراد بحق المملوك إطعامه، وإلباسه، وعدم تكليفه إلا بما يطيق، وغير ذلك مما تدل عليه الأحاديث.\nالفصل الأول\n٣٣٤٢ - [١] (عائشة) قوله: (إن هندًا بنت عتبة) بن ربيعة، امرأة أبي سفيان، وأم معاوية.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٨٥٣).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٢١).","vol":"6","page":194},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدي، إِلَّا مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ فَقَالَ: \"خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٣٦٤، م: ١٧١٤].\n٣٣٤٣ - [٢] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أعْطَى اللَّهُ أَحَدَكُمْ خَيْرًا فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٦٢].\n٣٣٤٤ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَل إِلَّا مَا يُطِيقُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٦٢].\nــ\nوقوله: (رجل شحيح) أي: بخيل أشدَّ البخلِ، الشحّ: البخل والحرص، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (خذي ما يكفيك وولدك) فيه أن من له على غيره حق، وهو عاجز عن استيفائه، يجوز أن يأخذ من ماله قدر حقه بغير إذنه، قال الطيبي (٢): ومنعه مالك وأبو حنيفة رحمهما اللَّه، وأن للمرأة مدخلًا في كفالة أولادها، والإنفاق عليهم من مال أبيهم، وأن القاضي يقضي بعلمه لأن النبي -ﷺ- لم يكلِّفها بالبينة.\nوقوله: (بالمعروف) يدل على أن النفقة بقدر الحاجة من غير إسراف وتقتير.\n٣٣٤٣ - [٢] (جابر بن سمرة) قوله: (إذا أعطى اللَّه أحدكم خيرًا) أي مالًا، وأكثر ما يراد بالخير المال الكثير، وهو المناسب هنا.\n٣٣٤٤ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (للمملوك طعامه وكسوته) الواجب منه ما يكون\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٢١٩).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٣٧٥).","vol":"6","page":195},{"text":"٣٣٤٥ - [٤] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِخْوَانُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ جَعَلَ اللَّهُ أَخَاهُ تَحْتَ يَدَيْهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا يُكَلِّفْهُ مِنَ الْعَمَلِ مَا يَغْلِبُهُ، فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ عَلَيْهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٥، م: ١٦٦١].\n٣٣٤٦ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ (١) جَاءَهُ قَهْرَمَانٌ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَعْطَيْتَ الرَّقِيقَ قُوتَهُمْ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَانْطَلِقْ فَأَعْطِهِمْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-. . . . .\nــ\nبقدر الحاجة، وأما الإطعام والإلباس مما يأكل ويلبس فمستحبٌّ، كما يأتي الكلام فيه.\n٣٣٤٥ - [٤] (أبو ذر) قوله: (إخوانكم) أي: مماليكُكم إخوانكم، إما باعتبار الخِلْقة، أو من جهة الدِّين.\nوقوله: (فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس) هذا مستحب لا واجب إجماعًا، قالوا: يجب على السيد نفقة رقيقه خبزًا وإدامًا قدر ما يكفيه من غالب قوت مماليك البلد، ويختلف ذلك بحسب الأشخاص أيضًا، سواء كان من جنس نفقة السيد أو دونه أو فوقه، حتى لو ضيّق السيد على نفسه زهدًا أو شحًّا لا يجوز التضييق على العبد، وقال محيي السنة: وهذا خطاب مع العرب الذين لباس عامتهم وطعامهم متقاربة، يأكلون ويلبسون الخشن الغليظ من الطعام والشراب.\n٣٣٤٦ - [٥] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (جاءه قهرمان له) بفتح القاف وسكون الهاء وفتح الراء: الخازن، وقيل: معناه القائم بأمور الرجل بلغة الفرس.\n_________\n(١) قال القاري (٥/ ٢١٩٣): قرأ بعضهم \"عمر\" بضم العين فالواو حال.","vol":"6","page":196},{"text":"قَالَ: \"كَفَى بِالرَّجُلِ إِثْمًا أَنْ يَحْبِسَ عَمَّنْ يَمْلِكُ قُوتَهُ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٩٦].\n٣٣٤٧ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا صَنَعَ لِأَحَدِكُمْ خَادِمُهُ طَعَامَهُ، ثُمَّ جَاءَهُ بِهِ وَقَدْ وَلِيَ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ فَلْيُقْعِدْهُ مَعَه، فَلْيَأْكُلْ، وَإِن كَانَ الطَّعَامُ مَشْفُوهًا قَلِيلًا فَلْيَضَعْ فِي يَدِهِ مِنْهُ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٦٣].\n٣٣٤٨ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ. . . . .\nــ\nوقوله: (قوته) مفعول (بحبس).\nوقوله: (أن يضيع من يقوت) العائد إلى الموصول محذوف، والمستكنُّ فِي (يقوت) للمرء، وهو من قَاتَه يَقُوتُه: إذا أعطاه قُوتَه، وكذا أَقاته يُقِيتُه، أي: من يلزمه قوتُه، ففيه دليل على أنه لا يتصدق إلا بما يفضل عن قوت الأهل والعيال، قيل: ويحتمل أن يكون المراد أن يضيع أمر من يقوته، أي: يرزقه، وهو اللَّه تعالى، وحينئذ يكون المستكن لـ (من) والمحذوف للمرء، والمعنى الأول أظهر وأنسب.\n٣٣٤٧ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (فليقعده معه) الأمر للاستحباب، و(المشفوه) كناية عن القليل، وهو في الأصل: اسم للماء الذي كُثرَت عليه الشِّفاهُ حتى قلَّ، فكذلك الطعام قلّ لكثرة الشِّفاه عليه لكثرة أَكَلتِه، فقوله: (قليلًا) تأكيد للقلة، وقيل: المشفوه: الطعام المأكول بالشفة لقلته، و(الأكلة) بالضم: اللقمة، وبالفتح: المرة من الأكل، والرواية هي الأولى.\n٣٣٤٨ - [٧] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (إذا نصح لسيده) أي: قام بحقه، وأراد","vol":"6","page":197},{"text":"وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ فَلَهُ أَجْرُهُ مرَّتَيْنِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٤٦، م: ١٦٦٤].\n٣٣٤٩ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نِعِمَّا لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يَتَوَفَّاهُ اللَّهُ بِحُسْنِ عِبَادَةِ رَبِّهِ وَطَاعَةِ سَيّدِهِ، نِعِمَّا لَهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٤٩، م: ١٦٦٧].\n٣٣٥٠ - [٩] وَعَنْ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ\"، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ: \"أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ\"، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ: \"أَيُّمَا عَبْدٍ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِم\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ [م: ٧٠].\nــ\nبه خيرًا، والنصح في اللغة: الخُلُوص، والعسل الناصح: الخالص، يقال: نصَحَه وله كمنعه نُصْحًا ونَصاحةً، وهو ناصح ونَصِيح، والاسم النصيحة، يعني أن نصيحته للسيد أيضًا عبادة لها أجر، وهو في الحقيقة عبادة اللَّه وامتثال لأمره بطاعة السيد، وقد يؤول هذا بأن المراد (أجره مرتين) أي: مكرَّر في كل عمل.\n٣٣٤٩ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (نعما) أصله نعم ما للمملوك، فأدغم، فـ (ما) نكرة بمعنى شيئًا تمييز، و(أن يتوفاه) مخصوص بالمدح كقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ [البقرة: ٢٧١].\n٣٣٥٠ - [٩] (جرير) قوله: (فقد برئت منه الذمة) أي: ذمة الإِسلام وعهده، وهذا تشديد وتغليظ، وكذلك قوله: (فقد كفر)، وقيل: هذا إذا أبق إلى دار الحرب ولحق به، أو استحلّ الإباق، وهو معصية، وقيل: المراد لا يجب على سيده حالَ إباقه أَرْشُ جنايته، ولا يجب عليه نفقته، والمراد بالكفر كفران النعمة، أي: نعمة سيده.","vol":"6","page":198},{"text":"٣٣٥١ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ وَهُوَ بَرِيءٌ مِمَّا قَالَ؛ جُلِدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٨٥، م: ١٦٦٠].\n٣٣٥٢ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ ضَرَبَ غُلَامًا لَهُ حَدًّا لَمْ يَأْتِهِ، أَوْ لَطَمَهُ؛ فَإِن كَفَّارَتَهُ أَنْ يُعْتِقَهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٥٧].\n٣٣٥٣ - [١٢] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي، فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتًا: \"اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ\" فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَقَالَ: \"أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ، .\nــ\n٣٣٥١ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (جلد يوم القيامة) فيه إشارة إلى أنه لا حدَّ على السيد بقذف عبده، بل لا حدَّ على قاذف العبد مطلقًا؛ لأن العبد ليس بمحصن، بل يُعزَّرُ قاذفه ولو كان سيِّدَه إن كان ظلمًا.\nوقوله: (إلا أن يكون كما قال) استثناء منقطع لأن الكلام على تقدير براءته مما قال.\n٣٣٥٢ - [١١] (ابن عمر) قوله: (لم يأته) أي: لم يأتِ موجِبَه. وفي قوله: (أو لطمه) مبالغة، أي: بل إن لطمه وضربه، والظاهر أن المراد باللطم الضرب على الوجه، وهو منهي عنه مطلقًا، فإثمه أشد، فتدبر.\n٣٣٥٣ - [١٢] (أبو مسعود الأنصاري) قوله: (للفحتك النار) أي: أحرقتك،","vol":"6","page":199},{"text":"أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٥٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-860> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٣٥٤ - [١٣] عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: إِنَّ لِي مَالًا، وَإِنَّ وَالِدِي يَحْتَاجُ إِلَى مَالِي قَالَ: \"أَنْتَ وَمَالُكَ لِوَالِدِكَ، إِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ، كُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلَادِكُمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَه. [د: ٣٥٣٠، جه: ٢٢٩٢].\n٣٣٥٥ - [١٤] وَعنهُ عَن أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: إِنِّي فَقِيرٌ، لَيْسَ لِي شَيْءٌ، وَلِي يَتِيمٌ، فَقَالَ: \"كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمِكَ غَيْرَ مُسْرِفٍ وَلَا مُبَادِرٍ. . . . .\nــ\nولفَحَت النارُ بحرِّها لَفْحًا ولَفَحانًا: أحرقَت.\nالفصل الثاني\n٣٣٥٤ - [١٣] (عمرو بن شعيب) قوله: (إن أولادكم من أطيب كسبكم) من الطيب بمعنى الحلال، أي: أولادُكم من أطيب ما وجد بسببكم وبتوسُّطكم، كأنه جعله رزقًا حلالًا حصل بكسبه، والمقصود أن ما اكتسبه أولادكم حلال لكم، أو اكتساب أولادكم من أطيب كسبكم، وفيه دليل على وجوب نفقة الوالد على ولده.\n٣٣٥٥ - [١٤] (وعنه) قوله: (ليس لي شيء) صفة كاشفة أو مخصصة.\nوقوله: (ولي) عندي (يتيم) أنا قيِّمُه، أو قويبه، فرخص له أن يأكل من ماله بالمعروف.\nوقوله: (غير مسرف) أي: آكلٍ أكثرَ من حاجتك، (ولا مبادر) بالدال المهملة","vol":"6","page":200},{"text":"وَلَا مُتَأَثِّلٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٨٧٢، جه: ٢٧١٨، ن: ٣٦٦٨].\n٣٣٥٦ - [١٥] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي مَرَضِهِ: \"الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَان\". [شعب: ٨٥٥٥].\nــ\nالمكسورة، أي: غير مستعجل في الأخذ من ماله قبل وجود الحاجة، وقد يجعل بالذال المعجمة بمعنى غير مبذِّر ومتخذ أطعمةً لا يليق بحال الفقراء، وهو تصحيف؛ لأن المستعمل منه التبذير دون المباذرة، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦]، وذكروا في تفسيره: لا تأكلوا أموال اليتامى مسرفين مبادرين كبرهم، فافهم.\nوقوله: (ولا متأثل) أي: جامع مالًا عن مال اليتيم، ومتخذًا عن ماله أصلًا لمالك بأن تتَّجَر في ماله لنفسك، وتأثَّلَ بمعنى تأصَّلَ، يقال: أثل ماله: زكَّاه، وأَصَّله، ويستعمل في المجد والشرف الذي له أصل وبقاء، كما قال:\nوقد يدركَ المجدَ المؤثَّلَ أمثالي (١)\n٣٣٥٦، ٣٣٥٧ - [١٥، ١٦] (أم سلمة، وعلي) قوله: (الصلاة) بالنصب، أي: الزموها واحفظوها، أو احذروا واتَّقوا فواتَها، إغراء أو تحذير، والأول أظهر لفظًا.\nوقوله: (وما ملكت أيمانكم) أي: والزموا حق العبيد والإماء والإحسانَ إليهم،\n_________\n(١) وهذا شعر من معلقة الشاعر الأعشى، والشعر الكامل هكذا:\nولكنَّنا أسعى لمجدٍ مؤثَّلٍ ... وقد يدركُ المجدَ المؤثَّلَ أمثالي","vol":"6","page":201},{"text":"٣٣٥٧ - [١٦] وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ. [حم: ١/ ٧٨، د: ٥١٥٦].\n٣٣٥٨ - [١٧] وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَيِّئُ الْمَلَكَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْن مَاجَه. [ت: ١٩٤٦، جه: ٣٦٩١].\n٣٣٥٩ - [١٨] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ مَكِيثٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"حُسْنُ الْمَلَكَةِ يُمْنٌ، وَسُوءُ الْخُلُقِ. . . . .\nــ\nوهذا هو الظاهر المتبادر من هذه العبارة، وضم إليها بعضهم البهائم المتملَّكة أيضًا، وحمله بعضهم على أداء الزكاة وإخراجها من الأموال التي تملكها الأيدي، وجعلوها إشارة إلى قضية بني حنيفة في منع الزكاة والتفريق بينها وبين الصلاة التي قاتل فيها أبو بكر الصديق -﵁-، واللَّه أعلم.\n٣٣٥٨ - [١٧] (أبو بكر الصديق) قوله: (لا يدخل الجنة) أي: ابتداءً مع الناجين.\nوقوله: (سَيِّئُ الملكة) بفتح الميم واللام بمعنى الملك، يقال: ملَكَه يملِكُه ملكًا مثلثة، ومَلَكةً محركة، ومَمْلُكةً بضم اللام أو يثلث، كذا في (القاموس) (١)، ويقال: فلان حسَنُ المَلَكة: إذا كان حسنَ الصَّنيع إلى مماليكه، وضده سَيِّئُ المَلَكة.\n٣٣٥٩ - [١٨] (رافع بن مكيث) قوله: (وعن رافع بن مكيث) على وزن كريم.\nوقوله: (حسن الملكة يمن) أي: موجبٌ لليمن والبركة.\nوقوله: (وسوء الخلق) مكانَ سوء الملكة، أخذَ بعلَّةِ الحكمِ، وأشار إلى التعميم،\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٨٧٨).","vol":"6","page":202},{"text":"شُؤْمٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلَمْ أَرَ فِي غَيْرِ \"الْمَصَابِيحِ\" مَا زَادَ عَلَيْهِ فِيهِ منْ قولِهِ: \"والصَّدَقةُ تَمْنَعُ مِيتةَ السُّوءِ، والبِرُّ زيادةٌ فِي العُمُرِ\". [د: ٥١٦٢، ٥١٦٣].\n٣٣٦٠ - [١٩] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ خَادِمَهُ، فَذَكَرَ اللَّهَ فَارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\"، لَكِنْ عِنْدَهُ \"فَلْيُمْسِكْ\" بدل \"فَارْفَعُوا أَيْدِيكُم\". [ت: ١٩٥، شعب: ٨٢٢٠].\n٣٣٦١ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا. . . . . .\nــ\nو(الشؤم) بضم الشين وسكون الهمزة: ضد اليمن، والغالب التسهيل. و(الميتة) بكسر الميم: الحالة من الموت كالجِلسة من الجلوس، وذلك كموته فجاءةً أو بالجزع أو غافلًا عن التوحيد، ونحو ذلك.\nوقوله: (والبر زيادة في العمر) له تأويل مشهور ذكر في موضعه.\n٣٣٦٠ - [١٩] (أبو سعيد) قوله: (فذكر اللَّه) أي: استغاث به واستشفع باسمه تعالى، هذا إذا لم يكن الضرب من حقوق الشرع، واللَّه أعلم.\n٣٣٦١ - [٢٠] (أبو أيوب) قوله: (من فرق) ببيع أو هبة أو نحوه، لا بحقٍّ مستحَقٍّ كدفع أحدهما بالجناية والرد بالعيب، كذا في (الهداية) (١).\nوقوله: (بين والدة وولدها) قالوا: تخصيصُ الذِّكرِ بها لوفور شفقة الأم، أو لوقوع القضية فيها، وألحقوا بها حكم الأب والجدِّ والجدَّة، والمذهب عندنا كراهة\n_________\n(١) \"الهداية\" (٣/ ٥٤).","vol":"6","page":203},{"text":"فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٢٨٣، دي: ٢/ ٢٢٧].\n٣٣٦٢ - [٢١] وَعَنْ عَلِيِّ قَالَ: وَهَبَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- غُلَامَيْنِ أَخَوَيْنِ، فَبِعْتُ أَحَدَهُمَا فَقَالَ لي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا عَلِيُّ مَا فَعَلَ غُلَامُكَ؟ \" فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: \"رُدَّهُ رُدَّهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه. [ت: ١٢٨٤، جه: ٢٢٤٩].\n٣٣٦٣ - [٢٢] وَعَنْهُ: أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ جَارِيَةٍ وَوَلَدِهَا، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ -ﷺ- عَنْ ذَلِكَ، فردَّ البَيْعَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مُنْقَطِعًا. [د: ٢٦٩٦].\nــ\nتفريق صغير عن ذي رحم مَحرَم، والتقييد بالصغير يخرج الكبير، وحد الكبير عند الشافعي أن يبلغ سبع سنين أو ثمانيًا، وعندنا أن يحتلم، وقال أحمد: لا يفرق بين الوالدة وولدها وإن كبر واحتلم، ثم الكراهة مذهب أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف ﵏: إذا كانت القرابة قرابة وِلادٍ لا يجوز بيع أحدهما بدون الآخر، وعنه: أنه لا يجوز في الكل.\nوقوله: (فرق اللَّه بينه وبين أحبته) قالوا: يجوز إدخالُ (بين) بين المظهرين وتركُه، وأما بين المضمر والمظهر فواجب، فتدبر.\n٣٣٦٢ - [٢١] (علي) قوله: (ردّه ردّه) وفي رواية: (أدرِكْ أدرِكْ)، وبهذا استدل أبو يوسف في قوله بعدم جواز البيع، فإنه لو كان البيع جائزًا لا يمكنه الاستدراك، وعندهما المراد بالإدراك الإقالة وفسخ العقد.\n٣٣٦٣ - [٢٢] (عنه) قوله: (فرد البيع) يحتمل المعنيين المذكورين آنفًا.","vol":"6","page":204},{"text":"٣٣٦٤ - [٢٣] وَعَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ يَسَّرَ اللَّهُ حَتْفَهُ وَأَدْخَلَهُ جَنَّتَهُ: رِفْقٌ بِالضَّعِيفِ، وَشَفَقَةٌ عَلَى الْوَالِدَيْنِ، وَإِحْسَانٌ إِلَى الْمَمْلُوكِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٤٩٤].\n٣٣٦٥ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهَبَ لِعَلِيٍّ غُلَامًا فَقَالَ: \"لَا تَضْرِبْهُ، فَإِنِّي نُهِيتُ عَنْ ضَرْبِ أَهْلِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ رَأَيْتُهُ يُصَلِّي\" هَذَا لَفْظُ \"الْمَصَابِيحِ\". [حم: ٥/ ٢٥٠].\n٣٣٦٦ - [٢٥] وَفِي \"الْمُجْتَبَى\" لِلدَّارَقُطْنِيِّ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ ضَرْبِ الْمُصَلِّينَ. [قط: ٢/ ٥٤].\nــ\n٣٣٦٤ - [٢٣] (جابر) قوله: (يسر اللَّه حتفه) أي: موته، ومات حتفَ أنفهِ بمعنى موته على فراشه من غير قتل ولا ضرب ولا غَرَق ولا حَرَق، وخص الأنف لأنه أراد أن روحه تخرج من أنفه بتتابع نفسه، والمراد بتيسير اللَّه الموت تهوين سكرات الموت عليه، كذا قيل.\n٣٣٦٥، ٣٣٦٦ - [٢٤، ٢٥] (أبو أمامة، وعمر بن الخطاب) قوله: (فإني نهيت عن ضرب أهل الصلاة) لشرفهم وكرامتهم على اللَّه، ورعايةً لإكرامهم وتوقيرهم عند الناس، قال الطيبي (١): وإذا كان اللَّه رفع الضرب عن المصلين في الدنيا نرجو من كرمه ولطفه أن لا يخزيهم في الآخرة بالنار، نسأل اللَّه العافية.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٣٨٦).","vol":"6","page":205},{"text":"٣٣٦٧ - [٢٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَمْ نَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ الْكَلَامَ فَصَمَتَ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ قَالَ: \"اعْفُوا عَنْهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٦٤].\n٣٣٦٨ - [٢٧] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. [ت: ١٩٤٦].\n٣٣٦٩ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ لَاءَمَكُمْ مِنْ مَمْلُوكِيكُمْ، فَأَطْعِمُوهُ مِمَّا تَأْكُلُونَ، وَاكْسُوهُ مِمَّا تَكْسُونَ، وَمَنْ لَا يُلَائِمُكُمْ مِنْهُمْ فَبِيعُوهُ، وَلَا تُعَذِّبُوا خَلْقَ اللَّهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٥/ ١٦٨، د: ٥١٥٧].\n٣٣٧٠ - [٢٩] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ. . . . .\nــ\n٣٣٦٧، ٣٣٦٨ - [٢٦، ٢٧] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (فصمت) كأن الصمت كان لكراهة السؤال وركاكته، فإن العفو مندوب إليه مطلقًا دائمًا، ولا حاجة فيه إلى تعيين عدد مخصوص، أو لانتظار الوحي، واللَّه أعلم، والمراد بالسبعين التكثير دون التحديد، كما هو المتعارف فيه، فآلَ الأمرُ إلى رعاية العفو دائمًا، فافهم.\n٣٣٦٩ - [٢٨] (أبو ذر) قوله: (من لاءمكم) أي: وافقكم وساعدكم.\nوقوله: (مما تكسون) أي: أنفسَكم، أو المراد تلبسون، وذكر الكسوة مشاكلة.\n٣٣٧٠ - [٢٩] (سهل بن الحنظلية) قوله: (قد لحق ظهره ببطنه) من شدة الجوع والعطش، أو من كثرة الركوب عليها ودوامه.","vol":"6","page":206},{"text":"فَقَالَ: \"اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ، فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً واترُكُوهَا صَالِحَةً\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٤٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-861> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٣٧١ - [٣٠] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآيَةَ [النساء: ١٠]، انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ، فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهُ، وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ،\nــ\nوقوله: (في البهائم المعجمة) التي لا تقدر على النطق والإفصاح عن حالها، والأعجم: من لا يفصح كالأعجمي، والعجماء: البهيمة.\nوقوله: (فاركبوها صالحةً واتركوها صالحةً) قال الطيبي (١): معناه الترغيب إلى تعهُّدها، أي: تعهدوها بالعلف فتكون مهيَّأةً لما تريدون منها؛ فإن أردتم أن تركبوها فاركبوها صالحةً للركوب قويةً على المشي، وإن أردتم أن تتركوها للأكل فتعهَّدوها لتكون سمينةً صالحة للأكل، انتهى. ويمكن أن يكون المعنى على تقدير كون ضُمورها لكثرة الركوب: اركبوها صالحة من غير إتعابها، واتركوها وانزلوا عنها قبل إتعابها، فافهم.\nالفصل الثالث\n٣٣٧١ - [٣٠] (ابن عباس) قوله: (﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية)، آخرها: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٣٨٧).","vol":"6","page":207},{"text":"فَإِذَا فَضَلَ مِنْ طَعَامِ الْيَتِيمِ وَشَرَابِهِ شَيْءٌ حُبِسَ (١) لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسُدَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِمْ وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِهِمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٨٧١، ن: ٣٦٦٩].\n٣٣٧٢ - [٣١] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ، وَبَيْنَ الأَخِ وَبَيْنَ أَخِيهِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ. [جه: ٢٢٥، قط: ٣/ ٦٧].\n٣٣٧٣ - [٣٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا أُتِيَ بِالسَّبْيِ أَعْطَى أَهْلَ الْبَيْتِ جَمِيعًا كَرَاهِيَةَ. . . . . .\nــ\nوقوله: (فخلطوا طعامهم) مراعين للمعروف والاعتدال.\n٣٣٧٢ - [٣١] (أبو موسى) قوله: (بين الوالد) يحتمل أن يكون بمعنى النسبة حتى يشمل الأم.\n٣٣٧٣ - [٣٢] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (أعطى أهل البيت) مفعول ثان، والأول محذوف، أي: أعطى أحدَنا أهلَ البيت من السَّبي جميعًا ولم يفرِّق بينهم، وإنما حذف المفعول الأول لأن الكلام إنما سيق لبيان المعطي لا المعطى له، كذا قال الطيبي (٢).\n_________\n(١) قال القاري (٦/ ٢٢٠٥): بصيغة الفاعل، وفي نسخة بصيغة المفعول، أي: أمسك له.\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٦/ ٣٨٨).","vol":"6","page":208},{"text":"أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمْ. رَوَاهُ ابْن مَاجَه. [جه: ٢٢٤٨].\n٣٣٧٤ - [٣٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشِرَارِكُمُ؟ الَّذِي يَأْكُلُ وَحْدَهُ، وَيَجْلِدُ عَبْدَهُ، وَيَمْنَعُ رِفْدَهُ\". رَوَاهُ رَزِينٌ.\n٣٣٧٥ - [٣٤] وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ سَيِّئُ الْمَلَكَةِ\" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَيْسَ أَخْبَرْتَنَا أَنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ أَكْثَرُ الأُمَمِ مَمْلُوكِينَ وَيَتَامَى؟ قَالَ: \"نَعَمْ، فَأَكْرِمُوهُمْ كَكَرَامَةِ أَوْلَادِكُمْ، وَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ\" قَالُوا: فَمَا تَنْفَعُنَا الدُّنْيَا؟ قَالَ: \"فَرَسٌ تَرْتَبِطُهُ،\nــ\n٣٣٧٤ - [٣٣] (أبو هريرة) قوله: (الذي) أي: الفريقُ الذي، والمراد الجنس، أو اكتفى ببيان فرد من الشِّرار، فافهم. و(الرفد) بكسر الراء: العطاء، والمعنى شر الناس البخيل السيِّئُ الخلق، والمعنى على المبالغة، أو المراد من شِراركم.\n٣٣٧٥ - [٣٤] (أبو بكر الصديق -﵁-) قوله: (أكثر الأمم مملوكين) ومع الكثرة يتعذَّرُ حسنُ المَلَكة، وذكر اليتامى استطراد، فأجاب بأن الأمر كذلك، ولكن اسعوا في تحسين الملكة ما استطعتم بالإكرام والاستعطاف والإطعام مما تأكلون كما\nتفعلون بأولادكم مع كثرتهم.\nوقوله: (فما تنفعنا الدنيا) أي: من الدنيا، أو في الدنيا.\nوقوله: (فرس ترتبطه. . . إلخ)، هذا الجواب وارد على الأسلوب الحكيم، فإن المرابطة ليست من الدنيا، كذا في (مختصر الطيبي) (١)، فافهم. في (القاموس) (٢):\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٦/ ٣٨٩).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٦١٥).","vol":"6","page":209},{"text":"تُقَاتِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَمْلُوكٌ يَكْفِيكَ، فَإِذَا صَلَّى فَهُوَ أَخُوكَ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٧٣٥].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-862>١٨ - باب بلوغ الصغير وحضانته في الصغر</span>\nــ\nارتبطه فرسًا: اتخذه للرباط.\nوقوله: (فهو أخوك) أي: ينبغي أن تعامله معاملة الأخ بالأخ لقوة الأخوة في الدين.\n١٨ - باب بلوغ الصغير وحضانته في الصغر\n(بلوغ الصغير) أي: بيانِ حدِّه (١).\nوقوله: (وحضانته في الصغر) الحِضْن بالكسر: ما دون الإبط إلى الكَشْح، أو الصدر والعضدان وما بينهما، وجانب الشيء وناحيته، وحضَنَتِ الصبيَّ حضَنًا وحِضانةً بالكسر: جعلَتْه في حضانتها أو رَّبْته كاحتضنته.\nوقد جاء الحضانة بمعنى التربية مطلقًا كما جاء في حديث عروة: عجبت لقوم طلبوا العلم، حتى إذا نالوا منه صاروا حُضَّانًا لأبناء الملوك، أي: مربِّين وكافلين، جمع حاضن؛ لأن المربِّيَ يضمُّ الطفلَ إلى حضنه، وبه سميت الحاضنة، وهي التي\n_________\n(١) البلوغ عندنا الحنفية بالاحتلام والإحبال والإنزال، فإن لم يوجد فمتى يتم لكل منهما خمس عشرة سنة على المفتى به وهو قول الأئمة الثلاثة، وفي رواية عن الإمام للولد ثماني عشرة سنة، وللبنت سبع عشرة، ولا عبرة عنده للعانة خلافًا للشافعي كما في \"الشامي\" (٦/ ١٥٣)، كذا في \"التقرير\".","vol":"6","page":210},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-863> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٣٧٦ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: عُرِضْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ أُحُدٍ، وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَرَدَّنِي ثُمَّ عُرِضْتُ عَلَيْهِ عَامَ الْخَنْدَقِ، وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَأَجَازَنِي. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: هَذَا فَرْقُ مَا بَين الْمُقَاتِلَةِ وَالذُّرِّيَّةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٦٤، م: ١٨٦٨].\nــ\nتربي الطفل. وجاء بمعنى التنحية كما في حديث السقيفة: إخواننا من الأنصار يريدون أن يحضنونا من هذا الأمر، أي: يخرجوننا، من حضنت الرجل عن الأمر حضنًا وحضانةً: إذا نحَّيتَه عنه وانفردتَ به دونه، كأنه جعله في حضن منه، أي: جانب، كذا في (مجمع البحار) (١).\nوحق الحضانة للأم بلا جبرها طلقت أو لا، ثم لأمها وإن علت، ثم لأم أبيه، ثم لأخت الولد لأب وأم، ثم لأب، ثم خالته كذلك، ثم عمته كذلك بشرط حريتهن، فلا حق لأمة وأم ولد، والأصل في هذا الباب الأم، فالقرابة من جهتها مقدَّمةُ على القرابة من جهة الأب، ثم العصبات على ترتيبهم، ولا يخير طفل خلافًا للشافعي. وحد الحضانة إلى أن يأكل ويشرب ويلبس ويستنجي وحده، وقدّره الخصَّاف بسبع سنين، وللبنت حتى تحيض، وعند محمَّد حتى تُشتَهى، هذا ما ذكر في كتبنا.\nالفصل الأول\n٣٣٧٦ - [١] (ابن عمر) قوله: (فأجازني) أي: كتب لي جائزة، وهي رزق الغزاة، فعُلم منه أن الصبي إذا بلغ خمس عشرة سنة دخل في زمرة المقاتلة، وكان من البالغين، وإلا عُدَّ من الذرية، وهذا إذا لم يحتلم، وأما إذا احتلم بعد استكمال\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٥١٦).","vol":"6","page":211},{"text":"٣٣٧٧ - [٢] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: صَالَحَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: عَلَى أَنَّ مَنْ أَتَاهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ أَتَاهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَوُدُّوهُ، وَعَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا مِنْ قَابِلٍ، وَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا دخَلَهَا وَمَضَى الأَجَلُ خَرَجَ، فَتَبِعَتْهُ ابْنَةُ حَمْزَةَ تُنَادِي: يَا عَمِّ يَا عَمِّ، فَتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ، فَأَخَذَ بِيَدِهَا، فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ قَالَ (١) عَلِيٌّ: أَنَا أَخَذْتُهَا وَهِيَ بِنْتُ عَمِّي وَقَالَ جَعْفَرٌ: بِنْتُ عَمِّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي وَقَالَ زَيْدٌ: بِنْتُ أَخِي فَقَضَى بِهَا النَّبِيُّ -ﷺ-. . . . . .\nــ\nتسع سنين حكم ببلوغه، والتاء في المقاتلة باعتبار الجماعة.\n٣٣٧٧ - [٢] (البراء بن عازب) قوله: (وعلى أن يدخلها) أي: مكةَ لعمرة القضاء.\nوقوله: (فتبعته ابنة حمزة) اسمها عُمارةُ على الأشهر، كذا قال القسطلاني (٢)، ونداء ابنة حمزة رسولَ اللَّه -ﷺ- بقولها: يا عمِّ، وحمزةُ عمُّه، إما على عادة العرب في ندائهم بذلك، أو لأن حمزة أخو رسول اللَّه -ﷺ- بالرضاع، ارتضعا من ثدي ثويبة جارية أبي لهب. و(زيد) هو زيد بن حارثة مولى رسول اللَّه -ﷺ-. و(جعفر) ابن أبي طالب، يكنى أبا عبد اللَّه، وكان أكبر من علي بعشرين سنة -﵄-.\nوقوله: (وخالتها تحتي) وهي أسماء بنت عميس.\nوقوله: (وقال زيد: بنت أخي) لأن النبي -ﷺ- كان قد آخى بينه وبين حمزة،\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) \"إرشاد الساري\" (٤/ ٤٢٣).","vol":"6","page":212},{"text":"لِخَالَتِهَا وَقَالَ: \"الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ\" وَقَالَ لِعَلِيٍّ: \"أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ\" وَقَالَ لِجَعْفَرٍ: \"أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي\" وَقَالَ لِزَيْدٍ: \"أَنْت أَخُونَا وَمَوْلَانَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٧٠٠، م: ١٧٨٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-864> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٣٧٨ - [٣] عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً،\nــ\nوقيل: هو أخوه من الرضاع.\nوقوله: (وقال لعلي) هذه استطابة لقلوبهم، وتسلية لهما في تقديم الخالة عليهم.\nوقوله: (أنت أخونا) أي: في الإسلام، و(مولانا) لأنه كان مولى رسول اللَّه -ﷺ-، أو المراد ولينا وحبيبنا لأنه كان يدعى بحِبِّ رسول اللَّه -ﷺ- بكسر الحاء بمعنى الحبيب، وهذا المعنى أنسب بالمقام، وقال في (الفائق) (١): لما قال -ﷺ- لزيد هذا حَجَلَ، أي: رقص من الفرح، والحَجْل أن يرفع رجلًا ويضع ويقفز أخرى، انتهى. والقفز: الوثوب.\nالفصل الثاني\n٣٣٧٨ - [٣] (عمرو بن شعيب) قوله: (عن جده عبد اللَّه بن عمرو) بيان للجد، وهذا يدل على أن ضمير (جده) لأبيه، فالحديث منقطع فتدبر.\n_________\n(١) \"الفائق\" (١/ ٢٦١).","vol":"6","page":213},{"text":"وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي وَأَرَادَ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنِّي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي\". رَوَاهُ أَحْمدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ١٨٢، د: ٢٢٧٦].\n٣٣٧٩ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خَيَّرَ غُلَامًا بَيْنَ أَبِيهِ وَأُمِّهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٣٥٧].\n٣٣٨٠ - [٥] وَعنهُ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (١) -ﷺ- فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ سَقَانِي وَنَفَعَنِي، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ،\nــ\nو(الحجر) بفتح الحاء ويكسر، وجمعه حُجُور، و(الحواء) بالكسر مكان يحوي الشيء، أي: يجمعه ويضمه.\nوقوله: (ما لم تنكحي) يدل على أن الأم إذا نكحت سقط عنه حقها في الحضانة، وهذا الحديث مطلق، وقد قيده علماؤنا، وقالوا بنكاح غير مَحرَم منه يسقط ولمحرم لا، كأمٍّ نكحَت عمَّه لقيام الشفقة.\n٣٣٧٩ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (خير غلامًا بين أبيه وأمه) لعل هذا الصبي كان بلغ من التمييز فخير، وليس هذا من باب الحضانة، والصبي الذي كان في الحديث السابق ما بلغ من التمييز، فهذا من الحضانة، وفي الحضانة لا يخير الصبي، وهو المذهب عندنا خلافًا للشافعي.\n٣٣٨٠ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (وقد سقاني ونفعني) تريد أن ابني بلغ حدًا\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".","vol":"6","page":214},{"text":"فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ\" فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ فَانْطَلَقَتْ بِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٢٢٧٧، ن: ٣٤٩٦، دي: ٢٣٣٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-865> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٣٨١ - [٦] عَنْ هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِي مَيْمُونَةَ سُلَيْمَانَ مَوْلًى لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَارِسِيَّةٌ، مَعَهَا ابْنٌ لَهَا، وَقَدْ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَادَّعَيَاهُ فَرَطَنَتْ لَهُ تَقُولُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اسْتَهِمَا عَلَيْهِ رَطَنَ لَهَا بِذَلِكَ فَجَاءَ زَوْجُهَا وَقَالَ: . . . . . .\nــ\nانتفعت أنا بخدمته.\nوقوله: (فخذ بيد أيهما شئت) هذا أيضًا يدل على تخيير الصبي، وتأويله ما ذكرنا.\nالفصل الثالث\n٣٣٨١ - [٦] (هلال بن أسامة) قوله: (سليمان) قيل: صوابه سلمان.\nوقوله: (فرطنت له) أي: تكلَّمت المرأة للرجل وللولد أو لأبي هريرة بكلام لا يفهم؛ لأنها تكلمت بالفارسية، وقال في (القاموس) (١): الرطانة بالفتح والكسر: التكلم بالعجمية، ورطَنَ له وراطَنَه: كلَّمه بها.\nوقوله: (استهما عليه) أي: اقترعا.\nوقوله: (رطن لها) جملة حالية أو استئناف، أي: تكلم أبو هريرة للمرأة بهذا الكلام بالفارسية.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١١٠٦).","vol":"6","page":215},{"text":"مَنْ يُحَاقُّنِي فِي ابْنِي؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اللهُمَّ إِنِّي لَا أَقُولُ هَذَا إِلَّا أَنِّي كُنْتُ قَاعِدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ زَوْجِي يُرِيدُ أَنْ يَذْهَبَ بِابْنِي، وَقَدْ نَفَعَنِي وَسَقَانِي مِنْ بِئْرِ أَبِي عِنَبَةَ -وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ: مِنْ عَذْبِ الْمَاءِ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اسْتَهِمَا عَلَيْهِ\" فَقَالَ زَوْجُهَا: مَنْ يُحَاقُّنِي فِي وَلَدِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَذَا أَبُوكَ وَهَذِهِ أُمُّكَ، فَخُذْ بِيَدِ أَيِّهِمَا شِئْتَ\" فَأَخَذَ بِيَدِ أُمِّهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ لَكِنَّهُ ذَكَرَ الْمُسْنَدَ، وَرَوَاهُ الدَّارمِيُّ عَن هِلَالِ بْنِ أُسَامَةَ. [د: ٢٢٧٧، دي: ٢/ ٢٢٣، ن: ٣٤٩٦].\nــ\nوقوله: (من يحاقني) بضم الياء وتشديد القاف، أي: مَن يُنازِعُني.\nوقوله: (من بئر أبي عنبة) بعين مهملة مكسورة فنون مفتوحة فموحدة.\nتم (كتاب النكاح) مع أبواب الطلاق بعون اللَّه تعالى وتوفيقه، ويتلوه (كتاب العتق).","vol":"6","page":216},{"text":"(١٤) كتاب العتق","vol":"6","page":217},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-866>(١٤) كتاب العتق</span>\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n١٤ - كتاب العتق\n(العتق) يجيء لمعانٍ: الكرم، والجمال، والنَّجابة، والحرية، يقال: عتَقَ العبدُ يعتِقُ عِتْقًا بالفتح والكسر، أو بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم، ويفتح، وعَتاقًا وعَتاقة بفتحهما: خرج عن الرِّقِّ، فهو عتيق، وعاتق، كذا في (القاموس) (١)، وقيل: التركيب للتقدم زمانًا أو مكانًا أو رتبة، ومنه (عليكم بالأمر العتيق) أي: القديم الأول، ويجمع على عِتاق كشريف وشِراف، ومنه (إنهنَّ من العِتاقِ الأُولِ)، أي: السور التي نزلت أولًا بمكةَ وأنها من أول ما تعلمه من القرآن، أو يريد تفضيل هذه السور لتضمُّنها أمورًا غريبة كالإسراء وقصة أصحاب الكهف ومريم، ولتضمنها أخبار أجلة الأنبياء، كذا قيل.\nويقال: عاتق لما بين المنكبين إلى أصل العنق لتقدمه، وبقال للكعبة: البيت العتيق لقدمه؛ لأنه أول بيت وضع للناس، أو لأنه أعتق من الجبابرة، فكم من جبار قصده فقصمه، أو أعتق من الغرق، أو لأنه حر لم يملكه أحد، أو لأنه معتق رقاب المذنبين، ويجيء عتيق من عتق وأعتق، وسمي الصديق عتيقًا لأنه أعتق من النار، سماه النبي -ﷺ- لما أسلم، ولقوله -ﷺ-: (مَن أراد أن ينظرَ إلى عَتيقٍ من النار فلينظر\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٨٣٥).","vol":"6","page":219},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-867> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٣٨٢ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُسْلِمَةً أَعْتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنَ النَّارِ (١). . . . .\nــ\nإلى أبي بكر) (٢). وقيل: سمته أمه به.\nوالعتيق الكريم الرائع من كل شيء، ويقال: فرس عتيق، أي: نفيس جواد سابق، ويقال للمرأة التي بلغت: عاتق، وقيل: هي الشابة أول ما تدرك، وقيل: التي لم تبِنْ من والديها ولم تتزوج وقد أدركت وشبّت، ويجمع على العواتق والعتق، وقيل: هي مَن بلَغَت الحُلمَ أو قاربته فعتقت عن قهر أبويها باستحقاق التزوُّج، ومنه (أُمِرْنا أن نُخرِجَ فِي العيدين الحيَّضَ والعتقَ)، يقال: عتقت الجارية فهي عاتق، كحاضت فهي حائض، وكلَّ ما بلغَ إِنَاه فقد عتَقَ (٣).\nالفصل الأول\n٣٣٨٢ - [١] (أبو هريرة) قوله: (أعتق اللَّه) من باب المشاكلة، والمراد النجاة.\nوقوله: (بكل عضو منه) أي: من المعتَق بالفتح.\nوقوله: (عضوًا منه) ليس في أكثر نسخ (المشكاة) (منه) هنا، وكذا في رواية البخاري، وهو مذكور في رواية مسلم: (عضوًا منه من النار)، والضمير للمعتِق بالكسر، وللبخاري في (كتاب كفارات الأيمان) (٤): (أعتق بكل عضو منها عضوًا من أعضائه\n_________\n(١) في نسخة: \"مِنْهُ النَّار\".\n(٢) أخرجه الطبراني في \"معجمه\" (١/ ٥٤، ٢/ ١٠).\n(٣) انظر: \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥٢٠ - ٥٢١).\n(٤) \"صحيح البخاري\" (٦٥١٥) وفيه: \"أعتق اللَّه بكل عضو منه عضوًا من النار\". فليتأمل.","vol":"6","page":220},{"text":"حَتَّى فَرْجَهُ بِفَرْجِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧١٥، م: ١٥٠٩].\n٣٣٨٣ - [٢] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ (١) -ﷺ-: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"إِيمَانٌ بِاللَّهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ\" قَالَ: قُلْتُ: فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"أَغْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا\" قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: \"تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ\" قُلْتُ (٢): فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ . . . . .\nــ\nمن النار).\nوقوله: (حتى فرجه بفرجه) قيل: هو للمبالغة لأنه محل الزنا، وهو من أفحش الكبائر، وقيل: ذكر للتحقير بالنسبة إلى سائر الأعضاء، ويفهم من هذا أن الأفضل أن لا يكون العبد المعتَق خَصيًّا أو مجبوبًا\n٣٣٨٣ - [٢] (أبو ذر) قوله: (تعين صانعًا) من الصنعة، والمراد بها هنا ما به معاش الرجل، فيدخل فيه الحرفة والتجارة ونحوهما، أي: صانعًا لم يتمَّ كسبه لعياله، وفي نسخة: (ضايعًا) من الضياع بالضاد المعجمة، أي: أعان من لم يكن له متعهِّدٌ يتعهد من فقر وعيال، كذا ذكر السيوطي في (التوشيح في شرح الجامع الصحيح) (٣).\nوقوله: (أو تصنع لأخرق) الخرق والخرقة بالضم والسكون وبفتحتين: الحمق، والأخرق: الأحمق، ومن لا يحسن العمل والتصرف في الأمور، وهو المراد هنا لمقابلته بالصانع.\n_________\n(١) في نسخة: \"رسولَ اللَّه\".\n(٢) في نسخة: \"قال\".\n(٣) \"التوشيح\" (٤/ ١٧٤).","vol":"6","page":221},{"text":"قَالَ: \"تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بهَا عَلَى نَفْسِكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥١٨، م: ٨٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-868> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٣٨٤ - [٣] عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: عَلِّمْنِي عَمَلًا يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ قَالَ: \"لَئِنْ كُنْتَ أَقْصَرْتَ الْخُطْبَةَ لَقَدْ أَعْرَضْتَ الْمَسْأَلَةَ، أَعْتِقِ النَّسَمَةَ وَفُكَّ الرَّقَبَةَ\" قَالَ: أَوَلَيْسَا وَاحِدًا؟ قَالَ: \"لَا،\nــ\nوقوله: (تدع الناس) أي: تتركهم من شرّك، أي: بكف شرّك عنهم، والتأنيث في (فإنها) باعتبار الفعلة أو الخصلة أو باعتبار الخبر، و(تصدق) أصله تتصدَّقُ.\nالفصل الثاني\n٣٣٨٤ - [٣] (البراء بن عازب) قوله: (لئن كنت أقصرت الخطبة) أي العبارة وهو قوله: (علمني عملًا يدخلني الجنة) فإنه لفظ قصير.\nوقوله: (أعرضت المسألة) أي: سألت عن أمر عريض عظيم، وهو دخول الجنة، ولعل تفسير الطيبي (١) إياه بأمر ذي طول وعرض لما أن العرض يستلزم الطول. و(النسمة) محركة: نفسُ الروحِ كالنَّسمِ، ونفس الريح إذا كان ضعيفًا كالنَّسيم، كذا في (القاموس) (٢)، والمراد بها النفس.\nوقوله: (لا) أي: ليسا بواحد، بل عتقُ النسمة أن تتفرَّدَ بعتقها، وذلك لأن العتقَ\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٦).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ١٠٧١).","vol":"6","page":222},{"text":"عِتْقُ النَّسَمَةِ: أَنْ تَفَرَّدَ بِعِتْقِهَا، وَفَكُّ الرَّقَبَةِ: أَنْ تُعِينَ فِي ثَمَنِهَا، وَالْمِنْحَةَ: الْوَكُوفَ، وَالْفَيْءَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الظَّالِمِ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَأَطْعِمِ الْجَائِعَ، وَاسْقِ الظَّمْآنَ، وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنْ لَمْ تُطِقْ ذَلِكَ فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلَّا مِنْ. . . . .\nــ\nإزالةُ الرقِّ، وذلك لا يكون إلا من المالك الذي يُعتِقُ.\nوقوله: (وفك الرقبة: أن تُعيِنَ فِي ثمنها) لأن الفك التخليص، فيكون من غير المالك، كمن أعان المكاتب في بدل كتابته أو شفع فيها، والمقصود بيان المراد لا بيان معنى اللفظ، فافهم. (والمنحة) بكسر الميم وسكون النون في الأصل بمعنى العطية، في (القاموس) (١): منَحَه، كمنعه وضربه: أعطاه، والاسم المِنْحة بالكسر، وغلب في ناقة أو شاة أو غيرهما تعطى المحتاج أن ينتفع من لبنها ووبرها أو من ظهرها زمانًا ثم يردُّها.\nو(الوكوف) بفتح الواو: كثيرة اللبن، يقال: ناقة وكفٌ ووكوف: غزيرة الدَّرِّ، وأصله من وكف البيت وأوكف: إذا قطَرَ، والمشهور من الرواية في قوله: (والمنحة) النصبُ، أي: تعطي المنحةَ، أو أعطِ المنحةَ، وقد يرفع، والتقدير ومما يدخلُ الجنةَ المنحةُ، وكذا الكلام في قوله: (والفيء) أي: الرجوع بالرحمة والإحسان على ذي الرحم، خصوصًا إذا كان ظالمًا قاطعًا للرحم غير مراعٍ حقها، والمراد بالخير ما فيه ثواب، فالمباح ليس بخير ولا شر، وقيل: المراد به ما ليس فيه ضرر ولا إضرار فيشمل المباح، وقد قيل بالوجهين في قولهم في المعتكف: ولا يتكلَّمُ إلا بخير، والراجح\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٢٣٥).","vol":"6","page":223},{"text":"خَيْرٍ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٤٠٢٦].\n٣٣٨٥ - [٤] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِيُذْكَرَ اللَّهُ فِيهِ، بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَعْتَقَ نَفْسًا مُسْلِمَةً، كَانَتْ فِدْيَتَهُ مِنْ جَهَنَّمَ، وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْم الْقِيَامَة\". رَوَاهُ فِي \"شرح السّنة\". [٩/ ٣٥٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-869> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٣٨٦ - [٥] عَن الْغَرِيفِ بْنِ الدَّيْلَمِيِّ قَالَ: أَتَيْنَا وَاثِلَةَ بْنَ الأَسْقَعِ فَقُلْنَا: حَدِّثْنَا حَدِيثًا لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ وَلَا نُقْصَانٌ، فَغَضِبَ وَقَالَ: إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَقْرَأُ وَمُصْحَفُهُ مُعَلَّقٌ فِي بَيْتِهِ. . . . .\nــ\nهو الأولى.\n٣٣٨٥ - [٤] (عمرو بن عبسة) قوله: (عمرو بن عبسة) بعين مهملة وموحدة مفتوحتين، وقد مرّ.\nوقوله: (ليذكر) بلفظ المجهول، وفيه إشارة إلى أن بناء المسجد ينبغي أن يكون للناس لا لنفسه، وأما البناء لا للذكر بل للمباهاة والرياء والسمعة فكلا.\nالفصل الثالث\n٣٣٨٦ - [٥] (الغريف بن الديلمي) قوله: (عن الغريف) بالغين المعجمة مكبرًا.\nوقوله: (إن أحدكم ليقرأ ومصحفه معلق في بيته) أي: يقرأ ليلًا ونهارًا لا يغيب عنه ساعة.","vol":"6","page":224},{"text":"فَيَزِيدُ وَيَنْقُصُ، فَقُلْنَا: إِنَّمَا أَرَدْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي صَاحِبٍ لَنَا أَوْجَبَ -يَعْنِي النَّارَ- بِالْقَتْلِ فَقَالَ: \"أَعْتِقُوا عَنْهُ يُعْتِقِ اللَّهُ بِكُل عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٣٩٦٤، ن: ٣١٤٥].\n٣٣٨٧ - [٦] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ الشَّفَاعَةُ بِهَا (١) تُفَكُّ الرَّقَبَةُ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَان\". [شعب: ٧٢٧٩].\n* * *\nــ\nوقوله: (فيزيد وينقص) أي: سهوًا وغلطًا، فهم أن مرادهم الرواية باللفظ كما هو، فقالوا: مقصودنا أن يكون حديثه -ﷺ- من غير أن يتغير معناه مع رعاية الاحتياط في روايته، فافهم.\nوقوله: (في صاحب) أي: في شأن صاحب (لنا) مات، و(أوجب) على نفسه (النار) بسبب ارتكاب القتل، أي: قتل نفسه، أو قتل غيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣].\nوقوله: (يعتق اللَّه) بالجزم على جواب الأمر أو بالرفع على الاستئناف.\n٣٣٨٧ - [٦] (سمرة بن جندب) قوله: (بها) متعلق بقوله: (تفك) والمراد بفك الرقبة تخليصها من القتل والعذاب، ومن الرق ونحو ذلك.\n_________\n(١) في نسخة: \"التي\".","vol":"6","page":225},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-870>١ - باب إعتاق العبد المشترك وشراء القريب والعتق في المرض</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-871> الْفَصْلُ الأَوَّلَ:</span>\n٣٣٨٨ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، وَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ الْعَبْدِ، قُوِّمَ الْعَبْدُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٢٢، م: ١٥٠١].\nــ\n١ - باب إعتاق العبد المشترك وشراء القريب والعتق في المرض\nقد تقرر الاختلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه في تجزؤ الإعتاق وعدمه، فهما يقولان: إنه لا يتجزأ لأن الإعتاق إثبات العتق، والعتق لا يتجزأ فكذا الإعتاق، وأبو حنيفة يقول: الإعتاق إزالة الملك، إذ ليس للمالك إلا إزالة حقه، وهو الملك الذي يتجزأ، وأما إثبات العتق أو إزالة الرق فهما حكمان شرعيان، لا يملكهما العبد، ويتفرع على هذا الاختلاف أحكام، سيجيء ذكرها في الأحاديث.\n(وشراء القريب) يوجب العتق من غير أن يعتق مستأنفًا، لكن اختلفوا في القريب هل هو مختص بالولاء أو يعم ذوي الأرحام المحرمة كلهم؟ كما ستعرف، (والعتق في المرض) عبارة عن التدبير، وسيجيء حكمه.\nالفصل الأول\n٣٣٨٨ - [١] (ابن عمر) قوله: (من أعتق شركًا له) بالكسر، أي: نصيبًا وحصَّةً.\nوقوله: (وإلا) أي: وإن لم يكن له مال يبلغ ذلك الثمن (فقد عتق منه) أي: من العبد (ما عتق) من نصيب المعتِق، ونصيبُ الشركاء رقيقٌ، هذا الحديث بظاهره","vol":"6","page":226},{"text":"٣٣٨٩ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا فِي (١) عَبْدٍ أُعْتِقَ كُلُّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ، اسْتُسْعِيَ الْعَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٠٤، م: ١٥٠٣].\n٣٣٩٠ - [٣] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَدَعَا بهم رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَجَزَّأَهُمْ. . . . .\nــ\nيدل على أن المعتق إن كان موسرًا ضمن للشريك، وإن كان معسرًا لا يستسعى العبد، بل عتق ما عتق ورقَّ ما رقَّ، ومذهب أبي حنيفة ﵀ أنه إن كان موسرًا ضمن، أو استسعى الشريكُ العبدَ، أو أعتق، وإن كان معسرًا لا يضمن، لكن الشريك إما أن يستسعيَ أو يعتقَ، والولاء لهما لأن الإعتاق يتجزأ، وقالا: له ضمانه غنيًا، والسعاية فقيرًا، والولاء للمعتق لعدم تجزؤ الإعتاق، ومعنى الاستسعاء أن العبد يكلَّف للاكتساب حتى يحصل قيمته للشريك، وقيل: هو أن يخدم الشريك بقدر الرقبة من الملك.\n٣٣٨٩ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (من أعتق شقصًا) بالكسر بمعنى الحصة والنصيب.\nوقوله: (أعتق كله) المشهور روايته بلفظ المجهول، أي: حُكِمَ بعتقه كلِّه عليه، وقد يروى بلفظ المعلوم، و(كلَّه) منصوب على أنه مفعول به.\nوقوله: (غير مشقوق) أي: لا يكلف ما يشق عليه، أي لا يغلى عليه الثمن، أو لا يكلف بخدمة لا يطيقها (٢).\n٣٣٩٠ - [٣] (عمران بن حصين) قوله: (فجزأهم) أي: قسمهم من التجزئة.\n_________\n(١) في نسخة: \"من\".\n(٢) قال شيخنا في \"التقرير\": الحديث يدل على أن من أعتق شقصًا أعتق كله وهو عدم التجزؤ =","vol":"6","page":227},{"text":"أَثْلَاثًا، ثُمَّ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ، وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْهُ وَذَكَرَ: \"لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ لَا أُصَلِّيَ عَلَيْهِ\" بَدَلَ: \"وَقَالَ لَهُ قَوْلًا شَدِيدًا\"، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: وَقَالَ: \"لَوْ شَهِدْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ لَمْ يُدْفَنْ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ\". [م: ١٦٦٨، ن: ١٩٥٨، د: ٣٩٦٠].\n٣٣٩١ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَريَهُ فَيُعْتِقَهُ\". . . . .\nــ\nوقوله: (وقال له قولًا شديدًا) كراهةً لفعله، وتغليظًا له لعتقه العبيدَ كلَّهم ولا مالَ له سواهم، وعدمِ رعايته جانبَ الورثة، ولذا أنفذه من الثلث شفقة على اليتامى، ودل الحديث على أن الإعتاق في مرض الموت ينفذ من الثلث لتعلق حق الورثة بماله، وكذا التبرع كالهبة ونحوها (١).\n٣٣٩١ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (فيشتريه فيعتقه) ليس المعنى على استئناف العتق وإنشائه فيه بعد الشراء، ويؤيده ما يأتي في الحديث الآتي في (الفصل الثاني): (مَن مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحرَمٍ منه فهو حرٌّ)، وأجمعوا على أنه يعتق على ابنه إذا ملكه في الحال، لكن لما كان شراؤه سببًا لعتقه أضيف إليه، وذهب أصحاب الظواهر إلى أنه لا يعتق لمجرد ملكه، وإلا لم يصح ترتيب الإعتاق على الشراء، والجمهور على أن يعتق عليه بمجرد التملك، وقيل: عليه الإجماع، ومعنى قوله: (فيعتقه) أي: بالشراء\n_________\n= في العتق كما هو مذهب الصاحبين، والإمام قائل بالتجزؤ، وأجاب عنه ابن الهمام (٤/ ٣٥٧) بأن الحديث لا يوافقهم أيضًا لأن الحديث يدل على العتق في اليسر فقط، ومذهبهم في اليسر والعسر معًا، مع أنه يمكن أن يوجه عن الإمام بأن المراد بعتق الكل باعتبار المآل.\n(١) قال أبو حنيفة: يعتق من كل واحد قسطه ويسعى في الباقي، وبه قال الشعبي وشريح البصري. \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٢٢٢١).","vol":"6","page":228},{"text":"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥١٠].\n٣٣٩٢ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ دَبَّرَ مَمْلُوكًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: \"مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟ \" فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ بِثَمَانِ مِئَةِ دِرْهَمٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧١٦، م: ٩٩٧].\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ بِثَمَانَ مِئَةِ دِرْهَمٍ، فَجَاءَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: \"ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ أَهْلِكَ شَيْءٌ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهَكَذَا وَهَكَذَا\" فَيَقُولُ (١): فَبَيْنَ يَدَيْكَ وَعَنْ. . . . .\nــ\nلا بالإنشاء.\n٣٣٩٢ - [٥] (جابر) قوله: (نعيم) بلفظ التصغير (ابن النحام) بفتح النون وتشديد الحاء المهملة، ودل الحديث على جواز بيع المدبر، وإليه ذهب الشافعي وأحمد، وذهب أبو حنيفة ومالك إلى أنه لا يجوز، وأوَّلُوا الحديث بأن المراد بالمدبر فيه المدبر المقيد، بأن قال: إن مت من مرضي هذا أو من شهري هذا فأنت حر، وهذا المدبر لا يعتق بخلاف المطلق بدليل الأحاديث الأخر.\nوقوله: (فهكذا وهكذا) وقع في النسخ مرتين، وقد يتوهم أن الظاهر أن يقول: ثلاثًا، ولكنه يمكن أن هكذا الأول لمن بين يديه، والثاني لليمين والشمال، ويجوز أن يكون هذا كناية عن التفريق أشتاتًا على من عن يمينه وشماله وأمامه.\n_________\n(١) في نسخة: \"ليقول\".","vol":"6","page":229},{"text":"يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-872> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٣٩٣ - [٦] عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ مَلَكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَهُوَ حُرٌّ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَه. [ت: ١٣٦٥، د: ٣٩٤٩، جه: ٢٥٢٤].\n٣٣٩٤ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا وَلَدَتْ أَمَةُ الرَّجُلِ مِنْهُ فَهِيَ مُعْتَقَةٌ عَنْ دُبُرٍ مِنْهُ أَوْ بَعْدَهُ\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢/ ٣٥٧].\n٣٣٩٥ - [٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: بِعْنَا أُمَّهَاتِ الأَوْلَادِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ نَهَانَا عَنْهُ فَانْتَهَيْنَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٩٥٤].\nــ\nالفصل الثاني\n٣٣٩٣ - [٦] (الحسن) قوله: (من ملك ذا رحم محرم منه) وبه أخذ أبو حنيفة في تعميم العتق أولي الأرحام المَحرَمةِ كلَّهم.\nوقوله: (فهو حر) وفي رواية: (عتق عليه).\n٣٣٩٤ - [٧] (ابن عباس) قوله: (فهي معتقة) دلّ على أن أمهات الأولاد لا يجوز بيعها، وعليه الإجماع، وما جاء بخلافه فهو منسوخ.\n٣٣٩٥ - [٨] (جابر) قوله: (بعنا أمهات الأولاد) احتج به من أجاز بيع أمهات الأولاد، قال الشُّمُنِّي: يحتمل أنه -ﷺ- لم يشعر ببيعهم إياهنَّ، فلا يكون حجةً إلا إذا علم به وأقرهم عليه، ويحتمل أن يكون ذلك في أول الأمر، ثم نهى عنه -ﷺ-، ولم يعلم","vol":"6","page":230},{"text":"٣٣٩٦ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُ الْعَبْدِ لَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ السَّيِّدُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٩٦٢، جه: ٢٥٢٩].\n٣٣٩٧ - [١٠] وَعَنْ أَبِي الْمَلِيحِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ شِقْصًا مِنْ غُلَامٍ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: . . . . .\nــ\nبه أبو بكر -﵁- لقصر مدة خلافته واشتغاله بأمور المسلمين، ثم نهى عمر -﵁- لما بلغه نهيُ النبي -ﷺ-، كما قيل في حديث جابر في المتعة الذي رواه مسلم: (كنا نستمتعُ بالقُبضةِ من التمر والدقيق الأيامَ على عهد رسول اللَّه -ﷺ- وأبي بكر حتى نهانا عمر -﵁-)، انتهى (١). وقد ينقل عن علي -﵁- القولُ ببيع أمهات الأولاد، ولم يصح النقل، وقد بسط القول فيه الطيبي (٢)، واللَّه أعلم.\n٣٣٩٦ - [٩] (ابن عمر) قوله: (فمال العبد) إضافة المال إلى العبد ليست باعتبار الملك، بل باعتبار اليد، أي: ما في يد العبد وحصل بكسبه، بأن يكون عبدًا مأذونًا بالتجارة مثلًا، (فمال العبد له) أي: لمن أَعتَقَ، فإن العبد وما في يده ملك لمولاه.\nوقوله: (إلا أن يشترط السيد) أن المال يكون للعبد، فيكون منحةً من السيد وهبةً منه للعبد بعد الإعتاق.\n٣٣٩٧ - [١٠] (أبو المليح) قوله: (وعن أبي المليح) بفتح الميم.\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٥٦٩).\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (٧/ ١٤).","vol":"6","page":231},{"text":"\"لَيْسَ لِلَّهِ شَرِيكٌ\" فَأَجَازَ عِتْقَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٩٣٣].\n٣٣٩٨ - [١١] وَعَنْ سَفِينَةَ قَالَ: كُنْتُ مَمْلُوكًا لِأُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَتْ: أُعْتِقُكَ وَأَشَتَرِطُ عَلَيْكَ أَنْ تَخْدُمَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَا عِشْتَ، فَقُلْتُ: إِنْ لَمْ تَشْتَرِطِي عَلَيَّ مَا فَارَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَا عِشْتُ، فَأَعْتَقَتْنِي وَاشْتَرَطَتْ عَلَيَّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٩٣٢، جه: ٢٥٢٦].\n٣٣٩٩ - [١٢] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"الْمُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ مُكَاتبَتِهِ دِرْهَمٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٩٣٦].\nــ\nوقوله: (فقال: ليس للَّه شريك) أي: ينبغي أن يعتق كله، ولا يجعل لنفسه شريكًا للَّه سبحانه.\nوقوله: (فأجاز عتقه) أي: حكم بعتقه كله، وهذا عند من لا يقول بتجزؤ الإعتاق، وعند أبي حنيفة معناه: حكم بأن يعتقه كلَّه ترغيبًا له في إعتاق الكل.\n٣٣٩٨ - [١١] (سفينة) قوله: (وعن سفينة) على وزن سكينة.\nوقوله: (وأشترط عليك) قيل: هذا وعدٌ عبَّرَ عنه باسم الشرط، وأكثر الفقهاء لا يصححون إبقاء الشرط بعد العتق. (وأن تخدم) بضم الدال من باب نصر، و(ما عشت) بلفظ الخطاب.\nوقوله: (إن لم تشترطي عليّ. . . إلخ)، يعني لا حاجة إلى هذا الاشتراط إظهارًا للرغبة والاستسعاد بخدمة رسول اللَّه -ﷺ-.\n٣٣٩٩ - [١٢] (عمرو بن شعيب) قوله: (من مكاتبته) أي: بدل كتابته.","vol":"6","page":232},{"text":"٣٤٠٠ - [١٣] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا كَانَ عِنْدَ مُكَاتَبِ إِحْدَاكُنَّ وَفَاءٌ فَلْتَحْتَجِبْ مِنْهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٢٦١، د: ٢٩٢٨، جه: ٢٥٢٠].\n٣٤٠١ - [١٤] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ كَاتَبَ عَبْدَهُ عَلَى مِئَةِ أُوقِيَّةٍ، فَأَدَّاهَا إِلَّا عَشَرَةَ (١) أَوَاقٍ -أَوْ قَالَ: عَشْرَةَ دَنَانِيرَ- ثُمَّ عَجَزَ فَهُوَ رَقِيقٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَه. [ت: ١٢٦، د: ٣٩٢٧، حه: ٢٥١٩].\nــ\n٣٤٠٠ - [١٣] (أم سلمة) قوله: (عند مكاتب إحداكن) بالإضافة، والخطاب للنساء، والمراد بالوفاء القدرة على أداء نجوم الكتابة.\nوقوله: (فلتحتجب منه) إذ لا يحل نظره إليها لصيرورته حرًا؛ فإن قلت: هذا إنما يصير حرًا إذا أدى النجوم كلها، لا لمجرد قدرته على الأداء، فإن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم؟ قلنا: هذا محمول على التورع والاحتياط، لأنه بصدد أن يعتق، ويمكن أن يكون معناه فلتستعد وتهيأ للاحتجاب، إشارة إلى قرب زمانه وحصوله بمجرد الأداء، وأن وجوب الاحتجاب حاصل قطعًا بعد الأداء، ويؤيد المعنى الأول ما يحكى عن أم سلمة أنها قال لمكاتبها: ادفع ما بقي عليك، وعليك السلام، ثم ألقت دونه الحجاب، ثم روت هذا الحديث.\n٣٤٠١ - [١٤] (عمرو بن شعيب) قوله: (إلا عشر أواق) الوقية والأوقية اسم لأربعين درهمًا، كذا في (القاموس) (٢)، وفي بعض النسخ: عشرة بالتاء، والصحيح\n_________\n(١) في نسخة: \"عشر أواق\".\n(٢) \"القاموس\" (ص: ١٢٣٣).","vol":"6","page":233},{"text":"٣٤٠٢ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا أَصَابَ الْمُكَاتَبُ حَدًّا أَوْ مِيرَاثًا وَرِثَ بِحِسَابِ مَا عَتَقَ مِنْهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ: \"يُودَى الْمُكَاتَبُ بِحِصَّةِ مَا أَدَّى دِيَةَ حُرٍّ وَمَا بَقِي دِيَة عَبْدٍ\". وَضَعَّفَهُ. [د: ٤٥٨٢، ت: ١٢٥٩].\nــ\nبدونها، وهو الموجود في أكثرها.\n٣٤٠٢ - [١٥] (ابن عباس) قوله: (إذا أصاب) أي: وجد، (المكاتب حدًا) أي: ديةً، (أو ميراثًا ورث) بلفظ الماضي المعلوم من الإرث، أو المجهول من التوريث، (بحساب ما عتق) صحح بلفظ المجهول، والظاهر أن يكون بلفظ المعلوم، ولعل المراد بقوله: (ورث) ملك ليشمل جواب الشرطين.\nوقوله: (يودى) بلفظ المجهول بتخفيف الدال، منَ ودَى يَدِي ديةً بمعنى يعطي الدية، و(المكاتب) مفعول أول، أقيم مقام الفاعل، والضمير للموصول محذوف، وقوله: (دية حر) مفعول ثان، ويحتمل أن يكون معنى يودى المكاتب بمعنى يؤخذ ديته، و(دية حر) مفعولًا مطلقًا.\nوقوله: (وما بقي دية عبد) تقديره: ويُودَى بحصة ما بقي ديةَ عبدٍ، وصوَّروه بأنّه إذا أدى المكاتب نصف النجوم مثلًا ثم قُتِل، فالقاتل يدفع نصف دية الحر إلى ورثته، ونصف قيمته إلى مولاه، مثلًا إذا كاتب على ألف درهم، وقيمته مئة، فأدى خمس مئة، ثم قتل، فلورثة العبد خمس مئة نصفُ دية حرٍّ، ولمولاه خمسون نصفُ قيمة.\nهذا، ويختلج أن الخمس مئة إنما هو نصف بدل كتابته لا نصف دية الحر؛ فإن دية الحر هو من الذهب ألف دينار، ومن الوَرِق عشرة آلاف درهم، ومن الإبل مئة،","vol":"6","page":234},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-873> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٤٠٣ - [١٦] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ الأَنْصَارِيِّ: أَنَّ أُمَّهُ أَرَادَتْ أَنْ تُعْتِقَ، فَأَخَّرَتْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ تُصْبِحَ، فَمَاتَتْ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَقُلْتُ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: أَيَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا؟ فَقَالَ الْقَاسِمُ: أَتَى سَعْدُ ابْنُ عُبَادَةَ رَسُولَ اللَّه -ﷺ- فَقَالَ: إِنَّ أُمِّي هَلَكَتْ فَهَلْ يَنْفَعُهَا أَنْ أُعْتِقَ عَنْهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نَعَمْ\". رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢/ ٧٧٩].\n٣٤٠٤ - [١٧] وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: تُوُفِّيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي نَوْمٍ نَامَهُ،\nــ\nولعله باعتبار أن بدل كتابته الذي يصير به حرًا لما كان ألفًا فكأنه دية حر، ونصفه خمس مئة، هذا ما يظهر ولا يشفي الغليل، فتدبر، واللَّه أعلم. وقالوا: هذا مما لم يقل به أحد إلا النخعي، والحديث مع ضعفه معارض بحديثي عمرو بن شعيب، فالمكاتب عبد ما بقي عليه شيء، فحكمه في الإرث والدية حكم العبد يكونان لسيده.\nالفصل الثالث\n٣٤٠٣ - [١٦] (عبد الرحمن بن أبي عمرة) قوله: (وعن عبد الرحمن بن أبي عمرة) بفتح العين وسكون الميم.\nوقوله: (فقلت للقاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق، أحد الفقهاء السبعة، جليل، كبير القدر.\nوقوله: (نعم) أي: ينفعها ويصل إليها ثوابه.\n٣٤٠٤ - [١٧] (يحيى بن سعيد) قوله: (في نوم نامه) صفة مؤكِّدة لـ (نوم،","vol":"6","page":235},{"text":"فَأَعْتَقَتْ عَنْهُ عَائِشَةُ أُخْتُهُ رِقَابًا كَثِيرَةً. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢/ ٧٧٩].\n٣٤٠٥ - [١٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنِ اشْتَرَى عَبْدًا فَلَمْ يَشْتَرِطْ مَالَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ\". رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ٢/ ٣٣٠].\nــ\nيعني مات فجاءةً.\n٣٤٠٥ - [١٨] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (فلا شيء له) أي: للمشتري من مال العبد، وإنما هو لسيده.\n* * *","vol":"6","page":236},{"text":"(١٥) كتاب الأيمان والنذور","vol":"6","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-874>(١٥) كتاب الأيمان والنذور</span>\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n١٥ - كتاب الأيمان والنذور\n(الأيمان) جمع يمين بمعنى الحلف، قالوا: إنما سُمِّي بها لأنهم كانوا يتماسحون بأيمانهم فيتحالفون، وهذا يدل على أن أصله اليمين بمعنى اليد اليمنى، ويجوز أن يعتبر الأصل اليُمْن بمعنى البركة والقوة؛ فإن اليمين تقوية الخبر بذكر اللَّه تعالى، ويلزمه التبرك باسمه سبحانه، والمشهور أن قولهم: ايمُنُ اللَّهِ جمعُ اليمين، وربما حذفوا منه النون، فقالوا: آيمُ اللَّهِ بالفتح والكسر، وربما حذفوا منه الياء أيضًا، وقالوا: آمُ اللَّه، وربما أبقوا الميم وحدها مضمومة، وقالوا: مُ اللَّهِ، ثم يكسرونها لأنها صارت حرفًا واحدًا فيشبهونها بالباء، فيقولون: مِ اللَّهِ، وربما قالوا: مُنُ اللَّهِ بضم الميم والنون، ومَنَ اللَّه بفتحهما، ومِنِ اللَّه بكسرهما.\nقال أبو عبيدة: كانوا يحلفون باليمين أيضًا، ويقولون: يمينُ اللَّهِ لا أفعلُ كذا، ثم يجمع اليمين على أيمن، وحلفوا فقالوا: أيمنُ اللَّهِ لأفعلنَّ كذا، كذا في (الصحاح) (١)، فعلى تقدير كونه جمعًا همزته همزة قطع، وقد يخفف وتسقط في الوصل لكثرة الاستعمال، وقال بعضهم: هي كلمة بنفسها لليمين من غير أن يكون جمع يمين، فهمزتها همزة الوصل، والتصرف فيها بما ذكرنا يدل ظاهرًا على هذا القول.\n_________\n(١) \"الصحاح في اللغة\" (٦/ ٢٢٢٢).","vol":"6","page":239},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-875> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٤٠٦ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَكْثَرُ مَا كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَحْلِفُ: \"لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٣٩١].\n٣٤٠٧ - [٢] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٤٦، م: ١٦٤٦].\nــ\nو(النذور) جمع نذر، يقال بفتح النون وضمها وسكون الذال فيهما، وهو إيجاب الإنسان على نفسه والتزامه من طاعة بسبب يوجبه، لا تبرعًا، كذا قيل، قال في (القاموس) (١): نذر على نفسه، ينذِر وينذُر، نذرًا ونذورًا: أوجبه، كانتذر، ونذر ماله، ونذر للَّه سبحانه [كذا. أو النذر]: ما كان وعدًا على شرط، كعَليَّ إن شفى اللَّه مريضى.\nالفصل الأول\n٣٤٠٦ - [١] (ابن عمر) قوله: (يحلف) حال ساد مسد الخبر، مثل قائمًا في قولك: أخطب ما يكون الأمير قائمًا.\nوقوله: (لا ومقلب القلوب) بيان لما يحلف به، و(لا) نفي للكلام السابق كما في قولهم: لا واللَّه.\n٣٤٠٧ - [٢] (عنه) قوله: (إن اللَّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم) وقد حكم بعض الفقهاء بكفر من حلف بالأب، ولعل ذلك إذا اعتقد تعظيم الآباء مشركًا في\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٤٤٧).","vol":"6","page":240},{"text":"٣٤٠٨ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَحْلِفُوا بِالطَّوَاغِي وَلَا بِآبَائِكُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٤٨].\n٣٤٠٩ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى؛ فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ. . . . . .\nــ\nذلك بتعظيم اللَّه سبحانه، وإلا فالحرمة والكراهة باقٍ، وهو حكم الحلف بغير أسماء اللَّه وصفاته كائنًا من كان، وأما إقسام اللَّه سبحانه ببعض مخلوقاته تنبيهًا على شرفها فخارج عن المبحث، فإنه لا يقبح من اللَّه شيء؛ فإن معنى القبح عندنا هو كون الفعل متعلَّقَ النهي، وهو من صفات أفعال العباد، كما قال أصحابنا في إسناد المكر والخداع إلى اللَّه سبحانه، وتأويلهما بجزائهما مبنيٌّ على مذهب الاعتزال كما قرر في موضعه.\n٣٤٠٨ - [٣] (عبد الرحمن بن سمرة) قوله: (لا تحلفوا بالطواغي ولا بآبائكم) (١) نهوا عن ذلك لئلا يسبق لسانهم به جريًا على ما تَعوّدوه في الجاهلية، وإلا فالمسلمون كيف يقسمون بالطواغي، والطواغي والطواغيت جمع طاغية، والمراد بها الأصنام؛ لأنها سبب الطغيان فكأنها فاعلة له.\n٣٤٠٩ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (من حلف فقال في حلفه: باللات والعزى؛ فليقل: لا إله إلا اللَّه) يحتمل أن يكون معناه أنه سبق لسانه به، فليتداركه بكلمة التوحيد؛ لأنه صورة الكفر، وإلا فإن كان على قصد التعظيم فهو كفر وارتداد، يجب العود عنه بالدخول في الإسلام.\n_________\n(١) في \"التقرير\": يشكل عليه قوله ﵇: \"أفلح وأبيه\" وغيره، وأجيب بأن حلفه كان لمجرد التأكيد، أو قبل ورود النهي.","vol":"6","page":241},{"text":"فَلْيَتَصَدَّقْ\". مُتَفَقٌ عَلَيهِ. [خ: ٦٦٥٠، م: ١٦٤٧].\n٣٤١٠ - [٥] وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ عيْرِ الإِسْلَامِ كَاذِبًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ. . . . .\nــ\nوقوله: (فليتصدق) أي: بالمال الذي عزم على المقامرة به، أو بشيء من ماله كفارة لما جرى على لسانه وعزم عليه.\n٣٤١٠ - [٥] (ثابت بن الضحاك) قوله: (من حلف على ملة غير الإسلام) نحو: إن فعل فهو يهودي، أو نصراني، أو بريء من الإسلام، أو من النبي، أو من القرآن.\nوقوله: (كاذبًا) بأن كان قد فعله إن كان الحلف على الماضي، أو لم يفعل إن كان في المستقبل؛ فإن المقصودَ من هذا الحَلِفِ المنعُ عن الفعل، فصدقُه بأن لا يفعلَ، وكذبُه بأن يفعلَ.\nوقوله: (فهو كما قال) ظاهر الحديث أنه يصير كافرًا، إما بمجرد الحلف، أو بعد الحنث، كذا قال الطيبي (١)، والظاهر أنه إن حلف على الماضي يكفر بمجرد الحلف، وإن حلف على المستقبل يكفر بعد الحنث.\nاعلم أنه قد اختلف في كون هذا القول يمينًا، أعني يمينًا تجب فيه الكفارة، وأما تسمية التعليق يمينًا وحلفًا فهو شائع في كلام الفقهاء، وذلك بمعنى تقوية الحكم، فإن اليمين يجيء بمعنى القوة، والكلام هنا في اليمين الذي تجب فيه الكفارة؛ فذهب كثير من الأئمة أنه يمين تجب الكفارة عند الحنث، وهو المذهب عندنا؛ لأنه لما علَّقَ الكفرَ بذلك الفعل فقد حرَّمَ الفعلَ، وتحريمُ الحلالِ يمينٌ، وكذا عند أحمد في أشهر الروايتين، واختيار جمهور أصحابه، قالوا: لأن التزام ذلك يقتضي الكفر، وذلك\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢١).","vol":"6","page":242},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأبلغ في انتهاك الحرمة من انتهاك حرمة القسم، فكان بإيجاب الكفارة أولى، وقال مالك والشافعي وغيرهما من أهل المدينة: إنه ليس بيمين ولا كفارة؛ لأن ذلك ليس باسم اللَّه ولا صفته؛ فلا يدخل في الأيمان المشروعة، وقد قال -ﷺ-: (من كان حالفًا فلا يَحلِفْ إلا باللَّه) (١)، ولم يتعرض في الحديث للكفارة، بل قال: فهو كما قال، ونقل عن أحمد أيضًا كذلك، لكن الأشهر منه هو الأول، ونقل عنه بعض أصحابه أنه قال: أحبُّ إليَّ أن يكفِّرَ كفارةَ يمينٍ.\nوكما اختلفوا في كونه يمينًا اختلفوا في أنه هل يصير به كافرًا؟ فقال بعضهم: المراد بقوله: (فهو كما قال) التهديد والمبالغة في الوعيد، لا الحكم بأنه صار يهوديًّا أو بريئًا من الإسلام، كما في قوله: (مَن تركَ الصلاةَ فقد كفرَ)، وقال آخرون: إنه يكفر لأنه إسقاط لحرمة الإسلام ورضًى بالكفر، وعندنا لا يكفر بهذا القول، سواء علق الكفر بفعل ماض أو مستقبل، وعند بعض مشايخنا: إن علقه بفعل ماض يكفر، نحو إن كان فعَلَ أمسِ كذا فهو كافر؛ لأن التعليق بفعل يعلم أنه قد وقع تنجيز، لأن التعليق بشيء كائن ئابت تنجيزٌ معنًى، لكن الصحيح أنه لا يكفر إن كان يعلم أنه يمين، لأن الكفر إنما يكون بالاعتقاد، والمقصود من اليمين زجر النفس وتحذيره عن الفعل بتعليقه بشيء هو مكروه عنده ومحظور، فإن كان عند الحالف أنه يكفر بهذا القول يكفر فيهما، أي: في الماضي والمستقبل؛ لأنه رضي بالكفر حين أقدم على الفعل، هذا محصَّل ما ذكر في (الهداية) (٢)، و(شرح الوقاية) (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" كتاب: الشهادات، باب: كيف يستحلف (٢٦٧٩).\n(٢) \"الهداية\" (٢/ ٣١٨).\n(٣) \"شرح الوقاية\" (٢/ ٢٠٢).","vol":"6","page":243},{"text":"وَلَيْسَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ لَا يَمْلِكُ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَن لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كقَتْلِهِ، وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا، لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا قِلَّةً\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٤٧، م: ١١٠].\nــ\nوإن قال: إن فعل كذا فهو زانٍ، أو سارق، أو لشارب خمر، أو آكل ربا لم يكفر؛ لأن حرمة هذه الأشياء يحتمل النسخ والتبديل، فلم يكن في معنى حرمة الكفر، ولأنه ليس بمتعارف، كذا في (الهداية) (١).\nوقوله: (وليس على ابن آدم نذر فيما لا يملك) صورته أن يقول: إن شفى اللَّه مريضي فالعبدُ الفلاني حرٌّ، وليس في ملكه، وإن دخل بعد ذلك في ملكه لم يلزمه الوفاء بنذره، بخلاف ما إذا علق عِتقَ عبدٍ بملكِه؛ فإنه يعتق عندنا بعد التملك.\nوقوله: (ومن قتل نفسه بشيء. . . إلخ)، كمن قتل نفسه بسكين يعاقب عليه بأن يؤتى يوم القيامة سكينًا يقتل نفسه به إلى ما شاء اللَّه كما جاء في حديث آخر في قاتل النفس.\nوقوله: (ومن لعن مؤمنًا فهو) أي: اللعن (كقتله) في التحريم والعقاب، وهذا قريب من إلحاق الناقص بالكامل تغليظًا وتشديدًا، وهذا إن أراد أعمَّ من لعن الكافرين، وإن أراده فهو في حكم القذف بالكفر كما قال: (ومن قذف مؤمنًا بكفر فهو كقتله) وهذا التشبيه أظهر؛ لأن الكفر من أسباب القتل، فكان الرمي به كالقتل.\nوقوله: (ليتكثر بها) إشارة إلى علة الدعوى في الأغلب، وليس تقييدًا بأن\n_________\n(١) \"الهداية\" (٢/ ٣١٨).","vol":"6","page":244},{"text":"٣٤١١ - [٦] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إنِّي وَاللَّهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧١٨، م: ١٦٤٩].\nــ\nلا يترتب الجزاء عند عدم قصد التكثير، ويحتمل أن يكون اللام للعاقبة، فافهم.\n٣٤١١ - [٦] (أبو موسى) قوله: (إن شاء اللَّه) هو للتبرك وإظهار الرغبة.\nوقوله: (لا أحلف على يمين) قيل: المراد باليمين هنا المحلوف عليه؛ فإنه قد يطلق عليه مجازًا لتلبُّسِه باليمين، كذا نقل عن (الكشاف) (١)، وقال الشُّمُنِّي (٢): حقيقة اليمين جملتان، إحداهما مُقْسَمٌ به، والأخرى مُقْسَمٌ عَلَيْه، فَذُكِر الكلُّ وأريد البعضُ، وقيل: ذُكِرَ اسمُ الحالِّ وأريد المحلُّ؛ لأن المحلوف عليه محلُّ اليمين، وقول صاحب (الكشاف): (لتلبُّسه بها) يشمل الكل، وقيل: (على) بمعنى الباء.\nوقال الكرماني: حلفت على يمين، أي: بيمين، أو المراد بها المحلوف عليه مجازًا، وأقول: يجوز أن يضمن (أحلف) معنى أعزم وأقبل، ففيه إشارة بأن يمين اللغو لا ينعقد، ويجوز أن يحمل اليمين على الكلام الذي فيه اليمين، كالإنشاء والخبر يطلقان على الكلام وفعل المتكلم، هذا والموافق بسياق الكلام من قوله: (فأرى غيرها) أن المراد به المحلوف عليه، ويحتمل الاستخدام أيضًا.\nوقوله: (إلا كفرت عن يميني) أي: أحنِّثُ نفسي، ثم أكفِّرُ، وذهب الأئمة الثلاثة إلى جواز تقديم الكفارة على الحنث، إلا أن الشافعي ﵀ خصص بالمالي منها، والاستدلال لهم على ذلك بهذا الحديث لا يتم؛ لأن الواو لمطلق الجمع،\n_________\n(١) \"الكشاف\" (١/ ١٣٥).\n(٢) انظر: \"البحر الرائق\" (٤/ ٣١٦).","vol":"6","page":245},{"text":"٣٤١٢ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سَمُرَةَ! لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُوتِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ\" وَفِي رِوَايَةٍ: \"فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٤٧، م: ١٦٥٢].\nــ\nولا يدل على الترتيب، فهذا لا يدل على تقديم الكفارة على الحنث، كما أن الرواية التي تأتي في الحديث الآتي: (فأْتِ الذي هو خير وكفِّرْ عن يمينك) لا يدل على الأمر بالحنث قبل التكفير.\nفإن قلت: الرواية التي فيها فاء التعقيب صريح في تقديم التكفير؛ لأن الفاء يدل على اتصاله برؤية غيرها خيرًا، فيكون مقدّمًا على الفعل الذي هو الحنث؟ قلت: الواقع تحت الفاء مجموع التكفير والحنث، والواقع بينهما الواو، فلا يثبت بينهما الترتيب. والحق أن الأحاديث خالية عن الدلالة على التقديم والتأخير، وتجويزهم التقديم بدليل آخر، وهو القياس على تقديم الزكاة على الحول، وتحقيقه في أصول الفقه (١).\n٣٤١٢ - [٧] (عبد الرحمن بن سمرة) قوله: (عن مسألة) أي بعد سؤال وطلب.\nوقوله: (أعنت عليها) أي: أعانك اللَّه على تلك الإمارة بالتوفيق على رعاية العدالة فيها.\n_________\n(١) انظر هذا البحث مفصلًا في: \"أوجز المسالك\" (٩/ ٦٢٥).","vol":"6","page":246},{"text":"٣٤١٣ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَفْعَلْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٥٠].\n٣٤١٤ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَاللَّهِ لأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٢٥، م: ١٦٥٥].\nــ\n٣٤١٣ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (وليفعل) أي: ليحنث نفسه وليفعل.\n٣٤١٤ - [٩] (عنه) قوله: (واللَّه لأن يلج) اللام للابتداء و(أن يلج) بتأويل المصدر، ويلَجَّ من اللجاج بفتح اللام وكسرها، و(آثم) بمد همزة ومثلثة مفتوحة على صيغة التفضيل، يعني لجاجه، أي: صبره وإصراره على يمينه التي يتعلق بأهله أكثرُ في سببية الإثم من حنثه في يمينه وإعطائه الكفارة، فقوله: (آثم) من المجود، ووصف اللجاج به مجاز باعتبار السببية، ويحتمل من المزيد على قول من يجوز اشتقاق اسم التفضيل منه. وفي (الصراح) (١): إيثام: دربزه أفكَندن، ومضمون ما سبق من الأحاديث الناطقة بأن من حلف فرأى غيره خيرًا فليفعل ويكفِّر، واليمين في أهله التي يتضررون بالبر فيها ويفوت حقهم به إحدى الصور التي يرى غيرَ المحلوف عليه فيها خيرًا.\nبقي أنه يفهم من صيغة التفضيل أن يكون الإثم ثابتًا في الحنث وإعطاء الكفارة أيضًا، مع أن الخيرية منحصرة فيه، ويجب ذلك عليه، فيجاب بأن ذلك باعتبار أن في الحنث هَتْكَ حرمةِ اسم اللَّه في الظاهر، أو باعتبار توهم الحالف أن في الحنث\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٤٥٧).","vol":"6","page":247},{"text":"٣٤١٥ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيهِ صَاحِبُكَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٥٢].\n٣٤١٦ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَخلِفِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٥٣].\n٣٤١٧ - [١٢] وعَن عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ. . . . .\nــ\nإثمًا، وفي حديث آخر: (إذا استلجَّ أحدُكم يمينَه فإنه آثمُ له عند اللَّه من الكفارة) (١)، واستلجَّ استفعل من اللجاج، وروي (إذا استلجَجَ) بترك الإدغام.\n٣٤١٥ - [١٠] (وعنه) قوله: (يمينك) مبتدأ، و(على ما يصدقك عليه صاحبك) خبره، أي: المعتبر في صمدق اليمين نية صاحبك الذي يستحلفك وما قصده، لا يعتبر فيها توريةُ الحالف ونيتُه، وهذا إذا كان المستحلِفُ صاحب حق يبطل بالتورية، كما في صورة استحلاف القاضي، أو نائبه المدعى عليه، أو لم يكن كذلك، أو لم يكن هناك مستحلف، فلا بأس بالتورية لا سيما إذا كان فيه نفع لأحدٍ كما إذا تعرض أحدٌ أحدًا، فقلت: هو أخي مريدًا به أخوة الإسلام ونحو ذلك.\n٣٤١٦ - [١١] (وعنه) قوله: (اليمين على نية المستحلف) وهو المراد بـ (صاحبك) في الحديث السابق كما شرحنا.\n٣٤١٧ - [١٢] (عائشة) قوله: (في قول الرجل: لا واللَّه، وبلى واللَّه) من عادة العرب أن يقولوا كثيرًا في محاوراتهم: لا واللَّه، بلى واللَّه، ولا اعتبار له ولا ينعقد\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه في \"سننه\" (٢١١٤).","vol":"6","page":248},{"text":"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" لَفْظُ \"الْمَصَابِيحِ\" وَقَالَ: رَفَعَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَائِشَةَ. [خ: ٦٦٦٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-876> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٤١٨ - [١٣] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ، وَلَا بِالأَنْدَادِ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إِلَّا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٣٢٤٨، ن: ٣٧٦٩].\nــ\nيمينًا، ولهذا يسمى يمين اللغو (١)، وقد يفسر يمين اللغو بما حلف ظانًا أنه حق وليس بحق ولا يؤاخذ به، واللَّغو واللَّغاءُ: السَّقطُ وما لا يُعتَدُّ به من كلام وغيره، كذا في (القاموس) (٢).\nوقوله: (وفي شرح السنة لفظ المصابيح)، وهو قوله: (وعن عائشة قالت: لغو اليمين قول الإنسان: لا واللَّه، وبلى واللَّه)، ورفعه بعضهم عن عائشة، أي: متجاوزًا عن عائشة غير موقوف عليها، والحديث مرفوع سواء يرفعونه أم لا؛ لأن تفسير الصحابي فيما يتعلق بسبب نزول آية في حكم المرفوع، كذا ذكر في أصول الحديث، ولهذا رواه البخاري في (صحيحه).\nالفصل الثاني\n٣٤١٨ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (ولا بالأنداد) أي: الشُّركاءِ، وهي الأوثان.\n_________\n(١) اللغو عند الشافعية أن يحلف على شيء ماض أو مستقبل سهوًا لا واللَّه، بلى واللَّه، وعند الحنفية أن يحلف على الماضي قصدًا، وعلم بعده أنه غلط.\n(٢) \"القاموس\" (ص: ١٢٢٢).","vol":"6","page":249},{"text":"٣٤١٩ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٥٣٥].\n٣٤٢٠ - [١٥] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ حَلَفَ بِالأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٢٥٣].\nــ\n٣٤١٩ - [١٤] (ابن عمر) قوله: (فقد أشرك) أي: المحلوف به مع اللَّه في التعظيم، وقد قيل: بالتكفير، وهو تغليظ، اللهم إلا أن يقصد حقيقة التعظيم والتشريك، واللَّه أعلم.\n٣٤٢٠ - [١٥] (بريدة) قوله: (من حلف بالأمانة فليس منا) أي: ممَّن اقتدى بطريقتنا، بل من المتشبهين بغيرنا، فإنه من دَيدَن أهل الكتاب، ولعدم دخولها في أسماء اللَّه وصفاته، وقيل: أراد بالأمانة الفرائض، أي: لا تحلفوا بالصلاة والحج ونحوهما، وقال التُّورِبِشْتِي (١): إذا حلف بأمانة اللَّه، فقد اختلف فيه أقاويل العلماء، والمشهور عن أبي حنيفة ﵀ أن يمينه تنعقد، فجعل أمانة اللَّه من الصفات؛ لأن من أسماء اللَّه الأمين، وأحلّها بمحل الإرادة من المريد، والقدرة من القدير، ويحتمل أن يقال: إنه في معنى كلمة اللَّه، على ما ذهب إليه غير واحد من علماء التفسير في تأويل قوله سبحانه: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ [الأحزاب: ٧٢]، وقالوا: الأمانة كلمة التوحيد، وقد روي عن أبي يوسف خلافه، واختار الطحاوي أن اليمين لا تنعقد بأمانة اللَّه، سواء نوى اليمين أو لم ينو، انتهى.\nوعند أحمد: إن حلف بأمانة اللَّه وعهده وميثاقه، إن أضافها إلى اللَّه، أو نوى بها صفة اللَّه، فهو يمين موجب للكفارة، وإن قال: والأمانة والعهد وأطلق، فروايتان،\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٠٤).","vol":"6","page":250},{"text":"٣٤٢١ - [١٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَالَ: إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الإِسْلَامِ؛ فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَنْ يَرْجِعَ إِلَى الإِسْلَامِ سَالِمًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٢٥٨، ن: ٣٧٧٢، جه: ٢١٠٠].\n٣٤٢٢ - [١٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا اجْتَهَدَ فِي الْيَمِينِ قَالَ: \"لَا، وَالَّذِي نَفْسُ. . . . .\nــ\nلكنه يكره اليمين بالأمانة لورود النهي عنه، والنهي إما للتحريم أو للكراهة، وظاهر كلام بعض أصحابه (١) أن ما عدا أسماء اللَّه وصفاته لا تنعقد اليمين به، وبهذا يظهر أن القول بكون اليمين بأمانة اللَّه منعقدًا لا ينافي ورود النهي عن ذلك؛ لما فيه من التشبه بأهل الكتاب، فتدبر.\n٣٤٢١ - [١٦] (عنه) قوله: (إني بريء من الإسلام) أي قال: إن فعلت كذا فإني بريء من الإسلام، يعني حلف ببراءته من الإسلام، كما مرّ في (الفصل الأول) من حديث ثابت بن الضحاك: (مَن حلفَ على ملَّةٍ غيرِ الإسلامِ)، فيكون معنى قوله: (فإن كان كاذبًا) أنه فعل كذا لأن اليمين للمنع.\nوقوله: (وإن كان صادقًا) يعني لم يفعل وبرّ في يمينه، فحينئذ لا يكفر، ولكن لن يرجع إلى الإسلام سالمًا؛ فإن الحلف بشيء يحتمل الكفر على تقدير الحنث لا يليق بحال المسلم، ولا ينبغي أن يتجاسر عليه، وحاصله أنه يأثم بهذا الحلف، فافهم.\n٣٤٢٢ - [١٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (إذا اجتهد في اليمين) الاجتهاد: بذل الوسع في طلب الأمر، يعني كان إذا بالغ في تقرير القسم وتأكيده أقسم بهذا\n_________\n(١) انظر: \"المغني\" لابن قدامة (١٣/ ٤٧٢ - ٤٧٠).","vol":"6","page":251},{"text":"أَبِي الْقَاسِم بِيَدِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٢٦٤].\n٣٤٢٣ - [١٨] وَعَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: كَانَتْ يَمِينُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا حَلَفَ: \"لَا، وَأَستَغْفِرُ اللَّه\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَه. [د: ٣٢٦٥، جه: ٢٠٩٣].\n٣٤٢٤ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ،\nــ\nالنوع من الكلام، فإنه يدل على كمال قدرة الحق وتسخيره نفسه الكريمة العظيمة، وفي العدول عن اسمه الشريف كما هو الغالب في الأحاديث من قوله: (والذي نفس محمد بيده) إلى كنيته المباركة أيضًا نوع من مزيد الاجتهاد والاهتمام، وكلمة (لا) ظاهره نفيٌ وردٌّ للكلام السابق، ولكن جرت العادة بذكرها من غير أن يكون كلام سبق فرضًا وتقديرًا، واللَّه أعلم.\n٣٤٢٣ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (لا وأستغفر اللَّه) قيل: تقديره: لا أقسم، يكون (لا) زائدة للإشارة إلى ظهور المقسم عليه، أو ردًا لكلام سابق، و(أقسم) إنشاء قسم، كما هو المشهور في توجيه هذا الكلام الواقع في الآيات القرآنية، وزيادة (أستغفر اللَّه) عقيبه تداركٌ لما جرى على لسانه من يمين اللغو من غير قصد، وإن كان معفوًا عنه، وقيل: سماه حلفًا مجازًا وتشبيهًا، ومعناه أستغفر اللَّه إن كان الأمر على خلاف ذلك، فهو يؤكد الكلام ويقرره، فلهذا سماه حلفًا مجازًا وتشبيهًا في معنى التقرير والتأكيد.\n٣٤٢٤ - [١٩] (ابن عمر) قوله: (فقال: إن شاء اللَّه) يعني متصلًا، والعمل","vol":"6","page":252},{"text":"وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ جَمَاعَةً وَقَفُوهُ عَلَى ابْنِ عُمَرَ. [ت: ١٥٣١، د: ٣٢٦١، ن: ٣٨٢٨، جه: ٢١٠٥، دي: ٢/ ١٨٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-877> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٤٢٥ - [٢٠] عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ ابْنَ عَمٍّ لِي آتِيهِ أَسْأَلُهُ فَلَا يُعْطِينِي وَلَا يَصِلُنِي، ثُمَّ يَحْتَاجُ إِلَيَّ فَيَأْتِينِي فَيَسْأَلُنِي، وَقَدْ حَلَفْتُ أَن لَا أُعْطِيَهُ وَلَا أَصِلَهُ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَأُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِي. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ن: ٣٧٨٨، جه: ٢١٠٩].\nــ\nعلى هذا عند أكثر أهل العلم، قال محمد ﵀ في (موطئه) (١): وبهذا نأخذ، وهو قول أبي حنيفة ﵀ إذا قال: إن شاء اللَّه ووصله بيمينه فلا شيء عليه، وقال: الاستثناء بعد حين غير جائز، وحكاية الإمام أبي حنيفة في طلب الخليفة ومعاتبته إياه في مخالفة جده ابن عباس في القول بجواز الاستثناء متصلًا، واعتذاره بأنه حينئذ لا يتم لهم البيعة مشهورة، وحد الوصل قيل: بأن لا يشتغل بكلام آخر، وقيل: ما دام في المجلس، وقيل: غير ذلك.\nالفصل الثالث\n٣٤٢٥ - [٢٠] (أبو الأحوص عوف بن مالك) قوله: (أن آتي الذي هو خير) ليس هو للتفضيل، إذ هو يجيء بمعنى التفضيل ولا بمعناه، قال في (الصراح) (٢): خير:\n_________\n(١) انظر: \"موطأ الإمام مالك مع التعليق الممجد\" (٣/ ١٦٧).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ١٧٥).","vol":"6","page":253},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَأْتِينِي ابْنُ عَمِّي فَأَحْلِفُ أَنْ لَا أُعْطِيَهُ وَلَا أَصِلَهُ قَالَ: \"كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ\".\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-878>١ - باب في النذور</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-879> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٤٢٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَنْذُرُوا، فَإِنَّ النَّذْرَ لَا يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ من الْبَخِيلِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. [خ: ٦٦٠٩، م: ١٦٤٠].\nــ\nنيكو، ونيكوئ، ونيكوتر، وإنما لم يحمل هنا على التفضيل؛ لأن المعنى دائر بين قطع المحلة ومنعها ومنع المعروف وإعطائه، فلا يصح معنى التفضيل، كذا قال الطيبي (١)، إلا أن يعتبر بزعم القائل باعتبار كونه مكافأة، وجزاء سيئة سيئة مثلها، لكن الوصل والإعطاء أولى وأحرى، وأخذ بالعزيمة وكرم الخلق، فافهم.\n١ - باب في النذور\nقد جمع في الباب المتقدم الأيمان والنذور، وهذا باب آخر مخصوص بالنذور؛ فلهذا أتى بكلمة (في) وإن لم يكن ذلك عادته، فافهم.\nالفصل الأول\n٣٤٢٦ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لا تنذروا) بضم الذال وكسرها من ضرب\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٩).","vol":"6","page":254},{"text":"٣٤٢٧ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٦٩٦].\n٣٤٢٨ - [٣] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةٍ،\nــ\nونصر، والنهي عن النذر على اعتقاد أنه يردّ عن القدر شيئًا، ولما كان من عادة الناس أنهم ينذرون لجلب المنافع ودفع المضار، وذلك فعل البخلاء، نهوا عن ذلك، وأما غير البخيل فيعطي باختياره بلا واسطة النذر، ففي النهي عن النذر لهذا الغرض ترغيب على النذر، ولكن على جهة الإخلاص.\n٣٤٢٧ - [٢] (عائشة) قوله: (ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه) فيه أن النذر بالمعصية لم يجز الوفاء به.\n٣٤٢٨ - [٣] (عمران بن حصين) قوله: (لا وفاء لنذر في معصية) كمن نذر بذبح ولده، وكذلك نذر صوم يوم النحر عند الشافعي ﵀ لأنه حرام، وعندنا يصح النذر، ويقضي يومًا آخر؛ لأن صوم النحر مشروع بأصله غير مشروع بوصفه، وهو الإعراض عن ضيافة اللَّه، فالنذر به نذر بالطاعة، ووصف المعصية متصل بذاته فعلًا لا باسمه ذكرًا، وتحقيقه في أصول الفقه، وقد جاء عن أصحابنا أنه يلزم بنذر ذبح الولد ذبح الشاة.\nثم لا كفارة في النذر عند الشافعية، وعندنا اليمين من موجبات النذر ولوازمه؛ لأن النذر إيجاب المباح وهو يستلزم تحريم الحلال، وتحريم الحلال يمين بدليل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى أن قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢] حتى روى مقاتل: أن رسول اللَّه -ﷺ- أعتق رقبة في تحريم مارية، وأما","vol":"6","page":255},{"text":"وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ: \"لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ\". [م: ١٦٤١].\n٣٤٢٩ - [٤] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٤٥].\n٣٤٣٠ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ -ﷺ- يَخْطُبُ إِذا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمِ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ،\nــ\nإذا نذر مطلقًا فقال: علي نذر ولم يسم شيئًا، فعليه كفارة اليمين بالاتفاق، وقد روى في (الهداية) (١): (ومَن نذرَ نَذْرًا ولم يسمِّ فعليه كفَّارةُ يمينٍ)، وروى الطيبي (٢) أيضًا عن ابن عباس نحوه.\nوقوله: (ولا فيما لا يملك العبد) قد مرّ بياند في الفصل الأول من (باب الأيمان والنذور) من حديث ثابت بن الضحاك.\n٣٤٢٩ - [٤] (عقبة عامر) قوله: (كفارة النذر كفارة اليمين) دليل على مذهب أبي حنيفة ﵀، ولو حمل على النذر المطلق من غير تسمية شيء يكون متفقًا عليه كما عرفت.\n٣٤٣٠ - [٥] (ابن عباس) قوله: (فسأل) أي: سأل النبيُّ -ﷺ- (عنه) أي: عن الرجلِ مَن هو؟ وما حاله؟ (فقالوا) أي: أجاب الصحابة أن اسمه (أبو إسرائيل) وكان رجلًا من بني عامر لؤي من بطون قريش، وحاله أنه (نذر أن يقوم ولا) وهذا\n_________\n(١) \"الهداية\" (٢/ ٣١٩).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٢).","vol":"6","page":256},{"text":"وَلَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٧٠٤].\n٣٤٣١ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ. . . . .\nــ\nينظر إلى أن القعود يكون من القيام كما قيل، وأما من الضِّجعة أو من السجود فهو جلوس، وقد قيل بعدم الفرق بينهما.\nوقوله: (وليتم صومه) أمرُه -ﷺ- بوفاء الصوم دون ما عداه يدلُّ على أن النذر لا يصح إلا فيما فيه قربة، وما لا قربة فيه فنذره لغو، كذا نقل الطيبي (١)، وعزاه إلى جمع من الصحابة، وقال: وهو مذهب مالك والشافعي، وقيل: إن كان المنذور فيه مباحًا يجب الإتيان به، واستدل بما روي أن امرأة قالت: يا رسول اللَّه! إني نذرتُ أن أضربَ على رأسك بالدُّفِّ، قال -ﷺ-: (أَوفِي بنذرِكِ)، وإن كان محرمًا تجب كفارة اليمين، لما روي عن عائشة -﵂- أنه -ﷺ- قال: (لا نذرَ فِي معصيةٍ، وكفارتُه كفارةُ اليمينِ)، انتهى.\nوالظاهر أن مذهبنا هذا، ويظهر ذلك مما ذكر أصحابنا أن النذر هو إيجاب المباح، وكفى بالحديث الوارد في النذر بضرب الدف متمسَّكًا لهم، فإن قلت: فلم لم يأمر النبي -ﷺ- بالوفاء بالقعود وعدم الاستظلال وعدم التكلم مع كونها مباحة؟ قلنا: إباحتها دائمًا والاجتناب عن أضدادها مطلقًا ممنوعة، فافهم.\n٣٤٣١، ٣٤٣٢ - [٦، ٧] (أنس، وأبو هريرة) قوله: (يهادى) بلفظ المجهول (بين ابنيه) معتمدًا عليهما من ضعفه وتمايله، ومنه تهادت المرأة: إذا تمايلت.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٢).","vol":"6","page":257},{"text":"فَقَالَ: \"مَا بَالُ هَذَا؟ \" قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ\" وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٦٥، م: ١٦٤٢].\n٣٤٣٢ - [٧] وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: \"ارْكَبْ أَيُّهَا الشَّيْخُ، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكَ وَعَنْ نَذْرِكَ\". [م: ١٦٤٣].\n٣٤٣٣ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ اسْتَفْتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فِي نَذْرٍ كَانَ عَلَى أُمِّهِ فتوُفِّيَتْ قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَهُ، فَأَفْتَاهُ أَنْ يَقْضِيَهُ عَنْهَا. مُتَّفَقٌ. . . . .\nــ\nوقوله: (نذر أن يمشي) يعني إلى بيت اللَّه تعالى.\nوقوله: (وأمره أن يركب) ظاهره أنه لا دم عليه، وبه قال الشافعي، وعندنا إن يركب فعليه دم، وقيل: وهو أحد قول الشافعي، لأنه أدخل نقضًا بعد التزامه.\n٣٤٣٣ - [٨] (ابن عباس) قوله: (فأفتاه أن يقضيه عنها) لا يدل الحديث على وجوب القضاء من ماله، بل يحتمل أن يكون تبرعًا، أو القضاء من تركتها، واختلف في أن نذر أم سعد كان مطلقًا أو صومًا أو عتقًا أو صدقة، وما ورد أنه -ﷺ- أمره أن يسقي عنها بئرًا، وقال: (هذه لأم سعد) (١) يدل على أنه كان مطلقًا، أو صدقة، هذا والجمهور على أن الوارث لا يلزمه قضاء النذر الواجب على الميت إذا كان غير ماليٍّ، وإذا كان ماليًّا ولم يخلف تركة لا يلزمه في غير وصية، لكن يستحب ذلك، وقال\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في \"سننه\" (١٦٨١).","vol":"6","page":258},{"text":"عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٩٨، م: ١٦٣٨].\n٣٤٣٤ - [٩] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٩٠، م: ٢٧٦٩] وَهَذَا طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ مُطَوَّلٍ.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-880> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٤٣٥ - [١٠] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ،\nــ\nأصحاب الظواهر: يلزمه لهذا الحديث، كذا نقل الطيبي (١).\n٣٤٣٤ - [٩] (كعب بن مالك) قوله: (إن من توبتي) أي: من تمام توبتي.\nوقوله: (أن أنخلع) أي: أخرجَ منه كلِّه، وأتجرد منه كما يتجرد منه الإنسان وينخلع من ثيابه، وكان ذلك حين قُبِلت توبته من تخلفه في غزوة تبوك، وقصته مشهورة من أحاسن القصص، وذكرتها وترجمتها في (شرح سفر السعادة)، وذكر هذا الحديث في (باب النذور) وإن كان ذلك تكفيرًا وشكرًا لمشابهته له في إيجابه على نفسه ما ليس بواجب لحدوث أمر.\nالفصل الثاني\n٣٤٣٥ - [١٠] (عائشة) قوله: (لا نذر في معصية) أي: لا وفاء في نذر معصية،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٣ - ٣٤).","vol":"6","page":259},{"text":"وَكَفَّارَتُهُ كفَّارَةُ الْيَمِينِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٣٢٩٢، ت: ١٥٢٥، ن: ٣٨٣٤].\n٣٤٣٦ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَمْ يُسَمِّهِ فَكَفَّارَتُهُ كفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ فَكَفَّارَتُهُ كفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمَنْ نَذَرَ نَذْرًا أَطَاقَهُ فَلْيَفِ بِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَه، وَوَقَفَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. [د: ٣٣٢٢، جه: ٢١٢٨].\nــ\nأو لا نذر معتبرًا شرعًا، وهو في حكم اليمين، (فكفارته كفارة اليمين) وهو يثبت مذهب الحنفية.\n٣٤٣٦ - [١١] (ابن عباس) قوله: (من نذر نذرًا لم يسمه) نحو: للَّه عليَّ نذر، ولم يعيق المنذور أنه صوم أو غيره، فإنه لا يمكن الوفاء فيه، فيكفر كفارة يمين، والحاصل أنه قد وقع في الأحاديث: (فكفارته كفارة يمين) (١). قال الطيبي (٢): جمهور أصحابنا على أنه في مثل أن يقول: إن كلمت زيدًا فلله علي حجة، فكلمه فهو بالخيار بين كفارة يمين وبين ما التزمه، وقال: وحمله مالك وكثيرون على النذر المطلق، كقوله: عليّ نذر، وحمله أحمد وبعض أصحابنا على النذر بالمعصية، كمن نذر أن يشرب الخمر، وحمله جماعة من فقهاء الحديث على جميع أنواع النذور، وقالوا: هو مخير بين الوفاء بما التزمه وكفارة يمين، انتهى كلام الطيبي. وأما مذهبنا فإن قوله: عليّ نذر، من ألفاظ اليمين، ولزوم كفارة اليمين في النذر المطلق متفق عليه، وقد دلّ\n_________\n(١) أخرجه مالك في \"موطئه\" (٢٢٠٩) رواية أبي مصعب.\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٥).","vol":"6","page":260},{"text":"٣٤٣٧ - [١٢] وَعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ \" قَالُوا: لَا، قَالَ: \"فَهَلْ كَانَ فِيهِ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ \" قَالُوا: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَوْفِ بِنَذْرِك، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٣١٣].\nــ\nهذا الحديث من ابن عباس على كون كفارته كفارة اليمين في النذر المطلق، وفي النذر بمعصية، وفي النذر بما لا يطيق، فتدبر.\n٣٤٣٧ - [١٢] (ثابت بن الضحاك) قوله: (أن ينحر إبلًا ببوانة) بضم الموحدة وتخفيف الواو، قال الطيبي (١): موضع في أسفل مكة دون يلَمْلَمَ، وقال الجوهري: اسم موضع، وقد يحذف التاء، وقال في (القاموس) (٢): هضبة وراء يَنْبُعَ، وكذا في (مختصر النهاية) (٣)، وما ذكره الطيبي (٤) أقرب؛ لأن مكة وحواليه من مظان النحر وعبادة الأوثان، وأما ينبع بفتح التحتانية وضم الموحدة بينهما نون، فموضع على مرحلة من المدينة على طريق مصرَ.\nوفي الحديث أن من نذر أن يضحي في مكان لزمه الوفاء به بعد أن لم يكن معبد الأوثان، ولو في وقت ما أو مجمع الكفار، وفي حكمه أن ينذر التصدق على أهل\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٦).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ١٠٨٨).\n(٣) \"الدر النثير\" (١/ ٩٩).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٦).","vol":"6","page":261},{"text":"٣٤٣٨ - [١٣] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جده: أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ قَالَ: \"أَوْفِي بِنَذْرِكِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٣١٢].\nوَزَادَ رَزِينٌ: قَالَتْ: وَنَذَرْتُ أَنْ أَذْبَحَ بِمَكَانِ كَذَا وَكَذَا، مَكَانٌ يَذْبَحُ فِيهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ فَقَالَ: \"هَلْ كَانَ بِذَلِكَ الْمَكَانِ وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ \" قَالَتْ: لَا، قَالَ: \"هَلْ كَانَ فِيهِ عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟ \" قَالَت: لَا، قَالَ: \"أَوْفِي بِنَذْرِكِ\".\n٣٤٣٩ - [١٤] وَعَنْ أَبِي لُبَابَةَ: أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَهْجُرَ. . . . .\nــ\nالبلد.\n٣٤٣٨ - [١٣] (عمرو بن شعيب) قوله: (على رأسك) أي: بحضرتك، و(الدف) بالضم أشهر وأفصح، وجاء بالفتح أيضًا، وفيه: دليل على النذر بالمباح، فإن ضرب الدف مباح في الجملة، وقالَ من خصَّ النذر بالطاعة والقربة: إن ضرب الدف وإن لم يكن من القربات التي وجب على الناذر الوفاءُ بها، بل من المباحات كأكل الأطعمة اللذيذة، ولبس الثياب الناعمة، ولكنه -ﷺ- أمرها بالوفاء نظرًا إلى مقصدها الصحيح الذي هو إظهارُ الفرح والسرور بقدوم رسول اللَّه -ﷺ- سالمًا غانمًا مظفَّرًا على الأعداء.\nوقوله: (مكان) بالجر بدل من مكان، وبالرفع على أنه خبر محذوف.\n٣٤٣٩ - [١٤] (أبو لبابة) قوله: (إن من توبتي أن أهجر) لما حاصر النبي -ﷺ- بني","vol":"6","page":262},{"text":"دَارَ قَوْمِي الَّتِي أَصَبْتُ فِيهَا الذَّنْبَ، وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي كُلِّهِ صَدَقَةً قَالَ: \"يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ\". رَوَاهُ رَزِينٌ. [ط: ٢/ ٤٨١، د: ٣٣١٩].\n٣٤٤٠ - [١٥] وَعَن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَجُلًا قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ ﷿ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ قَالَ: \"صَلِّ هَهُنَا\" ثم أعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ: \"صَلِّ هَهُنَا\"، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ: \"شَأْنَكَ إِذًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٣٣٠٥، دي: ٣/ ١٨٤ - ١٨٥].\nــ\nقُريظةَ، بعثوا إليه -ﷺ- أن ابعَثْ إلينا أبا لبابة نستشيره في أمرنا، فأرسله إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال والنساء والصبيان يبكون في وجهه، فرقّ لهم فقالوا: يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى حَلْقِه أنه الذبحُ، قال أبو لبابة: فواللَّه ما زالت قدماي حتى عرفتُ أني خُنْتُ اللَّهَ ورسولَه، ثم انطلق على وجهه وارتبط نفسه بسارية المسجد، وقال: لا أبرح مكاني حتى يتوبَ اللَّه عليَّ، فأنزل اللَّه توبته، فسار الناس إليه يُطلقوه، قال: لا واللَّه حتى يكون رسول اللَّه -ﷺ- هو الذي يطلقني، فأطلقه فقال: يا رسول اللَّه! إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبتُ فيها الذنب، الحديثَ، يريد دار بني قريظة لما أن عياله وأمواله كانت فيهم وفي أيديهم.\n٣٤٤٠ - [١٥] (جابر بن عبد اللَّه) قوله: (صل ههنا) أي: في المسجد الحرام فإنه أفضل، (شأنك إذًا) أي: الزم شأنك، وإذن جواب وجزاء، أي: إذا أبيت أن تصلي ههنا، فافعل ما نذرت به من صلاتك في بيت المقدس، قالوا: إن نذر أن يصلي في","vol":"6","page":263},{"text":"٣٤٤١ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً، وَأَنَّهَا لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ مَشْي أُخْتِكَ، فَلْتَرْكَبْ وَلْتُهْدِ بَدَنَةً\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٣٢٩٧، دي: ٢/ ١٨٣].\nوَفِي رِوَايَةٍ لِأبِي دَاوُدَ: فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ تَرْكَبَ وَتُفدِيَ هَدْيًا، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا فَلْتَرْكَبْ ولْتَحُجَّ وَتُكَفِّرْ يَمِينَهَا\". [د: ٣٢٩٥].\nــ\nبيت المقدس يخرج عن عهدة النذر إذا صلى في مسجد الحرام أو مسجد الرسول -ﷺ-، وإن نذر أن يصلي في مسجد الرسول -ﷺ- جاز له أن يصلي في مسجد الحرام، وإن نذر بالصلاة في المسجد الحرام لم يجز في غيره لكونه أفضل من غيره، هذا وكتب في (الحاشية): أن المشهور عند الحنفية أنه لا يجوز أن يصلي في غير ما نذر فيه، وعن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يجوز إلا في الأفضل أو المُساوِي.\n٣٤٤١ - [١٦] (ابن عباس) قوله: (ولتهد بدنة) قال بعضهم: الشاة كافية، والأمر بالبدنة للندب، وقال بعضهم: تجب بدنة لظاهر الحديث، وقيل: لا يجب شيء، وإنما أمر بالنحر استحبابًا، واللَّه أعلم.\nوقوله: (بشقاء أختك) بفتح الشين: الشدة والعسر، ويمد، شقي كرضي شقاء وشقاوة وشقوة ويكسر، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (وتكفر يمينها) يؤيد مذهبنا أن النذر يستلزم اليمين.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١١٩٥).","vol":"6","page":264},{"text":"٣٤٤٢ - [١٧] وَعَن عَبْدِ اللَّه بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ سَأَلَ النَّبِيَّ -ﷺ- عَنْ أُخْتٍ لَهُ نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ حَافِيَةً غَيْرَ مُخْتَمِرَةٍ فَقَالَ: \"مُرُوهَا فَلْتَخْتَمِرْ وَلْتَرْكَبْ وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٣٢٩٣، ت: ١٥٤٤، ن: ٣٨١٥، جه: ٢١٣٤، دي: ٢/ ١٨٣].\n٣٤٤٣ - [١٨] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَخَوينِ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ، فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ الْقِسْمَةَ فَقَالَ: إِنْ عُدْتَ تَسْأَلُنِي الْقِسْمَةَ فَكُلُّ مَالِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّ الْكَعْبَةَ غَنِيَّةٌ عَنْ مَالِكَ، كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَكلِّمْ أَخَاكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا يَمِينَ عَلَيْكَ وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ،\nــ\n٣٤٤٢ - [١٧] (عبد اللَّه بن مالك) قوله: (فلتختمر) بلفظ الافتعال، وفي نسخة بلفظ التفعيل، والخمار: ما تغطي به المرأة رأسها، واختمرت وتخمَّرت: إذا لبسَت الخِمَارَ.\nوقوله: (فلتختمر) لأن ترك الاختمار معصية فلا يصح النذر به، وأما صوم ثلاثة أيام فلأنها كفارة اليمين، وقيل: هي بدل الهدي، وكانت عاجزة عن المشي حافية، وقد جاءت الرواية هكذا.\n٣٤٤٣ - [١٨] (سعيد بن المسيب) قوله: (في رتاج الكعبة) الرَّتَج محركة والرِّتَاج ككتاب: الباب العظيم، وهو الباب المغلَق، ورتج الباب: أغلقه، والمراد في الحديث نفس الكعبة؛ لأنه إنما أراد أن ماله هدي إلى الكعبة، وإنما ذكر الباب تعظيمًا، ولهذا قال: (إن الكعبة غنية عن مالك).","vol":"6","page":265},{"text":"وَلَا فِي قَطِيعَةِ الرَّحِم، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٢٧٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-881> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٤٤٤ - [١٩] عَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"النَّذْرُ نَذْرَانِ: فَمَنْ كَانَ نَذَرَ فِي طَاعَةٍ فَذَلِكَ لِلَّهِ فِيهِ الْوَفَاءُ، وَمَنْ كَانَ نَذَرَ فِي مَعْصِيَةٍ فَذَلِكَ لِلشَّيْطَانِ وَلَا وَفَاء فِيهِ وَيُكَفِّرُهُ مَا يُكَفِّرُ الْيَمِينَ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٣٨٤٥].\n٣٤٤٥ - [٢٠] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ نَفْسَهُ إِنْ نَجَّاهُ اللَّهُ مِنْ عَدُوِّهِ، فَسَأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ: سَلْ مَسْرُوقًا. . . . .\nــ\nوقوله: (فيما لا يملك) بلفظ المجهول أو المعلوم، وهذا إما حكم مستقل ذكر هنا استطرادًا، أو مما نحن فيه لأن قوله: (كلُّ مالي في رِتاج الكعبة) نذرٌ فِيما لا يملك لكونه قبل القسمة.\nالفصل الثالث\n٣٤٤٤ - [١٩] (عمران بن حصين) قوله: (ويكفر ما يكفر اليمين) قد سبق شرح الحديث بتمامه.\n٣٤٤٥ - [٢٠] (محمد بن المنتشر) قوله: (نذر أن ينحر نفسه) كأنه كان موتُه على يد العدو أشدَّ عليه وأغلظَ وأفضحَ، فقال: اللهم إني لا أشق علي أصل الموت، بل أنحر نفسي باختياري، ولكن الموت على يد العدو يشق علي، فإن أنجيتني منه أنحر لك نفسي.\nوقوله: (سل مسروقًا) إنما أحاله عليه لأنه كان يأخذ من أم المؤمنين عائشة،","vol":"6","page":266},{"text":"فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ: لَا تنحَرْ نَفْسَكَ، فَإِنَّكَ إِنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا قَتَلْتَ نَفْسًا مُؤْمِنَةً، وَإِنْ كُنْتَ كَافِرًا تَعَجَّلْتَ إِلَى النَّارِ، وَاشْتَرِ كَبْشًا فَاذْبَحْهُ لِلْمَسَاكِينِ، فَإِنَّ إِسْحَاقَ خَيْرٌ مِنْكَ، وَفُدِيَ بِكَبْشٍ، فَأَخْبَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: هَكَذَا كُنْتُ أَرَدْتُ أَنْ أُفْتِيَكَ. رَوَاهُ رَزِينٌ.\nــ\nوهذا من غاية احتياط ابن عباس وصبره، وفيه تثبيت لقوله، وحفظ فتواه من وَصْمة الخلاف والنزاع.\nوقوله: (فإنك إن كنت مؤمنًا) أي: عند اللَّه وفي نفس الأمر، أو قال على سبيل الترديد إلزامًا له.\nوقوله: (فإن إسحاق خير منك) يدل على أن المذبوح هو إسحاق لا إسماعيل كما هو المشهور، وقد يوجد في كلام بعض الكبراء القول بأنه إسحاق، وقد يستشكل بقوله -ﷺ-: (أنا ابن الذبيحين)، وقال السيوطي في بعض رسائله: إن هذا القول من تحريفات أهل الكتاب، واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"6","page":267},{"text":"(١٦) كتاب القصاص","vol":"6","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-882>(١٦) كتاب القصاص</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-883> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٤٤٦ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ،\nــ\n١٦ - كتاب القصاص\nهو اسمٌ من قَصَّ أثرَه قَصًّا وقَصِيصًا: تَتَبَّعَهُ، قوله تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] أي: رجعا من الطريق الذي سلَكاه يقصَّان الأثر، والولي يتبع القاتل في فعله، ويقصُّ أثره؛ ليدركه، وينقم منه، ويقتله، أو من تقاصَّا أي: تساوَيَا، وتماثلا، ويتساوى الوليُّ والقاتلُ بالقِصاص بأن يفعل به مثل ما فعله.\nالفصل الأول\n٣٤٤٦ - [١] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (لا يحل دم امرئ) أي: إراقةُ دمِ إنسانٍ.\nوقوله: (يشهد) صفة ثانية لـ (امرئ)، أو صفة لـ (مسلم) للكشف والتوضيح، إشارة إلى أن الإتيان بالشهادتين كافٍ فِي العصمة.\nوقوله: (إلا بإحدى ثلاث) أي: خصال، ففصلها بتعداد المتصفين بها.\nوقوله: (النفس بالنفس) مرفوع، أي: يقتل النفس بالنفس، أو منصوب على","vol":"6","page":271},{"text":"وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمَارِقُ لِدِينِهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٧٨، م: ١٦٧٦].\n٣٤٤٧ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٨٦٤، م: ١٦٧٨].\n٣٤٤٨ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ. . . . .\nــ\nحكاية لفظ القرآن، أو مجرور بتقدير يحلُّ قتلُ النفسِ. و(الثيب الزاني) المراد به المحصن، خص أحد أوصافه بالذكر، وهو الوطء بنكاح صحيح المتضمِّنُ له الثيِّبُ، وباقي الأوصاف ظاهر، وهو أيضًا معرب بالحركات الثلاث كالمعطوف عليه، وكذا قوله: (والمارق لدينه) والمروق: الخروج، والخوارج مارقة لخروجهم عن الدين، ومنه مرق القدر، وصلته باللام، إما لكونها بمعنى عن، أو تضمين معنى الترك، و(التارك للجماعة) بيان له، أي: بالارتداد، وقيل: يتناول كل خارج عن الجماعة ببدعة أو خلاف إجماع، كذا نقل الطيبي عن النووي (١).\n٣٤٤٧ - [٢] (ابن عمر) قوله: (في فسحة من دينه) أي: سَعةٍ ورجاءِ رحمةٍ من اللَّه؛ فإذا أصاب دمًا حرامًا ضاق عليه أمرُ دينه ورجاءُ الرحمة، أو في سعة من توفيق الأعمال الصالحة؛ فإذا قَتَلَ حُرِمَ من التوفيق وضاق عليه الأمر، وهذا المعنى أوفق لحديث أبي الدرداء الآتي في الفصل الثاني: (لا يزالُ المؤمنُ مُعنِقًا)، الحديث.\n٣٤٤٨ - [٣] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (أول ما يقضى بين الناس) أي في\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٤٣).","vol":"6","page":272},{"text":"يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الدِّمَاءِ\". مُتَفَقٌ عَلَيهِ. [خ: ٦٨٦٢].\n٣٤٤٩ - [٤] وَعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسوَدِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ الْكُفَارِ، فَاقْتَتَلْنَا، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ لِلَّهِ -وَفِي رِوَايَةٍ: فَلَمَّا أَهْوَيتُ لِأَقْتُلَهُ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ- أَأَقْتُلُهُ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ: \"لَا تَقْتُلْهُ\" فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ قَطَعَ إِحْدَى يَدَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٦٥، م: ٩٥].\nــ\nحقوق العباد، فلا ينافي أول ما يحاسب عليه العبد صلاته.\n٣٤٤٩ - [٤] (المقداد بن الأسود) قوله: (ثم لاذ) أي: عاذ، واللَّوْذُ واللِّواذُ كالعَوْذِ والعِيَاذِ: الالتجاءُ.\nوقوله: (فلما أهويت) أي: سقطتُ وقصدتُ.\nوقوله: (لا تقتله) يستفاد منه صحة إسلام المُكرَه، وأن الحربيَّ إذا جنى على مسلم ثم أسلم لم يؤاخذ بالقصاص.\nوقوله: (فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله) أي: هو معصومُ الدم لإسلامه كما كنت كذلك بالإسلام قبل أن تقتله، (وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التي قال) أي: لم تبقَ معصومَ الدمِ كما كان هو قبل الإسلام، لكن السبب مختلف، فإن إباحة دمك لكونك قاتلًا، وإباحة دمه لكونه كافرًا، وليس التشبيه في الكفر، ولو حمل عليه كان تغليظًا وتشديدًا؛ فلا يلزم أن يكون مرتكبُ القتل كافرًا، كما هو مذهب الخوارج.","vol":"6","page":273},{"text":"٣٤٥٠ - [٥] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى أُنَاسٍ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَأَتَيْتُ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَذَهَبْتُ أَطْعَنُهُ فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَطَعَنْتُهُ فَقَتَلْتُهُ، فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ (١) -ﷺ- فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: \"أَقَتَلْتَهُ وَقَدْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه؟ \" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ تَعَوُّذًا قَالَ: \"فهَلَّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟ \". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٧٢، م: ٩٦].\nــ\n٣٤٥٠ - [٥] (أسامة بن زيد) قوله: (فأتيت على رجل منهم) اسم الرجل على الصحيح مِرْداسٌ، واختلف في اسم أبيه، فقيل: مرداس بن نهيك الفزاري، وقيل: ابن عمرو الفدكي، قال التُّورِبِشْتِي (٢): قد تبين لنا من القولين أنه لم يكن جهنيًّا، وإنما كان دخيلًا فيهم غريبًا بَأرضهم، فسَبَوهم من جملتهم؛ لأنهم وجدوه في بلاد جُهَينةَ، يرعى غنمًا له، فلما قال: لا إله إلا اللَّه رأوا أنه قال ذلك تعوُّذًا، فقتله أسامة على أنه مباح الدم، والخطأ موضوع عن المجتهد، أو لأنه قال في حالة البأس وإجراء السيف عليه، ولذا لم يلزمه الدية، ومذهب جمع من العلماء أن الرجل بقوله: لا إله إلا اللَّه لا يكون محكومًا بإسلامه حتى يضمَّ إليه محمد رسول اللَّه، وإنما وجب الإمساك عنه حتى يعرف حاله، فتوجه النكير على أسامة لتركه التوقف في أمره حتى يتبين له الحق، انتهى.\nقوله: (فهلا شققت عن قلبه؟) أي: إذا زعمت أنه قال ذلك تعوذًا لِمَ لا شققت قلبه؛ لتعلم وتطلع على ما في قلبه، وتبين لك أنه قال ذلك تعوذًا أو إخلاصًا، يعني ولا يمكن ذلك، فالحكم للظاهر فقط، وشقُّ القلبِ مستعارٌ للفحص والبحث عن حال\n_________\n(١) في نسخة: \"إلى رسول اللَّه\".\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٠٩).","vol":"6","page":274},{"text":"٣٤٥١ - [٦] وَفِي رِوَايَةِ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ \" قَالَهُ مِرَارًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٧].\n٣٤٥٢ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَتَلَ مُعَاهِدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣١٦٦].\nــ\nقلبه، ولهذا عدَّاه بـ (عن)، وقد يروى بدون (عن).\n٣٤٥١ - [٦] (جندب بن عبد اللَّه البجلي) قوله: (إذا جاءت) أي: كلمة لا إله إلا اللَّه (يوم القيامة) بأن يمثلها اللَّه تعالى في صورة رجل مخاصم، أو من يخاصم لها من الملائكة، أو من تلفظ بها.\n٣٤٥٢ - [٧] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (من قتل معاهدًا) بكسر الهاء: مَن عاهد الإمام على ترك الحرب ذميًا أو غيره، وروي بفتحها، وهو مَنْ عاهده الإمام، والمعاهدة مع المسلمين في حكم معاهدة الإمام.\nوقوله: (لم يرح) من راحَ يَراحُ أو راحَ يَرِيحُ أو أراحَ يُرِيحُ، وقال الشيخ: هو بفتح الراء والياء، وهو أجود، وعليه الأكثر، والكل بمعنًى.\nوقوله: (وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين خريفًا) أي عامًا، فإن الخريف يكون في كل عام مرة، والعرب يعتبرون ابتداء العام من الخريف، وفي رواية: (سبعين عامًا)، وفي أخرى: (مئة عام)، وفي (الموطأ): (خمس مئة عام)، وفي (الفردوس): (ألف عام)، وجمع ذلك بحسب اختلاف الأعمال وتفاوت درجات العمال، كذا","vol":"6","page":275},{"text":"٣٤٥٣ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهَا خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جهنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٧٨، م: ١٠٩].\nــ\nذكر السيوطي (١)، وليس عدمُ وِجدان رائحة الجنة كنايةً عن عدم دخولها، كما يفهم في العرف من مثل هذه العبارة، بل عدم وجدانها أولَ ما يجدها الصالحون من عباد اللَّه، ويقال: إن اللَّه يرسل الروائح الطيبة من الجنة في المحشر؛ لتيسر عليهم الوقوف فيه ويريحهم من متاعبه، فيُحرَمُ بعضُ العُصاة منها، واللَّه أعلم.\n٣٤٥٣ - [٨] (أبو هويرة) قوله: (من تردى) أي: ألقى نفسه من جبل، يقال: ردى في البئر، وتردَّى: سقط، ردي كرضي: هلك، وقال الطيبي (٢): المراد يتهور الإنسان، فيرمي نفسه من جبل.\nوقوله: (من تحسى) حسا زيد الماء وتحسَّاه: شربه شيئًا بعدَ شيءٍ، والمراد هنا الشرب مطلقًا. و(السم) بفتح السين وضمها: دواء قاتل يُطرح في طعام أو ماء، وقيل: مثلثة السين.\nوقوله: (يتوجأ بها) أي: يضرب بالحديدة، وجأه باليد وبالسكين كوضعه: ضربه كتوجَّأَ، وقد وقع في أكثر نسخ (المصابيح): (يجأ) كيضع، والأول أولى روايةً ودرايةً، ثم الحكم بخلود العذاب لهؤلاء مؤول، إما بالاستحلال، أو يحمل الخلود\n_________\n(١) انظر: \"التوشيح شرح الجامع الصحيح\" (٩/ ٤٠٤٥).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٤٧).","vol":"6","page":276},{"text":"٣٤٥٤ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعَنُهَا يَطْعَنُهَا فِي النَّارِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٣٦٥].\n٣٤٥٥ - [١٠] وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ فَأَخَذَ سِكِّينًا، فحزَّ بِهَا يَدَ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ فَحَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجنَّة\". مُتَفَقٌ عَلَيهِ. [خ: ٣٤٦٣، م: ١١٣].\n٣٤٥٦ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ. . . . .\nــ\nعلى المَكْثِ الطويل، كما يقال: سجن مخلَّد، ووقف مخلَّد جمعًا بين الدلائل.\n٣٤٥٤ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (الذي يخنق) من باب نصر.\nوقوله: (والذي يطعنها) في (القاموس) (١): طعنه بالرمح كمنعه، ونصره، طعنًا: ضربه.\n٣٤٥٥ - [١٠] (جندب بن عبد اللَّه) قوله: (فجزع) من باب سمع.\nوقوله: (فحزّ بها) بالمهملة ثم المعجمة، ويروى بالجيم أيضًا، أي: قطع بالسكين، وهي تؤنث، وجاء بزيادة التاء. و(رقأ) بمعنى سكَنَ، يقال: رقأَ الدمعُ، كجعل، رقأً ورُقوءًا: جفَّ وسكَنَ.\nوقوله: (فحرمت عليه الجنة) أيضًا مؤول، إما بالاستحلال أو مع المقربين، وأما الحمل على أنه كان كافرًا فبعيد كما لا يخفى.\n٣٤٥٦ - [١١] (جابر) قوله: (الدوسي) بفتح الدال وسكون الواو والسين\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١١٨).","vol":"6","page":277},{"text":"لَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ إِلَيْهِ، وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَمَرِضَ فَجَزِعَ، فَأَخَذ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ، حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، ورآهُ مُغَطِّيًا يدَيْهِ فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نبَيِّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اللهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِر\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٦].\nــ\nالمهملة، نسبة إلى دَوْس بن عبد اللَّه.\nوقوله: (هاجر) أي: الطفيلُ بن عمرو (إليه) أي: إلى النبي -ﷺ-، و(هاجر معه) أي: مع الطفيل (رجل من قومه فمرض) أي: الرجلُ، و(مشاقص) جمع مشقص بكسر الميم: نصل عريض أو طويل، أو سهم فيه ذلك، يرمى به الوحش، والشقص بكسر الشين: النصيب، و(البراجم) جمع بُرْجُمَة بضم الباء والجيم: العقد التي في ظهور الأصابع يجتمع فيها الوسخ.\nوقوله: (فشخبت يداه) أي: سال منهما الدم، والشخب بالضم: ما خرج من الضرع من اللبن، وبالفتح: الدم، وشخب اللبن، كمنع ونصر، فانشخب.\nوقوله: (ورآه) الظاهر أنه بلفظ الماضي من الرؤية، عطف على قوله: (فرآه)، وهكذا يوجد في النسخ المصححة، وقد صحح في نسخة أصلنا: (وراءه) بمعنى عقبه، وكتب في الحاشية: ظرف لقوله: (فرآه).\nوقوله: (اللهم وليديه فاغفر) أي: كما غفرت لسائر أعضائه اغفر ليديه أيضًا، وفيه دليل على عدم كفره وخلوده في النار لأنه -ﷺ- دعا له بالمغفرة.","vol":"6","page":278},{"text":"٣٤٥٧ - [١٢] وَعَنْ أَبِي شُرَيحٍ الْكَعْبِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"ثُمَّ أَنْتُمْ يَا خُزَاعَةُ قَدْ قَتَلْتُمْ هَذَا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ، وَأَنَا وَاللَّهِ عَاقِلُهُ، مَنْ قَتَلَ بَعْدَهُ قَتِيلًا فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ: إنْ أَحَبُّوا قَتَلُوا وَإِنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالشَّافِعِيُّ. [ت: ١٤٠٦، \"مسند الشافعي\" ١/ ٢٩٥].\nــ\n٣٤٥٧، ٣٤٥٨ - [١٢، ١٣] (أبو شريح الكعبي، وأبو هريرة) قوله: (ثم أنتم يا خزاعة) هذا من تتمة الخطبة التي خطبها رسول اللَّه -ﷺ- يوم الفتح، ومقدمته مذكورة في (باب حرم مكة) من (كتاب الحج)، وكانت خُزاعةُ قد قتلوا في تلك الأيام رجلًا بمكة بقتيل لهم في الجاهلية، فأدَّى رسول اللَّه -ﷺ- دِيتَه لإطفاء نار الفتنة بين القبيلتين.\nوقوله: (أنا واللَّه عاقله) أي: مُعطِي دِيَتهِ، والعَقْلُ: عطاءُ الدِّيَةِ، يقال: عقَلَ القتيلَ: وَدَاه، وإنما سمي عقلًا لأن الإبل التي يعطى فيها تُعقَلُ فِي فِناء وليِّ الدم، أو لأن الدية تعقل، أي: تمنع عن السفك.\nوقوله: (بين خيرتين) تثنية خِيَرَة، بكسر الخاء وفتح الياء، بمعنى الاختيار، قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: ٦٨]، وفي (الصراح) (١): الخيرة: المصطفى، يقال: محمد خيرة اللَّه بسكون الياء وتحريكها: اختيار بركَزيدن.\nوالحديث ظاهر في أن الاختيار لأولياء المقتول إن شاؤوا اقتصُّوا وإن شاؤوا أخذوا الدية، وهو مذهب الشافعي وأحمد، وعند أبي حنيفة ومالك: لا تثبت الدية إلا برضى القاتل، وهو أحد قولي الشافعي؛ لأن موجَبَ القتلِ عمدًا هو القصاصُ لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] إلا أنه يقيد بوصف العمد\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ١٧٦).","vol":"6","page":279},{"text":"وَفِي \"شرح السنَّة\" بإِسْنَادِه، وَصَرَّحَ: بِأَنَهُ لَيْسَ فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أَبِي شُرَيْح وَقَالَ:\n٣٤٥٨ - [١٣] وَأَخْرَجَاهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَعْنِي بِمَعْنَاهُ. [خ: ١١٢، م: ١٣٥٥].\n٣٤٥٩ - [١٤] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ فَقِيلَ لَهَا: مَنْ فَعَلَ بِكِ هَذَا؟ أَفُلَانٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ الْيَهُودِيُّ فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَجِيءَ بِالْيَهُودِيِّ، فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَرُضَّ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٨٤، م: ١٦٧٢].\nــ\nلقوله -ﷺ-: (العَمْدُ قَوَدٌ) أي: موجبَة، فإيجاب المال زيادة؛ فلا يكون للولي أخذُ الديةِ إلا برضى القاتل، والمسألة بين الصحالة ومَن بعدهم، ويمكن حمل الحديث على ذلك أيضًا، فافهم.\nوقوله: (وصرح) أي: البغويُّ فِي (شرح السنة): (بأنه ليس في الصحيحين عن أبي شريح) وهذا اعتراض على صاحب (المصابيح) حيث ذكره في الصحاح عن أبي شريح، مع أنه ليس في الصحيحين عنه، وإنما المروي في الصحيحين عن أبي هريرة معناه.\n٣٤٥٩ - [١٤] (أنس) قوله: (رضَّ) أي: كسَرَ ودَقَّ، و(الجارية) من النساء من لم يبلغ كالغلام من الوجال، (فأومأت) بالهمزة، وفي أكثر النسخ: (فأَومَتْ) بتخفيفها.\nوقوله: (فرض رأسه بالحجارة) هذا دليل على أن القتل بالحجر المثقل الذي يحصل به القتل غالبًا يوجب القصاص، وهو قول أكثر العلماء، وإليه ذهب مالك وأحمد والشافعي وأبو يوسف ومحمد ﵏، ولا يوجب عند أبي حنيفة، وهي","vol":"6","page":280},{"text":"٣٤٦٠ - [١٥] وَعَنْهُ قَالَ: كَسَرَتِ الرُّبَيِّعُ -وَهِيَ عَمَّةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ- ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ -ﷺ- فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ، فَقَالَ أَنَسُ ابْنُ النَّضْرِ عَمُّ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ: لَا وَاللَّهِ لَا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُهَا. . . . .\nــ\nمسألة القتل بالمثقل، ومتمسَّكُه قولُ النبي -ﷺ-: (ألا وإنَّ فِي قتيل خطأِ العمدِ بالسَّوط والعصا والحجر مئةً من إبلٍ) (١)، وهؤلاء حملوه على الحجر الصغير، ولأن الآلة غير موضوعة للقتل، وأما الحديد فموضوع له. وأبو حنيفة يقول: إنَّ رضَّ رأسِ اليهوديِّ كان سياسةً لا قِصاصًا، وقيل: كان لنقض العهد، وتُعقب بأنه لو كان قتله لنقض عهد لكان يقتله بالسيف، ولما قتله بالرضِّ بالحجارة، دل على إرادة المماثلة المدلول عليها بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وهذه مسألة القتل بالمثقل.\nفالقتل عمدًا عند أبي حنيفة ﵀ هو القتل بالسلاح، وما أجري مجراه من المحددات، وفيه القصاص، وما سواه شبه العمد، وعند صاحبيه والشافعي: إذا ضربه بحجر عظيم أو خشبة عظيمة فهو عمد، وشبه العمد أن يتعمد ضربه بما لا يقتل به غالبًا، وتمام تحقيقه في كتب الفقه (٢).\n٣٤٦٠ - [١٥] (وعنه) قوله: (كسرت الربيع) بضم الراء وفتح الموحدة وكسر التحتانية المشددة، بنت النضر عمة أنس بن مالك بن النضر.\nوقوله: (فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: لا واللَّه لا تكسر ثنيتها) إخبار منه بعدم كونها مكسورة، مؤكدًا بالقسم، وثوقًا بفضل اللَّه تعالى، ويقينًا بما وقع في\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في \"سننه\" (٤٥٤٧) نحوه.\n(٢) انظر: \"المغني\" (١١/ ٤٤٤)، و\"أوجز المسالك\" (١٤/ ٥٥٧).","vol":"6","page":281},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا أَنَسُ كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ\"، فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الأَرْشَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقسَمَ عَلَى اللَّه لأَبَرَّهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٦١١، م: ١٦٧٥].\n٣٤٦١ - [١٦] وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَة قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا هَلْ عِنْدكُمْ شَيْءٌ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، مَا عِنْدَنَا إِلَّا مَا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فَهْمًا يُعْطَى رَجُلٌ فِي كِتَابِهِ، وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ، قُلْتُ: وَمَا فِي الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: الْعَقْلُ وَفِكَاكُ الأَسِيرِ، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٩٠٣].\nــ\nقلبه من الرجاء لا ردًّا على الرسول -ﷺ- وإنكارًا لحكمه.\n٣٤٦١ - [١٦] (أبو جحيفة) قوله: (والذي فلق الحبة) أي: شقَّها فأخرج منها النبات، وفالق الحب: خالقه أو شاقُّه بإخراج الورَقِ منه، و(برأ النسمة) أي: خلقها، والنسمة يجيء بمعنى الإنسان، وبمعنى النفس، وكل دابة ذات روح.\nوقوله: (إلا فهمًا) استثناء مما بقي من الاستثناء الأول، أي: ليس عندنا إلا فهمًا، والمراد منه ما يستنبط به المعاني، ويدرك به الإشارات والعلوم الخفية والأسرار الباطنة التي تظهر للعلماء الراسخين في العلم، وتنكشف للعارفين من أرباب اليقين، ثم إنه قد كان إذ ذاك في عِلاقة سيفه -﵁- صحيفة، كتب فيها بعض الأحكام التي ليس في القرآن، منها (العقل) يعني أحكام الدِّيات، و(فكاك الأسير) بفتح الفاء ويجوز كسرها، اسم من فكَّ الأسير: أخلصَه، وفكاك الرهن: ما يُفكُّ به، (وأن لا يفتل مسلم بكافر) سواء كان ذميًّا أو حربيًّا، وهو مذهب كثير من الأئمة، وهو مذهب أبي حنيفة ﵀. وقيل: كان في الصحيفة من الأحكام غير ما ذكر، لكنه لم يذكر ههنا لأنه","vol":"6","page":282},{"text":"وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ: \"لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا\" فِي \"كِتَابِ الْعِلْمِ\".\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-884> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٤٦٢ - [١٧] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: . . . . .\nــ\nلم يكن مقصودًا، وإنما المقصود ذكر العقل والقصاص، وفكاكُ الأسير مناسبٌ له لكونه في معرض القتل، واللَّه أعلم.\nواعلم أنهم قالوا: إن الشيعة يزعمون أنه -ﷺ- خص أهل بيته وعليًّا -سلام اللَّه عليهم أجمعين- بأسرار وعلوم لم يذكرها لغيرهم، وهذا ليس مما يُستبعَد كلَّ الاستبعاد، إذ ليس كل العلوم والأسرار والمعارف مشتركة فيما بين الصحابة بأجمعهم، ولا بدّ كان بعضهم مخصوصًا بما لم يكن عند غيره، إلا الأحكام الشرعية من الأوامر والنواهي؛ فإنه لم يكتمها من أحد، ولم يخص بها بعضًا دون بعض؛ فإن كان بعضهم شاهدًا أَمَرَهُ بأن ينقلها إلى الغائب، فلما سئل -﵁-: هل عندكم شيء ليس في القرآن يعني من الأحكام؟ أجاب بأن القرآن كل الكل وجامع جميع العلوم بالقوة والإجمال، لا يخرج منه شيء، ولكن إذا أعطي أحد فهمه والاستنباط منه، والفهم مخصوص بالبعض دون البعض، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، ولم يصرح بإعطائه ذلك الفهم وتخصيصه به تواضعًا وتأدبًا، وفي الواقع ليس مخصوصًا على الإطلاق، بل له مراتب ودرجات بعضها فوق بعض، ولا شك أنه -﵁- أعطي منه ما لم يعط كثير من الصحابة، وذلك أمر إضافي، وأما قوله: (وما في الصحيفة) فيحتمل أن يكون قريبًا من طريقة قولهم: غير أن سيوفهم سلول، يعني ليس عندنا إلا الفهم وإلا ما في هذه الصحيفة ليس مما يخص بأحد، فافهم وباللَّه التوفيق.\nالفصل الثاني\n٣٤٦٢، ٣٤٦٣ - [١٧، ١٨] (عبد اللَّه بن عمرو، والبراء بن عازب) قوله:","vol":"6","page":283},{"text":"\"لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَوَقَفَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ الأَصَحُّ. [ت: ١٣٩٥، ن: ٣٩٨٦].\n٣٤٦٣ - [١٨] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ البَرَاءَ بْنِ عَازِبٍ. [جه: ٢٦١٩].\n٣٤٦٤ - [١٩] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِي دَمِ مُؤْمِنٍ لأَكَبَّهُمُ اللَّهُ. . . . .\nــ\n(لزوال الدنيا أهون على اللَّه من قتل رجل مسلم) مبالغة في مدح بقاء المسلم العارف باللَّه وصفاته، فهو المقصود من خلق العالم؛ لكونه مظهرَ آياتِ اللَّه، ومظهرَ أسرارِه، وما سواه في هذا العالم الحسي من السماوات والأرض مقصود لأجله، ولولاه لم يخلق، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الطلاق: ١٢]، وأمثالها من الآيات، فالمراد بالمسلم المسلمُ الكامل العارفُ باللَّه وصفاته، والعالم بأحكامه وآياته، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ووقفه) هذا كلام الترمذي، والظاهر أنه يكون موقوفًا على عبد اللَّه بن عمرو المذكور في هذا الحديث، فقول الطيبي (١): أي: بعضُ الرواة لم يرفع الحديث إلى النبي -ﷺ- بل وقفه على الصحابي، دون أن يقول: بل وقفه على عبد اللَّه ابن عمرو للإشارة إلى معنى الموقوف، أو لاحتمال أن يكون الصحابي البراء بن عازب الذي روى عنه ابن ماجه، فافهم.\n٣٤٦٤ - [١٩] (أَبُو سعيد، وأبو هريرة) قوله: (لو أن أهل السماء) أي: لو ثبت اشتراكهم، (في دم مؤمن) أي: في إراقةِ دمه، (لأكبهم اللَّه) المشهور أن أكبّ لازم، وكبَّ متعدٍّ على عكس المتعارف من استعمال الإفعال، سواء كان ذلك لأجل\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٥٥).","vol":"6","page":284},{"text":"فِي النَّارِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٣٩٨].\n٣٤٦٥ - [٢٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"يَجِيءُ الْمَقْتُولُ بِالْقَاتِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ناصِيَتُهُ وَرَأْسُهُ بِيَدِهِ، وَأَوْدَاجُهُ تَشْخُبُ دَمًا، يَقُولُ: يَا رَبِّ! قَتَلَنِي، حَتَّى يُدْنِيَهُ مِنَ الْعَرْشِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَه. [ت: ٣٠٢٩، ن: ٢٦٢١].\nــ\nكون أكبَّ مطاوعَ كبَّ، أو كون همزة أكبَّ للصيرورة، أو للدخول بمعنى صار ذا كبٍّ، أو دخل في الكبِّ، فعلى هذا كان الظاهر (لكبَّهم) مكان (لأكبَّهم)، ولكن لو ثبت أن هذا لفظ النبي -ﷺ- أو أحد من الرواة الموثوق من بينهم لكان حجة على القائلين بذلك، فجزمُ التُّورِبِشْتِي (١) بأن الصواب: (كبّهم اللَّه)، ولعل ما في الحديث سهوٌ من بعض الرواة ليس كما ينبغي، واللَّه أعلم.\n٣٤٦٥ - [٢٠] (ابن عباس) قوله: (ناصيته ورأسه بيده) حال من الفاعل أو المفعول، والضمير الأول للقاتل، والثاني للمقتول على التقديرين، والضمير في (أوداجه) للمقتول، والأوداج جمع وَدَج محركة، وهو عِرْقٌ فِي العُنق كالوِدَاج بالكسر، فقيل: هناك عروق حاطت بالعنق يقطعها الذابح، وقيل: هما وَدَجان عبَّرَ عن التثنية بلفظ الجمع كما في: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤].\nوقوله: (حتى يدنيه من العرش) أي: يقرِّبُ المقتولُ القاتلَ من العرش، ويذهب به إليه، كناية عن استقصاء المقتول ثأره، والمبالغة في تظلُّمه، كما يذهب المتظلِّمُ ويرفعُ الظالمَ إلى سرير السلطان.\n_________\n(١) انظر: \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨١٣).","vol":"6","page":285},{"text":"٣٤٦٦ - [٢١] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ أَشْرَفَ يَوْمَ الدَّارِ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثلاثٍ: زِنًى بَعْدَ إِحْصَانٍ، أَوْ كُفْرٍ بَعْدَ إِسْلَامٍ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْر حَقٍّ فَقُتِلَ بِهِ؟ \" فَوَاللَّهِ مَا زَنَيْتُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَلَا ارْتَدَدْتُ مُنْذُ بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَا قَتَلْتُ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، فَبِمَ تَقتُلُونَنِي؟ . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَه، وَللدَّارِمِيِّ لَفْظُ الحديث. [ت: ٢١٥٨، ن: ٤٠١٩، جه: ٢٥٣٣، دي: ٢/ ١٧١ - ١٧٢].\n٣٤٦٧ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَزَالُ الْمُؤمِنُ مُعْنِقًا صَالِحًا مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا،\nــ\n٣٤٦٦ - [٢١] (أبو أمامة بن سهل بن حنيف) قوله: (ابن حنيف) بالحاء المهملة على لفظ التصغير، (يوم الدار) وهو اليوم الذي أحاط القوم بداره، وكأن المراد جنس اليوم حتى يشمل سائر الأيام، أو آخر الأيام الذي قتلوه فيه.\nوقوله: (أنشدكم) بفتح الهمزة وضم الشين، أي أقسمكم.\nوقوله: (فقتل به) بلفظ المجهول والضمير للقتل، أو لكل واحد منها بتأويل المذكور، وهو الأولى، وعلى الوجهين هو تقرير وتوضيح للمعنى.\nوقوله: (وللدارمي لفظ الحديث) يعني دون القصة.\n٣٤٦٧ - [٢٢] (أبو الدرداء) قوله: (لا يزال المؤمن معنقًا) بلفظ اسم الفاعل من الإعناق، وهو الإسراع، أي: مسرعًا في طاعته، ومنبسطًا في عمله، وموفقًا بالخيرات والمبرَّات.","vol":"6","page":286},{"text":"فَإِذَا أَصَابَ دَمًا حَرَامًا بَلَّحَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٤٢٧٠].\n٣٤٦٨ - [٢٣] وَعَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ إِلَّا مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا أَوْ مَنْ يقتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٧٠].\n٣٤٦٩ - [٢٤] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ مُعَاوِيَةَ. [ن: ٣٩٨٤].\n٣٤٧٠ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ،\nــ\nوقوله: (بلح) بالحاء المهملة بلفظ الماضي من التفعيل، أي: أعيا وانقطع عن السير، وتحير بشؤم ما ارتكب، هذا الإثمُ، أي: القتلُ بخاصته مانع عن التوفيق، وإن كان لجميع المعاصي أثرٌ فِي ذلك واسوداد القلب، أعاذنا اللَّه من ذلك، وفي (النهاية) (١): بلح الرجل: انقطع من الإعياء، فلم يقدر أن يتحرك، وقد تخفف اللام.\n٣٤٦٨، ٣٤٦٩ - [٢٣، ٢٤] (أبو الدرداء، ومعاوية) قوله: (ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا) تشديد وتغليظ، وله تأويل مشهور، وقد ذهب بعض المحدثين إلى أن جزاء قاتل المؤمن متعمدًا الخلود في النار، وإن لم يصر كافرًا نظرًا إلى ظاهر الآية، فتدبر، واللَّه أعلم.\n٣٤٧٠ - [٢٥] (ابن عباس) قوله: (في المساجد) قال الشيخ ابن الهمام (٢): المسجد إنما بني للصلاة المكتوبة وتوابعها من النوافل والذكر وتدريس العلوم، وهذا\n_________\n(١) \"النهاية\" (١/ ١٥١).\n(٢) \"شرح فتح القدير\" (٢/ ١٢٨).","vol":"6","page":287},{"text":"وَلَا يُقَادُ بِالْوَلَدِ الْوَالِدُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٤٠١، دي: ٢/ ١٩٠].\n٣٤٧١ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي رِمْثَةَ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَعَ أَبِي فَقَالَ: \"مَنْ هَذَا الَّذِي مَعَكَ؟ \" قَالَ: ابْنِي اشْهَدْ بِهِ قَالَ: \"أَمَا إِنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْكَ وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٤٩٥، ن: ٤٨٣٢].\nــ\nفي عموم المساجد، وأما المسجد الحرام فمن قَتَلَ والتجأ إلى الحوم يُضيَّقُ الأمر بمنع الطعام والشراب ونحوه، حتى يخرجَ بنفسه فيُقتَلَ، وعند الشافعي يجوز استيفاؤه في الحرم.\nوقوله: (ولا يقاد بالولد) إن كان المراد به عدمَ الاقتصاص عن الوالد إن قتل ولده، وهو الظاهر، ففيه خلاف مالك؛ فإنه قال: يقاد إذا ذبحه ذبحًا، وإن قتل الوالدُ ولدَه ضربًا بالسيف فلا قصاصَ عليه؛ لاحتمال أنه ضربه تأديبًا، وأتى على النفس من غير قصد، وإن ذبحه فعليه القصاص لأنه عمد بلا شبهة، ولا تأويل، بل جناية الأب أغلظ؛ لأن فيه قطع الرحم، وهو كمن زنى بابنته فإنه يلزمه الحدُّ، والحديث حجة عليه، وإن كان المواد عدم قتل الوالد بجناية ولده وقتله أحدًا كما كان في الأهلية، فهذا متفق عليه، والمعنى الأول أظهر وأوفق بالباب، فإنه كان في الجاهلية أحكام كثيرة من هذا الباب رفعت في الإسلام لا يختص بهذه الصورة.\n٣٤٧١ - [٢٦] (أبو رمثة) قوله: (وعن أبي رمثة) بكسر الراء وسكون الميم وبالمثلثة.\nوقوله: (ابني اشهد به) أي: كن شاهدًا بأنه ابني من صلبي، ومقصوده من هذا الاستشهادِ إلزامه ضمانَ الجنايات عنه على رسم الجاهلية، وكانوا يأخذون كلًّا من المتوالدين بجناية الآخر، ولهذا قال -ﷺ- مؤكدًا: (أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه)","vol":"6","page":288},{"text":"وَزَادَ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" فِي أَوَّلِهِ: قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَرَأَى أَبِي الَّذِي بِظَهْرِ رَسُولِ اللَّه -ﷺ- فَقَالَ: دَعْنِي أُعَالِجْ الَّذِي بِظَهْرِكَ فَإِنِّي طَبِيبٌ فَقَالَ: \"أَنْتَ رَفِيقٌ وَاللَّهُ الطَّبِيبُ\". [\"شرح السنة\" ١٠/ ١٨١].\n٣٤٧٢ - [٢٧] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جدِّهِ، عَن سُراقةَ بنِ مالكٍ قَالَ: حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُقِيدُ الأَبَ مِنِ ابْنِهِ،\nــ\nأي: لا يؤخذ أحد منكما بجناية الآخر كما هو مدلول قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الإسراء: ١٥].\nوقوله: (فرأى أبي الذي بظهر رسول اللَّه -ﷺ-) وهو خاتم النبوة، وكان لحمة ناتئة على شكل بيضة الحَمام، فتوهَّم أبوه أنه غدَّة زائدة تولدت من فضلات البدن، (فقال: دعني أعالج) بالرفع على الاستئناف، وبالجزم على جواب الأمر، فأعرض -ﷺ- عن جوابه لظهور أنه ليس الأمرُ كما توهَّم، إذ لا يعرف حقيقته إذا أمعن النظر، واعترض على قوله: (فإني طبيب) تعليمًا وتهذيبًا وتخطئة وتكذيبًا له فيما ادعى. (فقال: أنت رفيق) ترفق بالمريض في العلاج، وتحميه عما يضره، ولا تقدر على أن تشفيه وتوجده فيه، بل الطبيب الحقيقي الموجد للشفاء هو اللَّه تعالى، وأطلق الطبيب عليه تعالى للمشاكلة، ويستأنس بهذا الكلام في قول من قال: إنه يجوز توصيف اللَّه سبحانه بما يجوز العقل اتصافه تعالى به، لا تسميته به بناء على القول بالتوقيف، وفرق بين التسمية والتوصيف، وقد مر نبذ من الكلام فيه في (باب أسماء اللَّه تعالى).\n٣٤٧٢ - [٢٧] (عمرو بن شعيب) قوله: (يفيد الأب من ابنه) أي: يأخذ قصاصه منه، والقَوَدُ القصاصُ، قالوا: الحكمة فيه أن الوالد سبب وجود الولد، فلا يجوز أن","vol":"6","page":289},{"text":"وَلَا يُقِيدُ الِابْنَ مِنْ أَبِيه. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ. [ت: ١٣٩٩].\n٣٤٧٣ - [٢٨] وَعَن الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَدَع عَبْدَهُ جَدَعْنَاهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَزَادَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: \"وَمن خَصَى عَبْدَهُ خَصَيْنَاهُ\". [ت: ١٤١٤، د: ٤٥١٦، جه: ٢٦٦٣، دي: ٢/ ١٩١، ن: ٤٧٣٦].\nــ\nيكون هو سببًا لعدمه.\n٣٤٧٣ - [٢٨] (الحسن) قوله: (من قتل عبده قتلناه) الحديث، اعلم أن الأئمة اتفقوا على أن السيد لا يُقتَل بعبده؛ لأنه لا يستوجب لنفسه على نفسه القصاص، وقالوا: هذا الحديث وارد على الزجر والردع؛ ليرتدعوا ولا يقدموا على ذلك، وقيل: الحديث وارد في عبدٍ أعتقَه، فسُمِّي عبدَه باعتبار ما كان، وقيل: منسوخ بقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: ١٧٨]، كذا قال الطيبي (١).\nوأورد في (شرح كتاب الخرقي) (٢) من رواية الدارقطني بإسناده عن إسماعيل بن عياش، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رجلًا قتل عبده متعمّدًا، فجلَدَه النبيُّ -ﷺ- ونفاه سنةً، ومحا اسمه من المسلمين، ولم يُقِدْه به، وأمره أن يعتق رقبةً، وإسماعيل بن عياش حجة على الشاميين في الصحيح.\nوأما قتل الحر بعبد غيره فمختلف فيه، والمذهب عندنا أن يقتل الحر بالعبد كالعكس، وعند الشافعي ومالك وأحمد ﵏ لا يقتل الحر بالعبد؛ لقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾، ولأن مبنى القصاص على المساواة، وهي منتفية بين المالك\n_________\n(١) شرح الطيبي\" (٧/ ٦١).\n(٢) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٦/ ٦٨).","vol":"6","page":290},{"text":"٣٤٧٤ - [٢٩] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ قَتَلَ مُتَعَمِّدًا دُفِعَ إِلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ؛ فإِنْ شَاؤُوا قَتَلُوا، وإِنْ شَاؤُوا أَخَذُوا الدِّيَةَ: وَهِيَ ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً،\nــ\nوالمملوك، ولنا أن القصاص يعتمد المساواة في العصمة، وهي بالدين أو بالدار، ويستويان فيهما، والنص تخصيص بالذكر، فلا ينفي ما عداه، كذا في (الهداية) (١).\nوذكر في شروحه: أن فائدة هذا التخصيص سبب نزول هذه الآية، وهو ما روي عن ابن عباس -﵄-: أنه كان بين قبيلتين من العرب في الجاهلية دماء، وكانت إحداهما تدَّعي الفضلَ لنفسها على الأخرى، فقالت: لا نرضى إلا بأن يُقتَلَ الذكرُ منهم بالأنثى منَّا، والحر منهم بالعبد منَّا، فأنزل اللَّه هذه الآية ردًّا عليهم وزجرًا لهم عما أرادوا من قتل غير القاتل بالمقتول، وأمرهم أن يتساووا، أي: يتكافؤوا، فهذه الآية لم تدل على أن لا يقتل الحر بالعبد، كما لا تدل على عكسه؛ فإن المفهوم إنما يعتبر حيث لم يظهر للتخصيص غرض سوى اختصاص الحكم، وقد تبين ما كان الغرض، هذا ولكن ذكر في (شرح كتاب الخرقي) (٢) عن علي -﵁-: السنة أن لا يقتل حرٌّ بعبد، رواه أحمد، وعن ابن عباس، أن النبي -ﷺ- قال: (لا يُقتَلُ حرٌّ بعبدٍ)، رواه الدارقطني، وعن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده: أن أبا بكر وعمر -﵄- كانا لا يقتلان الحرَّ بالعبدِ، واللَّه أعلم.\n٣٤٧٤ - [٢٩] (عمرو بن شعيب) قوله: (وهي ثلاثون حقة) بكسر الحاء وتشديد القاف، وهي الداخلة في الرابعة، (وثلاثون جذعة) بفتح الجيم والذال المعجمة:\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٤٤٤).\n(٢) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٦/ ٦٩).","vol":"6","page":291},{"text":"وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً، وَمَا صَالَحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٣٨٧].\nــ\nالداخلة في الخامسة، (وأربعون خلفة) بفتح الخاء المعجمة وكسر اللام وبالفاء: الحامل من النوق، وجاء في رواية: (خلفات في بطونها أولادها).\nوقوله: (وما صالحوا عليه فهو لهم) يعني تمام الدية ما ذكرناه، وما صالحوا عليه قليلًا كان أو كثيرًا فذلك، وهذا مذهب الشافعي ومحمد أخذًا بهذا الحديث، ومذهبنا. الديةُ عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما اللَّه مئةٌ من الإبل أرباعًا: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، تمسُّكًا بحديث السائب بن يزيد: أن النبي -ﷺ- قضى في الدية بمئة من الإبل أرباعًا. والحديث الذي تمسك به الشافعي غير ثابت لاختلاف الصحابة، فعلي -﵁- يقول: أثلاثًا، ثلاثة وثلاثون حِقَّة، وثلاثة وثلاثون جَذَعة، وأربعة وثلاثون خَلِفَة، وعثمان -﵁- يقول: من كل سن ثلاثة وثلاثون، وعمر وزيد بن ثابت والمغيرة وأبو موسى الأشعري يقولون كما قالا، فلو كان صحيحًا لما اختلفوا، مع أن هذا الخبر معارض بقول ابن مسعود: أرباعًا، ولا مدخل للرأي في تقديرات الشرع؛ فلا بد أن يكون مسموعًا، وإذا تعارض الخبران كان الأخذُ بالمتيقَّن أَولى، ولأن ما ذكره رسول اللَّه -ﷺ- في حجة الوداع في خطبته كان بمحضر من جماعة، ولم يروِ هذا الحديثَ إلا نعمان بن بشير، وهو في ذلك الوقت في عداد الصبيان، وقد خفي هذا الحديث على كبار الصحابة، حتى اختلفوا بينهم بالحديث كما ذكرنا.\nثم الديات تعتبر بالصدقات، والشرع نهى عن أخذ الحوامل في الصدقات؛ لأنها كرائمُ أموالِ الناس، فكذلك في الديات، وأيضًا الحوامل لا يجوز أن يستحق في شيء من المعاوضات لوجهين: أحدهما: أن صفة الحمل لا يمكن الوقوف على حقيقتها، والثاني: أن الجنين من وجهٍ كالفَصِيل، فيكون هذا في معنى إيجاب الزيادة","vol":"6","page":292},{"text":"٣٤٧٥ - [٣٠] وَعَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ،\nــ\nعلى المئة عددًا على ما قدره الشرع، وهو ظاهر، كذا ذكر في شروح (الهداية) (١).\n٣٤٧٥، ٣٤٧٦ - [٣٠، ٣١] (علي، وابن عباس) قوله: (تتكافأ دماؤهم) في القصاص، لا فضل فيها لشريف على وضيع، وكبير على صغير، وعالم على جاهل، وهكذا كما كان في الجاهلية، حتى كانوا يقتلون عدَّةً من قبيلة القاتل بواحد، وقيل: هذا أيضًا كان في الصحيفة العلوية.\nوقوله: (ويسعى بذمتهم) أي: عهدِهم وأمانِهم (أدناهم) كالعبد والمرأة، حتى لو أعطى أدنى رجلٍ منهم أمانًا وعهدًا فليس للباقين نقضُ ذلك العهد.\nوقوله: (ويرد عليهم أقصاهم) أي: أبعدُهم، أي: ما أخذَ من الغنيمةِ أبعدُهم من جيش الإمام يردُّ على أقربِهم، وهذا إذا خرجت جيوش المسلمين إلى الغزو، ثم انفصل منهم سرية عند قربهم ببلاد العدو فغنموا، فيردونه على الجيوش الذين هم وراءهم، ولا ينفردون به، بل يكون جميعهم شركاء فيه؛ لأنهم وإن لم يشهدوا الغنيمة كانوا رِدْءَ السريَّةِ، كذا في (النهاية) (٢)، ويدل على هذا المعنى ما يأتي من حديث عمرو ابن شعيب في الفصل الثاني من (باب الديات)، وهو مختار القاضي البيضاوي، فمفعول (يرد) محذوف، أي: الغنيمة، وهذا أظهر إرادة من قوله: (يرد عليهم)، وقد قيل في معناه: إن بعض المسلمين وإن كان قاصيَ الدار عن بلاد الكفر، إذا عقد للكافر عقدًا في الأمان لم يكن لأحدٍ نقضُه، وإن كان أقربَ دارًا للمعقود عليه.\n_________\n(١) انظر: \"العناية شرح الهداية\" (١٠/ ٢٧٣).\n(٢) \"النهاية\" (٤/ ٧٤).","vol":"6","page":293},{"text":"وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، أَلَا لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِه\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٥٣، ن: ٤٧٤٥].\n٣٤٧٦ - [٣١] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ. . . . .\nــ\nوقال الطيبي (١): وهذا المعنى أظهر لما يلزم من الأول التَّعمِيةُ والإلغازُ؛ لأن مفعول (يردُّ) غير مذكور، وليس في الكلام ما يدلُّ عليه، وهذا القولُ محلُّ نظرٍ مع ما فيه من شائبة تكرار، ولا يخفى أن الظاهر عند إرادة هذا المعنى، يقال: ولا يرد عليهم أقربهم، أو لا يرد على أقصاهم، إلا أن يكون المراد ويردُّ عليهم نقضَهم العهدَ أقصاهم، فليفهم.\nوقوله: (وهم يد على من سواهم) في التعاون والتناصر لا يسعهم التخاذل كاليد الواحدة لا تخالف بين أجزائها في الحركة والبطش، فهو تشبيه بحذف حرفه.\nوقوله: (لا يقتل مسلم بكافر) أي: كافر حربيٍّ بدليل قوله: (ولا ذو عهد في عهده) أي: لا يجوز قتلُه ما دام في عهده غيرَ ناقضٍ إياه؛ فالمراد بذي عهد هو الذمي، ولما لم يجز قتلُه يقتل المسلمُ بقتله، فلا ينافي مذهبَ أبي حنيفة أنه يُقتَل المسلمُ بالذمي، فافهم. وقيل: معناه لا يقتل الذمي في عهده بكافر، والكافر الذي لا يقتل الذمي به لا بد أن يكون حربيًّا، فبهذه القرينة يكون المراد بالكافر الذي لا يقتل المسلم به الحربيَّ، ليتلاءم المعطوف والمعطوف عليه، وهذا التوجيه لا يخلو عن تكلف، وإن كان يساعد المذهب، وقيل في تأييد مذهب الشافعي: يحتمل أن يكون المعنى: لا يقتلُ المؤمنُ بأحدٍ من الكفار، ولا معاهدٌ ببعض الكفار، وهو الحربي، فافهم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٦٢ - ٦٣).","vol":"6","page":294},{"text":"ابْنِ عَبَّاسٍ. [جه: ٢٦٨٥].\n٣٤٧٧ - [٣٢] وَعَن أبي شُريحٍ الخُزاعيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ أُصِيبَ بِدَمٍ أَوْ خَبْلٍ -وَالْخَبْلُ: الْجُرْحُ- فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ إِحْدَى ثَلَاثٍ: فَإِنْ أَرَادَ الرَّابِعَةَ فَخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ: بَيْنَ أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ، أَوْ يَأْخُذَ الْعَقْلَ، فَإِنْ أخًذَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، ثُمَّ عَدَا بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ النَّارُ خَالِدًا فِيهَا مُخَلَّدًا أَبَدًا\". رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ٢/ ١٨٨].\nــ\n٣٤٧٧ - [٣٢] (أبو شريح الخزاعي) قوله: (من أصيب بدم) أي: قتلِ نفسٍ، (أو خبل) أي: قطعِ عضوِ، و(الخبل) بسكون الباء في الأصل بمعنى الفساد، ويكون في الأفعال والأبدان والعقول، من باب ضرب ونصر، وفي الحديث: (يكونُ بينَ يدَي الساعةِ الخَبلُ) (١) أي: الفتنُ المفسدةُ، ومنه: أن الأنصار شكت رجلًا صاحب خبل يأتي إلى نخلهم (٢)، أي صاحبَ فسادٍ، وفي (القاموس) (٣): الخبل: فساد الأعضاء، والفالج، ويحرك فيهما، وقطع الأيدي والأرجل.\nوقوله: (فخذوا على يديه) أي: لا تتركوه أن يفعل.\nوقوله: (بين أن يقتص) بدل من قوله: (بين إحدى ثلاث).\nوقوله: (فإن أخذ من ذلك) أي: ممَّا ذكر من الخصال الثلاث، (ثم عدا بعد ذلك) بأن عفا، ثم طلب العقل أو القصاص.\n_________\n(١) انظر: \"النهاية\" (٢/ ٨).\n(٢) أخرجه أبو داود في كتاب: الديات (٤٤٩٦).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩١١).","vol":"6","page":295},{"text":"٣٤٧٨ - [٣٣] وَعَنْ طَاوُوسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ قُتِلَ فِي عِمِّيَّةٍ فِي رَمْيٍ يَكُونُ بَيْنَهُمْ بِالْحِجَارَةِ، أَوْ جَلْدٍ بِالسِّيَاطِ، أَوْ ضَرْبٍ بِعَصًا؛ فَهُوَ خَطَأٌ، وَعَقْلُهُ عَقْلُ الْخَطَأِ. . . . .\nــ\n٣٤٧٨ - [٣٣] (طاووس) قوله: (من قتل في عِمِّيَّة) بكسر عين وميم مشددة وتشديد الياء، من العمى، أي: في حالِ يعمى أمرُه، فلا يتبيَّنُ قاتلُه ولا حالُ قتلِه، فقوله: (في رمي) بيان وتوضيح له، يعني ترامى القومُ فوُجِدَ بينهم قتيلٌ يعمى أمره، ولا يدرى قاتله، وقد يفتح العين ويضم، وقال التُّورِبِشْتِي (١): ويقال: هم في عميتهم، أي: في جهلهم، وكأن أصله من التعمية وهو التلبيس، وقد جاء في رواية: (من قتل في عميا) بكسر وتشديد وقصر، فِعِّيلا من العمى كالرِّمِّيَّا من الرمي، وروي: (في عمية في رِمِّيَّا تكون بالحجارة)، كذا في (مجمع البحار) (٢)، والظاهر أن التقييد بالحجارة قيد اتفاقي، وإشارة إلى أن القتل بالمثقل موجَبُه الديةَ، وقيل: إن العمية أن يضرب الإنسان بما لا يعتقد به القتل كحجر صغير وعصًا خفيفة فأفضى إلى القتل.\nوقوله: (أو جلد بالسياط) عطف على قوله: (رمي)، وكذا قوله: (أو ضرب بعصا).\nوقوله: (فهو) أي: قتلَه (خطأ) أي: في حكم الخطأ، وإن كان عمدًا كما قال: (وعقله عقل الخطأ)، ويسميه الفقهاء شبه عمد، والقتلُ بغير الحديد وإن كان مما يحصل القتلُ به غالبأ شبهُ العمدِ عند أبي حنيفة ﵀، وعندهما وعند الشافعي شبه العمد أن يتعمَّدَ ضربه بما لا يقتلُ به غالبًا، وأما الذي يحصل به القتل غالبًا فهو العمد،\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨١٦).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٦٨٧).","vol":"6","page":296},{"text":"وَمَنْ قُتِلَ عَمْدًا فَهُوَ قَوَدٌ، وَمَنْ حَالَ دُونَهُ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَغَضَبُهُ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٥٤٠، ن: ٤٧٩٠].\n٣٤٧٩ - [٣٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا أُعْفِي مَنْ قَتَلَ بعدَ أَخْذِ الدِّيَةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٥٠٧].\nــ\nكما أشرنا إليه سابقًا، فالحجر والعصا المذكوران هنا على إطلاقهما عنده خفيفين كانا أو ثقيلين، وعندهم محمولان على الخفيفين، ويعلم من هذا معنى قوله: (ومن قتل عمدًا) على الاختلاف.\nوقوله: (فهو قود) بالتحريك، أي: قتلُه سبب للقود، حمل المصدر مسامحة ومبالغة، كما في قوله: (فهو خطأ)، وأصل القود الانقياد، ثم سمي به الاقتصاص لما فيه من انقياد الجاني له بما جناه.\nوقوله: (ومن حال دونه) أي: منع الاقتصاص غلبة أو مداهنةً في حكم الشرع، و(الصرف) يراد به التوبة أو النفل، وبـ (العدل) الفدية أو الفرض، وهذه العبارة كثيرة الوقوع في الأحاديث.\n٣٤٧٩ - [٣٤] (جابر) قوله: (لا أعفي من قتل بعد أخذ الدية) روي بصيغة المتكلم من الإعفاء، أي: لا أدعُ، ولا أتركُه بل أقتصُّ منه، وفي معناه ما في بعض نسخ (المصابيح): (لا يعفى) على صيغة المجهول خبر في معنى النهي، قال التُّورِبِشْتِي (١): هو حسن إن صحت الرواية، وروي: (لا أُعفِيَ) بلفظ الماضي المجهول، فقيل: هو دعاء عليه، أي: لا كَثُرَ مالُه ولا استغنى، والإعفاءُ الإكثارُ كما في حديث:\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨١٦).","vol":"6","page":297},{"text":"٣٤٨٠ - [٣٥] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَا مِنْ رَجُلٍ يُصَابُ بِشَيْءٍ فِي جَسَدِهِ، فَتَصَدَّقَ بِهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٣٩٣، جه: ٢٦٩٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-885> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٤٨١ - [٣٦] عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَتَلَ نفًرًا خَمْسَةً. . . . .\nــ\n(أَعفُوا اللِّحَى)، ويجوز أن يكون خبرًا في معنى النهي كما في رواية: (يُعفَى)، ويكون التعبير بالماضي مبالغةَ فِي تحقُّقه، واللَّه أعلم.\nوقال التُّورِبِشْتِي (١): والمراد منه التغليظُ لمباشرته الأمرَ الفظيعَ زجرًا له، وهذا يوهم أنه لا يجوز القتل بعد الدية، لكنه أمر شنيع فظيع، والمذهب أنه إذا اصطلح القاتل وأولياء المقتول على مال سقط القصاص، ووجب المال قليلًا أو كثيرًا، كذا في (الهداية) (٢)، ولعل مراده أن الدعاء عليه تغليظ وتشديد، والحكم بالقتل على من قَتَل بعد أخذ الدية باقٍ، فافهم.\n٣٤٨٠ - [٣٥] (أبو الدرداء) قوله: (يصاب بشيء في جسده) من الجرح والقطع والألم، (فتصدق به) أي: عفا عن الجاني صبرًا على قدر اللَّه، وتركَ الانتقامَ لنفسه.\nالفصل الثالث\n٣٤٨١، ٣٤٨٢ - [٣٦، ٣٧] (سعيد بن المسيب، وابن عمر) قوله: (خمسة\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨١٦).\n(٢) \"الهداية\" (٤/ ٤٥١).","vol":"6","page":298},{"text":"أَوْ سَبْعَةً بِرَجُلٍ وَاحِدٍ قَتَلُوهُ قَتْلَ غِيلَةٍ، وَقَالَ عُمَرُ: لَوْ تَمَالأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعًا. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢/ ٨٧١].\n٣٤٨٢ - [٣٧] وَرَوَى البُخَارِيُّ عَن ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ. [خ: ٦٨٩٦].\n٣٤٨٣ - [٣٨] وَعَن جُنْدُبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي فُلَانٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: يَجيءُ الْمَقْتُولُ بِقَاتِلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُ: سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي؟ فَيَقُولُ: قَتَلْتُهُ عَلَى مُلْكِ فُلَانٍ\" قَالَ جُنْدُبٌ: فَاتَّقِهَا. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٣٩٩٨].\n٣٤٨٤ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ شَطْرَ كَلِمَةٍ. . . . .\nــ\nأو سبعة) بدل من (نفرًا).\nوقوله: (قتل غيلة) بكسر الغين المعجمة وسكون التحتانية: القتل خفية وخداعًا.\nوقوله: (لو تمالأ عليه أهل صنعاء) أي: اجتمعوا وتعاونوا، وتخصيصُ ذكر أهلِ صنعاء لأنه مَثلٌ عند العرب في الكثرة، قالوا: ولعل هؤلاء الرجال كانوا منها، وفيه قتلُ الجماعة بواحد إذا اشتركوا في القتل.\n٣٤٨٣ - [٣٨] (جندب) قوله: (على ملك) بضم الميم، فالمعنى على عهد فلان وزمانه، يريد سلطانًا من السلاطين، أي: بنصرته، فالضمير في (فاتقها) للنصرة، كان جندبًا ينصح رجلًا أن لا ينصر ظالمًا، ويروى بكسر الميم، فالمعنى قتلتُه على مخاصمة بيني وبينه على مِلك فلان، فالضمير للمخاصمة، فيكون المقصود بيانَ الواقع، والمعنى الأولُ أظهرُ.\n٣٤٨٤ - [٣٩] (أبو هريرة) قوله: (شطر كلمة) بالنصب، وفي بعض النسخ:","vol":"6","page":299},{"text":"لَقِيَ اللَّهَ مَكْتُوبٌ بينَ عينيهِ: آيسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ\". رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ. [جه: ٢٦٢].\n٣٤٨٥ - [٤٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَقَتَلَهُ الآخَرُ، يُقْتَلُ الَّذِي قَتَلَ ويُحْبَسُ الَّذِي أمْسَكَ\". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ٣٢٧٠].\n* * **\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-886>١ - باب الديات</span>\nــ\n(بشطر) بالباء، أي: بأدنى كلامٍ وأقلِّ إعانةٍ، وقيل: المراد بشطر كلمة (اق) من اقتل.\nوقوله: (أَيس) بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: يكتب هذا اللفظ.\n٣٤٨٥ - [٤٠] (ابن عمر) قوله: (ويحبس الذي أمسك) كما لو أمسك امرأةً، حتى زنى بها آخر، لا حدَّ على المُمسِكِ.\n١ - باب الديات\nجمع دية، والدية بالكسر: حقُّ القتيلِ، ووَدَاه كوَعَاه: أعطى دِيتَه، واتَّديتُه: أخذتُ دِيتَه، والدِّيةُ مصدرٌ غلب على المال الذي يُعطَى، وَدَى يَدِي دِيةً كوعَدَ يعِدُ عِدَةً، وفي الحديث (١): (إنْ أحبُّوا قادُوا، وإنْ أحبُّوا وادَوا) أي: إن شاؤوا اقتصُّوا، وإن شاؤوا أخذوا الدِّيةَ، وهي مُفاعَلة من الدِّيةِ، وفي حديثٍ: (يُودَى المكاتَبُ بحصَّةِ ما أدَّى ديةَ حر، وبحصَّةِ ما بقيَ ديةَ عبدٍ) (٢)، وهو بخفة الدال مجهول يَدِي بإعادة\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في \"سننه\" (١٢٥٩).\n(٢) أخرجه الطحاوي في \"شرح معاني الآثار\" (٤٧١١)، وأحمد في \"مسنده\" (٢٣٥٦).","vol":"6","page":300},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-887> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٤٨٦ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ\" يَعْنِي الخِنْصَرَ وَالإِبْهَامَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٨٩٥].\nــ\nالواو لزوال الكسرة بعدها مثل يُوعَدُ، وفي آخر (١): (إمَّا أنْ يدُوا صاحبَكم، وإما أن يُؤذِنُوا بحربٍ) لفظ جمع المذكرين، أصله يَدِيُوا، نقلت حركة الياء إلى ما قبلها، وسقطت لأنه مثال ناقص.\nوالدية من الإبل: مئة، ومن العين: الف دينار، ومن الوَرِق عشرة آلاف درهم؛ لما روي عن عمر -﵁-: أن النبي -ﷺ- قضى بالدية في قتيل بعشرة آلاف درهم، وعند الشافعي: من الوَرِق: اثنا عشر الفًا، ولا تثبت الدية إلا من هذه الأنواع الثلاثة عند أبي حنيفة، وقالا: منها، ومن البقر: مئتا بقرة، ومن الغنم: ألفا شاة، ومن الحُلَل: مئتا حُلَّة، كلُّ حُلَّة ثوبان.\nالفصل الأول\n٣٤٨٦ - [١] (ابن عباس) قوله: (هذه وهذه سواء يعني الخنصر والإبهام) أي في الدية، اعلم أن في قطع الأصابع كلِّها من اليدين والرجلين كلَّ الديةِ؛ لتفويت جنس المنفعة، ففي كل أصبع عُشرُ الدية، وهي عشرة إبل، فنقول: دية الخنصر والإبهام سواء، وإن كان الخنصر أضعف وأحقر من الإبهام، وإن كان الإبهام ذو مفصلين، ولذا خصهما بالذكر؛ لأن كلًّا منهما سواء في أصل المنفعة، فلا يعتبر بزيادة ونقصان كاليمين والشمال، ولما كان في كل أصبع عُشرُ دية الكل كان في كل مفصل على حسابها، ففي كل مفصل كل أصبع ثلث العشر، وفي مفصل الإبهام نصف العشر، إذ للإبهام مفصلان،\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٧١٩٢).","vol":"6","page":301},{"text":"٣٤٨٧ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ،\nــ\nوللأصابع الباقية ثلاثة مفاصل.\n٣٤٨٧ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (في جنين امرأة) الجَنِينُ: الولدُ فِي البطن، والجمعُ أجنَّةٌ، وأجن، وكل مستور، والتركيب للاستتار.\nوقوله: (من بني لحيان) بكسر اللام وفتحها: بطن من هذيل، فإن لحيان هو ابن هذيل، فلا منافاة بينه وبين ما يأتي في الحديث الآتي من قوله: (امرأتان من هذيل).\nوقوله: (سقط ميتًا) وإن سقط حيًّا ثم مات، فيجب فيه كمال دية الكبير، فإن كان ذكرًا أوجبت مئة من البعير، وإن كان أنثى فخمسون؛ لأن دية الأنثى نصف دية الذكر.\nوقوله: (بغرة) بالتنوين، و(عبد) عطف بيان أو بدل، وإن رفع فخبر مبتدأ محذوف.\nوقوله: (أو أمة) للتقسيم لا للتشكيك، أو بالإضافة، والغرة أصلها بياض في جبهة الفرس، ومن الشهر ليلة الاستهلال، ومن الهلال طلعته، ومن الأسنان بياضها، ومن المتاع خياره، ومن القوم شريفهم، ومن الرجل وجهه، وكل ما بدا لك من ضوء وصبح فقد بدت غرته، ويطلق على العبد والأمة، وقيل: بشرط البياض وليس بشرط عند الفقهاء، وإنما المراد منه عندهم ما يبلغ قيمته نصفَ عُشرِ الديةِ.\nقال في (الهداية) (١): معناه ديةُ الرجلِ، وهذا في الذكر، وفي الأنثى عُشرُ دية المرأة، وكل منهما خمس مئة درهم، والقياس أن لا يجب شيء لأنه لم يتيقَّن بحياته، والظاهر لا يصلح حجةً للاستحقاق، وأيضًا إن كان حيًّا مات بضربه ينبغي أن يجب\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٤٧١).","vol":"6","page":302},{"text":"ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنيِهَا وَزَوْجِهَا، وَالْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا. . . . .\nــ\nكمال الدية، وإن لم ينفخ فلا شيء فيه، ولكن تركنا القياس بالأثر، وقدرناه بخمس مئة لأنه يروى: (عبدٌ أو أمة قيمته خمس مئة)، ويروى: (أو خمس مئة)، وهي حجة على من قدَّرها بست مئة كمالك والشافعي رحمهما اللَّه، ويؤخذ هذه الغرة في سنة، وتكون لورثة الجنين سوى مَن كان ضاربًا، حتى لو ضرب بطنَ امرأته فالقت ابنَه ميتًا، فعلى عاقلة الأب غرَّةٌ، ولا يرث منها لأنه لا ميراث للقاتل.\nوقوله: (ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت) في شرح هذه العبارة كلام، وهو أن الظاهر أن يكون المراد بالمرأة التي قضى عليها -أي: على عاقلتها- بالغرة المرأةَ الجانيةَ، فيكون الضمائر في (بنيها) و(زوجها) لها، وكذا في قوله: (والعقل على عصبتها) أي: وقضى بأن العقل، أي: الديةَ على عصبتها، والمراد بالعصبة العاقلة، وهي جماعة تغرمُ الديةَ ممَّن يقع بينهم التناصر، وكان تخصيص التوريث ببنيها وزوجها لأجل أنهم هم كانوا من ورثتها في الواقع، وإلا فالظاهر بأن ميراثها لورثتها أيًّا ما كان، كما قال في الحديث الآتي: (وورَّثَها ولدَها ومَن معهم)، ويتوجه على هذا التوجيه أن بيان وفاة الجانية ليس بكثير المناسبة في هذا المقام، بل المراد موت الجنين مع أمه، كما قال في الحديث الآتي: (فقتلتها وما في بطنها).\nفقال الطيبي (١) في توجيهه: إن (على) في قوله: (فقضى عليها) وضع موضع اللام كما في قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] تضمينًا لمعنى الحفظ والرقابة، فيكون المراد بالمرأة هي المجنيَّ عليها، والضمائر لها، إلا في قوله: (على عصبتها) فإنه للجاني، وهذا إذا كانت القضية\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٧٠).","vol":"6","page":303},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٠٩، م: ١٦٨١].\n٣٤٨٨ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ: عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرَّثَهَا وَلَدَهَا وَمَنْ مَعَهُمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩١٠، م: ١٦٨١].\nــ\nواحدة، قال الطيبي: وهو الظاهر، وأما إن كانت متعددة فليكن في هذه القضية ماتت الجانية، والمقصود بيان حال وفاتها والقضاء عليها، وفي الحديث الآتي ماتت المجنيُّ عليها مع جنينها فقضى لها، هذا، وظاهر أسلوب عبارتي الحديثين ينظر إلى تعدد القضيتين؛ فإن هذا الحديث يدل على أنه بعد القضاء بالغرة على الجانية توفيت من غير أن يقتلها مع الجنين، وقال في الحديث الآتي: (فقتلتها وما في بطنها) فليفهم، واللَّه أعلم.\n٣٤٨٨ - [٣] (عنه) قوله: (اقتتلت امرأتان) كانتا ضرتين، كما قال في حديث المغيرة.\nوقوله: (بحجر) يدل على أن القتل بالحجر لا يوجب القود، وليس بعمد، بل هو من قبيل شبه العمد، وهم يحملونه على الحجر الصغير.\nوقوله: (أو وليدة) أي: أمة.\nوقوله: (بدية المرأة) أي: المقتولة، (على عاقلتها) أي: القاتلةِ، (وورثها) بالتشديد، أي: الديةَ (ولدها) أي: أولادَ المقتولةِ، والضمير في (معهم) للولد؛ لأن المراد الجنس، والولد يطلق على الواحد والجمع، والمراد بـ (مَن معهم) ورثتُها، وقال","vol":"6","page":304},{"text":"٣٤٨٩ - [٤] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا ضَرَّتَيْنِ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِحَجَرٍ أَوْ عَمُودِ فُسْطَاطٍ، فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي الجَنينِ غُرَّةً: عبْدًا أَوْ أَمَةً، وَجَعَلَهُ عَلَى عَصَبَةِ الْمَرْأَةِ، هَذِهِ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمِ: قَالَ: ضَرَبَتِ امْرَأَةٌ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ، وَهِيَ حُبْلَى فَقَتَلَتْهَا، قَالَ: وَإِحْدَاهُمَا لِحْيَانِيَّةٌ، قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- دِيَةَ الْمَقْتُولِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ،\nــ\nالطيبي (١): المراد به الزوج بدلالة قوله في الحديث السابق: (بأن ميرائها لبنيها وزوجها)، فافهم.\n٣٤٨٩ - [٤] (المغيرة بن شعبة) قوله: (عمود فسطاط) بالضم والكسر: ضرب من الأبنية في السفر دون السُّرادِق، كذا في (النهاية) (٢)، وقال في (القاموس) (٣): هو السُّرادق كالفُسْتاط والفسَّاط والفُسْتات ويكسرن، وهذا أيضًا يدل على مذهب أبي حنيفة؛ فإن العمود من الفسطاط مما يقع القتل به غالبًا، قال الطيبي (٤): هو محمول على عمود صغير لا يقصد به القتل غالبًا.\nوقوله: (وجعله) هكذا في أكثر النسخ بتأويل المقضيِّ به، وفي بعضها: (جعلها) أي: الغرَّةِ والديةَ.\nوقوله: (وهذه رواية الترمذي) اعتراض على صاحب (المصابيح).\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٧٩).\n(٢) \"النهاية\" (٣/ ٤٤٥).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٢٧).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٧٠).","vol":"6","page":305},{"text":"وَغُرَّةً لِمَا فِي بَطْنِهَا. [ت: ١٤١١، م: ١٦٨٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-888> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٤٩٠ - [٥] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"أَلَا إِنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا مِئَةٌ مِنَ الإِبلِ: مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونهَا أَوْلَادُهَا\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ن: ٤٧٩٣، جه: ٢٦٢٨، دي: ٢٤٢٨].\n٣٤٩١ - [٦] وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنهُ وَعَن ابْنِ عُمَرَ، وَفِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" لَفْظُ \"الْمَصَابِيحِ\" عَنِ ابْنِ عمر. [د: ٤٥٦٥].\nــ\nالفصل الثاني\n٣٤٩٠، ٣٤٩١ - [٥، ٦] (عبد اللَّه بن عمرو، وابن عمر) قوله: (ما كان بالسوط والعصا) إما بدل من الخطأ إن كان قوله: (شبه العمد) صفة له، أو بدل منه إن كان بدلًا، قد مرت إشارة إلى أن القتل إما عمد أو شبه عمد أو خطأ محض، فالعمد: ما كان قصدًا بالسلاخ وما في حكمه، وشبه العمد: ما يكون بغيره، سواء كان مما يقع القتلُ به غالبًا أو لا، والخطا ما عدا ذلك، وهذا عند أبي حنيفة، وهو يحمل العصا على إطلاقها خفيفةً كانت أو ثقيلةً، والآخرون يقولون: إن القتل بالمثقَّل مما يقع القتلُ به غالبا عمدٌ، فيحملون العصا على الخفيفة لا يقتل به غالبًا.\nوقوله: (مئة من الإبل) خبر (إن)، وفي بعض الروايات زاد: (مغلظة)، والتغليظ في شبه العمد عند ابن مسعود، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وأحمد ﵏ أن يوجب الإبل أرباعًا: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون،","vol":"6","page":306},{"text":"٣٤٩٢ - [٧] وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، وَكَانَ فِي كِتَابِهِ: \"أَنَّ مَنِ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلًا؛ فَإِنَّهُ قَوَدُ يَدِهِ إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ\"،\nــ\nوخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، والتغليظ عند الشافعي ومحمد رحمهما اللَّه أن يوجب ثلاثين جذعة، وثلاثين حقة، وأربعين ثنية، كلُّها خَلِفاتٌ، أي: الحواملُ فِي بطونها أولادُها، وأما الخطأ المحض فلا تغليظ فيه؛ فإنها يجب فيه أخماسًا: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن مخاض، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وهذا بالاتفاق، وهذا الحديث دليل الشافعي ومحمد رحمهما اللَّه، وقلنا: إنه معارض بما روي عن ابن مسعود وعن السائب بن يزيد؛ فأخذنا بالمتيقن، وقد مر الكلام فيه.\n٣٤٩٢ - [٧] (أبو بكر بن محمد) قوله: (من اعتبط) بعين وطاء مهملتين افتَعَلَ من عبَطَ، أي: قتَلَ بلا موجِبٍ، من عبَطَ الإبلَ، واعتبطَه: نحَرَها بلا داءٍ ولا علَّةٍ.\nوقوله: (قتلًا) نصب على المصدر.\nوقوله: (فإنه قود يده) جواب الشرط، والضمير لـ (من)، أي: هو مقتولُ يدِه قصاصًا، أي: بما جنَتْه يدُه، وصف بالمصدر، ويجوز أن يكون الضمير للقصاص المفهوم من المقام، أي: القصاص جزاءُ فعلِ يده، فكأنه مقتولُ يدِه، وقيل: معناه أنه يقبض بلا مهلة كما يقال: يدًا بيدٍ، أو يقال: هو بين يديه.\nوقوله: (إلا أن يرضى أولياء المقتول) أي: بالدية، أو بالعفو.","vol":"6","page":307},{"text":"وَفِيهِ: \"أَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ\"، وَفِيهِ: \"فِي النَّفْسِ الدِّيَةُ مِئَةٌ مِنَ الإِبِلِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ، وَفِي الأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ مِئَةٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي الأَسْنَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْبَيْضَتَيْنَ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكرِ الدِّيَةُ، وَفِي الصُّلبِ الدِّيَةُ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ. . . . . .\nــ\nوقوله: (وفيه) أي: في ذلك الكتاب (وعلى أهل الذهب ألف دينار) وعلى أهل الوَرِق عشرة آلاف درهم، وكأنه لم يذكر لأنه يعلم منه على وزن عشرة.\nوقوله: (إذا أوعب جدعه) أي: قطعه، يقال: أوعَبَ الجَدْعَ: استَأصَلَه، والجَدْعُ: قطعُ الأنفِ، وأصل الوعب الجمع، يقال: وعَبَه كوعده: أخذَه أجمَعَ، كأوعبه واستوعبه.\nوقوله: (الدية مئة من الإبل) كدية النفس، والأصل في الأطراف أنه إذا فوت جنس منفعة على الكمال، أو أزال جمالًا مقصودًا في الآدمي على الكمال، يجب كلُّ الدية؛ لإتلافه النفس من وجه، وهو ملحق بالإتلاف من كل وجه تعظيمًا للآدمي، وأصله قضاء رسول اللَّه -ﷺ- بالدية كلها في اللسان والأنف، وعلى هذا تنسحب فروع كثيرة، وقد قضى عمر لجنه بأربع ديات في ضربة واحدة، ذهب بها العقل والسمع والكلام والبصر، وكذا في اللحية إذا حُلِقت فلم تنبت الديةُ؛ لأنه يفوت منه منفعة الجمال، وكذا في شعر الرأس الدية، كذا في (الهداية) (١)، وفي الصُّلب؛ أي: الظهر، أي: في ضربه بحيث ينقطع ماؤه.\nوقوله: (وفي المأمومة) أي: الشَّجَّة التي تصلُ إلى أمِّ الدماغ، وهو جِلدة فوق\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٤٦٢).","vol":"6","page":308},{"text":"ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الجَائفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمُنَقَّلَةِ خَمسَ عَشَرَةَ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنَ الإِبِلِ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الإِبِلِ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ن: ٤٨٥٣، دي: ٢٤١١].\nوَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: \"وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ، وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ، وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ\". [ط: ٢/ ٨٤٩].\nــ\nالدماغ. و(الجائفة) طعنة تبلغ الجوفَ، أي: جوفَ الرأس أو جوفَ البطن. و(المنقلة) بضم الميم وتشديد القاف المكسورة: الشجة التي تَنْقَّل منها فَرَاشُ العظام، وهي قشور تكون على العظم دون اللحم، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): منقلة بكسر القاف: شكست كَي كه استخوان از وى شكسته باشد، وفي (الحواشي): هي الشجَّةُ التي تنقلُ العظمَ، أي: تكسره حتى ينتقل عن محله.\nوقوله: (وفي السن خمس من الإبل) أو خمس مئة درهم؛ فإن قلت: لما كان في مجموع الأسنان الدية الكاملة فكيف يكون في السن الواحد خمس من الإبل، والأسنان إما اثنان وثلاثون أو ثمان وعشرون؛ قلنا: هذه التقديرات تعبُّدٌ محضٌ، ولا طريق إلى معرفته إلا التوقيف، نعم في بعض هذه الأقسام كالدية في العينين ونصفها في عين واحدة مثلًا يدرك وجه معقول، واللَّه أعلم.\nو(الموضحة) الشجة التي تبدي وَضَحَ العظم، أي: بياضه، وفي الحديث: أمر النبي -ﷺ- بصيام الأواضح، أي: الأيامِ البِيضِ (٣).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٨٢).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٤٥٣).\n(٣) انظر: \"النهاية\" (٥/ ١٩٦).","vol":"6","page":309},{"text":"٣٤٩٣ - [٨] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْمَوَاضِحِ خَمْسًا خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ، وَفِي الأَسْنَانِ خَمْسًا خَمْسًا مِنَ الإِبِلِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وابنُ مَاجَهْ الْفَصْلَ الأَوَّلَ. [د: ٤٥٦٦، ن: ٤٨٤٢، ت: ١٣٩، جه: ٢٦٥٥].\n٣٤٩٤ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَصَابعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءً. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٤٥٦١، ١٢٩١].\n٣٤٩٥ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الأَصَابِعُ سَوَاءٌ، وَالأَسْنَانُ سَوَاءٌ، الثَنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ، هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٥٥٩].\nــ\n٣٤٩٣ - [٨] (عمرو بن شعيب) قوله: (المواضح) أي: في كل واحد من الموضحات.\nوقوله: (وفي الأسنان خمسًا خمسًا) أي: في كل واحد منها.\nوقوله: (وروى الترمذي وابن ماجه الفصل الأول) أي: الجملة الأولى، أي: لم يذكرا: (وفي الأسنان).\n٣٤٩٤ - [٩] (ابن عباس) قوله: (أصابع اليدين والرجلين سواء) لفوات المنفعة المختصة بكل واحد منهما بفوات أصابعها.\n٣٤٩٥ - [١٠] (عنه) قوله: (الثنية) واحدة الثنايا، وهي الأسنان المتقدمة، اثنتان فوق واثنتان أسفل، ثم بعدها الرباعية، وبعدها الأنياب، وبعدها الأضراس، وهي أعظم وأكبر، ولكن لا فرق بينها في الدية لفوات المنفعة كما في البنصر والخنصر المشار إليهما بقوله: (هذه وهذه).","vol":"6","page":310},{"text":"٣٤٩٦ - [١١] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ الْفَتْحِ ثُمَّ قَالَ: \"أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ لَا حِلْفَ فِي الإِسْلَامِ، وَمَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ الإِسْلَامَ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا شِدَّةً، الْمُؤْمِنُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، يُجيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِم أَقْصَاهُمْ، يَردُّ سَرَايَاهُمْ عَلَى قَعِيدَتِهِمْ، لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، دِيَةُ الْكَافِرِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ،\nــ\n٣٤٩٦ - [١١] (عمرو بن شعيب) قوله: (لا حلف) بكسر الحاء وسكون اللام، وقد يروى بفتح الحاء وكسر اللام، قال في (النهاية) (١): أصل الحِلْف: المعاقدة والمعاهدة على التعاضد، والتساعد والاتفاق؛ فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال والغارات فذلك الذي ورد النهيُ عنه في الإسلام بقوله -ﷺ-: (لا حِلفَ فِي الإسلام، وما كان في الجاهلية لا يزيدُه الإسلامُ إلا شدَّة).\nوقوله: (يجير عليهم أدناهم) كالبيان لما قبله، والإجارة: إعطاء الأمان، والضمير للمؤمنين، وهو في معنى قوله: (يسعى بذمَّتهم أدناهم) كما مرّ من حديث علي -﵁- في (الفصل الثاني) من (كتاب القصاص).\nوقوله: (ويرد عليهم أقصاهم) سبق شرحه أيضًا في حديث علي.\nوقوله: (يرد سرايا هم على قعيدتهم) بيان له، وهو ينصر الوجه الأول الذي رجَّحناه في لضرح ذلك الحديث هناك، فتدبر. والمراد بالسرايا: الأفواج التي ذهبوا على العدو وغنموا منهم، وبالقعيدة: الجيوش التي نزلوا في دار الحرب وقعدوا يبعثون السرايا إليهم.\nوقوله: (دية الكافر نصف دية المسلم) أخذ به مالك، وعند أحمد دية الكتابي\n_________\n(١) \"النهاية\" (١/ ٤٢٤).","vol":"6","page":311},{"text":"لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ،\nــ\nنصف دية المسلم، وفي رواية عنه: دية الكتابي ثلث دية المسلم، ويحكى رجوعه عنها، وقال الشافعي: ديته ثلث دية المسلم، وهو أربعة آلاف درهم؛ لأن الكل عندهم اثنا عشر ألفًا.\nوقال في (الهداية) (١): دية اليهودي والنصراني عند الشافعي أربعة آلاف درهم، ودية المجوسي ثمان مئة درهم، وروى في ذلك حديثًا، وقال: لنا قوله ﵇: (دية كل ذي عهد في عهده ألف دينار)، وكذا قضى أبو بكر وعمر -﵄-، وقال: ما رواه الشافعي لم يعرف رواية، ولم يذكر في كتب الحديث، وما رويناه أشهر مما رواه مالك من قوله ﵇: (عقلُ الكافرُ نصفُ عقلِ المسلمِ)، فإنه ظهر به عمل الصحابة -﵃-، انتهى.\nوذكر في حاشية (الهداية) من (المبسوط): عن الزهري: أن أبا بكر وعمر -﵄- كانا يجعلان دية الذمي مثل دية المسلم، وعن ابن مسعود: كان دية الذمي مثل دية المسلم على عهد رسول اللَّه -ﷺ- وأبي بكر وعمر وعثمان -﵃-، فلما كان زمن معاوية جعلها على النصف، وعن علي -﵁-: إنما بذلوا الجزية ليكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا، وما يروى بخلاف هذا من الصحابة لا يعارض هذه المشاهير من الآثار.\nوقوله: (لا جلب ولا جنب) محركتين، قد سبق الكلام فيهما في (باب الزكاة)، ومعناهما المراد في ذلك الباب هو: أن الجلب أن ينزل الساعي موضعًا بعيدًا من بيوت أرباب المواشي ليجلبوا إليه مواشيهم فيأخذ صدقاتهم، والجنب هو: أن يبعد أرباب المواشي عن مواضععهم فيشقّ على المصدِّق طلبُهم وإحضارُهم، وقد يفسران\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٤٦١).","vol":"6","page":312},{"text":"وَلَا تُؤْخَذُ صدَقَاتُهُمْ إِلَّا فِي دُورِهِمْ\" وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: \"دِيَةُ الْمُعَاهِدِ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٥٨٣].\n٣٤٩٧ - [١٢] وَعَنْ خِشْفِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي دِيَةِ الْخَطَأِ عِشْرِينَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرِينَ ابْنَ مَخَاضٍ ذُكُورٍ، وَعِشْرِينَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرِينَ جَذَعَةً، وَعِشْرِينَ حِقَّةً. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ (١) عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ،\nــ\nبغير هذين المعنيين، وذلك في سباق الخيل، فالجلب بمعنى الصوت والزجر ليزيد الفرس في عَدْوِه، والجنب بمعنى جلب فرس آخر في جنب فرسه؛ فإن حمل هنا على المعنى الأول كان قوله: (ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم) كالتفسير له، وإن حمل على المعنى الثاني كان مغايرًا له، لكن في عود الضمير على تقدير الحمل على هذا المعنى الأخير إلى المزكِّين خفاءٌ، بخلاف المعنى الأول لدلالة ذكر الجلب والجنب عليهم.\nوقوله: (نصف دية الحر) أي: المسلم.\n٣٤٩٧ - [١٢] (خشف بن مالك) قوله: (وعن خشف) بكسر الخاء وسكون الشين المعجمتين وبالفاء.\nوقوله: (ابن مخاض ذكور) يروى بالجر على الجوار كقولهم: ذو رحِمٍ مَحرَمٍ بالجر، وبالنصب وهو ظاهر، وعلى التقديرين هو تأكيد لابنِ مَخاضٍ، فدية الخطأ\n_________\n(١) قال القاري (٦/ ٢٢٨٩): وعلى تقدير تسليمه لا يضره، فإن مثل هذا الموقوف في حكم المرفوع فإن التقادير لا تعرف من قبل الرأي، انتهى.","vol":"6","page":313},{"text":"وَخِشْفٌ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَرُوِيَ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\": أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- وَدَى قَتِيلَ خَيْبَرَ بِمِئَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَلَيْسَ فِي أَسْنَانِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ابْنُ مَخَاضٍ، إِنَّمَا فِيهَا ابْنُ لَبُونٍ. [ت: ١٣٨٦، د: ٤٥٤٥، ن: ٤٨٠٢].\n٣٤٩٨ - [١٣] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَتْ قِيمَةُ الدِّيَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ثَمَانِ مِئَةِ دِينَارٍ أَوْ ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمِ، وَدِيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَوْمَئِذٍ النِّصْفُ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ،\nــ\nأخماس، وهذا بالاتفاق إلا أن الشافعي ﵀ يقضي بعشرين ابن لبون مكان ابن مخاض، وهذا الحديث حجة عليه.\nوقوله: (وخشف مجهول) قالوا: هو رواه عن أبي مالك الطائي، وعن عمر، وعن ابن مسعود؛ فكيف يكون مجهولًا، ووثقه النسائي، وذكره ابن حبان في (الثقات)، وروى الأربعة عنه هذا الحديث، وابن ماجه حديثًا آخر أيضًا، كذا ذكروا، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ودى قتيل خيير) أي: أعطى ديتَه، وسيأتي قصته في أول (باب القَسامة).\nوقوله: (إنما فيها ابن لبون) (١) وبهذا أخذ الشافعي.\n٣٤٩٨ - [١٣] (عمرو بن شعيب) قوله: (كانت قيمة الدية) أي: قيمةُ إبلِها، وهي مئةُ إبلٍ، وفي بعض النسخ: (قيمة إبل الدية).\n_________\n(١) قال شيخنا في \"التقرير\": وما ذكر من أن ابن مخاض لا يكون في إبل الصدقة، فليس له وجه، لاحتمال أنه لما لم يكن ابن مخاض ودى بنت مخاض أو بنت لبون، فمن أين عرف ابن لبون مع احتمال أن وداهم بقيمة ابن مخاض. وقال في \"الأوجز\" (١٤/ ٥٧٣): وحكى ابن التركماني عن \"أحكام القرآن\" للرازي: لم يُروَ عن أحد من الصحابة ممن قال بالأخماس خلافُ قولِ ابن مسعود، وقول الشافعي لم يُروَ عن أحدٍ من الصحابة، انتهى.","vol":"6","page":314},{"text":"قَالَ: فَكَانَ كَذَلِكَ حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ، فَقَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: إِنَّ الإِبِلَ قَدْ غَلَتْ قَالَ: فَفَرَضَهَا عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَعَلَى أَهْلِ الْئقَرِ مِئتيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ مِئَتَيْ حُلَّةٍ، قَالَ: وَتَرَكَ دِيَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَرْفَعْهَا فِيمَا رَفَعَ من الدِّيَة. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٥٤٢].\n٣٤٩٩ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: أَنَّهُ جَعَلَ الدِّيَةَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٣٨٨، د: ٤٠٤٦، ن: ٤٨٠٤، دي: ٢٤٠٨].\n٣٥٠٠ - [١٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُقَوِّمُ دِيَةَ الْخَطَأِ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى أَرْبَعَ مِئَةِ دِينَارٍ أَوْ عَدْلَهَا. . . . .\nــ\nوقوله: (مئتي حلة) الحلة: إزار ورداء، أيَّ أنواعِ الثياب، وقيل: الحلل: بُرود اليمن، ولا يسمى حلَّةً حتى يكونَ ثوبين، كذا في الشروح، وقال في (القاموس) (١): الحلة: إزار ورداء برد أو غيره، ولا تكون حلة إلا من ثوبين، أو ثوب له بطانة.\nوقوله: (وترك دية أهل الذمة) أي: تركها على ما كان عليه، أعني أربعة آلاف درهم، وهذا متمسَّكُ الشافعي، وعندنا دية الذمي مثل دية المسلم كما عرفت.\n٣٤٩٩ - [١٤] (ابن عباس) قوله: (جعل الدية اثني عشر ألفًا) أي: من الفضة.\n٣٥٠٠ - [١٥] (عمرو بن شعيب) قوله: (أو عدلها) بفتح العين أو كسرها، أي:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٠٧).","vol":"6","page":315},{"text":"مِنَ الْوَرِقِ، وَيُقَوِّمُهَا عَلَى أَثْمَانِ الإِبِلِ، فَإِذَا غَلَتْ رَفَعَ فِي قِيمَتِهَا، وإِذَا هاجَتْ رُخْصٌ نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا، وَبَلَغَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَا بَيْنَ أَرْبَعِ مِئَةِ دِينَارٍ إِلَى ثَمَانِ مِئَةِ دِينَارٍ، وَعِدْلُهَا مِنَ الْوَرِقِ ثَمَانِيَةُ آلافِ دِرْهَمٍ قَالَ: وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْعَقْلَ مِيرَاث بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ\"، وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّ عَقْلَ الْمَرْأَةِ بَيْنَ عَصَبَتِهَا، وَلَا يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئًا. رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٥٦٤، ن: ٤٨٠١].\nــ\nمثلُها من الوَرِق، وعلى ما قيل: إنه بالفتح من غير الجنس وبالكسر من الجنس يتعين الفتح، وإن ثبتت الرواية بالكسر يبطل هذا القول.\nوقوله: (ويقومها على أثمان الإبل) بيان لقوله: (يقوِّمُ ديةَ الخطأ) يعني أن المراد بتقويم الدية تقويمُ إبلِها، (فإذا غلت) أي: الإبلُ، أي: زادت أثمانُ الإبل، (رفع في قيمتها) أي: زاد في قيمة الدية، وإذا (هاجت) أي: ظهرَت، وأصله من الهيجان، (رخص) بضم الراء وسكون الخاء، أي: رخصَ قيمةُ الإبلِ، فاكتسب التأنيث من المضاف إليه، فأنَّثَ الفعلَ المسنَدَ إليه، و(بلغت) أي: قيمةُ الديةِ.\nوقوله: (أن عقل المرأة) أي: المرأة الجانية (بين عصبتها) أي: يتحمَّلون عنها كما يكون في الرجل، يعني ليست كالعبد يتعلق الجناية برقبته، وقيل: المراد المجنيُّ عليها، يعني أن دِيتَها تركةٌ بين ورثتها كسائر ما تركت، وتخصيص العصبة يأبى هذا المعنى، والظاهر أن يقول: بين ورثتها، فافهم.\nوقوله: (ولا يرث القاتل شيئًا) أي: لا من الدية ولا من غيرها.","vol":"6","page":316},{"text":"٣٥٠١ - [١٦] وَعَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٥٦٥].\n٣٥٠٢ - [١٧] وَعَنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ السَّادَّةِ لِمَكَانِهَا بِثُلُثِ الدِّيَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٥٦٧، ن: ٤٨٤٠].\nــ\n٣٥٠١ - [١٦] (وعنه) قوله: (عقل شبه العمد مغلظ) قد عرف معنى شبه العمد والتغليظ فيه في أول الفصل.\nوقوله: (ولا يقتل صاحبه) أي: صاحبُ شبهِ العمدِ، أي: القاتلُ بهذا الوجه، إنما قال هذا دفعًا لتوهم أنه لما جعل ديته كدية العمد يكون فيه الاقتصاص أيضًا، كما في العمد المحض، كذا قيل.\n٣٥٠٢ - [١٧] (وعنه) قوله: (في العين القائمة السادّة لمكانها) بتشديد الدال، أي: الباقية الثابتة في مكانها، أي: التي لم تخرج من الحدقة، فبقيت في رأي العين على ما كانت، ولم يذهب جمال الوجه، لكن ذهب إبصارها، وقد عرف فيما سبق أن في العينين تمام الدية، وهي مئة إبل، وفي عين واحدة خمسون.\nوقد دل هذا الحديث أن في ذهاب العين بهذا الوجه ثُلثَ الدية، وقد عمل بظاهره بعض العلماء، وعامتهم أوجبوا فيها حكومة العدل؛ لأن المنفعة لم تفُتْ بكمالها، فصارت كالسنِّ إذا اسودَّت بالضرب، وقالوا في معنى الحكومة: إن هذا المجروح لو كان عبدًا كم كان ينقص بهذه الجراحة من قيمته، فيجب من ديته بذلك القدر، وحملوا الحديث على معنى الحكومة على معنى أنه -ﷺ- إنما قضى فيها بثلث الدية لأن الحكومة في المادة المخصوصة بلغت بهذا المقدار، لا أنه قضى كليًّا أن","vol":"6","page":317},{"text":"٣٥٠٣ - [١٨] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي الجَنينِ بغُرَّةٍ: عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَخَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، وَلَمْ يَذْكُرْ: أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ. [د: ٤٥٧٩].\n٣٥٠٤ - [١٩] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ. . . . .\nــ\nفيه ثُلثَ الدية، وعبارة التُّورِبِشْتِي تدل على أن في صحة الحديث كلامًا؛ فإنه قال (١): والحديث لو صح؛ فإنه يحمل على أنه أوجب فيها ثُلثَ الديةِ على معنى الحكومة، واللَّه أعلم.\n٣٥٠٣ - [١٨] (محمد بن عمرو) قوله: (ولم يذكر) في أكثر النسخ بلفظ الواحد، أي: كلُّ واحدٍ منهما، وفي بعضها: (ولم يذكرا) بالتثنية، وهو الظاهر، وقيل: ذكرُ الفرسِ والبغلِ وهمٌ من الراوي؛ فإن الغرة إنما يطلق على الإنسان المملوك، وفيه أنه يجوز أن يكون عطفًا على (غرة) لا على (عبد أو أمة) ليلزم كونه داخلًا في تفسير الغرة، نعم لو أبطلت روايته كما نقله الطيبي (٢) فلا كلام حيث قال: وأما ما جاء في بعض الروايات في غير الصحيح: (أو فرس أو بغل) فروايةٌ باطلةٌ، وقد أخذ بها بعض السلف.\n٣٥٠٤ - [١٩] (عمرو بن شعيب) قوله: (من تطبب) أي: تعاطَى علمَ الطبِّ وعالج مريضًا، (ولم يعلم منه طب) أي: لم يكن عاملًا به مشهورًا به حاذقًا فيه،\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٢١).\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (٧/ ٨٠).","vol":"6","page":318},{"text":"فَهُوَ ضَامِنٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٥٨٦، ن: ٤٨٣٠].\n٣٥٠٥ - [٢٠] وَعَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَينٍ: أَنَّ غُلَامًا لِأُنَاسٍ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لِأُنَاسٍ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَى أَهْلُهُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالُوا: إِنَّا أُنَاسٌ فُقَرَاءُ فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِمْ شَيْئًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٥٩٠، ن: ٤٧٥١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-889> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٥٠٦ - [٢١] عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ أَثْلَاثًا: ثَلَاث وَثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاث وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ. . . . .\nــ\nفمات المريضُ من فعله، فهو ضامنٌ دِيتَه، وسقط عنه القصاص لإذن المريض، وجنايته عند عامة العلماء على عاقلته.\n٣٥٠٥ - [٢٠] (عمران بن حصين) قوله: (أن غلامًا) المراد به الحرُّ لا العبدُ؛ فإن جناية العبد في رقبته لا على العاقلة.\nوقوله: (لأناس فقراء) أي: كانت عاقلةُ ذلك الغلام فقراء، وكانت جنايته خطأ، والضمير في (أهله) للقاطع.\nوقوله: (فلم يجعل عليهم شيئًا) لأنه لا شيء على الفقراء من العاقلة.\nالفصل الثالث\n٣٥٠٦ - [٢١] (علي) قوله: (دية شبه العمد) مبتدأ.\nوقوله: (أثلاثًا) تمييز، أو حال، أو منصوب بتقدير أعني.\nوقوله: (ثلاث وثلاثون حقة) خبر، ويجوز أن يكون (أثلاثًا) خبر بتقدير","vol":"6","page":319},{"text":"ثَنِيَّةً إِلَى بَازِلِ عَامِهَا كُلُّهَا خَلِفَاتٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: فِي الْخَطَأِ أَربَاعًا: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٥٥١].\n٣٥٠٧ - [٢٢] وَعَن مُجاهدٍ قَالَ: قَضَى عُمَرُ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ ثَلَاثِينَ حِقَةً، وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً مَا بَيْنَ ثَنِيَّةٍ إِلَى بَازِلِ عَامِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٥٥٠].\nــ\n(يكون)، و(ثلاث وثلاثون) بيان له. و(الثنية) ما دخلت في السادسة.\nوقوله: (إلى بازل عامها) يتعلق بثنية، في (القاموس) (١): بَزَلَ نابُ البعيرِ، بَزْلًا وبُزُولًا: طلع ذلك في ابتداء السنة التاسعة، وليس بعده سِنٌّ يُسمَّى، والبازل: الرجل الكامل في تجربته، انتهى. ثم يقال بعد ذلك: بازلُ عامٍ، وبازلُ عامَين. و(خلفات) بمعنى حوامل، وعند الشافعي أثلاثًا: لكن ثلاثون جذعة، وثلاثون حقة، وأربعون ثنية.\nوقوله: (وفي رواية: قال: في الخطأ أرباعًا) وعند أبي حنيفة في شبه العمد وفي الخطأ المحض أخماسًا: عشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن مخاض، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، وكذلك عند الشافعي كما سبق.\n٣٥٠٧ - [٢٢] (مجاهد) قوله: (قضى عمر. . . إلخ)، هذا يوافق مذهب الشافعي، وبالجملة قد اختلف الصحابة في تقدير الدية، وأخذ المجتهدون بعدهم بما وصل إليهم وترجح عندهم، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٨٩).","vol":"6","page":320},{"text":"٣٥٠٨ - [٢٣] وَعَن سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَضَى فِي الْجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِغُرَّةٍ: عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ فَقَالَ الَّذِي قُضِيَ (١) عَلَيْهِ: كيفَ أَغْرَمُ مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ مُرْسَلًا. [ط: ٢/ ٨٥٥، ن: ٤٨٢٠].\n٣٥٠٩ - [٢٤] وَرَوَاهُ أَبَو دَاوُدَ عَنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُتَّصِلًا. [د: ٤٥٧٦].\n* * *\nــ\n٣٥٠٨، ٣٥٠٩ - [٢٣، ٢٤] (سعيد بن المسيب، وأبو هريرة) قوله: كيف أكرم) بلفظ المتكلم من باب سمع.\nوقوله: (ومثل ذلك يطل) بلفظ المجهول، يقال: طُلَّ دمُه: إذا هُدِرَ، وقد يروى: (بطل) من البطلان.\nوقوله: (إنما هذا من إخوان الكهان) أنكر عليه قوله الباطل في مقابلة الشارع، وزاد تعييبه بالتكلف بالسجع الذي هو من عادة أهل الكهانة في ترويج أقاويلهم الباطلة؛ ليستميلوا به قلوب أهل البطالة، وليس السجع مذمومًا على الإطلاق لوقوعه في القرآن وكلام النبي -ﷺ-، وإنما المذموم منه ما يُتكلَّفُ فِيه، ويكون الغرضُ منه ترويجَ الباطل.\n_________\n(١) بصيغة المجهول، وقيل: بالمعروف والفاعل معلوم، قاله القاري في \"المرقاة\" (٦/ ٢٢٩٥).","vol":"6","page":321},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-890>٢ - باب ما لا يضمن من الجنايات</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-891> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٥١٠ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْعَجْمَاءُ جرْحُهَا جُبَارٌ،\nــ\n٢ - باب ما لا يضمن من الجنايات\nلما ذكر من الجنايات ما يوجب الضمان من القود والدية أراد أن يذكر منها ما لا يضمن، والجناية مصدر جنى يجني، يقال: جنى الذنبَ عليه يجنيه جنايةً: جرَّه إليه، وجنى الثمرةَ: اجتناها، ثم ما لا يضمن من الجناية قد ينهى عنه نهي تحريم أو تنزيه، وقد أورد الأحاديث في ذلك.\nالفصل الأول\n٣٥١٠ - [١] (أبو هريرة) قوله: (العجماء) بفتح العين ممدودًا: أي البهيمة، سميت عجماء لأنها لا تتكلم.\nوقوله: (جرحها) بضم الجيم وبفتحها، فبالفتح مصدر، ويالضم الاسم، و(جبار) بضم الجيم وتخفيف الباء، أي: هَدَرٌ لا طلَبَ فِيه، وقيل: أصل ذلك أن العرب تسمِّي السَّيلَ جُبارًا لهذا المعنى، كذا في (المشارق) (١)، وفي (القاموس) (٢): الجُبَار: الهَدَرُ والباطلُ والسَّيلُ.\nوليس في بعض الروايات (جرحها) بل (العجماء جبار)، والمراد فعلها، وإنما\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢١٤).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٣٣٨).","vol":"6","page":322},{"text":"وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩١٢، م: ١٧١٠].\n٣٥١١ - [٢] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- جَيْشَ الْعُسْرَةِ، وَكَانَ لِي أَجِيرٌ،\nــ\nكان جُبارًا إذا لم يكن لها سائقٌ ولا قائدٌ، وإلا فالسائق والقائد يضمنان، وقال في (الهداية) (١): السائق ضامن لما أصابت بيدها أو رجلها، والقائد ضامن لما أصابت بيدها دون رجلها، وكذا الراكب ضامن لما أوطات الدابة وما أصابت بيدها أو رجلها أو رأسها، ولو كان راكب وسائق قيل: لا يضمن السائق لأن الراكب مباشر فيه، وكذا إن كان انفلاتُها ليلًا لأنه محل الربط، وإن كان نهارًا فلا ضمان.\nوقوله: (والمعدن) على وزن مجلس: منبت الجواهر من ذهب ونحوه، من عَدَنَ بالبلد يَعدِنُ وَيعدُنُ: أَقَامَ، سمي به لإقامة أهله فيه دائمًا، أو لإنبات اللَّه ﷿ إياه فيه، ومعنى كونه جبارًا أنه دخل فيه أحد أو قام عليه فسقط فهلك، فليس على الذي حفره ضمان.\nوقوله: (والبئر جبار) أي: من حفر بئرًا، أي: في أرضه أو في الأرض المباحة، وسقط فيه رجل فمات فلا قودَ ولا ديةَ على الحافر كما في المعدن.\n٣٥١١ - [٢] (يعلى بن أمية) قوله: (غزوت) غزاه غزوًا: أراده وطلبه وقصده، وغزا العدوَّ: سار إلى قتالهم وانتهابهم غزوًا وغُزوانًا وغَزاةً وهو غازٍ، و(جيش العسرة) هو جيش غزوة تبوك لشدة الأمر عليهم فيها للحرِّ وعُسرِ الحال من جهة الزاد والظَّهر، وهو آخِرُ غزواته -ﷺ-، وقد جهَّزه عثمان -﵁- فأوجب لنفسه الجنة، ومن مناقبه\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٤٧٩).","vol":"6","page":323},{"text":"فَقَاتَلَ إِنسانًا فَعَضَّ أَحَدُهمَا يَدَ الآخَرَ، فَانْتَزَعَ الْمَعْضُوضُ يَدَهُ مِنْ فِي الْعَاضِّ، فَأَنْدَرَ ثَنِيَّتَهُ فَسَقَطَتْ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ، وَقَالَ: \"أَيَدَع يَدَهُ فِي فِيكَ تَقْضَمُهَا كَالْفَحْلِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٦٥، م: ١٦٧٤].\nــ\nتجهيز جيش العسرة.\nوقوله: (فقاتل) أي: خاصم.\nوقوله: (من في العاض) أي: مِن فيه.\nوقوله: (فأندر) بالدال المهملة، أي: أسقطَ وأخرجَ، ندر الشيءُ: سقطَ، وأندَرَه: أسقَطَه.\nوقوله: (تقضمها) بالضاد المعجمة بفتح الضاد، كذا في (المشارق) (١)، أي: تعَضُّها، وفي (القاموس) (٢): قضم كسمع: كل بأطراف أسنانه، أو أكل يابسًا، انتهى. وجعل بعضهم كونه من باب ضرب لغةً فيه، و(الفحل) الذكر من كل حيوان، ويراد به ذكر الإبل كثيرًا، وهو المراد هنا، وكذا حكم من اضطر إلى الدفع، كالمرأة تدفع عن نفسها من قصد الفجور بها مثلًا، لكن ينبغي أن يرفق في الدفع إلا من قصد القتل، كمن شهر سيفًا أو عصًا ليلًا في مصر، أو نهارًا في طريق في غير مصرٍ، فقتله المشهورُ عليه عمدًا فلا شيءَ عليه، كذا في (الهداية) (٣)، لأن في الليل لا يلحقه الغَوْثُ، وكذا في النهار في غير المصرِ فِيُضطَرُّ إلى دفعه بالقتل.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٣١٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٦٠).\n(٣) \"الهداية\" (٤/ ٤٤٨).","vol":"6","page":324},{"text":"٣٥١٢ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٨٠، م: ٦٤١].\n٣٥١٣ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: \"فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ\" قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: \"قَاتِلْهُ\" قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: \"فَأَنْتَ شَهِيدٌ\" قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: \"هُوَ فِي النَّارِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٠].\n٣٥١٤ - [٥] وَعَنْهُ أَنَّهُ سَمعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَوِ اطَّلَعَ فِي بَيْتِكَ أَحَدٌ، ولمْ تَأذَنْ لَهُ، فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ. . . . .\nــ\n٣٥١٢ - [٣] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (من قتل دون ماله) أي: عند الدفع عن ماله، وكذا دون أهله.\n٣٥١٣ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (فلا تعطه) أي: إن كان كما وصفتَه فلا تعطه.\nوقوله: (قال: هو في النار) أي: لا شيءَ عليك، وفيه أن دفع القاتل وهلكته في الدفع مباح.\n٣٥١٤ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (فخذفته) بالخاء والذال المعجمتين بعدهما فاء، أي: رمَيْتَه، وهو أن ترمي بحصاة أو نواة أو نحوهما تأخذها بين سبابتك وإبهامك أو بين سبابتيك أو بمخذف من الخشب، وقد مرّ ذكره في (كتاب الحج) في معنى حصى الخذف.\nوقوله: (ففقأت عينه) بتاء الخطاب، فقأ العين والبشرة كمنع: كسَرَها، أو","vol":"6","page":325},{"text":"مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٨٨، م: ٢١٥٨].\n٣٥١٥ - [٦] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ فِي جُحْرٍ فِي بَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ، فَقَالَ: \"لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُنِي لطَعَنْتُ بهِ فِي عَيْنيكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٠١، م: ٢١٥٦].\nــ\nقلَعَها.\nوقوله: (ما كان عليك من جناح) أي: إثم فضلًا عن أن يكون ضمان، وبه عمل الشافعي، وقيل: إذا فقأها بعد أن زجره فلم يزجر، وقال أبو حنيفة: عليه الضمان، والحديث محمول على الزجر والتشديد.\n٣٥١٥ - [٦] (سهل بن سعد) قوله: (في جحر) بتقديم الجيم على الحاء.\nوقوله: (ومعه مدرى) بكسر الميم وسكون المهملة وراء منونة، كعصًا: عود تدخله المرأة في رأسها لتضم بعض شعرها إلى بعض، وهو يشبه المِسلَّةَ، وقيل: هو عود أو حديدة كالخلال لها رأس محدد، وقيل: خشبة على شكل سن المشط يحكُّ بها ما لا تصلُ اليدُ إليه، وفي (القاموس) (١): درى رأسه: حكَّه بالمِدرَى، وهو القَرنُ كالمِدرَاةِ، وادَّرَت المرأةُ وتدرَّتْ: حكَّتْه بالمِدرَى (٢).\nوقوله: (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر) يعني فيكون النظر بلا استئذان كالدخول بلا استئذان.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٧٩).\n(٢) قوله: \"حكته بالمدرى\" كذا في الأصل، وفي \"القاموس\": سرّحت شعرها.","vol":"6","page":326},{"text":"٣٥١٦ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَخْذِفُ فَقَالَ: لَا تَخْذِفْ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنِ الْخَذْفِ، وَقَالَ: \"إِنَّهُ لَا يُصَادُ بِهِ صَيْدٌ، وَلَا يُنْكَأُ بِهِ عَدُوٌّ، وَلَكِنَّهَا قَدْ تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٧٩، م: ١٩٥٤].\n٣٥١٧ - [٨] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا وَفِي سُوقِنَا وَمَعَهُ نَبْلٌ،\nــ\n٣٥١٦ - [٧] (عبد اللَّه بن مغفل) قوله: (وقال: إنه لا يصاد به صيد. . . إلخ)، يعني لا نفع فيه دنياوىٌّ ولا دينيٌّ، وما هو إلا شرّ فلا لَلعب به، ويلحق به كل ما شاركه في هذا المعنى.\nوقوله: (ولا ينكأ به) أي: لا يخرج، من نكيتُ فِي العدو أنكي: إذا أكثرت فيهم الجراح والقتل فوهنوا، والهمز لغة، يقال: نكأت القرحةَ: إذا قشَرتَها، كذا في (النهاية) (١)، وقال في (القاموس) (٢) في باب الهمزة: نكأ القرحة: قشرها قبل أن تبرأ، وفي باب الواو والياء: نكى العدوَّ وفيهم نِكايةً: قتل، وجرح، والقرحةَ: نكأها، ويفهم منه أن الناقص يستعمل في العدوِّ وفي القرحة، والمهموز مخصوص بالأخير.\nوقوله: (ولكنها) أي: هذه الفعلة أو الرمية أو الحصاة.\n٣٥١٧ - [٨] (أبو موسى) قوله: (في مسجدنا وفي سوقنا) أي: مساجد المسلمين وأسواقهم، ويلحق بها المَجامعُ كلُّها، و(النبل) السهام العربية لا واحد لها من لفظها،\n_________\n(١) \"النهاية\" (٥/ ١١٧).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٦٤، و١٢٣٠).","vol":"6","page":327},{"text":"فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِشَيْءٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠٧٥، م: ٢٦١٥].\n٣٥١٨ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠٧٢، م: ٢٦١٧].\n٣٥١٩ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَضَعَهَا، وَإِنْ كَانَ أَخاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٦١٦].\nــ\nفلا يقال: نبلة، وإنما يقال: سهم، أو يقال: نبلة، والجمع: أنبال ونبال ونُبْلان، والنَّبَّالُ: صاحبه وبائعه، وحرفته: النِّبَالة، والْمُتَنَبِّلُ: حامله، و(النصال) جمع النصل وهو حديدة السهم والرمح، وتعدية الإمساك بـ (على) لتضمين معنى الحفظ والقبض.\nوقوله: (أن يصيب) أي: مخافةَ أن يصيب وكراهتَه.\n٣٥١٨ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (بالسلاح) هو بالكسر، والسِّلَحُ كعنب، والسُّلْحَانُ بالضم: آلة الحرب أو حديدتها، ويؤنث.\nوقوله: (ينزع في يده) بعين مهملة، أي: يجذبه حال كون السلاح في يده، كأنه يوقع يده لتحقق إشارته حين يشير به باللعب والهزل، ويروى بغين معجمة من النزغ بمعنى الإفساد والإغراء، أي: يُغرِيه فيحمله على تحقيق الضرب والطعن، وفيه النهيُ عن الملاعبة بالسلاح والهزل به.\n٣٥١٩ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (وإن كان أخاه لأبيه وأمه) تحقيق للهزل وعدم","vol":"6","page":328},{"text":"٣٥٢٠ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. وَزَادَ مُسْلِمٌ: \"وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا\". [خ: ٧٠٧٠، م: ١٠١].\n٣٥٢١ - [١٢] وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ سَلَّ عَلَيْنَا السَّيفَ فَلَيْسَ مِنَّا\". . . . .\nــ\nالقصد في الإشارة، ومع وجوده يتوجه اللعن، ففيه من المبالغة ما لا يخفى.\n٣٥٢٠ - [١١] (ابن عمر) قوله: (من حمل علينا) أي: على المسلمين، قيل: يجوز أن يكون الجار والمجرور يتعلق بالفعل، و(السلاح) منصوب على نزع الخافض، يقال: حمل عليه حملة بالسلاح، وأن يكون حالًا والسلاح مفعولًا، أي: حمل السلاح علينا لا لنا، انتهى. وعلى التقديرين ينبغي أن يحمل على الهزل واللعاب كما في الحديث السابق ليفيد الحكم، وإلا فالظاهر أن الحامل قصدًا وحرابًا ليس منهم وعلى سنتهم.\nوقوله: (ومن غشّنا) أي: خاننا وترك النصيحة لنا، في (القاموس) (١): غشَّه: لم يمحَضْه النُّصحَ، أو أظهرَ له خلافَ ما أضمرَ.\n٣٥٢١ - [١٢] (سلمة بن الأكوع) قوله: (من سلّ علينا السيف فليس منا) وجاء في بعض الروايات: (من حمل السيف على أمة محمد)، وهو أيضًا محمول على معنى الهزل وعدم قصد القتل لتوافق ترجمة الباب وإلا فمن شهر على المسلمين سيفًا فعليهم أن يقتلوه، لقوله -ﷺ-: (من شهر على المسلمين سيفًا فقد أُطِلُّ\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٥٥٥).","vol":"6","page":329},{"text":"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٩].\n٣٥٢٢ - [١٣] وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ هشامَ بنَ حَكِيمٍ مَرَّ بِالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ مِنَ الأَنْبَاطِ، وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ. . . . .\nــ\nدمه) (١)؛ ولأنه باغٍ فِيسقط عصمته ببغيه؛ ولأنه تعين طريقًا لدفع القتل عن أنفسهم كما مرّ.\n٣٥٢٢ - [١٣] (هشام بن عروة) قوله: (من الأنباط) النبط والنبيط والأنباط: جيل ينزلون بالبطائح بين العراقين (٢)، وهو نبطي محركة ونباطي مثلثة، كذا في (القاموس) (٣)، وفي (المشارق) (٤): النبط والنبيط، والأنباط جمعه: نصارى الشام الذين عمروها وأهل سواد العراق، وقيل: جيل وجنس من الناس، ويحتمل أن تسميتهم بذلك لاستنباطهم المياه واستخراجها، واسم الماء النبط، وقيل: سمي بذلك من أجلهم، واسمهم لفعلهم ذلك وعمارتهم الأرض، انتهى. يعني يحتمل أن يكون تسميتهم بالنبط بأجل الماء واستنباطهم إياه وعملهم فيه، وأن يكون تسمية الماء بذلك من أجلهم وكونه فعلًا لهم، فعلى الأول تسميتهم به مقدم على تسمية الماء به، وعلى الثاني على العكس، والظاهر هو الأول، قال في (القاموس) (٥): نبط الماءُ ينبطُ نبطًا ونبوطًا: نبَعَ، والبئرَ: استخرجَ ماءَها.\n_________\n(١) انظر: \"نصب الراية\" (٤/ ٣٤٧)، و\"الدراية\" (٢/ ٢٦٧).\n(٢) أي: بين البصرة والكوفة. \"مرقاة\" (٦/ ٢١٩٨).\n(٣) \"القاموس\" (ص: ٦٣٥).\n(٤) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٤).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٣٥).","vol":"6","page":330},{"text":"وَصُبَّ عَلَى رُؤوسِهِمُ الزَّيْتُ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قِيلَ: يُعَذَّبُونَ فِي الخَراجِ فَقَالَ هِشَامٌ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦١٣].\n٣٥٢٣ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُوشِكُ إِنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ أَنْ تَرَىَ قَوْمًا فِي أَيْدِيهِمْ مِثْلُ أَذْنَابِ الْبَقَرِ، يَغْدُونَ فِي غَضَبِ اللَّهِ وَيَرُوحُونَ فِي سَخَطِ اللَّهِ\"، وَفِي رِوَايَةٍ: \"وَيَرُوحُونَ فِي لَعْنَةِ اللَّهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٥٧].\nــ\nوقوله: (وصب على رؤوسهم الزيت) أي: الزيت الحر.\nوقوله: (ما هذا؟) إنما لم يقل: من هم؟ استغرابًا لتلك الحال وتعجبًا منها.\nوقوله: (يعذبون الناس في الدنيا) أي: بغير حق، وبما لا يتعارف به العذاب في الشدة والشناعة وبما يعذب به اللَّه في الآخرة، اللهم إلا إذا شنع جنايتهم غاية الشناعة، ورأى الإمام المصلحة في تشديد عذابهم قصاصًا أو سياسة، ومع ذلك لا يجوز التعذيب بالنار إلا ما روي عن أمير المؤمنين علي -﵁- من إحراق الزنادقة ومع ذلك أنكر ابن عباس، واللَّه أعلم.\n٣٥٢٣ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (مثل أذناب البقر) أي: سياط، ويسمى المقارع، وهي جلدة طرفها مشدود وعرضها كعرض الأصبع يضربون بها الناس عُراةً، وقيل: هم الطوافون على أبواب الظلمة الساعون بين أيديهم يطردون الناس بالضرب والسباب، وهم كالكلاب العقور.\nوقوله: (يغدون ويروحون) كناية عن الاستمرار، ويحتمل أن يكون المراد","vol":"6","page":331},{"text":"٣٥٢٤ - [١٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا: قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ، يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ، وَنِسَاءٌ كاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ. . . . .\nــ\nالوقتين المخصوصين لإيذائهم الناس فيهما.\n٣٥٢٤ - [١٥] (أبو هريرة) قوله (: كاسيات عاريات) من كسا يكسي فهو كاسٍ، أي: صار ذا كسوة، ومنه: واقعُدْ فإنَّكَ أنت الطاعمُ الكاسي، أو هو بمعنى مفعول من كسا يكسو، كذا في (مجمع البحار) (١)، ويجوز أن يكون من كسا يكسو بمعنى كاسياتٍ أبدانَهنَّ وأنفسَهنَّ، ثم ذكروا في معناه وجوهًا.\nقال التُّورِبِشْتِي (٢): المعنى يلبسن من رقائق الثياب ما يبدو عنه أجسامهن فتصفها للناظرين فهي عارياتٌ على الحقيقة وإن كنَّ كاسياتٍ في الصورة، أو كاسيات من نعم اللَّه عاريات من الشكر، وأرى الوجه فيه الأول لأنه قال في أول الحديث: (صنفان من أهل النار لم أرهما) ولم يخلُ زمانه عنهن على التأويل الثاني؛ لأنه إن لم يوجد هذا المصنف في مؤمناتِ زمانه فما أكثرَ ما وُجِدَ فِي المنافقات والكوافر، انتهى. وقيل: هو أن يكشفن بعض جسدهن ويسدلن الخمر من وراءهن فتكشف صدورهن وبطونهن فهي كاسيات كعاريات، أقول: ويجوز أن يكون معناه ما وقع في حديث ندبهن إلى الصدقة من قوله -ﷺ-: (رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٌ فِي الآخرة) أي: متنعمات مترفعات في الكسوة عارية عن الحسنات ولباس التقوى التي يكتسين بها في الآخرة حُلَلَ\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٤١١).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٢٣).","vol":"6","page":332},{"text":"مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ. . . . .\nــ\nالجنة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (مميلات مائلات) قال التُّورِبِشْتِي (١): ذكر فيه أبو عبيد الهروي عن ابن الأنباري (مائلات) أي: زائغات من طاعة اللَّه وما يلزمهن من حفظ الفروج، و(مميلات) يعلِّمنَ غيرَهنَّ الدخولَ فِي مثل فعلهن، وقيل: مائلات: متبخترات في مشيهن، فمميلات يملن أكتافهن وأعطافهن، ويجوز أن يكون المائلات والمميلات بمعنًى من باب التأكيد والمبالغة كما يقال: جادٌّ مجدٌّ، ويحتمل أن يكون المعنى في المائلات التي يَمِلْنَ إلى الفحول، وفي المميلات المُمِيلات قلوبَ مَن رغب فيهن من الرجال، انتهى.\nأقول: بل هذا أظهر الوجوه يحمل الميل على كثرته والمبالغة فيه بترك الستر والحياء، والحيلة فيه حمل الإمالة بالتزين والتجمل وإبداء زينتهن والمراودة كما هو عادة الفواحش والزواني، وفي معناه ما قيل: مائلات إلى الفتنة ومميلات إليها، هذا وقد قيل في معنى مائلات: يمتشطن مِشْطة المَيْلاء، وهي مشطة البغايا، ومميلات: يمشطنها لغيرهن، قال في (القاموس) (٢): الميلاء: ضرب من الامتشاط ما يُمِلْنَ فيه العقاص، انتهى. وفيه حديث ابن عباس قالت له: إني أمتشط الميلاء، فقال عكرمة: رأسك تبع لقلبك، فإن استقام قلبك استقام رأسك، وإن مال قلبك مال رأسك.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٢٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٧٧).","vol":"6","page":333},{"text":"رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ، وَلَا يجِدْنَ رِيحَهَا، وَإِنَّ رِيحَهَا لَتُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٢٨].\n٣٥٢٥ - [١٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُوْرَتِهِ\". . . . .\nــ\nوقوله: (رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة) قيل: أراد به أنهن يغطِّين رؤوسهن بالخُمُر والعِمامة والعِصابة حتى تشبه أسنمةَ البُخْت، قال التُّورِبِشْتِي (١): أراد بذلك عظمها وميلها من السمن، والبخت بالضم: الإبل الخراسانية كالبختية، كذا في (القاموس) (٢).\nوقوله: (المائلة) صفة الأسنمة لأن أعلى السنام يميل لكثرة شحمه، وهذا من شعائر نساء مصر كذا قالوا، ويجوز أن يقال: أراد بقوله: (رؤوسهن كأسنمة البخت) أنهن يكثرن عقاص شعورهن حتى تشبه بالأسنمة، وهذا هو الأظهر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (لا يدخلن الجنة، ولا يجدن ريحها) حين تدخلُ العفائفُ ويجِدْنَ، وهو تشديد وتغليظ، وقد مرّ مثل هذا مرارًا، ويكفي في وجوب التأويل قوله -ﷺ-: (وإن زنى وإن سرق)، وغاية هذه الأفعال أنها مبادئ الزنا ومن مقدماتها.\n٣٥٢٥ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (إذا قاتل أحدكم) أي: ضارب وخاصم، قيل: ولو مع الكفار.\nوقوله: (فليجتنب الوجه) قيل: الأمر للندب.\nوقوله: (فإن اللَّه خلق آدم على صورته) اختلفوا في بيان معنى هذا الكلام،\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٢٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٤٩).","vol":"6","page":334},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٥٩، م: ٢٦١٢].\nــ\nفقيل: إن الضمير راجع إلى آدم ﵇، إما بمعنى أنه خلق على صورته التي كان عليها من مبدأ فطرته إلى منقرض عمره بخلاف سائر الناس، وإما بمعنى أنه خلق على صورة وحال مختص به لا يشاركه نوع آخر من المخلوقات يتطور وينقلب في أحوال مختلفة والكمال والنقصان والترقي والتنزل من خصيص البهيمة إلى ذروة الملائكة، وإما بمعنى أنه تعالى اخترع صورته لم يتقدم مثلها، وسائر المخلوقات لها مثال وشبه، وآدم خلق على صورة بديعة عجيبة لم يشبه شيئًا.\nوقيل: الضمير راجع إلى المضروب، وقد جاء أن أحدًا كان يضرب أخاه على وجهه فنهاه رسول اللَّه -ﷺ- عن ذلك، وقال: وعلله بأن اللَّه خلقَ آدمَ على صورته.\nوقيل: الضمير للَّه سبحانه؛ فإنه قد جاء في رواية: إنَّ اللَّه خلقَه على صورةِ الرحمنِ، وقد تُكُلِّم في صحة هذه الرواية، ولفظه لا يخلو عن ركاكة، واللَّه أعلم. ولا يجوز إجراؤه على الظاهر.\nوقد أخطأ فيه بعض المحدثين وذهب مذهبَ المجسِّمة وإن كانوا يقولون: اللَّه جسم ليس كالأجسام وله صورة ليست كالصور، فإنهم إن أرادوا به حقيقة الصورة المركبة لكن صورة تباين سائر الصور فذاك، وإن أرادوا أنا نعتقد أن له صورة ولا نعرف كُنهَ ما أراد به كاليد والعين كما هو مذهب من لم يؤوِّلها ويفوض علمه إلى اللَّه فذاك مذهب المتقدمين من السلف، لكن لا يعقل خلق آدم عليها كما لا يخفى، فافهم.\nوقيل: إضافة الصورة إلى اللَّه من جهة التشريف والتكريم كما في بيت اللَّه وروح اللَّه، أو من جهة أن المراد صورة اجتباها واختارها حيث جعلها نسخة لجميع مخلوقاته.\nوالحقُّ أن المراد بـ (صورة): الصفة كما يقال: صورة المسألة كذا، وصورة","vol":"6","page":335},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-892> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٥٢٦ - [١٧] عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ كَشَفَ سِتْرًا فَأَدْخَلَ بَصَرَهُ فِي الْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ، فَرَأَى عَوْرَةَ أَهْلِهِ؛ فَقَدْ أَتَى حَدًّا لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ، وَلَوْ أَنَّهُ حِينَ أَدْخَلَ بَصَرَهُ، فَاسْتَقْبَلَهُ رَجُلٌ فَفَقَأَ عَيْنَهُ، مَا عَيَّرْتُ عَلَيْهِ،\nــ\nالحال كذا؛ فإنه ﷾ جعل آدم مظهرًا لصفاته وكمالاته، لا بمعنى أنه أدخل فيه صفاته العلية وكمالاته الغير المتناهية، بل جعله متصفًا بمعانٍ يشبه ويماثل صفاته لا من كل الوجوه بل بشيء مماثل لها من حيث الصورة والمجاز وبادئ النظر، وجعله مستعدًّا لأن يتخلق بأخلاقه بالمعنى المذكور، هذا ولكن لا يلائم شيء من هذه الوجوه سياق الكلام الناطق بالنهي عن ضرب وجه الإنسان من بين بقية أجزائه، بل يصلح أن يجعل علة للنهي عن ضربه مطلقًا، اللهم إلا أن يضمر ههنا مقدمة، وهي وجهه أشرف أجزائه، فحاصله أن الإنسان أشرف أجناس المخلوقات، ووجهه أشرف أنواع أعضائه، فليجتنب ضربه، وقد يقال: إن الضمير راجع إلى الوجه بمعنى أن اللَّه خلق آدم مشتملًا على صورة الوجه المشرف المكرم بإبداعه فيه المحاسن والحواس؛ فلا ينبغي أن يضرب، ولا يخلو عن تكلف، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n٣٥٢٦ - [١٧] (أبو ذر) قوله: (عورة أهله) الضمير للبيت.\nوقوله: (فقد أتى حدًّا) أي: شيئًا يوجب الحد، والمراد به التعزير، أو هو مبالغة وتشديد، وقيل؛ المراد أتى مكانًا حاجزًا بين ما يجوز إتيانه وما لا يجوز، وهذا أولى.\nوقوله: (ما عيرت عليه) أي: لا أعيبُ عليه من العَيْر بالعين المهملة بمعنى","vol":"6","page":336},{"text":"وَإِنْ مَرَّ الرَّجُلُ عَلَى بَابٍ لَا سِتْرَ لَهُ غَيْرَ مُغْلَقٍ، فَنَظَرَ؛ فَلَا خَطِيئَةَ عَلَيْهِ، إِنَّمَا الْخَطِيئة عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٧٠٧].\n٣٥٢٧ - [١٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُتَعَاطَى السَّيْفُ مَسْلُولًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢١٦٣، د: ٢٥٨٨].\n٣٥٢٨ - [١٩] وَعَن الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى أَنْ يُقَدَّ السَّيْرُ بَيْنَ أُصْبُعَينِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٨٩].\nــ\nالتوبيخ، وهو في الأصل النسبة إلى العار.\nوقوله: (لا ستر له غير مغلق) دل على أنه لا بد من إغلاق الباب وإسبال ستر عليه.\nوقوله: (فنظر) أي: وقع نظره على أهل البيت.\n٣٥٢٧ - [١٨] (جابر) قوله: (أن يتعاطى السيف) أي: يتناول، أي: يؤخذ، والتناول الأخذ بعد المناولة، يقال: ناولتُه فتناوَلَه، أي: أخَذَه، والمراد هنا الأخذ مطلقًا.\n٣٥٢٨ - [١٩] (الحسن) قوله: (نهى أن يقد السير) في (القاموس) (١): القَدُّ: القطع المستطيل أو الشق طولًا، والسير: بفتح السين وسكون التحتانية: الذي يُقَدُّ من الجلد، وإنما نهى عن قطع الجلد بين أصبعين لئلا تعقر الحديدة التي يقطع بها الجلدُ يده، وهو في معنى النهي عن تناول السيف مسلولًا، والنهي فيهما للتنزيه شفقةً.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٩٣).","vol":"6","page":337},{"text":"٣٥٢٩ - [٢٠] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ١٤٢١، د: ٤٧٧٢، ن: ٤٠٩٠].\n٣٥٣٠ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ: بَابٌ مِنْهَا لِمَنْ سَلَّ السَّيْفَ عَلَى أُمَّتِي أَوْ قَالَ: عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣١٢٣].\nوَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: \"الرِّجْلُ جُبَارٌ\" ذُكرَ فِي \"بَابِ الْغَضَب\".\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-893>٣ - باب القسامة</span>\nــ\n٣٥٢٩ - [٢٠] (سعيد بن زيد) قوله: (دون دينه) أي: قدَّامَ دِينه، وعند حفظه.\nوقوله: (دون أهله) أي: عند محافظة محارمه، وعامة العلماء على أن الرجل إذا قُصِدَ مالُه أو دمُه أو أهلُه فله دفعُ القاصد بالأحسن؛ فإن لم يمتنع إلا بالمقاتلة فقتلَه فلا شيء عليه بل هو شهيد.\n٣٥٣٠ - [٢١] (ابن عمر) قوله: (سل السيف على أمتي) كناية عن البغي والظلم.\nوقوله: (الرجل جبار) أي: رِجلُ الدابَّة، وهو في معنى حديث: (العجماء جبار)، وقد سبق شرحه.\n٣ - باب القسامة\nهي اسم بمعنى القَسَم، وقيل: مصدر، يقال: أقسَمَ يُقسِمُ قَسامةً: إذا حلَفَ،","vol":"6","page":338},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-894> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٥٣١ - [١] عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ أَنَّهُمَا حَدَّثَا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ بْنَ مَسْعُودٍ أَتَيَا خَيْبَرَ،\nــ\nوقد يطلق على الجماعة الذين يقسمون، وفي الشرع: عبارة عن أيمان يُقسِمُ بها أولياء الدم على استحقاق دم صاحبهم، أو يقسم بها أهل المحلَّةِ المتَّهَمون على نفي القتل عنهم على اختلاف بين الأئمة؛ فعندنا يقسم أهل المحلة، يتخيرهم الولي: يحلفون باللَّه ما قتَلْنا ولا علِمْنا قاتِلَه؛ للحديث المشهور: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، وكما دل عليه ظاهر الحديث الآتي في الفصل الثالث من رافع بن خديج، وعند الشافعي وكذا عند أحمد: إن كان بينهم عداوةٌ ولَوْثٌ بأن يغلب الظن على أنهم قتلوه يحلف الأولياء؛ فإن أبوا يحلف المتهمون على ما دل الحديث الأول من رافع بن خديج، وإن لم يكن عداوةٌ ولَوْثٌ؛ فلا يمينَ على الأولياء، ولا يجب في القَسامة قصاصٌ وإن كان الدعوى القتلَ عمدًا، بل الواجب فيه الديةُ عمدًا كان الدعوى أو خطأ، وقال مالك: يقضى بالقود إن كان الدعوى في العمد، وهو القول القديم للشافعي، وتمام مسائل الباب ودلائلها مذكورة في كتب الفقه (١)، وقالوا: كانت القسامة في الجاهلية، فأقرّها رسول اللَّه -ﷺ- على ما كانت في الجاهلية، وقضى بها بين ناس من الأنصار في قتلٍ ادَّعَوه على يهود خيبر، رواه مسلم.\nالفصل الأول\n٣٥٣١ - [١] (رافع بن خديج) قوله: (رافع بن خديج) بفتح الخاء، (وسهل ابن أبي حثمة) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة.\n_________\n(١) انظر: \"أوجز المسالك\" (١٥/ ١٥٠ - ٢٢٣)، و\"المغني\" (٨/ ٤٨٧).","vol":"6","page":339},{"text":"فَتَفَرَّقَا فِي النَّخْلِ، فَقُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ، فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ وَحُوَيِّصَةُ وَمُحَيِّصَةُ ابْنَا مَسْعُودٍ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَتَكَلَّمُوا فِي أَمْرِ صَاحِبِهِمْ، فَبَدَأَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَكَانَ أَصْغَرَ الْقَوْمِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: كَبِّرِ الْكُبْرَ، قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعَدٍ: يَعْنِي لِيَلِيَ الْكَلَامَ الأَكْبَرُ، فَتَكَلَّمُوا فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"اسْتَحِقُّوا قَتِيلَكُمْ -أَوْ قَالَ: صَاحِبَكُمْ- بِأَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ\". . . . .\nــ\nوقوله: (فجاء عبد الرحمن بن سهل) وهو أخو المقتول، (وحويصة ومحيصة) وهما من أبناء أعمام القتيل، وهما بضم الحاء المهملة وضم الميم وفتح الثانية وكسر التحتانية المشددة وإهمال الصاد، وقيل: بسكون الياء، وكلاهما لغتان مشهورتان، ونقل عن الحافظ السيوطي في حاشية (الموطأ) أن تشديد الياء فيهما أشهر اللغتين كذا ذكروا، والظاهر أن الصاد على تقدير الياء مخففة، وقال في (القاموس) (١): حويصة ومحيصة ابنا مسعود مشددتي الصاد، انتهى. ولا شك أن تشديد الصاد إنما يكون عند سكون الياء.\nوقوله: (في أمر صاحبهم) أي: قتيلهم.\nوقوله: (كبر الكبر) كبر أمر من التكبير، والكبر بالضم والسكون: أكبر القوم، أي: أعظم منه هو أكبر منك، أي: قدِّمْه في التكلم، وفي رواية: (الكبر الكبر) على الإغراء أو بتقدير قدموا الكبر، والثاني تأكيد.\nوقوله: (استحقوا) بلفظ الأمر، (قتيلكم) أي: موجب جناية قتيلكم، وهو الدية عند الأكثرين.\nوقوله: (بأيمان خمسين منكم) بتنوين وبغير تنوين، والتنوين أظهر، وههنا\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٦٩).","vol":"6","page":340},{"text":"قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمْرٌ لَمْ نَرَهُ قَالَ: \"فَتُبَرِّئُكُمْ. . . . .\nــ\nإشكالان أحدهما: أنه كيف أمر بتقديم الأكبر مع أن المدَّعيَ كان هو الأصغرَ، أعني عبدَ الرحمن؟ وثانيهما: أنه كيف عرضت اليمين على الثلاثة، والوارث هو عبد الرحمن خاصة؟ أجيب عن الأول بأن المراد كان سماع صورة القضية، فإذا أريد حقيقة الدعوى تكلم المدعي، وبأنه يحتمل أن عبد الرحمن وكَّلَ حويصة وهو الأكبر، وعن الثاني بأنه أورد لفظ الجمع لعدم الالتباس.\nوقوله: (أمر لم نره) أي: كيف نحلف وصدور القتل أمر لم نشاهده.\nوقوله: (فتبرئكم) من الإبراء، وفي بعض النسخ: (فتبرِّئكم) من التبرئة، أي: يرفعون منكم الظن والتهمةَ منهم، وظاهره أنهم إذا حلفوا ارتفعت الدية عنهم كما هو مذهب الشافعي؛ ولأن اليمين عهدت في الشرع مبرئة للمدعى عليه لا ملزمة كما في سائر الدعاوى، وعندنا يجب الدية مع وجود أيمانهم؛ لأن النبي -ﷺ- جمع بين الدية والقسامة في حديث سهل، وفي حديث زياد بن أبي مريم، كذا في (الهداية) (١).\nوذكر في شرحه (٢): أنه روي عن ابن عباس -﵄-: أن النبي -ﷺ- كتب إلى أهل خيبر: أن هذا قتيل وجد بين أظهركم، فما الذي يخرجه عنكم؟ فكتبوا إليه: أن مثل هذه الحادثة وقعت في بني إسرائيل، فأنزل اللَّه تعالى على موسى أمرًا؛ فإن كنت نبيًا فافعل ذلك، فكتب إليهم أن اللَّه تعالى أراني أن أختار [منكم] خمسين رجلًا فيحلفون باللَّه: ما قتَلْنا ولا نعلَمُ له قاتلًا، ثم يؤدُّون الدية، قالوا: لقد أصبتَ.\nوروى حفص عن زياد بن أبي مريم أنه قال: جاء رجل إلى النبي -ﷺ- فقال: إني\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٤٩٨).\n(٢) انظر: \"فتح القدير\" (٩/ ٣٠٩).","vol":"6","page":341},{"text":"يَهُودُ فِي أَيْمَانِ خَمْسِينَ مِنْهُمْ؟ \" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَوْمٌ كفَّارٌ،\nــ\nوجدت أخي قتيلًا في بني فلان، فقال: اختر من شيوخهم خمسين رجلًا، فيحلفون باللَّه ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا، فقال الرجل: ما لي من أخي إلا هذا؟ فقال: نعم، ومئة من الإبل.\nوقال في (الهداية) (١): وكذا جمع عمر -﵁- بينهما على وادعة اسم قبيلة من همدان، وقصته: أن قتيلًا وجد بين وادعة وأرحب، وكان إلى وادعة أقرب، فقضى عمر -﵁- عليهم بالقسامة والدية، فقال وادعيٌّ: يا أمير المؤمنين! لا أيماننا تدفع عن أموالنا، ولا أموالنا تدفع عن أيماننا؟ فقال: إنما حقهم دماؤكم لوجود القتل بين أظهركم فأيمانكم أقربكم الدية (٢)، هذا وقد طعن الشافعية على الحنفية في هذين المسألتين.\nإحداهما: عدم الابتداء بيمين المدعي، وتحليف أهل المحلة.\nوثانيتهما: أخذ الدية منهم مع وجود أيمانهم، وهو يخالف الحديث، أما الأول فلأن الروايات الصحيحة كلها متطابقة على أنه -ﷺ- بدأ بالمدعين، وأما الثاني أنه قال: (فتبرئكم يهود في أيمان خمسين)، فإيجاب الدية معها يخالف النص ويخالف القياس أيضًا؛ إذ ليس في شيء من الأصول اليمين مع الغرامة، بل إنما شرعت للبراءة والاستحقاق، انتهى.\nوقد عرفت الدليل على مذهبنا، وأما الجواب عن دليلهم فهو أن قوله -ﷺ-: (تبرئكم اليهود) محمول على الإبراء عن القصاص والحبس، وكذا اليمين مبرئة عما وجب له اليمين، والقسامة ما شرعت لتجب الدية إذا نكلوا، بل شرعت ليظهر القتل والقصاص\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٤٩٨).\n(٢) كذا في الأصل، وفي \"العناية\" (٩/ ٣٠٩): فقال: إنما حقنتم دماءكم بأيمانكم، وإنما أغرمكم الدية لوجود القتيل بين أظهركم.","vol":"6","page":342},{"text":"فَفَدَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ قِبَلِهِ وَفِي رِوَايَةٍ: \"تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ -أَوْ صَاحِبَكُمْ-\" فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ عِنْدِهِ بِمِئَةِ ناقَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٤٢، م: ١٦٦٩].\nوَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عِنَ الْفَصْلِ الثَّانِي.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-895> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٥٣٢ - [٢] عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: أَصْبَحَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ مَقْتُولًا بِخَيْبَرَ فَانْطَلَقَ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: \"أَلَكُمْ شَاهِدَانِ يَشْهَدَانِ عَلَى قَاتِلِ صَاحِبِكُمْ؟ \" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ أحدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وإِنَّما هُمْ يَهُودُ وَقَدْ يَجْتَرِؤُونَ عَلَى أَعْظَمَ مِنْ هَذَا قَالَ: \"فَاخْتَارُوا مِنْهُمْ خَمْسِينَ فَاسْتَحْلِفُوهُمْ\" فَأَبَوْا، فَوَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ. . . . .\nــ\nبتحرزهم عن اليمين الكاذبة فيقروا بالقتل؛ فإذا حلفوا حصلت البراءة عن القصاص، ثم الدية تجب بالقتل الموجود منهم ظاهرًا لوجود القتيل بين أظهرهم لا بنكولهم، أو وجبت بتقصيرهم في المحافظة كما في القتل الخطأ، كذا في (الهداية) (١).\nوقوله: (ففداهم) أي: أعطى أصحابَ القتيلِ الدِّيةَ (من قبله) أي: من جانبه من عنده لدفع الفتنة.\nالفصل الثالث\n٣٥٣٢ - [٢] (رافع بن خديج) قوله: (يجترؤون على أعظم من هذا) كقتل الأنبياء، وتحريف كلام اللَّه، وإزالة أحكامه التي في حكم القتل بل أشدّ منه.\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٤٩٨).","vol":"6","page":343},{"text":"عِنْدِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٥٢٣].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-896>٤ - باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-897> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٥٣٣ - [١] عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: أُتِيَ عَلِيٌّ بِزَنادِقَةٍ،\nــ\n٤ - باب قتل أهل الردة والسعاة بالفساد\n(الردة) والارتداد: الرجوع، وغلب في الرجوع عن الإسلام، وإذا ارتد المسلم عن الإسلام -والعياذ باللَّه- عُرِضَ عليه الإسلام؛ فإن كانت له شبهةٌ كُشِفَت عنه إلا أن العرضَ على ما قالوا غيرُ واجب، لأن الدعوة بلغته، ويستحبُّ حبسُه ثلاثةَ أيام إن أسلمَ وإلا قُتِلَ، وقيل: إن استمهل يمهل. وقال الشافعي: يجب على الإمام أن يؤجله ثلاثة أيام، ولنا قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] وقوله -ﷺ-: (من بدل دينه فاقتلوه)، كذا في (الهداية) (١).\n(والسعاة): جمع ساعٍ كقُضَاة وقاضٍ، وهم الذين يسعون في الأرض فسادًا كقُطَّاع الطريق، أخذًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ الآية [المائدة: ٣٣].\nالفصل الأول\n٣٥٣٣ - [١] (عكرمة) قوله: (بزنادقة) جمع زِندِيق، وهو في الأصل يقال\n_________\n(١) \"الهداية\" (٢/ ٤٠٦).","vol":"6","page":344},{"text":"فَأَحْرَقَهُمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحْرِقْهُمْ لِنَهْي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ\" وَلَقتلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٩٢٢].\n٣٥٣٤ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِن النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إِلَّا اللَّهُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٩٥٦].\n٣٥٣٥ - [٣] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ حُدَّاثُ الأَسْنَانِ،\nــ\nلقومٍ من المجوس، يتبعون (كتاب الزند) كان لزردشت المجوسي، وقيل: هو من لا يؤمن بالآخرة وينكر الربوبية، وقد سبق في أوائل الكتاب تحقيق هذا اللفظ تفصيلًا، والمراد هنا قوم ارتدُّوا عن الإسلام، وقيل: قوم من السَّبَئيَّة أصحاب عبد اللَّه بن سبأ، أظهر الإسلام ابتغاءً للفتنة، وتضليلًا للأمة، وادعوا أن عليًّا هو الرب، فأخذهم -﵁-، واستتابهم فلم يتوبوا، فحفر لهم حفرًا، وأشعل النار، ثم أمر بأن يرمى بهم فيها، وكان ذلك اجتهادًا منه ورأيًا ومصلحةً في زجرهم وزجر سائر المفسدين من أبناء جنسهم، يدل على ذلك ما روي أنه لما بلغه قولُ ابن عباس قال: صدقَ ابنُ عباسٍ، واللَّه أعلم.\n٣٥٣٤ - [٢] (عبد اللَّه بن عباس) قوله: (إن النار لا يعذب بها) أي: لا ينبغي أن يعذب بها (إلا اللَّه) وهذا تتمة قوله في قصة الإحراق على المرتدين.\n٣٥٣٥ - [٣] (علي) قوله: (حدّاث الأسنان) وهم قوم يتحدثون، جمع على غير قياس، وفي رواية: (حُدَثاء الأسنان) على وزن كبراء جمع حديث ضد القديم.","vol":"6","page":345},{"text":"سُفَهَاءُ الأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قتلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٣٠، م: ١٠٦٦].\nــ\nوقوله: (سفهاء الأحلام) جمع سفيه، والسَّفَه محركة: خفَّةُ الحِلْمِ، أو نقصُه، أو الجهلُ، والحِلم بالكسر: العقل والأناة.\nوقوله: (يقولون من خير قول البرية) أي: من خير ما يتكلم البرية وهو القرآن، وفي بعض نسخ (المصابيح): (من قول خير البرية) وهو أحاديث رسول اللَّه -ﷺ-، والأول أنسب بما وقع في الأحاديث من قراءتهم القرآن وتمسُّكهم به.\nو(الحناجر) جمع حَنجَرة، وهو الحلقوم، والمراد كلمة الإيمان من ذكر اللَّه والقرآن، كما ورد في حديث آخر: (يقرؤون القرآن، ولا يجاوز حناجرهم أو تراقيهم) كناية عن عدم الصعود إلى حضرة اللَّه سبحانه، أو عدم تجاوزه إلى القلوب والجوارح بالاعتقاد والعمل، وقيل: لا يتعدَّى من الحناجر إلى الخارج، ولعل المراد من الخروج إلى الخارج هو ظهور آثاره وأنواره بالعمل.\nوقوله: (يمرقون) أي: يخرجون (من الدين) أي: من طاعة الإمام لا من دين الإسلام، وهو مبالغة وتشديد. و(الرمية) على وزن البَرِيَّة بمعنى المَرمِيَّة، أي: الصيد، يريد أن دخولهم في الدين، ثم خروجهم منه، ولم يتمسكوا منه بشيء، كسهم دخل في صيد، ثم يخرج منه، ولم يعلق به منه شيء من نحو الدم والفرث لسرعة نفوذه، وفيه إشارةٌ إلى إماتتهم الدينَ وإهلاكه وإفساده، وقصة خروجهم، وقتل أمير المؤمنين علي -﵁- إياهم مشهورة، ويحكى أنه -﵁- سئل أكفّار هم؟ قال: من الكفر فرُّوا، وفي رواية: هربوا، ومن مذهبهم أن العبد يكفر بارتكاب الصغيرة.","vol":"6","page":346},{"text":"٣٥٣٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَكُونُ أُمَّتِي فِرْقَتَيْنِ، فَيَخْرُجُ مِنْ بَيْنهِمَا مَارِقَةٌ يَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَاهُمْ بِالْحَقِّ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٦٤].\n٣٥٣٧ - [٥] وَعَنْ جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: \"لَا تَرْجِعُنَّ بَعْدِي كفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠٨٠، م: ٦٥].\nــ\n٣٥٣٦ - [٤] (أبو سعيد الخدري) قوله: (يكون أمتي فرقتين، فيخرج من بينهما) هذا إشارة إلى قصة قتال علي ومعاوية وخروج الخوارج من الطرفين، وقصدهم إهلاك الطرفين، فصح خروجهم من بين الفرقتين مع أنهم كانوا على الباطل كالفرقة الباغية منهما؛ فلا يتجه ما قال الطيبي (١): إن قوله: (فرقتين) يقتضي أن يكون إحدى الفرقتين على الحق والأخرى على الباطل.\nوقوله: (يخرج من بينهما) يقتضي أن يكون المارقة خارجة منهما معًا، ولا يحتاج إلى أن يقال في توجيهه: إنه كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] مع أنه يخرج من أحدهما، فافهم.\nوقوله: (أولاهم) أي: أقرب الأمة (بالحق) إشارة إلى علي -﵁- وكرم وجهه، فإنه الذي قتلهم وهو كان على الحق في تلك القضية.\n٣٥٣٧ - [٥] (جرير) قوله: (لا ترجعن بعدي كفارًا) قد سبق توجيهاته في (حجة الوداع) في الفصل الأول من (باب خطبة يوم النحر)، وأقرب التوجيهات أن\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ١٠٢).","vol":"6","page":347},{"text":"٣٥٣٨ - [٦] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ حَمَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى أَخِيهِ السِّلَاحَ، فَهُمَا فِي جُرْفِ جَهَنَّمَ فَإِذَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ دَخَلَاهَا جَمِيعًا\" وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: قَالَ: \"إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ\" قُلْتُ: هَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: \"إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٧٥، م: ٢٨٨٨].\n٣٥٣٩ - [٧] وَعَن أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- نَفَرٌ مِنْ عُكْلٍ. . . . .\nــ\nالمراد أن ذلك فعل يشبه فعل الكفار، وأنه كاد أن يوقع في الكفر ويؤدي إليه، كما ينبئ عنه قوله: (فهما في جُرف جهنَّمَ)، وقد روي هناك (ضلالًا) بدل (كفارًا)، وهو يبين المراد بقوله: (كفارًا).\n٣٥٣٨ - [١٦] (أبو بكرة) قوله: (حمل أحدهما) حال بتقدير قد.\nوقوله: (فهما في جرف جهنم) أي: في طرفها، والجرف بضمتين: جانب الوادي الذي تجرفه السُّيولُ، أي: تقطعه، أي هما متعرضان للهلاك، كأنهما في طرف جهنم الذي يشابه طرف الوادي الذي يقطعه السيل فيقعان فيها.\nوقوله: (دخلاها جميعًا) هذا إذا لم يكن أحدهما على الحق، وإلا فالداخل هو الذي يكون على الباطل، وهو أيضًا على تقدير أن لا يكون صادرًا عن اشتباه والتباس، وبالجملة المراد الزجر والتشديد والمبالغة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (إنه كان حريصًا على قتل صاحبه) فيه أن الحرص على الفعل المحرَّم والعزم عليه مما يؤاخَذُ به، نعم لو كان قصدُ كلٍّ منهما الدفعَ عن نفسه لم يؤاخذ وإن قتل لكونه مأذونًا فيه شرعًا.\n٣٥٣٩ - [٧] (أنس) قوله: (نفر من عكل) قيل: كانوا ثمانية، وعكل بضم","vol":"6","page":348},{"text":"فَأَسْلَمُوا، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَفَعَلُوا فَصَحُّوا، فَارْتَدُّوا، وَقَتَلُوا رُعَاتَهَا، وَاسْتَاقُوا الإِبِلَ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَأُتِيَ بِهِمْ،\nــ\nالميم وسكون الكاف: أبو قبيلة، وذكر الشيخ في (كتاب الوضوء) أنه اختلفت الروايات عن البخاري، ففي بعضها: (من عُكْلٍ أو عُرَينةَ) على الشك، وفي بعضها: (من عكل)، وفي بعضها: (من عرينة)، وفي بعضها: (من عكل وعرينة) بواو العطف وهو الصواب، وروى أبو عوانة والطبري عن أنس: أنهم كانوا أربعة من عرينة وثلاثًا من عكل.\nوقوله: (فاجتووا المدينة) أي: ما وافقهم هواؤها، يقال: اجتوَيتُ البلدَ: إذا كرهتَ المُقامَ فِيه وإن كنتَ فِي نعمةٍ، يعني لعدم موافقة هوائه، وقيل: معناه أصابهم الجَوَى، وهو المرضُ وداء الجوفِ إذا تطاوَلَ. وفي (القاموس) (١): تطاولُ المرضِ وداءٌ فِي الصدرِ؛ وكان قد اصفرَّت ألوانُهم وانتفخَت بطونُهم.\nوقوله: (فيشربوا من أبوالها) أخذ محمد ﵀ من هذا أن بول ما يؤكل لحمه طاهر، وهو قول أصحاب مالك وأحمد، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف ﵏ هو نجس، وتأويل هذا الحديث عندهما: أنه عرف شفاؤهم فيه وحيًا، ثم عند أبي حنيفة ﵀: أنه لا يحل شربه للتداوي وغيره، لأنه لا يتيقن بالشفاء فيه، فلا يعرض عن الحرمة، وعند أبي يوسف ﵀ يحلُّ للتداوي، وهو قول أصحاب الشافعي، فإنهم أجازوا التداويَ بكل النجاسات سوى المسكرات.\nوقوله: (وقتلوا رعاتها) على وزن القضاة جمع راعٍ، وفي بعض الروايات:\n(رِعاءَها) على وزن الكساء، وعلى كلا اللفظين يجمع الراعي.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١١٦٩).","vol":"6","page":349},{"text":"فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ، ثُمَّ لَمْ يَحْسِمْهُمْ حَتَّى مَاتُوا، وَفِي رِوَايَةٍ: فَسَمَّرُوا أَعْيُنَهُمْ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَّلَهُمْ بِهَا، وَطَرَحَهُمْ بِالْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَمَا يُسْقَوْنَ حَتَّى مَاتُوا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٠٣، م: ١٦٧١].\nــ\nوقوله: (وسمل أعينهم) سمل عينه: فقأها، كاستملها، وفي (الصراح) (١): السمل بالسكون: جشم بيرون كردن، وفي (مختصر النهاية) (٢): السمل: فَقْءُ العين، ونقل الطيبي (٣): يقال: سمَلْتُ عينَه: إذا فقأتَها بحديدةٍ محمَّاة أو نحوها، وكذا في (مجمع البحار) (٤)، وقال: وقيل: هو فقؤها بالشوك، وهو بمعنى السَّمْرِ، أي: أُحمِيَ لهم مساميرُ الحديدِ، ثم كحلَهم بها، يقال: سُمِرَتْ أعينُهم بضم سين وخفة ميم، وقد يشدَّد، انتهى. وقال في (القاموس) (٥): سمرَ العينَ: سمَلَها، أي: فقأَها، وقد فسر السمل بأن يدني العينَ حديدةً محمَّاةً حتى يذهب البصر.\nوقوله: (لم يحسمهم حتى ماتوا) أي: لم يقطع دماءَهم بالكي ونحوه، يقال: حسمَ يحسِمُ، فانحسمَ: قطعَه فانقطعَ، ثم قالوا: إنه إنما فعل -ﷺ- ذلك قصاصًا لأنهم كذلك فعلوا بالرُّعاة؛ فإنه قد روي: أنهم سملوا أعين الرعاة، وقطعوا أيديهم وأرجلهم، وغرزوا الشوك في ألسنتهم وأعينهم حتى ماتوا، وقيل: فعل ذلك لعظم جريمتهم؛\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٤٣٠).\n(٢) \"الدر النثير\" (١/ ٤٨٧).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٧/ ١٠٤).\n(٤) انظر: \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ١٦٤).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٨٢).","vol":"6","page":350},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-898> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٥٤٠ - [٨] عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَحُثُّنَا عَلَى الصَّدَقَةِ، وَيَنْهَانَا عَنِ الْمُثْلَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٦٧].\n٣٥٤١ - [٩] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ. [ن: ٤٠٤٧].\nــ\nفإنهم ارتدُّوا، وسفكوا الدماء، وقطعوا الطريق، وأخذوا الأموال، وللإمام أن يجمع بين العقوبات في مثله سياسةً، وقيل: كان هذا قبل نزول الحدود وآية المحاربة في قطّاع الطريق، وأما النهي عن المُثْلة فهو منسوخ، وقيل: منهي نهي تنزيه.\nوأما عدم السقي مع الاستسقاء، فقيل: كان ذلك أيضًا قصاصًا، وقيل: لم يأمر بذلك النبي -ﷺ-، وإنما فعلوا من عندهم، وأجمعوا على أن من وجب عليه القتل لا يمنع الماء إذا استسقى، فسبحان من خلقَه ضحوكًا قَتولًا رحيمًا غضوبًا لينال حُسنًا جامعًا بين الجلال والجمال، والقهر واللطف، والعفو والبطش، مشتملًا على صفات الكمال، وكان فعله كله بوحي اللَّه تعالى وأمره، والمولى يفعل في ملكه ما يشاء، والكل لانتظام الأمور وصلاح الأحوال.\nالفصل الثاني\n٣٥٤٠، ٣٥٤١ - [٨، ٩] (عمران بن حصين، وأنس) قوله: (وينهانا عن المثلة) في (القاموس) (١): مثل بفلان مثلًا ومثلة: نكل، كمثَّل تمثيلًا، وهي الْمُثْلة بضم الثاء وسكونها، والجمع مُثُولات ومَثْلَات، وفي (مختصر النهاية) (٢): مثَّلتُ بالقتيل: جدَعتُ أنفَه أو أُذنَه أو مَذاكيرَه أو شيئًا من أطرافه، والاسمُ المُثْلةُ، ونهى أن\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٧٤).\n(٢) \"الدر النثير\" (٢/ ٩٣٦).","vol":"6","page":351},{"text":"٣٥٤٢ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتِ الْحُمَّرَةُ، فَجَعَلَتْ تَفْرُشُ، فَجَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ: \"مَنْ فَجَّعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ . . . . .\nــ\nيمثل بالدواب، أي: تنصب فترمى، أو يقطع أطرافها وهي حية، انتهى. والنهي عن المثلة قيل: للتحريم، وقيل: للتنزيه، والأول أصح وأرجح.\n٣٥٤٢ - [١٠] (عبد الرحمن بن عبد اللَّه) قوله: (حمرة) بضم الحاء المهملة وتشديد الميم المفتوحة، وقد يخفف: طائر صغير كالعصفور.\nوقوله: (تفرش) بفتح التاء وضم الراء، من فرش الطائر: إذا بسط جناحيه، وبفتحها وتشديد الراء، أي: تتفرَّشُ، فحذف إحدى التائين، أي: ترفرفت بجناحيها وتقربت من الأرض، وقال التُّورِبِشْتِي (١): هو في (كتاب أبي داود) بالفاء والعين المهملة: تفرش أو تعرش بضم حرف المضارع من التفريش والتعريش، وذكر الخطابي في كتاب (المعالم) (٢): أن التفريش مأخوذ من فرش الجناح وبسطه، والتعريش أن يرتفع فوقهما أو يظلل عليهما، يعني على الفرخين، ولا أرى الصواب فيه إلا تَفرَّشُ على بناء المضارع، حذف تاؤه لاجتماع التائين، انتهى. وفي (القاموس) (٣): فرّش الطائر تفريشًا: رفرف على الشيء، كتفرش.\nوقوله: (من فجع هذه) بالتشديد، أي: وجعه، والفجيعة: الرزيئة، تفجع:\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٢٩).\n(٢) \"معالم السنن\" (٢/ ٢٨٣).\n(٣) \"القاموس\" (ص: ٥٥٦).","vol":"6","page":352},{"text":"رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا\" وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا قَالَ: \"مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ؟ \" فَقُلْنَا: نَحْنُ قَالَ: \"إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا ربُّ النَّار\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٧٥].\n٣٥٤٣ - [١١] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"سَيَكُونُ فِي أُمَّتى اخْتِلَافٌ وَفُرْقَةٌ، قَوْمٌ يُحسِنونَ القِيلَ ويُسيئونَ الفِعلَ، يَقْرَؤُوْنَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ مُروقَ السَّهمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يَرْجِعُونَ حَتَّى يَرْتَدَّ السَّهْمُ عَلَى فُوقِهِ. . . . .\nــ\nتوجع للمصيبة.\nوقوله: (قرية نمل) أي: موضعها.\nوقوله: (لا ينبغي أن يعذب بالنار) قالوا: إنما منع التعذيب بالنار لأنه أشدّ العذاب، قال في (مطالب المؤمنين): سئل محمد بن سلمة في قتل النملة، فقال: إن ابتدأك فاقتله وإلا فلا، وبه نأخذ، ولا يحرق بيوت النمل لنملة واحدة، كذا في (جوامع الفقه)، وكره إيقاعه في الماء، وروي أن نملة قرصت نبيًّا، فأحرق النمل، فأوحى اللَّه تعالى إليه: فهذا نملة واحدة، أي: فهلا قتلت تلك خاصة، كذا في (الحاوي).\n٣٥٤٣ - [١١] (أبو سعيد وأنس) قوله: (لا يجاوز تراقيهم) جمع تَرقُوةَ، وهي عظم بين ثُغْرة النحر والعاتق من الجانبين، يقال لها بالفارسية: جنبر كَردن.\nوقوله: (لا يرجعون) أي: إلى الدين.\nوقوله: (حتى يرتد السهم على فوقه) الفوق بضم الفاء: موضعُ الوَتَر من السَّهم، وهذا تعليق بالمُحال، فإن ارتداد السهم على الفوق محال، فرجوعهم إلى الدِّين","vol":"6","page":353},{"text":"هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيقَةِ، طُوبَى لِمَنْ قتلَهُمْ وَقَتَلُوهُ، يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَلَيْسُوا منَّا فِي شَيءٍ، مَنْ قَاتَلَهُمْ كَانَ أَوْلَى بِاللَّهِ مِنْهُمْ\" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا سِيمَاهُمْ؟ قَالَ: \"التَّحْلِيقُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٧٥].\nــ\nأيضًا مُحالٌ على حدِّ قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠]، وهذا تأكيد ومبالغة في عدم إمكان رجوعهم لتوغُّلهم في الغَيِّ والجهالة والضلالة والإضلال مع اعتقادهم أنهم على الحق والهداية.\nوقوله: (هم شر الخلق والخليقة) في (القاموس) (١): الخليقة: الناس كالخلق البهائم، فعلى المعنى الأول هو تأكيد وعلى الثاني تأسيس، وقد يحمل الخليقة على من خلق، والخلق على من يخلق، ولعل المراد بالخلق المسلمون، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وليسوا منا في شيء) مقتضى ظاهر الكلام أن يقول: وليسوا من كتاب اللَّه في شيء، ولكن لما كان مآلُ كونهم من المسلمين وكونهم من كتاب اللَّه واحدًا ذكر هكذا إشارة إلى هذا الاتحاد، ومع ما فيه من المبالغة في نفي الإسلام وكونهم من عِدَاد المسلمين.\nوقوله: (من قاتلهم كان أولى باللَّه) أي: أقرب إلى اللَّه وأحرى برحمته وفضله كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٨]، والضمير في (منهم) للأمة، والمعنى مَن قاتَلَهم من أمتي كان أَولى باللَّه من باقي أمتي، ويجوز أن يكون الضمير للفرقة الباطلة، والأول أَحرى وأجود وأفيد من حيث المعنى، فافهم.\nوقوله: (ما سيماهم؟ قال: التحليق) أي: حلق الرأس، وذكر التحليق للمبالغة والتكثير، أي: مبالغون فيه ويكثرون منه، ولعله إنما ذكره لأنه لم يكن متعارفًا في\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨١١).","vol":"6","page":354},{"text":"٣٥٤٤ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ! إِلَّا بإِحْدَى ثَلَاثٍ: زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ فإِنَّهُ يُرجَمُ، وَرَجُلٌ خرَجَ مُحارِبًا للَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ أَوْ يُصْلَبُ أَوْ يُنْفَى مِنَ الأَرْضِ، أَوْ يَقْتُلُ نَفْسًا فَيُقْتَلُ بِهَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٥٣].\nــ\nذلك الزمان في العرب؛ فإن سِيماهم إرسال الشعر، وليس ذلك لذمِّ الحلق؛ فإنه من شعائر اللَّه ونُسُكه وسَمْت عباده الصالحين، هذا وقد يراد به تحليق القوم وإجلاسُهم حِلَقًا حِلَقًا، واللَّه أعلم.\n٣٥٤٤ - [١٢] (عائشة) قوله: (مسلم يشهد) إشارة إلى أنه يكفي في ذلك مجرد الشهادتين من غير عمل زائد.\nوقوله: (ورجل خرج محاربًا) أي: محاربة رجل، يريد به قاطع الطريق، (فإنه يقتل) إن قتل نفسًا بلا أخذ مال، (أو يصلب) بتشديد اللام إن قتل وأخذ المال، وللفقهاء خلاف في أنه يقتل ويصلب، أو يصلب حيًّا ويترك، أو يطعن حتى يموت، (أو ينفى من الأرض) أي: ينفى من بلد إلى بلد بحيث لا يتمكَّن من القرار في موضع، وقيل: من بلده، وهذا إذا أخاف المارَّة، ولم يقتل ولم يأخذ المال، وفسر أبو حنيفة ﵀ النفي بالحبس، وإيراد كلمة (أو) على هذا التفصيل، وقيل: إنه للتخيير، والإمام مخير في هذه العقوبات في كل قاطع طريق من غير تفصيل، كذا في التفسير.\nوقوله: (أو يقتل نفسًا) أي: رجل يقتل نفسًا، وهذا أحد الثلاث الذي يحل دماؤهم، فـ (أو) بمعنى الواو.","vol":"6","page":355},{"text":"٣٥٤٥ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: حَدَّثَنَا أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ -ﷺ- أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْرُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إلَى حَبْلٍ مَعَه، فَأَخَذَهُ، فَفَزِعَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٠٤].\n٣٥٤٦ - [١٤] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ أَخَذَ أَرْضًا بِجِزْيَتِهَا فَقَدِ اسْتَقَالَ هِجْرَتَهُ، وَمَنْ نزَعَ صَغَارَ كَافِرٍ مِنْ عُنُقِهِ فَجَعَلَهُ فِي عُنُقِهِ فَقَدْ وَلّى الإِسْلَامَ ظَهْرَهُ\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٠٨٢].\nــ\n٣٥٤٥ - [١٣] (ابن أبي ليلى) قوله: (كانوا يسرون) بفتح الياء وسكون السين وضم الراء، من السُّرَى، وهو السير بالليل، وفي بعض النسخ: (يسيرون) من السير، و(معه) أي: مع الرجل النائم، وكذا الضمير في (فزع) للرجل، و(يروع) بالتشديد، أي: يخوِّف.\n٣٥٤٦ - [١٤] (أبو الدرداء) قوله: (من أخذ أرضًا بجزيتها) يحتمل أن يكون صفة لـ (أرضًا) أي: ملتبسةً بجزيتها، ويحتمل أن يكون حالًا من الفاعل، والمراد بالجزية هنا الخراجُ؛ لأنه يجري في الموضوع على الأرض المتروكة في أيدي أهل الذمة مجراها فيما يؤخذ من رؤوسهم، يعني أن المسلم إذا اشترى أرضًا خراجية من كافر؛ فإن الخراج لا يسقط عنه، وهو مذهب أبي حنيفة، فإذا أقام نفسه مقام الذمي في أداء ما يلزمه من الخراج صار كالمستقيل، أي: كالطالب لإقالة الهجرة وحكمها، والمراد النهي عن هذا الفعل.\nوقوله: (ومن نزع صغار كافر. . . إلخ)، والمعنى أن من جعل ذل الكفر في عنقه بعد أن خرج عنه؛ فقد ألقى الإسلام في جانب ظهره وتركه، وهذا تتميم وتأكيد","vol":"6","page":356},{"text":"٣٥٤٧ - [١٥] وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَرِيَّةً إِلَى خَثْعَمَ، فَاعْتَصَمَ ناسٌ مِنْهُمْ بِالسُّجُودِ، فَأَسْرَعَ فِيهِمُ الْقَتْلَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَأَمَرَ لَهُمْ بِنِصْفِ الْعَقْلِ، وَقَالَ: \"أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مُقِيمٍ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ\" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لِمَ؟ قَالَ: \"لَا تَتَرَاءَى نارَاهُمَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٤٥].\nــ\nلما قبله، والصغار بالفتح: الذل والهوان، وهو لازم للكفر كالعزة للإسلام، وقيل: المراد به العلاقة التي تجعل في عنق الكافر للامتياز، وقد حصل هذا في زمن عمر -﵁-، كأنه -﵁- كان سمعه منه -ﷺ- أن يفصل ذلك بالكفار أو أخبر بالغيب، واللَّه أعلم.\n٣٥٤٧ - [١٥] (جرير بن عبد اللَّه) قوله: (إلى خثعم) اسم قبيلة، وفي (القاموس) (١): خثعم: جبل، وأهله خَثعَميُّون.\nوقوله: (فاعتصم ناس منهم بالسجود) وكانوا مسلمين، أي: لما رأوا الجيش أسرعوا بالسجود، كذا في \"الحواشي\".\nوقوله: (فأسرع فيهم القتل) أي: قتلهم الجيش ولم يُبالوا بسجودهم.\nوقوله: (فأمر لهم بنصف العقل) قالوا: وإنما لم يكمل الدية -ﷺ- بعد علمه بإسلامهم؛ لأنهم أعانوا على أنفسهم بمقامهم بين الكفار كما قال -ﷺ- بقوله: (أنا بريء. . . إلخ).\nوقوله: (لا تتراءى ناراهما)، إسناد الترائي إلى النار مجاز، والمعنى يتباعد منزلاهما بحيث إذا وقدت فيهما ناران لم تلج إحداهما للأخرى، وذكر الطيبي (٢) فيه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠١٤).\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (٧/ ١١٠).","vol":"6","page":357},{"text":"٣٥٤٨ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"الإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ لَا يَفْتِكُ مُؤمنٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧٦٩].\n٣٥٤٩ - [١٧] وَعَنْ جَرِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ إِلَى الشِّرْكِ فَقَدْ حلَّ دَمُهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٤٦٠].\n٣٥٥٠ - [١٨] وَعَنْ عَلِيٍّ: أَنَّ يَهُودِيَّةً كَانَتْ تَشْتِمُ النَّبِيَّ -ﷺ- وَتَقَعُ فِيهِ، فَخَنَقَهَا رَجُلٌ حَتَّى مَاتَتْ، فَأَبْطَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- دَمَهَا\". . . . .\nــ\nوجوهًا آخر لا يخلو عن بعد.\n٣٥٤٨ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (الإيمان قيد الفتك) الفتك مثلثة: القتل غافلًا، وفي (القاموس) (١) فتَكَ به: انتهَزَ منه فرصةً فقتلَه، والمراد بالتقييد المنعُ من باب ذكر الملزوم وإرادة اللازم، فإن القيد يمنع الشخصَ عن التصرُّف.\nوقوله: (لا يفتك) بالرفع، ويروى بالجزم بلفظ المعلوم والمجهول، وأما قتل كعب بن الأشرف وغيره بطريق الفتك بأمره -ﷺ- فكان قبل النهي، أو خص به النبي -ﷺ-، أو كان بأمر سماوي لمَّا ظهر منهم الغدرُ والأذى والتحريضُ والإفساد.\n٣٥٤٩ - [١٧] (جرير) قوله: (إذا أبق العبد إلى الشرك) أي: إلى داره، (فقد حل دمه) أي: إذا قتله أحدٌ لم يضمن وإن لم يرتدَّ؛ لدخوله في جوار المشركين، ولم يذكروا وجه تخصيصه بالمملوك فكأنه اتفاقي، واللَّه أعلم.\n٣٥٥٠ - [١٨] (علي -﵁-) قوله: (وتقع فيه) أي: تطعُنُ فِيه.\nوقوله: (أبطل دمها) يدل على أن سبَّ النبيِّ -ﷺ- ينقض الذمة، وهو مذهب\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٧٥).","vol":"6","page":358},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٤٦٠].\n٣٥٥١ - [١٩] وَعَنْ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"حَدُّ السَّاحِرِ ضَرْبَةٌ بالسَّيفِ فِي يَوْمِ عِيدٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَذْكُرُ الْخَوَارِجَ؟ قَالَ: نعم سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِأُذُنَيَّ وَرَأَيْتُهُ بِعَيْنَيَّ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَالٍ فقَسَمَهُ، فَأَعْطَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَمَنْ عَنْ شِمَالِهِ، وَلَمْ يُعْطِ مَنْ وَرَاءَهُ شَيْئًا فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ وَرَائِهِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَا عَدَلْتَ فِي الْقِسْمَةِ، رَجُلٌ أَسْوَدُ مَطْمُومُ الشَّعْرِ، عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَبْيَضَانِ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَ: \"وَاللَّهِ لَا تَجِدُونَ بَعْدِي رَجُلًا هُوَ أَعْدَلُ مِنِّي\" ثُمَّ قَالَ: \"يخرُجُ فِي آخرِ الزَّمانِ قَوْمٌ كَأَنَّ هَذَا مِنْهُم،\nــ\nالشافعي، ولنا أن ذلك كفر منه، والكفر المقارن لا يمنعه، فالطارئ لا يرفعه، كذا في (الهداية) (١).\n٣٥٥١ - [١٩] (جندب) قوله: (ضربة بالسيف) يروى بالتاء والهاء، وعند الشافعي: يقتل إن كان ما يسحر به كفرًا إن لم يتب، وأجمعوا على أن فعل السحر حرام، وقيل: كفر، وأما تعليمه وتعلمه ففيه ثلاثة أقوال: الحرمة، والكراهة، والإباحة، والأول هو الأصح.\nوقوله: (مطموم الشعر) يقال طَمَّ شعرَه: جَذَّه واستأصَلَه، والمراد التحليق.\nوقوله: (كأن هذا منهم) أي: من شيعتهم وعلى سيرتهم، قاله -ﷺ- في صورة\n_________\n(١) \"الهداية\" (٢/ ٤٠٥).","vol":"6","page":359},{"text":"يَقْرَؤُوْنَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ، لَا يَزَالُونَ يَخْرُجُونَ، حَتَّى يَخْرُجَ آخِرُهُمْ مَعَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيْقَةِ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٤١٠٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-899> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٥٥٢ - [٢٠] عَن أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَيُّمَا رَجُلٍ خَرَجَ يُفَرِّقُ بَيْنَ أُمَّتِي فَاضْربُوا عُنُقَهُ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٤٠٢٣].\n٣٥٥٣ - [٢١] وَعَنْ شَريكِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: كُنْتُ أَتَمَنَّى أَنْ أَلْقَى رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ أَسْأَلُهُ عَنِ الْخَوَارِجِ، فَلَقِيْتُ أَبَا بَرْزَةَ فِي يَوْمِ عِيدٍ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقُلْتُ لَهُ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ يَذْكُرُ الْخَوَارِجَ؟ قَالَ: . . . . .\nــ\nالشك والتردد احتياطًا، وهو كان منهم قطعًا.\nوقوله: (فإذا لقيتموهم هم شر الخلق) الجزاء محذوف، أي: فاعلموا أنهم شر الخلق، أو فاقتلوهم.\nالفصل الثالث\n٣٥٥٢ - [٢٠] (أسامة بن شريك) قوله: (ابن شريك) بفتح الشين.\nوقوله: (يفرق بين أمتي) أي: بتفريق كلمة المسلمين وإيقاع الشر بينهم، فيُنَهى أوَّلًا؛ فإن لم ينتهِ يُقتلْ.\n٣٥٥٣ - [٢١] (شريك بن شهاب) قوله: (فلقيت أبا برزة) بفتح الباء وسكون","vol":"6","page":360},{"text":"نَعَمْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ بِأُذُنيَّ وَرَأَيْتُهُ بِعَيْنَيَّ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ بِمَالٍ فَقَسَمَهُ، فَأَعْطَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ وَمَنْ عَنْ شِمَالِهِ، وَلَمْ يُعْطِ مَنْ وَرَاءَهُ شَيْئًا. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ وَرَائِهِ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَا عَدَلْتَ فِي الْقِسْمَةِ، رَجُلٌ أَسْوَدُ مَطْمُومُ الشَّعْرِ، عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَبْيَضَانِ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ غَضَبًا شَدِيدًا وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا تَجِدُونَ بَعْدِي رَجُلًا هُوَ أَعْدَلُ مِنِّي، ثُمَّ قَالَ: يخرُجُ فِي آخرِ الزَّمانِ قَوْمٌ كَأَنَّ هَذَا مِنْهُم، يَقْرَؤُوْنَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، سِيمَاهُمُ التَّحْلِيقُ، لَا يَزَالُونَ يَخْرُجُونَ، حَتَّى يَخْرُجَ آخِرُهُمْ مَعَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ هُمْ شَرُّ الْخَلْقِ وَالْخَلِيْقَةِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٤١٠٣].\n٣٥٥٤ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي غَالِبٍ رَأَى أَبُو أُمَامَةَ رُؤُوسًا مَنْصُوبَةً عَلَى دَرجَ دِمَشْقَ فَقَالَ أَبُو أُمَامَةَ: \"كِلَابُ النَّارِ، شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيم السَّمَاءِ،\nــ\nالراء، وقوله: (مطموم الشعر) يقال طم شعره: جذّه واستأصله، والمراد التحليق. وقوله: (كأن هذا منهم) أي: من شيعتهم وعلى سيرتهم، قاله في صورة الشك والتردد احتياطًا، وهو كان منهم قطعًا، وقوله: (فإذا لقيتموهم هم شر الخلق) الجزاء محذوف، أي: فاعلموا أنهم شر الخلق، أو فاقتلوهم.\n٣٥٥٤ - [٢٢] (أبو غالب) قوله: (على درج) بالتحريك بمعنى الطريق، و(دمشق) بكسر الدال وفتح الميم، وقد يكسر.\nوقوله: (كلاب النار) خبر مبتدأ محذوف، أي: هم كلاب النار.\nوقوله: (تحت أديم السماء) أي: وجهِها، كما سُمِّي وجهُ الأرض أديمًا، وقال","vol":"6","page":361},{"text":"خَيْرُ قَتْلَى مَنْ قَتَلُوهُ\" ثُمَّ قَرَأَ: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ الآية [آل عمران: ١٠٦] قِيلَ (١) لِأَبِي أُمَامَةَ: أَنْتَ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ إِلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلَاثًا حَتَّى عَدَّ سَبْعًا مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [ت: ٣٠٠٠، جه: ١٧٣].\nــ\nفي (القاموس) (٢): الأديم من السماء والأرض: ما ظهر.\nوقوله: (قتلوه) الضمير المرفوع لهم، والمنصوب لـ (من).\nوقوله: (وتسود وجوه) روي عن أبي أمامة أن المراد بهم الخوارج، وقيل: المراد بهم المرتدون، وقيل: أهل البدع.\n* * *\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٩٢).","vol":"6","page":362},{"text":"(١٧) كتاب الحدود","vol":"6","page":363},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-900>(١٧) كتاب الحدود</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-901> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٥٥٥ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزيدِ بْنِ خَالِدٍ: أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا. . . . .\nــ\n١٧ - كتَابُ الْحُدُودِ\n(الحد): الحاجز بين شيئين، والدفع، والمنع، وتأنيبُ المذنبِ بما يمنعه وغيرَه من الذنب، وفي (شرح كتاب الخرقي) (١): الحد في الأصل المنع، ومنه قيل للبَوَّاب: حدَّاد لمنعه الداخلَ والخارجَ إلا بإذن، وسُمِّي الحديد حديدًا للامتناع به، أو لامتناعه على مَن يحاوله، والحدُّ عقوبةٌ يمنع من الوقوع في مثله، وحدود اللَّه محارمُه، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، وما قدَّرَه كجعل الطلاق ثلاثًا، ونحو ذلك قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، ولعل تسمية المحارم حدودًا، وكذلك المقدَّرات إشارةٌ إلى المنع من قربان ذلك أو تجاوزه، انتهى. وقال في (الهداية) (٢): الحد في الشريعة العقوبة المقدَّرة حقًا للَّه تعالى، حتى لا يُسمَّى القِصاصُ حدًا لما أنه حق العبد، ولا التعزير لعدم التقدير.\nالفصل الأول\n٣٥٥٥ - [١] (أبو هريرة، وزيد بن خالد) قوله: . . . . .\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٦/ ١).\n(٢) \"الهداية\" (٢/ ٣٣٩).","vol":"6","page":365},{"text":"إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ وَقَالَ الآخَرُ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَأْذَنْ لِي أَنْ أَتَكَلَّمَ قَالَ: \"تَكَلَّمْ\" قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيتُ مِنْهُ بِمِئَةِ شَاةٍ وَبِجَارِيَةٍ لِي، ثُمَّ إِنِّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِئَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَإِنَّمَا الرَّجْمُ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا غَنَمُكَ وَجَارِيتُكَ فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَأَمَّا ابْنُكَ فَعَلَيْهِ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا أُنَيْسُ فَاغْدُ إِلَى امْرَأَةِ (١) هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا\"،\nــ\n(اقض بيننا بكتاب اللَّه) مبني على أنه كان في كتاب اللَّه آيةُ الرَّجمِ، ثم نُسِخت تلاوته، فصح القول بأنه كتاب اللَّه، وقيل: المراد بكتاب اللَّه هنا حكمه، وإنما قالا: اقض بيننا بكتاب اللَّه فجاءا عند رسول اللَّه -ﷺ- ليحكم به.\nوقوله: (إن ابني كان عسيفًا على هذا) أي: أجيرًا، وإنما قال: على هذا لما يتوجه على المستأجر من الأجرة، ولو قال: عسيفًا لهذا ليصح أيضًا، لما يتوجه للمستأجر عليه من الخدمة.\nوقوله: (ثم إني سألت أهل العلم) يدل على جواز الاستفتاء والإفتاء في زمانه -ﷺ- عن غيره لعدم القدرة على سؤاله عنه لمانع.\nوقوله: (وتغريب عام) التغريب داخل في الحد عند بعض العلماء، وعندنا هو سياسة وتعزير مفوَّض إلى رأي الإمام ومصلحته. و(أنيس) بلفظ التصغير اسم رجل\n_________\n(١) في نسخة \"على امرأة\".","vol":"6","page":366},{"text":"فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٣٣، م: ١٦٩٧].\n٣٥٥٦ - [٢] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَأْمُرُ فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصِنْ جَلْدَ مِئَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ. . . . .\nــ\nهو سيد قوم المرأة، وهو أنيس بن ضحاك الأسلمي، بعثه رسول اللَّه -ﷺ- ليقيم الحد عليها إن اعترفت، وهذا لا يدل على كفاية اعتراف واحدة في الزنا، كما هو مذهب الشافعي، فلعل المراد الاعتراف المعهود في الشرع وهو أربع مرات، واللَّه أعلم.\n٣٥٥٦ - [٢] (زيد بن خالد) قوله: (يأمر فيمن زنى ولم يحصن) بضم الياء وكسر الصاد هكذا الرواية، يقال: أحصَنَت المرأة فهي مُحصِنة، وأحصَنَ الرجلُ فهو مُحصِن، وأحصَنا فهما محصِنٌ ومحصِنةٌ، والمحصن والمحصنة يجيئان بفتح الصاد وكسرها، وقرئ هذان اللفظان في القرآن بالكسر والفتح، وكذا أحصن مجهولًا ومعروفًا إلا قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤]، فإنها بالفتح بالاتفاق، وفسر البيضاوي (١) الفتح بقوله: أحصنَهنَّ التزويج أو الأزواجُ، والكسر بأحصَنَّ فروجَهنَّ، ومعنى الإحصان أن يكون حرًا عاقلًا بالغًا مسلمًا، قد تزوج امرأة حرة مسلمة نكاحًا صحيحًا، ودخل بها، وهما على صفة الإحصان، وعند الشافعي لا يشترط الإسلام، ووافقه أبو يوسف في رواية؛ لأنه -ﷺ- رجم يهوديين زنيا، ويأتي جوابه في حديث ابن عمر.\nوقوله: (وتغريب عام) ظاهره أن التغريب داخل في الحد، وحمله من لم يره من العلماء حدًّا كالحنفية على المصلحة التي رآها الإمام.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٢٠٩).","vol":"6","page":367},{"text":"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٨٣١].\n٣٥٥٧ - [٣] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا (١) بِالْحَقِّ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (٢) آيَةُ الرَّجْم، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ أَوْ كَانَ الْحَبَلُ أَوِ الإِعْتِرَافُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٢٩، م: ١٦٩١].\n٣٥٥٨ - [٤] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ وَالرَّجْمُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٩٠].\nــ\n٣٥٥٧ - [٣] (عمر) قوله: (أو كان الحبل) بفتحتين، هذا الحكم منسوخ.\n٣٥٥٨ - [٤] (عبادة بن الصامت) قوله: (خذوا عني) مكرر للتأكيد لخفائه؛ لأنه تعالى حكم أولًا في اللاتي يأتين الفاحشة بالإمساك في البيوت وحبسِهنَّ فِيها حتى يتوفاهن الموت، أو يجعل اللَّه لهن سبيلًا، والمراد بالسبيل الحدُّ، فأخبر -ﷺ- أنه تعالى قد جعل فيهن سبيلًا، وشرع الحدَّ (البكر بالبكر جلد مئة والثيب بالثيب) والمراد به المحصن (جلد مئة والرجم) وفيه الجمع بين الجلد والرجم، وبه أخذ أصحاب الظواهر وبعض الصحابة والتابعين، والجمهور على أن الجلد منسوخ فيمن وجب عليه الرجم لحديث ماعز وغيره، ثم إنه لم يذكر حكم الثيب مع البكر لظهوره.\n_________\n(١) زادت التصلية في نسخة.\n(٢) لفظ \"تعالى\" سقط في نسخة.","vol":"6","page":368},{"text":"٣٥٥٩ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ الْيَهُودَ جَاؤوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ؟ \" قَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا الرَّجْمَ، فَأْتُوا (١) بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا، فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا، وَمَا بَعْدَهَا، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَ فَإِذَا فِيهَا آيَةٌ، فَقَالُوا: صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ، فَأَمَرَ بِهِمَا النَّبِيُّ -ﷺ-، فَرُجِمَا، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: ارْفَعْ يَدَكَ فَرَفَعَ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ إِنَّ فِيهَا آيَةَ الرَّجْمِ، وَلِكِنَّا نَتَكَاتَمُهُ بَيْنَنَا، فَأَمَرَ بِهِمَا، فَرُجِمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٤١، م: ١٦٩٩].\nــ\n٣٥٥٩ - [٥] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (قالوا: نفضحهم) أي: لا نجد حكم الرجم في التوراة، بل إنما نجد أنَّا نفضحُهم، والفضيحة عندهم هو تسويد وجوه الزناة وتشهيرهم.\nوقوله: (ويجلدون) بلفظ المجهول، قيل: كأنه أشار بإتيان أحد الفعلين معلومًا والآخر مجهولًا إلى أن الفضيحة كان موكولًا إلى اجتهادهم بخلاف الجلد.\nوقوله: (فقالوا) أي: بعضُ اليهود: (صدق) أي: عبدُ اللَّه.\nوقوله: (فرجما) وبه أخذ الشافعي في عدم اشتراط الإسلام في الإحصان، وهو رواية عن أبي يوسف، وأجيب بأن رجمه -ﷺ- ليهوديين إنما كان بحكم التوراة، والإحصان لم يكن شرطًا في دينهم، وكان -ﷺ- يعمل بحكم التوراة قبل أن ينزل حكم\n_________\n(١) بصيغة الأمر، وفي نسخة بفتحتين على الماضي، ويؤيد الأول ما في رواية مسلم، قال -ﷺ-: فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين فجاؤوا بها، قاله القاري (٦/ ٢٣٣١).","vol":"6","page":369},{"text":"٣٥٦٠ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- رَجُلٌ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إنِّي زَنيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَتَنَحَّى لِشِقِّ وَجْهِهِ الَّذِي أَعْرَضَ قِبَلَهُ، فَقَالَ: إنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَلَمَّا شَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، دَعَاهُ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ: \"أَبِكَ جُنُونٌ؟ \" قَالَ: لَا فَقَالَ: \"أُحْصِنْتَ؟ \" قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: \"اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ\" قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: فَرَجَمْنَاهُ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ، حَتَّى أَدْركْنَاهُ بِالْحَرَّةِ. . . . .\nــ\nالقرآن ولا ينسخ، كذا قيل، ويمكن أن يقال: إنه إنما رجمهما على دينهما إلزامًا لهما، وهما كانا مسلمين على زعمهم، واللَّه أعلم.\n٣٥٦٠ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (فتنحى) أي: الرجلُ، والضمير في (وجهه) للنبي -ﷺ-، و(قبله) بكسر القاف وفتح الباء، أي: جانبه.\nوقوله: (فلما شهد أربع شهادات) أي: أقرَّ على نفسه أربعَ مرَّاتٍ، وفي هذا دليل لأبي حنيفة على اشتراط الإقرار أربع مرات.\nوقوله: (فلما أذلقته الحجارة) أي: أصابته، وأصل أذلقه: أضعفَه، يقال: أذلَقَ الصومُ فلانًا: أضعفَه.\nوقوله: (هرب) فيه أنه لا يحفر للمرجوم، وقيل: يحفر للمرأة، وهو المذهب عندنا، قال في (الهداية) (١): وإن حفر لها في الرجم جاز، وقال: الحفر أحسن.\nوقوله: (حتى أدركناه بالحرة) سيجيء من رواية أبي داود أن النبي -ﷺ- قال: (هلَّا\n_________\n(١) \"الهداية\" (٢/ ٣٤٢).","vol":"6","page":370},{"text":"فَرَجَمْنَاهُ حَتَّى مَاتَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٢٥، م: ١٦٩٢].\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ بَعْدَ قَوْلِهِ قَالَ: نَعَمْ فَأَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ بِالْمُصَلَّى، فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ فَرَّ فَأُدْرِكَ، فَرُجِمَ حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- خَيْرًا، وَصَلَّى عَلَيْهِ\". [خ: ٦٨٢٠].\n٣٥٦١ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ لَهُ: \"لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ\"، قَالَ: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: \"أَنِكْتَهَا؟ \". . . . .\nــ\nتركتُمُوه فلعلَّه يتوبُ)، وقد اختلفوا في أنه إذا شرعوا في الرجم فهرب هل يترك أم لا؟ ويتم في الفصل الثاني.\nوقوله: (فرجم بالمصلى) قيل: أراد مصلى الجنائز، ويشهد له الرواية الأخرى ببقيع الغرقد، وقيل: مصلَّى الأعياد، وليس له حكم المسجد إلا أن يتخذ مسجدًا، وإذا اتخذ مسجدًا فلا يجوز فيه الرجم للتلطُّخِ، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فقال له خيرًا) أي: أثنى عليه.\n٣٥٦١ - [٧] (ابن عباس) قوله: (أو غمزت) في (القاموس) (١): غمزَه بيده: مسَّه ونخَسَه، وبالعَين والجَفْن والحاجب: أشارَ، ويجيء بمعنى العَصْر والكبسِ باليد، ويحتمل الحديثُ هذه المعانيَ كلَّها، واللَّه أعلم.\nوقوله: (أنكتها؟) بالاستفهام على وزن بِعْتَ بلفظ الخطاب: جامعتها، يقال: ناكها ينيك: جامعها.\n_________\n(١) \"القاموس\" (٤٨١).","vol":"6","page":371},{"text":"لَا يَكْنِي قَالَ: نَعَمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٨٢٤].\n٣٥٦٢ - [٨] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: جَاءَ مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! طَهِّرْنِي فَقَالَ: \"وَيْحَكَ! ارْجِعْ، فَاسْتَغْفِرِ اللَّه، وَتُبْ إِلَيْهِ\"، قَالَ: فَرَجَعَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! طَهِّرْنِي فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الرَّابِعَةُ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فِيمَ أُطَهِّرُكَ؟ \" قَالَ: مِنَ الزِّنَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَبِهِ جُنُونٌ؟ \" فَأُخْبِرَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَجْنُونٍ، فَقَالَ: \"أَشَرِبَ خَمْرًا؟ \" فَقَامَ رَجُلٌ، فَاسْتَنْكَهَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مِنْهُ رِيحَ خَمْرٍ، فَقَالَ: \"أَزَنَيْتَ؟ \" قَالَ: نَعَمْ فَأَمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ، فَلَبِثُوا يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: \"اسْتَغْفِرُوا لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ،\nــ\nوقوله: (لا يكني) من الكناية، وهو قول الراوي، أي: قال -ﷺ- بالتصريح لا بالكناية.\n٣٥٦٢ - [٨] (بريدة) قوله: (ويحك) كلمةُ ترحُّمٍ لمن وقع في هَلَكة لا يستحقُّها، وقد يستعمل في مقام المدح والتعجُّب، وقد مرّ تحقيقه مرارًا.\nوقوله: (غير بعيد) أي: زمان غير بعيد.\nوقوله: (فيم) كذا في جميع نسخ (مسلم) و(كتاب الحميدي)، وأكثر نسخ (المصابيح)، و(في) أَجْليَّةٌ، وفي بعض النسخ: (ممّ) وهو الأوفق ظاهرًا بقوله: (من الزنا).\nوقوله: (فاستنكهه) أي: شَمَّ رِيحَ فِيه، والنَّكهةُ ريحُ الفمِ.\nوقوله: (فقال: استغفروا لماعز) المراد طلب مزيد الغفران ورفع الدرجات،","vol":"6","page":372},{"text":"لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ\"، ثُمَّ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ غَامِدٍ مِنَ الأَزْدِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! طَهِّرْنِي، فَقَالَ: \"وَيَحَكِ ارْجِعِي، فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ، وَتُوبِي إِلَيْهِ\"، فَقَالَتْ: تُرِيدُ أَنْ تُرَدِّدَنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ إِنَّهَا حُبْلَى مِنَ الزِّنَا، فَقَالَ: \"أَنْتِ؟ \" قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ لَهَا: \"حَتَّى تَضَعِي مَا فِي بَطْنِكِ\" قَالَ: وَكفَلَهَا رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ حَتَّى وَضَعَتْ، فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: قَدْ وَضَعَتِ الْغَامِدِيَّةُ، فَقَالَ: \"إِذًا لَا نَرْجُمُهَا وَنَدَعُ وَلَدَهَا صَغِيرًا، لَيْسَ لَهُ مَنْ يُرْضِعُهُ\"، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: إِلَيَّ رَضَاعُهُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَالَ: فَرَجَمَهَا، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ لَهَا: \"اذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي\" فَلَمَّا وَلَدَتْ، قَالَ: \"اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ\" فَلَمَّا فَطَمَتْهُ، أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ، فَقَالَتْ: هَذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ فَطَمْتُهُ،\nــ\nفإنه قد غفر بإقامة الحد.\nوقوله: (من غامد) بالغين المعجمة، في (القاموس) (١): غامد أبو قبيلة ينسب إليه الغامديون.\nوقوله: (ترددني كما رددت) كلا اللفظين من الترديد، ورجل مردَّد: الحائر البائر، كذا في (القاموس) (٢).\nوقوله: (وكفلها رجل) أي: أقام بمؤنها ومصالحها، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧].\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٩٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٦٩).","vol":"6","page":373},{"text":"وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ، فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا، وَأَمَرَ النَّاسَ، فَرَجَمُوهَا، فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ بِحَجْرٍ فَرَمَى رَأْسَهَا، فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ، فَسَبَّهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"مَهْلًا يَا خَالِدُ! فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا، فَصَلَّى عَلَيْهَا، وَدُفِنَتْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٩٥].\nــ\nوقوله: (فحفر لها إلى صدرها) دليل الحنفية على حفر المرجومة.\nوقوله: (فيقبل) في أكثر النسخ بصيغة المضارع من الإقبال استحضارًا لتلك الصورة، وفي بعضها: (فتَقبَّلَ) بصيغة الماضي من التقبل.\nوقوله: (فتنضخ) بالضاد المعجمة، وروي بالحاء المهملة والمعجمة، أي: ترشَّشَ وانصبَّ، و(المكس) بفتح الميم وسكون الكاف: الضريبة التي يأخذها الماكس، وهو العَشَّار، وقال في (القاموس) (١): المكس: النقص والظلم.\nوقوله: (فصلى عليها) هذه اللفظة عند جماهير رواة (صحيح مسلم) بفتح الصاد واللام، أعني: على صيغة المعلوم، فيدلّ على صيغة صلاة النبي -ﷺ-، وعند الطبري، وفي رواية ابن أبي شيبة وأبي داود بضم الصاد وكسر اللام، وهو الأظهر، فلا يدل على ذلك، وقد جاء في رواية أبي داود: (لم يُصَلِّ عليه) بصيغة المعلوم، يعني لم يصلِّ النبيُّ -ﷺ-، بل أمرَ القومَ بأن يصلي، ومن ههنا اختلف الأئمة في الصلاة على المحدود، فكرهه مالك، وقال أحمد: لا يصلي الإمام وأهل الفضل، وقال أبو حنيفة والشافعي وغيرهما: يصلَّى عليه وعلى كل واحد من هو أهل لا إله إلا اللَّه من أهل القبلة، وإن كان فاسقًا ومحدودًا، وهو رواية عن أحمد.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٣٢).","vol":"6","page":374},{"text":"٣٥٦٣ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ عَلَيْهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَتَبيَنَ زِناهَا فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٣٤، م: ١٧٠٣].\n٣٥٦٤ - [١٠] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَقِيمُوا عَلَى أَرِقَّائِكُمُ الْحَدَّ مَنْ أُحْصِنَ مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ، فَإِنَّ أَمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- زَنَتْ فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا، فَإِذَا هِيَ حَدِيثُ عَفدٍ بِنِفَاسٍ، فَخَشِيتُ. . . . .\nــ\n٣٥٦٣ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (فليجلدها الحد) فيه أنه لا رجم على العبد والأمة.\nوقوله: (ولا يثرب عليها) من التثريب بمعنى التوبيخ والتعيير، والمراد النهيُ عن التثريب وحدَه وتركِ الجَلدِ، فإنه كان تأديبَ الزُّناة قبل شرع الحد، وهو التثريب وحده، وقيل: المراد النهي عن التثريب بعد الجلد، فإنه صارت كفارة، قال الطيبي (١): في الحديث دليل على أن السيد يقيم الحد على الإماء والعبيد، ويسمع البينة عليهما كما هو مذهبنا، والحنفية حملوا قوله: (فليجلد) على التسبيب، انتهى.\nوقوله: (فليبعها) فإنها لعلها تستعف عند المشتري بصونها أو تزويجها.\n٣٥٦٤ - [١٠] (علي) قوله: (من أحصن) المراد بالإحصان هنا التزوج، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥].\nوقوله: (فإن أمة) دليل على إقامة الحدود على الأرقاء، لكن أُخِّرَ هنا للنِّفاسِ.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ١٢٨).","vol":"6","page":375},{"text":"إِنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: \"أَحْسَنْتَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: قَالَ: \"دَعْهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا، ثُمَّ أَقِمْ عَلَيْهَا الْحَدَّ، وَأَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ\". [م: ١٧٠٥، د: ٤٤٧٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-902> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٥٦٥ - [١١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ مَاعِزٌ الأَسْلَمِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ زَنَى، فَأَعْرَضُ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ شِقِّهِ الآخَرِ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ زَنَى، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ شِقِّهِ الآخَرِ (١)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ قَدْ زَنَى، فَأَمَرَ بِهِ فِي الرَّابِعَةِ، فَأُخْرِجَ إِلَى الْحَرَّةِ فَرُجِمَ بِالْحِجَارَةِ، فَلَمَّا وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ فَرَّ يَشْتَدُّ، حَتَّى مَرَّ بِرَجُلٍ مَعَهُ لَحْيُ جَمَلٍ فَضَرَبَهُ بِهِ، وَضَرَبَهُ النَّاسُ حَتَّى مَاتَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ فَرَّ حِينَ وَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ وَمَسَّ الْمَوْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَلَّا تَرَكْتُمُوهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةٍ: \"هَلَّا تَرَكتُمُوهُ لَعَلَّهُ أَنْ يَتُوبَ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ\". [ت: ١٤٢٨، جه: ٢٥٥٤].\nــ\nالفصل الثاني\n٣٥٦٥ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (يشتد) أي: يَعدُو. و(اللحي) بفتح اللام وسكون الحاء المهملة: مَنبِتُ اللحية من الإنسان، ومن الجمل ونحوه مَنبِتُ الأسنان.\nوقوله: (هلا تركتموه) إنما اختلفوا أن من هرب في أثناء إقامة الحد هل يترك\n_________\n(١) زاد بعده في نسخه: \"فقال: إنه قد زنى، فأعرض عنه، ثم جاء من شقه الآخر\".","vol":"6","page":376},{"text":"٣٥٦٦ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لِمَاعِزِ بْنِ مَالِكٍ: \"أَحَقٌّ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ؟ \" قَالَ: وَمَا بَلَغَكَ عَنِّي؟ قَالَ: \"بَلَغَنِي أَنَّكَ قَدْ وَقَعْتَ عَلَى جَارِيَةِ (١) آلِ فُلَانٍ\" قَالَ: نَعَمْ، فَشَهِدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٩٣].\n٣٥٦٧ - [١٣] وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ مَاعِزًا أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَأَقَرَّ عِنْدَهُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ وَقَالَ لِهَزَّالٍ: \"لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ\" قَالَ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ: إِنَّ هَزَّالًا أَمَرَ مَاعِزًا أَنْ يَأْتِيَ النَّبِيَّ -ﷺ- فَيُخْبِرَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٧٨].\nــ\nأم يتبع ليقام عليه الحد؟ فقال الشافعي وأحمد وآخرون: يُستقالُ، فإن رجع عن الإقرار تُرِكَ وإن ادَّعاه رُجِمَ، وقال أبو حنيفة ومالك: يُتبَع ويُرجَم لأنه -ﷺ- لم يلزمهم ديته مع أنهم قتلوه بعد هربه، كذا قيل، لكنه لم يصرِّح بالرجوع والكلامُ فِيه، فتدبر.\n٣٥٦٦ - [١٢] (ابن عباس) قوله: (فشهد أربع شهادات) أي: أقرَّ أربعَ إقراراتٍ، ثم استشكل هذا الحديث بأنه يدل على أنه -ﷺ- كان عارفًا بزنا ماعز فاستنطقه، والأحاديث الأخر تدل على خلاف ذلك، وأجيب بأنه قد اختصر هذا الحديث، والمقصود بيان الرجم دون القصة، ولعله -ﷺ- استنطقه بعد ما أخبر ماعز بزناه، أو أعرض عنه النبي -ﷺ- مرارًا، كما سبق.\n٣٥٦٧ - [١٣] (يزيد بن نعيم) قوله: (وعن يزيد) بالزاي (ابن نعيم) بلفظ التصغير، و(هزال) بفتح الهاء وتشديد الزاي، الأسلمي، وكانت له مولاة، فوقع\n_________\n(١) في نسخة: \"بجارية\".","vol":"6","page":377},{"text":"٣٥٦٨ - [١٤] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"تَعَافَوُا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٣٧٦، ن: ٤٨٨٦].\n٣٥٦٩ - [١٥] وَعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا الْحُدُودَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٧٥].\n٣٥٧٠ - [١٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ادْرَؤوا الْحُدُودَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فَخَلُّوا سَبِيلَهُ،\nــ\nعليها ماعز، فعلم به هزال، وأشار إليه بالمجيء إلى رسول اللَّه -ﷺ- والاعتراف بالزنا.\n٣٥٦٨ - [١٤] (عمرو بن شعيب) قوله: (تعافوا) بضم الفاء من العفو من عفا الذنب أو عفا الدار، والخطاب لغير الأئمة، فإن الإمام لا يجوز له العفو عن حدود اللَّه إذا رفع الأمر إليه.\n٣٥٦٩ - [١٥] (عائشة) قوله: (أقيلوا) من الإقالة، و(الهيئة) صورة الشيء وشكله، والمراد هنا الحالة التي يكون الإنسان عليها من الأخلاق والأفعال والمروءات وأصحاب الوجوه، وقيل: هم أهل الصلاح والورع.\nوقوله: (إلا الحدود) أي: إلا ما يوجب الحدود إذا ثبت، فهذا خطاب للأئمة وجاز أن يشملهم وغيرهم.\n٣٥٧٠ - [١٦] (وعنها) قوله: (ادرؤوا الحدود) أي: ادفعوها قبل أن يصل إلى الإمام، فإن الإمام إذا سلك سبيل الخطأ في العفو الذي صدر منكم خير من أن","vol":"6","page":378},{"text":"فَإِنَّ الإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: قَدْ رُوِيَ عَنْهَا وَلَمْ يُرْفَعْ وَهُوَ أَصَحُّ. [ت: ١٤٢٤].\n٣٥٧١ - [١٧] وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: اسْتُكْرِهَتِ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ (١) -ﷺ- فَدَرَأَ عَنْهَا الْحَدَّ وَأَقَامَهُ عَلَى الَّذِي أَصَابَهَا وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ جَعَلَ لَهَا مَهْرًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٤٣٥].\n٣٥٧٢ - [١٨] وَعَنْهُ: أَنَّ امْرَأَةً خَرَجَتْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -ﷺ- تُرِيدُ الصَّلَاةَ، فَتَلَقَّاهَا رَجُلٌ، فتجَلَّلَهَا، فَقَضَى حَاجَتَهُ مِنْهَا، فَصَاحَتْ، وَانْطَلَقَ، وَمَرَّتْ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَتْ: إِنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ فَعَلَ بِي كَذَا وَكَذَا، فَأَخَذُوا الرَّجُلَ، فَأَتَوْا بِهِ رَسُولَ -ﷺ-، فَقَالَ لَهَا: \"اذْهَبِي، فَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكِ\". . . . .\nــ\nيسلك سبيل الخطأ في العقوبة، بأن يعاقب بخطأ وعدم تشخيص القضية، فإنه إذا وصلت إليه وجب عليه الإنفاذ، فعلى هذا مضمون قوله: (تعافوا الحدود)، الخطاب لغير الأئمة، وقد يحتمل على درء الإمام الحدود بقوله: (أبه جنون؟)، (أشرب خمرًا؟)، (لعلك قبلت أو غمزت؟) ونحوها، فالخطاب للإمام، وهو من قبيل وضع المظهر موضع المضمر، فتدبر.\n٣٥٧١ - [١٧] (وائل بن حجر) قوله: (ولم يذكر) أي: الراوي (أنه جعل لها) أي: للمرأة (مهرًا) أي: عُقْرًا، أشار إلى أنه ثابت بالأحاديث الأخر وإن لم يذكر.\n٣٥٧٢ - [١٨] (وعنه) قوله: (فتجللها) أي: تغشَّاها، وصار كالجُلِّ عليها\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول اللَّه\".","vol":"6","page":379},{"text":"وَقَالَ لِلرَّجُلِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهَا: \"ارْجُمُوهُ\" وَقَالَ: \"لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَقُبِلَ مِنْهُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٤٥٤، د: ٤٣٨١].\n٣٥٧٣ - [١٩] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا زَنَى بِامْرَأَةٍ فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ -ﷺ- فَجُلِدَ الْحَدَّ، ثُمَّ أُخْبِرَ أَنَّهُ مُحْصَنٌ فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٤٤٠].\n٣٥٧٤ - [٢٠] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- بِرَجُلٍ كَانَ فِي الْحَيِّ مُخْدَجٍ سَقِيمٍ، فَوَجَدَ عَلَى أَمَةٍ مِنْ إِمَائِهِمْ يَخْبُثُ بِهَا،\nــ\nكناية عن الوطء، كما يكنى عنه بالغِشْيان.\nوقوله: (وقال للرجل الذي وقع عليها: ارجموه) يعني بعد إقراره بالزنا وثبوته عليه.\n٣٥٧٣ - [١٩] (جابر) قوله: (ثم أخبر أنه محصن فأمر به فرجم) فيه دليل على أن الإمام إذا أمر بشيء من الحدود، ثم بأن له أن الواجب غيره، فعليه المصير إلى الواجب.\n٣٥٧٤ - [٢٠] (سعيد بن سعد) قوله: (كان في الحي) أي: في القبيلة. و(المخدج) بضم الميم وفتح الدال مخففًا والجيم في آخره: ناقص الخلقة، يقال: أَخدَجَت الناقةُ: إذا جاءت بولد ناقص (١).\nوقوله: (يخبث بها) أي: يزني، خبث بالمرأة: زنا بها، في (القاموس): الخبث:\n_________\n(١) انظر: \"القاموس المحيط\" (ص: ١٨٢).","vol":"6","page":380},{"text":"فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"خُذُوا لَهُ عِثْكَالًا فِيهِ مِئَةُ شِمْرَاخٍ فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ نَحْوُهُ. [شرح السنة: ١٠/ ٣٠٣، جه: ٢٥٧٤].\n٣٥٧٥ - [٢١] وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٤٥٦، جه: ٢٥٦١].\nــ\nالزنا، وأقول: وكان ذكره بالخبث منها إشارة إلى أنه لم يكن جماع تام بل لم يكن إلا خبث وخباثة، لكونه ناقص الخلقة. و(العثكال) كقرطاس: العِذْقُ والشِّمْرَاخُ (١)، والعذق كان غصن كبير عليه أغصان صغار كل واحد منها شمراخ، وفيه أن الإمام ينبغي أن يراقب المجلود ويحافظ على حياته، وأن الحد لا يؤخر عن المريض إلا إذا كان له أمر مرجوٌّ كالحَبَل، وقال أبو حنيفة ومالك: يؤخر أصحاب الحد إلى أن يبرؤوا، ولعل سقم هذا الرجل كان من الأمراض المزمنة التي لا يرجى عادة برؤها، واللَّه أعلم.\n٣٥٧٥ - [٢١] (عكرمة) قوله: (فاقتلوا الفاعل والمفعول به) واللواطة لا حد عليه عند أبي حنيفة ويعزر، وزاد في (الجامع الصغير): ويودع في السجن، وقال: هو كالزنا فيحد، وهو أحد قولي الشافعي، وقال في قول: يقتلان بكل حال لهذا الحديث، ويروى: فارجموا الأعلى والأسفل، كذا في (الهداية) (٢).\n_________\n(١) انظر: \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٤٧).\n(٢) \"الهداية\" (٢/ ٣٤٦).","vol":"6","page":381},{"text":"٣٥٧٦ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ\" قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: مَا شَأْنُ الْبَهِيمَةِ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي ذَلِكَ شَيْئًا، وَلَكِنْ أَرَاهُ كَرِهَ أَنْ يُؤْكَلَ لَحْمُهَا أَوْ يُنْتَفَعَ بِهَا، وَقَدْ فُعِلَ بِهَا ذَلِكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٤٥٥، د: ٤٤٦٤، جه: ٢٥٦٤].\n٣٥٧٧ - [٢٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي عَمَلُ قَوْمِ لُوطٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ن: ١٤٥٧، جه: ٢٦٥٣].\nــ\n٣٥٧٦ - [٢٢] (ابن عباس) قوله: (فاقتلوه واقتلوها معه) قيل: إنما أمر بقتلها لئلا يتولد منها حيوان على صورة إنسان، أو إنسان على صورة حيوان، وقيل: كراهةَ أن يلحقَ صاحبَها خِزيٌ فِي إبقائها، وقيل: تقتل وتحرق، وذهب الأئمة الأربع إلى أن من أتى بهيمة يعزر ولا يقتل، والحديث محمول على الزجر والتشديد.\nوقوله: (وقد فعل بها ذلك) الفعل حال يعني وفيه من الشناعة ما لا يخفى، وقيل: إن كانت مأكولة تقتل، وإلا فوجهان: القتل بظاهر الحديث، وعدم القتل للنهي عن ذبح الحيوان لا للأكل، كذا نقل الطيبي (١)، وقال في (الهداية) (٢): والذي يروى أنه تذبح البهيمة وتحرق فذلك لقطع التحدُّث به، وليس بواجب.\n٣٥٧٧ - [٢٣] (جابر) قوله: (إن أخوف ما أخاف) وذلك إما لتوهم عدم\n_________\n(١) \"شرح الطيبى\" (٧/ ١٣٦).\n(٢) \"الهداية\" (٢/ ٣٤٧).","vol":"6","page":382},{"text":"٣٥٧٨ - [٢٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ لَيْثٍ أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ-، فَأَقَرَّ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، فَجَلَدَهُ مِئَةً، وَكَانَ بِكْرًا، ثُمَّ سَأَلَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمَرْأَةِ فَقَالَتْ: كَذَبَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَجُلِدَ حَدَّ الْفِرْيَةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٤٦٧].\n٣٥٧٩ - [٢٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ، فَلَمَّا نَزَلَ مِنَ الْمِنْبَرِ أَمَرَ بِالرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَةِ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٤٧٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-903> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٥٨٠ - [٢٦] عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ أَبِي عُبَيْدٍ أَخْبَرَتُهُ أَنَّ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِ الإِمَارَةِ وَقَعَ عَلَى وَلِيدَةٍ مِنَ الْخُمُسِ،\nــ\nالصبر والوقوع في تلك الورطة أو لغاية شناعتها وتأكد حرمتها.\n٣٥٧٨ - [٢٤] (ابن عباس) قوله: (حد الفرية) بكسر الفاء، أي: الكذب، والمراد حدُّ القَذفِ.\n٣٥٧٩ - [٢٥] (عائشة) قوله: (لما نزل عذري) أي: الآياتُ الدالَّةُ على براءتي، والمراد بالرجلين حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة، وبالمرأة حمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش، وقد عمِيَ حسانُ بدعاء عائشة الصديقة، واعتذر إليها ومدحها.\nالفصل الثالث\n٣٥٨٠ - [٢٦] (نافع) قوله: (من رقيق الإمارة) وكان ذلك في خلافة أمير المؤمنين عمر.","vol":"6","page":383},{"text":"فَاسْتكْرَهَهَا حَتَّى اقْتَضَّهَا، فَجَلَدَهُ عُمَرُ، وَلَمْ يَجْلِدْهَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ اسْتكْرَهَهَا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٩٤٩].\n٣٥٨١ - [٢٧] وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ نُعَيْمٍ بْنِ هَزَّالٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ مَاعِزُ ابْنُ مَالِكٍ يَتِيمًا فِي حِجْرِ أَبِي، فَأَصَابَ جَارِيَةً مِنَ الْحَيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَخْبِرْهُ بِمَا صَنَعْتَ لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ لَكَ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَخْرَجًا، فَأتَاهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّى زَنَيْتُ فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَعَادَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَقِمْ عَلَيَّ كِتَابَ اللَّهِ حَتَّى قَالَهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ،\nــ\nوقوله: (حتى اقتضها) بالقاف والضاد المعجمة: أي: أزال بكارتها، والقِضَّةُ بالكسر: عُذْرةُ الجاريةِ، والافتضاض بالفاء أيضًا بمعناه، كذا قال الكرماني (١)، وقال الشيخ (٢): بقاف وضاد معجمة مأخوذ من القِضّة، وهي عُذْرةُ البِكرِ، وفي (القاموس) (٣) في باب القاف: القضة بالكسر: عذرة الجارية، وقال في حرف الفاء: افتضَّ الجاريةَ: افترَعَها، وقال في مادة فرع: افترعَ البكرَ: افتضَّها، فيعلم أن افتض بالفاء بمعنى اقتض بالقاف.\n٣٥٨١ - [٢٧] (يزيد بن نعيم) قوله: (أن يكون) أي: ما ذكر من الإتيان والإخبار والاستغفار، (مخرجًا) أي: من الذنب.\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (٢٤/ ٦٨).\n(٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٢٢).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٠١، ٥٩٩، ٦٨٩).","vol":"6","page":384},{"text":"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّكَ قَدْ قُلْتَهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَبِمَنْ؟ \" قَالَ: بِفُلَانَةٍ قَالَ: \"هَلْ ضَاجَعْتَهَا؟ \" قَالَ: نَعَمْ قَالَ: \"هَلْ بَاشَرْتَهَا؟ \" قَالَ: نَعَمْ قَالَ: \"هَلْ جَامَعْتَهَا؟ \" قَالَ: نَعَمْ قَالَ: فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُرْجَمَ، فَأُخْرِجُ بِهِ إِلَى الْحَرَّةِ، فَلَمَّا رُجِمَ، فَوَجَدَ مَسَّ الْحِجَارَةِ، فَجَزِعَ، فَخَرَجَ يَشْتَدُّ، فَلَقِيَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، وَقَدْ عَجَزَ أَصْحَابُهُ، فَنَزَعَ لَهُ بِوَظِيفِ بَعِيرٍ، فَرَمَاهُ بِهِ، فَقَتَلَهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ-، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: \"هَلَّا تَرَكتُمُوهُ لَعَلَّهُ أَنْ فَيَتُوبَ، فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٤٢٠].\n٣٥٨٢ - [٢٨] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الزِّنَا إِلَّا أُخِذُوا بِالسَّنَةِ، وَمَا مِنْ قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الرُّشَا إِلَّا أُخِذُوا بِالرُّعْبِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ٢٠٥].\nــ\nوقوله: (فبمن؟) أي: بمَن زنيتَ، و(الوظيف) مستدِقُّ الذراع والساق من الخيل والإبل، وجملة الفاءات من قوله: (فوجد. . . إلى آخره) للعطف، والجزاء محذوف أي: علمنا حكم الرجم، وذلك لأن الفاء لا يدخل في جواب (لمَّا)، كذا قالوا.\n٣٥٨٢ - [٢٨] (عمرو بن العاص) قوله: (إلا أخذوا بالسنة) أي: القحط والجدب، وذلك من الأسماء الغالبة، وذلك من خاصية الزنا، وتقدير اللَّه تعالى.\nوقوله: (يظهر فيهم الرشا) بالضم جمع الرشوة، قال في (القاموس) (١): الرشوة مثلثة: الجُعْل، رشاه: أعطاه إياها، وارتَشَى: أخَذَها، واسترشى: طلبها، وقال في\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨٤).","vol":"6","page":385},{"text":"٣٥٨٣ - [٢٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ\". رَوَاهُ رَزِينٌ. [حم: ١/ ٢١٧].\n٣٥٨٤ - [٣٠] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَلِيًّا أَحْرَقَهُمَا وَأَبَا بَكْرٍ هَدَمَ عَلَيْهِمَا حَائِطًا.\n٣٥٨٥ - [٣١] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَنْظُرُ اللَّهُ ﷿ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١١٥٦].\nــ\n(فتاوى قاضيخان) (١): الرِّشوة مال يعطيه بشرط أن يُعِينَه، وقيل: الرشوة الوُصْلة إلى الحاجة بالمصانعة، والراشي من يعطي الذي يعينه على الباطل، والمرتشي الآخذ، والرائش الذي يسعى بينهما، كذا في (الحواشي)، مأخوذة من الرِّشَاء، وهو حبل الدلو إذ يتوصل بها إلى البغية، وقيل: من الرشا: الفرخ إذا مدّ رأسه إلى أمه لتطعمه.\n٣٥٨٣، ٣٥٨٤ - [٢٩، ٣٠] (ابن عباس وأبو هريرة) قوله: (أن عليًّا أحرقهما. . . إلخ)، قال في (الهداية) (٢): اختلف الصحابة -﵃- في موجَب عمل قوم لوط من الإحراق بالنار وهدم الجدار، والتنكيس من مكان مرتفع بإتباع الأحجار وغير ذلك، انتهى. وفي حواشيه من (الكافي) عن الصديق: أنهما يحرقان بالنار، وعن علي: يجلدان أو يرجمان، وعن ابن عباس: يُنكَّسان من أعلى المواضع ويتبعان الحجارة، وعن الزبير: يحبسان في أنتَنِ المواضع حتى يموتا، وعن بعضهم: يهدم عليهما جدار.\n٣٥٨٥ - [٣١] (وعنه) قوله: (لا ينظر اللَّه ﷿) وهو في معنى اللعن لأنه طرد\n_________\n(١) انظر: \"فتاوى قاضيخان\" (٢/ ٢٠٠).\n(٢) \"الهداية\" (٢/ ٣٤٦).","vol":"6","page":386},{"text":"٣٥٨٦ - [٣٢] وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: \"مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: وَهَذَا أَصَحُّ مِنَ الْحَدِيثِ الأَوَّلِ وَهُوَ: \"مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ\" وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْم. [ت: ١٤٥٥، د: ٤٤٦٥].\n٣٥٨٧ - [٣٣] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَقِيمُوا حُدُودَ اللَّهِ فِي الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَلَا تَأْخُذْكُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٥٤٠].\nــ\nعن جناب الرحمة ونظر عناية الحق ﷿.\n٣٥٨٦ - [٣٢] (وعنه) قوله: (فلا حد عليه) لأنه ليس في معنى الزنا في كونه جناية، وفي حق وجود الداعي؛ لأن الطبعَ السليم ينفرُ عنه، والحاملَ عليه نهايةُ السَّفَهِ أو فرطُ الشَّبق إلا أنه يُعزَّر.\n٣٥٨٧ - [٣٣] (عبادة بن الصامت) قوله: (في القريب والبعيد) قال الطيبي (١): يحتمل أن يكون المراد القرب والبعد في النسب، أو القوة والضعف، أي: الذي يتيسر الوصول إليه والقدرة عليه والذي لا يتيسر، والأول أظهر من اللفظ، وإن كان الثاني أقوى في المعنى، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥].\nوقوله: (وَلَا تأْخُذْكُمْ فِي اللَّه لومة لائم) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤].\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ١٤٠).","vol":"6","page":387},{"text":"٣٥٨٨ - [٣٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِقَامَةُ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فِي بِلَادِ اللَّهِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٥٣٧].\n٣٥٨٩ - [٣٥] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [ن: ٤٩٠٥].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-904>١ - باب قطع السرقة</span>\nــ\n٣٥٨٨، ٣٥٨٩ - [٣٤، ٣٥] (ابن عمر، وأبو هريرة) قوله: (إقامة حد من حدود اللَّه خير من مطر أربعين ليلة) لأنها سبب التباعد عن المعاصي، وبشؤم المعاصي تنقطع البركات وتضيق الأرزاق، كما سبق من قوله: (ما من قومٍ يظهرُ فِيهم الزنا إلا أُخِذوا بالسَّنَةِ).\n١ - باب قطع السرقة\nأي: قطع اليد لأجل السرقة، وفي بعض النسخ: (باب حد السرقة)، وسرق من باب ضرب يضرب، يقال: سرَقَ منه الشيءَ سَرَقًا محركة، وككَتِف، وسَرَقَةً محركة وكفَرِحَةٍ، والاسم السَّرْقَةُ بالفتح وكفَرِحَةٍ وكَتِفٍ، كذا في (القاموس) (١).\nوالسرقة فى اللغة: أخذ الشيء من الغير على الخُفْية والاستسرار، منه استراق السمع، ويقال: سرق كفرح: خفي، وفي الشرع: عبارة عن أخذِ مال مُحرَزٍ مملوك خُفيةً.\nثم نصاب السرقة عندنا عشرة دراهم، لا قطع في أقلَّ من ذلك، وعند الشافعي\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٢٣).","vol":"6","page":388},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-905> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٥٩٠ - [١] عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تُقْطَعُ يَدُ سَارِقٍ إِلَّا بِرُبع دِينَارٍ فَصَاعِدًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧٨٩، م: ١٦٨٤].\nــ\nربع دينار من العين أو ثلاثة دراهم من الوَرِق أو قيمة ثلاثة دراهم، ومتمسَّكهم ما وقع في الأحاديث الصحيحة من قطع السارق في ربع دينار، وقال الإمام أحمد: وكان ربع الدينار يومئذ ثلاثة دراهم، والدينار اثني عشر درهمًا، وقال في (الهداية) (١): ولنا أن الأخذ بأكثر في هذا الباب أولى احتيالًا لدرء الحد، وهذا لأن في الأقل شبهةَ عدم الجناية، وهي دارئة للحد، وقد يروى عن رسول اللَّه -ﷺ-: (لا قطعَ إلا في دينارٍ أو عشرةِ دراهمَ)، انتهى.\nوالأصل أن القطع على عهد رسول اللَّه -ﷺ- ما كان إلا في ثَمَنِ المِجَنِّ، وأقلُّ ما نُقِل في تقديره ثلاثةُ دراهمَ، والأخذ بالمتيقَّن به أَولى، وكان قيمةُ المِجَنِّ عشرةَ دراهمَ، رواه ابن أبي شيبة (٢) عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، انتهى.\nونقل ذلك في (الكافي) أن المِجَنَّ الذي قُطِعَت اليد فيه على عهد النبي -ﷺ- يساوي عشرة دراهم، واللَّه أعلم،\nالفصل الأول\n٣٥٩٠ - [١] (عائشة) قوله: (إلا بربع دينار) يعني لا بأقل من ذلك، وقد جاء صريحًا في رواية: (اقطعوا في رُبعِ دينارٍ، ولا تقطعوا في ما هو أدنى من ذلك)، وفي رواية: (يُقطَعُ فِي رُبعِ دينارٍ أو ثلاثةِ دراهمَ)، وجاء أيضًا في رواية: (وكان ربعُ\n_________\n(١) \"الهداية\" (٢/ ٣٦٢).\n(٢) \"مصنف ابن أبي شيبة\" (٦/ ٤٦٥).","vol":"6","page":389},{"text":"٣٥٩١ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: \"قَطَعَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَدَ السَّارِقِ فِي مِجَنِّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧٩٩، م: ١٦٨٦].\nــ\nالدينار يومئذٍ ثلاثة دراهمَ، والدينارُ اثني عشرَ درهمًا)، كما ذكرنا.\n٣٥٩١ - [٢] (ابن عمر) قوله: (في مجن ثمنه ثلاثة دراهم) قال التُّورِبِشْتِي (١): وحَلُّ هذا الحديثِ عند مَن لا يرى من العلماء قطعَ يد السارق في أقلَّ من عشرة دراهم: أن التقويم لعله كان من ابن عمر رأيًا واجتهادًا على ما تبيَّنَ له؛ لأنا وجدنا القول في قيمة المِجَنِّ مختلفًا عن جمع من الصحابة، فروي عن ابن عباس: أن قيمته كانت عشرة دراهم، وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مثله، وكذلك روي عن أم أيمن، وعن ابنها أيضًا أيمن بن عبد اللَّه أنه كان يُقوَّمُ يومئذ دينارًا.\nولما وُجِدَ هذا الاختلاف، وكان الأخذُ بحديث مَن روى أن قيمة المجنِّ المقطوع فيه كانت عشرة دراهم داخلًا فيما أجمع المسلمون عليه، والأخذُ بما دونه خارجًا عن الإجماع، رأَوا الأخذَ بالمُجمَع عليه، فإن قيل: قد روت عائشة أن النبي -ﷺ- قال: تُقطَعُ يدُ السارقِ فِي رُبعِ دينارٍ، فالجواب عنه أن هذا الحديث يروى في أثبت الروايتين موقوفًا على عائشة -﵂- أيضًا في غير هذا الوجه بطرق شتى لم تخل من اختلاف الرواة فيها، فحملوا الأمر فيها على أنها ذكرت ربع دينار؛ لأن قيمة المجن كانت عندها ربع دينار، قلت: وأهل النقل يرون الترجيح لحديث ابن عمر وحديث عائشة لأنهما أصح سندًا، وأهل النظر يرون أحقَّ الروايتين بالقبول روايةَ ابن عباس ومَن نحا نحوَه، لما يؤيده المعنى، كما ذكرنا، ولا يرون أن يقطعوا القول بالمراد من قوله سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] إلا على الوجه الذي لا يعترض\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٣٩).","vol":"6","page":390},{"text":"٣٥٩٢ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: \"لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعَ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعَ يَدُه\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧٩٩، م: ١٦٨٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-906> الفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٥٩٣ - [٤] عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ. . . . .\nــ\nالشبهة على ما بينا، واللَّه أعلم.\n٣٥٩٢ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (لعن اللَّه السارق يسرق البيضة) هذا الحديث يدل على قطع اليد في أقلَّ من ربع دينار أو ثلاثة دراهم فضلًا عن عشرة دراهم، فيشكل على الأئمة كلهم، فأجابوا بأن المراد بيضة الحديد، وقد يبلغ قيمة ما ذكرنا من النصاب، قال التُّورِبِشْتِي (١): ليس الأمر على ما توهَّم القائل، وآخِرُ الحديث ينقضُ عليه ذلك، وهو قوله: (يسرق الحبل) انتهى، يعني أن قيمة الحبل لا يبلغ ذلك قطعًا، فقيل: المراد حبل السفينة، وقيل: كان القطع في القليل في الابتداء، ثم نسخ ذلك، وقيل: إنه -ﷺ- أشار بذلك إلى عادة الولاة والسلاطين، وأنهم قد يفعلون ذلك سياسةً لا حدًّا شرعيًّا، هذا والأظهر أنه أراد أنه يتبع نفسه في أخذ الشيء القليل مثل البيضة والحبل، حتى يعتاد السرقة فيفضي إلى أخذ ما تقطع فيه اليد، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n٣٥٩٣ - [٤] (رافع بن خديج) قوله: (لا قطع في ثمر) الثمر محركة: حمل\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٤٠).","vol":"6","page":391},{"text":"وَلَا كَثَرٍ\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ط: ٣١٠٤، ت: ١٤٤٩، د: ٣٤٨٨، ن: ٤٩٦، دي: ٢/ ١٧٤، جه: ٢٥٩٣].\nــ\nالشجر، ويغلب على ثمر النخل، ولا حاجة هنا إلى حمله عليه لأن الحكم عام، فما دام على الشجرة فهو ثمر، وإذا قُطِع فهو رُطَب كصُرَد، وهو ينضج البسر والبسرية قبل الإرطاب، فإذا جفّ فهو تمر، وقيل: إذا كنزه، ويقال: تمَّرَ الرُّطَبُ تتميرًا وأتمر: إذا صار في حد التمر.\nوقوله: (ولا كثر) بالثاء المثلثة بفتحتين: جُمَّار النخل بضم الجيم وتشديد الميم: شحمه الذي في وسطه و[هو] يؤكل، وهو شيء أبيض لبن يخرج من رأس النخل، وقيل: الطلعُ أوَّلَ ما يبدو، وهو أيضًا يؤكل، ويؤيده ما قال في (القاموس) (١): أكثرَ النخلُ: أَطْلَعَ، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): الأول أصح.\nواعلم أنه لا قطع في الثمر على الشجر والزرع الذي لم يحصد لعدم الإحراز، وأما الثمر الذي قطع وأحرز ففيه القطع عند الشافعي، وعند أحمد في رواية إذا كان في بستان محفوظ، أو كانت شجرة في دار محرزة فسرق منها نصابًا فإن عليه القطع.\nوأما عندنا فلا قطع فيما يتسارع إليه الفساد كاللبن واللحم والفواكه الرَّطْبة لقوله -ﷺ-: (لا قطعَ فِي ثمَرٍ ولا كَثَرٍ)، وقال ﵊: (لا قطعَ فِي الطعام)، والمراد -واللَّه أعلم- ما يتسارعُ إليه الفسادُ كالمهيَّأ للأكل منه وما في معناه كاللحم والثمر؛ لأنه يقطع في الحنطة والسكر إجماعًا.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٣٦).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٤٠).","vol":"6","page":392},{"text":"٣٥٩٤ - [٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ قَالَ: \"مَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ١٧١٠، ن: ٤٩٥٩].\n٣٥٩٥ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ الْمَكِّيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: \"لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ وَلا فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ، فَإِذَا آوَاهُ الْمُرَاحُ وَالْجَرِينُ فَالْقَطْعُ فِيمَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٣٠٧٥].\nــ\n٣٥٩٤ - [٥] (عمرو بن شعيب) قوله: (من سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجرين) المقصود أنه لا قطع في الثمر المعلَّق على الشجر لأنه ليس بمُحرَز، و(يؤوي) من الإيواء، و(الجَرِين) كالأمير: البيدر، أجرنَ التمرَ: جمعه فيه، وهو موضع يجمع فيه التمر ليجفَّ.\n٣٥٩٥ - [٦] (عبد اللَّه بن عبد الرحمن) قوله: (وعن عبد اللَّه بن عبد الرحمن) تابعي روى عنه مالك والثوري.\nوقوله: (ولا في حريسة جبل) أي: ليس فيما يُحرَسُ بالجبل إذا سُرِقَ قطعٌ؛ لأنه [غيرُ] مُحرَز، فعيلة بمعنى مفعولة، وفي (المشارق) (١): هي ما في المراعي من المواشي، فحريسة بمعنى محروسة، أي: إنها وإن حُرِسَت بالجبل فلا قطعَ فِيها، قال أبو عبيد: وبعضهم يجعلها السرقةَ نفسَها، يقال: حرس يحرس حرسًا: إذا سرق، وقال: هي التي تُحتَرَس، أي: تُسرَق من الجبل، وقال يعقوب: المحترس الذي يسرق الإبل والغنم ويأكلها، ومنه قوله: وحريسة احترسها، أي: أخذها، اشتق فعلهم\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٩٥).","vol":"6","page":393},{"text":"٣٥٩٦ - [٧] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيْسَ عَلَى الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ، وَمَنِ انْتَهَبَ نُهْبَةً مَشْهُورَةً فَلَيْسَ مِنَّا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٩١].\n٣٥٩٧ - [٨] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٤٤٨، ن: ٤٩٧٢، جه: ٢٥٩١، دي: ٢/ ١٧٥].\nــ\nبها من اسمها، وفي رواية ابن المرابط: اختلسها، والوجه ما تقدم، انتهى كلام المشارق.\nوفي بعض الحواشي (١): دابة ترعى في الجبل ولها من يحفظها، وقيل: الحريسة الشاة المسروقة ليلًا يعني من المرعى، قبل أن يصل إلى مُرَاحها، وإنما أضيفت إلى الجبل لأن السارق يذهب بها إلى الجبل، والمراح بضم الميم: مأوى الإبل والغنم للحرز بالليل.\n٣٥٩٦ - [٧] (جابر) قوله: (ليس على المنتهب) النهب: الغنيمة، والأخذ على وجه العلانية والقهر، والمراد من توصيفه بالشهرة كونها ظاهرة غير خفية، كما مرّ في أول الكتاب (٢): (ولا ينتهبُ نُهبةً يرفعُ الناسُ إليه فيها أبصارَهم)، فأما إن حمل على معنى الغارة فلأن ذلك ليس بسرقة لعدم الخفية، وإن حمل على الغنيمة فلأن له فيها حقًّا كما يأتي من عدم القطع في الغزو على وجه.\n٣٥٩٧ - [٨] (وعنه) قوله: (ليس على خائن) الخيانة: الأخذ مما في يده\n_________\n(١) \"حاشية جمال الدين\" (ص: ٢٧٤).\n(٢) رقم الحديث: (٥٣).","vol":"6","page":394},{"text":"٣٥٩٨، ٣٥٩٩، ٣٦٠٠ - [٩، ١٠، ١١] وَرُوِيَ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\": أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ، وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ، فَجَاءَ سَارِقٌ، وَأَخَذَ رِداءَهُ، فَأَخَذَهُ صَفْوَانُ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَمَرَ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ فَقَالَ صَفْوَانُ: إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا، هُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَني بِهِ\" وَرَوَى نَحْوَهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ، وَالدَّارِمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. [شرح السنة: ١٠/ ٣٢١، جه: ٢٥٩٥، دي: ٢/ ١٧٢].\nــ\nعلى وجه الأمانة، في (القاموس) (١): الخَوْن: أن يُؤتمَنَ الإنسانُ فلا ينصحَ، خانَه خَوْنًا وخِيَانةً وخَانَةً ومَخانةً، واختانه، فهو خائنٌ، و(الاختلاس): أخذ الشيء من ظاهره بسرعة، ويقال بالفارسية: ربودن، وإنما لم يقطع في الخيانة لقصور في الحرز، وفي الاختلاس لعدم الخفية.\n٣٥٩٨، ٣٥٩٩، ٣٦٠٠ - [٩، ١٠، ١١] (صفوان بن أمية) قوله: (فأمر أن يقطع) أي: بعد إقراره بالسرقة.\nوقوله: (فهلا) أي: هلا تركت حقك وتصدقت (قبل أن تأتيني به) (٢) فالآن بعد أن حكمتُ بقطع يده لا يُدفَعُ القطعُ عنه لأنه حق اللَّه تعالى، نعم إن تصدقت عليه رداءك وهو حقك يسقط عنه.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٠٠).\n(٢) في \"التقرير\": إذا أخبر القاضي وبعده يهب المسروق منه، فقال الشافعي: لا يسقط الحد، وعند الإمام إن وهبه بعد القبض فيسقط الحد، وليس في الرواية تصريح الهبة بعد القبض أو بدونه فلا خلاف.","vol":"6","page":395},{"text":"٣٦٠١ - [١٢] وَعَنْ بُسْرِ بْنِ أَرْطَاةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا تُقْطَعُ الأَيْدِي فِي الْغَزْوِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا: \"فِي السَّفَرِ\" بَدَلَ \"الْغَزْوِ\". [ت: ١٤٥٠، دي: ٢/ ٢٣١، د: ٤٤٠٨، ن: ٤٩٧٩].\n٣٦٠٢ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ فِي السَّارِقِ: \"إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ\". . . . .\nــ\n٣٦٠١ - [١٢] (بسر بن أرطاة) قوله: (وعن بسر) بضم الباء وسكون السين المهملة، و(أرطاة) بفتح الهمزة وسكون الراء.\nوقوله: (في الغزو) أي: لا تقطعُ يدُ السارقِ فِي حال الغزو مع الكفار وكونهم في دار الحرب، وهذا إذا لم يكن الإمامُ ثمَّة بل يكون أمير الجيش، فإن أمير الجيش لا يقيم الحدود في أرض الحرب على مذهب بعض الفقهاء، وإنما لم يقطع لاحتمال افتتان المقطوع باللحوق بدار الحرب، ولوقوع التفرقة والوهن في المجاهدين، قال الطيبي (١): وهذا مذهب أبي حنيفة ﵀، وقال الأوزاعي: لا يقطع أمير العسكر حتى يقفل من الدرب، فإذا قفل قطع، وقيل: المراد لا يقطع بالسرقة من مال الغزو أي: الغنيمة قبل القسمة إذ له حق فيها.\n٣٦٠٢ - [١٣] (أبو سلمة) قوله: (فاقطعوا يده) أي: اليمنى.\nوقوله: (فاقطعوا رجله) أي: اليسرى، أخذ بهذا الحديث الشافعيُّ ﵀ في\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ١٤٥ - ١٤٦).","vol":"6","page":396},{"text":"رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١٠/ ٣٢٦].\n٣٦٠٣ - [١٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: جِيءَ بِسَارِقٍ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"اقْطَعُوهُ\"، فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: \"اقْطَعُوهُ\"، فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: \"اقْطَعُوه\"، فَقُطِعَ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: \"اقْطَعُوه\"، فَقُطِعَ فَأُتِيَ بِهِ الْخَامِسَةَ، فَقَالَ: \"اقْتُلُوهُ\"،\nــ\nالقطع في الثالثة والرابعة، ولأن الثالثة مثلُ الأولى في كونها جنايةً بل فوقها، فيكون أدعى إلى شرع الحد، وعندنا إن سرق ثالثًا لم يقطع وخُلِّد في السجن حتى يموت أو يتوب، وهذا استحسان، ودليلنا قول علي -﵁-: إني لأستحيي من اللَّه تعالى أن لا أدع له يدًا يأكل بها ويستنجي بها، ورجلًا يمشي عليها، وبهذا حاجَّ بقية الصحابة فحجَّهم، فانعقد الإجماع، ولأنه إهلاك معنًى لما فيه من تفويت جنس المنفعة، والحد زاجرٌ لا مُتلِفٌ، والحديث طعن فيه الطحاوي، أو يحمله على السياسة.\n٣٦٠٣ - [١٤] (جابر) قوله: (جيء بسارق) الجار والمجرور فيه أقيم مقام الفاعل، وكذا في أخواته، وكذا في (أتي به)، لكن المقدر فيه المفعولُ بلا واسطة وهو النبي -ﷺ-، وفي الثلاثة الأول بواسطة وهي إلى النبي، وجعلُ الضمير في (ثم جيء به) و(أتي به) للنبي -ﷺ- مخالف للأول، ولا كلام في جواز هذا الوجه خصوصًا في (أتي) بقرينة الحديث الآتي في أول الفصل الثالث، فافهم.\nوقوله: (فقال: اقتلوه) قال الخطابي: لا أعلم أحدًا من الفقهاء أباح دم السارق وإن تكررت منه السرقة، إلا أنه قد يُخرَّج على مذهب الفقهاء إباحةُ دمه لكونه في حكم المفسدين في الأرض، وللإمام أن يبلغ منهم ما رأى من العقوبة بالتعزير والقتل، ويعزى ذلك إلى مالك بن أنس، والحديث إن كان ثابتًا فهو يؤيد هذا الرأي، وقيل:","vol":"6","page":397},{"text":"فَانْطَلَقْنَا بِهِ، فَقتُلْنَاهُ، ثُمَّ اجْتَرَرْنَاهُ، فَأَلْقَيْنَاهُ فِي بِئْرٍ، وَرَمَيْنَا عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٤١٠، ن: ٤٩٧٨].\n٣٦٠٤ - [١٥] وَرُوِيَ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" فِي قَطْعِ السَّارِقِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: \"اقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ\". [شرح السنة: ١٠/ ٣٢٧].\n٣٦٠٥ - [١٦] وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِسَارِقٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ فِي عُتُقِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٤٤٧، د: ٤٤١١، ن: ٤٩٨٢، جه: ٢٥٨٧].\nــ\nهذا الحديث منسوخ بقوله -ﷺ-: (لا يحلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاث)، وقيل: إنه -ﷺ- علم ارتداد هذا المقطوع فأباح دمه وأمر بقتله، وقيل: لعله استحل أو تكلم بما يوجب القتل بعد القطع، ويدل على ذلك اجتراره في البئر لأنه لو كان مسلمًا لم يجز ذلك لا سيما بعد إقامة الحد وتطهيره، كذا ذكر الطيبي (١).\n٣٦٠٤ - [١٥] قوله: (وروي في شرح السنة في قطع السارق. . . إلخ)، كان الظاهر أن يجعله المؤلف حديثًا برأسه، إما عن جابر إن كان عنه، أو عن غيره إن كان عن غيره، لا أن يذكر في حديث أبي داود والنسائي إلا أن تكون روايته عن (شرح السنة) عن أبي داود والنسائي جزءًا من الحديث المذكور عنه فتدبر.\nوقوله: (ثم احسموه) أي: اقطعوا دَمه بالكيِّ لئلا يَتلَفَ.\n٣٦٠٥ - [١٦] (فضالة بن عبيد) قوله: (فعلقت) أي: اليد في عنقه ليكون عِبرةً ونَكالًا.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ١٤٧).","vol":"6","page":398},{"text":"٣٦٠٦ - [١٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا سَرَقَ مَمْلُوكٌ فَبِعْهُ وَلَوْ بِنَشٍّ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٤٤١٢، ن: ٤٩٨٠، جه: ٢٥٨٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-907> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٦٠٧ - [١٨] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِسَارِقٍ فَقَطَعَهُ، فَقَالُوا: مَا كُنَّا نُرَاكَ تَبْلُغُ بِهِ هَذَا، قَالَ: \"لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُهَا\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٤٨٩٦].\nــ\n٣٦٠٦ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (ولو بنش) النش بفتح النون وشد الشين: عشرون درهمًا نصف أوقية، كذا في (القاموس) (١). وقيل: النش يطلق على النصف من كل شيء، وعلى هذا يمكن أن يكون المراد نصفَ درهم مبالغةً.\nالفصل الثالث\n٣٦٠٧ - [١٨] (عائشة) قوله: (ما كنا نراك) بضم النون أي: نظنك أنك لا تقطعه بل ترحم عليه وترأف به.\nوقوله: (لو كانت فاطمة لقطعتها) لعل السارق كان امرأة كما يجيء في الباب الآتي إن كانت هذه تلك القضية، واللَّه أعلم، ورحم اللَّه الشيخ الإمام تاج الدين السبكي نقل هذه القضية في بعض كتبه ولم يذكر في قوله -ﷺ-: (ولو كانت فاطمةَ) اسم الزهراء، وقال قال لرسول اللَّه -ﷺ-: (لو كانت)، وذكر -ﷺ- اسم امرأة من أهل بيته تعظيمًا واحترامًا للزهراء -﵂- مثل هذا المقام.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٦١).","vol":"6","page":399},{"text":"٣٦٠٨ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بِغُلَامٍ لَهُ فَقَالَ: اقْطَعْ يَدَهُ فَإِنَّهُ سَرَقَ مِرْآةً لِامْرَأَتِي، فَقَالَ عُمَرُ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَهُوَ خَادِمُكُمْ أَخَذَ مَتَاعَكُمْ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٣١٠٥].\n٣٦٠٩ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا أَبَا ذَرٍّ\" قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَسَعْدَيْكَ قَالَ: \"كَيْفَ أَنْتَ إِذَا أَصَابَ النَّاسَ مَوْتٌ يَكُونُ الْبَيْتُ فِيهِ بِالْوَصِيفِ؟ \" يَعْنِي الْقَبْرَ، قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: \"عَلَيْكَ بِالصَّبْرِ\" قَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ: تُقْطَعُ يَدُ النَّبَّاشِ. . . . .\nــ\n٣٦٠٨ - [١٩] (ابن عمر) قوله: (لا قطع عليه وهو خادمكم) كأنه أشار إلى علة القطع، وهو وجود الإذن بالدخول فلا يحصل الإحراز، وهذا هو المذهب عندنا وعند أحمد، بخلاف عامة أهل العلم.\n٣٦٠٩ - [٢٠] (أبو ذر) قوله: (موت) أي: وَباءٌ، و(الوصيف) الخادم، والجمع وصفاء، والخادمة: الوصيفة، وجمعها وصائف، ووصف ككرم: بلغ حدَّ الخدمة، والاسم الإيصاف والوصافة.\nوقوله: (يعني القبر) تفسير للبيت يعني يكثر الموت حتى يصير موضع قبر يشترى بعبد. وقيل: المراد أنه يكون أجرة الحفر غالية حتى يقوَّم مثل ثمن العبد، يعني كيف أنت، أي تفرُّ من بلاء الوباء، أو تصبر عليه؟\nوقوله: (قال حماد بن أبي سليمان: تقطع يد النباش) يعني أن حمادًا استدل بهذا الحديث لما فيه من تسمية القبر بيتًا على أن القبر حرز للميت كالبيت فتقطع يد النبَّاش؛ لأنه دخل على الميت في بيته.","vol":"6","page":400},{"text":"لأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى الْمَيِّتِ بَيْتَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٤٠٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-908>٢ - باب الشفاعة في الحدود</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-909> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٦١٠ - [١] عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: . . . . .\nــ\nوقوله: (بيته) إما مجرور على أنه بدل من الميت، وقد ينصب على أنه تمييز، وقد يكون (١) معرفةً كما قيل في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] بالرفع، فنصب على التمييز نحو: غبِنَ رأيَه، وألِمَ رأسَه، كذا في (تفسير البيضاوي) (٢) أو على تقدير أعني، ولا قطعَ على النبَّاشِ عند أبي حنيفة ومحمد خلافًا للشافعي وأبي يوسف.\n٢ - باب الشفاعة في الحدود\nلعله إنما ذكر هذا الباب بعد حد السرقة وإن كان مفهومه عامًّا لأن أكثر الأحاديث المذكورة فيه واردة في حد السرقة.\nالفصل الأول\n٣٦١٠ - [١] (عائشة) قوله: (أهمهم) أي: أقلَقَهم وأحزَنهَم، والمرأة المخزومية\n_________\n(١) أي: التمييز.\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٨٨).","vol":"6","page":401},{"text":"مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ؟ \" ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٧٥، م: ١٦٨٨].\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَتْ: كَانَتِ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِقَطْعِ يَدِهَا فَأَتَى أَهْلُهَا أُسَامَةَ، فَكَلَّمُوهُ فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِيهَا، ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ.\nــ\nهي فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بنت أخي أبي سلمة.\nوقوله: (حب رسول اللَّه) بكسر الحاء، أي: محبوبه.\nوقوله: (إنما أهلك) بلفظ المعلوم من الإهلاك، و(أنهم) فاعلُه، أو بلفظ المجهول وحرفُ الجر مقدَّرٌ قبل (أنَّ).\nوقوله: (وإذا سرق فيهم الضعيف) وفي نسخة: (الوضيع) مقابل الشريف، وفي أكثر النسخ بل في كلها: (الضعيف) وهو الصحيح روايةً.\nوقوله: (تستعير المتاع وتجحده) إنما ذكر هذا لتعريف حالها الشنيعة، والقطع إنما كان للسرقة ولم يذكرها للعلم بذلك، ونقل الطيبي (١) عن أحمد وإسحاق وجوب القطع في جحد العارية.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ١٥١)، وانظر: \"أوجز المسالك\" (١٥/ ٤٨٥).","vol":"6","page":402},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-910> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٦١١ - [٢] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدَ ضَادَّ اللَّهَ، وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَنْزِعَ، وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ\". . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n٣٦١١ - [٢] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (من حالت شفاعته دون حد) أي: عند أو قدَّام حد من حدود، والمعنى من منع بشفاعته حدًا.\nوقوله: (ومن خاصم في باطل) تعميم بعد التخصيص.\nوقوله: (وهو يعلمه) أي: يعلم أنه باطل.\nوقوله: (حتى ينزع) أي: ينتهيَ عن مخاصمته، يقال: ينزع عن الأمور نزوعًا: انتهى عنها، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (ردغة الخبال) في (القاموس) (٢): الرَّدغَةُ محركة وتسكن: الماء والطين، والوحل الشديد، وفي بعض الشروح أنه بسكون الدال وفتحها، وأهل الحديث يروونه بالسكون، والمراد به عُصارةُ أهل النار، والخبال بالفتح: الفساد، وسمي به الصَّديد لأنه من الموادِّ الفاسدة. وقيل: الخبال موضع في جهنم مثل الحياض يجتمع فيها صَديدُ أهل النار وعُصارتُهم.\nوقوله: (حتى يخرج مما قال) أي: من إثمه، أي: يتوب منه، أو يتطهر باستيفاء\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٠٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٢١).","vol":"6","page":403},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةِ لِلْبَيْهَقِيِّ (١) فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\": \"مَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ لَا يَدْرِي أَحَقٌّ أَمْ بَاطِلٌ فَهُوَ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ\". [حم: ٢/ ٧٠، د: ٣٥٩٧، شعب: ١٤/ ٢٤٩].\n٣٦١٢ - [٣] وَعَقْ أَبِي أمُيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أُتِيَ بِلِصٍّ قَدِ اعْتَرَفَ اعْتِرَافًا، وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا أَخَالُكَ سَرَقْتَ\"، قَالَ: بَلَى فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلَّ ذَلِكَ يَعْتَرِفُ، فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِعَ، وَجِيءَ بِهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَتُبْ إِلَيْهِ\" فَقَالَ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ\" ثَلَاثًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، هَكَذَا وَجَدْتُ فِي الأُصُولِ الأَرْبَعَةِ. . . . .\nــ\nموجَب إثمه في النار.\n٣٦١٢ - [٣] (أبو أمية) قوله: (ما أخالك) بلفظ المتكلم أصله بفتح الهمزة من خال يخال كخاف ويبدلون فتحها بالكسرة، وبعضهم يقولون بالفتح، وإنما قال هذا درءًا للحد أي: ما أظن أنك سرقت.\nوقوله: (بلى) أي: بلى سرقت، وقال الطيبي (٢): عندي أنه ظن بالمعترف غفلته عن معنى السرقة وأحكامها، فأحب أن يستبين منه ذلك.\nوقوله: (كل ذلك) بالنصب، أي: كل مرة، وقد يرفع فيقدر الضمير.\nوقوله: (في الأصول الأربعة) وهي سنن هؤلاء الأربعة المذكورين.\n_________\n(١) وفي نسخة بالإضافة، قاله القاري (٦/ ٢٦٦٧).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٧/ ١٥٣).","vol":"6","page":404},{"text":"وَ\"جَامِعِ الأُصُولِ\" وَ\"شُعَبِ الإِيمَانِ\" وَ\"مَعَالِم السُّنَنِ\" عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ. [د: ٤٣٨، ن: ٤٨٧٧، جه: ٢٥٩٧، دي: ٢/ ١٧٣، جامع الأصول: ٣/ ٥٦٠، شعب: ١٥/ ٩٥، معالم السنن: ٣/ ٣٠١].\n٣٦١٣ - [٤] وَفِي نُسَخِ \"الْمَصَابِيحِ\" عَنْ أَبِي رِمْثَةَ بِالرَّاءِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ بَدَلَ الْهَمْزَةِ وَالْيَاءِ. [مصابيح السنة: ٢٧٢١].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-911>٣ - باب حد الخمر</span>\nــ\n٣٦١٣ - [٤] قوله: (عن أبي أمية) بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد الياء، وفي نسخ (المصابيح): (عن أبي رمثة) بكسر الراء وسكون الميم والثاء المثلثة، قال الشيخ: وهو غلط.\nوفي الحديث أن السرقة في حكم الزنا في تلقين الرجوع كما ذهب إليه الشافعي في إحدى القولين، وأن السرقة لا تثبت بالإقرار مرة كما حكي عن محمد وأبي يوسف.\n٣ - باب حد الخمر\nفي (القاموس) (١): الخمر مؤنث وقد تذكر، وسميت خمرًا لأنها تخمِّرُ العقلَ وتستره، أو لأنها تركت حتى أدركت واختمرت، أو لأنها تخامر العقل، أي: تخالطه.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٦١).","vol":"6","page":405},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nواعلم أن الأئمة اختلفوا في أن الخمر مخصوص بماء العنب أو عام، وسيأتي الكلام فيه في (باب بيان الخمر).\nقال بعض المفسرين: نزلت في الخمر أربع آيات، نزلت بمكة: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧]، فكان المسلمون يشربونها وهي حلال لهم، ثم إن عمر ومعاذًا ونفرًا من الصحابة قالوا: يا رسول اللَّه! أَفْتِنا في الخمر فإنها مَذهَبةٌ للعقل مَسلَبةٌ للمال، فنزلت: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] فشربها قوم وتركها آخرون، ثم دعا عبد الرحمن ناسًا منهم فشربوا وسكروا، فأمَّ بعضُهم فقرأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ فنزلت ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣] فقَلَّ مَن يشربها، ثم دعا عِتبان بن مالك قومًا فيهم سعد بن أبي وقاص، فلمَّا سكروا افتخروا وتناشدوا، حتى أنشد سعد فيه هجاء الأنصار، فضربه أنصاري بلِحاء بعير، فشجَّه موضحةً، فشكا إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقال عمر -﵁-: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ إلى ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩٠ - ٩١]، فقال: انتهينا يا رب، وجاء في السنن قريبًا من ذلك وفيها: انتهينا، رواه أبو داود والترمذي والنسائي (١).\nقال بعض العلماء: والتحريم في الآية من نحو عشرة أوجه: تسميتُها رِجسًا وهو المستقذَرُ، وجعلُها من عمل الشيطان، والأمرُ باجتنابها، وجعلُ الفلاح مرَّتبًا على اجتنابها، فمَن لم يجتنبها لم يفلح، وجعلُها توقعُ العداوةَ والبغضاء وتصدّ عن ذكر اللَّه\n_________\n(١) \"سنن أبي داود\" (٣٦٧٠)، و\"سنن الترمذي\" (٣٠٤٩)، و\"سنن النسائي\" (٥٥٤٠).","vol":"6","page":406},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوعن الصلاة، ثم طلبُ الانتهاء عنها بقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، أي: جديرٌ وحَقيقٌ أن ينتهي عن جميع هذه الأوصاف، وورد في تحريمها من السنة ما يبلغ مجموع التواتر مع ما في الأحاديث الواردة في تحريمه من التغليظ والتشديد.\nوقال في (شرح كتاب الخرقي) (١): وما روي عن بعض الصحابة كقدامة بن مظعون وعمرو بن معدي كرب وأبي جندل بن سهيل أنهم قالوا: إنها حلال تمسكًا بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا﴾ الآية [المائدة: ٩٣]، فتأويل منهم أخطؤوا فيه، فبين لهم علماء الصحابة معنى الآية، وحدَّهم عمرُ -﵁- لشربها، فقيل: إنهم رجعوا عن قولهم، ومعنى الآية أن الصحابة قالوا: كيف بأصحابنا وقد ماتوا يشربون الخمر؟ فنزلت ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ الآية، وعن ابن عباس قال: قال: يا رسول اللَّه! أرأيت الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ لما نزل تحريم الخمر، فنزل ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، رواهما الترمذي، وفي الصحيح من حديث أنس في قصة تحريم الخمر فقال بعض القوم: وقد قتل قوم وهي في بطونهم، فأنزل اللَّه ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾.\nوقال في (الهداية) (٢): الخمر عينها حرام غير معلول بالسُّكر ولا موقوف عليه، ومن الناس من أنكر حرمة عينها، وقال: إن السكر منها حرام؛ لأن به يحصل الفساد وهو الصدّ عن ذكر اللَّه وهذا كفر؛ لأنه جحود للكتاب، فإنه سماه رجسًا، والرجس ما هو محرَّمُ العين، وقد جاءت السنة متواترة أن النبي -ﷺ- حرم الخمر، وعليه انعقد\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٦/ ٦٣).\n(٢) \"الهداية\" (٤/ ٣٩٤).","vol":"6","page":407},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-912> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٦١٤ - [١] عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِىَّ -ﷺ-! ضَرَبَ فِي الْخَمْرِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ، وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ. مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧٧٣، م: ١٧٠٦].\n٣٦١٥ - [٢] وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: أَن النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَضْرِبُ فِي الْخَمْرِ بِالنِّعَالِ وَالْجَرِيدِ أَرْبَعِينَ.\nــ\nإجماع الأمة.\nوأما حد شرب الخمر فثمانون جلدة عند جمهور الأئمة، وهو المذهب عندنا وعند الشافعي، وذهب قوم منهم إلى أنه أربعون، وكذا عن أحمد في رواية، والمختار عند أكثر أئمة مذهبه ثمانون، وقد روي أنه -ﷺ- كان يَضرِبُ بالجَريدِ والنِّعالِ من غير تعيين عدد، وروي أنه كان يضرب نحوًا من أربعين، وروي أربعين أيضًا، وكذلك أبو بكر، وكذلك عمر في صدر من خلافته، ثم استشار في حد الخمر، فقال علي -﵁-: أرى أن الجلد ثمانين، وقد قيل: كان الزائد على أربعين شيئًا يفعلها عند الحاجة إذا أدمنَ الناسُ الخمرَ، وكان الشارب لا يرتدعُ بدونها، وكان تعزيرًا، وللإمام أن يزيد في العقوبة إذا أدى إليه اجتهاده، وروي عن علي -﵁-: جلَدَ رسول اللَّه -ﷺ- وأبو بكر في الخمر أربعين، وكمَّلَها عمرُ ثمانين، وكلٌّ سنة.\nالفصل الأول\n٣٦١٤ - [١] (أنس) قوله: (بالجريد) جمع جريدة وهو غُصنُ النخلة، جُرِدَ عنه الخُوصُ وهو ورقُه، وليس في هذا الحديث تعيينُ عددٍ.\n٣٦١٥ - [٢] (وعنه) قوله: (أربعين) وجاء في رواية: (نحوًا من أربعين) كما ذكرنا.","vol":"6","page":408},{"text":"٣٦١٦ - [٣] وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ يُؤْتَى بِالشَّارِبِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وإِمْرَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، فَنَقُومُ عَلَيْهِ بِأَيْدِينَا وَنعَالِنَا وَأَرْدِيَتِنَا، حَتَّى كَانَ آخِرُ إِمْرَةِ عُمَرَ فَجَلَدَ أَرْبَعِينَ، حَتَّى إِذَا عَتَوْا وَفَسَقُوا جَلَدَ ثَمَانِينَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٧٧٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-913> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٦١٧ - [٤] عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ (١) شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ، فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ فَاقْتُلُوهُ قَالَ: ثُمَّ أُتِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- بَعْدَ ذَلِكَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فِي الرَّابِعَةِ فَضَرَبَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٤٤٤].\nــ\n٣٦١٦ - [٣] (السائب بن يزيد) قوله: (وإمرة أبي بكر) بكسر الهمزة وسكون الميم: الإمارة، أي: في زمان إمارته، و(أردية) جمع رداء.\nوقوله: (إذا عتوا) أي: جاوزوا الحد في الفسق وشرب الخمر والإدمان عليه.\nالفصل الثاني\n٣٦١٧ - [٤] (جابر) قوله: (فإن عاد في الرابعة فاقتلوه) قالوا: هذا وارد على سبيل التهديد دون الأمر بالقتل، أو كان بطريق السياسة، أو أراد بالقتل الضرب الشديد، وقيل: كان ذلك في ابتداء الإسلام ثم نسخ بقوله -ﷺ-: (لا يحلُّ دمُ امرئ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاثٍ)، وهذا بعيد لأنه لم يكن في ابتداء الإسلام حد معين بالجلد، فكيف بالقتل؟\nوقوله: (ولم يقتله) فعلم من هذا أن قوله: (فاقتلوه) كان على سبيل التهديد أو\n_________\n(١) في نسخة: \"إن من\".","vol":"6","page":409},{"text":"٣٦١٨ - [٥] وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ. [د: ٤٤٨٥].\n٣٦١٩ - [٦] وَفِي أُخْرَى لَهُمَا وَللنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيِّ عَنْ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ وَمُعَاوِيَةُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَالشَّرِيدُ إِلَى قَوْلِهِ: \"فَاقْتُلُوهُ\". [ت: ١٤٤٤، د: ٤٤٨٢، ن: ٥٦٦١، دي: ٢/ ١٧٥].\n٣٦٢٠ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَزْهَرِ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذْ أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: \"اضْرِبُوه\" فَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِالنِّعَالِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِالْعَصَا، وَمِنْهُمْ مَنْ ضَرَبَهُ بِالْمِيتَخَةِ. . . . .\nــ\nالسياسة، أو ثبت بهذا أن ذلك كان منسوخًا، وإثباتُ النسخ بهذا أحسنُ من إثباته بالحديث المذكور، فإنه موقوف على العلم بالتاريخ، وذلك غيرُ معلوم، ونقل النووي (١) عن الترمذي أنه قال: ليس في كتابي حديث اجتمعت الأمة على تركه وعدم العمل به، إلا حديث الجمع بين الصلاتين من غير خوف ومطر، وإلا حديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة، وقال النووي: قوله: هذا في حديث القتل مسلَّم لأنه منسوخ بالإجماع ومتروك العمل به للأمة بأجمعهم، أما حديث الجمع بلا خوف ومطر قال به بعضهم بعذر مرض، وبعض آخرون مثل ابن سيرين والأشهب لحاجة لمن لا يعتاد به.\n٣٦١٨ - [٥] (قبيصة بن ذؤيب) قوله: (عن قبيصة) على وزن كريمة (ابن ذؤيب) على وزن شريح بالذال المعجمة.\n٣٦١٩ - [٦] (ابن عمر) قوله: (والشريد) بالشين المعجمة على وزن جديد.\n٣٦٢٠ - [٧] (عبد الرحمن بن الأزهر) قوله: (بالميتخة) الثابت في نسخ\n_________\n(١) انظر: \"شرح النووي\" (٥/ ٢١٨).","vol":"6","page":410},{"text":"قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: يَعْنِي الْجَرِيدَةَ الرَّطْبَةَ، ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- تُرَابًا مِنَ الأَرْضِ فَرَمَى بِهِ فِي وَجْهِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٤٨٩].\n٣٦٢١ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَقَالَ: \"اضْرِبُوهُ\" فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِه، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، ثُمَّ قَالَ: \"بَكِّتُوهُ\". . . . .\nــ\n(المشكاة): بكسر الميم وسكون الياء التحتانية بعدها فوقانية مفتوحة والخاء المعجمة، واختلف في ضبطها فقيل: بكسر الميم وفتحها وتشديد التاء الفوقانية قبل التحتانية، وبكسر الميم وكسر الفوقانية قبل التحتانية الساكنة على الفوقانية، وقال الأزهري: وهذه كلها أسماء لجرائد النخل وأصل العرجون، وقيل: هي اسم للعصا، وقيل: القضيب الدقيق اللين، وقيل: كل ما ضرب به من جريد أو عصا أو دِرّة وغير ذلك، مِنْ مَتَخَ رقبته بالسهم: إذا ضربه، ذكر ذلك كله في (النهاية) (١)، وقال في (القاموس) (٢): متَخَه كمنعه: انتزعَه عن موضعه، كامتاخه، وقطع وضرب، المتيخة كسكينة: العصا، والمطرق الدقيق، وعود مِتِّيخ، كسكين: طويل لين، انتهى، وفي بعض شروح (المصابيح): المتيخة بكسر الميم وتقديم التاء المثناة الساكنة من فوق على الياء المفتوحة المثناة من تحت، وروي بالعكس، وروي متيخة كسكينة.\n٣٦٢١ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (بكتوه) أمر من التبكيت، وهو التوبيخ والتعيير باللسان، في (القاموس) (٣): بَكَتَهُ: استقبله بما يكره، والتبكيت: التقريع والغلبة بالحجة،\n_________\n(١) \"النهاية\" (٤/ ٢٩٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٥٠).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٣٦).","vol":"6","page":411},{"text":"فَأَقْبَلُوا عَلَيْهِ يَقُولُونَ: مَا اتَّقَيْتَ اللَّهَ، مَا خَشِيتَ اللَّهَ، وَمَا اسْتَحْيَيْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ، قَالَ: \"لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ، وَلَكِنْ قُولُوا: اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللهُمَّ ارْحَمْهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٤٧٧، ٤٤٧٨].\n٣٦٢٢ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: شَرِبَ رَجُلٌ فَسَكِرَ فَلُقِيَ يَمِيلُ فِي الْفَجِّ،\nــ\nوقد جعل من معانيه الضرب بالعصا، لكن المناسب بالسياق هنا أحد المعنيين الأولين، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فإن هذه الأقوال غلبة عليه بالحجة وإسكاتٌ له، إذ ليس له أن يقول: لا أتقي اللَّه ولا أستحيي من رسول اللَّه.\nوقوله: (لا تعينوا عليه الشيطان) فإن اللَّه إذا أخزاه، أي: فضحه استحوذ عليه الشيطان، أي: غلَبَ واستولَى، أو لأنه إذا سمع ذلك منكم يقطع رجاءه من اللَّه وأيس من رحمته، وذلك كفر، أو غضب فدام على الإصرار.\nوقوله: (ولكن قولوا: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه) أنه ينبغي أن يُدعى لمن وقع في ورطة الغَيِّ والمعصية بأن ينجيه اللَّه من ذلك ويتوب عليه ويرحمه.\n٣٦٢٢ - [٩] (ابن عباس) قوله: (فسكر) على وزن سمع، و(فلقي) على بناء المجهول، و(يميل) حال من ضمير لُقِيَ، و(الفج) بالفتح: الطريق الواسع بين الجبلين، كذا في (القاموس) (١)، وقال في (النهاية) (٢): هو الطريق الواسع، ولم يقيده بكونه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٩٦).\n(٢) \"النهاية\" (٣/ ٤١٢).","vol":"6","page":412},{"text":"فَانْطُلِقَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَلَمَّا حَاذَى دَارَ الْعَبَّاسِ انْفَلَتَ فَدَخَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ فَالْتَزَمَهُ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-، فَضَحِكَ وَقَالَ: \"أَفَعَلَهَا\"، وَلَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِشَيْءٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٤٧٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-914> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٦٢٣ - [١٠] عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَعِيدٍ النَّخَعِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ: مَا كُنْتُ لأُقِيمَ عَلَى أَحَدٍ حَدًّا فَيَمُوتَ فَأَجِدَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا صَاحِبَ الْخَمْرِ؛ . . . . .\nــ\nبين الجبلين، وقال في (المشارق) (١): الفجّ: الطريق الواسع، ويقال لكل مُنخرَق، وما بين جبلين، فإن أريد المعنى الأول فالدار محمول على دار العباس بمكة، إذ ليست الدار التي بالمدينة في فجٍّ من الفِجاج بخلاف الدار التي له بمكة فإنه في شعب بني هاشم، ولم يكن حرمة الخمر إلا بالمدينة في سنة [أربع]، ويكون المقصود من ذكر الحديث بيانَ حاله -ﷺ- من ضحكه وتعجبه وعدم أمره فيه بشيء، وكيف يأمر والخمر كان إذ ذاك حلالًا، وإن أريد المعنى الثاني أمكن حمله على داره بالمدينة، فإن كانت القضية بعد تحريم الخمر فإنما لم يحكم -ﷺ- بالحد لعدم ثبوته بإقرار منه أو شهادة عدول، وإنما لقي في الطريق يميل فظن به السكر، فلم يكشف عنه رسول اللَّه -ﷺ- فتدبر.\nالفصل الثالث\n٣٦٢٣ - [١٠] (عمير بن سعيد النخعي) قوله: (عن عمير) بلفظ التصغير،\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦).","vol":"6","page":413},{"text":"فَإِنَّهُ لَوْ مَاتَ وَدَيْتُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمْ يَسُنَّهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣٩٦، م: ١٧٠٧].\n٣٦٢٤ - [١١] وَعَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدَّيْلِمِيِّ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: أَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً؛ فَإِنَّهُ إِذَا شَرِبَ سَكِرَ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، فَجَلَدَ عُمَرُ فِي حَدِّ الْخَمْرِ ثَمَانِينَ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢/ ٨٤٢].\n* * *\nــ\nوالنخعي بفتح الخاء.\nوقوله: (لم يسنه) من باب نصر، أي: لم يشرع لحدّ الشرب قدرًا معينًا يقينًا، وإن كان أربعين أو نحوًا منه، فلو أقمته ثمانين ومات فلعله وقع زيادة على ما هو عند اللَّه فلهذا وَدَيتُه، وقد أجمعوا على أن من وجب عليه الحدُّ فحُدَّ حدًّا شرعيًّا فمات فلا ديةَ فِيه، وهذا احتياط منه -﵁-، وإن قال عند مشاورة عمر إياه: إن الثمانين أحبُّ إليَّ، وقد ثبت أنه قال حين جلَدَ [عبدُ اللَّه بن جعفر] وبلغ أربعين: حسبك (١)، فافهم.\n٣٦٢٤ - [١١] (ثور بن زيد الديلمي) قوله: (وعن ثور) بلفظ الحيوان المعروف (ابن زيد الديلمي) هكذا وقع في أكثر نسخ (المشكاة)، وفي نسخ (الموطأ): الديلي بكسر الدال وهو الصحيح.\nوقوله: (وإذا هذى افترى) فحدَّ لشاربِ الخمر حدَّ القاذفِ إقامةً للسبب مُقامَ المسبَّب تغليظًا.\n_________\n(١) انظر: \"شرح السنة\" (١٠/ ٣٣٣).","vol":"6","page":414},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-915>٤ - باب ما لا يدعى على المحدود</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-916> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٦٢٥ - [١] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّ رَجُلًا اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ يُلَقَّبُ حِمَارًا كَانَ يُضْحِكُ النَّبِيَّ -ﷺ-، وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ، فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا، فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ، فَقَالَ رَجُل مِنَ الْقَوْمِ: اللهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"لَا تَلْعَنُوهُ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٧٨].\nــ\n٤ - باب ما لا يدعى على المحدود\nفي بعض النسخ ليس كلمة (ما)، وبابٌ منون، وعلى تقديره وجود ما هي مصدرية، وباب مضاف إليه، أي: باب عدم الدعاء على المحدود، والمراد الدعاء بالشر كما منع بعض القوم في قولهم: أخزاك اللَّه.\nالفصل الأول\n٣٦٢٥ - [١] (عمر بن الخطاب) قوله: (ما أكثر ما يؤتى به) صيغة تعجب وما مصدرية، أي: ما أكثر إتيانه.\nوقوله: (فواللَّه ما علمت أنه يحب اللَّه ورسوله) ذكروا فيه وجوهًا، أحدها: أن ما موصولة، وعلمت بمعنى عرفت، ومفعوله العائد إلى (ما) محذوف، والموصول مع صلته مبتدأ و(أنه) خبره، معناه: فواللَّه الذي عرفته أنه يحب اللَّه ورسوله، وهذا وجه حسن غير أن القسم يقتضي أن يُتلقَّى بحرف النفي أو اللام أو إنَّ.\nوثانيها: أن يكون ما نافية والتاء للخطاب، والعلم بمعناه، والعلم بمعناه، وأنَّ مع اسمه وخبره","vol":"6","page":415},{"text":"٣٦٢٦ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَقَالَ: \"اضْرِبُوهُ\" فَمِنَّا الضَّارِبُ بِيَدِهِ، وَالضَّارِبُ بِنَعْلِهِ، وَالضَّارِبُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: أَخْزَاكَ اللَّهُ قَالَ: \"لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٧٧٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-917> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٦٢٧ - [٣] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ الأَسْلَمِيُّ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ-، فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ أَصَابَ امْرَأَةً حَرَامًا. . . . .\nــ\nسدَّ مسدَّ مفعوليه، فيكون جواب القسم بالنفي، ويحتمل أن يكون على هذا التقدير أيضًا علمتَ بمعنى عرفتَ، ومفعوله محذوف، أي: ما عرفتَ حقيقةَ الحال، أو ما عرفتَه، أي: حالَه، فيكون (إنه) بالكسر جوابًا للقسم، ويؤيد كونَ (ما) نافيةً روايةُ (شرح السنة): (فواللَّهِ ما علمتُ إلا أنَّه يحبُ اللَّهَ ورسولَه) إلا أن التاء فيه للتكلم، أو يمكن كونها للخطاب وإن كان خلاف الظاهر.\nوثالثها: أن يكون (ما) زائدةً للتأكيد، أي: لقد علمت بضم التاء أو فتحها، وقد يجعل (ما) بمعنى الذي خبرًا لمحذوف، أي: هو الذي علمت أنه يحب اللَّه ورسوله، وهذا الوجه أشدُّ تعسفًا من الوجوه، فتدبر.\n٣٦٢٦ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (وعن أبي هريرة) هذا الحديث بعينه كحديثه الذي مرّ في الفصل الثاني من (باب حد الخمر) مع ما فيه من الاختصار.\nالفصل الثاني\n٣٦٢٧ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (جاء الأسلمي) وهو ماعز بن مالك -﵁-.","vol":"6","page":416},{"text":"أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، كُلَّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ، فَأَقْبَلَ فِي الْخَامِسَةِ فَقَالَ: \"أَنِكْتَهَا؟ \" قَالَ: نَعَمْ قَالَ: \"حتَّى غَابَ ذَلِكَ مِنْكَ فِي ذَلِكَ مِنْهَا؟ \" قَالَ: نَعَمْ قَالَ: \"كَمَا يَغِيبُ الْمِرْوَدُ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالرِّشَاءُ فِي الْبِئْرِ؟ \" قَالَ: نَعَمْ قَالَ: \"هَلْ تَدْرِي مَا الزِّنَا؟ \" قَالَ: نَعَمْ، أَتَيْتُ مِنْهَا حَرَامًا مَا يَأْتِي الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ حَلَالًا، قَالَ: \"فَمَا تُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ؟ \" قَالَ: أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَسَمِعَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: انْظُرْ إِلَى هَذَا الَّذِي سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمْ تَدَعْهُ نَفْسُهُ حَتَّى رُجِمَ رَجْمَ الْكَلْبِ، فَسَكَتَ عَنْهُمَا، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً حَتَّى مَرَّ يِجِيفَةِ حِمَارٍ شَائِلٍ بِرِجْلِهِ، فَقَالَ: \"أَيْنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ؟ \" فَقَالَا: نَحْنُ ذَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-! فَقَالَ: \"انْزِلَا فَكُلَا مِنْ جِيفَةِ هَذَا الْحِمَارِ\"، فَقَالَا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! مَنْ جملُ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: \"فَمَا نِلْتُمَا مِنْ عِرْضِ أَخِيكُمَا آنِفًا أَشَدُّ مِنْ أَكْلٍ مِنْهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ الآنَ لَفِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ يَنْغَمِسُ فِيهَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٤٢٨].\nــ\nوقوله: (أربع مرات) متعلق بـ (شهد).\nوقوله: (كل ذلك) بالنصب ظرف، و(يعرض) من الإعراض، والضمير فيه للنبي -ﷺ-، وفي (عنه) للأسلمي.\nوقوله: (أنكتها؟) الهمزة للاستفهام، ونكت على وزن بعت من النيك وهو الجماع، و(المرود) بكسر الميم وسكون الراء: المِيْل، و(المكحلة) بضم الميم والحاء بينهما كاف ساكنة، و(الرشاء) ككتاب: الحبل.\nوقوله: (شائل برجله) رافع رجله، والباء للتعدية، وذلك من شدة الانتفاخ.","vol":"6","page":417},{"text":"٣٦٢٨ - [٤] وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَصَابَ ذَنْبًا أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ ذَلِكَ الذَّنْبِ فَهُوَ كفَّارتُهُ\" (١). رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ. [شرح السنة: ١٠/ ٣١١].\n٣٦٢٩ - [٥] وَعَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: مَنْ أَصَابَ حَدًّا، فَعُجِّلَ عُقُوبتَهُ فِي الدُّنْيَا، فَاللَّهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ يُثَنِّيَ عَلَى عَبْدِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الآخِرَةِ، وَمَنْ أَصَابَ حَدًّا فَسَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَفَا عَنْهُ فَاللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِي شَيْءٍ قَدْ عَفَا عَنْهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٦٢٦، جه: ٢٦٠٤].\n* * *\nــ\n٣٦٢٨ - [٤] (خزيمة بن ثابت) قوله: (من أصاب ذنبًا) هذا واقع على حقيقته. وأما قوله في الحديث الآتي: (من أصاب حدًا) فمن إقامة المسبَّب مقام السبب، أي: ذنبًا يوجب الحدَّ، وقد يراد بالحد المحرَّمُ كما في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾، أي: محارمُه.\n٣٦٢٩ - [٥] (علي) قوله: (فستره اللَّه عليه وعفا عنه) يعني أن ستره للعفو، ويمكن أن يكون هذا كنايةً عن التوبة، وإلا فالعفوُ غير معلوم في الدنيا، وبمجرد الستر لا يعلم لعله يأخذ في الآخرة وإن كان لا يخلو عن رجاء، فالذي ستره اليوم\n_________\n(١) قال شيخنا في \"التقرير\": قال الثلاثة: إن الحدود كفارة، ولم يقل به الإمام لآية ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٣]، ولرواية أبي أمية عند باب حد الشرب، والجواب عن الرواية أن الحد مفض إلى الكفارة لندامة القلب.","vol":"6","page":418},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-918>٥ - باب التعزير</span>\nــ\nولم يفضح نرجو أن يعفو عنه غدًا، فافهم، قالوا: ينبغي لمن أذنب سرًّا أن يتوب منه سرًّا ولا يظهر لئلا يهتك حرمة الشريعة.\n٥ - باب التعزير\nفي (القاموس) (١): العَزْرُ: اللَّومُ، عزَرَه يَعْزِرُه وعزَّرَه، والتعزير: ضربٌ دونَ الحد، وهو أشد الضرب، والتفخيم (٢) والتعظيم، ضدٌّ، وقال في (المشارق) (٣): قال الحربي: العَزْر: اللَّومُ، وقال أبو بكر: العَزْرُ: المَنعُ، وعزرته منعته، وقوله تعالى: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩] أي: تنصروه وتردُّوا عنه أعداءَه، قال الزجاج: وأصل العزر في اللغة: الرد ونصرة الأنبياء المتدافعة والذب عنهم، وقال الطبري وغيره: معناه تعظموه وتُجِلُّوه، وتعزير المعاقبات منه؛ لأنه يمنع عن المعاودة، يقال: عزرته مخففًا ومثقلًا، وقال في حديث سعد بن أبي وقاص: أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام، أي: توقفني عليه، قال الهروي: التعزير في كلام العرب: التوقيف على الفرائض والأحكام. وقال الطبري: تقوِّمني وتعلمني من تعزير السلطان وهو تأديبه وتقويمه، وقال في (مختصر النهاية) (٤): التعزير: الإعانة والتوقير والنصرة مرة بعد أخرى، ويطلق على الرد والمنع، فهو من الأضداد، وأصبحت بنو أسد تعزرني في الإسلام، أي: توقفني عليه، وقيل: توبخني على التقصير فيه.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٠٩).\n(٢) في الأصل: \"التحقير\" وهو تصحيف.\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٣٩).\n(٤) \"الدر النثير\" (٢/ ٦٨١).","vol":"6","page":419},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-919> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٦٣٠ - [١] عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يُجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٨٤٨، م: ١٧٠٨].\nــ\nالفصل الأول\n٣٦٣٠ - [١] (أبو بردة) قوله: (عن أبي بردة) بضم الباء وسكون الراء (ابن نيار) بكسر النون والياء آخر الحروف.\nوقوله: (لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد) المذهب عندنا أن أكثره تسعة وثلاثون، وأقله ثلاث جلدات، وقال أبو يوسف: يبلغ التعزير خمسة وسبعين، والأصل فيه قوله -ﷺ-: (مَن بلغَ حدًّا في غير حدٍّ فهو من المُعتدِينَ)، وإذا تعذر تبليغه حدًّا فأبو حنيفة ومحمد نظرا إلى أدنى الحد، وهو حدُّ العبد في القذف، فصرفاه إليه، وذلك أربعون، فنقص منه سوطًا، وأبو يوسف اعتبر أقل الحد في الأحرار إذ الأصل هو الحرية، ثم نقص سوطًا في رواية عنه، وهو قول زفر، وهو القياس، وفي هذه الرواية نقص خمسة، وهو مأثور عن علي -﵁-، ثم قدَّر الأدنى بثلاث جلدات؛ لأن ما دونها لا يقع به الزجر، وذكر مشايخنا أن أدناه على ما يراه الإمام، كذا في (الهداية) (١).\nوعند جمهور الشافعية: لا يبلغ تعزير كل إنسان أدنى الحدود كالشرب فلا يبلغ تعزير العبد عشرين، ولا تعزير الحر أربعين، واختلف الروايات عن أحمد، فروى جماعة أنه لا يزاد على عشر جلدات لهذا الحديث، وأكثر أصحابه على أنه لا يُبلَغُ بالحر أوفى حدِّه وهو أربعون أو الثمانون، ولا بالعبد أوفى حده وهو عشرون أو أربعون، وقيل: لا يبلغ بكليهما حد العبد، وقالوا: حديث أبي بردة منسوخ بحديث ابن عباس\n_________\n(١) \"الهداية\" (٢/ ٣٦٠ - ٣٦١).","vol":"6","page":420},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-920> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٦٣١ - [٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيتَّقِ الْوَجْهَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٤٩٣].\n٣٦٣٢ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: يَا يَهُودِيُّ فَاضْرِبُوهُ عِشْرِينَ، وَإِذَا قَالَ: يَا مُخَنَّثُ فَاضْرِبُوهُ عِشْرِينَ،\nــ\nالآتي.\nوقد ثبت أن الصحابة كانوا يجاوزون عشرة، وقال أصحاب مالك: إنه كان مختصًّا بزمن النبي -ﷺ-، فعلم من هذا الاتفاقُ على أن التعزير لا يبلغ مبلغ الحد، ونقل عن بعضهم أن ذلك مفوَّضٌ إلى رأي الإمام، وله أن يزيده على قدر الحدود، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n٣٦٣١ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه) أي: فليجتنب عن ضربه على الوجه، عام في جميع الضربات للحد أو للتعزير بل للتأديب أيضًا، وهو في المعنى نوع من التعزير على تقصيره فيما ينبغي أن يفعل، فافهم.\n٣٦٣٢ - [٣] (ابن عباس) قوله: (يا يهودي) يحتمل أن يراد به الكفر أو الذل؛ لأن اليهود مثَلٌ فِي الذل والصغار لقوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ [آل عمران: ١١٢]، والحمل على الثاني أرجح للدَّرْء في الحد، و(المخنث) بكسر النون وفتحها: من يتشبه بالنساء في حركاته وسكناته، ومرّ ذكره في (كتاب النكاح) في الفصل الثالث من (باب النظر إلى المخطوبة وبيان العورات).","vol":"6","page":421},{"text":"وَمَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ فَاقْتُلُوهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٤٦٢].\n٣٦٣٣ - [٤] وَعَنْ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا وَجَدْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَحْرِقُوا مَتَاعَهُ وَاضْرِبُوهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٤٦١، د: ٢٧١٣].\n* * *\nــ\nقال في (الهداية) (١): إذا قذف مسلمًا بيا فاسق أو يا كافر أو يا خبيث أو يا سارق وجب التعزير؛ لأنه آذاه وألحق الشين به، ولو قال: يا حمار يا خنزير لم يعزَّر لأنه ما ألحقَ الشينَ به للتيقن بنفسه، وقيل: في عرفنا يعزر لأنه يعدّ سبًّا، وقيل: إن كان المسبوب من الأشراف كالفقهاء والعلوية يعزر؛ لأنه يلحقهم الوحشة بذلك، وإن كان من العامة لا يعزر، وهذا أحسن.\nوقوله: (ومن وقع على ذات محرم) أي: زنى بامرأة محرمة.\nوقوله: (فاقتلوه) زجر وتشديد، وحكم بظاهره الإمام أحمد، كذا قال الطيبي (٢).\n٣٦٣٣ - [٤] (عمر) قوله: (قد غلّ في سبيل اللَّه) أي: سرق من مال الغنيمة، والغُلُول: الخيانة في المغنم.\nوقوله: (فأحرقوا متاعه) أي: غيرَ ما غلَّ فِيه لأنه حقُّ الغانمين، وهذا من باب التعزير بالمال، وقد اختلف فيه، وقال المانعون: كان ذلك في أول الأمر ثم\n_________\n(١) \"الهداية\" (٢/ ٣٦٠).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٧/ ١٦٦).","vol":"6","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-921>٦ - باب بيان الخمر ووعيد شاربها</span>\nــ\nنسخ، أو تغليظ وتشديد، وحمله أحمد على ظاهره، واللَّه أعلم، وليس في هذا الباب الفصل الثالث.\n٦ - باب بيان الخمر ووعيد شاربها\nقال في (القاموس) (١): الخمر: ما أسكَرَ من عصير العنب، أو عام، كالخمرة، وقد يذكَّر، والعموم أصح، لأنها حُرِّمت، وما بالمدينة خمر عنب، وما كان شرابهم إلا البسر والتمر، [سميت خمرًا] لأنها تخمر العقل وتستره، أو لأنها تركت حتى أدركت واختمرت، أو لأنها تخامر العقل، أي: تخالطه، هذه عبارته.\nاعلم أن الخمر اسم لكل شراب مسكر سواء كان من ماء العنب أو التمر أو غيرهما من الأشياء الخمسة التي عدها عمر -﵁- وخطب بها، وقال: إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والعسل، بل قالوا: ليس منحصرًا في هذه الأشياء الخمسة أيضًا، كما أشار -﵁- في آخر حديثه المذكور بقوله: والخمر ما خامر العقل، وهذا هو الذي عليه الأئمة الثلاثة وغيرهم من جماهير السلف والخلف، قالوا: كلُّ مسكرٍ خمرٌ، وكلُّ مسكرٍ حرامٌ، وما أسكرَ كثيرُه فقليلُه حرامٌ، ونطق بهذا أحاديث في الصحاح والسنن، والأحاديث في ذلك كثيرة، وقالوا: قد صنف في ذلك الإمام أحمد كتابا كبيرًا وافيًا بالمقصود، ولَعَمري إن هذا مع كونه موافقًا للأحاديث هو الأصلح والأنسب بزجر الناس وردعهم عن المفاسد والاجتناب عن ارتكاب هذه النجسة الخبيثة التي هي أم الخبائث، وليس هذا قياسًا في اللغة بأن أطلقوا اسم الخمر على غيرها من المسكرات بجامع مخامرة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٦١).","vol":"6","page":423},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالعقل كما يظهر من كتب اللغة وإطلاق الأحاديث وأقوال الصحابة، غير أن الإمام الأجلَّ أبا حنيفة ﵀ خَصَّ اسم الخمر بالتي من ماء العنب إذا اشتد وقذف بالزبد، وادعى أن ذلك هو المعروف عند أهل اللغة، فإنهم لا يطلقون الخمر على غيره، وقال: هو حرام قليله وكثيره أسكر أو لا، وأما ما سواه من المسكرات فهي حرام بعلة الإسكار، وليست بنجس العين، وليس قليله حرامًا، ولا يكفر مستحلُّها، فإن حرمتها اجتهادية لا قطعية، ونجاستها خفيفة في رواية، وغليظة في أخرى، ويجبُ الحدُّ بها إذا أسكر بخلاف ماء العنب فإن نجاستها غليظة رواية واحدة، ويكفر مستحلها، ويجب الحد بشرب قطرة منها، ولقد تطرق من هذا القول إلى بعض البطلة الفسقة اتساع القول بإباحة هذه التي تتخذ من السكر وغيره في ديارنا التي هي أشدُّ وأسكرُ من ما يتخذ من ماء العنب بمراتب، والفتوى للفاسقين بحلها وارتكابها، ولا يدرون أن السكر حرامٌ بالاتفاق بلا شبهة، وأيُّهم يصبر عن السكر، وقليله يدعو إلى كثيره حتى يفسد العقل، ويذهبه في المسكة والصبر عنها إلى أن يفضي إلى الهلاك والميتة الشنيعة، أعاذنا اللَّه من ذلك.\nثم إباحة ما سوى الخمر من المشروبات غيرَ بالغة إلى حد السكر عندنا إنما هو إذا قصد به للتقوي للعبادة، أما إذا قصد به التلهِّيَ لا يحل بالاتفاق؛ لأن اللهو حرام، كذا قالوا، هذا وقد اشتهر من مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف خلافًا لمحمد حِلُّ المثلَّث وهو عصير العنب إذا طُبخ حتى ذهب ثلثاه وبقي ثلثه، ذلك أيضًا إذا شربها لقصد التقوي على العبادة، كذا في (الهداية) (١)، وذكر في (الكافي) والسغناقي أنه سئل\n_________\n(١) انظر: \"الهداية\" (٤/ ٣٩٣).","vol":"6","page":424},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-922> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٦٣٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرتيْنِ النَّخْلَةِ وَالْعِنَبةِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٨٥].\n٣٦٣٥ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَ عُمَرُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ نزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِير، وَالْعَسَلِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٥٨٨].\nــ\nأبو حفص الكبير عنه فقال: لا يحل شربه، فقيل له: خالفت أبا حنيفة وأبا يوسف؟ فقال: لا، لأنهما إنما يحلانه للاستمراء، والناس في زماننا يشربون للفجور والتلهِّي، فعلم أن الخلاف فيما قصد به التقوي، فأما إذا قصد به التلهي فلا يحل بالاتفاق، وذكر أبو يوسف في (أماليه): لو أراد أن يشربه للسكر فقليله وكثيره حرام، والقعود لذلك حرام، والمشي إليه حرام (١)، وعلى هذا الاختلاف نبيذ التمر والزبيب إذا طبخ أدنى طبخة وغلا واشتد وقذف، كذا ذكره الإمام المحبوبي.\nالفصل الأول\n٣٦٣٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (النخلة والعنبة) قالوا: إنما خصهما بالذكر لأن معظم خمورهم كانت منهما، لا أنه لا خمر إلا منهما، كما يفهم من الأحاديث الأخر.\n٣٦٣٥ - [٢] (ابن عمر) قوله: (والخمر ما خامر العقل) أي: ستره وأزاله، وهذا\n_________\n(١) انظر: \"البناية\" (١٢/ ٣٥٢).","vol":"6","page":425},{"text":"٣٦٣٦ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَقَدْ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ حِينَ حُرِّمَتْ، وَمَا نَجِدُ خَمْرَ الأَعْنَابِ إِلَّا قَلِيلًا، وَعَامَّةُ خَمْرِنَا الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٥٨٠].\n٣٦٣٧ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْبِتْعِ وَهُوَ نبَيذُ الْعَسَلِ فَقَالَ: \"كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٨٦، م: ٢٠٠١].\n٣٦٣٨ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَتُبْ. . . . .\nــ\nإشارة منه -﵁- إلى تعميم اسمه مما أخذ من خمسة أشياء كما ذكرنا.\n٣٦٣٦ - [٣] (أنس) قوله: (وعامة خمرنا البسر والتمر) أي: متخذة منهما، وفيه نفي تخصيصه بماء العنب كما نقلنا من (القاموس) (١)، ولكن عبارته تدل على نفي وجود الخمر من العنب عند التحريم، وقول أنس -﵁- يدل على نُدرة وجوده وقلَّته.\n٣٦٣٧ - [٤] (عائشة) قوله: (عن البتع) بكسر الموحدة وسكون الفوقانية وفتحها.\nوقوله: (كل شراب أسكر فهو حرام) هذا متفق عليه إلا أن أبا حنيفة يقول: فيما سوى الخمر: إنه حرام بالسكر، والآخرون يقولون: إنه حرام مطلقًا؛ لأن كل مسكر خمر عندهم، كما عرف.\n٣٦٣٨ - [٥] (ابن عمر) قوله: (وهو يدمنها) أدمن الشيء: أدامه.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٦١).","vol":"6","page":426},{"text":"لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الآخِرَةِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٠٣].\n٣٦٣٩ - [٦] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَجُلًا قَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ -ﷺ- عَنْ شَرَابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأَرْضِهِمْ مِنَ الذُّرَةِ يُقَالُ لَهُ: الْمِزْرُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"أَوَمُسْكِرٌ هُوَ؟ \" قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، إِنَّ عَلَى اللَّهِ عَهْدًا. . . . .\nــ\nوقوله: (لم يشربها في الآخرة) إما كناية عن عدم دخول الجنة، أو المراد حرمانه عن هذه النعمة مع ما تشرف بسقي الرب تعالى أهل الجنة إياها، لكن ينبغي أن لا يشتهيه وإلا ففي الجنة ما تشتهيه الأنفس. ويمكن أن يكون -واللَّه أعلم- مدمن الخمر في الدنيا محرومًا مع الاشتهاء جزاء على عمله، وعلى كل تقدير حرمانُه عن ذلك نقصان عظيم.\n٣٦٣٩ - [٦] (جابر) قوله: (من الذرة) بضم الذال المعجمة وتخفيف الراء معروف، كذا في (الصحاح) و(القاموس) (١)، وذكر في (الصراح) (٢): ذرة بالضم والتخفيف: أرزن، و(المزر) بكسر الميم وتقديم الزاي الساكنة على الراء، وفي (الصراح) (٣): مزر بالكسر: يكنى أرزن، انتهى. وفي (القاموس) (٤): النبيذ من الذرة والشعير، وقال القسطلاني: المزر شراب متخذ من الشعير، والبتع شراب متخذ من العسل.\nوقوله: (إن على اللَّه عهدًا) عُدِّيَ بـ (على) لتضمين معنى الحتم، يعني وعيدًا\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٦/ ٢٣٤٥)، و\"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨١).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٥٥٩).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٢١٣).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٤٢).","vol":"6","page":427},{"text":"لِمَنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ\" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا طِينَةُ الْخَبَالِ؟ قَالَ: \"عَرَقُ أَهْلِ النَّارِ، أَوْ عُصَارَةُ أَهْلِ النَّارِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٠٢].\n٣٦٤٠ - [٧] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى عَنْ خَلِيطِ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ، وَعَنْ خَلِيطِ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ، وَعَنْ خَلِيطِ الزَّهْوِ وَالرُّطَبِ، وَقَالَ: \"انْتَبِذُوا كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٨٨].\n٣٦٤١ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- سُئِلَ عَنِ الْخَمْرِ يُتَّخَذُ خَلًّا،\nــ\nأوجبه على نفسه، وفيه تشديد وتهديد، واللام في (لمن يشرب) للبيان.\nوقوله: (أو عصارة أهل النار) وقال في (الصحاح) و(القاموس) (١): الخَبَال صَدِيدُ أهل النار.\n٣٦٤٠ - [٧] (أبو قتادة) قوله: (وعن خليط الزهو) بالفتح وهو البسر الملون، كذا في (القاموس) (٢)، وفي (مختصر النهاية) (٣): زها النخل يزهو: ظهرت ثمرته، وأَزهَى يُزهي: احمرَّ واصفرَّ، ومنهم من أنكر يزهي، قالوا: إنما نهى عن الخليط، وجوَّزَ انتباذَ كلِّ واحد؛ لأن الخلط ربما أسرع التغير إلى أحد فيفسد الآخر، وهو يستلزم الإسكار، وربما لم يظهر فيتناول محرمًا، وحرَّمَ الخليطَ أحمدُ ومالكٌ وإن لم يُسكِرْ عملًا بظاهر الحديث، وعند الجمهور حرام إن أسكر.\n٣٦٤١ - [٨] (أنس) قوله: (سئل عن الخمر يتخذ خلًّا) أي: عن جواز جعل\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٤/ ١٦٨٢)، و\"القاموس المحيط\" (ص: ٩١١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨٨).\n(٣) \"الدر النثير\" (١/ ٤٤٠).","vol":"6","page":428},{"text":"فَقَالَ: \"لَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٨٣].\n٣٦٤٢ - [٩] وَعَنْ وَائِلٍ الْحَضْرَمِيِّ: أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُويدٍ سَأَلَ النَّبِيَّ -ﷺ- عَنِ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: \"إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ. . . . .\nــ\nالخمر خلًّا بإلقاء شيء فيها من نحو ملح أو بصل أو غير ذلك مما يفسدها.\nوقوله: (فقال: لا) هذا دليل الشافعي ومالك وأحمد في المشهور عنه، فإنهم يحرمونه لهذا الحديث ولغيره من الأحاديث، وعندنا جاز تخليلها، قال في (الهداية) (١): إذا تخلَّلت الخمرُ حلَّت سواء صارت خلًا بنفسها أو بشيء طُرِح فيها ولا يكره تخليلها.\nوقال الشافعي: يكره التخليل ولا يحلُّ الخل الحاصل به إن كان التخليل بإلقاء شيء قولًا واحدًا، وإن كان بغير إلقاء شيء فله في الخل الحاصل به قولان، ولنا إطلاق قوله -﵇-: (نِعمَ الإدامُ الخَلُّ) (٢)، ولأن بالتخليل يزول الوصف المفسد، ويثبت صفة الصلاح من حيث تسكين الصفراء وكسر الشهوة، والتغذي به، والإصلاح مباح.\nوقال بعضهم: تحريم التخلل كان أول العهد قمعًا لآثار الخمر، وأما بعد طول العهد فلا تحريم، وقد يروى: (خيرُ خلِّكم خلُّ خَمرِكم) (٣)، واللَّه أعلم. وقال في (القاموس) (٤): أجوده خل الخمر مركب من جوهرين حار وبارد.\n٣٦٤٢ - [٩] (وائل الحضرمي) قوله: (إنه ليس بدواء) الأكثرون على منع\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٣٩٨).\n(٢) أخرجه أبو داود في \"السنن\" (٣٨٢٠)، والترمذي (١٨٣٩)، وابن ماجه (٣٣١٦).\n(٣) أخرجه البيهقي في \"معرفة السنن والآثار\" (٨/ ٢٢٦).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩١٤).","vol":"6","page":429},{"text":"وَلَكِنَّهُ داءٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٨٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-923> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٦٤٣ - [١٠] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا؛ فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ فِي الرَّابِعَةِ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةَ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا،\nــ\nالتداوي بصرفها، وقيل: إذا تعيَّنَ العلاج به بحكم الحُذَّاق من الأطباء يباح، وأما إساغة اللقمة عند خوف الهلاك إذا لم يوجد هناك مسيغ غيرها فمباح بالاتفاق لكونه مقطوعًا به، قال بعض كبار الأطباء من أهل الإسلام في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]: إنه ليس المراد بالنفع الشفاء وصحة البدن، بل ما يحصل من نشاط الطبع وتشحيذ الخاطر، وقد جاء في الحديث: (إنَّ اللَّهَ لم يجعل الشفاءَ فِيما حرَّمَ) أو كما قال، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n٣٦٤٣، ٣٦٤٤ - [١٠، ١١] (عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عمرو) قوله: (لم يقبل اللَّه) أي: لم يكن له ثواب وإن برئ الذمة، وسقط القضاء بأداء أركانه مع شرائطه كذا قالوا، وتخصيص الصلاة بالذكر للدلالة على أن عدم قبول العبادات الأخر مع كونها أفضل بطريق الأولى.\nوقوله: (أربعين صباحًا) قد يتبادر إلى الفهم من هذا اللفظ أن المراد صلاة الصبح وهي أفضل الصلوات، ويحتمل أن يراد به اليوم، أي: صلاة أربعين يومًا،","vol":"6","page":430},{"text":"فَإِنْ تَابَ لَمْ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَقَاهُ مِنْ نَهْرِ الْخَبَالِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٨٦٢].\n٣٦٤٤ - [١١] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. [ن: ٥٦٦٩، جه: ٣٤٢٠، دي: ٢/ ١١١].\n٣٦٤٥ - [١٢] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٨٦٥، د: ٣٦٨١، جه: ٣٣٩٣].\n٣٦٤٦ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَا أَسْكَرَ مِنْهُ الْفَرَقُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٦/ ١٣١، ت: ١٨٦٦، د: ٣٦٨٧].\nــ\nواللَّه أعلم.\nوقوله: (فإن تاب لم يتب اللَّه عليه) أي: لم يقبل توبته، وهذا تشديد وتهديد لأن قبول التوبة إذا وجدت بحقيقتها واجب فضلًا من اللَّه، أو المراد لم يوفقه اللَّه للتوبة ويموت مصرًّا، وهذا أيضًا في التحقيق مبالغة، واللَّه أعلم.\n٣٦٤٥ - [١٢] (جابر) قوله: (فقليله حرام) لأنه يؤدي إلى الكثير عادة فوجب الاجتناب عنه.\n٣٦٤٦ - [١٣] (عائشة) قوله: (ما أسكر منه الفرق) وهو مكيال المدينة يسع ثلاثة آصع ويحرك وهو أفصح، أو يسع ستة عشر رطلًا، والمراد بالفرق وملء الكف الكثير والقليل، وليس بتحديد، كما في الحديث السابق.","vol":"6","page":431},{"text":"٣٦٤٧ - [١٤] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ مِنَ الْحِنْطَةِ خَمْرًا، وَمِنَ الشَّعِيرِ خَمْرًا، وَمِنَ التَّمْرِ خَمْرًا، وَمِنَ الزَّبِيبِ خَمْرًا، وَمِنَ الْعَسَلِ خَمْرًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٨٧٢، د: ٣٦٧٦، جه: ٣٣٨٩].\n٣٦٤٨ - [١٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ عِنْدَنَا خَمْرٌ لِيَتِيمٍ، فَلَمَّا نزَلَتِ الْمَائِدَةُ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْهُ وَقُلْتُ: إِنَّهُ لِيَتِيمٍ، فَقَالَ (١): \"أَهْرِيقُوهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٢٦٣].\nــ\n٣٦٤٧ - [١٤] (النعمان بن بشير) قوله: (إن من الحنطة خمرًا. . . إلخ)، قالوا: ليس المراد به الحصر بل التخصيص لجري العادة في الأكثر باتخاذ الخمر من هذه الأشياء.\n٣٦٤٨ - [١٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فلما نزلت المائدة) أي: سورة المائدة، والمراد الآية التي فيها تحريم الخمر، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ الآية [المائدة: ٩٠]، وقد عرفت ما فيها من أنواع الدلالة على تحريمها في حد الخمر.\nوقوله: (سألت رسول اللَّه -ﷺ- عنه) أي: عن الخمر التي عندي لليتيم، والخمر قد يذكّر، أو عن حكم تلك الخمر، أو بتأويل الشراب.\nوقوله: (إنه ليتيم) ومال اليتيم لا يضيَّع.\nوقوله: (أهريقوه) لأنه مالٌ غيرُ متقوِّم يحرم الانتفاع به؛ لأن الانتفاع بالنجس\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".","vol":"6","page":432},{"text":"٣٦٤٩ - [١٦] وَعَنْ أَنَسٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنِّي اشْتَرَيْتُ خَمْرًا لِأَيْتَامٍ فِي حِجْرِي، قَالَ: \"أَهْرِقِ الْخَمْرَ وَاكْسِرِ الدِّنَانَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ، [وفي روايةِ أبي داودَ:] \"أَهْرِقْهَا\"، قَالَ: أَفَلَا أَجْعَلُهَا خَلًا؟ قَالَ: \"لَا\". [ت: ١٢٩٣، د: ٣٦٧٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-924> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٦٥٠ - [١٧] عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفْتِرٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٦٩].\nــ\nحرام، ولأنه واجب الاجتناب، وفي الانتفاع به اقتراب.\n٣٦٤٩ - [١٦] (أنس) قوله: (اشتريت خمرًا لأيتام) صفة خمرًا، أي: اشتريتها للتخليل، كذا في (الحاشية) (١). ويحتمل أن يتعلق بـ (اشتريت) أي: اشتريتها لأجلهم، ويكون هذا قبل التحريم، ثم سأل عن حكمها بعد التحريم هل أبقيه أو أهريقه؟ فيكون في معنى الحديث السابق، ويناسبه معنى رواية أبي داود التي ذكرها بقوله: (وفي رواية أبي داود)، واللَّه أعلم.\nالفصل الثالث\n٣٦٥٠ - [١٧] (أم سلمة) قوله: (ومفتر) في (القاموس) (٢): فتر يفتُر يفتِر فتورًا وفتارًا: إذا سكَنَ بعدَ حدَّة، ولانَ بعدَ شدَّة، وفتر جسمه: لانت مفاصله وضعف، والفتر محركة: الضعف، وأفتره الداء: أضعفه، وطَرْف فاتر: ليس بحادِّ النظر، وأفتر:\n_________\n(١) \"حاشية جمال الدين\" (ص: ٢٧٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٢٣).","vol":"6","page":433},{"text":"٣٦٥١ - [١٨] وَعَنْ دَيْلَمٍ الْحِمْيَرِيِّ قَالَ: قُلتُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا بِأَرْضٍ بَارِدَةٍ وَنُعَالِجُ فِيهَا عَمَلًا شَدِيدًا، وَإِنَّا نَتَّخِذُ شَرَابًا وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ -ﷺ- عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا، قَالَ: مِنْ هَذَا الْقَمْحِ، نَتَقَوَّى بِهِ عَلَى أَعْمَالِنَا وَعَلَى بَرْدِ بِلَادِنَا، قَالَ: \"هَلْ يُسْكِرُ؟ \" قُلْتُ: نَعَمْ قَالَ: \"فَاجْتَنِبُوهُ\" قُلْتُ: إِنَّ النَّاسَ غَيْرُ تَارِكِيهِ، قَالَ: \"إِنْ لَمْ يتْرُكُوهُ قَاتِلُوهُمْ \". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٦٦].\n٣٦٥٢ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالْكُوبَةِ. . . . .\nــ\nضعفت جفونه، وانكسر طَرْفه، وأفتر الشراب: فتر شاربه، وفي (النهاية) (١): المفتر من الشراب: الذي إذا شرب أحمى الجسد وصار فيه فتور، وهو ضعف وانكسار، يقال: أفتر فهو مفتر إذا ضعفت جفونه وانكسر طرفه، ويستدل به على حرمة البنج والبرشعثا ونحوهما مما يفتر ولا يسكر، وسنذكر الكلام فيه في آخر الباب مفصلًا.\n٣٦٥١ - [١٨] (ديلم الحميري) قوله: (وعن ديلم) بفتح الدال المهملة وسكون التحتانية، و(القمح) بفتح القاف وسكون الميم: البُرُّ، ولقد بالغ السائل في استدعاء الإجازة، ولم يجز حتى بالغ فيه بقوله: (إن لم يتركوه فقاتلوهم).\n٣٦٥٢ - [١٩] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (والكوبة) بضم الكاف وسكون الواو وبالباء الموحدة المفتوحة، في (القاموس) (٢): الكوبة بالضم: النرد، والشطرنج، والطبل\n_________\n(١) \"النهاية\" (٣/ ٤٠٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٣٦).","vol":"6","page":434},{"text":"وَالْغُبَيْرَاءِ، وَقَالَ: \"كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٦٨].\n٣٦٥٣ - [٢٠] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَاقٌّ، وَلَا قَمَّارٌ، وَلَا مَنَّانٌ، وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: \"وَلَا وَلَدُ زِنْيَةٍ\" بَدَلَ \"قَمَّارٍ\". [دي: ٢/ ١٥٣].\nــ\nالصغير، والبربط، وكلٌّ منها منهيٌّ عنه، فإن جوز عموم المشترك أريد الكل وإلا فاحمِلْ على أيِّها شئتَ، (والغبيراء) بضم الغين المعجمة وفتح الموحدة وسكون التحتانية: شراب من الذرة يقال له: السُّكُرْكَةُ يتخذه الحبوش.\n٣٦٥٣ - [٢٠] (وعنه) قوله: (ولا منان) أي: في العطايا، وقيل: المراد قاطع الرحم، من المَنِّ بمعنى القطع، ومنه قوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: ٨]، كما في حديث أبي موسى الآتي.\nوقوله: (ولا ولد زنية) بكسر الزاي وسكون النون بمعنى الزنا، وفيه تعريض بالزاني لكونه سببًا في ذلك، وذلك لأن النطفة الخبيثة لا يتولد منه إلا خبيث، ومع ذلك هو من باب التشديد، كما في قرائنه، وقال في (سفر السعادة): وما اشتهر في ولد الزنا أنه لا يدخل الجنة لم يثبت، وذكر السخاوي في (المقاصد الحسنة) (١) لهذا الحديث طرقًا كثيرة، أكثرُها معلَّلة، وبعضها محفوظة، وبعضها لا بأس به، وضعَّفَ القولَ بوضعها من ابن الجوزي وابن طاهر، ونقل عن شيخه ابن حجر العسقلاني أنه قال: قد فسره العلماء على تقدير صحته بأن معناه إذا عمل بمثل أبويه، واتفقوا على أنه لا يحمل على ظاهره، وقيل في تأويله أيضًا: إن المراد به من يواظب على الزنا، كما يقال للشهود: بنو صحف، وللشجعان: بنو الحرب، ولأولاد المسلمين: بنو الإسلام،\n_________\n(١) انظر: \"المقاصد الحسنة\" (ص: ٧٣٠).","vol":"6","page":435},{"text":"٣٦٥٤ - [٢١] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَنِي رَحْمَةً لِلْعَالِمِينَ، وَهُدًى للعالمين، وَأَمَرَنِي رَبِّي ﷿ بمَحْقِ الْمَعَازِفِ، وَالْمَزَامِيرِ، وَالأَوْثَانِ،\nــ\nانتهى.\n٣٦٥٤ - [٢١] (أبو أمامة) قوله: (بمحق المعازف) في (القاموس) (١): المعازف: الملاهي، كالعود والطنبور، والواحد: عزف أو معزف، كمنبر ومكنسة، والعازف: اللاعب بها، والمغني، سمي به لأنه تعزف به الجن، وقال: وعزف الرياح: أصواتها.\nوفي (مختصر النهاية) (٢): العزف: اللعِبُ بالمعازف، وهي الدفوف وغيرها مما يضرب، وقيل: إن كلَّ لعب عَزف. وعزيف الرياح: ما يسمع من دَوِيِّها. وعزيف الجن: جرس أصواتها، وقيل: هو صوت بالليل كالطبل. وفي (النهاية) (٣): كانت الجنُ تعزِفُ الليلَ كلَّه بين الصفا والمروة، وقيل: إنه صوت الرياح في الجو فتوَّهمه أهلُ البادية صوتَ الجنِّ.\n(والمزامير): جمع مزمار وهو الذي يزمر بها، زَمَرَ يَزْمُر زمْرًا وزميرًا، أو زَمَّر تزميرًا: غنّى في القصب، والقصبة التي يزمر بها زَمَّارةٌ،، ويقال: غناء زمير، أي: حسن، والمزمور المزمار، وصحح النووي حرمته، والغزالي مال إلى جوازه، وفي الحديث دليل على الحرمة، وقال الفقهاء: الغناء بآلات مطربة حرام، وبمجرد الصوت مكروه،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢١٠).\n(٢) \"الدر النثير\" (٢/ ٦٨٢).\n(٣) \"النهاية\" (٣/ ٢٣٠).","vol":"6","page":436},{"text":"وَالصُّلُبِ، وَأَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَحَلَفَ رَبِّي ﷿ بِعِزَّتِهِ: لَا يَشْرَبُ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي جَرْعَةً مِنْ خَمْرٍ إِلَّا سَقَيْتُهُ مِنَ الصَّدِيدِ مِثْلَهَا، وَلَا يَتْرُكُهَا مِنْ مَخَافَتِي إِلَّا سَقَيْتُهُ مِنْ حِيَاضِ الْقُدُسِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٦٨].\n٣٦٥٥ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"ثَلَاثَةٌ قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَالْعَاقُّ، وَالدَّيُّوثُ الَّذِي يُقِرُّ فِي أَهْلِهِ الْخَبَثَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٢/ ٦٩، ن: ٢٥٦٢].\n٣٦٥٦ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"ثَلَاثَةٌ لَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَقَاطِعُ الرَّحِم، وَمُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣٩٩].\nــ\nومن الأجنبية أشد كراهة، (والصلب) بضمتين جمع صليب الذي للنصارى معرب جليبا، وفي (الصراح) (١): صليب: جليباي ترسايان.\n٣٦٥٥ - [٢٢] (ابن عمر) قوله: (والديوث الذي يقر في أهله الخبث) أي: الزنا، ديَّثه: ذلَّله، بعير مديَّث، أي: مذلَّل بالرياضة، وفي (مختصر النهاية) (٢): الدَّيُّوث الذي لا يغارُ على أهله، وقيل: هو سرياني.\n٣٦٥٦ - [٢٣] (أبو موسى الأشعري) قوله: (ومصدق بالسحر) أي: قائل بتأثيره ومعتقد بأنه المؤثِّر، وإلا فتصديقُ السِّحرِ بمعنى كون تأثيره ثابتًا واقعًا بخلق اللَّه تعالى صحيحٌ، وقد ورد: (السِّحرُ حقٌّ)، ويحتمل أن يكون المراد بالتصديق اعتقاد\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٣٩).\n(٢) \"الدر النثير\" (٢/ ١٤٧).","vol":"6","page":437},{"text":"٣٦٥٧ - [٢٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مُدْمِنُ الْخَمْرِ إِنْ مَاتَ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى كَعَابِدِ وَثَنٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ٢٧٢].\n٣٦٥٨ - [٢٥] وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [جه: ٣٦٥٨].\n٣٦٥٩ - [٢٦] وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ، وَقَالَ: ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي \"التَّارِيخ\" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ. [شعب: ٥/ ١٣].\n٣٦٦٠ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي مُوسَى أنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَا أُبَالِي شَرِبْتُ الْخَمْرَ أَوْ عَبَدْتُ هَذِهِ السَّارِيَةَ دُونَ اللَّهِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٥٦٦٣].\nــ\nكون فعله جائزًا مباحًا، فإنه حرام بالاتفاق، وقيل: كفر.\n٣٦٥٧، ٣٦٥٨ - [٢٤، ٢٥] (ابن عباس، وأبو هريرة) قوله: (إن مات) أتى بـ (إن) تنبيهًا على أن موت المؤمن مدمنًا أمر مشكوكٌ فِيه غيرُ مجزوم به.\n٣٦٥٩ - [٢٦] (محمد بن عبيد اللَّه) قوله: (محمد بن عبد اللَّه) ابن جحش القرشي الأسدي هذا أصح.\n٣٦٦٠ - [٢٧] (أبو موسى) قوله: (ما أبالي) أي: هما سواء، والمراد بعبادة السارية عبادة الأوثان؛ لأنها أحجار.\nوقوله: (دون اللَّه) حال مؤكدة.\nتنبيه: قد كثر الابتلاء بأكل الخبيثة التي تسمى القنب في هذا الزمان وفيما قبله، وقلّ من تكلم فيه، ولقد رأيت بمكة المشرفة فيه رسالة عملها الشيخ الإمام العلامة أبو عبد اللَّه محمد بدر الدين بن عبد اللَّه الزركشي الشافعي المصري عليه الرحمة والغفران","vol":"6","page":438},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوتكلم فيه في فصول، فاختصرت شيئًا منه:\nالأول: في اسمها ووقت ظهورها، والأطباء يسمونها القُنَّبَ الهندي، ومنهم من يسميها ورق الشهدانج وتسمى بالعنبر أو بالحيدرية والقلندرية، ثم قيل: ظهورها كان على يد حيدر في سنة خمسين وخمس مئة تقريبًا، ولهذا سميت حيدرية، وذلك أنه خرج هائمًا ليفر من أصحابه، فمر على هذه الحشيشة فرأى أغصانها تتحرك من غير هواء، فقال في نفسه: هذا لَسِرٍّ فِيها، فاقتطف وأكل منها، فلما رجع إليهم أعلمهم أنه رأى فيها سرًا، وأمرهم بأكلها، وقد ظهرت على يد أحمد المسارحي القلندري، ولهذا سميت قلندرية، وقال أبو العباس بن تيمية: إنما لم يتكلم فيها الأئمة الأربعة وغيرهم من علماء السلف؛ لأنها لم تكن في زمنهم، وإنما ظهرت في آخر المئة السادسة حين ظهر دولة التتار، ثم انتقلت إلى بغداد، وقد علم ما جرى على أهلها من قبيح الأثر.\nالثاني: في مضارها في البدن والعقل، وذكر بعضهم أنه جمع فيها مئة وعشرين مضرة دنيوية ودينية، أعاذ اللَّه المسلمين منها، وقد أجمع الأطباء أنها تورث الفكرة، والفكرة تثير الحرارة، وربما قويت على الحرارة الغريزية فعزلتها عن الجسد واستولت على البدن، فجففت الرطوبات، واستعد للأمراض الحارة، وقال محمد بن زكريا: أكل ورق الشهدانج البستاني يصدع الرأس، ويقطع المني ويجففه، ويولد الفكرة، وهي تورث موت الفجاءة واختلال العقل والدق والسل والاستسقاء والأُبنة، وقال بعض الأئمة: كل ما في الخمر من المذمومات موجود في الحشيشة وزيادة، فمضرة الخمر في الدين لا في البدن وضررها فيهما، ثم عدّ من المضار ما لا يعد ولا يحصى.\nالثالث: في أنها مسكرة مفسدة للعقل، والذي أجمع عليه الأطباء والعلماء","vol":"6","page":439},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبأحوال النباتات أنها مسكرة، قالوا: ومن القنب الهندي نوع ثالث يقال له: القنب ولم أره بغير مصر، ويزرع في البساتين يسمى الحشيشة أيضًا، وهو يسكر جدًا إذا تناول منه الإنسان يسيرًا قدر درهم أو درهمين حتى إن من أكثر منه أخرجه إلى حد الرعونة، وقد استعمله قوم فاختلت عقولهم وربما قتلت، وأما الفقهاء فقوم أجابوا بأنها مسكرة، منهم الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتابه (التذكرة في الخلاف) والنووي في (شرح المهذب)، ولا يعرف فيه خلاف عندنا، وقد يدخل فيهم السكران الذي اختلط كلامه المنظوم، وباح بسرِّه المكتوم، أو الذي لا يعرف السماء والأرض، ولا الطول من العرض، ويحكى عن بعض من تناولها أنه إذا رأى القمر يظنه لُجّة ماء فلا يقدم عليه، ونقل عن أبي العباس بن تيمية أنه قال: الصحيح أنها مسكرة كالشراب فإن آكليها يَنْشَوْنَ بها بخلاف البنج وغيره، فإنه لا يُنْشِي ولا يشتهى، ولم يخالف ذلك إلا أبو العباس القرافي في (قواعده).\nوقال بعض العلماء بالنباتات في كتبهم: إنها مسكرة، والذي يظهر لي أنها مفسدة، وفرق بين المُفسِد والمُسكِر والمُرقِد أن المتناول من هذه إما أن يغيب معه الحواس أو لا، فإن غابت معه الحواس فهو المرقد، وإن لم تغب معه الحواس فإما أن يحدث معه نشوة وسرور وقوة نفس عند التناول غالبًا أم لا، فإن حدث فهو المسكر وإلا فهو المفسد، فالمسكر هو المغيب للعقل مع نشوة وسرور كالخمر، والمفسد هو المشوش للعقل مع عدم السرور الغالب كالبنج، فالمسكر يزيد في الشجاعة والمسرة وقوة النفس والميل إلى البطش بالأعداء والمناقشة في العطاء، قال: فظهر بهذا أن الحشيشة مفسدة وليست بمسكرة، ثم أثبت ذلك بوجهين، واعترض عليه الشيخ بدر الدين صاحب الرسالة وأثبت أنها مسكرة، وهو الراجح،","vol":"6","page":440},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nواللَّه أعلم.\nالرابع: في أنها حرام، وقد تظاهرت الأدلة الشرعية والعقلية على ذلك، أما الكتاب والسنة فالنصوص الدالة على تحريم المسكر يتناولها، وأما العقلية فوجود الصفات المحرمة للخمر كالصدّ عن ذكر اللَّه وعن الصلاة، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وأيّ خبيث أعظم مما يفسد العقل، وقد نهى رسول اللَّه -ﷺ- عن كل مسكر ومفتر، وقد ادعى القرافي وابن تيمية الاتفاق على حرمتها، وقالوا: فمن استحلها فقد كفر، قال الشيخ: وفي هذا نظر؛ لأن تحريمها ليس معلومًا من الدين بالضرورة، وفي \"فتاوى المرغيناني\" من الحنفية: السكر من البنج حرام ولا يحد قاله الفقيه أبو جعفر، ونص عليه شمس الأئمة السرخسي، قال العبد الضعيف: قد ظهر مما ذكر أن البنج غير القنب وهو الصحيح، قال في (القاموس) (١): البنج: نَبْتٌ مُسْبِتٌ، معروف غير الحشيش، مُخَبِّطٌ للعقل، مُجَنِّنٌ، مُسَكِّنٌ لأوجاع الأورام والبثور ووجع الأذن، وأخبثه: الأسود، ثم الأحمر، وأسلمه: الأبيض، انتهى.\nوقد اشتهر الآن في العرف إطلاق البنج على الحشيشة، ومن هذا قد يتوهم بعض الجهال قول الفقهاء: إنه لا يقع الطلاق من زال عقله بشيء مباح كالبنج ولبن الرِّمَاك إباحةَ الحشيشة، وهو باطل، فإن البنج غير الحشيشة كما ذكرنا.\nالخامس: في أنها طاهرة أو نجسة، وهذا يبتني على ما سبق من أنها مسكرة، فإن قياس من يقول بإسكارها أن يقول بنجاستها، لكن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد قطع بأنها طاهرة، وحكى الإجماع عليه، قال: والأفيون وهو لبن الخشخاش\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٧٩).","vol":"6","page":441},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأقوى فعلًا من الحشيش؛ لأن القليل منه يسكر جدًا -وكذا جَوزةُ الطِّيب- مع أنه طاهر بالإجماع، وهذا الذي ادعاه من الإجماع فيه نظر، والحق أن في نجاسة الحشيش قولين، لكن القياس في الحشيش الطهارة، وليس لنا نبات نجس إلا النبات الذي يسقى بالنجاسة، قال العبد الضعيف: هذا ما قاله الشافعية، وقياس مذهب الحنفية على كون الحشيشة مسكرًا أن يكون نجاستها خفيفة، كما علم مما ذكرنا في شرح الترجمة.\nالسادس: في أنها هل يجب فيها الحد، والصواب الوجوب للإسكار، وقد صرح الماوردي بأن النبات الذي فيه شدة مطربة يجب فيها الحد، وقال الرافعي: ما يزيل العقل من غير الأشربة كالبنج لا حدّ في تناوله، وقال القرافي: اتفق فقهاء العصر على المنع منها، واختلفوا هل الواجب فيها الحد والتعزير بناء على أنها مسكرة أو مفسدة للعقل، وفي (فتاوى الخلاصة) للحنفية: وشرب البنج للتداوي لا بأس به، فإن ذهب به عقله لا يحدّ يعني بالاتفاق، فإن سكر يحد عند محمد، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف يعزّر ولا يحدّ.\nالسابع: في فروع متفرقة، منها: هل تبطل الصلاة بحملها، وذلك يبتني على نجاستها وطهارتها، وقيل: إن صلى فيها قبل التحميض صحت صلاته أو بعده بطلت لأنها إنما يغيب العقل بعد التحميض، أما قبله وهي ورق أخضر فلا، بل هي للعصر كالعنب، وتحميضها كغليانه.\nومنها: أنه هل يحرم يسيرها الذي لا يسكر، صرح النووي في (شرح المهذب) بأنه لا يحرم أكل القليل من الحشيش بخلاف الخمر حيث لا يجوز شرب قليله","vol":"6","page":442},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nللنجاسة، وكلام (التنبيه) يفهم جواز أكل قليل الحشيش.\nقال العبد الضعيف: وهذا يشكل على مذهب الشافعية على قول من قال منهم: إنها مسكرة، وعندهم أن ما أسكر كثيره فقليله حرام، قال الشيخ: والمتّجه أنه لا يجوز تناول شيء من الحشيش لا قليله ولا كثيره على خلاف قياس مذهب الحنفية.\nومنها: يجوز أكلها للمضطر إذا جاع، ولا يتخرَّج على الخلاف في الخمر؛ لأن الخمر إنما امتنعت لكون شربها يزيد في العطش، وأكل الحشيش لا يزيد في الجوع.\nومنها: جواز التداوي بها إن ثبت أنها تنفع من بعض الأَدْواء، ثم رأيت الروياني في (البحر) صرح بذلك فقال: ويجوز التداوي به وإن أفضى إلى السكر إذا لم يكن منه بدٌّ، ونص الإمام الشافعي على أنه يحرم التِّرْياق المعمول من لحوم الحيات إلا في الضرورة بحيث يجوز له أكل الميتة.\nومنها: يجوز بيعها لأنها تنفع في الأدوية كالسقمونيا والأفيون بشرط أن يكون يسيرًا، نعم بيعها لمن يتحقق منه طعامها حرام، كما في بيع العنب لعاصر الخمر، وقياس قولهم: إنها مسكرة بطلان البيع وإن كانت طاهرة كآلات الملاهي.\nومنها: أن زراعتها لغرض الاستعمال والإسكار حرام، ويجوز لغرض التداوي.\nومنها: أنه هل يقع طلاق آكلها، ولا يخفى حكمه مما تقدم.\nقال العبد الضعيف: هذه الاختلافات على أصول الشافعية من قولهم كل مسكر حرام، وما حرم قليله حرم كثيره، وبه نطقت الأحاديث وعليه جمهور الأئمة، وأما على مذهب الحنفية من أن الحرام لعينه، والحرام قليله وكثيره هو الخمر، وما سواه فإنما","vol":"6","page":443},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nيحرم السكر منه فلا يحرم قليله، فالأمر فيه توسع كما علم، ولعل الحق ما عليه الجمهور وهو الأحوط في الدين، وفيه سدّ الذرائع على الفاسقين والجاهلين كما لا يخفى، واللَّه أعلم وعلمه أحكم.\n* * *","vol":"6","page":444},{"text":"(١٨) كتاب الإمارة والقضاء","vol":"6","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-925>(١٨) كتاب الإمارة والقضاء</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-926> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٦٦١ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ يَعْصِ الأَمِيرَ. . . . . .\nــ\n١٨ - كتاب الإمارة والقضاء\n(الإمارة) بالكسر من أُمِّرَ: إذا جُعِلَ أميرًا فَعِيل بمعنى المَلِك، والإمرة بكسر الهمزة وسكون الميم اسم منه، وأما الأمار والأمارة بمعنى الموعد والوقت والعلامة فبالفتح.\nو(القضاء) ممدودًا ويقصر: الحكم، قضى عليه يقضي قَضْيًا وقضاءً وقضيَّةً وهي الاسم أيضًا، كذا في (القاموس) (١). والمراد هنا ما يقلَّدُ شخصٌ من جهة الأمر بالقضاء.\nالفصل الأول\n٣٦٦١ - [١] (أبو هريرة) قوله: (من يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢١٦).","vol":"6","page":447},{"text":"فَقَدْ عَصَانِي، وَإِنَّمَا الإِمَامُ جُنَّة يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ ويُتَّقَى بِهِ، فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا، وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩٦٧، م: ٢٨٣٥].\nــ\nفقد عصاني) فيلزم منه بضم المقدمة الأولى إليه: مَن أطاعَ الأميرَ فقد أطاعَ اللَّهَ، ومن عصى الأميرَ فقد عصى اللَّه.\nوقوله: (وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه، ويتقى به) الظاهر أنه ليس المراد به أنَّه ينبغي أن يكون الأميرُ فِي الحرب قُدَّام القوم حِسًّا، بل المراد أنه الساتر يمنع العدوَّ من المسلمين، وهو الذي يُستظهَرُ به في القتال، ويقاتل بقوته كالترس بل في جميع الأمور، وفي جميع الحال، فإنه الذي يحمي بيضة الإسلام، وإنما ذكر القتال لأنه أهم الأمور وأوكدها في الاستظهار والاتِّقاء، ويحتمل أن يكون قوله: (ويتقى) إشارةً إلى التعميم في جميع الأمور ولا يخص بالقتال، كما أشار إليه بقوله: (فإن أمر بتقوى اللَّه وعدل. . . إلخ)، فافهم.\nوقوله: (وإن قال) أي: حكَمَ، ومنه يقال: القَيْلُ بالفتح للملك أو من ملوك حِمْيَر لأنه يقول ما شاء، كذا في (القاموس) (١). وقال التُّورِبِشْتِي (٢): قال بغيره، أي: أحبّه وأخذ به إيثارًا له وميلًا إليه، كما يقال: فلان يقول بالقدر.\nوقوله: (فإن عليه منه) بحرف الجر مع الضمير المتصل به، قال الطيبي (٣): كذا وجدنا في (الصحيحين)، و(كتاب الحميدي) و(جامع الأصول)، أي: فإن عليه وزرًا\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٦٩).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٥١).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٧/ ١٧٩).","vol":"6","page":448},{"text":"٣٦٦٢ - [٢] وَعَنْ أُمِّ الْحُصَيْنِ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٢٩٨].\nــ\nمن صنيعه ذلك. وقال التُّورِبِشْتِي (١): وقد وجد في أكثر نسخ (المصابيح): (فإن عليه منة) بتشديد النون مع ضم الميم وبتاء التأنيث في آخره، وهو تصحيف غير محتمل لوجهٍ ههنا، انتهى. وذلك لأن المنة بالضم بمعنى القوة ولا معنى هنا، فتدبر، وفي بعض الحواشي: اتفق شراح الحديث قاطبة على أنه تصحيف، هذا وإنما قال: في أكثر نسخ (المصابيح)؛ لأن في بعضها: (فإن له منه)، كما في الأصول المذكورة. وكتب في حاشية: ومن ضمَّ الميمَ وشدَّد النونَ فقد صحَّف.\n٣٦٦٢ - [٢] (أم الحصين) قوله: (وعن أم الحصين) بضم الحاء وفتح الصاد. و(مجدّع) بتشديد الدال: مقطوع الأنف، كذا نقل الطيبي (٢)، وفي الحواشي: مقطوع الأنف والأذن، وفي (الصحاح) (٣): الجدع: قطع الأنف والأذن واليد والشفة، وكذا في (القاموس) (٤). لكن بكلمة (أو) مكان الواو، و(يقودكم بكتاب اللَّه) أي: يأمركم بدين اللَّه ويحكم به، وفي ذكر العبد مبالغة على وتيرة قوله -ﷺ-: (ولو كمِفحَصِ قَطاةٍ)، أو المراد مَن يولِّيه السلطان والخليفة الأكبر، وإلا فالعبد لا يكون أميرًا وإمامًا، وكذا في سائر الأحاديث.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٥١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٧/ ١٧٩).\n(٣) \"الصحاح\" (٣/ ١١٩٣).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٥٢).","vol":"6","page":449},{"text":"٣٦٦٣ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧١٤٢].\n٣٦٦٤ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٤٤، م: ١٨٣٩].\n٣٦٦٥ - [٥] وَعَنْ عَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةٍ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٩٩، ٧٢٠٠، م: ١٧٠٩].\n٣٦٦٦ - [٦] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ،\nــ\n٣٦٦٣ - [٣] (أنس) قوله: (كأن رأسه زبيبة) أي: في الصغر والجثة، ويضرب بهم المثل في صِغَر الرأس، كما في دِقَّة الساقين، وقيل: شعره مقطط كالزبيبة، وقيل: كناية عن خفة العقل.\n٣٦٦٤ - [٤] (ابن عمر) قوله: (السمع والطاعة) مبتدأ وخبره محذوف، أي: واجب.\nوقوله: (فيما أحب وكره) أي: فيما يوافق طبعَه ويخالفه.\n٣٦٦٥ - [٥] (علي) قوله: (لا طاعة) أي: للإمام أو لأحد كالوالدين وغيرهما، و(المعروف) ما لم ينكره الشرع.\n٣٦٦٦ - [٦] (عبادة بن الصامت) قوله: (على السمع والطاعة) صلة (بايعنا)","vol":"6","page":450},{"text":"وَالْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ، وَعَلَى أَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَعَلَى أَنْ لَا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ. مُتَّفَق عَلَيْهِ. [خ: ٧٠٥٥، ٧٠٥٦، م: ١٧٠٩].\nــ\nبتضمين معنى العهد، و(المنشط والمكره) بفتح الميم والعين مصدران، أي: في حالة النشاط والكراهة، أي: انشراح صدورنا وما يضاده، أو اسما زمان، ويحتملان المكان وهو بعيد، و(على) في قوله: (وعلى أثرة) بمعنى مع، أي: والصبر على أثرة بفتحتين اسم من الإيثار، والضمير في (علينا) كناية عن جماعة الأنصار أو عام لهم ولغيرهم، والأول أوجه، فإنه -ﷺ- أوصى إلى الأنصار أنه سيكون بعدي أثرة فاصبروا عليها، يعني يستأثر عليكم جماعة، فيفضلون عليكم في العطايا والولايات والحقوق، وقد وقع ذلك في عهد الأمراء بعد الخلفاء الراشدين فصبروا.\nوالضمير في (أهله) للأمر، أي: لا ننازع من وكل إليه الأمر، ولا نخالفهم ولا نحاربهم، أي: نصبر إن فات شيء من أمور الدنيا، وأما في الحق وأحكام الدين فلا نسكت ولا نداهن فيها، ولا نخاف فيها لومة اللائمين، ولعل المراد بالكفر أعمُّ من الكفر ومما يكون من أحكامه من المعاصي.\nو(بواحًا) بفتح الباء وبالواو، أي: ظاهرًا مكشوفًا، باحَ الشيء وأباحَه: إذا جهر به، وروي (براحًا) بالراء، والبَرَاح من الأمر: الظاهرُ البيِّنُ، وبرح الأمر كسمع وفتح، والبراح من الأرض: المتَّسع منها لا زرع بها ولا شجر.\nوقوله: (برهان) أي: كتاب وسنة لا يحتمل التأويل، وجاء في الحديث: أن الإمام لا ينعزلُ بالفسق ولا يُعزَلُ إن كان في عزله تهييج فتنة، وأنه يجب الأمر بالمعروف","vol":"6","page":451},{"text":"٣٦٦٧ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كنَّا إِذَا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ يَقُولُ لَنَا: \"فِيمَا اسْتَطَعْتُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٢٠٢، م: ١٨٦٧].\n٣٦٦٨ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَيَمُوتَ إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٤٣، م: ١٨٤١].\n٣٦٦٩ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ خَرَجَ مِنَ الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الْجَمَاعَةَ فَمَاتَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَمَنْ قَاتَلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّيَّةٍ. . . . .\nــ\nوالنهي عن المنكر إن قدر.\n٣٦٦٧ - [٧] (ابن عمر) قوله: (فيما استطعتم) في جميع نسخ (مسلم): (فيما استطعت)، بلفظ المتكلم، وهو تلقينٌ لهم منه -ﷺ- يقول لكل واحد ممن بايع: قل: فيما استطعت، كقوله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].\n٣٦٦٨ - [٨] (ابن عباس) قوله: (ميتة جاهلية) ميتة لفظ النوع من الموت، أي: مات على ميتة يموت عليها أهل الجاهلية.\n٣٦٦٩ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (تحت راية عمية) بكسر العين وضمها لغتان مشهورتان، والميم والياء مشددتان، والميم مكسورة، وهو الأمر الذي لا يستبين وجهه من التعمية وهو التلبيس، وقد سبق تحقيق هذا اللفظ في آخر الفصل الثاني من (كتاب القصاص) في حديث طاووس، أي: قاتَلَ من غير بصيرة ولا معرفة بأنَّ أيَّ الفريقين محقٌ.","vol":"6","page":452},{"text":"يَغْضَبُ لِعَصَبِيَّةٍ أَوْ يَدْعُو لِعَصَبِيَّةٍ أَوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً فَقُتِلَ فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّةٌ، وَمَنْ خَرَجَ عَلَى أُمَّتِي بِسَيْفِهِ يَضْرِبُ بَرَّهَا وَفَاجِرَهَا وَلَا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤْمِنِهَا وَلَا يَفِي لِذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَلَسْتُ مِنْهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٤٨].\n٣٦٧٠ - [١٠] وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونهمْ وَيُحِبُّونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ، وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تَبْغِضُونَهُمْ ويُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ\"، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! . . . . .\nــ\nوقوله: (يغضب لعصبية. . . إلخ)، أي: لا لإعلاء كلمة اللَّه وإظهار الدين، والعصبيَّةُ إعانةُ قومٍ على الظلم، ومعناه الخصلة المنسوبة إلى العَصَبة، وهم قوم الرجل الذين يتعصَّبون له، والتعصب المحاماة والمدافعة عمَّن يلزمك أمره أو تلزمه لغرض، من العصابة التي يربط بها الرأس ويشد، وعصب على جرحه: أي شَدّه بالخرقة، وعصب بطنه بعصابة من الجوع بتخفيف وتشديد، أي: شدَّه لتسكن حرارة الجوع، أو من العَصَب الذي هو أحد أجزاء البدن، عَصِبَ اللحمُ، كفرح: كثُرَ عصَبُه، والعصب: الطَّيُّ، واللَّيُّ، والشدُّ، كذا في (القاموس) (١)، والمادة للشد والقوة، و(القتلة) بكسر القاف، و(العهد) يجيء بمعنى الموَثِق، واليمين، والوصية، والذي يُكتَب للوُلاة، والحفاظ، ورعاية الحرمة، والأمان، والذمة، والمعرفة.\n٣٦٧٠ - [١٠] (عوف بن مالك الأشجعي) قوله: (وتصلون عليهم ويصلون عليكم) الصلاة بمعنى الدعاء، والتعدية بـ (على) لتضمين معنى الحفظ والوقاية، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وقيل: المراد صلاة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٠).","vol":"6","page":453},{"text":"أَفَلَا نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ: \"لَا، مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، لَا مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلَاةَ، أَلَا مَنْ وُلِّيَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِي شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِي مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٥٥].\n٣٦٧١ - [١١] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ تَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ، فَمَنْ أَنْكَرَ فَقْدَ بَرِئَ،\nــ\nالجنازة، أي: يتحابُّون في الحياة، ويصلون على الجنائز إذا ماتوا، يعني خيار الأمة الذين عدلوا ورضي عنهم الرعية، ويكونون متحابين يرضى كلٌّ عن الآخر، وشرارهم الذين يكونون على خلاف ذلك.\nوقوله: (أفلا ننابذهم) بالسيف، وفي (المشارق) (١): أي: ندافعهم ونباعدهم بالقتال، انتهى.\nوفي (مجمع البحار) (٢): نبذتُه: إذا رميتَه وأبعدتَه، أي: نقاتلُهم.\nوقوله: (لا) أي: لا تنابذوهم ما أقاموا الصلاة، وفيه أن ترك الصلاة موجِبٌ لمنابذتهم، ونزع اليد من طاعتهم؛ لأن الصلاة عماد الدين، والفارق بين الكفر والإيمان بخلاف سائر المعاصي، وفيه تشديد وتهديد عظيم على ترك الصلاة.\n٣٦٧١ - [١١] (أم سلمة) قوله: (تعرفون وتنكرون) أي: تعرفون بعض أفعالهم وتنكرون بعضها، أي: يكون بعض أفعالهم معروفة، وهو ما يعرف في الشرع، وبعضها منكرة، وهو ضد المعروف، (فمن أنكر) المنكَرَ باللسان، أي: منع (فقد برئ) من\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٤).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٦٦٦).","vol":"6","page":454},{"text":"وَمَنْ كَرِهَ فَقَدْ سَلِمَ، وَلَكِنْ مَنْ رَضِيَ وَتَابَعَ\" قَالُوا: أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ قَالَ: \"لَا مَا صَلَّوْا، لَا مَا صَلَّوْا\" أَيْ مَنْ كَرِهَ بِقَلْبِهِ وَأَنْكَرَ بِقَلْبِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٤٣].\n٣٦٧٢ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لنا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أثَرَةً. . . . .\nــ\nالمداهنة والنفاق، و(من كره) أي: أنكره بالقلب، ولم يقدر على إنكاره باللسان ومنعه عن ذلك، (فقد سلم) من المشاركة في الوِزْر والوَبَال، و(لكن من رضي) ولم يكره بالقلب، و(تابع) أي: وافقهم فهو كالذي شاركهم، وكان المراد بالمتابعة أن لا ينكرَ عليهم باللسان، لا الموافقةَ فِي العمل، فإنه شريك لهم حقيقةً، وبهذا يشهدُ سَوقُ الكلامِ، فافهم.\nهكذا شرحوا هذا الكلام، وهو يوافق ما جاء في رواية أخرى: (ومن أنكر بلسانه فقد برئ، ومن أنكر بقلبه فقد سلم)، وهو صريح في ذلك، وتفسير الراوي بقوله: (أي: من كره بقلبه وأنكر بقلبه) يدل على أن المراد بالإنكار والكراهة جميعًا فعلُ القلب، وهو يوجب التكرار في قوله -ﷺ-: (فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم)، كما لا يخفى، ولهذا رد بعضهم هذا التفسير، ولكن يبعد ردُّ تفسيرِ الراوي نفسِه الحديث، فتوجيهه أن الإنكار أشد من الكراهة وإن كان كلتاهما بالقلب، فإن أنكر حق الإنكار فقد يفضي إلى المكافحة بلسانه بل إلى الجهاد بخلاف الكراهة، فإنه أضعف من الإنكار، وبهذا الاعتبار وقع في بعض الأحاديث أن ذلك أضعف الإيمان، فتأمل.\n٣٦٧٢ - [١٢] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (أثرة) بفتحتين، كما مرّ، وضبط","vol":"6","page":455},{"text":"وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا\" قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: \"أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠٥٢، م: ١٨٥٤].\n٣٦٧٣ - [١٣] وَعَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِيُّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَّا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَّا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: \"اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا؛ فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا، وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٥٦].\n٣٦٧٤ - [١٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ،\nــ\nفي بعض النسخ في هذا الحديث بضم الهمزة وسكون المثلثة أيضًا.\nوقوله: (وأمورًا) بالواو هي الرواية المعتدّ بها، وفي بعض نسخ (المصابيح): أمورًا بدون الواو.\n٣٦٧٣ - [١٣] (وائل بن حجر) قوله: (يسألونا) بتشديد النون بإدغام نون الإعراب في نون المتكلم، وكذا قوله: (يمنعونا).\nوقوله: (فإنما عليهم ما حملوا) من التحميل بمعنى التكليف، أي: ما كُلِّفوا به من العدل والإحسان، (وعليكم ما حملتم) من السمع والطاعة.\n٣٦٧٤ - [١٤] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (من خلع يدًا من طاعة) وفي حديث آخر: (من نزع يدًا)، وخلع اليد ونزعها عبارة عن نقض البيعة، أي: من ترك طاعة الإمام.\nوقوله: (ولا حجة له) حال من ضمير (لقي)، أي: حجة الإيمان، كما ورد:","vol":"6","page":456},{"text":"وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٥١].\n٣٦٧٥ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيُّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ\" قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: \"فُوا بَيْعَةَ الأَوَّلِ فَالأَوَّلِ، أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٥٥، م: ١٨٤٢].\nــ\n(اللهم لقِّنِي حجَّةَ الإيمانِ).\n٣٦٧٥ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (تسوسهم) في (النهاية) (١): السياسة: القيام على الشيء بما يصلحه، و(تسوسهم الأنبياء)، أي: يتولون أمورهم، وفي (القاموس) (٢): سُسْتَ الرعيةَ سياسةَ: أمرتُها ونهيتُها.\nوقوله: (فما تأمرنا؟) أي: إذا وقع التشاجر والتنازع بين الخلفاء فما تأمرنا نفعل؟\nوقوله: (فوا بيعة الأول فالأول) فوا بلفظ جمع المذكر أمر من وَفَى يَفِي، والفاء في قوله: (فالأول) للتعقيب، والمراد التكرير والاستمرار، أي: كما يستمرُ خليفة بعد خليفة يستمر وفاؤكم بعهدهم، والمقصد أن البيعة للأول، كما يأتي في الحديث الآتي.\nوقوله: (أعطوا حقهم. . . إلخ)، أي: إن لم يعطوكم حقَّكم.\nوقوله: (فإن اللَّه سائلهم عما استرعاهم) يعني ويثيبكم بما لكم عليهم.\n_________\n(١) \"النهاية\" (٢/ ٤٢١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥١٠).","vol":"6","page":457},{"text":"٣٦٧٦ - [١٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا بُويعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخِرَ مِنْهُمَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٥٣].\n٣٦٧٧ - [١٧] وَعَنْ عَرْفَجَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّهُ سَيَكُونُ هَنَاتٌ وَهَنَاتٌ، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُفَرِّقَ أَمْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ وَهِيَ جَمِيعٌ فَاضْرُبوهُ بِالسَّيْفِ. . . . .\nــ\n٣٦٧٦ - [١٦] (أبو سعيد) قوله: (فاقتلوا الآخر) قال التُّورِبِشْتِي (١): الوجه في هذا أن يحمل القتل فيه على القتال، أو يقال: المراد من القتل إبطالُ بيعة الآخر وتوهينُ أمره، من قولهم: قتلتُ الشرابَ: إذا مزجتَه وكسرتَ سَوْرتَه بالماء، انتهى. ومرجع هذا الوجه أيضًا إلى الأول، فإن توهين أمره إنما يكون بالقتال معه لقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، كذا قالوا، وأقول: ما المانع من حمله على القتل حقيقة؟ فإنه باغٍ، والقتال إنما يكون لقصد القتل، واللَّه أعلم.\n٣٦٧٧ - [١٧] (عرفجة) قوله: (وعن عرفجة) بفتح العين وسكون الراء وفتح الفاء بعدها جيم.\nوقوله: (سيكون هنات) فسره في (النهاية) (٢) بقوله: أي: شُرورٌ وفسادات، يقال: في فلان هنات، أي: خِصالُ شرٍّ، جمع هنت مؤنث هن، وهو كناية عما لا يصرح به لشناعته، وفي (القاموس) (٣): وقال: هَنٌ، كأخٍ معناه: شيء، تقول: هذا هَنُكَ، أي: شيئك، وهَنُ المرأة: فرجها، ويقال للرجل: يا هَنُ أقبل، ولها: يا هَنَةُ أقبلي،\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٥٤).\n(٢) \"النهاية\" (٥/ ٢٧٩).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٣٥).","vol":"6","page":458},{"text":"كَائِنًا مَنْ كَانَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٥٢].\n٣٦٧٨ - [١٨] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ فَاقْتُلُوهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٥٢].\n٣٦٧٩ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ بَايَعَ إِمَامًا فَأَعْطَاهُ صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ. . . . .\nــ\nوهَنْتُ، بالفتح: لغة في هن، وجمعه: هنات وهنوات، والهنات: الداهية، وجمعه: هنوات.\nوقوله: (كائنًا من كان)، وفي رواية: (ما كان) بإرادة الصفة، كما في قوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧]، وقال الطيبي (١): وهو حال فيه معنى الشرط، أي: ادفعوا من خرج على الإمام بالسيف وإن كان أشرفَ وأفضلَ، وترونه أحقَّ وأولى.\n٣٦٧٨ - [١٨] (وعنه) قوله: (يريد أن يشق عصاكم) شق العصا كناية عن مفارقة الجماعة، جعل اجتماعَ الناس على أمر واحد بمنزلة العصا، وإزالته بمنزلة شَقِّها.\nوقوله: (أو يفرق جماعتكم) ظاهر المعنى يدل على أنه من شك الراوي، ويجوز أن يحمل على التنويع، يحمل الأول على التفرق في الدنيا، والثاني في أحكام الدين، واللَّه أعلم.\n٣٦٧٩ - [١٩] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (صفقة يده) الصفقة: المرة من التصفيق باليد، صفق يده بالبيعة، وعلى يده صفقًا وصفقة: ضرب يده على يده، والمراد (بثمرة\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ١٨٩).","vol":"6","page":459},{"text":"قَلْبِهِ، فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الآخَرِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٤٤].\n٣٦٨٠ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ؛ فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٤٦، م: ١٦٥٢].\n٣٦٨١ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّكُمْ سَتَحْرِصُونَ عَلَى الإِمَارَةِ وَسَتَكُونُ نَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَنِعْمَ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتِ (١) الْفَاطِمَةُ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧١٣٨].\nــ\nقلبه) خالص عهده، وقيل: المراد به المال، أو (صفقة يده) كناية عن المال، و(ثمرة قلبه) كناية عن مبايعته مع ولده وهو بعيد.\n٣٦٨٠ - [٢٠] (عبد الرحمن بن سمرة) قوله: (وكلت) بلفظ المجهول مخففًا، يقال: وكَلَ إليه الأمر: فوَّضَ إليه الأمر، فمعنى (وُكِلت إليها) فُوِّضت إلى الإمارة، وهي أمر شاق لا يقوم بها إلا بإعانة اللَّه تعالى، وحقيقة المعنى وكلت إلى نفسك وإلى حولك وقوتك.\n٣٦٨١ - [٢١] (أبو هريرة) قوله: (فنعم المرضعة وبئست الفاطمة) المخصوص محذوف، أي: الإمارةُ، وتأنيث الإمارة غير حقيقي، فيجوز إلحاقُ التاء في الفعل وتركُها، وأيضًا يجوز في نعم وبئس كلا الوجهين، وإن كان الفاعل مؤنثًا، والمرضع والفاطم وإن كان من الصفات المخصوصة بالنساء كالحامل والحائض إلا أنه إذا أريد\n_________\n(١) في نسخة: \"بئس\".","vol":"6","page":460},{"text":"٣٦٨٢ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي؟ قَالَ: \"فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي\" ثُمَّ قَالَ: \"يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ؛ وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ، إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا\" وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ لَهُ: \"يَا أَبَا ذَرٍّ! إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٢٦].\n٣٦٨٣ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَا وَرَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمِّرْنا. . . . .\nــ\nمعنى الحدوث تلحق التاء، وكذلك أريد هنا دلالةً على تصوير تَينِكَ الحالتين في الإرضاع والفطام، والحاصل: أنه جعلت الإمارة في حلاوة أوائلها ومرارة آخرها كالمرضعة التي تُحسِنُ بالإرضاع، وتسيءُ بالفِطام.\n٣٦٨٢ - [٢٢] (أبو ذر) قوله: (فضرب بيده على منكبي) زجرًا وردعًا له عن طلب الإمارة، أو شفقة وعناية بحاله لئلَّا يسوءه المنع، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وإنها) أي: الإمارةَ أو الولايةَ.\nوقوله: (إنك ضعيف) أشار به إلى أنه لا يكره للأقوياء، فإن أجر العدل والإقساط كثير وفضله عظيم.\nوقوله: (لا تأمرن) بلفظ النهي من باب التفعُّل بحذف إحدى التاءَين، وكذا في قوله: (ولا تولّين).\n٣٦٨٣ - [٢٣] (أبو موسى) قوله: (أمّرنا) بلفظ الأمر من التأمير، أي: اجعَلْنا أمراء، أمَّرَه: جعله أميرًا.","vol":"6","page":461},{"text":"عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ اللَّهُ، وَقَالَ الآخَرُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: \"إِنَّا وَاللَّهِ لَا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلَا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ\" وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: \"لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٤٩، م: ١٧٣٥].\n٣٦٨٤ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَجِدُونَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ أَشَدَّهُمْ كَرَاهِيَةً لِهَذَا الأَمْرِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٨٨، م: ٢٥٢٦].\n٣٦٨٥ - [٢٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ. . . . .\nــ\n٣٦٨٤ - [٢٤] (أبو هريرة) قوله: (تجدون من خير الناس أشدهم) قال الطيبي (١): (أشدهم) مفعول أول، و(من خير) مفعول ثان، أو على العكس، و(من) زائدة في الإثبات.\nوقوله: (حتى يقع فيه) ذكر فيه وجهين: أحدهما: أن يكون غاية للوجدان، أي: إذا وقع فيه لم تجدوه من خير الناس، أو لشدة الكراهية، أي: إذا وقع فيه لم يكن أشدَّ كراهية، بل حينئذ يعينه اللَّه عليه، يعني لأنه أُعطِيَها عن غير مسألة فلا يكرهه، وقال: والأول أوجه، لقوله: يقع، أي: أنسب بمعنى الوقوع؛ لأن المتبادر منه الوقوع في البلية وما يكره.\n٣٦٨٥ - [٢٥] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (كلكم راع) الراعي كل مَن ولِيَ أمرَ\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ١٩٢).","vol":"6","page":462},{"text":"عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهُ وَهِيَ مَسْؤُولهٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٣٨، م: ١٨٢٩].\n٣٦٨٦ - [٢٦] وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَا مِنْ وَالٍ يَلِي رَعِيَّةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَيَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهُمْ. . . . .\nــ\nقوم، والجمع رُعاة ورِعْيان بالكسر ورعاء، وأصله في راعي الغنم، يقال: رعى الأميرُ القومَ رعايةً فهو. راعٍ، أي: قام بإصلاح ما يتولاه، وهم رَعيَّه فَعِيلَة بمعنى مفعول والتاء للنقل، قال في (مختصر النهاية) (١): الرعية: كلُّ من شمِلَه حفظُ الراعي ونظرُه.\nوقوله: (وعبد الرجل راع) وكذا الرجل راع على أعضائه وجوارحه وقواه، وهي رعيته وهو مسؤول عنها فيم استعملها، ولم يذكرها في الحديث اقتصارًا على ما يتفاهمه أهل العرف من معنى الرعاية، ويمكن أن يكون تكرار قوله: (ألا فكلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته) قصدًا إلى التعميم مما ذكر.\n٣٦٨٦ - [٢٦] (معقل بن يسار) قوله: (وعن معقل) بفتح الميم وكسر القاف، (ابن يسار) بالتحتانية المفتوحة والسين المهملة.\nوقوله: (وهو غاش لهم) أي: خائن ظالم في حقهم من الغش، وهو الخيانة، في (القاموس) (٢): غشه: لم يمحضه النصح، أو أظهر له خلاف ما أضمر، وفي\n_________\n(١) \"الدر النثير\" (١/ ٣٩٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٥٥).","vol":"6","page":463},{"text":"إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٥١، م: ١٤٢].\n٣٦٨٧ - [٢٧] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، فَلَمْ يَحُطْهَا بِنَصِيحَةٍ، إِلَّا لَمْ يجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٥٠، م: ١٤٢].\n٣٦٨٨ - [٢٨] وَعَنْ عَايِذِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءَ الْحُطَمَةُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٣٠].\nــ\n(النهاية) (١): الغش ضد النصح، والمقصد التحذير من غش المسلمين لمن قلده اللَّه تعالى شيئًا من أمرهم في دينهم أو دنياهم، إما بتضييع تعريفهم ما يلزمهم، أو تركِ حمايتهم ومجاهدة عدوِّهم وسائر ما عليه من الحقوق.\n٣٦٨٧ - [٢٧] (وعنه) قوله: (يسترعيه اللَّه رعيّة) أي: يطلب أن يكون راعي جماعة ويتخذه أميرًا عليهم.\nوقوله: (فلم يحطها) بضم الحاء حاطه حَوْطًا وحَيْطة وحِياطةً: حفظه، وصانه، وتعهَّده كحوَّطه وتحوَّطه.\n٣٦٨٨ - [٢٨] (عايذ بن عمرو) قوله: (وعن عايذ) بالياء المثناة التحتانية والذال المعجمة.\nوقوله: (إن شر الرعاء) بالكسر جمع راعٍ، كما ذكر، و(الحطمة) بضم الحاء المهملة وفتح الطاء كهمزة: الراعي الظلوم للماشية يَهشِمُ بعضَها على بعض، من الحَطْم وهو الكسر، والمراد هنا أمراء السوء يظلمون الرعية، قال التُّورِبِشْتِي (٢): يقال:\n_________\n(١) \"النهاية\" (٣/ ٣٦٩).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٥٥).","vol":"6","page":464},{"text":"٣٦٨٩ - [٢٩] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اللهُمَّ مَنْ وُلِّيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وُلِّيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٢٨].\n٣٦٩٠ - [٣٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ،\nــ\nرجل حُطَمٌ وحُطَمةٌ: إذا كان قليل الرحمة للماشية يُلقِي بعضها على بعض.\n٣٦٨٩ - [٢٩] (عائشة) قوله: (من ولي) بلفظ المجهول من التولية، وفي بعض النسخ بلفظ المعلوم من الوَلْي.\nوقوله: (فشق عليهم) شَقَّ عليه: أوقَعَه في المشقَّةِ.\n٣٦٩٠ - [٣٠] (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص) قوله: (إن المقسطين) المقسط: العادل، والقاسط: الجائر، والهمزة للسَّلْب، والـ (منابر) جمع منبر، ونبَرَ الشيءَ: رفعَه، سمي منبرًا لرفعة مَن عليه، والانتبار الارتفاع، وفي الحديث: إن الجرح ينتبِرُ في رأس الحَولِ، أي: يرِمُ، فعلم من هذا أن النبر متعد بمعنى الرفع، والانتبار لازم بمعنى الارتفاع، فقول الطيبي (١): (سمي به لارتفاعه) لا يخلو عن شيء، ثم الظاهر أن يكونوا على منابر حقيقة، وقيل: كناية عن المنازل الرفيعة.\nوقوله: (عن يمين الرحمن) كناية عن عظم مرتبتهم وقرب محلهم منه تعالى؛ لأن من عظم قدره يُبَوَّأُ عن يمين الملك.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ١٩٦).","vol":"6","page":465},{"text":"وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِهِمْ وَمَا وَلُوا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٢٧].\n٣٦٩١ - [٣١] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا بَعَثَ اللَّهُ مِنْ نَبِيِّ وَلَا اسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَةٍ إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ، بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّةُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ اللَّه\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧١٩٨].\nــ\nوقوله: (وكلتا يديه يمين) دفع لتوهم من يتوهم أن له يمينًا من جنس الأيمان التي يقابلها يسار.\nوقوله: (في حكمهم) إشارة إلى حال الأمراء.\nوقوله: (أهليهم) إلى ذوي العيال.\nوقوله: (ما ولوا) بضم الواو وتشديد اللام المشددة بلفظ المجهول من التولية، وبفتح الواو وضم اللام المخففة من الوَلْي على الروايتين.\n٣٦٩١ - [٣١] (أبو سعيد) قوله: (إلا كانت له بطانتان) البطانة بالكسر: السَّريرة، والصاحب الذي هو خَصِيصةُ الرجل الذي اتَّخذه معتمَدًا من غير أهله، وصاحبَ سرِّه وصَفِيَّه، والمراد هنا المَلَكُ والشيطانُ.\nوقوله: (والمعصوم من عصمه اللَّه) إشارة إلى حال الأنبياء أو بعض الخلفاء أيضًا ممن حفظه اللَّه من شر الشيطان المشار إليهم بقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ بمنزلة الاستثناء، كما في الحديث الآخر من قوله -ﷺ-: (إلا أنَّ اللَّهَ تعالى أعاننَي فأَسلَم، فلا يأمُرُني إلا بخيرٍ)، فافهم.","vol":"6","page":466},{"text":"٣٦٩٢ - [٣٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمَنْزِلَةِ صَاحِبِ الشُّرَطِ مِنَ الأَمِيرِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧٥٥].\n٣٦٩٣ - [٣٣] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّ أَهْلَ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ: \"لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٢٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-927> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٦٩٤ - [٣٤] عَنِ الْحَارِثِ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ: . . . . .\nــ\n٣٦٩٢ - [٣٢] (أنس) قوله: (كان قيس بن سعد) بن عبادة الأنصاري، سيد الخزرج وابن سيدها، أحد دهاة العرب، وأهل الرأي ورياسة الجيوش، وكان من أهل النجدة والبسالة والكرم والسخاء، وكان جَسِيمًا طُوَالًا، وكان منتصبًا بين يدي رسول اللَّه -ﷺ- لتنفيذ ما يريد به، (بمنزلة صاحب الشرط) وهو بضم الشين وفتح الراء، وهم أول كتيبة تشهد الحرب وتتهيأ للموت، وطائفة من أعيان الولاة، سُمّوا بذلك؛ لأنهم أعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها، وواحدها شرط بالضم، ويقال له: الشُّرطي كتركي وجهني، يقوم بين يدي الأمير لينفذ أوامره، وكان قيس بن سعد نصبه رسول اللَّه -ﷺ- ليحبس من يستحق الحبس، ويأخذ من يستحق الأخذ، ويضرب من يستحق الضرب.\n٣٦٩٣ - [٣٣] (أبو بكرة) قوله: (قد ملّكوا) بلفظ المعلوم من التمليك، أي: أمَّروا، (وولَّوا) من التولية.\nالفصل الثاني\n٣٦٩٤ - [٣٤] (الحارث الأشعري) قوله: (آمركم) بلفظ المتكلم المعلوم.","vol":"6","page":467},{"text":"بِالْجَمَاعَةِ، وَالسَّمْعِ، وَالطَّاعَةِ، وَالْهِجْرَةِ، وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْجَمَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ إِلَّا أَنْ يُرَاجِعَ، وَمَنْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مِنْ جُثَى جَهَنَّمَ وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٤/ ١٣٠، ت: ٢٨٦٣].\nــ\nوقوله: (بالجماعة)، أي: بالاتباع لجماعة المسلمين في القول والعمل والاعتقاد، والأصل في ذلك السلف الصالح من القرون الثلاثة وما هم عليه من اتِّباع السنة.\nوقوله: (والسمع والطاعة) أي: سماع كلمة الحق من الأمراء والعلماء، والانقياد لأحكامهم مما يوافق حكم الشرع، (والهجرة) أي: الانتقال من مكة إلى المدينة قبل فتح مكة، ومن دار الكفر إلى دار الإسلام بعده، ومن الخطايا والذنوب، (والجهاد) مع الكفار ومع النفس.\nوقوله: (وإنه) بكسر (إنَّ) جملة معلِّلة لما قبله، و(القيد) بالكسر بمعنى المقدار، و(الشبر) بالكسر: ما بين أعلى الإبهام وأعلى الخنصر يذكر، و(الرِّبْق) بالكسر: حبل فيه عدَّة عُرًى يشدُّ به البهم، كلُّ عروةٍ ربقة بالكسر والفتح، والجمع كعِنَب وأَصْحَاب وجِبَال.\nوقوله: (إلا أن يراجع) أي: يرجع ويتوب وصيغة المفاعلة للمبالغة، والظاهر أن المراد بدعوى الجاهلية عاداتها وطرقها على الإطلاق، وقيل: بمعنى الدعاء والنداء، قالوا: كان الرجل منهم إذا غلب عليه الخصام نادى بأعلى صوته: يا آل فلان فيسعون إلى نصرته ظالمًا كان أو مظلومًا.\nو(جثى) بضم الجيم وكسرها جمع جثوة بالضم، وقد تكسر وتفتح، وهي الشيء المجموع، هو من جثى جهنم، أي جماعتها، ورأيت قبور الشهداء جُثًى، أي:","vol":"6","page":468},{"text":"٣٦٩٥ - [٣٥] وَعَنْ زِيَادِ بْنِ كُسَيْبٍ الْعَدَوِيِّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي بَكْرَةَ تَحْتَ مِنْبَرِ ابْنِ عَامِرٍ وَهُوَ يَخْطُبُ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ رِقَاقٌ، فَقَالَ أَبُو بِلَالٍ: انْظُرُوا إِلَى أَمِيرِنَا يَلْبَسُ ثِيَابَ الْفُسَّاقِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: اسْكُتْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللَّهِ فِي الأَرْضِ أَهَانَهُ اللَّهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٢٢٤].\nــ\nأتربة مجموعة، كذا في (مختصر النهاية) (١)، وقال الطيبي (٢): جثى: ما اجتمع من تراب، استعير للجماعة، قال في (القاموس) (٣): الجثوة مثلثة: الحجارة المجموعة.\n٣٦٩٥ - [٣٥] (زياد بن كسيب العدوي) قوله: (وعن زياد) بكسر الزاي، (ابن كسيب) بالسين المهملة على لفظ التصغير، تابعي.\nوقوله: (وعليه ثياب رقاق) بكسر الراء جمع رقيق، قيل: كأنه كان عليه من الثياب المحرمة، وهذا بعيد في ذلك الزمان، والظاهر أنها كانت من الثياب الرقيقة الناعمة، ونسبه إلى الفسق تغليظًا، أو المراد أن لبسها من عادات الفسقة، وإن كان لبسها ليس بفسق، وهو الظاهر من قوله: (يلبس ثياب الفساق)، واللَّه أعلم.\nوقوله: (من أهان سلطان اللَّه) يعني أن لبسه تلك الثياب وإن كان فيه بأس، لكن إهانتك إياه على هذا القدر أشدّ بأسًا منه، مع أن ذلك يمكن أن يكون لصَون عزته عند الناس، وهيبته عند الرعايا، كما فعل مثلَ ذلك بعضُ الأكابر من العلماء.\nوقوله: (في الأرض) متعلق بسلطان.\n_________\n(١) \"الدر النثير\" (١/ ١٤٨).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٠١).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٦٧).","vol":"6","page":469},{"text":"٣٦٩٦ - [٣٦] وَعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- \"لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١٠/ ٤٤].\n٣٦٩٧ - [٣٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- \"مَا مِنْ أَمِيرِ عَشَرَةٍ إِلَّا يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْلُولًا حَتَّى يَفُكَّ عَنْهُ الْعَدْلُ، أَوْ يُوبِقَهُ الْجَوْرُ\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢/ ٢٤٠].\n٣٦٩٨ - [٣٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَيْلٌ لِلأُمَرَاءِ، وَيْلٌ لِلْعُرَفَاءِ،\nــ\n٣٦٩٦ - [٣٦] (النواس بن سمعان) قوله: (وعن النواس) بفتح النون وتشديد الواو، (ابن سمعان) بكسر السين وقد يفتح.\nوقوله: (لا طاعة لمخلوق) صفة طاعة، و(في معصية الخالق) خبر (لا)، نحو لا رجلَ ظريفَ فِي الدار، والخبر في معنى النهي.\n٣٦٩٧ - [٣٧] (أبو هريرة) قوله: (ما من أمير عشرة) بالإضافة.\nوقوله: (العدل) فاعل (يفك)، والمفعول محذوف، أي: الغُلَّ. ودل الحديث على أن كل أمير يؤتى مغلولًا عادلًا كان أو ظالمًا، ثم ينجيه العدل، أو يوبقه الجَور.\n٣٦٩٨ - [٣٨] (وعنه) قوله: (ويل للعرفاء) جمع عريف، فعيل بمعنى فاعل، وهو القَيِّم بأمر القبيلة أو الجماعة من الناس، يلي أمورهم، ويعرف أحوالهم، ويتعرف الأمير أحوالهم منه، والعرافة بالكسر عمله كالإمارة. وفي (القاموس) (١): العَرِيف،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٧٢).","vol":"6","page":470},{"text":"وَيْلٌ لِلأُمَنَاءِ، لَيَتَمَنَّيَنَّ أَقْوَامٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ نَوَاصِيَهُمْ مُعَلَّقَةٌ بِالثُّرَيَّا، يَتَجَلْجَلُونَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَلُوا عَمَلًا\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ: \"أَنَّ ذَوَائِبَهُمْ كَانَتْ مُعَلَّقَةً بِالثُّرَيَّا، يَتَذَبْذبُونَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَكُونُوا عُمِّلُوا عَلَى شَيْءٍ\". [شرح السنة: ١٠/ ٥٩، حم: ٢/ ٣٥٢].\n٣٦٩٩ - [٣٩] وَعَنْ غَالِبٍ الْقَطَّانِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْعِرَافَةَ حَقٌّ، وَلَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ عُرَفَاءَ،\nــ\nكأمير: من يعرف أصحابه، والجمع عرفاء، وعرف، ككرم وضرب، عَرافةً: صار عريفًا، وككتب كتابةً: عمِلَ العَرافةَ. والعريف: رئيس القوم، سمي لأنه عرف بذلك، أو النقيب، وهو دون الرئيس.\nوقوله: (ويل للأمناء) جمع أمين، وهو من جعل قيّمًا على اليتامى بحفظهم وحفظ أموالهم، وكذا من جعل أمينًا على خزانة مال وعلى الصدقات، كذا ذكر ابن الأثير.\nوقوله: (ليتمنّين) اللام جواب للقسم، والمعنى: يتمنون يوم القيامة حين يرون الذل والهوان والعذاب، ويقولون: يا ليت لم يحصل لهم في الدنيا تلك العزة والرياسة والترفع على الناس، بل كانوا أذلاء، ورؤوسهم معلَّقة في أعالي الأمكنة تتجلجل وتتحرك، ينظر إليهم الناس، ويشهدون مذلتهم وهوانهم بدل تلك الرِّياسة والعزة والرفعة، والتعليق بالناصية مَثلٌ للهوان والمذلَّة.\n٣٦٩٩ - [٣٩] (غالب القطان) قوله: (إن العرافة حق) أي: مصلحةٌ تدعو إليه الضرورة، كما بينه بقوله: (ولا بد للناس من عرفاء) لتعرف أحوالهم في ترتيب البعوث والأجناد والعطايا والسهام.","vol":"6","page":471},{"text":"وَلَكِنَّ الْعُرْفَاءَ فِي النَّارِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٩٣٤].\n٣٧٠٠ - [٤٠] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أُعِيذُكَ بِاللَّهِ مِنْ إِمَارَةِ السُّفَهَاءِ\"، قَالَ: وَمَا ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"أُمَرَاءُ سَيَكُونُونَ مِنْ بَعْدِي، مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَصَدَّقَهُمْ بِكَذِبِهِمْ وَأَعَانَهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَلَيْسُوا مِنِّي، وَلَسْتُ مِنْهُمْ، وَلَنْ يَرِدُوا عَلَيَّ الْحَوْضَ، وَمَنْ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُصَدِّقْهُم بِكَذِبِهِمْ وَلَمْ يُعِنْهُمْ عَلَى ظُلْمِهِمْ، فَأُولَئِكَ مِنِّي، وَأَنَا مِنْهُمْ، وَأُولَئِكَ يَرِدُون عَلَيَّ الْحَوْضَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٢٢٥٩، ن: ٤٢٠٧].\n٣٧٠١ - [٤١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ سَكَنَ الْبَادِيَةَ جَفَا،\nــ\nوقوله: (ولكن العرفاء في النار) أي: على خطر، وفي ورطة الهلاك والعذاب لتعذر القيام بشرائط ذلك، فعليهم أن يراعوا الحق والصواب.\n٣٧٠٠ - [٤٠] (كعب بن عجرة) قوله: (ابن عجرة) بضم المهملة وسكون الجيم.\nوقوله: (من إمارة السفهاء) السَّفَهُ محركة وكسحاب وسحابة: خِفَّةُ الحلم أو نقيضه والجهل، (وما ذاك) في معنى من هم، فيطابق الجواب، أو محمول على معناه الظاهر، وإشارة إلى إمارة السفهاء، ولكن لما كان خفاء المضاف إليه بيّنه، ومعنى الإمارة معلوم، وبَيّن ضرره وطريق الاجتناب عنه.\n٣٧٠١ - [٤١] (ابن عباس) قوله: (من سكن البادية جفا) أي: صار غليظَ القلب وقاسيَه لعدم المخالطة مع الناس، والمجالسة مع العلماء، وعدم العلم فيهم،","vol":"6","page":472},{"text":"وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَنْ أَتَى السُّلْطَانَ افْتُتِنَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائيُّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: \"مَنْ لَزِمَ السُّلْطَانَ افْتُتِنَ، وَمَا ازْدَادَ عَبْدٌ مِنَ السُّلْطَانِ دُنُوًّا إِلَّا ازْدَادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا\". [حم: ١/ ٣٥٧، ت: ٢٢٥٦، ن: ٤٣٠٩، د: ٢٨٥٩].\n٣٧٠٢ - [٤٢] وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ضَرَبَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: \"أَفْلَحْتَ يَا قُدَيْمُ إِنْ مُتَّ وَلَمْ تَكُنْ أَمِيرًا، وَلَا كَاتِبًا، وَلَا عَرِيفًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٩٣٣].\n٣٧٠٣ - [٤٣] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ\". . . . . .\nــ\n(ومن اتبع الصيد) أي: لهوًا ولعبًا (غفل) عن الطاعات ولزوم الجماعات للزوم البادية، وبعد عن الرحمة والرقة لشبهه بالسباع، وهذا تنبيه لمن اعتاده وانهمك فيه من غير نية تحصيل القوت الحلال؛ لأن بعض الصحابة كانوا يصطادون، وأما رسول اللَّه -ﷺ- فلم يصطد بنفسه، كذا قيل، وقد شايع عدي ابن حاتم في ذهابه إلى الاصطياد، وذلك لذهابه إلى الوادي المبارك وادي العقيق، كذا جاء في الحديث، وأما افتتان من أتى السلطان فظاهر.\n٣٧٠٢ - [٤٢] (المقدام بن معدي كرب) قوله: (أفلحت يا قديم) تصغير للمقدام بحذف الزوائد.\n٣٧٠٣ - [٤٣] (عقبة بن عامر) قوله: (صاحب مكس) في (النهاية) (١): المكس:\n_________\n(١) \"النهاية\" (٤/ ٧٧٥).","vol":"6","page":473},{"text":"يَعْنِي الَّذِي يَعْشُرُ النَّاسَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٤/ ١٤٣، د: ٢٩٣٧، دي: ١/ ٣٩٣].\n٣٧٠٤ - [٤٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا: إِمَامٌ عَادِلٌ، وَإِنَّ أَبْغَضَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَشَدَّهُمْ عَذَابًا، وَفِي رِوَايَةٍ: وَأَبْعَدَهُمْ مِنْهُ مَجْلِسًا: إِمَامٌ جَائِرٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٣٢٩].\nــ\nالضريبة التي يأخذها الماكس، وهو العَشَّار، والمماكسة في البيع: انتقاصُ الثمن واستحطاطُه، وفي (القاموس) (١): مكس في البيع يمكس: إذا جبى مالًا، والمكس: النقص، والظلم، ودرهم كان يأخذ المصدق بعد فراغه من الصدقة، وفي (مجمع البحار) (٢): المكس النقصان، والماكس من العمال من ينقص من حقوق المساكين لا يعطيها كاملًا بتمامها، قاله البيهقي، وسبق حديث ماعز: (تاب توبة لو تابها صاحب مكس)، فسره الراوي في الحديث بقوله: يعني الذي يعشر الناسَ، يعني يأخذ العُشرَ منهم، وهذا يناسب المعنى الأول، والمراد من يأخذ العشر ويزيد عليه شيئًا ظلمًا، فتدبر.\n٣٧٠٤ - [٤٤] (أبو سعيد) قوله: (إن أحب الناس إلى اللَّه) لا بد من تخصيص الأنبياء ﵈ وبعدهم إن أريد بالإمام العادل مَنْ جمع بين الكمالات العلمية والعملية إلى الغاية القصوى، ومع ذلك عدل بين خلق اللَّه وسياستهم كالخلفاء الراشدين، فلا شبهة أنه أفضل ممن عداه، والظاهر أنه لبيان فضيلة العدل، وأن العادل\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٣٢).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٦١٨).","vol":"6","page":474},{"text":"٣٧٠٥ - [٤٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَفْضَلُ الْجِهَادِ مَنْ قَالَ كَلِمَةَ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ\" رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢١٧٤، د: ٤٣٤٤، جه: ٤٠١١].\n٣٧٠٦ - [٤٦] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ. [حم: ٤/ ٣١٤، ن: ٤٢٠٩].\n٣٧٠٧ - [٤٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِالأَمِيرِ خَيْرًا، جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ، وَإِذَا أَرَادَ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ، جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ سُوءٍ، إِنْ نَسِيَ لَمْ يُذَكِّرْهُ، وَإِنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٩٣٢، ن: ٤٢٠٤].\nــ\nأفضل ممن عداه من هذه الحيثية، واللَّه أعلم.\n٣٧٠٥، ٣٧٠٦ - [٤٥، ٤٦] (وعنه، وطارق بن شهاب) قوله: (من قال) أي: قولُ مَن قال، والظاهر أن قوله يكون كلامًا مفيدًا يفيد حكمًا شرعيًا، فيكون جملةً لا كلمةً مفردةً، والكلمة تطلق على ما يتكلم به، وإن كان مفيدًا كثيرًا فلا حاجة إلى ما قال الطيبي (١): إن (قال) بمعنى تكلَّم؛ لأن (كلمةَ حقٍّ) ليست بجملة، فافهم. وإنما كان أفضلَ الجهاد لتعرُّض قائلها للتلف جزمًا بخلاف الجهاد مع الكفار، ولعموم نفعه بخلاف قتل كافر.\n٣٧٠٧ - [٤٧] (عائشة) قوله: (وزير صدق) الصدق هنا يعم الأقوال والأفعال، والوزر بالكسر: الإثم والثقل والحمل الثقيل، وإنما سمي وزيرًا لأنه يحمل ثقل المَلِك\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٠٨).","vol":"6","page":475},{"text":"٣٧٠٨ - [٤٨] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ الأَمِيرَ إِذَا ابْتَغَى الرِّيبَةَ فِي النَّاسِ أَفْسَدَهُمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٨٩].\nــ\nويعينه برأيه، ويشركه في حمل الآثام، وقد يجيء الوزر بالفتح بمعنى المَعقِل والمَلجَأ والمُعتصَم، وهذا المعنى أيضًا يناسب التسمية.\n٣٧٠٨ - [٤٨] (أبو أمامة) قوله: (إذا ابتغى الريبة في الناس) في (القاموس) (١): الريب والريبة بالكسر: التهمة، وفي (النهاية) (٢): الشك، وقيل: شك مع تهمة، رابَني الشيءُ وأرابني بمعنى شكَّكَني، وقيل: أرابني في كذا، أي شكَّكني وأوهمَني الرِّيبةِ فيه، فإذا استيقنتَه قلتَ: رابَني بغير ألف، وفي الحديث: (مَكسَبةٌ فِيها بعضُ الرِّيبةِ خير من المسألةِ) (٣)، أي: كسبٌ فِيه بعضُ الشك أحلالٌ هو أم حرامٌ خيرٌ من سؤال الناس، وقيل في معنى الحديث: إذا اتَّهمَ الأميرُ الناسَ وجاهرهم بسوء الظنِّ فِيهم أدَّاهم ذلك إلى ارتكاب ما ظن بهم ففسدوا.\nوقال الطيبي (٤): إذا ابتغى عيبهم ويتهمهم بالمعايب فيتجسس أحوالهم ومفاسدهم، فإن الإنسان قلَّما يسلم من عيب، فلو عاملهم بكل ما قالوا وفعلوا لاشتدت عليهم الأحوال، فينبغي أن يستر عيوبهم ويعفو عنهم، انتهى. ولم يظهر من هذا التقرير معنى الإفساد إلا أن يراد به اشتداد الأحوال والتضييق عليهم ولحوق الصعوبة بهم، فافهم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٩).\n(٢) \"النهاية\" (٢/ ٦٨٤).\n(٣) ذكره البغوي في \"شرح السنة\" (٦/ ١١٨) موقوفًا عن عمر.\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٠٩).","vol":"6","page":476},{"text":"٣٧٠٩ - [٤٩] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّكَ إِذَا اتَّبَعْتَ عَوْرَاتِ النَّاسِ أَفْسَدْتَهُمْ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ١٢/ ١٥٩].\n٣٧١٠ - [٥٠] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَيْفَ أَنْتُمْ وَأَئِمَّةً مِنْ بَعْدِي يَسْتَأْثِرُونَ بِهَذَا الْفَيْءِ؟ \" قُلْتُ: أَمَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ أَضَعُ سَيْفِي عَلَى عَاتِقِي، ثُمَّ أَضْرِبُ بِهِ حَتَّى ألقَاكَ قَالَ: \"أَوَلَا أَدلُّكَ عَلَى خَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ، تَصْبِرُ حَتَّى تَلْقَانِيَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٥٩].\nــ\n٣٧٠٩ - [٤٩] (معاوية) قوله: (إنك إذا اتبعت عورات الناس أفسدتهم) في معنى الحديث السابق على التقديرين المذكورين.\n٣٧١٠ - [٥٠] (أبو ذر) قوله: (كيف أنتم) أي: كيف تصنعون أتصبرون أم تقاتلونهم؟\nوقوله: (وأئمة) مفعول معه، و(يستأثرون) حال أو صفة، أي: ينفردون، أي: يأخذون ولا يشركونكم فيه، وقد يرفع (أئمة)، فيكون مبتدأ، و(يستأثرون) خبره، والجملة حالية، و(الفيء) مال مأخوذ من الكفار بغير قتال كالخراج والجزية، وأما المأخوذ بالقتال فهو غنيمة، وحكم الفيء أن يكون لكافة المسلمين ولا يُخمَّس، والغنيمة تُخمَّس، ولعل المراد بالفيء هنا ما يشمل الغنيمة، واللَّه أعلم. وقالوا: المراد في الحديث ما يشملها، والمقصود إظهار ظلمهم في بيت المال، وعدم إعطائهم حقوق المسلمين.\nوقوله: (أولا أدلك) أي: أتفعل ذلك ولا أدلك.","vol":"6","page":477},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-928> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٧١١ - [٥١] عَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (١) -ﷺ- قَالَ: \"أَتَدْرُونَ مَنِ السَّابِقُونَ إِلَى ظِلِّ اللَّهِ ﷿ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ \" قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: \"الَّذِينَ إِذَا أُعْطُوا الْحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَحَكَمُوا لِلنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ\".\n٣٧١٢ - [٥٢] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"ثَلَاثَة أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي: الِاسْتِسْقَاءُ بِالأَنْوَاءِ، وَحَيْفُ السُّلْطَانِ، وَتَكْذِيبٌ بِالْقَدَرِ\".\nــ\nالفصل الثالث\n٣٧١١ - [٥١] (عائشة) قوله: (إذا أعطوا الحق قبلوه) أي: سابقوهم الأئمة العدول الذين إذا نصحهم ناصح بكلمة حق في العدل بين الرعية قبلوها، وإذا سئلوا الحق بذلوه لأهله.\n٣٧١٢ - [٥٢] (جابر بن سمرة) قوله: (ثلاثة) أي: ثلاث خصال، و(الأنواء) جمع نَوْء وهو منزلة القمر، وللقمر ثمان وعشرون منزلًا، ينزل القمر كلَّ ليلة في واحد منها، وكانت العرب ينسبون المطر إليها، ويقولون: مُطِرنا بنَوءِ كذا، فنهوا عن ذلك، والنوء في الأصل بمعنى النهوض والسقوط، ضد، وإذا غرب سقط الساقط منها بالمغرب، فالطالع بالمشرق ينوء، أي: ينهض ويطلع، وفي (القاموس) (٢): ناء\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٤).","vol":"6","page":478},{"text":"٣٧١٣ - [٥٣] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سِتَّةَ أَيَّامٍ: \"اعْقِلْ يَا أَبَا ذَرٍّ! مَا يُقَالُ لَكَ بَعْدُ\"، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ السَّابِعُ قَالَ: \"أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي سِرِّ أَمْرِكَ وَعَلَانِيَتِهِ، وَإِذَا أَسَأْتَ فَأَحْسِنْ، وَلَا تَسْأَلَنَّ أَحَدًا شَيْئًا وَإِنْ سَقَطَ سَوْطُكَ، وَلَا تَقْبِضْ أَمَانَةً، وَلَا تَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ\".\nــ\nينوء نوءًا: نهض، والنوء: النجم إذا مال للغروب، وفي الحديث منع إسناد الحوادث إلى النجوم.\n٣٧١٣ - [٥٣] (أبو ذر) قوله: (قال: قال لي رسول اللَّه -ﷺ- ستة أيام: اعقل يا أبا ذر! ما يقال لك بعد) (اعقل) مقول القول، و(ستةَ أيام) ظرف القول، أي: تفكَّرْ وتأمَّلْ واعمل بمقتضى ما أقول، وهذا تنبيه منه -ﷺ- لأبي ذر على أن ما يقوله بعدُ معنًى يجب تلقِّيه بالقبول والقيامُ بحقه، وفي (الحواشي): (ستةَ أيام) ظرفُ (اعقل)، والأول هو الأظهر.\nوقوله: (في سرّ أمرك وعلانيته) أي: في خلوتك وعند الناس أو في ظاهرك وباطنك، أي: تنزَّه عما شغل سرَّك عن الحق، واعمل في ظاهرك بما أمرك، وهذا هو أعلى مراتب التقوى، (وإذا أسأت) أي: بمقتضى الجِبلَّة البشرية (فأحسن) كقوله: (أتبعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها).\nوقوله: (وإن سقط سوطك) مبالغة وتأكيد لعدم السؤال، (ولا تقبض أمانة) لثقل حملها وصعوبة أدائها.\nوقوله: (ولا تقض) أي: لا تحكم بين اثنين، أي: لا تكن حاكمًا وأميرًا على الناس لما مرّ في الفصل الأول: أن أبا ذر طلب الإمارة، فقال -ﷺ-: (يا أبا ذرٍّ إني أراكَ ضَعيفًا)، الحديثَ.","vol":"6","page":479},{"text":"٣٧١٤ - [٥٤] عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: \"مَا مِنْ رَجُلٍ يَلِي أمرَ عَشَرَةٍ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ إِلَّا أَتَاهُ اللَّهَ ﷿ مَغْلُولًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَدُهُ إِلَى عُنُقِهِ فَكَّهُ بِرُّهُ، أَوْ أَوْبَقَهُ إِثْمُهُ، أَوَّلُهَا مَلَامَةٌ، وَأَوْسَطُهَا نَدَامَةٌ، وَآخِرُهَا خِزْيٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\".\n٣٧١٥ - [٥٥] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا مُعَاوِيَةُ! إِنْ وُلِّيتَ أَمْرًا فَاتَّقِ اللَّهَ وَاعْدِلْ\" قَالَ: فَمَا زِلْتُ أَظُنُّ أَنِّي مُبْتَلًى بِعَمَلٍ لِقَوْلِ النَّبِيِّ -ﷺ- حَتَّى ابْتُلِيتُ.\n٣٧١٦ - [٥٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ رَأْسِ السَّبْعِينَ وَإِمَارَةِ الصِّبْيَانِ\". . . . .\nــ\n٣٧١٤ - [٥٤] (أبو أمامة) قوله: (إلا أتى مغلولًا) وفي بعض النسخ: (إلا أتاه اللَّه)، أي: أمرُ اللَّه أو ملائكتُه، وعلى هذه النسخة يكون (مغلولًا) حالًا من المفعول.\nوقوله: (فكه بره، أو أوبقه إثمه) وهذا كما مرّ في الفصل الثاني من حديث أبي هريرة: (حتَّى يفكَّ عنه العدلُ، أو يوبقَه الجَورُ).\n٣٧١٥ - [٥٥] (معاوية) قوله: (فما زلت أظن) لما قال رسول اللَّه -ﷺ- بكلمة الشك والتردد لكفايته فيما هو المقصود من الوصية والتقوى جعله معاوية سببًا لظنه بذلك، ولما استبعد وجود التقوى والعدل من نفسه ظن أنه يقع في عمل يكون سببًا لابتلائه بذلك، وقيل: قد يستعمل (إنْ) في مقام الجزم، وكأنه أوحي إلى النبي -ﷺ- بأنه يولي لكونه واقعًا، والظن بمعنى اليقين.\n٣٧١٦ - [٥٦] (أبو هريرة) قوله: (من رأس السبعين) الظاهر أن المراد من عام الهجرة ليتناول إمارة يزيد بن معاوية، ويؤيده ما روي عن أبي هريرة أنه كان يتعوذ","vol":"6","page":480},{"text":"رَوَى الأَحَادِيثَ السِّتَّةَ أَحْمَدُ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ فِي \"دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ\". [حم: ٦/ ٧٧، ٥/ ٨٩، ٥/ ١٨١، ٥/ ٢٦٧، ٤/ ١٠١، ٢/ ٣٢٦، دلائل النبوة: ٦/ ٤٤٦].\n٣٧١٧ - [٥٧] وَعَنْ يَحْيَى بْنِ هَاشِمٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَمَا تَكُونُونَ كَذَلِكَ يُؤَمَّرُ عَلَيْكُمْ\".\n٣٧١٨ - [٥٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ السُّلْطَانَ ظِلُّ اللَّهِ فِي الأَرْضِ،\nــ\nباللَّه من إمارة الستين، فالمراد بالصبيان يزيد وأولاد مروان، وهم المراد من أغيلمة قريش الذين رآهم رسول اللَّه -ﷺ- يلعبون على منبره، والمذكورون في حديث: (يكون هلاك أمتي على يدي أغيلمة من قريش) (١).\n٣٧١٧ - [٥٧] (يحيى بن هاشم) قوله: (كما تكونون كذلك يؤمر عليكم) ويروى: (كما تكونوا يولَّ عليكم)، وللنحاة كلام في سقوط النون في (كما تكونوا)، والمقصود المنع من ذم الأمراء والصبر على أذاهم، وإسناد التقصير إلى أنفسهم، فافهم.\n٣٧١٨ - [٥٨] (ابن عمر) قوله: (إن السلطان ظل اللَّه) قد يسبق إلى الأفهام أن المراد كونه متصفًا بما يشبه صفاته تعالى وتقدس من اللطف والرأفة والقهر والعزة وأمثال ذلك على سبيل المجاز، لكنهم قالوا: إن المراد تشبيهه بالظل وإضافته إلى اللَّه تعالى للتشريف، كما في بيت اللَّه وروح اللَّه، وإيذان بأنه ظل ليس كسائر الظلال\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٣٦٠٥).","vol":"6","page":481},{"text":"يَأْوِي إِلَيْهِ كُلُّ مَظْلُومٍ مِنْ عِبَادِهِ، فَإِذَا عَدَلَ، كَانَ لَهُ الأَجْرُ وَعَلَى الرَّعِيَّةِ الشُّكْرُ، وَإِذَا جَارَ كَانَ عَلَيْهِ الإصْرُ، وَعَلَى الرَّعِيَّةِ الصَّبْرُ\".\n٣٧١٩ - [٥٩] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَفْضَلَ عِبَادِ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِمَامٌ عَادِلٌ رَفيقٌ، وَإِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِمَامٌ جَائِز خَرِقٌ\".\n٣٧٢٠ - [٦٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ نَظَرَ إِلَى أَخِيهِ نظرَةً يُخِيفُهُ أَخَافَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ! . . . . .\nــ\nالتي خلقها اللَّه بل له شأن عظيم، ومزيد اختصاص بالحضرة الإلهية لما جعله خليفة له في أرضه.\nوقوله: (يأوي إليه كل مظلوم) لبيان وجه الشبه، فكما أن الناس يستريحون إلى برد الظل من حر الشمس، كذلك يستريحون إلى برد عدله من حر الظلم، وقد يجيء الظل بمعنى الملجأ والملاذ، يقال: في ظله، أي: كَنَفِه.\nوقوله: (فإذا عدل) يعني كما هو شأنه ومقتضى كونه ظلًّا يؤوى إليه.\nوقوله: (إذا جار) يعني خرج عما من شأنه أن يكون كذلك، وليس هذا تقسيمًا لكونه ظلًّا كما توهم، فافهم.\n٣٧١٩ - [٥٩] (عمر بن الخطاب) قوله: (خرق) بكسر الراء صفة مشبهة من الخرق وهو ضد الرفق.\n٣٧٢٠ - [٦٠] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (من نظر إلى أخيه) يشمل الرعية بالنسبة إلى الإمام أيضًا لثبوت أخوة الإسلام، و(يخيفه) من الإخافة وهو تنبيه على التزام","vol":"6","page":482},{"text":"رَوَى الأَحَادِيثَ الأَرْبَعَةَ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" وَقَالَ فِي حَدِيثِ يَحْيَى: هَذَا مُنْقَطِعٌ، وَرِوَايَتُهُ ضَعِيفٌ. [شعب: ٦/ ٢٢، ٦/ ١٦، ٦/ ١٦، ٦/ ٥٠].\n٣٧٢١ - [٦١] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا مَالِكُ الْمُلُوكِ، وَمَلِكُ الْمُلُوكِ، قُلُوبُ الْمُلُوكِ فِي يَدِي، وإِنَّ الْعِبَادَ إِذَا أَطَاعُونِي، حَوَّلْتُ قُلُوبَ مُلُوكِهِمْ عَلَيْهِمْ بِالرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ، وإِنَّ الْعِبَادَ إِذَا عَصَوْنِي، حَوَّلْتُ قُلُوبَهُمْ بِالسُّخْطَةِ وَالنِّقْمَةِ، فَسَامُوهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ فَلَا تَشْغَلُوا أَنْفُسَكُمْ بِالدُّعَاءِ عَلَى الْمُلُوكِ، وَلَكِنِ اشْغَلُوا أَنْفُسَكُمْ. . . . .\nــ\nالرفق، كما في الحديث السابق.\n٣٧٢١ - [٦١] (أبو الدرداء) قوله: (والنقمة) في (القاموس) (١): النقمة بالفتح والكسر: المكافأة بالعقوبة، والجمع نقم ككَلِمٍ وعنب وكلماتٍ.\nوقوله: (فساموهم) على وزن قاموهم، والسَّومُ فِي الأصل عرضُ السلعة على المشتري، أي: عرض الملوك العباد على سوء العذاب وأذاقوهم إياه، وفي (القاموس) (٢): سام فلانًا الأمرَ: كلَّفَه إياه، أو أولاه إياه، كسَوَّمَه، وأكثر ما يستعمل في العذاب والشر.\nوقوله: (ولكن اشغلوا أنفسكم) بفتح الغين ووصل الهمزة، ويجوز بقطعها، في (القاموس) (٣): الشغل بضمتين وبالضم وبالفتح وبفتحتين: ضد الفراغ، والجمع\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٧٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٣٦).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٣٧).","vol":"6","page":483},{"text":"بِالذِّكْرِ وَالتَّضَرُّعِ كَيْ أَكْفِيَكُمْ مُلُوكَكُمْ\". رَوَاهُ أَبُو نعيْمٍ فِي \"الْحِلْيَةِ\". [حلية الأولياء: ٢/ ٣٨٨].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-929>١ - باب ما على الولاة من التيسير</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-930> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٧٢٢ - [١] عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ قَالَ: \"بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٢٤، م: ١٧٣٢].\nــ\nأشغال، وشغله كمنعه شغلًا ويضم، وأشغله لغة جيدة أو قليلة أو رديئة.\n١ - باب ما على الولاة من التيسير\nلما ذكر ما على الرعية من الطاعة والامتثال ذكر ما على الولاة من التيسير والتبشير، والولاة: جمع الوالي كالقضاة جمع القاضي.\nالفصل الأول\n٣٧٢٢ - [١] (أبو موسى) قوله: (بشروا) أي: بشروا الناسَ بقبول اللَّه الطاعاتِ وإثابته عليها وتوفيقِه للتوبة من المعاصي وعفوه ومغفرته، (ولا تنفروا) بالتخويف والإنذار والإقناط.\nوقوله: (ويسروا) أي: سهِّلوا الأمر على الناس في طلب الحقوق مثل أخذ الصدقات والخراجات ونحوها، (ولا تعسروا) عليهم بأن تأخذوا أكثر مما يجب، وتشددوا الأمر عليهم، وتبتغوا عوراتهم، وتتجسسوا أفعالهم.","vol":"6","page":484},{"text":"٣٧٢٣ - [٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلَا تُنَفِّرُوا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٢٥، م: ١٧٣٤].\n٣٧٢٤ - [٣] وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: \"بَعَثَ النَّبِيُّ -ﷺ- جَدَّهُ أَبَا مُوسَى وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: \"يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٢٤، م: ١٧٣٣].\n٣٧٢٥ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ الْغَادِرَ يُنْصَبُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ: . . . . .\nــ\n٣٧٢٣ - [٢] (أنس) قوله: (وسكنوا ولا تنفروا) المقابل للتنفير التأنيسُ، والتسكين في معناه.\n٣٧٢٤ - [٣] (أبو بردة) قوله: (وعن أبي بردة) قالوا: صوابه ابن أبي بردة، بيانه أن أبا بردة ابن أبي موسى الأشعري وابن أبي بردة سعيد وبلال، وهذا الحديث من سعيد بن أبي بردة على ما في (صحيح البخاري) قال: سمعت أبي قال: (بعث النبي -ﷺ- أبي ومعاذًا إلى اليمن) الحديث، وقال في (التقريب) (١): بلال بن أبي بردة بن أبي موسى قاضي البصرة، مقلٌّ من الخامسة، وسعيد بن أبي بردة كوفي ثقة من الخامسة، فإن قلت: لما كان ابن أبي بردة روى الحديث من أبيه صح أنه من أبي بردة، قلت: قوله: (جدَّه) ينافيه بل يجب أن يقال حيئنذ: أباه.\nوقوله: (وتطاوعا) أي: كونا متَّفِقَين مطاوعين ينقاد كل منكما لصاحبه.\n٣٧٢٥ - [٤] (ابن عمر) قوله: (إن الغادر ينصب له لواء) الغدر ضد الوفاء،\n_________\n(١) \"تقريب التهذيب\" (ص: ١٢٩).","vol":"6","page":485},{"text":"هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٧٨، م: ١٧٣٥].\n٣٧٢٦ - [٥] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٨٦، م: ١٧٣٧].\n٣٧٢٧ - [٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ، أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٣٨].\nــ\nشاع استعماله في نقض العهد، غدره وبه من باب ضرب ونصر وسمع.\nوقوله: (فيقال: هذه غدرة) بفتح الغين، أي: علامةُ غَدرةِ فلان.\n٣٧٢٦ - [٥] (أنس) قوله: (لكل غادر لواء) في معنى الحديث الأول غير أن هذا الحديث يفيد معنى العموم والتشهير صريحًا.\n٣٧٢٧ - [٦] (أبو سعيد) قوله: (عند استه) الاست بكسر الهمزة وسكون المهملة: العَجُز، أو حَلْقةُ الدُّبر، كذا في (القاموس) (١)، وإنما ينصب عند استه تحقيرًا له واستهانة لأمره، كما أن لواء العزة ينصب تلقاء الوجه.\nوقوله: (يرفع له بقدر غدره) فكلَّما كان الغدرُ أعظمَ وأكثر كان اللواءُ أرفعَ وأشهرَ.\nوقوله: (ألا ولا غادر أعظم غدرًا من أمير عامة) قالوا: المراد بأمير عامة المتغلب الذي يستولي على الأمر بتقديم العوام وسفلات الناس، وتأمرهم إياه من غير استحقاق ولا مشورة من أهل الحل والعقد، وإنما كان أعظم غدرًا لأنه غدر ونقض\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٤٨).","vol":"6","page":486},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-931> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٧٢٨ - [٧] عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمُ، .\nــ\nعهد اللَّه ورسوله بتولي ما لا يستحقه ومنعه عمن يستحقه، وعهود المسلمين بالخروج على إمامهم، والتغلب على نفوسهم وأموالهم، فعلى هذا المعنى يكون الحديث في ذم الإمام الغادر، وغدره للأمانة التي قُلِّدها لرعيته، وعلى هذا كان إيراد الحديث مناسبًا للباب، لأنه خانهم وترك الشفقة عليهم والرفق بهم والتيسير عليهم لوقوعهم بذلك في الهرج والمرج والفساد، ويحتمل أن يكون المراد نهي الرعية عن الغدر بالإمام، لا سيما الغدر على أمير العامة أعني الإمام الأعظم، فإنه أعظم وأشد فتنة وفسادًا، وعلى هذا المناسب إيراد هذا الحديث والحديثين السابقين في الباب المتقدم؛ لأن ظاهرهما في غدر الرعية على الإمام، بل على المعنى الأول صدر هذا الحديث أيضًا، غايته أنه ذكر في آخره غدر الإمام على الرعية أيضًا استطرادًا، فتدبر.\nالفصل الثاني\n٣٧٢٨ - [٧] (عمرو بن مرة) قوله: (عن عمرو بن مرة): بضم الميم وتشديد الراء.\nوقوله: (فاحتجب دون حاجتهم) أي: منع أرباب الحوائج أن يدخلوا عليه ويعرضوا حوائجهم، والحاجة والخلة -بفتح الخاء- والفقر متقاربة المعنى كررها تأكيدًا، وتصدَّى بعضهم للفرق بينها، وحمل الحاجة على ما لم يبلغ الضرورة، والخَلَّة","vol":"6","page":487},{"text":"احْتَجَبَ اللَّهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ\" فَجَعَلَ مُعَاوِيَةُ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلِأَحْمَدَ: \"أَغْلَقَ اللَّهُ لَهُ أَبْوَابَ السَّمَاءِ دُونَ خَلَّتِهِ وَحَاجَتِهِ وَمَسْكَنِهِ\". [د: ٢٩٤٨، حم: ٣/ ٤٨٠].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-932> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٧٢٩ - [٨] عَنْ أَبِي الشَّمَّاخِ الأَزْدِيِّ عَنِ ابْنِ عَمٍّ لَهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ أَتَى مُعَاوِيَةَ فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ ولِيَ (١) مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا، ثُمَّ أَغْلَقَ بَابَهُ دُونَ الْمُسْلِمِينَ، أَوِ الْمَظْلُومِ، أَوْ ذِي الْحَاجَةِ أَغْلَقَ اللَّهُ دُونَهُ أَبْوَابَ رَحْمَتِهِ عِنْدَ حَاجَتِهِ وَفَقْرِهِ أَفْقَرَ مَا يَكُونُ إِلَيهِ\".\nــ\nعلى ما هو أشدُّ منه بحيث يختلُّ به أمرُ المَعاش، والفقر أشد من الخلة حملًا له على معنى عدم التملك أصلًا، فيكون ذكرها على سبيل الترقِّي.\nوقوله: (احتجب اللَّه دون حاجته) أي: أبعده ومنعه عما يطلبه وشماله ويجيب دعوته.\nالفصل الثالث\n٣٧٢٩ - [٨] (أبو الشماخ الأزدي) قوله: (أبي الشماخ) بفتح الشين وتشديد الميم.\nوقوله: (أفقر ما يكون) حال من ضمير (فقره)، و(ما) مصدرية، والوقت مقدر، والمراد به يوم القيامة.\n_________\n(١) بضم واو فتشديد لام مكسورة، وفي نسخة بفتح فكسر لام مخفف، قاله القاري (٦/ ٢٤٢٤).","vol":"6","page":488},{"text":"٣٧٣٠ - [٩] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا بَعَثَ عُمَّالَهُ شَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا تَرْكَبُوا بِرْذَوْنًا، وَلَا تَأْكُلُوا نَقِيًّا، وَلَا تَلْبَسُوا رَقِيقًا، وَلَا تُغْلِقُوا أَبْوَابَكُمْ دُونَ حَوَائِج النَّاسِ، فَإِنْ فَعَلْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ حَلَّتْ بِكُمُ الْعُقُوبَةُ، ثُمَّ يُشَيِّعُهُمْ. رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٩/ ٤٨٨، ٩/ ٤٩٣].\n* * *\nــ\n٣٧٣٠ - [٩] (عمر بن الخطاب) قوله: (لا تركبوا برذونًا) بكسر الموحدة وفتح الذال المعجمة: التركي من الخيل، والأنثى برذونة خلاف العِرَاب، وإذا جعل علة النهي الخيلاء كان النهي عن العراب أَولى وأَحرى، كذا قال الطيبي (١)، وفي (القاموس) (٢): البرذون: الدابة، وهي بهاء، برذَنَ: قهرَ وغلبَ، وفي (مجمع البحار) (٣): هذا في اللغة، وخصه العرف بنوع من الخيل، و(النَّقيُّ) ما نُخِلَ مرَّة بعد أخرى حتى صار لطيفًا أبيض الذي يقال له بالفارسية: ميده.\nوقوله: (فقد حلت بكم العقوية) أي: من اللَّه في الدنيا والآخرة، وهو الظاهر، ويحتمل أن يراد حلول العقوبة من جانبه بالزجر والتوبيخ والعزل.\nوقوله: (ثم يشيعهم) الضمير المستكنُّ لعمر -﵁-، والمنصوب للعمال، أي: يمشي معهم، والتشييع والمشايعة المشيُ مع المسافر للتوديع.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٢٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٨٧).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ١٧٠).","vol":"6","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-933>٢ - باب العمل في القضاء والخوف منه</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-934> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٧٣١ - [١] عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٥٨، م: ١٧١٧].\n٣٧٣٢ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ وَأَصَابَ (١) فَلَهُ أَجْرَانِ، وإذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ وَأَخْطَأَ (٢) فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٥٢، م: ١٧١٦].\nــ\n٢ - باب العمل في القضاء والخوف منه\nأي: كيفية العمل فيه بأن يكون بمقتضى الكتاب والسنة أو باجتهاد وبذل المجهود في تحري الخير، والضمير في (منه) إما للقضاء أو للعمل، والأول أظهر.\nالفصل الأول\n٣٧٣١ - [١] (أبو بكرة) قوله: (لا يقضين) بلفظ المعلوم، وفاعله (حكم) بفتحتين أي: حاكمٌ أعمَّ من أن يكونَ قاضيًا أو غيره.\nوقوله: (وهو غضبان) لأنه يمنعه من التمكن من الاجتهاد والتثبت فيه، وكذلك حكم كل ما يغير من الأحوال كالجوع والعطش والمرض وأمثال ذلك.\n٣٧٣٢ - [٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (فله أجران) أجر الاجتهاد وأجر الإصابة،\n_________\n(١) في نسخة: \"فأصاب\" بالفاء.\n(٢) في نسخة: \"فأخطأ\" بالفاء.","vol":"6","page":490},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-935> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٧٣٣ - [٣] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ جُعِلَ قَاضِيًا بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٢٣٠، ت: ١٣٢٥، د: ٣٥٧٢، جه: ٢٣٠٨].\n٣٧٣٤ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنِ ابْتَغَى الْقَضَاءَ وَسَأَلَ وُكِلَ إِلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أكرِهَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ\". . . . .\nــ\nوهذا دليل على أن المجتهد يخطئ ويصيب، والكل مأجور، وتحقيقه في موضعه.\nالفصل الثاني\n٣٧٣٣ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (فقد ذبح بغير سكين) أراد الذبح الغير المتعارف الذي هو عبارة عن هلاك دِينه دون هلاك بدَنه، وذلك أنه ابتلي بالعناء الدائم والداء المعضل، وشتان بين الذبحين، فإن الذبح بالسكين عَناءُ ساعة، والآخر عَناءُ عُمرٍ، بل يعقبُه الندامةُ إلى يوم القيامة، وقيل: معناه أن من جعل قاضيًا ينبغي أن يموت [جميع] دواعيه الخبيثة وشهواته الرديئة فهو مذبوح بغير سكين، قال الطيبي (١): فعلى هذا يكون القضاء مرغوبًا فيه ومحثوثًا عليه، والأول تحذير عن الحرص عليه، وتنبيه على التوقِّي منه، وأنت خبير بأن الحث والترغيب إنما هو على أمانة الشهوات، والدواعي النفسانية على تقدير الابتلاء بالقضاء، وأما بدونه فمحذَّر، فيرجع مآله إلى المعنى الأول في التحذر والتوقي، كما لا يخفى.\n٣٧٣٤ - [٤] (أنس) قوله: (يسدده) أي: يعينه ويحمله على الصواب، وهذا\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٢٨).","vol":"6","page":491},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٣٢٤، د: ٣٥٧٨، جه: ٢٣٠٩].\n٣٧٣٥ - [٥] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ، فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُل عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْم فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٥٧٣، ت: ١٣٢٢، جه: ٢٣١٥].\n٣٧٣٦ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ، ثُمَّ غَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٥٧٥].\nــ\nكما سبق في (كتاب الإمارة) في الفصل الأول من حديث عبد الرحمن بن سمرة.\n٣٧٣٥ - [٥] (بريدة) قوله: (فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به) خص كلمة (أما) الدالة على تأكيد الحكم وتقريره ببيان هذا القسم ترجيحًا لجانب البشارة على الإنذار وتوسعة للرحمة، وإن دل على السببية في القسمين الآخرين أيضًا، فافهم.\n٣٧٣٦ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (من طلب قضاء المسلمين. . . إلخ)، قد يختلج أنه قد سبق من طلب القضاء والإمارة وكل إلى نفسه، فكيف قسمه في هذا الحديث إلى من غلب عدله ومن غلب جوره، وحاصل ما يوجه به الكلام أن المراد بالطلب هنا ما يكون للحق واثقًا من نفسه إقامته وطالبًا للتوفيق والتأييد من اللَّه، ومثله لا يكون موكولًا إلى نفسه، وهو الذي غلب عدله جوره.\nوقوله: (من غلب جوره عدله) إشارة إلى من لا يكون حاله كذلك، وهو يكون","vol":"6","page":492},{"text":"٣٧٣٧ - [٧] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَن رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: \"كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاءٌ؟ \" قَالَ: أَقْضِي بِكِتَابِ اللَّهِ، قَالَ: \"فَإِنْ لَم تَجدْ فِي كتَابِ اللَّهِ؟ \" قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: \"فَإِنْ لَمْ تَجدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟ \" قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو، قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى صَدْره، وَقَالَ: \"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يَرْضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٣٢٧، د: ٣٥٩٢، دي: ١/ ٦٠].\n٣٧٣٨ - [٨] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: بَعَثنَي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: تُرْسِلُنِي وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ، وَلَا عِلْمَ لِي. . . . .\nــ\nموكولًا إلى نفسه فيغلب جوره عدله، وهذا حاصل كلام الطيبي (١)، فافهم.\nثم السابق إلى الفهم من قوله: غلب عدله أو جوره أن يزيد أحدهما على الآخر، ويكون أكثر منه مع وجود الآخر في الجملة، فإن الحكم للغالب الأكثر، ولكنهم قالوا: إن المراد في كلتا الحالتين أن يمنعه أحدهما عن الآخر، أي: يقوى عدلُه بحيث لا يدعُ أن يصدر منه جور، كذا قال التُّورِبِشْتِي (٢)، فتدبر.\n٣٧٣٧ - [٧] (معاذ بن جبل) قوله: (ولا آلو) أي: لا أقصِّرُ فِي الاجتهاد، والتحرِّي للصواب، والحديث دليل على شرعية القياس، كما تقرر في أصول الفقه.\n٣٧٣٨ - [٨] (علي) قوله: (لا علم لي) أي: بكيفية فصل الخصومات وكيفية\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٣٠).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٦٢).","vol":"6","page":493},{"text":"بِالْقَضَاءِ؟ فَقَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ، وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ، إِذَا تَقَاضَى إِلَيْكَ رَجُلَانِ فَلَا تَقْضِ لِلأَوَّلِ حَتَّى تَسْمَعَ كَلَامَ الآخَرِ، فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يَتَبيَنَ لَكَ الْقَضَاءُ\"، قَالَ: فَمَا شَكَكْتُ فِي قَضَاءٍ بَعْدُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ: \"إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِرأيِي\" فِي \"بَابِ الأَقْضِيةِ وَالشَّهَاداتِ\" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [ت: ١٣٣١، د: ٣٥٨٢، جه: ٢٣١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-936> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٧٣٩ - [٩] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ حَاكمِ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ، إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَلَكٌ آخِذٌ بِقَفَاهُ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ،\nــ\nدفع كل من المتخاصمين كلام الآخر، ومكر أحدهما بالآخر، فإنه كان -﵁- لم يجرِّب ذلك قبل هذا، وإلا فهو كامل العلم بأحكام الدين وقضاء الشرع، وقد ورد: (أقضاكم عليٌّ) (١).\nوقوله: (فما شككت في قضاء) أي: حكم.\nالفصل الثالث\n٣٧٣٩ - [٩] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (حاكم) عادلًا كان أو ظالمًا.\nوقوله: (وملك آخذ بقفاه، ثم يرفع رأسه إلى السماء) يدل على كونه مقهورًا في يده كمَن رفع رأسَه الغُلُّ مُقمَحًا، هذه عبارة الطيبي (٢)، ويدل على أنه جعل الضمير\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه (١٥٤) ولفظه: \"أقضاهم علي\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٣٣).","vol":"6","page":494},{"text":"فَإِنْ قَالَ: أَلْقِهْ أَلْقَاهُ فِي مَهْوَاةٍ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [حم: ٤٠٩٧، جه: ٢٣١١، شعب: ٧١٢٧].\nــ\nفي (يرفع) للملك وفي (رأسه) للحاكم، كأنه شبه رفع الملك رأسه برفع الغُلِّ رأسَ المغلول، فإن المغلول يكون رأسه مرفوعًا إلى السماء لا يستطيع أن يتحرك، يقال: أقمَحَه الغُلُّ: إذا ترك رأسَه مرفوعًا من ضيقِه، هذا والظاهر عندنا أن يكون ضمير (رأسه) أيضًا للملك كضمير (يرفع) أي: ينتظرُ حكمَ اللَّه فيه كما هو عادة من يقيم عاصيًا عند السلطان، فيأخذ قفاه وينظر إلى السلطان مستو على مكان عالٍ، وينتظر ما يحكم فيه، وهذا المعنى أشد ملاءَمةً بقوله: (فإن قال) أي: اللَّه سبحانه: (ألقه) في جهنم، (ألقاه) الملَكُ (في مهواة أربعين خريفًا) والمهواة محل سقوط، والهُوَّة على وزن القوة: ما انهبط من الأرض، أو الوهدة، والمهواة كالهواء: الجوّ، وهَوى الشئُ: سقطَ من علو إلى سُفْلٍ كأهوى وانهوى، كذا في (القاموس) (١).\nو(الخريف): الزمان المعروف من فصول السنة، والمراد به السنة لأن الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة، ولأنهم يعتبرون ابتداء السنة منه، ولذا خصه بالذكر، والمراد بالأربعين المبالغة في عمق المهواة لا التحديد بهذه المدة، ومهواة منون في أكثر الروايات، وجاء بالإضافة، وهذا يكون في الحاكم إن كان ظالما، ودلّ بقوله: (فإن قال: ألقه) على ما يقابله، أي: وإن قال: أَدْخِلِ الجنةَ أُدْخِلَها، وهذا كحديث أبي أمامة المذكور في الفصل الثالث من (كتاب الإمارة والقضاء) من قوله: (ما من رجل يلي أمرَ عشرةٍ فما فوقَ ذلك إلا أتى اللَّه ﷿ مغلولًا يوم القيامة يده إلى عنقه، فكَّه برُّه أو أوبقَه إثمُه)، وكان قوله في ذلك الحديث: مغلولًا هو الذي حمل الطيبي على\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٣٥).","vol":"6","page":495},{"text":"٣٧٤٠ - [١٠] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي ثَمْرَةٍ (١) قَطُّ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ٧٥].\n٣٧٤١ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ مَعَ الْقَاضِي مَا لَمْ يَجُرْ، فَإِذَا جَارَ تَخَلَّى عَنْهُ وَلَزِمَهُ الشَّيْطَانُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَةٍ: \"فَإِذَا جَارَ وَكَلَهُ إِلَى نَفْسِهِ\". [ت: ١٣٣٠، جه: ٢٣١٢].\n٣٧٤٢ - [١٢] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ مُسْلِمًا وَيَهُودِيًّا اخْتَصَمَا إِلَى عُمَرَ، فَرَأَى الْحَقَّ لِلْيَهُودِيِّ، فَقَضَى لَهُ عُمَرُ بِهِ،\nــ\nتفسير قوله في هذا الحديث: (ثم يرفع رأسه إلى السماء) برفع الغُلِّ رأسَ المغلول، ولا حاجة إليه على ما ذكرنا من التفسير، فتأمل.\n٣٧٤٠ - [١٠] (عائشة) قوله: (يوم القيامة) بالرفع فاعل (ليأتين)، و(يتمنى) حال من القاضي أو منه بتقدير يتمنى فيه، وقد روي بالنصب والفاعل يتمنى بتقدير (أنْ)، وفي التقييد بالعدل مبالغة يعني إذا كان حال القاضي العدل هذا فكيف بغيره.\n٣٧٤١ - [١١] (عبد اللَّه بن أبي أوفى) قوله: (اللَّه) وفي بعض النسخ: (إن اللَّه)، (مع القاضي) أي: بالنصر والإعانة.\n٣٧٤٢ - [١٢] (سعيد بن المسيب) قوله: (فقضى له) أي: لليهودي (عمر به) أي بالحق.\n_________\n(١) كذا في النسخة الهندية، وفي \"المرقاة\" (٦/ ٢٤٣٠): \"تمرة\".","vol":"6","page":496},{"text":"فَقَالَ لَهُ الْيَهُودِيُّ: وَاللَّهِ لَقَدْ قَضَيْتَ بِالْحَقِّ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ، فَقَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ قَالَ الْيَهُودِيُّ: وَاللَّهِ إِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّهُ لَيْسَ قَاضٍ يَقْضِي بِالْحَقِّ إِلَّا كَانَ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ، وَعَنْ شِمَالِهِ مَلَكٌ، يُسَدِّدَانِهِ وَيُوَفِّقَانِهِ لِلْحَقِّ مَا دَامَ مَعَ الْحَقِّ، فَإِذَا تَرَكَ الْحَقَّ عَرَجَا وَتَرَكَاهُ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢/ ٧١٩].\n٣٧٤٣ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ مَوْهَبٍ: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ قَالَ لِابْنِ عُمَرَ: اقْضِ بَيْنَ النَّاسِ، قَالَ: أَوَ تُعَافِيني؟ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! قَالَ: وَمَا تَكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ، وَقَدْ كَانَ أَبُوكَ يَقْضِي؟ قَالَ: لِأَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ كَانَ قَاضِيًا فَقَضَى بِالْعَدْلِ، فَبِالْحَرِيِّ أَنْ يَنْقَلِبَ مِنْهُ كَفَافًا\". . . . .\nــ\nوقوله: (لقد قضيت بالحق) إذ لم تمل إلى من هو على دينك، فهذا بتوفيق اللَّه وتسديده، فينطبق جواب اليهودي في مقابلة قول عمر: (وما يدريك؟)، فافهم. و(الدرة) بكسر الدال وتشديد الراء، وضربه كان بطريق الرفق والمطايبة، كما هو العادة، لا ضربًا مبرحًا.\n٣٧٤٣ - [١٣] (ابن موهب) قوله: (وعن ابن موهب) بفتح الهاء.\nوقوله: (أو تعافيني؟) بالواو بعد الهمزة والمعطوف عليه محذوف، أي: أترحم وتعافيني؟\nوقوله: (فبالحري) الرواية المشهورة بكسر الراء وتشديد الياء بلفظ الصفة على وزن فَعِيل بمعنى الخَلِيق والجَدِير، فالباء زائدة وهو مبتدأ ما بعده خبره، وقد يروى بلفظ المصدر بفتحتين مقصورًا، فالباء للملابسة والإعراب على العكس.\nوقوله: (أن ينقلب منه كفافًا) بالفتح هذا اللفظ أخذه ابن عمر من كلام أبيه -﵄-، فقد وقع في حديث عمر: ودِدتُ أن سلِمتُ من الخلافة كفافًا لا عليَّ ولا لي، قال","vol":"6","page":497},{"text":"فَمَا رَاجَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٣٢٢].\n٣٧٤٤ - [١٤] وَفِي رِوَايَةِ رَزِينٍ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ لِعُثْمَانَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَا أَقْضِي بَيْنَ رَجُلَيْنِ، قَالَ: فَإِنَّ أَبَاكَ كَانَ يَقْضِي فَقَالَ: إِنَّ أَبِي لَوْ أُشْكِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَوْ أُشْكِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَهُ شَيْءٌ سَأَلَ جِبْرِيلَ ﵇، وَإِنِّي لَا أَجِدُ مَنْ أَسْأَلُهُ، وَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ عَاذَ بِاللَّهِ، فَقَدْ عَاذَ بِعَظِيمِ\" وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: \"مَنْ عَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوه\" وَإِنِّي أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تَجْعَلَنِي قَاضِيًا فَأَعْفَاهُ، قَالَ: لَا تُخْبِرْ أَحَدًا. [حم: ١/ ٦٦، صحيح ابن حبان: ١١/ ٤٤٠ مختصرًا].\n* * *\nــ\nفي (النهاية) (١): الكفاف هو الذي لا يفضُلُ عن الشيء، ويكون مقدارَ الحاجة إليه، وهو نصب على الحال، وقيل: أراد به مكفوفًا عني شرُّها، وقيل: معناه أن لا تنال مني ولا أنال منها، أي: تكف عني وأكف عنها.\n٣٧٤٤ - [١٤] (نافع) قوله: (فإن أباك كان يقضي) المراد أنه كان يقضي في زمن رسول اللَّه -ﷺ- كما لا يخفى.\nوقوله: (وإني لا أجد من أسأله) أي: مَن يُقطَعُ بصوابه كالنبي -ﷺ-، فافهم.\nوقوله: (لا نجبر) بلفظ المتكلم من الإجبار بمعنى الإكراه، وفي بعض النسخ: (لا تخبر) بلفظ النهي من الإخبار بمعنى الإعلام، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"النهاية\" (٤/ ١٩١).","vol":"6","page":498},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-937>٣ - باب رزق الولاة وهداياهم</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-938> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٧٤٥ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا أُعْطِيكُمْ وَلَا أَمْنَعُكُمْ، أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣١١٧].\nــ\n٣ - باب رزق الولاة وهداياهم\nيعني ما لهم من النصيب في بيت المال، وما يرزقون من أقوات أنفسهم وعيالهم ومسكنهم وغير ذلك، وليس لهم أن يتصرَّفوا فيه كل ما شاء أو ما يهدي الناس إليهم، كما يظهر من الأحاديث المذكورة في الباب، والرزق إن كان اسمًا فالإضافة بمعنى اللام، وإن حمل على معنى المصدر فالظاهر أنه إضافة إلى المفعول، وقول الطيبي (١): هو من إضافة المصدر إلى الفاعل، لا يظهر وجهه، فإن الولاة مرزوقون، نعم هم رازقون على أنفسهم من قبل الشرع، لكن تلك الحيثية ليست بمرادة هنا، ثم استدلاله على ذلك بقوله -ﷺ-: (من استعملناه على عمل فرزقناه رزقًا) لا يخلو عن غرابة، فإن الضمير في رزقناه للعامل، وهو الوالي فيكون مرزوقًا، فافهم.\nالفصل الأول\n٣٧٤٥ - [١] (أبو هريرة) قوله: (ما أعطيكم ولا أمنعكم) أي: ما أعطي أحدًا شيئًا تميل نفسي إليه وشهوتها، وكذا المنع، بل كل ذلك بأمر اللَّه تعالى، اعلم أنهم حملوا الإعطاء والمنع على إعطاء المال ومنعه، وقد يحمل على تبليغ الوحي والعلم والأحكام، يعني أن اللَّه تعالى يعطي كل واحد من العلم والفهم على قدر ما تعلقت\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٣٧).","vol":"6","page":499},{"text":"٣٧٤٦ - [٢] وَعَنْ خَوْلَةَ الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقِّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣١١٨].\n٣٧٤٧ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنَّ حِرْفَتِي. . . . .\nــ\nبه إرادته.\n٣٧٤٦ - [٢] (خولة الأنصارية) قوله: (وعن خولة) بفتح المعجمة وسكون الواو.\nوقوله: (إن رجالًا يتخوضون في مال اللَّه بغير حق) الخوض: الدخول في الماء، خاض الماء يخوضه خوضًا وخياضًا: دخله، كذا في (القاموس) (١)، ويستعمل للدخول في أمر باطل، والمراد هنا التصرف في بيت المال والغنائم ونحوها بغير حق، والأخذ منها زيادة على ما شرع، وهذا يعمّ تصرف الولاة والرعايا وأخذهم زيادة على رزقهم ونصيبهم.\n٣٧٤٧ - [٣] (عائشة) قوله: (لقد علم قومي) المراد به قريش أو المسلمون.\nوقوله: (أن حرفتي) وهي ما كان يشتغل به قبل الخلافة من التجارة، وكان -﵁- تاجرًا في البز، وقالوا: وكان عمر -﵁- يتجر في الطعام، وعثمان في التمر والبز، وعباس في العطر، كذا قال الشُّمُنِّي، وقيل: أفضل أنواع التجارة البز، ثم العطر، وفي حديث أبي سعيد -﵁-: لو اتجر أهل الجنة لا تجروا في البز، ولو اتجر أهل النار\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٩٢).","vol":"6","page":500},{"text":"لَمْ تَكُنْ تَعْجزُ عَنْ مُؤْنَةِ أَهْلِي، وَشُغِلْتُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَسَيَأْكُلُ آلُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ هَذَا الْمَالِ، وَيَحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٠٧٠].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-939> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٧٤٨ - [٤] عَنْ بُرَيْدَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ، فَرَزَقْنَاهُ رِزْقًا، فَمَا أَخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ غُلُولٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٩٤٣].\nــ\nلا تجروا في الصرف، رواه أبو منصور في (مسند الفردوس) (١).\nوقوله: (من هذا المال) إشارة إلى مال بيت المال.\nوقوله: (ويحترف) أي: أبو بكر، أي: يعملُ، ذكره بلفظ الحرفة مشاكلة، والحرفة، بالكسر: الطعمة، والصناعة يُرْتَزَقُ منها، وكل ما اشتغل الإنسان به يسمى صنعة وحرفة، لأنه ينحرف إليها، كذا في (القاموس) (٢)، وما أحسن ذكره -﵁- نفسه بطريق الغيبة في هذا المقام، كأنه واحد من المسلمين، عامل وخادم لهم يأخذ أجرته، وهذا اعتذار منه عن إنفاقه على نفسه وأهله من بيت مال المسلمين.\nالفصل الثاني\n٣٧٤٨ - [٤] (بريدة) قوله: (فما أخذ بعد ذلك) أي: زيادة عليه (فهو غلول) أي: خيانة، والغلول: الخيانة أو خاص بالفيء، كذا في \"القاموس\" (٣).\n_________\n(١) \"مسند الفردوس\" (٣/ ٣٧٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٣٨).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٥٧).","vol":"6","page":501},{"text":"٣٧٤٩ - [٥] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَعَمَّلَنِي\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٩٤٤].\n٣٧٥٠ - [٦] وَعَنْ مُعَاذٍ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْيَمَنِ، فَلَمَّا سِرْتُ، أَرْسَلَ فِي أثَرِي، فَرُدِدْتُ فَقَالَ: \"أَتَدْرِي لِمَ بَعَثْتُ إِلَيْكَ؟ لَا تُصِيبَنَّ شَيْئًا بِغَيْرِ إِذْنِي، فَإِنَّهُ غُلُولٌ ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] لِهَذَا دَعَوْتُكَ فَامْضِ لِعَمَلِكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٣٣٥].\n٣٧٥١ - [٧] وَعَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ كَانَ لَنَا عَامِلًا فَلْيَكْتَسِبْ زَوْجَةً،\nــ\n٣٧٤٩ - [٥] (عمر) قوله: (فعملني) بالتشديد أي: أعطاني العمالة، والعملة بالضم والعمالة مثلثة: أجر العمل، وعمّله تعميلًا: أعطاها إياه.\n٣٧٥٠ - [٦] (معاذ) قوله: (فرددت) بلفظ المجهول من الردِّ.\nوقوله: (ومن يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة) اقتباس لآية القرآن، والمراد بما غل جزاؤه، وهو ما جاء في الحديث (١): (لا أُلفِيَنَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامة على رقبته بعيرٌ له رُغاءٌ) الحديث.\nوقوله: (فامض) أمر من مضى يمضي، أي: اذهَبْ.\n٣٧٥١ - [٧] (المستورد بن شداد) قوله: (وعن المستورد) بضم الميم وسكون السين المهملة وفتح التاء وكسر الراء.\nوقوله: (من كان لنا عاملًا فليكتسب زوجة) الحديثُ دلَّ على أنه يحل للعامل\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (ح: ١٨٣١).","vol":"6","page":502},{"text":"فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ خَادِمٌ فَلْيَكْتَسِبْ خَادِمًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ فَلْيَكْتَسِبْ مَسْكَنًا\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"مَنِ اتَّخَذَ غَيْرَ ذَلِكَ فَهُوَ غَالٌّ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٩٤٥].\n٣٧٥٢ - [٨] وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ! مَنْ عُمِّلَ مِنْكُمْ لَنَا عَلَى عَمَلٍ، فَكَتَمَنَا مِنْهُ مِخْيَطًا فَمَا فَوْقَهُ فَهُوَ غَالٌّ، يَأْتِي بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\" فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-! اقْبَلْ عَنِّي عَمَلَكَ، قَالَ: \"وَمَا ذَاكَ؟ \" قَالَ سَمِعْتُكَ تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: \"وَأَنَا أَقُولُ ذَلِكَ،\nــ\nأن يأخذ من بيت المال قدر مهر زوجه ونفقتها وكسوتها، وما يحصل به خادمًا أو مسكنًا، كل ذلك على قدر ما لا بد منه من غير تنعُّم وإسراف، وما زاد على ذلك فهو حرام.\n٣٧٥٢ - [٨] (عدي بن عميرة) قوله: (وعن عدي بن عميرة) بفتح العين وكسر الميم.\nوقوله: (من عمل) بالتشديد على لفظ المجهول، أي: جُعِلَ عاملًا.\nوقوله: (فكتمنا) بالضمير المنصوب، و(من) تبعيضية متعلق بالمخيط، والمراد ما فوقه في الحقارة.\nوقوله: (اقبل عني عملك) أي: أَقِلْنِي منه.\nوقوله: (وما ذاك؟) أي: ما الذي حملك على هذا القول؟\nوقوله: (وأنا أقول ذلك) أي: لا أرجع عنه.","vol":"6","page":503},{"text":"مَنِ اسْتَعْمَلْنَاهُ عَلَى عَمَلٍ؛ فَلْيَأْتِ بِقَلِيلِهِ وَكَثِيرِه فَمَا أُوتيَ مِنْهُ أَخَذَهُ، وَمَا نُهِيَ عَنْهُ انْتَهَى\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَاللَّفْظُ لَهُ. [م: ١٨٣٣، د: ٣٥٨١].\n٣٧٥٣ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: \"لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِي\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٥٨٠، جه: ٢٣١٣].\n٣٧٥٤ - [١٠] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [ت: ١٣٣٦].\n٣٧٥٥ - [١١] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" عَنْ ثَوْبَانَ، وَزَادَ: \"وَالرَّائِشَ\" يَعْنِي: الَّذِي. . . . .\nــ\nوقوله: (من استعملناه. . . إلخ)، تكرير للمعنى وتأكيد له.\nوقوله: (فما أوتي منه) أي: ما أعطي من ذلك العمل وأجره.\n٣٧٥٣ - [٩] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (لعن رسول اللَّه -ﷺ- الراشي): وهو المعطي، (والمرتشي) وهو الآخذ، والرائش الساعي بينهما يستزيد لهذا أو يستنقص لهذا، والرشوة بالكسر والضم: وُصْلة إلى الحاجة بالمصانعة، من الرِّشاء المتوصَّل به إلى الماء، وأما من يعطي توصلًا إلى أخذ حق أو دفع ظلم فغير داخل فيه، كذا في (النهاية) (١)، وفي بعض الحواشي: هذا ينبغي أن يكون في غير القضاة والولاة؛ لأن السعي في إصابة الحق إلى مستحقه ودفع الظلم عن المظلوم واجب عليهم، فلا يجوز لهم الأخذ عليه، وأيضًا قيل: إذا كان عملٌ يستأجَرُ عليه بمقدار هذه الأجرة فيأخذها لا يحرم، وأما كلمةٌ أو عملٌ قليل لا يؤخذ عليه هذه الأجرةُ فهو حرام.\n٣٧٥٤، ٣٧٥٥، ٣٧٥٦ - [١٠، ١١، ١٢] (أبو هريرة، وثوبان، وعمرو\n_________\n(١) \"النهاية\" (٢/ ٢٢٦).","vol":"6","page":504},{"text":"يَمْشِي بَيْنَهُمَا. [حم: ٥/ ٢٧٩، شعب: ٧/ ٣٥٤].\n٣٧٥٦ - [١٢] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَنِ اجْمَعْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ وَثِيَابَكَ، ثُمَّ ائْتِنِي\" قَالَ: فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ يتَوَضَّأُ فَقَالَ: \"يَا عَمْرُو! إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ لِأَبْعَثَكَ فِي وَجْهٍ يُسَلِّمُكَ اللَّهُ وَيُغَنِّمُكَ، وَأَزْعَبَ لَكَ زَعْبَةً مِنَ الْمَالِ\" فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-! مَا كَانَتْ هِجْرَتِي لِلْمَالِ، وَمَا كَانَتْ إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولهِ قَالَ: \"نِعِمَّا بِالْمَالِ الصَّالِحِ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" وَرَوَى أَحْمَدُ نَحْوَهُ وَفِي رِوَايتِهِ: قَالَ: \"نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحِ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ\". [شرح السنة: ١٠/ ٩١، حم: ٤/ ١٩٧].\nــ\nابن العاص) قوله: (في وجه) أي: في جهة من العمل، أو في جانب من الأرض.\nوقوله: (يسلمك اللَّه ويغنمك) كلاهما بالتشديد، أي: يردك سالمًا ويرزقك الغنيمة، أي: ترجع سالمًا غانمًا، (وأزعب) بالزاي والعين المهملة بالرفع، أي: وأنا أزعب لك، وبالنصب عطف على (أبعثَكَ)، أي: أقطع لك قطعة من المال، في (القاموس) (١): زعبه: قطعه، وزعب له من المال زُعبة بالضم وزِعبًا بالكسر: دفع له قطعة منه.\nوقوله: (نعما بالمال) أي: نعم شيئًا المال الصالح، والباء زائدة، و(ما) تامة بمعنى شيئًا تمييز للضمير المبهم أدغمت في ميم نعم، كما في قوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٠).","vol":"6","page":505},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-940> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٧٥٧ - [١٣] عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ شَفَعَ لِأَحَدٍ شَفَاعَةً، فَأَهْدَى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْهَا، فَقَبِلَهَا، فَقَدْ أَتَى بَابًا عَظِيمًا مِنْ أَبْوَابِ الرِّبَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٥٤١].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-941>٤ - باب الأقضية والشهادات</span>\nــ\nهِيَ﴾ أي: المال الصالح ما يكسبه من الحلال، والصلاح ضد الفساد.\nالفصل الثالث\n٣٧٥٧ - [١٣] (أبو أمامة) قوله: (فأهدي له) بلفظ المجهول والمعلوم روايتان.\nوقوله: (من أبواب الربا) لا يخفى أن هذه رشوة، ولعله سماها ربًا لكونه خاليًا عن العِوَض.\n٤ - باب الأقضية والشهادات\nأراد بالأقضية الوقائع التي ترفع إلى الحاكم ليقضي فيها ويحكم، والشهادة والشهود والمشاهدة في الأصل بمعنى الحضور والإدراك بالبصر، وقد يطلق على العلم اليقيني بالبصيرة، ويجيء بمعنى الخبر القاطع الصادر بمواطأة القلب، وفي الشرع: الإخبار بحقٍّ للغير على آخر كالإقرار إخبار بحق الغير على المخبِر، والدعوى إخبار بحق للمخبر على الغير، وجمع الشهادات هنا لموافقة الأقضية باعتبار المواد.","vol":"6","page":506},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-942> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٧٥٨ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى ناسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي \"شَرْحِهِ\" لِلنَّوَوِيِّ أَنَّه قَالَ: وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، أَوْ صحِيحٍ، زِيَادَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: \"لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ\". [م: ١٧١١].\n٣٧٥٩ - [٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ. . . . .\nــ\nالفصل الأول\n٣٧٥٨ - [١] (ابن عباس) قوله: (بدعواهم) أي: بمجرد دعواهم من غير بينة.\nوقوله: (لادعى ناس) أي: أخَذَ، وضع السببَ مقامَ المسبَّب.\nوقوله: (ولكن اليمين على المدعى عليه) لم يذكر في هذه الرواية طلب البينة كأنه ثابت مقرر في الشرع فكأنه قال: ولكن البينة على المدعي فإن لم يكن بينة فاليمين على المدعى عليه، كما جاء في الرواية التي ذكرها من ابن عباس.\n٣٧٥٩ - [٢] (ابن مسعود) قوله: (من حلف على يمين صبر) بالإضافة، والصبر في المشهور نقيض الجزع، وهو في الأصل الحبس واللزوم، وإنما سميت يمين صبر لتوقف الحكم وحبسه عليها وكونها لازمة لصاحبها وكونه مجبورًا ومحبوسًا عليها من جهة الحكم، وقيل لها: مصبورة أيضًا، وإن كان المصبورُ في الحقيقة صاحبَها، ولكنه لما صبر من أجلها وصفت بالصبر وأضيف إليها، وقيل: يمين الصبر هي التي يكون الحالف فيها متعمِّدًا للكذب قاصدًا لإذهاب مال المسلم، ولذا قال:","vol":"6","page":507},{"text":"وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ\"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلى آخِرِ الآيَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٤٩، م: ١٣٨].\n٣٧٦٠ - [٣] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ -ﷺ-: \"مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينهِ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ\" فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: \"وَإنْ كَانَ قَضيبًا مِنْ أَرَاكٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [١٣٧].\n٣٧٦١ - [٤] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ،\nــ\n(وهو فيها فاجر) أي: كاذب فاسق (يقتطع بها مال امرئ مسلم) أي يقصد قطعه، وعلى بمعنى الباء، أي: حلف بهذا القسم من الحلف، وقال التُّورِبِشْتِي (١): أقام اليمين مقام المحلوف عليه، أو أراد حلف على تلك الصفة والطريقة.\nوقوله: (يشترون بعهد اللَّه) أي: بما عهد إليهم من أداء الأمانة.\n٣٧٦٠ - [٣] (أبو أمامة) قوله: (فقد أوجب اللَّه له النار) يعني أنه استحق النار على التأبيد، ولكن العفو باقٍ أو محمول على الاستحلال.\nوقوله: (وإن كان قضيبًا من أراك) في (القاموس) (٢): القضب: كل شجرة طالت وبسطت أغصانها، وما قطعت من الأغصان للسهام أو القِسِيِّ.\n٣٧٦١ - [٤] (أم سلمة) قوله: (إنما أنا بشر) يعني أني إن تركت على ما جُبِلتُ\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٦٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٩).","vol":"6","page":508},{"text":"وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فَلَا يَأْخُذَنَّهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ، . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٦٧، م: ١٧١٣].\n٣٧٦٢ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الأَلَدُّ الْخَصِمُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٥٧، م: ٢٦٦٨].\nــ\nعليه من القضايا البشرية ولم أُؤيَّدْ بالوحي، طرأ علي منها ما يطرأ على سائر البشر.\nوقوله: (أن يكون) ولعل دخول (أنْ) في خبر (لعلَّ) لحملها على معنى عسى.\nوقوله: (ألحن بحجته) أي: ألسنَ وأفصحَ وأبينَ كلامًا وأقدر على الحجة، ويقال: لحن كفرح، أي: فطِنَ، واللحن قد يطلق على الخطأ في الكلام، وعدم التصريح بالمقصود، وعلى الطرب في الصوت، وعلى معنى الفطانة، وهو المراد ههنا.\nوقوله: (فأقضي له على نحو ما أسمع منه) وهذا على خلاف ما حكم به -ﷺ- باجتهاده، فإنه لا يقر فيه على الخطأ على ما يقرر في أصول الفقه، فإن الحكم في هذه الصورة ليس بالاجتهاد بل بالسماع من الشهود، كما لا يخفى.\n٣٧٦٢ - [٥] (عائشة) قوله: (الألد الخصم) بكسر الصاد، في (القاموس) (١): الألد الخصم: الشحيح الذي لا يزيغ إلى الحق كالألندد واليلندد، والخصومة: الجدل، ورجل خصم: مجادل، وبناؤه للمبالغة، قال صاحب (النهاية) (٢): فالأول منبئ عن\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٠، ١٠١٧).\n(٢) \"النهاية\" (٤/ ٢٤٤).","vol":"6","page":509},{"text":"٣٧٦٣ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَضَى بِيَمِينٍ وَشَاهَدٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧١٢].\nــ\nالشدة، والثاني عن الكثرة، قال الطيبي (١): هذا إذا قيد الألد بالخصومة فرارًا عن التكرار، وإذا ترك على أصله يكون المعنى أنه شديد في نفسه بليغ في خصومته فلا يلزم التكرار، وعليه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]، في (الكشاف) (٢): أي شديدُ الجِدال، انتهى.\nالظاهر أن الألدَّ معناه الخصِمُ الشديد، لا الشديد مطلقًا، كما نقلنا في (القاموس)، نعم في مادته معنى الشدة، وما ذكره من الآية وقول صاحب (الكشاف) ليس صريحًا في أنه بمعنى الشديد مطلقًا، ولو أريد به معنى الأشد كان تجريدًا، فافهم.\n٣٧٦٣ - [٦] (ابن عباس) قوله: (قضى بيمين وشاهد) أي: إن كان للمدعي شاهد واحد فأمره -ﷺ- أن يحلف على ما يدَّعيه بدلًا عن الشاهد الآخر، وبه قال الأئمة الثلاثة، وقال أبو حنيفة: لا يجوز الحكم بالشاهد واليمين، بل لا بد من شاهدين؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، ولا يجوز نسخ الكتاب بخبر واحد محتمل، وأيضًا اللام في البينة واليمين للاستغراق، ليكون جميع البينات في جانب المدعي، وجميع الأيمان في جانب المنكر، قال التُّورِبِشْتِي (٣): ووجه الحديث عند من لا يرى القضاء لليمين والشاهد الواحد أنه قضى بيمين المدَّعَى عليه\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٤٩).\n(٢) \"الكشاف\" (١/ ٢٥١).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٦٦).","vol":"6","page":510},{"text":"٣٧٦٤ - [٧] وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ، وَرَجُل مِنْ كِنْدَةَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هَذَا غَلَبَنِي عَلَى أَرْضٍ لِي، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضِي وَفِي يَدِي، لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- لِلْحَضْرَمِيِّ: \"ألكَ بَيِّنةٌ\" قَالَ: لَا، قَالَ: \"فَلَكَ يَمِينُهُ\"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-! إِنَّ الرَّجُلَ فَاجِرٌ، لَا يُبَالِي عَلَى مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ يتَوَرَّعُ مِنْ شَيْءٍ، قَالَ: \"لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ\"، فَانْطَلَقَ لِيَحْلِفَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا أَدْبَرَ: \"لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا، لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٩].\nــ\nبعد أن أقام المدعي شاهدًا واحدًا، وعجز عن إتمام البينة، والتوفيق بذلك لم يروا أن يحكموا بأقل من ذلك إلا بدليل مقطوع به، انتهى. قال الطيبي (١): وخلافهم في الأموال، فأما إذا كان الدعوى في غير الأموال فلا يقبل شاهد ويمين بالاتفاق.\n٣٧٦٤ - [٧] (علقمة بن وائل) قوله: (من كندة) بكسر الكاف أبو حي من اليمن، و(حضرموت) أيضًا بلدة من اليمن.\nوقوله: (فانطلق ليحلف) في الحاشية برمز (ع): لعل الانطلاق باعتبار أن عند الشافعي يتوضأ من يحلف، وأيضًا في وقت خاص كبعد العصر أو يوم الجمعة، انتهى. ويحتمل أن يكون انطلاقه إلى المنبر الشريف فإنهم كانوا يحلفون عنده، وقد ورد الوعيد على من حلف كاذبًا كما يجيء في الفصل الثاني، ويجوز أن يكون انطلق في الأفعال الناقصة كذهب، ولكنه يأباه قوله: (لما أدبر) فتدبر.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٤٩).","vol":"6","page":511},{"text":"٣٧٦٥ - [٨] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ سَمعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ، فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦١].\n٣٧٦٦ - [٩] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ؟ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧١٩].\n٣٧٦٧ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونهمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونهمْ، ثُمَّ يَجيءُ. . . . .\nــ\n٣٧٦٥ - [٨] (أبو ذر) قوله: (من ادعى ما ليس له) الظاهر أنه في الأملاك، ويشتمل بعمومه النسب ونحوه، (وليتبوأ مقعده من النار) فيه تشديد عظيم.\n٣٧٦٦ - [٩] (زيد بن خالد) قوله: (الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها) بلفظ المجهول، الأصل عندنا أن لا يشهد إلا أن يُطلَب منه الشهادة، ويجب أن يشهد بعد الطلب، وسترُها في الحدود أفضلُ، وقد ورد في مذمة قوم: (يشهدون ولا يستشهدون)، فذكروا لهذا الحديث تأويلين، أحدهما: أنه محمول على مَن عنده شهادة لأحدٍ بحقٍّ ولا يعلم المدعي أنه شاهد فيخبره أنه شاهد له، والثاني: أن هذا في حقوق اللَّه كالزكاة والكفارات ورؤية الهلال والوقف والوصايا، ونحو ذلك، فيجب إعلام الحاكم بذاك، وقد تؤول بأنه محمول على المبالغة والمسارعة في أداء الشهادة بعد طلبها، وقوله: (يشهدون ولا يستشهدون) محمول على ما عدا ذلك، وقيل: إنه كناية عن شهادة الزور أو عن شهادة من ليس أهلًا لها، أي: ليس ممن يستشهد، ولا يخلو عن تكلف.\n٣٧٦٧ - [١٠] (ابن مسعود) قوله: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) القرن: جماعة مقارنة في الزمان، وقد يعين له زمان كمئة سنة أو ثلاثون أو غيرهما، والمراد بـ (قرني) الصحابةُ، وقيل: كل من كان حيًّا في زمنه -ﷺ-،","vol":"6","page":512},{"text":"قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادتَهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٥١، م: ٢٥٣٣].\n٣٧٦٨ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ، فَأَسْرَعُوا، فَأَمْرَ أَنْ يُسْهَمَ بَيْنَهُمْ فِي الْيَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٦٧٤].\nــ\nوسيأتي تحقيق هذا الحديث في آخر الكتاب في (باب فضل الصحابة) إن شاء اللَّه تعالى.\nوقوله: (تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته) قيل: هو كناية عن الحرص على الشهادة واليمين، فتارة يقدم هذه وأخرى تلك، أو مثَلٌ فِي سرعة الشهادة واليمين حتى لا يدرى بأيتهما ابتدأ لقلة مبالاته بالدين، وقيل: عبارة عن كثرة شهادة الزور واليمين الفاجرة، وقيل: يروج تارة شهادته باليمين، ويقول: واللَّه إني شاهد صدق، وبالعكس كأنْ يقول: الناس شاهدون على صدق يميني.\n٣٧٦٨ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (عرض على قوم اليمين فأسرعوا، فأمر أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف) يفهم من ظاهر الحديث أنه ادعى رجل على جماعة فأنكروا، فعرض على تلك الجماعة اليمين فأسرعوا، فلم يُحلِّف رسول اللَّه -ﷺ- الجماعةَ بل أمر أن يقرع بينهم، ويحلف من خرجت القرعة باسمه، هذا ولكن الشارحين صوّروه بصورة أخرى، وهو ما نقل الطيبي (١) أن صورة المسألة أن رجلين إذا تداعيا متاعًا في يد ثالث، ولم يكن لهما بينة أو لكل واحد منهما بينة، وقال الثالث: لم أعلم بذلك، فحكمها أن يقرع بين المتداعيين فأيهما خرجت القرعة يحلف\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٦١٥).","vol":"6","page":513},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-943> الْفَصْلُ الثَّانِى:</span>\n٣٧٦٩ - [١٢] عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِى وَالْيَمِينُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت ١٣٤١].\n٣٧٧٠ - [١٣] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَيْهِ فِي مَوَارِيثَ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ. . . . .\nــ\nمعها ويقضى له بذلك المتاع، يعني أن المدعى عليه غير منكر، بل يقول: لا أعلم لمن هو، ففي هذه الصورة يحلف أحد المتداعيين الذي خرجت له القرعة، وكان ذلك لكون كل منهما منكرًا لحق الآخر، واللَّه أعلم. قال: وبهذا قال علي -﵁-، وقال الشافعي: يترك في يد الثالث، وعند أبي حنيفة يجعل بين المتداعيين نصفين، وقيل: هذا في قول من الشافعي، وفي القول الآخر لم يقرع، وقول آخر مثل قول أبي حنيفة، والقرعة مذهب مالك أنه يقضي بأعدل البينتين.\nالفصل الثاني\n٣٧٦٩ - [١٢] (عمرو بن شعيب) قوله: (واليمين على المدعى عليه) يعني إن طلب المدعي اليمينَ منه، فلو حلَّفَ القاضي بغير طلب المدعي، ثم طلب المدعي التحليف فله أن يحلِّفه، كذا في (الفصول العمادية).\n٣٧٧٠ - [١٣] (أم سلمة) قوله: (اختصما إليه في مواريث) أي: ادعيا في أموال وأمتعة، فقال أحدهما: هذه لي ورثتها من مورِّثي، وقال آخر كذلك.\nوقوله: (لم تكن لهما بينة) صفة أخرى لرجلين أو المواريث بحذف العائد، والأول أولى وأوجه.","vol":"6","page":514},{"text":"إِلَّا دَعْوَاهُمَا فَقَالَ: \"مَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ\"، فَقَالَ الرَّجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! حَقِّي هَذَا لِصَاحِبِي، فَقَالَ: \"لَا، وَلَكِنِ اذْهَبَا، فَاقْتَسِمَا، وَتَوَخَّيَا الْحَقَّ، ثُمَّ اسْتَهِمَا، ثُمَّ لْيُحَلِّلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ\" وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: \"إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمَا بِرَأْيِي فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٥٨٤].\nــ\nوقوله: (إلا دعواهما) استثناء منقطع، أو هو من باب التعليق بالمُحَالِ، أي: لا بينة إلا الدعوى، والدعوى ليست ببينة فلا بينة قطعًا.\nوقوله: (كل واحد) بدل من الرجلان.\nوقوله: (وتوخيا) أي: اعدلا في القسمة واقصدا الحق فيها، أمر من التوخي التفعُّل من الوخي، وهو السير القصد لا بطيئًا ولا سريعًا، ويجيء بمعنى القصد، يقال: وخَيْتُ وَخْيَكَ، أي: قصدتُ قصدَكَ، كذا في (الصحاح) (١)، وفي (النهاية) (٢): توخَّيتُ الشيءَ أتوخَّاه: إذا قصدتَ إليه وتعمَّدتَ فعلَه وتحرَّيتَ فِيه، وقيل: أمرهما بالتحري في معرفة مقدار الحق، ولما كان التوخي والتحري من باب الظن أمرهما بالاستهام، أي: الاقتراع ليكون كالبينة، والقرعة بحكم الشرع أقوى من التحري كأنها يفيد اليقين، وقد ورد أنه -ﷺ- قال حين أقرع عند تنازع رجلين: (اللهم أنت الحكَمُ بينهما)، وفي رواية قال: (اللهم أنت تقضي بين عبادك بالحق)، ثم أمر بالتحليل لتحصل البراءة يقينًا.\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٦/ ٢٥٢).\n(٢) \"النهاية\" (٥/ ١٦٥).","vol":"6","page":515},{"text":"٣٧٧١ - [١٤] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَجُلَيْنِ تَدَاعَيَا دابَّةً، فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ. . . . .\nــ\n٣٧٧١ - [١٤] (جابر بن عبد اللَّه) قوله: (تداعيا دابة، فأقام كل واحد منهما البينة) حمل الطيبي (١) الحديث على أنه إذا أقام رجل خارج وذو اليد كلاهما البينةَ ترجح بينة ذي اليد، وهو مذهب الشافعي، اعلم أن لتداعي الرجلين وإقامتهما البينة صورًا شتى، وتنحصر في صورتين: إما بأن يكون المدَّعَى في يدِ ثالثٍ، أو يكون في يد أحدهما، فإن كان في يد ثالث فحكمه ما مرَّ في آخر الفصل الأول من حديث أبي هريرة، وإن كان في يد أحدهما، وعليه حمل الطيبي الحديث، وذكر أنه يترجح حينئذ بينة ذي اليد.\nوعندنا إن أقام الخارجُ البينةَ على ملكٍ مؤرخ، وصاحبُ اليد بينةً على ملك أقدم تاريخًا، كان بينة ذي اليد أولى عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو رواية عن محمد، وعنه أنه لا يقبل بينة ذي اليد رجع إليه، ولو أقام الخارج وذو اليد البينة على ملك مطلق، ووقَّت إحداهما دون الأخرى، فعلى قول أبي حنيفة ومحمد بينة الخارج أولى، وقال أبو يوسف وهو رواية عن أبي حينفة: صاحب الوقت أولى سواء كان الخارجَ أو ذا اليد، وإن أقام الخارج وصاحب اليد كلُّ واحد منهما بينة بالنِّتاج فصاحب اليد أولى؛ لأن البينة قامت على ما لا يدل عليه اليد فاستوتا، وترجحت بينة ذي اليد باليد فيقضى له، ومثل هذا مذهب الإمام أحمد في المشهور من الروايات، والمختار عند الأصحاب كما ذكر تفصيله في (شرح كتاب الخرقي) (٢).\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٥٤).\n(٢) انظر: \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٧/ ٤٠١).","vol":"6","page":516},{"text":"أَنَّهَا دابَّتُهُ نَتَجَهَا، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلَّذِي فِي يَدِهِ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١٠/ ١٠٦].\n٣٧٧٢ - [١٥] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيرًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَبَعَثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَاهِدَيْنِ، فَقَسَّمَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَللنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ: أَنَّ رَجُلَيْنِ ادَّعَيَا بَعِيرًا لَيْسَتْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنةٌ، فَجَعَلَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- بَيْنَهُمَا. [د: ٣٦١٣، ن: ٥٤٢٤، جه: ٢٣٣٠].\nــ\nوبالجملة ههنا صور تكون بينةُ صاحب اليد فيها أولى، وأخرى تكون بينةُ الخارج أولى، وليس مذهبه عدم قبول بينة ذي اليد إلا في صورة التنازع، وهو ما إذا ادعى كل واحد أن هذه الدابة ملكه نتجها كما نقل الطيبي، وتفصيل ذلك في (الهداية) (١)، ومعنى (نتجها) (٢) أنه ولّدها من التوليد، نتج الناقة: إذا تولى نتاجها فهو ناتج، والناقة منتوجة، والناتج للإبل كالقابلة للنساء، وقد سبق تحقيق معناه في موضعه.\n٣٧٧٢ - [١٥] (أبو موسى الأشعري) قوله: (ادعيا بعيرًا) وفي بعض النسخ: (تداعيا).\nوقوله: (فبعث) أي أقام.\nوقوله: (فقسمه [النبي -ﷺ-] بينهما نصفين) يوافق مذهبنا كما عرفت، وقال\n_________\n(١) \"الهداية\" (٣/ ١٦٦ - ١٦٧).\n(٢) به قال الحنفية في دعوى النتاج، وأما في غيرها فرجحوا شهادة غير ذي اليد، قاله في \"التقرير\".","vol":"6","page":517},{"text":"٣٧٧٣ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي دابَّةِ، وَلَيْسَ لَهُمَا بَيِّنةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"اسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٦١٨، جه: ٢٣٤٦].\n٣٧٧٤ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لِرَجُلٍ حَلَّفَهُ: \"احْلِفْ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، مَا لَهُ عِنْدَكَ شَيْءٌ\" يَعْنِي لِلْمُدَّعِي. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٢٠].\n٣٧٧٥ - [١٨] وَعَنِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ أَرْضٌ، فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: \"أَلَكَ بَيِّنةٌ؟ \" قُلْتُ: لَا قَالَ لِلْيَهُودِيِّ: \"احْلِفْ\" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِذَنْ يَحْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِي، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآيَةَ [آل عمران: ٧٧]. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٦٢١، جه: ٢٤٢٢].\nــ\nالطيبي (١): هذا مطلق يحمل على المقيد الذي بينه في قوله: (استهما على اليمين).\n٣٧٧٣ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (استهما على اليمين) أي: اقتَرِعا، وهذا مثل ما تقدم من حديث أبي هريرة في آخر الفصل الأول.\n٣٧٧٤ - [١٧] (ابن عباس) قوله: (حلّفه) بتشديد اللام، أي: أراد تحليفه.\n٣٧٧٥ - [١٨] (الأشعث بن قيس) قوله: (فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ الآية) أي: ليس إلا تحليفه، فإن كذب فعليه وباله.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٥٤).","vol":"6","page":518},{"text":"٣٧٧٦ - [١٩] وَعَنْهُ: أَنْ رَجُلًا مَنْ كِنْدَةَ، وَرَجُلًا مِنْ حَضْرَمَوْتَ، اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي أَرْضٍ مِنَ الْيَمَنِ، فَقَالَ الْحَضْرَمِيُّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَرْضِي اغْتَصَبَنِيْهَا أَبُو هَذَا، وَهِيَ فِي يَدِهِ، قَالَ: \"هَلْ لَكَ بَيِّنةٌ؟ \" قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أُحَلِّفُهُ، وَاللَّهِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهَا أَرْضِي اغْتَصَبَنِيهَا أَبُوه فتهَيَّأَ الْكِنْدِيُّ لِلْيَمِينِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَقْطَعُ أَحَدٌ مَالًا بِيَمِينٍ، إِلَّا لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ أَجْذَمُ\"، فَقَالَ الْكِنْدِيُّ: هِيَ أَرْضُهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٢٢].\n٣٧٧٧ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ الشِّرْكَ بِاللَّهِ، وَعُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ، وَالْيَمِينَ الْغَمُوسَ، وَمَا حَلَفَ حَالِفٌ بِاللَّهِ يَمِينَ صَبْرٍ، فَأَدْخَلَ فِيهَا مِثْلَ جَنَاحِ بَعُوضَةٍ،\nــ\n٣٧٧٦ - [١٩] (عنه) قوله: (ولكن أحلفه واللَّه ما يعلم) هذا اللفظ المحلوف به، و(الأجذم) أي: مقطوع البركة، والمراد أجذم الحجة، أي: لا حجة له عند اللَّه.\n٣٧٧٧ - [٢٠] (عبد اللَّه بن أنيس) قوله: (وعن عبد اللَّه بن أنيس) بلفظ التصغير.\nوقوله: (واليمن الغموس) قال أصحابنا: هي الحلف على أمر ماضٍ يتعمَّد فيه الكذبَ، وليس لها عندنا كفارة إلا التوبة والاستغفار، وقد ورد فيها وعيد بدخول النار، ولذلك سميت بالغموس؛ لأنه يغمس صاحبها في النار، والتي تقع في الأقضية ويقتطع بها أموال الناس من هذا القَبيل، فهي أعمُّ من يمينِ الصبرِ، ويمين الصبر مر تفسيره في الفصل الأول.\nوقوله: (فأدخَلَ فِيها) أي: في تلك اليمين (جناحَ بعوضة) أي: شيئًا قليلًا من الكذب، ومما يخالف ظاهره باطنه من التأويل؛ لأن اليمين على نية المستحلف فكيف إذا كان كذبًا محضًا.","vol":"6","page":519},{"text":"إِلَّا جُعِلَتْ نُكْتَةً فِي قَلْبِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٠٢٠].\n٣٧٧٨ - [٢١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَحْلِفُ أَحَدٌ عِنْدَ مِنْبَرِي هَذَا عَلَى يَمِينٍ آثِمَةٍ، وَلَوْ عَلَى سِوَاكٍ أَخْضَرَ إِلَّا تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، أَوْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ\". رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [ط: ٢/ ٧٢٧، د: ٣٢٤٦، جه: ٢٣٢٥].\nــ\nوقوله: (إلا جعلت) أي: تلك اليمين (نكتة) أي: سوداء، وقد صرح بها في الحديث الآخر، والنكتة: الأثر، وفي (القاموس) (١): النكتة: النقطة، والنكت: أن تضرب في الأرض بقضيب فيؤثر فيها.\nوقوله: (إلى يوم القيامة) أي: يبقى أثرها إلى هذا اليوم، ثم يعاقب بها.\n٣٧٧٨ - [٢١] (جابر) قوله: (عند منبري هذا) يدل على التغليظ في اليمين بحسب المكان، كما يغلظ بحسب الأزمان، مثل بعد صلاة العصر، وقيل: كانت عادتهم في زمن النبي -ﷺ- التخاصمَ فِي المسجد عند المنبر، فيقع الحلف عنده، فلذلك خص المنبر بالذكر، والإشارة بقوله: (هذا) للتعظيم يؤيد القول الأول، وهو الأظهر.\nوقوله: (آثمة) صيغة النسبة، أي: ذات إثم، وتقييد السواك بالأخضر تحقير له، فإنه خشبة مبتذلة، وبعد اليبوسة يحصل له قدر وقيمة، وقال الطيبي (٢): تتميم لمعنى التحقير، فإن العادة أن يستعمل السواك يابسًا.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٦٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٥٧).","vol":"6","page":520},{"text":"٣٧٧٩ - [٢٢] وَعَنْ خُرَيْم بْنِ فَاتِكٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاةَ الصُّبْح، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَامَ قَائِمًا، فَقَالَ: \"عُدِلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ بِالإِشْرَاكِ بِاللِه\" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قرَأَ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠ - ٣١] رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٥٩٩، جه: ٢٣٧٢].\n٣٧٨٠ - [٢٣] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَيْمَنَ بْنِ خُرَيْمِ، إِلَّا أَنَّ ابْنَ مَاجَهْ لَمْ يَذْكُرِ الْقِرَاءَةَ. [حم: ٤/ ١٧٨، ت: ٢٢٩٩].\n٣٧٨١ - [٢٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا خَائِنَةٍ،\nــ\n٣٧٧٩، ٣٧٨٠ - [٢٢، ٢٣] (خريم بن فاتك، وأيمن بن خريم) قوله: (وعن خريم) بضم الخاء وفتح الراء الغير المنقوطة مصغر (ابن فاتك) بفاء وتاء مثناة فوقية مكسورة.\nوقوله: (قام قائمًا) أي: قيامًا.\nوقوله: (عدلت) بلفظ المجهول مخففًا (بالإشراك) وذلك من باب شهادة الزور كالتوحيد شهادة الصدق، و(الزور) بالضم: الكَذِب، من الزور وهو الانحراف، يقال: تزاور عنه أي: عدل وانحرف، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف: ١٧]، والقول الزور أعم من شهادة الزور، فإذا أمروا بالاجتناب عنه فعن شهادة الزور فيه إتلاف حق الناس بطريق الأولى.\n٣٧٨١ - [٢٤] (عائشة) قوله: (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة) يحتمل أن يراد به الخيانة في أمانات الناس، ويحتمل أن يراد الأعم الشامل للخيانة في أحكام اللَّه","vol":"6","page":521},{"text":"وَلَا مَجْلودٍ حَدًّا،\nــ\nتعالى، وقد جمع الكل قوله سبحانه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٧]، فيكون المراد بالخائن الفاسق، وحينئذ يكون ذكر المجلود والزاني وغيرهما مثلًا بعده، وعطفهما عليه من قبيل عطف الخاص على العام لعظم خيانتهما، فلا يتوجه عليه ما قال الشيخ التُّورِبِشْتِي (١): إنه لو كان الأمر على ما قرره البعض من حمل الخيانة على المعنى الأعم لاستغني بذكر الخيانة عن ذكر الزنا في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فعلمنا أنه أراد بالخائن الخائنَ الذي يخون في أمانات الناس، نعم ما ذكره من أنا وجدنا استعمال هذا اللفظ في الأكثر والأغلب في اللغة في خيانة أمانات الناس موجَّهٌ.\nفإن قلت: الخيانة من جملة الخفيات التي لا يطلع على حقيقتها إلا عالم الأسرار.\nقلنا: يعرف بالأمارات والدلائل، فالمراد بالخائن الذي لا يكاد يخفى أمره لاشتهاره بذلك وظهور ذلك عنه كرَّةً بعد أخرى، كذا قالوا، وأقول: لو لم يعم لبقي كثيرٌ من أنواع الفسق خارجًا، فالصواب التعميم، لكن ذكر بعض الفسوق للتخصيص بعد التعميم.\nوقوله: (ولا مجلود حدًّا) يتناول الزاني الغير المحصن والقاذف والشارب، لكن المجلود في القذف لا تقبل شهادته عند أبي حنيفة ﵀ أبدًا وإن تاب، وجعل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ﴾ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٤ - ٥]\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٧٠).","vol":"6","page":522},{"text":"وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ،\nــ\nعطفًا على قوله: فاجلدوا، وجعل عدم قبول الشهادة أبدا من تمام الحد، وجعل الاستثناء من ﴿الْفَاسِقُونَ﴾، وتمام تحقيقه في أصول الفقه.\nوسائر الأئمة يقولون: القذف من جملة الفسوق، ولا يتعلق بإقامة الحد بل إن تاب قبلت شهادته ثم جلد أو لم يجلد، وإن لم يتب لا تقبل شهادته سواء جلد أو لم يجلد، بل لا يبعد أن يكون إقامة الحد موجبًا لقبول الشهادة لزوال الفسق والإثم، لكن لا يخفى أن ذكر المجلود دون القاذف في الحديث ربما يدل على أن المانع من الشهادة هو إقامةُ الحد دون موجِبه.\nوبهذا الوجه قال التُّورِبِشْتِي (١): الأقرب أن يكون المراد بالمجلود هذا الذي جلد في القذف على ما ورد به التنزيل، ثم قال: وإن ذهب ذاهب إلى أن المراد به الفاسق الذي عرف بالفسق، وتبين منه ذلك بما أقيم عليه من الحد فله محمل، والوجه هو الأول، فليتأمل.\nوقوله: (ولا ذي غمر) الغمر بالكسر: الحقد والعداوة، أي: لا تقبل شهادة عدو على عدو وتكون العداوة بينهما مشهورة ظاهرة، ولم يذكر المرأة كما في زان وزانية في الحديث الآتي، لأن أكثر ما يكون العداوة في الرجال، وكذا الكلام في الظنين والقانع، فافهم.\nوقوله: (على أخيه) قال الطيبي (٢): سواء كان أخاه من النسب أو أجنبيًا، وعلى هذا إنما قال: (على أخيه) تليينًا لقلبه وتقبيحًا لصنيعه، انتهى. الأخ يطلق على الأخ\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٧٠).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٥٨).","vol":"6","page":523},{"text":"وَلَا ظَنِينٍ فِي وَلَاءٍ وَلَا قَرَابَةٍ، وَلَا الْقَانِعِ مَعَ أَهْلِ الْبَيْتِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَيَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيُّ الرَّاوِي مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. [ت: ٢٢٩٨].\nــ\nنسبًا أو دينًا، ولعله أريد هنا المثل من بني النوع، فافهم.\nوقوله: (ولا ظنين في ولاء ولا قرابة) الظنين: المتهم، فَعِيل بمعنى مفعُول كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ [التكوير: ٢٤] على القراءة بالظاء المشالة، من الظِّنَّة بالكسر: التُّهمة، يعني من انتمى إلى غير مواليه وقال: أنا عتيق فلان وهو كاذب ومشتهر بكذبه فيه بحيث يتهمه الناس في قوله ويكذبونه، لا تقبل شهادته لأنه فاسق؛ لأن الكذب في الولاء بقطعه عن المعتق وادعائه لمن ليس معتقَه كبيرةٌ، كذا قالوا، وقد ورد فيه وعيد وتشديد، وكذا الحكم في القرابة بأن يدعي أنه ابن فلان أو أخ فلان وهو فيه كاذب ويكذبه الناس فيه، وقد ورد فيه اللعن.\nوقوله: (ولا القانع مع أهل البيت) أراد به السائل المقتنع بأدنى قوت، أي من كان في نفقة أحد كالخادم والتابع فإنه لا تقبل شهادته؛ لأنه يجر بشهادته نفعًا لنفسه، فيكون في حكم شهادة الوالد والولد بالاتفاق، وشهادة أحد الزوجين عندنا، وعند الشافعي يقبلُ الأخيرَ.\nوقوله: (منكر الحديث) عبارة الترمذي: يضعف في الحديث، وفي (الكاشف) (١): يزيد بن زياد ويقال: ابن أبي زياد، دمشقي، عن الزهري وسليمان بن حبيب، وعنه وكيع وأبو نعيم والوحاظي، أخرج حديثه الترمذي وابن ماجه، وفي الحاشية: قال ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن أبي حاتم: منكر الحديث، وقال مرة:\n_________\n(١) \"الكاشف\" (٢/ ٣٨٢).","vol":"6","page":524},{"text":"٣٧٨٢ - [٢٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا زَانٍ، وَلَا زَانِيَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ\". وَرَدَّ شَهَادَةَ الْقَانِعِ لِأَهْلِ الْبَيَتْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٠٠، ٣٦٠١].\n٣٧٨٣ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ بَدَوِيٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٦٠٢، جه: ٢٣٦٦].\nــ\nذاهب الحديث، وقال مرة: ضعيف الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، روى عنه مروان بن معاوية الفزاري.\n٣٧٨٢ - [٢٥] (عمرو بن شعيب) قوله: (وردّ) بلفظ الماضي عطف على (قال).\n٣٧٨٣ - [٢٦] (أبو هريرة) قوله: (لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية) قيل: لجهله بأحكام الشريعة وكيفية حمل الشهادة وغلبة النسيان، فإن علم منه هذه الصفات تجوز، وتعقب بأنه حينئذ لا يكون لتخصيص أهل القرية فائدة، وقال التُّورِبِشْتِي (١): ذهب إلى ظاهره بعض العلماء، والوجه فيه على قول من يرى بخلاف ذلك أن يقال معنى قوله: (لا تجوز) لا يحسن لحصول التهمة ببعد ما بين الرجلين، ويؤيد ذلك تعديتها بـ (على)، ثم لتعذر الوقوع بالبدوي العدل على القروي، ويؤولون الحديث بما ذكر، ثم قال التُّورِبِشْتِي (٢): كل ما وجد في أحاديث الباب غير معمول\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٧١).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٧١).","vol":"6","page":525},{"text":"٣٧٨٤ - [٢٧] وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الْوَكِيلُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٢٧].\nــ\nعند بعض العلماء، فلا يخلو من وهن في الأحاديث، أو ترجيح فيما يخالفه من طرق الرواية، أو احتمال تأويل يستقيم معه الجمع بين المختلف فيه من الروايات، واللَّه أعلم، انتهى. ولعله أراد بالكل الأكثر، واللَّه أعلم.\n٣٧٨٤ - [٢٧] (عوف بن مالك) قوله: (حسبي اللَّه، ونعم الوكيل) إشارة به إلى أن المدَّعيَ أخذ مالَه باطلًا.\nوقوله: (يلوم على العجز) أي: لا يرضى، والمراد بالعجز هنا ضدُّ الكَيْس، والكيس: التيقظ في الأمور، والاهتداء إلى التدبير، والمصلحة بالنظر إلى الأسباب، واستعمال الفكر في العاقبة في الخصومات وأمثالها، يعني كان ينبغي لك أن تيقظ في معاملتك، ولا تقصِّرَ فِيها قبل إقامة المدعي البينة، ومع ذلك إذا غلبك الخصم قلت: حسبي اللَّه، وأما قبل ذلك فليس بشيء، والمقصود الحث على التيقظ والتدبر في الأمور، واللوم على التهاون، والتقصير في إقامة الحق، والسعي في إثباته بمباشرة الأسباب وذلك حال الأقوياء، كما ورد: (المؤمنُ القويُّ خيرٌ من المؤمن الضعيف) (١)، أو كما قال.\nاللهم يا رب المستضعفين نحن الضعفاء، لا نهتدي لأمورنا في الدنيا ولا في الدين، وقونا بقوتك، واهدنا السبيل، ولا حول ولا قوة إلا بك.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٢٦٦٤).","vol":"6","page":526},{"text":"٣٧٨٥ - [٢٨] وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- حَبَسَ رَجُلًا فِي تُهْمَةٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ التِّرمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ: ثُمَّ خَلَّى عَنْهُ. [د: ٣٦٣٠، ت: ١٤١٧، ن: ٤٨٧٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-944> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٧٨٦ - [٢٩] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: أَنَّ الْخَصْمَيْنِ يَقْعُدَانِ بَيْنَ يَدَي الْحَكِم. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٤، د: ٣٥٨٨].\nــ\n٣٧٨٥ - [٢٨] (بهز بن حكيم) قوله: (وعن بهز) بفتح الموحدة وسكون الهاء آخره زاي.\nوقوله: (حبس رجلًا في تهمة) بأن ادعى عليه رجل ذنبًا أو دينًا فحبسه ليعلم صدق الدعوى، وإذا لم يعلم (خلى عنه)، وفيه أن حبس المدعى عليه مشروع قبل أن يقام البينة.\nالفصل الثالث\n٣٧٨٦ - [٢٩] (عبد اللَّه بن الزبير) قوله: (قضى) أي: أوجب.\nتم (كتاب الإمارة والقضاء) بعونه وتوفيقه، ويتلوه (كتاب الجهاد).\n* * *","vol":"6","page":527},{"text":"(١٩) كتاب الجهاد","vol":"6","page":529},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-945>(١٩) كتاب الجهاد</span>\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nكتاب الجهاد\nفي (القاموس): الجَهْد: الطاقة ويضم، والمشقة، واجهَدْ جَهْدَك: ابلُغْ غايتَك، وجهد كمنع: جدَّ كاجتهد، والجهاد بالكسر: القتال مع العدو، كالمجاهدة، كذا في (القاموس) (١). ولعل المراد الخروج والقصد إلى ذلك وبذل الطاقة فيه بدليل أنه أورد بعده بابًا في القتال في الجهاد، فيفهم منه أن الجهاد قد لا يكون فيه القتال.\nوالجهاد (٢) مع الكفار فرضق على الكفاية إلا أن يكون النَّفيرُ عامًّا، فحينئذٍ يصير فرضَ عين؛ لقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١]. وغزو البحر أفضل من غزو البر، وذكر في (القاموس) (٣): (خيارُ الشهداء أصحابُ الوَكْفِ) أي: الذين انكفأت عليهم مراكبهم في البحر، فصارت فوقَهم مثل أوكاف البيت، وقال: فسره النبي -ﷺ-، انتهى.\nوقال السيوطي: ورد أن اللَّه تعالى يَلي قبضَ أرواح شهداء البحر، لا يكِلُ ذلك إلى ملك الموت.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٦٣).\n(٢) ذكر الحافظ ابن القيم في \"زاد المعاد\" (٣/ ٩ - ١٠): مراتب الجهاد وفسرها، وفيه بحث لطيفٌ، فليراجع إليه.\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٩٥).","vol":"6","page":531},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-946> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٧٨٧ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ جَاهَدَ فِي سَبِيْلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا\" قَالُوا: أَفَلا نُبشِّرُ بِهِ (١) النَّاسَ؟ قَالَ: \"إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٧٩].\nــ\nالفصل الأول\n٣٧٨٧ - [١] (أبو هريرة) قوله: (وأقام الصلاة وصام رمضان) خصهما بالذكر تنبيهًا على عِظَم شأنهما ولعمومهما المسلمين قاطبة.\nوقوله: (أو جلس) أي: لم يجاهد فلا ينافي وجوب الهجرة، وقيل: ورد هذا الحديث في فتح مكة لأن الهجرة قبله كانت فريضة.\nوقوله: (إن في الجنة مئة درجة) يعني نعم بشِّروهم بدخول الجنة بالإيمان والصوم والصلاة وجوبًا، ونجاتهم من عذاب النار، لكن لا تكتفوا بذلك بل هاهنا درجات وفضائل أخر تنال بالجهاد والشهادة في سبيل اللَّه فاسعوا بذلك أيضًا.\nقوله: (فإذا سألتم اللَّه) أي: الجنة على الجهاد أو مطلقًا.\nوقوله: (فإنه أوسط الجنة) أي: أعدلها وأفضلها وأوسعها وخيرها، كذا ذكر\n_________\n(١) لفظ \"به\" سقط في نسخة.","vol":"6","page":532},{"text":"٣٧٨٨ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِم الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ، لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٧٨٧، م: ١٨٧٨].\n٣٧٨٩ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهَ،\nــ\nالسيوطي، وفي (القاموس) (١): رجل فَرادِسُ: ضخمُ العِظام، والفَردَسةُ: السَّعةُ، وصدر مُفردَس: واسعٌ، ومنه الفِردَوس.\n٣٧٨٨ - [٢] (وعنه) قوله: (القانت) القنوت: الطاعة والخشوع والدعاء والقيام.\nوقوله: (لا يفتر) بضم التاء من الفُتُور، يعني أن المجاهد وإن كان يفتر بعض أوقاته بالنوم والأكل وغير ذلك لكنه في حكم من لا يفتر عن العبادة قطعًا، يُكتَبُ ثوابُه متَّصلًا على كل حركة وسكون.\nوقوله: (حتى يرجع المجاهد في سبيل اللَّه) وضع المظهر موضع المضمر تعليلًا للحكم، وإظهارًا لشرف المجاهدين، وتنبيهًا على التبرك بذكرهم، والالتذاذ بذلك.\n٣٧٨٩ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (انتدب اللَّه) في (القاموس) (٢): ندبه إلى الأمر: دعاه وحثَّه ووجَّهه، فيكون انتدب بمعنى أجاب، وكأنَّ الخارجَ فِي سبيل اللَّه دعا اللَّه وندبه لنصرته ونيلِ أجره فأجابه اللَّه تعالى، وقد يجعل بمعنى تضمَّن وتكفَّل، وقد\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٢٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٣٩).","vol":"6","page":533},{"text":"لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا إِيمَانٌ بِي وَتَصْدِيق بِرُسُلِي أَنْ أَرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦، م: ١٨٧٦].\nــ\nوقعت الرواية بهما.\nوقوله: (لا يخرجه) حال عن (اللَّه) بتقدير القول، أي: قائلًا.\nوقوله: (إلا إيمان بي) بالرفع على أنه مستثنى مفرَّغ، أي: لا يُخرِجُه مُخرِجٌ إلا إيمانٌ بي، ووقع في نسخ (مسلم) بالنصب على أنه مفعول له، أي: لا يُخرِجُه مُخرِج لأجل شيء إلا للإيمان بي فيكون منصوبًا بنزع الخافض، وكذا قوله: (وتصديق).\nوقوله: (أن أرجعه) بدل اشتمال عن الموصول أو تفسير للانتداب، فيكون (أن) مفسرة لما تضمَّن الانتداب معنى القول، وإذا ضمن الانتداب معنى تضمَّنَ وتكفَّلَ يكون مفعولَ (انتدب)، أي: ضمِنَ اللَّهُ لمَن خرج في سبيله أن يرجعه، ورجع هنا من الرجوع المتعدي دون الرجوع اللازم.\nوقوله: (من أجر) أي: أجر فقط، أي: لم يغنم شيئًا (أو غنيمة) أي: معها، ويروى (وغنيمة) بالواو أيضًا، والمراد ما ذكرنا، وقال الطيبي (١): وبالواو أوجه الروايتين وأسدُّهما معنًى، وهو محل نظر لما قررنا، وظهر به أن القول بكون (أو) بمعنى الواو أيضًا غيرُ متَّجه.\nقوله: (أو أدخله الجنة) يعني إن قتل أو مات، وقيل: المراد دخول الجنة مع السابقين بلا حساب وعذاب، وقيل: يدخله بعد موته قبل يوم القيامة كما قال: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٩].\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٦٦).","vol":"6","page":534},{"text":"٣٧٩٠ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُّ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنْ أُقتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَى ثُمَّ أُقتَلُ، ثُمَّ أُحْيَى ثُمَّ أُقتَلُ، ثُمَّ أُحْيَى ثُمَّ أُقْتَلُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٧٩٢، م: ١٨٧٦].\n٣٧٩١ - [٥] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٩٢، م: ١٨٨١].\nــ\n٣٧٩٠ - [٤] (وعنه) قوله: (لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه) يعني أني لو ذهبت مع كل سرية للجهاد للزم بعض أصحابي التخلف عني، لأنهم لا يطيقون الجهاد لعدم استطاعتهم الرَّواحِلَ وعدم وجداني إياها، والتخلُّفُ لا تطيب أنفسهم به، ويتحسَّرون عليه، وينكسر قلوبهم بذلك، وإلا فمحبَّتي بالجهاد في مرتبةِ: أودُّ أن أقتل ثم أحيى ثم أقتل ثم أحيى، والمراد التكرار والاستمرار لا التحديد بهذه المرات، ويؤيده ما يأتي في حديث آخر: فيقتل عشر مرات، وفيه مبالغة عظيمة في بيان فضل الجهاد.\n٣٧٩١ - [٥] (سهل بن سعد) قوله: (رباط يوم خير من الدنيا وما عليها) أي: من متاعها وحطامها، وقيل: هذا في حق من فُرِض عليه المرابطةُ بنصب الإمام، فلا يدلُّ هذا على أفضليته من المعركة ومن انتظار الصلاة.\nاعلم: أن الرَّبطَ فِي اللغة الشَّدُّ، في (القاموس) (١): رَبَطَهُ يربِطه ويربُطه: شدَّه،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦١٥).","vol":"6","page":535},{"text":"٣٧٩٢ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤١٥، م: ١٨٨١].\n٣٧٩٣ - [٧] وَعَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ. . . . .\nــ\nفهو مربوط ورَبِيط، والرِّباط مصدر من باب المُفاعَلة، ويجيء بمعنى ما رُبط به، وفي الشرع: ملازمة ثغر العدو كالمرابطة، وهي في الأصل أن يربط كل من الفريقين خيولهم في ثغره، وكلٌّ منهما معدٌّ لصاحبه، فسُمِّيَ المقام في الثغر رِباطًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]، وقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقد يفسر قوله: (ورابطوا) بانتظار الصلاة بعد الصلاة لقوله -ﷺ-: (فذلكم الرِّباطُ، فذلكم الرِّباطُ)، وفي (المقدمة) (١): الرباط ملازمة الثغر للجهاد، وأصله الحبس، والثغر ما يلي دار العدو.\n٣٧٩٢ - [٦] (أنس) قوله: (لغدوة في سبيل اللَّه أو روحة) الغدوة بفتح المعجمة: السير في أول النهار، والروحة بالفتح: السير في آخر النهار، وكلاهما بناء المرة.\n٣٧٩٣ - [٧] (سلمان) قوله: (جرى عليه عمله) أي: ثوابُ عملِه.\nوقوله: (وأجري) بلفظ المجهول من الإجراء، أي: أُوصِلَ إليه رزقُه من طعام الجنة وشرابها.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ١٢١).","vol":"6","page":536},{"text":"وَأَمِنَ الْفتَّانَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩١٣].\n٣٧٩٤ - [٨] وَعَنْ أَبِي عَبْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا اغْبَرَّتْ قَدَمَا عَبْدٍ فِي سَبِيلِ اللَّه فتمَسَّهُ النَّارُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٨١١].\n٣٧٩٥ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ فِي النَّارِ أَبَدًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٩١].\nــ\nقوله: (أمن) بلفظ الماضي المعلوم من الأمن، ويروى (أومن) بلفظ الماضي المجهول من الإيمان. و(الفتان) بفتح الفاء وتشديد التاء فَعَّال من الفتنة، والمراد مَن يفتن في القبر من مَلَك العذاب، أو الدَّجال، أو الشيطان، ويروى بضم الفاء جمع فاتن شاملًا لجميع هؤلاء ومَن عداهم.\n٣٧٩٤ - [٨] (أبو عبس) قوله: (وعن أبي عبس) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة في آخره سين مهملة.\nقوله: (فتمسه) بالنصب والمراد انتفاء اجتماع الاغبرار والمِسَاس، والاغبرار في سبيل اللَّه كناية عن السعي إلى الجهاد، وفيه مبالغة بأنه إذا كان الاغبرار دافعًا لمَسِّ النار، فكيف بنفس الجهاد، والمراد بسبيل اللَّه السعي إلى الجهاد، وهو المتعارف في الشرع، وقد يراد به السعي إلى الحج والعلم والرزق الحلال.\n٣٧٩٥ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (لا يجتمع كافر وقاتله في النار) هذا الحديث ورد مخصوصًا بمن قتل كافرًا في الجهاد بأنه لا يدخل النار، وفي الحقيقة هو بيان فضل الجهاد كما في الحديث السابق، فإن من جاهد يقتل كافرًا غالبًا ومن جاهد ولم يقتل فجزاؤه الجنة أيضًا، فافهم.","vol":"6","page":537},{"text":"٣٧٩٦ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مِنْ خَيْرِ مَعَاشِ النَّاسِ لَهُمْ رَجُلٌ مُمْسِكٌ عِنَانَ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَطِيرُ عَلَى مَتْنِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ هَيْعَةً أَوْ فَزْعَةً طَارَ عَلَيْهِ، يَبْتَغِي الْقَتْلَ وَالْمَوْتَ مَظَانَّهُ أَوْ رَجُلٌ فِي غُنَيْمَةٍ. . . . .\nــ\n٣٧٩٦ - [١٠] (وعنه) قوله: (من خير معاش الناس) في (القاموس) (١): العَيش والمَعاش: الحياة، عاش يعيش عَيْشا ومَعَاشًا ومعيشًا ومَعِيشَةً وعِيشَةً بالكسر، وما يُعَاشُ به، والمعيشة التي تعيش بها من المطعم والمشرب، وما تكون به الحياة.\nوقوله: (رجل) مبتدأ بحذف المضاف، أي: معاشُ رجلٍ.\nقوله: (يطير على متنه) أي: يسرع راكبًا على ظهره، والهيعة والهايعة الصوت تفزع منه وتخافه من عدو، ورجلٌ هاعٍ لاعٍ، وهائعٌ لائعٌ: جبان ضعيف، والفزع بالتحريك والفزعة بالسكون: الذُّعر والفَرَق، والفعل كفرح ومنح، والاستغاثة والإغاثة، والمراد الاستغاثة وهو الأنسب، ويصح إرادة المعنى الأول بإرادة أثر الفزعة وهو الاستغاثة ونحوها.\nوقوله: (طار عليه) أي: ذهب وأسرع، والضمير في (عليه) إما للفرس وقد يُذكَّر، أو للمذكور المسموع، أي: شاهدًا وحاضرًا عليه.\nوقوله: (يبتغي القتل والموت) أي: لا يُبالي ولا يتحرَّز عنه بل يطلبه حيث يظن أنه يكون، و(مظانه) بدل اشتمال أو ظرف ليبتغي، والضمير فيه للموت؛ لأن الحاصل بالقتل أيضًا هو الموت. و(غنيمة) تصغير غنم، والغَنَم الشَّاءُ لا واحد لها من لفظها، والواحدة شاة، وهو اسم مؤنث للجنس ولهذا أظهر التاء في تصغيرها، يقع\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٥٤).","vol":"6","page":538},{"text":"فِي رَأْسِ شَعَفَةٍ مِنْ هَذِهِ الشَّعَفِ أَوْ بَطْنِ وَادٍ مِنْ هَذِهِ الأَوْدِيَةِ، يُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَعْبُدُ رَبَّهُ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْيَقِينُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ إِلَّا فِي خَيْرٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٨٩].\nــ\nعلى الذكور والإناث وعليهما جميعًا، والتنوين للتقليل بل للتحقير أيضًا. و(الشَّعَفَةُ) بعين مهملة بفتحات: رأس الجبل، ولعله أريد بها الجبل، والإشارة للقريب للتحقير، وكذا في قوله: (واد من هذه الأودية) والمراد بهما الجنس لا المعين، والمراد وصف اعتزاله وقناعته في أحقر مكان وأدنى قوت. والمراد بالزكاة الصدقة، ويمكن أن يبلغ عدد غنمه النصاب، ومع ذلك هي شيء قليل، و(اليقين) اسم للموت كما في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].\nوقوله: (ليس من الناس إلا في خير) أي: يكفيهم شرَّه، ويستكفي شرَّهم عن نفسه، وأحسن نيته في العزلة، هو الأولى.\nوحاصل معنى الحديث الحثُّ على مجاهدة أعداء الدين ومجاهدة النفس والشيطان، والإعراضُ عن استيفاء اللذات العاجلة، وأنه ينبغي للرجل إن خالط الناس يكون في تأييد دين اللَّه وإلا فالعزلة وتكميل النفس، وفيه دليل على أفضلية العزلة من الخلطة، والمسألة خلافية، والمدار على الفوائد والآفات في كل منهما، ويستوفي بيانها كتاب (إحياء علوم الدين) (١) فانظر ثمة، وقد ذكرناها في ترجمة ربع العادات (٢)\n_________\n(١) \"إحياء علوم الدين\" (٢/ ٢٦٧، ٢٩٥).\n(٢) قال الإمام الغزالي في مقدمة \"إحياء علوم الدين\": وقد أسسته على أربعة أرباع، وهي: ربع العبادات، وربع العادات، وربع المهلكات، وربع المنجيات، وقد ترجم الشيخ المحدث الدهلوي ربع العبادات باللغة الفارسية، وسماه \"آداب الصالحين\".","vol":"6","page":539},{"text":"٣٧٩٧ - [١١] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ جَهَّزَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ غَزَا، وَمَنْ خَلَفَ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ فَقَدْ غَزَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٤٣، م: ١٨٩٥].\n٣٧٩٨ - [١٢] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"حُرْمَةُ نِسَاءِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ الْقَاعِدِينَ يَخْلُفُ رَجُلًا مِنَ الْمُجَاهِدِينَ فِي أَهْلِهِ فَيَخُونُهُ فِيهِمْ إِلَّا وُقِفَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فيأخذُ مِنْ عَمَلِهِ مَا شَاءَ،\nــ\nمنه.\n٣٧٩٧ - [١١] (زيد بن خالد) قوله: (من جهز غازيًا) جهزه: هيّأ له أسباب سفره، وجهاز الميت والعروس والمسافر بالكسر والفتح: ما يحتاجون إليه، وبالفتح ما على الراحلة.\nوقوله: (فقد غزا) أي: صار شريكًا له في ثواب الغزو.\nوقوله: (ومن خلف غازيًا في أهله) أي: صار خلَفًا له وقام مقامه في إصلاح حالهم ورعاية أمرهم.\n٣٧٩٨ - [١٢] (بريدة) قوله: (فيخونه) الضمير المرفوع لـ (رجل) الذي هو مدخولُ (مِن)، والمنصوب لرجل الذي هو مفعولُ (يخلُفُ)، والضمير في (فيهم) للأهل، وأهل الرجل: عشيرته وذوو قرباه، وهو اسم جنس، ويجمع على أهلون وأهال وآهال وأهلات.\nوقوله: (إلا وقف) بلفظ المجهول، والضمير للرجل الأول، وفي (له) للثاني، وفي قوله: (فيأخذ من عمله) على العكس.","vol":"6","page":540},{"text":"فَمَا ظَنُّكُمْ؟ \". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٩٧].\n٣٧٩٩ - [١٣] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ بِنَاقَةٍ مَخْطُومَةٍ فَقَالَ: هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَبع مِئَةٍ ناقَةٍ كُلُّهَا مَخْطُومَةٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٩٢].\n٣٨٠٠ - [١٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعَثَ بَعْثًا إِلَى بَنِي لِحْيَانَ مِنْ هُذَيْلٍ فَقَالَ: \"لِيَنْبَعِثْ مِنْ كُلِّ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا،\nــ\nوقوله: (فما ظنكم) بذلك الرجل هل يترك من حسناته شيئًا، أو فما ظنكم باللَّه هل تشكُّون في هذه المجازاة. وقال التُّورِبِشْتِي (١): وقيل: معناه فما ظنكم مَن أعطاه اللَّه هذه الفضيلة والدرجة، فربما يكون وراء ذلك من الفضيلة.\n٣٧٩٩ - [١٣] (أبو مسعود) قوله: (بناقة مخطومة) أي التي: جُعِلَت الخِطامُ في أنفها، والخطام بالكسر: ما وضع في أنف البعير لينقاد به، والخطم بفتح الخاء وسكون الطاء من الدابة مُقدَّم أنفها وفمها، ومنقار الطائر، وهو الزِّمام من زمَّه: شدَّه.\n٣٨٠٠ - [١٤] (أبو سعيد) قوله: (بعث بعثًا) أي: أرسل جيشًا، والبعث ويحرك: الجيش، والجمع بُعُوث.\nوقوله: (إلى بني لحيان) بالكسر وقد يفتح أبو قبيلة، و(هذيل) بلفظ التصغير أبو حيٍّ من مُضَرَ.\nوقوله: (لينبعث من كل رجلين أحدهما) أي: ليخرج من كل قبيلة نصفُ عددِها،\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٧٤).","vol":"6","page":541},{"text":"وَالأَجْرُ بَينَهُمَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٩٦].\n٣٨٠١ - [١٥] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَنْ يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا يُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَقُوْمَ السَّاعَةُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٢٢].\n٣٨٠٢ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. . . . .\nــ\nوكون الأجر بينهما محمولٌ على ما إذا خَلَفَ المقيمُ الغازيَ فِي أهله بالخير، كذا نقل الطيبي (١).\n٣٨٠١ - [١٥] (جابر بن سمرة) قوله: (لن يبرح) أي: لا يزالُ.\nوقوله: (يقاتل) استئناف للجملة الأولى، والعصابة الجماعة، وورد في حديث آخر: (لا يزالُ أهل الغَرْبِ)، قال القاضي عياض في (المشارق) (٢): قال يعقوب ابن شيبة عن علي بن المديني: الغرب هنا الدلو العظيم، وأراد العرب لأنهم أصحابها والمُستَقُون بها، وليست لأحد إلا لهم ولأتباعهم، وقال معاذ: هم أهل الشام، فحمله على أنه غرب الأرض خلاف المشرق، والشام غربٌ من الحجاز، وقيل: هم أهل الشام وما وراءه، وقيل: المراد هنا أهل الحِدَّة هو الاستنصار في الجهاد ونصرة دين اللَّه، والغرب الحدة.\n٣٨٠٢ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (لا يكلم) الكلم: الجرح، والجمع كُلوم وكِلام، وكلَّمَه يُكلِّمُه: جرحه فهو مكلوم وكليم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٧٣).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢١٥).","vol":"6","page":542},{"text":"-وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ- إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٠٣، م: ١٨٧٦].\n٣٨٠٣ - [١٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يُرْجَعَ إِلَى الدُّنْيَا وَلَهُ مَا فِي الأَرْضِ. . . . .\nــ\nقوله: (واللَّه أعلم بمن يكلم في سبيله) جملة معترضة لتفخيم شأن من يخرج في سبيل اللَّه، ولتقليل وجود مَن شأنه كذلك على وجه الإخلاص، وصيانته عن السُّمعة والرِّياء حتى يكتفي بعلمه تعالى، ولتسليته وترجيته لئلا يتوهم نقصانه ويستبعد أجره وثوابه، وهو شامل لكل من يُكلَم ويؤذَى على الحق.\nوقوله: (يثعب) بفتح الياء والعين بمثلثة ساكنة بينهما، والثعب يجيء متعديًا، يقال: ثعَبْتُ الماءَ والدمَ فانثعب، أي: فجَّرتُه فانفجَرَ، كذا في (الصحاح) و(القاموس) (١)، فيكون (دمًا) مفعولًا به، وفسره في (النهاية) (٢) بقوله: يجري، وفي (المشارق) (٣): ينفجر، وظاهرهما يدل على أنه لازم، فيكون (دمًا) تمييزًا، اللهم إلا أن يحمل على بيان حاصل المعنى، وجاء في حديث آخر: (يشخب دمًا)، وفسره الأكثرون بـ (يَسِيل) وينفجر، وقال في (مختصر النهاية) (٤): الشخب: السيلان، وفسره بعضهم بـ (يصبُّ)، فتدبر.\n٣٨٠٣ - [١٧] (أنس) قوله: (وله ما في الأرض من شيء) يحتمل أن يكون\n_________\n(١) \"الصحاح\" (١/ ٩٢)، و\"القاموس المحيط\" (ص: ٧٢).\n(٢) \"النهاية\" (١/ ٢١٢).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٠٥).\n(٤) \"الدر النثير\" (١/ ٥١٣).","vol":"6","page":543},{"text":"مِنْ شَيْءٍ إِلَّا الشَّهِيدُ يَتَمَنَّى أَنْ يُرْجَعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨١٧، م: ١٨٧٧].\n٣٨٠٤ - [١٨] وَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ الآيَةَ [آل عمران: ١٦٩]، قَالَ: إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: \"أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ،\nــ\nعطفًا على قوله: (أن يرجع)، أي: ما يحب الرجوع ولا أن يكون له شيء في الدنيا، وأن يكون حالا أي: لا يحب الرجوع حال كونه مالكًا لأشياءَ كثيرة من أمتعة الدنيا، كذا في الحاشية، فافهم.\n٣٨٠٤ - [١٨] (مسروق) قوله: (إنا قد سألنا عن ذلك) أي: رسولَ اللَّه -ﷺ- بقرينة الحال، إذ من المتعيِّن أن سؤال الصحابة في أمثال هذه الأمور لا يكون إلا من رسول اللَّه -ﷺ-، وقد كتب في بعض النسخ في الهامش بعلامة صح.\nوقوله: (في أجواف طير خضر) قيل: إيداعها في أجواف تلك الطيور كوضع الدُّرر في الصناديق تكريمًا وتشريفًا لها، وإدخالها في الجنة بهذه الصورة لا متعلِّقة بهذه الأبدان مدبَّرةً فيها تدبيرَ الأرواح في الأبدان كما كانت في الأبدان الدنياوية، فإنها يتبوأ بها في الجنة تجد ما فيها من الروائح، ويشاهد ما فيها من الأنوار، ويتلذذ ويبتهج بها، وبما يحصل لها من قرب الرحمن تعالى وجوار الملائكة المقربين والتبوء في الجنة الأعلى، وهذا هو المراد من قوله تعالى: ﴿يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠]، وهذا دفع لشبهة من تمسك به في القول بالتناسخ، ولتوهم من قال: إن هذا تنزيل وتنقيص لهم حيث أخرجوا من الأبدان الإنسانية إلى","vol":"6","page":544},{"text":"لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ. . . . .\nــ\nالأجسام الحيوانية، فتدبر.\nوقيل: لعل أرواح الشهداء لما استكملت تمثلت بأمر اللَّه سبحانه بصور طير خضر وحصلت لها تلك الهيئة، كتمثُّلِ الملَكِ بَشَرًا، فليست هذه الأبدان هي التي تتعلق بها تلك الأرواح ويدبر فيها، بل هي أنفسها صور الأرواح تمثلت بها، فافهم.\nوأقول -واللَّه أعلم-: يحتمل أن تكون تلك الأبدان على صفات الأبدان الإنسانية وإن كانت على صور طير خضر، ولا تكون على صفاتها حقيقة فإنه لا اعتداد للصور والأشكال، بل لا يبعد أن يقال: تسميتها بالطيور لانتقالها من مكان إلى مكان على هيئة الطيران لا المشي على الأقدام كما يكون للآدمي في الدنيا، فلا يلزم تنزيلها وتنقيصها كما يوهم.\nوأما ظن التناسخ فأيضًا باطل، فإنها ليست أبدانًا لها يستقر فيها على وجه ينفي الحشر والنشر كما يقول القائلون به، بل هي في مدة بفائهم في الجنة قبل فيام القيامة ووجود الحشر، ولهذا أورد في حديث آخر: (حتى يرجعه اللَّه جسده يوم القيامة ليبعث الأجساد)، واللَّه أعلم.\nوقيل: الحديث تمثيل لحالهم وما هم عليه من البهجة والسعادة، شبه بهجتهم وبهاءهم وتمكُّنهم من التلذذ بأنواع المشتهيات، والتبوء من الجنة حيث شاؤوا، وقربهم من اللَّه تعالى، وانخراطهم في غار الملإ الأعلى الذين [هم] حول عرش الرحمن بما إذا كانوا في أجواف طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، وتأوي إلى قناديل","vol":"6","page":545},{"text":"فَاطَّلَعَ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلَاعَةً فَقَالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قَالُوا: أَيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنَا، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يَسْأَلُوا قَالُوا: يَا رَبُّ نُرِيدُ أَنْ تُرَدَّ أَرْوَاحُنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتَّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِكَ مرَّةً أُخْرَى فَلَمَّا. . . . .\nــ\nمعلقة بالعرش، كذا نقل الطيبي (١) عن القاضي البيضاوي (٢) وهذا على عادة القاضي في تأويل الأحاديث والآيات بالإخراج عن الصور إلى المعاني ميلًا إلى التفلسف، ورعايةً لحال ضعفاء الإيمان، والحق أنه محمول على ظاهره وإن لم ندرِ كيفيته بأفهامنا القاصرة، وهذا أقوى الإيمان، واللَّه أعلم بحقيقة الحال.\nوقوله: (فاطلع إليهم ربهم) الاطِّلاع مجازٌ عن مزيد تلطُّفه بهم، وتعديتُه بـ (إلى) لتضمين معنى الانتهاء.\nوقوله: (اطلاعة) يحتمل أن يكون للمرة، ويحتمل أن يكون للنوع أي: اطلاعًا خاصًا ملتبسًا برحمة مخصوصة وفضل مخصوص، ويشبه أن يكون لهما، فالمرة مستفادة من التاء، والنوعية من التنكير.\nوقوله: (ففعل ذلك) أي: السؤالَ.\nوقوله: (لن يتركوا من أن يسألوا) (مِن) صلة (يتركوا) بتضمين معنى العفو والعذر والخلاص ونحوها، وقال الطيبي (٣): هي زائدة لوقوعها في سياق النفي، و(أن يسألوا) بدل من ضمير (يتركوا)، فافهم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٧٦).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٤١٢).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٧٧).","vol":"6","page":546},{"text":"رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٨٧].\n٣٨٠٥ - [١٩] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَامَ فِيهِمْ فَذَكَرَ لَهُمْ أَنَّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالإِيمَانَ بِاللَّهِ أَفْضَلُ الأَعْمَالِ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نَعَمْ إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ\" ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَيْفَ قُلْتَ؟ \" فَقَالَ: . . . . .\nــ\nوقوله: (أن ليس لهم حاجة) لحصول الثواب العظيم بالمرة الأولى، ولو كانت في المرة الثانية لكان مثل ذلك، ولا حاجة إلى ذلك فتركوا من السؤال.\nفإن قلت: فما فائدة سؤالهم أن تُرَدَّ أرواحُهم في أجسادهم حتى يقتلوا في سبيل اللَّه مرة أخرى، ولا يحصل فيها إلا مثل ما هم فيه؟ أجيب: مرادهم بهذا الكلام القيام بموجب الشكر في مقابلة النعم التي أنعم اللَّه تعالى عليهم.\nفإن قلت: رؤية اللَّه تعالى كانت أعظم النعم فلِمَ لم يطلبوها؟ قلت: يجوز أن تكون رؤية اللَّه تعالى موقوفة على كمال استعداد يليق بها يحصل ليوم القيامة، فصرف اللَّه قلوبهم عن طلب ذلك إلى وقت حصول الاستعداد، كذا في (شرح ابن الملك) (١).\n٣٨٠٥ - [١٩] (أبو قتادة) قوله: (مقبل غير مدبر) تأكيد من قبيل عسير غير يسير، وقيل: احتراز عمَّن يقبلُ فِي وقت ويدبرُ فِي وقت.\nوقوله: (ثم قال رسول اللَّه -ﷺ-: كيف قلت؟) استعاد منه السؤال المذكور ليجيب\n_________\n(١) انظر: \"شرح مصابيح السنة\" (٤/ ٣١٥).","vol":"6","page":547},{"text":"أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَيُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نَعَمْ وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ إِلَّا الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ لِي ذَلِكَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٨٥].\n٣٨٠٦ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُكَفِّرُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الدَّيْنَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٨٦].\n٣٨٠٧ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"يَضْحَكُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَى رَجُلَينِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ يَدْخُلَانِ الْجَنَّةَ: . . . . . .\nــ\nبالجواب المذكور ثانيًا تقريرًا وتأكيدًا للمرام مع زيادة شيء آخر مهمٍّ، وهو استثناء الدين بقوله: (إلا الدين) استئناء متصل من الخطايا؛ لأنه يفضي إلى ارتكاب الخطايا من الكذب وخلف الوعد كما عرف في وجه استعاذته -ﷺ- من الغرم، وقال التُّورِبِشْتِي (١): أراد بالدين هنا ما يتعلق بذمته من حقوق المسلمين، انتهى. فيكون حاصله أن الجهاد في سبيل اللَّه يكفر كل شيء إلا حقوق الناس.\n٣٨٠٦ - [٢٠] (عبد اللَّه بن عمرو بن العاص) قوله: (يكفر كل شيء إلا الدين) ذكر السيوطي أنه قد ورد: أن شهداء البحر يُغفَرُ لهم الذنوبُ كلُّها والدَّينُ، وورد: أن اللَّه تعالى يَلي قبضَ أرواح شهداء البحر لا يكِلُ ذلك إلى ملَكِ الموت (٢).\n٣٨٠٧ - [٢١] (أبو هريرة) قوله: (يضحك اللَّه تعالى إلى رجلين) أي: يتلقاهما بالقبول والرضاء، والتعدية بـ (إلى) باعتبار معنى الانبساط والإقبال الذي هو مأخوذ\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٧٦).\n(٢) \"بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث\" (٦٣٤).","vol":"6","page":548},{"text":"يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُسْتَشْهَدُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٢٦، م: ١٨٩٠].\n٣٨٠٨ - [٢٢] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٠٩].\n٣٨٠٩ - [٢٣] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ الرُّبَيِّعَ بِنْتَ الْبَرَاءِ وَهِيَ أَمُّ حَارِثَةَ بْنِ سُرَاقَةَ أَتَتِ النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ (١)! . . . . .\nــ\nفي الضحك باعتبار معناه اللغوي، فإنه يراد به في متعارف اللغة انبساط الوجه وتكشير الأسنان من سرور النفس، وقيل: يجوز أن يكون معنى الضحك إدرار الرحمة، يقال: ضحك السحاب: إذا صبت ماءه.\nوقوله: (ثم يتوب اللَّه على القاتل) الكافر بان يؤمنَ ثم يُستشهَدَ.\n٣٨٥٨ - [٢٢] (سهل بن حنيف) قوله: (وعن سهل بن حنيف) بلفظ التصغير بالحاء المهملة.\nقوله: (بلغه اللَّه منازل الشهداء) فيه أن المرء يثاب على نيته، والنظر في أنه يثاب يعني ما يثاب على الفعل أو بمثله ونظيره، وأقول في قوله: (بلغه اللَّه منازل الشهداء): نوع إيماء إلى الثاني، واللَّه أعلم.\n٣٨٠٩ - [٢٣] (أنس) قوله: (أن الربيع) بضم الراء وفتح الباء وتثقيل الياء المكسورة.\n_________\n(١) في نسخة: \"يا نبي اللَّه\".","vol":"6","page":549},{"text":"أَلَا تُحَدِّثُنِي عَنْ حَارِثَةَ وَكَانَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ أَصَابَهُ سَهْمٌ غَرْبٌ، فَإِنْ كَانَ فِي الْجَنَّةِ صَبَرْتُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ اجْتَهَدْتُ عَلَيْهِ فِي الْبُكَاءِ فَقَالَ: \"يَا أَمَّ حَارِثَةَ! إِنَّهَا جِنَانٌ فِي الْجَنَّةِ. . . . .\nــ\nوقوله: (يوم بدر) موضع معروف يذكر ويؤنث، وقعت فيه الغزوة التي أعز اللَّه بها الإسلام بقتل صناديد قريش كأبي جهل وأضرابه، قيل: هي اسم ماء، وقيل: اسم بئر حفرها بدر بن قريش، وقيل: كان البئر يرى فيه البدر.\nقوله: (سهم غرب) في (القاموس) (١): أصابه سهمُ غربٍ ويحرك، وسهمٌ غربٌ نعتًا، أي: لا يُدرَى راميه. وقال في (المشارق) (٢): قوله: (فأصابه سهم غرب) يقال على النعت بفتح الراء وسكونها، قال أبو زيد: فبفتح الراء إذا رمى شيئًا فأصاب غيره، وبسكونها إذا أتى السهمُ من حيثُ لا يُدرَى، وقال الكسائي والأصمعي: إنما هو سهمُ غَرَبٍ بفتح الراء مضافًا الذي لا يُعرَفُ راميه، فإذا عرف فليس بغرب، قال: والمحدثون يسكنون الراء والفتح أجود وأكثر في لسان العرب، وقال ابن سراج: والإضافة أيضًا مع فتح الراء ولا يضاف مع سكونها، انتهى. وقال: والغرب بالتحريك ضرب من الشجر، يقال له بالفارسية: سبسدار، قد يتخذ منه السهام فيقال: سهم غرب، فيضاف ولا يضاف، والذي ذكرناه في الحديث ليس من هذا في شيء.\nوقوله: (وإن كان غير ذلك) بالرفع على أن (كان) تامَّةٌ، وقد ينتصب، أي: إن كان الأمر غيرَ ذلك، و(ذلك) إشارةٌ إلى كونه في الجنة.\nقوله: (إنها جنان في الجنة) الضمير للقصة، والجملة -أعني (جِنانٌ فِي الجنَّة) -\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٤).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢١٦).","vol":"6","page":550},{"text":"وَإِنَّ ابْنَكِ أَصَابَ الْفِرْدَوْسَ الأَعْلَى\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٨٠٩].\n٣٨١٠ - [٢٤] وَعَنْهُ قَالَ: انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ حَتَّى سَبَقَوا الْمُشْرِكِينَ إِلَى بَدْرٍ، وَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ\" قَالَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ: بَخٍ بَخْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ: بَخْ بَخْ؟ \" قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِلَّا رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا. . . . .\nــ\nخبرُها يفسرها، والتنوين للتعظيم، أي: درجات عظيمة فيها والفردوس أعلاها.\n٣٨١٠ - [٢٤] (وعنه) قوله: (حتى سبقوا المشركين) أي: نزلوا بدرًا قبل نزول المشركين.\nوقوله: (إلى جنة) أي: مسارعين إليها، أي: إلى أعمال هي سبب دخولها.\nوقوله: (عرضها السماوات والأرض) أي: عرضها كعرض بحذف كاف التشبيه والمضاف، والمراد وصفها بالسعة والبسط، فشُبِّهَت بأوسع ما علمه الناس من خلقه وأبسطه، وذكر العرض للمبالغة في وصفها بالسعة؛ لأنه دون الطول، وعن ابن عباس: (كسبعِ سماواتٍ وسبعِ أرضَيِنَ لو وُصِلَ بعضُها ببعضٍ).\nوقوله: (قال عمير) بلفظ التصغير (ابن الحمام) بضم المهملة وتخفيف الميم. و(بخ بخ) بفتح الموحدة وسكون الخاء وتنوينها، يقال: للمدح والرضاء بالشيء، كررت للمبالغة، فإذا أفردت وقفت عليها، وإن كررت وصلت الأولى بالأخرى. وأما أصحاب الحديث فإنهم يروونها بسكون الخاء في الوصل والوقف، ومن أهل اللغة من يشدد الخاء منهما.\nوقوله: (يا رسول اللَّه إلا رجاء أن أكون من أهلها) حملوه على معنيين أحدهما:","vol":"6","page":551},{"text":"قَالَ: \"فَإِنَّكَ مِنْ أَهْلِهَا\" قَالَ: فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ قَالَ: فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٠١].\n٣٨١١ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا تَعُدُّونَ الشَّهِيدَ فِيكُمْ؟ \". . . . .\nــ\nأنه سيق إلى فهم الرجل من قوله -ﷺ-: (ما يحملك. . . إلخ) أن الحامل على ذلك القول التعجُّبُ تشبيهًا بالهزل والمزاح من غير نية ورَوِيّة، فنفى عمير ذلك، وقال: ما قلت ذلك إلا رجاء أن أكون من أهلها.\nوثانيهما: أنك قلت ذلك خوفًا من القتل وبذل المهجة واستعظامًا واستبعادًا لذلك؟ فقال: لا، بل قلت: رجاءً وشوقًا إلى لقاء اللَّه ونيل ثوابه، فافهم.\nوقوله: (من قرنه) بفتحتين، أي: من جعبته، قيل: هو جعبة من جلد لا خشب فيها أو بالعكس.\nوقوله: (لئن أنا حييت) من قبل قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ [الإسراء: ١٠٠]، فالنحويون على أن قوله: أنتم فاعلُ فعلٍ محذوفٍ يفسِّره ما بعده انفصل بعد حذف العامل، وأرباب المعاني يقولون: مبتدأ قدِّم للاختصاص وجعل الفعلية اسمية، وتحقيقه في (شرح التلخيص) للتفتازاني.\nوقوله: (حتى قتل) وكان -﵁- أولَ مَن استشهد من الأنصار.\n٣٨١١ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (ما تعدّون الشهيد فيكم؟) نقل الطيبي (١)\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٨١).","vol":"6","page":552},{"text":"قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ قَالَ: \"إِنَّ شُهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًا لَقَلِيلٌ، مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ فِي الْبَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩١٥].\n٣٨١٢ - [٢٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّة. . . . .\nــ\nعن المالكي: أن العدَّ يوافق الظن في المعنى والعمل، فـ (ما) استفهامية في موضع مفعول ثانٍ، والتعبير بـ (ما) للدلالة على الوصف كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]؛ لأن الاستفهام هنا في الحقيقة على الحالة التي ينال بها المؤمن رتبة الشهادة على أنها تعم العقلاء وغيرهم عند الشيخ ابن الحاجب، ولهذا أجابوا بقولهم: مَن قُتِلَ.\nوالشهيد: فَعِيل بمعنى مفعول، أي: يُشهَدُ ويحضرُه الملائكةُ بالنور والكرامة، أو بمعنى فاعل أي: يشاهد ما أُعِدَّ له من النعيم أو يحضر عند ربه، هذا إذا كان من الشُّهود والمشاهدة، ويحتمل أن يكون من الشهادة، أي: مشهود له بالفضل والكرامة، أو يشهد لنفسه بذلك بالصدق والإخلاص، أو يشهد على الأمم يوم القيامة كما يشهد الرسل ﵈. والظرفية في قوله: (في سبيل اللَّه) حقيقية، وفي قَرِينَيه مجازية، أو بمعنى الباء للسببية، والمراد بكونِ هؤلاء شهداءَ مشاركتُهم لهم في نوع من المثوبات التي يستحقها الشهداء، لا مساواتهم لهم في جميع المثوبات والأحكام.\n٣٨١٢ - [٢٦] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (ما من غازية) أي: جماعة غازية (أو سرية) وهي قطعة من الجيش تبعث للجهاد، والغزو: قطع جيش كبير، وقد اصطلح","vol":"6","page":553},{"text":"تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلَّا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلَّا تَمَّ أُجُورُهُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٠٦].\nــ\nأهل السير على أن يطلقوا الغزو على ما كان فيه النبي -ﷺ- بنفسه الكريمة، والسرية على ما لم يكن فيها، والغزو بمعنى اللغة يتناولهما معًا، ولهذا قال: تغزو في كلا الصورتين، يعني أن هذا الحكم ثابت في الغزو الكثير والقليل، فـ (أو) ليس للشك، ويحتمل أن يكون للشك من الراوي في أن لفظ النبي -ﷺ-: ما من غازية، أو ما من سرية.\nوقوله: (إلا كانوا قد تعجلوا) أي: في الدنيا ثلثي أجورهم، أي: الغنيمةَ والسلامةَ، وبقي ثلث أجورهم يستوفونه يوم القيامة، وعلى هذا من سلم ولم يغنم استوفى ثُلثَ أجوره وبقي ثلثان، وذلك بسبب ما قصد بغزوه محاربة أعداء اللَّه ونصر أوليائه.\nوقوله: (تخفق) من الإخفاق، ومعناه أن تغزو ولا تغنم وتخيب من ذلك، والإخفاق أن تغزو فلا تغنم شيئًا، وكذا كل طالب حاجة إذا لم يقضِ حاجتَه، وأصله من الخَفْق وهو التحرُّك، خَفَقَت الرايةُ تخفِقُ وتخفُقُ خَفْقًا وخَفَقانًا: اضطربت وتحركت، وكذا السراب، كاختفق، وخفق النجم يخفق خفوقًا: غاب، والخفق: تغيب القضيب في الفرج، والخفقان محركة: اضطراب القلب، والمعنى صار فيه الغنيمة خافقة غير ثابتة مستقرة.\nوقوله: (وتصاب) أي: الغازيةُ أو السريةُ، من المصيبة بمعنى تُقتَلُ، فهنا أقسام متعددة: السلامة مع الغنيمة، وعدمها، والهلاك، وكل محسوب، فإن اللَّه لا يضيع أجر المحسنين، وتمام الأجر في عدم الغنيمة مع القتل، والجرح أيضًا محسوب على","vol":"6","page":554},{"text":"٣٨١٣ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩١٠].\n٣٨١٤ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ، وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ، فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: \"مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّه\". . . . .\nــ\nقدرها، فتدبر.\n٣٨١٣ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (ولم يحدث) من التحديث (به) أي: بالغزو (نفسه)، أي: لم يقل في نفسه: يا ليتني كنت غازيًا، وقيل: معناه لم يُرِدِ الخروجَ، وعلامتها في الظاهر إعدادُ آلتِه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: ٤٦]، كذا في الحواشي.\nوقوله: (ماث على شعبة من نفاق) أي: أشبَهَ المنافقين المتخلِّفين عن الجهاد.\n٣٨١٤ - [٢٨] (أبو موسى) قوله: (فقال) أي: الرجلُ الذي جاء إليه، ومقول القول: (الرجل يقاتل للمغنم، والرجل يقاتل للذكر) أي: لأنْ يُذكَرَ بين الناس ويوصفَ بالشجاعة، ويذهب صيته في الآفاق، وهو السمعة.\nوقوله: (ليرى) بلفظ المجهول من الرؤية، و(مكانه) أي: منزلته من الشجاعة وقدره، مرفوع على أنه مفعول ما لم يُسَمَّ فاعله، أو منصوب على أنه مفعول ثان، وفي (يرى) ضمير الرجل، ويجوز أن يكون بلفظ المعلوم من الإراءة، و(مكانه) منصوب على أنه مفعول ثان، والمفعول الأول محذوف، أي: ليُرِيَ الناسَ في الشجاعة وهو","vol":"6","page":555},{"text":"مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨١٠، م: ١٩٠٤].\n٣٨١٥ - [٢٩] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَدَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: \"إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ\" وَفِي رِوَايَةٍ: \"إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الأَجْرِ\" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: \"وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٢٣].\n٣٨١٦ - [٣٠] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ. [م: ١٩١١].\nــ\nالرياء، ويجوز أن يكون المراد مكانه في الجنة أو في العرصات أو في سبيل اللَّه، وهذا أيضًا نازل عن درجة الصدق في الإخلاص لوجه اللَّه، ولتكون كلمته هي العليا، فافهم.\n٣٨١٥، ٣٨١٦ - [٢٩، ٣٠] (أنس) قوله: (رجع من غزوة تبوك) موضع من الشام، وهو آخر غزواته -ﷺ-.\nوقوله: (إلا كانوا معكم) أي: بالقلب والهمة والدعاء، وبهذا شركوا في الأجر، أي: في أصله لا في قدره، قال اللَّه ﷾: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥]، وشركوا بكسر الراء في (القاموس) (١): شِركَه كعلمه شِركةً بالكسر.\nوقوله: (حبسهم العذر) فإن القاعدين الموعود لهم الحسنى هم أولو الضرر كما نص عليه في كتاب اللَّه، وفي الحديث فضل نية الخير والتأسف على فوات ذلك.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٧٠).","vol":"6","page":556},{"text":"٣٨١٧ - [٣١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْجِهَادِ فَقَالَ: \"أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ \" قَالَ: نَعَمْ قَالَ: \"فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٠٤، م: ٢٥٤٩].\nوَفِي رِوَايَةٍ: \"فَارْجِعْ إِلَى وَالِدَيْكَ فَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُمَا\".\n٣٨١٨ - [٣٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ يَوْمَ الْفَتْح: \"لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْح، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنجيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٧٨٣، م: ١٣٥٣].\nــ\n٣٨١٧ - [٣١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (ففيهما) أي: في خدمة والديك، (فجاهد) من قبيل قوله تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]، وهذا إذا كان الجهاد تطوعًا، وهكذا حكم الحج وسائر العبادات.\n٣٨١٨ - [٣٢] (ابن عباس) قوله: (لا هجرة) أي: فريضة (بعد الفتح) أي فتح مكة، فإنها كانت فريضة عينًا من مكة بل من كل مكان أسلموا فيه وهو دار الكفر إلى المدينة، فإن أهل الدين فيها كانوا قليلين ضعفاء فافترضت ليستعينوا بهم وليزول وزر المشركين وافتتان المسلمين بهم، فلما فتحت مكة زالت العلة إلا أن مفارقة الأوطان لأجل الجهاد، أو للفرار من دار الكفر ومن الفتنة، أو لطلب العلم، أو لزيارة المساجد الثلاثة باقية إلى يوم القيامة، وقد يُفرَضُ على الكفاية خروجُ طائفة من المؤمنين للتفقُّه بموجب قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ الآية [التوبة: ١٢٢].\nوقوله: (وإذا استنفرتم فانفروا) الاستنفار طلب النفر، أي: الخروج، أي: إذا أمرَكم الأميرُ بالخروج فأطيعوه.","vol":"6","page":557},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-947> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٨١٩ - [٣٨] عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ، ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٢٤٨٤].\nــ\nالفصل الثاني\n٣٨١٩ - [٣٣] (عمران بن حصين) قوله: (ظاهرين) أي: غالبين، ظهر عليه: غلبة.\nوقوله: (على من ناواهم) أي: عاداهم، والمناواة والنِّواء: المعاداة، يقال: ناويتُ الرجل نِواءً ومناواةً، وأصله من النهوض؛ لأن من عاديته وحاربته: ناء إليك أي: نهض، ونويت إليه، وورد في الخيل: (ونِواءً لأهل الإسلام) بكسر النون ممدودًا، أي: معاداةً لهم، ومنه قوله: لينوء بها، أي: ينهض، وقوله: فذهب لينوء فأغمي عليه، ومنه قوله تعالى: ﴿لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ﴾ [القصص: ٧٦]، وفي الحديث الآخر: وناء بصدره، أي: نهض، كذا في (المشارق) (١)، وبالجملة النوء في الأصل النهوض، في (القاموس) (٢): ناء نوءًا: نهض بجهد ومشقة، وقد يراد به العداوة لما ذكر.\nوقوله: (حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال) قيل: المراد بآخرهم عيسى ﵇ ومن تابعه، والمقصود أن الجهاد في هذه الأمة وظهورهم على الحق وغلبتهم على الكفار باقٍ إلى يوم القيامة.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٥٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٤).","vol":"6","page":558},{"text":"٣٨٢٠ - [٣٤] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ لَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُجَهِّزْ غَازِيًا أَوْ يَخْلُفْ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ أَصَابَهُ اللَّهُ بِقَارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٠٣].\n٣٨٢١ - [٣٥] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٢٥٠٤، ن: ٣٠٩٦، دي: ٢/ ٢١٣].\n٣٨٢٢ - [٣٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَاضْرِبُوا الْهَامَ، تُوَرَّثُوا الْحِنَانَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٨٥٤].\nــ\n٣٨٢٠ - [٣٤] (أبو أمامة) قوله: (أو يخلف) بالجزم عطف على (يُجهِّزْ)، و(القارعة): الداهية الشديدة، ومنه سميت القيامة قارعة.\n٣٨٢١ - [٣٥] (أنس) قوله: (وألسنتكم) بأن تخوِّفوهم وتوعدوهم بالقتل والأخذ والنهب ونحو ذلك، وبأن تذمُّوهم وتسبُّوهم إذا لم يؤدِّ ذلك إلى سبِّ اللَّه ﷾، وبأن تدعوا عليهم بالخذلان والهزيمة، وللمسلمين بالنصر والغنيمة، وبأن تحرِّضوا الناس على الغزو ونحو ذلك.\n٣٨٢٢ - [٣٦] (أبو هريرة) قوله: (أفشوا السلام) بأن تجهروا به حتى يسمع المُسلَّمَ عليه، والمراد سلِّموا على مَن تعرفونه وعلى مَن لا تعرفونه، (واضربوا الهام) أي: هامَ الكفارِ جمع هامة بالتخفيف بمعنى الرأس، وفي حليته -ﷺ-: (عظيم الهامة)، وضربُ الهامِ كناية عن الجهاد. و(ثورّثوا) بلفظ المجهول من الإيراث.","vol":"6","page":559},{"text":"٣٨٢٣ - [٣٧] وَعَن فَضالَةَ بنِ عُبيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الَّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يُنَمَّى لَهُ عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيَأْمَنُ فِتْنَةَ الْقَبْرِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٦٢١، د: ٢٥٠٠].\n٣٨٢٤ - [٣٨] وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ. [دي: ٢/ ٢٧٨].\n٣٨٢٥ - [٣٩] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُوَاقَ ناقَةٍ فَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ،\nــ\n٣٨٢٣، ٣٨٢٤ - [٣٧، ٣٨] (فضالة بن عبيد، عقبة بن عامر) قوله: (وعن فضالة) بفتح الفاء.\nوقوله: (فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة) قد أسلفنا الكلام عليه في الفصل الأول من كتاب العلم في حديث أبي هريرة: (إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله) فتذكر.\n٣٨٢٥ - [٣٩] (معاذ بن جبل) قوله: (فواق) أي: قدرَ فُواقٍ، وهو بضم الفاء وبفتح: ما بين الحَلْبتَينِ، فإن الناقة تُحلَبُ وتُترَكُ ليدرَّ، ثم تُحلَبُ، ويقال: ما أقام عندي إلا فُواقًا، وأصله من الفَوق؛ لأن الدرَّ ينزل من فوق، ولقد أبعد من قال: يحتمل أن يكون المراد بما بين الحلبتين ما بين الغداة إلى العِشاء؛ لأن الناقة تُحلَبُ فيهما؛ لفوات المبالغة، لأن الجهاد والقتال من الغداة إلى العشاء متعسِّر، اللهم إلا أن يراد به السعي إلى الجهاد والتهيؤ [له]، وللَّه در صاحب (القاموس) (١) حيث نقل: الفُواق ما بين الحلبتين، أو ما بين فتح يدك وقبضها على الضَّرع.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٤٧).","vol":"6","page":560},{"text":"وَمَنْ جُرِحَ جُرْحًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ نُكِبَ نَكْبَةً فَإِنَّهَا تَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَغْزَرِ مَا كَانَتْ، لَوْنُهَا الزَّعْفَرَانُ، وَرِيحُهَا الْمِسْكُ،\nــ\nوقوله: (أو نكب) بلفظ المجهول مخففًا (نكبة) النكبة في الأصل ما يصيب الإنسان من الحوادث، في (القاموس) (١): النكبة بالفتح: المصيبة، ويستعمل فيما يصيب الأصبع من الجراحة من حجارة ونحوها، يقال: نُكِبَت أصبعُه، أي: نالته الحجارة، وفي الحديث: (فنُكِبَت أصبعُه) أي: ضربها بحجر فأدماها، ومنه: حتى النكبة يُنكَبُها، والشوكة يُشَاكُها، كذا في (المشارق) (٢)، وقيل: النكبة جراحة من سقوط من دابة، ومن حمل سلاح ونحو ذلك، كذا في (مجمع البحار) (٣)، والضمير في (إنَّها) للنكبة ليدل على الجرح بالسِّنان والسيف بطريق الأولى، ونقل عن الكازروني: أن المراد بالنكبة والجرح في الحديث بمعنى واحد، بدليل وصف لونها بلون الزعفران، إذ لون الزعفران يابسًا يشبه لون الدم، ونقول: يمكن لهذا القائل أن يجعل (أو) للشك من الراوي، واللَّه أعلم فتدبر.\nوقوله: (كأغزر) بالغين المعجمة والزاي أفعل التفضيل من الغَزارة بمعنى الكثرة، والغزير: الكثير من كل شيء، غزُرَ الشيءُ: كثُرَ، والماشية: درَّت ألبانُها، والغزرة من الآبار والينابيع: الكثير الماء، ومن العيون: الكثيرة الدمع، أي: تجيء النكبةُ أكثرَ أوقات كونها في الدنيا حين نُكِبَ، والكاف زائدة و(ما) مصدرية والوقت مقدر كقولهم: أخطبُ ما يكون الأميرُ.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٤٢).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٢).\n(٣) انظر: \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٨٠٢).","vol":"6","page":561},{"text":"وَمَنْ خَرَجَ بِهِ خُرَاجٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ طَابَعَ الشُّهَدَاءِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ١٦٥٧، د: ٢٥٤١، ن: ٣١٤١].\n٣٨٢٦ - [٤٠] وَعَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كُتِبَ لَهُ بِسَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ١٦٢٥، ن: ٣١٨٦].\n٣٨٢٧ - [٤١] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَفْضَلُ الصَّدَقَاتِ ظِلُّ فُسْطَاطٍ. . . . .\nــ\nوقوله: (ومن خرج به خراج) بضم الخاء المعجمة: ما يخرج من البدن من القُروح والدَّماميل، يعني يثاب المجاهد بما يصيبه في سبيل اللَّه سواء كان من العدو كالجراحة أو من غيره كالنكبة أو من نفسه كالخراج. و(الطابع) بفتح الباء: الخاتَم، والكسر لغة فيه، والمراد به العلامة، أي: يكون عليه علامةُ الشهداء وأمارتُهم ليعلمَ أنه سعى في سبيل اللَّه وجاهد فيُجزَى جزاءَ المجاهدين.\n٣٨٢٦ - [٤٠] (خريم بن فاتك) قوله: (وعن خريم) بالخاء المعجمة والراء على لفظ التصغير، (ابن فاتك) بالفاء والتاء المثناة.\nوقوله: (كتب لهم بسبع مئة ضعف) المضاعفة ترتقي من العشرة إلى ما شاء اللَّه إلى سبع مئة ضعف في كل عمل، ولعل مضاعفة الإنفاق في سبيل اللَّه المراد منها الجهاد يبلغ إلى سبع مئة البتة لا يكون أقل منه، واللَّه أعلم.\n٣٨٢٧ - [٤١] (أبو أمامة) قوله: (ظل فسطاط) في (القاموس) (١): الفسطاط\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٢٧).","vol":"6","page":562},{"text":"فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمِنْحَةُ خَادِمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،\nــ\nبالضم: السرادق من الأبنية كالفُسَّاط والفُسْتاط والفُسَّات ويكسرن، وفي (الصراح) (١): خيمة وخركَاه بزركَ، وفي (النهاية) (٢): هو ضرب من الأبنية في السفر دون السُّرادق، وقد يجيء بمعنى أهل الكورة والمدينة التي فيها مجمع الناس، ومنه: (عليكم بالفُسْطاطِ فإنَّ يدَ اللَّه على الفُسْطاطِ)، ومعناه أن جماعة أهل الإسلام في كنف اللَّه فأقيموا فيهم ولا تفارقوهم، وعَلَمٌ لمصر العتيقة التي بناها عمرو بن العاص. وقيل: هو ضرب من الأبنية وبه سميت المدينة.\nثم المراد بـ (ظل فسطاط) في الحديث استظلال المجاهدين في الخيمة، وقيل: المراد منحة فسطاط لكنه ذكر الظل لأنه المقصود منه.\nوقوله: (ومنحة خادم) منحه كمنعه وضربه: أعطاه، والاسم: المِنْحَة بالكسر، اعلم أن المنحة في الأصل بمعنى العطية والهبة مطلقًا، وغلب في تمليك المنفعة بلا عوض دون الرقبة، وأكثر ما يستعمل في الناقة تُمنَح وتعطى لأحد ينتفع بلبنها مدة لكونها غالبَ عطايا العرب، ثم تُسترَدُّ، وليست مخصوصة باللبن بل يجعل وبرها ولبنها وولدها كما قال في (القاموس) (٣)، وقد وقع في الحديث: (من منحَ منيحةَ ورَقٍ) يشمل ما يمنح من شجرة لأكل ثمرتها أو أرض لزرعها، ومنه ما وقع في هذا الحديث: (ومنحة خادم) أي: هبته وعطيته في سبيل اللَّه بأن يعطي أحدًا من المجاهدين خادمًا يخدمه أو يتركه بينهم يخدمهم ويعينهم.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٢٩٦).\n(٢) \"النهاية\" (٣/ ٤٤٥).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٣٥).","vol":"6","page":563},{"text":"أَوْ طَرُوقَةُ فَحْلٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٦٢٧].\n٣٨٢٨ - [٤٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَلِجُ النَّارَ مَنْ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ، وَلَا يَجْتَمِعُ عَلَى عَبْدٍ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَدُخَانُ جَهَنَّمَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ النَّسَائِيُّ فِي أُخْرَى: \"فِي مَنْخِرَيْ مُسْلِمِ أَبَدًا\" وَفِي أُخْرَى لَهُ: \"فِي جَوْفِ عَبْدٍ أَبَدًا،\nــ\nوقوله: (أو طروقة فحل) الطرق: الضرب أو بالمطرقة بالكسر، والمراد بطروقة الفحل الناقة يطرقها الفحل، أي: بلغت أوانَ أن يطرق، فهي فَعُولة بمعنى مفعولة، والرواية بالرفع فهي معطوفة على قوله: (منحة خادم)، فيجب القول بحذف المضاف، أي: منحةُ طَرُوق، ولو كانت الرواية بالجر لم يحتج إلى حذف المضاف ولكن لم تثبت، واللَّه أعلم.\n٣٨٢٨ - [٤٢] (أبو هريرة) قوله: (حتى يعود اللبن في الضرع) بالمحال، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠].\nوقوله: (في منخري مسلم) المنخر بفتح الميم وكسر الخاء وقد يكسر ميمه إتباعًا للخاء، وقد يفتح الخاء إتباعًا للميم: خرق الأنف، وحقيقته موضعُ النَّخِير، وهو مدُّ النفس في الخياشيم، والنخير صوت الأنف، وفي الحديث: (لما خلقَ اللَّهُ إبليسَ نخَرَ)، كذا في الحاشية. وقال في (القاموس) (١): المنخر بفتح الميم والخاء وبكسرهما وضمهما وكمجلس: خرق الأنف، وقال: الخياشيم غراضيف في أقصى الأنف بينه وبين الدماغ.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٤٧).","vol":"6","page":564},{"text":"وَلَا يَجْتَمعُ الشُّحُّ وَالإِيمَانُ فِي قَلْبِ عَبْدٍ أَبَدًا\". [ت: ١٦٣٣، ن: ٣١٠٧].\nــ\nقوله: (ولا يجتمع الشح والإيمان) في (القاموس) (١): الشح: البخل والحرص، وفي (النهاية) (٢): الشح: أشد البخل، وقيل: هو البخل مع الحرص، وقيل: البخل في أفراد الأمور وآحادها، والشح عام، وقيل: البخل بالمال، والشح بالمال والمعروف.\nوفي (المشارق) (٣): الشح: البخل وكثرة الحرص على إمساك ما في اليد وغيره، وقيل: الشح عام كالجنس، والبخل خاص في أفراد الأمور كالنوع له، يقال: رجل شَحِيح وشَحَاح بفتح الشين وتخفيف الحاء، ويقال: شححت أشُحُّ وأشِحُّ شَحًّا بالفتح والاسم بالضم.\nوفي (الصراح) (٤): شح: زفتي وحريصي، شحاح بالفتح: بخيل وزفت وحريص، أرض شحاح: لا تسيل إلا من مطر كثير، وذكر الطيبي (٥): أن البخل هو مطلق المنع، والشح المنع مع الظلم من مال الغير ومنع الزكاة وهو معنى الكنز، ونقل عن (الكشاف): والكزازة الانقباض واليبس؛ لأن المنع إذا انضم إلى الكزازة والحرص حمل الإنسان على رذائل الأخلاق بخلاف المنع مطلقًا.\nوفي (مجمع البحار) (٦): قال ابن عمر لمن قال: إني شحيح: إن كان شحُّك\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢١٩).\n(٢) \"النهاية\" (٢/ ٤٤٨).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٤١٣).\n(٤) \"الصراح\" (ص: ١٠٢).\n(٥) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٩٢).\n(٦) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ١٨٥ - ١٨٦).","vol":"6","page":565},{"text":"٣٨٢٩ - [٤٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ. . . . .\nــ\nلا يحملك على أن تأخذ ما ليس لك فليس بشحك بأس، وقال ابن مسعود لمن قال: لا أعطي ما أقدر على منعه، قال: ذلك البخل، والشح أن تأخذ مال الغير بغير حق.\nوقال التُّورِبِشْتِي (١): الشح بخل مع حرص، والإنسان مجبول عليه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]، والنبي -ﷺ- استعاذ من الشح المطاع، ولم يستعذ من الشح لعلمه أنه أمر جِبِلِّيٌّ فُطِرَ عليه الإنسانُ، فكل ما كان من هذا القبيل لم يخل من المصلحة، والإنسان إنما جبل عليه ليكون شحيحًا بدينه، وليتمكن من الإمساك حيث أمر بالإمساك، والمحمود منه ما كان في سلطان القلب، والمذموم منه المطاع، وذلك إذا غلب سلطانه على القلب، ومركز الشح النفس، فلا يتمكن من القلب إلا بعد خلوِّه من الإيمان باستيلاء سلطان النفس على القلب، فإن النفس ظلمانية والقلب نوراني، واستيلاء كل واحد منهما على الآخر يدل على زوال الصفة المضادة، والضدان لا يجتمعان، انتهى.\nهذا ومع ما ذكر كله يكون المراد بالإيمان كماله، فإن الشح ليس كفرًا بدليل إثباته للمؤمن كما في قوله -ﷺ-: (خير الصدقة أن تتصدق وأنت صحيح شحيح) كما قالوا في أمثال ذلك.\n٣٨٢٩ - [٤٣] (ابن عباس) قوله: (تحرس) بضم الراء أي: تكون حارسًا للمجاهدين تحفظُهم وأموالَهم عن الأعداء، ونسبة الحراسة إلى العين مجازية، فالعين الباكية من خشية اللَّه مجاهدةٌ مع النفس، والحارسةُ مع الكفار، فاشتركا في عدم مِسَاس\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٨١).","vol":"6","page":566},{"text":"فِي سَبِيلِ اللَّهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٦٣٩].\n٣٨٣٠ - [٤٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَرَّ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِشِعْبٍ فِيهِ عُيَيْنَةٌ مِنْ مَاءٍ عَذْبَةٌ فَأَعْجَبَتْهُ فَقَالَ: لَوِ اعْتَزَلْتُ النَّاسَ فَأَقَمْتُ فِي هَذَا الشِّعْبِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ مَقَامَ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ سَبْعِينَ عَامًا، أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَيُدْخِلَكُمُ الْجَنَّةَ؟ اغْزُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُوَاقَ ناقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجنَّة\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٦٥٠].\nــ\nالنار إياهما.\n٣٨٣٠ - [٤٤] (أبو هريرة) قوله: (بشعب) الشعب بالكسر: الطريق في الجبل، ومسيل الماء في بطن، وما انفرج بين الجبلين، كذا في (القاموس) (١). ولعل المعنى الأخير أنسب بالمقام وأظهر.\nوقوله: (فيه عيينة) تصغير عين، وفي بعض النسخ: (غيضة) وهي الأَجَمة، ولعل معنى كونها من ماء وجودُ الماء فيها، وإلا فغاضَ الماءُ بمعنى نضَبَ، فلا يناسب الإعجاب، ولهذا قالوا: هذا ليس بسديد معنًى، ولم يشهد له رواية.\nوقوله: (عذبة) بالرفع صفة (عيينة)، وقد يجرُّ على الجِوار، و(لو) في (لو اعتزلت) للتمني أو للشرط والجزاء محذوف، وهذه العبارة كثيرة الوقوع، وهي محمولة على المعنيين.\nوقوله: (ألا تحبون أن يغفر اللَّه لكم) قيل: يفهم منه أنه لا مغفرةَ بالاعتزال\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٧).","vol":"6","page":567},{"text":"٣٨٣١ - [٤٥] وَعَنْ عُثْمَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْمَنَازِلِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ١٦٦٧، ن: ٣١٦٩].\n٣٨٣٢ - [٤٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"عُرِضَ عَلَيَّ أَوَّلُ ثَلَاثَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ: . . . . .\nــ\nوالعبادة في الشِّعب، ويجاب بأن الرجل كان صحابيًا قد وجب عليه الغزو في ذلك الزمان، وتركُ الواجب بالنفل معصيةٌ، ويمكن أن يحمل المغفرة على الكاملة منها، ودخولِ الجنة مع السابقين، وهو دليل على أفضلية الصحبة على الاعتزال خصوصًا صحبة الرسول -ﷺ-، نعم قد يفضل الاعتزال بعد زمانه -ﷺ- عند الفتن.\n٣٨٣١ - [٤٥] (عثمان) قوله: (رباط يوم في سبيل اللَّه خير) الحديث، هذا في حقِّ مَن فُرِضَ عليه المرابطة، فاشتغاله بغيره معصية وإن كان في المسجد مثلًا الذي ورد فيه: (فذلكم الرِّباطُ)، فافهم.\n٣٨٣٢ - [٤٦] (أبو هريرة) قوله: (أول ثلاثة يدخلون الجنة) قد علم في أصول الفقه أن النكرة الموصوفة تفيد الاستغراق، فيكون المعنى أول كل ثلاثة من الداخلين هؤلاء الثلاثة، ولا شك أنه يدخل الجنة ثلاثة، فهؤلاء الثلاثة الموصوفون بهذه الصفات أولهم، وليسوا أشخاصًا بل هم ثلاث جماعات، وقد روي: (أول ثُلَّة) بضم المثلثة وتشديد اللام بمعنى الجماعة، وقد ورد أحاديث في السابقين من الأشخاص كرسول اللَّه -ﷺ- وسائر الأنبياء ﵈، وتقدم هذه الأمة على سائر الأمم، فمن بين الأمة يسبقون هذه الطوائف الثلاثة، ثم تقديم أحد الثلاثة المذكورين ليس مدلولًا للعبارة إلا أن يفهم بالإشارة إلى ذلك من التقديم في الذكر، فافهم.","vol":"6","page":568},{"text":"شَهِيدٌ، وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ، وَعَبَدٌ أَحْسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ وَنَصَحَ لِمَوَالِيهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٦٤٢].\n٣٨٣٣ - [٤٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُبْشِيٍّ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- سُئِلَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: . . . . .\nــ\nوقوله: (وعفيف متعفف) قال في (القاموس) (١): عفّ عَفًّا وعَفَافًا بالفتح وعِفة بالكسر: كفّ عما لا يحل ولا يَجمُلُ، وتعفف: تكلف، انتهى. أقول: ويمكن أن تكون صيغة التفعُّل للمبالغة، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): عفيف عمَّا لا يحل، متعفِّفٌ عن السؤال، وكذا قال في (المشارق) (٣)، فعلى المعنى الأول يكون كالتأكيد، وعلى الثاني يكون تأسيسًا، وقيل: العفيف الصابر المتنزه عما لا يليق، والمتعفف تابع له على سبيل المبالغة.\n٣٨٣٣ - [٤٧] (عبد اللَّه بن حُبْشي) قوله: (وعن عبد اللَّه بن حبشي) بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة.\nوقوله: (أي الأعمال أفضل؟) واعلم أنه قد وقع في أحاديث متعددة بيان الأفضل من الأعمال بأعمال مختلفة، وحاصل الجمع بينها بأنه -ﷺ- أجاب في كل مقام بما يناسب حالَ السائل، فمن رأى فيه شيئًا من أمارات الكبر والشدة أجابه بأنه التواضع كإفشاء السلام ولين الكلام، أو البخل أجابه بأنه الجود والسخاوة كإطعام الطعام، أو التكاسل في العبادة أجابه بأنه الصلاة بالليل والناس نيام، وهكذا، فالمراد\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٧٣).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٨٢).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٦٩).","vol":"6","page":569},{"text":"\"طُولُ الْقِيَامِ\" قِيلَ: فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"جُهْدُ الْمُقِلِّ\" قِيلَ: فَأَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ\" قِيلَ: فَأَيُّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"مَنْ جَاهَدَ الْمُشْرِكِينَ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ، قِيلَ: فَأَيُّ الْقَتْلِ أَشْرَفُ؟ قَالَ: \"مَنْ أُهْرِيقَ دَمُهُ، وَعُقِرَ جَوَادُهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.\nوَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- سُئِلَ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"إِيْمانٌ لَا شكَّ فِيهِ، وَجِهَادٌ لَا غُلُولَ فِيهِ، وَحَجَّةٌ مَبْرُورَةٌ\" قِيلَ: فَأَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"طُولُ الْقُنُوتِ\". ثُمَّ اتَّفَقَا فِي الْبَاقِي. [د: ١٤٤٩، ن: ٢٥٢٦].\nــ\nالأفضل في حق السائل، أو المقصود من أفضل الأعمال، وقد سبق الكلام في مثله في موضعه فتدبر.\nوقوله: (طول القيام) أي: في الصلاة، و(جهد المقل) أي: تصدق الفقير من ماله مع احتياجه إليه فيعطيه بجهد ومشقة، وهذا إذا صحَّ التوكُّلُ ولم يُضِعْ حقَّ العيال، وقد سبق بيانه في (كتاب الزكاة) في (باب أفضل الصدقة).\nوقوله: (من هجر) أي: هجرةُ مَنْ هجَرَ بحذف المضاف، وكذا في قرينه.\nوقوله: (وعقر جواده) يعني بذل نفسه وماله وجواده، وقيل: عقر الجواد كناية عن غاية الشجاعة، وتغييرُ الأفضل إلى الأشرف في القتل تفنُّنٌ مع تضمن زيادة المبالغة في باب فضل هذه الخصلة.\nوقوله: (إيمان لا شك فيه) إشارة إلى قوة اليقين وكماله، وإلا فالإيمان لا يكون مع الشك إلا أن يُكتفى فيه بغَلَبةِ الظنِّ كما قيل، والمراد بالشك معناه اللغوي لا تَساوي الطرفين، و(الغلول) الخيانة في الغنيمة، والمراد بالحَجَّة المبرورة المقبولةُ، وقد سبق في كتاب الحج، و(القنوت) بمعنى القيام.","vol":"6","page":570},{"text":"٣٨٣٤ - [٤٨] وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، وَيُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الْفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، الْيَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا،\nــ\n٣٨٣٤ - [٤٨] (المقدام بن معدي كرب) قوله: (يغفر له في أول دفعة) الدفعة بالفتح: المرة من الدفع، ويالضم من المطر، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): دفعة بالضم: باران كه بيك بار آيد، دفعة بالفتح: يكبار، فعلم أن أصله في المطر يستعمل في غيره كالدم ونحوه تشبيهًا واستعارة، والرواية في الحديث على الوجهين، وبالضم أظهر، أي: يغفر للشهيد في أول صبّه من دمه.\nوقوله: (ويرى) بلفظ المجهول، والضمير فيه للشهيد، و(مقعده) منصوب على أنه مفعول ثانٍ، أي: يرى مكانه في الجنة عند انزهاق روحه، وكأنه عدهما واحدًا؛ لأن الثاني من تتمة الأول، وإلا تصير سبعة.\nوقوله: (ويجار) أي: يحفظ ويؤمن، من أجاره: أنقذه وأعاذه، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦].\nوقوله: (ويأمن من الفزع الأكبر) وهو النفخة الأولى، فسَّر بها الزمخشري والبيضاوي قوله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣].\nوقوله: (ويوضع على رأسه تاج الوقار) التاج: الإكليل، والوقار بفتح الواو: الرَّزانة، أي: تاجٌ هو سبب العزة والعظمة، والضمير في قوله: (منها) للتاج، والتأنيث\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٥٩).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٣١١).","vol":"6","page":571},{"text":"وَيُزَوَّجُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقْرِبَائِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٦٦٣، جه: ٢٧٩٩].\n٣٨٣٥ - [٤٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ لَقِيَ اللَّهَ بِغَيْرِ أَثَرٍ مِنْ جِهَادٍ لَقِيَ اللَّهَ وَفِيهِ ثُلْمَةٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٦٦٦، جه: ٢٧٦٣].\n٣٨٣٦ - [٥٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الشَّهِيدُ لَا يَجِدُ أَلَمَ الْقَتْلِ إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ أَلَمَ الْقَرْصَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: . . . . .\nــ\nباعتبار أنه علامة العز والشرف، أو باعتبار أنه مجموعة من الجواهر وغيرها، كذا في الحواشي. و(الحور) نساء أهل الجنة جمع حَوْراء، وهي الشديدةُ بياضِ العَين الشديدةُ سوادِها، و(العين) جمع عَيْناء وهي الواسعة العَين، كذا في (النهاية) (١).\n٣٨٣٥ - [٤٩] (أبو هريرة) قوله: (من جهاد) صفة لـ (أثر) وفسروه بجراحة أو تعب أو بذل مال أو تهيئة أسباب الجهاد.\nوقوله: (فيه ثلمة) بضم المثلثة وسكون اللام في الأصل بمعنى فرجة المكسور والمهدوم، والمراد هنا النقصان في دينه، ونقل الطيبي (٢) أنه يعم جهاد العدو والنفس والشيطان، ويؤيده حديث أبي أمامة الآتي.\n٣٨٣٦ - [٥٠] (وعنه) قوله: (ألم القرصة) بالفتح: المرَّة من القَرْص، وهو\n_________\n(١) \"النهاية\" (٢/ ٢٨٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٩٧).","vol":"6","page":572},{"text":"هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٦٦٨، ن: ٣١٦١، دي: ٢/ ٢٠٥].\n٣٨٣٧ - [٥١] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قَطْرَتَيْنِ وَأَثَرَيْنِ: قَطْرَةِ دُمُوعٍ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَقَطْرَةِ دَمٍ يُهْرَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَمَّا الأَثَرَانِ: فَأَثَرٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَأَثَرٌ فِي فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٦٦٩].\nــ\nأخذُ لحمِ إنسانٍ بأصبعك حتى تؤلمَه، ولَسْعُ البَراغِيثِ، كذا في (القاموس) (١)، قال الطيبي (٢): وذلك في شهيد يتلذذ ببذل مهجته في سبيل اللَّه طيبًا به نفسه، أقول: يحتمل أن يكون المراد أن ألَم القتل للشهيد بالقياس إلى لذاته التي يجد بعد الموت ليس إلا بمنزلة ألم القرصة فليطب نفسًا بذلك، وذلك في كل شهيد يكون قتاله في سبيل اللَّه، واللَّه أعلم.\n٣٨٣٧ - [٥١] (أبو أمامة) قوله: (قطرة دموع) أي: قطراتها، أفردت لعدم الاشتباه مع ما فيه من إيهام أنه يكفي في ذلك قطرة واحدة، وصرح بهذا المعنى في قوله: (وقطرة دم) إشارة إلى فضل إهراق الدم على تقاطر الدمع، فافهم.\nوقوله: (فأثر في سبيل اللَّه) كالجراحة ونحوها، والأثر في الفريضة كبقاء بلل الوضوء وسيماء الوجه في السجود، واصفرار اللون في التهجد، وخلوف الفم في الصوم، واغبرار قدميه في الحج، وانشقاق الجبهة في الرمضاء، وانشقاق العقب من برد ماء الوضوء، ونحو ذلك.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٧٨).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٢٩٧).","vol":"6","page":573},{"text":"٣٨٣٨ - [٥٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَرْكَبِ الْبَحْرَ إِلَّا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ تَحْتَ الْبَحْرِ نارًا وَتَحْتَ النَّارِ بَحْرًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٤٨٩].\n٣٨٣٩ - [٥٣] وَعَنْ أُمِّ حَرَامٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"الْمَائِدُ فِي الْبَحْرِ الَّذِي يُصِيبُهُ الْقَيْءُ لَهُ أَجْرُ شَهِيدٍ، وَالْغَرِيقُ لَهُ أَجْرُ شَهِيدَيْنِ\". . . . .\nــ\n٣٨٣٨ - [٥٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (لا تركب البحر إلا حاجا أو معتمرًا أو غازيًا في سبيل اللَّه) يعني أن العاقل لا ينبغي أن يلقي نفسه في المهالك إلا لأمر ديني يتقرب به إلى اللَّه، ويحسن بذل النفس، وفيه جواز ركوب البحر للحج والغزو وفضيلته (١).\nوقوله: (فإن تحت البحر نارًا. . . إلخ)، قيل: هو على ظاهره، فإن اللَّه على كل شيء قدير، وقد يحتمل قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ [الطور: ٦] على هذا المعنى، وقيل: المراد تهويل شأن البحر وتفخيم الخطر في ركوبه، فإن راكبه متعرض للآفات والمهالك بعضها فوق بعض، واللَّه أعلم.\n٣٨٣٩ - [٥٣] (أم حرام) قوله: (المائد في البحر) مادَ يمِيدُ مَيْدًا ومَيَدَانًا: تحرَّك، والشرابُ: اضطربَ، والرجلُ: أصابه غَشَيان ودوران من سُكْر أو ركوبِ بحرٍ.\nوقوله: (الغريق له أجر شهيدين) وفيه فضل الغريق، وقد ورد: (خِيارُ الشهداءِ\n_________\n(١) وفيه رد على من قال: إن البحر عذر لترك الحج، والصواب ما قاله الفقيه أبو الليث السمرقندي من أنه إذا كان الغالب السلامة ففرض عليه يعني وإلا فهو مخير، قاله القاري في \"المرقاة\" (٦/ ٢٤٨٤).","vol":"6","page":574},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٢٤٩٣].\nــ\nأصحابُ الوَكْفِ) كما ذكرنا في شرح الترجمة، قالوا: هذا إن كان ركوبه للغزو أو الحج أو طلب العلم أو صلة الرحم، وأما التجارة فإن كان لتحصيل القوت ولم يكن طريقٌ سواه فهم داخلون في ذلك، وقد منّ اللَّه تعالى في كتابه المجيد على عباده بركوب الفُلْك، وتسخير البحر، وحصول المنافع بذلك، وقد ركب أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- البحر للهجرة إلى الحبشة وللغزو، فمن منع ذلك وجعله من إلقاء النفس في التَّهلُكة مطلقًا فهو محجوج بهذه الحجج، وأما جعله منافيًا لأمن الطريق فهو مردود بأن المعتبر في ذلك الغالب، ولا شك أن الغالب فيه السلامة، وليس ذلك إلا كمراكب البر خصوصًا في المفاوز والجبال، جعل اللَّه تعالى الفُلْكَ مراكبَ البحر كما جعل الإبلَ والفرسَ مراكبَ البرِّ.\nقال سيدي أحمد بن زروق رحمة اللَّه عليه في (شرح حزب البحر) (١): وأما حكم ركوب البحر من حيث هو هو فلا خلاف اليوم في جوازه، وإن اختلف فيه نظر السلف، ثم هو ممنوع في أحوال خمسة:\nأولها: إذا أدى لترك الفرائض أو نقضها فقد قال مالك للذي يميدُ فلا يصلِّي: أيركبُ حيثُ لا يصلِّي؟ ويلٌ لمَن ترك الصلاة.\nوالثاني: إذا كان مخوفًا بارتجاجه من الغرق فيه فإنه لا يجوز ركوبه لما فيه من الإلقاء في التهلكة، وذلك من دخول الشمس العقرب إلى آخر الشتاء.\nوالثالث: إذا خيف فيه الأسر واستيلاء العدو في النفس والمال فلا يجوز ركوبه، بخلاف ما إذا كان معهم أمان والحكم للمسلمين لقوة يدهم وأخذ رهانيهم وما في\n_________\n(١) \"مخطوطة شرح حزب البحر\" (ص: ١٧ - ١٩).","vol":"6","page":575},{"text":"٣٨٤٠ - [٥٤] وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ فَصَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمَاتَ أَوْ قُتِلَ. . . . .\nــ\nمعنى ذلك.\nالرابع: إذا أدى ركوبه إلى الدخول تحت أحكامهم والتذلل لهم ومشاهدة منكراتهم [مع الأمن على النفس والمال بالاستيثاق منهم]، فقد أجراها بعض المشايخ على مسألة التجارة في أرض العدو، ومشهور المذهب فيها الكراهة، وهي من قبيل الجائز، وعليه ركوب أئمة العلماء والصلحاء، وكانوا استخفُّوا الكراهةَ فِي مقابلة تحصيل الواجب الذي هو الحج وما في معناه.\nالخامس: إذا خيف بركوبه كشف عورة كركوب المرأة في مركب صغير لا تقع لها فيه سترة.\nوقال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص: صف لي البحر، فقال: يا أمير المؤمنين! مخلوقٌ عظيمٌ، يركبه خَلقٌ ضعيف، دود على عود، فقال عمر رضي اللَّه تعالى عنه: لا جرم لولا الحج والجهاد لضربت من يركبه عنقه بالدرة، ثم منع ركوبه ورجع عن ذلك بعد مدة، وكذلك وقع لعثمان ومعاوية، ثم استقر الأمر على جوازه بشرطه، وباللَّه سبحانه التوفيق، تم كلام ابن زروق، واللَّه أعلم.\n٣٨٤٠ - [٥٤] (أبو مالك الأشعري) قوله: (من فصل في سبيل اللَّه) في (القاموس) (١): فصَلَ من البلد فُصُولًا: خرج منه، وفي الحديث: (بعد أن فصَلُوا) أي: رحَلُوا وبانوا عن المقيمين، كذا في (المشارق) (٢)، وقيل: أصله فصَلَ نفسَه عنه،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٦٠).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٦٧).","vol":"6","page":576},{"text":"أَوْ وَقَصَهُ فَرَسُهُ أَوْ بَعِيرُهُ أَوْ لَدْغَتْهُ هَامَّةٌ أَو مَاتَ عَلَى فِرَاشهِ بِأَيِّ حَتْفٍ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهُ شَهِيدٌ وَإِنَّ لَهُ الْجنَّةَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٤٩٩].\nــ\nلكن لما كثر حذف مفعوله صار كاللازم بمعنى انفصَلَ، كذا في (التفسير)، فالتقدير من خرج عن بلده قاصدًا الجهاد في سبيل اللَّه.\nوقوله: (أو وقصه فرسه) وقَصَ عنقَه كوعد: كسرها، فوقَصَت لازم متعد. و(الهامة) بتشديد الميم: كلُّ ذاتِ سُمٍّ، وجمعه هَوَامُّ، وكذا السامَّةُ، وقد يفرق بأن الأول ما يقتل، والثاني ما لا يقتل كالعقرب والزُّنبور، وقد تقع الهامَّةُ على ما تدبُّ من الحيوان وإن لم يسمَّ ولا يقتل كالحشرات والقمل، و(الحتف) الموت، وقولهم: مات حَتْفَ أنفِه، أي: على فراشه من غير قتل ولا ضرب ولا غرق ولا حرق، وخص الأنف لأنه أراد أن روحهَ تخرجُ من أنفه، والجريح من جراحته، كذا في (القاموس) (١). وقال في (النهاية) (٢): كأنه سقط لأنفه فمات، والحتف الهلاك، وقال السيوطي في (مختصر النهاية) (٣): قال ابن الجوزي: وإنما قيل ذلك لأن نفسه تخرج من فيه وأنفه، فغلب أحد الاسمين، وهو أولى مما ذكره صاحب (النهاية)، وأولُ مَن نطق بهذه الكلمة النبيُّ -ﷺ-، ولم تُسمَع من أحد من العرب قبله كما ثبت في (المسند) و(المستدرك) (٤).\nوقوله: (وإن له الجنة) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١].\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٣٦).\n(٢) \"النهاية\" (١/ ٣٣١).\n(٣) \"الدر النثير\" (١/ ٢٠٨).\n(٤) \"المستدرك\" (٢/ ٩٧).","vol":"6","page":577},{"text":"٣٨٤١ - [٥٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"قَفْلَةٌ كَغَزْوَةٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٤٨٧].\nــ\n٣٨٤١ - [٥٥] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (قفلة كغزوة) القفلة: الرجوع من السفر، قفل: إذا عاد من سفره، وقد يقال للسفر في ابتدائه: قُفُول، ومنه يقال لجماعة المسافرين: قافلة تفاؤلًا، وأكثر ما يستعمل في الرجوع، وهو حقيقته، وهو المراد هاهنا، ثم يقال في معنى هذا الكلام: إن رجوع المجاهد إلى وطنه في حكم ذهابه للجهاد بمعنى أن أجره في انصرافه إلى أهله كأجره في إقباله إلى الجهاد، يعني يبقى أجره وثوابه إلى حين الرجوع أداءً لحقِّ الأهل والعِيال، كما قيل ذلك في الحج أيضًا، بل في كل ذهابٍ إلى الطاعة، ورجوعٍ منها إلى البيت، فالرجوع من تتمة الذهاب، هذا هو الوجه، رجحه بعض الشارحين.\nلكن التنكير في قوله: (قفلة) ربما ينظر إلى أن المراد منها قفول مخصوص ونوع خاص منه، فإن الظاهر على المعنى المذكور أن يقال: القفلة كالغزوة.\nفقيل: معناه أن هذا ورد في قوم قفلوا لمصلحة فيه كخوفهم أن يدهمهم من عدوهم مَن هو أكثر عددًا منهم فقفلوا ليستضيفوا إليهم عددًا آخر من أصحابهم، ثم يَكُرُّوا على عدوهم، وقيل: المراد بالقُفُول هاهنا التعقيب، وهو الرجوع ثانيًا في الوجه الذي جاء منه منصرفًا وإن لم يلقوا عدوًا ولم يشهدوا قتالًا، وقد يفعل الجيش ذلك إذا انصرفوا من مغزاهم؛ لأن العدو إذا رآهم قد انصرفوا عنهم أمنوهم وخرجوا من أمكنتهم، فإذا قفل الجيش إليهم نالوا الفرصة فأغاروا عليهم.\nوقال التُّورِبِشْتِي (١): الوجه الأول أقوم؛ لأن القفول إنما يستعمل في الرجوع\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٨٤).","vol":"6","page":578},{"text":"٣٨٤٢ - [٥٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لِلْغَازِي أَجْرُهُ، وَلِلْجَاعِلِ أَجْرُهُ وَأَجْرُ الْغَازِي\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٢٦].\nــ\nعن الوجه الذي ذهب إليه لحاجة إلى حيثُ توجَّه منه، انتهى. وهذا إنما ذكره لترجيحه على الوجه الثالث؛ لأن القفول فيه محمول على الرجوع إلى ما انصرفوا عنه، وهو المغزى لا إلى حيث توجه منه وهو الوطن، وأما الوجه الثاني وهو منقول عن الطحاوي، فالقفول فيه محمول على ما حمل عليه في الوجه الأول.\nوأقول -واللَّه أعلم-: يمكن أن يكون المراد إراءة العدو صورة القفول في المعركة بالانصراف إلى جهة أخرى من غير انصراف إلى البيت أو المغزى حتى يظن العدو أنهم رجعوا فيغفلوا ويهنؤوا فيكروا عليهم من تلك الجهة، وذلك من خداعات الحرب، فافهم.\n٣٨٤٢ - [٥٦] (وعته) قوله: (للغازي أجره، وللجاعل أجره وأجر الغازي) الجاعل من يدفع جُعْلًا إلى غازٍ ليغزوَ، والجُعْل بالضم: ما يجعل للإنسان على عمله، وكذا الجَعِيلةُ والجُعَالة مثلثة، وغلب بالفتح على ما يجعل إذا غزا عنك، وجعل له كذا على كذا شارطه به عليه، فمن جعل شيئًا من ماله أحدًا ليغزو فللغازي أجز واحد وهو أجرُ غَزوِه، ولهذا الجاعل أجران، أحدهما أجر إنفاق ماله، والآخر أجر غزو ذلك الغازي لتسبّبه في ذلك، فيكون شريكًا في الثواب.\nثم اعلم أن بعض الشارحين حملوا هذا الحديث على الاستئجار كما هو الظاهر من لفظ الجعل، وقالوا: إنه قد اختلف في جواز أخذ الأجرة على الجهاد، فرخص فيه الزهري ومالك ونسبوه إلى الحنفية أيضًا على ما نقل الطيبي (١) لظاهر هذا الحديث،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٠١).","vol":"6","page":579},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nولم يجوِّزه قوم ومنهم الشافعي وقال: لا يجوز أن يغزو بجعل وأوجب ردَّه إن أخذَ، ومعنى الحديث عندهم أن يحمل الجاعل على المجهِّزِ للغازي والمعين له من غير استئجار وشرط.\nوقال التُّورِبِشْتِي (١) -وهو من الحنفية-: لم يرد بالجاعل في هذا الحديث المستأجِرَ ولا بالمجعولِ له الأجيرَ، ولهذا ذكره بلفظ الجعل لا بلفظ الإجارة، وعبَّرَ عن المجعول له بالغازي لا بالأجير، وإنما أراد بالجاعل الذي يتبرَّع بشيء يعطيه من ماله لمن يستعين به على الجهاد وينفقه على نفسه وعياله، ثم ذكر أن للمجعول له أجرًا وهو أجر الغزو، وللجاعل أجرين: أجرًا على ما بذل من المال، وأجرًا على ما حرَّضَ وحثَّ عليه من القتال حتى شارك الغزاة، انتهى.\nيعني أخذ الأجرة على الجهاد وإن كان جائزًا عند الحنفية فذلك إنما هو رخصة منهم في أصل الجواز وعدم وجوب الرد كما هو مذهب الشافعي، ولكن ليس فيه غزو وأجر، بل الظاهر أنه مع وجود الجواز يكون مكروها لأخذ الأجرة على الطاعة كما يفهم من عبارة (الهداية) (٢) في كراهة أخذ الإمام الجُعلَ من الناس على الجهاد، ما دام [فيءٌ] في بيت المال بدليل حديث أبي أيوب الآتي الدالِّ على حصره في كونه أجيرًا، يعني: لا غازيًا ومجاهدًا، وحديث يعلى بن أمية الناطقِ بأنه لا أجرَ له في الدنيا وهو السهمُ، ولا في الآخرة وهو الثوابُ.\nفعلى ما ذكروا ليس في حديث ابن عمر حجة للحنفية على جواز أخذ الأجرة\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٨٤).\n(٢) انظر: \"الهداية\" (٢/ ٣٧٨).","vol":"6","page":580},{"text":"٣٨٤٣ - [٥٧] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبٍ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمُ الأَمْصَارُ، وَسَتَكُونُ جُنُود مُجَنَّدَةٌ، يُقْطَعُ عَلَيْكُمْ فِيهَا بُعُوثٌ،\nــ\nعلى الجهاد، ويكون وجه تجويزهم أنه عقد صحيح بحسب ظاهر الحكم، غايته أنه لا يكون فيه أجر وثواب، وأما ثبوت السهم للأجير فحديث يعلى بن أمية ينفيه، واختلفوا في الأجير للعمل وحفظ الدواب مثلًا فقيل: لا سهمَ له قاتل أو لم يقاتل، إنما له أجرةُ عملِه، وهو مذهب بعض السلف وأحد قولي الشافعي، وعند مالك وأحمد رحمهما اللَّه يُسهَمُ له وإن لم يقاتل إذا كان مع الناس عند القتال، وقيل: يخير بين الأجرة والسهم، كذا نقل الطيبي (١).\nوقال التُّورِبِشْتِي (٢): وأما قول من ذهب من العلماء إلى أن الأجير يُسهَمُ له إذا حضر الواقعة، فإنه محمول على أن حديث يعلى بن أمية إما لم يثبت عندهم أو رآه مخصوصًا في الحكم بذلك الأجير لأنه قال ذلك في أجير بعينه، وأما حديث أبي أيوب فلا دليل فيه على أن الأجير لا سهمَ له، إنما فيه أنه لا ينال ثواب الغزاة لأنه عمل عملًا مدخولًا فيه، واللَّه أعلم.\n٣٨٤٣ - [٥٧] (أبو أيوب) قوله: (جنود مجندة) الجُنْدُ: العَسكَر والأعوان، ومجنَّدة، أي: مجموعة، يقال: قَناطِيرُ مقَنطَرة.\nوقوله: (يقطع) أي: يُقدَرُ (عليكم)، وقطعُ الجيش: إفرازُه من بين الناس، و(فيها) أي: في الجنود (بعوث) أي: جيوش يُبعَثون إلى الغزو من كل قبيلة، وهذا البعث يحتمل أن يكون إلى الأمصار لفتحها أو إلى غيرها بعد فتحها.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٠١).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٨٤).","vol":"6","page":581},{"text":"فَيَكْرَهُ الرَّجُلُ الْبَعْثَ فَيَتَخَلَّصُ مَنْ قَوْمِهِ، ثُمَّ يتَصَفَّحُ الْقَبَائِلَ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ مَنْ أَكْفِيهِ بَعْثَ كَذَا، أَلَا وَذَلِكَ الأَجِيرُ إِلَى آخِرِ قَطْرَةٍ مِنْ دَمِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ [د: ٢٥٢٥].\n٣٨٤٤ - [٥٨] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ أُميَّةَ قَالَ: آذَنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالْغَزْوِ وَأَنَا شَيْخٌ كَبِيرٌ لَيْسَ لِي خَادِمٌ، فَالْتَمَسْتُ أَجِيرًا يَكْفِينِي، فَوَجَدْتُ رَجُلًا سَمَّيْتُ لَهُ ثَلَاثَةَ دَنانِيرَ،\nــ\nوقوله: (فيكره الرجل) اللام للعهد الذهني (البعث) أي: بعثَ الإمامِ إياه أي: الخروجَ مع الجيش إلى الغزو بلا أجرة، (فيتخلص) أي: يخرجُ ويفرُّ من قومه طلبًا للخلاص من الغزو، (ثم يتصفح القبائل) أي: بعد أن فارق هذا الرجلُ المتقاعدُ عن الغزو لوجه اللَّه يتفحَّص ويتتبع القبائل عارضًا نفسه عليهم قائلًا: (من أكفيه بعث كذا) أي: مَن يُعطِيني ويشترطُ لي شيئًا من الأجرة ويأخذني أجيرًا أكفيه مؤنة جيش كذا كما يكفيني هو مؤنتي؟\nوقوله: (ألا وذلك الأجير) ألا حرف تنبيه و(ذلك) إشارة إلى الرجل الذي يكره البعث لوجه اللَّه ويرغب فيه للأغراض الدنيوية، وذلك مبتدأ والأجير خبره وتعريف الخبر للحصر.\nوقوله: (إلى آخر قطرة من دمه) أي: إلى القتل، يعني أنه وإن قُتِلَ فهو أجيرٌ ليس غازيًا، وفي هذه العبارة مبالغة في نفي ثواب الغزو عنه، أي: هو أجيرٌ ليس له إلا الجُعْلُ المشروط، وظاهره أنه لا سهمَ له، فهذا الحديث أيضًا يدل على نفي السهم له، نعم حديثُ يعلى بن أمية أصرحُ وأظهرُ في ذلك، فافهم.\n٣٨٤٤ - [٥٨] (يعلى بن أمية) قوله: (آذن) بالمد، أي: أعلَمَ.","vol":"6","page":582},{"text":"فَلَمَّا حَضَرَتْ غَنِيمَةٌ أَرَدْتُ أَنْ أُجْرِيَ لَهُ سَهْمَهُ، فَجئْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ: \"مَا أَجِدُ لَهُ فِي غَزْوَتِهِ هَذِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِلَّا دَنَانِيرَهُ الَّتِي تُسَمَّى\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٢٧].\n٣٨٤٥ - [٥٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! رجلٌ يُرِيدُ الْجهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَهُوَ يَبْتَغِي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيَا فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"لَا أَجْرَ لَهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥١٦].\n٣٨٤٦ - [٦٠] وَعَنْ مُعَاذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْغَزْوُ غَزْوَانِ، فَأَمَّا مَنِ ابْتَغَى وَجْهَ اللَّهِ، وَأَطَاعَ الإِمَامَ، وَأَنْفَقَ الْكَرِيمَةَ،\nــ\nوقوله: (أن أجري له) بضم الهمزة.\nوقوله: (إلا دنانيره التي تسمى) له، وهذا في الأجير للخدمة، وأما الأجير للغزو الذي دل عليه حديث ابن عمر فغيره، وهو صحيح عند الحنفية، ويكون له السهم، لكن الشارحين لم يذكروا مذهب الحنفية فيه، ولم نجده في (الهداية)، فتدبر.\n٣٨٤٥ - [٥٩] (معاذ) قوله: (عرضًا من عرض الدنيا) في (القاموس) (١): العَرْضُ: المَتاعُ، ويحرك، وكل شيء سوى النقدين، ونقل عن (المغرب) (٢): العرض بفتحتين: حُطَام الدنيا، ويروى بالفتح والسكون.\n٣٨٤٦ - [٦٠] (معاذ بن جبل) قوله: (من ابتغى وجه اللَّه) أي: رضاه، (وأطاع الإمام) بأن أتى على وجه أمره، (وأنفق الكريمة) أي: المختارَ من ماله، فيكون التاء\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٩٥).\n(٢) \"المغرب\" (ص: ١٧٥).","vol":"6","page":583},{"text":"وَيَاسَرَ الشَّرِيكَ، وَاجْتَنَبَ الْفَسَادَ، فَإِنَّ نَوْمَهُ وَنبهَهُ أَجْز كُلُّهُ، وَأَمَّا مَنْ غَزَا فَخْرًا وَرِيَاءً، وَسُمْعَةً، وَعَصَى الإِمَامَ، وَأَفْسَدَ فِي الأَرْضِ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ بِالْكَفَافِ\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ط: ٢/ ٤٦٦، د: ٢٥١٥، ن: ٤١٩٥].\n٣٨٤٧ - [٦١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنِي عَنِ الْجهَادِ فَقَالَ: \"يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو! إِنْ قَاتَلْتَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا بَعَثَكَ اللَّهُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، وَإِنْ قَاتَلْتَ مُرَائِيًا مُكَاثِرًا بَعَثَكَ اللَّهُ مُرَائِيًا مُكَاثِرًا،\nــ\nللنقل من الوصفية إلى الاسمية، أو نفسَه فيكون الموصوف محذوفًا، ويحتمل على الأول أيضًا أن يكون محذوف الموصوف، أي: أموالَه الكريمةَ النفيسةَ.\nوقوله: (وياسر الشريك) من المياسرة بمعنى المساهلة والأخذ باليسر، أي: ساهَلَ الرفيقَ. (واجتنب الفساد) أي: التجاوز عن المشروع قتلًا ونهبًا وتخريبًا وخيانة.\nوقوله: (ونبهه) صحح في بعض النسخ بفتح النون والباء، وفي بعضها بالفتح والسكون. وفي (القاموس) (١): النُّبه بالضم: الفِطنةُ، والقِيامُ من النَّوم.\nوقوله: (أجر) أي: ذو أجر.\nوقوله: (فإنه لم يرجع بالكفاف) أي: بالثواب، وقيل: لم يرجع من الغزو رأسًا برأس بحيث لا يكون له أجر ولا يكون له وزر أكثر من أجره.\n٣٨٤٧ - [٦١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (محتسبًا) أي: ناويًا للثواب.\nوقوله: (مكاثرًا) أي: مُفاخِرًا، والتكاثُر: التَّبارِي في الكثرة في الأنفس والأموال،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٥٤).","vol":"6","page":584},{"text":"يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو! عَلَى أَيِّ حَالٍ قَاتَلْتَ أَوْ قُتِلْتَ، بَعَثَكَ اللَّهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥١٩].\n٣٨٤٨ - [٦٢] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"أَعَجَزْتُمْ إِذَا بَعَثْتُ رَجُلًا فَلَمْ يَمْضرِ لِأَمْرِي أَنْ تَجْعَلُوا مَكَانَةُ مَنْ يَمْضِي لِأَمْرِي؟ \". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَذَكَرَ حَدِيثَ فَضَالَةَ: \"وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ\" فِي \"كتَابِ الإِيمَانِ\". [د: ٢٥٣٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-948> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٨٤٩ - [٦٣] عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي سَرِيَّةٍ،\nــ\nأي: تُغازي لتفاخر أني أكثرُ مالًا وجيشًا، أو يقال ذلك، كذا ذكروا، ويحتمل واللَّه أعلم أن يكون معناه طالبًا لكثرة المال، أي: تغازي للغنيمة.\n٣٨٤٨ - [٦٢] (عقبة بن مالك) قوله: (إذا بعثت رجلا) أي: أميرًا.\nوقوله: (فلم يمض لأمري) أي: لم يذهب، أو لم يمتثِلْ لما أمرته.\nالفصل الثالث\n٣٨٤٩ - [٦٣] (أبو أمامة) قوله: (في سرية) بفتح السين وتخفيف الراء المكسورة وتشديد الياء من خمسة أنفس إلى ثلاث مئة أو أربع مئة، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): سرية: باره از لشكر. ويقال: خيرُ السَّرايا أربعُ مئة، واصطلاحُ أرباب\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩٠).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٥٦٥).","vol":"6","page":585},{"text":"فَمَرَّ رَجُلٌ بِغَارٍ فِيهِ شَيْء مِنْ مَاءٍ وَبَقْلٍ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ بِأَنْ يُقِيمَ فِيهِ وَيَتَخَلَّى مِنَ الدُّنْيَا، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ بِالْيَهُودِيَّةِ وَلَا بِالنَّصْرَانِيَّةِ، وَلَكَنِّي بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَغَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَمَقَامُ أَحَدِكُمْ فِي الصَّفِّ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِهِ سِتِّينَ سَنَةً\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٦٦].\nــ\nالسير هو أن السرية ما لم يحضر فيه النبي -ﷺ-، والذي حضر فيه فهو الغزوة.\nوقوله: (إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية) أي: ما بُعِثتُ للرَّهبانية الشاقَّة (ولكني بعثت بالحنيفية) في (النهاية) (١): الحَنِيفُ: المائل إلى الإسلام الثابت عليه، والحنيف عند العرب مَن كان على دين إبراهيم، وأصل الحَنَف المَيلُ. قوله تعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥] أي: مخلصًا في عبادته مائلًا عن كل الأديان إلى الإسلام. و(السمحة) أي: السَّهْلة، والمساهلة كالمسامحة، والتسميح السير السهل، وأسمحت قرونته: ذلَّت نفسه، والدابةُ: لانَتْ بعدَ استصعابٍ.\nوقوله: (لغدوة أو روحة) الغدوة: السير في أول النهار، والروحة: السير في آخره، قيل: المراد بهما مطلق الزمان، أي: لمحة وساعة.\nوقوله: (خير من الدنيا وما فيها) أي: لو ملكها وتصرف فيها مدتها لغايتها، وقيل: بل لو أنفقها في سبيل اللَّه لكثرة ثواب الجهاد.\nوقوله: (ولمقام أحدكم في الصف) المراد صف القتال، والمراد بالصلاة\n_________\n(١) \"النهاية\" (١/ ٤٤٣).","vol":"6","page":586},{"text":"٣٨٥٠ - [٦٤] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَمْ يَنْوِ إِلَّا عِقَالًا فَلَهُ مَا نَوَى\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٣١٣٨].\n٣٨٥١ - [٦٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"من رَضِي بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ\" فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ فَقَالَ: أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَأَعَادَهَا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: \"وَأُخْرَى يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا الْعَبْدَ مِئَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ\" قَالَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"الْجِهَادُ فِي سَبِيل اللَّهِ، الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٨٤].\nــ\nالنافلة، وقد يراد صف الجماعة، والمراد بيان فضل الصلاة بالجماعة على الصلاة منفردًا.\n٣٨٥٠ - [٦٤] (عبادة بن الصامت) قوله: (إلا عقالًا) أي: تحصيلَ عِقالٍ وهو بالكسر: الحبل الذي يُشَدُّ به رُكبةُ البعيرِ، والمقصود المبالغة في قطع الطمع عن الغنيمة.\n٣٨٥١ - [٦٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (من رضي باللَّه ربًا. . . إلخ)، قد مر شرحه في أول الكتاب مفصلًا، فتذكر.\nوقوله: (فعجب لها أبو سعيد) يريد نفسه من إقامة المظهر مقام المضمر.\nوقوله: (وأخرى) أي: هناك خصلة أخرى، أو أبشرك ببشارة أخرى، وهذا تخصيص بعد التعميم؛ لأن الرضا المذكور يشمل كل خير.","vol":"6","page":587},{"text":"٣٨٥٢ - [٦٦] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَبْوَابَ الْجَنَّةِ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ\" فَقَامَ رَجُلٌ رَثُّ الْهَيْئَةِ فَقَالَ: يَا أَبَا (١) مُوسَى أَنْتَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ هَذا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَرَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ، ثُمَّ كَسَرَ جَفْنَ سَيْفِهِ، فَأَلْقَاهُ، ثُمَّ مَشَى بِسَيْفِهِ إِلَى الْعَدُوِّ فَضَرَبَ بِهِ حَتَّى قُتِلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٠٢].\n٣٨٥٣ - [٦٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لِأَصْحَابِهِ: \"إِنَّهُ لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ يَوْمَ أُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظلِّ العرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِم وَمَشْرَبِهِمْ وَمَقِيلِهِمْ قَالُوا: مَنْ يُبلِّغُ إِخْواننَا عَنَّا أَنَّنَا أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجَنَّةِ، وَلَا يَنْكُلُوا. . . . . .\nــ\n٣٨٥٢ - [٦٦] (أبو موسى) قوله: (تحت ظلال السيوف) كناية عن حضور معركة القتال والقيام فيها. و(الرثّ) البالي والخلق.\nوقوله: (أقرأ عليكم السلام) توديع. وجفن السيف: غمده بالفتح ويكسر.\n٣٨٥٣ - [٦٧] (ابن عباس) قوله: (جعل اللَّه أرواحهم في جوف طير خضر) مرّ شرحه في الفصل الأول في حديث مسروق.\nوقوله: (مقيلهم) وهو المكان الذي يستريح فيه وقتَ نصف النهار من القيلولة، والقائلة نصف النهار.\nوقوله: (ولا ينكلوا) نكل عن الأمر: امتنع، ومنه النكول عن اليمين.\n_________\n(١) في نسخة: \"يا با موسى\".","vol":"6","page":588},{"text":"٣٨٥٤ - [٦٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"الْمُؤْمِنُونَ فِي الدُّنْيَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ: الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي يَأْمَنُهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ الَّذِي إِذَا أَشْرَفَ عَلَى طَمَعٍ تَرَكَهُ لِلَهِ ﷿\" رَوَاهُ أَحْمدُ. [حم: ٣/ ٨].\nــ\n٣٨٥٤ - [٦٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (على ثلاثة أجزاء) أي أقسام.\nوقوله: (الذين آمنوا. . . إلخ)، اقتباس للآية القرآنية، وهؤلاء الذين نفعوا الخلائق، وهذا يوهم مع حصول كمال الإيمان أشرف وأعلى مرتبة.\nوقوله: (والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم) إشارة إلى أنهم وإن لم ينفعوا الناس بكمال خيرهم لم يضروهم بشرهم، ولم يخالطوهم ولم يطمعوا منهم وهم أدنى رتبة ممن قبلهم.\nوقوله: (ثم الذي إذا أشرف على طمع. . . إلخ)، يعني أن هؤلاء وإن اختلطوا الناس وكادوا أن يطمعوا ويحرصوا في الدنيا، ولكن حفظهم اللَّه عن ذلك فلم يقعوا في ذلك، قال في (القاموس) (١): طمع فيه وبه كفرح طمعًا: حرص عليه. وقال شيخنا ﵀: الطمع سكون النفس إلى منفعة مشكوكة الوصول.\nوقال الطيبي (٢): يراد بالطمع في الحديث انبعاثُ هوى النفس إلى ما تشتهيه، فتؤثره عن متابعة الحقِّ، فتركُه غايةُ المجاهدةِ، قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١]، انتهى. وشرح الحديث\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٨٧).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٠٩).","vol":"6","page":589},{"text":"٣٨٥٥ - [٦٩] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمِيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَا مِنْ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ يَقْبِضُهَا رَبُّهَا تُحِبُّ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْكُمْ وَأَنَّ لَهَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا غَيْرَ الشَّهِيدِ\" قَالَ ابْنُ عَمِيرَةَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لأَنْ أُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي أَهْلُ الْوَبَرِ وَالْمَدَرِ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٣١٥٣].\n٣٨٥٦ - [٧٠] وَعَنْ حَسْنَاءَ بِنْتِ مُعَاوِيَةَ قَالَتْ: حَدَّثَنَا عَمِّي قَالَ: قَلْتُ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: مَنْ فِي الْجَنَّةِ؟ . . . . .\nــ\nعلى ما ذكر وفصل من مخيلات هذا الضعيف عفا اللَّه عنه، واللَّه أعلم.\n٣٨٥٥ - [٦٩] (عبد الرحمن بن أبي عميرة) قوله: (ابن أبي عميرة) على وزن كريمة.\nوقوله: (وأن لها) الرواية بالفتح عطف على (أن ترجع).\nوقوله: (غير الشهيد) بالرفع بدل من فاعل (تحبُّ)، ويروى بالنصب على الاستثناء.\nوقوله: (أهل الوبر) محركة: صوف الأبل والأرانب ونحوها، والمراد بها الخيام، وأهل الوبر سكان البوادي؛ لأن خباءهم من الوبر. و(المدر) محركة: قِطَعُ الطينِ اليابسِ، وأهل المدر سكان القرى والأمصار؛ لأن بيوتهم من المدر، وهو كناية عن الدنيا وأهلها.\n٣٨٥٦ - [٧٠] (حسناء بنت معاوية) قوله: (حسناء) على وزن حمراء (بنت معاوية) بن سليم الصريمي.","vol":"6","page":590},{"text":"قَالَ: \"النَّبِيُّ فِي الْجَنَّةِ، وَالشَّهِيدُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْمَوْلُودُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْوَئِيدُ فِي الْجَنَّةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٢١].\n٣٨٥٧ - [٧١] وَعَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي أُمَامَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵃ أَجْمَعِينَ (١) كُلُّهُمْ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: \"مَنْ أَرْسَلَ نَفَقَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَقَامَ فِي بَيْتِهِ، فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ سَبْعُ مِئَةِ دِرْهَمٍ،\nــ\nوقوله: (النبي في الجنة) مبتدأ وخبر، وكذا قوله: (والمولود في الجنة) وقوله: (والوئيد في الجنة)، والمراد بالمولود الصغير أعم من أن يكون ولد مؤمن أو ولد كافر، وهذا هو المقرر عندهم، وأما ما سبق في (باب الإيمان بالقدر) فله تأويل سبق ذكره هناك، فتدبر. والمراد بالوئيد الموءودة وهو الذي يدفن حيًا كما كان من عادة الجاهلية من دفن البنات، والتذكير باعتبار أن فَعِيلًا إذا كان بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث.\nوقال السيوطي: ومنهم من كان يئد البنين أيضًا عند المجاعة والضيق، ولعل التخصيص بهذه الأربعة باعتبار الفضل والشرف في الأولين، وأما في الآخرين من جهة دخولهما الجنة بغير عمل وكسب، واللَّه أعلم.\n٣٨٥٧ - [٧١] (علي) قوله: (في وجهه) أي: في وجه اللَّه، أي: طلب رضاه، أو من الجهة التي أمر به ورضي عنه، والمآل واحد.\nوقوله: (فله بكل درهم سبع مئة درهم) وفي بعض النسخ: (سبع مئة ألف)، ومنه\n_________\n(١) سقطت الترضية.","vol":"6","page":591},{"text":"وَمَنْ غَزَا بِنَفْسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأَنْفَقَ فِي وَجْهِهِ ذَلِكَ، فَلَهُ بِكُلِّ دِرْهَمٍ سَبْعُ مِئَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ\"، ثُمَّ تَلَا هذهِ الآيةَ: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١]. رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٧٦١].\n٣٨٥٨ - [٧٢] وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"الشُّهَدَاءُ أَرْبَعَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الإِيمَانِ، لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَّقَ اللَّهَ حَتَّى قُتِلَ، فَذَلِكَ الَّذِي يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ أَعْيُنَهُمْ. . . . .\nــ\nيعلم أن المضاعفة لا ينحصر بالسبع مئة، بل يزيد كما سبقت الإشارة إليه في حديث خُرَيم بن فاتك في الفصل الثاني، فتدبر.\n٣٨٥٨ - [٧٢] (فضالة بن عبيد) قوله: (وعن فضالة) بفتح الفاء.\nوقوله: (فصدق اللَّه) قيل: أي في وعده الأجرَ الجزيلَ والثوابَ العظيمَ للشهداء، وقال الطيبي (١): معناه أن اللَّه وصف المجاهدين بكونهم صابرين محتسبين، فأخبر بذلك، فصدقه هذا الرجل بفعله وشجاعته في هذا الوصف والإخبار، وهذا أوجه لأنه على المعنى الأول يكون كالتأكيد لمعنى الإيمان، ولأنه مشترك بين الأقسام كلها مع أنه لم يذكره في القسم الثاني، فالتصديق إنما يكون بالشجاعة والصبر والاحتساب، فافهم. فحاصل التقسيم أن المجاهد إما أن يكون متَّقيًا شجاعًا، وهو القسم الأول، أو متَّقيًا غير شجاع، وهو القسم الثاني، أو يكون شجاعًا غير متَّقٍ فإما أن يكون أعماله مخلوطًا بالصالح والسيئ غيرَ مسرفٍ، أو يكون فاسقًا مسرفًا، ففي الأقسام\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣١١).","vol":"6","page":592},{"text":"يَوْمَ الْقِيَامَةِ هَكَذَا\" وَرَفَعَ رَأْسَهُ حَتَّى سَقَطَتْ قَلَنْسُوَتُهُ، فَمَا أَدْرِي أَقَلَنْسُوَةَ عُمَرَ أَرَادَ، أَمْ قَلَنْسُوَةَ النَّبِيِّ -ﷺ-؟ قَالَ: \"وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الإِيمَانِ لَقِيَ الْعَدُوَّ كَأَنَّمَا ضُرِبَ جِلْدُهُ بِشَوْكٍ طَلْحٍ مِنَ الْجُبْنِ، أَتَاهُ سَهْمٌ غَرْبٌ فَقَتَلَهُ، فَهُوَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَّقَ اللَّهَ حَتَّى قُتِلَ، فَذَلِكَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ، وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ لَقِيَ الْعَدُوَّ فَصَدَّقَ اللَّهَ حَتَّى قُتِلَ، فَذَاكَ فِي الدَّرَجَةِ الرَّابِعَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٦٤٤].\nــ\nيحصل تصديق اللَّه دون الثاني، فافهم.\nوقوله: (هكذا) إشارة إلى ما رفع رأسه لإراءة الحاضرين صورةَ الرفع كما ذكر بقوله: (ورفع رأسه حتى سقطت قلنسوته) مبالغة في الرفع، والضمير في (قلنسوته) لعمر، وهو الصواب المفيد لحسن الأدب.\nوقوله: (فما أدري) قول الراوي.\nوقوله: (كما ضرب) بلفظ المجهول، و(الطلح) شجر عظام من شجر العِضَاهِ له شوك، وهذا كناية عن اقشعرار شعره من الفزع والخوف أو ارتعاد أعضائه.\nوقوله: (أتاه سهم غرب) أي: أتاه من حيث لا يدري، وقد مرّ شرحه في الفصل الأول من حديث أنس -﵁-.\nوقوله: (فهو في الدرجة الثانية) لعدم شجاعته وتصديقه اللَّه تعالى بذلك مع كونه مشاركًا للأول في جودة الإيمان وصلاح العمل.\nوقوله: (ورجل مؤمن خلط عملًا صالحًا. . . إلخ)، هذا الرجل والرجل الرابع مقابلان للأول والثاني في جودة الإيمان، ولكن هذا جامع في العمل الصالح والسيِّئ","vol":"6","page":593},{"text":"٣٨٥٩ - [٧٣] وَعَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْقَتْلَى ثَلَاثَةٌ: مُؤْمِنٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ\"، قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِيهِ: \"فَذَلِكَ الشَّهِيدُ الْمُمْتَحَنُ فِي خَيْمَةِ اللَّهِ تَحْتَ عَرْشِهِ لَا يَفْضُلُهُ النَّبِيُّونَ إِلَّا بِدَرَجَةِ النُّبُوَّةِ،\nــ\nسواء، والرابع عاصٍ فاسق سيِّئُ العمل غالبًا، فالحاصل أن الرجل له أجر وثواب الشهادة على أيّ وجه كان في الإيمان والعمل في الكمال أو النقصان.\n٣٨٥٩ - [٧٣] (عتبة بن عبد السلمي) قوله: (وعن عتبة) بضم العين وسكون التاء، و(السلمي) بضم السين وفتح اللام المخففة.\nوقوله: (مؤمن جاهد بنفسه وماله في سبيل اللَّه) لا بد أن يقيد بما يميزه عن قسيمه وهو مؤمن خلط عملا صالحًا وآخر سيئًا، أي: مؤمن صالح متَّقٍ لم يخلط.\nوقوله: (فيه) أي: في حقه متعلق لـ (قال)، وكذا في الثاني.\nوقوله: (فذلك الشهيد الممتحن) أي: المجرَّبُ الصابرُ على الجهاد القويُّ على احتمال المشاقِّ، وفي (النهاية) (١): هو المصفى المهذب، يقول: محَنتُ الفضَّةَ: إذا صفَّيتَها وخلَّصتَها بالنار، وقال البيضاوي (٢) في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ [الحجرات: ٣]: جرَّبها للتقوى ومرَّنها عليها، أو عرفها كائنة للتقوى خالصة لها، فإن الامتحان سبب المعرفة.\nوقوله: (في خيمة اللَّه) خبر بعد خبر، أو هو خبر والباقي صفات، والمراد بخيمة اللَّه حضرتُه ومحلُّ قُربِه كما وقع في حديث الشفاعة: (فأَستأذِنُ على ربِّي في\n_________\n(١) \"النهاية\" (٤/ ٣٠٤).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٤١٥).","vol":"6","page":594},{"text":"وَمُؤْمِنٌ خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ\"، قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِيهِ: \"مُمَصْمِصَةٌ مَحَتْ ذُنُوبَهُ وَخَطَايَاهُ إِنَّ السَّيْفَ مَحَّاءٌ لِلْخَطَايَا، وَأُدْخِلَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَ، وَمُنَافِقٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَإِذَا لَقِيَ الْعَدُوَّ قَاتَلَ حَتَّى يُقْتَلَ فَذَاكَ (١) فِي النَّارِ، إِنَّ السَّيْفَ لَا يَمْحُو النِّفَاقَ\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢/ ٢٧٢].\n٣٨٦٠ - [٧٤] وَعَنِ ابْنِ عَايِذٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ فَلَمَّا وُضِعَ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: لَا تُصَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَإِنَّهُ رَجُلٌ فَاجِرٌ، فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى النَّاسِ فَقَالَ: \"هَلْ رَآهُ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَلَى عَمَلِ الإِسْلَامِ؟ \". . . . .\nــ\nدارِه فيُؤذَنُ لي عليه).\nوقوله: (ممصمصة) على وزن اسم الفاعل من مَصمَصَ، أي: مطهِّرة، روي بالمهملة وبالمعجمة وكلاهما بمعنًى، وقيل: بالمهملة بطرف اللسان وبالمعجمة بالفم كله كما في الوضوء، وفي (القاموس) (٢): المصمصة: المضمضة بطرف اللسان، ومُمَصْمِصَةُ الذنوب: مُمَحِّصَتُها، والمضمضة: تحريك الماء في الفم وغسل الإناء وغيره.\n٣٨٦٠ - [٧٤] (ابن عايذ) قوله: (وعن ابن عايذ) بالياء التحتانية والذال المعجمة (٣).\n_________\n(١) في نسخة: فذلك.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٨٢، ٦٠٣).\n(٣) قال القاري: (٦/ ٢٤٩٧): اسم فاعل من العَوْذ.","vol":"6","page":595},{"text":"فَقَالَ رَجُلٌ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! حَرَسَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَحَثَا عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَقَالَ: \"أَصْحَابُكَ يَظُنُّونَ أَنَّكَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ\"، وَقَالَ: \"يَا عُمَرُ إِنَّكَ لَا تُسْأَلُ عَنْ أَعْمَالِ النَّاسِ، وَلَكِنْ تُسْأَلُ عَنِ الْفِطْرَةِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٤/ ٤٣].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-949>١ - باب إعداد آلة الجهاد</span>\nــ\nوقوله: (يا عمر إنك لا تسأل عن أعمال الناس ولكن تسأل عن الفطرة) أي: دين الإسلام، قال الطيبي (١) في تفسير هذا الكلام ما حاصله: ينبغي يا عمر أن لا تخبر مثلك في مثل هذا الموطن عن أعمال الشرِّ للموتى، بل تخبر عن أعمال الخير كما قال: (اذكروا موتاكم بالخير)، فوضع (لا تسأل) موضع (لا تخبر) نفيًا للملزوم بنفي اللازم؛ لأنه إذا انتفى السؤال انتفى الإخبار، والمقصود منعُه عمَّا أقدم عليه؛ فإن الاعتبار بالفطرة والاعتقاد مع أنه عمل عملًا من أعمال أهل الإسلام ما يكفيه، فافهم.\n١ - باب إعداد آلة الجهاد\nمن السهم والسيف والدِّرع والقوس والرُّمح والخيل، وأكثر ما ذكر فيه فضيلة الرمي والخيل، وذكر الرهان، وذكر حال سيف رسول اللَّه ورايته -ﷺ-.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣١٣).","vol":"6","page":596},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-950> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٨٦١ - [١] عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ: \" ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩١٧].\n٣٨٦٢ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمُ الرُّومُ. . . . .\nــ\nالفصل الأول\n٣٨٦١ - [١] (عقبة بن عامر) قوله: (ومن رباط الخيل) قد توجد هذه الزيادة في نسخ (المشكاة) ثابتة، وفي بعضها مخطوطًا عليها، وليس في رواية مسلم، وإنما هو في رواية ابن المنذر عن عقبة بن عامر، كذا يعلم من (الدر المنثور)، وهي مذكورة في القرآن المجيد.\nوقوله: (ألا إن القوة الرمي) مكرر ثلاثًا، وقد فسرها الزمخشري والبيضاوي بكل ما يُتقوَّى به في الحرب، قال البيضاوي (١): ولعله إنما خصه رسول اللَّه -ﷺ- بالرمي لأنه أقواه، وفي (الكشاف) (٢) عن عكرمة أن عقبة بن عامر مات عن سبعين قوسًا في سبيل اللَّه.\n٣٨٦٢ - [٢] (وعنه) قوله: (ستفتح عليكم الروم) وهم رماة، وغالب حربهم بالرمي.\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٣٨٩).\n(٢) \"الكشاف\" (٢/ ٢٣٢).","vol":"6","page":597},{"text":"وَيَكْفِيكُمُ اللَّهُ، فَلَا يَعْجِزْ أَحَدُكُمْ أَنْ يَلْهُوَ بِأَسْهُمِهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩١٨].\n٣٨٦٣ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يقولُ: \"مَنْ عَلِمَ الرَّميَ ثُمَّ تَرَكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا أَوْ قَدْ عَصَى\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩١٩].\n٣٨٦٤ - [٤] وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكوَعِ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَسْلَمَ يَتَنَاضَلُونَ بِالسُّوقِ فَقَالَ: \"ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا، وَأَنَا مَعَ بَنِي فُلَانٍ\". . . . . .\nــ\nوقوله: (ويكفيكم اللَّه) أي: شرَّ الروم بواسطة الرمي، (فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه) أي: من اللهو بالسهم، بل ينبغي أن تهتموا بشأنه بأن تتعلَّموا وتتمرَّنوا على ذلك حتى تتمكَّنوا من محاربتهم، وقيل: المراد لا تتركوا الرمي وتعلُّمَه، والتمرن عليه بعد الفتح بأن تقولوا: لا نحتاج إليه، فإن الاحتياج إلى الرمي ثابت أبدًا، والمعنى الأول أظهر، وإنما سمي الترامي لهوًا باعتبار صورته وللترغيب عليه، فإن النفوس مجبولة على الميل إلى اللهو، وكذا السباق بالخيل والإبل.\n٣٨٦٣ - [٣] (وعنه) قوله: (من علم الرمي ثم تركه) الحديث، التعبير عنه بالعلم، ثم الوعيد على تركه يدل على أنه ليس لهوًا حقيقة، وفيه المبالغة على فضيلته وكونه مهمًّا في الدين مشابهًا بنسيان القرآن بعد تعلمه.\nوقوله: (أو قد عصى) الظاهر أنه من شك الراوي.\n٣٨٦٤ - [٤] (سلمة بن الأكوع) قوله: (من أسلم) اسم قبيلة.\nوقوله: (يتناضلون) التناضل بالضاد المعجمة: المباراة في الرمي، ونضلته: سبقته فيه، أي: كانوا يرمون على سبيل المباراة والمسابقة، و(السُّوق) إما بمعناه المشهور، وقيل: اسم موضع، وقيل: جمع ساقٍ استعارةً للسَّهم، كذا نقل","vol":"6","page":598},{"text":"لِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ فَأَمْسَكُوا بِأَيْدِيهِمْ فَقَالَ: \"مَا لَكُمْ؟ \" قَالُوا (١): وَكَيْفَ نَرْمِي وَأَنْتَ مَعَ بَنِي فُلَانٍ؟ قَالَ: \"ارْمُوا وَأَنَا مَعكُمْ كُلِّكُمْ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٠٧].\n٣٨٦٥ - [٥] وَعَن أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ يَتَتَرَّسُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- بِتُرْسٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ أَبَو طَلْحَةَ حَسَنَ الرَّمْي، فَكَانَ إِذَا رَمَى تَشَرَّفَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَيَنْظُرُ إِلَى مَوْضعِ نَبْلِهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٩٠٢].\n٣٨٦٦ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْبَرَكَةُ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٥١، م: ١٨٧٤].\nــ\n(الطيبي) (٢)، وفي الحاشية من (شرح المصابيح) لابن الملك (٣): أنه بفتح السين المهملة اسم موضع، والباء بمعنى (في)، واللام في (لأحد) متعلق لـ (قال)، والباء في (بأيديهم) زائدة.\n٣٨٦٥ - [٥] (أنس) قوله: (تشرف النبي -ﷺ-) من الشرف بمعنى الاستشراف بمعنى الاطِّلاع والانتظار، وشرفَه وشارفَه وعليه: اطَّلعَ من فوق، واستشرف الشيءَ: رفعَ بصرَه إليه، وبسط كفه فوق حاجبه كالمستظلِّ من الشمس، كذا في (القاموس) (٤)، يعني كان النبي -ﷺ- يُتبعُ نظرَه سهمَ أبي طلحةَ لينظرَ مَن أصاب من الأعداء، وذلك كان لكونه حسن الرمي لا يخطئ سهمه.\n٣٨٦٦ - [٦] (وعنه) قوله: (البركة في نواصي الخيل) جمع ناصية وهي قُصَاصُ\n_________\n(١) في نسخة: \"فقالوا\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣١٥، ٣١٦).\n(٣) \"شرح مصابيح السنة\" (٤/ ٣٤٣).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٦٠).","vol":"6","page":599},{"text":"٣٨٦٧ - [٧] وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (١) -ﷺ- يَلْوِي ناصِيَةَ فَرَسٍ بِأُصْبُعِهِ وَهُوَ يَقُولُ: \"الْخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ: الأَجْرُ وَالغَنِيمَةُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٧٢].\n٣٨٦٨ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي لسَبِيل اللَّهِ إِيمَانًا بِاللَّهِ وَتَصْدِيقًا بِوَعْدِهِ فإِنَّ شِبَعَهُ وَرِيَّهُ\nــ\nالشَّعرِ، يريد ذواتها، وخص الناصية لكونه أشرف أعضائها وأظهرها كالجبهة من الإنسان، ولهذا يسمى بياضها غُرَّةً، ويقال: فلان مبارك الناصية، وينسب ظهور آثار الجهد والبخت إليها.\n٣٨٦٧ - [٧] (جرير بن عبد اللَّه) قوله: (يلوي ناصية فرس) أي: يقبله ويدبره، لواه يلويه لَيًّا: فتله، والمراد بالناصية هنا الشعر المسترسل على الجبهة.\nوقوله: (الخيل معقود في نواصيها الخير) لأن بها يحصل الجهاد الذي فيه خير الدنيا والآخرة كما بينه بقوله: (الأجر والغنيمة)، وفيها من الكر والفر ما ليس فيما عداها من المراكب.\n٣٨٦٨ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (من احتبس فرسًا) أي: ربطه وحبسه على نفسه لما عسى أن يحدُثَ من غزوٍ، والحبس بمعنى المنع، ويجيء بمعنى الوقف، وفي (القاموس) (٢): الحبيس من الخيل: الموقوف في سبيل اللَّه، وقد حبسه وأحبسه.\nوقوله: (فإن شبعه) بكسر الشين وفتح الباء، (وريه) بكسر الراء وتشديد الياء، والمراد ما يشبعه ويرويه.\n_________\n(١) في نسخة: \"نبي اللَّه\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٩٧).","vol":"6","page":600},{"text":"ورَوْثَهُ وبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٨٥٣].\n٣٨٦٩ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَكْرَهُ الشِّكَالَ فِي الْخَيْلِ، وَالشِّكَالُ: أَنْ يَكُونَ الْفَرَسُ فِي رِجْلِهِ الْيُمْنَى بَيَاضٌ وَفِي يَدِهِ الْيُسْرَى، أَوْ فِي يَدِهِ اليُمْنَى وَرِجْلِهِ اليُسْرَى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٧٥].\n٣٨٧٠ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي أُضْمِرَتْ مِنَ الْحَفْيَاءِ. . . . .\nــ\nوقوله: (في ميزانه) أي: يكون داخل أعماله في ترتب الأجر والثواب عليها.\n٣٨٦٩ - [٩] (وعنه) قوله: (يكره الشكال) بكسر الشين، قال في (القاموس) (١): الشِّكال ككتاب: اسم للحبل الذي تشد به قوائم الدابة، وفي الخيل: أن يكون ثلاث قوائم منه محجلة، والواحدة مطلقة، وعكسه أيضًا، انتهى.\nوقال في (النهاية) (٢): إنما سمي شكالًا تشبيهًا له بالشكال الذي تشكل به الخيل لأنه يكون في ثلاث قوائم غالبًا، وقيل: أن تكون إحدى يديه وإحدى رجليه من خلاف محجلتين، وهو ظاهر عبارة الكتاب، ويمكن حمله على المعنى الأول، فافهم.\nووجه كراهة الشكال مفوض إلى علم الشارع. وقال في (النهاية) (٣): وإنما كرهه لأنه كالمشكول صورة تفاؤلًا، ويمكن أن يكون قد جرَّبَ ذلك الجنسَ فلم يكن فيه نَجابةٌ، وقيل: إذا كان مع ذلك أغرَّ زالت الكراهةُ لزوال شبه الشِّكال.\n٣٨٧٠ - [١٠] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (بين الخيل التي أضمرت) في\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٣٨).\n(٢) \"النهاية\" (٢/ ٤٩٦).\n(٣) \"النهاية\" (١/ ٨٨٦).","vol":"6","page":601},{"text":"وَأَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ، وَبَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَمْيَالٍ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنَ. . . . .\nــ\n(القاموس) (١): الضمر بالضم وبضمتين: الهُزالُ ولَحاقُ البطنِ، ضمر ضمورًا [كنصر] وكرم، وضمَّرَ الخيلَ تضميرًا: علَفَها القوتَ بعدَ السِّمَن، كأضمرها، والمضمار: الموضع الذي تضمر فيه الخيل، وغاية الفرس في السباق، انتهى.\nقال السيوطي (٢): الإضمار أن تعلف حتى تسمن وتقوى ثم يقلل علفها بقدر القوت، وتدخل بيتًا، وتغشى بالجلال حتى تحمى وتعرق، فإذا جف عرقها خف لحمها وقويت على الجري. و(الحفياء) بفتح الحاء المهملة وسكون الفاء ممدودًا ويقصر: موضع على أميال من المدينة، وقال في (القاموس) (٣): ويقال بتقديم الياء على الفاء، وكذا قال في (النهاية) (٤).\nوقوله: (وأمدها) أي: غايتها إلى (ثنية الوداع) موضع بالمدينة، سميت به لأن من سافر إلى مكة كان يودعُّ ثَمَّ ويُشيَّعُ إليها، كذا في (القاموس) (٥)، وهو المشهور، وذكر السمهودي في (تاريخ المدينة الطيبة) (٦): أنه كان من رسم الجاهلية أن من أراد قدوم المدينة سالمًا من الموت كان إذا وصل إلى هذا الموضع الذي يقال له: ثنية الوداع نهَقَ نَهْقَ الحمارِ عشرًا، ومن هذا سمي ثنية الوداع، لأنه إذا لم ينهق قالوا:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٠٠).\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (١٢/ ١٧).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٧٣).\n(٤) \"النهاية\" (١/ ٤٠٢).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧١٠).\n(٦) انظر: \"وفاء الوفاء\" (١/ ١٤٠).","vol":"6","page":602},{"text":"الثِّنْيَةِ إِلَى مَسْجدِ بَنِي زُرَيْقٍ، وَبَيْنَهُمَا مِيلٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٢٠، ٢٨٦٨، م: ١٨٧٠].\n٣٨٧١ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتْ ناقَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- تُسَمَّى الْعَضْبَاءَ، وَكَانَتْ لَا تُسْبَقُ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ فَسَبَقَهَا، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٨٧٢].\nــ\nودَّعَ الحياة، فلما هاجر النبي -ﷺ- قدم أحد من شعراء العرب اسمه عروة بن الورد، فلما وصل إلى هذا الموضع أبى أن يعمل بهذه الشنيعة وقال:\nلَعَمرِي لئنْ عشَّرْتُ من خَشيةِ الرَّدَى ... نُهاقَ الحَميرِ إنَّني لَجَزُوعُ\nفلم تصبه آفة، وصارت تلك العادة الشنيعة متروكة.\nو(بنو زريق) بضم الزاي وفتح الراء: قبيلة من الأنصار، وزريق اسم رجل.\n٣٨٧١ - [١١] (أنس) قوله: (تسمى العضباء) بفتح المهملة وسكون المعجمة فموحدة ممدودًا: المقطوعة الأذن أو المشقوقة وهي القصواء أو غيرها قولان، وهو علم منقول، قال في (القاموس) (١): العضباء: الناقة المشقوقة الأذن، وقال بعضهم: لم تكن ناقته -﵁- عضباء، ولكنها كانت مخلوقة مشابهة بها، وقد مرّ ذكرها في موضع آخر.\nو(القعود) بفتح القاف من الإبل ما يقعده الراعي في كل حاجة ويركبه، وهو ما صلح لأن يركب، وأدناه أن يكون له سنتان، وفي (الصراح) (٢): قعود شتر جوان\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٠).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ١٤٣).","vol":"6","page":603},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-951> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٨٧٢ - [٢] عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ: صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنَبِّلَهُ، وَارْمُوا (١) وَارْكَبُوا،\nــ\nكه نخست دربار ونشست آمده باشد، وجاء في المثل: اتَّخذوه قَعِيدَ الحاجاتِ.\nالفصل الثاني\n٣٨٧٢ - [٢] (عقبة بن عامر) قوله: (ومنبله) النبل بمفتوحة وساكنة: السهام العربية ولا واحد لها، ولا يقال نبلة، وإنما يقال: سهم ونشابة، وقيل: النبل واحد وهي مؤنثة وجمعها نبال وأنبال ونبلان، والنبَّال بالتشديد صاحبه، ويقال: نابل، والأول هو القياس مثل جعَّاب وقوَّاس.\nوفي (القاموس) (٢): نبَّلَه: رماه به وأعطاه النَّبلَ، كأنبَلَه، انتهى. ومن هنا روي (منبله) بالتشديد بلفظ اسم الفاعل من التفعيل، ومن الإفعال، يقال: نبَّلتُ الرجل بالتشديد وأنبَلتُه: ناولتُه النبلَ للرمي، ومناولتُه أعمُّ من أن يناولها ابتداء قبل الرمي أو يردها على الرامي من الهدف، وفي حديث آخر: (إن سعدًا كان يرمي بين يدي النبي -ﷺ- يوم أحد والنبي ينبله) روي على الوجهين بالتشديد وعدمه، وغلَّطَ الثانيَ ابنُ قتيبة من النقلة لأن معناه رميته بالنبل، وصححه أبو عمرو الزاهد، ونقل عنه نبَلتُه بالتخفيف أنبُلُه بضم الباء من نصر ينصر أيضًا.\nوقوله: (فارموا واركبوا) أراد بالركوب الطعن بالرمح فيكون معنى قوله:\n_________\n(١) في نسخة: \"فارموا\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٧٨).","vol":"6","page":604},{"text":"وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، كُلُّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ الرَّجُلُ بَاطِلٌ إِلَّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ، وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ: \"وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَمَا عَلِمَهُ رَغْبَةً عَنْهُ فَإِنَّهُ نِعْمَةٌ تَرَكَهَا\" أَوْ قَالَ: \"كَفَرَهَا\". [ت: ١٦٣٧، جه: ٢٨١١، د: ٢٥١٣، دي: ٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥].\n٣٨٧٣ - [١٣] وَعَنْ أَبِي نَجيحٍ السُّلَميِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: . . . . .\nــ\n(وأن ترموا أحب إليّ من أن تركبوا) أن الرمي بالسهم أحب من الطعن بالرمح، كذا ذكر الطيبي (١)، واستشهد بقول الشاعر:\nعرضُكَ على الفارسِ والراجلِ ... ضيقٌ على الرامحِ والنابلِ\nوقال فيه لف ونشر، يعني أن المراد بالفارس الرامح، وبالراجل النابل.\nوقوله: (وتأديبه فرسه) أي: تعليمه إياه الركض والجولان على نية الغزو، فيه تنبيه على أنه ينبغي أن تكون النية في ركض الفرس وإجالته هو تأديبَه وتعليمَه لا مجردَ اللهو.\nوقوله: (فإنهن) أي: هذه الثلاثَ (من الحق) فلا يكون لهوًا في الحقيقة.\n٣٨٧٣ - [١٣] (أبو نجيح السلمي) قوله: (عن أبي نجيح) بفتح النون وكسر الميم وبالمهملة، كذا في (جامع الأصول) (٢)، وتصحيحه بضم النون وفتح الجيم كما في بعض (شروح المصابيح) لا يساعده نقل، وهو كنية عمرو بن عبسة، كذا نقل\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣١٩).\n(٢) \"جامع الأصول\" (٩/ ٤٩٠).","vol":"6","page":605},{"text":"\"مَنْ بَلَغَ بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ لَهُ دَرَجَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ لَهُ عِدْلُ مُحَرَّرٍ، وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الْفَصْلَ الأَوَّلَ، وَالنَّسَائِيُّ الأَوَّلَ وَالثَّانِيَ، وَالتِّرْمِذِيُّ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ وَفِي رِوَايَتِهِمَا: \"مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ\" بدَلَ \"فِي الإِسْلَام\". [شعب: ٨/ ٣٨٦، د: ٣٩٦٥، ن: ٣١٤٢، ت: ١٦٣٨].\n٣٨٧٤ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا سَبَقَ إِلَّا. . . . .\nــ\nعن (شرح السنة).\nوقوله: (من بلغ بسهم في سبيل اللَّه) أي: أوصلَه إلى كافر، فالباء للتعدية فيكون معنى قوله: (ومن رمى بسهم) أنه رماه أوصله أو لم يوصل، ويحتمل أن يكون الباء للمصاحبة، أي: بلغ مكان الغزو مع سهم إن لم يرمِ، فعلى الأول يكون في قوله: (ومن رمى) تنزُّلًا من الأعلى إلى الأدنى، والمراد درجة عظيمة على من يحصل من التحرير، وعلى الثاني يكون ترقِّيًا من الأدنى إلى الأعلى، فيكون المراد درجة ما، وثواب التحرير أعظم، وما يحصل به من الدرجة عظيم، واللَّه أعلم.\nوقوله: (من شاب شيبة في الإسلام) قيل: المراد بالإسلام الجهاد لأنه عمود الإسلام وذروة سنامه كما تدل عليه رواية (في سبيل اللَّه)، فيكون مآلُ الروايتين واحدًا.\nوقوله: (وفي روايتهما) صريح في أن النسائي روى الثالث أيضًا مع أن قوله (والنسائي الأول والثاني) يدل على خلافه إلا أن تكون للنسائي روايتان.\n٣٨٧٤ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (لا سبق) هو بالتحريك اسم للمال المشروط","vol":"6","page":606},{"text":"فِي نصلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ١٧٠، د: ٢٥٦٤، ن: ٣٥٨٥].\nــ\nللسابق على سبقه، وبالسكون مصدر سبَقْتُ، وصحح الفتح، و(النصل) بفتح النون وسكون الصاد المهملة: حديدة السهم والرمح والسيف ما لم يكن له مقبض، والجمع أَنصُل ونِصَال ونُصُول، كذا في (القاموس) (١) والمراد هنا السِّهام.\nو(الخف) بالضم: مجمع فِرْسِن البعير، وقد يكون للنَّعام، أو الخف لا يكون إلا لهما، والمراد هنا البعير، و(الحافر) أحد حوافر الدابة، وفي (الصراح) (٢): حافر: سم ستور، والمراد هنا الفرس، والمعنى لا يحل أخذ المال بالمسابقة إلا في هذه الثلاثة، وألحق جماعة من الفقهاء ما كان في معناها، ويكون عدة للقتال كالبغال والحمير في معنى الخيل، والفيل في معنى الإبل لأنه أغنى من الإبل في القتال، وفي شرط المال على السَّبق بما هو عدَّة للقتال، وبذل الجُعل عليها ترغيبٌ في الجهاد بخلاف ما لم يكن عدةً للقتال كالطير والحمام لا يجوز السبق فيها وأخذ المال عليه، وألحق بعضهم المسابقة على الأقدام، وبعضهم ألحق المسابقة بالحجارة أيضًا لكونها في معنى السهام، وفي (مشارق الأنوار) (٣): وكان ابن عمر يخص الرهان بالخيل.\nثم اعلم أن في المشارطة في السباق معنى القمار لما فيه من المخاطرة في المِلْك والتردُّد بين الغُرْم والغُنْم، فإن كان المال مشروطًا من جهة الإمام أو من غيره من أحد من الناس بأن قيل: مَن سبقَ فله عليَّ كذا، أو من أحد الجانبين من المسابقين بأن يقول: إن سبقتَني فلكَ عليَّ كذا، وإن سبقتُكَ فلا شيءَ عليكَ فهو جائز، وإن\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٠٧).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ١٧٢).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤٨٠).","vol":"6","page":607},{"text":"٣٨٧٥ - [١٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَينِ فَإِنْ كَانَ يُؤْمَنُ أَنْ يُسْبَقَ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يُسْبَقَ فَلَا بَأْسَ بِهِ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: قَالَ: \"مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ يَعْنِي وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يُسْبَقَ فَلَيْسَ بِقِمَارٍ، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يُسْبَقَ فَهُوَ قِمَارٌ\". [شرح السنة: ١٠/ ٣٩٦، د: ٢٥٧٩].\nــ\nكان من جانبين بأن قال: إن سبقتُكَ فلي عليكَ كذا، وإن سبقتني فلك عليَّ كذا لم يجز؛ لأنه يكون قمارًا حقيقة إلا بدخول المحلِّل بينهما كما يجيء في الحديث الآتي، والمحلِّل مَن يدخل فرسًا بين فرسَي المخرجين بشرط أنه إن سبق فرس المحلل أخذ السبقين وإن سُبِق فلا شيء عليه، سمي محلِّلًا؛ لأنه يحلل للسابق أخذ المال فبالمحلِّل يخرج العقد عن أن يكون قمارًا؛ لأن القمار أن يكون الرجل متردِّدًا بين الغرم والغنم هكذا قالوا، ومعناه أن المشارطة التي كانت بين المتسابقين من الجانبين قد سقط اعتبارها بوجود المحلل وصارت به من جانب واحد وهو جانبه بأنه إن سبق أحد السبقين، وإن سُبِقَ فلا شيء عليه كما كان في صورة الشرط من أحد الجانبين، فافهم.\n٣٨٧٥ - [١٥] (وعنه) قوله: (من أدخل فرسًا بين فرسين) هذا هو صورة التحليل.\nوقوله: (فإن كان يؤمن) بلفظ المجهول من الأَمْنِ، و(أن يسبق) أيضًا بلفظ المجهول، أي: يعلم أن هذا الفرس الداخل سابق غير مسبوق، (فلا خير فيه) يعثي لا يحصل به التحليل، أو يحصل ولكن يبقى فيه شيء من الكراهة، وهذا هو الظاهر من عبارة (لا خيرَ فِيه)، و(لا بأسَ به)، (وإن كان لا يؤمن أن يسبق) أي: لا يعلم أنه سابق البتةَ (فلا بأس) ولعل السبب في ذلك أنه إذا علم أنه سابق أخذ السبقين البتة، فكأنه يبقى المشارطة من الجانبين بحالها وهو غير جائز، وإن كان سبقُه وعدمُ سبقِه","vol":"6","page":608},{"text":"٣٨٧٦ - [١٦] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ\" زَادَ يَحْيَى فِي حَدِيثِهِ: \"فِي الرِّهَانِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مَعَ زِيَادَةٍ فِي بَابِ الْغَضَبِ. [د: ٢٥٨١، ن: ٣٥٩١، ت: ١١٢٣].\nــ\nمحتملين فيأخذ السبقَين إن سبقَ، وإن لم يسبِقْ فلا شيءَ عليه، فيكون الشرط من أحد الجانبين، ولم يبق المشارطة من الجانبين، فتأمل، هذا غاية ما تصورنا في توجيه هذا المقام من الكلام.\nوعبارة الطيبي لا يخلو من الخفاء، وأما ما قال السيد في شرح هذه العبارة: أن يكون المحلِّل بحيث يحتمل أن يكون سابقًا بأن يكون فرسُه جوادًا فيسبق ويأخذ المالين معًا، وإن كان مما لا يحتمل كونه سابقًا فلا فائدةَ فِيه، فظاهر في عكس المراد من عبارة الحديث، ولكن يكون وجه التحليل ظاهرًا، فافهم.\n٣٨٧٦ - [١٦] (عمران بن حصين) قوله: (لا جلب ولا جنب) كلاهما بالتحريك، وهما يكونان في الزكاة وفي السِّباق، فالجلب في الزكاة أن يأمر المصدِّقُ بجلب الأموال ونقلها من أماكنها ليأخذ صدقاتها، وفي السبق أن يتبع رجلًا فرسه فيزجره ويصيح ليكون أشدّ عدوًا، والجنب في الزكاة أن يجنب رب المال بماله، أي: يبعده عن مواضعه حتى يحتاج العامل إلى الإبعاد في اتِّباعه وطلبه، وفي السباق أن يجنب فرسًا إلى جنب فرسه الذي سابق عليه، فإذا فتر المركوب تحول إلى المجنوب ويركبه، والكل منهي عنه، وقد مرّ بيانه في (باب الزكاة) مفصلًا.\nوقوله: (في الرهان) أي: زاد يحيى هذه اللفظة، والرهان بالكسر المخاطرة والمسابقة على الخيل، وفي (مشارق الأنوار) (١): وكان ابن عمر يخص الرهان بالخيل\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤٨٠).","vol":"6","page":609},{"text":"٣٨٧٧ - [١٧] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"خَيْرُ الْخَيْلِ الأَدْهَمُ الأَقْرَحُ الأَرْثَمُ، ثُمَّ الأَقْرَحُ الْمُحَجَّلُ طُلُقُ الْيَمِينِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدْهَمَ فَكُمَيْتٌ عَلَى هَذِهِ الشِّيَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٦٩٦، دي: ٢/ ٢١٢].\nــ\nكما مرّ، ويقول: ليس بِرهان الخيل باسٌ.\n٣٨٧٧ - [١٧] (أبو قتادة) قوله: (خير الخيل الأدهم) الدُّهْمة بالضم: السَّواد، والأدهم: الأسود، والقرح في وجه الفرس بياض دون الغرة، والرثم بالمثلثة محركة والرُّثْمة بالضم: بياض في طرف أنف الفرس، أو كل بياض أصاب الجحفلة العليا، أو بياض في الأنف.\nوالتحجيل بياض في قوائم الفرس كلها أو يكون في رجلين فقط، ولا يكون في اليدين خاصة إلا مع الرجلين، ولا في يد واحدة دون الأخرى إلا مع الرجلين، والفرس محجول ومحجّل، وفرس طُلُقُ اليدِ اليمنى مُطلَقها، ذكرها كلها في (القاموس) (١). ومعنى قوله: (مُطلَقها) أي: ليس فيها تحجيل.\nقال التُّورِبِشْتِي (٢): طلقٌ بضم الطاء واللام: إذا لم يكن في إحدى قوائمه تحجيل، و(الكميت) بلفظ التصغير: الذي خالط حمرته قُنوء، أي: شدةُ حمرةٍ، وقال التُّورِبِشْتِي: الكميت من الخيل يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمصدر الكُمْتَةُ، وهي حمرة يدخلها قترة. وقال الخليل: وإنما صُغِّر لأنه بين السواد والحمرة لم يخلص له واحد منهما، فأرادوا بالتصغير أنه قريب منهما.\nوقوله: (على هذه الشية) بكسر الشين وفتح الياء، أي: العلامة، و(هذه) إشارة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٠٤).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٨٨).","vol":"6","page":610},{"text":"٣٨٧٨ - [١٨] وَعَنْ أَبِي وَهَبٍ الْجُشَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عَلَيْكُمْ بِكُلِّ كُمَيْتٍ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أَوْ أَشْقَرَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ، أَوْ أَدْهَمَ أَغَرَّ مُحَجَّلٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٥٥٣، ن: ٣٥٦٥].\n٣٨٧٩ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُمْنُ الْخَيْلِ فِي الشُّقْرِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٦٩٥، د: ٢٥٤٥].\nــ\nإلى القرح والرثم، كذا في الحواشي.\nوقال التُّورِبِشْتِي: الشِّيَةُ كلُّ لونٍ يخالفُ معظمَ لون الفرس، فالتاء عوض عن الواو الذاهبة من أوله، وهمزها خطأ، وقال في (القاموس) (١): شية الفرس كعدة: لونه، قال البيضاوي (٢) في قوله تعالى: ﴿لَا شِيَةَ فِيهَا﴾ [البقرة: ٧١]: لا لونَ فِيها يخالفُ لونَ جِلدِها، وهي في الأصل مصدر، وشاه وَشْيًا وشِيَةً: إذا خلط بلونه لون آخر.\n٣٨٧٨ - [١٨] (أبو وهب الجشمي) قوله: (وعن أبي وهب الجشمي) بضم الجيم وفتح الشين المعجمة.\nوقوله: (أو أشقر) قال التُّورِبِشْتِي (٣): الفرق بين الكميت والأشقر بالعرف والذنب، فإن كانا أحمرين فهو أشقر، وإن كانا أسودين فهو كميت، وفي (القاموس) (٤): الأشقر من الدواب: الأحمر، يحمرُّ منها الغرْفُ والأنفُ، ومن الناس مَن يعلو بياضَه حُمرةٌ.\n٣٨٧٩ - [١٩] (ابن عباس) قوله: (في الشقر) بضم الشين وسكون القاف\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٣٢).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٦٩).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٨٩).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٩٠).","vol":"6","page":611},{"text":"٣٨٨٠ - [٢٠] وَعَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلميِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا تَقُصُّوا نَوَاصِيَ الْخَيْلِ وَلَا مَعَارِفَهَا وَلَا أَذْنَابَهَا، فَإِنَّ أَذْنَابَهَا مَذَابُّهَا، وَمَعَارِفَهَا دِفاؤُها، وَنَوَاصِيهَا مَعْقُودٌ فِيهَا الْخَيْرُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٤٢].\n٣٨٨١ - [٢١] وَعَنْ أَبِي وَهَبٍ الْجُشَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ارْتَبِطُوا الْخَيْلَ وَامْسَحُوا بِنَواصِيهَا وَأَعْجَازِهَا. . . . .\nــ\nجمع أشقر كحمر جمع أحمر.\n٣٨٨٠ - [٢٠] (عتبة بن عبد السلمي) قوله: (وعن عتبة) بضم العين وسكون الفوقية وبموحدة (ابن عبد) ضد الحر.\nوقوله: (لا تقصوا) أي: لا تقطعوا، من قصَّ الشاربَ: إذا قطَعَه، (ولا معارفها) قيل: هو جمع عرف على غير القياس كمَحَاسِن جمع حُسْن، وقيل: جمع معرفة بمعنى موضع العُرْفِ، أطلق على العرف مجازًا، وعرف الفرس بالضم: شعرُ عُنقِه.\nوقوله: (فإن أذنابها مذابها) بالفتح جمع مِذَبَّه بالكسر وهي المِروَحة، في (القاموس) (١): الدِّفء بالكسر: نقيض حدَّة البرد، والدِّفاء: ما يدفع به البرد، وفسره الطيبي (٢) بقوله: أي: كساها الذي تدفأ به، وقد يسمى الإبل والغنم دِفاءً لأنه يُتَّخذُ من أوبارها وأصوافها ما يُستدفَأُ به، قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ [النحل: ٥].\n٣٨٨١ - [٢١] (أبو وهب الجشمي) قوله: (ارتبطوا الخيل) كناية عن تسمينها للغزو.\nوقوله: (وامسحوا بنواصيها وأعجازها) جمع عَجُز وهو الكَفَل بفتحتين،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٢٣).","vol":"6","page":612},{"text":"أَوْ قَالَ: أَكْفَالِهَا، وَقَلِّدُوهَا وَلَا تُقَلِّدُوهَا الأَوْتَارَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٥٥٣، ن: ٣٥٦٥].\n٣٨٨٢ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَبْدًا مَأْمُورًا،\nــ\nوالمقصود من المسح تنظيفُها من الغبار، وتعرُّفُ حال سِمَنِها، وقد يحصل به الأنس للفرس بصاحبه ويتفرَّس ذلك منه.\nوقوله: (وقلدوها) القلادة ما يجعل في العنق، وتقليدُ الخيل حسنٌ لقصد إعلاء الدين.\nوقوله: (ولا تقلدوها الأوتار) جمع وِتر بالكسر، وهو الدم وطلب الثأر، أي: لا تركبوها لتطلبوا عليها أوتار الجاهلية، وقيل: معنى تقليدها الأوتار جعلُ الأوتار لازمًا لها في أعناقها لزوم القلائد للأعناق، وقيل: هي جمع وتر القوس، كانوا يعقدون في عنق الخيل أوتار القِسِيِّ لئلا تصيبَه العينُ فنهي عن ذلك تنبيهًا على أنها لا تردُّ شيئًا من القدر، أو لئلا يخنق عنقها بتضييق، وقد مرّ شرحه مفصلًا في (كتاب الطهارة) في (باب آداب الخلاء) في الفصل الثاني في حديث رويفع بن ثابت. والحديث هناك مطلق من ذكر الخيل، فقد يحمل أيضًا على عقد الخرزات في رقاب الولدان لدفع العين، وهو من شعار الجاهلية، وهذا الحديث قرينة على حمله على عقد الأوتار في أعناق الخيل.\n٣٨٨٢ - [٢٢] (ابن عباس) قوله: (عبدًا مأمورًا) أي: من عند اللَّه لا يحكم إلا بما جاء من عنده ولا يحكم بشيء بمقتضى ميله من عند نفسه، ولا يخص أحدًا بميل طبعه بما شاء حتى أهل بيته المختصين به، ولا ينافي هذا ما ذهب إليه بعض الأصوليين من أن الأحكام مفوضة إلى رسول اللَّه -ﷺ- يخص من يشاء بما يشاء؛ لأن","vol":"6","page":613},{"text":"مَا اخْتَصَّنَا دُونَ النَّاسِ بِشَيْءٍ إِلَّا بِثَلَاثٍ: أَمَرَنَا أَنْ نُسْبِغَ الْوُضُوءَ، وَأَنْ لَا نَأْكُلَ الصَّدَقَةَ، وَأَنْ لَا نُنْزِيَ حِمَارًا عَلَى فَرَسٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ١٧٠١، ن: ٣٥٨١].\nــ\nذلك باجتهاد منه -ﷺ- الذي هو وحي خفي لا بميل طبعه ومقتضى نفسه، والمنفي هو هذا المعنى، فافهم.\nوقوله: (ما اختصنا) يريد نفسه وسائر أهل بيت النبي -ﷺ-.\nوقوله: (أمرنا) بيان لما اختصهم به من الخصال، أي: حكم علينا.\nوقوله: (بأن نسبغ الوضوء) أي: نُتِمَّه ونكمله، وسبق تفسيره في بابه، (وأن لا نأكل الصدقة) أي: الزكاة، فإنها حرام على أهل بيته، وذلك أيضًا مرّ في (باب الزكاة).\nوقوله: (وأن لا ننزي حمارًا على فرس) أي: نثيب (١) ونحمل عليها لتحصل منه البغلة، ويشكل الاختصاص في الإسباغ والإنزاء، فإن الأول مستحب أمر به كل أحد، والثاني مكروه نهي عنه كل أحد، نعم حرمة أكل الصدقة مخصوص بأهل البيت، ويجاب بأن المراد الإيجاب وهو مختص به، أو المراد الحث على المبالغة والتأكيد في ذلك.\nوقيل: هذا كقول علي -﵁-: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهمًا يعطى رجل في كتابه وما في هذه الصحيفة، كما مر في الفصل الأول من (كتاب القصاص)، فالمقصود نفي الاختصاص والاستئثار بشيء من الأحكام، فإن هذه الأشياء ليس بمخصوصة بهم، فالكلام وارد على طريق المدح بما يشبه الذم.\n_________\n(١) الظاهر \"وثب\".","vol":"6","page":614},{"text":"٣٨٨٣ - [٢٣] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَغْلَةٌ فركِبَهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَوْ حَمَلْنَا الْحَمِيرَ عَلَى الْخَيْلِ فَكَانَتْ لَنَا مِثْلُ هَذِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٥٦٥، ن: ٣٥٨٠].\n٣٨٨٤ - [٢٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ فِضَّةٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٦٩١، د: ٢٥٨٣، ن: ٥٣٧٤، دي: ٢/ ٢٢١].\nــ\nقالوا: وفي هذا ردٌّ على الشيعة الذين يزعمون أن أهل البيت مخصوصون بعلوم وأحكام ليست لغيرهم، ولعل المراد نفي الاختصاص بالأحكام الشرعية وإلا لو خُضُّوا بعلوم وحقائق وأسرار وأخبار من بين سائر الناس لم يبعد ولا يلزم منه شيء، واللَّه أعلم.\n٣٨٨٣ - [٢٣] (علي) قوله: (فكانت لنا مثل هذه) عطف على (حملنا)، وجواب (لو) محذوف، وليس هو جوابها، فإن الفاء لا تدخل في جواب (لو)، هذا إن جعل (لو) شرطية، وإن حملت على التمني فلا يحتاج إلى الجواب، والحديث يدل على النهي عن إنزاء الحمار على الفرس، وقالوا: هو للكراهة.\nوقوله: (الذين لا يعلمون) أي: أحكامَ الشريعة وما هو الأولى والأنسب بالحكمة.\n٣٨٨٤ - [٢٤] (أنس) قوله: (كانت قبيعة سيف رسول اللَّه -ﷺ-) في (القاموس) (١): قبيعة السيف كسفينة: ما على طرف مَقْبِضِه من فضة أو حديد،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٩١).","vol":"6","page":615},{"text":"٣٨٨٥ - [٢٥] وَعَنْ هُودِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ جدِّهِ مَزِيدَةَ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَى سَيْفِهِ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٦٩٠].\n٣٨٨٦ - [٢٦] وَعَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ عَلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ دِرْعَانِ قَدْ ظَاهَرَ بَيْنَهُمَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٥٩٠، جه: ٢٨٠٦].\nــ\nوفي (مختصر النهاية) (١): هي التي تكون على رأس قائم السيف، وقيل: ما تحت شاربي السيف، وفي (الصراح) (٢): قبيعة بند شمشير وكارد، وفي الحواشي: هي بالفارسية ملحق، ويقول له بعضهم: كلاه.\n٣٨٨٥ - [٢٥] (هود بن عبد اللَّه) قوله: (وعن هود) هود سَمِيُّ النبي ﵇، وفي بعض نسخ (المصابيح): هوذة بفتح الهاء والذال المعجمة، وليس كذلك، كذا نقل من (الأزهار). (عن جده مزيدة) بفتح الميم وكسر الزاي وسكون التحتانية.\nوقوله: (وعلى سيفه ذهب وفضة) قيل: في هذا الحديث ضعف، ليس إسناده بالقوي، والتحلية بالذهب حرام، كذا في شرح مولانا محمد الحنفي على (الشمائل).\nوقال التُّورِبِشْتِي (٣): حديث مزيدة لا يقوم به حجة إذ ليس له سند يعتد به، وقيل: يمكن أن تكون الفضة مموَّهة بالذهب، وهذا ليس بحرام، وتفصيله في كتب الفقه.\n٣٨٨٦ - [٢٦] (السائب بن يزيد) قوله: (قد ظاهر بينهما) أي: جمع بينهما،\n_________\n(١) \"الدر النثير\" (٢/ ٨١٥).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٣٢٣).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٩٠).","vol":"6","page":616},{"text":"٣٨٨٧ - [٢٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ رَايَةُ نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ- سَوْدَاءَ وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٦٨١، جه: ٢٨١٨].\nــ\nولبِسَ إحداهما فوق الأخرى، كأنه جعل إحداهما ظهارة، والأخرى بطانة. وفي (القاموس) (١): ظاهر بينهما: طابق، وهذا من غاية الشجاعة، فإن أشجع الناس أكثرهم سلاحًا واستعدادًا للحرب، ومنه يعلم أن مباشرة الأسباب لا ينافي التوكل إذا كان عن يقين، وفي الحديث حين سئل عن التُّقَاة هل ترد من قدرة اللَّه شيئًا؟ قال: (ذلك أيضًا من قَدَرِ اللَّه).\n٣٨٨٧ - [٢٧] (ابن عباس) قوله: (كانت راية نبي اللَّه -ﷺ- سوداء ولواؤه أبيض) في (القاموس) (٢): الراية: العلم، وقال: اللواء بالمد: العلم، والجمع ألوية، ولم يتعرض للفرق بينهما، وقال في (الصحاح) (٣): اللواء: العلم الصغير، ولم يذكر الراية، والحديث صريح في الفرق بين الراية واللواء، فقيل: الراية العلم الضخم، واللواء دون الراية وهو شقة ثوب تُلوَى وتُشَدُّ إلى عُود الرُّمح، والراية على الجيش يسمى أم الحرب وهو فوق اللواء، كذا نقل الطيبي (٤).\nوفي بعض الشروح: الراية العلم الكبير، واللواء دونه، وقيل: على العكس، وقيل: الراية العلم الذي لوي عليه ثوب ولم ينشر، وقيل: الراية هي التي تولاها صاحب الحرب، واللواء علامة موضع الأمير، انتهى. والراية غير مهموز وهو من روي لا من\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٠٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨٧).\n(٣) \"الصحاح\" (٢/ ٥٨٢).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٢٨).","vol":"6","page":617},{"text":"٣٨٨٨ - [٢٨] وَعَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ مَوْلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: بَعَثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِم إِلَى الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ يَسْأَلُهُ عَنْ رَايَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: كَانَتْ سَوْدَاءَ مُرَبَّعَةً مِنْ نَمِرَةٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٢٩٧، ت: ١٦٨٠، د: ٢٥٩١].\n٣٨٨٩ - [٢٩] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- دَخَلَ مَكَّةَ وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٦٧٩، د: ٢٥٩٢، جه: ٢٨١٧].\nــ\nرأي، كذا يعلم من (القاموس) (١).\nوكان اسم راية النبي -ﷺ- العقاب، ثم قيل: المراد بكون الراية سوداء أن غالب لونه سواد بحيث يرى من البعد أسود، لا ما لونه سواد خالص، لأنه قال في الحديث الآخر: وكان من نمرة وهي بردة فيها تخطيط من سواد وبياض كلون النمر الحيوان المشهور، كذا نقل الطيبي (٢). ويحتمل أن يكون في بعض الأحيان أسود، وفي بعضها على لون النمرة، لكن يظهر من وصفها بالسوداء في الحالين أن المراد ما ذكره، واللَّه أعلم.\n٣٨٨٨ - [٢٨] (موسى بن عبيدة) قوله: (من نمرة) بفتح النون وكسر الميم، في (القاموس) (٣): هي شملة فيها خطوط بيض وسود، أو بردة من صوف يلبسها الأعراب.\n٣٨٨٩ - [٢٩] (جابر) قوله: (دخل مكة ولواؤه أبيض) أخبر عن لوائه يوم\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨٧).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٢٨).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٥٣).","vol":"6","page":618},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-952> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٨٩٠ - [٣٠] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ النِّسَاءِ مِنَ الْخَيْلِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٣٥٦٤].\n٣٨٩١ - [٣١] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَتْ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَوْسٌ عَرَبِيَّةٌ فَرَأَى رَجُلًا بِيَدِهِ قَوْسٌ فَارِسِيَّةٌ قَالَ: \"مَا هَذِهِ؟ أَلْقِهَا، وَعَلَيْكُمْ بِهَذِهِ وَأَشْبَاهِهَا وَرِمَاحِ الْقَنَا، فَإِنَّهَا. . . . .\nــ\nالفتح، والحديث السابق مطلق، ويحتمل أن ذلك أيضًا كان يوم فتح مكة، لكن الراوي أطلق، واللَّه أعلم.\nالفصل الثالث\n٣٨٩٠ - [٣٠] (أنس) قوله: (من الخيل) قيل: هذا هو الأمر الثالث الذي سكت -ﷺ- عنه في حديث: (حُبِّب إليّ من دنياكم) على تقدير صحة رواية (ثلاث)، وقد ذكرناه في موضعه.\n٣٨٩١ - [٣١] (علي) قوله: (ما هذه؟ ألقها) أي: القوس الفارسية مع أنها أشدُّ وأقوى وأبعدُ مَرمًى، ولهذا آثرها الرجل فأرشده -ﷺ- أن النصر من عند اللَّه وبقوته وقدرته لا بقوتكم وقوة أعدادكم، كذا ذكروا، وينبئ عن هذا المعنى آخر الحديث، فافهم.\nوقوله: (ورماح القنا) بالجر عطف على (هذه).\nوقوله: (أشباهها) والقنا بالفتح جمع قناة وهي الرمح، كأنه أراد رماح كاملة قوية بين الرماح.\nوقوله: (فإنها) يحتمل أن يكون ضمير القصة، ويحتمل أن يكون راجعة إلى","vol":"6","page":619},{"text":"يُؤَيِّدُ اللَّهُ لَكُمْ بِهَا فِي الدِّينِ، وَيُمَكِّنُ لَكُمْ فِي البِلَادِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٢٨١٠].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-953>٢ - باب آداب السفر</span>\nــ\nالمذكورات.\n٢ - باب آداب السفر\n(الأدب) حُسنُ التناول، وقيل: رعاية ما ينبغي أن يراعى، وقيل: حسن الأخلاق، ويجيء معناه مفصلًا في (كتاب الآداب).\nو(السفر) بالتحريك ضد الحَضَر، وفي تركيبه معنى الكشف والظهور والخروج، ومنه إسفار الصبح لإضاءته وانكشافه، والسِّفر للكتاب والسافر للكاتب؛ لأنه يبين الشيء، وللرسول كالسفير، وبالمعنيين فسر قوله -ﷺ-: (مثل الماهر بالقرآن مثل السفرة) (١) أي: الملائكة، وقد يجيء بمعنى المُصلِح، والمِسفَرة بكسر الميم: المكنسة، والسَّفْر بالتسكين: الكنس، والسافر بمعنى المسافر، ولم يستعمل فعله، وأكثر ما يستعمل منه باب المفاعلة؛ لأنه لا يكون غالبًا إلا بالاجتماع.\nوآداب السفر كثيرة، منها ما يراعى قبله، ومنها ما في أثنائه وبعد الرجوع عنه، وكتاب (إحياء العلوم) (٢) قد تكفل ببيانه، وقد ذكرنا نحن طرفًا منه في (آداب الصالحين) (٣)\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٧٩٨).\n(٢) انظر: \"إحياء علوم الدين\" (٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦).\n(٣) هو تلخيص لأبواب من \"إحياء علوم الدين\" للإمام الغزالي في اللغة الفارسية، وقد طبع الكتاب.","vol":"6","page":620},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-954> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٨٩٢ - [١] عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خَرَجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٩٥٠].\nــ\nترجمة ربع العادات منه، وفي (شرح سفر السعادة) (١) فليطلب ثمة.\nالفصل الأول\n٣٨٩٢ - [١] (كعب بن مالك) قوله: (في غزوة تبوك) وهي أرض بين الشام والمدينة، كذا في (القاموس) (٢)، والمسيرة بينها وبين المدينة شهر (٣)، ووقع غزوتها في سنة تسع من الهجرة وهي آخر غزواته -ﷺ-، وهو مشتق من البوك، باكَ العينَ: ثوَّرَ ماءَها بعُودٍ ونحوه ليخرجَ، وكانوا يبوكون الماءَ فِيها، وفي (الصحاح) (٤): ورأى النبي -ﷺ- قومًا من أصحابه يبوكون حِسْيَ تبوك، أي: يدخلون فيها القدحَ ويحركونه ليخرج الماءُ، فقال: (ما زلتم تبوكونها)، فسميت تلك الغزوة بغزوة تبوك.\nوقوله: (وكان يحب أن يخرج يوم الخميس) وفي (جامع الأصول) (٥): لأبي داود عن كعب بن مالك قال: (قلَّما يخرج رسول اللَّه -ﷺ- للسفر إلا يوم الخميس إذا\n_________\n(١) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٢٣٠ - ٢٣١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٦١).\n(٣) وفي نسخة (ع) نصف شهر.\n(٤) \"الصحاح\" (٤/ ١٥٧٦).\n(٥) \"جامع الأصول\" (٥/ ١٥).","vol":"6","page":621},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nغزا) (١)، أورد في (سنن الهدى) (٢) حديثًا فيه التخيير بين يوم الاثنين أو يوم الخميس -واللَّه أعلم-، أقول: تخصيص يوم الخميس بسفر الغزو يناسب ما ذكره التُّورِبِشْتِي (٣) من الوجوه، أحدها: أنه -ﷺ- كان يتفاءل بالخميس في خروجه، وكان سنته أن يتفاءل بالاسم، والخميس الجيش، فيرى ذلك من الفأل الحسن في حفظ اللَّه له وإحاطة جنوده به حفظًا وحمايةً، وما ذكره القاضي البيضاوي: أن ذلك لتفاؤله بالخميس على أنه يظفر على الخميس الذي هو جيش العدو، ويتمكَّن عليهم، هذا والظاهر أن هذه مناسبة تخيلوه أن في ذلك سرًّا موكولًا إلى علم الشارع، نعم لو وقع التصريح في الحديث بالتفاؤل المذكور لجزم به كما في موضع آخر من هذا الباب، وبدونه مجرد احتمال، وأقرب من ذلك ما ذكروا أن يوم الخميس يوم مبارك، ترفع فيه أعمال العباد إلى اللَّه تعالى، فتوقع -ﷺ- أن يرفع جهاده الذي هو من أفضل الأعمال إليه تعالى أو أنه أتم أيام الأسبوع عددًا واللَّه أعلم.\nتنبيه: هذا ما تقرر عليه أمر السنة فيما ذكر في الكتب المشهورة من الأحاديث، وقد جاء في ما اشتهر السفر يوم الاثنين، وقد ذكر فيه حديثًا في (سنن الهدى) من قوله -ﷺ-: (إذا سافرتم فسافروا يوم الاثنين) ولم يذكر مخرجه، وذكر أيضًا: أن رجلًا جاء إلى النبي -ﷺ- في آخر شهر يريد سفرًا فودعه، فقال النبي -ﷺ-: (أتريد أن تخسر\n_________\n(١) كذا في الأصل، ولفظ \"جامع الأصول\" و\"سنن أبي داود\" هكذا: \"قلما كان رسول اللَّه -ﷺ- يخرج في سفر إلا يوم الخميس\".\n(٢) هو كتاب: \"سنن الهدى في متابعة المصطفى\" للشيخ عبد النبي بن أحمد بن عبد القدوس النعماني، المتوفى (٩٩٠ هـ)، انظر: \"نزهة الخواطر\" (٤/ ٣٨٠).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٩١).","vol":"6","page":622},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nصفقتك وتتبخَّس بيعتك؟)، فقال: لا، فقال -ﷺ-: (اصبر حتى تهلل الهلال ثم اخرج يوم الاثنين أو يوم الخميس، فإن اللَّه تعالى يبارك في بيعتك ويربح صفقتك).\nوذكر السيوطي في (جمع الجوامع) (١) عن علي -﵁- أنه قال: لا تسافروا في المَحاقِ ولا بنزول القمر في العقرب، رواه أبو علي الحسين بن محمد بن جيش الدينوري في حديثه، انتهى. ويقال: القمر كان اسم رجل من قطاع الطريق مشهور في هذا الشأن، والعقرب اسم قرية في طريقه، هذا هو المشهور عند المحدثين. وقيل: هو محمول على ظاهره، وهو نزول كوكب القمر في برج العقرب، ويؤيده قرانه بالمحاق.\nوقد ذكر في هذا الكتاب المسمى بـ (سنن الهدى) عن ابن عباس مرفوعًا -ولم يذكر له أيضًا مخرجًا، وهذا دأب مؤلفه في هذا الكتاب لم يذكر قط مخرج الحديث ولم يُحِلْه إلى كتاب معتبر، وسمعت أنه كان يقول: جمعت هذا الكتاب حسبة للَّه وما حسبت فيه، ومع ذلك لو ذكر كان أحسنَ وأتمَّ- أنه قال: الأيام كلها للَّه تعالى لكن خلق بعضها سُعودًا وبعضها نُحوسًا، كما أن الخلق عبيد اللَّه لكن جعل بعضهم للجنة وبعضهم للنار، وما من شهر إلا وفيه سبعة أيام نحسات، فاليوم الثالث نحسٌ، فيه قتل قابيلُ هابيلَ، واليوم الخامس نحسٌ، فيه أخرج آدم من الجنة، وفيه أرسل العذاب على قوم يونس، وفيه طرح يوسف في الجب، واليوم الثالث عشر نحسٌ، فيه نزل البلاء على أيوب، وفيه سلب عن سليمان ملكه، واليوم السادس عشر [نحس]، فيه قتلت اليهود الأنبياء، واليوم الحادي والعشرون نحس لأن اللَّه تعالى خسف فيه قوم لوط، ومسخ النصارى خنازير، ومسخ اليهود قرودًا، وفيه شق يحيى بن زكريا،\n_________\n(١) \"جامع الأحاديث\" (٣١/ ٤٤٤).","vol":"6","page":623},{"text":"٣٨٩٣ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا أَعْلَمُ،\nــ\nواليوم الرابع والعشرون نحس؛ لأن اللَّه تعالى خلق فيه فرعون، وفيه ولد، وفيه ادعى الربوبية، وفيه أغرق، وفيه أرسل الطوفان والجراد والقمل والضفادع. واليوم الخامس والعشرون نحس؛ لأن فيه شق نمرود بطن أربعين امرأة، وفيه طرح الخليل في النار، وفيه عُقرت ناقة صالح، وفيه دمدم اللَّه عليهم العذاب، وقال: ويوم الأربعاء آخر يوم في الشهر نحس؛ لأن اللَّه تعالى أرسل فيه الريح على قوم هود والصيحة على قوم ثمود، وقد صح عنه -ﷺ- أن يوم الأربعاء يوم نحس مستمر، وقال تعالى: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩]، والمراد منه يوم الأربعاء.\nوعن علي -﵁- أنه يستحب للعاقل أن يجتنب في هذه الأيام شراء البهائم والخدم والدخول على النساء وكري الأنهار وغرس الثمار ولبس الثياب الجدد والنكاح والتزويج والسفر، هكذا ذكر في هذا الكتاب، وفي صحة هذا الكلام مقال، والحق أنه لم يثبت من السلف الصالحين اتباع أحكام النجوم في السعادة والنحوسة ورعاية الأيام والأوقات، بل السبيل الاستخارة والتوكل على اللَّه، ثم الشروع في الأمر مع رعاية الآداب والأحكام الواردة في السنة، نسأل اللَّه العافية.\nوروى السيوطي عن علي -﵁- أنه كان متوجهًا إلى سفر للجهاد، فقال أحد من أصحابه: لا تسافر اليوم وسافر اليوم الفلاني، فقال -﵁-: لئن كان في يدي سيف لضربت عنقك بذلك السيف، كنا مع أبي القاسم محمد رسول اللَّه -ﷺ- ولم نسمع عنده يذكر أن اليوم الفلاني يسافر ولا يسافر في اليوم الفلاني، أو كما قال، ومن اللَّه الهداية والتوفيق.\n٣٨٩٣ - [٢] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (لو يعلم الناس ما في الوحدة ما أعلم)","vol":"6","page":624},{"text":"مَا سَارَ رَاكِبٌ بِلَيْلٍ وَحْدَهُ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٩٩٨].\n٣٨٩٤ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلَا جَرَسٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١١٣].\nــ\nقال الطيبي (١): ما الأولى استفهامية علق العلم [عن العمل]، والثانية موصولة، ويمكن أن يكون العلم بمعنى العرفان، وما الأولى موصولة والثانية بدل منه، وما كناية عن المضرة الدينية والدنيوية مثل فوات الجماعة وعدم من يعينه في الحاجات، وما في (ما سار) نافية، والتقييد بالراكب بالذكر لأن مؤنته أكثر وخوفه أشد، وبالليل لأن الخطر ووجود الشر فيه أكثر وأغلب.\n٣٨٩٤ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (لا تصحب الملائكة) نقل الطيبي (٢): أن المراد ملائكة الرحمة لا الحفظة، و(الرفقة) بضم الراء وكسرها: جماعة ترافقهم، وفي (الصراح) (٣): رفقة: كَروه هم سفر رفاق جماعت، والرفيق: من يرافقك في السفر يطلق على الواحد والجمع؛ كقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، والجمع الرفقاء.\nوقوله: (ولا جرس) تقديره: ولا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس، والجرس بالتسكين: الصوت أو الخفي منه، وهو بفتح الجيم وكسرها، وقيل: إذا أفرد فتح، فقيل: ما سمعت له جَرْسًا، وإذا قالوا: ما سمعت له حِسًّا ولا جِرْسًا كسروا، كذا في (القاموس) (٤). والجرس بفتحتين: ما يعلق بعنق الدابة أو برجل البازي\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٣١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٣١).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٣٧٦).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٩٦).","vol":"6","page":625},{"text":"٣٨٩٥ - [٤] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"الْجَرَسُ مَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١١٤].\n٣٨٩٦ - [٥] وَعَنْ أَبِي بَشِيرٍ الأَنْصَارِيِّ: أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَسُولًا: \"لَا تُبْقَيَنَّ. . . . .\nــ\nوالصبيان.\nوفي (النهاية) (١): الجرس الجُلجُل الذي يُعلَّقُ على الدوابِّ، ومنه حديث: (لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس) هو الجلجل، ووجه النهي كراهة صوتها كالنواقيس، وقد ورد أن مع كل جرسٍ شيطانًا، ولأن صوته يشغل عن الذكر والفكر، ولهذا يأتي في الحديث الآتي: (الجرس مزامير الشيطان)، وقيل: إنما كرهه لأنه يدل على أصحابه بصوته، وكان -ﷺ- يحب أن لا يعلم العدو به حتى يأتيهم فجاءة، وتشبيه صوت الملك في الوحي بصَلْصَلةِ الجَرَسِ لا يدلُّ على إباحته.\n٣٨٩٥ - [٤] (وعنه) قوله: (الجرس مزامير) جمع مزمار قصَبةٌ يُزمَرُ بها، أي يتغنَّى، زمر يَزْمِرُ وَيزْمُرُ زميرًا وزمَّر تزميرًا: غنَّى في القصب، وهي زامرة وهو زمار وزامر وفعلهما الزمارة، وقد بسط الكلام في معناه في موضعه، والمراد بالجرس الجنس، ولذا أخبر عنه بالجمع، وقيل: إنما أخبر بالجمع من جهة أن صوته لا ينقطع فكأن كل جزء منه مزمار.\n٣٨٩٦ - [٥] (أبو بشير الأنصاري) قوله: (وعن أبي بشير) بفتح الموحدة وكسر المعجمة.\nوقوله: (رسولًا: لا تبقين) بلفظ المجهول للغاية، أي: رسولًا ينادي في الناس\n_________\n(١) \"النهاية\" (١/ ٢٨٤).","vol":"6","page":626},{"text":"فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ -أَوْ قِلَادَةٌ- إِلَّا قُطِعَتْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٠٥، م: ٢١١٥].\n٣٨٩٧ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ فَأَعْطُوا الإِبِلَ حَقَّهَا مِنَ الأَرْضِ، وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ فَأَسْرِعُوا عَلَيْهَا السَّيْرَ، وَإِذَا عَرَّستُمْ بِاللَّيْلِ فَاجْتَنِبُوا الطَّرِيقَ فَإِنَّهَا طُرُقُ الدَّوَابِّ وَمَأْوَى الْهَوَامِّ بِاللَّيْلِ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"إِذَا سَافَرْتُمْ فِي السَّنَةِ. . . . .\nــ\nبهذا.\nوقوله: (من وتر) قد علم في معناه وجوه ذكرت في آداب الخلاء مفصَّلة، وفي الفصل الثاني من الباب السابق مجملة، والمناسب منها هنا المعنيان، وهو أنه إنما نهى عنه دفعًا لتوهُّمهم أنه عَوْذةٌ للخيل، أو لئلا يختنقَ عنقُها، فهذا الحديث يؤيد الحمل على هذين المعنيين دون ما سواهما، فتدبر.\n٣٨٩٧ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (في الخصب) بالكسر ضد الجَدْب بمعنى القَحْط، وفي رواية: (إذا سافرتُم بأرض الخِصْب) أي: في أرضٍ فيه كثرة الخصب والمرعى.\nوقوله: (حقها) أي: حقها من نبات الأرض، أي: دعوها ساعةً فساعةً حتى ترعى.\nوقوله: (في السنة) أي: في القحط، والسنة هو العام، غلبت في عام القحط.\nوقوله: (فأسرعوا عليها السير) يعني لا تتوقفوا في الطريق لتبلغكم المقصد قبل أن تضعف.\nوقوله: (وإذا عرّستم) عرّس القوم: نزلوا في آخر الليل للاستراحة، كذا في","vol":"6","page":627},{"text":"فَبَادِرُوا بِهَا نِقْيَهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٢٦].\nــ\n(القاموس) (١) و(النهاية) (٢)، فقوله: (في الليل) كالتأكيد للمعنى، وقال في (المشارق) (٣): التعريس: النزول في آخر الليل ليناموا ويريحوا إبلهم ساعة، قاله الخليل وغيره. وقال أبو يزيد: التعريس النزول أيَّ وقت كان من ليل أو نهار، انتهى. وعلى هذا يكون (في الليل) تقييدًا، وإنما قيده به لأن الدواب والهوام تكون في الليل أكثر.\nوقوله: (فبادروا بها نقيها) بكسر النون وسكون القاف، أي: أسرعوا عليها السَّيرَ ما دامت قوَّتُها باقيةً، قال التُّورِبِشْتِي (٤): وقد يقال للشحم أيضًا النقي، أي: ما دامت قويةً قبل الهُزال، وقد صحح (نقيها) في النسخ بالنصب، يقال: بدره وبادره وبدر إليه وبادر إليه، تعدَّى بواسطة وبدونها، والباء للملابسة حال منه، أي: ملتبسًا، أو من الفاعل أي: ملتبسين.\nوقال الطيبي (٥): ويحتمل الرفع على أنه فاعل الظرف، أو مبتدأ والجملة حال، والجر على أنه بدل من الضمير المجرور، واللَّه أعلم.\nهذا وقد يروى (نَقَبها) بفتحتين وبموحدة، وهو الطريق بين الجبلين، وهو تصحيف وليس بجيد المعنى، وقال الطيبي: يحتمل أن يكون هذا اللفظ من نَقِبَ البعيرُ: إذا رقَّتْ أخفافُه، ونقب الخفُّ الملبوسُ: إذا تخرَّقَ، ولا يخفى أن هذا المعنى أيضًا ليس بجيد، نعم لو كان النقب بمعنى الخف صح، ولكنه بمعنى رقَّته وتخرُّقه،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥١٦).\n(٢) \"النهاية\" (٣/ ٢٠٦).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٣٤).\n(٤) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٩٢).\n(٥) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٣٤).","vol":"6","page":628},{"text":"٣٨٩٨ - [٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذ جَاءَهُ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ، فَجَعَلَ يَضْرِبُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ\" قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ. . . . .\nــ\nفافهم.\nوقال في (المشارق) (١): في رواية: (فانجُوا عليها بنِقْيها) بكسر النون وسكون القاف أي: أسرعوا عليها ما دامت بسِمَنها وشَحْمِها، والنقي: الشحم، وأصله مخُّ العظام، ولم يبيِّن رحمة اللَّه تعالى عليه رواية (نقبها) بالموحدة في الوهم والاختلاف على ما هو عادته في ذلك الكتاب.\n٣٨٩٨ - [٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فجعل يضرب يمينًا وشمالًا) قيل: معناه يضربُ يمينَها وشمالَها لكَلالِها، وقيل معناه: ينزل أو يسقط فيمشي يمينًا وشمالًا، وقيل: يضربُ عينَه إلى يمينه وشماله، أي: يلتفت يمينًا وشمالًا طالبًا لما يقضي به حاجته، والمعنيان الأولان أنسبُ بمعنى الضرب، ثم الظاهر من قوله: (مَن لا ظهرَ له) أنه كان ذلك لضعف راحلته، وأما كونها قوية حمل عليها زاده وأقمشته، ولم يقدر أن يركبها من ثقل حملها كما ذكره الطيبي (٢)، فمجرَّدُ احتمالٍ لا يدلُّ عليه اللفظ، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فليعد به على من لا ظهر له) أي: فليحمِلْه ويحسِنْ إليه به، مِنْ عاد\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٤٤).\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٣٤).","vol":"6","page":629},{"text":"حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٢٨].\n٣٨٩٩ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ، يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ نَوْمَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ مِنْ وَجْهِهِ فَلْيَعْجَلْ (١) إِلَى أَهْلِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٢٩، م: ١٩٢٧].\n٣٩٠٠ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَدِمَ مَنْ سَفَرٍ تُلُقِّيَ بِصِبْيَانِ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَإِنَّهُ قَدِمَ مَنْ سَفَرٍ فَسُبِقَ بِي إِلَيْهِ، فَحَمَلَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ جِيءَ بِأَحَدِ ابْنَيْ فَاطِمَةَ. . . . .\nــ\nعليه بمعروفه، أي: أحسنَ إليه، وهذا الأمر أعوَدُ، أي: أنفَعُ.\nوقوله: (حتى رأينا) أي ظننَّا.\n٣٨٩٩ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (فإذا قضى نهمته) النهمة بالفتح والسكون: الحاجة، وبلوغ الهمة والشهوة في الشيء، وهو منهوم بكذا، مُولعٌ به، وقد نهم كفرح، كذا في (القاموس) (٢).\nوقوله: (من وجهه) متعلق بـ (قضى) أي: من جهته وطريقه، والتخصيص بمنع النوم والطعام والشراب للرفق بهم وإلا ففي السفر يفوت كثير من الأمور الدينية والدنيوية كالجمعة والجماعات، وحقوق الأهل والقرابات، ومعاناة الحر والبرد والخوف ونحو ذلك، وهذا في غير الأسفار الواجبة.\n٣٩٠٠ - [٩] (عبد اللَّه بن جعفر) قوله: (تلقي) بلفظ الماضي المجهول من التلقِّي.\n_________\n(١) في نسخة: \"فَلْيُعَجِّلْ\" بالتشديد.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٧٤).","vol":"6","page":630},{"text":"فَأَرْدَفَهُ خَلْفَهُ، قَالَ: فَأُدْخِلْنَا الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةً عَلَى دَابَّةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٢٨].\n٣٩٠١ - [١٠] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ أَقْبَلَ هُوَ وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَمَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- صَفِيَّةُ مُرْدِفَهَا عَلَى رَاحِلَتِهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦١٨٥].\n٣٩٠٢ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ لَيْلًا وَكَانَ لَا يَدْخُلُ إِلَّا غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٠٠، م: ١٩٢٨].\n٣٩٠٣ - [١٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذا طَال أَحَدُكُمُ الْغَيبَةَ فَلَا يَطْرُقْ أَهْلَهُ لَيلًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. [خ: ٥٢٤٤، م: ٧١٥].\nــ\nوقوله: (فأردفه خلفه) لأنه جيء به بعده أو للإيثار، و(ثلاثة) منصوب على أنه حال.\n٣٩٠١ - [١٠] (أنس) قوله: (أقبل هو وأبو طلحة) هو زوج أمه.\nوقوله: (مع رسول اللَّه -ﷺ-) ظرف أو حال، وذلك إذ كانوا قادمين من غزوة خيبر، و(مردفها) حال من النبي -ﷺ- لأن الإضافة لفظية، أي: جاعلًا صفية رديفَه.\n٣٩٠٢ - [١١] (وعنه) قوله: (لا يطرق) أي: لا يدخل، في (القاموس) (١): الطرق والطروق: الإتيان بالليل، والمراد بالعشية هنا ما بعد العصر، في (القاموس) (٢): العَشيُّ والعَشيَّةُ: آخر النهار، وفسَّروا عشيًا في قوله تعالى: ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] بصلاة العصر.\n٣٩٠٣ - [١٢] (جابر) قوله: (فلا يطرق أهله ليلًا) يثبت عدم الطروق بالليل فعلًا وقولًا.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٣٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٠٥).","vol":"6","page":631},{"text":"٣٩٠٤ - [١٣] وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا دَخَلْتَ لَيْلًا فَلَا تَدَخُلْ أَهْلَكَ (١) حَتَّى تَسْتَحِدَّ الْمُغِيبَةُ وَتَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٤٦، م: ٧١٥].\n٣٩٠٥ - [١٤] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَحَرَ جَزُورًا أَوْ بَقَرَةً. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٠٨٩].\nــ\n٣٩٠٤ - [١٣] (وعنه) قوله: (إذا دخلت ليلًا) أي بلدك (فلا تدخل أهلك الليلة) واصبر حتى تصبح.\nوقوله: (حتى تستحد) من الاستحداد وهو استعمال الحديد، ويستعمل في حلق الشعر وفي حلق شعر العانة، ولعل المراد به هنا معالجة شعر عانتها بما هو معتادُهنَّ لا حلقُ الشعرِ. و(المغيبة) بضم الميم: المرأة التي غاب زوجها، أغابت المرأة: إذا غاب عنها زوجها، ويقال: بالتاء وبدونها، والشعث محركة: انتشار الأمر، والتشعُّثُ التفرُّقُ، غلب في تفرُّق الشَّعرِ.\n٣٩٠٥ - [١٤] (وعنه) قوله: (نحر جزورًا) أي: بعيرًا، في (النهاية) (٢): الجَزْور البعير ذكرًا كان أو أنثى إلا أن اللفظة مؤنثة، تقول: هذه الجزور وإن أردت ذكرًا، والجَزَرة الشاة التي تُذبَح، والمَجزَرة الموضع الذي يُنحَر فيه الأنعامُ، انتهى. وفي (القاموس) (٣): الجَزُور: البعير، أو خاص بالناقة المجزورة وما يذبح من الشاء، واحدتها جزرة، وأجزَرَه: أعطاه شاةً يذبُحها، وفيه أنه يسن للقادم أن يضِّيفَ بقدر وسعه.\n_________\n(١) في نسخة: \"على أهلك\".\n(٢) \"النهاية\" (١/ ٢٦٦).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٤١).","vol":"6","page":632},{"text":"٣٩٠٦ - [١٥] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- لَا يَقْدَمُ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا نَهَارًا فِي الضُّحَى، فَإِذَا قَدِمَ بَدَأَ بِالْمَسْجدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثم جَلَسَ فِيهِ لِلنَّاسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٨٨، م: ٧١٦].\n٣٩٠٧ - [١٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي سَفَرٍ فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ قَالَ لِي: \"ادْخُلِ الْمَسْجِدَ فَصَلِّ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٠٨٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-955> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٩٠٨ - [١٧] عَنْ صَخْرِ بْنِ وَدَاعَةَ الغَامِدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اللهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي. . . . .\nــ\n٣٩٠٦ - [١٥] (كعب بن مالك) قوله: (لا يقدم) بفتح الدال قَدِمَ يقدم كسمع يسمع، ولعل الحصر في قوله: (إلا نهارًا في الضحى) باعتبار الغالب وإلا فقد سبق أنه لا يقدم إلا غدوة أو عشية.\nوقوله: (ثم جلس فيه) إما قبل دخول البيت، فـ (ثمَّ) للتراخي في الرتبة أو باعتبار المنتهى، أو البقاء بعده فـ (ثمَّ) على الحقيقة، فافهم.\n٣٩٠٧ - [١٦] (جابر) قوله: (فصلِّ فِيه ركعتين) الأمر للاستحباب عندنا، وعند الشافعية تحية المسجد واجب، وهل يجب دخول المسجد للقادم وأداء هذا الواجب، أو الدخول في المسجد مستحب وبعد الدخول يصير واجبًا.\nالفصل الثاني\n٣٩٠٨ - [١٧] (صخر بن وداعة الغامدي) قوله: (عن صخر) بفتح المهملة وسكون المعجمة (ابن وداعة) بفتح الواو (الغامدي) بالمعجمة، والغامد أبو قبيلة،","vol":"6","page":633},{"text":"فِي بُكُورِهَا\" وَكَانَ إِذا بعثَ سريَّةً أوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، وَكَانَ صَخْرٌ تَاجِرًا فَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَأَثْرَى وَكَثُرَ مالُهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٢١٢، د: ٢٦٠٦، دي: ٢/ ٢١٤].\n٣٩٠٩ - [١٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ، فَإِنَّ الأَرْضَ. . . . .\nــ\nواسمه عمرو بن عبد اللَّه، ولقب به لإصلاحه أمرًا كان بين قومه، والغامدة: البئر المتدفنة والسفينة المشحونة.\nوقوله: (في بكورها) بكَرَ إليه وعليه وفيه بَكْرًا وبُكُورًا وابتكَرَ وأبكَرَ وباكَرَه: أتاه بُكْرةً، والبكرة بالضم: الغدوة، كذا في (القاموس) (١).\nوفي (الصراح) (٢): بكرة بالضم بإمداد بكَاه، بكور: بكَاه برخاستن وبإمداد كردن.\nوقوله: (يبعث تجارته) أي: مالَ تجارته.\nوقوله: (فأثرى) أي: صار ذا ثروة بسبب مراعاة السنة وإجابة هذا الدعاء منه -ﷺ-.\nوقوله: (وكثر ماله) تأكيدًا، والثروة يكون بالغنى ولا يشترط فيه كثرة المال وتزايده.\n٣٩٠٩ - [١٨] (أنس) قوله: (عليكم بالدلجة) في (القاموس) (٣): الدلج محركة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٨).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ١٦٢).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٧٣).","vol":"6","page":634},{"text":"تُطْوَى بِاللَّيْلِ\". رَوَاهُ أَبَو دَاوُدَ. [د: ٢٥٧١].\n٣٩١٠ - [١٩] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"الرَّاكِبُ شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَانَانِ، وَالثَّلَاثَةُ رَكْبٌ\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ط: ٢/ ٩٧٨، ت: ١٦٧٤، د: ٢٦٠٧، ن في الكبرى: ٨٧٩٨].\nــ\nوالدلجة بالضم والفتح: السَّيرُ من أولِ الليلِ، والفعل منه أدلَجَ بسكون الدال، وبفتحها مشددة: السَّيرُ فِي آخر الليل.\nوقوله: (تطوى) أي: يسهل السير فيه بحيث يظن الماشي أنه سار قليلًا وقد سار كثيرًا، ولعل ذلك لعدم وجود المشاغل والصوارف من السير في الليل وعدم مشاهدة الأمارات والعلامات التي تبعد وتثقل السير في نظر السالك، واللَّه أعلم. والمراد لا تقنعوا بالسير نهارًا بل سيروا بالليل أيضًا، وليس المراد لا تسيروا بالنهار قطعًا.\n٣٩١٠ - [١٩] (عمرو بن شعيب) قوله: (والثلاثة ركب) أي: هم الذين يستأهلون أن يسمّوا ركبًا لكونهم محفوظين من الشيطان، والركب من أسماء الجموع كقوم ورهط، وقيل: جمع راكب كصاحب وصَحْب، وقيل في تأويل الحديث: إنه لما ارتكب الواحد لسيره منفردًا والاثنان لسيرهما منفردين، وهو منهي عنه، فقد طاوعوا الشيطان فكأنهم الشيطان نفسه، أو المراد معهم الشيطان يهم بهم، ويأمرهم بالشر، وذلك لفوت الجماعة عن الواحد وتعسُّرِ التعيُّشِ عليه، والاثنان إن مات الواحد أو مرض اضطر الآخر ونحو ذلك، فعلم من هذا الحديث أنه لا بد في السفر من ثلاثة وهي أقل الجماعة.","vol":"6","page":635},{"text":"٣٩١١ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا كَانَ ثَلَاثةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أحَدَهُمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٠٨].\n٣٩١٢ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"خَيْرُ الصَّحَابَةِ أَرْبَعَةٌ، وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِئَةٍ، وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٥٥٥، د: ٢٦١١، دي: ٢/ ٢١٥].\nــ\n٣٩١١ - [٢٠] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فليؤمروا أحدهم) أي: يجعلوه أميرًا دفعًا لوقوع الخلاف والنزاع في أمر النزول والركوب وغير ذلك، والأمير ينبغي أن يسلكَ بهم طريق النصيحة والرِّفق والإعانة، ويكون خادمًا لهم كما ورد: سيدُ القومِ خادمُهم.\n٣٩١٢ - [٢١] (ابن عباس) قوله: (خير الصحابة أربعة) قيل: لأنهم إذا كانوا أربعة ومرض أحدهم وأراد أن يوصي أحد رفقائه شهد اثنان بخلاف الثلاثة، وقيل في توجيه استحباب الثلاثة: إذا ذهب واحد لحاجةٍ استأنسَ الباقيان، ولو وقع في إمضائه تأخُّرٌ وذهب الآخر لخبره وتحقيق حاله لم يبقَ المتاعُ خاليًا، ويفهم منه لعدد الأربعة أيضًا وجه آخر، وقال الطيبي (١): وخمسةٌ خيرٌ من أربعةٍ، وكذا كلُّ جماعة خيرٌ من أقلَّ منهم.\nوقوله: (ولن يغلب) بلفظ المجهول، أي: لا يكون اثنا عشر ألفًا مغلوبين، وإن صاروا مغلوبين لا يكون ذلك لقلتهم بل لأمر آخر من العُجْب والغرور وغير ذلك.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٤٠).","vol":"6","page":636},{"text":"٣٩١٣ - [٢٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتَخَلَّفُ فِي الْمَسِيرِ فَيُزْجِي الضَّعِيفَ، وَيُرْدِفُ، وَيَدْعُو لَهُمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٣٩].\n٣٩١٤ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنيِّ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا نَزَلُوا مَنْزِلًا تَفَرَّقُوا فِي الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ تَفَرُّقَكُمْ فِي هَذِهِ الشِّعَابِ وَالأَوْدِيَةِ إِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ\". فَلَمْ يَنْزِلُوا بَعْدَ ذَلِكَ مَنْزِلًا إِلَّا انْضَمَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ حَتَّى يُقَالَ: لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ ثَوْب لَعَمَّهُمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٢٨].\n٣٩١٥ - [٢٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا يَوْمَ بَدْرٍ كُلُّ ثَلَاثَةٍ عَلَى بَعِيرٍ،\nــ\n٣٩١٣ - [٢٢] (جابر) قوله: (يتخلف) أي: يتأخر، (فيزجي الضعيف) أي: يسوقُه حتى يلحقَه بالرفقاء، في (القاموس) (١): زَجَاه: ساقَه ودفعه كزجَّاه وأزجاه، ومنه قوله تعالى: فـ ﴿يُزْجِي سَحَابًا﴾ [النور: ٤٣].\n٣٩١٤ - [٢٣] (أبو ثعلبة الخشني) قوله: (الخشني) بضم المعجمة وفتح الشين منسوب إلى خشين بن النمر من قضاعة رهط أبي ثعلبة، كذا في (القاموس) (٢).\nوقوله: (إنما ذلكم من الشيطان) في هذا التركيب من التأكيد والمبالغة ما ليس في قولك: إن تفرُّقَكم من الشيطانِ.\n٣٩١٥ - [٢٤] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (كل ثلاثة) بالرفع بدل من ضمير (كنَّا) بدلَ البعضِ.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٠٠).","vol":"6","page":637},{"text":"فَكَانَ أَبُو لُبَابَةَ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ زَمِيلَيْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: فَكَانَتْ إِذَا جَاءَتْ عُقْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَا: نَحْنُ نَمْشِي عَنْكَ قَالَ: \"مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ الأَجْرِ مِنْكُمَا\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١١/ ٣٥ - ٣٦].\n٣٩١٦ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تَتَّخِذُوا ظُهُورَ دَوَابِّكُمْ مَنَابِرَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُبَلِّغَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الأَنْفُسِ،\nــ\nوقوله: (زميلي رسول اللَّه -ﷺ-) الزمل: الحمل، والزاملة: البعير الذي يحمل عليه الطعام والمتاع، والزميل: العَدِيل الذي حِمْلُه مع حِمْلِكَ على البعير، وزامَلَني: عاطني، والرفيقُ فِي السفر الذي يعينُكَ على أمورك، والرديفُ أيضًا، انتهى. والمراد هنا معنى العديل إذ كانوا يركبون بالنوبة، (فكانت إذا جاءت عقبة رسول اللَّه -ﷺ-) أي: نوبةُ نزولِه، والعقبة بضم العين وسكون القاف: النوبة من التعاقب.\nوقوله: (نمشي عنك) أي: نمشي مشيًا عوضًا عن مشيك، كذا في (الحواشي)، وقال الطيبي (١): ضمن معنى الاستغناء، أي: نستغنيك عن المشي، أي: نمشي بدَلَكَ.\n٣٩١٦ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (لا تتخذوا ظهور دوابكم منابر) قال الطيبي (٢): هو كناية عن القيام، أي: لا تقوموا على دوابكم من غير حاجة ضرورية إذ ثبت أنه -ﷺ- خطب في عرفة على راحلته واقفًا عليها، انتهى. فالظاهر أن هذا الحديث نهي عن\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٤١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٤٢).","vol":"6","page":638},{"text":"وَجَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فَعَلَيْهَا فَاقْضُوا حَاجَاتِكُمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٦٧].\n٣٩١٧ - [٢٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا إِذَا نَزَلْنَا مَنْزِلًا لَا نُسَبِّحُ حَتَّى نحُلَّ الرِّحالَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٥١].\n٣٩١٨ - [٢٧] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَمْشِي إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ مَعَهُ حِمَارٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ارْكَبْ وَتَأَخَّرَ الرَّجُلُ،\nــ\nالقيام على الدابة، وهو الوقوف على ظهورها. قال في (القاموس) (١): وَقَفَ يَقِفُ وقوفًا: دام قائمًا، وأما الجلوس عليها من غير تسييرها فهو شيء آخر، وقد يروى: (لا تجعلوا مراكبُكم كراسيَّ).\nوقوله: (فعليها فاقضوا حاجاتكم) الفاء الأولى للسببية والثانية للتعقيب، يعني خُصُّوا الأرض بقضاء حاجاتكم بلفظ الجمع، وهو الصحيح، وفي بعض النسخ: (حاجتكم) بالأفراد، ولفظ الجمع أبلغ لإفادته الكثرة والأنواع المختلفة صريحًا، والمعنى اقضوا حاجاتكم التي تعرض لكم وتطيقون قضاءها بدون الركوب، ويكفيكم من الدواب أن يبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس.\n٣٩١٧ - [٢٦] (أنس) قوله: (لا نسبح حتى نحل الرحال) أي: نُنزِلَها عن ظهور الدوابّ. والسُّبْحةُ والتَّسبيحُ أكثرُ ما يُطلَقُ على الصلاة النافلة، وقد قيل: إن المراد صلاة الضحى التي تحضر عند وقت النزول، فيفهم منه أن الفريضة تصلى قبل حَلّ الرِّحالِ، ولعل ذلك إذا لم يكن في الوقتِ سَعةٌ، واللَّه أعلم.\n٣٩١٨ - [٢٧] (بريدة) قوله: (رجل معه حمار) أي: راكبًا عليه.\nوقوله: (تأخر) أي: عن موضع الركوب، وهو صدر الدابة، وصدرها من ظهر\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٩٤).","vol":"6","page":639},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا، أَنْتَ أَحَقُّ بِصَدْرِ دَبَّتِكَ إِلَّا أَنْ تَجْعَلَهُ لِي\" قَالَ: جَعَلْتُهُ لَكَ فَرَكِبَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٧٧٣، د: ٢٥٧٢].\n٣٩١٩ - [٢٨] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَكُونُ إِبِلٌ لِلشَّيَاطِينِ وَبُيُوتٌ لِلشَّيَاطِينِ\" فَأَمَّا إِبِلُ الشَّيَاطِينِ فَقَدْ رَأَيْتُهَا: يَخْرُجُ أَحَدُكُمْ بِنَجيبَاتٍ مَعَهُ قَدْ أَسْمَنَهَا فَلَا يَعْلُو. . . . .\nــ\nما يلي عنقها.\nوقوله: (أنت أحق بصدر دابتك) فيه إنصافُ رسول اللَّه -ﷺ- وتواضُعه حيث رضي أن يركب خلفه.\nوقوله: (إلا أن تجعله) أي: الصدرَ لي، أي تقول ذلك صريحًا كما دل عليه قوله: (جعلتُه لكَ) وإلا فتأخُّره عن موضعه كان لذلك فافهم.\n٣٩١٩ - [٢٨] (سعيد بن أبي هند) قوله: (فأما إبل الشياطين) الظاهر المتبادر أن هذا إلى قوله: (فلم أرها) من جملة الحديث وقول الرسول -ﷺ-. وقيل: هذا من كلام الراوي والحديث هو المجمل السابق، ورجح الطيبي (١) هذا الاحتمال الأخير، ولا يظهر وجهه ولا يدل قول سعيد: (لا أراها إلا هذه الأقفاص) على ذلك كما قال الطيبي، فتأمل.\nو(المنجيبات) جمع نجيبة، أي: ناقة مختارة، والنجيب: الكريم الحسيب والمنتخب المختار.\nوقوله: (فلا يعلو) أي: لا يركَبُ، و(البعير) اسم جنس يطلق على الناقة والجمل كالإنسان يطلق على الذكر والأنثى.\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٤٣).","vol":"6","page":640},{"text":"بَعِيرًا مِنْهَا، وَيَمُرُّ بِأَخِيهِ قَدِ انْقَطَعَ بِهِ فَلَا يَحْمِلُهُ، وَأَمَّا بُيُوتُ الشَّيَاطِينِ فَلَمْ أَرَهَا، كَانَ سَعِيدٌ يَقُولُ: لَا أُرَاهَا إِلَّا هَذِهِ الأَقْفَاصَ الَّتِي يَسْتُرُ النَّاسُ بِالدِّيبَاجِ. رَاوَهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٦٨].\n٣٩٢٠ - [٢٩] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَضَيَّقَ النَّاسُ الْمَنَازِلَ وَقَطَعُوا الطَّرِيقَ، فَبَعَثَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- مُنَادِيًا يُنَادِي فِي النَّاسِ: \"أَنَّ مَنْ ضَيَّقَ مَنْزِلًا أَوْ قَطَعَ طَرِيقًا فَلَا جِهَادَ لَهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٢٩].\nــ\nوقوله: (قد انقطع به) حال من (أخيه)، ويحتمل أن يكون صفة، فإن الإضافة للجنس كاللام في: اللَّئيمِ يَسُبُّني، وهذه اللفظة صُحِّح في بعض النسخ بلفظ المعلوم، وفي بعضها بلفظ المعلوم والمجهول معًا.\nوفي الحواشي: (انقطع) على بناء المجهول، أي: كَلَّ عن السير، فالضمير للرجل المنقطع، و(به) نائب الفاعل والجملة حالية، ويوافقه ما في (القاموس) (١) حيث قال: انقُطِعَ به مجهولًا: عجز عن سفره، والحاصل أنها تكون معدَّةً للتفاخر والتكاثر، ولم يقصد به الركوب ولا إعانة الغير.\nوقوله: (إلا هذه الأقفاص التي يستر الناس بالديباج) يريد به هذه الهوادج والمحامل المستورة بالديباج يأخذه أهل الإسراف في الأسفار، ولم يكن في زمن النبي -ﷺ- ولم يره، والقفص في الأصل محبس الطير.\n٣٩٢٠ - [٢٩] (سهل بن معاذ) قوله: (فضيق الناس المنازل) أي: أخذوا منازلَ لا حاجةَ لهم إليها، فضيَّقوا بذلك المكانَ على الناس، والمراد بقطع الطريق\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٩٥).","vol":"6","page":641},{"text":"٣٩٢١ - [٣٠] وَعَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ أَحْسَنَ مَا دَخَلَ الرَّجُلُ أهلَهُ إِذَا قَدِمَ مِنْ سفرٍ أوَّلُ الليلِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧٧٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-956> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٩٢٢ - [١٣] عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فعَرَّسَ بِلَيْلى اضْطَجَعَ عَلَى يَمِينِهِ،\nــ\nهو هذا التضييقُ لكونه لازمًا له، لكن هما شيئان، ففي نفس التضييق وأخذ منزل لا حاجةَ إليه إثمٌ، وفي ما يلزمه من قطع طريق الناس إثمٌ آخر، فافهم.\n٣٩٢١ - [٣٠] (جابر) قوله: (إن أحسن ما دخل الرجل أهله) ما موصولة أو موصوفة، ويحتمل أن يكون مصدرية، أي: أحسنُ دخولِ الرجل دخولُ أولِ الليل، و(أهله) منصوب على الاتساع، والتوفيق بينه وبين الحديث الذي نهي فيه عن القدوم ليلًا أن يحمل هذا على السفر القريب. قال النووي: إذا طال السفر واشتهر قدومه فلا بأس بقدومه ليلًا، فإن المراد التهيؤ، وقد حصل بذلك، وقيل: المراد بدخول أهله المجامعة، لأن المسافر يشتد شهوته فإذا قضاها أول الليل يكون أجلب للنوم وأدعى إلى الاستراحة، وأيضًا فيه إظهار المحبة والاشتياق والمبادرة إلى أداء الحق ورفع كلفة الانتظار.\nالفصل الثالث\n٣٩٢٢ - [٣٣٣١] (أبو قتادة) قوله: (إذا كان في سفر فعرس بليل اضطجع على يمينه) هذه هي العادة المستمرَّةُ له -ﷺ-، قالوا: والحكمة في الاضطجاع على اليمين أن القلب معلَّقٌ على جانب اليسار، فلو نام في هذا الجانب استقر القلب واستراح وسكن جاء النوم ثقيلًا غرقًا بخلاف ما إذا نام على جانب اليمين طلبَ مستقرَّه فيكون في قلقٍ من غير سكون واطمئنان وأبطأَ النومُ وإن جاء لم يكن ثقيلًا، والأطباء","vol":"6","page":642},{"text":"وَإِذَا عَرَّسَ قُبَيْلَ الصُّبْح نَصَبَ ذِرَاعَهُ وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٦٨٣].\n٣٩٢٣ - [٣٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فِي سَرِيَّةٍ فَوَافَقَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَغَدَا أَصْحَابُهُ وَقَالَ: أَتَخَلَّفُ وأُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ، فَلَمَّا صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- رَآهُ فَقَالَ: \"مَا مَنَعَكَ أَنْ تَغْدُوَ مَعَ أَصْحَابِكَ؟ \" فَقَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ مَعَكَ ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ فَقَالَ: \"لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَدْرَكْتَ فَضْلَ غَدْوَتهِمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٥٢٧].\n٣٩٢٤ - [٣٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا جِلْدُ نَمِرٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٥٥، ٢٥٥٦].\nــ\nيختارون النوم على اليسار لهضم الطعام وطلب الراحة في المنام.\nوقوله: (وإذا عرس قبيل الصبح نصب ذراعه ووضع رأسه على كفه) وذلك أدخَلُ فِي التيقُّظِ والانتباه وعدمِ ثقل النوم والاستراحة.\n٣٩٢٣ - [٣٢] (ابن عباس) قوله: (ابن رواحة) بفتح الراء وخفة واو وإهمال حاء.\nوقوله: (فغدا أصحابه) أي: ساروا وقتَ الغَداةِ.\n٣٩٢٤ - [٣٣] (أبو هريرة) قوله: (جلد نمر) ككتف اسم للسبع المشهور، وقد ورد النهي عن ركوب جلود النمار ولبسها لما فيها من التكبر والخيلاء، ولأنه زي المعجم، وقيل: لأن جلده لا يقبل الدباغ وأكثر جلودها تؤخذ إذا ماتت؛ لأن اصطيادها عسير، فيكون عدم مصاحبة الملائكة لأجل ارتكاب المنهي عنه.","vol":"6","page":643},{"text":"٣٩٢٥ - [٣٤] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"سَيِّدُ الْقَوْمِ فِي السَّفَرِ خَادِمُهُمْ، فَمَنْ سَبَقَهُمْ بِخِدْمَةٍ لَمْ يَسْبِقُوهُ بِعَمَلٍ إِلَّا الشَّهَادَةَ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٦/ ٣٣٤].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-957>٣ - باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-958> الفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٩٢٦ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ-. . . . . .\nــ\n٣٩٢٥ - [٣٤] (سهل بن سعد) قوله: (سيد القوم في السفر خادمهم) أي: ينبغي لسيدهم وأميرهم أن يقوم بمصالحهم ويخدمهم، أو المراد أن الذي يخدمهم سيدهم في الحقيقة لكثرة ثوابه، وهذا هو المناسب لسياق الحديث أعني قوله: (فمن سبقهم بخدمة. . . إلخ)، ولكن تقديم سيدهم وجعله مبتدأ وخادمهم خبرًا دليل على المعنى الأول، والملائم للمعنى الثاني العكس، فافهم.\n٣ - باب الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام\nدعاءُ الكفار إلى الإسلام قبل إسلامهم واجب، والقتالُ قبلَه حرام، وأكثرُ ما يكون ذلك بالكتابة خصوصًا إلى ملوكهم وعظمائهم، وقتد كتب رسول اللَّه -ﷺ- إلى ملوك الكفار الذين كانوا في زمنه كقيصر وكسرى والنجاشي وغيرهم كتبًا ومناشير في غاية الفصاحة والبلاغة والإيجاز ما لا يتصور فوقه، وقد جمعها بعض العلماء كصاحب (الشفا) وغيره فليشرف به.\nالفصل الأول\n٣٩٢٦ - [١] (ابن عباس) قوله: (عن ابن عباس) هذا الحديث حدثه ابن","vol":"6","page":644},{"text":"كَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ، وَبَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَيْهِ دِحْيّةَ الْكَلْبِيَّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيم بُصْرَى لِيَدْفَعَهُ إِلَى قَيْصَرَ فَإِذَا فِيهِ: \"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. . . . .\nــ\nعباس -﵄- من أبي سفيان الأموي كان إذ ذاك عند هرقل، ذهب في ركب من قريش تجارًا بالشام، فدعاه هرقل، وسأله عن أحواله -ﷺ- بعد وصول كتابه إليه، والقصة مذكورة في أول (صحيح البخاري)، وهي من أدلة نبوته وعلاماتها صلى اللَّه تعالى عليه وسلم.\nوقوله: (كتب إلى قيصر) هو اسم جنس لملك الروم كما أن ملك فارس يسمى بكسرى، وملك الحبشة بالنجاشي، وملك الترك بخاقان، وملك القبط بفرعون، وملك مصر بالعزيز، وملك يمن بالقَيْل، وملك حمير بُتبَّع، وملك الهند بالراي، وهذا القيصر كان اسمه هرقل.\nو(دحية) بكسر الدال وعند ابن ماكولا بفتحها (الكلبي) منسوب إلى بني كلب قبيلة من العرب، وفي بعث دحية وحده وأمره بدفعه إلى الكفار دليل على وجوب العمل بخبر الواحد. و(بصرى) بضم الموحدة وسكون المهملة بلدة بالشام مشهورة ذات قلعة، وهي قريبة من طرف العمارة والبرية التي بين الشام والحجاز، ويجاد فيها عمل السيف.\nوقوله: (فإذا فيه: بسم اللَّه الرحمن الرحيم) فيه استحباب تصدير المكاتيب والمراسيل بالبسملة وإن كان المبعوث إليه كافرًا، بل يكون هناك أشد استحبابًا إدخالًا للروع وتنبيهًا في أول المكتوب على التوحيد كما فعله سليمان ﵇، وأما حديث: (كل أمر ذي بال) فمن رواية البيهقي وغيره وهو حديث حسن وليس في الصحيحين، وقد بيناه في حاشية الضيائية نقلًا عن كلام الشيخ محيي الدين النووي","vol":"6","page":645},{"text":"مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّوم،\nــ\nفي (شرح صحيح مسلم).\nوقوله: (من محمد عبد اللَّه ورسوله) (١) أي: هذا المكتوب صادر منه، وعبد اللَّه صفة محمد أو بدل عنه، وفيه أن السنة في المكاتبة أن يبدأ الكاتب بنفسه فيقول: من زيد إلى عمرو مثلًا، وكذلك كان الصحابة يكتبون إلى رسول اللَّه -ﷺ-، وما كان أحدٌ أعظمَ حرمةً منه -ﷺ- عندهم وهذا هو الصحيح، وجوَّزَ بعضُهم الابتداء بالمكتوب إليه، وروي أن زيد بن ثابت كتب إلى معاوية فبدأ باسم معاوية.\nوإنما قدم صفة العبودية على الرسالة تواضعًا وإشارة إلى أنه مطيع لأوامره تعالى منقاد لا يتصرف من عند نفسه بشيء، ولأنه أخص صفاته -ﷺ- لا يشاركه في حقيقتها أحد وهو العبد الحقيقي الذي ثبتت له حقيقة العبودية التي هي الانسلاخ من النفس وصفاتها وإراداتها والفناء في اللَّه تعالى فهو العبد، واللَّه تعالى هو الرب.\nوقوله: (إلى هرقل) بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف، وقد يسكن الراء ويكسر القاف، وقد يقال: بسكون الراء مع فتح الهاء كخندق، غير منصرف، ملك الروم، وأول من ضرب الدنانير، وأول من أحدث البيعة، وهو صاحب حروب الشام، ملك إحدى وثلاثين سنة، وفي ملكه مات النبي -ﷺ-.\nوقوله: (عظيم الروم) لم يقل ملك الروم لئلا يكون ذلك مقتضيًا لتسليم الملك إليه وهو معزول عنه بحكم الدين، ومع ذلك أتى بنوع من الملاطفة فقال: عظيم الروم، أي: رئيسهم الذي يطيعونه ويقدمونه كما يكون رؤساء البلاد والقريات ومقدموهم إلانةً للقول واستمالةً له.\n_________\n(١) في \"التقرير\": لعله هكذا يكون طريق المكاتبة في زمنه ﵇، وتقديم الاسم على التسمية في زمن سليمان ﵇ لما جاء: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾ الآية [النمل: ٣٠].","vol":"6","page":646},{"text":"سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ! فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدَاعِيَةِ الإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجَرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَعَلَيْكَ إِثْمُ الأَرِيسِيِّينَ، وَ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ. . . . .\nــ\nوقوله: (سلام على من اتبع الهدى) لم يبدأ بالسلام عليه بخصوصه لكونه كافرًا، بل سلَّم على كلِّ من اتَّبعَ الهدى، أو فيه ترغيب وإرشاد إلى الحق والهداية بأحسن وجوه وأخصرها.\nوقوله: (أما بعد) فيه استحباب (أمَّا بعدُ) في الخطب والمكاتبات، وقد اختلف في أول من تكلم به، والأصح أنه داود النبي ﵇، وقد ذكرناه في شرح خطبة الكتاب.\nوقوله: (بداعية الإسلام) الداعية مصدر بمعنى الدعوة كالعافية والعاقبة.\nوقوله: (أسلم) من الإسلام و(تسلم) من السلامة، وفيه إيجاز غريب، أي: تسلم من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وتكرير قوله: (وأسلم) تأكيد وإيذان بكمال شفقته -ﷺ- وحرصه على الإسلام.\nوقوله: (يؤتك اللَّه أجرك مرتين) دليل على أن أهل الكتاب إذا أسلموا فلهم أجران كما هو مدلول كلام اللَّه المجيد.\nوقوله: (وإن توليت فعليك إثم الأيسسين) في (القاموس) (١): الأريسي والأريس كجليس: الأَكَّار، والجمع أريسيون وأرشمون، وكسِكِّيت الأمير، وأرَّسَه تأريسًا: استعمَلَه واستخدَمَه، وفي (مختصر النهاية) (٢): إثم الأريسيين يروى منسوبًا مجموعًا جمع أريسيٍّ وبغير نسبة جمع أريسٍ، وبإبدال الهمزة ياء مفتوحة، وهم الخَوَلُ والخَدَمُ\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٩١٠).\n(٢) \"الدر النثير\" (١/ ٢٢).","vol":"6","page":647},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالأكَّارُونَ، وقيل: فرقة تعرف بالأريسية أتباع عبد اللَّه بن أريس كانوا في زمن الأول قتلوا أنبياء ﵈ جاؤوهم، وقيل: الأريس الملوك، وقيل: العَشَّارون، وقال الكرماني (١): اليَرِيسِينُ بفتح الياء التحتانية وكسر الراء جمع يريس على وزن فَعِيل، وقد تقلب الياء الأولى بالهمزة فيقال: الأريسين، وروي أيضًا بالياءَين بعد السين جمع يريسي منسوب إلى يريس، وروي الإِرِّيْسِين بكسر الهمزة وكسر الراء المشددة وياء واحدة بعد السين وهم الأكَّارون الزرَّاعون، وقال التيمي: الأصل الأريس فابدلت الهمزة بالياء وهو على عكس المشهور، وجاء في بعض الروايات في غير الصحيح: فإن عليك إثم الأكَّارين.\nثم إنه على التقادير كلها معناه: إن عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون بانقيادك، ونبه بهؤلاء على جميع الرعايا لأن الزراعين كانوا هم الأغلب فيهم، ولأنهم أسرع انقيادًا فإذا أسلم أسلموا وإذا امتنع امتنعوا، وقيل: معناه فالمجوس يقلدونك فيه، فيحصل عليك إثمهم.\nهذا ما في هذه الشروح، والكلام الجامع ما ذكر في (مشارق الأنوار) (٢): حيث قال قوله: (فإن عليك إثم الأريسيين)، كذا رواه مسلم، وجُلُّ رواة (البخاري) بفتح الهمزة وكسر الراء مخففة وتشديد الياء بعد السين، ورواه المروزي مرة اليريسين وهي رواية النسفي، ورواه الجرجاني مرة، وبعضهم مثله إلا أنه قال: الأريسيين بسكون الراء وفتح الياء الأولى، ورواه بعضهم في غير الصحيحين: الأريسين مخفف الياءين\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (١/ ٦٢).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤٧ - ٤٨).","vol":"6","page":648},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمعًا، قال أبو عبيد: هذا هو المحفوظ، فمن قال: الأريسيين، فقالوا في تفسيره: هم أتباع عبد اللَّه بن أريس رجل في الزمن الأول بعث اللَّه نبيًّا فخالفه هو وأتباعُه، وأنكر ابن القزاز هذا التفسير، ورواية من قال: الأريسيين بفتح الياء وسكون الراء. وقيل: هم الأروسيون وهم نصارى أتباع عبد اللَّه بن أروس وهم الأروسية، متمسِّكون بدين عيسى لا يقولون: إنه ابن اللَّه، وقال أبو عبيد الهروي: هم الأكَرَة، وقيل: الملوك الذين يخالفون أنبياءَهم، وقيل: الخدمة والأعوان، وقيل: المتبخترون، ففي (مصنف ابن السكن): يعني اليهود والنصارى فسره في الحديث، ومعناه إن عليك إثم رعاياك وأتباعك ممن صددته عن الإسلام واتبعك على كفرك كما قال تعالى ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١]، وكما جاء في بعض طرق هذا الحديث: وإلا فلا تحل بين الفلاحين وبين الإسلام، قال أبو عبيد: ليس الفلاحون هنا الزراعون خاصة، لكن جميع أهل المملكة؛ لأن كل من زرع هو عند العرب فلاح تولى ذلك بنفسه أو تُولي له، ويدل على ما قلنا قوله أيضًا في حديث آخر: (فإنْ أبَيتَ فإننا نهدِمُ الكُفُورَ ونقتلُ الأريسيين، وإني أجعَلُ إثمَ ذلك في رقبتِكَ)، الكُفُور: القرى، واحدها كَفْرٌ، فهذا المعنى يفسره الأحاديث ويعضده القرآن أولى ما قيل فيه، انتهى. ولقد طال الكلام في تحقيق هذه، والقوم (١) بذلوا جهدهم في تحقيق ألفاظ الأحاديث شكر اللَّه سعيهم، ونحن اقتفينا أثرهم وجمعنا ما ذكروه، والفضل للمتقدم.\nفإن قلت: تقديم لفظ (عليك) على اسم (إنَّ) مفيد للحصر، أي: ليس إثمُهم إلا عليك، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] فضلًا عن الحصر،\n_________\n(١) قوله: القوم -إلى- للمتقدم، زادت هذه العبارة في نسخة: (ع) فقط.","vol":"6","page":649},{"text":"تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ \" [آل عمران: ٦٤]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ قَالَ: \"مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ\" وَقَالَ: \"إِثْمُ اليَرِيْسِيِّينَ\" وَقَالَ: \"بِدِعَايَةِ الإِسْلَام\". [خ: ٧، م: ١٧٧٣].\n٣٩٢٧ - [٢] وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَى كِسْرَى مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى عَظِيم الْبَحْرَيْنِ فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، فَلَمَّا قَرَأَ مَزَّقَهُ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَدَعَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٢٤].\nــ\nقلت: المراد أن إثم الإضلال عليه، والإضلال أيضًا وزره كالضلال، ووزرهم على أنهم معارض بقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣]، كذا قال الكرماني.\nوقوله: (فإن تولوا) أي: أهلُ الكتاب (فقولوا) أيها المؤمنون.\nوقوله: (بدعاية الإسلام) وقد جاء هذا اللفظ في رواية البخاري أيضًا في أول الكتاب في (باب كيف كان بدء الوحي) وفي (باب التفسير).\n٣٩٢٧ - [٢] (وعنه) قوله: (إلى كسرى) بكسر الكاف وفتحها مع جواز الإمالة في الوجهين وهو معرب خسرو، وكان كسرى إذ ذاك أبرويز بن هرمز بن أنو شيروان.\nوقوله: (مزَّقه) من التمزيق، أي: خرَّقه بالتشديد كذا الرواية، مزقه يمزقه مزقًا ومزقة: خرّقه، كمزّقه، فالتشديد للمبالغة.\nوقوله: (أن يمزقوا كل ممزّق) أي: يفرقوا كل تفريق، والمُمزَّق مصدر ميمي،","vol":"6","page":650},{"text":"٣٩٢٨ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَتَبَ إِلَى كِسْرَى وَإِلَى قَيْصَرَ وَإِلَى النَّجَاشِيِّ وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الَّذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ-. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٧٤].\n٣٩٢٩ - [٤] وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا،\nــ\nوإلى ذلك آل أمرهم أدبر عنهم الإقبال وزالت الدولة حتى انقرضوا عن آخرهم، قتل أبرويزَ ابنُه شِيرَوَيْهِ ثم مات هو أيضًا بعد ستة أشهر، فأدركتهم النحوسة واللعنة إلى أبد الآبدين.\n٣٩٢٨ - [٣] (أنس) قوله: (وإلى النجاشي) بفتح النون وتخفيف الجيم وسكون الياء وعليه الأكثرون، وقيل: هو الصواب، وقيل: بالتشديد والتخفيف، وقد تكسر النون، وقال في (القاموس) (١): النجاشي بتشديد الياء وتخفيفها أفصح، وتكسر نونها أو هو أفصح، وأما تشديد الجيم، فقيل: إنه خطأ، وفي (مجمع البحار) (٢): النجاشي بتشديد الياء، وصوب بعض تخفيفها، واللَّه أعلم بالصواب.\nوقوله: (ليس بالنجاشي الذي صلّى عليه النبي -ﷺ-).\n٣٩٢٩ - [٤] (سليمان بن بريدة) قوله: (في خاصته) أي: في نفسه. وقوله: (ومن معه) عطف على (خاصته)، و(خيرًا) منصوب بنزع الخافض، أي: أوصاه في نفسه بتقوى اللَّه، أي: تشديدها وإلزامها العزيمة، وفي من معه بخير، أي: مسامحة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥١٨).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٦٨٢).","vol":"6","page":651},{"text":"ثُمَّ قَالَ: \"اغْزُوَا بسمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوَا فَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَمْثُلُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَليدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ -أَوْ خِلَالٍ- فَأَيَّتَهُنَّ مَا أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَام،\nــ\nورفق وتيسير، وهذا من حقوق الصحبة والإمارة لقوله -ﷺ-: (يسِّرُوا ولا تُعسِّرُوا).\nوقوله: (اغزوا) غزا العدو: سار إلى قتالهم وانتهابهم.\nوقوله: (فلا تغلّوا) من الغُلُول وهو الخيانة في الغنيمة، (ولا تغدروا) من الغَدْر، وهو نقض العهد، (ولا تمثلوا) من المُثْلَة (١)، وتكرير (اغزوا) للتأكيد ولربط ما بعده مستقلًا.\nوقوله: (وإذا لقيت عدوك) خطاب للأمير، فإن دعوة الكفار بالإسلام والتحول إلى دار المهاجرين ونحو ذلك من مناصب الأمراء والغزاة والمقاتلة يعم المسلمين كلهم.\nوقوله: (أو خلال) من شك الراوي في اللفظ، والخلال جمع خَلَّة بالفتح بمعنى الخَصْلة، والخصال الثلاث: الإسلام وإعطاء الجزية والمقاتلة، و(ما) في (ما أجابوك) زائدة.\nوقوله: (وكف عنهم) أي: امتنع، وكفَّ يجيء لازمًا ومتعديًا، فأشار إلى الخصلة الأولى بقوله: (ثم ادعهم إلى الإسلام)، وروي في غير رواية مسلم: (ادعهم) بإسقاط ثم وهو الأظهر، وقيل: (ثم) زائدة، ورَدَت لاستفتاح الكلام والأخذ فيه والتراخي في البيان.\n_________\n(١) قال القاري (٦/ ٢٥٢٨): وفي نسخة من باب التفعيل.","vol":"6","page":652},{"text":"فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَلَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، فَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُون كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يُجْرَى عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّه الَّذِي يُجْرَى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوا فَسَلْهُمْ الْجزْيَةَ فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نبَيِّهِ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نبَيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ،\nــ\nوقوله: (فإن أجابوك). . . إلى قوله: (فإن أبوا) من تتمة هذه الخصلة.\nوقوله: (ما للمهاجرين) أي: من الثواب واستحقاق مال الفيء، فإنه -ﷺ- كان ينفق على المهاجرين مما آتاه اللَّه من الفيء لا لأعراب المسلمين.\nوقوله: (وعليهم ما على المهاجرين) من وجوب الخروج إلى الجهاد إذا أمرهم الإمام سواء كان بإزاء العدو مَن به الكفايةُ أو لم يكنْ، بخلاف غير المهاجرين فإنه لم يجب عليهم الخروج إلى الجهاد إذا كان بازاء العدو مَن به الكفاية، كذا فسره الطيبي (١).\nوقوله: (كأعراب المسلمين) أي: الذين لازموا أوطانهم في البادية لا في دار الكفر.\nوقوله: (فإن أبوا فسلهم الجزية) هذه هي الخصلة الثانية.\nوقوله: (فإن هم أبوا) أي: عن الجزية (فاستعن باللَّه وقاتلهم) الخصلة الثالثة.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٥٣).","vol":"6","page":653},{"text":"فَإِنَّكُمْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمَ أَصْحَابِكُمْ أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَإِنْ حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْم اللَّهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا؟ \". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٣١].\n٣٩٣٠ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ انْتَظَرَ حَتَّى مَالَتِ الشَّمْسُ. . . . .\nــ\nوقوله: (فإنكم) على الخطاب كذا في الأصول، وفي بعض نسخ (المصابيح): (فإنهم) بالغيبة، والأول أصح روايةً، وهذا أظهر درايةً، فإن نقض الذمة من جانب الكافرين أظهر وأوقع، والمعنى أن الكافرين إنْ ينقضوا ذِمَمَكم وذِمَمَ أصحابكم أهونُ وأقلُّ تحقيرًا للإسلام من أن ينقضوا ذمة اللَّه وذمة رسوله فإنه يلزم منه هَوانٌ وحقارةٌ فيه، ولكن النووي وجَّهَ معنى الخطاب، وقال: يعني ربما ينقضهما مَن لا يعرفُ حقَّها من الأعراب وسواد الجيش كما نقل (الطيبي) (١) عنه، فافهم.\nثم (إنَّ) في (إنكم) هي التي للتحقيق، وصحح في نسخة بسكون النون حرف شرط، والظاهر على هذا أن يكون أن في (أن تخفروا) أيضًا بكسر الهمزة تاكيدًا لـ (أن) الشرطية، وهي قد صححت بفتح الهمزة فهي مع صلتها في تأويل المصدر بدل من ضمير المخاطبة، وخبر (إن) قوله: (أهون)، و(تخفروا) بضم التاء من الإخفار وهو نقضُ الذمة، والخَفْرُ: حفظُ الذمة، فالهمزة للسَّلب.\nوقوله: (فإنك لا تدري أتصيب حكم اللَّه أم لا؟) فيه أن المجتهد يخطئ ويصيب.\n٣٩٣٠ - [٥] (عبد اللَّه بن أبي أوفى) قوله: (حتى مالت الشمس) إلى جهة\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٥٤).","vol":"6","page":654},{"text":"ثُمَّ قَامَ فِي النَّاسِ فَقَالَ: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ! لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ\"، ثُمَّ قَالَ: \"اللهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩٦٥، ٢٩٦٦، م: ١٧٤٢].\n٣٩٣١ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا غَزَا بِنَا قَوْمًا لَمْ يَكُنْ يَغْزُو بِنَا. . . . .\nــ\nالمغرب وهو وقت الزوال، قالوا: الحكمة فيه أنه وقت هبوب الرياح ونشاط النفوس، وقيل: سببه فضيلة وقت الصلاة والدعاء عندها، هذا وقد ورد في الحديث أنه تفتح أبواب السماء في هذا الوقت، وتصعد الأعمال إلى مصعد القبول، فينتظر فيه نزول أنوار الفتح والنصرة، وأيُّ عملٍ أفضلُ من القتال في سبيل اللَّه فيرجى القبول، وأيضًا وقت الصباح يتهيأ للقتال ويُهَيَّأ أسبابه، وآخر اليوم يقرب الليل، وهذا وسط النهار وقيام الظهيرة، واللَّه أعلم. هذا وقد دل الحديث الآتي في آخر الفصل عن النعمان بن مقرن أنه كان قد يقاتل أول النهار، وكان إذا لم يقاتل أوله انتظر حتى تهب الأرواح وتحضر الصلاة، ووجه التطبيق أن الأوقات والأحوال مختلفة تارة فتارة.\nوقوله: (لا تتمنوا لقاء العدو) لأنه في حكم طلب البلاء، وهو منهي عنه، وبعدما نزل وجب الصبر والاستقامة، ولما فيه من صورة الإعجاب والوثوق بالقوة والاتكال على النفس وحولها، وتحقير العدو وعدم المبالاة والاهتمام به.\nوقوله: (تحت ظلال السيوف) كناية عن الدنوِّ من مقام الضِّراب والقتال حتى يعلوَه السيفُ.\n٣٩٣١ - [٦] (أنس) قوله: (غزا بنا) الباء للمصاحبة.\nوقوله: (لم يكن يغزو بنا) هكذا في نسخ (المشكاة): (يغزو بنا) بإثبات الواو،","vol":"6","page":655},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nووقع في نسخ (المصابيح): (لم يكن يغز بنا) بحذف الواو، وقال التُّورِبِشْتِي (١): وأرى الواو قد سقط عن قلم الكاتب، وصوابه: لم يكن يغزو بنا بإثباتها إذ لا وجه لإسقاط حرف العلة هاهنا، وقال في (مجمع البحار) (٢) عن الكرماني: إذا غزا بنا لم يكن يغز بنا بسقوط الواو لأنه بدل من (يكنْ)، وروي يغزو بثبوتها على لغة، انتهى، يريد أن حذف الواو هنا هو الأصل الظاهر، وإنما المحتاج إلى التوجيه إثباتُها، وهو على لغة من يرفع المضارع عند دخول الجازم، ويقال له لغة لم يخشى وهي لغة فصيحة.\nثم قال التُّورِبِشْتِي (٣): ولو جعلناه من الإغزاء بالزا وقلنا: يغزينا على زنة يلهينا لم يستقم؛ لأن معنى قول القائل: أغزيت فلانًا: جهَّزته للغزو، ولا معنى له هاهنا، انتهى، يعني لو قلت: اللفظ يُغزِينا الفعل المضارع من أغزى من باب الإفعال، وضمير المتكلم مفعوله فليس هنا محل الواو، بل الواو التي كانت في المجرد أبدلت ياء لوقوعها في الرابع كما تقرر في علم الصرف، وليس ذلك يغز متعديًا إلى الضمير المتكلم بحرف الجر، لم يستقم المعنى؛ لأن الإغزاء بمعنى التجهيز للغزو، يقال: أغزَيتُه إذا جهَّزتَه، وليس المعنى هنا على هذا. وقال القاضي البيضاوي (٤): المعنى مستقيم لأن المعنى لم يرسلنا إليه ولم يحملنا عليه على سبيل المجاز.\nوأقول: قد ذكر في (القاموس) (٥): أغزاه على أمرٍ بمعنى حمَلَه عليه، وأيضًا قد\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٩٧).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٣٨).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٨٩٨).\n(٤) \"تحفة الأبرار\" (٣/ ١٦).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢١٠).","vol":"6","page":656},{"text":"حَتَّى يُصْبحَ وَيَنْظُرَ إِلَيْهِمْ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا كَفَّ عَنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا أَغَارَ عَلَيْهِمْ قَالَ: فَخَرَجْنَا إِلَى خَيْبَرَ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ لَيْلَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَلَمْ يَسْمَعْ أَذَانًا رَكِبَ وَرَكِبْتُ خَلْفَ أَبِي طَلْحَةَ، وَإِنَّ قَدَمِي لَتَمَسُّ قَدَمَ نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: فَخَرَجُوا. . . . .\nــ\nيختلج تكرار بنا مع ذكره في الأول، ولا حاجة إليه، ثم قد ذكر في (مجمع البحار) (١) عن الكرماني: يُغرِينا بتحتية بعد راء من الإغراء، وروي يغر بحذفها، وروي يَغْدُ بسكون غين وبدال مهملة وحذف واو من الغدوِّ نقيضِ الرَّواحِ، فتدبر.\nوقوله: (وينظر إليهم) أي: يتأمل في حالهم ويثبت في أمرهم حذرًا أن يغير على المؤمنين أو يكون فيهم أحد من المؤمنين، والظاهر هو الثاني؛ لأن الظاهر أنه قد كان علم أنها ديار الكافرين، لكن يحتمل أن يكون فيهم مؤمن أيضًا فيغير عليه، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم) لكونه علامة الكفر؛ لأن ترك الأذان في ذلك الزمان لم يكن متصوَّرًا، وجاء في الروايات الفقهية: الأذانُ شِعارُ الدِّين يجبُ القتالُ مع قومٍ ترَكُوه.\nوقوله: (وإن قدمي لتمس قدم نبي اللَّه -ﷺ-) لقربه منه -ﷺ-. وفي الحواشي: هذا يدل على أنهم ركبوا على مركب واحد، وفيه ما فيه.\nوقوله: (فخرجوا) أي: الكفارُ من الحصن قاصدين نخيلَهم ومزارعَهم ولم يعلموا بنا، و(المكاتل) جمع مِكتَل بكسر الميم، شِبُه الزِّنْبيل يسَعُ خمسةَ عشرَ رِطْلًا، و(المساحي) جمع مِسْحَاةٍ، في (القاموس) (٢): سحا الطين يَسْحِيه ويَسْحُوه وَيَسْحَاهُ\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٣٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨٩).","vol":"6","page":657},{"text":"إِلَيْنَا بَمَكَاتِلِهِمْ وَمَسَاحِيهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْا النَّبِيَّ -ﷺ- قَالُوا: مُحَمَّد واللَّهِ محمَّدٌ والخميسُ، فَلَجَؤوا إِلَى الْحِصْنِ، فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قومٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرينَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٠، ٢٩٩١ م: ١٣٦٥].\n٣٩٣٢ - [٧] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ قَالَ: شَهِدْتُ الْقِتَالَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَكَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ القِتَالَ أَوَّلَ النَّهَارِ انْتُظَرَ حَتَّى تَهُبَّ الأَرْوَاحُ وَتَحْضُرَ الصَّلَاةُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣١٦٠].\nــ\nسَحْيًا: قشَوه وجرفَه، والمِسْحَاة بالكسر ما سُحِيَ به، وصانعه سَحَّاء.\nوقوله: (والخميس) بالرفع عطف على (محمد)، وقد ينصب على أنه مفعول معه، والخميس: الجيش، سمي به لانقسامه خمسة أقسام: المقدِّمةُ، والسَّاقةُ، والمَيمَنة، والمَيسَرة، والقلب، أو لتخميس الغنائم فيه.\nوقوله: (اللَّه أكبر) فيه استحباب التكبير عند لقاء العدو.\nوقوله: (بساحة قوم) أي: أرضهم.\n٣٩٣٢ - [٧] (النعمان بن مقرّن) قوله: (ابن مقرن) بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة وبالنون.\nوقوله: (حتى تهب الأرواح) أي: الرياح، وجمع الريح رِياح وأَرْيَاح وأَروَاح ورَيْح على وزن عيب، وجمع الجمع أَراوِيح وأَرايِيح، وأصله الواو، وإنما جاءت بالياء لانكسار ما قبلَها، فإذا رجعوا إلى الفتح عادت الواو كقولك: أرْوحَ الماءُ، كذا في (الصحاح) (١).\n_________\n(١) \"الصحاح\" (١/ ٣٦٧).","vol":"6","page":658},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-959> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٩٣٣ - [٨] عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَكَانَ إِذَا لَمْ يُقَاتِلْ أَوَّلَ النَّهَارِ انْتَظَرَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، وَتَهُبَّ الرِّيَاحُ وَيَنْزِلَ النَّصْرُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٥٥].\n٣٩٣٤ - [٩] وَعَنْ قتَادَةَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (١) -ﷺ- فَكَانَ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ أَمْسَكَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتْ قَاتَلَ، فَإِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ أَمْسَكَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ قَاتَلَ حَتَّى الْعَصْرِ، ثُمَّ أَمْسَكَ حَتَّى يُصَلَّى الْعَصْرُ، ثُمَّ يُقَاتِلُ، قَالَ قتَادَةُ: كَانَ يُقَالُ: عِنْدَ ذَلِكَ تَهِيجُ رِيَاحُ النَّصْرِ،\nــ\nالفصل الثاني\n٣٩٣٣ - [٨] (النعمان بن مقرّن) قوله: (وينزل النصر) ناظرٌ إلى فتح باب السماء حينئذ، وتلويح إلى قوله -ﷺ-: (نُصِرتُ بالصَّبَا).\n٣٩٣٤ - [٩] (قتادة) قوله: (وعن قتادة عن النعمان بن مقرن) لا يظهر وجه ذكر قتادة الراوي عن النعمان، وإسناد الحديث إليه في هذا الحديث دون الحديثين الأولين هو أو غيره.\nوقوله: (كان يقال) الضمير في (كان) للشأن.\nوقوله: (عند ذلك) إشارة إلى ما ذكر من الأوقات كلها أو مخصوص بوقت زوال الشمس كما دل عليه الأحاديث الآخر.\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".","vol":"6","page":659},{"text":"وَيَدْعُو الْمُؤْمِنُونَ لِجُيُوشِهِمْ فِي صَلَاتِهِمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٦١٢].\n٣٩٣٥ - [١٠] وَعَنْ عِصَامٍ الْمُزَنِيِّ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي سَرِيَّةٍ فَقَالَ: \"إِذَا رَأَيْتُمْ مَسْجِدًا أَوْ سَمِعْتُمْ مُؤَذِّنًا فَلَا تَقْتُلُوا أَحَدًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٥٣٩، د: ٢٦٣٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-960> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٩٣٦ - [١١] عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَتَبَ خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ إِلَى أَهْلِ فَارِسَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ خَالِدِ بْنِ الْوَليدِ إِلَى رُسْتَمَ وَمِهْرَانَ فِي مَلِأَ فَارِسَ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ! فَإِنَّا نَدْعُوكُمْ إِلَى الإِسْلَامِ،\nــ\nوقوله: (في صلاتهم) أي: في آخرها أو في ثانيها.\n٣٩٣٥ - [١٠] (عصام المزنيّ) قوله: (وعن عصام) بكسر العين وتخفيف الصاد.\nوقوله: (إذا رأيتم مسجدًا) في ديار العدو.\nوقوله: (فلا تقتلوا أحدًا) أي: أحدًا ممَّن وجدتم في ديارهم مسجدًا أو سمعتم مؤذِّنًا لئلا يؤدِّيَ إلى قتل المؤمن.\nالفصل الثالث\n٣٩٣٦ - [١١] (أبو وائل) قوله: (إلى رستم) بضم الراء وفتح التاء. و(مهران) بكسر الميم وسكون الهاء.\nوقوله: (في ملأ) أي: كائنين فيهم، والملأ: أكابر أشراف الناس ورؤساؤهم؛ لأنهم يملؤون المجالس.","vol":"6","page":660},{"text":"فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَأَعْطُوا الْجزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَأَنْتُمْ صَاغِرُونَ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَإِنَّ مَعِيَ قَوْمًا يُحِبُّونَ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا يُحِبُّ فَارِسُ الْخَمْرَ، وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى. رَوَاهُ فِي \"شَرْح السُّنَّة\". [شرح السنة: ٩/ ١١].\nــ\nوقوله: (فأعطوا الجزية) من جزى دينه: إذا قضاه، كذا قال البيضاوي (١)، ويأتي تمام معناه في بابه.\nوقوله: (يحبون القتل) يحتمل أن يكون مصدرًا معلومًا أو مجهولًا.\nوفي قوله: (كما يحب فارس الخمر) إشارة إلى أنهم يصيرون مثل السكارى في الحرب والقتال وأنهم يطربون وينشطون بذلك.\nوقوله: (والسلام على من اتبع الهدى) كرره تأكيدًا وتقريرًا، وعرَّف السلام لذكره أولًا.\nتمّ بحمد اللَّه وتوفيقه المجلد السادس ويتلوه إن شاء اللَّه تعالى المجلد السابع وأوله: (تابع كتاب الجهاد).\nوصلى اللَّه تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وبارك وسلم تسليمًا كثيرًا.\n* * *\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٤٠١).","vol":"6","page":661},{"text":"لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح\nللخطيب التبريزي (ت: ٧٤١ هـ)\nتأليف العلامة المحدث عبد الحق الدهلوي\nعبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدهلوي الحنفي\nالمولود بدهلي في الهند سنة (٩٥٨ هـ) والمتوفى بها سنة (١٠٥٢ هـ) رحمه اللَّه تعالى\nتحقيق وتعليق الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي\nطبع على نفقة سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان\nممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة\nالمجلد السابع\nدار النوادر","vol":"7","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"7","page":2},{"text":"لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح\n(٧)","vol":"7","page":3},{"text":"دار النوادر\nالمؤسس والمالك نور الدين طالب\nمؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي والإسلامي والدراسات الأكاديمية والجامعية المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية تأسست في دمشق سنة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م، وأُشهرت سنة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م.\nسوريا - دمشق - الحلبوني:\nص. ب: ٣٤٣٠٦\nجميع الحقوق محفوظة للمحقق\nيمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بكافة طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي أو المسموع أو استخدامه حاسوبيًا بكافة أنواع الاستخدام وغير ذلك من الحقوق الفكرية والمادية إلا بإذن خطي من المؤسسة.\nالطبعة الأولى\n١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م\nE-mail: info@daralnawader.com\nWebsite: www.daralnawader.com\nشركات شقيقة\nدار النوادر اللبنانية - لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)\nدار النوادر الكويتية - الكويت - ص. ب: ١٠٠٨ - هاتف: ٢٢٤٥٣٢٣٢ - فاكس: ٢٢٤٥٣٣٢٣ (٠٠٩٦٥)\nدار النوادر التونسية - تونس - ص. ب: ١٠٦ (أريانة) - هاتف: ٧٠٧٢٥٥٤٦ - فاكس: ٧٠٧٢٥٥٤٧ (٠٠٢١٦)\nمركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية\nمظفرفور - أعظم جراه - يوبي - الهند\nالهاتف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤ - ٠٠٩١\nالفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦ - ٠٠٩١\nمتحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥ - ٠٠٩١\nالبريد الإلكتروني: drnadwi@gmail.com","vol":"7","page":4},{"text":"تابع (١٩) كتاب الجهاد\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-961>٤ - باب القتال في الجهاد</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-962> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٩٣٧ - [١] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- يَوْمَ أُحُدٍ: . . . . . .\nــ\n٤ - باب القتال في الجهاد\nاعلم أن هنا ثلاثة ألفاظ: الجهاد، والغزو، والقتال، فالجهاد كما سبق: الجهد والمشقة وبذل الطاقة فيه، والغزو: الخروج إلى قتال الكفار، في (القاموس) (١): غزا العدو: سار إلى قتالهم وانتهابهم غزوًا وغزوانًا وغزاة وهو غاز، والمغازي: مناقب الغزاة، والقتال معناه ظاهر، فصح قوله: (القتال في الجهاد)؛ لأنه قد يكون جهاد ولم يكن هناك قتال، نعم قال في (القاموس) (٢): الجهاد بالكسر: القتال مع العدو، فحينئذ لا يكون لقوله: (القتال في الجهاد) معنى، ولعله أراد بقوله: الجهاد القتال [و] الخروج إلى ذلك والقصد إليه كما أسلفنا.\nالفصل الأول\n٣٩٣٧ - [١] (جابر) قوله: (قال رجل) قيل: اسمه عمير بن الحمام، وفي حديث\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢١٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٦٣).","vol":"7","page":5},{"text":"أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فَأَيْنَ أَنَا؟ \" قَالَ: \"فِي الْجَنَّةِ\" فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ فِي يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠٤٦، م: ١٥٠٩، ١٨٩٩].\n٣٩٣٨ - [٢] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، يَعْنِي: غَزْوَةَ تَبُوكَ، غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا، وَمَفَازًا وَعَدُوًّا كَثِيرًا،\nــ\nجابر أنه كان يوم أحد كما ترى، وفي حديث أنس أنه كان يوم بدر، واللَّه أعلم.\n٣٩٣٨ - [٢] (كعب بن مالك) قوله: (إلا ورّى) من التورية وهو الستر والإخفاء في البيان، أي: ستره بغيرها، ويظهر أنه يريد غيرها لما فيه من الحزم وإغفال العدو، وتوريته -ﷺ- كان تعريضًا بأن يريد مثلًا غزوة مكة فسأل الناس عن حال خيبر أو كيفية طرقها، وتوجه إليها بضرب الخيمة إليها لا تصريحًا بأن يقول: أريد غزوة خيبر مثلًا؛ لئلا يلزم الكذب.\nوقوله: (حتى كانت تلك الغزوة يعني كزوة تبوك) إنما عرف (الغزوة) تعريف عهد، وأشار إليها إشارة البعيد لما كانت تلك الغزوة معهودة عنده مركوزة في ذهنه، معظمة لديه لما وقعت له فيها قضية التخلف، يعني تلك الغزوة التي وقع لي فيها ما وقع، وجرى ما جرى.\nوقوله: (ومفازًا)، جمع مفازة: البرية القفر، سميت به لأنها مهلكة، والفوز: الهلاك، وقيل: سميت به تفاؤلًا من الفوز بمعنى النجاة والظفر بالخير، والفوز يجيء بمعنى النجاة والهلاك، ضد، كذا في (القاموس) (١).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٨٢).","vol":"7","page":6},{"text":"فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ، لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤٤١٨].\n٣٩٣٩ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْحَرْبُ خُدَعَةٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٣٠، م: ١٣٦١، ١٧٣٩].\nــ\nوقوله: (فجلى) أي: كشف وأظهر.\nوقوله: (ليتأهبوا أهبة كزوهم) أي: ليتأهبوا ويعدوا أسباب غزوهم، والأهبة بالضم: العُدَّة، كالهُبَة، وقد أَهَّبَ له تأهيبًا وتأهّب.\n٣٩٣٩ - [٣] (جابر) قوله: (الحرب خدعة) في (القاموس) (١): خدعه كمنعه خدعًا ويكسر: ختله، وأراد به المكروه من حيث لا يعلم، كاختدعه فانخدع، والاسم الخديعة، والحرب خدعة مثلثة، وكهمزة، وروي بهن جميعًا، أي: تنقضي بخدعة، انتهى.\nوقال في (النهاية) (٢): (الحرب خدعة) بفتح الخاء وضمها مع سكون الدال وبضمها مع فتح الدال، فالأول معناه: أن الحرب ينقضي أمرها بخدعة واحدة من الخداع، أي: إن المقاتل إذا خدع مرة واحدة لم يكن لها إقالة، وهو أفصح الروايات وأصحها، ومعنى الثاني هو الاسم من الخداع، ومعنى الثالث أن الحرب تخدع الرجال وتمنّيهم ولا تفي لهم كاللُّعَبة والضُّحَكة للذي يكثر اللعب والضحك. وفي (مجمع البحار) (٣): روي أنه قاله يوم الأحزاب لما بعث نعيم بن مسعود أن يخذل بين قريش\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٥٦).\n(٢) \"النهاية\" (١/ ٤٧٤).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\": (٢/ ٢٠).","vol":"7","page":7},{"text":"٣٩٤٠ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ وَنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ مَعَهُ، إِذَا غَزَا يَسْقِينَ الْمَاءَ وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨١٥].\n٣٩٤١ - [٥] وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- سَبْعَ غَزَوَاتٍ أَخْلُفُهُمْ فِي رِحَالِهِمْ، فَأَصْنَعُ لَهُمُ الطَّعَامَ، وَأُدَاوِي الْجَرْحَى وَأَقُومُ عَلَى الْمَرْضَى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨١٢].\n٣٩٤٢ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠١٥، م: ١٧٤٤].\nــ\nوغطفان واليهود، يعني أن المماكرة في الحرب أنفع من المكاثرة، وظاهره إباحة الكذب في الحرب لكن التعريض أولى.\n٣٩٤٠ - [٤] (أنس) قوله: (يغزو بأم سليم) الباء للمصاحبة.\nوقوله: (ونسوة) بالجر والرفع، وهذا أولى لئلا يكون قوله: (معه) مستدركًا.\nوقوله: (يسقين) وفي بعض النسخ: (فيسقين)، (الماء ويداوين الجرحى) ويجوز إخراج العجائز للمداواة والسقي، ولو احتيج للمباضعة فالأولى إخراج الإماء دون الحرائر.\n٣٩٤١ - [٥] (أم عطية) قوله: (وعن أم عطية) الأنصارية، اسمها نسيبة.\n٣٩٤٢ - [٦] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (نهى عن قتل النساء والصبيان) قال في (الهداية) (١): ولا يقتلوا امرأة ولا صبيًّا ولا شيخًا فانيًا ولا مقعدًا ولا أعمى؛ لأن المبيح\n_________\n(١) \"الهداية\" (٢/ ٣٨٠).","vol":"7","page":8},{"text":"٣٩٤٣ - [٧] وَعَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ أَهْلِ الدَّارِ يُبَيَتُّونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَيُصَابَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ، قَالَ: \"هُمْ مِنْهُمْ\". . . . .\nــ\nللقتل عندنا هو الحراب، ولا يتحقق منهم، والشافعي يخالفنا في الشيخ والمقعد والأعمى؛ لأن المبيح عنده الكفر، وقد صح أن النبي -ﷺ- نهى عن قتل الصبيان والذراري، وحين رأى النبي -ﷺ- امرأة مقتولة قال: (هاه ما كانت هذه تقاتل فلم قتلت؟) (١)، قال: إلا أن يكون أحد هؤلاء ممن له رأي في الحرب أو تكون المرأة ملكة، وكذا يقتل من قاتل من هؤلاء دفعًا لشره.\n٣٩٤٣ - [٧] (الصعب بن جثامة) قوله: (عن الصعب) بفتح الصاد وسكون العين المهملتين (ابن جثامة) بفتح الجيم والمثلثة المشددة.\nوقوله: (عن أهل الديار) وفي بعض النسخ: (أهل الدار) قال التُّورِبِشْتِي (٢): أراد بالدار المحل باعتبار أنه يجمعهم ويدور حولهم.\nو(يبيتون) بلفظ المجهول من التبييت حال من أهل الدار، و(من) في (من المشركين) بيانية، والتبييت أن يقصد بالليل بغتة بيت العدو، ووقع بهم ليلًا وهو البيات، ويقال بالفارسية: شبخون.\nوقوله: (هم) أي: الصبيان والنساء (منهم) أي: من المشركين، أي: من رجالهم أي: في حكمهم، وظاهره أنه يجوز قتلهم كما يقتل الرجال، فقيل: ليس معناه استباحة قتل الولدان، وإنما فيه نفي الحرج عمن أصابهم بسهم أو سيف أو رمح لكون الليل حاجزًا بينه وبين التمييز ولاختلاط الذرية بالمقاتلة، والسؤال وقع عن حصول الإثم\n_________\n(١) \"صحيح ابن حبان\" (١١/ ١١٠).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٠٠).","vol":"7","page":9},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: \"هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠١٣، م: ١٧٤٥].\n٣٩٤٤ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَطَعَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَحَرَّقَ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانٌ:\nوهان على سراة بني لؤيٍّ ... حريق بالبويرة مستطير\nوَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ. . . . .\nــ\nولزوم الدم، فأفتى لهم أن حكم الأبناء في هذه الصورة كحكم آبائهم؛ لأن الولدان في حكم الكفر تبع الأبوين، وقيل: المراد إذا لم يوصل إلى قتل الآباء إلا بقتلهم؛ جمعًا بين الأحاديث.\nوقوله: (وفي رواية: هم من آبائهم) أي: حكمهم حكم آبائهم، وهذا في الدنيا، وأما في الآخرة فالأصح أنهم في الجنة، وقيل: في النار، وتوقف بعضهم في ذلك.\n٣٩٤٤ - [٨] (ابن عمر) قوله: (نخل بني النضير) قبيلة من يهود.\nوقوله: (ولها) أي: لأجل هذه القضية والحادثة قال حسان. و(السراة) بفتح السين: أشراف القوم ورؤساؤهم، جمع سري، والسرو: سخاء في مروءة، و(بنو لؤي) بضم لام وفتح همزة، وقيل: بواو وشدة ياء، وهو لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة، أحد أجداد النبي -ﷺ-، والمراد أشراف قريش من صحابته -ﷺ-.\nوقوله: (حريق) أي: نار، (بالبويرة) بضم الموحدة وفتح الواو: مصغر بور، اسم موضع فيه نخيل بني النضير.\nوقوله: (مستطير) أي: منتشر، وذلك حين نقض بنو النضير العهد، وهمّوا بقتله -ﷺ-، فنزل الوحي بما هموا، فأجلوا إلى خيبر وأحرق نخيلهم.\nوقوله: (من لينة) أي: نخلة، فعلة من اللون ويجمع على ألوان، وقيل: من","vol":"7","page":10},{"text":"أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٥]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠٣١، ٤٠٣٤، م: ١٧٤٦].\n٣٩٤٥ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ أَنَّ نَافِعًا كَتَبَ إِلَيْهِ يُخْبِرُهُ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَغَارَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ غَارِّينِ فِي نَعَمِهِمْ بِالْمُرَيْسِيعِ،\nــ\nاللين، ومعثاها النخلة الكريمة، وجمعها أليان، كذا في التفسير (١)، وفي (مجمع البحار) (٢): المراد أنواع التمر كلّها سوى العجوة، وهي مئة وعشرون نوعًا، أو كرام النخل، أو كلها، أو كل الأشجار، أقوال.\nوقوله: (﴿أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً﴾) أي: لم تقطعوها، وفيه قطع شجر الكفار وهو المذهب عندنا، وقيل: لا يجوز، وقيل: هذا إذا دعت إليه حاجة، وقيل: إن النخيل كانت مقابل القوم فقطعت ليبرز مكان، فيكون مجالًا للحرب.\n٣٩٤٥ - [٩] (عبد اللَّه بن عون) قوله: (ابن عون) بالنون في الآخر.\nوقوله: (على بني المصطلق) بضم فسكون ففتح فكسر وبقاف: بطن من خزاعة.\nوقوله: (غارين) بتشديد الراء، أي: غافلين، والغار: الغافل، واغتر: غفل، والاسم الغرة بالكسر، كذا في (القاموس) (٣).\nوقوله: (في نعمهم) بفتحتين، أي: في مواشيهم، و(المريسيع) بضم الميم وفتح الراء وكسر السين: اسم موضع قريب من قديد، وفيه ماء لبني المصطلق،\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٤٨٠).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٥٤٣).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤١٨).","vol":"7","page":11},{"text":"فَقَتَلَ الْمُقَاتَلَةَ وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٤١، م: ١٧٣٠].\n٣٩٤٦ - [١٠] وَعَن أبي أُسَيْدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لَنَا يَوْمَ بَدْرٍ حِينَ صَفَفْنَا لِقُرَيْشٍ وَصَفُّوا لَنَا: \"إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِالنَّبْلِ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَارْمُوهُمْ وَاسْتَبْقُوا نَبْلَكُمْ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَحَدِيثُ سَعْدٍ: \"هَلْ تُنْصَرُونَ\" سَنَذْكُرُهُ فِي \"بَابِ فَضْلِ الْفُقَرَاءِ\". وَحَدِيثُ الْبَرَاءِ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَهْطًا فِي \"بَابِ الْمُعْجزَاتِ\" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [خ: ٢٩٠٠].\nــ\nو(المقاتلة) بكسر التاء، أي: الجماعة التي يقاتلون، والمراد من يصلح للقتال، احتراز عن الصبيان والنساء والمشايخ.\n٣٩٤٦ - [١٠] (أبو أسيد) قوله: (وعن أبي أسيد) بضم الهمزة وفتح السين، ومنهم من فتح الهمزة وكسر السين، والأول أصح وأشهر، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١).\nوقوله: (إذا أكثبوكم) الكثب بالتحريك: القرب، وأكثبه: دنا منه، كأكثب له ومنه، كذا في (القاموس) (٢)، أي: قاربوكم بحيث يصل إليهم سهامكم، قال التُّورِبِشْتِي (٣): ورواه بعضهم: (كثبوكم) بغير ألف، أي: قربوا منكم، قال الهروي: فلعلها لغتان.\nوقوله: (إذا استبقوا نبلكم) على صيغة استفعال، أي: لا ترموهم بجميعها، بل أبقوا شيئًا منها حتى لا تبقوا بلا أنبال.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٠١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٣٢).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٩/ ٩٠١).","vol":"7","page":12},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-963> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٩٤٧ - [١١] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: عَبَّأَنَا النَّبِيُّ (١) -ﷺ- بِبَدْرٍ لَيْلًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٦٧٧].\n٣٩٤٨ - [١٢] وَعَنِ الْمُهَلَّبِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنْ بَيَّتَكُمُ الْعَدُوُّ فَلْيَكُنْ شِعَارُكُمْ: حم لَا يُنْصَرُونَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٦٨٢، د: ٢٥٩٧].\nــ\nالفصل الثاني\n٣٩٤٧ - [١١] (عبد الرحمن بن عوف) قوله: (عبأنا) أي: سوى الصفوف وأقام كلًّا في مقام يصلح له، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): عبانا يهمز ولا يهمز، يقال: عبأت الجيش وعبيتهم: هيأتهم في مواضعهم وألبستهم السلاح، وقال صاحب (القاموس) (٣) في باب الهمزة: عبأ المتاع والأمر كمنع: هيأه، والجيش: جهّزه، كعبأه تعبئة، وفي باب الناقص: تعبية الجيش: تهيئته في مواضعه.\n٣٩٤٨ - [١٢] (المهلب) قوله: (وعن المهلب) بضم الميم وفتح اللام مع التشديد.\nوقوله: (إن بيّتكم العدو) أي: قصد قبالكم ليلًا كما عرفت.\nوقوله: (فليكن شعاركم) أي: علامتكم التي تعرفون بها أصحابكم، والشعار بالكسر: العلامة في الحرب يعرف بها الرجل رفقاءه، ومعنى قوله: (حم لا ينصرون)\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول اللَّه\".\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٠٢).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٧).","vol":"7","page":13},{"text":"٣٩٤٩ - [١٣] وَعَنْ سَمُرةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: كَانَ شِعَارُ الْمُهَاجِرِينَ: عَبْدُ اللَّهِ، وَشِعَارُ الأَنْصَارِ: عَبدُ الرَّحْمَنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٩٥].\n٣٩٥٠ - [١٤] وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ زَمَنَ النَّبِيِّ -ﷺ- فبيَّتْنَاهُمْ نَقْتُلُهُمْ، وَكَانَ شِعَارُنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ: أَمِتْ أَمِتْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٢٦٣٨].\n٣٩٥١ - [١٥] وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (١). . . . .\nــ\nبفضل هذه لا ينصرون، فعلى هذا العلامة مجموع هذا القول، أو أمره -ﷺ- بجعل (حم) علامة ثم كأنه سأل سائل: ماذا يكون إذا قلته؟ قال: (لا ينصرون)، وقيل: (حم) من أسماء اللَّه، والمعنى اللهم لا ينصرون.\n٣٩٤٩ - [١٣] (سمرة بن جندب) قوله: (كان شعار المهاجرين: عبد اللَّه، وشعار الأنصار: عبد الرحمن) يمكن استنباط وجه تخصيص أحدهما بالآخر، فتأمل.\n٣٩٥٠ - [١٤] (أبو أسيد) قوله: (أمتْ أمتْ) بلفظ الأمر من الإماتة مكررًا، والمخاطب هو اللَّه تعالى، وقال الطيبي (٢): إن في (شرح السنة): يا منصور أمت، فالمخاطب كل أحد من المقاتلين، واللَّه أعلم.\n٣٩٥١ - [١٥] (قيس بن عباد) قوله: (وعن قيس بن عباد) بضم العين وتخفيف الموحدة، كذا في (جامع الأصول) (٣)، وعباد كله بمفتوحة وشدة موحدة إلا هذا والد\n_________\n(١) في نسخة: \"النَّبِيِّ\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٧/ ٣٦٤).\n(٣) \"جامع الأصول\" (٢/ ٥٧٩).","vol":"7","page":14},{"text":"يَكْرَهُونَ الصَّوْتَ عِنْدَ الْقِتَالِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٥٦].\n٣٩٥٢ - [١٦] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ وَاسْتَحْيُوا شَرْخَهُمْ\" أَيْ: صِبْيَانَهُمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد. [ت: ١٥٨٣، د: ٢٦٧٠].\nــ\nقيس، وكذا والد جرير ووالد مرة، كذا في (المغني) (١).\nوقوله: (يكرهون الصوت عند القتال) كما كان عادة المحاربين لتعظيم أنفسهم ومفاخرتهم وإظهار شجاعتهم، والصحابة لا يرفعون الصوت إلا بذكر اللَّه، والمراد غالب الأحوال، وإلا فقد ينقل ذلك عن بعضهم، ولفظ (يكرهون) أيضًا ينبئ عن ذلك، فافهم.\n٣٩٥٢ - [١٦] (سمرة بن جندب) قوله: (اقتلوا شيوخ المشركين) المراد بهم الذين فيهم جلادة وقوة وفكر ورأي ودهاء، فإن كان الأول فظاهر، وإن كان الثاني فلما في استبقائهم من الفتنة لما في نفوسهم من العصبية والمكر فلا يؤمن غائلتهم، وما يتولد منهم من فساد في الدين أو ثلمة في الإسلام، وهم غير الفانين الذين لم يبق فيهم من القوة والعقل، فلا يكترث بهم المرادين في الحديث الآتي بقوله: (لا تقتلوا شيخًا فانيًا)، ويفهم منه قتل الشباب بطريق الأولى أو هو مقرر، والغرض تعلق ببيان من عداهم.\nوقوله: (واستحيوا شرخهم) بالشين المعجمة المفتوحة وسكون الراء في آخره خاء معجمة، قالوا: هو أول الشباب، وقال في (مختصر النهاية) (٢): وقيل: هو نضارته\n_________\n(١) \"المغني\" (٢/ ٣٥٥).\n(٢) \"الدر النثير\" (١/ ٥١٧).","vol":"7","page":15},{"text":"٣٩٥٣ - [١٧] وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ عَهِدَ إِلَيْهِ قَالَ: \"أَغِرْ عَلَى أُبْنَى صَبَاحًا وَحَرِّقْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦١٦].\n٣٩٥٤ - [١٨] وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ بَدْرٍ: \"إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَارْمُوهُمْ، وَلَا تَسُلُّوا السُّيُوفَ حَتَّى يَغْشَوْكُمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٦٤].\nــ\nوقوته. اسم جمع يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، أو جمع شارخ كركب وراكب، وقال في (القاموس) (١): هو أول الشباب، وجمع شارخ للشاب ويجمع على شروخ، والتفسير بالصبيان وقع من بعض الرواة أو من صاحب (المصابيح) وقال التُّورِبِشْتِي (٢): إنما فسر الشرخ بالصبيان ليقابل الشيوخ، فيكون المراد بالشيوخ الشبان وأهل الجلد فيصح التقابل، فتدبر.\n٣٩٥٣ - [١٧] (عروة) قوله: (أغر) أمر من الإغارة، و(أبنى) بضم الهمزة وسكون الموحدة مقصورًا اسم موضع من فلسطين بين عسقلان والرملة، ويقال: يبنى بالياء، كذا في (النهاية) (٣).\n٣٩٥٤ - [١٨] (أبو أسيد) قوله: (ولا تسلوا السيوف) السل: انتزاعك الشيء وإخراجه في رفق كالإسلال، ومنه سل السيف من باب نصر.\nوقوله: (حتى يغشوكم) أي؛ يسترونكم ويغطونكم، كناية عن زيادة القرب الذي ترمونهم به.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٤٥).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٠٣).\n(٣) \"النهاية\" (١/ ٣٣).","vol":"7","page":16},{"text":"٣٩٥٥ - [١٩] وَعَنْ رَبَاحِ بْنِ الرَّبِيعِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي غَزْوةٍ فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ، فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ: \"انْظُرُوا عَلَى مَنِ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ\" فَقَالَ: عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ، فَقَالَ: \"مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ\"، وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ: \"قُلْ لِخَالِدٍ: لَا تَقْتُلِ امْرَأَةً وَلَا عَسِيفًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٦٩].\n٣٩٥٦ - [٢٠] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"انْطَلِقُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَبِاللَّهِ وعَلى مِلِّةِ رَسُولِ اللَّهِ، لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلَا طِفْلًا صَغِيرًا، وَلَا امْرَأَةٍ، وَلَا تَغُلُّوا، وَضُمُّوا غَنَائِمَكُمْ،\nــ\n٣٩٥٥ - [١٩] (رباح بن الربيع) قوله: (وعن رباح) بفتح الراء (ابن الربيع) على لفظ ضد الخريف.\nوقوله: (ما كانت هذه لتقاتل) هي لام الجحد تقدر بعدها أن الناصبة، يراد في خبر كان المنفي نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]. و(العسيف): الأجير والعبد المستعان به، فعيل بمعنى فاعل من عسف له، أو مفعول من عسفه: استخدمه، كذا في (القاموس) (١)، والمراد في الحديث الأجير الذي لا يقاتل.\n٣٩٥٦ - [٢٠] (أنس) قوله: (بسم اللَّه وباللَّه وعلى ملة رسول اللَّه) يقدر لهذه الجوار ما يناسب المعنى والمقام نحو متبركين ومستعينين ومتوكلين ونحو ذلك، والاستعانة باللَّه أبلغ وأوكد لما فيه من التعلق بذاته الأقدس مع تضمنه استجماع الأسماء كلها، و(ضموا) أي: اجمعوا وأحرزوا غنائمكم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧١٣).","vol":"7","page":17},{"text":"وَأَصْلِحُوا، وَأَحْسِنُوا فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦١٤].\n٣٩٥٧ - [٢١] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ تَقَدَّمَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَتَبِعَهُ ابْنُهُ وَأَخُوهُ فَنَادَى: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَانْتَدَبَ لَهُ شَبَابٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: مَنْ أَنْتُمْ؟ فَأَخْبَرُوهُ فَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيكُمْ إِنَّمَا أَرَدْنَا بَنِي عَمِّنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قُمْ يَا حَمْزَةُ، قُمْ يَا عَلِيُّ، قُمْ يَا عُبَيْدَةُ بْنَ الْحَارِثِ\". فَأَقْبَلَ حَمْزَةُ إِلَى عُتْبَةَ، وَأَقْبَلْتُ إِلَى شَيْبَةَ، وَاخْتَلَفَ بَيْنَ عُبَيْدَةَ وَالْوَليدِ ضَرْبَتَانِ،\nــ\nوقوله: (وأصلحوا) فيما بينكم بترك التنازع والتخاصم، و(أحسنوا) أعمالكم، وحقيقة الإحسان أن تعبد ربك كأنك تراه.\n٣٩٥٧ - [٢١] (علي) قوله: (تقدم عتبة) بضم العين وسكون الفوقانية من المشركين وأشقيائهم الذين قتلوا يوم بدر، و(ابنه) الوليد بن عتبة و(أخوه) شيبة بن ربيعة، (فنادى) أي: عتبة (فانتدب) ندبه إلى الأمر: دعاه وحثّه ووجهه، فانتدب، أي: أجاب وتوجه، و(الشباب) بفتح الشين وتخفيف الباء جمع شاب، وقيل: لا يجمع فاعل على فعال غيره، ومنه حديث: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة)، ويروى هناك شبان على وزن رمان.\nوقوله: (إنما أردنا بني عمنا) أراد به أقاربه وأكفاءه من قريش، والحارث بن عبد المطلب أحد أعمام رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (فأقبل حمزة إلى عتبة) وزاد في بعض الروايات: فقتله، وكذا بعد قوله: (وأقبلتُ إلى شيبة) فقتلته.\nوقوله: (ضربتان) فاعل اختلف، والظاهر أن المراد ضربة من كل واحد منهما.","vol":"7","page":18},{"text":"فَأَثْخَنَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، ثُمَّ مِلْنَا عَلَى الْوَلِيدِ فَقَتَلْنَاهُ وَاحْتَمَلْنَا عُبَيْدَةَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ١/ ١١٧، د: ٢٦٦٥].\n٣٩٥٨ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي سَرِيَّةٍ فَحَاصَ النَّاسُ حَيْصَةً، وَأَتَيْنَا (١) الْمَدِينَةَ فَاخْتَفَيْنَا بِهَا وَقُلْنَا: هَلَكْنَا، ثُمَّ أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-. . . . .\nــ\nوقوله: (فأثخن كل واحد منهما صاحبه) أي: أثقله، في (القاموس) (٢): أثخن في العدو: بالغ الجراحة فيهم، وفلانًا: أوهنه. (واحتملنا عبيدة) أي: حملناه من المعركة، وهو -﵁- من شهداء بدر.\n٣٩٥٨ - [٢٢] (ابن عمر) قوله: (فحاص الناس حيصة) في (القاموس) (٣): حاص عنه يحيص حيصًا وحيوصًا ومَحِيصًا ومَحاصًا ومحيصة: عدل، وحاد، أو يقال للأولياء: حاصوا، وللأعداء: انهزموا، والمحيص: المحيد، انتهى. فإن حمل الحيص على المعنى الأول وهو مطلق العدول والميل والحيد، واحتمل أن يراد بالناس المسلمون عدلوا عن محاربة الكفار وأتوا المدينة، وأن يراد أعداؤهم، أي: مالوا وحملوا علينا وهزمونا، وعلى الاحتمالين تقرير القاضي البيضاوي (٤)، وإن حمل على المعنى الثاني المخصص استعماله في الأولياء تعين الاحتمال الأول، وحكم الطيبي على الاحتمال الثاني بكونه مخالفًا لاستعمال اللغة بناء على ما تدل عليه عبارة الجوهري\n_________\n(١) في نسخة: \"فأتينا\"، كذا في \"المرقاة\" (٦/ ٢٥٤٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٥٩٥).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٦٩).\n(٤) انظر: \"تحفة الأبرار\" (٣/ ٢٤).","vol":"7","page":19},{"text":"فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ الفَرَّارُونَ. قَالَ: \"بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ وَأَنَا فِئَتُكُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ نَحْوَهُ وَقَالَ: \"لَا بَلْ أَنْتُمُ الْعَكَّارُونَ\". قَالَ: فَدَنَوْنَا فَقَبَّلْنَا يَدَهُ فَقَالَ: \"أَنَا فِئَةُ الْمُسْلِمِينَ\".\nوَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: كَانَ يَسْتَفْتِحُ،\nــ\nمن تخصيصه بالأولياء ووجهه بالمجاز، ولكن عبارة (القاموس) تدل على اختلاف أهل اللغة في معناه، فبعضهم عمموه والآخرون خصصوه، فتدبر.\nوقوله: (فقلنا: يا رسول اللَّه، نحن الفرارون) تحسرًا وخجالة واعترافًا بالذنب، فقال رسول اللَّه -ﷺ- تمهيدًا لعذرهم ورفعًا للخجالة عنهم: (بل أنتم العكارون) من عكر على الشيء يعكر عكرًا وعكورًا واعتكر: كرّ وانصرف، والعكار: الكرار العَطّاف، كذا في (القاموس) (١)، أي: لستم فرارين، بل أنتم الكرارون، والعطافون إلى الحرب. وقال في (النهاية) (٢): يقال للرجل يولي عن الحرب ثم يَكُرُّ راجعًا إليها: عكر واعتكر. والكرار صفة مدح في الشجاعة، وقد وصف [به] علي المرتضى -﵁- وكرم وجهه.\nوقوله: (وأنا فئتكم) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦]، والفئة: الجماعة من الناس، والمراد في الآية الكريمة الطائفة التي تقوم وراء الجيش يلتجئون إليهم إذا لحق الناس خوف أو هزيمة، جعل -ﷺ- نفسه الشريف العظيم بمنزلة جماعة من الناس كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾.\nوقوله: (كان يستفتح) أي: رسول اللَّه -ﷺ- بصعاليك المهاجرين، وحديث أبي\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤١٤).\n(٢) \"النهاية\" (٢/ ٢٤٣).","vol":"7","page":20},{"text":"وَحَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ: \"ابْغُونِي فِي ضُعَفَائِكُمْ\" فِي \"بَابِ فَضْلِ الْفُقَرَاءِ\" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [ت: ١٧١٦، د: ٢٦٤٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-964> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٩٥٩ - [٢٣] عَنْ ثَوْبَانَ بْنِ يَزِيدَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَصَبَ الْمِنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسلًا. [ت: ٢٧٦٢].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-965>٥ - باب حكم الأُسَرَاءِ</span>\nــ\nالدرداء: (ابغوني في ضعفائكم، فإنما ترزقون أو تنصرون بضعفائكم)، ولا يخفى مناسبة الحديثين لكلا البابين، لكن ما اختاره المؤلف أظهر.\nالفصل الثالث\n٣٩٥٩ - [٢٣] (ثوبان بن يزيد) قوله: (نصب المنجنيق) في (القاموس) (١): بكسر الميم: آلة ترمى بها الحجارة كالْمَنْجنُوق، وقد تذكر، معربة فارسيتها: مَنْ جَهْ نِيك، أي: ما أجودني، وقد يجمع على منجنيقات ومجانق ومجانيق عند من جعل الميم أصلية، انتهى.\n\n٥ - باب حكم الأسراء\nفي (القاموس) (٢): الأسر: الشد، والإسار ككتاب: ما يشد به، والأسير: الأخيذ والمقيد والمسجون، والجمع أُسَرَاء وأُسارى وأَسرى، انتهى. وقيل: أسارى جمع\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٠٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٢٣).","vol":"7","page":21},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-966> الفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٩٦٠ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ. . . . .\nــ\nأسرى جمع أسير كسكارى جمع سكرى، وفي (الصراح) (١): الأسر: بستن بالان بدوال، إسار بالكسر: دوال، ومنه سمي الأسير لأنهم كانوا يشدونه بالقدّ، فسمي لذلك كل أخيذ أسيرًا وإن لم يشد به.\nالفصل الأول\n٣٩٦٠ - [١] (أبو هريرة) قوله: (عجب اللَّه من قوم) العجب صفة سمعية يلزم إثباتها مع نفي التشبيه وكمال التنزيه كما هو مذهب القوم في أمثالها، وقد أشار إلى ذلك مالك -﵁- حيث قال في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]: الاستواء معلوم، والكيف غير معلوم، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وهذا هو المذهب عند الأوائل من السلف، وقيل: إطلاق أمثال هذه الصفات التي هي من قبيل الانفعالات كالرحمة والغضب ونحوهما باعتبار غاياتها، فغاية العجب بالشيء الرضا به واستعظام شأنه، فالمعنى عظّم اللَّه شان هؤلاء القوم ورضي بهم، وقيل: عجب هنا بكسر الجيم والتخفيف بمعنى عجب بالفتح والتشديد، فمعنى التعجب المنسوب إلى اللَّه تعالى فيه إظهار عجب هذا الأمر لخلقه لكونه بديم الشأن، وهو أن الجنة التي أخبر اللَّه سبحانه بما فيها من النعيم المقيم، والعيش الدائم، والخلود فيها من حكم من سمع به من ذوي العقول أن يسارع إليها، ويبذل مجهوده في الوصول إليها، ويحتمل المكاره والمشاق لينالها كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ الآية [البقرة: ٢١٤]، وهؤلاء يمتنعون من ذلك ويرغبون\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ١٥٩).","vol":"7","page":22},{"text":"يُدْخَلُوْنَ الجنَّةَ فِي السَّلاسِل\"، وفي روايةٍ: \"يُقَادونَ إلى الجنَّةِ بالسَّلاسِل\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٠١٠].\n٣٩٦١ - [٢] وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- عَيْنٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ ثُمَّ انْفَتَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"اطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ\". فَقَتَلْتُهُ فَنَفَّلَنِي سَلَبَهُ. . . . .\nــ\nعنها ويزهدون فيها حتى يقادون إليها بالسلاسل كما يقاد إلى المكروه الذي تنفر منه الطباع، وتألم منه الأبدان وتكرهه النفوس.\nوقوله: (يدخلون) بلفظ المجهول، والمراد بالسلاسل ظاهرها، لما كانت حالهم كذلك، وقد يأول بما يرد عليهم من قتل الأنفس وسبي الأهل والأولاد وتخريب الديار وسائر ما يلجئهم إلى الدخول في الإسلام الذي هو سبب دخول الجنة.\nوقال الشيخ ابن عطاء اللَّه الأسكندري الشاذلي في (كتاب الحكم): علم قلة نهوض العباد إلى معاملته فأوجب عليهم وجود طاعته، فساق إليها بسلاسل الإيجاب، عجب ربك بقوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل.\nوقال ابن زروق في (شرحه): إذا كان اللَّه غنيًا عنك فإيجابه عليك إيجاب لك في الحقيقة؛ لأنه إنما يطلبك بذلك لنفسك، وذلك كحال الصبي كيف يؤدب ويصرف عن استرساله على مقتضى طبعه وجبلته، ويلزم أمورًا شاقة عليها فيفعلها وهو كاره لذلك، والغرض إنما هو حصوله على منافعه التي هو جاهل منها، فإذا كبر وعقل عرف ذلك عيانًا.\n٣٩٦١ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (عين) أي: جاسوس.\nوقوله: (ثم انفتل) أي: انصرف.\nوقوله: (واقتلوه) فيه قتل الجاسوس من المشركين (فنفلني) أي: أعطاني،","vol":"7","page":23},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٥١، ١٧٥٤].\n٣٩٦٢ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- هَوَازِنَ، فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَضَحَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ فَأَنَاخَهُ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ، وَفِينَا ضَعْفَةٌ وَرِقَّةٌ مِنَ الظَّهْرِ، وَبَعْضُنَا مُشَاةٌ، إِذْ خَرَجَ يَشْتَدُّ فَأَتَى جَمَلَهُ، فَأَثَارَهُ فَاشْتَدَّ بِهِ الْجَمَلُ، فَخَرَجْتُ أَشْتَدُّ حَتَّى أَخَذْتُ بِخِطَامِ الْجَمَلِ فَأَنَخْتُهُ، ثُمَّ اخْتَرَطْتُ سَيْفِي فَضَرَبْتُ رَأْسَ الرَّجُلِ، ثُمَّ جِئْتُ بِالْجَمَلِ أَقَودُهُ وَعَلَيْهِ رَحْلُهُ وَسِلَاحُهُ،\nــ\nوالتنفيل أن يخص الأمير أحدًا من المقاتلين بما يزيد على سهمه. والمراد بالسلب محركًا: ثياب المقتول وسلاحه، سمي به لأنه يسلب عنه.\n٣٩٦٢ - [٣] (وعنه) قوله: (فبينا نحن نتضحى) أي: نأكل الطعام في وقت الضحى، في (القاموس) (١): ضحيته تضحية: أطعمته فيها، وقيل: معناه نصلي الضحى.\nوقوله: (وفينا ضعفة) المشهور روايته بسكون العين على وزن جلسة بمعنى حالة ضعف، وروي بفتحها جمع ضعيف، ويروى بحذف التاء.\nوقوله: (ورقة) بكسر الراء وتشديد القاف، أي: قلة، (من الظهر) أي: المراكب.\nوقوله: (مشاة) بضم الميم جمع ماش.\nوقوله: (يشتد) أي: يعدو (فأثاره) أي: أقامه، و(الخطام) بكسر الخاء المعجمة: الزمام، (ثم اخترطت سيفي) أي: سللته من غمده، (وعليه رحله) جملة حالية.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١١٠).","vol":"7","page":24},{"text":"فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَالنَّاسُ فَقَالَ: \"مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟ \" قَالُوا: ابْنُ الأَكْوَعِ فَقَالَ: \"لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٤٣، ١٧٦٩].\n٣٩٦٣ - [٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْم سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِليه، فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ فَلَمَّا دَنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ\"، فَجَاءَ فَجَلَسَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ هَؤُلَاءَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ\". قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ. قَالَ: \"لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بحُكْم المَلِكِ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"بِحُكْم اللَّهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨٠٤، م: ١٧٦٩].\n٣٩٦٤ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ. . . . .\nــ\n٣٩٦٣ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (قوموا إلى سيدكم) وكان سعد بن معاذ سيد الأوس، وكان بنو قريظة حلفاءهم، وقد احتج به من قال بالقيام للداخل في المجلس، والتحقيق أنه لم يكن ذلك معتادًا في زمن النبي -ﷺ-، وقالوا: إنما كان هذا للإعانة على نزوله عن مركبه، فإنه -﵁- كان مجروحًا في غزوة الخندق التي كانت هذه الوقعة بعدها، ويجوز أن يكون ذلك تمهيدًا وتوطئة لإطاعتهم له، وتنفيذ حكمه فيهم، وسيجيء الكلام في (باب القيام) من (كتاب الآداب)، والقصة مذكورة بطولها في كتب السير.\nوقوله: (بحكم الملك) يروى بكسر اللام وفتحها، وعلى تقدير الفتح المراد جبرئيل أتى بحكم اللَّه، وفيه جواز التحكيم ولزوم حكمه.\n٣٩٦٤ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (خيلًا) أي: جيشا، والضمير في (جاءت) للخيل، و(ثمامة) بضم المثلثة، و(أثال) بضم الهمزة وخفة مثلثة في آخره لام.","vol":"7","page":25},{"text":"سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ \" فَقَالَ: عِنْدِي يَا مُحَمَّد خَيْرٌ إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَتَرَكَهُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى كَانَ الْغَدُ فَقَالَ لَهُ: \"مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ \" فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ؛ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ المَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. . . . . .\nــ\nوقوله: (فربطوه بسارية من سواري المسجد) فيه جواز ربط الأسير وحبسه في المسجد وإدخال الكافر فيه.\nوقوله: (ماذا عندك؟) أي: كيف حالك أخبر أو ما ظنك عليّ؟\nوقوله: (ذا دم) المشهور روايته بالدال المهملة، ومعناه تقتل رجلًا يستحق القتل، ففيه اعتذار واعتراف بجرمه، أو تقتل من لا يصير دمه هدرًا، ففيه ادعاء الرياسة وشرفه في قومه بأنه ليس ممن يبطل دمه بل يطلب ثأره، قال التُّورِبِشْتِي (١): وأرى الوجه الأول أوجه للمشاكلة التي بينه وبين قوله: (وإن تنعم تنعم على شاكر) وقد يروى في (سنن أبي داود) هذا الحرف (ذا ذمّ) بالذال المعجمة المكسورة، أي: ذا ذمام وحرمة في قومه ومن إذا عقد ذمة وفى بها.\nوقوله: (وإن تنعم) من الإنعام.\nوقوله: (عندي ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر) تقديمه ذكر الإنعام اليوم بناء على غلبة رجائه واستعطافه وإحساسه الرحمة من جانبه -ﷺ-.\nوقوله: (حتى كان بعد الغد) اسم (كان) ضمير عائد إلى ما هو مذكور حكمًا،\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٠٦).","vol":"7","page":26},{"text":"فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ فَقَالَ لَهُ: \"مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ \" فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ؛ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ\" فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَن مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ، وَوَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَيَّ. وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: أَصَبَوْتَ؟ . . . . .\nــ\nأي: حتى كان ما هو عليه ثمامة كقولهم: إذا كان غدًا فأتني، أي: إذا كان ما نحن عليه غدًا، كذا قال الطيبي (١)، وذلك لأن بعد لازم الظرفية لا يصلح أن يكون فاعلًا لـ (كان) كالغد فيما سبق من قوله: حتى كان الغد، فافهم.\nوقوله: (أطلقوا ثمامة) فيه جواز المنّ على الكافر وإطلاقه بغير مال.\nوقوله: (أبغض) بالنصب على أنه خبر كان، وقد وجد في بعض النسخ بالرفع على أنه صفة وجه، وضعفه الطيبي (٢) فتأمل.\nوقوله: (أصبوت) مكتوب في النسخ بالواو وهو مهموز مذكور في\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٠).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٠).","vol":"7","page":27},{"text":"فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَاخْتَصَرَهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٣٧٢، م: ١٧٦٤].\n٣٩٦٥ - [٦] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ: \"لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا. . . . .\nــ\n(القاموس) (١) في باب الهمزة، صبأ كمنع وكرم: صبئًا وصبوءًا: خرج من دين إلى دين آخر، وعليهم العدو: دلّهم، والظِّلف، والناب، والنجم: طلع، كأصبأ، والصابئون يزعمون أنهم على دين نوح ﵇، وقبلتهم من جهة الشمال عند منتصف النهار، انتهى. كان المشركون يسمون المسلمين صباة، قال في (مجمع البحار) (٢): صباة كقضاة بجعل المهموز معتلًا، انتهى، وكان هذا وجه كتابة صبوت بالواو، واللَّه أعلم.\nوقوله: (لا ولكني أسلمت) بناء على عدم الاعتداد بدين الكفار، وأنه ليس بدين حقيقة أو نهي عن هذا القول لكونه من أقوال الجاهلية أن الصبأ الخروج من دين حق إلى دين باطل، ولذلك كانوا يطلقون هذا اللفظ، فعلى هذا معنى قوله: (لا)، ظاهر.\nوقوله: (مع رسول اللَّه) أشار به إلى مصاحبته معه -ﷺ- ومداومته على دينه.\n٣٩٦٥ - [٦] (جبير بن مطعم) قوله: (وعن جبير بن مطعم) بن عدي بن نوفل ابن عبد مناف، سمع هذا الحديث من النبي -ﷺ- وهو كافر، وحدث به وهو مسلم، والمطعم بن عدي كان له يد عند رسول اللَّه -ﷺ-، وذلك أنه أجاره مرجعه من الطائف\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٥).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٢٩٣).","vol":"7","page":28},{"text":"ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣١٣٩].\n٣٩٦٦ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيم مُتَسَلِّحِينَ، يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ -ﷺ- وَأَصْحَابِهِ، فَأخَذَهُمْ سَلْمًا. . . . .\nــ\nوذب عنه، فأحب أن لو كان حيًّا لكافأه عليها لئلا يكون لمشرك عنده يد، ويحتمل أنه قال تأليفًا لأبيه على الإسلام.\nو(النتنى) جمع نتن بكسر التاء كزمن وزمنى، وسماهم نتنى إما لكفرهم أو لأن المشار إليه أبدانهم، وفيه بيان حسن المكافأه، وعدم الاعتناء بهم وبقتلهم، وجواز إهانة المشركين بتوصيفهم بالنتن والنجاسة (١).\n٣٩٦٦ - [٧] (أنس) قوله: (هبطوا) وذلك عند قصد نزوله بالحديبية، و(التنعيم) مكان مشهور يحرم منه للعمر، يقول له العامة: العمرة.\nوقوله: (يريدون غرة النبي -ﷺ-) بكسر الغين وبتشديد الراء، أي: غفلته، من غره غرًا وغرورًا وغرة بالكسر: خدعه.\nوقوله: (فأخذهم سلمًا) يروى بفتحتين وبفتح السين وكسرها مع سكون اللام، والأول يجيء بمعنى الاستسلام والأسر، والثاني بمعنى الصلح، ونقل الطيبي (٢) عن ابن الأثير أنه قال: إن الأول أشبه بالقضية فإنهم لم يؤخذوا صلحًا، وإنما أخذوا قهرًا، وأسلموا أنفسهم عجزًا، وللمعنى الأخير وجه هو أنهم لما عجزوا ورضوا بالأسر فكأنهم صولحوا على ذلك.\n_________\n(١) استدل بهذا الحديث على جواز المن كما هو مذهب الشافعي، وأجيب بأن للإمام أن يتركهم لمصلحة، كذا في \"التقرير\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٢).","vol":"7","page":29},{"text":"فَاسْتَحْيَاهُمْ -وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَعْتَقَهُمْ- فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٠٨].\n٣٩٦٧ - [٨] وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّ نبيَّ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ. . . . .\nــ\nوقوله: (فاستحياهم) أي: تركهم أحياء ولم يقتلهم كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ﴾ [غافر: ٢٥].\n٣٩٦٧ - [٨] (قتادة) قوله: (بأربعة وعشرين رجلًا) من السبعين الذين قتلوا من المشركين، وطرح باقي السبعين في موضع آخر.\nوقوله: (من صناديد قريش) أي: عظمائهم ورؤسائهم من مشركي مكة لعنة اللَّه عليهم، والصناديد جمع صنديد، وهو والصندد كزبرج في الأصل بمعنى السيد الشجاع أو الحليم أو الجواد أو الشريف، والصنديد من الريح والبرد: الشديد، ومن الغيث: العظيم القطر أو الغالب.\nوقوله: (فقذفوا) بلفظ المجهول من القذف، أي: طرحوا (في طوي) بفتح الطاء المهملة وكسر الواو وتشديد التحتانية فعيل بمعنى مفعول من الأسماء الغالبة، أي: ببئر مطوية مبنية بالحجارة، كذا في شروح البخاري، وقال التُّورِبِشْتِي (١): أو غيرها، قيل: إنما لم يدفنوا لأنه -ﷺ- كره أن يشق على أصحابه لكثرة جيف الكفار أن يأمرهم بدفنهم، فكان جرهم إلى القليب أيسر عليهم، ويمكن أن يكون الحكمة فيه إهانة الكافرين وإذلالهم، وليكون عبرة للعالمين، ويكون ذلك بوحي من اللَّه، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٠٨).","vol":"7","page":30},{"text":"خَبِيثٍ مُخْبِثٍ، وَكَانَ إذَا ظهرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ، أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا ثُمَّ مَشَى، وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ: . . . . .\nــ\nوقوله: (خبيث مخبث) بكسر الباء، أي: فاسد مفسد، كذا قال الطيبي (١)، وقال القسطلاني (٢): يقال: أخبث: إذا اتخذ أصحابًا خبثاء، وفي الحديث: (أعوذ بك من الخبيث المخبث) أي: الذي أعوانه خبثاء كما يقال: قوي مقو، أي: القوي في نفسه والمقوي الذي دابته قوية، كذا قال التُّورِبِشْتِي (٣)، قال: ويحتمل أن يكون المخبث في حديث الدعاء: الذي يعلم الناس الخبث، وقيل: الذي ينسب الناس إلى الخبث، انتهى. وإنما وصف البئر بهذا لإلقاء تلك الجيف فيها، أو كانت موصوفة بها قبل ذلك يلقون فيها الجيف، واللَّه أعلم.\nو(العرصة) بفتح العين وسكون الراء: كل موضع واسع لا بناء فيه، وأريد بها هناك المعترك لأنه يكون في غالب الأحوال صعيدًا أفيح.\nوقوله: (واتبعه) بألف الوصل وتشديد الفوقية، وفي بعض النسخ: تبعه بكسر الباء بدون الألف.\nوقوله: (حتى قام على شفة الركي) على وزن الطوي بمعنى البئر، وفي رواية أخرى للبخاري عن ابن عمر قال (٤): (وقف النبي -ﷺ- على قليب بدر الركي)، والقليب\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٣).\n(٢) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٢٥٣).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٠٨).\n(٤) \"صحيح البخاري\" (٣٩٨٠).","vol":"7","page":31},{"text":"\"يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ! يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ! أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدتمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ \". . . . .\nــ\nبمعنى البئر مطلقًا، وقد يقال: القليب: البئر غير المبنية فيضاد الطوي، ووجه التوفيق أن اسم المقيد قد يطلق على المقيد كالمرسن والمشفر، فيراد بالطوي المذكور في أول الحديث البئر مطلقًا، فلا منافاة على أن عبارة (القاموس) (١): أو البئر العادية القديمة ليس نصًا في عدم البناء بل في القدم، وهو لا ينافي البناء، غايته أن يكون قديمًا منكسرًا، واللَّه أعلم، وقد يحتمل على أن الراوي لم يدر أن بينهما فرقًا، أو أن الصحابي حسب أن البئر كانت مطوية وكانت قليبًا، وهذا بعيد كما لا يخفى، وقيل: يحتمل أن بعضهم ألقوا في الطوي وبعضها في القليب، وهذا أيضًا لا يخلو عن بعد عن سياق الحديث.\nوقوله: (يا فلان بن فلان، يا فلان بن فلان) بالتكرار اثنين، وفي بعض الروايات ثلاث، وفي بعض رواية: (يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام)، وفي ذكر أمية بن خلف نظر؛ لأنه لم يكن في القليب لأنه كان ضخمًا فانتفخ في درعه، فألقوا عليه من الحجارة والتراب ما غيّبه، والظاهر أنه كان قريبًا من القليب، فنادى من نادى من رؤسائهم، كذا قال القسطلاني في (شرح صحيح البخاري) (٢).\nوقوله: (أيسركم أنكم أطعتم اللَّه ورسوله؟ . . . إلخ)، أي: هل تتمنون أن تكونوا مسلمين بعدما كشف عنكم الغطاء، ورأيتم من عذاب اللَّه تعالى ما رأيتم؟ وهو مضمون قوله: (فإنا وجدنا. . . إلخ)، وقيل: إطلاق المسرة هنا بطريق الاستهزاء كإطلاق البشارة في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١].\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٣٠).\n(٢) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٢٥٤).","vol":"7","page":32},{"text":"فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا تُكَلِّمَ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا؟ قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"مَا أَنتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لَا يُجيبُونَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ. ١٣٧٠].\nوَزَادَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ قتادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللَّهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنِقْمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا. [خ: ٣٩٧٦، م: ٢٨٧٥].\nــ\nوقوله: (ما تكلم من أجساد لا أرواح لها) قيل: (ما) استفهامية، و(من) زائدة لما في الاستفهام الإنكاري من معنى النفي، وقيل: موصولة، و(من) بيانية والخبر محذوف، أي: وهو لا يسمعون كلامك، وقيل: الخبر قوله: (لا أرواح لها)، وقيل: (أو) زائدة على مذهب الأخفش، والخبر هو (أجساد)، والأول الأظهر، وقال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم أنه -ﷺ- قال: (يا أهل القليب بئس العشيرة كنتم، كذبتموني وصدقني الناس، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللَّه كيف تكلم أجسادًا لا أرواح فيها؟ فقال: ما أنتم بأسمع منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا شيئًا).\nوقوله: (ما أنتم بأسمع منهم) مدلول هذه العبارة بحسب العرف أنهم أسمع منكم، ولئن ننزل عن ذلك فلا أقل من المساواة.\nوقوله: (قال قتادة) جوابًا عمن يستبعد وينكر سماع الموتى.\nاعلم أن هذا الحديث المتفق على صحته صريح في ثبوت السماع للموتى، وحصول العلم لهم بما يخاطبون، وكذلك حديث مسلم (١): (إن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا)، وما جاء في زيارته -ﷺ- أهل البقيع والسلام عليهم، والخطاب معهم بقوله: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجلون، وإنا\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٢٨٧٠).","vol":"7","page":33},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nإن شاء اللَّه بكم لاحقون)، فإن الخطاب مع من لا يسمع ولا يفهم مما لا يعقل وكاد يعد من العبث، وليس هذا مخصوصًا به -ﷺ- بل هي سنة مستمرة لمن يزور القبور، وجاء في حديث الترمذي (١) أنه لما زارت عائشة قبر أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر خاطبته وقالت: واللَّه لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك، وقد ذكروا في توجيه قوله -ﷺ-: (عليك السلام تحية الميت) أنه ليس المراد المنع من تحيته بالسلام عليك، بل المراد أنه لما لم يتوقع منه رد السلام استوى في حقه التقديم والتأخير، فيفهم منه أن السماع حاصل له لا الرد.\nونقل عن الشيخ ابن الهمام (٢) في شرح (الهداية): أن أكثر المشايخ الحنفية على أن الميت لا يسمع، وقد صرحوا في (كتاب الأيمان): لو حلف لا يكلم فكلّم ميتًا لا يحنث، لأنها تنعقد على ما بحيث يفهم والميت ليس كذلك، وأجابوا عن حديث مسلم الناطق بسماع الميت قرع نعالهم بأنه مخصوص بأن الوضع في القبر مقدمة للسؤال وهو خلاف الظاهر، بل الظاهر أن هذه الحالة حاصلة له في القبر، ثم أجابوا عن هذا الحديث المذكور في الباب تارة بأن تلك خصوصية له -ﷺ- معجزة وزيادة حسرة على الكافرين، ولا يخفى أن الحمل على ذلك مجرد احتمال وتأويل لا يذهب إليه حتى يقوم دليل على استحالة السماع، واللَّه تعالى قادر على ذلك، وسببية الحواس للإحساس والإدراك عادية كما تقرر في المذهب، وأخرى بأن ذلك من ضرب المثل، وليس المراد حقيقة الكلام، وهذا أبعد من الأول، ومبنى الأيمان على العرف لا الحقيقة، فافهم،\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (١٠٥٥).\n(٢) \"فتح القدير\" (٢/ ١٠٤).","vol":"7","page":34},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوأقوى وجوه تأويلهم أن هذا مردود من عائشة حيث قالت: كيف يقول ذلك رسول اللَّه -ﷺ- واللَّه تعالى يقول: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، كذا قال الشيخ ابن الهمام (١).\nوفي (المواهب اللدنية) (٢): تأولت عائشة وقالت: إنما أراد النبي -ﷺ- أنهم الآن ليعلمون أن الذي أقول لهم حق، ثم قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠]، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]، ويعلم من (صحيح البخاري) أنها قالت: إنما قال رسول اللَّه -ﷺ-: (إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق)، وشرحه القسطلاني بقوله: أي وهم ابن عمر فقال: (يسمعون) بدل (ليعلمون)، وبالجملة عائشة منكرة لسماع الموتى، ولرواية من روى ذلك مستدلًا بالآيتين، فإنهما تفيدان تحقيق عدم سماعهم، فإنه تعالى شبه الكفار بالموتى لإفادة بعد سماعهم، وهو فرع عدم سماع الموتى، ولكن العلماء أجابوا عن قول عائشة -﵂- واستدلالها بالقرآن، ولم يتلقوا هذا القول منها بالقبول.\nونقل في (المواهب) عن الإسماعيلي أنه قال: كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى رد رواية الثقة إلا بنص مثله يدل على نسخه أو تخصيصه أو استحالته، وكيف والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكن لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ لا ينافي قوله -ﷺ-: إنهم يسمعون، لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن السامع، فاللَّه تعالى هو الذي أبلغهم بأن أسمعهم صوت النبي -ﷺ- بذلك، انتهى.\n_________\n(١) \"فتح القدير\" (٢/ ١٠٤).\n(٢) \"المواهب اللدنية\" (١/ ٣٦٧ - ٣٦٨).","vol":"7","page":35},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقد أجيب أيضًا بأن المراد بالموتى ومن في القبور هم الكفار مجازًا ومن غير نظر إلى حقيقة الكلام، والمراد بالسماع عدم إجابتهم للحق بدليل أن الآيتين نزلتا في دعاء الكفار إلى الإيمان وعدم إجابتهم لذلك، فافهم، وقد يقال: المراد بالموتى موتى القلوب، وبالقبور أجسادهم التي فيها تلك القلوب الميتة.\nهذا وقد ذكر في (المواهب) أن من الغريب في (المغازي) لابن إسحاق رواية يونس بن بكر بإسناد جيد عن عائشة -﵂- حديثًا مثل حديث أبي طلحة، وفيه: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، وأخرجه الإمام أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظًا فكأنها رجعت عن الإنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة لكونها لم تشهد القضية، وذكر في شرح (صحيح البخاري) مثل ذلك، انتهى.\nوجاءت عن عائشة -﵂- أنها قالت: كنت أضع ثيابي في بيتي بعد وضع رسول اللَّه -ﷺ- وأبي بكر فيه لأنه ما كان هناك إلا زوجي وأبي، فلما وضع عمر كنت أستر نفسي حياءً منه، أو كما قالت، وهل هذا إلا إثبات العلم والإدراك للميت.\nوقد تمسك المثبتون للسماع بما ذكر من رواية البخاري من قوله: قال قتادة: أحياهم اللَّه تعالى حتى أسمعهم قوله توبيخًا وتصغيرًا ونقمة وحسرة وندمًا، وحاصله يرجع إلى ما ثبت للموتى في القبور من الحياة، وذلك إما بإحيائهم وإعادة الروح إلى الجسد كله أو لبعضه بحيث يحصل به السماع والفهم كما تحصل اللذة والألم، ولا يذهب عليك أنه ليس في هذا القول تخصيصه بالنبي -ﷺ- معجزة له ولا الاختصاص بهؤلاء، فاللَّه تعالى قادر على أن يخلق تلك الحالة في الأموات كلهم عند ندائهم من أيّ شخص كان، وفي أيّ زمان يكون، فتدبر، وباللَّه التوفيق.\nثم اعلم أنه قد ثبت من هذا سماع الموتى كلام الأحياء، ولئن نزلنا عن هذا","vol":"7","page":36},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفلا يلزم من نفي السماع نفي العلم؛ لأن السمع يكون بالحاسة التي في البدن، وقد خرب، أما العلم فيكون بالروح وهو باق، فبقي علمه الذي لا يكون بالقوى الجسمانية، فيكون علمه بالمسموعات والمبصرات لا على وجه الإبصار والسمع بخروج الشعاع وقرع الصوت كما أول بعض المتكلمين سمع اللَّه تعالى وبصره بالعلم بالمسموعات والمبصرات، وقد وردت الأخبار والآثار بعلم الموتى بأحوال الزائرين ومعرفتهم إياهم حتى ورد إن الزيارة يوم الجمعة أحب؛ لأنه يكون في هذا اليوم علم الميت أتم وأكمل، وأحوال الزائرين لهم أكشف وأظهر، وأيضًا لا شك في حصول العلم للموتى بأحوال الآخرة وحقيقة دين الإسلام، فيمكن أن يكون العلم بأحوال الدنيا وأهلها أيضًا ثابتًا، وبالدليل على زواله مع بقاء الروح.\nوقد جاء في الحديث (١) أن الشهداء لما رأوا ما عند اللَّه لهم من النعمة والراحة قالوا له سبحانه: من يخبر إخواننا عن أحوالنا؟ فقال تعالى: أنا أخبرهم بذلك، فأنزل قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠]، وقد جاء أن القراء الذين قتلوا ببئر معونة قالوا: أخبروا إخواننا بأنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا، وكان هذا قرآنًا يقرأ ثم نسخ تلاوته.\nوجاء في الحديث (٢) أن الميت إذا فرغ من جواب الملكين بالخير فينوّر له في القبر، ويقال له: نم كنومة العروس، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فعلم أن الموتى يثبت لهم العلم بالأهل والإخوان والأحباب، وقد ثبت بالقرآن تمني الكفار العود\n_________\n(١) انظر: \"سنن أبي داود\" (٢٥٢٠).\n(٢) انظر: \"سنن الترمذي\" (١٠٧١).","vol":"7","page":37},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nإلى الدنيا والتحسر على إضلال أخلائهم إياهم كما قال: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٨]، وإذا كان لهم علم بأصحابهم وأقرانهم يوم القيامة ففي البرزخ أولى وأقرب، وبالجملة الكتاب والسنة مملوءان بأخبار تدل على وجود العلم للموتى بالدنيا وأهلها، فلا مجال لإنكاره إلا لجاهلٍ بالأخبار أو منكرٍ للدين.\nوأما الاستمداد بأهل القبور فقد أنكره بعض الفقهاء، فإن كان الإنكار من جهة أنه لا سماع لهم ولا علم ولا شعور بالزائر وأحواله فقد ثبت بطلانه، وإن كان بسبب أنه لا قدرة لهم ولا تصرف في ذلك الموطن حتى يمدوا بل هم محبوسون عن ذلك، ومشتغلون بما عرض لأنفسهم من المحنة ما شغلهم عمن عداهم فلا يرى ذلك كليًّا، خصوصًا في شأن المتقين الذين هم أولياء اللَّه تعالى، فيمكن أن يحصل لأرواحهم عند الرب تعالى من القرب في البرزخ والمنزلة والقدرة على الشفاعة والدعاء وطلب الحاجات لزائريهم المتوسلين بهم كما يحصل يوم القيامة، وما الدليل على نفي ذلك؟ وقد فسر البيضاوي (١) قوله تعالى: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ إلى قوله: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا﴾ [النازعات: ١ - ٥] بصفات النفوس الفاضلة حال المفارقة فإنها تنزع عن الأبدان غرقًا أي: نزعًا شديدًا من إغراق النازع في القوس فتنشط إلى عالم الملكوت وتسبح فيه، فتسبق إلى حظاير القدس، فتصير لشرفها وقوتها من المدبرات، وما أدري ما المراد بالاستمداد والإمداد الذي ينفيه المنكر، والذي نفهمه نحن أن الداعي المحتاج الفقير إلى اللَّه يدعو اللَّه ويطلب حاجته من فضله تعالى، ويتوسل بروحانية هذا العبد المقرب المكرم عنده تعالى، ويقول: اللهم ببركة هذا العبد الذي رحمته وأكرمته وبما لك به من اللطف والكرم\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٥٦٤).","vol":"7","page":38},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nاقض حاجتي وأعط سؤلي إنك أنت المعطي الكريم، أو ينادي هذا العبد المكرم المقرب عند اللَّه تعالى ويقول: يا عبد اللَّه ويا وليه اشفع لي وادع ربك وسله أن يعطيني سؤلي ويقضي حاجتي، فالمعطي والمسؤول عنه والمأمول به هو الرب تعالى وتقدس، وما العبد في البين إلا وسيلة، وليس القادر والفاعل والمتصرف إلا هو، وأولياء اللَّه هم الفانون الهالكون في فعله تعالى وقدرته وسطوته، لا فعل لهم ولا قدرة ولا تصرف لا الآن ولا حين كانوا أحياء في دار الدنيا، فإن صفتهم الفناء والاستهلاك ليس إلا، ولو كان هذا شركًا وتوجهًا إلى غير اللَّه كما يزعمه المنكر، فينبغي أن يمنع التوسل وطلب الدعاء من الصالحين من عباد اللَّه وأوليائه في حالة الحياة أيضًا، وليس ذلك مما يمنع فإنه مستحب مستحسن شائع في الدين، ولو زعم أنهم عزلوا وأخرجوا من الحالة والكرامة التي كانت لهم في الحياة فما الدليل عليه؟ أو شغلوا عن ذلك مما عرض لهم من الآفات بعد الممات فليس كليًّا، ولا دليل على دوامه واستمراره إلى يوم القيامة، غايته أنه لم تكن هذه المسألة كلية، وفائدة الاستمداد عامة، بل يمكن أن يكون بعض منهم منجذبًا إلى عالم القدس ومستهلكًا في حضرة الإله بحيث لا يكون له شعور وتوجه إلى عالم الدنيا وتصرف وتدبير فيه كما يوجد من اختلاف أحوال المجذوبين والمتمكنين من المشايخ في الدنيا.\nوأما نفي ذلك مطلقًا وإنكاره كليًّا فكلا، ولا دليل على ذلك أصلًا، بل الدلائل قائمة على خلافه، نعم إن كان الزائرون يعتقدون أهل القبور متصرفين مستبدين قادرين من غير توجه إلى حضرة الحق والالتجاء إليها كما يعتقده العوام الجاهلون الغافلون، وكما يفعلون غير ذلك من تقبيل القبر، والسجود له، والصلاة إليه، مما وقع منه النهي والتحذير، وذلك مما يمنع ويحذر منه، وفعل العوام لا يعتبر قط، وهو خارج عن","vol":"7","page":39},{"text":"٣٩٦٨ - [٩] وَعَنْ مَرْوَانَ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ: . . . . .\nــ\nالمبحث، وحاشا من العالم بالشريعة والعارف بأحكام الدين أن يعتقد ذلك ويفعل.\nهذا وما ينقل عن المشايخ المكاشفين في الاستمداد من أرواح الكمل واستفادتهم منهم فخارج عن الحصر مذكور في كتبهم مشهور فيما بينهم لا حاجة إلى أن نذكرها، ولعل المنكر المتعصب لا تنفعه كلماتهم عافانا اللَّه من ذلك، نعم المروي في السنة في الزيارة السلام على الموتى والاستغفار لهم وقراءة القرآن، ولكن ليس فيها النهي عن الاستمداد، فتكون الزيارة للإمداد والاستمداد معًا على تفاوت حال الزائر والمزور.\nثم اعلم أن الخلاف إنما هو في غير الأنبياء فإنهم أحياء حقيقة بالحياة الدنياوية بالاتفاق صلوات اللَّه تعالى على نبينا وعليهم أجمعين، وإنما أطنبنا الكلام في هذا المقام رغمًا لأنف المنكرين، فإنه قد حدث في زماننا شرذمة ينكرون الاستمداد والاستعانة من الأولياء الذين نقلوا من هذه الدار الفانية إلى دار البقاء الذين هم أحياء عند ربهم، ولكنهم لا يشعرون، ويسمون المتوجهين إليهم مشركين باللَّه كعبدة الأصنام، ويقولون ما يقولون، وما لهم على ذلك من علم إن هم إلا يخرصون، وقديمًا كان يختلج في صدري أن أتكلم في هذا الشأن فتيسر لي ذلك الآن بفضل اللَّه وتوفيقه، والأمور مرهونة بأوقاتها كما قال: وسحاب الخير له مطر فإذا جاء الإبّان يجيء، ونسأل اللَّه العافية وهو أعلم وحكمه أحكم، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، واهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضَّالِّين، آمين.\n٣٩٦٨ - [٩] (مروان والمسور) قوله: (والمسور) بكسر الميم (ابن مخرمة) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة والراء.","vol":"7","page":40},{"text":"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، وَسَبْيَهُمْ فَقَالَ: \"فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفتيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ\" قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ،\nــ\nوقوله: (قام) أي: خطب، وفي رواية: (قال)، وعلى هذا يكون قوله فيما بعد: (فقال) بيانًا وتفصيلًا له كقوله: فقام على رواية قام.\nوقوله: (حين جاءه) كذا في أكثر الأصول، وفي بعضها: (حين جاء) بدون الضمير.\nوقوله: (وفد هوازن) اسم قبيلة، وغزوة هوازن تسمى غزوة حنين كانت بعد فتح مكة، وكانت الغنائم فيها من السبي والأموال أكثر من أن يحصى، وتفصيلها في كتب السير، والوفد: الرسول يجيء من قوم على عظيم وهو اسم جنس.\nوقوله: (فاختاروا) الفاء فصيحة و(اختاروا) صيغة أمر.\nوقوله: (إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال) قال في (القاموس) (١): الطائفة من الشيء: القطعة منه أو الواحد فصاعدًا أو إلى الألف أو أقلها رجلان أو رجل فيكون بمعنى النفس، انتهى.\nقال (الطيبي) (٢) الطائفة من الناس: جماعة منهم، ومن الشيء: قطعة منه، فجعل المال طائفة إما على المجاز أو على التغليب، انتهى، ولا شك أن الطائفة على ما ذكره اسم مشترك بين جماعة الناس وبين القطعة من الشيء من غير الناس فيكون معنى قوله: (إما على المجاز) الحمل على عموم المجاز، وأما التغليب فغير ظاهر لأنه إنما يكون\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧١٠).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٥).","vol":"7","page":41},{"text":"ثُمَّ قَالَ: \"أمَّا بعدُ! فإِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ جَاؤُوا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَن أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعطِيَه إِيَّاهُ منْ أوَّلِ مَا يَفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ\" فَقَالَ النَّاسُ: قد طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَن، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا. . . . .\nــ\nبإطلاق اسم أحد الصاحبين على الآخر الذي ليس هو اسمًا له، وهاهنا الطائفة اسم لكل من المعنيين، هذا ولو كان الطائفة -كما قيل- اسمًا للقطعة من الشيء أعم من أن يكون من الناس أو من غيرهم كما يقال: طائفة من الليل، وطائفة من النهار، وطائفة من النخل لم يحتج إلى ارتكاب المجاز والتغليب، فافهم، وأصله من الطوف بمعنى الحركة حول الشيء.\nوقوله: (وإني قد رأيت) أتى بكلمة إن لتحقق رأيه وقطعه به حتى يختاروا ما اختاره -ﷺ-.\nوقوله: (أن يطيب) من التطييب، أي: يطيب على نفسه ذلك، أي: رد السبي وتسليمه إليهم.\nوقوله: (فليفعل) أي: من غير أن يكون له عوض من ذلك.\nوقوله: (على حظه) أي: نصيبه الذي أصابه من ذلك بأن يأخذ مني عوض ذلك بعد، وإنما استأذنهم -ﷺ- ووعد عليه العوض، لأنه كان ملكًا للمجاهدين فلا بد من إذنهم.\nوقوله: (حتى يرفع) صحح بالنصب كقوله: حتى نعطيه، فتكون (حتى) بمعنى كي أو بمعنى إلى، وقول الطيبي (١): الظاهر أن (حتى) هذه غير (حتى) السابقة لأن\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٦).","vol":"7","page":42},{"text":"عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ\". فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبوا وَأَذِنُوا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٣٠٧].\n٣٩٦٩ - [١٠] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفٌ حَلِيفًا لِبَنِي عُقَيْلٍ، فَأَسَرَتْ ثَقِيفٌ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيلٍ، فَأَوْثَقُوهُ فَطَرَحُوهُ فِي الْحَرَّةِ، فَمَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَنَاداهُ: يَا مُحَمَّدُ! يَا مُحَمَّدُ! فِيمَ أُخِذْتُ؟ قَالَ: \"بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكُمْ ثَقِيفٍ\" فتَرَكَهُ وَمَضَى، فَنَاداهُ: يَا مُحَمَّدُ! يَا مُحَمَّدُ! فَرَحِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَرَجَعَ فَقَالَ: \"مَا شَأْنُكَ؟ \". . . . .\nــ\nالأولى ما بعدها للمستقبل وهي بمعنى كي، وهذه ما بعدها في معنى الحال فيكون مرفوعًا، لا يخلو عن شيء؛ لأن الظاهر كون كليهما بمعنى، ومعنى الحال ليس بجيد كما لا يخفى، فافهم.\nوقوله: (عرفاؤكم) فاعل يرفع و(أمركم) مفعوله.\n٣٩٦٩ - [١٠] (عمران بن حصين) قوله: (ثقيف) كأمير قبيلة من هوازن، و(بنو عقيل) بضم العين أيضًا قبيلة.\nوقوله: (فطرحوه في الحرة) وهي أرض خارج المدينة فيه حجارة سود، والمدينة بين الحرتين، ومنه وقعة الحرة وقعت في زمن يزيد بن معاوية، وذكرها كثير في الأحاديث.\nوقوله: (فيم أخذت؟) بلفظ المجهول، و(الجريرة) الجريمة، وأخذهم بجريمة بني ثقيف لكونهم مشاركين لهم في العهد ونقضه، وقيل: فعل رسول اللَّه -ﷺ- هذا الصنع على عادتهم وكان فيه مصلحة، وقيل: المعنى أخذت ليدفع بك جريرة حلفائك من ثقيف، ويدل عليه أنه فدى بعد بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف من المسلمين.","vol":"7","page":43},{"text":"قَالَ: إِنِّي مُسْلِمٌ. فَقَالَ: \"لَوْ قُلْتَهَا وَأَنْتَ تَمْلِكُ أَمْرَكَ أَفْلَحْتَ كُلَّ الْفَلَاحِ\". قَالَ: فَفَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالرَّجُلَيْنِ اللَّذَينِ أسرَتْهُمَا ثَقِيفٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٤١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-967> الفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٩٧٠ - [١١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا بَعَثَ أَهْلُ مَكَّةَ فِي فِدَاءِ أُسَرَائِهِمْ بَعَثَتْ زَيْنَبُ فِي فِدَاءِ أَبِي الْعَاصِ بِمَالٍ، وَبَعَثَتْ فِيهِ بِقِلَادَةٍ لَهَا كَانَتْ عِنْدَ خَدِيجَةَ. . . . .\nــ\nوقوله: (إني مسلم) أي: إني أسلمت، فهو إخبار عن إسلامه قبل ذلك، ففيه أن الكافر إذا وقع في الأسر فادعى أنه كان قد أسلم قبله لم يقبل منه إلا ببينة، ويمكن أن يكون إن شاء لم يقبله -ﷺ- لأنه قد علم أنه لا يقوله إلا نفاقًا واضطرارًا، وكان -ﷺ- قد يعمل بالحقيقة كأمره بقتل بعض من كان مآل أمره إلى الكفر كما ذكروه في خصائصه -ﷺ-، ويدل على ذلك قوله: (لو قلتها وأنت تملك أمرك) أي: حال اختيارك ورغبتك، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ففداه بالرجلين) المشهور في مثل هذه العبارة أن يكون مدخول الباء فداءً وبدلًا، ولا يستقيم هذا المعنى هنا، فالمراد أنقذه وأخذ عوضه الرجلين، فتدبر.\nالفصل الثاني\n٣٩٧٠ - [١١] (عائشة) قوله: (في فداء أسرائهم) يعني الذين أسروا ببدر، و(زينب) هي أكبر بناته -ﷺ-.\nوقوله: (في فداء أبي العاص) بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، زوج زينب أمه هالة بنت خويلد أخت خديجة من الأب، فهو ابن خالة","vol":"7","page":44},{"text":"أَدْخَلَتْهَا بِهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَقَّ لَهَا رِقَّةً شَدِيدَةً وَقَالَ: \"إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا، وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا\" فَقَالُوا: نَعَمْ، وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَخَذَ عَلَيْهِ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَ زَيْنَبَ إِلَيْهِ وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ وَرَجُلًا منَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: \"كُونَا بِبَطْنِ يَأْجِجَ حَتَّى تمُرَّ بِكُمَا زينَبُ فَتَصْحَبَاهَا. . . . .\nــ\nزينب، فلما كانت وقعة بدر وأسر أبو العاص، وكانت زينب تحته إذ ذاك فبعثت بقلادة لها كانت خديجة أعطتها إياها حين زفت إلى أبي العاص، وهذا معنى قوله: (أدخلتها بها على أبي العاص).\nوقوله: (رقّ لها) أي: لأجل القلادة أو لزينب لتذكره عهد خديجة وصحبتها، (وقال) أي: لأصحابه: (إن رأيتم) جزاء الشرط محذوف، أي: لكان حسنًا، وفيه جواز المنّ على الأسير بلا فداء (١)، و(أسيرها) هو العاص، و(الذي لها) هو ما أرسلت في فدائه من القلادة.\nوقوله: (أخذ عليه) أي: أخذ العهد على أبي العاص (أن يخلي سبيل زينب إليه) أي: يرسلها إلى النبي -ﷺ- ويأذن لها بالهجرة إلى المدينة، ولم يرد تخلية سبيلها بالطلاق، وكان حكم المناكحة بين المسلمات والكفار بعد باقيًا، كذا قال التُّورِبِشْتِي (٢).\nوقوله: (وبعث زيد بن حارثة ورجلًا من الأنصار) وهذا مخصوص بما ورد فيه لمقام الأمن لمكان بنت النبي وإرساله -ﷺ- من يثق بهما، وقال اتقاء من شر كفار مكة: (كونا ببطن يأجج) أي: قفا ولا تدخلا مكة، وبطن يأجج هو اسم موضع،\n_________\n(١) قال شيخنا في \"التقرير\": إن قيل: بل في بدل زينب، فأيّ حرج فيه، انتهى.\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩١٠).","vol":"7","page":45},{"text":"حَتَّى تَأْتِيَا بهَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٦/ ٢٧٦، د: ٢٦٩٢].\nــ\nوالبطن: ما غمض من الأرض، ويأجج: اسم واد، وضبطت هذه اللفظة بوجوه، ولم يقيد بضبطه الطيبي ولا التُّورِبِشْتِي، والذي في (القاموس) (١): أنه بالياء التحتانية والجيمين ذكره في مادة أجج، وقال: يأجج كيسمع وينصر ويضرب: موضع بمكة، وقال في فصل الياء: يأجج كيمنع ويضرب موضع، وذكر في أج ج، وقال سيبويه: ملحق بجعفر.\nوقال في (مجمع البحار) (٢) في حرف الياء: بطن يأجج بالهمز وكسر الجيم: مكان على ثمانية أميال من مكة، وفي (المغني) (٣) بالحاء المهملة في الآخر، ونقل في (الحاشية) عن ابن الملك في (شرح المصابيح) (٤): أنه بالنون والجيم والحاء المهملة بعد الجيم، وفي بعض النسخ بالياء حرف العلة والجيمين: موضع بمكة وهو من بطون الأودية التي حول الحرم، وقيل: موضع أمام مسجد عائشة، انتهى.\nوقوله: (حتى تأتيا بها) فأتيا بها فهاجرت إلى المدينة، وأبو العاص على دينه ثم آمن وهو بمكة وهاجر إلى المدينة وله قصة (٥)، فسلم النبي -ﷺ- إليه زينب بالنكاح\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٧٧).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٢٠٤).\n(٣) \"المغني\" (ص: ٢٩٣).\n(٤) \"شرح مصابيح السنة\" (٤/ ٤١٥).\n(٥) وهي أنها لما هاجرت زينب وأبو العاص على دين الكفر، فاتفق أن خرج إلى الشام في تجارة، فلما كان بقرب المدينة أراد بعض المسلمين أن يخرجوا إليه فيأخذوا ما معه ويقتلوه، فبلغ ذلك زينب، فقالت: يا رسول اللَّه، أليس عقد المسلمين وعهدهم واحدًا؟ قال: نعم. قالت: فاشهد أني أجرت أبا العاص. فلما رأى ذلك أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- خرجوا إليه عزلًا بغير سلاح، فقالوا له: يا أبا العاص، إنك في شرف من قريش، وأنت ابن عم رسول اللَّه -ﷺ- =","vol":"7","page":46},{"text":"٣٩٧١ - [١٢] وَعَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا أَسَرَ أَهْلَ بَدْرٍ قَتَلَ عُقْبَةَ ابْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَالنَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ، وَمَنَّ عَلَى أَبِي عَزَّةَ الْجُمَحِيِّ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السّنة\". [شرح السنة: ١١/ ٧٨].\n٣٩٧٢ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا أَرَادَ قَتْلَ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ قَالَ: مَنْ لِلصِّبْيَةِ؟ . . . . .\nــ\nالأول، وقيل: بنكاح جديد، فولدت له عليًّا مات صغيرًا، وأمامة وتزوجها علي بن أبي طالب بعد موت فاطمة -﵁-.\n٣٩٧١ - [١٢] (وعنها) قوله: (وعن) كتب في بعض النسخ: (عن)، وترك بياض لاسم الراوي، وفي بعضها: (عنها)، وفي بعض النسخ: (وعن ابن مسعود)، وكذا ترك بعد لفظ (رواه) بياض لاسم المخرج، فألحق في بعضها: (رواه في شرح السنة)، وفي بعضها: (رواه الشافعي وابن إسحاق في السيرة)، واللَّه أعلم.\nو(عقبة) بالقاف (ابن أبي معيط) بضم الميم وفتح العين وسكون التحتانية، الملعون الذي ألقى الكرش على رأس رسول اللَّه -ﷺ- وهو في الصلاة، و(أبو عزة) بفتح العين المهملة وتشديد الزاي، (الجمحي) بضم الجيم وفتح الميم، كان شاعرًا.\n٣٩٧٢ - [١٣] (ابن مسعود) قوله: (من للصبية) بكسر الصاد وسكون الباء: جمع الصبي، أي: من يكفل لأطفالي ويربيهم.\n_________\n= وصهره، فهل لك أن تسلم فتغتنم ما معك من أموال أهل مكة، قال: بئسما أمرتموني به أن أنسخ ديني بغدرة، فمضى حتى قدم مكة، فدفع إلى كل ذي حقّ حقّه، ثم قال فقال: يا أهل مكة، أوفت ذمّتي؟ قالوا: اللَّهمّ نعم. فقال: فإني أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رسول اللَّه، ثم قدم المدينة مهاجرًا، فدفع إليه رسول اللَّه -ﷺ- زوجته بالنكاح الأول. انظر: \"الإصابة\" (٧/ ٢٠٧).","vol":"7","page":47},{"text":"قَالَ: \"النَّارُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٨٦].\n٣٩٧٣ - [١٤] وَعَنْ عَلِيٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَنَّ جِبْرِيلَ هَبَطَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ: خَيِّرْهُمْ، يَعْنِي أَصْحَابَكَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ: القَتْلَ أَوِ الفِدَاءَ عَلَى أَنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ قَابِلًا مِثْلُهُمْ\". قَالُوا: الْفِدَاءَ وَيُقْتَلُ مِنَّا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غرِيبٌ. [ت: ١٥٦٧].\nــ\nوقوله: (النار) استهزاء منه -ﷺ-، وأشار إلى ضياع أولاده، وقيل: المراد ما تهتم بهم واهتم بشأن نفسك وما هُيِّئَ لك من النار، فافهم.\n٣٩٧٣ - [١٤] (علي) قوله: (خيرهم يعني أصحابك) الحديث، اعلم أنه قد ذكر في التفاسير في شأن نزول قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآيتين [الأنفال: ٦٧] أن رسول اللَّه -ﷺ- أتي يوم بدر بسبعين أسيرًا فاستشار فيهم، فقال أبو بكر -﵁-: قومك وأهلك استبقهم لعل اللَّه يتوب عليهم، وخذ منهم فدية يقوى بها أصحابك، وقال عمر: اضرب أعناقهم فإنهم أئمة الكفر، وإن اللَّه أغناك عن الفداء، فخير أصحابه في القتل أو الفداء على أن يقتل منهم في العام القابل مثل هؤلاء الأسارى في العدد وهو السبعون ويكون الظفر للكفار، قالوا: اخترنا الفداء وأن يقتل منا سبعون، فوقع كذلك في غزوة أحد استشهد سبعون رجلًا من المسلمين، فيهم حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير وأمثالهما، فنزلتا، فدخل عمر -﵁- على رسول اللَّه -ﷺ- فإذا هو وأبو بكر يبكيان، فقال: يا رسول اللَّه! أخبرني فإن أجد بكاء بكيت وإلا تباكيت، فقال: (أبكي على أصحابك في أخذهم الفداء، ولقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة) لشجرة قريبة، وروي أنه -ﷺ- قال: (لو نزل العذاب لما نجا منه غير عمر وسعد بن معاذ)، وذلك أنه أيضًا أشار بالإثخان، قالوا: وإنما اختاروا","vol":"7","page":48},{"text":"٣٩٧٤ - [١٥] عَنْ عَطِيَّةَ القَرَظِيَّ قَالَ: كُنْتُ فِي سَبْي قُرَيْظَةَ، عُرِضْنَا عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَكَانُوا يَنْظُرُونَ فَمَنْ أَنْبَتَ الشَّعَرَ قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ لَمْ يُقْتَلْ، فَكَشَفُوا عَانَتِي فَوَجَدُوهَا لَمْ تُنْبِتْ، فَجَعَلُونِي فِي السَّبْي. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٤٤٠٤، جه: ٢٥٤١، دي: ٢/ ٢٢٣].\nــ\nذلك رغبة منهم في إسلام أسارى بدر، وفي نيلهم درجة الشهادة في السنة القابلة، ورقة منهم على أهل القرابة منهم.\nهذا ولكن استشكل ما ذكر بأنهم لما خُيروا واختاروا أحد الأمرين لم تتوجه المعاتبة عليهم، فإن التخيير ينافي ذلك؟ وأجيب بأن التخيير وارد على سبيل الامتحان كما في تخيير أزواجه -ﷺ- في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ الآية [الأحزاب: ٢٨]، والامتحان في أنهم هل يختارون ما هو مرضي عند اللَّه أم ما تعجبهم أنفسهم وهو الفدية فلما اختاروا الثاني عوتبوا، فتدبر.\nهذا وقد استبعد التُّورِبِشْتِي (١) صحة حديث التخيير؛ لكونه مخالفًا لظاهر ما يدل عليه التنزيل، وأيضًا قد حكم عليه الترمذي أنه غريب، قال الطيبي (٢): هذا لا يشعر بالطعن فيه؛ لأن الغريب قد يكون صحيحًا، وأقول: الغريب قد يجيء بمعنى الشاذ، وأكثر ما يقول الترمذي: إنه غريب يكون بهذا المعنى، وقد صرح به صاحب (جامع الأصول).\n٣٩٧٤ - [١٥] (عطية القرظي) قوله: (فمن أنبت الشعر) أي: العانة.\nوقوله: (فكشفوا عانتي) وذلك للضرورة للاشتباه في السن وعدم الاعتماد\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩١٠).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٠).","vol":"7","page":49},{"text":"٣٩٧٥ - [١٦] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: خَرَجَ عُبْدَانٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَعْنِي يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ الصُّلْحِ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مَوَالِيهِمْ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا خَرَجُوا إِلَيْكَ رَغْبَةً فِي دِينِكَ، وَإِنَّمَا خَرَجُوا هَرَبًا مِنَ الرِّقِّ. فَقَالَ نَاسٌ: صَدَقُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ رُدَّهُمْ إِلَيْهِمْ، فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقَالَ: \"مَا أَرَاكُم تَنْتَهُونَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ حَتَّى يَبْعَثَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ مَنْ يَضْرِبُ رِقَابَكُمْ عَلَى هَذَا\". وَأَبَى أَن يَرُدَّهُم وَقَالَ: \"هُمْ عُتَقَاءُ اللَّهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧٠٠].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-968> الفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٩٧٦ - [١٧] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ -ﷺ- خَالِدَ بنَ الْوَليدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فجعلوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا صَبَأْنَا، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقتُلُ وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدِّ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ،\nــ\nعلى صدقهم في الأخبار.\n٣٩٧٥ - [١٦] (علي) قوله: (خرج عبدان) بكسر العين وضمها وسكون الباء: جمع عبد بمعنى المملوك.\nوقوله: (على هذا) أي: على مثل هذا الحكم، أعني الرد.\nوقوله: (أبى أن يردهم) من كلام الراوي.\nالفصل الثالث\n٣٩٧٦ - [١٧] (ابن عمر) قوله: (إلى بني جذيمة) بالجيم والذال المعجمة على وزن كريمة.\nوقوله: (حتى إذا كان يوم أمر خالد) أي: رفع إلينا الأسراء إلى كل واحد منا","vol":"7","page":50},{"text":"فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلَا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا إِلَى النَّبِيّ -ﷺ- فَذَكَرْنَاهُ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: \"اللَّهُمَّ أَنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ\" مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٣٣٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-969>٦ - باب الأمان</span>\nــ\nأسيرًا، وأمرنا بحفظهم إلى يوم يأمرنا بقتلهم، و(كان) تامة، و(أمر) صفة (يوم) و(خالد) فاعل (أمر).\nوقوله: (اللهم إني أبرأ إليك) أي: أنهي إليك براءتي وعدم رضائي، ضمَّن أبرأ معنى أنهى، وإنما برأ لأنه عجّل وترك التثبت في أمرهم حتى يظهر مرادهم من قولهم: صبأنا؛ لأن الصبأ يجيء بمعنى الخروج من دين إلى دين، فإن أرادوا الخروج إلى غير دين الإسلام كاليهودية والنصرانية وقالوا ذلك أنفة من دين الإسلام وجب قتلهم، وإن أرادوا الخروج إلى دين الإسلام نظرًا إلى معنى اللغة فلا، فوجب التثبت والاحتياط إلى ظهور المراد، ولما عدلوا عن صريح قول: أسلمنا، ظن خالد أنهم أنفوا وتأولوا.\n٦ - باب الأمان (١)\nالأمن والأمان ضد الخوف، أمن كفرح أمنًا وأمانًا بفتحهما، وأمنًا محركة وإمنًا بالكسر فهو أَمِنٌ، وأمَّنه: جعله آمنًا، ويشمل أمان المستأمن من أهل الحرب، وأصله قوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: ٦] وأمان من عهد إليه بعدم\n_________\n(١) في \"التقرير\": إن كان مؤبدًا فهو الذمية، وإن كان مؤقتًا فيجوز للإمام الحرب بعد المدة، ولو رأى قبل المدة فله أن ينبذ إليهم، وأمان العبد يصح إن لم يكن محجورًا.","vol":"7","page":51},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-970> الفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٩٧٧ - [١] عَنْ أُمِّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ قَالَتْ: ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ الْفَتْحِ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنتُهُ تَسْتُرُهُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ فَقَالَ: \"مَنْ هَذِهِ؟ \" فَقُلْتُ: أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بنْتُ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: \"مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ\"، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ غُسْلِهِ قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ مُلْتَحِفًا فِي ثَوْبٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! زَعَمَ ابْنُ أُمِّي عَلِيٌّ أَنَّهُ قَاتِلٌ رَجُلًا أَجَزتُهُ فُلَانَ بنَ هُبَيرَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ\". قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ: . . . . .\nــ\nالحرب والحلف، وأمان من جاء بالرسالة من قوم.\nالفصل الأول\n٣٩٧٧ - [١] (أم هانئ) قوله: (ملتحفًا بثوب) أي: ثوب واحد، وقد سبق معنى الالتحاف والاشتمال في (كتاب الصلاة).\nوقوله: (ابن أمي) ذكرته استعطافًا بشكاية عن علي -﵁-.\nوقوله: (أجرته) بفتح الهمزة وقصرها، أي: أمنته من الإجارة بمعنى الإعاذة، وأصله أجورته نقلت حركة الواو إلى الجيم فانقلبت ألفًا، حذفت لالتقاء الساكنين نحو أقمت، في (القاموس) (١): أجاره: أنقذه وأعاذه، وجاره: خفره، ويعلم منه أن همزته للسلب والإزالة نحو خفر وأخفر.\nوقوله: (فلان) بدل من (رجلًا) أو بيان، و(هبيرة) بضم الهاء وفتح الباء، كذا وقع في (البخاري) و(مسلم) و(الموطأ) ولم يسمه أحد منهم، وهو الحارث بن هشام بن\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٤٥).","vol":"7","page":52},{"text":"وَذَلِكَ ضُحًى. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: قَالَتْ: أَجَرْتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَحْمَائِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قَدْ أمَّنَّا مَنْ أمَّنْتِ\". [خ: ٣١٧١، م: ٣٣٦، ت: ١٥٧٩].\nــ\nالمغيرة المخزومي يكنى أبا المغيرة، وقيل: أبا عبد الرحمن وهو أخو أبي جهل بن هشام عداده في أهل الحجاز، كان شريفًا مذكورًا أسلم يوم الفتح، واستأمنت له أم هانئ، فأمّنه النبي -ﷺ-، كذا في (جامع الأصول) (١)، وقيل: هو بعض بني زوجها منها أو من غيرها، وهبيرة كان زوجها، زوجها منه أبو طالب وأسلمت، ففرق الإسلام بينها وبين هبيرة، والحمل عليه أشبه بل يتعين أن يكون هو الصواب؛ لأنها قالت: (فلان ابن هبيرة) فتدبر، كما لا يخفى.\nوقوله: (وذلك ضحى) أي: الوقت الذي كانت هذه الوقعة فيه كان ضحى، أو ما ذكر كان في وقت الضحى، فتكون تلك الصلاة صلاة الضحى، وقد وقع في بعض روايات (مسلم): (وذلك سبحة الضحى)، وهذا صريح في كونها صلاة هذا الوقت، وقد مرّ الكلام فيه في (باب صلاة الضحى).\nوقوله: (قالت: أجرت رجلين) قال في (جامع الأصول) (٢): الرجلان اللذان أجارتهما أم هانئ هما: الحارث بن هشام بن المغيرة وزهير بن أبي أمية بن المغيرة، وعلى ما نقلنا من قول البعض يكونان من بني زوجها هبيرة.\nوقوله: (من أحمائي) يؤيد ذلك إلا أن يكون الحارث وزهير أيضًا من أحمائه لكونهما مخزوميين.\nوقوله: (قد آمنا من آمنت) كلاهما بالمد.\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٢٨٧).\n(٢) \"جامع الأصول\" (١٢/ ١٠٢٩).","vol":"7","page":53},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-971> الفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٣٩٧٨ - [٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ الْمَرأَةَ لَتَأْخُذُ لِلْقَوْمِ\" يَعْنِي: تُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٥٧٩].\n٣٩٧٩ - [٣] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَمِقِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ أَمَّنَ رَجُلًا عَلَى نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ، أُعْطِيَ لِوَاءَ الْغَدْرِ يَوْمَ الْقَيَامَةِ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١١/ ٩١].\n٣٩٨٠ - [٤] وَعَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَبَيْنَ الرُّومِ عَهْدٌ وَكَانَ يَسِيرُ نَحْوَ بِلَادِهِمْ،\nــ\nالفصل الثاني\n٣٩٧٨ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (المرأة لتأخذ) أي: الأمان، أي: جاز للمرأة المؤمنة أن تأخذ الأمان للكافرين، فمفعول (تأخذ) محذوف بقرينة المقام، ولذا فسّره الراوي بقوله: (يعني تجير على المسلمين)، ومعنى (على) باعتبار منعهم منه، يقال: أجار فلانًا على فلان: إذا أعانه عليه، ومنعه منه.\n٣٩٧٩ - [٣] (عمرو بن الحمق) قوله: (وعن عمرو بن الحمق) بفتح الحاء وكسر الميم.\nوقوله: (لواء الغدر) ضد الوفاء، وهو كناية عن الفضيحة على رؤوس الأشهاد.\n٣٩٨٠ - [٤] (سليم بن عامر) قوله: (وعن سليم) بلفظ التصغير.\nوقوله: (عهد) أي: إلى وقت معلوم.\nوقوله: (وكان يسير نحو بلادهم) أي: كان يذهب معاوية قبل انقضاء العهد ليقرب من بلادهم حين انقضاء المدة ويغير عليهم.","vol":"7","page":54},{"text":"حَتَّى إِذَا انْقَضَى الْعَهْدُ، أَغَارَ عَلَيْهِمْ، فَجَاءَ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ أَوْ بِرْذَوْنٍ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَفَاءٌ لَا غَدْرٌ، فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ عَمْرُو بنُ عَبَسَةَ، فَسَأَلَهُ مُعَاوِيَةُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَحُلَّنَّ عَهْدًا وَلَا يَشُدَّنَّهُ،\nــ\nوقوله: (على فرس أو برذون) بكسر الباء وسكون الراء وفتح الذال وسكون الواو وآخره نون، في (المشارق) (١): البراذين هي الخيل غير العراب والعتاق، وسميت بذلك لثقلها، وأصل البرذونة الثقل، وفي (مجمع البحار) (٢): في حديث: (لا تركبوا برذونًا) هو بكسر موحدة وفتح معجمة: الدابة لغة، وخصه العرف بنوع من الخيل، والبراذين جمعه، وقيل: هو التركي من الخيل خلاف العراب، وإذا جعل علة النهي الخيلاء كان النهي عن العراب أولى، وفي (الصراح) (٣): برذون: ستور ونوعي از اسبان، برذونه مؤنث، ففي الحديث يجب حمل الفرس على العربي، والبرذون على ما عداه.\nوقوله: (وفاء لا غدر) أي: ليكن منكم وفاء لا غدر، كره ابن عبسة ذهابه في مدة العهد إلى قريب من بلادهم ثم الإغارة؛ لأنهم يتوقعونه بعد هذه المدة ويحسبونه في مدة مسيرة في وطنه فيغفلون عن مسيره فيكون في حكم الغدر.\nوقوله: (فلا يحلّنّ عهدًا) بلفظ الأمر الغائب من الحل بمعنى نقض العقدة. (ولا يشدنه) من الشد ضد الحل، قال الطيبي (٤): ومجموع الجملتين عبارة عن التغيير\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ١٣١).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ١٧٠).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٥٠٢).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٦).","vol":"7","page":55},{"text":"حَتَّى يَمْضِيَ أَمَدُهُ أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ\". قَالَ: فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ بِالنَّاسِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٥٨٠، د: ٢٧٥٩].\n٣٩٨١ - [٥] وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: بعثَني قُرَيْشٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أُلقِيَ فِي قَلْبِيَ الإِسْلَامُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي وَاللَّهِ لَا أَرْجِعُ إِلَيْهِمْ أَبَدًا. قَالَ: \"إِنِّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ وَلَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ،\nــ\nمن غير نظر إلى معاني مفرداتهما كقولهم: تقدم رجلًا وتؤخر أخرى، كناية عن التردد.\nوقوله: (أو ينبذ) من باب ضرب، والضمير لمن، وفي (إليهم) للقوم، والنبذ: طرحك الشيء أمامك أو وراءك، ويجيء بمعنى الإخبار والإعلام من أحد الفريقين للآخر برفع العهد، والتعدية بإلى لتضمين معنى الإنهاء.\nوقوله: (على سواء) حال؛ لأنه إذا علم بأن الصلح الذي كان بينهم قد ارتفع كان الفريقان في العلم بذلك على سواء.\n٣٩٨١ - [٥] (أبو رافع) قوله: (لا أرجع إليهم أبدًا) تأكيد لتمكن الإسلام من قلبه ودوامه عليه، والعرب تطلق (أبدًا) بمعنى التأكيد والجد واللزوم من غير إرادة معنى الخلود والتأبيد.\nوقوله: (إني لا أخيس بالعهد) (١) خاس بالعهد يخيس خيسًا وخيسانًا: غدر ونكث. و(البرد) بضمتين وقد يسكن: جمع بريد بمعنى الرسول، برده وأبرده: أرسله،\n_________\n(١) في \"التقرير\": ليس المراد العهد الشرعي لأنه لم يكن منه -ﷺ- عهد خاص هناك، بل المراد العادة الجارية.","vol":"7","page":56},{"text":"وَلَكِنِ ارْجِعْ فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِكَ الَّذِي فِي نَفْسِكَ الآنَ فَارْجِعْ\". قَالَ: فَذَهَبْتُ ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَأَسْلَمْتُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٤١].\n٣٩٨٢ - [٦] وَعَنْ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لِرَجُلَيْنِ جَاءَا مِنْ عِنْدِ مُسَيْلِمَةَ: \"أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٣/ ٤٨٧ - ٤٨٨، د: ٢٧٦١].\n٣٩٨٣ - [٧] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ فِي خُطْبَتِهِ: \"أَوْفُوا بِحِلْفِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ -يَعْنِي الإِسْلَامَ- إِلَّا شِدَّةً،\nــ\n(ولكن ارجع) استدراك من مقدر يفهم من الكلام، أي: لا تقم ولا تظهر الإسلام ولكن ارجع.\nوقوله: (فارجع) أي: من عند الكفار.\n٣٩٨٢ - [٦] (نعيم بن مسعود) قوله: (وعن نعيم) بضم النون.\nوقوله: (لضربت أعناقكما) لأنهما قالا بحضرته: نشهد أن مسيلمة رسول اللَّه، كما يجيء في الفصل الثالث.\n٣٩٨٣ - [٧] (عمرو بن شعيب) قوله: (أوفوا بحلف) في (القاموس) (١): الحلف بكسر الحاء: العهد بين القوم، وقد ضبط في بعض النسخ بفتح الحاء وكسر اللام، والصداقة، والمراد ما لا يضر بالدين، ولا يكون مخالفًا لأحكامه.\nوقوله: (يعني الإسلام) بيان لضمير (يزيد) المستكن فاعلًا له المفهوم من الكلام، وكذا ضمير (إنه)، وقد يجعل للشأن، والحاصل أن ما كان منه في الجاهلية\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٣٩).","vol":"7","page":57},{"text":"وَلَا تُحْدِثُوا حِلْفًا فِي الإِسْلَامِ\". رَوَاهُ (١). وَذَكَرَ حَدِيثَ عليٍّ: \"الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ\" فِي \"كِتَابِ الْقِصَاصِ\". [ت: ١٥٨٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-972> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٣٩٨٤ - [٨] عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ ابْنُ النَّوَّاحَةِ. . . . .\nــ\nعلى الفتن والقتال ونحو ذلك، والتناصر والتعاضد على الظلم فهو منهي عنه، وهو المراد بقوله -ﷺ-: (لا حلف في الإسلام)، وما كان على نصرة المظلوم وصلة الأرحام وأمثالهما فهو الذي قال فيه: (لا يزيده الإسلام إلا شدة).\nوقوله: (ولا تحدثوا) من الإحداث (حلفًا في الإسلام)، الظاهر أن المراد به القسم الأول المنهي عنه، أو المراد لا حاجة أن تحالفوا في الإسلام، فإن الإسلام أقوى من الحلف في التعاهد والتناصر على الحق والخيرات، فاستمسكوا بأحكامه ولا تحدثوا حلفًا من عند أنفسكم.\nونقل الطيبي في (شرحه) (٢): أي إن كنتم حلفتم في الجاهلية بأن يعين بعضكم بعضًا ويرث بعضكم بعضًا، فإذا أسلمتم فأوفوا به، فإن الإسلام يحرضكم على الوفاء به، ولكن لا تحدثوا مخالفة في الإسلام بأن يرث بعضكم بعضًا، ويفهم منه أنهم إذا حلفوا في الجاهلية بما ليس في الإسلام كإرث بعضهم من بعض يجب الوفاء به بعد الإسلام، ولكن لا يجوز إحداث مثل هذا الحلف، وفيه تردد، فتدبر.\nالفصل الثالث\n٣٩٨٤ - [٨] (ابن مسعود) قوله: (ابن النواحة) بفتح النون وتشديد الواو\n_________\n(١) هنا بياض في الأصل، وألحق الجزري في تصحيحه حيث قال: رواه الترمذي من طريق حسين ابن ذكوان عن عمرو، وقال: حسن. \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٤٩٣).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٨).","vol":"7","page":58},{"text":"وَابْنُ أُثَالٍ رَسُولا مُسَيْلِمَةَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ لَهُمَا: \"أَتَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ \" فَقَالَا: نَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ (١)، وَلَوْ كُنْتُ قَاتِلًا رَسُولًا لَقَتَلْتُكُمَا\". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ الرَّسُولَ لَا يُقْتَلُ. رَوَاهُ أَحْمدُ. [حم: ١/ ٤٠٤، ٤٠٦].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-973>٧ - باب قسمة الغنائم والغلول فيها</span>\nــ\nوبالحاء المهملة، و(ابن أثال) بضم الهمزة وبالمثلثة.\nوقوله: (آمنت باللَّه ورسوله) فيه غاية التواضع وطلب الحق، والحلم، وعدم التعجيل بتعذيبهما، وفيه رمز إلى الإنكار بنبوة ذلك اللعين وتكذيبه في دعواه، فافهم، وذلك كقوله -ﷺ- مثل هذا الكلام في مقابلة قول ابن صياد: إني رسول اللَّه.\n٧ - باب قسمة الغنائم والغلول فيها\nالقسمة في اللغة: التجزئة، قسمه يقسمه وقسّمه: جزأه، والغنائم جمع غنيمة، والمغنم بمعناها، ويجمع على مغانم، وهي مال يحصل من حرب الكفار، والغنم بالضم: أخذ الغنيمة، والغلول: الخيانة، أو خاص بالفيء، كذا في (القاموس) (٢)، والثاني هو المشهور الأكثر في الاستعمال، وظاهر إطلاق قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١] يدل على ذلك، قال البيضاوي في (تفسيره) (٣): ما صح أن يكون\n_________\n(١) في نسخة: \"ورسله\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٥٧، ١٠٥٤، ١٠٥٩).\n(٣) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٨٧).","vol":"7","page":59},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-974> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٣٩٨٥ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"فَلَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلِنَا، ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَطَيَّبَهَا لَنَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٢٤، م: ١٧٤٧].\n٣٩٨٦ - [٢] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- (١) عَامَ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَضَرَبْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ بِالسَّيْفِ،\nــ\nيخون في الغنائم، ففي لفظ الكتاب تجريد، وعلى الأول لا حاجة إليه.\nالفصل الأول\n٣٩٨٥ - [١] (أبو هريرة) قوله: (فلم تحل الغنائم) هذا جزء حديث طويل يأتي في (الفصل الثالث) عن أبي هريرة، أورده في أول الباب بيانًا لأن حل الغنائم من خواص هذه الأمة، والفاء في (فلم تحل) عطف على كلام سابق، وكان الأمم السالفة يجمعون الغنائم فتنزل نار من السماء تحرقها، وكان هذا علامة القبول.\n٣٩٨٦ - [١] (أبو قتادة) قوله: (عام حنين) أي: غزوتها وكانت بعد فتح [مكة].\nوقوله: (جولة) أي: تقدم وتأخر، في (النهاية) (٢): جال واجتال: إذا ذهب وجاء، ومنه الجولان في الحرب، والجائل: الزائل عن مكانه، انتهى، وفي الحديث: (إذا جالت الفرس) أي: تحركت ونفرت من رؤية الملائكة النازلين في السكينة، وفي\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول اللَّه\".\n(٢) \"النهاية\" (١/ ٣١٧).","vol":"7","page":60},{"text":"فَقَطَعْتُ الدِّرْعَ وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقُلْتُ: مَا بَالُ النَّاسِ؟ قَالَ: أَمْرُ اللَّهِ، ثُمَّ رَجَعُوا وَجَلَسَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ: . . . . .\nــ\n(القاموس) (١): جال في الحرب جولة وجولانًا محركة: طاف، وفي (الصراح) (٢): جول: جولان كرد بر آمدن، والمراد هزيمة وقعت في بعض الجيش، كره الراوي أن يعبر بالهزيمة، ولم تكن حقيقة بل حركة واضطراب وزوال عن المكان وإن كان فما كان إلا في بعض الجيش، وأما رسول اللَّه -ﷺ- فلم يزل عن مكانه وكان على بغلة بيضاء، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بزمامها وهو يقول:\nأنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب\nوفي رواية: كان العباس وأبو سفيان آخذين بغلته يكفانها عن الإسراع والتقدم إلى العدو، و(حبل العاتق) ما بين العنق ورأس الكتف، أو عصبة بين العنق والمنكب.\nوقوله: (فضمني ضمة) أي: ضغطني وعصرني، و(ريح الموت) استعارة لأثره وشدته.\nوقوله: (ما بال الناس) أي: كيف ينهزمون؟ (قال: أمر اللَّه) أي: قضاؤه وقدره أو ما حال المسلمين بعد الانهزام.\nوقوله: (أمر اللَّه) أي: النصرة في الآخرة للمسلمين، فإن أمر اللَّه غالب.\nوقوله: (ثم رجعوا) أي: إلى النبي، أو حملوا بعد الانهزام على المشركين\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٠٢).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٤١٦).","vol":"7","page":61},{"text":"\"مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ\" فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِثْلَهُ، فَقُلْتُ: مَنْ يَشْهَدُ لِي؟ ثُمَّ جَلَسْتُ، ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِثْلَهُ فَقُمْتُ فَقَالَ: \"مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ؟ \" فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ رَجُلٌ: صَدَقَ وَسَلَبُهُ عِنْدِي. . . . .\nــ\nفهزموهم، ويؤيد الأول والثاني معًا ما روي: أنهم لما رجعوا إلى النبي -ﷺ- رأوا عنده رجالًا بيض الوجوه حسان فقالوا لهم: (شاهت الوجوه ارجعوا)، وفي قوله -ﷺ-: (لا كذب) إشارة إلى لست بكاذب حتى أنهزم، بل أنا متيقن بما وعدني اللَّه به من النصر، فلا يجوز علي الفرار، فكان النصر للمؤمنين.\nوقوله: (من قتل قتيلًا) فيه مجاز بالمشارفة، وهو أخص من المجاز باعتبار ما يؤول نحو: أعصر خمرًا، وقد حققناه في (حاشية الضيائية)، والسلب بفتح اللام: ما على المقتول من ثيابه وسلاحه ومركبه، وكذا ما على مركبه من السرج والآلة، وكذا ما معه على الدابة من ماله في حقيبه أو على وسطه، وما عدا ذلك فليس بسلب، وما كان مع غلامه أو على دابة أخرى فليس بسلب، ثم استحقاق السلب عندنا ليس بمجرد القتل، بل إذا نفل الإمام وحرض به على القتال، وليس شريعة مطلقًا، وهكذا مذهب الشافعي فيما نقل (الطيبي) (١)، وقال في (الهداية) (٢): قال الشافعي: السلب للقاتل إذا كان من أهل أن يسهم له، وقد قتله مقبلًا، واللَّه أعلم (٣).\nوقوله: (فقال رجل: صدق) (رجل) فاعل قال، وفي (صدق) ضمير لأبي قتادة\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣٢).\n(٢) \"الهداية\" (٢/ ٣٩٢).\n(٣) في \"التقرير\": السلب حكم شرعي عند الشافعية لقصة حنين، وموقوف على رأي الإمام وتنفيله عند الإمام أبي حنيفة لقصة ابني عفراء في قتل أبي جهل.","vol":"7","page":62},{"text":"فَأَرْضِهِ مِنِّي، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا هَا اللَّهِ، إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"صَدَقَ فَأَعْطِهِ\". . . . .\nــ\nوهو مقول القول، والخطاب في (فأرضه) لرسول اللَّه -ﷺ-، والمنصوب لأبي قتادة.\nوقوله: (مني) ليس بصلة (أرض)، فإنه يتعدى بـ (عن)، بل (من) ابتدائية أو تعليلية، أي: من جهتي أو لأجلي بأن يهبه لي أو يأخذ منه شيئًا.\nوقوله: (لا ها اللَّه) (لا) نفي لما قال الرجل، و(ها) حرف تنبيه بدل من حرف القسم، قال في (القاموس) (١): (ها) للتنبيه تدخل على أربعة، أحدها: الإشارة، كهذا وهاذاك، الثاني: ضمير الرفع المخبر عنه باسم الإشارة نحو: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ﴾، الثالث: نعت أي في النداء نحو: يا أيها الرجل، الرابع: اسم اللَّه في القسم عند حذف الحرف يقال: ها أللَّه بقطع الهمزة مع إثبات ألفها وحذفها.\nوقوله: (لا يعمد) أي: النبي -ﷺ- إلى (أسد من أسد اللَّه) بالضم والسكون يريد به أبا قتادة، أي: إلى إبطال حقه وإعطاء سلبه إياك، وهذا القول في الحقيقة طلب\nوالتماس الصديق من النبي -ﷺ- ما بينهما من انبساط وقبول له -﵁- في حضرته -ﷺ-، وقالوا: هو إخبار مؤكد بالقسم بعد وقوعه من قبيل قوله -ﷺ-: (إن من عباد اللَّه من لو أقسم على اللَّه لأبرّه)، كما في قول أنس بن النضر: (واللَّه لا تكسر ثنيتها يا رسول اللَّه)، كما مرّ في آخر (الفصل الأول) من (كتاب القصاص) من حديث أنس -﵁-.\nوقوله: (يقاتل عن اللَّه) أي: صادرًا قتاله عن رضا اللَّهِ كقوله تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢]، أو التقدير ذابًّا عن دين اللَّه أعداء اللَّه.\nوقوله: (صدق) أي: أبو قتادة -﵁-.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٤٣).","vol":"7","page":63},{"text":"فَأَعْطَانِيهِ، فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلَمَةَ، فَإِنَّهُ لأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الإِسْلَامِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٣٢١، م: ١٧٥١].\n٣٩٨٧ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَسْهَمَ لِلرَّجُلِ وَلِفَرَسِهِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ؛ سَهْمًا لَهُ وَسَهْمَيْنِ لِفَرَسِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٦٣، م: ١٧٦٢].\nــ\nوقوله: (فابتعت) أي: اشتريت به (مخرفًا) بفتح الميم والراء، ويجيء بالتاء كمرحلة: البستان وسكة بين صفين من النخل، يخترف المخترف من أيهما شاء، من خرف الثمار: جناه، ومنه: (عائد المريض على مخارف الجنة). و(بني سلمة) بفتح اللام.\nوقوله: (تأثلته) أي: تأصلته، أي: تملكته وجمعته وجعلته أصل مالي.\n٣٩٨٧ - [٣] (ابن عمر) قوله: (ثلاثة أسهم) هذا قول أكثر الأئمة والعلماء، وقال أبو حنيفة ﵀: إن للفارس سهمين، أخذ بحديث مجمع بن حارثة الآتي في (الفصل الثاني)، وروي ذلك عن علي وأبي موسى. وقال في (الهداية) (١): لأبي حنيفة ﵀ ما روي عن ابن عباس: أن النبي -ﷺ- أعطى للفارس سهمين وللراجل سهمًا، فتعارض فعلاه، فيرجع إلى قوله، وقد قال -ﷺ-: (للفارس سهمان)، كيف وقد روي عن ابن عمر: أن النبي -ﷺ- قسم للفارس سهمين، وإذا تعارضت روايتاه ترجحت رواية غيره.\nوفي الحاشية: وهذا لأن من تعارضت روايتاه كان احتمال النسخ برواية نفسه ورواية غيره، ومن تعارضت روايته ورواية غيره كان احتمال النسخ فيها برواية غيره فقط، فكان أولى.\n_________\n(١) \"الهداية\" (٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩).","vol":"7","page":64},{"text":"٣٩٨٨ - [٤] وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ: كَتَبَ نَجْدَةُ الْحَرُورِيُّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسأَلُهُ عَنِ الْعَبْدِ وَالْمَرأَةِ يَحْضُرَانِ الْمَغْنَمَ هَلْ يُقسَمُ لَهُمَا؟ فَقَالَ لِيَزِيدَ: اكْتُبْ إِلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُمَا سَهْمٌ إِلَّا أَنْ يُحْذَيَا. وَفِي رِوَايَةٍ: كَتَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَنَّكَ كَتَبْتَ تَسأَلُنِي: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَغْزُو بِالنِّسَاءِ؟ وَهَلْ كَانَ يَضْرِبُ لَهُنَّ بِسَهْمٍ؟ فَقَدْ كَانَ يَغْزُو بِهِنَّ يُدَاوِينَ الْمَرْضَى وَيُحْذَيْنَ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَأَمَّا السَّهْمُ فَلَمْ يَضْرِبْ لَهُنَّ بِسَهْمٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨١٢].\n٣٩٨٩ - [٥] وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِظَهْرِهِ. . . . .\nــ\n٣٩٨٨ - [٤] (يزيد بن هرمز) قوله: (نجدة) بفتح النون وسكون الجيم: رئيس الخوارج، والحرورية بالمد وقد يقصر، قرية بالكوفة، كان أول اجتماع الخوارج فيها، والنسبة إليه حروري، وكأنه من تغيرات النسبة.\nوقوله: (إلا أن يحذيا) أي: يعطيان شيئًا قليلًا من الغنيمة.\nوقوله: (يغزوا بالنساء) وليس في هذه الرواية ذكر العبيد، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم أن العبيد والصبيان والنسوان يرضخ لهم ولا سهم، وهو المذهب عندنا.\nوقال في (الهداية) (١): والعبد إنما يرضخ له إذا قاتل؛ لأنه دخل لخدمة المولى فصار كالتاجر، والمرأة يرضخ لها إذا كانت تداوي الجرحى، وتقوم على المرضى، لأنها عاجزة عن القتال، فيقام هذا النوع من الإعانة مقام القتال، بخلاف العبد؛ لأنه قادر على حقيقة القتال.\n٣٩٨٩ - [٥] (سلمة بن الأكوع) قوله: (بظهره) أي: إبله لأنه يركب ويحمل\n_________\n(١) \"الهداية\" (٢/ ٣٩٠).","vol":"7","page":65},{"text":"مَعَ رَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا مَعَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا إِذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْفَزَارِيُّ قَدْ أَغَارَ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُمْتُ عَلَى أَكَمَةٍ، فَاسْتَقْبَلْتُ الْمَدِينَةَ فَنَاديتُ ثَلَاثًا: يَا صَبَاحَاهْ، ثُمَّ خَرَجْتُ فِي آثَارِ الْقَوْمِ أَرْمِيهِمْ بِالنَّبْلِ، أَرْتَجِزُ وَأَقُولُ:\nأنَا ابْنُ الأَكْوَعْ ... واليَومُ يَوْمُ الرُّضَّعْ\nــ\nعلى ظهره، والباء للتعدية، أي: أرسلها للرعي إلى موضع، و(رباح) بفتح الراء. و(عبد الرحمن الفزاري) بفتح الفاء وبالزاي. و(الأكمة) بالفتحات: التل من القف من حجارة واحدة، أو هي دون الجبال، أو الموضع يكون أشد ارتفاعًا مما حوله، وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرًا، وفي (الصراح) (١): أكمة: نسبة، والجمع أكمات وأكم بفتحتين، وجمع أكم إكام بالكسر مثل جبل وجبال، وجمع إكام أكمٌ بضمتين مثل كتاب وكتب، وجمع أكم آكام مثل عنق وأعناق.\nو(يا صباحاه) كلمة استغاثة عند الغارة لكثرة وجودها في الصباح. و(النبل) بالفتح السهام.\nوقوله: (اليوم يوم الرضّع) بضم الراء وفتح الضاد المعجمة المشددة جمع راضع كركع وراكع، والراضع: اللئيم، أي: هذا يوم هلاك اللئام. قال في (القاموس) (٢): الراضع: اللئيم الذي رضع اللؤم من ثدي أمه، وقيل: الراعي لا يمسك معه محلبًا، فإذا سئل اللبن اعتل بذلك، وقيل: الراضع من يأكل الخُلالة من بين أسنانه ويرضعها ويمصها لئلا يفوته شيء، ومن يرضع الناس، أي: يسألهم، وقولهم: لئيم راضع، أصله\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٥٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٦٦).","vol":"7","page":66},{"text":"فَمَا زِلْتُ أَرْمِيهِمْ، وَأَعْقِرُ بِهِمْ حَتَّى مَا خلَقَ اللَّهُ مِنْ بَعِيرٍ مِنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَّا خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي، ثُمَّ اتَّبَعْتُهُمْ أَرْمِيهِمْ، حَتَّى ألقَوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةٍ وَثَلَاثِينَ رُمْحًا، يَسْتَخِفُّونَ وَلَا يَطْرَحُونَ شَيْئًا إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ آرَامًا مِنَ الْحِجَارَةِ، يَعْرِفُهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ، حَتَّى رَأَيْتُ فَوَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-،\nــ\nأن رجلًا كان يرضع إبله لئلا يسمع صوت حلبه فيطلب منه، انتهى.\nوقيل: لئلا يصيب في الإناء شيء، هذا وقيل: معنى قوله: (اليوم يوم الرضع) اليوم يعرف من أرضعته كريمة فأنجبته، أو لئيمة فهجنته، وقيل: معناه اليوم يظهر من أرضعته الحرب من صغره، كذا في (المشارق) (١).\nوقوله: (أعقر بهم) أي: أقتل مراكبهم، وفي (النهاية) (٢): عقرت به، أي: قتلت مركوبه وجعلته راجلًا، والعقر: ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم.\nوقوله: (ما خلق اللَّه) (ما) نافية و(خلق) بالقاف.\nوقوله: (من ظهر) بدل أو بيان لقوله: (من بعير)، و(خلفته) بتشديد اللام، و(اتبعتهم) بتشديد التاء.\nوقوله: (يستخفون) أي: يطلبون الخفة بإلقائها في الفرار. و(الآرام) بالمد: الأعلام جمع أرم كعنب وكتف، كذا في (القاموس) (٣)، وفي (النهاية) (٤): والآرام:\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤٦٧).\n(٢) \"النهاية\" (٣/ ٢٧١).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٩٣).\n(٤) \"النهاية\" (١/ ٤٠).","vol":"7","page":67},{"text":"وَلَحِقَ أَبُو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَيْرُ فُرْسَانِنَا الْيَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ، وَخَيْرُ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ\" قَالَ: ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَهْمَيْنِ: سَهْمَ الْفَارِسِ وَسَهْمَ الرَّاجِلِ، فَجَمَعَهُمَا إِلَيَّ جَمِيعًا، ثُمَّ أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَرَاءَهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ رَاجِعَيْنِ إِلَى الْمَدِينَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٠٧].\n٣٩٩٠ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُنَفِّلُ بَعْضَ مَنْ يَبْعَثُ مِنَ السَّرَايَا لِأَنْفُسِهِمْ خَاصَّةً سِوَى قِسْمَةِ عَامَّةِ الْجَيْشِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٣٥، م: ١٧٥٠].\nــ\nالأعلام وهي حجارة يجمع وينصب بالمفازة يهتدى بها على دفين أو غيره، جمع إرم كعنب، كان من عادتهم إذا وجدوا في طريقهم شيئًا ولا يمكنهم استصحابه تركوا عليه حجارة يعرفون إذا عادوا إليه.\nوقوله: (بعبد الرحمن) الفزاري الذي أغار على ظهر رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (خير رجالتنا) بفتح الراء وتشديد جيم: جمع راجل، خلاف الفارس، كذا في (مجمع البحار) (١).\nوقوله: (سهم الفارس وسهم الراجل) وللإمام أن يعطي من كثر سعيه في الجهاد شيئًا زائدًا على نصيبه ليرغب الناس في الجهاد.\n٣٩٩٠ - [٦] (ابن عمر) قوله: (كان ينفل) بالتشديد، أي: يعطيهم من الغنيمة شيئًا زائدًا، والنفل الزيادة، والتنفيل مستحب للترغيب.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٣٠٠).","vol":"7","page":68},{"text":"٣٩٩١ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: نفَّلَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- نَفَلًا سِوَى نَصِيبِنَا مِنَ الْخُمُسِ، فَأَصَابَنِي شَارِفٌ، وَالشَّارِفُ: الْمُسِنُّ الْكَبِيرُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [م: ١٧٥٠].\n٣٩٩٢ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: ذَهَبَتْ فَرَسٌ لَهُ فَأَخَذَهَا الْعَدُوُّ، فَظَهَرَ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ فَرُدَّ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَفِي رِوَايَةٍ: أَبَقَ عَبْدٌ لَهُ فَلَحِقَ بِالرُّومِ فَظَهَرَ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بَعْدَ النَّبِيَّ -ﷺ-. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٠٦٧].\nــ\n٣٩٩١ - [٧] (وعنه) قوله: (شارف) في (القاموس) (٢): الشارف من النوق: المسنّة الْهَرِمة كالشارفة، وقد شرُفت شروفًا، ككرم ونصر، والجمع شرف وشرّف ككتب وركع.\n٣٩٩٢ - [٨] (وعنه) قوله: (ذهبت فرس له) أي: لابن عمر، والفرس للذكر والأنثى أو هي فرسة، والجمع أفراس وفروس، وراكبه فارس، أي: صاحب فرس، كلابن، وجمعه على فوارس شاذٌّ، كذا في (القاموس) (٣)، وقال الجوهري (٤): الفرس مؤنث وقد يذكر، لكن عدها ابن الحاجب في رسالته مما لا بد تأنيثه.\nوقوله: (فظهر) أي: غلب.\nوقوله: (فرد عليه) أي: على ابن عمر، فيه أن الكفار لا يملكون أموال المسلمين\n_________\n(١) لم نجده في \"صحيح البخاري\" وعزو الحديث إلى البخاري غير صحيح كما بينه المزي في \"تحفة الأشراف\" (٥/ ٤٠٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٦٠).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٢٠).\n(٤) \"الصحاح\" (٣/ ٩٥٧).","vol":"7","page":69},{"text":"٣٩٩٣ - [٩] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: مَشَيْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقُلْنَا: أَعْطَيْتَ بَنِي الْمُطَّلِبِ مِنْ خُمُسِ خَيْبَرَ، وَتَرَكْتَنَا، وَنَحْنُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْكَ؟ فَقَالَ: \"إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ\". قَالَ جُبَيْرٌ: وَلَمْ يَقْسِمِ النَّبِيُّ -ﷺ- لِبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نوفلٍ شَيْئًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٢٢٩].\nــ\nعند الاستيلاء، وهذا قبل القسمة متفق عليه، وأما بعدها ففيه خلاف (١).\n٣٩٩٣ - [٩] (جبير بن مطعم) قوله: (ونحن بمنزلة واحدة) لأن هاشمًا والمطلب ونوفلًا وعبد شمس كلهم من عبد مناف، وعبد مناف الجد الرابع لرسول اللَّه -ﷺ-، وجبير ابن مطعم بن عدي بن نوفل وعثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد الشمس، والنبي -ﷺ- من بني هاشم، وبنو هاشم وبنو المطلب كانوا متوافقين متحابين متعاونين في الجاهلية والإسلام، وفي قضية تحالف بني عبد شمس ونوفل: أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم النبي -ﷺ-.\nوقوله: (شيء واحد) وقد يروى بالسين المهملة مشدد الياء بمعنى مثل وسواء.\n_________\n(١) قال ابن الهمام: إن أبق عبد لمسلم، أو ذمي وهو مسلم ودخل عليهم دار الحرب، فأخذوه لم يملكوه عند أبي حنيفة، وقالا: يملكونه، وبه قال مالك وأحمد، وأما لو ارتد فأبق إليهم فأخذوه ملكوه اتفاقًا، وكذا إذا ندَّ بعير إليهم، فأخذوه ملكوه فيتفرع على ملكهم إياه أنه لو اشتراه رجل وأدخله دار الإسلام، فإنما يأخذه مالكه منه بالثمن إن شاء، وإذا غلبوا على أموالنا وأحرزوها بدارهم ملكوها، وهو قول مالك وأحمد، إلا أن عند مالك بمجرد الاستيلاء يملكونها، ولأحمد فيه روايتان كقولنا وقول مالك، وقال الشافعي: لا يملكونها. انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٢٥٧٤).","vol":"7","page":70},{"text":"٣٩٩٤ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ -ﷺ-: \"أَيَّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا وَأَقَمْتُمْ فِيهَا، فَسَهْمُكُمْ فِيهَا، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ خُمُسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٥٦].\n٣٩٩٥ - [١١] وَعَنْ خَوْلَةَ الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ رِجَالًا يتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣١١٨].\n٣٩٩٦ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ فَذَكَرَ الْغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، ثُمَّ قَالَ: \"لَا أُلفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. . . . .\nــ\n٣٩٩٤ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (وأقمتم فيها) أي: دخلتموها بلا قتال، بل بالمصالحة، (فسهمكم فيها) أي: حقكم من العطاء كما يصرف الفيء إلى مصارفه ولا خمس فيه، ولا خلاف فيه إلا للشافعي، (وأيما قرية عصت اللَّه ورسوله) أي: أخذتموها عنوة ففيها الخمس والباقي لكم، وقيل: المراد بالأولى ما فتحه العسكر من غير أن يكون فيهم النبي -ﷺ- فهي للعسكر، وبالثانية ما يكون فيه النبي -ﷺ- معهم فيأخذ الخمس، والباقي لهم، هكذا فسروه.\n٣٩٩٥ - [١١] (خولة الأنصارية) قوله: (وعن خولة) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو.\nوقوله: (يتخوضون في مال اللَّه) أي: يتصرفون في الغنيمة والفيء والزكاة وأمثالها.\n٣٩٩٦ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (لا ألفينّ) بضم الهمزة، أي: لا أجِدنّ، ألفاه:","vol":"7","page":71},{"text":"عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدُكُمْ يجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفُقُ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلفِيَنَّ أَحَدُكُمْ يَجيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَغِثْنِي، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا لَفُظُ مُسْلِمٍ وَهُوَ أَتَمُّ. [خ: ٣٠٧٣، م: ١٨٣١].\nــ\nوجده، و(الرغاء) بضم الراء مخففًا: صوت البعير، و(الحمحمة) بالمهملتين المفتوحتين بعد الأولى ميم ساكنة وبعد الثانية مفتوحة: صوت الفرس دون الصهيل، و(الثغاء) بالمثلثة المضمومة والغين المعجمة: صوت الشاة، والمراد بالنفس بسكون الفاء: الرقيق الذي غله من السبي أو قتل نفس بغير حق، والأول أنسب بالمقام. و(رقاع) بكسر الراء جمع رقعة، و(تخفق) أي: تتحرك وتضطرب اضطراب الراية، والمراد قطع الثياب التي غل فيها، وقيل: المراد ما عليه من الحقوق المكتوبة في الرقاع، والأول أظهر وأنسب، و(الصامت) من المال الذهب والفضة.\nوقوله: (وهو أتم) أي: تفصيلًا من لفظ البخاري.","vol":"7","page":72},{"text":"٣٩٩٧ - [١٣] وَعَنْهُ قَالَ: أَهْدَى رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- غُلَامًا يُقَالُ لَهُ: مِدْعَمٌ، فَبَيْنَمَا مِدْعَمٌ يَحُطُّ رَحْلًا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذْ (١) أَصَابَهُ سَهْمٌ عَائِرٌ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الْجَنَّةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَلَّا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ إِنَّ الشَّمْلَةَ الَّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا\". فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ النَّاسُ جَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: \"شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧٠٧، م: ١١٥].\n٣٩٩٨ - [١٤] وَعَنْ عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمْروٍ قَالَ: كَانَ عَلَى ثَقَلِ النَّبِيِّ -ﷺ- رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: . . . . .\nــ\n٣٩٩٧ - [١٣] (وعنه) قوله: (مدعم) بكسر الميم وسكون الدال وفتح العين المهملتين.\nوقوله: (يحط) أي: يضع (رحلًا) أي: أثاثًا ومتاعًا كان على راحلته -ﷺ-، و(السهم العائر) بالعين المهملة والتحتانية: ما لا يدرى راميه.\nوقوله: (هنيئًا له الجنة) لأنه مات شهيدًا في خدمة النبي -ﷺ-، و(الشملة) بالفتح: كساء يشتمل به.\nوقوله: (لم تصبها المقاسم) أي: أخذها قبل القسمة غلولًا، و(الشراك) بالكسر: أحد سيور النعل التي على وجهها.\n٣٩٩٨ - [١٤] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (على ثقل) بفتحتين: متاع المسافر\n_________\n(١) في نسخة: \"إذا\".","vol":"7","page":73},{"text":"كَرْكَرَةُ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هُوَ فِي النَّارِ\" فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلَّهَا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٠٧٤].\n٣٩٩٩ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا نُصِيبُ فِي مَغَازِينَا الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ فَنَأْكُلُهُ وَلَا نَرْفَعُهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣١٥٤].\n٤٠٠٠ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: أَصَبْتُ جِرَابًا مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَالْتَزَمْتُهُ،\nــ\nوحشمه، كذا في (القاموس) (١)، و(الكركرة) بفتح الكاف الأولى وكسرها والثانية مكسورة فيهما، كذا نقل الطيبي (٢)، وفي (مجمع البحار) (٣) نقلا عن الكرماني: (كركرة) بكسر كافين وسكون راء أولى، وقيل: بفتح كافين، وفي الحواشي: بفتح كافين وكسرهما، قال ابن الأثير في (جامع الأصول) (٤): بكسر الكافين، اسم ذلك الرجل الذي كان يحفظ أمتعة رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (فذهبوا ينظرون) أي: في متاعه كأنهم علموا بقرينة المقام أن ذلك من جهة غلوله، و(العباءة) بالفتح بهمزة بعد الألف وجاء بتركها: الكساء المعروف.\n٣٩٩٩ - [١٥] (ابن عمر) قوله: (ولا نرفعه) أي: إلى رسول اللَّه -ﷺ- لأجل القسمة، أو لا ندخره، واتفقوا على جواز أكل الغزاة طعام الغنيمة قبل القسمة على قدر الحاجة ما داموا في دار الحرب.\n٤٠٠٠ - [١٦] (عبد اللَّه بن مغفّل) قوله: (فالتزمته) أي: عانقته وضممته.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٩٥).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٤٣).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٤٠١).\n(٤) \"جامع الأصول\" (٢٢/ ٧١٩).","vol":"7","page":74},{"text":"فَقُلْتُ: لَا أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتَبَسَّمُ إِلَيَّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٥٣، م: ١٧٧٢]. وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: \"مَا أُعْطِيكُمْ\" فِي \"بَابِ رِزْقِ الْوُلَاة\".\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-975> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٠٠١ - [١٧] عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ فَضَّلَنِي عَلَى الأَنْبِياءِ -أَوْ قَالَ: فَضَّلَ أُمَّتِي عَلَى الأُمَمِ- وَأَحَلَّ لَنَا الْغَنَائِمَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٥٥٣].\n٤٠٠٢ - [١٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمئِذٍ -يَعْنِي يَوْمَ حُنَيْنٍ-: \"مَنْ قَتَلَ كَافِرًا فَلَهُ سَلَبُهُ\"، فَقَتَلَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمَئِذٍ عِشْرِينَ رَجُلًا وَأَخَذَ أَسْلَابَهُمْ. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ٢/ ٢٢٩].\nــ\nوقوله: (اليوم) قال الطيبي (١): فيه إشعار بأنه كان مضطرًا إليه في ذلك اليوم بحيث لم يؤثر أصحابه كما هو شأن الأنصار: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]، ولهذا تبسم رسول اللَّه -ﷺ-.\nالفصل الثاني\n٤٠٠١ - [١٧] (أبو أمامة) قوله: (أو قال: فضل أمتي) شك من الراوي في لفظ الحديث، وفي المعنى هو بمعنى الواو؛ إذ فيه فضيلته -ﷺ- وفضيلة أمته.\n٤٠٠٢ - [١٨] (أنس) قوله: (وأخذ أسلابهم) فيه أن السلب للقاتل وإن كثر المقتول، وليس للغانمين النزاع فيه.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٤٣).","vol":"7","page":75},{"text":"٤٠٠٣ - [١٩] وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَضَى فِي السَّلَبِ لِلْقَاتِلِ. وَلَمْ يُخَمِّسِ السَّلَبَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧٢١].\n٤٠٠٤ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: نفَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ بَدْرٍ سَيْفَ أَبِي جَهْلٍ. وَكَانَ قَتَلَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧٢٢].\n٤٠٠٥ - [٢١] وَعَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ قَالَ: شَهِدْتُ خَيْبَر مَعَ سَادَتِي، فَكَلَّمُوا فِيَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَكَلَّمُوهُ أَنِّي مَمْلُوكٌ، فَأَمَرَنِي فَقُلِّدْتُ سَيْفًا، فَإِذَا أَنَا أَجُرُّهُ فَأَمَرَ لِي بِشَيْءٍ مِنْ خُرْثِيِّ الْمَتَاعِ،\nــ\n٤٠٠٣ - [١٩] (عوف بن مالك) قوله: (ولم يخمس السلب) ذكره تأكيدًا أو تقريرًا لكون السلب للقاتل خاصة.\n٤٠٠٤ - [٢٠] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (وكان قتله) من كلام الراوي، ذكره لبيان أن المعتبر القتل وإن كان جرحه غيره، وقد يجيء في الفصل الثالث من حديث أنس ما تتبين به حقيقة الحال.\n٤٠٠٥ - [٢١] (عمير) قوله: (عمير) بلفظ التصغير و(آبي) بلفظ اسم الفاعل من الإباء. وقوله: (فكلموا فيَّ) أي: في حقي بأن يأخذه للغزو أو للخدمة أو هل يعطى له من الغنيمة شيء أم لا؟ أو كلموا في مدحي شيئًا، وعلى هذا المعنى فسره الطيبي (١) بقوله: أي كلموا في حقي وشأني أولًا بما هو مدح لي، ثم اتبعوه بقولهم: إني مملوك.\nوقوله: (فأمر لي بشيء من خرثي المتاع) بضم الخاء المعجمة وسكون الراء على\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٤٥).","vol":"7","page":76},{"text":"وَعَرَضْتُ عَلَيْهِ رُقْيةً كُنْتُ أَرْقِي بِهَا الْمَجَانِينَ، فَأَمَرَنِي بِطَرْحِ بَعْضِهَا وَحَبْسِ بَعْضِهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ إِلَّا أَنَّ رِوَايَتَهُ انْتَهَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ: \"الْمَتَاعِ\". [ت: ١٥٥٧، د: ٢٧٣٠].\n٤٠٠٦ - [٢٢] وَعَنْ مُجَمَّعِ بْنِ جَارِيَةَ قَالَ: قُسِمَتْ خَيْبَرُ عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، وَكَانَ الْجَيْشُ أَلْفًا وَخَمْسَ مِئَةٍ، فِيهِمْ ثَلَاثُ مِئَةِ فَارِسٍ، فَأَعْطَى الْفَارِسَ سَهْمَيْنِ وَالرَّاجِلَ سَهْمًا، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَصَحُّ،\nــ\nلفظ النسبة: أثاث البيت أو أردأ المتاع والغنائم، والخرثاء بالكسر: نملة فيه حمرة، والمقصود أنه أعطاني شيئًا قليلًا حقيرًا.\nوقوله: (بطرح بعضها وحبس بعضها) أي: كان بعضها حسنًا وبعضها كلمات قبيحة، فأمرني أن أترك القبيح وأقرأ ما عداه، وهذا هو الضابط في الرقى، ويأتي الكلام فيه في (باب الرقى).\n٤٠٠٦ - [٢٢] (مجمّع بن جارية) قوله: (وعن مجمع) بضم الميم وفتح الجيم وكسر الميم المشددة آخره عين مهملة، وفي (المغني) (١): وفتحها، (ابن جاربة) بالجيم والياء التحتانية.\nوقوله: (فأعطى الفارس سهمين) بهذا الحديث تمسك من جعل للفارس سهمين كأبي حنيفة ﵀؛ لأنه أعطى لكل مئة من الفوارس سهمين، فبقي اثنا عشر سهمًا، فيكون لكل مئة من الرجالة سهم، وأما على قول من قال: للفارس ثلاثة أسهم فغير مستقيم؛ لأن سهام الفرسان تسعة وسهام الرجالة اثنا عشر فالمجموع أحد وعشرون،\n_________\n(١) \"المغني\" (ص: ٢٤٣).","vol":"7","page":77},{"text":"فَالْعَمَلُ عَلَيْهِ وَأَتَى الْوَهْمُ فِي حَدِيثِ مُجَمِّعٍ أَنَّهُ قَالَ: ثَلَاثُ مِئَةِ فَارِسٍ، وَإنَّمَا كَانُوا مِئَتَيْ فَارِسٍ. [د: ٢٧٣٦].\n٤٠٠٧ - [٢٣] وَعَنْ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ الفِهْريِّ قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- نَفَّلَ الرُّبْعَ فِي البَدأَةِ، وَالثُّلُثَ فِي الرَّجْعَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧٥٠].\nــ\nوحديث ابن عمر الذي ذكر في (الفصل الأول) يدل على أنه جعل للفارس ثلاثة أسهم، وقد روي عن ابن عمر مثل حديث مجمع، لكنهم يقولون: إن حديثه المذكور أقوى وأثبت، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فالعمل عليه) أي: عند الجمهور حتى أصحاب أبي حنيفة ﵀ أيضًا.\nوقوله: (وإنما كانوا مئثي فارس) قد اختلفت الروايات في أهل الحديبية وفوارسها، فقد جاء أنهم كانوا ألفًا وأربعمئة، منهم مئتا فارس، وعلى هذا يصح الحساب على أن أعطى للفارس ثلاثة أسهم، لأنه يكون نصيب الفرسان ستة، وبقي اثنا عشر فأعطى للرجالة، ولا يصح على تقدير كونهم ألفًا وخمس مئة لأنه يصير المجموع تسعة عشر لا ثمانية عشر، وقيل في تأويله: إنه كان هناك مئة عبد ولم يقسم لهم سهم إذ لا سهم للعبد بل يعطى رضخًا، وقد مر تقرير مذهب أبي حنيفة ﵀ أنه يعطى للفارس سهمان في الفصل الأول من حديث ابن عمر، فتدبر.\n٤٠٠٧ - [٢٣] (حبيب بن مسلمة) قوله: (وعن حبيب) بلفظ فعيل من المحبة، (ابن مسلمة) بفتح الميم واللام، (الفهري) بكسر الفاء وسكون الهاء. وقوله: (نفل الربع) (١) قد عرفت أن التنفيل تخصيص الإمام بعض الجيش بزيادة في الغنيمة على\n_________\n(١) في \"التقرير\": لما فيه من النشاط دون الرجعة، قلت: الأولى أن يجعل البداءة على مقدمة =","vol":"7","page":78},{"text":"٤٠٠٨ - [٢٤] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُنَفِّلُ الرُّبُعَ بَعْدَ الْخُمُسِ وَالثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ إِذَا قَفَلَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧٤٩].\n٤٠٠٩ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي الْجُوَيْرِيَّةِ الْجَرْمِيِّ قَالَ: أَصَبْتُ بِأَرْضِ الرُّومِ جَرَّةً حَمْرَاءَ فِيهَا دَنَانِيرُ فِي إِمْرَةِ مُعَاوِيَةَ، وَعَلَيْنَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ،\nــ\nمزيد مشقتهم وسعيهم في القتال، فكان -ﷺ- ينفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة، وفسروا البدأة بابتداء الغزو، أي: إذا نهضت طائفة من العسكر في ابتداء الغزو، فوقعت بطائفة من العدو كان لهم الربع مما غنموا، وشركهم بسائر العسكر في ثلاثة أرباعه، والرجعة بأنه إذا قفلوا ورجعوا ثم رجعت طائفة منهم، فوقعوا على العدو مرة ثانية، كان لهم الثلث في الرجعة مما غنموا لزيادة مشقتهم وخطرهم.\n٤٠٠٨ - [٢٤] (وعنه) قوله: (كان ينفل الربع) أي: في البدأة كما صرح في الحديث، ودل عليه قوله: (إذا قفل) أي: رجع، وهذا الحديث كالذي قبله غير أنه لم يبين في الذي قبله أن إعطاءه ذلك كان قبل إخراج الخمس أو بعده، وبين هنا أنه كان يخرج أولًا الخمس من الغنم، ويصرفه إلى أهله، ثم يعطي الربع أو الثلث مما بقي لأهل البدأة والرجعة ثم يقسم.\n٤٠٠٩ - [٢٥] (أبو الجويرية) قوله: (وعن أبي الجويرية) بضم الجيم وفتح الواو، و(الجرمي) بفتح الجيم وسكون الراء.\nوقوله: (جرة) بفتح الجيم وتشديد الراء: معروف، الإناء من الخزف، وقد مرّ ذكرها في (كتاب الطهارة) في حديث: (إذا بلغ الماء قلتين). و(الإمرة): بكسر الهمزة\n_________\n= الجيش فالربع لما أنهم يطمئنون بأن جيش الإمام سيلحقهم، فتأمل.","vol":"7","page":79},{"text":"يُقَالُ لَهُ: مَعْنُ بْنُ يَزِيدَ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَسَمَهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَعْطَانِي مِنْهَا مِثْلَ مَا أَعْطَى رَجُلًا مِنْهُمْ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا نَفَلَ إِلَّا بَعْدَ الْخُمُسِ\" لأَعْطَيْتُكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧٥٣].\n٤٠١٠ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَدِمْنَا فَوَافَقْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ، فَأَسْهَمَ لَنَا -أَوْ قَالَ: فَأَعْطَانَا مِنْهَا-، وَمَا قَسَمَ لِأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ، إِلَّا أَصْحَابَ سَفِينَتِنَا جَعْفَرًا وَأَصْحَابَهُ، أَسْهَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧٢٥].\nــ\nوسكون الميم بمعنى الإمارة. و(معن) بفتح الميم.\nوقوله: (لا نفل إلا بعد الخمس) وهنا ليس الخمس؛ لأن هذا المال لم يكن غنيمة أخذت عنوة بل فيئًا، وليس فيه الخمس فلا نفل، والنفل أيضًا إنما يكون في القتال، فافهم.\n٤٠١٠ - [٢٦] (أبو موسى) قوله: (قدمنا) أي: من اليمن، فوصلنا في غزوة خيبر، وحقيقة الحال أنه كان -﵁- قدم مكة فأسلم، وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم قدم رسول اللَّه -ﷺ- بخيبر، وتفصيله في كتب السير.\nوقوله: (إلا لمن شهد معه) استثناء منقطع يؤكد ما قبله.\nوقوله: (إلا أصحاب سفينتنا) استثناء متصل، وإنما سماهم أصحاب السفينة، لأنهم هاجروا إلى حبشة حين كان النبي -ﷺ- بمكة، وبين مكة والمدينة وبين الحبشة بحر فيركب على السفينة، قيل: إنما أسهم لهم لأنهم وردوا قبل حيازة الغنيمة وإن كان بعد القتال، وهذا تأويل من ذهب إلى أن من حضر قبل حيازة الغنيمة شارك الغانمين، ومن لم يقل بذلك قال: إنما أسهم لهم برضاء الغانمين، وقيل: إنما أعطاهم من الخمس","vol":"7","page":80},{"text":"٤٠١١ - [٢٧] وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ خَالِدٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- تُوُفِّيَ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ\" فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النَّاسِ لِذَلِكَ فَقَالَ: \"إِنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ\" فَفتَّشْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا خَرَزًا مِنْ خَرَزِ يَهُودَ لَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ. رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ط: ٢/ ٤٥٨، د: ٢٧١٠، ن: ١٩٥٩].\n٤٠١٢ - [٢٨] وَعَنْ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَصَابَ غَنِيمَةً، أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ، فَيجِيئُونَ بِغَنَائِمِهِمْ فَيُخَمِّسُهُ وَيُقَسِّمُهُ، فَجَاءَ رَجُل يَوْمًا بَعْدَ ذَلِكَ بِزِمَامٍ مِنْ شَعرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا فِيمَا كُنَّا أَصَبْنَاهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ، قَالَ: \"أَسَمِعْتَ بِلَالًا نادَى ثَلَاثًا؟ \" قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَجِيءَ بِهِ؟ \" فَاعْتَذَرَ. . . . .\nــ\nالذي هو حقه، لكن ظاهر الحديث يدل على أنه أعطاهم من نفس الغنيمة لأن السهم إنما يستعمل في ذلك.\n٤٠١١ - [٢٧] (يزيد بن خالد) قوله: (وعن يزيد بن خالد) قيل: صوابه زيد ابن خالد لأنه ليس في الصحابة يزيد بن خالد، وقد ذكر في (جامع الأصول) (١) زيد بن خالد وأحواله.\nوقوله: (خرزًا من خرز يهود) في (القاموس) (٢): الخرزة محركة: الجواهر وما ينتظم، وخرزات الملك: جواهر تاجه.\n٤٠١٢ - [٢٨] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (فاعتذر) أي: في التأخير.\n_________\n(١) انظر: \"جامع الأصول\" (١٢/ ٤١٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٧٣).","vol":"7","page":81},{"text":"قَالَ (١): \"كُنْ أَنْتَ تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَلَنْ أَقْبَلَهُ عَنْكَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧١٢].\n٤٠١٣ - [٢٩] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ حَرَّقُوا مَتَاعَ الْغَالِّ وَضَرَبُوهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧١٥].\n٤٠١٤ - [٣٠] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ يَكْتُمُ غَالًّا فَإِنَّهُ مِثْلُهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧١٦].\n٤٠١٥ - [٣١] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَن شِرَى الْمَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ. . . . .\nــ\nوقوله: (كن أنت تجيء به يوم القيامة فلن أقبله عنك) فيه تغليظ وتشديد في تأخيره ومجيئه بعد تفرق الغانمين، وتعسر إيصاله إليهم كلهم، وإن تاب ورد المظلمة أو استحل منهم سقط إثمه.\n٤٠١٣ - [٢٩] (عمرو بن شعيب) قوله: (حرقوا متاع الغال وضربوه) ذهب بعض أهل العلم -ومنهم أحمد- إلى تحريق متاع الغال تمسكًا بظاهر الحديث إلا أن يكون حيوانًا أو مصحفًا ولا ما غلّ، لأنه حق الغانمين، وقال الآخرون: هذا ورد على سبيل التغليظ، وإليه ذهب الأئمة الثلاثة.\n٤٠١٤ - [٣٠] (سمرة بن جندب) قوله: (من يكتم غالًا) أي: يستره ولا يظهره عند الأمير، والمقصد كتمان غلوله.\n٤٠١٥ - [٣١] (أبو سعيد) قوله: (نهى عن شرى المغانم) إما لعدم الملك أو\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".","vol":"7","page":82},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٥٦٣].\n٤٠١٦ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: أَنَّهُ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّهَامُ حَتَّى تُقْسَمَ. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ٢/ ٢٢٦].\n٤٠١٧ - [٣٣] وَعَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ هَذِهِ الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَصَابَهُ بِحَقِّهِ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَرُبَّ مُتَخَوِّضٍ فِيمَا شَاءَتْ بِهِ نَفْسُهُ مِنْ مَالِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ لَيْسَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا النَّارُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٧٤].\nــ\nلجهالة حق من يبيع من الغانمين.\n٤٠١٦ - [٣٢] (أبو أمامة) قوله: (نهى أن تباع السهم) ورد النهي في الحديث السابق عن الشرى، وفي هذا الحديث عن البيع، والمآل واحد.\n٤٠١٧ - [٣٣] (خولة بنت قيس) قوله: (وعن خولة) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو.\nوقوله: (إن هذه المال) أي: الغنيمة، ولذا أنث؛ لأن الحديث ورد فيها، أو أنث لأن المراد الجنس وهو في معنى الأموال.\nوقوله: (خضرة) العرب تسمي الناعم خضرًا أو لشبهه بالخضراوات في سرعة الزوال، والأول أنسب بالمقام.\nوقوله: (حلوة) أي: مشتهاة.\nوقوله: (ورب متخوض) أي: مكلف أو مبالغ في الخوض، وهو المشي في الماء والدخول فيه، استعمل في التصرف والتلبس.","vol":"7","page":83},{"text":"٤٠١٨ - [٣٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- تَنَفَّلَ سَيْفَهُ ذَا الفَقَارِ يَوْمَ بَدْرٍ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ: وَهُوَ الَّذِي رَأَى فِيهِ الرُّؤْيَا يَوْمَ أُحُدٍ. [جه: ٢٨٠٨، ت: ١٥٦١].\n٤٠١٩ - [٣٥] وَعَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَرْكَبْ دابَّةً مِنْ فَيءِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى إِذَا أَعْجَفَهَا رَدَّهَا فِيهِ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَلْبَسْ ثَوْبًا مِنْ فَيْءِ الْمُسلمين حَتَّى إِذَا أَخْلَقَهُ رَدَّهُ فِيهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢١٥٩].\nــ\n٤٠١٨ - [٣٤] (ابن عباس) قوله: (تنفل سيفه) أي: اصطفاه لنفسه وكان لمنبه ابن الحجاج، وإنما سمي ذا الفقار لأنه كان في ظهره خرزات تشبه خرزات الظهر بالفتح، والعامة يكسرون، كذا نقل الطيبي (١)، وفي (القاموس) (٢): ذو الفقار بالفتح: سيف العاص بن مُنَبِّه قتل يوم بدر كافرًا، فصار إلى النبي -ﷺ-، ثم صار إلى علي -﵁-، وسيف مفقر كمعظّم: فيه حُزُورٌ مطمئنة عن متنه.\nوقوله: (وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد) رأى أنه هز ذا الفقار فانقطع من وسطه وانكسر، ثم هزه مرة أخرى فعاد أحسن مما كان، وقيل: رأى أن في أذنابه ثلمًا، فأوّله بالهزيمة.\n٤٠١٩ - [٣٥] (رويفع بن ثابت) قوله: (أعجفها) أي: أضعفها، وفيه إشارة إلى أن الركوب إذا لم يؤد إلى العجف لا بأس به، أو قال ذلك باعتبار العادة، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٥٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٢٦).","vol":"7","page":84},{"text":"٤٠٢٠ - [٣٦] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْمُجَالِدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: قُلْتُ: هَلْ كُنتُمْ تُخَمِّسُونَ الطَّعَامَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَكَانَ (١) الرَّجُلُ يجِيءُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧٠٤].\n٤٠٢١ - [٣٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ جَيْشًا غَنِمُوا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- طَعَامًا وَعَسَلًا، فَلَمْ يُؤخذْ مِنْهُم الْخُمُسُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧٠١].\n٤٠٢٢ - [٣٨] وَعَنِ الْقَاسِم مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: كُنَّا نَأْكُلُ الْجَزُورَ فِي الغَزْوِ وَلَا نُقَسِّمُهُ، حَتَّى إِذَا كُنَّا لَنَرْجِعُ إِلَى رِحَالِنَا وأخْرِجَتُنا مِنْهُ مَمْلُوءَةٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧٠٦].\nــ\n٤٠٢٠ - [٣٦] (محمد بن أبي المجالد) قوله: (فيأخذ منه مقدار ما يكفيه) أراد عدم التخميس، ولكن ينبغي أن لا يأخذ الزيادة على ما يكفيه.\n٤٠٢١ - [٣٧] (ابن عمر) قوله: (فلم يؤخذ منهم الخمس) اكتفى بذكر عدم التخميس، وأما عدم الأخذ زيادة على مقدار الكفاية فظاهر.\n٤٠٢٢ - [٣٨] (القاسم) قوله: (وأخرجتنا) بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وكسر الراء وفتح الجيم: جمع الخرج بضم الخاء وسكون الراء من الأوعية، وقياسه خرجة بكسر الخاء وفتح الراء، في (الصراح) (٢): خرج بالضم: باردان، ومنه بالفارسية خرجينه، وخرجة بالكسر وفتحتين: جماعة مثل حجز وحجزة.\n_________\n(١) في نسخة: \"وكان\".\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٨٢).","vol":"7","page":85},{"text":"٤٠٢٣ - [٣٩] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ: \"أَدُّوا الْخِيَاطَ وَالْمِخْيَطَ، وَإِيَّكُمْ وَالْغُلُولَ، فَإِنَّهُ عَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢/ ٢٣٠].\n٤٠٢٤ - [٤٠] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ. [ن: ٣٦٨٨].\n٤٠٢٥ - [٤١] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: دَنَا النَّبِيُّ -ﷺ- مِنْ بَعِيرٍ فَأَخَذَ وَبَرَةً مِنْ سَنَامِهِ ثُمَّ قَالَ: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ لَيْسَ لِي مِنْ هَذَا الْفَيْءِ شَيْءٌ. . . . .\nــ\n٤٠٢٣ - [٣٩] (عبادة بن الصامت) قوله: (الخياط والمخيط) (الخياط) بالكسر، و(المخيط) بكسر الميم وسكون الخاء: ما خيط به الثوب، وفي (الصراح) (١): مخيط: سوزن خياط مثله، مثل قوله تعالى: ﴿فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠] ويجيئان بمعنى الإبرة، وهي مسلة الحديد، فيحمل أحدهما على هذا المعنى، فلا تكرار، وما كتب في (الحواشي) من أن الخياط جمع خيط بمعى رشته فخطأ، وإنما جمع الخيط الخيوط والأخياط والخيوطة، كما ذكر في (الصحاح) (٢) و(القاموس) (٣). والعار والعوار بالضم: العيب.\n٤٠٢٤، ٤٠٢٥ - [٤٠، ٤١] (عمرو بن شعيب) قوله: (وبرة) واحد الوبر وهو صوف الإبل، والسنام بفتح السين.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٢٩٠).\n(٢) \"الصحاح\" (٣/ ١١٢٥).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤١٦).","vol":"7","page":86},{"text":"وَلَا هَذَا -وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ- إِلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُس مَرْدُودٌ (١) عَلَيْكُمْ، فَأَدُّوا الْخِيَاطَ وَالْمِخْيَطَ\" فَقَامَ رَجُلٌ فِي يَدِهِ كُبَّةٌ مِنْ شَعَرٍ فَقَالَ: أَخَذْتُ هَذِهِ لأُصْلِحَ بِهَا بَرْدَعَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"أَمَّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ فَهُوَ لَكَ\". فَقَالَ: أمّا إِذا بَلَغَتْ مَا أَرَى فَلَا أَرَبَ لِي فِيهَا ونبَذَهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٦٩٤].\n٤٠٢٦ - [٤٢] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى بَعِيرٍ مِنَ الْمَغْنَم، فَلَمَّا سَلَّمَ أَخَذَ وَبَرَةً مِنْ جَنْبِ الْبَعِيرِ ثُمَّ قَالَ: \"وَلَا يَحِلُّ لِي مِنْ غَنَائِمِكُمْ مِثْلُ هَذَا إِلَّا الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ\". . . . .\nــ\nوقوله: (ولا هذا) يشير إلى ما أخذ وهو الوبرة، زاده تأكيدًا، والكبة بالضم والتشديد: الغزل، أي: قطعة من غزل شعر، و(البردعة) بفتح الموحدة وسكون الراء والدال المهملة: الحلس يُلقى تحت الرحل، وقد تُنْقَطُ داله، كذا في (القاموس) (٢)، وفي (الصراح) (٣): بردعة: كليم كه زير بالان نهند، ولم يذكر إعجام الدال.\nوقوله: (فهو لك) أي: حل لك أو أحللناه لك، يعني: وأما ما كان للغانمين فاستحلال منهم لأمتي.\nوقوله: (أما إذا بلغت) أي: هذه الكبة أو القضية ما أرى من التبعة والمضايقة، (فلا أرب) بفتحتين، أي: لا حاجة.\n٤٠٢٦ - [٤٢] (عمرو بن عبسة) قوله: (إلى بعير) أي: جعلها سترة في صلاته.\n_________\n(١) في \"التقرير\": أي: بعد ضرورتي، والرد باعتبار تهيئة أسباب الجهاد من الأسلحة وغيرها.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٤٧).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٣٠٥).","vol":"7","page":87},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧٥٥].\n٤٠٢٧ - [٤٣] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطعِمٍ قَالَ: لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ أَتَيْتُهُ أَنَا وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَؤُلَاءِ إِخْوَانُنَا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، لَا نُنْكِرُ فَضْلَهُمْ لِمَكَانِكَ الَّذِي وَضَعكَ اللَّهُ مِنْهُمْ، أَرَأَيْتَ إِخْوَاننًا مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ أَعْطَيْتَهُمْ وَتَرَكْتَنَا، وَإِنَّمَا قَرَابَتُنَا وَقَرَابَتُهُمْ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّمَا (١) بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ هَكَذَا\"، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ نَحْوُهُ وَفِيهِ: \"إِنَّا وَبَنُو الْمُطَّلِبِ لَا نَفْتَرِقُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ\" وَإِنَّمَا نَحْنُ وَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ\"،\nــ\n٤٠٢٧ - [٤٣] (جبير بن مطعم) قوله: (لمكانك) مقحم، وقيل: كناية عن ذاته الكريمة.\nوقوله: (الذي وضعك) صفة مكان، فالظاهر وصفه بضمير الغائب ولكنه نظر إلى المعنى كما في: أنا الذي سمتني أمي حيدرة، و(من) ابتدائية.\nوقوله: (إخواننا) منصوب على شريطة التفسير، ويجوز في مثل هذا الرفع، بل هو الراجح للسلامة عن الحذف.\nوقوله: (من بني المطلب) بيان لـ: (إخواننا).\nوقوله: (وإنما قرابتنا وقرابتهم واحدة) قد مرّ بيانه في (الفصل الأول).\nوقوله: (وفيه) أي: في روايتهما، وحد الضمير لقوله: (نحوه).\nوقوله: (وأنا وبنو المطلب) كذا في أكثر النسخ (أنا) بلفظ الواحد و(بنو) بالرفع،\n_________\n(١) في نسخة: \"أما\".","vol":"7","page":88},{"text":"وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. [مسند الشافعي: ٢/ ١٢٥، د: ٢٩٨، ن: ٤١٣٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-976> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٠٢٨ - [٤٤] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: إِنِّي لَوَاقِفٌ فِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي، فَإِذَا أَنَا بِغُلَامَيْنِ مِنَ الأَنْصَارِ حَدِيثَةٍ أَسْنَانُهُمَا، فَتَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ بَيْنَ أَضْلَعَ مِنْهُمَا، فَغَمَزَنِي أَحَدُهُمَا، فَقَالَ: أَيْ عَمِّ هَلْ تَعْرِفُ أَبَا جَهْلٍ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَمَا حَاجَتُكَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ أَخِي؟ قَالَ: أُخْبِرْتُ أَنَّهُ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ رَأَيْتُهُ لَا يُفَارِقُ سَوَادِي سَوَادَهُ حَتَّى يَمُوتَ الأَعْجَلُ مِنَّا، فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، قَالَ: وَغَمَزنِي الآخَرُ، فَقَالَ لِي مِثْلَهَا، فَلَمْ أَنْشَبْ أَنْ نَظَرْتُ. . . . .\nــ\nوفي بعض النسخ: (إنا وبني عبد المطلب) بلفظ الجمع و(بني) بالنصب.\nالفصل الثالث\n٤٠٢٨ - [٤٤] (عبد الرحمن بن عوف) قوله: (بين أضلع منهما) أي: بين رجلين أقوى منهما، والضلاعة: القوة، وشدة الأضلاع، ضَلُع ككرم فهو ضليع: شديد غليظ، ورجل ضليع وفرس ضليع: تام الخلق كذا في (القاموس) (١) وإنما تمنى ذلك خوفًا من فرار الغلامين، وعدم ثباتهما في الحرب.\nوقوله: (سوادي سواده) أي: شخصي شخصه.\nوقوله: (حتى يموت الأعجل) أي: الأقرب أجلًا.\nوقوله: (فلم أنشب) بفتح الشين، أي: فلم أمكث، وهو في الأصل بمعنى التعليق من الشيء، يقال: نشب الصائد علق الصيد بمخالبه، وبمعنى اللزوم، ونشبه الأمر\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٨٥).","vol":"7","page":89},{"text":"إِلَى أَبِي جَهْلٍ يَجُولُ فِي النَّاسِ، فَقُلْتُ: أَلَا تَرَيَانِ؟ هَذَا صَاحِبُكُمَا الَّذِي تَسأَلَانِي عَنْهُ قَالَ: فَابْتَدَرَاهُ بِسَيْفَيْهِمَا، فَضَرَبَاهُ حَتَّى قَتَلَاهُ، ثُمَّ انْصَرَفَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَخْبَرَاهُ فَقَالَ: \"أَيُّكُمَا قَتَلَهُ؟ \" فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا قَتَلْتُهُ، فَقَالَ: \"هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا؟ \" فَقَالَا: لَا، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى السَّيْفَيْنِ فَقَالَ: \"كِلَاكُمَا قَتَلَهُ\"، وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِسَلَبِهِ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَالرَّجُلَانِ: مُعَاذُ بنُ عَمْرِو بنِ الْجَمُوحِ وَمُعَاذُ بنُ عَفْرَاءَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٩٨٨، ٣١٤١، م: ١٧٥٢].\nــ\nكلزمه زنة ومعنى.\nوقوله: (يجول في الناس) وفي رواية: (يجول على جمل له).\nوقوله: (صاحبكما) بالنصب على البدلية من (هذا)، وبالرفع على الخبر لـ (هذا)، أو لمحذوف أي: هذا صاحبكما.\nوقوله: (كلاكما قتله) الضمير إلى (كلا) يكون مفردًا لا غير، اللهم إلا في كلام بعض المصنفين الذين لا يوثق بعربيتهم.\nوقوله: (لمعاذ بن عمرو بن الجموح) بفتح الجيم، هذا أحد الرجلين اللذين عبر عنهما في أول الحديث بغلامين من الأنصار، والآخر (معاذ بن عفراء) بالعين المهملة على وزن الحمراء كما بينه في الكتاب، وفي (صحيح البخاري): معوذ بن عفراء بكسر الواو المشددة، فكأنه اختلف في اسمه، ويأتي في الحديث الآتي أنه قد ضربه ابنا عفراء حتى برد، وقد يفهم من لفظ الكتاب أن أحدهما ابن عفراء فقيل: هما من أم واحدة وهي عفراء، لكن أبوهما مختلف، فأبو أحدهما عمرو بن الجموح، وأبو الآخر غيره، فنسب أحدهما إلى الأب، والآخر إلى الأم، هكذا في بعض (الحواشي).","vol":"7","page":90},{"text":"٤٠٢٩ - [٤٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ بَدْرٍ: \"مَنْ يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ؟ \" فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ. . . . .\nــ\nوقال الكرماني (١): اسمهما معاذ ومعوذ، وعفراء اسم أمهما واسم أبيهما حارث ابن رفاعة النجاري، وقال القسطلاني (٢): وفي (صحيح مسلم): أن اللذين قتلاه معاذ ابن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء وهو ابن الحارث، وعفراء أمه، وهي ابنة عبيد ابن ثعلبة النجارية، انتهى. وظهر من هذا أن المصنف تسامح في تسمية الحديث متفقًا عليه، واللَّه أعلم.\nثم اعلم أن هاهنا كلامًا من وجهين؛ أحدهما: أنه قد قال رسول اللَّه -ﷺ-: (كلاكما قتله)، فلم خص أحدهما بسلبه وهو معاذ بن عمرو؟ فقيل في تأويله: إن الرجلين اشتركا لكن معاذ بن عمرو هو الذي أثخنه أولًا، ثم شاركه بعد ذلك الآخر، والمستحق للسلب من أثخن العدو، وأخرجه عن كونه ممتنعًا.\nوقوله -ﷺ-: (كلاكما قتله) باعتبار اشتراكهما فيه تطييبًا لقلب الآخر، وثانيهما: أنه قد سبق في (الفصل الثاني) من حديث ابن مسعود أنه قال: نفّلني رسول اللَّه -ﷺ- سيف أبي جهل، وقد ورد فيه أنه -أي ابن مسعود- قتله، فكيف ذلك وأجيب بأن ابن مسعود وجده وبه رمق فجزّ رأسه، فأعطاه شيئًا من سلبه وهو السيف، ونقل عن بعض أصحاب مالك أن الإمام مخير في السلب يفعل فيه ما يشاء، وفي هذا القول نقض عن كلا الإشكالين.\n٤٠٢٩ - [٤٥] (أنس) قوله: (من ينظر لنا) استفهام.\nوقوله: (ما صنع أبو جهل؟) أي: ما حاله؟ وقوله: (وقد ضربه ابنا عفراء) فعلم\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (١٥/ ١٦٠).\n(٢) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٢٤٩).","vol":"7","page":91},{"text":"حَتَّى بَرَدَ قَالَ: فَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، فَقَالَ: أَنْتَ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ: وَهَلْ فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلْتُمُوهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: فَلَوْ غَيْرُ أَكَّارٍ قَتَلنِي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٩٦٢، م: ٤٠٢٠].\nــ\nأن البخاري ومسلمًا اتفقا على أنهما ابنا عفراء، فقول مسلم: إن الذين قتلاه معاذ بن عمرو ابن الجموح ومعاذ بن عفراء رواية أخرى مخالفة لهذه الرواية، كذا قيل. قال الشيخ: إن الثلاثة اشتركوا في قتله، وكان الإثخان من معاذ بن عمرو بن الجموح، فيحتمل أن معاذ ابن عمرو رجل آخر غير ابني عفراء شاركهما في قتله، وهو وقع في رواية من مسلم، وهو الذي أثخن وأعطي السلب، واللَّه أعلم.\nوقوله: (حتى برد) أي: مات، أي: أشرف على الموت.\nوقوله: (فأخذ بلحيته) وفي رواية أخرى: (فبرك) بالباء الموحدة من برك الإبل، أي: قعد على صدره. وقوله: (أنت أبو جهل؟) وفي رواية: (أنت أبا جهل) بالألف بدل الواو، وقال القسطلاني (١): هو لغة من يثبت الألف في الأسماء الستة في كل حال، كقوله: إن أباها وأبا أباها، أو النصب على النداء، أي: أنت مصروع يا أبا جهل، وهذا هو المعتمد، انتهى.\nوقوله: (وهل فوق رجل) أي: هل أنت، وفي (صحيح البخاري): (أو رجل قتله قومه) بالشك.\nوقوله: (فلو غير أكار قتلني) الأكار: الزراع أراد ابني عفراء اللذين قتلاه، وهما من الأنصار وهم أصحاب زرع ونخيل، و(لو) للتمني أو للشرط، والجواب محذوف، أي: كان أحب إليّ.\n_________\n(١) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٢٤٩).","vol":"7","page":92},{"text":"٤٠٣٠ - [٤٦] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْهُم رَجُلًا وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُمْتُ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ وَاللَّهِ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أوْ مُسْلِمًا\" ذَكَرَ سَعْدٌ ثَلَاثًا وَأَجَابَهُ (١) بِمِثْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: \"إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَنَرَى: أَنَّ الإِسْلَامَ الْكَلِمَةُ، وَالإِيمَانُ الْعَمَلُ الصَّالحُ. [خ: ٢٧، م: ١٥٠].\nــ\n٤٠٣٠ - [٤٦] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (إني لأراه) أي: أظنه.\nوقوله: (أو مسلمًا) بسكون الواو بمعنى بل للإضراب عن قول سعد، قالوا: ليس الإضراب بمعنى إنكار كون الرجل مؤمنًا، بل معناه النهي عن القطع بالإيمان؛ لأن الباطن لا يطلع عليه إلا اللَّه، فالأولى التعبير بالإسلام الظاهر.\nوقوله: (إني لأعطي الرجل وغيره أحب إليّ) أشار رسول اللَّه -ﷺ- إلى أن العطاء لا يلزم أن يكون على حسب الفضائل الدينية، بل قد يعطى الضعيف الإيمان تأليفًا لقلبه لئلا يسخط ويقع في الكفر، وهنا كذلك فلا تبالغ في السؤال عن إعطائه مستندًا بكونه مؤمنًا كامل الإيمان مع أنه مما لا يقطع بوجوده، فافهم.\nوقوله: (أن يكب) بلفظ المجهول من كب، أي: يكبه اللَّه تعالى.\nوقوله: (الإسلام الكلمة، والإيمان العمل الصالح) الظاهر أن يقال: الإسلام العمل والانقياد، والإيمان التصديق، لكن لما كان التلفظ بكلمة الإسلام والإقرار كافيًا في الحكم بالإسلام الظاهر، والأعمال الصالحة تكون دليلًا على التصديق القلبي\n_________\n(١) في نسخة: \"فأجابه\".","vol":"7","page":93},{"text":"٤٠٣١ - [٤٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَامَ -يَعْنِي يَوْمَ بَدْرٍ- فَقَالَ: \"إِنَّ عُثْمَانَ انْطَلَقَ فِي حَاجَةِ اللَّهِ وَحَاجَةِ رَسُولِهِ وَإِنِّي أُبَايعُ لَهُ\" فَضَرَبَ لَهُ رسولُ اللَّهِ بِسَهْمٍ وَلَمْ يَضْرِبْ بِشَيْءٍ لِأَحَدٍ غَابَ غَيْرُهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧٢٦].\n٤٠٣٢ - [٤٨] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَجْعَلُ فِي قَسْمِ الْمَغَانِمِ عَشْرًا مِنَ الشَّاءِ بِبَعِيْرٍ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٤٣٩١].\n٤٠٣٣ - [٤٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (١): \"غَزَا نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ: . . . . . .\nــ\nوكماله اكتفى في معنى الإسلام بالكلمة، وفسر الإيمان بالعمل الصالح، فافهم.\n٤٠٣١ - [٤٧] (ابن عمر) قوله: (في حاجة اللَّه) أي: دينه، وهي توطئة لذكر حاجة رسوله، وكان تخلف عثمان -﵁- لتمريض رقية بنت رسول اللَّه -ﷺ- وكانت تحته.\nوقوله: (وإني أبايع له) أي: لأجله، فضرب -ﷺ- بيمينه على شماله وقال: هذه يد عثمان، (فضرب له بسهم) أي: أسهمه.\nوقوله: (غيره) (٢) بالرفع والنصب على ما هو إعراب المستثنى في الكلام الغير الموجب المذكور فيه المستثنى منه.\n٤٠٣٢ - [٤٨] (رافع بن خديج) قوله: (ابن خديج) على وزن كريم، (وقسم) بفتح القاف، والباء في قوله: (ببعير) للمقابلة.\n٤٠٣٣ - [٤٩] (أبو هريرة) قوله: (غزا نبي) أي: أراد الغزو، ويكون الفاء في قوله: (فقال) لتفصيل المجمل، والنبي هو يوشع بن نون.\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) وفي نسخة بالجرّ على البدلية أو الوصفية. \"مرقاة المفاتيح\" (٦/ ٢٦٠١).","vol":"7","page":94},{"text":"لَا يَتَّبِعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا، وَلَا أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا، وَلَا رَجُلٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلَادَهَا، فَغَزَا فَدَنًا مِنَ الْقَرْيَةِ. . . . .\nــ\nوقوله: (لا يتبعني) بلفظ أمر الغائب من الاتباع.\nوقوله: (ملك بضع امرأة) بضم الباء، أي: فرجها، أي: نكح امرأة، ولم يدخل عليها ويريد أن يدخل.\nوقوله: (أن يبني بها) (١) قال في (الصحاح) (٢): يقال: بنى على أهله، والعامة تقول: بنى بأهله وهو خطأ، وكان الأصل فيه أن الداخل بأهله كان يضرب عليها قبة ليلة دخوله بها، قيل لكل داخل بأهله: بانٍ على أهله، انتهى. وتخطئة بنى بأهله خطأ لهذا الحديث، فتدبر.\nوقوله: (ولَمّا) بالتشديد: الحرف الجازم للمضارع، و(الخلفات) جمع خلفة بفتح المعجمة وكسر اللام: الحامل من النوق، و(ولادها) بكسر الواو والضمير فيه للغنم والخلفات، أو حذف من أحدهما اكتفاء، وإنما نهى عن اتباع هؤلاء لأن تعلق النفس يوهن العزيمة، فينبغي أن لا تفوض الأمور المهمة إلا لمن فرغ باله خصوصًا الغزو الذي من شأنه أن يفرغ فيه البال بالتمام والكمال.\nوقوله: (فغزا) أي: ذهب للغزاء واستعدّ له.\nوقوله: (فدنا) وفي (مسلم): (فأدنى)، فقيل: هو من الإدناء متعد دنى، أي: أدنى جيوشه وقربهم، وقال في (الصحاح) (٣): أدنت الناقة: إذا كان نتاجها، فالمراد\n_________\n(١) وقوله: \"أن يبني -إلى- فتدبر\" سقطت هذه العبارة من نسخة: (ع)، و(ر)، و(ب).\n(٢) \"الصحاح\" (٦/ ٢٢٨٦).\n(٣) \"الصحاح\" (٦/ ٢٣٤١).","vol":"7","page":95},{"text":"صَلَاةَ الْعَصْرِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ: إِنَّكِ مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا، فَحُبِسَتْ حَتَّى فتحَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْغَنَائِمَ. . . . .\nــ\nكان فتحها، كذا في (مشارق الأنوار) (١).\nوقوله: (صلاة العصر) ظرف لـ (دنا) أي: وقت صلاة العصر.\nوقوله: (إنك مأمورة وأنا مأمور) كأنه خاف الليل فيفتر أمر الدين.\nوقوله: (فحبست) قال في (المواهب اللدنية) (٢): ورد في الحديث الصحيح: (لم تحبس الشمس على أحد إلا ليوشع بن نون) يعني حين قاتل الجبارين يوم الجمعة، فلما أدبرت الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم ويدخل السبت، فلا يحل له قتالهم فيه، وهذا يدل على أنه من خصائص يوشع وليس كذلك؛ لأنه قد ردت الشمس له -ﷺ-، ويحتمل الجمع بأن المعنى لم تحبس على أحد من الأنبياء غيري إلا يوشع، انتهى.\nويحتمل أن يكون هذا القول قبل أن ترد الشمس له -ﷺ-؛ لما ورد أنها قد ردت له -ﷺ- مرات:\nأحدها: ما روى يونس بن بكير في زيادة (المغازي)، في روايته عن ابن إسحاق كما ذكره القاضي في (الشفاء) (٣): لما أسري النبي -ﷺ- وأخبر قومه بالرُّفْقَة والعلامة التي في العير، قالوا: متى تجيء؟ قال: يوم الأربعاء، فلما كان ذلك اليوم أشرف قريش ينظرونه، وقد ولى النهار ولم يجئ، فدعا رسول اللَّه -ﷺ- فزيد له في النهار ساعة، وحبست عليه الشمس.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤١٠).\n(٢) \"المواهب اللدنية\" (٢/ ٥٢٨ - ٥٣٠).\n(٣) \"الشفا بتعريف حقوق المصطفى\" (١/ ٥٤٩).","vol":"7","page":96},{"text":"فَجَاءَتْ -يَعْنِي النَّارَ- لِتَأْكُلَهَا فَلَمْ تَطْعَمْهَا فَقَالَ: إِنَّ فِيكُمْ غُلُولًا،\nــ\nوثانيها: ما ذكره القاضي عياض أيضًا في (الإكمال) (١) وعزاه لـ (مشكل الآثار)، ونقله النووي في (شرح مسلم) في (باب حل الغنائم) عن عياض، وكذا الحافظ ابن حجر، ونقله النووي في (باب الأذان) من تخريج أحاديث الرافعي.\nوثالثها: ما روت أسماء بنت عميس: أن النبي -ﷺ- كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي -﵁-، فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: (أصليت يا علي؟) قال: لا، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: (اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس)، قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت، ووقعت على الجبال والأرض، وذلك بالصهباء في خيبر، رواه الطحاوي في (مشكل الحديث) كما حكاه القاضي عياض في \"الشفاء\"، وقال: قال الطحاوي: إن أحمد بن صالح كان يقول: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ هذا الحديث لأنه من علامات النبوة، انتهى.\nوقيل: إن هذا الحديث ليس بصحيح، وذكره ابن الجوزي في (الموضوعات)، وقال الشيخ ابن حجر: قال أحمد: لا أصل له، وتبعه ابن الجوزي فأورده في (الموضوعات)، ولكن قد صححه الطحاوي والقاضي عياض، وأخرجه ابن منده وابن شاهين من حديث أسماء بنت عميس وابن مردويه من حديث أبي هريرة، انتهى.\nرواه الطبراني في (المعجم الكبير) بإسناد حسن كما حكاه شيخ الإسلام ابن العراقي في (شرح التقريب)، كذا في (المواهب اللدنية) وأطال فيه الكلام، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فلم تطعمها فقال: إن فيكم غلولًا) كان في الأمم السالفة أن تجمع الغنائم فتجيء نار من السماء فتحرقها، وكان ذلك علامة لقبولها، وعدم وجود الغلول فيها،\n_________\n(١) انظر: \"إكمال المعلم\" (٦/ ٥٣).","vol":"7","page":97},{"text":"فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ، فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: فِيكُمُ الغُلُولُ فَجَاؤوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنَ الذَّهَبِ فَوَضَعَهَا، فَجَاءَتِ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا\". زَادَ فِي رِوَايَةٍ: \"فَلَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِأَحَدٍ قَبْلَنَا، ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا الْغَنَائِمَ، رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٢٤، م: ١٧٤٧].\n٤٠٣٤ - [٥٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمَ خَيبَرَ أَقْبَلَ نَفَرٌ مِنْ صَحَابَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، وَفُلَانٌ شَهِيدٌ، حَتَّى مَرُّوا عَلَى رَجُلٍ فَقَالُوا: فُلَانٌ شَهِيدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَلَّا إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلَّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ\"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! اذْهَبْ فَنَادِ فِي النَّاسِ: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ ثَلَاثًا\" قَالَ: فَخَرَجْتُ فَنَادَيتُ: أَلَا إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا الْمُؤْمِنُونَ، ثَلَاثًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٤].\n* * *\nــ\nفلما لم تحرقها النار قال نبيهم: إن فيكم غلولًا.\nوقوله: (فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب) وهو المال الذي كان فيها الغلول.\nوقوله: (فوضعها) أي: ذلك الرأس، والتأنيث باعتبار الغنيمة.\n٤٠٣٤ - [٥٠] (ابن عباس) قوله: (كلا إني رأيته في النار) ردع لما فهم من قولهم: (فلان شهيد) أن روحه في الجنة، ونفي الإيمان منه مع أن الكلام في الشهادة دون الإيمان زجرًا وتشديدًا.","vol":"7","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-977>٨ - باب الجزية</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-978> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٠٣٥ - [١] عَنْ بَجالَةَ قَالَ: كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ. . . . .\nــ\n٨ - باب الجزية\nفي (القاموس) (١): الجزية بالكسر: خراج الأرض وما يؤخذ من الذمي، ذكره في الناقص دون المهموز من الجزاء بمعنى المكافأة على الشيء، والجزاء على العمل دون الإجزاء بمعنى الكفاية، وكذا في (النهاية) (٢)، قال: والجزية: معروفة وهي فعلة من الجزاء كأنها جزت عن قتله، ومن أخذ أرضًا بجزيتها، أي: بخراجه الذي يؤدى عنها، كأنه لازم لصاحب الأرض كما تلزم الجزية الذمي، انتهى، وقال الشيخ: سمي به لأنه جزاء لتركهم الميل إلى الإسلام، وذكر (الطيبي) (٣): الجزية ما يؤخذ من أهل الذمة، سمي بها للاجتزاء في حقن دمائهم، فجعله مهموزًا من الإجزاء بمعنى الاكتفاء، والمشهور المذكور في أكثر الكتب هو الأول.\nالفصل الأول\n٤٠٣٥ - [١] (بجالة) قوله: (عن بجالة) بفتح الموحدة والجيم، و(جزء بن معاوية) بفتح الجيم وسكون الزاي آخره همزة وهو الصحيح، كان والي عمر بن الخطاب بالأهواز معدودًا في الصحابة، وصاحب (جامع الأصول) (٤) ذكره في التابعين،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٦٨).\n(٢) \"النهاية\" (١/ ٢٦٥).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٦٢).\n(٤) انظر: \"جامع الأصول\" (١٢/ ٢٦٦).","vol":"7","page":99},{"text":"عَمِّ الأَحْنَفِ فَأَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: أَنْ فَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ مِنَ الْمَجُوسِ، وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-\nــ\nو(الأحنف) هو ابن قيس.\nوقوله: (فرقوا بين كل ذي محرم) المحرم مصدر ميمي، وقد يطلق على الذي يحرم نكاحها، وقد وقع في الحديث (١): (كل مسلم عن مسلم محرم) (٢)، وأيضًا في الحديث: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم منها) (٣)، أمرهم -ﷺ- بمنع المجوس الذمي بنكاح المحارم كالأخت والأم والبنت؛ لأنه شعار مخالف للإسلام فلا يمكنوا من ذلك وإن كان دينهم، وهم يتركونهم على دينهم، ولكن لم يجوز تركهم على مثل هذا الأمر الشنيع في الإسلام.\nوقوله: (ولم يكن عمر أخذ الجزية) قيل: كان ذلك بزعم أنهم ليسوا من أهل الكتاب، وإنما الجزية عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ الآية [التوبة: ٢٩].\nقوله: (حتى شهد عبد الرحمن بن عوف. . . إلخ)، فأخذها عن المجوس عملًا بهذا الخبر، واتفق الجمهور على أخذ الجزية من المجوس، وعندنا يؤخذ من عبدة الأوثان من العجم أيضًا خلافًا للشافعي ذكره في (الهداية) (٤).\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٦٤٣).\n(٢) أي: يحرم عليه أذاه.\n(٣) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (١٨٦٢)، ومسلم في \"صحيحه\" (١٣٣٨)، ومالك في \"موطئه\" (٢/ ٩٧٩).\n(٤) \"الهداية\" (٢/ ٣٩٧).","vol":"7","page":100},{"text":"أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. وَذُكِرَ حَدِيثُ بُرَيْدَةَ: إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ فِي \"بَابِ الْكِتَابِ إِلَى الْكُفَّارِ\". [خ: ٣١٥٦، ٣١٦٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-979> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٠٣٦ - [٢] عَنْ مُعَاذٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَمْرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَاِلمٍ -يَعْنِيُ مُحتَلِمٍ- دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ. . . . .\nــ\nوقوله: (أخذها من مجوس هجر) في (القاموس) (١): (هجر) محركة: بلدة باليمن يذكر مصروف، وقد يؤنث ويمنع، والنسبة: هَجَرِي وهاجِرِي، واسم لجميع أرض البحرين، وكانت قرب المدينة ينسب إليها القلال أو ينسب إلى هجر اليمن، وفي (المغني) (٢): (هجر) بفتحتين: قاعدة أرض البحرين، وفي بعض الحواشي (٣): (هجر) بكسر الهاء وفتحها وفتح الجيم: اسم بلد في اليمن، وقيل: اسم قرية في المدينة.\nالفصل الثاني\n٤٠٣٦ - [٢] (معاذ) قوله: (من كل حالم يعني محتلم) الحلم بالضم والضمتين: النوم مطلقًا ونوم البالغ، وفي (القاموس) (٤): الاحتلام: الجماع في النوم، انتهى، والغالب في اسم الفاعل منه محتلم دون حالم، ولذا فسر الحالم بالمحتلم.\nوقوله: (أو عدله) أي: ما يساويه في القيمة، والعدل بالكسر والفتح: المثل، وقيل: بالفتح ما عدله من جنسه، وبالكسر ما ليس من جنسه، وقيل بالعكس،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٦٠).\n(٢) \"المغني\" (ص: ٢٨٨).\n(٣) \"شرح مصابيح السنة\" (٤/ ٤٥٦).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠١١).","vol":"7","page":101},{"text":"مِنَ الْمَعَافِرِيِّ: ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٠٣٨].\nــ\nو(المعافري) بميم مفتوحة وعين مهملة وكسر فاء: نوع من الثياب، نسبة إلى معافر ابن يعفر، كذا في (المغني) (١)، وفي (القاموس) (٢): المعافر بلد وأبو حي من همدان لا ينصرف، وإلى أحدهما تنسب الثياب، وقد وقع في نسخ (المصابيح): (أو عدله معافر) وهو بحذف المضاف، أي: ثياب معافر، أو غلب على الثياب هذا الاسم، والحديث حجة للشافعي على مذهبه في جعل الغني والفقير سواء لإطلاق الحديث، وعندنا يوضع على الغني في كل سنة ثمانية وأربعون درهمًا، يؤخذ في كل شهر أربعة دراهم، وعلى وسط الحال أربعه وعشرين درهمًا في كل شهر درهمين، وعلى الفقير المعتمل اثنا عشر درهمًا في كل شهر درهم.\nقال في (الهداية) (٣): مذهبنا منقول عن عمر وعثمان وعلي -﵃- ولم ينكر عليهم أحد من المهاجرين والأنصار.\nوقال التُّورِبِشْتِي (٤): وجه الحديث عند من لا يرى ذلك حدًّا محدودًا في الجزية أن يقول: إن ذلك كان إما على سبيل المواضعة والمصالحة، وإما لأن من أمر بما أخذ منهم كانوا فقراء، ولا بد من الذهاب إلى أحد الوجهين، لأن عمر بن الخطاب بعث حذيفة بن اليمان وعثمان بن الأحنف إلى أرض فارس ليضربا الجزية على من دخل في الذمة، وفرّق بين الأغنياء منهم والفقراء، وكان ذلك بمحضر من الصحابة، ونقل مثله عن علي ﵃ أجمعين.\n_________\n(١) \"المغني\" (ص: ٢٧٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤١٢).\n(٣) \"الهداية\" (٢/ ٤٠١).\n(٤) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٢٥).","vol":"7","page":102},{"text":"٤٠٣٧ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَصْلُحُ قِبْلَتَانِ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِم جِزْيَةٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ١/ ٢٢٣، ٢٨٥، ت: ٦٣٣، د: ٣٠٥٣].\nــ\n٤٠٣٧ - [٣] (ابن عباس) قوله: (لا تصلح قبلتان في أرض واحدة) الظاهر المتبادر من هذه العبارة أن يحمل هذا كما ذهب بعض أهل العلم على إجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب؛ لأنهم هم الذين كانوا أهل القبلة ذهابًا إلى قوله -ﷺ-: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب) (١) كذا قيل، قال التُّورِبِشْتِي (٢): ليس لفظ الحديث بمنبئ عما ادعاه؛ لأن قوله: (بأرض واحدة) يقتضي معنى العموم، ثم قال: وأرى الوجه فيه -واللَّه أعلم- أن يقال: معنى قوله: (لا تصلح قبلتان) أي: لا يستقيم دينان بأرض على سبيل المظاهرة والمعادلة، أما المسلم فليس له أن يختار المقام بين ظهراني قوم كفار، وأما الذي يخالف دينه دين الإسلام، فلا يُمكَّن عن الإقامة في دار الإسلام إلا ببدل الجزية، ثم لا يؤذن له في الإشادة بدينه ولا إشاعة شعائره، انتهى.\nوحاصله أنه نهى عن إقامة المسلم في دار الحرب، وحلوله فيهم محل الذي فينا واختيار الذلة والصغار فيهم، ومن ترك الكفار في دار الإسلام من غير جزية مع جريانه على إشادة أحكام الكفر وشعائره، ففي الصورتين يكون دين الإسلام والكفر متعادلين متظاهرين متساويين في القوة، بل ينبغي أن يكون المسلمون على قوتهم وعزتهم، والكافرون على الذلة والهوان، فافهم.\nوقوله: (وليس على المسلم جزية) اختلفوا في معنى هذه العبارة أيضًا، فقيل:\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه (٣٠٥٣)، ومسلم في صحيحه (١٦٣٧).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٢٦).","vol":"7","page":103},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nإن المراد بالجزية هاهنا الخراج الذي وضع على الأراضي التي فتحت صلحًا وتركت في أيدي أهل الذمة، وضرب عليهم الخراج، فإذا أسلموا سقط عنه الخراج عن أراضيهم، وسقطت الجزية عن رؤوسهم حتى يجوز لهم بيعها، بخلاف ما لو صولحوا على أن تكون الأراضي لأهل الإسلام وهم يسكنون بها بخراج وضع عليهم، أو فتح عنوة وضرب عليهم الخراج فإنه لا يسقط بإسلامهم، كذا ذكروا، والأكثرون على أن المراد من أن من أسلم من أهل الذمة قبل أداء ما وجب عليه من الجزية؛ فإنه لا يطالب لأنه مسلم، وليس على المسلم الجزية.\nقال التُّورِبِشْتِي (١): وهذا قول سديد لو صحّ لنا وجه التناسب بين الفصلين يعني بين الكلامين المذكورين، أحدهما: قوله: (لا تصلح قبلتان في أرض واحدة)، والآخر: قوله: (وليس على المسلم جزية)، انتهى.\nولا يخفى أن حال القول الأول أيضًا كذلك، ثم قال: اللهم إلا أن يكون النبي -ﷺ- لم يوصل بينهما على أنهما حديثان اثنان، فأدرج الصحابي أو الراوي عنه أحدهما في الآخر، ومما يدل على ذلك أن أبا داود أخرجه عن ابن عباس ولم يزد قوله: (ليس على المسلم جزية)، انتهى.\nوأقول: على تقدير كون الحديث واحدًا لا يجب أن يكون بين الفصلين تناسب؛ لأنه يمكن أن يكون قد جرى الكلام في حضرته -ﷺ- في المسألتين بأن سأل بعض الصحابة عن أحدهما وبعضهم عن آخر، فأجاب كلا الطائفتين بكلامين، ومثل هذا كثير في الأحاديث، فتدبر.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٢٦).","vol":"7","page":104},{"text":"٤٠٣٨ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكيْدِرِ دُومَةَ فَأَخَذُوهُ، فَأَتَوْا بِهِ فَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ، وَصَالَحَهُ عَلَى الْجزْيَةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٠٣٧].\nــ\nثم اعلم أنه إن حمل هذا الكلام -أعني قوله: (وليس على المسلم جزية) - على ظاهره فوجه التناسب بين الفصلين على المعنى الأول بقوله: لا تصلح قبلتان في أرض واحدة، الذي نقلنا وادعينا أنه الظاهر المتبادر أيضًا غير ظاهر، فيحمل على ما ذكر التُّورِبِشْتِي من جمع الراوي الحديثين في حديث واحد، وأما على المعنى الذي رآه التُّورِبِشْتِي وجهًا، فوجه التناسب أن المسلم إذا اختار استيطان أرض يتولاها الكفار فقد أحل نفسه فيهم منزلة الذمي وتوسم تسمية من ضرب عليه الجزية، فقال: لا ينبغي له ذلك؛ لأن المسلم ليس عليه جزية، فتأمل.\n٤٠٣٨ - [٤] (أنس) قوله: (إلى أكيدر دومة) (أكيدر) بضم الهمزة وفتح الكاف وسكون الياء فدال مهملة مكسورة فراء: اسم ملك، (دومة) بضم الدال وقد يفتح: من بلاد الشام قريب تبوك، كان نصرانيًا، وله قصة ذكرت في أسماء الرجال.\nقوله: (فأخذوه) الضمير المرفوع للصحابة الذين كانوا مع خالد، والمنصوب لأكيدر.\nوقوله: (فأتوا به) أي: عند رسول اللَّه -ﷺ-، وكان رسول اللَّه -ﷺ- قد نهاهم أن يقتلوه، وقال: ابعثوه إليّ فبعثوا به إلى رسول اللَّه -ﷺ- (فحقن له دمه) أي: لم يقتله يقال: حَقَنَ دم فلان: أنقذه من القتل (١)، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه.\n_________\n(١) انظر: \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٩٧).","vol":"7","page":105},{"text":"٤٠٣٩ - [٥] وَعَنْ حَرْبِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ جَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّمَا الْعُشُورُ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٣/ ٤٧٤، د: ٣٠٤٨].\n٤٠٤٠ - [٦] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَمَرُّ بِقَوْمٍ فَلَا هُمْ يُضَيِّفُونَا، وَلَا هُمْ يُؤَدُّونَ مَا لَنَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقِّ، وَلَا نَحْنُ نَأْخُذُ مِنْهُمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنْ أَبَوْا إِلَّا أَنْ تَأْخُذُوا كُرْهًا فَخُذُوا\". . . . .\nــ\n٤٠٣٩ - [٥] (حرب بن عبيد اللَّه) قوله: (إنما العشور على اليهود والنصارى، وليس على المسلمين عشور) جمع عشر، بل عليهم ربع عشر، قالوا: المراد بالعشر هنا: عشر مال التجارة لا عشر الصدقات، إذ على المسلمين عشور الصدقات في غلات أرضهم، قال الخطابي (١): الذي يلزم اليهود والنصارى من العشر هو ما صولحوا عليه وقت العقد وشرط عليهم فيه، فإن لم يصالحوا على شيء لا يلزم إلا الجزية، وبه قال الشافعي، انتهى. وعندنا إن أخذوا العشور منا إذا دخلنا بلادهم للتجارة أخذنا منهم إذا دخلوا بلادنا وإلا فلا.\n٤٠٤٠ - [٦] (عقبة بن عامر) قوله: (إنا نمرّ بقوم) أي: في الغزوات، أي: ولا نجد من الطعام ما نشتري بالثمن ولا يبيعون منا.\nوقوله: (فلا هم يضيفونا) بتخفيف النون وتشديدها، وروي: (فلا يضيفوننا) بالنونين، وقد كانت الضيافة شرطًا إذا اضطروا.\nوقوله: (ولا نحن نأخذ منهم) أي: بالإكراه.\nوقوله: (إن أبوا) أي: عن الإعطاء فخذوه، أي: بالإكراه، وقد مرّ مثل هذا\n_________\n(١) \"معالم السنن\" (٣/ ٤٠).","vol":"7","page":106},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٥٨٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-980> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٠٤١ - [٧] عَنْ أَسْلَمَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَعَلَى أَهْلِ الوَرِقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، مَعَ ذَلِكَ أَرْزَاقُ الْمُسْلِمِينَ وَضِيَافَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ١/ ٢٧٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-981>٩ - باب الصلح</span>\nــ\nفي أوائل الكتاب في (الفصل الثاني) من (باب الاعتصام بالكتاب والسنة) من حديث المقدام بن معدي كرب.\nالفصل الثالث\n٤٠٤١ - [٧] (أسلم) قوله: (مع ذلك) حال، و(أرزاق) فاعل الظرف أو مبتدأ\nوالظرف خبره.\n٩ - باب الصلح\nمن الصلاح، والصلوح ضد الفساد، وفي (القاموس) (١): الصلح بالضم: السلم ويؤنث، وقال في (باب الميم): السِّلم بالكسر: الصلح ويفتح ويؤنث، ولقد صالح رسول اللَّه -ﷺ- كفار مكة عام الحديبية، وكان في سنة ست على وضع الحرب عشر سنين، فلما مضى ثلاث سنين نقضوا عهدهم بإعانتهم بني بكر على حرب خزاعة حلفاء رسول اللَّه -ﷺ-، ومحارب حليف الشخص محارب ذلك الشخص، والقصة مذكورة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٢٣، ١٠٣٣).","vol":"7","page":107},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-982> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٠٤٢ - [١] عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ قَالَا: خَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِئَةً مِنْ أَصْحَابِهِ،\nــ\nفي كتب السير.\nالفصل الأول\n٤٠٤٢ - [١] (المسور بن مخرمة) قوله: (عام الحديبية) قرية قريب مكة على نحو اثني عشر ميلًا أبعد مكان من الحل من الحرم، ولا يعرف الآن، وجهل مكانه بل قد نسيه الصحابة أيضًا كما في (صحيح البخاري) (١)، فحرم الناس عن التعرف به، قيل: سميت ببئر هناك وهي مخففة، وقد تشدد، واشتقاقه من الحدب محركة بمعنى خروج الظهر ودخول الصدر والبطن، وشجرة حدباء كانت هنالك.\nوقوله: (في بضع عشرة مئة) وفي رواية: (أربع عشرة مئة)، وفي أخرى: (خمس عشرة مئة)، واستغربت هذه العبارة إذ الظاهر أن يقال: ألفًا وأربع مئة أو ألفًا وخمس مئة، وقد جاءت الرواية كذلك أيضًا، وفي رواية: (ألفًا وأربع مئة) أو أكثر.\nوقال القسطلاني (٢): إنما قيل: أربع عشرة مئة أو خمس عشرة مئة إشعارًا بأنهم كانوا منقسمين إلى المئات، وكان كل مئة ممتازة عن الأخرى، يعني في التوافق والورود والنزول ونحو ذلك، وبمثل هذا يوفق الاختلاف الوارد في العدد، فلعله -ﷺ- خرج بأربع عشرة مئة، ثم ازدادوا متناوبين، فمن رأى أول الأمر في النزول والورود وجدهم ألفًا وأربع مئة، ثم وردوا بعدهم ولم يرهم وهكذا، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) انظر: \"صحيح البخاري\" (٤١٦٣).\n(٢) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٣٤٦).","vol":"7","page":108},{"text":"فَلَمَّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْيَ، وَأَشْعَرَ، وَأَحْرَمَ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ، وَسَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا، بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ حَلْ خَلأَتِ القَصْواءُ! خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ! فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"مَا خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ،\nــ\nوقوله: (فلما أتى ذا الحليفة. . . إلخ)، موضع قريب من المدينة وهو ميقات أهلها، وعرف في (كتاب الحج) في (باب حجة الوداع).\nوقوله: (حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها) أي: ينزل على أهل مكة من تلك الثنية، وهي الجبل الذي عليه الطريق.\nوقوله: (بركت) أي: قعدت، و(حل حل) بمهملة مفتوحة ولام خفيفة: كلمة زجر للبعير، وحثه على السير، والثانية تأكيد في الزجر، حلحل بالإبل، قال لها: حل حل، وحلحلهم: أزالهم عن مواضعهم وحرّكهم فتحلحلوا.\nوقوله: (خلأت القصواء) اسم ناقته -ﷺ-، وهي في الأصل الناقة المقطوع طرف أذنها، ولم تكن ناقته -ﷺ- مقطوعة الأذن، بل كان في أذنها سمت في أصل الخلقة سميت بها لأجل ذلك، وأقول: قد قال في (القاموس) (١): القصية: الناقة الكريمة النجيبة الْمُبْعَدَةُ عن الاستعمال، فيمكن أن تكون القصواء مأخوذًا بهذا المعنى ولعله لم تجئ القصواء بهذا المعنى، وإنما جاء من القصا بمعنى حذف في طرف أذن الناقة والشاة كما يفهم من عبارة (القاموس)، وخلأت الناقة كمنع بمعنى بركت أو حَرَنت فلم تبرح، وكذلك الجمل، أو خاص بالإناث، وقد يقال: خلأ الرجل: لم يبرح مكانه، كذا في (القاموس) (٢).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢١٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٠).","vol":"7","page":109},{"text":"وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ\" ثُمَّ قَالَ: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا\"، ثُمَّ زَجَرَهَا، فَوَثَبَتْ، فَعَدَلَ عَنْهُمْ، حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيبِيةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الْمَاءِ يَتَبرَّضُهُ النَّاسُ تَبَرُّضًا، فَلَمْ يَلْبَثهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ،\nــ\nوقوله: (ولكن حبسها حابس الفيل) الذي جاء به أبرهة لهدم الكعبة، وهو اللَّه تعالى، و(الخطة) بضم الخاء المعجمة وتشديد الطاء المهملة: الأمر العظيم أريد به المصالحة.\nوقوله: (يعظمون فيها حرمات اللَّه) أي: يحصل به حرمة الحرم.\nوقوله: (فعدل عنهم) أي: مال وتوجه غير جانبهم، والضمير لأهل مكة.\nوقوله: (على ثمد قليل الماء) في (القاموس) (١): الثَّمْدَ ويحرك وككتاب: الماء القليل، لا مادة له، والمراد هنا موضعه ليصح وصفه بقليل الماء إلا أن يجعل الإضافة بيانية.\nوقوله: (يتبرضه الناس) أي: يأخذونه قليلًا قليلًا، والتنوين في (تبرضًا) للتقليل، وفي (القاموس) (٢): البَرَضُ: القليل كالبُراض، وبَرَضَ الماءُ: خرج وهو قليل.\nوقوله: (فلم يلبثه) صحح بضم الياء وألبث ولَبِثَ بمعنى، واللبث: المكث، والفعل كسمع وهو نادر؛ لأن المصدر من فعل بالكسر قياسه بالتحريك إذا لم يتعد، كذا في (القاموس) (٣)، ونزَحَ البئر: استقى ماءها حتى يَنْفَدَ أو يَقِلَّ كأنزحها، والنزح\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٥٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٨٧).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٣٦).","vol":"7","page":110},{"text":"وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْعَطَشُ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ، فَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرِّيِّ حَتَّى صَدَرُوا عَنْهُ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيُّ فِي نفَرٍ منْ خُزَاعَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَسَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ: . . . . .\nــ\nمحركة: الماء الكَدِرُ، والبئر نُزِحَ أكثر مائها، (وشكي) بلفظ المجهول، و(العطش) مرفوع.\nوقوله: (يجيش) بالجيم المعجمة، أي: يغور الماء، في (القاموس) (١): جاش البحر والقِدْرُ وغيرهما يَجيش جيشًا وجُيُوشا وجَيشَانًا: غلى، والعين: فاضت.\nوقوله: (بالري) أي: بكسر الراء وتشديد الياء من روي بالماء واللبن كرضي، وروي وتروى وارتوى بمعنى.\nوقوله: (حتى صدروا عنه) أي: رجعوا، ولم يبق لهم حاجة إلى الماء والماء باقٍ بعد (٢)، و(بديل) بلفظ التصغير، (ابن ورقاء) بفتح الواو وسكون الراء، و(خزاعة) بلا لام: حي من الأزد وسموا بها لأنهم تَخَزَّعوا عن قومهم، أي: تقطعوا وأقاموا بمكة، والخزاعة: القطعة تُقْتَطُع من الشيء، من الخزع بمعنى القطع، والتخلف عن الصحب، كذا في (القاموس) (٣).\nو(عروة بن مسعود) الثقفي، وكل هؤلاء الرجال أسلموا بعد ذلك في أوقات.\nوقوله: (وساق) أي: الراوي (الحديث) أشار إلى أن الحديث طويل، اختصره،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٤٤).\n(٢) \"والماء باق بعد\" ثبت في (ع) و(ك) فقط.\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٥٧).","vol":"7","page":111},{"text":"إِذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"اكْتُبْ: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ\" فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ: مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي، اكْتُبْ: مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ\" فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَعَلَى أَنْ لَا يَأْتِيَكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إِلَّا رَدَدْتَهُ عَلَيْنَا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَضِيَّةِ الْكِتَابِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَصْحَابِهِ: \"قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا\"، ثُمَّ جَاءَ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَات فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ الآيَةَ [الممتحنة: ١٠]. فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَرُدُّوهُنَّ،\nــ\nو(سهيل بن عمرو) كان أحد الأشراف من قريش وخطيبهم ولابنه أبي جندل قصة.\nوقوله: (قاضى) أي: صالح، في (القاموس) (١): القضاء، ويقصر: الحكم. قَضَى عليه يَقْضِي قَضْيًا وقَضَاءً وقَضِيَّةً، وهي الاسم أيضًا، وبهذا المعنى تسمى العمرة التي بعد هذا العام، أي: عمرة أديت بعد المقاضاة والمصالحة عند الشافعي، وعندنا بمعنى القضاء مقابل الأداء، فعندنا المحرم إذا أحصر يحلُّ ويقضي بعد ذلك، عرف ذلك في موضعه بالتفصيل.\nوقوله: (فانحروا ثم احلقوا) وهذا حكم الإحصار، فعند الشافعي ﵀ ينحر وإن لم يبلغ هديه الحرم؛ لأن الحديبية من الحل، ونحن نقول: بعض الحديبية من الحرم.\nوقوله: (فنهاهم اللَّه تعالى أن يردوهن) لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢١٦).","vol":"7","page":112},{"text":"وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَرُدُّوا الصَّدَاقَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَجَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مُسْلِمٌ، فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ، فَدَفَعَهُ إِلَى الرَّجُلَيْنِ فَخَرَجَا بِهِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَةِ نَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرَّجُلَينِ: وَاللَّهِ إِنِّي لأُرَى سَيفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا، أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيهِ، فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَى بَرَدَ، وَفَرَّ الآخَرُ حَتَّى أَتَى الْمَدِينَةَ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ يَعْدُو، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا\" فَقَالَ: . . . . .\nــ\nالْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠].\nوقوله: (وأمرهم أن يردوا الصداق) يعني: إن جاؤوا في طلبهن، وقد سلموا الصداق إليهن وإلا لا تعطوا شيئًا، وذلك لأن صلح الحديبية جرت على أن من جاء منكم رددناه، فلما تعذر عليه رد النساء لورود النهي عنه لزمه رد مهورهن، وروي أنه -ﷺ- كان بعد بالحديبية إذ جاءه سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة، فأقبل زوجها مسافر المخزومي طالبًا لها فنزلت، فاستحلفها رسول اللَّه -ﷺ- فحلفت، فأعطى زوجها ما أنفق وتزوجها عمر لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، كذا في (تفسير البيضاوي) (١)، ومنه يعلم أن الصلح وقع على رد الرجال والنساء جميعًا على رواية: (لا يأتيك منا أحد إلا رددته)، وقيل: الصلح وقع على رد الرجال خاصة، ورواية الكتاب يعضده لقوله: (لا يأتيك منا رجل)، واللَّه أعلم.\nوقوله: (لقد رأى هذا ذعرًا) أي: خوفًا، والذُّعْرُ بضم الذال المعجمة: الخوف، ذُعِرَ كَعُنِيَ، فهو مذعور، وبالفتح: التخويف، كالإذعار، والفعل كجعل، وبالتحريك:\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٤٨٧).","vol":"7","page":113},{"text":"قُتِلَ واللَّهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ، فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"وَيْلُ (١) أُمِّهِ مِسْعَرَ حَوْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ\"، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ قَالَ: . . . . .\nــ\nالدهش، وكصُرَدِ: الأمر المخوفُ، كذا في (القاموس) (٢).\nوقوله: (وإني لمقتول) أي: سأقتل بعده على ما رأيت حال أبي بصير.\nوقوله: (ويل أمه) كلمة تستعمل في موضع التعجب وعدم الرضاء.\nوقوله: (مسعر حرب) فيه استعارة بالكناية، والمسعر (٣) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين، والسعار: ما سعر به، وموقدٌ نَارِ الحرب، والسعير: النار، والسُّعْرُ والسُّعَارُ كغراب بالضم: الحر، وَسَعَرَ النَّارَ والْحَرْبَ، كمنع: أوقدها، كسَعَّرَ وأسْعَرَ.\nوقوله: (لو كان له) أي: لأبي بصير أحد، قال الطيبي (٤): معناه لو فرض له معين وناصر لأثار الفتنة وأفسد الصلح، وقيل: معناه لو كان له أحد يعرفه أنه لا يرجع إليّ حتى لا أرده إليهم، ويمكن أن يكون معناه لو كان له أحد يأخذه ويرده إليهم، قاله تخويفًا وتهديدًا، وإرضاء لهم وإيماء له أن يفر، واللَّه أعلم.\nو(سيف) بالكسر: ساحل البحر، وساحل الوادي، أو يقال: لكل ساحلٍ سِيفٌ، أو إنما يقال ذلك لسِيف عُمان، كذا في (القاموس) (٥).\n_________\n(١) قال القاري (٦/ ٢٦١٨): بالنصب على المصدر، وفي نسخة بالرفع على الابتداء، والخبر محذوف.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٧٠).\n(٣) انظر: \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٨٠).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٧١).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٥٨ - ٧٥٩).","vol":"7","page":114},{"text":"وَانْفَلَتَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ، فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ، فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إِلَى الشَّامِ إِلَّا اعْتَرَضُوا لَهَا، فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- تُنَاشِدُهُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ لَمَّا أَرْسَلَ إِلَيهِم. . . . .\nــ\nوقوله: (انفلت أبو جندل) أي: هرب من الكفار، وجاء إلى أبي بصير ومن معه من المسلمين ممن كانوا قيدوه.\nوقوله: (فواللَّه ما يسمعون بعير) العير بالكسر يقال للإبل بإحمالها، والمراد القافلة، وقال في (القاموس) (١): العير بالكسر: القافلة، مؤنثة، أو الإبل تَحْمِلُ الْمِيرَةَ، أو كل ما امتِيرَ عليه، إبلًا كانت أو حميرًا أو بغالًا.\nوقوله: (تناشده اللَّه والرحم) الضمير المستكن لقريش، والبارز للنبي -ﷺ-، و(اللَّه) منصوب مفعول (تناشد)، و(الرحم) عطف على (اللَّه)، أي: تحلفه باللَّه وتسأله به وبالرحم، أي: بحق القرابة التي بينه وبينهم، وإذا حذفت حرف القسم ينصب المقسم به وقد يجر.\nوقوله: (لما أرسل إليهم) أي: إلى أبي بصير وأصحابه أن يأتوا بالمدينة ولا يتعرضوا لغيرنا، و(لما) بالتشديد بمعنى إلا، وهي في القرآن كثيرة بعد (أن) النافية على بعض القراءات، قال التُّورِبِشْتِي (٢): وقد ذكر الجوهري في كتابه: إن قول من قال: (لما) بمعنى (إلا) فليس يعرف في اللغة، قلت: وقد ذكر أهل التفسير لا سيما\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤١٦).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٢٩).","vol":"7","page":115},{"text":"فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَيْهِم. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٦٩٤، ٢٧٣١].\n٤٠٤٣ - [٢] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: صَالَحَ النَّبِيُّ -ﷺ- الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: . . . . .\nــ\nالمشتهرون منهم في علم العربية في قوله سبحانه: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] على قراءة من قرأ بالتشديد أنها بمعنى إلا، ويحمل قول الجوهري على أنه لم يصادفه فيما بلغه من كلامهم، والعرب تستعمل هذا الحرف في كلامهم على الوجه الذي في الحديث، إذا أرادوا المبالغة في المطالبة كأنهم يبتغون من المسؤول أن لا يهتم بشيء إلا بذلك، انتهى.\nوقال صاحب (القاموس) (١): وإنكار الجوهري كونه بمعنى إلا غير جيد، يقال: سألتك لما فعلت، أي: إلا فعلت، ومنه: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤﴾ ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢]، وقراءة عبد اللَّه: (إِنْ كُلُّ لمَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ).\nوقوله: (فمن أتاه فهو آمن) جواب شرط محذوف، أي: إذا أرسل إليهم واستردهم إلى المدينة، فمن أتاه منا مسلمًا فهو آمن، ولا نسترده منه.\n٤٠٤٣ - [٢] (البراء بن عازب) قوله: (على ثلاث أشياء) واشتراطه -ﷺ- بهذه الشروط كان لضعف حال المسلمين، وعجزهم عن مقاومة الكفار، وكانت مصالح عظيمة في هذا الصلح مما ظهرت ثمراته الباهرة وفوائده المتظاهرة التي كانت عاقبتها فتح مكة، وإسلام أهلها كلهم، ودخول الناس في دين اللَّه أفواجًا، وبالجملة كان في\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٦٩).","vol":"7","page":116},{"text":"عَلَى أَنَّ مَنْ أَتَاهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ رَدَّهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ أَتَاهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَرُدُّوهُ، وَعَلَى أَنْ يَدْخُلَهَا مِنْ قَابِلٍ وَيُقِيمَ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَلَا يَدْخُلَهَا إِلَّا بِجُلُبَّانِ السِّلَاحِ وَالسَّيْفِ وَالْقَوْسِ وَنَحْوِهِ، فَجَاءَ أَبُو جَنْدَلٍ يَحْجُلُ فِي قُيُودِهِ فَرَدَّهُ إِلَيْهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٩٨، ٢٧٠٠، م: ١٧٨٣].\n٤٠٤٤ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ قُرَيْشًا صَالَحُوا النَّبِيَّ -ﷺ- فَاشْتَرَطُوا عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّ مَنْ جَاءَنَا مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَكْتُبُ هَذَا؟ قَالَ: \"نَعَمْ إِنَّهُ مَنْ ذهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ،\nــ\nاختيار الصلح حِكَمٌ وأسرار لا تعدّ ولا تحصى، ولا يحيط به إلا علام الغيوب ونبيه السيد المحبوب.\nوقوله: (على أن من أتاه) أي: مسلمًا.\nوقوله: (من المشركين) بيانية أو ابتدائية.\nوقوله: (على أن يدخلها) أي: مكة، (من قابل) أي: العام الآتي، و(الجلبان) بضم الجيم واللام وتشديد الباء: جراب من أديم يوضع فيه السلاح، والمقصود أن لا يأتوا في صورة القهر والغلبة.\nوقوله: (يحجل) بضم الجيم، أي: يمشي على وثبة كما يمشي الغراب، والحجل: مشي الغراب، في (القاموس) (١): حَجَلَ المقيد يَحْجِل ويَحْجُل حَجْلًا وحَجَلانًا: رَفَعَ رِجْلًا وَتَريَّثَ فِي مشيه على رجله، والغراب: نزا في مشيه.\n٤٠٤٤ - [٣] (أنس) قوله: (فأبعده اللَّه) منا أو ليس لنا معه شأن فهو أولى\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٠٤).","vol":"7","page":117},{"text":"وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ سَيَجْعَلُ اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٨٤].\n٤٠٤٥ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ فِي بَيْعَةِ النِّسَاءِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِهَذِهِ الآيَة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢]، فَمَنْ أَقَرَّتْ بِهَذَا الشَّرْطِ مِنْهُنَّ قَالَ لَهَا: \"قَدْ بَايَعْتُكِ\" كَلَامًا يُكَلِّمُهَا بِهِ، وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ فِي الْمُبَايَعَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٧١٣، م: ١٨٦٦].\nــ\nبمصاحبتهم.\nوقوله: (ومن جاءنا منهم سيجعل اللَّه له فرجًا ومخرجًا) كما جعل لأبي بصير.\n٤٠٤٥ - [٤] (عائشة) قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ آخر الآية ﴿عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة: ١٢].\nوقوله: (فمن أقرت) أي: قبلت وقررت بهذا الشرط، أي: المذكور في هذه الآية وحده لجعلها في حكم الواحدة في باب البيعة.\nوقوله: (كلامًا) إما تمييز أو مفعول مطلق، يعني كانت بيعته -ﷺ- للنساء بالكلام لا بأخذ اليد كما في الرجال، وقد اختار بعض المشايخ جعل يدها في الماء الذي جعل يده فيه، أو أخذها طرفًا من الثوب وطرفًا بيد الشيخ، ولا يُدرى له سند، واللَّه أعلم، وإيراد حديث مبايعة النساء في (باب الصلح) لاشتراكهما في الاشتراط، ولأنه قد وقعت المبايعة في قضية الصلح يوم الحديبية، وتسمى بيعة الرضوان كما يخبر عنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨].","vol":"7","page":118},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-983> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٠٤٦ - [٥] عَنِ الْمِسْوَرِ وَمَرْوَانَ: أَنَّهُمُ اصْطَلَحُوا عَلَى وَضعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ يَأْمَنُ فِيهِنَّ النَّاسُ، وَعَلَى أَنَّ بَيْنَنَا عَيْبَةً مَكْفُوفَةً. . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n٤٠٤٦ - [٥] (المسور) قوله: (على أن بيننا عيبة مكفوفة) العيبة بفتح العين المهملة وسكون التحتانية: وعاء يجعل فيه الثياب، وقيل: أفضل الثياب وخيرها، وفي (القاموس) (١): العَيْبَةُ: زَبيل من أَدَم، ومن الرجل: موضع سِرّة، والجمع: عِيَبٌ وعِيَابٌ وعِيَبَاتٌ، والعياب: الصدور والقلوب، كناية، انتهى.\nوفي الحديث: \"الأنصار كرشي وعيبتي\" (٢) أي: خاصتي وموضع سري، ثم إنهم فسروا هذا الكلام بوجوه، أظهرها وأشهرها ما نقل عن ابن الأعرابي قال: يريد أن بيننا صدرًا نقيًّا من الغلّ والخداع والدغل مطويًّا على الوفاء بالصلح، والمكفوفة: المشدودة، والعرب تكني عن القلوب والصدور بالعياب لأنها مستودع السر كما أن العياب مستودع خير الثياب.\nقال الشيخ: الذي ذكره ابن الأعرابي في بيان ألفاظه من طريق اللهجة العربية فإنه حسن مستقيم، وهو الإمام الذي سبق كثيرًا ممن يعتني بهذا الفن، غير أني أرتاب في تقرير المعنى على أن بيننا صدرًا نقيًّا من الغل، ولا أدري أيصح عنه أم لا؟ وذلك أن نقاء الصدر من الغل بين المسلم والكافر أمر لا يكاد يستتبّ، كيف وقد فرض اللَّه تعالى على المسلم بغض الكافر، والجواب أن المراد نقاوة الصدر عن الأمور المذكورة فيما يتعلق بالصلح من الغدر وكتمان حكم العداوة مما يفضي إلى إراقة الدماء وانتهاب\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٣).\n(٢) أخرجه الترمذي في \"سننه\" (٣٩٠٤).","vol":"7","page":119},{"text":"وَأَنَّهُ لَا إِسْلَالَ وَلَا إِغْلَالَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧٦٦].\n٤٠٤٧ - [٦] وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ آبَائِهِمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: . . . . .\nــ\nالأموال وانتهاك الحرم لا تضمر بشيء منها إلى انقضاء الأجل.\nونقل عن ابن الأنباري أن المراد بيننا موادعة ومصادقة تجريان مجرى المودة التي بين المتصادقين الذين يفشي بعضهم إلى بعض أسرارهم، وقال التُّورِبِشْتِي (١): يحتمل أنهم أرادوا بالعيبة نفس الموادعة، أي: تكون الموادعة مطوية على تلك الحال مشدودة عليها، وحملها في كلامهم على السرائر أكثر وأشهر.\nوقيل: معناه أن يكون ما سلف منا في عيبة مكفوفة، أي: مشروجة مشدودة لا يظهر أحد منا ولا يذكر، وقيل: المراد أن يكون بيننا كتاب صلح نحفظه ولا نضيعه كالمتاع المضبوط في العيبة المشدودة.\nوقوله: (وأنه لا إسلال ولا إغلال) الإسلال: السرقة الخفية كالسلة، يقال: سلّ البعير في جوف الليل: إذا انتزعه من بين الإبل، وهي السلة، ويقال: الإسلال الغارة الظاهرة، كذا في (مجمع البحار) (٢). والإغلال: الخيانة، أغل: خان، أي: لا يأخذ بعض مال بعض لا في السر ولا في العلانية، وقيل: الإسلال: سل السيف، والسل والإسلال بمعنى، والإغلال: لبس الدرع، في (القاموس) (٣): الغلائل: الدروع، أو مساميرها، والغِلالة: هي بالكسر شعار تحت الثوب، وهو كناية عن ترك المحاربة.\n٤٠٤٧ - [٦] (صفوان بن سليم) قوله: (ابن سليم) بضم السين.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٣٠).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ١٠٤).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٥٧ - ٩٥٨).","vol":"7","page":120},{"text":"\"أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٠٥٢].\n٤٠٤٨ - [٧] وَعَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ قَالَتْ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فِي نِسْوَةٍ فَقَالَ لَنَا: \"فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ\" قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنَّا بِأَنْفُسِنَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَايِعْنَا، تَعْنِي: صَافِحْنَا، قَالَ: \"إِنَّمَا قَوْلِي لِمِئَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ\". رَوَاهُ (١).\nــ\nوقوله: (أو انتقضه) بمعجمة، أي: نقض الأجل المضروب لأمانه، أو بمهملة، أي: نقض حقه.\nوقوله: (فأنا حجيجه) أي: خصمه، والحجج: الغلبة بالحجة.\n٤٠٤٨ - [٧] (أميمة بنت رقيقة) قوله: (وعن أميمة) بضم الهمزة. (بنت رقيقة) بقافين على صيغة التصغير.\nوقوله: (فيما استطعتن وأطقتن) أي: أبايعكن، أشفق -ﷺ- عليهن حيث قيد المبايعة في التكليف بالاستطاعة.\nوقوله: (تعني: صافحنا) أي: ضع يدك في يد كل منا، ولا تكتف في المبايعة بالقول.\nوقوله: (إنما قولي لمئة امرأة. . . إلخ)، أجاب بأن القول كاف في مبايعتكن،\n_________\n(١) هنا بياض في الأصل، وألحق به في الحاشية بخط ميرك: الترمذي (١٥٩٧)، والنسائي (٤١٨١)، وابن ماجه (٢٨٧٤)، ومالك في \"الموطأ\" (٢/ ٩٨٢)، كلهم من حديث ابن المنكدر أنه سمع من أميمة الحديث، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث ابن المنكدر، قاله الجزري، وفي نسخة في الهامش أيضًا: أخرجه أحمد (٢٧٠٠٨)، وابن حبان (٤٥٥٣). واللَّه أعلم. \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٥٧٧).","vol":"7","page":121},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-984> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٠٤٩ - [٨] عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي ذِي الْقَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ، حَتَّى قَاضَاهُمْ عَلَى أَنْ يَدْخُلَ -يَعْنِي مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ- يُقِيمُ بِهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَتَبُوا الْكِتَابَ، كَتَبُوا: هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. قَالُوا: لَا نُقِرُّ بِهَا، فَلَوْ نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا مَنَعْنَاكَ، وَلَكِنْ أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَالَ: \"أَنَا رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ\". ثُمَّ قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ: \"امْحُ: رَسُولَ اللَّهِ\" قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أَمْحُوكَ أَبَدًا، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَلَيْسَ يُحْسِنُ يَكْتُبُ. . . . .\nــ\nوأيضًا لا حاجة إلى مبايعة كل امرأة على حدة، فافهم.\nالفصل الثالث\n٤٠٤٩ - [٨] (البراء بن عازب) قوله: (أن يدعوه) بفتح الدال، أي: يتركوه.\nوقوله: (حتى قاضاهم) أي: صالحهم.\nوقوله: (لا نقر) من الإقرار، (بها) أي: بهذه الكلمة أو برسالتك.\nوقوله: (لا أمحوك) أي: اسمك، وفي رواية لمسلم: (ما أنا بالذي أمحاه)، وهو لغة في أمحو، كان عليًّا -﵁- فهم أن الأمر ليس للإيجاب وإلا فلا يسعه مخالفته، وليس في الحقيقة مخالفة بل كمال موافقة، وغلبة محبة وإخلاص.\nوقوله: (وليس يحسن يكتب) جملة معترضة أقيم الفعل المضارع مقام المصدر، أو هو بتقدير أن، كما في قوله: فقلت الهو (١).\n_________\n(١) كذا في الأصل.","vol":"7","page":122},{"text":"فَكَتَبَ: \"هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: لَا يَدْخُلُ مَكَّةَ بِالسِّلَاحِ إِلَّا السَّيْفَ فِي الْقِرَابِ، وَأَنْ لَا يَخْرُجَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَحَدٍ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَتْبَعَهُ، وَأَنْ لَا يَمْنَعَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بِهَا\"، فَلَمَّا دَخَلَهَا، وَمَضَى الأَجَلُ، أَتَوْا عَلِيًّا فَقَالُوا: قُلْ لِصَاحِبِكَ: اخْرُجْ عَنَّا فَقَدْ مَضَى الأَجَلُ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ-. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٤٤، م: ١٧٧٣].\n* * *\nــ\nوقوله: (فكتب) أي: بيده، وإلى هذا ذهب بعض، أو أمر بكتابته.\nوقوله: (فلما دخلها) أي: العام القابل (ومضى الأجل) وهو ثلاثة أيام.\nتنبيه: واعلم أنه قد وقع الاختلاف بين العلماء في كتابته -ﷺ-، فقيل: لم يكتب قط، ولم يكن يحسن أن يكتب لوصفه تعالى إياه بالأمي، والأمي من لا يقرأ عن الكتاب ولا يخط ويكتب، وقيل: كتب بعد ما قام الحجة على نبوته -ﷺ-، وانحسمت الشبهة، وذهب الارتياب، وظاهر هذا الحديث حجتهم، وتأول المنكرون أن المراد به الأمر بالكتابة بطريق المجاز المشهور، هذا حاصل خلافهم وكلامهم في ذلك، وتفصيله ما ذكر في (فتح الباري) (١) ولا علينا أن ننقله، فنقول: قال الشيخ: قد تمسك بظاهر رواية البخاري في (المغازي): فأخذ رسول اللَّه -ﷺ- الكتاب وليس يحسن يكتب، فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد اللَّه، وبه قال أبو الوليد الباجي، فادعى أن النبي -ﷺ- كتب بيده بعد أن لم يكن أن يكتب، فشنع عليه علماء الأندلس في زمانه ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله يخالف القرآن، حتى قال قائلهم:\nبرئت ممن شرى دنيا بآخرة ... وقال: إن رسول اللَّه -ﷺ- قد كتبا\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٧/ ٥٠٣ - ٥٠٤).","vol":"7","page":123},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفجمعهم الأمير، فاستظهر الباجي عليهم بما لديه من المعرفة وقال: هذا لا ينافي القرآن بل يؤخذ من مفهوم القرآن؛ لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] وإذ تحققت أميته وتقررت بذلك معجزته، وأمن الارتياب في ذلك، لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم، فتكون معجزة أخرى، وذكر ابن دحية أن جماعة من العلماء وافقوا الباجي على ذلك، منهم: شيخه أبو ذر الهروي وأبو الفتح النيسابوري وآخرون من علماء إفريقية، واحتج بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق مجالد عن عون بن عبد اللَّه قال: ما مات رسول اللَّه -ﷺ- حتى كتب وقرأ، قال مجالد: فذكرته للشعبي، فقال: صدق، وقد سمعت من يذكر ذلك.\nوقال القاضي عياض: وردت آثار تدل على معرفته حروف الخط وحسن تصويرها كقوله لكاتبه: (ضع القلم على أذنك فإنه أذكر لك) (١)، وقوله لمعاوية: (ألق الدواة وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين ولا تعور الميم) إلى غير ذلك، قال: وهذا وإن لم يثبت أنه كتب فلا يبعد أن يرزق علم وضع الكتابة فإنه أوتي علم كل شيء.\nوأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث، وعن قصة الحديبية بأن القصة واحدة، والكاتب فيها هو علي بن أبي طالب، وقد صرح في حديث المسور بن مخرمة بأن عليًّا هو الذي كتب، فيحمل على أن النكتة في قوله: (فأخذ الكتاب وليس يحسن يكتب) لبيان أن قوله: (أرني إياها) أنه ما احتاج إلى أن يريه موضع الكلمة التي امتنع علي من محوها إلا لكونه لا يحسن الكتابة، وعلى أن قوله بعد ذلك: (فكتب) فيه\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في \"سننه\" (٢٧١٤).","vol":"7","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-985>١٠ - باب إخراج اليهود من جزيرة العرب</span>\nــ\nحذف تقديره: فمحاها فأعادها لعلي فكتب، أو أطلق كتب بمعنى أمر بالكتابة، وهو كثير، كقوله: كتب إلى كسرى وقيصر، وعلى تقدير حمله على ظاهره فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم وهو لا يحسن الكتابة أن يصير عالمًا بالكتابة، ويخرج عن كونه أميًّا، فإن كثيرًا ممن لا يحسن الكتابة يعرف صور بعض الكلمات، ويحسن وصفها بيده وخصوصًا الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أميَّا ككثير من الملوك.\nويحتمل أن يكون جرت يده بالكتابة حينئذٍ وهو لا يحسنها، فخرج المكتوب على وقف المراد فتكون معجزة أخرى في ذلك الوقت خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أميًّا، وبهذا أجاب أبو جعفر السمناني أحد أئمة الأصول من الأشاعرة وتبعه ابن الجوزي، وتعقب ذلك السهيلي وغيره بأن هذا وإن كان ممكنًا ويكون آية أخرى لكنه يناقض كونه أميًّا لا يكتب، وهي الآية التي قامت بها الحجة وأفحم الجاحد وانحسمت الشبهة، فلو جاز أن يصير يكتب بعد ذلك لعادت الشبهة، وقال المعاند: كان يحسن يكتب لكنه كان يكتم ذلك، والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضًا، والحق أن معنى قوله: (فكتب) أي: أمر عليًّا أن يكتب، واللَّه أعلم.\n١٠ - باب إخراج اليهود من جزيرة العرب\nالْجَزْر: ضد المد، ويجيء بمعنى البحر، والجزيرة: اسم الأرض أحاط بها البحر، وجزيرة العرب: ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام، ثم دجلة والفرات، أو ما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولًا، ومن جدة إلى ريف العراق عرضًا، كذا في (القاموس) (١)، وقد نقلنا فيها الأقوال المتعددة في أول الكتاب في (باب الوسوسة)،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٤١).","vol":"7","page":125},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-986> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٠٥٠ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ، خَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ: \"انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ\"، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا بَيْتَ الْمِدْرَاسِ فَقَامَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: \"يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، اعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ للَّهِ وَلِرَسُولهِ،\nــ\nثم إنه لم يذكر النصارى في الترجمة، وقد وقع ذكرهم في آخر الفصل، ولعله لم يتفق من رسول اللَّه -ﷺ- إخراج النصارى كما وقع إخراج اليهود، واللَّه أعلم.\nالفصل الأول\n٤٠٥٠ - [١] (أبو هريرة) قوله: (بيت المدراس) بالكسر، درس الكتاب يَدْرُسُهُ دَرْسًا ودِراسةً: قرأه، كأدرسه ودرّسه، والمدراس: الموضع الذي يقرأ فيه القرآن، ومنه مدراس اليهود، وكذا في (القاموس) (١) و(المشارق) (٢).\nوقال التُّورِبِشْتِي (٣): هو صاحب دراسة، ومفعل ومفعال من أبنية المبالغة، انتهى، ومنه حديث: (فوضع مدراسها الذي يدرسها كفه على آية الرجم)، والإضافة على الأول بيانية من إضافة العام إلى الخاص.\nقوله: (أسلموا تسلموا) الأول من الإسلام، والثاني من السلامة.\nوقوله: (اعلموا أن الأرض للَّه ولرسوله) في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ [الأعراف: ١٢٨].\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٠٤).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤٠٥).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٣١).","vol":"7","page":126},{"text":"وَأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَرْضِ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٦٧، ٧٣٤٨، م: ١٧٦٥].\n٤٠٥١ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَامَ عُمَرُ خَطِيبًا فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَقَالَ: \"نُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ\". وَقَدْ رَأَيْتُ إِجْلَاءَهُمْ،\nــ\nوقوله: (أن أجليكم) أي: أخرجكم من أوطانكم، في (القاموس) (١): جلا القوم عن الموضع، جَلْوًا وجَلاء وأَجْلَوا: تفرقوا، وفي (الصراح) (٢): جلاء: ازخان ومان رفتن وبيرون كردن لازم متعد، يقال: جلوا عن أوطانهم وجلوتهم، وكذلك أجلوا عن البلد وأجليتهم، والباء في (بماله) للبداية، والمراد شيء لا يتيسر نقله كالأرض، هذا وقد يستشكل هذا الحديث بأنه قد ثبت أن إجلاء بني النضير كان في السنة الرابعة من الهجرة، وقتل بنو قريظة في الخامسة وهم اليهود، وكان إسلام أبي هريرة في السابعة، فكيف يقول: بينا نحن في المسجد، الحديث. وأجيب: بأن الخطاب في (أجليكم) لمن بقي من اليهود في المدينة وأكنافها بعد إجلاء بني النضير وقتل بني قريظة منهم أو من غيرهم كبني قينقاع ومن عداهم فلا إشكال.\n٤٠٥١ - [٢] (ابن عمر) قوله: (كان عامل) بلفظ الماضي من المعاملة و(يهود) مفعوله.\nوقوله: (ما أقركم اللَّه) أي: إلى مدة أقركم اللَّه وأراد قراركم، وقول عمر: (وقد رأيت إجلاءهم) بيان لانتهاء المدة المستفاد من قوله: (ما أقركم اللَّه)، وكأنه -﵁- سمع\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٦٩).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٥٤٩).","vol":"7","page":127},{"text":"فَلَمَّا أَجْمَعَ عُمَرُ عَلَى ذَلِكَ أَتَاهُ أَحَدُ بَنِي أَبِي الحُقَيقِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! أَتُخْرِجُنَا وَقَدْ أَقَرَّنَا مُحَمَّدٌ وَعَامَلَنَا عَلَى الأَمْوَالِ؟ فَقَالَ عُمَرُ: أَظَنَنْتَ أَنِّي نَسِيتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ، تَعْدُو بِكَ قَلُوصُكَ لَيْلَةً بَعْدَ لَيْلَةٍ؟ فَقَالَ: هَذِهِ كَانَتْ هُزَيْلَةً مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ. فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ! فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ، وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ الثَّمَرَةِ مَالًا وَإِبِلًا، وَعُرُوضًا مِنْ أَقْتَابٍ وَحِبَالٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٧٣٠].\nــ\nمن النبي -ﷺ- تلك المدة.\nوقوله: (فلما أجمع عمر) أي: صمم عزيمته على ذلك، والإجماع: العزم على الأمر، أجمعت الأمر، وعليه، والأمر مُجْمَعٌ، كذا في (القاموس) (١)، و(الحقيق) بضم الحاء المهملة وفتح القاف.\nوقوله: (أظننت) خطاب من عمر -﵁- لأحد بني أبي الحقيق أتاه.\nوقوله: (كيف بك إذا أخرجت) خطاب له من رسول اللَّه -ﷺ-، أي: كيف يكون حالك أو كيف تصنع بك، والباء في (تعدو بك) للملابسة، و(القلوص) بالفتح، من الإبل الشابة أو الباقية على السير، و(هزيلة) تصغير هزلة للمرة من الهزل، ضد الجد.\nوقوله: (مالًا وإبلًا) بدل من (قيمة ما كان لهم)، أو تمييز، و(العروض) ما ليس بذهب ولا فضة، و(الأقتاب) جمع قتب وهو بالكسر: الإكاف الصغير، كذا في\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٥٥).","vol":"7","page":128},{"text":"٤٠٥٢ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَوْصَى بِثَلَاثَةٍ؛ قَالَ: \"أَخْرِجُوا الْمُشْرِكينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ\". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ، أَو قَالَ: فَأُنْسِيتُهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٥٣، م: ١٦٣٧].\nــ\n(القاموس) (١)، وفي (مختصر النهاية) (٢): القتب للإبل كالإكاف لغيره، وفي (مجمع البحار) (٣): القتب بالحركة: الرحل الصغير، و(الحبال): جمع حبل، والمال قد يطلق على النقد خاصة، أو المزروعات خاصة، فيفيد عطف العروض عليه، أو هو عطف الخاص على العام.\n٤٠٥٢ - [٣] (ابن عباس) قوله: (وأخرجوا المشركين من جزيرة العرب) قيل: المراد بها مكة والمدينة، ونقل الطيبي (٤): أن الشافعي خص هذا الحكم بالحجاز، وهو عنده مكة والمدينة واليمامة وأعمالها دون اليمن وغيره. و(أجيزوا) من الجايزة وهي العطية، والتحفة، واللطف، كذا في (القاموس) (٥).\nوقوله: (وسكت عن الثالثة) هو من كلام سليمان الأحول في روايته عن سعيد ابن جبير الراوي عن ابن عباس، أي: قال سليمان: وسكت سعيد عن الثالث، أو قال سعيد: فأنسيتها بلفظ المجهول من الإنساء، وفي عبارة المؤلف تعسف كذا قيل، ونقل\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٦).\n(٢) \"الدر النثير\" (٢/ ٨١٧).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٢٠٨).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٨١).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٧).","vol":"7","page":129},{"text":"٤٠٥٣ - [٤] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁-، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لأُخْرِجَنَّ اليَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ حَتَّى لَا أَدَعَ فِيهَا إِلَّا مُسْلِمًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: \"لَئِنْ عِشْتُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لأُخْرِجَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ\". [م: ١٧٦٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-987> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\nلَيْس فِيهِ إِلَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"لَا تَكُونُ (١) قِبْلَتَانِ\" وَقَدْ مَرَّ فِي \"بَابِ الْجِزْيَةِ\".\nــ\nالطيبي (٢) أنه قال القاضي عياض: ويحتمل أن الثالث قوله -ﷺ-: (لا تتخذوا قبري وثنًا يعبد) (٣).\n٤٠٥٣ - [٤] (جابر بن عبد اللَّه) قوله: (لأخرجن اليهود والنصارى) ولعله لم يتفق له -ﷺ- إخراج النصارى كما وقع في اليهود، وكذا لم يذكر النصارى في عنوان الباب، ويدل عليه ظاهر قوله: (لئن عشت)، فتدبر.\nالفصل الثاني\nقوله: (وقد مر في باب الجزية) بلفظ: (لا تصلح قبلتان في أرض واحدة)، وكان على المؤلف أن يذكر الحديث هنا لئلا يخلو الباب عن حديث، وقد حمله كثير من العلماء على إجلاء اليهود والنصارى كما سبق.\n_________\n(١) في نسخة: \"لا يكون\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٨٣).\n(٣) أخرجه البزار في \"مسنده\" (١٦/ ٤٨).","vol":"7","page":130},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-988> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٠٥٤ - [٥] عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَجْلَى الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا ظَهَرَ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ الْيَهُودَ مِنْهَا، وَكَانَتِ الأَرْضُ لَمَّا ظُهِرَ عَلَيْهَا للَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ، فَسَأَلَ الْيَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَتْرُكَهُمْ عَلَى أَنْ يَكْفُوا الْعَمَلَ وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نُقِرُّكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا\"، فَأُقِرُّوا حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ فِي إِمَارَتهِ إِلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَاءَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٣٨، م: ١٥٥١].\n* * *\nــ\nالفصل الثالث\n٤٠٥٤ - [٥] (ابن عمر) قوله: (على أن يكفوا العمل) من الكفاية، و(التيماء) على وزن الحمراء، و(أريحاء) بفتح الهمزة وكسر الراء وسكون التحتانية والحاء المهملة ممدودة، وقيل: هذا دليل على أن مراده -ﷺ- هنا بعض جزيرة العرب وهو الحجاز؛ لأن تيماء من جزيرة العرب وليست من الحجاز، كذا نقل الطيبي (١).\nوقال في (القاموس) (٢): أريحاء كزَليخاء وكربلاء: بلدة بالشام، وفي (مختصر النهاية) (٣): أريحاء بالفتح والكسر وبحاء مهملة: قرية بقرب القدس، وفي (مجمع\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٨٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢١٦).\n(٣) \"الدر النثير\" (١/ ٢٦).","vol":"7","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-989>١١ - باب الفيء</span>\nــ\nالبحار) (١): تيماء وأريحاء قريتان بالشام. وفي (المشارق) (٢): تيماء بفتح التاء وسكون الياء بعدها ممدود من أمهات القرى على البحر، وهي من بلاد طيء، ومنها يخرج إلى الشام، انتهى. وما ذكر في الحواشي: من العرب أن تيماء موضع قريب من المدينة فليس بشيء، إذ المدينة من الحجاز، وقد ثبت إجلاؤهم منه.\n١١ - باب الفيء\nقال في (القاموس) (٣): الفيء: الغنيمة، وقال في باب الميم: الغنيمة والغُنْمُ بالضم: الفيء، فدل على أنهما متّحدان، وكذلك كلام الجوهري، ويفهم من كلام (المشارق) (٤) أيضًا أن الفيء هي الغنيمة، واستعمل في (الهداية) (٥) الفيء في معنى الغنيمة في (باب قسمة الغنائم)، وقال صاحب (النهاية) (٦): هي ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب ولا جهاد.\nوقال الطيبي (٧): الفيء ما نيل من الكفار بعدما تضع الحرب أوزارها، وتصير الدار دار الإسلام، والظاهر أن هذا هو المراد مما ذكره صاحب (النهاية)؛ لأنه لا يحصل قبل الحرب والجهاد منهم مال، وإنما يستفاد من غير حرب بعدما تضع الحرب\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٢٨١).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ١٩٥).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٨، ١٠٥٤).\n(٤) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٧٧).\n(٥) انظر: \"الهداية\" (٢/ ٣٨٧).\n(٦) \"النهاية\" (٣/ ٤٨٢).\n(٧) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٨٤).","vol":"7","page":132},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-990> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٠٥٥ - [١] عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بنِ الْحَدَثانِ قَالَ: . . . . .\nــ\nأوزارها، فافهم.\nوحكم الفيء أن يكون لعامة المسلمين ولا يخمس، ولا يقسم كالغنيمة، وأصل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ أي: جعله فيئًا له خاصة، ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: ما أجريتم على تحصيله وتغنمه ﴿مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] أي: إبل، ولا يغتنم في القتال عليه، وإنما مشيتم إليه على أرجلكم، والإيجاف من الوجيف وهو سرعة السير، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ [الحشر: ٦]، المعنى أن ما خوّل اللَّه ورسوله من أموال بني النضير شيء لم تحصلوه بالقتال والغلبة، فإن قراهم كانت على ميلين من المدينة، فمشوا إليها رجالًا غير رسول اللَّه -ﷺ-، ولكن سلط اللَّه عليهم وعلى ما في أيديهم كما كان يسلط رسله على أعدائهم، فالأمر فيه مفوض إليه يضعه حيث يشاء، يعني أنه لا يقسم قسمة الغنائم التي قوتل عليها وأخذت عنوة وقهرًا، وذلك أنهم طلبوا القسمة فنزلت، كذا في التفاسير، فهذا القسم من أموال الكفار الذي سموه فيئًا لا يقسم قسمة الغنائم، بل مفوض إلى رسول اللَّه -ﷺ-، ويجيء في الأحاديث ما كان يعمل فيه رسول اللَّه -ﷺ-، وهذا هو المذهب عندنا، ونقل الطيبي (١) مذهب الشافعي أن له -ﷺ- في الفيء أربعة أخماس وخمس الخمس، وكان له أحد وعشرون سهمًا من خمسة وعشرين، والأربعة الباقية لذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل.\nالفصل الأول\n٤٠٥٥ - [١] (مالك بن أوس) قوله: (ابن الحدثان) بفتحات والمثلثة.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٨٤، ٨٥).","vol":"7","page":133},{"text":"قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ خَصَّ رَسُولَهُ -ﷺ- فِي هَذَا الْفَيْءِ بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ. ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ إِلَى قَولِهِ: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦] فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الْمَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٩٤، م: ١٧٥٧].\n٤٠٥٦ - [٢] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفِ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ،\nــ\nوقوله: (ثم قرأ ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾) قال البيضاوي (١): أي ما أعاده عليه بمعنى صيره له ورده عليه، فإنه كان حقيقًا بأن يكون له، فإن اللَّه تعالى خلق الناس لعبادته، وخلق ما خلق اللَّه لهم، ليتوسلوا به إلى طاعته، فهو جدير بأن يكون للمطيعين.\nوقوله: (نفقة سنتهم) وهذا لا يعارض حديث: (كان لا يدخر شيئًا لغد) لأن الادخار لنفسه وهذا لغيره من العيال، وكان -ﷺ- يعطي نساءه نفقة سنة أحيانًا.\nوقوله: (فيجعله مجعل مال اللَّه) أي: يصرفه على مصالح المسلمين، ويعطي من يشاء من المحتاجين، ولذلك لم يعط منه الأنصار إلا ثلة كانت بهم حاجة.\n٤٠٥٦ - [٢] (عمر) قوله: (بني النضير) بفتح النون وكسر الضاد المعجمة: قبيلة من اليهود.\nوقوله: (مما لم يوجف) خبر (كانت)، و(مما أفاء اللَّه) بيان (أموال)، أو هو الخبر و(مما لم يوجف) بدل منه.\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٤٨٠).","vol":"7","page":134},{"text":"فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- خَاصَّةً، يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ، ثُمَّ يَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩٠٤، ٤٨٨٥، م: ١٧٥٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-991> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٠٥٧ - [٣] عَنْ عَوفِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا أَتَاهُ الْفَيْءُ قَسَمَهُ فِي يَوْمِهِ، فَأَعْطَى الآهِلَ حَظَّيْنِ وَأَعْطَى الأَعْزَبَ حَظًّا، فَدُعِيتُ فَأَعْطَانِي حَظَّيْنِ،\nــ\nوقوله: (ثفقة سنة) في بعض النسخ: (سنتهم). و(الكراع) بالضم والتخفيف، والكرع محركة: قوائم الدابة، وهو من البقر والغنم بمنزلة الوظيف من الفرس، وهو مُسْتَدِقُّ الساق، والجمع أكرع وأكارع، واسم يجمع الخيل، كذا في (القاموس) (١)، ولعل المراد في الحديث الدواب التي تصلح للحرب، ونقل في الحاشية عن (المغرب) عن محمد ﵀: أن الكراع: الخيل والبغال والحمير.\nوقوله: (عدة) بالضم والتشديد، أي: أهبة، في (الصراح) (٢): عدة ساز وساخت.\nالفصل الثاني\n٤٠٥٧ - [٣] (عوف بن مالك) قوله: (فأعطى الآهل) على وزن الكاهل: اسم الفاعل من أهل يأهل أهولًا وتأهل واتهل: اتخذ أهلًا، أي: زوجة، و(الأعزب) بالمهملة والزاي: من لا زوجة له.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٠٠).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ١٣٨).","vol":"7","page":135},{"text":"وَكَانَ لِي أَهْل ثُمَّ دُعِيَ بَعْدِي عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ، فَأُعْطِيَ حَظًّا وَاحِدًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٩٥٣].\n٤٠٥٨ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَوَّلُ مَا جَاءَهُ شيءٌ بَدَأَ بِالْمُحَرَّرِينَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٩٥١].\n٤٠٥٩ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أُتِيَ (١) بِظَبْيَةٍ فِيهَا خَرَزٌ، فَقَسَمَهَا لِلْحُرَّةِ وَالأَمَةِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ أَبِي يَقْسِمُ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٩٥٢].\n٤٠٦٠ - [٦] وَعَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بن الْحَدَثانِ قَالَ: ذَكَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَوْمًا الْفَيْءَ فَقَالَ: مَا أَنَا أَحَقُّ بِهَذَا الْفَيْءِ مِنْكُمْ،\nــ\nوقوله: (ثم دعي) بلفظ المجهول، وكذا (أعطي).\n٤٠٥٨ - [٤] (ابن عمر) قوله: (بدأ بالمحررين) أي: بالمكاتبين، وقيل: المنفردين لطاعة اللَّه خلوصًا.\n٤٠٥٩ - [٥] (عائشة) قوله: (أتي بظبية) بفتح الظاء المعجمة وسكون الباء: الجراب الصغير، و(الخرز) بالخاء المعجمة والراء المفتوحتين.\nوقوله: (فقسمها للحرة والأمة) بيان للواقع، وإنما خصها لأن الخرز من شأن النساء لا أنها حق لهن خاصة، ولهذا كان أبو بكر -﵁- يقسمها للحر والعبد.\n٤٠٦٠ - [٦] (مالك بن أوس) قوله: (ما أنا أحق) بالنصب على لغة الحجازيين وبالرفع على لغة بني تميم، وإنما أفرد نفي الأحقية عن نفسه لمكان توهم أنه خليفة رسول اللَّه -ﷺ-، فيكون أحق به كما كان رسول اللَّه -ﷺ-.\n_________\n(١) في نسخة: \"قالت: أتي رسول اللَّه -ﷺ-\".","vol":"7","page":136},{"text":"وَمَا أَحَدٌ مِنَّا بِأَحَقَّ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا أَنَّا عَلَى مَنَازِلِنَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ﷿ وَقَسْمِ رَسُولِهِ -ﷺ-، فَالرَّجُلُ وَقِدَمُهُ، وَالرَّجُلُ وَبَلَاؤُهُ، وَالرَّجُلُ وَعِيَالُهُ، وَالرَّجُلُ وَحَاجَتُهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٩٥٠].\n٤٠٦١ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَرَأَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁-: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠]، فَقَالَ: هَذِهِ لِهَؤُلَاءِ. ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤٠]، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ لِهَؤُلَاءِ. ثُمَّ قَرَأَ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ [الحشر: ٧]، ثم قَرأَ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]،\nــ\nوقوله: (إلا أنا على منازلنا من كتاب اللَّه) يعني: أن الفيء لعامة المسلمين لا مزية لأحد منهم على آخر في أصل الاستحقاق، إلا أن تفاوت المراتب والمنازل باق كالمذكورين في الَايات الثلاث من سورة الحشر، وهي قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠] الآيات الدالة على تفاوت منازل المسلمين، وكما كان يقسم رسول اللَّه -ﷺ- على مراعاة التمييز بين أهل بدر وأصحاب بيعة الرضوان ونحو ذلك، ومراعاة أحوال الناس في الأهل والعيال، وفصّله بقوله: (فالرجل وقدمه) أي: تقدم إسلامه، معتبران ومقرونان، لا على نحو: كل رجل وضيعته، والمراد بالبلاء: الشجاعة والمشقة والابتلاء في سبيل اللَّه.\n٤٠٦١ - [٧] (وعنه) قوله: (﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾) بالفتح أي: فثابت أن للَّهِ خمسه، وقرئ بالكسر.","vol":"7","page":137},{"text":"ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ اسْتَوْعَبَتِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً، فَلَئِنْ عِشْتُ فَلَيَأْتِيَنَّ الرَّاعِيَ وَهُوَ بِسَرْوِ حِمْيَرَ نَصِيبُهُ مِنْهَا، لَمْ يَعْرَقْ فِيهَا جَبِينُهُ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١١/ ١٣٨].\n٤٠٦٢ - [٨] وَعنهُ قَالَ: كَانَ فِيمَا احْتَجَّ فِيهِ عُمَرُ أَنْ قَالَ: كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ثَلَاثُ صَفَايَا: بَنُو النَّضِيرِ وخيبرُ وفَدَكُ،\nــ\nوقوله: (ثم قال: هذا استوعبت المسلمين عامة) إشارة إلى أموال الفيء، وكان رأي عمر -﵁- أن الفيء لا يخمس، ولكن يكون جملة معدة لمصالح المسلمين مجعولة لهم على تفاوت درجاتهم، وإليه ذهب عامة أهل الفتوى إلا الشافعي، كما مر، ثم رعاية تفاوت درجات المسلمين أيضأ مذهب عمر، وذهب أبو بكر إلى التسوية بين الناس، ولم يفضل السابقة، وقال: إنما عملوا للَّه وأجورهم على اللَّه، وكان عمر -﵁- يفضل عائشة على حفصة، وأسامة بن زيد على ابن عمر.\nوقوله: (وهو بسرو) بفتح السين وسكون الراء بلفظ الشجرة المعروفة: محلة من حمير بعيدة من المدينة جدًا.\nوقوله: (نصيبه) فاعل (ليأتين).\nوقوله: (لم يعرق فيها جبينه) أي: لم يتعب في تحصيله.\n٤٠٦٢ - [٨] (وعنه) قوله: (كان فيما احتج به عمر) أي: على عباس وعلي حين اختصما وترافعا إلى عمر -﵃-. و(صفايا) جمع صفية، وهي ما يصطفيه الإمام أي: يختاره لنفسه من الغنيمة.\nوقوله: (بنو النضير) أي: أموالهم التي كانت فيئًا عند إجلائهم.\nوقوله: (وخيبر وفدك) فإنه كانت لخيبر قرى كثيرة، أخذ بعضها صلحًا من غير قتال وإيجاف خيل وركاب، وكان فيئًا خاصًّا له -ﷺ-، وكان سهمه خمس خيبر، وما افتتح","vol":"7","page":138},{"text":"فَأَمَّا بَنُو النَّضِيرِ فَكَانَتْ حُبْسًا لِنَوَائِبِهِ، وَأَمَّا فَدَكُ فَكَانَتْ حُبْسًا لِأَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَأَمَّا خَيْبَرُ فَجَزَّأَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ: جُزأَيْنِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَجُزءًا نَفَقَةً لِأَهْلِهِ، فَمَا فَضُلَ عَنْ نَفَقَةِ أَهْلِهِ جَعَلَهُ بَيْنَ فُقَراءِ الْمُهَاجِرِينَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٩٦٧].\nــ\nفيها عنوة، وفدك وهي قرية من قريات خيبر، وكان له نصف أرضها صالح أهلها بعد فتح خيبر على نصف أرضها كان خالصًا له. وقال النووي: وكذا كان ما وصى به مخبريق -بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وسكون الباء وكسر الراء وسكون ياء بعدها آخره قاف- اليهودي، وكانت سبعة حوائط في بني النضير، وما أعطاه الأنصار من أرضهم وكان ملكًا له، وكذا ثلث أرض وادي القرى أخذه حين مصالحة أهلها، وكان كل هذا ملكًا لرسول اللَّه صلى اللَّه تعالى عليه وسلم لا حق فيها لأحد غيره، ولكنه -ﷺ- كان لا يستأثر بها بل يُنْفِقُها على أهله وعلى المسلمين ومصالح العامة، وكل هذه صدقات يحرم التملك بعده، انتهى.\nوقوله: (فكانت حبسًا)، بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة بمعنى المحبوس المحفوظ، (لنوائبه) أي: لحوائجه.\nوقوله: (وأما فدك فكانت حبسًا لأبناء السبيل) أي: موقوفة لهم أو معدة لوقت حاجتهم إليها.\nوقوله: (بين فقراء المهاجرين) لاحتياجهم، أي: دون الأنصار، وروي في أموال بني النضير أنه قال -ﷺ- للأنصار: (إن شئتم أعطيتكم فيها وإن شئتم أعطيته المهاجرين، ويردون عليكم ما عندهم مما استأثرتموهم من الأموال)، قالت الأنصار: أعط المهاجرين ولا نسترد منهم ما استأثرناهم به، فَسُرّ رسول اللَّه -ﷺ- بهذه الكلمة ودعا لهم بالخير.","vol":"7","page":139},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-992> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٠٦٣ - [٩] عَنِ الْمُغِيْرَةِ قَالَ: إِنَّ عمَرَ بْنَ عَبدِ العَزِيزِ جَمَعَ بَنِي مَرْوَانَ حِينَ اسْتُخْلِفَ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَتْ لَهُ فَدَكُ فَكَانَ يُنْفِقُ مِنْهَا، وَيَعُودُ مِنْهَا عَلَى صَغِيرِ بَنِي هَاشِمِ، وَيُزَوِّجُ مِنْهَا أَيِّمَهُمْ، وَإِنَّ فَاطِمَةَ سَأَلَتْهُ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهَا فَأَبَى، فَكَانَتْ كَذَلِكَ فِي حَيَاةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي حَيَاتِهِ، حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، فَلَمَّا أَنْ وُلّيَ أَبُو بكرٍ عَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي حَيَاتِهِ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، فَلَمَّا أَنْ وُلِّيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَمِلَ فِيهَا بِمِثْلِ مَا عَمِلَا حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ، ثُمَّ أَقْطَعَهَا مَرْوَانُ، ثُمَّ صَارَتْ لِعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَرَأَيْتُ أَمْرًا مَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَاطِمَةَ لَيْسَ لِي بِحَقِّ، وَإِنِّي أُشْهِدُكُمْ أَنِّي رَدَدْتُهَا عَلَى مَا كَانَتْ. يَعْنِي: عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٩٧٢].\nــ\nالفصل الثالث\n٤٠٦٣ - [٩] (المغيرة) قوله: (أيمهم) الأيم بفتح الهمزة وتشديد التحتانية المكسورة: المرأة التي مات زوجها، وقد يطلق على الرجل أيضًا، والأول هو أكثر.\nوقوله: (ثم أقطعها) الإقطاع: أن يجعل السلطان أرضًا لمن يريد، قيل: كان ذلك في زمن عثمان.\nوقوله: (لعمر بن عبد العزيز) من وضع المظهر موضع المضمر.\nاعلم أن في قصة أموال بني النضير وقصة فدك وخيبر مما كان من أملاكه -ﷺ- وبقي بعده وجرى فيه ما جرى كلامًا طويلًا وخطبًا جليلًا، ونريد أن ننقل شيئًا منها، لشهرتها ودورانها على ألسنة الناس وإن انجرّ إلى التطويل كما فعلنا في أمثاله من المسائل","vol":"7","page":140},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالغريبة، واللَّه الموفق وهو يهدي السبيل.\nفنقول: ذكر في (صحيح البخاري) (١): قال: حدثنا أبو اليمان، أنا شعيب، عن الزهري، أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان النصري -بفتح النون وسكون الصاد المهملة- أن عمر بن الخطاب -﵁- دعاه، فبينا أنا جالس إذ جاءه حاجبه يرفأ، -بفتح التحتانية وسكون الراء وفتح الفاء، والهمزة بعدها- فقال: هل لك في عثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد يستأذنون؟ فقال: نعم، فأدخلهم، فلبث قليلًا، ثم جاء فقال: هل لك في عباس وعلي يستأذنان؟ قال: نعم، فلما دخلا، قال عباس: يا أمير المؤمنين! اقض بيني وبين هذا، وهما يختصمان في الذي أفاء اللَّه على رسوله -ﷺ- من بني النضير، فاستب عليٌّ وعباسٌ، فقال الرهط: يا أمير المؤمنين! اقض بينهما، وأرِح أحدهما من الآخر.\nفقال: اتئدوا أنشدكم باللَّه الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون أن رسول اللَّه -ﷺ-، قال: (لا نورث ما تركناه صدقة)؟ قالوا: قد قال ذلك، فأقبل عمر على عباس وعلي -﵃- فقال: أنشدكما باللَّه، هل تعلمان أن رسول اللَّه -ﷺ- قد قال ذلك؟ قالا: نعم، قال: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن اللَّه ﷿ كان خص رسوله -ﷺ- في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدًا غيره، فقال: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ -إلى قوله- ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦]، فكانت هذه خالصة لرسول اللَّه -ﷺ-، ثم واللَّه ما احتازها دونكم، ولا استأثرها عليكم، لقد أعطاكموها وقسمها فيكم حتى بقي هذا المال منها، فكان رسول اللَّه -ﷺ- ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٤٠٣٣، ٣٠٩٤، ٧٣٠٥، ٥٣٥٨).","vol":"7","page":141},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nيأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال اللَّه، فعمل ذلك رسول اللَّه -ﷺ- حياته، ثم توفي النبي -ﷺ-، فقال أبو بكر: فأنا ولي رسول اللَّه -ﷺ-، فقبضه أبو بكر فعمل فيه بما عمل رسول اللَّه -ﷺ-، وأنتم حينئذٍ، فأقبل على عليٍّ وعباسٍ وقال: تذكران أن أبا بكر عمل فيه كما تقولان، واللَّه يعلم أنه فيه لصادق بار راشد تابع للحق، ثم توفى اللَّه ﷿ أبا بكر، فقلت: أنا ولي رسول اللَّه -ﷺ- وأبي بكر، فقبضته سنتين من إمارتي أعمل فيه بما عمل فيه رسول اللَّه -ﷺ- وأبو بكر، واللَّه يعلم أني فيه لصادق بار راشد تابع للحق، ثم جئتماني كلاكما، وكلمتكما واحدة، وأمركما جميع، فجئتني -يعني عباسًا- فقلت لكما: إن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (لا نورث ما تركنا صدقة).\nفلما بدا لي أن أدفعه إليكما قلت: إن شئتما دفعته إليكما، على أن عليكما عهد اللَّه ﷿ وميثاقه لتعملان فيه بما عمل فيه رسول اللَّه -ﷺ- وأبو بكر وما عملت فيه منذ وليت، وإلا فلا تكلماني، فقلتما: ادفعه إلينا بذلك، فدفعته إليكما، أفتلتمسان مني قضاء غير ذلك، فواللَّه الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، لا أقضي بقضاء غير ذلك، حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنه فادفعا إلي فأنا أكفيكماه.\nقال -يعني الزهري-: فحدثت هذا الحديث عروة بن الزبير، فقال: صدق مالك ابن أوس، أنا سمعت عائشة -﵂- زوج النبي -ﷺ-، تقول: أرسل أزواج النبي -ﷺ- عثمان إلى أبي بكر، يسألنه ثمنهن مما أفاء اللَّه ﷿ على رسوله -ﷺ-، فكنت أنا أردهن، فقلت لهن: ألا تتقين اللَّه، ألم تعلمن أن النبي -ﷺ- كان يقول: (لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال)؟ فانتهى أزواج النبي -ﷺ- إلى ما أخبرتهن، قال -يعني عروة-: فكانت هذه الصدقة بيد علي، منعها عليٌّ عباسًا فغلبه عليها، ثم كان بيد حسن ابن علي، ثم بيد حسين بن علي، ثم بيد علي بن حسين، وحسن بن حسن، كلاهما","vol":"7","page":142},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nكانا يتداولانها، ثم بيد زيد بن حسن، سلام اللَّه تعالى عليهم أجمعين، وهي صدقة رسول اللَّه -ﷺ- حقًّا.\nهذا حديث البخاري في (كتاب الغزوات) في قصة بني النضير، وفيه: عن عروة عن عائشة أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما أرضه من فدك، وسهمه من خيبر، فقال أبو بكر: سمعت النبي -ﷺ- يقول: (لا نورث ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال)، واللَّه لقرابة رسول اللَّه -ﷺ- أحبّ إلي أن أصل من أصل قرابتي.\nوذكر في (جامع الأصول) (١) الحديث المذكور من رواية البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود والنسائي، وذكر من قول عمر -﵁-: قال أبو بكر: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (لا نورث ما تركنا صدقة)، فرأيتماه كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا، واللَّه يعلم أنه لصادق بارّ تابع للحق، ثم توفي أبو بكر فقلت: وأنا ولي رسول اللَّه -ﷺ- وولي أبي بكر فرأيتماني كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا، واللَّه يعلم أني لصادق بار تابع للحق. وقال أبو داود: إنما سألاه أن يصيره نصفين بينهما، لا أنهما جهلا في ذلك أن النبي -ﷺ- قال: (لا نورث ما تركنا صدقة)، فإنهما كانا لا يطلبان إلا الصواب، فقال عمر: لا أوقع عليه اسم القسم، أدعه على ما هو عليه.\nوفي رواية: وكان فيما احتج به عمر، فذكر مثل حديث الكتاب في آخر (الفصل الثاني)، وذكر بعد قوله: جعله بين فقراء المهاجرين: ولم يعط الأنصار منها شيئًا إلا رجلين، كانت بها حاجة، وذكر أنها كانت بيد زيد بن الحسن ثم كانت بيد عبد اللَّه بن الحسن، ثم وليها بنو العباس، وذكر عن أبي حديث المغيرة بن شعبة كما في (الفصل\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (٢/ ٦٩٧).","vol":"7","page":143},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالثالث) من الكتاب.\nوقال البخاري (١) في (كتاب الخمس) أيضًا: عن عروة بن الزبير أن عائشة أم المؤمنين أخبرته: أن فاطمة بنت رسول اللَّه -ﷺ- سألت أبا بكر الصديق بعد وفاة رسول اللَّه -ﷺ- أن يقسم لها ميراثها ما ترك لها رسول اللَّه -ﷺ- مما أفاء اللَّه عليه، فقال لها أبو بكر: إن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (لا نورث ما تركنا صدقة). فغضبت فاطمة بنت رسول اللَّه -ﷺ-، فهجرت أبا بكر، فلم تزل مهاجرته حتى توفيت، وعاشت بعد رسول اللَّه -ﷺ- ستة أشهر، قالت: وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول اللَّه -ﷺ- من خيبر، وفدك، وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك، وقال: لست تاركًا شيئًا كان رسول اللَّه -ﷺ- يعمل به، إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ، فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس، وأما خيبر وفدك، فأمسكهما عمر، وقال: هما صدقة رسول اللَّه -ﷺ-، كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى من ولي الأمر، قال: فهما على ذلك إلى اليوم.\nوذكر في (جامع الأصول) (٢) هذا الحديث من حديث البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي عن عائشة، وزاد لمسلم بعد قوله: (ستة أشهر): (إلا ليالي)، وقبل (لست تاركًا): (لست بالذي أقسم من ذلك شيئًا)، وفيه: وإني لا أغير شيئًا من صدقة رسول اللَّه -ﷺ- عن حالتها التي كانت عليها في عهد رسول اللَّه -ﷺ-، وفي رواية بعد قوله: وإنما يأكل آل محمد من هذا المال، يعني: مال اللَّه ليس لهم أن يزيدوا على الأكل.\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٣٠٩٢).\n(٢) \"جامع الأصول\" (٩/ ٦٣٧).","vol":"7","page":144},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوأخرج في (باب ميراث النبي -ﷺ-) للترمذي (١) عن أبي هريرة قالت: جاءت فاطمة إلى أبي بكر، فقالت: من يرثك؟ فقال: أهلي وولدي، قالت: فما لي لا أرث أبي؟ فقال أبو بكر: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: (لا نورث)، ولكني أعول من كان رسول اللَّه -ﷺ- يعول، وأنفق على من كان رسول اللَّه -ﷺ- ينفق عليه.\nوأخرج لأبي داود عن أبي الطفيل قال: جاءت فاطمة تطلب ميراثها إلى أبي بكر فقال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: (إذا أطعم اللَّه نبيًا طعمة فهي للذي يقوم من بعده).\nوأخرج للبخاري ومسلم والموطأ وأبي داود عن عائشة أن أزواج النبي -ﷺ- حين توفي رسول اللَّه -ﷺ- أردن أن يبعثن إلى أبي بكر يسألن عن ميراثهن، فقالت عائشة: أليس قد قال رسول اللَّه -ﷺ-: (لا نورث ما تركناه صدقة)؟ (٢).\nوفي رواية لأبي داود: ألا تتقين اللَّه ألم تسمعن رسول اللَّه -ﷺ- يقول: (لا نورث ما تركنا فهو صدقة، وإنما هذا المال لآل محمد فإذا مت فهو إلى من ولي الأمر من بعدي)؟ (٣).\nهذه روايات هذا الباب في الكتب، ولها طرق متعددة تركناها اكتفاء بما ذكر، والذي يظهر منها أن حديث: (لا نورث ما تركنا صدقة)، وكون أملاكه -ﷺ- مشتركًا\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (١٦٠٨).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٦٧٣٠)، و\"صحيح مسلم\" (١٧٥٨)، و\"موطأ مالك\" (٢/ ٩٩٣)، و\"سنن أبي داود\" (٢٩٧٦).\n(٣) \"سنن أبي داود\" (٢٩٧٧).","vol":"7","page":145},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبين المسلمين ومصالحهم، وأن أمره إلى من يلي أمره بعد، متفق عليه بين الصحابة حتى العباس وعلي وليس مخصوصًا روايته بأبي بكر الصديق، لكنه يشكل هنا أنه إن كان الدفع إلى علي وعباس صوابًا فلم لم يدفعها عمر إليهما أولًا؟ وإلا فلم دفعها آخرًا؟ قالوا: منع أولًا على الوجه الذي كانا يطلبانه من التملك، وثانيًا أعطاهما على وجه التصرف فيها كما تصرف رسول اللَّه -ﷺ-.\nقال الخطابي: وهذه القضية مشكلة جدًا، وذلك أنهما إذا كانا قد أخذا هذه الصدقة من عمر على الشريطة التي شرطها عليهم، وقد اعترفا بأنه قد قال -ﷺ-: (ما تركنا صدقة)، وقد شهد المهاجرون بذلك، فما الذي بدا لهما بعد حتى تخاصما، والمعنى في ذلك أنه قد شق عليهما الشركة، وطلبا أن يقسم بينهما ليستبد كل واحد منهما بالتدبير والتصرف فيما يصير إليه، فمنعهما عمر القسم لئلا يجري عليه اسم الملك؛ لأن القسم إنما يقع في الأملاك، ويتطاول الزمان يظن به الملكية، وأشكل من هذا قضية سيدتنا فاطمة -﵂-، فإنا لو قلنا: كانت جاهلة بهذه السنة فذاك بعيد، وإن التزمنا ذلك بأنه لا بعد في أنه لم يتفق لها سماع ذلك الحديث فيشكل أنها بعد سماع الحديث عن أبي بكر وشهادة الصحابة بذلك كيف غضبت؟ ولو كان الغضب قبل سماع الحديث كيف لم ترجع عن غضبها حتى امتد، ولم تزل مهاجرة أبي بكر؟\nقال الكرماني في شرح (صحيح البخاري) (١): أما غضب فاطمة فهو أمر حصل على مقتضى البشرية وسكن بعد ذلك، وأما هجرانها فمعناه انقباضها عن لقائه لا الهجران المحرم من ترك السلام ونحوه، انتهى، وقد جاء في الأخبار أنه لم يحضر أبو بكر\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (١٣/ ٧٥).","vol":"7","page":146},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nجنازة فاطمة -﵂- ولم يصل إليها (١)، فقيل: إنها أوصت أن لا يصلي عليها أبو بكر، قالوا: وهذا غلط وافتراء، وكيف توصي -﵂- بذلك مع أن الأحق بالإمامة هو السلطان، ولهذا ترك الحسين -﵁- مروان أن يصلي على الحسن -﵁-، وقال: لولا حكم الشريعة ما تركتك تصلي عليه، وقيل: كانت وفاة فاطمة -﵂- في الليل فلم يعلم بها أبو بكر -﵁-، وهذا أيضًا بعيد؛ لأن أسماء بنت عميس كانت حينئذٍ تحت أبي بكر، وهي التي تولت غسل الزهراء وتجهيزها، ويبعد أن تحضر زوجته ولا يحصل له الوقوف عليه.\nومما يصرح بعلم أبي بكر بوفاة فاطمة -﵂- ما روي أنها قالت: أستحيي أن يخرجوني بعد وفاتي بحضرة الرجال من غير ستر، وكانوا يخرجون النساء كما يخرجون الرجال، فقالت أسماء بنت عميس -وفي رواية: أم سلمة -﵂-: رأينا في الحبشة يعملون من جرائد النخل نعشًا مثل الهودج نعمله لك، فعملت عندها على مثال ذلك، فرأته الزهراء ورضيت بها وتبسمت سرورًا بذلك، وما رآها أحد بعد وفاة النبي -ﷺ- تبسمُ حزنًا، فأوصت إلى أسماء أن تكوني متولية لأمري في الغسل والتجهيز، وعلي معك، ولا تتركي أحدًا يدخل عليَّ معك، فلما توفيت -﵂- جاءت عائشة -﵂- تريد الدخول، فمنعتها أسماء، فاشتكت عائشة إلى أبيها وقالت: ما لهذه الخثعمية تحول بيننا وبين بنت رسول اللَّه -ﷺ-، وتمنعني من الدخول عليها، وعملت لجنازتها مثل هودج العروس، فجاء أبو بكر على باب دار فاطمة وقام وقال: يا أسماء لم منعت أزواج النبي من الدخول على بنته -ﷺ-؟ وأيّ شيء عملت لها مثل هودج العروس؟ فقالت أسماء: هي أمرتني أن لا أترك أحدًا يدخل عليها بعد وفاتها، والذي عملت فهو بإذنها وأريتها\n_________\n(١) كذا في الأصل، والظاهر: \"عليها\".","vol":"7","page":147},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nإياه فرضيت به وسرت، فقال أبو بكر: افعلي ما أوصتك به ولا بأس.\nفهذا صريح في علم أبي بكر بوفاتها، وقيل: يحتمل أن أبا بكر قد علم ذلك وقصد حضور جنازتها، ولكن لما كتم أمرها علي وأخفاه، ولم يندب إلى أبي بكر أحدًا علم أن له في الإخفاء مصلحة، فلم يرض أبو بكر أن يجري على خلاف رضاه ومصلحته.\nوقال الشيخ الحافظ ابن حجر العسقلاني (١): يحتمل أن أبا بكر انتظر أن يطلبه علي -﵁- فيحضر، وظن علي -﵁- أنه يجيء بلا طلب، فمضى الوقت وكان ليلًا، هكذا ذكر السمهودي في (تاريخ المدينة)، وجاء في بعض الروايات أنه لما وقع بين أبي بكر وفاطمة -﵂- ما وقع ذهب أبو بكر إليها، وقام على بابها في حر الشمس واعتذر إليها، وقال: واللَّه إن قرابة رسول اللَّه -ﷺ- أحب وأولى إليّ من قرابتي، ولكني سمعت رسول اللَّه -ﷺ-. . . هذا الحديث، والصحابة شاهدون على ذلك، فرضيت فاطمة عنه -﵁- والحمد للَّه، وقد تذكر روايات في صلاة أبي بكر وإمامته، وعبد الرحمن ابن عوف وغيره من الصحابة معه واللَّه أعلم، وينقل في هذه القصة حكايات لا تعويل عليها، والظاهر أنها مفتريات، واللَّه أعلم بحقيقة الحال.\nتم (كتاب الجهاد) بعون اللَّه وتوفيقه، ويتلوه (كتاب الصيد والذبائح).\n* * *\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٢٠٢).","vol":"7","page":148},{"text":"(٢٠) كتاب الصيد والذبائح","vol":"7","page":149},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-993>(٢٠) كتاب الصيد والذبائح</span>\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n٢٠ - كتاب الصيد والذبائح\n(الصيد) في الأصل مصدر صاد يصيد ويصاد صيدًا فهو صائد، ثم أطلق على ما يصاد تسمية للمفعول بالمصدر، قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ [المائدة: ٩٥]، والصيد ما كان ممتنعًا حلالًا لا مالك له، والأصوب قول بعضهم: ما كان متوحشًا طبعًا غير المقدور عليه مأكولًا نوعه، وهو مباح لغير المحرم في غير الحرم، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، وورد فيه السنة، وانعقد عليه الإجماع.\nوفي \"رسالة ابن أبي زيد\" (١) في مذهب مالك: أنه يكره الصيد للهو، والصيد لغير اللهو مباح، ولم يثبت أن النبي -ﷺ- اصطاد بنفسه وقد قرره، واللَّه أعلم.\nو(الذبائح) جمع ذبيحة، وهو اسم لما يذبح كالذبح بالكسر، والذبح مصدر ذبح: إذا قطع الأوداج، وفي الأصل بمعنى الشق والفتق.\n_________\n(١) \"رسالة ابن أبي زيد\" (ص: ٨٢).","vol":"7","page":151},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-994> الفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٠٦٤ - [١] عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ أَمْسَكَ عَلَيْكَ فَأَدْركْتَهُ حَيًّا فَاذْبَحْهُ، وَإِنْ أَدْرَكْتَهُ قَدْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَكُلْهُ، وَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ،\nــ\nالفصل الأول\n٤٠٦٤ - [١] (عدي بن حاتم) قوله: (إذا أرسلت كلبك) الإرسال من جهة الصائد شرط حتى لو خرج الكلب بنفسه فأخذ صيدًا وقتله لم يحل.\nوقوله: (فاذكر اسم اللَّه) فيه أن التسمية شرط حالة إرسال الجارحة كما في الذبيحة حالة الذبح، ثم اختلفت أقوال الأئمة في اشتراط التسمية في الذبح، فعندنا لا يجوز أكل متروك التسمية عامدًا، وعند الشافعي يجوز.\nقالوا: وهذا القول من الشافعي مخالف لكتاب اللَّه ولإجماع الصحابة، فإنه لا خلاف فيمن كان قبله في حرمة متروك التسمية عامدًا، وإنما الخلاف بينهم في متروك التسمية ناسيًا، ومذهب مالك كمذهبنا أنه يجوز الأكل لو ترك التسمية ناسيًا، وإن تعمد ترك التسمية لم تؤكل، وكذلك عند إرسال الجوارح على الصيد، كذا في (رسالة ابن أبي زيد) في مذهب مالك، وكذلك مذهب أحمد في الذبيحة، واختلفت الروايات عنه في الصيد، ففي رواية: لو ترك التسمية على الصيد عامدًا أو ساهيًا لم يؤكل، وهو المختار في مذهبهم، وفي رواية: لا تشترط التسمية مطلقًا اكتفاء بذكر القلب وإنما تسن.\nوفي رواية: تشترط، وفي أخرى: حكمه حكم الذبيحة، ويروى عن مالك أنه لا يجوز أكل متروك التسمية عامدًا أو ناسيًا.\nومن لطائف ما وقع بين بعض علمائنا وعلماء الشافعية أن الشافعية قالوا: قال","vol":"7","page":152},{"text":"فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ وَجَدْتَ مَعَ كَلْبِكَ كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَ. وَإِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ، فَإِنْ غَابَ عَنْكَ يَوْمًا (١) فَلَمْ تَجدْ فِيهِ إِلَّا أثَرَ سَهْمِكَ فَكُلْ إِنْ شِئْتَ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءَ فَلَا تَأْكُلْ\". مُتَّفَق عَلَيهِ. [خ: ٥٤٨٣، ٥٤٨٤، م: ١٩٢٩].\n٤٠٦٥ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نُرْسِلُ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ قَالَ: \"كُلْ مَا أَمْسَكْنَ عَلَيْكَ\" قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلْنَ؟ قَالَ: \"وَإِنْ قَتَلْنَ\" قُلْتُ: إِنَّا نَرْمِي بِالْمِعْرَاضِ. . . . .\nــ\nأبو حنيفة: يجوز النكاح بلا ولي خلافًا للنبي -ﷺ-، فقالت الحنفية: قال الشافعي: يجوز أكل متروك التسمية عامدًا خلافًا للَّه ﷿.\nوقوله: (فإن أمسك) أي: الكلب الصيد، أي: حبسه لك.\nوقوله: (وإن كل فلا تأكل) فإن ذلك علامة عدم التعليم، وتعليم الكلب أن يترك الأكل ثلاث مرات.\nوقوله: (يومًا) ليس قيدًا احترازيًا.\n٤٠٦٥ - [٢] (وعنه) قوله: (إنا نرمي بالمعراض) بالكسر: سهم لا ريش له، وأكثر ما يصيب ذلك بعرض عوده، فإن كان كذلك لم يؤكل؛ لأنه لا بدّ من الجرح ليتحقق معنى الذكاة.\n_________\n(١) قال القاري (٦/ ٢٦٤٣): شرط الحل بالرمي التسمية والجرح، وأن لا يقعد عن طلبه إن غاب الصيد حال كونه متحاملًا سهمه؛ لما روى ابن أبي شيبة في \"مصنفه\"، والطبراني في \"معجمه\"، عن أبي رزين، عن النبي -ﷺ- في الصيد يتوارى عن صاحبه قال: \"لعل هوام الأرض قتلته\".","vol":"7","page":153},{"text":"قَالَ: \"كُلْ مَا خَزَقَ، وَمَا أصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَلَ فَإِنَّهُ وَقِيذٌ فَلَا تَأْكُلْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٧٧، م: ١٩٢٩].\n٤٠٦٦ - [٣] وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ الكِتَابِ، أَفَنَأْكَلُ فِي آنِيتِهِمْ، وَبِأَرْضِ صَيْدٍ أَصِيدُ بِقَوْسِي وَبِكَلْبِي الَّذِي لَيْسَ بِمُعَلَّمٍ وَبِكَلْبِي الْمُعَلَّم، فَمَا يَصْلُحُ لِي؟ قَالَ: \"أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ. . . . .\nــ\nوقوله: (كل ما خزق) بالخاء والزاي المعجمتين آخره قاف أي: جرح ونفذ، والوقيذ بالقاف والذال المعجمة: الموقوذ الذي يقتل بغير محدد من عصا أو حجر، كذا في (مجمع البحار) (١). وفي (القاموس) (٢): الوقذ: شدة الضرب، وشاة وقيذ وموقوذة: قتلت بالخشب، ذكره في الذال المعجمة.\n٤٠٦٦ - [٣] (أبو ثعلبة الخشني) قوله: (أفنأكل) استفهام وسؤال عن جواز الأكل (في آنيتهم) لقوله: (فما يصلح لي)، وقال الطيبي (٣): الهمزة يجوز أن تكون مقحمة لأن الكلام سيق للاستخبار.\nوقوله: (فنأكل) معطوف على ما قبل الهمزة وأن يكون على معناها فيقدر معطوف عليه بعدها، أي: أتأذن فنأكل، انتهى. لا يدرى وجه هذا الترديد والاحتمال مع ظهور الحقيقة فيتعين الحمل عليها، وما ذكر في توجيه الإقحام لا يخلو عن خفاء، فتأمل.\nوقوله: (أصيد بقوسي) أي: بالرمي.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٣٩، ٥/ ١٠١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٢٠).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٩٢، ٩٣).","vol":"7","page":154},{"text":"فَإِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلَا تَأْكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجدُوا فَاْغسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا، وَمَا صِدْتَ بِقَوْسِكَ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ الْمُعَلَّمِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، وَمَا صِدْتَ بِكَلْبِكَ غَيْرِ مُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْتَ ذَكَاتَهُ فَكُلْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٧٨، م: ١٩٣٠].\n٤٠٦٧ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا رَمَيْتَ بِسَهْمِكَ فَغَابَ عَنْكَ فَأَدْركْتَهُ. . . . .\nــ\nوقوله: (فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها) ظاهره أنه لا تستعمل آنيتهم بعد الغسل إذا وجد غيرها، وقال الفقهاء: يجوز بعد الغسل، قال البرماوي: ويحمل الحديث على الأواني التي يطبخون فيها لحوم الخنازير ويشربون فيها الخمور، وقول الفقهاء على الأواني التي ليست مستعملة في النجاسات غالبًا، وقال: ذكره أبو داود في (سننه) (١) صريحًا، وفي الحواشي (٢): إنما أمر رسول اللَّه -ﷺ- بغسل إناء الكفار فيما إذا تيقن نجاسته وما لا فكراهته كراهة تنزيه.\nوقوله: (وما صدت) بكسر الصاد على وزن بعت وخفت.\nوقوله: (بكلبك غير معلم) صحح بالنصب وبالجر، فالنصب على الحالية، والجر على البدلية بدل اشتمال.\nوقوله: (فأدركت ذكاته) بالذال، أي: أدركته حيًّا فذبحته.\n٤٠٦٧ - [٤] (وعنه) قوله: (فغاب عنك) فلم تجد فيه إلا أثر سهمك كما مرّ في حديث عدي.\n_________\n(١) \"سنن أبي داود\" (٣٨٣٩).\n(٢) انظر: \"شرح مصابيح السنة\" (٤/ ٤٩١).","vol":"7","page":155},{"text":"فَكُلْ مَا لَمْ يُنْتِنْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٣١].\n٤٠٦٨ - [٥] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ فِي الَّذِي يُدْرِكُ صَيْدَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ: \"فَكُلْهُ مَا لَمْ يُنْتِنْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٣١].\n٤٠٦٩ - [٦] وَعَنْ عَائِشَة قَالَتْ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هُنَا أَقْوَامًا حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِشِرْكٍ، يَأْتُونَنَا بِلُحْمَانٍ لَا نَدْرِي أَيَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: \"اذْكُرُوا أَنْتُمْ اسْمَ اللَّهِ وَكُلُوا\". . . . .\nــ\nوقوله: (ما لم ينتن) الرواية المشهورة بضم الياء وكسر التاء من أنتن: إذا صار ذا نتن، وقد يروى بفتح الياء أيضًا من نتن بمعنى أنتن.\nوقوله: (والنتن) ضد الفوح، ونتن ككرم وضرب نتانة فهو نتن، وأنتن فهو منتن، وهذا على طريق الاستحباب وإلا فالنتن لا يوجب الحرمة، وقد روي أنه -ﷺ- أكل [ودكًا] متغير الريح، كذا في الحواشي (١)، ولعله أكل تعليمًا للجواز.\n٤٠٦٨ - [٥] (وعنه) قوله: (يدرك صيده بعد ثلاث) التقييد بثلاث للمبالغة، والمعتبر عدم النتن، وبهذا يعلم أن التقييد بيوم في حديث عدي كان اتفاقيًا.\n٤٠٦٩ - [٦] (عائشة) قوله: (حديث عهدهم) بالإضافة أو بتنوين (حديث) ورفع (عهدهم)، وهذا أظهر، و(لحمان) بضم اللام وسكون الحاء: جمع لحم بالسكون وبحرك.\nوقوله: (اذكروا أنتم اسم اللَّه وكلوا) نقل عن ابن ملك في (شرح المشارق): ليس معناه أن تسميتكم الآن تنوب عن تسمية المذكي، بل فيه بيان أن التسمية مستحبة عند الاكل وأن ما لم تعرفوا أَذُكِرَ اسم اللَّه عليه عند ذبحه يصح أكله إذا كان الذابح ممن\n_________\n(١) انظر: \"شرح مصابيح السنة\" (٤/ ٤٩٢).","vol":"7","page":156},{"text":"رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٥٠٧].\n٤٠٧٠ - [٧] وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ: هَلْ خَصَّكُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِشَيْءٍ؟ فَقَالَ: مَا خَصَّنَا بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسَ إِلَّا مَا فِي قِرَابِ سَيْفِي هَذَا، فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً فِيهَا: \"لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ سَرَقَ مَنَارَ الأَرْضِ\"، وَفِي رِوَايَةٍ: \"مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ،\nــ\nيصح أكل ذبيحته حملًا لحال المسلم على الصلاح، انتهى.\nوقد تمسك بهذا الحديث من لم يجعل التسمية شرطًا، وبالجملة ليست التسمية الآن قائمة مقام التسمية حال الذبح، وليست كالتسمية في وسط الأكل عند النسيان في ابتدائهم، فافهم.\n٤٠٧٠ - [٧] (أبو الطفيل) قوله: (ما في قراب سيفي) قراب السيف بالكسر: جفنه وهو وعاء يكون فيه السيف بغمده وحمالته، كذا في (الصحاح) (١).\nوقوله: (من ذبح لغير اللَّه) كالمشركين يذبحون للأصنام، وقد يتمسك به بعض من يجوّز أكل متروك التسمية عامدًا في تأويله لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] بأن المراد ما يذكر اسم غير اللَّه عليه.\nوقوله: (من سرق منار الأرض) جمع منارة وهي علامة الأراضي التي تتميز بها حدودها، أي: يريد استباحة ما ليس له من حق الجار، أي: رفعها وقطع شيئًا من أرض إلى أرضه، كذا قالوا، ويحتمل أن يكون المراد غير منار الأرض ورفعها وطمس علامات الطرق ونصبها ليضل الناس الطريق فيقطع، والرواية الأخرى أوفق بهذا المعنى، والأول بالأول، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"الصحاح\" (١/ ٢٠٠).","vol":"7","page":157},{"text":"وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٧٨].\n٤٠٧١ - [٨] وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا، وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدًى أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ؟ قَالَ: \"مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ. . . . .\nــ\nوقوله: (من لعن والده) فإنه من جملة الإيذاء والعقوق، ويمكن أن يكون كناية عن لعن والد الغير فيلعن والده كما جاء في حديث النهي عن شتم الوالد بهذا المعنى، واللَّه أعلم.\nوقوله: (من آوى محدثًا) روي بمد الألف ويجوز القصر، والحدث: الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السنة، والمحدث بكسر الدال، والمعنى من نصر جانبًا وأجاره من خصمه، ويدخل فيه الحامي على الإسلام بإحداث بدعة إذا حماه عن التعرض له والأخذ بيده والذب عنه، وقد يفتح الدال وهو الأمر المبتدع، وإيواؤه الرضا به، والصبر عليه، وتقرير فاعله، كذا في (مجمع البحار) (١). واللعن يشمل لعن الكفر والفسق وهو البعد عن مقام الزلفى، وإطلاق اللعن بهذا المعنى كثير في الأحاديث، وفيه خلاص عن كثير من المحذورات.\n٤٠٧١ - [٨] (رافع بن خديج) قوله: (ليست معنا مدى) بضم الميم جمع مدية مثلثة: الشفرة، وهي السكين العظيم.\nوقوله: (ما أنهر الدم) أي: أظهره وأساله، ونهر النهر كمنع: أجراه، كذا في (القاموس) (٢).\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٥٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٥٤ - ٤٥٥).","vol":"7","page":158},{"text":"فَكُلْ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكَ عَنْهُ: أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشِ\". . . . .\nــ\nوقوله: (فكل) أي: يجوز أكل ما ذبح بما أنهر الدم سواء كان بالسكين أو بغيره، وهذا متفق عليه بين العلماء.\nوقوله: (ليس السن والظفر) بالنصب على الاستثناء، نحو جاءني القوم ليس زيدًا، وهذا على الإطلاق عند الأئمة، وعند أبي حنيفة: لا يجوز الذبح بالسن القائم والظفر القائم، ويجوز بالظفر والقرن والسن إذا كان منزوعًا حتى لا يكون بأكله بأس إلا أنه يكره هذا الذبح، وحجتهم هذا الحديث، ولنا قوله -ﷺ-: (أنهر الدم بما شئت) ويروى: (أفر الأوداج بما شئت)، وما رواه محمول على غير المنزوع فإن الحبشة كانوا يفعلون كذلك، ولأنه آلة جارحة فيحصل به ما هو المقصود، وهو إخراج الدم، فصار كالحجر والحديد، بخلاف غير المنزوع فإنه يقتل بالثقل، فيكون في معنى المنخنقة، وإنما يكره لأن فيه استعمال جزء الآدمي، ولأن فيه إعسارًا على الحيوان، وقد أمرنا فيه بالإحسان، كذا في (الهداية) (١).\nوقوله: (وأما السن فعظم) أي: وكل عظم لا يحل به الذبح، اكتفى في الحديث في تعليل عدم جواز الذبح بالسن بأنه عظم، ونقل السيوطي عن ابن الصلاح: لم أر بعد البحث من نقل للمنع من الذبح بالعظم معنى يعقل، وكذا قال ابن عبد السلام، وعلله النووي بأن العظم يتنجس بالدم إذا ذبح به، وقد نهي عن تنجيسه لأنه زاد إخوانكم من الجن.\nوقوله: (وأما الظفر) في (القاموس) (٢): الظفر بالضم وبضمتين وبالكسر شاذ،\n_________\n(١) \"الهداية\" (٢/ ٣٤٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٠٤).","vol":"7","page":159},{"text":"وَأَصَبْنَا نَهْبَ إِبِلٍ وَغَنَمٍ فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ لِهَذِهِ الإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ، فَإِذَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا شَيْءٌ فَافْعَلُوا بِهِ هَكَذَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٠٩، م: ١٩٦٨].\nــ\nيكون للإنسان وغيره كالأظفور، وقول الجوهري: جمعه أظفور غلط، وإنما هو واحد، والجمع أظفار وأظافير، و(الحبش) (١) بضم الحاء وسكون الباء: جمع حبش، ومعنى التعليل أن في الذبح بالظفر تشبه بهم في فعلهم الشنيع الذي يخص بهم وهم كفار نصارى.\nوقوله: (وأصبنا) هو أيضًا مروي عن رافع، ومقوله غير داخل تحت (قلت)، بل عطف عليه، كذا قال الطيبي (٢)، فتأمل.\nوقوله: (فند منها بعير) ند البعير يند ندًّا وندودًا وندادًا: شرد ونفر.\nوقوله: (إن لهذه الأوابد) اللام بمعنى من، أي: من هذا الجنس من الحيوانات، أوابد جمع آبدة بمعنى المتوحشة، وأبد كفرح: توحش.\nوقوله: (فإذا غلبكم منها شيء) أي: نفر كالصيد الوحشي (فافعلوا به هكذا) أي: ارموه بسهم ونحوه، فإن ذكاته اضطرارية كالصيد، وكذا الحكم إذا وقع البعير ونحوه في البئر مثلًا، فالذكاة قسمان؛ اختياري: وهو بالجرح فيما بين اللبة واللبتين،\n_________\n(١) قال القاري (٦/ ٢٦٤٨): بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة كذا في أكثر النسخ، وفي أصل السيد وعليه صح، وفي نسخة بفتحهما وهو الصواب، ففي القاموس: الحبش والحبش محركتين والأحبش بضم الباء: جنس من السودان جمعه حبشان، أو أحابش، وكذا في \"الصحاح\" و\"شمس العلوم\" و\"المصباح\"، بل في أكثر الأصول كالبخاري وغيره، الحبشة بالتاء والحبش بضم فسكون إنما هو بطن، أو جَدٌّ كما في كتب الأنساب.\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٩٥).","vol":"7","page":160},{"text":"٤٠٧٢ - [٩] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ لَهُ غَنَمٌ تُرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لنا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتًا، فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَسَأَلَ النَّبِيَّ -ﷺ- فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٣٠٤].\n٤٠٧٣ - [١٠] وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ ﵎ (١) كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَاحْسِنُوا الذَّبْحَ،\nــ\nواضطرارية: وهو بالجرح في أيّ موضع كان، وقال في (الهداية) (٢): قال مالك: لا يحل بذكاة الاضطرار في الوجهين لأن ذلك نادر، ونحن نقول: المعتبر حقيقة العجز وقد تحقق فيصار إلى البدل، كيف وأنا لا نسلم الندرة بل هو غالب.\n٤٠٧٢ - [٩] (كعب بن مالك) قوله: (بسلع) بفتح السين وسكون اللام: جبلٌ في الجانب الغربي من المدينة إلى جانب المساجد الأربعة، وعنده كان حفر الخندق وغزوته.\nوقوله: (موتًا) أي: أثر موت، وهو مفعول (أبصرت).\n٤٠٧٣ - [١٠] (شداد بن أوس) قوله: (كتب الإحسان) أي: أمركم بالإحسان أمر استحباب متأكد كالوجوب.\nوقوله: (على كل شيء) (على) بمعنى في، وقيل: ضمن الإحسان معنى التفضل، فعدي بـ (على)، و(القتلة) بكسر القاف للهيئة، والإحسان فيها أن يحدّ السيف ولا يعذب، و(الذبح) بفتح الذال، وقد يروى الذبحة كالقتلة.\n_________\n(١) قوله: \"﵎\" سقط في نسخة.\n(٢) \"الهداية\" (٤/ ٣٥٠).","vol":"7","page":161},{"text":"وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٥٥].\n٤٠٧٤ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَنْهَى أَنْ تُصْبَرَ بَهِيمَةٌ أَوْ غَيْرُهَا لِلْقَتْلِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥١٤، م: ١٩٥٩].\n٤٠٧٥ - [١٢] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَعَنَ مَنِ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥١٥، م: ١٩٥٨].\n٤٠٧٦ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تَتَّخِذُوا شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٥٧].\nــ\nوقوله: (وليحد) من الإحداد، و(الشفرة) بفتح الشين: السكين العظيم، وهو أيضًا يتضمن الإحسان بالنسبة إلى الذبح بالسكين الصغير.\nوقوله: (وليرح) من الإراحة، أي: يتركه حتى يستريح ويبرد، ومن جملة الإحسان أن لا يستحد الشفرة برؤية الذبيحة، ولا يذبح واحدة بحضرة الأخرى إن أمكن، وأن لا يجر ما يريد ذبحه برجله إلى المذبح.\n٤٠٧٤ - [١١] (ابن عمر) قوله: (أن تصبر بهيمة) في (القاموس) (١): البهيمة: كل ذات أربع قوائم ولو في الماء، وأصل الصبر الحبس، والمعنى: تحبس وتحفظ للقتل بلا أكل وشرب، أو معناه يمسك الحيوان ويجعل هدفًا يرمى إليه حتى يموت كما في الحديثين الآتيين.\n٤٠٧٥ - [١٢] (وعنه) قوله: (لعن) يدل على أن النهي للتحريم. و(الغرض) بمعجمتين محركة: الهدف.\n٤٠٧٦ - [١٣] (ابن عباس) قوله: (لا تتخذوا) ووجه النهي أن فيه تضييقًا\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٩٩).","vol":"7","page":162},{"text":"٤٠٧٧ - [١٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الضَّرْبِ فِي الْوَجْهِ، وَعَنِ الْوَسْم فِي الْوَجْهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١١٦].\n٤٠٧٨ - [١٥] وَعَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- مَرَّ عَلَيْهِ حِمَارٌ وَقَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ قَالَ: \"لَعَنَ اللَّهُ الَّذِي وَسَمَهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١١٧].\nــ\nوإتلافًا، وإن لم تمت فتذكى ففيه تعذيب.\n٤٠٧٧ - [١٤] (جابر) قوله: (عن الضرب في الوجه) باللطم أو بالسوط في وجه الآدمي أو غيره، والوسم: أثر الكيِّ، كذا في (القاموس) (١)، وفي (مختصر النهاية) (٢): الوسم: الكيّ، وفي (الصراح) (٣): وسم سمة: نشان كردن وداغ كردن.\n٤٠٧٨ - [١٥] (وعنه) قوله: (وقد وسم في وجهه) اعلم أن الوسم في الوجه منهي بالإجماع سواء كان في الآدمي أو في الحيوانات، وأما في غير الوجه فيستحب في نعم الزكاة والجزية، وجائز في غيرها، والمقصود منه التميز، وأما في الآدمي فقد جاءت الأخبار والآثار فيه مختلفة، أما قولًا فبعضها يدل على عدم كونه محبوبًا، وبعضها يدل على المدح على تركه، وبعضها يدل على النهي عنه، وأما فعلًا فقد دل على جوازه أنه روي -ﷺ- أنه أرسل طبيبًا على أبي بن كعب فصده ثم كواه، ولما جرح سعد ابن معاذ في أكحله أذن له في الكي، فلما تورم كواه مرة أخرى، وكذلك كوى جابرًا وأسعد بن زرارة، قالوا: فالنهي محمول على أن يكون على سبيل الاختيار من غير ضرورة واحتياج إليه، وإن كان لحدوث مرض أو برء عنه جاز وإلا فلا، كذا ذكر الشيخ\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٧٥).\n(٢) \"الدر النثير\" (٢/ ١٠٤٢).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٤٩٦).","vol":"7","page":163},{"text":"٤٠٧٩ - [١٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: غَدَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ لِيُحَنكِّهُ، فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ الْمِيسَمُ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٥٠٢، م: ٢١١٩].\n٤٠٨٠ - [١٧] وَعَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وَهُوَ فِي مِرْبَدٍ. . . . .\nــ\nمجد الدين في كتاب (سفر السعادة) (١).\nوقالوا: إن الكي من الأسباب الوهمية التي مباشرتها قادح في التوكل بخلاف العلاج بأدوية أخرى فإنها ظنية، وإن حصل الظن الغالب هنا أيضًا جاز، والمختار أنه مكروه كراهة تحريم إلا عند حصول الظن الغالب بقول طبيب حاذق: إنه ينحصر العلاج فيه، وباقي الكلام في (شرح سفر السعادة) (٢).\n٤٠٧٩ - [١٦] (أنس) قوله: (بعبد اللَّه بن أبي طلحة) هو أخو أنس بن مالك من أمه.\nوقوله: (ليحنكه) التحنيك: أن يمضغ تمرًا أو غيره من الشيء الحلو ويدلك داخل حنك المولود، وهو سنة.\nوقوله: (فوافيته) أي: وجدته، و(الميسم) الآلة من الحديدة التي يكوى بها.\n٤٠٨٠ - [١٧] (هشام بن زيد) قوله: (في مربد) بكسر الميم وسكون الراء المهملة وفتح الموحدة: موضع يحبس النعم، والربد في الأصل الحبس، ربد ربودًا: أقام وحبس.\n_________\n(١) \"سفر السعادة\" (ص: ٨٦).\n(٢) انظر: \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٤٦٠).","vol":"7","page":164},{"text":"فَرَأَيْتُهُ يَسِمُ شَاءً حَسِبْتُهُ قَالَ: فِي آذَانِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٤٢، م: ٢١١٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-995> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٠٨١ - [١٨] عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِم قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ أَحَدَنَا أَصَابَ صَيْدًا وَلَيْسَ مَعَهُ سِكِّينٌ، أَيَذْبَحُ بِالمَرْوَةِ وَشِقَّةِ الْعَصَا؟ قَالَ: \"أَمْرِرِ الدَّمَ بِمَ شِئْتَ وَاذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٨٢٤، ن: ٤٣٠٤].\nــ\nوقوله: (يسم شيئًا) أي: من الأنعام، وفي بعض النسخ: (شاء) جمع شاة، وهذا أظهر بحسب المعنى.\nوقوله: (حسبته) قول الراوي عن أنس يقول: ظننت أنسًا قال: (في آذانها) وهو بدل من (شاء) بدل البعض، وعلى رواية: (شيئًا) معناه: في شيء ظرف يسم، وعلى هذا أيضًا بدل، وهو مختار الطيبي (١)، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n٤٠٨١ - [١٨] (عدي بن حاتم) قوله: (أيذبح بالمروة) المروة حجارة بيض براقة واحدها مروة، وبهذا سمي بها جبل بمكة، و(شقة) بالكسر والتشديد، أي: قطعة تشق من العصا.\nوقوله: (أمرر الدم) كذا في أكثر نسخ (المشكاة) برائين بغير إدغام، أمرٌ من الإمرار، ونقل عن صاحب (الجامع) (٢) أنه قال: كذا قرأنه في كتاب أبي داود، وكذلك في إحدى روايات النسائي.\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٨/ ٩٩).\n(٢) \"جامع الأصول\" (٤/ ٤٩٤).","vol":"7","page":165},{"text":"٤٠٨٢ - [١٩] وَعَنْ أَبِي العُشَراءِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إِلَّا فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ؟ فَقَالَ: \"لَوْ طَعَنْتَ فِي فَخِذِهَا لأَجْزَأَ عَنْكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهَذَا ذَكَاةُ الْمُتَرَدِّي، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا فِي الضَّرُورَةِ. [ت: ١٤٨١، د: ٢٨٢٥، ن: ٤٤٠٨، جه: ٣١٨٤، دي: ٢/ ٨٢].\n٤٠٨٣ - [٢٠] وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: . . . . .\nــ\nوفي بعض النسخ: (امر) بكسر الهمزة وسكون الميم كارم، من مري الناقة يمريها: مسح ضرعها فأَمْرَتْ هي: [درَّ] لبنها، وقوّم التُّورِبِشْتِي (١) هذه الرواية، ثم نقل عن كثير من المحدثين أنهم يشددون الراء ويحركون الميم ظنًا منهم أنه من الإمرار، وحكم على الأول بأنه لحن منهم، وقد يروى (أمر) بفتح الهمزة وكسر الميم كأغث وأعن من أمار الدم: أساله، والمور: الموج، والجريان على وجه الأرض، كذا في (القاموس) (٢).\n٤٠٨٢ - [١٩] (أبو العشراء) قوله: (أبي العشراء) بضم العين المهملة وفتح الشين المعجمة وبالمد، اسمه أسامة بن مالك.\nوقوله: (واللبة) بفتح اللام وتشديد الباء: موضع القلادة من الصدر، كذا في (القاموس) (٣)، والمراد بـ (المتردي): الساقط في البئر، والضرورة أعم من ذلك.\n٤٠٨٣ - [٢٠] (عدي بن حاتم) قوله: (وعن عدي بن حاتم) الحديث، وهذا\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٣٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٤٤).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٣٦).","vol":"7","page":166},{"text":"\"مَا عَلَّمْتَ مِنْ كَلْبٍ أَوْ بَازٍ، ثُمَّ أَرْسَلْتَهُ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْكَ\". قُلْتُ: وَإِنْ قَتَلَ؟ قَالَ: \"إِذَا قَتَلَهُ وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَمْسَكَهُ عَلَيْكَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٨٥١].\n٤٠٨٤ - [٢١] وَعَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرْمِي الصَّيْدَ فَأَجِدُ فِيهِ مِنَ الْغَدِ سَهْمِي قَالَ: \"إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ سَهْمَكَ قَتَلَهُ وَلَمْ تَرَ فِيهِ أَثَرَ سَبُعٍ فَكُلْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٨٥٣].\n٤٠٨٥ - [٢٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نُهِينَا عَنْ صَيْدِ كَلْبِ الْمَجُوسِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٤٦٦].\n٤٠٨٦ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا أَهْلُ سَفَرٍ، نَمُرُّ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ، فَلَا نَجِدُ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ، قَالَ: . . . . .\nــ\nكحديثه في أول الباب لكنه أقام هنالك عدم الأكل ووجوده مقام التعليم وعدمه.\n٤٠٨٤ - [٢١] (وعنه) قوله: (ولم تر فيه أثر سبع) وهذا أيضًا كحديث عدي في أول الباب لكن قال هناك: (فلم تجد إلا أثر سهمك)، وهذا أعمّ من أن تجد فيه أثر سبع أو أثر سهم شخص آخر، وعلى التقديرين الحكم واحد.\n٤٠٨٥ - [٢٢] (جابر) قوله: (عن صيد كلب المجوس) الإضافة من قبيل حب رمانك، والمقصود لا يحل ما اصطاده المجوس وإن كان بكلب المسلم، وإن اصطاد المسلم بكلب المجوسي حل، فافهم.\n٤٠٨٦ - [٢٣] (أبو ثعلبة الخشني) قوله: (إنا أهل سفر) يجوز بالرفع والنصب، والأول هو الأظهر.","vol":"7","page":167},{"text":"\"فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَاغْسِلُوهَا بِالْمَاءِ ثُمَّ كُلُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٤٦٤].\n٤٠٨٧ - [٢٤] وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ هُلْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- عَنْ طَعَامِ النَّصَارَى -وَفِي رِوَايَةٍ: سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ مِنَ الطَّعَامِ طَعَامًا أتحَرَّجُ مِنْهُ- فَقَالَ: \"لَا يَتَخَلَّجَنَّ فِي صَدْرِكَ شَيْءٌ ضَارَعْتَ فِيهِ. . . . .\nــ\nوقوله: (فإن لم تجدوا غيرها) مفهومه: وإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا، وقد صرح به في حديثه الذي مرّ في (الفصل الأول)، ومر شرحه.\n٤٠٨٧ - [٢٤] (قبيصة بن هلب) قوله: (وعن قبيصة) بفتح القاف وكسر الباء، (ابن هلب) بضم الهاء وسكون اللام.\nوقوله: (وفي رواية: سأله رجل) قيل: هو عدي بن حاتم.\nوقوله: (أتحرج) بلفظ المتكلم من الحرج وهو في الأصل بمعنى الضيق، ويطلق على الإثم، ومعنى (أتحرج): أجتنب وأمتنع، كتأثم: اجتنب عن الإثم.\nوقوله: (ولا يتخلجن في صدرك شيء) وفي رواية: (طعام)، و(شيء) أعم، لكن السؤال كان عن الطعام، والظاهر أن المعنى على رواية (شيء) أي: شيء من الشك والريبة، ولا يتحلجن من الحلج بالحاء المهملة، في (القاموس) (١): الحلوج: البارقة من السحاب، وتحلُّجُها: اضطرابها، وتَبَرُّقُها، واحتلج حقه: أخذه، وقول عدي: (ولا يتحلجن في صدرك طعام) أي: لا يدخلن قلبك منه شيء فإنه نظيف، انتهى كلام (القاموس)، ويروى بالخاء المعجمة من الخلجان بمعنى الحركة في القلب.\nوقوله: (ضارعت) أي: شابهت، استئناف لبيان سبب النهي، ويحتمل أن يكون\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٨١).","vol":"7","page":168},{"text":"النَّصْرَانِيَّةَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٥٦٥، د: ٣٧٨٤].\n٤٠٨٨ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي الدَّرْداءِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ أَكْلِ الْمُجَثَّمَةِ وهيَ الَّتِي تُصْبَرُ بالنَّبلِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٤٧٣].\n٤٠٨٩ - [٢٦] وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ. . . . .\nــ\nصفة (شيء)، وهو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: ٢٧]، وخص النصرانية بالذكر؛ لأن السائل وهو عدي بن حاتم الطائي كان نصرانيًا قبل إسلامه، كذا قيل، وهذا على رواية: (سأله رجل) وكون الرجل عدي بن حاتم.\n٤٠٨٨ - [٢٥] (أبو الدرداء) قوله: (نهى عن أكل الْمجثَّمة) بضم الميم وفتح المثلثة المشددة: الحيوانات التي تنصب وترمى لتقتل، أي: تحبس وتجعل هدفًا وترمى بالنبل، وقد مرّ بيانه في حديث ابن عمر، كأنها جثمت بالقتل، من جثم الطائر وجثومًا: لزم الأرض ولصق بها، وهو بمنزلة البروك للإبل، كذا في (النهاية) (١)، وفي (القاموس) (٢): جثم الإنسان والطائر والنعام والخِشْفُ واليربوع، يجثِم ويجثُم جثمًا وجثومًا فهو جاثم وجَثوم: لزم مكانه فلم يبرح، أو وقع على صدره، أو تلبَّد بالأرض. وفي (الصراح) (٣): جثوم سينه بر زمين نهادن مرغ ومردم، ويعبر به عن الهلاك، قال اللَّه تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨].\n٤٠٨٩ - [٢٦] (العرباض بن سارية) قوله: (وعن العرباض) بكسر العين.\n_________\n(١) \"النهاية\" (١/ ٢٣٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٠٢).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٤٩٢).","vol":"7","page":169},{"text":"عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَعَنْ كُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ، وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وَعَنِ الْمُجَثَّمَةِ، وَعَنِ الْخَلِيسَةِ، وَأَنْ تُوطَأَ الْحَبَالَى حَتَّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنَّ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: سُئِلَ أَبُو عَاصِمٍ عَنِ الْمُجَثَّمَةِ فَقَالَ: أَنْ يُنْصَبَ الطَّيْرُ أَوِ الشَّيْءُ فَيُرْمَى، وَسُئِلَ عَنِ الْخَلِيسَةِ فَقَالَ: الذِّئْبُ أَوِ السَّبُعُ يُدْرِكُهُ الرَّجُلُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ، فَيَمُوتُ فِي يَدِهِ قَبْلَ أَنْ يُذَكِّيَهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٤٧٤].\n٤٠٩٠ - [٢٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ. زَادَ ابْنُ عِيسَى: هِيَ الذَّبِيحَةُ يُقْطَعُ مِنْهَا الْجِلْدُ. . . . .\nــ\nوقوله: (عن كل ذي ناب) كالأسد والذئب والكلب وأمثالها مما يعدو على الناس بأنيابه، والفيل ذو ناب، كذا في (الهداية) (١).\nوقوله: (وعن كل ذي مخلب) بكسر الميم وفتح اللام كالنسر والصقر والبازي ونحوها مما يصطاد من الطيور بمخلبها.\nوقوله: (وأن توطأ الحبالى) جمع حبلى، والمراد من السبي حتى يحصل الاستبراء، وإن لم تكن حاملة لا توطأ حتى تحيض ليحصل الاستبراء.\nوقوله: (فقال: الذئب أو السبع يدركه الرجل. . . إلخ)، في العبارة تقديم وتأخير، أي: الخليسة هي التي تؤخذ من الذئب أو السبع فتموت في يده قبل أن تذكى، فالخليسة فعيلة بمعنى مفعولة من الخلس بمعنى السلب.\n٤٠٩٠ - [٢٧] (ابن عباس) قوله: (عن شريطة الشيطان) مشتق من شرط الحجام، أو من الشرط بمعنى العلامة، وأضافها إلى الشيطان لأنه الذي حملهم على\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٣٥١).","vol":"7","page":170},{"text":"وَلَا تُفْرَى الأَوْدَاجُ، ثُمَّ تُتْرَكُ حَتَّى تَمُوتَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٨٢٦].\n٤٠٩١ - [٢٨] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٢٨٢٨، دي: ٢/ ٨٤].\n٤٠٩٢ - [٢٩] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. [ت: ١٤٧٦].\nــ\nهذا الفعل.\nوقوله: (ولا تفرى) أي: لا تقطع، و(الأوداج) هي العروق التي أحاطت بالعنق، أي: لا يستقصي ولا يُتم ذبحها، وتترك حتى تموت، وكان من عادة أهل الجاهلية أن يقطعوا شيئًا يسيرًا من حلق البهيمة، ثم يتركوها حتى تموت.\n٤٠٩١، ٤٠٩٢ - [٢٨، ٢٩] (جابر) قوله: (ذكاة الجنين ذكاة أمه) أي: ذكاة الأم كافية في حلّ الجنين، فلو ذبحت شاة مثلًا وفي بطنها جنين ميت حل أكله، وبه قال الأئمة الثلاثة، فعند أحمد والشافعي رحمهما اللَّه تعالى في المشهور أشعر أو لم يشعر، وعند مالك ﵀ إذا تم خلقه ونبت شعره، وعند أبي حنيفة ﵀: لا يحل أكله إلا أن يخرج حيًّا ويذبح، وأما إذا خرج حيًّا فلا بدّ أن يذبح بالاتفاق، وفي (شرح كتاب الخرقي) (١): قال ابن المنذر: لم يرو عن أحد من الصحابة والتابعين وسائر العلماء أن الجنين لا يؤكل إلا باستئناف الذبح غير ما روي عن النعمان، انتهى.\nقال في (الهداية) (٢): ومن نحر ناقة أو ذبح بقرة فوجد في بطنها جنينًا ميتًا لم يؤكل أشعر أو لم يشعر، وهذا عند أبي حنيفة ﵀، وهو قول زفر والحسن بن زياد، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا قم خلقه أكل، وهو قول الشافعي، وذكر في\n_________\n(١) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٦/ ٦٧٥).\n(٢) \"الهداية\" (٤/ ٣٥١).","vol":"7","page":171},{"text":"٤٠٩٣ - [٣٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَنْحَرُ النَّاقَةَ وَنَذْبَحُ الْبَقَرَةَ وَالشَّاةَ فَنَجِدُ فِي بَطْنِهَا الْجَنِينَ أنُلْقِيهِ أَمْ نَأْكُلُهُ؟ قَالَ: \"كُلُوهُ إِنْ شِئْتُمْ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمِّهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٢٨٢٧، جه: ٣١٩٩].\n٤٠٩٤ - [٣١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا فَمَا فَوْقَهَا بِغَيْرِ حَقِّهَا، سَأَلَهُ اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِ\" قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا حَقُّهَا؟ قَالَ: \"أَنْ يَذْبَحَهَا فَيَأْكُلَهَا،\nــ\n(شرحه) (١): أن متمسكهم ما قال رسول اللَّه -ﷺ-: (إذا وقعت رميتك في الماء فلا تأكله فإنك لا تدري أن الماء قتله أم سهمك)، فقد حرم الأكل عند وقوع الشك في سبب زهوق الروح، وذلك موجود في الجنين، فإنه لا يدرى أنه مات بذبح الأم أو باحتباس نفسه، والحديث الذي ذكره لا يكاد يصح، واللَّه أعلم، وقد تعارضت الأدلة العقلية من الجانبين وهي مذكورة في (الهداية) وشروحه.\n٤٠٩٣ - [٣٠] (أبو سعيد) قوله: (ننحر الناقة ونذبح البقرة) النحر: الصدر وأعلاه أو موضع القلادة منه، ونحر البعير: طعنه بيده، وهو السنة في الإبل، والذبح يكون في الحلق بقطع الأوداج.\n٤٠٩٤ - [٣١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (فما فوقها) أي: في الصغر والحقارة، فيكون في معنى ما دونها أو أعظم منها في الجثة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] ولعل التأنيث بتأويل النفس أو النسمة.\n_________\n(١) \"شرح فتح القدير\" (١٠/ ١٢٩).","vol":"7","page":172},{"text":"وَلَا يَقْطَعَ رَأْسَهَا فَيَرْمِيَ بِهَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٢/ ١٦٦، ن: ٤٤٤٥، دي: ٢/ ٨٤].\n٤٠٩٥ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ -ﷺ- الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَجُبُّونَ أَسْنِمَةَ الإِبِلِ، وَيَقْطَعُونَ أَلْيَاتِ الْغَنَمِ، فَقَالَ: \"مَا يُقْطَعُ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ لَا تُؤْكَلُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٤٨٠، د: ٢٨٥٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-996> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٠٩٦ - [٣٣] عَنْ عَطَاءَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ أَنَّهُ كَانَ يَرْعَى لِقْحَةً بِشِعْبٍ مِنْ شِعَابِ أُحُدٍ، فَرَأَى بِهَا الْمَوْتَ فَلَمْ يجِدْ مَا يَنْحَرُهَا بِهِ (١)، فَأَخَذَ وَتِدًا فَوَجَأَ بِهِ فِي لَبَّتِهَا حَتَّى أَهْرَاقَ دَمَهَا،\nــ\nوقوله: (لا يقطع رأسها فيرمي بها) كناية عن تضييع حقها.\n٤٠٩٥ - [٣٢] (أبو واقد الليثي) قوله: (يجبون) بالجيم من الجب بمعنى القطع من نصر، و(الأسنمة) جمع سنام بفتح السين، و(أليات) جمع ألية بفتح الهمزة، والمراد أنهم يأكلون الأسنمة والأليات من الحي.\nالفصل الثالث\n٤٠٩٦ - [٣٣] (عطاء بن يسار) قوله: (لقحة) بالكسر والفتح: الناقة القريبة العهد بالنتاج، و(الشعب) بالكسر: الطريق في الجبل، ومسيل الماء في بطن أرض، أو ما انفرج بين الجبلين، بالفارسية: دره، و(الوتد) بكسر التاء.\nوقوله: (فوجأ به) أي: وجأه بالوتد، فالمفعول محذوف، وفي\n_________\n(١) في نسخة: له.","vol":"7","page":173},{"text":"ثُمَّ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَمَالِكٌ وَفِي رِوَايَتِهِ: قَالَ: فَذَكَّاهَا بِشِظَاظٍ. [د: ٢٨٢٣، ط: ٢/ ٤٨٩].\n٤٠٩٧ - [٣٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْبَحْرِ إِلَّا وَقَدْ ذَكَّاهَا اللَّهُ لِبَنِي آدَمَ\". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ٤/ ٢٦٧].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-997>١ - باب ذكر الكلب</span>\nــ\n(القاموس) (١): وجأه باليد والسكين كوضعه: ضربه، كتوجأه.\nوقوله: (بشظاظ) بكسر الشين المعجمة والظائين المعجمتين: خشبة حديدة، قد لوي طرفها تجعل في عروتي الجُوالقَيْن، والجمع أشظة.\n٤٠٩٧ - [٣٤] (جابر) قوله: (ما من دابة) في البحر (إلا وقد ذكاها اللَّه لبني آدم)، المراد حلها من غير ذبح، وظاهر الحديث حل جميع دواب البحر، لكن حل السمك متفق عليه بين الأمة، وغيرها مختلف فيه لدلائل وردت فيه، وكان الأنسب وضع هذا الحديث في (باب ما يحل أكله وما يحرم).\n١ - باب ذكر الكلب\nلما تضمن ذكر أحكام الصيد ذكر الكلب عقد بابًا لذكر بعض أحكامه، ولو قال: باب ما يجوز اقتناؤه من الكلب وما لا يجوز، وما يجوز قتله منها وما لا يجوز، أو نحو ذلك لكان أولى وأنسب، وقد أشار إليه الطيبي (٢).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٤).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٠٧).","vol":"7","page":174},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-998> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٠٩٨ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارٍ، نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٨٠، م: ١٥٧٤].\n٤٠٩٩ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنِ اتَّخَذَ كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ أَوْ زَرْعٍ، انْتَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ\". . . . .\nــ\nالفصل الأول\n٤٠٩٨ - [١] (ابن عمر) قوله: (من اقتنى كلبًا) أي: حبسه وأمسكه، وأصل اقتنائه: اتخذ لنفسه ولزمه، وقال التُّورِبِشْتِي (١): الضاري من الكلب: ما يهيج بالصيد، يقال: ضري الكلب بالصيد ضراوة، أي: تعوده، ومن حق اللفظ: (أو ضاريًا) عطفًا على المستثنى، وهو كذلك في بعض الروايات، انتهى، وقد يوجه الجر بالعطف على (ماشية)، وجعل إضافة الكلب إليه إضافة الموصوف إلى الصفة كماء البارد ومسجد الجامع، وبإرجاع (ضار) إلى صاحب الصيد، أي: كلب صاحب الكلب ضار، ووقع في رواية: (إلا كلب ماشية أو ضارية)، وهو أيضًا مؤول بالأكلب أو صاحب كلاب ضارية.\nوقوله: (نقص من عمله كل يوم قيراطان) عقوبة على اقتنائه ما نهي عنه، وعلة النهي امنناع الملائكة من دخول بيته، ولولوغه في الأواني، وإيذائه الناس، والمراد بالعمل إما الماضي منه فالمراد التشديد والتهديد؛ لأن حبط الحسنة ليس مذهب أهل السنة، أو الآتي منه.\n٤٠٩٩ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (انتقص من أجره كل يوم قيراط) قالوا: وجه\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٤١).","vol":"7","page":175},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٢٢، م: ١٥٧٥].\n٤١٠٠ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِقَتْلِ الْكِلَابِ حَتَّى إِنَّ الْمَرأَةَ تَقْدَمُ مِنَ البَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلَهُ، ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ قَتْلِهَا وَقَالَ: \"عَلَيْكُمْ بِالأَسْوَدِ الْبَهِيمِ. . . . .\nــ\nالتطبيق بين هذا الحديث الدال بنقص قيراط والحديث السابق الدال بنقص قيراطين أن ذلك إما لاختلاف أنواع الكلب كما يأتي في حديث جابر أو لاختلاف المواضع، فالقيراطان في الحرمين لفضل حرمتهما، والقيراط في غيرهما، كيف وقد كان من مذهب ابن عباس مضاعفة المعاصي في الحرم كالطاعات وإن كان شاذًّا من القول، ولهذا لم يقم -﵁- بمكة، وأقام في الطائف، أو القيراطان في المدائن والقرى، والقيراط في البوادي، أو لاختلاف الزمانين بأن حكم بنقص القيراط أولًا، ثم لما زاد مخالطتهم بالكلاب وألفهم بها زاد التشديد بزيادة التقصير، وحكم بنقص القيراطين، وقيل: لا منافاة بين الحديثين لأن الاقتناء فوق الاتخاذ.\n٤١٠٠ - [٣] (جابر) قوله: (أمرنا رسول اللَّه -ﷺ- بقتل الكلاب) قيل: هذا مخصوص بالمدينة المطهرة لكونها مهبط الملائكة بالوحي، فينبغي تطهيرها عن الكلاب؛ لأن الملائكة لا يدخلون بيتًا فيه كلب، واللَّه أعلم.\nوقوله: (حتى إن المرأة تقدم) صحح بلفظ المضارع من التقدم محذوف التاء، ولعل ذكر المرأة وتقدمها عن البادية بالكلب بيان للواقع، وما وقع من قتل بعض الكلاب التي أتت بها امرأة من البادية، أو لأن المرأة لضعفها وشدة احتياجها محل أن ترحم، ولا تهلك أسباب معيشتها مع أنها لا تسكن في البلد، وترجع بكلبها إلى البادية، ففيه مبالغة وتأكيد، واللَّه أعلم.\nوقوله: (عليكم بالأسود) أي: بقتله، و(البهيم) خالص السواد، والبهيم في","vol":"7","page":176},{"text":"ذِي النُّقْطَتَيْنِ فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٧٢].\n٤١٠١ - [٤] وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبيَّ -ﷺ- أَمَرَ بِقَتْلِ الكِلَاب إِلَّا كَلبَ غَنَمٍ أَوْ مَاشِيَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٢٣، م: ١٥٧١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-999> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤١٠٢ - [٥] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لأَمَرْتُ. . . . .\nــ\nالأصل الذي لا يخالط لونه لون سواه، والأسود البهيم من الكلب والخيل الذي لا يخالط لونه لون غيره، كذا في \"مختصر النهاية\" (١).\nوقوله: (ذي النقطتين) أي: بيضاوين فوق عينيه، وفي (شرح كتاب الخرقي) (٢): فإن كان نكتتان فوق عينيه فهل يخرج بذلك عن كونه بهيمًا؟ فيه روايتان، أصحهما لا.\nوقوله: (فإنه شيطان) سماه شيطانا لشدة خبثه، وكونه أضر الكلاب وأعقرها وأسوأها حراسة واصطيادًا، حتى ذهب أحمد إلى أنه لا يحل صيد الكلب الأسود لأنه شيطان، وقد قال أحمد: لا أعلم أحدًا يرخص فيه، يعني من السلف، كذا في (شرح كتاب الخرقي) (٣)، وأجمعوا على قتل الكلب العقور والذي فيه ضرر بخلاف غيره وإن لم يكن أسود.\n٤١٠١ - [٤] (ابن عمر) قوله: (أو ماشية) كلمة (أو) لشك الراوي.\nالفصل الثاني\n٤١٠٢ - [٥] (عبد اللَّه بن مغفل) قوله: (لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت\n_________\n(١) \"الدر النثير\" (١/ ١٠١ - ١٠٢).\n(٢) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٦/ ٦١٧).\n(٣) شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٦/ ٦١٧).","vol":"7","page":177},{"text":"بِقَتْلِهَا كُلِّهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ: \"وَمَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَرْتَبِطُونَ كَلْبًا إِلَّا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ\". [د: ٢٨٤٥، دي: ٢/ ٩٠، ت: ١٤٨٩، ن: ٤٢٨٠].\n٤١٠٣ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ التَّحْرِيشِ بَيْنَ الْبَهَائِمِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٧٠٨، د: ٢٥٦٢].\n* * *\nــ\nبقتلها) يعني: لكني لم آمر لئلا ينخرم جيل من خلق اللَّه، في خلقه حكم ومنافع ترجع إلى عباد اللَّه.\nوقوله: (فاقتلوا) جواب شرط محذوف، كأنه قال: وإذ لا سبيل إلى قتل الكل لهذا المعنى فاقتلوا شرارها وهي السود البهم، وأبقوا ما سواها لتنتفعوا بها، فبالنظر إلى المعنى المذكور ينبغي أن لا يقتل حيوان بل لا يفنى ويغير شيء، لكن جوز ذلك لدفع مضرة أو جلب منفعة.\n٤١٠٣ - [٦] (عبد اللَّه بن مغفل) قوله: (نهى عن التحريش بين البهائم) التحريش: الإغراء والحمل على الحراب والعتاب، كذا في (النهاية) (١)، وفي (القاموس) (٢): التحريش: الإغراء بين القوم أو الكلاب، انتهى، ومنه حديث: (إن الشيطان قد أيس من أن يعبد [هـ المصلون] في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم) (٣) أي: في\n_________\n(١) \"النهاية\" (١/ ٣٦٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٤٥).\n(٣) أخرجه مسلم (٢٨١٢).","vol":"7","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1000>٢ - باب ما يحل أكله وما يحرم</span>\nــ\nحملهم على الفتن والحروب، والبهيمة: كل ذات أربع قوائم ولو في الماء، أو كل حي لا يُمَيّزُ، كذا في (القاموس) (١).\n٢ - باب ما يحل أكله وما يحرم\nالأصل في هذا الباب قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، فهذه الآية تدل على أنه لم يوجد محرم سوى الأشياء المذكورة، ثم زادت السنة أشياء أخر محرمة، مثل كل ذي ناب وذي مخلب والحمر الأهلية وأمثال ذلك، ثم منها متفق عليها لقطعية الأحاديث الواردة فيها، ومنها ما اختلف فيه الأئمة لاختلاف الأحاديث، ومما نشأ الاختلاف فيهم بسببه قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وبهذا استدل أصحابنا في تحريم ما سوى السمك من حيوانات الماء.\nقال في (الهداية) (٢): وذهب مالك وجماعة من أهل العلم إلى إطلاق جميع ما في البحر، واستثنى بعضهم الخنزير والكلب والإنسان المائي، وعن الشافعي أنه أطلق ذلك كله، لهم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] من غير فصل، وقوله ﵇ في البحر: (هو الطهور ماؤه، والحل ميتته) (٣)، ولنا قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٩٩).\n(٢) \"الهداية\" (٤/ ٣٥٣).\n(٣) أخرجه أبو داود في \"السنن\" (٨٣)، والترمذي في \"السنن\" (٦٩)، والنسائي في \"السنن\" (٣٣٢).","vol":"7","page":179},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1001> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤١٠٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كُلُّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّباعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٣٣].\nــ\nالْخَبَائِثَ﴾ وما سوى السمك خبيث، وقال في حرمة السلحفاة: إنه من خبائث الحشرات.\nوقال في (شرحه) (١): إذ الخبيث ما يستخبثه الطبع السليم، وما سوى السمك يستخبثه الطبع السليم، ومذهب أحمد بعد ما نص الكتاب والسنة على تحريم شيء أو تحليله أن ما كانت العرب تسميه طيبًا فهو حلال، وما كانت تسميه خبيثًا فهو محرم لقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، كذا في (كتاب الخرقي) (٢).\nقال أحمد: على عرف من وقع الخطاب لهم وهي العرب، والمراد بهم أهل الحجاز من أهل الأمصار؛ لأنهم الذين نزل عليهم الكتاب فلا عبرة بأهل البوادي؛ لأنهم للضرورة والمجاعة يأكلون ما وجدوا، ولو وجدوا شيئًا لا يعرفه أهل الحجاز رد إلى أقرب الأشياء شبهًا به في الحجاز، فإن تعذر شبهه بشيء منها فهو مباح، وينجر الكلام إلى أن الأصل في الأشياء الحظر أو الإباحة أو التوقف، انتهى كلامه.\nالفصل الأول\n٤١٠٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (كل ذي ناب من السباع فأكله حرام) مرّ تفسيره وتفسير (ذي مخلب) في حديث العرباض في (الفصل الثاني) من (كتاب\n_________\n(١) \"البناية\" (١١/ ٦٠٦).\n(٢) انظر: \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٦/ ٦٧٠).","vol":"7","page":180},{"text":"٤١٠٥ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ كُلِّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلِّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٣٤].\n٤١٠٦ - [٣] وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لُحُومَ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٢٧، م: ١٩٣٦].\n٤١٠٧ - [٤] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ، وَأَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٢٤، م: ١٩٤١].\nــ\nالصيد والذبائح).\n٤١٠٥ - [٢] (ابن عباس) قوله: (وكل ذي مخلب) لعله تدرج ورود السنة؛ فحرمت أولًا كل ذي ناب ثم ضمت إليه كل ذي مخلب ثم فثم، ولا ينافي التدرج وقوع تحريمها يوم خيبر كما يأتي في حديث جابر في (الفصل الثاني) كما لا يخفى، واللَّه أعلم.\n٤١٠٦ - [٣] (أبو ثعلبة) قوله: (حرم لحوم الحمر الأهلية) بعد أن كانت حلالًا كما يأتي في (الفصل الثالث)، وكان التحريم في غزوة خيبر.\n٤١٠٧ - [٤] (جابر) قوله: (وأذن في لحوم الخيل) اتفق الأئمة من السلف والخلف على إباحة لحم الخيل إلا ما جاء عن أبي حنيفة ومالك من الكراهة تحريمًا أو تنزيهًا، ففي (الفتاوى السراجية): لحم الفرس مكروه عند أبي حنيفة خلافًا لهما والشافعي، ثم قال القاضي الإمام صدر الإسلام: المراد كراهة التحريم، وقال أخوه الشيخ الإمام فخر الإسلام علي البزدوي: المراد كراهة التنزيه، قال الشيخ الإمام السرخسي: ما قاله أبو حنيفة أحوط، وما قالا أوسع على الناس.","vol":"7","page":181},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوفي (الخلاصة): يكره لحم الخيل والأصح أنه كراهة التحريم، وفيه روايتان، وهي معروفة. وفي (شرح المختصر) لأبي المكارم: ولا يحل الخيل عند أبي حنيفة، وعندهما يحل وهو مذهب الشافعي، وفي (العمادية): أن لحمه مكروه عند أبي حنيفة وهو الصحيح، وهو المذكور في نظم النسفي، وإليه ذهب قاضيخان في (فتاواه) في الذبائح والأشربة، وفي (الهداية) (١): وهو الأصح وهو اختيار صاحب (الحصر).\nوفي (الكافي) (٢): أنه مكروه كراهة تنزيه وهو الصحيح؛ لأن كراهته لمعنى الكرامة كيلا يحصل بإباحته تقليل آلة الجهاد، ولهذا كان سؤره طاهرًا وهو ظاهر الرواية، وهو الصحيح، كذا ذكره فخر الإسلام وأبو المعين في جامعيهما، وكذا قاضيخان في جامعه، وقال الإمام الإسبيجابي: وهو الأصح، وقال الإمام السرخسي: هذا أرفق بالناس للعرف الظاهر في بيع لحمه من غير نكير، وفي (كفاية المنتهي) قيل: إن أبا حنيفة رجع عن القول بحرمة لحمه قبل موته بثلاثة أيام، وعليه الفتوى.\nاعلم أنه قد أطال الكلام في هذه المسألة في (المواهب اللدنية) (٣) أصلًا وفرعًا، ونريد أن ننقلها ولا نخاف التطويل، وباللَّه التوفيق وعلى كرمه التعويل، قال: وأما لحوم الخيل فاختلف العلماء في إباحتها، فذهب الشافعي والجمهور من السلف والخلف أنه مباح لا كراهة فيه، وبه قال عبد اللَّه بن الزبير وأنس بن مالك وأسماء بنت أبي بكر. وفي (صحيح مسلم) (٤) عنها قالت: (نحرنا فرسًا على عهد رسول اللَّه -ﷺ-\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٣٥٢).\n(٢) انظر: \"المبسوط\" (١١/ ٢٣٤).\n(٣) \"المواهب اللدنية\" (١/ ٥٢٦ - ٥٣٢).\n(٤) \"صحيح مسلم\" (١٩٤٢)، و\"صحيح البخاري\" (٥٥١١).","vol":"7","page":182},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفأكلناه ونحن بالمدينة)، وفي رواية الدارقطني: (فأكلناه نحن وأهل بيت النبي -ﷺ-).\nوقال في (فتح الباري) (١): ويستفاد من قولها: (ونحن بالمدينة) أن ذلك بعد فرض الجهاد، فيرد على من استند إلى منع أكلها لعلة أنها من آلات الجهاد.\nومن قولها: (وأهل بيت النبي -ﷺ-) الرد على من زعم أنه ليس فيه أن النبي -ﷺ- اطلع على ذلك، مع أن ذلك لو لم يرد لم يظن بآل أبي بكر أنهم يقدمون على فعل شيء في زمنه -ﷺ- إلا وعندهم العلم بجوازه؛ لشدة اختلاطهم به ﵇ وعدم مفارقتهم له، هذا مع توفر داعية الصحابة إلى سؤاله -ﷺ- عن الأحكام.\nومن ثم كان الراجح أن الصحابي إذا قال: كنا نفعل كذا على عهده -ﷺ- كان له حكم الرفع؛ لأن الظاهر اطلاعه -ﷺ- على ذلك وتقريره، وإذا كان ذلك في مطلق الصحابة فكيف بآل أبي بكر؟ .\nوقال الطحاوي (٢): ذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكل الخيل، وخالفه صاحباه وغيرهما، واحتجوا بالأخبار المتواترة في حلها، انتهى.\nوقد نقل بعض التابعين الحل عن الصحابة مطلقًا من غير استثناء أحد، فأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح -على شرط الشيخين- عن عطاء قال: لم يزل سلفك يأكلونه، قال ابن جريج: قلت له: أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-؟ فقال: نعم.\nوأما ما نقل في ذلك عن ابن عباس في كراهتها فأخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق بسندين ضعيفين.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٩/ ٦٤٩).\n(٢) \"شرح معاني الآثار\" (٦٤١٥).","vol":"7","page":183},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقال أبو حنيفة في (الجامع الصغير): أكره لحوم الخيل، فحمله أبو بكر الرازي على التنزيه، وقال: لم يطلق أبو حنيفة فيه التحريم، وليس هو عنده كالحمار الأهلي، وصحح أصحاب (المحيط) و(الهداية) و(الذخيرة) عنه التحريم، وهو قول أكثرهم.\nوقال القرطبي في (شرح مسلم) (١): مذهب مالك الكراهة، وقال الفاكهاني: المشهور عند المالكية الكراهة، والصحيح عند المحققين منهم التحريم.\nوقال ابن أبي جمرة: الدليل على الجواز مطلقًا واضح، لكن سبب كراهة مالك لاكلها لكونها تستعمل غالبًا في الجهاد، فلو انتفت الكراهة لكثر استعماله ولو كثر لأفضى إلى فنائها، فيؤول إلى النقص من إرهاب العدو الذي وقع الأمر به في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، فعلى هذا فالكراهة بسبب خارج، وليس البحث فيه، فإن الحيوان المتفق على إباحته لو حدث أمر يقتضي أن لو ذبح لأفضى إلى ارتكاب محذور لامتنع، ولا يلزم من ذلك القول بتحريمه، انتهى.\nوأما قول بعض المانعين: لو كانت حلالًا لجازت الأضحية بها، فينتقض بحيوان البر، فإنه مأكول ولم تشرع الأضحية به، وأما حديث خالد بن الوليد عند أبي داود والنسائي: نهى رسول اللَّه -ﷺ- عن لحوم الخيل والبغال والحمير، فضعيف، ولو سلم ثبوته لا ينتهض معارضًا لحديث جابر الدال على الجواز، وقد وافقه حديث أسماء، وقد ضعَّف حديث خالد بن الوليد أحمد والبخاري والدارقطني والخطابي وابن عبد البر وعبد الحق وآخرون.\n_________\n(١) \"المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم\" (١٢/ ١٣١).","vol":"7","page":184},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوزعم بعضهم أن حديث جابر دال على التحريم لقوله: (رخص) لأن الرخصة استباحة المحظور مع قيام المانع، فدل على أنه رخص لهم بسبب المخمصة التي أصابتهم بخيبر، فلا يدل ذلك على الحل المطلق.\nوأجيب بأن أكثر الروايات جاءت بلفظ الإذن، كما في رواية مسلم، وفي رواية له: أكلنا زمن خيبر الخيل وحمر الوحش، ونهانا النبي -ﷺ- عن الحمار الأهلي، وعند الدارقطني من حديث ابن عباس: نهانا -ﷺ- عن الحمر الأهلية وأمر بلحوم الخيل، فدل على أن المراد بقوله: (رخص): أذن، ونوقض أيضًا بالإذن في أكل الخيل، ولو كانت رخصة لأجل المخمصة لكانت الحمر الأهلية أولى بذلك لكثرتها وعزة الخيل حينئذٍ، فدل على أن الإذن في أكل الخيل إنما كان للإباحة العامة لا بخصوص الضرورة.\nوقد نقل عن مالك وغيره من القائلين بالتحريم: أنهم احتجوا للمنع بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨]، وقرروا ذلك بأوجه:\nأحدها: أن اللام للتعليل، فدل على أنها لم تخلق لغير ذلك؛ لأن العلة المنصوصة تفيد الحصر، فإباحة أكلها يقتضي خلاف ظاهر الآية.\nثانيها: عطف البغال والحمير، فدل على اشتراكهما معهما في حكم التحريم، فيحتاج من أفرد حكم ما عطف عليها إلى دليل.\nثالثها: أن الآية سيقت مساق الامتنان، فلو كان ينتفع بها في الأكل لكان الامتنان به أعظم، والحكيم لا يمتن بأدنى النعم ويترك أعلاها، ولا سيما وقد وقع الامتنان بالأكل في المذكورات قبلها.","vol":"7","page":185},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nرابعها: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها فيما وقع به الامتنان من الركوب والزينة.\nوأجيب: بأن آية النحل مكية اتفاقًا، والإذن في أكل الخيل كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين، فلو فهم النبي -ﷺ- من الآية المنع لما أذن في الأكل.\nوأيضًا فآية النحل ليست نصًّا في منع الأكل، والحديث صريح في جوازه.\nوأيضًا فلو سلمنا أن اللام للتعليل، لم نسلم إفادة الحصر في الركوب والزينة، فإنه ينتفع بالخيل في غيرهما، وفي غير الأكل اتفاقًا، وإنما ذكر الركوب والزينة لكونهما أغلب ما تطلب له الخيل، ونظيره حديث البقرة المذكورة في \"الصحيحين\" حين خاطبت راكبها، فقالت: لم أخلق لهذا، وإنما خلقت للحرث (١)، فإنه مع كونه أصرح في الحصر ما يقصد به إلا الأغلب، وإلا فهي تؤكل وينتفع بها في أشياء غير الحرث اتفاقًا.\nوقال البيضاوي (٢): واستدل بها -أي: بآية النحل- على حرمة لحومها، ولا دليل فيها؛ إذ لا يلزم من تعليل الفعل بما يقصد منه غالبًا أن لا يقصد منه غيره أصلًا، انتهى.\n_________\n(١) جاء في الحديث المتفق عليه من رواية أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"بينما رجل يسوق بقرة له، قد حمل عليها، التفتت إليه البقرة فقالت: إني لم أخلق لهذا، ولكني إنما خلقت للحرث، فقال الناس: سبحان اللَّه تعجبًا وفزعًا، أبقرة تكلم؟ فقال رسول اللَّه -ﷺ-: فإني أومن به وأبو بكر وعمر\"، واللفظ لمسلم (ح: ٢٣٨٨).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٥٣٨).","vol":"7","page":186},{"text":"٤١٠٨ - [٥] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّهُ رَأَى حِمَارًا وَحْشِيًّا فَعَقَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ؟ \" قَالَ: مَعَنَا رِجْلُهُ، فَأَخَذَهَا فَأَكَلَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٢١، ٢٨٥٤، م: ١١٩٦].\n٤١٠٩ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، .\nــ\nوأيضًا فلو سلم الاستدلال للزم منع حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير ولا قائل به.\nوأما عطف البغال والحمير فدلالة العطف إنما هي دلالة اقتران وهي ضعيفة.\nوأما أنها سيقت مساق الامتنان، فالامتنان إنما قصد به غالب ما كان يقع به انتفاعهم بالخيل، فخوطبوا بما ألفوا وعرفوا، ولم يكونوا يعرفون أكل الخيل لعزتها في بلادهم، بخلاف الأنعام، فإن أكثر انتفاعهم بها كان لحمل الأثقال والأكل، فاقتصر في كل من الصنفين على الامتنان بأغلب ما ينتفع به، فلو لزم من ذلك الحصر في هذا الشق لأضر.\nوأما قولهم: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها. . . إلخ، فأجيب عنه: بأنه لو لزم من الإذن في أكلها أن تفنى، للزم مثله في البقر والغنم وغيرها مما أبيح أكله ووقع الامتنان به. وإنما أطلت في ذلك لأمر اقتضاه، واللَّه أعلم.\n٤١٠٨ - [٥] (أبو قتادة) قوله: (فعقره) أي: جرحه وقتله، والعقر: الجرح.\nوقوله: (فأكلها) دلّ على أن الحمار الوحشي مما يحل أكله، ومرّ الحديث في (كتاب الحج) في أكل المحرم ما صاد المحل غير المحرم إذا لم يصده له.\n٤١٠٩ - [٦] (أنس) قوله: (أنفجنا أرنبًا) أي: أثرناها، يقال: أنفجت الأرنب","vol":"7","page":187},{"text":"فَأَخَذْتُهَا فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا، وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بوَرِكِهَا وَفَخِذَيْهَا فَقَبِلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٧٢، م: ١٩٥٣].\n٤١١٠ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الضَّبُّ لَسْتُ آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٣٦، م: ١٩٤٣].\nــ\nمن جحرها فنفجت وانتفجت، أي: أثرته فثار، وفي (الصراح) (١): نفج الأرنب: برجست خركَوش ودوان خاست، وأنفجته أنا ونفجت أنا، ونفجت الفَرُّوجة من بيضها، أي: خرجت، و(مر الظهران) بفتح الميم وتشديد الراء وفتح الظاء المعجمة: واد قريب مكة، ويقول له العامة: وادي فاطمة، أول منزل لقاصدي المدينة.\nوقوله: (فقبله) قال في (الهداية) (٢): ولا بأس بأكل الأرنب؛ لأن النبي -ﷺ- أكل منه حين أهدي إليه مشويًا، وأمر أصحابه بالأكل منه، ولأنه ليس من السباع ولا من أكلة الجيف فأشبه الظبي.\n٤١١٠ - [٧] (ابن عمر) قوله: (الضب لست آكله ولا أحرمه) في (القاموس) (٣): الضب معروف، وفي (الصراح) (٤): ضب: سوسمار. وذكر السيوطي أن الضب دويبة لطيفة، ومن خصائصه أن له ذكرين في أصل واحد وأنه يعيش سبع مئة سنة، ولا يشرب الماء، بل يكتفي بالنسيم، ويبول في كل أربعين يومًا قطرة، ولا يسقط له سن، وعند الشافعي وعند أحمد: لا بأس بأكل الضب لهذا الحديث المتفق عليه، وفي رواية\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٩٤).\n(٢) \"الهداية\" (٤/ ٣٥٢).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٢).\n(٤) \"الصراح\" (ص: ٤٠).","vol":"7","page":188},{"text":"٤١١١ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى مَيْمُونَةَ وَهِيَ خَالَتُهُ وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا، فَقَدَّمَتِ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدَهُ عَنِ الضَّبِّ فَقَالَ خَالِدٌ: أَحَرَامٌ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"لَا، وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ\" قَالَ خَالِدٌ: . . . . .\nــ\nلمسلم (١) أنه -ﷺ- قال: (كلوا فإنه حلال، ولكنه ليس من طعامي).\nوذكر في (شرح كتاب الخرقي) (٢) في مذهب أحمد: قال أبو سعيد: كنا معشر أصحاب محمد لأن يهدى لأحدنا ضب أحب إليه من دجاجة، وقيل: أجمعوا على أن الضب حلال ليس بمكروه إلا ما حكي عن أصحاب أبي حنيفة، وعندنا لا يحل؛ لأن النبي -ﷺ- نهى عائشة -﵂- حين سألته عن أكله، فإنه روي عن عائشة -﵂- قالت: إنه أهدي لنا ضب، فسألت رسول اللَّه -ﷺ- فكرهه، فجاء سائل فأردت أن أتصدق عليه فقال: (أتطعمين ما لا تأكلين؟). وقال في (الهداية) (٣): تكره الحشرات كلها استدلالًا بالضب لأنه منها. وسيأتي في (الفصل الثاني) من حديث عبد الرحمن بن شبل أن النبي -ﷺ- عن أكل لحم الضب.\n٤١١١ - [٨] (ابن عباس) قوله: (ضبًّا محنوذًا) أي: مشويًّا، حنذ الشاة يحنذها حنذًا وتَحْناذًا: شواها وجعل فوقها حجارة مُحْمَاةً لِتُنْضِجَها، فهي حنيذ.\nوقوله: (فأجدني أعافه) أي: أكرهه، عاف الطعام أو الشراب، وقد يقال في\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٧٢٦٧)، و\"صحيح مسلم\" (١٩٤٤).\n(٢) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٦/ ٦٩٢).\n(٣) \"الهداية\" (٢/ ٣٥٢).","vol":"7","page":189},{"text":"فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَنْظُرُ إِلَيّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٣٧، م: ١٩٤٦].\n٤١١٢ - [٩] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَأْكُلُ لَحْمَ الدَّجَاجِ. مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥١٧، م: ١٦٤٩].\n٤١١٣ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- سَبْعَ غَزَوَاتٍ كُنَّا نَأْكُلُ مَعَهُ الْجَرَادَ. مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٩٥، م: ١٩٥٢].\n٤١١٤ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: غَزَوْتُ جَيْشَ الْخَبَطِ. . . . .\nــ\nغيرهما: يعافه ويعيفه عيفًا وعَيافة: كرهه، وقيل: عدم أكله لعيافة الطبع، وعدم تحريمه لأنه لم يوح إليه فيه شيء.\n٤١١٢ - [٩] (أبو موسى) قوله: (يأكل لحم الدجاج) في (القاموس) (١): الدجاجة معروف للذكر والأنثى ويثلث، وقال السيوطي: الدجاج مثلث الدال اسم جنس، واحده دجاجة بالفتح، وقيل: بكسر الدال للذكر وبفتحها للمؤنث.\n٤١١٣ - [١٠] (ابن أبي أوفى) قوله: (كنا نأكل معه الجراد) قالوا: ليس لفظة (معه) في رواية مسلم، وكذا الترمذي، بل خلا أكثر الروايات من هذه الزيادة، ومن رواه أراد أنهم كانوا يأكلون وهم معه، ولم ينكر عليهم، وهذا تأويل قد يأبى ظاهر اللفظ عنه إلا أنه قد ثبت أنه -ﷺ- لم يأكل الجراد وقال: (لا آكله ولا أحرمه).\nوقوله: (متفق عليه) وقد رواه الترمذي وأبو داود والنسائي أيضًا.\n٤١١٤ - [١١] (جابر) قوله: (غزوت جيش الخبط) نصب بنزع الخافض، أو\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٨٤).","vol":"7","page":190},{"text":"وَأُمِّرَ عَلَيْنَا أَبُو عُبَيْدَةَ فَجُعْنَا جُوعًا شَدِيدًا، فَأَلْقَى الْبَحْرُ حُوتًا مَيَّتًا لَمْ نَرَ مِثْلَهُ يُقَالُ لَهُ: الْعَنْبَرُ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ،\nــ\nضمن (غزوت) معنى صحبت، و(الخبط) بالتحريك: ورق الشجر يضرب بعصا فيسقط، والمخبط كمنبر: العصا يخبط به الورق، وفي الحديث: (لا يخبط شجر) أي: لا يضرب بعصا ليتناثر ورقه، وإنما سميت هذه الغزوة جيش الخبط لاضطرارهم إلى أكل الخبط من الجوع حتى طلع في أطراف الفم قروح بسبب حرارة ذلك الورق، فصارت شفاههم كشفاه الإبل، وتسمى بغزوة سيف البحر أيضًا بكسر السين المهملة؛ لأنها كان على ساحل البحر بينها وبين المدينة خمس ليال، وكانت في سنة ست قبل هدنة الحديبية.\nوقوله: (فألقى البحر حوتًا) وجاء في بعض الروايات: (وجدوا على ساحل البحر دابة يقال لها: العنبر) من غير أن يسميها حوتًا.\nوقوله: (يقال له العنبر)، وفي رواية: (دابة العنبر)، والظاهر أن الإضافة بيانية، وهي سمكة كبيرة تتخذ من جلدها الترس، ويقال للترس أيضًا: عنبر، ويحتمل أن تكون الإضافة لأجل أن الطيب المعروف المسمى بعنبر يتولد منه، قال في (القاموس) (١): العنبر من الطيب روث دابة بحرية، أو نَبْعُ عَيْنٍ فِيه، وسمكة بحرية، والتُّرس يتخذ من جلدها.\nوقوله: (فأكلنا منه نصف شهر) وفي رواية: (شهرًا) (٢)، والجيش كانوا ثلاث\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤١٥).\n(٢) وفي رواية: \"ثمانية عشر يومًا\"، قال القاري (٧/ ٢٦٦٧): وجه الجمع أن من روى (شهرًا) هو الأصل، لأن معه زياده علم، ومن روى دونه لم ينف الزيادة ولو نفاها قدم المثبت، وقد =","vol":"7","page":191},{"text":"فَأَخَذَ أَبَو عُبَيْدَةَ عَظْمًا مِنْ عِظَامِهِ فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَكَرْنَا لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: \"كُلُوا رِزْقًا أَخْرَجَهُ اللَّهُ إِلَيْكُمْ وَأَطْعِمُونَا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ\" قَالَ: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْهُ فَأَكَلَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٣٦٢، م: ١٩٣٥].\n٤١١٥ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ، ثُمَّ لِيَطْرَحْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ شِفَاءً وَفِي الآخَرِ دَاءً\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٧٨٢].\nــ\nمئة وبضع عشرة.\nوقوله: (عظمًا من عظامه) يعني: الضلع.\nوقوله: (فمر الراكب) وفي رواية السنن: (فنصبه ونظر إلى أطول بعير فجاز تحته).\nوقوله: (أطعمونا) طلبه -ﷺ- تطييبًا لقلوبهم وتأكيدًا لحله، أو تبركًا لكونه طعمة من اللَّه تعالى خارقة للعادة.\n٤١١٥ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء) سيجيء في آخر (الفصل الثاني) زيادة: أنه يقدم الداء على الدواء، مع اختلاف في الألفاظ، وفيه دليل على أن الذباب طاهر وإن مات لا ينجس الماء، وكذلك حكم سائر ما ليس له دم سائل كالنمل والعقرب والزنبور وغيرها.\n_________\n= ثبت عند الأصوليين أن مفهوم العدد لا حكم له، فلا يلزم نفي الزيادة لو لم يعارضه إثبات الزيادة، فكيف وقد عارضه؟ فوجب قبول الزيادة. ذكره النووي -رحمه اللَّه تعالى- والأظهر في وجه الجمع أن نصف الشهر كان لكلهم، وإلى آخر الشهر كان لبعضهم، أو نصفه في الإقامة ونصفه الآخر في السفر، أو نصف شهر في الذهاب ونصفه في الإياب، واللَّه أعلم بالصواب.","vol":"7","page":192},{"text":"٤١١٦ - [١٣] وَعَنْ مَيْمُونَةَ: أَنَّ فَأْرَةً وَقَعَتْ فِي سَمْنٍ فَمَاتَتْ فَسُئِلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"أَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٥٣٨].\n٤١١٧ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ وَاقْتُلُوا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالأَبْتَرَ فَإِنَّهُمَا يَطْمِسَانِ الْبَصَرَ، وَيَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَلَ\" قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: . . . . .\nــ\n٤١١٦ - [١٣] (ميمونة) قوله: (ألقوها وما حولها وكلوه) وهذا إنما يكون إذا كان جامدًا، وأما في المذاب فالكل حولها، ويأتي صريحًا في الحديث الأول من (الفصل الثاني)، وأما الزيت فينجس، ولا يجوز بيعه عند أكثر الأئمة، وجوزه أبو حنيفة ﵀، واختلفوا في الانتفاع به، قيل: لا يجوز، وقيل: يجوز بالاستصباح وتدهين السفن ونحوه، وهو قول أبي حنيفة وكره، وعند مالك وأحمد روايتان، وعن مالك أنه لا يجوز الاستصباح بها في المساجد.\n٤١١٧ - [١٤] (ابن عمر) قوله: (ذا الطفيتين) بلفظ التثنية، والطفية بضم الطاء وسكون الفاء: خوصة المقل وهو نوع من الشجر، يقال: طفت الخوصة فوق الشجر: ظهرت، وذو الطفيتين حية خبيثة على ظهرها خطان أسودان كالخوصتين، و(الأبتر) حية خبيثة في ذنبه قصر كأنه مقطوع، والبتر في الأصل: القطع أو مستأصل، والأبتر مقطوع الذنب.\nوقوله: (فإنهما يطمسان البصر) أي: يعميانه ويخطفانه بالنظر إليهما لخاصية أودع اللَّه سبحانه فيهما.\nوقوله: (ويستسقطان الحبل) أي: يسقط الحبل بالنظر إليهما كأنهما يطلبان السقوط، وفيه مبالغة، وهذا أيضًا إما للخاصية السمية أو من الخوف منهما.","vol":"7","page":193},{"text":"فَبَيْنَا أَنَا أُطُارِدُ حَيَّةً أَقْتُلَهَا، نَادَانِي أَبُو لُبَابَةَ: لَا تَقْتُلْهَا. فَقُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ. فَقَالَ: إِنَّهُ نَهَى بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ وَهُنَّ العَوَامِرُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٩٧، ٣٢٩٨، م: ٢٢٣٣].\n٤١١٨ - [١٥] وَعَنْ أَبِي السَّائِبِ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فَبَيْنَمَا نَحْنُ جُلوسٌ، إِذْ سَمِعْنَا تَحْتَ سَرِيرِهِ حَرَكَةً فَنَظَرْنَا فَإِذَا فِيهِ حَيَّةٌ فَوَثَبْتُ لِأَقْتُلَهَا وَأَبُو سَعِيدٍ يُصَلِّي، فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنِ اجْلِسْ فَجَلَسْتُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَشَارَ إِلَى بَيْتٍ فِي الدَّارِ، فَقَالَ: أَتَرَى هَذَا البَيْتَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: كَانَ فِيهِ فَتًى مِنَّا حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، قَالَ: فَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْخَنْدَقِ، فَكَانَ ذَلِكَ الْفَتَى يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِأَنْصَافِ النَّهَارِ، فَيَرْجِعُ إِلَى أَهْلِهِ فَاسْتَأْذَنَهُ يَوْمًا،\nــ\nوقوله: (أقتلها) استئناف أو حال، أي: أريد قتلها.\nوقوله: (وهن) أي: هذه الحيات عوامر البيوت، أي: سكانها، جمع عامرة، وقيل: سميت بها لطول عمرها، وقيل: معناه هن ليست بحيات بل نوع من الجن يسكن البيوت.\n٤١١٨ - [١٥] (أبو السائب) قوله: (حديث عهد) مصحح في النسخ بالرفع، وأعرس الرجل بالمرأة: بنى عليها، والاسم العُرْس بالضم.\nوقوله: (إلى الخندق) أي: لحفره في غزوة الخندق، وفي (القاموس) (١): خندق، كجعفر: حفير حول أسوار المدن، معرب: كنده، و(أنصاف النهار) جمع نصف،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨١٢).","vol":"7","page":194},{"text":"فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خُذْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ فَإِنَّي أَخْشَى عَلَيْكَ قُرَيْظَةَ\". فَأَخَذَ الرَّجُلُ سِلَاحَهُ، ثُمَّ رَجَعَ، فَإِذَا امْرَأَتُهُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ قَائِمَةٌ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ لِيَطْعَنَهَا بِهِ، وَأَصَابَتْهُ غَيْرَةٌ، فَقَالَتْ لَهُ: اكْفُفْ عَلَيْكَ رُمْحَكَ، وَادْخُلِ الْبَيْتَ حَتَّى تَنْظُرَ مَا الَّذِي أَخْرَجَنِي، فَدَخَلَ فَإِذَا بِحَيَّةٍ عَظِيمَةٍ مُنْطَوِيَةٍ عَلَى الْفِرَاشِ، فَأَهْوَى إِلَيْهَا بِالرُّمْحِ فَانْتَظَمَهَا بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَرَكَزَهُ فِي الدَّارِ، فَاضْطَرَبَتْ عَلَيْهِ، فَمَا يُدْرَى أَيَّهُمَا كَانَ أَسْرَعَ مَوْتًا: الْحَيَّةُ أَمِ الْفَتَى؟ قَالَ: فَجِئْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ، وَقُلْنَا: ادْعُ اللَّهَ يُحْيِيهِ لَنَا،\nــ\nوالمراد منتصفه، وإنما جمع باعتبار الأجزاء.\nوقوله: (ثم رجع) أي: إلى بيته.\nوقوله: (وأصابته غيرة) الواو لمطلق الجمع، فلا يتوجه أن الظاهر تقديم هذا القول على قوله: (فأهوى)، وقال الطيبي (١): هو حال من المستكن في (أهوى).\nوقوله: (فانتظمها) أي: الحية (به) أي: بالرمح، أي: غرزه فيها (فاضطربت) أي: الحية، أي: تحركت (عليه) أي: صائلة على الفتى.\nوقوله: (وقلنا: ادع اللَّه) كأنهم ظنوا أن موته هذا ليس موتًا حقيقيًا بل شيء من تأثير سم الحية، ومع قطع النظر عن ذلك معجزة رسول اللَّه -ﷺ- شاملة لجميع أنواع الخوارق للعادات، قال:\nأحيا اسمه حين يُدعى دارسَ الرِّمم\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١١٨).","vol":"7","page":195},{"text":"فَقَالَ: \"اسْتَغْفِرُوا لِصَاحِبِكُمْ\" ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّ لِهَذِهِ الْبُيُوتِ عَوَامِرَ، فَإِذَا رَأيتُم مِنْهَا شَيْئًا فَحَرِّجُوا عَلَيْهَا ثَلَاثًا، فَإِنْ ذَهَبَ وَإِلَّا فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّهُ كَافِرٌ\". وَقَالَ لَهُمْ: \"اذْهَبُوا فَادْفِنُوا صَاحِبَكُمْ\". وَفِي رِوَايَةٍ. قَالَ: \"إِنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ (١) شَيْئًا فَاذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٣٦].\n٤١١٩ - [١٦] وَعَنْ أُمِّ شَرِيكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ. . . . .\nــ\nوقوله: (فقال رسول اللَّه -ﷺ-: استغفروا لصاحبكم) يعني: ما لكم تطلبون الدعاء لإحيائه، استغفروا له، فالذي ينفعه هو الاستغفار لا الدعاء بالإحياء لأنه مضى لسبيله.\nوقوله: (فحرجوا) الحرج بمعنى الضيق، أي: ضيقوا عليه، أي: قولوا: أنت في ضيق إن عدت إلينا فلا تلومنا إن قتلناك، والظاهر أن يكون معناه فضيقوا عليه وواعدوه واطردوه وأخرجوه، ولا تسارعوا في قتله، (فإن ذهب) فذاك (وإلا فاقتلوه)، فافهم.\nوقوله: (ثلاثًا) الظاهر أن المراد: ثلاث مرات، ولو كان تمييزه الأيام لقيل: (ثلاثة) كما في الرواية الأخرى.\nوقوله: (فإنما هو شيطان) أي: كافر، أي: هو من كفرة الجن لا من مسلميهم.\n٤١١٩ - [١٦] (أم شريك) قوله: (أمر بقتل الوزغ) بالزاي والغين المعجمتين محركة: سام أبرص، سميت بها لخفتها وسرعة حركتها، والجمع أوزاغ ووزغان\n_________\n(١) في نسخة: منها.","vol":"7","page":196},{"text":"وَقَالَ: \"كَانَ يَنْفُخُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٩٥، م: ٢٢٣٧].\n٤١٢٠ - [١٧] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ فُويسِقًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٣٨].\n٤١٢١ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ قَتَلَ وَزَغًا فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ كُتِبَتْ لَهُ مِئَةُ حَسَنَةٍ، وَفِي الثَّانِيَةِ دُونَ ذَلِكَ، وَفِي الثَّالِثَة دُونَ ذَلِكَ\". . . . .\nــ\nووزاغ، وفي (مختصر النهاية) (١): والوزغ بالسكون: الرعشة، وفي بعض الحواشي: أن سام أبرص كبيرها، وقال الكرماني: هو دابة لها قوائم تعدو في أصول الحشيش.\nوقوله: (كان ينفخ على إبراهيم) أي: في نار إبراهيم، وورد: لما احترق بيت المقدس كانت الأوزاغ تنفخه (٢)، وفيها ضرر عظيم بالناس في طعامهم وشرابهم، علم ذلك بالتجربة.\n٤١٢٠ - [١٧] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (فويسقًا) بصيغة التصغير؛ لأنه نظير للفواسق الخمس التي تقتل في الحل والحرم، والفسق في اللغة بمعنى الخروج، يقال: فسقت الرطبة عن قشرها: خرجت، غلب في الخروج عن طريق الحق، والتصغير للتحقير لصغره بالنسبة إلى الفواسق الأخر ولأنه ملحق بها، وقيل: للتعظيم في فسقه.\n٤١٢١ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (كتبت له مئة حسنة) للمبادرة في قتله\n_________\n(١) \"الدر النثير\" (٢/ ١٠٤١).\n(٢) أخرج نحوه البيهقي في \"السنن الكبرى\" (١٩٣٨١).","vol":"7","page":197},{"text":"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٤٠].\n٤١٢٢ - [١٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قَرَصَتْ نَمْلَةٌ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَأَمَرَ بِقَرْيَةٍ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ، فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: أَنْ قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسَبِّحُ؟ \". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠١٩، م: ٢٢٤١].\nــ\nودفع شره.\n٤١٢٢ - [١٩] (وعنه) قوله: (قرصت) في (القاموس) (١): القَرْصُ: أخذك لحم الإنسان بأصبعك حتى تُؤلمه، ولسع البراغيث.\nوقوله: (فأمر بقرية النمل فأحرقت) أي: أمر بإحراق قرية النمل، والمراد بقريتها المكان التي كانت فيها النمل.\nوقوله: (أن قرصتك) بفتح الهمزة، واللام مقدرة قبلها، أي: لأجل قرصة نملة إياك أحرقت ما سواها من النمل، وهي أمة مسبحة للَّه، وهذا عتاب من اللَّه عليه، وقالوا: هذا محمول على أنه كان في شرع ذلك النبي جواز قتل النمل وإحراقها بالنار، والعتاب إنما هو في الزيادة على نملة واحدة، وأما في شرعنا فلا يجوز إحراق الحيوان بالنار، وكذلك حكم القمل وغيره، وفي (مطالب المؤمنين) عن محمد بن مسلمة في قتل النملة قال: فإن آذاك فاقتله وإلا فلا، وأكره إيقاعه في الماء، ولا يحرق بيوت النمل لنملة واحدة، كذا في (جوامع الفقه)، وقال أبو بكر: إن آذاك فاقتلها وإن لم يؤذك فلا تقتلها، قال الفقيه: وبه نأخذ.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٧٨).","vol":"7","page":198},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1002> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤١٢٣ - [٢٠] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا وَقَعَتِ الْفَأْرَةُ فِي السَّمْنِ، فَإِنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا، وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣، د: ٣٨٤٢].\n٤١٢٤ - [٢٢] وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. [دي: ٢/ ١٤٩].\n٤١٢٥ - [٢٢] وَعَنْ سَفِينَةَ قَالَ: أَكَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَحْمَ حُبَارَى. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٣٧٩٧].\n٤١٢٦ - [٢٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا. رَوَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: . . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n٤١٢٣، ٤١٢٤ - [٢٠، ٢١] (أبو هريرة) قوله: (فلا تقربوه) ظاهره في الاجتناب عنه من كل وجه، فلا يجوز أكله ولا بيعه ولا الاستصباح به، لكنهم اختلفوا في ذلك فتفيد القرب من جهة الأكل فقط، واللَّه أعلم.\n٤١٢٥ - [٢٢] (سفينة) قوله: (لحم حبارى) طائر معروف، يقال: هو أبعد الطير نجعة، فربما تذبح بالبصرة، ويوجد في حوصلتها الحبة الخضراء، وبين البصرة ومنابتها مسيرة أيام، ومنه حديث: (إن الحبارى لتموت هزلًا بذنب بني آدم)، يعني: يحبس القطر بشؤم ذنوبهم (١).\n٤١٢٦ - [٢٣] (ابن عمر) قوله: (عن أكل الجلالة) هي بفتح الجيم وتشديد\n_________\n(١) انظر: \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٢٦).","vol":"7","page":199},{"text":"قَالَ: نَهَى عَنْ رُكُوبِ الْجَلَّالَةِ. [ت: ١٨٢٤، د: ٣٧٨٥].\n٤١٢٧ - [٢٤] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِبْلٍ: أَنَّ النَّبِيِّ -ﷺ- نَهَى عَنْ أَكْلِ لَحْمِ الضَّبِّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٧٩٦].\n٤١٢٨ - [٢٥] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى عَنْ أَكْلِ الْهِرَّةِ وَأَكْلِ ثَمَنِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٣٨٠٧، ت: ١٢٨٠].\nــ\nاللام، وهي من الدابة التي تأكل العذرة، والجِلَّةُ: البَعَر، فوضع موضع العَذِرة، كذا في (مختصر النهاية) (١)، وفي (القاموس) (٢): الجلالة: البقرة تتبعُ النجاسات ما كان غالب علفها منها حتى ظهر في لحمها ولبنها وعرقها، فإن لم يظهر فلا بأس، والأحسن أن تحبس أيامًا حتى تطيب لحمها ثم تذبح ويشرب لبنها، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وعند مالك بعد أن يغسل غسلًا جيدًا، ونقل عن بعض كتب الفقه أنه لا يحل الأكل حتى تحبس الجلالة عشرة أيام، والدجاجة ثلاثة أيام.\nوقوله: (نهى عن ركوب الجلالة) وذلك لنتن عرقها لأنه يتولد من اللحم.\n٤١٢٧ - [٢٤] (عبد الرحمن بن شبل) قوله: (ابن شبل) بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة.\nوقوله: (نهى عن أكل الضب) فيه حجة لأبي حنيفة في تحريمه.\n٤١٢٨ - [٢٥] (جابر) قوله: (نهى عن أكل الهرة وأكل ثمنها) أكل الهر حرام بلا خلاف، وفي بيعه وأكل ثمنه خلاف، وقد مرّ ذكره في (البيع).\n_________\n(١) \"الدر النثير\" (١/ ١٧٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٠٠).","vol":"7","page":200},{"text":"٤١٢٩ - [٢٦] وَعَنْهُ قَالَ: حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَعْنِي: يَوْمَ خَيْبَرَ- الْحُمُرَ الإِنْسِيَّةَ، وَلُحُومَ الْبِغَالِ، وَكُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطَّيْرِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٤٧٨].\n٤١٣٠ - [٢٧] وَعَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْخَيْلِ وَالبِغَالِ وَالْحَمِيرِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٣٧٩٠، ن: ٤٣٣١].\n٤١٣١ - [٢٨] وَعَنْهُ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- يَوْمَ خَيْبَرَ، فَأَتَتِ الْيَهُودُ فَشَكَوْا أَنَّ النَّاسَ قَدْ أَسْرَعُوا إِلَى خَضَائِرِهِمْ،\nــ\n٤١٢٩ - [٢٦] (وعنه) قوله: (الحمر الإنسية) بالوصف، وقد يروى: (حمر الإنسية) بالإضافة، وهي من إضافة الموصوف إلى صفته، و(الإنسية) نقل عن المقدمة (١): قال ابن أبي أويس: هي بفتحتين والمشهور بكسر أوله وسكون ثانيه، والأنس بالفتح: التأنس، وجوّز أبو موسى ضم أوله وهو ضد الوحشة، وفي (مجمع البحار) (٢): الأنسية بفتحتين منسوب إلى أنس مصدر أَنِسْت به، وبالكسر منسوب إلى الإنس بمعنى الإنسان، وبالضم نسبة إلى الأنس ضد الوحشة، والأشهر كسر همزته وسكون نونه.\n٤١٣٠ - [٢٧] (خالد بن الوليد) قوله: (نهى عن أكل لحوم الخيل) قد سبق أنه حديث ضعيف، ولو سلم ثبوته لا ينتهض معارضًا لحديث جابر الدال على الجواز.\n٤١٣١ - [٢٨] (وعنه) قوله: (إلى خضائرهم) جمع خضيرة بالخاء والضاد\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٨٢).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ١٢٣).","vol":"7","page":201},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلَا لَا يَحِلُّ أَمْوَالُ الْمُعَاهِدِينَ إِلَّا بِحَقِّهَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٠٦].\n٤١٣٢ - [٢٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ. الْمَيْتَتَانِ: الْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَالدَّمَانِ: الْكَبِدُ وَالطِّحَالُ\". رَوَاهُ أحمدُ وابنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ. [حم: ٢/ ٩٧، جه: ٣٣١٤، قط: ٤/ ٢٧١ - ٢٧٢].\n٤١٣٣ - [٣٠] وَعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا أَلْقَاهُ البَحْرُ وَجَزَرَ عَنْهُ الْمَاءُ فَكُلُوهُ، وَمَا مَاتَ فِيهِ وَطَفَا فَلَا تَأْكُلُوهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ.\nــ\nالمعجمتين، وهي نخلة تنشر بسرها وهو أخضر، وفي (الصراح) (١): خضيرة: خرمائى كه غوره أو سبز بريزد.\n٤١٣٢ - [٢٩] (ابن عمر) قوله: (الحوت والجراد) سماهما ميتًا لعدم الذبح حقيقة، وسمي الكبد والطحال دمًا لكونهما شبيهين بالدم.\n٤١٣٣ - [٣٠] (أبو الزبير) قوله: (وجزر عنه الماء) أي: انقطع أو انكشف، في (القاموس) (٢): الجزر: ضد المد، ونُضوبُ الماء، وقد يضم آتِيهِما.\nوقوله: (وطفا) أي: على فوق الماء، وهو الذي يموت في الماء حتف أنفه من غير سبب فيعلو ويظهر، وهذا حجة أبي حنيفة على تحريم الطافي، وهو المنقول عن جماعة من الصحابة.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ١٧٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٤١).","vol":"7","page":202},{"text":"وَقَالَ مُحِيُّ السُّنَّةِ: الأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى جَابِرٍ. [د: ٣٨١٥، جه: ٣٢٤٧].\n٤١٣٤ - [٣١] وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَنْ الْجَرَادِ فَقَالَ: \"أَكْثَرُ جُنُودِ اللَّهِ، لَا آكُلُهُ وَلَا أُحَرِّمُهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدُ، وَقَالَ مُحِيُّ السُّنَّةِ: ضَعِيفٌ. [د: ٣٨١٣].\nــ\nوفي (الهداية) (١): قال مالك والشافعي: لا بأس به لإطلاق قوله: (أحل لنا الميتتان)، ولأن ميتة البحر موصوفة بالحل بالحديث، يعني قوله في وصفه: (والحل ميتته)، ولنا أن ميتة البحر ما لفظه البحر ليكون موته مضافًا إلى البحر لا ما مات فيه من غير آفة، وعند أحمد أيضًا يحل الطافي، قال: الطافي يؤكل، وما جزر عنه الماء أجود، وكره الطافي بعض أصحابه.\nوقوله: (الأكثرون على أنه موقوف على جابر) يعني: أنه قول جابر، وقال أبو داود: ورواه الثقات فأوقفوه على جابر، وقد أسند من وجه ضعيف، انتهى، وكذا قال الشافعي بخلافه وكان ﵀ يخالف الصحابة، ويقول: هم رجال ونحن رجال، وأما أبو حنيفة ﵀ فيرى تقليد الصحابي واجبًا.\n٤١٣٤ - [٣١] (سلمان) قوله: (أكثر جنود اللَّه) أي: هي جند اللَّه يبعثه أمارة على غضبه على بعض البلاد.\nوقوله: (لا آكله ولا أحرمه) وهذه زيادة على الجواب لبيان الحكمة في وجوده، ويحتمل أن السائل سأل عن كلا الأمرين عن حكمة وجوده وحُكم أكله.\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٣٥٣).","vol":"7","page":203},{"text":"٤١٣٥ - [٣٢] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ سَبِّ الدِّيكِ وَقَالَ: \"إِنَّهُ يُؤْذِنُ لِلصَّلَاةِ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١٢/ ١٩٩].\n٤١٣٦ - [٣٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَسُبُّوا الدِّيكَ فَإِنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلَاةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٠١].\n٤١٣٧ - [٣٤] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: قَالَ أَبُو لَيْلَى: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا ظَهَرَتِ الْحَيَّةُ فِي الْمَسْكَنِ فَقُولُوا لَهَا: إِنَّا نسَأَلُكِ بِعَهْدِ نُوحٍ وَبِعَهْدِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ أَنْ لَا تُؤْذِينَا، فَإِنْ عَادَتْ فَاقْتُلُوهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٤٨٥، د: ٥٢٦٠].\nــ\n٤١٣٥ - [٣٢] (زيد بن خالد) قوله: (إنه يؤذن) أي: يعلم من الإيذان بمعنى الإعلام.\n٤١٣٦ - [٣٣] (وعنه) قوله: (لا تسبوا الديك) معروف، والجمع ديوك وأدياك، وديكة كقردة، وقد يطلق على الدجاجة.\nوقوله: (فإنه يوقظ للصلاة) المراد: صلاة الليل، وجاء في الحديث: (كان رسول اللَّه -ﷺ- يقوم إذا صرخ الصارخ) (١) والمراد به: الديك.\n٤١٣٧ - [٣٤] (عبد الرحمن بن أبي ليلى) قوله: (إنا نسألك بعهد نوح) الذي أخذ حين أدخل الحيوانات في سفينته.\nوقوله: (أن لا تؤذينا) بسكون الياء وحذف نون الإعراب صيغة الواحدة\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (١١٣٢)، ومسلم في \"صحيحه\" (٧٤١).","vol":"7","page":204},{"text":"٤١٣٨ - [٣٥] وَعَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا رَفَعَ الْحَدِيثَ: أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْحَيَّاتِ، وَقَالَ: \"مَنْ تَرَكَهُنَّ خَشْيَةَ ثَائِرٍ فَلَيْسَ مِنَّا. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١٢/ ١٩٥].\n٤١٣٩ - [٣٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا سَالَمْنَاهُمْ مُنْذُ حَارَبْنَاهُمْ، وَمَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهُمْ خِيفَةً فَلَيْسَ منَّا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٤٨].\nــ\nالمخاطبة.\n٤١٣٨ - [٣٥] (عكرمة) قوله: (إلا رفع) أي: ابن عباس، فالضمير في (أنه) للنبي -ﷺ-.\nوقوله: (خشية ثائر) اسم فاعل من الثأر، وهو الدم والطلب به والانتقام، أي: مخافة أن يكون له صاحب يطلب ثأرها، ويقولون: إن قتل أحد حية إن كان ذكرًا تجيء أنثاه وتدرك ثأره، وإن كان أنثى يدرك ذكرها.\n٤١٣٩ - [٣٦] (أبو هريرة) قوله: (ما سالمناهم منذ حاربناهم) الضمير للحيات، وإنما أورد ضمير العقل لأن المسالمة من أوصاف العقلاء، وقد ورد في رواية أبي داود عن ابن عباس: (ما سالمناهن منذ حاربناهن)، يريد أن المعاداة بين الإنسان والحيات جبلية لا تقبل الزوال، فإن كل واحد منهما قاتل للآخر، أو المراد وقوع المحاربة من لدن آدم، كذا نقل (الطيبي) (١)، ولعل المراد ما يروى أن إبليس دخل في جثة الحية فدخل الجنة.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٢٤، ١٢٥).","vol":"7","page":205},{"text":"٤١٤٠ - [٣٧] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ كُلَّهُنَّ، فَمَنْ خَافَ ثَأْرَهُنَّ فَلَيْسَ مِنِّي\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٥٢٤٩، ن: ٣١٩٣].\n٤١٤١ - [٣٨] وَعَنِ العبَّاسِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نَكْنُسَ زَمْزَمَ، وَإِنَّ فِيهَا مِنْ هَذِهِ الْجِنَّانِ -يَعْنِي الْحَيَّاتِ الصِّغَارِ-، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِقَتْلِهِنَّ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٥١].\n٤١٤٢ - [٣٩] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"اقْتُلُوا الْحَيَّاتِ كُلَّهَا إِلَّا الْجَانَّ الأَبْيَضَ الَّذِي كَأَنَّهُ قَضِيبُ فِضَّةٍ\". . . . . . .\nــ\n٤١٤٠ - [٣٧] (ابن مسعود) قوله: (اقتلوا الحيات كلهن) ظاهر في قتل أنواع الحيات كلها إلا أن يستثنى منها العوامر ذوات البيوت، أو المراد القتل ابتداء أو بعد التحريج والتضييق فتتم الكلية.\n٤١٤١ - [٣٨] (العباس) قوله: (إنا نريد أن نكنس) من باب ضرب ونصر. (فيها) أي: في بئر زمزم، وبئر مؤنث.\nوقوله: (من هذه الجنان) بكسر الجيم وشدة النون: جمع جان كحائط وحيطان، وهي الدقيق الخفيف، والجان: الحية الصغيرة، والثعبان: العظيم، وروي: (هذه الحيات) جمع حية.\n٤١٤٢ - [٣٩] (ابن مسعود) قوله: (إلا الجان الأبيض) قد كان أولًا أمر بقتلهن ثم نهى عنه؛ لأنه لا سمّ له، أو إنما أمر بقتلهن في تكنيس زمزم تطهيرًا وتنزيهًا لمائه منهن.\nوقوله: (كأنه قضيب فضة) القضيب: ما قطعت من الأغصان للسهام أو القسي،","vol":"7","page":206},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٦١].\n٤١٤٣ - [٤٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَامْقُلُوهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الآخَرِ شِفَاءً، فَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ، فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٤٤].\n٤١٤٤ - [٤١] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي الطَّعَامِ فَامْقُلُوهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ سُمًّا وَفِي الآخَرِ شِفَاءً، وَإِنَّهُ يُقَدِّمُ السَّمَّ وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١١/ ٢٦١].\nــ\nوقد يطلق على شجرة طالت وبسطت أغصانها.\n٤١٤٣ - [٤٠] (أبو هريرة) قوله: (فامقلوه) المقل: الغمس، والغوص في الماء.\nوقوله: (فإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء) أي: يحفظ نفسه بتقديم ذلك الجناح من أذية تلحقه من حرارة الطعام، وقيل: هو من اتقى بحق فلان: إذا استقبله به وقدمه إليه، أي: إنه يقدم جناحه الذي فيه الداء، ولعل على هذا المعنى يحمل قول الصحابة: اتقينا برسول اللَّه -ﷺ-، أي: جعلناه قدامنا واستقبلنا العدو به، والظاهر أنه بمعنى حفظنا أنفسنا بتقديمه، فتأمل.\n٤١٤٤ - [٤١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فإن في أحد جناحيه سمًّا) السم: الثقب، وهذا القاتل المعروف، ويثلث فيهما، كذا في (القاموس) (١).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٣٥).","vol":"7","page":207},{"text":"٤١٤٥ - [٤٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنَ الدَّوَابِّ: النَّمْلَةِ، وَالنَّحْلَةِ، وَالْهُدْهُدِ، وَالصُّرَدِ. رَوَاهُ أَبُوْ دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٥٢٦٧، دي: ٢/ ٨٨ - ٩٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1003> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤١٤٦ - [٤٣] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ أَشْيَاءَ، وَيَتْرُكونَ أَشْيَاءَ تَقَذُّرًا، فَبَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ، وَأَنْزَلَ كِتَابَهُ، وَأَحَلَّ حَلَالَهُ، وَحَرَّمَ حَرَامَهُ،\nــ\n٤١٤٥ - [٤٢] (ابن عباس) قوله: (النملة، والنحلة، والهدهد، والصرد) أما النملة فقد جاءت الرواية بقتلها، قالوا: المراد بها هنا النمل الكبار ذوات الأرجل الطوال؛ لأنها قليلة الأذى والضرر، وأما النحلة فلما فيها من المنفعة وهي العسل والشمع، وأما الهدهد والصرد فلتحريم أكلهما، وقد نهى عن قتل الحيوان لغير أكله، والصرد بضم الصاد وفتح الراء: طائر ضخم الرأس يصطاد العصافير، أو هو أول طائر صام للَّه تعالى، كذا في (القاموس) (١). وفي (النهاية) (٢): طائر ضخم الرأس والمنقار، له ريش عظيم، نصف أبيض ونصف أسود، ونقل الطيبي (٣): أنه يتشاءم العرب به ويتطير بصوته وشخصه، وقيل: إنما كرهوه من اسمه من التصريد، وهو التعليل.\nالفصل الثالث\n٤١٤٦ - [٤٣] (ابن عباس) قوله: (وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرّم حرامه)\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٧٩).\n(٢) \"النهاية\" (٣/ ٢١).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٢٦).","vol":"7","page":208},{"text":"فَمَا أَحَلَّ فَهُوَ حَلَالٌ، وَمَا حَرَّمَ فَهُوَ حَرَامٌ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فهوَ عفْوٌ، وتَلَا ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً﴾ [الأنعام: ١٤٥] (١). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٠٠].\n٤١٤٧ - [٤٤] وَعَنْ زَاهِرٍ الأَسْلَمِيِّ قَالَ: إِنِّي لأُوقِدُ تَحْتَ الْقُدُورِ بِلُحُومِ الْحُمُرِ إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَنْهَاكُمْ عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤١٧٨].\n٤١٤٨ - [٤٥] وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنيِّ يَرْفَعُهُ: \"الْجنُّ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ يَطِيرُونَ فِي الْهَوَاءِ، وَصِنْفٌ حَيَّاتٌ وَكِلَابٌ، وَصِنْفٌ يَحُلُّونَ. . . . . .\nــ\nقد ثبت أن التحريم ثبت في أشياء بالسنة زائدًا على الكتاب كما أسلفنا في شرح الترجمة، لكن ابن عباس تلا الكتاب ولم يتل السنة لكثرتها، أو غرض ابن عباس من تلاوة هذه الآية أنه لا تحريم إلا بالوحي ولا يجوز بالهوى، والوحي قد يكون جليًّا، وقد يكون خفيًّا، وفيه نسخ الكتاب بالسنة.\n٤١٤٧ - [٤٤] (زاهر الأسلمي) قوله: (إني لأوقد) عبر بلفظ المضارع استحضارًا لتلك الحالة، والظاهر أن يقال: كنت أوقد.\n٤١٤٨ - [٤٥] (أبو ثعلبة الخشني) قوله: (وصنف حيات) وجاء عن ابن عباس: أن الحيات مسخ الجن كمسخ القردة من بني إسرائيل.\nوقوله: (يحلون) بفتح الياء وضم الحاء، أي: ينزلون في الأماكن والبقاع،\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"أو دمًا\".","vol":"7","page":209},{"text":"وَيَظْعُنُونَ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١٢/ ١٩٥].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1004>٣ - باب العقيقة</span>\nــ\nويقيمون بها، و(يظعنون) بالظاء المعجمة، أي: يسافرون، والظعن: السير والسفر.\n٣ - باب العقيقة\nفي (القاموس) (١): العقيقة: شعر كل مولود من الناس والبهائم كالعقة بالكسر، وكسفينة، أو العِقَّة: في الْحُمُرِ والناس خاصة، والعقيقة أيضًا: صُوفُ الْجَذَع، والشاة التي تذبح عند حلق شعر المولود.\nوقال في (شرح كتاب الخرقي) (٢): قال الأزهري: قال أبو عبيد: قال الأصمعي وغيره: العقيقة أصلها الشعر الذي يكون على رأس الصبي حين يولد، لأنه يعق اللحم والجلد، أي: يشقهما ويخرج، وسميت الشاة المذبوحة عند حلق شعره عقيقة على عادتهم في تسمية الشيء باسم سببه، ثم اشتهر ذلك، فلا يفهم من العقيقة عند الإطلاق إلا الذبيحة. وقال ابن عبد البر: أنكر أحمد هذا التفسير، وقال: إنما العقيقة المذبوح نفسه، وذلك لأن أصل العق القطع، ومنه عن والديه: إذا قطعهما، والذبح قطع الحلقوم، فتكون العقيقة بمعنى الذبيحة بطريق استعمال العام في الخاص، وسيجيء في (الفصل الثاني) أن رسول اللَّه -ﷺ- كره هذا الاسم، وكان يقول: (لا يحب اللَّه العقوق وأحب أن يسموه نسكًا).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٣٩).\n(٢) \"شرح الزركشي على مختصر الخرقي\" (٧/ ٤٧).","vol":"7","page":210},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1005> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤١٤٩ - [١] عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّي قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَعَ الْغُلَامِ عَقِيقَةٌ، فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٤٧١، ٥٤٧٢].\nــ\nثم اعلم أن العقيقة سنة عند الأئمة الثلاثة، وفي رواية عن أحمد واجب لحديث: (كل غلام مرتهن بعقيقته) كما يأتي، ولما كان أكثر الأحاديث في السنية حملوه على التأكيد، وأيضًا قرن التسمية بها، وليست واجبة بالاتفاق، فلا تكون هي أيضًا واجبة، لا لأن القران في الذكر يوجب القران في الحكم، بل لأنه يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز، ويعتبر في العقيقة ما يعتبر في الأضحية، وعندنا العقيقة ليست سنة.\nقال محمد في (موطئه) (١): أما العقيقة فبلغنا أنها كانت في الجاهلية، وقد فُعِلَتْ في أول الإسلام، ثم نسخ الأضحى كلَّ ذبح كان قبله، ونسخ صومُ شهر رمضان كلَّ صوم كان قبله، ونسخ غسلُ الجنابة كلَّ غسل كان قبله، ونسخت الزكاة كلَّ صدقة كان قبلها، كذلك بلغنا، انتهى.\nالفصل الأول\n٤١٤٩ - [١] (سلمان) قوله: (مع الغلام) أي: مع ولادته (عقيقة).\nوقوله: (فأهريقوا عنه) بيان للعقيقة.\nوقوله: (وأميطوا عنه الأذى) بإزالة الشعر وتطهيره عن الأوساخ التي تلطخ به عند الولادة، وقيل: الختان أيضًا، وذلك يوم السابع كما يأتي.\n_________\n(١) \"التعليق الممجد\" (٢/ ٦٣٢).","vol":"7","page":211},{"text":"٤١٥٠ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ وَيُحَنَّكُهُمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٦].\n٤١٥١ - [٣] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهَا حَمَلَتْ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ قَالَتْ: فَوَلَدْتُ بِقُبَاءَ، ثُمَّ أَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَوَضَعْتُهُ فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ دَعَا بِتَمْرَةٍ فَمَضَغَهَا، ثُمَّ تَفَلَ فِي فِيهِ، ثُمَّ حَنَّكَهُ، ثُمَّ دَعَا لَهُ وَبَرَّكَ عَلَيْهِ،\nــ\n٤١٥٠ - [٢] (عائشة) قوله: (كان يؤتى بالصبيان) ذكر هذا الحديث لمناسبة العقيقة ببيان بعض الأحكام التي تكون عند الولادة، وكذلك عادة المؤلف في هذا الكتاب في أحاديث قليلة لا يناسب لها عقد باب على حدة.\nوقوله: (فيبرك عليهم) والتبريك: الدعاء بالبركة، و(يحنكهم) الحنك: باطن الفم من داخل، أو الأسفل من طرف مقدم اللَّحيين، وتحنيك الصبي أن يمضغ تمرًا أو غيره ويدلك به حنكه، كذا في (القاموس) (١)، وفي (مجمع البحار) (٢): اتفقوا على تحنيك المولود عند ولادته بتمر، فإن تعذر فبما في معناه من الحلو فيمضغ حتى يصير مائعًا فيضع في فيه ليصل شيء إلى جوفه، ويستحب كون المحنك من الصالحين، وأن يدعو للمولود بالبركة عند التحنيك.\n٤١٥١ - [٣] (أسماء بنت أبي بكر) قوله: (فولدت بقباء) قباء بالضم والمد وقد يقصر: موضع قرب المدينة، يذكر ويؤنث، فيصرف ولا يصرف، ومسجد قباء مشهور بني أول الهجرة، وقد مر ذكره، و(الحجر) بتقديم الحاء على الجيم مثلثة:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٦٣).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٥٧٣).","vol":"7","page":212},{"text":"فَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الإِسْلَامِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٩٠٩، م: ٢١٤٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1006> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤١٥٢ - [٤] عَنْ أُمِّ كُرْزٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكِنَاتِهَا\" قَالَتْ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: . . . . . .\nــ\nحِضْنُ الإنسان، وفي (الصراح) (١): حجر: كنار مردم. و(التفل): نفخ معه أدنى بزاق، والنفث أدنى منه.\nوقوله: (فكان أول مولود ولد في الإسلام) أي: في المدينة بعد الهجرة من المهاجرين.\nالفصل الثاني\n٤١٥٢ - [٤] (أم كرز) قوله: (عن أم كرز) بضم الكاف وسكون الراء وآخره زاي.\nوقوله: (أقروا الطير على مكناتها) ذكروا لهذا الكلام وجوهًا فقيل: مكنات بفتح الميم وكسر الكاف وقد تفتح: جمع مكنة، وهي في الأصل بيضة الضب، كذا في (النهاية) (٢)، وفي (القاموس) (٣): مكن بفتح الميم وسكون الكاف وككتف: بيض الضبَّة والجرادة ونحوهما، وفي الحديث: (وأقروا الطير على مكناتها) بكسر الكاف وضمها، أي: بيضها، انتهى كلامه، يعني استعمل في مطلق بيض الطير استعمالًا للمقيد في المطلق، أو الخاص في العام كالمرسن والمشفر.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ١٦٩).\n(٢) \"النهاية\" (٢/ ٦٧٢).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٣٨).","vol":"7","page":213},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقيل: هي بمعنى الأمكنة، يقال: الناس على مكناتهم وسكناتهم، أي: أمكنتهم ومساكنهم، وقيل نقلًا عن الزمخشري: روي: (مكناتها) بضم أوله جمع مكن، جمع مكان نحو حمر وحمرات. وقيل: هي جمع مكنة من التمكن، يقال: له مكنة عند السلطان، أي: تمكن ومنزلة عنده، وجاء بمعنى التؤدة أيضًا وهو قريب من معنى السكنة، والمراد إما المنع عن زجر الطيور وترهيبها وتشويشها وإزعاجها عن أماكنها وأوكارها وبيوضها. وقيل: معناه كراهة صيد الطير بالليل، وإما النهي عن التطير فإن أحدهم كان إذا أراد حاجته أتى طيرًا فنفره وأطاره، فإن أخذ ذات اليمين مضى لها، وإن أخذ ذات الشمال رجع، فنهوا عنه، فيكون المعنى: لا تنفروها عن مكانها لأخذ الطيرة، أو يكون المعنى: أقروها على مواضعها ومراتبها التي وضعها اللَّه بها وجعلها لها من أنها لا تنفع ولا تضر، وهذا فرع الحمل على معنى التطير، ووجه الربط بينه وبين ذكر العقيقة أنهم كانوا يتطيرون في كل الأحوال فنهوا عن التطير في شأن المولود، وحثوا على الصدقة وهي العقيقة، وهذا على تقدير حمل الحديث على معنى النهي عن التطير، وأما على تقدير حمله على معنى النهي عن إيذائها وإزعاجها أو كراهة صيدها بالليل فلا مناسبة.\nفقيل: هذا حديثان مستقلان جمعهما الراوي لغرض، وفي (الترمذي) و(النسائي) تصريح باستقلال كل من الحديثين، وكذا في قول أم كرز: (وسمعته يقول)، وهذا أظهر دلالة على ذلك؛ لأن الترمذي والنسائي يحتمل أَنْ رَوَيَا جزءًا من الحديث مستقلًا، فتدبر، وقال بعضهم: ولا يعرف للتطير مكنات إنما هو وكنات جمع وكنة، وهو موضع عش الطائر، واللَّه أعلم.","vol":"7","page":214},{"text":"\"عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ، وَلَا يَضُرُّكُمْ ذُكْرَانًا كُنَّ أَوْ إِنَاثًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ قَوْلِهِ: يَقُولُ: \"عَنِ الْغُلَامِ\" إلى آخِرِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. [د: ٢٨٣٥، ت: ١٥١٦، ن: ٤٢١٨].\n٤١٥٣ - [٥] وَعَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ يِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ. . . . . .\nــ\nوقوله: (عن الغلام شاتان) وفي رواية: (شاتان مكافئتان)، وفي أخرى: (شاتان مثلان).\nوقوله: (ولا يضركم ذكرانًا كن) أي: الشاء (أو إناثًا)، وفي الحواشي ممن يوثق عليه بعلامة السماع: أي: الأولاد، ولا يخلو عن تكرار وخفاء في المعنى، وتوجيهه أن الناس قد لا تطيب نفوسهم في العقيقة عن الإناث ويعدونه ضررًا في المال، فقال: لا ضرر في ذلك، بل فيه نفع وهو الثواب وحصول الخير والبركة والسلامة.\n٤١٥٣ - [٥] (الحسن) قوله: (الغلام مرتهن بعقيقته) تكلموا في لفظ: (مرتهن)، فإنه اسم من يأخذ الرهن، والشيء رهن ومرهون ورهين ورهينة كما جاء في رواية أبي داود والنسائي، والتاء فيه للمبالغة كما يقال: فلان كريمة قومه، أو بتأويل النفس، فقيل: هو بفتح الهاء بمعنى مرهون، ورد لأنه لم يوجد فيما يعتمد عليه من كلامهم بناء المفعول من الارتهان، فلعل الراوي أتى به من طريق القياس، وأجيب بأنه من باب المجاز.\nوقال الزمخشري في (الأساس) (١) في قسم المجاز: فلان رهن ورهينة ومرتهن\n_________\n(١) \"أساس البلاغة\" (١/ ٤٠١).","vol":"7","page":215},{"text":"يَوْمَ السَّابعِ وَيُسَمَّى وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، لَكِنْ فِي رِوَايَتِهِمَا \"رَهِينهٌ\" بَدْلَ \"مُرْتَهَنٌ\". . . . . .\nــ\nبه: مأخوذ به، كذا نقل الطيبي (١)، يريد أن الرهن هنا ليس محمولًا على الحقيقة التي هي حبس الشيء وجعله محبوسًا بدين يمكن استيفاؤه منه بل محمول على المجاز، وقد جاء مرتهن بالشيء بمعنى مأخوذ به بتصريح صاحب (الكشاف).\nثم تكلموا في كون الغلام مأخوذًا ومحبوسًا بعقيقته. فقال بعضهم: معناه أنه إذا مات طفلًا ولم يعق عنه لم يشفع في والديه، وهذا منقول عن الإمام أحمد بن حنبل رحمة اللَّه عليه، وروي مثل ذلك عن قتادة، وهو كقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] أي: محبوسة عند اللَّه بوبال ما كسبت، لا يترك أن يدخل الجنة إلا مع أصحاب اليمين، والرهن في اللغة: الحبس والمنع، وهذا -أي: حرمانه عن شفاعتهم- ليس جزاء لوبال الطفل لعدم كونه مكلفًا، بل راجع إلى أبويه في تقصيرهم بإتيان هذه السنة، فيحرمون عن شفاعة الطفل المتحتم قبولها، وقيل: المعنى أنه كالشيء المرهون لا يتم الانتفاع والاستمتاع به دون فكه، والنعمة إنما تتم على المنعم عليه بقيامه بالشكر، ووظيفة الشكر في هذه النعمة ما سنه نبي اللَّه -ﷺ-، وقيل: إنه أراد بذلك أن سلامة المولود ونشوءه على الحالة المحمودة رهينة بالعقيقة، والتعويل على ما قاله ذلك الإمام الأجل، والظاهر أنه تلقاها من قبل من سلفه من الصحابة والتابعين، كذا قال التُّورِبِشْتِي (٢).\nوقوله: (في يوم السابع) من إضافة الموصوف إلى الصفة.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٣١).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٤٩).","vol":"7","page":216},{"text":"وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ: \"وَيُدَمَّى\" مَكَانَ: \"وَيُسَمَّى\" وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: \"وَيُسَمَّى\" أَصَحُّ. [حم: ٥/ ١٢، ت: ١٥٢٢، د: ٢٨٣٨، ن: ٤٢٢٠].\n٤١٥٤ - [٦] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْحَسَنِ بِشَاةٍ وَقَالَ: \"يَا فَاطِمَةُ احْلِقِي رَأْسَهُ وَتَصَدَّقِي بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً\" فَوَزَنَّاهُ فَكَانَ وَزْنُهُ دِرْهَمًا أَوْ بَعْضَ دِرْهَمٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ؛ لأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ. [ت: ١٥١٩].\nــ\nوقوله: (وفي رواية لأحمد وأبي داود: ويدمى) بلفظ المجهول من التدمية بمعنى لطخ الرأس بالدم، وروي عن قتادة في تفسير التدمية أنه إذا ذبحت الشاة تؤخذ صوفة منها، وتترك في مقابلة أوداجها حتى تتلطخ بالدم الذي ينفصل منها، ثم توضع على يافوخ الصبي حتى يسيل منها شبه الخط على فرقه، ثم يغسل ويحلق، وأورد أبو داود هذه الرواية ثم قال: هذا وهم من همام، وما جاء عن قتادة في تفسيره منسوخ، والأصح رواية (يسمى)، وهكذا روى سلام بن مطيع عن قتادة وإياس بن دغفل عن الحسن، وكذا روى الأشعث عن الحسن، وأيضًا عن رسول اللَّه -ﷺ- عن الحسن والحسين ولم يرو فيه التدمية، وهذا الفعل أشبه بعوائد أهل الجاهلية ورسومهم كما يأتي في (الفصل الثالث). وقال الخطابي: وأيضًا قد سن إماطة الأذى فكيف يؤمر بزيادته، وقيل: المراد بالتدمية هو الختان وهو أقرب، واللَّه أعلم.\n٤١٥٤ - [٦] (محمد بن علي) قوله: (بشاة) هكذا جاء في حديث علي وابن عباس، وجاء أيضًا عن ابن عباس: (بكبشين)، وجاء في بعض الروايات مطلقًا. وقال","vol":"7","page":217},{"text":"٤١٥٥ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَقَّ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ كبْشًا كبْشًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ: \"كبْشَيْنِ كَبْشَيْنِ\". [د: ٢٨٤١، ن: ٤٢١٩].\nــ\nصاحب (سفر السعادة) (١): رواية شاة واحدة صحيحة، لكن حديث: (عن الغلام شاتان) أقوى وأصح؛ لأنه رواه جماعة من الصحابة ﵃ أجمعين، ووجه آخر أن القول أقوى وأتم؛ لأن الفعل يحتمل الاختصاص به -ﷺ-، وأيضًا الفعل يدل على الجواز، والقول على الاستحباب، ووجه آخر أن قصة عقيقة الحسنين -﵄- مقدم على حديث أم كرز؛ لأنه كان في عام أحد الذي فيه ولد الحسن -﵁-، وعام آخر بعده الذي فيه ولادة الحسين -﵁-، وحديث أم كرز في عام الحديبية في سنة ست فيكون ناسخًا لما تقدم، ووجه آخر مقبول أن اللَّه تعالى فضل الذكر على الأنثى في الميراث، وفي أمور أخر مثل الشهادة والإمامة الصغرى والكبرى، وهذا يقتضي الفرق، كذا ذكره في (سفر السعادة) واللَّه أعلم.\nوقال الترمذي (٢): وفي الباب عن علي وعائشة وأم كرز وبريدة وسمرة وأبي هريرة وعبد اللَّه بن عمر وأنس وسليمان بن عامر وابن عباس، وحديث أم كرز حسن صحيح، وعليه العمل عند أهل العلم، وروي عن رسول اللَّه -ﷺ-: (عن الغلامان شاتان وعن الجارية شاة)، وروي أنه -ﷺ- عق عن الحسن بشاة، وإليه ذهب بعض أهل العلم، انتهى كلامه.\n٤١٥٥ - [٧] (ابن عباس) قوله: (كبشًا كبشًا) أي: لكلٍّ كبشًا، وعند النسائي:\n_________\n(١) انظر: \"سفر السعادة\" (ص: ١٩٤ - ١٩٥).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (١٥١٩).","vol":"7","page":218},{"text":"٤١٥٦ - [٨] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ: \"لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْعُقُوقَ\" كَأَنَّهُ كَرِهَ الِاسْمَ وَقَالَ: \"مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ. . . . . .\nــ\n(كبشين كبشين)، قد مرّ الكلام فيه.\n٤١٥٦ - [٨] (عمرو بن شعيب) قوله: (كأنه كره الاسم) لأن العقوق من الكبائر، والمقصود أن هذا الاسم مكروه وإن كان العقوق من جانب الولد، وهنا ليس كذلك، وقيل: أصله في الولد، ثم استعير لامتناع الوالد عن أداء حق المولود، هذا ما ذكروا، والظاهر أنه -ﷺ- كره اسم العقيقة لأنه يذكر عن العقوق وهو من أشد الكبائر، وليس أنه من جانب الولد أو الوالد، فافهم.\nوقال التُّورِبِشْتِي (١): هذا الكلام غير سديد أدرج في الحديث من قول بعض الرواة، ولا يُدرى من القائل منهم، وعلى الجملة فإنه قول صدر عن ظن، والظن يخطئ ويصيب، والظاهر أنه وقع هنا في القسم الأول؛ لأن النبي -ﷺ- ذكر العقيقة في عدة أحاديث، ولو كان يكره الاسم لعدل عنه إلى غيره، ومن سنته تغيير الاسم إذا كرهه كقوله: (لا تقولوا للعنب الكرم) (٢) ونحوه، انتهى.\nوأقول: يحتمل أن يكون إطلاق العقيقة منه -ﷺ- قبل هذه الكراهة باستشعار حصل منه -ﷺ- بهذا المعنى أو بوحي من اللَّه، ثم ذكر التُّورِبِشْتِي في بيان معنى هذا القول وجوهًا بعيدة ارتكب فيها تكلفات، أقربها أنه يحتمل أن يكون السائل ظنّ أن اشتراك العقيقة مع العقوق في الاشتقاق مما يوهن أمرها، فأعلم أن الأمر بخلاف ذلك،\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٥٠).\n(٢) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٢٢٤٧).","vol":"7","page":219},{"text":"فَأَحَبَّ أَنْ يَنْسُكَ عَنْهُ فَلْيَنْسُكْ عَنِ الْغُلَامِ شَاتَيْنِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةً\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٨٤٢، ن: ٤٢١٢].\n٤١٥٧ - [٩] وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَذَّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ بِنِ عَلِيِّ حِينَ وَلَدَتْهُ فَاطِمَةُ بِالصَّلَاةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ١٥١٤، د: ٥١٠٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1007> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤١٥٨ - [١٠] عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كُنَّا فِي الْجَاهِلَيَّةِ إِذَا وُلِدَ لِأَحَدِنَا غلامٌ ذَبَحَ شاةً وَلَطَّخَ رَأسَهُ بِدَمِهِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ كُنَّا نَذْبَحُ الشَّاةَ يَوْمَ السَّابِعِ، وَنَحْلِقُ رَأْسَهُ، وَنُلَطِّخُهُ بِزَعْفَرَانٍ. . . . . .\nــ\nوقال: ويحتمل أن يكون العقوق في هذا الحديث مستعارًا للوالد كما هو حقيقة في حق المولود، فجعل إباء الوالد عن أداء حق المولود عقوقًا على الاتساع، انتهى.\nوقوله: (فأحب أن ينسك عنه فلينسك) قد يؤخذ منه أنه ينبغي أن تسمى نسيكة بدل عقيقة.\n٤١٥٧ - [٩] (أبو رافع) قوله: (أذَّن في أذن الحسن) -﵁-، وهو سنة عند الولادة إدخالًا لكلمة اللَّه ودين الإسلام أول مجيئه في الدنيا، وخصه بالأذان لأن الشيطان يدبر ويفر عند سماع الأذان، ونقل عن بعض السلف الأذان في اليمين والإقامة في الشمال.\nالفصل الثالث\n٤١٥٨ - [١٠] (بريدة) قوله: (ونلطخه بزعفران) فإنه أحسن وأطيب.","vol":"7","page":220},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَزَادَ رَزِينٌ: وَنُسَمِّيهِ. [د: ٢٨٤٣].\nــ\nتم (كتاب الصيد والذبائح) بعون اللَّه وتوفيقه، ويتلوه (كتاب الأطعمة).\n* * *","vol":"7","page":221},{"text":"(٢١) كتاب الأطعمة","vol":"7","page":223},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1008>(٢١) كتاب الأطعمة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1009> الفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤١٥٩ - [١] عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ. فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"سَمِّ اللَّهَ وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٣٧٦، م: ٢٠٢٢].\nــ\n٢١ - كتاب الأطعمة\nجمع طعام، بمعنى ما يؤكل، من باب سمع، وقد يخص بالبر غلبة.\nالفصل الأول\n٤١٥٩ - [١] (عمر بن أبي سلمة) قوله: (في حجر) بفتح الحاء ويكسر، وكان ربيبًا لرسول اللَّه -ﷺ- بعد تزوج أمه أم سلمة.\nوقوله: (وكانت يدي تطيش) الطيش: الخفة، أي: تتحرك وتمتد، أي: كنت آكل من نواحي الصحفة، ولا أقتصر على ما يليني من الطعام على ما هو عادة الغلمان.\nقال الطيبي (١): الصحفة دون القصعة وهي ما تشبع خمسة، والقصعة تشبع عشرة، أقول: لعله لم يرد التحديد، بل المراد بيان الأقل منهما على قياس في جمع القلة والكثرة وإلا ثبت وسايط وليس لها أسماء، وفي (القاموس) (٢): أعظم القصاع الجفنة ثم\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٣٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٦٢).","vol":"7","page":225},{"text":"٤١٦٠ - [٢] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَنْ لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠١٧].\nــ\nالصحفة، وقال في مادة الجفن: الجفنة: القصعة، ويفهم منه أن القصعة يطلق على كل منهما وليست مقابلة لهما، ويوافقه ما في (مجمع البحار) (١) في شرح قوله -ﷺ-: (لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها) (٢): هي إناء كالقصعة المبسوطة. وقال في (النهاية) (٣): والعرب تَدْعو السيد المِطعَام جَفْنَة لأنه يضعها ويُطْعِم الناسَ فِيها، وفي (القاموس) (٤): الجفنة: الرجل الكريم، فلم يقيده بالطعام فيمكن أن تعتبر العلاقة كونه متصفًا بصفات الخير ومملوءًا به كالجفنة من الطعام، فتدبر.\n٤١٦٠ - [٢] (حذيفة) قوله: (يستحل الطعام) قال النووي (٥): أي يتمكن من أكله، والجمهور على أن أكل الشيطان حقيقة، إذ العقل لا يحيله وهو جسم يتغذى، وقد يأول بأن المراد به اتخذ سبيلًا، أي: تطير بركة الطعام بترك التسمية، انتهى.\nوقوله: (أن لا يذكر) بلفظ المجهول، و(أن) بفتح الهمزة بتقدير حرف الجر أي: لأجل أن لا يذكر اسم اللَّه عليه، واعلم أن المسنون هو التسمية في ابتداء الطعام، ولكن يكفي في عدم استحلال الشيطان وتمكنه التسمية ولو في أثناء الطعام، صرح به النووي، وظاهر هذا الحديث يدل على هذا بإطلاقه لو لم يقيد بالابتداء بقرينة الأحاديث الأخر، فتدبر.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٢٩٠).\n(٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٥١٥٢)، وأبو داود في \"سننه\" (٢١٧٦).\n(٣) \"النهاية\" (١/ ٢٨٠).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٩٣).\n(٥) \"شرح النووي\" (١٣/ ١٨٩).","vol":"7","page":226},{"text":"٤١٦١ - [٣] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ. وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠١٨].\n٤١٦٢ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ، وَإِذَا شَرِبَ فَلْيَشْرَبْ بِيَمِينِهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٢٠].\n٤١٦٣ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَأْكُلَنَّ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ وَلَا يَشْرَبَنَّ بِهَا، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيَشْرَبُ بِهَا\". . . . . .\nــ\n٤١٦١ - [٣] (جابر) قوله: (قال الشيطان) أي: لأتباعه وأعوانه، وقيل: ويجوز أن يكون المخاطب الرجل وأهل بيته دعاء عليهم من الشيطان، وقال الطيبي (١): وهو بعيد؛ لقوله: (قال الشيطان: أدركتم المبيت) والمخاطبون به أعوانه، أقول: لا شك في بعد هذا المعنى، وبعد ارتكاب الحمل عليه لم يتعين الخطاب في قوله: (أدركتم المبيت) لأعوانه، بل يجوز أن يكون دعاء لأهل البيت من الشيطان بالدوام والاستقرار على المبيت، فافهم.\n٤١٦٢ - [٤] (ابن عمر) قوله: (إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه) التيامن مستحب في كل شيء، والتخصيص بالطعام والشراب لغاية الاهتمام أو لوقوع التقريب في ذكرهما.\n٤١٦٣ - [٥] (ابن عمر) قوله: (فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بها) فينبغي\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٣٨).","vol":"7","page":227},{"text":"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٢٠].\n٤١٦٤ - [٦] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَأْكُلُ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ، وَيَلْعَقُ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يَمْسَحَهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٣٣].\n٤١٦٥ - [٧] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَمَرَ بِلَعْقِ الأَصَابِعِ، وَالصَّحْفَةِ وَقَالَ: \"إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ فِي أَيَّةٍ الْبَرَكَةُ؟ \". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٣٣].\n٤١٦٦ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَهَا. . . . .\nــ\nأن يخالف في فعله، وقيل: المراد يحمل أولياءه على ذلك، ثم يحتمل أن تكون هذه العلة مخصوصة برعاية التيامن في الأكل والشرب أو عامة لكل ما يستحب التيامن فيه إلا في الوضوء ونحوه، ويشمل الحمل على المعنى الأخير الكل، فافهم.\n٤١٦٤ - [٦] (كعب بن مالك) قوله: (يأكل بثلاثة أصابع) هي الإبهام والسبابة والوسطى، ولا يعرف حال الإصبعين الأخريين أيقبضهما أو يتركهما مبسوطتين، والظاهر هو الأول حتى يوجد النقل.\nوقوله: (ويلعق يده) أي: أصابعه كما في الحديث الآتي.\nوقوله: (قبل أن يمسحها) أي: بمنديل ونحوه، وفي بعض النسخ: (بشيء)، ثم يغسلها بعد اللعق.\n٤١٦٥ - [٧] (جابر) قوله: (في أيّة) بالتنوين، أي: في أيَّ أكلة أو طعمة، وفي بعض النسخ: (في أيه) بتذكير (أي) وهاء الضمير، أي: في جزء الطعام الذي أكل أو الذي بقي في الصحفة أو علق بالأصابع، ويؤيده الحديث الآتي عن جابر.\n٤١٦٦ - [٨] (ابن عباس) قوله: (حتى يلعقها) بفتح الياء والعين من اللعق،","vol":"7","page":228},{"text":"أَوْ يُلْعِقَهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٥٦، م: ٢٠٣١].\n٤١٦٧ - [٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- (١) يَقُولُ: \"إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ حَتَّى يَحْضُرَهُ عِنْدَ طَعَامِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ مِنْ أَحَدِكُمْ اللُّقْمَةُ فَلْيُمِطْ مَا كَانَ بِهَا مِنْ أَذًى (٢) ثُمَّ لِيَأْكُلْهَا وَلَا يَدَعَهَا لِلشَّيْطَانِ، فَإِذَا فَرَغَ فَلْيَلْعَقْ أَصَابِعَهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي فِي أَيِّ طَعَامِهِ يَكُونُ الْبركَة؟ \". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٣٣].\n٤١٦٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"لَا آكُلُ مُتَّكِئًا\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٣٩٨، م: ٥٣٩٩].\nــ\n(أو يلعقها) بضم الياء وكسر العين من الإلعاق، أي: يلعقها غيره الصبيان والخادم ونحوهما.\n٤١٦٧ - [٩] (جابر) قوله: (من شأنه) صفة (شيء) والضمير (لأحدكم) أي: في كل أمر من أموره، وقال الطيبي (٣): أي شيء كائن من شأن الشيطان حضوره عنده.\nوقوله: (ولا يدعها) أي: لا يترك اللقمة الساقطة (للشيطان) كناية عن تضييع اللقمة والاستحقار بها والاستكبار عنها، وهي من أخلاق الشيطان، ويجوز أن يكون المراد لا يدعها ليأكله الشيطان وهذا هو الحقيقة.\n٤١٦٨ - [١٠] (أبو جحيفة) قوله: (لا آكل متكئًا) قال الشيخ مجد الدين الشيرازي\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول اللَّه\".\n(٢) قال المظهر: فليبعده وليزل ما كان بها من تراب، وليأكله بشرط أن يكون ما سقطت عليه اللقمة من أرض أو غيرها طاهرًا، فإن كان نجسًا لا يجوز أكله، بل يطعمه هرة أو كلبًا. \"المفاتيح\" (٤/ ٥٠١).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٣٩).","vol":"7","page":229},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفي (سفر السعادة) (١): إن الاتكاء على ثلاثة أنواع، أحدها: أن يضع جنبه على الأرض، وثانيها: أن يجلس متربعًا، وثالثها: أن يضع إحدى يديه على الأرض ويتكأ عليها، ويأكل باليد الأخرى، وكلها مذموم، انتهى.\nوقال الخطابي (٢) وأكثر شراح الحديث: إن العامة تحسب أن المتكئ هو المائل في قعوده على أحد شقيه وليس كذلك، بل هو هنا المتكئ على وطاء تحته، وكل من استوى قاعدًا على وطاء فهو متكئ، وقال النووي (٣): (متكئًا) أي: متمكنًا في الجلوس متربعًا أو معتمدًا على وطاء، وقال الكرماني (٤): (لا آكل متكئًا) أي: لم أقعد متكئًا على الأوطئة حال الأكل فعل من يستكثر من الأطعمة، ولكني أقعد مستوفزًا وآكل علقة من الطعام، وليس المراد من الاتكاء الميل على أحد جانبيه، ومن حمل عليه تأول على مذهب الطب فإنه لا ينحدر في مجاري الطعام سهلًا، ولا يسيغه هنيئًا، وربما تأذى به، انتهى.\nوقيل: الاتكاء هنا القعود على وجه التمكن والاستواء، بل السنة في الأكل أن يجلس مائلًا إلى الطعام ومتوجهًا ومنحنيًا إليه، وأورد السيوطي في \"عمل اليوم والليلة\": أنه لا يأكل متكئًا ولا ساقطًا على وجهه ولا قائمًا، بل يجلس على ركبتيه أو على هيئة الإقعاء أو على قدميه أو يرفع الركبة اليمنى ويجلس على الركبة اليسرى، وقال شراح البخاري: اختلف في صفة الاتكاء، فقيل: أن يتمكن للجلوس في الأكل على أيّ صفة\n_________\n(١) \"سفر السعادة\" (ص: ٣١٨).\n(٢) \"معالم السنن\" (٤/ ٢٤٢).\n(٣) \"شرح النووي\" (١٣/ ٢٢٧).\n(٤) \"شرح الكرماني\" (٢٠/ ٣٤).","vol":"7","page":230},{"text":"٤١٦٩ - [١١] وَعَنْ قَتَادَة عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا أَكَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى خِوَانٍ وَلَا فِي سُكُرُّجَةٍ وَلَا خُبِزَ لَهُ مُرَقَّقٌ،\nــ\nكان، وقيل: أن يميل على أحد شقيه، وقيل: أن يعتمد على يده اليسرى، والأول هو المعتمد، وهو شامل للقولين، والحكمة في تركه أنه من فعل ملوك العجم والمتعظمين وأنه أدعى إلى كثرة الأكل وعظم البطن، وأحسن الجلسات للأكل الإقعاء على الوركين ونصب الركبتين ثم الجثو على الركبتين وظهور القدمين ثم نصب الرجل اليمنى، والجلوس على اليسرى.\n٤١٦٩ - [١١] (قتادة) قوله: (على خوان) في (القاموس) (١): الخوان كغراب وككتاب: ما يؤكل عليه.\nوقوله: (ولا في سكرجة) بضم سين وكاف وراء وتشديدها: إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الأدم، وهي فارسية، وأكثر ما يوضع فيه الكواميخ ونحوها، وقال الكرماني (٢): وقد صوب بعضهم فتح الراء، وقال الطيبي: وتوضع فيه المشتهيات من الجوارشات ونحوها من المخللات حول الأطعمة للتشهي والهضم، انتهى. وقيل: هي قصاع صغار والأكل فيها تكبر وإنه علامة البخل.\nوقوله: (ولا خبز له مرقق) قال الطيبي (٣): إنه كناية عن عدم أكله -ﷺ- الخبز المرقق كما يعرف من الحديثين الآتيين، وقيل: ظاهر العبارة نفي الخبز له يعني قد كان يأكل إذا لم يخبز له بل خبز لغيره، ولكن المراد هو الأول، وأقول: هو المتبادر إلى الفهم عند الإنصاف، وبعض الأحاديث يشرح بعضًا، وكذا المتبادر من الحديثين\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٠٠).\n(٢) \"شرح الكرماني\" (٢٠/ ٢٧).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٤٠).","vol":"7","page":231},{"text":"قِيلَ لِقَتَادَةَ: عَلَى مَا يَأْكُلُونَ؟ قَالَ: عَلَى السُّفَرِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٣٨٦، ٥٤١٥].\n٤١٧٠ - [١٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا أَعْلَمُ النَّبِيَّ -ﷺ- رَأَى رَغِيفًا مُرَقَّقًا حَتَّى لَحِقَ بِاللَّهِ،\nــ\nالآتيين بيان عدم الأكل على وجه التأكيد، وإن احتملا التأويل والتقييد بأن يقال: لم ير بأن يجعل له، فتدبر.\nوقوله: (قيل لقتادة: على ما يأكلون؟) قال الطيبي (١): الظاهر أن يسأل على ما يأكل، وفيما يأكل، وما يأكل، فلم عدل إلى السؤال عن الجماعة، واقتصر على الأول منها؟ انتهى. ويمكن أن يوجه الأول بأنه لما كان في نفي الأكل على خوان محل أن يسأل أنه لما كان لا يأكل على خوان فعلى ما كان يأكل ويضع طعامه عليه؟ بخلاف الأكل في سكرجة فإنه منفي مطلقًا، وظاهر أنه كان يأكل الخبز فإذا نفى المرقق تعين غيره، بخلاف الخوان فإنه إذا نفى الأكل عليه لا بد أن يكون هنا شيء آخر يوضع عليه الطعام ويؤكل، وأما توجيه الثاني فما ذكره أن الصحابة كانوا يقتدون بسنته ويقتفون آثاره فاستغنى به عن ذلك، فالسؤال عن أحوالهم في الحقيقة سؤال عن حاله -ﷺ- على أنه لو جعل الضمير في (يأكلون) للنبي -ﷺ- وأصحابه جميعًا لم البعد كل البعد، واللَّه أعلم.\n(والسفر) بضم السين وفتح الفاء: جمع سفرة بسكون الفاء، والسفرة: طعام المسافر، ومنه سُفْرة الجلد، كذا في (القاموس) (٢).\n٤١٧٠ - [١٢] (أنس) قوله: (ما أعلم) نفى العلم لاحتمال أنه أكل ولم يعلمه\nــ\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٤١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٨٠).","vol":"7","page":232},{"text":"وَلَا رَأَى شَاةً سَمِيطًا بِعَيْنِهِ قَطُّ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٣٨٥، ٥٤٢١، ٦٤٥٧].\n٤١٧١ - [١٣] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّقِيَّ مِنْ حِينَ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ. وَقَالَ: مَا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُنْخُلًا مِنْ حِينِ ابْتَعَثَهُ اللَّهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ. قِيلَ: كَيْفَ كُنْتُمْ تأْكُلُونَ الشَّعِيرَ غَيْرَ مَنْخُولٍ؟ قَالَ: كُنَّا نَطْحَنُهُ وَنَنْفُخُهُ، فَيَطِيرُ مَا طَارَ،\nــ\nوإن كان الغالب لكونه ملازمًا له -ﷺ- علمه لو أكل، و(السميط) فعيل بمعنى المفعول من السمط، يقال: سَمَطَ الْجَدْيَ فهو مسموط وسميط: نتف صوفه بالماء الحارّ، كذا في (القاموس) (١)، يعني: ثم شوّى، وفي (الصراح) (٢): سمط باكيزه كردن موئ بره وبزغاله أز جهة بريان كردن.\n٤١٧١ - [١٣] (سهل بن سعد) قوله: (النقي) هو بفتح النون وكسر القاف وتشديد النون، وقيل: من النقاء وهو الدقيق الذي نخل مرة بعد أخرى، يقال له: الحوّارى بضم الحاء وشد الواو وفتح الراء، قال في (القاموس) (٣): هو الدقيق الأبيض وهو لباب الدقيق، والمراد هنا: خبزه بتقدير المضاف، وقال في (النهاية) (٤): النقي هو الخبز الحوارى، وهو ما نقي دقيقه.\nوقوله: (ابتعثه) بمعنى بعثه، في (القاموس) (٥): بعثه، كمنعه: أرسله كابتعثه فانبعث، و(المنخل) بضم الميم والخاء وسكون النون وقد يفتح خاؤه: الغربال، يعني\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦١٩).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٢٩٢).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٥٦).\n(٤) \"النهاية\" (٥/ ١١٢).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٦٤).","vol":"7","page":233},{"text":"وَمَا بَقِيَ ثَرَّيْنَاهُ فَأَكَلْنَاهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٤١٣].\n٤١٧٢ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا عَابَ النَّبِيُّ -ﷺ- طَعَامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٠٩، م: ٢٠٦٤].\n٤١٧٣ - [١٥] وَعَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَأْكُلُ أَكْلًا كَثِيرًا فَأَسْلَمَ، فَكَانَ يَأْكُلُ قَلِيلًا، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: \"إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَأْكْلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٣٩٧].\nــ\nلم يكن في زمنه غربال بين المسلمين.\nوقوله: (ثرَّيناه) بالتشديد من التثرية أي: بللناه، يقال: ثرى التربة تثرية: بلّها، والثرى: الندى أو التراب الندي.\n٤١٧٢ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (ما عاب النبي -ﷺ- طعامًا قط) لأن ذلك من عادة أهل الثروة والأتراف والمستحقرين لنعم اللَّه.\n٤١٧٣ - [١٥] (وعنه) قوله: (في مِعًى واحد) بالكسر والقصر منونًا وجمعه أمعاء بالمد: ما ينتقل إليه الطعام بعد المعدة، وقد يفتح، وفي (الصراح) (١): معا بالكسر: روده أمعاء، ثم قيل: إن هذا تمثيل لزهد المؤمن في الدنيا ولحرص الكافر ولا يعنى قلة الأكل وكثرته، وقيل: هو حث وتحريض للمؤمن على التحامي عما يجره الشبع من القسوة وطاعة الشهوة، ووصف الكافر بكثرة الأكل إغلاظ على المؤمن وتأكيد لما رسم له، وقيل: هو خاص في رجل بعينه كان يأكل كثيرًا فأسلم فقلّ أكله، كذا في (النهاية) (٢)، وهذا أوفق لمورد الحديث. وفي (الصحاح) (٣): معنى أن المؤمن يأكل\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٥٨٩).\n(٢) \"النهاية\" (٤/ ٣٤٤).\n(٣) \"الصحاح\" (٦/ ٢٤٩٥).","vol":"7","page":234},{"text":"٤١٧٤، ٤١٧٥ - [١٦، ١٧] وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي مُوسَى وَابْنِ عُمَرَ الْمُسْنَدَ مِنْهُ فَقَطْ. [م: ٢٠٦٢، ٢٠٦١].\n٤١٧٦ - [١٨] وَفِي أُخْرَ لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ضَافَهُ ضَيْفٌ وَهُوَ كَافِرٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ، فَشَرِبَ حِلَابَهَا،\nــ\nمن وجه واحد وهو الحلال، والكافر يأكل من وجوه ولا يبالي ما أكل ومن أين يأكل. وقال النووي: المؤمن يسمي اللَّه تعالى عند طعامه فلا يشركه الشيطان.\nوقال أهل الطب: لكل إنسان سبعة أمعاء، والمؤمن لاقتصاده وتسميته يكفي ملء أحدها بخلاف الكافر، ويحتمل أنه في بعض الكافر وبعض المؤمن، وقيل: أراد كامل الإيمان، ويقال: إن المراد أن من شأن المؤمن ذلك لامتلاء باطنه بالنور والبركة وعدم شرهه وحرصه بخلاف الكافر، وقيل: إن المؤمن يأكل من وجه واحد وهو الحلال، والكافر يأكل من وجوه لا يبالي ما أكل ومن أين يأكل، وقال الطيبي (١): المراد بالسبعة المبالغة والتكثير مثله في قوله تعالى: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: ٢٧]، فتدبر.\n٤١٧٤، ٤١٧٥، ٤١٧٦ - [١٦، ١٧، ١٨] (أبو موسى، وابن عمر، وأبو هريرة) قوله: (ضافه ضيف) أي: نزل به شخص بالضيافة، وقيل: اسمه ثمامة بن أثال، وله قصة ذكرت في (كتاب الجهاد)، وقيل: جهجاه أو نضرة بن أبي نضرة الغفاري، كذا ذكر النووي في (شرح مسلم) (٢).\nوقوله: (حلابها) هو بالكسر: اللبن الذي يحلب، أو الإناء الذي يحلب فيه اللبن،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٤٢).\n(٢) \"شرح النووي\" (١٤/ ٢٦).","vol":"7","page":235},{"text":"ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، ثُمَّ أُخْرَى فَشَرِبَهُ، حَتَّى شَرِبَ حِلَابَ سَبْعِ شِيَاهٍ، ثُمَّ إِنَّهُ أَصْبَحَ فَأَسْلَمَ، فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِشَاةٍ فَحُلِبَتْ، فَشَرِبَ حِلَابَهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِأُخْرَى فَلَمْ يَسْتَتِمَّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْمُؤْمِنُ يَشْرَبُ فِي مِعًى وَاحِدٍ وَالْكَافِرُ يَشْرَبُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ\". [م: ٢٠٦٣].\n٤١٧٧ - [١٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"طَعَامُ الِاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الأَرْبَعَةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٣٩٢، م: ٢٠٥٨].\n٤١٧٨ - [٢٠] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الِاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٥٩].\nــ\nكذا في (النهاية) (١).\nوقوله: (سبع شياه) في (الصراح) (٢): شاة: كوسفند، وأصله شاهة لأن تصغيرها شويهة، والجمع شياه بالهاء، تقول: ثلاث شياه.\nوقوله: (فلم يستتمها) كذا في متن مسلم، وفي نسخة من (صحيح مسلم) قرئت على الشيخ مجد الدين الشيرازي صاحب (القاموس): (فلم يشربها).\n٤١٧٧ - [١٩] (وعنه) قوله: (طعام الاثنين كافي الثلاثة، وطعام الثلاثة كافي الأربعة) المراد أن شبع الأقل قوت الأكثر، وفيه الحث على المكارمة والتقنع بالكفاية.\n٤١٧٨ - [٢٠] (جابر) قوله: (طعام الواحد يكفي الاثنين) الحديث، هذا أزيد\n_________\n(١) \"النهاية\" (١/ ٤٢١).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٥٣٦).","vol":"7","page":236},{"text":"٤١٧٩ - [٢١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ، تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤١٧، م: ٢٢١٦].\n٤١٨٠ - [٢٢] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ خَيَّاطًا دَعَا النَّبِيَّ -ﷺ- لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، فَذَهَبْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَرَّبَ خُبْزَ شَعِيرٍ وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءُ وَقَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَي الْقَصْعَةِ،\nــ\nفي المكارمة والتقنع، وليس له حد معين في القلة والكثرة، ويختلف باختلاف الأحوال.\n٤١٧٩ - [٢١] (عائشة) قوله: (التلبينة) بتقديم الموحدة على التحتانية: هي حساء يتخذ من دقيق أو نخالة وربما يجعل فيه عسل، يشبه اللبن في البياض والرقة، ولهذا سميت تلبينة، وقال الطيبي (١): يتخذ من الدقيق واللبن، فعلى هذا تسميته بالتلبينة ظاهرة، وهي تسمية بالمصدر من لبن القوم بالتشديد: إذا سقاهم اللبن.\nوقوله: (مجمة) بضم الميم وكسر الجيم بعدها ميم مشددة: من الجمام وهو الراحة، وقد تفتح الميم والجيم.\n٤١٨٠ - [٢٢] (أنس) قوله: (مرقًا) بفتح الميم والراء، و(القديد) لحم مملوح مجفف من القدد هو القطع طولًا، و(الدباء) بضم الدال وتشديد الباء ممدود: القرع بالفارسية كدو، والواحد دباءة، وقد يقصر.\nوقوله: (حوالي) بفتح اللام وسكون تحتانية، وحواليه وحواله وحوليه وحوله\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٤٤).","vol":"7","page":237},{"text":"فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ بَعْدَ يَوْمِئِذٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٩٢، ٥٣٧٩، ٥٤٣٦، م: ٢٠٣١].\n٤١٨١ - [٢٣] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ أُميَّةَ: أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ -ﷺ- يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فِي يَدِهِ، فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فَأَلْقَاهَا وَالسِّكِّينَ الَّتِي يَحْتَزُّ بِهَا، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَلَمْ يتَوَضَّأْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٨، ٥٤٠٨، م: ٣٥٥].\n٤١٨٢ - [٢٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٤٣١].\nــ\nبفتح لام وحاء في جميعها، أي: جوانبه، كذا قال النووي (١)، وفيه جواز مد اليد إلى ما لا يليه إذا اختلف ولم يعرف من صاحبه كراهة، كذا قال الطيبي (٢).\nوقوله: (بعد يومئذ) الظاهر أن (بعد) مضاف إلى ما بعده ليكون مفتوحًا، و(يومئذ) مجرورًا ومفتوحًا، وقد يقطع عن الإضافة ويضم، ويجعل (يومئذ) بيانًا للمضاف إليه المحذوف، كذا قال الطيبي (٣)، وفيه بعد وتكلف.\n٤١٨١ - [٢٣] (عمرو بن أمية) قوله: (يحتز) من الحز بالحاء المهملة والزاي بمعنى القطع، والجز بالجيم أيضًا يجيء بمعنى القطع، لكن الرواية بالحاء، وأيضًا بالجيم يستعمل في مثل الشعر والحشيش، وبالحاء في اللحم ونحوه.\n٤١٨٢ - [٢٤] (عائشة) قوله: (يحب الحلواء) الحلواء يمد ويقصر، ولا يقع إلا على ما دخلته الصنعة جامعًا بين الدسومة والحلاوة، وحبه -ﷺ- الحلواء ليس على\n_________\n(١) \"شرح النووي\" (١/ ٢٣٤).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٤٤).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٤٤).","vol":"7","page":238},{"text":"٤١٨٣ - [٢٥] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- سَأَلَ أَهْلَهُ الأُدْمَ. فَقَالُوا: مَا عِنْدَنَا إِلَّا خَلٌّ، فَدَعَا بِهِ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ بِهِ،\nــ\nمعنى التشهي لها، وإنما هو إذا قدمت له نال منها نيلًا صالحًا، فيعلم به أنه يعجبه طعمها، ووقع في الحديث: ([قلب] المؤمن حلو) (١)، وهل المراد به محبة الحلوى أو وجدان الحلاوة من إيمانه؟ وقد جاء: (وجد حلاوة الإيمان من رضي باللَّه ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا)، واختلف هل هي محسوسة أو معقولة؟ ويشهد للأول من قال: واطرباه غدا ألقى الأحبة محمدًا وحزبه، كذا في (مجمع البحار) (٢)، ولا يخلو عن خفاء، فتأمل.\n٤١٨٣ - [٢٥] (جابر) قوله: (سأل أهله الأدم) بضم الهمزة وسكون الدال هكذا صحح في الأصول المصححة، ومنها (صحيح مسلم) المقروء على الشيخ مجد الدين الشيرازي صاحب (القاموس) في مواضع متعددة، وفي بعض النسخ بضم الدال وهو ظاهر عبارة الطيبي، وقال الشيخ ابن حجر المكي في \"شرح الشمائل\": الأدم بسكون الدال مفرد كالإدام، وجمعه الأدم بضم الدال، واللَّه أعلم.\nقال صاحب (النهاية) (٣): الإدام بالكسر، والأدم بالضم: ما يؤكل مع الخبز، انتهى. ولا بد من قيد آخر وهو أن يصلح الخبز، وهذا هو المعنى اللغوي مأخوذ من الموادمة وهي الموافقة والمخالطة، ولكن قال علماؤنا: الإدام ما اصطبغ به كالخل والملح والزيت لا اللحم والبيض والجبن، هذا عندهما، وعند محمد: ما يؤكل مع\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٨/ ٨٨).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٥٥٣).\n(٣) \"النهاية\" (١/ ٣١).","vol":"7","page":239},{"text":"وَيَقُولُ: \"نِعْمَ الإِدَامُ الْخَلُّ، نِعْمَ الإِدَامُ الْخَلُّ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٥٢].\n٤١٨٤ - [٢٦] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"الْكَمأَةُ مِنَ الْمَنِّ. . . . .\nــ\nالخبز غالبًا فهو إدام، وهو رواية عن أبي يوسف، كذا في (الكافي) (١).\nوقوله: (نعم الإدام الخل) مكررًا مرتين، والمقصود من مدحه التنبيه على ترك الإسراف في المأكل ومنع النفس عن الملاذ، وقال في (القاموس): والخل: ما حَمُضَ من عصير العنب وغيره، وأجوده خل الخمر، مركب من جوهرين حار وبارد، نافع للمعدة واللِّثة والقروح الخبيثة والحكة ونهش الهوام وأكل الأفيون وحرق النار وأوجاع الأسنان، وبخار حاره للاستسقاء وعُسْر السمع والدَّوِي والطنين، كذا في (القاموس) (٢).\n٤١٨٤ - [٢٦] (سعيد بن زيد) قوله: (الكمأة) قال في (النهاية) (٣): واحدها كمء على خلاف القياس، والقياس العكس كما في تمر وتمرة، وهي من النوادر، وهي بفتح كاف وسكون ميم وفتح همزة، والعامة لا تهمزه: شيء أبيض مثل شحم ينبت من الأرض يقال له: شحم الأرض، وفي العجم ديوكلاه، ويقال له في ديارنا: جترمار.\nوقوله: (من المن) لم يرد أنها نوع من المن المنزل على بني إسرائيل، فإنه شيء كان يسقط عليهم كالترنجبين، بل أراد أنه شيء ينبت من الأرض من غير مؤنة وعلاج كالمن كان ينزل من السماء هكذا، وقيل: المراد أنه مما مَنَّ اللَّه به على عباده بإنعامه.\n_________\n(١) انظر: \"المبسوط\" (٨/ ١٧٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩١٤).\n(٣) \"النهاية\" (٤/ ١٩٩).","vol":"7","page":240},{"text":"وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: \"مِنَ الْمَنِّ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مُوسَى ﵇\". [خ: ٥٧٠٨، م: ٢٠٤٩].\n٤١٨٥ - [٢٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالْقِثَّاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٤٠، م: ٢٠٤٣].\nــ\nوقوله: (وماؤها شفاء للعين) قيل: إنه شفاء لها باستعمالها بحتًا، وقيل: يربي بها الكحل والتوتيا ونحوهما مما يكتحل به، لا أنه يكتحل به بحتًا لأنه يؤذي العين، وقيل: إن كان في العين حرارة فماؤه مجردًا شفاء وإلا فبالتركيب، والصواب أنه شفاء مطلقًا، وهو ظاهر الحديث كما في قوله تعالى: ﴿شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩].\nقال النووي (١): رأيت أنا وغيري من كان به عمى فكحل بمائه مجردًا فأبصر، وهو الشيخ كمال الدين الدمشقي صاحب صلاح ورواية للحديث، استعمل اعتقادًا وتبركًا به، وقال في (فتح الباري) (٢): تؤخذ الكمأة فتشق وتوضع على الجمر حتى يغلي ماؤها، فيكتحل بمائها لأن النار تلطفه، انتهى. وسيجيء تتمة الحديث في (كتاب الطب والرقى).\n٤١٨٥ - [٢٧] (عبد اللَّه بن جعفر) قوله: (يأكل الرطب بالقثاء) بكسر القاف وضمها، والكسر أشهر وتشديد المثلثة ممدودًا: الخيار، وفي (الشمائل) للترمذي (٣): يأكل البطيخ بالرطب، وفي رواية: يأكل الخربز بالرطب، والخربز بكسر الخاء وسكون\n_________\n(١) \"شرح النووي\" (١٤/ ٥).\n(٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٦٤).\n(٣) \"الشمائل\" (١٢١).","vol":"7","page":241},{"text":"٤١٨٦ - [٢٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِمَرِّ الظَّهْرَانِ نَجْنِي الْكَبَاثَ فَقَالَ: \"عَلَيْكُمْ بِالأسْوَدِ مِنْهُ فَإِنَّهُ أَطْيَبُ\" فَقِيلَ: أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ؟ قَالَ: \"نَعَمْ،\nــ\nالراء: البطيخ أيضًا معرب خربزة، وقد جاء: يأكل القثاء والقثد بالمجاج، والقثد بالقاف والمثلثة المفتوحتين: نبت يشبه القثاء. وفي (القاموس) (١): القثد محركة: نبت يشبه القثاء، أو ضرب منه، والمجاج بضم الميم بعده جيم: العسل.\nوأما المراد بالجمع بينهما فقيل في المعدة، وقيل: في المضغ وهو الأظهر، وقيل: المقصود من الجمع كسر حر أحدهما ببرد الآخر وكسر برده بحرّه كما سيأتي في (الفصل الثاني)، يقول: يكسر حر هذا برد هذا وبرد هذا حرّ هذا، والظاهر أنه من الاتفاقات الواقعة أحيانًا، وقال السخاوي في (المقاصد الحسنة) (٢): رواية يزيد بن رومان: الطبيخ بتقديم الطاء على الباء بمعنى المطبوخ.\n٤١٨٦ - [٢٨] (جابر) قوله: (بمرّ الظهران) وادي على عدة أميال من مكة، ويقول له العامة: وادي فاطمة.\nوقوله: (الكباث) بفتح الكاف وتخفيف الباء الموحدة: ثمرة الأراك أو نضيجها.\nوقوله: (فقيل: أكنت ترعى الغنم؟) لما كانت معرفة الكباث ونحوه مخصوصة بأهل البادية ورعاة الغنم الذين يدورون في البوادي سألوه عن ذلك، وكانوا يعرفون ذلك منه -ﷺ-، فتذكروه حينئذٍ وسألوه سؤال تقرير، ويحتمل أن الحاضرين السائلين كانوا لم يعرفوه منه -ﷺ-، فالاستفهام على حقيقة، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٩٢).\n(٢) \"المقاصد الحسنة\" (٤٣٤).","vol":"7","page":242},{"text":"وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا رَعَاهَا؟ \". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٥٣، ٣٤٠٦، م: ٢٠٥٠].\n٤١٨٧ - [٢٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- مُقْعِيًا يَأْكُلُ تَمْرًا، وَفِي رِوَايَةٍ: يَأْكُلُ مِنْهُ أَكْلًا ذَرِيعًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٤٤].\n٤١٨٨ - [٣٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَقْرِنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٨٩، م: ٢٠٤٥].\nــ\nوقوله: (وهل من نبي إلا رعاها؟) ظاهر العبارة يفهم أن كل نبي رعاها، وقيل: أراد به أن اللَّه تعالى لم يضع النبوة إلا في أهل التواضع لا في أبناء الدنيا وملوكهم، وفي رعي الغنم العلم بسياسة الرعاية والشفقة على ضعفائهم، واللَّه أعلم.\n٤١٨٧ - [٢٩] (أنس) قوله: (مقعيًا) المراد به هنا وضع الأليتين على الأرض ونصب الساقين، وفي الإقعاء المنهي عنه في الصلاة أقوال، أحدها هذا، وقد ذكرت في أبواب (كتاب الصلاة).\nوقوله: (يأكل منه) كأنه جرى ذكر التمر، فأعاد الراوي الضمير إليه، ويحتمل أن صاحب (المصابيح) روى الراوية بالمعنى بإعادة الضمير إلى التمر المذكور في الرواية الأولى. وكان لفظ الراوي: يأكل من التمر.\nوقوله: (أكلًا ذريعًا) أي: سريعًا مستعجلًا، قيل: كان هنا أمر أهم من ذلك فاستعجل لذلك.\n٤١٨٨ - [٣٠] (ابن عمر) قوله: (أن يقرن) من باب نصر وضرب.\nوقوله: (حتى يستأذن أصحابه) قيل: كان ذلك النهي في ابتداء الأمر حين كانوا في ضيق المعيشة ثم نسخ لخبر: (كنت نهيتكم عن القران في التمر، وإن اللَّه وسع عليكم فقارنوا)، هذا ولكن يحرم ذلك بلا شبهة إذا كانوا شركاء في الإنفاق من غير وجود رضًا صريحًا أو دلالة، وأما في صورة الشركة فالأدب باق.","vol":"7","page":243},{"text":"٤١٨٩ - [٣١] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَجُوعُ أَهْلُ بَيْتٍ عِنْدَهُمُ التَّمْرُ\". وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: \"يَا عَائِشَةُ، بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ\" قَالَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٦٤].\n٤١٩٠ - [٣٢] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةٍ. . . . .\nــ\nولعل ورود الحديث في غير صورة الشركة نهيًا وإباحة على ما يدل عليه ظاهر قوله: (إلا أن يستأذن صاحبه)، ولو حمل النهي على الإطلاق والإباحة على غير صورة الشركة لكان له وجه أيضًا كما قيل في قوله -ﷺ-: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها): إن النهي كان مطلقًا، أي: للرجال والنساء، فأبيح للرجال، والنساء باقية على النهي، فتدبر، واللَّه أعلم.\n٤١٨٩ - [٣١] (عائشة) قوله: (لا يجوع أهل بيت عندهم التمر) فيه فضيلة التمر، وجواز ادخاره للعيال والحث عليه، وهكذا رأينا من عادة أهل المدينة المطيبة على ساكنها السلام والتحية (١).\n٤١٩٠ - [٣٢] (سعد) قوله: (من تصبح) أي: أكل وقت الصباح، أي: على الريق.\nوقوله: (تمرات عجوة) روي بالإضافة من إضافة العام إلى الخاص وبالتنوين\n_________\n(١) قال المظهر: هذا الحديث يدل على أن كل بيت لا تمر فيه يجوع أهله، وإن كان فيه الخبز وغيره من الأطعمة، وليس الأمر كذلك، بل مراد النبي -ﷺ- من هذا الحديث أهل المدينة، ومن كانت عادتهم أن يكون التمر قوتهم وليس لهم الخبز، أو يكون لهم الخبز ولكن اعتادوا أن لا يشبعوا بالخبز دون التمر، ويحتمل أن يريد -ﷺ- تعظيم شأن التمر كيلا يحتقر الناس التمر الذي هو نعمة من نعم اللَّه. \"المفاتيح\" (٤/ ٥٠٨).","vol":"7","page":244},{"text":"لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سَمٌّ وَلَا سِحْرٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٤٥، ٥٧٦٩، م: ٢٠٤٧].\n٤١٩١ - [٣٣] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ فِي عَجْوَةِ الْعَالِيَةِ شِفَاءً، وَإِنَّهَا تِرْيَاقٌ أَوَّلَ البُكْرَةِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٤٨].\nــ\nمع نصب عجوة على أنه تمييز، أو جرها على أنه عطف بيان، والعجوة بفتح المهملة وسكون الجيم: نوع من تمر المدينة يضرب إلى السواد من أجود تمرها، يقال: إنه من غرس النبي -ﷺ-، وقد ورد: (العجوة من الجنة)، وقد ثبت غرسه في قضية إسلام سلمان الفارسي -﵁- كما في (شمائل الترمذي)، ويحتمل أن يكون في غيرها، واللَّه أعلم. (والسم) مثلثة السين والفتح أشهرها، وكذلك سم الخياط، والمراد هنا إما القاتل المعروف، أو ما يشمل سموم الحية والعقرب وأمثالهما المسماة سامة، وقد وقع الاستعاذة من شرها في قوله: (من شر السامة والهامة).\n٤١٩١ - [٣٣] (عائشة) قوله: (إن في عجوة العالية) الإضافة إلى (العالية) لأنها لا تكون إلا في تلك النواحي من المدينة ولو كان في غيرها أيضًا، لعل هذه الخاصية اختصت بها، وفي رواية لمسلم: (من أكل سبع تمرات من بين لابتيها)، ويفهم منه وجود هذه الخاصية في جميع تمرات المدينة، ويمكن تخصيصها بالعجوة من العالية بقرينة باقي الأحاديث.\nوقوله: (وإنها ترياق) وهو بكسر التاء وضمها: دواء مركب معروف، ومنه الترياق الفاروق، وقد يكون خرزة يدفع السم بالخاصية، وهذه الجملة إما مبنية إن خص الشفاء بالسم كما يفهم من الحديث السابق أو تخصيص بعد التعميم إن عم، وقد جاء في بعض الروايات: (شفاء لكل داء)، فتعين التخصيص.\nوقوله: (أول البكرة) متعلق بقوله: (ترياق) لكونه في معنى نافعة للسم، ثم","vol":"7","page":245},{"text":"٤١٩٢ - [٣٤] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ يَأْتِي عَلَيْنَا الشَّهْرُ مَا نُوقِدُ فِيهِ نَارًا، إِنَّمَا هُوَ التَّمْرُ وَالْمَاءُ، إِلَّا أَنْ يُؤْتَى بِاللُّحَيْمِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٥٨، م: ٢٩٧٢].\n٤١٩٣ - [٣٥] وَعَنْهَا قَالَتْ: مَا شَبعَ آلُ مُحَمَّدٍ يَوْمَيْنِ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ إِلَّا وَأَحَدُهُمَا تَمْرٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٥٥، م: ٢٩٧١].\nــ\nكون العجوة شفاء مما ذكر إما بخاصية ذلك النوع أو من دعائه -ﷺ- بالبركة وهو المختار، وعدد السبع توقيفي موكول إلى علم الشارع، ومثل هذا من مظان امتحان الإيمان، وقد وقع الكلام فيه في (شرح سفر السعادة) (١).\n٤١٩٢ - [٣٤] (عائشة) قوله: (إلا أن يؤتى) قيل: إنه استثناء منقطع، أي: لكن وقت إيتاء اللحم وإرساله إلينا كنا نأكل منه، والأظهر أنه متصل، إما من قوله: (نوقد) أي: لا نوقد نارًا ولا نطبخ شيئًا إلا وقت إيتاء اللحم، فحينئذ نوقدها لطبخه أو مما يفهم من قوله: (إنما هو التمر والماء) من الجزء السلبي للحصر، أي: لا يكون قوتنا غير التمر في جميع الأوقات إلا وقت الإيتاء، والتصغير في (اللحيم) للتقليل، وقيل: للتعظيم والمحبة لكونه سيد الإدام أو محبوبًا في مثل هذا الوقت، ثم الظاهر تنكيره المفيد للتقليل، ولعل تعريفه لكونه متعينًا حاضرًا في الذهن خصوصًا في هذا الوقت.\n٤١٩٣ - [٣٥] (عائشة) قوله: (إلا وأحدهما تمر) أي: أحد اليومين ذو تمر أو يوم تمر، ثم الظاهر أنه استثناء منقطع فإن حال كون أحدهما تمرًا ليس حال الشبع يومين من خبز بر، ويجوز أن يكون من قبيل: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم سلول،\n_________\n(١) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٤٨٣).","vol":"7","page":246},{"text":"٤١٩٤ - [٣٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَمَا شَبِعْنَا مِنَ الأَسْوَدَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٣٨٣، م: ٢٩٧٥].\nــ\nأي: ما شبع آل محمد يومين في حال من الأحوال إلا حال كون اليومين موصوفين بكون أحدهما تمرًا، وهذا ليس حال الشبع لما قد عرف عرفًا أن ذلك ليس بشبع فلا يكون ثمة شبع فضلًا عن أن يكون من خبز بر.\nثم الموجود في نسخ (المشكاة): (خبز)، وقد جاء عن عائشة في (شمائل الترمذي) (١): ما شبع آل محمد من خبز الشعير يومين متتابعين حتى قبض رسول اللَّه -ﷺ-، وعن أبي أمامة: ما كان يفضل عن أهل بيت رسول اللَّه -ﷺ- خبز الشعير، ويفهم من عبارة الطيبي أن المذكور هنا أيضًا خبز شعير، وفي (صحيح البخاري) في (كتاب الأطعمة): ما شبع آل محمد منذ قدم المدينة من طعام البر ثلاث ليال تباعًا حتى قبض، وفي بعض الروايات: ما شبع آل محمد ثلاثة أيام، أي: متواليات، وفي رواية: ما شبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثة أيام، وذلك لفقرهم أو لإيثارهم على الغير أو لأنه مذموم.\n٤١٩٤ - [٣٦] (عائشة) قوله: (من الأسودين) المراد بهما: التمر والماء تغليبًا؛ لأن الأسود إنما هو التمر دون الماء، والتغليب يجري في اسم الجنس كالأبوين، وفي العلم كالحسنين، وذكر الماء تبعًا وطفيلًا للتمر فإنهم كانوا في سعة من الماء ولو كانوا في غور منه، فلا يكون الشبع منه، ولا حاجة إلى اعتبار التغليب فيه، كما فعله الطيبي (٢) باعتبار إرادة الشبع والري معًا، ثم عدم الشبع بهما إنما هو بعدم الشبع في ذلك\n_________\n(١) \"شمائل الترمذي\" (ص: ٩٨).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٥١).","vol":"7","page":247},{"text":"٤١٩٥ - [٣٧] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: أَلَسْتُمْ فِي طَعَامٍ وَشَرَابٍ مَا شِئْتُمْ؟ لَقَدْ رَأَيْتُ نَبِيَّكُمْ -ﷺ- وَمَا يَجِدُ مِنَ الدَّقَلِ مَا يَمْلأُ بَطْنَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٨٨].\n٤١٩٦ - [٣٨] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ أَكَلَ مِنْهُ، وَبَعَثَ بِفَضْلِهِ إِلَيَّ، وَإِنَّهُ بَعَثَ إِلَيَّ يَوْمًا بِقَصْعَةٍ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهَا لأَنَّ فِيهَا ثُومًا،\nــ\nالزمان لكمال الرياضة والتقوى لا من القلة، والحديث الآتي: وما يجد من الدقل ما يملأ بطنه، ربما ينظر بظاهره إلى الثاني، ويحتمل حمله على الثاني أيضًا، والقلة لجوده وإيثاره.\n٤١٩٥ - [٣٧] (نعمان بن بشير) قوله: (في طعام وشراب) إما ظرف، أي: كائنين فيهما أو مفرطين متوسعين.\nوقوله: (ما شئتم) إما أن تكون (ما) موصولة بدل من طعام وشراب، أي: أيّ شيء شئتم، أو مصدرية، أي: أيّ وقت مشيئتكم، ثم المراد به إما إلزام الشكر عليهم بالغناء ودفع الفقر والحاجة وإثبات التقصير بترك اتباعه -ﷺ- في هذه العزيمة والتعيير والتوبيخ عليه.\nوقوله: (لقد رأيت نبيكم) يجتمع مع المعنيين كليهما عند التأمل، و(الدقل) أردأ التمر أو ما لم يكن أجناسًا معروفة، كذا في (القاموس) (١).\n٤١٩٦ - [٣٨] (أيوب) قوله: (وعن أبي أيوب: قال كان النبي. . . إلخ)، وكان ذلك حين نزل -ﷺ- في بيته، وخصه بهذه الفضيلة أول ما هاجر إلى المدينة،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩١٩).","vol":"7","page":248},{"text":"فَسَأَلْتُهُ: أَحَرَامٌ هُوَ؟ قَالَ: \"لَا، وَلَكِنْ أَكْرَهُهُ مِنْ أَجْلِ رِيحِهِ\". قَالَ: فَإِنِّي أَكْرَهُ مَا كَرِهْتَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٥٣].\n٤١٩٧ - [٣٩] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلًا فَلْيَعْتَزِلْنَا\" أَوْ قَالَ: \"فَلْيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا أَوْ لِيَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ\"،\nــ\nوكان الصحابة يبعثون إليه بأطعمته.\nوقوله: (فسألته) لما رأى أنه -ﷺ- لم يأكله على خلاف عادته في تأليف قلوب أصحابه ظن أنه حرام عليه -ﷺ- فسأله عن ذلك.\nوقوله: (فإني كره ما كرهت) وإن لم يكن عندي وجه الكراهة ما عندك، بل علة الكراهة عندي نفس كراهتك، وهكذا الحال في اتباع أفعاله -ﷺ- من غير نظر إلى سبب فعله، هذا ما يفهم من العبارة وهو حق، ويمكن أنه جعل سبب الكراهة حضور مجلسه -ﷺ- وأصحابه والتناجي معهم، ولكنه قصد إثبات حقيقة الاتباع الذي يكون الباعث عليه صرف المحبة.\n٤١٩٧ - [٣٩] (جابر) قوله: (أو قال: فليعتزل مسجدنا) قيل: المراد مسجد النبي -ﷺ-، وقيل: المراد جنس المسجد، والمراد مساجد المؤمنين، وكذا الحكم في الجامع، وإليه الإشارة بقوله: (فليعتزلنا)، وقد مرّ في (باب المساجد ومواضع الصلاة) من (كتاب الصلاة).\nوقوله: (أو ليقعد في بيته) إما أن يكون هذا أيضًا من شك الراوي، وكان المراد أنه -ﷺ- إما أن قال: من أكل ثوما أو بصلًا فليعتزلنا، أو قال: فليعتزل مسجدنا، أو قال: من أكل ثومًا أو بصلًا فليقعد في بيته، ولم يجالس أحدًا لا في المسجد ولا في غيره، وأن لا يكون من شك الراوي، ويكون متعلقًا بالثاني، أعني: فليعتزل مسجدنا بطريق التخيير، ويكون المعنى يحرم عليه دخول المسجد الذي هو منزل الملائكة","vol":"7","page":249},{"text":"وَإِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أُتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتُ مِنْ بُقُولٍ، فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا، فَقَالَ: \"قَرِّبُوهَا\" إِلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ وَقَالَ: \"كُلْ فَإِنِّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُناجِي\". . . . .\nــ\nومجلس الرسول وعظماء أصحابه، ولكن يباح له المصاحبة والمجالسة مع سائر الناس من أهل البوادي والأسواق، أو لم يجالس أحدًا من الناس ويقعد في بيته وأهله المشاركين له غالبًا في أكلهما، فهذا أولى بحال المؤمن في عدم إيذاء الناس، وعدم زيادة لفظ (قال) على قوله: (أو ليقعد) كما زاد على قوله: (فليعتزل مسجدنا)، ربما يرجح الاحتمال الثاني فليفهم.\nوقوله: (أتي بقدر) بكسر القاف معروف، وفي رواية: (ببدر) بموحدة مفتوحة بدل القاف، وهو طبق يتخذ من الخوص، سمي به لاستدارته كالبدر، وقالوا: هذا أصوب؛ أما رواية فهم أعرف بذلك، وأما دراية فلأن الظاهر المتعارف إهداء الطعام في الطبق دون القدر، إلا أن يقال: إن هذا الطعام الذي فيه الخضرات تناسب القدر، والأمر في ذلك سهل، و(الخضرات) بفتح الخاء وكسر الضاد، في (القاموس) (١): الخضر ككتف: البقلة الخضراء، ويروى بضم الخاء وفتح الضاد بمعناه، والأول أصح، والمراد مثل الثوم والبصل.\nوقوله: (قربوها إلى بعض أصحابه) أي: مشيرًا إلى بعض أصحابه، أي: قال: قربوها إلى فلان.\nوقوله: (قربوها) يؤيد رواية القدر؛ لأن القدر يذكر ويؤنث بخلاف البدر، ويجوز أن يرجع إلى الخضرات.\nوقوله: (فإني أناجي من لا تناجي) أراد به جبرئيل ﵇ والملائكة، أي: أكلمهم\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٦).","vol":"7","page":250},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٥٥، م: ٥٦٤].\n٤١٩٨ - [٤٠] وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكُ لَكُمْ فِيهِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢١٢٨].\n٤١٩٩ - [٤١] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا رَفَعَ مَائِدَتَهُ قَالَ: \"الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ،\nــ\nوأجالسهم، والملائكة أشد تحرزًا وتأذيًا من الروائح النتنة، وكان -ﷺ- يترصد نزول الوحي والملائكة في كل حين، ولعله يصادف هذا الوقت، أو أنه -ﷺ- لما كان يجالس الملائكة ترك ما كانوا يكرهونه ويؤذيهم مطلقًا؛ تنظفًا ورعاية لحقوق الصحبة في ترك ما يؤذي الصاحب مطلقًا، فافهم.\n٤١٩٨ - [٤٠] (المقدام) قوله: (كيلوا طعامكم) احترازًا عن الإسراف والتعين في الإنفاق، وعن الجهالة في البيع والشراء والقرض وأمثالها، والبركة لازمة لرعاية مقتضى الحال والتدبير خصوصًا إذا وردت فيه السنة.\n٤١٩٩ - [٤١] (أبو أمامة) قوله: (مائدته) في (القاموس) (١): المائدة: الطعام، أو الخوان عليه الطعام؛ فإن حمل على الأول فالضمير للنبي قطعًا، وإن أريد الثاني جاز أن يكون للطعام ويأول معنى رفعه إلى رفع المائدة، فإن قيل: قد ثبت أنه -ﷺ- لم يأكل على خوان، قيل: لعله لم يأكل عليه عادة وأكل لموافقة جماعة، كذا قال الكرماني (٢)، وإذا أريد بالمائدة الطعام فلا إشكال، وقيل: المراد السفرة والطبق الذي وضع عليه الطعام.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٣).\n(٢) انظر: \"شرح الكرماني\" (٢٠/ ٢٧).","vol":"7","page":251},{"text":"غَيْرَ مَكْفِيٍّ وَلَا مُوَدَّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبُّنَا\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٤٥٨].\nــ\nوقوله: (غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا) صححوا هذه العبارة، وبينوا معناها على وجوه، أحدها: رفع (غير) و(ربنا)، فهذه كلها صفات للرب تعالى، و(ربنا) مبتدأ و(غير مكفي) خبره، (ولا مودع ولا مستغنى عنه) عطف عليه بزيادة (لا) للتأكيد كما في ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، و(مكفي) من الكفاية، والمعنى أن اللَّه تعالى هو المطعم والكافي وهو غير مطعم ولا مكفى أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ [الأنعام: ١٤]، واعتبار عدم الكفاية في الإطعام باعتبار المقام وإلا جاز اعتبارها مطلقًا؛ إذ الرب تعالى يكفي من كل شيء ولا يكفي منه شيء، (ولا مودع) أي: غير متروك الطلب إليه والرغبة فيما عنده، (ولا مستغنى عنه) معناه ظاهر.\nوقد كتب في بعض النسخ: (غير مودع) بكسر الدال، أي: غير تارك عبده الملتجئ إليه خائبًا، إشارة إلى مضمون قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣].\nويجوز أن يكون رفعهما لكونهما خبرين لمبتدأ محذوف، أو لكون (غير) خبرًا، و(ربنا) بدلًا منه، ويمكن أن يكون رفع (ربنا) أو رفعهما على المدح.\nوثانيها: نصب (غير) و(ربنا)، فنصب (ربنا) على النداء بحذف حرف النداء أو على المدح، وأما نصب (غير) فعلى الحال إما من الطعام الدال عليه سياق الكلام أو نحو ذلك، و(مكفيء) مهموز من كفأت الإناء، أي: قلبته، والمكفيء: الإناء المقلوب للاستغناء عما فيه أو لعدمه، فالحمد للَّه على إطعام الطعام أو على ما رزقنا هذا الطعام حال كون الطعام غير مقلوب ولا مردود، ويقرب منه في المعنى (ولا مودع)","vol":"7","page":252},{"text":"٤٢٠٠ - [٤٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيَرْضَى عَنِ العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكُلَةَ فَيَحْمَدُهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٣٤].\nوَسَنَذْكُرُ حَدِيثَيْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ: مَا شَبِعَ آلُ مُحَمَّدٍ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِنَ الدُّنْيَا فِي \"بَابِ فَضْلِ الْفُقَرَاءِ\" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.\nــ\nأي: متروك و(لا مستغنى عنه) أو من الحمد، و(مكفي) إما بهذا المعنى أو من الكفاية أي: نحمدك حمدًا لا نكتفي به بالمرة الواحدة بل نعود فيه مرة بعد أخرى، ولا متروك ولا مستغنى عنه، بل يجب الإتيان به لتوارد النعم، ولو قيل: في الطعام أيضًا من الكفاية، أي: ليس هو مما يكتفى به مرة واحدة، بل نعود فيه ونحتاج إليه مرة بعد أخرى لكان وجهًا.\nوثالثها: رفع (غير) على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: وهو غير مكفي والضمير للطعام، ويجوز أن يكون للَّه أو للحمد على ما عرفت، ونصب (ربنا) على النداء أو المدح.\nورابعها: عكس هذا الوجه، أما نصب (غير) فعلى الحال، ورفع (ربنا) على الخبرية لمحذوف، أو على المدح، وقد يجوز جره على البدلية إما من (اللَّه) أو من الضمير في (عنه) إن كان للَّه، فهذا استيفاء الوجوه المحتملة هنا، ولم نر من جمعها كلها، بل قد يكون فيما ذكرنا بعض ما لم يذكروه، واللَّه أعلم.\n٤٢٠٠ - [٤٢] (أنس) قوله: (الأكلة) بفتح الهمزة للمرة، ويضمها بمعنى اللقمة، والأول هو أكثر، و(الشربة) بالفتح ليس إلا.","vol":"7","page":253},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1010> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٢٠١ - [٤٣] عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَقُرِّبَ طَعَامٌ، فَلَمْ أَرَ طَعَامًا كَانَ أَعْظَمِ بَرَكَةً مِنْهُ أَوَّلَ مَا أَكَلْنَا، وَلَا أَقَلَّ بَرَكَةً فِي آخِرِهِ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ هَذَا؟ قَالَ: \"إِنَّا ذَكَرْنَا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ حِينَ أَكَلْنَا، ثُمَّ قَعَدَ مَنْ أَكَلَ وَلَمْ يُسَمِّ اللَّهَ فَأَكَلَ مَعَهُ الشَّيْطَانُ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١١/ ٢٧٥].\n٤٢٠٢ - [٤٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n٤٢٠١ - [٤٣] (أبو أيوب) قوله: (ثم قعد من أكل. . . إلخ)، فيه دليل على رد من قال بوجوب التسمية أو استحبابها على الكفاية بأن تجزئ تسمية واحد من جماعة لا على التعيين، بل لا بد من إتيان كل واحد بها، فإنه لا شك أنهم أتوا بها قبل قعود هذا الآكل، وقال الطيبي (١) في توجيه ذلك القول، وقد نقله عن الشيخ محيي الدين عن الشافعي: لعل المراد أنه قعد بعد فراغنا من الطعام ولم يسم، يعني إذا فرغوا من الطعام كأنه صار طعامًا آخر مغايرًا للأول في حقه، انتهى.\nفعلى هذا القول إنما هو بالكفاية إذا كانوا مجتمعين إنما هو على الطعام في أوله، فحينذٍ إن أتى البعض يكفي عن الباقين، وأما إذا دخل واحد في أثناء الطعام فكأنه صار في حقه كأنه حال ابتدائه فلا يكفي، ولكن لا حاجة إلى ارتكاب القول بقعوده بعد فراغهم، فتأمل.\n٤٢٠٢ - [٤٤] (عائشة) قوله: . . . . .\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٥٥).","vol":"7","page":254},{"text":"\"إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَنَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ عَلَى طَعَامِهِ فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ أوَّلَهُ وَآخِرَهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٨٥٨، د: ٣٧٦٧].\n٤٢٠٣ - [٤٥] وَعَنْ أُمَيَّةَ بْنِ مَخْشِيٍّ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَأْكُلُ فَلَمْ يُسَمِّ حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْ طَعَامِهِ إِلَّا لُقْمَةٌ، فَلَمَّا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ قَالَ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ، فَضَحِكَ النَّبِيِّ -ﷺ- ثُمَّ قَالَ: \"مَا زَالَ الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ مَعَهُ، فَلَمَّا ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ اسْتَقَاءَ مَا فِي بَطْنِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٧٦٨].\nــ\n(فليقل) إما في آخر الطعام أو حين يذكره، كذا قال بعض المحققين.\nوقوله: (بسم اللَّه أوله وآخره) أي: آكل مستعينًا باللَّه في أوله وآخره، وهذا إنشاء استعانة باسم اللَّه تعالى كما كان يقول في أوله، لكنه يجزئ بحكم الشارع، ونبه العبد عما وقع التقصير منه، وليس بإخبار حتى يلزم الكذب، وهذا ظاهر.\n٤٢٠٣ - [٤٥] (أمية بن مخشي) قوله: (وعن أمية بن مخشي) بفتح الميم وسكون خاء معجمة وشين في آخره على لفظ النسبة.\nوقوله: (استقاء) أي: الشيطان، استفعال من القيء، وهو محمول على الحقيقة؛ لأنه لما أثبت الأكل للشيطان لم يستحل إثبات القيء، ورسول اللَّه -ﷺ- أعلم بحقائق الأشياء وأحوالها، أو المراد رد البركة الذاهبة بترك التسمية بسبب إتيانها بعد كما قيل، ولكن لا يخفى أن قوله: (ما في بطنه) مما يأبى عن هذا التأويل، وقيل: كان البركة الذاهبة كانت في جوف الشيطان أمانة، فلما سمى رجعت إلى الطعام، وقال الطيبي (١): أي صار ما كان له ويالًا عليه مستلبًا عنه بالتسمية، وقيل: استرد منه ما استباحه، والظاهر أن هذا القائل جعل ضمير (استقاء) للرجل، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٥٥).","vol":"7","page":255},{"text":"٤٢٠٤ - [٤٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ: \"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٣٤٥٧، د: ٣٨٥٠، جه: ٣٣٢٦].\n٤٢٠٥ - [٤٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ كَالصَّائِمِ الصَّابِرِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٤٨٦].\n٤٢٠٦ - [٤٨] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ سِنَانِ بْنِ سَنَّةَ عَنْ أَبِيهِ. [جه: ١٧٦٤، دي: ٢/ ١٣٠].\nــ\n٤٢٠٤ - [٤٦] (أبو سعيد الخدري) قوله: (وجعلنا مسلمين) إشارة إلى أن العمدة هي نعمة الإسلام، وبه تتم النعمة.\n٤٢٠٥ - [٤٧] (أبو هريرة) قوله: (الطاعم الشاكر كالصائم الصابر) لما تقرر في الأذهان أن درجة الصائم أعلى وأرفع وأن لا يكون للطاعم ثواب في مقابلة الصائم، لما في الصوم من قهر النفس عن شهوتها، وفي الطعام قضاؤها، فأشار إلى أنه إن شكر حصل له ثواب لا يقصر عن درجة الصائم؛ إذ الإيمان نصفان، نصف صبر، ونصف شكر، ولهذا اختلفوا في أن الغني الشاكر أفضل أو الفقير الصابر، وربما يواسي بطعامه الفقير أو يفطر الصائم فيكون عبادة متعدية، وهي أفضل من اللازمة، وعلى هذا لا حاجة إلى ما قيل: إن هذا تشبيه في أصل الثواب لا في قدره، فافهم.\nثم شكر الطعام أن يتقوى به في عبادة اللَّه وأداء الحقوق، وقيل: شكره أن يسمي إذا أكل، ويحمد إذا فرغ كما يناسب الأحاديث الأخر.\n٤٢٠٦ - [٤٨] (سنان بن سنة) قوله: (سنان) بكسر السين (ابن سنّة) بفتح السين وتشديد النون، وقول المؤلف: (عن أبيه) ليس في الكتب بل الذي ذكر فيها أن سنان ابن سنة صحابي روى هذا الحديث عن النبي -ﷺ-.","vol":"7","page":256},{"text":"٤٢٠٧ - [٤٩] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ قَالَ: \"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى، وَسَوَّغَهُ، وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٥١].\n٤٢٠٨ - [٥٠] وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَرَأْتُ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّ بَرَكَةَ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ بَعْدَهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"بَرَكَةُ الطَّعَامِ الْوُضُوءُ قَبْلَهُ وَالْوُضُوءُ بَعْدَهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٨٤٦، د: ٣٧٦١].\nــ\n٤٢٠٧ - [٤٩] (أبو أيوب) قوله: (وسوغه) الذي يفهم من عبارة الشارحين أن التسويغ مخصوص بالطعام، وليس كذلك بل ربما يفهم اختصاصه بالشراب من عبارة (القاموس) (١) حيث قال: ساغ الشراب سوغًا: سهل مدخلُه، ولم يبينه في الطعام، وأكثر موارده كذلك كقوله تعالى: ﴿سَائِغٌ شَرَابُهُ﴾ [فاطر: ١٢]، وقول الشاعر:\nفساغ لي الشراب. . . . . .\nوغير ذلك، فكان مرادهم بيان التسويغ وتصويره في الطعام كما بينوه بقوله: فإنه خلق الأسنان للمضغ، والريق للبلع، واللسان للإدارة حتى يسهل المضغ، ودخوله في الحلق والمعدة، وأما وجوده في الشراب فلا حاجة إلى بيانه، فالضمير في (سوغه) راجع إلى كل واحد من الطعام والشراب المدلولين لا طعم وسقي، فافهم.\n٤٢٠٨ - [٥٠] (سلمان) قوله: (الوضوء بعده) المراد بالوضوء ههنا: غسل اليدين، وزاد بعضهم: وغسل الفم، وقوله: (فقال رسول اللَّه -ﷺ-: بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده) لما كان -ﷺ- مبعوثًا ليتمّم مكارم الأخلاق ومحاسنها، وكان الوضوء\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٢٣).","vol":"7","page":257},{"text":"٤٢٠٩ - [٥١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ، فَقُدِّمَ إِلَيْهِ طَعَامٌ، فَقَالُوا: أَلَا نَأْتِيكَ بِوَضُوءٍ؟ قَالَ: \"إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ١٨٤٧، د: ٣٧٦٠، ن: ١٣٢].\n٤٢١٠ - [٥٢] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [جه: ٣٢٦١].\n٤٢١١ - [٥٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: أَنَّهُ أُتِيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثَرِيدٍ فَقَالَ: \"كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا، وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهَا؛ فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ فِي وَسَطِهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ،\nــ\nقبل الطعام أتم وأدخل في الطهارة والنظافة أوحي إليه زيادة على ما أوحي إلى موسى تتميمًا وتكميلًا.\n٤٢٠٩، ٤٢١٠ - [٥١، ٥٢] (ابن عباس) قوله: (ألا نأتيك بوضوء) بفتح الواو، وفي قوله: (قال: إنما أمرت بالوضوء) بضم الواو.\nوقوله: (إذا قمت إلى الصلاة) الظاهر أن المراد بالوضوء في الموضعين: وضوء الصلاة، وظن السائلون أنه واجب أو مندوب، فإن كان المظنون وجوبه فالجواب ظاهر بنفي الوجوب، وإن كان مندوبًا فكأنه قال: ذلك ليس بواجب حتى لا يسع تركه، وترك المندوب جائز تعليمًا للجواز، ويمكن أن يراد بالوضوء في قولهم: (ألا نأتيك بوضوء): وضوء الطعام. وفي قوله: (إنما أمرت بالوضوء): وضوء الصلاة، ويكون المعنى: ذلك الذي أردتموه مني كان مندوبًا فلا بأس بتركه تعليمًا للجواز، نعم هنا وضوء آخر واجب، وذلك للصلاة لا للطعام، والوجه الأول أظهر، فافهم.\n٤٢١١ - [٥٣] (ابن عباس) قوله: (فإن البركة تنزل في وسطها) فإن الوسط","vol":"7","page":258},{"text":"وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.\nوَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: \"إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلَا يَأْكُلْ مِنْ أَعْلَى الصَّحْفَةِ، وَلَكِنْ يَأْكُلُ مِنْ أَسْفَلِهَا؛ فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَنْزِلُ مِنْ أَعْلَاهَا\". [ت: ١٨٠٥، جه: ٣٢٧٧، دي: ٢/ ١٠٠، د: ٣٧٧٢].\n٤٢١٢ - [٥٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: مَا رُئِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَأْكُلُ مُتَّكِئًا قَطُّ، وَلَا يَطَأُ عَقِبَهُ رَجُلَانِ. . . . .\nــ\nلكونه أفضل المواضع أحق وأولى بأن يكون محلًّا لنزول الخير والبركة، فاللائق إبقاؤه إلى آخر الطعام لبقاء البركة واستمرارها، ولا يحسن إفناؤه وإزالته.\nوالظاهر أن المراد بـ (أعلى الصحفة) الوسط أيضًا، وبـ (الأسفل) الأطراف، والاختلاف إنما هو في العبارة، وإن المراد بنزول البركة فيضان الخير وزيادة النعمة من فضل اللَّه ورحمته كما ينهى عنه قول بعض المشايخ: إن من أحد مواطن نزول الرحمة على هذه الطائفة الطعام، فقول الطيبي (١): شبه ما يزيد في الطعام بما ينزل من الأعالي من المائع وما يشبهه، فهو ينصب إلى الوسط ثم ينبث منه إلى الأطراف، فكلما أخذ من الطرف يجيء من الأعلى بدله، فإذا أخذ من الأعلى انقطع، اقتصار على ظاهر المعنى واكتفاء بالمحسوس عن المعقول، والظاهر المناسب بمعنى الحديث ما ذكرنا، واللَّه أعلم.\n٤٢١٢ - [٥٤] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (ولا يطأ) أي: الأرض (عقبه) أي: خلفه، أي: لا يمشي (رجلان) فضلًا عن الزيادة عليهما، يعني أنه من غاية التواضع لا يتقدم أصحابه في المشي، بل إما أن يمشي خلفهم كما جاء: ويسوق أصحابه، أو\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٥٨).","vol":"7","page":259},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٧٧٠].\n٤٢١٣ - [٥٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَأَكَلَ وَأَكَلْنَا مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَلَمْ نَزِدْ عَلَى أَنْ مَسَحْنَا أَيْدِيَنَا بِالْحَصْبَاءِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٣٥٤].\nــ\nيمشي فيهم، وحاصل المعنى أنه لم يكن على طريق الملوك والجبابرة في الأكل والمشي، -ﷺ- وبارك وكرم.\n٤٢١٣ - [٥٥] (عبد اللَّه بن الحارث) قوله: (ابن جزء) بفتح الجيم وسكون الزاي في آخره همزة.\nوقوله: (ولم نزد على أن مسحنا أيدينا) أي: لم نغسلها بالماء؛ إما لأنه لم يكن دسومة في ذلك الطعام، أو لتعجيل الصلاة، أو لترك التكلف والأخذ بالرخصة في غير الواجب أحيانًا، فقد يحبه اللَّه تعالى كما ورد: (إن اللَّه يحب أن يؤتى رخصه كما يحب أن يؤتى عزائمه)، والظاهر أن صيغة المتكلم مع الغير في قولهم: (لم نزد) و(مسحنا) شامل له ولأصحابه الذين أكلوا ذلك الطعام معه، واللَّه أعلم.\nوعلم من هذا الحديث أن أكل الطعام في المسجد جائز، وقد يفهم ذلك من الأحاديث كثيرًا، خصوصًا التمر وأمثاله، وقالوا: إن ذلك مقيد بأن لا يتلوث المسجد به وإلا فهو حرام، وقد ذكر في كتب الفقه أنه يكره لغير المعتكف الأكل والشرب والنوم إلا لغريب لا يجد مأوى من غير المسجد، وقال بعض المشايخ: ينبغي للمرء إذا دخل المسجد أن ينوي الاعتكاف ولو ساعة، ففيه مندوحة عن كثير ممّا ذكر مع ما يحصل من الأجر والثواب، فتدبر.","vol":"7","page":260},{"text":"٤٢١٤ - [٥٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِلَحْمٍ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ فَنَهَسَ مِنْهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٨٣٧، جه: ٢٣٥٣].\n٤٢١٥ - [٥٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بِالسِّكِّينِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ صُنْعِ الأَعَاجِمِ،\nــ\n٤٢١٤ - [٥٦] (أبو هريرة) قوله: (فر فع إليه الذراع) في (القاموس) (١): الذراع بالكسر: من طَرَف المِرْفق إلى طرف الإصبع الوسطى، والساعِدُ، ومن يَدَي البقر والغنم: فوف الكُراع، ومن يدي البعير: فوق الوظيف، وكذلك من الخيل والبغال والحمير، وفي (شمائل الترمذي) (٢): عن عائشة -﵂- قالت: (ما كانت الذراع أحب اللحم إلى رسول اللَّه -ﷺ-، ولكنه كان لا يجد اللحم إلا غِبًّا، وكان يَعْجَل إليها لأنها أعجلها نُضجًا). وعن عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب يقول: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: (إن أطيب اللحم لحم الظهر) (٣).\nوقوله: (فنهس منها) في (القاموس) (٤): نَهِسَ اللحم، كمنع وسمع: أخذه بمقدّم أسنانه، ونَتَفَه، ونَهَشَه بالمعجمة، كمنعه: نَهَسَه، ولَسَعَه، وعَضَّه، أو أخذه بأضر اسه، والرواية في الحديث بالمهملة، ففيه إشارة إلى تقليل الأكل من اللحم، وعدم الحرص على ذلك.\n٤٢١٥ - [٥٧] (عائشة) قوله: (فإنه من صنع الأعاجم) أي: من عادتهم وعملهم\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٦٠).\n(٢) \"شمائل الترمذي\" (خ: ١٧١، ١٧٢).\n(٣) أخرجه ابن ماجه (٣٣٠٨).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٣٥، ٥٦٢).","vol":"7","page":261},{"text":"وَانْهَسُوهُ فَإِنَّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" وَقَالَا: لَيْسَ هُوَ بِالْقَوِيِّ. [د: ٣٧٧٨، هب: ٥/ ٩١].\n٤٢١٦ - [٥٨] وَعَنْ أُمِّ الْمُنْذِرِ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَمَعَهُ عَلِيٌّ وَلَنَا دَوَالٍ مُعَلَّقَةٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَأْكُلُ وَعَلِيٌّ مَعَهُ يَأْكُلُ،\nــ\nالدائم، يشعر بذلك لفظ الصنع، فإنه عمل يتمكن ويتدرب فلا تفعلوه كذلك، فلا ينافي ما ثبت من فعله -ﷺ- ذلك أحيانًا وذلك إذا لم يكن نضيجًا، واحتيج إلى القطع كما قال الطيبي (١).\nوبالجملة القطع بالسكين مباح، والنهس أفضل وأحسن، و(الأعاجم) جمع أعجم، والأعجم من لا يفصح عن المقصود وإن كان عربيًا منسوب إلى العجم وإن كان فصيحًا، وقد جاء الأعجم بمعنى الأخرس، ويقال لغير الإنسان: الحيوانات العجم بضم العين وسكون الجيم لهذا المعنى، بمعنى عدم القدرة على الكلام، ويقال لغير العرب: عجم لأنهم لما لم يكونوا في مرتبتهم من الفصاحة كأنهم خرس غير قادرين على التكلم، والمراد منه في الحديث غير العرب، ونقل عن شرح (جامع الأصول) (٢) أن العجم الفرس وكأنه تسامح منه؛ لأن العجم أعم من الفرس كما لا يخفى.\n٤٢١٦ - [٥٨] (أم المنذر) قوله: (وعن أم المنذر) بلفظ اسم الفاعل من الإنذار.\nوقوله: (دوال) في (القاموس) (٣): الدوالي: عذق بسر يعلق، فإذا أرطب أكل،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٥٩).\n(٢) \"جامع الأصول\" (٢/ ٤٥٠).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨٠)، وانظر: \"لسان العرب\" (١١/ ٢٥٤).","vol":"7","page":262},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَعَلِيٍّ: \"مَهْ يَا عَلِيُّ! فَإِنَّكَ ناقِهٌ\". قَالَتْ: فَجَعَلْتُ لَهُمْ سِلْقًا وَشَعِيرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"يَا عَلِيُّ! مِنْ هَذَا فَأَصِبْ؛ فَإِنَّهُ أَوْفَقُ لَكَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٦/ ٣٦٤، ت: ٢٠٣٧، جه: ٣٤٤٢].\n٤٢١٧ - [٥٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُعْجبُهُ الثُّفْلُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [ت في الشمائل: ١٨٦، هب: ٨/ ٨٠].\nــ\nوقال التُّورِبِشْتِي (١): واحدها في القياس دالية، قال أبو عبيد الهروي: ولم أسمع به، و(مه) بفتح الميم وسكون الهاء اسم فعل بمعنى: اكفف، كما أن صه بمعنى: اسكت، و(الناقه) الذي من المرض ولم يكمل صحته وقوته، في (القاموس) (٢): نقه من مرضه، كفرح ومنع، نَقْهًا ونُقوهًا: صح وفيه ضَعْفٌ، أو أفاق، فهو ناقه.\nوقوله: (فجعلت لهم) أي: للأهل والضيفان، وفي بعض النسخ: (له)، والضمير إما له -ﷺ- أو لعلي -﵁-، وهذا أنسب بسياق الكلام، و(السلق) نبت يؤكل ويجعل في القدر، يقال بالفارسية: جقندر، وفي (الصراح) (٣): سلق بالكسر: كزك.\n٤٢١٧ - [٥٩] (أنس) قوله: (الثفل) بضم المثلثة وقد يكسر وسكون الفاء: ما يرسب من الشيء من جنس المائعات، والمراد هنا ما يرسب ويبقى تحت الطعام في القدر، وقد يفسر بالثريد، والصواب هو الأول، وأما ما جاء في حديث الحديبية: (من\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٥٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٥٤).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٣٧٩).","vol":"7","page":263},{"text":"٤٢١٨ - [٦٠] وَعَنْ نُبَيْشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ أَكَلَ فِي قَصْعَةٍ فَلَحِسَهَا اسْتَغْفَرَتْ لَهُ الْقَصْعَةُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [حم: ٥/ ٧٦، ت: ١٨٠٤، جه: ٣٢٧١، دي: ٢/ ٩٦].\nــ\nكان له ثُفل فليصطنع)، فالمراد به بقية ما عنده من الدقيق والسويق ونحوهما، وهو قريب من المعنى المراد هنا كأنه رسب وبقي كالذي بقي تحت الطعام في القدر، وقد ذكر بعض العلماء وجه إعجاب الثفل بأن فيه قوة جميع ما في القدر، وكان مزاجه -ﷺ- أعدل من مزاج كل فرد، أو لأنه أقل دهانة غالبًا يعني في أكثر الأطعمة، فيكون أسرع انهضامًا، ولأنه يجمع طعوم ما في القدر من اللحم والحوائج، وأيضًا هو آخر ما بقي في الظرف، وقد جاء: أن في لحس الإناء بركة وأنه يستغفر للاعقه، وأيضًا هو من التواضع الذي هو عادته الشريفة الكريمة، وكثير من الأغنياء يتكبرون من أكله ويصبونه، وللَّه در ما في كل فعل وقول له -ﷺ- من طُرَفِ التُّحَفِ وغُرَرِ اللطَفِ، اللهم صل وسلم عليه.\n٤٢١٨ - [٦٠] (نبيشة) قوله: (عن نبيشة) بضم النون وفتح الموحدة وسكون التحتانية والشين المعجمة.\nوقوله: (فلحسها) من باب سمع، كذا في كتب اللغة، قيل: ووقع في نسخة ميرك شاه بالفتح، واللَّه أعلم.\nوقوله: (استغفرت له القصعة) لما في اللحس من التواضع، والبراءة من الكبر، وذلك مما يوجب المغفرة، فأضاف إلى القصعة لكونها كالسبب لذلك، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١).\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٦٠).","vol":"7","page":264},{"text":"٤٢١٩ - [٦١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ بَاتَ وَفِي يَدِهِ غَمَرٌ لَمْ يَغْسِلْهُ، فَأَصَابَهُ شَيْءٌ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ١٨٥٩، د: ٣٨٥٢، جه: ٣٢٩٧].\n٤٢٢٠ - [٦٢] وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الثَّرِيدُ مِنَ الْخُبْزِ، وَالثَّرِيدُ مِنَ الْحَيْسِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٧٨٣].\nــ\n٤٢١٩ - [٦١] (أبو هريرة) قوله: (وفي يده غمر) بالغين المعجمة محركة: ريح اللحم، وما يعلق باليد من اللحم من دسمه.\nوقوله: (فأصابه شيء) أي: من إيذاء الهوام؛ لأنه ربما تقصده برائحة الطعام في يده فتؤذيه وتلدغه، كذا قال الطيبي (١)، وقيل: من البرص ونحوه؛ لأن اليد حينئذٍ إذا وصلت إلى شيء من بدنه بعد عرقه ربما أورثت ذلك.\n٤٢٢٠ - [٦٢] (ابن عباس) قوله: (الثريد) ثرد الخبز: كسره، في (الصراح) (٢): ثرد: نان شكستن در كاسه، والثريد أفضل طعام العرب؛ لأنه مع اللحم جامع بين الغذاء واللذة والقوة وسهولة التناول في المضغ، والثريد غالبًا لا يكون إلا من لحم، ويقال: الثريد أحد اللحمين، واللذة والقوة إذا كان اللحم نضيجًا في المق أكثر ما يكون في نفس اللحم.\nوقوله: (بالثريد من الحيس) وهو تمر مخلوط بسمن وأقط، ويطلق الثريد عليه بمعنى الكسر، والغالب إطلاقه على ثريد الخبز.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٦١).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ١٢٤).","vol":"7","page":265},{"text":"٤٢٢١ - [٦٣] وَعَنْ أَبِي أَسِيدٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَلُوا الزَّيْتَ وَادَّهِنُوا بِهِ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٨٥٢، جه: ٣٣١١، دي: ٢١٠٤].\n٤٢٢٢ - [٦٤] وَعَنْ أُمِّ هَانِئٍ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ: \"أَعِنْدَكِ شَيْءٌ\" قُلْتُ: لَا، إِلَّا خُبْزٌ يَابِسٌ وَخَلٌّ، فَقَالَ: \"هَاتِي، مَا أَقْفَرَ بَيْتٌ مِنْ أَدَمٍ فِيهِ خَلٌّ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٨٤١].\nــ\n٤٢٢١ - [٦٣] (أبو أسيد) قوله: (وعن أبي أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين وهو الصحيح، وقد زعم بعضهم بضم وفتح.\nوقوله: (من شجرة مباركة) المراد به الزيتون، وفيه خير وبركة ومنافع كثيرة، وهو المراد بالشجرة المباركة المذكورة في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وقد أقسم اللَّه به تشريفًا وتكريمًا له في قوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١]، وأجوده ما ينبت في أرض الشام التي سماها اللَّه تعالى الأرض المباركة والبقعة المباركة.\n٤٢٢٢ - [٦٤] (أم هانئ) قوله: (لا، إلا خبز يابس وخل) أي: لا شيء من الطعام إلا هذا، وهو مما لا يقدم على مثلك، قالت ذلك حياءً منها وتعظيمًا له -ﷺ-، فقال -ﷺ- تسلية لها ورفعًا لحجاب الحياء منها وتنبيهًا على القناعة بأدنى ما حضر من الطعام: (ما أقفر بيت من أدم فيه خل) بتقديم القاف على الفاء من القفر وهو في الأصل بمعنى أرض لا ماء فيها ولا كلأ، وخبز قَفْرٌ وقَفَارٌ: غير مأدوم، كذا في (القاموس) (١).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٣٣).","vol":"7","page":266},{"text":"٤٢٢٣ - [٦٥] وَعَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- أَخَذَ كِسْرَةً مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ، فَوَضَعَ عَلَيْهَا تَمْرَةً، فَقَالَ: \"هَذِهِ إِدَامُ هَذِهِ\" وَأَكَلَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٢٥٩، ٣٨٣٠].\n٤٢٢٤ - [٦٦] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: مَرِضْتُ مَرَضًا أَتَانِي النَّبِيُّ -ﷺ- يَعُودُنِي، فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ ثَدْيَيَّ، حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا عَلَى فُؤَادِي، وَقَالَ: \"إِنَّكَ رَجُلٌ مَفْؤُودٌ ائْتِ الْحَارِثَ بْنَ كَلَدَةَ. . . . .\nــ\nوقوله: (فيه خل) صفة لـ (بيت)، ولا بأس بالفصل بالظرف، أو حال لوقوعه في سياق النفي.\n٤٢٢٣ - [٦٥] (يوسف بن عبد اللَّه) قوله: (كسرة) بكسر الكاف.\nوقوله: (هذه إدام هذه) يؤيد القول بأن الإدام ما يطيب الخبز به ويصلحه لا ما يصطبغ به، إلا أن يقال: إطلاق الإدام هنا مجاز باعتبار تشبيهه به، واللَّه أعلم.\n٤٢٢٤ - [٦٦] (سعد) قوله: (على فؤادي) بضم الفاء والهمزة بمعنى القلب أو وسطه أو غشائه، أقوال، والقلب حبته وسويداؤه، كذا في (النهاية) (١)، ويدل على مغايرتهما ما ورد في أهل اليمن: (هم أرق أفئدة وألين قلوبًا)، أو هو تفنن، وسيجيء الكلام فيه في آخر الكتاب في (باب ذكر اليمن والشام)، وقال في (القاموس) (٢): الفئيد: النار، والمشوي، ومنه: الفؤاد: للقلب.\nوقوله: (إنك رجل مفؤود) والمفؤود من أصيب فؤاده بوجع، كالمصدور من وجع صدره، و(كلدة) بكاف ولام مفتوحتين وإهمال دال.\n_________\n(١) \"النهاية\" (٣/ ٤٠٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٩٠).","vol":"7","page":267},{"text":"أَخَا ثَقِيفٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ يَتَطَبَّبُ، فَلْيَأْخُذْ سَبْعَ تَمْرَاتٍ من عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ، فَلْيَجَأْهُنَّ بِنَوَاهُنَّ، ثُمَّ لِيَلُدَّكَ بِهِنَّ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٧٥].\nــ\nوقوله: (أخا ثقيف) أي: ثقفي، ويضاف أهل القبيلة إليها بالأخ لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾ [الأحقاف: ٢١]، و﴿قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ﴾ [الشعراء: ١٠٦]، وغير ذلك.\nوقوله: (فإنه رجل يتطبب) صيغة التفعل إما للكمال أو التكلف، أي: رجل يعالج الناس ويستعمل الطب، وإن لم يكن في تلك المرتبة من الحذاقة وأنه يكفيك، ثم أشار -ﷺ- إلى علاج من عنده هو أيسر وأنفع لئلا يوقعه الطبيب في علاجات شاقة ومحنة فيها كما هو عادة الأطباء، ولكنه أحال عليه اتخاذه وصفته وكيفية استعماله؛ لأنه أسهل عليه وأيسر، وربما يؤمي هذا إلى عدم حذاقته على الكمال يعني يثبت لك العلاج، ولكن ارجع إلى ذلك الرجل في فعله واستعماله، وقال الطيبي (١): فيه [جواز] مشاورة أهل الكفر في الطب؛ لأن الحارث بن كلدة الثقفي لم يصح إسلامه.\nوقوله: (من عجوة المدينة) عرف معناها في آخر (الفصل الأول) من حديث سعد.\nوقوله: (فليجأهن) أي: ليكسرهن ويدقهن مع نواهن، أمر باللام من وجأ يجأ مثالًا مهموزًا بمعنى دق وكسر، وجأ التيس وجاءً: دق عروق خصييه بين حجرين ولم يخرجهما أو رضّهما.\nوقوله: (ثم ليلدك) بضم اللام وتشديد الدال أمر من لد يلد الدواء: إذا صبه في فمه، أي: يجعله في الماء ويسقيك، واللدود، كصبور: ما يُصَبُّ بالْمُسْعُط من الدواء في أحد شقي الفم، كاللَّديد، كذا في (القاموس) (٢).\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٦٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٠).","vol":"7","page":268},{"text":"٤٢٢٥ - [٦٧] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَأْكُلُ الْبِطَّيخَ بِالرُّطَبِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: وَيَقُولُ: \"يَكْسِرُ حَرَّ هَذَا بِبَرْدِ هَذَا، وَبَرْدَ هَذَا بِحَرِّ هَذَا\". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٨٤٣، د: ٣٨٣٦].\n٤٢٢٦ - [٦٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِتَمْرٍ عَتِيقٍ، فَجَعَلَ يُفَتِّشُهُ وَيُخْرِجُ السُّوسَ مِنْهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٣٢].\n٤٢٢٧ - [٦٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِجُبُنَّةٍ فِي تَبُوكَ، فَدَعَا بِالسِّكِّينِ. . . . .\nــ\n٤٢٢٥ - [٦٧] (عائشة) قوله: (يكسر حر هذا) أي: الرطب لأنه حار.\nوقوله: (ببرد هذا) أي: البطيخ، ويدل على أن البطيخ بارد، قال الطيبي (١): لعل البطيخ كان نيًّا غير نضيج فهو [حينئذ] بارد، انتهى. وقال السخاوي في (المقاصد الحسنة) (٢): رواية يزيد بن رومان: (الطبيخ) بتقديم الطاء على الباء بمعنى المطبوخ.\n٤٢٢٦ - [٦٨] (أنس) قوله: (فجعل يفتشه) أي: يشق التمر ويخرج عنه الدود، و(السوس) بالضم: دود يقع في الصوف والطعام.\n٤٢٢٧ - [٦٩] (ابن عمر) قوله: (بجبنة) واحد الجبن بالضم وبضمتين كعُتُلّ، كذا في (القاموس) (٣) معروف، وقال الطيبي (٤): فيه دليل على طهارة الإنفحة؛ لأنها\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٦٤).\n(٢) \"المقاصد الحسنة\" (ص: ٤٣٤).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٩٢).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٦٤).","vol":"7","page":269},{"text":"فَسَمَّى وَقَطَعَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨١٩].\n٤٢٢٨ - [٧٠] وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفِرَاءِ فَقَالَ: \"الْحَلَالُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ،\nــ\nلو كانت نجسة لكان الجبن نجسًا؛ لأنه لا يحصل إلا بها، انتهى. الإنفحة: بكسر الهمزة وتشديد الحاء وقد تكسر الفاء، والمِنْفَحة والبِنْفَحة: شيء يستخرج من بطن الجَدْي الرَّضِيع، أصفر فيعصر في صوفة فَيَغْلُظ كالجبن، وتفسير الجوهري الإنفحة بالكَرِش سهو، كذا في (القاموس) (١)، والمشهور أنه اللبن الذي يخرج من بطن الجدي فيجعل في اللبن فينعقد به الجبن، وقد ذكر بعض الفقهاء من المغاربة أنه يكره الجبن الرومي، ولا يدرى ماذا العلة فيه، أي: الشبهة في الإنفحة أو غيرها، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فسمى وقطع) وهذه التسمية للتبرك كما في ابتداء الطعام لا للذبح كما يفعله بعض القوم في القرع.\n٤٢٢٨ - [٧٠] (سلمان) قوله: (عن السمن والجبن والفراء) إنما سألوا لتطرق الشبهة فيما عندهم، ثم اختلف الشارحون في لفظ الفراء، فبعضهم على أنه بكسر الفاء والمد، جمع الفرا بفتح الفاء والقصر بمعنى حمار الوحش، وقيل: هو هنا جمع الفرو الذي يلبس ويكون من جلد الأرنب ونحوه، والترمذي ذكر الحديث في كتابه في (لبس الفرو)، ولكن ذكره ابن ماجه في (باب السمن والجبن)، كذا نقل عن القاضي ناصر الدين البيضاوي (٢).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٣٧).\n(٢) \"تحفة الأبرار\" (٣/ ١١٦).","vol":"7","page":270},{"text":"وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَمَوْقُوفٌ عَلَى الأَصَحِّ. [جه: ٣٣٦٧، ت: ١٧٢٦].\n٤٢٢٩ - [٧١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَدِدْتُ أَنَّ عِنْدِي خُبزةً بيضاءَ مِنْ بُرَّةٍ سَمْرَاءَ. . . . .\nــ\nوقال التُّورِبِشْتِي (١): قد غلط بعضهم في الفراء في أنها جمع الفرا وهو الحمار الوحشي، وإنما هو جمع الفرو الذي يلبس، وإنما سألوا عنها حذرًا من صنيع أهل الكفر في اتخاذهم الفرا من جلد الميتة من غير دباغ، ومما يبين صحة ما ذكرنا هو أن علماء الحديث أوردوا هذا الحديث في (باب اللباس)، ولو أوردوه في (باب الطعام) لم يكن ذلك حجة على الاختلاف فيها؛ لأن الحديث مشتمل على السؤال من الطعام واللباس، انتهى.\nوقوله: (فهو مما عفا عنه) فيه أن الأصل في الأشياء الإباحة.\n٤٢٢٩ - [٧١] (ابن عمر) قوله: (من برة سمراء) فإن قلت: سمراء هي الحنطة، فما وجه توصيف الحنطة به، فقيل في توجيهه: إنه من الأوصاف الغالبة على الحنطة كالأسود على الحية، وقد استعمل هنا في المعنى الأصلية الوصفية، وهو ما له سمرة وهي لون بين البياض والسواد وهو الأدمة أيضًا، وقيل: السمراء اسم لنوع خاص منها وهي التي فيها سواد خفي وهو أجودها وأحمدها، يعني أنها إنما غلبت في بعض أنواعها، وهي التي فيها السمرة لا في مطلقها، فيكون صفة مخصصة ويمكن أن يقال: إن السمراء اسم لمطلق الحنطة، وإنما وصفت بها للمبالغة في وصفها بالسمرة كما يقال: حية أسود، أي: في غاية السواد، وتقرب ذلك من قولهم: ظل ظليل.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٦١).","vol":"7","page":271},{"text":"مُلَبَّقَةً بِسَمْنٍ وَلَبَنٍ\" فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَاتَّخَذَهُ، فَجَاءَ بِهِ، فَقَالَ: \"فِي أَيِّ شَيْءٍ كَانَ هَذَا؟ \" قَالَ فِي عُكَّةِ ضَبٍّ قَالَ: \"ارْفَعْهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. [د: ٣٨١٨، جه: ٣٣٤١].\nــ\nوقوله: (ملبقة) على صيغة اسم المفعول من التلبيق وهو التليين، في (القاموس) (١): لَبَقَه: لينه، وثريد ملبق: ملين بالدسم.\nوقوله: (في عكة) بالضم: آنية السمن أصغر من القربة، جمعه عُكَكٌ وعِكاك، كذا في (القاموس) (٢)، وفي (نهاية الجزري) (٣): العكة: وعاء من الجلود مستدير يختص بالسمن والعسل، وهو بالسمن أخص.\nوقوله: (ارفعه) يحتمل أن يكون الأمر برفعه لكون جلده نجسًا لحرمة لحمه كما هو مذهب الحنفية، ويحتمل أن يكون لتنفر طبعه -ﷺ- وليس بحرام، وهو مذهب الشافعي وأكثر العلماء وإلا لأمر بطرحه ونهاه عن تناوله، وقد مرّ هذا البحث في (باب ما يحل أكله وما يحرم)، وتمني هذا النوع من الطعام من رسول اللَّه -ﷺ- كأنه كان من انبساط مع أصحابه أحيانًا من غير تكلف كما جاء في الحديث: وكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، أو لامتحان بعض أصحابه في إحضاره له وتبادره إلى قضاء شهواته كما هو شأن المحبة، ولهذا رده بعد إحضاره ولم يأكله، أو لعله كان لأجل شهوة بعض الحاضرين ممن يصلح له مثل هذا الطعام، ولهذا قال: (عندي)، ولم يصرح بتمني أكله، واللَّه أعلم. وقال الطيبي (٤): هذا الحديث مخالف\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٤٨ - ٨٤٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٧٤).\n(٣) \"النهاية\" (٣/ ٢٨٤).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٦٥).","vol":"7","page":272},{"text":"٤٢٣٠ - [٧٢] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَن أَكْلِ الثُّومِ إِلَّا مَطْبُوخًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٨٠٨، د: ٣٨٢٨].\n٤٢٣١ - [٧٣] وَعَنْ أَبِي زِيَادٍ قَالَ: سُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنِ الْبَصَلِ فَقَالَتْ: إِنَّ آخِرَ طَعَامٍ أَكَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- طَعَامٌ فِيهِ بَصْلٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٢٩].\n٤٢٣٢ - [٧٤] وَعَنِ ابْنَيْ بُسْرٍ السُّلَمِيَّيْنِ قَالَا: . . . . .\nــ\nلما كان عليه من شيمته صلوات اللَّه عليه، وكيف وقد أخرج مخرج التمني؟ ومن ثم صرح أبو داود بكونه منكرًا.\n٤٢٣٠ - [٧٢] (علي) قوله: (نهى عن أكل الثوم إلا مطبوخًا) النهي تنزيهي؛ لأن المختار أنه غير محرم، وإنما لم يأكل بنفسه لما بين من عذره.\n٤٢٣١ - [٧٣] (أبو زياد) قوله: (طعام فيه بصل) قد ثبت النهي عن أكل البصل والثوم ونحوهما، وثبت امتناعه -ﷺ- عن أكلها وأكل طعام فيه شيء من ذلك، وإنما أكل مرة تعليمًا للجواز وأنه مكروه كراهة تنزيه وهو الأصح، ونقل عن الطحاوي في \"شرح الآثار\" (١) أنه قال بعد ما سرد الأحاديث: هذه الأحاديث دلت على إباحة أكل نحو البصل والكراث والثوم مطبوخًا كان أو غير مطبوخ لمن قعد في بيته، وكراهة حضور المسجد وريحه موجود، قال: وبه نأخذ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ﵏.\n٤٢٣٢ - [٧٤] (ابنا بسر) قوله: (عن ابني بسر) بضم الباء وسكون السين بلفظ ضد الرطب، و(السلميين) بضم السين وفتح اللام مع خفتها وتشديدها واسمهما\n_________\n(١) \"شرح معاني الآثار\" (٤/ ٢٤٠).","vol":"7","page":273},{"text":"دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَدَّمْنَا زُبْدًا وَتَمْرًا، وَكَانَ يُحِبُّ الزُّبَدَ وَالتَّمَرَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٣٧].\n٤٢٣٣ - [٧٥] وَعَنْ عِكْرَاشِ بْنِ ذُؤيبٍ قَالَ: أُتِينَا بِجَفْنَةٍ كَثِيرَةِ الثَّرِيدِ وَالْوَذْرِ، فَخَبَطْتُ بِيَدِي فِي نَوَاحِيهَا، وَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، فَقَبَضَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى عَلَى يَدِيَ الْيُمْنَى، ثُمَّ قَالَ: \"يَا عِكْرَاشُ! كُلْ مِنْ مَوْضعٍ وَاحِدٍ؛ فَإِنَّهُ طَعَامٌ وَاحِدٌ\". . . . .\nــ\nعبد اللَّه وعطية.\nوقوله: (وكان يحب الزبد والتمر) أي: معًا؛ لأن دسومة الزبد يذهب عفوصة التمر، وما يذكر في كتب النحو من المثال للتمر من قولهم: على التمرة مثلها زبدًا، فهو بهذا المعنى، فإن بعض الناس يبيعون التمر على فمها زبد لأجل ما ذكرنا.\n٤٢٣٣ - [٧٥] (عكراش بن ذؤيب) قوله: (عكراش) بكسر العين وسكون الكاف، (ابن ذؤيب) بضم الذال المعجمة على صيغة التصغير، (بجفنة) بفتح الجيم وسكون الفاء: قصعة عظيمة.\nوقوله: (والوذر) بفتح الواو وسكون الذال المعجمة جمع وذرة: القطعة الصغيرة من اللحم لا عظم فيها، ويحرك، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (فخبطت بيدي) من خبط البعير بيده الأرض: إذا ضربها بها، أي: ضربت يدي فيها من غير استواء كخبط عشواء.\nوقوله: (فإنه طعام واحد) فلا حاجة إلى الأكل من الجوانب، وترك الأكل مما\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٥٧).","vol":"7","page":274},{"text":"ثُمَّ أُتِينَا بِطَبَقٍ فِيهِ أَلْوَانُ التَّمْرِ، فَجَعَلْتُ آكُلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ، وَجَالَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي الطَّبَقِ فَقَالَ: \"يَا عِكْرَاشُ! كُلْ مِنْ حَيْثُ شِئْتَ؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَوْنٍ وَاحِدٍ\"، ثُمَّ أُتِينَا بِمَاءٍ، فَغَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدَيْهِ، وَمسَحَ بَلَلَ كَفَّيْهِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَرَأْسَهُ، وَقَالَ: \"يَا عِكْرَاشُ! هَذَا الْوُضُوءُ مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٨٤٨].\n٤٢٣٤ - [٧٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَخَذَ أَهْلَهُ الْوَعْكُ أَمَرَ بِالْحَسَاءِ فَصُنِعَ، ثُمَّ أَمَرَ فَحَسَوْا مِنْهُ، وَكَانَ يَقُولُ: . . . . .\nــ\nبين اليدين للشره والحرص، ويفهم منه أن الطعام والفاكهة لو كان ألوانًا مختلفة يجوز الأكل من الجوانب بحسب ميلان الطبع، وذلك أيضًا إنما يكون إذا لم يكن ظلمًا على الشركاء، وكانوا راضين بذلك.\nوقوله: (فإنه غير لون واحد) يدل على أن الفاكهة إذا كان لونًا واحدًا لا يجوز الخبط والشره.\n٤٢٣٤ - [٧٦] (عائشة) قوله: (الوعك) هو حر الحمى أو شدته وهو بفتح واو وسكون عين، كذا قال الكرماني (١)، وفي (شرح الشفاء) للشُّمُنِّي: بفتح العين وسكونها.\nوقوله: (أمر بالحساء) بالفتح والمد: طبيخ يتخذ من دقيق وماء ودهن ويكون رقيقًا.\nوقوله: (فحسوا) أي: شربوا، والحسو: الشرب، وفي (القاموس) (٢): حسا\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (٤/ ٢٤٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٧١).","vol":"7","page":275},{"text":"\"إِنَّهُ لَيَرْتُو فُؤَادَ الْحَزِينِ، وَيَسْرُو عَنْ فُؤَادِ السَّقِيمِ، كَمَا تَسْرُو إِحْدَاكُنَّ الْوَسَخَ بِالْمَاءَ عَنْ وَجْهِهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٢٠٣٩].\n٤٢٣٥ - [٧٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَفِيهَا شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ، وَالْكَمأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠٦٦، ٢٠٦٨].\nــ\nالماء: شربه شيئًا بعد شيء، كتحساه واحتساه، وحسا الطائر الماء حَسْوًا، ولا تقل: شرب.\nوقوله: (ليرتو) أي: يَشُدُّه ويُقَوِّيه، في (القاموس) (١): رتاه: شَدَّه، وأرخاه، ضد، والقلب: قوّاه.\nوقوله: (يسروا) أي: يكشف عن فؤاده الضيق والتعب، سُرِيَ الهم: انكشف.\nوقوله: (كما تسروا إحداكن) الخطاب للنساء إما لأن المحموم في هذا الوقت كانت إحداهن، أو لأنهن يبالغن في إزالة الوسخ عن الوجوه.\n٤٢٣٥ - [٧٧] (أبو هريرة) قوله: (العجوة من الجنة) أي: أنزلت من الجنة إلى مدينة الرسول كروضته -ﷺ-، أو يكون في الجنة يوم القيامة، أو فيه بركة وراحة للخلق كما في نعم الجنة، والأول هو الظاهر الأصوب كما عرف فيما قال العلماء في قوله ﵇: (ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة)، وقد يأول بأنها للطافتها كأنها من ثمار الجنة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨٣).","vol":"7","page":276},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1011> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٢٣٦ - [٧٨] عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: ضِفْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَأَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِيَ، ثُمَّ أَخَذَ الشَّفْرَةَ فَجَعَلَ يَحُزُّ لِي بِهَا مِنْهُ، فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَأَلْقَى الشَّفْرَةَ، فَقَالَ: \"مَا لَهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ؟ \" قَالَ: وَكَانَ شَارِبُهُ وَفَاءً، فَقَالَ لِي: \"أَقُصُّهُ لَكَ عَلَى سِوَاكٍ؟ \"أَوْ \"قُصَّهُ عَلَى سِوَاكٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت في الشمائل: ١٦٨].\nــ\nالفصل الثالث\n٤٢٣٦ - [٧٨] (المغيرة بن شعبة) قوله: (ضفت) على وزن بعت، أي: نزلت أنا ورسول اللَّه -ﷺ- على رجل ضيفين له.\nوقوله: (فشوي) بالتخفيف (الشفرة) بفتح الشين المعجمة: السكين العظيم، و(يؤذنه) من الإيذان بمعنى الإعلام.\nوقوله: (ماله) تعجب من إيذان بلال بالصلاة في وقت أكل الطعام، وعدم رعاية حال الضيف، وليس في الصلاة ضيق.\nوقوله: (قال: وكان شاربه وفاء) أي: تامًّا وصف بالمصدر، (فقال لي: أقصه على سواك؟) وجهوا هذه العبارة بتوجيهات متعددة، الأول: أن ضمير (شاربه) راجع إلى المغيرة، وكان الظاهر: وكان شاربي، فوضع ضمير الغائب موضع ضمير المتكلم التفاتًا على مذهب السكاكي، أو نقل الراوي بالمعنى. وقال الطيبي (١): تجريدًا أو التفاتًا، ومعنى (أقصه لك) أي: لنفعك وثوابك ليكون موافقًا لسنتي.\nوالثاني: أن الضمير لرسول اللَّه -ﷺ-، ومعنى (أقصه لك) أي: لأجلك، أي:\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٦٨).","vol":"7","page":277},{"text":"٤٢٣٧ - [٧٩] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا إِذَا حَضَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- طَعَامًا، لَمْ نَضَعْ أَيْدِيَنَا حَتَّى يَبْدَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَيَضَعُ يَدَهُ، وَإِنَّا حَضَرْنَا مَعَهُ مَرَّةً طَعَامًا، فَجَاءَتْ جَارِيَة كَأَنَّهَا تُدْفَعُ، فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا فِي الطَّعَامِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِهَا، ثُمَّ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ كَأَنَّمَا يُدْفَعُ،\nــ\nلتتبرك بما ينفصل عن شواربي من الأشعار.\nوثالثها: أن يكون الضمير لبلال ويأباه قوله: (فقال لي)، والظاهر له، قال الطيبي (١): التقدير: قال بلال: فقال لي: أقصه لك بالمعنى المذكور على تقدير جعل الضمير للمغيرة، وفيه تكلف، ولكن هذا إنما يلزم على ما روي في (المشكاة)، وفي (شمائل الترمذي) (٢): (فقال له)، وعلى هذه الرواية يبعد جعله للمغيرة كما في شاربه، ونقل الطيبي عن (شرح السنة): قد روي أن النبي -ﷺ- رأى رجلًا طويل الشارب فدعا بسواك وشفرة، فوضع السواك تحت شاربه ثم جزه، وهذا إن كان في هذه القصة تعين الضمير للمغيرة أو لبلال.\n٤٢٣٧ - [٧٩] (حذيفة) قوله: (فجاءت جارية كأنها تدفع) بلفظ المجهول أي: لشدة سرعتها كأنها مدفوعة، وفي رواية: تطرد.\nوقوله: (لتضع يدها) أي: قبل أن يبدأ رسول اللَّه -ﷺ- ويضع يده في الطعام فنضع أيدينا فيه، وكنا متوقفين فيه، يدل عليه قوله في آخر الحديث: (ثم ذكر اسم اللَّه وأكل)، ويدل عليه سياق الحديث أيضًا، وإلا لم يكن في ذكر قولهم: أكنا إذا حضرنا مع النبي -ﷺ- طعامًا لم نضع أيدينا. . . إلخ)، كثير فائدة، ولو قدر حمل مجيء الجارية\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٦٨).\n(٢) \"شمائل الترمذي\" (ص: ١٣٩).","vol":"7","page":278},{"text":"فَأَخَذَ بِيَدِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْتَحِلُّ الطَّعَامَ أَنْ لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ، وَإِنَّهُ جَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلَّ بِهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا، فَجَاءَ بِهَذَا الأَعْرَابِيِّ لِيَسْتَحِلَّ بِهِ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ يَدَهُ فِي يَدِي مَعَ يَدِهَا\". زَادَ فِي رِوَايَةٍ: ثُمَّ ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ وأَكَلَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠١٧].\n٤٢٣٨ - [٨٠] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَ غُلَامًا، فَأَلْقَى بَيْنَ يَدَيْهِ تَمْرًا، فَأَكَلَ الْغُلَامُ، فَأَكْثَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ كَثْرَةَ الأَكْلِ شُؤْمٌ\". وَأَمَرَ بِرَدِّهِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [هب: ٥/ ٣١].\nــ\nوالأعرابي في أثناء أكل حملنا قوله: (ثم ذكر اسم اللَّه وأكل) على تجديد التسمية، سمى لجبر نقصان تطرق من عدم تسمية الجارية والأعرابي، والوجه هو الأول، يظهر ذلك بالتأمل الصادق في سوق الكلام.\nوقوله: (إن يده) أي: يد الشيطان (في يدي مع يدها) أي: يد الجارية، وفي رواية: (مع يديهما)، وهو الظاهر، والرواية بالإفراد من باب الاكتفاء.\n٤٢٣٨ - [٨٠] (عائشة) قوله: (شؤم) الشؤم: ضد اليمن، واليمن: البركة، بالضم فيهما، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (وأمر برده) الرد يصح إطلاقه في الأخذ على سوم الشراء وإن كان الظاهر بعد وجود البيع، لكن صرح أنه أراد أن يشتري فلا يكون كثرة أكل من العيوب التي يستحق بها الرد.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٣٧، ١١٤٣).","vol":"7","page":279},{"text":"٤٢٣٩ - [٨١] وَعَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"سَيِّدُ إِدامِكُمُ الْمِلْحُ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٣١٥].\n٤٢٤٠ - [٨٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا وُضِعَ الطَّعَامُ فَاخْلَعُوا نِعَالَكُمْ، فإِنَّه أَرْوَحُ لأَقْدَامِكُمْ\".\n٤٢٤١ - [٨٣] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهَا كَانَتْ إِذَا أُتِيَتْ بِثَرِيدٍ أَمَرَتْ بِهِ فَغُطِّيَ، حَتَّى تَذْهَبَ فَوْرَةُ دُخَانِهِ، وَتَقُولُ: أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"هُوَ أَعْظَمُ لِلْبَرَكَةِ\". رَوَاهُمَا الدَّارمِيُّ. [دي: ٢/ ١٤٨، ٢/ ١٣٧].\nــ\n٤٢٣٩ - [٨١] (أنس بن مالك) قوله: (سيد إدامكم الملح) حث على القناعة والزهد في الدنيا، وأما سيادة اللحم فباعتبار اللذة والتنعم.\n٤٢٤٠ - [٨٢] (أنس بن مالك) قوله: (فإنه أرْوَح لأقدامكم) وأيضًا فيه تكريم الطعام، وكأنه لم يذكره لظهوره، وللإشارة إلى رعاية حالهم من الراحة، فإنه أدخل في قبول النصح، واللَّه أعلم.\n٤٢٤١ - [٨٣] (أسماء بنت أبي بكر) قوله: (فورة دخانه) أي: غليان بخاره.\nوقوله: (هو أعظم للبركة) قال الطيبي (١): أي عظيم البركة، لعله أشار به إلى أن أفعل التفضيل هنا بمعنى الصفة المشبهة؛ لأن هذا من الإضافة إلى الفاعل، وأفعل التفضيل لا يعمل في الفاعل المظهر إلا في مسألة الكحل، فلا فاعل له حتى يضاف إليه، وهذا ما يخطر بالبال في توجيه كلام الطيبي.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٦٩).","vol":"7","page":280},{"text":"٤٢٤٢ - [٨٤] وَعَنْ نُبَيْشَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَكَلَ فِي قَصْعَةٍ ثُمَّ لَحِسَهَا تَقُولُ لَهُ الْقَصْعَةُ: أَعْتَقَكَ اللَّهُ مِنَ النَّارِ كَمَا أَعْتَقْتَنِي مِنَ الشَّيْطَانِ\". رَوَاهُ رَزِينٌ. [ت: ١٨٠٤، جه: ٣٢٧٢].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1012>١ - باب الضيافة</span>\nــ\n٤٢٤٢ - [٨٤] (نبيشة) قوله: (تقول له القصعة: أعتقك اللَّه من النار) وهذا هو دعاء القصعة للاحسها، كما مرّ من حديث نبيشة في (الفصل الثاني).\n١ - باب الضيافة\nضافه: إذا نزل عليه ضيفًا، وأضافه أو ضيفه: إذا أنزله، وتضيف يجيء بمعنيين، والضيف يجيء للواحد والجمع، وقد يجمع على أضياف وضيوف وضيفان، وهي ضيف وضيفة، وأصل الضيف: الميل، ضاف: مال كتضيف، وضيفته، وأضفته: أملته، وألجأته إلى أمر، وتضيفت الشمس للغروب، أي: مالت، وضاف عنه يضيف: مال عنه وعدل.\nوفي (مجمع البحار) (١): الضيافة ثمانية: الوليمة للعرس، والخرس للولادة، والإعذار للختان، والوكيرة للبناء، والنقيعة لقدوم مسافر من النقع وهو الغبار، ويصنع المسافر أو يصنع له، والوضيمة للمصيبة، والعقيقة لتسمية الولد، والمأدبة طعام متخذ للضيافة بلا سبب، وكلها مستحبة إلا الوليمة؛ فإنها تجب عند قوم، قال البغوي: يستحب للمرء أن يحدث شكر اللَّه تعالى إذا أحدث نعمة.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٤٣٠).","vol":"7","page":281},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1013> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٢٤٣ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ\". وَفِي رِوَايَةٍ: بَدَلَ \"الْجَارِ\": \"وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠١٨، ٦١٣٦، م: ٤٧].\n٤٢٤٤ - [٢] وَعَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْكَعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ،\nــ\nالفصل الأول\n٤٢٤٣ - [١] (أبو هريرة) قوله: (فليكرم ضيفه) بطلاقة الوجه والترحيب والقيام للخدمة وتعجيل القرى، والتكلف منهي عنه إلا للضيف.\nوقوله: (فلا يؤذ جاره) اكتفاء بالأدنى، يعني إن لم يحسن فلا أقل من أن لا يؤذي، ويمكن أن يجعل النهي عن الإيذاء كناية عن الأمر بالإحسان بناء على أن منع الإحسان ممن يتوقعه إيذاء له، فافهم.\nوقوله: (فليقل خيرًا) قد يفسر بما فيه ثواب وهو الأظهر فلا يشمل المباح، وقديجعل بمعنى ما ليس فيه عقاب فيشمله.\nوقوله: (وفي رواية) أي: للبخاري، (بدل الجار) أي: بدل جزء الحديث الذي فيه الوصية بعدم إيذاء الجار هذا الكلام.\n٤٢٤٤ - [٢] (أبو شريح) قوله: (جائزته) الجائزة: العطية، والتحفة، واللطف،","vol":"7","page":282},{"text":"فَمَا بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحَرِّجَهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠١٩، ٦١٣٥، م: ٤٨].\nــ\nكذا في (القاموس) (١)، وفيه أيضًا التحفة بالضم: البر واللطف، واللطف: الرفق والدنو، وقال الطيبي في معنى الحديث (٢): إنه يضيف ثلاثة أيام، ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة، وتسمى الجيزة أيضًا وهو قدر ما يجوز به من منهل إلى منهل، فما كان بعد ذلك فهو صدقة مخير فيه، وكره المقام بعد ذلك، كذا في (مجمع البحار) (٣).\nوعلى هذا التقرير الجائزة متأخرة زائدة على الضيافة ثلاثة أيام، والقرينة على أنه قد جاء ذكرها متأخرًا في بعض الروايات الصحيحة عن أبي شريح، ويمكن أن تكون الجائزة إشارة إلى ارتكاب التكلف والمبالغة في البر والإحسان للضيف في اليوم الأول، والاكتفاء بما تيسر في اليومين الأخيرين، فيكون يوم الجائزة أحد الأيام الثلاثة للضيافة.\nثم الظاهر من قوله: (فما بعد ذلك فهو صدقة) أن ما سبق كان واجبًا أداء لحق الضيف، فيكون حجة للقائل بوجوبها ولو في اليوم الأول، لكن ظاهر لفظ الجائزة والإكرام يدل على الاستحباب على ما قال الطيبي (٤).\nوقوله: (أن يثوي) أي: يقيم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٧٠).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٧٢).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٤٠).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٧٢).","vol":"7","page":283},{"text":"٤٢٤٥ - [٣] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَلْتُ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَنَا فَمَا تَرَى؟ فَقَالَ لَنَا: \"إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَانْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنبَغِي لَهُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٣٧، م: ١٧٢٧].\n٤٢٤٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ: \"مَا أَخْرَجَكُمَا مِنْ بُيُوتِكُمَا هَذِهِ السَّاعَةَ؟ \" قَالَا: الْجُوعُ، قَالَ: \"وَأَنَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ. . . . .\nــ\n٤٢٤٥ - [٣] (عقبة بن عامر) قوله: (لا يقروننا) قرى يقري من ضرب يضرب، و(يقروننا) بالنونين في جميع الأصول إلا ما جاء في بعضها بنون واحدة، ومبناه جزم المضارع بدون الجازم للتخفيف كرفعه في محل الجزم، قالوا: وكلاهما لغة فصيحة.\nوقوله: (فأمروا) بلفظ الماضي المعلوم، أي: أعطوا.\nوقوله: (فخذوا منهم حق الضيف) صريح في وجوب الضيافة حتى يؤخذ جبرًا وكرهًا، وعامة العلماء على أنها من مكارم الأخلاق، وقال مالك وسحنون: إن ذلك على أهل البوادي، والصحيح أنه كان ذلك في أوائل الإسلام فنسخت، وأما عند المخمصة والاضطرار فلا كلام فيه.\nوقوله: (ينبغي لهم) الضمير للضيف لأنه اسم جنس، وفي بعض نسخ (المصابيح): (له).\n٤٢٤٦ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (ذات يوم) وفي بعض الروايات: (يوم حار)، وفي بعضها: (صائف)، وفي بعضها: (بالظهيرة).\nوقوله: (وأنا) بالواو، وفي بعض النسخ: (فأنا) بالفاء.","vol":"7","page":284},{"text":"لأَخْرَجَنِي الَّذِي أَخْرَجَكُمَا قُومُوا\" فَقَامُوا مَعَهُ، فَأَتَى رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، فَإِذَا هُوَ لَيْسَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَرأَةُ قَالَتْ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَيْنَ فُلَانٌ؟ \" قَالَتْ: ذَهَبَ يَسْتَعْذِبُ لَنَا مِنَ الْمَاءِ إِذْ جَاءَ الأَنْصَارِيُّ، فَنَظَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَصَاحِبَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ مَا أَحَدٌ الْيَوْمَ أَكْرَمَ أَضْيَافًا مِنِّي قَالَ: . . . . .\nــ\nوقوله: (الذي أخرجكما) يعني الجوع، وتأثير الجوع فيه -ﷺ- بحكم الجبلة، وللسادة الصوفية في إبقاء حصة الجبلة فيه -ﷺ- كلام عال ذكرناه في بعض رسائلنا الفارسية.\nوقوله: (فقاموا) هكذا في الأصول بلفظ الجمع كذا قال الطيبي (١)، وهو إما من جعل أقل أفراد الجمع اثنين أو كان معهم خادم -كما يأتي في الفصل الثالث- لم يذكر.\nوقوله: (معه) إشارة إلى تبعيتهما له وإطاعتهما له -ﷺ-، ولذلك قال: (أتى) بصيغة الإفراد، ودلالته معه على ذلك وإن لم يكن كليًّا كما في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ وأمثاله، ولكن ربما يدعى فهمهما في مثل هذا المقام، فافهم.\nوقوله: (رجلًا من الأنصار) اسمه أبو الهيثم بن التيهان، بفتح التاء وكسر الياء المشددة.\nوقوله: (اكرم أضيافًا) اسم تفضيل من كرم يكرم، والتمييز زال عن الفاعل أي: ليس أحد أزيد مني في كرم أضيافه، أي: كون أضيافه كرمًا، وأما جعله اسم تفضيل من الإكرام بحذف الزائد كما جوزه بعض النحاة وجعل أضيافًا مفعولًا به فمن أغاليط\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٧٤).","vol":"7","page":285},{"text":"فَانْطَلَقَ فَجَاءَهُمْ بِعِذْقٍ فِيهِ بُسْرٌ وَتَمْرٌ وَرُطَبٌ، فَقَالَ: كُلُوا مِنْ هَذِهِ، وَأَخَذَ الْمُدْيَةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِيَّاكَ وَالْحَلُوبَ\" فَذَبَحَ لَهُمْ فَأَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ وَمِنْ ذَلِكَ الْعِذْقِ، وَشَرِبُوا، فَلَمَّا أَنْ شَبِعُوا وَرَوُوا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُسأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمُ الْجُوعُ، ثُمَّ لَمْ تَرْجِعُوا حَتَّى أَصَابَكُمْ هَذَا النَّعِيمُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي مَسْعُودٍ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِي \"بَابِ الْوَليمَةِ\". [م: ٢٠٣٨].\nــ\nالأوهام؛ لأن اسم التفضيل لا يعمل في المفعول به، فليفهم. وأيضًا الظاهر مدح هؤلاء الأضياف الكرام لا مدح نفسه، وهو الصادق قطعًا.\nوقوله: (فجاءهم بعذق) فيه تقديم الفاكهة على الطعام للضيف، وقد وقع في القرآن المجيد كذلك في قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢٠ - ٢١].\nوقوله: (فيه بسر وتمر ورطب) كأنه جف بعض رطبات فصار كالتمر. (المدية) بضم الميم وكسرها.\nوقوله: (الحلوب) بفتح الحاء: الشاة ذات اللبن.\nوقوله: (ومن ذلك العذق) لا يدل الواو على بعدية أكل العذق، أو كان بقي منه شيء فأكلوا بعد الطعام، والظاهر هو الأول.\nوقوله: (رووا) بفتح الراء وضم الواو مخففًا من روي من الماء كرضي.\nوقوله: (لتسألن عن هذا النعيم) أي: عن القيام بحق شكره.","vol":"7","page":286},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1014> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٢٤٧ - [٥] عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"أَيُّمَا مُسْلِمٍ ضَافَ قَوْمًا فَأَصْبَحَ الضَّيْفُ مَحْرُومًا، كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ نَصْرُهُ حَتَّى يَأْخُذَ لَهُ بِقِرَاهُ مِنْ مَالِهِ وَزَرْعِهِ\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: \"وَأَيُّمَا رَجُلٍ ضَافَ قَوْمًا فَلَمْ يَقْرُوهُ كَانَ لَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ\". [دي: ٢/ ٦٣٤، د: ٣٨٠٤].\n٤٢٤٨ - [٦] وَعَنْ أَبِي الأَحْوَصِ الْجُشَمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ فَلَمْ يَقْرِنِي وَلَمْ يُضِفْنِي،\nــ\nالفصل الثاني\n٤٢٤٧ - [٥] (المقدام) قوله: (أيما مسلم ضاف قومًا) أي: نزل عليهم.\nوقوله: (فأصبح الضيف) من وضع المظهر موضع المضمر للإشارة إلى علة الحكم.\nوقوله: (بقراه) أي: مثل قراه وهو بقدر شبعه.\nوقوله: (من ماله وزرعه) توحيد الضمير باعتبار لفظ القوم أو باعتبار المضيف.\nوقوله: (كان له أن يعقبهم) من الإعقاب، أي: يأخذ من أموالهم عقيب صنعهم، قد سبق شرحه مفصلًا.\n٤٢٤٨ - [٦] (أبو الأحوص) قوله: (الجشمي) بضم الجيم وفتح الشين.\nوقوله: (فلم يقرني) من القرى، من باب ضرب على وزن لم يرمني، (ولم يضفني) بضم الياء: من أضاف، والظاهر أنه تأكيد للأول، ويمكن أن يراد بقوله: (لم يقرني) أنه لم يأت بطعام بعد نزولي عليه، وبالثاني أنه لم يذهب بي إلى منزله، ولم","vol":"7","page":287},{"text":"ثُمَّ مَرَّ بِي بَعْدَ ذَلِكَ، أَقْرِيهِ أَمْ أَجْزِيهِ؟ قَالَ: \"بَلْ أَقْرِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠٠٦].\n٤٢٤٩ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ -أَوْ غَيْرِهِ-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- اسْتَأْذَنَ عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ: \"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ\" فَقَالَ سَعْدٌ: وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، وَلَمْ يُسْمعِ النَّبِيَّ -ﷺ- حَتَّى سَلَّمَ ثَلَاثًا، وَرَدَّ عَلَيْهِ سَعْدٌ ثَلَاثًا، وَلَمْ يُسْمِعْهُ، فَرَجَعَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَاتَّبَعَهُ سَعْدٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، مَا سَلَّمْتَ تَسْلِيمَةً إِلَّا وَهِيَ بِأُذُنَيَّ، وَلَقَدْ رَدَدْتُ عَلَيْكَ وَلَمْ أُسْمِعْكَ، أَحْبَبْتُ أَنْ أَسْتَكْثِرَ مِنْ سَلَامِكَ وَمِنَ الْبَرَكَةِ، ثُمَّ دَخَلُوا الْبَيْتَ،\nــ\nينزلني؛ لأن أضافه بمعنى أنزله، فافهم.\nوقوله: (أم أجزيه؟) أي: أكافيه بمنع الطعام عنه كما فعل بي بحكم جزاء سيئة سيئة مثلها، فـ (قال: بل أقره) عملًا بقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦].\n٤٢٤٩ - [٧] (أنس) قوله: (أن أستكثر من سلامك ومن البركة) أي: بركة سلامك ورحمتك ودعائك، وهذا يوهم أنه -ﷺ- كان ضم قوله: (وبركاته)، ولكن ليس في النسخ ذلك، ثم إن (من) الأولى ابتدائية أو تعليلية، والثاني للتبعيض أو زائدة مفعول (أستكثر)، ويحتمل أن يكون فيهما زائدة أو تبعيضية، ويكون الثاني بدلًا من الأول.\nوقوله: (فاتبعه سعد) كأنه سأله رسول اللَّه -ﷺ- لِمَ لَمْ ترد ﵇ فاعتذر، واللَّه أعلم (١).\nوقوله: (ثم دخلوا البيت) أي: دخل رسول اللَّه -ﷺ- وسعد ومن معهما من الصحابة\n_________\n(١) وقوله: \"فاتبعه سعد. . . إلى: واللَّه أعلم\" لم توجد هذه العبارة إلا في نسخة (ب).","vol":"7","page":288},{"text":"فَقَرَّبَ لَهُ زَبِيبًا، فَأَكَلَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: \"أَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ، وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَأَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١٢/ ٢٨٣].\n٤٢٥٠ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَثَلُ الْمُؤْمِنِ وَمَثَلُ الإِيمَانِ كَمَثَلِ الْفَرَسِ فِي آخِيَّتِهِ، يَجُولُ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى آخِيَّتِهِ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْهُو ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى الإِيمَانِ،\nــ\nبيت سعد.\nوقوله: (أكل طعامكم الأبرار) الظاهر أنه دعاء لهم، والحمل على الإخبار بعيد، وعلى تقدير الحمل عليه لا حاجة إلى جعله من قبيل ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] لوجود غيره من الصحابة معه وكان تشريفًا منه -ﷺ- بتسميتهم أبرارًا، نعم لا يحسن تسميتهم أنفسهم أبرارًا، وهذا أحد وجوه عدم حمله على الإخبار؛ لأنه تعليم منه -ﷺ- أصحابه، أما قوله: (أفطر عندكم الصائمون) فظاهر في الدعاء إن لم يكونوا صائمين، فافهم.\n٤٢٥٠ - [٨] (أبو سعيد) قوله: (في آخيته) بالمد وكسر الخاء المعجمة وتشديد الياء، وقد يخفف: عود في حائط، أو في حبل يدفن طرفاه في الأرض، ويبرز طرفه، كالحلقة تشد فيها الدابة، والجمع أخايا وأواخي، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): بالمد والتشديد: ميخ وكَوشه دوال كه أسب را درآخور بروي بندند.\nوقوله: (وإن المؤمن يسهو) إشارة إلى أن من شأن المؤمن أن لا يعصي متعمدًا، ولو وقع منه شيء من ذلك لم يكن إلا سهوًا وخطأً، أو المراد بالسهو المعصية\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٥٨).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٥٤١).","vol":"7","page":289},{"text":"فَأَطْعِمُوا طَعَامَكُمُ الأَتْقِيَاءَ، وَأَوْلُوا مَعْرُوفَكُمُ الْمُؤْمِنِينَ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي \"الْحِلْيَةِ\". [هب: ٧/ ٤٥٢، حلية الأولياء: ٨/ ١٧٩].\n٤٢٥١ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- قَصْعَةٌ يَحْمِلُهَا أَرْبَعَةُ رِجَالٍ يُقَالُ لَهَا: الْغَرَّاءُ، فَلَمَّا أَضْحَوْا وَسَجَدُوا الضُّحَى، أُتِيَ بِتِلْكَ الْقَصْعَةِ وَقَدْ ثُرِدَ فِيهَا، فَالْتَفُّوا عَلَيْهَا فَلَمَّا كَثُرُوا، جَثَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. . . . .\nــ\nوالتقصير مجازًا.\nوقوله: (فأطعموا طعامكم الأتقياء. . . إلخ)، لما ذكر الرجوع إلى الإيمان وما يقتضيه من عمل الطاعة ذكر بعض الأعمال التي هي عمدة الخيرات، ويحتمل أنه كان قد وقع من بعض الصحابة تقصير في خصوص هذه الأعمال بمقتضى النفس والطبيعة فمهد لهم عذرًا في ذلك، ثم رغبهم فيها وأمرهم بها، فافهم.\n٤٢٥١ - [٩] (عبد اللَّه بن بسر) قوله: (يحملها أربعة رجال) الظاهر أنه مع الطعام.\nوقوله: (وسجدوا الضحى) دليل على أنهم كانوا يصلون الضحى، بل قد يفهم منه دوامها والاعتياد عليها، وقد سبق تحقيقه في (كتاب الصلاة).\nوقوله: (فالتفوا عليها) أي: اجتمعوا حولها.\nوقوله: (جثا) لضيق المكان، في (القاموس) (١): جثا، كدعا ورمى جُثُوًّا وَجُثِيًّا بضمهما: جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه، انتهى. ولعل الحمل على المعنى الأول أنسب بهذا المقام كما لا يخفى.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٦٧).","vol":"7","page":290},{"text":"فَقَالَ أَعْرابِيٌّ: مَا هَذِهِ الْجلْسَةُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ جَعَلَنِي عَبْدًا كَرِيمًا، وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا عَنِيدًا\"، ثُمَّ قَالَ: \"كُلُوا مِنْ جَوَانِبِهَا، وَدَعُوا ذِرْوَتَهَا يُبَارَكْ فِيهَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٧٧٣].\n٤٢٥٢ - [١٠] وَعَنْ وَحْشِيِّ بْنِ حَرْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَأْكُلُ وَلَا نَشْبَعُ قَالَ: \"فَلَعَلَّكُمْ تَفْتَرِقُونَ؟ \" قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: \"فَاجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِكُمْ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ يُباركْ لَكُمْ فِيهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٧٦٤].\nــ\nوقوله: (ما هذه الجلسة؟) كأنه استحقر الأعرابي بالنسبة إلى عظمته وعلو مرتبته، فأجاب بأنه جلسة تواضع.\nوقوله: (عبدًا كريمًا) الكرم يتضمن كل صفة كمال وخير، قالوا: إذا وصفت أحدًا بالكرم فقد وصفته بكل خير، ولعل المراد التواضع والرحمة والشفقة.\nوقوله: (جبارًا عنيدًا) الجبر: الملك والإكراه، وتجبر: تكبر، وعاند: خالف الحق ورده عارفًا به، فهو عنيد وعاند، والعاند: البعير يحور عن الطريق ويعدل، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (ذروتها) بالكسر والضم، أي: أعلاها ووسطها.\n٤٢٥٢ - [١٠] (وحشي بن حرب) قوله: (وعن وحشي بن حرب) بن وحشي ابن حرب، فاسمه اسم جده، وجده قاتل حمزة سيد الشهداء، واسم أبيه أيضًا اسم جده وهو حرب.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٨٧).","vol":"7","page":291},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1015> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٢٥٣ - [١١] عَنْ أَبِي عَسِيبٍ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلًا، فَمَرَّ بِي فَدَعَانِي فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّ بِأَبِي بَكْرٍ فَدَعَاهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ، ثُمَّ مَرَّ بِعُمَرَ فَدَعَاهُ فَخَرَجَ إِلَيْهِ، فَانْطَلَقَ حَتَّى دَخَلَ حَائِطًا لِبَعْضِ الأَنْصَارِ، فَقَالَ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ: \"أَطْعِمْنَا بُسْرًا\"، فَجَاءَ بِعِذْقٍ فَوَضَعَهُ، فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ بَارِدٍ، فَشَرِبَ فَقَالَ: \"لَتُسأَلُنَّ عَنْ هَذَا النَّعِيمِ يَوْمَ القيامةِ\" قَالَ: فَأَخَذَ عُمَرُ العِذْقَ فَضَرَبَ فِيهِ الأَرْضَ حَتَّى تَنَاثَرَ الْبُسْرُ قِبَلَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه! إِنَّا لَمَسْؤُولُونَ عَنْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: \"نَعَمْ، إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: . . . . .\nــ\nالفصل الثالث\n٤٢٥٣ - [١١] (أبو عسيب) قوله: (عن أبي عسيب) بالعين والسين المهملتين أولهما مفتوحة، وثانيهما مكسورة على وزن غريب.\nوقوله: (إنا لمسؤولون عن هذا) قال الطيبي (١): يجوز أن يكون المشار إليه المذكور قبله، وأن يكون المشار إليه العذق المتناثر تحقيرًا لشأنه، انتهى.\nولا يذهب عليك أن الحمل على تحقير النعمة مع تعظيم النبي وتنويهه -ﷺ- لشأنه مما لا يليق، بل الباعث على ضرب عمر بالعذق الأرض واستبعاده السؤال عنه ضيق الصدر وعروض الضجرة والحسرة على حاله مع عروض نوع من سكر الحال، وفي ضمنه تعظيم النعمة لا تحقيرها، فتأمل، واللَّه الموفق.\nوقوله: (نعم إلا من ثلاث) أي: يسألون من كل نعيم إلا من ثلاث.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٧٩).","vol":"7","page":292},{"text":"خِرْقَةٍ لَفَّ (١) بِهَا الرَّجُلُ عَوْرَتَهُ، أَوْ كِسْرَةٍ سَدَّ بِهَا جَوْعَتَهُ، أَوْ حُجْرٍ (٢) يَتَدَخَّلُ فِيهِ مِنَ الْحَرِّ وَالْقُرِّ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" مُرْسلًا (٣). [حم: ٥/ ٨١، هب: ٤/ ١٤٣].\nــ\nوقوله: (كف بها) بالكاف، وفي بعض النسخ: (لف) باللام.\nوقوله: (أو جحر) بتقديم الجيم على الحاء تشبيهًا بجحر اليربوع ونحوه، و(يتدخل) بلفظ التفعل للتكلف إشارة إلى ضيقه بقدر الحاجة.\n(القر) بضم القاف: البرد، كذا في (الصحاح) (٤)، وقال في (القاموس) (٥): القر بالضم: البرد أو يخص بالشتاء، وقد صحح في بعض النسخ: بالضم والفتح، والذي في الكتب أن الذي هو بمعنى البرد بالضم، والذي بالفتح صفة اليوم، وفي (مجمع البحار) (٦): يوم قر بالفتح، أي: بارد، وفي (الصحاح) (٧): يوم قر وليلة قرة أي: باردة، هذا ولكن فسر في قولها: لا حر ولا قر في حديث أم زرع ليس ذا حر ولا ذا برد، وفي بعض شروح (الشمائل): لا قر بفتح القاف أو ضمها، أي: لا حرارة فيه ولا برودة، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) في نسخة: \"كف\".\n(٢) قال القاري (٧/ ٢٧٤٠): بضم الحاء المهملة وسكون الجيم فراء، أي: مكان محجر، انتهى. وضبطه الشارح بتقديم الجيم على الحاء، فليتأمل.\n(٣) لفظ \"مرسلًا\" سقط في نسخة، وقال القاري (٧/ ٢٧٤٠): وفي بعض النسخ زاد: (مرسلًا) وهو غير ملائم للمقام، ولعله قيد لرواية البيهقي.\n(٤) \"الصحاح\" (٢/ ٧٨٩).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٢٩).\n(٦) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٢٥٠).\n(٧) \"الصحاح\" (٢/ ٧٨٩).","vol":"7","page":293},{"text":"٤٢٥٤ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا وُضِعَتِ الْمَائِدَةُ فَلَا يَقُومُ رَجُلٌ حَتَّى تُرْفَعَ الْمَائِدَةُ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَهُ وَإِنْ شَبِعَ حَتَّى يَفْرُغَ الْقَوْمُ، وَلْيُعْذِرْ فَإِنَّ ذَلِكَ يُخْجِلُ جَلِيسَهُ، فَيَقْبِضُ يَدَهُ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الطَّعَامِ حَاجَةٌ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [جه: ٣٣٣٨، هب: ٥/ ٨٣].\n٤٢٥٥ - [١٣] وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَكَلَ مَعَ قَوْمٍ كَانَ آخِرَهُمْ أَكْلًا. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" مُرْسلًا. [هب: ٥/ ١٢٢].\nــ\n٤٢٥٤ - [١٢] (ابن عمر) قوله: (وليعذر) من أعذر: إذا صار ذا عذر، أي: ليظهر عذره إذا رفع يده رفعًا لخجالة الجليس واستحيائه، قال الطيبي (١): المشار إليه بذلك مقدر، والمعنى أن رفع اليد بلا عذر يخجل صاحبه، وفي (نهاية الجزري) (٢): الإعذار: المبالغة في الأمر، أي: ليبالغ في الأكل إلى آخر المجلس، لكنه يأكل قليلًا قليلًا، وقيل: ليعذر من التعذير بمعنى التقصير، أي: ليقصر في الأكل ليتوفر على الباقين، ولير أنه يبالغ كما جاء في حديث آخر: جاء بطعام جشيب فكنا نعذر، أي: نقصر ونرى أنا مجتهدون، انتهى. وعلى كلا التقديرين ذلك إشارة إلى رفع اليد قبل فراغ القوم، فافهم.\n٤٢٥٥ - [١٣] (جعفر بن محمد) قوله: (كان آخرهم أكلًا) أي: كان يأكل قليلًا قليلًا إلى آخر المجلس فيأكل فيه كما يأكل القوم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٨٠).\n(٢) \"النهاية\" (٣/ ١٩٨).","vol":"7","page":294},{"text":"٤٢٥٦ - [١٤] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: أُتِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِطَعَامٍ فَعَرَضَ عَلَيْنَا فَقُلْنَا: لَا نَشْتَهِيهِ. قَالَ: \"لَا تَجْتَمِعْنَ جُوعًا وَكَذِبًا\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ [٣٣٤١].\n٤٢٥٧ - [١٥] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كُلُوا جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، فَإِنَّ الْبَرَكَةَ مَعَ الْجَمَاعَةِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٣٣٠].\n٤٢٥٨ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ الرَّجُلُ مَعَ ضَيْفِهِ إِلَى بَابِ الدَّارِ\". رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ. [جه: ٣٤٠١].\n٤٢٥٩ - [١٧] وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" عَنْهُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: فِي إِسْنَادِهِ ضُعْفٌ. [هب: ١٢/ ١٥٣].\n٤٢٦٠ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْخَيْرُ أَسْرَعُ إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي يُؤْكَلُ فِيهِ مِنَ الشَّفْرَةِ إِلَى سَنَامِ الْبَعِيرِ\". . . . .\nــ\n٤٢٥٦ - [١٤] (أسماء بنت يزيد) قوله: (لا تجتمعن جوعًا وكذبًا) تنبيه على أنه لا ينبغي لمن يشتهي الطعام أن يقول: لا أشتهي، كما هو عادة بعض الناس؛ لئلا يلزم الكذب.\n٤٢٥٧ - [١٥] (عمر بن الخطاب) قوله: (فإن البركة مع الجماعة) أي: في الأكل، بل في جملة الأمور.\n٤٢٥٨، ٤٢٥٩ - [١٦، ١٧] (أبو هريرة) قوله: (إلى باب الدار) زيادة في التكريم، ومنه أخذ قول الناس: حتى الباب، لكنه وقع في الحديث مخصوصًا بالضيف، واللَّه أعلم.\n٤٢٦٠ - [١٨] (ابن عباس) قوله: (من الشفرة إلى سنام البعير) ومعنى سرعة","vol":"7","page":295},{"text":"رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٣٩٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1016>٢ - باب</span>\nوَهَذَا الْبَابُ خَالٍ مِنَ الْفَصْلِ الأَوَّلِ.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1017> الْفَصْل الثَّانِي:</span>\n٤٢٦١ - [١] عَنِ الْفُجَيْعِ العَامِرِيِّ: أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: مَا يَحِلُّ لَنَا مِنَ الْمَيْتَةِ؟ . . . . .\nــ\nالشفرة إلى السنام أنه أول ما يقطع ويؤكل لاستلذاذه، كذا قال الطيبي (١)، ويمكن أن يكون معناه: سرعة نفوذها وسرايتها فيه للينه ورخاوته، واللَّه أعلم.\n٢ - باب\nوفي بعض النسخ: (باب في أكل المضطر)، وهذا الباب خال عن الفصل الأول (٢).\nالفصل الثاني\n٤٢٦١ - [١] (الفجيع العامري) قوله: (عن الفجيع) بالفاء والجيم بلفظ التصغير.\nوقوله: (ما يحل لنا من الميتة؟) أي: أيّ فرد، والكائن في أيِّ وقت، فالفردية والخصوصية هنا باعتبار الكينونة في وقت خاص، فيكون المقصود الاستفسار عن حد\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٨١).\n(٢) وكذا خال عن الفصل الثالث أيضًا.","vol":"7","page":296},{"text":"قَالَ: \"مَا طَعَامُكُمْ؟ \" قُلْنَا: نَغْتَبِقُ وَنصْطَبِحُ، قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ: فَسَّرَهُ لِي عُقْبَةُ: قَدَحٌ غُدْوَةً، وَقَدَحٌ عَشِيَّةً قَالَ: \"ذَاكَ وَأَبِي الْجُوعُ\" فَأَحَلَّ لَهُمُ الْمَيْتَةَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨١٧].\n٤٢٦٢ - [٢] وَعَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ أَنْ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَكُونُ بِأَرْضٍ فَتُصِيبُنَا بِهَا الْمَخْمَصَةُ فَمَتَى يَحِلُّ لَنَا الْمَيْتَةُ؟ قَالَ: \"مَا لَمْ تَصْطَبِحُوا أَوْ تَغتَبِقُوا أَوْ تَحْتَفِئُوا بِهَا بَقْلًا فَشَأْنَكُمْ بِهَا\". مَعْنَاهُ: إِذَا لَمْ تَجِدُوا صَبُوحًا أَوْ غَبُوقًا وَلَمْ تَجِدُوا بَقْلَة تَأْكُلُونَهَا حَلَّتْ لَكُمُ الْمَيْتَةُ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢/ ٨٨].\n* * *\nــ\nالاضطرار، فيرجع إلى السؤال عما يحله، كما في الرواية الأخرى التي جاءت في كتاب الطبراني وغيره على ما نقله التُّورِبِشْتِي (١) من قوله: ما يحل لنا الميتة؟ من الإحلال، ونصب (الميتة) على المفعولية، نعم هذه أصرح في المقصود، فتدبر.\nوقوله: (ما طعامكم؟) أي: ما قدر طعامكم، والغبوق: العشاء، والصبوح: الغداء، وأصلهما في الشراب ثم استعملا في الطعام.\nوقوله: (فسره لي عقبة) هذا التفسير من عقبة، إما بالسماع أو بمجيئه في رواية أخرى، وبالجملة تفسير الراوي معتبر فكان هو المراد.\n٤٢٦٢ - [٢] (أبو واقد الليثي) قوله: (أو تحتفئوا بها) أي: تعتلفوا بها بدل الميتة، (بقلا) أي: نباتات وخضراوات، والحفا محركة وبالهمزة مقصور: البردي،\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٦٥).","vol":"7","page":297},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nنبات معروف أو أخضره ما دام في منبته، أو أصله الأبيض الذي يؤكل، واحتفأه: اقتلعه من منبته، كذا في (الصراح) (١)، والبردي يؤكل عند شدة المخمصة، ويروى تحتفوا مشددًا، من احتف النبت: جزَّه، كذا في (القاموس) (٢).\nواعلم أن بين هذا الحديث والحديث السابق تعارضًا بحسب الظاهر لأن الحديث السابق يدل على إثبات الجوع والاضطرار وحل أكل الميتة مع وجود القدرة على الاغتياق والاصطباح بقدح لبن، وهذا الحديث يدل على اشتراطه بعدم وجدان الغبوق والصبوح، بل زاد في التضيق لاشتراط عدم وجدان البقلة ونحوها مما يحصل بها سد الرمق.\nوقد اختلف الأئمة في ذلك فمذهب أبي حنيفة أنه لا يحل تناول الميتة إلا عند خوف الهلاك بمقدار ما يحصل به سد الرمق، وهو أحد قولي الشافعي، وفي هذا القول تضييق وهو أقرب إلى التقوى والاحتياط.\nوذهب مالك وأحمد والشافعي ﵏ في قول إلى أنه إذا لم يجد طعامًا مباحًا لا يشبعه ولا يقضي به حاجة نفسه فلا يحصل القوت حل له التناول من الميتة حتى يشبع ويحصل القوت، وفي هذا القول توسيع دائرة الرخصة، وتمسكهم بالحديث الأول؛ لأن القدح من اللبن بالغداة والقدح بالعشي يمسك الرمق ويقيم النفس وإن كان لا يشبع الشبع التام، وقد أباح مع ذلك تناول الميتة، فدل على أن تناول الميتة مباح إلى أن تأخذ النفس حاجتها من القوت والشبع، ودليل الحنفية الحديث الثاني؛ لأنه دلّ على عدم إباحة الميتة مع القدرة على ما يسد الرمق.\n_________\n(١) كذا في الأصل، والظاهر: \"القاموس\". انظر: (ص: ٣٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٣٩).","vol":"7","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1018>٣ - باب الأشربة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1019> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٢٦٣ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتَنَفَّسُ فِي الشَّرَابِ ثَلَاثًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nــ\nوالجواب الذي يحصل به التوفيق بين الحديثين أن الاغتباق بقدح والاصطباح بقدح آخر إنما كان على سبيل الاشتراك بين القوم بأجمعهم لا لكل واحد منهم فرادى لقوله -ﷺ-: (ما طعامكم؟) مخاطبًا الكل، والسائل وإن كان واحدًا لكنه سأل عن جانبهم وكان رائدهم، ولذا قال: ما يحل لنا؟ ولا شك أنه لا يكفي القدح الواحد للجماعة الكثيرة، ولا يدفع شيئًا من الجوع أصلًا، ولا يسد الرمق، ولا يقيم النفس، نعم لو كان لكل واحد قدح لحصل المقصود، وأيضًا معنى الاضطرار الذي هو منطوق النص إنما يحصل في صورة سدّ الرمق لا حصول بعض الشبع، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١)، فتأمل.\n٣ - باب الأشربة\nلما كان الشراب تابعًا للطعام ومن تتمته جعل لبيانه بابًا داخلًا في (كتاب الطعام)، ولم يعقد له كتابًا على حدة، والأشربة الظاهر أنه جمع شراب كالأطعمة جمع طعام، ويمكن أن يجعل جمع شريب بمعنى شراب كأقمصة جمع قميص، قال في (القاموس) (٢): الشراب ما شرب كالشريب والشروب.\nالفصل الأول\n٤٢٦٣ - [١] (أنس) قوله: (يتنفس في الشراب) أي: في أثناء شربه الشراب،\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٦٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٦).","vol":"7","page":299},{"text":"وزادَ مُسْلمٌ فِي رِوَايَةٍ وَيَقُولُ: \"إِنَّه أَرْوَى وَأَبْرَأُ وَأَمْرَأُ\". [خ: ٥٦٣١، م: ٢٠٢٨].\nــ\nوقد جاء في بعض الروايات: (كان يتنفس في الإناء)، ومعناهما واحد، وهو أن يشرب فيبين الإناء من فمه، فيتنفس، يفعل ذلك ثلاث مرار، وقد جاء النهي عن التنفس في الإناء وهو محمول على التنفس من غير إبانة الإناء عن فمه، وقيل: وجه الجمع أن المنهي عنه هو التنفس فيه مع من يكره نَفَسَه ويتقذره، والاستحباب مع من يحبه ويتبرك به.\nوقوله: (أروى) أفعل من الإرواء بحذف الزائد، والأصل في أفعل التفضيل أن يجيء من الثلاثي المجرد، وقد يجيء من باب الإفعال أيضًا بحذف الزائد نحو: أذهب، في قوله -ﷺ- للنساء: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن) (١) كما مرّ في (كتاب الإيمان)، ولا يخفى أن قوله: (أبرأ) أيضًا من الإبراء، أي: أكثر تأثيرًا في صحة البدن لكونه أقل تأثيرًا في تبريد المعدة وضعف الأعصاب (٢).\nوقوله: (أمرأ) يقال: أمرأني الطعام ومرأني: إذا لم يثقل على المعدة وانحدر عليها، والمري: هو مجرى الطعام والشراب من الحلق، وأصل المري رأس المعدة المتصل بالحلقوم، وبه يكون استمرار الطعام، وجاء في بعض الروايات: (فإنه أهنأ وأمرأ)، وهما بمعنى، يقال: هنأني الطعام ومرأني، فإن أفرد فأمرأني، وفي (القاموس) (٣): والمهنأ: ما أتاك بلا مشقة، والهنيء: السائغ.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٣٠٤).\n(٢) وقوله: \"وضعف الأعصاب\" زادت هذه العبارة في نسخة: (ب) فقط.\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٦).","vol":"7","page":300},{"text":"٤٢٦٤ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الشُّرْبِ مِنْ فِي السِّقَاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [خ: ٥٦٢٩].\n٤٢٦٥ - [٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-[عَنِ] اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ. زَادَ فِي رِوَايَةٍ: وَاخْتِنَاثُهَا: أَنْ يُقْلَبَ رَأْسُهَا ثُمَّ يُشْرَبَ مِنْهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٢٥، م: ٢٠٢٣].\n٤٢٦٦ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِمًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٢٤].\nــ\n٤٢٦٤ - [٢] (ابن عباس) قوله: (من في السقاء) أي: من فمه لاستلزامه كثرة شرب الماء وهو مضر بالمعدة منهي عنه.\n٤٢٦٥ - [٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (اختناث) من الخنث، وفيه معنى الكسر واللين، ومنه المخنث لمن في أعضائه تكسر ولين، إما خلقة أو تكلفًا، و(السقاء) بكسر السين، في (القاموس) (٢): السقاء ككساء: جلد السخلة إذا أجذع، يكون فيه الماء واللبن، جمعه: أسقية، قيل: النهي إنما هو في السقاء الكبير دون الإداوات ونحوها أو عن الاعتياد لا نادرًا أو للضرورة، فلا يرد أنه قد جاء شربه -ﷺ- من فيِّ السقاء.\n٤٢٦٦ - [٤] (أنس) قوله: (نهى أن يشرب الرجل قائمًا) اعلم أنه قد جاءت الأحاديث في النهي عن الشرب قائمًا، وقد وردت أيضًا في جوازه، والأحاديث كلها صحيحة قوية، وإن كان أحاديث النهي أكثر، ولا شبهة أن عادته -ﷺ- كانت على الشرب\n_________\n(١) قال في \"المرقاة\" (٨/ ١٦٢): وفي \"الجامع الصغير\": رواه البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩١).","vol":"7","page":301},{"text":"٤٢٦٧ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا، فَمَنْ نَسِيَ مِنْكُمْ فَلْيَسْتَقِئْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٢٦].\nــ\nقاعدًا، والجمع بينهما أن النهي محمول على كراهة التنزيه، وأما شربه -ﷺ- قائمًا فلبيان الجواز، فإن قلت: كيف يكون الشرب قائمًا مكروهًا وقد فعله النبي -ﷺ-؟، فالجواب أن فعله -ﷺ- إذا كان بيانًا للجواز لا يكون مكروهًا بل البيان واجب عليه.\n٤٢٦٧ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (فليستقئ) الأمر بالاستقاء محمول على الندب، فيستحب لمن شرب قائمًا أن يتقيأ لهذا الحديث سواء كان ناسيًا أو عامدًا؛ لأنه إذا أمر به ناسيًا فمتعمدًا أولى، قال النووي (١): وقال المالكية: لا بأس بالشرب قائمًا لما جاء من الخلفاء الأربعة أنهم كانوا يشربون قائمًا، وأجابوا عن حديث أبي هريرة: (لا يشربن أحدكم قائمًا فمن نسي فليستقئ)، بأن عبد الحق قال: إن في إسناده عمر بن حمزة العمري وهو ضعيف.\nوقال بعض الشيوخ: لعل النهي ينصرف لمن أتى أصحابه بماء فبادر لشربه قائمًا قبلهم استبدادًا وخروجًا عن كون ساقي القوم آخرهم شربًا، كذا في (المواهب اللدنية) (٢)، ولا يخفى أن هذا القول تكلف إذ الظاهر أن النهي عن الشرب قائمًا مطلق ومعلل باستلزام الضرر كما سنذكر، وأما استبداد الجائي أصحابه بالشرب وترك العمل بكون ساقي القوم آخرهم فشيء آخر.\nثم قال بعض الشيوخ: الأظهر أنه موقوف على أبي هريرة -﵁- لا مرفوع إلى النبي -ﷺ-، ثم قال: والأظهر أن أحاديث الشرب قائمًا تدل على الجواز، والنهي محمول على الاستحباب والأولوية؛ لأن في الشرب قائمًا ضررًا، فكره من أجله، ونقل عن\n_________\n(١) \"شرح النووي\" (١٣/ ١٩٥).\n(٢) \"المواهب اللدنية\" (٢/ ٤٢١).","vol":"7","page":302},{"text":"٤٢٦٨ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- بِدَلْوٍ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ، فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٦٣٧، ٥٦١٧، م: ٢٠٢٧].\n٤٢٦٩ - [٧] وَعَنْ عَلِيٍّ: أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ قَعَدَ فِي حَوَائِج النَّاسِ فِي رَحَبَةِ الْكُوفَةِ، حَتَّى حَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ، ثُمَّ أُتِيَ بِمَاءٍ، فَشَرِبَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، وَذَكرَ رَأْسَهُ وَرِجْلَيْهِ،\nــ\nابن القيم أن للشرب قائمًا آفات عديدة؛ منها أنه لا يحصل به الري التام، ولا يستقر في المعدة حتى يقسمه الكبد على الأعضاء، وينزل سريعًا إلى المعدة، فيخشى منه أن يبرد حرارتها، ويسرع النفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج، وكل هذا مضر، وإذا كان نادرًا لم يضر، وعند أحمد عن أبي هريرة: أنه رأى رجلًا يشرب قائمًا فقال: مه، قال: لم؟ قال: أيسرك أن يشرب معك الهر؟ قال: لا، قال: فإنه قد شرب معك من هو شر منه وهو الشيطان، نقل هذا كله في (المواهب) (١).\n٤٢٦٨ - [٦] (ابن عباس) قوله: (من ماء زمزم) قيل: كان ذلك لأنه لم يجد موضعًا للقعود لازدحام الناس عند زمزم، هذا وقد يقال: هذا مخصوص بماء زمزم، وقد ثبت في السنة ذلك، وما ذكر من سريان الماء في البدن الذي عد ضررًا في الشرب قائمًا فهو من المنافع ههنا لما فيه من البركة والنور، وهكذا قيل في فضل ماء الوضوء، واللَّه أعلم.\n٤٢٦٩ - [٧] (علي) قوله: (في رحبة الكوفة) رحبة الدار والمكان بفتح الحاء وقد يسكن: ساحته ومتسعه.\nوقوله: (وذكر رأسه ورجليه) أي: ذكر الراوي بعد قوله: (وجهه ويديه) رأسه ورجليه.\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٢/ ٤٢١ - ٤٢٢).","vol":"7","page":303},{"text":"ثم قَامَ فَشَرِبَ فَضْلَهُ وَهُوَ قَائِمٌ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ نَاسًا (١) يَكْرَهُونَ الشُّرْبَ قَائِمًا، وَإِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٦١٦].\n٤٢٧٠ - [٨] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ، فَسَلَّمَ فَرَدَّ الرَّجُلُ وَهُوَ يُحَوِّلُ الْمَاءَ فِي حَائِطٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nفإن قلت: ما طريقة ذكر هذا الكلام، وهلا ذكر الأربعة، أو قال: وتوضأ؟ قلت: لعل بعض الرواة لم يذكر رأسه ورجليه إما نسيانًا أو بسبب آخر، والمقصود أنه ذكرهما، أي: الراوي المتقدم، ولم يذكر من روى عنه، فهذا إما قول أحد الرواة أو قول البخاري، فافهم.\nوقوله: (ثم قام فشرب) ومن هذا أخذ من قال: يجوز ذلك في ماء الوضوء، وعلى هذا يكون معنى قوله: (أن ناسًا يكرهون الشرب قائمًا) أي: على الإطلاق، (وإن النبي -ﷺ- صنع مثل ما صنعت) أي: شرب الماء بعد الوضوء قائمًا، واللَّه أعلم. ونقل الطيبي (٢) الترخص لشرب الماء قائمًا عن علي وسعد بن أبي وقاص وابن عمر وعائشة، وقال: النهي أدب وإرفاق.\n٤٢٧٠ - [٨] (جابر) قوله: (على رجل من الأنصار) قيل: هو ابن التيهان.\nوقوله: (ومعه) أي: مع النبي -ﷺ- (صاحب له) قيل: هو أبو بكر الصديق -﵁-.\nوقوله: (وهو) أي: الرجل (يحول الماء في حائط) قال التُّورِبِشْتِي (٣): أي ينقله\n_________\n(١) في نسخة: \"أناسًا\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٧٨).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٦٧).","vol":"7","page":304},{"text":"\"إِنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ فِي شَنَّةٍ وَإِلَّا كَرَعْنَا؟ \" فَقَالَ: عِنْدِي مَاءٌ بَاتَ فِي شَنٍّ،\nــ\nعن عمق البئر إلى ظاهرها، وقال المظهر (١): أي: يجري الماء من جانب إلى جانب في بستانه، وهذا القول أظهر من الأول من العبارة، والواقع كلا الأمرين.\nوقوله: (بات في شنّة) بفتح الشين وتشديد النون، في (القاموس) (٢): الشن، وبهاء: القِرْبَةُ الْخَلَقُ الصغيرة.\nوقوله: (وإلا كرعنا) الكرع: تناول الماء بفيه من موضعه من غير أن يشرب بكفيه ولا بإناء، كذا في (القاموس) (٣)، وسمي به لأن البهائم تجعل الأكارع في الماء وتشرب هكذا، وقال في (سفر السعادة) (٤): إن المراد بالكرع هنا الاغتراف باليدين أو يحمل على أنه كان الشرب باليدين في ذلك الوقت متعذرًا فأدت الضرورة إلى الكرع، واللَّه أعلم، انتهى.\nولعل الشيخ لم يرض بشربه -ﷺ- بالفم وراعى الأدب في ذلك فأحسن وأحسن، ولكن لا يخفى أنه لا يبعد من عدم تكلفه -ﷺ- أن يفعل في بعض الأحيان مثل ذلك، ويعجب ذلك في الماء الجاري المسلسل كما في الربيع الجاري في البساتين، ولقد رأيت بعض الصالحين فعل ذلك، وقصد به الاتباع لما يفهم من قوله -ﷺ-: (وإلا كرعنا) جوازه وإن لم يفعل، واللَّه أعلم.\nوقوله: (قال: عندي ماء بات في شن) تكرير عبارة السؤال والتصريح به للتبرك\n_________\n(١) \"المفاتيح في شرح المصابيح\" (٤/ ٥٣١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١١٥).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٠٠).\n(٤) \"سفر السعادة\" (ص: ٣١٩).","vol":"7","page":305},{"text":"فَانْطَلَقَ إِلَى الْعَرِيشِ فَسَكَبَ فِي قَدَحٍ مَاءً، ثُمَّ حَلَبَ عَلَيْهِ مِنْ دَاجِنٍ، فَشَرِبَ النَّبِيُّ -ﷺ-، ثُمَّ أَعَادَ فَشَرِبَ الرَّجُلُ الَّذِي جَاءَ مَعَهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٦١٣، ٥٦٢١].\n٤٢٧١ - [٩] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"الَّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجَرُ فِي بَطْنِهِ نَارُ جَهَنَّمَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nــ\nوالتلذذ وإظهار الفرح والتبهيج بوجود سؤال النبي -ﷺ- ومطلوبه عنده كما لا يخفى على من له ذوق سليم صحيح في أساليب الكلام.\nوقوله: (فانطلق إلى العريش) في (القاموس) (١): العريش: البيت الذي يستظلّ به، وأكثر ما يكون في البساتين مسقفًا بالأغصان في الكروم، وبهذا فسره في (النهاية) (٢)، و(الداجن) الشاة وغيرها ألفت.\n٤٢٧١ - [٩] (أم سلمة) قوله: (إنما يجرجر في بطنه نار جهنم) في (القاموس) (٣): الجرجرة: صوت يُرَدِّدُهُ البعير في حَنْجَرته، وصب الماء في الحلق، والتجرجر: أن تَجْرَعَه جرعًا مُتَداركًا، وجرجر الشراب: صَوَّتَ، وجرجره: سقاه على تلك الصفة.\nو(نار جهنم) منصوبة على المفعولية، والفاعل ضمير الشارب في (يجرجر)، والمعنى كأنما يشرب تجرعًا بالصوت المخصوص نار جهنم، يعني: شربه الماء في آنية الفضة كأنه شرب النار لكونه جزاءه واستحقاقه به النار، وهذا كقوله سبحانه: ﴿يَأْكُلُونَ\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٥٢).\n(٢) \"النهاية\" (٣/ ٢٠٧).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٤١).","vol":"7","page":306},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِم: \"إِنَّ الَّذِي يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٣٤، م: ٢٠٦٥].\n٤٢٧٢ - [١٠] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ وَلَا الدِّيبَاجَ، وَلَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهَا، فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَهِيَ لَكُمْ فِي الآخِرَةِ\". . . . .\nــ\nفِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]، وقد يقرأ بالرفع فيكون في بطنه يجرجر بمعنى يصوت، والإسناد مجازي على التقديرين، فعلى التقدير الأول في النسبة الإيقاعية، وعلى الثاني في الإسناد، ويجوز أن يكون الإسناد على الثاني حقيقة بإقدار اللَّه تعالى، والنصب هو المختار عند الأكثرين ويعاضده الروايات الأخر، فتدبر.\nوقوله: (إن الذي يأكل ويشرب في آنية الفضة والذهب) بزيادة الأكل والذهب، وقد ذهب داود الظاهري إلى تخصيص الحرمة بالشرب دون الأكل، وهو باطل بالنصوص، وتفصيل هذه المسائل يطلب من كتب الفقه.\n٤٢٧٢ - [١٠] (حذيفة) قوله: (ولا تلبسوا الحرير ولا الديباج) بكسر الدال وقد يفتح، نوع من الحرير فهو تخصيص بعد تعميم، وفي (القاموس) (١): الديباج: معروف ومعرب.\nوقوله: (ولا تأكلوا في صحافها) الضمير للأشياء أو الأجناس المذكورة اعتبار الاثنين أقل الجمع أو لأفرادها، وقيل: للفضة والذهب في حكمها بطريق الأولى، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤].\nوقوله: (فإنها لهم) أي: للكفار.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٨٤).","vol":"7","page":307},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤٢٦، ٥٦٣٣، م: ٢٠٦٧].\n٤٢٧٣ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: حُلِبَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- شَاةٌ دَاجِنٌ، وَشِيبَ لَبَنُهَا بِمَاءٍ مِنَ الْبِئْرِ الَّتِي فِي دَارِ أَنَسٍ، فَأُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْقَدَحَ، فَشَرِبَ وَعَلَى يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ عُمَرُ: أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَأَعْطَى الأَعْرَابِيَّ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ (١) ثُمَّ قَالَ: \"الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ\" وَفِي رِوَايَةٍ: \"الأَيْمَنُونَ الأَيْمَنُونَ، أَلَا فيَمِّنُوا\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٥٢، م: ٢٠٢٩].\nــ\n٤٢٧٣ - [١١] (أنس) قوله: (في دار أنس) من وضع المظهر موضع المضمر.\nوقوله: (على يساره أبو بكر، وعن يمينه أعرابي) وقال ثانيًا: (فأعطى الأعربي الذي على يمينه) ووجهه أن (على) يدل على الاستعلاء والغلبة، و(عن) على المجاوزة والتنحي، فيدل على قرب أبي بكر من رسول اللَّه -ﷺ- وبُعد الأعرابي عنه -ﷺ-، وفيه مبالغة وتأكيد للمقصود يعني لم يعط أبا بكر مع قربه، وأعطى الأعربي مع كونه بعيدًا رعاية لجانب اليمين، ولما أعطى الأعرابي وحصل له علو وقرب معنوي قال: (فأعطى الأعرابي الذي على يمينه)، وقال الطيبي (٢): الوجه فيه أن تجرد (عن) و(على) عن معنى التجاوز والاستعلاء، ويراد بهما الحصول من اليمين والشمال.\nوقوله: (الأيمن فالأيمن) بالنصب، أي: أعط الأيمن، وبالرفع، أي: الأيمن أحق وأولى، وتؤيد رواية: (الأيمنون فالأيمنون) الرفع.\n_________\n(١) في نسخة: \"على يمينه\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٩٠).","vol":"7","page":308},{"text":"٤٢٧٤ - [١٢] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِقَدَحٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ أَصْغَرُ الْقَوْمِ، وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ: \"يَا غُلَامُ! أَتَأْذَنُ أَنْ أُعْطِيَهُ الأَشْيَاخَ؟ \" فَقَالَ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِفَضْلٍ مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَأعْطَاهُ إِيَّاهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٥١، م: ٢٥٣٠].\nوَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ سَنَذْكُرُهُ فِي \"بَابِ الْمُعْجزَاتِ\" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.\nــ\n٤٢٧٤ - [١٢] (سهل بن سعد) قوله: (يا غلام! أتأذن أن أعطيه الأشياخ؟) إنما استأذن الغلام استئلافًا لقلوب الأشياخ لكونهم أكابر من قريش يخاف عليهم الزيغ والزلل، وأما أبو بكر -﵁- فهو من المخلصين العارفين بأخلاقه والفانين في محبته -ﷺ- لا يخاف عليه شيء من ذلك، وإنما لم يستأن الأعرابي الجافي مخافة إيحاشه وتأليفًا لقلبه، وأيضًا فيه تأكيد وتقرير للمقصود، يعني أنه لما لم يعط أبا بكر ولم يستأذن أيضًا الأعرابي، ولم يبال بأبي بكر، ولا بشفاعة عمر له ضاق مجال أن يتوقع أحد في ذلك، بقي أن الفقهاء اتفقوا على أن إيثار الغير في الطاعات والقربات غير محمود، بل إن كان في أمر واجب يحرم لترك الواجب باختياره، وإن كان في مستحب يكره لترك ما يقرب إلى اللَّه كما إذا آثر أحدًا بثوبه الذي يحصل به ستر العورة وصلى عاريًا، أو آثر في الصف الأول والقرب من الإمام، قالوا: وإنما يحمد الإيثار في الأمور الدنيوية مما ليس بطاعة ولا قربة، ولهذا قرر -ﷺ- ابن عباس على عدم إيثاره ولم يذمه بتركه، كذا قالوا، ولكن لا يخفى أن استئذانه -ﷺ- ابن عباس إنما كان لأجل أنه إن أذن ورضي بذلك لجاز إذنه وإعطاؤه الأشياخ.\nويفهم منه جواز الإيثار وهذا ظاهر، ويمكن أن يقال: استأذنه -ﷺ- اعتبارًا لذلك","vol":"7","page":309},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1020> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٢٧٥ - [١٣] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا نَأْكُلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَنَحْنُ نَمْشِي وَنَشْرَبُ وَنَحْنُ قِيَامٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٨٨، جه: ٣٣٠١، دي: ٢/ ١٢٠].\n٤٢٧٦ - [١٤] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَشْرَبُ قَائِمًا وَقَاعِدًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٨٨٣].\nــ\nمن الأمور الدنيوية ظاهرًا لأنه ليس إلا تمتع باللبن، ولما استشعر ابن عباس بفضيلة فيه وقربه وأيّ فضيلة وأي قرب يكون كتبركه بفضل منه -ﷺ- لم يكلفه بإيثاره وقرره على تركه، فثبت أن الإيثار لا يكون في الطاعات؛ لأن الإيثار فيها رضى بعدم التقرب وإعراض عن جناب قربه تعالى وتقدَّس هكذا قالوا، فتدبر، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n٤٢٧٥ - [١٣] (ابن عمر) قوله: (كنا نأكل على عهد رسول اللَّه -ﷺ- ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام) الأكل في حال المشي والشرب في حال القيام جائزان، ولكن المختار أنهما خلاف الأدب، والأولى أن لا يأكل ماشيًا ولا راكبًا ولا يشرب قائمًا، أي: لا يعتادهما.\n٤٢٧٦ - [١٤] (عمرو بن شعيب) قوله: (يشرب قائمًا وقاعدًا) ظاهر أسلوب هذه العبارة المساواة بينهما كأنهما كلاهما كانا معتادين، والصواب أن عادته الكريمة كانت على الشرب قاعدًا، وقد شرب قائمًا بيانًا للجواز كما ذكرنا.","vol":"7","page":310},{"text":"٤٢٧٧ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُتَنَفَّسَ فِي الإِنَاءِ أَوْ يُنْفَخَ فِيهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٧٢٨، جه: ٣٤٢٨، ٣٤٢٩].\n٤٢٧٨ - [١٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَشْرَبُوا وَاحِدًا كَشُرْبِ الْبَعِيرِ، وَلَكِنِ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلَاثَ، وَسَمُّوا إِذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ، وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٨٨٥].\n٤٢٧٩ - [١٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى عَنْ النَّفْخِ فِي الشَّرَابِ، فَقَالَ رَجُلٌ: الْقَذَاةَ أَرَاهَا فِي الإِنَاءِ، قَالَ: \"أَهْرِقْهَا\". . . . .\nــ\n٤٢٧٧ - [١٥] (ابن عباس) قوله: (نهى رسول اللَّه -ﷺ- أن يتنفس في الإناء أو ينفخ) والسبب في ذلك خوف استقذار الناس لذلك.\n٤٢٧٨ - [١٦] (وعنه) قوله: (ولكن اشربوا مثنى وثلاث) الشرب مثنى أقل ما يخرجه من مشابهة البهائم، ولكن لا شك أن الشرب ثلاثًا أولى وأفضل؛ لأنه وتر وهو الموافق للسنة.\n٤٢٧٩ - [١٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (القذاة) قال في (القاموس) (١): هي ما يقع في العين والشراب، والضمير في (أهرقها) للقذاة أي: أهرق بعض الماء حتى تسقط القذاة، وقال بعضهم: إن الضمير للماء، وقد يؤنث كما قال المظهر في حاشية البيضاوي في قوله تعالى: ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ [الرعد: ١٧]، كذا قيل، وقيل: يخرج القذى بنحو خلال لا بالإصبع، ولعل هذا إذا لم يخرج القذاة بإهراق بعض الماء، لئلا يلزم الإسراف.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢١٥).","vol":"7","page":311},{"text":"قَالَ: فَإِنِّي لَا أَرْوَى مِنْ نَفَسٍ وَاحِدٍ قَالَ: \"فَأَبِنِ الْقَدَحَ عَنْ فِيكَ، ثُمَّ تَنَفَّسْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ١٨٨٧، دي: ٢/ ١١٩].\n٤٢٨٠ - [١٨] وَعَنْهُ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الشُّرْبِ مِنْ ثُلْمَةِ الْقَدَحِ، وَأَنْ يُنْفَخَ فِي الشَّرَابِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٧٢٢].\n٤٢٨١ - [١٩] وَعَنْ كَبْشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَشَرِبَ مِنْ فِي قِرْبَةٍ مُعَلَّقَةٍ قَائِمًا، فَقُمْتُ إِلَى فِيهَا فَقَطَعْتُهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غريبٌ صَحِيحٌ. [ت: ١٨٩٢، جه: ٣٤٢٣].\nــ\nوقوله: (قال: فإني لا أروى من نفس واحد) كأنه فهم الرجل من النهي عن النفخ في الشراب نهي التنفس فيه أيضًا، ويلزم منه أن يشرب بنفس واحد، قال: إذا كان الأمر كذلك صعب علَيَّ، لأني لا أروى من نفس واحد، وأروى من الري، من باب سمع، ومن الرواية من باب ضرب.\n٤٢٨٠ - [١٨] (وعنه) قوله: (من ثلمة القدح) الثلمة بضم الثاء وسكون اللام، وقالوا: المراد به موضع الانكسار من الكوز؛ لأنه ينصب به الماء على ثوبه وبدنه، وقيل: لأنه لا يناله التنظيف التام عند غسل الإناء، وورد أنه مقعد الشيطان، ثم الظاهر أن حكم ثلمة الكوز أيضًا يكون كذلك، وذكر ثلمة القدح اتفاقي.\n٤٢٨١ - [١٩] (كبشة) قوله: (وعن كبشة) بفتح الكاف وسكون الباء في آخره شين معجمة.\nوقوله: (فقطعته) تبركًا وتأدبًا، أما التبرك فبتلك القطعة وحفظها عندها لمساس فيه المباركِ بها، والتأدب فبأن لا يشرب منها أحد ولا يمس فيه موضع فمه، ونحو هذا الحديث في التبرك ما روي أنه -ﷺ- أصاب بمحجنه رأس أحد من أصحابه فلم يحلق","vol":"7","page":312},{"text":"٤٢٨٢ - [٢٠] وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ الشَّرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْحُلْوَ الْبَارِدَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: وَالصَّحِيحُ مَا رُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- مُرْسَلًا. [ت: ١٨٩٥].\nــ\nذلك الموضع من رأسه بعد ذلك وترك قزعة طالت.\n٤٢٨٢ - [٢٠] (الزهري) قوله: (الحلو البارد) بالنصب والرفع، وكذا قوله: (أحب) ثم الظاهر بل الصواب أن المراد هو الماء الخالص المتصف بهذين الصفتين، وحمله بعضهم على مزج الماء بالعسل كما كانت عادته -ﷺ- على ما جاء في الصحيح أنه كان كل صباح يمزج العسل بالماء في قدح ويشربه.\nوقال في (المواهب اللدنية) (١) نقلا عن ابن القيم: وفي هذا من حفظ الصحة ما لا يهتدي إلى معرفته إلا أفاضل الأطباء، فإن شرب العسل ولعقه على الريق يزيل البلغم ويغسل خمل المعدة ويجلو لزوجتها ويدفع عنها الفضلات، ويسخنها باعتدال ويفتح سددها، والماء البارد رطب يقمع الحرارة ويحفظ البدن، انتهى.\nوقيل أيضًا: إن المراد به ماء نقيع الزبيب أو التمر، والأظهر ما ذكرنا، وعلى التقديرين المراد به الماء، أو ما فيه الماء فلا يستشكل باللبن فإنه كان أحب كما يدل عليه الحديث الآتي.\nوقوله: (والصحيح ما روي عن الزهري عن النبي -ﷺ-) ويتوجه على هذا أن الصحيح ما اتصل إسناده، والإرسال انقطاع، والجواب بأن المراد صحته إلى التابعي الذي أرسل لا إلى النبي -ﷺ-، والإرسال إنما ينافي الثاني دون الأول، فالحاصل أن إسناد المرسل في هذا الحديث أصح من إسناد المسند، فافهم.\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٢/ ٤١٨).","vol":"7","page":313},{"text":"٤٢٨٣ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ. وَإِذَا سُقِيَ لَبَنًا فَلْيَقُلِ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ، وَزِدْنَا مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِئُ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَّا اللَّبَنُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٣٤٥٥، د: ٣٧٣٠].\n٤٢٨٤ - [٢٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُسْتَعْذَبُ لَهُ الْمَاءُ مِنَ السُّقْيَا. قِيلَ: هِيَ عَيْنٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ يَوْمَانِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٧٣٥].\nــ\n٤٢٨٣ - [٢١] (ابن عباس) قوله: (فإنه ليس شيء يجزئ) قال الطيبي (١): هذا لفظ مسدد، وهو الذي روى عنه أبو داود هذا الحديث، وظاهر اللفظ يوهم أنه من تتمة الحديث، انتهى. ولكن عبارة القسطلاني في \"المواهب\" صريحة في كونه لفظ النبي -ﷺ- حيث قال: وكان رسول اللَّه -ﷺ- يقول: (ليس يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن) رواه الترمذي (٢)، وقال: هذا حديث حسن، وكلام الشيخ مجد الدين الشيرازي كذلك صريح في ذلك إلا أن يكون مراد الطيبي أنه ليس من تتمة هذا الحديث المذكور بل هو حديث مستقل، فتدبر.\n٤٢٨٤ - [٢٢] (عائشة) قوله: (يستعذب له الماء) أي: يؤتى لأجله الماء العذب، و(السقيا) بضم السين المهملة وسكون القاف ومثناة تحتية مقصور: قرية جامعة بين مكة والمدينة.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٩٣).\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٣٤٥٥).","vol":"7","page":314},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1021> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٢٨٥ - [٢٣] عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءِ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، أَوْ إِنَاءٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ\". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ١/ ٤٠].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1022>٤ - باب النقيع والأنبذة</span>\nــ\nالفصل الثالث\n٤٢٨٥ - [٢٣] (ابن عمر) قوله: (فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم) قد مرّ شرحه في الفصل الأول.\n٤ - باب النقيع والأنبذة\nالنقيع شراب يتخذ من زبيب أو غيره، والمتعارف هو الزبيب ينقع في الماء من غير طبخ، أنقع الزبيب في الخابية، ونقعه: ألقاه فيها ليبتلّ وتخرج منه الحلاوةُ، وزبيب مُنْقَعٌ بفتح قاف مخففًا، وكل ما ألقي في ماء فقد أنقع، وفي الحديث: (إذا أصاب أحدكم الحمى فليستنقع في نهر جار) (١)، وفي آخر: وكان عطاء يستنقع في حياض عرفة.\nوأما النبيذ فقد قال النووي في \"شرح مسلم\" (٢): الانتباذ أن يجعل نحو تمر أو زبيب في الماء ليحلو فيشرب، وبهذا المعنى يقرب من معنى النقيع بل لا فرق بينهما،\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في \"السنن\" (٢٠٨٤).\n(٢) \"شرح النووي\" (١٣/ ١٥٤).","vol":"7","page":315},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1023> الفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٢٨٦ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَقَدْ سَقَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِقَدَحِي هَذَا الشَّرَابَ كُلَّهُ: الْعَسَلَ، وَالنَّبيذَ، وَالْمَاءَ، وَاللَّبَنَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٠٨].\n٤٢٨٧ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنَّا نَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي سِقَاءٍ يُوكَأُ أَعْلَاهُ،\nــ\nوالصواب ويترك مدة يحدث فيها شيء من الحدة، والتغير معتبر في النبيذ على ما هو المفهوم من لفظه من معنى النبيذ، وهو الترك والإلقاء في الظروف، ولهذا كان ينهى عن الانتباذ في الأوعية؛ لأنه يسرع إليه السكر ولم يُشْعَر، بخلاف الأسقية على ما سيجيء من حديث ابن عمر.\nقال الطيبي (١): النبيذ: هو ما يعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير وغير ذلك، يقال: نبذت التمر والعنب: إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذًا، فعلم أن تعدد الأنواع أكثر في النبيذ من النقيع، ولعل المؤلف لأجل هذا أفرد النقيع وجمع النبيذ.\nالفصل الأول\n٤٢٨٦ - [١] (أنس) قوله: (بقدحي هذا) اشترى هذا القدح النضر بن أنس بثمان مئة ألف، وعن البخاري أنه رآه بالبصرة وشرب منه، كذا قال الشيخ (٢).\nوقوله: (الشراب كله) أي: كل أنواعه الذي عدها.\n٤٢٨٧ - [٢] (عائشة) قوله: (ننبذ) من ضرب.\nوقوله: (في سقاء يوكأ) أوكأت السقاء: شددت فمه بالوكاء، والوكاء ككساء:\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٩٥).\n(٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ١٠٠).","vol":"7","page":316},{"text":"وَلَهُ عَزْلَاءُ نَنْبِذُهُ غُدْوَةً، فَيَشْرَبُهُ عِشَاءً، وَنَنْبِذُهُ عِشَاءً فَيَشْرَبُهُ غُدْوَةً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٠٥].\n٤٢٨٨ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُنْبَذُ لَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَيَشْرَبُهُ إِذَا أَصْبَحَ يَوْمَهُ ذَلِكَ،\nــ\nرباط القربة وغيرها، وقد وكأها وأوكأها وعليها، قال السيد جمال الدين المحدث: سماعنا في (كتاب المشكاة) يوكأ بالهمزة وهو غلط، وسماعنا من (صحيح مسلم) غير مهموز مكتوبًا بصورة الألف وهو الصواب، انتهى.\nوقد ذكره في (الصحاح) و(القاموس) (١) في الناقص، وقال: والوكاء ككساء، وفيه أيضًا إشارة إلى ذلك؛ لأن همزة (كساء) بدل من الياء، وقد كتب في الحواشي من (المغرب) (٢): الوكاء الرباط، ومنه السقاء الموكى مكتوبًا بصورة الياء، وكتب من (المصباح): أوكات السقاء بالهمزة: شددت فمه بالوكاء.\nو(العزلاء) بعين مهملة فزاي وبالمد: فم المزادة الأسفل، أي: له ثقبة في أسفله ليشرب منه الماء، وجمعه عزالى بفتح اللام وكسرها، وفي حديث الاستسقاء: (فأرسلت السماء عزالِيَها)، وقال في (مجمع البحار) (٣): العزالى: الأفواه السفلى، قال: وقد يطلق على الفم الأعلى أيضًا، وقال في (القاموس) (٤): العزلاء: مَصَبُّ الماء من الراوية ونحوها.\n٤٢٨٨ - [٣] (ابن عباس) قوله: (يومه) بالنصب ظرف (يشرب)، وكذا قوله:\n_________\n(١) انظر: \"الصحاح\" (٦/ ٢٥٢٨)، و\"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٣٣).\n(٢) \"المغرب\" (ص: ٢٦٩).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥٩٢ - ٥٩٣).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٤٩).","vol":"7","page":317},{"text":"وَاللَّيْلَةَ الَّتِي تَجِيءُ وَالْغَدَ وَاللَّيْلَةَ الأُخْرَى، وَالْغَدَ إِلَى الْعَصْرِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ سَقَاهُ الْخَادِمَ أَوْ أَمَرَ بهِ فصُبَّ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٠٤].\n٤٢٨٩ - [٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ يُنْبَذُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي سِقَاءٍ فَإِذَا لَمْ يَجِدُوا سِقَاءً يُنْبَذُ لَهُ فِي تَوْرٍ مِنْ حِجَارَةٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٩٩].\n٤٢٩٠ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنِ الدُّبَّاء، وَالْحَنْتَمِ، وَالْمُزَفَّتِ، وَالنَّقِيرِ،\nــ\n(الليلة) وكذا ما بعده.\nوقوله: (سقاها لخادم) أي: إن لم يسكر.\nوقوله: (أو أمر به فصب) أي: إن كان مسكرًا، وقيل: كان ذلك لأجل كونه درديًا على التقديرين، وهذا كان في بعض الأحيان، وفي بعضها ينبذ غدوة وعشية كما مرّ في الحديث السابق، قيل: ذلك في زمان الحر وهذا في البرد، أو الأول في نبيذ قليل والثاني في كثيره.\n٤٢٨٩ - [٤] (جابر) قوله: (في تور) بفتح تاء وسكون واو: إناء صغير من صفر أو حجارة يشرب منه، وقد يتوضأ ويؤكل فيه الطعام، كذا في (مجمع البحار) (١)، وقيل: ظرف شبه القدر يشرب فيه، وفي (القاموس) (٢): إناء يشرب فيه.\n٤٢٩٠ - [٥] (ابن عمر) قوله: (نهى عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير) والدباء: القرع، والمراد حقيقة أو المصنوع من أواني الشراب على شكله، والحنتم: الجرة الخضراء، والمزفت: المطلي بالزفت وهو القير أو شيء آخر يشبهه، والنقير:\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٢٧٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٣٥).","vol":"7","page":318},{"text":"وَأَمَرَ أَنْ يُنْبَذَ فِي أَسْقِيَةِ الأَدَمِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٩٧].\n٤٢٩١ - [٦] وَعَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"نَهَيْتُكُمْ عَنِ الظُّرُوفِ، فَإِنَّ ظَرْفًا لَا يُحِلُّ شَيْئًا وَلَا يُحَرِّمُهُ، وَكلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ\". وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: \"نَهَيْتُكُمْ عَنِ الأَشْرِبَةِ. . . . .\nــ\nوعاء يتخذ من الخشبة ينقر، وقد مر ذكرها في أول الكتاب في (كتاب الإيمان).\nوقوله: (أمر أن ينبذ في أسقية الأدم) بفتحتين: الجلد، كذا قال الكرماني، قيل: الحكمة في الأمر بالانتباذ في الأسقية أن بالانتباذ في الظروف يسرع الإسكار إليه ولا يشعر به، بخلاف أسقية الأدم فإنها لرقتها يشعر بالإسكار فيها بل قد ينشق إذا اشتد الإسكار، وأيضًا يبرد الماء في أسقية الأدم، فلا يحدث الحرارة التي هي علة حدوث الإسكار، وهذا الوجه لا يقتضي تخصيص الظروف المذكورة بالنهي عن الانتباذ فيها، ولعل المراد الظروف كلها، وتخصيص المذكورات اتفاقي للتعارف، وقيل: ذلك لأجل التشبيه بأهل الفسق وتوهم تنجسها بالخمور لقرب تحريمها، وهذا يختص بالظروف المذكورة، والصحيح أن ذلك في أول الأمر حين حرم الخمر، وأريد بذلك قمع آثارها وإزالتها رأسًا، فإذا استقر الأمر وعلم حرمة المسكر قطعًا وتنزه المسلمين واجتنابهم عنه والتفتيش عن وجوده جدًا، وزال توهم التشبه وتنجس الظروف لبعد العهد، أبيح لهم الانتباذ في كل وعاء ما لم يصر مسكرًا.\n٤٢٩١ - [٦] (بريدة) قوله: (فإن ظرفًا لا يحل) لا بد من تقدير شيء يعلل به أي: كنت نهيتكم عن الأشربة في الظروف لمصلحة كانت فيه، والآن نسخ ذلك، فإن الظرف لا مدخل له في الإحلال والإحرام، وقد زالت المصلحة التي كانت فيه لتقرر أمر التحريم وبُعد عهده، فافهم.","vol":"7","page":319},{"text":"إِلَّا فِي ظُرُوفِ الأَدَمِ، فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ غَيْرَ أَنْ لَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٧٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1024> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٢٩٢ - [٧] عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٦٨٨، جه: ٤٠٢٠].\nــ\nوقوله: (إلا في ظروف الأدم) قال الطيبي (١): هذا استثناء منقطع؛ لأن المنهي [عنه] هي الأشربة في الظروف المخصوصة، وليست ظروف الأدم من جنس ذلك، انتهى. وعلى ما قررنا من أن المراد مطلق الظروف للعلة المذكورة أولًا، والتخصيص بهذه الظروف المخصوصة اتفاقي جاز أن يكون الاستثناء متصلًا، فافهم.\nالفصل الثاني\n٤٢٩٢ - [٧] (أبو مالك الأشعري) قوله: (ليشربن ناس من أمتي الخمر) أي: ما هو في حكم الخمر، وفي معنى الخمر.\nوقوله: (يسمونها بغير اسمها) من أسماء الأنبذة المباحة كماء العسل وماء الذرة، وفي الحقيقة هي خمر؛ لأن الخمر اسم لكل ما يخامر العقل كما هو مذهب الشافعي، وقد عرف ذلك في أصول الفقه، وبالجملة الأحاديث بأسرها دالة على أن كل مسكر حرام، والظاهر أن معناه أن ما كان شأنه الإسكار فهو حرام قليله وكثيره كما جاء في بعض الروايات صريحًا؛ لأنه يفضي القليل منه إلى الكثير، وينبغي للمتقين أن يكونوا\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ١٩٨).","vol":"7","page":320},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1025> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٢٩٣ - [٨] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ نَبِيذِ الْجَرِّ الأَخْضَرِ، قُلْتُ: أَنَشْرَبُ فِي الأَبْيَضِ؟ قَالَ: \"لَا\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٥٩٦].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1026>٥ - باب تغطية الأواني وغيرها</span>\nــ\nفي هذا الباب على مذهب الشافعي، ولعل هذا هو مراد إمامنا الأعظم بقوله: إن ما عدا الخمر حرام لعلة الإسكار، لكن أصحابنا يصرحون بخلاف ذلك، ومرّ الكلام فيه في (باب حد شرب الخمر)، واللَّه أعلم.\nالفصل الثالث\n٤٢٩٣ - [٨] (عبد اللَّه بن أبي أوفى) قوله: (قال: لا) يعني: إنما ذكرت الأخضر لأجل العادة؛ لأن أكثر ما يجعلون الخمور فيها وإلا فالأخضر وغيره سواء، وهذا الحديث في حكم ما مرّ من حديث ابن عمر: أنه نهى عن الدباء والحنتم. . . إلخ، وقد عرف أنه منسوخ فهذا أيضًا كذلك.\n٥ - باب تغطية الأواني\nوفي بعض النسخ: (وغيرها)، وهو عطف على (تغطية)، والضمير لها، أي: هذا الباب في ذكر الأحاديث الواردة في تغطية الأواني في الليل وغيرها كإغلاق الأبواب وإطفاء المصابيح وغير ذلك.","vol":"7","page":321},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1027> الفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٢٩٤ - [١] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا كَانَ جِنْحُ اللَّيْلِ أَوْ أَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْتَشِرُ حِينَئِذٍ، فَإِذَا ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَخَلَّوهُمْ وَأَغْلِقُوا الأَبْوَابَ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا مُغْلَقًا. . . . .\nــ\nالفصل الأول\n٤٢٩٤ - [١] (جابر) قوله: (جنح الليل) الجنح بضم الجيم وكسرها بمعنى قطعة من الليل، ويكون المراد هنا القطعة الأولى، ويجيء بمعنى الظلام أيضًا وهو أيضًا محمول على الأول؛ لأن المراد حدوثه بعد أن لم يكن وهو يكون أول بقرينة قوله: (أو أمسيتم) على طريق شك الراوي؛ لأن الشك هنا إنما هو في اللفظ، والمعنى واحد، فيكون جنح الليل بمعنى المساء.\nوقوله: (فإن الشيطان ينتشر حينئذٍ) المراد الجنس، ثم الظاهر أن المراد شيطان الجن، فمن يكون من الجن فاسقًا متمردًا ضارًّا شريرًا يسمى شيطانًا، كذا ذكر البعض، ويحتمل أن يحمل على ما يشمل شياطين الإنس أيضًا.\nوقوله: (وأغلقوا) من الإغلاق وهي اللغة الفصحى، وغَلَقَ مجردًا لغة ردية متروكة، وشدد في ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ﴾ [يوسف: ٢٣] للكثرة.\nوقوله: (لا يفتح بابًا مغلقًا) وقيل: إن المراد بالشيطان هنا شيطان الإنس؛ لأن غلق الأبواب لا يمنع شيطان الجن، وهو ليس بشيء؛ لأن المراد بالغلق الغلقُ المذكور فيه اسم اللَّه كما يدل عليه سياق الحديث، وتصرح به الروايات الأخر، فالشياطين وإن كان لهم تصرف ونفوذ في الأبواب والجدران فذكر اسم اللَّه يمنعه، وذلك ظاهر.","vol":"7","page":322},{"text":"وَأَوْكُوا قِرَبَكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَخَمِّرُوا آنِيَتَكُم وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَلَوْ أَنْ تَعْرِضُوا عَلَيْهِ شَيْئًا، وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٨، ٥٦٢٣، م: ٢٠١٢].\n٤٢٩٥ - [٢] وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: قَالَ: \"خَمِّرُوا الآنِيَةَ، وَأَوْكُوا الأَسْقِيَةَ، وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ، وَاكْفِتُوا صِبْيَانَكُمْ عِنْدَ الْمَسَاءِ،\nــ\nوقوله: (وأوكوا) هكذا في جميع النسخ في جميع الروايات التي ذكرت في هذا الباب من غير همز، وهو الصواب كما عرفت.\nوقوله: (ولو أن تعرضوا) من باب ضرب ونصر، من عرضت العود على الإناء، ونقل عن الأصمعي أن الثاني أفصح في هذا المعنى، وأما في معنى عرض الحكاية أو عروض شيء الشيء، فالأشهر فيه كسر العين. ولو متصلة، و(أن تعرضوا) فاعل فعل محذوف، أي: ولو ثبت العرض، ويجوز أن تكون شرطية، وجوابه محذوف، يدل عليه قوله في رواية مسلم: (فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عودًا فليفعل).\n٤٢٩٥ - [٢] (جابر) قوله: (وأجيفوا الأبواب) أي: ردّوها، أجاف الباب: ردَّه.\nوقوله: (واكفتوا) من الكفت، كفت الشيء إليه: ضمّه وقبضه ككفّته، كذا في (القاموس) (١)، ويظهر منه أنه يجيء من باب الإفعال أيضًا، ولكن الرواية هنا من الكفت.\nوقوله: (عند المساء) ظاهر العبارة أن هذا متعلق بالأفعال الأربعة كلها، فينبغي أن يراد وقت ممتد ابتداؤه من المساء إلى ذهاب ساعة من الليل حين يقرب وقت الرقاد\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٥٩).","vol":"7","page":323},{"text":"فَإِنَّ لِلْجَنِّ انْتِشَارًا وخَطْفَةً، وَأَطْفِئُوا الْمَصَابِيحَ عِنْدَ الرُّقَادِ، فَإِنَّ الْفُوَيْسِقَةَ رُبَّمَا اجْتَرَّتِ الفَتِيلَةَ فَأَحْرَقَتْ أَهْلَ الْبَيْتِ\". [خ: ٣٣١٦].\nــ\nالذي هو وقت غلق الأبواب، وإيكاء القرب، وتخمير الآنية، ويحتمل أن يكون متصلًا بـ (اكفتوا صبيانكم) كما يدل عليه قوله: (فإن للجن انتشارًا وخطفة) فيكون حاصل المعنى أنه إذا دخل الليل كفوا صبيانكم عن الخروج من أوله؛ لأنه وقت انتشار الشياطين، فإذا ذهب ساعة خلوهم، وافعلوا هذه الأفعال من الإغلاق والإيكاء والتخمير، وعلى هذا التوجيه هذه الرواية توافق اللفظ المتفق عليه، ومقصود المؤلف من ذكر الروايات المتعددة هنا هو تفسير بعضها ببعض وحمله عليه، فافهم.\nوقوله: (وخطفة) الخطفة: السلب، اختطفه: اسْتَلَبَهُ، ومعناه بالفارسية: ربودن، وإما أن يراد خطفهم الناس والصبيان، وقد يقع ذلك أحيانًا وإن كان نادرًا، أو المراد خطف عقولهم وأبصارهم والمكر بهم وإيذائهم وإضرارهم، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فإن الفويسقة) تصغير فاسقة، والمراد بها الفأرة لخروجها من جحرها بالفساد على الناس، وهي من الخمس الفواسق التي يقتلن في الحرم، وقال في (القاموس) (١): الفويسقة: الفأرة لخروجها من جحرها على الناس، والفسق: الخروج، والظاهر من كلامه أنها من الأسماء الغالبة على الفأرة، ولو حمل على معنى الوصف وحذف قبلها موصوف، أي: الدابة أو نحوها، وأريد منها هنا الفارة بقرينة المقام لكان أيضًا وجهًا، كما لا يخفى.\nوقوله: (ربما اجترت) في (القاموس) (٢): الجر: الجذب كالاجترار.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٤٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٤٠).","vol":"7","page":324},{"text":"٤٢٩٦ - [٣] وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: \"غَطُّوا الإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، وَأَغْلِقُوا الأَبْوَابَ، وَأَطْفِئُوا السِّرَاجَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَحُلُّ سِقَاءً، وَلَا يَفْتَحُ بَابًا، وَلَا يَكْشِفُ إِنَاءً، فَإِنْ لَمْ يَجدْ أَحَدُكُمْ إِلَّا أَنْ يَعْرُضَ عَلَى إِنَائِهِ عُودًا وَيَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ فَلْيَفْعَلْ، فَإِنَّ الْفُويسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْت بَيْتَهُمْ\". [م: ٢٠١٢].\n٤٢٩٧ - [٤] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: قَالَ: \"لَا تُرْسِلُوا فَوَاشِيَكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ. . . . .\nــ\n٤٢٩٦ - [٣] (جابر) قوله: (غطوا) بفتح المعجمة وتشديد المهملة بمعنى خمروها.\nوقوله: (لا يحل) بضم الحاء من نصر ينصر، وأما الذي بمعنى النزول بالضم والكسر، وقرئ بهما في قوله تعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: ٨١]، والمراد عند ذكر اسم اللَّه عليها بقرينة الأحاديث المصرحة بذلك، وبقرينة السياق من قوله: (فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عودًا ويذكر اسم اللَّه عليه)، فإن المقصود ذكر اسم اللَّه على الكل، ولكنه خصص هذه الصورة به؛ لأنه قد قصر ولم يبالغ في التغطية فيكون ذكر اسم اللَّه تلافيًا وجبرًا لهذا النقصان، فافهم.\nوقوله: (تضرم) من الإضرام، وقد يجعل من التضريم، والمراد توقد وتحرق.\n٤٢٩٧، ٤٢٩٨ - [٤، ٥] (جابر) قوله: (فواشيكم) جمع فاشية وهي الماشية وزنًا ومعنًى: ما ينتشر من الإبل والبقر والغنم.\nوقوله: (فحمة العشاء) أي: إقباله وأول ساعاته، قال الطيبي (١): الفحمة:\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٠١).","vol":"7","page":325},{"text":"يُبْعَثُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ\". [م: ٢٠١٣].\n٤٢٩٨ - [٥] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: قَالَ: \"غَطُّوا الإِنَاءَ، وَأَوْكُوا السِّقَاءَ، فَإِنَّ فِي السَّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ، لَا يَمُرُّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ أَوْ سِقَاءٌ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ إِلَّا نَزَلَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْوَبَاءِ\". [م: ٢٠١٤].\n٤٢٩٩ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: جَاءَ أَبُو حُمَيْدٍ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنَ النَّقِيعِ بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"أَلَّا خَمَّرْتَهُ وَلَوْ أنْ تَعْرُضَ عَلَيْهِ عُودًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٠٥، ٥٦٠٦، م: ٢٠١١].\n٤٣٠٠ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٩٣، م: ٢٠١٥].\nــ\nالظلمة التي بين العشائين، والظلمة التي بين العتمة والغداة يقال لها: العسعسة، وهي المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧].\n٤٢٩٩ - [٦] (وعنه) قوله: (جاء أبو حميد) بلفظ التصغير، وهو أبو حميد الساعدي.\nوقوله: (النقيع) بفتح النون: موضع بوادي العقيق حماه رسول اللَّه -ﷺ- لإبل الصدقة وغيرها، ووادي العقيق واد مشهور من أودية المدينة الطيبة، ذكره في (كتاب الحج)، وقد يقرأ: بقيع بالباء الموحدة: مقبرة المدينة مشهور، والصحيح هو الأول، كذا قيل.\n٤٣٠٠ - [٧] (ابن عمر) قوله: (لا تتركوا النار في بيوتكم) نقل من النووي أن هذه النار شاملة يدخل فيها السراج وغيره، أما القناديل المعلقة فإن خيف بسببها حريق دخلت في ذلك وإلا فلا بأس لانتفاء العلة، أقول: وعلى هذا القياس لو تركت النار على وجه لا يخاف منها الشر لا يكون ممنوعًا أيضًا لانتفاء العلة، واللَّه أعلم.","vol":"7","page":326},{"text":"٤٣٠١ - [٨] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: احْتَرَقَ بَيْتٌ بِالْمَدِينَةِ عَلَى أَهْلِهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَحُدِّثَ بِشَأْنِهِ النَّبِيُّ -ﷺ- قَالَ: \"إنَّ هَذِهِ النَّارُ إِنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ، فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٩٤، م: ٢٠١٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1028> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٣٠٢ - [٩] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِذَا سَمِعْتُمْ نُبَاحَ الْكِلَابِ وَنَهِيقَ الْحَمِيرِ مِنَ اللَّيْلِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّه مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَإِنَّهُنَّ يَرَيْنَ مَا لَا تَرَوْنَ. وَأَقِلُّوا الْخُرُوجَ إِذَا هَدَأَتِ الأَرْجُلُ، فَإِنَّ اللَّه ﷿ يَبُثُّ. . . . .\nــ\n٤٣٠١ - [٨] (أبو موسى) قوله: (عنكم) أي: مجاوزين إضرارها عنكم.\nالفصل الثاني\n٤٣٠٢ - [٩] (جابر) قوله: (نباح الكلاب) بضم النون وبالموحدة: صياح الكلب والظبي، كذا في (الصحاح) (١)، وقال في (القاموس) (٢): نبح الكلب والظبي والتيس والحية كمنع وضرب نبحًا ونبَيحًا ونُبَاحًا.\nوقوله: (من الليل) لعل التقييد به اتفاقي أو لانتشار الجن والشياطين في الليل، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ما لا ترون) أي: من الشياطين.\nوقوله: (إذا هدأت الأرجل) أي: سكنت عن المشي، كناية عن الليل حين ينام الناس.\n_________\n(١) \"الصحاح\" (١/ ٤٠٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٣٥).","vol":"7","page":327},{"text":"مِنْ خَلْقِهِ فِي لَيْلَتِهِ مَا يَشَاءُ، وَأَجِيفُوا الأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّه عَلَيْهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْتَحُ بَابًا إِذَا أُجِيفَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّه عَلَيْهِ، وَغَطُّوا الْجِرَارَ، وَأَكْفِئُوا الآنِيَةَ، وَأَوْكُوا الْقِرَبَ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١١/ ٣٩٢].\n٤٣٠٣ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قَالَ: جَاءَتْ فَأْرَةٌ تَجُرُّ الْفَتِيلَةَ، فَأَلْقَتْهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الخُمْرَةِ الَّتِي كَانَ قَاعِدًا عَلَيْهَا، فَأَحْرَقَتْ مِنْهَا مِثْلَ مَوْضعِ الدِّرْهَم فَقَالَ: \"إِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدُلُّ مِثْلَ هَذِهِ عَلَى هَذَا، فَيَحْرِقُكُمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٤٧].\nــ\nوقوله: (من خلقه في ليلته ما يشاء) من شياطين الجن والإنس والحيوانات المؤذيات من الحشرات وغيرها.\nوقوله: (إذا أجيف وذكر اسم اللَّه عليه) هذا تصريح بهذا القيد، فيحمل عليه باقي الألفاظ التي لم يذكر فيها هذا القيد، و(الجرار) بالكسر جمع جرة، وهي الآنية من الخزف يجعل فيه الماء.\nوقوله: (وأكفئوا الآنية) أكفأت الإناء وكفأته: كببته، وقلبته، والمراد بالآنية غير ما فيها الماء من أواني البيت لئلا يدب شيء ينجسها ويضر.\n٤٣٠٣ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (فأرة) بالهمزة وقد يترك همزها تخفيفًا، (الخمرة) بضم الخاء، السجادة الصغيرة من الحصير يصلي عليها رجل واحد، وكانت له -ﷺ-، وقد وقع ذكره في الأحاديث كثيرًا.\nوقوله: (فيحرقكم) أي: الشيطان، أسند إليه الإحراق باعتبار التسبب.\nتم (كتاب الأطعمة) بعون اللَّه وتوفيقه، ويتلوه (كتاب اللباس).\n* * *","vol":"7","page":328},{"text":"(٢٢) كتاب اللباس","vol":"7","page":329},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1029>(٢٢) كتاب اللباس</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1030> الفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٣٠٤ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- أَنْ يَلْبَسَهَا الْحِبَرَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨١٣، م: ٢٠٧٩].\nــ\n٢٢ - كتاب اللباس\nاللباس مصدر بمعنى الملبوس كالكتاب بمعنى المكتوب، والبناء بمعنى المبنى، والماضي والمضارع منه على حد علم يعلم، وأما الذي بمعنى الالتباس فهو من باب ضرب يضرب.\nالفصل الأول\n٤٣٠٤ - [١] (أنس) قوله: (أن يلبسها) أي: لأن يلبسها، أي: لأجل مصلحة اللبس لا لغيرها كالافتراش والإنفاق مثلًا، وهذا معنى التقييد، (الحبرة) بالرفع إن كان قوله: (أحب) بالنصب، وبالنصب إن كان بالرفع، اسم كان أو خبره، و(الحبرة) بكسر الحاء المهملة وفتح الباء ويقال له: الحبير على وزن الخبير، من برود اليمن، من القطن ولذا أحبه، وفيه خطوط خضر، قيل: لذلك كان يحبه، لأن الأخضر من ثياب الجنة، وقيل: خطوط حمر، والمحبة لاحتمال الوسخ، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وعن عائشة -﵂- قالت: خرج رسول اللَّه -ﷺ- ذات غداة وعليه مرط مرحل) رواه مسلم. هذا الحديث ليس في النسخ التي عندنا، والصواب عدمه؛ لأن المؤلف","vol":"7","page":331},{"text":"٤٣٠٥ - [٢] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَبِسَ جُبَّةً رُومِيَّةً ضَيِّقَةَ الْكُمَّيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٣، م: ٢٧٤].\nــ\nقد قال في آخر الفصل: وسنذكر حديث عائشة: خرج النبي -ﷺ- ذات غداة، في مناقب أهل بيت النبي -ﷺ-، لكن شرحه الطيبي وموجود في (المصابيح) فلنشرحه، فقوله: (ذات غداة) من إضافة المسمى إلى الاسم، والموصوف محذوف، أي: مدة ذات، هذا الاسم كقولهم: ذات مرة، فذات هنا مؤنث ذو، لا بمعنى نفس الشيء وحقيقته، و(المرط) بكسر الميم وسكون الراء: رداء من صوف أو خز، كذا في (القاموس) (١)، وفي (النهاية) (٢): المرط من الصوف، وقد يكون من خز وغيره.\nوقال الكرماني (٣): المرط بكسر الميم: رداء أو إزار أو ثوب أخضر، و(المرحل) بفتح الحاء المهملة على وزن معظم: الذي فيه صور رحال الإبل وهي ليس بحرام، وإنما الحرام ما صور بصور الحيوان، وقد يروى بالجيم يعني المصور بصور الرجال من الإنسان، ولعله كان قبل تحريم التصاوير، وقيل: المصور بصور المراجل جمع مرجل بمعنى القدر، وقال النووي (٤): الذي عليه الجمهور من أهل الإتقان روايته بالحاء المهملة.\n٤٣٠٥ - [٢] (المغيرة بن شعبة) قوله: (جبة رومية) وفي بعض الروايات: جبة شامية.\nوقوله: (ضيقة الكمين) وقد جاء في الرواية: \"إذا توضأ أخرج يديه من الكمين\"\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٣٣).\n(٢) \"النهاية\" (٤/ ٣١٩).\n(٣) \"شرح الكرماني\" (٧/ ٢٠٦).\n(٤) \"شرح النووي\" (١٤/ ٢٦١).","vol":"7","page":332},{"text":"٤٣٠٦ - [٣] وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: أَخْرَجَتْ إِلَيْنَا عَائِشَةُ كِسَاءً مُلَبَّدًا وَإِزَارًا غَلِيظًا، فَقَالَتْ: قُبِضَ رُوحُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي هَذَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٠٨، ٥٨١٨، م: ٢٠٨٠].\nــ\nيعني من ضيقها، وقد جاء أنه لبسها في سفر، وقال صاحب (سفر السعادة) (١): إنه -ﷺ- لبس الجبة والقباء والقميص، في (القاموس) (٢): القبة: ثوب معروف، وقال الكرماني (٣): ثوب مخصوص، وقال القاضي عياض في (مشارق الأنوار) (٤): الجبة: ثوب قطع وخيط، وهذا على إطلاقه يشمل القباء والقميص، ويخرج منه الرداء والإزار والعمامة وأمثالها، وفي (المشارق) أيضًا: القباء: ثوب ضيق من ثياب العجم مشهور، والظاهر ثوب مخيط ليس له جيب، والقميص الذي له جيب، ويفهم ذلك مما في (القاموس) (٥) حيث قال: القبوة: انضمام ما بين الشفتين، ومنه القباء من الثياب، وقال ابن الأثير في (النهاية) (٦): القبو: الطاق المعقود بعضه إلى بعض.\n٤٣٠٦ - [٣] (أبو بردة) قوله: (كساء ملبدًا) أي مرقعًا صار كاللبدة، في (القاموس) (٧): تلبد الصوف ونحوه: تداخل ولَزِق بعضه ببعض، واللبدة بالكسر: بساط معروف، وفي هذا الحديث وأمثاله بيان ما كان صلوات اللَّه وسلامه عليه من\n_________\n(١) \"سفر السعادة\" (ص: ٢٦١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢١٤).\n(٣) \"شرح الكرماني\" (٤/ ٣٥).\n(٤) \"مشارق الأنوار\" (١/ ١٣٨).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢١٤).\n(٦) \"النهاية\" (٤/ ١٠).\n(٧) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٩٩).","vol":"7","page":333},{"text":"٤٣٠٧ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ أَدَمًا حَشْوُهُ لِيفٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٥٦، م: ٢٠٨٢].\n٤٣٠٨ - [٥] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ وِسَادُ رَسُولِ اللَّه -ﷺ-. . . . .\nــ\nالزهادة في الدنيا والإعراض عن متاعها وملاذها، وقد جاء في بعض الأحاديث أنه -ﷺ- قد لبس في بعض الأحيان أحسن الملابس وأغلاها إما بيانًا للجواز وائتلافًا لقلب مهديها أو رفعًا للتكلف حين حضر ذلك، والأكثر أنه حين لبس مثل هذا اللباس وهبها في ساعة وألبسها غيره.\nوتحقيق المقام أن الأحاديث كما وردت في باب فضيلة الزهد وترك التنعم والترفه في ملاذ الدنيا وملابسها ومطاعمها والترغيب والتحريض على ذلك، كذلك وقعت في شأن التجمل والترفيه والترخيص إظهارًا للنعمة والغنى، وتركًا للتكلف، والمعتبر في ذلك القصد والنية، فترك التجمل ولبس أدون الثياب إن كان للبخل والخسة أو إظهارًا للفقر والتزهد والطمع فيما أيدي الناس ومرائيًا بهم فهو مذموم، وعلى قصد الزهد والتواضع والإيثار محمود، والتجمل والتزين والترفع ولبس أفخر الملابس إن كان على وجه التكبر والخيلاء والتفاخر والبطر والإسراف فهو قبيح وحرام، وإن كان لإظهار النعمة والغناء حتى يقصد إليه الفقراء والمساكين، والتعفف وستر الحال فهو حسن غير حرام، وهذا هو القول الفصل، وقد وقع البسط في هذا الكلام في (شرح سفر السعادة) (١) فلينظر ثمة، وباللَّه التوفيق.\n٤٣٠٧ - [٤] (عائشة) قوله: (أدمًا حشوه ليف) الأدم بفتحتين: اسم جمع للأديم، وهو الجلد المدبوغ المصلح بالدباغ، و(الليف) بكسر اللام: قشر النخل.\n٤٣٠٨ - [٥] (عائشة) قوله: (كان وساد) اسم بمعنى الوسادة، وهي المتكأ،\n_________\n(١) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٤٣٩ - ٤٤٠).","vol":"7","page":334},{"text":"الَّذِي يَتَّكِئُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهُ لِيفٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٨٢].\n٤٣٠٩ - [٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ فِي بَيْتِنَا فِي حَرِّ الظَّهِيرَةِ، قَالَ قَائِلٌ لأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُقْبِلًا مُتَقَنِّعًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٨٠٧].\n٤٣١٠ - [٧] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لَهُ: \"فِرَاشٌ لِلرَّجُلِ،\nــ\nوالمِخَدَّة، ويثلث، ويجمع على وسد ووسائد، كذا في (القاموس) (١).\n٤٣٠٩ - [٦] (وعنها) قوله: (بينا نحن جلوس في بيتنا. . . إلخ)، هذا طرف من حديث الهجرة، فإنه -ﷺ- بعد قضية بيعة العقبة كان منتظرًا لنزول الوحي بالهجرة وتعيين وقتها ومكانها، والصديق -﵁- كان يلتمس منه المرافقة، فقال له -ﷺ-: نعم إن أذنت بذلك، فنزل الأمر بالهجرة، فجاء -ﷺ- أبا بكر في ظهيرة، فأخبره بذلك، وبشره بالرفاقة، فخرج في الليلة من طريق خوخة كانت في دار أبي بكر -﵁- إلى جبل ثور في أسفل مكة، ودخلا غارًا فيه القصة إلى آخرها.\nوقوله: (متقنعًا) التقنع: ستر الرأس بالرداء وإلقاء طرفه على الكتف، ويقال له: التطلس أيضًا بمعنى لبس الطيلسان على الرأس، ودل الحديث على فعله -ﷺ- ذلك وجوازه، وقد خالف فيه بعض الناس، والحديث رد عليهم، وبعضهم قالوا: يجوز لسبب أو عذر كما فعله -ﷺ- اتقاء الحر أو استخفاء من قريش، والصحيح أنه جائز مطلقًا، وهو من أفعال الصالحين، وقد روي ذلك عنه -ﷺ- وعظماءِ أصحابه والتابعين، وقد أشبع الكلام فيه في (سفر السعادة) (٢) فليطلب ثمة.\n٤٣١٠ - [٧] (جابر) قوله: (فراش للرجل. . . إلخ)، فاعل للفعل المحذوف\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٧).\n(٢) \"سفر السعادة\" (ص: ٢٦٤).","vol":"7","page":335},{"text":"وَفِرَاشٌ لِامْرَأَتِهِ، وَالثَّالِثُ لِلضَّيْفِ، وَالرَّابعُ لِلشَّيْطَانِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٨٤].\n٤٣١١ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَنْظُرُ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٨٨، م: ٢٠٨٧].\n٤٣١٢ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ (١) النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّه إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٨٤، م: ٢٠٨٥].\nــ\nأي: يكفي للرجل هذه الثلائة، أو خبر لمبتدأ محذوف، أي: الذي يكفي للرجل، وينبغي له هذه الثلاثة، وما زاد عليه فهو مذموم؛ لأنه محل الخيلاء والمباهات، وهذا معنى كونه للشيطان، أو المراد أنه لما لم يُحْتَج [إليه] كان عليه مبيت الشيطان ومقيله، وإفراد الفراش للمرأة لا ينافي أن الأفضل الأوفق للسنة بياته معها؛ لأن ذلك لمرض أو عذر أو لتيسر قيام الليل، ويعلم من ذلك عدم وجوب البيات مع المرأة.\nوقوله: (والثالث للضيف) أما إذا كانت العادة كثرة نزول الضيفان، فهل يجوز جعل الفراش أكثر من ذلك، الظاهر نعم؛ لأنه لا يكون للمباهات والخيلاء، والمدار على ذلك، كما في اللباس.\n٤٣١١ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (جر إزاره بطرًا) أي: تكبرًا وطغيانًا وإن لم يكن لذلك فلا يحرم، قالوا: ولكن يكره كراهة تنزيه، وأما إذا كان لعذر ينبغي أن لا يكون مكروهًا كما يفهم مما يجيء في الفصل الثالث من حديث أبي بكر -﵁- أنه لا يكره إذا لم يكن للخيلاء وإن كان بغير عذر، فليفهم ذلك.\n٤٣١٢ - [٩] (ابن عمر) قوله: (خيلاء) بالضم والكسر: الكبر والعجب، اختال\n_________\n(١) وفي نسخة: \"عن\".","vol":"7","page":336},{"text":"٤٣١٣ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ خُسِفَ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِي الأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٤٨٥].\nــ\nفهو مختال، كذا في (النهاية) (١)، وفي (القاموس) (٢): الخيلاء والخيل والخيلة والمخيلة: الكبر، ورجل خائل ومختال: متكبر.\n٤٣١٣ - [١٠] (وعنه) قوله: (بينما رجل يجر إزاره) الظاهر أنه إخبار عما وقع في بعض الأمم الماضية، وقيل: المراد منه قارون.\nوقوله: (فهو يتجلجل) أي: يتحرك مضطربًا، أي: ينزل في الأرض مع اضطراب شديد، ويندفع من شق إلى شق، كذا قال الشيخ (٣)، وفي (القاموس) (٤): التجلجل: السؤوخ في الأرض، والتحرك، والتضعضع.\nواعلم أن أكثر ما يقع الجر والإسبال في الإزار، وقد ورد فيه وعيد شديد حتى إنه أمر مسبل الإزار بإعادة الصلاة والوضوء، وقد جاء في الأحاديث في فضل ليلة النصف من شعبان أنه يغفر فيها للكل إلا للعاق ومدمن الخمر ومسبل الإزار، والتحقيق أن الإسبال يجري في جميع الثياب، ويحرم فيما زاد على قدر الحاجة، وما ورد به السنة فهو إسبال، والتخصيص بالإزار من جهة كثرة وقوعه؛ لأن أكثر لباس الناس في زمان النبوة رداء وإزار، وقد يجيء في الفصل الثالث عن ابن عمر -﵄- أنه قال رسول اللَّه -ﷺ-: (الإسبال في الإزار والقميص والعمامة من جرّ منها شيئًا خيلاء)،\n_________\n(١) \"النهاية\" (٢/ ٩٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩١٧).\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٦١).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٠٠).","vol":"7","page":337},{"text":"٤٣١٤ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الإِزَارِ فِي النَّارِ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٨٨٧].\n٤٣١٥ - [١٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ بِشِمَالِهِ، أَوْ يَمْشِيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ،\nــ\nالحديث. ووقع في الأول من حديثي ابن عمر هنا (من جرّ ثوبه) مطلقًا، ثم العزيمة في الإزار إلى نصف الساق، وكان إزاره كذلك. وقال: (إزرة المؤمن إلى أنصاف الساقين)، وهذا من إضافة الجمع إلى التثنية أو المقصود تعميم النصف من حقيقته ومما يقرب منه، والرخصة فيه إلى الكعبين، فما أسفل من الكعبين فهو حرام، وحكم ذيل القباء والقميص كذلك، والسنة في الأكمام أن يكون إلى الرسغين، والإسبال في العمامة بإرخاء العذبات زيادة على العادة عددًا وطولًا، وغايتها إلى نصف الظهر، والزيادة عليه بدعة، وإسبال محرم، وهذا التطويل والتوسيع الذي تُعورف في بعض ديار العرب من الحجاز ومصر مخالف للسنة وإسراف موجب لإضاعة المال، فما كان منها بطريق الخيلاء فهو حرام، وما كان بطريق العرف والعادة وصار شعار القوم لا يحرم، وإن كان الإفراط فيه لائحًا عن كراهة، وحكم النساء كذلك، لكن يستحب لهن الزيادة على الرجال قدر الشبر، ورخص إلى ذراع تسترًا، كذا جاء في حديث أم سلمة -﵂-.\n٤٣١٤ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (ما أسفل من الكعبين) أي: ما كان أسفل أو ما هو أسفل منصوب أو مرفوع، والمراد بكون ما أسفل من الإزار في النار كون صاحبه فيها بسبب ذلك.\n٤٣١٥ - [١٢] (جابر) قوله: (أو يمشي في نعل واحدة) لأنه تشويه ومخالف للوقار وسبب لعسر المشي، وربما كان سببًا للعثار.","vol":"7","page":338},{"text":"وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ أَوْ يَحْتَبِيَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَاشِفًا عَنْ فَرْجِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٩٩].\nــ\nوقوله: (وأن يشتمل الصماء) بالواو وفي أخويه بـ (أو)، كذا في جميع النسخ المصححة، واشتمال الصماء بالمد: هو تجليل الجسد كله بثوب واحد بلا رفع جانب يخرج منه اليد، سميت صماء؛ لأنها سدت المنافذ كلها كالصخرة الصماء التي ليس فيها صدع، قال في (القاموس) (١): حجر أصم، وصخرة صماء: صُلْبٌ مُصْمَتٌ، وفي مادة الصمم معنى الثقل والانسداد، ونقل الطيبي عن الفقهاء (٢): هو أن يشتمل بثوب ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على أحد منكبيه، وإنما يحرم هذا لأنه ينكشف به بعض عورته.\nوقال الشيخ ابن الهمام في (شرح الهداية) (٣): هو أن يَلُفَّ بثوب واحد رأسه وسائر جسده فلا يدع منفذًا ليده، وهل يشترط عدم الإزار مع ذلك؟ عن محمد: يشترط، وعن غيره: لا.\nوقوله: (أو يحتبي في ثوب واحد كاشفًا عن فرجه) الاحتباء: أن يجلس على وركيه، وينصب ساقيه، ويجمع الظهر والساقين بثوب أو باليدين، وهذا أكثر جلسة العرب في مجالسهم، وهي شائعة في الحرم الشريف، وقد جلس رسول اللَّه -ﷺ- محتبيًا عند الكعبة، فإذا كان الرجل لابسًا ثوبًا واحدًا كالرداء ويحتبي تنكشف عورته ضرورة إلا أن يكون الرداء واسعًا فحينئذٍ لا بأس بالاحتباء في ثوب واحد لعدم الانكشاف،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٤١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٠٩).\n(٣) \"فتح القدير\" (١/ ٤١٢).","vol":"7","page":339},{"text":"٤٣١٦، ٤٣١٧، ٤٣١٨، ٤٣١٩ - [١٣، ١٤، ١٥، ١٦] وَعَنْ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآخِرَةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٣٢، ٥٨٣٣، م: ٢٠٦٩، ٢٠٧٣، ٢٠٧٤].\n٤٣٢٠ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَة\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٣٥، م: ٢٠٦٨].\nــ\nوظهر من هذا البيان أن قوله: (كاشفًا) حال منتقلة قيد للاحتباء.\n٤٣١٦، ٤٣١٧، ٤٣١٨، ٤٣١٩ - [١٣، ١٤، ١٥، ١٦] (عمر، وأنس، وابن الزبير، وأبو أمامة) قوله: (لم يلبسه في الآخرة) لعدم صبره لقوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]، وهكذا جزاء ارتكاب الشهوات المحرمة لعدم الصبر عنها، وقيل: ذلك كناية عن عدم دخول الجنة، وهو خلاف الظاهر.\n٤٣٢٠ - [١٧] (ابن عمر) قوله: (من لا خلاق له في الآخرة) الظاهر أن المراد: لا نصيب له من لبس الحرير فيها، كما جاء في الحديث الآخر: (لم يلبسه في الآخرة)، والأحاديث يفسر بعضها بعضًا، قال في (القاموس) (١): الخلاق، كسحاب: النصيب الوافر من الخير، وقيل: المراد من لا حظ له في نعيمه، وقيل: من لا اعتقاد له بأمر الآخرة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨١٢).","vol":"7","page":340},{"text":"٤٣٢١ - [١٨] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّه -ﷺ- أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٣٧، م: ٢٠٦٧].\n٤٣٢٢ - [١٩] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّه -ﷺ- حُلّة سِيَرَاء، فَبَعَثَ بِهَا إِلَيَّ فَلَبِسْتُهَا،\nــ\n٤٣٢١ - [١٨] (حذيفة) قوله: (وأن نجلس عليه) يدل على أن فرش الحرير أيضًا غير مباح، وقد ذكر حكمه في الفقه.\n٤٣٢٢ - [١٩] (علي) قوله: (حلة سيراء) الحلة: اسم لثوبين رداء وإزار، وسيراء بكسر السين وفتح التحتانية ممدودًا: نوع من البرود فيه خطوط صفر، يخالطه حرير، كذا في (القاموس) (١)، قال في (المشارق) (٢): الحلة: ثوبان رداء وإزار سميا بذلك؛ لأنه يحل كل منهما على الآخر، قال الخليل: ولا يقال حلة لثوب واحد، وقال أبو عبيد: الحلل برود اليمن، وقال بعضهم: إنما تكون حلة إذا كانت جديدة لحلها عن طيها، والأول أكثر وأشهر، وحلة سيراء، وحلة سندس، وحلة حبرة، وحلة حرير، كله على الإضافة، لكن بعضهم يجعل (سيراء) نعتًا ويرويه: حلة بالتنوين.\nوقال الخطابي (٣): قيل: حلة سيراء، كما قيل: ناقة عشراء، وكان أبو مروان بن سراج ينكره ويضبطه على الإضافة، وكذا ضبطناه على ابنه وغيره من شيوخنا المتقنين، قال سيبويه: لم يأت فعلاء صفة إلا اسما نحو سيراء، وهي ثياب ذوات ألوان وخطوط\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٨٤).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٠٦).\n(٣) \"معالم السنن\" (١/ ٢٤٦).","vol":"7","page":341},{"text":"فَعَرَفْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ، فَقَالَ: \"إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا، إِنَّمَا بَعَثْتُ بِهَا إِلَيْكَ لِتُشَقِّقَهَا خُمُرًا بَيْنَ النِّسَاءِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦١٤، م: ٢٠٧١].\n٤٣٢٣ - [٢٠] وَعَنْ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ-. . . . .\nــ\nكأنها السيور وهي الشراك يخالطها حرير، قال الخليل وغيره: هو ثوب مضلع بالحرير، وقيل: الأشبه أنه مختلف الألوان، وفي كتاب أبي داود، تفسيره في الحديث: السيراء المضلع بالقز، وقيل: هو نبت شبهت به الثياب، وقال مالك: السيراء وشي من حرير، قال ابن الأنباري: والسيراء أيضًا الذهب، وقيل: هو الحرير الصافي.\nوقوله: (فعرفت الغضب في وجهه) قيل: وجه الغضب أنه وإن لم يكن حرامًا فليس من شأن المتقين أن يلبسوه ويلبسه مثله -﵁-، فكان الواجب أن يتحرى فيه، وهذا ينظر إلى أنه لم يكن حريرًا محضًا، وكيف يتصور أن يلبسه -﵁-؟ ! بل كان مخلوطًا، ومع ذلك لم يكن من شأنه لبسه، فافهم.\nوقوله: (لتشققها خمرًا) بضمتين جمع خمار بالكسر، حال، أي: تقطعها قطعة قطعة قدر خمار وتقسمها بين النساء، وفي رواية: (بين الفواطم) وهي جمع فاطمة، وكانت عدة فواطم مجتمعة في بيته -﵁-، أولهن وأفضلهن فاطمة الزهراء البتول ابنة رسول اللَّه -ﷺ-، والثانية فاطمة بنت أسد بن هاشم، زوجة أبي طالب، أم علي وجعفر وعقيل وطالب، وفي شأنها قال رسول اللَّه -ﷺ-: (كانت أمي بعد أمي)، وألبسها قميصه بعد موتها، ودخل في قبرها، وهي أول هاشمية ولدت هاشمين من هاشمي، والثالثة فاطمة أم الفضل بنت حمزة عم رسول اللَّه -ﷺ- وسيد الشهداء، وقيل: الثالثة فاطمة بنت وليد بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، وكانت من المهاجرات الأول.","vol":"7","page":342},{"text":"نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا هَكَذَا، وَرَفَعَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- إِصْبَعَيْهِ: الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةَ وَضَمَّهُمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٢٩، م: ٢٠٦٩].\n٤٣٢٤ - [٢١] وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: أَنَّهُ خَطَبَ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّه -ﷺ- عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ إِلَّا مَوْضِعَ إِصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ. [خ: ٥٨٢٩، م: ٢٠٦٩].\n٤٣٢٥ - [٢٢] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْت أَبِي بَكرٍ: أَنَّهَا أَخْرَجَتْ جُبَّةً طَيَالِسَةً كِسْرَوَانِيَّةً لَهَا لِبْنَةُ دِيبَاجٍ، وَفُرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّيبَاجِ،\nــ\n٤٣٢٣، ٤٣٢٤ - [٢٠، ٢١] (عمر) قوله: (خطب بالجابية) بلدة بالشام، وباب الجابية من أبوابها.\n٤٣٢٥ - [٢٢] (أسماء) قوله: (جبة طيالسة) الطيالسة جمع طيلسان بفتح اللام، وحكي تثليث لامه وهو معرب تالسان، والوجه أنه جمع طيلس وهو لغة في الطيلسان، وجبة مضاف إليها (١) وهو من لباس العجم منسوب إليهم حتى إنهم يقولون: يا ابن الطيالسة يريدون يا أعجمي، وهو مدور أسود من صوف، و(كسرى) معرب خسرو بفتح كاف وكسرها، لقب ملوك الفرس، والنسبة كسروي وكسرواني، وروي خسروانية، و(اللبنة) بكسر لام وسكون باء: رقعة تعمل موضع جيب القميص والجبة، وقيل: يوضع تحت الإبط، و(فرجيها) أي: شقيها، شق من قدام وشق من خلف، وهو منصوب بفعل مقدر، أي: ورأيت أو وجدت فرجيها.\nوقوله: (مكفوفين) حال على التقديرين؛ لأن (وجدت) هنا بمعنى صادفت، ومعناه مخيطين بالحرير، أي: خيط شقّاها من قدام ومن خلف به، وفي (النهاية) (٢):\n_________\n(١) قال القاري (٧/ ٢٧٦٩): وفي نسخة: \"بالوصف\".\n(٢) \"النهاية\" (٤/ ١٩١).","vol":"7","page":343},{"text":"وَقَالَتْ: هَذِه جبَّةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا، وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَلْبَسُهَا، فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى نَسْتَشْفِي بِهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٦٩].\n٤٣٢٦ - [٢٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحِكَّةٍ بِهَمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nــ\nأي: جبة معمولة على ذيلها وأكمامها وجيبها كفاف من حرير، وكفة كل شيء بالضم: طرفه وحاشيته، وكل مستطيل كفة بالضم ككفة الثوب، فكل مستدير كفة بالكسر ككفة الميزان، وقد يفتح فيها.\nوقوله: (وقالت هذه جبة رسول اللَّه -ﷺ-) مقصودها أن هذا ليس بمحرم، وسيجيء في الفصل الثاني في حديث أبي داود عن عمران بن حصين أنه -ﷺ- قال: (لا ألبس القميص المكفف بالحرير)، ويدفع التعارض بينه وبين هذا الحديث بأن المراد هنا ما لم يزد على أربعة أصابع، وحديث القميص محمول على أكثر، وقيل: إن في القميص مزيد تجمل وترفه بخلاف الجبة، وقيل: ذلك ناسخ لهذا، وفيه نظر؛ لأن إخراج أسماء تلك الجبة تدل على إباحتها، فكيف كان منسوخًا؟ نعم لو قيل: نَسْخُ هذا له لكان وجهًا، كما قيل في بعض الحواشي، ومع ذلك لا يحسن القول بالنسخ على الاحتمال بدون معرفة التاريخ، كذا قال الشيخ (١)، وقيل: حديث عمران محمول على الورع، وحديث أسماء على الرخصة.\n٤٣٢٦ - [٢٣] (أنس) قوله: (لحكة بهما) قال الأطباء: سبب الحكة بخارات حديدة عارضة، فاليابسة منها يحدث بصفراء محترقة تخالط الدم، والرطبة من البلغم\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٨٨).","vol":"7","page":344},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: إنَّهُمَا شَكَوَا الْقُمَّلَ فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ. [خ: ٥٨٣٩، م: ٢٠٤٦].\nــ\nالمالح المخالط بالدم، وحدوثها في أغلب الأحوال من كثرة أكل الأطعمة المالحة الحريقة الحلوة والتوابل الحارة، وعلاجها مذكور في الكتب الطبية، وقد تحدث من كثرة القمل، قالوا: والحكة بهما -﵄- كانت منه، فأمر بعلاجها بلبس الحرير، وقالوا: من خواص الحرير تقوية القلب وتفريحه ودفع غلبة السوداء والأمراض التي تحدث منها، وهو حار رطب.\nوقيل: معتدل وليس فيه شيء من اليبوسة والخشونة، فلهذا ينفع عن الحكة والجرب وأمثالهما ولملاسته لا يتمكن فيه القمل، وقال في (الموجز): الإبريسم حار مفرح ولبسه يمنع القمل، وقال في شرحه: إن ابن سينا ذكر الإبريسم في الأدوية القلبية، وقال: حار يابس في الدرجة الأولى، ففيه تلطيف وتنشيف، فالتلطيف للحرارة، والتنشيف لليبوسة، ونقل عن صاحب (التقويم) أنه حار رطب، والظن أنه معتدل في الرطوبة واليبوسة، وهو من المفرحات القوية لملائمة جوهر الروح مطلقًا، وليسمن البدن لا لاغتذاء البدن منه بل بسبب تقوية الروح الطبيعي على تصرفه في الغذاء، انتهى.\nوفي شرح آخر: إن منع الحرير إنما هو عن القمل الذي يحدث عن سبيل التولد؛ لأنه يفسد ما يحدث من البيض فلا يتولد منه القمل، انتهى. ويعلم من هذا الحديث أن لبس الحرير حرام إلا لحاجة ومصلحة كالجرب والقمل والحر والبرد، وهذا مذهب الشافعي، وعند مالك لا يجوز مطلقًا، وقال في (الهداية) (١): لا بأس بلبس الحرير\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٣٦٦).","vol":"7","page":345},{"text":"٤٣٢٧ - [٢٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَالَ: \"إِنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ، فَلَا تَلْبَسْهُمَا\". وَفِي رِوَايَةٍ: قُلْتُ: أَغْسِلُهُمَا؟ قَالَ: \"بَلْ أَحْرِقْهُمَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٧٧].\nوَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ عَائِشَةَ: خَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- ذَاتَ غَدَاةٍ فِي \"بَابِ مَنَاقِبِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ -ﷺ-\".\nــ\nوالديباج في الحرب عندهما؛ لأنه يدفع صلابة السلاح ويورث الهيبة في عين العدو، وعند أبي حنيفة مكروه لإطلاق النهي، والضرورة تندفع بالمخلوط، وهما يقولان: الخالص أدفع.\n٤٣٢٧ - [٢٤] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (بل أحرقهما) قيل: الإحراق مبالغة في الإخراج والإفناء ببيع أو هبة، فإنه قد يستعمل فيه، وإنما لم يأذن له في الغسل؛ لأن المعصفر لم يكره للنساء، فالغسل يوجب تضييع الماء، فإما أن يلبسه نساء أو يبيعه أو يهبه لتستعمله نساء أخر، وقد روي كما يجيء في آخر الفصل الثاني أنه أحرق الثوبين، فلما جاء من الغد أخبره بذلك، فقال -ﷺ-: هلا كسوت أهلك، فإنه لا بأس به للنساء.\nثم اعلم أن في لبس الأحمر اختلافًا بين العلماء، فقال بعضهم: يحرم مطلقًا، وقيل: يباح مطلقًا، وقيل: المنهي المصبوغ بعد النسيج دون ما صبغ غزله ثم نسج ولم يكن له رائحة، وقيل: يجوز لبسه في البيوت وأفنيتها دون المحافل، والمختار في مذهبنا أنه يكره كراهة تحريم، وتكره معه الصلاة، ثم اختلفوا أن الكراهة لأجل الصبغ أو اللون حتى يكره الأحمر وإن لم يكن معصفرًا، والمختار أنه لِلَّون، كذا حققه القاسم الحنفي من أعاظم علماء الحنفية بديار مصر، واللَّه أعلم.","vol":"7","page":346},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1031> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٣٢٨ - [٢٥] عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ أَحَبُّ الثِّيَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْقَمِيصَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [خ: ١٧٦٢، م: ٣٨٦٦].\n٤٣٢٩ - [٢٦] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: كَانَ كُمُّ قَمِيصِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الرُّصْغِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٧٦٥، د: ٤٠٢٧].\n٤٣٣٠ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا لَبِسَ قَمِيصًا بَدَأَ بِمَيَامِنِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٧٦٦].\nــ\nالفصل الثاني\n٤٣٢٨ - [٢٥] (أم سلمة) قوله: (القميص) بالرفع والنصب، وكذا قوله: (أحب)، والقميص اسم لما يلبس الرجل من المخيط الذي له كمان وجيب، وقد أتممنا البيان في ذلك سابقًا.\n٤٣٢٩ - [٢٦] (أسماء بنت يزيد) قوله: (إلى الرصغ) ذكره في (القاموس) في الراء مع السين، وقد وقع في بعض الأصول بالصاد تبديلًا للسين به، وهو أمر مطرد خصوصًا إذا وقع مع حروف الاستعلاء، وقراءة الصاد في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] من هذا القبيل، قال في (القاموس) (١): هو بالضم وبضمتين، الموضع الْمُسْتَدِقُّ بين الحافر، وموصل الوظيف من اليد والرجل، ومفصل ما بين الساعد والكف، والساق والقدم، ومثل ذلك من كل دابة، والجمع أرساغ وأرسغ.\n٤٣٣٠ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (بميامنه) أي: بجانب يمين القميص ولذلك\n_________\n(١) \"القاموس الميحط\" (ص: ٧٢١).","vol":"7","page":347},{"text":"٤٣٣١ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ، لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ، وَمَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَفِي النَّارِ\" قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، \"وَلَا يَنْظُرُ اللَّه يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٤٠٩٣، جه: ٣٥٧٣].\n٤٣٣٢ - [٢٩] وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"الإِسْبَالُ فِي الإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ، مَنْ جَرَّ مِنْهَا شَيْئًا خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٤٠٨٥، ن: ٥٣٣٤، جه: ٣٠٧٦].\nــ\nجمعه، كذا قال الطيبي (١)، يعني أن الميامن جمع ميمنة بمعنى جانب اليمين، والجانب يشمل كم القميص وما أسفل من ذلك، كذا في (مجمع البحار) (٢).\n٤٣٣١ - [٢٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (إزرة المؤمن) بالكسر للحالة والهيئة، أي: الحالة المحمودة في الإزار أن يكون إلى نصف الساق، ووجه جمع الأنصاف عرف في الفصل الأول في شرح حديث ابن عمر الثاني.\nوقوله: (ما أسفل) بالنصب والرفع، وقد عرف توجيهما أيضًا من قبل في حديث أبي هريرة.\n٤٣٣٢ - [٢٩] (سالم) قوله: (تخيلًا) بمعنى الخيلاء، وقد وقع في بعض النسخ: (خيلاء).\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢١٤).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٢٢٠).","vol":"7","page":348},{"text":"٤٣٣٣ - [٣٠] وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ قَالَ: كَانَ كِمَامُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بُطْحًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. [ت: ١٧٧٢].\n٤٣٣٤ - [٣١] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ ذَكَرَ الإِزَارَ: فَالْمَرأَةُ يَا رَسُولَ اللَّه؟ قَالَ: \"تُرْخِي شِبْرًا\"، فَقَالَتْ: إِذًا تَنْكَشِفُ عَنْهَا، قَالَ: \"فَذِرَاعًا لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ط: ٢/ ٩١٥، د: ٤١١٧، ت: ١٧٣١، ن: ٥٣٣٦، جه: ٣٥٨٠].\n٤٣٣٥ - [٣٢] وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَتْ: . . . . .\nــ\n٤٣٣٣ - [٣٠] (أبو كبشة) قوله: (كان كمام أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-) جعلوا الكمام بكسر الكاف جمع كمة بالضم كقبة وقباب، والكمة بالضم: القلنسوة المدورة، وقيل: جمع كم، وهو المشهور، أعني: مدخل اليد ومخرجه من الثوب كالقف والقفاف، و(بطحًا) بضم الباء وسكون الطاء جمع أبطح، وهو يناسب المعنيين، فعلى الأول معناه كانت مبسوطة لازقة برؤوسهم، وعلى الثاني كانت عريضة واسعة؛ لأن في الأرض البطحاء بسطًا واتساعًا وهو منصوب، وقد يروى: بطح بالرفع، فإن صحت الرواية يعتبر ضمير الشأن في (كان)، أو يجعل (بطح) خبر مبتدأ محذوف، كذا في الطيبي (١).\n٤٣٣٤، ٤٣٤٥ - [٣١، ٣٢] (أم سلمة) قوله: (تُرخي شبرًا) في (القاموس) (٢): الشبر: ما بين أعلى الإبهام إلى أعلى الخنصر.\nوقوله: (إذًا تنكشف عنها) أي: تنكشف العورة عن المرأة، وفي بعض الحواشي:\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢١٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٨٥).","vol":"7","page":349},{"text":"إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ، قَالَ: \"فَيُرْخِينَ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ\". [ت: ١٧٣١، ن: ٥٣٣٦].\n٤٣٣٦ - [٣٣] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فِي رَهْطٍ مِنْ مُزَيْنَةَ، فَبَايَعُوهُ وَإِنَّهُ لَمُطْلَقُ الأَزْرَارِ، فَأَدْخَلْتُ يَدِي فِي جَيْبِ قَمِيصِهِ فَمَسِسْتُ الْخَاتَمَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٠٨٢].\nــ\nأي: تزول تلك القطعة المرخاة عن قدمها، وبالجملة المراد أنه على تقدير زيادة الشبر يحتمل أن ينكشف قدمها بطول ساقيها مثلًا، وأما بزيادة الذراع وهو الشبران فيحصل الستر قطعًا، والحاصل إن اعتبر إزار الرجل أسفل من نصف الساق يكفي زيادة شبر، وإن اعتبر من النصف الحقيقي ويكون ساق المرأة طويلًا، قد يحتمل الانكشاف فيزاد ذراع وهو كاف قطعًا، فالزيادة عليها يكون إسبالًا.\n٤٣٣٦ - [٣٣] (معاوية بن قرة) قوله: (فأدخلت يدي في جيب قميصه) اعلم أن جيب قميصه -ﷺ- كان على الصدر كما دلت عليه الأحاديث، وحققه علماء الحديث، وهو الذي تُعورف في بلاد العرب إلى أقصى المغرب، وتوارث فيهم خلفًا عن سلف، وقال السيوطي: ظن من لا علم عنده أنه بدعة، وليس كما ظن، انتهى. ولما صار في بعض ديار العجم الجيب على الصدر عادة للنساء حكم بعض الفقهاء بكراهته للتشبه بهن، ولا شك أن هذه العادة حادثة، والمعتبر هو الأصل، وما تُعورف في العجم للرجال فهو عادة النساء في العرب، وبالجملة التحقيق أن جيبه -ﷺ- كان على الصدر، نعم في دلالة هذا الحديث على ذلك كما ادعاه السيوطي خفاء، ولعل وجه الدلالة أنه على تقدير وجود الإزار على الكتفين كما قاله بعض الفقهاء، وكونها مطلقة لا حاجة كثيرة إلى إدخال اليد لمساس الخاتم، بل الظاهر أن الخاتم على هذا التقدير يكون ظاهرًا مكشوفًا، ومسه بدون إدخال اليد ميسرًا، فافهم.","vol":"7","page":350},{"text":"٤٣٣٧ - [٣٤] وَعَن سَمُرَة أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"الْبَسُوا الثِّيَابَ الْبِيضَ، فَإِنَّهَا أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٥/ ١٣، ت: ٢٨١، ن: ١٨٩٦، جه: ٣٥٦٧].\n٤٣٣٨ - [٣٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا اعْتَمَّ سَدَلَ عِمَامَتَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٧٣٦].\nــ\n٤٣٣٧ - [٣٤] (سمرة) قوله: (فإنها أطهر) لظهور أثر النجاسة والدرن فيه، فيتحرز عنه ويغسل بخلاف غيره من الألوان، وأما كونه (أطيب) فلعدم اختلاطه باللون.\n٤٣٣٨ - [٣٥] (ابن عمر) قوله: (سدل عمامته) أي: أرسل طرفها بين كتفيه، قد ثبت من فعله -ﷺ- إرسال العذبة، ولكن لم يكن دائمًا بل كان يرسل تارة ولم يرسل أخرى، وتارة شدها تحت العنق، وتارة يغرز أحد طرفي العمامة فيها، ويرسل الطرف الآخر، وفي كل ذلك وردت أحاديث، وكانت عذبته -ﷺ- غالبًا خلف ظهره، وقد يرسلها على جانبه الأيمن، وكان يرسل في بعض الأحيان عذبتين بين الكتفين، وإرسال العذبة على الجانب الأيسر بدعة كذا قالوا، وأقله أربع أصابع وأكثرها ذراع، وتطويلها متجاوزًا عن نصف الظهر بدعة، وإسبال محرم، فإن كان على وجه الخيلاء فهو محرم وإلا فمكروه مخالف للسنة، وقيل: تخصيص الإرسال بحالة الصلاة ليس بشيء ولا يوافق السنة، والصواب أن إرسال العذبة مستحب، ومن السنن الزوائد دون المؤكدة، وقال في (كنز الدقائق) (١): وندب لبس السواد وإرسال ذنب العمامة بين كتفيه،\n_________\n(١) انظر: \"البحر الرائق\" (٨/ ٥٥٥).","vol":"7","page":351},{"text":"٤٣٣٩ - [٣٦] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: عَمَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَسَدَلَهَا بَيْنَ يَدَيَّ وَمِنْ خَلْفِي. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٠٧٩].\n٤٣٤٠ - [٣٧] وَعَنْ رُكَانَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ الْعَمَائِمُ عَلَى الْقَلَانِسِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِالقَائِمِ. [ت: ١٧٨٤].\n٤٣٤١ - [٣٨] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"أُحِلَّ الذَّهَبُ وَالْحَرِيرُ لِلإنَاثِ مِنْ أُمَّتِي، وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا\". . . . .\nــ\nوهكذا في غيره من كتب الحنفية، واللَّه أعلم.\n٤٣٣٩ - [٣٦] (عبد الرحمن بن عوف) قوله: (عممني) أي: لف عمامتي على رأسي.\nوقوله: (فسدلها بين يدي ومن خلفي) أي: أرسل لعمامتي طرفين، أحدهما على صدري والآخر على ظهري.\n٤٣٤٠ - [٢٧] (ركانة) قوله: (وعن ركانة) بمضمومة وخفة كاف ونون.\nوقوله: (العمائم على القلانس) هذه العبارة تحتمل معنيين، أحدهما: إنا نتعمم على القلانس وهم لا يتعممون، بل يلبسون القلنسوة من غير عمامة، وثانيهما: إنا نتعمم على القلانس وهم يتعممون من غير قلنسوة، وقالوا: هذا المعنى الثاني هو المراد؛ لأن تعمم المشركين معلوم قطعًا، ولبسهم القلنسوة وحدها غير واقع، وفي الحديث فضل العمامة على القلنسوة، وقد وردت أحاديث في فضل العمامة على الإطلاق، ففي لبسها على القلنسوة مزيد فضل.\n٤٣٤١ - [٣٨] (أبو موسى الأشعري) قوله: (وحرم على ذكورها) أي: كل","vol":"7","page":352},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ١٧٢٠، ن: ٥١٤٨].\n٤٣٤٢ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ، عِمَامَةً أَوْ قَمِيصًا أَوْ رِدَاءً، ثُمَّ يَقُولُ: \"اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ. . . . .\nــ\nواحد، وكذلك الفضة ولم يذكرها اكتفاء، ويحتمل أن يكون تحريمها بعد ذلك، واللَّه أعلم.\n٤٣٤٢ - [٣٩] (أبو سعيد الخدري) قوله: (إذا استجد ثوبًا) أي: لبس ثوبًا جديدًا.\nوقوله: (عمامة أو قميصًا) وفي أكثر النسخ: (أو رداء)، والظاهر أن هذا تعميم للثوب، والتقدير: عمامة كان الثوب أو قميصا أو بدل من (ثوبًا)، فصورة التسمية أن يقول: عمامة، قميص، رداء موقوفًا، كما يكون في صورة التعداد، والمقصود مجرد التسمية وإحضار المسمى أو خبر لمبتدأ محذوف، ويحتمل أن يكون ذلك هو صورة التسمية منصوبًا بتقدير نحو: كساني اللَّه عمامة أو قميصًا، أو كسوتني اللهم عمامة أو قميصًا، ثم يقول: اللهم لك الحمد، ويفهم من عبارة (سفر السعادة) (١) أن المراد بقوله: (سماه) أن يسميه باسم علم، ثم يلبس، وحمل قوله: (استجد) على حصول ثوب جديد لا على لبسه، وقال: كان إذا حصل ثوب جديد سماه باسم، فإذا لبسه قال: (اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه)، أو (الحمد للَّه الذي كساني)، وما ذكرناه هو الذي حمل الشراح الحديث عليه، نعم جاء في حديث آخر: أنه كان عنده -ﷺ- لبعض\n_________\n(١) \"سفر السعادة\" (ص: ٢٢١).","vol":"7","page":353},{"text":"كَمَا كَسَوْتَنِيهِ أَسأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٧٦٧، د: ٤٠٢٠].\n٤٣٤٣ - [٤٠] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ أَكَلَ طَعَامًا ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا الطَّعَامَ، وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ: \"وَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا، وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ\". [ت: ٣٤٥٨، د: ٤٠٢٣].\nــ\nثيابه اسمًا كما سمى عمامته سحابة، وكما كان للأسلحة والأفراس اسمًا، فتدبر.\nوقوله: (كما كسوتنيه) قيل: الكاف بمعنى على أو بمعنى اللام، أي: لأجل ما كسوتنيه، والطيبي (١) جعله بمعنى مثل، مبتدأ، و(أسألك) خبره.\nوقوله: (خيره) أي: خير هذا الثوب في ذاته بأن يبقى على البدن على وجه الخيرية ولم يتطرق إليه شر وآفة، (وخير ما صنع له) بأن يكون مستعملًا في كسب الطاعات ومباشرة الخيرات، وعلى هذا القياس معنى قوله: (وشر ما صنع له).\n٤٣٤٣ - [٤٠] (معاذ بن أنس) قوله: (ما تقدم من ذنبه وما تأخر) قال الطيبي (٢): ليس قوله: (وما تأخر) مذكورًا في القرينة السابقة -يعني الطعام- في الترمذي وأبي داود، وقد ألحق في بعض نسخ (المصابيح) قياسًا على القرينة اللاحقة، أقول: وقد يوجد في بعض نسخ (المشكاة) أيضًا، وفي بعضها خط عليه، وأورد السيوطي في\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢١٧).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢١٨).","vol":"7","page":354},{"text":"٤٣٤٤ - [٤١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا عَائِشَةُ! إِنْ أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ، وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ، وَلَا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ صَالِحِ بْنِ حَسَّانَ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: صَالِحُ بْنُ حَسَّانَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ. [ت: ١٧٨٠].\n٤٣٤٥ - [٤٢] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ إِيَاسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلَا تَسْمَعُونَ؟ أَلَا تَسْمَعُونَ أَنَّ الْبَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ أَنَّ الْبَذَاذَةَ مِنَ الإِيمَانِ؟ \". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [ت: ٤١٦١].\nــ\nرسالة عملها في غفران ما تقدم من الذنوب وما تأخر هذا الحديث وذكر في كليهما (وما تأخر)، ولم يذكره الشيخ مجد الدين في (سفر السعادة) في واحد منهما، واللَّه أعلم.\n٤٣٤٤ - [٤١] (عائشة) قوله: (كزاد الراكب) الكاف بمعنى مثل فاعل (يكفيك)، تحريض على القناعة بيسير من الدنيا، ولعل وجه التخصيص للراكب أنه يسرع في السير، ويبلغ المنزل في زمان قليل، فيكفيه أدنى زاد، بخلاف الراجل فإنه يطول سفره فيتخذ زادًا كثيرًا، (لا تستخلقي) أي: لا تعديه خلقًا ولا تخلعيه.\n٤٣٤٥ - [٤٢] (أبو أمامة) قوله: (أن البذاذة) بفتح الباء وخفة الذالين المعجمتين، يقال: باذُّ الهيئة وبذُّ الهيئة، أي: رث اللبسة.\nوقوله: (من الإيمان) فإن الإيمان بالآخرة ونعيمها وحللها وخساسة متاع الدنيا وفنائها هو الباعث على الزهد في الدنيا والاكتفاء بأدنى شيء منه، والتكرار للتأكيد والتقرير نفيًا لما ركز في الطبائع والنفوس من الميل إلى الدنيا وزينتها.","vol":"7","page":355},{"text":"٤٣٤٦ - [٤٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ فِي الدُّنْيَا أَلْبَسَهُ اللَّه ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ١٣٩، د: ٤٠٢٩، جه: ٣٦٠٦].\n٤٣٤٧ - [٤٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٥٠، د: ٤٠٣١].\nــ\n٤٣٤٦ - [٤٣] (ابن عمر) قوله: (ثوب شهرة) في (النهاية) (١): الشهرة بالضم: ظهور الشيء في شُنعة حتى يشهره الناس، والشهير والمشهور المعروف، والمراد بثوب الشهرة ما يلبسه تغررًا وتكبرًا سواء كان نفيسًا تفاخرًا بالدنيا وزهرتها أو خسيسًا إظهارًا للزهد والرياء، وقيل: هو ما لا يحل لبسه، وإلا لما رتب عليه الوعيد، والأحسن الأنسب باللفظ هو تفسيره بما ذكرنا، والتكبر والتفاخر مما يترتب عليه الوعيد خصوصًا بالمذلة والهوان، وقيل: المراد به ما يتخذه المساخر ليجعل ضحكة أو ما يرائي به من العمل كناية عن العمل بالثوب، وأقول: والثوب أيضًا مما يرائى لكونه علامة على الزهد والصلاح، و(ثوب مذلة) من إضافة السبب إلى المسبب، أو بيانية تشبيها للمذلة بالثوب في الاشتمال.\n٤٣٤٧ - [٤٤] (وعنه) قوله: (من تشبه بقوم فهو منهم) المتعارف في التشبه هو التلبس بلباس قوم، وبهذا الاعتبار أورده في (كتاب اللباس)، وهو بإطلاقه يشمل الأعمال والأخلاق واللباس سواء كان بالأخيار أو بالأشرار، فإن كان في الأخلاق والأعمال يجري حكمه في الظاهر والباطن، وفي اللباس يختص بالظاهر، وبالجملة حكم المشابه للشيء حكمه، ظاهرًا كان أو باطنًا، والمعتبر في باب التصوف هو\n_________\n(١) \"النهاية\" (٢/ ٥١٥).","vol":"7","page":356},{"text":"٤٣٤٨ - [٤٥] وَعَنْ سُوَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمَالٍ، وَهُوَ يقدرُ عَلَيْهِ -وَفِي رِوَايَةٍ: تَوَاضُعًا-، كَسَاهُ اللَّه حُلَّةَ الْكَرَامَةِ، وَمَنْ تَزَوَّجَ لِلَّهِ تَوَّجَهُ اللَّه تَاجَ الْمُلْكِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٧٨].\n٤٣٤٩ - [٤٦] وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ حَدِيثَ اللِّبَاسِ. [ت: ٢٤٨١].\nــ\nالتشبه بالأعمال والأخلاق، قال الشيخ في (العوارف): التشبه هو الترسم في أعمالهم وآدابهم طمعًا في الاتصاف بصفاتهم وأخلاقهم.\n٤٣٤٨، ٤٣٤٩ - [٤٥، ٤٦] (سويد بن وهب) قوله: (حلة الكرامة) أي: ألبسه اللَّه من حلل الجنة أو يلبسه منها ما فيه زيادة تكريم، ويحتمل أن يكون من إضافة السبب إلى المسبب، أو شبه الكرامة بالحلة كما قلنا في (ثوب مذلة).\nوقوله: (من تزوج للَّه) الظاهر أن المراد تزوج امرأة نازلًا عن درجته في الكفاءة ابتغاء لمرضات اللَّه، فإن المقام مقام بيان التواضع، فلما ذكر القناعة بالدون من اللباس تواضعًا أردفه بذكر القناعة التواضع في التزوج، والمناسبة بين اللباس والمرأة ثابتة بحكم قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ويناسب هذا المعنى الجزاء المذكور يعني لما أذل نفسه للَّه أعزه كما ورد: (من تواضع للَّه رفعه اللَّه)، وأما حمله على التزوج لصيانة الفرج أو للتناسل فلا يناسبه هذا الجزاء، وكذا ما قيل: إن المراد بالتزوج التصدق بزوجين، أي: صنفين نحو بعيرين أو عبدين كما سبق في (باب الصدقات)، و(تاج الملك) بضم الميم، وإلباسه كناية عن إجلاله وتوقيره، أو حقيقة كما في حافظ القرآن.","vol":"7","page":357},{"text":"٤٣٥٠ - [٤٧] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّه يُحِبُّ أَنْ يُرَى أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٨١٩].\n٤٣٥١ - [٤٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- زَائِرًا، فَرَأَى رَجُلًا شَعِثًا قَدْ تَفَرَّقَ شَعْرُهُ، فَقَالَ: \"مَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يُسَكِّنُ بِهِ رَأْسَهُ؟ \" وَرَأَى رَجُلًا عَلَيْهِ ثيابٌ وَسِخَةٌ، فَقَالَ: \"مَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ؟ \". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٣/ ٣٥٧، ن: ٥٢٣٦].\n٤٣٥٢ - [٤٩] وَعَنْ أَبِي الأَحْوَصِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَعَلَيَّ ثَوْبٌ دُونٌ، فَقَالَ لِي: \"أَلَكَ مَالٌ؟ \" قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: \"مِنْ أَيِّ الْمَالِ؟ \" قُلْتُ: مِنْ كُلِّ الْمَالِ قَدْ أَعْطَانِي اللَّه مِنَ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ. . . . .\nــ\n٤٣٥٠ - [٤٧] (عمرو بن شعيب) قوله: (يحب أن يرى) بلفظ المجهول، ووجه محبته تعالى أن يرى (أثر نعمته على عبده) فإنه تعالى مشكور، يحب الشكر، وإظهار النعمة يتضمن شكرًا باعترافه أنها من اللَّه، ويحث الفقراء والمساكين والمحتاجين على التوجه إليه، والنعمة تشمل المال والعلم والجاه بحكم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣].\n٤٣٥١ - [٤٨] (جابر) قوله: (ما كان يجد هذا) بحذف حرف الاستفهام.\nواقوله: (ما يسكن به رأسه) من التسكين، أي: يلم شعثه ويجمع متفرقه.\n٤٣٥٢ - [٤٩] (أبو الأحوص) قوله: (ثوب دون) بمعنى الخسيس ضد الشريف، كذا في (القاموس) (١).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٠٣).","vol":"7","page":358},{"text":"وَالْغَنَمِ وَالْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ. قَالَ: \"فَإِذَا آتَاكَ اللَّه مَالًا فَلْيُرَ أَثَرُ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ وَكَرَامَتِهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" بِلَفْظِ \"الْمَصَابِيحِ\". [حم: ٤/ ١٣٧، ن: ٥٢٢٤].\n٤٣٥٣ - [٥٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرٍو قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحْمَرَانِ، فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٨٠٧، د: ٤٠٦٩].\n٤٣٥٤ - [٥١] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا أَرْكَبُ الأُرْجُوَانَ. . . . .\nــ\nوقوله: (فلير أثر نعمة اللَّه عليك) أي: البس لباسًا جيدًا ليعرف الناس أنك غني، وأما مدح البذاذة فإنما هو لقصد الزهد وترك شهوات الدنيا والإيثار، والقول الفصل أن الحكم في اللباس دائر على القصد والنية، كما أسلفنا ذكره في (القاموس) (١).\n٤٣٥٣ - [٥٠] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (ثوبان أحمران) قد وقع في هذا الحديث الأحمر مطلقًا من غير قيد المعصفر، والمختار في المذهب أن الكراهة إنما هي لأجل اللون لا للعصفر بخصوصه، كذا حققه الشيخ قاسم الحنفي أحد أعاظم علماء مصر من المتأخرين، معاصر الشيخ ابن حجر العسقلاني.\n٤٣٥٤ - [٥١] (عمران بن حصين) قوله: (لا أركب الأرجوان) بضم الهمزة والجيم وسكون الراء معرب أرغوان ورد أحمر معروف، كذا في (مجمع البحار) (٢)،\n_________\n(١) كذا في الأصل، وهو خطأ، والصواب: في الفصل الأول، انظر: (رقم: ٤٣٠٦).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٦٥).","vol":"7","page":359},{"text":"وَلَا أَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ، وَلَا أَلْبَسُ الْقَمِيصَ الْمُكَفَّفَ بِالْحَرِيرِ\" وَقَالَ: . . . . .\nــ\nوقال الطيبي (١): شجر له نور أحمر، وكل لون آخر يشبهه يقال له: الأرجوان، فقال بعضهم في معنى (لا أركب الأرجوان): لا أجلس على الثوب الأحمر، فإن الجلوس في حكم اللبس، وقيل: دونه في الكراهة، واللحاف من أنواع اللبس بخلاف التوسد، والصحيح أن معناه: لا أركب ميثرة الأرجوان، والميثرة بكسر الميم وسكون الياء وفتح المثلثة: وطاء صغير محشو يترك على سرج الفرس أو رحل البعير، وأكثر ما يجعل على السرج، وأصله الموثرة من وثر يثر وثرًا ووثارة: وطّأه لينا، والوثير على وزن فعيل بمعنى الفراش اللين، والوثيرة: المرأة الكثيرة اللحم السمينة الموافقة للمضاجعة، وجمع ميثرة مواثر ومياثر، وقد ورد في الحديث: (نهى عن ميثرة الأرجوان) أي: نهى عن الركوب عن السرج، وعليه ميثرة الأرجوان؛ لأنه دأب المتكبرين وأهل الإسراف من الأعاجم، فقالوا: المراد من قوله: (لا أركب الأرجوان) ميثرة الأرجوان، ولفظ: (لا أركب) قرينة ظاهرة عليه، ومفهوم الحديث أنه إذا لم يكن حمراء لم يحرم بقصد الاستراحة خصوصًا للضعفاء.\nوقوله: (لا ألبس المعصفر) أي: الثوب المصبوغ بالعصفر سواء كان أحمر أو أصفر.\nوقوله: (لا ألبس القميص المكفف بالحرير) يعني إذا كان زائدًا على القدر المرخص فيه، وهو أربعة أصابع، وقد سبق الكلام عليه في الفصل الأول في حديث أسماء بنت أبي بكر.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٢١).","vol":"7","page":360},{"text":"\"أَلَا وَطِيبُ الرِّجَالِ رِيحٌ لَا لَوْنَ لَهُ، وَطِيبُ النِّسَاءِ لَوْنٌ لَا رِيحَ لَهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٠٤٨].\n٤٣٥٥ - [٥٢] وَعَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ عَشْرٍ: عَنِ الْوَشْرِ، وَالْوَشْمِ، وَالنَّتْفِ،\nــ\nقوله: (وطيب الرجال ريح لا لون له، وطيب النساء لون لا ريح له) وفي (الشمائل) (١) للترمذي عن أبي هريرة -﵁-: (طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه)، وسيجيء في الفصل الثاني من (كتاب الترجل)، والظاهر أن هذا هو المراد بما ذكر هنا في الحديث؛ فإن الطيب لا يخلو عند رائحة ظاهرة أو خفية، فلا يفيد إثباته له، ولا يصح نفيه عنه كما لا يخفى.\n٤٣٥٥ - [٥٢] (أبو ريحانة) قوله: (عن الوشر) بواو مفتوحة وشين معجمة ساكنة: تحديد الأسنان وترقيق أطرافها من وشرت لغة في أشرت الخشبة بالمنشار، والواشرة هي التي تفعل ذلك لغيرها، والمؤتشرة التي تأمر غيرها بفعله، وقد ورد اللعن عليهما جميعًا، وكان المراد من الوشر هنا ما يشملهما أو اكتفى بأحدهما لدلالته التزامًا على الآخر.\nوقوله: (والوشم) فيه أيضًا ورد اللعن على الواشمة والموتشمة، الوشم: أن يغرز الجلد بالإبرة ثم يحشى بكحل أو نيل.\nوقوله: (النتف) المراد نتف البياض عن اللحية والرأس أو نتف الشعر عن اللحية والحاجب للزينة أو عن نتف النساء الشعر عن وجوههن، وسبب النهي تغير الخلقة وارتكاب التكلف المذموم، والنساء وإن أبيحت الزينة لهن لكن نهى عن هذه التكلفات،\n_________\n(١) (ح: ٢١٠).","vol":"7","page":361},{"text":"وَعَنْ مُكَامَعَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ بِغَيْرِ شِعَارٍ، وَمُكَامَعَةِ الْمَرأَةِ الْمَرأَةَ بِغَيْرِ شِعَارٍ، وَأَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ فِي أَسْفَلِ ثِيَابِهِ حَرِيرًا مِثْلَ الأَعَاجِمِ، أَوْ يَجْعَلَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ حَرِيرًا مِثْلَ الأَعَاجِمِ، وَعَنِ النُّهْبَى،\nــ\nوقيل: المراد نتف الشعر من الرأس واللحية عند المصيبة، ووجه النهي لزوم الجزع.\nوقوله: (وعن مكامعة الرجل الرجل بغير شعار) والشعار الثوب الذي يلبس تحت الثياب ملاصقًا بالبدن، فإن كان خوف الفتنة فوجه النهي ظاهر، وإلا فهو خلاف الأدب والحياء، وعلى الأول تحريمي، وعلى الثاني تنزيهي.\nوقوله: (وأن يجعل الرجل في أسفل ثيابه حريرًا) يعني لبس الحرير حرام على الرجال سواء كانت تحت الثياب أو فوقها، وعادة الأعاجم أن يلبسوا تحت الثياب ثوبًا قصيرًا من حرير ليلين أعضاءهم هكذا فسره الطيبي (١)، وجاء في بعض الروايات الفقهية: المكروه إنما هو لبس الحرير إذا كان ملاصقًا بالبدن، وإن كان تحت ثياب الحرير ثوب ملاصق بالبدن من كرباس لم يكره عند أبي حنيفة خلافًا لصاحبيه، وروي عن ابن عباس أنه كان عليه جبة من حرير فقيل له: ما ذلك؟ فقال: أما ترى إلى ما يلي الجسد، وكان تحته ثوب من قطن، والصحيح أن الكل حرام على الرجال، كذا في (مطالب المؤمنين) من (القنية).\nوقوله: (أو يجعل على منكبيه حريرًا) في بعض الحواشي: أي علم حرير زائد على قدر ما رخص فيه، فأما العلم بقدر الرخصة وهو أربع أصابع فلا بأس، انتهى. ويمكن أن يكون المراد إلقاء ثوب الحرير مثل الرداء على الكتفين على وجه التكبر والخيلاء كما يفعله المسرفون من الأعاجم، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٢٣).","vol":"7","page":362},{"text":"وَعَنْ رُكُوبِ النُّمُورِ، وَلُبُوسِ الْخَاتَمِ إِلَّا لِذِي سُلْطَانٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٠٤٩، ن: ٥٠٩١].\n٤٣٥٦ - [٥٣] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ. . . . .\nــ\nوقوله: (وعن ركوب النمور) أي: على جلودها [التي] تلقى على السرج والرحال؛ لأنه من الزينة والخيلاء أو لنجاستها وعدم طهارتها بالدباغة على ما هو مذهب الشافعي، وأكثر ما يؤخذ بعد الموت لصعوبة اصطيادها، وقيل: المراد الجلوس عليها في المجالس، وقال بعض المشايخ: الجلوس على جلود البهائم والسباع يورث الوحشة وتفرقة الأحوال، والنمور جمع نمر على وزن كتف: سبع معروف، وأصل النمرة بالضم النكتة من أيِّ لون كان، والأنمر ما فيه نكتة بيضاء، وأخرى سوداء، والسبع المعروف إنما سمي به للنمرة التي فيه، كذا في (القاموس) (١)، ويمكن أن يراد بالنمر ما يشمل مثل الأسد أيضًا مجازًا ولذا جمع، ويحتمل أن يكون باعتبار الأفراد، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وعن لبوس الخاتم) اللبوس بضم اللام مصدر بمعنى اللبس، والمراد بـ (ذي سلطان) من يحتاج إليه للمعاملة مع الناس، والمراد نهي التنزيه، والصواب أنه منسوخ بدليل تختم الصحابة بعد عصره -ﷺ- في عصر الخلفاء من غير سلطان، كذا قيل.\n٤٣٥٦ - [٥٣] (علي) قوله: (عن خاتم الذهب) روي أنه صنع له -ﷺ- خاتم من ذهب فلبسه يومًا ثم طرحه، ونهى عنه، ولبس خاتم الذهب مكروه عند الأئمة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٥٣).","vol":"7","page":363},{"text":"وَعَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ وَالْمَيَاثِرِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِي رِوَايَة لِأَبِي دَاوُدَ وَقَالَ: نَهَى عَنْ مَيَاثِرِ الأُرْجُوَانِ. [ت: ١٧٣٧، د: ٤٠٥١، ن: ٥١٦٦، جه: ٣٦٥٤].\n٤٣٥٧ - [٥٤] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَرْكَبُوا الْخَزَّ وَلَا النِّمَارَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤١٢٩، ن في الكبرى: ٩٧٣٠].\n٤٣٥٨ - [٥٥] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى عَنْ الْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءَ. رَوَاهُ فِي \"شَرْح السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١٢/ ٥٨].\nــ\nالأربعة، وتمامه في (باب الخاتم).\nوقوله: (القسي) بفتح القاف وقد يكسر وتشديد السين المهملة منسوب إلى قس موضع من أرض مصر، وفي بعض الشروح أن النهي عنها إنما هو إذا كان من حرير.\nوقال الطيبي (١): إنها ثياب من كتان مختلطة بحرير، وقال الكرماني (٢): إنها ثياب مضلعة فيها حرير على مثال الأترج، والثياب المضلعة هي فيها خطوط عريضة مثل الأضلاع أو من كتان فيها حرير، وقوله: (والمياثر) جمع ميثرة، مرّ تحقيقها في (لا أركب الأرجوان).\n٤٣٥٧، ٤٣٥٨ - [٥٤، ٥٥] (معاوية) قوله: (لا تركبوا الخز ولا النمار) الخز بفتح الخاء المعجمة والزاي المشددة، في (القاموس) (٣): ثوب معروف، وفي\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٢٣).\n(٢) \"شرح الكرماني\" (٢١/ ٨٣)، و\"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٢٦٨).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٧٣).","vol":"7","page":364},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n(النهاية) (١): أن الخز كان في الزمان السابق اسمًا لثياب منسوج من صوف وحرير وهو مباح، كان الصحابة والتابعون يلبسونها، فالنهي عنها لعلة التشبه بالأعاجم على طريق التكبر والخيلاء بأن يلقوها على السرج كالمياثر، وقال: وإن كان المراد بالخز ما تعارف الآن فهو كله حرير، وحرام مطلقًا، وعلى هذا قد يحمل ما جاء في الحديث: (سيأتي قوم في آخر الزمان يستحلون الخز والحرير) (٢) وقالوا: لم يكن من هذا النوع في زمان النبوة، فالإخبار بالغيب معجزة له -ﷺ-، وقال في (مطالب المؤمنين): لا بأس بلبس الخز، وقال: اسم دابة بحرية يكون على جلده خز وبها سمي، وليس هو من جنس الحرير، والذي يحرم على الرجال هو الحرير، كذا في (المحيط) (٣).\nوقال أيضًا: قال السيد الإمام ناصر الدين: الخز في زمانهم كان اسما لثوب من شعر ذلك الحيوان يقال لها بالتركية: قندر، وبالعربية: قضاعة، وأما اليوم في زماننا فيتخذ من الحرير الغليظ، فيحق أن يكون مكروهًا، كذا في (السراجية).\nوأما النمار بكسر النون فبعضهم يقولون: إنها جمع نمرة بمعنى كساء مخطط، فالكراهة تنزيهية لأجل الزينة والخيلاء على طريقة المياثر، والأكثرون على أنها جمع نمر سبع معروف، والمراد جلودها التي تلقى على السروج، وتعقب هذا الوجه بأن جمع نمر إنما هو النمور لا النمار، وأجيب بأنه قد جاء جمع نمر: نمار، كما جاء: نمور، وفي هذا الحديث أيضًا جاء في رواية: (لا تركبوا الخز والنمور)، وهي قرينة\n_________\n(١) \"النهاية\" (٢/ ٢٨).\n(٢) أخرجه أبو داود في \"السنن\" (٤٠٣٩).\n(٣) \"المحيط البرهاني\" (٥/ ٣٤٤).","vol":"7","page":365},{"text":"٤٣٥٩ - [٥٦] وَعَنْ أَبِي رِمْثةَ التَّيْمِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَخْضَرَانِ، وَلَهُ شَعَرٌ قَدْ عَلَاهُ الشَّيْبُ، وَشَيْبُهُ أَحْمَرُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ: وَهُوَ ذُو وَفْرَةٍ وَبِهَا رَدْعٌ مِنْ حِنَّاءٍ. [ت: ٢٨١٢، د: ٤٠٦٥].\nــ\nعلى أن النمار بمعنى النمور، وفي (القاموس) (١): النمر ككتف: سبع معروف، وجمعه أنمر، وأنمار، ونُمُرٌ، ونمار، ونمور.\n٤٣٥٩ - [٥٦] قوله: (وعن أبي رمثة) بكسر الراء وسكون الميم بعدها ثاء مثلثة.\nوقوله: (ثوبان أخضران) أي: فيهما خطوط خضر، هكذا فسروا الأخضر والأحمر حيث وقعا في الحديث إلا نادرًا، ولو حمل على الأخضر الصرف لجاز أيضًا بخلاف الأحمر.\nوقوله: (وله شعر قد علاه الشيب) أي: غلبه وأدركه، وقد جاء عن أنس أنه قال: ما عددت في رأس رسول اللَّه -ﷺ- ولحيته إلا أربع عشرة شعرة بيضاء، وعن ابن عمر قال: إنما كان شيب رسول اللَّه -ﷺ- نحوًا من عشرين شعرة بيضاء، وقد جاء في رواية: سبع عشرة، والاختلاف يحتمل أن يكون باختلاف الأوقات أو عدم التفتيش.\nوقوله: (وشيبه أحمر) قال الطيبي (٢): أي مصبوغ بالحناء، وزاد الحاكم عن أبي رمثة: مصبوغ بالحناء كما جاء في رواية لأبي داود.\nوقوله: (وهو ذو وفرة وبها ردع من حناء) الوفرة بفتح الواو وسكون الفاء: الشعر\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٥٣).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٢٤).","vol":"7","page":366},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nإلى شحمة الأذن كما أن الجمة بضم الجيم إلى المنكبين، واللمة بكسر اللام بين بين، نزل من الأذن وألم إلى المنكب، والردع بفتح الراء وسكون الدال، العين المهملة: اللطخ، في (القاموس) (١): ردعه بالشيء: لطخه به، وفسره الطيبي (٢) بالصبغ، وجاء في رواية: الرخ بالغين المعجمة وهو الطين والوحل الشديد، وفي الحديث: ردغة الخبال، وفي رواية: طينة الخبال، أي: عصارة أهل النار.\nوقال بعضهم: المراد من قوله: (وشيبه أحمر) أنه لم يبلغ البياض وهو في ابتدائه، فإن العادة أن الشيب يبتدأ أحمر ثم يصير بياضًا خالصًا، ومن ههنا ظهر الاختلاف بين المحدثين والفقهاء، فأكثر المحدثين على أنه -ﷺ- لم يخضب ولم يبلغ شيبه حد الخضاب كما جاء في حديث أنس حين سئل هل خضب رسول اللَّه -ﷺ-؟ قال: لم يبلغ ذلك، إنما كان شيبًا أو شيئًا في صدغيه، وسئل جابر بن سمرة عن شيب رسول اللَّه -ﷺ- قال: كان إذا ادهن رأسه لم ير منه شيب، فإذا لم يدهن رئي منه، والفقهاء على أنه -ﷺ- قد خضب، ودل الحديث المذكور على ما فسره أكثر الشراح على أنه خضب هذه الشعرات القليلة المذكورة بالحناء، والمحدثون يحملونه على عدم بلوغ الشيب حد البياض كما ذكرنا، وأقول -وباللَّه التوفيق-: إنه -ﷺ- لم يخضبها قصدًا، ولكن كان -ﷺ- قد يغسل رأسه بالحناء تنظيفًا وتطييبًا، فكانت هذه الشعرات تتصبغ بها من غير أن يقصد خضابها.\nوقيل: إنه -ﷺ- كان يستعمل الطيب كثيرًا فيحسب الناظر كأنه خضب، وأما ما جاء\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٦٥).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٢٤).","vol":"7","page":367},{"text":"٤٣٦٠ - [٥٧] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ شَاكِيًا، فَخَرَجَ يَتَوَكَّأُ عَلَى أُسَامَةَ، وَعَلَيْهِ ثَوْبُ قِطْرٍ قَدْ تَوَشَّحَ بِهِ فَصَلَّى بِهِمْ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١٢/ ٢٣].\n٤٣٦١ - [٥٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- ثَوْبَانِ قِطْرِيَّانِ غَلِيظَانِ، وَكَانَ إِذَا قَعَدَ فَعَرِقَ ثَقُلَا عَلَيْهِ، فَقَدِمَ بَزٌّ مِنَ الشَّامِ. . . . .\nــ\nفي حديث آخر: رأيت شعر رسول اللَّه -ﷺ- عند أنس بن مالك مخضوبًا، فتأويله أنه كان قد طيبه فصار شبيهًا بالمخضوب أو أنه خضبه تقوية وتبقية له بدليل أنه قد جاء عن أنس أنه قال: لم يخضب، وأما ما جاء في حديث آخر أنه كان -ﷺ- يخضب تارة بحمرة وتارة بصفرة، فالمراد به أنه كان يغسل رأسه ولحيته بالحناء والزعفران تنقية وتنظيفًا وتطييبًا، ولما كان شعره -ﷺ- أسود لم يتصبغ به؛ لأن السواد لا يقبل لونًا آخر، كذا سمعت من شيخي رحمة اللَّه عليه.\n٤٣٦٠ - [٥٧] (أنس) قوله: (شاكيًا) أي: مريضًا، وكان في مرض موته.\nوقوله: (عليه ثوب قطر) القطر بالكسر: ضرب من البرود، كذا قال في (القاموس) (١)، وقال أيضًا: القطر: بلد بين القطيف وعمان، وثياب قطرية بالكسر وبفتحتين على غير القياس.\nوقوله: (قد توشح به) أي: لبسه بطريق الوشاح، وقيل: المراد بالتوشح مطلق التغشي مجردًا عن التوشح.\n٤٣٦١ - [٥٨] (عائشة) قوله: (فقدم بز) في (القاموس) (٢): البز: الثياب، وقال\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٣٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٦٧).","vol":"7","page":368},{"text":"لِفُلَانٍ الْيَهُودِيِّ. فَقُلْتُ: لَوْ بَعَثْتَ إِلَيْهِ فَاشْتَرَيْتَ مِنْهُ ثَوْبَيْنِ إِلَى الْمَيْسَرَةِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتُ مَا تُرِيدُ، إِنَّمَا تُرِيدُ أَنْ تَذْهَبَ بِمَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَذَبَ، قَدْ عَلِمَ أَنِّي مِنْ أَتْقَاهُمْ وَآدَاهُمْ لِلأَمَانَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ١٢١٣، ن: ٤٦٢٨].\nــ\nالطيبي (١): ضرب من الثياب، وهو عند أهل الكوفة ثياب الكتان والقطن، لا ثياب الصوف والخز، والمراد بالقدوم الوصول فيكون مجازًا في الظرف، أو المراد أصحاب البز، فيكون في الإسناد، ولو للشرط أو للتمني، و(الميسرة) الغنى، والخطاب في (تريد) في الظاهر للذي أرسل، وفي الحقيقة له -ﷺ-، أو التقدير قل له: قد علمت ما تريد، وفي بعض النسخ بالياء التحتانية فلا إشكال.\nوقوله: (كذب قد علم) قد يتوهم منه أن الكذب عدم مطابقة الخبر للاعتقاد، وليس كذلك، فإن المراد: كذب في قوله: (إنما تريد أن تذهب بمالي)؛ فإنه خبر غير مطابق للواقع، فإني لا أريد ذلك، وقد علم بكذبه في ذلك فإنه يعلم بما قرأه في التوراة أني أتقى الناس وآداهم للأمانة، إني لا أريد ذلك، و(أتقى وآدى) أفعل من المزيد، الأول من اتقى، والثاني من أدى بحذف الزائد، ويجوز أن يكون أتقى من وقي بتبديل واوه تاء، والثاني من أدى مخففًا مجرد أدّى، وإن لم يكن مستعملًا، فتدبر، واللَّه أعلم. وقد يجيء ذلك كقولهم: أعطاهم للدينار، و(من) في (من أتقاهم) إما تبعيضية، والمقصود التواضع وحسن الأداء، وهي زائدة على مذهب الأخفش.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٢٥).","vol":"7","page":369},{"text":"٤٣٦٢ - [٥٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَعَلَيَّ ثَوْبٌ مَصْبُوغٌ بِعُصْفُرٍ مُوَرَّدًا، فَقَالَ: \"مَا هَذَا؟ \" فَعَرَفْتُ مَا كَرِهَ، فَانْطَلَقْتُ فَأَحْرَقْتُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"مَا صَنَعْتَ بِثَوْبِكَ؟ \" قُلْتُ: أَحْرَقْتُهُ، قَالَ: \"أَفَلَا كَسَوْتَهُ بَعْضَ أَهْلِكَ؟ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِلنِّسَاءِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٠٦٨].\n٤٣٦٣ - [٦٠] وَعَنْ هِلَالِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيتُ النَّبِيَّ -ﷺ- بِمِنًى يَخْطُبُ عَلَى بَغْلَةٍ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ أَحْمَرُ، وَعَلِيٌّ أَمَامَهُ يُعَبِّرُ عَنْهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٠٧٣].\n٤٣٦٤ - [٦١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صُنِعَتْ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- بُرْدَةٌ سَوْدَاءُ، فَلَبِسَهَا فَلَمَّا عَرِقَ فِيهَا وَجَدَ رِيحَ الصُّوفِ فَقَذَفَهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٠٧٤].\nــ\n٤٣٦٢ - [٥٩] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (موردًا) حال من ثوب أو من ضمير (مصبوغ)، وقال الطيبي (١): صفة لمصدر محذوف، أي: صبغة مورّدًا، وقال: المورّد ما صبغ على لون الورد، فليفهم.\n٤٣٦٣ - [٦٠] (هلال بن عامر) قوله: (برد أحمر) أي: فيه خطوط حمر.\nوقوله: (وعلي أمامه يعبر عنه) أي: يبلغ كلامه بأعلى صوته إلى أهل الموسم لكثرتهم وبُعدهم عن الرسول -ﷺ-.\n٤٣٦٤ - [٦١] (عائشة) قوله: (فقذفها) فيه تنبيه على تنظيف الثوب وخلعه من رائحة النفس أو الناس.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٦٦).","vol":"7","page":370},{"text":"٤٣٦٥ - [٦٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- وَهُوَ مُحْتَبٍ بِشَمْلَةٍ قَدْ وَقَعَ هُدْبُهَا عَلَى قَدَمَيْهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٠٧٥].\nــ\n٤٣٦٥ - [٦٢] (جابر) قوله: (وهو محتب) أي: جالس على هيئة الاحتباء.\nوقوله: (بشملة) أي: بثوب يشتمل عليه، وفي تفسير الشملة بالبردة مسامحة؛ لأن البردة كساء، والشملة ما يشمل فهو أخص، كذا في (مجمع البحار) (١)، وفي (مختصر النهاية) (٢): الشملة كساء يُتَلَفَّفُ فِيه، وفي (المشارق) (٣): الشملة كساء يشتمل به، وقيل: إنما الشملة إذا كان لها هدب، وقال ابن دريد: هو كساء يؤتزر به، وقال الخليل: الشملة كساء له خمل متفرق يلتحف به دون القطيفة، وقيل: الشملة كل ما اشتمل به الإنسان من الملاحف والبرد.\nوقوله: (قد وقع هدبها) في (القاموس) (٤): الهدب بالضم، وبضمتين: خَمْلُ الثوب، وواحدتها بهاء، وفي (النهاية) (٥): هدب الثوب، وهدبته، وهدابه: طرفه مما يلي طرته، وفي (مجمع البحار) (٦): هو بضم هاء وسكون دال: طرفه الذي لم ينسج، شبه بهدب العين: شعر جفنتها، ومنه الإزار المهدب، أي: له أهداب، ومنه حديث: إنما معه مثل هدبة الثوب، أرادت متاعه وأنه رِخو مثل طرف الثوب لا يغني عنها شيئًا.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٢٥٧).\n(٢) \"الدر النثير\" (١/ ٥٤٠).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٤٢٨).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٤٥).\n(٥) \"النهاية\" (٥/ ٢٤٩).\n(٦) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ١٥٢).","vol":"7","page":371},{"text":"٤٣٦٦ - [٦٣] وَعَنْ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِقَبَاطِيَّ، فَأَعْطَانِي مِنْهَا قُبْطِيَّةً فَقَالَ: \"اصْدَعْهَا صَدْعَيْنِ، فَاقْطَعْ أَحَدَهُمَا قَمِيصًا، وَأَعْطِ الآخَرَ امْرَأَتَكَ تَخْتَمِرُ بِهِ\" فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ: \"وَأْمُرِ امْرَأَتَكَ أَنْ تَجْعَلَ تَحْتَهُ ثَوْبًا لَا يَصِفُهَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١١٦].\n٤٣٦٧ - [٦٤] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَة: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- دَخَلَ عَلَيْهَا وَهِيَ تَخْتَمِرُ فَقَالَ: \"لَيَّةً لَا لَيَّتَيْنِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١١٥].\nــ\n٤٣٦٦ - [٦٣] (دحية بن خليفة) قوله: (بقباطي) بفتح القاف وكسر الطاء وتشديد الياء، وهو جمع قبطية بضم القاف وقد يكسر وسكون الباء منسوبة إلى القبط، وهم أهل مصر، قوم فرعون، وإليهم تنسب مارية القبطية أم إبراهيم بن رسول اللَّه -ﷺ-، والقبط بكسر القاف، والضم في القبطية من تغيرات النسب على غير القياس، وإنما هي في نسبة الثياب إليه، وأما في الآدميين فمكسورة على القياس، والياء في قباطي مفتوحة لمنع الصرف؛ لأنه على وزن قناديل، وهو كأماني جمع أمنية، والقبطية: ثوب رقيق بيضاء يتخذ من كتان.\nوقوله: (صدعين) بالفتح مصدر وبالكسر اسم كالشق معنى ووزنًا، ومثله الفرق، والفرق -بالفتح والكسر- والصدع: شق شيء صلب كالقارورة ونحوها.\nوقوله: (تختمر به) الخمار ما تغطي به المرأة رأسها، وهو مرفوع على الاستئناف أو مجزوم جوابًا للأمر، وكذلك قوله: (لا يصفها) أي: كيلا يصفها لظهور لون بشرتها لكون ذلك الثوب القبطي رقيقًا تظهر من تحته البشرة.\n٤٣٦٧ - [٦٤] (أم سلمة) قوله: (لية لا ليتين) مفعول مطلق، أي: لَوِّي لية واحدة أو مفعول به، أي: اجعلي لية لا ليتين حذرًا عن الإسراف أو عن التشبه بالرجل، ومن عادة نساء العرب أن يلوين رأسهن بالثوب مثل شد العصابة، فنهى رسول اللَّه -ﷺ-","vol":"7","page":372},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1032> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٣٦٨ - [٦٥] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَرَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَفِي إِزَارِي اسْتِرْخَاءٌ، فَقَالَ: \"يَا عَبْدَ اللَّه! ارْفَعْ إِزَارَكَ\" فَرَفَعْتُهُ ثُمَّ قَالَ: \"زِدْ\" فَزِدْتُ، فَمَا زِلْتُ أَتَحَرَّاهَا بَعْدُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالَ: \"إِلَى أَنْصَافِ السَّاقَيْنِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٨٦].\n٤٣٦٩ - [٦٦] وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِزَارِي يَسْتَرْخِي إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَهُ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَفْعَلُهُ خُيَلَاءَ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٦٦٥].\nــ\nأن يلوي ليتين لئلا يشبه بعمامة الرجال.\nالفصل الثالث\n٤٣٦٨ - [٦٥] (ابن عمر) قوله: (أتحراها) في (القاموس) (١): تحراه: تعمده، وطلب ما هو أحرى بالاستعمال، والضمير في أتحراها للفعلة المذكورة، وهو رفع الإزار.\n٤٣٦٩ - [٦٦] (وعنه) قوله: (إلا أن أتعاهده) تعهد الضيعة وتعاهدها: أصلحها، وحقيقته جدّد العهد بها، كذا نقل عن (المغرب) (٢)، وفي (القاموس) (٣): تعهده وتعاهده واعتهده: تفقده، وأحدث العهد به.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٧١).\n(٢) \"المغرب\" (ص: ١٨٥).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٨٩).","vol":"7","page":373},{"text":"٤٣٧٠ - [٦٧] وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَأْتَزِرُ، فَيَضَعُ حَاشِيَةَ إِزَارِهِ مِنْ مُقَدَّمِهِ عَلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ، وَيَرْفَعُ مِنْ مُؤَخَّرِهِ، قُلْتُ: لِمَ تَأْتَزِرُ هَذِهِ الإِزْرَةَ؟ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَأْتَزِرُهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٠٦٩].\n٤٣٧١ - [٦٨] وَعَنْ عُبَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عَلَيْكُمْ بِالْعَمَائِمِ فَإِنَّهَا سِيمَاءُ الْمَلَائِكَةِ، وَأَرْخُوهَا خَلْفَ ظُهُورِكُمْ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [هب: ٥/ ١٧٦].\n٤٣٧٢ - [٦٩] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ دَخَلْتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَعَلَيْهَا ثِيَابٌ رِقَاقٌ فَأَعْرَضَ عَنْهُ وَقَالَ: \"يَا أَسْمَاءُ! إِنَّ الْمَرأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَنْ يَصْلُحَ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلَّا هَذَا وَهَذَا\". وَأَشَارَ إِلَى وَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٠٤].\nــ\n٤٣٧٠ - [٦٧] (عكرمة) قوله: (هذه الإزرة) بكسر الهمزة وسكون الزاي أي: بهذه الهيئة، وهذا النوع من الائتزار.\n٤٣٧١ - [٦٨] (عبادة) قوله: (فإنها سيماء الملائكة) أي: يوم بدر جاءت بعمائم مرخاة على أكنافهم، و(سيما) مقصورًا، وقد جاء ممدودًا: العلامة، ولعل القصر عند الإضافة إلى المضمر أكثر كالمد في المظهر، فتدبر.\nوقوله: (خلف ظهركم) بالإفراد، وفي بعض النسخ: (ظهوركم) وهو أظهر.\n٤٣٧٢ - [٦٩] (عائشة) قوله: (إذا بلغت المحيض) أي: زمان البلوغ.\nوقوله: (وأشار إلى وجهه وكفيه) هذا هو ستر العورة، وأما الحجاب فشيء آخر وهو أن لا يخرجن ولا يظهرن للرجال ولو مستورات في الثياب، وهي من خواص نساء النبي -ﷺ- ورضي عنهن.","vol":"7","page":374},{"text":"٤٣٧٣ - [٧٠] وَعَنْ أَبِي مَطَرٍ قَالَ: إِنْ عَلِيًّا اشْتَرَى ثَوْبًا بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، فَلَمَّا لَبِسَهُ قَالَ: \"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَزَقَنِي مِنَ الرِّيَاشِ مَا أَتَجَمَّلُ بِهِ فِي النَّاسِ وَأُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي\" ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ١٥٧].\n٤٣٧٤ - [٧١] وَعَنْ أَبِي أَمَامَةَ قَالَ: لَبِسَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁- ثَوْبًا جَدِيدًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي مَا أُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي وَأَتَجَمَّلُ بِهِ فِي حَيَاتِي، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّه الَّذِي كَسَانِي مَا أُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي وَأَتَجَمَّلُ بِهِ فِي حَيَاتِي، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى الثَّوْبِ الَّذِي أَخْلَقَ فَتَصَدَّقَ بِهِ، كَانَ فِي كَنَفِ اللَّه وَفِي حِفْظِ اللَّهِ،\nــ\n٤٣٧٣ - [٧٠] (أبو مطر) قوله: (وعن أبي مطر) بفتحتين.\nوقوله: (من الرياش) الريش والرياش: اللباس الفاخر، كاللبس واللباس، وأصله ريش الطير.\nوقوله: (وأواري) أستر، تلميح إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ [الأعراف: ٢٦].\n٤٣٧٤ - [٧١] (أبو أمامة) قوله: (أخلق) من باب الإفعال خلق الثوب: بلي، وأخلقه: أبلاه.\nوقوله: (في كنف اللَّه) محركة، أي: في حرزه وستره، وهو الجانب، والظل، والناحية، كذا في (القاموس) (١).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٨٥).","vol":"7","page":375},{"text":"وَفِي سَتْرِ اللَّه حَيًّا وَمَيِّتًا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [حم: ١/ ٤٤، ت: ٣٥٦٠، جه: ٣٥٥٧].\n٤٣٧٥ - [٧٢] وَعَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أُمِّهِ قَالَتْ: دَخَلَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلَى عَائِشَةَ وَعَلَيْهَا خِمَارٌ رَقِيقٌ، فَشَقَّتْهُ عَائِشَةُ وَكَسَتْهَا خِمَارًا كَثِيفًا. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢/ ٩١٣].\n٤٣٧٦ - [٧٣] وَعَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ وَعَلَيْهَا دِرْعٌ قِطْرِيٌّ ثَمَنُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ فَقَالَتْ: ارْفَعْ بَصَرَكَ إِلَى جَارِيَتِي، انْظُرْ إِلَيْهَا،\nــ\nوقوله: (وفي ستر اللَّه) الستر بالكسر واحد الستور والأستار، وبالفتح مصدر ستر.\n٤٣٧٥ - [٧٢] (علقمة بن أبي علقمة) قوله: (فشقته عائشة) لعلها شقته زجرًا لها، ثم استعملت شقيها في أمر، واللَّه أعلم.\n٤٣٧٦ - [٧٣] (عبد الواحد بن أيمن) قوله: (درع قطري) درع الحديد، مؤنث، ودرع المرأة: ما تلبسه فوق القميص، مذكر، كذا نقل عن (المغرب) (١)، قال في (القاموس) (٢): درع الحديد قد يذكر، وجمعه أدرع وأدراع ودروع، ومن المرأة قميصها، مذكر، وجمعه أدراع، قال: والقطر بالكسر: ضرب من البرود كالقطرية.\nوقوله: (ثمن خمسة دراهم) أي: ذو ثمن، والإضافة بيانية، وقال الطيبي (٣):\n_________\n(١) \"المغرب\" (ص: ٩٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٥٩).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٢٩).","vol":"7","page":376},{"text":"فَإِنَّهَا تُزْهَى أَنْ تَلْبَسَهُ فِي الْبَيْتِ، وَقد كَانَ لِي مِنْهَا دِرْعٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ تُقَيَّنُ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا أَرْسَلَتْ إِلَيَّ تَسْتَعِيرُهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٦٢٩، ٤٨٦٩].\n٤٣٧٧ - [٧٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَبِسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا قَبَاءَ دِيبَاجٍ أُهْدِيَ لَهُ، ثُمَّ أَوْشَكَ أَنْ نَزَعَهُ فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَى عُمَرَ، فَقِيلَ: قَدْ أَوْشَكَ مَا انْتَزَعْتَه (١) يَا رَسُولَ اللَّه! فَقَالَ: \"نَهَانِي عَنْهُ جِبْرِيلُ\". . . . . .\nــ\nأصله ثمنه خمسة دراهم، فقلب وجعل المثمن ثمنًا.\nوقوله: (تزهى) بضم أوله، أي: تأنف وتتكبر، قال في (فتح الباري) (٢): هو من الحروف التي جاءت بلفظ البناء للمفعول وإن كانت بمعنى الفاعل، ولأبي ذر (تزهي) بفتح أوله، وقال الأصمعي: لا يقال بالفتح.\nوقوله: (وقد كان لي منها) أي: من الثياب القطرية، وقال الطيبي (٣): الضمير في (منها) راجع إلى جنس الثياب التي لا يؤبه بها.\nوقوله: (تقين) أي: تزين، والتقيين: التزيين، والرواية على صيغة التفعيل، ويحتمل اللفظ أن يكون من التفعل بحذف التاء.\n٤٣٧٧ - [٧٤] (جابر) قوله: (ثم أوشك أن نزعه) أوشك من أفعال المقاربة بمعنى عسى، و(أن نزعه) بفتح الهمزة فاعله، نحو: عسى أن يخرج زيد، والمراد: أسرع نزعه، و(ما) في (ما انتزعته) مصدرية، أي: أسرع انتزاعك إياه.\n_________\n(١) في نسخة: \"نزعته\".\n(٢) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٤٢).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٢٩).","vol":"7","page":377},{"text":"فَجَاءَ عُمَرُ يَبْكِي فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه كَرِهْتَ أَمْرًا وَأَعْطَيْتَنِيهِ فَمَا لِي؟ فَقَالَ: \"إِنِّي لَمْ أُعْطِكَهُ تَلْبَسُهُ، إِنَّمَا أَعْطَيْتُكَهُ تَبِيعُهُ\". فَبَاعَهُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٧٠].\n٤٣٧٨ - [٧٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ ثَوْبِ الْمُصْمَتِ مِنَ الْحَرِيرِ، فَأَمَّا الْعَلَمُ وَسَدَى الثَّوْبِ فَلَا بَأْسَ بِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٠٥٥].\nــ\nوقوله: (تلبسه) وكذا (تبيعه) قال الطيبي (١): هما مرفوعان على الاستئناف لبيان الغرض، وفي بعض الحواشي: أنهما منصوبان بتقدير (أن)، وكأنه لم يأمره بأن يكسوه النساء لغلاء ثمنهن لئلا يلزم الإسراف.\n٤٣٧٨ - [٧٥] (ابن عباس) قوله: (عن الثوب المصمت) بضم الميم وسكون الصاد: ثوب سداه ولحمته كلاهما من الحرير، ولا شيء معه غيره، قال في (القاموس) (٢): ثوب مصمت الذي لا يخالط لونه لونًا آخر.\nوقوله: (فأما العلم وسدى الثوب فلا بأس به) أما العلم فيشترط أن لا يكون أكثر من أربع أصابع، وأما سدى الثوب بفتح السين، فاعلم أن ما كان من الثوب سداه ولحمته كلاهما حريرًا فهو حرام بالاتفاق إلا في الحرب عند أبي يوسف ومحمد، والذي سداه حرير لا لحمته فهو مشروع بالاتفاق، وعكسه أيضًا مكروه إلا في الحرب عند أبي حنيفة، وعندهما هو والحرير الصرف كلاهما مباح في الحرب، وقد شذ قول بعض العلماء بإباحة لبس الحرير الصرف، وهو مما لا يعمل به، كذا في (مطالب المؤمنين).\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٣٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٥٦).","vol":"7","page":378},{"text":"٤٣٧٩ - [٧٦] وَعَنْ أَبِي رَجَاءٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَعَلَيْهِ مِطْرَفٌ مِنْ خَزٍّ، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِ نِعْمَةً فَإِنَّ اللَّه يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ٤٣].\n٤٣٨٠ - [٧٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُلْ مَا شِئْتَ، وَالْبَسْ مَا شِئْتَ، مَا أَخْطَاتْكَ اثْنَتَانِ: سَرَفٌ وَمَخِيلَةٌ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَة بَابٍ. [خ: ك: ٧٧، ب: ١].\n٤٣٨١ - [٧٨] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كُلُوا، وَاشْرَبُوا، وَتَصَدَّقُوا، وَالْبَسُوا مَا لَمْ يُخَالِطْ إِسْرَافٌ وَلَا مَخِيلَةٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ١٨١، ن: ٢٥٥٩، جه: ٣٦٠٥].\nــ\n٤٣٧٩ - [٧٦] (أبو رجاء) قوله: (مطرف) مثلثة الميم: ثوب في طرفيه علم، وفي (القاموس) (١): مطرف على وزن مكرم، رداء من خز مربع معلم، والخز قد عرف معناه سابقًا.\n٤٣٨٠ - [٧٧] (ابن عباس) قوله: (كل ما شئت والبس ما شئت) أي: من المباحات.\nوقوله: (ما أخطاتك) أي: ما دام جاوزك الإسراف والكبر والخيلاء.\n٤٣٨١ - [٧٨] (عمرو بن شعيب) قوله: (وتصدقوا) تنبيه على أن الأكل والشرب وإن كان مباحًا لنفسه مما شاء، ولكن لا بد أن يتصدق أيضًا، ولا يصرف الكل إلى نفسه.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٦٧).","vol":"7","page":379},{"text":"٤٣٨٢ - [٧٩] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَحْسَنَ مَا زُرْتُمُ اللَّه فِي قُبُورِكُمْ وَمَسَاجِدِكُمُ الْبَيَاضُ\". رَوَاهُ ابْنْ مَاجَهْ. [جه: ٣٥٦٨].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1033>١ - باب الخاتم</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1034> الفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٣٨٣ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: اتَّخَذَ النَّبِيُّ -ﷺ- خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَجَعَلَهُ فِي يَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ أَلْقَاهُ ثُمَّ اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ. . . . .\nــ\n٤٣٨٢ - [٧٩] (أبو الدرداء) قوله: (في قبوركم ومساجدكم) يريد الكفن واللباس في الصلاة.\n١ - باب الخاتم\nفيه لغات: خاتم بفتح التاء وكسرها، والخاتام والختام بكسر الخاء والختم محركة وغيرها، كذا في (القاموس) (١)، وفي بعض الكتب: السادس: خيتوم.\nالفصل الأول\n٤٣٨٣ - [١] (ابن عمر) قوله: (من ورق) بفتح الواو وكسر الراء وسكونها، وفي (القاموس) (٢): الورق مثلثة، وككتف وجبل: الدراهم المضروبة، انتهى. فيكون فيه خمس لغات: الورق بسكون الراء مع تثليث الواو، وبفتح الواو وكسر الراء وفتحهما،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠١٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٥٥).","vol":"7","page":380},{"text":"نُقِشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، وَقَالَ: \"لَا يَنْقُشَنَّ أَحَدٌ عَلَى نَقْشِ خَاتَمِي هَذَا\". . . . .\nــ\nوالمراد هنا من الورق الفضة وإن كان في الأصل اسمًا للدراهم المضروبة، ثم الحديث يشتمل على حكمين منسوخين، أحدهما: لبس خاتم الذهب ثم نسخه في حق الرجال، والثاني: لبس الخاتم في اليمين ثم نسخ، وكان آخر الأمرين منه -ﷺ- لبسه في اليسار، كذا قال الطيبي (١)، ويوافقه ما قال السيوطي في (شرح البخاري) (٢) أنه: وردت أحاديث بلبس الخاتم في اليمين، وأحاديث بلبسه في اليسار، والعمل عليه، والأول منسوخ، قاله البيهقي والبغوي وغيرهما، وأخرج ابن عدي وغيره من حديث ابن عمر أنه -ﷺ- تختم في يمينه ثم حوله في يساره، انتهى.\nوقال الشيخ مجد الدين اللغوي (٣): الروايات مختلفة، فقد جاء في بعض الأحاديث أنه كان يلبسه في يمينه، وفي بعضها في اليسار، وكلها صحيحة، فالظاهر أنه كان تختم في اليسرى تارة وفي اليمنى أخرى، انتهى. فعلى هذا لا نسخ بل كل منها معمول، وهذا يوافق ما قال النووي: الإجماع على جواز التختم في اليمنى واليسرى، وقال (٤): الصحيح من مذهبنا التختم في اليمين؛ لأنها أشرف فهي أحق بالزينة والإكرام.\nوقوله: (نقش) بلفظ المجهول والمعلوم، و(لا ينقشن) بضم القاف.\nوقوله: (على نقش خاتمي هذا) أي: كائنا على نقش خاتمي، وقيل: (على)\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٣٢).\n(٢) \"التوشيح\" (٨/ ٣٥٩٨).\n(٣) \"سفر السعادة\" (ص: ٢٦٥).\n(٤) \"شرح النووي\" (١٤/ ٧٣٠٧٢).","vol":"7","page":381},{"text":"وَكَانَ إِذَا لَبِسَهُ جَعَلَ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي بَطْنَ كَفِّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٧٦، م: ٢٠٩١].\n٤٣٨٤ - [٢] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ، وَالْمُعَصْفَرِ، وَعَنْ تَخَتُّمِ الذَّهَبِ، وَعَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٧٨].\nــ\nهنا بمعنى المثل، و(هذا) إما إشارة إلى النقش أو الخاتم، والمقصود تعينه وتميزه للتعظيم والتفخيم، ويمكن أن يكون تقييدًا بأن يكون هذا الخاتم مخصوصًا ومعينًا لختم كتبه إلى الملوك، فيحفظ عن الاشتراك لئلا تلزم المفسدة، ولم يكن غيره من الخواتيم معدًا لذلك، فلا مانع من الاشتراك، وإنما صرح -ﷺ- بالنهي عن ذلك؛ لأن هذه الكلمة مشتركة بين المسلمين، وكانوا متبركين به، فكان مظنة أن ينقشوا به فنهاهم عن ذلك لئلا تلزم المفسدة.\nوقوله: (جعل فصه مما يلي بطن كفه) وهو المختار في مذهب الحنفية كما قال في (الهداية) (١)؛ لأنه أبعد من الإعجاب والزينة، وقال الطيبي (٢): ولكن لما لم يأمر بذلك جاز جعل الفص مما يلي ظهر كفه، وقد تختم السلف على الوجهين.\n٤٣٨٤ - [٢] (علي) قوله: (عن لبس القسي) مرّ معناه في (كتاب اللباس).\nوقوله: (وعن قراءة القرآن في الركوع) له معنيان، أحدهما: النهي عن قراءة القرآن في الركوع مكان التسبيح؛ لأن محل القراءة القيام، والركوع موضع التسبيح، وهذا ما ذكره الطيبي (٣)، وثانيهما: أنه ينبغي أن يتم القراءة في القيام ولا يضطرب\n_________\n(١) \"الهداية\" (٤/ ٣٦٧).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٣٢).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٣٣).","vol":"7","page":382},{"text":"٤٣٨٥ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ، فَنَزَعَهُ، فَطَرَحَهُ، فَقَالَ: \"يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ؟ \" فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: خُذْ خَاتَمَكَ انْتَفِعْ بِهِ. قَالَ: لَا وَاللَّه لَا آخُذُهُ أَبَدًا، وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٩٠].\n٤٣٨٦ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إِلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَالنَّجَاشِيِّ، فَقِيلَ: إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا بِخَاتَمٍ، فَصَاغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَاتَمًا حَلْقَةَ فِضَّةٍ، نُقِشَ فِيهِ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nــ\nبحيث يقع بعضه في الركوع كما يفعله بعض من لا ثبات عنده، والذي ذكره الطيبي لا يقتضي تخصيص ذكر الركوع بقراءة القرآن فيه؛ فإن السجود كذلك ليس محل القراءة كما لا يخفى.\n٤٣٨٥ - [٣] (عبد اللَّه بن عباس) قوله: (وقد طرحه رسول اللَّه -ﷺ-) فإن ما طرحه وكرهه لا يكون فيه خير مع أن في تركه للفقراء كفارة لما مضى من التقصير.\n٤٣٨٦ - [٤] (أنس) قوله: (إلى كسرى وقيصر والنجاشي) كسرى بفتح الكاف وكسرها، والنجاشي بفتح النون وكسرها وتخفيف الجيم، وتشديد الياء وتخفيفها، وسكونها، وقيل: تشديد جيمه خطأ.\nوقوله: (حلقة فضة) بالإضافة بدل من (خاتمًا)، ولم يذكر الفص اكتفاء، وقد جاء في الأحاديث أن فصه أيضًا من فضة، وفي بعضها أنه كان فصه حبشيًا.\nوقوله: (محمد) سطر و(رسول) بالرفع بلا تنوين حكاية، وكذا (اللَّه) بالجر، ولم يذكر في هذه الرواية الأول والثاني والثالث، وقد صرح النووي وغيره بأن السطر","vol":"7","page":383},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: كَانَ نَقْشُ الْخَاتَمِ ثَلَاثَةَ أَسْطُرٍ: مُحَمَّدٌ سَطْرٌ، وَرَسُولٌ سَطْرٌ، وَاللَّه سَطْرٌ. [م: ٢٠٩٢، خ: ٥٨٨٥، ٥٨٧٨].\n٤٣٨٧ - [٥] وَعَنْهُ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ خَاتَمُهُ مِنْ فِضَّةٍ وَكَانَ فَصُّهُ مِنْهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٨٧٥].\n٤٣٨٨ - [٦] وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَبِسَ خَاتَمَ فِضَّةٍ فِي يَمِينِهِ، فِيهِ فَصٌّ حَبَشِيٌّ، كَانَ يَجْعَلُ فَصَّهُ مِمَّا يَلِي كَفَّهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٧٠، م: ٢٠٩٤].\nــ\nالأول: اللَّه، والثاني: رسول، والثالث: محمد، والظاهر تقديم (اللَّه)، وتأخير (محمد)، و(رسول) متوسط الهيئة، فسقط ما قال بعض الناس: إنا لم نجد في الأحاديث ما يصرح بتقديم (اللَّه)، وتأخير (محمد) بهذه الهيئة [اللَّه /رسول/ محمد]، بل يمكن أن يكون على عكس ذلك بهذه الصورة [محمد/ رسول /اللَّه]، فافهم، ثم إنه كتب في بعض الحواشي بهذه الهيئة: [محمد/ اللَّه/ رسول]، واللَّه أعلم.\n٤٣٨٧ - [٥] (وعنه) قوله: (فصه منه) أي: من فضة، وتذكير الضمير بتأويل الورق.\n٤٣٨٨ - [٦] (وعنه) قوله: (فص حبشي) بأن يكون جزعًا أو عقيقًا، فإن معدنه اليمن والحبشة، أو كان حجرًا آخر يكون في الحبشة، أو المراد هو اليمن، وقد يعدون الحبشة من اليمن لقربه منه، أو كان أسود على لون أهل الحبشة، أو صنع في الحبشة، أو كان صانعه حبشيًا كما جاء في صفة سيفه -ﷺ- كان حنفيًا، وفسروه بكون صانعه من بني حنيفة، وهذا لا ينافي كونه من فضة.\nوقوله: (مما يلي كفه) أي: بطن كفه كما ورد في الحديث الآخر، ويطلق الكف","vol":"7","page":384},{"text":"٤٣٨٩ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ خَاتَمُ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي هَذِهِ وَأَشَارَ إِلَى الْخِنْصِرِ مِنْ يَدِهِ الْيُسْرَى. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٩٥].\n٤٣٩٠ - [٨] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ أَتَخَتَّمَ فِي إِصْبَعِي هَذِهِ أَوْ هَذِهِ قَالَ: فَأَوْمَأَ إِلَى الْوُسْطَى وَالَّتِي تَلِيهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٧٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1035> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٣٩١ - [٩] عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَتَخَتَّمُ فِي يَمِينِهِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٦٤٧].\n٤٣٩٢ - [١٠] وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَليٍّ. [د: ٤٢٢٦، ن: ٥٢٠٣].\nــ\nغالبًا على باطنه فقط.\n٤٣٨٩ - [٧] (وعنه) قوله: (إلى الخنصر من يده اليسرى) أكثر الأحاديث دلت على تعيين اليد اليسرى، وهذا الحديث دل على تعيين الخنصر منها.\n٤٣٩٠ - [٨] (علي) قوله: (قال: فأومأ) إما أن يكون ضمير (قال) للراوي، وفي (فأومأ) لعلي -﵁-، أو كان فاعل (قال) علي، وفاعل (فأومأ) النبي -ﷺ-، وقال بعض الشارحين: ولم يرو عن النبي -ﷺ- ولا عن الصحابة والتابعين التختم في الإبهام والبنصر، فتعين الخنصر للاستحباب، وإلى هذا مالت الشافعية والحنفية.\nالفصل الثاني\n٤٣٩١، ٤٣٩٢ - [٩، ١٠] (عبد اللَّه بن جعفر وعلي) قوله: (رواه أبو داود والنسائي) وكذا رواه الترمذي، وروي عن عبد اللَّه بن جعفر أيضًا، وكذا عن جابر وعن ابن عباس.","vol":"7","page":385},{"text":"٤٣٩٣ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَتَخَتَّمُ فِي يَسَارِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٢٧].\n٤٣٩٤ - [١٢] وَعَنْ عَلِيٍّ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَخَذَ حَرِيرًا فَجَعَلَهُ فِي يَمِينِهِ، فَأَخَذَ (١) ذَهَبًا فَجَعَلَهُ فِي شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ١/ ٩٦، د: ٤٠٥٧، ن: ٥١٤٤].\n٤٣٩٥ - [١٣] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ رُكُوبِ النُّمُورِ وَعَنْ لُبْسِ الذَّهَبِ إِلَّا مُقَطَّعًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٢٣٩، ن: ٥١٥٠].\nــ\n٤٣٩٣ - [١١] (ابن عمر) قوله: (كان يتختم في يساره) وقال السيوطي: أخرج ابن عدي وغيره من حديث ابن عمر: أنه -ﷺ- تختم في يمينه ثم حوله في يساره، انتهى. وروى الترمذي: أن حسنًا وحسينًا -﵄- كانا يتختمان في يسارهما، وبالجملة الأحاديث واردة في اليمين واليسار، فقيل: كلاهما جائز، وديل: التختم في اليمين منسوخ كما ذكرنا.\n٤٣٩٤ - [١٢] (علي) قوله: (أن هذين) إشارة إلى نوعي الحرير والذهب.\nوقوله: (حرام) باعتبار كل واحد منهما.\n٤٣٩٥ - [١٣] (معاوية) قوله: (عن ركوب النمور) أي: جلودها.\nوقوله: (إلا مقطعًا) أي: منكسرًا مقطوعًا، والتقطيع: جعل الشيء قطعة قطعة، والمراد الشيء اليسير مثل السن والأنف والخاتم وقبيعة السيف وحلقة المنطقة وما يشد به فص الخاتم وأمثال ذلك، وفسروا اليسير بما لم تجب الزكاة فيه، وإباحته على قياس\n_________\n(١) في نسخة: \"وأخذ\".","vol":"7","page":386},{"text":"٤٣٩٦ - [١٤] وَعَنْ بُرَيْدَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لِرَجُلٍ عَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ شَبَهٍ: \"مَا لِي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ الأَصْنَامِ؟ ! فَطَرَحَهُ، ثُمَّ جَاءَ وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ فَقَالَ: \"مَا لِي أَرَى عَلَيْكَ حِلْيَةَ أَهْلِ النَّارِ؟ \" فَطَرَحَهُ،\nــ\nإباحة القليل من الحرير كثلاثة أصابع أو أربعة، وأوله أبو سليمان الخطابي فجعل النهي مع الاستثناء إلى النساء دون الرجال، يعني أن إباحة الشيء اليسير من الذهب إنما هي للنساء، وأما حكم الرجال فهو باق على النهي والحرمة، وقال الطيبي (١): هذا توجيه جيد غير أن لفظ الحديث يأباه، ولا مميز بين الرجال والنساء في صيغة النهي كما في ركوب النمر الذي هو قرينة فإنه عام للرجال والنساء، انتهى.\nولا يخفى أن الأحاديث الدالة على حرمة الذهب في حق الرجال كافية في كونها قرينة على إرادة هذا المعنى والتخصيص بالنساء، لكن يرد أن الحل للنساء مطلق لا يختص بالقدر اليسير، ثم المفهوم من كتب الفقه أن استعمال الذهب في أمثال هذه الأشياء لا يجوز عند أبي حنيفة ﵀، ويكفي المفضض؛ لأن الأصل في الذهب والفضة اكتفاء بقدر الضرورة، وفي الفضة ينبغي أن يبقى موضع الجلوس والأخذ باليد أو الفم كما في الشرب بالإناء المفضض، والمضبب بالفضة، والمراد الذهب الخالص، وأما التمويه بماء الذهب بحيث لا ينفصل منه شيء فلا بأس به بالاتفاق.\n٤٣٩٦ - [١٤] (بريدة) قوله: (خاتم من شبه) الشبه بفتحتين: نوع من النحاس لشبهه بالذهب في اللون، ويقال له بالفارسية: برنج، وكانوا يتخذون منه الأصنام، ولذلك قال: (أجد منك ريح الأصنام)، وقال في الحديدة: (حلية أهل النار) لأنهم يقيدون فيها بالسلاسل والأغلال، وهي تكون من الحديد.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٣٦).","vol":"7","page":387},{"text":"فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه! مِنْ أَيِّ شَيْءٍ أَتَّخِذُهُ؟ قَالَ: \"مِنْ وَرِقٍ وَلَا تُتِمَّهُ مِثْقَالًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ١٧٨٥، د: ٤٢٢٣، ن: ٥١٩٥].\nوَقَالَ مُحْيِي السُّنَّةِ -﵀-: وَقَدْ صَحَّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي الصَّدَاقِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لِرَجُلٍ: \"الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ\".\n٤٣٩٧ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَكْرَهُ عَشْرَ خِلَالٍ: الصُّفْرَةَ -يَعْنِي الْخَلُوقَ-،\nــ\nوقوله: (ولا تتمه مثقالًا) فالأولى أن يكون الخاتم أقل من مثقال؛ لأنه أبعد من السرف.\nوقوله: (قد صح عن سهل بن سعد) وهذا الحديث مذكور في (باب المهر) في صدر الفصل الأول، والمقصود أنه يفهم من قوله: (ولو خاتمًا من حديد) أن الخاتم قد يكون من حديد، وتقريره -ﷺ- إياه، فالنهي ليس للتحريم، وقد يقال: إن هذا للمبالغة في بذل المال للمهر ولو شيئًا يسيرًا تافهًا كما في قوله: (ولو كمفحص قطاة)، والذي يفهم منه وجود الخاتم من الحديد وتقومه لا التختم به شرعًا، فلعله كان عندهم خواتيم من الحديدة يتختمون بها أو لا يتختمون، ولا بد أن يكون للحديدة قيمة، فقال -ﷺ-: التمس مهرًا ولو كان قيمته مثل قيمة الحديدة مقدار الخاتم، وقال الطيبي (١): يحتمل أن يكون النهي عن التختم بخاتم حديد بعد ورود حديث سهل بن سعد، فيكون ناسخًا له.\n٤٣٩٧ - [١٥] (ابن مسعود) قوله: (الصفرة) بالنصب، وقد يرفع ويجر، و(الخلوق) بفتح المعجمة آخره قاف: طيب معروف عند العرب، يجعل فيه الزعفران، وقد تروى أحاديث في إباحته، وهي بعد ثبوتها منسوخة كذا قيل.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٣٧).","vol":"7","page":388},{"text":"وَتَغْيِيرَ الشَّيْبِ، وَجَرَّ الإِزَارِ، وَالتَّخَتُّمَ بِالذَّهَبِ، وَالتَّبَرُّجَ بِالزِّينَةِ لِغَيْرِ مَحِلِّهَا، وَالضَّرْبَ بِالْكِعَابِ، وَالرُّقَى إِلَّا بِالْمُعَوِّذَاتِ،\nــ\nوقوله: (وتغيير الشيب) أي: تبييضه وتسويده دون خضابه بالحناء، (والتبرج بالزينة) وهذا مخصوص بالنساء، تبرجت: أظهرت زينتها للرجال، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣].\nوقوله: (لغير محلها) بفتح الميم وكسر الحاء وتشديد اللام، أي: موضع الحل وهو الزوج أو المحرم، ويحتمل أن يكون بمعنى الوقت، وهي إذا كان مع الزوج أو المحرم، وهو كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ومنه حديث: (الهدي لا ينحر حتى يبلغ محله) أي: الموضع أو الوقت الذي يحل فيه نحره، وهو يوم النحر بمنى، وقد يروى: (محلها) بفتح الحاء من الحلول، وبالجملة المراد منه ذكر قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ الآية [النور: ٣١].\nوقوله: (والضرب بالكعاب) بكسر الكاف جمع كعب، وهو الذي يلعب به في النرد، واللعب به حرام عند عامة العلماء، وقيل: كان ابن مغفل (١) يلعبه مع امرأته، ونقل الرخصة فيه عن ابن المسيب من غير قمار.\nوقوله: (إلا بالمعوذات) بكسر الواو وتشديدها، المعوذتان، والجمع على مذهب أقل الجمع اثنان أو بتأويل الكلمات والآيات، وقد يراد معهما سورة (الإخلاص) وحدها، أو مع (الكافرون) تغليبًا، أو باعتبار اشتمالهما على التبرئة من الكفر وتوحيد الحق تعالى، وهما في معنى الاستعاذة من الكفر والشرك، وقال بعضهم: المراد بها الآيات التي فيها معنى الاستعاذة شاملًا لهذه السور وأمثالها، وهو الظاهر مثل قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧]، ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا\n_________\n(١) في الأصول: \"ابن معقل\"، وهو تحريف.","vol":"7","page":389},{"text":"وَعَقْدَ التَّمَائِم، وَعَزْلَ الْمَاءِ لِغَيْرِ مَحِلِّهِ، وَفَسَادَ الصَّبِيِّ. . . . .\nــ\nلَيُزْلِقُونَكَ﴾ [القلم: ٥١]، وقوله: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ﴾ [هود: ٥٦] الآيات، وبالجملة الرقية بالقرآن وأسماء اللَّه وصفاته جائز، وبغيرها حرام خصوصًا ما لا يعرف معناه، فإن فيها خوف الكفر إلا ما صح كما روى الجزري في (الحصن الحصين) (١) من الطبراني في (الأوسط) (٢): رقية حمة العقرب والحية: (بسم اللَّه شجنيةٌ قَرَنِيّة مِلْحَةُ بَحْرٍ قِفْطَا).\nوقوله: (وعقد التمائم) جمع تميمة وهي خرزات تعلق على الأطفال اتقاء العين، وهي من أباطيل الجاهلية، وقد أبطلها الإسلام، وقال الطيبي (٣): المراد بالتمائم ما يحتوي على رقى الجاهلية، وأما تعليق القراطيس المكتوب فيه الآيات والأدعية التي تقال لها: التعويذات ففيه كلام، وله مستند من حديث عبد اللَّه بن عمرو أنه -ﷺ- علمه لدفع الفزع والوحشة والأرق هذه الكلمات: (أعوذ بكلمات اللَّه التامة من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون)، فكان عبد اللَّه بن عمرو يلقنها من عقل من ولده، ومن لم يعقلها كتبها في صك ثم علقها في عنقه.\nوقوله: (وعزل الماء لغير محله) والضمير للعزل، ومحل العزل الأمة، وغيره الحرة، فلا يجوز العزل إلا برضاها، وقد جاء في رواية: عزل الماء عن محله، فالضمير للماء ومحله فرج المرأة وهو أيضًا مقيد بالحرة، ثم لا يخفى أن المراد أمة الواطئ، وإلا فإن كان تحته أمة الغير لم يجز بإذن مولاه، فالأنسب أن يراد بغير محله الزوجة حرة كانت أو أمة، فافهم.\nوقوله: (وفساد الصبي) المراد به النهي عن الغيل الذي هو سبب مفض إلى\n_________\n(١) \"عدة الحصن الحصين\" (ص: ١٤٨).\n(٢) \"المعجم الأوسط\" (٥٢٧٦)، و\"المعجم الكبير\" (١٠٠٥٠).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٣٨).","vol":"7","page":390},{"text":"غَيْرَ مُحَرِّمِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٢٢٢، ن: ٥٠٨٨].\n٤٣٩٨ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ مَوْلَاةً لَهُمْ ذَهَبَتْ بِابْنَةِ الزُّبَيْرِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَفِي رِجْلِهَا أَجْرَاسٌ، فَقَطَعَهَا عُمَرُ وَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَعَ كُلِّ جَرَسٍ شَيْطَانٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٣٠].\nــ\nفساد الصبي، والغيل بفتح المعجمة أن يطأ المرضعة، فإنها إن حملت فسد لبنها، وهو قد يفضي إلى فساد صبي يشربه وضعف بنيته.\nوقوله: (غير محرمه) حال من ضمير (يكره)، والضمير لفساد الصبي لأنه أقرب، وبدليل تذكير الضمير، ولو كان للخصال العشرة يقال: غير محرمها، وأيضًا التختم بالذهب بل جر الإزار والتبرج بالزينة محرم فلا يصح نفي التحريم عنها، فالمعنى كان يكره جماع المرأة في الرضاع ولكن لم يحرمه لأن جماع المنكوحة حلال أبدًا، ولا يحرم بمجرد احتمال الحمل المتضمن للفساد المذكور، وقيل: الضمير لما ذكر من الخلال، والمجموع قريب غير بعيد، وقد يوضع الضمير المفرد موضع اسم الإشارة في العود إلى المتعدد، وما حرم منها كان خارجًا بدلالة الإجماع والأحاديث، فهو في حكم الاستثناء، فتدبر.\n٤٣٩٨ - [١٦] (ابن الزبير) قوله: (مع كل جرس شيطان) الجرس بفتح الجيم وكسرها وسكون الراء: الصوت أو خفيُّه، وبفتحتين: ما يعلق بعنق الدابة أو برجل البازي أو الصبيان، والظاهر أن النهي عنه لكونها في حكم مزمار الشيطان، وقد ذكروا في حديث: (لا تصحب الملائكة رفقة فيها جرس) (١) أنه إنما كرهه لأنه يدل على أصحابه\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٢١١٣)، وأبو داود في \"سننه\" (٢٥٥٤)، والترمذي في \"سننه\" (١٧٠٣).","vol":"7","page":391},{"text":"٤٣٩٩ - [١٧] وَعَنْ بُنَانَةَ مَوْلَاةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَيَّانَ الأَنْصَارِيِّ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ إِذْ دُخِلَتْ عَلَيْهَا بِجَارِيَةٍ، وَعَلَيْهَا جَلَاجِلُ يُصَوِّتْنَ فَقَالَتْ: لَا تُدْخِلَنَّهَا عَلَيَّ إِلَّا أَنْ تُقَطِّعَنَّ جَلَاجِلَهَا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ جَرَسٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٣١].\nــ\nبصوته، وكان -ﷺ- يحب أن لا يعلم العدو به حتى يأتيهم فجأة، وقيل: غير ذلك، انتهى. فإن قلت: إذا كان صوت الجرس مكروهًا تنفر عنه الملائكة، فكيف شبه به صوت الملك في الوحي؟ قلت: فيه جهتان: جهة قوة، وجهة طنين، والتشبيه في الأول، كذا قيل.\n٤٣٩٩ - [١٧] (بنانة) قوله: (عن بنانة) بضم الموحدة، و(حيان) بفتح المهملة وبالتحتانية.\nوقوله: (إذ دخلت عليها بجارية) صحح بصيغة المجهول.\nوقوله: (بجارية) ناب مناب الفاعل والتأنيث باعتبار أن المجرور مؤنث، كذا في الحواشي.\nوقوله: (لا تدخلنها) بلفظ النهي من الإدخال.\nوقوله: (إلا أن تقطعن) بدخول نون التأكيد على الفعل المضارع تشبيها بالنهي، فقيل: إن النهي للغائبة، وهذا إذا كان المدخل المرأة لا الرجل كما هو الظاهر، وفي بعض النسخ: لا تدخلنها وتقطعن على صيغة جمع المؤنث الحاضرة، كذا في بعض الحواشي، و(الجلاجل) بفتح الجيم الأولى وكسر الثانية جمع جلجل بالضم: الجرس، كذا في (القاموس) (١).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٠١).","vol":"7","page":392},{"text":"٤٤٠٠ - [١٨] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ طَرَفَةَ: أَنَّ جَدَّهُ عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدٍ قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلَابِ فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ، فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يَتَّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ١٧٧٠، د: ٤٢٣٢، ن: ٥١٦١].\n٤٤٠١ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُحَلِّقَ حَبِيبُهُ حَلَقَةً مِنْ نَارٍ فَلْيُحَلِّقْهُ حَلَقَةً مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَوِّقَ حَبِيبُهُ طَوْقًا مِنْ نارٍ فَلْيُطَوِّقْهُ طَوْقًا مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُسَوِّرَ حَبِيبُهُ. . . . .\nــ\n٤٤٠٠ - [١٨] (عبد الرحمن بن طرفة) قوله: (طرفة) بفتحات، و(عرفجة) بفتح المهملة وسكون الراء وفتح الفاء بعدها جيم، و(يوم الكلاب) بضم الكاف وتخفيف اللام: اسم ماء كانت فيه وقعة مشهورة من أيام العرب، وليس من غزواته -ﷺ- بل كان في الجاهلية.\nوقوله: (فأمره النبي -ﷺ- أن يتخذ أنفًا من ذهب) ولهذا الحديث أباح أكثر العلماء اتخاذ الأنف من ذهب وربط الأسنان به كما مرّ من قوله: (إلا مقطعًا).\n٤٤٠١ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (من أحب أن يحلق) من التحليق بمعنى وسم الإبل على شكل الحلقة، في (الصراح) (١): تحليق شكل حلقة داغ ستور، والمراد التنظير بأن التحليق بحلقة ذهب بمنزلة التحليق من النار يضر كضر النار، كذا ذكر الطيبي (٢)، ويجوز أن يحمل على ظاهره من البأس حلقة من النار في الآخرة كما قال:\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٣٧١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٤٠).","vol":"7","page":393},{"text":"سِوَارًا مِنْ نار فَلْيُسَوِّرْهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالْفِضَّةِ فَالْعَبُوا بِهَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٣٧].\n٤٤٠٢ - [٢٠] وَعَن أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَقَلَّدَتْ قِلَادَةً مِنْ ذَهَبٍ قُلِّدَتْ فِي عُنُقِهَا مِثْلُهَا مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ جَعَلَتْ فِي أُذُنِهَا خُرْصًا مِنْ ذَهَبٍ جَعَلَ اللَّه فِي أُذُنِهَا مِثْلَهُ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٢٣٨، ن: ٥١٣٩].\nــ\n(سوارًا من نار)، و(طوقًا) و(قلادة) و(خرصًا) منها، فافهم. والمراد بـ (حبيبه) من يحبه من ولد أو زوجة.\nوقوله: (فالعبوا بها) إشارة إلى أن زينة الدنيا لهو ولعب وإن كانت مباحة.\n٤٤٠٢ - [٢٠] (أسماء بنت يزيد) قوله: (قلادة) القلادة: ما يجعل في العنق، وتقلد: لبسها كما أن الخرص بضم الخاء المعجمة وسكون الراء: حلي الأذن، ولكل عضو حلي له اسم مخصوص كالسوار لليد، والخلخال للرجل وأمثالها، واعلم أن هذه الأحاديث دالة على حرمة لبس الذهب للنساء وإباحة الفضة، وقد دلت الأحاديث على إباحتها لهن، فقيل: إن المراد هنا الإرشاد والترغيب على عدم الإسراف والتكلف في التزين، فإن الفضة تكفي فيه، فالكراهة تنزيهية، ولا يخفى أن ظاهر الوعيد مع الشدة لا يناسب الإباحة ولا الكراهة التنزيهية، فقال بعضهم: إن هذا النهي والوعيد كان في الابتداء، ثم نسخ بالحديث الناطق بحل الذهب والفضة لنساء الأمة، وقيل: هذا الوعيد لمن لا يؤدي زكاتها، وتعقب ذلك بأنه لا وجه حينئذ للتخصيص بالذهب، فالزكاة واجبة في الفضة أيضًا، وقال الطيبي (١): يمكن أن يجاب عنه بأن الحلي الذي\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٤٠).","vol":"7","page":394},{"text":"٤٤٠٣ - [٢١] وَعَنْ أُخْتٍ لِحُذَيْفَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ! أَمَا لَكُنَّ فِي الْفِضَّةِ مَا تُحَلَّيْنَ بِهِ؟ أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُحَلَّى ذَهَبًا تُظْهِرُهُ إِلَّا عُذِّبَتْ بِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٢٣٧، ن: ٥١٣٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1036> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٤٠٤ - [٢٢] عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يمنعُ أَهْلَهُ الْحِلْيَةَ وَالْحَرِيرَ وَيَقُولُ: \"إِنْ كُنْتُم تُحِبُّونَ حِلْيَةَ الْجَنَّةِ وَحَرِيرَهَا فَلَا تَلْبَسُوهَا فِي الدُّنْيَا\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٥١٣٦].\nــ\nيصاغ من الذهب إذا أريد أن يصاغ من الفضة كان حجمه مثل حجمه، ووزنه أقل من وزنه قريبًا من نصفه، فالذهب يبلغ مبلغ النصاب بخلاف الفضة، انتهى. ولا يخفى ما فيه.\n٤٤٠٣ - [٢١] (أخت لحذيفة) قوله: (أَما لكُنّ) أما حرف تنبيه، ولكن خبر لقوله: (ما تحلين)، ويجوز أن يكون الهمزة للاستفهام على سبيل الإنكار و(ما) نافية، ويناسب الأول. قوله: (أما إنه) فإنها للتنبيه قطعًا.\nوقوله: (تظهره) قيد اتفاقي، أو يقال: الكراهة في الإظهار أشد، وهو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣].\nالفصل الثالث\n٤٤٠٤ - [٢٢] (عقبة بن عامر) قوله: (يمنع أهله الحلية والحرير) تنبيهًا على الزهد والتقوى وترغيبًا فيما عند اللَّه، وقيل: بهذا يظهر أن النهي حيث وقع","vol":"7","page":395},{"text":"٤٤٠٥ - [٢٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- اتَّخَذَ خَاتَمًا فَلَبِسَهُ قَالَ: \"شَغَلَنِي هَذَا عَنْكُمْ مُنْذُ الْيَوْمَ إِلَيْهِ نَظْرَةٌ وَإِلَيْكُمْ نَظْرَةٌ\" ثُمَّ أَلْقَاهُ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٥٢٨٩].\n٤٤٠٦ - [٢٤] وَعَنْ مَالِكٍ قَالَ: أَنَا أَكْرَهُ أَنْ يُلْبَسَ الْغِلْمَانُ شَيْئًا مِنَ الذَّهَبِ، لأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنِ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ فَأَنَا أَكْرَهُهُ لِلرِّجَالِ الْكَبِيرِ مِنْهُمْ وَالصَّغِيرِ. رَوَاهُ فِي \"الْمُوَطَّأِ\". [ط: ٢/ ٩١١].\n* * *\nــ\nللتنزيه، واللَّه أعلم.\n٤٤٠٥ - [٢٣] (ابن عباس) قوله: (شغلني هذا عنكم) أي: عن التوجه والاهتمام بنعت الجمعية والانفراد إليكم للتصرف في بواطنكم وإصلاح أحوالكم، وهذا في الحقيقة تنبيه وإرشاد للأمة إلى الاجتناب عما يوجب التفرقة والتفات الخاطر، واللَّه أعلم بحقيقة الحال.\nوقوله: (إليه نظرة) متعلق بنظرة، وكذا (إليكم) كناية عن تفرق الخاطر وتشتته.\n٤٤٠٦ - [٢٤] (مالك) قوله: (فأنا أكرهه للرجال) المراد بهم الذكور ليشمل الصغير، وقال الطيبي (١): في إلباس الصغير الذهب أقوال، والأصح المنصوص جوازه، انتهى. وهذا مذهب الشافعي، وعندنا الأصح الكراهة، فإن كان مراده بالجواز ما يشمل الكراهة فذاك، وإن كان بدون الكراهة فالخلاف ثابت.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٤٢).","vol":"7","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1037>٢ - باب النعال</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1038> الفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٤٠٧ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَلْبَسُ النِّعَالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعْرٌ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٨٥١].\n٤٤٠٨ - [٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنَّ نَعْلَ النَّبِيِّ -ﷺ- كَانَ لَهَا قِبَالَانِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٨٥٧].\nــ\n٢ - باب النعال\nومن أنواع اللباس النعل لأنه لباس القدم، وفي (القاموس) (١): النعل: ما وقيت به القدم من الأرض كالنعلة، وجمعه نعال، انتهى. وهو مختلف بحسب عرف الأقوام، والمراد هنا بيان صفات نعل النبي -ﷺ- على ما هو متعارف في ديار العرب، وجمعه لأنه يكون على أنواع في ديارهم أيضًا.\nالفصل الأول\n٤٤٠٧ - [١] (ابن عمر) قوله: (النعال التي ليس فيها شعر) وهي النعال السبتية التي كان يلبسها ابن عمر -﵄-، ويجيء ذكر حديثه في الفصل الثاني من (باب الترجل).\n٤٤٠٨ - [٢] (أنس) قوله: (إن نعل النبي -ﷺ- كان لها قبالان) القبال بكسر القاف: زمام النعل، وهو السير الذي يكون بين الإصبعين، هكذا ذكر أهل اللغة وأصحاب الغريب، وقال صاحب (القاموس) و(الصحاح) (٢): هو زمام بين الإصبع الوسطى والتي تليها، ولعل تخصيصه بهاتين الإصبعين بما تعورف عند الناس في\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٨١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٦٣)، و\"الصحاح\" (٥/ ١٧٩٥).","vol":"7","page":397},{"text":"٤٤٠٩ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا يَقُولُ: \"اسْتَكْثِرُوا مِنَ النِّعَالِ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ رَاكِبًا مَا انْتَعَلَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٩٦].\n٤٤١٠ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيُمْنَى، وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ، لِتَكُنِ الْيُمْنَى أَوَّلَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرَهُمَا تُنْزَعُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٥٦، م: ٢٠٩٧].\nــ\nالنعل بيانًا للواقع، وأما نعلا رسول اللَّه -ﷺ- فكان لكل منهما قبالان، يضع أحدهما بين إبهام رجله، والتي تليها، ويضع الآخر بين الوسطى والتي تليها، كذا حققه الجزري في تصحيح (المصابيح) على ما نقله في (روضة الأحباب) في بيان تمثال نعله -ﷺ- على ما صوره بعض أجلاء المشايخ، وأما ما ذكر في بعض الشروح: كان لكل نعل زمامان يدخل الوسطى والإبهام في قبال والأصابع الأخرى في آخر، فلا يكاد يصح لوجوه، فتأمل.\n٤٤٠٩ - [٣] (جابر) قوله: (لا يزال راكبًا) أي: يشبه الراكب في قلة التعب وسلامة رجليه مما يؤذيهما.\n٤٤١٠ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (فليبدأ باليمنى) قد سبق تفصيله في (باب سنن الوضوء).\nوقوله: (لتكن) بلفظ الأمر الغائب، و(أولهما) خبر كان، و(تنعل) حال من اليمنى هكذا الرواية، وقال الطيبي (١): ويحتمل الرفع على أنه مبتدأ، و(تنعل) خبره، والجملة خبر كان، ثم الظاهر أولاهما بلفظ المؤنث والتذكير باعتبار العضو، وقد يروى:\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٤٤).","vol":"7","page":398},{"text":"٤٤١١ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ لِيُحْفِهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٥٥، م: ٢٠٩٧].\n٤٤١٢ - [٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِهِ فَلَا يَمْشِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى يُصْلِحَ شِسْعَهُ، وَلَا يَمْشِ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ، وَلَا يَأْكُلْ بِشمَالِهِ، وَلَا يَحْتَبِي بِالثَّوْبِ الْوَاحِدِ، وَلَا يَلْتَحِفِ الصَّمَّاءَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٩٩].\nــ\n(ينعل) أيضًا بلفظ التذكير.\n٤٤١١ - [٥] (وعنه) قوله: (ليحفهما) روي بضم الياء وكسر الفاء، من أحفى بمعنى احتفى، أي: لينزعهما ويمش حافيًا، وبفتح الياء والفاء، من حفي يحفى كرضي يرضى: مشى بغير خف ونعل فهو حاف، كذا قالوا، ولعله يكون هذا بالحذف والإيصال، أو تضمين، أي: يمشي نازعًا إياهما، وكذا قوله: (لينعلهما) روي بالوجهين من نعل كفرح، وأنعل بمعنى انتعل، أي: يلبسهما، وذلك لأنه قد يشق المشي في نعل واحدة، فإن وَضْعَ إحدى القدمين حافية إنما يكون مع التوقي من أذى، ووَضْع الأخرى بخلاف ذلك، فيختلف حينئذ مشيه الذي اعتاده فلا يأمن من العثار، وقد يتصور فاعله بصورة من إحدى رجليه أقصر، ولأنه تشويه ومخالف للوقار.\n٤٤١٢ - [٦] (جابر) قوله: (إذا انقطع شسع) بكسر الشين المعجمة وسكون المهملة: قبال النعل.\nوقوله: (ولا يأكل) بالرفع خبر في معنى النهي، وبالجزم بلفظ نهي الغائب، و(الصماء) عرف معناه في (كتاب الصلاة).","vol":"7","page":399},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1039> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٤١٣ - [٧] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ لِنَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قِبَالَانِ مُثَنًّى شِرَاكُهُمَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٧٢].\n٤٤١٤ - [٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَنْتَعِلَ الرَّجُلُ قَائِمًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٣٥].\n٤٤١٥ - [٩] وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [ت: ١٧٧٥، جه: ٣٦١٨].\n٤٤١٦ - [١٠] وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: رُبَّمَا مَشَى النَّبِيُّ -ﷺ- فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ،\nــ\nالفصل الثاني\n٤٤١٣ - [٧] (ابن عباس) قوله: (مثنى شراكهما) من التثنية ومن الثني، والشراك ككتاب: سير النعل، كذا في (القاموس) (١)، والمراد السير الذي يكون على ظهر القدم، وقال الجزري: الشراك بكسر الشين: وهو السير الدقيق يكون في النعل على ظهر القدم، وفي شرح الشيخ: الذي يكون على وجه القدم، والمراد ظهرها.\n٤٤١٤، ٤٤١٥ - [٨، ٩] (جابر، وأبو هريرة) قوله: (أن ينتعل الرجل قائمًا) قيل: هذا فيما يلحقه مشقة من لبسه قائمًا كالخف، فإنه ربما يقع على الأرض، وقيل: محمول على نعل يحتاج في لبسها إلى إعانة اليد لا مطلقًا.\n٤٤١٦ - [١٠] (قاسم بن محمد) قوله: (ربما مشى النبي -ﷺ- في نعل واحدة)\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٧٠).","vol":"7","page":400},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّهَا مَشَتْ بِنَعْلٍ وَاحِدَةٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا أصحُّ. [ت: ١٧٧٧].\n٤٤١٧ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إِذَا جَلَسَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْلَعَ نَعْلَيْهِ فَيَضَعَهُمَا بِجَنْبِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٣٨].\n٤٤١٨ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ النَّجَاشِيَّ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- خُفَّيْنِ أَسْوَدَيْنِ. . . . .\nــ\nوقال الطيبي (١): إن صح ذلك فشيء نادر، فلعله اتفق في داره، انتهى. وقيل: كان ذلك لضرورة أو لبيان الجواز، فإن قلت: كيف جاز أن يفعل رسول اللَّه -ﷺ- أمرًا مكروهًا ولو تنزيهًا؟ قلنا: بيان الجواز واجب على الشارع، فهو ليس مكروهًا له من هذه الحيثية، فإنما المكروه بالنسبة إلينا، ولا يسعنا اتباعه فيه؛ لأنه إنما فعله تعليمًا، كذا في (المواهب) (٢)، فافهم.\nوقوله: (أنها مشت) أي: عائشة.\nوقوله: (هذا أصح) أي روي مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أصح.\n٤٤١٧ - [١١] (ابن عباس) قوله: (فيضعهما بجنبه) لئلا يلتفت الخاطر في حفظهما، ولعل هذا إذا لم يكن أحد بجنبه لئلا يتأذى، والعادة جرت بوضعها قدام، وقد توضع بين القدمين، ويمكن أن يكون المراد بالجنب أعم من ذلك، واللَّه أعلم.\n٤٤١٨ - [١٢] (ابن بريدة) قوله: (النجاشي) بكسر النون وهو أفصح، وتحفيف\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٤٤).\n(٢) انظر: \"المواهب اللدنية\" (٢/ ٤٦٥ - ٤٦٦).","vol":"7","page":401},{"text":"سَاذَجَيْنِ فَلَبِسَهُمَا. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ: ثُمَّ تَوَضَّأ وَمَسَحَ عَلَيْهِمَا. [جه: ٥٤٩، ت: ٢٨٢٠].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1040>٣ - باب الترجل</span>\nــ\nالياء أيضًا أفصح، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (ساذجين) أي: غير منقوشين أو المجردين عن الشعر كما قالوا في نعلين جرداوين، كذا في شرح الشيخ ابن حجر على (الشمائل).\nوقوله: (فلبسهما) من غير أن يسأل أنهما كانا مدبوغين أو لا، عملًا بالظاهر واعتمادًا على حال المهدي.\n٣ - باب الترجل\nوما هو في حكمه ويتعلق بالرأس والزينة، هكذا عادة المؤلف يجيء بأحاديث متعلقة بما عنون به وبما يشبهه، هكذا في الفصول الثلاثة للباب، والترجل والترجيل: تسريح الشعر، وتنظيفه، وتحسينه، كذا في (النهاية) (٢)، وفي (القاموس) (٣): التسريح: حل الشعر وإرساله، انتهى. وهو إنما يكون بإصلاحه بالامتشاط، ولذا يفسرون الترجل بالامتشاط، ثم الغالب استعمال الترجل في الرأس، والتسريح في اللحية.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٦١).\n(٢) \"النهاية\" (٢/ ٢٠٣).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢١٧).","vol":"7","page":402},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1041> الفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٤١٩ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا حَائِضٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٢٥، م: ٢٩٧].\n٤٤٢٠ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٩١، م: ٢٥٧].\nــ\nالفصل الأول\n٤٤١٩ - [١] (عائشة) قوله: (وأنا حائض) مقصودها بيان مباشرة الحائض دون الجماع.\n٤٤٢٠ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (الفطرة خمس) اعلم أن الفطرة في الأصل بمعنى الشق والابتداع والاختراع، ويجيء بمعنى الجبلة ودين الإسلام، كما في حديث: (كل مولود يولد على الفطرة) (١)، وقد مرّ الكلام فيه في أول الكتاب، وفسروها في هذا الحديث بالسنة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع، وأمرنا باقتدائهم، كانه أمر جبلي فطر الناس وجبلوا عليها، وقد مرّ هذا الحديث في (كتاب الطهارة) في (باب السواك)، وذكرت هناك عشرة من الفطرة، وبين هنا خمسة، وليس المقصد الحصر في شيء مما ذكر في هذين الحديثين، بل المراد هناك بيان عشرة منها وهنا بين خمسة منها، وذكر هنا (الاستحداد) الذي لم يذكر فيما سبق، والمراد منه استعمال الحديدة في حلق العانة، ويظهر منه أن السنة في العانة الحلق، وفي الإبط النتف، ويحصل بالحلق فيه أيضًا الغرض خصوصًا لمن لا يعتاد النتف، وقد شرح\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (١٣٨٥)، ومسلم في \"صحيحه\" (٢٦٥٨).","vol":"7","page":403},{"text":"٤٤٢١ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ: أَوْفِرُوا اللُّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"أَنْهِكُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللُّحَى\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٩٢، م: ٢٥٩].\n٤٤٢٢ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ وَنَتْفِ الإِبِطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٨].\n٤٤٢٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبَغُونَ فَخَالِفُوهُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٩٩، م: ٢١٠٣].\nــ\nالمقام وبينت هذه الأحكام فيما سبق.\n٤٤٢١ - [٣] (ابن عمر) قوله: (أوفروا اللحى) بيان للمخالفة، وأصل (الإحفاء) الاستقصاء، والمراد هنا القص، و(الإنهاك): المبالغة في الشيء، والمراد هنا المبالغة في قص الشارب والإحفاء، و(اللحى) بضم اللام، وقيل: الكسر أفصح من الضم، جمع لحية بكسرها، وهي اسم لما ينبت من الشعر على الخدين والذقن، كذا في (القاموس) (١).\n٤٤٢٢ - [٤] (أنس) قوله: (وقت لنا) بلفظ المجهول، من التوقيت.\nوقوله: (أكثر من أربعين ليلة)، ويكره التأخير إلى هذه المدة وتكره الصلاة، وقيل: كان -ﷺ- يقص شاربه ويقلم الأظفار في كل جمعة، وكان يحلق العانة في عشرين يومًا، وينتف الإبط في كل أربعين يومًا، واللَّه أعلم.\n٤٤٢٣ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (إن اليهود والنصارى لا يصبغون) بفتح الموحدة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٢١).","vol":"7","page":404},{"text":"٤٤٢٤ - [٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثُّغَامَةِ بَيَاضًا، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"غَيِّرُوا هَذَا بِشيْءٍ وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٠٢].\nــ\nوضمها، اعلم أنه قد وردت الأحاديث بشرعية الخضاب، والمراد غير السواد، وكانت الصحابة يختضبون بالحناء، وقد يصفرون، وقد وردت في الخضاب بالحناء أحاديث، ووردت في فضلها وثوابها، وأكثرها مطعون وضعيف عند المحدثين، وورد أن الخضاب بالحناء من سيماء المؤمنين، وجوازها متفق عليه بين العلماء، وقد استحبه بعض الفقهاء للرجال والنساء، وقال في (مجمع البحار) (١): إن الأمر بالخضاب إنما هو لمن له بياض صرف كما جاء في الحديث من حال أبي قحافة لا لمن شَمِط، وقال أيضًا: إن السلف اختلفوا في فعل الخضاب بحسب اختلاف الأحوال، فقال بعضهم: هذا على عادة البلاد، فالخروج من عادة أهل البلد شهرة ومكروه، وأيضًا من كانت شيبته نقية أحسن منها مصبوغة فالترك أحسن، ومن كان تستشنع شيبته فالصبغ أولى، وقد مرّ الكلام في خضابه -ﷺ-، وسيجيء بعد إن شاء اللَّه تعالى.\n٤٤٢٤ - [٦] (جابر) قوله: (بأبي قحافة) بضم القاف والد أمير المؤمنين أبي بكر الصديق -﵄-، أسلم يوم الفتح، ومات سنة أربع عشرة بعد وفاة أبي بكر -﵁- بستة أشهر وأيام -وله سبع وتسعون سنة- في خلافة عمر -﵁-، و(الثغامة) بمثلثة مفتوحة فغين معجمة، يقال له بالفارسية: درمنه سفيد، في (القاموس) (٢): والثغام، كسحاب: نبت، فارسيته دِرَمْنَهْ، أثغم الرأس صار كالثُّغامة بياضًا.\nوقوله: (واجتنبوا السواد) فيه أن الخضاب بالسواد حرام ومكروه، وسيجيء\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٢٩٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٠١).","vol":"7","page":405},{"text":"٤٤٢٥ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ، وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدُلُونَ أَشْعَارَهُمْ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرِقُونَ رُؤُوسَهُمْ، فَسَدَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- ناصِيَتَهُ ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ. . . . .\nــ\nفيه أحاديث أخر، قال في (مطالب المؤمنين): قال بعض العلماء: إن الخضاب بالسواد جائز للغزاة ليكون أهيب في عين العدو، ومن فعل ذلك ليزين نفسه وليحبب نفسه إلى النساء، فذلك مكروه عند عامة المشايخ.\nوبعضهم جوز ذلك من غير نكير وكراهة، كذا في (المحيط) (١) عن حسان بن إبراهيم، وعن ابن عباس أنه قال: كما يعجبني أن تتزين إليّ امرأتي يعجبها أن أتزين لها، وعن أبي يوسف في هذا الباب روايتان، إحداهما: إن خضب حالة القتال لا بأس به، والثاني: إن كان له امرأة يتزين لها لا بأس به، كذا في (شرح أدب القاضي)، وأما وضع الرجل الحناء على يده ورجله لأجل العذر فلا بأس به، كذا في (اليتيمة)، انتهى.\nوأما استدلال المجوزين باختضاب أبي بكر -﵁- بالحناء والكتم فغير تام؛ لأنه ليس بسواد بل حمرة شديدة مائلة إلى السواد، كذا قالوا، وما روي عن بعض الصحابة مثل الحسن والحسين وسعد بن أبي وقاص وجماعة من التابعين ﵃ أجمعين، فعلى تقدير صحته محمول على نحو ذلك، وبالجملة الاختضاب بالحمرة جائز بالاتفاق، والمختار في السواد الكراهة والحرمة، واللَّه أعلم.\n٤٤٢٥ - [٧] (ابن عباس) قوله: (فيما لم يؤمر فيه) أي: لم يخاطب بشيء ولم ينزل عليه شيء.\nوقوله: (يسدلون) سدل من باب نصر وضرب وكذا (فرق)، والسدل: إرسال\n_________\n(١) \"المحيط البرهاني\" (٥/ ٣٧٧).","vol":"7","page":406},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩١٧، م: ٢٣٣٦].\nــ\nالشعر حول الرأس من غير أن يقسمه نصفين، وفي (القاموس) (١): سدل الشعر وأسدله: أرخاه وأرسله، وشَعْرٌ مُنْسَدِل: مسترسل، ولا يختص مفهومه بإرساله على الجبين، ولكنه لما كان امتيازه عن الفرق إنما يظهر في الناصية خصوه بذلك، قال الطيبي (٢): أراد بالسدل هنا إرسال الشعر على الجبين مشعرًا بأن أصل مفهومه مطلق قيد في هذا المقام، والفرق: تقسيم الشعر نصفين، جمع أحدهما في جانب يمينه والآخر في يساره بحيث يحصل بينهما خط كالطريق.\nثم اعلم أنهم اختلفوا فمنهم من قال: إنه -ﷺ- كان مأمورًا باتباع شرائعهم فيما لم يؤمر به وكان محبة موافقتهم لذلك، وقد استدل بعض الأصوليين من أصحابنا بهذا الحديث على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، وذلك فيما علم أنهم لم يبدلوا ولم يحرفوا، فترك السدل واتخاذ الفرق بعد ذلك يكون بالوحي، فيكون ناسخًا، فيكون الفرق واجبًا إن أمر بوجوبه وإلا فسنة، وقال البعض: موافقته لهم كانت باجتهاد منه -ﷺ- استئلافًا لقلوبهم، فلما أغناه اللَّه عنهم صرح بمخالفتهم، وذلك أيضًا باجتهاد منه، فيكون كلا الأمرين جائزًا، ولذلك اختلف السلف ففرق بعض، وسدل آخرون، وقد جاء في الحديث: (إن انفرقت عقيقته فرق وإلا فلا) (٣)، وبعضهم قالوا: بأن الفرق أفضل، قال مالك: الفرق أحب إليّ، هذا كلام القاضي عياض، فتدبر.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٣٣).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٤٩).\n(٣) أخرجه البغوي في \"شرح السنة\" (١٣/ ٢٧٠).","vol":"7","page":407},{"text":"٤٤٢٦ - [٨] وَعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ (١) -ﷺ- يَنْهَى عَنِ الْقَزَعِ. قِيلَ لِنَافِعٍ: مَا الْقَزَعُ؟ قَالَ: يُحْلَقُ بَعْضُ رَأْسِ الصِّبِيِّ وَيُتْرُكُ البَعْضُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ التَّفْسِيرَ بِالْحَدِيثِ. [خ: ٥٩٢٥، م: ٢١٢٠].\nــ\n٤٤٢٦ - [٨] (نافع) قوله: (ينهى عن القزع) في (القاموس) (٢): القزع محركة: قطع من السحاب، والواحدة بهاء، وأن يحلق رأس الصبي ويترك مواضع منه متفرقة غير محلوقة، تشبيهًا بقزع السحاب، انتهى. وفي حديث الاستسقاء: (ما في السماء قزعة) (٣) أي: قطعة من الغيم، وفي حديث آخر: (فيجتمعون إليه كما يجتمع قزع الخريف) (٤) أي: قطع السحاب المتفرقة، وخص الخريف؛ لأنه أول الشتاء، والسحاب فيه يكون متفرقًا غير متراكم ولا مطبق، ثم يجتمع، كذا في (النهاية) (٥)، ثم الظاهر أن التقييد برأس الصبي وقع اتفاقًا؛ لأن العادة جرت بذلك وإلا فالظاهر الكراهة ولو للرجال، ولهذا وقع في بعض الروايات الفقهية مطلقًا، وقالوا: هو حلق الرأس من مواضع متعددة، ومع ذلك النهي راجع إلى فعل أولياء الصبي، كما ورد في الحديث الثاني، وذلك ظاهر.\nوأما التقييد بمواضع متعددة فهو الموافق لأصل معناه، وهو قطع السحاب، والموافق لما في كتب اللغة والواقع في الروايات الفقهية، ولكن عبارة التفسير الواقع\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول اللَّه\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٩٣).\n(٣) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٩٣٣).\n(٤) أخرجه أحمد في \"فضائل الصحابة\" (٢/ ٦٦٠).\n(٥) \"النهاية\" (٤/ ٥٩).","vol":"7","page":408},{"text":"٤٤٢٧ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَأَى صَبِيًّا قَدْ حُلِقَ بَعْضُ رَأْسِهِ وَتُرِكَ بَعْضُهُ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: \"احْلِقُوا كُلَّهُ أَوِ اتْرُكُوا كُلَّهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٢٠].\n٤٤٢٨ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَقَالَ: \"أخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٨٨٦].\nــ\nفي الحديث إما واقعًا من الراوي أو ملحقًا بأصل الحديث فهي مطلقة، لكن الشراح قيدوها به جميعًا، واللَّه أعلم. وعلة الكراهة أنه من عادة الكفار ولقباحة صورة، فتدبر.\n٤٤٢٧ - [٩] (ابن عمر) قوله: (فنهاهم عن ذلك وقال: احلقوا كله أو اتركوا كله) يوافق التفسير المذكور ويؤيد إلحاق التفسير بالحديث في الحديث السابق.\n٤٤٢٨ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (المخنثين من الرجال) الخنث في اللغة بمعنى اللين والانكسار والعطف واللي، ومنه: (نهى عن اختناث الأسقية)، وهو ثنية فمها إلى خارج والشرب منها كما أن القبع ثنية إلى داخل، والمخنث بفتح النون وهو المشهور، وقد يكسر وهو القياس، والمراد منه من يتكلف التشبه بالنساء في الحركات والسكنات وفي اللباس وأمثاله.\nوقوله: (أخرجوهم) الظاهر أن الضمير للمخنثين، ولو جعل للمجموع المذكور من المخنثين والمترجلات تغليبًا أو لكونهن في حكم الرجال لم يبعد، واللَّه أعلم.","vol":"7","page":409},{"text":"٤٤٢٩ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"لَعَنَ اللَّه الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٨٨٥].\n٤٤٣٠ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"لَعَنَ اللَّه الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٣٧، م: ٢١٢٤].\nــ\n٤٤٢٩ - [١١] (وعنه) قوله: (لعن اللَّه المتشبهين من الرجال بالنساء) وهم المخنثون، (والمتشبهات من النساء بالرجال) يعني في زيهم وهيآتهم وأفعالهم.\n٤٤٣٠ - [١٢] (ابن عمر) قوله: (لعن اللَّه الواصلة والمستوصلة) قالوا: الواصلة: التي تصل شعرها بشعر آخر، والمستوصلة: التي تأمر من يفعل بها، أقول: الظاهر أن تفسير الواصلة بالتي تصل الشعر بشعرآخر سواء تصل شعرها أو شعر غيرها، فللوصل صورتان، ولطلب الوصل صورة واحدة، نعم طلب الوصل يستلزم الوصل، لكن لا من التي تطلب، والوصل لا يستلزم طلبه بأن تصل شعر نفسها، وكذلك (الواشمة والمستوشمة) بل الظاهر أن الوصل والوشم يختصان لغيرها كما يظهر من عبارة (القاموس) في بيان معنى النمص حيث قال (١): النمص: نتف الشعر، ولُعِنَتِ النامصة وهي مزينة النساء بالنمص، والمتنمصة هي المُزَيَّنة به، ووصل شعر نفسه يدخل في المستوصلة دلالة، فافهم.\nثم في الوصل بالشعر أو غيره من خرقة أو صوف وبشعر الآدمي أو غيره وبإذن الزوج أو السيد وبغير إذنهما خلاف بين العلماء، وعند بعضهم بالصوف والخرقة وبشعر غير الآدمي بإذن الزوج والسيد جائز، أما بشعر الآدمي فمكروه اتفاقًا، وأما ربط خيوط\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٨٤).","vol":"7","page":410},{"text":"٤٤٣١ - [١٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ،\nــ\nالحرير الملونة ونحوها مما لا يشبه بالشعر فلا ينهى عنه، كذا في (مجمع البحار) (١).\nوتحمير الوجه والخضاب لغير ذات الزوج أو بدون إذنه حرام، وأما لذات الزوج بإذنه فلا، وروي عن عائشة -﵂- أنها قالت: ليست الواصلة التي تعنون، ولا بأس بأن تصل قرنًا من قرونها بصوف أسود، وإنما الواصلة من كانت بغيًّا في شبيبتها، فإذا أسنت وصلتها بالقيادة، ونقل عن أحمد أنه قال: ما سمعت بأعجب منها، كذا في (مجمع البحار) (٢).\nوقوله: (والواشمة والمستوشمة) والوشم: غرز الإبرة في البدن وذر الكحل عليه، والكلام فيه كالكلام في الواصلة والمستوصلة.\n٤٤٣١ - [١٣] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (والمتنمصات) ولم يذكر في هذه الرواية النامصات وقد جاءت في رواية أخرى اكتفاء ودلالة، والنمص: نتف الشعر من الوجه تزيينًا وهو حرام، وأباحوا نتف اللحية والشوارب إذا نبتت للنساء.\nوقوله: (والمتفلجات للحسن) أي: نساء يفعلن الفلج بأسنانهن للتحسين، والمتفلجة من يرى (٣) ما بين أسنانها، وتفعله العجوز لأنه محبوب إلى العرب، وفيه إظهار الصغر؛ لأن هذه الفرجة تكون للصغائر، والفلج بالتحريك: تباعد ما بين الأسنان، وهو أفلج الأسنان، كذا في (القاموس) (٤)، وقال الطيبي (٥): هو فرجة ما بين الثنايا\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٦٩).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٦٩).\n(٣) كذا في الأصل، والظاهر: \"من تَبْرُدُ\".\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٩٧).\n(٥) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٥١).","vol":"7","page":411},{"text":"الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَقَالَ: مَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَمَنْ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَتْ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ، فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ مَا تَقُولُ. قَالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ، أَمَا قَرَأْتِ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]. قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨٨٦، م: ٢١٢٥].\n٤٤٣٢ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْعَيْنُ حَقٌّ\". . . . .\nــ\nوالرباعيات، فظهر من هذا أن قوله: (للحسن) متعلق بالمتفلجات خاصة، ويحتمل أن يتعلق بالأفعال المذكورة كلها يكون لإظهار الحسن، وهذا المعنى أقرب وأوجه نظرًا إلى المعنى وإن كان الأول أظهر نظرًا إلى اللفظ، والتقييد بقوله: (للحسن) يشير إلى أنه لو فعله لعلاج أو عيب في السن لا بأس به، والظاهر أنه قيد اتفاقي؛ لأن الغالب إنما يكون للتزيين والتحسين.\nوقوله: (المغيرات خلق اللَّه) إشارة إلى علة النهي والكراهة، ولا يلزم من ذلك أن يكون كل تغيير حرامًا؛ لأنها ليست علة مستقلة لأن علة الحرمة نهي الشارع، والحكمة في النهي هذا، فيؤول الأمر إلى أن الشارع أباح بعض التغييرات وحرم بعضها لما فيها من زيادة التكلف والشناعة.\nوقوله: (ومن هو في كتاب اللَّه) أي: ملعون فيه.\nوقوله: (ما بين اللوحين) أي: الدفتين.\nوقوله: (لئن كنت قرأتيه) أي: بالتدبر والتأمل كما هو حقه.\n٤٤٣٢ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (العين حق) اعلم أن جمهور العلماء من أهل","vol":"7","page":412},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالحق على أن الإصابة بالعين وتأثيرها أمر ثابت محقق في النفوس والأموال، بل في سائر الأشياء المستحسنة، وإن أنكرها بعض المبتدعة من أهل الاعتزال ومن يحذو حذوهم، بمعنى أن اللَّه تعالى أودع فيها هذه الخاصية وجعلها سببًا لها بطريق جري العادة على ما هو شأن الأسباب العادية، لا أن لها تأثيرًا ذاتيًا باللزوم العقلي كما في العلل العقلية التي تقول بها الفلاسفة، وحديث: (العين حق) حجة لهم، ثم تكلموا في كيفية تأثيرها وإضرارها بالمعين، وقد نقل عن بعض من كان فيه هذه الصفة أنه كان يقول: إذا نظرت إلى شيء على وجه الاستحسان أحسست حرارة تخرج من العين.\nوقال بعضهم: إنه ينبعث من عين العائن قوة سمة تتصل بالمعين تصير سببًا للهلاك والفساد كالسم الواصل من الأفاعي والعقارب إلى اللديغ، وقد يؤثر السم من بعض الأفاعي بمجرد النظر ويهلك، وبالجملة يتوجه من جانب العائن إلى المعين مثل سهم يخرج من القوس إلى الهدف، فإن لم يكن في البين مانع يصير حفظًا ووقايةً هو الترس يصل وينفذ ويؤثر، وإن كان في البين ما يقيه ويحفظه وهو الحرز والعوذة والدعاء لم يصل، وإن وصل لم ينفذ، وإن كان الترس محكمًا شديدًا ربما يعود إلى الرامي على مثال السهم المحسوس، وكما أن اللَّه تعالى أودع في نفوس بعض الآدميين قوة وخاصية العين جعل للنفوس الكاملة قوة وتصرفًا يدفعها بها، ثم قالوا: يجب التحرز والتجنب ممن فيه هذه الصفة، وللإمام منع من عرف به عن مداخلة الناس فإن كان فقيرًا رزقه ما يكفيه، فضرره أشد من ضرر الشؤم والجذام، وقد منع أهلها عن المداخلة، فصاحب العين أولى به، وسيجيء هذا المبحث في (كتاب الطب والرقى).","vol":"7","page":413},{"text":"وَنَهَى عَنِ الْوَشْمِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٧٤٠].\n٤٤٣٣ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مُلَبِّدًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٩١٤].\nــ\nوقوله: (ونهى عن الوشم) لا مناسبة في الظاهر بين الكلامين، ولعله جرى الكلام فيهما، فبيّنهما الراوي، ومثل هذا كثير في الأحاديث، والشراح يتكلفون في بيان المناسبة، ولا حاجة إلى ذلك لما ذكرنا، وقال الطيبي (١): ولعل اقتران النهي عن الوشم بإصابة العين رد لزعم الواشم أنه يرد العين.\n٤٤٣٣ - [١٥] (ابْن عُمَرَ) قوله: (لقد رأيت رسول اللَّه -ﷺ- ملبدًا) بكسر الباء، قال الطيبي (٢): التلبيد: أن يجعل برأسه لزوقًا صمغًا أو عسلًا ليتلبد فلا يقمل، انتهى.\nوأصل ذلك في المحرم يفعل ذلك لحفظ رأسه عن التشعث والقمل لطول المكث في الإحرام، ولهذا أخذ في بعض الشروح وجود الإحرام في مفهومه، وقال: هو أن يجعل في الشعر شيء من نحو صمغ عند الإحرام لئلا يشعث ويقمل، وقال في (القاموس) (٣): الإلباد: أن يجعل المحرم في رأسه شيئًا من صمغ لِيَتَلَبَّدَ شعره، ولا شك أنه يباح ذلك في غير المحرم أيضًا لمثل ما ذكر من الأغراض، ورواية ابن عمر: النبي -ﷺ- بهذه الهيئة كان في الإحرام، ويحتمل أن يكون في غيره، واللَّه أعلم. وفي بعض الحواشي: أن إيراد صاحب (المصابيح) هذا الحديث في هذا الباب يدل على جواز\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٥٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٥٢).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٠).","vol":"7","page":414},{"text":"٤٤٣٤ - [١٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ (١) -ﷺ- أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٤٦، م: ٢١٠١].\n٤٤٣٥ - [١٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ -ﷺ- بِأَطْيَبِ مَا نَجِدُ، حَتَّى أَجِدَ وَبِيصَ الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتَهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٢٣، م: ١١٨٩].\nــ\nالتلبيد في غير الإحرام.\n٤٤٣٤ - [١٦] (أنس) قوله: (أن يتزعفر الرجل) أي: يصبغ به الثوب ويخلطه بالبدن، وقد جاء إباحته للمتزوج، وما ورد من بعض الصحابة من استعمال الخلوف وهو الطيب المشهور المشتمل على الزعفران فمحمول على أنه كان قبل ورود النهي، واللَّه أعلم.\n٤٤٣٥ - [١٧] (عائشة) قوله: (حتى أجد وبيص الطيب) يعني بريقه وبياضه (في رأسه ولحيته)، وورود هذا الحديث في الإحرام، ولعله كان في غير حال الإحرام أيضًا، وقد يستشكل هذا بقوله -ﷺ-: (طيب الرجال ما خفي لونه) (٢) إذ لا شك أن وجدان الوبيص يستلزم ظهور اللون، وتعقب هذا بأن المراد ما له لون يظهر زينة وجمالا كالحمرة والصفرة، وما لم يكن كذلك كالمسك والعنبر فهو جائز، كذا قال الطيبي (٣)، والظاهر أن مثل الصندل أيضًا من هذا القبيل، وأما الجودة التي يتعارف في ديارنا وهو أسود إن ثبت فيها الزينة والجمال لم يجز أيضًا، وهو محل نظر.\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول اللَّه\".\n(٢) أخرجه الترمذي في \"السنن\" (٢٧٨٧)، والنسائي في \"السنن\" (٥١١٨)، وأبو داود (٢١٧٤).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٥٣).","vol":"7","page":415},{"text":"٤٤٣٦ - [١٨] وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اسْتَجْمَرَ، اسْتَجْمَرَ بِأَلُوَّةٍ غَيْرِ مُطَرَّاةٍ. . . . .\nــ\n٤٤٣٦ - [١٨] (نافع) قوله: (إذا استجمر) معنى الاستجمار: طلب الجمر واستعماله، والجمر: هو النار المتقدة يوضع عليه العود ويتبخر به، يقال: أجمرت الثوب وجمرته: إذا بخرته بالطيب، ومن تولاه فهو مُجْمِر ومُجَمِّر بلفظ اسم الفاعل من الإجمار والتجمير، ومنه: نعم المجمر كان يلي إجمار مسجد النبي -ﷺ-، والمجمر كمنبر الذي يوضع فيه الجمر بالدخنة، ويؤنث كالمجمرة، والعود نفسه كالمجمر بالضم فيهما، كذا في (القاموس) (١)، وقد يجيء المجمر الذي يوضع فيه الجمر بفتح الميم كأنه يعتبر آلة وظرفًا، فهو مثلثة الميم، وأما العود نفسه فهو بالضم، وقد يكسر، ومنه: (مجامرهم الألوة) أي: ما يتبخرون به.\nوقد يجيء الاستجمار بمعنى التمسح بالأحجار في الاستنجاء، وحديث: (الاستجمار تَوٌّ) أي: فرد يحتمل المعنيين، ففي الاستنجاء بيان عدد الكرات أو الأحجار، وكذا في البخور بأن يأخذ منه ثلاث قطع أو ثلاث مرات، كما في حديث: (إذا استجمرتم الميت فجمروه ثلاثا) (٢).\nوقوله: (الألوة) المشهور فيه ضم الهمزة واللام وفتح الواو المشددة وقد يفتح الهمزة.\nوقوله: (غير مطراة) بضم الميم وفتح الطاء والراء المشددة، أي: غير مخلوط أو غير مُرَبَّاة بشيء آخر من جنس الطيب، ومنه: عسل مطرى بالأفاويه.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٤٤).\n(٢) أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (٧/ ٣٠١).","vol":"7","page":416},{"text":"وَبِكَافُورٍ يَطْرَحُهُ مَعَ الأَلُوَّةِ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كَانَ يَسْتَجْمِرُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٥٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1042> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٤٣٧ - [١٩] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَقُصُّ أَوْ يَأْخُذُ مِنْ شَارِبِهِ، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ صَلَوَاتُ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ (١) يَفْعَلُهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٧٦٠].\n٤٤٣٨ - [٢٠] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [حم: ٤/ ٣٦٦، ت: ٢٧٦١، ن: ١٣].\nــ\nوقوله: (وبكافور يطرحه مع الألوة) أي: تارة كان يتبخر بالعود الخالص، وأخرى مخلوط بالكافور.\nالفصل الثاني\n٤٤٣٧ - [١٩] (عباس) قوله: (وكان إبراهيم خليل الرحمن يفعله) قد سبق معنى الفطرة أنها السنة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع، فالتخصيص بإبراهيم تنويه وتعظيم لشأن القص، ولذا وصفه بخليل الرحمن، أو كان ابتداء شرعيته من إبراهيم ﵇ كما دل عليه حديث الأولية المذكور في آخر الفصل الثالث من هذا الباب، ولعل المراد مبالغته ﵇ واستدامته على ذلك بخلاف الأنبياء السابقين عليه إذ لم يكن في شواربهم ما يحوجهم إلى القص كما لم يكن لهم شيب، واللَّه أعلم.\n٤٤٣٨ - [٢٠] (زيد بن أرقم) قوله: (فليس منا) أي: من سنتنا أو من أهلها.\n_________\n(١) قوله: \"صلوات الرحمن عليه\" سقط في نسخة.","vol":"7","page":417},{"text":"٤٤٣٩ - [٢١] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَأْخُذُ مِنْ لِحْيَتِهِ مِنْ عَرْضِهَا وَطُولِهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٧٦٢].\n٤٤٤٠ - [٢٢] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَأَى عَلَيْهِ خَلُوقًا فَقَالَ: \"أَلَكَ امْرَأَةٌ؟ \" قَالَ: لَا، قَالَ: \"فَاغْسِلْهُ، ثُمَّ اغْسِلْهُ، ثُمَّ اغْسِلْهُ، ثُمَّ لَا تَعُدْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٢٨١٦، ن: ٥١٢١].\nــ\n٤٤٣٩ - [٢١] (عمرو بن شعيب) قوله: (كان يأخذ منه لحيته من عرضها وطولها) تسوية وإصلاحًا لها، فعلم أن تسوية اللحية على هذا الوجه سنة، وهو لا ينافي إحفاء اللحية وتوفيرها المأمور به، وإنما ينافيه قصها وقصرها عن القدر المسنون، بل قالوا: لو طالت وازدادت بترك الإصلاح والأخذ مدة لم يقص بل يترك على حالها، وقد سبق الكلام فيه في أوائل الكتاب فلا نعيده.\n٤٤٤٠ - [٢٢] (يعلى بن مرة) قوله: (يعلى) بفتح التحتانية وسكون العين (ابن مرة) بضم الميم وتشديد الراء.\nوقوله: (خلوقًا) بفتح الخاء المعجمة في آخره قاف: طيب مشهور يجعل فيه الزعفران.\nوقوله: (ألك امرأة؟) قيل: إن المراد أنه إن كانت له امرأة أصابه الخلوق من بدنها وثوبها ببدنه وثوبه كان معذورًا، والمنهي عنه هو قصده وتعمده، انتهى. يعني ليس المراد أنه إن كانت له امرأة جاز استعمال الخلوق لأجلها رعاية لجانبها كما قد يوهمه ظاهر الحديث، بل المراد ما ذكره، واللَّه أعلم.","vol":"7","page":418},{"text":"٤٤٤١ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَقْبَلُ اللَّه صَلَاةَ رَجُلٍ فِي جَسَدِهِ شَيْءٌ مِنْ خَلُوقٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٧٨].\n٤٤٤٢ - [٢٤] وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسرٍ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سَفَرٍ وَقَدْ تَشَقَّقَتْ يَدَايَ، فَخَلَّقُونِي بِزَعْفَرَانٍ، فَغَدَوْتُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ وَقَالَ: \"اذْهَبْ فَاغْسِلْ هَذَا عَنْكَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٧٦].\n٤٤٤٣ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"طِيبُ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ،\nــ\n٤٤٤١ - [٢٣] (أبو موسى) قوله: (في جسده) لعل المراد به ما يشمل الثوب الذي على جسده أيضًا.\n٤٤٤٢ - [٢٤] (عمار بن ياسر) قوله: (وقد تشققت يداي) من إصابة الرياح واستعمال الماء كما يكون في الشتاء، في (الصراح) (١): شق بالفتح: كفتكَئ، شقوق جماعت، يقال: بيد فلان وبرجله شقوق.\nوقوله: (فخلقوني بزعفران) على صيغة الماضي من التفعيل، أي: طلوا يدي ولطخوهما، وجعلوا في تشقق يدي للمداواة، والخلوق يتركب من الزعفران وغيره، وتخصيص الزعفران بالذكر للإشارة إلى ارتكاب المنهي عنه، ثم الظاهر أن التشديد المذكور والأمر بالغسل لعدم العلم بأن ذلك كان منه لعذر المداواة، أو لأن ذلك لا يصلح علاجًا له.\n٤٤٤٣ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (وخفي لونه) قد علمت أن المراد لون فيه\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٣٨٠).","vol":"7","page":419},{"text":"وَطِيبُ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٢٧٨٧، ن: ٥١١٧].\n٤٤٤٤ - [٢٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- سُكَّةٌ يَتَطَيَّبُ مِنْهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٦٢].\n٤٤٤٥ - [٢٧] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهِ، وَتَسْرِيحَ لِحْيَتِهِ،\nــ\nزينة، فينبغي أن يكون خفيًا لئلا يلزم التزين، وأما النساء فملتحفات فيستر اللون تحتها، وأما خفاء الريح فللاحتراز عن الفتنة بفوحها إلى الأجانب، فافهم.\n٤٤٤٤ - [٢٦] (أنس) قوله: (سكة) قال الطيبي (١): السك بالضم، ضرب من الطيب، وفي (مجمع البحار) (٢): طيب معروف يضاف إلى غيره من الطيب ويستعمل، وقال الكرماني (٣): قلادة من طيب، وقيل: خيط ينظم فيه خرز من الطيب، وقال في (القاموس) (٤): السك بالضم: طيب يتخذ من الرامك مدقوقًا منخولًا معجونًا بالماء، ويُعْرَك شديدًا، ويمسح بدهن الخيري لئلا يلصق بالإناء، ويُترك ليلة، ثم يُسْحَقُ المسك ويُلْقَمُه، ويُعْرك شديدًا ويُقَرَّصُ، ويُتْرك يومين، ثم يُثْقَبُ بِمَسَلَّة، ويُنظم في خيط قِنَّبٍ، ويترك سنة، وكلما عَتُقَ طابت رائحته.\n٤٤٤٥ - [٢٧] (وعنه) قوله: (يكثر دهن رأسه) الدهن بالفتح: استعمال الدهن.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٥٥).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٩٥).\n(٣) \"شرح الكرماني\" (٢١/ ١٠٦).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٦٨).","vol":"7","page":420},{"text":"وَيُكثِرُ الْقِنَاعَ كَأَنَّ ثَوْبَهُ ثَوْبُ زَيَّاتٍ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١٢/ ٨٢].\nــ\nوقوله: (ويكثر القناع) بكسر القاف، قيل: المراد الطيلسان الذي كان يتطلس به، ويتقنع، ومنه المقنعة للمرأة: ما تستر به رأسها، وقال في (القاموس) (١): القناع: أوسع من المقنعة، فكان موضع الرأس منه يتدهن ويصير كثوب زيات، وقيل: بل الصواب أن المراد به خرقة كان يجعلها تحت العمامة لئلا يتسخ بالدهن، كذا قال الشارحون، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): لم نجد في هذه اللفظة عن أحد من أهل المعرفة بالأحاديث ومعانيها ما يتحقق المعنى المراد من القناع، والذي يتبين لنا أنه أراد بذلك أحد الشيئين: إما اتخاذ القناع على رأسه شبه الطيلسان على رأسه، وإما اتخاذه ذلك عند التدهن لئلا تتسخ العمامة منه، ولا يتوهم أن ثيابه التي كان يلبس كانت تصير وسخة بالدهن؛ لأنه أبعد من النظافة، وكان -ﷺ- يحب البياض من الثياب.\nثم اعلم أن الشيخ الجزري قال في تصحيح (المصابيح): الربيع بن صبيح كان عابدًا، لكنه ضعيف في الحديث، وله مناكير؛ منها: حديث كان رسول اللَّه -ﷺ- يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته ويكثر القناع، وكأن ثوبه ثوب زيات، كذا في (شرح الشمائل) لمولانا الحنفي، قلت: الظاهر أن النكارة في إكثار هذه الأمور، وينافيه ظاهر حديث أبي داود الآتي: كان ينهانا عن كثير من الإرفاه، وينافيه حديث النهي عن الترجل إلا غبًّا كما يأتي في الحديث الآتي، فتدبر. واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٩٩).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٩٢).","vol":"7","page":421},{"text":"٤٤٤٦ - [٢٨] وَعَنْ أُمِّ هَانِئ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَيْنَا بِمَكَّةَ قَدْمَةً، وَلَهُ أَرْبَعُ غَدَائِرَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٦/ ٣٤١، د: ٤١٩١، ت: ١٧٨١، جه: ٣٦٣١].\n٤٤٤٧ - [٢٩] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِذَا فَرَقْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- رَأْسَهُ صَدَّعْتُ فَرْقَهُ عَنْ يَافُوخِهِ، وَأَرْسَلْتُ ناصِيَتَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٨٩].\nــ\n٤٤٤٦ - [٢٨] (أم هانئ) قوله: (قدمة) للمرة من القدوم، والمراد قدومه لفتح مكة.\nوقوله: (غدائر) جمع غديرة بالدال المهملة: وهي الضفيرة، والضفائر هي الذوائب المضفورة، أي: المفتولة.\n٤٤٤٧ - [٢٩] (عَائِشَة) قوله: (إذا فرقت لرسول اللَّه -ﷺ- رأسه) أي: إذا أردت الفرق، والفرق الفصل بين الشيئين، ومنه فرق الرأس، وهو الطريق في شعر الرأس إذا قسم نصفين، و(الصدع) في الأصل الشق في شيء صلب كالزجاج ونحوه، وقد يطلق على مطلق الشق، واليافوخ: حيث التقى عَظم مُقدَّم الرأس وعظم مُؤخره، وفي حديث العقيقة: (ويوضع على يافوخ الصبي)، هو موضع يتحرك من وسط رأس الطفل، كذا في (النهاية) (١).\nوقوله: (وأرسلت ناصيته لين عينيه) المراد أنه كان أحد طرفي الفرق عند اليافوخ، والآخر عند الجبهة، وكان ناصيته وهو شعر مقدم الرأس محاذيًا لما بين عينيه بحيث يكون نصف شعر ناصيته من جانب يمين ذلك الفرق، والنصف الآخر من جانب يساره،\n_________\n(١) \"النهاية\" (٥/ ٢٩١).","vol":"7","page":422},{"text":"٤٤٤٨ - [٣٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ التَّرَجُّلِ إِلَّا غِبًّا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ١٧٥٦، د: ٤١٥٩، ن: ٥٠٥٥].\nــ\nكذا فسره الطيبي (١)، وهذه الحيثية التي ذكره ليس مفهوم (أرسلت ناصيته)، ولكن لازم معنى الفرق ومفهوم منه، والناصية اسم لشعر الرأس من جانب الجبهة، وليس في صورة الفرق مرسلًا بين العينين، كيف ذلك! والإرسال ضد الفرق، فبيّن الشارح المراد بقوله: أي: جعلت رأس فرقه محاذيًا لما بين عينيه بحيث يكون نصف شعر ناصيته من جانب يمين ذلك الفرق، والنصف الآخر من جانب يساره، فافهم.\n٤٤٤٨ - [٣٠] (عبد اللَّه بن مغفل) قوله: (نهى عن الترجل إلا غبًّا) قال الطيبي (٢): الغب أن يفعل يومًا ويترك يومًا، والمراد به النهي عن المواظبة عليه والاهتمام به؛ لأنه مبالغة في التزين، انتهى. كأنه يريد أن خلاصة المراد عدم المواظبة والاستدامة وليس خصوصية الفعل يومًا والترك يومًا مرادًا، وفي (النهاية) (٣) في حديث: (زر غبًّا)، الغب أن ترد الإبل الماء يومًا وتدعه يومًا ثم تعود، فنقله إلى الزيارة وإن جاء بعد أيام، يقال: غبَّ الرجل: إذا جاء زائرًا بعد أيام، وقال الحسن: إذا جاء بعد أسبوع، ومنه: (أغبوا في عيادة المريض) أي: لا تعودوه كل يوم، لما يجد المريض من ثقل العيادة، ومنه: (نهى عن الترجل إلا غبًّا) تحرزًا عن الاهتمام بالتزين والمواظبة والتهالك، وفي (شرح جامع الأصول) (٤) حديث: (ما يأكلون\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٥٦).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٥٦).\n(٣) \"النهاية\" (٣/ ٣٣٦).\n(٤) \"جامع الأصول\" (٧/ ٤٨٢).","vol":"7","page":423},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nاللحم إلا غبًّا) أي: لا يدومون على أكله، وهو في أوراد الإبل أن تشرب يومًا وتدعه يومًا، وفي غيره: أن يفعل الشيء يومًا ويدعه أيامًا، انتهى. وقال في (القاموس) (١): الغب بالكسر: ورد يوم وظِمء آخر، وفي الزيارة: أن تكون كل أسبوع، ومن الحمى: ما تأخذ يومًا وتدع يومًا، انتهى.\nواعلم أن النهي عن الامتشاط كل يوم يشمل الرأس واللحية، والترجل وإن كان غالب استعماله في الرأس، وفي اللحية يقال: التسريح، وبهذا الاعتبار قد تضعف الاستدلال كما قيل على ذلك بحديث النهي عن الترجل إلا غبًّا، لكن المراد به التمشيط مطلقًا بقرينة ما جاء في حديث أبي داود صريحًا من النهي عن الامتشاط كل يوم، فعلى هذا ما يفعله بعض الناس من امتشاط اللحية بعد كل وضوء لا يكون سنة، ولم يصح ذلك عن النبي -ﷺ-، كذا قيل، ولكن جاء في بعض الآثار أن امتشاط اللحية بعد الوضوء ينفي الفقر، كذا في (كتاب النورين في إصلاح الدارين) لبعض العلماء، وقال الشيخ ولي الدين العراقي في حديث أبي داود: نهى رسول اللَّه -ﷺ- أن يمتشط أحدنا في كل يوم، لا فرق بين الرأس واللحية في ذلك.\nفإن قلت: روى الترمذي في (الشمائل) (٢) عن أنس قال: كان رسول اللَّه -ﷺ- يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته؟ .\nقلت: لا يلزم من إكثار التسريح كل يوم بل الإكثار يصدق على الشيء الذي يفعل بحسب الحاجة، فإن قلت: نقل أنه كان يسرح لحيته كل يوم مرتين؟ قلت: لم\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٣).\n(٢) \"الشمائل\" (٣٣).","vol":"7","page":424},{"text":"٤٤٤٩ - [٣١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِفَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ: مَا لِي أَرَاكَ شَعِثًا؟ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَنْهَانَا عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الإرْفَاهِ،\nــ\nأقف على هذا بإسناد، ولم أر من ذكره إلا الغزالي في (الإحياء) (١)، ولا يخفى ما فيه من الأحاديث التي لا أصل لها، انتهى كلام العراقي، ونقله السيوطي في (حاشية أبي داود)، ثم اعلم أن ذلك نهي تنزيه لا تحريم، والمعنى فيه أنه من باب الترفه والتنعم فيجتنب، كذا نقل عن الشيخ ولي الدين العراقي المذكور، ثم الظاهر أن النهي عن الامتشاط كل يوم يخص الرجال دون النساء؛ لأن التجمل والتزين في حقهن غير مكروه، وقال بعض العلماء: النهي شامل للكل إلا أن الكراهة في حق النساء أخف؛ لأن باب التزين في حقهن أوسع، كذا في (مجمع البحار) (٢).\n٤٤٤٩ - [٣١] (عبد اللَّه بن بريدة) قوله: (عن كثير من الإرفاه) بكسر الهمزة أصله في ورود الإبل الماء متى شاءت، شبه كثرة الادّهان والتنعم به، وفي (القاموس) (٣): الرفاهة والرفاهية مخففة: رغد الخِصْب، ولين العيش، رفُه عيشه، ككرم فهو رفيه ورافه ورفهان ومترفه: مستريح متنعم، وأرفههم اللَّه تعالى ورفَّههم ترفيهًا. ورفه الرجل، كمنع، رفهًا، ويكسر، ورفوهًا: لان عيشه، والإبل: وردت الماء متى شاءت، وفي هذا الحديث أنه -ﷺ- وإن كان يدهن ويمتشط ويكثر ذلك ويحبه ويأمر به ويرغب فيه، لكن كان قد يأمر بعض الزهاد وأهل الرياضة من الصحابة بخلافه، وحاصله أنه كان\n_________\n(١) \"إحياء علوم الدين\" (١/ ٢٦٦).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٦٠٠).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٤٧).","vol":"7","page":425},{"text":"قَالَ: مَا لِي لَا أَرَى عَلَيْكَ حِذَاءً؟ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَأْمُرُنَا أَنْ نَحْتَفِيَ أَحْيَانًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٦٠].\n٤٤٥٠ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٦٣].\n٤٤٥١ - [٣٣] وَعَن أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَحْسَنَ مَا غُيِّرَ بِهِ الشَّيْبُ الْحِنَّاءُ وَالْكَتَمُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ١٧٥٣، د: ٤٢٠٥، ن: ٥٠٧٧].\nــ\nينهى عن الإفراط والمبالغة في التنعم والترفه والانهماك في التدهين والترجيل والتزيين كما هو عادة أهل التنعم والإتراف، ويأمر بالتوسط والاقتصاد لا بترك الطهارة والنظافة وتحسين الهيئة؛ لأن النظافة من الدين.\nوقوله: (ما لي لا أرى عليك حذاء) بكسر المهملة والذال المعجمة وبالمد: النعل، كذا في (النهاية) (١)، وفي حديث اللقطة: (معها حذاؤها وسقاؤها) يريد أخفاف الإبل المشابهة للنعال، وحذا النعل: قَدَّرَهَا، وقَطَعَها.\nوقوله: (أن نحتفي أحيانًا) أي: حفاة تواضعًا وكسرًا للنفس، وليتمكن عند الاضطرار إليه.\n٤٤٥٠ - [٣٢] (أبو هريرة) قوله: (من كان له شعر فليكرمه) يريد إصلاحه بالادهان والغسل والتنظيف بالمعنى الذي ذكر.\n٤٤٥١ - [٣٣] (أبو ذر) قوله: (الحناء والكتم) بفتح الكاف والتاء الفوقانية المخففة، وبعضهم يشددها، والتخفيف أشهر، نبت يخلط بالوسمة ويصبغ به الشعر،\n_________\n(١) \"النهاية\" (١/ ٣٥٧).","vol":"7","page":426},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقيل: هو الوسمة، كذا قال الطيبي (١)، وفي (القاموس) (٢): الكتم محركة: الكتمان، وبالضم: نبت يخلط بالحناء، ويخضب به الشعر، فيبقى لونه، وأصله إذا طبخ بالماء، كان منه مداد للكتابة، انتهى.\nوالوسمة بفتح الواو وضمها وبكسر السين وسكونها أربع لغات: نبت، وقيل: شجر باليمن يخضب بورقه الشعر أسود، كذا في (مجمع البحار) (٣)، وفي (القاموس) (٤): الوسمة: ورق النيل، أو نبات يُخْضَب بورقه، ثم المراد من الحديث إما الخضاب بمجموع الحناء والكتم أو بأحدهما منفردًا، فقال صاحب (النهاية) (٥): يشبه أن يراد استعمال الكتم عن الحناء إذ معه يوجد السواد، وقد صح النهي عنه، وقال: لعل الحديث بالحناء أو بالكتم على التخيير، ولكن الروايات على اختلافها بالحناء والكتم، انتهى.\nثم إنهم لم يبينوا أن الخضاب بالكتم وحده ما لونه، وفي بعض الحواشي: أن الخضاب بالحناء وحده أحمر، وبالكتم وحده أخضر، ويعلم من كلام بعضهم أن الخضاب بالكتم منفردًا يوجب سوادًا خالصًا، ولكن إذا خلط وجمع مع الحناء يصير أحمر مائلًا إلى السواد دون السواد، فعلى هذا يكون المراد الخضاب بمجموع الحناء والكتم كذا قيل.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٥٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٦٣).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٦١).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٧٥).\n(٥) \"النهاية\" (٤/ ١٥٠).","vol":"7","page":427},{"text":"٤٤٥٢ - [٣٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"يَكُونُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ يَخْضِبُونَ بِهَذَا السَّوَادِ، كَحَوَاصِلِ الْحَمَامِ، لَا يَجِدُونَ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٢١٢، ن: ٥٠٧٥].\n٤٤٥٣ - [٣٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَلْبَسُ النِّعَالَ السِّبْتِيَّةَ،\nــ\n٤٤٥٢ - [٣٤] (ابن عباس) قوله: (بهذا السواد) أي: بهذا اللون الذي هو السواد كما هو الظاهر من وصف اسم الإشارة لرفع الإبهام عن الجنس، والإشارة بهذا يكون للتحقير وتقبيح شأنه، أو المراد النوع الخاص من السواد، فيكون قوله: (كحواصل الحمام) أي: صدورها بيانًا لذلك النوع، أي: السواد الصرف غير مشوب بلون آخر.\nوقوله: (لا يجدون رائحة الجنة) مبالغة في الزجر والتهديد على الخضاب بالسواد، وفي بعض الحواشي: يعني يدخلون الجنة ولكن لا يجدون روائحها، ويحرمون من وجدانها، وقيل: يأتي من الجنة ريح طيبة في العرصات يتلذذون بها ويهنئون بها عليهم تعب الوقوف بالعرصات ويحرمون هؤلاء منها، واللَّه أعلم.\n٤٤٥٣ - [٣٥] (ابن عمر) قوله: (النعال السبتية) منسوب إلى السبت بكسر السين وسكون الباء: وهو جلود البقر المدبوغة أو كل جلد مدبوغ أو بالقرظ، وقد يطلق السبت على النعل توسعًا كما جاء في الحديث: (يا صاحب السبتين)، وفي رواية قد يروى بصيغة النسبة، وفي (الشمائل) (١) للترمذي: قيل لابن عمر: نراك تلبس النعال\n_________\n(١) \"الشمائل\" (٧٩).","vol":"7","page":428},{"text":"وَيُصَفِّرُ لِحْيتَهُ بِالْوَرْسِ وَالزَّعْفَرانِ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِك. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٥٢٤٣].\nــ\nالسبتية، فقال: رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يلبسها، وإنما اعترض عليه؛ لأنه كان عادتهم لبس النعال بالشعر غير مدبوغة؛ ولأنها نعال أهل النعمة والسعة.\nوقوله: (ويصفر لحيته بالورس والزعفران) الورس: نبات أصفر يصبغ به، وفي (القاموس) (١): نبات كالسمسم ليس إلا باليمن، يزرع فيبقى عشرين سنة، ورّسه توريسًا: صبغه به، وقد علم أنه -ﷺ- لم يخضب ولم يبلغ شيبه حد الخضاب، وهو الصحيح المختار عند جمهور المحدثين، وقد جاء في أحاديث كثيرة، وما جاء على خلافه فله محامل وتأويلات قد عرفت، وقال صاحب (سفر السعادة) (٢): إنه -ﷺ- لم يصبغ شعره قطّ، وإذا كان يستعمل الطيب كثيرًا حسبوه مخضوبًا، انتهى. فالمراد بقوله: يصفر لحيته بهما أنه كان يستعملهما فيها ويغسلها بهما تنظيفًا وتطهيرًا، ولما كان شعره -ﷺ- أسود لم يصبغ به؛ لأن الأسود لا يقبل لونًا آخر، وكذا سمعت من الشيخ ﵀، وأما ابن عمر لما كان شيبه أبيض وكان يستعمل الصفرة اتباعًا له -ﷺ- كان يصبغ به شعره، وكان الصحابة يخضبون بالحمرة وبالصفرة كما جاء في الأحاديث، أما هو -ﷺ- فلم يخضب قط، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وكان ابن عمر يفعل ذلك) أي: يصفر اللحية بالورس والزعفران، والأولى أن يكون إشارة إلى مجموع ما ذكر من لبس النعال السبتية وتصفير اللحية كما جاء في الأحاديث، ورويناه في (كتاب الشمائل).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٣٦).\n(٢) \"سفر السعادة\" (ص: ٣٣٠).","vol":"7","page":429},{"text":"٤٤٥٤ - [٣٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- رَجُلٌ قَدْ خَضَبَ بِالْحِنَّاءِ، فَقَالَ: \"مَا أَحْسَنَ هَذَا\". قَالَ: فَمَرَّ آخَرُ قَدْ خَضَبَ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، فَقَالَ: \"هَذَا أَحْسَنُ مِنْ هَذَا\"، ثُمَّ مَرَّ آخَرُ قَدْ خَضَبَ بِالصُّفْرَةِ فَقَالَ: \"هَذَا أَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢١١].\n٤٤٥٥ - [٣٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"غَيِّرُوا الشَّيْبَ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٥٧٥٢].\n٤٤٥٦، ٤٤٥٧ - [٣٨، ٣٩] وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالزُّبَيْرِ. [ن: ٥٠٧٣، ٥٠٧٤].\n٤٤٥٨ - [٤٠] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَنْتِفُوا الشَّيْبَ، فَإِنَّهُ نُورُ الْمُسْلِم، مَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي الإِسْلَامِ كتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً، وَكفَّرَ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً وَرَفَعَهُ بِهَا دَرَجَةً\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٠٢].\nــ\n٤٤٥٤ - [٣٦] (ابن عباس) قوله: (بالحناء والكتم) هذا صريح في الجمع بينهما، فيحمل عليه في الحديث السابق أيضًا.\n٤٤٥٥، ٤٤٥٦، ٤٤٥٧ - [٣٧، ٣٨، ٣٩] (أبو هريرة، وابن عمر والزبير) قوله: (ولا تشبهوا باليهود) فإنهم لا يغيرون كما مرّ في الفصل الأول من حديث أبي هريرة، وزاد هناك: النصارى أيضًا.\n٤٤٥٨ - [٤٠] (عمرو بن شعيب) قوله: (فإنه نور المسلم) أي: سبب له في القيامة، فالمراد نور الآخرة على ما قرره الطيبي (١)، ولو كان المراد نورانية حسن\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٥٩).","vol":"7","page":430},{"text":"٤٤٥٩ - [٤١] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مُرَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ شَابَ شَيْبةً فِي الإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ١٦٣٤، ن: ٣١٣٢].\n٤٤٦٠ - [٤٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ لَهُ شَعْرٌ فَوْقَ الْجُمَّةِ وَدُونَ الوَفْرَةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٧٥٥].\nــ\nوجمال الحلية وما يحصل للمشايخ من صلاح السريرة وصفاء الباطن في هذا العالم لم يبعد، وحصول حسن الجزاء والنورانية التي تترتب عليه، وفي الآخرة على حاله، فإن قلت: فإذا كان حال الشيب كذلك فلم شرع ستره بالخضاب؟ قلنا: ذلك لمصلحة أخرى دينية، وهو إرغام الأعداء وإظهار الجلادة لهم.\nفإن قلت: فلم لم يجز النتف لأجل هذه المصلحة؟ قلت: النتف استئصال الشيب من أصله، ومفض في الآخرة إلى تشويه الوجه وسوء المنظر بخلاف الخضاب؛ فإنه زيادة وصف على الأصل، فبينهما فرق، على أنه قد يروى عن أبي حنيفة جواز النتف إذا لم يكن بقصد التزين والتكلف، وعن محمد أنه لا بأس به، نعم المختار في المذهب خلاف ذلك.\n٤٤٥٩ - [٤١] (كعب بن مرة) قوله: (كانت له نورًا يوم القيامة) يؤيد الحمل على النور في ذلك اليوم، ولكنه لا منافاة، ويناسب الحمل على النور في الدنيا، وقوله في الحديث السابق: (كتب اللَّه له بها حسنة وكفر عنه بها خطيئة ورفعه بها درجة) وإن كانت هذه الأشياء أيضًا موجبة للنور يوم القيامة، فتدبر.\n٤٤٦٠ - [٤٢] (عائشة) قوله: (وكان له شعر فوق الجمة ودون الوفرة) اعلم","vol":"7","page":431},{"text":"٤٤٦١ - [٤٣] وَعَنِ ابْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"نِعْمَ الرَّجُلُ خُرَيْمٌ الأَسْدِيُّ لَوْلَا طُولُ جُمَّتِهِ وَإِسْبَالُ إِزَارِهِ\" فَبَلَغَ ذَلِكَ خُرَيْمًا، فَأَخَذَ شَفْرَةً، فَقَطَعَ بِهَا جُمَّتَهُ إِلَى أُذُنيهِ وَرَفَعَ إِزارَهُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٠٨٩].\n٤٤٦٢ - [٤٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَتْ لِي ذُؤَابَةٌ. . . . .\nــ\nأن لشعر رأس الإنسان ثلاثة أسماء: الجمة بضم الجيم وتشديد الميم، والوفرة بفتح الواو وسكون الفاء، واللمة بكسر اللام وتشديد الميم، فالجمة إلى المنكبين، والوفرة إلى شحمة الأذن، واللمة بين بين، نزل من الأذن وألم إلى المنكبين ولم يصل إليهما، فشعره -ﷺ- كان لمة نزل من الأذن وصار دون الوفرة وأسفل منها، ولم يصل إلي المنكب وبقي فوقها، وهذا على اختلاف الأوقات والأحوال، وقد جاءت الجمة بمعنى مطلق الشعر كما وقع في (الشمائل) (١): تضرب جمته شحمة أذنيه، وفي (القاموس) (٢): الجمة بالضم: مجتمع شعر الرأس.\n٤٤٦١ - [٤٣] (ابن الحنظلية) قوله: (خريم) بضم المعجمة وراء، بلفظ التصغير.\nوقوله: (لولا طول جمته) طول الشعر ليس مذمومًا، ولعله -ﷺ- رأى في هذا الرجل تبخترًا وتعلقًا بطول جمته فنبهه على ذلك وضم إلى الإسبال للإزار الذي هو حرام بلا شبهة، وبالجملة الإفراط والتجاوز عن الحد مذموم مطلقًا.\n٤٤٦٢ - [٤٤] (أنس) قوله: (كانت لي ذؤابة) بضم الذال المعجمة: الناصية\n_________\n(١) \"الشمائل\" (٢٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٠٦).","vol":"7","page":432},{"text":"فَقَالَتْ لِي أُمِّي: لَا أَجُزُّهَا، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَمُدُّهَا وَيَأْخُذُهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٩٦].\n٤٤٦٣ - [٤٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَمْهَلَ آلَ جَعْفَرٍ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتَاهُمْ فَقَالَ: \"لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ الْيَوْمِ\". ثُمَّ قَالَ: \"ادْعُوا لِي بَنِي أَخِي\". فَجِيءَ بِنَا كَأَنَّا أَفْرَاخٌ فَقَالَ: \"ادْعُوا لِي الْحَلَّاقَ\"\nــ\nأو منبتها من الرأس، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): ذوائب: كيسو، وفي (النهاية) (٣): هي الشعر المضفور من الرأس، و(الذؤابة) مهموز، لكنه جاء على غير القياس، جمعه ذوائب بالواو؛ لأنهم استثقلوا وقوع الألف بين الهمزتين، فأبدلوا من الأولى واوًا.\nوقوله: (يمدها ويأخذها) أي: كان ينبسط معه فيأخذها ويمدّها كما يفعل بالصبيان، وفي بعض الحواشي: يمدّها حتى يصل إلى الأذن، ثم يقطع الزوائد من الأذن، وأمه كانت لا تجز ولا تقطع بل تتركها طويلة تبركًا وتيمنًا بمساس يده الشريفة بها.\n٤٤٦٣ - [٤٥] (عبد اللَّه بن جعفر) قوله: (أمهل آل جعفر) أي: تركهم يبكون عند نعي جعفر من غزوة موتة، وكانوا ثلاثة: عبد اللَّه وعوفًا ومحمدًا -﵃-.\nوقوله: (كأنا أفراخ) في (القاموس) (٤): الفرخ: ولد الطائر، وكل صغير من الحيوان والنبات، وجمعه أفرخ وأفراخ وأفرخة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٢).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٢٩).\n(٣) \"النهاية\" (٢/ ١٥١).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٤٨).","vol":"7","page":433},{"text":"فَأَمَرَهُ فَحَلَقَ رُؤُوسَنَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤١٩٢، ن: ٥٢٢٧].\n٤٤٦٤ - [٤٦] وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ: أَنَّ امْرَأَةَ كَانَتْ تَخْتِنُ بِالْمَدِينَةِ. فَقَالَ لَها النَّبِيُّ -ﷺ-: \"لَا تُنْهِكِي فَإِنَّ ذَلِكَ أَحْظَى لِلْمَرأَةِ، وَأَحَبُّ إِلَى الْبَعْلِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: هَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ وَرَاوِيهُ مَجْهُولٌ. [د: ٥٢٧١].\nــ\nوقوله: (فحلق رؤوسنا) وذلك لما رأى من شغل أمهم عن ترجيل شعورهم بما أصابها من المصيبة، فأشفق عليهم الوسخ والقمل.\n٤٤٦٤ - [٤٦] (أم عطية الأنصارية) قوله: (لا تنهكي) من نهكه كفرح وأنهكه: بالغ فيه، والنهك والإنهاك: المبالغة في كل شيء، فالمعنى لا تبالغي في القطع ولا تستقصي في الختان، يدل على أن المبالغة في ذلك يخل في الحظ والأحبية، وقد ورد أيضًا أن الختان يورثهما، فأصل الختان مورث، والمبالغة في ذلك مخل.\nوقوله: (أحظى للمرأة) في (القاموس) (١): الحظوة بالضم والكسر والحِظَة، كعدة: المكانة، والحظ من الرزق، وحظي كل واحد من الزوجين عند صاحبه، كرضي، واحتظى، وفي (مجمع البحار) (٢): حظيت المرأة عند زوجها تحظى حظوة بالضم والكسر: سعدت به ودنت من قلبه وأحبها، ومنه قول عائشة -﵂-: تزوجني في شوال، وبنى بي في شوال، فأي نسائه كان أحظى مني، أي: أقرب إليه وأسعد.\nوقوله: (وأحب إلى البعل) التذاذًا ولعدم السماجة في المنظر.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٧٢).\n(٢) \"مجمع البحار\" (١/ ٥١٩).","vol":"7","page":434},{"text":"٤٤٦٥ - [٤٧] وَعَنْ كَرِيْمَةَ بِنْتِ هَمَّامٍ: أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عائشةَ عَنْ خِضَابِ الْحِنَّاءِ فَقَالَتْ: لَا بَأْسَ وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ، كَانَ حَبِيبِي يَكْرَهُ رِيحَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤١٦٤، ن: ٥٠٩٠].\n٤٤٦٦ - [٤٨] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ هِنْدًا بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! بَايِعْنِي فَقَالَ: \"لَا أُبَايِعُكِ حَتَّى تُغَيِّرِي كفَّيْكِ، فَكَأَنَّهُمَا كَفَّا سَبُعٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٦٥].\nــ\n٤٤٦٥ - [٤٧] (كريمة بنت همام) قوله: (بنت همام) صحح في أصل النسخة بضم الهاء وتخفيف الميم، وفي بعضها بفتح الهاء وتشديد الميم.\nوقوله: (سألت عائشة عن خضاب الحناء) الظاهر أنها سألت عن خضاب النساء اليدين والرجلين بالحناء كما يفهم من سياق الحديث لقولها: (ولكني أكرهه) لأن عائشة لم تبلغ أوان خضاب الرأس، فافهم.\nوقوله: (كان حبيبي يكره) في بعض الحواشي: استدل به بعض الشافعية على أن الحناء ليست طيبًا كما هو مذهب الحنفية؛ لأن النبي -ﷺ- كان يحب الطيب فلو كان طيبًا لم يكرهه، ويمكن أن يقال: إن محبته -ﷺ- جنس الطيب لا يستلزم محبته كل فرد منه، وأيضًا محبة أفراد الطيب لا يكون في درجة واحدة، وقد يكون بعضها أحب من بعض بلا شبهة، فكان المراد أنه كان يجد فيه شيئًا من الكراهة ولا يحبه كل المحبة حتى يسر ويحظى به، فكرهته لذلك.\n٤٤٦٦ - [٤٨] (عائشة) قوله: (فكأنهما كفا سبع) كرهه -ﷺ- للتشبه بالرجال، وتشبه النساء بالرجال مكروه، حتى يكره للنساء التختم بخاتم الفضة، ولو تختمت يستحب أن تصبغه بزعفران ونحوه، ثم قد سبق إلى الفهم من الحديث أن مبايعته -ﷺ- للنساء كان بأخذ اليد، وليس كذلك، فإنه قد مرّ في آخر الفصل الأول من (باب الصلح)","vol":"7","page":435},{"text":"٤٤٦٧ - [٤٩] وَعَنْهَا قَالَتْ: أَوَمَتِ امْرَأَةٌ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ بِيَدِهَا كِتَابٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَبَضَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَدَهُ فَقَالَ: \"مَا أَدْرِي أَيَدُ رَجُلٍ أَمْ يَدُ امْرَأَةٍ؟ \" قَالَتْ: بَلْ يَدُ امْرَأَةٍ قَالَ: \"لَوْ كُنْتِ امْرَأَةً لَغَيَّرْتِ أَظْفَارَكِ\" يَعْنِي بِالْحِنَّاءِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤١٦٦، ن: ٥٠٨٩].\n٤٤٦٨ - [٥٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لُعِنَتِ الْوَاصِلَةُ، وَالْمُسْتَوْصِلَةُ، وَالنَّامِصَةُ، وَالْمُتَنَمِّصَةُ، وَالْوَاشِمَةُ، وَالْمُسْتَوشِمَةُ مِنْ غَيْرِ داءٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٧٠].\nــ\nمن حديث عائشة المتفق عليه أنها قالت: كان مبايعة رسول اللَّه -ﷺ- كلامًا يكلمها به، وقالت: واللَّه ما مست يده يد امرأة قط في المبايعة، فهو -ﷺ- إنما قال لهند ذلك لما وقع نظره على يدها، فكره للتشبه بالرجال كما يأتي في الحديث الآتي.\n٤٤٦٧ - [٤٩] (وعنها) قوله: (أومت) أي: أشارت، أصله أومأت بالهمزة فخففت الهمزة فصارت ألفًا، كذا نقل من (المفاتيح) (١).\nوقوله: (بيدها كتاب) مبتدأ وخبر، كأنها جاءت بكتاب إليه -ﷺ-.\nوقوله: (يعني بالحناء) تفسير من الراوي، وفيه شدة استحباب الخضاب بالحناء للنساء.\n٤٤٦٨ - [٥٠] (ابن عبَّاس) قوله: (لعنت الواصلة والمستوصلة. . . إلى آخره)، مرّ تفسير هذه الألفاظ في الفصل الأول.\nوقوله: (من غير داء) أي: من غير علة وضرورة، ولعله تدعو الضرورة إلى ارتكاب بعض هذه الأشياء من مرض أو غيره.\n_________\n(١) \"شرح المفاتيح\" (٥/ ٥٤).","vol":"7","page":436},{"text":"٤٤٦٩ - [٥١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرأَةِ، وَالْمَرأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٠٩٨].\n٤٤٧٠ - [٥٢] وَعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: قِيلَ لِعَائِشَةَ: إِنَّ امْرَأَةً تَلْبَسُ النَّعْلَ قَالَتْ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الرَّجُلَةَ مِنَ النِّسَاءِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٠٩٩].\n٤٤٧١ - [٥٣] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا سَافَرَ كَانَ آخِرُ عَهْدِهِ بإِنْسَانٍ مِنْ أَهْلِهِ فَاطِمَةَ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ عَلَيْهَا فَاطِمَةَ، فَقَدِمَ مِنْ غَزَاةٍ وَقَدْ عَلَّقَتْ مَسْحًا أَوْ سِتْرًا عَلَى بَابِهَا، .\nــ\n٤٤٦٩ - [٥١] (أبو هريرة) قوله: (الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل) قد مرّ شرحه في الفصل الأول من حديث ابن عباس: (لعن اللَّه المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال)، ولكن خص هنا باللبسة، والتشبه أعم من ذلك.\n٤٤٧٠ - [٥٢] (ابن أبي مليكة) قوله: (إن امرأة تلبس النعل) المراد نوع من النعال مخصوص بالرجال لبسه.\nوقوله: (الرجلة من النساء) بضم الجيم، أنث الرجل لإطلاقه على المرأة، ويقال: امرأة رجلة: إذا تشبهت بالرجال.\n٤٤٧١ - [٥٣] (ثوبان) قوله: (كان آخر عهده) أي: أمره بالوداع والكلام أو وصيته، و(فاطمة) خبر (كان) بحذف المضاف، أي: عهد فاطمة، أو العبارة محمولة على القلب، أي: كان إنسان آخر عهده ملتبس به فاطمة.\nوقوله: (وأول من يدخل عليها) أي: بعد القدوم (فاطمة) محمول على الظاهر، و(الغزاة) أصله غزوة، نقلت حركة الواو إلى ما قبلها وقلبت ألفًا.","vol":"7","page":437},{"text":"وَحَلَّتِ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ قُلْبَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ، فَقَدِمَ فَلَمْ يَدْخُلْ، فَظَنَّتْ أَنَّ مَا مَنَعَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَا رَأَى، فَهَتَكَتِ السِّتْرَ، وَفَكَّتِ الْقُلْبَيْنِ عَنِ الصَّبِيَّيْنِ، وَقَطَعَتْهُ مِنْهُمَا، فَانْطَلَقَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَبْكِيَانِ، فَأَخَذَهُ مِنْهُمَا فَقَالَ: \"يَا ثَوْبَانُ! اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى فُلَانٍ، إِنَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي أَكْرَهُ أَنْ يَأْكُلُوا طَيِّبَاتِهِمْ فِي حَيَاتِهِمُ الدُّنْيَا. يَا ثَوْبَانُ! اشْتَرِ لِفَاطِمَةَ قِلَادَةً مِنْ عَصْبٍ،\nــ\nوقوله: (وحلت) أصله حليت فقلبت الياء ألفًا وحذفت، أي: زينت، و(قلبين) بضم القاف، أي: سوارين.\nوقوله: (أن ما منعه) يحتمل أن يكون (ما) موصولة و(منعه) صلة، و(ما رأى) خبر (أن)، وأن يكون (ما) كافة و(ما رأى) فاعل (منعه)، وحقها على الأول أن تكتب مفصولة، وعلى الثاني موصولة، والمكتوب في النسخ مفصول، ومع ذلك يحتمل وجهين، والأمر في مخالفة رسم الخط سهل.\nوقوله: (وقطعته) أي: كل واحد من القلبين، وكذا قوله: (فأخذه) على أحد المعنيين اللذين ذكرهما الطيبي حيث قال (١): أي أخذ النبي -ﷺ- شيئًا من الرأفة والرقة عليهما، أو أخذ النبي -ﷺ- ذلك القلب، بجعل الضمير واقعًا موقع اسم الإشارة.\nوقوله: (اذهب بهذا) إشارة إلى القلبين، ويجوز في اسم الإشارة الإفراد مع تعدد المشار إليه، وأجري الضمير هنا مجرى اسم الإشارة.\nوقوله: (أن يأكلوا طيباتهم) كناية عن الاستمتاع بالطيبات ولذات الدنيا، وذكر الأكل للغالب.\nوقوله: (من عصب) بفتح العين وسكون الصاد المهملتين، اعلم أنهم اختلفوا\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٦٣).","vol":"7","page":438},{"text":"وَسِوَارينِ مِنْ عَاجٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٥/ ٢٢٧، د: ٤٢١٣].\nــ\nفي تفسير معنى العصب والعاج، أما العصب فالمشهور من معناه المذكور في كتب اللغة والحديث: البرد اليماني الذي يعصب غزلها، أي: يجمع ويشد ثم يصبغ وينسج فيأتي موشيًا لبقاء ما عصب منه أبيض لم يأخذه صبغ، يقال: برد عصب، وبرود عصب بالتنوين والإضافة، وقيل: برود مخططة، والعصب: الفتل، والعصاب: الغزال، ولا يخفى أن هذا المعنى غير مناسب بالمقام؛ لأن القلادة التي هي اسم لحلي الجيد لا معنى لجعله من البرود، وذكر في (النهاية) (١) عن الخطابي أنه قال: إن لم تكن الثياب اليمانية فلا أدري ما هي، وقال أبو موسى: لعله العصب بفتح الصاد، وهو أطناب مفاصل الحيوان وهو شيء مدور، فلعلهم كانوا يأخذون عصب بعض الحيوانات الطاهرة، فيقطعونه شبه الخرز، فإذا يبس يتخذون منه القلائد، وإذا أمكن اتخاذها من عظام السلحفاة جاز من عصب أشباهها اتخاذ خرز القلائد، ثم قال: وذكر بعض أهل اليمن أن العصب سن دابة بحرية تسمى فرس فرعون، يتخذ منه الخرز، انتهى. وهذا المعنى إن صح في غاية المناسبة للمقام ويوافق قرينه من اشتراء سوارين من عاج.\nوأما العاج فالمعروف بين العامة أنه سن الفيل وهو طاهر عند أبي حنيفة؛ لأن عظم الميتة طاهر عنده لعدم سراية الموت فيها، ويطهر بالذبح أيضًا إلا ما هو نجس العين، والفيل ليس بنجس العين عنده، وعند الشافعي ﵀ في قوله المشهور عنه هو نجس، ولا يجوز استعماله ولا التجارة فيه عنده، وقال بعضهم: العاج ليس اسمًا لسن الفيل، بل هو عظم ظهر السلحفاة البحرية أو عظم دابة بحرية غيرها اسمه الذبل بفتح الذال المعجمة وباء موحدة يتخذ منه السوار والمشط ونحوهما.\n_________\n(١) \"النهاية\" (٣/ ٢٤٥).","vol":"7","page":439},{"text":"٤٤٧٢ - [٥٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"اكْتَحِلُوا بِالإِثْمِدِ. . . . .\nــ\nوقال في (النهاية) (١) في حديث: (له مشط من عاج)، هو الذبل، وقيل: شيء يتخذ من ظهر السلحفاة البحرية، وأما العاج الذي هو عظم الفيل فنجس عند الشافعي، وطاهر عند أبي حنيفة ﵀. ومنه حديث قوله لثوبان: (اشتر لفاطمة سوارين من عاج)، وقيل: احتجوا به على تجارة في العاج والامتشاط به، ونقل ذلك عن بعض السلف، وقال الزهري في عظام الموتى نحو الفيل وغيره: أدركت ناسًا من سلف العلماء يمتشطون بها ويدهنون فيها لا يرون به بأسًا، كذا في ترجمة البخاري (٢)، ويأوله المانع بعظم سلحفاة البحرية، وفي (القاموس) (٣): العاج: وهو الذبل وعظم الفيل، وقال: الذبل: جلد السلحفاة البحرية وعظام ظهر دابة بحرية يتخذ منه الأسورة والأمشاط، وفي (الصحاح) (٤): العاج: هو عظم الفيل، والواحد عاجة، وقال التُّورِبِشْتِي (٥): ذكر الخطابي في تفسيره أن العاج هو الذبل ونقل ذلك عن الأصمعي، ومن العجب العدول عن اللغة المشهورة إلى ما لا يشتهر بين أهل اللسان، والمشهور أن العاج عظم أنياب الفيلة.\n٤٤٧٢ - [٥٤] (ابن عَبَّاس) قوله: (اكتحلوا بالإثمد) هو بكسر الهمزة والميم، وصاحب (القاموس) (٦) ذكره في مادة: ثمد في فصل الثاء من باب الدال، ويفهم منه\n_________\n(١) \"النهاية\" (٣/ ٣١٦).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (ك: ٤، باب: ٦٩).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٩٦، ٩٢١).\n(٤) \"الصحاح\" (١/ ٣٣٢).\n(٥) \"كتاب الميسر\" (٣/ ٩٩٦).\n(٦) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٥٩).","vol":"7","page":440},{"text":"فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ\". وَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَتْ لَهُ مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ بِهَا كُلَّ لَيْلَةٍ ثَلَاثَةً فِي هَذِهِ، وَثَلَاثَةً فِي هَذِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٧٥٧].\n٤٤٧٣ - [٥٥] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَكْتَحِلُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ بِالإِثْمِدِ ثَلَاثًا فِي كُلِّ عَيْنٍ، قَالَ: وَقَالَ: \"إِنَّ خَيْرَ مَا تَدَاويتُمْ بِهِ اللُّدُودُ، وَالسُّعُوطُ، وَالْحِجَامَةُ، وَالْمَشِيُّ،\nــ\nأن الألف زائدة، وكذا في (الصحاح) (١)، ثم المشهور تفسيره بحجر يكتحل به، ونقل عن (المهذب) أنه قال: الإثمد: سرمه، وقال: سياق الحديث يدل على أنه من نوع خاص من الكحل، ويقال: إنه كحل أصفهاني، كذا في (شرح الشمائل).\nوقوله: (فإنه يجلو البصر) أي: بالاعتياد والاستدامة، و(الشعر) بفتح العين وقد تسكن، معروف، والمراد هنا الأهداب.\nوقوله: (زعم) أي: قال ابن عباس، وقد يطلق على القول المحقق وإن غلب استعماله في المشكوك، كذا قالوا.\nوقوله: (ثلاثة في هذه) وقد جاء في رواية أبي داود: ثلاثة في اليمين واثنين في اليسرى، وكان يبتدأ باليمنى ويختم بها، وفيه رعاية فضيلة اليمنى من وجهين، وفي كل من الطريقين رعاية الإيتار المأمور به بقوله: (من اكتحل فليوتر) (٢)، ففي الأول بالاكتحال في كل عين ثلاثة، وفي الآخر يكون المجموع خمسة، والأول هو الأصح.\n٤٤٧٣ - [٥٥] (وعنه) قوله: (اللدود والسعوط والحجامة والمشي) اللدود بفتح\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٢/ ٤٥١).\n(٢) أخرجه أبو داود في \"سننه\" (٣٥)، وابن ماجه في \"سنن\" (٣٤٩٨).","vol":"7","page":441},{"text":"وَخَيْرَ مَا اكْتَحَلْتُمْ بِهِ الإِثْمِدُ، فَإِنَّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشَّعْرَ، وَإِنَّ خَيْرَ مَا تَحْتَجِمُونَ فِيهِ. . . . .\nــ\nاللام ويقال: اللديد أيضًا: ما يسقى المريض من أحد شقي فيه، وفي بعض الشروح: يعني الجانب الذي فيه العلة، واللديدان جانبا الفم بل جانبا كل شيء، ولا يخفى أن الظاهر أن يقال: دواء يسقى من جانب الفم، ولكن عبارة أكثر الشارحين وقع هكذا: يسقى من أحد جانبي الفم، وقال في (القاموس) (١): يصب من أحد جانبي الفم، إلا عبارة (سفر السعادة) (٢) حيث قال: دواء يصب من جانب الفم، وأما عبارة (الصراح) (٣) حيث قال: دارو كه در كرانه دهان ريزند، ولعل ذكر أحد الجانبين وقع على جري العادة، وترك ذكر الدواء اعتمادًا على الظهور.\nوقوله: (والسعوط) بفتح السين: دواء يصب في الأنف، (والحجامة) بكسر الحاء: إخراج الدم بالمحجم بكسر الميم: الآلة التي يجتمع فيها دم الحجامة عند المص، وبفتحها موضع الحجامة، وفي معنى الحجامة الفصد، لكن الفصد يصلح للديار الباردة والحجامة للحارة، والظاهر أن إخراج الدم بالدباء في حكم الفصد، وبالسلك (٤) في معنى الحجامة، وأما (المشي) على وزن فعيل، فهو اسم للدواء المسهل، مشتق من المشي؛ لأنه يحمل شاربه على المشي والتبرز إلى الخلاء، وقد يجيء المشو على وزن العدو، والمشاء على وزن السماء.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٠).\n(٢) \"سفر السعادة\" (ص: ٢٨٨).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ١٤٦).\n(٤) كذا في الأصل.","vol":"7","page":442},{"text":"يَوْمُ سبْعَ عَشْرَةَ، وَيَوْمُ تِسْعَ عَشْرَةَ، وَيَوْمُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ\"، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حَيْثُ عُرِجَ بِهِ مَا مَرَّ عَلَى مَلأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا: عَلَيْكَ بِالْحِجَامَةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غريبٌ. [ت: ٢٠٤٨].\n٤٤٧٤ - [٥٦] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ عَنْ دُخُولِ الْحَمَّامَاتِ، ثُمَّ رَخَّصَ لِلرِّجَالِ أَنْ يَدْخُلُوا بِالْمَيَازِرِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو داوُدُ. [ت: ٢٨٠٢، د: ٤٠٠٩].\nــ\nوقوله: (يوم سبع عشرة، ويوم تسع عشرة، ويوم إحدى وعشرين) قالوا: إن الدم بل جميع الرطوبات من أول الشهر إلى نصفه يكون في زيادة وغلبة وغليان، وفي آخره في نقصان ونزول وسكونة، وفي الوسط معتدل لا سيما هذه الأيام الثلاثة التي هي أوتار، وسيجيء تفصيل أحكام الحجامة وتعيين أوقاتها في (كتاب الطب والرقى).\nوقوله: (إن رسول اللَّه -ﷺ-) عطف على (كان النبي -ﷺ-) فيكون مقول ابن عباس، ويحتمل أن يكون عطفًا على (إن خير ما تداويتم) فيكون قول النبي -ﷺ- على طريقة الالتفات.\nوقوله: (عليك بالحجامة) وسيجيء هذا الحديث في (كتاب الطب والرقى)، وهناك ذكر أمر الأمة بالحجامة أيضًا ومضمون ما ذكر هنا أيضًا يشتمل عليه.\n٤٤٧٤ - [٥٦] (عائشة) قوله: (عن دخول الحمامات) اعلم أنه لم يثبت دخوله -ﷺ- الحمام، وقد ذكر في بعض كتب الفقه، ولم يصح ذلك عند المحدثين، والحديث المذكور فيه منسوب إلى الوضع عندهم، قال الشيخ مجد الدين الشيرازي (١):\n_________\n(١) \"سفر السعادة\" (ص: ٣٣٠).","vol":"7","page":443},{"text":"٤٤٧٥ - [٥٧] وَعَنْ أَبِي الْمَلِيحِ قَالَ: قَدِمَ عَلَى عَائِشَةَ نِسْوَةٌ مِنْ أَهْلِ حِمْصٍ فَقَالَتْ: مَنْ أَيْنَ أَنْتُنَّ؟ قُلْنَ: مِنَ الشَّامِ، قَالَتْ: فَلَعَلَّكُنَّ مِنَ الْكُورَةِ الَّتِي تَدْخُلُ نِسَاؤُهَا الْحَمَّامَاتِ؟ قُلْنَ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا تَخْلَعُ امْرَأَةٌ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا هَتَكَتِ السِّتْرَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَبِّهَا\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"فِي غَيْرِ بَيْتِهَا إِلَّا هَتَكَتْ سِتْرَهَا فِيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ ﷿\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٨٠٣، د: ٤٠١٠].\n٤٤٧٦ - [٥٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"سَتُفْتَحُ لَكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ، وَسَتَجِدُونَ. . . . .\nــ\nوالصحيح أنه -ﷺ- لم يدخل ولا رأى الحمام، والحمام المشهور بمكة بحمام النبي لعله -ﷺ- غسل في ذلك المحل غسلًا فبنوا الحمام فيه تبركًا، انتهى. ويحتمل أن يكون تسميته بحمام النبي؛ لأنه في ناحية مولده -ﷺ- قريبًا منه، ولكن وقع في الأحاديث ذكر الحمام وأحكامه فنهيت النساء عن دخوله إلا لعذر، والرجال إلا بالمئزر وهو الإزار، وقد كره العلماء قراءة القرآن وذكر اللَّه تعالى في الحمام.\n٤٤٧٥ - [٥٧] (أبو المليح) قوله: (من الكورة) بالضم: المدينة، والصقع بضم الصاد المهملة والقاف: بمعنى الناحية.\nوقوله: (قلن: بلى) يعلم من هذا الحديث استعمال (بلى) في ما سوى تصديق ما بعد النفي، فإن كان هذا اللفظ من النساء المذكورات وهن مما يوثق بفصاحتهن، أو كانت من عائشة في حكاية قولهن أو غيرها من بعض الرواة الموثوق بعربيتهم فهو حجة على النحاة، وإلا فلا.\n٤٤٧٦ - [٥٨] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (ستفتح لكم أرض العجم، وستجدون","vol":"7","page":444},{"text":"فِيهَا بُيُوتًا يُقَالُ لَهَا: الْحَمَّامَاتُ، فَلَا يَدْخُلَنَّهَا الرِّجَالُ إِلَّا بِالأُزُرِ، وَامْنَعُوهَا النِّسَاءَ إِلَّا مَرِيضَةً أَوْ نُفَسَاءَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٠١١].\n٤٤٧٧ - [٥٩] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ فَلَا يَدْخُلِ الْحَمَّامَ بِغَير إِزارٍ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ فَلَا يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلَا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ تُدَارُ عَلَيْهَا الْخَمْرُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٢٨٠١، ن: ٤٠١].\nــ\nفيها) أسند الوجدان إليهم دون الفتح؛ لأن الفتح ليس مضافًا إليهم، بل هو من عند اللَّه تعالى لقوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٢٦]، وقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾ [الفتح: ١]، وفي الحديث دلالة على أن الحمامات مخصوصة بأرض العجم ليست في القديم في أرض العرب، وهو يؤيد عدم دخول النبي -ﷺ- إياها، و(الأزر) بضم الهمزة وسكون الزاي، جمع إزار.\nوقوله: (أو نفساء) بأن لم تجد ماء مسخنًا والبرد شديد، وكذا حكم الحائضة، ولعل تخصيص النفساء بالذكر؛ لأن العذر والضعف فيه أشد وأكثر.\n٤٤٧٧ - [٥٩] (جابر) قوله: (فلا يدخل) من الإدخال و(حليلته) و(الحمام) مفعولاه.\nوقوله: (على المائدة) المائدة: خوان عليه طعام، فإذا لم يكن عليه طعام فهي خوان، وهي فاعلة بمعنى مفعولة، مثل: عيشة راضية، كذا في (الصحاح) (١).\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٢/ ٥٤١).","vol":"7","page":445},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1043> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٤٧٨ - [٦٠] عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ عَنْ خِضَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: لَوْ شِئْتَ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتٍ كُنَّ فِي رَأْسِهِ فَعَلْتُ، قَالَ: وَلَمْ يَخْتَضِبْ، وَزَادَ (١) فِي رِوَايَةٍ: وَقَدِ اخْتَضَبَ أَبُو بَكْرٍ بِالْحِنَّاءِ وَالْكَتَمِ، وَاخْتَضَبَ عُمَرُ بِالْحِنَّاءِ بَحْتًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٩٥، م: ٢٣٤١].\n٤٤٧٩ - [٦١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَفِّرُ لِحْيَتَهُ بِالصُّفْرَةِ. . . . .\nــ\nالفصل الثالث\n٤٤٧٨ - [٦٠] (ثابت) قوله: (أن أعد شمطات) الشمط: الشيب، والشمطات: شعرات بيض يريد قلتها، كذا في (النهاية) (٢)، وفي (صحيح مسلم). للزركشي: هو بفتح شين وميم: بياض يخالط السواد، وفي الحديث: ليس في أصحابه الشمط غير أبي بكر، أي: من في شعره سواد وبياض، وفي (القاموس) (٣): الشمط: بياض الرأس يخالط سواده، شَمِطَ، كفرح، وأشمط واشمأط كاطمأن، فهو أشمط، ومقصود أنس نفي الاختضاب عن رسول اللَّه -ﷺ-؛ لأنه لم يبلغ أوانه وعليه المحدثون، وقد حقق في موضعه.\nوقوله: (بالحناء والكتم) مرّ معناه في الفصل الثاني.\nوقوله: (واختضب عمر بالحناء بحتًا) أي: خالصًا من غير خلطه بالكتم.\n٤٤٧٩ - [٦١] (ابن عمر) قوله: (بالصفرة) قيل: هي نوع من الطيب فيه صفرة،\n_________\n(١) في نسخة: \"زاد\".\n(٢) \"النهاية\" (٢/ ٥٠١).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٢١).","vol":"7","page":446},{"text":"حَتَّى تَمْتَلِئَ ثِيَابُهُ مِنَ الصُّفْرَةِ، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ تَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ؟ قَالَ: إِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَصْبُغُ بِهَا، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْهَا وَقَدْ كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ كُلَّهَا حَتَّى عِمَامَتَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٢١٠، ن: ٥٠٨٥].\nــ\nيعني ليس المراد به الخلوق التي فيه زعفران وحمرة، ثم اختلفوا في المراد من قوله: (رأيت رسول اللَّه -ﷺ- يصبغ بها) أن المراد به صبغ الشعر أو صبغ الثوب، ولا يخفى أن الظاهر من السياق أن المراد هو الأول؛ لأنه قد بين صبغ الثياب بعد ذلك بقوله: (وقد كان يصبغ ثيابه) فكأنه قال: كان يصبغ الشعر بل الثياب أيضًا، إلا أن يقال: المقصود من ذلك القول تعميم الثياب بعد بيان صبغها مطلقًا، فكأنه قال: كان يصبغ بها الثياب، ولم يكن شيء أحب إليه منها حتى إنه كان يصبغ بها ثيابه كلها، حتى عمامته، وبقرينة قوله سابقًا: وكان يصفر لحيته بالورس والزعفران، وقال بعضهم: الأشبه أن المراد صبغ الثوب؛ لأنه لم ينقل أنه -ﷺ- صبغ شعره وخضب على ما هو المقرر عند الجمهور.\nوقال السيوطي في حاشية (الموطأ) (١): وهو أظهر الوجهين، وأما تصفير اللحية فله تأويل أشرنا إليه من أن المراد بالتصفير لطخها وغسلها بها تطهيرًا وتنظيفًا، وأما ما ورد من إنه كان يصبغ بها ثيابه كلها، فإن كان المراد بالصفرة نوعًا من الطيب فلا إشكال، ويجب أن لا يكون المراد بها الخلوق لثبوت الاجتناب عنه كل الاجتناب حتى إنه لم يردّ السلام على من به خلوق، وأخبر بعدم قبول صلاته، ولم يمسّ من به ذلك ونحوها، فيكون المراد به الورس ونحوه، وإن حمل هذا على زمان سابق على زمان\n_________\n(١) \"تنوير الحوالك\" (١/ ٢٤٤).","vol":"7","page":447},{"text":"٤٤٨٠ - [٦٢] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْد اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْرَجَتْ إِلَيْنَا شَعْرًا مِنْ شَعْرِ النَّبِيِّ -ﷺ- مَخْضُوبًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٨٩٧].\n٤٤٨١ - [٦٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمُخَنَّثٍ قَدْ خَضَبَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بِالْحِنَّاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا بَالُ هَذَا؟ \". . . . .\nــ\nالنهي ونسخه به لم يبعد، واللَّه أعلم.\nهذا وقد نقل عن بعض السلف من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يخضبون، وكان بعضهم ينكرون الخضاب مطلقًا، وكان بعضهم يصفرون، وكان سعيد بن جبير يقول: يعمد أحدكم إلى نور جعله اللَّه تعالى في وجهه فيطفئه، وكان شديد بياض الرأس واللحية، قال بعضهم: إن الخضاب لمن كان شيبته سمجًا في المنظر، وأما من كانت شيبته حسنة نورانية في المنظر والجمال فلا، ونقل عن النووي أنه قال (١): المختار أنه -ﷺ- صبغ في وقت وترك في معظم الأوقات، فأخبر كل بما رأى وهو صادق، وقال: هذا التأويل كالمتعين للجمع بين الأحاديث الصحيحة، واللَّه أعلم.\n٤٤٨٠ - [٦٢] (عثمان بن عبد اللَّه) قوله: (ابن موهب) بفتح الهاء، وهذا من المنقولات الشاذة؛ لأن الأصل في مفعل من المثال كسر العين.\nوقوله: (دخلت على أم سلمة) الحديث، وأولوه بأنه كان يرى كالمخضوب لاختلاط الطيب أو أنها خضبته ليبقى ويتقوى به، وكذلك في حديث آخر ورد فيه أنه رأى شعره -ﷺ- عند أنس مخضوبًا.\n٤٤٨١ - [٦٣] (أبو هريرة) قوله: (بمخنث) بفتح النون وكسرها وقد مرّ معناه\n_________\n(١) \"شرح النووي\" (١٥/ ٩٥).","vol":"7","page":448},{"text":"قَالُوا: يَتشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ فَأَمَرَ بِهِ فَنُفِيَ إِلَى النَّقِيعِ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَا نَقْتُلُهُ؟ فَقَالَ: \"إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٢٨].\n٤٤٨٢ - [٦٤] وَعَنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبةَ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَكَّةَ جَعَلَ أَهْلُ مَكَّةَ يَأْتُونَهُ بِصِبْيِانِهِمْ، فَيَدْعُو لَهُم بِالْبَرَكَةِ، وَيَمْسَحُ رُؤُوسَهُمْ، فَجيءَ بِي إِلَيْهِ وَأَنَا مُخَلَّقٌ، فَلَمْ يَمَسَّنِي مِنْ أَجَلِ الْخَلُوقِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٨١].\n٤٤٨٣ - [٦٥] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: إِنَّ لِي جُمَّةً أَفَأُرَجِّلُهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نَعَمْ وَأَكْرِمْهَا\" قَالَ: فَكَانَ أَبُو قَتَادَةَ رُبَّمَا دَهَّنَهَا فِي الْيَوْم مَرَّتَيْنِ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nفي الفصل الأول، وسبق ذكر هذا المخنث في (باب النظر إلى المخطوبة وبيان العورات)، و(النقيع) بالنون موضع غير البقيع بالباء ببلاد مزينة على مرحلتين من المدينة حماه عمر.\nوقوله: (ألا نقتله) على صيغة المتكلم، هكذا في النسخ المصححة المقروءة، ووقع في بعض النسخ على صيغة الخطاب، أي: تأمر بقتله، والأفصح هو الأول.\nوقوله: (عن قتل المصلين) أي: المسلمين وإن لم يكونوا مصلين، إلا على مذهب من يرى قتل تارك الصلاة كالشافعي لا لارتداده، وعندنا يعزر ويؤدب، وعند مالك يسجن، ويطال سجنه حتى يتوب.\n٤٤٨٢ - [٦٤] (الوليد بن عقبة) قوله: (فلم يمسني) مبالغة في الاجتناب، فالظاهر أنه لم يدع له أيضًا، و(الخلوق) بفتح الخاء وقد مرّ معناه.\n٤٤٨٣ - [٦٥] (أبو قتادة) قوله: (في اليوم مرتين) والنهي عن المبالغة والإفراط","vol":"7","page":449},{"text":"\"نَعَمْ وَأَكْرِمْهَا\". رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢/ ٩٤٩].\n٤٤٨٤ - [٦٦] وَعَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ حَسَّانَ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَحَدَّثتْنِي أُخْتِي الْمُغِيرَةُ قَالَتْ: وَأَنْتَ يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ وَلَكَ قَرْنَانِ أَوْ قُصَّتَانِ، فَمَسَحَ رَأْسَكَ وَبَرَّكَ عَلَيْكَ، وَقَالَ: \"احْلِقُوا هَذَيْنِ أَوْ قُصُّوهُمَا فَإِنَّ هَذَا زِيُّ الْيَهُودِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤١٩٧].\n٤٤٨٥ - [٦٧] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ تَحْلِقَ الْمَرأَةُ رَأْسَهَا. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٥٠٤٩].\nــ\nفي التدهين والترجيل إنما كان للتزيين والتبخير بذلك، وهو إنما فعل ذلك مبالغة في الامتثال واحتياطًا فيه، وهذا كتطويل أم أنس ذؤابته؛ لأنه -ﷺ- كان يمدّها ويأخذ، فتدبر.\n٤٤٨٤ - [٦٦] (الحجاج بن حسان) قوله: (فحدثتني أختي المغيرة) اسم أخت حجاج بن حسان الراوي، وهو من الأسماء المشتركة بين الرجال والنساء كأسماء وجويرية، والمقصود أني أذكر قضية دخولي على أنس، ولكني نسيت ما جرى في المجلس فحدثتني أختي.\nوقوله: (أو قصتان) من شك الراوي، والقصة بضم القاف وتشديد المهملة: شعر الناصية، و(القرن) الذؤابة والخصلة من الشعر.\nوقوله: (أو قصوهما) للتنويع، وقص الشعر: قطع منه بالمقص، أي: المقراض.\n٤٤٨٥ - [٦٧] (علي) قوله: (أن تحلق المرأة رأسها) حلق الرأس حرام على النساء ولو في الخروج عن الإحرام، فالتقصير متعين لهن.","vol":"7","page":450},{"text":"٤٤٨٦ - [٦٨] وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْمَسْجِدِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ ثَائِرُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِهِ، كَأنَّهُ يَأْمُرُهُ بِإِصْلَاحِ شَعْرِهِ وَلحْيَتِهِ، فَفَعَلَ، ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلَيْسَ هَذَا خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ ثَائِرُ الرَّأْسِ كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢/ ٩٤٩].\n٤٤٨٧ - [٦٩] وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ سُمِعَ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطِّيبَ،\nــ\n٤٤٨٦ - [٦٨] (عطاء بن يسار) قوله: (كأنه شيطان) أي: جني في قبح المنظر.\nوقوله: (رواه مالك) أي مرسلًا؛ لأن عطاء بن يسار من التابعين.\n٤٤٨٧ - [٦٩] (ابن المسيب) قوله: (سمع) بلفظ المجهول.\nوقوله: (إن اللَّه طيب يحب الطيب) الطيب بلفظ الصفة: الحلال، والطاهر، والطيب بلفظ المصدر: النظافة والنقاوة، كذا في (القاموس) (١)، وقال في (الصراح) (٢): الطيب باك وحلال، والنظافة: باكيزكي، والنظيف نعت منه، لا شك أن الطيب والنظافة قريبان متساويان في المعنى، فكأن الطيب طهارة الباطن والتنظيف تطهير الظاهر، وأما توصيف اللَّه تعالى بهما فقالوا في بيانه: إن الطيب ضد الخبيث، فإذا وصف اللَّه تعالى به أريد أنه منزه عن النقائص، مقدس عن الآفات والعيوب، وإذا وصف به العبد مطلقًا أريد به التعري عن رذائل الأخلاق وقبائح الأعمال، والتحلي بأضداد ذلك، وإذا وصف به الأموال أريد به كونه حلالًا من خيار الأموال، وقد يوصف\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٥).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٤١).","vol":"7","page":451},{"text":"نظَيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ،\nــ\nبه الطعام نحو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] والمراد الحلال وما يستطيبه الطبع السليم ويستلذه، ويوصف به العين كقولهم: طاب فلان نفسًا، والأرض بمعنى الطاهر الزكي، وأصل الطيب ما يستلذه الحواس والنفس، والطيب من الإنسان من تزكى عن نجاسة الجهل والفسق.\nوقالوا في شرح: (إن اللَّه نظيف يحب النظافة)، إن النظافة كناية عن تنزهه عن سمات الحدوث وعن كل نقص، ونظافة غيره خلوص عقيدته ونفي الشرك ومجانبة الأهواء، ثم نظافة القلب عن نحو الحسد والأخلاق الذميمة، ثم نظافة المطعم والملبس عن الحرام والشبهة، ثم نظافة الظاهر بملابسة العبادات، ومنه: (نظفوا أفواهكم فإنها طرق القرآن)، أي: صونوها عن نحو اللغو والفحش والغيبة، وعن أكل الحرام والقاذورات، وهو حث على تطهيرها من النجاسة والسواك (١)، كذا في (مجمع البحار) (٢).\nوبهذا ظهر أن الطيب والنظافة قريبان في المعنى كما ذكرنا، وكل منهما يشمل الظاهر والباطن، ونحن إنما جعلنا الطيب متعلقًا بالباطن، والنظافة بالظاهر لبيان نوع من الفرق فيما نحن فيه، ولكنهما في المآل واحد، فليفهم.\nوقوله: (كريم يحب الكرم) الكرم ضد اللؤم، و(الجود) ضد البخل، قالوا: إذا وصفت أحدًا بالكرم فكأنك وصفت بمجموع الأخلاق الحميدة والأفعال الجميلة، وفي (الصراح) (٣): كرم بفتحتين: جوان مردي وعزيزي، نقيض لؤم، والجود:\n_________\n(١) كذا في \"المجمع\" و\"النهاية\"، وفي \"اللسان\" (٩/ ٣٣٦): \"السؤال\"، فليتأمل.\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٧٥٣ - ٧٥٤).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٤٩٠).","vol":"7","page":452},{"text":"فَنَظِّفُوا أُرَاهُ قَالَ: أَفْنِيَتَكُمْ، وَلَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِك لِمُهَاجِرِ ابْنِ مِسْمَارٍ فَقَالَ: حَدَّثَنِيهِ عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: \"نَظِّفُوا أَفْنِيتَكُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٧٩٩].\n٤٤٨٨ - [٧٠] وَعَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ يَقُولُ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ أوَّلَ النَّاسِ ضَيَّفَ الضَّيْفَ، وَأَوَّلَ النَّاسِ اخْتَتَنَ، وَأَوَّلَ النَّاسِ قَصَّ شَارِبَهُ، وَأَوَّلَ النَّاسِ رَأَى الشَّيْبَ، فَقَالَ: \"يَا رَبِّ: مَا هَذَا؟ قَالَ الرَّبُّ ﵎: وَقَارٌ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: رَبِّ زِدْنِي وَقَارًا. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢/ ٩٢٢].\n* * *\nــ\nجوانمردي كردن.\nوقوله: (فنظفوا) لما ذكر محبة اللَّه النظافة أمر بالتنظيف في جميع الأشياء حتى (الأفنية) جمع فناء بكسر الفاء، وهو ساحة البيت وما اتسع من أمامه، ثم أكده بترك التشبه باليهود في عدم تنظيف الأفنية، وفيه أيضًا رعاية الكرم والجود فإن ساحة الدار إذا كانت لطيفة نظيفة كان أدعى لجلب الضيفان وورودهم.\nوقوله: (أراه) أي: قال الراوي عن ابن المسيب أظنه قال: أفنيتكم، أي: ذكر مفعول (نظفوا) صريحًا كما في رواية عامر عن أبيه سعد بن وقاص.\n٤٤٨٨ - [٧٠] (يحيى بن سعيد) قوله: (كان إبراهيم خليل الرحمن أول الناس ضيف الضيف) الحديث، ونقل عن السيوطي في (حاشية الموطأ) (١): وأول من قص\n_________\n(١) \"تنوير الحوالك\" (٢/ ٢٢٠).","vol":"7","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1044>٤ - باب التصاوير</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1045> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٤٨٩ - [١] عَنْ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ، وَلَا تَصَاوِيرُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٤٩، م: ٢١٠٦].\nــ\nأظافيره، وأول من فرق، وأول من استحد، وأول من تسرول، وأول من خضب بالحناء والكتم، وأول من خطب على المنبر، وأول من قاتل في سبيل اللَّه، وأول من رتب العسكر في الحرب ميمنة وميسرة ومقدمة ومؤخرة وقلبًا، وأول من عانق، وأول من ثرد الثريد، وللسيوطي كتاب في الأوائل ذكر فيها من غرائب الأمور ﵀.\n٤ - باب التصاوير\nجمع تصوير، مصدر صوّرته، والمراد هنا الصور المصنوعة ذواتها، وفي (الصراح) (١): تصاوير صورتهائ بر أنكيختن أز جوب وكل وجزآن.\nالفصل الأول\n٤٤٨٩ - [١] (أبو طلحة) قوله: (لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا تصاوير) قالوا: المراد كلب يحرم اقتناؤه بخلاف كلب الصيد والحراسة ومحافظة الزرع والماشية، وصورة لا تمتهن بخلاف صورة البساط والوسادة وأمثالهما، فإن وجودهما لا يمنع دخول الملائكة، وقيل: الأظهر أنه عام في كل كلب وصورة يمنع دخول الملائكة وإن لم يحرم لإطلاق الأحاديث الواردة في الباب، وكما يعلم من الحديث الثاني والرابع، والمراد بالملائكة من عدا الكتبة والحفظة؛ فإنهم لا يفارقون الإنسان في حال من الأحوال.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ١٩٢).","vol":"7","page":454},{"text":"٤٤٩٠ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَصْبَحَ يَوْمًا وَاجِمًا، وَقَالَ: \"إِنَّ جِبْرِيلَ كَانَ وَعَدَنِي أَنْ يَلْقَانِيَ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَلْقَنِي، أَمَ وَاللَّهِ مَا أَخْلَفَنِي\". ثُمَّ وَقَعَ فِي نفسِهِ جِرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ فُسْطَاطٍ لَهُ، فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، ثُمَّ أَخَذَ بيدِه مَاءً، فَنَضَحَ مَكَانَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى لَقِيَهُ جِبْرِيلَ، فَقَالَ: \"لَقَدْ كُنْتَ وَعَدْتَنِي أَنْ تَلْقَانِي الْبَارِحَةَ\" قَالَ: أَجَلْ،\nــ\n٤٤٩٠ - [٢] (ابن عباس) قوله: (واجمًا) الواجم كصاحب، والوجم، ككتف: العبوس المطرق لشدة الحزن، وجم يجم كوعد يعد وجمًا ووجومًا: سكت على غيظ، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (أم) مرخم (أما) حرف التنبيه.\nوقوله: (ما أخلفني) معناه لم يخلفني قط، فهو تحسر على إخلافه الآن، أو لا يخلفني من غير عذر وعلة، فلا جرم يكون هنا ما منعه، فتفكر فيه (فوقع في نفسه جرو كلب) وهو مثلثة: ولد الكلب والأسد، و(الفسطاط) في الأصل اسم للقبة تكون في السفر، والمراد هنا ستر كان في البيت بحجلة ونحوها، وفي بعض الروايات: (تحت سريره).\nوقوله: (فقال: لقد كنت وعدتني) فإن قلت: قد علم -ﷺ- أن المانع من ملاقاته وجود الجرو، ثم ما فائدة سؤاله عنه؟ قلت: كأنه غلب على ظنه -ﷺ- مانعية الكلب، ثم بعد سؤال عنه حصل الجزم، ولم يوح إليه ذلك بعد، واللَّه أعلم.\nوقوله: (البارحة) إذا ذكرت الليلة التي مضت قبل الزوال يقال: الليلة بالفارسية إمشب، وبعد الزوال يعبر بالبارحة يعني دي شب.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٧٤).","vol":"7","page":455},{"text":"وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَئِذٍ، فَأَمَرَ بِقَتْلِ الْكلاب حَتَّى إِنَّهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكَلْبِ الْحَائِطِ الصَّغِيرِ، وَيَترُكُ كَلْبَ الْحَائِطِ الْكَبِيرِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٠٥].\n٤٤٩١ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَمْ يَكُنْ يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصَالِيبُ. . . . .\nــ\nوقوله: (ولكنا لا ندخل بيتًا فيه كلب) يعلم من هذا الحديث أن وجود الكلب مانع عن دخول الملائكة وإن لم يحرم؛ لأن اختفاء الكلب تحت الفسطاط من غير علم به يكون عذرًا صحيحًا في تركه فلا يحرم، ومع ذلك منع جبرئيل عن الدخول.\nوقوله: (حتى إنه يأمر) والظاهر حتى إنه أمر، وأتي بصيغة المضارع حكاية عن الحال الماضية استحضارًا لتلك الصورة.\nوقوله: (كلب الحائط الصغير) لعدم شدة الاحتياج إلى اقتنائه بخلاف الحائط الكبير.\n٤٤٩١ - [٣] (عائشة) قوله: (فيه تصاليب) جمع تصليب بمعنى تصوير صورة الصليب، ثم أطلق على الصليب نفسه كتسمية المصور بالتصوير، ثم جمعه على التصاوير، والصليب بفتح الصاد وكسر اللام: هو الذي للنصارى، وصورته: أن يوضع خشبة على أخرى بصورة التقاطع يحدث منه المثلثان على صورة المصلوب، وأصله أن النصارى يزعمون أن اليهود صلبوا عيسى ﵇ فحفظوا هذا الشكل تذكرًا لتلك الصورة الغريبة الفظيعة وتحسرًا عليها وعبدوه، وفي (الصراح) (١): الصليب: جلباي ترسايان، ويقال: ثوب مصلب للذي فيه صور الصليب، وقيل: المراد بالتصاليب: التصاوير،\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٣٩).","vol":"7","page":456},{"text":"إِلَّا نَقَضَهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٩٥٢].\n٤٤٩٢ - [٤] وَعَنْهَا أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَامَ عَلَى الْبَابِ، فَلَمْ يَدْخُلْ، فَعَرَفَتْ فِي وَجْهِهِ الْكَراهِيَةَ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، مَاذَا أَذْنْبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟ \" قُلْتُ (١): اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ\". وَقَالَ: \"إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّورَةُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٦١، م: ٢١٠٧].\nــ\nكذا اختاره الطيبي (٢)، وفي (مجمع البحار) (٣): التصاليب جمع تصليب وهو تصوير الصليب، وهو مثلث كالتمثال يعبده النصارى، والمراد هنا الصور.\nوقوله: (إلا نقضه) أي: قطعه وأزاله.\n٤٤٩٢ - [٤] (وعنها) قوله: (نمرقة) بضم النون والراء وبكسرهما، وفي بعض الحواشي نقلًا عن السيوطي: مثلثة النون والراء: الوسادة، وجمعه نمارق، قوله تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ [الغاشية: ١٥].\nوقوله: (فعرفت) على صيغة الغائبة، وقد يروى على لفظ المتكلم.\nوقوله: (أتوب إلى اللَّه وإلى رسوله) كررت الجار تأكيدًا وقصدًا إلى التوبة، والرجوع إلى رسول اللَّه مستقلًّا.\nوقوله: (إن البيت الذي فيه الصورة لا تدخله الملائكة) دل هذا الحديث على\n_________\n(١) في نسخة: \"قالت\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٧٣).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٣٤٢).","vol":"7","page":457},{"text":"٤٤٩٣ - [٥] وَعَنْهَا: أَنَّهَا كَانَتْ قَدْ اتَّخَذَتْ عَلَى سَهْوَةٍ لَهَا سِتْرًا فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَهَتَكَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَاتَّخَذَتْ مِنْهُ نُمْرُقتَيْنِ فَكَانَتَا فِي الْبَيْتِ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٧٩، م: ٢١٠٧].\nــ\nعدم دخول الملائكة في بيت فيه صورة وإن كانت مباحة؛ لأن التصوير على الوسادة مباح كما دل الحديث السابق على الكلب عن الدخول وإن لم يحرم، هذا وقد يختلج أن جواز التصوير في الوسادة ونحوها مع منعه عن دخول الملائكة ما فائدته وأيش ثمرته مع لزوم هذا المحذور في استعماله؟ ويجاب أن ثمرته أنه ليس على استعماله عقاب وإن فيه حرمانًا عن بركات دخول الملائكة، أو يقال: التصوير مانع عن دخول الملائكة في البيت لا في غيرها، واللَّه أعلم.\n٤٤٩٣ - [٥] (عائشة) قوله: (على سهوة) في (النهاية) (١): هي بيت صغير منحدر في الأرض قليلًا شبيه بالمخدع والخزانة، وقيل: هي كالصفة تكون بين يدي البيت، وقيل: شبيه بالرفّ أو الطاق يوضع فيه الشيء، وفي (القاموس) (٢): هي الصفة أو المخدع بين بيتين أو شبه الرَّف والطاق يوضع فيه الشيء، أو بيت صغير شبه الخزانة الصغيرة، أو أربعة أعواد أو ثلاثة يعارض بعضها على بعض، ثم يوضع عليه شيء من الأمتعة.\nوقوله: (وكانتا في البيت) قيل: لم تكن هذه التماثيل الصور المحرمة التي هي صور الحيوانات ولم يكن هتك الستر لذلك، بل لما يأتي في الحديث الآتي: (إن اللَّه لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين)، ولو فرضنا أنها منها كانت رؤوسها مقطوعة، ومعنى الهتك: القطع ومحو الصور التي فيها، وقد حصل ذلك بالهتك.\n_________\n(١) \"النهاية\" (٢/ ٤٣٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩٣).","vol":"7","page":458},{"text":"٤٤٩٤ - [٦] وَعَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خَرَجَ فِي غَزَاةٍ، فَأَخَذَتْ نَمَطًا فَسَتَرَتْهُ عَلَى الْبَابِ، فَلَمَّا قَدِمَ فَرَأَى النَّمَطَ، فَجَذَبَهُ حَتَّى هَتَكَهُ، ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْنَا أَنْ نَكْسُوَ الْحِجَارَةَ وَالطِّينَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٥٤، م: ٢١٠٧].\n٤٤٩٥ - [٧] وَعَنْهَا عَنِ النَّبِيِّ (١) -ﷺ- قَالَ: \"أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٥٤، م: ٢١٠٧].\n٤٤٩٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً. . . . .\nــ\n٤٤٩٤ - [٦] (وعنها) قوله: (نمطًا) النمط: بساط لطيف له خمل يجعل على الهودج، وقد يجعل سترًا.\nوقوله: (إن اللَّه تعالى لم يأمرنا) ظاهر اللفظ لا يدل على النهي، ولكنه يمكن أن يجعل كناية عن ذلك كما يقتضيه المقام، وفيه إشارة إلى أن المؤمن المتقى ينبغي أن يقصر فعله على الواجب والمندوب، ولا يفعل إلا ما أمر به، ويرفع همته عن المباح وما أذن فيه، فافهم.\nوقيل: كان في ذلك النمط صور الخيل ذوات الأجنحة فأتلف صورها، انتهى. إن كان ورود ذلك في الرواية فذاك، ولكن لا يخفى أن سياق الحديث يدل على أن المنع والهتك لم يكن من جهة التصوير بل لكراهة كسوة الجدار.\n٤٤٩٥ - [٧] (وعنها) قوله: (الذين يضاهون) أي: يشابهون، ضاهاه: شاكله وشابهه.\n٤٤٩٦ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (فليخلقوا ذرة) كأنه قال: التصوير ليس بخلق\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول اللَّه\".","vol":"7","page":459},{"text":"أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً أَوْ شَعِيرَةً\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٥٣، م: ٢١١١].\n٤٤٩٧ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ الْمُصَوِّرُونَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٥٠، م: ٢١٠٩].\nــ\nحقيقة، بل هو تركيب المواد التي خلقها اللَّه تعالى فيتوهم ويشتبه بما يخلق، فإن ادعوا بخلق حقيقة فليخلقوا ذرة ما هو أصغر الخلائق، والمراد بالذرة النملة الصغيرة أو ما يرى في كوة البيت من شعاع الشمس، ولعل الأظهر المعنى الأول، لأن الذرة بالمعنى الثاني لا وجود له إلا وهميًّا وإن كان المبالغة في هذا أكثر، وذكر (الشعيرة) بعد (الحبة) تخصيص بعد التعميم لتعارف ذكرها من الحبوب في مقام التقليل، ويمكن أن يراد بالحبة ذلك الحب الأحمر الذي يعد في الوزن نصف الطَّسُّوج، وقد يجيء الحبة بمعنى القطعة من الشيء، كما ذكر في (القاموس) (١).\n٤٤٩٧ - [٩] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (أشد الناس عذابًا عند اللَّه المصورون) ليس في هذه الرواية (إن) ولا (من)، ولكن معنى (من) مراد، أو المراد أشد الناس استحقاقًا للعذاب عنده تعالى هؤلاء لكمال غضبه وسخطه عليهم، وفي بعض الروايات: (إن من)، ويشكل عليه رفع (المصورون)، فيقال: ضمير الشأن مقدر، وقيل: (من) زائدة، ولكن في تأثير الزيادة في عدم جريان الأحكام اللفظية خفاء، فتدبر.\nثم قالوا: إن هذا الوعيد في حق من يصور الأصنام لتعبد من دون اللَّه، ولا شك أن هذا الشخص كافر أشد كفرًا يستحق أشد العذاب، وقيل: من يفعل ذلك على قصد المضاهاة والمشابهة باللَّه في خلقه، وهو أيضًا كافر كالأول، ومن لم يفعل لهذا فهو\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٠).","vol":"7","page":460},{"text":"٤٤٩٨ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُول: \"كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يُجْعَلُ لَهُ بِكُلِّ صُورَةٍ صَوَّرَهَا نفسًا فَيُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ\". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَمَا لَا رُوحَ فِيهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٢٥، م: ٢١١٠].\n٤٤٩٩ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَن تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ،\nــ\nفاسق لا كافر، وحكمه حكم سائر مرتكبي المعاصي، ثم اتفقوا على أن المراد تصوير الحيوانات دون الأشجار والأنهار ونحو ذلك، والمتعارف إطلاق المصور على الأول، ويقال للثاني: النقاش، وكره مجاهد تصوير الأشجار المثمرة أيضًا، وعند الجمهور وإن لم يكن تصوير الأشجار ونحوها حرامًا، ولكنه لا يخلو عن كراهة؛ لأنه من باب اللهو واللعب والاشتغال بما لا يعني.\n٤٤٩٨ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (يجعل له بكل صورة صورها نفسًا) إن كان (يجعل) على صيغة المجهول و(نفسًا) منصوبًا كما هو في أكثر النسخ، فتوجيهه أن يسند الفعل إلى الجار والمجرور على حد قوله:\nولَسُبّ بذلك الجرو الكلابا\nوإذا كان (يجعل) مبنيًا للفاعل والضمير للَّه تعالى للعلم به، كما ضبط النووي في (شرح مسلم) (١) أو يكون (نفس) بالرفع فلا إشكال.\n٤٤٩٩ - [١١] (وعنه) قوله: (من تحلم بحلم) الحلم بضم الحاء واللام\n_________\n(١) \"شرح النووي\" (١٤/ ٩٠).","vol":"7","page":461},{"text":"كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرتَينِ، وَلَنْ يَفْعَلَ، وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ صَوَّرَ صُورَةً عُذِّبَ وَكُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٠٤٢].\n٤٥٠٠ - [١٢] وَعَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٦٠].\nــ\nويسكن: الرؤيا، وحلم بالفتح: رأى الرؤيا، وتحلم، أي: ادعى الرؤيا كذبًا، وظاهر الحديث أنه عام في كل رؤيا كاذبة، وإنما اشتد عذابه لتعلقه بعالم الغيب، فهي أخص من مطلق الكذب، وقيل: التغليظ مخصوص بمن يدعي قرب جناب الحق، وورود الأمر والنهي عنه وعن رسوله ويخبر الناس بذلك.\nوقوله: (أو يفرون منه) الظاهر أن (أو) للشك من الراوي، ولو كان للتنويع كان الظاهر تقديمه على (وهم له كارهون)، فافهم.\nوقوله: (الآنك) بمد الهمزة وضم النون: الأسرُبُ الأبيض أو الأسود أو الخالص منه، كذا في (القاموس) (١)، وفسره في (النهاية) (٢) بالرصاص الأبيض أو الأسود أو الخالص منه، وقالوا: لم يجئ مفرد على أفعل إلا الآنك والأشد.\n٤٥٠٠ - [١٢] (بريدة) قوله: (بالنردشير) هو النرد المعروف، معرب، وضعه أردشير بن بابك، ولذا يقال له النردشير، كذا في (القاموس) (٣).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٥٩).\n(٢) \"النهاية\" (١/ ٧٧).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٤).","vol":"7","page":462},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1046> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٥٠١ - [١٣] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَتَانِي جِبْرِيلُ قَالَ: أَتَيْتُكَ الْبَارِحَةَ فَلَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَكُونَ دَخَلْتُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْبَابِ تَمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ قِرَامُ سِتْرٍ فِيهِ تمَاثِيلُ، وَكَانَ فِي الْبَيْتِ كَلْبٌ، فَمُرْ بِرَأْسِ التِّمْثَالِ الَّذِي عَلَى بَابِ الْبَيْتِ فَيُقْطَعَ، فَيَصِيرُ كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ، وَمُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ فَلْيُجْعَلْ وِسَادتَيْنِ مَنْبُوذَتينِ تُوطَآنِ، وَمُرْ بِالْكَلْبِ فَلْيُخْرَجْ\". فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٨٠٦، د: ٤١٥٨].\n٤٥٠٢ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَخْرُجُ عُنُقٌ منَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهَا عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ، وَأُذُنانِ تَسْمَعَانِ، وَلِسَانٌ يَنْطِقُ،\nــ\nالفصل الثاني\n٤٥٠١ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (قرام) بكسر القاف: الثوب الملون الرقيق أو الضيق يجعل سترًا، فيكون الإضافة مثل ثوب قميص، وهي بمعنى اللام كما في حديد خاتم بخلاف خاتم الحديد، فإنه بمعنى من، وقيل: القرام: الستر الرقيق وراء الستر الغليظ، فيكون الإضافة بمعنى اللام على هذا أظهر.\nوقوله: (فيقطع) بالنصب على أنه جواب الأمر بعد الفاء، وبالرفع بتقدير فهو يقطع.\nوقوله: (منبوذتين) أي: مطروحتين، ويقال للوسادة: منبذة بكسر الميم لأنها تطرح وتلقى وتفرش.\n٤٥٠٢ - [١٤] (وعنه) قوله: (عنق من النار) في (القاموس) (١): العنق:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٤١).","vol":"7","page":463},{"text":"يَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَكُلِّ مَنْ دَعَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَبِالْمُصَوِّرينَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٧٤].\n٤٥٠٣ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْخَمْرَ، وَالْمَيْسِرَ، وَالْكُوبَةَ، وَقَالَ: وَكُلُّ (١) مُسْكِرٍ حَرَامٌ\". قِيلَ: الْكُوبَةُ الطَّبْلُ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [هب: ٧/ ١١٩].\n٤٥٠٤ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: . . . . .\nــ\nالجماعة من الناس والرؤساء، و(من) هذه بيانية مثلها في قولك: جماعة من الناس وطائفة منهم، ويشبه أن تكون تبعيضية، أي: يخرج بعض من النار، أي: تمثل النار بالعنق ويخرج.\nوقوله: (بكل جبار عنيد) الجبار: الذي يجبر الناس على أمور ويقهرهم، والعنيد: المعاند للحق الذي ينكره مع العلم به.\n٤٥٠٣ - [١٥] (ابن عباس) قوله: (والكوبة) فسروها بالنرد والطبل والبربط ثلاثة أقوال، كذا في (النهاية) (٢)، وفي (شرح جامع الأصول) (٣): هو الطبل الصغير المُخَصَّر ذو الرأسين، وفي (القاموس) (٤): الطبل الذي يضرب، ويكون ذا وجه وذا وجهين، وجمعه أطبال، فالمراد طبل اللهو لا طبل الغزاة والحجاج.\n٤٥٠٤ - [١٦] (ابن عمر) قوله: . . . . .\n_________\n(١) في نسخة: \"كل\".\n(٢) \"النهاية\" (٤/ ٢٠٧).\n(٣) \"جامع الأصول\" (٥/ ٩٨).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٤٣).","vol":"7","page":464},{"text":"أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَالْكُوبَةِ، وَالْغُبَيْرَاءِ. وَالغُبَيْرَاءُ: شَرَابٌ تَعْمَلُهُ الْحَبَشَةُ مِنَ الذُّرَةِ، يُقَالُ لَهَا: السُّكُرْكَةُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٦٨٥].\n٤٥٠٥ - [١٧] وَعَنْ أَبي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٣٩٤، د: ٤٩٣٨].\n٤٥٠٦ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى رَجُلًا يَتْبَعُ حَمَامَةً فَقَالَ: \"شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [حم: ٢/ ٣٤٥، د: ٤٩٤٠، جه: ٣٧٦٥، هب: ٨/ ٤٧٩].\nــ\n(والغبيراء) بضم الغين المعجمة وفتح الموحدة ممدودًا، و(الذرة) بضم الذال المعجمة وفتح الراء مخففة: حبة معروفة، وفي (الصراح) (١): ذرة أرزن، وأصله ذرو أو ذري، والهاء عوض، و(السُّكركة) بضم السين والكاف الأولى وسكون الراء.\n٤٥٠٥ - [١٧] (أبو موسى الأشعري) قوله: (من لعب بالنرد) الجمهور على حرمته مطلقًا.\n٤٥٠٦ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (شيطان) اللعب بالطيور حرام وفسق، ترد به الشهادة.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٥٥٩).","vol":"7","page":465},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1047> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٥٠٧ - [١٩] عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! إِنِّي رَجُلٌ إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنِّى أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- سَمِعْتُهُ يَقُولُ: \"مَنْ صَوَّرَ صُورَةً، فَإِنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهِ الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافخٍ فِيهَا أَبَدًا\". فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً، وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ فَقَالَ: وَيْحَكَ إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ، فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ وَكُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٠٤٢].\n٤٥٠٨ - [٢٠] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ -ﷺ-، ذَكَرَ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً يُقَالُ لَهَا: . . . . .\nــ\nالفصل الثالث\n٤٥٠٧ - [١٩] (سعيد بن أبي الحسن) قوله: (فربا الرجل) في (القاموس) (١): ربا الفرس رَبْوًا: انتفخ من عَدْوٍ أو فَزَع، انتهى، فربا الرجل، أي: أخذه الربو، أي: النفس العالي.\n٤٥٠٨ - [٢٠] (عائشة) قوله: (كنيسة) بفتح الكاف وكسر النون وسكون التحتانية: معبد اليهود والنصارى، معرب كنشت، كذا قال الطيبي (٢)، وفي (القاموس) (٣): الكنيسة: متعبد اليهود والنصارى أو الكفار، وقال\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٨١).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٢٨).","vol":"7","page":466},{"text":"مَارِيَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلِمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: \"أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ خَلقِ اللَّهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨٧٣، م: ٥٢٣٨].\n٤٥٠٩ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَتَلَ نَبِيًّا، أَوْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ، أَوْ قَتَلَ أَحَدَ وَالِدَيْهِ، وَالْمُصَوِّرُونَ، وَعَالِمٌ لَمْ يُنْتَفَعْ بِعِلْمِهِ\".\n٤٥١٠ - [٢٢] وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الشِّطْرَنْجُ هُوَ مَيْسِرُ الأَعَاجِمِ.\nــ\nالكرماني (١): المشهور أن الكنيسة لليهود، والبيعة للنصارى، لكن يطلق في اللغة الكنيسة أيضًا للنصارى، وقال الجوهري (٢): الكنيسة للنصارى، و(المارية) بكسر الراء وخفة التحتانية على لفظ مارية القبطية.\n٤٥٠٩ - [٢١] (ابن عباس) قوله: (أو قتله نبي) أي: في سبيل اللَّه لا حدًا وقصاصًا.\n٤٥١٠ - [٢٢] (علي) قوله: (الشطرنج) بكسر الشين المعجمة، وقال في (القاموس) (٣): ولا يفتح أوله، والسين لغة فيه، من الشطارة أو من التشطير.\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (٤/ ٩٦).\n(٢) \"الصحاح\" (٣/ ٩٧٢).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٩١).","vol":"7","page":467},{"text":"٤٥١١ - [٢٣] وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ قَالَ: لَا يَلْعَبُ بِالشِّطْرَنْجِ إِلَّا خَاطِئٌ.\nــ\n٤٥١١ - [٢٣] (ابن شهاب) قوله: (لا يلعب بالشطرنج إلا خاطئ) والخطأ ضد الصواب، والخطيئة: الذنب، في (الهداية) (١): لا تقبل شهادة من يقامر بالنرد والشطرنج أو تفوته الصلاة بهما، فأما مجرد اللعب بالشطرنج فليس بفسق؛ لأن للاجتهاد فيه مساغًا، قال شارح (الوقاية): فهم من هذا أن في النرد لا يشترط المقامرة أو فوت الصلاة، فقيد المقامرة في النرد وقع اتفاقًا، قال في (الذخيرة): من يلعب بالنرد فهو مردود الشهادة على كل حال.\nوقال في (مطالب المؤمنين): واختلفوا في اللعب بالشطرنج فرخص بعضهم، ولكن بثلاث شرائط: أن لا يقامر، ولا يؤخر الصلاة عن وقتها، وأن يحفظ لسانه عن الخنا والفحش، فإذا فعل شيئًا منها فهو مردود الشهادة، وكره الشافعي ﵀ اللعب به والحمام كراهية تنزيه لا غير كالنرد، كذا في (الكاشف)، وذكر الشيخ أبو حامد الغزالي في (الإحياء) (٢) في باب السماع: اللعب بالشطرنج مباح، ولكن المواظبة عليه مكروه كراهة شديدة، وذكر في (السراجية): اللعب بالشطرنج حرام.\nوذكر في (الجامع الصغير) الخاني (٣): أما الشطرنج فما كان قمارًا فهو حرام بالإجماع، وما خلا عن القمار فهو عبث وأنه حرام، وفي (نصاب الاحتساب) (٤): اللعب بالشطرنج حرام بآثار الصحابة، ولا بأس بأن يلعب الصبيان يوم العيد بالجوز\n_________\n(١) \"الهداية\" (٣/ ١٢٣).\n(٢) \"إحياء علوم الدين\" (٢/ ٢٨٣).\n(٣) انظر: \"النافع الكبير شرح الجامع الصغير\" (١/ ٤٨٣).\n(٤) (ص: ١٥٣، ٣٤٦).","vol":"7","page":468},{"text":"٤٥١٢ - [٢٤] وَعَنْهُ أَنْ سُئِلَ عَنْ لَعِبِ الشِّطْرَنْجِ فَقَالَ: هِيَ مِنَ الْبَاطِلِ وَلَا يُحِبُّ اللَّهُ الْبَاطِلَ. رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الأَرْبَعَةَ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [هب: ٦/ ١٥٧، ٥/ ٢٤١].\n٤٥١٣ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَأْتِي دَارَ قَوْمٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَدُونَهُمْ دارٌ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تَأْتِي دَارَ فُلَانٍ، وَلَا تَأْتِي دَارَنَا. قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"لأَنَّ فِي دَارِكُمْ كَلْبًا\". قَالُوا: إِنَّ فِي دَارِهِمْ سِنَّوْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"السِّنَّوْرُ سَبعٌ\". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ١/ ٦٣].\nــ\nلا على المقامرة، وكان عمر يشتري الجوز لصبيانه يوم العيد فيلعبون ويأكلون منه، وهكذا يفعل علي -﵁-، كذا في (نصاب الاحتساب).\n٤٥١٢ - [٢٤] (وعنه) قوله: (هي من الباطل) التأنيث باعتبار التماثيل.\n٤٥١٣ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (السنور) بكسر السين وفتح النون المشددة.\nوقوله: (السنور سبع) يعني ليس بشيطان كالكلب يمنع دخول الملائكة.\n* * *","vol":"7","page":469},{"text":"(٢٣) كتاب الطب والرقى","vol":"7","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1048>(٢٣) كتاب الطب والرقى</span>\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n٢٣ - كتاب الطب والرقى\nفي (القاموس) (١): الطب مثلثة الطاء: علاج الجسم والنفس، والرفق، والسحر، وبالكسر: الشهوة، والإرادة، والشأن، والعادة، وبالفتح: الماهر الحاذق بعمله، كالطبيب، والفحل الحاذق بالضراب، والمتطبب: المتعاطي علم الطب، انتهى. ومن إطلاق الطب بمعنى السحر حديث: (احتجم حين طب) أي: سحر، وحديث: (فلعل طبًّا أصابه) أي: سحرًا، وحديث: (إنه مطبوب)، وفي معنى الحاذق بالضراب، حديث الشعبي ووصف معاوية: كان كالجمل الطب، أي: الحاذق بالضراب، وقيل: بمعنى الإبل الذي لا يضع خفه إلا حيث يبصر، فاستعار أحد المعنيين لأفعاله وخلاله.\nوالرقى جمع رقية كظلم وظلمة، بضم الراء وسكون القاف وتخفيف الياء من ضرب يضرب، وأما الرقي بضم الراء وكسر القاف وتشديد الياء بمعنى الصعود والترقي فهو من سمع يسمع، والرقية: العوذة، وبالفارسية: أفسون، وقيل: هو ما يقرأ من الدعاء لطلب الشفاء، وهي جائزة بالقرآن والأسماء الإلهية وما في معناها بالاتفاق، وبما عداها حرام، لاسيما بما لا يفهم معناه، وما يفعله أهل العزائم والتكسير من الأعمال\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٤).","vol":"7","page":473},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1049> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٥١٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا أَنْزَلَ اللَّهُ داءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٦٧٨].\n٤٥١٥ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لِكُلِّ داءٍ دَوَاءٌ، فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءٌ الدَّاءَ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٠٤].\nــ\nمثل البخور والألوان وحفظ الساعات أيضًا مكروه حرام عند أهل الديانات.\nالفصل الأول\n٤٥١٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (ما أنزل اللَّه داء) أي: ما خلق وقدر داء إلا خلق وقدر له دواء، وقد يعبر عن الخلق والتقدير بالإنزال من السماء؛ لأن كل الأمر الإلهي التكويني ينزل من السماء، قال اللَّه تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥]، وقال الطيبي (١): ما أصاب أحدًا بداء إلا قدر له دواء.\n٤٥١٥ - [٢] (جابر) قوله: (برأ بإذن اللَّه) في (القاموس) (٢): برأ المريض يبرأ ككرم وفرح، بِرْءًا وبُرْءًا وبُرُوءًا، وأبْرَأَهُ اللَّهُ، فهو بارِئٌ وبَرِيءٌ، والجمع بِراءٍ كَكِرَامٍ، وفي (الصراح) (٣): برأ بالضم: به شدن أز بيماري، بفتح العين في الماضي والمضارع، وأهل الحجاز يقولون: برأت من المرض، برأ بالفتح وهو بارئ من مرضه، وبراءة: بيزار شدن أز عيب ودام ومانند آن، بكسر العين في الماضي، وفتحها في المضارع برء آفريدن بفتحهما وهو البارئ.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٨٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٦).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٣).","vol":"7","page":474},{"text":"٤٥١٦ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ، وَأَنَا أَنْهَى أُمَّتي عَنِ الْكَيِّ (١) \". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٦٨٠].\nــ\n٤٥١٦ - [٣] (ابن عباس) قوله: (الشفاء في ثلاث: في شرطة محجم) في (القاموس) (٢): الحجم: المص، والمحجم بكسر: ما يحجم به، وحرفته: الحجامة ككتابة. واحتجم: طلبها، والشرطة: ضرب المشرط على موضع الحجامة، في (الصراح) (٣): مشرط مشراط: نشتر.\nثم ظاهر عبارة الحديث يدل على الحصر كما في قولهم: الكرم في العرب، وهو صحيح باعتبار الإشارة إلى أنواع الأمراض باعتبار ذكر بعض عمدة أفراده، وتوجيهه ما قال بعض العلماء: إن هذا الحديث إشارة إلى معالجة جميع الأمراض يعني المادية، فإن الأمراض المادية إما دموية أو صفراوية أو بلغمية أو سوداوية، فإن كانت دموية فعلاجه بإخراج الدم، وإليه الإشارة بقوله: محجم، وإن كانت الأقسام الثلاثة الأخر فعلاجه بالإسهال، وعليه نبه بقوله: (شربة عسل) فإنه من المسهلات، وأشار بذكر الكي إلى حالة يعجز الطبيب عن المعالجة فيها؛ لأنه يندفع بالكي الخلط الباغي الذي لا تتحسم مادته إلا بالكي، ولهذا قالوا: آخر الدواء الكي، انتهى ملخصًا.\nوأما النهي عن الكي مع كونه علاجًا وشفاء فمن جهة أن العرب كانوا يعظمون شأنه ويقولون: إنه يحسم المادة بالقطع وإن لم يفعل أدى إلى الهلاك حتى اشتهر بينهم آخر الدواء الكي، فنهى عنه تحرزًا عن الوقوع في شبكة الشرك الخفي، والنهي\n_________\n(١) في نسخة: \"من الكي\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٠٧).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٢٩٣).","vol":"7","page":475},{"text":"٤٥١٧ - [٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: رُمِيَ أُبَيٌّ يَوْمَ الأَحْزَابِ. . . . .\nــ\nتنزيهي، وإن فعل ويرجو الشفاء من اللَّه سبحانه جاز، وقيل: النهي عن الكي إنما هو في موضع خطر وتردد حيث يخاف السراية والهلاك ولم يقطع بالنفع.\nوتفصيل الكلام في هذا المقام أن الأحاديث والأخبار في باب الكي وردت متخالفة، بعضها يدل على الجواز كما يعلم من فعله -ﷺ- ببعض أصحابه رضي اللَّه تعالى عنهم أجمعين كما هو مذكور في الكتاب، وبعضها دال على النهي عنه كهذا الحديث والحديث الذي رواه الترمذي وأبو داود عن عمران بن الحصين -﵁- أنه قال: كان ينهانا النبي -ﷺ- عن الكي، فابتلينا به فلم نفز الفلاح والنجاح (١)، وحديث مسلم (٢) عنه -﵁- أنه قال: كنت أسمع التسليم من الملائكة، فلما اكتويت حجبت عنه، فتبت فرجع الحال كما كان أو كما قال. وقد جاء في حديث: (إني لا أحب الكي)، وقد ورد المدح والثناء على تركه كما في حديث المتوكلين.\nووجه التوفيق بين الأحاديث أن النهي محمول على حالة الاختيار من غير داعية مرض، أو لا يحتاج إليه في دفع المرض بإمكان العلاج بدواء آخر، أو على ما ذكرنا من أن النهي للحذر عن الوقوع في ورطة الشرك الخفي، وقيل: إن أمره -ﷺ- بالكي لبعض أصحابه من جهة فساد الجراحة وقطع العضو، والبرء في ذلك متيقن، وبالجملة الأفضل ترك الكي اللهم إلا إذا انحصر العلاج فيه بقول طبيب حاذق، واللَّه أعلم.\n٤٥١٧ - [٤] (جابر) قوله: (رمي أبي) أي: ابن كعب كما جاء في الحديث الآتي، وكان ذلك في غزوة الأحزاب.\n_________\n(١) أخرج نحوه الترمذي (٢٠٤٩)، وأبو داود (٣٨٦٥).\n(٢) \"صحيح مسلم\" نحوه (١٢٢٦).","vol":"7","page":476},{"text":"عَلَى أَكْحَلِهِ فَكَوَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٠٧].\n٤٥١٨ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي أَكْحَلِهِ فَحَسَمَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- بِيَدِهِ بِمِشْقَصٍ، ثُمَّ وَرَمَتْ فَحَسَمَهُ الثَّانِيَةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٠٨].\n٤٥١٩ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى أُبيِّ بْنِ كَعْبٍ، طَبِيبًا فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا،\nــ\nوقوله: (على أكحله) وهي اسم لعرق في متصل الذراع والساعد يغلب فيه الفصد، ويسمى عرق الحياة، ونهر الحياة، والعامة يسمونه عرق الأعضاء السبعة، وفي كل عضو منه شعبة، واسم مفرد في اليد اسمه أكحل، وفي الفخذ النساء بفتح النون، لكن يقال هنا: عرق النساء بإضافة العرق إليه، ولا يقال هنا: عرق الأكحل بل الأكحل بدون الإضافة، وعرق النساء اسم مرض شديد مشهور، وتسميته به؛ لأن ألمه ينسي ما سواه ويشغل المريض به.\n٤٥١٨ - [٥] (وعنه) قوله: (رمي سعد بن معاذ في أكحله) وهو أيضًا في غزوة الخندق التي تسمى غزوة الأحزاب.\nوقوله: (بمشقص) أي: بنصل، وفي (القاموس) (١): المشقص، كمنبر: نَصْلٌ عريض، أو سهم فيه ذلك، أو النصل الطويل، أو سهم فيه ذلك، والمعبلة، كمكنسة: النصل الطويل العريض، وفي (الصراح) (٢): مشقص: بيكان بهن دراز، وقال أيضًا: معبلة: بيكان بهن دراز.\n٤٥١٩ - [٦] (وعنه) قوله: (فقطع منه عرقًا) وهو الأكحل كما مرّ في\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٧٤، ٩٤٧).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٢٧٠).","vol":"7","page":477},{"text":"ثُمَّ كَوَاهُ عَلَيْهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٠٧].\n٤٥٢٠ - [٧] وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ\". قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: السَّامُ: الْمَوْتُ، وَالْحَبَّةُ السَّوْداءُ: الشَّونِيزُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٨٨، م: ٢٢١٥].\nــ\nالحديث السابق.\n٤٥٢٠ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (الشونيز) بفتح الشين وضمها وكسر النون، ويقال: الشنيز والشهنيز أيضًا، كذا في (القاموس) (١)، ثم اعلم أنه قال الطيبي (٢): إن لفظ الحديث وإن كان عامًا لكنه مخصوص بأمراض تحدث من الرطوبة والبلغم؛ لأن الشونيز حار يابس فهو شفاء للداء المقابل له في الرطوبة والبرودة، وذلك لأن الدواء يكون أبدًا بالمضاد، والعلاج (٣) بالمشاكل، انتهى. قيل: محمول على العموم لأن الحبة السوداء يدخل في كل داء بالتركيب، وقال الكرماني (٤): يتعين العموم بدليل الاستثناء، وقال صاحب (سفر السعادة): كان جمع من الأكابر يعالج في مجموع الأمراض بالحبة السوداء، وبعضهم يستعمل في مجموعها العسل، فكان يرزق الشفاء ببركة حسن اعتقاده.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٧٦).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٨٧).\n(٣) كذا في الأصل، وفي \"شرح الطيبي\": \"الغذاء\".\n(٤) \"شرح الكرماني\" (٢٠/ ٢١١).","vol":"7","page":478},{"text":"٤٥٢١ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: إِنَّ أَخِي اسْتَطْلَقَ بَطْنُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اسْقِهِ عسَلًا\" فَسَقَاهُ، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا اسْتِطْلَاقًا، فَقَالَ لَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ جَاءَ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: \"اسْقِهِ عَسَلًا\". فَقَالَ: لَقَدْ سَقَيْتُهُ فَلَمْ يَزِدْهُ إِلَّا استِطْلَاقًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ\" فَسَقَاهُ فَبَرَأَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٨٤، م: ٢٢١٧].\nــ\n٤٥٢١ - [٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (صدق اللَّه) الأكثرون على أن المراد به صدق تعالى في قوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، وقال بعضهم: أوحي إليه -ﷺ- أن شفاء بطنه في شربة عسل، وقال: هذا التوجيه أولى؛ لأن قوله: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ لا يدل على أن العسل شفاء لكل داء، على أنّ مجاهدًا ذهب إلى أن الضمير راجع إلى القرآن وإن كان ضعيفًا من القول مخالفًا للظاهر، ولما ذهب إليه جمهور المفسرين من الصحابة والتابعين، والأحاديث الواردة في ذلك.\nوقوله: (وكذب بطن أخيك) أي: أخطأ الشفاء ولم يقبله، والعرب يستعمل الكذب في الخطأ، يقول: كذب سمعه: إذا أخطأ ولم يدرك حقيقة ما سمع، وقال الإمام فخر الدين الرازي (١): إنه -ﷺ- أدرك بنور الوحي أن العسل ينفع آخرًا عن استطلاق بطنه، ولما لم يظهر في الحال كأنه قال البطن أو صاحب البطن: إنه غير نافع عنه، وقد كذب في هذا القول، فلهذا المعنى أطلق الكذب، فافهم.\nوقوله: (فسقاه فبرأ) وقد ظهر من هذا كمال حذاقته -ﷺ- في هذا العلاج، وذلك لأن الاستطلاق كان لامتلاء المادة الفاسدة فلا بد من إخراجه، ولهذا كرر الأمر بسقيه؛\n_________\n(١) \"التفسير الكبير\" (٢٠/ ٢٣٩).","vol":"7","page":479},{"text":"٤٥٢٢ - [٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَمْثَلَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ وَالقُسْطُ الْبَحْرِي\". مُتَفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٩٦، م: ١٥٧٧].\nــ\nلأن الدواء ما لم يبلغ في المقدار ما يوافق إزالة المرض لم ينفع، وإذا نقص من ذلك المقدار لا يزيل المرض، وإذا زاد أسقط القوى، ولما لم يسقه في كل مرة ما يقاوم المرض كان يزيد مرضه وأمر بإعادة السقي حتى يبلغ حده، فقال: (صدق اللَّه) أي: في كون العسل شفاء، أو فيما أوحي أنه ينفع من هذا الدواء، (وكذب بطن أخيك)، وكذبه عبارة عن كثرة المواد الفاسدة، ولما سقاه ما يفي في إخراج تلك المواد ظهر نفعها وبرأ.\nوقال بعض العلماء: الطب النبوي لا نسبة له إلى طب الأطباء؛ لأنه متيقن النجح، إذ هو صادر عن وحي إلهي ومشكاة نبوة وكمال عقل، وأما طب غيره فهو في الغالب صادر عن حدس وظن وتجربة، وهي مثار الخطر ومظان الخطأ، ومن لم ينتفع بالطب النبوي فذلك من نقص إيمانه وسوء اعتقاده، ومن تلقاه بصدق قبول وحسن اعتقاد انتفع به يقينًا، ولذلك حمل بعضهم كذب البطن على عدم صدق النية وخلوص الاعتقاد، فافهم، وباللَّه التوفيق.\n٤٥٢٢ - [٩] (أنس) قوله: (والقسط البحري) بضم القاف ويقال: بالكاف أيضًا، وسكون السين المهملة من الأدوية المشهورة، وعقاقير البحر طيب تتبخر به النفساء، وفيه منافع كثيرة: يدرّ الحيض والبول، ويدفع السموم، ويحرك شهوة الجماع، ويقتل شربه ديدان المعدة، وينفع حمى الربع ويدفع طلاؤها الكلف والبهق، وينفع بخوره الزكام والسحر والوباء وغيرها من المنافع المذكورة في كتب الطب، والقسط نوعان بحري وهندي، والبحري أبيض وهو أفضل من الهندي، وأقل حرارة منه، ووصف بالعربي أيضًا، وجاء في رواية: (والقسط الهندي) وفسروه بالعود الهندي أيضًا.","vol":"7","page":480},{"text":"٤٥٢٣ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُعَذِّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ مِنَ الْعُذْرةِ، وَعَلَيْكُمْ بِالْقُسْطِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٦٩٦، م: ١٥٧٧].\n٤٥٢٤ - [١١] وَعَن أُمِّ قَيْسٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عَلَى مَا تَدْغَرْنَ أَوْلَادَكُنَّ بِهَذَا الْعَلَاقِ؟ عَلَيْكُنَّ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيِّ،\nــ\n٤٥٢٣ - [١٠] (وعنه) قوله: (من العذرة) بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة: وجع يهيج في الحلق فيغمز ذلك الموضع، فيخرج منه دم أسود.\nوقوله: (وعليكم بالقسط) وقد جاء في حديث أحمد في (مسنده) طريق العلاج بالقسط بأن تحل القسط بالماء ويسعط، والسعوط: هو صب الدواء في الأنف، وطريقه أن يستلقي المريض على ظهره ويخفض رأسه ويصب الدواء في أنفه حتى يصل إلى الدماغ فيخرج الداء بالعطاس، وكان رسول اللَّه -ﷺ- يمدح السعوط وكان يسعط بنفسه، وقد استبعد بعض من ينسب إلى الطب علاج العذرة بالقسط بأن القسط حار، وعروض العذرة للصبيان من الحرارة لا سيما في القطر الحجازي وهو حار أيضًا، ودفعه بعض العلماء بأن مادة العذرة دم يغلبه البلغم، فيوافقه العلاج بالقسط لأنه مجفف ومقو للعضو، وقد يكون نفع الدواء بالخاصية مع أنه يمكن أن يكون ذلك من معجزاته -ﷺ-.\n٤٥٢٤ - [١١] (أم قيس) قوله: (على ما تدغرن) ما استفهامية، والدغر بالدال المهملة والغين المعجمة آخره راء: غمز الحلق ورفع المرأة لهاة الصبي بإصبعها.\nوقوله: (بهذا العلاق) بفتح العين، وقد يجعل في بعض النسخ بالكسر والضم، وفي بعضها: (بهذا العلق)، ومعناه هذا الغمز والدغر المذكور، وفي بعض الروايات (الإعلاق) من باب الإفعال، وقيل: هذه الرواية أولى وأصوب، وبعضهم ادعوا شهرتها","vol":"7","page":481},{"text":"فَإِنَّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ، مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ، يُسْعَطُ مِنَ الْعُذْرَةِ وَيُلَدُّ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧١٣، م: ٢٢١٤].\nــ\nمع أن الرواية الأولى للبخاري، والثانية جاءت في مسلم، ومعنى الإعلاق هو العلاج المذكور، وقد يجعل الهمزة للإزالة بمعنى إزالة العلوق، والعلوق هو الداهية، ولو جعل بمعنى إزالة العلق محركة بمعنى الدم لكان أيضًا وجهًا.\nوقوله: (فإن فيه سبعة أشفية) أي: فيه شفاء من مبعة أمراض، وقد أشار -ﷺ- إلى سبعة من منافعه إلى ما يناسب أحوال القوم وهو لا ينافي الزيادة عليها، وخص منها (ذات الجنب) وهي من الأمراض المهلكة بالذكر، وقيل: المراد بالسبعة الكثرة مطلقًا، ويجيء في كلام العرب بهذا المعنى كالسبعين، واللَّه أعلم.\nوقوله: (منها ذات الجنب) وهو ورم حار في نواحي الصدر في العضلات الباطنة والحجاب الداخل والحجاب الحاجز بين آلات الغذاء وآلات النفس، ويسمى هذا القسم منه الخالص، وهو أعظم وأخوف الأقسام، أو في عضلات خارجة ظاهرة، أو حجاب خارج بمشاركة الجلد، ومن أمراض ذات الجنب حمى حارة وسعال وضيق نفس ووجع ناخس وعطش واختلاط الذهن، وهي حجاب من الأمراض الشديدة المهلكة العسيرة العلاج، نعوذ باللَّه منها، وقد أمر رسول اللَّه -ﷺ- علاجها بالقسط البحري، وفي (جامع الترمذي) (١) عن زيد بن أرقم بقسط بحري وزيت، ثم بين الفرق بين علاج ذات الجنب والعذرة بالقسط البحري بقوله: (يسعط من العذرة ويلد من ذات الجنب)، وقد عرفت معنى السعوط، واللدود: صب الدواء من أحد جانبي الفم، وقد مرّ بيانه وتفصيله في الفصل الثاني من (باب الترجل).\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٢٠٧٩).","vol":"7","page":482},{"text":"٤٥٢٥ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ وَرَافِعٍ بنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٦٣، م: ٢٢١٠].\nــ\n٤٥٢٥ - [١٢] (عائشة، ورافع بن خديج) قوله: (فابردوها بالماء) بهمزة وصل وضم راء من باب نصر متعد، في (الصراح) (١): برد: سرما نقيض حر، وسرد كردن بفتح العين في الماضي وضمها في المضارع، وماء مبرود وبرودت خنكي وسردي، نقيض حرارت بضم العين فيهما، وأبردته لغة رديئة، وفي (القاموس) (٢): برد كنصر وكرم، وماء بارد وبرود، وبُراد بالضم ومبرود، وقد برّده بردًا جعله باردًا، وأبرده جاء به باردًا، وفي (النهاية) (٣): أبردوا بالظهر، فالإبراد: انكسار الوهج والحر، وهو من الإبراد بمعنى الدخول في البرد. ثم هذا الخطاب بأهل الحجاز باعتبار الأكثر والأغلب؛ لأن أكثر ما يعرض لهم الحمى اليومية من شدة حرارة الشمس أو حركة مفرطة أو غضب أو يقظة، ولا شك أن الحمى الصفراوية ينفعها التبريد بالماء.\nثم اختلفوا في أن التبريد هل يشمل الغسل، فقال بعضهم: نعم، بدليل، ما جاء في الحديث: (إذا حم أحدكم فليرشّ عليه الماء البارد ثلاث ليال من السحر) (٤)، وفي (مسند الإمام أحمد) (٥): (كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا حمّ دعا بقربة من ماء فأفرغها على رأسه فاغتسل)، وفي (جامع الترمذي) (٦): (إذا أصاب أحدكم الحمى فإنما الحمى قطعة\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ١٢٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٥٦).\n(٣) \"النهاية\" (١/ ١١٤).\n(٤) أخرجه النسائي في \"سننه\" (٧٦١٢).\n(٥) لم أجده في \"مسند أحمد\" وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤/ ٤٤٧).\n(٦) \"سنن الترمذي\" (٢٠٨٤).","vol":"7","page":483},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمن النار فليطفئها عنه بالماء، فليستنقع نهرًا جاريًا ليستقبل جرية الماء) الحديث، مضى في الفصل الثالث من (باب العيادة)، فهذه الأحاديث صريحة في أن التبريد شامل للاغتسال، ولما كان المراد هنا الحمى الصفراوية التي تعرض لأهل المزاج الحار اشتد التبريد بحسب اشتداد الحرارة الصفراوية.\nونقل الطيبي (١) أن معنى الحديث تبريد الحمى الصفراوية بسقي الماء البارد ووضع أطراف المحموم فيه، فإنما أمر بإطفاء الحمى وتبريدها بالماء على هذا الوجه دون انغماس الماء وغط الرأس، والأطباء يسلمون أن الحمى الصفراوية يبرد صاحبها بسقي الماء البارد الشديد البرودة، ويسقونه الثلج، ويغسلون أطرافه بالماء البارد.\nوقد ذكر مسلم في (صحيحه) (٢) عن أسماء أنها صبت الماء في جيب المرأة الموعوكة وقالت: إن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (ابردوها بالماء)، فهذه أسماء راوية الحديث مع قربها من النبي -ﷺ- تأول الحديث على نحو ما قلناه، وأما ما روينا عن الترمذي فشيء خارج عن القواعد الطبية داخل في قسم المعجزات، ألا ترى كيف قال: (صَدِّق رَسُولَكَ)، وفي آخره: (بإذن اللَّه)، انتهى.\nوأما الرش فيقول هذا القائل: إنه ليس صريحًا في الغسل بل في نحو ما قال، وأما اغتساله -ﷺ- فليكن من خصائصه، هذا والإنصاف أنه لما سلم القائل سقي الماء والثلج وصبه على المحموم، وغسل أطرافه بالماء البارد الشديد البرودة، فلو اشتد على ذلك لجاز الاغتسال أيضًا، واكتفاء أسماء بالسقي والصب من هذه الجهة وهو ظاهر، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٩٠).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (٢٢١١).","vol":"7","page":484},{"text":"٤٥٢٦ - [١٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي الرُّقْيَةِ مِنَ الْعَيْنِ وَالْحُمَةِ وَالنَّمْلَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٩٦].\n٤٥٢٧ - [١٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَمَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يُسْتَرْقَى مِنَ الْعَيْنِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٣٨، م: ٢١٩٥].\n٤٥٢٨ - [١٥] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَة -تَعْنِي صُفْرَةً-، فَقَالَ: . . . . .\nــ\n٤٥٢٦ - [١٣] (أنس) قوله: (رخص رسول اللَّه -ﷺ- في الرقية من العين) أي: أصابتها، و(الحمة) بضم المهملة وفتح الميم مخففة: السم، أو الإبرة يضرب بها الزنبور والحية ونحو ذلك، أو يلدغ بها، وحمة العقرب: سيفه، وفي (الصراح) (١): حمة العقرب: نيش كزدم وزهروي، وأصلها حَمْوٌ وحَمْيٌ، والهاء عوض عن الواو أو الياء، و(النملة) واحدة النمل، وهي قروح في الجنب كالنمل، وبثرة تخرج في الجسد بالتهاب واحتراق ويرم مكانها يسيرًا، ويدب إلى موضع آخر كالنملة، وسببها صفراء حارة تخرج من أفواه العروق الدقاق ولا تحتبس فيما هو داخل من ظاهر الجلد لشدة لطافتها وحدتها.\n٤٥٢٧ - [١٤] (عائشة) قوله: (أن نسترقي) بالنون على صيغة المعلوم وبالياء على لفظ المجهول.\n٤٥٢٨ - [١٥] (أم سلمة) قوله: (سفعة) بلفظ المرة، من سفع بمعنى: ضرب ولطم، وسفع بناصيته: قبض عليها فاجتذبها، والسفع يجيء بمعنى العلامة، وفسر قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥] بمعنى لنجرنه بها إلى النار أو بمعنى لنعلمه علامة\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٥٥٣).","vol":"7","page":485},{"text":"\"اسْتَرْقُوا لَهَا فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٣٩، م: ٢١٩٥].\n٤٥٢٩ - [١٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الرُّقَى، فَجَاءَ آلُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهُ كَانَتْ عِنْدَنَا رُقْيَةٌ نَرْقِي بِهَا مِنَ الْعَقْرَبِ، وَأَنْتَ نَهَيْتَ عَنِ الرُّقَى، فَعَرَضُوهَا عَلَيْهِ فَقَالَ: \"مَا أَرَى بِهَا بَأْسًا، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَنْفَعْهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٩٩].\n٤٥٣٠ - [١٧] وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: \"اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ، لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرْكٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٠٠].\nــ\nأهل النار، كذا في (القاموس) (١)، وبهذا المعنى فسر الحديث بقوله: أي: علامة من الشيطان أو ضربة واحدة منه، ويجيء السفعة بمعنى العين، يقال: فلان مسفوع، أي: معيون، وأصابته سفعة، أي: عين، والسوافع: لوافح السموم، والسفع من اللون: سواد أشرب حمرة، وفسره الراوي بالصفرة، وهو يناسب بمعنى العلامة، أو هو تفسير بأثر الضربة والأخذة، فتدبر.\nوقوله: (فإن بها النظرة) أي: نظرة الجن، ويقال: عيونهم أحَدّ من أسنّة الرماح.\n٤٥٢٩ - [١٦] (جابر) قوله: (فعرضوها) أي: الرقية على رسول اللَّه -ﷺ-.\n٤٥٣٠ - [١٧] (عوف بن مالك الأشجعي) قوله: (ما لم يكن فيه شرك) أراد بها حقيقته بأن يكون في معناه ما يلزم منه الشرك باللَّه، أو أراد ذكر أسماء الأصنام والشياطين، واعلم أن جملة الكلام فيها أنه -ﷺ- قد كان ينهى في أول الأمر عن الرقى\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٧٢).","vol":"7","page":486},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلما أنه كان في الجاهلية رقى فيها أسماء الشياطين والأصنام، وكانوا منهمكين فيها، ويرون التأثير منها، حسمًا لمواد الشرك ومراسم الكفر.\nثم لما نزل القرآن العظيم الذي هو هدى وشفاء للمؤمنين استرقى به، وما كان من رقى الجاهلية أمر بعرضها عليه -ﷺ-، فما لم يكن فيه بأس أجازه وأمر به أمر ترخيص وإباحة، فتارة خصص بعض الأدواء بالذكر اهتمامًا بشأنه لشيوعه فيما بينهم وكثرة النفع في الاسترقاء فيها، وربما ذكر في بعضها بطريق الحصر بأنه لا رقية إلا فيه، ومبناه أيضًا على المبالغة والاهتمام.\nويحتمل أن يكون وقوع الرخصة بالترتيب بأن رخص في بعضها ثم في بعض آخر بناء على الاهتمام المذكور، وبالجملة الرقية جائزة في كل داء وعلة ومن عين الإنسان والجن بالقرآن والأسماء الإلهية خالصة، أما بغيرها مجردة أو مخلوطة فلا، وكذا بما لم يعلم معناه إلا إذا ثبت من جانب الشارع كما في رقية العقرب: (شَجنية قَرَنيّهٌ مِلْحَةُ بَحْر قَفَطَا)، ذكره الجزري في (الحص الحصين) (١) برمز (طس)، وليس أن الرقية بغير الكلمات الإلهية لا تؤثر ولا تنفع، بل ربما كان ظهور الأثر فيها أسرع، وهذا هو مزلة أقدام الزائغين، بل قمعًا لمادة الشرك والكفر وتثبيتًا لقدم التوحيد، ولا بد أن تكون عاقبته وخيمة كما سيأتي من حديث زينب امرأة ابن مسعود، وقالوا: إن الجن لمكان معاداتهم الإنسان طبعًا يحبون الشياطين بهذه العلاقة؛ لأن عدو العدو حبيب، فإذا قرأ الغرائم والرقى بأسماء الشياطين يجيبونها ويخرجون من مواضعها، وكذا لديغ الحية فإنه ربما يكون أثر الجن لتمثله بها بما استرقي بأسماء الشياطين، يسيل سمها\n_________\n(١) \"عدة الحصن الحصين\" (ص: ١٤٨).","vol":"7","page":487},{"text":"٤٥٣١ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"الْعَيْنُ حَقٌّ، فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ سَبَقَتْهُ الْعَيْنُ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٨٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1050> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٥٣٢ - [١٩] عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَنَتَدَاوَى؟ قَالَ: \"نَعَمْ يَا عِبادَ اللَّهِ! تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٢٧٨، ت: ٢٠٣٨، د: ٣٨٥٥].\nــ\nمن بدن الإنسان ويندفع بها، فالرقية بما عدا القرآن وكلمات اللَّه حرام بالاتفاق، وهذا موضع الصبر والثبات لأهل الإيمان الكامل، وقليل ما هم.\n٤٥٣١ - [١٨] (ابن عباس) قوله: (العين حق) قد سبق تحقيقه وكيفية إصابة العين وما يتعلق بها في الفصل الأول من (باب الترجل)، فلا نعيده وإن كان الأنسب ذكره في هذا الباب.\nوقوله: (فلو كان شيء سابق القدر سبقته العين) أي: ولو كان شيء مضرًا ومهلكًا بغير قضاء اللَّه وقدره لكان العين، والمراد المبالغة في شدة ضررها على تقدير فرض المحال، وأما كيفية الاستغسال والغسل فسيأتي في آخر الفصل من حديث أبي أمامة.\nالفصل الثاني\n٤٥٣٢ - [١٩] (أسامة بن شريك) قوله: (يا عباد اللَّه! تداووا) الظاهر أن الأمر للإباحة، فإن التداوي ليس بواجب، ولهذا مدح المتوكلين الذين لا يتداوون ولا يسترقون، وفي (مطالب المؤمنين): ولا بأس بالتداوي، وبه نقول، وقد تداوى","vol":"7","page":488},{"text":"٤٥٣٣ - [٢٠] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُكْرِهُوا مَرْضَاكُمْ عَلَى الطَّعَامِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى (١) يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٠٤٠، جه: ٣٤٤٤].\nــ\nرسول اللَّه -ﷺ- تعليمًا للجواز، وقال الطيبي (٢) في شرح الحديث الأول من الفصل الأول: فيه إشارة إلى استحباب الدواء، وهو مذهب جمهور السلف وعامة الخلف، وفي كون المذهب هذا خفاء مع أن في كون الحديث إشارة إلى ما ذكر أيضًا نظرًا، نعم لو داوى أحد على قصد الاتباع والموافقة بفعله -ﷺ- يثاب على ذلك، كما في سائر المباحات الموافقة لفعله ﵊، وأما كون نفس التداوي من غير نظر إلى هذا مستحبًا محل نظر، ولو فرق أحد بين العلاجات الطبية الوهمية والظنية وبين ما هو متيقن كحرارة الزنجبيل والفلفل، فلو أهلكت أحدًا البرودة وهو قادر عليها ولم يستعملها ولم يأكل وهلك يأثم، وهي حكم النار والتسخن بها مثلًا لكان له وجه، وتحقيقه في محله، وأما إنكار التداوي بناء على أن كل شيء بقدر اللَّه فجهل بتقدير عالم الأسباب، إذ التداوي أيضًا بقدر اللَّه على طبق ما ورد: فررنا من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه، كالأمر بالدعاء، وقتال الكفار، والتحصن، وتجنب الإلقاء إلى التهلكة.\n٤٥٣٣ - [٢٠] (عقبة بن عامر) قوله: (فإن اللَّه يطعمهم ويسقيهم) يعني لا تظنوا أن عدم الطعام والشراب مهلك بهم ومضر لهم، فإن اللَّه تعالى يبقيهم ويقومهم من غير حاجة إلى ذلك، والإبقاء والتقويم بقدرة اللَّه تعالى لا بالطعام والشراب، وله\n_________\n(١) \"تعالى\" سقط في نسخة.\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٨٥).","vol":"7","page":489},{"text":"٤٥٣٤ - [٢١] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَوَى أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ مِنَ الشَّوْكَةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٠٥٠].\n٤٥٣٥ - [٢٢] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ نَتَدَاوَى مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ بِالْقُسْطِ الْبَحْرِيِّ وَالزَّيْتِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠٧٩].\n٤٥٣٦ - [٢٣] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَنْعَتُ الزَّيْتَ وَالْوَرْسَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠٧٨].\nــ\nسبب في الظاهر وهو عدم التفات النفس إليهما باشتغالهما بالبدن وتدبيره، وكون الرطوبات البدنية غذاء في تلك الأيام بتحليل الحرارة الغريزية إياها، وأما تشبيه الطيبي (١) ذلك بقوله -ﷺ-: (أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني) فليس كما ينبغي، وأي مناسبة بينهما، وإن اعترف بأن بينهما بونًا بعيدًا، وليس الاشتراك بينهما إلا في أنه قد يكون حالة وسبب غير الطعام والشراب يكون به هناك البقاء والحياة.\n٤٥٣٤ - [٢١] (أنس) قوله: (أسعد بن زرارة) بضم الزاي قبل الراء، و(الشوكة) بفتح الشين المعجمة: حمرة تعلو الجسد وهو المراد هنا، وقد يطلق على إبرة العقرب.\n٤٥٣٥ - [٢٢] (زيد بن أرقم) قوله: (أن نتداوى من ذات الجنب بالقسط البحري) وقد مرّ شرحه في الفصل الأول من حديث أم قيس.\n٤٥٣٦ - [٢٣] (وعنه) قوله: (ينعت) أي: يصفها للعلاج منه، وقيل: يمدح، و(الورس) بفتح الواو وسكون الراء: نبت أصفر يصبغ به.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٩٥).","vol":"7","page":490},{"text":"٤٥٣٧ - [٢٤] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- سَأَلَهَا: \"بِمَ تَسْتَمْشِينَ؟ \" قَالَت: بِالشُّبْرُمِ، قَالَ: \"حارٌّ جارٌّ\". قَالَتْ: ثُمَّ اسْتَمْشَيْتُ بِالسَّنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"لَوْ أَنَّ شَيْئًا كَانَ فِيهِ الشِّفَاءُ مِنَ الْمَوْتِ لَكَانَ فِي السَّنَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غرِيبٌ. [ت: ٢٠٨١].\nــ\n٤٥٣٧ - [٢٤] (أسماء بنت عميس) قوله: (بم تستمشين؟) أي: تسهلين بطنك وتطلبين الإسهال، والمشي على وزن غني، والمشو كعدو، ومشاء كسماء: الدواء المسهل، مأخوذ من المشي؛ لأنه يلزم شرب الدواء المسهل، و(الشبرم) بضم شين معجمة وسكون باء موحدة وراء مضمومة: نبت يورث الإسهال، وقيل: حب يطبخ ويشرب ماؤه، وفي (القاموس) (١): شجر ذو شوك، ونبات آخر له حب كالعدس، وأصل غليظ ملآن لبنًا، والكل مسهل، واستعمال لبنه خطر، وإنما يستعمل أصله مصلحًا، وقد ذكر طريق إصلاحه بما يطول ولا يتعلق لنا غرض بذلك.\nوقوله: (حمار حمار) بالحاء كرر تأكيدًا لحرارته، وقد يروى الثاني بال جيم من باب الإتباع مثل حسن بسن، و(السنا) بفتح السين مقصورًا، وقد يروى بالمد: نبت حجازي، وأفضله المكي، وهو دواء شريف ليس فيه خوف ضرر قطعًا قريب من الاعتدال، وحار في الدرجة الأولى، يسهل الصفراء والسوداء والبلغم، ويقوي جرم القلب، وينفع من الوسواس السوداوي بالخاصة.\nوقوله: (الشفاء من الموت) بأن يحيا من الموت بعد عروضه على قياس الشفاء من المرض، أو من استعمله لم يعرضه الموت على ما يفهم ظاهرًا من قوله: (شفاء\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٣٧).","vol":"7","page":491},{"text":"٤٥٣٨ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي الدَّرْداءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوا، وَلَا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٧٤].\n٤٥٣٩ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٣٠٥، د: ٣٨٧٠، ت: ٢٠٤٥، جه: ٣٤٥٩].\nــ\nمن كل داء إلا الموت)، فافهم.\n٤٥٣٨ - [٢٥] (أبو الدرداء) قوله: (ولا تداووا بحرام) وقد ورد النهي عن التداوي بالمحرمات على الإطلاق وبالخمر على الخصوص في أحاديث كثيرة بطرق متعددة، وقال بعض المحققين من الأطباء الإسلامية في قوله سبحانه: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩]: أن ليس المراد منفعة البدن وصحته بل المراد الانتعاش والنشاط يعرض للطبيعة ويحدث لشربها، وهو مضر بالبدن ومهلك له بالآخرة كما يظهر من حال أهل الأديان، أعاذنا اللَّه منه، انتهى. وهذا إنما قال على تقدير التنزل، وإلا فهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، وهذا الحكم مخصوص عند الشافعية بما خصته السنة كشرب أبوال الإبل للعرنيين، والمسألة مذكورة في أصول الفقه على اختلاف فيها.\n٤٥٣٩ - [٢٦] (أبو هريرة) قوله: (عن الدواء الخبيث) قيل: أراد به النجس خبث النجاسة والحرمة، وقيل: كراهة الطعم والرائحة ونحوهما مما لا تقبله الطبيعة.","vol":"7","page":492},{"text":"٤٥٤٠ - [٢٧] وَعَنْ سَلْمَى خَادِمَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَتْ: مَا كَانَ أَحَدٌ يَشْتَكِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَجَعًا فِي رَأْسِهِ إِلَّا قَالَ: \"احْتَجمْ\"، وَلَا وَجَعًا فِي رِجْلَيْهِ إِلَّا قَالَ: \"اخْتَضِبْهُمَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٥٨].\n٤٥٤١ - [٢٨] وَعَنْهَا قَالَتْ: مَا كَانَ يَكُونُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قُرْحَةٌ وَلَا نَكْبَةٌ إِلَّا أَمَرَنِي أَنْ أَضَعَ عَلَيْهَا الْحِنَّاءَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠٥٤].\nــ\n٤٥٤٠ - [٢٧] (سلمى) قوله: (اختضبهما) أي بالحناء، وفي (سفر السعادة) (١) من رواية أبي داود: ولا شكا أحد وجعًا في بطنه إلا قال له: (اختضب بالحناء)، وأورده عن (سنن ابن ماجه): أن النبي -ﷺ- غَلَّف بالحناء، ويقول: (إنه نافع بإذن اللَّه من الصداع)، قال صاحب (سفر السعادة): المراد نوع من الصداع، يكون ماديًّا من الحرارة الملتهبة ومختلطًا بالخل أنفع.\n٤٥٤١ - [٢٨] (وعنها) قوله: (ما كان يكون) في (كان) ضمير الشأن اسمه، والجملة بعده خبره، وقيل: الثاني زائدة، و(القرح) بضم القاف: ريش، وكذلك القرح بفتحها لغتان كالجهد والجهد، وقيل: المفتوح لغة حجازية، وقيل: بالضم اسم، وبالفتح مصدر.\nوقوله: (ولا نكبة) بالفتح: ما يصيب الإنسان من شدة وبلاء، والمراد بها هنا جراحة تصيب العضو، وبالقرحة التي تخرج من البدن من غليان الدم وغيره، وفي (مجمع البحار) (٢): النكبة بفتح النون وسكون الكاف: جراحة من الحجر أو الشوك، والقرحة من نحو السيف، وفي (القاموس) (٣): القرح، ويضم: عض السلاح ونحوه\n_________\n(١) \"سفر السعادة\" (ص: ٢٩١).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٨٠٢).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٢٨).","vol":"7","page":493},{"text":"٤٥٤٢ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ الأَنْمَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَحْتَجمُ عَلَى هَامَتِهِ وَبَيْنَ كتِفَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ: \"مَنْ أَهْرَاقَ مِنْ هَذِهِ الدِّمَاءِ، فَلَا يَضُرُّهُ أَنْ لَا يَتَدَاوَى بِشَيْءٍ لِشَيْءٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٨٥٩، جه: ٣٤٨٤].\n٤٥٤٣ - [٣٠] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- احْتَجَمَ عَلَى وَرِكِهِ مِنْ وَثْءٍ كَانَ بِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٦٣].\nــ\nمما يخرج بالبدن، أو بالفتح: الآثار، وبالضم: الألم، وقرح، كمنع: جرح، وكسمع: خرجت به القروح، والقريح: الجريح، والمقروح: من به قروح، انتهى. وقد قرئ في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ﴾ [آل عمران: ١٤٠] بالفتح والضم، قال البيضاوي (١): هما لغتان كالضَّعْف والضُّعْف، وقيل: هو بالفتح الجراح، وبالضم ألمها، وهو موافق لما في (القاموس).\n٤٥٤٢ - [٢٩] (أبو كبشة) قوله: (وعن أبي كبشة) بفتح الكاف وسكون الموحدة وفتح الشين.\nوقوله: (يحتجم على هامته) واحد الهام، وفي الحديث: يزيل الهام عن مقيله، وهي أعلى الرأس، وهي الناصية والمفرق، (واضربوا الهام) أي: اقطعوا روؤس الكفار، أي: جاهدوا.\nوقوله: (من هذه الدماء) الظاهر أن المراد دماء هذه الأعضاء المذكورة، أو جنس الدماء من أي عضو كان.\n٤٥٤٣ - [٣٠] (جابر) قوله: (من وثء) بالهمزة ذكره في (القاموس) (٢) في\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ١٨١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٤).","vol":"7","page":494},{"text":"٤٥٤٤ - [٣١] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ لَيْلَةَ أُسَرِيَ بِهِ: أَنَّهُ لَمْ يَمُرَّ عَلَى مَلأٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا أَمَرُوهُ: \"مُرْ أُمَّتَكَ بِالْحِجَامَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غرِيبٌ. [ت: ٢٠٥٢، جه: ٣٤٧٧].\nــ\nباب الهمزة، وقال: الوثاءة: وصم يصيب اللحم لا يبلغ العظم، أو تَوَجُّعٌ فى العظم بلا كسر، أو هو الفك، وقال الطيبي (١): وجع يصيب العضو من غير كسر.\n٤٥٤٤ - [٣١] (ابن مسعود) قوله: (ليلة أسري به) ليلة مضاف إلى الجملة مبني على الفتح، ويجوز أن يكون بالتنوين، وتكون الجملة صفة، وحينئذ يقدر الضمير، أي: فيها، لكن اللفظ العربي هو الأول، كذا قال شيخ شيوخنا في الحديث ابن حجر الهيتمي المكي.\nوقوله: (مر أمتك بالحجامة) الظاهر أن المراد بالحجامة إخراج الدم شاملًا للفصد كما أشير إليه في حديث: (الشفاء في ثلاث: شرطة محجم)، كما سبق، وجعله بعضهم مقابلًا للفصد وقال: سبب فضيلة الحجامة أن الحجامة تستخرج الدم مر، نواحي الجلد، والأطباء مجمعون على أن الحجامة في البلاد الحارة أفضل من الفصد؛ لأن دماءهم رقيقة نضجة تسري إلى سطح البدن، وتخرج بالحجامة دون الفصد، والفصد نافع لأعماق البدن ومناسب بالبلاد الباردة، وقال الطيبي (٢): الحكمة في مبالغة الملائكة في أمر الحجامة سوى ما اشتهر فيه من المنافع البدنية أن الدم أصل، القوى الحيوانية، فإذا انتقص ضعفت القوى النفسانية المانعة من المكاشفات الغيبية، انتهى. وهذا الوجه يفيد نفع إخراج الدم مطلقًا سواء كان بالحجامة والفصد بخلاف الوجه\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٩٨).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٩٩).","vol":"7","page":495},{"text":"٤٥٤٥ - [٣٢] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ: أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ النَّبِيَّ -ﷺ- عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ -ﷺ- عَنْ قَتْلِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٧١].\n٤٥٤٦ - [٢٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَحْتَجِمُ فِي الأَخْدَعَيْنِ. . . . .\nــ\nالأول، فإنه يفيد نفع الحجامة بخصوصها، فكان المراد بـ (أمتك) قومك، أعني العرب الحجازي، واللَّه أعلم.\n٤٥٤٥ - [٣٢] (عبد الرحمن بن عثمان) قوله: (عن ضفدع) بكسر الضاد والدال وجاء بفتح الدال أيضًا، وفي (القاموس) (١): على وزن زبرج وجعفر وجندب ودرهم.\nوقوله: (عن قتلها) أي: عن قتل الضفاع، واستعمالها في الدواء، إما لحرمتها أو لنجاستها أو لخباثتها، وتنفر الطبع عنها، وقد أوردوا هذا الحديث في (باب النهي عن التداوي بالحرام)، وليس المراد أن قتلها منهي عنه بالذات، فلو تداوى بها لزم قتلها كما يتبادر إلى الوهم؛ لأن قتل الحيوان الحلال الطاهر الطيب للتداوي غير منهي عنه، فكيف بالحرام النجس الخبيث، فالمراد بالنهي عن القتل النهي عن التداوي بها، وقال الطيبي (٢): القتل مأمور به إما لكونه من الفواسق، وليس بها، أو لإباحة الأكل، وليس بذلك لنجاسته، وتنفر الطبع عنه، وإذا لم يجز القتل لم يجز الانتفاع به، فافهم.\n٤٥٤٦ - [٣٣] (أنس) قوله: (في الأخدعين) هما عرقان في جانبي العنق،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٨٥).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٩٩).","vol":"7","page":496},{"text":"وَالْكَاهِلِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ: وَكَانَ يَحْتَجِمُ لِسَبْعَ عَشْرَةَ وَتِسْعَ عَشْرَة وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ. [د: ٣٨٦، ت: ٢٠٥١، جه: ٣٤٨٣، ٣٤٨٦].\n٤٥٤٧ - [٣٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَسْتَحِبُّ الْحِجَامَةَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ وَتِسْعَ عَشْرَةَ وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١٢/ ١٥١].\n٤٥٤٨ - [٣٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنِ احْتَجَمَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ، وَتِسْعَ عَشْرَةَ، وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ كَانَ شِفَاءً (١) مِنْ كُلِّ دَاءٍ\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٦١].\nــ\nكذا قال الطيبي (٢)، وفي (القاموس) (٣): الأخدع: عرق في الْمَحْجَمَتَيْن، وهو شعبة من الوريد، وفي (الصراح) (٤): أخدع: ركَـ بشت، و(الكاهل) مقدم ظهر البعير وما يكون عليه المحمل، وهو ما بين الكتفين.\n٤٥٤٧ - [٣٤] (ابن عباس) قوله: كان يستحب الحجامة لسبع عشرة. . . إلخ)، قالوا: الحكمة في ذلك أن الدم يغلب في أوائل الشهر، ويقل في أواخره، فأوساطه تكون أولى وأوفق كما مرّ.\n٤٥٤٨ - [٣٥] (أبو هريرة) قوله: (كان شفاء له من كل داء) ترغيب وتوكيد،\n_________\n(١) في نسخة: \"كان له شفاء\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٩٩).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٥٦).\n(٤) \"الصراح\" (ص: ٣٠٩).","vol":"7","page":497},{"text":"٤٥٤٩ - [٣٦] وَعَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ أَبِي بَكْرَةَ: أَنَّ أَبَاهَا كَانَ يَنْهَى أَهْلَهُ عَنِ الْحِجَامَةِ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَيَزْعُمُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَنَّ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ يَوْمُ الدَّمِ وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يَرْقَأُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٦٢].\n٤٥٥٠ - [٣٧] وَعَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: \"مَنِ احْتَجَمَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءَ أَوْ يَوْمَ السَّبْتِ فَأَصَابَهُ وَضَحٌ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ\". . . . .\nــ\nولعل المراد دواء يناسب إخراج الدم، واللَّه أعلم.\n٤٥٤٩ - [٣٦] (كبشة بنت أبي بكرة) قوله: (عن كبشة) صوابه (كيسة) بتحتية مشددة وبمهملة، كذا نقل عن (التقريب) (١).\nوقوله: (يوم الثلاثاء) بالمد ويضم، كذا في (القاموس) (٢).\nوقوله: (يزعم) أي: يقول.\n٤٥٥٠ - [٣٧] (الزهري) قوله: (يوم الأربعاء) مثلثة الباء ممدودة، كذا في (القاموس) (٣). (فأصابه وضح) الوضح بفتح الواو والضاد المعجمة، أي: برص، وفي (النهاية) (٤): الوضح: البياض من كل شيء، وفي الحديث: (كان يرفع يديه في السجود حتى يتبين وضح إبطيه) (٥) أي: بياض تحتهما، وفي (القاموس) (٦): الوضح\n_________\n(١) \"تقريب التهذيب\" (ص: ٧٥٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٦٥).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٦٢).\n(٤) \"النهاية\" (٥/ ١٩٥).\n(٥) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٤٩٧)، والنسائي في \"سنن\" (١١٤٧).\n(٦) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٣٨).","vol":"7","page":498},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: وَقَدْ أُسْندَ وَلَا يَصِحُّ. [د في المراسيل: ٤٥١].\n٤٥٥١ - [٣٨] وَعَنْهُ مُرْسَلًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنِ احْتَجَمَ أَوِ اطَّلَى يَوْمَ السَّبْتِ أَوِ الأَرْبِعَاءِ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ فِي الوَضَحِ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١٢/ ١٥١ - ١٥٢].\n٤٥٥٢ - [٣٩] وَعَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَأَى فِي عُنُقِي خَيْطًا فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقُلْتُ: خَيْطٌ رُقِيَ لِي فِيهِ، قَالَتْ: فَأَخَذَهُ فَقَطَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَنْتُمْ آلَ عَبْدَ اللَّهِ لأَغْنِيَاءٌ. . . . .\nــ\nمحركة: بياض الصبح، والقمر، والبرص، والغرة، والتحجيل في القوائم.\nوقوله: (وقد أسند ولا يصح) اعلم أن صاحب (سفر السعادة) (١) قال: لم يثبت في باب الحجامة واختيارها في بعض الأيام حديث إلا قوله: (مر أمتك بالحجامة)، وحديث الصحيحين: (إن كان في شيء شفاء، ففي شرطة حجام أو شربة، عسل أو لدغة بنار)، وقد تكلمنا على ذلك في شرحه، فلينظر ثمة.\n٤٥٥١ - [٣٩] (وعنه) قوله: (أو اطلى) بتشديد الطاء افتعل، من طلاه به: لطخه كطلاه بالتشديد، والمراد هنا طلاء العضو بالدواء.\n٤٥٥٢ - [٣٩] (زينب) قوله: (أنتم آل عبد اللَّه لأغنياء) والظاهر أن (أنتم) مبتدأ، و(آل عبد اللَّه) منصوب على الاختصاص، و(لأغنياء) خبره، وهو دليل على جواز دخول اللام للتأكيد على الخبر كما جاز دخولها على المبتدأ، وكفى به دليلًا إذا ثبت أنه من قول ابن مسعود أو الراوي عنه إذا كان ممن يوثق بعربيته، ولا يعارضه أقوال النحاة، بل يجب أن ينزلوا عن أحكامهم بوجدان ما يخالفها في الأحاديث إذا ثبت أنه من قول\n_________\n(١) \"سفر السعادة\" (ص: ١٥٠).","vol":"7","page":499},{"text":"عَنِ الشِّرْكِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ\"، فَقُلْتُ: لِمَ تَقُولُ هَكَذَا؟ . . . . .\nــ\nالرسول -ﷺ- أو أصحابه الكرام، إذ هم الفصحاء الذين جالسوا أفصح الفصحاء وكلموه وحاوروه، كذا قال بعض الشارحين في قول عائشة: (اتزر) بالإدغام على ما سبق ذكره في (كتاب الحيض)، ولذلك غير بعض النحاة المتأخرين كابن مالك وغيره بعض الأحكام مما خالف فيه النحاة لعدم اطلاعهم وتمام استقرائهم، وذلك لعدم إحاطة الكل بالكل بالاستقراء التام، كوصية الشافعي ﵀ عليه في الشرعيات لأصحابه: إذا حكمت بحكم ووجدتم الحديث الصحيح بخلافه فمذهبي الحديث، وقد أفتى بعض المشايخ ﵀ من مذهبه كالرافعي والنووي وغيرهما إذا وجدوا حديثًا صحيحًا بخلاف ما ذهب إليه إمامهم وهو الإنصاف، رحم اللَّه من أنصف، وأما تقدير الزجاج المبتدأ في قوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣]، أي: لهما ساحران، فلما ثبت عنده من أن الأصل دخول اللام على المبتدأ ولا حاجة إليه، وقد ثبت جواز دخوله على الخبر، ولعله لم يبلغه أو لم يثبت عنده ما دخل فيه اللام على الخبر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (عن الشرك) أي: أفعال المشركين؛ لأنهم كانوا يسترقون بأسماء الشياطين والأصنام، أو لأنه يفضي إلى اعتقاد تأثيره حقيقة، وذلك شرك وكفر بلا شبهة، أو المراد الشرك الخفي بترك التوكل والاعتماد على اللَّه سبحانه، وقوله: (إن الرقى) أي: التي كانت في الجاهلية بأسماء الشياطين والأصنام، و(التمائم) جمع تميمة وهي خرزات تعلقها النساء في أعناق الأولاد، ويعتقدون أنها تدفع العين، و(التولة) بكسر التاء وفتح الواو واللام: وهو نوع من السحر يفعل في الخيط أو القرطاس لمحبة الرجال النساء.","vol":"7","page":500},{"text":"لَقَدْ كَانَتْ عَيْنِي تُقْذَفُ، وَكُنْتُ أَخْتَلِفُ إِلَى فُلَانٍ الْيَهُودِيِّ فَإِذَا رَقَاهَا سَكَنَتْ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِنَّمَا ذَلِكِ عَمَلُ الشَّيْطَانِ، كَانَ يَنْخَسُهَا بِيَدِهِ، فَإِذَا رُقيَ كُفَّ عَنْهَا، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكِ أَنْ تَقُولِي كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"أَذْهِبِ الْبَأْسَ، رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقْمًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٨٣].\n٤٥٥٣ - [٤٠] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَنِ النُّشْرَةِ. . . . . .\nــ\nوقوله: (تقذف) على لفظ المجهول، أي: ترمى من غاية الألم، أو على لفظ المعلوم، أي: ترمي بالأذى والدمع، والأول أظهر دراية، وإن كانت الثانية أقوى رواية، كذا أفاد بعض المشايخ من أهل الحرمين، واللَّه أعلم.\nوقوله: (إنما ذلك) أي: الوجع الذي كان في عينك لم يكن وجعًا في الحقيقة بل كانت ضربة من ضربات الشيطان، و(النخس) من نخس الدابة كنصر وجعل: غرز مؤخرها أو جنبها بعود ونحوه، ونخسه: طرده، وقد مرّ شيء مما يتعلق بهذا المقام في الفصل الأول في شرح الحديث الثالث عشر من حديث أنس.\n٤٥٥٣ - [٤٠] (جابر) قوله: (عن النشرة) بضم النون وسكون الشين المعجمة: نوع من الرقية، يسترقى بها الممسوس بالجن، وقد جاء في (باب السحر) أنه نشره بـ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١]، وفي (القاموس) (١): بالضم: الرقية يعالَجُ بها المجنون والمريض، وفي (الصراح) (٢): التنشير: أفسون كردن، ونشرة: تعويذ، ووجه التسمية انتشار الداء وانكشاف البلاء به، وبالجملة حاصل معناه: الرقية والتعويذ،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٤٩).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٢١٥).","vol":"7","page":501},{"text":"فَقَالَ: \"هُوَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٦٨].\n٤٥٥٤ - [٤١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَا أُبَالِي مَا أَتَيْتُ إِنْ أَنَا شَرِبْتُ تِرْيَاقًا أَوْ تَعَلَّقْتُ تَمِيمَةً أَوْ قُلْتُ الشِّعْرَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٦٩].\nــ\nفالمراد بما (هو من عمل الشيطان) ما كان من عمل الجاهلية مشتملًا على أسماء الشياطين والأصنام أو بلسان غير معلوم المعنى، فإن كان ورود هذا الحديث قبل الترخيص فلا تخصيص، والأخص منه ما كان بالقرآن ونحوه، ويحتمل أن يكون هذا الاسم غالبًا على ما كان في الجاهلية، فتدبر.\n٤٥٥٤ - [٤١] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت ترياقًا) الحديث، الترياق المشهور بكسر التاء وتضم أيضًا، وقد تبدل التاء دالا: دواء مركب مشهور نافع عن السموم وأمراض أخر، و(التميمة) ما تعلق في العنق من العين وغيرها من التعويذات، والمراد تمائم الجاهلية مثل الخرزات وأظفار السباع وعظامها، أما ما يكون بالقرآن والأسماء الإلهية فهو خارج عن هذا الحكم، وجائز كما يدل عليه حديث عبد اللَّه بن عمر، بل يستحب التعلق والتبرك بها، كذا قال الطيبي (١).\nوالمراد بقول الشعر من قبل النفس: إنشاؤه قصدًا واختيارًا، وإن صدر من غير قصد واختيار فذلك غير مذموم ومنهي عنه، بل لا يعد في الاصطلاح شعرًا وليس مصدوقًا لقوله ﷿: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩]، وهذا في إنشاء الشعر لا إنشاد شعر غيره، وهذا هو الأظهر من العبارة، وقد أنشد -ﷺ- مثل قول لبيد:\nألا كل شيء ما خلا اللَّه باطل\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣٠٣).","vol":"7","page":502},{"text":"٤٥٥٥ - [٤٢] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"مَنِ اكْتَوَى أَوِ اسْتَرْقَى، فَقَدْ بَرِئَ مِنَ التَّوَكُّلِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٤/ ٢٤٩، ت: ٢٠٥٥، جه: ٣٤٨٩].\nــ\nوقد قيل: إنه كان لا يتيسر منه -ﷺ- في صورة الإنشاد أيضًا ولا يجيء موزونًا، واللَّه أعلم.\nومعنى الحديث: أني إن فعلت هذه الأشياء كنت ممن لا يبالي بما فعله من الأفعال مشروعة كانت أو غيرها، ولا يميز بين المشروع وغيره، والمقصود تذميم هذه الأشياء وتقبيحها، أما الترياق فلأنه يجعل فيه من الأشياء المحرمة مثل لحوم الأفاعي والخمر، ولو عمل ترياق ليس فيه منها فلا بأس، وقال بعضهم: الأولى والأحوط تركه عملًا بإطلاق الحديث، وأما التعلق بالتميمة فلما علم من أن المراد بها تمائم الجاهلية التي هي من شعار المشركين، وأما الشعر فإن المذموم منه إن كان شعر الزور وما لا يعني، لكن الحق تعالى وتقدس نزه ساحة النبوة عنه وعصمه منه مطلقًا، فهو في حقه -ﷺ- نقص ووبال، وإن كان محمودًا وممدوحًا في غيره، وهذا كمال خاص به -ﷺ-، وإن أطلق الترياق والتميمة، وكان المقصود بيان توكل خاص به -ﷺ- أو كان الغرض تنبيه الأمة على التوكل وترك المعالجات والحيل، وتعريضًا ببيان حالهم على طريقة قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢] لم يبعد.\n٤٥٥٥ - [٤٢] (المغيرة بن شعبة) قوله: (من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل) يعني أن ذلك وإن كان مباحًا لكن مقام التوكل والتفويض وترك الأسباب أعلى وأرفع، وإن كان المراد مع اعتقاد المؤثرية والعلية فهو شامل لجملة الأسباب والمعالجات، ولا يختص بالكي والاسترقاء، وقد مرّ الكلام في الكي وتطبيق الأحاديث الواردة فيها، فتذكر.","vol":"7","page":503},{"text":"٤٥٥٦ - [٤٣] وَعَنْ عِيسَى بْنِ حَمْزَةَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ وَبِهِ حُمْرَةٌ فَقُلْتُ: أَلَا تُعَلِّقُ تَمِيمَةً؟ فَقَالَ: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِليهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (١).\n٤٥٥٧ - [٤٤] وَعَن عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٤٣٦، ت: ٢٠٥٧، د: ٣٨٨٤].\n٤٥٥٨ - [٤٥] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ بُرَيْدَةَ. [جه: ٣٥١٣].\n٤٥٥٩ - [٤٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا رُقْيَةَ إِلَّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ أَوْ دَمِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٨٩].\nــ\n٤٥٥٦ - [٤٣] (عيسى بن حمزة) قوله: (وعن عبد اللَّه بن عكيم) بلفظ التصغير.\nوقوله: (نعوذ باللَّه من ذلك) إن كان المراد تميمة أهل الجاهلية فظاهر، وإن كان من القرآن وأسماء اللَّه فذلك لغاية توكله، وكونه من الذين لا يسترقون ولا يداوون، وإليه ينظر السياق.\nوقوله: (من تعلق شيئًا) أي: تمسك به من المداواة والرقية وتعلق قلبه به وبتأثيره وُكِّل شفاؤه إليه ولم يشفه اللَّه، ولا شفاء إلا من اللَّه، فلا يحصل الشفاء.\n٤٥٥٧، ٤٥٥٨ - [٤٤، ٤٥] (عمران بن حصين، وبريدة) قوله: (لا رقية إلا من عين أو حمة) قد عرفت معنى الحصر سابقًا أن المراد به الاهتمام من جهة شيوع هذه الأشياء فيما بين الناس وكثرة نفع الرقى فيها.\n٤٥٥٩ - [٤٦] (أنس) قوله: (أو دم) المراد بالدم الرعاف، ولو عمم حتى\n_________\n(١) لم نجده في \"سنن أبي داود\"، ولكن رواه الترمذي في \"سننه\" (٢٠٧٢).","vol":"7","page":504},{"text":"٤٥٦٠ - [٤٧] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ وَلَدَ جَعْفَرٍ يُسْرِعُ إِلَيْهِمُ الْعَيْنُ، أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ؟ قَالَ: \"نَعَمْ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابِقَ الْقَدَرَ لَسَبقَتْهُ العينُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٦/ ٤٣٨، ت: ٢٠٥٩، جه: ٣٥١٠].\n٤٥٦١ - [٤٨] وَعَنِ الشِّفَاءِ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا عِنْدَ حَفْصَةَ فَقَالَ: \"أَلَا تُعَلِّمِينَ هَذِهِ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ. . . . .\nــ\nيشتمل جميع العلل الدموية سواء كان من جهة سيلان الدم أو فساده لم يبعد، وذلك ظاهر، وجاء في رواية لأبي داود: (إلا من نفس) مكان (إلا من عين)، قالوا: والمراد بالنفس العين، وجاء مكان (أو دم) (أو لدغة)، وهي بمعنى العض بالأسنان كما في الحية وأمثالها، والرقية نافع من كل داء وعلة كما جاء في الأحاديث، وقد ثبت في (صحيح مسلم) (١) أن جبرئيل أتى النبي -ﷺ- وكان به -ﷺ- ألم فقال: بسم اللَّه أرقيك من كل داء يؤذيك، فالحصر ليس إلا لما ذكرنا.\n٤٥٦٠ - [٤٨] (أسماء بنت عميس) قوله: (لسبقته العين) إجازة لها بالاسترقاء مع مبالغة في بيان تأثير العين كما مرّ.\n٤٥٦١ - [٤٨] (الشفاء) قوله: (وعن الشفاء) بكسر الشين المعجمة والفاء (بنت عبد اللَّه) بن عبد شمس بن خالد القرشية العدوية، من عاقلات النساء وفاضلاتهن، أسلمت قبل الهجرة.\nوقوله: (ألا تعلمين هذه) أي: حفصة (رقية النملة) النملة نوع من القروح،\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (٢١٨٥).","vol":"7","page":505},{"text":"كَمَا عَلَّمْتِيهَا الْكِتَابَةَ؟ \". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٨٧٨].\nــ\nومرّ تفسرها، ونقل الطيبي (١) عن التُّورِبِشْتِي: يرى أكثر الناس أن المراد من النملة ههنا هي القروح المذكورة، وليس كذلك؛ لأن رقية النملة من المحرمات التي كان ينهى عنها، فكيف يأمر بتعليمها إياها، بل المراد بها شيء كانت نساء العرب يسمينها رقية النملة، وهو قولهن: العروس تنتعل، وتختضب، وتكتحل، وكل شيء تفتعل غير أنها لا تعصي الرجل، فأراد -ﷺ- بهذا المقال تأنيب حفصة والتعريض بتأديبها حيث أشاعت السر الذي استودعه إياها على ما يشهد به التنزيل، وقوله سبحانه: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣] الآية، انتهى.\nوهذا التوجيه إن صح نقله حسن، لكن استدلاله على عدم إرادة المعنى المشهور بأنها من المحرمات المنهي عنها، فكيف يأمر بتعليمها إياها منظور فيه بما ذكره صاحب (سفر السعادة) (٢) من أن الشفاء بنت عبد اللَّه كانت ترقي بمكة هذه النملة، ولما هاجر رسول اللَّه -ﷺ- أتته وقالت: يا رسول اللَّه! كنت أرقي النملة في الجاهلية أريد أن أعرضها عليك، فعرضت، وقال: بسم اللَّه ضلت حتى تعود من أفواهنا ولا تضر أحدًا، اللهم اكشف البأس رب الناس، ويعلم من أنها من الرقى التي عرضت على النبي -ﷺ- فأجازها فلم تكن محرمة، ثم قيل: إنه يعلم من قوله: (كما علمتيها الكتابة) أن تعليم الكتابة للنساء جائز، وقد ورد في حديث آخر النهي عنه بقوله: (ولا تعلموهن الكتابة)، وأجيب أن نساء النبي -ﷺ- خصصن من هذا النهي لعدم خوف الفتنة.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣٠٥).\n(٢) \"سفر السعادة\" (ص: ٣١٤).","vol":"7","page":506},{"text":"٤٥٦٢ - [٤٩] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: رَأَى عَامِرُ ابْنُ رَبِيعَةَ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَغْتَسِلُ فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ، قَالَ: . . . . .\nــ\nوقال الطيبي (١): في الحديث وجهان آخران، أحدهما: التحضيض على تعليم الرقية وإنكار الكتابة، أي: هلا علمتها ما ينفعها من الاجتناب عن عصيان الزوج كما علمتيها ما يضرها من الكتابة، انتهى. وهذا المعنى مبني على أن المراد من رقية النملة ما نقل عن التُّورِبِشْتِي، وثانيهما: أن يتوجه الإنكار إلى الجملتين جميعًا، يعني: يحمل حرف التحضيض على معنى الإنكار والتهديد كالاستفهام قد يكون بهذا المعنى، فيكون إنكارًا عن تعليم الأمرين معا، فافهم.\n٤٥٦٢ - [٤٩] (أبو أمامة) قوله: (ابن حنيف) بالحاء المهملة والنون على لفظ التصغير.\nوقوله: (ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة) بضم ميم وفتح خاء معجمة وموحدة مشددة وهمزة، أي: جارية مخدرة لم تتزوج، كذا في (القاموس) (٢)، وخصها بالذكر لأن حفظها وصيانتها لنفسها أبلغ، وجلدها أصفى وأنعم، وتقدير الكلام ما رأيت جلد غير مخبأة مثل جلد رأيته اليوم ولا جلد مخبأة، وغير المخبأة يشمل الرجل والمرأة، والغير المخبأة مع أقسام لها باعتبار القيود المعتبرة في مفهوم المخبأة، فظهر أن تقدير الكلام كما قدره بعض الشارحين من قوله: ما رأيت جلد رجل ولا جلد مخبأة قاصر عن أداء المقصود، وقيل: تقديره: ما رأيت يومًا مثل هذا اليوم، وما رأيت\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣٠٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٠).","vol":"7","page":507},{"text":"فَلُبِطَ سَهْلٌ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ لَكَ فِي سَهْلِ ابْنِ حُنَيْفٍ؟ وَاللَّهِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، فَقَالَ: \"هَلْ تَتَّهِمُونَ لَهُ أَحَدًا؟ \"، فَقَالُوا: نَتَّهِمُ عَامِرَ بْنَ رَبِيعَةَ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَامِرًا، فتغَلَّظَ عَلَيْهِ وَقَالَ: \"عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ؟ ألَا بَرَّكْتَ؟ اغْتَسِلْ لَهُ\". . . . .\nــ\nجلد مخبأة مثل هذا الجلد، والمراد من نفي رؤية يوم مثل هذا اليوم هو نفي رؤية المرئي فيه مثل هذا المرئي، ويؤول الكلام إلى مدح الجلد، لكن التقدير الأول هو الأولى المختار، كذا قيل، فافهم.\nوقوله: (فلبط) بالباء الموحدة على صيغة المجهول بمعنى سقط من قيام، وصُرِع، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (فأتي رسول اللَّه -ﷺ-) أيضًا بلفظ المجهول، وفيه ضمير لسهل، أي: أتى خبر سقوط سهل لأجل إصابة عين من غير أن يعينوا عائنًا.\nوقوله: (هل لك في سهل بن حنيف؟) أي: هل لك رغبة في معرفة حاله وعلاجه ومداواته؟\nوقوله: (ألا بركت؟) أي: هلا دعوت له بالبركة بأن تقول: اللهم بارك له فيه فلم تصبه هذه الآفة.\nوقوله: (اغتسل له) استئناف لبيان العلاج، كأنه قال عامر: قد وقع فماذا أفعل يا رسول اللَّه؟ فقال: اغسل أعضاءك لأجله وصب الماء عليه، وكان ذلك متعارفًا بينهم، فقرره النبي -ﷺ- لما رأى فيه من الحكمة كما قال الطيبي (٢) في شرح قوله: (العين حق) في آخر الفصل الأول.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٣١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٢٩٣).","vol":"7","page":508},{"text":"فَغَسَلَ لَهُ عَامِرٌ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَداخِلَةَ إِزَارِهِ فِي قَدَحٍ، ثُمَّ صُبَّ عَلَيْهِ، فَرَاحَ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ لَهُ بَأْسٌ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\"، وَرَوَاهُ مَالكٌ وَفِي رِوَايَتِهِ: قَالَ: \"إِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ تَوَضَّأ لَهُ\" فَتَوَضَّأَ لَهُ. [شرح السنة: ١٢/ ١٦٤، ط: ٢/ ٩٣٩].\nــ\nوقوله: (داخلة إزاره) قال بعض الشارحين: فيه قولان، أحدهما: أن المراد بها الفرج، وثانيهما: أن المراد طرف الإزار الذي أصاب بدنه من الجانب الأيمن، وزاد القاضي عياض أن المراد جسده المتصل بالإزار.\nوقيل: المراد الورك الذي هو معقد الإزار، ورئي بخط السخاوي أن هذا كناية عن الثوب المتصل بالحلد، كذا في (المواهب اللدنية) (١)، وأما التخصيص بالجانب الأيمن فلا دلالة في اللفظ عليه، ولكن هكذا فسروه، ونقل الطيبي (٢) عن أبي عبيد أنه قال: إنما أراد بداخلة إزاره طرف إزاره الذي يلي جسده مما يلي الجانب الأيمن، فهو الذي يغسل، قال: ولا أعلمه إلا جاء مفسرًا في بعض الحديث هكذا، انتهى.\nثم للغسل كيفية مخصوصة، وقد ذكرناه في (شرح سفر السعادة) (٣) مع قصور كان في متنه نقلًا عن (المواهب)، وقال صاحب (المواهب) (٤): وهذه المعاني لا يمكن دركه من جانب العقل ويعجز عن دركه قطعًا، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: إن توقف فيه أحد من المتشرعة يقال له: قل: اللَّه ورسوله أعلم، وإن توقف متفلسف، فالرد عليه أظهر، إذ عندهم يفعل الدواء تارة بقوته وكيفيته وتارة بالخاصية، ولا يمكن\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٣/ ٤٣٢ - ٤٣٣).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣٠٧).\n(٣) انظر: \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٤٧٧).\n(٤) \"المواهب اللدنية\" (٣/ ٤٣٣).","vol":"7","page":509},{"text":"٤٥٦٣ - [٥٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتَعَوَّذُ مِنَ الْجَانِّ وَعَيْنِ الإِنْسَانِ، حَتَّى نَزَلَتِ الْمُعَوِّذَتَانِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٠٥٨، جه: ٣٥١١].\n٤٥٦٤ - [٥١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَلْ رُئِيَ. . . . . .\nــ\nدرك معناه، ويقولون: هكذا خاصيته، ومقتضى صورته النوعية، فليكن هذا مثل ذلك، انتهى، وهذا كما قالوا في جذب المغناطيس الحديد وأمثاله، واللَّه أعلم.\n٤٥٦٣ - [٥٠] (أبو سعيد الخدري) قوله: (من الجان) في (القاموس) (١): اسم جمع للجن، وفي (الصراح) (٢): الجان: بدر بريان، وفي (مجمع البحار) (٣): الجان: الشيطان، وفي التفسير: الجان: الجن، وقيل: أبو الجن كآدم أبو البشر.\nوقوله: (فلما نزلت أخذ بهما) إفراد الضمير في نزلت بتأويل العوذة ولأن السورتين في حكم سورة واحدة حكمًا ونزلتا دفعة، أو بتأويل كل واحدة، وأما التثنية في (أخذ بهما) فلعله لأجل أن العمل كان بكل واحدة منهما على انفراده أيضًا، ولو جوزنا إفراد الفعل في إضمار الفاعل كما في إظهاره مستندًا بهذا الحديث وإن كان مخالفًا لقاعدة النحاة، فذلك شيء آخر، واللَّه أعلم.\n٤٥٦٤، ٤٥٦٥ - [٥١، ٥٢] (عائشة، وابن عباس) قوله: (هل رئي) بلفظ\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٩٣).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٥٠٥).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٣٩٦).","vol":"7","page":510},{"text":"فِيكُمُ الْمُغَرِّبُونَ؟ \" قُلْتُ: وَمَا الْمُغَرِّبُونَ؟ قَالَ: \"الَّذِينَ يَشْتَرِكُ فِيهِمُ الجِنُّ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٧].\n٤٥٦٥ - [٥٢] وَذُكِرَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ\" فِي \"بَابِ التَّرَجُّل\". [أخرجه الترمذي: ٢٠٣٥].\nــ\nالمجهول من الرؤية، و(فيكم) أي: في جنس الإنسان، وفيه تغليب، و(المغربون) بلفظ اسم الفاعل من التغريب بالغين المعجمة، والاستفهام للتنبيه والتهديد، وقيل: (هل) بمعنى قد، كما قيل في قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١].\nوقوله: (قلت: وما المغربون؟) أورد (ما) ولم يقل: ومن المغربون سؤالًا عن الجنس، أي: ما هذا الجنس وحقيقة معنى التغريب؟\nوقوله: (الذين يشترك فيهم الجن) ذكروا فيه وجوهًا، أحدها: أن المراد مشاركة الجن في الأنساب وأولاد بني آدم بترك ذكر اللَّه تعالى عند الوقاع كما جاء في حديث الصحيحين (١): (إذا جامع أحدكم امرأته فليستعذ باللَّه من الشيطان الرجيم، وليقل: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا)، فإذا لم يذكر اللَّه كان للشيطان فيه نصيب وشركة.\nوجاء في بعض الروايات: (فيلوي الشيطان على إحليله ليجامع معه)، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾ [الإسراء: ٦٤] فمعنى المغربين المبعدون عن ذكر اللَّه عند الوقاع حتى شارك الشيطان في أولادهم، والمبعدون أنفسهم عن ذكر اللَّه، أو يغربون الولد من جنسهم، ويدخلون العرق الغريب في النسب، أو\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (١٤١)، و\"صحيح مسلم\" (١٤٣٤).","vol":"7","page":511},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nيبعدون النسب من الجنسية بمداخلة نسيب بعيد، ومادة الغربة للبعد.\nوثانيهما: أن المراد بمشاركة الشيطان إياهم أمرهم بالزنا كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [النور: ٢١]، والزنا سبب لإدخال العرق الغريب والنسيب البعيد في النسب، فالمراد بالمغربين الزناة الذين يدخلون الغريب في النسب.\nواعلم أنه قد جاء في الحديث: هل تحس فيكن امرأة أن الجن يجامعها كما يجامعها زوجها؟ وقد اشتهر فيما بين الناس وصح أن بعض النساء يعشق بها بعض الجن ويجامعها ويظهر لها، وربما يذهب بها حيث شاء، كذا في (مجمع البحار) (١)، وقد ذكر السيوطي في (التقاط الدرر والمرجان في أحكام الجان) أحوالًا عجيبة من الجن، ومناكحتهم الإنسان من الطرفين، وقد ذكر أن بلقيس أمها كانت جنية.\nوذكر أن بعض العلماء كانت عنده جارية من الجن تزوجها، وذكر من بعض العلماء أن جارية له كان الجن يعشقها، فهتف يومًا إلى متى أزني بها زوجونيها، وذكر أنهم اختلفوا أن لمجامعة الجن هل يجب الغسل على الإنسية؟ وأنه ذكر بعض الحنفية أنه لا يجب الغسل، فهذا يمكن جعله وجهًا ثالثًا في اشتراك الجن فيهم، ولكن ينبغي أن يفسر معنى المغربين على هذا الوجه ولم يبينوا، ويمكن أن يكون معناه تبعيد بني آدم أنفسهم عن التطهير وتقصيرهم في الاستعاذة من شر الجن والشياطين بتلاوة القرآن والأدعية والأذكار التي هي مانعة عن تعوذهم من الجن وتصرفها في أنسابهم.\nورابعها: أن المراد بالمغربين الطائفة الذين لهم قرناء من الجن، يلقون إليهم الأخبار وأصناف الكهانة، ويشاركونهم في أنواع الشرور والقبائح، ويبعد هؤلاء\n_________\n(١) انظر: \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٣٩٦).","vol":"7","page":512},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1051> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٥٦٦ - [٥٣] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْمَعِدَةُ حَوْضُ الْبَدَنِ، وَالْعُرُوقُ إِلَيْهَا وَارِدَةٌ، فَإِذَا صَحَّتِ الْمَعِدَةُ صَدَرَتِ العُرُوقُ بِالصِّحَّةِ، وَإِذَا فَسَدَتِ الْمَعِدَةُ صَدَرَتِ الْعُرُوقُ بِالسُّقْمِ\".\nــ\nأنفسهم بذلك عن مقام الإيمان والإسلام، والأول من هذه الوجوه هو الأظهر، واللَّه أعلم.\nالفصل الثالث\n٤٥٦٦ - [٥٣] (أبو هريرة) قوله: (المعدة) بفتح الميم وكسر العين، وجاء بكسر الميم وسكون العين وبفتح الميم وسكون العين وبكسرهما.\nوقوله: (حوض البدن) أي: نسبة المعدة إلى البدن كنسبة الحوض إلى الشجر.\nوقوله: (والعروق إليها واردة) شبه اتصال العروق بالمعدة وجذبها منها الرطوبات الصالحة للغذاء إلى الكبد، ومنه إلى الأعضاء، بالطائفة الواردة على الحوض لشرب الماء، والورود هو النزول على الماء للشرب، والصدور الرجوع عنه بعد الشرب، فإذا صحت المعدة بأن اشتملت وانطوت على طعام صالح محمود صدرت العروق بالصحة، أي: جذبت منها إلى الأعضاء رطوبات جيدة صالحة للغذاء الجيد التي هي سبب الصحة، وإذا فسدت المعدة واشتملت على طعام رديء فاسد صدرت العروق بالسقم، أي: برطوبات رديئة فاسدة غير صالحة للغذاء الجيد التي هي سبب السقم وضعف البدن، وهذا بعينه مثال الشجر تذهب العروق منه إلى الحوض، ويحدث الماء منه إليه صالحًا أو فاسدًا.","vol":"7","page":513},{"text":"٤٥٦٧ - [٥٤] وَعَنْ عَليٍّ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ لَيْلَةٍ يُصَلِّي، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى الأَرْضِ، فَلَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ، فَنَاوَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِنَعْلِهِ فَقَتَلَهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: \"لَعَنَ اللَّهُ الْعَقْرَبَ مَا تَدَعُ مُصَلِّيًا وَلَا غَيْرَهُ أَوْ نَبِيًّا وَغَيْرَهُ\" ثُمَّ دَعَا بِمِلْحٍ وَمَاءٍ فَجَعَلَهُ فِي إِنَاءٍ ثُمَّ جَعَلَ يَصُبُّهُ عَلَى أُصْبُعِهِ حَيْثُ لَدَغَتْهُ وَيَمْسَحُهَا وَيُعَوِّذُهَا بِالْمُعَوِّذَتينِ. رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [هب: ٥/ ٦٦، ٢/ ٥١٨].\nــ\nوهذا الحديث تكلم فيه المحدثون، فقال في (تنزيه الشريعة) (١): إن هذا حديث باطل لا أصل له، ونقل عن البيهقي في (شعب الإيمان) أنه قال: إسناده ضعيف، وعن الذهبي في (الميزان) أنه قال: منكر، وإبراهيم الراوي لا يعتمد عليه، وقال الحافظ ابن حجر في (لسان الميزان): إنه ذكره ابن حبان في (الثقات)، وقال: أورد الطبراني هذا الحديث في (المعجم الأوسط) وعلله، انتهى.\nوفي (المقاصد الحسنة) (٢) أنه أورده ابن حبان (٣) في (الأوسط) عن الرهاوي [عن زيد بن أبي أنيسة] عن الزهري عن أبي هريرة وقال: لم يروه عن الزهري إلا زيد بن أبي أنيسة، وتفرد الرهاوي بروايته عنه، وذكره الدارقطني في (العلل) من هذا الطريق وقال: لم يعرف من كلام النبي -ﷺ-، وهو كلام عبد الملك بن سعيد الأبجر، انتهى، واللَّه أعلم.\n٤٥٦٧ - [٥٤] (علي) قوله: (فناولها رسول اللَّه -ﷺ- بنعله) أي: أعطاها نعله\n_________\n(١) \"تنزيه الشريعة\" (٢/ ٢٤٢).\n(٢) \"المقاصد الحسنة\" (ص: ٦١٢).\n(٣) كذا في الأصل، وهو خطأ، والصواب: \"الطبراني\" كما في \"المقاصد الحسنة\".","vol":"7","page":514},{"text":"٤٥٦٨ - [٥٥] وَعَن عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: أَرْسَلَنِي أَهْلِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ، وَكَانَ إِذَا أَصَابَ الإِنْسَانَ عَيْنٌ أَوْ شَيْءٌ بَعَثَ إِلَيْهَا مِخْضَبَهُ، فَأَخْرَجَتْ مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَكَانَتْ تُمْسِكُهُ فِي جُلْجُلٍ مِنْ فِضَّةٍ، فَخَضْخَضَتْهُ لَهُ، فَشَرِبَ مِنْهُ، قَالَ: فَاطَّلَعْتُ فِي الْجُلْجُلِ فَرَأَيْتُ شَعَرَاتٍ حَمْرَاءَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٥٥٧].\n٤٥٦٩ - [٥٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ: الْكَمأَةُ جُدَرِيُّ الأَرْضِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nبأن ضربها بها، والباء زائدة، يقال: ناولته فتناول، أي: أعطيته فأخذ.\n٤٥٦٨ - [٥٥] (عثمان بن عبد اللَّه) قوله: (عين أو شيء) يحتمل الشك أو التنويع بالتعميم بعد التخصيص أي شيء من الأمراض أي شيء كان، و(المخضب) بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الضاد المعجمتين اسم نوع من الظرف يغسل فيه الثياب، والمراد هنا ظرف فيه الماء، والضمير في (إليها) لأم سلمة، وفي \"مخضبه\" للإنسان.\nوقوله: (في جلجل) بجيمين مضمومتين بينهما لام ساكنة: الجرس الصغير يعلق بعنق الدابة أو برجل البازي، والمراد هنا الحقة الصغيرة على شكل الجرس.\nوقوله: (فخضخضته) أي: حركت المخضب الذي فيه الماء بجعل الجلجل الذي فيه الشعر لذلك الإنسان ليحصل من بركته في الماء.\nوقوله: (شعرات حمراء) حمرة الشعرات إما لكونها مخضوبة في الأصل بناء على خضابه -ﷺ-، أو لأن أم سلمة خضبتها لتقوى وتبقى، أو من جهة اختلاف الطيب، كما مرّ من التأويلات فيه.\n٤٥٦٩ - [٥٦] (أبو هريرة) قوله: (الكمأة جدري الأرض؟) وقد مرّ شرح","vol":"7","page":515},{"text":"\"الْكَمأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ، وَالْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهِيَ شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ\"، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَخَذْتُ ثَلَاثَةَ أَكْمُؤٍ أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا فَعَصَرْتُهُنَّ، وَجَعَلْتُ مَاءَهُنَّ فِي قَارُورَةٍ، وَكَحَّلْتُ بِهِ جَارِيَةً لِي عَمْشَاءَ فَبَرَأَتْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [ت: ٢٠٦٧].\n٤٥٧٠ - [٥٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ لَعِقَ الْعَسَلَ ثَلَاثَ غَدَوَاتٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ. . . . .\nــ\nالحديث في الفصل الأول من (كتاب الأطعمة) إلا هذه الزيادة أعني قوله: (جدري الأرض)، كأن الصحابة لما ذكرت الكمأة وذمموها وقبحوها وشبهوها بالجدري الذي هو قروح تخرج عن أبدان الصبيان عن فضلات ردية من الدم والبلغم، كذلك الأرض أخرجتها من فضلات فيها، مدحها النبي -ﷺ- وذكر لها منفعة.\nوإلا قوله: (والعجوة من الجنة) ذكرت هنا تقريبًا واستطرادًا أو جرى ذكرها في المجلس، وكونها من الجنة إما لكونها منها حقيقة أتيت في الدنيا تشريفًا لمدينة النبي -ﷺ- كالحجر الأسود والروضة الشريفة، أو مدح لها لكمال منفعتها وبركتها كأنها من الجنة.\nوإلا قوله: (قال أبو هريرة. . . إلخ).\nوقوله: (أو خمسًا أو سبعًا) إما شك من الراوي عن أبي هريرة بنسيانه حال الرواية تذكر أنها كانت وترًا ونسي خصوصية العدد، واللَّه أعلم.\nوقوله: (عمشاء) العمش بالتحريك: ضعف في البصر مع سيلان الماء في أكثر الأوقات.\n٤٥٧٠ - [٥٧] (وعنه) قوله: (من لعق العسل. . . إلخ)، تعيين العدد موكول إلى علم الشارع.","vol":"7","page":516},{"text":"لَمْ يُصِبْهُ عَظِيمُ الْبَلَاءِ\".\n٤٥٧١ - [٥٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عَلَيْكُمْ بِالشِّفَاءينِ: الْعَسَلِ وَالْقُرآنِ\". رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" وَقَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الأَخِيرَ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ. [جه: ٣٤٥٠، ٣٤٥٢، هب: ٥/ ٩٧، ٢/ ٥١٩].\n٤٥٧٢ - [٥٩] وَعَنْ أَبِي كَبْشَة الأَنْمَارِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- احْتَجَمَ عَلَى هَامَتِهِ مِنَ الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ، قَالَ مَعْمَرٌ: فَاحْتَجَمْتُ أَنَا مِنْ غَيْرِ سُمٍّ كَذَلِكَ فِي يَافُوخِي، فَذَهَبَ حُسْنُ الْحِفْظِ عَنِّي حَتَّى كُنْتُ أُلَقَّنُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فِي الصَّلَاةِ. رَوَاهُ رَزِينٌ. [أخرجه أبو داود من طريق أنس مختصرًا: ٣٨٦٢].\nــ\nوقوله: (من البلاء) من بيانية، أي: أمر عظيم هو البلاء، أو تبعيضية، أي: لم يصبه بلاء عظيم يكون سببًا لهلاكه.\n٤٥٧١ - [٥٨] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (بالشفائين) أحدهما: جسماني، والآخر: روحاني، قوله تعالى: ﴿وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى﴾ [يونس: ٥٧].\nوقوله: (أن الأخير) أي: الحديث الثاني.\n٤٥٧٢ - [٥٩] (أبو كبشة الأنماري) قوله: (احتجم على هامته) مخففًا: وسط الرأس، وكذلك (اليافوخ)، وأصله موضع يتحرك من وسط رأس الصبي، وقد سبق ذكره.\nوقوله: (كذلك) الظاهر أنه بيان لقوله: (من غير سم) فافهم. ومقصود معمر بيان أن الحجامة في وسط الرأس من غير عذر وعلة كالسم مضرة بالحفظ، ووجهه أن الحجامة إذا كان في الرأس علة وداء كالسم ونحوه يؤثر في مادة الداء ويزيله","vol":"7","page":517},{"text":"٤٥٧٣ - [٦٠] وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ ابنُ عُمَرَ: يَا نَافِع! يَنْبِعُ بِي الدَّمُ فَأْتِنِي بِحَجَّامٍ وَاجْعَلْهُ شَابًّا، وَلَا تَجْعَلهُ شَيْخًا وَلَا صَبِيًّا. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"الْحِجَامَةُ عَلَى الرِّيقِ أَمْثَلُ، وَهِيَ تُزِيدُ فِي الْعَقْلِ، وَتُزِيدُ فِي الْحِفْظِ،\nــ\nبخلاف ما لو لم يكن داء، فإنه يؤثر في الرأس والقوة الحافظة المودعة فيه كما حكاه الزمخشري في (ربيع الأبرار) أنه كان برجل فالج فلدغته العقرب فبرأ من علة الفالج، ويحتمل أن يكون مقصوده بيان أن ذلك كان معجزة للرسول غير مدرك بعقولنا، ويحتمل أن ذهاب الحفظ منه كان بسبب آخر عرض بعد الحجامة لا للحجامة، فظن أنه لأجلها، واللَّه أعلم.\nوالوجه هو الأول، وقد أخرج الديلمي (١) عن عمرو بن واصل عن أنس أن الحجامة في نقرة الرأس يورث النسيان فتجنبوا عنها، وقال الخطيب: إن ابن واصل متهم بالوضع، وقد احتجم رسول اللَّه -ﷺ- في يافوخه لداء كان له، وأورد الطبراني في (معجمه الكبير) (٢) عن ابن عمر مرفوعًا: أن الحجامة في الرأس ينفع من الجنون والجذام والبرص [والنعاس] والضرس، ولم تصح هذه الأحاديث، ولذا جاءت معارضة.\n٤٥٧٣ - [٦٠] (نافع) قوله: (ينبع بي الدم) أي: يغلي الدم في جسدي حتى كاد يخرج منه كخروج الماء من العين، والنبع والنبوع: خروج الماء من الينبوع.\nوقوله: (واجعله شابًّا) أي: اختر حجامًا شابًّا.\nوقوله: (وتزيد في الحفظ) أي: تحصله وتحدثه بقرينة.\n_________\n(١) \"مسند الفردوس\" (٢٧٨٠).\n(٢) \"المعجم الكبير\" (١٣٥٠).","vol":"7","page":518},{"text":"وَتُزِيدُ الْحَافِظَ حِفْظًا، فَمَنْ كَانَ مُحْتَجِمًا فَيَوْمَ الْخَمِيسِ عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى (١)، وَاجْتَنِبُوا الْحِجَامَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الأَحَدِ، فَاحْتجِمُوا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَاجْتَنِبُوا الْحِجَامَةَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، فَإِنَّهُ الْيَوْمُ الَّذِي أُصِيبَ بِهِ أَيُّوبُ فِي الْبَلَاءِ. وَمَا يَبْدُو جُذَامٌ وَلَا بَرَصٌ إِلَّا فِي يَوْمِ الأَرْبِعَاءِ أَوْ لَيْلَةِ الأَرْبِعَاءِ\". رَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٤٨٨].\n٤٥٧٤ - [٦١] وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ -ﷺ-: \"الْحِجَامَةُ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ مِنَ الشَّهْرِ دَوَاءٌ لِدَاءِ السَّنَةِ\". رَوَاهُ حَرْبُ ابْنُ إِسْمَاعِيلَ الْكِرْمَانِيُّ صَاحِبُ أَحْمَدَ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ، هَكَذَا فِي \"الْمُنتقَى\". [أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\": ٢٠/ ٢١٥، هق: ٩/ ٣٤٠].\n٤٥٧٥ - [٦٢] وَرَوَى رَزِينٌ نَحْوَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [أخرجه البيهقي في \"الآداب\" (١/ ٤٢٥)].\n* * *\nــ\nقوله: (ويزيد للحافظ حفظا) أي: يكمله ويقويه.\nوقوله: (إلا في يوم الأربعاء) أي: بالحجامة فيه، والحصر للمبالغة، واللَّه أعلم.\n٤٥٧٤، ٤٥٧٥ - [٦١، ٦٢] (معقل بن يسار، وأبو هريرة) قوله: (الحجامة يوم الثلاثاء لسبع عشرة) وقد سبق من كبشة بنت أبي بكرة ما يفهم من كراهة الحجامة يوم الثلاثاء، وأجيب بعد صحة ذلك الحديث بأن هذا لخصوصية السابع عشر من الشهر، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"تعالى\" سقط في نسخة.","vol":"7","page":519},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1052>١ - باب الفأل والطيرة</span>\nــ\n١ - باب الفأل والطيرة\nوقال الطيبي (١): الطيرة بكسر الطاء وفتح الياء وقد يسكن: هي التشاؤم بالشيء، وهو مصدر تطير طيرة كتخير خيرة، ولم يجيء من المصادر هكذا غيرهما، وأصله فيما يقال: التطير بالسوانح والبوارح من الطير والظباء وغيرهما، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم، فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضر، انتهى. وأصله أنهم كانوا ينفرون الظباء والطيور، فإذا أخذت ذات اليمين تيمنوا، وإذا أخذت ذات الشمال تشاءموا، والسنوح مرور الصيد من الشمال إلى اليمين، والبروح مروره من اليمين إلى الشمال، كانت العرب تتيمن بالسانح وتتشاءم بالبارح.\nوقال النووي في (شرح مسلم) (٢): وهو شرك إن اعتقده، وضابطه أن ما لم يقع ضرره ولا اطردت به عادة خاصة ولا عامة فهو المنكر وهو الطيرة، وما يقع عنده ضرر عمومًا لا يخصه ونادرًا لا متكررًا كالوباء فلا يقدم عليه ولا يخرج منه، وما يخصه ولا يعم كالدار والفرس والمرأة فيباح الفرار منه.\nوفي (النهاية) (٣): الفأل بالهمزة: فيما يسر ويسوء، والطيرة: فيما يسوء إلا نادرًا، وقد أولع الناس بترك همزه تخفيفًا، يقال: تفأّلت بالهمزة والتشديد، وقد يقال: تفاءلت بالتخفيف وقلب الهمزة الأولى ألفًا، انتهى.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣١٣).\n(٢) \"شرح النووي\" (١٤/ ٢٢٢).\n(٣) \"النهاية\" (٣/ ٤٠٥).","vol":"7","page":520},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقلت: كان ما ذكره أصل اللغة وإلا فاستعمال الشرع على أن الفأل إذا أطلق اختص بما يسر، والطيرة بما يسوء، نعم قد يستعمل الفال مقيدًا فيما يسوء كما يقال: الفأل السيئ، والفأل المكروه، وقد قال الطيبي (١): والفرق بين الفأل والطيرة يفهم مما روى أنس عن رسول اللَّه -ﷺ- أنه قال: (لا عدوى ولا طيرة، ويعجبني الفأل)، قالوا: وما الفأل؟ قال: (كلمة طيبة)، قال في (النهاية) (٢): وقد جاءت الطيرة بمعنى الجنس، والفأل بمعنى النوع، ومنه: (أصدق الطيرة الفأل)، انتهى. قلت: يحتمل أن يكون هذا من قبيل المشاكلة، فان الطيرة لا شك أنه في اللغة بمعنى التشاؤم، وأما عموم الفأل فمسلم.\nقال في (القاموس) (٣): الطيرة: ما يتشاءم به من الفأل الرديء، وقالوا: إنما أحب رسول اللَّه -ﷺ- الفأل؛ لأن الناس إذا أملوا فائدة من اللَّه ورجوا عوائده عند كل سبب ضعيف أو قوي فهم على خير، وإن غلطوا فإن الرجاء لهم خير، وإذا قطعوا أملهم ورجاءهم من اللَّه كان ذلك من الشر، وأما الطيرة فإن فيها سوء الظن باللَّه، وتوقع البلاء، وذلك مذموم بين العقلاء، ومنهي عنه من جهة الشرع، والتفاؤل أن يسمع المريض أو طالب الضالة يا سالم أو يا واجد، فيظن برءه ووجدان مطلوبه، وهذا معنى ما ورد في الحديث: (الفال كلمة طيبة) أو (الفأل الكلمة الصالحة)، هذا تحقيق معنى الفأل والطيرة، وقد أورد المؤلف أحاديث في العدوى والهامة والصفر والنوء ونحوها لكونها في معنى التطير.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣١٣).\n(٢) \"النهاية\" (٣/ ٤٠٦).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٠٣).","vol":"7","page":521},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1053> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٥٧٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا طِيَرَةَ وَخَيْرُهَا الْفَألُ\" قَالُوا: وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: \"الْكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٥٤، م: ٢٢٢٣].\n٤٥٧٧ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ. . . . .\nــ\nالفصل الأول\n٤٥٧٦ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لا طيرة) أي: ليس له تأثير في جلب منفعة أو دفع مضرة فلا تعتقدوها ولا تعتبروها، فالطيرة منفية ويتبعها النهي عنها، وأما قوله: (لا عدوى) فيحتمل النفي والنهي بدون النفي كما سيجيء الكلام فيه في الحديث الآتي.\nوقوله: (وخيرها الفأل) ظاهر في عموم الطيرة واستعمالها بمعنى الجنس كما أسلفناه، وأما استعمال صيغة التفضيل المفيدة لثبوت أصل الخيرية في الطيرة مع أنه لا خير فيها، فله توجيهات مشهورة من أنه كقولهم: السيف أحر من الشتاء، أو اسم التفضيل بمعنى أصل الفعل، أو المراد الزيادة المطلقة لا على المضاف إليه، أو هذا مبني على زعمهم الفاسد، وقيل: المراد على سبيل الفرض، أي: أن فرض إن أصل الخيرية ثابت في الطيرة ففي الفأل زائد عليه.\n٤٥٧٧ - [٢] (وعنه) قوله: (لا عدوى) أي: مجاوزة العلة من صاحبها إلى غيرها، يقال: أعدى المرض إذا أصاب مثله بمقارنته ومجاورته أو مؤاكلته ومباشرته، وقد أبطله الإسلام، كذا في (شرح جامع الأصول) (١) لمصنفه، وقال في\n_________\n(١) (٧/ ٦٣١).","vol":"7","page":522},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n(النهاية) (١): العدوى: اسم من الإعداء كالبقوى من الإبقاء، وقال التُّورِبِشْتِي في (شرح المصابيح) (٢): العدوى مجاوزة العلة والخلق إلى الغير، وهو بزعم أهل الطب في سبع: الجذام، والجرب، والجدري، والحصبة، والبخر، والرمد، والأمراض الوبائية.\nقال القاضي عياض المالكي في (مشارق الأنوار) (٣): العدوى: ما كانت تعتقده أهل الجاهلية من تعدي داء ذي الداء إلى من يجاوره ويلاصقه ممن ليس به داء، فنفاه الشرع.\nوقوله -ﷺ-: (لا عدوى) يحتمل النهي عن قول ذلك واعتقاده أو النفي لحقيقة ذلك كما قال: (لا يعدي شيء شيئًا) وقوله: (فمن أعدى الأول) وكلاهما مفهوم من الشرع، وتفصيل الكلام في هذا المقام أنه قد اختلف العلماء في تأويل قوله: (لا عدوى) فمنهم من يقول: إن المراد منه نفي ذلك وإبطاله على ما يدل عليه ظاهر الأحاديث والقرائن المسبوقة على العدوى، وهم الأكثرون، ومنهم من يرى أنه لم يرد إبطالها، فقد قال -ﷺ-: (وفر من المجذوم فرارك من الأسد)، وقال: (لا يوردن ذو عاهة على مصح)، وإنما أراد بذلك نفي ما كان يعتقده أصحاب الطبيعة، فإنهم كانوا يرون العلل المعدية مؤثرة لا محالة، فأعلمهم بقوله هذا أن ليس الأمر على ما يتوهمون، بل هو متعلق بالمشيئة، إن شاء اللَّه كان، وإن لم يشأ لم يكن، ويشير إلى هذا المعنى، قوله: (فمن أعدى الأول) أي: إن كنتم ترون أن السبب في ذلك العدوى لا غير، فمن\n_________\n(١) \"النهاية\" (٣/ ١٩٢).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٣/ ١٠١٠).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٢٣).","vol":"7","page":523},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأعدى الأول؟ وبيّن بقوله: (فر من المجذوم)، وبقوله: (لا يوردن ذو عاهة على مصح)، أن مداناة ذلك من أسباب العلة فليتقه اتقاءه من الجدار المائل والسفينة المعيوبة، وهذا الذي ذكره الشيخ ابن الصلاح تبعًا لغيره من العلماء في وجه الجمع من أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها، لكن اللَّه تعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببًا لإعدائه مرضه، ثم قد يتخلف ذلك عن سببه كما في غيره من الأسباب.\nوقال التُّورِبِشْتِي (١): وأرى هذا القول أولى التأويلين؛ لما فيه من التوفيق بين الأحاديث الواردة فيه، والقول الأول يفضي إلى تعطيل الأصول الطبية، ولم يرد الشرع بتعطيلها، بل ورد بإثباتها، والعبرة بها على وجه لا يناقض أصول التوحيد، ولا يناقض في القول بها على الوجه الذي ذكرناه، ويدل على صحة ما ذكرناه قوله -ﷺ- للمجذوم المبايع: (قد بايعناك فارجع) (٢)، وقوله -ﷺ- للمجذوم الذي أخذ بيده فوضعها معه في القصعة: (كل ثقة باللَّه وتوكلًا عليه) (٣)، ولا سبيل إلى التوفيق بين هذين الحديثين إلا من هذا الوجه، فبين بالأول التوقي من أسباب التلف، وبالثاني التوكل على اللَّه في متاركة الأسباب ليثبت بالأول التعرض للأسباب وهو سنته، وبالثاني ترك الأسباب وهو حاله.\nوقال الطيبي (٤) في حديث الفرار ونحوه: هذا إرشاد إلى رخصة من النبي -ﷺ-\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ١٠١١).\n(٢) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٢٢٣١).\n(٣) أخرجه أبو داود في \"سننه\" (٣٩٢٥).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣١٨).","vol":"7","page":524},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلمن لم يكن له درجة التوكل أن يراعي الأسباب، فإن لكل شيء من الموجودات خاصية وأثرًا أودعها فيه الحكيم جل وعلا، وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في (شرح نخبة الفكر) (١): الأولى في وجه الجمع بينهما أن يقال: إن نفيه -ﷺ- للعدوى باقٍ على عمومه، وقد صح قوله: (لا يعدي شيء شيئًا)، وقوله: (فمن أعدى الأول) يعني أن اللَّه سبحانه ابتدأ بذلك في الثاني كما ابتدأه في الأول، وأما الأمر بالفرار من المجذوم فمن باب سد الذرائع، لئلا يتفق للشخص الذي يخالطه شيء من ذلك بتقدير اللَّه سبحانه ابتداء، لا بالعدوى المنفية، فيظن أن ذلك بسبب مخالطته، فيعتقد صحة العدوى، فيقع في الحرج، فأمر بتجنبه حسمًا للمادة، واللَّه أعلم، هذا كلام\nالشيخ في الشرح.\nوقال في حاشيته: أكل النبي -ﷺ- مع المجذوم حيث كان يعلم أن لا يصيب شيء إلا بإذن اللَّه، وكان آمنًا من أن يقع في مثل هذا الظن لو أصابه مكروه، والأمر ليس إلا لمن لا يجد في نفسه صدق اليقين، ويتوهم أن تحدثه نفسه بشيء لو أصيب شفقة عليه وأخذًا بحجزته من الوقوع في بحر الشرك الخفي، جزاه اللَّه عنه خير الجزاء، وأعطاه الوسيلة والفضيلة واللواء -ﷺ- وشرف وكرم، انتهى.\nوقال الكرماني (٢): إن الجذام مستثنى من قوله: (لا عدوى)، وقال البغوي: إن الجذام ذو رائحة يسقم من أطال صحبته ومؤاكلته ومضاجعته، وليس من العدوى بل من باب الطب كما يتضرر بأكل ما يعاف وشم ما يكره، والمقام في مقام لا يوافق\n_________\n(١) \"نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر\" (ص: ٢١٦ - ٢١٧).\n(٢) \"شرح الكرماني\" (٢١/ ٣).","vol":"7","page":525},{"text":"وَلَا هَامَةَ. . . . . .\nــ\nهواه، وكله بإذن اللَّه تعالى، ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] هذا كلامهم، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله: (ولا هامة) الهامة بتخفيف الميم، وقيل: بتشديدها: اسم طائر كانت العرب تزعم أن عظام الميت تصير هامة فتطير، وكانوا يقولون: إن القتيل يخرج من هامته، أي: من رأسه هامة لا تزال تقول: اسقوني اسقوني حتى يُقتل قاتله.\nوفي (مجمع البحار) (١): الهامة: هي الرأس، واسم طائر، وهو المراد في الحديث، وذلك أنهم كانوا يتشاءمون بها، وهي من طير الليل، وقيل: هو البومة، وقيل: كانت العرب تزعم أن روح القتيل الذي لا يدرك بثأره تصير هامة، فتقول: اسقوني، فإذا أدرك بثأره طارت، وقيل: كانوا يزعمون أن عظام الميت -وقيل: روحه- تصير هامة فتطير، ويسمونه الصدى، فنفاه الإسلام ونهاهم عنه، وقيل: اسم طير يتشاءم به الناس، وكانت العرب تزعم أن عظام الميت إذا بليت تصير هامة، وتخرج من القبر وتتردد، وتأتي بأخبار أهله، وقيل: هي البومة إذا سقطت على دار أحدهم رآها ناعية له أو لبعض أهله، وقال القاضي عياض (٢): الهام: طائر يألف الموتى والقبور، وهو الصدى أيضًا، وهو مما يطير بالليل، وهو غير البوم يشبهه، وكانت العرب تزعم أن الرجل إذا قتل فلم يدرك بثأره. . . إلخ، وفيه أقوال تحول حول ما ذكرناه، وأشعار العرب في ذلك كثيرة، فنفاه رسول اللَّه -ﷺ- وأبطله.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ١٩٣).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٤٦٤).","vol":"7","page":526},{"text":"وَلَا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٧٠٧].\nــ\nوقوله: (ولا صفر) قال ابن الأثير في (النهاية) (١): وهو في زعم العرب حية في البطن تصيب الإنسان إذا جاع وتؤذيه، وأنها تعدي فأبطله الإسلام، وقال الكرماني (٢): هو بفتحتين: حية في البطن اعتقدوا أنها أعدى من الجرب، وقالوا: زعموا أنها تعض إذا جاع، وما يوجد عند الجوع من الألم فمن عضه، وقيل: هو الشهر المعروف زعموا أن فيه تكثر الدواهي والفتن، وكانوا يستشئمون بدخول صفر فنفاه الشارع، وقيل: أراد به النسيء وهو تأخير المحرم إلى صفر، ويجعلون صفر هو الشهر الحرام.\nوقال النووي في (شرح صحيح مسلم) (٣): الصفر دواب في البطن، وهي دود يهيج عند الجوع، وهذا قال مالك وغيره، وربما قتلته، ودواب بدال مهملة وباء موحدة عند الجمهور، وروي ذات بذال معجمة ومثناة فوق وله وجه، وقيل: دود يقع في الكبد وشراسيف الأضلاع فيصفر عنه الإنسان جدًا، وفي (النهاية) (٤): ومن الأول: (صفرة في سبيل اللَّه خير من النعم) أي: جوعة.\nهكذا جاءت الأقوال مختلفة في بيان المراد بصفر، وحاصلها يؤول إلى ثلاثة: إما الشهر المعروف أو الدود في البطن أو النسيء المذكور، وقد وقع في عبارة بعضهم أنه وجع يأخذ في البطن يزعمون أنه يعدي، والظاهر أن هذا هو القول الثاني فتسامح، وذكر الوجع مكان الدود.\n_________\n(١) \"النهاية \" (٣/ ٣٥).\n(٢) \"شرح الكرماني\" (٢١/ ٣).\n(٣) \"شرح النووي\" (١٤/ ٢١٥).\n(٤) \"النهاية\" (٣/ ٣٦).","vol":"7","page":527},{"text":"٤٥٧٨ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا عَدْوَى وَلَا هَامَةَ وَلَا صَفَرَ\". فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-! فَمَا بَالُ الإِبِلِ تَكُونُ فِي الرَّمْلِ لَكَأَنَّهَا الظِّبَاءُ فَيُخَالِطُهَا الْبَعِيرُ الأَجْرَبُ فَيُجْرِبُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَمَنْ أَعْدَى الأَوَّلَ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٧٧٠].\n٤٥٧٩ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا عَدْوَى وَلَا هَامَةَ وَلَا نَوْءَ وَلَا صَفَرَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٢٠].\nــ\n٤٥٧٨ - [٣] (وعنه) قوله: (فمن أعدى الأول) علم شرحه من الحديث السابق.\n٤٥٧٩ - [٤] (وعنه) قوله: (ولا نوء) في (شرح جامع الأصول) (١): النوء واحد الأنواء: وهي ثمان وعشرون نجمًا هي منازل، تسقط في الغرب [كل] ثلاثة عشر ليلة منها منزلة مع طلوع الفجر، فتطلع أخرى مقابلها، فتنقضي هذه الثمانية والعشرون مع انقضاء السنة، وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة وطلوع نظيرها يكون مطرًا، فينسبون المطر إلى النوء، يقولون: مطرنا بنوء كذا، وإنما سمي نوء لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق، ناء ينوء نوءًا، أي: نهض وطلع، وقيل: إن النوء هو الغروب، وهو من الأضداد، وقال أبو عبيد: ولم يسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذ الموضع، وإنما غلظ النبي -ﷺ- في أمر الأنواء؛ لأن العرب كانت تنسب المطر إليها، فأما من جعل المطر من فعل اللَّه ﷿ وأراد بقوله: مطرنا بنوء كذا، أي: في وقت كذا، وهو هذا النوء الفلاني فإن ذلك جائز.\nوقد قيل: إن عمر بن الخطاب أراد أن يستسقي، فنادى بالعباس بن عبد المطلب كم بقي من نوء الثريا؟ فقال: إن العلماء بها يزعمون أنها يعترض في الأفق سبعًا بعد\n_________\n(١) (١١/ ٥٧٦).","vol":"7","page":528},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقوعها، فما مضت تلك السنة حتى غيث للناس، وأراد عمر كم بقي من الوقت الذي قد جرت العادة أنه إذا تم أتى اللَّه بالمطر، وفي (النهاية) (١): في حديث أمر الجاهلية، الأنواء: هي ثمان وعشرون منزلة، وينزل القمر كل ليلة في منزلة منها، ومنه ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩] وباقي كلامه مثل كلام (شرح جامع الأصول) إلا المنقول من أبي عبيد.\nوقال الكرماني (٢): النوء بفتح نون وسكون واو فهمزة، وزعموا أن المطر لأجل أن الكواكب ناء، أي: غرب أو طلع، ومن زعمه أوقاتًا فلا محذور، فليس من الوقت إلا وهو معروف بنوع من مرافق العباد، ثم حكى قصة الاستسقاء في زمن عمر -﵁- على ما حكاه في (شرح جامع الأصول).\nوقال القاضي ابن العربي: من انتظر المطر منها على أنها فاعلة من دون اللَّه أو يجعل لِلَّه شريكًا فيها فهو كافر؛ لأن الخلق من اللَّه وحده، ومن انتظره منها على إجراء العادة فلا شيء عليه، وقال النووي (٣): لكنه يكره، لأنه شعار الكفر وموهم له، قال الطيبي (٤): يكره كراهة تنزيه.\nوقال القاضي عياض: وكذا من أمر الجاهلية ذكر الأنواء، ومن قال: مطرنا بنوء كذا، النوء عند العرب سقوط نجم من نجوم المنازل الثمانية والعشرين، وهو مغيبة بالمغرب مع طلوع الفجر وطلوع مقابله حينئذ من المشرق، وعندهم أنه لا بد\n_________\n(١) \"النهاية\" (٥/ ١٢٢).\n(٢) \"شرح الكرماني\" (٥/ ١٩٤ - ١٩٥).\n(٣) \"شرح النووي\" (٢/ ٦١).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣٢٩).","vol":"7","page":529},{"text":"٤٥٨٠ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- (١) يقُولُ: \"لَا عَدْوَى وَلَا صَفَرَ وَلَا غَوْلَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٢٢].\nــ\nأن يكون مع ذلك لأكثرها نوء من مطر أو رياح عاصفة وشبهها، فمنهم من يجعله لذلك الساقط، ومنهم من يجعله للطالع؛ لأنه هو الذي ناء، أي: نهض، فينسبون المطر إليه، فنهى النبي -ﷺ- من اعتقادِ ذلك وقولهِ، وكَفَّر فاعله، لكن العلماء اختلفوا في ذلك، وأكثرهم على أن النهي والتكفير لمن اعتقد أن النجم فاعل ذلك دون من أسنده إلى العادة، ومنهم من كرهه على الجملة كيف كان لعموم النهي، ومنهم من اعتقد في كفره كفر النعمة، وقد تقصينا الكلام فيه في غير هذا الكتاب، واللَّه أعلم.\n٤٥٨٠ - [٥] (جابر) قوله: (ولا غول) في (المفاتيح شرح المصابيح) (٢): هو بالفتح مصدر غاله: أهلكه، وبالضم اسم وهو المراد هنا، كانوا يزعمون أنها تراءت للناس فنفاه الشرع، ويحتمل أنه دفع ببعثته -ﷺ- كما دفع الاستراق، وفي (شرح جامع الأصول) (٣): هو الحيوان الذي كانت العرب تزعم أنه يعرض في بعض الأوقات والطرق، فيغيل الناس، أو أنه ضرب من الشياطين، وليس قوله: (ولا غول) نفيًا لعين الغول ووجوده، وإنما فيه إبطال زعم العرب في اغتياله وتلونه في الصور المختلفة يقول: لا تصدقوا بذلك.\nوفي (النهاية) (٤): الغول: واحد الغيلان، وهو جنس من الشياطين والجن،\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول اللَّه\".\n(٢) \"المفاتيح شرح المصابيح\" (٥/ ٩١).\n(٣) (٧/ ٦٣٣).\n(٤) \"النهاية\" (٣/ ٣٩٦).","vol":"7","page":530},{"text":"٤٥٨١ - [٦] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِنَّا قَدْ بَايَعْنَاكَ فَارْجِعْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٣١].\nــ\nوقال كما قال في (شرح جامع الأصول)، وجاء في الحديث: (إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان) أي: ادفعوا شرها بذكر اللَّه تعالى فإنهم يتفرقون، وهو يدل على أنه لم يرد بنفيها عدمها، وقال البغوي: بل أخبر أنها لا تقدر على شيء من الإضلال والإهلاك إلا بإذن اللَّه تعالى، ويقال: إن الغيلان سحرة الجن تفتن الناس بالإضلال، انتهى.\nقلت: هذا المعنى يقرب مما قيل في (لا عدوى) أن المراد عدم كونها علة مؤثرة بالذات، بل بخلق اللَّه وتقديره، وهذا جاز في كل شيء، وتخصيص بعض الأشياء بالذكر ونفيه عنه باعتبار شهرته واعتقاد الناس فيه، قال الطيبي (١): أما حديث: (أعوذ بك من أن أغتال) فهو من الغول، وهو هلاك الشيء من حيث لا يحس، قلت: ويؤيده ما ورد في رواية: (وأعوذ بك من أن أغتال من تحتي)، أي: أدهى من حيث لا أشعر، يريد أنه الخسف على ما في (النهاية).\n٤٥٨١ - [٦] (عمرو بن الشريد) قوله: (وعن عمرو بن الشريد) بفتح الشين المعجمة وكسر الراء وسكون التحتانية في آخره دال مهملة.\nوقوله: (إنا فد بايعناك فارجع) كأنه لم يطلبه بحضرته لكراهة الناس، وقد مرّ بيانه، والبيعة قد تكون بالكلام كما في النساء.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/).","vol":"7","page":531},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1054> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٥٨٢ - [٧] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتَفَاءَلُ وَلَا يَتَطَيَّرُ وَكَانَ يُحِبُّ الِاسْمَ الْحَسَنَ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١٢/ ١٧٥].\n٤٥٨٣ - [٨] وَعَنْ قَطَنِ بْنِ قَبِيصَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"الْعِيَافَةُ وَالطَّرْقُ وَالطِّيَرَةُ مِنَ الْجِبْتِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٩٠٧].\nــ\nالفصل الثاني\n٤٥٨٢ - [٧] (ابن عباس) قوله: (يتفاءل ولا يتطير) قد ذكرنا آنفًا وجهه.\nوقوله: (وكان يحب الاسم الحسن) لأنه حلية الجمال وتتمة الكمال، وهو نوع من التفاؤل لا أن له تأثيرًا في حصول محامد الأخلاق ومحاسن الأفعال كما ادعاه بعضهم، وبينوا بما لم يتبين به المدعى، وقد استوفينا هذا المبحث في (شرح سفر السعادة) فلينظر ثمة.\n٤٥٨٣ - [٨] (قطن بن قبيصة) قوله: (وعن قطن) بفتح القاف والطاء المهملة (ابن قبيصة) بفتح القاف وكسر الباء.\nوقوله: (العيافة والطرق والطيرة من الجبت) العيافة بكسر العين: زجر الطير، والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، وهو من عادة العرب، لهم فيها قصص ووقائع مذكورة في كلامهم، وفي (القاموس) (١): عِفْتُ الطير أعيفُها عيافة: زَجَرْتُها، وهو أن تعتبر بأسمائها ومساقِطِها وأنوائها، فَتَتَسَعَّدَ أو تتَشَأم. والعائف: المتكهن بالطير أو غيرها، والطرق بفتح الطاء وسكون الراء في آخره قاف: الضرب بالحصى الذي\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٧٥).","vol":"7","page":532},{"text":"٤٥٨٤ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"الطِّيَرَةُ شِرْكٌ\" قَالَهُ ثَلَاثًا، وَمَا مِنَّا إِلَّا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: \"وَمَا مِنَّا إِلَّا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ. . . . . .\nــ\nتفعله النساء، وقيل: هو الخط في الرمل، كذا قال الطيبي (١)، وفي (القاموس) (٢): الطَّرق: ضرب الكاهن بالحصى، وفي (مجمع البحار) (٣): الطرق: نوع من التكهن كما يفعله المنجم لاستخراج الضمير ونحوه، وقيل: نوع من الكهانة لإخراج ما في الضمير، و(الجبت) بالكسر: الصنم، والكاهن، والساحر، والسحر، والذي لا خير فيه، وكل ما عُبِدَ من دون اللَّه تعالى، كذا في (القاموس) (٤)، وقيل: الجبت السحر والكهانة، وعلى الأول المراد من أعمال الجبت وشؤونها.\n٤٥٨٤ - [٩] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (الطيرة شرك) أي: من أعمال المشركين، أو مفضٍ إلى الشرك باعتقاده مؤثرًا، أو المراد الشرك الخفي.\nوقوله: (وما منا إلا) لفظ (إلا) ثابت في النسخ المصححة، والتقدير: وما منا أحد إلا قد يجد في نفسه شيئًا من الطيرة، أي: ما حال أحد إلا وجدان شيء.\nوقوله: (ولكن اللَّه يذهبه) قال الطيبي (٥): جاء بفتح الياء وضمها، وعلى الثاني\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣١٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٣٢).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٤٤٤).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٥١).\n(٥) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣٢٠).","vol":"7","page":533},{"text":"بِالتَّوَكُّلِ\". هَذَا عِنْدِي قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ. [د: ٣٩١٠، ت: ١٦١٤].\n٤٥٨٥ - [١٠] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ فَوَضَعَهَا مَعَهُ فِي الْقَصْعَةِ، وَقَالَ: \"كُلْ ثِقَةً بِاللَّهِ وَتَوَكُّلًا عَلَيْهِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٥٤٢].\nــ\nاجتمع فيه حرفا التعدية للتأكيد، لا يخفى أن ضم الياء ظاهر، وأما رواية الفتح فلا يرى في الظاهر صحيحًا، وقول الطيبي على تقدير الضم: اجتمع حرفا التعدية مما لا يعقل؛ لأن حرف الباء التي هي إحدى حرفي التعدية لم يدخل على المفعول بأن يقول: يذهب به، والتي في قوله: (بالتوكل) سببية، والذهاب متعد إلى المفعول بالهمزة كما لا يخفى.\nوقوله: (هذا عندي قول ابن مسعود) وهو الصواب، إذ لا يتوهم وجدانه -ﷺ- ذلك، ولو كان قول النبي -ﷺ- فذلك تواضع منه، وتنزل عن مقامه الأرفع رعاية لجانب الأمة، أو المراد من المسلمين، وهو خلاف الظاهر.\n٤٥٨٥ - [١٠] (جابر) قوله: (وقال: كل ثقة باللَّه) الظاهر أنه من قول الرسول -ﷺ-، فإما أن يكون المصدر بمعنى اسم الفاعل، أي: كل معي واثقًا باللَّه، حالًا من ضمير معي أو يقدر: أثق ثقة، والجملة حال، أو استئناف كانه قيل: كيف تأمره بالأكل معك في قصعة واحدة وهو مجذوم، فأجاب بأني أثق في ذلك باللَّه ثقة، وقال الطيبي (١): ويحتمل أن يكون من كلام الراوي، أي قال: ثقة باللَّه، وهكذا جاء قوله: (وتوكلًا عليه).\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣٢٠).","vol":"7","page":534},{"text":"٤٥٨٦ - [١١] وَعَن سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا هَامَةَ وَلَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ، وَإِنْ تَكُنِ الطِّيَرَةُ فِي شَيْءٍ فَفِي الدَّارِ وَالْفَرْسِ وَالْمَرأَةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٩٢١].\nــ\n٤٥٨٦ - [١١] (سعد بن مالك) قوله: (وإن تكن الطيرة في شيء ففي الدار والفرس والمرأة) اعلم أن الأحاديث الواردة في باب الطيرة مختلفة، يفهم من بعضها نفي تأثيرها والنهي عن اعتقادها واعتبارها مطلقًا وهي كثيرة، ومن بعضها ثبوتها في نحو المرأة والدابة والدار، إما بصيغة الجزم كما في حديث البخاري ومسلم: (إنما الشؤم في ثلاث: الفرس، والمرأة، والدار)، وغيره، ومن بعضها (١) بلفظ الشرط كما في هذا الحديث ونحوه، وفي رواية: (في الربع والخادم والفرس)، ومن بعضها إنكار أن يكون الشؤم فيها كما في غيرها من الأشياء، وفي بعضها أنه إنما كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك كما جاء عن ابن أبي مليكة قال: قلت لابن عباس: كيف ترى في جارية لي في نفسي منها شيء، فإني سمعتهم يقولون: قال نبي اللَّه -ﷺ-: (إن كان الشؤم في شيء، ففي الربع، والفرس، والمرأة)؟ قال: فأنكر أن يكون سمع ذلك من النبي -ﷺ- أشد النكرة، وفي رواية: فأنكر أن يكون رسول اللَّه -ﷺ- قاله، وأن يكون الشؤم في شيء، وقال: إذا وقع في نفسك منها شيء ففارقها بعها أو أعتقها، رواه ابن جرير.\nوعن قتادة عن أبي حسان: أن رجلين دخلا على عائشة -﵂- فحدثاها عن أبي هريرة قال: إن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (الطيرة في المرأة، والفرس، والدار)، فغضبت غضبًا شديدًا وقالت: ما قاله، إنما قال: كان أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك، ووجه التطبيق\n_________\n(١) \"ومن بعضها\" كذا في الأصل، والظاهر: بدله \"أو\".","vol":"7","page":535},{"text":"٤٥٨٧ - [١٢] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يُعْحِبُهُ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَةٍ أَنْ يَسْمَعَ: يَا رَاشِدُ يَا نَجِيحُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٦١٦].\nــ\nأن التأثير بالذات منفي، واعتقاده من أمور أهل الجاهلية، والمؤثر في الكل هو اللَّه، والكل بخلقه وتقديره، وإثباتها في هذه الأشياء بجريان عادة اللَّه سبحانه بالخلق فيها، وجعلها أسبابًا عادية، فالنفي راجع إلى التأثير بالذات، والإثبات بالعادة، والحكمة في تخصيص هذه الأشياء موكولة إلى علم الشارع، وقيل: المراد ليس التطير في شيء، وإن فرض ثبوتها فهذه الأشياء مظنتها ومحلها، ومناسبة لأن يكون فيها على طريقة قوله -ﷺ-: (لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين)، وهذا المعنى صريح في لفظ الشرط وغيره محمول عليه، وعليه كلام القاضي حيث قال: وتعقيب قوله: (ولا طيرة) بهذه الشرطية يدل على أن الشؤم منفي عنها أيضًا، والمعنى أن الشؤم لو كان له وجود في شيء لكان في هذه الأشياء، فإنها أقبل الأشياء لها، لكن لا وجود له فيها ولا وجود له أصلًا، انتهى.\nوقيل: الشؤم في المرأة أن تكون ناشزة وغير ولود، ولا مطيعة لزوجها، أو مكروهة ومستقبحة عنده، وفي الدار ضيقها، وسوء جيرانها، وعدم طيب هوائها، وفي الفرس حرانها، وغلاء ثمنها، وعدم موافقتها للمصلحة، ومثل هذا في الخادم، أو الشؤم محمول على الكراهة التي سببها ما في الأشياء من مخالفة الشرع أو الطبع، ويؤيده ما ذكره في (شرح السنة) (١) كانه يقول: إن كان لأحدكم دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس لا يعجبه فليفارقها بأن ينتقل عن الدار، ويطلق المرأة، ويبيع الفرس حتى يزول عنه ما يجده من الكراهة.\n٤٥٨٧ - [١٢] (أنس) قوله: (يا راشد، يا نجيح) ونحوها وذكرهما مثلًا.\n_________\n(١) \"شرح السنة\" (١٢/ ١٧٨).","vol":"7","page":536},{"text":"٤٥٨٨ - [١٣] وَعَنْ بُرَيْدَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ لَا يَتَطَيَّرُ مِنْ شَيْءٍ، فَإِذَا بَعَثَ عَامِلًا سَأَلَ عَنِ اسْمِهِ، فَإِذَا أَعْجَبَهُ اسْمُهُ فَرِحَ بِهِ، وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهُ رُئِيَ كَرَاهِيةُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِذَا دَخَلَ قَرْيَةً سَأَلَ عَنِ اسْمِهَا، فَإِنْ أَعْجَبَهُ اسْمُهَا فَرِحَ بِهِ، وَرُئِيَ بِشْرُ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ، وَإِنْ كَرِهَ اسْمَهَا رُئِيَ كَرَاهِيَةُ ذَلِك فِي وَجهه. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٩٢٠].\n٤٥٨٩ - [١٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-! إِنَّا كُنَّا فِي دَارٍ كثُرَ فِيهَا عَدَدُنَا وَأَمْوَالُنَا فَتَحَوَّلْنَا إِلَى دَارٍ قَلَّ فِيهَا عَدَدُنَا وَأَمْوَالُنَا. فَقَالَ (١) -ﷺ-: \"ذَرُوهَا ذَمِيمَةً\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٩٢٤].\nــ\n٤٥٨٨ - [١٣] (بريدة) قوله: (سأل عن اسمه فإذا أعجبه اسمه فرح به) ومثل ذلك ما وقع في طريق المدينة عند هجرته -ﷺ- إليها حين لقيه بريدة الأسلمي، وقد أرسلته قريش لياخذ النبي -ﷺ-، وشرطوا له على ذلك مئة إبل، فقال له: (ما اسمك؟) قال: بريدة، قال: (برد أمرنا)، ثم سأل: (ممن؟) قال: من أسلم؟ قال: (سلم لنا الأمر)، ثم قال: (من أي أسلم؟) قال: من بني سهم، قال: (أصبت سهمك)، فأسلم بريدة، الحديث (٢).\n٤٥٨٩ - [١٤] (أنس) قوله: (ذروها ذميمة) لما وقع في أوهامهم الكراهة والوسواس أمرهم بالخروج عنها لئلا يقعوا في ورطة الشرك الخفي كما مر.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"رسول اللَّه\".\n(٢) أخرجه الحكيم الترمذي في \"نوادر الأصول\" (١/ ٣٠٦).","vol":"7","page":537},{"text":"٤٥٩٠ - [١٥] وَعَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَحِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ فَرْوَةَ بْنَ مُسَيْكٍ يَقُولُ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-! عِنْدَنَا أَرْضٌ يُقَالُ لَهَا: أَبْيَنُ، وَهِيَ أَرْضُ رِيفِنَا وَمِيرَتِنَا، وَإِنَّ وَبَاءَهَا شَدِيدٌ. فَقَالَ: \"دَعْهَا عَنْكَ فَإِنَّ مِنَ القَرَفِ التَّلَفَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٩٢٣].\nــ\n٤٥٩٠ - [١٥] (يحيى بن عبد اللَّه) قوله: (ابن بحير) بفتح الموحدة وكسر المهملة على وزن فقير، و(فروة) بفتح الفاء وسكون الراء، (ابن مسيك) بالسين المهملة آخره الكاف بلفظ التصغير.\nوقوله: (أبين) بلفظ اسم التفضيل من البيان اسم رجل ينسب إليه عدن، يقال: عدن أبين.\nوقوله: (هي أرض ريفنا وميرتنا) الريف بكسر الراء وسكون الياء التحتانية: الزرع، والخضب، والميرة بكسر الميم وسكون الياء التحتانية: الطعام يجلب إلى الأهل، وفي رواية: (أرض ريعنا) بالعين.\nوقوله: (فإن من القرف التلف) القرف بالقاف والراء المفتوحتين: ملابسة الداء ومداناة المرض، وفي (الصراح) (١): قرف بفتحتين: نزديك آمدن بيماري، وفي (القاموس) (٢): القرف: مقارفة الوباء والعدوى، ومن الأراضي: الْمَحَمَّةُ، وقيل: ليس هذا من العدوى، وإنما هو من باب الطب، فإن الهواء الصالح الموافق يعين على صلاح البدن وصحته، كذا قال الطيبي (٣)، ولعل الفارين من الوباء والطاعون يتمسكون\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٣٦٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٧٩).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣٢٣).","vol":"7","page":538},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبهذا الحديث؛ لأن الرجل شكا من الوباء في تلك الأرض، فقال له -ﷺ-: (دعها عنك فإن من القرف التلف)، ولكن التمسك لا يتم لأنه شكا وتشاءم بها، فرخص له -ﷺ- نظرًا إلى ضعف حاله وخوفًا من وقوعه في ورطة الشرك الخفي في خروجه منها، وترك السكونة فيها؛ لأن الوباء وقع فيها، وبعد الوقوع جوز الفرار والخروج منها، وإنما الكلام فيه، والوظيفة في البلاء قبل وقوعه الاحترازُ والاجتنابُ، وبعد وقوعه الصبر والرضا والتضرع والدعاء بدليل ورود الأحاديث الصحيحة المذكورة في الصحيحين وغيرهما بالمنع والنهي عن الفرار، والحث والترغيب على الصبر والثبات، والحكم بالشهادة على ذلك، وهذا الحديث في (سنن أبي داود)، ولا يصادم أحاديث الصحيحين، وقالوا: إن فروة بن مسيك لم يرو عنه إلا حديث أو حديثان، وذلك أيضًا من رجل مجهول لا يعرف اسمه، وقد اختلف في يحيى بن عبد اللَّه بن يحيى أنه ثقة أم لا.\nوقد يفرق بين الوباء والطاعون، وإن كان الصواب المراد في هذا المقام هو البلاء الشائع والموت الشائع كما قال رسول اللَّه -ﷺ- لأبي ذر: (وإياك والفرار عن الزحف، وإذا أصاب الناس موت وأنت فيهم فاثبت) كما مر في أول الكتاب في (باب الكبائر)، وشبه في حديث عائشة الفرار عن الطاعون بالفرار عن الزحف، وبالجملة الفرار عنه منهي عنه ومعصية، وإن اعتقد أنه على تقدير الصبر يموت، وبالفرار ينجو كفر وإلا كان عاصيًا، وقياسه على الخروج من بيت وقع فيه زلزلة أو وقعت نار فاسد لورود النص على خلافه، وأيضًا الهلاك في صورة الزلزلة والنار غالب فهو من الأسباب العادية، وفي الوباء مشكوك وموهوم، فهو من الأسباب الوهمية، وإن قالوا: إن الصبر عزيمة وتوكل أو الخروج رخصة ومباح.\nقلنا: التشبه بالزحف وورود الوعيد ينافيه، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى","vol":"7","page":539},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1055> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٥٩١ - [١٦] عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ، وَلَا تَرُدُّ مُسْلِمًا، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلَّا أَنْتَ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مُرْسَلًا. [د: ٣٩١٢].\n* * *\nالتَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ظاهر في عدم الذهاب إلى مكان فيه الوباء لا في الثبات فيه، وقد وقع التصريح نصًا أن الحكم فيه عدم الخروج عن أرض وقع فيها، وعدم الذهاب إلى أرض وقع فيها، فإن قالوا: تقدير اللَّه شامل لكلا الصورتين؟ قلنا: هذا الكلام باطل وغير مسموع في مقابلة حكم الشرع، والشرع قد حكم وأمر ونهى، ولا مدخل للعقل فيه.\nالفصل الثالث\n٤٥٩١ - [١٦] (عروة بن عامر) قوله: (أحسنها الفأل) مبني على أن الطيرة كما مرّ في الفصل الأول: (خيرها الفأل).\nوقوله: (ولا ترد) بلفظ نهي الغائب، أي: لا ينبغي أن ترد وترجع الطيرة المسلم عما قصده من موضع أو عمل.\nوقوله: (فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات. . . إلخ)، وجاء في حديث آخر يقول: (لا خير اللهم إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك) (١).\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١٧٠٤٥).","vol":"7","page":540},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1056>٢ - باب الكهانة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1057> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٥٩٢ - [١] عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَم قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-! أُمُورًا كُنَّا نَصْنَعُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، كُنَّا نَأْتِي الْكُهَّانَ، قَالَ: \"فَلَا تَأْتُوا الْكُهَّانَ\" قَالَ: قُلْتُ: كُنَّا نَتَطَيَّرُ قَالَ: . . . . .\nــ\n٢ - باب الكهانة\nفي (القاموس) (١): كهن له، كمنع ونصر وكرم، كهانة، بالفتح، فهو كاهن، وكُهَّانٌ وكَهَنةٌ جمعه، وحِرْفتُهُ: الكِهَانة بالكسر، وقال الكرماني (٢): بكسر الكاف وفتحها. وقال الشُّمُنِّي: كهن يكهن من باب نصر، وإذا أردت أنه صار كاهنًا، قلت: كهن بالضم، والكاهن الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار، فمنهم من له تابع من الجن يلقي إليه الأخبار، ومنهم من يعرف الأمور بمقدمات وأسباب يستدل بها على مواقعها من كلام أو فعل أو حال، ويخص باسم العراف وهو الذي يتعاطى مكان المسروق ومكان الضالة ونحوهما، وحديث: (من أتى كاهنًا) (٣) يشمل الكاهن والعراف والمنجم، قالوا: وينبغي للمحتسب منعهم وتأديبهم، وأن يؤدِّب الآخذَ والمعطي.\nالفصل الأول\n٤٥٩٢ - [١] (معاوية بن الحكم) قوله: (عن معاوية بن الحكم) بفتحتين.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٣٢ - ١١٣٣).\n(٢) \"شرح الكرماني\" (٢١/ ٣٣).\n(٣) أخرجه أبو داود في \"سننه\" (٣٩٠٤).","vol":"7","page":541},{"text":"\"ذَلِكَ شَيْءٌ يَجدُهُ أَحَدُكُمْ فِي نَفْسِهِ فَلَا يَصُدَّنَّكُمْ\". قَالَ: قُلْتُ: وَمِنَّا رِجَالٌ يَخُطُّونَ (١) قَالَ: \"كَانَ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ يَخُطُّ فَمَنْ وَافَقَ خَطَهُ فَذَاكَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٣٧].\nــ\nوقوله: (فلا يصدنكم) أي: لا يمنعنكم عما قصدتم، أو لا يمنعنكم وقوعه عن اعتقاد الحق وحكم الشريعة.\nوقوله: (فمن وافق خطه) وفي رواية: (فمن وافق خطه علم مثل علمه)، والمراد بالنبي دانيال، وقيل: إدريس ﵉، وبالخط ما يخطه الحازي وهو علم تركه الناس، يأتي صاحب الحاجة إلى الحازي فيعطيه حلوانًا فيأمر غلامًا فيخط على الأرض الرخوة يميل خطوطًا كثيرة بالعجلة لئلا يلحقه العدد، ثم يمحو منها على مهل خطين خطين، وغلامه يقول للتفاؤل: ابني عيان اسرعا البيان، فإن بقي خطان فعلامة النجح، والواحد علامة الخيبة، وهو ضرب من الكهانة، ويستخرجون به الضمير وغيره، والحازي: الكاهن، في (القاموس) (٢): تحزى: تكهن.\nوقوله: (فذاك) أي: مباح، لكن لا يعلم موافقته يقينًا فلا يباح لنا، والمراد بموافقة الخط موافقته في الصورة والحالة، وهو قوة الخاط في الفراسة وكماله في العلم والعمل فذا مصيب، كذا قيل، والظاهر أن المراد بالموافقة في إصابة ذلك العمل وإدراك المقصود بأن يقع على طريقه ونهجه، و(خطه) بالنصب على المشهور، وروي بالرفع، فالمفعول محذوف، ومضى الحديث في أوائل الكتاب في (باب ما لا يجوز من العمل في الصلاة).\n_________\n(١) زاد في الهندية: \"خطا\" وهو سبق قلم.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٧١).","vol":"7","page":542},{"text":"٤٥٩٣ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلَ أُنَاسٌ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْكُهَّانِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيْءٍ\" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ أَحْيَانًا بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الْحَقِّ يَخْطَفُهَا الْجِنِّيُّ فَيَقُرُّهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجَةِ. . . . .\nــ\n٤٥٩٣ - [٢] (عائشة) قوله: (ليسوا بشيء) أي: ليس قولهم بشيء صحيح يعتمد عليه، فبين -ﷺ- أن إصابتهم أحيانًا بإلقاء الجني ما استرقها فيزيدوا عليها بالقياس فربما أصاب، والغالب الخطأ، وهم فيما علم بشهادة الامتحان قوم لهم أذهان حادة، ونفوس شريرة، وطبائع نارية يفتنهم الشياطين لمناسبة بينهم وبذل الوسع في مساعفتهم، فهم يفزعون إليهم ويستفتونهم في الحوادث، وفي معناهم الشعراء، روي عن جرير ابن عبد اللَّه: كنت في سفر في الجاهلية، وأضللنا الطريق، فصرنا إلى خيام فإذا هي من الجن، فقدموا لنا أليات الوحش فغنّى واحد من شيوخهم بيتين، فقلت: أحدهما لطرفة والآخر للأعمش، فقال: كذبا، ما قالاه، أنا الذي كنت ألقي الشعر على لسانهما.\nوقوله: (من الحق) في أكثر نسخ (المشكاة) المصححة هكذا بالحاء والقاف، وقال الطيبي (١): نقلا عن محيي السنة: هو بالجيم والنون في جميع نسخ مسلم في بلادنا، أي: مسموعة من الجن ألقاها إليه.\nوقوله: (يخطفها الجني) نسبة إلى الجن، والظاهر أنها نسبة الفرد إلى الطبيعة.\nوقوله: (فيقرها في أذن وليه قر الدجاجة) قال القاضي عياض في (مشارق\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣٢٦).","vol":"7","page":543},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالأنوار) (١): ويروى الزجاجة، وفي الرواية الأخرى: (فيقر قرها في أذنه كقرقرة الدجاجة)، وفي الأخرى: (كما تقر القارورة) وهي بمعنى الزجاجة، كذا ضبطه الأصيلي: (يَقُرُّها) بضم القاف وفتح الياء، وعند غيره: (يُقِرّها) بكسر القاف وضم الياء، وصوب بعضهم الأول، وكلاهما صواب، والمعنى أنه يصوت بها كما تصوت الزجاجة، يقال: قرت الدجاجة: تقر قرًّا: إذا قطعت صوتها، وقرقرت قرقرة: إذا رددته، أو كما تصوت الزجاجة: إذا حركتها على شيء، أو كما يتردد ما يصب في الآنية، والقارورة في جوانبها، ويصح هذا على الروايتين: الضم والكسر، يقال: قررت الماء في الآنية، وأقررته: إذا صببته، وقيل: يقرها بمعنى يساره بها، ويصح هذا على رواية ضم القاف، يقال: قر الخبر في أذنه يقره قرًّا، وقيل: يقره: يودعه فيه، وهذا على رواية الكسر من أقر الشيء يقره، وقال: لم يختلف الرواية في (كتاب مسلم) في الدجاجة بالدال.\nواختلفت فيه الروايات في البخاري، فروى بعضهم: الزجاجة بالزاي المضمومة، وكذا جاء للمستملي وابن السكن وأبي ذر وعبدوس والقابسي في (كتاب التوحيد)، وللأصيلي هناك الدجاجة، وكذلك اختلفوا في مواضع أخر، وذكر الدارقطني أن الصواب الأول.\nوقد ذكر في بعض رواياته في القارورة، فمن رواه الدجاجة بالدال شبه إلقاء الشيطان ما يسترقه من السمع في أذن وليه بقر الدجاجة، أي: صوتها، وهو صوتها لصواحبها، وقيل: يقرها يسار بها، ومن قال: الزجاجة بالزاي، فقيل: يلقيها ويودعها في أذن وليه كما يقر الشيء في القارورة والزجاجة، وقيل: يقرها بصوت وحس كحس الزجاجة إذا حركتها على الصفا أو غيره.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٩٧، ١/ ٤٠١).","vol":"7","page":544},{"text":"فَيَخْلِطُونَ فِيهَا أَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ كَذْبَةٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢١٣، م: ٢٢٢٨].\n٤٥٩٤ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ -وَهُوَ السَّحَابُ- فَتَذْكُرُ الأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّماءِ، فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتُسْمِعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ، فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِئَةَ كِذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٢١٠].\nــ\nوقيل: معناه يرددها في أذن وليه كما يتردد ما يصب في الزجاجة والقارورة فيها وفي جوانبها، لاسيما على رواية من رواه فيقرقرها، واللغة الفصيحة في الدجاج والدجاجة الفتح، وقد كسرها بعضهم، هذا كلام القاضي عياض، وقد تكرر بعض معانيه لما وقع في الموضعين في مادة الدال والجيم، وفي القاف والراء، نقلته هكذا لإيضاح المقصود، وتركت ألفاظًا اشتبهت علي، وظهر منه أن ترجيح الشيخ التُّورِبِشْتِي رواية الزجاجة بالزاي على رواية الدجاجة بالدال ليس كما ينبغي، بل كاد الأمر أن يكون على العكس كما نقله من الدارقطني الذي هو من أمهر النقاد من المتأخرين. وقيل فيه: لم يأت بعده من يعتد به في هذا الشأن، وكما نقله الطيبي من الشيخ ابن الصلاح رحمة اللَّه عليهم أجمعين.\nوقوله: (أكثر من مئة كذبة) لعل المراد به المبالغة والتكثير، واللَّه أعلم.\n٤٥٩٤ - [٣] (وعنها) قوله: (وهو السحاب) في (القاموس) (١): (العنان) بالفتح: السحاب الذي لا يمسك الماء، واحدته بهاء، وبالكسر: ما بدا لك منها إذا نظرتها، انتهى. وفسر بعضهم المفتوح بهذا في حديث: (لو بلغت ذنوبه عنان السماء) (٢)،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٢٢).\n(٢) أخرجه الترمذي في \"سننه\" (٣٥٤٠).","vol":"7","page":545},{"text":"٤٥٩٥ - [٤] وَعَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٣٠].\n٤٥٩٦ - [٥] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: \"هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ ربُّكم؟ ! قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: \"أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءَ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤمِنٌ بِالْكَوْكِبِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٩٩١، م: ٨٣].\nــ\nويفهم من كلام الطيبي (١): أن المراد هنا السماء حيث قال: فالسحاب مجاز من السماء، وفيه أن ما في السماء إنما هو سماع الملائكة ما قضي فيها، ونزول الجن وسماعهم إنما هو تحت السماء، وهو المراد بعنان السماء المفسر بالسحاب، فافهم.\n٤٥٩٥ - [٤] (حفصة) قوله: (من أتى عرافًا) قد عرفت معنى العراف وأنه أحد أنواع الكهنة، وأن المراد به في هذا الحديث ما يشمل العراف والكاهن والمنجم.\nوقوله: (لم تقبل لى صلاة أربعين ليلة) فكيف بغيرها من العبادة، والمراد بعدم القبول عدم الثواب وإن كانت جائزة تبرئ الذمة، وكذلك جاء في الأحاديث بهذا المعنى، فتدبر.\n٤٥٩٦ - [٥] (زيد بن خالد الجهني) قوله: (على إثر سماء) أي: عقيب مطر نزل الليلة، و(إثر) بكسر الهمزة وسكون المثلثة وبفتحتين.\nوقوله: (فذلك كافر بي) إن اعتقد التأثير من الكواكب فهو كفر بالاتفاق، وإلا فهو\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣٢٧).","vol":"7","page":546},{"text":"٤٥٩٧ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ بَرَكَةٍ إِلَّا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ، يُنْزِلُ اللَّهُ الْغَيْثَ، فَيَقُولُونَ: بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1058> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٥٩٨ - [٧] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ اقْتَبَسَ شُعْبةً مِنَ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ١/ ٣١١، د: ٣٩٠٥، جه: ٣٧٢٦].\nــ\nمكروه؛ لأنه من شعار الجاهلية، فالمراد كفران النعمة.\n٤٥٩٧ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (من بركة) يجوز أن يراد بالبركة المطر، فيكون قوله: (ينزل اللَّه الغيث) بيانًا له، وأن يراد الأرزاق النازلة من العالم العلوي، والكفر به إسناده إلى الأسباب، فيكون قوله: (ينزل [اللَّه] الغيث) مثالًا لذلك.\nالفصل الثاني\n٤٥٩٨ - [٧] (ابن عباس) قوله: (من اقتبس علمًا) أي: شيئًا منه وإن كان قليلًا.\nوقوله: (زاد ما زاد) أي: زاد من السحر ما زاد من النجوم، وقيل: معناه زاد رسول اللَّه -ﷺ- في تذميم علم النجوم على ما رواه ابن عباس ما زاد، كذا نقل من (المفاتيح شرح المصابيح) (١)، فقيل: إنه على هذا التقدير يكون هذا قول الراوي من ابن عباس وهو بعيد، إذ هو لم يسمع إلا من ابن عباس ما رواه، والظاهر على هذا الوجه أن يكون هذا قول ابن عباس يقول: زاد النبي -ﷺ- في تذميم النجوم وتقبيحه ما زاد،\n_________\n(١) \"المفاتيح شرح المصابيح\" (٥/ ١٠٠).","vol":"7","page":547},{"text":"٤٥٩٩ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقهُ بِمَا يَقُولُ أَوْ أَتَى امْرَأَتَهُ حَائِضًا، أَو أَتَى امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا فقدْ بَرِئَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ\". رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٤٠٨، د: ٣٩٠٤].\nــ\nوما رويت ذلك كله واكتفيت بهذا المقدار، ويحتمل أن يكون على تقدير كونه قول الراوي من ابن عباس أن يكون ضمير زاد لابن عباس، فافهم.\n٤٥٩٩ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (أو أتى امرأته حائضًا) في (القاموس) (١): حاضت المرأة تحيض حيضًا، فهي حائض وحائضة، وقال عياض (٢) في قول عائشة: وأنا حائض، جاءت في هذا الحديث في بعض روايات مسلم: وأنا حائضة، والمعروف في هذا حائض، وهو مما جاء للمؤنث بغير هاء لاختصاصه بها كطالق ومرضع، فاستغنى عن علامة التأنيث فيها، وقيل: بل المراد على النسبة والإضافة أي: ذات حيض وطلاق ورضاع كما قال ﵎: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] أي: ذات انفطار، هذا وقد ذكر بعضهم أنه إذا كان المراد معنى الثبوت فبدون التاء، كما إذا أريد بالحائض التي في سن الحيض، أي: البلوغ، وإن كان بمعنى الحدوث فالتاء كالتي في حالة الحيض، وينتقض هذا بنحو أنت طالق في حالة التطليق، فالحق ما ذكره عياض، وقال الطيبي (٣): حائضًا حال منتقلة، ولهذا جاز حذف التاء، ولو كانت صفة لكانت التاء لازمة، انتهى. ويفهم منه الفرق بين الحال والصفة في وجوب التاء وعدمه، فتدبر، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٩١).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٤٢).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣٣١).","vol":"7","page":548},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1059> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٦٠٠ - [٩] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ ربُّكُمْ؟ . . . . .\nــ\nثم الظاهر أن المراد فاستحله، أو المراد بالبراءة أعم من البراءة اعتقادًا أو عملًا، أو المراد كأنه براء أو تغليظ على إتيان الحائض والإتيان من الدبر، فافهم.\nالفصل الثالث\n٤٦٠٠ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (خضعانًا) يروى بضم الخاء وكسرها مصدر كالغفران والوجدان مفعول له، أي: خضوعا وتذللًا، وقد يجعل جمع خاضع، ويروى: (خضعًا) فيكون حالًا، قال في (المشارق) (١): وجوز بعضهم الفتح، والخضوع: الرضا بالذل، وخضع لازم ومتعد، يقال: خضعته فخضع، انتهى.\nوقوله: (كأنه سلسلة على صفوان) تشبيه للقول المذكور في خفاء صوته، والصفوان: الحجر الأملس، وهذا كما جاء في صفة الوحي: مثل صلصلة الجرس، والصلصلة: الصوت المتدارك الذي يسمع ولا يثبت أول ما قرع السمع حتى يفهمه بعد.\nوقوله: (فإذا فزع عن قلوبهم) الفزع: الخوف، وباب التفعيل هنا للكشف والإزالة نحو التقشير، أي: سمعوا القول وأزيل عنهم الخوف الذي عرضهم عند إلقاء القول، وقد جاء في رواية أبي داود على ما نقله الطيبي (٢): إذا تكلم اللَّه ﷿ بالوحي سمع\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٨٥).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣٣٢).","vol":"7","page":549},{"text":"قَالُوا: لِلَّذِي قَالَ الْحَقُّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، فَسَمِعَهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُو السَّمْعِ هَكَذَا، بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ\". وَوَصَفَ سُفْيَانُ. . . . .\nــ\nأهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبرئيل، فإذا جاء جبرئيل فزع عن قلوبهم، فيقولون: يا جبرئيل ماذا قال ربك؟ فيقول: الحق الحق، يعني سمع القول المقربون من الملائكة، فيسألهم الملائكة، ويقولون: ماذا قال ربكم؟ قال المقربون للذي قاله اللَّه تعالى وقضى وقدر (الحق)، أي: هو الحق الكائن الثابت الذي لا يبدل، وعلى هذا فالحق مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف.\nوقال الطيبي (١): ويحتمل أن يكون صفة مصدر محذوف، أي: قالوا: لأجل ما قال اللَّه تعالى القول الحق، ولكن لا يكون على هذا التقدير مقول (قالوا) مذكور إلا أن يكون (قالوا) بمعنى أجابوا لأجله، ويحتمل أن يكون (للذي قال) بمعنى الجنس، والمراد الملائكة السائلون، ويقدر الفعل، أي: قالوا للسائلين: قال اللَّه القول الحق، ويفهم من بعض الحواشي أن يكون (الحق) مفعولًا به، أي: قالوا للذي قال اللَّه تعالى وقضى وقدر (الحق)، أي: عبروا عنه بلفظ (الحق).\nوقوله: (وهو العلي الكبير) إثبات وتأكيد لكون ما قال وقدر حقًا.\nوقوله: (مسترقو السمع) وهم الجن والشياطين الذين صعدوا لاستماع أخبار الملكوت ليلقوها على أوليائهم من الكهنة، ثم بين بقوله: (ومسترقو السمع هكذا) ترتيبهم وقيامهم، وفسره بقوله: (بعضه فوق بعض) على سبيل البدل، ثم (وصف سفيان) وصور بعضهم فوق بعض بأصابعه، وتوحيد الضمير في بعضه باعتبار الجنس المذكور.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣٣٢).","vol":"7","page":550},{"text":"بِكَفِّهِ فَحَرَّفَهَا، وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، \"فَيَسْمَعُ الْكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الْكَاهِنِ فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّمَاءِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٢٤].\n٤٦٠١ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَّهُمْ بَيْنَا هُمْ جُلُوسٌ لَيْلَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- رُمِيَ بِنَجْمٍ وَاسْتَنَارَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا رُمِيَ بِمِثْلِ هَذَا؟ \" قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، كُنَّا نقُولُ: وُلدَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، وَمَاتَ رَجُلٌ عَظِيمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَإِنَّهَا لَا يُرْمَى بِهَا لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّ رَبَّنَا تَبَارَكَ اسْمُهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ الْعَرْشِ، ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّمَاءِ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ،\nــ\nوقوله: (فربما أدرك الشهاب) بالرفع والنصب على فاعل أو مفعول، والشهاب: شعلة من نار ساطعة، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (فيقال: أليس قد قال) أي: يقول مصدق الكاهن لمن لامه على تصديقه: أليس قد قال الكاهن (يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟) فظهر صدقه ووقوعه فكيف تنسبه إلى الكذب؟\n٤٦٠١ - [١٠] (ابن عباس) قوله: . . . . .\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٩).","vol":"7","page":551},{"text":"حَتَّى يَبْلُغَ التَّسْبِيحُ أَهْلَ هَذِهِ السَّمَاءِ الدُّنْيَا، ثُمَّ قَالَ الَّذِي يَلُونَ حَمَلَةَ الْعَرْشِ لِحَمَلَةِ الْعَرْشِ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَيُخْبِرُونَهُمْ مَا قَالَ، فَيَسْتَخْبِرُ بَعْضُ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ بَعْضًا حَتَّى يَبْلُغَ هَذِهِ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَيَخْطَفُ الْجِنُّ السَّمْعَ، فَيَقْذِفُونَ إِلَى أَوْلِيائِهِمْ، وَيُرْمَوْنَ، فَمَا جَاؤُوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَلَكِنَّهُمْ يَقْرِفُونَ فِيهِ وَيزِيدُونَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٢٩].\n٤٦٠٢ - [١١] وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: خلقَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ النُّجُومَ لِثَلَاثٍ: جَعَلَهَا زِينَةً لِلسَّمَاءِ، وَرُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ، وَعَلَامَاتٍ يُهْتَدَى بِهَا فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيهَا. . . . .\nــ\n(فيقذفون) الجن الخبر ما سمع.\nوقوله: (ويرمون) بلفظ المجهول، فهذا سبب رمي الكواكب لا ما زعموا.\nوقوله: (يقرفون) أي: يكذبون.\n٤٦٠٢، ٤٦٠٣ - [١١، ١٢] (قتادة، والربيع) قوله: (خلق اللَّه هذه النجوم لثلاث) يعني أن العمدة في ذلك وما ينتفع به أهل الدين والمعرفة ما نطق به كلام اللَّه سبحانه، وأما الزوائد على ذلك فإن كان ذلك مما صحت التجربة بذلك كاختلاف الفصول، ونضج الثمار والفواكه، ونزول الأمطار، وأمثال ذلك، فلا شك أن للأجرام السماوية دخلًا في ذلك بجريان العادة وتقدير اللَّه إياه، وأما ما يخبر به المنجمون ويحكمون بالأحكام من جريان الحوادث والكائنات والسعادة والنحوسة والتقيد بأحكامها في كل حركة وسكنة، فإن اعتقدوا تأثيرها وفاعليتها حقيقة فهو كفر بلا شبهة، وإلا فبدعة وضلال مخالف لطريقة السلف من علماء الدين، ومناف لسلوك طريق التوكل والتوحيد، هذا هو القول الفصل، وهو المختار، واللَّه أعلم.","vol":"7","page":552},{"text":"بِغَيْرِ ذَلِكَ أَخَطَأَ وَأَضَاعَ نَصِيبَهُ، وَتَكَلَّفَ مَا لَا يَعْلَمُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا.\nوَفِي رِوَايَةِ رَزِينٍ: \"تَكَلَّفَ مَا لَا يَعْنِيهِ وَمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ، وَمَا عَجَزَ عَنْ عِلْمِهِ الأَنْبِيَاءُ وَالْمَلَائِكَةُ\". [خت: ك: ٥٩، ب: ٣].\n٤٦٠٣ - [١٢] وَعَنِ الرَّبِيعِ مِثْلُهُ وَزَادَ: وَاللَّهِ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي نَجْمٍ حَيَاةَ أَحَدٍ، وَلَا رِزْقَهُ، وَلَا مَوْتَهُ، وَإِنَّمَا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَيَتَعَلَّلُون بِالنُّجُومِ.\n٤٦٠٤ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنِ اقْتَبَسَ بَابًا مِنْ عِلْم النُّجُومِ لِغَيْرِ مَا ذَكرَ اللَّهُ، فَقَدِ اقْتبَسَ شُعبةً مِنَ السِّحْرِ، الْمُنَجِّمُ كَاهِنٌ، وَالْكَاهِنُ سَاحِرٌ، وَالسَّاحِرُ كَافِرٌ\". رَوَاهُ رَزِينٌ. [أخرجه ابن ماجه: ٣٩٠٥].\n٤٦٠٥ - [١٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْ أَمْسَكَ اللَّهُ الْقَطْرَ عَنْ عِبَادِهِ خَمْسَ سِنِينَ ثُمَّ أَرْسَلَهُ،\nــ\nوقوله: (أخطأ) أي: ضل عن طريق الصواب، ووقع في الغلط البتة، فإن الأمر عسير جدًا.\nوقوله: (وأضاع نصيبه) أي: أضاع حظه من عمره، ووقع فيما لا يعنيه وما هو من ضرورة أمره من العبادة وتهذيب النفس.\n٤٦٠٤ - [١٣] (ابن عباس) قوله: (المنجم كاهن، والكاهن ساحر، والساحر كافر) أي: لا فرق بينهم في حكم الإثم والكذب، وفيه أن عمل السحر كفر كما هو المذهب المختار.\n٤٦٠٥ - [١٤] (أبو سعيد) قوله: (خمس سنين) كناية عن طول الزمان، يعني","vol":"7","page":553},{"text":"لأَصْبَحَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ كَافِرِينَ، يَقُولُونَ: سُقِينَا بِنَوْءِ الْمِجْدَحِ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٥٢٦].\nــ\nأن النوء موجود على حاله، فلم لم يقطر إلى خمس سنين؟ فعلم أن القطر بقدرة اللَّه يرسله متى شاء.\nوقوله: (بنوء المجدح) بكسر الميم وسكون الجيم وفتح الدال المهملة وبالحاء المهملة، وهو عند العرب من أنواء المطر التي لا يكاد يخطئ، وفي (القاموس) (١): المِجْدَح: الدَبَران، أو نجم صغير بينه وبين الثريا، ومجاديح السماء: أنواؤها، وفي (الصحاح) (٢): جدحت السويق، أي: لتته، والمجدح: خشبة طرفها ذو جوانب، يجدح بها السويق.\n* * *\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٠٩).\n(٢) \"الصحاح\" (١/ ٣٥٨).","vol":"7","page":554},{"text":"(٢٤) كتاب الرؤيا","vol":"7","page":555},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1060>(٢٤) كتاب الرؤيا</span>\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n٢٤ - كتاب الرؤيا\nالرؤيا في الأصل مصدر بمعنى الرؤية، سمي به ما يرى في المنام من الصور، في (القاموس) (١): الرؤيا: ما رأيته في منامك، وهو مقصور مهموز، وقد تبدل الهمزة بالواو، وقد اختلف العقلاء في تحقيق الرؤيا لإشكال يرد هنا، وهو أن النوم ضد الإدراك، فالذي يرى فيه ما هو، فذهب جمهور المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة إلى أنه خيال باطل.\nأما عند المعتزلة فلفقد شرائط الإدراك حالة النوم من المقابلة، وانبثاث الشعاع، وتوسط الهواء الشفاف إلى غير ذلك، فما يراه النائم ليس من الإدراكات في شيء، بل هي من قبيل الخيالات الفاسدة والأوهام الباطلة.\nوأما عند الأشاعرة إذ لم يشترطوا شيئًا من ذلك، فلأن الإدراك حالة النوم خلاف العادة، إذ لم يجر عادته تعالى بخلق الإدراك في الشخص وهو نائم، ولأن النوم ضد الإدراك فلا يجامعه، فلا تكون الرؤيا إدراكًا حقيقة، بل هي من قبيل الخيال الباطل، كذا في (المواقف) وشرحه.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨٢).","vol":"7","page":557},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأقول: لعل مرادهم بكونه خيالًا فاسدًا أنه ليس بإدراك حقيقة، بل شيء مشابه به لا عدم الصحة والاعتبار بالتعبير أو بدونه؛ لأن صحة الرؤيا الصالحة وحقيقتها مجمع عليه عند أهل الحق، وقد نطق به الكتاب والسنة فكأنهم قالوا: إن الرؤيا ليس بإدراك حقيقة، بل هو خيال محض، ومع ذلك له تعبير واعتبار، وحينئذٍ كان الأصوب أن يقال: خيال محض أو نحوه مكان الفاسد أو الباطل.\nوقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني من الأشاعرة: إن رؤيا المنام إدراك حق بلا شبهة، إذ لا فرق بين ما يجده النائم من نفسه في نومه من أبصاره وسمعه وذوقه وغيرها من الإدراكات، وبين ما يجده اليقظان في يقظته من إدراكاته، فلو جاز التشكيك فيما يجده النائم لجاز التشكيك فيما يجده اليقظان، ولزم السفسطة والقدح في الأمور المعلومة بديهة، وقالوا: لم يخالف الأستاذ في كون النوم ضدًا للإدراك، لكنه زعم أن الإدراك يقوم بجزء من أجزاء الإنسان غير ما يقوم به النوم من أجزائه، فلا يلزم اجتماع الضدين في محل واحد، ولعل الأستاذ قال هذا بطريق المنع، ولهذا لم يعين الأجزاء التي يقوم بها النوم والتي يقوم بها الإدراك، والاحتمال كاف في ذلك.\nوقال الطيبي (١): المذهب الحق أن حقيقة الرؤيا خلق اللَّه تعالى في قلب النائم علومًا وإدراكات كما في اليقظان، وهو تعالى قادر عليه، لا اليقظة موجب له، ولا النوم مانع عن ذلك الخلق، وخلق هذه الإدراكات في النائم علامة ودليل على أمور أخر تعرضه في ثاني الحال وهي تعبيرها كالسحاب دليل على وجود المطر، انتهى.\nفعلى هذا الرؤيا إدراك حقيقة، وليس بين النوم والإدراك تضاد، وللحكماء تحقيق\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣٣٩).","vol":"7","page":558},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nللرؤيا موقوف على بيان الحواس الباطنة وحقائقها، وليس هذا الكتاب محل ذلك، والذي يمكن أن يقال مجملًا: إن في الإنسان قوة متصرفة من شأنها التركيب والتفصيل بين الصور والمعاني بعضها مع بعض، فإن استعملها العقل يسمى متفكرًا، وإن استعمل الوهم يسمى مخيلة، وهي في عملها دائمًا من غير انقطاع يقظة ومنامًا، وللنفس الناطقة الإنسانية اتصال معنوي روحاني بعالم الملكوت وصور جميع الكائنات أزلًا وأبدًا.\nحاصله في الجواهر المجردة التي تسمى المبادئ العالية عندهم، وإذا حصل للنفس فراغ من الاشتغال بتدبير البدن وبما يتعلق بالعالم ارتسم فيها مما في المبادئ العالية من الصور مما يليق بها من أحوالها، وأحوال ما يقرب منها، ثم قد تليه القوة المتخيلة لما من شأنها المحاكاة والانتقال والتفصيل والتركيب صورًا قريبة أو بعيدة، تارة بالانتقال من النظير بعلاقة المماثلة، وتارة من ضد إلى ضد بعلاقة التضاد فيحتاج إلى التعبير، وقد لا يتصرف فيه المتخيلة فيؤديه كما هو بعينه، فيقع بلا حاجة إلى التعبير، وقد يرد على الحس المشترك صور من الخيال الذي هو خزانة صور المحسوسات مما ارتسم فيه في اليقظة، ولذلك من دام فكره في شيء يراه في منامه، وقد تحدث الصور من بعض الأمراض، فإن الدموي يرى في حلمه الأشياء الحمر، والصفراوي النيران، والأشقر والسوداوي الجبال والأدخنة، والبلغمي يرى المياه والألوان البيض، وهذان القسمان من قبيل أصغاث الأحلام لا يقعان ولا تعبير لهما، هذا تحقيق الفلاسفة للرؤيا، ولبعض الصوفية ممن يقول بعالم المثال تحقيق آخر مذكور في محله، وقد عمل في ذلك الولد الأعز نور الحق في هذه المسألة رسالة مفيدة جدًا، وأتى بما يوضح الحق، واللَّه أعلم.","vol":"7","page":559},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1061> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٦٠٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ، قَالُوا: وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ؟ قَالَ: \"الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٩٩٠].\n٤٦٠٧ - [٢] وَزَادَ مَالِكٌ بِرِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: \"يَراهَا الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ \". [ط: ٢/ ٩٥٧].\nــ\nالفصل الأول\n٤٦٠٦، ٤٦٠٧ - [١، ٢] (أبو هريرة، عطاء) قوله: (إلا المبشرات) بضم ميم وكسر شين مشددة من البشارة بضم الباء وكسرها: الخبر السار، ويقال لها بالفارسية: مزده، ويفهم من كلام بعضهم اعتبار الصدق فيه، وأما البشارة بالفتح فيفهم من (الصحاح) (١) أنه بمعنى السرور، وقال في (القاموس) (٢): البشارة والبشرى بالكسر، ويضم فيهما، وبالفتح: الجمال، وهو أبشر منه، أي: أحسن وأجمل وأسمن، ويستعمل البشارة غالبًا في الخير، وقد يستعمل في الشر نادرًا، كذا قال الطيبي (٣)، والمفهوم من (الصحاح) أن المطلق لا يستعمل إلا في الخير، واستعماله في الشر يقع مقيدًا به نحو قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٢١] وقال بعض المفسرين: إنه بطريق الاستهزاء.\nوقوله: (الرؤيا الصالحة) أي: الحسنة، وقالوا: الرؤيا الحسنة على أقسام، منها\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٢/ ٥٩٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٢٩).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣٤٠).","vol":"7","page":560},{"text":"٤٦٠٨ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٨٣، م: ٢٢٦٤].\nــ\nما هي حسنة ظاهرًا وباطنًا كرؤية الأنبياء والأولياء والكلام معهم، أو ظاهرًا فقط كسماع الملاهي والملاعب، أو قبيح ظاهرًا وباطنًا كلدغ الحيات والعقارب، أو قبيح ظاهرًا فقط كذبح الولد، أقول: الظاهر أن العبرة في حسن الرؤيا وقبحها بتعبيرها، فإن وقع التعبير بشيء حسن فهو حسن عند الرائي، وقبيح فقبيح، فتأمل، وقد يفسر الصالحة بالصادقة، والمعنى الأول وإن كان أظهر وأوفق بمعنى المبشرات، ولكن سياق الحديث ينظر إلى المعنى الثاني؛ لأن المعتبر في النبوة هو الخبر الصادق مبشرًا كان أو منذرًا فإطلاق المبشرات بتغليب أو تجريد، والمراد المخبرات.\n٤٦٠٨ - [٣] (أنس) قوله: (الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة) الصواب أن المراد بالصالحة هنا الصادقة كما ذكرنا، وليس هنا ما ينظر إلى كونها بمعنى الحسنة كما كان في الحديث السابق، ثم الظاهر أن المراد بالجزء ليس ما هو مصطلح أرباب المعقول حقيقة، بل المراد أن الرؤيا الصالحة من لواحق النبوة وصفات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا شك أن صفات الأنبياء باقية بعدهم ويتصف بها من سواهم من الصالحين.\nوالمقصود مدح الرؤيا وإعلاء درجتها وأنها من عالم الوحي ومشابهة له وإن لم يكن صاحبها نبيًّا كما جاء في الحديث: (السمت الحسن والتُؤَدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءًا من النبوة) (١)، بل جميع صفات الكمال أصله ومنبعه النبوة، والتخصيص لمزيد الاختصاص والامتياز، ولا شك أنها موجودة في غير الأنبياء لأن\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في \"سننه\" (٢٠١٠).","vol":"7","page":561},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالولاية ظل النبوة، فعلى هذا التوجيه لا يرد ما يقال: إن جزء النبوة لا يكون إلا مع النبوة، لأن الجزء وإن كان وجد بدون الكل، ولكن ليس في تلك الحالة جزءًا له إلا باعتبار ما كان وهو مجاز، فينبغي أن لا تثبت الرؤيا الصالحة لغير النبي، والحال أنها ثابتة له، وإن النبوة نسبة وصفية وكون الرؤيا الصالحة جزءًا لها لا معنى له، فما معنى كونها جزءًا منها؟ وإن النبوة قد ذهبت والرؤيا الصالحة باقية، فكيف يصح كونها جزءًا منها؟ ولا يحتاج إلى أن يجاب عن الأول بأن المراد أن الرؤيا جزء من النبوة في حق الأنبياء؛ لأنه كان يوحى إليهم في المنام مع انتقاض هذا الجواب بما جاء في الحديث الآخر منه: (أن رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين)، الحديث.\nوعن الثاني والثالث بأن المراد أن الرؤيا جزء من أجزاء علوم النبوة، وعلوم النبوة باقية كما جاء في الحديث: (ذهبت النبوة وبقيت المبشرات، وهي الرؤيا الصالحة)، كذا قال الطيبي (١) مع أنه لا يخفى أن الرؤيا ليست جزءًا من علوم النبوة، بل من طرق علومها؛ لأن الرؤيا من طرق العلم، وبأن المراد أن الرؤيا تأتي على وفق النبوة لا أنها جزء منها حقيقة باقية بعد.\nوهذا الجواب اعتراف بعدم الجزئية كما قلنا مع أنه لا يظهر المراد من قولهم: إن الرؤيا تأتي على وفق النبوة، ولعل المراد أن الرب تعالى كما يخص بمحض فضله من يشاء من عباده بموهبة النبوة كذلك يخص بعض عباده بعطية الرؤيا، وفهم هذا المعنى من العبارة غير متضح، وبأن النبوة هنا بمعنى الإنباء يعني أن الرؤيا إخبار صدق لا كذب فيه، مع أن هذا المعنى أيضًا لا يناسب الجزئية ولا يثبتها، ولا يناسب اعتبار\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣٤٠).","vol":"7","page":562},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالعدد المذكور في الحديث، وبأن جزء النبوة لا يكون نبوة فلا ينافي ذهاب النبوة وبقاءها، وهذا الجواب يخص بالثالث، نعم يتجه الإشكال بأنه ما وجه التخصيص بعدد ست وأربعين.\nوالمشهور في توجيهه ما قيل: إن زمان الوحي كان ثلاثًا وعشرين سنة، وكان أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة، وذلك في ستة أشهر من سني الوحي، ونسبة ذلك إلى سائرها نسبة جزء إلى ستة وأربعين جزءًا، وتعقب عليه التُّورِبِشْتِي (١) بأن حصر سني الوحي في ثلاث عشرين مسلم، فإنه مما ورد فيه الروايات المعتد بها مع اختلاف في ذلك، وأما كون زمان الرؤيا فيها ستة أشهر، فشيء قدره هذا القائل في نفسه، ولم يساعده فيه النقل، انتهى.\nوهذا القول إشارة إلى اختلاف جاء في مدة إقامته -ﷺ- بمكة، أي: ثلاثة عشر أو خمسة عشر أو عشر، والمختار هو الأول، ويكون عليه زمان النبوة ثلاثًا وعشرين سنة، وحاصله أن كون الوحي في المنام ستة أشهر في هذه المدة مما لم يثبت، وقد قدح النووي في (شرح صحيح مسلم) (٢) في كون زمان الرؤيا ستة أشهر، وقال: لم يثبت ذلك، فالسبيل في تخصيص هذا العدد التسليم والتفويض إلى علم النبوة؛ لأن الوقوف على أمثال هذه العلوم من خواص النبوة، ولا يدرك بقياس العقل كنه حقيقتها، وكذلك حكم الأعداد في سائر المواضع مثل أعداد الركعات والتسبيحات.\nوقد جاء في رواية: (جزء من خمسة وأربعين)، وفي أخرى: (من أربعين)،\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ١٠١٨).\n(٢) \"شرح النووي\" (١٥/ ٢١).","vol":"7","page":563},{"text":"٤٦٠٩ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"من رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١١٠، م: ٢٢٦٦].\n٤٦١٠ - [٥] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- منْ رَآنِي فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٩٦، م: ٢٢١٧].\nــ\nوتوجيه خمس وأربعين أن وفاته -ﷺ- في أثناء السنة الثالثة بعد ستين، وتوجيه الأربعين أنه مبني على رواية أن عمره ستون سنة، والراجح المختار هو الأول، وقال الطبري: إن اختلاف العدد في الرؤيا بحسب اختلاف حال الصفاء والكدورة في الرائي، أو باعتبار الخفاء وجلاء الرؤيا، وقد جاء في رواية: (جزء من سبعين جزءًا)، والظاهر أن المراد المبالغة في تعليله وحطه من درجة النبوة لا عين العدد، واللَّه أعلم بحقيقة الحال.\n٤٦٠٩ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (من رآني في المنام فقد رآني) بأي صورة رآه كما يأتي تحقيقه في شرح الحديث الآتي.\n٤٦١٠ - [٥] (أبو قتادة) قوله: (فقد رأى الحق) الظاهر أنه مفعول به، أي: رأى الأمر الثابت المحقق، ويحتمل أن يكون مفعولًا مطلقًا أي: رآني الرؤيا الحق، وتذكيره باعتبار أنه مصدر في الأصل أو صفة مصدر.\nاعلم أن هذه الأحاديث مع تعدد طرقها واختلاف ألفاظها تدل على أن من رأى رسول اللَّه -ﷺ- في المنام فقد رآه، وأن رؤياه حق ثابت، وليس للكذب والبطلان حول حماه طريق، وأنه ليس للشيطان ولا ينبغي له أن يتمثل بصورته -ﷺ- ويلبس ويدخل في خيال الرائي أنه هو -ﷺ- مع أن اللَّه تعالى أقدره ومكنه من أن يتمثل بأي صورة شاء، ويلبس على الخلق ويكذب سواء كان في اليقظة أو في المنام، ولكن لم يقدره على تمثله بصورته -ﷺ- والكذب عليه به، هكذا جرت سنة اللَّه، ولن تجد لسنة اللَّه تبديلًا،","vol":"7","page":564},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوعدّ العلماء ذلك من خصائصه -ﷺ-، ومقتضاه أنه لا يجري في أحد ممن سواه -ﷺ-، واللَّه أعلم.\nثم اختلفوا فقال جماعة: إن محل هذه الأحاديث أن يراه في صورته الخاصة، وحليته المخصوصة التي كانت له -ﷺ-، ثم إن بعضًا من هذه الجماعة وسعوا الأمر وقالوا: يراه بصورة وشكل كان -ﷺ- في وقت ما من مدة عمره سواء كان في الشباب أو الكهولة أو في آخر عمره، وبعضهم ضيقوا رحمة اللَّه الواسعة وقالوا: أريد أن يراه على صورة كان في آخر عمره عليها التي قبض عليها حتى اعتبروا عدد الشعرات البيض التي كانت في لحيته ورأسه -ﷺ- التي لم تبلغ عشرين شعرة.\nوعن حماد بن زيد قال: كان محمد يعني ابن سيرين إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي -ﷺ- قال: صف لي الذي رأيته، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره، وسنده صحيح.\nوقد أخرج الحاكم (١) من طريق عاصم بن كليب حدثني. . . إلى أن قال: قلت لابن عباس: (رأيت النبي -ﷺ- في المنام، قال: صفه لي، قال: فذكرت الحسن بن علي -﵄- فشبهته به، قال: قد رأيته)، وسنده جيد، لكن يعارضه ما أخرجه ابن أبي عاصم من وجه آخر عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (من رآني في المنام فقد رآني، فإني أرى في كل صورة)، وفي سنده ابن التوأمة وهو ضعيف لاختلاطه، وهو من رواية من سمع منه بعد الاختلاط.\nوذهب جماعة إلى أن رؤيته -ﷺ- بحليته المخصوصة وصفاته المعلومة رؤية لذاته\n_________\n(١) \"المستدرك\" (٤/ ٤٣٥).","vol":"7","page":565},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالكريمة، وإدراك لحقيقته الشريفة، وعلى غير تلك الصفات إدراك مثال، وكلاهما رؤيا حق ليس منه أضغاث أحلام، ولا مجال للشيطان في تمثله بصورته، لكن الأول حق وحقيقة وتحقيق، والثاني حق وتمثل وتأويل، ولا يحتاج الأول إلى التعبير لعدم تصوير المتخيلة وتلبيسه، والثاني يحتاج إليه كما حققنا في تحقيق الرؤيا، فمعنى قوله -ﷺ-: (فقد رآني) أو (فقد رأى الحق) أنه على كل صورة رأى فهو الحق ومن الحق، وليس بباطل ومن الشيطان.\nوقال الشيخ محيي الدين النووي (١): إن هذا القول أيضًا ضعيف، والصحيح أنه رآه حقيقة سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها، والاختلاف في الصفات لا يوجب الاختلاف في الذات كاختلاف الزمان والمكان، فالمرئي في كل صورة هو الذات، والصفة لباس الذات سواء كان في اليقظة أو في المنام.\nوأقول: هذا هو الحق، نعم رؤيته بالصفة المعروفة أتم وأكمل لدلالته على صقالة مرآة الرائي، وسلامة دينه، وكمال إيمانه، وبغيرها لخلل في ذات الرائي ونقصان في مرآته كما سنحققه في توضيح ما حققه الإمام الغزالي، فإنه له ﵀ تحقيقًا في هذا المقام مبنيًا على أن حقيقة الإنسان هو الروح المجردة والنفس الناطقة، والبدن آلة يوصل إدراكه إلى إدراك تلك الحقيقة، وليس معنى قوله -ﷺ-: (فقد رآني) أنه رأى جسمي وبدني، وإنما المراد أنه رأى مثالًا صار ذلك المثال آلة يتأدى بها المعنى الذي في نفسي، والبدن في اليقظة أيضًا ليس إلا آلة لإدراك النفس، والآلة قد تكون حقيقة وقد تكون خيالية، والنفس الناطقة غير المثال الحقيقي والخيالي، فالذي رأى من شكل\n_________\n(١) \"شرح النووي\" (١٥/ ٢٥).","vol":"7","page":566},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوصورة فهو مثال روحه المقدسة التي محل النبوة الموصوف بها لا روحه وشخصه، ومثل ذلك من يرى اللَّه تعالى وتقدس في المنام فإن ذاته تعالى منزه عن الشكل والصورة، لكن تنتهي تعريفاته تعالى إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره من الصور الجميلة التي تصلح أن تكون مثالًا للجمال الحقيقي المعنوي الذي لا صورة فيه ولا لون، ويكون ذلك المثال صادقًا وحقًا وواسطة في التعريف.\nفيقول الرائي: رأيت اللَّه في المنام لا بمعنى أني رأيت ذاته تعالى عن ذلك، وكذلك رؤية النبي -ﷺ- فإن ذاته المقدسة وروحه المجردة منزه عن الشكل والصورة، ولكن كان له في الحياة بدن كانت الروح متعلقة به ومدبرة فيه، وكان ذلك البدن آلة وواسطة لإدراك تلك الروح المقدسة، وبعد صيرورة ذلك البدن محجوبًا عنا ومودعًا في البقعة الشريفة من المدينة تصير الأبدان الخيالية آلات ووسائط لإدراك تلك الروح، فالمرئي ليس الروح ولا شخص البدن الموح في المدينة، لأن حضور شخص في الأماكن المتعددة المخصوصة في زمان واحد بصفات متعددة مختلفة مما لا يعقل ويتصور إلا على وجه التمثل، فالمرئي في المنامات مثالات روحه المقدسة وهي حقه ومن الحق لا مدخل فيها للبطلان والشيطان، فإن الشيطان لا يقدر على التمثل بمثاله على ما جرت سنة اللَّه تعالى، هذا خلاصة كلام الغزالي منقحًا ملخصًا.\nوعلى هذا التحقيق صارت حقيقة الحال واحدة، ولم يبق محل الاختلاف، وثبت أن المرئي حقيقته -ﷺ- لكن بالمثال، وسبب اختلاف الأمثلة مع أن المرئي ذاته وهو واحد اختلاف أحوال مرايا قلوب الرائين، فإن لاختلاف أحوال المرايا في الصقالة والكدرة والاستقامة والاعوجاج وأمثالها مدخلًا في اختلاف أحوال الصور والأشكال المرئية فيها في الحسن والجمال والاستقامة والاعوجاج لاختلاف أحوال المرايا في","vol":"7","page":567},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالصقالة والكدرة والاستقامة والاعوجاج وأمثالها، فمن رآه في صورة حسنة كما هي فهو من صقالة مرآة قلبه وسلامتها من الخلل على حسب التفاوت فيها، ومن رأى على خلاف ذلك فذلك من خلل ونقصان واقع فيها، وكذلك من رآه راضيًا أو ساخطًا أو ضاحكًا أو باكيًا أو شابًّا أو شيخًا إلى غير ذلك من الاختلافات، فتلك من اختلاف أحواله في نفسه، وليس في الذات اختلاف وتعدد، ففي رؤيته -ﷺ- ضابطة مفيدة للسالكين يعرفون بها أحوال بواطنهم وقلوبهم في التصفية حتى يعرفوا إلى أيّ حد وصلوا، وأيّ مقام حصلوا، فيعالجوها في التصفية، بل حقيقته -ﷺ- مرآة مصقلة مثورة يرون صور أحوالهم فيها.\nوعلى هذا المعنى يحمل ما وقع في كلام بعض العرفاء أنه قال: رأيت النبي -ﷺ- كذا وكذا مرة في المنام، فتحققت آخرًا أنه ما رأيت إلا نفسي، فإن هذا الكلام ليس بمعنى أن رؤيته -ﷺ- خيال محض، ولا يرى كل أحد إلا متخيلة، حاشا من ذلك، بل معناه أن المرئي حقيقته، ولكن مرآة أحوال الرائي ومعيار معرفتها، وعلى هذا القياس قال أهل التحقيق: إذا سمع كلام من النبي -ﷺ- عرض على شريعته المطهرة، فإن وافقها فقد صح وإلا فذلك لخلل في سمعه، كما نقل عن بعض الفقراء أنه رأى في المنام أنه -ﷺ- قال له: اشرب الخمر، فتمحل له تأويلات، فعرضه على بعض مشايخ زمانه فقال: إنما قال النبي -ﷺ-: لا تشرب الخمر فأخطأ سمعك وسمعت: اشرب، مكان: لا تشرب، هذا الكلام في رؤيته -ﷺ- في المنام.\nأما في اليقظة فقد حكي في ذلك حكايات الصالحين كثيرة بالغة حد التواتر، والمنكر لهذا إما أن يصدق بكرامة الأولياء أو لا، فان كان الثاني فقد سقط البحث معه لأنه يكذب ما أثبته الكتاب والسنة، وإن كان الأول يقال له: إن هذه منها، وعلى ما حققنا","vol":"7","page":568},{"text":"٤٦١١ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"من رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَسَيَرَانِي فِي الْيَقَظَةِ، وَلَا يَتَمَثَّلُ الشَّيْطَانُ بِي\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٩٣، م: ٢٢٦٦].\nــ\nظهر أن ذلك أيضًا بالمثال، لكنه في اليقظة، وقالوا: إنه لا يخلو عن طريان نوع من الغيبة في الذكر، واللَّه أعلم.\n٤٦١١ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (من رآني في المنام فسيراني في اليقظة) ذكروا لهذا الحديث محامل وتأويلات، أحدها: أنه يرى تأويل تلك الرؤيا وتصديقها، يعني تكون لها آثار وأنوار يراها في اليقظة في الدنيا، ثانيها: أن المراد رؤيته -ﷺ- في الآخرة، وتعقب أن الأمة بأجمعهم يرونه -ﷺ- في الآخرة، فما وجه التخصيص بأهل الرؤيا إلا أن تكون الرؤية بمزيد خصوصيته وحصول مزيته في حصول القرب والشفاعة لرفع الدرجات لا يحصل لمن لم يتشرف برؤيته في الدنيا، ولا يبعد أن بعض العصاة الساقطين في ورطة الغفلة يعذبون بالمنع عن رؤية جماله الشريف، فبشر من فاز بهذه السعادة في الدنيا بعدم ابتلائه بهذا العذاب هكذا قالوا.\nثالثها: أن المراد من يراني في المنام فكأنما يراني في اليقظة، والمقصود بيان صحة الرؤيا وحقانيتها بلا شك وريب، ولا يخفى أن إرادة هذا المعنى من عبارة (فسيراني في اليقظة) في غاية البعد، ولكن ورود هذا الحديث في بعض الروايات بلفظ: (فكأنما يراني في اليقظة) يؤيد هذه الإرادة.\nرابعها: أن هذه بشارة لأهل عصره ومن لم يهاجر إليه -ﷺ- بأنه إذا رآه في المنام جعل ذلك علامة على أن يراه بعد ذلك في اليقظة، ويهاجر ويتشرف بصحبته، وأوحى اللَّه ذلك إليه.\nخامسها: أن هذه بشارة لمن شرفه اللَّه برؤيته في المنام أن يوصله إلى درجة","vol":"7","page":569},{"text":"٤٦١٢ - [٧] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُّ، فَلَا يُحَدِّثُ بِهِ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ،\nــ\nيراه في اليقظة عيانًا كما هو حال بعض العارفين من أهل الخصوص، وذلك عند ارتفاع الكدورات النفسانية وقطع العلائق الجسمانية.\nوقال صاحب (المواهب اللدنية) (١): وحمل هذا الحديث ابن أبي جمرة على محمل آخر، فذكر عن ابن عباس: أنه رأى النبي -ﷺ- في النوم فبقي بعد أن استيقظ متفكرًا في هذا الحديث، فدخل على بعض أمهات المؤمنين -لعلها خالته ميمونة واللَّه أعلم- فأخرجت المرآة التي كانت للنبي -ﷺ-، فنظر فيها صورة النبي -ﷺ- ولم ير صورة نفسه، فالمراد أنه يراه في اليقظة في المرآة التي كانت إن أمكنه ذلك، وقال الحافظ ابن حجر (٢): وهذا من أبعد المحامل، انتهى.\n٤٦١٢ - [٧] (أبو قتادة) قوله: (الرؤيا الصالحة) أي: الحسنة الصادقة (من اللَّه) أي: بشارة منه تعالى وعلامة على لطفه ورحمته على عبده، (والحلم) أي: الرؤيا القبيحة الكاذبة (من الشيطان) أي: واقعة على رضاه وهواه، وإن كان كلاهما صادر بخلقه وقدرته تعالى، والمراد أن الرؤيا الصالحة بشارة من جانب الرب تعالى لعبده حتى يبعثه على حسن ظنه به تعالى وإكثار شكره، ويوجبه مزيد شوق وطلب، والحلم يلعبه الشيطان ليحزن المسلم وبسيء ظنه بربه تعالى، ويفتر سعيه في سلوك طريق الحق، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فلا يحدث) بالرفع والجزم، وقوله: (إلا من يحب) ليعبرها أحسن\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٢/ ٦٦٦).\n(٢) \"فتح الباري\" (١٢/ ٣٨٥).","vol":"7","page":570},{"text":"وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا وَمِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ، وَلْيَتْفُلْ ثَلَاثًا، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدًا فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ \". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٩٢، م: ٢٢٦١].\n٤٦١٣ - [٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا، فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِه ثَلَاثًا، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلَاثًا، وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٦١].\n٤٦١٤ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ يَكَدْ يَكْذِبُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ،\nــ\nتعبير مما يحسنه لا بما يسوؤه.\n٤٦١٣ - [٨] (جابر) قوله: (فليبصق عن يساره) ذكر في هذا الحديث البصق، وفي الحديث السابق التفل، والبصق: إخراج ماء الفم من داخله حتى يخرج منه شيء من الحلق، وقد تبدل الصاد بالزاي، وما يخرج هو البصاق والبزاق، وبعد البصق التفل معه شيء من ماء الفم، وبعده النفث وهو نفخ معه شيء مع ماء الشفة، وبعده النفخ ليس معه شيء من الماء، ثم قيد في هذا الحديث بجانب اليسار، ولعل التخصيص هذا الجانب بعلاقة الدنائة والخساسة، ونسبته إلى الشر أنسب بالشيطان وطرده.\nوقوله: (وليتحول عن جنبه الذي كان عليه) تغييرًا للحال المكروهة، وهو إذا اضطجع على وجه السنة يكون الجنب الأيمن، ويتحول إلى الأيسر ويتفل عنه ثلاثًا، ويمكن أنه كان اضطجع على وجه السنة، ثم تحول إلى الأيسر، فإن السنة إنما هو الاضطجاء ابتداء فيتفل عن الأيسر ثم يتحول، فليتدبر.\n٤٦١٤ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (إذا اقترب الزمان لم يكد يكذب رؤيا المؤمن) الحديث، فيه أقوال: أحدها: أن المراد باقتراب الزمان آخر الزمان واقتراب الساعة؛","vol":"7","page":571},{"text":"وَرُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ،\nــ\nلأن الشيء إذا قل وتقاصر تقاربت أطرافه، ومنه قيل للقصير: متقارب، وجاء في حديث آخر صريحًا: (لم يكد يكذب رؤيا المؤمن في آخر الزمان)، وسمعت من بعض مشايخي أن المراد اقتراب زمان الموت.\nوثانيها: أن المراد زمان استواء الليل والنهار؛ لأن الأمزجة في هذا الزمان أصح وأعدل، فتكون الرؤيا سالمة عن الخلل والتخليط.\nوثالثها: أن المراد بتقارب الزمان أن تكون السنة كالشهر، والشهر كالأسبوع، والأسبوع كاليوم، واليوم كالساعة، ووقع في الحديث: (الشهر كالجمعة، والجمعة كاليوم)، والمراد بها الأسبوع، وذلك أيضًا يكون في آخر الزمان لذهاب الخير والبركة ورفاهية الحال فيه، وقيل: بل يكون في زمان المهدي وبسطة عدله لأنه زمان حسن العيش والنعم والراحة، وهو وإن امتد وطال يرى قصيرًا بخلاف زمان الهم والغم ونكد العيش، فإنه وإن قصر وقل يرى ممتدًا طويلًا، ففي زمن المهدي تجيء الرؤيا الصادقة لأنه زمان الصدق، وقد جاء في الحديث: (أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا).\nوقال بعض الشراح: إن اقتراب الزمان كناية عن قصر العمر وقلة البركة، أو المراد تقارب أهل الزمان في الشر والفساد، أو تقارب أجزء الزمان وتشابههما في الشر، أو انقراض زمن الدول والقرون وانقطاعه، فيتقارب أزمانها، ولا يخفى أن سياق الحديث ناظر إلى أن صدق الرؤيا عند اقتراب الزمان من جهة قوة الإيمان وكماله بغلبة الصدق والسداد، فتوجيه تقارب الزمان بالتقارب في الشر والفساد لا يناسبه إلا أن يقال: إن صدق الرؤيا في ذلك الزمان بخاصية لا نعلمها ولا يحيط علمنا بذلك، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ورؤيا المؤمن جزء. . . إلخ)، قد يختلج هنا أن هذا يدل على كون رؤيا المؤمن مطلقًا لا يكذب، وقد علقه باقتراب الزمان، ولا بد أن يكون ذلك علة","vol":"7","page":572},{"text":"وَمَا كَانَ مِنَ النُّبُوَّةِ فَإِنَّهُ لَا يُكَذَّبُ\". قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: وَأَنَا أَقُولُ: الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ: حَدِيثُ النَّفْسِ، وَتَخْوِيفُ الشَّيْطَانِ، وَبُشْرَى مِنَ اللَّهِ، فَمَنْ رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلَا يَقُصَّهُ عَلَى أَحَدٍ، وَلْيقُمْ فَلْيُصَلِّ، قَالَ: وَكَانَ يَكْرَهُ الْغُلَّ فِي النَّوْمِ. . . . .\nــ\nولم يظهر ذلك في بعض الوجوه، فالأحسن التفويض إلى علم الشارع وعدم إحاطة علومنا بذلك، فتدبر، وسيأتي ذكر هذه اللفظة في الفصل الأول من (كتاب الفتن).\nثم لما علم من الحديث صحة الرؤيا وصدقها أورد كلامًا من ابن سيرين، وقد أعطي -﵁- حظًّا وافرًا من علم تعبير الرؤيا لبيان أقسام الرؤيا، وأشار به إلى أن جميع أقسام الرؤيا ليس بصحيحة وقابلة للتعبير والاعتبار إلا قسم منها هو بشارة وإعلام وتعريف من الحق تعالى للعبد، والمراد بقول ابن سيرين: (وأنا أقول) أي: أروي مما ورد من قول النبي -ﷺ-، فإنه قد ورد ذلك في الأحاديث.\nوقوله: (فلا يقصه على أحد) لأنه لما لم يكن له تعبير واعتبار، فحكايته وقصته عبث مما لا يعنيه، وأيضًا إن قصه ويعبره السامع بتعبير يسوؤه يلزم التوهم والتطير، ويوقعه في الوسواس مع أن للتعبير خاصية في الوقوع كما سيأتي، فالأصل أن لا يقصه على أحد وإن كان لا بد أن يقصه فليقصه على من يحبه كما مرّ في الحديث السابق.\nوقوله: (قال: وكان يكره الغل في النوم) الغل بضم الغين المعجمة: الطوق في العنق، واعلم أن في ضمير (قال: وكان يكره) احتمالات، أحدها: أن ضمير (قال) لابن سيرين كما هو ظاهر العبارة بالنظر إلى قوله: (قال محمد بن سيرين)، وعلى هذا التقدير ضمير (كان يكره) للنبي -ﷺ-، والمعنى قال ابن سيرين: كان النبي -ﷺ- يكره رؤية الغل في المنام؛ لأنه من صفات أهل جهنم كما قال: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾","vol":"7","page":573},{"text":"وَيُعْجِبُهُمُ الْقَيْدُ، وَيُقَالُ: الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠١٧، م: ٢٢٦٣].\nــ\n[غافر: ٧١] وثانيها: أن ضمير (قال) لابن سيرين، (وكان يكره) لأبي هريرة، وابن سيرين راو عنه، ومشهور بروايته عنه حتى ذكر في أصول الحديث أنه إذا قيل: قال محمد فهو ابن سيرين عن أبي هريرة، أي: قال ابن سيرين: وكان أبو هريرة يكره الغل، والظاهر أن أبا هريرة سمعه من النبي -ﷺ- وعبره باجتهاده.\nوثالثها: أن ضمير (قال) للراوي عن ابن سيرين، و(كان يكره) لابن سيرين، يعني كان ابن سيرين يكره الغل في النوم، ولعله كان لهذا الاحتمال لاستلزامه إسناد التعبير إلى ابن سيرين وهو المشهور بتأويل الرؤيا وتعبيرها نوع رجحان.\nوقوله: (ويعجبهم القيد) هكذا جاء في رواية البخاري بصيغة الجمع، فعلى الاحتمال الأول الضمير راجع إلى النبي -ﷺ- وأصحابه، وعلى الثاني لأبي هريرة وأتباعه، وعلى الثالث لابن سيرين ومعاصريه من المعبرين، فافهم.\nوقوله: (ويقال: القيد ثبات في الدين) وعلامة الكف عن القبائح والمعاصي، وثبات القدم على الطاعات، وهذا التعبير يكون بالنسبة إلى أهل الدين والطاعة، وقالوا: إذا رأى القيد في الرجلين وهو في مسجد أو مشهد خير أو على حالة حسنة فهو دليل لثباته في ذلك، ولو رآه مريض أو مسجون أو مسافر أو مكروب كان دليلا على ثباته فيه، كذا نقل الطيبي (١).\nأقول: وهكذا يختلف تعبير الرؤيا باختلاف الرائي، مثلًا: إذا رأى تاجر أنه جالس على السفينة وتهب الرياح الموافقة فهو علامة السلامة في السفر والربح في التجارة،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣٤٧).","vol":"7","page":574},{"text":"٤٦١٥ - [١٠] قَالَ البُخَارِيُّ: رَوَاهُ قَتَادَةُ وَيُونُسُ وَهُشَيْمٌ وَأَبُو هِلَالٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَالَ يُونُسُ: لَا أَحْسَبُهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي الْقَيْدِ.\nوَقَالَ مُسْلِمٌ: لَا أَدْرِي هُوَ فِي الْحَدِيثِ أَمْ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ؟ وَفِي رِوَايَةٍ نَحْوُهُ. . . . .\nــ\nوإذا رآه أحد من سالكي طريق الآخرة فتعبيره اتباع الشريعة والوصول إلى مقام الحقيقة.\n٤٦١٥ - [١٠] قوله: (قال البخاري. . . إلخ)، بيان لما اختلف فيه الشيخان في هذا الحديث، فالبخاري رواه عن هؤلاء المذكورين عن ابن سيرين عن أبي هريرة موقوفًا، وذكر عن واحد منهم وهو يونس بن عبيد أن الحديث مرفوع في القيد، أي في قولهم: ويعجبهم القيد، والقيد ثبات في الدين، وليس موقوفًا على أبي هريرة ولا على ابن سيرين.\nوقوله: (و[قال] مسلم) روى الحديث عن أيوب السختياني عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- بهذا اللفظ قال: (إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المسلم تكذب، وأصدقكم رؤيا أصدقكم حديثًا، ورؤيا المسلم جزء من خمس وأربعين جزءًا من النبوة، والرؤيا ثلاث، فالرؤيا الصالحة بشرى من اللَّه، ورؤيا تحزين من الشيطان، ورؤيا مما يحدث المرء نفسه، فإن رأى أحدكم ما يكره، فليقم فليصل، ولا يحدث بها الناس، قال: وأحب القيد، وأكره الغل، والقيد ثبات في الدين) فلا أدري أهو في الحديث أم قاله ابن سيرين، إلى هنا لفظ مسلم، ولا يخفى ما في حديثه وحديث البخاري من المخالفات، وأن قوله: (والرؤيا ثلاث) لا تصريح فيه بكونه قول ابن سيرين إلا أن","vol":"7","page":575},{"text":"وَأَدْرَجَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلَهُ: وَأَكْرَهُ الْغُلَّ. . . إِلَى تَمَامِ الْكَلَامِ.\n٤٦١٦ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ رَأْسِي قُطِعَ، قَالَ: فَضَحِكَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَقَالَ: \"إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ النَّاسَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٦٨].\n٤٦١٧ - [١٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنَّا فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ،\nــ\nيجعل قوله: فلا أدري أهو في الحديث أم قاله ابن سيرين إشارة إلى مجموع قوله: والرؤيا ثلاث. . . إلى آخر الحديث، ثم في رواية أخرى لمسلم عن أيوب وهشام بهذا الإسناد، وقال أبو هريرة -﵁-: فيعجبني القيد وأكره الغل، والقيد ثبات في الدين، وقال النبي -ﷺ-: (رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة)، وفي رواية أخرى عن قتادة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ-، وأدرج في الحديث قوله: وأكره الغل. . . إلى تمام الكلام، ولم يذكر الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة، هذه ألفاظ مسلم في الأحاديث الثلاثة، وبهذا ظهر أن الضمير في (أدرج) و(قوله) لابن سيرين أو لأبي هريرة، وظهر أيضًا تحقيق حال الضمائر في (قال: وكان يكره) فتدبر، واللَّه الموفق.\n٤٦١٦ - [١١] (جابر) قوله: (وقال: إذا لعب الشيطان بأحدكم) قيل: قد علم النبي -ﷺ- بوحي أو بدلالة أخرى أن رؤيا هذا الرجل من أضغاث أحلام، وإلا فالمعبرون قد عبروا قطع الرأس بزوال النعمة ومفارقة القوم، وتغير الحال وأمثاله، وسيجيء مثل هذا في مواضع أخر كتعبير السوارين بالكذابين، واللَّه أعلم.\n٤٦١٧ - [١٢] (أنس) قوله: (في دار عقبة بن رافع) قرشي صحابي ابن خالة","vol":"7","page":576},{"text":"فَأُوتِينَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ، فَأَوَّلْتُ أَنَّ الرِّفْعَةَ لَنَا فِي الدُّنْيَا، وَالْعَاقِبَةَ فِي الآخِرَةِ، وَأَنَّ دِينَنَا قَدْ طَابَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٧٠].\n٤٦١٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهْلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ. . . . .\nــ\nعمرو بن العاص، و(ابن طاب) كان رجلًا بالمدينة ينسب إليه هذا النوع من الرطب بأن أنشأه وغرسه أو كان يعجبه أكله أو غير ذلك، واللَّه أعلم. ويقال: رطب ابن طاب وعذق ابن طاب وتمر ابن طاب.\nوقوله: (أن الرفعة) أخذها من لفظ رافع، (والعاقبة) أخذها من لفظ عقبة، (وأن ديننا قد طاب) وفي رواية: قد أرطب وطاب، أخذًا من رطب ابن طاب، وقد كان [من] عادته الكريمة التفاؤل بالأسماء، ولم يخص ذلك بتعبير الرؤيا بل كان يأخذ في اليقظة أيضًا كما ذكر سابقًا من قصة بريدة الأسلمي في الفصل الثاني من (باب الفأل والطيرة) في حديث بريدة.\n٤٦١٨ - [١٣] (أبو موسى) قوله: (فذهب وهلي) أي: وهمي، الوهل: الوهم وزنًا ومعنى، يقال: وهل إلى الشيء يهل وهلًا: ذهب وهمه إليه، واعلم أنهم قد ذكروا أنه -ﷺ- لما أمر بالمهاجرة من مكة أري في منامه أولًا موضعًا ذات نخيل، وكان يتطرق إليه الاشتراك والاشتباه بمواضع متعددة لما أنه في أرض الحجاز مواضع من هذا القبيل، أحدها (اليمامة) بفتح الياء وخفة الميم، وهي قرية دون المدينة في وسط الشرق عن مكة على ست عشرة مرحلة من البصرة، وعن الكوفة نحوها، والنسبة يمامي، ويمامة: جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام، وبلاد الجو منسوبة إليها سميت باسمها، وكانت أكثر نخيلًا من سائر بلاد الحجاز، وبها تنبأ مسيلمة الكذاب،","vol":"7","page":577},{"text":"أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ. وَرَأَيْتُ فِي رُؤْيَايَ هَذِهِ: أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ،\nــ\nوالأخرى (هجر) بفتح الهاء والجيم، بلد باليمن بينه وبين عَثَّرَ يوم وليلة، مذكر مصروف، وقد يؤنث ويمنع، وهو اسم أرض البحرين كلها، وهو الذي وقع في حديث القلتين: (إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر) كما مرّ في (كتاب الطهارة). وفي (الصحاح) (١): اسم بلد ينسب إليه التمر.\nثم لما اتضح الأمر وخلصت الأمارات وارتفع الاشتباه تعين أن مهاجره المدينة التي كان اسمها في الجاهلية يثرب وأثرب على وزن مسجد، يقال: إن يثرب اسم لواحد من ولد نوح ﵇ توطن في هذه الأرض بعد تفرق ذريته، وقد ذهب جماعة من العلماء إلى المنع من تسمية المدينة بيثرب، وأخرج البخاري في (تاريخه) حديثًا: (أن من قال: يثرب مرة، فعليه أن يقول: مدينة عشر مرات تلافيًا لما صدر عنه من الخطيئة) (٢)، وروى أحمد وأبو يعلى: (أن من قال للمدينة: يثرب استغفر، اسمها طابة طابة) (٣)، وقد جاء في هذا الباب روايات أخر، قالوا: ووجه الكراهة اشتقاقه من ثرب محركًا بمعنى الفساد أو من التثريب بمعنى المؤاخذة والعقاب، أو أنه لما كان في الأصل اسم كافر كره تسميتها به تنزيهًا لساحة غير هذه البلدة المطهرة من دنس الشرك والكفر، وما وقع في القرآن المجيد: ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٣] فهو من لسان المنافقين.\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٢/ ٨٥٢).\n(٢) \"التاريخ الكبير\" (٦/ ٢١٧).\n(٣) \"مسند أحمد\" (٤/ ٢٨٥)، و\"مسند أبي يعلى\" (٣/ ٢٤٧).","vol":"7","page":578},{"text":"ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْفَتْحِ وَاجْتِمَاعِ الْمُؤْمِنِينَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٢٢، م: ٢٢٧٢].\nــ\nوقد وقع في بعض الأحاديث تسمية يثرب، فقيل: إن ذلك قبل ورود النهي، وهذا الحديث أيضًا يحتمله، أو لبيان أصل الجواز، والنهي تنزيهي، والمدينة في الأصل اسم لبيوت مجتمعة جاوزت في الكثرة والعمارة حد القرية، ولم يبلغ حد المصر، فالمصر فوق الكل، والقرية تحت الكل، والبلد والمدينة بينهما في مرتبة واحدة، وبعضهم جعلوا المصر والمدينة في مرتبة، والمدينة بالألف واللام علم لمدينة رسول اللَّه -ﷺ- غلب عليه كالنجم، والنسبة إليها مدني، وإلى غيرها مديني.\nقال الجوهري (١): إذا نسبت إلى مدينة النبي -ﷺ- قلت: مدني، وإلى مدينة المنصور مديني، وإلى مدائن كسرى مدائني، وقال الحافظ المقدسي: قال البخاري: المديني من أقام بمدينة رسول اللَّه -ﷺ- ولم يفارقها، والمدني هو الذي تحول عنها، كذا ذكر الكرماني، ولهذه البلدة الشريفة أسماء تجاوز المئة، وقد ذكرنا نبذة منها في كتاب (جذب القلوب إلى ديار المحبوب).\nوقوله: (فإذا هو ما جاء اللَّه به من الفتح واجتماع المؤمنين) المراد هو ما حصل من الفتح في ذلك اليوم؛ لأن المسلمين تزلزلوا عن مركزهم الذي أمرهم رسول اللَّه -ﷺ- الثبات فيه، وضربوا على الغنائم، ثم رجعوا إلى الاستقامة فظهرت آثار الفتح والنصرة، ويحتمل أن يكون المراد ما حصل من الفتوح بعد يوم أحد، فافهم.\nواعلم أن هذه الرؤيا إن كانت قبيل غزوة أحد فما رأى أحوال الهجرة والخروج، لها أحوال سابقة عليها أريت له -ﷺ- الآن، وإن كانت في بدء الهجرة أريت\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٦/ ٢٢٠١).","vol":"7","page":579},{"text":"٤٦١٩ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِخَزَائِنِ الأَرْضِ، فَوُضِعَ فِي كَفَّيَّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ، فَكَبُرَا عَلَيَّ، فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا، فَذَهَبَا، فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا: صَاحِبُ صَنْعَاءَ وَصَاحِبُ الْيَمَامَةِ\".\nــ\nله أحوال لاحقة ظهرت بعدها، وتعيين تعبيرها بغزوة أحد موكول إلى علمه وتعليم اللَّه إياه في تعبيره، فإن التعبيرات النبوية بوحي أو إلهام كما أشرنا إليه، ولهذا عبر السيف بالمؤمنين من المهاجرين والأنصار، وإن كانت للسيف تعبيرات أخر عند المعبرين كالولد، والأخ، والزوجة، واللسان، والولاية وأمثالها كما ذكره الطيبي (١)، وكذلك تعبيره -ﷺ- السوارين بالكذابين في الحديث الآتي كما سنبينه.\n٤٦١٩ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (فوضع في كفي) الرواية بإفراد الكف، وقال الطيبي (٢): الظاهر بلفظ التثنية كما جاء في الرواية الأخرى: (في يدَيَّ)، وصرح النووي أنها بلفظ التثنية، فبالقياس عليها يكون في هذه الرواية أيضًا بلفظ التثنية، ولا يخفى أن الرواية لا تثبت بالقياس، ثم رؤية السوارين من ذهب لعلها لانهماك الكذابين في زينة الدنيا وشدة كراهة أمرهما وغلظته، والنفخ لاستحقار شأنهما وعدم ثبات أمرهما كالشيء الخفيف والتافه ينفخ ويطير في الهواء ويزول.\nو(صنعاء) بلد من بلاد اليمن، وصاحبه الأسود العنسي بفتح العين وسكون النون ادعى النبوة في آخر عهد رسول اللَّه -ﷺ- فقتله فيروز الديلمي في مرض وفاة رسول اللَّه -ﷺ-، فأخبر به رسول اللَّه -ﷺ- وقال: فاز فيروز، و(اليمامة) بلد من بلاد حجاز\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣٤٩).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣٤٩).","vol":"7","page":580},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: \"يُقَالُ: أَحَدُهُمَا مُسَيْلِمَةُ صَاحِبُ الْيَمَامَةِ، وَالْعَنْسِيُّ صَاحِبُ صَنْعَاءَ\"، لَمْ أَجِدْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي \"الصَّحِيحَيْنِ\". وَذَكَرهَا صَاحِبُ \"الْجَامِعِ\" عَنِ التِّرْمِذِيِّ. [خ: ٤٣٧٤، م: ٢٢٧٤، ت: ٢٢٩٢].\n٤٦٢٠ - [١٥] وَعَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: رَأَيْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ فِي النَّوْمِ عَيْنًا تَجْرِي، فَقَصَصْتُهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"ذَلِكَ عَمَلُهُ يَجْرِي لَهُ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧٠١٨].\nــ\nكما عرفت، وصاحبه مسيلمة الكذاب على صيغة التصغير كان اسمه مسلمة بفتح الميم وسكون السين وفتح اللام صغره المسلمون، قتل على يد وحشي بن حرب في خلافة الصديق -﵁-، وقصته مشهورة.\nثم قالوا في تأويل السوارين بهذين الكذابين: إن السوار مشابه بالقيد لليد كما يكون للرجل، والقيد يمنع اليد من الأخذ والبطش والعمل والتصرف كما ينبغي، فالكذابان لما عارضا أمر رسول اللَّه -ﷺ- شابها القيد في المنع عن العمل والتصرف كأنهما أخذا يديه ولم يتركا أن يعمل بهما ويتصرف، كذا قالوا، وهذا وجه مناسبة ذكروه بعد وقوع التعبير بهما، وليس أنه -ﷺ- عبر بهما أخذًا بهذه المناسبة، بل تعبيره -ﷺ- بوحي أو إلهام وقع في قلبه الشريف، هكذا ينبغي أن يفهم، وقد أشرنا إليه مرارًا، وفي الحقيقة: التعبير لا يصلح إلا لأهل الكشف الذين يطلعون على حقيقة الأمر لا بمجرد المناسبة يذكرونها أهل التعبير في الظاهر كما ذكر أهل التحقيق.\n٤٦٢٠ - [١٥] (أم العلاء الأنصارية) قوله: (ذلك عمله يجرى له) بلفظ المجهول من الإجراء أو المعلوم من الجري، وتشبيه العمل بالعين في الجريان وبقاء أثره وجزائه ظاهر، وسمعت الشيخ الجليل الكبير ولي اللَّه عبد الوهاب المتقي يقول: رأيت شيخي","vol":"7","page":581},{"text":"٤٦٢١ - [١٦] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: \"مَنْ رَأَى مِنْكُمُ اللَّيْلَةَ رُؤْيَا؟ \" قَالَ: فَإِنْ رَأَى أَحَدٌ قَصَّهَا، فَيَقُولُ: مَا شَاءَ اللَّهُ. فَسَأَلَنَا يَوْمًا فَقَالَ: \"هَلْ رَأَى مِنْكُمْ أَحَدٌ رُؤْيَا؟ \" قُلْنَا: لَا، قَالَ: \"لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخَذَا بِيَدَيَّ، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَإِذَا رَجُل جَالِسٌ وَرَجُلٌ قَائِمٌ بِيَدِه كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ، يُدْخِلُهُ فِي شِدْقِهِ فَيَشُقُّهُ حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ فَيَصْنعُ مِثْلَهُ. قُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ،\nــ\nالشيخ علي المتقي رحمة اللَّه عليه في المنام، فإذا عنده حياض صغار وكبار، وجداول، وأنهار فيشير إليها، ويقول: هذا الجامع الكبير، وهذا الجامع الصغير، وهذا رسالتي فلانة، وهذا كتابي فلان، يعد كتبه ورسائله المصنفة في علوم الدين.\n٤٦٢١ - [١٦] (سمرة بن جندب) قوله: (إلى أرض مقدسة) في بعض الحواشي: أن المراد أرض الشام، والظاهر من تنكيرها الإطلاق، وأن التوصيف بالمقدسة للمدح، و(الكلوب) بفتح الكاف وتشديد اللام المضمومة: حديدة معوجة الرأس له شعب تعلق بها اللحم، وجمعه كلاليب، يجذب به الشيء بشدة، و(الشدق) بكسر الشين وسكون الدال المهملة: طرف الشفة من جانب الأذن، وفي (الصراح) (١): شدق بالكسر: كنج دهن أشداق جماعت، انتهى. ومنه التشدق، وفي صفته -ﷺ-: (يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه) (٢) وهي جوانب الفم، وذلك لرحب شدقيه، والعرب\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٣٨٠).\n(٢) أخرجه الترمذي في \"الشمائل\" (١٣٥).","vol":"7","page":582},{"text":"فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ عَلَى قَفَاهُ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِفِهْرٍ أَوْ صَخْرَةٍ يَشْدَخُ بِهِ رَأْسَهُ، فَإِذَا ضَرَبَهُ تَدَهْدَهَ الْحَجَرُ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ، فَلَا يَرْجِعُ إِلَى هَذَا حَتَّى يَلْتَئِمَ رَأْسُهُ وَعَادَ رَأْسُهُ، كَمَا كَانَ، فَعَادَ إِلَيْهِ فَضَرَبَهُ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا إِلَى ثَقْبٍ (١) مِثْلِ التَّنُّورِ أَعْلَاهُ ضَيِّقٌ وَأَسْفَلَهُ وَاسِعٌ،\nــ\nتمتدح به، وأما حديث: (أبغضكم الثرثارون المتشدقون)، فهم المتوسعون في الكلام بلا احتياط، والمتكلفون المتصنعون المتكلمون على أفواههم تفاصحًا وتعظيمًا لنطقهم، وقيل: أراد به المستهزئ بالناس يلوي شدقه بهم وعليهم، و(الفهر) بكسر الفاء وسكون الهاء: حجر ملأ الكف، وقيل: هو الحجر مطلقًا، وفي (القاموس) (٢): الفهر، بالكسر: الحجر قدر ما يُدَقُّ به الجَوْزُ أو ما يملأ الكف، يذكر ويؤنث، انتهى.\nوفي الحديث: لما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١]، جاءت امرأته، وفي يدها فهر (٣)، أي: حجر ملأ الكف.\nوقوله: (أو صخرة) شك من الراوي، و(الشدخ) الكسر، وفي (الصحاح) (٤): كسر الرأس، من باب منع، وفي (النهاية) (٥): كسر الشيء الأجوف، و(تدهده) بمعنى تدحرج، و(الثقب) بفتح المثلثة وسكون القاف، وفي رواية: (نقب) بفتح النون،\n_________\n(١) في نسخة: \"نقب\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٢٧).\n(٣) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٢/ ٣٩٣).\n(٤) \"الصحاح\" (١/ ٤٢٤).\n(٥) \"النهاية\" (٢/ ٤٥١).","vol":"7","page":583},{"text":"تَتَوَقَّدُ تَحْتَهُ نارٌ فَإِذَا ارْتَقَتْ (١) ارْتَفَعُوا حَتَّى كَادَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا، وَإِذَا خَمَدَتْ رَجَعُوا فِيهَا، وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ عُرَاةٌ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهرٍ مِنْ دَمٍ، فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ عَلَى وَسْطِ النَّهَرِ، وَعَلَى شَطِّ النَّهَرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ،\nــ\nوكلاهما بمعنى، كذا يفهم من (الصحاح) (٢)، وفي (القاموس) (٣): الثقب بالثاء: الخرق النافذ، وقال: النقب بالنون: الثقب، وفي الحواشي بعلامة (المغرب): الثقب بالثاء: الخرق النافذ، وإنما يقال هذا فيما يقل ويصغر، وأما نقب الحائط ونحوه بالنون فذلك فيما يعظم.\nوقوله: (فإذا ارتفعت) أي: اشتعلت وارتفعت.\nوقوله: (فارتفعوا) أي: أهله الداخلون فيه، يفهم من المقام.\nوقوله: (حتى كاد أن يخرجوا) كاد تامة أو الخبر محذوف، أي: كاد خروجهم يتحقق.\nوقوله: (على وسط النهر) صححه الوسط بفتح السين وسكونها، والسكون أظهر.\nوقوله: (بين يديه حجارة) جمع حجر، كذا في (القاموس) (٤).\n_________\n(١) في نسخة: \"ارتفعت\".\n(٢) \"الصحاح\" (١/ ٩٣، ٢٢٧).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٢، ١٤١).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٤٨).","vol":"7","page":584},{"text":"فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ مَا هَذَا؟ قَالَا: انْطَلِقْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ خَضْرَاءَ، فِيهَا شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ، وَفِي أَصْلِهَا شَيْخٌ وَصِبْيَانٌ وَإِذَا رَجُل قَرِيبٌ مِنَ الشَّجَرَةِ، بَيْنَ يَدَيْهِ نارٌ يُوقِدُهَا، فَصَعِدَا بِيَ الشَّجَرَةَ فَأَدْخَلَانِي دَارًا وَسْطَ الشَّجَرَةِ، لَمْ أَرَ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهَا، فِيهَا رِجَالٌ شُيُوخٌ وَشَبَابٌ وَنسَاءٌ وَصِبْيَانٌ، ثُمَّ أَخْرَجَانِي مِنْهَا، فَصَعِدَا بِيَ الشَّجَرَةَ فَأَدْخَلَانِي دَارًا هِيَ أَحْسَنُ وَأَفْضَلُ مِنْهَا، فِيهَا شُيُوخٌ وَشَبَابٌ، فَقُلْتُ لَهُمَا: إِنَّكُمَا قَدْ طَوَّفْتُمَانِي اللَّيْلَةَ فَأَخْبِرَانِي عَمَّا رَأَيْتُ، قَالَا: نَعَمْ، أَمَّا الرَّجُلُ الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ،\nــ\nوقوله: (فجعل كلما جاء) جعل من أفعال المقاربة، وحقه أن يكون خبره فعلًا مضارعًا، فما جاء على خلافه فهو على خلاف الأصل، و(الروضة) موضع يستنقع فيه الماء، والروضة البستان في غاية النضارة، وفي (الكشاف) (١): كل أرض ذات نبات وماء، وفي (القاموس) (٢): الروضة والريضة، بالكسر من الرمل والعشب: مُسْتَنْقَعُ الماء، لاستراضة الماء فيها، وفي (الصراح) (٣): روضة: مرغزار.\nو(الشباب) بفتح الشين وخفة الموحدة جمع شاب، وفي الحديث: (الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة) (٤).\nوقوله: (طوفتماني) بالنون وبالباء.\n_________\n(١) \"الكشفاف\" للزمخشري (٣/ ٤٧١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٩٤).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٢٨٠).\n(٤) أخرجه الترمذي في \"سنن\" (٣٧٦٨)، وابن ماجه في \"سننه\" (١١٨).","vol":"7","page":585},{"text":"يُحَدِّثُ بِالْكَذْبَةِ فَتُحْمَلُ عَنْهُ، حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فَيُصْنعُ بِهِ مَا تَرَى إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ يُشْدَخُ رَأْسُهُ فَرَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَنَامَ عَنْهُ بِاللَّيْلِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا فِيهِ بِالنَّهَارِ، يُفْعَلُ بِهِ مَا رَأَيْتَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّقْبِ (١) فَهُمُ الزُّنَاةُ، وَالَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا، وَالشَّيْخُ الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي أَصْلِ الشَّجَرَةِ إِبْرَاهِيمُ، وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهُ فَأَوْلَادُ النَّاسِ، وَالَّذِي يُوقِدُ النَّارَ مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ، وَالدَّارُ الأُولَى الَّتِي دَخَلْتَ دَارُ عَامَّةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا هَذِهِ الدَّارُ فَدَارُ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَا جِبْرِيلُ، وَهَذَا مِيكَائِيلُ، فَارْفَعْ رَأْسَكَ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا فَوْقِي مِثْلُ السَّحَابِ -وَفِي رِوَايَةٍ: مِثْلُ الرَّبَابَةِ الْبَيْضَاءِ- قَالَا: ذَلِكَ مَنْزِلُكَ، قُلْتُ: دَعَانِي أَدْخُلْ مَنْزِلِي،\nــ\nوقوله: (فنام عنه بالليل ولم يعمل بما فيه بالنهار) لا يذهب عليك أن العمل بالقرآن واجب بالليل والنهار، وأن تلاوة القرآن بالليل عمل به، ولكن لما كانت السنة في الليل العمل به بتلاوته خصها بالليل، والعمل بأحكام أمر القرآن بالنهار باعتبار الغلبة، فافهم.\nوقوله: (فهم الزناة) لعله عبر الواقعين في التنور بالزناة لاحتراقهم بنار الشهوة ووقوعهم فيها.\nوقوله: (آكل الربا) يأكل الحجر مكان أكل الربا، و(الربابة) بفتح الراء وخفة الموحدتين في آخره تاء: السحاب المتراكم الذي ركب بعضها بعضًا، وقيل: السحابة البيضاء، فالبيضاء صفة مؤكدة.\nوقوله: (دعاني) دعا تثنية (دع) أمر بمعنى أتركاني.\n_________\n(١) في نسخة: \"الثقب\".","vol":"7","page":586},{"text":"قَالَا: إِنَّهُ بَقِيَ لَكَ عُمُرٌ لَمْ تَسْتَكْمِلْهُ فَلَوِ (١) اسْتَكْمَلْتَهُ أَتَيْتَ مَنْزِلَكَ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَذَكرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ -ﷺ- فِي الْمَدِينَةِ فِي \"بَابُ حَرَمِ الْمَدِينَةِ\". [خ: ٧٠٤٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1062> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٦٢٢ - [١٧] عَنْ أَبِي رَزِينٍ العُقَيْلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ يُحَدِّثْ بِهَا، فَإِذَا حَدَّثَ بِهَا وَقَعَتْ\". وَأَحْسِبُهُ قَالَ: \"لَا تُحَدِّثْ إِلَّا حَبِيبًا. . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n٤٦٢٢ - [١٧] (أبو رزين العقيلي) قوله: (على رجل طائر) كناية عن السقوط وعدم الاستقرار، والعرب تقول في أمر لم يتقرر وهو في محل السقوط: هو على رجل طائر، فإن الطير في غالب أحواله لا يستقر، فكيف ما يكون على رجله، أي: لا يستقر الرؤيا قرارها، ولا يعتبر بها، ولا يقع ما لم يحدث بها، فإذا حدث بها وعبرت استقرت ووقعت كما عبرت، فلا ينبغي أن يحدث برؤيا يتوهم ضررها لو وقعت.\nوقوله: (وأحسبه قال) الظاهر أن هذا قول أبي رزين، والضمير المنصوب في (أحسبه) والمرفوع في (قال) للنبي -ﷺ-، ويحتمل أن يكون قول راوي أبي رزين، والضميران له.\nوقوله: (لا تحدث) وفي بعض النسخ بزيادة (بها).\nوقوله: (إلا حبيبًا) لتحمله المحبة على التعبير بالخير وما يسره، والعداوة تحمل\n_________\n(١) في نسخة: \"فإذا\".","vol":"7","page":587},{"text":"أَوْ لَبِيبًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\nوَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ (١): \"الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبَّرَ، فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ\". وَأَحْسِبُهُ قَالَ: \"وَلَا تَقُصَّهَا إِلَّا عَلَى وَادٍّ أَوْ ذِي رَأْيٍ\". [ت: ٢٢٧٨، ٢٢٧٩].\nــ\nعلى التعبير بالمكروه وما يسوؤه، (أو لبيبًا) حتى يصرفها بقوة الفكر وإعمال الروية إلى جانب الخير، وبما يدفع توهم الضرر، وكلمة (أو) إما للشك من الراوي، وإن كان للتنويع فلا يخلو عن شيء؛ لأنها تدل على أن أحد الوصفين كاف، والظاهر أن المحبة وحدها مع عدم اللب غير كاف، وكذا اللب مع عدم المحبة، بل لا بد من اجتماعهما، اللهم إلا أن يكون المراد لا يحدث إلا حبيبًا يكون حبه معلومًا عنده وتيقن به، وإن لم يكن حبه معلومًا ولا عداوته لا بد أن يكون لبيبًا ليصرف بقوة الفكر إلى الخير، وأما على تقدير الجزم بالعداوة فلا يفيد اللب، وهذا التوجيه لا يخلو عن خفاء ودقة، والحمل على الشك أسلم وأظهر، وعلى تقدير الحمل عليه يمكن لنا اعتبار أحد الوصفين في الآخر وانضمامه معه، فليفهم.\nوقوله: (وفي رواية لأبي داود قال: الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر، فإذا عبرت وقعت) الحديث، مضمون هذه الرواية هو مضمون الرواية الأولى، ولا فرق بينهما إلا أن في الأولى رتب الوقوع على التحديث، وفي الثانية على التعبير، والظاهر أن في الأولى أيضًا التعبير معتبر كما أشرنا إليه في أثناء التقرير؛ لأن النهي عن التحديث إلا مع الحبيب أو اللبيب يدل على ذلك، وذكر في هذه الرواية (الواد) مكان الحبيب، والود والحب واحد، وكذلك اللبيب وذو رأي.\n_________\n(١) \"قال\" سقط في نسخة.","vol":"7","page":588},{"text":"٤٦٢٣ - [١٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَن وَرَقَةَ. فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: إِنَّهُ كَانَ قَدْ صَدَّقَكَ، وَلَكِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أُرِيتُهُ فِي الْمَنَامِ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَكَانَ عَلَيْهِ لِبَاسٌ غَيْرُ ذَلِكَ\". . . . .\nــ\nوجاء في بعض الروايات: (الرؤيا لأول عابر وهي على رجل طائر) الحديث، يعني إذا كانت الرؤيا محتملة لتعبيرات متعددة فحدث بها لأحد وعبر على أحد الاحتمالات، ثم ذكر للآخر وعبر على احتمال آخر، فالمعتبر هو التعبير الأول ويقع على حسبه، وهنا إشكال يوردونه وهو أن وقوع جميع الأشياء بقضاء اللَّه وقدره، فما وجه كتمان الرؤيا في السقوط وتعبيرها في الوقوع؟\nوالجواب أن هذا أيضًا بقضاء اللَّه وقدره، فما هو حكم الدعاء والصدقة وسائر الأسباب حكمه ولا إشكال.\n٤٦٢٣ - [١٨] (عائشة) قوله: (سئل رسول اللَّه -ﷺ- عن ورقة) هو ورقة بن نوفل ابن أسد بن عبد العزى بن قصي، ابن عم أم المؤمنين خديجة بن خويلد بن أسد، وذكره في (أسد الغابة) (١) في الصحابة وقال: اختلف في إسلامه، ثم أورد هذا الحديث بعينه دليلًا على إسلامه، ثم إن عائشة -﵂- روت هذا الحديث سماعًا من غيرها؛ لأنها لم تكن حينئذ عند النبي -ﷺ-، فالحاصل أنه قد سئل النبي -ﷺ- عن حال ورقة أهو مؤمن أم لا؟ فقالت خديجة: كلامًا بين بين، رعاية لحال ابن عمها، وأدبًا مع رسول اللَّه -ﷺ-، الأول منهما ناظرًا إلى إيمانه وهو قولها: (إنه قد صدقك) أي: إجمالًا، والثاني إلى التوقف وهو قولها: (ولكن مات قبل أن تظهر) يعني أنه لم يدرك زمان دعوتك ليصدقك\n_________\n(١) \"أسد الغابة\" (٥/ ٤١٦).","vol":"7","page":589},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٦/ ٦٥، ت: ٢٢٨٨].\n٤٦٢٤ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ عَمِّهِ أَبِي خُزَيْمَةَ -﵃-: أَنَّهُ رَأَى فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، أَنَّهُ سَجَدَ عَلَى جَبْهَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- فأَخْبَرَهُ، فَاضْطَجَعَ لَهُ وَقَالَ: \"صَدِّقْ رُؤْيَاكَ\" فَسَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ: كَأَنَّ مِيزَانًا نزَلَ مِنَ السَّمَاءِ فِي \"بَابِ مَنَاقِبِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ -﵄-\". [شرح السنة: ١٢/ ٢٢٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1063> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٦٢٥ - [٢٠] عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِمَّا يَكْثُرُ أَنْ يَقُولَ لِأصْحَابِهِ: \"هَلْ رَأَى أَحَد مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا؟ \" فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ (١) شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ، وَإِنَّهُ قَالَ لَنَا ذَاتَ غَدَاةٍ: . . . . .\nــ\nفيما تجيء به من عند اللَّه تفصيلًا، ويأتي بالأعمال على موجب شريعتك، فأخبر -ﷺ- أنه من أهل الجنة فثبت إيمانه، والحمد للَّه.\n٤٦٢٤ - [١٩] (ابن خزيمة بن ثابت) قوله: (صدق رؤياك) فيه دليل على استحباب العمل بمقتضى الرؤيا في اليقظة إن كان من جنس الطاعة كما إذا رأى أنه صام أو صلى أو تصدق أو زار صالحًا وأمثال ذلك، كذا قال الطيبي (٢).\nالفصل الثالث\n٤٦٢٥ - [٢٠] (سمرة بن جندب) قوله: (مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم) وضع (ما) موضع (من)؛ لأنه أعم، أو بإرادة الصفة كما في قوله\n_________\n(١) في نسخة: \"ما\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣٥٧).","vol":"7","page":590},{"text":"\"إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي: انْطَلِقْ وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا\". وَذَكَرَ مِثْلَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي الْفَصْلِ الأَوَّلِ بِطُولِهِ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: \"فَأَتَيْنَا عَلَى رَوْضَةٍ مُعْتِمَةٍ فِيهَا مِنْ كُلِّ نَوْرِ الرَّبِيعِ، وإذَا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ، لَا أَكَادُ أَرَى رَأْسَهُ طُولًا فِي السَّمَاءِ، وَإِذَا حَوْلَ الرَّجُلِ مِنْ أَكْثَرِ وِلْدَانٍ رَأَيْتُهُمْ قَطُّ. قُلْتُ لَهُمَا: مَا هَذَا مَا هَؤُلَاءِ؟ \" قَالَ: \"قَالَا لِيَ: . . . . .\nــ\nتعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]، وفيه تفخيم له، ويكثر من الإكثار، و(أن يقول) مفعوله، وإن كان من الكثرة فهو فاعله، و(هل رأى) مقول القول، وكلام الطيبي (١) مخصوص بكونه من الكثرة، لكن كونه من الإكثار أقوى رواية، فتدبر.\nوقوله: (وإنهما ابتعثاني) بعثه وابتعثه بمعنى، و(معتمة) بضم ميم وسكون مهملة وكسر مثناة وتخفيف ميم، مشتق من العتمة بمعنى شدة الظلام، ووصف (الروضة) بها لشدة الخضرة، وروي بفتح المثناة وتشديد الميم أيضًا، وقال الطيبي (٢): أي طويلة النبات، يقال: اعتم النبت: إذا طال.\nوقوله: (من أكثر ولدان رأيتهم قط) كلمة (قط) جاءت هنا لتأكيد المثبت، وقد جاء في (صحيح البخاري) (٣) في الكسوف: (أطول صلاة قط)، وفي (سنن أبي داود) (٤): وتوضأ ثلاثًا ثلاثًا قط، فعلم أن مجيء (قط) بعد المثبت لغة، والمشهور بين النحاة أنها مخصوصة بتأكيد النفي.\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣٥٧).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٨/ ٣٥٨).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (١٠٦٤).\n(٤) \"سنن أبي داود\" (١١٦).","vol":"7","page":591},{"text":"انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ، لَمْ أَرَ رَوْضَةً قَطُّ أَعْظَمَ مِنْهَا، وَلَا أَحْسَنَ\". قَالَ: \"قَالَا لِيَ: ارْقَ فِيهَا\". قَالَ: \"فَارْتَقَيْنَا فِيهَا فَانْتَهَيْنَا إِلَى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنِ ذَهَبٍ، وَلَبِنِ فِضَّةٍ، فَأَتَيْنَا بَابَ الْمَدِينَةِ، فَاسْتَفْتَحْنَا فَفُتِحَ لَنَا فَدَخَلْنَاهَا فَتَلَقَّانَا فِيهَا رِجَالٌ، شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ، وَشَطْرٌ مِنْهُمْ كَأَقْبَحِ مَا أَنْتَ رَاءٍ\". قَالَ: \"قَالَا لَهُمُ: اذْهَبُوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهَرِ\"، قَالَ: \"وَإِذَا نَهرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كَأَنَّ مَاءَهُ الْمَحْضُ فِي الْبَيَاضِ، فَذَهَبُوا،\nــ\nوقد تنبه لذلك بعض النحاة، فجعل القاعدة أكثرية، وقد نص بذلك في (التسهيل)، وقال: وربما يستعمل بدون نفي تارة لفظًا ومعنى، وتارة لفظًا لا معنى، ومثل لذلك في شرحه للأول بقول بعض الصحابة: فقصرنا الصلاة في السفر مع النبي -ﷺ- أكثر ما كنا قط وآمنه (١)، وللثاني بما جاء في الحديث: أن أبيًّا قال: كم يرى سورة الأحزاب؟ فقال عبد اللَّه: ثلاثًا وسبعين، فقال: قط (٢)، أي: ما كانت قط، وبعضهم أول لفظ الحديث وقال: تقديره، أي: إذا حول الرجل ولدان ما رأيت ولدًا قط أكثر منهم، يشهد له قوله: (لم أر روضة قط أعظم منها).\nوقوله: (بلبن ذهب) بفتح اللام وكسر الباء، واحدة لبنة، ويقال بكسر لام وسكون باء.\nوقوله: (شطر من خلقهم) أي: نصف بدن كل واحد منهم.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (١٦٥٦).\n(٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (١٦٥٦). ولفظه: \"صلى بنا النبي -ﷺ- ونحن أكثر ما كنا قط وآمن\".","vol":"7","page":592},{"text":"فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ فَصَارُوا فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ\". وَذَكَرَ فِي تَفْسِير هَذِه الزِّيَادَة: \"وَأَما الرَّجلُ الطويلُ الَّذِي فِي الرَّوْضَةِ فَإِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ، وَأَمَّا الْوِلْدَانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ فَكُلُّ مَوْلُودٍ مَاتَ عَلَى الْفِطْرَةِ\". قَالَ: فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكينَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكينَ، وَأَمَّا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ، وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ، فَإِنَّهُمْ قَوْمٌ قَدْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٦٤٠].\n٤٦٢٦ - [٢١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مِنْ أَفْرَى الْفِرَى أَنْ يُرِيَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَيا\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٦٢٦].\n٤٦٢٧ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"أَصْدَقُ الرُّؤْيَا بِالأَسْحَارِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٢٧٤، دي: ٢/ ١٦٩].\nــ\nقوله: (فقعوا) قعوا أمر من وقع يقع كقوله تعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩]، و(المحض) اللبن الخالص.\nوقوله: (وأولاد المشركين) أي: منهم أو لا؟ فلم يعلم حالهم يقينًا.\n٤٦٢٦ - [٢١] (ابن عمر) قوله: (من أفرى الفرى) بكسر الفاء جمع فرية، وهي الكذبة، أي: من أكذب الكذبات (أن يرى الرجل عينيه ما لم تريا) أي: وصفهما بالرؤية، والمقصود الكذب في الرؤيا، وقد ورد الوعيد على الكذب في الرؤيا في الأحاديث.\n٤٦٢٧ - [٢٢] (أبو سعيد) قوله: (أصدق الرؤيا بالأسحار) لكون السحر محل نزول الرحمة وصحة المزاج وصفاء الوقت والحال.","vol":"7","page":593},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nتم (كتاب الرؤيا) بعون اللَّه وتوفيقه، ويتلوه (كتاب الآداب).\nتم بحمد اللَّه وتوفيقه المجلد السابع ويتلوه إن شاء اللَّه تعالى المجلد الثامن وأوله: (كتاب الآداب).\nوصلى اللَّه تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.\n* * *","vol":"7","page":594},{"text":"لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح\nللخطيب التبريزي (ت: ٧٤١ هـ)\nتأليف العلامة المحدث عبد الحق الدهلوي\nعبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدهلوي الحنفي\nالمولود بدهلي في الهند سنة (٩٥٨ هـ) والمتوفى بها سنة (١٠٥٢ هـ) رحمه اللَّه تعالى\nتحقيق وتعليق الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي\nطبع على نفقة سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان\nممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة\nالمجلد الثامن\nدار النوادر","vol":"8","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"8","page":2},{"text":"لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح\n(٨)","vol":"8","page":3},{"text":"دار النوادر\nالمؤسس والمالك نور الدين طالب\nمؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي والإسلامي والدراسات الأكاديمية والجامعية المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية تأسست في دمشق سنة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م، وأُشهرت سنة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م.\nسوريا - دمشق - الحلبوني:\nص. ب: ٣٤٣٠٦\nجميع الحقوق محفوظة للمحقق\nيمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بكافة طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي أو المسموع أو استخدامه حاسوبيًا بكافة أنواع الاستخدام وغير ذلك من الحقوق الفكرية والمادية إلا بإذن خطي من المؤسسة.\nالطبعة الأولى\n١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م\nE-mail: info@daralnawader.com\nWebsite: www.daralnawader.com\nشركات شقيقة\nدار النوادر اللبنانية - لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)\nدار النوادر الكويتية - الكويت - ص. ب: ١٠٠٨ - هاتف: ٢٢٤٥٣٢٣٢ - فاكس: ٢٢٤٥٣٣٢٣ (٠٠٩٦٥)\nدار النوادر التونسية - تونس - ص. ب: ١٠٦ (أريانة) - هاتف: ٧٠٧٢٥٥٤٦ - فاكس: ٧٠٧٢٥٥٤٧ (٠٠٢١٦)\nمركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية\nمظفرفور - أعظم جراه - يوبي - الهند\nالهاتف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤ - ٠٠٩١\nالفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦ - ٠٠٩١\nمتحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥ - ٠٠٩١\nالبريد الإلكتروني: drnadwi@gmail.com","vol":"8","page":4},{"text":"(٢٥) كتاب الآداب","vol":"8","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1064>(٢٥) كتاب الآداب</span>\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n٢٥ - كتاب الآداب\nقال الطيبي (١): الأدب اسم يقع على كل رياضة محمودة يتخرج بها الإنسان في فضيلة من الفضائل، وتركيبه يدل على الجمع والدعاء، ومنه الأدب، بمعنى جمع الناس إلى الطعام ودعائهم إليه، وقيل للصنيع: مأدبة، كما قيل له: مدعاة، ومنه الأديب؛ لأنه يأدِبُ الناس إلى المحامد، [أي]: يدعوهم إليها، وفي (القاموس) (٢): الأدب: حسن التناول، أَدُب كَحَسُنَ، أدَبًا، فهو أديب، والجمع أُدباء، وأدَّبه: علمه، فتأدّب واستأدب، والأدب بالفتح: العجب.\nوفي (الصراح) (٣): أدب بفتحتين: فرهنكَـ ونكَاه داشت حد هر جيز، ويقال: أدب الرجل يأدب بالضم فهو أديب، وأدبته فتأدب.\nوقال السيوطي: الأدب استعمال ما يحمد قولًا وفعلًا، وقيل: الأخذ بمكارم الأخلاق، وقيل: الوقوف مع الحسنات، وقيل: تعظيم من فوقك، والرفق بمن دونك، ويقال: إنه مأخوذ من المأدَبة، وهي الدعوة إلى الطعام، سمي بذلك لأنه يدعى إليه،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٨).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ١٨).","vol":"8","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1065>١ - باب السلام</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1066> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٦٢٨ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتهِ،\nــ\nوفي (مجمع البحار) (١): الأدب: حسن الأخلاق، انتهى.\n١ - باب السلام\nهو اسم من التسليم بمعنى السلامة والبراءة من النقائص والعيوب، واسم من أسماء اللَّه تعالى، وقيل: التسليم مشتق من اسم اللَّه السلام، لسلامته من العيب والنقص، ومعنى قولهم: السلام عليك: أن اللَّه مطلع عليك فلا تغفل، أو اسم اللَّه عليك، أي: أنت في حفظه، كما يقال: اللَّه معك، وقيل: اسم السلام عليك إذا كان اسم اللَّه يذكر على الأعمال توقعًا لاجتماع معاني الخيرات فيه، وانتفاء عوارض الفساد عنه، وقيل: أي سلمت مني فاجعلني أسلم منك، من السلامة بمعنى السلم، أي: المصالحة، شرع هذا في ابتداء الإسلام لتمييز المسلم من الكافر فلا يتعرض له.\nالفصل الأول\n٤٦٢٨ - [١] (أبو هريرة) قوله: (خلق اللَّه آدم على صورته) اختلف العلماء، فمنهم من أمسك عن تأويله، قال: هو من حديث الصفات فتمسك عن تأويلها، ومنهم من أوله فقال: الصورة بمعنى الصفة كما يقال: صورة المسألة هكذا، أي: خلقه مظهرًا لصفاته وجعله موصوفًا بصفات هي آثار صفاته الكريمة، أو الإضافة للتشريف، كبيت اللَّه وروح اللَّه، وقيل: الضمير لآدم، أي: خلقه أول أمره بشرًا سويًّا بطول ستين،\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٥٦).","vol":"8","page":8},{"text":"طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ: . . . . .\nــ\nلا كغيره نطفة في الأطوار فصبيًا فرجلًا، أو على صورته التي لا يشاركه [فيها] نوع آخر من الحيوانات؛ فإنه يوصف مرة بالعلم، ومرة بالجهل، ومرة بالاجتباء، ومرة بالعصيان، والظاهر أن الصورة على هذا الوجه بمعنى الصفة، أو على الصورة الخاصة التي أبدعها، وجعلها نسخة جامعة من جملة المخلوقات، إذ ما من مخلوق إلا وله مثال في صورته، ولهذا قيل: هو عالم صغيرٌ.\nويمكن أن تكون الصورة على هذا التقدير أيضًا بمعنى الصفة، يعني خلقه على صفات جامعة لصفات العالم كله، أو الصورة بمعنى الأمر والشأن في كونه مسجود الملائكة، مالكًا للحيوانات، مسخرًا لها، وقيل: الضمير للأخ في قوله: (إذا ضرب أحدكم أخاه فليجتنب الوجه)، وجاء في رواية أخرى: أن النبي -ﷺ- رأى رجلًا يضرب وجه غلام، فقال: (لا تضرب الوجه؛ فإن اللَّه تعالى خلق آدم على صورته)، كأنه قيل هذا المضروب من أولاد آدم فاجتنبوا ضرب أشرف أجزائه؛ إذ أكثر الحواس فيه، ويضعف هذين الوجهين أنه قد جاء في حديث آخر: (خلق آدم على صورة الرحمن)، وقيل: لم يثبت هذا عند المحدثين، واللَّه أعلم.\nوقوله: (طوله ستون ذراعًا) أي: هذا أنسب بجعل الضمير (لآدم) المفيد لكونه مخلوقًا من أول أمره كما هو، فيكون كالبيان لخلقه على صورته، وأما على تقدير كون الضمير للَّه يكون بيانًا لوصف آخر له بعد ذكر كونه مخلوقًا على صفته تعالى، وأما على تقدير كون الضمير للأخ؛ فلا يخلو ربطه بما قبله عن بعد، وإنما خص بيان الطول بالذكر لكونه مما لا يتعارف بخلاف سائر صفاته التي كانت عليها.\nوفي (القاموس) (١): الذراع بالكسر: من طرف المرفق إلى طرف الأصبع\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٦٠).","vol":"8","page":9},{"text":"اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ -وَهُمْ نَفَرٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ- فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَكَ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَذَهَبَ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فَقَالُوا: السَّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ\"، قَالَ: \"فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ\". . . . .\nــ\nالوسطى، ويعلم بالمقايسة إليه حال العرض أيضًا مجملًا.\nوقوله: (وهم نفر من الملائكة) النفر: رهط من الناس من الثلاثة إلى العشرة؛ فإما أن يكون المراد هنا أيضًا هذا العدد، ويكون الملائكة الجالسون هذا المقدار، أو يكون المراد مطلق الجماعة وإن كانوا أكثر، واللَّه أعلم.\nثم الظاهر أن هذا من كلام النبي -ﷺ-، ويحتمل أن يكون من كلام اللَّه تعالى بيانًا للمشار إليهم، وسيجيء في الفصل الثالث مثل هذه العبارة المحتملة للوجهين، لكن الاحتمالين هناك يتساويان وهنا الراجح أحدهما، فافهم.\nوقوله: (ما يحيونك): (ما) موصولة، ويحتمل أن تكون استفهامية، وفي أكثر الأصول بالحاء المهملة والياء المشددة، وفي بعضها: (يجيبونك) بالجيم والياء التحتانية والموحدة، من الجواب، والتحية: السلام، وهي (تفعلة) من الحياة بمعنى الإحياء والتبقية، حيّاه، أي: أحياه وعمّره، ويجيء التحية بمعنى الملك والبقاء، وبالكل فسر في (التحيات للَّه تعالى).\nوقوله: (ذريتك) الذرية مشتق من الذر بمعنى البث والنشر، جمعه الذراري، ومنه: الذرة للنملة.\nوقوله: (فزادوه ورحمة اللَّه) زيادة (ورحمة اللَّه) مستحب في ردِّ السلام، وقد جاء زيادة (وبركاته) أيضًا، وورد في بعض الروايات (ومغفرته) أيضًا كما يجيء في الفصل الثاني.","vol":"8","page":10},{"text":"قَالَ: \"فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ، وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ يَنْقُصُ بَعْدَهُ حَتَّى الآنَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٢٧، م: ٢٨٤١].\n٤٦٢٩ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: \"تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتُقْرِئُ السَّلَامَ. . . . .\nــ\nوقوله: (فكل من يدخل الجنة) إلى آخر الحديث؛ فيه تقديم وتأخير في البيان، أي: خلق اللَّه آدم وطوله ستون ذراعًا، وكانت ذريته كذلك، ثم لم يزل أولاده ينقص بعده حتى الآن، فلما أدخلوا الجنة أعيدوا إلى ما كان أبوهم عليه من طول القامة والحسن والجمال، أي: كلهم على هذه الهيئة، وأما الجهنميون فضرس أحدهم مثل أحد على أقبح شكل وأفظعه، نعوذ باللَّه منها.\n٤٦٢٩ - [٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (أي الإسلام) أي: أيّ أحكام الإسلام وآدابه.\nوقوله: (تطعم الطعام وتقرأ السلام. . . إلخ)، خبران في معنى الأمر، والأظهر بحسب المعنى أن يكونا بتقدير (أن)، وهو إشارة إلى السخاوة والتواضع؛ فإنهما أصل حمايد الصفات وعمدة الخصائل التي تجب رعايتها بالنسبة إلى الخلق وتعاملهم.\nوقال الطيبي (١): ولعل تخصيصهما من جهة المناسبة بحال السائل، ولذلك أسندهما إليه بلفظ الخطاب، انتهى.\nوالدليل على ذلك أنه قد أجاب في أحاديث أخر بخصائل أخر مثل: (الصلاة بالليل والناس نيام)، ونحو ذلك.\nو(تقرئ) بضم التاء وكسر الراء من الإقراء، وقد يقرأ: (تقرأ) بفتح التاء والراء\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٧).","vol":"8","page":11},{"text":"عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٣٦، م: ٣٩].\n٤٦٣٠ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سِتُّ خِصَالٍ: يَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ،\nــ\nمن القراءة، ومعناه ظاهر، والصحيح الفصيح هو الأول كما جاء في الأحاديث مثل: (اللَّه يقرئك السلام) وغيره، ويقال: أَقْرِئْ فلانًا السلام، واقرأ ﵇، كأنه حين يبلغه سلامه يحمله على أن يقرأ السلام ويرده، وقيل: إن كان بالكتابة فمن الإقراء، وإن كان بالكلام فمن القراءة، وقد سبق مثل هذا.\nوقوله: (على من عرفت ومن لم تعرف) وهو معنى ما جاء في حديث آخر: (أفشوا السلام)، ويحتمل أن يكون ذلك بمعنى إظهار لفظه حتى يسمع المسلم عليه، وكذلك حكم الرد، وفي الحديث إشارة إلى أن السلام من حق الإسلام دون الصحبة، وكذلك حكم العيادة هو نحوها كما يأتي في الحديث الآتي.\n٤٦٣٠ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (للمؤمن على المؤمن) لما كانت هذه الأشياء سنة مؤكدة أو مستحبة متأكدة الاستحباب أدخل حرف (على) المفيدة في الظاهر الوجوب مبالغة وتأكيدًا.\nوقوله: (يعوده إذا مرض) من العود، وفي (القاموس) (١): العود: الرجوع، والصرف، والرد، وزيارة المريض، كالعياد والعيادة، والعواد بالضم، والمريض معود، انتهى.\nولعله إنما سميت عيادة لرجوع العائد إلى المريض، أو لأنه يعود ويكررها.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٨٨).","vol":"8","page":12},{"text":"وَيَشْهَدُهُ إِذَا مَاتَ، ويُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ، وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ، وَيَنْصَحُ لَهُ إِذَا غَابَ أَوْ شَهِدَ\"، لَمْ أَجِدْهُ فِي \"الصَّحِيحَيْنِ\" وَلَا فِي كتَابِ \"الْحُمَيْدِيِّ\"، وَلَكِنْ ذَكَرَهُ صَاحِبُ \"الْجَامِع\" بِرِوَايَة النَّسَائِيِّ. [ن: ١٩٣٨].\nــ\nوقوله: (ويشهده إذا مات) أي: صلاة الجنازة وتشييعها والدفن.\nوقوله: (ويجيبه إذا دعاه) أي: للطعام إن لم يكن هنا مانع من بدعة ومنة ومفاخرة وغير ذلك كما عرف في موضعه.\nوقوله: (ويسلم عليه إذا لقيه) ولم يقل: ويرد عليه إذا سلم؛ لأن ذلك واجب لازم للسلام.\nوقوله: (ويشمته إذا عطس) التشميت بالشين والسين: جواب العاطس، وأصل التشميت بالمعجمة: إزالة الشماتة، فاستعمل للدعاء بالخير لتضمنه ذلك، ومعناه: جنّبك اللَّه تعالى الشماتة وأبعدك عما يشمت به عليك، والمعنى في ذلك أن العطاس علامة صحة المزاج وقوته، ففيه إزالة شماتة الأعداء، وقيل: مشتق من الشوامت بمعنى القوائم، كأنه دعا بالثبات على الطاعة.\nوالتسميت بالمهملة معناه جعلك اللَّه على سمت حسن، وسيجيء ذكره وذكر أحكامه في (باب العطاس والتثاؤب).\nوقوله: (وينصح له إذا غاب أو شهد) أي: يريد به خيرًا حاضرًا وغائبًا، يقال: نصحته ونصحت له، وهو باللام أفصح، والنصح: إرادة الخير، وهو في الأصل الخلوص، والناصح: العسل الخالص، كذا في (القاموس) (١).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٣٦).","vol":"8","page":13},{"text":"٤٦٣١ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُموهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٤].\n٤٦٣٢ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٣٢، م: ٢١٦].\n٤٦٣٣ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُسَلِّمُ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ، وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٢٣٠].\nــ\nوفي (الصحاح) (١): قال الأصمعي: الناصح: الخالص من العسل وغيره مثل ناصع، وكل شيء خلص فقد نصح، والتوبة النصوح: الصادقة، وهو أن لا يرجع إلى ما تاب عنه، أو لا ينوي الرجوع.\n٤٦٣١ - [٤] (وعنه) قوله: (ولا تؤمنوا) الظاهر إثبات النون، وهكذا وجد في بعض الأصول، وفي بعضها بحذف النون للمجانسة والازدواج.\n٤٦٣٢ - [٥] (وعنه) قوله: (يسلم الراكب على الماشي) أي: ينبغي له أن يفعل ذلك، وإن ابتدأ الماشي فله الفضل.\n٤٦٣٣ - [٦] (وعنه) قوله: (يسلم الصغير على الكبير. . . إلخ)، قالوا: هذا إذا تلاقى اثنان، أما الوارد فيبدأ بالسلام سواء كان كبيرًا أو صغيرًا.\n_________\n(١) \"الصحاح\" (١/ ٤١١).","vol":"8","page":14},{"text":"٤٦٣٤ - [٧] وَعَن أَنَسٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّ عَلَى غِلْمَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٤٨٠، م: ٢١٦٨].\n٤٦٣٥ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَبْدَؤُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٦٧].\n٤٦٣٦ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ الْيَهُودُ فَإِنَّمَا يَقُولُ أَحَدُهُمْ: السَّامُ عَلَيْكَ، فَقُلْ: وَعَلَيْكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٥٧، م: ٢١٦٤].\n٤٦٣٧ - [١٠] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الكتابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٥٨، م: ٢١٦٣].\nــ\n٤٦٣٤ - [٧] (أنس) قوله: (مرّ على غلمان فسلم عليهم) فيه غاية التواضع والشفقة على الأمة منه -ﷺ-، وتعليم أن التسليم على المار.\n٤٦٣٥ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام) مفهومه جواز الرد، ويجيء طريقه في الأحاديث الآتية، وجاء في بعض الروايات زيادة: (وهداك اللَّه).\nوقوله: (فاضطروه إلى أضيقه) أي: اغلبوه حتى يضطر إلى التنحي من وسط الطريق إلى طرفه، وفي بعض الحواشي: مروه ليعدل عن الوسط إلى طرفيه.\n٤٦٣٦ - [٩] (ابن عمر) قوله: (السَّام عليك) أي: الموت.\n٤٦٣٧ - [١٠] (أنس) قوله: (فقولوا: وعليكم) جاءت الروايات بضمير الواحد والجمع، وبإثبات الواو وحذفها، فقيل: المختار حذفها؛ لئلا يلزم المشاركة فيما","vol":"8","page":15},{"text":"٤٦٣٨ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ (١) -ﷺ- فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ، فَقُلْتُ: بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، فَقَالَ: \"يَا عَائِشَةُ! إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كلِّهِ\" قُلْتُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: \"قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ\".\nوَفِي رِوَايَةٍ: \"عَلَيْكُمْ\" وَلَمْ يَذْكُرِ الْوَاوَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَتْ: إِنَّ الْيَهُودَ أَتَوُا النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، قَالَ: \"وَعَلَيْكُمْ\"، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ وَلَعَنَكُمُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَهْلًا يَا عَائِشَةُ! عَلَيْكِ بالرِّفق، وإِيَّاكَ وَالْعُنْفَ والفُحْشَ\"، قَالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ: \"أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ؟ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ، وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ\".\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِم قَالَ: \"لَا تَكُونِي فَاحِشَةً، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحبُّ الفُحْشَ وَالتَّفَحُّشَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٢٧، م: ٢١٦٥].\nــ\nقالوا، وقال بعضهم: لا بأس بالتشريك؛ لأن الموت مشترك بين الكل، وقيل: الواو ليس للتشريك بل للاستئناف، أي: وعليكم ما تستحقونه، والصواب جواز الوجهين، وللطيبي (٢) هنا كلام طويل، فانظر [هـ] ثمة.\n٤٦٣٨ - [١١] (عائشة) قوله: (الفحش والتفحش) الفحش: هو ما اشتد وظهر قبحه من الذنوب، والفحش في كلام: الغلظ فيه، والتفحش: التعمد والتكلف فيه.\n_________\n(١) في نسخة: \"رَسُوْلِ اللَّه\".\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (٩/ ١١).","vol":"8","page":16},{"text":"٤٦٣٩ - [١٢] وَعَن أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّ بِمَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٥٤، م: ١٧٩٨].\n٤٦٤٠ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ بِالطُّرُقَاتِ\"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَنَا مِنْ مَجَالِسِنَا بُدٌّ، نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: \"فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ\"، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى. . . . .\nــ\n٤٦٣٩ - [١٢] (أسامة بن زيد) قوله: (من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود) قال الطيبي (١): (عبدة الأوثان) بدل من (المشركين)، وكذا قوله: (اليهود)، وجعلهم مشركين إما لقولهم: عزير ابن اللَّه، وإما للتغليب، أقوال. ويراد بالمشركين الكافرون، أو يعطف اليهود على المشركين، وإبدال عبدة الأوثان من المشركين للإشارة إلى أن مشركي العرب لم يكونوا إلا المشركين في العبادة دون الوجود والخلق.\nوقوله: (فسلّم عليهم) وقصد التسليم على المسلمين.\n٤٦٤٠ - [١٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (ما لنا من مجالسنا بد) في (القاموس) (٢): بدده تبديدًا: فرقه، ولا بد: لا فراق ولا محالة.\nوقوله: (إلا المجلس) في أكثر النسخ المصححة بكسر اللام، وهو الظاهر، وفي بعض الحواشي أنه بفتح اللام، مصدر ميمي.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٥٦).","vol":"8","page":17},{"text":"وَرَدُّ السَّلَام، والأَمرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٢٩، م: ٢١٢١].\n٤٦٤١ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: \"وَإِرْشَادُ السَّبِيلِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَقِيبَ حَدِيثِ الْخُدْرِيِّ هَكَذَا. [د: ٤٨١٦].\n٤٦٤٢ - [١٥] وَعَنْ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: \"وَتُغِيثُوا الْمَلْهُوفَ، وَتَهْدُوا الضَّالَّ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَقِيْبَ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَكَذَا، وَلَمْ أَجَدْهُمَا فِي \"الصَّحِيحَيْنِ\". [د: ٤٨١٧].\nــ\nوقوله: (ورد السلام) إنما قال: رد السلام بناء على السنة أن يسلم الماشي على القاعد.\nوقوله: (والأمر بالمعروف) أي: ما عرف في الشرع وجوده وحسنه، و(المنكر) ما لم يعرف فيه وجوده وحسنه.\n٤٦٤١ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (رواه أبو داود عقيب حديث الخدري هكذا) يعني أنه روى ما في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري عن أبي هريرة مع زيادة: (وإرشاد السبيل).\n٤٦٤٢ - [١٥] (عمر) قوله: (وتغيثوا الملهوف) أي: المظلوم المكروب، وفي (القاموس) (١): الملهوف واللهيف واللهفان واللاهف: المظلوم المضطر يستغيث ويتحسر، وهو عطف على (وإرشاد) بتقدير (أن)، وإرشاد السبيل أعمّ من هداية الضال.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٨٨).","vol":"8","page":18},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1067> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٦٤٣ - [١٦] عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ بِالْمَعْرُوفِ: يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ، وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ، وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ، وَيَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ، وَيَتْبَعُ جِنَازَتَهُ إِذَا مَاتَ، وَيُحِبُّ لَهُ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٧٣٦، دي: ٢/ ٢٧٦].\n٤٦٤٤ - [١٧] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَرَدَّ عَلَيْهِ ثُمَّ جَلَسَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"عَشْرٌ\". ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَجَلَسَ، فَقَالَ: \"عِشْرُونَ\"، ثم جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، فَرَدَّ عَلَيْهِ فَجَلَسَ، فَقَالَ: \"ثَلَاثُونَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٦٨٩، د: ٥١٩٥].\nــ\nالفصل الثاني\n٤٦٤٣ - [١٦] (علي) قوله: (بالمعروف) أي: ملتبسة بالمعروف، ويحتمل أن تكون الباء بمعنى (من).\nوقوله: (ويتبع جنازته) وهو إنما يكون بعد الصلاة، فكأنها مذكورة في ضمنها، أو يقال: الصلاة واجبة، واتباع الجنازة من حسن الخلق، وزيادة في أداء حقه، ولذلك خصه بالذكر.\n٤٦٤٤ - [١٧] (عمران بن حصين) قوله: (عشر) أي: له بذلك عشر حسنات، وفي الحديث استحباب أن يسلم بلفظ الجمع وإن كان المسلَّم عليه واحدًا؛ لتقريره -ﷺ- إياه.","vol":"8","page":19},{"text":"٤٦٤٥ - [١٨] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمَعْنَاهُ، وَزَاد: ثُمَّ أَتَى آخَرُ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ، فَقَالَ: \"أَرْبَعُونَ\"، وَقَالَ: \"هَكَذَا تَكُونُ الْفَضَائِلُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٩٦].\n٤٦٤٦ - [١٩] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ مَنْ بَدَأَ بِالسَّلَامِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٥/ ٢٥٤، ت: ٢٦٩٤، د: ٥١٩٧].\n٤٦٤٧ - [٢٠] وَعَنْ جَرِيرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- مَرَّ عَلَى نِسْوَةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِنَّ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ٣٥٧].\nــ\n٤٦٤٥ - [١٨] (معاذ بن أنس) قوله: (وزاد: ثم أتى آخر) وروى صاحب (سفر السعادة) (١) الحديثين حديثًا واحدًا، وقال: وفي إسناد هذا الحديث ضعف.\nوقال صاحب (جامع الأصول) (٢): معاذ بن أنس الجهني معدود من أهل مصر، وحديثه عندهم، روى عنه ابنه سهل، وابنه لين الحديث، وأحاديثه حسان في الرغائب والفضائل.\n٤٦٤٦ - [١٩] (أبو أمامة) قوله: (إن أولى الناس باللَّه) أي: أقربهم وأخصهم إليه، والمراد من الناس المتلاقيَين؛ لأنهما متساويان في حق السلام، أما إذا كان أحدهما واردًا والآخر قاعدًا فالتسليم حق الوارد؛ فإذا ابتدأ به لا يكون أولى.\n٤٦٤٧ - [٢٠] (جرير) قوله: (فسلم عليهن) قيل: هذا مختص بالنبي -ﷺ-\n_________\n(١) \"سفر السعادة\" (ص: ٢٣٧).\n(٢) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٨٥٣).","vol":"8","page":20},{"text":"٤٦٤٨ - [٢١] وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: يُجْزِئُ عَنِ الْجَمَاعَةِ إِذَا مَرُّوا أَنْ يُسَلِّمَ أَحَدُهُمْ، وَيُجْزِئُ عَنِ الْجُلُوسِ أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" مَرْفُوعًا، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: رَفَعَهُ الْحَسَنُ ابْنُ عَلِيٍّ، وَهُوَ شَيْخُ أَبِي دَاوُدَ. [شعب: ١١/ ٢٦٨، د: ٥٢١٠].\n٤٦٤٩ - [٢٢] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلَا بِالنَّصَارَى، فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْيَهُودِ الإِشَارَةُ بِالأَصَابِعِ، وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الإِشَارَةُ بِالأَكُفِّ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ. [ت: ٢٦٩٥].\nــ\nلأمنه من الوقوع في الفتنة، وأما غيره فيكره أن يسلم على المرأة الأجنبية وبالعكس، إلا أن تكون عجوزة بعيدة عن مظنة الفتنة.\n٤٦٤٨ - [٢١] (علي بن أبي طالب) قوله: (يجزئ عن الجلوس) جمع جالس، كقعود جمع قاعد، والظاهر أن حكم التلاقي كذلك، والحاصل أن سنية التسليم ووجوب رده على الكفاية، إن فعل واحد سقط عن الجماعة.\nوقوله: (وروى أبو داود، وقال: رفعه الحسن بن علي، وهو) أي: الحسن ابن علي (شيخ أبي داود)، يعني أن أبا داود رواه موقوفًا على علي بن أبي طالب -﵁- من طريق بعض شيوخه، ورواه من طريق الحسن بن علي -وهو أيضًا شيخه- مرفوعًا كما رفعه البيهقي.\n٤٦٤٩ - [٢٢] (عمرو بن شعيب) قوله: (إسناده ضعيف) قال الطيبي (١): فيه\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٧).","vol":"8","page":21},{"text":"٤٦٥٠ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ حَالَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ أَوْ جِدَارٌ أَوْ حَجَرٌ ثُمَّ لَقِيَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٠٠].\n٤٦٥١ - [٢٤] وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِذَا دَخَلْتُمْ بَيْتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهِ، وَإِذَا خَرَجْتُمْ فَأَوْدِعُوا أَهْلَهُ بِسَلَامٍ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" مُرْسَلًا. [شعب: ٨٨٤٥].\nــ\nإيماء إلى أن الحكم قد يكون على خلافه، وليس بذلك، وأقول: لا يلزم من تضعيف الإسناد كون الحكم على خلافه، لعله ثبت بدليل آخر؛ فإن من عادة المحدثين أن يبينوا حال الإسناد ضعفًا وقوة وليس لهم غرض بالحكم، وإنما مقصودهم بيان الواقع من غير تعرض للحكم، صرح بمثل ذلك السيوطي، فتدبر.\n٤٦٥٠ - [٢٣] (أبو هريرة) قوله: (فإن حالت بينهما شجرة أو جدار. . . إلخ)، فيه تأكيد للتسليم وإن قربت مدة المفارقة.\n٤٦٥١ - [٢٤] (قتادة) قوله: (فسلموا على أهله) أي: أهل البيت، وإن لم يكن في البيت أحد يقول: السلام على عباد اللَّه، يريد به الملائكة.\nوقوله: (فأودعوا أهله بسلام) أي: اجعلوه وديعة عندهم، والمقصود سلموا عليهم، ولما كان هذا التسليم وقت الخروج جعله كأنه وديعة عندهم يجده، أي: خيره وبركته عندهم في الآخرة، وقال الطيبي (١): كي ترجعوا إليهم وتستردوا وديعتكم؛ فإن الودائع تستعاد تفاؤلًا بالسلامة والمعاودة مرة بعد أخرى.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٩).","vol":"8","page":22},{"text":"٤٦٥٢ - [٢٥] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"يَا بُنَيَّ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلِّمْ يَكُونُ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٩٨].\n٤٦٥٣ - [٢٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"السَّلَامُ قَبْلَ الْكَلَامِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. [ت: ٢٦٩٩].\n٤٦٥٤ - [٢٧] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ نَقُولُ: أَنْعَمَ اللَّهُ بِكَ عَيْنًا،\nــ\n٤٦٥٢ - [٢٥] (أنس) قوله: (يكون) أي: السلام، (بركة) أي: زيادة خير ودوامًا فيه.\n٤٦٥٣ - [٢٦] (جابر) قوله: (السلام قبل الكلام) أي: ينبغي أن يسلم ثم يكلم، ولا يبادر بالكلام ويترك السلام، أو يسلم بعده.\n٤٦٥٤ - [٢٧] (عمران بن حصين) قوله: (أنعم اللَّه بك عينًا) من النعومة بمعنى اللين، نعم الشيء بالضم نعومة، أي: صار ناعمًا لينًا، وقد يجيء من باب سمع، وقد يتداخل مثل فَضُلَ يَفْضُلُ، ثم الظاهر أن الباء للسببية، و(عينًا) مفعول (أنعم)، والمراد عين من يحب المخاطب، فيكون كناية عن طيب عيشه ورفاهية حاله، ويقال: الباء زائدة و(عينًا) تمييز، أي: أقر عينك برؤية ما تحب، أو (أنعم) بمعنى دخل في النعيم، فيعدى بالباء، و(عينًا) تمييز.\nوهنا عبارة أخرى، وهي: نعم اللَّه بك عينًا على لفظ المجرد، فبعضهم منعوا عنها إذ يلزم منها وصف للباري تعالى بالحاسة.","vol":"8","page":23},{"text":"وَأَنْعِمْ صَبَاحًا، فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَامُ نُهِينَا عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٢٧].\n٤٦٥٥ - [٢٨] وَعَنْ غَالِبٍ قَالَ: إِنَّا لَجُلُوسٌ بِبَابِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ: بَعَثنَي أَبِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: ائْتِهِ فَأَقْرِئْهُ السَّلَامَ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أَبِي يُقْرِئُكَ السَّلَامَ، فَقَالَ: \"عَلَيْكَ وَعَلَى أَبِيكَ السَّلَامُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٣١].\nــ\nوقال الزمخشري: هي صحيحة فصيحة، والباء للتعدية، و(عينًا) تمييز من الكاف، فيكون المعنى نعم اللَّهُ عينَك، وقد جاء نعَّمك اللَّه عينًا بحذف الجار وإيصال الفعل، والمانع حَسِبَ أنه تمييز عن الفاعل، كما في نعمتَ بهذا الأمر عينًا، وأما قولهم (وأنعم صباحًا) بمعنى صر ذا نعومة، والمقصود يطيب عيشه في الصباح، فيكون (صباحًا) ظرفًا، ويحتمل أن يكون تمييزًا، أي: صار صباحك ناعمًا، وإنما خص الصباح؛ لأن الغارات والمكاره أكثر ما تقع في وقت الصباح.\nوقوله: (فلما كان الإسلام نهينا عن ذلك) وكذلك عن مثل: أسلم، وزه هزار سال (١)؛ فإنه كان لكل قوم تحية وتعظيم لملوكهم ورؤسائهم، وهذا ما قيل في معنى: التحيات للَّه، أي: التحيات والتعظيمات كلها للَّه تعالى، ولذلك جمع ليشمل الكل.\n٤٦٥٥ - [٢٨] (غالب) قوله: (فأقرئه) من الإقراء، وكذلك قوله: (يقرئك).\nوقوله: (فقال عليك وعلى أبيك السلام) فالسنة إذا بلّغ أحد السلام عن أحد أن يرد السلام على المبلغ والمبلغ عنه.\n_________\n(١) معناه: عش سالمًا ألف سنة، انظر: \"تهذيب اللغة\" (٥/ ١٨٩).","vol":"8","page":24},{"text":"٤٦٥٦ - [٢٩] وَعَنِ ابْنِ الْعَلَاءِ بْنِ الحَضْرَمِيِّ: أَنَّ الْعَلَاءَ الْحَضْرَمِيَّ كَانَ عَامِلَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَانَ إِذَا كَتَبَ إِليْهِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ. رَوَاهُ أَبَو دَاوُدَ. [د: ٥١٣٤].\n٤٦٥٧ - [٣٠] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا كَتَبَ أَحَدُكُمْ كِتَابًا فَلْيُتَرِّبْهُ؛ فَإِنَّهُ أَنْجَحُ لِلْحَاجَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثٌ مُنَكَرٌ. [ت: ٢٧١٣].\nــ\n٤٦٥٦ - [٢٩] (ابن العلاء) قوله: (وعن ابن أبي العلاء بن الحضرمي أن العلاء ابن الحضرمي) النسخ في هذا الموضع مختلفة، ففي نسخة هكذا كما صورناه بوجود الابن في الموضعين، وفي نسخة مصححة: عن أبي العلاء الحضرمي أن العلاء الحضرمي بلفظ (أبي) مكان (ابن) في الأول وترك (ابن) في الثاني، وقد غير في بعض نسخ (المصابيح) هكذا: عن ابن العلاء بن الحضرمي.\nوفي (التقريب) (١): العلاء بن الحضرمي كان حليف بعض بني أمية، صحابي جليل، عمل على البحرين لرسول اللَّه -ﷺ- وأبي بكر وعمر -﵂-، وقال: ابن العلاء بن الحضرمي، عن أبيه، مقبول، من الثالثة، وأظن اسمه عبد اللَّه.\nوقوله: (بدأ بنفسه) يعني كان يكتب: من العلاء الحضرمي إلى رسول اللَّه: السلام عليكم ورحمة اللَّه، وهكذا كان النبي -ﷺ- يكتب: من رسول اللَّه إلى فلان، ثم يكتب السلام عليه إن كان من المسلمين، أو يكتب على العموم كقوله: سلام على من اتبع الهدى إن كان من المشركين كما كتب إلى هرقل.\n٤٦٥٧ - [٣٠] (جابر) قوله: (فليتربه؛ فإنه أنجح للحاجة) قيل: المراد بالتتريب\n_________\n(١) \"تقريب التهذيب\" (٢/ ٤٣٤).","vol":"8","page":25},{"text":"٤٦٥٨ - [٣١] وَعَنْ زَيْدٍ بنِ ثَابِتٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وَبَيْنَ يَدَيْهِ كَاتِبٌ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: \"ضَعِ الْقَلَمَ عَلَى أُذُنِكَ (١)، فَإِنَّهُ أَذْكَرُ لِلْمَآلِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. . . . .\nــ\nذر التراب على المكتوب، في (القاموس) (٢): أتربه وتربه: جعل عليه التراب، وفي بعض الروايات: (أتربوا الكتاب؛ فإنه أنجح للحاجة).\nقال في (النهاية) (٣): أتربته: إذا جعلت عليه التراب، فإنجاحه للحاجة بالخاصية لا يعلم سره إلا بنور النبوة، وقيل: المراد المبالغة في التواضع في الخطاب، وعلى هذا يكون الضمير في (فليتربه) لـ (أحد)، أي: يذلّله ويضعه في مقام أدنى، ويجوز أن يكون الكتاب بتقدير (في)، وقيل: المراد فليسقطه على التراب حتى كأنه يصير أقرب إلى المقصد، وقال أهل التحقيق: إنما أمره بالإسقاط على التراب اعتمادًا على الحق سبحانه تعالى في إيصاله إلى المقصد، أو بإسقاطه من اليد والاعتماد عليه.\n٤٦٥٨ - [٣١] (زيد بن ثابت) قوله: (فإنه أذكر للمآل) أي: أشد وأسرع تذكيرًا للعاقبة، أي: فيما يراد ويقصد من إنشاء العبارات في أداء المقاصد، والظاهر أنه بالخاصية كذر التراب على الكتاب كما ذكرنا، وأما ما نقل الطيبي (٤) مما حاصله: أن السر في ذلك أن القلم أحد اللسانين، واللسان مترجم عما في القلب، والأذن محل\n_________\n(١) في نسخة: \"أذنيك\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧١).\n(٣) \"النهاية\" (١/ ١٨٥).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢١).","vol":"8","page":26},{"text":"وَفِي إِسْنَادِهِ ضُعْفٌ. [ت: ٢٧١٤].\n٤٦٥٩ - [٣٢] وَعَنْهُ قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ أَتَعَلَّمَ السُّرْيَانِيَّةَ. وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّهُ أَمَرَنِي أَنْ أَتعَلَّمَ كتَابَ يَهُودَ، وَقَالَ: \"إِنِّي مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابٍ\"، قَالَ: فَمَا مَرَّ بِيَ نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى تَعَلَّمْتُ، فَكَانَ إِذَا كَتَبَ إِلَى يَهُودَ كَتَبْتُ، وَإِذَا كَتَبُوا إِلَيْهِ قَرَأْتُ لَه (١). . . . .\nــ\nالاستماع، فيقرب منه ليسمعه القلب ما يريده من العبارات وفنون الكلام، فمناسبة ونكتة تخييلية، ومع ذلك لا يخلو عن خفاء، فافهم.\nوقوله: (وفي إسناده ضعف) وكذا في الحديث قبله، كذا ذكره التُّورِبِشْتِي (٢).\n٤٦٥٩ - [٣٢] (وعنه) قوله: (السريانية) أي: اللغة السريانية، وهي لغة التوراة، والمراد بكتاب يهود خطبهم ومكاتيبهم، وعدم الأمن من يهود بأن يكتب أحد منهم شيئًا من قبله -ﷺ-، أو يقرأ عليه شيئًا من كتاب ليس فيه، أو يزيد وينقص في الكتابة والقراءة، والأظهر في تفسيره ما ذكره الطيبي (٣): أخاف إن أمرت يهوديًّا بأن يكتب عني كتابًا إلى اليهود أن يزيد أو ينقص، وأخاف إن جاء كتاب من اليهود فيقرأ يهودي فيزيد وينقص فيه، وهو الأوفق بقول زيد بن ثابت: (فكان إذا كتب إلى يهود. . . إلخ).\nوقوله: (حتى تعلمت) أي: حصل لي العلم بكتابهم.\n_________\n(١) في نسخة: \"عليه\".\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٣/ ١٠٢٦).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٢).","vol":"8","page":27},{"text":"كِتَابَهُمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٧١٥].\n٤٦٦٠ - [٣٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى مَجْلِسٍ فَلْيُسَلِّمْ، فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فَلْيَجْلِسْ، ثُمَّ إِذَا قَامَ فَلْيُسَلِّمْ، فَلَيْسَتِ الأُولَى بِأَحَقَّ مِنَ الآخِرَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٧٩٦، د: ٥٢٠٨].\n٤٦٦١ - [٣٤] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا خَيْرَ فِي جُلُوسٍ فِي الطُّرُقَاتِ إِلَّا لِمَنْ هَدَى السَّبِيلَ، وَرَدَّ التَّحِيَّةَ، وَغَضَّ الْبَصَرَ، وَأَعَانَ عَلَى الْحُمُولَةِ\" رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\"، وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي جُرَيٍّ فِي \"بَابِ فَضْلِ الصَّدَقَةِ\". [شرح السنة: ٣٣٣٩].\nــ\n٤٦٦٠ - [٣٣] (أبو هريرة) قوله: (فليست الأولى باحق من الآخرة) الظاهر أن المراد بيان مساواة التسليمتين لا أحقية الآخرة كما هو المتعارف من مثل هذا التركيب عند البعض.\n٤٦٦١ - [٣٤] (وعنه) قوله: (وأعان على الحمولة) بالفتح: الدواب الحاملة للأثقال كالركوبة، وبالضم الأحمال، أي: يعين صاحبه على حمل الأثقال على الحمولة، ويروى بالفتح والضم، والأول أقوى رواية، والثاني أظهر دراية، وأما الحمول بلا هاء فهي الإبل التي عليها الهوادج كان فيها نساء أو لا.\nفإن قلت: الحمول بمعنى الحامل، و(فعول) إذا كان بمعنى (الفاعل) لا يدخلها الهاء؟ قلنا: معناه محمول بها، كذا في (الصحاح) (١).\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٤/ ١٦٧٨).","vol":"8","page":28},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1068> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٦٦٢ - [٣٥] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَنَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ عَطَسَ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ بإِذْنِهِ، فَقَالَ لَهُ ربُهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يَا آدَمُ! اذْهَبْ إِلَى أُولَئِكَ الْمَلَائِكَةِ -إِلَى مَلَأٍ مِنْهُمْ جُلُوسٍ- فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، قَالُوا: عَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ بَنِيكَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ لَهُ اللَّهُ وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ: اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ؟ فَقَالَ: اخْتَرْتُ يَمِينَ رَبِّي. . . . .\nــ\nالفصل الثالث\n٤٦٦٢ - [٣٥] (أبو هربرة) قوله: (فقال: الحمد للَّه فحمد اللَّه بإذنه) يعني إنما حمده بتوفيقه؛ لأن حمده تعالى أمر عظيم لا يتيسر إلا به، فقوله: (فحمد اللَّه) ليس بيانًا لتحميده حتى يكون المعنى كما قال الطيبي (١): المعنى أراد أن يحمده فحمده.\nوقوله: (إلى ملأ منهم) الظاهر أنه من كلام النبي -ﷺ- بيانًا للمشار إليهم في كلام اللَّه تعالى، ويجوز أن يكون من كلام اللَّه، والملأ: الجماعة لأنهم يملؤون المجلس.\nوفي (النهاية) (٢): أشراف الناس ورؤساؤهم ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم؛ لأنهم ملئوا بالرأي والغنى.\nوقوله: (ثم رجع إلى ربه) أي: إلى مكان كان فيه لما كلمه ربّه.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٣).\n(٢) \"النهاية\" (٤/ ٣٥١).","vol":"8","page":29},{"text":"وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَاركَةٌ، ثُمَّ بَسَطَهَا فَإِذَا فِيهَا آدَمُ وَذُرِّيَّتُهُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ مَا هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُكَ،\nــ\nوقوله: (وكلتا يدي ربي يمين مباركة) من كلام آدم، أو من كلام النبي -ﷺ-، ولهم في شرح هذا القول معان وتأويلات:\nأحدها: أن الثابت له يد صفة لا يد جارحة، وهذه العبارة كناية عن نفي اليد الجارحة؛ لأنه لو كانت لكانت يمينًا وشمالًا، وقد أشار في آخر الكلام أن المراد وجود الخير والبركة التي هي لازمة لليد اليمين ومادة استقامة، فافهم.\nوثانيها: أن الشمال تكون ناقصة في القوة والبطش، فكنى بكون كلتيهما يمينًا نفي النقصان عن صفاته تعالى، وأن صفاته كلها كاملة.\nوثالثها: أن آدم لما قال: اخترت يمين ربي قال: وكلتا يدي ربي يمين، أراد به الشكر على جميع نعمه، وأن له الفضل والنعمة، وأن جميع ما بيده فضل وطول؛ دفعًا لما يتوهم من الاختيار وترجيح صفاته اللطفية على القهرية.\nورابعها: أنه أراد به وصف اللَّه تعالى بغاية الجود والكرم والإحسان والتفضل؛ لأن العرب تقول لمن ينفع مطلقًا: كلتا يديه يمين، ولمن يضر: جعل سهمه بالشمال، ولمن لا ينفع ولا يضر: ليس فلان باليمين ولا بالشمال.\nوخامسها: أن اليد تطلق على القدرة والنعمة، وعلى الأول اليدان عبارة عن خلق الهدى والإيمان والضلال والكفر، وعلى الثاني عن منح الألطاف وتيسر الهدى للمهتدي، وكل من ذلك عدل وحكمة؛ لأنه عزيز يتصرف في ملكه ما يشاء، حكيم يعلم ما يخفى على من سواه، يضل من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم.\nوقوله: (فإذا فيها آدم وذريته) أي: مثلهم في عالم الغيب.","vol":"8","page":30},{"text":"فَإِذَا كُلُّ إِنْسَانٍ مَكْتُوبٌ عُمْرُهُ بَين عَيْنَيْهِ، فَإِذَا فِيهِمْ رَجُلٌ أَضْوَؤُهُمْ -أَوْ مِنْ أَضْوَئِهِمْ- قَالَ: يَا رَبِّ مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا ابْنُكَ دَاوُدُ وَقَدْ كَتَبْتُ لَهُ عُمْرَهُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، قَالَ: يَا رَبِّ زِدْ فِي عُمْرِهِ، قَالَ: ذَلِكَ الَّذِي كَتَبْتُ لَهُ، قَالَ: أَيْ رَبِّ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُ لَهُ مِنْ عُمْرِي. . . . .\nــ\nوقوله: (فإذا فيهم رجل أضوؤهم) أظهر اللَّه تعالى داود على آدم ﵉ بنوع من الامتياز في الظهور والنورانية ليحمله على السؤال ويترتب عليه ما ترتب من قصة عمره وجحوده، وليس المراد بأضوئيته زيادة في صفات الكمال بأسرها، ولعله كان في صورة داود ﵇ نوع من الضوء والنورانية في ذلك العالم أو في الدنيا أيضًا يمتاز به عن سائر إخوانه من النبيين، وكل من الأنبياء يختص بصفة ويمتاز، وليس يلزم من ذلك فضله على سائر الأنبياء.\nوقد بين الرواية الثانية أعني من أضوئهم أن الأضوئية مشتركة بينه وبين طائفة من الأنبياء، ولا يجب أن يكون الباعث على سؤاله عن حال داود ورؤيته إياه ممتازًا عن الكل بل اتفق بوقوع نظره عليه قصدًا، ولا يفهم هذا المعنى من لفظ هذا الحديث على ما ذكر في أول الكتاب في (باب الإيمان بالقدر): (وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصًا من نور، فرأى رجلًا منهم فأعجبه وبيص ما بين عينيه)، فليفهم.\nوقوله: (وقد كتبت له عمره أربعين سنة) قال الطيبي (١): نصب (أربعين) على المصدر على تأويل: كتبت له أن يعمر أربعين سنة، ويمكن أن يضمن (كتبت) معنى الجعل، وفي بعض النسخ: (عمر أربعين) بدون الضمير، والإضافة بيانية.\nوقوله: (قال: أي رب) ذكر في بعض المواضع: (أي)، وفي بعضها: (يا) إشارة\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٦).","vol":"8","page":31},{"text":"سِتِّينَ سَنَةً، قَالَ: أَنْتَ وَذَاكَ، قَالَ: ثُمَّ سَكَنَ الْجَنَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أُهْبِطَ مِنْهَا، وَكَانَ آدَمُ يَعُدُّ لِنَفْسِهِ، فَاتَاهُ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَقَالَ لَهُ آدَمُ: قَدْ عَجلْتَ، قَدْ كُتِبَ لِي أَلْفُ سَنَةٍ. قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّكَ جَعَلْتَ لِابْنِكَ دَاوُدَ سِتِّينَ سَنَةً، فَجَحَدَ فَجَحَدَتْ ذُرِّيتُهُ، وَنَسِيَ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ\"، قَالَ: . . . . . .\nــ\nإلى قربه تعالى من جهة لطفه ورحمته بعباده، وبُعده من حيث الكبرياء والعظمة، وذكر لفظ البعيد بعد القريب والقريب بعد البعيد إيماء إلى أنه في عين قربه بعيد، وفي بعده قريب من جهتين لا يتقيد بأحدهما، فليفهم.\nوقوله: (أنت وذاك) من قبيل: كل رجل وضيعته، أي: أنت وهذا المطلوب مقرونان، أي: الاختيار لك إن جعلت له من عمرك فلا بأس.\nوقوله: (فأتاه) أي: لما بلغ تسع مئة وأربعين، يفهم ذلك من سياق الكلام.\nوقوله: (ولكنك جعلت لابنك داود ستين سنة) اعلم أنه ذكر فيما سبق في (باب الإيمان بالقدر) عكس ما ذكر هنا، فهناك جعل عمره أولًا ستين سنة، فجعل له آدم من عمره أربعين، ولا يرى ذلك إلا سهوًا من الراوي، وفي الحديثين اختلاف من غير هذا الوجه أيضًا، فتدبر.\nوقوله: (فجحد) المراد به قوله: (قد عجلت، قد كتب لي ألف سنة) فهو في صورة الجحد، فكأنه عطف تفسيري له، فيكون هذا في حكم المعاريض التي قد صدرت مثلها من الأنبياء، وإلا فالجحد والإنكار صريحًا كيف يتصور وهو كذب، أو يكون هذا مبنيًا على النسيان، وأما الذرية فقد جحدوا صريحًا وتعمدًا، هذا ما يخطر لي في توجيهه، ولم أر من الشراح من ذكر فيه شيئًا.\nوأما النسيان في قوله: (فنسي) فهو إشارة إلى ما ذكر في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا","vol":"8","page":32},{"text":"\"فَمِنْ يَوْمَئِذٍ أُمِرَ بِالْكِتَابِ وَالشُّهُودِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٠٧٦، ٣٠٧٨].\n٤٦٦٣ - [٣٦] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيْدَ قَالَتْ: مَرَّ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي نِسْوَةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْنَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٥٢٠٤، جه: ٣٧٤٥].\n٤٦٦٤ - [٣٧] وَعَنِ الْطُّفَيْلِ بْنِ أُبيِّ بْنِ كَعْبٍ: أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي ابْنَ عُمَرَ فَيَغْدُو مَعَهُ إِلَى السُّوقِ، قَالَ: فَإِذَا غَدَوْنَا إِلَى السُّوقِ لَمْ يَمُرَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى سَقَّاطٍ وَلَا عَلَى صَاحِبِ بَيْعَةٍ وَلَا مِسْكِينٍ وَلَا أَحَدٍ إِلَّا سَلَّمَ عَلَيْهِ، قَالَ الطُّفَيْلُ: فَجئْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَوْمًا فَاسْتَتْبَعَنِي إِلَى السُّوقِ، فَقُلْتُ لَهُ: وَمَا تَصْنَعُ فِي السُّوقِ وَأَنْتَ لَا تَقِفُ عَلَى الْبَيْعِ، وَلَا تَسْأَلُ عَنِ السِّلَعِ، وَلَا تَسُومُ بِهَا، وَلَا تَجْلِسُ فِي مَجَالِسِ السُّوقِ، فَاجْلِسْ بِنَا هَهُنَا نَتَحَدَّثْ، قَالَ: فَقَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: . . . . .\nــ\nإِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥]، وهو نسيان النهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [الأعراف: ١٩]، ويحتمل أن يكون المراد النسيان في هذه القضية، أي: جحد بناء على نسيانه كما أشرنا إليه، واللَّه أعلم، وزاد فيما سبق في (باب القدر): (وخطأ وخطات ذريته)، أي: عصى فعصت ذريته.\n٤٦٦٣ - [٣٦] (أسماء بنت يزيد) قوله: (في نسوة) حال من الضمير في (علينا).\n٤٦٦٤ - [٣٧] (الطفيل بن أُبي) قوله: (سقاط) السَّقَط: رديء المتاع، وبائعه السَّقَّاط والسَّقَطي.\nوقوله: (بيعة) بالكسر، ويروى بالفتح، (فعلة) من البيع.","vol":"8","page":33},{"text":"يَا أَبَا بَطْنٍ -قَالَ: وَكَانَ الطُّفَيْلُ ذَا بَطْنٍ- إِنَّمَا نَغْدُو مِنْ أَجْلِ السَّلَامِ نُسَلِّمُ عَلَى مَنْ لَقِينَاهُ (١). رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [ط: ٢/ ٩٦١، شعب: ٨٤١١].\n٤٦٦٥ - [٣٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَى رَجُلٌ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: لِفُلَانٍ فِي حَائِطِي عَذْقٌ، وَإِنَّهُ قَدْ آذَانِي مَكَانُ عَذْقِهِ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"أَنْ بِعْنِي عَذْقَكَ\"، قَالَ: لَا، قَالَ: \"فَهَبْ لِي\"، قَالَ: لَا، قَالَ: \"فَبِعْنِيهِ بِعَذْقٍ فِي الْجَنَّةِ\"؟ فَقَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا رَأَيْتُ الَّذِي هُوَ أَبْخَلُ مِنْكَ إِلَّا الَّذِي يَبْخَلُ بِالسَّلَامِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [حم: ٣/ ٣٢٨].\n٤٦٦٦ - [٣٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"الْبَادِئُ بِالسَّلَامِ. . . . .\nــ\nوقوله: (على من لقيناه) بالضمير المرفوع للمتكلم، وفي بعض النسخ: (لَقِيَنَا) بالضمير المنصوب.\n٤٦٦٦٥، ٤٦٦٦ - [٣٨، ٣٩] (جابر، وعبد اللَّه) قوله: (عذق) في (القاموس) (٢): العذق بالفتح: النخلة، وبالكسر: القنو منها والعنقود من العنب، والمراد هنا الأول، فإنه كان في بستانه عذق لغيره، و(مكان) فاعل (آذاني) مقحم، أي: وجوده. وقوله: (قال: لا) قيل: كلامه -ﷺ- كان شفاعة لا أمرًا، والرجل كان مسلمًا بدليل قوله: (في الجنة)، والصحابة إنما تهذبت أخلاقهم وحصل لهم الكمال بطول صحبة النبي -ﷺ-\n_________\n(١) في نسخة: \"لقينا\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٣٦).","vol":"8","page":34},{"text":"بَرِيءٌ مِنَ الْكِبْرِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٨٧٨٦].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1069>٢ - باب الاستئذان</span>\nــ\nوملازمته -ﷺ-، وكأن الرجل كان في ابتداء إسلامه، واللَّه أعلم.\n٢ - باب الاستئذان\nالاستئذان: طلب الإذن، والإذن يجيء بمعنى العلم، يقال: أذن بالشيء: علم به، كما في قوله تعالى: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، أي: كونوا على علم، وأذن له في الشيء: أباحه له، واستأذنه: طلب منه الإذن، وأجمعوا على أن الاستئذان مستحب، والقرآن المجيد ناطق بذلك، وهو قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٧]، والمراد بالاستئناس الاستئذان.\nوالسنة أن يجمع بينه وبين السلام، والصحيح تقديم السلام على الاستئذان، كما وقع في الأحاديث الصحيحة، وقيل بتقديم الاستئذان على السلام تمسكًا بالآية المذكورة؛ لأن الواو وإن لم تدل على الترتيب لكن التقديم في الذكر لا يخلو عن إشارة ما إلى أوليته، وما قدمه اللَّه في الذكر يكون تقديم العبد إياه في العمل أفضل، كما يشير إليه الحديث الوارد في الابتداء بالصفا على المروة من قوله: (أبدأ بما بدأ اللَّه به)، ولكن الجمهور يقولون: إن الآية مجملة بينتها السنة، ومن قال: إنه إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل الدخول قدم السلام وإلا قدم الاستئذان، فلعله أخذ بالأنسب عقلًا، ولكن لا بد من إثباته بالنقل، والأحاديث دالة","vol":"8","page":35},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1070> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٦٦٧ - [١] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: أَتَانَا أَبُو مُوسَى قَالَ: إِنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِلَيَّ أَنْ آتِيَهُ، فَأَتَيْتُ بَابَهُ، فَسَلَّمْتُ ثَلَاثًا فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ، فَقَالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنَا؟ فَقُلْتُ: إِنِّي أَتَيْتُ فَسَلَّمْتُ عَلَى بَابِكَ ثَلَاثًا فَلَمْ تَرُدُّوْا عليَّ فَرَجَعْتُ، وَقَدْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا اسْتَأْذَنَ أَحَدُكُمْ ثَلَاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَلْيَرْجِعْ\"، فَقَالَ عُمَرُ: أَقِمْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: فقُمْتُ مَعَهُ فَذَهبتُ إِلى عمرَ فشهِدتُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٤٥، م: ٢١٥٣].\n٤٦٦٨ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِذْنُكَ عَلَيَّ. . . . .\nــ\nعلى خلافه، واللَّه أعلم.\nالفصل الأول\n٤٦٦٧ - [١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فسلمت ثلاثًا) أي: للاستئذان.\nوقوله: (فقال عمر: أقم عليه البينة) لما كان هذا مقام التأكيد والاحتياط شدّد الأمر؛ لئلا يتهاون الناس في امتثال أمر الخلفاء وائتمارهم، لا لأجل أن خبر الرجل الواحد غير مقبول؛ فإنه مجمع عليه سيما مثل أبي موسى الأشعري، وقد كان عمر -﵁- يقبله من غير نكير، فلا تمسك فيه من أنكر قبول خبر الواحد مع أن المراد بخبر الواحد في مبحث الإنكار والإقرار ما سوى المتواتر والمشهور، فخبر الاثنين أيضًا خبر الواحد، فلا يفيده، فافهم.\n٤٦٦٨ - [٢] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (إذنك علي) متعلق بـ (إذنك) باعتبار تضمين معنى الدخول.","vol":"8","page":36},{"text":"أَنْ تَرْفَعَ الْحِجَابَ، وَأَنْ تَسْمَعَ سِوَادِي حَتَّى أَنهَاكَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٦٩].\n٤٦٦٩ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فِي دَيْنٍ كَانَ عَلَى أَبِي، فَدَقَقْتُ الْبَابَ فَقَالَ: \"مَنْ ذَا؟ \" فَقُلْتُ: أَنَا. فَقَالَ: \"أَنَا أَنَا\"، كَأَنَّهُ كَرِهَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٥٠، م: ٢١٥٥].\nــ\nوقوله: (أن ترفع الحجاب) وكان لبيوته -ﷺ- حجب من حصير، و(السواد) بكسر السين: المساودة، يقال: ساودته مساودة وسوادًا، أي: مسارة وسرارًا، وهو المكالمة سرًّا، والمراد به المبالغة، أي: وإن كنت أسارر أحدًا ففي صورة المجاهرة يدخل بطريق الأولى، والغرض المعر فة بوجوده -ﷺ- في البيت.\n٤٦٦٩ - [٣] (جابر) قوله: (في دين) أي: في قضية دين أو من جهته؛ فإن أباه عبد اللَّه الأنصاري قد استشهد في غزوة أحد وترك دينًا، فشدد على جابر غرماؤه، فأتى جابر النبي -ﷺ- ليعرض قصته عليه، وكان مال أبيه الذي تركه قليلًا، وما هو إلا شيء من التمر على النخل، فبورك فيه بمعجزته -ﷺ- وبقي بعد وفاء الدين كما كان، وذلك مذكور في الأحاديث.\nوقوله: (كأنه كرهها) وجه الكراهة أن السؤال للاستكشاف ودفع الإبهام، ولا يحصل ذلك بمجرد قوله: (أنا) إلا أن يضم إليه اسمه أو كنيته أو لقبه.\nنعم قد يحصل التعيين بمعرفة الصوت، ولكنه -ﷺ- أنكر هذه الكلمة على جابر تعليمًا للأدب، وبيانًا لقاعدة الباب، وقيل: إنما كرهها لتركه الاستئذان بالسلام، والأول هو الأظهر، وإنما كرر (أنا) تأكيدًا، وهو الذي يفهم منه الإنكار عرفًا، فافهم.\nوأما ما حكي من بعض المتصوفة من أنه يكره للرجل أن يجري على لسانه (أنا)","vol":"8","page":37},{"text":"٤٦٧٠ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَوَجَدَ لَبَنًا فِي قَدَحٍ، فَقَالَ: \"أَبَا هِرٍّ الْحَقْ بِأَهْلِ الصُّفَّةِ فَادْعُهُمْ إِلَيَّ\"، فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ، فَأَقْبَلُوا فَاسْتَأْذَنُوا، فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٢٤٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1071> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٦٧١ - [٥] عَنْ كَلَدَةَ بْنِ حَنْبَلٍ: أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ. . . . .\nــ\nلإشعاره بالوجود والأنانية فليس بكلي، وإنما هو إذا كان على قصد التكبر والنفسانية، وإلا فقد وقع من الصحابة كثيرًا، كما مر في (كتاب الجنائز): أنه -ﷺ- سأل (من عاد اليوم مريضًا؟) فقال أبو بكر -﵁-: أنا، ثم قال: (من أصبح صائمًا؟) فقال -ﷺ-: أنا، الحديث، وغير ذلك مما لا يعد ولا يحصى، بل وقع ذلك من بعضهم في مقام الافتخار والمباهاة وإظهار الفضيلة لغرض صحيح ديني.\n٤٦٧٠ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (فأقبلوا فاستأذنوا) وكأنّ أبا هريرة -﵁- لم يجئ معهم، وإلا لم يحتاجوا إلى الاستئذان، لما يأتي في الفصل الثاني من حديث أبي هريرة من أنه: (إذا دعي أحدكم فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن)، وأيضًا في صورة المجيء مع الرسول لا يحتاج إلى الاستئذان، ولكنه ليس بممنوع، فهم استأذنوا معه احتياطًا وتأدبًا، والمقصود بيان ما وقع منهم، وقال الطيبي (١): هذا الحديث دل على أن الدعاء لا يكفي بل لا بد من الاستئذان، اللهم إلا أن يقرب زمان الإذن.\nالفصل الثاني\n٤٦٧١ - [٥] (كلدة بن حنبل) قوله: (عن كلدة) بفتحات أخو صفوان بن\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٣١).","vol":"8","page":38},{"text":"أُمَيَّةَ بَعَثَ بِلَبَنٍ أَو جِدَايَةٍ وَضَغَابِيسَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، وَالنَّبِيُّ -ﷺ- بِأَعْلَى الْوَادِي، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَلَمْ أُسَلِّمْ وَلَمْ أَسْتَأْذِنْ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"ارْجِعْ فَقُلِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ؟ \". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٧١١، د: ٥١٧٦].\n٤٦٧٢ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ إِذْنٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ: \"رَسُولُ. . . . .\nــ\nأمية لأمّه.\nوقوله: (أو جداية) بفتح الجيم وكسرها والتحتانية: ما بلغ ستة أشهر أو سبعة أشهر من أولاد الظباء، ذكرًا كان أو أنثى، بمنزلة الجدي من المعز، كذا في بعض الحواشي، وفي (القاموس) (١): الجداية بالفتح ويكسر: الغزال، وقال في (الصراح) (٢): جداية بالفتح والكسر: آهو بره، (والضغابيس) صغار القثاء، جمع ضُغْبُوس، كذا في (القاموس) (٣)، والمراد بـ (الوادي) مكة.\n٤٦٧٢ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (فإن ذلك له إذن) أي: لا يحتاج إلى الاستئذان، ويجوز أن يكتفي بمجيئه مع الرسول، فلو استأذن احتياطًا وتأدبًا لكان أحسن، كما يفهم من الحديث السابق من استئذان أهل الصفة مع مجيئهم مع أبي هريرة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٦٧).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٥٤٩).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥١٢).","vol":"8","page":39},{"text":"الرَّجُلِ إِلَىَ الرَّجُلِ إِذْنُهُ\". [د: ٥١٩٠].\n٤٦٧٣ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الأَيْمَنِ أَوِ الأَيْسَرِ، فَيَقُولُ: \"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ\"، وَذَلِكَ أَنَّ الدُّورَ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا سُتُورٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٨٦].\nوَذُكِرَ حَدِيثُ أَنَسٍ قَالَ ﵊ (١): \"السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ\" فِي \"بَابِ الضِّيَافَةِ\".\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1072> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٦٧٤ - [٨] عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ فَقَالَ: \"نَعَمْ\"، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي مَعَهَا فِي الْبَيْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا\"، فَقَالَ الرَّجُلُ: إِنِّي خَادِمُهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا، أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً؟ \" قَالَ: لَا، قَالَ: \"فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا\". رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا. [ط: ٢/ ٩٦٣].\nــ\n٤٦٧٣ - [٧] (عبد اللَّه بن بسر) قوله: (السلام عليكم، السلام عليكم) ليس التكرار أمرًا لازمًا، وإنما هو على طريق العادة في الاستئذان تأكيدًا.\nالفصل الثالث\n٤٦٧٤ - [٨] (عطاء) قوله: (أستاذن على أمي) فيه وجوب الإذن على المحارم، وفي تخصيص الأم بالذكر مبالغة.\n_________\n(١) سقط في نسخة.","vol":"8","page":40},{"text":"٤٦٧٥ - [٩] وَعَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَدْخَلٌ بِاللَّيْلِ وَمَدْخَل بِالنَّهَارِ، فَكُنْتُ إِذَا دَخَلْتُ بِاللَّيْلِ تَنَحْنَحَ لِي، رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٢١٢].\n٤٦٧٦ - [١٠] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تَأْذَنُوا لِمَنْ لَمْ يَبْدَأْ بِالْسَّلَامِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٨٨١٦].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1073>٣ - باب المصافحة والمعانقة</span>\nــ\n٤٦٧٥ - [٩] (علي -﵁-) قوله: (تنحنح لي) قال الطيبي (١): علامة الإذن بالليل التنحنح، انتهى.\nأقول: وقع في رواية أخرى (فكنت إذا دخلت بالليل، فإن تنحنح انصرفت)، فيكون علامة عدم الإذن، ويمكن حمل عبارة حديث الكتاب على هذا، فتدبر.\n٤٦٧٦ - [١٠] (جابر) قوله: (لا تأذنوا من لم يبدأ بالسلام) صريح في استحباب الابتداء بالسلام قبل الاستئذان.\n٣ - باب المصافحة والمعانقة\nفي (القاموس) (٢): المصافحة: الأخذ باليد، كالتصافح، وقول الطيبي (٣): المصافحة: الإفضاء بصفحة اليد، إشارة إلى ما هو معنى التصفح في الأصل، وهو\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٣٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٢٢).\n(٣) انظر: \"شرح الطيبي\" (٩/ ٣٤).","vol":"8","page":41},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالعرض، فصفح الوجه والسيف عرضه، ويقال: صفح بالسيف: ضرب بعرضه، والصفح: السماء، ووجه كل شيء عريض.\nوالمصافحة سنة بكلتي يديه، ولا بأس بمصافحة عجوز لا تشتهى، وكذا إن كان شيخًا يامن على نفسه، وروي: أن أبا بكر -﵁- كان في خلافته يخرج إلى بعض القبائل الذي كان مسترضعا فيهم، فكان يصافح العجائز، ولما مرض ابن الزبير -﵁- بمكة، استأجر عجوزًا لمرضه، وكانت تغمز رجله، وتفلي رأسه، وينبغي أن يحترز عن مصافحة الأمرد الحسن الوجه، كذا في (مطالب المؤمنين).\nوأما المعانقة فالصحيح أنها جائزة إن لم يكن هناك خوف فتنة، لما سيأتي من حديث زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب -﵄-، وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما اللَّه: يكره أن يقبل الرجل فم الرجل أو يده أو شيئًا منه، أو يعانقه، لورود النهي عنه كما سيأتي من حديث أنس -﵁-، ونقل عن الشيخ أبي منصور الماتريدي ﵀ في التوفيق بين الأحاديث: أن المكروه من المعانقة ما كان على وجه الشهوة، وأما على وجه البر والكرامة فجائزة، وقيل: الخلاف فيما إذا لم يكن عليه غير الإزار، أما إذا كان عليه قميص أوجبة فلا بأس بالإجماع، وهو الصحيح، وكل من حرم النظر إليه حرم مسه، بل المس أشد؛ فإنه يحل النظر إلى أجنبية إذا أراد أن يتزوجها، وفي حال البيع والشراء، ولا يجوز مسها في شيء من ذلك، وقيل: تقبيل يد العالم على سبيل التبرك جائز، وتقبيل يد غيره لا يرخص فيه، قال الصدر الشهيد: هو المختار، وما يفعله الجهال من تقبيل يد نفسه بعد المصافحة فليس بشيء، بل مكروه، وقال الفقيه أبو جعفر: من قبل الأرض بين يدي سلطان أو أمير أو سجد له؛ فإن كان على","vol":"8","page":42},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوجه التحية لا يكفر، ولكن يصير آثمًا مرتكبًا للكبيرة.\nوعن الفقيه أبي جعفر الهندواني أنه قال: لا بأس بأن يقبل الرجل وجه الرجل إذا كان عالمًا أو زاهدًا، يريد بذلك إعزاز الدين، ويكره تقبيل امرأة فم امرأة عند الوداع أو اللقاء، وإن طلب أحد من عالم أو زاهد أن يرفع قدميه ليقبله لا يرخص، ولا يجيب إلى ذلك، ولا بأس بالقبلة للولد الصغير بل مأجور فيها، وقيل: تقبيل الرجل ولده واجب ذكرًا أو أنثى على وجه الشفقة والرحمة، وكان رسول اللَّه -ﷺ- يقبل رأس فاطمة، ويقول: (إني لأجد ريح الجنة)، وكان إذا قدم من السفر بدأ بها فعانقها، وقبّل رأسها، كذا في السغناقي.\nوأما ما ذكر في بعض الكتب من أن وجدان رائحة الجنة من تقبيل فاطمة من جهة أن رسول اللَّه -ﷺ- أكل ليلة المعراج من فاكهة الجنة، ومنها كان علوق فاطمة فخطأ؛ لأن ولادتها -﵂- قبل النبوة بخمس سنين حين بنت قريش البيت، وقيل: ولدت سنة إحدى وأربعين من الفيل، ولا يجب أن يكون وجدان رائحة الجنة منها من جهة ما ذكر، بل يجوز أن يكون لها رائحة مثل رائحة أوراد الجنة وأزهارها، كما كان يوجد لرسول اللَّه -ﷺ- رائحة طيبة.\nويقال: القبلة على خمسة أوجه: قبلة المودة، وهي قبلة الوالدين للولد على الخد، وقبلة الرحمة، وهي قبلة الولد لوالديه على الرأس، وقبلة الشهوة وهي قبلة الزوج للزوجة على الفم، وقبلة التحية وهي قبلة المؤمنين فيما بينهم على اليد، وقبلة الشفقة وهي قبلة الأخت للأخ على الجبهة؛ وإذا كان تقبيل يد غيره لدنياه وثروته وشوكته في الدنيا فهو مكروه أشد كراهة، وفي هذا فروع ومسائل كثيرة مذكورة في موضعها.","vol":"8","page":43},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1074> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٦٧٧ - [١] عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسٍ: أَكَانَتِ الْمُصَافَحَةُ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: نَعَمْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٢٦٣].\n٤٦٧٨ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، فَقَالَ الأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثُمَّ قَالَ: \"مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ\". . . . .\nــ\nالفصل الأول\n٤٦٧٧ - [١] (قتادة) قوله: (أكانت المصافحة في أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-؟) إنما خص السؤال بكونها في الصحابة؛ لأنهم القدوة في السنة؛ دفعًا لأن يتوهم حدوثه بعدهم فيكون بدعة، أو دفعًا لأن يتوهم نسخها لوجودها بعده -ﷺ-.\n٤٦٧٨ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (من لا يرحم) أي: خلق اللَّه، ويدخل فيه الأولاد وغيرهم، أو المراد على الأولاد بقرينة السياق، وقال الطيبي (١): لعل وضع الرحمة في الأولى للمشاكلة؛ فإن المعنى من لم يشفق على الأولاد لا يرحمه اللَّه، أو أتى بالعام لتدخل فيه الشفقة دخولًا أوليًّا، انتهى.\nلعل مراده أن الرحمة إن كانت مخصوصة بما هو صفة اللَّه كان إطلاقها على ما هو صفة العبد -وهي الشفقة- بطريق المشاكلة، وإن كانت أعم فلا حاجة إلى اعتبار المشاكلة؛ لأن الرحمة لما كانت عامة شاملة للشفقة أيضًا كان إطلاق الرحمة عليها حقيقة لا يحتاج إلى القول بالمشاكلة؛ لأنها إنما تناسب على تقدير أن يكون مباينًا لها كما يظهر من الأمثلة التي ذكروا لها من نحو: جزاء سيئة سيئة مثلها، ونحو: اطبخوا\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٣٥).","vol":"8","page":44},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: \"أَثَمَّ لُكَعُ\" فِي (بَابِ مَنَاقِبِ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَذَكَرَ حَدِيثَ أُمِّ هَانِئ فِي (بَابِ الأَمَانِ). [خ: ٥٩٩٧، م: ٢٢١٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1075> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٦٧٩ - [٣] عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- (١): \"مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: \"إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ فَتَصَافَحَا، وَحَمِدَا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَاهُ، غُفِرَ لَهُمَا\". [ت: ٢٧٢٧، جه: ٣٧٠٣، د: ٥٢١١].\nــ\nلي جبة وقميصًا؛ فإنه لو قيل هنا: اصنعوا أو اعملوا لي جبة لا يكون من باب المشاكلة بلا شبهة، ولا يخفى أن الظاهر هو الثاني، فالوجه أن يكتفى به.\nوقوله: (وذكر حديث أم هانئ في باب الأمان) لأنه أنسب وأوفق بذلك الباب، وإنما ذكره صاحب (المصابيح) هنا لأنه وقع في ذلك الحديث: (مرحبًا بأم هانئ)، والترحيب في معنى المصافحة ومناسب لها، كما ذكر حديث عكرمة بن أبي جهل في (الفصل الثاني) باعتبار اشتماله على الترحيب، لكن الحديث طويل، وهو بطوله مسوق لثبوت الأمان، فالمناسب ذكره في بابه، وإنما وقع فيه كلمة واحدة مناسبة لباب المصافحة، وهو قوله: (مرحبا بأم هانئ)، وصاحب (المصابيح) لم يذكر منه ههنا إلا هذه الكلمة.\nالفصل الثاني\n٤٦٧٩ - [٣] (البراء بن عازب) قوله: (وفي رواية) الفرق بين الروايتين أن في\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول اللَّه\".","vol":"8","page":45},{"text":"٤٦٨٠ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أَوْ صَدِيقَهُ أَيَنْحَنِي لَهُ؟ قَالَ: \"لَا\"، قَالَ: أَفَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبِّلُهُ؟ قَالَ: \"لَا\"، قَالَ: أَفَيَأْخُذُ بِيَدِهِ وَيُصَافِحُهُ؟ قَالَ: \"نَعَمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٧٢٨].\n٤٦٨١ - [٥] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"تَمَامُ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ أَنْ يَضَعَ أَحَدُكُمْ يَدَهُ. . . . .\nــ\nالثانية زيد قيد الحمد والاستغفار، ولم يقيده بقوله: (قبل أن يتفرقا)، والظاهر أنه عبارة عن سرعة وجود المغفرة، فافهم.\n٤٦٨٠ - [٤] (أنس) قوله: (أينحني له؟) في بعض الحواشي: الانحناء: إمالة الرأس والظهر، وهو المشهور، والظاهر أن المراد هنا انحناء الظهر كما قال محيي السنة: إن انحناء الظهر مكروه، وإن كان يفعله كثير ممن ينسب إلى علم وصلاح، ونقل عن الشيخ أبي منصور: أن تقبيل الأرض وانحناء الظهر وإمالة الرأس لا يكون كفرًا بل إثمًا ومعصية كبيرة؛ لأن المقصود التعظيم دون العبادة، انتهى.\nوبعض المشايخ رحمهم اللَّه تعالى قد شددوا في المنع عن ذلك، وقالوا: كاد الانحناء أن يكون كفرًا، واللَّه أعلم.\nوقوله: (قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا) وهذا متمسك ما روي عن أبي حنيفة ومحمد من كراهة المعانقة والتقبيل، وقيل: المكروه إنما هو ما كان على سبيل التملق والتعظيم، والجائز ما كان عند التوديع والقدوم، أو لطول عهد الملاقاة، أو شدة الحب في اللَّه، وعند الأمن من الفتنة، وإن قبّل لا يقبّل الفم بل اليد أو الجبهة، والصحيح أنه عند القدوم جائز بالاتفاق.\n٤٦٨١ - [٥] (أبو أمامة) قوله: (أن يضع أحدكم يده على جبهته أو على يده)","vol":"8","page":46},{"text":"عَلَى جَبْهَتِهِ أَوْ عَلَى يَدِهِ فَيَسْأَلَهُ: كَيْفَ هُوَ؟ وَتَمَامُ تَحِيَّاتِكُمْ بَيْنَكُمُ الْمُصَافَحَةُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ. [حم: ٥/ ٢٦٥، ت: ٢٧٣١].\n٤٦٨٢ - [٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي بَيْتِي، فَأَتَاهُ فَقَرَعَ البابَ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عُرْيَانًا يَجُرُّ ثَوْبَهُ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُهُ عُرْيَانًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ، فَاعْتَنَقَهُ وَقَبَّلَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٧٣٢].\n٤٦٨٣ - [٧] وَعَنْ أَيُّوبَ بْنِ بُشَيْرٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ عَنَزةَ أَنَّه قَالَ: قُلْتُ لِأبِي ذَرٍّ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَافِحُكُمْ إِذَا لَقِيتُمُوهُ؟ قَالَ: مَا لَقِيتُهُ قَطُّ إِلَّا صَافَحَنِي، وَبَعَثَ إِلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ وَلَمْ أَكُنْ فِي أَهْلِي، فَلَمَّا جِئْتُ أُخْبِرْتُ، فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ عَلَى سَرِيرٍ فَالْتَزَمَنِي،\nــ\nهذا إذا كان المرض ساريًا في البدن كالحمى ونحوه، وأما إذا كان الألم في موضع مخصوص فالأولى أن يضع يده فيه.\nوقوله: (وتمام تحياتكم بينكم المصافحة) يدل على أن السنة المصافحة مع السلام لا بدونه.\n٤٦٨٢ - [٦] (عائشة) قوله: (في بيتي) بيان للواقع أو مبالغة في المقصود، فافهم.\nوقوله: (ما رأيته عريانًا) أي: في مثل هذه الحال على هذا الوجه، والعري إنما كان من الرداء، وهو ظاهر.\n٤٦٨٣ - [٧] قوله: (وعن أيوب بن بشير) بلفظ التصغير من البشارة.","vol":"8","page":47},{"text":"فَكَانَتْ تِلْكَ أَجْوَدَ وَأَجْوَدَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢١٤].\n٤٦٨٤ - [٨] وَعَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ جِئْتُهُ: \" مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٧٣٥].\n٤٦٨٥ - [٩] وَعَن أُسَيدِ بْنِ حُضَيرٍ -رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ- قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يُحَدِّثُ. . . . .\nــ\nوقوله: (فكانت تلك) أي: الفعلة -وهي الالتزام- (أجود) الالتزامات، أو أجود من المصافحة.\nوقوله: (وأجود) تكريره للتوكيد والتقرير، وعلم من هذا الحديث جواز المعانقة في غير حالة القدوم؛ إظهارًا لشدة المحبة والعناية.\n٤٦٨٤ - [٨] قوله: (عكرمة بن أبي جهل) كان شديد العداوة لرسول اللَّه -ﷺ- هو وأبوه، وكان فارسًا مشهورًا، وهرب يوم الفتح فلحق باليمن، فلحقت به امرأته أم حكيم بنت حارث بن هشام، بنت عمه، فأتت به النبي -ﷺ- فلما رآه قال: (مرحبًا بالراكب المهاجر)، وفي رواية: لما رآه قام إليه فاعتنقه، وقال: (مرحبًا بالراكب المهاجر)، فأسلم بعد الفتح سنة ثمان، وحسن إسلامه.\n٤٦٨٥ - [٩] قوله: (وعن أسيد بن حضير) بلفظ التصغير فيهما.\nوقوله: (رجل من الأنصار) الظاهر من لفظ (المصابيح)، ومما أورده المؤلف أيضًا أن لفظ (رجل) مجرور بدل من (أسيد)، أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف، أي: وهو رجل، وأنه القائل والمحدث والمضحك، ولكن لفظ (جامع الأصول) (١) هكذا:\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (١١/ ٥٦).","vol":"8","page":48},{"text":"الْقَوْمَ -وَكَانَ فِيهِ مُزَاحٌ- بَيْنَا يُضْحِكُهُمْ، فَطَعَنَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي خَاصِرَتِهِ بِعُودٍ فَقَالَ: أَصْبِرْنِي، قَالَ: \"اصْطَبِرْ\"، قَالَ: إنَّ عَلَيْكَ قَمِيصًا وَلَيْسَ عَلَيَّ قَمِيصٌ، فَرَفَعِ النَّبِيُّ -ﷺ- عَنْ قَمِيصِهِ فَاحْتَضَنَهُ وَجَعَلَ يُقَبِّلُ كَشْحَهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَرَدْتُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٢٤].\n٤٦٨٦ - [١٠] وَعَنِ الشَّعْبِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- تَلَقَّى جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَالْتَزَمَهُ وقبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي. . . . .\nــ\nأن أسيد بن حضير قال: إن رجلًا من الأنصار كان فيه مزاح، فبينما هو يحدث القوم يضحكهم، إذ طعنه النبي -ﷺ-، الحديث، وقد تركه الشيخ التُّورِبِشْتِي على ظاهره، ووجه الطيبي (١) عبارة (المصابيح)، ووفقه بلفظ (جامع الأصول) بما لا يخلو عن تكلف، حمله على ذلك أن أسيد بن حضير من عظماء الصحابة ونقباء الأنصار، وصدور أمثال هذه الأفعال عنه مستبعد جدًّا، واللَّه أعلم.\nو(المزاح) بالضم الاسم، وبالكسر مصدر مازحه.\nوقوله: (أصبرني) بفتح الهمزة، والإصبار والاصطبار؛ الاقتصاص، والمراد مكِّني من القصاص حتى أطعن من خاصرتك كما طعنت خاصرتي.\nوقوله: (اصطبر) أي: اقتص من نفسي.\nوقوله: (عن قميصه) عدّي بـ (عن) لتضمنه معنى (كشف).\nوقوله: (فاحتضنه) أي: اعتنقه، وهذا موضع الاستدلال؛ لتقريره -ﷺ-.\n٤٦٨٦ - [١٠] (الشعبي) قوله: (وعن الشعبي) بفتح الشين وسكون المهملة من\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٩/ ٣٧).","vol":"8","page":49},{"text":"\"شُعَبِ الإِيمَانِ\" مُرْسَلًا. وَفِي بَعْضِ نُسَخِ \"الْمَصَابِيحِ\" وَفِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" عَنِ البَيَاضِي مُتَّصِلًا. [د: ٥٢٢٠، شعب: ١١/ ٢٩٥].\n٤٦٨٧ - [١١] وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي قِصَّةِ رُجُوعِهِ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ قَالَ: فَخَرَجْنَا حَتَّى أَتَيْنَا الْمَدِينَةَ، فَتَلَقَّانِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَاعْتَنَقَنِي، ثُمَّ قَالَ: \"مَا أَدْرِي: أَنَا بِفَتْحِ خَيْبَرَ أَفْرَحُ أَمْ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ؟ \". وَوَافَقَ ذَلِكَ فَتْحَ خَيْبَرَ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١٢/ ٢٩١].\n٤٦٨٨ - [١٢] وَعَنْ زَارعٍ -وَكَانَ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ- قَالَ: لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَجَعَلْنَا نَتَبَادَرُ مِنْ رَوَاحِلِنَا،\nــ\nالتابعين، و(البياضي) صحابي، وفي (جامع الأصول) (١): البياضي بفتح الباء وتخفيف الياء تحتها نقطتان والضاد المعجمة منسوب إلى بياضة بن عامر، خزرجي.\n٤٦٨٧ - [١١] (جعفر بن أبي طالب) قوله: (فاعتنقني) ذكر السمهودي في كتاب (وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى): أنه قدم سفيان بن عيينة على مالك فصافحه مالك، وقال: عانقتك أيضًا لو لم تكن بدعة، فقال سفيان: قد عانق من هو أفضل منك ومني، عانق رسول اللَّه -ﷺ- جعفر بن أبي طالب وقبله عند قدومه من الحبشة، فقال مالك: ذاك مخصوص بجعفر، فقال سفيان: لا بل هو عام، وحكمنا وحكم جعفر واحد إن كنا من الصالحين، أتأذن لي أن أحدثك بذلك؟ قال مالك: نعم قد أذنت لك، فروى سفيان هذا الحديث بسند كان له، وسكت مالك.\n٤٦٨٨ - [١٢] (زارع) قوله: (فجعلنا نتبادر من رواحلنا) وروي أنه لما قدم\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٢٣٤).","vol":"8","page":50},{"text":"فَنُقَبِّلُ يَدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَرِجْلَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٢٥].\n٤٦٨٩ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلًّا. . . . .\nــ\nوفد عبد القيس تبادروا من رواحلهم وسقطوا منها على الأرض وفعلوا ما فعلوا، وقررهم على ذلك النبي -ﷺ-، وأما الذي كان رأسهم ومقدمهم اسمه الأشج، نزل أولًا في منزل له، واغتسل ولبس الثياب البيض، ثم دخل المسجد فصلى فيه ركعتين ودعا، فقصد إلى النبي -ﷺ- خاضعًا خاشعًا بتأن ووقار، فلما رأى -ﷺ- هذا الأدب أثنى عليه، وقال: (إن فيك لخصلتين يحبهما اللَّه ورسوله: الحلم والأناة)، انتهى.\nو(الأناة) على وزن (نواة): الوقار، وهذا الذي ذكر من الأشج هو أدب زيارته -ﷺ- الآن.\nوفي الحديث دليل على جواز تقبيل الأرجل، وجاء في غير هذا الحديث أيضًا.\n٤٦٨٩ - [١٣] (عائشة) قوله: (سمتًا وهديًا ودلًّا) قال في (القاموس) (١): السمت: الطريق، وهيئة أهل الخير، والسير على الطريق بالظن، وحسن النَّحو، وقصد الشيء، سمت يسمِت ويسمُت، وسمَت لهم يسمِت: هيأ لهم وجهَ الكلام، والهَدْي والهَدْية ويكسر: الطريقة والسيرة، والهادي المتقدم، والدَّل كالهدي، وهما من السكينة والوقار وحسن المنظر، وفي (الصراح) (٢): سمت: راه وروش نيكو وبحدس وكَمان وبراستي رفتن، وميانه راه رفتن، من نصر ينصر، هدي وهديه بالكسر روش وكار وجهت، ويقال: ما أحسن سمته، أي: هديه، وسمته، أي: قصده، وما أحسن\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٥٥).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٦٤).","vol":"8","page":51},{"text":"-وَفِي رِوَايَةٍ: حَدِيثًا وَكَلَامًا- بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ فَاطِمَةَ، كَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَامَ إِلَيْهَا فَأَخَذَ بِيَدِهَا، فَقَبَّلَهَا وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا قَامَتْ إِلَيْهِ فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ فَقَبَّلَتْهُ وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِها. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢١٧].\n٤٦٩٠ - [١٤] وَعَنِ البَرَاءِ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا عَائِشَةُ ابْنَتُهُ مُضْطَجِعَةٌ قَدْ أَصَابَتْهَا حُمَّى، فَأَتَاهَا أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتِ يَا بُنَيَّةُ؟ وَقَبَّلَ خَدَّهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٢٢].\nــ\nهديه وما أحسن هديته بالفتح والكسر، أي: سيرته، وهَدَى هدْيَ فلانٍ، أي: سار سيرته، وقال أبو عبيد: الدل قريب المعنى من الهدي، وهما من السكينة والوقار في الهيئة والمنظر والشمائل وغير ذلك، وفي الحديث: كان أصحاب عبد اللَّه يرحلون إلى عمر فينظرون إلى سمته وهديه ودلّه فيتشبهون به، هذه عبارة (القاموس) (١) و(الصراح)، ويظهر منها أن الثلاثة قريب في المعنى.\nوقال التُّورِبِشْتِي (٢): وكأنها أشارت بالسمت إلى ما يرى على الإنسان من الخشوع والتواضع للَّه، وبالهدي إلى ما يتحلى من السكينة والوقار، وإلى ما يسلكه من المنهج المرضي، وبالدلّ: دماثة الخلق وحسن الحديث.\nوقوله: (وفي رواية: حديثا وكلامًا) هما بمعنًى، إلا أن يراد بأحدهما نص الكلام وبالآخر التكلم وطريقته.\n٤٦٩٠ - [١٤] (البراء) قوله: (دخلت مع أبي بكر) أي: بيته، وفي الحديث\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٢٠، و١٢٣٤).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٣/ ١٠٣٠).","vol":"8","page":52},{"text":"٤٦٩١ - [١٥] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أُتِيَ بِصَبِيٍّ فَقَبَّلَهُ فَقَالَ: \"أَمَا إِنَّهُمْ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ، وَإِنَّهُمْ لَمِنْ رَيْحَانِ اللَّهِ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [١٣/ ٣٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1076> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٦٩٢ - [١٦] عَنْ يَعْلَى قَالَ: إِنَّ حَسَنًا وَحُسَيْنًا اسْتَبَقَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَضَمَّهُمَا إِلَيْهِ وَقَالَ: \"إِنَّ الْوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ١٧٢].\n٤٦٩٣ - [١٧] وَعَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"تَصَافَحُوا يُذْهَبِ الْغِلُّ،\nــ\nدليل على تقبيل الرجل خدَّ ولده ولو كانت بنتًا.\n٤٦٩١ - [١٥] (عائشة) قوله: (لمن ريحان اللَّه) الريحان: الرزق والنعمة، مشتق من الروح بمعنى الانتعاش، والرزق سببه، والنبت الطيبة الرائحة المشهورة، أو كل نبت كذلك، وكلا المعنيين محتمل في الحديث.\nالفصل الثالث\n٤٦٩٢ - [١٦] (يعلى) قوله: (إن الولد مبخلة مجبنة) قالوا: المراد هنا إظهار غاية المحبة والشفقة والمدح، وفيما سبق الكراهة والذم، واللفظ يحتملهما، فيحمل في كل مقام على ما يليق به، واللائق بالثاني إظهار المحبة والمدح لذكر الحسن والحسين.\n٤٦٩٣ - [١٧] (عطاء) قوله: (يذهب) بالجزم والرفع بلفظ المعلوم من الذهاب أو الإذهاب، وكذلك (تذهب) الثاني، و(الغل) على الأول منصوب وعلى الثاني","vol":"8","page":53},{"text":"وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ\". رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا. [م: ٢: ٩٠٨].\n٤٦٩٤ - [١٨] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ صَلَّى أَرْبَعًا قَبْلَ الْهَاجِرَةِ فَكَأَنَّمَا صَلَّاهُنَّ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَالْمُسْلِمَانِ إِذَا تَصَافَحَا لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمَا ذَنْبٌ إِلَّا سَقَطَ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٨٩٥٥].\n* * *\nــ\nمرفوع (١)، وهو بالكسر الحقد والضغن، وذلك لما في المصافحة من ظهور التوادد والتحاب.\nوقوله: (وتهادوا) بفتح الدال مخففة، و(تحابوا) بضم الباء مشددة، و(الشحناء) على وزن حمراء: العداوة التي تملأ القلب.\n٤٦٩٤ - [١٨] (البراء بن عازب) قوله: (قبل الهاجرة) الهاجرة: وقت اشتداد الحر نصف النهار، والظاهر أن المراد بها صلاة الظهر، فهو ترغيب على محافظة راتبة الظهر أربعًا أو على صلاة في الزوال، واللَّه أعلم.\nوقوله: (لم يبق بينهما ذنب) يعني أنه يغفر بها ذنبهما كما سبق من الأحاديث.\nوقال الطيبي (٢): المراد بالذنب الغل والشحناء وضعًا لسبب مقام المسبب، ولعله إنما حمل على ذلك رعاية للفظ بينهما.\n_________\n(١) كذا في الأصل، والظاهر: \"على الأول مرفوع وعلى الثاني منصوب\". انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٧/ ٢٩٧١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٤١).","vol":"8","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1077>٤ - باب القيام</span>\nــ\n٤ - باب القيام\nقد ادعى بعضهم أن القيام للداخل سنة، واحتجوا بما يجيء من قوله -ﷺ-: (قوموا لسيدكم)، ويجيء جوابه أيضًا، وذهب بعضهم إلى أنه مكروه منهي عنه؛ لما ثبت من حديث أنس من كراهته -ﷺ- قيام الصحابة له، وقال: إنه من عادة الأعاجم، وقد يحتج أيضًا على جواز القيام بما روي من قيام النبي -ﷺ- لعكرمة بن أبي جهل حين قدم، وبما روي عن عدي بن حاتم: ما دخلت على رسول اللَّه -ﷺ- إلا قام أو تحرك، وتعقب بأنه لا يصح الاحتجاج لضعف الرواية، ولو ثبت فيحمل على الترخيص حيث يقتضيه الحال، وقد كان عكرمة من رؤساء قريش، وعدي كان سيد بني طيئ، فرأى تأليفهما بذلك على الإسلام مع ما عرف من جانبهما تطلعًا عليه بمقتضى حب الرياسة، كذا قال الطيبي (١).\nومن الحجة على ذلك ما سبق من حديث عائشة -﵂-: كانت فاطمة إذا دخلت على النبي -ﷺ- قام إليها، وكان إذا دخل عليها قامت إليه، ويقال: إن ذلك قيام محبة وإقبال لا تعظيم وإجلال كما هو المتعارف المعهود بقرينة تعديته بـ (إلى) دون اللام كما في حديث معاذ، ولا يخفى ما فيه.\nوالصحيح أن احترام أهل الفضل من أهل العلم والصلاح والشرف بالقيام جائز، وفي (مطالب المؤمنين): لا يكره قيام الجالس من دخل عليه تعظيمًا، والقيام ليس بمكروه لعينه، وإنما المكروه محبة القيام من الذي يقام له؛ فإن لم يحب القيام وقام لا يكره، كذا في (القنية)، وسيجيء في الحديث: (من سره أن يتمثل\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٤٢).","vol":"8","page":55},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nله الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار)، قالوا: هذا إذا طلب من أحد، أما لو لم يطلب ولم يتوقع أن يقوم له أحد ووقف أحد من تلقاء نفسه طلبًا للثواب فلم يكن عليه بأس، ويستحب للرجل أن يكرم أهل الفضل من غير إفراط، ولا يجوز أن يكرم أحدًا لأجل دنياه، فقد ورد فيه وعيد شديد، وما جاء في حديث أنس -﵁- من كراهته -ﷺ- قيام الصحابة له؛ فإنما هي من جهة الاتحاد الموجب لرفع التكلف والحشمة لا للنهي عنه.\nوقال الشيخ محيي الدين النووي (١): القيام للقادم من أهل الفضل مستحب، وقد جاءت فيه أحاديث، ولم يصح في النهي عنه شيء صريح، ونقل القاضي عياض: القيام المنهي عنه هو أن يقوموا عليه طول جلوسه، وعن الغزالي (٢) أنه قال: المنهي القيام للتعظيم لا على سبيل الإكرام، أو لا بد من بيان الفرق بين التعظيم والإكرام، فافهم.\nوقال الطيبي (٣): إن ذلك يختلف بحسب الأزمان والأحوال والأشخاص، انتهى.\nقد عرفت مما ذكرنا أن القيام المذكور مما تكلم فيه العلماء واختلفوا، ليس كما يقال: إن ذلك بدعة لم يكن في زمن النبي -ﷺ-، نعم لم يكن ذلك متعارفًا فيه كما في هذا الزمان، بل كانوا غير متكلفين في أحد الجانبين، بل الظاهر أن الغالب في ذلك الزمان عدم القيام، وأما أنه بدعة مطلقًا فكلَّا، واللَّه أعلم، فتدبر.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (١٢/ ٩٣).\n(٢) انظر: \"إحياء علوم الدين\" (٢/ ٢٠٥).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٤٣).","vol":"8","page":56},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1078> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٦٩٥ - [١] عَن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَيْهِ -وَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُ- فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْمَسْجِدِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلأَنْصَارِ: \"قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَمَضَى الْحَدِيثُ بِطُولِهِ فِي \"بَابِ حُكْمِ الأُسَرَاءِ\". [خ: ٤١٢١، م: ١٧٦٨].\n٤٦٩٦ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يُقِيمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ، وَلَكِنْ تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٦٩، م: ٢١٧٧].\nــ\nالفصل الأول\n٤٦٩٥ - [١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (قوموا إلى سيدكم) قال التُّورِبِشْتِي (١): ليس هذا من القيام الذي يراد به التعظيم على ما كان يتعاهده الأعاجم في شيء، فكيف يجوز أن يأمر بما صح أنه نهى عنه، وإنما كان سعد بن معاذ وجعًا لما رمي في أكحله؛ فالمعنى قوموا إليه لإعانته وإنزاله من المركب، ولو كان للتوقير والتعظيم يقال: قوموا لسيدكم، انتهى. وأقول: يمكن أن تكون الحكمة في الأمر بالقيام لسعد [و] مراعاة تبجيله وتوقيره في هذا المقام أنه إنما طلبه ليحكم في القوم، وإعلاء شأنه أدخل في ذلك؛ ليبعثهم إلى الأطاعة والانقياد لقبول حكمه، واللَّه أعلم.\n٤٦٩٦ - [٢] (ابن عمر) قوله: (لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه)\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ١٠٣١).","vol":"8","page":57},{"text":"٤٦٩٧ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٧٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1079> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٦٩٨ - [٤] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَانُوا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا، لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ كَرَاهِيَتِهِ لِذَلِكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٢٧٥٤].\n٤٦٩٩ - [٥] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ. . . . .\nــ\nفي المسجد أو في غيره، وروي عن ابن عمر -﵄-: أنه إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه، ولعل ذلك كان احتياطًا منه -﵁-؛ لكونه مشابهًا لما وقع النهي عنه وإن لم يكن ذلك بإقامة إياه أو لكراهة قيامه له، ويجيء في حديث سعيد بن الحسن من قول أبي بكرة النهي عن قيام أحد ليجلس فيه غيره، واللَّه أعلم.\n٤٦٩٧ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به) قالوا: هذا إذا قام على قصد الرجوع للوضوء أو لشغل يسير، فإن قعد غيره فله أن يقيمه.\nالفصل الثاني\n٤٦٩٨ - [٤] (أنس) قوله: (لما يعلمون من كراهيته لذلك) قد سبق أن هذه الكراهية لم تكن للنهي، بل لرفع التكلف وصفاء المحبة، فالقيام يختلف بحسب الأزمان والأحوال والأشخاص.\n٤٦٩٩ - [٥] (معاوية) قوله: (من سره أن يتمثل) أي: ينتصب قائمًا، في","vol":"8","page":58},{"text":"الرِّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٧٥٥، د: ٥٢٢٩].\n٤٧٠٠ - [٦] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُتَّكِئًا عَلَى عَصًا، فَقُمْنَا لَهُ فَقَالَ: \"لَا تَقُومُوا كَمَا يَقُومُ الأَعَاجِمُ، يُعَظِّمُ بَعْضُهَا بَعْضًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٣٠].\n٤٧٠١ - [٧] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: جَاءَنَا أَبُو بَكْرَةَ. . . . .\nــ\n(القاموس) (١): مثل: قام منتصبًا، مثولًا، ولطأ بالأرض، ضد، وفي (الصراح) (٢): مثول بالضم: بخدمت بيش استادن وبر زمين جسبيدن، وهو من الأضداد.\n٤٧٠٠ - [٦] (أبو أمامة) قوله: (متكئًا على عصًا) رمح وعنزة وعصًا، فالرمح أطول من العنزة، والعنزة أطول من العصا، والعنزة نحو ثلاثة أذرع لها سنان الرمح، وأكثر ما يطلقون العصا على خشبة قصيرة تضرب بها الدابة، وأما العصا التي يتعارف أخذها الآن؛ فلا يوجد في السنة أنها كانت لرسول اللَّه -ﷺ- يمشي بها.\nنعم قد كان من عادته الكريمة أنه كانت في يديه خشبة معوجة الرأس كما ذكر في (كتاب الحج)، والعنزة كانت تحمل بين يديه وتنصب بين يديه فيصلي إليها كما مر في (باب السترة)، واللَّه أعلم.\n٤٧٠١ - [٧] (سعيد) قوله: (وعن سعيد بن أبي الحسن) هو أخو الحسن البصري، و(أبو بكرة) على صيغة كنية الصديق مع تاء في آخره، وهو نفيع بن الحارث\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٧٤).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٤٤٩).","vol":"8","page":59},{"text":"فِي شَهَادَةٍ، فَقَامَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ مَجْلِسِهِ، فَأَبَى أَنْ يَجْلِسَ فِيهِ وَقَالَ: إنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى عَنْ ذَا، وَنَهَى النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يَمْسَحَ الرَّجُلُ يَدَهُ بِثَوْبِ مَنْ لَمْ يَكْسُهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٢٧].\n٤٧٠٢ - [٨] وَعَن أَبِي الْدَّرْدَاءِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا جَلَسَ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ، فَقَامَ فَأَرَادَ الرُّجُوعَ، نَزَعَ نَعْلَهُ أَوْ بَعْضَ مَا يَكُونُ عَلَيْهِ، فَيَعْرِفُ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ فَيَثْبُتُونَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٥٤].\n٤٧٠٣ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ اثْنَيْنِ إِلَّا بِإِذْنِهِمَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٧٥٢، د: ٤٨٤٥].\nــ\nالثقفي بضم النون وفتح الفاء وسكون الياء.\nوقوله: (في شهادة) أي: في أداء شهادة كانت عنده.\nوقوله: (أن يمسح الرجل يده بثوب من لم يكسه) يعني إذا تلطخ يد أحد بطعام أو نحوه فلا يمسح يده بثوب غيره إلا من كساه الثوب من خدامه وعبيده وأولاده.\n٤٧٠٢ - [٨] (أبو الدرداء) قوله: (فأراد الرجوع) أي: بعد القيام من المجلس إلى البيت.\nوقوله: (نزع نعله) أي: تركها هناك ومشى إلى البيت حافيًا.\nوقوله: (بعض ما يكون عليه) أي: من الثوب ونحوه.\n٤٧٠٣ - [٩] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (بين اثنين) أي: الذين بينهما أخوة أو مودة؛ فإن عرف ذلك قطعًا كره التفريق، وإن عرف عدم ذلك جزمًا لم يكره، وإن","vol":"8","page":60},{"text":"٤٧٠٤ - [١٠] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تَجْلِسْ بَيْنَ رَجُلَيْنِ إِلَّا بِإِذْنِهِمَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٤٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1080> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٧٠٥ - [١١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَجْلِسُ مَعَنَا فِي الْمَسْجِدِ يُحَدِّثُنَا، فَإِذَا قَامَ قُمْنَا قِيَامًا حَتَّى نَرَاهُ قَدْ دَخَلَ بَعْضَ بيُوتِ أَزوَاجِهِ.\n٤٧٠٦ - [١٢] وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ قَاعِدٌ، فَتَزَحْزَحَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ فِي الْمَكَانِ سَعَةً،\nــ\nأبهم فالاحتياط أن يتوقف لئلا يلزم الإيذاء.\n٤٧٠٤ - [١٠] (عمرو بن شعيب) قوله: (لا تجلس بين رجلين) فيه تصريح بأن المراد بالتفريق في الحديث السابق الجلوس فيهما وإن كان ظاهر مفهومه أعم.\nالفصل الثالث\n٤٧٠٥ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (فإذا قام قمنا) قد يستأنس به لقيامهم عند دخوله أيضًا؛ فإن الحق أن القيام عند الدخول كان واقعًا في زمنه -ﷺ-، والكراهة إنما كانت للتكلف ولم يكن معتادًا.\n٤٧٠٦ - [١٢] (واثلة بن الخطاب) قوله: (فتزحزح) أي: تنحى عن مكان هو فيه، و(سعة) بفتح السين وكسرها، كذا يفهم من (القاموس) (١).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩٠).","vol":"8","page":61},{"text":"فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِنَّ لِلْمُسْلِمِ لَحَقًّا إِذَا رَآهُ أَخُوهُ أَنْ يَتَزَحْزَحَ لَهُ\". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٨٩٣٠، ٨٩٣٣].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1081>٥ - باب الجلوس والنوم والمشي</span>\nــ\n٥ - باب الجلوس والنوم والمشي\nذكرها بهذا الترتيب؛ لأن الإنسان يكون جالسًا لطعام ونحوه، ثم ينام، ثم يقوم ويمشي إلى المسجد مثلًا، ثم الجلوس والقعود واحد، وقد يفرق بينهما بأن القعود من القيام والجلوس من الضجعة ومن السجود، كذا في (القاموس) (١)، وفيه كلام أكثر من هذا ذكرته في موضع آخر من الكتاب، والنوم: فترة تحصل في قوى الإدراك من استرخاء الأعصاب من صعود بخار من الجوف إلى الرأس.\nوأنواع المشي عشرة: أحدها: التماوت، وهو المشي في غاية الضعف والسكون، وإرسال الأعضاء، كأنه لا حركة، كما يفعله بعض النسّاك المراؤون، ويقال للناسك المرائي: المتماوت، وثانيها: الانزعاج، وهو المشي في غاية الطيش والاضطراب، وكلاهما مذموم ومستقبح، وهما دليلان على موت القلب وخفة عقل، وثالثها: الهون بفتح الهاء وسكون الواو، وهو بتمام الحركة وشيء من السرعة، وهو التوسط المحمود، قال اللَّه تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، قال المفسرون: أي بسكينة ووقار من غير كبر ولا تماوت، وهو مشية النبي -ﷺ-، ومع ذلك كان كأنه ينحط من صبب، فكأنه تطوى له الأرض.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٩٥).","vol":"8","page":62},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1082> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٧٠٧ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِفنَاءِ الْكَعْبَةِ مُحْتَبِيًا بيدَيْهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٢٧٢].\n٤٧٠٨ - [٢] وَعَنْ عبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْمَسْجِدِ مُسْتَلْقِيًا وَاضِعًا إِحْدَى قَدَمَيْهِ عَلَى الأُخْرَى. . . . .\nــ\nورابعها: السعي، وهو المشي بسرعة، وخامسها: الرمل بفتح الميم، وهو رفع الأقدام، وتحريك الأكتاف كما في الطواف، وسادسها: النَّسَلان، وهو العدو أسرع من السعي، وسابعها: حَوْزي، وهو المشي مع التمايل، وفي (القاموس) (١): الحوز: السير اللين، وثامنها: قهقرى، وهو المشي إلى الوراء، وتاسعها: الجمز، وهو الوثبة في الطريق، ويقال للناقة: الجمازة بهذا المعنى، وعاشرها: التبختر، وهو مشي المتكبرين، وأكمل هذه الأنواع وأفضلها وأعدلها الهون، كذا ذكروا.\nالفصل الأول\n٤٧٠٧ - [١] (ابن عمر) قوله: (محتبيًا) الاحتباء: أن تنصب الركبتين، وتضع الرجلين على الأرض، وتحلق باليدين على الساقين، سواء وضعت الأليتين على الأرض أم لا، وهو قد يكون بالثوب كالرداء أو المنديل، وقد يكون باليدين كما فسرنا، وفي (القاموس) (٢): احتبى بالثوب: اشتمل، وجمع بين ظهره وساقيه بعمامة ونحوها، ورئي -ﷺ- محتبيًا بيديه، وقد يروى احتباؤه بالثوب أيضًا.\n٤٧٠٨ - [٢] (عباد بن تميم) قوله: (مستلقيًا واضعًا إحدى قدميه على الأخرى)\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٧٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٧٠).","vol":"8","page":63},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٨٧، م: ٢١٠٠].\n٤٧٠٩ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَرْفَعَ الرَّجُلُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٩٩].\n٤٧١٠ - [٤] وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَسْتَلْقِيَنَّ أَحَدُكُمْ ثُمَّ يَضَعُ إحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٩٩].\nــ\nالظاهر من العبارة أن تكون الرجلان ممدودتين إحداهما فوق الأخرى، ولكن الأظهر أن يكون المقصد بيان كون ركبة إحدى الرجلين منتصبة موضوعة عليها الرجل الأخرى؛ فإن الصورة الأولى لا تنكشف فيها العورة، فلا تحتاج إلى البيان، ويجوز إطلاق القدم على الركبة مجازًا بالمجاورة، وفيه جواز الاستلقاء في المسجد، وقيل: كان ذلك لضرورة من تعب ونحوه.\n٤٧٠٩ - [٣] (جابر) قوله: (نهى رسول اللَّه -ﷺ- أن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى) المدار في المنع والجواز على كشف العورة وعدمه؛ فإن انكشفت العورة؛ بأن كان الإزار أو ذيل القميص ضيقًا، ونصب ركبة إحدى الرجلين، ووضع الرجل الأخرى على هذه الركبة لم يجز، وإن لم تنكشف؛ بأن كان واسعًا، أو تكون رجلاه ممدودتين، ووضع إحداهما فوق الأخرى، وفي هذه الصورة إن انكشفت العورة كان ممنوعًا، وفي الصورة الأولى إن لم تنكشف كان جائزًا، لكن الغالب في الأولى الانكشاف وفي الثانية عدمه.\n٤٧١٠ - [٤] (وعنه) قوله: (لا يستلقين أحدكم ثم يضع إحدى رجليه على الأخرى) المنهي عنه هو المجموع من هذه الهيئة الحاصلة من الاستلقاء مع الوضع، فتارة ينسب النهي إلى الوضع حالة الاستلقاء، وأخرى إلى الاستلقاء المقيد","vol":"8","page":64},{"text":"٤٧١١ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"بَيْنَمَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ فِي بُرْديْنِ، وَقَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ خُسِفَ بِهِ الأَرْضَ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٨٩، م: ٢٠٨٨].\nــ\nبالوضع، فافهم.\n٤٧١١ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (بينما رجل) المراد رجل [من] هذه الأمة، أو إخبار عن رجل من الأمم السابقة، قيل: هو من أعراب فارس، وقيل: هو قارون، كذا في الحواشي، (يتبختر) أي: يفتخر ويتكبر في مشيته، ويعجب بنفسه ببرديه، والتبختر أحد أنواع المشي كما عرف، ومعناه بالفارسية: خراميدن.\nوقوله: (في بردين)، في (الصراح) (١): برد: جامه، وفي (القاموس) (٢): البُرْدُ: ثوب مخطط، والجمع بر ود وأبراد وأبرد، وكسية يلتحف بها، والواحدة بهاء.\nوقوله: (خسف به الأرض) ببناء المجهول، و(به) نائب مناب الفاعل، و(الأرض) منصوب بنزع الخافض، والخسوف: النزول في الأرض، وهو يعدى بالباء، كما في قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١]، ويستعمل مجهولًا (٣) كقوله تعالى: ﴿لَخَسَفَ بِنَا﴾ [القصص: ٨٢].\nوقوله: (فهو يتجلجل) الجلجلة: التحريك، والتجلجل: الحركة مع الصوت، ومنه جلاجل الدف.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ١٢٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٥٦).\n(٣) كذا في الأصل، والظاهر: \"معلومًا\".","vol":"8","page":65},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1083> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٧١٢ - [٦] عَن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ عَلَى يَسَارِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٧٨٠].\n٤٧١٣ - [٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ احْتَبَى بِيَدَيْهِ. رَوَاهُ رَزِينٌ.\n٤٧١٤ - [٨] وَعَنْ قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ: أَنَّهَا رَأَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ قَاعِدٌ الْقُرْفُصَاءَ،\nــ\nالْفَصْلُ الثَّانِي\n٤٧١٢ - [٦] (جابر بن سمرة) قوله: (متكئًا على وسادة) فيه جواز الاتكاء على الوسادة، ويكون ذلك في غير حالة الأكل، وكان -ﷺ- يحب الوسادة، وينبغي أن يكون على يسار المتكئ.\n٤٧١٣ - [٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (إذا جلس في المسجد احتبى بيديه) يعني أنه كان يحتبي في بعض أوقات جلوسه في المسجد، كأنه يريد دفع توهم استبعاد الاحتباء في المسجد، لما يرى في الظاهر في صورة خلاف الأدب، فافهم.\n٤٧١٤ - [٨] (قيلة بنت مخرمة) قوله: (وهو قاعد القرفصاء) وهو بضم القاف وسكون الراء، وضم الفاء وفتحها، والصاد المهملة ممدودًا ومقصورًا، وقيل: على تقدير القصر بكسر القاف والفاء، وقال في (القاموس) (١): مثلثة القاف والفاء: نوع من الجلوس، وهو أن يجلس على أليتيه ويلصق الفخدين بالبطن، ويحتبي بيديه، أو يتكئ على الركبتين ويلصق الفخدين بالبطن، ويدخل الكفين في الإبطين، اليمنى في\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٧٨).","vol":"8","page":66},{"text":"قَالَتْ: فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- الْمُتَخَشِّعَ أُرْعِدْتُ مِنَ الْفَرَقِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٤٧].\n٤٧١٥ - [٩] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ تَرَبَّعَ فِي مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسَنًا (١). . . . .\nــ\nالإبط اليسرى، واليسرى في اليمنى، وهذه جلسة الأعراب، وقد يجلس الغرباء المشتغلون باللَّه المعتبرون في الأكوان الذين في قلوبهم فكر وعبرة، ولا يدرى أنه -ﷺ- في أيّ حال كان في ذلك الوقت، حتى إن تلك المرأة التي رأته فيها أُرعدت من الخوف والهيبة.\nوقوله: (المتخشع) صفة رسول اللَّه -ﷺ-، ولا يجوز أن يكون مفعولًا ثانيًا؛ لأن (رأيت) بمعنى أبصرت، كذا نقل الطيبي (٢) عن القاضي البيضاوي، ويجوز أن يكون (رأيت) بمعنى علمت، ولا بعد في ذلك كل البعد، واللَّه أعلم.\n٤٧١٥ - [٩] (جابر بن سمرة) قوله: (تربع) أي: جلس متربعًا، وصورته أن يقعد على وركيه ويمد ركبتيه اليمنى إلى جانب يمينه، واليسرى إلى جانب يساره، ويجعل قدمه اليمنى إلى جانب يساره، واليسرى بالعكس، ويقال للتربع: جار زانو نشسشن، وقال في (الصراح) (٣): كَرد بانشستن.\nوقوله: (حسنًا) أي: طلوعًا حسنًا، وقد يروى (حسناء) على وزن (فعلاء) حال من الشمس، أي: بيضاء نقية من الغبار، وقد يروى (حينًا) أي: جلس إلى زمان يريد،\n_________\n(١) في نسخة: \"حسناء\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٥٠).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٣١٢).","vol":"8","page":67},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٥٠].\n٤٧١٦ - [١٠] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا عَرَّسَ بِلَيْلٍ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، وَإِذَا عَرَّسَ قُبَيْلَ الصُّبْحِ نَصَبَ ذِرَاعَهُ (١)، وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّهِ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٣٣٥٩].\nــ\nوالصواب الوجه الأول، كذا قيل.\n٤٧١٦ - [١٠] (أبو قتادة) قوله: (إذا عرس بليل) الحديث، التعريس: نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة، وكانت عادته -ﷺ- أنه إذا عرس ونام وكان بقية من الليل ولم يكن الصبح قريبًا ينام على شقه الأيمن، كما كان ذلك عادة له في النوم بدون التعريس أيضًا، وإن كان الصبح قريبًا نصب ذراعه، ووضع الرأس على كفه ونام، وكل ذلك لتيسير التنبّه، فلا يغرق [في] النوم ولا يفوت صلاة الفجر تعليمًا للأمة، أما في الصورة الأخيرة فظاهر، وفي الأول: لأن القلب في الجانب الأيسر، فإذا نام على الجنب الأيمن بقي القلب معلقًا، ولم يستقر في حيزه، ولم يتمكن، فلم يحصل السكون والقرار، فلا يغرق [في] النوم، ولو نام على الجنب الأيسر تمكن واطمأن، واستفرغ للنوم، ولهذا استحسن الأطباء الذين غرضهم من النوم السكون وهضم الطعام النومَ على الأيسر ليحتبس بسبب السكون والاستراحة حرارة في الباطن، ويوجب الهضم، وقد جاء في بعض الروايات: أنه إذا عرس بليل وضع لبنة تحت الرأس، وإذا عرس قبيل الصبح نصب ساعده، ووضع رأسه على كفه؛ لئلا يتمكن من النوم.\n_________\n(١) في نسخة: \"ذراعيه\".","vol":"8","page":68},{"text":"٤٧١٧ - [١١] وَعَنْ بَعْضِ آلِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَ: كَانَ فِرَاشُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نَحْوًا مِمَّا يُوضَعُ فِي قَبْرِهِ،\nــ\n٤٧١٧ - [١١] (أم سلمة) قوله: (نحوًا مما يوضع في قبره) الظاهر (وضع) بلفظ الماضي، ولعله روى الحديث في حال الوضع، واللَّه أعلم. اعلم أنه قد روي أنه كان له -ﷺ- قطيفة حمراء عتيقة، كانت فراشه للنوم، فلما وضع -ﷺ- في القبر وضعت تلك القطيفة تحته.\nوقد رُوِي: أن شُقْران مولاه -ﷺ- حين وضع رسول اللَّه -ﷺ- في قبره أخذ قطيفة نجرانية حمراء أصابها يوم خيبر، وكان رسول اللَّه -ﷺ- يلبسها ويفرشها، فطرحها تحته فدفنها معه في قبره، وقال: واللَّه لا يلبسها أحد بعدك، وبني [في] قبره اللبن، يقال: تسع لبنات، قيل: فلما فرغوا عن وضع اللبنات، أخرجوا القطيفة، قاله أبو عمرو والحاكم (١).\nوقال النووي (٢): وقد نص العلماء على كراهة وضع قطيفة أو نحو ذلك تحت الميت في القبر، وقد شذَّ البغوي من أصحابنا فقال: لا بأس بذلك لهذا الحديث، والصواب كراهته كما قاله الجمهور، واْجابوا عن هذا الحديث بأن شقران انفرد بفعل ذلك ولم يوافقه أحد من الصحابة، وقد صرح أنها أخرجت -يعني القطيفة- من القبر لما فرغوا من وضع اللبنات التسع، كذا في (سيرة مغلطاي)، انتهى. كذا في الكتب المعتبرة في السير.\nوقد رأيت في كتاب: أنه وضع الجسد الشريف حين وضع في القبر على\n_________\n(١) انظر: \"تاريخ الخميس\" (٢/ ١٧٢).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٧/ ٢٤).","vol":"8","page":69},{"text":"وَكَانَ الْمَسْجِدُ عِنْدَ رَأْسِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٤٤].\n٤٧١٨ - [١٢] وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَجُلًا مُضْطَجِعًا عَلَى بَطْنِهِ فَقَالَ: \"إِنَّ هَذِهِ ضِجْعَةٌ لَا يُحِبُّهَا اللَّهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٧٦٨].\nــ\nالقطيفة، فنسوا رفع القطيفة لاضطراب لحقهم في ذلك الوقت، فبقيت القطيفة في القبر فتذكروها بعد الدفن وتغطية القبر، فلم يرضوا بنبش القبر وإخراج القطيفة منه.\nوالحاصل أن الراوي قال: إن فراشه كان نحوًا من تلك القطيفة التي وضعت في القبر، وإنما قال نحوًا، لأنه قد يكون فراشه في بعض الأوقات نحوها من الثياب الآخر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وكان المسجد عند رأسه) أي: كان رسول اللَّه -ﷺ- إذا نام يكون رأسه إلى جانب المسجد، كذا قال الطيبي (١)، وذلك لأنه -ﷺ- كان ينام على جنبه الأيمن ووجهه إلى القبلة، وقبلة المدينة إلى جهة الجنوب، والمسجد على جهة المشرق من الحجرة الشريفة، فيكون رأسه إلى جانب المسجد لا محالة. وفي بعض الحواشي: أن المراد بالمسجد هنا المصلى، أي: موضع كان يصلي فيه الليل، أي: يضع رأسه عند موضع صلاته استئناسًا بذلك الموضع وتيسيرًا للقيام للصلاة، ولا شك أن حمل المسجد على هذا المعنى بعيد إلا أن يقرأ بفتح الجيم، لكن الرواية بكسرها، وإن كان ظاهرُ لفظ (عند) ظاهرًا فيه.\n٤٧١٨ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (هذه ضجعة لا يحبها اللَّه) قيل: لما فيه من\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٥١).","vol":"8","page":70},{"text":"٤٧١٩ - [١٣] وَعَنْ يَعِيشَ بْنِ طِخْفَةَ بْنِ قَيْسٍ الْغِفَارِيِّ عَنْ أَبِيْهِ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ- قَالَ: بَيْنَمَا أنَا مُضْطَجِعٌ مِنَ السَّحَرِ عَلَى بَطْنِي إِذَا رَجُلٌ يُحَرِّكنِي بِرِجْلِهِ فَقَالَ: \"إِنَّ هَذِهِ ضِجْعَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ\"، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٥٠٤٥، جه: ٣٧٢٢].\n٤٧٢٠ - [١٤] وَعَنْ عَليِّ بْنِ شَيْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ بَاتَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَيْسَ عَلَيْهِ حِجَابٌ. . . . .\nــ\nوضع الصدر والوجه اللذين هما أشرف الأعضاء على الأرض وإذلالهما في غير السجود.\n٤٧١٩ - [١٣] (يعيش) قوله: (وعن يعيش) بلفظ المضارع من العيش بمعنى الحياة (ابن طخفة) بكسر الطاء وسكون الخاء المعجمة ثم فاء، ويقال بالغين المعجمة مكان الخاء، وقيل: طهفة بالهاء مكانها.\nوقوله: (من السحر) بضم السين وسكون الحاء المهملتين وبفتح وسكون وبفتحتين: الرئة، وما لصق بالحلقوم والمرئي من أعلى البطن، وفي حديث عائشة: مات رسول اللَّه -ﷺ- بين سحري ونحري، أي: مات وهو مستند إلى صدرها ويحاذي نحرها منه، والمراد هنا داء السحر، أي: كان في صدره داء نام على بطنه لأجل ذلك، ومع ذلك نهاه عنه، أما قبل العلم بالعلة أو معه مبالغة واحتياطًا، واللَّه أعلم.\nوقيل: السحر بسكون الحاء: الرئة، وبفتحها: مرض يعرض للرئة.\n٤٧٢٠ - [١٤] (علي بن شيبان) قوله: (من بات على ظهر بيت) الحديث، البيتوتة: شب كَزاشتن، كذا في (الصراح) (١)، والمراد هنا نام، والمراد بالحجاب:\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٦٠).","vol":"8","page":71},{"text":"-وَفِي رِوَايَةٍ: حِجَارٌ- فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي \"مَعَالِمِ السّنَنِ\" لِلْخَطَّابِي: \"حِجًى\". [د: ٥٠٤١].\n٤٧٢١ - [١٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَطْحٍ لَيْسَ بِمْحجُورٍ عَلَيْهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٨٥٤].\n٤٧٢٢ - [١٦] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: مَلْعُونٌ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- مَنْ قَعَدَ وَسْطَ الْحَلَقَةِ. . . . .\nــ\nالسترة المانعة عن السقوط، سواء كان جدارًا أو غيره.\nوقوله: (وفي رواية حجار) جمع حجر بكسر الحاء، وهو ما يحجر به من حائط ونحوه، وأما رواية (حجى) فهو بكسر الحاء وفتحها، أما الكسر فبمعنى العقل، شبه به الحاجب المانع من السقوط، كالعقل يمنع من الأفعال الرديئة والسقوط في مهاوي الردى، ذُكِر المشبه به وأريد به المشبه استعارة، كذا قال الطيبي (١)، وأما الفتح فهو بمعنى الطرف والناحية، وهو أظهر معنى من المكسور، ومعنى براءة الذمة: انقطاع عهد اللَّه بالحفظ والكلاءة التي جعلها للعباد، كقوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، وقوله ﷿: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الأنبياء: ٤٢]، وغير ذلك.\n٤٧٢١ - [١٥] (جابر) قوله: (ليس بمحجور) يؤيد رواية (حجار) بالراء كما في الحديث السابق.\n٤٧٢٢ - [٦] (حذيفة) قوله: (من قعد وسط الحلقة) قيل: معناه أن يأتي\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٥٢).","vol":"8","page":72},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٧٥٣، د: ٤٨٢٦].\n٤٧٢٣ - [١٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَيْرُ الْمَجَالِسِ أَوْسَعُهَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٢٠].\n٤٧٢٤ - [١٨] وَعَن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ جُلُوسٌ فَقَالَ: \"مَا لِيَ أَرَاكُمْ عِزينَ؟ \". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٢٣].\nــ\nمجلس قوم فيتخطى رقابهم، ويقعد وسطها بغير رضاهم، ولا يجلس حيث ينتهي به المجلس كما هو المأمور به، وهذا الوجه لا يخلو عن بعد وعدم تبادر من العبارة، والظاهر منها ما قيل: إنه يقعد وسط الحلقة فيحول بين الوجوه ويحتجب بعضهم عن بعض فيتأذون به، وإيذاء الناس بغير وجه شرعي يوجب الذم واللعنة، اللهم إلا أن لا يتأذوا به وكانوا راضين بذلك، واللَّه أعلم. وما قيل: إنه لما تأذى به أهل المجلس وتضرروا بذلك ذموه ولعنوه، ففيه أن ظاهر قوله: (ملعون على لسان محمد) يأبى عنه؛ لأن ظاهره أنه ملعون ومذموم في نفس الأمر، وقال التُّوربِشْتِي (١): إن المراد به الماجن الذي يقيم نفسه مقام السخرية، فيكون ضحكة بين الناس، انتهى.\nوالماجن: من لا يبالي قولًا وفعلًا، كذا في (القاموس) (٢).\n٤٧٢٣ - [١٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (خير المجالس أوسعها) لأنها أبعد من تأذي أهلها، وإمكان التفسح المأمور به.\n٤٧٢٤ - [١٨] (جابر بن سمرة) قوله: (ما لي أراكم عزين) أي: فرقًا شتى،\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٣/ ١٠٣٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٣٦).","vol":"8","page":73},{"text":"٤٧٢٥ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الْفَيْءِ فَقَلَصَ عَنْهُ الظِّلُّ، فَصَارَ بَعْضُهُ فِي الشَّمْسِ وَبَعْضُهُ فِي الْظِّلِ فَلْيَقُمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٢١].\n٤٧٢٦ - [٢٠] وَفِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" عَنهُ قَالَ: \"وَإِذا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الْفَيْءِ فَقَلَصَ عَنْهُ فَلْيَقُمْ، فَإِنَّهُ مَجْلِسُ الشَّيْطَانِ\". . . . .\nــ\nوجاء في رواية أخرى: دخل رسول اللَّه -ﷺ- وهم حلق، أي: جالسون حلقة حلقة منفردين غير مجتمعين في مجلس، و(عزين) جمع عزة بالتخفيف، وفي (القاموس) (١): والعزة كعدة: العصبة من الناس، وعزاه، أي: نسبه إلى أبيه، وقال البيضاوي (٢) في قوله تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ﴾ [المعارج: ٣٦]، أي: حولك ﴿مُهْطِعِينَ﴾ أي: مسرعين ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: ٣٧] أي: فرقًا شتى، جمع عزة، وأصلها (عزوة) من العزو، كأنّ كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الأخرى، وكان المشركون يحلقون حول رسول اللَّه -ﷺ- حلقًا حلقًا، ويستهزئون بكلامه.\n٤٧٢٥، ٤٧٢٦ - [١٩، ٢٠] (أبو هريرة) قوله: (فقلص عنه الظل) أي: انقبض وانكمش، في (القاموس) (٣): أقلص الظل عني: انقبض، وقلص الثوب بعد الغسل: انكمش، وفي (الصراح) (٤): قلوص: برآمدن سايه، وكوته شدن جامه بعد أز شسشن.\nوقوله: (فصار بعضه في الشمس وبعضه في الظل) لا يخفى عليك أن هذا القول\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٠٤).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٢٤٧).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٨٠).\n(٤) \"الصراح\" (ص: ٢٧٣).","vol":"8","page":74},{"text":"هَكَذَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ مَوْقُوفًا. [شرح السنة: ٣٣٣٥].\n٤٧٢٧ - [٢١] وَعَنْ أَبي أُسَيْدِ الأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاخْتَلَطَ الرّجالُ مَعَ النِّسَاء فِي الطَّرِيق، فَقَالَ لِلنِّسَاء: \"اسْتَأْخِرْنَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحْقُقْنَ الطَّرِيقَ،\nــ\nيدل على أن مجلس الشيطان هو هذا الموضع الذي هو مجمع الظل والشمس وبرزخ بينهما، أما إن كان كله في الشمس فهو ليس كذلك.\nنعم قد يكره ذلك أيضًا من جهة أنه إلقاء النفس في التعب والمشقة لا من جهة أنه مكان الشيطان، حتى إن الظاهر أنه لا يكره الجلوس في شمس الشتاء، ويكره فيما يكون بعضه في الشمس وبعضه في الظل بحكم هذا الحديث، فما ذكر في بعض الحواشي أن الإضافة إلى الشيطان لأنه الباعث عليه والآمر به، ليصيبه السوء من التعب والمشقة فليس بشيء، فهذا من الأسرار التي لا ينكشف إلا بنور النبوة، والسبيل في أمثاله التسليم والتفويض، وليس لأحد إلى درك كنهه سبيل، ولهذا كان روايته موقوفًا -كما رواه معمر- في حكم المرفوع؛ ولأن حكم الصحابي فيما لا يدرك بالقياس والاجتهاد لا يكون إلا بالسماع من النبي -ﷺ-، فالموقوف في هذا الباب له حكم المرفوع، كما تقرر في موضعه.\n٤٧٢٧ - [٢١] (أبو أسيد) قوله: (وعن أبي أسيد الأنصاري) بلفظ تصغير أسد: الحيوان المفترس المشهور.\nوقوله: (أنه سمع رسول اللَّه -ﷺ- يقول) مقول القول محذوف، أي: يكلم الناس ويدعوهم إلى الأحكام فاختلط لسماع كلامه الناس في الطريق.\nوقوله: (أن تحققن) بفتح التاء وضم القاف الأولى، على صيغة جمع المؤنث","vol":"8","page":75},{"text":"عَلَيْكُنَّ بِحَافَّاتِ الطَّرِيقِ\" فَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَلْصَقُ بِالْجِدَارِ، حَتَّى إِنَّ ثَوْبَهَا لَيَتَعَلَّقُ بِالْجِدَارِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [د: ٥٢٧٢].\n٤٧٢٨ - [٢٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى أَنْ يَمْشِيَ -يَعْنِي الرَّجُلَ- بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٧٣].\n٤٧٢٩ - [٢٣] وَعَن جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كُنَّا إِذَا أَتَيْنَا النَّبِيَّ -ﷺ- جَلَسَ أَحَدُنَا حَيْثُ يَنْتَهِي. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَذُكِرَ حَدِيثَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي (بَابِ الْقِيَامِ)، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَيْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ. . . . .\nــ\nالمخاطبة، وهو من الحاقِّ بمعنى الوسط، يقال: سقط فلان على حاقِّ رأسه وحقِّه، أي: وسط رأسه، كذا في (القاموس) (١)، و(الحافات) بالفاء جمع حافة مخففة، وهي الناحية.\n٤٧٢٨ - [٢٢] (ابن عمر) قوله: (أن يمشي -يعني الرجل-) تفسير من الراوي بقرينة لفظ الذكر والسياق، ووجه النهي أن ذلك ينافي الحياء والمروءة، وقد يتشاءم به الناس، ولا أصل له، واللَّه أعلم.\n٤٧٢٩ - [٢٣] (جابر بن سمرة) قوله: (جلس أحدنا حيث ينتهي) يعني لم يرجع ولم يقصد الصدر ومزاحمة الناس، اللهم إلا أن يتسع المكان ولم يؤد إلى إيذاء الجالسين، كما علم من حديث: الثلاثة الذين رجع أحدهم، ودخل الآخر في المجلس، وجلس ثالثهم حيث انتهى.\nوقوله: (وذكر حديثا عبد اللَّه بن عمرو) وأولهما: (لا يحل لرجل أن يفرق بين\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٠٦).","vol":"8","page":76},{"text":"فِي (بَابِ أَسْمَاءِ النَّبِيِّ -ﷺ- وَصِفَاتِهِ) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [د: ٤٨٢٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1084> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٧٣٠ - [٢٤] عَن عَمْرِو بْنِ الشَّرِيْدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا جَالِسٌ هَكَذَا، وَقَدْ وَضَعْتُ يَدِيَ الْيُسْرَى خَلْفَ ظَهْرِي، وَاتَّكَأْتُ عَلَى أَلْيَةِ يَدِي. فَقَالَ: \"أَتَقْعُدُ قِعْدَةَ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٤٨].\nــ\nاثنين إلا بإذنهما)، والثاني: (لا تجلس بين رجلين إلا بإذنهما)، وقد ذكر هذان الحديثان في (المصابيح) في البابين مكررا، فذكرهما المؤلف في (باب القيام) لتقدمه دون (باب الجلوس)، وإن كان الأنسب ذكرهما فيه.\nفإن قلت: الحديث الثاني منها ليس عن عبد اللَّه بن عمرو بل عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قلت: هو أيضًا من عبد اللَّه بن عمرو؛ لأن عمرو بن شعيب بن محمد ابن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص.\nوقوله: (في باب أسماء النبي -ﷺ- وصفاته) لكون الحديثين في بيان شمائله وصفاته الخاصة به -ﷺ-، فالمناسب ذكرهما فيه، وصاحب (المصابيح) ذكرهما هنا لاشتمالهما على ذكر مشيه -ﷺ-.\nالفصل الثالث\n٤٧٣٠ - [٢٤] (عمرو بن الشريد) قوله: (عن عمرو بن الشريد) بفتح الشين المعجمة وكسر الراء.\nوقوله: (واتكأت على ألية يدي) أي: اليمنى، الألية بفتح الهمزة وسكون اللام:","vol":"8","page":77},{"text":"٤٧٣١ - [٢٥] وَعَن أَبِي ذَرِّ قَالَ: مرَّ بِي النَّبِيُّ وَأَنَا مُضْطَجِعٌ عَلَى بَطْنِي، فَرَكَضَنِي بِرِجْلِهِ وَقَالَ: \"يَا جُنْدُبُ! إِنَّمَا هِيَ ضِجْعَةُ أَهْلِ النَّارِ\". رَوَاهُ ابنُ مَاجَه. [جه: ٣٧٢٤].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1085>٦ - باب العطاس والتثاؤب</span>\nــ\nالعجيزة واللحمة في أصل الإبهام، والمراد هنا المعنى الثاني، وفي (الصراح) (١): أليه: سرين وذنبه، وأيضًا كَوشت انكَشت بزرك، والمراد بـ (المغضوب عليهم) اليهود، وهم المرادون بقوله في الفاتحة بهذا اللفظ، وورد فيهم من غضب اللَّه عليه ولعنه، وكانوا يقعدون بهذه الهيئة.\n٤٧٣١ - [٢٥] (أبو ذر) قوله: (إنما هي ضجعة أهل النار) هذا الحديث في معنى حديث أبي هريرة الذي مر في (الفصل الثاني)، غير أن التشديد هنا أكثر، لأن عدم محبة اللَّه لا يستلزم دخول النار، ولا كونه محرمًا ولا مكروهًا، فافهم.\n٦ - باب العطاس والتثاؤب\nفي (القاموس) (٢): العطاس بضم العين مصدر عطس يعطس عطسًا وعطاسًا، وفي (الصراح) (٣): العطاس: عطسه زدن، والتثاؤب مصدر تثاءب، والاسم ثُوَبًا بضم\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٥٤٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥١٦).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٢٤٤).","vol":"8","page":78},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1086> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٧٣٢ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللَّهَ كَانَ حَقًّا عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ: . . . . .\nــ\nالثاء وفتح الواو: فتور وكسل يعرض طبعًا ينفتح به الفم، وفي (الصراح) (١): ثوباء بضم وفتح والمد: خاميازه، وهو مهموز لا أجوف، وقال الكرماني (٢): بالهمزة على الأصح، وقيل: بالواو، ونقل عن (المغرب) (٣) الهمزة بعد الألف، والواو خطأ.\nالفصل الأول\n٤٧٣٢ - [١] (أبو هريرة) قوله: (إن اللَّه يحب العطاس) لأن العطسة سبب لخفة الدماغ وصفاء القوى الإدراكية، فيعين صاحبه على الطاعة وحضور القلب مع اللَّه، والتثاؤب ينشأ من امتلاء وثقل وكدورة الحواس، وهو يورث الغفلة والكسالة وسوء الفهم، ويمنع الإنسان من النشاط في الطاعة، فرضي به الشيطان، ومن هذا نسبه إلى الشيطان، وورد: (ما تثاءب نبي قط)، نقله في (شرح المشارق)، فعلم أن محبة اللَّه تعالى العطاس وكراهة سبحانه التثاؤب باعتبار ثمراتها ونتائجها، فتفريع الطيبي (٤) عليه أن المحبة والكراهة ينصرف إلى الأسباب الجالبة لهما، غير ظاهر.\nوقوله: (فإذا عطس أحدكم وحمد اللَّه كان حقًّا على كل مسلم سمعه أن يقول:\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٢٠).\n(٢) \"شرح الكرماني\" (٢٢/ ٦٨).\n(٣) \"المغرب\" (١/ ٦٥).\n(٤) انظر: \"شرح الطيبي\" (٩/ ٥٦).","vol":"8","page":79},{"text":"يَرْحَمُكَ اللَّهُ،\nــ\nيرحمك اللَّه) ظاهر هذه العبارة دال على أن جواب العاطس بـ (يرحمك اللَّه) فرض عين على كل مسلم، وقد اختلف العلماء في ذلك، والصحيح من مذهب الحنفية أنه واجب على الكفاية، إن أتى به واحد من الحاضرين يجزئ عن الكل، وفي رواية: يستحب، وقال صاحب (سفر السعادة) (١): إن ظاهر الأحاديث الصحيحة أن جواب العاطس فرض على كل أحد، ولا يجزئ جواب واحد عن الكل، قال: وهذا قول الأكابر من العلماء، انتهى.\nومذهب الشافعية أنه سنة على الكفاية، إن أتى به واحد سقط عن الباقين، ولكن الأفضل أن يأتي به الكل، وللمالكية خلاف في أنه واجب أو سنة، والأظهر الأول، واتفقوا على أن وجوبه أو سنيته إنما هو على تقدير أن يحمد العاطس ويسمعه الحاضر؛ فإن لم يحمد لم يستحق الجواب، وإن أخفى بحيث لم يسمعه الحاضر لم يلزمه أيضًا، والمستحب أن يجهر بالحمد حتى يسمعه الناس، كذا في (مطالب المؤمنين).\nثم الحكمة في تشريع الحمد عند العطاس أنه نعمة دينية وبدنية، أما الدينية فلكونها معينة على الطاعة وحضور القلب مع اللَّه كما عرف، وأما كونها بدنية فلحصول المنفعة فيه بخروج البخارات المختفية من الدماغ التي بقاؤها يورث الأمراض والأوجاع، وقالوا: إن العطسة علامة على صحة الدماغ وقوة مزاجه؛ لأن المؤذي يصعد من الجوف إلى الدماغ؛ فإذا كان الدماغ صحيحًا قويًّا دفعه ولم يقبله، وذلك بالعطسة، وإن كان ضعيفًا ولم يقدر على دفعه قبله، ولم تجئ العطسة لمنعه.\n_________\n(١) \"سفر السعادة\" (ص: ٢٤٣).","vol":"8","page":80},{"text":"فَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيُرَدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ أَحَدُكُمْ إِذَا تَثَاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: \"فَإِنَّ أَحَدُكُمْ إِذا قَالَ: هَا؛ ضَحِكَ الشَّيْطَانُ مِنْهُ\". [خ: ٦٢٢٦].\n٤٧٣٣ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ -أَوْ صَاحِبُهُ-: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ ويُصْلِحُ بَالَكُمْ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٢٢٤].\n٤٧٣٤ - [٣] وَعَن أَنَسٍ قَالَ: عَطَسَ رَجُلَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَشَمَّتَ أَحَدَهَمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الآخَرَ،\nــ\nوقوله: (فليرده ما استطاع) بتطبيق السن وضم الشفتين ووضع اليد على الفم.\nوقوله: (إذا تثاءب) أي: بالغ فيه وفتح الفم، و(ضحك الشيطان) كناية عن فرحه به ورضاه عنه، ويمكن حمله على ظاهره، واللَّه أعلم.\n٤٧٣٣ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (ويصلح بالكم) خطاب الجمع باعتبار الغالب من اجتماع الناس في المجالس أو تعظيمًا، وهو واقع وإن كان على قلة، أو إدخالًا لجميع أمة محمد -ﷺ- في الدعاء تغليبًا للحاضرين على الغائبين.\n٤٧٣٤ - [٣] (أنس) قوله: (فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر) اعلم أن التشميت جواب العاطس بيرحمك اللَّه، وقد جاء بالشين المعجمة والمهملة كما قيل، والمعجمة أعلى وأفصح، وهو مشتق من الشماتة بمعنى فرح الأعداء والحساد لوجود البلية، ومعنى التشميت: إزالة الشماتة، بناء على أن باب التفعيل قد يجيء للإزالة،","vol":"8","page":81},{"text":"فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ\" شَمَّتَّ هَذَا وَلَمْ تُشَمِّتْنِي، قَالَ: \"إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ وَلَمْ تَحْمَدِ اللَّه\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٢٥، م: ٢٩٩١].\n٤٧٣٥ - [٤] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتُوهُ، وَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ فَلَا تُشَمِّتُوهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٩٢].\nــ\nفاستعمل للدعاء بالخير لتضمنه ذلك، فمعناه: جنبك اللَّه عن الشماتة وأبعدك، أو المعنى: التجنب عن الشماتة والبعد عما يشمت به، وذلك لأن العطسة علامة الصحة كما قلنا؛ فإذا عطس نجا عن شماتتهم وزالت، وقيل: الشوامت هي قوائم الدابة كما ذكر في كتب اللغة، فكأنه دعا بثبات قدمه في مقام الطاعة والعافية.\nوأما التسميت بالسين المهملة فهو من السمت بمعنى طريق أهل الخير وهيئتهم، فكأنه دعاء بكونه على السمت الحسن والهيئة الحسنة، وذلك لأن العاطس قد يقبح منظره وهيئته بالعطاس.\nوقال في (النهاية) (١): التسميت: الدعاء، كما جاء في حديث الأكل: (سموا اللَّه وسمتوا) أي: ابتدؤوا الطعام بالتسمية للَّه واختموه بالدعاء لصاحب الطعام، كذا في (مجمع البحار) (٢).\n٤٧٣٥ - [٤] (أبو موسى) قوله: (وإن لم يحمد اللَّه فلا تشمتوه) قالوا: إن عطس من وراء جدار مثلًا ولم يعلم تحميده ولا عدمه، يقول: يرحمك اللَّه إن حمدت.\n_________\n(١) \"النهاية\" (٢/ ٣٩٧).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ١١٥).","vol":"8","page":82},{"text":"٤٧٣٦ - [٥] وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- وَعَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ: \"يَرْحَمُكَ اللَّهُ\"، ثُمَّ عَطَسَ أُخْرَى فَقَالَ: \"الرَّجُلُ مَزْكُومٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَهُ فِي الثَّالِثَةِ: \"إِنَّهُ مَزْكُومٌ\". [م: ٢٩٩٣، ت: ٢٧٤٣].\n٤٧٣٧ - [٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيُمْسِكْ بِيَدِهِ عَلَى فَمِهِ؛ فإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٩٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1087> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٧٣٨ - [٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا عَطَسَ غَطَّى وَجْهَهُ بِيَدِهِ أَوْ ثَوْبِهِ، وَغَضَّ بِهَا صَوْتَهُ. . . . .\nــ\n٤٧٣٦ - [٥] (سلمة بن الأكوع) قوله: (الرجل مزكوم) يعني أنه مريض، والتشميت إنما هو لصحيح، وأما المريض فيدعى له بالعافية بوجه آخر، والتشميت دعاء خاص من لا يكون مريضًا، والزكام بالزاي المضمومة والزكمة: تجلُّبُ فضولِ رطبةٍ من بطني الدماغ المقدمين إلى المنخرين.\n٤٧٣٧ - [٦] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فليمسك بيده على فمه) وهذا أدب حسن، إذ لا يخلو فتح الفم عن ظهور فضلة وتشويه صورة.\nالفصل الثاني\n٤٧٣٨ - [٧] (أبو هرير:) قوله: (وغض) أي: خفض.\nوقوله: (بها) أي: بالعطسة، متعلق بـ (صوته)، ويحتمل أن يكون الباء للملابسة.","vol":"8","page":83},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيْحٌ. [ت: ٢٧٤٥، د: ٥٠٢٩].\n٤٧٣٩ - [٨] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلْيَقُلِ الَّذِي يَرُدُّ عَلَيْهِ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَلْيَقُلْ هُوَ: يَهْدِيْكُمُ وَيُصْلحُ بَالَكُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٧٤١، دي: ٢/ ٢٨٣].\n٤٧٤٠ - [٩] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: كَانَ الْيَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، فَيَقُولُ: \"يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٧٣٩، د: ٥٠٣٨].\nــ\n٤٧٣٩ - [٨] (أبو أيوب) قوله: (الحمد للَّه على كل حال) قيل: قد يشعر قول القائل: (على كل حال) بنوع من الشكاية، ولذا كرهه هذا القائل في جواب من قال: كيف حالك؟ والحق أن الأمر ليس كما قال على إطلاقه.\nنعم قد يقول بعض الناس بحيث يفهم ذلك منه عرفًا، وعلى تقدير التسليم لما كان في العطاس من عروض عارض على المزاج يغير الحال كاد أن يكره حمد اللَّه عليه، ويذكر ما في ضمنه من النعمة، واللَّه أعلم.\n٤٧٤٠ - [٩] (أبو موسى) قوله: (يرجون أن يقول لهم: يرحمكم اللَّه) فإن قلت: كيف يرجون بركة دعائه وهم كافرون ينكرونه؟ قلنا: كان إنكارهم عنادًا واستكبارًا؛ لأنهم كانوا يعرفونه حق معرفته، كما قال تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦].\nوقوله: (فيقول: يهديكم اللَّه) فيه أنهم داخلون في الأمر بالتشميت لكن لهم","vol":"8","page":84},{"text":"٤٧٤١ - [١٠] وَعَنْ هِلَالِ بْنِ يَسَافٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ، فَعَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ لَهُ سَالِمٌ: وَعَلَيْكَ وَعَلَى أُمِّكَ، فَكَأَنَّ الرَّجُلَ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَقُلْ إِلَّا مَا قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-، إِذْ (١) عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"عَلَيْكَ وَعَلَى أُمِّكَ، إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ،\nــ\nتشميت مخصوص.\n٤٧٤١ - [١٠] (هلال بن يساف) قوله: (هلال بن يساف): (يساف) بفتح الياء تحتها نقطتان وتخفيف السين المهملة وبالفاء، وفي (المغني) (٢): هو بفتح الياء وكسرها، وقيل: بكسر همزة مكان الياء، ثم المصحح في كثر النسخ بالتنوين منصرفًا، وصحح في نسخة مصححة بالفتح غير منصرف وحك التنوين، كأنه جعله منقولًا من المضارع، كيزيد ويشكر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وجد في نفسه) وجد موجدة ووجدانًا: غضب، ووجد وجدًا: حزن، وفي (الصراح) (٣): موجدة ووجدان: خشم كَرفتن بركسي، ووجد بالفتح: أندوهكَين شدن.\nوقوله: (فقال النبي -ﷺ: \"عليك وعلى أمك، إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد للَّه. . . إلخ\")، يعني أن الوظيفة في العطاس هذه الأذكار وهذه الأدعية،\n_________\n(١) في نسخة: \"إذا\".\n(٢) \"المغني في ضبط الأسماء\" (ص: ٢٩٦).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ١٤٩).","vol":"8","page":85},{"text":"وَلْيَقُلْ لَهُ مَنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، وَلْيَقُلْ: يَغْفِرُ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٧٤٠، ٥٠٣١].\n٤٧٤٢ - [١١] وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"شَمِّتِ الْعَاطِسَ ثَلَاثًا، فَمَا زَادَ فَإنْ شِئتَ فَشَمِّتْهُ، وَإِنْ شِئْتَ فَلَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [د: ٥٠٣٦، ت: ٢٧٤٤].\n٤٧٤٣ - [١٢] وَعَنْ أَبِيْ هُرَيْرَةَ قَالَ: شَمِّتْ أَخَاكَ ثَلَاثًا، فَإِنْ زَادَ فَهُوَ زُكَامٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: . . . . .\nــ\nوالسلام على الحاضرين ليس بشيء معتبر في ذلك، ولكن لما سلم الرجل رد رسول اللَّه -ﷺ-.\nوأما قوله: (على أمك) فذكروا فيه وجوهًا: الأول أنه إشارة إلى أن السلام في هذا المحل لم يقع في موقعه كما أن يسلم أحد عند إرادة السلام عليك [و] على أمك، الثاني: أنه تذكير له أن هذا أدب الأميين الذين لم تصلهم التربية من الرجال واكتسبوا في حجر الأمهات الآداب النسائية، الثالث: أنه تنبيه على حماقته من جهة سراية صفات أمه إليه، فافتقر إلى الدعاء لأمه بالسلامة عن الآفات، وذكر في بعض الحواشي [أن] التقدير: عليك الويل وعلى أمك؛ لعدم تأدبك بآداب الرجال، ولعدم تأديبها إياك وحسن تربيتها إياك، واللَّه أعلم.\n٤٧٤٢ - [١١] (عبيد) قوله: (وعن عبيد) بلفظ التصغير (ابن رفاعة) بكسر الراء.\n٤٧٤٣ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (وقال) ظاهره أن فاعل (قال) أبو داود،","vol":"8","page":86},{"text":"لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنَّهُ رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-. [د: ٥٠٣٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1088> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٧٤٤ - [١٣] عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عمَرَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: وَأَنَا أَقُولُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَلَيْسَ هَكَذَا، عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ نَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٧٣٩].\n* * *\nــ\nوليس كذلك، بل الفاعل الراوي عن أبي هريرة، وهو سعيد المقبري على ما يفهم من (سنن أبي داود)، كذا في الحاشية، ويمكن أن يكون المعنى قال أبو داود في حديثه: قال الراوي عن أبي هريرة: لا أعلم إلا أنه رفع الحديث، أي: لا أعلمه إلا مرفوعًا، أي: أن الحديث مرفوع البتة وليس موقوفًا على أبي هريرة.\nالفصل الثالث\n٤٧٤٤ - [١٣] (نافع) قوله: (وأنا أقول) أي: أنا أقول: (الحمد) ثابت (للَّه والسلام على رسول اللَّه)، ولكن ليس المسنون في هذه الحال هذا القول، وإنما الذي علمنا فيها (أن نقول: الحمد للَّه على كل حال) فقط من غير زيادة سلام، فنبّه على أنه ينبغي في الذكر والدعاء الاقتصار على المأثور من غير أن يزاد أو ينقص، فالزيادة في مثله نقصان في الحقيقة، كما لا يزاد في الأذان بعد التهليل: محمد رسول اللَّه -ﷺ-، وأمثال ذلك كثيرة.","vol":"8","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1089>٧ - باب الضحك</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1090> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٧٤٥ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- وَسَلَّمَ مُسْتَجْمِعًا ضَاحِكًا حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، إِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٠٩٢].\n٤٧٤٦ - [٢] وَعَنْ جَرِيرٍ قَالَ: مَا حَجَبَنِي النَّبِيُّ -ﷺ- مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي. . . . .\nــ\n٧ - باب الضحك\nفيه أربع لغات: بفتح الضاد وكسرها وسكون الحاء، وبكسرهما، وبفتح الأول وكسر الثانية.\nالفصل الأول\n٤٧٤٥ - [١] (عائشة) قوله: (مستجمعًا ضاحكًا) استجمع السيل: اجتمع، و(ضاحكًا) حال أو تمييز على نحو: للَّه دره فارسًا، وحاصل المعنى: ما ضحك ضحكًا تامًّا، و(اللهوات) جمع لهاة، وهي اللحمة المشرفة على الحلق.\nوقوله: (إنما كان يتبسم) في (القاموس) (١): بَسَم يَبسِم بَسْمًا، وابتسم وتبسم، وهو أقل الضحك، والمبسم كمنزل: الثغر، وكمقعد: التبسم.\n٤٧٤٦ - [٢] (جرير) قوله: (ما حجبني) أي: ما منعني عن الدخول عليه في أيّ وقت شئت في مجلس الرجال، أو ما منعني ما سألت منه، وأعطاني كل ما سألت،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٩٧).","vol":"8","page":88},{"text":"إِلَّا تَبَسَّمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٨٩، م: ٢٤٧٥].\n٤٧٤٧ - [٣] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قَامَ، وَكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ فِي أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ فَيَضْحَكُونَ، وَيَتَبَسَّمُ -ﷺ-. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: يَتَنَاشَدُونَ الشِّعْرَ. [م: ٢٣٢٢، ت: ٢٨٥٠].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1091> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٧٤٨ - [٤] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ. . . . .\nــ\nأو ما منعني عما فعلت، أي: ما صدر مني ما يكرهه حتى يمنع.\n٤٧٤٧ - [٣] (جابر بن سمرة) قوله: (ويتبسم) وذلك لغاية حلمه وخلقه وشفقته -ﷺ- على المسلمين وإيلافه قلوبهم، ولا بد أن لا يكون في تحديثهم حرام ومكروه، وقد ورد في خلقه -ﷺ-: كنا إذا ذكرنا الدنيا ذكر معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، أو كما ورد.\nالفصل الثاني\n٤٧٤٨ - [٤] (عبد اللَّه بن الحارث) قوله: (ابن جزء) بفتح الجيم وسكون الزاي.\nوقوله: (ما رأيت أحدًا أكثر. . . إلخ)، قد تقرر أن مثل هذا التركيب يفيد أكثرية مدخول (من).","vol":"8","page":89},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٤٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1092> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٧٤٩ - [٥] عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ: هَلْ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَضْحَكُونَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَالإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ أَعْظَمُ مِنَ الْجَبَلِ، وَقَالَ بِلَالُ بْنُ سَعْدٍ: أَدْرَكْتُهُمْ يَشْتَدُّونَ بَيْنَ الأَغْرَاضِ، وَيَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ كَانُوا رُهْبَانًا. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّة\". [شرح السنة: ١٢/ ٣١٨].\n* * *\nــ\nالفصل الثالث\n٤٧٤٩ - [٥] (قتادة) قوله: (والإيمان في قلوبهم أعظم من الجبل) أي: لا يضحكون كما يضحك الغافلون يميت قلوبهم ويطفئ نور الإيمان، والمراد أنهم مع كون الإيمان راسخًا في قلوبهم يضحكون، فليس الإيمان منافيًا للضحك، فافهم.\nوقوله: (يشتدون) الشد: العدو، والغرض: الهدف زنةً ومعنًى، يعني كانوا يترامون ويلعبون بالرمي، ويضحك ويميل ويباسط بعضهم إلى بعض في الترامي وغيره.\nوقوله: (رهبانًا) أي: خائفين من اللَّه تعالى متعبدين وخاشعين، ورهب كعلم رهبة، ورهبًا بالضم والفتح وبالتحريك، ورهبانًا: خاف، والراهب واحد رهبان النصارى، ومصدره الرهبة والرهبانية، وقد يجمع الرهبان على رهابين ورهابنة ورهبانون، و(لا رهبانية في الإسلام) هي كالاختصاء، واعتناق السلاسل، ولبس المسوح، وترك","vol":"8","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1093>٨ - باب الأسامي</span>\nــ\nاللحم، ونحوها، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): رهب بفتحتين ورهبة بسكون، ورهب بالضم: ترسيدن، من سمع يسمع، رجل رهوب بفتح راء: مرد ترسنده، والمراد في الحديث: التشبه بهم في الرياضة والعبادة والخوف، ويجوز أن يكون مصدرًا بمعنى الخوف من قبيل: رجل عدل، والمصدر لا يجمع.\n٨ - باب الأسامي\n[أي] في بيان ما يجوز التسمية به وما لا يجوز، و[ما] يحسن التسمية به وما يكره، والمراد بالاسم هنا أعم من العلم واسم الجنس، وقد ذكر في الباب التسمية والتكني باسم رسول اللَّه وكنيته -ﷺ-.\nواعلم أن في هذه المسألة أقوالًا: الأول: أنه يجوز التسمية باسمه -ﷺ- ولا يجوز التكنية بكنيته، سواء كان الاسم محمدًا حتى يجتمع الاسم والكنية، أو لا يكون حتى تكون الكنية وحدها، وهذا القول منقول عن الشافعي ﵀، ويتمسك بهذين الحديثين، إذ ظاهرهما تجويز التسمية وإباحتها والنهي عن التكني، سواء كان الاسم محمدًا أو لا، والحمل على النهي عن الجمع بعيد.\nالثاني: أنه لا يجوز الجمع بين الاسم والكنية، حتى لا يجوز أن يقال لأحد: محمد أبو القاسم، ولكن التكني بكنيته -ﷺ- من غير التسمية جائز، والدليل عليه حديث أبي داود (٣) عن جابر عن النبي -ﷺ- قال: (من تسمى باسمي فلا يكتنى بكنيتي، ومن تكنى\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٩).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٣٢).\n(٣) \"سنن أبي داود\" (٤٩٦٦).","vol":"8","page":91},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبكنيتي فلا يتسم باسمي)، وحديث الترمذي (١): (إذا تسميتم باسمي فلا تكتنوا بكنيتي)، وعن أبي هريرة: أن النبي -ﷺ- نهى أن يجمع أحد بين اسمه وكنيته، ويسمى محمدًا أبا القاسم، وفي رواية: (إذا تسميتم بي فلا تكتنوا بي)، وهؤلاء يقولون: إن هذه الأحاديث تقيد وتفسر الحديثين السابقين، يعني أن النهي عن التكني فيهما مقيد بأن يكون الاسم محمدًا، والمراد بهما أيضًا النهي عن الجمع، كأنه قال: سموا باسمي، وإذا سميتم باسمي فلا تكتنوا بكنيتي، حتى يلزم الجمع بينهما، ونقل عن (المحيط) أن هذا قول محمد ﵀.\nالثالث: أن الجمع بين الاسم والكنية أيضًا جائز، ونقل هذا القول عن مالك ﵀، واستدلاله حديث أبي داود عن علي -﵁- قال: قلت: أرأيت يا رسول اللَّه إن ولد لي بعدك ولد أسميه باسمك وأكنيه بكنيتك؟ قال: (نعم)، صححه الترمذي، وفي (جامع الأصول) (٢) أورده عن أبي داود عن محمد بن الحنفية عن أبيه، ويحدثه عن عائشة قالت: جاءت امرأة إلى النبي -ﷺ- فقالت: يا رسول اللَّه! إني قد ولدت غلامًا فسميته محمدًا وكنيته أبا القاسم، فذكر لي أنك تكره ذلك، فقال: (ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي)، وهذه الطائفة تقول: إن الأحاديث التي جاءت في المنع عن الجمع بينهما منسوخة، وهو جائز في حياة النبي وبعد وفاته -ﷺ-.\nالرابع: أن التكني بأبي القاسم كان ممنوعًا في حياته -ﷺ-، أما بعد وفاته فجائز؛ لأن سبب المنع كان الالتباس على ما علم من الحديث المتفق عليه: أنه -ﷺ- كان في\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٢٨٤٢).\n(٢) \"جامع الأصول\" (١/ ٣٨١).","vol":"8","page":92},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالسوق -وفي رواية: بالبقيع- فنادى رجل يا أبا القاسم! فالتفت إليه النبي -ﷺ-، الحديث المذكور في أول الباب، وهذا المحذور إنما يلزم في حياته، وفي حديث علي -﵁- إشارة إلى ذلك، حيث قال -ﷺ-: إن ولد لي بعدك، وقد ضعف بعضهم هذا الحديث، كذا قيل، ولكن الترمذي صححه، والصحيح في الجواب أن هذه الرخصة كانت مخصوصة بعلي -﵁- حيث جاء في حديث الترمذي: وقال: وكانت رخصة لي.\nوذكر السيوطي في (جمع الجوامع) (١): عن ابن عساكر أنه وقع بين علي وطلحة كلام، قال طلحة لعلي: أنت سميت ولدك باسم النبي -ﷺ- وكنيته بكنيته -ﷺ-، وقد نهى عن الجمع بينهما، فقال علي المرتضى -﵁-: المجترئ من تجرأ على اللَّه ورسوله، فدعا جماعة من الصحابة من قريش فحضروا وشهدوا أن النبي -ﷺ- رخص لعلي في الجمع بينهما، وحرم على سائر الأمة ممن سواه.\nوهذه الأقوال الأربعة هي المشهورة الدائرة بين الألسنة، وقد ذهب بعض العلماء أنه قد صح النهي عن التكنية، فلا يجوز التسمية أيضًا قياسًا على التكنية، لعدم الفرق بينهما؛ لأن كلاهما علم مخصوص بذاته؛ ولأن المحذور اللازم من التكني كما علم من نداء شخص رجلًا بأبي القاسم لازم في التسمية أيضًا، ولا تعريج على هذا القول، ولعل وجهه أن اختصاص الكنية أشد وأقوى وأشهر بالنسبة إلى الاسم، ولزوم المحذور المذكور في النداء بالاسم محل منع للعلم باشتراك الاسم، فلا يقع الالتفات عند النداء به؛ ولأن التسمية باسمه -ﷺ- تجوز بلا شبهة، وكم من الصحابة\n_________\n(١) انظر: \"جامع الأحاديث\" (٣٤٩٧٤).","vol":"8","page":93},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nكانوا مسمين باسم محمد، وقد قرره النبي -ﷺ-، بل يكاد يستحب؛ لورود صيغة الأمر ووجود الترغيب والتبشير به في بعض الأحاديث وإن كانت ضعيفة، فهو قياس وتعليل في مقابلة النص، فلا يجوز.\nهذا وقد ذكر الطيبي (١) في المنع عن التسمية باسمه -ﷺ- أنه قد جاء فيه أنه قال -ﷺ- (تسمون أولادكم محمدًا ثم تلعنونهم)، وفي دلالة هذا الحديث على المنع خفاء ظاهر.\nنعم ما نقل أنه كتب عمر إلى أهل الكوفة: لا تسموا أحدًا باسم النبي -ﷺ-، وسببه أنه سمع رجلًا يقول لمحمد بن زيد بن الخطاب ابن أخيه: فعل اللَّه بك يا محمد، فدعاه عمر -﵁-، فقال: أرى رسول اللَّه -ﷺ- يسب بك، واللَّه لا تدعى محمدًا ما بقيت، وسماه عبد الرحمن.\nوذهب بعض العلماء أن التسمية بالقاسم أيضًا مكروه؛ لأنه إذا سمي بالقاسم كان أبوه أبا القاسم ضرورة، فيلزم التكني بكنيته، وقد رُوي أن عبد الملك بن مروان كان اسمه في الأصل قاسمًا؛ فلما سمع مروان النهي عن التكني بكنيته -ﷺ- غير اسمه وسماه عبد الملك، وقد جاء مثله من بعض الأنصار أيضًا.\nإذا عرفت هذا فاعلم أن الصواب من هذه الأقاويل أن التسمية باسمه -ﷺ- جائزة، والتكني بكنيته ممنوع، ومنعه في زمنه -ﷺ- كان أقوى وأشد، والجمع بين الاسم والكنية ممنوع بطريق الأولى، والجواب عن حديث عائشة -﵂-: جاءت امرأة إلى النبي -ﷺ-، الحديث: أنه غريب لا يعارض الحديث الصحيح، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٩/ ٦٦).","vol":"8","page":94},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1094> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٧٥٠ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ (١) -ﷺ- فِي السُّوقِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ! فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَقَالَ: إِنَّمَا دَعَوْتُ هَذَا، فَقَالَ النَّبِيُّ: \"سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٢٠، م: ٢١٣١].\n٤٧٥١ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"سَمُّوا بِاسْمِي وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، فَإِنِّي إِنَّمَا جُعِلْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١١٤، م: ٢١٣٣].\nــ\nالفصل الأول\n٤٧٥٠ - [١] (أنس) قوله: (ولا تكتنوا) رويت هذه اللفظة بوجوه: بفتح تاء وكاف ونون مشددة من باب التفعل بحذف إحدى التاءين، وبفتح تاء وسكون كاف من الكنية، وبضم التاء وفتح كاف ونون مشددة من التفعيل، و(تكتنوا) بفتح التاءين بينهما كاف ساكنة من الافتعال، وأكثر ما يوجد في نسخ (المشكاة) المصححه هذا، ويكتبون في الهامش من التفعيل، واللَّه أعلم.\n٤٧٥١ - [٢] (جابر) قوله: (فإني إنما جعلت قاسمًا أقسم بينكم) يعني إنما كنيت بأبي القاسم رعاية لمعنى القسمة، فإني أقسم بينكم بأمر اللَّه تعالى العلم والمال والبشارة والنذارة وخير الأعمال، ولا يشاركني في هذا المعنى أحد، فلم يجز أن يكنى به. هذا، وقد يذهب الفهم إلى أن تكنيته -ﷺ- بأبي القاسم من جهة ابنه القاسم الذي ولد قبل النبوة، ولكن الحديث يدل على ما يدل، فتدبر. وذهب بعضهم أنه يمنع من\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول اللَّه\".","vol":"8","page":95},{"text":"٤٧٥٢ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُمْ إِلَى اللَّهِ: عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٣٢].\n٤٧٥٣ - [٤] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُسَمِّيَنَّ غُلَامَكَ يَسَارًا، وَلَا رَياحًا، وَلَا نَجِيحًا، وَلَا أَفْلَحَ، فَإِنَّكَ تَقُولُ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَلَا يَكُونُ، فَيَقُولُ: لَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ: \"لَا تُسَمِّ غُلَامكَ رَبَاحًا، وَلَا يَسَارًا، وَلَا أَفْلَحَ، وَلَا نَافِعًا\". [م: ٢١٣٦].\nــ\nالتكنية بأبي القاسم إذا روعي فيه معنى القسمة التي كني بها رسول اللَّه -ﷺ-، ولو كني به أحد للنسبة إلى ابن له اسمه قاسم أو للعلمية المجردة جاز، وهذا القول ضعيف.\n٤٧٥٢ - [٣] (ابن عمر) قوله: (إن أحب أسمائكم إلى اللَّه عبد اللَّه وعبد الرحمن) لما فيهما من الاعتراف بالعبودية والتعلق بذات اللَّه تعالى المستجمع لصفات الكمال، والتمسك بصفاته المقدسة، والظاهر أن حكم جميع الأسماء التي يضاف فيها العبد إلى اسم من أسمائه تعالى كذلك، اللهم إلا أن يفرق بين الصفات اللطفية والقهرية، ثم إنه قد قيد في بعض الحواشي بقوله: بعد أسماء الأنبياء، وإضافة أسماء إلى ضمير المخاطبين ربما يشعر بذلك، وسيجيء في آخر (الفصل الثالث) ما يتعلق به.\n٤٧٥٣ - [٤] (سمرة بن جندب) قوله: (فلا يكون) أي: فلا يوجد ذلك الغلام في ذلك المكان.\nوقوله: (فيقول) أي: المجيب، (لا) أي: لا يسار ولا رباح، ولا يحسن هذا النفي، وليس هذا من النظير؛ لأنه إنما يكون عند إرادة الفعل والشروع فيه، فافهم.\nوقوله: (ولا نافعًا) قد ذكر في هذه الرواية نافع لا نجيح، ويستشعر من ذلك بعدم الانحصار في هذه الأسماء، وذلك ظاهر، وقد جاء التصريح به في حديث جابر","vol":"8","page":96},{"text":"٤٧٥٤ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَرَادَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يَنْهَى عَنْ أَنْ يُسَمَّى بِيَعْلَى، وَبِبَرَكَةَ، وَبِأَفْلَحَ، وَبِيَسَارٍ، وَبِنَافِعٍ، وَبِنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ سَكَتَ بَعْدُ عَنْهَا، ثُمَّ قُبِضَ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٣٨].\n٤٧٥٥ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَخْنَى الأَسْمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ يُسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ\". . . . .\nــ\nحيث قال: وبنحو ذلك.\n٤٧٥٤ - [٥] (جابر) قوله: (ثم رأيته سكت بعد عنها، ثم قبض ولم ينه عن ذلك) هذا الخبر ناف، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة النهي، والمثبت مقدم على النافي، أو المراد النهي التحريمي.\n٤٧٥٥ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (أخنى الأسماء) أي: أقبحها وأفحشها، في (الصراح) (١): خنى: سخن بيهوده كَفتن، وأخنى عليه في منطقه: إذا فحش، وأخنى عليه الدهر: أي أبى عليه وأهلكه.\nوقوله: (رجل يسمى ملك الأملاك) أي: اسم رجل سمي بهذا الاسم، و(يسمى) بلفظ المجهول من التسمية، وهو الصحيح، وفي بعض النسخ [بفتح الفوقية] بصيغة المعلوم من التسمي، ومعناه بالفارسية: شاهنشاه، وفي رواية: (أخنع)، وفي (القاموس) (٢): أخنع الأسماء عند اللَّه ملك الأملاك، أي: أذلها وأقهرها، وفي (الصراح) (٣): خنعة بدكَماني، ويروى أيضًا أنخع الأسماء، وفسّره أيضًا في (القاموس):\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٥٥٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٥٨).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٣١٠).","vol":"8","page":97},{"text":"رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: \"أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَخْبَثُهُ رَجُلٌ كَانَ يُسَمَّى مَلِكَ الأَمْلَاكِ، لَا مَلِكَ إِلَّا اللَّهُ\". [خ: ٦٢٠٦، م: ٢١٤٣].\n٤٧٥٦ - [٧] وَعَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ: سُمِّيتُ بَرَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ،\nــ\nبأذلها وأقهرها، وقال في (الصراح) (١): الانتخاع: دور شدن، فيكون معناه: أبعدها عن رضا اللَّه وقبوله.\nوقوله: (وفي رواية لمسلم قال: أغيظ رجل) في (القاموس) (٢): الغيظ: الغضب، أو أشده، أو سَورَتُه وأوله، غاظه يَغيظه فاغتاظ، وغيَّظه، فتغيَّظ، وأغاظه وغايظه، قال الطيبي (٣): أي أكثر من يغضب عليه غضبًا، اسم تفضيل بني للمفعول، وفي (الصراح) (٤): غيظ: خشم بنهان وبخشم در آوردن، وعلى المعنى الثاني يجوز حمله على المبني للفاعل.\nوفي قوله: (لا ملك إلا اللَّه) مبالغة؛ لأنه إذا لم يكن غيره تعالى ملكًا فكيف يكون ملك الأملاك.\n٤٧٥٦ - [٧] (زينب بنت أبي سلمة) قوله: (لا تزكوا أنفسكم) تزكية الرجل\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٣٢٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٤٣).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٦٨).\n(٤) \"الصراح\" (ص: ٣٠٣).","vol":"8","page":98},{"text":"اللَّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرِّ مِنْكُمْ، سَمُّوهَا زَيْنَبَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٤٢].\n٤٧٥٧ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ جُويرِيَةُ اسْمُهَا بَرَّةُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- اسْمَهَا جُويرِيَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ: خَرَجَ مِنْ عِنْدِ بَرَّةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٤٠].\n٤٧٥٨ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ بِنْتًا كَانَتْ لِعُمَرَ يُقَالُ لَهَا: عَاصِيَةُ، فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَمِيلَةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٣٩].\nــ\nنفسه: ثناؤه عليها، و(البر) اسم لكل فعل مرضي.\n٤٧٥٧ - [٨] (ابن عباس) قوله: (كانت جويرية) هي زوجة النبي -ﷺ- من قبيلة بني المصطلق.\nوقوله: (وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة) علل النهي عن التسمية ببرة في زينب بتوهم التزكية، وهنا بهذه الكراهة، وكل منهما يصلح للسببية، ولا مزاحمة في الأسباب، ولعله -ﷺ- وجد من قوم زينب التمدح في التسمية دون جويرية، واللَّه أعلم. ولا يخفى أن ما ذكر في النهي عن تسمية الغلام بنجيح وأفلح يجري ههنا أيضًا، وما ذكر هنا يجري هناك.\n٤٧٥٨ - [٩] (ابن عمر) قوله: (عاصية) كانت العرب يسمون بالعاصي والعاصية ذهابًا إلى معنى التكبر والتعظيم عن الذل والانقياد والعجز والتنزه عن العيب والنقصان، فلما جاء الإسلام نهوا عنه.\nوقوله: (فسماها جميلة) قريب التضاد من معنى العاصية، مع أنه لا يلزم أن يكون التغير إلى الضد، بل من القبح إلى الحسن.","vol":"8","page":99},{"text":"٤٧٥٩ - [١٠] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أُتِيَ بِالْمُنْذِرِ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- حِينَ وُلِدَ، فَوَضَعَهُ عَلَى فَخِذِهِ فَقَالَ: \"مَا اسْمُهُ؟ \" قَالَ: فلَانٌ، قَالَ: \"لَا، لَكِنِ اسْمُهُ الْمُنْذِرُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٩١، م: ٢١٤٩].\n٤٧٦٠ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: عَبْدِي وَأَمَتِي، كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ، وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللَّهِ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: غُلَامِي، وَجَارِيتِي، وَفَتَايَ، وَفَتَاتِي، وَلَا يَقُلِ الْعَبْدُ: رَبِّي،\nــ\n٤٧٥٩ - [١٠] (سهل بن سعد) قوله: (قال: فلان) قال الشيخ (١): لم أقف على تعيينه.\nوقوله: (لا) أي: لا تسموه به، أو لا أرضى بأن يكون اسمه ذلك، والمنذر في معنى الفقيه، أخذًا من قوله تعالى: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢٢].\n٤٧٦٠ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (ولكن ليقل: غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي) قال في (القاموس) (٢): الغلام من حين يولد إلى حين يشبّ، وفي (الصراح) (٣): غلام: كودك، وجارية: دختر خرد، وفتى: مرد جوان، وفتاة: زن جوان، وفي إطلاق الغلام على العبيد والإماء رحمة وشفقة لهم، وإنما أطلق الفتى والفتاة لأنه يعامل معهم معاملة الشباب ولا يوقرون كالمشايخ، ويمكن أن يكون لأجل أنهم يتجلدون في الخدمة كتجلد الشباب وإن كانوا هرمى.\nوقوله: (ولا يقل العبد: ربي) لأنه وإن كان مربيًا للعبد ولكن التربية على الحقيقة\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٧٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٥٤).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٤٨٥).","vol":"8","page":100},{"text":"وَلَكِنْ لِيَقُلْ: سَيِّدِي\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"لِيَقُلْ: سَيِّدِي وَمَوْلَايَ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"لَا يَقُلِ الْعَبْدُ لِسَيِّدِهِ: مَوْلَايَ، فَإِنَّ مَوْلَاكُمُ اللَّهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٤٩].\n٤٧٦١ - [١٢] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تَقُولُوا: الْكَرْمَ؛ فَإِنَّ الْكَرْمَ قَلْبُ الْمُؤمِنِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٤٧].\n٤٧٦٢ - [١٣] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: \"لَا تَقُولُوا: الْكَرْمَ؛ وَلَكِنْ قُولُوا: الْعِنَبَ وَالْحَبَلَةَ\". [م: ٢٢٤٨].\nــ\nصفة خاصة للَّه رب العالمين، فإطلاقه يوهم الاشتراك، وكذلك حال المولى، ولكن يجوز إطلاق الموالاة دون الربوبية؛ فإن أمرها أقوى وأشد، وأما السيادة والرياسة والفضيلة فثابتة للمالك على المملوك لا محالة.\n٤٧٦١ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (لا تقولوا: الكرم؛ فإن الكرم قلب المؤمن) الكرم بفتح الراء وسكونها مصدر كرم يكرم، يوصف به للمبالغة على طريقة رجل عدل، يستوي المذكر والمؤنث والمفرد والتثنية والجمع، ويقال: رجل كرم وامرأة كرم ورجلان كرم ورجال كرم ونسوة كرم بمعنى كريم، كذا قال الطيبي (١)، والكرم يطلق على العنب وشجره، وجاء في رواية: (فإن الكرم الرجل المسلم) (٢).\n٤٧٦٢ - [١٣] (وائل بن حجر) قوله: (والحبلة) بالحاء المهملة والباء الموحدة المفتوحتين، وقد تسكن الباء، اسم لشجر العنب، وقد يطلق على العنب نفسه مجازًا.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٧٢).\n(٢) أخرجه مسلم (٢٢٤٧).","vol":"8","page":101},{"text":"٤٧٦٣ - [٤٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُسَمُّوا الْعِنَبَ الْكَرْمَ،\nــ\nوقد ذكروا في الحديث وجهين:\nأحدهما: أن المقصود هو النهي عن تسمية العنب أو شجره كرمًا، فإن العرب كانوا يسمونه كرمًا بسكون الراء لما أن شرب الخمر التي تحصل منه يورث الكرم والسخاوة فنهي عنه؛ لأن وصف ما هو أم الخبائث ومنشأ الآثام ورجس من عمل الشيطان ذريعة إلى مدح المحرمات، وتهييج للنفوس إليها وترغيب لها فيها، وقال: إن هذا الاسم إنما يليق بالمؤمن أو بقلبه لكونه معدن أنوار العلم والتقوى ومنبع الأسرار والمعارف، لأن لفظ الكرم شامل لجميع الخيرات والمكارم، قالوا: إذا وصفت أحدًا بالكرم فكأنك أثبتَّ له الخيرات والحسنات كلها.\nوثانيهما: إنه ليس المقصود الأصلي من الحديث النهي عن التسمية، بل نهى عن تخصيص هذا الاسم به، والمراد تنبيه المؤمنين وتحريضهم على تحلية القلوب بالتقوى ومكارم الأخلاق ومحامد الصفات، وعلى أن لا يرضوا بأن يوسم هذا النوع من الأشجار باسم الكرم وهم أحقاء بذلك، فكأنه قال: تسمون العنب بالكرم وتخصونه به، وينبغي لكم أن تكونوا أصحاب هذا الاسم ومتصفين بهذه الصفة، وهذا حاصل ما ذكره الزمخشري أن المقصود من هذا الحديث تقرير قول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، وتأكيده بطريق أنيق ومسلك لطيف بأن المؤمن المتقي متأهل ومستحق بالاسم المشتق من الكرم، وهو الكريم.\n٤٧٦٣ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (لا تسموا العنب الكرم) قد يستأنس بالاكتفاء","vol":"8","page":102},{"text":"وَلَا تَقُولُوا: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدهرُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦١٨٢].\n٤٧٦٤ - [١٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَسُبُّ أَحَدُكُمُ الدَّهْرَ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٤٧].\n٤٧٦٥ - [١٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: خَبُثَتْ نَفْسِي، وَلَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٧٩، م: ٢٢٥٠].\nوَذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: \"يُؤذِينِي ابْنُ آدمَ\" فِي (بَابِ الْإِيمَانِ).\nــ\nبالنهي عن التسمية من غير تعليله بقوله: (فإن الكرم قلب المؤمن) بأن الظاهر هو الوجه الأول من الوجهين المذكورين للنهي عن التسمية بالكرم، واللَّه أعلم.\n٤٧٦٤ - [١٥] (وعنه) قوله: (فإن اللَّه هو الدهر) أي: المصرف الفعال، قد سبق شرحه في أول الكتاب في (كتاب الإيمان).\n٤٧٦٥ - [١٦] (عائشة) قوله: (ولكن ليقل: لقست نفسي) قال في (القاموس) (١): لقست نفسه إلى الشيء كفرح: نازعته إليه، ومنه: غَثَتْ وخبثت، وفي (الصراح) (٢): لقس: شوريدن دل وتباه شدن.\nوإنما كره -ﷺ- لفظ خبثت لقبحه، ولئلا ينسب المسلم الخبث إلى نفسه، والحاصل أن خبثت ولقست عبارتان في الغثيان، وكره الأول لما ذكر.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٣٠).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٢٥٠).","vol":"8","page":103},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1095> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٧٦٦ - [١٧] عَن شُرَيْحِ بْنِ هَانِئ عَنْ أَبيهِ: أَنَّهُ لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَعَ قَوْمِهِ سَمِعَهُمْ يُكَنُّونَهُ بِأَبِي الْحَكَمِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الحُكْمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟ \" قَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ، فَرَضِيَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ بِحُكْمِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا أَحْسَنَ هَذَا!، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ \" قَالَ: لِي شُرَيْحٌ وَمُسْلِمٌ وَعَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: \"فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ؟ \" قَالَ: قُلْتُ: شُرَيْحٌ. قَالَ: \"فَأَنْتَ. . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n٤٧٦٦ - [١٧] (شريح بن هانئ) قوله: (أنه) أي: إياه، و(أبو الحكم) بفتحتين هو الحاكم، وقد يضيفون الأب في الكنى إلى المشتق الدال على الذات مع الصفة مثل أبو القاسم، والمقصود هو الصفة.\nوقوله: (ما أحسن هذا) الظاهر أنه صيغة تعجب، رد -ﷺ- عليه عذره وحاله؛ فإنه لما كان الحكم هو اللَّه تعالى، وانحصرت هذه الصفة في اللَّه تعالى، لم يكن تكنية القوم إياه الحكم عذرًا في ذلك، ولكنه -ﷺ- منعه على وجه لطيف، وحسن أمره بأن ذلك حسن، ولكن التكنية به لا تحسن، كذا قال الطيبي (١)، وفي بعض الحواشي: أن كلمة (ما) نافية، و(هذا) إشارة إلى التكني، ولكن صيغة الإفعال لا تلائمه إلا أن تكون للضرورة، والظاهر: ما حسن، والوجه هو الأول لفظًا ومعنًى، فافهم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٧٥).","vol":"8","page":104},{"text":"أَبُو شُرَيْحٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٩٥٥، ن: ٥٣٨٧].\n٤٧٦٧ - [١٨] وَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: لَقِيتُ عُمَرَ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مَسْرُوقُ بْنُ الأَجْدَعِ. قَالَ عُمَرُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"الأَجْدَعُ شَيْطَانٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وابنُ مَاجَه. [د: ٤٩٥٧، جه: ٣٧٣١].\n٤٧٦٨ - [١٩] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تُدْعَوْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِكُمْ؛ فَأَحْسِنُوا أَسْمَاءَكُمْ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٥/ ١٩٤، د: ٤٩٤٨].\nــ\n٤٧٦٧ - [١٨] (مسروق) قوله: (الأجدع شيطان) قال في (القاموس) (١): الجدع: قطع الأنف والأذن واليد والشفة، والأجدع: الشيطان، ووالد مسروق التابعي الكبير، وغيّره عمر بن الخطاب وسماه عبد الرحمن، انتهى.\n٤٧٦٨ - [١٩] (أبو الدرداء) قوله: (تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم) قد جاء في بعض الروايات أنه يدعى الناس يوم القيامة بأسماء أمهاتهم، وقيل: الحكمة في ذلك ستر حال أولاد الزنا لئلا يفتضحوا لعدم الآباء لهم، وقيل: ذلك لرعاية حال عيسى بن مريم عليهم الصلاة والسلام إذ لا أب له، وقيل: لإظهار فضل الحسن والحسين وشرفهما سلام اللَّه تعالى عليهما بإظهار نسبتهما إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فإن ثبتت هذه الرواية حمل الآباء على التغليب كما في الأبوين، ويحمل أنهم يدعون تارة بالآباء وأخرى بالأمهات، أو يدعى البعض بالآباء والبعض بالأمهات، أو في بعض المواطن بهم وفي بعضها بهن، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٥٢).","vol":"8","page":105},{"text":"٤٧٦٩ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى أَنْ يَجْمَعَ أَحَدٌ بَيْنَ اسْمِهِ وكُنْيَتِهِ، وَيُسَمِّي مُحَمَّدًا أَبَا الْقَاسِم. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٨٤١].\n٤٧٧٠ - [٢١] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا سَمَّيْتُمْ بِاسْمِي فَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ: \"مَنْ تَسَمَّى بِاسْمِي فَلَا يَكْتَنِ بِكُنْيَتِي، وَمَنْ تَكَنَّى بِكُنْيَتِي فَلَا يَتَسَمَّ بِاسْمِي\". [ت: ٢٨٤٢، جه: ٥٧٨٦، د: ٤٩٦٦].\n٤٧٧١ - [٢٢] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي وَلَدْتُ غُلَامًا فَسَمَّيْتُهُ مُحَمَّدًا وَكَنَّيْتُهُ أَبَا الْقَاسِمِ، فَذُكِرَ لِي أَنَّكَ تَكْرَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ: \"مَا الَّذِي أَحَلَّ اسْمِي وَحَرَّمَ كُنْيَتِي؟ أَوْ مَا الَّذِي حَرَّمَ كُنْيَتِي وَأَحَلَّ اسْمِي؟ \". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَقَالَ مُحْيِيُ السُّنَّةِ: غَرِيبٌ. [د: ٤٩٦٨].\nــ\n٤٧٦٩ - [٢٠] (أبو هريرة) قوله: (ويسمي محمدًا أبا القاسم) في بعض الروايات (يسمى) على بناء المجهول و(محمد) مرفوع، فيكون (أبا القاسم) مفعولًا ثانيًا، وفي بعضها على بناء الفاعل، وعلى هذا يحتمل أن يكون (أبا القاسم) مفعولًا ثانيًا، أو يكون بدلًا من (محمدًا) كما يقع في التراكيب والتراجم، والمفعول الأول لـ (يسمى) محذوفًا، أي: يسميه محمدًا أبا القاسم، فافهم.\n٤٧٧٠ - [٢١] (جابر) قوله: (إذا سميتم باسمي فلا تكتنوا بكنيتي) ظاهر في عدم الجمع بين الاسم والكنية وجواز التكني مفردًا، ورواية أبي داود أصرح في ذلك.\n٤٧٧١ - [٢٢] (عائشة) قوله: (أنك تكره ذلك) أي: الجمع.\nوقوله: (أو ما الذي) شك من الراوي بتقديم إحدى الجملتين على الأخرى،","vol":"8","page":106},{"text":"٤٧٧٢ - [٢٣] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ وُلِدَ لِي بَعْدَكَ وَلَد أُسَمِّيهِ بِاسْمِكَ وَأُكَنِّيهِ بِكُنْيَتِكَ؟ قَالَ: \"نَعَمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٦٧].\n٤٧٧٣ - [٢٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَنَّانِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِبَقْلَةٍ كُنْتُ أَجْتَنِيهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَفِي \"الْمَصَابِيحِ\" صَحَّحَهُ. [ت: ٣٨٣٠].\nــ\nوهذا الحديث يدل على أن النهي من ذلك للتنزيه لا للتحريم، لكن الحديث ضعيف.\n٤٧٧٢ - [٢٣] (محمد بن الحنفية) قوله: (إن ولد لي بعدك) يدل على أن النهي مقصور على زمانه -ﷺ-.\nوقوله: (رواه أبو داود) وفي بعض النسخ: وكانت رخصة لي، وكتب في الحاشية: هذه رواية الترمذي، وقد سبق تفصيل الكلام في هذا المقام.\n٤٧٧٣ - [٢٤] (أنس) قوله: (ببقلة كنت أجتنيها) وهي الحمزة، وهي بقلة خريفية في طعمها حموضة، يقال لها بالفارسية: تره تيزك، وفي (الصراح) (١): حمز: زبان كز شدن شراب وكَياه، حمزة: تره تيزك، وكنية أنس -﵁- بأبي حمزة بهذا الوجه.\nوقوله: (وفي المصابيح صححه) أي: حكم بصحة هذا الحديث، وإن ذكره في (الفصل الثاني) من الحسان ردًّا على الترمذي حيث حكم بغرابته، حيث قال: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ولا يذهب عليك أن توحد الطريق والغرابة لا ينافي الصحة، إلا أن يراد بالغريب الشاذ؛ فإنه قد يطلق عليه، ولكن ظاهر عبارته لا يلائمه كما حققناه\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٢٢٤).","vol":"8","page":107},{"text":"٤٧٧٤ - [٢٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يُغَيِّرُ الِاسْمَ الْقَبِيحَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٨٣٩].\n٤٧٧٥ - [٢٦] وَعَنْ بَشِيرِ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَمِّهِ أُسَامَةَ بْنِ أَخْدَرِيٍّ: أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ: أَصْرمُ كَانَ فِي النَّفَرِ الَّذِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا اسْمُكَ؟ \" قَالَ: أَصْرَمُ، قَالَ: \"بَلْ أَنْتَ زُرْعَةُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٥٤].\n٤٧٧٦ - [٢٧] وَقَالَ: وَغَيَّرَ النَّبِيُّ -ﷺ- اسْمَ الْعَاصِ،\nــ\nفي المقدمة، فتدبر.\n٤٧٧٤ - [٢٥] (عائشة) قوله: (كان يغير الاسم القبيح) إما إلى ضده وهو الأكثر، كما روي: أن رجلًا كان اسمه أسود فسماه أبيض، وإما إلى اسم آخر ليس فيه قباحة وإن لم يكن ضدًّا كما أشرنا إليه سابقًا.\n٤٧٧٥، ٤٧٧٦ - [٢٦، ٢٧] قوله: (وعن بشير بن ميمون) بفتح الباء و(أخدري) على وزن الأشعري.\nوقوله: (قال: بل أنت زرعة) لما كان الصرم بمعنى القطع منبئًا بانقطاع الخير والبركة غيّره إلى زرعة المشتق من الزرع المشعر بهما، وفيهما معنى التضاد، وهو من باب الزراعة، إذ الصرم هو قطع النخل والشجر، في (القاموس) (١): صرم النخل والشجر: جزّه.\nوقوله: (وغير النبي -ﷺ- اسم العاص) الحديث، العاص مخفف العاصي، وهو\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٤٠).","vol":"8","page":108},{"text":"وَعَزِيزٍ، وَعَتَلَةَ، وَشَيْطَانٍ، وَالْحَكَمِ، وَغُرَابٍ، وَحُبَابٍ، وَشِهَابٍ، وَقَالَ: تَرَكْتُ أَسَانِيدَهَا لِلاخْتِصَارِ.\nــ\nيدل على العصيان وعدم الإطاعة والانقياد، وشعار المؤمن الإطاعة والاستسلام، (وعزيز) دال على العزة والغلبة، ودأب العبد الذل والخضوع، والعزة وإن كانت ثابتة للمؤمن ولكنه بإعزاز اللَّه الذي يعز من يشاء ويذل من يشاء، وشأنه في نفسه الذل ولا يصح ادعاؤه لنفسه، والتسمية به تنبع عن الادعاء. (وعتلة) بفتحات: المدرة الكبيرة تنقلع من الأرض [إذا أثيرت]، وحديدة كأنها رأس فأس، والعصا الضخمة من حديد لها رأس مُفَلْطَحٌ يُهدم بها الحائط، وبيرم النجار، وهي تشعر بالغلظة والشدة والخشونة، وصفات المؤمن خلاف ذلك، (وشيطان) إن اعتبر ما في أصل معناه الذي هو الشَّطَن من البعد والخبث، يقال: بئرٌ شَطونٌ: بعيدة القعر، والشاطن: الخبيث، أو الشوط من الطرد والإعياء والاحتراق والهلاك، فذاك، وإن اعتبر اسم إبليس فظاهر.\n(والحكم) قد علم أنه الحاكم الذي لا يرد حكمه، ولا حاكم إلا اللَّه، (وغراب) إن اعتبر أصل معناه ففيه معنى البعد والذهاب والتنحي والحدة والنشاط والتمادي والغربة، وإن اعتبر اسمًا للطائر المعروف فهو أخبث الطيور؛ لوقوعه على الجيف والقاذورات، (وحباب) اسم للحية وجمع حبابة: دويبة سوداء مائية، واسم الشيطان، (وشهاب) اسم شعلة نار ساطعة يرمى بها الشياطين، فكرِه التسمية بهذه الأسماء، ثم إنهم لم يذكروا أسماء غيَّرها إليها، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وتركت أسانيدها للاختصار) لأنه لا يتعلق بها غرض واجب شرعي يهتم بصحة إسناده أو ضعفه، بل هو أمر استحساني يعمل به على وجه الاستحسان وإن ضعف الإسناد.","vol":"8","page":109},{"text":"٤٧٧٧ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ -أَوْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لِأَبِي مَسْعُودٍ-: مَا سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ فِي زَعَمُوا؟ \". قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَّجُلِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. . . . .\nــ\n٤٧٧٧ - [٢٨] (أبو مسعود الأنصاري) قوله: (في زعموا) أي: في شأن هذه اللفظة ومعناها، والزعم بضم الزاي وفتحها قريب من معنى الظن، كذا في (النهاية) (١)، وفي (الصراح) (٢): زعم: كَفتن أز باب نصر ينصر، وفي (المجمل): الزعم قول بلا صحة واعتماد، وفي (القاموس) (٣): الزعم مثلثة: القول الحق والباطل والصدق والكذب، ضد، وأكثر ما يقال فيما شك فيه.\nوقوله: (بئس مطية الرجل) أي: زعموا، والمخصوص محذوف، وفيه وجهان:\nأحدهما: أنه شبه ما يقدمه المتكلم أمام كلامه يتوصل به إلى غرضه ومقصوده منه بالمطية، أي: المركب الذي يصل به إلى حاجته، يعني أن (زعموا) بئس مطية يجعلها المتكلم مقدمة كلامه، والمقصود أن الإخبار بخبر مبناه على الشك والتخمين دون الجزم واليقين قبيح، بل ينبغي أن يكون لخبره سند وثبوت، ويكون على ثقة من ذلك لا مجرد حكاية على ظن وحسبان كما جاء في الحديث: (كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع)، وفي المثل: زعموا مطية الكذب.\nوثانيهما: أنه لا ينبغي للرجل أن ينسب الزعم والكذب إلى الناس ويقول:\n_________\n(١) \"النهاية\" (٢/ ٣٠٣).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٤٧٤).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٣٠).","vol":"8","page":110},{"text":"وَقَالَ: إِنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ حُذَيْفَةُ. [د: ٤٩٧٢].\n٤٧٧٨ - [٢٩] وَعَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شَاءَ فلَانٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٥/ ٣٨٤، د: ٤٩٨٠].\nــ\nزعم فلان إلا أن يكون على يقين من كذبه ويريد أن يجنب عن كذبه الناس ويحذرهم عن ذلك، فيجوز لمثل هذه المصلحة نسبة الزعم والكذب إلى أحد كما يفعله المحدثون وأمثالهم في الجرح والتعديل، ومناسبة هذا الحديث للباب لا تخلو عن خفاء، فكأن (زعموا) صار اسمًا لهذا الجنس من الخبر.\n٤٧٧٨، ٤٧٧٩ - [٢٩، ٣٠] (حذيفة) قوله: (لا تقولوا: ما شاء اللَّه وشاء فلان) لسوء الأدب وتوهم الإشراك، إذ مشيئة اللَّه تعالى هي المشيئة، لا يعتبر في جنبها مشيئة العبد، ما شاء اللَّه كان وما لم يشأ لم يكن.\nوقوله: (ولكن قولوا: ما شاء اللَّه ثم شاء فلان) يعني إن كان لا بد تذكرون مشيئة العبد اعتبارًا لظاهر الأسباب العادية اذكروا ما يدل على تبعيتها وتأخرها عن مشيئة اللَّه في الرتبة، ولا تذكروها بحيث يدل على مساواتها لها، هذا في حق العامة، وأما في حق نفسه -ﷺ- فلا يجوز إلا التوحيد، ونهى أن يقولوا: (ما شاء اللَّه وشاء محمد)، بل ينبغي أن يقولوا: (ما شاء اللَّه وحده)، وذلك لكونه في غاية العبودية الحقيقية والتواضع لجناب عزة اللَّه، ومستغرقًا في بحر التوحيد، وأيضًا لرفعة شأنه وعلو قدره يغلب توهم الإشراك فيه كما تقول العامة: ما فعل اللَّه ورسوله، ما شاء اللَّه ورسوله، كما يتوهم ذلك في الوزير مع الملك، ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي﴾ [آل عمران: ٧٩].","vol":"8","page":111},{"text":"٤٧٧٩ - [٣٠] وَفِي رِوَايَةٍ مُنْقَطِعًا قَالَ: \"لَا تَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشَاءَ مُحَمَّدٌ، وَقُولُوا: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١٢/ ٣٦١].\n٤٧٨٠ - [٣١] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ: سَيِّدٌ؛ فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٧٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1096> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٧٨١ - [٣٢] عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، فَحَدَّثَنِي أَنَّ جَدَّهُ حَزْنًا قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: \"مَا اسْمُكَ؟ \". . . . .\nــ\nو(حذيفة) قوله: (وفي رواية منقطعًا) أي غير متصل سنده، وهو معنى الحديث المنقطع، ويخص بغير صورة الإرسال، وقد يستعملان مترادفين.\n٤٧٨٠ - [٣١] (وعنه) قوله: (فإنه إن يك سيدًا فقد أسخطتم ربكم) قيل: معناه إن يك سيدا وجب طاعته، وذلك موجب لسخط الرب تعالى، وحاصله أن القول بكون المنافق سيدًا اعتراف بوجوب طاعته وانقياده موجب لسخطه تعالى، وقيل: أراد أنكم بهذا القول أسخطتم ربكم، فوضع الكون موضع القول، وقيل: معناه إن يك سيدًا؛ أي: ذا مال وجاه دنيوي أغضبتم اللَّه؛ لأنكم عظمتم من لا يستحق التعظيم، وإن لم يكن كذلك فقد كذبتم، فافهم.\nالفصل الثالث\n٤٧٨١ - [٣٢] (عبد الحميد) قوله: (فحدثني أن جده حزنًا) وكان من المهاجرين","vol":"8","page":112},{"text":"قَالَ: اسْمِي حَزْنٌ، قَالَ: \"بَلْ أَنْتَ سَهْلٌ\"، قَالَ: مَا أَنَا بِمُغَيِّرٍ اسْمًا سَمَّانِيهِ أَبِي، قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَمَا زَالَتْ فِينَا الْحُزُونَةُ بَعْدُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٨٣٦].\n٤٧٨٢ - [٣٣] وَعَنْ أَبِي وَهَبٍ الْجُشَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَسَمُّوا بِأَسْمَاءِ الأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وهمامٌ،\nــ\nمن أشراف قريش في الجاهلية، روى عنه ابنه المسيب، وقتل يوم اليمامة، وكان المسيب ممن بايع تحت الشجرة، و(الحزن) بفتح الحاء وسكون الزاي: ما غلظ من الأرض، ضد السهل، وفي (الصراح) (١): الحزن: زمين درشت، سهل: زمين نرم، نقيض جبل، ولما استقبح رسول اللَّه -ﷺ- هذا الاسم لإنبائه عن حزونة الحال وشدته أشفق عليه وأراد أن يغيره بضده، لكنه لم يقبله لكونه جافي الطبع، فأظهر الجفاء والخشونة، ولعل عدم قبوله تغير اسمه كان في أول قدومه وهجرته للإسلام حين لم يحسن إسلامه، ولم يتهذب أخلاقه، ولم يتشرف بطول صحبته -ﷺ-، والصحابة إنما تهذب أخلاقهم بصحبته وطول خدمته -ﷺ-، اللهم إلا من كان صافي الجوهر وصيقله من الأصل، وقليل ما هم، واللَّه أعلم.\n٤٧٨٢ - [٣٣] (أبو وهب) قوله: (وعن أبي وهب الجشمي) بضم الجيم وفتح الشين المعجمة، منسوب إلى جشم بن سعد.\nوقوله: (وأصدقها حارث وهمام) قال في (القاموس) (٢): الحرث: الكسب،\n_________\n(١) \"الصراح\" (٤٣٠، ٥٠٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٦٦).","vol":"8","page":113},{"text":"وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ ومُرَّةُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٥٠].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1097>٩ - باب البيان والشعر</span>\nــ\nوجمع المال، والزرع، وهمام من الهم، ولا يخلو أحد من الكسب والهم، ولو لوحظ معنى الزرع وأريد التوفيق لعمل الآخرة تفاؤلًا بحكم الدنيا مزرعة الآخرة والاهتمام له لم يبعد، وأما معنى جمع المال والميل إليه والمحبة له فلا يشمل الكل، اللهم إلا بحكم الطبيعة والجبلة، والأصح الأظهر إرادة معنى الكسب.\nواعلم أنه -ﷺ- أمر أولًا بالتسمي بأسماء الأنبياء، ولما كان في ذلك شائبة عجب وتزكية للنفس نزل إلى قوله: (أحب الأسماء عبد اللَّه وعبد الرحمن)؛ لأن فيه خضوعًا واستكانة على ما سبق، ثم نظر إلى أن العبد قد يقصر في العبودية فلا يكون هذا الاسم صادقًا [عليه، فـ] نزل إلى نحو حارث وهمام؛ فإنه صادق قطعًا، كذا قال الطيبي (١).\n٩ - باب البيان والشعر (٢)\n(البيان) في الأصل: الكشف والظهور، في (القاموس) (٣): بان بيانًا: اتضح، فبان وبيَّن وتبيَّن وأبان واستبان كلها لازمة متعدية، وفي (الصراح) (٤): بيان: سخن\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٨٠).\n(٢) اختلفت الروايات في الشعر، وحاصل ما قاله الشامي أن ما كان فيه هجو المسلم وغيره فحرام، وما كان فيه التغزل فمكروه، وما كان فيه من ضرورة فعلى قدر الضرورة، قاله في \"التقرير\".\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٨٩).\n(٤) \"الصراح\" (ص: ٥٠٢).","vol":"8","page":114},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1098> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٧٨٣ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَدِمَ رَجُلَانِ مِنَ الْمَشْرِقِ. . . . .\nــ\nبيدا وكشاده كَفتن وفصاحت، ويقال: فلان أبين من فلان، أي: أفصح وأوضح كلامًا، تبين: بيدا شدن وكردن، وقال البيضاوي (١): البيان: الكشف عما في الضمير وإفهام الغير، وقال الطيبي (٢): إظهار المقصود بأبلغ لفظ، وقيل: هو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير، والكل متقارب في المعنى، والكلام في أن المراد بالفصاحة والبلاغة في تعريفه هو المعنى اللغوي لهما أو الاصطلاحي، فتدبر.\nو(الشعر) في اللغة: العلم والفطنة، شعر به كنصر وكرم: علم به وفطن له وعقله، ومنه قولهم: ليت شعري، والشاعر: العالم والفطن، وفي الاصطلاح: كلام موزون مقفى قصد القائل موزونيته، والشاعر بهذا المعنى كتامر ولابن، أي: صاحب شعر، اللهم إلا أن يفسر بانشاء كلام كذلك.\nالفصل الأول\n٤٧٨٣ - [١] (ابن عمر) قوله: (قدم رجلان من المشرق) نقل الطيبي (٣) عن الميداني أن الرجلين أحدهما الزبرقان بن بدر بكسر زاي وسكون موحدة وكسر راء وبقاف، وثانيهما عمرو بن أهتم بفتح الهمزة وسكون الهاء وفتح الفوقية، وفي (القاموس) (٤): زبرق ثوبه: صبغه بحمرة أو صفرة، والزبرقان بالكسر: القمر والخفيف\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ١٧٠).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٨١).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٨١).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٢٠).","vol":"8","page":115},{"text":"فَخَطَبَا، فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٧٦٧].\nــ\nاللحية، ولقب الحصين بن بدر الصحابي؛ لجماله أو لصفرة عمامته، أو لأنه لبس حلة وراح إلى ناديهم، فقالوا: زبرق حصين.\nوالأهتم لقب سنان بن خالد؛ لأن ثنيته هتمت يوم الكلاب، أي: كسرت، وقصتهما أن الزبرقان تفاخر وتكلم في فضائله بكمالات (١) فصيحة، فأجابه عمرو ونسبه إلى اللؤم بكلام بليغ، وقال الزبرقان: واللَّه يا رسول اللَّه! إنه قد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يتكلم بذلك إلا الحسد، فأجابه عمرو ثانيًا بما هو أبلغ من الأول.\nوفي (إحياء العلوم) (٢): مدحه يومًا ثم ذمه يوما آخر، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: (ما هذا؟) قال: لقد صدقت فيما قلت أولًا وما كذبت فيما قلت ثانيًا، هو أرضاني أمس فقلت أحسن ما علمت فيه، وأغضبني اليوم فقلت أقبح ما وجدت فيه، فقال -ﷺ-: (إن من البيان لسحرًا) يعني بعض البيان بمثابة السحر في صرف القلوب وإمالتها إلى الباطل، وظاهر سياق المقصد أنه ذمه على تشدق اللسان وتلون الكلام تارة فتارة، لكنهم اختلفوا في تأويله، فمنهم من حمله على الذم في التصنع في الكلام والتكلف لتحسينه ليشتمل به قلوب السامعين ويصرفها إلى قبول قوله، وإن كان غير حق، ويتكلف بزيادة ما لا يعني، ويخلط بالتلبيس، ويذهب بحق الغير، كحديث: (لعل بعضكم ألحن بحجته)، وذهب آخرون أن المراد منه مدح البيان والحث على تحسين الكلام وتحبير الألفاظ، ولفظ الحديث على ما رواه المؤلف محتمل للوجهين، فالحاصل\n_________\n(١) كذا في الأصل، والظاهر: \"بكلمات\".\n(٢) \"إحياء علوم الدين\" (٢/ ٢٦).","vol":"8","page":116},{"text":"٤٧٨٤ - [٢] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكْمَةً\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦١٤٥].\n٤٧٨٥ - [٣] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ\". قَالَهَا ثَلَاثًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٧٠].\nــ\nأن بعض البيان بمنزلة السحر في ميلان القلوب إليه أو في العجز عن الإتيان بمثله، وهذا النوع ممدوح إذا صرف إلى الحق، ومذموم إذا صرف إلى الباطل، فيكون على نمط قوله: (الشعر كلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح).\n٤٧٨٤ - [٢] (أبي بن كعب) قوله: (إن من الشعر حكمة) في (القاموس) (١): الحكمة: العدل والعلم والحلم، وأحكمه: أتقنه ومنعه عن الفساد، وعن الأمر: منعه مما يريد، والفرس: جعل للجامه حكمة، والحكمة محركة: ما أحاط بحنكي الفرس من لجامه، والظاهر أن المراد هنا العلم وأحكامه كالأشعار المشتملة على الموعظة والنصيحة، وقيل: معناه إن من الشعر كلامًا نافعًا يمنع عن الجهل والسفه.\nوأصل الحكمة المنع، وبها سمي اللجام، لأنها تمنع الدابة، ثم قيل: هذا يدل على أن المراد بقوله: (إن من البيان لسحرا) مدح البيان، وقد روي القرينان في حديث واحد، وقد يقال: يمكن أن يكون قوله: (وإن من الشعر حكمة) ردًّا من زعم أن الشعر كله مذموم، والبيان كله حسن، فقال: إن بعض البيان كالسحر في البطلان، وبعض الشعر كالحكمة في الحقيقة، والحق أن الكلام ذو وجهين يختلف بحسب المقاصد، كذا قالوا.\n٤٧٨٥ - [٣] (ابن مسعود) قوله: (هلك المتنطعون) في (القاموس) (٢): تنطع\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠١١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٠٨).","vol":"8","page":117},{"text":"٤٧٨٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٤٧، م: ٢٢٥٦].\n٤٧٨٧ - [٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَدِفْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا فَقَالَ: \"هَلْ مَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ بْنِ أَبِي الصَّلْتِ. . . . .\nــ\nفي الكلام: تعمق، وغالى، وتأنق، وفي عمله: تحذق، والنطع كعنب: ما ظهر من الغار الأعلى في الحنك، فيه آثار كالتحزيز، والحروف النطعية الطاء والدال والتاء، انتهى. وفي (شرح الأرجوزة) للجزري: سميت نطعية لخروجها من نطع الغار، أي: سقفه، والمراد المتشدقون المتكلفون في الكلام المقتصرون من الألفاظ والعبارات الهائلة المعجبة للناس من غير رعاية المعنى وملاحظة الحق رياءً وتصنعًا، وقال الطيبي (١): أراد به المتعمقين الغالين في خوضهم فيما لا يعنيهم من الكلام.\n٤٧٨٦ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (كلمة لبيد).\nوقوله: (باطل) أي: فانٍ مضمحل، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦]، وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] الآيتين، وآخره: وكلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زائِلُ\nسوى جَنَّةِ الفردوسِ إن نعيمَها ... سيبقى وإن الموتَ لابد نازل\n٤٧٨٧ - [٥] (عمرو بن الشريد) قوله: (أمية بن أبي الصلت) قال النووي: هو كافر، وسمع النبي -ﷺ- شعره الذي فيه حكمة، واسم أبي الصلت عبد اللَّه بن ربيعة\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٨٣).","vol":"8","page":118},{"text":"شَيْءٌ؟ \" قُلْتُ: نَعَمْ،\nــ\nابن عوف بن عقدة بن غيرة -بكسر الغين المعجمة- ابن عوف بن قسي، وهو ثقيف، كان أمية يتعبد في الجاهلية ويؤمن بالبعث وينشد في إثباته الشعر المليح، وأدرك الإسلام ولم يسلم، ثبت في (صحيح مسلم) عن الشريد بن سويد، فذكر الحديث، ومن شعره ما رأيته منقولًا عن البغوي أنه قال: روي عن أمية أنه لما غشي إليه أفاق فقال:\nكل عيش وإن تطاول دهرًا ... صائرٌ مَرّة إلى أن يزولا\nليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في قلال الجبال أرعى الوعولا\nإن يوم الحساب يوم عظيم ... شاب فيه الوليد يومًا ثقيلا\nقال الدميري: وذكر عن السهيلي (١) أن النبي -ﷺ- لما سمع قول أمية:\nلك الحمد والنعماء والفضل ربّنا ... فلا شيءَ أعلَى منك حمدًا ومجدًا\nقال: آمن شعر أمية وكفر قلبه، وهو أول من كتب باسمك اللهم، ومنه تعلمت قريش، فكانت تكتب كذلك في الجاهلية.\nقال: ولتعلم أمية هذه الكلمة سبب عجيب ذكره المسعودي، وذلك أن أمية كان مصحوبًا تبدو له الجن، فخرج في عير قريش، فمرت بهم جنِّية فقتلوها، فاعترضت لهم جنّية تطلب بثأرها وقالت: قتلتم فلانة، ثم ضربت الأرض بقضيب فنفرت الإبل، فلم يقدروا عليها إلا بعد عناء شديد، فلما جمعوها جاءت فضربت ثانية فنفرتها، فلم يقدروا عليها إلى نصف الليل، ثم جاءت فنفرتها، حتى كادوا أن يهلكوا بها\n_________\n(١) \"التعريف والإعلام\" للسهيلي (ص: ٦١ - ٦٢)، و\"حياة الحيوان\" (٢/ ٢٤٣).","vol":"8","page":119},{"text":"قَالَ: \"هِيهِ\"، فَأَنْشَدْتُهُ بَيْتًا، فَقَالَ: \"هِيهِ\"، ثم أَنْشَدْتُهُ بَيْتًا، فَقَالَ: \"هِيهِ\"، حَتَّى أَنْشَدْتُهُ مِئَة بَيتٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٥٥].\nــ\nعطشًا وعناء، وهم في مفازة لا ماء فيها، فقالوا لأمية: هل عندك من حيلة أو غناء؟ فقال: لعلها، ثم ذهب حتى جاوز كثيبًا، فرأى ضوء نار على بُعد، فأتبعه حتى أتى على شيخ في خباء، فشكا إليه ما نزل به وبصحبه، وكان الشيخ جنيًّا، فقال: اذهب فإذا جاءتكم فقل: باسمك اللهم سبعًا، فرجع إليهم وهم قد أشرفوا على الهلكة، فلما جاءتهم الجنيّة قالوا ذلك، فقالت: تبًّا لكم، مَن علَّمكم، فذهبت وأخذوا إبلهم، وكان فيهم حرب بن أمية جد معاوية، فقتلته بعد ذلك الجن بثأر تلك الجنّية، وقالوا فيه شعرًا:\nوقَبْرُ حَرْبٍ بمكانٍ قفر ... وليس قُرْبَ قَبْرِ حَرْبٍ قَبْرُ\nذكر هذا كله في (الكوكب المنير لشرح الجامع الصغير في أحاديث البشير النذير).\nوروي أنه كان أمية متدينًا متعبدًا في الجاهلية، وكان حريصًا على استعلام النبي الموعود من العرب، وكان يرجو أن يكون نفسه، فلما أخبر أنه من قريش منعه الحسد من الإيمان به -ﷺ-.\nوذكر ابن الجوزي في (كتاب الوفاء): أنه لما سمع منهم علامات نبوة محمد -ﷺ- كان يقول: لئن ظهر وأنا حي لأبلِيَنَّ اللَّه في نصره عذرًا، فلما ظهر -ﷺ- نكص على عقبيه، وقال: ما كنت لأومن برسول من غير ثقيف أبدًا، وكان هو من ثقيف. وذكر في سماع أمية علامات نبوته -ﷺ- حكايات عجيبة، فعليك بـ (كتاب الوفاء).\nوقوله: (هيه) بكسر الهاء وسكون الياء بمعنى (إيه)، و(إيه) اسم فعل، وهو بغير تنوين أمر باستزادة حديث معهود، وبه بغير معهود، و(إيهًا) بالنصب للتسكيت","vol":"8","page":120},{"text":"٤٧٨٨ - [٦] وَعَنْ جُنْدُبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ فِي بَعْضِ الْمَشَاهِدِ وَقَدْ دَمِيَتْ أُصْبُعُهُ، فَقَالَ:\n\"هَلْ أَنْتِ إِلَّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ\"\nمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٠٢، م: ١٧٩٦].\nــ\nوالكف إذا وقف على آخر الكلمة بالتسكين، وإذا لم يوقف حرك بالكسر، وإذا نكر نون، وقال الكرماني (١): (هيه) بكسر الهاء الأولى لاستزادة حديث أو فعل، وقد تحذف الهاء الثانية، ومنه: هي يا بن الخطاب، أو هي ضمير قصة، و(هيه) استزادة لشعر أمية؛ لأنه كان تقيًّا ترهب قبل الإسلام.\n٤٧٨٨ - [٦] (جندب) قوله: (في بعض المشاهد) وهو غزوة أحد على ما قال الطيبي (٢)، أصاب الحجر أصبع رجله -ﷺ-، كذا في (سفر السعادة).\nوقوله: (وفي سبيل اللَّه ما لقيت) (ما) موصولة، وهو مبتدأ خبره مقدم، وقيل: نافية، أي: ما لقيت شيئًا في سبيل اللَّه، تحقيرًا لما لقيت من الجراحة، و(دميت) على بناء الفاعل على وزن (رضيت)، وكذا (لقيت)، والتاء مكسورة فيهما، وقيل: هما بالسكون فيهما فرارًا من الوزن، ورد بأنه مع السكون أيضًا موزون من الكامل.\nواختلفوا في أنه هل قاله النبي -ﷺ- منشئًا أو متمثلًا؟ وبالثاني جزم الطبري وغيره، فقيل: هو للوليد بن الوليد، وقيل: لعبد اللَّه بن رواحة، قاله في غزوة مؤتة، وقد أصيبت\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ١٩٩).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٨٥).","vol":"8","page":121},{"text":"٤٧٨٩ - [٧] وَعَنِ الْبَراءِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَوْمَ قُرَيْظَةَ لِحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ: \"اهْجُ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّ جِبْرِيلَ مَعَكَ\"، وَكَانَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ لِحَسَّانَ: \"أَجِبْ عَنِّي، اللهمَّ أيِّدْهُ بِرُوُحِ الْقُدُسِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢١٢، ٢٤٨٥].\nــ\nأصبعه؛ ذكر ذلك كله السيوطي، وقيل: هذا رجز ومثله لا يعدّ شعرًا؛ وأيضًا وقع موزونًا من غير قصد، فلا يكون شعرًا، ولا يعد قائل مثله شاعرًا، وأما ما قيل: إن قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩] وأمثاله مسوق لتكذيب الكفار فيما نسبوه، ولا يقال من تفوه ببيت واحد على ندر: إنه شاعر، فمحل نظر؛ لأنهم فسروا قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] بمعنى أنه لا يتيسر ولا يتصور ولا يأتي منه الشعر قطعًا.\n٤٧٨٩ - [٧] (البراء) قوله: (لحسان) هو منصرف إن كان من الحسن، وغير منصرف إذا كان من الحس.\nوقوله: (اهج) في (القاموس) (١): هجاه هجوًا: شتمه بالشعر، وفي (الصراح) (٢): هجاء بالكسر والمد: نكوهيدن، خلاف المدح، وقال السيد في (شرح الكشاف): إن التهجي تعديد الحروف بأساميها، ومن المجاز يهجو فلانًا: يعد معايبه.\nوقوله: (اللهم أيده بروح القدس) المراد به جبرئيل، سمي به لأنه يأتي الأنبياء بما فيه حياة القلب، والقدس بمعنى المقدس، وهو اللَّه تعالى بإضافة الروح إليه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٣٤).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٥٩٧).","vol":"8","page":122},{"text":"٤٧٩٠ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"اهْجُوا قُرَيْشًا؛ فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنْ رَشْقِ النَّبْلِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٩٠].\n٤٧٩١ - [٩] وَعَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ لِحَسَّانَ: \"إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ\"، وَقَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"هَجَاهُمْ حَسَّان فَشَفَى وَاشْتَفَى\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٩٠].\nــ\nللتشريف، أو القدس صفة الروح لكونه بمعنى المقدس، أو باعتبار الوصف بالمصدر، وإنما أضيف إليه تنبيهًا على زيادة الاختصاص، كقولهم: حاتم الجود، ورجل صدق.\n٤٧٩٠ - [٨] (عائشة) قوله: (من رشق النبل): (الرشق) بالفتح: الرمي بالنبل وغيره، مصدر رشقه: إذا رماه بالسهام، وبالكسر الوجه من الرمي، وإذا رمى القوم كلهم دفعة واحدة، قالوا: رمينا رشقًا، و(النبل) بفتح وسكون؛ السهام، وهي جمع لا واحد لها، وقيل: واحد، وجمعه نبال وأنبال ونبلان.\n٤٧٩١ - [٩] (وعنها) قوله: (ما نافحت) نافحه: كافحه وخاصمه، ونافحت عن فلان: خاصمت عنه.\nوقوله: (فشفى) أي: غيره، (واشتفى) أي: بنفسه، وفي (القاموس) (١): اشتفى بكذا: تشفى من غيظه، وفي (الصحاح) (٢): استشفى، أي: طلب الشفاء.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩٥).\n(٢) \"الصحاح في اللغة\" (١/ ٣٦٢).","vol":"8","page":123},{"text":"٤٧٩٢ - [١٠] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَنْقُلُ التُّرَابَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ حَتَّى اغْبَرَّ بَطْنُهُ، يَقُولُ:\nوَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا ... وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا\nفَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا ... وثبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا\nإِنَّ الأُلَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا ... إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا\nيَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ: \"أَبَيْنَا أَبَيْنَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٠٤، م: ١٨٠٣].\n٤٧٩٣ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَعَلَ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ يَحْفِرُونَ الْخَنْدَقَ وَيَنْقُلُونَ التُّرَابَ. . . . . .\nــ\n٤٧٩٢ - [١٠] (البراء) قوله: (فأنزلن) أمر من الإنزال بالنون الخفيفة، خطاب على طريقة الالتفات.\nوقوله: (إن الأولى) على وزن العلى، أي: الذين (بغوا علينا) أي: الأحزاب أو أهل مكة.\nوقوله: (إذا أرادوا فتنة) أي: ردنا إلى الكفر.\nوقوله: (يرفع بها) أي: بهذه الكلمة المذكورة، يفسرها قوله: (أبينا أبينا)، (صوته) ويكررها، وفيه مشروعية الجهر بالذكر، وقالوا: هذا الرجز من عبد اللَّه بن رواحة.\n٤٧٩٣ - [١١] (أنس) قوله: (يحفرون الخندق) في (القاموس) (١): الخندق\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨١٢).","vol":"8","page":124},{"text":"وهم يَقُولُونَ:\nنَحْنُ الَّذِينَ بَايعُوا محمَّدَا ... عَلَى الْجِهَادِ مَا بَقِينَا أَبَدَا\nيَقُولُ النَّبِيُّ -ﷺ- وَهُوَ يُجِيبُهُمْ:\n\"اللهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الآخِرَةِ ... فَاغْفِرْ للأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَةِ\"\nمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٣٥، م: ١٨٠٥].\n٤٧٩٤ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا يَرِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٥٥، م: ٢٢٥٧].\nــ\nكجعفر: حفيرٌ حول أسوار المدن، معربُ كَنْدَة، حفروه حول المدينة في غزوة الأحزاب بالتماس سلمان الفارسي أن ذلك من عادة الفرس، فقبل ذلك منه رسول اللَّه -ﷺ- وأمر بحفره.\n٤٧٩٤ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (يريه) بفتح الياء وكسر الراء مضارع وَرَى، مثل وعد يعد، من الوري، على وزن الرمي، وهو داء يفسد الجوف، ومعناه قيحًا يأكل جوفه ويفسده، والمراد الشعر المذموم، وفي قوله: (يمتلئ) إشارة إلى كون الشعر مستوليًا عليه بحيث يشغله عن القرآن والذكر والعلوم الشرعية، وهو مذموم من أي شعر كان، وفي (القاموس) (١): الوري: قيح في الجوف، أو قرح شديد يُقَاء منه القيح والدم، وَرَى القَيْحُ جوفَه: أفسده.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٣٢).","vol":"8","page":125},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1099> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٧٩٥ - [١٣] عَنْ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَنْزَلَ فِي الشِّعْرِ مَا أَنْزَلَ،\nــ\nالفصل الثاني\n٤٧٩٥ - [١٣] (كعب) قوله: (عن كعب بن مالك) أحد شعراء المسلمين، وكان شعراؤهم: حسان بن ثابت، وعبد اللَّه بن رواحة، وكعب بن مالك، وقيل: كان كعب يخوفهم بالحرب، وحسان بن ثابت يقبل على الأنساب، وعبد اللَّه بن رواحة يعيرهم على الكفر، وقيل: إن دوسًا إنما آمنت ورقّت من قول كعب حيث قال:\nقضينا من تهامة كل وتر ... وخيبر ثم أغمدنا السيوفا\nنخيّرها ولو نطقت لقالت ... قواطعهنّ دوسًا أو ثقيفًا\nفقالت دوس: انطلقوا وخذوا لأنفسكم لا ينزل بكم ما نزل بثقيف، كذا في (أسد الغابة) (١).\nوروي أنه -ﷺ- قال لحسان بن ثابت: (تقبل على أنسابهم وتهجوهم بها ولي فيهم نسب، فاحذر أن تقع في نسبي)، قال: أخرجك يا رسول اللَّه منهم كما يخرج الشعر من الخمير، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: (شاور في ذلك أبا بكر)، وكان -﵁- أعلمهم بالأنساب وأيام العرب.\nوقوله: (إن اللَّه قد أنزل في الشعر ما أنزل) يعني قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]، فأجاب -ﷺ- بأنه ليس على إطلاقه، بل للهائمين في أودية\n_________\n(١) \"أسد الغابة\" (٢/ ٤٣٩).","vol":"8","page":126},{"text":"فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَاهِدُ بِسَيْفِهِ وَلِسَانِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَكَأَنَّمَا تَرْمُونَهُمْ بِهِ نَضْحَ النَّبْلِ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٣٤٠٩].\nوَفِي \"الِاسْتِيعَابِ\" لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَاذَا تَرَى فِي الشِّعْرِ؟ فَقَالَ: \"إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُجَاهد بِسَيْفِهِ وَلِسَانِهِ\".\n٤٧٩٦ - [١٤] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ شُعْبَتَانِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَالْبَذَاءُ وَالْبَيَانُ شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ\". . . . .\nــ\nالضلال، والذين يقولون ما لا يفعلون، وقد استثنى سبحانه المؤمنين بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الآية [الشعراء: ٢٢٧].\nوقوله: (لكأنما ترمونهم به) أي: بالشعر الذي تهجونهم به، و(النضح) بمعنى الرمي، يقال: نضح فلانًا بالنبل، أي: رماهم.\nفقوله: (نضح النبل) مفعول مطلق أو مفعول به، أي: ترمونهم به النبل المنضوحة، والمراد أن هجاءكم إياهم يؤثر فيهم كتأثير النبل، وفي هذا إثبات كونه جهادًا باللسان.\n٤٧٩٦ - [١٤] (أبو أمامة) قوله: (الحياء والعي شعبتان من الإيمان) أما كون الحياء شعبة من الإيمان فقد سبق تحقيقه في (كتاب الإيمان)، وأما العي بكسر العين وإدغام الياء فهو العجز والحصر في الكلام، ضد البيان، عَيِي في منطقه عِيًّا كرضي رضا: حَصِر، وَعييٌّ على وزن (فعيل)، وعيٌّ أيضًا على (فَعْل) صفة منه، والجمع أعياء وأعيياء، والعِيُّ أيضًا: عدم الاهتداء بالأمر، عَيِي كرضي وعيَّ، والإدغام أكثر، وتعايا واستعيا: لم يهتد لوجه مراده، أو عجز عنه، ولم يطق إحكامه، والظاهر أن المراد هنا المعنى الأول بقرينة قوله: (والبذاء والبيان شعبتان من النفاق) والبذاء:","vol":"8","page":127},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠٢٧].\nــ\nالفحش في الكلام، وقال في (القاموس) (١): البذاء: الكلام القبيح، والبذي كرضي: الرجل الفاحش، وفي (الصراح) (٢): البذاء: بيهوده كَفتن، وأصله بذاءة فحذفت الهاء، مثل كرامة وصلابة، والبيان عرف معناه، وإنما كان العي شعبة من الإيمان، والبذاء والبيان شعبة من النفاق؛ لأن المؤمن لحيائه وانكساره ومسكنته وشغله بالعبادات وإصلاح الباطن وهمّ الآخرة وعدم تشدقه باللسان لا يقدر على التقرير والبيان، ويعجز عن ذلك، بخلاف المنافق؛ فإنه بذيء فاحش جريء على البيان والتشدق، ويؤول معنى هذا الحديث إلى معنى قوله -ﷺ-: (المؤمن غر كريم، والمنافق خب لئيم)، ويمكن حمل العي على المعنى الثاني، وهو عدم الاهتداء في الأمور والعجز عن أحكامها، فيكون أقرب معنى إلى هذا الحديث.\nوقال الطيبي (٣): إن الإيمان يكون باعثًا على الحياء والتحفظ في الكلام والاحتياط فيه، وهو علامة الإيمان، وما يخالفها من النفاق، وعلى هذا يكون المراد بالعي ما يكون بسبب التأمل في المقال والتحرز عن الوبال، لا لخلل في اللسان، وبالبيان ما يكون سببه الاجتراء وعدم المبالاة بالطغيان وعدم التحرز عن الزور والبهتان، ولعله إنما قوبل العي في الكلام مطلقًا بالبيان الذي هو التعمق في المنطق وإظهار التقدم على الناس مبالغة في ذم البيان، وإن هذه النقيصة ليست بمضرة للإيمان مضرة ذلك البيان، فتدبر.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٦١).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٥٤٤).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٩٠).","vol":"8","page":128},{"text":"٤٧٩٧ - [١٥] وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَسَاوِئُكُمْ أَخْلَاقًا، الثَّرْثَارُوْنَ الْمُتَشَدِّقُونَ المُتَفَيْهِقُونَ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٤٦١٦].\n٤٧٩٨ - [١٦] وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ عَنْ جَابِرٍ، وَفِي رِوَايَتِهِ قَالُوا: يَا رَسُول اللَّه! قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُوْنَ. . . . .\nــ\n٤٧٩٧ - [١٥] (أبو ثعلبة الخشني) قوله: (إن أبغضكم إلي) الظاهر أن الخطاب للمؤمنين، ولا شك أن فيهم محبوبين ومبغوضين من جهات مختلفة، وإن كانوا جميعًا محبوبين، ثم هم يتفاوتون في مراتب المحبة والبغض، فبعضهم أحب وبعضهم أبغض، فلا إشكال في هذه العبارة، ولا حاجة إلى التمحلات والتكلفات التي ذكروها كما يظهر بالنظر في كلام الطيبي (١)، فتأمل.\nوقوله: (مساوئكم) الظاهر أنه جمع سوء، كمحاسن جمع حسن بالضم على غير قياس، كما في (القاموس) (٢) وغيره، فهو مصدر وصف به ثم جمع، وفي رواية: (أساوئكم) جمع أسوأ، كأحاسن جمع أحسن، وهذه الرواية أظهر وإن كانت الأولى أقوى.\n٤٧٩٨ - [١٦] (جابر) قوله: (الثرثارون) في (الصراح) (٣): ثرثرة الكلام: كثرته\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٩/ ٩٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٤).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ١٦٥).","vol":"8","page":129},{"text":"وَالْمُتَشَدِّقُونَ فَمَا المُتَفَيْهِقُونَ؟ قَالَ: \"الْمُتَكَبِّرُوْنَ\". [ت: ٢٠١٨].\n٤٧٩٩ - [١٧] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ قَوْمٌ يَأْكُلُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ. . . . .\nــ\nوترديده، يقال: ثرثر فهو ثرثار، أي: مكثار مهذار، وفي (القاموس) (١): الثرثرة: كثرة الكلام وترديده، والإكثار من الأكل وتخليطه.\nوقوله: (المتشدقون) في (القاموس) (٢): الشدق بالكسر ويفتح، والدال مهملة: طِفْطَفَةُ الفم من باطن الخدين، والجمع الأشداق، والشَّدق محركة: سعة الشدق، وخطيب أشدق: بليغ، وامرأة شدقاء، وتشدق: لوى شدقَه للتفصح.\nوقوله: (المتفيهقون) في (القاموس) (٣): فهق الإناء كفرح فهقًا ويحرك: امتلأ، والفهيق: الواسع من كل شيء، وبئر مفهاق: كثيرة الماء، وأفهقه: ملأه، وتفيهق في كلامه: تنطع وتوسع كأنه ملأ به فمه، وفي (الصراح) (٤): فلان يتفيهق في كلامه، أي: يتوسع فيه ويتنطع، وأصله فهق، وهو الامتلاء، كأنه ملأ فمه، ولا يخفى أن هذا من التكبر والرعونة، ولهذا فسره في الحديث بالمتكبرين.\n٤٧٩٩ - [١٧] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (يأكلون بألسنتهم) أي: يجعلون ألسنتهم وسائل أكلهم، فيمدحون الناس ويذمونهم بالباطل، ويكذبون ويتشدقون، ويلقون الكلام بألسنتهم في ذلك حتى يحصل لهم شيء من الدنيا وشهوات نفوسهم\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٣٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٢٦).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٤٨).\n(٤) \"الصراح\" (ص: ٣٨٩).","vol":"8","page":130},{"text":"كَمَا تَأْكُلُ الْبَقَرَةُ بأَلْسِنَتِهَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ١٨٤].\n٤٨٠٠ - [١٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْبَلِيغَ مِنَ الرِّجَالِ الَّذِي يَتَخَلَّلُ بِلِسَانِهِ كَمَا تَتَخَلَّلُ الْبَاقِرَةُ بِلِسَانِهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٨٥٣].\nــ\n(كما تأكل البقرة) الحشيش (بألسنتها) وتلف، فلا تميز بين الرطب واليابس، والجيد والرديء، ولهذا سميت بقرة، لأن البقر هو الشق والتوسع، ومنه سمي الإمام محمد ابن علي بالباقر، لتبقره في العلم وتبحره فيه، بخلاف سائر الحيوانات التي تأكل بأسنانها، فهؤلاء أيضًا لا يميزون بين ما ينبغي من القول وما لا ينبغي، ولا بين ما يحصل بسببه من الحلال والحرام.\n٤٨٠٠ - [١٨] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (يتخلل بلسانه) أي: من يتشدق في الكلام ويفخم به لسانه ويلفه كما تلف البقرة الكلأ بلسانها لفًّا، هكذا فسروه، وأصل التخلل الدخول في خلال الشيء، يقال: تخلله: ثقبه ونفذه، ومنه الخلال يتخلل بين الأسنان، شبه إدارة لسانه في الفم حال التكلم تفاصحًا بما تفعل البقرة بلسانها، وأما من يخطب ويفصح من غير تكلف فلا يدخل فيه، فلا يكره.\nو(الباقرة) جمع بقر، وأكثر استعماله بدون التاء، قال في (القاموس) (١): وأما باقر والبقير والبيقور والباقور وباقروة فأسماء للجمع، هذا وأما البقرة فالظاهر أن التاء للوحدة كما في تمرة، ومع ذلك جمع اللسان في قوله: (كما تأكل البقرة بألسنتها)، وقال: (الباقرة بلسانها)، وأما الثاني فيظهر وجهه بإرادة الجنس، وأما الأول فلا يظهر له وجه إلا أن يقال: إن التاء للنقل دون الوحدة، فتدبر.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٣١).","vol":"8","page":131},{"text":"٤٨٠١ - [١٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِقَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنَ النَّارِ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١) وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.\n٤٨٠٢ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ تَعَلَّمَ صَرْفَ الْكَلَامِ لِيَسْبِيَ بِهِ قُلُوبَ الرِّجَالِ أَوِ النَّاسِ. . . . . .\nــ\n٤٨٠١ - [١٩] (أنس) قوله: (هؤلاء خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون) ومن هذا الوجه ورد: (إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنّة من فقهه) (٢).\n٤٨٠٢ - [٢٠] (أبو هريرة) قوله: (من تعلم صرف الكلام) صرف الحديث: أن يزاد فيه ويحسن، من الصرف في الدراهم، وهو فضل بعضه على بعض في القيمة، وكذلك صرف الكلام، وله عليه صرف، أي: شرف وفضل، وهو من صرفه يصرفه؛ لأنه إذا فضل صرف عن إشكاله، وقال الطيبي (٣): صرف الكلام: فضله، وما يتكلف الإنسان من الزيادة فيه وراء الحاجة، يدخله الرياء ومخالطة الكذب ويحوله عن موضعه بلسان إرادة التلبيس والتخليط، وبهذا الوجه شبه بالسحر الذي أصله الصرف، وقيل: صرف الكلام: إيراده على وجوه مختلفة.\nوقوله: (ليسبي به قلوب الرجال أو الناس) شك من الراوي، والسبي: الأسر،\n_________\n(١) الحديث غير موجود في \"الترمذي\" ولا في \"الشمائل\"، نعم أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١٢٢١١)، وأبو يعلى في \"مسنده\" (٣٩٩٢)، وأبو داود الطيالسي في \"مسنده\" (٢١٢٧).\n(٢) أخرجه مسلم (٨٦٩).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٨١).","vol":"8","page":132},{"text":"لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٠٦].\n٤٨٠٣ - [٢١] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا، وَقَامَ رَجُلٌ فَأَكْثَرَ الْقَوْلَ. فَقَالَ عَمْرٌو: لَوْ قَصَدَ فِي قَوْلِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَقَدْ رَأَيْتُ -أَوْ أُمِرْتُ- أَنْ أَتَجَوَّزَ فِي الْقَوْلِ، فَإِنَّ الْجَوَازَ هُوَ خَيْرٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٠٨].\nــ\nسبى العدو سبيًا وسباء: أسره كاستباه، فهو سبي وهي سبي أيضًا، والجمع سبايا، والمراد هنا الإمالة والصرف، والمراد التعلم بتحصيل الجاه، فإن الجاه تملك القلوب.\nوقوله: (صرفًا ولا عدلًا) الصرف: التوبة، والعدل: الفدية، أو الصرف النافلة، والعدل الفريضة، أو بالعكس، أو الصرف الوزن، والعدل الكيل، أو الصرف الاكتساب، والعدل الفدية أو الحيلة، ومنه ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ [الفرقان: ١٩] معناه ما يستطيعون أن يصرفوا عن أنفسهم العذاب، ذكر ذلك كله في (القاموس) (١).\n٤٨٠٣ - [٢١] (عمرو بن العاص) قوله: (لو قصد في قوله لكان خيرًا) في (القاموس) (٢): القصد: استقامة الطريق وضد الإفراط، كالاقتصاد (لقد رأيت) أي: علمت (أو أمرت) بلفظ المجهول، شك من الراوي.\nوقوله: (أن أتجوز في القول) تجوز في الصلاة: خفف، وفي الكلام: تكلم بالمجاز، والمراد هنا الإسراع والتخفيف، وفي (الصراح) (٣): الجواز رواني وروان شدن، وكَذشتن از جائ وراهي، وسبك كَزاردن نماز، وسخن بمجاز كَفتن.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٦٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٩٤).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٢٢٣).","vol":"8","page":133},{"text":"٤٨٠٤ - [٢٢] وَعَنْ صَخْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَن أَبِيهِ عَن جَدِّه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا، وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا، وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حُكْمًا،\nــ\n٤٨٠٤ - [٢٢] (صخر بن عبد اللَّه) قوله: (وإن من العلم جهلًا) قال الطيبي نقلًا عن (النهاية) (١): هو أن يتعلم من العلوم ما لا يحتاج إليه، كالنجوم وعلم الأوائل، ويدع ما يحتاج إليه من القرآن والسنة فيجهله، وقيل: هو أن لا يعمل بعلمه فكأنه جاهل، انتهى. ويمكن أن يقال: إن من يدعي لنفسه بزعمه علمًا وليس كذلك في نفس الأمر لبطلان زعمه فهو جهل، أو المراد من يتوغل في ذات اللَّه وصفاته بالكنه ويريد أن يعلمه بالكنه، وذلك العلم جهل في الحقيقة، إذ لا سبيل إلى العلم بالكنه، أو المراد أن الاعتراف بالجهل في بعض المواضع علم؛ لكونه مما لا يعلم، فيكون هذا فرد العلم، وهو جهل، فيكون بعض العلم جهلًا، فافهم.\nوقوله: (وإن من الشعر حكمًا) وفي رواية: (لحكمًا)، أي: كلامًا نافعًا يمنع من الجهل والسفه، قيل: أراد بها المواعظ والأمثال التي ينتفع بها الناس، والحكم: العلم، والفقه، والقضاء بالعدل، وهو مصدر حكم، ويروى (لحكمة)، وهو بمعنى الحكم، كذا ذكر في (مجمع البحار) (٢) نقلًا عن (النهاية).\nوالحاصل أن الحكم والحكمة يجيء بمعنى واحد، ففي رواية وقع فيها الحكمة يجوز أن تحمل على معنى الحكم، وفي رواية جاء فيها الحكم يحمل على معنى الحكمة.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٩٣).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٥٣٤).","vol":"8","page":134},{"text":"وَإِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عِيَالًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠١٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1100> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٨٠٥ - [٢٣] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَضَعُ لِحَسَّانَ مِنْبَرًا فِي الْمَسْجِدِ يَقُومُ عَلَيْهِ قَائِمًا، يُفَاخِرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَوْ يُنَافِحُ. وَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ يُؤَيِّدُ حَسَّانَ بِرُوحِ الْقُدُسِ مَا نَافَحَ أَوْ فَاخَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n٤٨٠٦ - [٢٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- حَادٍ يُقَالُ لَهُ: أَنْجَشَةُ،\nــ\nوقوله: (وإن من القول عيالًا) أي: وبالًا على القائل، أو على السامع الجاهل الذي لا يفهمه، أو العالم الذي يعلمه، أو ثقلًا على من لا يريد أن يسمعه، كذا فسروه.\nالفصل الثالث\n٤٨٠٥ - [٢٣] (عائشة) قوله: (يفاخر) في (القاموس) (١): الفخر: التمدح بالخصال كالافتخار، وفاخره مفاخرة وفخارًا: عارضه بالفخر.\n٤٨٠٦ - [٢٤] (أنس) قوله: (حاد) اسم فاعل من الحداء، قال في (القاموس) (٢): حَدَا الإبلَ حدوًا وحُداء وحِداء: زجرها وساقها، وفي (الصراح) (٣): حدا: راندن شتر بسرود وآواز، والحداء من الغناء مباح لا خلاف فيه لأحد، و(أنجشة) بفتح الهمزة\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٤٢٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٧١).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٥٥١).","vol":"8","page":135},{"text":"وَكَانَ حَسَنَ الصَّوْتِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"رُوَيْدَكَ يَا أَنْجَشَةُ! لَا تَكْسِرِ الْقَوَارِيرَ\"، قَالَ قَتَادَةُ: يَعْنِي ضَعْفَةَ النِّسَاءِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢١١، م: ٢٣٢٣].\nــ\nوسكون النون وفتح الجيم والشين المعجمة آخره تاء، وكان أنجشة يحدو بالنساء، والبراء بن عازب يحدو بالرجال.\nوقوله: (رويدك): (رويد) تصغير رود بالضم، يقال: امش على رود، أي: مهل، أرواد ومرود نرم رفتن وراندن، ويقال: أرود في السير والسفر، ويقال: رويدك عمرًا، فالكاف للخطاب لا موضع لها من الإعراب، و(رويد) غير مضاف إليها، وهو متعد إلى عمرو؛ لأنه اسم سمي به الفعل، ويعمل عمل الفعل؛ لأن الكاف إنما تدخله إذا كان بمعنى أفعل، ويقال: رويدكني، رويدكماني، رويدكموني، رُوَيدَكُنَّنِي، وحركة الدال لالتقاء الساكنين، ويستعمل على وجوه أربعة: اسم فعل كقولك: رويد زيدًا: أمهله، وصفة نحو سار سيرًا رويدًا، وحالًا مثل سار القوم رويدًا، ومصدر نحو قولك: رويد عمرو بالإضافة، ومنصوب بفعله المقدر، كقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (لا تكسر القوارير، قال قتادة: يعني ضعفة النساء) فسر قتادة القوارير بالنساء، يعني شبه النساء بالقوارير في الرقة والضعف وسرعة الانكسار، فذكر اسم المشبه به وأراد المشبهة استعارة، أمر -ﷺ- أنجشة أن يغض من صوته الحسن، وخاف الفتنة عليهن من حداه بأن يقع من قلوبهن موقعًا؛ لضعف عزائمهن وسرعة تأثرهن، وقيل: خاف ضعفهن وتعبهن من سرعة مشي الإبل بحداه، والأول أصح وأشهر،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٧١).","vol":"8","page":136},{"text":"٤٨٠٧ - [٢٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ذُكِرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الشِّعْرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هُوَ كَلَامٌ فَحَسَنُهُ حَسَنٌ وَقَبِيحُهُ قَبِيحٌ\". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ٤/ ١٥٥].\n٤٨٠٨ - [٢٦] وروى الشَّافِعِيُّ عَنْ عُرْوَةَ مُرْسلًا. [مسند الشافعي: ٩٢١].\n٤٨٠٩ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالْعَرْجِ إِذْ عَرَضَ شَاعِرٌ يُنْشِدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خُذُوا الشَّيْطَانَ، أَوْ أَمْسِكُوا الشَّيْطَانَ، لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٥٩].\nــ\nكذا في (مجمع البحار) (١).\n٤٨٠٧، ٤٨٠٨ - [٢٥، ٢٦] (عائشة) قوله: (هو كلام. . . إلخ)، يعني أن الشعر كلام لا يزيد إلا بوزن وقافية وما فيهما من شيء، والكلام ينقسم إلى حسن وقبيح باعتبار حسن مضمونه وقبحه، فكذلك الشعر.\n٤٨٠٩ - [٢٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (بالعرج) بفتح العين وسكون الراء المهملتين وبالجيم: اسم موضع.\nوقوله: (أو أمسكوا الشيطان) شك من الراوي، لعله كان ينشد من أشعار الجاهلية ما فيه فحش أو هجو أو شرك أو نحو ذلك مما اشتملت عليه أشعار أهل الجاهلية من الغاوين.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٣٩٦).","vol":"8","page":137},{"text":"٤٨١٠ - [٢٨] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِي الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الزَّرْعَ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٤/ ٢٧٩].\n٤٨١١ - [٢٩] وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ فِي طَرِيقٍ، فَسَمِعَ مِزْمَارًا، فَوَضَعَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، وَنَاءَ عَنِ الطَّرِيقِ إِلَى الْجَانِبِ الآخَرِ، ثُمَّ قَالَ لِي بَعْدَ أَنْ بَعُدَ: يَا نَافِعُ هَلْ تَسْمَعُ شَيْئًا؟ قُلْتُ: لَا، فَرَفَعَ أُصْبُعَيْهِ مِنْ أُذُنَيْهِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَسَمِعَ صَوْتَ يَرَاعٍ، فَصَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُ، قَالَ نَافِعٌ: فَكُنْتُ إِذْ ذَاكَ صَغِيرًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٣٨، د: ٤٩٢٤].\n* * *\nــ\n٤٨١٠ - [٢٨] (جابر) قوله: (الغناء ينبت النفاق) الكلام في حرمة الغناء والمزامير طويل، وبعض المحدثين على أنه لم يصح حديث فيها، وقد تكلمنا فيه في (شرح سفر السعادة) وغيره من المواضع، وقد اكتفينا به، فإن المسألة مشهورة.\n٤٨١١ - [٢٩] (نافع) قوله: (فسمع صوت يراع) في (القاموس) (١): اليراع: القصب، قال النووي: في اليراع وجهان، صحح البغوي الحرمة، والغزالي الجواز، وليس المراد من اليراع كل قصب بل المزمار العراقي، ثم قال: والأصح حرمة اليراع، وهو هذه الزمارة التي تسمى الشبابة.\nوقوله: (فكنت إذ ذاك صغيرًا) جواب عما يقال لم يمنع ابن عمر نافعًا من سماعه،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧١٧).","vol":"8","page":138},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1101>١٠ - باب حفظ اللسان والغيبة والشتم</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1102> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٨١٢ - [١] عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الْجَنَّةَ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٤٧٤].\nــ\nفعلم أن سماعه مباح، والنهي للتنزيه، وكان اجتناب ابن عمر للورع.\n١٠ - باب حفظ اللسان والغيبة والشتم\nذكر الغيبة والشتم بعد حفظ اللسان من ذكر الخاص بعد العام، تقدير الكلام: حفظ اللسان عن السوء وعن الغيبة والشتم، خصهما بالذكر لكثرة وقوعهما وورود الأحاديث فيهما، والغيبة بكسر الغين المعجمة اسم من الاغتياب، ويعرف معناه وأحكامه من الأحاديث وشرحها.\nالفصل الأول\n٤٨١٢ - [١] (سهل بن سعد) قوله: (من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة) اللحيان بفتح اللام وسكون الحاء: عظمان ينبت عليهما الأسنان علوًا وسفلًا، واحده لحي، ومنه اللحية، وهو اسم لما نبت من الشعر على الخدين والذقن.\nوالمراد بما بين لحييه اللسان ونطقه بما لا يعنيه وما يوجب المعصية، وقيل: أراد الفم؛ ليتناول الأكل والشرب والكلام، قالوا: والأول أصوب؛ لأن المقصود التنبيه على معظم ما يأتي منه المعصية، وهو اللسان والفرج، ولذا جعل المؤلف عنوان الباب: (حفظ اللسان والغيبة والشتم).\nوالمراد بما بين رجليه الفرج وخطيئاته، والمراد بضمانهما حفظهما عما لا ينبغي","vol":"8","page":139},{"text":"٤٨١٣ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ. . . . .\nــ\nمؤكدًا كالذي يضمنه بحق واجب الأداء، وكذا المراد بضمان الرسول الجنة التي تترتب عليه، وهو في الحقيقة من اللَّه وبحكمه وأمره.\nوقد وقع مثل هذا الضمان في مواضع متعددة منه -ﷺ-، ويجوز للأنبياء مثل ذلك نيابة عن اللَّه وإخبارًا من جهته تعالى، وتسمية بعض الأنبياء بذي الكفل بهذا المعنى؛ فإنه تكفل لأمته بالجنة من اتبعه، وهذا في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١]، وحمله الطيبي (١) على التمثيل، نحو: أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى، فافهم.\n٤٨١٣ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (بالكلمة من رضوان اللَّه) رضي عنه وعليه يرضى رضًا ورضوانًا -ويُضَمَّانِ- ومرضاة: ضدُّ سخط، كذا في (القاموس) (٢)، وفي (الصراح) (٣): رضوان: خوشنودي، مرضاة كذلك، وبسنديدن، والظاهر أن (من) ابتدائية، أي: الكلمة الصادرة أو صادرة من مقام ﵁، ويحتمل أن يكون تعليلية متعلقة بقوله: (ليتكلم)، أي: يتكلم لأجل رضا اللَّه ومن جهته.\nوقال الطيبي (٤): بيانية حال من الكلمة، وهو صحيح إن جعل المصدر بمعنى المفعول، أو يقدر: من كلمة فيه رضوان اللَّه، كما في بعض الشروح، وقد أشرنا إلى ذلك، وأيضًا لا يتعين كونه حالًا، ويجوز كونه صفة، بل قد يرجح كونه صفة على\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٩٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨٤).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٥٦١).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٩٨).","vol":"8","page":140},{"text":"لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٤٧٨].\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: \"يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ\". [خ: ٦٤٧٧، م: ٢٩٨٨].\n٤٨١٤ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"سِبَابُ الْمُسْلِم فُسُوقٌ،\nــ\nكونه حالًا في مثل هذا التركيب، فتدبر.\nوقوله: (لا يلقي لها بالًا) هذا أيضًا صفة أو حال من ضمير (يتكلم)، والضمير في (لها) للكلمة، و(البال) يجيء بمعنى القلب والحال والخاطر، أي: لا يلقي العبد لتلك الكلمة ولا يحضر لها قلبه ولا يلتفت إلى عاقبتها، أو لا يلقي لها الحال والخاطر، ولا يتأمل فيها وفي عاقبتها، ولا يرى فيها بأسًا.\nوقوله: (يرفع اللَّه) جملة مستأنفة جواب عن سؤال: ما ثمرتها ونتيجتها؟ والتنوين في (درجات) للتكثير والتعظيم، أي: درجات كثيرة عظيمة.\nوقوله: (يهوي) أي: يسقط العبد بسبب تلك الكلمة، وهوى يهوي من ضرب يضرب بمعنى السقوط، ومن سمع يسمع بمعنى المحبة.\nوقوله: (أبعد ما بين المشرق والمغرب) صفة مصدر محذوف أي: هويًا بليغًا بعيد المبدأ والمنتهى، كذا قال الطيبي (١).\n٤٨١٤ - [٣] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (سباب المسلم) بالكسر، في\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٩٨).","vol":"8","page":141},{"text":"وَقِتَالُهُ كُفْرٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨، م: ٦٤].\n٤٨١٥ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لِأَخِيهِ: كَافِرٌ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٠٤، م: ٦٠].\nــ\n(النهاية) (١): السب والسباب: الشتم، والإضافة إما إلى الفاعل أو إلى المفعول، وفي بعض الحواشي: أنها إلى الفاعل؛ لأنه جاء في رواية الترمذي: (سباب المسلم أخاه فسق، وقتاله إياه كفر)، وأما قوله: (وقتاله كفر) تغليظ، أو المراد استباحته أو لكونه مسلمًا كما هو المشهور.\n٤٨١٥ - [٤] (ابن عمر) قوله: (أيما رجل قال لأخيه: كافر. . . إلخ)، اعلم أن هذا الحديث والحديثين بعده تدل بظاهره على أن من قال لأحد: هو كافر، وقال: يا كافر، وهو ليس بكافر فقد كفر، واستشكل بأن غاية ما فيه أنه كذب ومعصية، والكذب ليس بكفر، والمؤمن لا يكفر بالمعاصي.\nوتوجيهه أنه لما قال للمسلم: كافر فقد جعل الإسلام كفرًا، واعتقد بطلان دين الإسلام، فافهم، وأما إذا قال بقصد الكذب والسب من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام، فقد يوجه بأنه محمول على المستحل لذلك، واستحلال المعصية كفر، والضمير في (بها) لهذه الكلمة، أي: بما يلزمها من المعصية؛ فإن صدق رجع بها أخوه بما فيه من الكفر، وإن كذب رجع بها القائل بما يلزمه من معصية الكذب وتكفير من ليس بكافر، وبأن المراد أنه يوؤل ويفضي به إلى الكفر؛ لأن المعصية قد تجرّ إلى الكفر، وبأن الراجع إلى القائل ليس هو الكفر حقيقة، بل المراد أنه لما كفر أخاه فكأنه كفر نفسه، لكونه كفر من هو مثله، أو لأنه فعل مثل فعل الكافر؛ لأنه لا يكفر المسلم\n_________\n(١) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (٢/ ٣٣٠).","vol":"8","page":142},{"text":"٤٨١٦ - [٥] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالْفُسُوقِ، وَلَا يَرْمِيهِ بِالْكُفْرِ إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٠٤٥].\n٤٨١٧ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ دَعَا رَجُلًا بِالْكُفْرِ أَوْ قَالَ: عَدُوَّ اللَّهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، إِلَّا حارَ عَلَيْهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [م: ٦١].\nــ\nإلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام.\nوقيل: إنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين، وهذا مبني على قول من يكفر أهل القبلة، والجمهور على خلافه، نقل هذه التوجيهات الطيبي (٢) عن محيي السنة، وهي إنما يحتاج إليها إذا لم يكن حكم تكفير المسلم من غير تأويل، وهو المراد هنا الكفر، وهو محل نظر، وليس بمستبعد، فقد يكون بعض الكذبات كفرًا كما ذهب إليه الجويني والد إمام الحرمين، أحيث ذهب، إلى تكفير من تعمد الكذب على النبي -ﷺ- وخلوده في النار استدلالًا بظاهر حديث: (من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)، فهذه الأحاديث أيضًا دالة على تكفير المكفر، وتوجيهه ما ذكرنا، واللَّه أعلم.\n٤٨١٦ - [٥] (أبو ذر) قوله: (إلا ارتدت) أي: الكلمة عليه، أما الفسق فظاهر، وأما الكفر فحاله ما ذكرنا.\n٤٨١٧ - [٦] (عنه) قوله: (من دعا رجلًا بالكفر) أي: قال له: يا كافر.\nوقوله: (إلا حار) أي: رجع عليه، قيل: (من) استفهامية، أي: لم يدع إلا رجع عليه، وقيل: شرطية وجواب الشرط محذوف، وهو المستثنى منه.\n_________\n(١) لعل المراد بالمتفق عليه التخريج بالمعنى، أما هذه الرواية فقد تفرد بها مسلم.\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٩٩).","vol":"8","page":143},{"text":"٤٨١٨ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالَا، فَعَلَى الْبَادِئِ مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٨٧].\n٤٨١٩ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ أنْ يَكُونَ لعَّانًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٩٧].\n٤٨٢٠ - [٩] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّعَّانِينَ. . . . .\nــ\n٤٨١٨ - [٧] (أنس وأبو هريرة) قوله: (المستبان ما قالا، فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم): (المستبان) مبتدأ، و(ما قالا) مبتدأ ثان متضمن لمعنى الشرط.\nوقوله: (فعلى البادئ) خبر المبتدأ الثاني، (ما لم يعتد) قيد للنسبة في الظرف، أي: إذا سب كل واحد الآخر فإثم ما قالا على الذي بدأ في السب، أما إثم ما قاله فظاهر، وأما إثم الآخر فلكونه الذي حمله على السب وظلمه، وهذا إذا لم يعتد ويتجاوز المظلوم الحد، بأن سبه أكثر وأفحش منه، وأما إذا اعتدى كان إثم ما اعتدى عليه والباقي على البادئ.\n٤٨١٩ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (لا ينبغي لصديق) في (القاموس) (١): الصديق هو بمعنى كثير الصدق، و(اللعن) الطرد والبعد، وهو لعين وملعون، واللُّعْنة بالضم: من يلعنه الناس، وكهُمَزة: كثير اللعن لهم، وامرأة لعين، فإذا لم يذكر الموصوف فبالهاء، انتهى.\n٤٨٢٠ - [٩] (أبو الدرداء) قوله: (إن اللعانين) أي: الذين يكون ديدنهم اللعنة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٢٩).","vol":"8","page":144},{"text":"لَا يَكُونُونَ شُهَدَاءَ وَلَا شُفَعَاء يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٩٩].\n٤٨٢١ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٢٣].\n٤٨٢٢ - [١١] وَعَنْهُ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذَا الْوَجْهَيْنِ، الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٥٨، م: ٢٥٢٦].\n٤٨٢٣ - [١٢] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. . . . .\nــ\nعلى الخلق.\nوقوله: (لا يكونون شهداء) أي: للمطيعين.\nوقوله: (ولا شفعاء) أي: للعاصين.\n٤٨٢١ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (فهو أهلكهم) يروى بصيغة التفضيل من الهلاك، أي: أكثرهم هلاكًا؛ لأنه اشتغل بعيب الناس وأعجب بنفسه، وبصيغة الماضي من الإهلاك، أي: أوقعهم في الهلاك؛ لأن قوله لهم هذا يوجب نأيهم عن الطاعة، وانهماكهم في المعاصي، والظاهر هو الأول.\n٤٨٢٢ - [١١] (وعنه) قوله: (ذا الوجهين) إما أن يكون المراد المنافق، ويكون عذابه أشد، أو المراد من صفته هذه من المؤمنين، ويكون حاله شرًّا من سائر المؤمنين.\n٤٨٢٣ - [١٢] (حذيفة) قوله: (قتات) بالتشديد، قال الطيبي (١): القتات هو\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٠٢).","vol":"8","page":145},{"text":"وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمِ: \"نَمَّامٌ\". [خ: ٦٠٥٦، م: ١٠٥].\n٤٨٢٤ - [١٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا،\nــ\nالذي يتسَمَّعُ على القوم وهم لا يعلمون ثم ينم، وقال في (القاموس) (١): رجل قتات: نمام، أو يسَّمَّع أحاديث الناس من حيث لا يعلمون، سواء نمّها أو لم ينمّها.\nوقال السيوطي في (مختصر النهاية) (٢): القتات: النمام، وقيل: هو الذي يسمّع على القوم وهم لا يعلمون، والنمام: الذي يكون معهم.\nوأما ما قال الطيبي: قتَّ الحديث: إذا زوَّره، وهيأه، وسواه، فهو بمعنى الافتراء والبهتان، ولم يذكر في كتب اللغة للقتِّ هذا المعنى، نعم ذكر في (القاموس) من معاني النمِّ: تزيين الكلام بالكذب، ولما كان القتُّ بمعنى النمِّ كان ذلك معناه أيضًا، وهو نقله برمز (النهاية)، ولم يذكرها السيوطي في مختصرها، واللَّه أعلم.\n٤٨٢٤ - [١٣] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (فإن الصدق يهدي إلى البر) لعل الصدق بخاصيته يفضي إلى أعمال البر، أو المراد من البر هو الصدق نفسه، كما تدل عليه الرواية الأخرى لمسلم، وهدايته إليه بالمغايرة الاعتبارية في المفهوم والعنوان، كقولهم: صفة العلم لزيد توجب صفة كمال له.\nوقوله: (حتى يكتب عند اللَّه صديقًا) الظاهر أن المراد كتابته في ديوان الأعمال\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٥٨).\n(٢) \"الدر النثير\" (٢/ ٨١٧).","vol":"8","page":146},{"text":"وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: \"إِنَّ الصِّدْقَ بِرٌّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْكَذِبَ فُجُورٌ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ\". [خ: ٦٠٩٤، م: ٢٦٠٧].\n٤٨٢٥ - [١٤] وَعَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ وَيَقولُ خَيْرًا وَيَنْمِي. . . . . .\nــ\nفي الملأ الأعلى، ويحتمل أن يكون المراد الحكم بالصديقية وإثبات الصفة له، والمقصود إظهار ذلك في الناس وإعلامهم له بهذه الصفة وبهذا الاسم في قلوبهم وعلى لسانهم، على قياس قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦]، وعلى هذا القياس التقرير في الكذب.\n٤٨٢٥ - [١٤] (أم كلثوم) قوله: (ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيرًا وينمي خيرًا) حاصله أن الكذب ورفع الحديث لإصلاح ذات البين جائز، وليس هو من النميمة والكذب المذموم؛ فإن النميمة رفع الحديث إشاعة له وإفسادًا، ثم الظاهر من العبارة أن يكون (الكذاب) اسم (ليس) وخبره (الذي يصلح)، أي: ليس الكذب المذموم في الدين المصلح بل غيره، ويجوز أن يكون خبرًا مقدمًا على الاسم، ويؤيده ما جاء في بعض الروايات: ليس بالكذاب.\nوقوله: (ينمي) بفتح الياء وسكون النون مخففة الميم، وقال عياض في (المشارق) (١): قال أبو عبيد: نمى الحديث مخفف الميم، أي: أبلغه، ونميته إلى غيري\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٥).","vol":"8","page":147},{"text":"خَيْرًا\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٩٢، م: ٢٦٠٥].\n٤٨٢٦ - [١٥] وَعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ\". . . . .\nــ\nمثل أسندته، ونمَّيته بالتشديد: أبلغته على وجه النميمة، وقال ابن قتيبة وغيره: نمَّيته بالتثقيل: نقلته على جهة الإفساد، وقال في (القاموس) (١) أيضًا: نمى الحديث: ارتفع، ونميته ونمّيته: رفعته وعزوته، وأنماه: أذاعه على وجه النميمة، وفي (الصراح) (٢): نمو نما: كَواكيدن وبرداشتن حديث وخبر بكسي، يقال منه: نموت ونميت إليه الحديث، ونسبت كردن بكسي، انتمى كذلك، يقال: نما إليه، وينمي إليه، وسخن رسانيدن بوجه إصلاح ونيكوئي، وتنمية: سخن رسانيدن ببدي وسخن جيني كردن، وهيزم نهادن برآتش.\n٤٨٢٦ - [١٥] (المقداد بن الأسود) قوله: (المداحين) المراد بالمداح من اتخذ مدح الناس حرفة ليتأكل به، ولا يراعي الحق في ذلك، ولا يميز بين من يستحق ومن لا يستحق، وهو مذموم مكروه؛ لأنه يتضمن الكذب من المادح، ومداخلة العجب من الممدوح.\nوقوله: (فاحثوا في وجوههم التراب) أي: ارموه، في (القاموس) (٣): حثا التراب يحثوه ويحثيه حثوًا وحثيًا، والحثى كالثرى: التراب المحثو، والحثي كالرمي: ما رفعت به يدك، وأرض حثواء: كثيرة التراب، والمراد في الحديث لا تعطوه شيئًا\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٣٠).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٥٩٣).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٧٠).","vol":"8","page":148},{"text":"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٠٠٢].\n٤٨٢٧ - [١٦] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: أَثْنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: \"وَيْلَكَ قَطَعْتَ عُنُقَ أَخِيكَ\" ثَلَاثًا، \"مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَادِحًا لَا مَحَالَةَ فَلْيَقُلْ: أَحْسِبُ فُلَانًا وَاللَّهُ حَسِيْبُهُ، إِنْ كَانَ يَرَى أَنَّهُ كَذَلِكَ، وَلَا يُزكِّي على اللَّهِ أَحَدًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٦٢، م: ٣٠٠٠].\nــ\nواحرموه، وقيل: أراد الرضخ، وهو العطاء القليل المشبه لقلته وحقارته بالتراب، ومنهم من حمله على ظاهره، وقد يروى أن المقداد حثا في وجه المادح عند عثمان -﵄- التراب.\n٤٨٢٧ - [١٦] (أبو بكرة) قوله: (قطعت عنق أخيك) أي: أهلكته لوقوعه في العجب والكبر، و(ثلاثًا) متعلق بـ (قال).\nوقوله: (أحسب فلانًا واللَّه حسيبه) أي: أظن فلانًا كذا وكذا، أي: موصوفًا بالصفات الحميدة، واللَّه عليم بحقيقة حاله وسرّه، ومحاسبه ومجازيه على أعماله، وعلى هذا يكون قوله: (واللَّه حسيبه) من تتمة مقول (فليقل)، ويحتمل أن يكون معترضًا من قول النبي -ﷺ- بين قوله: (فليقل: أحسب فلانًا) وبين ما يتعلق به من الشرط وهو قوله: (إن كان يرى أنه كذلك) أي: إنما يقول: أحسب فلانًا كذا وكذا إن كان المادح يظن أن الممدوح كذلك، أي: كما مدحه، ولا يقول ذلك أيضًا كاذبًا من غير ظن وحسبان.\nوقوله: (ولا يزكي على اللَّه أحدًا) نفي في معنى النهي عطف على قوله: (فليقل)، وهو نهي عن الجزم بكونه كما مدحه، أي لا يثني [على] أحد ولا يظهره حاكمًا على اللَّه وموجبًا عليه، كأنه لما جزم بمدحه حكم على اللَّه وأوجب عليه أن يكون ما علمه كما مدحه، ولعله لا يكون كذلك.","vol":"8","page":149},{"text":"٤٨٢٨ - [١٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ \" قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: \"ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ\"، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: \"إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ: \"إِذَا قُلْتَ لِأَخِيكَ مَا فِيهِ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِذَا قُلْتَ مَا لَيْسَ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ\". [م: ٢٥٨٩].\n٤٨٢٩ - [١٨] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: \"ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ\"، فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا، ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\n٤٨٢٨ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (ذكرك أخاك بما يكره) سواء في دينه أو دنياه، في نفسه أو فيما يتعلق به، والمراد ما يفهم به معنى سواء كان باللفظ أو بالكتابة أو بالإشارة، وتفصيله في كتاب (الإحياء) وأمثاله.\n٤٨٢٩ - [١٨] (عائشة) قوله: (أن رجلًا استأذن) هو عيينة بن حصن ولم يحسن إسلامه حينئذ وإن كان قد أظهر الإسلام، قالوا: ضعيف الإسلام، وكان يظهر منه مدة حياته ما يدل على ضعف إيمانه، وقد ارتد بعده -ﷺ- وجيء به أسيرًا إلى الصديق -﵁-، وقد عدّ قوله -ﷺ- فيه: (بئس أخو العشيرة) من علامات النبوة؛ لأنه ظهر كما أخبر، والعشيرة: القبيلة، وقد روي: ابن العشيرة وفتى العشيرة، وفي الحديث دليل على مداراة من يخاف شره، والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة تكون لاتقاء الشر وحفظ الوقت عن التفرقة والتضيع وللمصلحة الدينية، والمداهنة لأجل النفس وتحصيل شهواتها وللغرض الدنياوي، وأيضًا فيه دليل على جواز الغيبة للفاسق المجاهر ليتقي","vol":"8","page":150},{"text":"\"مَتَى عَاهَدْتِنِي فَحَّاشًا؟ إِنَّ شَرَّ النَّاس مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ\" وَفِي رِوَايَةٍ: \"اتِّقَاءَ فُحْشِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٣٢، م: ٢٥٩١].\n٤٨٣٠ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرُونَ،\nــ\nالناس من شره.\nوقوله: (متى عاهدتني) أي: وجدتني، يعني إنما ألنت له لذم الفحش ولم أكن قط فحاشًا، والفحش: التجاوز عن الحد في الكلام وفي غيره، وإنما قلت في غيبته تنبيهًا على حاله ليتقه الناس، وفيه مصلحة.\nوقوله: (إن شر الناس عند اللَّه منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره) قال الشراح: معناه إني إنما ألنت له الكلام وتطلقت في وجهه وانبسطت إليه اتقاء الشر والفحش لئلا أكون من الأشرار الفحاشين الذين يتركهم الناس لفحشهم، لأني لو قلت له في حضوره ما قلت فيه غيبته لتركني اتقاء فحشي، وقيل: معناه إنما فعلت ذلك مع الرجل وتركته غير مفتش عن حقيقة حاله ومتعرض لكشفها اتقاء شره وفحشه، وشر الناس من تركه الناس ولم يتعرضوا له مداراة معه، ورواية (اتقاء شره) تنظر إلى هذا المعنى، ورواية (اتقاء فحشه) إلى المعنى الأول، فافهم.\n٤٨٣٠ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (كل أمتي معافى) التذكير باعتبار لفظ (كل)، وفي أكثر الأصول (معافاة) باعتبار المضاف إليه، في (القاموس) (١): أعفاه من الأمر، أي: برأه، والمعنى: كل أمتي مبرأ ومسلم ومتروك عن الغيبة إلا من جاهر بالمعصية ولم يسترها، وأما رفع قوله: (إلا المجاهرون) فللتأويل بالمنفي، أي: لا يغتاب أحد\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٠٦).","vol":"8","page":151},{"text":"وَإِنَّ مِنَ الْمَجَانَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحُ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ فَيَقُولُ: يَا فُلَانُ! عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: \"من كَانَ يُؤمِنُ بِاللَّهِ\" فِي (بَابِ الضِّيَافَةِ). [خ: ٦٠٦٩، م: ٢٩٩٠].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1103> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٨٣١ - [٢٠] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"من تَرَكَ الْكَذِبَ وَهُوَ بَاطِلٌ بُنِيَ لَهُ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ،\nــ\nإلا المجاهرون، وقد يروى بالنصب فلا إشكال، واتفقوا على جواز غيبة الفاسق المجاهر، والإمام الجائر، والمبتدع الداعي، وراوي الأخبار، وعند التظلم والنصيحة وتزكية الشهود، وفي صورة التظلم إن صبر فهو الأفضل.\nوقوله: (وإن من المجانة) مصدر مجن يمجن مجانة من باب نصر، وهو أن لا يبالي الإنسان بما يفعله ويقوله، ولا بما قيل له وصنع به من غيبته ومذمته، فمن أظهر ذنبه للناس فهو لا يبالي بأن يغتابه الناس ويذمونه، وهذا يضر به وبالناس.\nالفصل الثاني\n٤٨٣١ - [٢٠] (أنس) قوله: (وهو باطل) احتراز عن مواضع يرخص فيها الكذب مما فيه إصلاح ذات البين والمعاريض، والكذب في الحرب من أقسام الخدعة، وقيل: هو تأكيد لما قبله.\nوقوله: (الربض) بفتحتين: سور البلد، وفي (الصراح) (١): ربض: ديوار كَرد\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٢٧٩).","vol":"8","page":152},{"text":"وَمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُحِقٌّ بُنِيَ لَهُ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ بُنِيَ لَهُ فِي أَعْلَاهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَكَذَا فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\"، وَفِي \"الْمَصَابِيحِ\" قَالَ: غَرِيبٌ. [ت: ١٩٩٣].\n٤٨٣٢ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَتَدْرُونَ مَا أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟ تَقْوَى اللَّهِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ، أَتَدْرُونَ مَا أَكْثَرُ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ؟ الأَجْوَفَانِ: الْفَمُ وَالْفَرْجُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٠٠٤، جه: ٤٢٤٦].\nــ\nشهر.\nوقوله: (ومن ترك المراء) أي: الجدال والخصومة، (وهو محق) أي: مع أن الحق في جانبه يتركه كسرًا لنفسه كيلا تترفع نفسه على خصمه بظهور فضله، وينكسر قلب خصمه بعجزه وإفحامه، وهذا إنما يجوز إذا لم يكن متعلقًا بأمر ديني، ولم يقع فيه خلل بسكوته، أو يتوقع ظهور الحق بالآخرة بوجه آخر، وقد يسكت الخصم الألد بإبانة الكلام والسكوت والأعراض، وينفع ذلك في ظهور الحق ما لم ينفع المراء والجدال، وحسن الخلق شامل لجميع الحمايد والكمالات، وأكثر ما يستعمل حسن الخلق في العرف في لين الجانب وطلاقة الوجه والبشاشة.\n٤٨٣٢ - [٢١] (أبو هريرة) قوله: (تقوى اللَّه وحسن الخلق) لا شك أن التقوى شامل لإتيان المأمورات وترك المنهيات كلها، وحسن الخلق أيضًا داخل فيها، فذكره بعدها من باب التخصيص بعد التعميم، إلا أن يراد بالتقوى الأعمال الظاهرة، وبحسن الخلق الأخلاق الباطنة، وقال الطيبي (١): التقوى إشارة إلى حسن المعاملة مع الخالق،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٠٩).","vol":"8","page":153},{"text":"٤٨٣٣ - [٢٢] وَعَنْ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنَ الْخَيْرِ مَا يَعْلَمُ مَبْلَغَهَا، يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنَ الشَّرِّ مَا يَعْلَمُ مَبْلَغَهَا، يَكْتُبُ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِ سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". وَرَوَى مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه نَحْوَهُ. [شرح السنة: ٤١٢٥، ت: ٢٣١٩، جه: ٣٩٦٩، ط: ٢/ ٩٨٥].\n٤٨٣٤ - [٢٣] وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَيْلٌ لِمَنْ يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ. . . . .\nــ\nوحسن الخلق إشارة إلى حسن المعاملة مع الخلق، والمراد الدخول مع السابقين الفائزين بالدرجات والكرامات، أو يقال: المراد أن اجتماع هذين الصفتين يوجب بالحكم الإلهي دخول الجنة، وإلا فاصل الدخول يكفي فيه أصل الإيمان كما هو المذهب، وإنما قيد بالأكثر لأنه يرجى بدون هذه الصفتين دخول الجنة ونيل الدرجات أيضًا بفضل اللَّه تعالى وشفاعة رسول اللَّه -ﷺ-، فافهم.\n٤٨٣٣ - [٢٢] (بلال بن الحارث) قوله: (يكتب اللَّه له بها رضوانه إلى يوم يلقاه) المراد تحقق رضاه تعالى له في الدنيا والآخرة، فالغاية داخلة في الحكم كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٨]، و(ما) في (ما يعلم) نافية.\n٤٨٣٤ - [٢٣] (بهز) قوله: (وعن بهز) بفتح الموحدة وسكون الهاء آخره زاي.\nوقوله: (فيكذب) فيه أنه إن صدق في الحديث ليضحك به فلا بأس، ومع ذلك لا ينبغي أن يكون مطمح نظره محض الإضحاك، بل يكون مقصوده الإفادة مع تضمنه","vol":"8","page":154},{"text":"لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ وَيْلٌ لَهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٥/ ٣، ت: ٢٣١٥، د: ٤٩٩، دي: ٢/ ٢٩٦].\n٤٨٣٥ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْعَبْدَ لَيَقُولُ الْكَلِمَةَ لَا يَقُولُهَا إِلَّا لِيُضْحِكَ بِهِ (١) النَّاسَ، يَهْوِي بِهَا أَبْعَدَ مِمَّا (٢) بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَإِنَّهُ لَيَزِلُّ عَنْ لِسَانِهِ أَشَدَّ مِمَّا يَزِلُّ عَنْ قَدَمِهِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٤٤٩٢].\n٤٨٣٦ - [٢٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ صَمَتَ نَجَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [حم: ٢/ ١٧٧، ت: ٢٥٠١، دي: ٢/ ٢٩٩، شعب: ٤٦٢٩].\nــ\nنوعًا من الطيبة وحسن المعاشرة مع الأصحاب، كما يدل عليه الحديث التالي: (لا يقولها إلا ليضحك)؛ فإن المزاح مشروع مسنون، ولكن لا يتخذ [هـ] حرفة ولا يفرط فيه.\n٤٨٣٥ - [٢٤] (أبو هريرة) قوله: (يهوي) أي: يسقط (بها) أي: بتلك الكلمة إلى جهنم، أو يبعد عن مقام الخير والرحمة.\n٤٨٣٦ - [٢٥] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (من صمت نجا) قال الإمام الغزالي (٣): ويدلك على لزوم الصمت أمر، وهو أن الكلام أربعة أقسام: قسم هو ضرر محض، وقسم هو نفع محض، وقسم ضرر ومنفعة، وقسم لا ضرر ولا منفعة، أما الذي هو\n_________\n(١) كذا في \"المشكاة\"، وفي \"الشعب\": \"بها\".\n(٢) في نسخة: \"ما\".\n(٣) \"إحياء علوم الدين\" (٣/ ١١١).","vol":"8","page":155},{"text":"٤٨٣٧ - [٢٦] وَعَنْ عُقْبةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: لَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقُلْتُ: مَا النَّجَاةُ؟ فَقَالَ: \"أَمْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ. . . . .\nــ\nضرر محض فلا بد من السكوت عنه، وكذا ما فيه ضرر ومنفعة؛ لأن دفع الضرر أهم، وأما ما لا منفعة فيه ولا ضرر فالاشتغال به تضييع للوقت، وهو عين الخسران، فلا يبقى إلا القسم الثاني وفيه خطر، إذ يمتزج به ما فيه [إثم] من دقائق الرياء والتصنع وتزكية النفس، وكلام الغزالي في أمثال هذه المقامات إكسير للنفس وشفاء للقلوب، ولقد أكثر الطيبي فيها النقل منه، وهو جدير بذلك.\n٤٨٣٧ - [٢٦] (عقبة بن عامر) قوله: (ما النجاة) أي: سبب النجاة.\nوقوله: (أملك عليك لسانك) المصحح في النسخ: (أملك) بفتح الهمزة من الإملاك، ومعناه غير ظاهر؛ لأن الإملاك بمعنى التمليك كما ذكر في (القاموس) (١)، ولا معنى له ههنا، وقد ضبطه في بعض الشروح بكسر الهمزة، وقال: أما بفتحها فغير ظاهر، وقال في (مجمع البحار) (٢): هو أمر من الثلاثي، أي: احفظها عما لا خير فيه، وأما عبارة الطيبي (٣) فظاهر في كونه من الثلاثي، ولكنه لم يصرح بذلك، قال: أي لا تُجْرِهِ إلا بما يكون لك لا عليك، وعن بعضهم: أي اجعل لسانك مملوكًا لك فيما عليك وباله وتبعته، وأمسكه عما يضرك، وأطلقه فيما ينفعك، انتهى. وهذا ظاهر في الإملاك.\nوقوله: (وليسعك) أمر من وسع يسع، كناية عن القعود في بيته اشتغالًا بالطاعة.\n_________\n(١) انظر: \"القاموس\" (ص: ٨٧٨).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٦٢٨).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١١١).","vol":"8","page":156},{"text":"بَيْتُكَ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٥/ ٢٥٩، ت: ٢٤٠٦].\n٤٨٣٨ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَفَعَهُ قَالَ: \"إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ، فَإِنَّ الأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ، فَتَقُولُ: اتَّقِ اللَّهَ فِينَا، فَإِنَا نَحْنُ بِكَ، فَإِنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا، وَإِنِ اعْوَجَجْتَ اعوَجَجْنَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٠٧].\n٤٨٣٩ - [٢٨] وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ. [ط: ٢/ ٩٠٣، حم: ١/ ٢٠١].\n٤٨٤٠ - [٢٩] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [جه: ٣٩٧٦].\nــ\n٤٨٣٨ - [٢٧] (أبو سعيد) قوله: (تكفر اللسان) في (القاموس) (١): التكفير: أن يخضع الإنسان لغيره، وورد: يكره التكفير في الصلاة، وهو الانحناء الكثير في حالة القيام قبل الركوع، والمراد إطاعة الأعضاء وانقيادها لما يجري على اللسان، وذلك باعتبار كونه ترجمان القلب وخليفته، فحكمه حكمه، فلا يرد أن استقامة الجوارح واعوجاجها وصلاحها وفسادها بالقلب، وصلاحه وفساده لا باللسان، فلا ينافي حديث: (إن في الجسد لمضغة) الحديث.\nوقوله: (فإن استقمت استقمنا. . . إلخ)، بيان للمراد بقوله: (نحن بك).\n٤٨٣٩، ٤٨٤٠، ٤٨٤١ - [٢٨، ٢٩، ٣٠] (علي بن الحسين) قوله: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه): (من) تبعيضية؛ لأن ترك ما لا يعنيه بعض حسن\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٤٣٨).","vol":"8","page":157},{"text":"٤٨٤١ - [٣٠] وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" عَنْهُمَا. [ت: ٢٣١٨، شعب: ٤٦٣٢، ٤٦٣٣].\nــ\nالإسلام وشطره، وثاني شطريه هو الاشتغال بالعبادة كالتحلية بعد التخلية، فيكون في معنى قوله: (الطهور شطر الإيمان) على تأويل.\nومن العجب ما نقل الطيبي عن بعضهم من أنه يجوز أن يكون (من) بيانية، أقول: فأين المُبين، نعم لو قال: يجوز أن تكون زائدة لكان له وجه، وإن لم يكن من مواقع زيادة (من)، إلا أن يكون قوله: (بيانية) سهو القلم في مكان (زائدة)، واللَّه أعلم.\nومعنى قوله: (ما لا يعنيه) ما لا يعتني ولا يهتم به المرء، أي: ما من شأنه أن لا يهتم ويشتغل به، من قولهم عنى به، أي: اهتم به واشتغل، وعلى هذا يكون الضمير المستتر في (يعنيه) للمرء، والبارز لـ (ما)، من عناه الأمر: إذا تعلقت عنايته به وكان من غرضه وإرادته، وقال في (القاموس) (١): عناه الأمر يعنوه ويعنيه: أهمه، فعلى هذا المستتر لـ (ما)، والبارز لـ (المرء)، أي: ما يهمه ويجعله ذا هم إليه، والذي يعني الإنسان من الأمور ما يتعلق بضرورة حياته في معاشه مما يشبعه ويرويه، ويستر عورته ويعف فرجه، ونحو ذلك مما يدفع الضرورة، دون ما فيه تلذذ واستمتاع واستكثار وفضول من الأقوال والأفعال وسائر الحركات والسكنات، [و] ما يتعلق بسلامته في معاده، وهو الإسلام والإيمان والإحسان، وهذا الحديث أحد الأحاديث التي عليها مدار الإسلام مما يعدّ تمامه أو نصفه أو ثلثه أو نحو ذلك، وهو من جوامع الكلم.\nقال أبو داود: كتبت عن رسول اللَّه -ﷺ- خمس مئة ألف حديث، وانتخبت منها\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١٢٠٨).","vol":"8","page":158},{"text":"٤٨٤٢ - [٣١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: أَبْشِرْ بِالْجَنَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَوَلَا تَدْرِي، فَلَعَلَّهُ تَكَلَّمَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، أَوْ بَخِلَ بِمَا لَا يَنْقُصُهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣١٦].\n٤٨٤٣ - [٣٢] وَعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَخْوَفُ. . . . . .\nــ\nمما يتضمنه هذا الكتاب يعني (كتاب السنن)، وجمعت فيه أربعة آلاف وثمان مئة حديث، وقال في آخر هذا الكلام: ويكفي للإنسان لأمر دينه أربعة أحاديث منها: أولها: (إنما الأعمال بالنيات)، وثانيها: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، وثالثها: (لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه)، ورابعها: (إن الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشتبهات)، الحديث.\nقال الغزالي: وما لا يعنيك من الكلام أن تتكلم بكل ما لو سكت عنه لم تأثم ولم تتضرر في حال ولا مآل.\n٤٨٤٢ - [٣١] (أنس) قوله: (أولا تدري) روي بفتح الواو عطفًا على مقدر أي: أتقول هذا ولا تدري ما يقول؟ أو للحال، أي: والحال أنك لا تدري، وروي بسكونها عطفًا على مقدر أيضًا، أي: أتدري أنه من أهل الجنة أو لا تدري؟ أي: بأي شيء علمت ذلك؟ والرواية الأولى أشهر، ومعناها أظهر.\nوقوله: (أو بخل بما لا ينقصه) كتعليم العلم وأداء الزكاة، أو المراد إنفاق شيء قليل من مال كثير، والحال في ضميري (ما لا ينقصه) كما في ضميري (ما لا يعنيه)، وجعل المستتر فيه لـ (ما) أظهر، فافهم.\n٤٨٤٣ - [٣٢] (سفيان) قوله: (ما أخوف) اسم تفضيل مبني للمفعول، و(ما)","vol":"8","page":159},{"text":"مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ قَالَ: فَأَخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ وَقَالَ: \"هَذَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. [ت: ٢٤١٠].\n٤٨٤٤ - [٣٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا كَذَبَ الْعَبْدُ تَبَاعَدَ عَنْهُ الْمَلَكُ مِيلًا مِنْ نَتْنِ مَا جاءَ بِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٩٧٢].\n٤٨٤٥ - [٣٤] وَعَنْ سُفيانَ بْنِ أَسَدٍ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"كَبُرَتْ خِيَانَةً. . . . .\nــ\nالثانية موصولة والعائد محذوف، أي: تخافه، أي: شره.\nوقوله: (فأخذ بلسان نفسه) أي: أخذ رسول اللَّه -ﷺ- بلسانه الشريف، ولم يقل: بلسانه، لئلا يتوهم رجوع الضمير إلى السائل، وإنما لم يجبه بقوله: اللسان، لأن الإشارة الحسية أظهر كما في التمثيل بالمحسوسات، وإنما أخذ -ﷺ- بلسانه لأن في أحد لسان السائل تكلفًا وسماحة؛ ولأنه أدخل في المقصود لما فيه من المبالغة والتأكيد والإشارة إلى أن الحكم عام، ولو أخذ بلسان السائل لاحتمل اختصاصه به، فافهم.\n٤٨٤٤ - [٣٣] (ابن عمر) قوله: (من نتن) قال في (القاموس) (١): النتن ضد الفوح، وفاح المسك فوحًا وفوحانًا وفيحًا وفيحانًا: انتشرت رائحته، ولا يقال في الكراهة، واللَّه أعلم.\n٤٨٤٥ - [٣٤] (سفيان) قوله: (سفيان بن أسد) بمفتوحة فمكسورة على الأكثر، ويقال: على لفظ التصغير، ويقال: (أسد) بفتحتين، كذا في (المغني) (٢).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٣٩).\n(٢) \"المغني في ضبط الأسماء\" (ص: ٣٦).","vol":"8","page":160},{"text":"أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ بِهِ كَاذِبٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٧١].\n٤٨٤٦ - [٣٥] وَعَنْ عَمَّارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ كَانَ ذَا وَجْهَيْنِ فِي الدُّنْيَا، كَانَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِسَانَانِ مِنْ نَارٍ\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢/ ٣١٤].\n٤٨٤٧ - [٣٦] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ، وَلَا بِاللَّعَّانِ، وَلَا الْفَاحِشِ، وَلَا الْبَذِيءِ\". رَوَاهُ. . . . .\nــ\nوقوله: (أن تحدث) فاعل (كبرت)، وإنما أنث بتأويل الخصلة والفعلة، أو باعتبار المعنى لأنه نفس الخيانة، وإنما كان خيانة كبيرة لأن الكذب خيانة في نفسه، وفيما ذكر أشد وأشنع؛ لأن أخاه المسلم اعتمد عليه ووثق به وظن أنه مسلم لا يكذب، ومع ذلك كذب، فيكون أقبح.\n٤٨٤٦ - [٣٥] (عمار) قوله: (من كان ذا وجهين) المراد به المنافق؛ بأن يتوجه تارة إلى قوم فيقول بما يوافقهم، وأخرى إلى عدوهم فيقول خلافه، أو يري نفسه عند شخص أنه من جملة محبيه وناصحيه ويحدث في غيبته بمساوئه وعيوبه.\n٤٨٤٧ - [٣٦] (ابن مسعود) قوله: (ليس المؤمن بالطعان) أي: في أعراض الناس، كذا في (الصحاح) (١)، (ولا باللعان) أي: داعيًا على أحد بالطرد والبعد عن رحمة اللَّه.\nوقوله: (ولا البذيء) (فعيل)، من البذاء بالمد وفتح الموحدة: الفحش في القول\n_________\n(١) \"الصحاح في اللغة\" (١/ ٤٢٥).","vol":"8","page":161},{"text":"التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". وَفِي أُخْرَى لَهُ: \"وَلَا الْفَاحِشِ الْبَذِيءِ\". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٩٧٧، شعب: ٤٧٨٦].\n٤٨٤٨ - [٣٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ لَعَّانًا\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤمِنِ أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠١٩].\n٤٨٤٩ - [٣٨] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَلَاعَنُوا بِلَعْنَةِ اللَّهِ، وَلَا بِغَضَبِ اللَّهِ، وَلَا بِجَهَنَّمَ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"وَلَا بِالنَّارِ\". رَوَاهُ. . . . .\nــ\nكما مر، يقال: بذوت على القوم، وبذيت أبذو، فهو بذيّ، وقد يهمز، وليس بكثير، كذا في (مجمع البحار) (١).\nوذكر في (القاموس) (٢) في الموضعين: وقال فيهما: البذاء والبذيء كالبذيع: الرجل الفاحش، فعلى هذا يراد بـ (الفاحش) المقابل له الفحشُ في غير الكلام، ويفهم من كلام (الصحاح): أن البذاء المعتل بمعنى التكلم بكلام لا ينفع، فتدبر، ويفهم من لفظ الرواية الأخرى: أن البذيء هو المبالغ في الفحش، فافهم.\n٤٨٤٨ - [٣٧] (ابن عمر) قوله: (لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعانًا) فيه بيان للمراد بقوله: (لا يكون المؤمن لعانًا)، واللَّه أعلم.\n٤٨٤٩ - [٣٨] (سمرة بن جندب) قوله: (لا تلاعنوا) بفتح التاء، أصله\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ١٦٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٥، ١١٦١).","vol":"8","page":162},{"text":"التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٩٧٦، د: ٤٩٠٦].\n٤٨٥٠ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعِدَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى السَّمَاءِ، فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا، ثُمَّ تَهْبِطُ إِلَى الأَرْضِ، فَتُغْلَقُ أَبْوَابُهَا دُونَهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ، فَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ أَهْلًا وَإِلَّا رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٠٥].\n٤٨٥١ - [٤٠] وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلًا نَازَعَتْهُ الرِّيحُ رِدَاءَهُ فَلَعَنَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَلْعَنْهَا فَإنَّهَا مَأْمُورَةٌ، وَإِنَّهُ مَنْ لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٩٧٨، د: ٤٩٠٨].\nــ\nلا تتلاعنوا، أي: تسابوا باللعنة صريحًا أو كناية، وهذا في الشخص المعين إذا لم يعلم موته على الكفر.\n٤٨٥٠ - [٣٩] (أبو الدرداء) قوله: (دونها) أي: عندها، و(دون) يجيء بمعنى أمام ووراء.\nوقوله: (فتغلق أبوابها) يفهم منه أن للأرض أيضًا أبوابًا كما للسماء، و(لعن) بلفظ المجهول، وجزاء (فإن كان) محذوف، أي: لحق به.\n٤٨٥١ - [٤٠] (ابن عباس) قوله: (فإنها مأمورة) في معنى قوله: (لا تسبوا الدهر فأنا الدهر).\nوقوله: (من لعن شيئًا) إنسانًا كان أو غيره.","vol":"8","page":163},{"text":"٤٨٥٢ - [٤١] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٦٠].\n٤٨٥٣ - [٤٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكذَا -تَعْنِي قَصِيرَةً- فَقَالَ: \"لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَ بِهَا الْبَحْرُ لَمَزَجَتْهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. . . . .\nــ\n٤٨٥٢ - [٤١] (ابن مسعود) قوله: (لا يبلغني من أصحابي) الحديث، وفي هذا تعليم للأمة بعدم التبليغ إلى أحد من الكبراء -بل وإلى غيرهم- عن أحد شيئًا بأنه شتمك أو فيه خصلة سوء، بل يجب الستر، اللهم إلا أن تكون فيه مصلحة حميدة.\n٤٨٥٣ - [٤٢] (عائشة) قوله: (حسبك من صفية) أي: من معايبها.\nوقوله: (تعني قصيرة) أي: تكني عائشة بقولها: كذا وكذا أنها قصيرة، وليست في الحسن والاعتدال كما ينبغي.\nوقوله: (لو مزج بها البحر) من باب القلب مبالغة، وقيل: على ظاهره؛ لأن كلًّا من الممتزجين يمتزج بالآخر، وقد يروى: (لو مزجت بالبحر).\nوقوله: (لمزجته) أي: غيرته، فكيف لا تغير أعمال البر، وهذه غاية زجر وتأديب من النبي الأمين -ﷺ- في اغتيابها صفية مع غاية محبته إياها، وكان قد يقع بينها وبين صفية شيء من آثار الغيرة، روي أن عائشة قالت لصفية يومًا: يهودية، فشكت صفية إليه -ﷺ- فقال: (قولي: أنا بنت النبي وأنت بنت أبي بكر)، وكانت صفية من أولاد","vol":"8","page":164},{"text":"وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٦/ ١٨٩، ت: ٢٥٠٢، د: ٤٨٧٥].\n٤٨٥٤ - [٤٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ، وَمَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٩٧٤].\n٤٨٥٥ - [٤٤] وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ عَنْ مُعَاذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَهُ\" يَعْنِي مِنْ ذَنْب قَدْ تَابَ مِنْهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ، لأَنَّ خَالِدًا لَمْ يُدْرِكْ مُعَاذَ بْنَ جَبَل. [ت: ٢٥٠٥].\n٤٨٥٦ - [٤٥] وَعَنْ وَاثِلَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لِأَخِيْكَ فَيَرْحَمُهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ.\nــ\nهارون ﵇.\n٤٨٥٤ - [٤٣] (أنس) قوله: (إلا شانه) أي: عابه، شانه يشينه ضد زانه يزينه، والحياء قريب التضاد من الفحش.\n٤٨٥٥ - [٤٤] (خالد) قوله: (يعني من ذنب قد تاب منه) قيل: هذ التفسير منقول عن الإمام أحمد.\n٤٨٥٦ - [٤٥] (واثلة) قوله: (لا تظهر الشماتة) شمت كفرح شماتًا وشماتة: فرح ببلية العدو.\nوقوله: (فيرحمه اللَّه ويبتليك) بالرفع والنصب.","vol":"8","page":165},{"text":"٤٨٥٧ - [٤٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ أَحَدًا وَأَنَّ لِيْ كَذَا وَكَذَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ: [٢٥٠٣].\n٤٨٥٨ - [٤٧] وَعَنْ جُنْدُبٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ، فَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ، ثُمَّ عَقَلَهَا، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا سَلَّمَ أَتَى رَاحِلَتَهُ فَأَطْلَقَهَا، ثُمَّ رَكِبَ ثُمَّ نَادَى: اللهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا، وَلَا تُشْرِكْ فِي رَحْمَتِنَا أَحَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَتَقُولُونَ هُوَ أَضَلُّ أَمْ بَعِيرُهُ؟ أَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى مَا قَالَ؟ \" قَالُوا: بَلَى. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٨٥].\nوَذُكِرَ حَدِيْثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: \"كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا\" فِي (بَابِ الِاعْتِصَامِ) فِي (الْفَصْلِ الأَوَّلِ).\nــ\n٤٨٥٧ - [٤٦] (عائشة) قوله: (أني حكيت أحدًا) في (القاموس) (١): حكيته أحكيه، وفلانًا، وحاكيته: شابهته، وفعلت فعله وقوله سواء، وأكثر ما يستعمل في القبيح المحاكاة؛ بأن يمشي متعارجًا أو مطأطئًا رأسه، وغير ذلك من الهيئات المضحكة تقليدًا له.\n٤٨٥٨ - [٤٧] (جندب) قوله: (ألم تسمعوا إلى ما قال) إشارة إلى قوله: (ولا تشرك في رحمتنا أحدًا) نسب إليه الضلالة، والمراد به الجهل، لأنه ضيق رحمة اللَّه الواسعة، فالحجر في الدعاء ممنوع، بل ينبغي أن يشرك في دعائه المؤمنين كما هو المأثور، هذا ما قالوا، وأيضًا في تشريكه نفسه مع -ﷺ- في الرحمة الخاصة المخصوصة به -ﷺ- سوء أدب لا يخفى.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٧٣).","vol":"8","page":166},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1104> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٨٥٩ - [٤٨] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا مُدِحَ الْفَاسِقُ غَضِبَ الرَّبُّ تَعَالَى وَاهْتَزَّ لَهُ الْعَرْشُ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٤٥٤٤].\n٤٨٦٠ - [٤٩] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلَالِ كُلِّهَا إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٥٢].\n٤٨٦١ - [٥٠] وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ. [شعب: ٤٤٦٩].\nــ\nالفصل الثالث\n٤٨٥٩ - [٤٨] (أنس) قوله: (واهتزَّ له العرش) يحتمل أن يكون على ظاهره، ويحتمل أن يكون كناية عن وقوع هذا الأمر العظيم، وقد ورد: اهتزاز العرش بموت سعد بن معاذ على القول بأن ذلك لمصيبته، وظاهر الحديث مطلق في التحذير عن مدح الفاسق، وقيل: هذا إذا مدح على وجه عام، ولو مدح بوجه خاص فيه كالسخاوة والتواضع فجائز.\n٤٨٦٠، ٤٨٦١ - [٤٩، ٥٠] (أبو أمامة) قوله: (إلا الخيانة والكذب) إما أن يكون المراد اجتماعهما، والإشكال باق بعد؛ إذ ربما يكون المؤمن اجتمعتا فيه، أو المراد المبالغة في نفي هاتين الصفتين عن المؤمن، والأظهر أن الغرض الأصلي النهي عنهما، أي: لا ينبغي أن يتصف المؤمن بهما ويجتهد في إزالتهما؛ لأنه محل الصدق وحامل أمانة اللَّه.","vol":"8","page":167},{"text":"٤٨٦٢ - [٥١] وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمِ أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا؟ قَالَ: \"نَعَمْ\"، فَقيل لَهُ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلًا؟ قَالَ: \"نَعَمْ\"، فَقِيلَ لَهُ (١): أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّابًا؟ قَالَ: \"لَا\". رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" مُرْسَلًا. [ط: ٢/ ١٩، شعب: ٤٤٧٢].\n٤٨٦٣ - [٥٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُوْدٍ قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ، فَيَأْتِي الْقَوْمَ فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنَ الْكَذِبِ، فَيَتَفَرَّقُونَ فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَجُلًا أَعْرِفُ وَجْهَهُ وَلَا أَدْرِي مَا اسْمُهُ يُحَدِّثُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [مق: ١/ ١٢].\nــ\n٤٨٦٢ - [٥١] (صفوان) قوله: (قال: لا) مبالغة في نفي الكذب عن المؤمن مع ما في صيغة الكذاب من المبالغة.\n٤٨٦٣ - [٥٢] (ابن مسعود) قوله: (إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل) ظاهر سياق الحديث يدل على أن المراد شيطان الجن، فيدل على أن الشيطان يقدر على الكذب على النبي -ﷺ- في الحديث إن كان المراد بالحديث الحديث النبوي، وإن لم يقدر على التمثل بصورته الكريمة، وبينهما فرق؛ لأن الكذب فعل اختياري يتعلق بكل ما يشاء، ولا يلزم نقص بالنسبة إليه -ﷺ-، بخلاف التمثل بالصورة؛ فإنه تحقق بحقيقته -ﷺ- وتصرف فيها، وهو يستلزم النقص.\nوهذا نظير ما قالوا: إن النبي -ﷺ- لو أحيا ميتًا بإعجازه فكذبه لم يضر ذلك بصدقه؛ لأنه فاعل مختار مثل سائر الكفار، وقد ظهرت المعجزة الدالة على صدقه، بخلاف\n_________\n(١) \"له\" سقط في نسخة.","vol":"8","page":168},{"text":"٤٨٦٤ - [٥٣] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا ذَرٍّ فَوَجَدْتُهُ فِي الْمَسْجِدِ مُحْتَبِيًا بِكِسَاءٍ أَسْوَدَ وَحْدَهُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا ذَرٍّ (١) مَا هَذِهِ الْوَحْدَةُ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"الْوَحْدَةُ خَيْرٌ مِنْ جَلِيسِ السُّوءِ وَالْجَلِيسُ الصَّالِحُ خَيْرٌ مِنَ الْوَحْدَةِ،\nــ\nما [لو] أنطق جمادًا بالمعجزة فتكلم بتكذيبه فإنه يضر، فافهم.\nوالأولى أن يراد أحاديث الناس لا حديث النبي -ﷺ-، ويحتمل -واللَّه أعلم- أن يكون المراد شيطان الإنس يجيء في صورة رجل صالح ثقة فيحدث بالكذب، هذا ما يخطر ببالي في شرح الحديث، ولا أدري ما قال الشراح فيه، والظاهر أن النووي قد تكلم في (شرح مسلم) فيه، وليس الكتاب حاضرًا حتى يعلم ما قال، واللَّه أعلم.\nوبالجملة المقصود من الحديث التنبيه على الاحتياط والتحري في سماع الحديث وتحمله بمعرفة حال راويه والوثوق بصدقه، حتى لا يحدث بكل ما سمع من كل من سمع منه، ولا يدخل تحت قوله: (كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع)، ثم إن المؤلف لم يورد الحديث مرفوعًا إلا أنه حكم لا يعرف إلا بسماع من النبي -ﷺ- إن كان المراد شيطان الجن، فيكون في حكم المرفوع كما تقرر في محله.\n٤٨٦٤ - [٥٣] (عمران) قوله: (عمران بن حِطّان) بحاء مهملة مكسورة وبطاء مهملة مشددة آخره نون.\nوقوله: (والجليس الصالح خير من الوحدة) يعني أنه لم يكن في ذلك من أصحابه الخلص الذين يعتمد على خيريتهم حاضرًا في المجلس، وقد كان يجالسهم\n_________\n(١) في نسخة: \"يا با ذر\".","vol":"8","page":169},{"text":"وَإِمْلَاءُ الْخَيْرِ خَيْرٌ مِنَ السُّكُوتِ، وَالْسُّكُوتُ خَيْرٌ مِنْ إِملاءِ الشَّرِّ\".\n٤٨٦٥ - [٥٤] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: \"مَقَامُ الرَّجُلِ بِالصَّمْتِ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً\".\n٤٨٦٦ - [٥٥] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ إِلَى أَنْ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْصِنِي، قَالَ: \"أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ أَزْيَنُ لِأَمْرِكَ كُلِّهِ\"، قُلْتُ: زِدْنِي،\nــ\nفي وقت آخر، فلا يقال: إنه كيف يقول هذا في زمانه مع كثرة وجود الصحابة وقد أصابه -﵁- من بعض بني أمية في زمن عثمان -﵁- ما أوحشه ونفره من الصحبة، فخرج من المدينة، وأخذ منزلًا خارجه وتوفي هناك، كما جاء في الأخبار، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وإملاء الخير) أي: إلقاؤه والتحديث به من أمليت الكتاب وأمللته.\n٤٨٦٥ - [٥٤] (عمران بن حصين) قوله: (مقام الرجل بالصمت) أي: مرتبته ومنزلته (أفضل من عبادة ستين سنة) أي: قد يكون كذلك؛ بأن يكون في الصمت مشغولًا بالفكر ومستغرقًا في الذكر الخفي، وتخصيص عدد الستين موكول إلى علم الشارع، وقد يروى: (من عبادة سنتين).\n٤٨٦٦ - [٥٥] (أبو ذر) قوله: (أوصيك) في (القاموس) (١): أوصاه ووصّاه توصية: عهد إليه.\nوقوله: (قلت: زدني) أي: في الإيضاح والبيان بذكر بعض تفاصيل التقوى، وإلا\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٣٢).","vol":"8","page":170},{"text":"قَالَ: \"عَلَيْكَ بِتِلَاوَةِ الْقُرْانِ وَذِكْرِ اللَّهِ ﷿، فَإِنَّهُ ذِكْرٌ لَكَ فِي السَّمَاءِ، ونُورٌ لَكَ فِي الأَرْضِ\"، قُلْتُ: زِدْنِي، قَالَ: \"عَلَيْكَ بِطُولِ الصَّمْتِ؛ . . . . .\nــ\nفالكل مندرج في التقوى، ولو أريد الزيادة في الإيصاء بأن يكرره وإن كان الموصى به راجعًا إلى أمر واحد فلا إشكال، وفي الكرات الأخر يصح إرادة الزيادة في الإيصاء وفي الموصى به.\nوقوله: (وذكر اللَّه) في (القاموس) (١): الذكر ضد النسيان، وهو فعل القلب أصالة، ونفي تسميته ذكرًا كما وقع في كلام بعض الفقهاء مكابرة صريحة.\nنعم ما يترتب على فعل اللسان من الثواب ومما يتعلق بلفظه لا يكون إلا بالذكر اللساني، وكل فعل خير يقصد فيه التقرب إلى اللَّه فهو ذكر، فلو حمل على هذا المعنى لكان تعميمًا بعد تخصيص، وقد جاء في الحديث: (أفضل الذكر لا إله إلا اللَّه)، وإن حمل على هذا المعنى بناء على أن المطلق ينصرف إلى الكامل يكون من قبيل عطف الخبر على الكل لزيادة شرفه وعظمته.\nوقوله: (فإنه) أي: الذكر، أو كل واحد من القرآن والذكر (ذكر لك في السماء) يذكرك الملائكة بالدعاء والاستغفار، ويذكرك اللَّه سبحانه تعالى في الملأ الأعلى إن ذكرته في ملأ، وفي نفسه إن ذكرته في نفسك كما جاء في الحديث.\nوقوله: (ونور لك في الأرض) أي: في هذا العالم السفلي بظهور نور المعرفة واليقين والاهتداء وهداية الناس.\nوقوله: (عليك بطول الصمت) أي: مع التفكر في آلاء اللَّه.\n_________\n(١) انظر: \"جمهرة اللغة\" (٢/ ٦٩٤).","vol":"8","page":171},{"text":"فَإِنَّهُ مَطْرَدَة لِلشَّيْطَانِ، وَعَوْن لَكَ عَلَى أَمْرِ دِينِكَ\"، قُلْتُ: زِدْنِي، قَالَ: \"إِيَّاكَ وَكَثْرَةَ الضِّحْكِ؛ فَإِنَّهُ يُمِيتُ الْقَلْبَ، وَيَذْهَبُ بِنُورِ الْوَجْهِ\"، قُلْتُ: زِدْنِي، قَالَ: \"قُلِ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا\"، قُلْتُ: زِدْنِي، قَالَ: \"لَا تَخَفْ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ\"، قُلْتُ: زِدْنِي، قَالَ: \"لِيَحْجُزْكَ عَنِ النَّاسِ مَا تَعْلَمُ مِنْ نَفْسِكَ\".\n٤٨٦٧ - [٥٦] وَعَنْ أَنَسٍ عَنْ (١) رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"يَا أَبَا ذَرٍّ (٢) أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى خَصْلَتَيْنِ هُمَا أَخَفُّ عَلَى الظَّهْرِ،\nــ\nوقوله: (فإنه مطردة) فإنه إذا ذكر اللَّه خنس الشيطان، وأيضًا أنه يمنع عن الوقوع فيما لا يعني وفيما يضر في الدين من الكلام.\nوقوله: (وعون لك على أمر دينك) وهو السلامة عن آفات اللسان، وتنور القلب بنور الذكر الخفي، وحصول المعارف الإلهية.\nوقوله: (فإنه) أي: الضحك الكثير (يميت القلب) بسبب طريان ظلمة الغفلة والقساوة وانطفاء نور العلم والمعرفة، وفيه حياة القلب.\nوقوله: (ويذهب بنور الوجه) وهو لمعان نور القلب من سيماء الوجه، ولا بد إذا مات القلب أظلم الوجه، فإن وضاءة الوجه ونضارة الجسد بالحياة حسًّا ومعنًى.\nوقوله: (ما تعلم من نفسك) أي: من العيوب، إشارة إلى أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ومع ذلك لا يرى عيوب الناس ولا يزكي نفسه، وينبغي أن يرى نفسه أصغر وأحقر وأنقص من الكل، فافهم.\n٤٨٦٧ - [٥٦] (أنس) قوله: (هما أخف على الظهر) حملهما والعمل بهما،\n_________\n(١) في نسخة: \"أنّ\".\n(٢) في نسخة: \"يا با ذر\".","vol":"8","page":172},{"text":"وَأَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ؟ \" قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: \"طُولُ الصَّمْتِ، وَحُسْنُ الْخُلُقِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا عَمِلَ الْخَلَائِقُ بِمِثْلِهِمَا\".\n٤٨٦٨ - [٥٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَرَّ النَّبِيُّ -ﷺ- بِأَبِي بَكْرٍ وَهُوَ يَلْعَنُ بَعْضَ رَقِيقِهِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَقَالَ: \"لَعَّانِينَ وَصِدِّيقِينَ؛ كَلَّا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ\"، فَأَعْتَقَ أَبُو بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ بَعْضَ رَقِيقِهِ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وَقَالَ: لَا أَعُودُ. رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الْخَمْسَةَ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٤٦٣٩، ٣٩٢٦، ٤٥٩٢، ٤٥٩١، ٤٧٩١].\n٤٨٦٩ - [٥٨] وَعَنْ أَسْلَمَ قَالَ: إنَّ عُمَرَ دَخَلَ يَوْمًا عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَهُوَ يَجْبِذُ لِسَانَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: مَهْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ هَذَا أَوْرَدَنِي الْمَوَارِدَ. رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢/ ٩٨٨].\nــ\nولما كان الظهر له دخل في الحمل كنى به عن العمل.\nوقوله: (ما عمل الخلائق بمثلهما) الباء زائدة؛ فإن قلت: حسن الخلق ليس بعمل؟ قلت: المراد تحسينه، والمعاملة مع الناس على الوجه الحسن.\n٤٨٦٨ - [٥٧] (عائشة) قوله: (لعانين وصدّيقين) أي: هل رأيت جامعين بين الصديقية واللعن؟ المؤمن لا يكون لعانًا، خصوصًا الصديق.\n٤٨٦٩ - [٥٧] (أسلم) قوله: (وهو يجبذ) أي: يجذب لسانه، ولعل مقصوده -﵁- إظهار الزجر والقهر على اللسان، وإلا كيف يمكن إخراجه؟ وكيف يجوز ذلك شرعًا؟ والجبذ: الجذب.\nقال في (القاموس) (١): وليست مقلوبة بل لغة صحيحة، ووهم الجوهري وغيره.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٣١٣).","vol":"8","page":173},{"text":"٤٨٧٠ - [٥٩] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنُ لَكُمُ الْجَنَّةَ: اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، وأَدُّوا إِذَا ائْتُمِنتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ\".\n٤٨٧١، ٤٨٧٢ - [٦٠، ٦١] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ وَأَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ، وَشِرَارُ عِبَادِ اللَّهِ الْمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، وَالْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، الْبَاغُونَ الْبُرَاءَ. . . . .\nــ\nوقال الطيبي (١): الجبذ لغة في الجذب، وقيل: مقلوب منه.\n٤٨٧٠ - [٥٩] (عبادة بن الصامت) قوله: (أضمن لكم الجنة) مبالغة وتأكيد في الوعد، وقد سبق، ووعد اللَّه سبحانه بدخول المؤمنين الجنة خصوصًا الجامعين لهذه الصفات، ووعد اللَّه لا يُخلف.\n٤٨٧١، ٤٨٧٢ - [٦٠، ٦١] (عبد الرحمن) قوله: (غنم) بفتح المعجمة وسكون النون.\nوقوله: (إذا رؤوا ذكر اللَّه) لظهور سيماء العبادة في وجوههم، وتذكير حالهم ومشاهدتها نعم اللَّه وألطافه التي أفاض عليهم وخصهم بها، أو المراد أن رؤيتهم كذكر اللَّه تعالى، والنظر إليهم عبادة.\nوقوله: (الباغون) أي: الطالبون، و(البراء) مفعول أوّل، جمع بريء كعجيب وعجاب، ويستوي فيه الواحد والمجموع، وقد يجمع على برآء على وزن فقهاء، وهذا\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٢٣).","vol":"8","page":174},{"text":"الْعَنَتَ\". رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَان\". [حم: ٤/ ٢٢٧، شعب: ٦٢٨٢].\n٤٨٧٣ - [٦٢] وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ: أَنَّ رَجُلَيْنِ صَلَّيَا صَلَاةَ الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْرِ وَكَانَا صَائِمَيْنِ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ -ﷺ- الصَّلَاةَ قَالَ: \"أَعِيدُوا وُضُوءَكُمَا وَصَلَاتَكُمَا، وامْضِيَا فِي صَومِكُمَا، وَاقْضِيَا يَوْمًا آخَرَ\"، قَالَا: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"اغْتَبْتُمْ فُلَانًا\".\nــ\nأنسب بالمقام، لكن المصحح في النسخ على وزن عجاب، و(العنت) بفتحتين: الفساد، والإثم، والهلاك، ودخول المشقة على الإنسان، كذا في (القاموس) (١)، وهو مفعول ثان.\n٤٨٧٣ - [٦٢] (ابن عباس) قوله: (أعيدوا وضوءكما) هكذا وجدنا في النسخ، والظاهر (أعيدا) بالتثنية كما في قرينته، وقد وقع لفظ الجمع في قوله: (اغتبتم) فعلم منه أن يصح في الاثنين إيراد صيغة الجمع والتثنية.\nوظاهر الحديث يدل على أن الغيبة تنقض الوضوء وتفسد الصوم، وقالوا: هو وارد على سبيل التغليظ والتشديد، ولم يذهب إليه أحد من العلماء، وقال في (إحياء العلوم) (٢): إن الغيبة مفسدة للصوم على مذهب سفيان الثوري، ونقل عن الإمام أحمد أنه قال: لو فسد الصوم بالغيبة أيّنا يتم له الصوم، وقد يستأنس بقوله: (امضيا في صومكما) أنه لا يفسد، والقضاء للاحتياط، نعم قد يمضي في الصوم مع عدم صحته، كما في المرأة حاضت في نهار رمضان تمسك يومها.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١٥٧).\n(٢) \"إحياء علوم الدين\" (١/ ٢٣٤).","vol":"8","page":175},{"text":"٤٨٧٤، ٤٨٧٥ - [٦٣، ٦٤] وَعَن أَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْغِيبَةُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا\"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ الْغِيبَةُ أَشَدُّ مِنَ الزِّنَا؟ قَالَ: \"إنَّ الرَّجُلَ لَيَزْنِي فَيَتُوبُ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ -وَفِي رِوَايَةٍ: \"فَيَتُوبُ فَيَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ\"- وَإِنَّ صَاحِبَ الْغِيبَةِ لَا يُغْفَرُ لَهُ حَتَّى يَغْفِرَهَا لَهُ صَاحِبُهُ\".\n٤٨٧٦ - [٦٥] وَفِي رِوَايَةِ أَنَسٍ قَالَ: \"صَاحِبُ الزِّنَا يَتُوبُ، وَصَاحِبُ الْغِيبَةِ لَيْسَ لَهُ تَوْبَةٌ\". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٦٣٥٣، ٦٣١٥، ٦٣١٦].\n٤٨٧٧ - [٦٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ مِنْ كَفَّارَةِ الْغِيبَةِ أَنْ تَسْتَغْفِرَ لِمَنِ اغْتَبْتَهُ، تَقُولُ: . . . . .\nــ\n٤٨٧٤، ٤٨٧٥، ٤٨٧٦ - [٦٣، ٦٤، ٦٥] (أبو سعيد، وجابر، وأنس) قوله: (صاحب الغيبة ليس له توبة) بالمعنى المذكور في الرواية الأولى، أو المراد أنه لا يبالي بها فلا يتوب، بل ربما يقع في ورطة الاستخفاف والاستحلال فيكون أمرها أشد، فعلم من هذا أن المراد بقوله -ﷺ-: (الغيية أشد من الزنا) أي: من بعض الوجوه، لا أن إثمه أشد من إثم الزنا، واللَّه أعلم.\n٤٨٧٧ - [٦٦] (أنس) قوله: (يقول: اللهم اغفر لنا وله) بتقديم الاستغفار لنفسه كما هو المعهود في الاستغفار، والأصل في كفارة الغيبة أن يستحل من المغتاب إن أمكن، والأولى أن لا يعين الغيبة؛ لما في التعيين من تجديد الإيذاء، وإلا ندم واستغفر، والاستغفار للمغتاب أيضًا كفارة، فعلم منه معنى (من) التبعيضية في قوله: (إن من كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته).","vol":"8","page":176},{"text":"اللهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلَهُ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"الدَّعَوَاتِ الْكَبِيرِ\" وَقَالَ: فِي هَذَا الإِسْنَادِ ضَعْفٌ. [الدعوات الكبير: ٥٧٥].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1105>١١ - باب الوعد</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1106> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٨٧٨ - [١] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَجَاء أَبَا بَكْرٍ مَالٌ مِنْ قِبَلِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ، فَقَالَ أَبُوْ بَكْرٍ: . . . . .\nــ\n١١ - باب الوعد\nفي (القاموس) (١): وعده الأمر وبه يعد عدة ووعدًا وموعدًا وموعدة، وخيرًا وشرًا؛ فإذا أسقطا قيل في الخير: وعد، وفي الشر: أوعد، والميعاد: وقته وموضعه، والاتعاد: قبول العدة.\nوفي (الصحاح) (٢): يقال: وعدته خيرًا وشرًّا؛ فإذا أسقطوا قالوا في الخير: الوَعْدُ والعِدَةُ، وفي الشر: الإيعادُ والوَعيدُ، والهاء في (العدة) بدل من الواو.\nالفصل الأول\n٤٨٧٨ - [١] (أنس) قوله: (من قبل العلاء بن الحضرمي) وكان عامل النبي -ﷺ-.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٨).\n(٢) \"الصحاح في اللغة\" (٢/ ٢٨٥).","vol":"8","page":177},{"text":"مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- دَيْنٌ أَوْ كَانَتْ لَهُ قِبَلَهُ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنَا، قَالَ جَابِرٌ: فَقُلْتُ: وَعَدَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُعْطِيَنِي هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا، فَبَسَطَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ جَابِز: فَحَثَا لِي حَثْيَةً، فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُ مِئَةٍ، وَقَالَ: خُذْ مِثْلَيْهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٩٦، م: ٣٣١٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1107> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٨٧٩ - [٢] عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: . . . . .\nــ\nوقوله: (من كان له على النبي -ﷺ- دين أو كانت له قبله عدة فليأتنا)، وهذا كان قول أبي بكر -﵁- فيما ترك النبي -ﷺ- من مال: إنه ليس له ميراث، وأنا خليفته أنفق حيث كان ينفقها من عياله، وفي دينه ووعده -ﷺ-، وسائر أمور المسلمين التي كان ينفق فيها النبي -ﷺ-، ومن جملتها الفدك وأموال بني النضير وغيرهما.\nوقوله: (هكذا وهكذا وهكذا) أشار إلى الحثيات الثلاثة من يديه.\nوقوله: (فحثا لي) يعني أبو بكر (حثية) أي: ملأ كفه من الدراهم، والحثي كالرمي: ما رفعت به يدك، ومنه حثا التراب عليه يحثوه ويحثيه حثوًا وحثيًا، ومنه: (احثوا التراب في وجوه المداحين)، وقد يجيء بمعنى إعطاء شيء قليل، ولما كان وعده النبي -ﷺ- أن يعطيه ثلاث حثيات حثا أبو بكر -﵁- حثية واحدة وعدّها؛ فإذا هي خمس مئة، قال: خذ مثليها، يعني ألفًا، فيكون ثلاث حثيات.\nالفصل الثاني\n٤٨٧٩ - [٢] (أبو جحيفة) قوله: (وعن أبي جحيفة) بتقديم الجيم المضمومة على الحاء المهملة المفتوحة، كان من صغار الصحابة، وتوفي رسول اللَّه -ﷺ- وأبو جحيفة لم يبلغ الحلم.","vol":"8","page":178},{"text":"رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَبْيَضَ قَدْ شَابَ، وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يُشْبِهُهُ، وَأَمَرَ لَنَا بِثَلَاثَةَ عَشَرَ قَلُوصًا، فَذَهَبْنَا نَقْبِضُهَا، فَأَتَانَا مَوْتُهُ فَلَمْ يُعْطُونَا شَيْئًا. فَلَمَّا قَامَ أَبُو بَكْرٍ قَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عِدَةٌ فَلْيَجِئْ، فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَمَرَ لَنَا بِهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٨٢٦].\n٤٨٨٠ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الحَسْماءِ قَالَ: بَايَعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-. . . . .\nــ\nوقوله: (رأيت رسول اللَّه -ﷺ- أبيض اللون قد شاب) أي: ظهر في شعره شيب.\nوقوله: (وكان الحسن بن علي يشبهه) إنما هو لأجل أن صحبته كانت خفية على الناس، فقال هذا إثباتًا لها.\nوقوله: (بثلاثة عشر قلوصًا) القلوص بفتح القاف من الإبل: الشابة، أو الباقية على السير، أو أول ما يركب من إناثها إلى أن تُثْنِي، ثم هي ناقة، والناقة الطويلة القوائم خاص بالإناث، وجمعه قلائص وقُلُص.\nوقوله: (فأتانا موته) أي: خبر موته.\nوقوله: (فلما قام) أي: خطب (١)، أو قام بأمر الخلافة.\n٤٨٨٠ - [٣] (عبد اللَّه بن أبي الحسماء) قوله: (أبي الحسماء) هكذا في نسخ (المشكاة) و(المصابيح) بتقديم السين على الميم، قالوا: هو سهو، والصواب الحمساء بتقديم الميم على السين.\nوقوله: (بايعت) أي: اشتريت منه شيئًا، وكان رسول اللَّه -ﷺ- يبيع ويشتري قبل البعثة، وأما بعد البعثة كان الشراء غالبًا على البيع، ولم يحفظ البيع بعد الهجرة إلا\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"المرقاة\" (٧/ ٣٠٥٨): \"أي: خطيبًا\".","vol":"8","page":179},{"text":"قَبْلَ أَنْ يُبْعَثَ وَبَقِيَتْ لَهُ بَقِيَّةٌ، فَوَعَدْتُهُ أَنْ آتِيَهُ بِهَا فِي مَكَانِهِ فَنَسِيتُ، فَذَكَرْتُ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَإِذَا هُوَ فِي مَكَانِهِ، فَقَالَ: \"لَقَدْ شَقَقْتَ عَلَيَّ، أَنَا هَهُنَا مُنْذُ ثَلَاثٍ أَنْتَظِرُكَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٩٦].\n٤٨٨١ - [٤] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا وَعَدَ الرَّجُلُ أَخَاهُ وَمِنْ نِيَّتِهِ أَنْ يَفِيَ لَهُ، فَلَمْ يَفِ وَلَمْ يَجِئْ لِلْمِيعَادِ، فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٤٩٩٥، ت: ٢٦٣٣].\nــ\nفي ثلاث صور، كذا في (سفر السعادة) (١).\nوقوله: (وبقيت له بقية) أي: من ثمن ذلك المبيع عندي.\nوقوله: (في مكانه) الضمير للنبي -ﷺ- أو للبيع.\nوقوله: (فإذا هو) أي: النبي -ﷺ- ثابت في مكانه ينتظر في ذلك المكان وفاءً بما وعد من لزوم المكان حتى أجيئه، وقد ينقل مثل ذلك من إسماعيل ﵇، ذكروه في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ [مريم: ٥٤]، وقد يحكى عن سيدنا الشيخ محيي الدين عبد القادر: أنه وعده رجل فانتظره سنة، ثم جاء الرجل ووعده ثانيًا فغاب سنة، هكذا إلى ثلاث مرات، وكان ذلك الرجل الخضر جاء ليختبره، ففتح عليه فتحًا عظيمًا.\nوقوله: (لقد شققت علي) في (القاموس) (٢): شق عليه: أوقعه في المشقة.\n٤٨٨١ - [٤] (زيد بن أرقم) قوله: (فلا إثم عليه) قيل: فيه دليل على أن الوفاء\n_________\n(١) \"سفر السعادة\" (ص: ٢٧٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٢٧).","vol":"8","page":180},{"text":"٤٨٨٢ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: دَعَتْنِي أُمِّي يَوْمًا وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا، فَقَالَتْ: هَا تَعَالَ أُعْطِكَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيْهِ (١)؟ \" قَالَتْ: أَرَدْتُ أَنْ أُعْطِيَهُ تَمْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِيْهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كَذْبَةٌ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [د: ٤٩٩١، شعب: ٤٤٨٢].\nــ\nبالوعد ليس بواجب شرعي، بل هو من مكارم الأخلاق بعد أن كانت نيته الوفاء، وأما جعل الخلف في الوعد من علامات النفاق كما مر في أول الكتاب، فمعناه الوعد على نية الخلف، وقيل: الخلف في الوعد من غير مانع حرام، وهو المراد هنا، وكان الوفاء بالوعد مأمورًا به في الشرائع السابقة أيضًا.\n٤٨٨٢ - [٥] (عبد اللَّه بن عامر) قوله: (ها تعالَ أعطك): (ها) حرف تنبيه، و(تعال) اسم فعل بمعنى جئ، و(أعطك) جواب الأمر مجزوم بحذف الياء، وقد يروى بإثبات الياء على الاستئناف.\nوقوله: (كتبت عليك كذبة) فيه أن ما يتفوّه به الناس للأطفال عند البكاء مثلًا بكلمات هزلًا أو كذبًا بإعطاء شيء أو بتخويف من شيء حرام داخل في الكذب.\nوأما قوله -ﷺ-: (لو لم تعطيه شيئًا) مع أنها أرادت أن تعطيه تمرًا، فالظاهر أن يقال: لو لم تعطيه تمرًا نظرًا إلى ظاهر الإطلاق في قوله: أعطيك؛ لأن قولها: (أردت أن أعطيه تمرًا) كان عذرًا محضًا عن سؤاله -ﷺ-: (ما أردت أن تعطيه؟)، والظاهر أنها أرادت تسلية الولد هزلًا من غير إرادة إعطاء شيء معين كما هو العادة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (أن تعطيه) بجزم الياء أصله: تعطينه.\n_________\n(١) بسكون الياء؛ لأنه صيغة المخاطبة، وعلامة نصبها حذف النون.","vol":"8","page":181},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1108> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٨٨٣ - [٦] عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ وَعَدَ رَجُلًا فَلَمْ يَأْتِ أَحَدُهُمَا إِلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ وَذَهَبَ الَّذِي جَاءَ لِيُصَلِّيَ، فَلَا إِثمَ عَلَيْهِ\". رَوَاهُ رَزِينٌ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1109>١٢ - باب المزاح</span>\nــ\nالفصل الثالث\n٤٨٨٣ - [٦] (زيد بن أرقم) قوله: (من وعد رجلًا فلم يأت أحدهما إلى وقت الصلاة وذهب الذي جاء ليصلي، فلا إثم عليه) صورته تواعد رجلان بحضورهما واجتماعهما في مكان مثلًا، فجاء أحدهما ولم يجع الآخر، فانتظر الذي جاء للذي لم يجئ إلى وقت الصلاة، ثم ذهب إلى الصلاة، ثم جاء الآخر ولم يجده، لا يكون هذا خلفًا في الوعد؛ لأن الذهاب للصلاة ضروري وعذر صحيح.\nنعم ينبغي له أن ينتظر إلى وقت الصلاة؛ فإن لم ينتظر إلى هذا الوقت يكون خلفًا، اللهم إلا أن يعترض مانع آخر، فذلك شيء آخر، وبدونه وجب التوقف إلى وقت الصلاة، فافهم.\n١٢ - باب المزاح\nفي (القاموس) (١): مزح كمنع، [يمزح] مزحًا ومُزاحًا ومُزاحة بضمهما، وهما\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٣٣).","vol":"8","page":182},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1110> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٨٨٤ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنْ كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- لَيُخَالِطُنَا حَتَّى يَقُولَ لِأَخٍ لِي صَغِيرٍ: \"يَا أَبَا عُمَيْرٍ! مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ \" كَانَ لَه (١) نُغَيْرٌ يَلْعَبُ بِهِ فَمَاتَ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٢٩، م: ٢١٥٠].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1111> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٨٨٥ - [٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّكَ تُدَاعِبُنَا،\nــ\nاسمان: دعب، وما زحه ممازحه ومِزاحًا، وفى (الصراح) (٢): مزح: لاغ كردن، من باب فتح يفتح، والاسم المزاح بالضم، وبالكسر المصدر.\nالفصل الأول\n٤٨٨٤ - [١] (أنس) قوله: (ما فعل النغير؟) بالغين المعجمة على لفظ التصغير، وواحده نغرة كهمزة، وفي الحديث جواز تصغير الأسماء، وتكنية الصغار، ورعاية السجع في الكلام، وإباحة لعب الصبي بالطيور إذا لم يعذبه، وإباحة صيد المدينة كما هو مذهب الحنفية من أن المدينة ليس بحرم، وإنما سمي حرمًا بمعنى الاحترام والتعظيم، لا حرمة الصيد والكلأ ولزوم الجزاء، لكن الدلالة على الأخير محل خفاء، فلعله صيد من خارج المدينة وحد حرمها، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n٤٨٨٥ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (إنك تداعبنا) وفي نسخة: (لتداعبنا)، دعب\n_________\n(١) في نسخة: \"وله نغير\".\n(٢) \"الصراح\" (ص: ١١٠).","vol":"8","page":183},{"text":"قَالَ: \"إِنِّي لَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٩٩٥].\n٤٨٨٦ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا اسْتَحْمَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"إِنِّي حَامِلُكَ عَلَى وَلَدِ ناقَةٍ؟ \" فَقَالَ: مَا أَصْنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَهَلْ تَلِدُ الإِبِلَ إِلَّا النُّوقُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٩٩١، د: ٤٩٩٨].\n٤٨٨٧ - [٤] وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لَهُ: \"يَا ذَا الأُذُنينِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٥٠٠٢، ت: ١٩٩٢].\nــ\nكمنع: مزح، وداعبه: مازحه، والدعابة بالضم: اللعب، رجل دعّابة مشددًا، ودعب ككتف، وداعب: لاعب، كذا في (القاموس) (١).\nقوله: (لا أقول إلا حقًّا) وإن كان في صورة الباطل عند من لا يفهم حقيقة المقصود، وبهذا يحصل الطيبة والمزاح، وهذا هو الضابط في هذا الباب، ومع ذلك ينبغي أن لا يكون فيه إيذاء للصاحب، ولا يعتاد ذلك؛ فإنه يذهب بالمهابة والوقار.\n٤٨٨٦ - [٣] (أنس) قوله: (ما أصنع بولد الناقة؟) لما كان المتعارف عند العامة في بادئ الرأي استعمال ولد الناقة فيما كان صغيرًا لا يصلح للركوب، وإنما يقال للصالح: الإبل، توحش الرجل على فهمه المعنى، فأشار -ﷺ- بأن ذلك صادق في الحقيقة.\n٤٨٨٧ - [٤] (وعنه) قوله: (يا ذا الأذنين) كل إنسان صاحب الأذنين، ولكنه يفهم من ظاهر أداء هذه العبارة أن هذه صفة خاصة غريبة أسندت إليه لا توجد في\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩١).","vol":"8","page":184},{"text":"٤٨٨٨ - [٥] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ لِامْرَأَةٍ عَجُوزٍ: \"إِنَّهُ لَا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَجُوزٌ\"، فَقَالَتْ: وَمَا لَهُنَّ؟ وَكَانَتْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ. فَقَالَ لَهَا: \"أَمَا تَقْرَئِينَ الْقُرْآنَ؟ ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٦] \". رَوَاهُ رَزِينٌ. وَفِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" بِلَفْظِ \"الْمَصَابِيحِ\". [شرح السنة: ٣٦٠٦].\n٤٨٨٩ - [٦] وَعَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ كَانَ اسْمُهُ زَاهِرَ بْنَ حَرَامٍ، وَكَانَ يُهْدِيْ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- مِنَ الْبَادِيَةِ، فَيُجَهِّزُهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. . . . .\nــ\nغيره، فيكون مزاحًا بهذا الاعتبار، وقيل: هذا مدح منه -ﷺ- لأنس -﵁- بتيقظه في الاستماع، أو تنبيه له على أنه ينبغي أن يكون مستيقظًا؛ لأن من أعطاه اللَّه آلتين مع كفاية واحدة منها في أصل الغرض ينبغي أن يكون كذلك.\n٤٨٨٨ - [٥] (وعنه) قوله: (لامرأة عجوز) في (القاموس) (١): العجوز: الشيخ والشيخة، ولا تقول: عجوزة، أو هي لغة رديئة، والجمع العجائز والعجز، وقيل: العجوز هنا هي صفية بنت عبد المطلب عمة رسول اللَّه -ﷺ- أمّ الزبير بن العوام، واللَّه أعلم.\nوقوله: (بلفظ \"المصابيح\") وهو روي أنه -ﷺ- قال لعجوز: (إن الجنة لا تدخلها العجز)، فولّت تبكي، قال: (أخبروها بأنها لا تدخلها وهي عجوز، إن اللَّه تعالى قال: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٦]).\n٤٨٨٩ - [٦] (وعنه) قوله: (يهدي من البادية) أي: بما يوجد فيها من الثمار والنباتات والبقول.\nوقوله: (فيجهزه رسول اللَّه -ﷺ-): أي: يعدّ ما يحتاج إليه في البادية من أمتعة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٧٨).","vol":"8","page":185},{"text":"إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِنَّ زَاهِرًا بَادِيَتُنَا وَنَحْنُ حَاضِرُوهُ\"، وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُحِبُّهُ، وَكَانَ دَمِيمًا، فَأَتَى النَّبِيُّ -ﷺ- يوْمًا وَهُوَ يَبِيعُ مَتَاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ لَا يُبْصِرُهُ، فَقَالَ: أَرْسِلْنِي مَنْ هَذَا؟ فَالْتَفَتَ فَعَرَفَ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَجعل لَا يَأْلُواْ مَا أَلْزَقَ ظَهْرَهُ. . . . .\nــ\nالبلدان، وتجهيز الغازي تحميله، وإعداد ما يحتاج إليه في غزوه، ومنه تجهيز الميت والعروس، قال الكرماني (١): الجهاز بفتح جيم وكسرها: ما يحتاج إليه في السفر، وفي (القاموس) (٢): جهاز الميت والعروس والمسافر بالكسر، والفتح: ما يحتاجون إليه.\nوقوله: (إن زاهرًا باديتنا) أي: ساكن في باديتنا، وفي بعض النسخ: (بادينا)، والبادي: المقيم بالبادية، وهو أظهر من الأول، كذا في (شرح الشمائل).\nوقوله: (ونحن حاضروه) الحاضر المقيم في المدن، من الحضر مقابل السفر، والمعنى: إنا نستفيد منه ما يستفيد الرجل من باديته من أنواع النباتات، ونحن نعدّ له ما يحتاج إليه من البلد، و(الدميم) بالدال المهملة، أي: قبيح الوجه، الدمامة بالفتح: القصر والقبح.\nوقوله: (فاحتضنه) أي: أخذه في حضنه، والحضن بالكسر: ما دون الإبط إلى الكشح، أو الصدرُ، والعضدان وما بينهما، كذا في (القاموس) (٣).\nوقوله: (فجعل) أي: طفق (لا يألو ما ألزق) (ما) مصدرية.\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (١٥/ ١١٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٧٠).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٩٧).","vol":"8","page":186},{"text":"بِصَدْرِ النَّبِيِّ -ﷺ- حِينَ عَرَفَهُ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ؟ \" فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِذًا وَاللَّهِ تَجِدُنِي كَاسِدًا، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"لَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ لَسْتَ بِكَاسِدٍ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٣٦٠٤].\n٤٨٩٠ - [٧] وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّ عَلَيَّ وَقَالَ: \"ادْخُلْ\"، فَقُلْتُ: أَكُلِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"كُلُّكَ\" فَدَخَلْتُ، قَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي العَاتِكَةِ: إِنَّمَا قَالَ: أَدْخُلُ كُلِّي مِنْ صِغَرِ الْقُبَّةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٠٠٠].\n٤٨٩١ - [٨] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: اسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَسَمِعَ صَوْتَ عَائِشَةَ عَالِيًا، فَلَمَّا دَخَلَ تَنَاوَلَهَا لِيَلْطِمَهَا. . . . .\nــ\nوقوله: (كاسدًا) في (القاموس) (١): كسد كنصر وكرم، كسادًا وكسودًا: لم ينفق، فهو كاسد وكسيد، والكسيد: الدون.\n٤٨٩٠ - [٧] (عوف) قوله: (فقلت أكلي) أي: التقدير أدخل كلي، فهو مرفوع، وعلى هذا قوله: (كلك) أيضًا مرفوع، أي: يدخل كلك، أو تقديره: أدخل من الإفعال فهو منصوب.\nوقوله: (كلك) أيضًا منصوب، أي: أدخل كلك، كذا قال بعض الشارحين، وفيه أنه كما كان رسول اللَّه -ﷺ- يمازح الصحابة كذلك كانوا يمازحونه.\n٤٨٩١ - [٨] (النعمان) قوله: (ليلطمها) اللطم: ضرب الخد بالكف، وهو منهي عنه، ولعل هذا كان قبل النهي، أو وقع ذلك من أبي بكر لغلبة الغضب، وهو -﵁-\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٩٨).","vol":"8","page":187},{"text":"وَقَالَ: لَا أَرَاكِ تَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَجَعَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَحْجُزُهُ، وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُغْضَبًا، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- حِينَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ: \"كَيْفَ رَأَيْتِنِي؟ أَنْقَذْتُكِ مِنَ الرَّجُلِ\"، قَالَ (١): فَمَكَثَ أَبُو بَكْرٍ أَيَّامًا، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ فَوَجَدَهُمَا قَدِ اصْطَلَحَا (٢)، فَقَالَ لَهُمَا: أَدْخِلَانِي فِي سِلْمِكُمَا كَمَا أَدْخَلْتُمَانِي فِي حَرْبِكُمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"قَدْ فَعَلْنَا، قَدْ فَعَلْنَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٩٩].\n٤٨٩٢ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تُمَارِ أَخَاكَ، وَلَا تُمَازِحْهُ،\nــ\nأراد ولم يلطم، وفي (القاموس) (٣): اللطم: ضرب الخد أو صفحة الخدّ بالكف، فارتفع الإشكال.\nوقوله: (مغضبًا) بفتح الضاد؛ أي: أغضبته عائشة برفع صوتها على النبي -ﷺ-.\nوقوله: (كيف رأيتني؟ أنقذتك من الرجل) لعل معنى المزاح في المطايبة في هذا، ولهذا عبر عن أبي بكر بالرجل، فهو -ﷺ- أبعده عنها تطييبًا وممازحة، ولم يقل: عن أبيك، أو عدم التعبير بالأب؟ لأن ظاهر عنوان الأبوة ينافي الضرب.\nوقال الطيبي (٤): المراد الرجل الكامل في الرجولية؛ لأنه غضب للَّه ولرسوله.\n٤٨٩٢ - [٩] (ابن عباس) قوله: (ولا تمازحه) أي: بما يؤذيه.\n_________\n(١) في نسخة: \"قالت\".\n(٢) في نسخة: \"اضطجعا\".\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٦٧).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٣٢).","vol":"8","page":188},{"text":"وَلَا تَعِدْهُ مَوْعِدًا فتخْلِفَهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٩٩٥].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1112>١٣ - باب المفاخرة والعصبية</span>\nــ\nوقوله: (ولا تعده موعدًا) الظاهر أن المصدر للتأكيد، وحمله على النوع كما فعله الطيبي (١) تكلف.\n١٣ - باب المفاخرة والعصبية\nفي (القاموس) (٢): الفخر والفَخار والفَخارة بفتحهما: التمدح بالخصال كالافتخار، فخر كمنع فهو فاخر وفَخور، وتفاخروا: فخر بعضهم على بعض، فاخره مفاخرة وفخارًا: عارضه با لفخر ففخره، كنصره: غلبه، كالافتخار، وفخره [عليه]: فَضَّله على غيره، كأفخره عليه، انتهى.\nوعلم من هذا أن ليس المراد بالمفاخرة في قول المؤلف معناه، أعني المعارضة بالفخر، بل معنى الفخر، وهو التمدح بالخصال، والمفاخرة إن كان في حق ومصلحة دينية وشكر نعمة وتحديثًا بنعمة الرب تعالى ولإظهار الجلادة على أعداء الدين فهو جائز، وقد جاء عن بعض الصحابة وغيرهم من أهل الدين، وإن على وجه التكبر والنفسانية فهي مذمومة.\nوالعصبية كون الرجل عصبيًّا، وهو الذي يعصب ويحامي ويغضب لعصبته،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٣٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٢٣).","vol":"8","page":189},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1113> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٨٩٣ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: أَيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ؟ قَالَ: \"أَكْرَمُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاهُمْ\"، قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: \"فَأَكْرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ اللَّهِ ابْنُ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ نَبِيِّ اللَّهِ ابْنِ خَلِيلِ اللَّهِ\"، قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هَذَا نَسْأَلُك، قَالَ (١): \"فَعَنْ مَعَادِنِ الْعَرَبِ تَسْأَلُونَيِّ؟ \". . . . .\nــ\nوالعصبة: قوم الرجل الذين يتعصبون له، وغلب في الأقارب من جهة الأب، وفي الفرائض: الذي لم يكن له فريضة مسماة يأخذ من الفرض، والتعصيب: التشديد، ومنه العصب لأطناب المفاصل لشدتها، والرجل يشتد بعصبته ويتقوى بهم، والمتعصب من يأتي بالعصبية أي: الحماية لقومه والغضب لهم، ويقال لمن يجادل بشدة في مذهب لإظهاره القوة فيه، أو لأن أعصابه تنتفخ فيه، والعصبية أيضًا إن كانت بحق فهي مستحسنة كما سيجيء في الحديث: (خيركم المدافع عن عشيرته ما لم يأثم)، وإن كانت ظلمًا من غير حق فهي مذمومة، وقد تعارف إطلاقها في هذا القسم الأخير كما سئل النبي -ﷺ- ما العصبية؟ قال: (أن تعين قومك على الظلم) كما سيأتي.\nالفصل الأول\n٤٨٩٣ - [١] (أبو هريرة) قوله: (سئل رسول اللَّه -ﷺ-: أيّ الناس أكرم؟) الحديث، تقريره على ما ذكره الطيبي أنهم إن أرادوا السؤال عن الأكرم عند اللَّه تعالى ذاتًا من غير اعتبار للانتساب إلى الآباء وافتخار بخصائلهم وخصائل نفسه فجوابه أنه الأتقى، فإن أريد تحقيقًا لم يكن إلا فردًا إلا واحدًا، وما هو إلا رسول اللَّه -ﷺ- الذي هو أكرم الأكرمين بعد اللَّه ﷿، وإن أريد إضافيًّا يكون متعددًا، فكل من هو أتقى من\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".","vol":"8","page":190},{"text":"قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: \"فَخِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي. . . . .\nــ\nالقوم أو من فرد يكون أكرم منه، وإن أرادوا الأكرم حسبًا ونسبًا، والحسب ما يعده الرجل ويفتخر به من الفضائل الشريفة والخصائل الحميدة توجد فيه وفي آبائه، فأجاب -ﷺ- أنه يوسف عليه وعلى آبائه التحية والسلام؛ لأنه اجتمع له شرف النبوة، والعلم والجمال، والعفة وكرم الأخلاق، وكرم الآباء والعدل، ورياسة الدنيا والدين، وشرف النسب؛ لأنه نبي من نبي، رابع أربعة في النبوة، وإن أرادوا الأكرم من حيث الحسب والفضائل التي يعد ويفتخر من غير اعتبار التقوى والنسب، وهو المراد بمعادن العرب، أي: ذواتهم ورجالهم الذين يفتخرون بفضائلهم لقوله -ﷺ-: (الناس معادن كمعادن الذهب والفضة)، فسألوا أيهم أكرم؟ فأجاب بأن أكرمهم وخيارهم الذين كانوا كذلك في الجاهلية؛ لأنهم إنما كانوا رؤساءهم وكبراءهم في الجاهلية لأجل صفات عظيمة تميزوا وتفوقوا بها على غيرهم، غير أنهم كانوا مظلمين بظلمات الجهل والكفر، منغمسين في مقتضيات أهوائهم وشهواتهم، فلما آمنوا واتصفوا بالعلوم الشرعية والأخلاق الإيمانية ذهبت ظلماتهم وتبدلت صفاتهم العارضة على ذواتهم، وتولى اللَّه تعالى أمرهم وأخرجهم من الظلمات إلى النور، والذين لم يؤمن منهم تركه اللَّه في ظلمات لا يبصرون، كالمعادن بعضها من الفضة وبعضها من الذهب وبعضها من الحديد مثلًا متميزة بأصول ذواتها، غير أنه قد يكون الذهب أو الفضة مختلطًا بالتراب والمواد الكثيفة، فيذاب وينقى عن الكدورات والكثافات فيصير خالصًا نقيًّا، فافهم، وباللَّه التوفيق.\nثم إنه قد كتب (ابن) في (يوسف نبي اللَّه بن نبي اللَّه بن نبي اللَّه بن خليل اللَّه) بدون الألف (١)، وليس واقعًا بين العلمين، اللهم إلا أن يقال: إن (نبي اللَّه) هنا عبارة\n_________\n(١) لعله وقع في نسخة الشارح ﵀، وأما النسخة الهندية ففيها بإثبات الألف، وكذا قال =","vol":"8","page":191},{"text":"الإِسْلَامِ إِذَا فَقُهُوا\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٦٨٩، م: ٢٣٧٨].\n٤٨٩٤ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْكَرِيمُ ابْنُ الْكَرِيم ابْنِ الْكَرِيم ابْنِ الْكَرِيم يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسحاقَ بْنِ إِبراهيمَ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٦٨٨].\n٤٨٩٥ - [٣] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: فِي يَوْمِ حُنَيْنٍ كَانَ أَبُو سُفْيَانَ ابْنُ الْحَارِثِ آخِذًا بِعِنَانِ بَغْلَتِهِ -يَعْنِي بَغْلَةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَلَمَّا غَشِيَهُ الْمُشْرِكُونَ نَزَلَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: \"أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ\". . . . .\nــ\nعن العلم.\nوقوله: (إذا فقهوا) بضم القاف وكسرها، من باب كرم وعلم، كذا في (القاموس) (١).\n٤٨٩٤ - [٢] (ابن عمر) قوله: (الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم) هنا أيضًا كتب بدون الألف، وتوجيهه ما قلنا، وقال بعض الشراح: وصوابه أن يكتب بها؛ لوقوعها بين الصفات، بخلاف قوله: (يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم)، وعدل (٢) في إبراهيم من نبي اللَّه إلى خليل اللَّه لوجود صفة أخص من النبوة، وهو لقب لإبراهيم ﵇، فيكون علمًا.\n٤٨٩٥ - [٣] (البراء بن عازب) قوله: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)\n_________\n= القاري في \"المرقاة\" (٧/ ٣٠٦٨): بإثبات ألف (ابن) في المواضع الثلاثة.\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٥١).\n(٢) قوله: \"وعدل في إبراهيم. . . علمًا\" الظاهر أن تكتب هذه العبارة في شرح الحديث السابق قبل قوله: \"إذا فقهوا\"، واللَّه أعلم بالصواب.","vol":"8","page":192},{"text":"قَالَ: فَمَا رُئِيَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَشَدُّ مِنْهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٤٢، م: ١٧٧٦].\n٤٨٩٦ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ذَاكَ إِبْرَاهِيمُ\". . . . . . .\nــ\nالكلام في كونه شعرًا وصدوره منه -ﷺ- كالكلام في أمثاله، ثم إنه قد نوقش في كونه من باب الافتخار بأنه لم يصح صدور الافتخار من النبي -ﷺ-، كيف وقد نفاه في قوله: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر)، فنهى الأمة عن الافتخار بالآباء، فكيف يفتخر هو -ﷺ- بعبد المطلب؟ فالحق أنه إخبار منه -ﷺ- بأنه النبي الموعود الذي كان أهل الكتاب والكهان يخبرون بأنه سيظهر نبي من أولاد عبد المطلب، ويذكرون علامات نبوته، وأجيب بأن الافتخار في المبارزة والحرب مع الكفار جائز؛ إظهارًا للشجاعة، وإدخالًا للروع والمهابة في قلوب أعداء الدين، وأيضًا المذموم من الافتخار ما يكون على طريق الجاهلية من الافتخار بالآباء سمعة ورياء؛ لا ما كان على سبيل ذكر نعمة اللَّه والتحديث بها كما ذكرنا، ولذا ضم مع النسب الحسب أيضًا.\n٤٨٩٦ - [٤] (أنس) قوله: (يا خير البرية) البرية: الخلق، فإن أخذت من البرى بمعنى التراب فلا يهمز، وإن أخذت من البرء بمعنى الإنشاء والخلق فمهموز، ولكن قد تقلب الهمزة ياء وتدغم كخطيئة، قال الطيبي (١): لم تستعمل مهموزة.\nوقوله: (ذاك إبراهيم) ذكروا فيه أوجهًا: الأول: أنه قاله تواضعًا واحترامًا لإبراهيم كالذي يقدم على نفسه من هو دونه تواضعًا، الثاني: أنه قال هذا قبل أن يوحى\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٣٧).","vol":"8","page":193},{"text":"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٦٩].\n٤٨٩٧ - [٥] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٤٥، م: ١٦٩١].\n٤٨٩٨ - [٦] وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَيَّ: أَنْ تَوَاضَعُوا، حَتَّى لَا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، وَلَا يَبْغِيَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٦٥].\nــ\nإليه بأنه سيد ولد آدم، الثالث: أن المراد خير البرية في عصره، لكن أطلق العبارة مبالغة، ولعل الأظهر والأصوب هو الوسط من الوجوه كما لا يخفى.\n٤٨٩٧ - [٥] (عمر) قوله: (لا تطروني كما أطرت) من المعتل اللام دون المهموز، والإطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه، كذا في (النهاية) (١).\n٤٨٩٨ - [٦] (عياض) قوله: (وعن عياض) بكسر العين وتخفيف الياء تحتها نقطتان وبالضاد المعجمة، (ابن حمار) بكسر الحاء المهملة، التميمي، (المجاشعي) يعدّ في البصريين، وكان صديقًا لرسول اللَّه -ﷺ- قديمًا، روى عنه الحسن البصري وغيره.\nوقوله: (أن تواضعوا) التواضع: هو التوسط بين الكبر والضعة، والكبر: هو رفع النفس إلى ما هو فوق مرتبتها، والضعة: وضعها في ما دون مرتبتها، والتواضع: وقوفها في مقامها ومرتبتها، وله تفصيل مذكور في موضعه.\n_________\n(١) \"النهاية\" (٣/ ١٢٣).","vol":"8","page":194},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1114> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٨٩٩ - [٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبَائِهِمُ الَّذِينَ مَاتُوا، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجُعَلِ الَّذِي يُدَهْدِهُ الْخِرَاءَ بِأَنْفِهِ،\nــ\nالفصل الثاني\n٤٨٩٩ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (لينتهين أقوام. . . إلخ)، حلف على أحد الأمرين، إما الانتهاء عما هم فيه من الافتخار، وإما الهوان والذل عند اللَّه تعالى بتعذيبه إياهم؛ فإن كان الانتهاء لم يكن الذل، وإن لم يكن الانتهاء كان الذل، والمقصود التأكيد في طلب وجود الانتهاء.\nوقوله: (إنما هم فحم من جهنم) أي: آباؤهم يحرقون في نار جهنم فصاروا كالفحم، والقصر من باب قصر الموصوف على الصفة إضافيًّا بالنسبة إلى ثبوت الفضائل التي يثبتونها لهم، والمراد أنهم في جهنم حتما إن كان الكلام في المشركين الذين ماتوا على الشرك، أو يحتمل أن يكونوا فيها إن كان أعم، وكذا قيد بالموت لأنه لا يعرف حقيقة الحال إلا بعد الموت.\nو(الجعل) بضم الجيم وفتح العين: دويبة سوداء معروف، وأما جعل بضم فسكون: ما جعل على العمل من الأجرة، و(يدهده) أي: يدحرج ويدير (الخرء) بضم الخاء المعجمة: العذرة، وجمعه خروء كجند وجنود، وقد تفتح الخاء، وهو كقرء بضم القاف وفتحها، والهمزة مكتوبة في الحديث بصورة الألف موافقة لحركتها، أو قلبت ألفًا بنقل الحركة إلى الراء فصار ألفًا كالعصا، كذا في بعض الشروح، ويروى (الخراء) بكسر ومد.","vol":"8","page":195},{"text":"إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ، إِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ،\nــ\nوأما ما جاء في الحديث: (إن نبيكم يعلمكم كل شيء حتى الخراءة) فهو بالتاء وبالكسر والمد بمعنى التخلي والقعود للحاجة، الخطابي (١): أكثرهم يفتحون الخاء، الجوهري (٢): خري خراءة ككره كراهة، وفي (القاموس) (٣): خرئ كفرح خرءًا وخراءةً، ويكسر، والاسم من الخراء بالكسر، وقال النووي في (شرح مسلم) (٤): الخراءة يكسر ويمد: هيئة الحدث، وأما نفس الحدث فبلا تاء وبمد مع فتح الخاء وكسرها، كذا في (مجمع البحار) (٥).\nشبه -ﷺ- المفتخرين بآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية بالجعل، وآباءهم المفتخر بهم بالعذرة، وافتخارهم بهم بالدهدهة بالأنف.\nوقوله: (عبية الجاهلية) بضم العين وكسرها، وكسر الموحدة وفتح التحتانية المشددتين، أي: فخرها وتكبرها، وفي (القاموس) (٦): العبية بالضم والكسر: الكبر والفخر، وفي (الصراح) (٧): (عبية الجاهلية) أي: نخوتها، أوردها في المضاعف.\nوقوله: (إنما هو) أي: الإنسان أو المفتخر المتكبر (مؤمن تقي) فإذنْ لا ينبغي\n_________\n(١) أي: قال الخطابي في \"معالم السنن\" (١/ ١١).\n(٢) أي: قال الجوهري في \"الصحاح\" (١/ ٤٦).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٠).\n(٤) \"المنهاج شرح صحيح مسلم\" (٣/ ١٥٤).\n(٥) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٢٤).\n(٦) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٦).\n(٧) \"الصراح\" (ص: ٤٢).","vol":"8","page":196},{"text":"أَوْ فَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ كلُّهُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٣٩٥٥، د: ٥١١٦].\n٤٩٠٠ - [٨] وَعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخّيرِ قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْنَا: أَنْتَ سَيِّدُنَا، فَقَالَ: \"السَّيِّدُ اللَّهُ\". فَقُلْنَا: . . . . .\nــ\nله أن يتكبر على أحد، (أو فاجر شقي) فهو ذليل عند اللَّه، والذليل لا يستحق التكبر، فالتكبر منفي بكل حال.\n٤٩٠٠ - [٨] (مطرف) قوله: (عن مطرف) بلفظ اسم الفاعل من التفعيل بالطاء المهملة والفاء، (ابن عبد اللَّه بن الشخير) بكسر الشين والخاء المعجمتين وسكون الياء، اعلم أن عبد اللَّه بن الشخير أبا مطرف صحابي، وفد إلى النبي -ﷺ- في بني عامر، وأما مطرف ابنه فتابعي، كذا في (جامع الأصول) (١)، وعلى هذا الضمير في قوله: (قال: انطلقت) لأبيه عبد اللَّه بن الشخير؛ لأنه الذي وفد في بني عامر، وذكر في بعض الحواشي أنه هكذا ذكر في (سنن أبي داود)، فعبارة المؤلف لا تخلو عن شيء، وكان عليه أن يقول: (عن أبيه قال)، ولقد ذكر حديثًا له في (باب ما لا يجوز من العمل في الصلاة)، وقال: وعن مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير عن أبيه قال: أتيت النبي -ﷺ- وهو يصلي ولجوفه أزيز، الحديث.\nوقوله: (فقال: السيد اللَّه) قال التُّورِبِشْتِي (٢): سلك القوم في الخطاب معه\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٥٧٥).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٣/ ١٠٦٤).","vol":"8","page":197},{"text":"وَأَفْضَلُنَا فَضْلًا، وَأَعْظَمُنَا طَوْلًا. فَقَالَ: \"قُولُوا قَوْلَكُمْ أَوْ بَعْضَ قَوْلِكُمْ. . . . .\nــ\nمسلكهم مع رؤساء القبائل، فإنهم كانوا يخاطبونهم بنحو هذا الخطاب، فكره ذلك؛ لأنه كان من حقه أن يخاطبوه بالنبي والرسول، فإنها المنزلة التي لا منزلة وراءها لأحد من البشر، وحول الأمر فيه إلى الحقيقة فقال: السيد هو اللَّه، أي: الذي يملك نواصي الخلق، ويتولى أمرهم ويسوسهم، انتهى.\nحاصل هذا الوجه أنه إنما كره طريق الخطاب وسلوكهم مسلك الخطاب مع الرؤساء والملكوك لا أصل ثبوت السيادة، وهو سيد ولد آدم فكيف النسبة إلى أصحابه؟ ثم أشار إلى أن حقيقة السيادة والتولية والمالكية ثابتة للَّه تعالى، لا شريك له في ذلك، ويمكن أن يكون ذلك قبل أن يوحى أنه سيد البشر.\nوقوله: (وأفضلنا) قال الطيبي (١): إنه عطف على (سيدنا)، كأنهم قالوا: أنت سيدنا وأفضلنا وأعظمنا طولًا، فكره رسول اللَّه -ﷺ- الكل، وخصّ الرد بالسيد، فأدخل الراوي كلامه بين المعطوف والمعطوف عليه، انتهى. أي: صرح الرد بالسيد خصوصًا، وإلا فهو رد الكل بقوله: (قولوا قولكم. . . إلى آخره)، وهذا أيضًا على تقدير أن يكون معنى قوله: (قولوا قولكم) كقول أهل ملتكم وما هو من شعار المسلمين، وذلك قولهم: رسول اللَّه، ونبي اللَّه، أو القول الذي جئتم له وقصدتموه؛ أي: دعوا هذا المدح وائتوا بمقصودكم وحاجتكم، كما ذكر الطيبي هذين المعنيين، ولا يخفى أن كليهما بعيد لا يلائمه قوله: (أو بعض قولكم)، بل الظاهر أن معناه كما ذكره بعضهم: قولوا هذا القول أو أقل منه، ولا تبالغوا في مدحي بحيث تمدحوني بشيء يليق بالخالق ولا يليق بالمخلوق، وعلى هذا لا يكون ردًّا للكل، بل الظاهر على هذا المعنى أن\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٤١).","vol":"8","page":198},{"text":"وَلَا يَسْتَجْرِيَنَكُمُ الشَّيْطَانُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ٢٥، د: ٤٨٠٦].\n٤٩٠١ - [٩] وَعَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْحَسَبُ الْمَالُ، وَالْكَرَمُ التَّقْوَى\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابنُ مَاجَه. [ت: ٣٢٧١، جه: ٤٢١٩].\nــ\nيكون إثباتًا لقولهم: (وأفضلنا فضلًا، وأعظمنا طولًا)، أي: لا تقولوا: سيدنا، بل لو قلتم قولوا قولكم هذا، يعني أفضلنا وأعظمنا، أو بعض هذا القول، وهو أفضلنا، فإن ترك إثبات العظمة لغير الرب تعالى أحوط كما جاء: (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري) الحديث، ويكون تقدير قولهم: وأفضلنا وأنت أفضلنا عدولًا عن قولهم: (سيدنا) إلى (أفضلنا)، ولا يكون عطفًا عليه، فيكون الرد مخصوصًا بالسيادة الحقيقية دون الفضيلة، ويناسب أيضًا قوله: (ولا يستجرينكم الشيطان) أي: لا يتخذنّكم جريًّا، أي: وكيله المطلق، والجري: الوكيل؛ لأنه يجري مجرى الموكل، أي: لا تكونوا وكلاء الشيطان بحيث تتفوهون من قبله بكل ما أردتم، بل حافظوا واحتاطوا، وقولوا بعض ما قلتم، كالأفضلية دون السيادة، أو لا يجعلنكم جريئًا، أي: ذوي جراءة على التكلم بكل ما لا يجوز، ويظهر من هذا كله أن (أو) في قوله: (أو بعض قولكم) للتنويع دون شك الراوي، فافهم ما ذكرنا، وباللَّه التوفيق.\n٤٩٠١ - [٩] (الحسن) قوله: (الحسب المال، والكرم التقوى) الحسب: ما يعده الرجل ويفتخر به من خصال حميدة فيه أو في آبائه، والكرم معنى شامل جامع لأنواع الخير والفضائل، وهذا هو الحقيقة، وأما عند الناس فالحسب منحصر في المال، وبه يكون الرجل عظيم القدر عندهم؛ فإن الفقير لا توقير له عندهم، ولا يعبأ به أهل الثروة، و(الكرم) أي: الشيء الذي يكون الرجل عند اللَّه تعالى عظيم القدر وكريم المنزلة هو","vol":"8","page":199},{"text":"٤٩٠٢ - [١٠] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ بِهَنِ أَبِيهِ وَلَا تُكَنُّوا\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّة\". [شرح السنة: ٣٥٤١].\n٤٩٠٣ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُقْبَةَ عَنْ أَبِي عُقبَةَ -وَكَانَ مَوْلًى مِنْ أَهْلِ فَارِسَ- قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أُحُدًا، فَضَرَبْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَقُلْتُ: خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا الْغُلَامُ الْفَارِسِيُّ، فَالْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: . . . . .\nــ\nالتقوى، وأما الافتخار بالآباء فليس ذلك في شيء منهما، فافهم.\n٤٩٠٢ - [١٠] (أبي بن كعب) قوله: (من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا) تعزى اعتزى: انتسب صدقًا أو كذبًا، وعزاه إلى أبيه: نسبه إليه، والمعنى من انتسب بنسبة الجاهلية، أي: افتخر بآبائه، وقال: أنا ابن فلان وآل فلان مفتخرًا، أو المراد من انتسب وانتمى إلى الجاهلية بإحياء سنتها السيئة في الشتم واللعن والمواجهة بالفحشاء والمنكر، والمعنى الأول أنسب وأقرب بقوله: (فأعضوه بهن أبيه)، والعض: أخذ الشيء بالأسنان، والإعضاض متعدية، و(الهن) بالتخفيف، وقد يشدد ويصغر على هُنَين: الشيء القبيح الذي يستهجن ذكره من العورات والقبائح، ويطلق على الفرج خاصة، وكلا المعنيين صحيح الإرادة؛ فالمعنى على الأول: اذكروا له قبائح آبائه وشنائع أعمالهم من عبادة الأصنام والزنا وشرب الخمر، وصرحوا بتلك القبائح من غير كناية وإخفاء، لعله يستحيي من الافتخار بهم، ويرتدع عن ذكر قبائح الناس والتعرض لأعراض الناس، وعلى الثاني: قولوا له: اعضض بفرج أبيك، ولا تكنوا في الفرج، بل صرحوا باسم آلة أبيه تشديدًا وتغليظًا.\n٤٩٠٣ - [١١] (عبد الرحمن) قوله: (خذها مني) هذه الكلمة جرت عادة","vol":"8","page":200},{"text":"\"هَلَّا قُلْتَ: خُذْهَا مِنِّي وَأَنَا الْغُلَامُ الأَنْصَارِيُّ؟ \". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٢٣].\n٤٩٠٤ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ نَصَرَ قَوْمَهُ عَلَى غَيْرِ الْحَقِّ فَهُوَ كَالْبَعِيرِ الَّذِي رَدَى فَهُوَ يُنزَعُ بِذَنَبِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٥١١٨].\nــ\nالمحاربين عند إظهار الشجاعة إذا أصابوا في ضربتهم أو طعنهم أن يقولوا بها على سبيل التهكم، أي: خذ هذه العطية مني، كذا قال الطيبي (١).\nأقول: ويمكن أن يكون التقدير: خذ هذه الضربة أو هذه البلية والمحنة، وأمثال ذلك، فلا يكون تهكمًا.\nوقوله: (هلا قلت: وأنا الغلام الأنصاري) لأن مولى القوم منهم، كره رسول اللَّه -ﷺ- الافتخار في هذا المقام بالنسبة إلى فارس وهم المجوس، وحضه أن يفتخر بالأنصار الذين هم شجعان الدين أنصار رسول اللَّه -ﷺ- ورضي اللَّه عنهم، هذا ويحتمل أن الغلام حقر نفسه وتواضع بأني أنا الغلام الفارسي لا تعبؤون بهم (٢)، فعظمه رسول اللَّه -ﷺ- ورفع قدره، وقال: بل أنت أنصاري؛ لأن مولى القوم منهم، فانسب نفسك إليهم، واللَّه أعلم.\n٤٩٠٤ - [١٢] (ابن مسعود) قوله: (من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي ردى فهو ينزع بذنبه) ردى في البئر كرمى: سقط، كتردّى، وردي كرضي: هلك، كذا في (القاموس) (٣)، قال الطيبي (٤): أي من أراد أن يرفع نفسه بنصر قومه على الباطل،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٤٢).\n(٢) كذا في الأصل، والظاهر: \"لا تعبؤون به\".\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨٤).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٤٣).","vol":"8","page":201},{"text":"٤٩٠٥ - [١٣] وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا الْعَصَبِيَّةُ؟ قَالَ: \"أَنْ تُعِينَ قَوْمَكَ عَلَى الظُّلْم\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١١٩].\n٤٩٠٦ - [١٤] وَعَنْ سُراقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: . . . . .\nــ\nفهو كبعير سقط في بئر، فما يجدي عنه أن ينزع بذنبه وإن جهد كل الجهد، انتهى. فجعل المشبه بالبعير الناصرَ، وهو الظاهر من لفظ الحديث، وهكذا نقل صاحب (مجمع البحار) (١) عن (النهاية) (٢) حيث قال: أراد أنه وقع في الإثم وهلك، كبعير تردى في بئر وأريد نزعه بذنبه، فلا يقدر عليه.\nوذكر في بعض الحواشي أنه شبه القوم ببعير هالك؛ لأن من كان على غير حق فهو هالك، وشبه ناصرهم بذنب هذا البعير، فكما أن نزعه بذنبه لا يخلصه من المهلكة، كذلك هذا الناصر لا يخلصهم عن بئر الهلاك التي وقعوا فيها، انتهى. فكأنه جعل المشبه به هيئة منتزعة على وتيرة قوله سبحانه تعالى: ﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يونس: ٢٤]، وهذا الوجه أظهر عندي في بيان معنى الحديث، واللَّه أعلم.\n٤٩٠٥ - [١٣] (واثلة بن الأسقع) قوله: (ما العصبية) أي: العصبية المذمومة يعاب ويذم بها الرجل، وقد تعارفت في هذا المعنى.\n٤٩٠٦ - [١٤] (سراقة بن مالك) قوله: (ابن جعشم) بضم الجيم والشين المعجمة بينهما عين مهملة.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٣٢٢).\n(٢) \"النهاية\" (٢/ ٢١٦).","vol":"8","page":202},{"text":"\"خَيْرُكُمْ الْمُدَافِعُ عَنْ عَشِيرَتِهِ مَا لَمْ يَأْثَمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٢٠].\n٤٩٠٧ - [١٥] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَصَبِيَّةً، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٢١].\n٤٩٠٨ - [١٦] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٣٠].\nــ\nوقوله: (خيركم المدافع عن عشيرته) أي: يدفع الظلم.\nوقوله: (ما لم يأثم) أي: ما لم يظلم، ويقع بالمدافعة في الإثم والظلم، وهذا الحديث جامع لقسمي العصبية: المذموم والمحمود.\n٤٩٠٧ - [١٥] (جبير بن مطعم) قوله: (ليس منا من دعا إلى عصبية) أي: مذمومة باطلة، سواء بدعاء الناس وجمعهم إليه، أو بالقتال فيها، أو بالموت عليها، بأن تكون مضمرة في قلبه وإن لم يدع ولم يقاتل.\n٤٩٠٨ - [١٦] (أبو الدرداء) قوله: (حبك الشيء يعمي ويصم) أي: يجعلك أعمى عن رؤية معايبه، وأصمّ عن سماع قبائحه، والحديث محتمل، وإيراده في هذا الباب يدل على أنهم حملوه على ذم العصبية، وقد تكلم بعض المحدثين في هذا الحديث بأنه موضوع، وهو وهم منهم، بل رواه أبو داود وسكت، كذا ذكر الشيخ ابن حجر الهيتمي، أقول: وما سكت عنه أبو داود من الحديث فهو محتج به، فقيل: إنه حسن، وقيل: ضعيف ليس شديد الضعف كما حقق في موضعه.\nوهذا الحديث مما رواه إمامنا الأعظم أبو حنيفة رحمه اللَّه تعالى في (مسنده) (١)\n_________\n(١) \"مسند أبي حنيفة\" (٣١).","vol":"8","page":203},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1115> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٩٠٩ - [١٧] عَنْ عُبَادَةَ بْنِ كَثِيرٍ الشَّامِيِّ مِنْ أَهْلِ فِلَسْطِينَ، عَن امْرَأَةٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهَا: فَسِيلَةُ أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ؟ قَالَ: \"لَا، وَلَكِنْ مِنَ الْعَصَبِيَّةِ أَنْ يَنْصُرَ الرَّجُلُ قَوْمَهُ عَلَى الظُّلْم\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٤/ ١٦٠، جه: ٣٩٤٩].\n٤٩١٠ - [١٨] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَنْسَابُكُمْ هَذِهِ لَيْسَتْ بِمَسَبَّةٍ عَلَى أَحَدٍ، كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ. . . . .\nــ\nعن عبد اللَّه بن أنيس، قال: ولدت في سنة ثمانين، وقدم عبد اللَّه بن أنيس صاحب رسول اللَّه -ﷺ- الكوفة سنة أربع وتسعين، فرأيته وسمعت منه وأنا ابن أربع عشرة سنة، سمعته يقول: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: (حبك الشيء يعمي ويصم).\nالفصل الثالث\n٤٩٠٩ - [١٧] (عبادة بن كثير) قوله: (من أهل فلسطين) في (القاموس) (١): فلسطين وفلسطون، وقد تفتح فاؤهما: كورة بالشام، وقرية بالعراق، تقول في حال الرفع بالواو، وفي النصب والجر بالياء، والنسبة فِلَسْطِيٌّ.\n٤٩١٠ - [١٨] (عقبة بن عامر) قوله: (أنسابكم هذه ليست بمسبة) في (القاموس) (٢): المسبة بالفتح، وكهُمَزَة: من يسب الناس، وقد فسر في بعض الحواشي\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٢٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٢).","vol":"8","page":204},{"text":"طَفُّ الصَّاعِ بِالصَّاعِ، لَمْ تَمْلَؤُوهُ، لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌ إِلَّا بِدِينٍ وَتَقْوًى، كَفَى بِالرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ بَذِيًّا فَاحِشًا بَخِيلًا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [حم: ٤/ ١٥٨، شعب: ٤٧٨٣].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1116>١٤ - باب البر والصلة</span>\nــ\nالمسبة بمحل السب والعار أخذًا من السبة بالضم بمعنى العار.\nوقوله: (طف الصاع) بالنصب على أنه حال، وبالرفع على أنه بدل، أو خبر بعد خبر، والباء في (بالصاع) للملابسة، أي: ملابسًا له مقابلًا به، وطف الصاع وطفافه بالفتح والكسر: قربه من أن يمتلئ ولم يمتلئ، والطفيف: القليل الغير التام، والتطفيف: النقصان في الكيل، أي: كلكم بمنزلة واحدة في النقص والتقاصر عن غاية التمام؛ لكونكم أولاد من هو مخلوق من التراب الذي لم يبلغ أن يملأ مكيالًا، كذا في (النهاية) (١).\nوقوله: (كفى بالرجل) التمييز محذوف، أي: نقصانًا.\n١٤ - باب البر والصلة\nالمراد بالبر هنا الإحسان إلى الوالدين، ضد العقوق، وهو الإساءة إليهما وتضييع حقوقهما، بر يبر فهو بارّ، وجمعه: بررة، وبَرٌّ وجمعه أبرار، والبر في أسمائه تعالى بمعنى العطوف على عباده ببره ولطفه، ولم يجئ في اسمه تعالى البار.\nوبالصلة الإحسان إلى النسب من أولي الرحم، فكأنه بالإحسان [إليهم] وصل ما بينه وبينهم من علاقة القرابة.\n_________\n(١) \"النهاية\" (٣/ ١٣٨).","vol":"8","page":205},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1117> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٩١١ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: \"أُمُّكَ\". قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: \"أُمُّكَ\". قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ \"أُمُّكَ\". قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: \"أَبُوكَ\"،\nــ\nالفصل الأول\n٤٩١١ - [١] (أبو هريرة) قوله: (بحسن صحابتي) الصحابة بالفتح مصدر بمعنى الصحبة، في (القاموس) (١): صحبه كسمعه صحابة ويكسر، وصحبه: عاشره، وهم أصحاب وأصاحيبُ وصُحبانٌ وصِحاب وصِحابة وصَحْبٌ.\nوقوله: (قال: أمك) بالرفع، وهو ظاهر، وقد يروى منصوبًا؛ لأن من أحق بحسن صحابتي في معنى من أبره، وهو خلاف الظاهر، استدل به من قال للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر، وذلك لصعوبة الحمل، ثم الوضع، ثم الرضاع، وهذه تنفرد بها الأم، ثم تشارك الأب في التربية، كذا ذكر السيوطي، أخذ ذلك من تكرار حق الأم ثلاث مرات، والظاهر أن يكون تأكيدًا ومبالغة في رعاية حق الأم وكونه أعظم من حق الأب، وذلك لتهاون أكثر الناس في حقها بالنسبة إلى الأب، ولا يكون تعيينًا لحق الأم بكونه ثلاثة أضعاف ما للأب، وذلك لأن التربية من الأب أكثر وأشد كما لا يخفى، والمذكور في كتب الفقه أن حق الوالد أعظم من حق الوالدة، وبرها أوجب، كذا في (شرعة الإسلام)، قالوا: وإذا تعذر عليه جمع مراعاة حق الوالدين؛ بأن يتأذى أحدهما بمراعاة الآخر يرجح حق الأب فيما يرجع إلى التعظيم والاحترام، وحق\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٠).","vol":"8","page":206},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: \"أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أَبَاكَ، ثم أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ\" (١). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٧١، م: ٢٥٤٨].\n٤٩١٢ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ\"، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا ثمَّ لَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٥١].\n٤٩١٣ - [٣] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي. . . . .\nــ\nالأم فيما يرجع إلى الخدمة والإنعام، كذا في (القنية).\nوقوله: (وفي رواية: أمك، ثم أمك، ثم أمك) في هذه الرواية منصوبة، وكذا (ثم أباك) بتقدير الناصب.\nوقوله: (ثم أدناك أدناك) أي: أقربك، وكرره تأكيدًا واهتمامًا.\n٤٩١٢ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (أحدهما أو كلاهما) بالرفع في أكثر الأصول، وقد يروى بالنصب، وهو الأظهر، أي: أدرك عند الكبر أحدهما أو كليهما، ووجه الرفع أنه فاعل الظرف، أو التقدير بكبر، أو المدرك أحدهما أو كلاهما، أو يبلغ الكبر أحدهما أو كلاهما، وهذا أوفق بنظم القرآن، و﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] وإن كان أبعد في الحديث، وفي رواية الترمذي: (رغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة).\n٤٩١٣ - [٣] (أسماء بنت أبي بكر) قوله: (قدمت عليّ أمي) اسمها قيلة بنت عبد العزى، وأسماء وعائشة أختان من أب، وأم عائشة أم رومان -﵄-.\n_________\n(١) في نسخة: \"فأدناك\".","vol":"8","page":207},{"text":"وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: \"نَعَمْ صِلِيهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٢٠، م: ١٠٠٣].\n٤٩١٤ - [٤] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ آلَ أَبِي فُلَانٍ لَيسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللَّهُ. . . . .\nــ\nوقوله: (في عهد قريش) أي: في المدة التي عاهدهم رسول اللَّه -ﷺ- على ترك القتال، وهو صلح الحديبية، والقصة مشهورة.\nوقوله: (وهي راغبة) في أكثر الروايات بالباء الموحدة أي: ترغب في الإسلام أو عن الإسلام، وهذا أنسب بالمقام وأوفق بالرواية الأخرى: (وهي راغمة)، أي: كارهة ساخطة للإسلام، وقيل: راغبة وطامعة في مال، وراغمة، أي: ذليلة ومحتاجة، فمعنى الروايتين واحد، واللَّه أعلم.\nوفي الحديث دليل على وجوب نفقة الأب والأم الكافرين على الولد المسلم، وأن الإحسان إلى الكفار جائز.\n٤٩١٤ - [٤] (عمرو بن العاص) قوله: (إن آل أبي فلان) هكذا جاء في الرواية، وقالوا: إنه -ﷺ- صرح باسم فلان وكنى الراوي خوفًا من الفتنة وحذرًا من ترتب المفسدة عليه، وفي بعض الأصول ترك بعد (أبي) بياضًا، ولم يذكر الاسم للعلة المذكورة، وقيل: المراد بأبي فلان أبو لهب، وقيل: أبو سفيان، وقيل: حكم بن العاص، وهذا أقرب، ولعل عمرو بن العاص لم يرد أن يذكر نفي الولاية والصلاح عنهم صريحًا وأن يظهر عيوب قومه، واللَّه أعلم.\nوقوله: (بأولياء) أي: لا أوالي أحدًا ولا أحبه لقرابة، وإنما أحب اللَّه والصالحين من عباده.","vol":"8","page":208},{"text":"وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ أَبُلُّهَا بِبِلَالِهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٩، م: ٢١٥].\n٤٩١٥ - [٥] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ،\nــ\nوقوله: (وصالح المؤمنين) الظاهر أن المراد الجنس، وبه فسر قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤].\nوقوله: (ببلالها) بكسر الباء وفتحها وقد يضم، بمعنى البلة، وقد جعل بعضهم الكسر جمع بلل، كجمل وجمال، في (القاموس) (١): البلل محركة، والبلة والبلال بكسرهما، والبلال بالضم: الندوة، وككتاب: الماء، ويثلث، وكل ما يبل به الحلق، ولما كانت الرطوبة والبلة سبب اتصال الأشياء، واليبوسة والجفاف موجب افتراقها، استعاروا البل لصلة الرحم واليبس لقطعها.\nوقال بعض الشارحين: شبه القطيعة بالحرارة والصلة بالماء الذي يطفئ تلك الحرارة، والمراد إعطاء شيء قليل يكفي للضرورة.\n٤٩١٥ - [٥] (المغيرة) قوله: (إن اللَّه حرم عليكم عقوق الأمهات) تخصيص الأمهات بالذكر إما لقوة حقوقها وغلبتها كما عرفت، أو لضعف قلوبهن، فيتأثرن ويتأذين بأدنى إيذاء، فالتوجيه في ذلك أهم وأوفر، أو لتقصير الأولاد في حقوقها، فالنهي عنه أهم وأعم، أو من جهة أن الكلام لعلة اتفق فيها، ولهذا جمع بين أشياء متفرقة غير متناسبة في الظاهر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ووأد البنات) الوأد: دفن البنات حية كما كانوا يفعلون في الجاهلية،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٩١).","vol":"8","page":209},{"text":"وَمَنَعَ وَهَاتِ، وَكَرَّهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ،\nــ\nومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨ - ٩].\nوقوله: (ومنع وهات): (منع) على صيغة الماضي، ويروى بلفظ المصدر عبارة عن البخل والإمساك، و(هات) بمعنى آت -أمر من الإيتاء بمعنى الإعطاء- عبارة عن السؤال من الناس، وقيل: المراد المنع عن أداء الحقوق الواجبة في الأموال وأخذ ما لا يحل من أموال الناس، وقيل: بل منع جميع الحقوق الواجبة في الأموال وغيرها، وتكليف الناس بما لا يجب عليهم من الحقوق، وطلب ذلك منهم، ورعاية طريقة (١) الإنصاف والاعتدال فيها.\nوقوله: (وكره لكم قيل وقال) الرواية بتشديد الراء، وذكر الحرمة في الأول والكراهة في الثاني لشدة الإثم وقوته في الأول، ومع ذلك نبه بتشديد الراء على الشدة والكراهة قريبًا من الحرمة، على أنه قد تجيء الكراهة بمعنى الحرمة، ففي العبارة تفنن، واللَّه أعلم.\nو(قيل وقال) بفتح اللام على حكاية صيغة الفعل الماضي مع تضمنه الضمير على ما هو طريقة حكاية الجملة، وهي الرواية في الحديث، وقد يجري (٢) مجرى الأسماء بعدم اعتبار الضمير، فينونان أو يعرفان بالألف واللام، والمراد النهي عما هو عادة الناس في المجالسة من التحدث بفضول الكلام وأراجيفه من غير قصد إلى بحث وتحقيق، وقيل: المراد النهي عن الإكثار في الكلام المتجاوز عن الحد؛ فإنه يقسي القلب ويضيع الوقت.\nوقوله: (وكثرة السؤال) أراد بها كثرة السؤال عن أحوال الناس وتفتيشها والتجسس\n_________\n(١) كذا في الأصل، والظاهر: \"عدم رعاية طريقة. . . \".\n(٢) كذا في الأصل، والظاهر: \"يجريان\".","vol":"8","page":210},{"text":"وَإِضَاعَةَ الْمَالِ\". متَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٠٨، م: ٥٩٣].\n٤٩١٦ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ\"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَهَلْ يَشْتُمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: \"نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، ويَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٧٣، م: ٩٠].\nــ\nعن أمورهم، أو كثرة السؤال في العلم للامتحان وإظهار الفضيلة والخصومة والجدال، أو كثرة سؤال النبي -ﷺ- الموجب لمشقته وتأذيه، والباعث على التضييق والتشديد في الأحكام، وقيل: أراد كثرة مسألة الناس أموالهم، ولا يفيد على هذا الوجه قيد الكثرة؛ فإنها منهي عنها مطلقًا كثيرة كانت أو قليلة من غير ضرورة، اللهم إلا أن يراد بالكثرة إشاعتها وتكثيرها؛ بأن تكون لضرورة أو لغيرها، وأيضًا النهي عن هات بإطلاقه شامل لهذا المعنى، فيلزم التكرار.\nوقوله: (وإضاعة المال) وهي إهلاك المال وإنفاقه على وجه الإسراف؛ فإن كان على وجه الحرام فظاهر، ويشمل عند التحقيق بعض المباحات أيضًا، كتشييد الأبنية وتزيينها وزخرفتها، ولبس الثياب الناعمة والأطعمة الشهية، وتزيين الأواني والسيوف بالفضة والذهب والجواهر، والانهماك في اللذات المباحة من غير اكتراث ومبالاة خارجًا عن حد الاعتدال، فإنها وإن كانت ترى مباحة في ظاهر الحكم لمن له وسعة ولا يضيع بها حقًّا واجبًا، لكنها توجب القساوة وغلظ الطبع.\n٤٩١٦ - [٦] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (فيسب أباه) فيلزم منه كأنه سب أباه بنفسه باعتبار السبب، وسب الأب كبيرة بأي وجه كان؛ لكونه عقوقًا، والعقوق كبيرة وإن لم يكن سب ذلك الرجل كبيرة؛ لكونه مما لم يوجب الحد، فافهم.","vol":"8","page":211},{"text":"٤٩١٧ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ صِلَةَ الرَّجُلِ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٥٢].\n٤٩١٨ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ؟ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٨٦، م: ٢٥٥٧].\n٤٩١٩ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوَي الرَّحْمَنِ،\nــ\n٤٩١٧ - [٧] (ابن عمر) قوله: (بعد أن يولي) على صيغة المعلوم من التفعيل من ولى تولية: إذا أدبر، كتولى، وذلك إما بالموت أو الغيبة.\n٤٩١٨ - [٨] (أنس) قوله: (وينسأ له في أثره) نسأه: أخره نسأ ومنسأة، كأنسأه، فقوله: ينسأ على صيغة المجهول من النسأ أو الإنساء، و(الأثر) بقية الشيء وأثر الأقدام، والمراد هنا مدة العمر لبقائه؛ لأن أثر الأقدام إنما يكون للحي، فإذا مات لم يبق له أثر، وتأخير الأجل بالصلة إما بمعنى حصول البركة والتوفيق في العمر وعدم ضياع العمر فكأنه زاد، أو بمعنى أنه سبب لبقاء ذكره الجميل بعده، أو وجود الذرية الصالحة، كما يقال: الأولاد ولادة ثانية للرجل، والتحقيق أنها سبب لزيادة العمر كسائر أسباب العالم، فمن أراد اللَّه زيادة عمره وفقه لصلة الأرحام، والزيادة إنما هي بحسب الظاهر بالنسبة إلى الخلق، وأما في علم اللَّه فلا زيادة ولا نقصان، وهو وجه الجمع بين قوله -ﷺ-: (جف القلم بما هو كائن)، وقوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩].\n٤٩١٩ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (بحقوي الرحمن) الحقو معقد الإزار، وقد يطلق على الإزار أيضًا، وهو على عادة المستجير بأخذ ذيل المستجار، وإذا اشتد المراد","vol":"8","page":212},{"text":"فَقَالَ: مَهْ؟ قَالَتْ: هَذَا مقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ! قَالَ: فَذَاكِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨٣٠، م: ٢٥٥٤].\n٤٩٢٠ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ اللَّهُ: مَنْ وَصَلَكِ وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٩٨٨].\nــ\nوأراد أن يضطر المستجار لإجارته أخذ بإزاره، أو معقد إزاره، شبهت الرحم بذلك الشخص المستجير، وقيل: أراد عظمة اللَّه كما جاء في الحديث: (العظمة إزاري) أي: تتمسك بعظمته تعالى وكبريائه.\nوقوله: (فقال: مه؟) يحتمل أن يكون اسم فعل بمعنى اكفف، لكنهم حملوه على (ما) الاستفهامية أبدلت ألفه هاء، ولعل هذا أنسب بالمقام، فافهم.\n٤٩٢٠ - [١٠] (عنه) قوله: (الرحم شجنة) الشجنة بتثليث المعجمة وسكون الجيم وبنون: عروق الشجر المشتبكة، والمعنى هنا أنها أخذ اسمها من اسم الرحمن فلها علقة به، كذا قال السيوطي (١)، كما جاء في حديث آخر: (أنا اللَّه وأنا الرحمن، خلقت الرحم وشققته اسمًا لها من اسمي)، ولا يخفى أنه يمكن حملها على المعنى من غير إرادة الاسم واشتقاقه، فالمعنى أن الرحم مشتبكة ومتصلة بالرحمن تعالى، كما أشار إليه الطيبي (٢) في آخر الكلام حيث قال: والمعنى الرحم أثر من آثار رحمته مشتبكة بها، فافهم.\n_________\n(١) انظر: \"التوشيح شرح الجامع الصحيح\" (٨/ ٣٦٣٨).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٥٥).","vol":"8","page":213},{"text":"٤٩٢١ - [١٠] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّه\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٨٩، م: ٢٥٥٥].\n٤٩٢٢ - [١٢] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٨٤، م: ٢٥٥٥].\n٤٩٢٣ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَمْرٍو (١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ،\nــ\n٤٩٢١ - [١١] (عائشة) قوله: (الرحم معلقة بالعرش) قالوا: للرحم درجات بحسب القرب والبعد، فالأول: وهو الأخذ بحقوي الرحمن لأخص الأرحام، وهي التي تكون بواسطة الولادة؛ إذ الأخذ بحقوي الرحمن أبلغ في القرب، والثاني: وهو كونها شجنة من الرحمن دونها كالإخوة والأعمام، والثالث: دونها لأن التعلق بالعرش دون التعلق بالرحمن وبحقويه.\n٤٩٢٢ - [١٢] (جبير بن مطعم) قوله: (لا يدخل الجنة قاطع) أي: قاطع الرحم، وقد تعارف إطلاق القطع في قطعها كالصلة في وصلها، وهذا تشديد وتهديد، وله تأويلات ذكرت في موضعه.\n٤٩٢٣ - [١٣] (ابن عمرو) قوله: (ليس الواصل) أي: الواصل للرحم الذي\n_________\n(١) قال القاري (٧/ ٣٠٨٦): بالواو، وفي نسخة بلا واو. قال ميرك: الصحيح أن راوي هذا الحديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص لا ابن عمر، واللَّه أعلم.\nقلت: وكذا أسنده السيوطي في \"الجامع الصغير\" إلى ابن عمرو.","vol":"8","page":214},{"text":"وَلَكِنَّ الْوَاصِلَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٩٩١].\n٤٩٢٤ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي قَرَابةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِم وَيُسِيْئُونَ إِلَيَّ، وأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: \"لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٥٨].\nــ\nيكافئ ويجزي إحسانًا فعل به، (ولكن الواصل) الكامل (الذي إذا قطعت) بالتشديد، وقيل: بالتخفيف (وصلها) كما ورد في مكارم الأخلاق: (صل من قطعك، واعف عمن ظلمك، وأعط من حرمك).\n٤٩٢٤ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (لئن كنت كلما قلت) أي: كنت تفعل كما تقول، وفيه: إشارة إلى أن ذلك أمر بعيد.\nوقوله: (فكأنما تسفهم) بضم تاء وكسر سين وتشديد فاء، أي: تطعمهم (المل) بفتح الميم، وهو الرماد الحار الذي يحمى، من سَفِفت الدواء وأسففته غيري، وهو السفوف -بالفتح- أي: قمحته، أو أخذته غير مَلتُوتٍ، كذا في (القاموس) (١).\nونقل عن (المغرب) (٢): سف الدواء والسويق وكلَّ شيء يابس: أَكَلَه، من باب علم، شبه ما يلحقهم من الإثم بما يلحق آكله من الألم، أي: إحسانك إليهم كالملّ تحرق أحشاءهم، وقيل: عبارة عن التحقير والإخزاء، أي: أنك بالإحسان إليهم تخزيهم وتحقرهم في أنفسهم، فصاروا كمن سف المل، وقيل: معناه إذا لم يشكروا\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٥٦)، وانظر: \"النهاية\" (٢/ ٣٧٥).\n(٢) \"المغرب\" (٣/ ٥٤).","vol":"8","page":215},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1118> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٩٢٥ - [١٥] عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَرُدُّ الْقَدَرَ إِلَّا الدُّعَاءُ، وَلَا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلَّا الْبِرُّ،\nــ\nكان عطاؤك حرامًا عليهم، ونارًا في بطونهم، وقيل: من أسففت الوشم، وهو أن يغرز الجلد بإبرة، ثم تحشى الْمَغَارِز كُحلًا، فالمعنى تجعل وجوههم كلون الرماد، وفي الحديث: أتي برجل فقيل: إنه سرق، فكأنما أسف وجهه -ﷺ-، أي: لأجل إظهار سرقته وعدم سترها والإغضاء عنها؛ لأنه شارع لا بد أن يحكم بقطع يده، فالمناسب على المسلمين ستر عيوب الناس ودرء الحدود مهما أمكن.\nالفصل الثاني\n٤٩٢٥ - [١٥] (ثوبان) قوله: (لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر) القدر: عبارة عما قضاه اللَّه وحكم به من الأمور، وهو مصدر قدر يقدر، وقد سبق تحقيق معناه في أول الكتاب، ومعنى رد الدعاء القدر سببيته له بجعل اللَّه، وذلك أيضًا تقدير، كالأدوية الطبية للشفاء، والأعمال لدخول الجنة والنار، وسائر أسباب العالم، فالأمور التي قدر اللَّه دفعها بالدعاء لا يردها إلا الدعاء، ونقل الطيبي (١) عن أبي حاتم السجستاني: أن دوام المرء على الدعاء يطيب له ورود القضاء ويسهله عليه، فكأنما رده، ويختلج في صدري أنه يمكن أن يكون المراد المبالغة في تأثير الدعاء ومدحه وفضله بأنه لا يرد القضاء والقدر شيء، ولو رده شيء لكان هو الدعاء، على وتيرة قوله -ﷺ-: (لو سابق الأقدار شيء لسبقته العين)، واللَّه أعلم. وكذا قوله: (ولا يزيد في العمر إلا البر) قد سبقت له توجيهات أيضًا.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٥٧).","vol":"8","page":216},{"text":"وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٩٥].\nــ\nوأما قوله: (وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) فأوله بعضهم بأن المراد رزق الآخرة، وهو ثوابها، وبعضهم حملوه على رزق الدنيا من المال والصحة، ثم استشكلوا ذلك لما يشاهد من حال الكفار والفساق في كثرة الأموال ووجود الصحة أكثر مما للصلحاء من المؤمنين، وأجابوا بأن المراد حرمان صفاء الوقت، وطيب العيش، وفراغ البال في الرزق الحاصل للمتقين بموجب قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] بخلاف أهل الفسق والفجور؛ فإن في عيشهم كدرة من جهة هَمّ الدنيا وتعلق القلب بتحصيلها وحفظها، والحزن على خوف فواتها كما أشار إليه قوله ﷾: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ [طه: ١٢٤]، وإن كان مؤمنًا فكر في سوء عاقبة الذنب، وتكدر في صفاء رزقه وطيب عيشه.\nوقيل: إن هذا مخصوص ببعض المذنبين من المسلمين ممن أراد اللَّه تعالى أن يدخله الجنة بلا عذاب يلحقه بذنبه في الآخرة، فيعاقبه بذنبه في الدنيا، بأن يصيبه عقيب ذنب ارتكبه فقر أو مرض أو ضيق أو غير ذلك، ثم يلهمه أن هذا بشؤم ذنبه، فيتنبه ويتوب عنه، أو من أراد اللَّه أن يرفع درجته في الآخرة فيعذبه بسبب ذنبه، فيصفيه من الذنوب في الدنيا.\nوالحاصل أن المؤمن إذا أذنب عاقبه اللَّه بحرمان الرزق، وهو عناية ولطف خفي من اللَّه في حقه؛ ليمحص ذنوبه ويرفع درجاته، وأما من لم يعنه ولم يلطف به فيتركه وذنوبه، وفيه مكر واستدراج منه تعالى، وقد كنت يومًا في خدمة شيخي وسيدي الشيخ موسى الحسني الجيلاني رحمة اللَّه عليه، فاتفق ذكر حديث: (الصُّبْحَة (١) تمنع\n_________\n(١) وهي النوم أول النهار؛ لأنه وقت الذكر، ثم وقت طلب الكسب. \"النهاية\" (٣/ ٧).","vol":"8","page":217},{"text":"٤٩٢٦ - [١٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"دَخَلْتُ الْجَنَّةَ فَسَمِعْتُ فِيهَا قِرَاءَةً فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: حَارِثَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، كَذَلِكُمُ الْبِرُّ، كَذَلِكُمُ الْبِرُّ\"، وَكَانَ أَبَرَّ النَّاسِ بِأُمِّهِ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\"، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: \"نِمْتُ فَرَأَيْتُنِيْ فِي الْجَنَّةِ\" بَدْلَ \"دَخَلْتُ الْجَنَّةَ\". [شرح السنة: ٣٤١٨، شعب: ٧٤٦٧].\nــ\nالرزق) (١)، فقلت: يا سيدي كيف هذا وقد نرى أكثر أبناء الزمان مبتلى بهذه الخطيئة وهم مرزوقون أكثر من غيرهم؟ فسكت الشيخ وأطرق مليًّا، ثم رفع رأسه وقال: يا هذا! يعلم من ذلك أن أصل الإيمان قلع من أراضي قلوبهم؛ لأن هذه الأجزية والعقوبات إنما هي في شأن المؤمنين لينتهوا ويكفوا عن سيئاتهم، وأما الكافرون فمتروكون على ما هم عليه لعدم توقع انتباههم؛ لأنه طبع على قلوبهم، كالمريض الذي يرجى شفاؤه يحمى ويمنع من تناول ما يضره، وأما المريض الذي لم يبق له رجاء وتوقع في شفائه، فيترك على ما هو عليه، يتناول ما شاء؛ لليأس عن عوده إلى الشفاء، كذلك هؤلاء لم يبق فيهم إيمان وعود، فتركوا على ما هم عليهم، نسأل اللَّه العافية، ونعوذ باللَّه من غضب اللَّه.\n٤٩٢٦ - [١٦] (عائشة) قوله: (كذلكم البر) إشارة إلى ما ذكر من الدرجة العليا، أي: مثل ذلك جزاء البر، أي: بر الوالدين، والبر يستعمل في بر الوالدين كالصلة في صلة الأرحام كما قلنا، وهذا قول الرسول -ﷺ- بدليل خطاب الجمع، إذ لو كان قول الملائكة لقيل ذلك خطابًا له -ﷺ-، ولما كان هنا محل أن يقال: إن البر يشترك فيه كثير من الناس قال: (وكان أبر الناس بأمه) والزيادة في (أبر) إضافية على\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (٤٤٠٢).","vol":"8","page":218},{"text":"٤٩٢٧ - [١٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"رِضَا الربِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسُخْطُ الرَّبِّ فِي سُخْطِ الْوَالِدِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٨٩٩].\n٤٩٢٨ - [١٨] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ: إَنَّ لِي امْرَأَةً وَإِنّ أُمِّي تَأْمُرُنِي بِطَلَاقِهَا؟ فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"الْوَالِدُ أَوْسَطُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ شِئْتَ فَحَافِظْ عَلَى الْبَابِ أَوْ ضَيِّعْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه. [ت: ١٩٠٠، جه: ٣٦٦٣].\nــ\nما هو المتعارف في مثل هذه العبارة، ويمكن أن تكون حقيقية، ولم يكن أحد مثله في البر، علم ذلك النبي -ﷺ- بالوحي، واللَّه أعلم.\n٤٩٢٧ - [١٧] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (رضا الرب في رضا الوالد) وكذلك الوالدة بطريق الأولى لزيادة حقها، وقيل: الوالد هنا صيغة النسبة، فيشمل الأم، وتخصيص ذكر اسم الرب بالذكر من أسمائه تعالى أنسب هنا؛ لوجود معنى التربية في الوالد.\nوقوله: (وسخط الرب) السخط بالضم وكعنق وجبل: ضد الرضا، وسخط كفرح، كذا في (القاموس) (١)، وفي (النهاية) (٢): السخط بالفتح والضم: الكراهة للشيء وعدم الرضا به، والرواية بفتحتين.\n٤٩٢٨ - [١٨] (أبو الدرداء) قوله: (الوالد أوسط أبواب الجنة) أي: خيرها وأفضلها، أي: أن للجنة أبوابًا وأحسنها دخولًا أوسطها، وإن سبب دخول الجنة من\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦١٧).\n(٢) \"النهاية\" (٢/ ٣٥٠).","vol":"8","page":219},{"text":"٤٩٢٩ - [١٩] وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: \"أُمَّكَ\" قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: \"أُمَّكَ\" قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: \"أُمَّكَ\" قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: \"أَبَاكَ، ثُمَّ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٨٩٧، د: ٥١٣٩].\n٤٩٣٠ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"قَالَ اللَّهُ ﵎: أَنَا اللَّهُ، وَأَنَا الرَّحْمَنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا مِنِ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتُّهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ١٦٩٤].\nــ\nذلك الباب هو محافظة حقوق الوالدين ورضاهما عنك، ولا بد من حمل الوالد على صيغة النسبة؛ لأن الكلام هنا في الأم قصدًا، ويبعد ذكرها تبعًا كما في الحديث السابق.\n٤٩٢٩ - [١٩] (بهز بن حكيم) قوله: (وعن بهز) بفتح الموحدة وسكون الهاء في آخره زاي.\nوقوله: (من أبر) على صيغة المتكلم، و(من) مفعوله المقدم، وهذا مثل الحديث المذكور في أول الباب، و(أمك) هنا منصوب قطعًا على المفعولية.\n٤٩٣٠ - [٢٠] (عبد الرحمن بن عوف) قوله: (بتتّه) البت: القطع، ومنه تأكيد الفعل بقولهم: البتة مصدرًا مؤكدًا لغيره، مثل قولهم: زيد قائم الحق، اعلم أني سمعت أحدًا من أهل العلم ينقل عن أستاذه أنه قال: إن قول الناس: افعل هذا الأمر البتة ينبغي أن يقرأ إما بالتاء مخففًا بفك الإدغام أو بدونها مدغمًا، أما مع التاء مشددًا فخطأ، انتهى.\nفقلت له: لم لا يجوز أن يكون مع التاء مدغمًا، بأن تكون التاء للوحدة التي","vol":"8","page":220},{"text":"٤٩٣١ - [٢١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا تَنْزِلُ الرَّحْمَةُ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ قَاطِعُ الرَّحِمِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٧٥٩].\n٤٩٣٢ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ ذَنْبٍ أَحْرَى أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْبَغْي وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٥١١، د: ٤٩٠٢].\n٤٩٣٣ - [٢٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنَّانٌ، وَلَا عَاقٌّ،\nــ\nتلحق المصادر مثل الضربة والجلسة على أن فك الإدغام في مثله شاذ، فسكت، فتدبر.\n٤٩٣١ - [٢١] (عبد اللَّه بن أبي أوفى) قوله: (لا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع الرحم) وهذا مثل ما يروى أنه قد ينزل البلاء على قوم فيهم تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] على تأويل، وذلك للمجاورة، أي: قد يكون كذلك لأجل عدم منعهم إياه من ذلك، ويمكن أن يراد قوم يبعثون على القطع ويرضون به، واللَّه أعلم، وجاء في لفظ الطبراني: (الملائكة) بدل (الرحمة).\n٤٩٣٢ - [٢٢] (أبو بكرة) قوله: (من البغي وقطيعة الرحم) لما فيهما من إيذاء الخلق وتضييع حقهم أفحش من غيرهما من الذنوب، وفي قوله: (أحرى) إشارة إلى استحقاق أهلهما هذا الجزاء عقلًا.\n٤٩٣٣ - [٢٣] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (منان) يحتمل أن يكون من المنة،","vol":"8","page":221},{"text":"وَلَا مُدْمِنُ خَمْرٍ\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ن: ٥٦٧٢، دي: ٢١٣٨].\n٤٩٣٤ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ، فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِم مَحَبَّةٌ فِي الأَهْلِ، مَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ،\nــ\nأي: يمن على أولي الأرحام بما يعطيهم ويؤذيهم بذلك، أو الذي ينقص من حق ذوي الأرحام، ويجيء المن بمعنى النقص، والتخصيص بقرينة ذكره مع العاق، وقيل: هو من المن بمعنى القطع، أي: قاطع الرحم، ويحتمل أن يكون المراد من يمن على الناس عمومًا كما هو الظاهر المتبادر، ويدخل قاطع الرحم في العاق؛ فإن العقوق قد يطلق في الأقربين من غير الأبوين كما ذكره الطيبي (١) في أول الباب، فافهم.\nوقوله: (ولا مدمن خمر) أي: من يداوم على شرب الخمر ويعتاد به، من أدمن الشيء: أدامه.\n٤٩٣٤ - [٢٤] (أبو هريرة) قوله: (ما تصلون به) أي: نسبًا تعرفون به أقاربكم الذين تجب صلتهم، فتعلموا أسماء آبائكم وأجدادكم وأعمامكم وأخوالكم وسائر أقاربكم؛ لتعرفوهم فتصلوهم.\nوقوله: (فإن صلة الرحم محبة) قال الطيبي (٢): هو مفعلة من الحب كالمظنة من الظن، انتهى. فيكون بكسر الحاء كالمظنة بكسر الظاء، أي: منشأ الحب وسببه ومكانه.\nوقوله: (مثراة) بفتح الميم وسكون المثلثة من الثروة، وهي كثرة المال، في\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٤٥).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٦٠).","vol":"8","page":222},{"text":"مَنْسَأَةٌ فِي الأَثَرِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٩٧٩].\n٤٩٣٥ - [٢٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَصَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا فَهَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: \"هَلْ لَكَ مِنْ أُمِّ؟ \" قَالَ: لَا، قَالَ: \"وَهَلْ لَكَ مِنْ خَالَةٍ؟ \"، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"فَبَرَّهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٩٦٨].\n٤٩٣٦ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذْ جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ بَقِيَ مِنْ. . . . .\nــ\n(القاموس) (١): هذا مثراة للمال، أي: مكثرة له، و(منسأة) أيضًا بفتح الميم وسكون النون وفتح السين وفتح الهمزة، من النسأ، وهو التأخير، أي: بسبب تأخير الأجل، وقد مرّ.\n٤٩٣٥ - [٢٥] (ابن عمر) قوله: (فهل لي من توبة) الظاهر أن المراد بالتوبة هنا توبة اللَّه عليه ورجوعه بالرحمة، فافهم.\nوقوله: (فبرها) بفتح الباء والراء على صيغة الأمر من بر يبر كسمع يسمع.\n٤٩٣٦ - [٢٦] (أبو أسيد) قوله: (وعن أبي أسيد) بلفظ التصغير وقد مر. وقوله: (من بني سلمة) بكسر اللام، بطن من الأنصار، وليس في العرب سلمة غيرهم، كذا في (القاموس) (٢).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٦٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٣٥).","vol":"8","page":223},{"text":"برِّ أَبَوَيِّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِمَا؟ قَالَ: \"نَعَمْ، الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا، وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا مِنْ بَعْدِهِمَا، وَصِلَةُ الرَّحِم الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا، وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٥١٤٢، جه: ٣٦٦٤].\n٤٩٣٧ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقْسِمُ لَحْمًا بِالْحِعِرَّانَةِ إِذْ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ حَتَّى دَنَتْ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ فَجَلَسَتْ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: مَنْ هِيَ؟ فَقَالُوا: هِيَ أُمُّهُ الَّتِي أَرْضَعَتْهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٥١٤٤].\nــ\nوقوله: (صلة الرحم التي لا توصل إلا بهما) ظاهر العبارة أنها صفة للرحم، أي: الرحم التي اختصت لأجلهما كأولاد الأب والأم، فإنها آكد من صلة أولاد الأجداد والجدات، والطيبي (١) جعلها صفة الصلة، أي: الصلة الموصوفة بأنها خالصة لحقهما ورضاهما لا لأمر آخر، أي: لا ينبغي أن يخدم بطلب منزلة عندهما إلا من حيث إن رضا اللَّه في رضا الوالدين، كطاعة اللَّه لا يريد بها إلا رضاه تعالى ولا يريد غيره.\n٤٩٣٧ - [٢٧] (أبو الطفيل) قوله: (الجعرانة) بكسر الجيم والعين المهملة وتشديد الراء، وقد تسكن العين وتخفف الراء: موضع معروف على مرحلة من مكة، أقام بها رسول اللَّه -ﷺ- بضعة عشر يومًا لتقسيم غنائم حنين، واعتمر منها، والقصة مشهورة.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٦١).","vol":"8","page":224},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1119> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٩٣٨ - [٢٨] عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَاشَوْنَ أَخَذَهُمُ الْمَطَرُ، فَمَالُوا إِلَى غَارِ فِي الْجَبَل، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ، فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لِلَّهِ صَالِحَةً، فَادْعُوا اللَّهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ،\nــ\nالفصل الثالث\n٤٩٣٨ - [٢٨] (ابن عمر) قوله: (صخرة) في (القاموس) (١): الصخرة: الحجر العظيم الصلب، ويحرك.\nوقوله: (أعمالًا عملتموهما للَّه صالحة) صفة ثانية لى (أعمالًا)، وهو كالصفة الكاشفة؛ فإن الصالحة في الحقيقة هي التي أعملت خالصة لوجه اللَّه تعالى، ولو أريد بالصالحة ما كان مأمورًا بها، وبكونها للَّه عدم مدخلية السمعة والرياء فيها؛ كان الظاهر تقديم قوله: (صالحة) على قوله: (للَّه)، وقيل: قوله: (للَّه) متعلقة بـ (صالحة)، أي: تصلح لقبوله، وقد جاء في رواية البخاري: (أعمالًا عملتموها صالحة للَّه).\nوقوله: (يفرجها) أي: الصخرة، أي: الشدة التي حصلت منها.\nوقوله: (صبية) بكسر الصاد وسكون الباء وفتح الياء جمع صبي.\nوقوله: (أرعى عليهم) ضمن (أرعى) معنى أنفق، أي: أنفق عليهم راعيًا\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٩٤).","vol":"8","page":225},{"text":"فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ بَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيْهِمَا قَبْلَ وَلَدِي، وَإِنَّهُ قَدْ نَأَى بِي الشَّجَرُ، فَمَا أَتَيْتُ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالْحِلَابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤُوسِهِمَا أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي. . . . .\nــ\nلغنيمات، أو أرعى الغنيمات منفقًا عليهم، كذا قالوا، ولعل تخصيص الغنيمات باعتبار العادة؛ فإن أكثر أحوال الفقراء ذوي العيال رعيها، أو علم ذلك بالنقل.\nوقوله: (وإنه قد نأى) وفي بعض الروايات: (ناء)، وكلاهما لغتان مشهورتان بمعنى بعد، والأول أكثر استعمالًا، وهو قراءة أكثر القراء في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء: ٨٣]، وقرأ ابن عامر: ﴿نَاءَ﴾، قال البيضاوي (١): هو على القلب، وقال الجلبي: نحو راء رأى، والصواب أنهما لغتان.\nومعنى قوله: (نأى بي الشجر) أي: ذهبت في طلب المرعى بعيدًا حتى أمسيت، والباء في (بي) للتعدية.\nوقوله: (فجئت بالحلاب) هو يجيء بمعنى المحلوب، والإناء الذي يحلب فيه، وكلاهما محتمل الإرادة هنا.\nوقوله: (يتضاغون) بالضاد والغين المعجمتين، ضَغَا يَضْغو ضَغْوًا وضُغاءً: إذا صاح وزج، وتقديم الأصول في الإنفاق يكون مشروعًا جائزًا في شريعتهم، أو كانت الصبية يطلبون الزائد على سد الرمق، كذا قالوا.\nوقوله: (عند قدمي) بلفظ الإفراد والتثنية، والثاني أصح.\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٦٥).","vol":"8","page":226},{"text":"وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ، فَفَرَّجَ اللَّهُ لَهُمْ حَتَّى يَرَوْنَ السَّمَاءَ.\nقَالَ الثَّانِي: اللهُمَّ إِنَّه كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمِّ أُحِبُّهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ إِلَيْهَا نَفْسَهَا، فَأَبَتْ حَتَّى آتيها بِمِئَة دِينَارٍ، فَسَعَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُ مِئَةَ دِينَارٍ، فَلَقِيْتُهَا بِهَا، فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَفْتَح الْخَاتَمَ، فَقُمْتُ عَنْهَا، اللهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا مِنْهَا، فَفَرَّجَ لَهُمْ فُرْجَةً.\nوَقَالَ الآخَرُ: اللهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرْقِ أَرُزٍّ،\nــ\nوقوله: (فافرج) على صيغة الأمر من نصر، وقد يروى من الإفعال، والفرجة بضم الفاء، وهذا البناء للمقدار، وقد يفتح للمرة.\nوقوله: (ففرج) بالتشديد، وقد يروى بالتخفيف.\nوقوله: (حتى يرون) بإثبات النون في أكثر الروايات على حكاية الحال الماضية نحو: مرض حتى لا يرجونه في الحال المحققة، وقد يروى بحذف النون، و(حتى) بمعنى (كي)، والأول أقوى رواية، وإن كان الثاني أظهر دراية.\nوقوله: (فطلبت إليها) أي: طلبت أن تمكنني من نفسها متوجهًا إليها، أو يضمن معنى الإرسال.\nوقوله: (ولا تفتح الخاتم) كناية عن الخيانة في الأمانة، أو عن إزالة البكارة.\nوقوله: (بفرق أرز) قال القاضي عياض في (المشارق) (١): في حديث الغسل\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٥٥).","vol":"8","page":227},{"text":"فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَقَّهُ فَتَرَكَهُ وَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا،\nــ\nمن الجنابة في قوله: في إناء هو الفرق، رويناه بإسكان الراء وفتحها عن شيوخنا، والفتح للأكثر، قال الباجي: وهو الصواب، وكذا قيدنا عن أهل اللغة، وقال: لا يقال فيه: فرق بالإسكان، ولكن فرق بالفتح، وكذا حكى النحاس، وحكى ابن دريد أنه قد قيل بالإسكان، ومثله في الحديث الآخر: (بفرق أرز)، وهو نحو ثلاثة آصع، وقيل: يسع خمسة عشر رطلًا، وهو إناء معروف عندهم، انتهى.\nوقال في (القاموس) (١): الفرق مكيال بالمدينة تسع ثلاثة آصع، ويحرك، أو هو أفصح، أو تسع ستة عشر رطلًا.\nو(الأرز) حب معروف بفتح الهمزة وضم الراء مع شدة الزاي وخفتها، وبضمتين كذلك، وبضمة وسكون، وقد يجيء بمد الهمزة على وزن كابل، وقد يجيء بحذفها، وقد يجيء مع حذفها بالنون مكان الراء، وكلها لغات فيه، وفي رواية: (ذرة) بضم الذال وخفة الراء المفتوحة، فيجمع بأن الفرق كان من صنفين، أو أنهما لما كانا متقاربين أطلق اسم أحدهما على الآخر، أو أنه استأجر أكثر من واحد، فكان بعضهم بفرق أرز وبعضهم بذرة، كذا قال الشيخ ابن حجر (٢).\nوقوله: (حتى جمعت منه بقرًا وراعيها) لأنه الأكثر الأغلب، فلا ينافي رواية: (فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال)، وفيها: (فقلت له: كل ما ترى من الإبل والبقر والغنم والرقيق من أجرك)، وفيها: (فاستاقه فلم يترك منه شيئًا)، وما في رواية أنه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٤٥).\n(٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٠٦).","vol":"8","page":228},{"text":"فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَظْلِمْنِي وَأَعْطِنِي حَقِّي، فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْبَقَرِ وَرَاعِيهَا، فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَهْزَأْ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَهْزَأُ بكَ، فَخُذْ ذَلِكَ البَقَرَ وَرَاعِيهَا، فَأَخَذَ فَانْطَلَقَ بِهَا، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ، فَفَرَّجَ اللَّه عَنْهُم\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢١٥، م: ٢٧٤٣].\nــ\nدفع إليه عشرة آلاف درهم فمحمول على أنها كانت قيمة الأشياء المذكورة، كذا في الحاشية للعلامة مير جمال الدين رحمة اللَّه عليه (١).\nوقوله: (فخذ ذلك البقر وراعيها) التذكير باعتبار اللفظ والتأنيث باعتبار المعنى، وهو جائز في أسماء الأجناس والجموع، وقال الطيبي (٢): ذلك إشارة إلى البقرة باعتبار السواد المرئي أو الشخص، نحو قولك: هند ذلك الإنسان.\nومن فوائد هذا الحديث جواز التوسل بصالح الأعمال بحال الشدة والكرب بل استحبابه، لأنه -ﷺ- ذكره في معرض الثناء عليهم، وفضل بر الوالدين وإيثارهما على من سواهما وإن كان من الأولاد، والاحتراز والتحاشي عن إيقاعهما في الكلفة والمشقة، وقصر الهمة على طلب الراحة لهما، وكراهة إيقاظ أحد خصوصًا في محل الأدب والتعظيم، وأن النوم ألذ وأطيب من تناول الطعام، وفضل العفة وكف النفس عن المحرمات عند القدرة ووجود داعية النفس وعدم المانع لا سيما في شهوة الفرج؛ لكونها أغلب الشهوات وأعصاها على العقل، وأن تصرف الفضولي جائز وينفذ عند\n_________\n(١) \"حاشية جمال الدين\" (ص: ٣٠٣).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٦٣).","vol":"8","page":229},{"text":"٤٩٣٩ - [٢٩] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَاهِمةَ: أَنَّ جَاهِمَةَ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ وَقَدْ جِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ، فَقَالَ: \"هَلْ لَكَ مِنْ أُمِّ؟ \" قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: \"فَالْزَمْهَا؛ فَإِنَّ الْجَنَّةَ عِنْدَ رِجْلِهَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [حم: ٣/ ٤٢٩، ن: ٣١٠٤، شعب: ٧٤٤٩].\n٤٩٤٠ - [٣٠] وَعَنِ ابنِ عمَرَ قَالَ: كَانَتْ تَحْتِي امْرَأَةٌ أُحِبُّهَا وَكَانَ عُمَرُ يَكْرَهُهَا، فَقَالَ لِي: طَلِّقْهَا، فَأَبَيْتُ، فَأَتَى عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"طَلِّقْهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١١٨٩، د: ٥١٣٨].\nــ\nإذن المالك كما هو مذهب الحنفية، وفضل حسن التعهد، وأداء الأمانة، والسماحة في المعاملات، واستجابة الدعاء، واستجابته عند الشدة والمحنة، وثبوت الكرامات للأولياء كما هو مذهب أهل الحق.\n٤٩٣٩ - [٢٩] (معاوية) قوله: (معاوية بن جاهمة) بالجيم وكسر الهاء.\nوقوله: (فإن الجنة عند رجلها) (١) يعني كون الرجل عند رجل أمه موجب للجنة، وهذا معنى كون الجنة عند رجلها.\n٤٩٤٠ - [٣٠] (ابن عمر) قوله: (طلقها) إن كان الحق في جانب الوالدين\n_________\n(١) قال الطيبي (٨/ ٣١٧١): كناية عن غاية الخضوع ونهاية التذلل، كما في قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]، ولعله -ﷺ- عرف من حاله وحال أمه حيث ألزمه خدمتها ولزومها أن ذلك أولى به.","vol":"8","page":230},{"text":"٤٩٤١ - [٣١] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا حَقُّ الْوَالِدَيْنِ عَلَى وَلَدِهِمَا؟ قَالَ: \"هُمَا جَنَّتُكَ وَنَارُكَ\". رَوَاهُ ابنُ مَاجَه. [جه: ٣٧٠٦].\n٤٩٤٢ - [٣٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْعَبْدَ لَيَمُوتُ وَالِدَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا وَإِنَّهُ لَهُمَا لَعَاقٌّ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو لَهُمَا وَيَسْتَغْفِرُ لَهُمَا حَتَّى يَكْتُبَهُ اللَّهُ بَارًّا\".\n٤٩٤٣ - [٣٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَصْبَحَ مُطِيعًا لِلَّهِ فِي وَالِدَيْهِ أَصْبَحَ لَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ مِنَ الْجَنَّةِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَوَاحِدًا،\nــ\nفطلاقها واجب؛ للزوم العقوق، وإن كان في جانب المرأة؛ فإن طلقها لرضا الوالدين فهو جائز.\n٤٩٤١ - [٣١] (أبو أمامة) قوله: (هما جنتك ونارك) أي: برهما موجب للجنة، وعقوقهما سبب دخول النار.\n٤٩٤٢ - [٣٢] (أنس) قوله: (حتى يكتبه اللَّه بارًا) فيه أن الدعاء والاستغفار للوالدين يزيل إثم العقوق، وذلك كالاستغفار والاعتذار في حالة الحياة.\n٤٩٤٣ - [٣٣] (ابن عباس) قوله: (له بابان) يحتمل أن يكون جملة حالية، وفي (أصبح) ضمير فاعله، وأن يكون (له) خبر (أصبح)، و(بابان) فاعله.\nوقوله: (وإن كان واحدًا فواحدًا) أي: إن كان المطاع واحدًا فالباب المفتوح واحد، وفي بعض النسخ: (فواحدًا) أي: إن كان الباب المفتوح واحدًا.","vol":"8","page":231},{"text":"وَمَنْ أَصْبَحَ (١) عَاصِيًا للَّهِ فِي وَالِدَيْهِ أَصْبَحَ لَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ مِنَ النَّارِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا فَوَاحِدًا\" قَالَ رَجُلٌ: وَإِنْ ظَلَمَاهُ؟ قَالَ: \"وَإِنْ ظَلَمَاهُ، وَإِن ظَلَمَاهُ، وإِنْ ظَلَمَاهُ\".\n٤٩٤٤ - [٣٤] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَا مِنْ وَلَدٍ بَارٍّ يَنْظُرُ إِلَى وَالِدَيْهِ نظرَةَ رَحْمَةٍ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ حَجَّةً مَبْرُورَةً\"، قَالُوا: وَإِنْ نَظَرَ كُلَّ يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ؟ قَالَ: \"نَعَمْ، اللَّهُ أَكْبَرُ وَأَطْيَبُ\".\n٤٩٤٥ - [٣٥] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كُلُّ الذُّنوُبِ يَغْفِرُ اللَّهُ مِنْهَا مَا شاءَ (٢) إِلَّا عُقُوقَ الْوَالِدَيْنِ،\nــ\nوقوله: (ومن أمسى) وفي بعض النسخ: (أصبح)، وهو أوفق بجوابه، وهو قوله: (أصبح له بابان [مفتوحان] من النار).\nوقوله: (قال: وإن ظلماه) بالتكرير ثلاثًا للمبالغة والتشديد، والمراد الظلم في الأمور الدنياوية دون الدينية، لأن طاعة الوالدين فيما يخالف الدين غير جائزة.\n٤٩٤٤ - [٣٤] (ابن عباس) قوله: (اللَّه أكبر وأطيب) أي: أنزه من اعتقادك أنه لا يعطي ذلك الجزاء العظيم.\n٤٩٤٥ - [٣٥] (أبو بكرة) قوله: (إلا عقوق الوالدين) تغليظ وتشديد، ولذا عد أكبر الكبائر بعد الإشراك، ولعله تعالى يرضي الوالدين عند يوم القيامة كما يرضي الخصوم.\n_________\n(١) في نسخة: \"أمسى\".\n(٢) في نسخة: \"مَا يَشَاءُ\".","vol":"8","page":232},{"text":"فَإِنَّهُ يُعَجَّلُ لِصَاحِبِهِ فِي الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَمَاتِ\".\n٤٩٤٦ - [٣٦] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"حَقُّ كَبِيْرِ الإِخوَةِ عَلَى صَغِيرِهِمْ حَقُّ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ\". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الْخَمْسَةَ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٧٥٢٤، ٧٥٣٨، ٧٤٧٢، ٧٥٠٦، ٧٥٥٣].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1120>١٥ - باب الشفقة والرحمة على الخلق</span>\nــ\nوقوله: (فإنه) أي: اللَّه (يعجل) أي: العقوبة.\n٤٩٤٦ - [٣٦] (سعيد بن العاص) قوله: (حق الوالد على ولده) من قبيل إلحاق الناقص بالكامل مبالغة في الترغيب والترهيب.\n١٥ - باب الشفقة والرحمة على الخلق\nالإشفاق يجيء بمعنى الخوف مطلقًا، وبمعنى الخوف مع النصيحة وإرادة الخير، والشفقة والشفق محركًا اسمان منه، ويستعملان بمعنى الرحمة مطلقًا؛ لأن المشفق يخاف أن يصيب المشفق عليه مكروه، وفي (القاموس) (١): الشفق محركة: الخوف، والشفقة، وحرص الناصح على صلاح المنصوح، وهو مشفق وشفيق.\nوالرحمة ويحرك: الرقة والمغفرة والتعطف، كالمرحمة، والرُّحم بالضم وبضمتين، والفعل كعلم، ورحّم عليه ترحيمًا، وترحَّم، والأولى الفصحى، والاسم\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٢٧).","vol":"8","page":233},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1121> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٤٩٤٧ - [١] عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَرْحَمُ اللَّهُ مَنْ لَا يَرْحَمُ النَّاسَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٧٦، م: ٢٣١٩].\n٤٩٤٨ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: أَتُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ؟ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nالرحمى، انتهى.\nوالرحمة في الإنسان: رقة وانعطاف يحصل في قلبه، وهو محال على اللَّه تعالى، فالمراد به في حقه تعالى الرضا والإحسان، وكذلك سائر الصفات التي من قبيل الانفعال كالغضب ونحوه تطلق عليه تعالى باعتبار الآثار دون المبادئ، كما حقق في موضعه، وقد يشتق منه الرحموت كالرهبوت من الرهب، والجبروت من الجبر، والرحمن والرحيم مشتقان من الرحمة كندمان ونديم، وهما بمعنى، ويجوز تكرير الاسمين إذا اختلف اشتقاقهما على طريق التوكيد، كما يقال: فلان جاد مجد، والرحمن مختص به تعالى، ولذا قال: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] أعاده بالاسم ذكرًا للاسمين الذين لا يشرك فيهما غيره، كذا في (الصحاح) (١).\nالفصل الأول\n٤٩٤٧ - [١] (جرير بن عبد اللَّه) قوله: (لا يرحم اللَّه من لا يرحم الناس) أي: رحمة خاصة مخصوصة بالراحمين الفائزين السابقين.\n٤٩٤٨ - [٢] (عائشة) قوله: (أتقبلون الصبيان؟) من التقبيل (فما نقبلهم) الهمزة للإنكار، وليس المراد حقيقة الاستفهام؛ لأن الظاهر من سياق الكلام أنه رأى أنهم\n_________\n(١) انظر: \"مختار الصحاح\" (١/ ١١٧).","vol":"8","page":234},{"text":"\"أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٩٨، م: ٢٣١٧].\n٤٩٤٩ - [٣] وَعَنْهَا قَالَتْ: جَاءَتْنِي امْرَأَةٌ وَمَعَهَا ابْنتَانِ لَهَا تَسْأَلُنِي، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي غَيْرَ تَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: \"مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٩٥، م: ٢٩٨٢].\nــ\nيقبلونهم، والفاء في (فما نقبلهم) للتعقيب في المرتبة نحو (ثم) يجيء للتراخي في الرتبة، تفيد استبعاد التقبيل لكونه منكرًا عنده، وقد أتي بمثل هذه الفاء في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [الكهف: ٥٧]، ولهذا جاء في آية أخرى: ﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة: ٢٢]، فتدبر.\nوقوله: (أن نرع) يروى بفتح الهمزة، والتقدير: لا أملك دفع نزع اللَّه الرحمة عن قلبك، وبكسرها على أنها شرطية.\n٤٩٤٩ - [٣] (وعنها) قوله: (من ابتلي من هذه البنات بشيء): (من) إما بيانية، و(شيء) كناية عن العدد، أي: بواحدة أو اثنتين منهن، أو ابتدائية، والمعنى ابتلي بما صدر عنهن من كلفة وإيذاء، ثم اختلف في المراد بالإحسان هل يقتصر على قدر الواجب أو ما زاد عليه، والظاهر هو الثاني، ولهذا أورد هذا الحديث في (باب الشفقة والرحمة على الخلق) لا في (باب البر والصلة)، فافهم.\nوالمراد بالإحسان ما يوافق الشرع، وقال الشيخ ابن حجر (١): الظاهر أن الثواب\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٢٨).","vol":"8","page":235},{"text":"٤٩٥٠ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ هَكَذَا\"، وَضَمَّ أَصَابِعَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٣١].\n٤٩٥١ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ. . . . .\nــ\nالمذكور إنما يحصل لفاعله إذا استمر على ذلك إلى تزويجهن أو موتهن.\n٤٩٥٠ - [٤] (أنس) قوله: (من عال جاريتين) أي: قام بما تحتاجان إليه من قوت وكسوة، والصغيرة تسمى جارية كالصغير يسمى غلامًا.\nوقوله: (أنا وهو هكذا) جملة حالية من فاعل (جاء)، ومنه يعلم أن تجريد الجملة الاسمية عن الواو فصيح، ولو كان فيه ضعف لم يبلغ حدًّا يخل بالفصاحة.\nوقوله: (وضم أصابعه) المراد ضم أصبعيه السبابة والوسطى ومقارنتهما واتصالهما كما يظهر من حديث سهل بن سعد، والمراد الاقتران في دخول الجنة أو السكنى فيه، أو الاجتماع في المحشر أو جميع المواطن، وهو الأظهر والأنسب بقوله: (يوم القيامة)، واللَّه أعلم.\nثم إنهم ذكروا في حديث: (بعثت أنا والساعة كهاتين) أن المراد اقترانهما أو تقدم أحدهما على الآخر يعني أن الساعة تعقبني، ولو أريد هذا المعنى في هذا الحديث لكان المراد التعقيب في دخول الجنة، لكنهم قالوا: إن المراد هو المقارنة والاتصال كما لا يخفى.\n٤٩٥١ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (الساعي على الأرملة) بفح الهمزة والميم","vol":"8","page":236},{"text":"كَالسَّاعِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ\" وَأَحْسَبُهُ قَالَ: \"كَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٠٧، ٢٩٨٢].\nــ\nأي: الساعي في أمرها والمنفق عليها، قال الطيبي (١): الأرملة: امرأة لا زوج لها، سواء تزوجت قبل ذلك أم لا، وقيل: هي التي فارقها زوجها، سميت أرملة لما يحصل لها من الإرمال، وهو الفقر وذهاب الزاد، وقال في (القاموس) (٢): رجل أرمل، وامرأة أرملة: محتاجة أو مسكينة، والجمع أرامل وأراملة، والأرمل: العزب، وهي بهاء، ولا يقال للعزبة الموسرة: أرملة، وفي (الصراح) (٣): أرمل: مرد بى زن، أرملة: زن بى شوي، أرامل: بيوكَان ودرويشان ومحتاجان از مرد وزن، أرملت المرأة، أي: مات عنها زوجها.\nوقوله: (وأحسبه) قال في بعض الشروح: أي قال أبو هريرة: أظن أن النبي -ﷺ- قال، وفي بعض الحواشي: قائله عبد اللَّه بن مسلمة القعنبي شيخ البخاري ومسلم الراوي عن الإمام مالك كما صرح به البخاري، ومعناه أظن أن مالكًا قال: (كالقائم. . . إلخ)، وظاهر لفظ (المشكاة) يوهم أن قائله أبو هريرة.\nوقوله: (كالقائم) أي: القائم بالليل للعبادة.\nوقوله: (لا يفتر) بضم التاء من نصر ينصر، من الفتور، وأما ما هو بمعنى الافتراء فهو بفتح التاء بحذف اللام (٤).\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٦٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٢٧).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٤٢٧).\n(٤) كذا في الأصل.","vol":"8","page":237},{"text":"٤٩٥٢ - [٦] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ فِي الْجَنَّةِ هَكَذَا\"، وَأَشَارَ بِالسَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى وفرَّجَ بَينَهُمَا شَيْئًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٣٠٤].\n٤٩٥٣ - [٧] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠١١، م: ٢٥٨٦].\nــ\n٤٩٥٢ - [٦] (سهل بن سعد) قوله: (أنا وكافل اليتيم له ولغيره في الجنة هكذا) الحديث، يعلم منه أن المراد المقارنة في الجنة، وأن المراد بالضم في حديث أنس مع التفريج شيئًا فيجب حمله عليه، إذ الأحاديث يشرح بعضها بعضًا، اللهم إلا أن يقال: ثواب عول الجاريتين أكثر من ثواب كفالة اليتيم، فيكون المقارنة في ذلك أشد وأقوى من هذا، ويكون في جميع المواطن لا في الجنة خاصة، واللَّه أعلم.\nثم المراد بكون اليتيم له أن يكون من أقاربه وأرحامه، كابن الابن أو ابن الأخ وأمثالهما، ومن كونه لغيره أن يكون من الأجانب.\n٤٩٥٣ - [٧] (النعمان بن بشير) قوله: (اشتكى عضوًا) في أكثر النسخ هكذا منصوبًا على المفعولية أو التمييز، وفاعل (اشتكى) ضمير للجسد، أي: تألم من جهة العضو، وفي بعضها مرفوع على الفاعلية، ومعنى التداعي أن يدعو القوم بعضهم بعضًا ليتفقوا على فعل شيء، وفي (الصراح) (١): تداعت الحيطان، وللخراب أي: تهادمت، أي: يدعو بعض الأعضاء بعضًا آخر، والمقصود التوافق في الألم والمشقة.\nوقوله: (في تراحمهم وتوادّهم وتعاطفهم) أريد بالتراحم أن يرحم بعضهم بعضًا\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٥٥٧).","vol":"8","page":238},{"text":"٤٩٥٤ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْمُؤْمِنُونَ كَرَجُلٍ وَاحِدٍ إِنِ اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ، وَإِنِ اشْتَكَى رَأْسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٨٦].\n٤٩٥٥ - [٩] وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا\" ثُمَّ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٢٦، م: ٢٥٨٥].\n٤٩٥٦ - [١٠] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَتَاهُ السَّائِلُ أَوْ صَاحِبُ الْحَاجَةِ قَالَ: \"اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا،\nــ\nبمجرد أخوة الإيمان لا بسبب شيء آخر، وبالنواد رعاية الأحوال من جهة التواصل والتحابب بعلاقة زائدة كالتزاور والتهادي، والتعاطف إعانة بعضهم بعضًا بسبب الرقة بمشاهدة العجز والضعف والمسكنة ونحوها.\n٤٩٥٤ - [٨] (وعنه) قوله: (إن اشتكى عينه اشتكى كله) وروي (عينه) و(رأسه) و(كله) بالنصب والرفع، لكن تذكر (اشتكى) في (اشتكى عينه) يرجح النصب، إلا أن يجعل بدلًا على تقدير الرفع.\n٤٩٥٥ - [٩] (أبو موسى) قوله: (ثم شبك بين أصابعه) قيل: هذا مما اختص البخاري بذكره ولم يذكره مسلم.\n٤٩٥٦ - [١٠] (أبو موسى) قوله: (فلتؤجروا) قال الطيبي (١): الفاء واللام كلتاهما مقحمة للتأكيد، إذ يكفي أن يقال: تؤجروا جوابًا للأمر، انتهى.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٧١).","vol":"8","page":239},{"text":"وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٤٧٦، م: ٢٦٢٧].\n٤٩٥٧ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا\"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ أَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: \"تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ، فَذَاك نَصْرُكَ إِيَّاهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٥٢، م: ٢٥٨٤].\n٤٩٥٨ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ. . . . .\nــ\nوقد صحح في بعض النسخ بكسر اللام، فتكون (أن) مقدرة بعدها، فعلى هذا تكون الفاء مقحمة فقط.\n٤٩٥٧ - [١١] (أنس) قوله: (فذلك نصرك إياه) لأنك نصرته على النفس والشيطان الذين بعثاه على الظلم وأمراه به.\n٤٩٥٨ - [١٢] (ابن عمر) قوله: (لا يظلمه) خبر في معنى الأمر، والظلم في الأصل: وضع الشيء في غير موضعه، فيتناول الصغيرة والخصلة المباحة التي لا تليق عرفًا، ولهذا قال العباس لعلي -﵄- في مرافعتهما قضية صدقة بني النضير إلى عمر -﵁-: اقض بيني وبين هذا الظالم، ولم ينكر أحد هذه الكلمة من عباس؛ لأنهم فهموا أنه لا يريد حقيقتها، وهذه كلمة لا يراد بها حقيقتها في العرف في أمثال هذا المقام، وقيل: إن عليًّا كان كالولد للعباس، وللوالد أن يقول لولده ما ليس لغيره، كذا في (مجمع البحار) (١)، وحاشا عليًّا المرتضى أن ينسب إليه الظلم، ﵁ وكرم وجهه.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٤٩٨).","vol":"8","page":240},{"text":"وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٌ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَةَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٤٢، م: ٢٥٨٠].\nــ\nوقوله: (ولا يسلمه) أي: لا يخذله عن النصرة، ولا يتركه مع من يؤذيه بل ينصره، قال الطيبي (١): يقال: أسلم فلان فلانًا: إذا ألقاه في الهلكة، ولم يحمه من عدوه، انتهى. وهو من الإسلام، والهمزة للسلب، أي: لا يزيل سلمه، والسلم بفتح السين وكسره وسكون اللام: الصلح، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨].\nوقوله: (من فرج عن مسلم كربة) في (القاموس) (٢): الكرب: الحزن يأخذ بالنفس كالكربة بالضم، والجمع كروب، وكربه الغم فاكترب، فهو مكروب وكريب.\nوقوله: (من ستر مسلمًا) قالوا: الستر المندوب هو الستر على ذوي الهيئات ممن لا يعرف بالأذى والفساد، وأما المعروف به والمتلبس بالمعصية علانية فيجب إنكاره ورفع الأمر إلى الولاة إن لم يقدر على منعه، وأما جرح الرواة والشهود وأمناء الصدقات فواجب؛ صيانة للدين وحفظًا للحقوق.\nوقوله: (ستره اللَّه يوم القيامة) أي: ستره عن أهل الموقف، أو ترك المحاسبة، أو ترك ذكر ذنوبه.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٧١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٣٣).","vol":"8","page":241},{"text":"٤٩٥٩ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِم، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَهُنَا\"، وَيُشِير إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاث مِرَارٍ، \"بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ ومالهُ وَعِرْضُهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٦٤].\nــ\n٤٩٥٩ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (ولا يحقره) بفتح الياء وسكون الحاء وكسر القاف، قال القاضي عياض في (المشارق) (١): كذا رواه السمرقندي والسجزي بالحاء المهملة والقاف من الحُقرية، أي: لا يستصغره ويذله ويتكبر عليه، ورواه العذري: (ولا يخفره) بالخاء المعجمة والفاء وضم الياء أوله، أي: لا يغدره ولا يخونه، يقال: خفرت الرجل: أجرته وأمنته، وأخفرته: لم أوف له وغدرته، وكذلك الخلاف في آخر الحديث: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر) على ما تقدم للرواة، والصواب أن يكون من الاستحقار، وهو المروي في غير مسلم، ورواه غيره: (يحتقر)، انتهى كلامه، وفي (القاموس) (٢): الحقر والحُقرية بالضم: الذلّة، والحقارة، مثلثة، والمحقرة: الإذلال، وفي بعض الحواشي: حقره واحتقره واستحقره: استصغوه، وحقر بالضم حقارة فهو حقير، وفي (تاج المصادر): الحقر: خوار داشتن، من حد ضرب، والحقارة حقير شدن، من كرم، وظهر من هذا كله أنه ليست الرواية: ولا يحقره من باب التفعيل وإن كان كلام الطيبي (٣) يوهمه، فتدبر.\nوقوله: (التقوى ههنا، ويشير إلى صدره) الغرض من ذكر هذه الجملة تأكيد النهي\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٣٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٥٤).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٧٢).","vol":"8","page":242},{"text":"٤٩٦٠ - [١٤] وَعَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلَاثَةٌ: ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ متصدِّقٌ مُوَفَّقٌ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ،\nــ\nعن احتقار المسلم بأن التقوى أمر خفي مبطن، فلا ينبغي أن يحقر أحد بما يرى من هوان ظاهر حاله وذله، ويجوز أن يكون معناه محل التقوى القلب، فمن كان في قلبه التقوى فلا يحقر مسلمًا؛ لأن المتقي ليس من شأنه أن يحقر المسلم، ولا شك أن المعنى الأول أظهر وأنسب بسوق الكلام، وأما على المعنى الثاني فليس في ذكر الإشارة كثير فائدة، وقول الطيبي بأن القول الثاني أوجه والنظم له أدعى لأنه -ﷺ- إنما شبه المسلم بالأخ للتنبيه على المساواة وأن لا يرى لنفسه على أحد من المسلمين فضلًا ومزية، وتحقيره إياه ينافي هذه الحالة، وينشأ منه قطع وصلة المحبة، محل نظر؛ لأنه يحصل هذا الغرض على الوجهين كما لا يخفى.\n٤٩٦٠ - [١٤] (عياض بن حمار) قوله: (ذو سلطان) في (القاموس) (١): السلطان: الحجة، وقدرة الملك، وتضم لَامُه، والوالي، مؤنث، لأنه جمع سليط للدهن، كأنه به يُضيء الملك، أو لأنه بمعنى الحجة، وقد يذكَّر ذهابًا إلى معنى الرجل، وفي (الصراح) (٢): سلطان: قهرمان وحجت، يذكر ويؤنث.\nوقوله: (مقسط) المقسط: العادل، والقاسط: الجائر، قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]، ويقال: قسط يقسط من ضرب يضرب قسطًا بالفتح وقسوطًا: جار وعدل عن الحق، وأما القسط بالكسر فهو بمعنى العدل، من\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦١٨).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٢٩٢).","vol":"8","page":243},{"text":"وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ، وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: . . . . .\nــ\nالمصادر الموصوف بها كالعدل، يستوي فيه الواحد والجمع، كذا في (القاموس) (١)، ولم يجئ قاسط بمعنى العادل من القسط بالكسر، بل بمعنى الجائر من القسط بالفتح.\nوقوله: (وعفيف متعفف) في (الصراح) (٢): عفت: بارسائي وباز ايستادن أز حرام، تعفف: بارسائي نمودن، وفي (القاموس) (٣): عف عفًّا وعفافًا وعفافة، بفتحهن وعفة بالكسر، فهو عفّ وعفيف: كف عما لا يحل، والجمع أَعِفَّاء، وهي عَفَّة وعفيفة، والجمع عفائف وعفيفات، وتعفف: تكلفها، انتهى. وقيل: أراد بالعفيف من في نفسه القوة المانعة عن الفواحش، وبالمتعفف من يبرزها بالفعل، ويظهر العفة من نفسه، فافهم. وأكثر ما يفسر التعفف بالاجتناب والتحاشي عن السؤال، قال تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣].\nوقوله: (ذو عيال) أشار به إلى أنه مع كونه محتاجًا ذا عيال يتجنب عن السؤال ويَكِلُ أمرَه وأمرَ عياله إلى اللَّه الرزّاق ذي القوة المتين، ثم اعلم أن الظاهر أن المراد بكون هؤلاء الثلاثة أهل الجنة دخولهم إياها مع السابقين المقربين واحتظاظهم فيها بالنعيم والفوز بالدرجات العالية، وإلا فقد يكون من المؤمنين من ليس [في] هذه الأقسام الثلاثة، وذلك ظاهر، وكذا الكلام في قوله: (وأهل النار خمسة) بأنهم يستأهلون دخولها ويحق لهم أن يدخلوها، والمقصود تقبيح هذه الأفعال والتشنيع عليها والتغليظ\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٢٩).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٣٥٨).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٧٣).","vol":"8","page":244},{"text":"الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ،\nــ\nوالتشديد في الوعيد كما كان المراد من قرينة مدح الأفعال المذكورة وتحسينها، وقال الطيبي (١): إذا استقريت أحوال العباد على اختلافها فلعلك لم تجد أحدًا يستأهل أن يدخل الجنة ويحق له أن يكون من أهلها إلا وهو مندرج تحت هذه الأقسام غير خارج عنها، انتهى. ولا يخلو هذا القول عن خفاء.\nوقوله: (لا زبر له) أي: لا عقل له، كذا في (الصحاح) (٢) وقال الطيبي (٣): لا زبر له، أي: لا تماسك له، وقال في (مجمع البحار) (٤): الضعيف: الذي لا زبر له، أي: لا عقل يزبره وينهاه عما لا ينبغي، ومنه حديث: (إذا رددت على السائل ثلاثًا فلا عليك أن تزبره) أي: تنهره وتغلظ عليه في القول والرد، انتهى.\nوعلم من هذا أن الزبر بمعنى المنع والنهي، سمي العقل به لكونه مانعًا ناهيًا عما لا ينبغي كما سمي بالنهية، وقد قال في (القاموس) (٥): الزبر: العقل، والصبر، والمنع، والنهي، وقد قيل على تفسيره بالعقل: إن من لا عقل له لا تكليف عليه، فكيف يكون من أهل النار؟ فينبغي أن يفسر بالاستقامة والتماسك، وليس بشيء؛ لأن من الظاهر أن ليس المراد نفي العقل مطلقًا بل العقل الناهي عن ارتكاب ما لا ينبغي، وذلك العقل الذي يقال له: عقل المعاد، الذي يعرف به الصلاح والفساد، وذلك ظاهر.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٧٤).\n(٢) \"الصحاح\" (٢/ ٦٦٧).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٧٤).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٤١٧).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٧١).","vol":"8","page":245},{"text":"الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعٌ لَا يَبْغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا، وَالْخَائِنُ الَّذِي لَا يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلَّا خَانَهُ،\nــ\nوقال الطيبي (١): لعل هذا القائل جعل قوله: (الذين هم فيكم تبع) قسمًا آخر من الأقسام الخمسة وإن كان خلاف الظاهر؛ لعدم ذكره بالواو كما في قرائنه، يعني لما جعله قسمًا آخر بقي نفي الزبر مطلقًا، فيرد الإشكال، ولا يخفى أنه مع ذلك قرينة التخصيص ظاهرة، والظاهر أن قوله: (الذين) بيان أو بدل من (الذي لا زبر له) بذكر نوع منه على طريق التمثيل، أو وصف ثان للضعيف، و(الذي) في معنى (الذين) كما في قوله تعالى: ﴿كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [التوبة: ٦٩] أراده بمعنى الجنس، أو المراد بالضعيف الجنس، فتارة وصف بالمفرد باعتبار اللفظ وأخرى بالجمع، والمراد بـ (الذين هم فيكم تبع. . . إلخ) هم الذين يدورون حول الأغنياء يخدمونهم ولا يبالون من أيّ وجه يأكلون ويلبسون من الحلال أو من الحرام.\nوقوله: (لا يبغون) بالغين المعجمة بمعنى الطلب، أي: لا يطلبون أهلًا، فأعرضوا عن التزوج، وارتكبوا الفواحش، ولا يطلبون مالًا بكسب حلال، أو لا رغبة لهم ولا ميل إلى أهل ولا إلى مال، بل قصروا هممهم على المآكل والمشارب وحظوظ أنفسهم حلالًا كان أو حرامًا، وفي بعض النسخ: (لا يتبعون) من التبع أو الاتباع.\nوقوله: (والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه) الطمع مصدر بمعنى المفعول، أي: مما يمكن أن يطمع فيه وإن كان شيئًا دقيقًا يسيرًا، إن كان خفيًّا عليه يسعى في التفحص عنه والتطلع عليه حتى يجده ويخونه، وقيل: (ولا يخفى) بمعنى لا يظهر، وقد يجيء الخفاء بمعنى الظهور كما قيل في القول المشهور بالحديث\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٧٤).","vol":"8","page":246},{"text":"وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ\". وَذَكَرَ الْبُخْلَ أَوِ الْكَذِبَ، \"وَالشِّنْظِيرُ الْفَحَّاشُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٦٥].\n٤٩٦١ - [١٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣، م: ٤٥].\nــ\nالقدسي: (كنت كنزًا مخفيًا)، ويؤيده التعدية باللام.\nوقوله: (يخادعك عن أهلك ومالك) أي: خداعًا صادرًا عن إرادة الخداع في أهل الناس وأموالهم، والمعنى يظهر العفة والأمانة وهو بصدد الخيانة.\nوقوله: (وذكر) أي: النبي -ﷺ- (البخل أو الكذب) أي: البخيل أو الكاذب، قال الطيبي (١): لعل الراوي نسي لفظ النبي -ﷺ-، فذكر بهذه الصيغة، يعني أراد أنه -ﷺ- ذكر لفظًا يفهم منه معنى البخل أو الكذب، ولا يدري قال: والبخل أو الكذب أو لفظًا غيره، ثم المذكور في أكثر الروايات (أو الكذب) بـ (أو) للشك، وفي بعضها بالواو؛ فإن كان بـ (أو) يكون (الشنظير الفحاش) أي: السيء الخلق الذي يفحش في كلامه خامسًا، وإن كان بالواو تم الخمسة بهما، والشنظير الفحاش من وصف الكذب أو البخل؛ لأنهما في معنى البخيل الكاذب، وعلى الأول الأظهر أن يكون مرفوعًا عطفًا على رجل، ويحتمل أن يكون منصوبًا عطفًا على البخل أو الكذب، وعلى الثاني يكون منصوبًا البتة، أي: ذكر البخل والكذب، وذكر وصفهما الشنظير والفحاش، فليتدبر.\n٤٩٦١ - [١٥] (أنس) قوله: (لا يؤمن عبد) أي: لا يتم ولا يكمل إيمانه (حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) أي: من الخير، وقد ذكر في بعض الروايات صريحًا،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٧٥).","vol":"8","page":247},{"text":"٤٩٦٢ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ\"، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠١٦، م: ٤٦].\nــ\nقالوا: هذا متعسر بل ممتنع، أي: غير واقع حصوله ولا يتصور فيما يعتاد الناس من مقتضيات طبائعهم، ولكن ينبغي أن يعلم أن الخير: خيران: خير الآخرة وخير الدنيا، أما خير الآخرة فهو النجاة من عذاب النار والفوز بدرجات الجنة وما يلزمهما من الإيمان والعمل الصالح، وخير الدنيا الأهل والأولاد والأسباب والأمتعة مما يكون وسيلة وواسطة لخير الآخرة، والمؤمن يحب هذا لنفسه ولجميع إخوانه المؤمنين، وأما من يريد لنفسه بتسويل الشيطان وشره النفس من المال والجاه مما يبعثه على الظلم والفساد والوبال والنكال ويحب ذلك فلا يحبه ويريده للمؤمنين، بل ينبغي أن لا يريده ويحبه لنفسه أيضًا، أو يكون رجل يكون المال في حقه سببًا للخيرات والجاه يكون باعثًا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويكون رجل آخر يبعثه ذلك على الفسق والطغيان والظلم والعتو، فلا ينبغي أن يريده لذلك الرجل كما يريده لنفسه، وبالجملة الذي يكون في نفس الآدمي ضيق وضنّة من إرادة المال والجاه والخيرات لأجل خوف لحوق منقصة ومذلة بنفسه، ولما كان المؤمنون كلهم على طريقة الخير والصلاح من جهة الدين والدنيا ارتفع ذلك الخوف، فالمؤمن يطلب أن يكون كلهم على تلك الطريقة متساويين في ذلك، وهذه الإرادة ميسر [ة] عند أهل الدين والإنصاف، فافهم، وباللَّه التوفيق.\n٤٩٦٢ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (واللَّه لا يؤمن) باللَّه، مكرر ثلاثًا، وفيه غاية التأكيد، ومع ذلك المراد نفي الإيمان الكامل، و(بواثقه) أي: غوائله وشروره، جمع بائقة، وهي الداهية.","vol":"8","page":248},{"text":"٤٩٦٣ - [١٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٦].\n٤٩٦٤ - [١٨] وَعَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠١٤، م: ٢٦٢٤].\n٤٩٦٥ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَن يَحْزُنَهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٩٠، م: ٢١٨٤].\nــ\n٤٩٦٣ - [١٧] (أنس) قوله: (لا يدخل الجنة) في معنى الإيمان، وحيث أريد بالإيمان الكامل يراد بدخول الجنة مع السابقين الفائزين.\n٤٩٦٤ - [١٨] (عائشة وابن عمر) قوله: (ما زال جبريل يوصيني بالجار) أي: يوصيني بأن آمر الأمة برعاية حقوق الجار، فيكون معنى قوله: (أنه سيورثه) أي: يحكم بتوريث أحد الجارين الآخر، ومن هذا لا يلزم أن يكون له -ﷺ- ميراث، ولو سلم أن معنى الكلام يوصيني نفسي برعاية حق الجار حتى ظننت أنه سيورثه مني، يكون هذا قبل أن يوحى إليه: إن الأنبياء لا يورثون، لما ثبت ذلك في الصحيح، أو المراد كمال المبالغة في ذلك حتى إنه ظن بالتوريث فيما ليس فيه، فافهم.\n٤٩٦٥ - [١٩] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (من أجل أن يحزنه) بفتح الياء وضم الزاي من الحزن، وقد يروى بضم الياء وكسر الزاي من الإحزان، حزنه الأمر حزنًا بالضم، وأحزنه: جعله حزينًا، فهو محزون ومحزن، وحزين، وحزن بكسر الزاي، ولعل اللغة الفصحى هو الأول، وعليه قراءة القرآن: ﴿إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا","vol":"8","page":249},{"text":"٤٩٦٦ - [٢٠] وَعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"الدِّينُ النَّصِيحَةُ\" ثَلَاثًا، قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: \"للَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَامَّتِهِمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٥٥].\nــ\nبِهِ﴾ [يوسف: ١٣]، ولم يرو البيضاوي القراءة من الإحزان ولو شاذة.\nثم إن هذا يؤذن بأن العلة في النهي إيراث الحزن، لكنهم ذكروا في باعث الحزن وجهين: أحدهما: توهم تبييت رأي فيه ودسيس غائلة له، وثانيهما: التأذي من أجل الاختصاص بالتكريم، وعلى الوجه الأول حيث لا مجال لهذا التوهم لا بأس بالنجوى، حتى ذهب بعضهم [إلى] أن هذا النهي إنما هو في السفر وفي موضع لا يأمن الثالث على نفسه، وأما في الحضر وبين ظهراني العمارة فلا، وعلى الوجه الثاني ينبغي أن يكون النهي مطلقًا، ولكن لا يخفى أن هذا يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال أيضًا، ويدل على ذلك ما روى الطيبي أنه قد صح عن عائشة -﵂- إنا كنا أزواج النبي -ﷺ- عنده يومًا، فأقبلت فاطمة -﵂-، فلما رأها رحّب بها، ثم سارّها، ففيه دليل على أن المسارة في الجمع حيث لا ريبة جائزة، وقد توجد العلة فيما زاد على الثلاثة أيضًا، فالتقييد بالثلاثة اتفاقي واكتفاء بالأدنى، وقد يقال: إن في الأربعة لا بأس بالتناجي، واللَّه أعلم.\n٤٩٦٦ - [٢٠] (تميم الداري) قوله: (الدين النصيحة) أصل النصيحة الخلوص، ويقال: ناصح للعسل الخالص، وكل شيء خلص فقد نصح، ويراد بها إرادة الخير للمنصوح، يقال: نصحته ونصحت له، وهي تجري في كل قول أو فعل فيه صلاح صاحبه، وهي والوصية متقاربتان، كذا في (مجمع البحار) (١).\nوقوله: (للَّه ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) والنصيحة للَّه: صحة\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٧٣٢).","vol":"8","page":250},{"text":"٤٩٦٧ - [٢١] وَعَنْ جَرِيْرِ بْنِ (١) عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى إِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَّاةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧، م: ٥٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1122> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٤٩٦٨ - [٢٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ -ﷺ- يَقُولُ: . . . . .\nــ\nالاعتقاد في وجوده، كما هو بأسمائه وصفاته، واخلاص نيته في عبادته فيما أمر أو نهى. ولكتابه: التصديق به، والعمل بما فيه وتلاوته. ولرسوله: التصديق بنبوته وإطاعته. ولأئمتهم: أما للأمراء فبإطاعتهم في الحق وعدم الخروج وإن جاروا، وأما للعلماء فبالعمل فيما أفتوا بالحق وردوا بالصدق. ولعامتهم بإرشادهم إلى مصالح دينهم ودنياهم، ودفع الضرر عنهم، وجلب النفع إليهم، وهذا الحديث من جوامع الكلم يشتمل على علوم الأولين والآخرين إذا فصل وبين، ولو اجتمع الأولون والآخرون ما أحاطوا بتفاصيلها وفروعها.\n٤٩٦٧ - [٢١] (جرير بن عبد اللَّه) قوله: (على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم) العبادات إما حق اللَّه أو حقوق العباد، والأولى بدنية أو مالية، فذكر منهما العمدة منهما، وأما الثانية فيشملها كلها النصح لكل مسلم، ويحتمل أنه لم يفرض في ذلك الوقت الصوم والحج، فتدبر.\nالفصل الثاني\n٤٩٦٨ - [٢٢] (أبو هريرة) قوله: (الصادق المصدوق) الصادق من صَدَق في\n_________\n(١) سقط \"ابن عبد اللَّه\" في نسخة.","vol":"8","page":251},{"text":"\"لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ\". رَوَاهُ أَحْمدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٢/ ٤٢٢، ت: ١٩٢٤].\n٤٩٦٩ - [٢٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ. . . . .\nــ\nقوله، والمصدوق من صدَقه غيرُه، أي: أخبره بخبر صادق، يقال: صدق زيد عمرًا أي: أخبره بالصدق، واللَّه تعالى صدق نبيه وأخبره بأخبار صادقة، وكذلك جبرئيل صدقه.\nوقوله: (لا تنزع الرحمة إلا من شقي) النزع يكون بعد الوضع، وفيه إشارة إلى أن سلبها عن قلب أحد بعد وجودها فيه علامة الشقاوة وأشد وأغلظ، ويحتمل أن يكون من قبيل سبحان من صغّر البعوض وعظّم الفيل، وقولهم: ضيق فم البئر وإن كان بينهما تفاوتٌ مَّا، فافهم.\n٤٩٦٩ - [٢٣] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (الراحمون يرحمهم الرحمن) جمع راحم، ولم يأت بالرحماء جمع رحيم، وإن كان غالب ما ورد في الرحمة استعمال الرحيم لا الراحم؛ إيذانًا بأن الرحيم صيغة مبالغة، فلو أتى بجمعها لاقتضى الاقتصار عليه، وإنما أتى بالرحماء في خبر (إنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء)؛ لأن لفظ الجلالة حيث ورد يكون الكلام مسوقًا للتعظيم، فبعد ذكره يناسب ما فيه الدلالة على كثرة الرحمة، والرحمن يدل على العفو والمبالغة فيه، علم ذلك بالاستقراء، فذكر مع الرحمن كل ذي رحمة وإن قلّت، كذا ذكر السيوطي، يريد أن ذكر اللَّه تعالى لما كان دالًّا على العظمة والكبرياء دل على الرحمة الكاملة العظيمة منه تعالى، فيكون جزاء للرحمة الكاملة من العبد، وذكر الرحمن يدل على العفو، فيكفي في استحقاقه أصل الرحمة وإن لم","vol":"8","page":252},{"text":"يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٤٩٤١، ت: ١٩٢٤].\n٤٩٧٠ - [٢٤] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَلَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا، وَيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٩٢١].\n٤٩٧١ - [٢٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا مِنْ أَجْلِ سِنِّهِ. . . . .\nــ\nتكن كاملة.\nوقوله: (يرحمكم من في السماء) أي: اللَّه تعالى، وقد ينسب ويخص أمره تعالى بكونه في السماء؛ تعظيمًا وإجلالًا لكمال سعته وعظمته، وقد يراد به الملائكة يحفظونهم بأمر اللَّه ويستغفرون لهم.\n٤٩٧٠ - [٢٤] (ابن عباس) قوله: (من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا) الظاهر أن ضمير المتكلم كناية عن المسلمين، فالتخصيص لكمال العناية والاهتمام، وإلا فرحمة الصغير وتوقير الكبير في الجملة يشمل المسلمين وغيرهم من جهة الصغر والكبر، أو يقال: لا وعيد في غير المسلمين على ترك الرحمة والتوقير، بل مخصوص بهم أو كناية عن الآدميين، واللَّه أعلم.\nوقوله: (هذا حديث غريب) وفي بعض النسخ: (حسن غريب)، وقيل: إسناده جيد.\n٤٩٧١ - [٢٥] (أنس) قوله: (من أجل سنه) أي: مع قطع النظر عن إيمانه وفضله، فهذا أيضًا يشمل الكافر.","vol":"8","page":253},{"text":"إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ كِبَرِ سِنِّهِ مَنْ يُكْرِمُهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠٢٢].\n٤٩٧٢ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إكْرامَ ذِي الشَّيبةِ الْمُسْلِم، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ، وَلَا الْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [د: ٤٨٤٣، شعب: ٢٤٣١].\nــ\nوقوله: (إلا قيض اللَّه عند كبر سنه) أي: سلّط ووكّل، وفيه بشارة إلى بلوغ ذلك الشاب سن الشيخوخة.\n٤٩٧٢ - [٢٦] (أبو موسى) قوله: (إن من إجلال اللَّه) أي: تعظيمه.\nوقوله: (إكرام ذي الشيبة المسلم) التخصيص بالمسلم إما لكمال العناية والاهتمام، أو للفرق بين التوقير والإكرام، فتدبر.\nوقوله: (غير الغالي فيه ولا الجافي عنه) قيل: الغالي من يبذل جهده في تجويد قراءته من غير تفكر وتدبر وعمل بما فيه، أو المسرع في القراءة فحسب لا يصحح حروفه، والجافي عنه: المعرض عن تلاوته وعمله، من التجافي بمعنى التباعد. في (الصحاح) (١): تجافى عن الفراش أي: تباعد، ومنه قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]، وفي (القاموس) (٢): تجافى: لم يلزم مكانه، وقيل: الغالي: من تجاوز الحد من حيث لفظه أو معناه بتأويل باطل، والجافي عنه: المتباعد عن العمل به، ويجوز أن يقال: الغالي من اشتغل بتلاوته ولا يشتغل أصلًا، بتعلم\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٦/ ٢٣٠٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٦٨).","vol":"8","page":254},{"text":"٤٩٧٣ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَيْرُ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ، وَشَرُّ بَيْتٍ فِي الْمُسْلِمِيْنَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه. [جه: ٣٦٧٩].\n٤٩٧٤ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ مَسَحَ رَأْسَ يَتِيمٍ لَمْ يَمْسَحْهُ إِلَّا للَّهِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَاتٌ، وَمَنْ أَحْسَنَ إِلَى يَتِيمَةٍ أَوْ يَتِيمٍ عِنْدَهُ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ\" وَقَرَنَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [حم: ٥/ ٢٦٥، ولم أجده في سنن الترمذي].\nــ\nالفقه وسائر العبادات، والجافي الذي لا يشتغل بالقرآن أصلًا، وهو قريب من المعنى الأول.\n٤٩٧٣ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (يساء إليه) يؤذى بغير حق، وإن ضربه للتأديب والتعليم فليس ذلك بإساءة.\n٤٩٧٤ - [٢٨] (أبو أمامة) قوله: (من مسح رأس يتيم) قال الطيبي (١): هو كناية عن الشفقة والتلطف به، ولما لم تكن الكناية منافية لإرادة الحقيقة لإمكان الجمع بينهما رتب عليه قوله: (بكل شعرة)، انتهى.\nوالظاهر أن المراد حقيقة مسح الرأس على وجه الشفقة والتلطف، فافهم.\nوقوله: (تمر عليها يده) بفتح التاء وضم الميم فاعله (يده)، ويروى بضم الياء وكسر الميم، و(يده) مفعوله.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٨٢).","vol":"8","page":255},{"text":"٤٩٧٥ - [٢٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ آوَى يَتِيمًا إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ الْجَنَّةَ الْبَتَّةَ إِلَّا أَنْ يَعْمَلَ ذَنْبًا لَا يُغْفَرُ، وَمَنْ عَالَ ثَلَاثَ بَنَاتٍ أَوْ مِثْلَهُنَّ مِنَ الأَخَوَاتِ فَأَدَّبَهُنَّ وَرَحِمَهُنَّ حَتَّى يُغْنِيَهُنَّ اللَّهُ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ الْجَنَّةَ\"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّه! أَوِ اثْنتَيْنِ؟ قَالَ: \"أَوِ اثْنتَيْنِ\"، حَتَّى لَوْ قَالُوا: أَوْ وَاحِدَةً؟ لَقَالَ: وَاحِدَةً، \"وَمَنْ أَذْهَبَ اللَّهُ بِكَرِيمَتَيْهِ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ\"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا كَرِيمَتَاهُ؟ قَالَ: \"عَيْنَاهُ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [١٣/ ٤٤].\n٤٩٧٦ - [٣٠] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ\". . . . .\nــ\n٤٩٧٥ - [٢٩] (ابن عباس) قوله: (ذنبًا لا يغفر) وهو الشرك.\nوقوله: (عال) أي: تعهد وقام بمؤنتهن.\nوقوله: (حتى لو قالوا) هو غاية الموافقة، أي: كان يوافقه رسول اللَّه -ﷺ- في هذا الباب، حتى لو قال: أو واحدة لوافقه فقال: (أو واحدة) بناء على ما وقع من أمثاله، وهذا على المذهب المختار، وهو أن الأحكام مفوضة إليه -ﷺ- يحكم بما يشاء، ويخص من شاء بما شاء، وأما على القول بعدم التفويض فيقال: أوحي إليه -ﷺ- بعد التماسهم التوسيع والترخيص، ولهذا أمثلة كثيرة في الأحاديث.\nوقوله: (قيل: يا رسول اللَّه! وما كريمتاه؟ قال: عيناه) في (القاموس) (١): كريمتك: أنفك، وكل جارحة شريفة، كالأذن واليد، والكريمتان: العينان.\n٤٩٧٦ - [٣٠] (جابر بن سمرة) قوله: (لأن يؤدب الرجل) يعني ولو بالضرب\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٦٣ - ١٠٦٤).","vol":"8","page":256},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَناصِحٌ الرَّاوِي عِنْدَ أَصْحَابِ الحَدِيثِ بِالْقَوِيِّ. [ت: ١٩٥١].\n٤٩٧٧ - [٣١] وَعَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدَهُ مِنْ نُحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\"، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا عِنْدِي حَدِيثٌ مُرْسَلٌ. [شعب: ١٥٥٣، ت: ١٩٥٢].\nــ\nوالإيلام، واللَّه أعلم.\n٤٩٧٧ - [٣١] (أيوب بن موسى) قوله: (من نحل) في (الصراح) (١): نحل بالضم: عطية دادن، وفي (القاموس) (٢): النحل بالضم مصدر نحلة: أعطاه، والاسم النحلة بالكسر، ويضم، وكبشرى: العطية.\nوقوله: (وقال الترمذي: هذا عندي حديث مرسل) اعلم أن هذا الإسناد كإسناد عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وحكموا عليه بأنه إما مرسل أو منقطع؛ فإن عمرو ابن شعيب [هو] ابن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، فإن كان (جده) راجعًا إلى عمرو فأبوه، أعني شعيبًا عن أبيه، وهو محمد جد عمرو، فالحديث مرسل؛ لأن محمدًا تابعي، وإن كان راجعًا إلى أبيه فشعيب عن جده وهو عبد اللَّه بن عمرو، وهو لم يدركه، فالحديث منقطع، ولهذا لا يوجد في الصحيحين حديث بهذا الإسناد، وهذا البيان قد مر سابقًا، وما نحن فيه كذلك، فإن أيوب هو ابن موسى بن عمرو بن سعيد ابن العاص، وسعيد بن العاص صحابي أخو عمرو بن العاص؛ فإن كان مرجع\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٤٥١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٧٩).","vol":"8","page":257},{"text":"٤٩٧٨ - [٣٢] وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\"، وَأَوْمَأَ يَزِيدُ بْنُ ذُرَيْعٍ إِلَى الْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ، \"امْرَأَةٌ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ،\nــ\nضمير (جده) أيوب، وهو عمرو بن سعيد، وهو تابعي، فيكون مرسلًا، وإن كان جد أبيه، وهو سعيد، صحابي، فإن صح سماع موسى عن جده عن سعيد بن العاص صار الحديث مسندًا، وإلا فمنقطع، فلعل الترمذي على أن ضمير (جده) لأيوب، وهو تابعي، فالحديث مرسل، لكن الطيبي (١) قال: إنه هو روى الحديث في (جامع الأصول) (٢): عن سعيد بن العاص، فالظاهر أن عمرًا سمع من أبيه سعيد بن العاص، فتدبر.\n٤٩٧٨ - [٣٢] (عوف بن مالك) قوله: (امرأة سفعاء) السفعة بضم السين المهملة: نوع من السواد ليس بالكئير، وقيل: هو سواد مع لون آخر، وفي (الصحاح) (٣): سواد مشرب بالحمرة، أراد أنها بذلت نفسها وتركت الزينة والترفه حتى تغير لونها واسودّ لما تكابدها من المشقة والضنك إقامةً على ولدها بعد وفاة زوجها، ولم يرد أنها كانت من أصل الخلقة كذلك، لقوله: (ذات منصب وجمال).\nوقوله: (امرأة آمت) عطف بيان لـ (امرأة سفعاء)، أو بدل منها، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه امرأة، و(آمت) بالمدّ وتخفيف الميم، أي: صارت أيمًا، أي:\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٨٤).\n(٢) \"جامع الأصول\" (١/ ٤٨٦، رقم: ٢١٨).\n(٣) \"الصحاح\" (٢/ ١٢٣).","vol":"8","page":258},{"text":"حبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى يَتَامَاهَا حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُوا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٤٩].\n٤٩٧٩ - [٣٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ كَانَتْ لَهُ أُنْثَى فَلَمْ يَئِدْهَا، وَلَمْ يُهِنْهَا، وَلَمْ يُؤْثِرْ وَلَدَهُ عَلَيْهَا -يَعْنِي الذُّكُورَ- أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥١٤٦].\n٤٩٨٠ - [٣٤] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنِ اغْتِبَ عِنْدَهُ أَخُوهُ الْمُسْلِمُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نَصْرِهِ فَنَصَرَهُ نَصَرَه اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْصُرْهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نَصْرِهِ أَدْركَهُ اللَّهُ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١٣/ ١٠٧].\nــ\nبلا زوج.\nوقوله: (حبست نفسها على يتاماها) أي: تركت التزوج بزوج آخر واشتغلت بتعهد أطفالها (حتى بانوا) أي: انقطعوا عنها وانفصلوا بالكبر ولبلوغ، واستبدوا بالقوة والعقل والرشد؛ فإن الولد ما لم يكبر فهو ملتزق بأمه ومتصل بها غير بائن عنها.\n٤٩٧٩ - [٣٣] (ابن عباس) قوله: (فلم يئدها) أي: لم يدفنها حية.\nوقوله: (ولم يؤثر) من الإيثار، (ولده) يعني الذكور، وإنما ذكر الولد باعتبار جهلهم أن الابن هو الولد في زعم الجاهلين، والأنثى ليس في عداد الأولاد، فافهم.\n٤٩٨٠ - [٣٤] (أنس) قوله: (أدركه اللَّه) أي: خذله وانتقم منه بسبب عدم النصر عند القدرة، واللَّه أعلم.","vol":"8","page":259},{"text":"٤٩٨١ - [٣٥] وَعَنْ أسماءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ ذَبَّ عَنْ لَحْمِ أَخِيهِ بِالْمَغِيبَةِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعْتِقَهُ مِنَ النَّارِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٧٢٣٦].\n٤٩٨٢ - [٣٦] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَا مِنْ مُسْلِمِ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرُدَّ عَنْهُ نارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٣٥٢٨].\n٤٩٨٣ - [٣٧] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ. . . . .\nــ\n٤٩٨١ - [٣٥] (أسماء بنت يزيد) قوله: (من ذب عن لحم أخيه) تلميح إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢]، وقوله: ﴿مَيْتًا﴾ لكمال المبالغة، أو أنه لما تناول عرضه كأنه أهلكه وأماته فيأكل لحمه، فافهم.\nوقوله: (بالمغيبة) إما متعلق (بذب) فيكون بمعنى الغَيبة بفتح الغين، وإما متعلق بـ (لحم) بتقدير أكل فيكون بمعنى الغيبة بكسر الغين.\n٤٩٨٢ - [٣٦] (أبو الدرداء) قوله: (ثم تلا) استشهاد على قوله: (إلا كان حقًا على اللَّه)، وفيه: أن المؤمن والمسلم واحد.\n٤٩٨٣ - [٣٧] (جابر) قوله: (يخذل امرأ) أي: يترك نصره ولا يمنع من اغتيابه ونحو ذلك.","vol":"8","page":260},{"text":"يُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ [فِيهِ] مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٨٤].\n٤٩٨٤ - [٣٨] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ رَأَى عَوْرَةً فَسَتَرَهَا كَانَ كَمَنْ أَحْيَا مَوْؤُدَةً\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. [حم: ٤/ ١٤٧، ت: ١٩٣٠].\nــ\nوقوله: (ينتهك فيه حرمته) انتهاك الحرمة: تناولها بما لا يحل، كذا في (الصحاح) (١).\nوقوله: (في موطن يحب فيه نصرته) وفي (المصابيح): (في موضع) بدل (في موطن).\n٤٩٨٤ - [٣٨] (عقبة بن عامر) قوله: (من رأى عورة) العورة: ما يجب سترها من الأعضاء وما يكره الإنسان ظهوره، ويستحيي من كشفه من العيوب والنقائض، وهذا هو المراد في الحديث.\nوقوله: (كان كمن أحيا موؤدة) أي: مدفونة حية، بأن أخرجها من القبر.\nووجه التشبيه أن من اطلع على عيبه وقبحه قد يختار الموت على اطلاع الغير عليه، وهو في حكم الميت لما يلحقه من الحياء والخجالة، فإذا ستره عليه أحد فقد رفع عنه تلك الخجالة التي هي بمثابة الموت، فكأنه أحياه وأخرجه من القبر.\n_________\n(١) \"الصحاح في اللغة\" (٢/ ٢٣٦).","vol":"8","page":261},{"text":"٤٩٨٥ - [٣٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَحَدُكُمْ مِرْآةُ أَخِيهِ، فَإِنْ رَأَى بِهِ أَذًى فَلْيُمِطْ عَنْهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ وَلأَبِي دَاوُدَ: \"الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ يَكُفُّ عَنْهُ ضَيْعَتَهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ\". [ت: ١٩٢٩، د: ٤٩١٨].\nــ\nوقال الطيبي (١): يمكن أن يقال: إن وجه التشبيه ارتكاب الأمر العظيم كإحياء الموؤدة، فإنه أمر عظيم فشبه به؛ لأن من أراد أن يستر عيب مؤمن وعرضه إذا تصور أنه أحيا الموؤدة عظم عنده ستر عورة المؤمن، فيتحرى فيه ويبذل جهده، انتهى.\nولا يخفى أن هذا الوجه لا يوجب التشبيه بإحياء الموؤدة على الخصوص؛ فإن الأمور العظيمة كثيرة، فالوجه الأول هو الأقرب، واللَّه أعلم.\n٤٩٨٥ - [٣٩] (أبو هريرة) قوله: (المؤمن مرآة المؤمن) أي: يريه ما فيه من العيوب بإعلامه بها وتنبيهه عليها، كالمرآة تري كل ما في وجه الشخص ولو كان أدنى شيء، فالمؤمن يطلع على عيوبه بإعلام مؤمن آخر، كما يطلع على قبائح وجهه بالنظر في المرآة، فينبغي للمؤمن أن يميط الأذى والعيب عنه، ويشتغل بإصلاح حاله بأي وجه، كما قال رويم: لا يزال الصوفية بخير ما تنافروا؛ فإذا اصطلحوا هلكوا، وأيد هذا المعنى بقوله: (والمؤمن أخو المؤمن) أي: ناصحه ومعاضده (يكف عنه ضيعته) أي: تَلَفَه وخسرانه، والضيعة: مرة من الضياع، (ويحوطه من ورائه) أي: ضرره وهلاكه، وقد يقال في معنى (المؤمن مرآة المؤمن): إن المسلم إذا رأى عيبًا ونقصانًا في مسلم آخر ينبغي أن يحمل على أن هذا عيبه ونقصانه يرى فيه، فينتبه ويرجع إلى نفسه فيقوم في مقام إزالته وإصلاح حاله، وهذا معنى صحيح دقيق، ولكن سوق الحديث\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٨٧).","vol":"8","page":262},{"text":"٤٩٨٦ - [٤٠] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا مِنْ مُنَافِقٍ بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَحْمِي لَحْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ، وَمَنْ رَمَى مُسْلِمًا بِشَيْءٍ يُرِيدُ بِهِ شَيْنَهُ حَبَسَهُ اللَّهُ عَلَى جِسْرِهَ جَهَنَّمَ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٨٣].\n٤٩٨٧ - [٤١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٩٤٤، دي: ٢٤٨١].\nــ\nينافي هذا المعنى، وما ذكرنا هو الذي بيّنه الشراح.\n٤٩٨٦ - [٤٠] (معاذ بن أنس) قوله: (من حمى مؤمنًا من منافق) في الحواشي: أي: منافق مغتاب أو ظالم، والظاهر هو الأول، وعنوان المنافق دال عليه؛ لأن حاله الاغتياب ومخالفة الغيبة والحضور، وأيضًا قوله: (بعث اللَّه ملكًا يحمي لحمه) يناسبه؛ لأنه لما حمى المؤمن عن الاغتياب الذي في حكم أكل اللحم فقد حمى لحمه، فيناسب حماية لحمه من النار، ويمكن أن يقال: إنه إنما قال: يحمي لحمه للمبالغة في الحفظ والحماية عن النار؛ لأن النار إنما تحرق وتأكل اللحم، ثم تصل إلى العظم، فإذا حمى لحمه فقد حماه حماية تامة كاملة.\nوقوله: (حتى يخرج مما قال) أي: حتى ينقى ويطهر من ذنبه ذاك، إما بإرضاء خصمه أو تعذيبه بقدر ذنبه.\n٤٩٨٧ - [٤١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (خيرهم لصاحبه) بنصيحته وعدم اغتيابه، وأمانته لأسراره، ورعاية سائر حقوق الصحبة والجوار.","vol":"8","page":263},{"text":"٤٩٨٨ - [٤٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ للنَّبِيِّ -ﷺ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ إِذَا أَحْسَنْتُ أَوْ إِذَا أَسَأْتُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِذَا سَمِعْتَ جِيرَانَكَ يَقُولُونَ: قَدْ أَحْسَنْتَ فَقَدْ أَحْسَنْتَ، وَإِذَا سَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ: قَدْ أَسَأْتَ فَقَدْ أَسَأْتَ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهُ. [جه: ٤٢٢٣].\n٤٩٨٩ - [٤٣] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٤٢].\nــ\n٤٩٨٨ - [٤٢] (ابن مسعود) قوله: (إذا سمعت جيرانك يقولون: قد أحسنت فقد أحسنت) الحديث، ينبغي أن يقيد بكون الجيران من أهل الحق والإنصاف غير مفرطين في المحبة والعداوة، كما قالوا مثل ذلك في حديث: (من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًّا وجبت له النار، أنتم شهداء اللَّه في الأرض) (١)، وذلك ظاهر، ويجوز أن يجعل هذا كناية عن الإحسان إلى الجيران.\n٤٩٨٩ - [٤٣] (عائشة) قوله: (أنزلوا الناس منازلهم) أي: أكرموا كل شخص على حسب فضله وشرفه، ولا تسووا بين الوضيع والشريف والخادم والمخدوم من غير تحقير للفقراء بما يؤذيهم.\nروي عن عائشة -﵂- كانت جالسة وعندها طعام كل منه، فإذا فقير سأل، فأرسلت عليه كسرة من خبز، ثم مرّ بها راكب فأرسلت إليه أن الطعام حاضر فأت إن كانت لك رغبة، قيل لها: ما هذا التفاوت بين المؤمنين؟ فقالت: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: (أنزلوا الناس منازلهم)، كذا في (إحياء العلوم) (٢) أو كما قال.\n_________\n(١) أخرجه مسلم (٩٤٩).\n(٢) \"إحياء علوم الدين\" (٢/ ٤٤).","vol":"8","page":264},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1123> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٤٩٩٠ - [٤٤] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي قُرَادٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- تَوَضَّأَ يَوْمًا فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَتَمَسَّحُونَ بِوَضُوئِهِ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"مَا يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَذَا؟ \" قَالُوا: حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُحِبَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَوْ يُحِبَّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَلْيَصْدُقْ حَدِيثَهُ إِذَا حَدَّثَ، وَلْيُؤَدِّ أَمَانَتَهُ إِذَا أُؤْتُمِنَ، وَلِيُحْسِنَ جِوَارَ مَنْ جَاوَرَهُ\".\n٤٩٩١ - [٤٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ\". . . . .\nــ\nالفصل الثالث\n٤٩٩٠ - [٤٤] (عبد الرحمن) قوله: (وعن عبد الرحمن بن أبي قراد) بضم القاف.\nوقوله: (يتمسحون بوضوئه) قد سبق أن الصحابة كانوا يقتتلون على وضوء رسول اللَّه -ﷺ-؛ فإن لم يجد أحد يأخذ بللًا من يد الآخر ويتمسح به.\nوقوله (فليصدق حديثه. . . إلخ)، أي: يهتم ويعتني فيما يشق على النفس من رعاية التقوى خصوصًا في معاملة النفس والخلق، وأما التمسح بالوضوء وأمثاله فلا عبرة ذلك بدون تحقق التقوى، ويحتمل أنه -ﷺ- وجد فيمن فعلوا ذلك شيئًا من عدم الاهتمام في هذه الأمور، فنبه على ذلك، وهذا هو وجه التخصيص بذكر هذه الأمور كما قيل مثل ذلك في أحاديث: (أفضل الأعمال) و(أفضل الإسلام)، ذكر لكل أحد من خصائل مخصوصة من الإيمان ما لم يذكر لغيره، فتدبر.\n٤٩٩١ - [٤٥] (ابن عباس) قوله: (بالذي يشبع وجاره جائع) يكون هذا مقيدًا","vol":"8","page":265},{"text":"رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ١٤٤٠، ٣١١٧].\n٤٩٩٢ - [٤٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ فُلَانَةَ تُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: \"هِيَ فِي النَّارِ\"، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَإِنَّ فُلَانَةَ تُذْكَرُ قِلَّةَ صِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا وَصَلَاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالأَثْوَارِ مِنَ الأَقِطِ، وَلَا تُؤْذِيْ بِلِسَانِهَا جِيرَانها، قَالَ: \"هِيَ فِي الْجَنَّةِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [حم: ٢/ ٢٤٠، شعب: ٩٠٩٩].\n٤٩٩٣ - [٤٧] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَقَفَ عَلَى ناسٍ جُلُوسٍ فَقَالَ: \"أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِكُمْ مِنْ شَرِّكُمْ؟ \"،\nــ\nبما يفضل عن نفسه وعن من يجب عليه نفقته، وإن آثر على نفسه ورضي أهل حقوقه فذاك شيء آخر.\n٤٩٩٢ - [٤٦] (أبو هريرة) قوله: (إن فلانة تذكر) على بناء المفعول، وفيه ضمير لفلانة، و(من) أجلية، أي: هي مذكورة ومشهورة بين الناس من أجل (كثرة صلاتها وصيامها)، كذا قال الطيبي (١)، ويجوز أن يكون التقدير: إن فلانة تذكر من صيامها وصلاتها أشياء كثيرة، فتكون (من) بيانية.\nوقوله: (تذكر قلة صيامها) بنزع الخافض، و(الأثوار) جمع ثور، بمعنى القطعة من الأقط.\n٤٩٩٣ - [٤٧] (أبو هريرة) قوله: (من شركم) ضمن الإخبار معنى التمييز\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٩٠).","vol":"8","page":266},{"text":"قَالَ: فَسَكَتُوا، فَقَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ رَجُلٌ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنَا بِخَيْرِنَا مِنْ شَرِّنَا، فَقَالَ: \"خَيْرُكُمْ مَنْ يُرْجَى خَيْرُهُ وَيُؤْمَنُ شَرُّهُ، وَشَرُّكُمْ مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\"، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٢٦٦٣، شعب: ١٠٧٥٥].\n٤٩٩٤ - [٤٨] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُوُلُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلَاقَكُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أرزَاقَكُمْ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لَا يُحِبُّ، وَلَا يُعْطِي الدِّينَ إِلَّا مَنْ أَحَبَّ، فَمَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ الدِّينَ فَقَدْ أَحَبَّهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ لَا يُسْلِمُ عَبْدٌ حَتَّى يُسْلِمَ قَلْبُهُ وَلِسَانُهُ،\nــ\nفعداه بـ (من).\nوقوله: (خيركم من يرجى خيره ويؤمن شره. . . إلخ)، وأما من لا يرجى خبره ويؤمن شره، أو لا يؤمن شره ويرجى خبره فليس هو خيرًا مطلقًا لا شرًّا مطلقًا، بل خير من وجه وشر من وجه بين بين، ولم يذكر هذين القسمين للعلم بالمقايسة.\n٤٩٩٤ - [٤٨] (ابن مسعود) قوله: (حتى يسلم قلبه ولسانه) كأنه إشارة إلى التصديق والإقرار، وإنما نفى الإيمان عمن لا يأمن جاره مبالغة، كأنه داخل في حقيقة الإيمان الذي هو التصديق، ويمكن أن يقال: إن معنى الإيمان في الأصل جعل المخبر آمنًا، فيناسبه جعل الجار آمنًا، وقال بعض الشارحين: الإسلام على ما دلت عليه الأحاديث هو شهادة أن لا إله إلا اللَّه. . . إلخ، وهو فعل اللسان، لكنه مشروط بمواطأة","vol":"8","page":267},{"text":"وَلَا يُؤْمِنُ حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ\".\n٤٩٩٥ - [٤٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"الْمُؤْمِنُ مَأْلَفٌ، وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ\". رَوَاهُمَا أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [حم: ١/ ٣٨٧، ٢/ ٤٠٠، شعب: ٥١٣٦، ٧٧٦٦].\n٤٩٩٦ - [٥٠] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ قَضَى لِأَحَدٍ مِنْ أُمَّتِي حَاجَةً يُرِيدُ أَنْ يَسُرَّهُ بِهَا فَقَدْ سَرَّنِي، وَمَنْ سَرَّنِي فَقَدْ سَرَّ اللَّهَ،\nــ\nالقلب لئلا يكون نفاقًا، فأشار بهذا الحديث إلى ذلك، وقال الطيبي (١): إسلام القلب تطهيره عن العقائد الباطلة والأخلاق الرديئة، وإسلام اللسان كفه عما يحرم وعما لا يعني، و(البوائق) الدواهي، في (القاموس) (٢): بَأَقَتْهُم الدَّاهيةُ بَؤُوقًا كصبور: أصابتهم، وفي (الصراح) (٣): بائقة: سختي، والجمع بوائق، وفي الحديث: (حتى يأمن جاره بوائقه) أي: ظلمه وغشه وغوائله وشره.\n٤٩٩٥ - [٤٩] (أبو هريرة) قوله: (مألف) مصدر ميمي، أو اسم مكان، أي: المؤمن محل الألفة والمحبة آلفًا أو مألوفًا، ومحبًا أو محبوبًا، وقد منّ اللَّه تعالى على المؤمنين وعلى حبيبه -ﷺ- بتأليف قلوبهم في القرآن المجيد، ومدار الاجتماع على الدين والاتباع هو الألفة.\n٤٩٩٦ - [٥٠] (أنس) قوله: (لأحد من أمتي) المراد أمة الإجابة.\nوقوله: (فقد سرّ اللَّه) أي: أرضاه.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٩١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٩٨).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٣٦٩).","vol":"8","page":268},{"text":"وَمَنْ سرَّ اللَّهَ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ\".\n٤٩٩٧ - [٥١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَغَاثَ مَلْهُوفًا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ مَغْفِرَةً، وَاحِدَةٌ فِيهَا صَلَاحُ أَمِرِهِ كُلِّهِ، وَثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ لَهُ دَرَجَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\".\n٤٩٩٨، ٤٩٩٩ - [٥٢، ٥٣] وَعنهُ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْخَلْقُ عِيَالُ اللَّهِ، فَأَحَبُّ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ مَنْ أَحْسَنَ إِلَى عِيَاِلِهِ\". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٧٢٤٧، ٧٢٦٤، ٧٠٤٦].\n٥٠٠٠ - [٥٤] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَوَّلُ خَصْمَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَارَانِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ١٥١].\nــ\n٤٩٩٧ - [٥١] (أنس) قوله: (من أغاث ملهوفًا) في (القاموس) (١): لهف كفرح: حزن، ويالَهْفَهُ: كلمة يتحسر بها على فائت، والملهوف واللهيف واللهفان واللاهف: المظلوم المضطر يستغيث ويتحسر.\n٤٩٩٨، ٤٩٩٩ - [٥٢، ٥٣] (وعنه) قوله: (الخلق عيال اللَّه) عيال الرجل: زوجته وأولاده وكل من يجب عليه نفقته ومؤنته، فاستعمال العيال هنا مجاز أو استعارة.\n٥٠٠٠ - [٥٤] (عقبة بن عامر) قوله: (أول خصمين يوم القيامة جاران) استشكل بحديث: (أول ما يحاسب به العبد صلاته)، وبحديث: (أول ما يقضى بين الناس الدم)، وأجيب بأن الحديث الأول بالنسبة إلى حقوق اللَّه، والثاني بالنسبة إلى المظالم، وما نحن فيه في معاملة الخلق، فلا منافاة، كذا ذكر السيوطي في (الزجاجة على\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٨٨).","vol":"8","page":269},{"text":"٥٠٠١ - [٥٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- قَسْوَةَ قَلْبِهِ، فَقَالَ: \"امْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ وَأطْعِمِ الْمِسْكِينَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٢٦٣].\n٥٠٠٢ - [٥٦] وَعَنْ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَفْضَلِ الصَّدَقَةِ؟ ابْنَتُكَ مَرْدُودَةً إِلَيْكَ لَيْسَ لَهَا كَاسِبٌ غَيْرُكَ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٧١١].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1124>١٦ - باب الحب في اللَّه ومن اللَّه</span>\nــ\nابن ماجه) (١).\n٥٠٠١ - [٥٥] (أبو هريرة) قوله: (امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين) أي: تعطف عليه وأحسن إلى المساكين؛ فإن ذلك اقتحام العقبة المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ الآية [البلد: ١١]، فإذا فعله لان قلبه وسمحت نفسه، والعلاج بالضد.\n٥٠٠٢ - [٥٦] (سراقة بن مالك) قوله: (ابنتك) أي: صدقة ابنتك التي طلقها زوجها فرجعت إلى بيت الأب، وليس لها أولاد يكتسبون وينفقون عليها.\n١٦ - باب الحب في اللَّه ومن اللَّه\nقال الطيبي (٢): معنى (الحب في اللَّه): الحب في ذات اللَّه وجهته لا يشوبه الرياء\n_________\n(١) انظر: \"شرح ابن ماجه\" للسيوطي (١/ ١٨٨).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٩٤).","vol":"8","page":270},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1125> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٠٠٣ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٣٣٦].\nــ\nوالهوى، (ومن اللَّه) أي: من جهة اللَّه، أي: إذا أحبّ عبدًا أحبه لأجل اللَّه وبسببه، و(من) ههنا كما في قوله تعالى: ﴿تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣]، و(في) كما في قوله تعالى: ﴿جَاهَدُوا فِينَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]، وهذا أبلغ حيث جعل المحبة مظروفًا، انتهى.\nولا يخفى أن هذين المعنيين قريبان بل متحدان في المآل، ولا يخلو عن تكرار سوى ما تفيده كلمة (في) من الأبلغية، وقد كتب في الحواشي أن الظاهر أن الأول إشارة إلى محبة العبد لوجه اللَّه، والثاني إلى محبة اللَّه العبد، وهذا المعنى أظهر من لفظة (من)، ولكن الأحاديث المذكورة في الباب ليست واردة في هذا المعنى سوى الحديث الثاني من (الفصل الأول)، ثم إنه كتب في نسخة بعد قوله: (الحب في اللَّه): (والبغض في اللَّه)، وليس في النسخ الأخر، والأحاديث المذكورة كثيرة فيه، وكأنه لم يذكر لفهمه عن الحب في اللَّه بالمقابلة، واللَّه أعلم.\nالفصل الأول\n٥٠٠٣، ٥٠٠٤ - [١، ٢] (عائشة) قوله: (الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف) الجنود جمع جند، وهي العسكر، والمراد","vol":"8","page":271},{"text":"٥٠٠٤ - [٢] وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [م: ٢٦٣٨].\n٥٠٠٥ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحُبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ،\nــ\nبـ (مجندة) مجتمعة على نحو قناطير مقنطرة، وفيه دليل على أن الأرواح ليست بأعراض، وعلى أنها كانت موجودة قبل الأجساد، ولا يلزم من ذلك قدمها، لكن يبطل القول بخلقها بعد تمام البدن وتسويته، إلا أن يراد بخلقها قبل البدن كذلك تقديرها كذلك، وهو مخالف لظاهر الحديث جدًّا، بل قد جاء في الحديث: (خلقت الأرواح قبل الأجساد بألفي عام)، وعلى أنها خلقت في أول خلقتها على قسمين من ائتلاف واختلاف، باعتبار موافقته في الصفات ومخالفته فيها، وأن الأجساد التي فيها الأرواح تلتقي في الدنيا فتأتلف وتختلف على حسب ما خلقت عليه، فالخير يحب الأخيار، والشر يحب الأشرار، وإن عرض عارض يقتضي خلاف ذلك فالمآل إليه، فما تعارف منها قبل التعلق بالأجساد ائتلف بعده، كمن فقد أليفه ثم اتصل به، وما تناكر قبله اختلف بعده، وهذا التعارف والتناكر إلهامات من اللَّه من غير إشعار منهم بالسابقة.\n٥٠٠٥ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (إن اللَّه إذا أحب عبدًا دعا جبريل. . . إلخ)، وقد فسر بهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم: ٩٦].","vol":"8","page":272},{"text":"ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فَلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الأَرْضِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٣٧].\n٥٠٠٦ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي؟ الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٦٦].\nــ\nوقوله: (ثم ينادي في السماء: إن اللَّه يبغض) الرواية بكسر (إن) على إضمار، أي فيقول: إن اللَّه، هذا عند البصريين، أو على أن في النداء معنى القول، وهذا عند الكوفيين، كذا في بعض الحواشي (١).\n٥٠٠٦ - [٤] (عنه) قوله: (المتحابون بجلالي) متعلق بالتحاب، أي: المتحابون بسببه وملاحظته، ولا حاجة إلى جعل الباء بمعنى (في)؛ لذكرها في الأحاديث الأخر؛ لأن كلا المعنيين صحيح، بل عسى أن يقال: إن (في) بمعنى الباء في تلك الأحاديث، لأن المراد معنى السببية، والمتعارف فيه هو الباء، اللهم إلا لإفادة الأبلغية المذكورة آنفًا، لكن تلك بعد ذكر (في)، وأما إذا لم تذكر فالأصل هو الباء.\nوقوله: (اليوم أظلهم) إن كان متعلقًا (باظلهم) فـ (يوم) الثاني بدل عنه، وإن كان ظرفًا للفعل المقدر: في (أين) كان (أظلهم) مستأنفًا، فهو متعلق بـ (أظلهم)، ويجوز أيضًا أن يكون بدلًا من (اليوم)، فافهم.\nوقوله: (في ظلي) اختلفوا في بيان المراد بـ (ظلي)، فقال بعضهم: المراد به ظل العرش، والإضافة إليه تعالى للتشريف كما جاء في حديث: (سبعة في ظل العرش)، وقيل: ظل طوبى أو الجنة، ويرده أن هذه القصة حين تدنو الشمس قبل الدخول في\n_________\n(١) قال القاري (٨/ ٣١٣٣): ويحتمل أن يكون بالفتح كما في بعض النسخ على إضمار الباء.","vol":"8","page":273},{"text":"٥٠٠٧ - [٥] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، قَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، قَالَ: هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَالَ: لَا، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ، قَالَ: فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٦٧].\nــ\nالجنة، وقيل: هو عبارة عن كونه في كنفه وستره، وقيل: الظل عبارة عن الراحة والنعيم، واللَّه أعلم.\n٥٠٠٧ - [٥] (عنه) قوله: (فأرصد اللَّه له على مدرجته) رصده رصدًا: رقبه، والإرصاد: الانتظار، وجعله رصدًا، أي: حافظًا، ورصدت له: إذا قعدت له على طريقه ترقبه، وقوله تعالى: ﴿مِرْصَادًا (٢١) لِلطَّاغِينَ﴾ [النبأ: ٢١ - ٢٢] أي: طريقًا عليه ممر الخلق، فالكافر يدخلها، والمؤمن يمر عليها، و﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤] أي: بطريق ممرك عليه، و(المدرجة) بفتح الميم: الطريق، وفي (الصراح) (١): مدرجة: جائ رفتن وكَذشتن، والمعنى أرسل اللَّه ملكًا ينتظره في طريق كان يمر عليه.\nوقوله: (قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟) ذكر الطيبي (٢) له معنيين: أحدهما: هل أوجبت لك عليه حقًّا تذهب إليه لتربها؟ أي: تملكها وتستوفيها، فالتربية على هذا المعنى المالكية، وثانيهما: أي هل لك عليه نعمة تربها وتحفظها، وتسعى في تنميتها وإصلاحها؟، انتهى. وهذا المعنى للرب أشهر، ولكن المعنى الأول أوفق بالمقام؛ لأن الغالب أن الإنسان يذهب لاستيفاء حقه منه.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٨٣).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٩/ ١٩٧).","vol":"8","page":274},{"text":"٥٠٠٨ - [٦] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تَقُولُ فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ؟ فَقَالَ: \"الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٦٩، م: ٢٦٤٠].\n٥٠٠٩ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: \"وَيْلَكَ! وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ \" قَالَ: مَا أَعْدَدْتُ لَهَا إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ: \"أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ\"، قَالَ أَنَسٌ: فَمَا رَأَيْتُ الْمُسْلِمِينَ فَرِحُوا بِشَيْءٍ بَعْدَ الْإِسْلَامِ فَرَحَهُمْ بِهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٦٧، م: ٢٦٣٩].\n٥٠١٠ - [٨] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنافِخِ الْكِيرِ،\nــ\n٥٠٠٨ - [٦] (ابن مسعود) قوله: (ولم يلحق بهم) أي: بالصحبة أو بالعمل، أي: لم يصاحبهم، أو لم يعمل بمثل ما عملوا، وقيل: أي لم يرهم.\nوقوله: (المرء مع من أحب) أي: وإن لم يلحق بهم.\n٥٠٠٩ - [٧] (أنس) قوله: (وما أعددت لها؟) أنكر عليه سؤاله لتركه السؤال عما يهمّ من فعل الحسنات، فلما قال: أحب اللَّه ورسوله حسنه وبشره بأتم بشارة، وصارت بشارة لجميع المسلمين منه -ﷺ-، وجزاه عنا خير الجزاء، والمراد بالمعية المشاركة في الثواب والدرجة، والدخول في زمرته ومتابعيه.\nوقوله: (فرحهم بها) أي: بهذه الكلمة، أي: (أنت مع أحببت).\n٥٠١٠ - [٨] (أبو موسى) قوله: (ونافخ الكبر) في (القاموس) (١): الكير: زق\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٤٠).","vol":"8","page":275},{"text":"فَحَامِلُ الْمِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثيابَكَ، وإِمَّا أنْ تَجِدَ مِنْهُ ريحًا خَبِيثَةً\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٣٤، م: ٢٦٢٨].\nــ\nينفخ فيه الحداد، والجمع أكيار، وكيرة كغيبة، وكيران، وأما المبني من الطين فكور، وفي (الصراح) (١): كور كوره: آهنكَري، أكوار كيران جمع، وكير بالكسر وبالإمالة: دمئه آهنكَري، وفي (النهاية) (٢): كير الحداد هو المبني من الطين، وقيل: زق ينفخ به النار، والمبني الكور.\nوقوله: (وإما أن يحذيك) أي: يعطيك، في (الصحاح) (٣): أحذيته: أعطيته، واستحذيته فأحذاني، وأحذيته من الغنيمة: أعطيته منها، [والاسم] الحُذْيَا على فعلى بالضم، وهي القسمة من الغنيمة، وفي (مجمع البحار) (٤): أحذيته إحذاء، والحذيا والحذية: العطية.\nوقوله: (وإما أن تبتاع منه) أي: تشتري، والضمير في (منه) إما أن يكون راجعًا إلى الحامل ويكون مفعول (تبتاع) محذوفًا، أي: مسكًا، أو يكون راجعًا إلى المسك، أي: تبتاع من الحامل شيئًا منه، والضمير في (تجد منه) أيضًا يحتمل الاحتمالين، وفي الفقرة الثانية في قوله: (تجد منه ريحًا خبيثة) إما للنافخ أو للكير، والأمر في اختيار بعض الوجوه على بعض إليك، فتدبر.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٢١٢).\n(٢) \"النهاية\" (٤/ ٢١٧).\n(٣) \"الصحاح في اللغة\" (١/ ١٢١).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٦٤).","vol":"8","page":276},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1126> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٠١١ - [٩] وَعَن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: وَجَبَتْ مَحَبَتَّي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ\". رَوَاهُ مَالِكٌ. وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: \"يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ\".\nــ\nالفصل الثاني\n٥٠١١ - [٩] (معاذ بن جبل) قوله: (يغبطهم الأنبياء والشهداء) قالوا في توجيهه: إنه قد يوجد في المفضول صفة لا توجد في الفاضل، مع اتصاف الفاضل بصفات وكمالات يمحو في جنبه أضعاف أضعاف أضعاف ما في المفضول، فيتمنى الفاضل ما في المفضول أيضًا، ليضمه إلى ما له، وذلك لشدة حرصه على الاتصاف بالكمالات وغاية شوقه إلى قرب اللَّه رافع الدرجات، وإن المراد بالغبطة الاستحسان والثناء عليهم لا معناها الحقيقي، وهو تمني مثل ما للغير، وإن الكلام على الفرض والتقدير، أي: لو كان للفريقين غبطة على أحد لكان على هؤلاء، وإن هذا في المحشر قبل أن يدخلوا الجنة ويفوزوا بنعيمها وينالوا بدرجات القرب، وقد وقع في صفة هؤلاء أنهم لا يخافون ولا يحزنون، ويكونون في أمن وفراغ، وأما غيرهم فالنبييون مهتمون بأممهم، والأمم مشتغلون بأنفسهم. هذا ملخص ما ذكروه، ولا يخفى أن لا محذور في غبطة الشهداء إياهم، وعدم نيلهم درجاتهم، فلعل قتلى محبة اللَّه يفضلون على قتلى السيف في سبيل اللَّه، واللَّه أعلم.\nثم اعلم أن المذكورين ممن أنعم اللَّه في الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء: ٦٩] أربعة","vol":"8","page":277},{"text":"٥٠١٢ - [١٠] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمُ الأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يومَ القيامةِ بِمَكَانِهِمْ مِنَ اللَّهِ\"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ؟ قَالَ: \"هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوِحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا، فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ، وَإِنَّهُمْ لَعَلَى نُورٍ، لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ، وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ\" وَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٣٥٢٧].\n٥٠١٣ - [١١] وَرَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" عَنْ أَبِي مَالِكٍ بِلَفْظِ \"الْمَصَابِيحِ\" مَعَ زَوَائِدَ، وَكَذَا فِي \"شُعَبِ الإِيمَان\". [شرح السنة: ٣٤٦٤، شعب: ٨٥٨٥].\nــ\nأقسام، فلعل عدم ذكر الصديقين لأن الصديقية تلو مرتبة النبوة، فهي في حكمها، فذكرها كذكرها، وأما الصالحون فلا محذور في تفضيل المتحابين عليهم، فلذلك لم يذكروا.\n٥٠١٢، ٥٠١٣ - [١٠، ١١] (عمر) قوله: (تحابوا بروح اللَّه) بضم الراء: ما يحيا به البدن، وأريد هنا القرآن؛ لأنه سبب حياة القلب، وقد ذكر في (القاموس) (١) القرآن من معاني الروح، أو الوحي وهو من معاني الروح، والتحابب بالقرآن أو الوحي تحابب بجامع دين الإسلام، وهو تحابب في اللَّه، وقيل: المراد بالروح المحبة؛ لأنها سبب حياة القلب ونضارته، ولذلك يقال للمحبوب: أنت روحي، وقد صحح في بعض النسخ: (بروح اللَّه) بفتح الراء بمعنى الرحمة، فرَوح وريحان أي: رحمة ورزق،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢١٤).","vol":"8","page":278},{"text":"٥٠١٤ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ -ﷺ- لِأَبِي ذَرٍّ: \"يَا بَا ذَرٍّ! أَيُّ عُرَى الْإِيمَانِ أَوْثَقُ؟ \" قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: \"الْمُوَالَاةُ فِي اللَّهِ، وَالْحُبُّ فِي اللَّهِ، وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٩٠٦٨].\n٥٠١٥ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا عَادَ الْمُسْلِمُ أَخَاهُ أَوْ زَارَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ، وَتَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٠٠٨].\nــ\nكذا في (الصحاح) (١).\n٥٠١٤ - [١٢] (ابن عباس) قوله: (أيّ عرى الإيمان) جمع عروة، وهو شيء يتمسك به ويوثق، وكل ما كان مثل هذا يقال له: عروة، قال اللَّه تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وأصله من عروة الكلأ، وهو كل ما له أصل ثابت في الأرض، كذا قال عياض في (مشارق الأنوار) (٢)، ومنه عروة الأحمال والرواحل، ما تربط به وتشد، وقد يروى في حديث: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)، [وروي] (لا تشد العرى)، ومنه عروة الكوز والدلو للمقبض، واستعير لما يتمسك به في الدين من صفات الإيمان وأركانه في حصول النجاة والدرجات.\n٥٠١٥ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (طبت) وقرينتاه الظاهر أنها إخبار، ويجوز الحمل على الدعاء.\n_________\n(١) \"الصحاح في اللغة\" (١/ ٢٧٥).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٣٥).","vol":"8","page":279},{"text":"٥٠١٦ - [١٤] وَعَن الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يْكَرِبَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا أَحَبَّ الرَّجُلُ أَخَاهُ فَلْيُخْبِرْهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٥١٢٤، ت: ٢٥٠٥].\n٥٠١٧ - [١٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ بِالنَّبِيِّ -ﷺ- وعِنْدَهُ ناسٌ، فَقَالَ رَجُلٌ ممَّنْ عِنْدَهُ: إِنِّي لأُحِبُّ هَذَا للَّهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"أَعْلَمْتَهُ؟ \" قَالَ: لَا، قَالَ: \"قُمْ إِلَيْهِ فَأَعْلِمْهُ\"، فَقَامَ إِلَيْهِ فَأَعْلَمَهُ، فَقَالَ: أَحَبَّكَ الَّذِي أَحْبَبْتَنِي لَهُ، قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ، فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- فَأَخْبَرَهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلَكَ مَا احْتَسَبْتَ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: \"الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ، وَلَهُ مَا اكْتَسَبَ\". [شعب: ٨٥٩٦، ت: ٢٣٩٣].\nــ\n٥٠١٦ - [١٤] (المقدام بن معد يكرب) قوله: (فليخبره أنه يحبه) لما فيه من استمالة القلب وزيادة المحبة ورعاية حقوقها ولوازمها من الجانبين.\n٥٠١٧ - [١٥] (أنس) قوله: (أحبك الذي أحببتني له) يؤخذ منه أنه إذا قال أحد لغيره: إني أحبك، يستحب أن يقول: أحبك اللَّه، وعلى هذا جرت عادة العرب.\nوقوله: (ولك ما احتسبت) الاحتساب: طلب الحسبة، والحسبة اسم منه، وأيضًا الحسبة: الأجر، كذا في (القاموس) (١)، وأصله من الحساب؛ لأنه يعده للثواب، وقوله: (وله ما اكتسب) فإن اكتسب في محبته الإخلاص لوجه اللَّه والتجنب عن السمعة والرياء فله ذلك.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٢).","vol":"8","page":280},{"text":"٥٠١٨ - [١٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا، وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ والدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٣٩٧، د: ٤٨٣٢، دي: ٢١٠١].\n٥٠١٩ - [١٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\"، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. [حم: ٢/ ٣٠٣، ت: ٢٣٧٨، شعب: ٨٩٩٠].\nــ\n٥٠١٨ - [١٦] (أبو سعيد) قوله: (إلا مؤمنًا) أي: لا كافرًا، أو مؤمنًا صالحًا لا فاسقًا، وهو الأنسب بقرينة قوله: (لا يأكل طعامك إلا تقي) أي: ليكن طعامك حلالًا ليكون قابلًا لأكل المتقي، ونقل الطيبي أن هذا في طعام الدعوة والضيافة دون طعام الحاجة؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]، ومعلوم أن أسراءهم كانوا كافرين.\n٥٠١٩ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (المرء على دين خليله) إشارة إلى تأثير صحبته وسراية صفاته إليه، وإنما قال: على دين خليله؛ لأن مجرد الصحبة مع إنكار وتوحش في الباطن لا يؤثر في السراية المذكورة، وقد جرب ذلك، ومع ذلك لا يخلو عن ضرر وإن لم يتخذه دينًا، نسأل اللَّه العافية.\nوقوله: (وقال النووي: إسناده صحيح) مقصود المؤلف دفع توهم من توهم أن هذا الحديث موضوع، وهذا الحديث أحد الأحاديث التي انتقدها الحافظ سراج الدين القزويني على (المصابيح)، وقال: إنه موضوع، وقال الحافظ ابن حجر في رده عليه:","vol":"8","page":281},{"text":"٥٠٢٠ - [١٨] وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ نُعَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا آخَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَلْيَسْأَلْهُ عَنِ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَمِمَّنْ هُوَ؟ فَإِنَّهُ أَوْصَلُ لِلْمَوَدَّةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٩٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1127> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٠٢١ - [١٩] عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"أَتَدْرُونَ أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؟ \" قَالَ قَائِلٌ: الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ. وَ(١) قَالَ قَائِلٌ: الْحِهَادُ، قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ\". . . . .\nــ\nقد حسنه الترمذي، وصححه الحاكم، كذا قال السيوطي (٢).\n٥٠٢٠ - [١٨] (يزيد) قوله: (وعن يزيد بن نعامة) بضم النون وعين مهملة كذا في (المغني) (٣).\nوقوله: (فليسأله) وفي بعض النسخ: (فليسائله)، وهو الأصح.\nوقوله: (وممن هو) أي: من أيّ قبيلة ومن أيّ جماعة من الناس.\nالفصل الثالث\n٥٠٢١ - [١٩] (أبو ذر) قوله: (إن أحب الأعمال إلى اللَّه تعالى الحب في اللَّه والبغض في اللَّه) قال الطيبي (٤): لأن من أحب في اللَّه أحب أنبياءه وأولياءه، ولا بد\n_________\n(١) سقطت الواو في نسخة.\n(٢) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٧٥١).\n(٣) \"المغني في ضبط الأسماء\" (ص: ٢٧٧).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٠٥).","vol":"8","page":282},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الْفَصْلَ الأَخِيْرَ. [حم: ٥/ ١٤٦، د: ٤٥٩٩].\n٥٠٢٢ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا أَحَبَّ عَبْدٌ عَبْدًا للَّهِ إِلَّا أَكْرَمَ رَبَّهُ ﷿\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٥٩].\n٥٠٢٣ - [٢١] وَعَن أَسمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟ \" قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: \"خِيَارُكُمُ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوْا ذُكِرَ اللَّه\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه. [جه: ٤١١٩].\n٥٠٢٤ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْ أَنَّ عَبْدَيْنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ ﷿ وَاحِدٌ فِي الْمَشْرِقِ وَآخَرُ فِي الْمَغْرِبِ. . . . .\nــ\nأن يتبعهم ويطيع أمرهم، ومن أبغض فيه يبغض أعداءه ويجاهدهم، فالعمدة الحب في اللَّه والبغض في اللَّه، انتهى. وقد يقال: إن الأحبية لا تستلزم الأفضلية، فليكن الصلاة والزكاة والجهاد أفضل عند اللَّه، ويكون الحب في اللَّه والبغض في اللَّه أحب، وقد يقال مثل هذا في مسألة أفضلية الأصحاب بينهم، فتدبر.\n٥٠٢٢ - [٢٠] (أبو أمامة) قوله: (إلا كرم ربه) لأنه لما أحبه لحبه فقد امتثل أمر اللَّه تعالى وأحبه أشد حبًّا وأكمله؛ لأن كمال الحب أن يسري من المحبوب إلى متعلقاته.\n٥٠٢٣ - [٢١] (أسماء بنت يزيد) قوله: (ألا أنبئكم بخياركم) هذه اللفظة تحتمل أن تكون (ألا) حرف التنبيه، و(أنبئكم) جملة مستقلة، وأن يكون المجموع صيغة العرض، ويحتمل أن تكون الهمزة للاستفهام و(لا) نافية، وهذا المراد هنا بقرينة (بلى) في جوابه؛ لأنه إنما يكون لإيجاب ما بعد النفي.\n٥٠٢٤ - [٢٢] (أبو هريرة) قوله: (واحد في المشرق وآخر في المغرب) يعني","vol":"8","page":283},{"text":"لَجَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ: هَذَا الَّذِي كُنْتَ تُحِبُّهُ فِيَّ\".\n٥٠٢٥ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مِلَاكِ هَذَا الأَمْرِ الَّذِي تُصِيبُ بِهِ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؟ عَلَيْكَ بِمَجَالِسِ أَهْلِ الذِّكْرِ، وَإِذَا خَلَوْتَ فَحَرِّكْ لِسَانَكَ مَا اسْتَطَعْتَ بِذِكْرِ اللَّهِ، وَأَحِبَّ فِي اللَّهِ، وَأَبْغِضْ فِي اللَّهِ، يَا بَا رَزِينٍ! هَلْ شَعَرْتَ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ زَائِرًا أَخَاهُ شَيَّعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ كُلُّهُمْ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيَقُولُونَ: رَبَّنَا إِنَّهُ وَصَلَ فِيكَ فَصِلْهُ؟ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تُعْمِلَ جَسَدَكَ فِي ذَلِك فَافْعَلْ\".\n٥٠٢٦ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَعُمُدًا مِنْ يَاقُوتٍ. . . . .\nــ\nأن الأصل الحب الروحاني لا القرب المكاني.\n٥٠٢٥ - [٢٣] (أبو رزين) قوله: (ملاك هذا الأمر) أي: أمر الدين، في (القاموس) (١): ملاك الأمر بالفتح ويكسر: قوامه الذي يملك به، وفي (الصحاح) (٢): ملاك الأمر بالفتح والكسر: ما يتقوم به، ويقال: القلب ملاك الجسد.\nوقوله: (شيعه سبعون ألف ملك) يقال: شايع فلانًا وشيعه: تابعه، وشيعة الرجل: أتباعه، وفي (الصراح) (٣): مشايعت دري رسيدن كسى را.\nوقوله: (تعمل) بضم التاء وكسر الميم.\n٥٠٢٦ - [٢٤] (أبو هريرة) قوله: (إن في الجنة لعمدًا) بضم العين والميم جمع\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٧٩).\n(٢) \"الصحاح في اللغة\" (٢/ ١٨١).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٣١٨).","vol":"8","page":284},{"text":"عَلَيْهَا (١) غُرَفٌ مِنْ زَبَرْجَدٍ، لَهَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ تُضِيءُ كَمَا يُضِيءُ الْكَوْكَبُ الدُّرِّيُّ\"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ يَسْكُنُهَا؟ قَالَ: \"الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ، وَالْمُتَجَالِسُونَ فِي اللَّهِ، وَالْمُتَلَاقُونَ فِي اللَّهِ\". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٨٦٠٦، ٨٦٠٨، ٨٥٨٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1128>١٧ - باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات</span>\nــ\nعمود، وقد يجيء على وزن أعمدة وعمد بفتحتين، كذا في (القاموس) (٢).\nوقوله: (غرف) بضم الغين وفتح الراء: المنازل الرفيعة، واحده غرفة بالضم والسكون.\nوقوله: (الكوكب الدري) في (القاموس) (٣): كوكب دري: مضيء، ويثلث.\n١٧ - باب ما ينهى عنه من التهاجر والتقاطع واتباع العورات\nفي (الصراح) (٤): هجر: جدائي كردن، تهاجر بريدن، في (القاموس) (٥): هجره هجرًا بالفتح، هجرانًا بالكسر، ويتهاجران: يتقاطعان، والاسم: الهجرة، فقوله: (والتقاطع) عطف تفسيري، والمتبادر من العبارة أن تكون (من) في قوله: (من التهاجر)\n_________\n(١) في نسخة: \"عليه\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٨٧).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٦٥).\n(٤) \"الصراح\" (ص: ٢١٩).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٦٠).","vol":"8","page":285},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1129> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٠٢٧ - [١] عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا،\nــ\nبيانيةً، والأَولى أن تكون تبعيضية؛ لأن المنهي عنه بعضه لا كلّه؛ لأن ما كان فيه مصلحة لا ينهى كما سنبيّن، و(العورات) جمع عورة، وهو كل أمر يستحي منه الإنسان، ويكره ظهوره من العيوب، ويحب ستره.\nالفصل الأول\n٥٠٢٧ - [١] (أبو أيوب الأنصاري) قوله: (يهجر أخاه) أي: المسلم إذا كان على شريطة الأخوة، وأما إن خالف هذه الشريطة جاز هجرانه.\nوقوله: (فوق ثلاث ليال) يفهم منه إباحة ذلك في الثلاث، وهو من الرفق والترخص؛ لأن الآدمي في طبعه من الغضب وسوء الخُلق ونحو ذلك ما لا يطيق تحمل المكروه، والغالب أنه يزول أو يقل في الثلاث، والمراد حرمة الهجران إذا كان الباعث عليه وقوع تقصير في حقوق الصحبة والأخوة، وآداب العشرة، كاغتياب وترك نصيحته، ووَجد على صاحبه، وأما ما كان من جهة الدين والمذهب فهجران أهل البدع والأهواء واجب إلى وقت ظهور التوبة والرجوع إلى الحق، ومن خاف من مكالمة أحد وصلته ما يفسد عليه دينه، أو يدخل مضرة في دنياه يجوز له مجانبته والبعد عنه، ورب هجر جميل خير من مخالطة مؤذية، كذا ذكر السيوطي في حاشية (الموطأ) (١).\n_________\n(١) \"تنوير الحوالك\" (١/ ٢١٣).","vol":"8","page":286},{"text":"وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأ بِالسَّلَامِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٧٧، م: ٢٥٦٠]\n٥٠٢٨ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِن الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا،\nــ\nولما خاف -ﷺ- الثفاق على المتخلفين من غزوة تبوك: كعب بن مالك وصاحبيه، أمر الصحابة وأقرباءهم ونساءهم بهجرانهم خمسين يومًا إلى أن تاب اللَّه تعالى عليهم، ونقل من (إحياء العلوم) (١) عن جماعة من السلف من الصحابة وغيره هجران بعضهم بعضًا مدة العمر إلى أن ماتوا، وهاجر -ﷺ- نساءه شهرًا، وهجرت عائشة ابنَ الزبير -﵃- مدة، وهجر أحمد بن حنبل الحارثَ المحاسبيَّ عند تصنيفه فى علم الكلام وغير ذلك، ولا أقل من ذلك، وينبغي أن تكون النية في ذلك صحيحة خالصة.\nوقوله: (وخيرهما الذي يبدأ بالسلام) فيه حث على إزالة الهجران، وأن السلام يكفي في ذلك، ولا أقل من ذلك.\n٥٠٢٨ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (ولا تحسسوا ولا تجسسوا) الأول بالحاء المهملة والثانية بالجيم، أو بالعكس، كذا قال الكرماني (٢)، والموجود فى النسخ هو الأول، وقد ذكروا الفرق بينهما بوجوه. قال في (القاموس) (٣) في الجيم: الجس: تفحص الأخبار، كالتجسس، ومنه: الجاسوس، والجَسِيس، لصاحب سِرِّ الشَّرِ، وقال في فصل الحاء: والحاسوس: الجاسوس، أو هو في الخير، وبالجيم فى الشر، وقال في (مجمع البحار) (٤): هو بالجيم: التفتيش عن بواطن الأمور فى الشر غالبًا،\n_________\n(١) انظر: \"إحياء علوم الدين\" (٢/ ٦٤).\n(٢) \"شرح الكرماني\" (٢١/ ٢٠٢).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٩٦، ٤٩٨).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٣٥٦).","vol":"8","page":287},{"text":"وَلَا تَنَاجَشُوا،\nــ\nوالجاسوس: صاحب سر الشر، انتهى.\nوقيل: بالجيم أن يطلبه لغيره، وبالحاء لنفسه.\nوقال الطيبي (١): الأول التفحص عن عورات الناس وبواطن أمورهم بنفسه أو بغيره، والثاني: أن يتولى ذلك بنفسه، وقيل: بالجيم: البحث عن العورات، وبالحاء: الاستماع، وقيل: بمعنى واحد في تطلب معرفة الأخبار، انتهى. والصواب إثبات الفرق بينهما لظاهر الحديث، ولكنهما يشتركان في معنى تطلب معرفة الأخبار، وقيل: بالجيم: تعرف الخبر بتلطف، وبالحاء طلبه بحاسة كاستراق السمع، وإبصار الشيء خفية، وقيل: الأول في الشر، والثاني يعم الخير والشر، ووجه النهي عن تطلع الأخبار إذا كان في خير أنه لو اطلع على خير أحد ربما يحصل له حسد وتمني زواله، أو طمع في ماله ونحو ذلك.\nوقوله: (ولا تناجشوا) أصل النجش بسكون الجيم: تنفير الوحش وإثارته من مكانه، والنجش في البيع: هو أن يمدح السلعة لينفقها ويروجها، أو يزيد في الثمن ولا يريد شراءها ليقع غيره فيها، وجيء بالتفاعل لأن التجار يتعارضون فيفعل هذا بصاحبه على أن يكافئه بمثله، وروي: (الناجش آكل الربا) أي: يشبهه، والأول هو المراد في الحديث، ويحتمل إرادة ذم بعض بعضًا، كذا في (مجمع البحار) (٢)، وقال الطيبي (٣):\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٠٨).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٦٨٢).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٠٩).","vol":"8","page":288},{"text":"وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا\". . . . .\nــ\nالتناجش: أن يزيد هذا على ذاك، وذاك على هذا، والنجش: دفع الثمن، وقيل: المراد في الحديث النهي عن إغراء بعضهم بعضًا على الشر والخصومة.\nوقوله: (ولا تحاسدوا) والمشهور أن الحسد تمني زوال نعمة الغير إذا لم يكن ظالمًا مؤذيًا، وفي (القاموس) (١): حسده: تمنى أن تتحول إليه نعمته وفضيلته، أو سلبهما، وتحاسدوا: حسد بعضهم بعضًا، وفي (الصراح) (٢): حسد: بدخواهي كردن، وقد يجيء بمعنى الغبطة، وهو أن يتمنى لنفسه مثل ما للغير من غير تمني الزوال، وهو غير منهي عنه كما في حديث: (لا حسد إلا في اثنين) الحديث.\nوقوله: (ولا تباغضوا) أي: لا يبغض بعضكم بعضًا، أي: لا تتعاطوا أسباب البغض، وإلا فالحب والبغض طبيعتان لا قدرة للإنسان عليهما، وقيل: أي: لا تختلفوا في الأهواء والمذاهب؛ لأن البدعة في الدين والضلال عن الطريق المستقيم يوجب البغض.\nوقوله: (ولا تدابروا) أي: لا تغتابوا، وقال الطيبي (٣): المراد بالتدابر التقاطع، فإن كل واحد من المتقاطعين يولي دبره عن صاحبه، فيكون المعنى: لا يعطي كل واحد أخاه دبره وقفاه، فيعرض عنه في أداء حقوق الإسلام.\nوقوله: (وكونوا عباد اللَّه إخوانًا) المتبادر إلى الفهم أن يكون (إخوانًا) خبرًا بعد\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٦٥).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ١٢٧).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٠٩).","vol":"8","page":289},{"text":"وَفِي رِوَايَة: \"وَلَا تَنَافَسُوا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٦٦، م: ٢٥٦٣].\n٥٠٢٩ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ،\nــ\nخبر، ويحتمل أن يكون (إخوانًا) حالًا أو بدل اشتمال، والنعت في الإبدال عن النكرة إنما هو في بدل الكل، وأن يكون الخبر (إخوانًا)، و(عباد اللَّه) معترضة بحذف حرف النداء.\nوقوله: (ولا تنافسوا) النفاسة قريب من معنى الحسد، قال الطيبي (١): التحاسد والتنافس واحد في المعنى، وقال في (النهاية) (٢): النفاسة بفتح نون: الحسد، انتهى.\nوفي حديث السقيفة (٣): (لم ننفس عليك) أي: لم نبخل، (إنك استبددت بالأمر) أي: بأمر الخلافة وما شاورتنا، ويحتمل أن يكون معنى (لا تنافسوا): لا ترغبوا وتميلوا في الدنيا كما جاء في الحديث: (أخشى أن تبسط الدنيا عليكم فتنافسوا) هو من المنافسة، وهي الرغبة في الشيء والانفراد به، وهو من الشيء الجيد النفيس، وقال في (القاموس) (٤): نفس به كفرح: ضنّ، وعليه بخير: حسد، وشيء نفيس: يتنافس فيه ويرغب.\n٥٠٢٩ - [٣] (عنه) قوله: (تفتح أبواب الجنة) محمول على الظاهر،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٠٩).\n(٢) \"النهاية\" (٥/ ٩٦).\n(٣) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٤٠٤٢).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٣٤).","vol":"8","page":290},{"text":"فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا رَجُلٌ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخَيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٦٥].\n٥٠٣٠ - [٤] وعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلَّا عَبْدًا بَينَهُ وَبَينَ أخَيهِ شَحْنَاءُ،\nــ\nوتأويله بكثرة الصفح والغفران لا دليل عليه، نعم يجعل ذلك علامة على ذلك.\nوقوله: (إلا رجل) هكذا جاء في الروايات كلها، والظاهر النصب، وتوجيهه أن التقدير: لا يبقى رجل غير مغفور إلا رجل (بينه وبين أخيه شحناء) في (القاموس) (١): الشحناء: العداوة؛ لأنه يشحن قلب صاحبه بُغضًا، وفي (مجمع البحار) (٢): الشحناء: العداوة والغل والحقد.\nوقوله: (أنظروا) أي: أمهلوا، من الإنظار بمعنى الإمهال.\n٥٠٣٠ - [٤] (عنه) قوله: (في كل جمعة) المراد به الأسبوع؛ لتمامه بها، وقد وقع السبت أيضًا بمعنى الأسبوع؛ لكونه مبدأ له، أو هو على اصطلاح اليهود.\nوقوله: (إلا عبدًا) وقع على الأصل الظاهر، وفي بعض نسخ (المصابيح) بالرفع، وتوجيهه ما مرّ.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١١٤).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ١٨٦).","vol":"8","page":291},{"text":"فَيُقَالُ: اتْرُكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٦٥].\n٥٠٣١ - [٥] وَعَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٩٢، م: ٢٦٠٥].\nوَزَادَ مُسْلِمٌ قَالَتْ: وَلَمْ أَسْمَعْهُ -تَعْنِي النَّبِيَّ -ﷺ- يُرَخِّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ: كَذِبٌ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: الْحَرْبُ، وَالْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ، وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا.\n٥٠٣٢ - [٦] وَذُكِرَ حَدِيثُ جَابِرٍ: \"إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ\" فِي (بَابِ الْوَسْوَسَةِ). [م: ٢٨١٢].\nــ\nوقوله: (حتى يفيئا) أي: يرجعا ويرتدعا من الشحناء، من الفيء بمعنى الرجوع.\n٥٠٣١، ٥٠٣٢ - [٥، ٦] (أم كلثوم) قوله: (وينمي خيرًا) من النماء بمعنى الرفع، وهو في الإصلاح، والتنمية في الإفساد، من النميمة، والمراد بالخير ما يفيد الإصلاح وإن كان كاذبًا، وما يورث الإفساد فهو شر.\nوقوله: (مما يقول الناس كذب) مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف.\nوقوله: (الحرب) بأن يظهر من نفسه الجلادة، ويقول ما يتقوى به أصحابه وإن لم يكن واقعًا، ويقول في جيوش المسلمين: كثيرة، وجاءهم مدد كثير، أو يقول: انظر إلى خلفك، فإن فلانًا خلفك ليضربه، كذا ذكروا.\nوقوله: (وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها) مجموعهما واحد ثالث الأمور.","vol":"8","page":292},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1130> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٠٣٣ - [٧] عَنْ أَسمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَحِلُّ الْكَذِبُ إِلَّا فِي ثَلَاثٍ: كَذِبُ الرَّجُلِ امْرأَتَهُ لِيُرْضِيَهَا، وَالْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ، وَالْكَذِبُ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٦/ ٤٦١، ت: ١٩٣٩].\n٥٠٣٤ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَكُونُ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ مُسْلِمًا فَوْقَ ثَلَاثَةٍ، فَإِذَا لَقِيَهُ سَلَّمَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ كُلَّ ذَلِكَ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بإثْمِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩١٣].\n٥٠٣٥ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ\". . . . .\nــ\nالفصل الثاني\n٥٠٣٣ - [٧] (أسماء بنت يزيد) قوله: (كذب الرجل امرأته) اكتفى بذكر كذب الرجل، ولعله باعتبار الأكثر والأغلب، لجهل النساء وسوء ظنهن بالرجال، فالحاجة إلى تسليتهن وإرضائهن أكثر.\n٥٠٣٤ - [٨] (عائشة) قوله: (كل ذلك) بنصب (كل) ظرف (لا يرد)، وبرفعه على أنه مبتدأ والعائد محذوف.\nوقوله: (سلم عليه) إما بدل من (لقيه) أو حال.\nوقوله: (فقد باء) جواب.\nوقوله: (بإثمه) أي: إثم الهجران، أو إثم المسلم، أو إثم عمله، وهو ترك الرد.\n٥٠٣٥ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (دخل النار) تغليظ، أو المراد استوجب النار؛","vol":"8","page":293},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٣٩٢، د: ٤٩١٤].\n٥٠٣٦ - [١٠] وَعَنْ أَبِي خِرَاشٍ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٦٠].\n٥٠٣٧ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ مُؤْمِنًا فَوْقَ ثَلَاثٍ، فَإِنْ مَرَّتْ بِهِ ثلاثٌ فَلْيَلْقَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِن ردَّ ﵇ فَقَدِ اشْتَرَكَا فِي الأَجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بِالْإِثْمِ، وَخَرَجَ المُسلِّمُ مِنَ الْهِجْرَة\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩١٢].\n٥٠٣٨ - [١٢] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيامِ وَالصَّدَقَةِ وَالصَّلَاةِ؟ \" قَالَ: قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: \"إِصْلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. [د: ٤٩١٩، ت: ٢٥٠٩].\nــ\nفإن شاء اللَّه أدخله، وإن شاء عفا.\n٥٠٣٦ - [١٠] (أبو خراش) قوله: (أبي خراش) بكسر الخاء المعجمة في آخره شين معجمة، و(السلمي) بضم السين وخفة اللام: نسبة إلى بني سليم، وقيل: الصواب الأسلمي.\nوقوله: (فهو كسفك دمه)؛ لأنه جاوز الحد بإصراره عليه سنة كاملة، فكأنه قتله بسيف الفرقة والغُصَّةِ والغمّ خصوصًا عند غلبة المحبة.\n٥٠٣٧ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (فقد باء بالإثم) وفي بعض النسخ (بإثمه) قد عرف حال ضميره، و(المسلم) بالتشديد من التسليم.\n٥٠٣٨ - [١٢] (أبو الدرداء) قوله: (إصلاح ذات البين) (بين) من الظروف،","vol":"8","page":294},{"text":"٥٠٣٩ - [١٣] وَعَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمُ: الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ١/ ١٦٥، ت: ٢٥٠٩].\nــ\nقد يجيء اسمًا للحالة التي بين الاثنين، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ [النساء: ٣٥] بإضافة الشقاق إليه، وفي ذات البين أيضًا جاء كذلك فغرف اللام، و(ذات البين) صفة لموصوف محذوف، أي: حالات وخصائل لها ملابسة وتعلق بالبين، وبهذه الملابسة قيل: هي ذات البين، أي: ثابتة بينكم، كالبغض والعدواة والحرب، وإصلاحها: إزالتها وتبديلها بأضدادها، وإضافة (ذات) إلى (البين) وتوصيف تلك الخصائل بها على وتيرة (ذات الصدور) لمضمراتها، وليست على نحو: (ذات مرة)، و(ذات يوم)؛ لأنه من إضافة المسمى إلى الاسم، بل هي على نحو: (ذو مال)، لكن الإضافة في (ذي مال) بمعنى اللام؛ لأن الموصوف صاحب المال ومالكه، وفيما نحن فيه بمعنى (في)، ويمكن جعلها بمعنى اللام لأدنى ملابسته مبالغة كأنها ملكت البين، وهو الأظهر فتأمل.\nويعلم معنى (الحالقة) في الحديث الآتي.\n٥٠٣٩ - [١٣] (الزبير) قوله: (دب إليكم) من الدبيب، وهو المشي على هينته، ومنه الدابة لكل ماش في الأرض.\nوقوله: (هي الحالقة) ضمير المؤنث راجع إلى (البغضاء) كما في قوله تعالى: ﴿يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا﴾ [التوبة: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ﴾ [البقرة: ٤٥] لأن البغضاء أكثر تأثيرًا في ثلمة الدين وإن كانت","vol":"8","page":295},{"text":"٥٠٤٠ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ، فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ\". . . . .\nــ\nنتيجةَ الحسد، كذا قال الطيبي (١)، ويمكن أن يرجع إلى الحسد والبغضاء معًا بتأويل كل واحدة من الخصلتين، أو يرجع إليهما وما يماثلهما من الصفات الذميمة، وهذا أولى بحسب المعنى، لعدم جودة وجه التخصيص، وما ذكره من الوجه ليس بذاك؛ لأنه لما كانت البغضاء نتيجةَ الحسد كان الحسد في حكمها، بل أقوى؛ لأن الأصل يكون أقوى من النتيجة.\nوما ذكر من الآيتين فليس رجوع الضمير إلى الآخر متعينًا، أما الأولى فقد ذكر في التفسير كونه راجعًا إليهما؛ لأن المراد دراهم ودنانير كثيرة، أو إلى الأموال والكنوز؛ لأن الحكم عام وتخصيصهما بالذكر؛ لأنهما قانون التمول، ويمكن اعتبار مثل هذا فيما نحن فيه، بأن يرجع الضمير إلى الخصال الذميمة، ويكون التخصيص بالحسد والبغضاء لأنهما أشدها قبحًا وذمًّا، نعم قد قيل برجوعه إلى الفضة لقربها ودلالة حكمها على أن الذهب أولى بهذا الحكم، ولو اعتبر مثل هذا فيما نحن فيه لكان وجهًا على خلاف الشارح، فافهم.\nوأما في الآية الثانية فقد ذكر أن الضمير في (إنها) راجع إلى الاستعانة بهما، أو إلى جملة ما أمروا به ونهوا عنه.\nنعم ما ذكر أن الضمير للصلاة وتخصيصها بردّ الضمير إليها لعظم شأنها واستجماعها ضروبًا من الصبر يوافق طريقة ما ذكر الشارح، فتدبر.\n٥٠٤٠ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (فإن الحسد يأكل الحسنات) تمسك به المعتزلة\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢١٤).","vol":"8","page":296},{"text":"رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٤٩٠٣].\n٥٠٤١ - [١٥] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِيَّاكُمْ وَسُوءَ ذَاتِ الْبَيْنِ فَإِنَّهَا الْحَالِقَةُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٠٨].\n٥٠٤٢ - [١٦] وَعَنْ أَبِي صِرْمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: . . . . .\nــ\nفي القول بحبط الطاعات بالمعاصي، وأجيب عنه بوجهين:\nأحدهما: أن المراد بأكل الحسد الحسنات أنه يذهب بها يوم القيامة؛ فإن الحاسد ربما يحمله الحسد على إتلاف مال المحسود، وإهلاك نفسه، وهتك عرضه، وقلّما يخلو عن الغرم عليها، خصوصًا هتك عرضه بالغيبة، فإنه موجود البتة، فتعطى حسناته يوم القيامة للمحسود، لما نطقت به الأحاديث الصحيحة من إعطاء حسنات الظالم للمظلوم.\nوثانيهما: أن ثواب العمل يضاعف بصلاح العبد، وإذا ارتكب الخطايا نقص من ثواب عمله فيما ينعلق بالتضعيف، وهو المراد بالإحباط، وأتى الطيبي (١) بما حاصله: أن الأكل استعارة لعدم القبول، وأن تلك الحسنات الصادرة عنه مردودة عليه، وليست بثابتة في ديوان الأعمال الصالحة؛ فإذا لم تثبت في ديوانه كيف تحبط؟\nوهذا يخالف الأحاديث الصحاح في إعطاء المظلوم حسنات الظالم، فإنه فرع بثبوته في ديوان أعماله، فتدبر.\n٥٠٤١ - [١٥] (عنه) قوله: (رواه الترمذي) وهو صحيح، كذا قيل.\n٥٠٤٢ - [١٦] (أبو صرمة) قوله: (أبي صرمة) بكسر صاد مهملة، وسكون راء، الأنصاري.\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢١٥).","vol":"8","page":297},{"text":"\"مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [جه: ٢٣٤٢، ت: ١٩٤٠].\n٥٠٤٣ - [١٧] وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ مُؤْمِنًا أَوْ مَكَرَ بِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ١٩٤١].\n٥٠٤٤ - [١٨] وَعَنِ ابنِ عُمَرَ قَالَ: صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمِنْبَرَ، فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فَقَالَ: \"يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ. . . . .\nــ\nوقوله: (ضار ضار اللَّه) المضارة: إيصال الضرر، ضد النفع، أي: من أوصل الضرر بأحد أو شاقه من غير وجه شرعي جازاه اللَّه تعالى بمثله، والمشاقة: الخلاف والعداوة، من الشق؛ لأن المتخالفين والمتعاديين يكون كل واحد منهما في شق، أي: جانب، ويحتمل أن تكون من المشقة؛ بأن يكلفه فوق طاقته.\nأقول: هذا المعنى أنسب بتعديته بـ (على)؛ لأن المشاقة يتعدى بنفسه، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى﴾ [النساء: ١١٥]، وقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: ١٣]، وبناء على هذا المعنى فرق في بعض الحواشي بين المضارة والمشاقة، بأن الضرر والمشقة متقاربان، لكن الضرر يستعمل غالبًا في إتلاف المال، والمشقة في إيصال الأذية إلى البدن، كتكليف عمل شاق.\n٥٠٤٣ - [١٧] (أبو بكر الصديق) قوله: (ملعون) أي: بعيد من مقام القرب والقبول، والمكر: الخديعة.\n٥٠٤٤ - [١٨] (ابن عمر) قوله: (يا معشر من أسلم بلسانه) (مَنْ) يستوي فيه الجمع والمفرد، والمراد هنا الجمع، وإفراد الضمير باعتبار اللفظ، والإضافة بيانية،","vol":"8","page":298},{"text":"وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتُهُ يَفضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠٣٢].\n٥٠٤٥ - [١٩] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الِاسْتِطَالَةُ فِي عِرْضِ الْمُسْلِمِ. . . . .\nــ\nكما فى يا معشر العرب، ويا معشر قريش، ونحوه؛ فإن كان الكلام مع بعض المسلمين كما يدل عليه سياق الحديث من قوله: (من يتبع عورة أخيه) ففيه توبيخ بأن ذلك من علامات النفاق وأفعال المنافقين، وإن كان مع المنافقين يكون معنى قوله: (ومن يتبع عورة أخيه) من يتبع من المسلمين عورة أخيه المسلم (يتبع اللَّه عورته) فكيف بالمنافق، والطيبي (١) حمله على هذا المعنى، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ولو في جوف رحله) أي: ولو كان مخفيًا في وسط منزله، في (القاموس) (٢): الرحل: مسكنك، وما تستصحبه من الأثاث، وفي (الصراح) (٣): رحل: رخت، وجائ باشِ مرد.\n٥٠٤٥ - [١٩] (سعيد بن زيد) قوله: (من أربى الربا): (الربا) في اللغة: الزيادة مطلقًا، وفي الشرع: أخذ الزيادة في البيع والدين، و(الاستطالة) التطاول: الامتداد، والارتفاع، والمفضل، كذا في (القاموس) (٤)، وفي (الصراح) (٥): استطالة: تكبر كردن،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢١٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٢٤).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٤٢٦).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٤٥).\n(٥) \"الصراح\" (ص: ٤٣٥٠).","vol":"8","page":299},{"text":"بِغَيْرِ حَقٍّ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [د: ٤٨٧٦، شعب: ٦٢٨٤].\n٥٠٤٦ - [٢٠] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَمَّا عَرَجَ بِي ربِّي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٧٨].\nــ\nودراز شدن، وكَردن كشي كردن، شبه هتك عرض المسلم واستحقاره والترفع عليه والوقيعة فيه بالغيبة والشتم، والقذفَ بالربا الذي هو الأخذ زيادة على الحق، وإنما كان أربى؛ لأن عرض المسلم أعز وأشرف من ماله، ولحوق الضرر ولزوم الفساد في أخذه وهتكه أكثر، وإنما قال: (بغير حق) لأنه قد يستباح ذلك في بعض الأحوال، كقول صاحب الحق لمن لا يعطي حقه: يا ظالم، أو هو ظالم أو متعد، وقول الخصم في جرح الشاهد، وجرح المحدث الرواة في الحديث من هذا القبيل، وقد علم مواقع إباحة الغيبة فيما سبق.\n٥٠٤٦ - [٢٠] (أنس) قوله: (يخمشون) في (القاموس) (١): خمش وجهه يَخْمِشُه، ويَخْمُشُه: خدشه، ولطمه، وضربه، وقطع عضوًا منه، وفي (الصراح) (٢): خموش: خراشيدن، ولما كان يظهر أثر العرض في الوجه وينشرح به صدره، ولذا يعبر عنه بالفارسية: بـ آبرو، فالذين هتكوا عرض المسلمين جعل اللَّه تعالى وجوههم وصدورهم مشوها قبيحًا على أيديهم جزاء بالمثل، وأما ما ذكره الطيبي (٣) من أنه لما\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٤٨).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٢٥٨).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢١٨).","vol":"8","page":300},{"text":"٥٠٤٧ - [٢١] وَعَنِ الْمُسْتَوْرِدِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ أَكَلَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ أُكْلَةً فَإِنَّ اللَّهَ يُطْعِمُه مِثْلَهَا مِنْ جَهنَّمَ، ومَنْ كَسَا ثَوْبًا بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ، فَإِنَّ اللَّهَ يَكْسُوهُ مِثْلَهُ مِنْ جَهَنَّمَ، وَمَنْ قَامَ بِرَجُلٍ مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ،\nــ\nكان خمش الوجه والصدر من صفات النساء النائحات، جعلهما جزاء من يغتاب ويفري من أعراض المسلمين؛ إشعارًا بأنهما ليسا من صفات الرجال، بل هما من صفات النساء، فلا يخلو عن بعد، واللَّه أعلم.\n٥٠٤٧ - [٢١] (المستورد) قوله: (من كل برجل مسلم أكلة) أي: من أكل بسبب رجل يعني بسبب اغتيابه، بأن يغتاب رجلًا عند عدوه يعطيه شيئًا، فجعل الاغتياب سببًا ووسيلة للإعطاء، و(الأكلة) بالضم: اللقمة، وبالفتح المرة، ويروى بهما.\nوقوله: (ومن كسا ثويًا برجل مسلم) الباء فيه للسببية، والتقدير: كسا نفسه ثوبًا، وإن كانت للتعدية فسد المعنى؛ فإن اللَّه لا يكسو الكاسي مثله من جهنم، كذا قال الطيبي (١)، وهذا إذا كان (كسا) مبنيًا للفاعل، وأما إذا كان مبنيًا للمفعول كما صحح في النسخ فلا إشكال، والباء للسببية، ومعناها ما ذكر في القرينة الأولى.\nنعم الظاهر كونه مبنيًّا للفاعل كما في قرينته، ولو التزم أن الكاسي يعذب لاستماعه الغيبة وإعطائه الجائزة على ذلك لم يبعد، ولكن لا يوافق الأولى، فتدبر.\nوقوله: (ومن قام برجل مقام سمعة ورياء. . . إلخ)، ذكروا لهذه العبارة معنيين:\nأحدهما: أن الباء للتعدية، أي: من أقام رجلًا مقام سمعة ورياء، ووصفه بالصلاح والتقوى والكرامات وشهره بها، وجعله وسيلة إلى تحصيل أغراض نفسه وحطام الدنيا؛\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٢٠).","vol":"8","page":301},{"text":"فَإِنَّ اللَّهَ يَقُومُ لَهُ مَقَامَ سُمْعَةٍ وَرِيَاءٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٨١].\n٥٠٤٨ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"حُسْنُ الظَّنِّ مِنْ حُسْنِ العِبَادَةِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٢٩٧، د: ٤٩٩٣].\nــ\n(فإن اللَّه تعالى يقوم له) أي: لعذابه وتشهيره، أي: يزيد تعذيبه وتشهيره، ويأمر الملائكة أن يقوموا ويتهيؤوا ويستعدوا لتشهيره، وينادوا بين الملأ على رؤوس الأشهاد: إنه كان كذابًا، قد شهر رجلًا بما لم يكن فيه لغرض الدنيا، ثم يعذبه عذاب الكذابين.\nوثانيهما: أن الباء للسببية، وقيل: وهو أقوى وأنسب، أي: من قام لسبب رجل من العظماء من أهل المال والجاه مقامًا يتظاهر فيه بالصلاح والتقوى ليعتقد فيه، ويصرف إليه المال والجاه، أقامه اللَّه تعالى يوم القيامة مثل مقامه ذلك، ويفضحه، ويأمر الملائكة بأن ينادوا: إنه كان مرائيًا، ثم يعذبه عذاب المرائين.\nو(السمعة) بضم السين: ما يتعلق بحاسة السمع من الأخبار والحكايات، و(الرياء) بحاسة البصر من الأوضاع والعبادات، يقال: فعله رياء وسمعة، أي: ليراه الناس وبسمعونه.\n٥٠٤٨ - [٢٢] (أبو هريرة) قوله: (حسن الظن من حسن العبادة) أي: حسن الظن بعباد اللَّه من جملة العبادات الحسنة، أو ناشئ من حسن العبادة، أي: من كان يحسن العبادة يحسن ظنه بالخلق، يعني إنما يحسن الظن من كان محسنًا ويسيئه من كان مسيئًا.","vol":"8","page":302},{"text":"٥٠٤٩ - [٢٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: اعْتَلَّ بَعِيرٌ لِصَفِيَّةَ، وَعِنْدَ زَيْنَبَ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِزَيْنَبَ: \"أَعْطِيهَا بَعِيرًا\"، فَقَالَتْ: أَنَا أُعْطِي تِلْكَ الْيَهُودِيَّةَ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَهَجَرَهَا ذَا الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ وَبَعْضَ صَفَرٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَذُكِرَ حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ: \"مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا\" فِي (بَابِ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَة). [د: ٤٦٠٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1131> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٠٥٠ - [٢٤] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"رَأَى عِيسَى ائن مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ،\nــ\n٥٠٤٩ - [٢٣] (عائشة) قوله: (أنا أعطي تلك اليهودية؟) على طريقة الاستفهام الإنكاري، وصفية -﵂- كانت من اليهود، بنت حيي بن أخطب اليهودي، ولكنها كانت من أولاد هارون النبي أخي موسى ﵉، أُسِرَت في غزوة خيبر على يد دحية الكلبي، ثم اصطفاها رسول اللَّه -ﷺ- لنفسه فأعتقها وتزوجها، وكان لبعض الأزواج المطهرة معها سوء مزاج، منهن عائشة -﵂-، وجاء في الحديث: أن عائشة -﵂- قالت لها: يهودية، فاشتكت إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: (قولي لعائشة: أنا بنت نبي، وأنت بنت أبي بكر -﵁-).\nوقوله: (فهجرها ذا الحجة والمحرم وبعض صفر) ففيه جواز الهجران فوق ثلاثة أيام.\nالفصل الثالث\n٥٠٥٠ - [٢٤] (أبو هريرة) قوله: (رأى عيسى) أي: ظن، ويحتمل حمله على الحقيقة.","vol":"8","page":303},{"text":"فَقَالَ لَهُ عِيسَى (١): سَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلَّا، وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ نَفْسِي\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٦٨].\n٥٠٥١ - [٢٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْرًا، وَكَادَ الْحَسَدُ أَنْ يَغْلِبَ الْقَدَرَ\".\n٥٠٥٢ - [٢٦] وَعَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنِ اعْتَذَرَ إِلَى أَخِيهِ فَلَمْ يَعْذِرْهُ أَوْ لَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُ كَانَ عَلَيْهِ مثلُ خَطِيئَةِ صَاحِبِ مَكْسٍ\". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\"،\nــ\nوقوله: (آمنت باللَّه) أي: صدقتك في حلفك باللَّه واتهمت نفسي بالكذب.\nوفيه أن من حلف باللَّه تعالى وإن كان كاذبًا يقبل حلفه في الأحكام، ولا يعمل بالظن بل بالعلم أيضًا، فافهم.\n٥٠٥١ - [٢٥] (أنس) قوله: (وكاد الحسد أن يغلب القدر) أي: لو فرض أن شيئًا يغلب القدر لكان هو الحسد، وهذا كما قيل في تأويل قوله -ﷺ-: (لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين)، كما مر في (كتاب الطب والرقى).\n٥٠٥٢ - [٢٦] (جابر) قوله: (فلم يعذره) أي: لم يجعله معذورًا، وأنكر عذره، واتهمه بالكذب في دعوى العذر، أو لم يقبل عذره؛ بأن قال: وإن كنت معذورًا لم أقبل عذرك، ولم أنته عن التكليف بهذا الأمر.\nوقوله: (صاحب مكس) في (القاموس) (٢): مكس في البيع يمكس: إذا جَبَى\n_________\n(١) في نسخة: \"عيسى بن مريم\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٣٢).","vol":"8","page":304},{"text":"وَقَالَ: الْمَكَّاسُ: الْعَشَّارُ. [شعب: ٦١٨٨، ٧٩٨٥].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1132>١٨ - باب الحذر والتأني فى الأمور</span>\nــ\nمالًا، والْمَكْسُ: النقص، والظلم، وفي (الصراح) (١): مكس: خراج كَرفتن، وفي الحديث: (لا يدخل صاحب مكس في الجنة)، ماكس: ده يك كَيرنده، مكس أيضًا خراج وعشر، وفي (مجمع البحار) (٢): في حديث: (لا يدخل صاحب مكس في الجنة)، المكس: الضريبة التي يأخذها الماكس، وهو العشار، أي: من يأخذ من التجار إذا مروا مكسًا، أي: ضريبة باسم العشر، فأما الساعي الذي يأخذ الصدقة وعشر أهل الذمة الذين صولحوا عليه فهو محتسب ما لم يتعد، وفيه: أن المكس أعظم الذنوب، وذلك لكثرة مطالبات الناس ومظلماتهم وصرفها في غير وجهها، قال أيضًا: المكس: النقصان، والماكس من العمال: من ينقص من حقوق المساكين ولا يعطيها بتمامها، قاله البيهقي، انتهى.\n١٨ - باب الحذر والتأني في الأمور\n(الحذر): بفتحتين وبكسر فسكون من باب علم: الاحتراز والاتقاء، ورجل حذر بفتح فكسر: رجل متيقظ شديد، وفي (الصراح) (٣): حذر: مرد بيدار، قوله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١]، أي: احذدروا واحترزوا من العدو، و(التأني): التثبت،\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٢٥١).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٦١٨).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ١٧٠).","vol":"8","page":305},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1133> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٠٥٣ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٣٣، م: ٢٩٩٨].\nــ\nوترك الاستعجال، يقال: تأنى في الأمر واستأنى: تثبت وتوقف، وانتظر، وأنِيَ كرضي: تأخر وأبطأ، كأنَّى تأنية، وآنيته إيناء، والاسم أناة كقناة، كالأَنى بمعنى الحلم والوقار، والحلم عدم الاستعجال والتراخي في الأمور حتى ينظر في مصالحه وعواقبه، وقد يجيء الحلم بمعنى تأخير مكافأة الظالم، وهو فرد منه.\nالفصل الأول\n٥٠٥٣ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين) في (القاموس) (١): لدغته العقرب والحية، كمنع، لَدغًا وتَلداغًا، فهو مَلدُوغ ولَديغ. والجحر بتقديم الجيم على الحاء: كل شيء يحتفره الهوام والسباع لأنفسها، كالْجُحْران، وجَحَرَ الضبُّ، كمنع: دخله، وفي رواية: (لا يلسع)، وللسع: اللدغ. وفي (النهاية) (٢): يروى بضم الآخر وكسره خبرًا ونهيًا، هذا يصلح لأمر الدنيا والآخرة، يريد أنه ليس من شيم المؤمن الحازم الغضوب للَّه، الذاب عن دين اللَّه أن ينخدع من مثل هذا الغادر المتمرد، ويحلم مرة بعد أخرى، بل ينتقم للَّه وينتقم من عدو الدين، فقال الكرماني: هو على النهي بكسر غين، وورد هذا الحديث حين أسر النبي -ﷺ- أبا عزة الشاعر يوم بدر، فمنّ عليه وعاهده أن لا يحرض عليه، ولا يهجوه، فلحق قومه، ثم رجع إلى التحريض والهجاء، ثم أسره يوم أحد، فسأله المنّ فقال له، وفي رواية: فأمر بضرب عنقه، وروي أنه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٢٦).\n(٢) انظر: \"النهاية\" (٤/ ٢٤٨).","vol":"8","page":306},{"text":"٥٠٥٤ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: \"إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ والأَنَاةُ\" رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧].\nــ\nسئل عن عمر فقيل: كان كالطير الحذر الذي يرى أنه في كل طريق شركا يأخذه.\n٥٠٥٤ - [٢] (ابن عباس) قوله: (لأشج عبد القيس) بالإضافة، وفى نسخة بالفتح على أنه غير منصرف، فيكون عبد القيس بدلًا منه على حذف مضاف، أي: وافد عبد القيس، كذا في بعض الحواشي، واسمه المنذر كان في وفد عبد القيس وقائدهم ورئيسهم، وعبد القيس قبيلته، روي أن الوفد لما وصلوا المدينة، بادروا النبي -ﷺ-، وأقام الأشج عند رحالهم، فجمعها وعقل ناقته، ولبس أحسن ثيابه، ثم أقبل عليه، وروي: أن الوفد أسقطوا أنفسهم عن المراكب، وخروا على الأرض، وأظهروا من آثار الشوق والوجد، وأما الأشج فنزل واغتسل ولبس الثياب، ودخل المسجد وصلى الركعتين، ثم جاء في حضرته -ﷺ-، فأحبه وأثنى عليه وقال: (إن فيك لخصلتين يحبهما اللَّه) ورسوله: (الحلم والأناة) وقد عرف معناهما، وفى (أسد الغابة) (١) في ترجمته: الحلم والحياء، وفي رواية ابن ماجه (٢) عن أبي سعيد (الحلم والتؤدة)، كذا في (جمع الجوامع) (٣) للسيوطي، والكل متقارب في المعنى، وأيضًا روي أنه -ﷺ- قال لهم: (تبايعون على أنفسكم وقومكم) فقال الأشج: يا رسول اللَّه! إنك لم تزاول الرجل عن شيء أشد من دينه، نبايعك على أنفسنا، وترسل أحدًا يدعوهم، فمن اتبعنا كان منا، ومن أبى قاتلناه، فوصفه بالحلم والعقل والتثبت والوقار، وعلى هذا يظهر المقابلة بين الحلم والأناة بلا تكلف.\n_________\n(١) \"أسد الغابة\" (١/ ٢٤٧).\n(٢) أخرجه ابن ماجه في \"سننه\" (٤١٨٧).\n(٣) \"جمع الجوامع أو الجامع الكبير\" للسيوطي (١/ ٢٦٦٤٢).","vol":"8","page":307},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1134> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٠٥٥ - [٣] عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"الأَنَاةُ مِنَ اللَّهِ وَالْعَجَلَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي عَبْدِ الْمُهَيْمِنِ بْنِ عَبَّاسٍ الرَّاوِي مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ. [ت: ٢٠١٢].\n٥٠٥٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا حَلِيمَ إِلَّا ذُو عَثْرَةٍ، وَلَا حَكِيمَ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيْبٌ. [حم: ٣/ ٦٩، ت: ٢٠٣٣].\nــ\nالفصل الثاني\n٥٠٥٥ - [٣] (سهل بن سعد) قوله: (والعجلة) محركة كالعجل: السرعة في إمضاء أمر، وفي الحواشي: يستثنى من ذلك ما لا شبهة في خيريّته، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الأنبياء: ٩٠].\n٥٠٥٦ - [٤] (أبو سعيد) قوله: (لا حليم إلا ذو عثرة) من العثار بمعنى الزلة، أي: لا حليم كاملًا -وإن كان الحلم غريزًا له- إلا من وقع في عثار وزلة، وذكروا في معناه وجهين:\nأحدهما: أن من وقع في زلات وخطيئات يحب أن يستر من رآه [على] عيبه ويعفو عنه؛ فإذا علم محبته لذلك علم أن الحلم والعفو عن الناس خير ومحبوب عند الإنسان؛ فإذا رأى من أحد زلة وخطيئة حلم وعفا.\nوثانيهما: أنه لا يحصل له الحلم حتى يركب الأمور ويعثر فيها، فيعتبر بها","vol":"8","page":308},{"text":"٥٠٥٧ - [٥] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: أَوْصِنِي، فَقَالَ: \"خُذِ الأَمْرَ بِالتَّدْبِيرِ، فَإِنْ رَأَيْتَ فِي عَاقِبَتِهِ خَيْرًا فَأَمْضِهِ، وَإِنْ خِفْتَ غَيًّا فَأَمْسِكْ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٣٦٠٠].\n٥٠٥٨ - [٦] وَعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ الأَعْمَشُ: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"التُّؤَدَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ خَيْرٌ إِلَّا فِي عَمَلِ الآخِرَةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨١٠].\nــ\nويستبين مواضع الخطأ فيجتنبها، وهذا المعنى يرجع إلى معنى التجربة؛ فالمعنى الأول أقرب وأظهر، وإلا لم يظهر لتخصيص التجربة بالحلم وجه، ثم لا يخفى أن من الناس من يكون الحلم له غريزة، فلا حاجة له في حصوله إلى العثرة والزلة إلا أن يقال: يكمل الحلم بذلك كما أشار إليه حيث قيدوا أنه لا حليم كاملًا إلا ذو عثرة، فافهم.\n٥٠٥٧ - [٥] (أنس) قوله: (خذ الأمر بالتدبير) في (القاموس) (١): التدبير النظر في عاقبة الأمر كالتدبر، وفي (الصراح) (٢): تدبير بايان كار نكَريستن\n٥٠٥٨ - [٦] (مصعب بن سعد) قوله: (التؤدة) بضم التاء وفتح الهمزة وبسكونها، والوئيد والتَّوْآد: الرزانة والتأني، كذا في (القاموس) (٣)، وفي (الصراح) (٤): يقال: مشى مشيًا وئيدًا، أي: تؤدة بآهستكَي.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٦٤).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ١٧٧).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٦).\n(٤) \"الصراح\" (ص: ١٤٩).","vol":"8","page":309},{"text":"٥٠٥٩ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"السَّمْتُ الْحَسَنُ وَالتُّؤَدَةُ وَالِاقْتِصَادُ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعٍ وَعِشْرِيْنَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠١٠].\nــ\n٥٠٥٩ - [٧] (عبد اللَّه بن سرجس) قوله: (السمت الحسن) في (القاموس) (١): السمت: الطريق وهيئة أهل الخير، وفي (الصراح) (٢): سمت: راه وروش نيكو، يقال: ما أحسن سمته، أي: هديه، وفي (مجمع البحار) (٣): السمت: الطريق القصد، ويستعار لطريق أهل الخير، وقال الطيبي (٤): حالة الرجل ومذهبه، وعلم مما ذكرنا أن على بعض هذه المعاني توصيفه بالحسن على طريق الكشف والبيان، و(الاقتصاد): ضد الإفراط، والمشهور أن الاقتصاد هو التوسط بين الأمرين، أي: جانبي الإفراط والتفريط، وهو المحمود في الكمال.\nوقوله: (جزء من أربع وعشرين جزءًا من النبوة) أي: هي من خصال الأنبياء، فاقتدوا بهم فيها، واهتدوا بهديهم، ووقع في حديث ابن عباس: خمس وعشرين جزءًا، والتفاوت بين العددين يحتمل أن يكون من وهم الرواة، أو بسبب آخر، وتعيين العدد موكول إلى علم النبوة، وقد مرّ مثل هذا في (كتاب الرؤيا) في شرح قوله: (الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة)، وأما تجريد (أربع) عن التاء في قوله: (أربع وعشرين جزءًا من النبوة) يعلم منه أنه لا يجب عكس التأنيث، وقد يجيء على\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٥٥).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٦٤).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ١١٥).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٢٧).","vol":"8","page":310},{"text":"٥٠٦٠ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَبِيَّ (١) اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ الْهَدْيَ الصَّالِحَ وَالِاقْتِصَادَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٧٦].\n٥٠٦١ - [٩] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا حَدَّثَ الرَّجُل الْحَدِيثَ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ١٩٥٩، د: ٤٨٦٨].\nــ\nالأصل إن صح أنه لفظ الحديث، ويمكن أن يكون أن الجزء مضاف إلى النبوة بحسب المعنى، فاكتسب التأنيث منه، واللَّه أعلم.\n٥٠٦٠ - [٨] (ابن عباس) قوله: (إن الهدي الصالح) الهدي بفتح الهاء ويكسر وسكوان الدال، وكذا الهدية: الطريقة والسيرة، هدى هدي فلان، أي: سار سيرته، وخير الهدي هدي محمد -ﷺ-.\n٥٠٦١ - [٩] (جابر بن عبد اللَّه) قوله: (إذا حدث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة) فسروا الالتفات بالغيبة، يعني إذا حدث أحد عندك حديثًا ثم غاب صار حديثه أمانة عندك، لا يجوز إذاعتها والخيانة فيها بإفشائها.\nوقال التُّورِبِشْتِي (٢): والظاهر أن (التفت) بمعنى التفات خاطر إلى ما تكلم، فالتفت يمينًا وشمالًا احتياطًا كأنه يريد الإخفاء، فـ (ثم) للتراخي الرتبة، والتأنيث في قوله: (فهي أمانة) إما بتأويل الحكاية أو الكلمة، أو لتأنيث الخبر.\n_________\n(١) في نسخة: \"النَّبيَّ\".\n(٢) لم نجده في \"كتاب الميسر\".","vol":"8","page":311},{"text":"٥٠٦٢ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لأَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ: \"هَلْ لَكَ خَادِمٌ؟ \" فَقَالَ: لَا، قَالَ: \"فَإِذَا أَتَانَا سَبْيٌ فَأْتِنَا\"، فَأُتِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِرَأْسَيْنِ، فَأَتَاهُ أَبُو الْهَيْثَمِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"اخْتَرْ مِنْهُمَا\"، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! اخْتَرْ لِي، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِنَّ الْمُسْتَشَارَ مُؤْتَمَنٌ، خُذْ هَذَا فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يُصَلِّي، وَاسْتَوْصِ بِهِ مَعْرُوفًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٦٩].\nــ\n٥٠٢٦ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (ابن التيهان) بفتح الفوقانية وكسر التحتانية مع التشديد.\nوقوله: (إن المستشار مؤتمن) أشار عليه بكذا، أي: أمره، واستشاره: طلب منه المشورة، والاستشارة: طلب رأي فيما فيه المصلحة، كذا في (القاموس) (١)، وقال في (الصراح) (٢): مشورة بضم الشين وسكونها شورى كنكَاش كردن، مشاورة كذلك، استشارة: كنكَاش خواستن.\nوقوله: (مؤتمن) أي: ينبغي أن يكون أمينًا.\nوقوله: (واستوص به خيرًا) (٣) وصّاه توصية: عهد إليه، والاسم الوصاية بالفتح والكسر، والوصية، تواصى القوم، أي: وصى بعضهم بعضًا، كقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣]، والاستيصاء: قبول الوصية، وفي الحديث: (واستوصوا بالنساء)، أي: أوصيكم بهن خيرًا، فاقبلوا وصيتي فيهن، وقيل: الأظهر أن السين للطلب، أي: اطلبوا الوصية من أنفسكم في أنفسهن، أو لطلب بعضكم بعضًا\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٩٢).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ١٨٨).\n(٣) قوله: (خيرًا) كذا في الأصل، والظاهر: (معروفًا) كما في المتن.","vol":"8","page":312},{"text":"٥٠٦٣ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"المجالسُ بِالأَمَانَةِ إِلَّا ثَلاثَةَ مَجَالِسَ: سَفْكُ دَمٍ حَرَامٍ، أَوْ فَرْجٌ حَرَامٌ، أَوْ اِقْتِطَاعُ مَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٦٩].\nوَذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ: \"إِن أَعْظَمَ الأَمَانَةِ\" فِي (بَابِ الْمُبَاشَرَةِ) فِي (الْفَصْلِ الأَوَّلِ).\nــ\nمن بعض الوصية بالإحسان، وقيل: الاستيصاء بمعنى الإيصاء.\n٥٠٦٣ - [١١] (جابر) قوله: (سفك دم حرام. . . إلخ)، بأن يقول أحد في مجلس: أريد قتل فلان أو الزنا بفلانة أو أخذ مال فلان؛ فإذا سمع آخر ذلك منه يجب أن يخبر هؤلاء.\nوقوله: (واقتطاع مال أحد) أقطع واقتطع من ماله قطعة: أخذ منه شيئًا، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): اقتطاع: باره أز جيزى جدا كردن، والمراد أخذه كلًّا أو بعضًا.\nوقوله: (وذكر حديث أبي سعيد: إن أعظم الأمانة في باب المباشرة في الفصل الأول) كأنه وقع في (المصابيح) هذا الحديث مكررًا، أولًا في (باب المباشرة) من (كتاب النكاح) في الصحاح، وثانيًا في هذا الباب، أعني (باب الحذر والتأني) في الحسان، فترك المؤلف ذكره هنا وذكره هناك، أما نحن فلا نجده فى النسخ التي عندنا ذكره هنا، فكأنه تركه بعض الناسخين لأجل التكرار، ثم في كلام المصنف رحمه اللَّه تعالى إشارة إلى أن الصواب ذكره في الصحاح، فلهذا ذكره هناك وتركه هنا، واللَّه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٩٤).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٣٢٥).","vol":"8","page":313},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1135> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٠٦٤ - [١٢] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ قَالَ لَهُ: قُمْ فَقَامَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اقْعُدْ فَقَعَدَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا خَلَقْتُ خَلْقًا هُوَ خَيْرٌ مِنْكَ وَلَا أَفْضَلُ مِنْكَ، وَلَا أَحْسَنُ مِنْكَ، بِكَ آخُذُ، وَبِكَ أُعْطِي، وَبِكَ أُعْرَفُ، وَبِكَ أُعَاتِبُ، وَبِكَ الثَّوَابُ، وَعَلَيْكَ العِقَابُ\". وَقَدْ تَكَلَمَّ فِيهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ.\nــ\nأعلم بالصواب.\nالفصل الثالث\n٥٠٦٤ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (وتكلم فيه بعض العلماء) قال السخاوي في (المقاصد الحسنة) (١): قال ابن تيمية وتبعه غيره: إنه كذب موضوع بالاتفاق، وفي زوائد عبد اللَّه بن الإمام أحمد على (كتاب الزهد) لأبيه عن علي عن سيار بن حاتم، وهو ممن ضعفه غير واحد، وكان جماعًا للرقائق، وقال القواريري: إنه لم يكن له عقل، قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي، حدثنا مالك بن دينار عن الحسن البصري مرفوعًا مرسلًا: (لما خلق اللَّه العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال: ما خلقت خلقًا أحب إليّ منك، بك آخذ، وبك أعطي).\nوأخرجه داود بن المحبر في (كتاب العقل) له: حدثنا صالح المري عن الحسن به بزيادة: (ولا أكرم علي منك، لأني بك أعرف، وبك أعبد)، والباقي مثله، وفي الكتاب المشار إليه من هذا النمط أشياء؛ منها: (أول ما خلق اللَّه العقل)، وذكره. وابن\n_________\n(١) \"المقاصد الحسنة\" (١/ ١٩٩).","vol":"8","page":314},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالمحبر كذاب، والوارد في أول ما خلق حديث: (أول ما خلق اللَّه القلم)، وهو أثبت من العقل، انتهى كلام السخاوي.\nوقال السيوطي في (الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة) (١): قد وجدت له أصلًا صالحًا، فأخرجه عبد اللَّه ابن الإمام أحمد في زوائد (الزهد)، قال حدثنا علي بن مسلم، حدثنا سيّار، حدثنا جعفر، حدثنا مالك بن دينار عن الحسن يرفعه قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"أول ما خلق اللَّه العقل\" الحديث، وهذا مرسل جيد الإسناد، وهو في (معجم الطبراني الأوسط) (٢) موصولًا من حديث أبي أمامة، ومن حديث أبى هريرة بإسنادين ضعيفين، انتهى كلام السيوطي.\nوفي (تنزيه الشريعة) (٣) أنه أخرج هذا الحديث ابن عدي في (الكامل) والدارقطني عن أبي هريرة، والعقيلي عن أبي أمامة نحوه، وفيه حفص (٤)، وسيف وسعيد مجهولان وتعقب بأنه أخرجه البيهقي في (الشعب) من طريقين، وقال: هذا إسناد غير قوي، وهو مشهور من قول الحسن، ورواه أبو نعيم، وفيه سهل، قال: وأراه واهمًا فيه، ورواه عبد اللَّه بن أحمد بسند جيد عن الحسن مرسلًا، ورواه ابن عدي من طريق آخر وقال باطل منكر، وآفته محمد بن وهب، له غير حديث منكر.\n_________\n(١) \"الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة\" (١/ ٣٦٧).\n(٢) \"المعجم الأوسط\" (٧/ ١٩٠).\n(٣) \"تنزيه الشريعة\" (١/ ٢٠٤).\n(٤) فيه إيجاز مخل، وفي \"تنزيه الشريعة\": وَفِي الأول حَفْص بن عمر قَاضِي حلب، وَفِي الثَّانِي سيف بن مُحَمَّد، وَفِي الثَّالِث سعيد بن الْفضل عَن عمر بْن أبي صَالح الْعَتكِي، وهما مَجْهُولَان.","vol":"8","page":315},{"text":"٥٠٦٥ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الرَّجُلَ لَيَكُونُ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ\". حَتَّى ذَكَرَ سِهَامَ الْخَيْرِ كُلَّهَا: \"وَمَا يُجْزَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا بِقَدْرِ عَقْلِهِ\".\nــ\nوأخرجه الدارقطني في \"الغرائب\" وقال: غير محفوظ، وله طريق آخر أخرجه الترمذي الحكيم وابن عساكر، وفيه الحسن الخشني، وأخرجه الخطيب، وقال الذهبي بعد ذكر طرق الحديث المذكورة: وله طرق أخرى لم تصح، قال ابن حبان: ليس في العقل خبر صحيح، وقال العقيلي: لا يثبت في هذا الباب شيء، واللَّه أعلم.\nوقال الحافظ ابن حجر في (المطالب العالية) (١): أحاديث في العقل أخرجها داود ابن المحبر في \"كتاب العقل\" كلها موضوعة، وقد أورد في (تنزيه الشريعة) بضعًا وستين حديثًا في فضيلة العقل، [و] وسمها كلها بالوضع، والمذكور فيها العقل بمعنى معرفة الأشياء وإدراك صلاح المبدأ والمعاد، والتمييز بين الخير والشر، والاحتراز عن عوامل النفس وآفاتها، والاهتداء والوصول إلى معرفة الحق، وأما العقل بمعنى المخلوق الأول الذي يدل عليه حديث: (أول ما خلق اللَّه العقل)، فليس داخلًا في تلك الأحاديث، وعند المحدثين فيه أيضًا كلام كما ذكرنا، وقد حكم بعضهم بوضعه على الخصوص، وهو داخل في عموم قول بعضهم: كل حديث ورد فيه ذكر العقل لا يثبت، واللَّه أعلم.\n٥٠٦٥ - [١٣] (ابن عمر) قوله: (إلا بقدر عقله) بأن يضع كل عمل وعبادة في موضعه ويعمله للَّه، ويحفظه عما يفسده، وبهذا فضل بعض الناس العقل على العلم.\n_________\n(١) \"المطالب العالية\" (١٣/ ٧٢٥).","vol":"8","page":316},{"text":"٥٠٦٦ - [١٤] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا أَبَا ذَرٍّ (٢)! لَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ، وَلَا وَرَعَ كَالْكَفِّ،\nــ\n٥٠٦٦ - [١٤] (أبو ذر) قوله: (لا عقل كالتدبير) أي: النظر في عواقب الأمور وما يترتب عليه من صلاح أو فساد، يعني أن العقل الكامل التام هو هذا، والعاقل الكامل من هذا شأنه، والظاهر أن المراد بالعقل هنا مطلق العلم والإدراك، ولو أريد بالعقل الذي سبق مدحه لم يكن لهذا الحكم كثير فائدة، فافهم.\nوقوله: (لا ورع كالكف) استشكله الطيبي (٣) بأنّ الورع هو الكف، فكيف قيل ولا ورع كالكف؟ ثم أجاب بأن المراد كف الأذى أو كف اللسان، فكأنه قيل: لا ورع كالصمت أو كالكف عن أذى المسلمين، انتهى.\nويمكن أن يقال: إن الورع وإن كان بحسب اللغة مفهومه الكف والاجتناب، لكن هو في عرف الشرع شامل لطرفي الامتثال والاجتناب معًا، ولو كان معنا الاجتناب فقط فالاجتناب عن ترك الامتثال بالأوامر أيضًا معتبر فيه البتة، إذ لا يقال المتقي والمتورع لمن يجتنب المنهيات ويكف نفسه عنها، ولا يمتثل بالأوامر، وهذا ظاهر، لكنهم قالوا: إن الاجتناب أهم وأدخل في سلوك طريق الوصول والقرب من رعاية الامتثال، فمن يكتفي في جانب الامتثال بإتيان الواجبات والسنن والرواتب من غير أن يستوفي أقسام النوافل والمستحبات، لكن يهتمّ بالاجتناب ويستوعب أقسامه، ومن يهتم بالامتثال ويستوعب أقسام النوافل، لكنه يرتكب المكروهات لا يتيسر له\n_________\n(١) قوله: \"لي\" سقط في نسخة.\n(٢) في نسخة: \"يا با ذر\".\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٣٠).","vol":"8","page":317},{"text":"وَلَا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلْقِ\".\n٥٠٦٧ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الِاقْتِصَادُ فِي النَّفَقَةِ نِصْفُ الْمَعِيشَةِ،\nــ\nالوصول، ولهذا المقال تفصيل وتحقيق مذكور في موضعه، وقد بينه سيدي الشيخ علي المتقي في رسالته المسماة بـ \"تبيين الطرق\".\nوإذا عرفت ذلك فقد حصل لقوله -ﷺ-: \"ولا ورع كالكف\" معنى صحيح جيد، وحاصله: أن الأهم في الورع هو الكف والاجتناب عن المحارم والمكروهات، كما ذكرنا.\nوقوله: (ولا حسب كحسن الخلق) الحسب: ما يعده الرجل من مآثره ومآثر آبائه، فالمراد أن الحسب الكامل المعتد به عند اللَّه تعالى هو الأخلاق الحميدة، وما سواه من المفاخر الدنياوية لا يعتد به، ويحتمل أن يراد أن الأخلاق الباطنة هي الأصل والعمدة، والأعمال الظاهرة وإن كانت أيضًا من الكمال وأحد شطريه لكنها فرع وتبع للأخلاق، وقد ورد في الحديث: (ليس شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق)، ولو أريد بالخلق ما يتعارفه الناس من لين الجانب، وبشاشة الوجه، والتلطف، والرحمة، كان المقصد المبالغة والتأكيد في رعاية هذا الوصف، ويكون تأويله كالتأويل الذي ذكره الشارح في قوله: (لا ورع كالكف) بإرادة كف اللسان، أو كف الأذى، وعلى تقدير إرادة مطلق الأخلاق الباطنة يكون معناه كما ذكرنا في ذلك القول من إرادة الاجتناب عن المحارم والمكروهات، فافهم.\n٥٠٦٧ - [١٥] (ابن عمر) قوله: (الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة) لأنه لا بد في التعيش من دخل وخرج، وبناء الخرج على الاقتصاد؛ لأن في التبذير والتقتير إخلالًا","vol":"8","page":318},{"text":"وَالتَّوَدُّدُ إِلَى النَّاسِ نِصْفُ الْعَقْلِ، وَحُسْنُ السُّؤَالِ نِصْفُ الْعِلْمِ\". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الأَرْبَعَةَ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٤٣١٣، ٤٣١٦، ٤٣٢٥، ٦١٤٨].\n* * *\nــ\nبالمصالح، فيكون الاقتصاد نصف معيشة، وقال الطيبي (١): لأن كلًّا من طرفي التبذير والتقتير ينغص كل العيش، فالتوسط نصف العيش، وهذا الكلام لا يخلو عن خفاء، فافهم.\nوقوله: (والتودد إلى الناس نصف العقل) لأن تمام عقل المعاش باكتساب الأموال والأسباب والتمدن ببني النوع، وإظهار المودة بالناس، والركون إليهم هو التمدن، فيكون نصفه، وهذا إذا لم يخل بالدين والتقوى، وإلا فالمداراة.\nوقوله: (وحسن السؤال نصف العلم) قال الطيبي (٢): فإن السائل الفطن يسأل عما يهمه وما هو بشأنه أعنى، وهذا يحتاج إلى فضل تمييز بين مسؤول ومسؤول؛ فإذا ظفر بمبتغاه فإنه كمل علمه، انتهى.\nوأقول: إن العلم سؤال وجواب، وحسن السؤال عبارة عن تنقيح المسؤول وتحقيقه بجميع الشقوق والاحتمالات، حتى يأتي الجواب وافيًا شافيًا، ولا يفوت شيء من المطلوب، وهذا موقوف على مزيد تمييز، فالسؤال على هذا الوجه يكون من قبيل العلم؛ فلا يتوجه أن السؤال ينشأ من جهل وتردد دون علم، فكيف يكون نصف\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٣٠).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٣١).","vol":"8","page":319},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1136>١٩ - باب الرفق والحياء وحسن الخلق</span>\nــ\nالعلم؟ فافهم.\nوظهر لك مما ذكرنا أن النصفية محمولة على حقيقتها، ويحتمل أن يكون المراد المبالغة في مدخلية رعاية الاقتصاد في المعيشة، والتودد في استعمال العقل فيها، وحسن السؤال في تحصيل العلم، كأنه قيل: الأشياء والأسباب الكثيرة لها مدخل في المعيشة، والتودد في استعمال العقل فيها وحسن السؤال في تحصيل العلم، لكن هذه الأشياء المذكورة على طرف، والأشياء الأخر مع كثرتها على طرف، وهذا نصف، وتلك بأجمعها نصف، واللَّه أعلم.\n١٩ - باب الرفق والحياء وحسن الخلق\nفي (القاموس) (١): الرفق بالكسر: ما استعين به، واللطف، رَفَقَ به، وعليه، مثلثة، رفقًا ومَرْفَقًا، كمجلس ومقعد ومنبر، وفي (الصراح) (٢): رفق بكسر: نرمي ونرمي كردن، ضد العنف، من نصر، صلته بالباء، وارفاق نرمي كردن وسود داشتن كسى راء، والحياء بالمد: شرم داشتن، وحقيقتها تغير وانكسار يعتري الإنسان من تخوف ما يعاب ويذم، والحياء المحمود انقباض النفس عن القبائح الشرعية وتركها لذلك، وبعبارة أخرى: خلق يمنع من التقصير في حق ذي الحق، وقال السادة الصوفية: الحياء متولدة من رؤية الآلاء ورؤية التقصير، وحسن الخلق قد مرّ تفسيره آنفًا.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨١٧).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٣٧٦، ٥٥٤).","vol":"8","page":320},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1137> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٠٦٨ - [١] عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ لِعَائِشَةَ: \"عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ وَالْفُحْشَ، إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْء إِلَّا شَانَهُ\". [م: ٢٥٩٣].\nــ\nالفصل الأول\n٥٠٦٨ - [١] (عائشة) قوله: (إن اللَّه تعالى رفيق) أي: لطيف بعباده، ويريد بهم اليسر، ولا يكلفهم إلا وسعهم، ولا يحملهم ما لا طاقة لهم به، و(يحب الرفق) من العباد ليرفق بضهم بعضًا، ويعملوا في مصالحهم من طلب الرزق وغيره بالرفق واللطف ولا يعنفوا، ثم أشار إلى استعمال الرفق في طلب الرفق وتحصيل المطالب، ورغب فيه بقوله: (ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف)، ورجحه عليه بكونه أعون على حصول المطلب وأنجح للمرام، ثم عمم وأشار إلى ترجيحه على سائر الأسباب مطلقًا قوله: (وما لا يعطي على ما سواه) أي: ما سوى الرفق، ويحتمل أن يكون الضمير في (ما سواه) للعنف على معنى: لا يعطي على ما سوى العنف من الأسباب أيضًا، ولا يختص الحكم بالعنف، هذا هو المفهوم من تقرير كلامهم، والظاهر أن الرفق والعنف كل منهما طريق تحصيل المطالب وكيفية طلبه، لا أنهما سببان مستقلان مفابلان بالأسباب، فالمباشرة بالأسباب لا تخلو إما أن تكون بالرفق أو بالعنف؛ فإن كان بالرفق فلا وجه لترجيحه عليها، وإن كان بالعنف فقد رجحه عليه، فالمغايرة بين","vol":"8","page":321},{"text":"٥٠٦٩ - [٢] وَعَنْ جَرِيرٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: \"مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الْخَيْرَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٩٢].\n٥٠٧٠ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"دَعْهُ، فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الْإِيمَانِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤، م: ٣٦].\n٥٠٧١ - [٤] وَعَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْحَيَاءُ لَا يَأْتِي إِلَّا بِخَيْرٍ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١١٧، م: ٣٧].\nــ\nالمعطوف والمعطوف عليه ليس إلا في البيان والعبارة خصوصًا وعمومًا، لا يقال: لعله لا يكون بالرفق ولا بالعنف؛ لأن الرفق والعنف ضدان، والضدان يمكن ارتفاعهما؛ لأنا نقول: إذا كان أحد الضدين مساويًا لنقيض الآخر لا يرتفعان، وهناك كذلك، وأيضًا الرفق والعنف إضافيان، ففي كل مرتبة لا يخلو عن رفق أو عنف، فافهم.\n٥٠٦٩ - [٣] (جرير) قوله: (من يحرم الرفق يحرم الخير) يجوز أن يراد بالخير المطالب المرغوبة؛ فإن الرفق لما كان وسيلة إليها؛ فإذا حرم منه حرم منها، وأن يراد بالخير الرفق، والمآل واحد.\n٥٠٧٠ - [٣] (ابن عمر) قوله: (وهو يعظ أخاه) أي: يعاتبه عليه ويزجره عنه.\n٥٠٧١ - [٤] (عمران بن حصين) قوله: (الحياء لا يأتي إلا بخير) الباء للتعدية.\nوقوله: (الحياء خير كله) قال الطيبي (١): قد يشكل على بعض الناس هذا الحديث\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٣٣).","vol":"8","page":322},{"text":"٥٠٧٢ - [٥] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: . . . . .\nــ\nمن حيث إن الحياء قد يخل ببعض الحقوق ويمنع عنها، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسؤال عن العلم مثلًا، والجواب أن هذا المعنى الذي ذكرتموه ليس بحياء حقيقة، بل هو عجز وجبن، ويسمى حياء بحسب اللغة، وحقيقة الحياء في الشرع: خلق يبعث على ترك القبيح الشرعي، انتهى.\nولعل الصواب أن معنى الحياء انقباض النفس عن ارتكاب القبيح طبعًا وشرعًا، لكن المحمود والممدوح في الشرع أن يكون القبيح شرعيًّا حرامًا أو مكروهًا أو ترك الأولى، فالأظهر في الجواب ما ذكر في بعض الحواشي أن هذه الكلية -أعني الحياء خير كله- مخصوصة بأن يكون موافقًا لرضا الحق، فتدبر.\nوأما استحياؤه -ﷺ- من الأمر بإخراج الذين استأنسوا بالحديث بعد الطعام مع أنه كان حقًا كما أخبر اللَّه سبحانه، فإنما كان قبل أن يوحى إليه، وكان -ﷺ- مأمورًا بائتلافهم وإيناسهم، وإنما كان يفوته حق نفسه من التفرغ لأهله، فكان قبيحًا عنده، فاستحيا منه، فلما أخبر أنه يؤذيه، وإيذاؤه -ﷺ- حرام، كف عن الاستحياء وتركه، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، واستحياؤه من عثمان -﵁- بستر فخذه بعد أن تركها مكشوفة عند دخول أبي بكر وعمر -﵁- فإنما كان من جهة أن عثمان كان حييًّا كما ذكره -ﷺ-، وكان يتأذى من رؤيتها مكشوفة، فكان كشفها عنده خلاف الأولى؛ فاستحيا منه، فافهم، واللَّه الموفق.\n٥٠٧٢ - [٥] (ابن مسعود) قوله: (إن مما أدرك الناس) بالرفع أو بالنصب على الفاعلية أو المفعولية.","vol":"8","page":323},{"text":"إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦١٢٠].\n٥٠٧٣ - [٦] وَعَن النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْم، فَقَالَ: \"الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ. . . . .\nــ\nوقوله: (إذا لم تستح فاصنع ما شئت) المراد بلفظ الأوامر الخبر، كما في قوله -ﷺ-: \"فليتبوأ مقعده من النار\"، ومعناه أن المانع من ارتكاب القبائح الحياء، وإذا لم تستح فعلت ما شئت، أو هو أمر تهديد ووعيد لمن ترك الحياء، كما في ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، أي: اصنع ما شئت، فأنك ستجازى عليه، أو المراد ما لا يستحيا من اللَّه ولا من الناس في شعله فإذا ظهر فافعله، فهو قاعدة لجواز الفعل فيما فيه شبهة، وذلك لمن له قلب صحيح لا يستحي إلا استحياء صحيحًا، أو ورد ذلك في فعل الطاعات إذا تركها استحياء من الخلق وخوفًا من تطرق الرياء، فقال: أنها مما لا يستحيا فيها من اللَّه تعالى ورسوله، فما استحياؤك من الخلق؟ فاصنعها ولا تستح من أحد وتب واستغفر إن تطرق رياء، وهذا المعنى الأخير لا يخلوا فهمه من العبارة عن خفاء.\n٥٠٧٣ - [٦] (النواس بن سمعان) قوله: (وعن النواس) بفتح نون وواء مشددة، وقيل: بكسر نون واو مخففة، كذا في (المغني) (١)، (ابن سمعان) بكسر السين وفتحها، فافهم.\nوقوله: (البر حسن الخلق) أي: العمدة فيه وأفضل أقسامه ذلك.\nوقوله: (والإثم ما حاك في صدرك) أي: أثر فيه وأوقعك في التردد، ولم يطمئن قلبك، فإن ذلك أمارة أن في ذلك شيئًا من الإثم والكراهة، وهذا هو المراد بقوله -ﷺ-: (استفت قلبك)، وهذا في حق من شرح اللَّه صدره ونور قلبه، ومر ذلك فيما لم يكن\n_________\n(١) \"المغني\" (ص: ٢٨١).","vol":"8","page":324},{"text":"وَكَرِهْتَ أَن يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٥٣].\n٥٠٧٤ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: قَال رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنَكُمْ أَخلَاقًا\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٥٩].\n٥٠٧٥ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٥٩، م: ٢٣٢١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1138> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٠٧٦ - [٩] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"مَنْ أُغْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ أُعْطِي حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ،\nــ\nفيه نص من الشارع وإجماع من العلماء، فكانت النصوص متعارضة والأقوال مختلفة، فيختار أحدها بفتوى القلب.\nوقوله: (وكرهت أن يطلع عليه الناس) معناه ما ذكر في توجيه الحديث السابق من الوجه الثالث، فهذا يؤيده.\n٥٠٧٤ - [٧] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (إن من أحبكم إلي) وما كان محبوبًا إليه -ﷺ- كان محبوبًا إلى اللَّه ﷿؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقد جعله اللَّه على خلق عظيم.\n٥٠٧٥ - [٨] (عنه) قوله: (إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا) ومعناه معنى الحديث السابق، والفرق أن الخيرية بحسب الذات، والأحبية بالنسبة إليه -ﷺ-.\nالفصل الثاني\n٥٠٧٦ - [٩] (عائشة) قوله: (من أعطي حظه من الرفق. . . إلخ)، يعني أن","vol":"8","page":325},{"text":"وَمَنْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ حُرِمَ حَظَّهُ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٣٤٩١].\n٥٠٧٧ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ، وَالإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ، وَالْجَفَاءُ فِي النَّار\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٢/ ٥٠١، ت: ٣٠٠٩].\n٥٠٧٨ - [١١] وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا خَيْرُ مَا أُعْطِيَ الْإِنْسَانُ؟ قَالَ: \"الْخُلُقُ الْحَسَنُ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٣/ ١٠٧].\nــ\nنصيب الرجل من الخير على قدر نصيبه من الرفق، وحرمانه منه على قدر حرمانه منه.\n٥٠٧٧ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (البذاء من الجفاء): (البذاء): الكلام القبيح، والبذيء: الرجل الفاحش، وفي (المجمع) (١): البذاء: الفحش في القول، والمباذاة: المفاحشة، والجفاء نقيض البر والصلة، ويقصر، وفي (الصراح) (٢): بذاء بالمد: بيهوده كَفتن، وأصله بذاءة فحذفت الهاء؛ لأن مصادر المضموم العين إنما هي بالهاء، مثل خطب خطابة، وصلب صلابة، وهو بذيء اللسان، والمرأة بذيئة، وبذيت وأبذيت، انتهى.\nكأنه يريد ما جاء من مصادره على (فعال) مثل كرامة وشرافة لا مطلقًا.\n٥٠٧٨ - [١١] (رجل من مزينة) قوله: (ما أعطي الإنسان) بالرفع والنصب.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ١٦٥).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٥٤٤).","vol":"8","page":326},{"text":"٥٠٧٩ - [١٢] وَفِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ. [شرح السنة: ٣٢٢٦].\n٥٠٨٠ - [١٣] وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ الْجَوَّاظُ وَلَا الْجَعْظَرِيُّ\" قَالَ: وَالْجَوَّاظُ: الْغَلِيظُ الْفَظُّ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي \"سُنَنِهِ\". وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\"، وَصَاحِبُ \"جَامِعِ الأُصُولِ\" فِيهِ عَنْ حَارِثَةَ. وَكَذَا فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" عَنْهُ، وَلَفْظُهُ قَالَ: \"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ الْجَوَّاظُ الْجَعْظَرِيُّ\". يُقَالُ: الْجَعْظَرِيُّ: الْفَظُّ الْغَلِيظُ.\nوَفِي نُسَخِ \"الْمَصَابِيحِ\" عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ وَهْبٍ، وَلَفْظُهُ قَالَ: وَالْجَوَّاظُ: الَّذِي جَمَعَ وَمَنعَ، وَالْجَعْظَرِيُّ: الغَلِيظُ الْفَظُّ. [د: ٤٨٥١، شعب: ٧٨٢٣].\n٥٠٨١ - [١٤] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ أَثْقَلَ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي مِيزَانِ الْمُؤمِنِ يَومَ الْقِيَامَة خُلُقٌ حَسَنٌ، وَإِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحِيحٌ. . . . .\nــ\n٥٠٧٩ - [١٢] (أسامة بن شريك) قوله: (شريك) على وزن كريم.\n٥٠٨٠ - [١٣] (حارثة بن وهب) قوله: (لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري): (الجواظ) بالظاء المعجمة على وزن شداد، و(الجعظري) على وزن العبقري، وقد جاء في تفسيرهما ما يدل على ترادفهما وما يدل على تباينهما، وحاصلهما معنى: الغليظ الفظ، والمتكبر، والبخيل، وسيئ الخلق.\nوقوله: (وفي نسخ المصابيح) أي: في بعضها.\n٥٠٨١ - [١٤] (أبو الدرداء) قوله: (في ميزان المؤمن) دليل على أن الكافر","vol":"8","page":327},{"text":"وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ الْفَصْلَ الأَوَّلَ [ت: ٢٠٠٢، د: ٤٧٩٩].\n٥٠٨٢ - [١٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ قَائِمِ اللَّيْلِ وَصَائِمِ النَّهَارِ\" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٩٨].\n٥٠٨٣ - [١٦] وَعَنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٥/ ١٥٣، ت: ١٩٨٧، دى: ٢٨٣٣].\n٥٠٨٤ - [١٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ وَبِمَنْ تَحْرُمُ النَّارُ عَلَيْهِ؟ عَلَى كُلِّ هَيِّنٍ لَيِّنٍ. . . . .\nــ\nلا اعتداد بمحاسن أخلاقه وأفعاله\n٥٠٨٢ - [١٥] (عائشة) قوله (درجه قائم الليل وصائم النهار) يدل على علو درجتهما وإن لم يجتمع (١) بحسن الخلق.\n٥٠٨٣ - [١٦] (أبو ذر) قوله: (وأتبع) من باب الإقعال، (السيئة) أى: افعل الحسنه لنفسك أو لغيرك.\nقوله: (خالق) أي: خالط وعامل.\n٥٠٨٤ - [١٧] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (هين لين) بكسر الياء مشددة وسكونها، كميت وميت، و(الهين) من الهون، وهو السهولة، (لين) أي: حليم، ضد الخشونة، وقيل: هما يطلقان على الإنسان بالتثقيل والتخفيف، وعلى غيره بالتشديد على الأصل،\n_________\n(١) كذا في الأصل، والظاهر: \"وإن لم يجتمعا\".","vol":"8","page":328},{"text":"قَرِيبٍ سَهْلٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [حم: ١/ ٤١٥، ت: ٢٤٨٨].\n٥٠٨٥ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ، وَالْفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ\". . . . . .\nــ\nوعن الأعرابي بالتخفيف للمدح، وبالتشديد للذم، (قريب) أي: من الناس بمجالستهم وملاطفتهم، (سهل) أي: في قضاء حوائجهم، وتمشية أمرهم، وإعانتهم، كذا في بعض الحواشي.\nوفي (القاموس) (١): الهون بالفتح: السكينة والوقار، وبالضم: الخزي، ولَانَ يلين لينا وليانًا بالفتح فهو ليّن ولين، كميت وميت، والمخففة في المدح خاصة، وفي (الصراح) (٢): الهون: آرام وآهستكَي كردن، ومنه قوله تعالى: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣]، ورجل سهل الخلق: نوم خو.\nثم اعلم أنه أتي في السؤال بكلا الشقين -أعني حرمة الشخص على النار، وحرمة النار على الشخص- تأكيدًا ومبالغة في بُعده عنها، ولما كان مآل العبارتين إلى معنى واحد اقتصر في الجواب على أحدهما؛ لقربه ولكونه المتعارف في العبارة عن ذلك المعنى.\n٥٠٨٥ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم) في (القاموس) (٣): غره غرًا وغرورًا وغرة، بالكسر، فهو مغرور وغَرير: خدعه، وأطمعه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٤٢، و١١٣٦).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٥٣١).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٥، ٤١٨).","vol":"8","page":329},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٢/ ٣٩٤، ت: ١٩٦٤، د: ٤٧٩].\nــ\nبالباطل، فاغتر هو، والغِّر بالكسر، والخب بالفتح: الخدّاع الجرْبُزُ، ويكسر، وفي (الصراح) (١): غر بالكسر: كار نا آزموده، خب بالفتح والكسر: مرد فريبنده وكربُز، وفي (النهاية) (٢): الخب بالفتح: الخداع، وهو الجربز الذي يسعى بين الناس بالفساد، وقد تكسر خاؤه، والمصدر بالكسر لا غير، ومعنى الحديث على ما قرر في (النهاية): أن المؤمن ليس بذي مكر فهو ينخدع لانقياده ولينه، أي: المؤمن المحمود من طبعه الغرارة وقلة الفطنة للشر، وترك التجنب عنه، وليس ذلك منه لجهله، بل لكرمه وحسن خلقه.\nوقد تقرر بأنه سليم الصدر وحسن الظن بالناس، ولم يجرب بواطن الأمور، ولم يطلع على دخائل الصدور، وهذا يكون في أمور الدنيا وما يتعلق بحقوق نفسه، ويعد الأمر في ذلك سهلًا، ولا يبالي ولا يهتم به، وأما في أمر الآخرة فهو متيقظ مشتغل بإصلاح دينه، والتردد لمعاده، ومع ذلك نبه -ﷺ- بقوله: (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين)، أنه لا ينبغي له أن ينخدع، تعليمًا للجزم، وقد سبق أنه عام في أمر الدنيا والآخرة، وقيل: ذلك مخصوص بأمر الآخرة، وأما المنافق فهو خداع مكار يسعى بين الناس بالفساد والمخادعة والمكر، مفتش فتان لا يسامح ولا ينخدع ولا يرضى به عن نفسه، وإن انخدع أحيانًا، فليس ذلك لعلمه واختياره ورضاه.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٢٦، و٢٠٣).\n(٢) \"النهاية\" (٢/ ٤).","vol":"8","page":330},{"text":"٥٠٨٦ - [١٩] وَعَنْ مَكْحُولٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْمُؤْمِنُونَ هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ كَالْجَمَلِ الأَنِفِ، إِنْ قِيدَ انْقَادَ، وَإِنْ أُنِيخَ عَلَى صَخْرَةٍ استَنَاخَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١) مُرْسَلًا.\nــ\n٥٠٨٦ - [١٩] (مكحول) قوله: (كالجمل الأنف) في (المفاتيح شرح المصابيح) (٢): أنف بمفتوحة مقصورة وكسر نون، وفي (القاموس) (٣): أنف البعير كفرح: اشتكى أنفه من البُرَةِ، فهو أنف ككتف وصاحب، والأول: أصح وأفصح، وفي (الصراح) (٤): أنف: درد مند شدن بيني شتر از جوبك مهار، إيناف: دردمند كردن بيني شتر را، أنف نعت منه، وهو شاذ، والقياس مأنوف كالمصدور الذي يشتكي صدره، والمبطون الذي يشتكي بطنه، انتهى.\nويروى (كالجمل الآنف)، وهو أيضًا بمعنى المأنوف، ويحتمل أن يكون صيغة النسبة.\nونقل الطيبي (٥) أن الأنف بمعنى الذلول، وهو لازم الإيناف، ومعنى الحديث: أن المؤمن شديد الانقياد للشارع في أوامره ونواهيه، متحمل للمشاق فيه، ويجوز أن يكون ذلك إشارة إلى تذللهم وانقيادهم فيما بينهم، وعدم كونهم متكبرين مختالين، وهو في المقصود إطاعة لأمر اللَّه سبحانه.\n_________\n(١) لم نجده في \"سنن الترمذي\"، بل رواه ابن المبارك في \"الزهد والرقائق\" (٣٨٧)، والبيهقي في \"الشعب\" (٧٧٧٧).\n(٢) \"المفاتيح شرح المصابيح\" (٥/ ٢٥٣).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٣٢).\n(٤) \"الصراح\" (ص: ٣٤١).\n(٥) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٤١).","vol":"8","page":331},{"text":"٥٠٨٧ - [٢٠] وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"الْمُسْلِمُ الَّذِي يُخالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِي لَا يُخَالِطُهُمْ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وابنُ مَاجَه. [ت: ٢٥٠٧، جه: ٤٠٣٢].\n٥٠٨٨ - [٢١] وَعَن سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنَفِّذَهُ دَعَاهُ اللَّهُ عَلَى رُؤُوْسِ الْخَلائِقِ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فِي أَيِّ الحُورِ شَاءَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٠٢١، د: ٤٧٧٧].\n٥٠٨٩ - [٢٢] وَفِي رِوَايَةٍ لأَبِي دَاوُدَ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ وَهْبٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- عَنْ أَبِيهِ قَالَ: \"مَلأ اللَّهُ قَلبَهُ أَمْنًا وَإِيْمَانًا\". وَذُكِرَ حَدِيثُ سُوْيَدٍ: \"مَنْ تَرَكَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمَالٍ\" فِي (كِتَابِ اللِّبَاسِ). [د: ٤٧٧٨].\nــ\n٥٠٨٧ - [٢٠] (ابن عمر) قوله: (أفضل من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم) هذا الحديث يدل على أفضلية الصحبة من العزلة، وجاء في فضل العزلة أيضًا أخبار وآثار، وفيه تفضيل ذكره القوم في كتبهم، وقد استوفي ذلك في كتاب (إحياء العلوم) فارجع إليه.\n٥٠٨٨، ٥٠٨٩ - [٢١، ٢٢] (سهل بن معاذ) قوله: (من كظم غيظًا) في (القاموس) (١): كظم غيظه: رده وحبسه، والباب: أغلقه، والنهر والخوخة: سدهما.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٦٤).","vol":"8","page":332},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1139> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٠٩٠ - [٢٣] عَنْ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الإِسْلَامِ الْحَيَاءُ\". رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسلًا. [م: ٢/ ٩٥].\n٥٠٩١، ٥٠٩٢ - [٢٤، ٢٥] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" عَنْ أَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ. [جه: ٤٢٣٤، شعب: ٧٣١٨].\nــ\nالفصل الثالث\n٥٠٩٠، ٥٠٩١، ٥٠٩٢ - [٢٣، ٢٤، ٢٥] (زيد بن طلحة) قوله: (زيد بن طلحة) تابعي، قيل: صوابه يزيد بن طلحة، والذي في (جامع الأصول) (١): زيد بن بن ركانة، أخرج حديثه [مالك في] \"الموطأ\" (٢) في الحياء.\nوقوله: (وخلق الإسلام الحياء): (الإسلام) اسم لهذا الدين القيم الذي أتى به محمد -ﷺ- وللحياء كمال تعلق وغلبته (٣)، في هذا الدين؛ لأنه شعبه من الإيمان، وعليها مدار الإتيان بالمحاسن، والكف عن القبائح، وهذا الدين أعظم الأديان وأكملها، قد تمت فيه مكارم الأخلاق ومكارمها (٤)، وقال السيوطي (٥): أي فيما شُرِع فيه الحياء بخلاف ما لم يشرع كتعلم العلم، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والحكم، وأداء الشهادات على وجهها، أقول: الحياء حقيقة هو الحياء من اللَّه في ترك القبائح\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (٣/ ٦٢٢).\n(٢) انظر: \"الموطأ\" للإمام مالك (٢/ ٩٠٥).\n(٣) كذا في نسخة (ك) و(ب)، وفي نسخة (ع): \"وللحياء كما ذكر تعلق وغلبة في هذا الدين\".\n(٤) كذا في الأصل والظاهر: \"ومحاسنها\".\n(٥) \"تنوير الحوالك\" (٢/ ٢١٢).","vol":"8","page":333},{"text":"٥٠٩٣ - [٢٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ (١) -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ الْحَيَاءَ وَالإِيمَانَ قُرَنَاءُ جَمِيعًا، فإِذَا رُفِعَ أَحَدُهُمَا رُفِعَ الآخَرُ\".\n٥٠٩٤ - [٢٧] وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: \"فَإِذَا سُلِبَ أَحَدُهُمَا تَبِعَهُ الآخَرُ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيْمَانِ\". [شعب: ٧٣٣١، ٧٣٣٠].\n٥٠٩٥ - [٢٨] وَعَنْ مُعاذٍ قَالَ: كَانَ آخِرُ مَا وصَّانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ وَضَعْتُ رِجْلِي فِي الْغَرْزِ أَنْ قَالَ: \"يَا مُعَاذُ! . . . . . .\nــ\nالشرعية، وقد مر تحقيقه في قوله: (الحياء خير كله)، فلا حاجة إلى التقييد.\n٥٠٩٣، ٥٠٩٤ - [٢٦، ٢٧] (ابن عمر) قوله: (إن الحياء والإيمان قرناء) قال الطيبي (٢): فيه دليل لمن يقول: إن أقل الجمع اثنان، وفي بعض النسخ (قُرِنا) على صيغة التثنية بلفظ المجهول، فلا دليل، ويطابقه قوله: (فإذا رفع) بلفظ المجهول.\n٥٠٩٥ - [٢٨] (معاذ) قوله: (كان آخر ما وصاني به) حين وجهه لقضاء اليمن.\nوقوله: (حين وضعت رجلي في الغرز) بمعجمة مفتوحة، فراء ساكنة، فزاي: موضع الركاب من رحل البعير، كالركاب للسرج، قاله الباجي (٣)، وفي (القاموس) (٤): غرز رجله في الغرز -وهو ركاب من جلد-: وضعها فيه، وفي (الصراح) (٥): غرز: ركاب جرمين كه بر بالان نهند، يقال: غرزت رجلي في الغرز، وبائ در ركاب آوردن.\n_________\n(١) في نسخة: \"رسول اللَّه\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٤٤).\n(٣) انظر: \"تنوير الحوالك\" (٢/ ٢٠٩).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٨١).\n(٥) \"الصراح\" (ص: ٢٢٨).","vol":"8","page":334},{"text":"أَحْسِنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ\". رَوَاهُ مَالِكٌ. [م: ٢/ ٩٠٢].\n٥٠٩٦ - [٢٩] وعَنْ مَالِكٍ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ حُسْنَ الأَخْلَاقِ\". رَوَاهُ فِي \"الْمُوَطَّأ\". [م: ٢/ ٩٠٤].\n٥٠٩٧ - [٣٠] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [حم: ٢/ ٣٨١].\nــ\nوقوله: (أحسن خلقك للناس) أي: افعل بكل منهم ما يليق ويحسن بحاله، وما يوصله إلى الكمال والسعادة، والجهاد مع الكافرين والمنافقين، والتغليظ حيث ينفع التغليظ وتليين القول في مقامه من تحسين الخلق معهم.\n٥٠٩٦، ٥٠٩٧ - [٢٩، ٣٠] (مالك) قوله: (بعثت لأتمم حسن الأخلاق) وفي بعض الروايات: مكارم الأخلاق، قال السيوطي (١): كانت العرب أحسن أخلاقًا بما بقي عندهما من آثار شريعة إبراهيم ﵇، ولكنهم قد ضلوا بالكفر عن كثير منها، وخلطوا بها أحكام الجاهلية، فبعث -ﷺ- ليتمم محاسن الأخلاق، انتهى.\nقال اللَّه تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]، وهو -ﷺ- كان جامعًا لجميع خصائل الأنبياء وكمالاتهم صلوات اللَّه عليهم أجمعين، مع ما يخص به من الفضائل والكرامات، وقد تمت به دائرة النبوة، وختمت به، فلم يبق شيء من الكمالات التي تترقب للإنسان، فلا حاجة إلى بعث نبي آخر، وإنما بقي الاحتياج إلى من يحفظه، وهم علماء أمته الحافظون لشريعته، كأنبياء بني إسرائيل الذين حفظوا دين موسى، وأقاموا أحكام التوراة بعده، بل الحافظ في الحقيقة والمتكفل لحفظ هذا الدين القويم هو اللَّه سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، قالوا: وَكَّلَ اللَّه تعالى\n_________\n(١) \"تنوير الحوالك\" (٢/ ٢١١).","vol":"8","page":335},{"text":"٥٠٩٨ - [٣١] وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا نَظَرَ فِي الْمِرْآةِ قَالَ: \"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي حَسَّنَ خَلْقِي وَخُلُقِي، وَزَانَ مِنِّي مَا شَانَ مِنْ غَيْرِي\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَان\" مُرْسَلًا. [شعب: ٤١٤٥].\n٥٠٩٩ - [٣٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"اللهُمَّ حسَّنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي\". . . . . .\nــ\nحفظ التوراة إلى الأحبار والربانيين الذين استحفظوا من كتاب اللَّه، فلا جرم تطرق إليه التحريف والتغيير.\nوقال سبحانه في القرآن المجيد: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فلم يتطرق إليه التغير بالزيادة والنقصان إلى يوم القيامة، فتتميمه -ﷺ- مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال بالزيادة بعد النقصان، وبالجمع بعد التفريق إلى أن نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فارتحل -ﷺ- من هذ العالم، وترك بعده خلفاء رضوان اللَّه عليهم أجمعين.\n٥٠٩٨ - [٣١] (جعفر بن محمد) قوله: (الحمد للَّه الذي حسن خلفي وخلفي، وزان مني ما شان من غيري) هذا صادق في حقه -ﷺ- على الإطلاق كمالًا وتمامًا، وهو مضمون قوله: (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، وأما الأمة فإن قالوا اتباعًا واقتداء به -ﷺ- صح، كما قيل في قوله: (وأنا أول المسلمين) على قصد التلاوة مع أنه صادق في الجملة، ولعل الأحسن للأمة العمل بما في الحديث الآتي.\n٥٠٩٩ - [٣٢] (عائشة) قوله: (اللهم حسنت خلقي فأحسن خلقي) وفي رواية","vol":"8","page":336},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ٦٨].\n٥١٠٠ - [٣٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟ \" قَالُوا: بَلَى، قَالَ: \"خِيَارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْمَارًا، وَأَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٤٠٣].\n٥١٠١ - [٣٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٤٦٨٢، دي: ٢٨٣٤].\nــ\n(كما حسنت)، هذا الدعاء منه -ﷺ- كما أشار إليه الطيبي (١)، إما لطلب الكمال وإتمام النعمة بإكمال دينه، ووجهه أن تهذيب أخلاقه -ﷺ- وتحيسنها كان بالقرآن، كما أشارت إليه عائشة: كان خلقه القرآن، فكان طلب إحسان خلقه طلب مزيد نزول القرآن، فافهم. أو لطلب الدوام والثبات، كما قالوا في ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]، انتهى. ويحتمل أن يكون للتشريع وتعليم الأمة وإرشادهم إليه.\n٥١٠٠ - [٣٣] (أبو هريرة) قوله: (أحسنكم أخلاقًا) وفي حديث آخر: (من طال عمره وحسن عمله).\n٥١٠١ - [٣٤] (عنه) قوله: (أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا) فبين كمال الإيمان وحسن الخلق تلازم وتعاكس، فكلما كمل الإيمان حسن الخلق، وكلما ازداد حسن الخلق ازداد كمال الإيمان، وكذلك العمل مع الإيمان تتعاكس أنوارهما.\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٤٦).","vol":"8","page":337},{"text":"٥١٠٢ - [٣٥] وَعَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا شَتَمَ أَبَا بَكْرٍ وَالنَّبِيُّ -ﷺ- جَالِسٌ يَتَعَجَّبُ وَيَتَبَسَّمُ، فَلَمَّا أَكْثَرَ رَدَّ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ، فَغَضِبَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَقَامَ، فَلَحِقَهُ أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَانَ يَشْتُمُنِي وَأَنْتَ جَالِسٌ، فَلَمَّا رَدَدْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ قَوْلِهِ غَضِبْتَ وَقُمْتَ؟ قَالَ: \"كَانَ مَعَكَ مَلَكٌ يَرُدُّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَدَدْتَ عَلَيْهِ وَقَعَ الشَّيْطَانُ\"، ثُمَّ قَالَ: \"يَا أَبَا بَكْرٍ! ثَلَاثٌ كلُّهُنَّ حقٌ: مَا مِنْ عَبْدٍ ظُلِمَ بِمَظْلِمَةٍ فَيُغْضِي عَنْهَا لِلَّهِ ﷿ إِلَّا أَعَزَّ اللَّهُ بِهَا نَصْرَهُ، وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ عَطِيَّةٍ يُرِيدُ بِهَا صِلَةً إِلَّا زَادَ اللَّهُ بِهَا كَثْرَةً،\nــ\n٥١٠٢ - [٣٥] (أبو هريرة) قوله: (بمظلمة) في (القاموس) (١): هو بكسر اللام، وفي (الصراح) (٢): مظلمة بكسر اللام: شتم كردن، وقال الشيخ ابن حجر (٣): بكسر اللام على المشهور، وقيل: بفتحها أيضًا، وأنكره بعض، وحكى القزاز (٤) الضم أيضًا، وقال في (مجمع البحار) (٥) نقلًا عن الكرماني: مظلمة مصدر ظلم، واسم ما أخذ منك بغير حق، وهو بكسر اللام وفتحها، وقد ينكر الفتح، وقيل: بضم اللام أيضًا، وقيل: جمع مظلم بكسر اللام.\nوقوله: (فيغضي عنها) أي: يفعو ويتجاوز، في (مجمع البحار) (٦): والإغضاء:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٤٥).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٤٨١).\n(٣) \"فتح الباري\" (٥/ ١٠١).\n(٤) كان في جميع النسخ المخطوطة \"الفرّاء\".\n(٥) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٤٩٨).\n(٦) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٤٨).","vol":"8","page":338},{"text":"وَمَا فَتَحَ رَجُلٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ يُرِيدُ بِهَا كَثْرَةً إِلَّا زَادَ اللَّهُ بِهَا قِلَّةً\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٤٣٦].\n٥١٠٣ - [٣٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يُرِيدُ اللَّهُ بِأَهْلِ بَيْتٍ رِفْقًا إِلَّا نَفَعَهُمْ، وَلَا يَحْرِمُهُمْ إِيَّاهُ إِلَّا ضَرَّهُمْ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٦١٣٧].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1140>٢٠ - باب الغضب والكبر</span>\nــ\nالتغافل، وقيل: إدناء الجفون، وفي (القاموس) (١): أغضى عنه طرفه: سده أو صرفه، وفيه: تغاضى عنه: تغافل، وأغضى الجفون: أدنى، وصحح في بعض النسخ بالفاء دون الغين المعجمة، ولم نجد في اللغة له من معنى ما يناسب المقام، واللَّه أعلم.\n٥١٠٣ - [٣٦] (عائشة) قوله: (عائشة قالت: قال رسول اللَّه -ﷺ-: لا يريد اللَّه بأهل بيت رفقًا إلا نفعهم، ولا يحرمهم إياه إلا ضرهم) يعني لا يوفق أحدًا للرفق بالناس إلا نفعهم ذلك في الدنيا والآخرة، وقد عرف معنى الرفق في شرح ترجمة الباب.\n٢٠ - باب الغضب والكبر\n(الغضب) بفتحتين ضد الرضا، غضب عليه وله كسمع: إذا كان حيًّا، وغضب به: إذا كان ميِّتًا، وهو غَضِبٌ وغضوب وغضبان، وقالوا: الغضب حركة النفس، مبدؤها إرادة الانتقام، أي: حالة تعرض للنفس توجب حركة للنفس إلى نحو الخارج،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢١٠).","vol":"8","page":339},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nسببها الباعث عليها إرادة الانتقام، فإن الروح الحيوانية تميل في الغضب إلى جانب المغضوب عليه لتنتقم منه، ولذلك يحمر الوجه وتنتفخ الأوداج عنده، وكذلك في الفرح والسرور تخرج إلى جانب الخارج لتتلقى المحبوب.\nومن ثم كاد أن يهلك الرجل من الغضب والسرور إذا كانا مفرطين؛ لخروج الروح الحيوانية إلى الخارج بالكلية، فتنقطع رابطة تعلقها بالبدن، وفي الغم والخوف تذهب إلى جانب الداخل، ولذا يصفر الوجه ويذبل البدن فيهما، وذلك أيضًا مظنة الهلاك عند الإفراط؛ لدخولها إلى الداخل وانطفائها مطلقًا، ومثل هذا هو السبب في حمرة الخجل، فإنه إذا صدر من أحد ما يُستحيا منه واطلع عليه آخر تنقبض النفس أولًا مثل الخائف، فتعرض الصفرة، تم تسمعه النفس فتستحيي على حالة، فتميل إلى الخارج بسبب التشجيع فيحمر.\nوضد الغضب الحلم، وهو أن تكون النفس مطمئنة لا يحركها الغضب بسهولة ولا تضطرب عند إصابة المكروه، كذا قالوا.\nقلت: بل عند وصول المحبوب أيضًا، كما يظهر من حديث أشج عبد القيس؛ فإنه لم يضطرب عند رؤية النبي -ﷺ-، وقد وصفه -ﷺ- بالحلم والوقار، فالأولى أن يفسر الحلم بعدم تحرك النفس عند وجود المزعج والمقلق، تأمل.\nوالغضب مذموم إذا لم يكن للحق موافقًا للشرع، وأما إذا كان للحق فهو محمود من صفات الكمال كما ورد في وصفه -ﷺ-: وكان لا يقوم يغضب لنفسه؛ فإذا انتهك من محارم اللَّه غضب، ولا يقوم لغضبه أحد، والمقصود من الرياضة ليس إزالة الغضب مطلقًا وقمعه، ولا يمكن أيضًا، بل كسره وجعله موافقًا للحق، ولو فرضا لم يكن","vol":"8","page":340},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1141> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥١٠٤ - [١] عَنْ أَبِي هُريْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nكمال؛ لأنه يتعلق به نظام البدن والحياة؛ لأنه لدفع المضار والمؤذيات، ولهذا لما لم يكن في النباتات قوة غضبية يعرضها التلف والهلاك ممن يقصده، بخلاف الحيوانات؛ لدفعها المؤذيات بالقوة الغضبية، وقد خلق اللَّه لها آلات جارحة من الأنياب والقرون دافعة لمن قصدها إلا من يغلب عليها.\nوفي الآدمي وإن لم تكن آلات مخلوقة في بدنه فعنده عقل يدبر به، ويصنع من الآلات ما يليق بكل حادثة ويناسبها، بخلاف الحيوان فليس له إلا نوع واحد أو اثنان مثلًا، فتعالى اللَّه أحسن الخالقين.\nوأما الكبر فمنشؤه العجب، وهو أن يرى الإنسان في نفسه صفاته حسنة وتعجبه تلك، فيكبر عند نفسه إذا أظهر ذلك على الناس بالتفوق والتغلب عليهم والامتناع عن الحق، فهو تكبر واستكبار، وهو مذموم إذا لم يكن بما فيه، بل يتشبع ويظهر من نفسه بالتكلف ما ليس فيها، وأما إذا كان بما فيه من الفضائل يستحق به التقدم والعلو بحسب نفس الأمر فليس بمذموم، ويقابله التواضع، والتواضع توسط بين التكبر والضعة، فالتكبر: أن يطلب ويدعي فوق ما يستحق، والضعة: أن يتنزل عن مقامه، ويترك ما يستحقه، والتواضع: هو القيام على طريقة التوسط والاعتدال، ولكن لما كانت صفة التكبر غالبة في النفس أراد المشايخ الصوفية قمعها، فأقاموا الضعة مقام التواضع لكبح عنان النفس، ومنعها عما هو طبعها، والكمال: هو التوسط والاعتدال في جميع الأحوال.\nالفصل الأول\n٥١٠٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (أن رجلًا) قيل: هو أبو الدرداء، ولعله -ﷺ-","vol":"8","page":341},{"text":"أَوْصِنِي، قَالَ: \"لَا تَغْضَبْ\"، فَرَدَّ ذَلِكَ (١) مِرَارًا قَالَ: \"لَا تَغْضَبْ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦١١٦].\n٥١٠٥ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١١٤، م: ٢٦٠٩].\n٥١٠٦ - [٣] وَعَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعَّفٍ. . . . .\nــ\nوجد فيه شيئًا من ذلك فهذبه منه.\n٥١٠٥ - [٢] (وعنه) قوله: (ليس الشديد بالصرعة) بضم الصاد المهملة وفتح الراء على وزن همزة ولمزة: من يصرع الناس، كالصِّرِّيع على وزن سِكِّين، والصرعة بالضم والسكون: من يصرعه الناس، وكأمير: المصروع، من الصرع، ويكسر: الطرح على الأرض، كالمصرَع، كمقعد، وهو موضعه أيضًا، كذا في (القاموس) (٢).\n٥١٠٦ - [٣] (حارثة بن وهب) قوله: (كل ضعيف متضعف) في (القاموس) (٣): ضعفه تضعيفًا: عدّه ضعيفًا، كاستضعفه، وتضعفه، وفي الحديث: (كل ضعيف متضعف)، انتهى.\nوفي (النهاية) (٤): يقال: تضعفته واستضعفته بمعنى، أي: من يتضعفه الناس،\n_________\n(١) قوله: \"ذلك\" سقط في نسخة.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٨٠).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٦٥).\n(٤) \"النهاية\" (٣/ ٨٨).","vol":"8","page":342},{"text":"لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَة مُسْلِمٍ: . . . . .\nــ\nويتجَبَّرُون عليه في الدنيا للفقر والرثاثة، فظهر أن المتضعف بفتح العين هو الصحيح، ولكن الطيبي (١) نقل عن محيي السنة جوازه بكسر العين أيضًا، وإن حكم بشهرة الأول، وفي (مجمع البحار) (٢): من الكرماني: (كل متضعف) بفتح عين على المشهور، أي: من يستضعفه الناس ويحتقرونه، وبكسرها، أي: خامل متذلل متواضع، وقيل: رقيق القلب ولينه للإيمان.\nوقوله: (لو أقسم على اللَّه لأبره) أي: القسم أو المقسم، أي: لو أقسم على اللَّه، أي: لو حلف يمينًا طمعًا في كرمه بإبراره لأبره، وقيل: لو دعاه لأجَابَه، أي: لو سأل شيئًا وأقسم عليه أن يفعله لفعله، ولم يخب دعوته، وقيل: لو حلف أن اللَّه يفعله أو لا يفعله صدقه في يمينه بأن يأتي به، ويشهد له حديث أنس بن النضر: (واللَّه لا تكسر ثنيتها يا رسول اللَّه).\nوقوله: (عتل) بضمتين ومشدد اللام: الأكول المنوع الجافي الغليظ، كذا في (القاموس) (٣)، وفي (الصراح) (٤): مرد درشت آواز وسخت كَوئي، قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٣]، وفي (البيضاوي) (٥): عتل جاف غليظ، من عتله: إذا قاده\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٤٩).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٤٠٧).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٤٧).\n(٤) \"الصراح\" (ص: ٤٣٦).\n(٥) \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٢٣٤).","vol":"8","page":343},{"text":"\"كُلُّ جَوَّاظٍ زَنِيمٍ مُتَكَبِّرٍ\". [خ: ٤٩١٨، م: ٢٨٥٣].\n٥١٠٧ - [٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبَهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثقَالُ حَبَّةٍ. . . . .\nــ\nبعنف وغلظة، وقد سبق معنى (الجواظ) في (الفصل الثاني) من (باب الرفق)، وهو قريب من معنى العتل، و(الزنيم): الدَّعِيُّ، مأخوذ من زنمتي الشاة، وهما المتدليتان من أذنها وحلقها، شبَّه به الدعي الملصعق بالقوم وليس منهم، والمراد أن أكثر أهل النار على هذه الصفات، وأهل الجنة على الصفات السابقة.\n٥١٠٧ - [٤] (ابن مسعود) قوله: (لا يدخل النار) في الحديث إشكالان:\nالأول: أنه لا يدخل المؤمن النار وإن كان عاصيًا مع أن العاصي معذب إن شاء اللَّه تعالى.\nوالثاني: أن المتكبر لا يدخل الجنة وإن كان مؤمنًا مع أن المؤمن يدخل الجنة ولو كان بعد عذاب، والجواب أن المراد بدخول النار دخول تأبيد، وبدخول الجنة الدخول مع السابقين.\nوقد يقال: إن المراد بالكبر الكبر عن قبول الحق والإيمان، فيكون كفرًا، وفيه إشارة إلى أن الكبر من صفات الكافرين، وقيل: لعل اللَّه إذا أراد أن يدخله الجنة أخرج الكبر من قلبه، ولو حمل على المبالغة في التبشير على الإيمان والتشديد على الكبر لكان أيضًا وجهًا، واللَّه أعلم.\nالمثقال للشيء: ميزانه من مثله، وفي (الصراح) (١): مثقال: هم سنك جيزي،\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٤١٤).","vol":"8","page":344},{"text":"مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩١].\n٥١٠٨ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ\"، فَقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوبهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنًا، قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى (١) جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ. . . . .\nــ\nوفسروه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ بمقدارها.\nوقوله: (من خردل)، في (القاموس) (٢): حب شجر معروف ملطف جاذب، قالع للبلغم. . . إلى آخر ما عدَّ من منافعه، والخردل الفارسي: نبات بمصر يعرف بحشِيشَة السلطان.\n٥١٠٨ - [٥] (وعنه) قوله: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة) والذرة: النملة الصغيرة أو الهباء، وهي ما يرى في شعاع الشمس من كوة البيت.\nوقوله: (إن اللَّه تعالى جميل) أي: حسن الفعال، كامل الأوصاف، وقيل: مجمل، وقيل: جليل، وقيل: مالك النور والبهجة، كذا في (مجمع البحار) (٣)، ويمكن أن يقال: إن قوله: (ويحب الجمال) تفسير للجميل، أي: يحب من عباده من كان جميلًا في أفعاله وأوصافه، ويحب أن يرى نعمته وأفضاله على عبده، واللَّه أعلم.\nوقوله: (الكبر بطر الحق) في (القاموس) (٤): البطر: الطغيان بالنعمة، وكراهية\n_________\n(١) قوله: \"تعالى\" سقط في نسخة.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩١٣).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٣٨٧).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٣٠).","vol":"8","page":345},{"text":"وَغَمْطُ النَّاسِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩].\n٥١٠٩ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزكِّيهِمْ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ،\nــ\nالشيء من غير أن يستحق الكراهة، وبطر الحق: أن يتكبر عنه فلا يقبله، كفرح، وفي (مجمع البحار) (١): الكبر بطر الحق، وهو أن يجعل ما جعله اللَّه حقًّا من توحيده وعبادته باطلًا، وقيل: أن يتجبر عند الحق فلا يراه حقًّا، أو لا يقبله ويدفعه.\nوقوله: (وغمط الناس) في (القاموس) (٢): غمط الناس كضرب وسمع: استحقرهم، وقد جاء في الحديث: (الكبر أن تُسَفِّهَ الحقَّ وتَغْمِطَ الناسَ) (٣)، الغمط: الاستهانة والاستحقار، وهو كالغمص، كذا في (النهاية) (٤).\n٥١٠٩ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (لا يكلمهم اللَّه) عبارة عن غضبه، وكذلك قوله: (ولا ينظر إليهم)، فإن من سخط على غيره واستهان به أعرض عنه وعن التكلم معه والالتفات نحوه، كما أن من اعتد بغيره يقاوله ويكثر النظر إليه.\nوقوله: (ولا يزكيهم) معناه: لا يثني عليهم، من زكى نفسه: إذا وصفها وأثنى عليها، والزكاة: المدح، كذا في (النهاية) (٥)، وفي بعض الحواشي معناه: لا يطهرهم من دنس ذنوبهم، والزكاة تجيء بمعنى التطهير.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ١٩١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٢٦).\n(٣) أخرجه معمر بن راشد في \"جامعه\" (٢٠٥٢٠).\n(٤) \"النهاية\" (٣/ ٣٨٧).\n(٥) \"النهاية\" (٢/ ٣٠٧).","vol":"8","page":346},{"text":"وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتكْبِرٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٧].\n٥١١٠ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَدْخَلْتُهُ النَّارَ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٢٠].\nــ\nوقوله: (شيخ زان) فإن الشيخ لكونه في سن يُستحيا فيه من الفواحش، ويضعف شهوة الجماع، يكون ارتكاب هذه الشنيعة منه أقبح، ويدل على دنس طبعه واعوجاج فطرته.\n(وملك كذاب) لأن الملك برأيه ينتظم أمور الملك ومصالح الخلق، فالكذب منه يخلّ بها، فيكون أقبح وأضرّ؛ ولأن الكذب مع كونه محظورًا يقع الإنسان فيه غالبًا لجلب نفع أو دفع ضرر، فمن الملك القادر عليه بدونه يكون أقبح وأخبث.\nوأما (العائل) أي: الفقير المستكبر فلأن كبره مع انعدام سببه من المال والجاه يدل على كون طبعه لئيمًا، وقيل: المراد بالعائل ذو العيال، فتكبره عن سؤال الصدقة والزكاة، وعدم قبوله ما يسد خلته وخلة عياله ويزيل الفقر والمحنة لا يكون إلا لاستيلاء هذه الرذيلة عليه، بحيث يلحق عياله الضرر من تكبره ولا يتركه، وأما التعفف وستر الحال من جهة التوكل على اللَّه فليس فيه تكبر وترفع أصلًا.\n٥١١٠ - [٧] (وعنه) قوله: (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري) ضرب مثل في انفراده بصفة العظمة والكبرياء، أي: ليستا كسائر الصفات التي قد يتصف بها غيره مجازًا، كالكرم والرحمة، كما لا يشارك في إزار واحد وردائه غيرُهُ.\nبقي أنه هل فرق بين الكبرياء والعظمة أو معناهما واحد؟ والذي يظهر من كتب","vol":"8","page":347},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nاللغة أنه لا فرق بينهما، في (القاموس) (١): كبر ككرم، نقيض صَغُرَ، وأكبره: رآه كبيرًا، وعظم عنده، وكَبِرَ، كفرح: طعن، وكبر [هُ بسنة] كنصر: [زاد عليه، وكَبُر كصَغُر] عَظُم وجَسُم، والكبر: الرفعة والعظمة والتجبر، كالكبرياء.\nوفي (الصراح) (٢): كبر بالكسر والفتح: بزرك شدن، كبرة: بزرك سالى، كبر بسكون الوسط كبرياء: بزركَي وبزرك شدن، عظم: بزرك شدن، عظام بالضم، وعظم الشي. بالضم: بزركَي وبيشتري.\nالكبرياء: العظمة، من الكبر بالكسر، وهو العظمة، كبر بالضم: إذا عظم، فهو كبير، اللَّه أَكبر من أَن يعرف كنهُ كبريائه وعظمته، الكبرياء: هو العظمة والملك، وقيل: كمال الذات وكمال الوجود، ولا يوصف بهما إلا اللَّه، هذه عباراتهم تدل على الاتحاد الكبرياء والعظمة في المعنى، وقد التزمهم بعضهم في هذا الحديث، وقال: إنه تفنن في العبارة، فتارة شبه كبرياءه وعظمته بالرداء، وأخرى بالإزار، وذكر في كل منهما أحدهما اكتفاء بذكر لفظ أحد المترادفين عن الآخر.\nوتكلف بعضهم في بيان الفرق متضمنًا لبيان وجه التخصيص، فقيل: الكبرياء صفة ذاتية، والعظمة إضافية، فهو متكبر في ذاته سواء يستكبره غيره أم لا، وأما العظمة فهى عبارة عن كونه بحيث يستعظمه غيره، والصفة الذاتية أعلى وأرفع من الإضافية، فشبهت بالرداء الذي هو أرفع من الإزار، ويقرب من هذا ما قيل: إن الكبرياء والعظمة وإن اتحدا لغة، لكنه يقال في العرف: هو متكبر لمن يترفع ولا ينقاد لأحد، ويقال:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٣٥)،\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٢١٠، و٤٨٣).","vol":"8","page":348},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1142> الْفصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥١١١ - [٨] عَن سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتَّى يُكْتَبَ فِي الْجَبَّارِينَ. . . . .\nــ\nله عظمة: إذا كثر ما يتعلق به من الخدم والحشم.\nوالرداء يلبس على الأعضاء الفوقانية المختصة بالترفع والتكبر والظهور، والإزار على التحتانية المختصة بالنزول والانحطاط، بمنزلة الخدم والحشم، ويمكن أن يقال: إن العظمة تكون باعتبار الذات والحقيقة التي لا يعرف كنهها، قال بعضهم: العظيم هو الذي جاوز قدره حدود العقول، حتى لا تتصور الإحاطة بكنهه وحقيقته، كما يكون العظيم في الأجسام بكثرة الطول والعرض لا تحيط به الأبصار.\nوالكبرياء باعتبار الترفع والتعزز على الغير كما جاء في حديث الرؤية (ما بين القوم وبين أن ينظروا [إلى ربّهم] إلا رداء الكبرياء على وجهه) (١)، والإزار ملتصق بذات الرجل ومشدود ومربوط به، وضروري لا بد منه، بخلاف الرداء، وإنما هو للتزيين والترف على الناس، وليس بضروري، فهو تعالى عظيم في ذاته وحقيقته، ومتكبر ومترفع بكبريائه على العالمين، واللَّه أعلم بحقيقة المراد.\nالفصل الثاني\n٥١١١ - [٨] (سلمة بن الأكوع) قوله: (لا يزال الرجل يذهب بنفسه) أي: يذهبها عن مكانها ودرجتها التي هي فيها في الواقع إلى مرتبة عُليا، ومكان أرفع، فالباء للتعدية، وهو المتبادر من مثل هذا التركيب، ويجوز أن يكون بمعنى (مع)، أي:\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (١٨٠).","vol":"8","page":349},{"text":"فَيُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠٠٠].\n٥١١٢ - [٩] عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"يُحْشَرُ الْمُتكَبِّرُونَ أَمْثَالَ الذَّرِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ، يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ،\nــ\nيرافقها ويتبعها ويذهب معها حيث ذهبت، ولم يكبح عنانها عن التكبر والتجبّر، ولم يصرفه.\nوقوله: (فيصيبه ما أصابهم) (١) من الآفات والبلايا في الدنيا، والعقاب في الآخرة.\n٥١١٢ - [٩] (عمرو بن شعيب) قوله: (يحشر المتكبرون أمثال الذر يوم القيامة في صور الرجال يغشاهم الذلّ من كل مكان) اختلفوا في معنى هذا الحديث، فمنهم من أوله وقال: المراد بحشرهم أمثال الذر كونهم أذلاء، ويطؤهم الناس بأرجلهم، بدليل أن الأجساد تعاد على ما كانت عليه من الأجزاء، حتى ورد في الحديث: (إنهم يحشرون غرلًا)، يعاد منهم ما انفصل عنهم من القلفة، ولهذا قال: (في صورة الرجال)، ووصفهم بقوله: (يغشاهم الذل من كل مكان)، وهو قرينة المجاز، ومنهم من حمله على ظاهره، وحديث: (الأجساد تعاد على ما كانت عليه من الأجزاء) لا ينافيه؛ لأنه قادر على إعادة تلك الأجزاء الأصلية في مثل الذر، ومعنى قوله: (في صورة الرجال) أن صورهم صور الإنسان وجثتهم كجثة الذر في الصغر، وأما قوله: (يغشاهم الذل من كل مكان) فلا دلالة فيه على إرادة المجاز كما لا يخفى.\n_________\n(١) في جميع النسخ المخطوطة \"ما يصيبهم\".","vol":"8","page":350},{"text":"يُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى: بُولَسُ، تَعْلُوهُمْ نَارُ الأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةِ الْخَبَالِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٩٢].\n٥١١٣ - [١٠] وَعَنْ عَطِيَّةَ بْنِ عُرْوَةَ السَّعْدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْغَضَبَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ خُلِقَ مِنَ النَّارِ، وَإِنَّمَا يُطْفَأُ النَّارُ بِالْمَاءِ، فَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَوَضَّأْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٨٤].\nــ\nوقوله: (يسمى بولس) من البلس بمعنى اليأس والتحير، ومنه اشتق إبليس، وصحح في الشروح بفتح الباء واللام، وفي (القاموس) (١) بضمهما.\nوقوله: (نار الأنيار) أي: نار النيران، والقياس الأنوار؛ لأنه واوي، إلا أنه أبدلت الواو بالياء؛ لئلا يلتبس بجمع النور، كما جاء في جمع الريح أرباح، وفي جمع عيد أعياد؛ لئلا يلتبس بجمع الروح والعود، كذا قال الطيبي (٢)، والذي في كتب اللغة في جمع نار نور ونيار ونيران، ولم يذكر أنوار ولا أنيار، واللَّه أعلم.\nوالمراد بنار الأنيار نار تفعل بالنيران ما تفعل النار بالحطب.\nوقوله: (طينة الخبال) بدل من (عصارة أهل النار)، وهي ما يسيل عنهم من الصديد والقيح والدم، وقد جاء في الحديث بشك من الراوي (هي عرق أهل النار أو عصارة أهل النار)، وقد مر في (باب الوعيد على شرب الخمر)، والخبل في الأصل بمعنى الفساد، ويكون في الأبدان والأفعال والعقول.\n٥١١٣ - [١٠] (عطية بن عروة) قوله: (فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) لاستعمال الماء المطفئ لنار الغضب، وقد صح بالتجربة أن لشرب الماء البارد تأثيرًا في دفعه،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٩٤).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٥٥).","vol":"8","page":351},{"text":"٥١١٤ - [١١] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَن رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ قَائِمٌ فَلْيَجْلِسْ، فَإِنْ ذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ وَإِلَّا فَلْيَضْطَجِعْ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرمِذِيُّ (١). [حم: ٤/ ١٥٢].\n٥١١٥ - [١٢] وَعَنْ أَسمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَخَيَّلَ وَاخْتَالَ،\nــ\nمع ما في الوضوء من النورانية وشموله للأعضاء، وللشروع في العبادة والذكر الموجب للاستعاذة من الشيطان، والوضوء سلاح المؤمن يحفظه منه.\n٥١١٤ - [١١] (أبو ذر) قوله: (إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس. . . إلخ) الظاهر أن المراد أن لتغير الحالة على هذا النهج الموجب للسكون والطمأنينة تأثيرًا في زوال الغضب؛ لأنه هيجان وثوران، فينافيه السكون والاستراحة، وقيل: إنما أمر بالقعود والاضطجاع لئلا يحصل منه في حال غضبه من الحركة ما يندم عليه، فإن المضطجع أبعد من الحركة والبطش من القاعد، والقاعد من القائم.\n٥١١٥ - [١٢] (أسماء بنت عميس) قوله: (تخيل واختال) رجل مختال: متكبر، وقد تخيل وتخايل، وفي (تفسير البيضاوي) (٢) في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]: متكبرًا يأنف عن أقاربه وجيرانه وأصحابه، ولا يلتفت إليهم، وفي موضع آخر: المختال: الماشي مرحًا، أي: فرحًا، ويعلم منه أن المختال معناه المتكبر من الخيلاء، ويحمل في كل موضع على ما يليق به، في الأول وقع في مقام الأمر بالإحسان بالوالدين وذي القربى والجار والصاحب، والثاني بعد قوله:\n_________\n(١) لم نجده في \"سنن الترمذي\"، بل أخرجه أبو داود في \"سننه\" (٤٧٨٢).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٤٥٤).","vol":"8","page":352},{"text":"وَنَسِيَ الْكَبِيرَ الْمُتَعَالِ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَجَبَّرَ وَاعْتَدَى وَنَسِيَ الْجَبَّارَ الأَعْلَى، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ سَهَا وَلَهَا وَنَسِيَ الْمَقَابِرَ وَالْبِلَى،\nــ\n﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨].\nوقوله: (نسي الكبير المتعال) أي: المستعلي على كل شيء بقدرته، أو كبر عن نعت المخلوقين وتعالى عنه، كذا في (تفسير البيضاوي) (١).\nوقوله: (تجبر واعتدى) في (القاموس) (٢): تجبر: تكبر، والجبار: اللَّه تعالى، لتكبره، وجبره على الأمر: أكرهه، كأجبره، انتهى.\nفالتجبر بمعنى التكبر مع تضمن معنى القهر والغلبة والإكراه، واعتدى؛ أي: تجاوز عن الحد، وظلم وأفسد، والعدوى: الفساد، كذا في (القاموس) (٣).\nوقوله: (سها) أي: غفل عن الحق والطاعة واشتغل بما لا يعنيه، في (القاموس) (٤): سها في الأمر سهوًا: نسيه، وغفل عنه، وذهب قلبه إلى غيره، وقال: لها لهوًا لعب، ولَهِيَ عنه: سلا وغفل، وترك ذِكْرَهُ.\nوقوله: (نسي المقابر والبلى) وهو بكسر الباء: الخلوقة في الثوب، بلي يبلى بلًى من سمع، وإن فتحت الباء مددتها، والإبلاء متعد منه، كذا في (الصحاح) (٥).\n_________\n(١) \"المصدر السابق\" (٣/ ١٨٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٣٨).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٠٣).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩٣).\n(٥) \"الصحاح\" (١/ ٥٤).","vol":"8","page":353},{"text":"بِئْسَ الْعَبْدُ عَبدٌ عَتَى وَطَغَى وَنَسِيَ الْمُبْتَدَأَ وَالْمُنْتَهَى، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْد يَخْتِلُ الدُّنْيَا بِالدِّينِ،\nــ\nوقوله: (عتى وطغى) في (الصحاح) (١): العتي بالضم والكسر: التجاوز عن الحد، أصله عتو، فأبدلوا إحدى الضمتين كسرة فانقلبت الواو ياء فصار عُتيًّا، ثم أتبعوا الكسرة [الكسرة] فصار عِتيًّا، وفي (القاموس) (٢): عَتَا عِتيًّا وعُتوًّا: استكبر وجاوز الحد، انتهى.\nفالاستكبار فيه بمعنى التجاوز عن الحد، وفي المختال من الخيلاء، وفي التجبر من القهر والغلبة، فالثلاثة وإن كانت مشتركة في معنى الكبر لكن بينها فرق بالاعتبار، فلا تكرار، فافهم.\nوطَغِيَ طغيانًا بالضم والكسر: جاوز القدر، وارتفع، وغلا في الكفر، وأسرف في المعاصي والظلم، وفي (الصراح) (٣): طغيان وطغوان بالفتح: از حد در كَذشتن.\nوقوله: (ونسي المبتدأ والمنتهى) أي: نسي مِمّ خلق، وإلام يؤول حاله.\nوقوله: (يختل الدنيا بالدين) أي: يخدعها ويطلبها بعمل الدين، أي: يرائي بالورع والتقوى ليحصل الدنيا، فكأنه يخدع الدنيا ويراودها ليجرها ويدعوها إلى نفسه، وفي الحقيقة يخدع أهل الدنيا لتحصيلها، ختله يختله من ضرب، ونصر، ختلًا وختلانًا: خدعه، والذئب الصيد: تخفَّى له، فهو خاتل وختول، كذا في (القاموس) (٤).\n_________\n(١) \"الصحاح\" (١/ ٤٤٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٠٢).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٥٧٢).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩١٢).","vol":"8","page":354},{"text":"بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ الدِّينَ بِالشُّبَهَاتِ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ طَمَعٌ يَقُودُهُ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ هَوًى يُضِلُّهُ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ رَغَبٌ يُذِلُّهُ\". . . . .\nــ\nوقوله: (يختل الدين بالشبهات) أي: يخدعه ويحصله بالشبهات، أي: يقع في الحرام بالتأويل، أي: يخدع أهل الدين ويريهم ذلك ليحسبوه ويعدوه من أهل الدين، ولا يرتكب الحرام البين لئلا يخرجه الناس من الدين صريحًا، ويأتي بالمشتبهات ليشتبه على الناس أمر دينه، ويحكموا بتدينه في الجملة، فكأنه يخدع الدين وأهله بذلك.\nوقوله: (عبد طمع يقوده) الأشبه أن يكون (طمع) مبتدأ وخبره (يقوده)، واشتراط تخصيص المبتدأ المنكر مما لا يلتفت إليه المحققون من النحاة ويديرونه على الفائدة كما صرح به الرضي في نحو: كوكب انقض الساعة، وإن كان لا بد من رعاية قاعدتهم، فالمراد طمع عظيم، وقيل: هو من باب الوصف بالمصدر مبالغة، ولو قرئ بالإضافة لاستقام بلا تكلف إن ساعدته الرواية.\nوالطمع: الحرص، وفي (القاموس) (١): طَمِع فيه، وبه، كفرح: حرص عليه، فهو طامع، وفي (الصراح) (٢): أميد داشتن، انتهى.\nوحقيقة الطمع رجاء حصول مال يشك في وصوله؛ فإن لم يشك وكان على يقين من حصوله فليس بطمع، كذا سمعت من شيخي رحمة اللَّه عليه.\nو(الرغب) بضم الراء وفتحها مصدر رغب على حد سمع، في (القاموس) (٣):\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٨٧).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٣٢١).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٧).","vol":"8","page":355},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\"، وَقَالَا: لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٤٤٨، شعب: ٧٨٣٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1143> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥١١٦ - [١٣] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا تَجَرَّعَ عَبْدٌ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ ﷿ مِنْ جُرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ٣٢٧].\n٥١١٧ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤]. قَالَ: الصَّبْرُ عِنْدَ الْغَضَبِ، وَالْعَفْوُ عِنْدَ الإِسَاءَةِ،\nــ\nرغب فيه رغبًا، ويضم، ورغبة: أراده، والرغب بالضم وبضمتين: كثرة الأكل، وشدة النَّهَم، فعله ككرم، انتهى. والمراد الرغبة في الدنيا والإكثار منها.\nالفصل الثالث\n٥١١٦ - [١٣] (ابن عمر) قوله: (ما تجرّع عبد أفضل عند اللَّه ﷿ من جرعة غيظ يكظمها) في (القاموس) (١): الجرعة مثلثة من الماء: حسوة منه، أو بالضم والفتح: الاسم، من جَرِعَ الماء، كسمع ومنع: بلعه، وبالضم: ما اجترعتَ، والغيظ: الغضب أو أشده، أو سورته وأوله، وتغيضت الهاجرة: اشتدت، والكظم: رده وحبسه، والضمير في (يكظمها) لـ (الجرعة)؛ لأن الإضافة في (جرعة غيظ) للبيان، فالجرعة هي الغيظ، فافهم.\n٥١١٧ - [١٤] (ابن عباس) قوله: (﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾) آخر الآية: ﴿فَإِذَا\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٤٣، ٦٥٣).","vol":"8","page":356},{"text":"فَإِذَا فَعَلُوا عَصَمَهُمُ اللَّهُ، وَخَضَعَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ قَرِيبٌ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا. [خت: ٦/ ١٢٨].\n٥١١٨ - [١٥] وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيم عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْغَضَبَ لَيُفْسِدُ الإِيمَانَ كَمَا يُفْسِدُ الصَّبِرُ الْعَسَلَ\".\nــ\nالَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤]، قال صاحب \"الكشاف\" (١): يعني أنّ الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما، فخذ الحسنة التي هي أحسن من أختها إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة التي ترد عليك من بعض أعدائك، ومثال ذلك: رجل أساء إليك إساءة، فالحسنة أن تعفو عنه، والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته إليك، مثل أن يذمك فتمدحه، ويقتل ولدك فتفتدي ولده من يد عدوه، فإنك إذا فعلت ذلك انقلب عدوك المشاقّ مثل الولي الحميم، انتهى.\nهذا الذي ذكره أخذه من لفظة ﴿أَحسَنُ﴾ اعتبارًا لتفضيله بالنسبة إلى الحسنة، ويجوز اعتباره بالنسبة إلى جزائه بمثله، ففي الحديث اقتصر على أدنى المراتب؛ إشارة إلى أنه إن لم يتيسر الإحسان فلا بد من الصبر والعفو، وهذا مثل ما قالوا: إن الوظيفة في البلايا هي الشكر؛ نظرًا إلى الألطاف الخفية التي في ضمنها، وإن لم يتيسر فلا أقل من أن يصبر.\n٥١١٨ - [١٥] (بهز بن حكيم) قوله: (كما يفسد الصبر العسل) الصبر ككتف، ولا يسكن إلا في ضرورة الشعر: عصارة شجر مرٍّ.\n_________\n(١) \"الكشاف\" (٦/ ١٥٩).","vol":"8","page":357},{"text":"٥١١٩ - [١٦] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ -وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ-: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! تَوَاضَعُوا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّهُ، فَهُوَ فِي نَفْسِهِ صَغِيرٌ وَفِي أَعْيُنِ النَّاسِ عَظِيمٌ، وَمَنْ تَكَبَّرَ وَضَعَهُ اللَّهُ، فَهُوَ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ صَغِيرٌ وَفِي نَفْسِهِ كَبِيرٌ، حَتَّى لَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِمْ مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيْرٍ\".\n٥١٢٠ - [١٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قَالَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ ﵇: يَا رَبِّ! مَنْ أَعَزُّ عِبَادِكَ عِنْدَكَ؟ قَالَ: مَنْ إِذَا قَدَرَ غَفَرَ\".\n٥١٢١ - [١٨] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ خَزَنَ لِسَانَهُ سَتَرَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَفَّ غَضَبَهُ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ عَذَابَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،\nــ\n٥١١٩ - [١٦] (عمر) قوله: (فهو في نفسه صغير وفي أعين الناس كبير) فكان المراد من الدعاء المأثور -وهو قوله -ﷺ-: \"اللهم اجعلني في عيني صغيرًا، وفي أعين الناس كبيرًا\"- طلب التواضع.\n٥١٢٠ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (من إذا قدر غفر) هذا أيضًا اقتصار على الأدنى؛ فإن الإحسان على الإساءة متعذر جدًّا لا يأتي إلا ممن شاء اللَّه، والعفو والمغفرة أيضًا إحسان.\n٥١٢١ - [١٨] (أنس) قوله: (من خزن لسانه) أي: حفظ لسانه من عورات الناس بقرينة قوله: (ستر اللَّه عورته)، في (القاموس) (١): خزن المال: أحرزه، والخزانة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٩٩).","vol":"8","page":358},{"text":"وَمَنِ اعْتَذَرَ إِلَى اللَّهِ قَبِلَ اللَّهُ عُذْرَهُ\".\n٥١٢٢ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"ثَلَاثٌ مُنجِيَاتٌ، وَثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ، فَأَمَّا الْمُنْجيَاتُ: فَتَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَالْقَوْلُ بِالْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالسُّخْطِ، وَالْقَصْدُ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَأَمَّا الْمُهْلِكَاتُ: فَهَوًى مُتَّبَع، وَشُحٌّ مُطَاعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ، وَهِيَ أَشَدُّهُنَّ\". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الْخَمْسَةَ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٧٩٤١، ٧٩٠، ٧٩٧٤، ٧٩٥٨، ٦٩٦٥].\n* * *\nــ\nبالكسر فعل الخازن، ومكان الخزن، ولا يفتح، والمخزن كمقعد، والقلب، والخزّان كشداد: اللسان، كالخازن، وفي (الصحاح) (١): خزنت السر وأخزنته، أي: كتمته.\n٥١٢٢ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (والقصد في الغنى والفقر) أي: الاجتناب عن التبذير والتقتير، أو المراد التوسط في اختيار الغنى والفقر؛ فإن الكفاف أفضل منهما.\nوقوله: (فهوى متبع) أي: يتبعه الرجل ويطيعه، فأما إذا لم يتبعه فلا يضر، وهو المراد بقوله: (حتى يكون هواه تبعا لما جئت به)، و(الشح) مثلثة: البخل والحرص، وقد مر تحقيق معناه في موضع آخر.\nوقوله: (وهي أشدهن) أي: هذه الخصلة الأخيرة -وهي (إعجاب المرء بنفسه) - أشد هلاكًا وضررًا.\n_________\n(١) \"الصحاح\" (١/ ١٧١).","vol":"8","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1144>٢١ - باب الظلم</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1145> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥١٢٣ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٤٧، م: ٢٥٧٩].\nــ\n٢١ - باب الظلم\nفي (القاموس) (١): الظُّلْم: وضع الشيء في غير موضعه، والمصدر الحقيقي: الظَّلْم بالفتح، انتهى.\nوجميع معانيه وموارد استعماله يتضمن هذا المعنى، ويجمعها ما قال الطيبي (٢): وضع الشيء في غير موضعه المختص به، إما بنقصان أو بزيادة، وإما بالعدول عن وقته أو مكانه، انتهى.\nولو تأملت لوجدته أعم مما ذكر بأن يكون التجاوز عن طريقه ووضعه، وعما عهد فيه من الصفات والأحوال والشرائط واللوازم والخواص وأمثال ذلك، والمتعارف استعماله في الظلم على الناس، والاعتداء في حقوقهم من الدم والمال والعرض.\nالفصل الأول\n٥١٢٣ - [١] (ابن عمر) قوله: (الظلم ظلمات) كما أن العمل الصالح سبب لنور يسعى بين أيدي المؤمنين كذلك الظلم سبب للظلمة وإحاطتها بالظالمين، وقيل: المراد بالظلمات الشدائد كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٤٥).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٦٠).","vol":"8","page":360},{"text":"٥١٢٤ - [٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِم حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ\" ثم قَرَأ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ الآيَة [هود: ١٠٢]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٦٨٦، م: ٢٥٨٣].\n٥١٢٥ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَمَّا مَرَّ بِالْحِجْرِ قَالَ: \"لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ\"، ثُمَّ قَنَّعَ رَأْسَهُ، وَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى اجْتَازَ الْوَادِيَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٤١٩، م: ٢٩٨٠].\nــ\n[الأنعام: ٦٣]، ثم جمع الظلمات إما لأن المراد بالظلم الجنس أو بالنسبة إلى المواد، فالظلم لكل ظالم ظلمة، أو لكل واحد ظلمات؛ لشدة هذه الشنيعة، أو لأن الظلمة لما كانت تسعى بين أيديهم وبأيمانهم جعلت كأنها متعددة، فافهم.\n٥١٢٤ - [٢] (أبو موسى) قوله: (لم يفلته) من الإفلات، أي: لم يتركه ولم يخلصه، من أفلتت الدابة: إذا نفرت.\n٥١٢٥ - [٣] (ابن عمر) قوله: (لما مر بالحجر) بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم -وقيل: وبكسرها-: اسم لأرض ثمود قوم صالح [﵇]، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠].\nوقوله: (إلا أن تكونوا باكين) أي: معتبرين ومتذكرين لحالهم، وهو مفض إلى البكاء.\nوقوله: (ثم قنع رأسه) التقنع: أخذ القناع على الرأس وستره بالطيلسان، والحمل على المجاز؛ بأن يكون مبالغة، أي: أطرق فلم يلتفت يمينًا وشمالًا مما لا يدعو إليه دليل، اللهم إلا أن يدعى أن هذه العبارة متعارفة في هذا المعنى، واللَّه أعلم.","vol":"8","page":361},{"text":"٥١٢٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلِمَةٌ لأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٤٤٩].\n٥١٢٧ - [٥] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ \" قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: \"إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ،\nــ\nوالكلام في جواز التقنع وعدمه طويل مذكور في موضعه، وليس هذا فرارًا من قدر اللَّه كما يتمسك به بعض الفارين من الطاعون في عصرنا، بل هو عبرة وتنبيه للحاضرين على التجنب من معصية اللَّه، وتمثيل لحالة العذاب؛ فإن البلاء والعذاب لم يكن نازلًا حينئذ، وهو ظاهر.\n٥١٢٦ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (مظلمة) قد مرّ ضبطه ومعناه في آخر (الفصل الثالث) من (باب الرفق والحياء).\nوقوله: (فليتحلله) أي: يجعله في حلّ بالاستعفاء عن صاحب الحق؛ فإن لم يمكن التحلل ففي الغيبة يتوب ويستغفر اللَّه ويستغفر للمغتاب له كما مر، وفي الأموال مجملًا أو مفصلًا قولان.\n٥١٢٧ - [٥] (وعنه) قوله: (ما المفلس؟) أي: ما حقيقته ومعناه، وفي بعض","vol":"8","page":362},{"text":"فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٨١].\n٥١٢٨ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْناءِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَذُكِرَ حَدِيثُ جَابِرٍ: \"اتَّقُوا الظُّلمَ\" فِي \"بَابِ الإِنْفَاقِ\". [م: ٢٥٨٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1146> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥١٢٩ - [٧] عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً. . . . .\nــ\nالروايات: (من المفلس؟).\n٥١٢٨ - [٦] (وعنه) قوله: (لتؤدّن) بصيغة المجهول للواحدة، وهو الصحيح، وقد يقرأ بصيغة المعلوم للمخاطبين.\nوقوله: (حتى يقاد) قالوا: هذا قصاص مقابلة لا قصاص تكليف، ويؤخذ من الأطفال والمجانين والحيوانات كلها.\nو(الجلحاء) على وزن حمراء، في (القاموس) (١): بقر جُلَّحٌ بتقديم الجيم على الحاء المهملة: بلا قرون.\nالفصل الثاني\n٥١٢٩ - [٧] (حذيفة) قوله: (لا تكونوا إمعة) الإمع والإمعة بكسر الهمزة وفتح الميم المشددة: الرجل يتابع كل أحد على رأيه، لا يثبت على شيء، ومتبع الناس إلى الطعام من غير أن يدعى، ومن يقول: أنا مع الناس، ومنه أخذ الإمعة كالحوقلة والبسملة،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢١٠).","vol":"8","page":363},{"text":"تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاؤُوْا فَلَا تَظْلِمُوا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠٠٧].\n٥١٣٠ - [٨] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ: أَنِ اكْتُبِي إِلَيَّ كِتَابًا تُوصِينِي فِيهِ وَلَا تُكْثِرِي، فَكَتَبَتْ: سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ: . . . . . .\nــ\nوالتاء للمبالغة وهمزته أصلية، ولا يقال: امرأة إمعة، أو قد يقال: تأمَّعَ واستأمَعَ: صار إمعة، كذا في (القاموس) (١)، والمراد بالإمعة هنا من أشار إليه بقوله: (تقولون: إن أحسن الناس. . . إلخ)، يعني هو مع الناس وتابعهم في الإحسان مع المحسن والظلم مع الظالم.\nوقوله: (ولكن وطنوا أنفسكم) وطنت نفسي على كذا فتوطنت، وحقيقته من الوطن، وهذا مجاز، أي: قرروها وسكنوها، و(أن تحسنوا) مفعوله، أي: على أن تحسنوا، وفي (الصراح) (٢): توطين النفس على الشيء: دل نهادن بر جيزى.\nوقوله: (وإن أساؤوا فلا تظلموا) أي: إن أساؤوا فأحسنوا؛ لأن عدم الظلم إحسان، كذا قال الطيبي (٣)، ويحتمل أن يكون معناه -واللَّه أعلم- وإن أساؤوا فلا تعتدوا وتجاوزوا الحد، فإما أن تكافئوهم بمثل ما فعلوا وهو مرتبة عموم المسلمين، أو تعفوا وهو درجة الخواص، أو تحسنوا وهو مقام الصديقين أخص الخواص.\n٥١٣٠ - [٨] (معاوية) قوله: . . . . .\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٤٦).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٥٣٠).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٦٥).","vol":"8","page":364},{"text":"فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنِ الْتَمَسَ رِضَا اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ كَفَاهُ اللَّهُ مَؤُوْنَةَ النَّاسِ، وَمنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى النَّاسِ\" وَالسَّلَامُ عَلَيْك. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤١٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1147> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥١٣١ - [٩] عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيْسَ ذَاكَ، إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؟ \" [لقمان: ١٣]، وَفِي رِوَايَةٍ: \"لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٣٧، م: ١٢٤].\nــ\n(وَكَلَه اللَّه) بتخفيف الكاف، أي: تركه معهم أي: خذله، ولم يدفع شرهم عنه.\nالفصل الثالث\n٥١٣١ - [٩] (ابن مسعود) قوله: (أينا لم يظلم نفسه؟) فهم الأصحاب من الظلم معنى المعصية كما هو الظاهر من لبسه بالإيمان؛ فإن الشرك لا يلبس ولا يخلط به، فنبه صلوات اللَّه وسلامه عليه أن المراد به الشرك، وأيده بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ولما وقع قوله: ﴿بِظُلمٍ﴾ مطلقًا لا بد [أن] ينصرف إلى الكامل منه مع ما في التنوين من التعظيم، وهذا تفهيم وتنبيه منه -ﷺ- له، وليس مداره على هذا الاستدلال؛ لأن ما قال النبي -ﷺ- في تفسير كتاب اللَّه ﷿ يكون هو المراد البتة.","vol":"8","page":365},{"text":"٥١٣٢ - [١٠] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ (١) عَبْدٌ أَذْهَبَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٩٦٦].\n٥١٣٣ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الدَّوَاوِينُ ثَلَاثةٌ: دِيوَانٌ لَا يَغْفِرُهُ اللَّهُ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، يَقُولُ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، وَدِيوَانٌ لَا يَتْرُكُهُ اللَّهُ: . . . . .\nــ\nوأما توهم عدم لبس الظلم بهذا المعنى وخلطه بالإيمان فساقط، لأن المشركين كما كانوا يعبدون اللَّه يعبدون الأصنام، وكفى في ذلك قوله سبحانه تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، وتحقيقه أن الإشراك يكون في الوجود والخالقية والعبادة، والآية واردة في شأن عبدة الأصنام، أو المراد بالإيمان [الإيمان] باللسان وكتم الإشراك في القلب، فتكون واردة في المنافقين، فافهم.\n٥١٣٢ - [١٠] (أبو أمامة) قوله: (عبد أذهب آخرته بدنيا غيره) المراد من يظلم الناس ليحصل به دنيا لأحد كما يفعله العمال وأعوان الظلمة، ويحتمل أن يراد من يعظِّم أهل الدنيا لدنياهم ويطيعهم، فيظلم نفسه بذلك، فيذهب آخرته بذلك، والأول هو الظاهر كما لا يخفى.\n٥١٣٣ - [١١] (عائشة) قوله: (الدواوين) جمع ديوان، في (القاموس) (٢): الديوان بالكسر ويفتح: مجتمع الصحف، والكتاب يكتب فيه أهل الجيش، وأهل\n_________\n(١) في نسخة: \"عند اللَّه يوم القيامة\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٠٣).","vol":"8","page":366},{"text":"ظُلْمُ الْعِبَادِ فِيمَا بَيْنَهُمْ حَتَّى يَقْتَصَّ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَدِيوَانٌ لَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ: ظُلْمُ الْعِبَادِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ، فَذَاك إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وإن شَاءَ تَجَاوَزَ عَنهُ\".\n٥١٣٤ - [١٢] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِيَّاكَ وَدَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّمَا يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى (١) حَقَّهُ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمْنَعُ ذَا حَقٍّ حَقَّهُ\".\nــ\nالعطية، وأول من وضعه عمر -﵁-، والجمع دواوين، وفي (الصحاح) (٢): أصل ديوان دَوَّان، فعوّض من إحدى الواوين، لأنَّه يجمع على دَواوين، ولو كانت الياء أصلية لقالوا دياوين، يقال: دونت الدواوين، انتهى.\nومادة الدون للجمع والقرب، وإنما سمي ديوانًا؛ لأنه مجتمع من الأوراق، والمراد في الحديث صحائف الأعمال.\nوقوله: (حتى يقتص بعضهم من بعض) أو يرضي اللَّه الخصماء بعضهم عن بعض كما ورد ذلك في الحديث.\nوقوله: (لا يعبأ اللَّه) العِبْءُ بالكسر: الحمل، والثقل من أيّ شيء كان، فمعناه ليس له ثقل ووزن عند اللَّه، وفهب (الصراح) (٣): عبأ: باك داشتن، يقال: ما عبأت به، أي: ما باليت به، قوله تعالى: ﴿مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ [الفرقان: ٧٧].\n٥١٣٤ - [١٢] (علي) قوله: (فإنما يسأل اللَّه تعالى حقه) فمن عفا نزل عن حقه، وهو إيثار، وله درجة عظيمة.\n_________\n(١) سقط \"تعالى\" في نسخة.\n(٢) \"الصحاح\" (١/ ٢١٨).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ١١).","vol":"8","page":367},{"text":"٥١٣٥ - [١٣] وَعَنْ أَوْسِ بْنِ شُرَحْبِيلَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ مَشَى مَعَ ظَالِمٍ لِيُقَوِّيَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الإِسْلَام\".\n٥١٣٦ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: إِنَّ الظَّالِمَ لَا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: بَلَى وَاللَّهِ حَتَّى الْحُبَارَى لَتَمُوتُ فِي وَكْرِهَا هُزْلًا لِظُلْم الظَّالِمِ. رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الأَرْبَعَةَ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٧٠٦٩، ٧٠٦١، ٧٢٦٩، ٧٠٧٥].\n* * *\nــ\n٥١٣٥ - [١٣] (أوس بن شرحبيل) قوله: (من مشى مع ظالم) أي: وافقه وماشاه في الرأي ويذهب مذهبه.\n٥١٣٦ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (فقال أبو هريرة: بلى واللَّه) لما كان قوله: (لا يضر إلا نفسه) في معنى قوله: ولا يضر غيره أثبته بقوله: بلى يضر غيره.\nوقوله: (حتى الحبارى. . . إلخ)، أي: كأن الرجل أراد أن الظالم وإن تعدى وضرّ المظلوم في الظاهر ولكن في الحقيقة لم يضر إلا نفسه، وضرره عائد إليه، والمظلوم يجد جزاءهُ، كقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: ٦٩]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]، فالحصر في قول الرجل إضافي بالنسبة إلى من ظلمه، وهو -﵁- حمله على العموم كما أفاده، والغالب أنه سمعه من رسول اللَّه -ﷺ-، أو أخذه مما ورد أن القطر قد يحبس بشؤم ذنوب الناس ومظالمهم، ويلزم منه هلاك الحيوانات، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ [النحل: ٦١]، وإنما خص بالحبارى لما تقرر عندهم أنها أبعد الطير نُجْعَةً، أي: طلبًا للكلأ ومنابت الغيث، قالوا: إنها قد يوجد في حوصلتها الحبة الخضراء التي لا تنبت","vol":"8","page":368},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1148>٢٢ - باب الأمر بالمعروف</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1149> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥١٣٧ - [١] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدريِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيْمَانِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٤٩].\nــ\nإلا بالبصرة، وبين وكرها وبين البصرة مسيرة أيام، وكذلك قد يكون وكرها في بعض الجبال، ومكان الماء بينه على مسيرة أيام، فيكون هلاكها أدل على القحط وإمساك المطر.\n٢٢ - باب الأمر بالمعروف\n(المعروف) ما عرف في الشرع، يعني أمرًا معروفًا فيه بين الناس يعرفونه ولا ينكرونه إذا رأوه، والمنكر: أمر لا يعرف في الشرع، بل منكر ينكره من رآه، كالشخص الذي لا يعرفه الناس وينكرونه إذا رأوه، في (القاموس) (١): المعروف: ضد المنكر، وفي (الصراح) (٢): نكرة: ناشناسي ضد معرفة، ومن العجب أن المصنف لم يعنون الباب بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع شيوع ذكرهما معًا في القرآن والأحاديث في مواضع كثيرة، وبعض الأحاديث المذكورة صريحة في النهي عن المنكر، فكأنه جعل النهي عن المنكر أمرًا بالمعروف الذي هو ضده، وهو تكلف.\nالفصل الأول\n٥١٣٧ - [١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فإن لم يستطع فبقلبه) معنى التغيير\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٧١).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٢١٦).","vol":"8","page":369},{"text":"٥١٣٨ - [٢] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَثَلُ الْمُدْهِنِ فِي حُدُودِ اللَّهِ. . . . .\nــ\nبالقلب كراهته بقلبه والتأثر منه، وبغض فاعليه، والمراد التغيير باليد واللسان لو قدر، لا بمجرد الإنكار، فإنه ليس فيه معنى التغيير.\n٥١٣٨ - [٢] (النعمان بن بشير) قوله: (مثل المدهن) من الإدهان، وهو المحاباة في غير حق، والمساهلة في الأمر، والتليين في الكلام، والمداهنة: أن يرى منكرًا ولم يغيره مع القدرة عليه لاستحياء، أو قلة مبالاة في الدين، أو لمحافظة جانب المرتكب، وفي (القاموس) (١): المداهنة: إظهار خلاف ما يضمر كالإدهان، وفي (الصراح) (٢): مداهنت: جرب زباني، ومصانعت كردن، إدهان: صنعت كردن.\nقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]، انتهى.\nوفي التفسير (٣): ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ [القلم: ٩]، أي: تلاينهم؛ بأن تدع نهيهم عن الشرك، أو توافقهم فيه أحيانًا، ﴿فَيُدْهِنُونَ﴾ فيلاينونك بترك الطعن والموافقة، انتهى.\nوالمداراة في اللغة بمعنى المداهنة، في (الصراح) (٤): مداراة: نرمي كردن، وفي (القاموس) (٥) في فصل العين: المصانعة: الرشوة، والمداراة، والمداهنة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٠٣).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٥٠٩).\n(٣) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٣١٢).\n(٤) \"الصراح\" (ص: ٥٥٧).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٨٢).","vol":"8","page":370},{"text":"وَالْوَاقِعِ فِيهَا مَثَلُ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا سَفِينَةً، فَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَسْفَلِهَا، وَصَارَ بَعْضُهُمْ فِي أَعْلَاهَا، فَكَانَ الَّذِي فِي أَسْفَلِهَا يَمُرُّ بِالْمَاءِ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا، فتأَذَّوْا بِهِ،\nــ\nوقد وقعت الرخصة في المداراة، وهي ليست بمذمومة، بل تستحسن في بعض المواضع، وفي كلامهم: دارهم ما دمت في دارهم، فيفرق بينها وبين المداهنة، ويقال: المداراة ما كان لحفظ الدين من الضياع والتشوش ودفع الضرر والظلم، والمداهنة ما يكون لحظ النفس وطلب الدنيا وجلب المنافع من الناس من غير مبالاة بالدين، وهي مذمومة، فاعلم أنه ضرب رسول اللَّه -ﷺ- مثلًا للمدهن في حدود اللَّه أي: الذي يداهن ويترك الاعتراض والإنكار على من يتعدى حدود اللَّه، ويقع فيها بإرتكاب ما نهى اللَّه عنه.\nوقوله: (استهموا سفينة) أي: اقترعوا واقتسموا سكناها بالقرعة، أي: كل أخذ من القوم مكانًا وعينوه بالقرعة، في (القاموس) (١): السهم: القدح يقارع به، والجمع سهام، و(السفينة) مشتق من سفن يسفن: قشره، سمي بها لقشرها وجه الأرض.\nوقوله: (يمر بالماء) أي: يجيء بالماء من أسفلها إلى أعلاها، ويأخذ الماء ويذهب إلى موضعه، ففي ذهابه يمر عليهم بالماء ويتأذون من ذلك، وقيل: المراد بالماء البول والغائط ليطرحه في البحر، وهذا أظهر في التأذي، ثم لا يخفى أن ما ذكر من النقر وأخذ القوم بيده ومنعهم عنه كافٍ في التمثيل، وذكر ما قبله من القصة لبيان ذكر الباعث على النقر، وعادة الناس في استهام السفينة ومجيء السافلين فوق السفينة للماء، وتأذي العالين منه، وإن حملت هذه القصة على الواقع وإخباره -ﷺ- عما وقع\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٣٧).","vol":"8","page":371},{"text":"فَأَخَذَ فَأْسًا فَجَعَلَ يَنْقُرُ أَسْفَلَ السَّفِينَةِ، فَأَتَوْهُ فَقَالُوا: مَا لَكَ؟ قَالَ: تأَذَّيْتُمْ بِي وَلَا بُدَّ لِي مِنَ الْمَاءِ، فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَنْجَوْهُ وَنَجَّوْا أَنْفُسَهُمْ، وَإِنْ تَرَكُوهُ أَهْلَكُوهُ وَأَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٦٩٦].\nــ\nفي سالف الزمان فلا بعد، لكن الذي يتبادر إلى الذهن هو ذكره على سبيل الفرض والتمثيل، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فجعل ينقر أسفل السفينة) ليأخذ الماء أو ليبول.\nوقوله: (ولا بد لي من الماء) أي: من شربه واستعماله على الوجه الأول، أو من طرحه وإلقائه على الوجه الثاني؛ (فإن أخذوه على يديه) لئلا ينقر السفينة نجا ونجوا، وإلا هلك وهلكوا، فكذلك إن منع الناس العاصي من العصيان نجوا من عذاب اللَّه ونجا، وإن تركوه يفعل المعاصي ولم ينهوه عن ذلك نزل عليه العذاب بعصيانه وعليهم بالمداهنة أو بشؤم معصيته، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، وإنما كرر الفعل في (أنجوه ونجوا أنفسهم)، و(أهلكوه وأهلكوا أنفسهم) إشارة إلى أن كل واحد من الفريقين مستقل ومستبد في النجاة والهلاك وارتفاع العذاب ونزوله، فافهم، فالذي في أعلى السفينة مثل للمدهن في الحدود، والذي في أسفلها مثل للواقع فيها، والأخذ باليد للنهي، ونجاة الناهي والمنهي لفائدة النهي، وهلاكهما لعاقبة تركه، وإنما جمع فرقة النهاة ووحّد الناقر إشارة إلى أن المسلمين لا بد أن يتعاونوا على النهي، كذا قال الطيبي (١)، ويمكن أن يقال: وإلى أن المعصية ينبغي أن تكون أقل وقوعًا بين المسلمين.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٧١).","vol":"8","page":372},{"text":"٥١٣٩ - [٣] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ، فَيَطْحَنُ فِيهَا كَطَحْنِ الْحِمَارِ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيهِ فَيَقُولُونَ: أَي فُلَانُ مَا شَأْنُكَ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٦٧، م: ١٩٨٩].\nــ\n٥١٣٩ - [٣] (أسامة بن زيد) قوله: (فتندلق) أي: تخرج بالسرعة، دلق السيف من غمده: أخرجه، وسيف دلق ككتف، وصبور وحمراء: سهل الخروج من غمده، وفي (الصراح) (١): اندلاق: بيش شدن، واندلق السيف، أي: خرج من غير سل، وكل ما يدر خارجًا فقد اندلق، و(الأقتاب) جمع قتب بالكسر: المعى، كالقتبة، وفي (الصراح) (٢): قتب بالكسر: دوده، أقتاب جمع، وهي مؤنث عند الكسائي، قال الأصمعي: واحدها قتبة بالهاء.\nوقوله: (فيطحن فيها كطحن الحمار برحاه) قال في (مجمع البحار) (٣) نقلًا عن بعض شروح \"صحيح البخاري\": المعروف هو المعروف، وإن كان في أكثرها مجهولًا، يعني أن المشهور من الرواية (يطحن) على لفظ المعلوم، وإن وقع في أكثر الروايات أو في أكثر النسخ على لفظ المجهول، والضمير للرجل، وفي (فيها) للأمعاء، أي: يدور ويتردد في أقتابه، أي: يدور حول أقتابه ويضربها برجله، وهكذا في الطيبي\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٣٧٤).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٤٨).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤٣٨).","vol":"8","page":373},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1150> الفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥١٤٠ - [٤] عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَده لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ عِنْدهِ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ وَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٦٩].\nــ\nأيضًا (١)، يعني لما كان الدوران لازمًا للطحن ذكر الطحن وأريد الدوران، فمعنى يطحن فيها: يدور فيها، أي: يدور حولها.\nوأقول: يحتمل أن يكون الضمير في (فيها) للنار، ويكون مفعول (يطحن) الأقتاب محذوفًا، ويوافقه قوله: (كطحن الحمار) بالإضافة إلى الفاعل وحذف المفعول، أي: كطحن الحمار الدقيق، ويقل التكلف على هذا التقدير في بيان المعنى، فافهم.\nوأما وجه المناسبة والمشابهة بين هذا الفعل في الآخرة وبين فعله في الدنيا فلا يخلو عن خفاء ودقة، وبيّنه الطيبي (٢) وقال: إن المشبه في الدنيا الرجل يدور حول رحى الأمر بالمعروف، ويتعب فيه ويكد كالحمار، وما له من نصيب مما يحصل إلا الكد والتعب، وكذا في الآخرة يدور حول أقتابه التي شبهت بكلامه الذي خرج منه فيدوسها برجله، ويطحنها كطحن الحمار الدقيق.\nالفصل الثاني\n٥١٤٠ - [٤] (حذيفة) قوله: (أو ليوشكن اللَّه أن يبعث عليكم) أي: أحد الأمرين واقع البتة: إما الأمر والنهي، وإما إنزال العذاب وعدم استجابة الدعاء في دفعه بحيث لا يجتمعان ولا يرتفعان؛ فإن كان الأمر والنهي لم يكن عذاب، وإن لم يكونا كان\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٧٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٧٢).","vol":"8","page":374},{"text":"٥١٤١ - [٥] وَعَنِ الْعُرْسِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا كَانَ كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٣٥].\n٥١٤٢ - [٦] وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَقْرَؤُونَ هَذِهِ الآيَة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا مُنْكَرًا فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابِهِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: \"إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا. . . . .\nــ\nعذاب عظيم، وفهم عظمة العذاب إما من التنوين أو من قوله: (من عنده).\n٥١٤١ - [٥] (العرس) قوله: (وعن العرس) بضم المهملة وسكون الراء ومهملة (ابن عميرة) على وزن صغيرة.\nوقوله: (في الأرض) إنما قال: في الأرض دون المجلس ليناسب ذكر الحاضر والغائب، أي: في مكان منها بعضهم فيه حاضر، وبعضهم عنه غائب، بخلاف المجلس، فإنه مناسب للحاضر فقط، فافهم.\nوقوله: (كان كمن غاب عنها) أي: على تقدير عدم القدرة على التغيير باليد واللسان، ويمكن أن يراد بالكراهة معنى شامل للتغيير باليد واللسان.\n٥١٤٢ - [٦] (أبو بكر الصديق) قوله: (إنكم تقرؤون هذه الآية) أي: وتجرونها على عمومها في الأشخاص والأوقات وتمتنعون عن الأمر والنهي مطلقًا، وليس كذلك (فإني سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول. . . إلخ)، فكان يوعد على ترك تغيير المنكر، فلا بد أن يكون مخصوصًا بما لم يسمع ويعلم عدم تأثيره، فحينئذ يسقط الوجوب؛","vol":"8","page":375},{"text":"عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ\". وَفِي أُخْرَى لَهُ: \"مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا ثُمَّ لَا يُغَيِّرُونَ إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ\". وَفِي أُخْرَى لَهُ: \"مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي هُمْ أَكْثَرُ مِمَّن يَعْمَلُهُ\". [جه: ٤٠٠٥، ت: ٢١٦٨، د: ٤٣٣٨].\n٥١٤٣ - [٧] وَعَن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ فِي قَوْمٍ يَعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّروا عَلَيْهِ وَلَا يُغَيِّرُونَ إِلَّا أَصَابَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ. . . . .\nــ\nلما قيل: إن الآية نزلت لما كان المؤمنون يتحسرون على الكفرة ويتمنون إيمانهم، كما قال ﷿ لنبيه -ﷺ-: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: ٨]، وقال: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ [الكهف: ٦] أو بزمان يأتي من بعد، كما روي أنها قرئت عند ابن مسعود فقال: إن هذا ليس بزمانها إنها اليوم مقبولة، ولكن يوشك أن يأتي زمان تأمرون فلا يقبل منكم، كذا في \"الكشاف\" (١)، ويدل على هذا حديث ثعلبة الآتي، وقيل: كان الرجل إذا أسلم قالوا له: سفهت آباءك فنزلت، وقيل: من الاهتداء أن ينكر المنكر حسب طاقته، فمعنى الآية: لا يضركم ضلالة من ضل إذا نهيتم عن ذلك، وعلى هذا فالحديث واقع تفسيرًا للآية، فالضرر هو عموم العذاب على تقدير ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتقدير الكلام: إنكم تقرؤون هذه الآية وتفهمون أن معناها عدم وجوب الأمر والنهي، وليس كذلك، فإني سمعت. . . إلخ، فيكون مدلول الآية وجوب الأمر والنهي، فافهم.\n٥١٤٣ - [٧] (جرير بن عبد اللَّه) قوله: (إلا أصابهم اللَّه) أي: القوم (منه) أي:\n_________\n(١) \"الكشاف\" (١/ ٦٨٥).","vol":"8","page":376},{"text":"قَبْلَ أَنْ يَمُوتُوا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٤٣٣٩، جه: ٤٠٠٩].\n٥١٤٤ - [٨] وَعَنْ أَبِي ثَعْلَبةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥] فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رأيتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، وَرَأَيْتَ أَمْرًا لَا بُدَّ لَكَ مِنْهُ، فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ، وَدَعْ أَمْرَ الْعَوَامِّ، فَإِنَّ وَرَاءَكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، فَمَنْ صَبَرَ فِيهِنَّ قَبَضَ عَلَى الْجَمْرِ،\nــ\nمن عدم تغييرهم، أو من الرجل الذي يعمل المعاصي لأجل عدم تغييرهم؛ فلا يتوهم أن هذا مخالف لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر: ٧]، فإن ترك التغيير وزر صدر منهم أو من عند اللَّه، والباء في (بعقاب) للتعدية، ومعنى (قبل أن يموتوا) أي: في الدنيا.\n٥١٤٤ - [٨] (أبو ثعلبة) قوله: (فقال) التقدير أنه سئل عن ذلك القول فقال.\nوقوله: (بل ائتمروا، وتناهوا) أي: مروا وانهوا، ذكر اللازم مقام المتعدي، والأثر مقام المؤثر، (شحًّا مطاعًا وهوى متبعًا) عرف معناهما في آخر (الفصل الثالث) من (باب الغضب والكبر)، (ودنيا مؤثرة) أي: مختارة على الآخرة، من الإيثار، (وإعجاب) بكسر الهمزة: وجدان الشيء حسنًا، أي: أن يجد كل واحد رأيه ومذهبه حسنا، (ورأيت أمرًا لابد لك منه) البد: التفرق، كالتبديد، بدده تبديدًا: فرقه، فتبدد، في (القاموس) (١): لا بد: لا فراق ولا محالة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٥٦).","vol":"8","page":377},{"text":"لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ أَجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُم؟ \" قَالَ: . . . . .\nــ\nوالمعنى: رأيت أمرًا يميل إليه طبعك من الصفات الذميمة، حتى إن أقمت بين الناس وقعت فيه لا محالة، فاعتزلهم لئلا تقع فيه، كذا قال الطيبي (١).\nويحتمل أن يكون معناه: رأيت في نفسك أمرًا لابد لك منه، وتحتاج وتضطر إليه، فإن أمرتهم فاتك ذلك الأمر الضروري، فلابد من السكوت للضرورة والاحتياج. وفي بعض الحواشي (٢): أو المعنى: رأيت من الناس لا بد لك من السكوت عليه لعجزك وعدم قدرتك، وهذا المعنى وإن كان بعيدًا من اللفظ لكن يؤيده الرواية بالياء التحتانية، أي: لا يد لك.\nوقوله: (أجر خمسين) أي: الذين لم يبتلوا ببلائه.\nوقوله: (فإن وراءكم) فسروه في الحواشي بقدامكم، وفي (الصراح) (٣): وراء: سبس وبيش وهو من الأضداد، وفي (القاموس) (٤): الوراء: خلف، وقدام، ضد.\nوقوله: (قبض على الجمر) في (القاموس) (٥): قبضه بيده يقبضه: تناوله بيده، وعليه بيده: أمسكه، ويده عنه: امتنع، والجمر والجمرة: النار المتقدة.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٧٥).\n(٢) انظر: \"شرح مصابيح السنة\" (٥/ ٣٦٩).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٥٩٤).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٣٢).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٠٠).","vol":"8","page":378},{"text":"\"أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه. [ت: ٣٠٥٨، جه: ٤٠١٤].\n٥١٤٥ - [٩] وَعَنْ أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَطِيبًا بَعْدَ الْعَصْرِ، فَلَمْ يَدَع شَيْئًا يَكُونُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا ذَكَرَهُ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، وَكَانَ فِيمَا قَالَ: \"إِنَّ الدُّنْيا حُلْوَة خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، أَلَا فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ\"، وَذَكَرَ: \"إِنَّ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ فِي الدُّنْيَا،\nــ\nوقوله: (أجر خمسين منكم) يدل على فضل هؤلاء في الأجر على الصحابة من هذه الحيثية، وقد جاء أمثال هذا [في] أحاديث أخر، وتوجيهه كما ذكروا أن الفضل الجزئي لا ينافي الفضل الكلي، وقد تكلم ابن عبد البر في هذه المسألة وقال: يمكن أن يجيء من بعد الصحابة من هو في درجة بعض منهم، أو أفضل، ومختار العلماء خلافه.\n٥١٤٥ - [٩] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فلم يدع شيئًا) أي: مما يتعلق بالدين، أي: كلياته، أو هو مبالغة إقامة للأكثر مقام الكل، واللَّه أعلم.\nوقوله: (حلوة خضرة) أي: لذيذة في قلوب الناس وناعمة طرية في أعينهم، والعرب تسمي الشيء الناعم خضرًا تشبيهًا له بالخضراوات في سرعة زوالها، ففيه بيان أنها غَدَّارَةٌ تَفْتِنُ الناس بحسنها ولذتها، نعوذ باللَّه منها.\nوقوله: (مستخلفكم) أي: جاعلكم خلفاء، أي: وكلاء، ففيه أن أموالكم ليست لكم بل للَّه سبحانه، جعلكم في التصرف فيها بمنزلة الوكلاء، أو جاعلكم خلفاء الأرض ممن كان قبلكم، وأعطاكم ما كان في أيديهم، (فناظر كيف) تتصرفون وتعتبرون.\nوقوله: (لكل غادر) الغدر ضد الوفاء، ونقض العهد، كضرب ونصر وسمع.","vol":"8","page":379},{"text":"وَلَا غَدْرَ أَكْبَرُ مِنْ غَدْرِ أَمِيرِ الْعَامَّةِ يُغْرَزُ لِوَاؤُهُ عِنْدَ اسْتِهِ\". قَالَ: \"وَلَا يَمْنَعَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ هَيْبَةُ النَّاسِ أَنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إِذَا عَلِمَهُ\"، وَفِي رِوَايَةٍ: \"إِنْ رَأَى مُنْكَرًا أَنْ يُغَيِّرَهُ\"، فَبَكَى أَبُو سَعِيدٍ وَقَالَ: قَدْ رَأَيْنَاهُ، فَمَنَعَتْنَا هَيْبةُ النَّاسِ أَنْ نَتَكَلَّمَ فِيهِ. ثُمَّ قَالَ: \"أَلَا إِنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا عَلَى طَبَقَاتٍ شَتَّى، فَمِنْهُمْ مَن يُولَدُ مُؤمِنًا وَيَحْيَا مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَا كَافِرًا وَيَمُوتُ كَافِرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا وَيَحْيَا مُؤْمِنًا وَيَمُوتُ كَافِرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا وَيَحْيَا كَافِرًا وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا\"، قَالَ: وَذَكَرَ الْغَضَبَ. . . . .\nــ\nوقوله: (من غدر أمير العامة) إضافة (غدر) إلى (أمير العامة) إلى الفاعل، وأمير العامة: المتغلب الذي استولى على بلاد المسلمين بمعاضدة العامة خارجًا على الإمام الحق.\nوقوله: (يغرز لواؤه عند استه) الاست: حلقة الدبر، وأصله سته، ولذا جاء جمعه أستاه، وإنما يغرز لواؤه على استه إهانة له وتشهيرًا به.\nوقوله: (أن يقول بحق) مفعول (لا يمنعن)، و(هيبة الناس) فاعله، وذكر القول بناءً على ما هو الغالب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمراد تغييره ولو باليد، وقوله: (رأيناه) أي: المنكر، وذلك في إمارة أمراء الجور من بني أمية.\nوقوله: (ومنهم من يولد مؤمنًا، ويحيا مؤمنًا، ويموت كافرًا. . . إلخ)، الأقسام تزيد على هذا؛ فإن الحالات ثلاثة: الولادة والحياة والموت، والإيمان، والكفر، ولكن المقصد بيان الخاتمة أنه على الإيمان أو الكفر، فذكر ما ذكر وترك ما وراءه، فافهم.\nوقوله: (قال: وذكر الغضب) الظاهر أن ضمير (قال) لأبي سعيد، و(ذكر)","vol":"8","page":380},{"text":"\"فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ سَرِيعَ الْغَضَبِ، سَرِيعَ الْفَيْءِ، فَإِحْدَاهُمَا بِالأُخْرَى، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ بَطِيءَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الْفَيْءِ، فَإِحْدَاهُمَا بِالأُخْرَى، وَخِيَارُكُمْ مَنْ يَكُونُ بَطِيءَ الْغَضَبِ سَرِيعَ الْفَيْءِ، وَشِرَارُكُمْ مَنْ يَكُونُ سَرِيعَ الْغَضَبِ بَطِيءَ الْفَيْءِ\"، قَالَ: \"اتَّقُوا الْغَضَبَ، فَإِنَّهُ جَمْرَةٌ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، أَلَا تَرَوْنَ إِلَى انْتِفَاخِ أَوْدَاجِهِ؟ وَحُمْرَةِ عَيْنَيْهِ؟ فَمَنْ أَحَسَّ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَضْطَجِعْ وَلْيَتَلَبَّدْ بِالأَرْضِ\"، قَالَ: وَذَكَرَ الدَّيْنَ فَقَالَ: \"مِنْكُمْ مَنْ يَكُونُ حَسَنَ الْقَضَاءِ، وَإِذَا كان لَهُ أَفْحَشَ فِي الطَّلَبِ،\nــ\nللنبي -ﷺ-، ويحتمل أن يكون ضمير (قال) أيضًا له -ﷺ-، وذكر الغضب جملة معترضة بين (قال) ومقوله، وأما قوله بعد هذا: (قال: وذكر الدين فقال) يؤيد الأول.\nوقوله: (فإحداهما بالأخرى) أي: إحدى الخصلتين مقابلة بالخصلة الأخرى لا يستحق فاعلها المدح ولا الذم.\nوقوله: (فليضطجع) قد سبق في (باب الغضب): إذا كان قائمًا فليجلس؛ فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع، ولا شك أن الاضطجاع أدخل، وقد مر وجهه أيضًا.\nوقوله: (وليتلبد) أي: ليلتزق، في (القاموس) (١): لبد كنصر وفرح لبودًا ولبدًا: أقام ولزق.\nوقوله: (وإذا كان) أي: الدين (له) على أحد (أفحش) أي: قال الفحش، فهذا قضاؤه حسن وطلبه سيِّيء.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٩٩).","vol":"8","page":381},{"text":"فَإِحدَاهُما بِالأُخْرَى، وَمِنْهُم مَن يكونُ سَيِّئَ الْقَضَاءِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَجْمَلَ فِي الطَّلَبِ، فَإِحْدَاهُمَا بِالأُخْرَى، وَخِيَارُكُمْ مَنْ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَحْسَنَ الْقَضَاءَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَجْمَلَ فِي الطَّلَبِ، وَشِرَارُكُمْ مَنْ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَسَاءَ الْقَضَاءَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَفْحَشَ فِي الطَّلَبِ\". حَتَّى إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ عَلَى رُؤُوْسِ النَّخْلِ وَأَطْرَافِ الْحِيطَانِ فَقَالَ: \"أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا فِيمَا مَضَى مِنْهَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمِكُمْ هَذَا فِيمَا مَضَى مِنْهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٩١].\n٥١٤٦ - [١٠] وَعَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَنْ يَهْلِكَ النَّاسُ حَتَّى يُعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٤٧].\nــ\nوقوله: (حتى إذا كانت الشمس) متعلق بقوله: (قام فينا خطيبًا).\nوقوله: (فيما مضى) أي: بالنسبة إلى ما مضى.\nوقوله: (إلا كما بقي) الكاف بمعنى المثل، أي: لم يبق شيء إلا مثل ما بقي.\n٥١٤٦ - [١٠] (أبو البختري) قوله: (أبي البختري) بفتح الموحدة والمثناة بينهما معجمة ساكنة بلفظ النسبة.\nوقوله: (لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم) المشهور من الرواية بضم الياء على صيغة المعلوم من الإعذار، في (القاموس) (١): أعذر فلان، أي: كثرت ذنوبه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٠٧).","vol":"8","page":382},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوعيوبه، ومنه: لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم، وقال في (الصراح) (١): اعذار بسيار عيب شدن، وفي الحديث: (لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم)، أي: تكثر ذنوبهم، وقيل في توجيهه: إن الهمزة للسلب، أي: أزالوا عذرهم بكثرة اقتراف الذنوب، فيستوجبون العقوبة من اللَّه والمنع والزجر من الناس بالنهي عن المنكر، ويحتمل أن يكون من (أعذر)، أي: صار ذا عذر، فالهمزة للصيرورة، والمعنى: حتى يذنبوا فيعذروا، فصاروا محل الاعتذار من أنفسهم، أو يعتذرون بتأويلات زائغة وأعذار فاسدة من قبل أنفسهم، وفي (القاموس) (٢): أعذر: أبدى عذرًا وأحدث، وفي (الصراح) (٣): اعذار صاحب عذر شدن، وقال الطيبي (٤): هذا الوجه أنسب بباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان الناهي ينكر عليه ذنبه، وهو يتبرأ من الذنب ويعذر لنفسه ولإقدامه عليه، انتهى.\nوقد ظهر مناسبة المعنى الأول أيضًا بالباب بما قررناه، وقد جعل أهل اللغة الحديث بهذا المعنى كما نقلنا، ويروى بفتح الياء من عذرته، أي: جعلته معذورًا، في (القاموس) (٥): عَذَره يَعذِره عُذْرًا وعُذُرًا وعُذْرى ومَعذِرة [ومَعذُرة]، فكأنهم بكثرة ذنوبهم عذروا من يعاتبهم ويزجرهم وينهاهم عنها، فافهم. وسيجيء في حديث آخر:\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ١٩٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٠٧).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ١٩٦).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٧٨).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٠٧).","vol":"8","page":383},{"text":"٥١٤٧ - [١١] وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ الْكِنْدِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا مَوْلًى لَنَا أَنَّهُ سَمِعَ جَدِّي يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِعَمَلِ الْخَاصَّةِ حَتَّى يَرَوُا الْمُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرَانيهِمْ وَهُمْ قَادِرُونَ عَلَى أَنْ يُنْكِرُوهُ فَلَا يُنْكِرُوا، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَذَّبَ اللَّهُ العامَّةَ والخاصَّةَ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٤١٥٥].\nــ\n(لقد أعذر اللَّه إلى من بلغ به من العمر ستين سنة) في (الفصل الأول) من (باب الأمل والحرص)، وفي (الصراح) (١): عذر بالضم والسكون: بهانه ومعذور داشتن، معذرة بكسر الذال عذرى وعذرة اسم في العذر، يعني بهانه اعتذار عذر خواستن وبا عذر شدن، انتهى. ونقل في (مجمع البحار) (٢) من \"النهاية\" (٣): أن حقيقة عذرت محوت الإساءة وطمستها، وكأنه أخذ هذا المعنى مما ذكر في (الصراح) (٤): عذر نابيدا شدن اثر عمارت وجزآن، فتدبر.\n٥١٤٧ - [١١] (عدي بن عدي) قوله: (إن اللَّه تعالى لا يعذب العامة بعمل الخاصة) أي: لا يعذب القوم كلهم بذنب عمله بعض منهم إلا بتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإذا تركوا عمهم عذاب المذنبين؛ لأنهم ظلموا أنفسهم بارتكاب الذنوب وغيرَهم لأنهم ظلموا بترك النهي عنها، فافهم.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ١٩٦).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥٥٠).\n(٣) \"النهاية\" (٣/ ١٩٧).\n(٤) \"الصراح\" (ص: ١٩٦).","vol":"8","page":384},{"text":"٥١٤٨ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَمَّا وَقَعَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِي الْمَعَاصِي نَهَتْهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا، فَجَالَسُوهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ وَآكَلُوهُمْ وَشَارَبُوهُمْ، فَضَرَبَ اللَّهُ قُلوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، فَلَعَنَهُمْ عَلَى لِسَانِ دَاوُد وَعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ، ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ\". قَالَ: فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: \"لَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى تَأْطِرُوهُمْ أَطْرًا\". . . . .\nــ\n٥١٤٨ - [١٢] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (وآكلوهم) وفي بعض النسخ: (وواكلوهم)، في (الصراح) (١): مؤاكلة: باهم خردن، يقال: آكلته، أي: أطعمته وأكلت معه، فصار (أفعلت) و(فاعلت) على صورة واحدة، ولا يقال: واكلته بالواو، وفي (القاموس) (٢): آكله الشيء: أطعمه إياه ودعاه عليه، كأكّله تأكيلًا، وفلانًا مواكلة وإكالًا: أكل معه كواكله في لُغَيَّة.\nوقوله: (فضرب اللَّه قلوب بعضهم ببعض) في (القاموس) (٣): أضرب الشيء بالشيء: خلطه كضرّبه، والضريب: اللبن يحلب من عدّة لِقاح في إناء.\nوقوله: (فلعنهم على لسان داود. . . إلخ)، اقتباس لقوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨].\nوقوله: (لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم أطرأ) الأطر: عطف الشيء\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٤٠٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٨٥).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٣).","vol":"8","page":385},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِي رِوَايتِهِ قَالَ: \"كَلَّا وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيِ الظَّالِم، وَلَتَأْطِرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا، وَلَتَقْصُرَنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لَيَلْعَنَنَّكُمْ كَمَا لَعَنَهُمْ\". [ت: ٣٠٤٧، د: ٤٣٤٧].\nــ\nوإمالته، أطرته: عطفته، والفعل كضرب ونصر، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصحاح) (٢): كضرب، وأطرت القوس، أي: حَنَيْتَها، وورد في آدم: أنه كان طوالًا فأطر اللَّه منه (٣)، أي: ثناه وقصره ونقص من طوله، والإطار بكسر الهمزة: الحلقة من الناس، وقضبان الكرم تلتوي للتعريش، وما يفصل بين الشفة وبين شعر الشارب، وورد في قص الشارب: حتى يبدو الإطار، يعني حرف الشفة العليا، ومنه: إطار القوس، وإطار الظفر، وهو ما أحاطه بالظفر من اللحم، وإطار الْمُنْخُل، وهو خشبته، وإطار الحافر، وكل شيء أحاط بشيء فهو إطار له.\nوالمعنى: لا تنجون من العذاب حتى تميلوهم من جانب إلى جانب، وتأخذوا على أيديهم، وتمنعوهم من الظلم، وتميلوهم من الباطل إلى الحق، وتقصروهم على الحق، أي: تحبسوهم عليه وتلزموهم إياه، فعلى هذا كانت (لا) نفيًا لقول قائل: هل يُعْذَر في تخلية الظالمين وشأنهم؟ أو هل النجاة في تركهم؟ فقال: لا حتى تأطروهم، والقسم معترض بين الغاية والمغيا، وليست (لا) التي يجيء بها القسم تأكيدًا له مثل: لا واللَّه، كما قال الطيبي (٤).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٢٣).\n(٢) \"الصحاح\" (٢/ ٥٨٠). ووقع في الأصل \"الصراح\"، وهو تحريف.\n(٣) انظر: \"النهاية\" (١/ ٥٣).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٧٩).","vol":"8","page":386},{"text":"٥١٤٩ - [١٣] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالًا تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جبريلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ\". رَوَاهُ في \"شَرْحِ السُّنَّةِ\"، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\"، وَفِي رِوَايته قَالَ: \"خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُوْنَ، وَيَقْرَؤُوْنَ كِتَابَ اللَّهِ وَلَا يَعْمَلُونَ\". [شرح السنة: ٤١٥٩، شعب: ١٦٣٧].\n٥١٥٠ - [١٤] وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أُنْزِلَتِ الْمَائِدَةُ مِنَ السَّمَاءِ خُبْزًا وَلَحْمًا، وَأُمِرُوا أَنْ لَا يَخُونُوا وَلَا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ،\nــ\nويحتمل أن يكون تلك، ويكون المغيا لـ (حتى) محذوفًا، والتقدير: لا واللَّه لا تنجون حتى تأطروهم، ويؤيد التوجيه الأول قوله في رواية أبي داود: (كلا واللَّه)، (أو ليضربن اللَّه) أي: أحد الأمرين واقع، إما أمركم بالمعروف، وإما خلط قلوب بعضكم على بعض، وما بعد (لتأمرن) تفسيرٌ وبيانٌ له.\n٥١٤٩ - [١٣] (أنس) قوله: (يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم) التعذيب لنسيان أنفسهم لا للأمر، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]: إن الإنكار راجع إلى عدم الفعل لا إلى القول، ولا ينافي جواز الأمر بالمعروف مع عدم فعله كما هو المختار.\n٥١٥٠ - [١٤] (عمار بن ياسر) قوله: (أنزلت المائدة) هي الخوان إذا كان عليه الطعام، كذا قال البيضاوي (١)، وفي (الصراح) (٢): المائدة: هي خوان عليه طعام،\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٢٤).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ١٤٨).","vol":"8","page":387},{"text":"فَخَانُوا وَادَّخَرُوا، وَرَفَعُوا لغَدٍ،\nــ\nيعني خوان آراسة؛ فإذا لم يكن عليه طعام فهي خوان، واشتقاقها من ماد يميد ميدًا وميدانًا: إذا تحرك، ومنه: (فدحا اللَّه الأرض فمادت، فسكنت من الميدان برسوب الجبال)، وفي ذم الدنيا: (هي الحيود الميود) فعول منه، وماد الماء: تحرك، وماد الشراب: اضطرب، ومادت الأغصان: تمايلت، وماد الرجل: تبختر، وأصابه دوار من سكر أو ركوب بحر، وفي الحديث: (المائد في البحر له أجر شهيد) (١)، وهو من يدار برأسه من ريح البحر واضطراب السفينة، والظاهر أن اشتقاق المائدة من ماده: إذا أعطاه، وفي (القاموس) (٢): الممتَادُ: المُستَعْطِي والمُستعطَى، وهي فاعلة بمعنى مفعولة، مثل ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾، وقال البيضاوي (٣): كأنها تُميد من تقدَّم إليه، ونظيرها قولهم: شجرة مطعمة، انتهى.\nأو هي صيغة النسبة، وقد تطلق المائدة على الطعام نفسه، قال في (القاموس) (٤): المائدة: الطعام، والخوان عليه طعام، كالميدة، والطعام هو المراد من الحديث: إذا رفعت مائدته قال: الحمد للَّه، على ما روي أنه -ﷺ- لم يأكل على خوان، والظاهر فيما نحن فيه من الحديث أيضًا حمله على الطعام؛ لأن خبزًا ولحمًا تمييزان منه.\nوقوله: (فخانوا) أي: فلم يمنعهم أحد منهم، ولم ينههم عن هذا المنكر، فيوافق الباب.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في \"سننه\" (٢٤٩٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٣).\n(٣) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٢٤).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٣).","vol":"8","page":388},{"text":"فمُسِخوا قِرَدَةً وخَنَازِيرَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٠٦١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1151> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥١٥١ - [١٥] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّهُ تُصِيبُ أُمَّتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِنْ سُلْطَانِهِمْ شَدَائِدُ، لَا يَنْجُو مِنْهُ إِلَّا رَجُلٌ عَرَفَ دِينَ اللَّهِ، فَجَاهَدَ عَلَيْهِ بِلِسَانِهِ وَيَدِهِ وَقَلْبِهِ، فَذَلِكَ الَّذِي سَبقَتْ لَهُ السَّوَابِقُ، وَرَجُلٌ عَرَفَ دِينَ اللَّهِ فَصَدَّقَ. . . . .\nــ\nوقوله: (فمسخوا قردة وخنازير) حالان مقدرتان، كقوله تعالى: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [الشعراء: ١٤٩]، كذا قال الطيبي (١)، ويحتمل أن يضمن يمسخون معنى يجعلون (٢)، فيكون مفعولًا ثانيًا له.\nالفصل الثالث\n٥١٥١ - [١٥] (عمر بن الخطاب) قوله: (لا ينجو منه) الضمير للسلطان أو للشدائد بتأويل المذكور أو المنكر.\nوقوله: (سبقت له السوابق) من السعادة، والبشرى بالمثوبة، والتوفيق للطاعة، ويقال: له سابقة في هذا الأمر: إذا سبق الناس إليه، ومحصله أنه من السابقين، ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠، ١١].\nوقوله: (عرف دين اللَّه فجاهد عليه بلسانه ويده وقلبه. . . إلخ)، ذكر المعرفة في ثلاث مواضع، وفسرها في الأول بما هو اكمل وأرفع المراتب، وهو الجهاد بيده ولسانه وقلبه، فلا بد أن يكون ما بعده بلا واسطة أقرب منه، وعبر عنه بقوله: (فصدق\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٨٠).\n(٢) كذا في الأصول، والظاهر: \"مسخوا معنى جعلوا\".","vol":"8","page":389},{"text":"بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ دِينَ اللَّهِ فَسَكَتَ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَأَى مَنْ يَعْمَلُ الْخَيْرَ أَحَبَّهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ رَأَى مَنْ يَعْمَلُ بِبَاطِلٍ أَبْغَضَهُ عَلَيْهِ، فَذَلِكَ يَنْجُو عَلَى إِبْطَانِهِ كلِّهِ\".\n٥١٥٢ - [١٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَوْحَى اللَّهُ ﷿ إِلَى جِبْرِيلَ ﵇: أَنِ اقْلِبْ مَدِينَةَ كَذَا وَكَذَا بِأَهْلِهَا، فَقَالَ: يَا رَبِّ! إِنَّ فِيهِمْ عَبْدَكَ فُلَانًا لَمْ يَعْصِكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ،\nــ\nبه) فيكون المراد به المعرفة باللسان والقلب، إذ التصديق بالقلب، واللسان مترجم عنه بقرينة مقابلة القسمين، والثالث: يكون أدنى، وعبر عنه بقوله: (فسكت)، فلا يكون إلا بالقلب فقط، فهذه ثلاث مراتب أشير إليها في كتاب اللَّه بطريق الترقي من الأدنى إلى الأعلى بقوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ أي: ناقص في حظه، ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ أي: متوسط، ﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢]، وكلهم من عباد اللَّه المصطفين بالإيمان؛ لقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ الآية [فاطر: ٣٢].\nوقوله: (فإن رأى) بيان وتفصيل للقسم الأخير، والضمير في (إبطانه) للرجل، [من] إضافة المصدر إلى الفاعل، والمفعول محذوف، أي: محبة الخير وبغض الباطل، و(عمل) يتعدى بنفسه وبالباء، ولا يخفى ما في استعمال الأول في الخير والثاني في الباطل من اللطف والإشارة إلى مزيد شوق وحرص في عمل الخير والانجذاب إليه بلا واسطة، فافهم.\n٥١٥٢ - [١٦] (جابر) قوله: (فلانًا) في (القاموس) (١): فُلان وفُلانة مضمومتين\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٢٧).","vol":"8","page":390},{"text":"قَالَ: فَقَالَ: اقْلِبْهَا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ، فَإِنَّ وَجْهَهُ لَمْ يَتَمَعَّرْ فِيَّ سَاعَةً قَطُّ\".\n٥١٥٣ - [١٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَسْأَلُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: مَا لَكَ إِذَا رَأَيْتَ الْمُنْكَرَ فَلَمْ تُنْكِرْهُ؟ \" قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَيُلَقَّى حُجَّتَهُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! خِفْتُ النَّاسَ وَرَجَوْتُكَ\". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٧١٨١، ٧١٨٩، ٧١٦٧].\nــ\nكناية عن أسمائنا، وبـ (أل) عن غيرنا، وقد يقال للواحد: يا فُلُ، وللاثنين: يا فُلانِ، وللجمع: يا فُلُونَ، وفي المؤنث: يا فُلَةُ ويا فلتَانِ ويا فُلَاتُ، ومنع سيبويه أن يقال: يا فُلُ ويراد فلان إلا في الشعر، انتهى.\nوقوله: (لم يتمعر) في (القاموس) (١): معر وجهه: غيّره غيظًا، فتمعر، والممعور: المقَطِّب غضبًا، وفي (الصراح) (٢): تمعر: بركَشتن رنك روئ از خشم.\n٥١٥٣ - [١٧] (أبو سعيد) قوله: (فيلفى حجته) أي: يؤتى ويعلم، قال البيضاوي (٣) في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٦] لتؤتاه، وفي (القاموس) (٤): ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ يُلْقَى إليك وحيًا من اللَّه تعالى.\nوقوله: (فيقول: يا رب! خفت الناس ورجوتك) أي: خفت سطوتهم وشرهم ولم أكن قادرًا على دفعه، ورجوت عفوك؛ فإنك تعلم ضعفي وحالي.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٤٤).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٢١٤).\n(٣) \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٤٢٩).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٢٢).","vol":"8","page":391},{"text":"٥١٥٤ - [٨] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَده إِنَّ الْمَعْرُوفَ وَالْمُنْكَرَ خَلِيقَتَانِ تُنْصَبَانِ لِلنَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَمَّا الْمَعْرُوفُ فَيُبَشِّرُ أَصْحَابَهُ وَيُوعِدُهُمُ الْخَيْرَ، وَأَمَّا الْمُنْكَرُ فَيَقُولُ: إِلَيْكُمْ إِلَيْكُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُ إِلَّا لُزُومًا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [حم: ٤/ ٣٩١، شعب: ١٠٦٦٦].\nــ\n٥١٥٤ - [١٨] (أبو موسى الأشعري) قوله: (خليقتان) أي: مخلوقتان، يعني يصوران ويمثلان في صورة إنسان.\nوقوله: (ويوعدهم الخير) في (القاموس) (١): وعده الأمر وبه خيرًا وشرًّا؛ فإذا أسقطا قيل في الخير: وعد، وفي الشر: أوعد، وقالوا: (أوعد) الخير وبالشر، وقد مر في أوائل الكتاب في (باب الوسوسة).\nوقوله: (إليكم إليكم) أي: تنحوا عني، (وما يستطيعون له إلا لزومًا) أي: لا يستطيعون مفارقته.\n* * *\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٨).","vol":"8","page":392},{"text":"(٢٦) كتاب الرقاق","vol":"8","page":393},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1152>(٢٦) كتاب الرقاق</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1153> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥١٥٥ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٤١٢].\nــ\n٢٦ - كتاب الرقاق\nجمع رقيق، كصغار وكبار جمع صغير وكبير، ضد الغليظ، وقد يجيء رقائق كحقائق ودقائق جمع رقيقة، وموصوفها الكلمات، والرقة قد تجيء بمعنى الرحمة، ولعل وصف الكلام بذلك لكونه مؤثرًا في رقة القلب وإحداثه الرحمة فيه، ولو جعل (فعيل) بمعنى (مفعل) من التفعيل كما يجيء بمعنى المفعل من الإفعال كبديع ونذير على مختار البيضاوي في تفسيره لم يبعد.\nالفصل الأول\n٥١٥٥ - [١] (ابن عباس) قوله: (نعمتان مغبون فيهما) الغبن بالسكون نقصان المال والخسران فيه في المعاملات، وبالتحريك في الرأي بمعنى ضعفه ونقصانه.\nوقوله: (نعمتان) مبتدأ، و(مغبون فيهما) صفة، و(الصحة والفراغ) خبره، وهذا لرعاية ما اشتهر من وجوب تخصيص المبتدأ النكرة، والذي ينساق الفهم ويتبادر إليه في الحديث هو أن يكون الخبر (مغبون) ويكون قوله: (الصحة والفراغ) خبر مبتدأ محذوف، وهذا المعنى جيد، فافهم وأنصف من نفسك، والصحة صحة البدن،","vol":"8","page":395},{"text":"٥١٥٦ - [٢] وَعَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"وَاللَّهِ مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ، فَلْينْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٥٨].\n٥١٥٧ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ، قَالَ: \"أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ؟ \" فَقَالُوا: مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، قَالَ: \"فَوَاللَّهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا عَلَيْكُم\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٥٧].\n٥١٥٨ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٥٦].\nــ\nوالفراغ الفراغ عن المشاغل والموانع عن العمل.\n٥١٥٦ - [٢] (المستورد بن شدّاد) قوله: (ما الدنيا) أي: نعيمها أو مدة بقائها.\nوقوله: (وأصبعه) الأصبع مثلثة الهمزة مثلثة الباء، تسع لغات، وقد تذكر، كذا في (القاموس) (١).\n٥١٥٧ - [٣] (جابر) قوله: (أسك) أفعل من السك، والسك: اصطلام الأذنين، وفي (الصراح) (٢): سك ازبن بركندن كَوش، وفي الحواشي (٣): الأسك: مقطوع الأذنين أو صغيرهما، يقال للذي لا أذن له.\n٥١٥٨ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) أما سجن\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٦٧٩).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٤٠١).\n(٣) \"حاشية جمال الدين\" (ص: ٣٠٩).","vol":"8","page":396},{"text":"٥١٥٩ - [٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الآخِرَةِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٠٨].\nــ\nالمؤمن فلما يصيبه فيها من البلايا والمحن والآلام، وجنة الكافر لتنعمه وتمتعه فيها بالشهوات واللذات، أو لأنها ضيقة على المؤمن يريد الخروج منها دائمًا إلى فضاء القدس وقرب رب العالمين، والكافر يتمنى الخلود فيها لركونه إليها وانهماكه في الشهوات، وقد يشتبه هذا بالمؤمن الغني المتنعم والكافر الفقيه المبتلى فيقال: إن الدنيا للمؤمن كالسجن في جنب ما أعدّ له من الثواب وإن كان له فيها تنعم، وللكافر كالجنة في جنب ما أعدّ له من العقاب، وإن كان له محنة وشدة.\n٥١٥٩ - [٥] (أنس) قوله: (إن اللَّه لا يظلم مؤمنًا حسنة) أي: لا ينقصه إياها، متعدي إلى مفعولين، كذا قال الطيبي (١)، ويحتمل أن يكون أحد المنصوبين بالحذف والإيصال.\nوقوله: (يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة) الباء في الموضعين يحتمل أن تكون للسببية أو البدلية، والمفعول الثاني محذوف، أي: يعطى المؤمن بتلك الحسنة في الدنيا حسنة ويجزى بها في الآخرة حسنة، وقول الطيبي (٢): إن الباء في قوله: (يعطى بها) إن حملت على السببية فيحتاج إلى مقدر، أي: يعطى بسببها حسنة، وإن حملت على البدل فلا، وأما الباء في (يجزى بها) فهي للسببية مما لا يظهر وجهه،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٨٦).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٨٦).","vol":"8","page":397},{"text":"٥١٦٠ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُجِبَتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَاره\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. إِلَّا أَنْ عِنْدَ مُسْلِمِ: \"حُفَّتْ\" بَدَلَ \"حُجِبَتْ\". [خ: ٦٤٨٧، م: ٢٨٢٢].\n٥١٦١ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَم وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ،\nــ\nومعنى الحديث: أن المؤمن يثاب بالحسنة في الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فيجزى جزاءً وافيًا، وأما في الدنيا فيعطى أيضًا شيئًا منه، كطيب العيش، وفراغ الخاطر، وسلامة الحال، والكافر قد يعطى بما فعل من الحسنات في الدنيا، وأما في الآخرة فلا جزاء له، أي: من الجنة ونعيمها، وإلا فقد جاء في بعض الأخبار أنه قد يفيده تخفيفًا في العذاب، واللَّه أعلم.\n٥١٦٠ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (حجبت النار بالشهوات وحجبت الجنة بالمكاره) أي: الشدائد من العذاب والمجاهدات، فمن وصل بها وعملها وصل إلى الجنة ودخلها، ومن وصل بالشهوات وارتكبها دخل النار؛ فإن ما كان في الحجاب وجب الوصول إليه والدخول عليه بالوصول إلى الحجاب والدخول فيه، ثم رفعه وهتكه، وبهذا عرف لقولهم: العلم حجاب اللَّه معنى، فافهم.\n٥١٦١ - [٧] (وعنه) قوله: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة) التعس: الهلاك والعثار والسقوط والشر والبعد والانحطاط، والفعل كمنع وسمع، وإذا خاطبت قلت: تعست كمنع، وإذا حكيت قلت: تعس كسمع، وتعسه اللَّه وأتعسه، ورجل تاعس وتعس، كذا في (القاموس) (١)، والخميصة: ثياب سود فيها علم، وفي\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٤٩٥).","vol":"8","page":398},{"text":"إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتُقِشَ،\nــ\n(الصراح) (١): كَليم سياه جهار سوء علم، أراد بها محب الثياب النفيسة والحريص على التجمل والمتكلف فيه ليري الناس ويتكبر به عليهم، وهو دعاء على من استعبده حب الدنيا، ولهذا ذكر العبد ولم يقل مالكها أو صاحبها.\n(إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط) قال الطيبي (٢): وهذا يؤذن بشدة حرصه في جمع الدنيا وطمعه فيما في أيدي الناس، انتهى.\nويمكن أن يراد إن أعطاه اللَّه ورزقه ذلك رضي منه، وإن لم يعطه ويرزقه (٣) سخط له تعالى، كما أشير إليه في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ [التوبة: ٥٨].\nوقوله: (تعس وانتكس) نكسه: قلبه على رأسه كنكّسه، وفي (الصراح) (٤): انتكاس: نكَو نسار شدن، ناكس: سر بروفكَنده، وهو تكرير وتأكيد للدعاء عليه بالهلاك والذل والخيبة والخسران.\nوقوله: (وإذا شيك فلا انتقش) أي: دخل شوك في عضوه، وهو كناية عن إصابة البلاء، و(انتقش) ببناء المجهول، أي: فلا أخرج منه ذلك الشوك، والنقش: استخراج الشوك، وما يخرج به مِنْقاش ومِنْقش، وهذا دعاء آخر عليه بعدم إعانة أحد\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٢٦٨).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٨٨).\n(٣) كذا في الأصل، والظاهر: \"ولم يرزقه\".\n(٤) \"الصراح\" (ص: ٢٥٢).","vol":"8","page":399},{"text":"طُوبَى لِعَبْدٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَشْعَثُ رَأْسُهُ مُغْبَرَّةٌ قَدَمَاهُ، إِنْ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ كَانَ فِي الْحِرَاسَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي السَّاقَةِ كَانَ فِي السَّاقَة،\nــ\nإياه في الشدة والبلاء ليسهل عليه ويتسلّى، وهذا أبلغ؛ لأنه أسهل ما يتصور من الإعانة؛ فإذا نفي كان ما فوقه منفيًّا بطريق الأولى، ثم إنا جرينا في حمل هذا الكلام على معنى الدعاء على طريقة الشارحين واتبعناهم، ولكن للحمل على الإخبار بسوء حالهم وهلاكهم وانكبابهم وانتكاس أمرهم مجال واسع، فيكون إشارة إلى أنهم كما خابوا وهلكوا عند اللَّه كذلك خسروا وتضرروا عند الخلق، وصاروا بحيث إذا ابتلوا بشدة ومحنة في الدنيا لم يعنهم أحد ولم يترحم عليهم؛ لأنهم لما صاروا إلى الدنيا بخلوا ولم يحسنوا إلى الناس حتى يحبونهم ويعينوهم في الشدائد، فافهم.\nوقوله: (طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه. . . إلخ)، لما ذكر قبيح حال عبيد الدنيا المتكبرين المتزينين زينة الحياة الدنيا أردفه بذكر المهتمين بأمر الدين، المجاهدين في سبيل اللَّه، الزاهدين في الدنيا وزينتها، المتواضعين لأمر الشرع، أذلة في أعين أهل الدنيا أعزة عند اللَّه تعالى.\nوقوله: (أشعث) منصوب على الحالية من (عبد)، أو مجرور صفة له، أو مرفوع على الخبرية لمحذوف، و(رأسه) فاعله، وكذلك (مغبرة قدماه).\nوقوله: (إن كان في الحراسة) أي: إن أمروه بكونه في أمر الحراسة كان راضيًا به وممتثلًا أمر المسلمين، أو المراد إن كان في الحراسة كان فيها كاملًا؛ لأن الشرط والجزاء إذا اتحدا دل على فخامة الجزاء وكماله، مثل: شعري شعري، و(الساقة) مؤخر الجيش.","vol":"8","page":400},{"text":"وَإِن اسْتَأْذَنَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شَفَعَ لَمْ يُشَفَّعْ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٨٨٧].\n٥١٦٢ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا\"، فَقَالَ رجلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أوَ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فَسَكَتَ حَتَّى ظَننَّا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَمَسَحَ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ وَقَالَ: . . . . .\nــ\nوقوله: (إن استأذن) أي: الناس في دخوله عليهم وجلوسه مجلسهم (لم يؤذن له) لحقارته في أعين أهل الظاهر، وهو مقرب حضرة اللَّه ومعزز عنده، (وإن شفع) الناس في أمر (لم يشفع) لم تقبل شفاعته؛ لعدم مبالاة الناس به، وهو بحيث لو أقسم على اللَّه لأبره.\n٥١٦٢ - [٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (أو يأتي الخير بالشر؟) الباء للتعدية، أي: حصول المال بالغنائم لنا خير، وهل يكون ذلك الخير سببًا للشر وترك الطاعة؟\nوقوله: (فمسح عنه الرحضاء) بضم الراء وفتح الحاء المهملة والضاد المعجمة ممدودًا، كذا في (مشارق الأنوار) (١)، وفي (القاموس) (٢): هي عرق إثر الحمى، أو عرق يغسل الجلد كثرة، وقد رحض المحموم كعني، والرحاض بالضم اسم منه، وفي (النهاية) (٣): الرحض الغسل، وفي حديث أواني المشركين: (إن لم تجدوا غيرها فارحضوها بالماء)، والرحيض: الثوب المغسول، والرحضاء: هو عرق يغسل الجلد لكثرته، وكثيرًا ما يستعمل في عرق الحمى والمرض.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤٥٥).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٥٩٣).\n(٣) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (٢/ ٢٠٨).","vol":"8","page":401},{"text":"\"أَيْنَ السَّائِلُ؟ \" وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ، فَقَالَ: \"إِنَّهُ لَا يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ مَا يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ، إِلَّا آكلَةَ الْخَضِرِ أَكَلَتْ حَتَّى امْتَدَّتْ خَاِصرَتَاهَا اسْتقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ. . . . .\nــ\nوقوله: (وكأنه حمده) جعلوا المضمر المرفوع للنبي -ﷺ- والمنصوب للسائل، أي: أثنى عليه في سؤاله، فأجابه لأنه كان محل السؤال والاستفسار.\nوقوله: (إنه لا يأتي الخير بالشر) إشارة إلى أن المال وإن كثر فهو خير، وإنما يصير شرًّا بعارض البخل والإسراف، كالربيع ما أنبت إلا ما هو خير في نفسه، والهلاك للإفراط في الأكل كما بينه بقوله: (وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا) والحبط بفتحتين: التخمة، وفي (القاموس) (١): وجع ببطن البعير من كلأ يكثر منه فتنتفخ منه، فلا يخرج منه شيء، حبط كفرح، أو انتفاخ البطن عن أكل الذُّرق، وفي (الصراح) (٢): حبط بالتحريك: شكم برآمدن ستور را از خردن، ويروى من الخاء المعجمة من التخبط، وهو الاضطراب، كذا في (مجمع البحار) (٣)، ولا شك أن الأول أقرب وأنسب، واللَّه أعلم.\nوقوله: (أو يلم) من الإلمام، وهو المقاربة، في (القاموس) (٤): وغلام مُلِمٌّ، بضم أوله: قارب البلوغ، فالمعنى ما يقارب القتل.\nوقوله: (إلا آكلة الخضر) استثناء مفرغ، أي: يقتل آكليه كلهم إلا آكل الخضر بالصفة المذكورة المبنية بقوله: (أكلت حتى امتدت. . . إلى آخره)، و(آكلة) على\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٦٠٩).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٢٨٨).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٨٨).\n(٤) \"القاموس\" (ص: ١٠٦٨).","vol":"8","page":402},{"text":"فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ، ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ،\nــ\nلفظ اسم الفاعل، وتأنيثه بتقدير موصوفه مؤنثًا، أي: دابة آكلة، أو جماعة آكلة، أو التاء للمبالغة، والاستثناء المفرغ في الكلام الموجب صحيح عند إرادة العموم، و(الخضر) بكسر الضاد: من النبات الرخص الغض، قال الأزهري: والخضر هنا ضرب من الجنبة، والجَنْبة: ما له أصل غامض في الأرض، فالماشية تشتهيه وتكثر منه؛ لأنه يبقى فيه خضرة ورطوبة بعد يبس البقول وهيجها، واحده خضرة، كذا في (مشارق الأنوار) (١)، وفي (القاموس) (٢): الخضر ككتف: الغصن والزرع والبقلة الخضراء كالخضرة والخضير، وضرب من الجنبة، واحدته بهاء، وسعف النخل، وجريده الأخضر، واختُضِرَ: أُخِذَ غَضًّا، ثم إنه جاء عند العذري في حديث أبي الطاهر: (الخضرة) بزيادة التاء، أي: النبات الأخضر الناعم، وعند الطبري وبعضهم: الخضر بضم الخاء وسكون الضاد، والرواية الأولى أعرف، وكذا في أكثر الأحاديث والروايات، كذا قال القاضي عياض، وقال الكرماني: الخضراء بسكون ضاد ومد، أي: من جملة ما ينبته الربيع شيء يقتل إلا خضراء إذا اقتصد فيه آكله، وروي (ألا) بخفة لام استفتاحية، أي: ألا انظروا لآكله واعتبروا بها (٣).\nوقوله: (فثلطت) أي: ألقت ما في بطنها رقيقًا، إذا شبعت فثقل عليها ما أكلت، فتحيلت في دفعه بأن تستقبل الشمس فتحمي بها فسهل خروجه؛ فإذا خرج زال الانتفاخ فسلمت، يعني المقتصد المحمود العاقبة وإن جاوز حد الاقتصاد في بعض الأحيان\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٨٣).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٣٦٠).\n(٣) انظر: \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٥٣).","vol":"8","page":403},{"text":"وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٦٥، م: ١٠٥٢].\nــ\nوقرب من السرف المذموم لغلبة الشهوة المركوزة في الإنسان لكنه يرجع عن قريب عن ذلك الحد المذموم ولا يثبت عليه، بل يلتجئ إلى التوبة وعلاج نفسه بما يطهره ويزكيه، فهذا إشارة إلى الاقتصاد في شهوات الدنيا كما أن الأول المذكور في قوله: (يقتل حبطًا) إشارة إلى الإسراف والتجاوز عن الحد، بل لا يبعد أن يدّعى أن في الحديث تلويحًا إلى قسم ثالث، وهو الزهد في الدنيا وزينتها مطلقًا، فالمفرط السرف الذي هلك في لذات الدنيا وشهواتها مثال للكافر، والذي أسرف لكنه قد يتحرى في إزالة ذلك ويحتال في دفع مضرتها مثال للمؤمن العاصي، والذي يزهد فيها ولا يلتفت إلى الدنيا وزهرتها مثال للزهد، ولو جعلت الأمثلة الثلاثة للمؤمنين، الأول لمرتكب المعاصي المصرّ عليها، والثاني لمن يفعل ويرجع ثم يقع ويتردد حاله تارةً فتارةً للمؤمن المتوسط الحال، والثالث للزاهد المتقي المشار إليه بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ [فاطر: ٣٢] لم يبعد، فتدبر.\nثم بيَّنَ سبب الوقوع في الإسراف وثبات من يثبت وزلة من زلّ بقوله: (وإن هذا المال خضرة حلوة. . . إلخ)، قال القاضي عياض (١): (خضرة) بفتح الخاء وكسر الضاد، كذا وقع للأصيلي بزيادة التاء في (كتاب الوصايا)، و(كتاب الخمس)، وفي غير هذا الموضع: (خضر حلو) بغير تاء، والخضر بكسر الضاد: من النبات الرخص\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٨٣).","vol":"8","page":404},{"text":"٥١٦٣ - [٩] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَوَاللَّهِ لَا الْفَقْرُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتهُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠١٥، م: ٢٩٦١].\nــ\nالغض، والبقلة الخضراء: التي علت من الريّ، واحدته خضرة، وعلى رواية (خضرة) فالتأنيث بمعنى تأنيث الدنيا، أي: الفتنة بها، أو تأنيث المشبه بها، أي: كالخضرة، وقال ثابت: معناه أن المال شهي كالبقلة الخضرة، أو يكون بمعنى فائدة المال، كأنه قال: الحياة به أو العيشة فيه خضرة، أي: ناعمة مشتهاة، أو يكون المال بمعنى الدنيا، انتهى.\n٥١٦٣ - [٩] (عمرو بن عوف) قوله: (فتنافسوها) أصله تتنافسوا، والتنافس: الرغبة في الشيء، وشيء نفيس ومنفوس ومنفس كمخرج: يتنافس فيه ويرغب، وقد نفس ككرم نفاسة ونفاسًا، والنهي عن الرغبة فيه إما لأنها تبعث على جمعها وإمساكها، وإما لأنه يؤدي إلى المنازعة والمقاتلة، كذا قال الطيبي (١)، وفي (القاموس) (٢): نفس به كفرح: ضَنَّ، ونفس عليه: حسد، وهذان المعنيان أيضًا يصح إرادتهما، وعلى كل تقدير الضمير في (تنافسوها) منصوب على نزع الخافض، إما في أو الباء أو على.\nوقوله: (كما تنافسوها) على صيغة الماضي، والضمير فيه لـ (من كان قبلكم).\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٩٣).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٥٣٤).","vol":"8","page":405},{"text":"٥١٦٤ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"اللهُمَّ اجْعَلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا\"، وَفِي رِوَايَةٍ \"كَفَافًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٦٠، م: ١٠٥٥].\nــ\n٥١٦٤ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا، وفي رواية: كفافًا) في (القاموس) (١): القوت بالضم والقيت والقيتة بكسرهما: الْمُسْكة من الرزق، وقاتهم قَوتًا وقُوتًا وقِياتة، فاقتاتوا، ومن العيش: الكفاية، وفي (الصراح) (٢): قوت قياتة: خورش دادن من نصر ينصر، قاته أهله بقوته، والاسم قوت بالضم، وهو ما يقوم به بدن الإنسان من الطعام، ويقال: ما عنده قوت ليلة وقيتة ليلة، ويقال: قُتُّهُ فاقتات، كما يقال: رزقته فارتزق، وهو في قائت من العيش، أي: في كفاية.\nوفي (مجمع البحار) (٣): (اللهم اجعل رزق محمد قوتًا) أي: بقدر ما يمسك الرمق من المطعم، وقيل: أي كفاية من غير إسراف، والكفاف كسحاب من الرزق: ما كف عن الناس وأغنى، كذا في (القاموس) (٤)، قال في (الصراح) (٥): كفاف بالفتح: اندازه ومانند وروز كَذار، وفي الحديث: (اللهم اجعل رزق آل محمد كفافًا)، وفي (مجمع البحار) (٦): في حديث: (من أسلم ورزق كفافًا) أي: قوتًا يكفه عن الجوع\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١٥٨).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٦٧).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٣٣٥).\n(٤) \"القاموس\" (ص: ٧٨٤).\n(٥) \"الصراح\" (ص: ٣٦٢).\n(٦) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٤٣٠).","vol":"8","page":406},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأو عن السؤال، وقال في حديث عمر -﵁-: وددت أني أسلمت -وفي رواية: نجوت- من الخلافة كفافًا لا عليّ ولا لي.\nالكفاف: ما لا يفضل عن الشيء، ويكون بقدر الحاجة، وقيل: أراد مكفوفًا عني شرها، وقيل: أي: تنال مني ولا أنال منها، أي: تكف عني وأكف عنها.\nوقال في (مشارق الأنوار) (١) في هذا الحديث: القوت بالضم: ما يمسك رمق الإنسان، وهي الغنية، قال صاحب (العين): هو المسكة من الرزق، قال ابن دريد: يقال: قات أهله قوتًا بالفتح، وأقاتهم أيضًا، وهي البلغة من العيش.\nإذا عرفت معنى القوت والكفاف عرفت أنهما متحدان أو قريبان في المعنى، وأنه يفهم من بعض عباراتهم أن القوت بمعنى ما يسدّ الرمق، والكفاف بمعنى القدر المحتاج إليه، ومع ذلك المراد في الحديث هو الكفاف، وكذا قال الطيبي (٢): هذه الرواية مفسرة للرواية الأولى، ثم اعلم أن الكفاف يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال، فمنهم من يعتاد قلة الأكل حتى إنه يكاد يصبر يومًا أو يومين، ومنهم من يعتاد الأكل في يوم مرة أو مرتين، ومنهم من له عيال قليل أو كثير، ومنهم من لا عيال له، ويختلف باختلاف الأزمان وحال الضعف والمرض، ففي زمان الجدب والعسر يكفي الأدنى، وحال اليسر والقوة يزيد على ذلك، فمقدار الكفاف غير مضبوط، والمحمود ما يتقوى به على الطاعة والحركات العادية، وقال الطيبي: فيه إرشاد للأمة إلى أن الزيادة على الكفاف لا ينبغي أن يتعب الرجل في طلبه لأنه لا خير فيه، فكثرة\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٣٢٧).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٩٤).","vol":"8","page":407},{"text":"٥١٦٥ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠٥٤].\n٥١٦٦ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَقُولُ الْعَبْدُ: مَالِي مَالِي، وَإِنَّ مَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ: مَا أَكَلَ فَأَفْنَى، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى، أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى،\nــ\nالمال تلهي وقلته تنسي، فما قل منه وكفى خير مما كثر وألهى. وأقول: يمكن أن يراد بالآل الأمة، وبالقوة على ما هو معناه الأصلي، وإن أريد أهله كما هو الظاهر فالحكم في غيرهم يثبت بالدلالة، واللَّه أعلم.\n٥١٦٥ - [١١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (من أسلم) أي: آمن، أو استسلم في جميع ما قضى اللَّه، كقوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١].\nوقوله: (وفنعه اللَّه بما آتاه) في (القاموس) (١): القناعة: الرضا بالقسم، كالقنع محركة، والفعل كفرح، فهو قَنِعٌ وقانع وقَنوع وقَنيع، القنوع بالضم: السؤال والتذلل والرضا بالقسم، ضد، والفعل كمنع، ومن دعائهم: نسأل اللَّه القناعة ونعوذ به من القنوع، [وفي المثل: خير الغنى القنوع،] وشر الفقر الخضوع.\n٥١٦٦ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (وإن ما له من ماله): (ما) موصولة، أي: الذي له من المنافع من ماله، ولذلك أنث (ثلاث).\nوقوله: (فاقتنى) أي: جمع وادخر، أشار إلى أن جمع المال في الحقيقة هو أن يعطي ويتصدق؛ لأنه ادخر ثوابه لنفسه ليوم الحاجة.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٦٩٨).","vol":"8","page":408},{"text":"وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٥٩].\n٥١٦٧ - [١٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَتْبَعُ الْمَيِّتَ ثَلَاثَةٌ: فَيَرْجِعُ اثْنَانِ وَيَبْقَى مَعَهُ وَاحِدٌ، يَتْبَعُهُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَعَمَلُهُ، فَيَرْجِعُ أَهْلُهُ وَمَالُهُ وَيَبْقَى عَمَلُهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥١٤، م: ٢٩٦٠].\n٥١٦٨ - [١٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أيُّكُمْ مَالُ وَارثِهِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟ \" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مِنَّا أَحَدٌ إِلَّا مَالُهُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِ وَارِثِهِ، قَالَ: \"فإِنَّ مَالهُ ما قَدَّمَ وَمالَ وَارِثِهِ مَا أَخَّر\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٤٤٢].\n٥١٦٩ - [١٥] وَعَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- وَهُوَ يقْرَأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] قَالَ: \"يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي\"، قَالَ: \"وَهَلْ لَكَ يَا بْنَ آدَمَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ،\nــ\nوقوله: (وتاركه) أي: صاحبه تاركه (للناس).\n٥١٦٧ - [١٣] (أنس) قوله: (يتبع الميت ثلاثة) تبعه: مشى خلفه، ومرّ به فمضى معه، هذا حقيقة، والمراد هنا معنى مجازي عام، وهو تعلقها به بعده، وكونها معه إلى حين، كأنها تمشي خلفه وتمضي معه، فيرجع الأهل والمال وينقطع التعلق بينهما وبينه، ويبقى معه متصلًا به العمل، فافهم.\n٥١٦٨ - [١٤] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (فإن ماله) أي: النافع له: (ما قدم) أي: تصدق.\n٥١٦٩ - [١٥] (مطرف) قوله: . . . . .","vol":"8","page":409},{"text":"أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟ \". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٥٨].\n٥١٧٠ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِن الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٤٦، م: ١٠٥١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1154> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥١٧١ - [١٧] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"من يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ،\nــ\n(فأمضيت) في (القاموس) (١): أمضاه: أنفذه، وقيل: معناه أمضيته من الإفناء والإبلاء وأبقيته للآخرة.\n٥١٧٠ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (عن كثرة العرض) و(العرض) محركة: متاع الدنيا وحطامها نقدًا كان أو غيره، وجمعه أعراض، قيل: كأنه من العرض المقابل للجوهر، وهو لا يبقى زمانين عند الأشاعرة، وبالسكون ما سوى النقدين، وجمعه عروض، وفي (الصراح) (٢): عرض بالسكون: رخت وهرجه زر وسيم باشد، عرض بالتحريك: مال دنيا، أعراض جماعت، ويفهم من (القاموس) (٣) أن ما هو بمعنى ما سوى النقدين قد يحرك.\nالفصل الثاني\n٥١٧١ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (هؤلاء الكلمات) في (المصابيح): (هذه\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١٢٢٥).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٢٨٠).\n(٣) \"القاموس\" (ص: ٥٩٥).","vol":"8","page":410},{"text":"أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ؟ \" قُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّه، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَعَدَّ خَمْسًا فَقَالَ: \"اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ؛ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [حم: ٢/ ٣١٠، ت: ٢٣٠٥].\nــ\nالكلمات).\nوقوله: (أو يعلم) يدل على أن الأصل أن تعمل، فإنه المقصد الأصلي من العلم، وإن وقع التقصير في العمل فثواب التعليم باق، فلا ينبغي أن تخلو عنهما، فإن جمعا فهو الأتم والأكمل، وقال الطيبي (١): (أو) بمعنى الواو.\nوقوله: (اتق المحارم تكن أعبد الناس) فإن قلت: العبادة على قسمين: امتثالية واجتنابية، فما معنى هذه العبارة؟ قلت: هي تنبيه على الاهتمام بشأن الاجتناب، يعني أن العبادة الامتثالية إنما تتم وتكمل بالاجتناب عن المحارم، فمن لم يستقص في الامتثاليات النوافل والمندوبات، ولكنه يتق المحارم، ويجتنب عنها، ويبالغ في ذلك، فهو أعبد من الذي يستقصي في الامتثال ويقصر في الاجتناب، هكذا قال المشايخ.\nوقوله: (تكن مؤمنًا) إشارة إلى قوله: (حتى يأمن جاره).\nوقوله: (تكن مسلمًا) يؤخذ من الحديث أن الإسلام والإيمان واحد مع ما ورد: (ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).\nوقوله: (ولا تكثر الضحك) في (القاموس) (٢): ضحك ضحكًا بالفتح وبالكسر\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٩٧).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٨٧٢).","vol":"8","page":411},{"text":"٥١٧٢ - [١٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ابْنَ آدَمَ تَفَرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلأْ صَدْرَكَ غِنًى وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِنْ لَا تَفْعَلْ مَلأْتُ يَدَكَ شُغُلًا وَلَمْ أسُدَّ فَقْرَكَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْن مَاجَهْ. [حم: ٢/ ٣٥٨، جه: ٤١٠٧].\n٥١٧٣ - [١٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: ذُكِرَ رَجُلٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بعِبَادَةٍ وَاجْتِهَادٍ، وَذُكِرَ آخَرُ بِرِعَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"لَا تَعْدِلْ بِالرِّعَةِ\"، يَعْنِي الْوَرَعَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥١٩].\nــ\nوبكسرتين وككتف، ولعل المراد به القهقهة، والعلة الغفلة؛ فإن حياة القلب في ذكر اللَّه.\n٥١٧٢ - [١٨] (وعنه) قوله: (أملأ صدرك) أي: باطنك بالرضا عني فأغنيك عن الناس.\nوقوله: (ملأت يدك) أي: ظاهرك بالمال وتشتغل، وكنت مشتغلًا به فقيرًا إليه، فالغنى إنما هو بالقلب لا بالمال، وذلك ثمرة القصد والتقوى، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ الآية [الطلاق: ٢].\n٥١٧٣ - [١٩] (جابر) قوله: (برعة): (الرعة) بكسر الراء وفتح العين: الورع والتقوى، مصدر ورع يرع، من باب ضرب يضرب، كالعدة من وعد يعد.\nوقوله: (لا تعدل) يروى على وجهين: بلفظ نهي المخاطب المعلوم، وفي بعض نسخ (المصابيح): (لا تعدل بالرعة شيئًا)، ونفي المضارع المجهول المذكر.\nوالتقوى والورع أعلاهما الاقتصار على الضرورة، وهي لقمة يسد بها الجوع، وخرقة يستر بها العورة، وحفرة ينفي بها الحر والبرد، وذلك لأخص الخواص، ثم الاقتصار على المباح وذلك للخواص، ثم الكف عن المحارم مع ارتكاب الشبهات،","vol":"8","page":412},{"text":"٥١٧٤ - [٢٠] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ قَالَ: . . . . .\nــ\nوهذا لأوساط عوام المؤمنين، والرجل إذا جاوز الضرورة وقع في المباحات، وإذا اتسع في المباحات وقع في الشبهات والمكروهات، وإذا وقع فيها ولم يكف عنها وقع في المحرمات، وإذا انهمك فيها كاد أن يقع في الكفر، نعوذ باللَّه منه ومما يفضي إليه.\nولقد وضع شيخ شيخنا علي المتقي رحمة اللَّه عليه في بعض رسائله جدولًا لتصوير هذه المراتب، فيه خمس بيوت، أثبت في البيت الأول الضرورة، وفي الثانية المباح، وفي الثالثة المكروه، وفي الرابعة الحرام، وفي الخامسة الكفر بهذه الصورة:\n\nالضرورة\nالمباح\nالمكروه\nالحرام\nالكفر\nأقول: هذه مراتب التنزل، وفي مقابلتها مدارج الترقي، وهي الفرائض والواجبات والسنن والمستحبات والاستقامة، وباللَّه التوفيق.\nفإن قلت: الأنبياء صلوات اللَّه عليهم أخص أخص الخواص وكانوا لا يكتفون بحد الضرورة؟ قلت: هم معصومون من الوقوع في المعصية، وفعلهم للتشريع والتعليم لئلا تقع الأمة في ضيق وحرج.\n٥١٧٤ - [٢٠] (عمرو بن ميمون) قوله: (الأودي) بهمزة مفتوحة وسكون واو وبدال مهملة، منسوب إلى أود بن صعب.","vol":"8","page":413},{"text":"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: \"اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسلًا.\n٥١٧٥ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَا يَنْتَظِرُ أَحَدُكُمْ إِلَّا غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفْنِدًا،\nــ\nوقوله: (اغتنم) من الغنيمة، وهو الفيء، وهو المال الذي يحصل من حرب الكفار، وقد يجيء بمعنى الفوز بالشيء بلا مشقة، واغتنمه: عدَّه غنيمة.\n٥١٧٥ - [٢١] (أبو هريرة) قوله: (ما ينتظر أحدكم إلا. . . إلخ)، يعني لما لم يغتنم الفرصة ولم يعبد اللَّه عند الفراغ عن الشواغل فكأنه ينتظر هذه الأمور الشاغلة عن العبادات، وإذا لم يعبد عند قوة البدن وقلة الشواغل كيف يعبد معها؟\nوقوله: (إلا غنى مطغيًا) في (القاموس) (١): طَغِي، طَغيًا وطغيانًا بالضم والكسر: جاوز القدر، وارتفع، وغلا في الكفر، وأسرف في المعاصي والظلم، وفي (الصراح) (٢): طغيان: از حد در كَذشتن، طاغي نعت منه.\n(أو فقرًا منسيًا) أي: يجعل صاحبه مشغولًا مدهوشًا، فينسيه الطاعةَ من الجوع والعري وهمِّ القوت، (أو مرضًا مفسدًا) أي: للبدن لشدته، أو الدين للضعف والكسل الحاصل به. (أو هرمًا مفندًا) بالتخفيف من الإفناد، أي: الموقع في الفند، و(الهرم) محركة: أقصى الكبر وشدة الشيخوخة، هرم كفرح، فهو هرم بكسر الراء، وفي\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١٢٠٠).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٥٧٢).","vol":"8","page":414},{"text":"أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوِ الدَّجَّالَ،\nــ\n(القاموس) (١): الفند بالتحريك: الخَرَفُ، وإنكار العقل لهرمٍ أو مرض، والخطأ في القول والرأي، والكذب كالإفناد، ولا تقل: عجوز مفندة؛ لأنها لم تكن ذات رأي أبدًا، وفنَّده تفنيدًا: كذّبه، وعجَّزه، وخطَّأ رأيه، كأفنده، وفي (الصراح) (٢): فند: دروغ وسست رأي، إفناد: دروغ كَفتن وخرف شدن، انتهى.\nوالظاهر أن المراد في الحديث معنى الخرافة وضعف الرأي، فلا حاجة إلى اعتبار تشبيههم بالكاذب، كما نقل الطيبي (٣): قالوا للشيخ إذا هرم: قد أفند؛ لأنه يتكلم بالمحرف من الكلام عن سنن الصحة، فشبه بالكاذب في تحريفه، وكذا قوله: الفند في الأصل: الكذب، وأفند: تكلم بالفند، ليس على ما ينبغي، فافهم.\nوقوله: (أو موتًا مجهزًا) بالتخفيف أيضًا، في (القاموس) (٤): جهز على الجريح، كمنع، وأجهز: أثبت قتله، وأسرعه، وتمّم عليه، وموت مُجْهِز وجهيز: سريع، وفرس جهيز، وفي (الصراح) (٥): إجهاز خسته را كشتن، يقال: أجهزه وعليه، فرس جهيز: أسب سخت دونده، والمراد الموت بغتة بحيث لا يقدر على التوبة.\nوقوله: (أو الدجال) أي: أو ما ينتظر إلا الدجال، لما ذكر -ﷺ- الشواغل المانعة عن العبادة والثبات على الإسلام، وذكر منها الأحوال من الغنى والفقر، والمرض والموت، ذكر الدجال الذي يكون في آخر الزمان؛ فإنه أيضًا بلاء شاغل مزلزل للإنسان\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٢٩٢).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ١٤٢).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٢٩٩).\n(٤) \"القاموس\" (ص: ٤٧٠).\n(٥) \"الصراح\" (ص: ٢٢٣).","vol":"8","page":415},{"text":"فَالدَّجَّالُ شَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ، أَوِ السَّاعَةَ، وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ (١). [ت: ٢٣٠٦].\n٥١٧٦ - [٢٢] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكرُ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ،\nــ\nعن الاستقامة، وقال: إنه (شر غائب ينتظر) فقوله: (ينتظر) صفة لـ (غائب)، و(شر) مضاف إليه، أي: شر الأشياء الغائبة التي ينتظر وجودها، ثم ذكر آخر الأواخر -وهي الساعة-، وقال: (والساعة أدهى وأمر) و(أدهى) أفعل تفضيل، من دهته الداهية، والداهية: أمر فظيع لا يهتدى لزواله، و(أمرّ) أيضًا أفعل، من مرّ يمرّ مرارة، ضد الحلاوة.\n٥١٧٦ - [٢٢] (وعنه) قوله: (وما والاه) ذكروا في توجيهه ثلاثة أوجه:\nإحداها: أن (والاه) من الولي بمعنى المحبة، والمستكن في (والاه) للَّه والبارز لـ (ما)، والمراد بما والاه اللَّه ما أحبه اللَّه من القرب والطاعات.\nوثانيها: أنه من الولي بمعنى القرب، والضمير المستكن لـ (الذكر) والبارز لـ (ما)، أو على العكس، أي: ما قاربه وشابهه، والمراد به ذكر خير، يعني من غير ذكر اللَّه.\nوثالثها: أنه من الموالاة بمعنى المتابعة، والمستكن والبارز لـ (الذكر)، أي: ما تابع الذكر ولازمه، وكان من مقتضيات الذكر اتباع أمره ونهيه تعالى، وهذه الوجوه كلها إنما تتم إذا أريد بالذكر ذكر اسمه سبحانه، وأما إذا أريد به ما يشمل كل عمل خير يعمل بنية التقرب، فالطاعات والعبادات كلها داخلة في الذكر، فيمكن أن يراد\n_________\n(١) لم أجده في \"سنن النسائي\" لا في \"الصغرى\" ولا في \"الكبرى\"، بل أخرجه ابن المبارك في \"الزهد\" (٧) واللفظ له.","vol":"8","page":416},{"text":"وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٣٢٢، جه: ٤١١٢].\n٥١٧٧ - [٢٣] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةً\". رَوَاهُ أَحْمدُ التِّرْمِذِيُّ ابْن مَاجَهْ. [ت: ٢٣٢٠، جه: ٤١١٠].\n٥١٧٨ - [٢٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَتَّخِذُوا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوا فِي الدُّنْيَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [ت: ٢٣٢٨، شعب: ٩٩٠٦].\nــ\nبما والاه الأسباب التي تتولى أمر الذكر وتعين عليه من كفاف المعيشة والضروريات الأخر، أو يكون المراد الذاكرين، والتعبير بـ (ما) لإرادة الصفة، كما يقال في تفسير أمثال قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥]، ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [الليل: ٣]، أو لأنها أعم تستعمل على ذوي العقل وغيرهم كما قال ابن الحاجب، فافهم.\nوقوله: (وعالم أو متعلم) هكذا في أكثر الروايات، والظاهر النصب كما في (سنن ابن ماجه) مع إبدال الواو بـ (أو) مكررة؛ لأنه عطف على (ذكر اللَّه)، وهو منصوب على الاستثناء من الكلام الموجب، وقد يرفع (إلا ذكر اللَّه) أيضًا بناءً على المعنى أي: لا يحمد إلا ذكر اللَّه وعالم أو متعلم.\n٥١٧٧ - [٢٣] (سهل بن سعد) قوله: (ما سقى كافرًا منها شربة) في نسخ (المصابيح): (شربة ماء).\n٥١٧٨ - [٢٤] (ابن مسعود) قوله: (لا تتخذوا الضيعة) بالفتح: حرفه الرجل وصناعته وتجارته، والمراد النهي عن التوغل في اتخاذها فتلهوا [بها] عن ذكر اللَّه،","vol":"8","page":417},{"text":"٥١٧٩ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَحَبَّ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِآخِرَتِهِ، وَمَنْ أَحَبَّ آخِرتهُ أَضَرَّ بِدُنْيَاهُ، فآثِرُوا مَا يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنَى\". رَوَاهُ أَحْمدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [حم: ١٩٦٩٧، شعب: ٩٨٥٤].\n٥١٨٠ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لُعِنَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَلُعِنَ عَبْدُ الدِّرْهَم\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٧٥].\nــ\nوفي (مجمع البحار) (١): هي البساتين والمزرعة والقرية؛ لأن في أخذها يحصل الحرص على طلب الزيادة، يقال: رجل مضيع: كثير الضيعة، وفي الحديث: (عافسنا الأزواج والضيعات) أي: المعايش، وهذا فيمن يكتسب التوكل، ويمنعه التلبس بالأسباب عن شهود المسبب، فعليه بترك الأسباب حتى يستقيم في مقام التوكل، وبعد حصوله لا تشغله الأسباب ولا تلهيه، وكلا المعنيين يحتمل قوله سبحانه: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ﴾ [النور: ٣٧]، أي: ليس لهم تجارة ولا بيع حتى تلهياه، أو لا تلهيانه مع وجودهما، والثاني هو الموافق لقوله: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور: ٣٧]، فافهم.\n٥١٧٩ - [٢٥] (أبو موسى) قوله: (من أحب دنياه أضر بآخرته) لأنه إذا أحب الدنيا انهمك في التفكر في تحصيلها، وأولع بذكرها، وتوغل في تحصيلها، فما تفرغ للتفكر في أمر الآخرة وتحصيلها وذكرها، وكذلك العكس.\n٥١٨٠ - [٢٦] (أبو هريرة) قوله: (لعن عبد الدينار، ولعن عبد الدرهم) مضى شرحه في (الفصل الأول) مع تبديل (تعس) بـ (لعن)، وهو أشد، والتخصيص بالدينار\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٤٢٨).","vol":"8","page":418},{"text":"٥١٨١ - [٢٧] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٣٧٧، دي: ٢٧٧٢].\n٥١٨٢ - [٢٨] وَعَنْ خَبَّابٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"مَا أَنْفَقَ مُؤْمِنٌ مِنْ نَفَقَةٍ إِلَّا أُجِرَ فِيهَا إِلَّا نَفَقَتَهُ فِي هَذَا التُّرَابِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٤٨٣، جه: ٤١٦٣].\nــ\nوالدرهم لأنهما الأصل في أموال الدنيا وحطامها، وقد ورد أنهما عِجل هذه وصنمها.\n٥١٨١ - [٢٧] (كعب بن مالك) قوله: (وعن كعب بن مالك عن أبيه) هكذا في أكثر نسخ (المشكاة)، والصواب: عن ابن كعب بن مالك كما وقع في أصل الترمذي، أو عن كعب بن مالك بدون (عن أبيه)، وما وقع في الكتاب يقتضي إسلام أبيه مالك ولم يصح، وروي في (الجامع الصغير) (١) للسيوطي عن كعب بن مالك بدون (عن أبيه)، ولا ينافي ذلك أن يكون عن أبيه.\nوقوله: (بأفسد) أفعل تفضيل من الإفساد، وقد جوزه بعض النحاة، أو هو مؤول بأشد إفسادًا، والمراد بـ (الشرف) الجاه، و(لدينه) متعلق بـ (أفسد) في معنى أصل الفعل، يعني أن حب المال والجاه مفسد للدين أو مهلك له أشد الإفساد؛ لأنه يفضي إلى البخل والحرص والتكبر والطغيان.\n٥١٨٢ - [٢٨] (خباب) قوله: (ما أنفق مؤمن من نفقة) أي: في مصارف معايشه وحوائجه.\nوقوله: (إلا نفقته) بالنصب، إذ المنفي صار موجبًا بالانتقاص، والمعنى: لا أجر\n_________\n(١) \"الجامع الصغير\" (١٠٥٥٧).","vol":"8","page":419},{"text":"٥١٨٣ - [٢٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"النَّفَقَةُ كُلُّهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا الْبِنَاءَ، فَلَا خَيْرَ فِيهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٤٨٢].\n٥١٨٤ - [٣٠] وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خَرَجَ يَوْمًا وَنَحْنُ مَعَهُ، فَرَأَي قُبَّةً مُشْرِفَةً فَقَالَ: \"مَا هَذِهِ؟ \" قَالَ أَصْحَابُهُ: هَذِهِ لِفُلَانٍ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَكَتَ وَحَمَلَهَا فِي نَفْسِهِ، حَتَّى لَمَّا (١) جَاءَ صَاحِبُهَا فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فِي النَّاسِ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ،\nــ\nلمن يصرف ماله في بناء البيوت والقصور من غير حاجة فخرًا واستعلاءً، لا ما فيه حاجة، ولا بقاع الخير من المساجد والمدارس والرباطات.\n٥١٨٣ - [٢٩] (أنس) قوله: (إلا البناء) الحديث مطلق، ولا بد من تقييده بما لم يكن حاجة أو غرض ديني كما يأتي في الحديث الآتي.\n٥١٨٤ - [٣٠] (وعنه) قوله: (فرأى قبّة) (القبة): بناء مدور، في (الصراح) (٢): قبة بالضم: بنا كرد برآورده، وقد يطلق على الخيم.\nوقوله: (وحملها) أي: أضمر تلك الفعلة غضبًا عليه، أو الضمير للكراهة المفهومة من المقام، أو للقبة، أو للكلمة التي قال أصحابه.\nوقوله: (فأعرض عنه) جواب لـ (ما) بالفاء على القلة، أو عطف على جواب مقدر، أي: كرهه فأعرض عنه، كذا في (مجمع البحار) (٣).\n_________\n(١) كذا في النسخة الهندية و\"المرقاة\"، وفي \"سنن أبي داود\": \"إذا\" بدل \"لما\".\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٤٨).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٥٦٤).","vol":"8","page":420},{"text":"صَنعَ ذَلِكَ مِرَارًا، حَتَّى عَرَفَ الرَّجُلُ الغضبَ فِيهِ وَالإِعْرَاضَ عَنْهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لأُنْكِرُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، قَالُوا: خَرَجَ فَرَأَى قُبَّتَكَ، فَرَجَعَ الرَّجُلُ إِلَى قُبَّتِهِ فَهَدَمَهَا حَتَّى سَوَّاهَا بِالأَرْضِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمْ يَرَهَا، قَالَ: \"مَا فَعَلَتِ الْقُبَّةُ؟ \" قَالُوا: شَكَا إِلَيْنَا صَاحِبُهَا إِعْرَاضَكَ فَأَخْبَرْنَاهُ فَهَدَمَهَا. فَقَالَ: \"أَمَا إِنَّ كَلَّ بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إِلَّا مَا لَا إِلَّا مَا لَا\" يَعْنِي مَا لَا بُدَّ مِنْهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٥٢٣٧].\n٥١٨٥ - [٣١] وَعَنْ أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّمَا يَكْفِيكَ مِنْ جَمْعِ الْمَالِ خَادِمٌ وَمَرْكَبٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. . . . .\nــ\nوقوله: (إني لأنكر رسول اللَّه -ﷺ-) في (القاموس) (١): أنكره واستنكره وتناكره: جهله، والمنكر: ضد المعروف، أي: لا أعرف منه -ﷺ- عادته المعهودة من حسن التوجه والإقبال، وأرى ما لم أعهده من الغضب والكراهة.\nوقوله: (ما فعلت القبة؟) أي: إلى ما صار حالها وما شأنها لا يرى أثرها، وصحح في أكثر النسخ بصيغة المعلوم، وهي العبارة المشهورة، وقد يصحح في بعضها بالمعلوم والمجهول معًا.\nوقوله: (يعني ما لا بد منه) فحذف اسم (لا) وخبرها معًا.\n٥١٨٥ - [٣١] (أبو هاشم) قوله: (وعن أبي هاشم بن عتبة) بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٤٥٣).","vol":"8","page":421},{"text":"وَفِي بَعْضِ نُسَخِ \"الْمَصَابِيحِ\": عَنْ أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَدٍ بِالدَّالِ بَدَلَ التَّاءِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ. [حم: ١٥٦٦٤، ت: ٢٣٢٧، ن: ٢٣٧٢، جه: ٤١٥٥].\n٥١٨٦ - [٣٢] وَعَنْ عُثْمَانَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"لَيْسَ لِابْنِ آدَمَ حَقٌّ فِي سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ: بَيْتٌ يَسْكُنُهُ، وَثَوْبٌ يُوَارِي بِهِ عَوْرتَهُ، وَجِلْفُ الْخُبْزِ وَالْمَاءِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٤١].\nــ\nوقوله: (ابن عتبد بالدال بدل التاء) هذه العبارة تفيد أنه (عتبد) على وزن (عتبة) بالدال مكان التاء، وهكذا هو مكتوب في النسخ المصححة المعتمد عليها، وفي بعضها كتب (عتيد) بالتاء والياء التحتانية والدال، قيل: الصواب (عبيد) تصغير (عبد) كما هو واقع في أكثر نسخ (المصابيح)، وهو محرف أيضًا، والصواب عتبة.\n٥١٨٦ - [٣٢] (عثمان) قوله: (في سوى هذه الخصال) أي: هذه الأمور، أو المراد بناء البيت ولبس الثوب وأكل الخبز، و(سوى) وقع اسمًا مجرورًا على مذهب الكوفيين.\nوقوله: (وجلف الخبز): (الجلف) بكسر الجيم وسكون اللام: الغليظ اليابس من الخبز [أو هو الخبز] غير المأدوم، أو حرف الخبز، والظرف، والوعاء، كذا في (القاموس) (١)، وإذا كان بمعنى الظرف، فالمراد به المظروف، وقد يروى (جلف) بفتح اللام جمع (جلفة) بسكونها، وهي كسرة من الخبز اليابس القفار.\nوقوله: (والماء) عطف على (جلف).\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٧٣٥).","vol":"8","page":422},{"text":"٥١٨٧ - [٣٣] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا أَنَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ، قَالَ: \"ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١) وَابْن مَاجَهْ. [٤١٠٢].\n٥١٨٨ - [٣٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَامَ عَلَى حَصِيرٍ، فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَسَدهِ، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَبْسُطَ لَكَ وَنَعْمَلَ، فَقَالَ: \"مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟ وَمَا أَنَا وَالدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْن مَاجَهْ. [حم: ٣٧٠٩، ت: ٢٣٧٧، جه: ٤١٠٩].\n٥١٨٩ - [٣٥] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"أَغْبَطُ أَوْلِيَائِي. . . . .\nــ\n٥١٨٧ - [٣٣] (سهل بن سعد) قوله: (ازهد في الدنيا) زهد فيه كمنع وسمع وكرم ضد رغب.\n٥١٨٨ - [٣٤] (ابن مسعود) قوله: (لو أمرتنا أن نبسط لك ونعمل) أي: لو أذنت لنا أن نبسط لك فراشًا لينًا ونعمل وجوه التنعم.\nوقوله: (ما لي وللدنيا): (ما) نافية، أي: ليس لي نسبة ومحبة مع الدنيا ولا للدنيا معي، أو استفهامية، وقيل: اللام في (للدنيا) زائدة والواو بمعنى (مع).\nوقوله: (إلا كراكب) وجه التشبيه قلة المكث وسرعة الرحيل.\n٥١٨٩ - [٣٥] (أبو أمامة) قوله: (أغبط أوليائي) أي: أحق أن يغبط به ويتمنى\n_________\n(١) لم أعثر عليه في \"سنن الترمذي\".","vol":"8","page":423},{"text":"عِنْدِي لَمُؤْمِنٌ خَفِيفُ الْحَاذِ ذُو حَظٍّ مِنَ الصَّلَاةِ، أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَأَطَاعَهُ فِي السِّرِّ، وَكَانَ غَامِضًا فِي النَّاسِ لَا يُشَارُ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ،\nــ\nمثل حاله.\nوقوله: (لمؤمن) دخول اللام في خبر المبتدأ جائز على مذهب الزجاج، والأصل أن يدخل على المبتدأ أو خبر (إن)، وهذا الحديث يصلح متمسكًا به، وأما التمسك بقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ﴾ [طه: ٦٣] بارتكاب حذف ضمير الشأن وجعل ﴿لَسَاحِرَانِ﴾ خبر ﴿هَذَانِ﴾ لا يتم؛ لجواز أن يكون ﴿لَسَاحِرَانِ﴾ خبر ﴿إِنْ﴾ على لغة من لم يعرب اسم الإشارة، وقيل: اللام في الخبر زائدة، أو المبتدأ محذوف، أي: لهو مؤمن، وهذا تكلف.\nوقوله: (خفيف الحاذ) في (القاموس) (١): حاذ المتن: موضع اللِّبْدِ منه، وقال: الحاذ: الظهر، وخفيف الحاذ: قليل المال والعيال، وفي (الصراح) (٢): خفيف الحاذ، أي: خفيف الظهر، وأما تفسير الحاذ بالمال فلعله بيان للمراد منه، وأما أنه معناه لغة فلا يظهر من كتب اللغة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ذو حظ من الصلاة) أي: حظ عظيم منها لقلة الشواغل.\nوقوله: (أحسن عبادة ربه) تعميم بعد تخصيص، أو المراد بالعبادة هو الصلاة، (وأطاعه في السر) تفسير الأحسن، وإشارة إلى أن الأحسن والأكمل من العبادة ما يكون سرًّا، وأن هذا الرجل لما كان قليل العيال راضيًا بالكفاف من الرزق لم يخرج إلى الناس كما أشار إليه بقوله: (وكان غامضًا) أي: خاملًا في الناس، ولم يخالطهم حتى\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٣١٤).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ١٥٤).","vol":"8","page":424},{"text":"وَكَانَ رِزْقُهُ كَفَافًا فَصَبَرَ عَلَى ذَلِكَ\"، ثُمَّ نقَدَ بِيَدِهِ فَقَالَ: \"عُجِّلَتْ مَنِيَّتُهُ، قَلَّتْ بَوَاكِيهِ، قَلَّ تُراثُه\". رَوَاهُ أَحْمدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْن مَاجَهْ. [حم: ٥/ ٢٥٢، ت: ٢٣٤٧، جه: ١١٤٧].\n٥١٩٠ - [٣٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا، فَقُلْتُ: لَا يَا رَبِّ، وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ يَوْمًا، فَإِذَا جُعْتُ تضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ،\nــ\nيعلن عبادته ويرائيهم بها.\nوقوله: (ثم نقد بيده) قال في (النهاية) (١): هو من نقدت الشيء بأصبعي، أنقده واحدًا واحدًا، نقد الدراهم، ونقد الطائر الحب ينقده: إذا كان يلقطه واحدًا واحدًا، وهو مثل النقر بالراء، ويروى به أيضًا.\nوقال التُّورِبِشْتِي (٢): أريد به ضرب الأنملة على الأنملة، أو ضربها على الأرض كالمتقلل للشيء، أي: يقل عمره وعدد النساء التي تبكين عليه ومبلغ ميراثه، انتهى.\nوقيل: الضرب على هذه الهيئة فعل المتعجب من الشيء، ولعل المراد بتعجيل منيته رفعه من عالم الزور والفتن، ونقله إلى جوار القدس؛ رحمةً من اللَّه الكريم، وقيل: المراد أنه يسلم روحه سريعًا بقلة تعلقه بالدنيا وغلبة شوقه إلى الآخرة، وقيل: أراد قلة مؤنة مماته كما قلّت مؤنة حياته.\n٥١٩٠ - [٣٦] (وعنه) قوله: (عرض عليّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة) البطحاء\n_________\n(١) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (٥/ ١٠٣).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٣/ ١١٠٥).","vol":"8","page":425},{"text":"وَإِذَا شَبِعَتُ حَمِدْتُكَ وَشَكَرْتُكَ\". رَوَاهُ أَحْمدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٥/ ٢٥٢، ت: ٢٣٤٧].\n٥١٩١ - [٣٧] وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنٍ مِحْصَنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ،\nــ\nوالأبطح: مسيل واسع فيه دقاق الحصى، ومكة المعظمة في الأصل واد بين الجبلين، وأيضًا بطحاء اسم موضع منها على جانب حراء، وجعلها ذهبًا إما بجعل حصاه ذهبًا، أو ملأ مسيله بالذهب، فالأول أظهر، وجاء في بعض الروايات: جعل جبالها ذهبًا.\n٥١٩١ - [٣٧] (عبيد اللَّه) قوله: (وعن عبيد اللَّه) بلفظ التصغير (ابن محصن) بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين آخره نون.\nوقوله: (في سربه) في (القاموس) (١): بكسر السين وفتحها، وبهما يروى، والكسر أقوى، وفي (القاموس) (٢): السرب بفتح السين: الطريق والوجهة والصدر، وبالكسر: الطريق والبال والقلب والنفس، وهذه المعاني كلها مناسبة للمقام، وقال التُّورِبِشْتِي (٣): أبى بعضهم إلا (السرب) بفتحتين بمعنى البيت، ولم يذكر فيه رواية، ولو سلم له قوله -أن يطلق السرب على كل بيت- كان قوله هذا جريًّا بأن يكون أقوى الأقاويل، إلا أن السرب بفتحتين يقال للبيت الذي هو في الأرض، انتهى.\nوفي (القاموس) (٤): السرب بالتحريك: جحر الوحشي، والحفير تحت\n_________\n(١) قوله: \"في القاموس\" كذا في الأصل، وهو سبق قلم.\n(٢) \"القاموس\" (ص: (١٠٢).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٣/ ١١٠٦).\n(٤) \"القاموس\" (ص: ١٠٢).","vol":"8","page":426},{"text":"عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٣٤٦].\n٥١٩٢ - [٣٨] وَعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَا مَلأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ طَعَامٌ وَثُلُثٌ شَرَابٌ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْن مَاجَهْ. [ت: ٢٣٨٠، جه: ٣٣٤٩].\n٥١٩٣ - [٣٩] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سَمِعَ رَجُلًا يتجَشَّأُ فَقَالَ: . . . . .\nــ\nالأرض.\nوقوله: (فكأنما حيزت) أي: جمعت، بلفظ المجهول، من حاز يحوز حوزًا، أو الحوز الجمع وضم الشيء، كالحيازة والاحتياز، و(الحذافير) جمع حذفور كعصفور، أي: كأنما أعطي الدنيا بأسرها.\n٥١٩٢ - [٣٨] (المقدام) قوله: (بحسب ابن آدم) الباء زائدة، أي: كفاه، و(الأكلات) بضمتين جمع أكلة بضم وسكون: اللقمة.\nوقوله: (وإن كان لا محالة) أي: كان لا بد من أن يملأ بطنه، وقد ذكر الإمام الغزالي من فوائد الجوع -ونقله الطيبي (١) عنه- ما فيه تذكرة لأولي الألباب.\n٥١٩٣ - [٣٩] (ابن عمر) قوله: (سمع رجلًا يتجشأ) في (القاموس) (٢):\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (٩/ ٣١٠).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٤٧).","vol":"8","page":427},{"text":"\"أَقْصِرْ مِنْ جُشَائِكَ، فَإِنَّ أَطْوَلَ النَّاسِ جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَطْوَلُهُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ نَحْوَهُ. [شرح السنة: ٤٠٤٩، ت: ٣٤٧٨].\nــ\nالتجشؤ: تنفس المعدة، كالتجشئة، والاسم كهمزة، وفي (الصراح) (١): تجشوء آروغ دادن، تجشئة مثلثة جشأة مثل همزة، اسم جشاء بالمد مثلثة، وفي بعض الحواشي: الجشاء: صوت مع ريح يخرج من الحلق عند الشبع، وتجشأ: تكلف في ذلك، انتهى.\nولعل صيغة التفعل هنا للكمال والمبالغة كما قيل في التوحد والتفرد وأمثالهما عند إطلاقهما على اللَّه ﷿.\nو(أقصر) من الإقصار، أقصر وتقاصر: انتهى، وعنه: عجز، كذا في (القاموس) (٢)، والمقصود من قوله: (أقصر من جشائك) النهي عن الشبع الجالب للجشاء؛ لأن الجشاء ربما لا يكون للعبد فيه اختيار، والرجل الذي تجشأ عند رسول اللَّه -ﷺ- هو أبو جحيفة وهب بن عبد اللَّه السوائي، يعدّ في صغار الصحابة، لم يبلغ الحلم في زمنه -ﷺ-، وقيل: كان من شيعة علي -﵁-، وكان يقول له: وهب اللَّه ووهب الخير، روي عنه أنه قال: أكلت ثريدة برٍّ مع لحم، وأتيت رسول اللَّه -ﷺ- وأنا أتجشأ، فقال: (أقصر من جشائك) الحديث، وروي أنه لم يأكل ملء بطنه بعد ذلك حتى فارق الدنيا.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٥).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٤٣١).","vol":"8","page":428},{"text":"٥١٩٤ - [٤٠] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عِيَاضٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٢٧].\n٥١٩٥ - [٤١] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"يُجَاءُ بِابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ بَذَجٌ، فَيُوقَفُ بَيْنَ يَدَي اللَّهِ، فَيَقُولُ لَهُ: أَعْطَيْتُكَ وَخَوَّلْتُكَ وَأَنْعَمْتُ عَلَيْكَ فَمَا صَنَعْتَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ! . . . . .\nــ\n٥١٩٤ - [٤٠] (كعب بن عياض) قوله: (إن لكل أمة فتنة) في (القاموس) (١): الفتنة بالكسر: الخبرة، وفي (الصراح) (٢): فتنة: آزمائش.\nوقوله: (وفتنة أمتي المال) أي: أكثرها وأغلبها؛ لأنه فتح لهم من الأموال والخزائن ما لم يقع لغيرهم.\n٥١٩٥ - [٤١] (أنس) قوله: (كأنه بذج) في (القاموس) (٣): البذج محركة: ولد الضأن، كالعتود من أولاد المعز، والجمع بذجان بالكسر.\nوقوله: (وخولتك) تفسير لقوله: (أعطيتك)، والخول محركة: ما أعطاك اللَّه من النعم والعبيد والإماء وغيرهم من الحاشية، للواحد والجمع والذكر والأنثى، ويقال للواحد: خائل، كذا في (القاموس) (٤)، وفي (الصراح) (٥): تحويل دادن\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١١٢٥).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٥٢٢).\n(٣) \"القاموس\" (ص: ١٧٨).\n(٤) \"القاموس\" (ص: ٩١٦).\n(٥) \"الصراح\" (ص: ٤٢٢).","vol":"8","page":429},{"text":"جَمَعْتُهُ وَثَمَّرْتُهُ وَتَرَكْتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ، فَارْجِعْنِي آتِكَ بِهِ كلِّهِ، فَيَقُولُ لَهُ: أَرِنِي مَا قَدَّمْتَ، فَيَقُولُ: رَبِّ جَمَعْتُهُ وَثَمَّرْتُهُ وَتَرَكْتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَ فَارْجِعْنِي آتِكَ بِهِ كلِّهِ، فَإِذَا عَبْدٌ لَمْ يُقَدِّمْ خَيْرًا، فَيُمْضَى بِهِ إِلَى النَّارِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ. [ت: ٢٣٣٦].\n٥١٩٦ - [٤٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَوَّلَ مَا يُسْأَلُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ النَّعِيمِ أَنْ يُقَالَ لَهُ: أَلَمْ نُصِحَّ جِسْمَكَ؟ وَنُرَوِّكَ مِنَ المَاءِ الْبَارِدِ؟ \". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٣٥٨].\nــ\nوملك كردانيدن جيزء را، يقال: خوله اللَّه الشيء، أي: أعطاه إياه.\nوقوله: (وثمرته) ثمر الرجل: تمول، ومال ثمر ككتف ومثمور: كثير، ثمر الرجل ماله: نماه وكثره.\nوقوله: (ما كان): (ما) مصدرية، و(كان) تامة، والمضاف محذوف، أي: أكثر أحوال وجوده، فإن لوجود المال أحوالًا من القلة والكثرة، هذا ما تخيلت في تصحيح هذا التركيب.\nوقوله: (فإذا عبد) الفاء فصيحة، و(إذا) للمفاجأة، والمبتدأ محذوف، أي: ظهر من حاله أنه عبد خاسر.\nوقوله: (فيمضى) بفتح الضاد وقد يكسر.\n٥١٩٦ - [٤٢] (أبو هريرة) قوله: (إن أوّل ما يسأل): (ما) مصدرية، فيكون في تأويل المصدر، وخبره (أن يقال) كذلك.\nوقوله: (ألم نصح جسمك): (أصح) جاء لازمًا ومتعديًا، وفي الحديث:","vol":"8","page":430},{"text":"٥١٩٧ - [٤٣] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ؟ \". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٤١٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1155> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥١٩٨ - [٤٤] عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لَهُ: \"إِنَّكَ لَسْتَ بِخَيْرٍ مِنْ أَحْمَرَ وَلَا أَسْوَدَ. . . . .\nــ\n(لا يوردن ذو عاهة على مصح)، كذا في (الصحاح) (١)، وفي (القاموس) (٢): الصح بالضم، والصحة بالكسر، والصحاح بالفتح: ذهاب المرض، والبراءة من كل عيب، صح يصح، فهو صَحيح وصَحاح، والجمع صِحَاح وأصحّاء وصَحائح، وأصحّ فلان: صح أهله، وماشيته، وأصح اللَّه فلانًا: أزال مرضه.\n٥١٩٧ - [٤٣] (ابن مسعود) قوله: (فيما أبلاه) كأنه من بلي الثوب وأبلاه، كأن الشباب في قوته كالثوب الجديد، فلما ولى الشباب وضعف البدن فكأنما بلي.\nالفصل الثالث\n٥١٩٨ - [٤٤] (أبو ذر) قوله: (من أحمر ولا أسود) المراد بالأحمر العجم؛ لغلبة لون الحمرة والبياض عليهم، وبالأسود العرب؛ لكون لون السواد والخضرة غالبًا فيهم.\n_________\n(١) \"الصحاح\" (١/ ٣٨٠).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٢٢١).","vol":"8","page":431},{"text":"إِلَّا أَنْ تَفْضُلَهُ بِتَقْوَى\". رَوَاهُ أَحْمدُ. [حم: ٥/ ١٥٨].\n٥١٩٩ - [٤٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا زَهِدَ عَبْدٌ فِي الدُّنْيَا إِلَّا أَنْبَتَ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فِي قَلْبِهِ، وَأَنْطَقَ بِهَا لِسَانَهُ، وَبَصَّرَهُ عَيْبَ الدُّنْيَا وَدَاءَهَا وَدَوَاءَهَا، وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا سَالِمًا إِلَى دَارِ السَّلَامِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ١٠٥٣٢].\nــ\nوقوله: (إلا أن تفضله) من الفضل ضد النقص، وإفراد الضمير باعتبار المعنى؛ فإن المعنى: لست بخير من أحد منهم، أو المراد تفضل الأحمر أو الأسود، وفضل يفضل كنصر وعلم، وأما فضل كعلم يفضل كينصر فمركب منهما، والفضيلة: الدرجة الرفيعة في الفضل.\nوقوله: (بتقوى) غير منون؛ لأنه غير منصرف، كما في قوله تعالى: ﴿عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٩]، وأصل تقوى: وقوى بالواو، وهو مصدر كالوقاية، يقال: وقى يقي وقاية ووقوى، فأبدلت الواو تاء.\n٥١٩٩ - [٤٥] (وعنه) قوله: (ما زهد عبد في الدنيا) الحديث، يريد أن الزهد في الدنيا إن كان للعلم بقبائحها وعيوبها إجمالًا من غير تحقيق، فهو يورث الكمال والتحقيق ومزيد اليقين بعيوبها وضررها وعلاج دفعه، حتى يصير القلب صافيًا سالمًا بالكل وإن كان في ابتداء الحال زهده فيها مع أدنى شوب ميل وشهوة، وهكذا شأن العمل يزيد نوره نور الإيمان، ويورث التحقيق والكشف والعيان، وإن كان في ابتداء مع شوب التقليد والنقصان، وكان شيخنا رحمة اللَّه تعالى عليه يوصي أصحابه بالتزام العمل ويقول: لا ينبغي للطالب أن يوقف عمله على حصول اليقين والإيمان التحقيقي في الأول، بل يشرع بالإيمان التقليدي الذي حصل له في الجملة في العمل، يحصل","vol":"8","page":432},{"text":"٥٢٠٠ - [٤٦] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَخْلَصَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلإِيمَانِ، وَجَعَلَ قَلْبَهُ سَلِيمًا، وَلِسَانَهُ صَادِقًا، وَنَفْسَهُ مُطْمَئِنَّةً، وَخَلِيقَتَهُ مُسْتَقِيمَةً، وَجَعَلَ أُذُنَهُ مُسْتَمِعَةً، وَعَيْنَهُ ناظِرَةً، فَأَمَّا الأُذُنُ فَقَمْعٌ، وَأَمَّا الْعَيْنُ فَمُقِرَّةٌ لِمَا يُوعَى الْقَلْبُ،\nــ\nإن شاء اللَّه بالمداومة عليه والجد فيه مرتبة التحقيق والتفصيل، فإن الإيمان يقوى بالعمل، ويزداد العمل بالإيمان، وتتعاكس أنوارهما، وباللَّه التوفيق.\n٥٢٠٠ - [٤٦] (وعنه) قوله: (من أخلص اللَّه قلبه للإيمان) أي: رزقه إيمانًا خالصًا عن شوب النفاق، (وجعل قلبه سليمًا) عن جميع الذمائم والآفات، وخاليًا عن ذكر ما سواه، (ولسانه صادقًا) فيما يعبر عن أحواله ويخبر عن مقامه من غير كذب وتأويل، (ونفسه مطمئنة) مطيعة عاملة متمثلة لما أمر ونهى من غير أن يستغني بمعرفته عن العمل، (وخليقته) أي: طبيعته التي خلق عليها وجبل، (مستقيمة) واقفة على حد الاستقامة من غير زيغ وميل إلى باطل مما سوى الحق تعالى وتقدس، حافظة للمرات كما يشير إليه قوله: ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ٢٠] (وجعل أذنه مستمعة) للقول الحق متبعةً للأحسن، وأذن قلبه متلقيةً خطابات الحق في الأحوال، (وعينه ناظرة) إلى دلائل الوحدانية، وشاهدةً لأحدية الحق تعالى، غير زائغة وطاغية بالالتفات إلى ما سواه، وقد جرى القلم في شرح هذا الحديث على طريق أهل الإشارة مع إيماء إلى ما يفيده ظاهر العبارة، وباللَّه التوفيق.\nثم أشار -ﷺ- إلى أن طريق وصول العلم إلى القلب وحفظه فيه إنما هو السمع والبصر، فالأول بقوله: (فأما الأذن فقمع) والقَمع بالفتح والكسر وكعنب: ما يوضع في فم الإناء فيصب فيه الدهن وغيره، شبه السمع في وصول القول منه إلى القلب في وعيه إياه بالقمع، والثاني بقوله: (وأما العين فمقرة لما يوعى القلب) أي: يثبت","vol":"8","page":433},{"text":"وَقَدْ أَفْلَحَ مَنْ جَعَلَ قَلْبَهُ وَاعِيًا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [حم: ٢١٣١٠، شعب: ١٠٧].\nــ\nويقر في القلب ما أدركته ورأته، و(القلب) إما مرفوع فاعل (يوعى) ومفعوله محذوف، وهو ضمير راجع إلى (ما)، أي: يوعيه ويحفظه القلب، أو منصوب مفعول (يوعى) وفاعله ضمير فيه راجع إلى (ما)، أي: مقرة لما يجعل القلب وعاء له، و(يوعى) يجيء متعديًا ولازمًا، في (القاموس) (١): وعاه يعيه: حفظه، كأوعاه، وفي (الصحاح) (٢): ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾ [الانشقاق: ٢٣]، أي: يضمرون في قلوبهم من التكذيب، واعتبروا تشبيه الأذن بالقمع في وصول القول إلى القلب ليعيه.\nثم ذكر فذلكة القرينتين بقوله: (وقد أفلح من جعل قلبه واعيًا) فدلائل الواحدنية إما مسموعة أو مبصرة، فالمسموعة توصلها الأسماع إلى القلب، والمبصرة توصلها الأبصار وتعيها قلوب واعية، كذا ذكروا في شرح هذا الحديث، وهو الموافق للمقصود من الحديث سباقًا وسياقًا، وقد ذكر في (مجمع البحار) (٣) نقلًا عن (النهاية) في حديث: (ويل لأقماع القول، ويل للمصرين)، أنه شبه استماع من يسمع القول ولا يعيه ولا يحفظه ولا يعمل به بالأقماع لا تعي شيئًا مما يفرغ فيها، فكأنه يمرّ عليها مجازًا كما يمر الشراب في الأقماع اجتيازًا، فاعتبروا لتشبيه الاستماع بالأقماع في مرور الأقوال إليها وعدم ثبوتها فيها، وليس فيه قصة كون القلب وعاء، فتدبر.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١٢٣٢).\n(٢) \"الصحاح\" (٢/ ٢٨٦).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٣٢٦).","vol":"8","page":434},{"text":"٥٢٠١ - [٤٧] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ ﷿ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١٧٣١١].\n٥٢٠٢ - [٤٨] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ. . . . .\nــ\n٥٢٠١ - [٤٧] (عقبة بن عامر) قوله: (على معاصيه) أي: مع وجود المعاصي، أي: يعطي العبد العاصي ما يحب العبد، ويحتمل أن يحمل على معنى المقابلة، كما يقال: أعطاه على عمله، يعني عمل العبد عملًا وهو معصية يكون سببًا في حصول رزق حرام.\nوقوله: (فإنما هو استدراج) استدراج اللَّه تعالى العبد أنه كلما جدد خطيئة جدد له نعمة ظانًّا أنه أثرة من اللَّه وتقريب حيث يعطيه من الدنيا ما يحبه، وفاته الاستغفار وأنه يأخذ [هـ] قليلًا قليلًا ولا يباغته، وقوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٢] نمهلهم ثم نأخذهم، كما يرقى الراقي درجة درجة، والاستدراج: الأخذ على غرة.\nوقوله: (﴿فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾) [الأنعام: ٤٤] في (القاموس) (١): أبلس: يئس وتحير، ومنه إبليس، وهو أعجمي، وفي (مجمع البحار) (٢) من (النهاية): المبلس: الساكت من الحزن، والإبلاس: الحيرة.\n٥٢٠٢ - [٤٨] (أبو أمامة) قوله: (من أهل الصفة). . . . .\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٤٩٤).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٢١٨).","vol":"8","page":435},{"text":"تُوُفِّيَ وَتَرَكَ دِينَارًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَيَّةٌ\"، قَالَ: ثُمَّ تُوُفِّيَ آخَرُ فَتَرَكَ دِينَاريْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَيَّتَانِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ والبيهقيُّ في \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [حم: ٥/ ٢٥٢، شعب: ٣٢٣٨].\n٥٢٠٣ - [٤٩] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ: أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى خَالِهِ. . . . .\nــ\nفي (القاموس) (١): كانوا أضياف الإسلام، كانوا يبيتون في صفة مسجده -ﷺ-، وهي موضع مظلل من المسجد، وفي (مجمع البحار) (٢) من (النهاية): أهل الصفة: فقراء المهاجرين، ومن لم يكن له منهم منزل يسكنه، فكانوا يأوون إلى موضع مظلل في مسجد المدينة [يسكنونه]، ومن الكرماني: وهو بضم صاد وتشديد فاء، وهم زهاد من الصحابة فقراء غرباء، وكانوا سبعين ويقلون حينًا ويكثرون، ومن شرح (جامع الأصول): يسكنون صفة المسجد لا مسكن لهم ولا مال ولا ولد، وكانوا متوكلين ينتظرون من يتصدق عليهم بشيء يأكلونه ويلبسونه.\nوقوله: (فقال رسول اللَّه -ﷺ-: كيّة) تغليظ وتشديد، وهو في الحقيقة عقاب على الدعوى الكاذبة للزهد والفقر، أشار إليه بقوله: رجل من أصحاب الصفة، وأما الآية الكريمة: ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٣٥]، ففي الكنز من دون إخراج الزكاة، وذلك بالاتفاق، وقد كان الأكابر من الصحابة أغنياء وما عابهم وزجرهم، وقد فضلوا على فقرائهم مع ما اختص به الفقراء من الفضائل من وجه آخر.\n٥٢٠٣ - [٤٩] (معاوية) قوله: (دخل على خاله) لأن هند أم معاوية كانت بنت عتبة.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٧٦٣).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٣٣٤).","vol":"8","page":436},{"text":"أَبِي هَاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ يَعُودُهُ، فَبَكَى أَبُو هَاشِمٍ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا خَالُ؟ أَوَجَعٌ يُشْئِزُكَ أَمْ حِرْصٌ عَلَى الدُّنْيَا؟ قَالَ: كَلَّا وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ عَهِدَ إِلَيْنَا عَهْدًا لَمْ آخُذْ بِهِ، قَالَ: وَمَا ذَلِكَ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: \"إِنَّمَا يَكْفِيكَ مِنْ جَمْعِ الْمَالِ خَادِمٌ وَمَرْكَبٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ\"، وَإِنِّي أُرَانِي قَدْ جَمَعْتُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْن مَاجَهْ. [حم: ١٥٦٦٤، ت: ٢٣٢٧، ن: ٢٣٧٢، جه: ٤١٥٥].\nــ\nوقوله: (أبي هاشم بن عتبة) السابق ذكره برواية هذا الحديث مختصرًا في (الفصل الثاني).\nوقوله: (أوجع يشئزك) على لفظ المضارع المعلوم من باب الإفعال، في (القاموس) (١): شئز كفرح شأزًا وشؤوزًا، فهو شئز، وشاز: غلظ، وارتفع، واشتد، وشئز الرجل: قلق وذعر، وفي (الصراح) (٢): شأز درشت شدن جائ وبى آرامى، إشآز بى آرام كردانيدن وسخن بني آرام كردن.\nوقوله: (أم حرص على الدنيا؟) أي: فنعطيك ما تريد منها.\nوقوله: (عهد إلينا) يعني أصحابه جميعًا، وفيه تعريض، وقد كانت رواية ما سبق (عهد إليّ).\nوقوله: (لم آخذ به) تواضع واقتصار على التحسر بحاله، ويمكن أنه من قبيل قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ﴾ [يس: ٢٢].\nوقوله: (قد جمعت) أي: أنواعًا كثيرة من المال وما اكتفيت بخادم ومركب.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٤٧٦).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٢٢٦).","vol":"8","page":437},{"text":"٥٢٠٤ - [٥٠] وَعَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ قَالَتْ: قُلْتُ: لِأَبِي الدَّرْدَاءِ: مَا لك لَا تَطْلُبُ كَمَا يَطْلُبُ فُلَانٌ؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ أَمَامَكُمْ عَقَبَةً كَؤُودًا لَا يَجُوزُهَا الْمُثْقِلُونَ\"، فَأُحِبُّ أَنْ أَتَخَفَّفَ لتِلْكَ الْعَقَبَةِ.\n٥٢٠٥ - [٥١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَلْ مِنْ أَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الْمَاءِ إِلَّا ابْتَلَّتْ قَدَمَاهُ؟ \" قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: \"كَذَلِكَ صَاحِبُ الدُّنْيَا لَا يَسْلَمُ مِنَ الذُّنُوبِ\". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٩٩٢٣، ٩٩٧٣].\n٥٢٠٦ - [٥٢] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ مُرْسَلًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: مَا أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ أَجْمَعَ الْمَالَ وَأَكُونَ مِنَ التَّاجِرِينَ،\nــ\n٥٢٠٤ - [٥٠] (أم الدرداء) قوله: (وعن أم الدرداء) زوجة أبي الدرداء، كانت من فضلاء الصحابيات.\nوقوله: (ما لك لا تطلب) أي: رسول اللَّه -ﷺ- أو الأصحاب، (فقال: إني سمعت) الظاهر أنه بكسر الهمزة، ويعيد تعليل الحكم السابق، ولا حاجة إلى تقدير اللام وفتح (أن) كما قيل، و(العقبة) بفتحتين: مرقًى صعبٌ من الجبال، وتكأدني الأمر: شق علي، وعقبة كؤود وكأداء: صعبة، كذا في (القاموس) (١).\n٥٢٠٥ - [٥١] (أنس) قوله: (لا يسلم من الذنوب) صغائر أو كبائر، بل الغالب أن المراد الثاني، فإن الصغائر قلما يخلو عنها أحد.\n٥٢٠٦ - [٥٢] (جبير بن نفير) قوله: . . . . .\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٢٧٦).","vol":"8","page":438},{"text":"وَلَكِنْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٨ - ٩٩]، رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي \"الْحِلْية\" عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ. [شرح السنة: ٤٠٣٦، حلية: ٢/ ١٣١].\n٥٢٠٧ - [٥٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا اسْتِعْفَافًا عَنِ الْمَسْأَلَةِ وَسَعْيًا عَلَى أَهْلِهِ وَتَعَطُّفًا عَلَى جَارِهِ لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَوَجْهُهُ مِثْلُ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَمَنْ طَلَبَ الدُّنْيَا حَلَالًا مُكَاثِرًا مُفَاخِرًا مُرَائِيًا لَقِي اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي \"الْحِلْيَةِ\". [شعب: ٧/ ٢٩٨، حلية: ٣/ ١٠٩].\n٥٢٠٨ - [٥٤] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ هَذَا الْخَيْرَ خَزَائِنُ،\nــ\n(﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾) أي: الموت، والمعنى: اعبده ما دمت حيًّا ولا تخل عن العبادة لحظة، وإذا كان الأمر كذلك كيف تشتغل بالدنيا وتجارتها.\n٥٢٠٧ - [٥٣] (أبو هريرة) قوله: (استعفافًا) الاستعفاف: طلب العفاف، والتعفف: هو الكف عن الحرام والسؤال عن الناس.\nوقوله: (مرائيًا) أي: إن تصدق وأنفق في سبيل اللَّه فعله للرياء؛ لأن الرياء إنما يكون في الطاعات، فثفس المال تجري فيه المفاخرة دون المراءاة، فافهم.\n٥٢٠٨ - [٥٤] (سهل بن سعد) قوله: (إن هذا الخير) الخير: المال الكثير، وبه فسروا قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، والمراد بالخير في قوله:","vol":"8","page":439},{"text":"لِتِلْكَ الْخَزَائِنِ مَفَاتِيحُ، فَطُوبَى لِعَبْدٍ جَعَلَهُ اللَّهُ مِفْتَاحًا لِلْخَيْرِ مِغْلَاقًا لِلشَّرِّ، وَوَيْلٌ لَعَبْدٍ جَعَلَهُ اللَّهُ مِفْتَاحًا لِلشَّرِّ مِغْلَاقًا لِلْخَيْرِ\". رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ. [جه: ٢٣٨].\n٥٢٠٩ - [٥٥] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا لَمْ يُبَارَكْ لِلْعَبْدِ فِي مَالِهِ جَعَلَهُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ\".\n٥٢١٠ - [٥٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"اتَّقُوا الْحَرَامَ فِي الْبُنْيَانِ؛ فَإِنَّهُ أَسَاسُ الْخَرَابِ\". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ١٠٢٣٤، ١٠٢٣٧].\nــ\n(مفتاحًا للخير) مقابل الشر، يريد إنفاق المال في سبيل اللَّه وفي مرضاته.\nوقوله: (لتلك الخزائن مفاتح) خبر ومبتدأ، والمراد بالمفاتيح المنفقون.\n٥٢٠٩ - [٥٥] (علي) قوله: (جعله في الماء والطين) كناية عن البناء، وقد مرّ شرحه.\n٥٢١٠ - [٥٦] (ابن عمر) قوله: (اتقوا الحرام في البنيان فإنه أساس الخراب) ذكروا في معناه وجوهًا: أحدها: احذروا إنفاق المال الحرام، فإنه أساس للخراب، أي: لخراب الدين أو البنيان، فيدل على أنه قد يجوز البناء من الحلال. وثانيها: اتقوا ارتكاب الحرام في البنيان، و(في) مثلها في قولهم؛ في البيضة عشرون رطلًا، والبيضة نفسها هذا المقدار، وعلى هذا الوجه يلزم أن يكون فعل البنيان نفسه حرامًا؛ بأن يكون موجبًا للإسراف والتبذير الحرام، أو يكون تشديدًا وتوبيخًا.\nوثالثها: أن البناء أساس الخراب، فلو لم يبن لم يخرب، كما في حديث: (لدوا","vol":"8","page":440},{"text":"٥٢١١ - [٥٧] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لَا دَارَ لَهُ، وَمَالُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لَا عَقْلَ لَهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [حم: ٦/ ٧١، شعب: ١٠١٥٤].\n٥٢١٢ - [٥٨] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: \"الْخَمْرُ جِمَاعُ الإِثْمِ،\nــ\nللموت وابنوا للخراب) (١)، وقد يختلج في صدري أن يكون معنى الحديث: لا تبنوا لأجل أن تجالسوا فيه مع الفساق، وترتكبوا الحرام والمعاصي كما يفعله أهل الفسق والعصاة، واللَّه أعلم.\n٥٢١١ - [٥٧] (عائشة) قوله: (الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له) حاصل المعنى: من اتخذ الدنيا دار إقامة فكأنه لا دار له؛ لأنه ينتقل منه بعد زمان، ومن جمع أموال الدنيا ولم ينفقه في سبيل اللَّه فكأنه لا مال له؛ لأن المال إنما يحمد للإنفاق، ويجوز أن يكون المراد دار من لا دار له في الآخرة، ومال من لا غناء له في الآخرة.\nوقوله: (ولها يجمع) أي: لأجل الدنيا والإقامة والبقاء فيها، أو (لها) متعلق بـ (يجمع) واللام مزيدة لتقوية العمل، كما يقال: لزيد ضربت، أي: يجمع الدنيا، أي: متاعها، (من لا عقل له) لأنه علامة اعتقاد البقاء فيها.\n٥٢١٢، ٥٢١٣ - [٥٨، ٥٩] (حذيفة) قوله: (الخمر جماع الأثم) جماع الشيء: جمعه، وفي (الصراح) (٢): جماع الشيء بالكسر: جمع جيزى، يقال: الخمر جماع\n_________\n(١) أخرجه الأصفهاني في \"العظمة\" (٥١٧).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٣٠٩).","vol":"8","page":441},{"text":"وَالنِّسَاءُ حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ، وَحُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ\"، قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: \"أَخِّرُوا النِّسَاءَ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ\". رَوَاهُ رَزِينٌ.\n٥٢١٣ - [٥٩] وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْهُ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\" عَنِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا: \"حُبُّ الدُّنْيَا (١) رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ\". [شعب: ١٠٠١٩].\n٥٢١٤ - [٦٠] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَتَخَوَّفُ. . . . .\nــ\nالإثم، وقول الطيبي في تفسيره (٢): أي: مجمعه ومظنته، إشارة إلى أن معنى جامعية الخمر للإثم باعتبار كونه مظنة له ومحلًّا يظن فيه وجوده، لا أن من شرب الخمر جمع الآثام كلها بالفعل، بل يحتمل وجودها بعد الشرب؛ لكونها أم الخبائث، (والنساء حبائل الشيطان) جمع حبالة، والحبالة ككتابة: المصيدة، وحبل الصيد واحتبله: أخذه بها، أو نصبها له، وحبائل الموت: أسبابه، كذا في (القاموس) (٣).\nوقوله: (وحب الدنيا رأس كل خطيئة) أي: أصلها وموجبها؛ لأن الخطيئة والمعصية إنما ترتكب لمحبة الدنيا وشهواتها، ومحبة الآخرة لا تبعث على ارتكاب المعصية.\nوقوله: (حيث أخّرهن اللَّه): (حيث) للتعليل، أي: لأن اللَّه أخرهن، أو للمكان، أي: أخروهن في مواضع أخرهن اللَّه فيها.\n٥٢١٤ - [٦٠] (جابر) قوله: (إن أخوف ما أتخوف) اسم التفضيل بمعنى\n_________\n(١) كذا في \"المشكاة\"، وفي \"الشعب\": \"الدينار\" بدل \"الدنيا\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٣٢١).\n(٣) \"القاموس\" (ص: ٨٣٥).","vol":"8","page":442},{"text":"عَلَى أُمَّتِي الْهَوَى وَطُولُ الأَمَلِ، فَأَمَّا الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ، وَأَمَّا طُولُ الأَمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ، وَهَذِهِ الدُّنْيَا مُرْتَحِلَةٌ ذَاهِبَةٌ، وَهَذِهِ الآخِرَةُ مُرْتَحِلَةٌ قَادِمَةٌ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تَكُونُوا بَنِي الدُّنْيَا فَافْعَلُوا؛ فَإِنَّكُمُ الْيَوْمَ فِي دَارِ الْعَمَلِ وَلَا حِسَابَ، وَأَنْتُمْ غَدًا فِي دَارِ الآخِرَةِ وَلَا عَمَلَ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ١٠١٣٢].\n٥٢١٥ - [٦١] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: ارْتَحَلَتِ الدُّنْيَا مُدْبِرَةً وَارْتَحَلَتِ الآخِرَةُ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ. [خ: كتاب الرقاق، باب الأمل وطوله].\nــ\nالمفعول بحذف الصلة، أي: أخوف مخوفاتي على أمتي، أي: ما يخاف منه، أو يكون من أخاف اسم بمعنى خوف، أي: أشد موجبات خوفي عليهم.\nوقوله: (وهذه الدنيا) قد يراد باسم الإشارة للقريب التحقير والإهانة، لأن ما يكون قريبا يكون مبتذلًا مهانًا، وقد يراد التعظيم؛ لأن ما يكون عظيمًا يكون قريبًا مخطورًا بالبال حاضرًا في الذهن، ففي قوله: (هذه الدنيا) يراد التحقير، وفي (هذه الآخرة) التعظيم.\nوقوله: (فإنكم اليوم في دار العمل) أي: في دار الدنيا التي هي دار العمل.\nوقوله: (ولا حساب) قال الشيخ ابن حجر: بالفتح بغير تنوين، ويجوز الرفع بالتنوين، وكذا قوله: (ولا عمل).\n٥٢١٥ - [٦١] (علي) قوله: (رواه البخاري) أي: موقوفًا على علي -﵁-، وحديث جابر -﵁- عنه يدل على أنه مرفوع أيضًا.","vol":"8","page":443},{"text":"٥٢١٦ - [٦٢] وَعَنْ عَمْرٍو: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خَطَبَ يَوْمًا فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ: \"أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ، يَأْكُلُ مِنْهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، أَلَا وَإِنَّ الآخِرَةَ أَجَلٌ صَادِقٌ،\nــ\n٥٢١٦ - [٦٢] (عمرو) قوله: (الدنيا عرض حاضر) قال الطيبي (١): العرض ما لا يكون له ثبات، ومنه استعار المتكلمون العرض لما لا ثبات له إلا بالجوهر، انتهى.\nذكر معنى العرض بالتحريك في (القاموس) (٢): ما يعرض للإنسان من مرض ونحوه، وحطام الدنيا، وما كان من مال قل أو كثر، والغنيمة والطمع، وقد ذكر من معانيه ما يقوم بغيره، لكن قيد بقوله: في اصطلاح المتكلمين، وفي (الصحاح) (٣) أيضًا ذكر هذا المعنى من غير هذا القيد وقال: ومال الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر، فتعين أن المراد في الحديث هو المعنى الأخير، كما مرّ في آخر (الفصل الأول) من حديث أبي هريرة: (ليس الغني عن كثرة العرض).\nو(الأجل) مدة الشيء.\nوقوله: (صادق) أي: متحقق ثابت باق، ويستعمل الصدق في كل باب فيه تحقيق كما ذكر الطيبي (٤)، أو المراد صدق اللَّه في الإخبار به كما في الحديث الآتي: (وعد صادق).\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٣٢٣).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٥٥٠).\n(٣) \"الصحاح\" (١/ ٤٥٩).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٣٢٣).","vol":"8","page":444},{"text":"وَيَقْضِي فِيهَا مَلِكٌ قَادِرٌ، أَلَا وَإِنَّ الْخَيْرَ كلَّهُ بِحَذَافِيرِهِ فِي الْجَنَّةِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّرَّ كُلَّهُ بِحَذَافِيرِهِ فِي النَّارِ، أَلَا فَاعْمَلُوا وَأَنْتُمْ مِنَ اللَّهِ عَلَى حَذَرٍ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مَعْرُوضُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمْ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ\". رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ. [مسند الشافعي: ١/ ٦٧].\n٥٢١٧ - [٦٣] وَعَنْ شَدَّادٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ، يَأْكُلُ مِنْهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَإِنَّ الآخِرَةَ وَعْدٌ صَادِقٌ، يَحْكُمُ فِيهَا مَلِكٌ عَادِلٌ قَادِرٌ، يُحِقُّ فِيهَا الْحَقَّ وَيُبْطِلُ الْبَاطِلَ، كُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ كُلَّ أُمٍّ يَتْبَعُهَا وَلَدُهَا\".\nــ\nوقوله: (يقضي فيها ملك قادر) أي: يميز بين البر والفاجر كما جاء في الحديث الآتي: (ملك عادل قادر).\nوقوله: (بحذافيره) قد مر معناه في الحديث الثاني من حديث عبيد اللَّه بن محصن.\nوقوله: (وأنتم من اللَّه على حذر) جملة حالية.\nوقوله: (معروضون على أعمالكم) أي: أعمالكم معروضة عليكم، أو المعنى: أنتم محضرون على أعمالكم، أو المراد معروضون على اللَّه على ما كان لكم من الأعمال.\n٥٢١٧ - [٦٣] (شداد) قوله: (فإن كل أم يتبعها ولدها) أشار بهذا الكلام إلى وجه استعارة أبناء الدنيا وأبناء الآخرة لأهلهما.","vol":"8","page":445},{"text":"٥٢١٨ - [٦٤] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ إِلَّا وَبِجَنْبَتَيهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ يُسْمِعَانِ الْخَلَائِقَ غَيرَ الثَّقَلَيْنِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، مَا قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى\". رَوَاهُمَا أَبُو نُعَيْمٍ فِي \"الحِليَةِ\". [حلية: ١/ ٢٦٤، ١/ ٢٢٦].\n٥٢١٩ - [٦٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ قَالَ: . . . . .\nــ\n٥٢١٨ - [٦٤] (أبو الدرداء) قوله: (ما طلعت الشمس) الحديث، لما كان النهار محل وصول الرزق والمعشية نبه -ﷺ- أمته على أن يكونوا راضين بالكفاية، ولا يحرصوا حتى يقعوا في ورطة السخط ويتلهوا عن عبادة اللَّه وطاعته، وأوحي إليه -ﷺ- أن (الملكين يناديان) حقيقة أو كناية، ويجوز أن تكون السنة الإلهية قد جرت بالأمر للملائكة وندائهم وقصد إسماعهم الخلق، وكان -ﷺ- يسمع بنفسه الكريمة نداءهما، وإسماعهما الخلائق لا يسمعه الثقلان؛ لئلا يرتفع التكليف، وذلك كما في إصاخة كل دابة إلا الجن والإنس بنداء قيام الساعة يوم الجمعة، وعدم سماع صياح الجنازة وعذاب القبر.\nفإن قلت: فإذا لم يسمع الإنسان نداء الملكين فما الفائدة فيه؟ وكيف تنبهوا بذلك؟\nقلت: يكفي في ذلك إخبار النبي -ﷺ- الأمة به، ويجوز أن يكون هذا كناية عن نصب اللَّه تعالى الدلائل على صدق هذه القضية، وهي أن (ما قل وكفى خير مما كثر وألهى)، كأن الملائكة ينادون كل يوم بذلك، ولكن الناس عنه غافلون ولا يتنبهون، واللَّه أعلم.\n٥٢١٩ - [٦٥] (أبو هريرة) قوله: (يبلغ به) أي: بهذا الحديث إلى النبي -ﷺ-،","vol":"8","page":446},{"text":"\"إِذَا مَاتَ الْمَيِّتُ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: مَا قَدَّمَ؟ وَقَالَ بَنُو آدَمَ: مَا خَلَّفَ؟ \". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٩٩٩٢].\n٥٢٢٠ - [٦٦] وَعَنْ مَالِكٍ: أَنَّ لُقْمَانَ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِنَّ النَّاسَ قَدْ تَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ مَا يُوعَدُونَ، وَهُمْ إِلَى الآخِرَةِ سرَاعًا يَذْهَبُونَ، وَإنَّكَ قَدِ اسْتَدْبَرْتَ الدُّنْيَا مُنْذُ كُنْتَ وَاسْتَقْبَلْتَ الآخِرَةَ، وَإِنَّ دَارًا تَسِيرُ إِلَيْهَا أَقْرَبُ إِلَيْكَ مِنْ دَارٍ تَخْرُجُ مِنْهَا. رَوَاهُ رَزِينٌ. [الزهد للبيهقي: ٥٠١].\n٥٢٢١ - [٦٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: \"كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ\"، قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: \"هُوَ النَّقِيُّ التَّقِيُّ لَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ وَلَا حَسَدَ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [جه: ٤٢٦٩، شعب: ٤٤٦٢].\nــ\nوالباء للتعدية، أي: يرفعه إليه.\n٥٢٢٠ - [٦٦] (مالك) قوله: (قد تطاول عليهم) أي: طال من عهد آدم إلى زمنهم مدة (ما يوعدون) به.\nوقوله: (منذ كنت): (كان) تامة، أي: ولدت ووجدت.\n٥٢٢١ - [٦٧] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (كل مخموم القلب) بالخاء المعجمة، في (القاموس) (١): خم البيت والبئر: كنسها، كاختفها، والمخموم القلب: خالصه، النقي من الغل والحسد، والخمامة بالضم: الكناسة، وبناء (فعالة) بضم\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٩٤٣).","vol":"8","page":447},{"text":"٥٢٢٢ - [٦٨] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"أَرْبَعٌ إِذَا كُنَّ فِيكَ فَلَا عَلَيْكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا: حِفْظُ أَمَانَةٍ، وَصِدْقُ حَدِيثٍ، وَحُسْنُ خَلِيقَةٍ، وَعِفَّةٌ فِي طُعْمَةٍ\". رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [حم: ٢/ ١٧٧، شعب: ٤٤٦٣].\n٥٢٢٣ - [٦٩] وَعَنْ مَالِكٍ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّهُ قِيلَ لِلُقْمَانَ الْحَكِيمِ: مَا بَلَغَ بِكَ مَا ترى؟ يَعْنِي الْفَضْلَ، قَالَ: صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءُ الأَمَانَةِ، وَتَرْكُ مَا لَا يَعْنِينِي. رَوَاهُ فِي \"الْمُوَطَّأ\". [ط: ٢/ ٩٩٠].\nــ\nالفاء يجيء لما ينفصل من الشيء ويطرح، كالكناسة لما انفصل بالمكنس من التراب والحشيش من البيت، والقلامة لما انفصل من الظفر بالقلم، والسباطة، ونحو ذلك.\n٥٢٢٢ - [٦٨] (وعنه) قوله: (ما فاتك من الدنيا): (ما) مصدرية، أي: ما ضرك فوت الدنيا، وقيل: نافية، أي: ما فاتك إذا كن حاصلة، والأول هو الأظهر، وليست بموصولة؛ لعدم الضمير، ولو كانت العبارة ما فاتك من الدنيا لكانت هي.\nوقوله: (حفظ إمانة) في حقوق اللَّه والعباد، (وعفة في طعمة) بالضم، بالاجتناب عن الحرام والاقتصار على الكفاية.\n٥٢٢٣ - [٦٩] (مالك) قوله: (ما بلغ بك) الباء للتعدية.\nوقوله: (ما لا يعنيني) صريح في أن الضمير في (يعني) لـ (ما)، وفي قوله -ﷺ-: \"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه\"، ويحتمل أن يكون لـ (ما) أو لـ (المرء)، والظاهر في المعنى لـ (المرء)، فافهم.","vol":"8","page":448},{"text":"٥٢٢٤ - [٧٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَجِيءُ الأَعْمَالُ فَتَجِيءُ الصَّلَاةُ فَتَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَا الصَّلَاةُ، فَيَقُولُ: إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ، فَتَجِيءُ الصَّدَقَة فَتَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَا الصَّدَقَةُ، فَيَقُولُ: إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ، ثُمَّ يَجِيء الصِّيَامُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَا الصِّيَامُ، فَيَقُولُ: إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ، ثُمَّ تَجِيءُ الأَعْمَالُ عَلَى ذَلِكَ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّكِ عَلَى خَيْرٍ، ثُمَّ يَجِيءُ الإِسْلَامُ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَنْتَ السَّلَامُ وَأَنَا الإِسْلَامُ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّكَ عَلَى خَيْرٍ بِكَ الْيَوْمَ آخُذُ وَبِكَ أُعْطِي، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] \".\nــ\n٥٢٢٤ - [٧٠] (أبو هريرة) قوله: (تجيء الأعمال فتجيء الصلاة) الحديث، حاصل المراد من الحديث أن الأعمال فرادى تجيء شافعة لصاحبها فيردها اللَّه بلطف، حتى إذا جاء الإسلام الذي هو الأصل وجامع الأعمال كلها قبلت شفاعته، وقد جاء مبدئًا بالثناء على اللَّه تعالى، ومن آداب الشفاعة المؤثرة في قبولها الثناءُ على المشفع كما يشعر به تعليم الرب تعالى حمدًا من عنده سيد المرسلين -ﷺ- يفتح به باب الشفاعة ويشفع به كما جاء في حديث الشفاعة، ولو أريد بالإسلام هنا التسليم لأحكام اللَّه والرضا بها وترك الاختيار الذي هو أعلى مقامات السالكين، لم يبعد، بل أقرب من المعنى الأول وأدخل في قبول الشفاعة؛ لما فيه من معنى التذلل والانكسار، ثم مجيء الأعمال إما بحقائقها وصورها التي لها في ذلك العالم، فإن لكل شيء حقيقة وصورة كالظلة للإيمان، واللبن للعلم، والكبش للموت، أو يجعلها في صور حسنة كما قيل في وزنها، أو هو كناية عن اعتبارها وملاحظتها منسوبة إلى العالمين وحصول النجاة لهم بها، واللَّه أعلم.","vol":"8","page":449},{"text":"٥٢٢٥ - [٧١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ لَنَا سِتْرٌ فِيهِ تَمَاثِيلُ طَيْرٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا عَائِشَةُ حَوِّلِيهِ؛ فَإِنِّي إِذَا رَأَيْتُهُ ذَكَرْتُ الدُّنْيَا\".\n٥٢٢٦ - [٧٢] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: عِظْنِي وَأَوْجِزْ، فَقَالَ: \"إِذَا قُمْتَ فِي صَلَاتِكَ فَصَلِّ صَلَاةَ مُوَدِّعٍ، وَلَا تَكَلَّمْ بِكَلَامٍ تَعْذِرُ مِنْهُ غَدًا، وَأَجْمِعِ الإِيَاسَ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاس\".\nــ\n٥٢٢٥ - [٧١] (عائشة) قوله: (فإني إذا رأيته ذكرت الدنيا) لم يعلله -ﷺ- بحرمة التماثيل ومنعها عن دخول الملائكة، إما لأنه كان قبل النهي عنها، أو لأنها كانت دقيقة لا تبدو للناظر، أو لأنه قد لا يحرم في أمثال الوسد والفرش كما سبق في بابه، أو لينبه أهل بيته على ترك الترفه والتنعم بما هو من الدنيا حتى لا يأخذوا سترًا آخر ولو غير مصور فيه من النفاسة، وقد ورد النهي عن كسوة الجدران بالستر.\n٥٢٢٦ - [٧٢] (أبو أيوب الأنصاري) قوله: (فصل صلاة مودّع) أي: تارك نفسه وجميع ما سوى اللَّه تعالى، وأقبل بكلك إلى جناب الحق بتوجه تام وإخلاص كلي، ويحتمل أن يكون معناه -واللَّه أعلم- مودع حياته، أي: ظُنَّ كانت هذه آخر صلاتك، وهذا الوقت آخر عمرك، كما جاء في وصية المشايخ: ينبغي أن يكون المصلي في صلاته كأنه في آخر صلاته في عمره، فإذا كان كذلك فلا بد يحسنها ويصلي كما ينبغي.\nوقوله: (تعذر) أي: تحتاج إلى الاعتذار، الظاهر أن المراد الاعتذار في الآخرة عند الرب تعالى، ويجوز أن يكون مطلقًا شاملًا التكلم بالنسبة إلى الأصحاب والخلق جميعًا، أي: لا تكلم بما فيه إثم أو إيذاء لأحد، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وأجمع الإياس مما في أيدي الناس): (أجمع) من الإجماع بمعنى","vol":"8","page":450},{"text":"٥٢٢٧ - [٧٣] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْيَمَنِ خَرَجَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُوصِيهِ، وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: \"يَا مُعَاذُ! إِنَّكَ عَسَى أَنْ لَا تَلْقَانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا، وَلَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجدِي هَذَا وَقَبْرِي\"، فَبَكَى مُعَاذٌ جَشَعًا لِفِرَاقِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-،\nــ\nتصميم العزم على الشيء، و(الإياس) بكسر الهمزة بمعنى اليأس، مصدر أيس، لغة في يئس، قال في (القاموس) (١): أيس إياسًا: قنط، وجاء آيَسُ يأسًا، كذا في (الصحاح) (٢)، وقال الطيبي (٣): الظاهر أن الإياس وقع موقع اليأس سهوًا من الكاتب؛ لأن الإياس مصدر آسه: إذا أعطاه، وليس مصدر أيس مقلوب يئس؛ لأن مصدر المقلوب يوافق الفعل الأصلي لا المقلوب، وهذا ممنوع، إذ قد جاء جبذ جبذًا في جذب جذبًا، وأيضًا يفهم من كلامهم أن أيس ليس مقلوبًا من يئس، بل لغة على حدة بمعناه، كما قيل أيضًا في جبذ إنه لغة في جذب، والحاصل أن إياسًا قد جاء في مصدر أيس سواء كان مقلوبًا أو لغة مستقلة، فتدبر.\n٥٢٢٧ - [٧٣] (معاذ بن جبل) قوله: (إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي) وجاء في حديث (الموطأ): فتوفي رسول اللَّه -ﷺ- قبل أن يقدم معاذ، وما جاء على خلاف ذلك ففي صحته كلام.\nوقوله: (جشعًا) قال الطيبي (٤): الجشع: الجزع لفراق الإلف، وفي\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٤٩٢).\n(٢) \"الصحاح\" (١/ ٢٨).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٣٢٨).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٣٢٨).","vol":"8","page":451},{"text":"ثُمَّ الْتَفَتَ فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ نَحْوَ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: \"إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِيَ الْمُتَّقُونَ مَنْ كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا\". رَوَى الأَحَادِيث الأَرْبَعَةَ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٣٦٢، ٦/ ٤٩، ٥/ ٤١٢، ٥/ ٢٣٥].\n٥٢٢٨ - [٧٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: تَلَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الأنعام: ١٢٥] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ النُّورَ إِذَا دَخَلَ الصَّدْرَ انْفَسَحَ\"، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لِتِلْكَ مِنْ عَلَمٍ يُعْرَفُ بِهِ؟ قَالَ: . . . . .\nــ\n(القاموس) (١): الجشع محركة: أشد الحرص وأسوؤه، وفي (الصراح) (٢): جشع غالب آمدن حرص وسخت آرزو مند شدن.\n(بكى) لغاية الحرص على صحبة رسول اللَّه -ﷺ-، لأجل فراقه.\nوقوله: (التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة. . . إلخ)، يعني إذا رجعت إلى المدينة فاقتد بأولى الناس بني، وهم المتقون، وليس ذلك مخصوصًا بالمدينة بل حيث كانوا.\n٥٢٢٨ - [٧٤] (ابن مسعود) قوله: (﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾) قال البيضاوي في (تفسيره) (٣): فيتَّسع له، وَيفسح فيه مَجالَه، وهو كناية عن جعل النفس قابلة للحق، مهيأة لحلوله فيها، مصفاة عما يمنعه وينافيه، وإليه أشار -ﷺ- حين سئل عنه فقال: (نور يقذفه اللَّه ﷾ في قلب المؤمن، فينشرح له وينفسح)، فقالوا: هل لذلك\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٦٥٤).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٣٠٩).\n(٣) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٢٠٢).","vol":"8","page":452},{"text":"\"نَعَمْ، التَّجَافِي مِنْ دَارِ الْغُرُورِ، وَالإِنَابَةُ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ، وَالإِسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ\".\n٥٢٢٩، ٥٢٣٠ - [٧٥، ٧٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي خَلَّادٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا رَأَيْتُمُ الْعَبْدَ يُعْطَى زُهْدًا فِي الدُّنْيَا وَقِلَّةَ مَنْطِقٍ فَاقْتَرِبُوا مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ يُلَقَّى الْحِكْمَةَ\". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ١٠٠٦٨، ٤٦٣١].\n* * *\nــ\nأمارة، الحديث، وتخصيص الصدر لأجل أنه وعاء القلب الذي هو منبع الأنوار ومحل الأسرار.\nوقوله: (التجافي من دار الغرور): (التجافي): التباعد، في (الصحاح) (١): تجافى جنبه عن الفراش: تباعد، و(دار الغرور): الدنيا، في (القاموس) (٢): غره غرًّا وغرورًا وغرة، فهو مغرور: خدعه، وأطمعه بالباطل، فاغتر، وفي (الصراح) (٣): غرور بالضم: فريفتن، غرور بالفتح فريبنده، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: ٣٣].\n٥٢٢٩، ٥٢٣٠ - [٧٥، ٧٦] (أبو هريرة، وأبو خلاد -﵄-) قوله: (فإنه يلقى الحكمة) بضم التحتانية وفتح اللام وتشديد القاف على صيغة المجهول، أي: يؤتى،\n_________\n(١) \"الصحاح\" (١/ ٩٥).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٣٨٧).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٢٠٢).","vol":"8","page":453},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1156>١ - باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ﷺ</span>\nــ\nكما في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ﴾ [النمل: ٦].\n١ - باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي -ﷺ-\nاختلفوا في أن الفقير الصابر أفضل أم الغني الشاكر؟ فقال بعضهم: الغني أفضل؛ لأنه تأتي الخيرات والقربات منه أكثر مما تأتي من الفقير، وقد قال رسول اللَّه -ﷺ- في شأن الأغنياء: (ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء) كما مر في (باب الذكر بعد الصلاة)، وبعضهم على أن الفقير أفضل؛ لما أن العبادة مع شدة الفقر وتعبه أشق وأمر، ودلائل الجانبين مذكورة في موضعها، وكفى بأحاديث الباب دليلًا وحجة للفرقة الثانية، وكان شيخنا يروي عن شيخه علي المتقي رحمة اللَّه عليهما أنه لم يأخذ بيدي ولم يبايعني حتى أخذ مني الإقرار باللسان بأفضلية الفقر على الغني، وقال: قولوا: الفقر أفضل من الغني، ثم بايع، انتهى.\nوكفى بحال سيد المرسلين وإمام المتقين -ﷺ- حجة على أفضلية الفقر وإن كان العلماء يتحاشون عن إطلاق اسم الفقير عليه -ﷺ-؛ لأنه ينبع في العرف عن شيء من الضعف والهوان، وأنه -ﷺ- أغنى الأغنياء، وملك ملوك الأرض والسماء، كذا سمعت من شيخي رحمة اللَّه عليه، وقد نقل عن سيدنا ومولانا شيخ الثقلين محيي الدين أبي محمد عبد القادر الجيلاني -﵁- أنه سئل عن الغني الشاكر أفضل أم الفقير الصابر؟ فقال: الفقير الشاكر أفضل من كل منهما، وهو في الحقيقة إشارة إلى أفضلية الفقر، يعني أنه ينبغي أن يشكر الفقير على فقره؛ لكونه نعمة عظيمة من اللَّه سبحانه عليه.\nهذا وقد اشتهر عن بعض فقراء الصوفية أنه قال: الفقر الاضطراري أفضل من الغني، سيما الاختياري منه، وينبغي أن يعلم أنه ماذا يريد من الفقر الاضطراري؛ فإن","vol":"8","page":454},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1157> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٢٣١ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّه\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٢٢].\nــ\nأراد الفقر الذي لا صبر معه فحاشا؛ لأنه كاد أن يكون كفرًا، بل مراده منه أن اللَّه اضطره إلى الفقر واختار له ذلك وهو لا يريد ولا يختار، بل يريد الغني، وهو سبحانه جعله فقيرًا بلطفه ورؤبة صلاح حاله، ورزقه فيه الصبر والرضا كما ينبغي ويجري، والفقر الاختياري: أن يترك الغني ويختار الفقر بإرادة منه، ورؤية صلاحه فيه، فالقائل بهذا القول لو رجح هذا الفقر الاضطراري على الاختياري وقال: ذلك مقام المحبوبية اختاره اللَّه تعالى له، وهذا مقام المحبة اختاره العبد لنفسه، لم يبعد، واللَّه أعلم.\nالفصل الأول\n٥٢٣١ - [١] (أبو هريرة) قوله: (رب أشعث) والشعث محركة: انتشارُ الأمر، ومصدرُ الأشعث، للمغبر الرأس، شعث كفرح، والتشعث: التفرق.\nوقوله: (لو أقسم على اللَّه لأبره) قيل: معناه أي: لو سأل اللَّه شيئًا وأقسم عليه أن يفعله لفعله ولم يخيب دعوته، وقيل: معناه لو حلف أن اللَّه يفعله أو لا يفعله صدقه في يمينه وأبره فيها، وهذا هو الأظهر، ويؤيده حديث أنس بن النضر: لا واللَّه لا تكسر ثنيتها، وقد مر الحديث في (باب الدية)، قال الطيبي (١): ومما يؤيد الأول لفظ (على اللَّه)؛ لأنه أراد به المسمى، ولو أريد به اللفظ لقيل: باللَّه، انتهى.\nويجوز أن يقال: صلة قسم محذوف، و(على اللَّه) متعلق بفعل مقدر تقديره: لو أقسم باللَّه معتمدًا على اللَّه في غير بره لأبره، فافهم. وللحديث تأويل آخر قريب\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٣٣٠).","vol":"8","page":455},{"text":"٥٢٣٢ - [٢] وَعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: رَأَى سَعْدٌ أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟ \". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٨٩٦].\n٥٢٣٣ - [٣] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَكَانَ عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا الْمَسَاكِينَ، وَأَصْحَابُ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ،\nــ\nمن هذا المعنى ذكرته في (الفصل الأول) من (باب الغضب والكبر) من حديث حارثة.\n٥٢٣٢ - [٢] (مصعب بن سعد) قوله: (رأى سعد) هو سعد بن أبي وقاص أحد العشرة.\nوقوله: (أن له فضلًا على من دونه) ممن ليس في مرتبته في السخاوة، أو المراد شخص معين كان ضعيفًا فقيرًا، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: إنما تنصرون على الأعداء ويوسع عليكم الرزق ببركة ضعفائكم وفقرائكم، فبمَ تفخرون بشجاعتكم وسخاوتكم؟\n٥٢٣٣ - [٣] (أسامة بن زيد) قوله: (قمت على باب الجنة) هذا إما إخبار بما سيقع في الآخرة، والتعبير بلفظ الماضي لتحقق الوقوع، أو رأى ذلك ليلة الإسراء، أو كوشف له -ﷺ- ذلك في غيرها يقظة أو منامًا، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فكان عامة من دخلها المساكين) صحح لفظ (عامة) و(المساكين) بالرفع والنصب، فالرفع على أنه اسم (كان)، والنصب على الخبرية.\nوقوله: (وأصحاب الجد) بفتح الجيم وتشديد الدال، الجد: البخت والحظ والرزق والعظمة، كذا في (القاموس) (١). وفي (الصراح) (٢): الجد بهره وبخت\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٤٦).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ١٣٤).","vol":"8","page":456},{"text":"غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخلهَا النِّسَاء\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٤٧، م: ٢٧٣٦].\n٥٢٣٤ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اطَّلَعْتُ فِي الْجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْفُقَرَاءَ، وَاطَّلَعْتُ فِي النَّارِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: عقب حديث: ٦٤٤٩، م: ٢٧٣٦].\n٥٢٣٥ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الأَغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٧٩].\nــ\nوبي نيازي وتوانكَري وعظمت وبزركَـ شدن در جشم كسي.\nوقوله: (غير أن أصحاب النار. . . إلخ)، فالناس قسمان: كافر ومؤمن، والمؤمنون فقراء وأغنياء، فالكافرون هم أصحاب النار يؤمر بهم إلى النار حتمًا، والفقراء الذين لا تبعة عليهم يدخلون الجنة بغير حساب، والأغنياء ومن في حكمهم من عصاة الفقراء يحبسون حتى يحاسبوا، إما أن يعفى عنهم فيدخلوا الجنة، أو يعذبوا ومصيرهم إلى الجنة، هذا هو المراد من الحديث موافقًا لما هو المذهب، فافهم.\n٥٢٣٤ - [٤] (ابن عباس) قوله: (اطلعت في الجنة) أي: اطلعت على الناس في الجنة، حال منه أو منهم، وقال الطيبي (١): ضمن (اطلعت) معنى تأملت، ولذلك عدي بـ (في)، فافهم.\n٥٢٣٥ - [٥] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (إن فقراء المهاجرين) ظاهر الحديث\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٣٣١).","vol":"8","page":457},{"text":"٥٢٣٦ - [٦] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ جَالِسٍ: \"مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ \" فَقَالَ: رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ النَّاسِ،\nــ\nيدل على تخصيص هذا الحكم بالفقراء من المهاجرين والأغنياء منهم، وقد دل بعض الأحاديث على إطلاقه وعلى كون القبلية بخمس مئة عام، ولعل ذلك في غير المهاجرين من الأصحاب، وبهذا يندفع المنافاة بين هذا الحديث وبين الحديث الآتي في أول (الفصل الثاني) من حديث أبي هريرة: (يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمس مئة عام)، ففقراء المهاجرين يتقدمون على أغنيائهم بأربعين عامًا؛ لأن بعض أغنياء المهاجرين كانوا من فضلاء الصحابة وأكابرهم، بل أفضل من الفقراء، كالذين هم من العشرة، وعلى غير المهاجرين من الأغنياء يتقدمون بخمس مئة، سواء كان الفقراء من المهاجرين أو من غيرهم، ومن الأصحاب ومن غيرهم.\nوقيل: إن الفقراء الذين في قلوبهم ميل ورغبة إلى الدنيا يتقدمون على الأغنياء بأربعين، والزهاد من الفقراء يتقدمون بخمس مئة، فتدبر، والمراد بالخريف العام؛ لأن العرب يبتدؤون العام بالخريف، سمي خريفًا لأنه تخرف فيه الثمار، أي: تجتنى.\n٥٢٣٦ - [٦] (سهل بن سعد) قوله: (فقال) الضمير للرسول اللَّه -ﷺ-، وكذلك ضمير (عنده).\nوقوله: (جالس) مجرور صفة أخرى، أو مرفوع فاعل الظرف، والجملة صفة.\nوقوله: (ما رأيك) أي: ما اعتقادك في هذا الرجل خير أو شر.\nوقوله: (فقال) أي: الرجل عنده، و(رجل) خبر مبتدأ محذوف، أي: هو رجل، وفي آخر الحديث (هذا خير) إشارة إلى الرجل المتأخر المار الذي استحقره الرجل،","vol":"8","page":458},{"text":"هَذَا وَاللَّهِ حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ يُنْكَحَ وَإِنْ شَفَعَ أَنْ يُشَفَّعَ، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا رَأْيُكَ فِي هَذَا؟ \" فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ، هَذَا حَرِيٌّ إِنْ خَطَبَ أَنْ لَا يُنْكَحَ، وإِنْ شَفَعَ أَنْ لَا يُشَفَّعَ، وَإِنْ قَالَ أَنْ لَا يُسْمَعَ لِقَوْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَذَا خَيْرٌ مِنْ مِلْءِ الأَرْضِ مِثْلَ هَذَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١). [خ: ٦٤٤٧].\n٥٢٣٧ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا شَبعَ آلُ مُحَمَّدٍ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ يَوْمَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ حَتَّى قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٤١٦، م: ٢٩٧٠].\n٥٢٣٨ - [٨] وَعَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ مَرَّ بِقَوْمٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ. . . . .\nــ\nولفظ (هذا) الأخير إشارة إلى الرجل المار الأول الذي استعظمه، و(مثل هذا) إما تمييز من النسبة، أو بدل من (ملء).\n٥٢٣٧ - [٧] (عائشة) قوله: (ما شبع آل محمد) وهذا كان باختيار منهم الفقر وترك الدنيا ولذاتها وقناعتهم بأدنى قوت، وإيثارهم الفقراء والمساكين على أنفسهم مع وجود الاحتياج والمحبة ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨].\n٥٢٣٨ - [٨] (سعيد المقبري) قوله: (المقبري) بفتح الباء وضمها، وقد يكسر، نسبة إلى المقبرة: موضع القبور، كان يسكن فيه.\n_________\n(١) لم أجده في \"صحيح مسلم\"، ولم يعزه المزي في \"تحفة الأشراف\" (٤/ ١١٤) إلا للبخاري.","vol":"8","page":459},{"text":"شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ، فَدَعَوْهُ فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ وَقَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِنَ الدُّنْيَا وَلَمْ يَشْبَعْ مِنْ خُبْزِ الشَّعِيرِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٤١٤].\n٥٢٣٩ - [٩] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّهُ مَشَى إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ -ﷺ- دِرْعًا لَهُ بِالْمَدِينَةِ عِنْدَ يَهُودِيٍّ وَأَخَذَ مِنْهُ شَعِيرًا لِأهْلِهِ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: . . . . .\nــ\nوقوله: (مصلية) أي: مشوية، يقال: صليت اللحم بتخفيف اللام، أي: شويته.\n٥٢٣٩ - [٩] (أنس) قوله: (وإهالة سنخة) في (القاموس) (١): الإهالة: الشحم، أو ما أذيب منه، أو الزيت، وكل ما ائتدم به، وفي الحديث الآخر: يدعى إلى خبز الشعير والإهالة فيجيب، هو كل شيء من الأدهان مما يؤتدم به، وقيل: ما أذيب من الألية والشحم، وقيل: الدسم الجامد، كذا في (مجمع البحار) (٢)، و(السنخة) بفتح السين المهملة وكسر النون، في (القاموس) (٣): السنخ محركة: التغير، قد سنخ الدهن كفرح: زنخ، أي: تغير، والسناخة: الريح المنتنة، وفي حديث آخر: دعاه رجل مقدم إليه إهالة سنخة، وفي هذا يروى (زنخة) بالزاي أيضًا، وهي بمعنى سنخة.\nوقوله: (ولقد سمعته) قال الطيبي (٤): ضمير المفعول لأنس، والفاعل هو راوي\n_________\n(١) \"الفاموس المحيط\" (ص: ٨٦٧).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ١٣٥).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٣٠).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٣٣٣).","vol":"8","page":460},{"text":"مَا أَمْسَى عِنْدَ آلِ مُحَمَّدٍ صَاعُ بُرٍّ وَلَا صَاعُ حَبٍّ، وَإنَّ عِنْدَهُ لَتِسْعُ نِسْوَةٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٠٦٩].\n٥٢٤٠ - [١٠] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ،\nــ\nأنس، وفي بعض الحواشي؛ الحق أن الضمير راجع إلى النبي -ﷺ-، والفاعل هو أنس، كما صرح به الشيخ ابن حجر، ويدل عليه رواية أحمد حيث قال: ولقد سمعت رسول اللَّه -ﷺ-، ويؤيده قوله: (ما أمسى عند آل محمد) إذ لو كان ذلك من كلام الراوي لناسب أن يقول: عند آل النبي -ﷺ-، انتهى.\nأقول: الظاهر أن قوله: (وإن عنده لتسع نسوة) داخل تحت (يقول)، وإنه يناسب أن يكون مقول أنس، ومن هنا ذهب الطيبي إلى ما ذهب، نعم لو جعل هذا منفصلًا عن الكلام السابق مقولًا لأنس لصحّ ما قال في الحاشية، ولعله ليس في رواية أحمد هذا القول، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ما أمسى) أي: لم يدخر في الليل للغد.\nوقوله: (عند آل محمد) قيل: لفظ (آل) مقحم، أو كان ذلك في أوائل الحال، وإلا فقد ثبت أنه -ﷺ- ادخر نفقة سنة لعياله، هذا وما قيل: إن المراد أنه ما ادخر البر والحب بل ادخر أجناسًا أخر فضعيف، وإلا لقد وسعه أن يقول: ما أمسى صاع بر، وقيل: ما ادخر الصاع بل أكثر من ذلك، وهو ليس بشيء، ويمكن أن يقال: إن ذلك بحسب الغالب من الأوقات، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وإن عنده لتسع نسوة)، وفي رواية: إن عنده يومئذ لتسع نسوة.\n٥٢٤٠ - [١٠] (عمر) قوله: (على رمال حصير) صحح (رمال) في النسخ بضم","vol":"8","page":461},{"text":"لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ، قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ، مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ. . . . .\nــ\nالراء وكسرها، وفي الحواشي: الرمال بكسر الراء وضمها جمع رميل بمعنى مرمول، أي: منسوج، وفي (القاموس) (١): رمال الحصير كغراب: مرموله، وفي (مجمع البحار) (٢): الرمال ما رمل، أي: نسج من رمل الحصير، وأرمله ورمّله مشددًا للتكثير، وهو كالخطام لما خطم، وقيل: هو جمع رمل بمعنى مرمول كالخلق بمعنى المخلوق، والمراد أنه كان الشرير قد نسج وجهه بالسعف، ولم يكن على السرير وطاء سوى الحصير، هكذا قال الطيبي (٣)، ولا يذهب عليك أنه يفهم من نسج وجه السرير بالسعف أن نفس السرير كان منسوجًا بالسعف كما ينسج في ديارنا بالحبال، ولا يناسبه قوله: (ولم يكن على السرير وطاء سوى الحصير)، فإنه يفهم من أنه كان الحصير مطروحًا على السرير كما يطرح اللحاف، فأولى أن يكون (أو) مكان الواو، ليكون بيانًا لاحتمالين. وفيه (رمال حصير) من إضافة الجنس إلى النوع، كذا في بعض الحواشي، وتكون حينئذ الإضافة بيانية كما في إضافة العام إلى الخاص، مثل شجرة الأراك، أي: منسوج هو الحصير، فيفهم منه أنه كان مضطجعًا على الحصير بدون فراش آخر على الحصير موضوعًا على السرير أولًا، فافهم.\nوقوله: (من أدم) محركًا اسم للجمع، واحده أدمة: الجلد أو أحمره أو مدبوغة، والأديم كذلك.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٠٧).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٣٨٣).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٣٣٣).","vol":"8","page":462},{"text":"حَشْوُهَا لِيفٌ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ، فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ، فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّه، فَقَالَ: \"أَوَفِي هَذَا أَنْتَ يَا بْنَ الخَطَّابِ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟ \". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٦٨، م: ١٤٧٩].\nــ\nوقوله: (حشوها ليف) في (القاموس) (١): الحشو: ملء الوسادة وغيرها بشيء، وما يجعل فيها حشو أيضًا، والحشية كغنية: الفراش المحشو، أي: كانت الوسادة محشوة بالليف بكسر اللام وسكون الياء: قشر النخلة، وفي (الصراح) (٢): ليف بالكسر: يوست درخت خرما ليفته يكي، فهو مكان القطن المحشو في الوسائد.\nوقوله: (ادع اللَّه) أي: ادع اللَّه أن يوسع، ثم طلب عمر التوسعة من عند نفسه بقوله: (فليوسع) على صيغة أمر الغائب استعجالًا للإجابة، وقال الطيبي (٣): الظاهر نصبه ليكون جوابًا للأمر، فافهم. ثم لما أجل عمرُ -﵁- شأنَه -ﷺ- أن يطلب توسعة الدنيا لنفسه الشريفة وفيها من القوة ما يتحمل، وله الأجر العظيم عند اللَّه ما ليس لغيره، وشأنه أعلى وأعز من الكل، وخاف صعوبة الفقر وشدته على الأمة الضعيفة أن لا يتحملوه، خصَّ طلبَ الدعاء بالأمة، ومع هذا شدد -ﷺ- الإنكار عليه وخاطبه من غير ذكر اسمه، بل نسبه إلى أبيه الذي كان من الجاهلين الغافلين عن نعيم الآخرة وثوابها، وقال: أتطلب هذا وفي هذا المقام أنت يا بن الخطاب؟\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٤٧).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٣٦٣).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٣٣٣).","vol":"8","page":463},{"text":"٥٢٤١ - [١١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ رِدَاءٌ، إِمَّا إِزَارٌ وَإِمَّا كِسَاءٌ، قَدْ رُبِطُوا فِي أَعْنَاقِهِمْ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ نِصْفَ السَّاقَيْنِ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الْكَعْبَيْنِ فَيَجْمَعُهُ بِيَدِهِ كَرَاهِيَةَ أَنْ تُرَى عَوْرَتُهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٢].\n٥٢٤٢ - [١٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ\". . . . .\nــ\n٥٢٤١ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (ما منهم رجل عليه رداء) أي: مع الإزار، بل (إما إزار) فقط، وهو الملحفة، وتؤنث، كالمئزر، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): ازار مئزر: شلوار ما نند آن مثل لحاف وملحف يذكر ويؤنث.\nوقوله: (وإما كساء) قال في (القاموس) (٣): هو بالكسر معروف، وفي (الصراح) (٤): كساء بالكسر والمد: كليم، وضمير الجمع في (ربطوا في أعناقهم) باعتبار المعنى، والمفرد في (بيده) باعتبار اللفظ.\nوقوله: (فمنها) أي: من الأكسية والأزر.\n٥٢٤٢ - [١٢] (وعنه) قوله: (إذا نظر أحدكم) أي: إذا وقع نظره (إلى من فضل عليه في المال والخلق) أي: الخلقة، أي: الصورة وجمالها، وتطرق منه الازدراء واحتقار نعم اللَّه سبحانه، (فلينظر إلى من هو أسفل منه) ليدفع ذلك الخاطر، وأما\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٥٩).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ١٥٩).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩٥).\n(٤) \"الصراح\" (ص: ٥٨٥).","vol":"8","page":464},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٩٠، ٢٩٦٣].\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: \"انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ\".\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1158> الْفَصْل الثَّانِي:</span>\n٥٢٤٣ - [١٣] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَدْخُلُ الْفُقَرَاءُ الْجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِخَمْسِ مِئَةِ عَامٍ؛ نِصْفِ يَوْمٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٥٤].\n٥٢٤٤ - [١٤] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: . . . . .\nــ\nالرواية الثانية -وهي قوله: (انظروا) - ابتداء كلام، وليس داخلةً تحت الشرط، والمراد انظروا إلى من هو أسفل منكم في الأمور الدنيوية، وأما في الدينية فينبغي أن تنظروا إلى من هو أعلى منكم.\nوقوله: (أن لا تزدروا) أي: لئلا تزدروا، من الازدراء، وهو الاحتقار، وأصل تزدروا تزتريوا قلبت التاء دالًا للقاعدة المقررة في باب الافتعال إذا كان فاؤه ياء، ثم نقلت ضمة الياء إلى الراء، ثم حذفت لالتقاء الساكنين.\nالفصل الثاني\n٥٢٤٣ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (يدخل الفقراء الجنة قبل الأغنياء بخمس مئة عام) قد سبق في حديث عبد اللَّه بن عمرو تقدم الفقراء على الأغنياء بأربعين عامًا، وسبق وجه التوفيق بين الحديثين.\n٥٢٤٤، ٥٢٤٥ - [١٤، ١٥] (أنس) قوله: . . . . .","vol":"8","page":465},{"text":"\"اللهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا، وَأَمِتْنِي مِسْكِينًا، وَاحْشُرْنِي فِي زُمْرَةِ الْمَسَاكِينِ\" فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"إِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا، يَا عَائِشَةُ لَا تَرُدِّي الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، يَا عَائِشَةُ أَحِبِّي الْمَسَاكِينَ وَقَرِّبِيهِمْ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يُقَرِّبُكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [ت: ٢٣٥٢، شعب: ١٣٨٠].\n٥٢٤٥ - [١٥] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ إِلَى قَوْلِهِ: \"زُمْرَةِ الْمَسَاكينِ\". [جه: ٤١٢٦].\n٥٢٤٦ - [١٦] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"ابْغُونِي فِي ضُعَفَائِكُمْ؛ . . . . .\nــ\n(إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم) قد يتوهم منه أن الفقراء الذين ليسوا بأنبياء يتقدمون على الأغنياء من الأنبياء أيضًا، ولعل غرضه -ﷺ- مجرد إظهار فضل الفقراء وشرفهم، وطلب تقدمه على الأنبياء وخوف تأخره لو كان غنيًّا عن الأنبياء الذين هم فقراء، لا خوف تأخره عن الفقراء الذين ليسوا بأنبياء، فافهم.\nوقوله: (لا تردي المسكين) إنما أفرده لأن المراد المسكين الوارد عليها للسؤال، وجمع في قوله: (أحبي المساكين) لأن محبة المساكين قاطبة مأمور بها السائلين منهم وغير السائلين.\n٥٢٤٦ - [١٦] (أبو الدرداء) قوله: (ابغوني في ضعفائكم) من بغى يبغي كضرب يفحرب، بغيته أبغيه بُغاء وبُغًى وبُغية بضمهن، وبِغية بالكسر: طلبته، كابتغيته واستبغيته، كذا في (القاموس) (١)، فالمعنى: اطلبوني في ضعفائكم، أي: فقرائكم، أي: في حفظ\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٣٧).","vol":"8","page":466},{"text":"فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ -أَوْ تُنْصَرُونَ- بِضُعَفَائِكُمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٩٤].\nــ\nحقوقهم وجبر قلويهم تجدوني عندهم؛ فإني معهم بالقلب كما في الحديث القدسي: (أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي)، أو اطلبوا رضائي في رضاء ضعفائكم، وقد ذكر الشارحون أن (ابغوني) بهمزة وصلٍ كـ (ارم) وقطعٍ كـ (أعل)، أما الوصل فقد عرفت معناه، وأما القطع فلا يخلو عن خفاء، فإن الإبغاء الحمل على المطلب والإعانة على الطلب، قال في (الصراح) (١): ابغاء بر طلب داشتن وياري كردن در طلب، وبمعنى الطلب له، في (القاموس) (٢): أبغاه الشيء: طلبه له أو أعانه على طلبه، انتهى.\nوقال الكرماني: أبغيتك الشيء: أعنتك على طلبه، وقد تفسر بمعنى الإعطاء في حديث أبغني خبيبًا، أي: أعطني، كذا في (مجمع البحار) (٣)، وقد ضبطوا بهمزة الوصل والقطع في حديث (أبغني أحجارًا)، فالوصل بمعنى اطلب لي بحذف الصلة، والقطع بمعنى أعن على المطلب، وروي أبغ لي، وأما فيما نحن فيه فلا يخلو عن شيء، إذ بهذا المعنى يجيء متعديًا إلى مفعولين كما ذكرنا، وأيضًا لا يظهر معنى احملوني على المطلب، أو أعينوني على المطلب، أو أعطوني في ضعفائكم أن يكون المفعول الثاني محذوفًا، أي: ابغوني الحق في ضعفائكم، أي: احملوني على طلب الحق، أو أعينوني عليه، أو أعطونيه، ولا يخلو عن شيء، فتدبر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فإنما ترزقون أو تنصرون) كلمة (أو) للشك أو للتنويع، أو (أو) بمعنى الواو، وهذا أنسب بحديث مصعب بن سعد، كذا في بعض الحواشي.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٥٤٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٣٧).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٩/ ٢٠٧).","vol":"8","page":467},{"text":"٥٢٤٧ - [١٧] وَعَنْ أُمَيَّةَ بْنِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَسِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: أَنَّهُ كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِصَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّة\". [شرح السنة: ٤٠٦٢].\n٥٢٤٨ - [١٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَغْبِطَنَّ فَاجِرًا بِنِعْمَةٍ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا هُوَ لَاقٍ بَعْدَ مَوْتِهِ، إِنَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ قَاتِلًا لَا يَمُوتُ\". يَعْنِي النَّارَ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السّنة\". [شرح السنة: ١٤/ ٢٩٥].\n٥٢٤٩ - [١٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَسَنَتُهُ، وَإِذَا فَارَقَ الدُّنْيَا فَارَقَ السِّجْنَ وَالسَّنَةَ\". . . . .\nــ\n٥٢٤٧ - [١٧] (أمية بن خالد) قوله: (ابن أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين.\nوقوله: (كان يستفتح بصعاليك المهاجرين) الصعلوك كعصفور: الفقير، وتصعلك: افتقر، وتصعلكت الإبل: طرحت أوبارها، صعلكه: أفقره، كذا في (القاموس) (١)، (الاستفتاح): الاستنصار والافتتاح، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]، أي: يستنصرون على المشركين، ويقولون: اللهم انصرنا بنبي آخر الزمان المنعوت في التوراة، فكذلك كان رسول اللَّه -ﷺ- يقول: اللهم انصرنا بفقراء المهاجرين، ويمكن أن يكون بمعنى الافتتاح، أي: كان يفتتح بهم في الإحسان، كذا في الحواشي، والوجه هو الأول.\n٥٢٤٨ - [١٨] (أبو هريرة) قوله: (فإن له قاتلًا) أي: معذبًا شديدًا (لا يموت) أي: لا يفنى.\n٥٢٤٩ - [١٩] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (الدنيا سجن المؤمن وسنته) أي:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٥١).","vol":"8","page":468},{"text":"رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٤١٠٦].\n٥٢٥٠ - [٢٠] وَعَن قَتَادَة بْنِ النُّعْمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا حَمَاهُ الدُّنْيَا كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحْمِي سَقِيمَهُ الْمَاءَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [الزهد لأحمد: ٥٨، ت: ٢٠٣٧].\n٥٢٥١ - [٢١] وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: اثْنَتَانِ يَكْرَهُهُمَا ابْنُ آدَمَ: يَكْرَهُ الْمَوْتَ. . . . .\nــ\nقحطه، أي: هو في شدة ومحنة في الدنيا بالنسبة إلى ما أعدّ له في الآخرة، أو يمنع نفسه من شهوات الدنيا وملاذها، ويفهم بالقياس إليه معنى ما ورد في حديث آخر: (وجنة الكافر).\n٥٢٥٠ - [٢٠] (أبو الدرداء) قوله: (حماه الدنيا) في (القاموس) (١): حمى المريض ما يضره: منعه إياه، فاحتمى وتحمى: امتنع، و(يظل) بفتح الياء والظاء مضارع (ظل) من الأفعال الناقصة بمعنى صار، وهي زائدة هنا.\nوقوله: (يحمي سقيمه الماء) أي: لزاد به (٢)، كالمستسقي يعني السقيم الذي يضره الماء، وفيه إشارة إلى حرص أهل الدنيا وشرههم كالمستسقي لا يصبر عن الماء ولا يرتوي.\n٥٢٥١ - [٢١] (محمود) قوله: (عن محمود بن لبيد) اختلف في صحبته، وأثبت له الصحبة البخاري، وهو الصحيح.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٤٩).\n(٢) كذا في الأصل، والظاهر: \"لئلا يزيد\".","vol":"8","page":469},{"text":"وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الْفِتْنَةِ، وَيَكْرَهُ قِلَّةَ الْمَالِ وَقِلَّةُ الْمَالِ أَقَلُّ لِلْحِسَابِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٤٢٧].\n٥٢٥٢ - [٢٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّكَ، قَالَ: \"انْظُرْ مَا تَقُولُ\"، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: \"إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَأَعِدَّ لِلْفَقْرِ تِجْفَافًا، لَلْفَقْرُ أَسْرعُ إِلَى مَنْ يُحِبُّنِي مِنَ السَّيْلِ إِلَى مُنْتَهَاهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ (١). [ت: ٢٣٥٠].\n٥٢٥٣ - [٢٣] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ (٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَقَدْ أُخِفْتُ. . . . .\nــ\nوقوله: (من الفتنة) هي الوقوع في الشرك والمعاصي والابتلاء، كالإكراه من الجورة ونحو ذلك.\n٥٢٥٢ - [٢٢] (عبد اللَّه بن مغفل) قوله: (فأعدّ للفقر تجفافًا) بالكسر: آلة للحرب يلبسه الفرس والإنسان ليقيه في الحرب، وجفف الفرس: ألبسه إياه، كذا في (القاموس) (٣)، ويقال بالفارسية: بركستوان، كنى به عن الصبر، و(السيل): الماء الكثير السائل، كذا في (القاموس) (٤)، (إلى منتهاه) أي: لا بد من وصول الفقر إليه.\n٥٢٥٣ - [٢٣] (أنس) قوله: (لقد أخفت) ماضي مجهول من أخاف.\n_________\n(١) في نسخة: \"حسن غريب\".\n(٢) سقط في نسخة.\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧١٧).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩١٦).","vol":"8","page":470},{"text":"فِي اللَّهِ وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ وَمَا لِي وَلبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وقَالَ: وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ: حِينَ خَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- هَارِبًا مِنْ مَكَّةَ وَمَعَهُ بِلَالٌ، إِنَّمَا كَانَ مَعَ بِلَالٍ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَحْمِلُ تحتَ إِبْطِهِ. [ت: ٢٤٧٢].\nــ\nوقوله: (في اللَّه) أي: لأجل إظهار دين اللَّه، (وما يخاف أحد) على صيغة المجهول أيضًا، وهي جملة حالية، أي: خوفت في دين اللَّه وحدي، وما معي أحد يشاركني، وكنت وحيدًا في ابتداء إظهار الدين، وكذا معنى قوله: (ولقد أوذيت في اللَّه وما يؤذى أحد) أي: لم يوافقني أحد في تحمل الأذى، كذا قال الطيبي (١)، ويجوز أن يكون معناه: ما يخاف أحد مثل ما أخفت، وما يؤذى مثل ما أوذيت، كما يدل عليه حديث: (ما أوذي نبي مثل ما أوذيت)، وذلك لعلو درجته وكمال صدقه وغاية حرصه على الهداية، وإيذاء كل أحد إنما يكون على حسب قدره وحاله، فافهم.\nوقوله: (ثلاثون من بين ليلة ويوم) قيل: هي تأكيد للشمول، أي: ثلاثون يومًا وليلة متواترات لا ينقص منها شيء، يعني لو قال: ثلاثون يومًا وليلة لم يكن نصًّا في التواتر، وزيادة قوله: (من بين) يقيد الشمول والتواتر، كذا قالوا، فتدبر.\nوقوله: (يأكله ذو كبد) أي: حيوان، أعم من الإنسان، و(الإبط) بكسرتين وكسر وسكون، [\"إلا شيء\"] أي: شيء قليل.\nوقوله: (ومعنى هذا الحديث) أي: محمله حال النبي -ﷺ- حين خرج ومعه بلال،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٣٣٩).","vol":"8","page":471},{"text":"٥٢٥٤ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ (١) -ﷺ- الْجُوعَ، فَرَفَعْنَا عَنْ بُطُونَنَا عَنْ حَجَرٍ حَجَرٍ، فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ بَطْنِهِ عَنْ حَجَرَيْنِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٣٧١].\nــ\nوأفاد بقوله: (ومعه بلال) أن الخروج غير الهجرة إلى المدينة؛ لأنه لم يكن معه بلال فيها، فلعل المراد خروجه -ﷺ- هاربًا من مكة في ابتداء أمره إلى الطائف إلى عبد كلال -بضم الكاف مخففًا- رئيس أهل الطائف؛ ليحميه من كفار مكة حتى يؤدي رسالة ربه، فسلط على النبي -ﷺ- صبيانه فرموه بالحجارة حتى أدموا كعبيه -ﷺ-، وكان معه زيد بن حارثة فعطش عطشًا شديدًا، فأرسل إليه سحابة ماطرة، فنزل جبرئيل ﵇ بملك الجبال ليأذن له في هلاكهم، فقال -ﷺ-: \"لا، فإني أرجو أن يخرج من أصلابهم من يذكر اللَّه بالتوحيد\"، وفيه قصة، والمذكور فيها وجود زيد بن حارثة معه -ﷺ- لا بلال، واللَّه أعلم.\n٥٢٥٤ - [٢٤] (أبو طلحة) قوله: (فرفعنا عن بطوننا عن حجر حجر) قال بعض الشارحين: (عن حجر حجر) متعلق بـ (رفعنا عن بطوننا)؛ فإن قيل: تعلق حرفي جرٍّ بمعنى واحد بعامل واحد لا يجوز، قلنا: ذلك إذا كانا في مرتبة واحدة، أما تعلق الثاني بعد تعلق الأول وتقييده به فجائز، وقيل: إنه بدل اشتمال بإعادة الجار، والضمير محذوف، تقديره: حجر مشدود علينا؛ بأن يحمل التنكير على النوع، ويجوز أن يكون صفة مصدر محذوف، أي: كشفنا عن بطوننا كشفًا ناشئًا عن حجر حجر، أي: متعدد لكل واحد حجر، وشد الحجر على البطن يفيد تقوية الصلب، ويمنع عن النفخ، ويعين على القيام والمشي.\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".","vol":"8","page":472},{"text":"٥٢٥٥ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ أَصَابَهُمْ جُوعٌ، فَأَعْطَاهُمْ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- تَمْرَةً تَمْرَةً. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٧٤].\n٥٢٥٦ - [٢٦] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"خَصْلَتَانِ مَنْ كَانَتَا فِيهِ كَتَبَهُ اللَّهُ شَاكِرًا صَابِرًا، مَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فَاقْتَدَى بِهِ، وَنَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فَحَمِدَ اللَّهَ عَلَى مَا فَضَّلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، كَتَبَهُ اللَّهُ شَاكِرًا صَابِرًا، وَمَنْ نَظَرَ فِي دِينِهِ إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ، وَنَظَرَ فِي دُنْيَاهُ إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ، فَأَسِفَ عَلَى مَا فَاتَهُ مِنْهُ، لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ شَاكِرًا وَلَا صَابِرًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥١٢].\nوَذُكَرَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ: \"أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ صَعَالِيكِ الْمُهَاجِرِينَ (١) \" فِي بَابٍ بَعْدَ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ.\nــ\n٥٢٥٥ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (أصابهم) أي: الصحابة أو أهل الصفة في سفر أو حضر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فأعطاهم تمرةً تمرةً) لضيق كان حينئذ، ويحتمل أنهم كانوا قد شبعوا بذلك معجزة -ﷺ-.\n٥٢٥٦ - [٢٦] (عمرو بن شعيب) قوله: (فاقتدى به) فصبر على طاعة اللَّه.\nوقوله: (فأسف) أي: حزن، في (القاموس) (٢): الأسف: أشد الحزن، انتهى. وأسف عليه يجيء بمعنى غضب، ولا يناسب هنا؛ لأن الغضب لا يكون على ما فات\n_________\n(١) زاد بعده في نسخة: \"بالنور التام\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧١٢).","vol":"8","page":473},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1159> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٢٥٧ - [٢٧] عَن أبي عبد الرَّحْمَن الحُبُليِّ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو وَسَأَلَهُ رَجُلٌ قَالَ: أَلَسْنَا مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ؛ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَكَ امْرَأَةٌ تَأْوِي إِلَيْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: أَلَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الأَغْنِيَاءِ، قَالَ: فَإِنَّ لِي خَادِمًا، قَالَ: فَأَنْتَ مِنَ الْمُلُوكِ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: . . . . .\nــ\nبل على من فوته عليه، إلا أن يكون التقدير غضب على من فوته عليه بناء على ما فات، وما موصولة أو مصدرية.\nالفصل الثالث\n٥٢٥٧ - [٢٧] (أبو عبد الرحمن) قوله: (عن أبي عبد الرحمن الحبلي) بضم الحاء المهملة والموحدة، تابعي يعدّ في المصريين، واسمه عبد اللَّه بن زيد المصري المعافري.\nوقوله: (سمعت عبد اللَّه بن عمرو، وسأله رجل) المسموع قوله (قال: فأنت من الأغنياء) لكنه جاء بلفظ الماضي دون المضارع كما هو المتعارف، ومعنى الماضي صحيح بلا شبهة، (وسأله رجل) حال بتقدير (قد)، وقال الطيبي (١): لا بد من محذوف، أي: سمعته يقول قولًا يفسره ما بعده، فتدبر.\nوقوله: (قال عبد الرحمن) سقط لفظ (أبو) من قلم الناسخ، وشاعت النسخ كذلك، والصواب أبو عبد الرحمن.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٣٤١).","vol":"8","page":474},{"text":"وَجَاءَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالُوا: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إِنَّا وَاللَّهِ (١) مَا نَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، لَا نَفَقَةٍ وَلَا دَابَّةٍ وَلَا مَتَاعٍ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا شِئْتُمْ؟ إِنْ شِئْتُمْ رَجَعْتُمْ إِلَيْنَا فَأَعْطَيْنَاكُمْ مَا يَسَّرَ اللَّهُ لَكُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ ذَكَرْنَا أَمْرَكُمْ لِلسُّلْطَانِ، وَإِنْ شِئْتُمْ صَبَرْتُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ يَسْبِقُونَ الأَغْنِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى الْجَنَّةِ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفًا\"، قَالُوا: فَإِنَّا نَصْبِرُ لَا نَسْأَلُ شَيْئًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٧٩].\n٥٢٥٨ - [٢٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا قَاعِدٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحَلْقَةٌ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ. . . . .\nــ\nوقوله: (وجاء ثلاثة نفر) أي: من المهاجرين، كلام مستأنف، وجعله حالًا عطفًا على (سأل) تكلف؛ إذ الظاهر على هذا التقدير إليه إلا أن يكون وضع المظهر موضع المضمر لبعد المرجع، وينافيه أيضًا الفاء في قوله: (فقال) على ما قلنا، نعم على ما قدر الطيبي صحيح، فتدبر.\nوقوله: (فقال لهم: ما شئتم؟) استفهام.\nوقوله: (إن شئتم) مفعوله محذوف، أي: إن شئتم نعطيكم شيئًا، ولكن رجعتم إلينا بعد هذا؛ فإن الساعة ما حضرنا شيء، والسلطان هو معاوية، فإن عبد اللَّه بن عمرو كان فيهم لرضا والده؛ لوصية رسول اللَّه -ﷺ- إياه برضاه مجملًا، ولم يكن في باطنه راضيًا عنهم، كما ذكر في كتب السير (٢).\n٥٢٥٨ - [٢٨] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (وحلقة من فقراء المهاجرين) في\n_________\n(١) في نسخة: \"يا با محمد واللَّه\".\n(٢) انظر: \"أسد الغابة\" (٣/ ٥٠).","vol":"8","page":475},{"text":"قُعُودٌ إِذْ دَخَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَعَدَ إِلَيْهِمْ، فَقُمْتُ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"لِيُبَشَّرْ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ بِمَا يَسُرُّ وُجُوهَهُمْ، فَإِنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ قَبْلَ الأَغْنِيَاءِ بِأَرْبَعِينَ عَامًا\"، قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَلْوَانَهُمْ أَسفَرَتْ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عَمْرٍو: حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنْ أكُونَ مَعَهُمْ أَو مِنْهُم. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ٢٨٨٦].\nــ\n(القاموس) (١): حلقة الباب والقوم بفتح الحاء وسكون اللام، وقد تفتح لامهما وتكسر إذ ليس في كلامهم حلقة محركة إلا جمع حالق، أو لغة ضعيفة، والجمع حلق محركة، وكبِدَرٍ، وحلقات محركة، وتكسر الحاء، انتهى. والحاصل أن الأصل الكئير الاستعمال حلقة بفتح الحاء وسكون اللام، والقياس أن يجيء جمعه حلق بسكون اللام، وقد جاء بفتح الحاء واللام على غير القياس كبدر جمع بدرة، وجاء جمعه حلق بكسر الحاء وفتح اللام أيضًا، ويفهم من (الصحاح) (٢): أن بِدَرًا جمع بَدْرَة مثال لهما، وقد يجيء حلقة بفتح الحاء واللام، فحينئذ يكون جمعه حَلَق على القياس لكنها لغة ضعيفة، وقيل: حلقة بفتحها ليس إلا جمع حالق، وقد يجيء حلقة بفتح الحاء وكسر اللام ويكون جمعه كذلك، فتدبر.\nوقوله: (ليبشر) بلفظ المضارع المجهول من التفعيل.\nوقوله: (بما يسر وجوههم) المراد بالوجوه الذوات، أو هو محمول على الظاهر، وتعليق السرور بالوجوه؛ لأن أمر السرور يحصل ظاهرًا في الوجه.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٨٨).\n(٢) \"الصحاح\" (٤/ ١٤٦٢).","vol":"8","page":476},{"text":"٥٢٥٩ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: أَمَرَنِي خَلِيلِي بِسَبْعٍ: أَمَرَنِي بِحُبِّ الْمَسَاكِينِ وَالدُّنُوِّ مِنْهُمْ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ دُوْنِي وَلَا أَنْظُرَ إِلَى مَنْ هُوَ فَوَقِي، وَأَمَرَنِي أَنْ أَصِلَ الرَّحِمَ وَإِنْ أَدْبَرَتْ، وَأَمَرَنِي أن لَا أَسْأَلَ أَحَدًا شَيْئًا، وَأَمَرَنِي أَنْ أقولَ بِالْحَقِّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، وَأَمَرَنِي أنْ لَا أَخَافَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَأَمَرَنِي أَنْ أُكْثِرَ مِنْ قَوْلِ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ؛ فَإِنَّهُنَّ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ١٥٩].\n٥٢٦٠ - [٣٠] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُعْجِبُهُ مِنَ الدُّنْيَا ثَلَاثَةٌ: الطَّعَامُ وَالنِّسَاءُ وَالطِّيبُ، فَأَصَابَ اثْنَيْنِ وَلَمْ يُصِبْ وَاحِدًا، أَصَابَ النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَلَمْ يُصِبِ الطَّعَامَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ٧٢].\nــ\n٥٢٥٩ - [٢٩] (أبو ذر) قوله: (وإن أدبرت) أي: قطعت، في (القاموس) (١): تدابروا: تقاطعوا، أو من الإدبار مقابل الإقبال، ويلزمه القطع، وعلى كل تقدير المراد أهلها، والإسناد إليها مجاز.\nوقوله: (فإنهن) أي: هذه الكلمات، وهي: (لا حول ولا قوة إلا باللَّه) كما سبقت في باب الأذكار، وقد سبق هناك شرحه أيضًا، ويحتمل هذه العبارة أن يرجع الضمير إلى الخصال السبع المذكورة، أي: إنهن نازلة من كنز تحت العرش وأعطيتها منها كما ورد في فضل الآيتين الآخرتين من سورة البقرة، ولم يبينه الطيبي إما اعتمادًا على ما ذكر في باب الأذكار أو على ما يتبادر من العبارة هنا، واللَّه أعلم.\n٥٢٦٠ - [٣٠] (عائشة) قوله: (ولم يصب الطعام) بحيث يستوفي لذته ويكثر\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٥٢).","vol":"8","page":477},{"text":"٥٢٦١ - [٣١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"حُبِّبَ إِلَيَّ الطِّيبُ وَالنِّسَاءُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ. وَزَادَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ بَعْدَ قَوْلِهِ: \"حُبِّبَ إِليَّ\": \"منَ الدُّنْيَا\". [حم: ١٢٢٩٣، ن: ٣٩٣٩].\nــ\nمنه إكثار الطيب والنساء باختياره الفقر لمصلحة رآها في ذلك، واختار اللَّه له ذلك.\n٥٢٦١ - [٣١] (أنس) قوله: (حبب إلي الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة، رواه أحمد والنسائي، وزاد ابن الجوزي بعد قوله: حبب إلي: من الدنيا) واعلم أن لفظ الحديث بهذا الوجه مما أطبق عليه الأئمة، وأما زيادة (من الدنيا) أو (من دنياكم) و(ثلاث) فحالها كما سنذكره، وتفصيل الكلام ما ذكره السخاوي في (المقاصد الحسنة) بعد ذكره الحديث على الوجه المذكور في (المشكاة) قال: رواه الطبراني في (الأوسط) من حديث الأوزاعي عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة عن أنس به مرفوعًا، وكذا هو عنده في (الصغير)، وكذا الخطيب في (تاريخ بغداد) من هذا الوجه، ورواه النسائي في (سننه) من حديث بشار عن جعفر عن ثابت عن أنس، والحاكم في (مستدركه) بدون لفظة: (جعلت)، وقال: إنه صحيح على شرط مسلم، وهو عند النسائي أيضًا من جهة سلام أبي المنذر عن ثابت عن أنس بلفظ (حبب إلي من الدنيا النساء والطيب، وجعل قرة عيني في الصلاة)، ومن هذا الوجه أخرجه أحمد وأبو يعلى في (مسنديهما)، وأبو عوانة في (مستخرجه الصحيح)، والطبراني في (الأوسط)، والبيهقي في (سننه) وآخرون حسبما بينته موضحًا في جزء أفردته لهذا الحديث، وأفاد ابن القيم أن أحمد رواه في (الزهد) بزيادة لطيفة، وهي: (أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن).","vol":"8","page":478},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوأما ما اشتهر في هذا الحديث من زيادة (ثلاث) فلم أقف عليها إلا في موضعين من (الإحياء)، وفي تفسير آل عمران من (الكشاف)، وما رأيتها في شيء من طرق هذا الحديث بعد مزيد التفتيش، ويذلك صرح الزركشي، فقال: إنه لم يرد فيه لفظ (ثلاث)، قال: وزيادته محيلة للمعنى؛ فإن الصلاة ليست من الدنيا، قال: وقد تكلم الإمام أبو بكر بن فورك على معناه في جزء، ووجه ما ثبت فيه (الثلاث)، ونحوه قول شيخنا في تخريج الرافعي تبعًا لأصله، وقد اشتهر على الألسنة بزيادة (ثلاث)، وشرحه الإمام أبو بكر بن فورك، وكذلك ذكره الغزالي، ولم نجد لفظ (ثلاث) في شيء من طرقه المسندة.\nقال الولي العراقي في (أماليه): ليست هذه اللفظة -وهي (ثلاث) - في شيء من كتب الحديث، انتهى كلام السخاوي (١).\nفعلم أن لفظ الحديث الذي اتفق عليه الأئمة (حبب إلي الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة)، ولا إشكال فيه، وجاء في بعض الطرق (من الدنيا) أو (من دنياكم)، وفي بعض الكتب وقع (ثلاث)، فإن كان أحدهما فلا إشكال أيضًا، وإن كانا جميعًا كما يدور على ألسنة فيوجه تارةً بأن المراد من كونها من الدنيا وجودها فيها، أي: في حياة هذا العالم لا كونها مما يذم من الدنيا، فحاصله أنه حبب إلي في هذا العالم ثلاثة، اثنان منها من الأمور الطبيعية الدنياوبة، والثالث من الأمور الدينية، وأخرى بأنه لم يذكر الأمر الثالث الدنياوي ملالة وسآمة منها، وعدل إلى الأمر الديني على طريقة التكميل، ودفع توهم أن لذته ومحبته للطيب ومعاشرة النساء لم تكن بحيث\n_________\n(١) \"المقاصد الحسنة\" للسخاوي (ص: ٢٩٣ - ٢٩٤).","vol":"8","page":479},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nتشغله عن الحق ومناجاة الرب تعالى، ويجوز أن يكون الأمر الثالث الغير المذكور في هذا الحديث هو الخيل كما جاء في حديث آخر عن أنس: لم يكن أحب إليه -ﷺ- بعد النساء من الخيل، رواه النسائي، ويحتمل أن يكون هو الطعام كما علم من حديث عائشة -﵂-، واللَّه أعلم.\nوإذا اشتغلنا وبادرنا بذكر طرق الحديث ذهلنا عن شرح الحديث وبيان معناه، فاعلم أن في قوله: (حبب) إشارة إلى إيداع محبة هذه الأشياء في قلبه -ﷺ- من اللَّه، ولم يكن ذلك باختيار منه وتكلف، ولا بد أن ما حببه اللَّه تعالى إلى حبيبه يكون محبوبًا مرغوبًا إلى اللَّه تعالى، وفيه منافع ومصالح لا يعلمها إلا اللَّه ورسوله، وكذلك قوله: (جعلت قرة عيني في الصلاة) يدل على أن ذلك بجعل اللَّه وفعله تفضيلًا منه وتكريمًا وتقريبًا لنبيه من جانب شهوده وقربه، ولم يكن لرسول اللَّه -ﷺ- حالة فرح وسرور وذوق وشهود أتم من الصلاة، وكانت معراجًا له -ﷺ-، ولذلك كان يقول: (أرحنا يا بلال) أي: اجعلنا في راحة، وأشغلنا بها عن التوجه إلى ما سوى الحق.\nوقرة العين كناية عن الفرح والسرور، والفوز بالبغية، والوصول بالمحبوب، لأن القرة إما من (القر) بفتح القاف بمعنى القرار والثبات؛ لأن العين تستقر بالنظر إلى المحبوب وتطمئن ولا تلتفت إلى جانب آخر، والمرء في حالة السرور ووجدان المقصود يسكن ويستقر في مكانه، وبالنظر إلى غير المحبوب يشمئز ويلتفت يمينًا وشمالًا، وكذلك في حال الخوف والفزع كما يفهم من قوله: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩].\nأو مشتق من (القر) بضم القاف بمعنى البرد، وبرد العين ولذتها في مشاهدة","vol":"8","page":480},{"text":"٥٢٦٢ - [٣٢] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا بَعَثَ بِهِ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: . . . . .\nــ\nالمحبوب، وحرها واحتراقها بالنظر إلى الأعداء، ولذا يقال للولد: قرة العين.\nوقوله: (في الصلاة) دون أن يقول: الصلاة إشارة بأن الفرح والسرور والاطمئنان إنما يحصل بالإحسان ومشاهدة الحق على حسب قوله: (كأنك تراه) الذي يحصل له في الصلاة لا بنفس الصلاة، لأنها مما سوى ذات اللَّه تعالى، والمشاهدة إنما تحصل بمطالعة الذات.\nنعم الصلاة نعمة اللَّه وفضل منه، وحصول الفرح بنعمة اللَّه تعالى وفضله أيضًا مقام عال، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨]، لكنه دون مقام مشاهدة المفضل والمنعم، ومقامه -ﷺ- أعلى وأرفع، ولذلك قال: ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ غيبة أو خطابًا، ولم يقل: فليفرح المؤمنون بفضل اللَّه عليهم، وليكن فرحك يا محمد بي، ويمكن أن يكون لبعض أخص خواص الأمة نصيب من هذا المقام بمتابعته -ﷺ-، ولكن قرة العين بالشهود على قدر المشهود، ولما كان معرفته -ﷺ- أكمل من معرفة كل عارف كان شهوده أتم من شهودهم، فلا يكون قرة عيونهم مثل قرة عينه -ﷺ-.\n٥٢٦٢ - [٣٢] (معاذ بن جبل) قوله: (بعث به): (بعث) يجيء متعديًا بدون الباء، في (القاموس) (١): بعثه كابتعثه: أرسله، وكذا في (الصحاح) (٢)، وكذلك يوجد في موارد استعماله، ولعلهم لم يطلقوا هذا على هذا الحديث إن كان صحيحًا، أو الباء مزيدة، أو المراد بعث الناس معه، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٥٢).\n(٢) \"الصحاح\" (١/ ٢٧٣).","vol":"8","page":481},{"text":"\"إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ، فَإِنَّ عِبَادَ اللَّه لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٤٣].\n٥٢٦٣ - [٣٣] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: مَنْ رَضِيَ مِنَ اللَّهِ بِالْيَسِيرِ مِنَ الرِّزْقِ، رَضِيَ اللَّه مِنْهُ بِالْقَلِيلِ من الْعَمَل\".\n٥٢٦٤ - [٣٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ جَاعَ أَوِ احْتَاجَ فَكَتَمَهُ النَّاسَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ ﷿ أَنْ يَرْزُقَهُ رِزْقَ سَنَةٍ مِنْ حلالٍ\". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٤٢٦٥، ٩٥٨١].\nــ\nوقوله: (إياك والتنعم): (التنعم): الترفه، والاسم النعمة بالفتح، الرفاهة والرفاهية بالتخفيف: لين العيش، رَفُهَ عيشه ككرم، فهو رَفِهٌ ورافِهٌ ورفهان ومترفِّه: مستريح متنعم، وفي (الصراح) (١): رفه يسر علف وآب شدن شتر وتن آساني، رجل رافه، أي: وادع.\n٥٢٦٣ - [٣٣] (علي) قوله: (من رضي من اللَّه باليسير من الرزق، رضي اللَّه منه بالقليل من العمل) ومفهومه من لم يرض باليسير من الرزق واستكثر وحرص، لم يرض اللَّه منه بالقليل من العمل، بل طالبه بالكثير منه وأخذه على عمله، كما تدين تدان.\n٥٢٦٤ - [٣٤] (ابن عباس) قوله: (فكتمه الناس) بالنصب مفعول ثاني لـ (كتم)، في (القاموس) (٢): كتمه واكتتمه وكاتمه إياه.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٥٣٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٣٩).","vol":"8","page":482},{"text":"٥٢٦٥ - [٣٥] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ الْفَقِيرَ الْمُتَعَفِّفَ أَبَا الْعِيَالِ\". رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ. [جه: ٤١٧٣].\n٥٢٦٦ - [٣٦] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: اسْتَسْقَى يَوْمًا عُمَرُ، فَجِيءَ بِمَاءٍ قَدْ شيبَ بعسلٍ، فَقَالَ: إِنَّه لَطيِّبٌ، لَكِنِّي أَسْمَعُ اللَّهَ ﷿ نَعَى عَلَى قَوْمٍ شَهَوَاتِهِمْ فَقَالَ: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] فَأَخَافُ أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، فَلَمْ يَشْرَبْهُ. رَوَاهُ رَزِينٌ.\nــ\n٥٢٦٥ - [٣٥] (عمران بن حصين) قوله: (الفقير المتعفف) التعفف: الكف عن الحرام والسؤال عن الناس، قوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، وقد سبق مرارًا.\n٥٢٦٦ - [٣٦] (زيد بن أسلم) قوله: (بماءٍ قد شيب) ماضي مجهول من الشوب على وزن (قيل) من القول، والشوب: الخلط والمزج.\nوقوله: (نعى على قوم شهواتهم) في (القاموس) (١): نعى على زيد ذنوبه: أظهرها وأشهرها، وفي (النهاية) (٢): أي: عاب عليهم شهواتهم، [يقال]: نعيت عليه أمرًا: إذا أعبته به ووبخته عليه، ونعى عليه ذنبه: أي شَهّره به، انتهى.\nوالمراد أنه أخبر بفوت شهواتهم في الآخرة باستمتاعهم بها في الدنيا.\nوقوله: (حسناتنا) أي: ثواب حسناتنا، (عجلت لنا) أي: أخاف إن شربته أن\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٠٥).\n(٢) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (٥/ ٨٥).","vol":"8","page":483},{"text":"٥٢٦٧ - [٣٧] وَعَن ابنِ عمَرَ قَالَ: مَا شَبِعْنَا مِنْ تَمْرٍ حَتَّى فَتَحْنَا خَيْبَرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤١٤٣].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1160>٢ - باب الأمل والحرص</span>\nــ\nيكون هذا التنعم ثواب حسناتنا استوفيناه في الدنيا، كما الكافر يعطى ثواب حسناته ويستوفيها في الدنيا، وهذا الخلق اكتسبه عمر -﵁- من زجره -ﷺ- إياه، بقوله: (أوفي هذا أنت يا بن الخطاب، أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا) كما مر في (الفصل الأول).\n٥٢٦٧ - [٣٧] (ابن عمر) قوله: (ما شبعنا من تمر) فيه بيان غاية الفقر وشدة الاحتياج لكون التمر شائعًا ذائعًا في المدينة؛ فإذا لم يتيسر لهم ذلك قدر ما يشبعون به فكيف لغيره من الأطعمة، وفي خيبر أكثر من ذلك لا سيما فتح لهم ديارها.\n٢ - باب الأمل والحرص\nفي (القاموس) (١): الأمل محركة كجبل ونجم وشبر: الرجاء، والجمع آمال، أمله: رجاه، وما أطول إملته بالكسر، وفي (الصراح) (٢): أمل بالتحريك: أميد، وبالفتح: أميد داشتن، من نصر ينصر، تاميل كذلك، قلت: الظاهر أن يفسر بالرجاء في طول العمر لا الرجاء الذي هو ضد اليأس، ويذكر في مقابلة الخوف، فرجاء العفو والمغفرة من اللَّه مثلًا لا يسمى أملًا كما يفهم من موارد استعماله، ولذلك يذم طول\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٦٦).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٤١٠).","vol":"8","page":484},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1161> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٢٦٨ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ -ﷺ- خَطًّا مُرَبَّعًا، وَخَطَّ خَطًّا فِي الْوَسَطِ خَارِجًا مِنْهُ، وَخَطَّ خُطُطًا صِغَارًا. . . . . .\nــ\nالأمل، ويدل عليه تفسير القاضي عياض إياه في (مشارق الأنوار) (١) بقوله: الأمل بفتح الميم: هو ما يحدث به الإنسان نفسه مما يدركه من أمور الدنيا ويبلغه ويحرص عليه، فتدبر.\nوالحرص فرط الشره والإرادة، كذا قال الطيبي (٢)، وفي (الصراح) (٣): شره آزناك وحريص شدن، وشره آزمند، وقال في (القاموس) (٤): الحرص بالكسر: الجشع، كضرب وسمع، فهو حريص، والجشع محركة: أشد الحرص وأسوأه وأن تأخذ نصيبك وتطمع في نصيب غيرك، جشع كفرح فهو جَشِعٌ.\nالفصل الأول\n٥٢٦٨ - [١] (عبد اللَّه) قوله: (خطًّا مربعًا) أي: شكلًا يحيط به أربع خطوط.\nوقوله: (خطًّا في الوسط) محمول على ظاهره، وكذلك البواقي.\nوقوله: (وخطّ خططًا) الظاهر أنه جمع خط، ولكنه لم يذكر في كتب اللغة فيما نعلم، بل ذكر أن جمع خط خطوط وأخطاط، وذكر في (مجمع البحار) (٥): خططًا\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٨).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٣٤٥).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٥٣٥).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٥٢) (ص: ٦٣٨).\n(٥) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٦٤).","vol":"8","page":485},{"text":"إِلَى هَذَا الَّذِي فِي الْوَسَطِ مِنْ جَانِبِهِ الَّذِي فِي الْوَسَطِ، فَقَالَ: \"هَذَا الإِنْسَانُ، وَهَذَا أَجَلُهُ مُحِيطٌ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي هُوَ خَارِجٌ أَمَلُهُ، وَهَذِهِ الْخُطُطُ الصِّغَارُ الأَعْرَاضُ، فَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَسَهُ هَذَا، وَإِنْ أَخْطَأَهُ هَذَا نَهَسَهُ هَذَا\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٤١٧].\nــ\nبضم الخاء وكسرها جمع خط، ولا يظهر وجهه.\nنعم هو جمع خطة بمعنى الأرض التي يختطها الإنسان لنفسه، بأن يعلم عليها علامة ليعلم أنه قد احتازها، ولا يناسب هنا، واللَّه أعلم.\nوقوله: (من جانبه الذي في الوسط) متعلق بقوله: (وخط خططًا)، والضمير في (جانبه) إلى الخط الوسط الخارج الذي بعضه في الشكل المربع وبعضه خارج منه، وهو المراد بجانبه الذي في الوسط.\nوقوله: (هذا الإنسان) مبتدأ وخبر، أي: هذا الخط الذي في الوسط الإنسان.\nوقوله: (وهذا أجله) أي: الخط المربع المحيط بالخط الوسط.\nو(الأعراض) الآفات والعاهات العارضة للإنسان، كالأمراض وغيرها من أسباب الموت مكتنفة من جميع جوانبه متصلة به، والأطباء يطلقون العرض على ما يحدث من المرض، والمراد هنا أعم من ذلك، وعبر عن عروض آلافة بالنهس -وهو لدغ ذات السم- مبالغة في الإصابة وتألم الإنسان بها، واكتفى بذكر الأعراض وآلافات؛ لأن الغالب موت الإنسان بالأمراض والآفات، وإن تجاوز عنه هذه الآفات المهلكة كلها، ولم يمت بالموت الأمراضي لا بد أن يموت بالموت الطبيعي، والمقصود من الحديث أن الإنسان يظن أني أصل إلى أملي قبل الأجل، وظنه خطأ، بل الأجل أقرب إليه من الأمل، ويموت قبل أن يصل إلى أمله، وقالوا: الأمل مذموم إلا للعلماء، فإنه","vol":"8","page":486},{"text":"٥٢٦٩ - [٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَطَّ النَّبِيُّ -ﷺ- خُطُوطًا فَقَالَ: \"هَذَا الأَمَلُ وَهَذَا أَجَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الْخَطُّ الأَقْرَبُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٤١٨].\n٥٢٧٠ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَيَشِبُّ مِنْهُ اثْنَانِ: الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمُرِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٢١، م: ١٠٤٧].\nــ\nلولا أملهم وطوله لما صنفوا واجتهدوا في تحصيل الكتب ونحوها، ولا حاجة إلى هذا الاستثناء؛ لأن المذموم طول الأمل على سبيل الجزم والاعتقاد، وأما بطريق الظن والاحتمال فلا، إذ الأمر محتمل لا يجزم بوجوده ولا بعدمه، والمقصود أن هذا الظن والعمل بهذا الاحتمال والاعتماد عليه مستحسن منهم، لكون عملهم حسنًا ومقصدهم صحيحًا بخلاف غيرهم من الناس، فتدبر.\nفإن قيل: ذكر في الحديث الثاني خطوطًا في مجمله وذكر اثنين في مفصله؟\nقلت: فيه اختصار بعدم ذكر الخط الآخر الذي هو الإنسان، والخطوط الأخر التي هي الآفات، و(هذا الأمل) إشارة إلى الخط الأطول الخارج.\n٥٢٦٩ - [٢] (أنس) قوله: (وهذا أجله) إشارة إلى الخط الأقرب من بين الخطوط إلى الإنسان الذي به هلاكه وموته، وكذلك لم يذكر الخط المربع المحيط.\nهذا والأظهر أن محمل هذا الحديث ما يجيء في حديث أبي سعيد في (الفصل الثاني).\n٥٢٧٠ - [٣] (وعنه) قوله: (ويشب منه اثنان) وإنما لم تنكسر هاتان الخصلتان؛ لأن الإنسان مجبول على حب الشهوات، كما قال اللَّه سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ","vol":"8","page":487},{"text":"٥٢٧١ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَيْنِ: فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الأَمَلِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٢٠، م ١٠٤٦].\n٥٢٧٢ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٤١٩].\nــ\nالشَّهَوَاتِ﴾ الآية [آل عمران: ١٤]، والشهوة إنما تنال بالمال والعمر، وإنما تتقوى في الهرم؛ لأن قوته العقلية تضعف، وهي الزاجرة عن القوة الشهوية، وقد صارت ملكة راسخة.\n٥٢٧١ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (في حب الدنيا وطول الأمل) المراد بحب الدنيا الحرص على المال، وبطول الأمل الحرص على العمر، كما قال في الحديث السابق.\n٥٢٧٢ - [٥] (وعنه) قوله: (أعذر اللَّه إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة) في (النهاية) (١): أي لم يبق فيه موضعًا للاعتذار حيث أمهله طول هذه المدة ولم يعتذر، أعذر: إذا بلغ أقصى الغاية في العذر، والعذر لا يتوجه على اللَّه بل على العبد، فأريد به نفي اعتذاره مجازًا، وقيل: همزته للسلب، أي: أزال عذره؛ فإذا لم يتب إلى هذا العمر لم يكن له عذر؛ فإن الشاب يقول: أتوب إذا شخت، والشيخ ماذا يقول، وقيل: أقام اللَّه عدره في تطويل عمره فما له إلا الاستغفار والطاعة والإقبال إلى الآخرة، كذا في (مجمع البحار) (٢)، وقد سبق شرح هذا اللفظ في (الفصل الثاني) من (باب الأمر بالمعروف).\n_________\n(١) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (٣/ ١٩٦).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥٥٢).","vol":"8","page":488},{"text":"٥٢٧٣ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ مَالٍ لَابْتَغَى ثَالِثًا، وَلَا يَمْلأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ، وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ تَابَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٣٦، م: ١٠٤٩].\n٥٢٧٤ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِبَعْضِ جَسَدِي فَقَالَ: \"كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ، وعُدَّ نفسَكَ فِي (١) أَهْلِ الْقُبُورِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٤١٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1162> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٢٧٥ - [٨] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: مَرَّ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا وَأُمِّي نُطَيِّنُ شَيْئًا فَقَالَ: . . . . .\nــ\n٥٢٧٣ - [٦] (ابن عباس) قوله: (جوف ابن آدم) وهذه طبيعة الإنسان ونفسه إلا من أخرجه إليه من حضيض الطبيعة إلى ذروة العرفان، وقليل ما هم، كما قال: (ويتوب اللَّه على من تاب).\n٥٢٧٤ - [٧] (ابن عمر) قوله: (ببعض جسدي) قال بعض الشارحين: لفظ البخاري عن ابن عمر قال: أخذ رسول اللَّه -ﷺ- بمنكبي فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، وليس في البخاري: (وعد نفسك في أهل القبور)، بل هو في الترمذي والبيهقي (٢)، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n٥٢٧٥ - [٨] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (نطين شيئًا) أي: نصلح بالطين، وفيه\n_________\n(١) في نسخة: \"منه\".\n(٢) \"سنن الترمذي\" (٢٣٣٣)، و\"شعب الإيمان\" (١٠٠٥٩).","vol":"8","page":489},{"text":"\"مَا هَذَا يَا عَبْدَ اللَّهِ؟ \" قُلْتُ: شَيْءٌ نُصْلِحُهُ، قَالَ: \"الأَمْرُ أَسْرَعُ مِنْ ذَلِكَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [حم: ٢/ ١٦١، ت: ٢٣٣٥].\n٥٢٧٦ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُهَرِيقُ الْمَاءَ فَيَتَيَمَّمُ بِالتُّرَابِ، فَأَقُولُ (١): يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ الْمَاءَ مِنْكَ قَرِيبٌ، يَقُولُ: \"مَا يُدْرِينِي لَعَلِّي لَا أَبْلُغُهُ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كتاب \"الْوَفَاءِ\". [شرح السنة: ٤٠٧١].\nــ\nإشارة إلى أنه لم يكن في التطيين مبالغة، وإنما كان تطيين شيء من بيت أو جدار ومع ذلك حذره على ذلك به.\nوقوله: (الأمر أسرع) أي: الارتحال عن الدنيا أسرع من أن يشتغل بذلك.\n٥٢٧٦ - [٩] (ابن عباس) قوله: (يهريق الماء) أي: يبول، وقيل: يستعمل الماء قبل الوقت، فإذا لم يبق في الوقت تيمم، وفيه إشارة إلى أنه كان لا يدخر الماء، ولا يقع في تدبيره ادخاره للوضوء أيضًا، بل يستعمله حسب ما اتفق، فإذا وجد الماء في الوقت توضأ وإلا تيمم، أو كان استعماله ضروريًا كالشرب وغسل الثوب ونحوهما، فافهم.\nوقوله: (إن الماء منك قريب يقول: ما يدريني لعلي لا أبلغه) وكان من عادته الشريفة أن يبادر إلى التيمم قبل الوضوء استعجالًا للطهارة من غير أن يصلي، ولا يؤخرها إلى وجود الماء والوضوء به.\n_________\n(١) في نسخة: \"وأقول\".","vol":"8","page":490},{"text":"٥٢٧٧ - [١٠] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"هَذَا ابْنُ آدَمَ وَهَذَا أَجَلُهُ\"، وَوَضَعَ يَدَهُ عِنْدَ قَفَاهُ ثُمَّ بَسَطَ فَقَالَ: \"وَثَمَّ أَمَلُهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٣٤].\n٥٢٧٨ - [١١] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- غَرَزَ عُودًا بَيْنَ يَدَيْهِ وآخَرَ إِلَى جَنْبِهِ وآخَرَ أَبْعَدَ مِنْهُ، فَقَالَ: \"أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ \" قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: \"هَذَا الإِنْسَانُ وَهَذَا الأَجَلُ\"، أُرَاهُ قَالَ: \"وَهَذَا الأَمَلُ، فَيَتَعَاطَى الأَمَلَ فَلَحِقَهُ الأَجَلُ دُونَ الأَمَلِ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٤٠٩١].\n٥٢٧٩ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"عُمُرُ أُمَّتِي. . . . .\nــ\n٥٢٧٧ - [١٠] (أنس) قوله: (ووضع يده عند قفاه) إشارة إلى اتباع الأجل قريبًا منه، ثم (بسط) أي: مد يده وبعّدها كما يشار إلى الأمر البعيد، وذلك مثل الخط الخارج من الخط المربع في المثال السابق.\n٥٢٧٨ - [١١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فيتعاطى الأمل) في (القاموس) (١): التعاطي: التناول، وتناول ما لا يحق، والتنازع في الأخذ، والقيام على أطراف أصابع الرجلين مع رفع اليدين إلى الشيء، ومنه ﴿فَتَعَاطَى فَعَقَرَ﴾ [القمر: ٢٩].\nوقوله: (دون الأمل) حال من الضمير المنصوب في (لحقه)، أي: [لحقه] وهو متجاوز عما قصده [من الأمل].\n٥٢٧٩ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (عمر أمتي) أفرد العمر كأنه عمر واحد محدود\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨١).","vol":"8","page":491},{"text":"مِنْ سِتِّينَ سَنَةً إِلَى سَبْعِينَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٣٣١].\n٥٢٨٠ - [١٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِتِّينَ إِلَى السَّبْعِينَ، وَأَقَلُّهُمْ مَنْ يَجُوزُ ذَلِكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَذُكِرَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الشِّخيرِ فِي (بَاب عِيَادَة الْمَرِيضِ). [ت: ٣٥٥٠، جه: ٤٢٣٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1163> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٢٨١ - [١٤] عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"أَوَّلُ صَلَاحِ هَذِهِ الأُمَّةِ الْيَقِينُ وَالزُّهْدُ، وَأَوَّلُ فَسَادِهَا الْبُخْلُ وَالأَمَلُ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ١٠٣٥٠].\nــ\nبهذه المدة لا يتجاوزها، وفيه مبالغة، والمراد الأكثر والأغلب.\n٥٢٨٠ - [١٣] (وعنه) قوله: (أعمار) جمعه باعتبار الحقيقة، والمراد أكثر أعمار أمتي، وقد جاء صريحًا في بعض الروايات.\nالفصل الثالث\n٥٢٨١ - [١٤] (عمرو بن شعيب) قوله: (اليقين) المراد باليقين هنا التيقن بأن اللَّه هو المتكفل بالأرزاق فلا يبخل، ومن زهد لم يأمل، واليقين: إزاحة الشك، يقن الأمر كفرح يقنًا ويحرك، وأيقنه وبه، وتيقنه واستيقنه وبه: علمه وتحققه، كذا في (القاموس) (١).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١١٨).","vol":"8","page":492},{"text":"٥٢٨٢ - [١٥] وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: لَيْسَ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا بِلُبْسِ الْغَلِيظِ وَالْخَشِنِ وَأَكْلِ الْجَشِبِ، إِنَّمَا الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا قِصَرُ الأَمَلِ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٤٠٩٣].\n٥٢٨٣ - [١٦] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ أَيُّ شَيْءٍ الزُّهْدُ فِي الدُّنْيَا؟ قَالَ: طِيبُ الْكَسْبِ وَقِصَرُ الأَمَلِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ١٠٢٩٣].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1164>٣ - باب استحباب المال والعمر للطاعة</span>\nــ\n٥٢٨٢ - [١٥] (سفيان الثوري) قوله: (أكل الجشب) بفتح الجيم وكسر الشين، في (القاموس) (١): الجشب: الخشن الغليظ البشع من كل شيء، وفي (الصحاح) (٢): جشب ومجشوب، أي: غليظ خشن، ويقال: هو الذي لا أدم معه، مجشاب بالكسر: سطر الثوب الخشن (٣).\n٥٢٨٣ - [١٦] (زيد بن الحسين) قوله: (قصر الأمل) صححوه بكسر القاف وفتح الصاد.\n٣ - باب استحباب المال والعمر للطاعة\nأحببته واستحببته بمعنى، وفي (الصراح) (٤): استحباب: نيكو شمردن، و(المال)\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٤).\n(٢) \"الصحاح\" (١/ ٩٩).\n(٣) كذا في الأصل.\n(٤) \"الصراح\" (ص: ٢٣).","vol":"8","page":493},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1165> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٢٨٤ - [١] عَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَبْدَ التَّقِيَّ الْغَنِيَّ الْخَفِيَّ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَذُكِرَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: \"لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَيْنِ\" فِي (بَاب فَضَائِل الْقُرْآن). [م: ٢٩٦٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1166> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٢٨٥ - [٢] عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ النَّاسِ خيرٌ؟ قَالَ: \"مَنْ طَالَ عمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ\"، قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ . . . . .\nــ\nاشتقاقه من الميل؛ لأنه مما يميل إليه الطبع، و(العمر) بالفتح وبالضم وبضمتين: الحياة، وفي القسم الفتح أفصح، والجمع أعمار، ولعمر اللَّه، أي: بقاؤه؛ فإذا أسقط اللام نصب انتصاب المصادر، وجاء في الحديث النهي عن قول: لعمر اللَّه، كذا في (القاموس) (١).\nالفصل الأول\n٥٢٨٤ - [١] (سعد) قوله: (إن اللَّه يحب العبد التقي الغني الخفي) إيراد الحديث في (باب استحباب المال للطاعة) يدل على أنهم أرادوا بالغنى غنى المال، أو ما يعم غنى النفس أيضًا، ولا شك أنه المناسب للغني الحفي بالمهملة كما جاء في رواية، وقالوا: الصحيح الرواية بالمعجمة بمعنى المعتزل للعبادة، ومناسبته لغنى القلب أكثر، وفي بعض نسخ (المصابيح): زاد بعد التقي (النقي) بالنون، ومعناه الظاهر اللطيف.\nالفصل الثاني\n٥٢٨٥ - [٢] (أبو بكرة) قوله: (أي الناس خير؟ وأي الناسر شر؟) الخير والشر\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٠١).","vol":"8","page":494},{"text":"قَالَ: \"مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٥/ ٤٠، ت: ٢٣٣٠، دي: ٢٧٨٤].\n٥٢٨٦ - [٣] وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ خَالِدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- آخَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقُتِلَ أَحَدُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ مَاتَ الآخَرُ بَعْدَهُ (١) بِجُمُعَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، فَصَلَّوْا عَلَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"مَا قُلْتُمْ؟ \" قَالُوا: دَعَوْنَا اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ وَيَرْحَمَهُ وَيُلْحِقَهُ بِصَاحِبِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"فَأَيْنَ صَلَاتُهُ بَعْدَ صَلَاتِهِ وَعَمَلُهُ بَعْدَ عَمَلِهِ؟ \" أَوْ قَالَ: \"صِيَامُهُ بَعْدَ صِيَامِهِ، لَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٢٥٢٤، ن: ١٩٨٥].\nــ\nهنا مستعملان في معنى التفضيل، فالذي قصر عمره وحسن عمله والذي قصر عمره وساء عمله خير وشر في أصل معنى الفعل.\n٥٢٨٦ - [٣] (عبيد بن خالد) قوله: (ما قلتم) أي: في الدعاء له في صلاتكم عليه.\nوقوله: (لما بينهما) بفتح اللام؛ أي: التفاوت بينهما أبعد وأكثر مما بين السماء والأرض.\nاستشكل بأنه كيف يفضل عمله في جمعة بلا شهادة على عمل صاحبه معها، إذ لا عمل أزيد ثوابًا على الشهادة جهادًا في سبيل اللَّه وإظهارًا لدينه سيما في مبادئ الدعوة وقلة أعوانه؛ وأجيب بأن هذا الرجل أيضًا كان مرابطًا في سبيل اللَّه فجوزي بنيته، وهذا قول على الاحتمال غير مذكور في الحديث، واللَّه أعلم. مع أنه لا يؤيده\n_________\n(١) في نسخة: \"بعد\".","vol":"8","page":495},{"text":"٥٢٨٧ - [٤] وَعَنْ أَبِي كَبْشَةَ الأَنْمَارِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"ثَلَاثٌ أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ وَأُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا فَاحْفَظُوهُ، فَأَمَّا الَّذِي أُقْسِمُ عَلَيْهِنَّ فَإِنَّهُ مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ،\nــ\nظاهر الحديث الآتي في آخر (الفصل الثالث)، وبأن النبي -ﷺ- قد عرف أن عمل هذا بلا شهادة يساوي عمل ذلك مع شهادة بسبب مزيد إخلاصه وعقله ومعرفته، ثم زاد بما عمل، فليس كل من استشهد يفضل على غيره على الإطلاق، بل قد يفضل عليه غيره، وكفى في ذلك حال الصديق وغيره من أكابر الصحابة.\n٥٢٨٧ - [٤] (أبو كبشة) قوله: (الأنماري) بفتح الهمزة وسكون النون.\nوقوله: (فأما الذي) أفرده وذكره بتأويل الأمر الذي، وجمع الضمير وأنثه في (عليهن) باعتبار كونها عبارة عن خصال ثلاث.\nوقوله: (فإنه ما نقص مال عبد من صدقة) الظاهر أن المراد عدم النقصان من جهة حصول البركة والثواب، وأنها غير مقيدة بالاستثناء المذكور بعد الخصلة الثانية، وإن احتملت العبارة لذلك، وقال الطيبي به (١)، وذلك بعيد لفظًا ومعنى، أما لفظًا فلأنه لو أريد تقييد الخصال الثلاث بالاستثناء المذكور تحت كل منهما على حدة وتحت المجموع واحدة، وأما معنى فلأن كون زيادة العز جزاء للمظلومية التي هي مستلزمة للذل أظهر من كونه جزاء لنقص المال بالصدقة؛ فإن الظاهر في جزاء الصدقة إطفاء الغضب وحصول البركة في المال، وإن صح باعتبار أن بعض المال قد يفضي إلى الفقر، وهو سبب لحصول الذل، وأيضًا الظاهر على تقدير تعلق الاستثناء بكليهما أن يقال: (بهما) بضمير التثنية، فليفهم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٣٣٢٨).","vol":"8","page":496},{"text":"وَلَا ظُلِمَ عَبْدٌ مَظْلِمَةً صَبَرَ عَلَيْهَا إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ بِهَا عِزًّا، وَلَا فَتَحَ عَبْدٌ بَابَ مَسْأَلَةٍ إِلَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَقْرٍ، وَأَمَّا الَّذِي أُحَدِّثُكُمْ فَاحْفَظُوهُ\" فَقَالَ: \"إِنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ: عَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ رَحِمَهُ وَيَعْمَلُ لِلَّهِ فِيهِ بِحَقِّهِ، فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ،\nــ\n(والمظلمة) مصدر ظلم كالظلم بفتح الظاء وضمها، وهو بكسر اللام على ما في (القاموس) (١)، وقد تفتح اللام، وبعضهم أنكر الفتح، وقيل بضم اللام أيضًا، وقد سبق، ويجيء بمعنى ما أخذ بغير حق.\nوقوله: (أما الذي أحدثكم) أي: الحديث الذي أحدثكم، والظاهر من العبارة أن يكون جواب (أما) قوله: (فاحفظوه)، لكنه لا يكون لهذا الحكم كثير فائدة، فإنه قد قال أولًا: (وأحدثكم [حديثًا] فاحفظوه)، إلا أن يكون المراد التأكيد والتقرير لوقوع الفاصلة، والظاهر باعتبار المعنى أن يكون التقدير: وأما الذي قلت: أحدثكم فاحفظوه فما أذكره لكم بعد، وإن كان فيه تكلف باعتبار اللفظ، فافهم.\nوقوله: (وعلمًا) قيل: المراد علم كيفية صرف المال في مصارف الخير ووجوه البر، فافهم.\nوقوله: (بحقه) أي: بحق المال، أي: ما فيه من الحقوق كالزكاة والكفارة وإطعام الضيف ونحوها، أو بحق اللَّه الذي أمر بصرف المال في وجوهه وأبوابه.\nوقوله: (فهذا بافضل المنازل) أي: هذا العبد ملتبس بأفضل المقامات، أو في أو على، أو الباء زائدة، و(هذا) إشارة إلى المذكور من الأفعال.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٢٣).","vol":"8","page":497},{"text":"وَعَبدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ، وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَتَخَبَّطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ، وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ، وَلَا يَعْمَلُ فِيهِ بِحَقٍّ، فَهَذَا بِأَخْبثِ الْمَنَازِلِ، وَعَبْدٌ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْتُ فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ، فَهُوَ نِيَّتُهُ، وَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. [ت: ٢٣٢٥].\n٥٢٨٨ - [٥] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ\"، فَقِيلَ: وَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ الموتِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٤٢].\nــ\nوقوله: (فهو صادق النية) بناء على علمه بوجوه البر وحسن الصرف فيها، فيثاب على نيته قائلًا: لو أن لي مالًا لعملت بعمل فلان، أي: الذي يصرف المال في وجوهه.\nوقوله: (فهو يتخبط في ماله) أي: يصرفه في شهوات نفسه في المناهي والملاهي.\nوقوله: (لعملت فيه بعمل فلان) يريد الذي يتخبط في ماله بغير علم.\nوقوله: (فهو نيته) ينبغي أن تحمل النية في هذا القسم على العزم، وعزم المعصية مكتوب ومؤاخذ عليه، والطاعة يثاب عليها بمجرد القصد والنية.\n٥٢٨٨ - [٥] (أنس) قوله: (يوفقه لعمل صالح) أيّ عمل كان، وهذا اكتفاء بالأدنى، أو المراد الجنس، ويجوز أن يكون التنوين للتعظيم.","vol":"8","page":498},{"text":"٥٢٨٩ - [٦] وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا. . . . .\nــ\n٥٢٨٩ - [٦] (شداد بن أوس) قوله: (الكيس) بفتح الكاف وتشديد الياء المكسورة، من الكياسة، وهي الحذق والفطانة، خلاف الحمق والبلادة.\nوقوله: (من دان نفسه) في (الصحاح) (١): دان لازم ومتعد، يقال: دان له، أي: انقاد له وأطاعه، ودانه، أي: أذله واستعبده، وفي الحديث: (الكيس من دان نفسه)، وفي (القاموس) (٢): دان فلانًا: حمله على ما يكره وأذلّه.\nاعلم أن الدين يجيء بمعنى الجزاء، دنته، أي: جازيته، ويجيء بمعنى العمل، وفيهما استعمل في قولهم: كما تدين تدان، والعبادة والطاعة والذل والحساب والقهر والغلبة والاستعلاء والإكراه، ولمعان أخر ذكرت في كتب اللغة، وإذا كان بمعنى الذل والطاعة يجيء لازمًا ومتعديًا؛ وإذا كان بمعنى الحساب والقهر والغلبة فهو متعدي، فمعنى قوله: (دان نفسه) على هذا: حاسبها وقهرها، وغلبها واستعلاها، فتدبر.\nوقوله: (والعاجز من أتبع نفسه هواها) بفتح الهمزة وسكون التاء من باب الإفعال، و(نفسه) و(هواها) مفعولاه، ثم اعلم أنه يستعمل العاجز في مقابلة الكيس كما في حديث آخر: (المؤمن الكيس خير من المؤمن العاجز)، والمقابل الحقيقي للكيسر، البليد؛ لأن الكياسة تستلزم القدرة والرأي والتجارب وتمشية الأمور، والبلادة تستلزم العجز فيها، والحاصل أن الناس يمدحون الكياسة والفطانة في أمور الدنيا ومهماتها، ويذمون العجز فيها، وفي الحقيقة الكياسة المحمودة هي القدرة على حبس\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٥/ ٢١١٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٨٠).","vol":"8","page":499},{"text":"وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٤٥٩، جه: ٤٢٦٠].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1167> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٢٩٠ - [٧] عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: كُنَّا فِي مَجْلِسٍ فَطَلَعَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَعَلَى رَأْسِهِ أَثَرُ مَاءٍ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرَاكَ طَيِّبَ النَّفْسِ، قَالَ: \"أَجَلْ\"، قَالَ: ثُمَّ خَاضَ الْقَوْمُ فِي ذِكْرِ الْغِنَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا بَأْسَ بِالْغِنَى لِمَنِ اتَّقَى اللَّهَ ﷿، وَالصِّحَّةُ لِمَنِ اتَّقَى خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى، وَطِيبُ النَّفْسِ مِنَ النَّعِيمِ\". . . . .\nــ\nالنفس وزجرها عن شهوتها وهواها في معصية اللَّه، والبلادة هي العجز عنه وإعطاء النفس ما أرادت من المحرمات والشهوات وعدم العمل، ثم (تمنى على اللَّه) تعالى، أي: يذنب ويتمنى دخول الجنة والمغفرة ولا يتوب ولا يستغفر.\nقال العلماء: حقيقة الرجاء أن يعمل ويرجو، والرجاء الكاذب الذي يفتر صاحبه عن العمل ويجرئه على الذنوب والمعاصي فليس برجاء، لكنه أمنية واغترار باللَّه تعالى، وقد ذم اللَّه سبحانه هذا القوم بقوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف: ١٦٩]، قال معروف الكرخي: طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب، وارتجاء الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء رحمة من لا يطاع جهل وحمق.\nوكتب عمر بن المنصور إلى بعض إخوانه: أما بعد فإنك أصحبت تأمل بطول عمرك وتمنى على اللَّه الأماني بسوء فعلك، وإنما تضرب حديدًا باردًا.\nالفصل الثالث\n٥٢٩٠ - [٧] (رجل) قوله: (وطيب النفس من النعيم) أي: من نعمة اللَّه التي","vol":"8","page":500},{"text":"رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ٦٩].\n٥٢٩١ - [٨] وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ قَالَ: كَانَ الْمَالُ فِيمَا مَضَى يُكْرَهُ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَهُوَ تُرْسُ الْمُؤْمِنِ، وَقَالَ: لَوْلَا هَذِهِ الدَّنَانِيرُ لَتَمَنْدَلَ بِنَا هَؤُلَاءِ الْمُلُوكُ، وَقَالَ: مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ مِنْ هَذِهِ شَيْءٌ فَلْيُصْلِحْهُ، فَإِنَّهُ زَمَانٌ إِنِ احْتَاجَ كَانَ أَوَّلَ مَنْ يَبْذُلُ دِينَهُ، وَقَالَ: الْحَلَالُ لَا يَحْتَمِلُ السَّرَفَ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٤٠٩٨].\nــ\nوجب الشكر عليها، وفي الحواشي: أي من النعم المسؤول عنها المذكورة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨].\n٥٢٩١ - [٨] (سفيان الثوري) قوله: (لتمندل بنا) في (القاموس) (١): الندل: الوسخ، والمنديل بالكسر والفتح وكمنبر: الذي يتمسح به، وتندل به وتمندل: تمسح، وهو كناية عن الابتذال.\nوقوله: (فليصلحه) أي: يربيه وينميه حتى ينفق في مصالحه حيث شاء.\nوقوله: (إن احتاج) الضمير لـ (من) في (من كان)، وكذا في (كان)، أي: كان ذلك الشخص أول شخص (يبدل دينه) فيما يحتاج إليه.\nوقوله: (الحلال لا يحتمل السرف): و(السرف) محركة: ضد القصد، والإسراف: التبذير، أو ما أنفق في غير طاعة، والمراد أن الحلال لا ينبغي أن يسرف فيه، ويليق أن يحفظ ويرى القصد في إنفاقه ليبقى مدة، وقيل: معناه الحلال لا يكون كثيرًا، فلا يحتمل الإسراف، فتدبر.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٥٦).","vol":"8","page":501},{"text":"٥٢٩٢ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: يُنَادِي مُنَادٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ أَبْنَاءُ السِتِّينَ؟ وَهُوَ الْعُمُرُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ [فاطر: ٣٧]. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٩٧٧٣].\n٥٢٩٣ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ: إِنَّ نفًرًا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ ثَلَاثَةٌ أَتَوُا النَّبِيَّ -ﷺ- فَأَسْلَمُوا،\nــ\n٥٢٩٢ - [٩] (ابن عباس) قوله: (﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾) أي: عمرًا يتعظ فيه من شأنه الاتعاظ، قال البيضاوي (١): ﴿مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ﴾ متناول كل عمر يمكن المكلف فيه من التفكر والتذكر، وقيل: ما بين العشرين إلى الستين، انتهى. وهذا الحديث يدل على أنه الستون، فإن صح يتعين أنه المراد، وما ذكره البيضاوي محتمل اللفظ.\nوقوله: (﴿وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾) يدل على أنه لا يعاقب قبل الشريعة كما هو مذهب الأشعري، وإن خص بالفروع كان موافقًا لمذهب الماتريدية أيضًا، وقد روى الشيخ ابن الهمام عن أبي حنيفة ﵀ ما يوافق مذهب الأشعري، واللَّه أعلم. وهذا الحديث أوفق بالباب الأول في حديث: (أعذر اللَّه إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة).\n٥٢٩٣ - [١٠] (عبد اللَّه بن شداد) قوله: (من بني عذرة) بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة.\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٢٦٠).","vol":"8","page":502},{"text":"قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ يَكْفِينِيهِمْ؟ \" قَالَ طَلْحَةُ: أَنَا، فَكَانُوا عِنْدَهُ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ -ﷺ- بَعْثًا، فَخَرَجَ فِيهِ أَحَدُهُمْ فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ بَعَثَ بَعْثًا فَخَرَجَ فِيهِ الآخَرُ فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَاتَ الثَّالِثُ عَلَى فِرَاشِهِ، قَالَ: قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَأَيْتُ الْمَيِّتَ عَلَى فِرَاشِهِ أَمَامَهُمْ، وَالَّذِي اسْتُشْهِدَ آخِرًا يَلِيهِ، وَأَوَّلَهُمْ يَلِيهِ، فَدَخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ (١) -ﷺ- فَقَالَ: \"وَمَا أَنْكَرْتَ مِنْ ذَلِكَ؟ لَيْسَ أَحَدٌ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ مُؤْمِنٍ. . . . .\nــ\nوقوله: (من يكفينيهم) أي: يكفيني مؤنتهم من الرزق والسلاح وغيرهما، في (القاموس) (٢): كفاه مؤنته يكفيه كفاية، وكفاك الشيء، وفي (الصراح): كفايت كار كَذاري كردن اكتفاء بسنده كردن، والمعنى: لزم علي مؤنتهم، فهل منكم من يمونهم حتى أكتفي؟\nوقوله: (قال طلحة: فرأيت هؤلاء الثلاثة) أي: في المنام.\nوقوله: (أمامهم) بفتح الهمزة، أي: المقدم فيما بينهم على نحو يوسف أحسن إخوته.\nوقوله: (فدخلني من ذلك) أي: تعجب وإنكار، يعني كان القياس أن يستوي الشهيدان في المرتبة، أو يتقدم الأول لسبقه إلى الخير ويتأخر عنهما الثالث الذي مات على فراشه.\nوقوله: (وما أنكرت من ذلك؟) أيّ شيء أنكرت، أي: لا تنكر شيئًا من ذلك.\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩٥).","vol":"8","page":503},{"text":"يُعَمَّرُ فِي الإِسْلَامِ لِتَسْبِيحِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِهِ\".\n٥٢٩٤ - [١١] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَمِيرَةَ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: إِنَّ عَبْدًا لَوْ خَرَّ عَلَى وَجْهِهِ مِنْ يَوْمَ وُلدَ إِلَى أَنْ يَمُوتَ هَرِمًا فِي طَاعَةِ اللَّهِ لَحَقَّرَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَلَوَدَّ أَنَّهُ رُدَّ إِلَى الدُّنْيَا كَيْمَا يَزْدَادَ مِنَ الأَجْرِ وَالثَّوَابِ. رَوَاهُمَا أَحْمَدُ. [حم: ١/ ١٦٣، ٤/ ١٨٥].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1168>٤ - باب التوكل والصبر</span>\nــ\n٥٢٩٤ - [١١] (محمد بن أبي عميرة) قوله: (وعن محمد بن أبي عميرة) على وزن البصيرة.\nوقوله: (من يوم) بالجر والفتح، و(هرمًا) بفتح الراء وكسرها.\nوقوله: (من يوم ولد) فرض ومبالغة.\nوقوله: (لحقره) أي: قلل عمله مع كونه كثيرًا في تلك المرتبة من الكثرة بالنسبة إلى ما يرى من جزائه.\n٤ - باب التوكل والصبر\nفي (القاموس) (١): وَكَل باللَّه يَكِل، وتوكَّل عليه واتكل: استسلم إليه، ووكَل إليه الأمر وكلًا ووكولًا: سلّمه وتركه، ورجل وَكَلٌ وتُكَلَةٌ مثال هُمَزَة، أي: عاجزٌ يَكِل أمرَه إلى غيره، والاسم الوكالة بالفتح ويكسر، والتوكل: إظهار العجز والاعتماد\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٦٣).","vol":"8","page":504},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعلى الغير، والتكلان بالضم اسم فيه.\nوقال في (العوارف) (١): قال السري: التوكل الانخلاع من الحول والقوة، وقال الجنيد: التوكل أن تكون للَّه كما لم تكن، فيكون اللَّه لك كما لم يزل، وقال ذو النون: ترك تدبير النفس والانخلاع من الحول والقوة، وقال حمدون القصار: التوكل هو الاعتصام باللَّه، وقال الشيخ نجم الدين الكُبرى (٢): التوكل هو الخروج عن الأسباب، والتسبّب بالكلية ثقة باللَّه، انتهى.\nثم التوكل عام شامل لجميع أفعال العبد وأحواله، والشائع استعماله في أمر الرزق كما نطقت به الأحاديث، وحقيقة التوكل هو العلم بضمانية اللَّه سبحانه للرزق والثقة به، وأما ترك الأسباب فإنما يكون بتحقيق مقام التوكل حتى يحصل العلم المذكور بالتجربة، وهو في حال الابتداء، ثم بعد حصوله لا حاجة إلى ترك الأسباب، بل ربما يقع التشبث بها تعبدًا وامتثالًا للأمر الحقيقي الذي في ضمن خلق الأسباب.\nوأما الصبر فهو في اللغة: الحبس، صبره يصبره: حبسه، والصبر نقيض الجزع، وفي الشرع: ترجيح داعية الحق على داعية الهوى عند معارضتهما، وقال الشيخ نجم الدين قدس سره (٣): هو الخروج من حظوظ النفس بالمجاهدة والمكابدة، والثبات على فطامها عن مألوفاتها ومحبوباتها، وخمود شهواتها والاستقامة على\n_________\n(١) \"عوارف المعارف\" (ص: ٢٣٧ - ٢٣٨).\n(٢) انظر: مقدمة \"فوائح الجمال وفواتح الجمال\" (ص: ٩١).\n(٣) المصدر السابق (ص: ٩٤).","vol":"8","page":505},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالطريقة المثلى بتصفية القلب وتجلية الروح.\nوقال في (العوارف) (١): أفضل الصبر الصبر على اللَّه بعكوف الهم عليه، وصدق المراقبة بالقلب، وحسم مواد الخواطر، والصبر ينقسم إلى فرض وفضل، فالفرض كالصبر على أداء المفترضات، والصبر عن المحرمات، ومن الصبر الذي هو فضل: [الصبر] على الفقر، والصبر عند الصدمة الأولى، وكتمان المصائب والأوجاع، وترك الشكوى، والصبر على إخفاء الفقر، والصبر على كتم المنح والكرامات، ووجوه الصبر فرضًا وفضلًا كثيرة، وكثير من الناس يقوم بهذه الأقسام من الصبر ويضيق عن الصبر على اللَّه بلزوم صحبة المراقبة والرعاية ونفي الخواطر، انتهى.\nوقال غوث الثقلين الشيخ محيي الدين عبد القادر الجيلاني: الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب، والثبات مع اللَّه تعالى، وتلقي موافقته بالرحب والسعة على أحكام الكتاب والسنة، وينقسم أقسام: صبر للَّه، وهو الثبات على أوامره، والانتهاء عن نهيه، وصبر مع اللَّه تعالى، وهو السكون تحت جريان قضائه، وصبر على اللَّه، وهو الركون لما وعده في كل شيء، والمصير من الدنيا إلى الآخرة، والصبر مع اللَّه أشد، والفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر، والفقير الشاكر أفضل منهما، انتهى كلامه الأقدس.\nثم الصبر أيضًا مع كثرة أقسامه يخصص في الاستعمال بالصبر على البلايا والمصائب والمكروهات كالشكر في أمر الرزق، والأحاديث مذكورة فيه.\n_________\n(١) \"عوارف المعارف\" (ص: ٢٢٩).","vol":"8","page":506},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1169> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٢٩٥ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٧٢، م: ٢٢٠].\nــ\nالفصل الأول\n٥٢٩٥ - [١] (ابن عباس) قوله: (يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفًا) قال السيوطي في حاشية (صحيح مسلم): وقد جاء في بعض الروايات من غير مسلم: (سبعون ألفًا مع كل واحد منهم سبعون ألفًا)، كذا في (الحواشي).\nوقوله: (لا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) قال الطيبي (١): هذا من صفة الأولياء المعرضين عن أسباب الدنيا، الذين لا يلتفتون إلى شيء من علائقها، وتلك درجة الخواص لا يبلغها غيرهم، وأما العوام فرخص لهم في التداوي والمعالجات، ومن صبر على البلاء وانتظر الفرج من اللَّه تعالى بالدعاء كان من جملة الخواص والأولياء، ومن لم يصبر رخص له في الرقية والعلاج والدواء، انتهى.\nدل هذا الكلام على أن ترك التداوي والعلاج وسائر الأسباب التي خلقها اللَّه تعالى بحكمه هو العزيمة، ودرجة الخواص والكاملين من الأولياء والمقربين، وأما التشبث بها فمرتبة العوام الذين لا يصبرون عنها، رخص لهم لضعفهم وعدم صبرهم، وهذا صحيح بالنسبة إلى من دونهم، وليس على الإطلاق؛ لثبوت العمل بها من النبي -ﷺ- وأكابر الصحابة رضوان اللَّه عليهم، فالحق أن ما ورد في الحديث مرتبة السالكين المتوسطين من تاركي الأسباب لتحقيق مقام التوكل بتركها؛ لوقوع نظرهم\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٣٥٩).","vol":"8","page":507},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعليها، وخوف اعتقادهم تأثيرها، فتركوها ليسقط النظر عنها ويتحقق مقام التوكل، وهذه فضيلة ودرجة عالية في سلوك طريق الحق ومجاهدة النفس وقمع هواها، فجُوزُوا بدخول الجنة بغير حساب.\nوأما أرباب الانتهاء المقربون الواصلون إلى مرتبة حق اليقين، المشاهدون قدرة الحق على كل حال في وجود الأسباب وعدمها، بل في وجودها أتم وأكمل؛ لكمال القدرة في خلقها، فلا عليهم أن يتشبثوا بالأسباب ويتمسكوا بها، ونظرهم ساقط عنها في ذلك، وهذه درجة أعلى من الأولى، وهم قد قطعوا الدرجة الأولى وارتقوا منها، فلهم الجزاء المذكور، وحصلت لهم الحسنى وزيادة، وفعل النبي -ﷺ- وأكابر الصحابة من هذا القبيل، وهذا هو حقيقة التوكل والتفويض ونهايته، وهو أعلى من الصبر وانتظار الفرج بالدعاء، وهو حقيقة مقام الرضا والتسليم، وهذا الكلام موافق لما ذكره السادة من الصوفية الصفية قدس اللَّه أسرارهم، ولا ينافيه الحديث، فتدبر، واللَّه الموفق.\nثم احتجاج البعض بهذا الحديث على كراهة التداوي والمعالجات غلط؛ لأنه لا يفهم منه كراهتها، غاية ما يفهم منه كونها مرتبة أدنى ورخصة كما لا يخفى.\nثم اعلم أن في الحديث وجها آخر هو الأظهر عند التأمل، وهو أن المنفي هو الاسترقاء برقى الجاهلية التي لا يؤمن فيها من الشرك بقرينة قوله: (ولا يتطيرون)، فإن التطير والتشاؤم من عادة الجاهلية، فالمراد أنهم يتركون أعمال الجاهلية، وهذه ينبغي أن تكون مرتبة عوام المسلمين؛ لورود النهي عنها، ومع ذلك فيهما فضيلة ولهما جزاء ذكر؛ لأن أكثر المسلمين مبتلون بارتكاب الأسباب وإن كانت جاهلية،","vol":"8","page":508},{"text":"٥٢٩٦ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا فَقَالَ: عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ، فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيُّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَرَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ أُمَّتِي، فَقِيلَ: هَذَا مُوسَى فِي قَوْمِهِ، ثُمَّ قِيلَ لِي: انْظُرْ فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفُقَ، فَقِيلَ لِي: انْظُرْ هَكَذَا وَهَكَذَا، فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الأُفق، فَقِيلَ: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ، وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، هُمُ الَّذِينَ لَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ،\nــ\nوهي من درجات التوكل، وفوق ذلك ترك الاسترقاء مطلقًا والمعالجات وإن كانت مشروعة غير منهي عنها، وهو النهاية، وذلك مرتبة قطع الأسباب ومجاهدة النفس لتحقيق مقام التوكل، وفوق ذلك مرتبة أخرى أشرنا إليها، وهي المشار إليها بقولهم: النهاية هي الرجوع إلى البداية، فليفهم.\n٥٢٩٦ - [٢] (وعنه) قوله: (هكذا وهكذا) أي: إلى اليمين وإلى الشمال.\nوقوله: (ومع هؤلاء سبعون ألفًا) الظاهر أن هؤلاء السبعون الألف وراء المرئيين الذي سدوا الأفق وأشير إليهم بهؤلاء أمتك.\nوقوله: (ولا يكتوون) قالوا: الكي من الأسباب الوهمية التي تنافي التوكل، وقد ورد النهي عنه، وعمل بعض الأصحاب به بإذنه -ﷺ-، فقيل: النهي لتوغل العرب في اعتقاد حصول الشفاء به، حتى قيل: آخر الدواء الكي، وقيل: يباح عند الضرورة مع اعتقاده أن الشفاء من اللَّه تعالى، والمختار أنه مكروه، وقد بسطنا الكلام فيه في (شرح سفر السعادة)، فلينظر ثمة.","vol":"8","page":509},{"text":"فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ \"اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ\"، ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: \"سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٧٥٢، م: ٢٢٠].\n٥٢٩٧ - [٣] وَعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِمُؤْمِنٍ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٩٩].\n٥٢٩٨ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ،\nــ\nوقوله: (فقام عكاشة) تشديد الكاف فيه أكثر من تخفيفها، و(محصن) بكسر الميم وفتح الصاد.\nوقوله: (سبقك بها عكاشة) أي: كأنه بهذه المسألة لم يؤذن له في ذلك المجلس بالدعاء إلا لواحد، أو لم يكن الثاني ممن يستحق تلك المنزلة، ومع ذلك كره أن يقول: لست أهلًا لها؛ فأجاب بكلام مشترك يشعر بأن السبب في تخصيصه سبقه بذلك، وقيل: كان منافقًا فأجاب بكلام محتمل لحسن خلقه -ﷺ-، وقيل: سبقك عكاشة بوحي به، وصوب هذا القول؛ لما روي أن الثاني كان سعد بن عبادة، وفي الحديث دلالة على المسارعة إلى الخيرات وطلب الدعاء من الصالحين.\n٥٢٩٧ - [٣] (صهيب) قوله: (إن أصابته) بمنزلة الصفة والقيد له، أو المراد المؤمن الكامل.\n٥٢٩٨ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (المؤمن القوي) أي: في الاعتقاد باللَّه، والثقة","vol":"8","page":510},{"text":"احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللَّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٦٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1170> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٢٩٩ - [٥] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَوْ أَنَّكُمْ تَتَوَكَلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ،\nــ\nبه، والصبر على الطاعة، وفي قوة العزائم على الخير، وتقوية الدين بالجهاد، والأمر بالمعروف، ونحو ذلك، وقيل: أراد من صبر على محاسبة الناس، وتحمل أذاهم في تعليمهم الخير.\nوقوله: (فإن لو تفتح عمل الشيطان) أي: من معارضة القدر والوسوسة، وذلك إذا تكلم بها بطريق معارضة القدر ونسبة الحول والقوة إلى النفس واعتقاد ذلك حقًّا، وإلا فقد وقع في الأحاديث منه -ﷺ- كقوله في الحج: (لو استقبلت من أمري ما استدبرت) لتطييب قلوب الصحابة، وكذلك قول من قاله تأسفًا على ما فات منه من الطاعة، وأمثال ذلك.\nالفصل الثاني\n٥٢٩٩ - [٥] (عمر بن الخطاب) قوله: (حق توكله) فسره الطيبي (١): بأن يعلم يقينًا أن لا فاعل إلا اللَّه، ثم يسعى في الطلب على الوجه الجميل، قال: ولذلك شبهه بالطير، واستند في ذلك بما قال الإمام الغزالي: من ظن أن معنى التوكل ترك الكسب\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٣٦٢).","vol":"8","page":511},{"text":"تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٣٤٤، جه: ٤١٦٤].\n٥٣٠٠ - [٦] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَيُّهَا النَّاسُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ النَّارِ إِلَّا قَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ (١) يُقَرِّبُكُمْ مِنَ النَّارِ وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا قَدْ نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، وَإِنَّ الرُّوحَ الأَمِينَ -وَفِي روايةٍ: وَإِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ- نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا،\nــ\n[بالبدن، وترك التدبير بالقلب]، والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة، فهو جاهل، وبما قال الإمام أبو القاسم القشيري: اعلم أن التوكل محله القلب، وإنما الحركة بالظاهر، فلا تنافي التوكل بعد ما تحقق [العبد] الثقة.\nوقوله: (تغدو خماصًا) الغدوة بالضم: البكرة، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس كالغداة، غدا عليه غدوًا وغدوة بالضم: بكرة، والخمصة: الجوع، والمخمصة: المجاعة، وخميص الحشى: ضامر البطن، والخماص بالكسر جمع خميص، و(الرواح) العشي من الزوال إلى الليل، و(البطان) بالكسر جمع بطين، ورجل بطين: عظيم البطن، ضد الخميص، وبطن ككرم.\n٥٣٠٠ - [٦] (ابن مسعود) قوله: (وإن الروح الأمين) بالتوصيف، والمراد به جبرئيل ﵇، وكذاب (روح القدس) بالإضافة، والقدس بالضم وبضمتين: الطهر، اسم ومصدر؛ لأنه خلق من طهارة روح، فالإضافة لزيادة الاختصاص مثل حاتم الجود،\n_________\n(١) في نسخة: \"من شيء\".","vol":"8","page":512},{"text":"أَلَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُدْرَكُ مَا عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا بِطَاعَتِهِ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". . . . .\nــ\nوقيل: المصدر بمعنى المفعول، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، وفيه تكلف، والنفث: النفخ، والروع بالضم: القلب، والمراد بنفث روح القدس في الروع الوحي الخفي، (وأجملوا في الطلب) في (القاموس) (١): أجمل في الطلب: اعتدل فلم يفرط، وذلك بأن يكون على الوجه المشروع غير مخل بالحقوق والآداب من غير حرص ولا اضطراب.\nوقوله: (ولا يحملنكم استبطاء الرزق) يعني إذا أبطأ وصول الرزق -وهو كذلك كان مقدرًا فاستبطأتموه، أي: عددتموه بطيئًا في الوصول، وذلك لتوهمكم وصوله كل يوم مثلًا- فلا يحملنكم ذلك على اضطرابكم وإفراطكم في الطلب وارتكاب المعصية في ذلك ظنًّا منكم أنه يصل بهذا السبب، وهو لا يصل به، ولا يحصل إلا المعصية، فاجتنبوها، و(لا يدرك ما عند اللَّه) تعالى -وهو الرزق الحلال- (إلا بطاعته) أي: داوموا على طاعته واستقيموا ولا تضطربوا، فإن الرزق الذي قدر لكم واصل إليكم وتمدحون بذلك، وإن عصيتم لا يصل الرزق ويرجع الذم إليكم، هذا حاصل معنى الحديث، وقيل: المراد بـ (ما عند اللَّه) الجنة، كذا في (الحواشي)، وفي الحديث دليل على أن الرزق واصل البتة، وهو قد يكون حلالًا إذا حصل بواسطة الطاعة، ويكون حرامًا إذا حصل بالمعصية كما هو المذهب.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٨١).","vol":"8","page":513},{"text":"إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: \"وَإِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ\". [شرح السنة: ٤١١١، ٤١١٢، ٤١١٣، شعب: ٩٨٩١].\n٥٣٠١ - [٧] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"الزَّهَادَةُ فِي الدُّنْيَا لَيْسَتْ بِتَحْرِيمِ الْحَلَالِ وَلَا إِضَاعَةِ الْمَالِ، وَلَكِنَّ الزَّهَادَةَ فِي الدُّنْيَا أَنْ لَا تَكُونَ بِمَا فِي يَدَيْكَ أَوْثَقَ بِمَا فِي يَد اللَّهِ، وَأَنْ تَكُونَ فِي ثَوَابِ الْمُصِيبَةِ إِذَا أَنْتَ أُصِبْتَ بِهَا أَرْغَبَ فِيهَا لَوْ أَنَّهَا أُبْقِيَتْ لَكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَعَمْرُو بْنُ وَاقِدٍ الرَّاوِي مُنْكَرُ الحَدِيثِ. [ت: ٢٣٤٠، جه: ٤١٠٠].\nــ\nوقوله: (إلا أنه لم يذكر: وإن روح القدس) يعني أنه لم يذكره بدلًا عن قوله: (وإن الروح الأمين) في رواية، بل ذكر (وإن الروح الأمين نفث في روعي) من غير ذكر قوله: وفي رواية: وإن روح القدس.\n٥٣٠١ - [٧] (أبو ذر) قوله: (الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال. . . إلخ)، قالوا: الزهد في الدنيا هو عدم الرغبة فيها، والخروج عن متاعها وشهواتها ومالها وجاهها، فأشار -ﷺ- أنه لا يتم مقام الزهد بهذا؛ لأن غايته ترك اللذات والأموال، وإسقاطها وإخراجها عن اليد؛ لأنه في الحقيقة تحريم الحلال وإضاعة المال، قال: هذا تنقيصًا له وحطًّا لرتبته.\nوقوله: (ولكن الزهادة في الدنيا. . . إلخ) يشير إلى أن مقام الزهد إنما يتحقق بالتوكل على اللَّه، والثقة به، والاعتماد عليه وعلى ما عنده بالصبر على المصائب؛ رغبة في ثواب الآخرة.\nومعنى (أبقيت) أي: المصيبة (لك) منعت وأخرت عنك ما أصبت بها، والحاصل","vol":"8","page":514},{"text":"٥٣٠٢ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا فَقَالَ: \"يَا غُلَامُ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تجِدْهُ تُجَاهَكَ، وَإِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ١/ ٢٩٣، ت: ٢٥١٦].\n٥٣٠٣ - [٩] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ لَهُ،\nــ\nأن رغبتك في المصيبة لأجل ثوابها أكثر من رغبتك في عدمها.\n٥٣٠٢ - [٨] (ابن عباس) قوله: (احفظ اللَّه يحفظك) أي: احفظ حق اللَّه وراعِهِ يحفظك اللَّه من مكاره الدنيا والآخرة.\nوقوله: (تجاهك) أي: مقابلك، والتاء بدل من الواو، وفي الحديث زيادات في غير رواية أحمد والترمذي نقلها الطيبي وشرحها (١).\nوقوله: (رفعت الأقلام وجفت الصحف) كناية عن معنى القضاء وثبوت القدر لا يتغير ولا يتبدل.\n٥٣٠٣ - [٩] (سعد) قوله: (من سعادة ابن آدم رضاه بما قضى اللَّه له) لأداء حقوق العبودية وامتثال الأمر الإرادي، ولأن فيه سلامة القلب، وجمعية الخاطر، وفراغ الوقت من الاضطراب والتدبير والتشعب في أودية الهموم، وأما الاستخارة\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٣٣٣٨).","vol":"8","page":515},{"text":"وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَةَ اللَّهِ، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ سَخَطُهُ بِمَا قَضَى اللَّهُ لَهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [حم: ١/ ١٦٨، ت: ٢١٥١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1171> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٣٠٤ - [١٠] عَنْ جَابِرٍ: أَنَّهُ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- قِبَلَ نَجْدٍ، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَفَلَ مَعَهُ، فَأَدْرَكَتْهُمُ الْقَائِلَةُ. . . . .\nــ\nفهي مأمور بها، ففيها امتثال الأمر التشريعي كما في سائر الأوامر والنواهي، ولها فوائد ومنافع في تسهيل الأقدار وحصول الخيرة من اللَّه، وهي أيضًا من الأسباب القدرية كالدعاء، ووراء ذلك سر لا ينكشف، وقيل: الاستخارة طلب الخير، ومعنى تركه ذلك أن لا يرضى لما اختاره اللَّه ويتركه، وفيه خفاء، فافهم.\nوقوله: (تركه استخارة اللَّه) الاستخارة طلب الخير، ومعنى تركه ذلك أن لا يرضى بما اختاره اللَّه ويتركه، لما كان الرضا بما قضى اللَّه على الإطلاق يشمل الرضا بما قدر اللَّه تعالى له من المعاصي، وجب أن يطلب الخير؛ رجاء أن يقدر له الخير، ويذهب به مذهب الخير.\nالفصل الثالث\n٥٣٠٤ - [١٠] (جابر) قوله: (قبل نجد) النجد: ما أشرف من الأرض، وبلاد العرب، وهو تهامة، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد.\nوقوله: (فأدركتهم القائلة) في (القاموس) (١): القائلة: نصف النهار، وقال قَيلًا\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٤٧).","vol":"8","page":516},{"text":"فِي وَادٍ كَثيرِ الْعِضَاهِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ بِالشَّجَرِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- تَحْتَ سَمُرَةٍ، فَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ، وَنِمْنَا نَوْمَةً، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدْعُونَا وَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: \"إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ عَلَيَّ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا\"، قَالَ: مَا يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ: \"اللَّهُ\" ثَلَاثًا، وَلَمْ يُعَاقِبْهُ وَجَلَسَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩١٠، م: ٨٤٣].\n٥٣٠٥ - [١١] وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الإِسْمَاعِيلِيِّ فِي \"صَحِيحِهِ\": فَقَالَ (١): مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قَالَ: \"اللَّهُ\"، فَسَقَطَ السيفُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- السَّيْفَ فَقَالَ: \"مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقَالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ، فَقَالَ: \"تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ\"؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أُعَاهِدُكَ عَلَى أَنْ لَا أُقَاتِلَكَ وَلَا أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ،\nــ\nوقائلة وقَيلولة ومَقيلًا ومَقالًا وتَقَيَّل: نام فيه، فهو قائل. (كثير العضاه) في (القاموس) (٢): العضاهة بالكسر: أعظم الشجر، أو الخمط، أو كل ذات شوك، أو ما عظم منها وطال، كالعضه كعنب، والعِضَهَة كعنبة، والجمع عضاه. و(السمرة) بفتح السين وضم الميم واحدة سَمُر: شجر الطلح، والطلح: شجر عظام، كالطلاح ككتاب. و(اخترط السيف) سلَّه من غمده. (صلتًا) الصلت بالفتح: السيف الصيقل الماضي، والسكين الكبير، ويضم. وقال الطيبي (٣): صلتًا، أي: مسلولًا.\n٥٣٠٥ - [١١] (أبو بكر الإسماعيلي) قوله: . . . . .\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٢٥).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (٩/ ٣٦٧).","vol":"8","page":517},{"text":"فَأَتَى أَصْحَابَهُ فَقَالَ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ. هَكَذَا فِي \"كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ\" وَفِي \"الرِّيَاضِ\". [الجمع بين الصحيحن: ١٥٢٦، رياض: ٧٨].\n٥٣٠٦ - [١٢] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنِّي لأَعْلَمُ آيَةً لَوْ أَخَذَ النَّاسُ بِهَا لَكَفَتْهُمْ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ \". [الطلاق: ٢ - ٣]. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْن مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٥/ ١٧٩، جه: ٤٢٧٣، دي: ٢٧٢٥].\n٥٣٠٧ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: أَقْرَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: (إني أَنَا الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ الْمَتِينُ). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [د: ٣٩٩٣، ت: ٢٩٤٠].\n٥٣٠٨ - [١٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَخَوَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَكَانَ أَحَدُهُمَا يَأْتِي النَّبِيَّ -ﷺ- وَالآخَرُ يَحْتَرِفُ، فَشَكَا الْمُحْتَرِفُ أَخَاهُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-،\nــ\n(في الرياض) أي (رياض الصالحين) تصنيف الشيخ محيي الدين النووي.\n٥٣٠٦ - [١٢] (أبو ذر) قوله: (لو أخذ الناس بها) أي: عملوا بها واتقوا، (لكفتهم) من طلب الرزق والتعب في أسبابها، قال بعض المشايخ: لكل قوم حرفة، وحرفتنا التقوى والتوكل، أو كما قال.\n٥٣٠٧ - [١٣] (ابن مسعود) قوله: (إني أنا الرزاق) قراءة شاذة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ [الذاريات: ٥٨].\n٥٣٠٨ - [١٤] (أنس) قوله: (فشكا المحترف أخاه) أي: عن إنفاقه على ذلك الأخ، (النبي -ﷺ-) أي: إلى النبي -ﷺ- بحذف الخافض، يقال: شكا أمره إلى اللَّه شكوى،","vol":"8","page":518},{"text":"فَقَالَ: \"لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٣٤٥].\n٥٣٠٩ - [١٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ قَلْبَ ابْنِ آدَمَ بِكُلِّ وَادٍ شُعْبَةٌ، فَمَنْ أَتْبَعَ قَلْبَهُ الشُّعَبَ كُلَّهَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ بِأَيِّ وَادٍ أَهْلَكَهُ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ كَفَاهُ الشُّعَبُ\". رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ. [جه: ٤٢١٨].\n٥٣١٠ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"قَالَ رَبُّكُمْ ﷿: لَوْ أَنَّ عَبِيدِي أَطَاعُونِي لأَسْقَيْتُهُمُ الْمَطَرَ بِاللَّيْلِ، وَأَطْلَعْتُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ بِالنَّهَارِ، وَلَمْ أُسْمِعْهُمْ صَوْتَ الرَّعدِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٣٥٩].\n٥٣١١ - [١٧] وَعَنْهُ قَالَ: دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى أَهْلِهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا بِهِمْ مِنَ الْحَاجَةِ خَرَجَ إلَى الْبَرِيَّةِ،\nــ\nوينون، كذا في (القاموس) (١).\n٥٣٠٩ - [١٥] (عمرو بن العاص) قوله: (بكل واد شعبة) أي: في كل هم له قطعة، كناية عن تشعب همومه وتفرقها في أسباب رزقه وتحصيله، ومن فوض أموره إلى اللَّه تعالى كفاه مؤن حاجاته المتشعبة، ومن يتوكل على اللَّه فهو حسبه.\n٥٣١٠ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (ولم أسمعهم صوت الرعد) كناية عن الأمن والسلامة الخالصة عن خوف الهلاك كما يكون في السحاب من الخوف بالرعد والبرق.\n٥٣١١ - [١٧] (وعنه) قوله: (خرج إلى البرية) أي: ليحصل له شيء فيجيء به\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٧).","vol":"8","page":519},{"text":"فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ قَامَتْ إِلَى الرَّحَى فَوَضَعَتْهَا وَإِلَى التَّنُّورِ فَسَجَرَتْهُ، ثُمَّ قَالَتْ: اللهُمَّ ارْزُقْنَا، فَنَظَرَتْ فَإِذَا الْجَفْنَةُ قَدِ امْتَلأَتْ، قَالَ: وَذَهَبَتْ إِلَى التَّنُّورِ فَوَجَدَتْهُ مُمْتَلِئًا، قَالَ: فَرَجَعَ الزَّوْجُ، قَالَ: أَصَبْتُمْ بَعْدِي شَيْئًا؟ قَالَتِ امْرَأَتَهُ: نَعَمْ مِنْ رَبِّنَا، وَقَامَ إِلَى الرَّحَى، فَذُكِرَ ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: \"أَمَا إِنَّهُ لَوْ لَمْ يَرْفَعْهَا لَمْ تَزَلْ تَدُورُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٥١٣].\n٥٣١٢ - [١٨] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الرِّزْقَ لَيَطْلُبُ الْعَبْدَ كَمَا يَطْلُبُهُ أَجَلُهُ\". رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي \"الْحِلْية\". [حلية: ٦/ ٨٦].\nــ\nإلى الأهل، و(البرية) بتشديد الراء والياء: الصحراء، (فلما رأت امرأته) أي: حالة الزوج وخروجه لطلب الرزق (قامت إلى الرحى ووضعتها) أي: وضعت الرحى بين يديها لتدورها، أو وضعت أحد شقي الرحى على الأخرى رجاء أن يجيء زوجها بشيء من الحبوب فتطحنها.\nوقوله: (فسجرته) سجر التنور: أحماه، و(الجفنة) القصعة الكبيرة، والمراد هنا ما يوضع تحت الرحى ليجتمع فيها الدقيق، (فوجدته ممتلئًا) أي: وجدت التنور ممتلئًا من الخبز من غير أن تعجن وتخبز، (فقام) أي: الزوج (إلى الرحى) أي: ثم رفعها.\nوقوله: (أما إنه لو لم يرفعها. . . إلخ)، فإن النظر إلى الأسباب وتفتيشها يورث الخلل في اليقين والفتور فيه، وذلك كثير في المعجزات.\n٥٣١٢ - [١٨] (أبو الدرداء) قوله: (إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله) فالرزق يصل إليه ما لم يصل الأجل؛ فإذا جاء الأجل انقطع الرزق.","vol":"8","page":520},{"text":"٥٣١٣ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: \"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٧٧، م: ١٧٩٢].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1172>٥ - باب الرياء والسمعة</span>\nــ\n٥٣١٣ - [١٩] (ابن مسعود) قوله: (يحكي نبيًّا) قال الشيخ ابن حجر: لم أقف على تعيين هذا النبي صريحًا، ويحتمل أن يكون نوحًا ﵇، وقيل: بل أراد به نفسه الكريمة -ﷺ- ذكره بطريق الإبهام.\nقوله: (نبيًا من الأنبياء ضربه) الظاهر أنه مفعول (يحكي)، أي: يحكي حاله، و(ضربه) صفة أو استئناف، ويحتمل أن يكون منصوبًا على شريطة التفسير.\n٥ - باب الرياء والسمعة\n(الرياء) من الرؤية، راءى يرائي مراءاة ولرياء، فهو مراءٍ وهم مراؤون، وقال البيضاوي في سورة النساء (١): المراءاة مفاعلة بمعنى التفعيل، كنعم وناعم، أو للمقابلة، فإن المرائي يري من يرائيه عمله وهو يريه استحسانه، وقال في سورة الماعون (٢): يرون الناس أعمالهم ليروهم الثناء عليهم. وفي (الصراح) (٣): رياء بالكسر\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٢١).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٤٢٠).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٥٥٩).","vol":"8","page":521},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالمد: خويشتن رابه نيكي بخلق ثمودن، وهو طلب المنزلة عند الناس بالعبادة، فيختص بعمل الظاهر، وما لا يكون من قسم العبادة لا يكون فيه رياء، ككثرة المال والأتباع، وحفظ الأشعار، وحسن الرمي، وإنما هو تكبر وافتخار، وكذلك ما لا يطلب منه المنزلة والجاه عند الناس، كاستمالة قلوب المريدين وترغيبهم وحثهم الاتباع، وفي ذلك قيل: رياء الصديقين خير من إخلاص المريدين.\nقال بعض المشايخ: الرياء أن يكون في شخص كمال في الواقع ويريد به الناس، ويحب أن يظهر ذلك عليهم، وأما إذا لم يكن فيه ذلك ويريه الناس ويحب أن يعلموه منه فذلك كذب ونفاق لا رباء، على قياس ما يقال: إن الغيبة أن تقول ما في أخيك من العيب، وأما إذا لم يكن فيه ذلك فذلك بهتان وافتراء، وأفحش الرياء وأقبحها أن لا يريد الثواب أصلًا، وهو في غاية المقت، حتى قيل: إنه لا يبرئ الذمة ويجب القضاء، ثم ما فيه إرادتان والرياء غالب، وهو بقربه، ثم ما استويا فيه، والظاهر فيه أن لا يكون له ولا عليه، ويرجى العفو، على قياس قوله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢]، ولكن الأحاديث والآثار ناظرة في الوعد عليه وعدم القبول، واللَّه أعلم. ثم ما ترجح فيه نية الثواب، والظاهر فيه النقصان لا البطلان، أو الثواب والعقاب بحسب القصدين.\nثم قد فرقوا بين وجود الرياء في ابتداء العمل وعروضه في أثنائه ولحوقه بعد تمامه، والأول أشنع، ثم الثاني، والثالث أدنى لا يبطل ما تقدم، وأيضًا فرق بين قوته والتصميم عليه وبين خطوره والوقوع فيه، وههنا حالة أخرى، وهي الفرح والسرور بفضل اللَّه ورحمته وحسن لطفه تعالى بإخفاء الذنوب وإظهار الطاعات أو باقتداء من","vol":"8","page":522},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1173> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٣١٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَا أَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٦٣].\nــ\nرآه، وهي محمودة ليست من باب الرياء كما سيأتي في (الفصل الثاني) من حديث أبي هريرة، والمسألة غامضة، فيها تفاصيل، ولم يتعرض لها الفقهاء، وتحقيقها في كلام القوم خصوصًا في كتاب (إحياء العلوم)، فليرجع إليه.\nو(السمعة) بضم السين وسكون الميم، تذكر مع الرياء، يقال: فعله رياء وسمعة، أي: لبراه الناس ويسمعوه، كذا في (الصحاح) (١)، وقال في (القاموس) (٢): فعله رياء وسمعة، ويضم ويحرك، وهي ما نُوِّه بذكره ليرى ويسمع، وقال الكرماني (٣): السمعة بضم سين: ما يتعلق بحاسة السمع، والرياء بحاسة البصر.\nالفصل الأول\n٥٣١٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (إن اللَّه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) أي: لا ينظر نظر الرحمة إلى صوركم المجردة عن السيرة المرضية، وأموالكم العارية عن الخيرات والإنفاق في سبيل اللَّه تعالى، ولكن ينظر إلى قلوبكم التي هي محل التقوى، وأعمالكم التي يتقرب بها إليه سبحانه، في\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٣/ ١٢٣٢).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٦٥٧).\n(٣) انظر: \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ١١٩).","vol":"8","page":523},{"text":"٥٣١٥ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ\"، وَفِي رِوَايَةٍ: \"فَأَنَا مِنْهُ بَرِيءٌ هُوَ لِلَّذِي عَمِلَهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٨٥].\n٥٣١٦ - [٣] وَعَنْ جُنْدُبٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: . . . . .\nــ\n(النهاية) (١): النظر ههنا الاختيار والرحمة والعطف، وقال النووي (٢): نظر اللَّه مجازاته ومحاسبته، فلا يكون إلا على القلوب دون الصور الظاهرة، ويحتج به على كون العقل في القلب.\n٥٣١٥ - [٢] (وعنه) قوله: (أنا أغنى الشركاء) جمع شريك، والمراد به من يدعى له الشريك، وليس في الواقع.\nوقوله: (تركته وشركه) يجوز فيه العطف، وكون الواو بمعنى (مع)، قالوا: هذا في القسمين من الأقسام المذكورة، وهو ما لم يقصد الثواب أصلًا، أو كان قصد الشرك غالبًا، واللَّه أعلم.\nوقيل: في الحديث دليل على أنه لا يجوز الأضحية ببدنة إذا كان فيها شركة لحم.\n٥٣١٦ - [٣] (جندب) قوله: (وعن جندب) هو اسم أبي ذر الغفاري -﵁- بضم الدال وفتحها.\n_________\n(١) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (٥/ ٧٧).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٨/ ٣٦٤).","vol":"8","page":524},{"text":"\"مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٩٩، م: ٢٩٨٧].\n٥٣١٧ - [٤] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْخَيْرَ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: يُحِبُّهُ النَّاسُ عَلَيْهِ، قَالَ: \"تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦٤٢].\nــ\nوقوله: (من سمع) في (القاموس) (١): التسميع: التشنيع والتشهير، وإزالة الخمول بنشر الذكر، والإسماع، أي: من شهر نفسه وقصد التشهير، أو من سمع الناس فضائله وأحواله شهر اللَّه عيوبه يوم القيامة وفضحه، يقال: سمعت به تسميعًا وسمعته: إذا شهرته، وقد جاء لفظ يوم القيامة صريحًا في حديث جندب في أول (الفصل الثالث)، وقيل: يظهر سريرته للناس في الدنيا، أي: أعماله السيئة التي يخفيها، أو نيته الفاسدة وغرضه الباطل، ويظهر للناس أن عمله لم يكن خالصًا، وقيل: أراد من سمع الناس بعمله أسمعه اللَّه به وأراه ثوابه من غير أن يعطيه، وقيل: أراد من سمع الناس بعمله أسمعه اللَّه الناس، وكان ذلك ثوابه، وقيل: يريد من نسب إلى نفسه عملًا صالحًا لم يفعله وادعى خيرًا لم يصنعه؛ فإن اللَّه يفضحه ويظهر كذبه.\nوقوله: (ومن يرائي) أي: يعمل رياء يجزه اللَّه جزاء المرائي، بأن يقول: اطلب جزاء عملك ممن عملت لأجله، ويحتمل أن يكون هذا الجزاء في الدنيا أيضًا.\n٥٣١٧ - [٤] (أبو ذر) قوله: (يعمل عمل الخير) أي: لوجه اللَّه وثوابه بدون\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٦٥٨).","vol":"8","page":525},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1174> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٣١٨ - [٥] عَنْ أَبِي سَعْدِ (١) بْنِ أَبِي فَضَالَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا جَمَعَ اللَّهُ النَّاسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِيَوْمٍ لَا ريبَ فِيهِ نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ أشركَ فِي عَمَلٍ عَمِلَهُ لِلَّهِ أَحَدًا فَلْيَطْلُبْ ثَوَابَهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَغْنَى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّرْكِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣/ ٤٦٦].\n٥٣١٩ - [٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ سَمَّعَ النَّاسَ بِعَمَلِهِ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ أَسَامِعَ خَلْقِهِ، وَحَقَّرَهُ وَصَغَّرَهُ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٦٤٠٢].\nــ\nرياء، فيجزيه اللَّه في الدنيا والآخرة.\nالفصل الثاني\n٥٣١٨ - [٥] (أبو سعد) قوله: (أبي سعد) الحارثي الأنصاري اسمه كنيته، كذا في (جامع الأصول) (٢).\nوقوله: (ليوم لا ريب فيه) بدل من (يوم القيامة)، ذكره لبيان أنه مما لا بد في وقوعه، ويتعدى (جمع) بـ (في) وباللام.\nقوله: (عمله للَّه) فكيف بمن عمله لغير اللَّه خالصًا؟\n٥٣١٩ - [٦] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (سمع اللَّه به أسامع خلقه): (سمع)\n_________\n(١) في النسخة الهندية: \"أبو سعيد\"، قال القاري (٨/ ٣٣٣٣): وفي نسخ \"المصابيح\": \"أبو سعيد\" بياء بعد العين، قال الجزري: هو تصحيف.\n(٢) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٤٨٥).","vol":"8","page":526},{"text":"٥٣٢٠ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الآخِرَةِ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ، وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ طَلَبَ الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ الْفَقْرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَشَتَّتَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَلَا يَأْتِيهِ مِنْهَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيِّ.\n٥٣٢١ - [٨] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ عَنْ أَبَانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ. [حم: ٢١٥٩٠، دي: ٢٣٥].\nــ\nمن التسميع، و(أسامع) جمع أسمع جمع سميع كأكالب وأكلب، وروي (سامع) مرفوعًا بلفظ اسم الفاعل من السمع، والمراد به اللَّه تعالى، أي: سمع اللَّه به الذي هو سامع خلقه، أي: فضحه به، أو منصوبًا، أي: من كان له سمع من خلقه، وأما على رواية (أسامع) فهو منصوب، أي: سمع اللَّه به أسماع خلقه، ويفضحه يوم القيامة وفي الدنيا.\n٥٣٢٠ - [٧] (أنس) قوله: (جمع له شمله) أي: أموره المتفرقة، أي: جعله مجموع الخاطر بتهيئة أسبابه من حيث لا يدري.\nوقوله: (وهي راغمة) ذليلة حقيرة لا يحتاج في طلبها إلى سعي كثير شاءت أو لم تشأ، وفي (القاموس) (١): الرغم: الكره، رَغِمَه كَعَلِمَه ومنعه: كرهه، والتراب، كالرغام، والقسر، والذل.\n٥٣٢١ - [٨] قوله: (أبان) بن عثمان -﵁- بفتح همزة وخفة موحدة وبنون، بصرف وتركه، والصرف أكثر.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١٠٠٥).","vol":"8","page":527},{"text":"٥٣٢٢ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَيْنَا أَنَا فِي بَيْتِي فِي مُصَلَّايَ إِذْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ، فَأَعْجَبَنِي الْحَالُ الَّتِي رَآنِي عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"رَحِمَكَ اللَّهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، لَكَ أَجْرَانِ: أَجْرُ السِّرِّ وَأَجْرُ الْعَلَانِيَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٣٨٤].\n٥٣٢٣ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ رِجَالٌ يَخْتِلُونَ الدُّنْيَا بِالدِّينِ، يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ جُلُودَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ، أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ، يَقُولُ اللَّهُ: أَبِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عليَّ\nيَجْتَرِئُونَ؟ . . . . .\nــ\n٥٣٢٢ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (فأعجبني الحال التي رآني عليها) وذلك للفرح والسرور بفضل اللَّه ورحمته؛ لكونه موسومًا بالعبادة بين المسلمين، وكون الرائي شاهدًا على ذلك، أو ليقتدي به كما ذكرنا في شرح الترجمة.\n٥٣٢٣ - [١٠] (وعنه) قوله: (يختلون) بكسر التاء، أي: يخدعون، في (القاموس) (١): ختله يختِله ويختُله ختلًا وختلانًا: خدعه، والذئب الصيد: تَخَفَّى له، فهو خاتل وختول.\nوقوله: (من اللين) أي: لأجل إظهار اللين.\nوقوله: (أبي) أي: بإمهالي إياهم (يغترون).\nوقوله: (أم علي) قال الطيبي (٢): (أم) منقطعة، إضراب عن اعتذارهم باللَّه على اغترارهم عليه سبحانه.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٨٩٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٠).","vol":"8","page":528},{"text":"فَبِي حَلَفْتُ لأَبْعَثَنَّ عَلَى أُولَئِكَ مِنْهُمْ فِتْنَةً تَدَعُ الْحَلِيمَ فِيهِمْ حَيْرَانَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٠٤].\n٥٣٢٤ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ ﵎ قَالَ: لَقَدْ خَلَقْتُ خَلْقًا أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ السُّكَّرِ، وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبِرِ، فَبِي حَلَفْتُ لأُتِيحَنَّهُمْ فِتْنَةً تَدَع الْحَلِيمَ فِيهِمْ حَيْرَانَ، فَبِي يَغْتَرُّونَ أَمْ عَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ؟ \". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حديثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٤٠٥].\nــ\nوقوله: (لأبعثن على أولئك منهم) أي: من أنفسهم أو من قبل الناس، و(من) للابتداء، أي: ناشئة منهم، وكونه للتبيين كما ذكره الطيبي بعيد كما لا يخفى.\nوقوله: (تدع الحليم) أي: العاقل الحازم، وفي بعض نسخ (المصابيح): (الحكيم) بالكاف.\nوقوله: (حيران) أي: يتحير على دفع ذلك العذاب عنه؛ لشدته وصعوبته فضلًا عن غير الحازم.\n٥٣٢٤ - [١١] (ابن عمر) قوله: (من الصبر) في (القاموس) (١): بكسر الباء: عصارة شجر مرٍّ.\nوقوله: (لأتيحنهم) في (النهاية) (٢): أتاحه اللَّه وأتاح له، أي: قدره [له] وأنزله به، انتهى. وفي (القاموس) (٣): المتاح: الأمر المقدر.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٣٨٠).\n(٢) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (١/ ٢٠٢).\n(٣) \"القاموس\" (ص: ١٩٠).","vol":"8","page":529},{"text":"٥٣٢٥ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ شِرَّةٌ، وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ، فَإِنْ صَاحِبُهَا سَدَّدَ وَقَارَبَ فَارْجُوهُ، وَإِنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِالأَصَابعِ فَلَا تَعُدُّوهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٥٣].\nــ\n٥٣٢٥ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (إن لكل شيء شرة) الشرة بكسر الشين وتشديد الراء آخره تاء: الحرص والنشاط، وشرة الشباب: نشاطه، ذكروه في باب الراء في مادة الشر ضد الخير، وأما الشره بفتحتين والهاء فهو بمعنى شدة الحرص، ذكروه في باب الهاء، و(الفترة) بفتح فاء وسكون تاء: الضعف والانكسار، فتر يفتر ويفتر فتورًا وفتارًا: سكن بعد حدة، ولان بعد شدة، ومادته للضعف والسكون، والمراد بالشرة هنا: جانب الإفراط وبالفترة: التفريط، فلكل من الأعمال والأخلاق طرفين: الإفراط والتفريط، والمحمود هو التوسط كما بُيِّن في موضعه، وأشار إلى التوسط والاقتصار بقوله: (فإن صاحبها سدد)، و(إن) شرطية والفعل مقدر بعدها على وتيرة: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦]، أي: سلك طريق السداد والصواب، و(قارب) أي: لم يبعد ولم يذهب إلى أحد الجانبين، (فارجوه) أي: ارجوا فوزه وفلاحه.\n(وإن أشير إليه بالأصابع) بأن سلك طريق الإفراط، فلا تعدوه من الفائزين، هكذا ذكر الطيبي (١)، ويمكن أن تجعل الإشارة بالأصابع شاملةً لكل من طرفي الإفراط والتفريط؛ فإن الاشتهار كما يكون بالذهاب والإغراق في جانب الإفراط كذلك يكون في جانب التفريط، ولعله إنما خصه بجانب الإفراط؛ لأن عدم العد من الفائزين في جانب التفريط أظهر من أن يذكر، وإنما يحتاج ذكره في جانب الإفراط لأنه قد يتوهم\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١١).","vol":"8","page":530},{"text":"٥٣٢٦ - [١٣] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يُشَارَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ فِي دِينٍ أَوْ دُنْيَا إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٦٥٨٠].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1175> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٣٢٧ - [١٤] عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ قَالَ: . . . . . .\nــ\nكونه كمالًا، وفي الحقيقة ليس بكمال، وإنما الكمال هو التوسط، وفي قوله: (فارجوه) (ولا تعدوه) إشارة إلى إبهام العاقبة لعدم العلم بالسابقة، وإنما الحكم على الظاهر بالظن الغالب، فافهم.\n٥٣٢٦ - [١٣] (أنس) قوله: (أن يشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا) أما في الدنيا فظاهر، وأما في الدين فلأنه مظنة الوقوع في شبكة الرياء، وحب الرياسة، واعتقاد الناس وتعظيمهم، والشهوات الخفية النفسانية، ومكائد النفس وغوائليها، ومكر الشيطان، مما قل أن ينجو عنها إلا الصديقون، فالخمول والذبول هو الأولى والأسلم، ولذا قيد بقوله: (إلا من عصمه اللَّه)، ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]، قيل للحسن البصري: إن الناس قد أشاروا إليك بالأصابع، فقال: لا يعني النبي -ﷺ- ذلك، وإنما عنى به المبتدع في دينه الفاسق في دنياه، فالحاصل أن ذلك فيمن يحب الرياسة والجاه في قلوب الناس بالباطل، وأما من عصمه اللَّه فغير داخل فيه، وقد قال اللَّه تعالى حكاية عن حال خواص عباده: إنهم يدعونه ويقولون: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]، واللَّه أعلم.\nالفصل الثالث\n٥٣٢٧ - [١٤] (أبو تميمة) قوله: (عن أبي تميمة) هو أبو تميمة خالد الهجيمي","vol":"8","page":531},{"text":"شَهِدْتُ صَفْوَانَ وَأَصْحَابَهُ وَجُنْدُبٌ يُوصِيهِمْ، فَقَالُوا: هَلْ سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- شَيْئًا؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، قَالَ: وَمَنْ شَاقَّ شَقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\"، قَالُوا: أَوْصِنَا، فَقَالَ: \"إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الإِنْسَانِ بَطْنُهُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَأَكُلَ إِلَّا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ، وَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ مِلْءُ كَفٍّ مِنْ دَمٍ أَهَرَاقَهُ فَلْيفْعَل\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧١٥٢].\nــ\nالبصري، بضم الهاء وفتح الجيم، نسبة إلى هجيم بن عمرو.\n(ومن شاقَّ شقَّ اللَّه عليه) في (القاموس) (١): شق عليه: أوقعه في المشقة، وفي بعض النسخ: (شاق اللَّه عليه)، والأول أصح وأكثر، ولقوله -ﷺ-: \"لولا أن أشق على أمتي\" أي: لولا أثقل عليهم، من المشقة، وهي الشدة، أي: من يحمل الناس على أمر شاق ويكلفهم بما فوق طاقتهم، أو يكون في شق منهم وناحية بالخلاف لهم، شق اللَّه، أي: ثقله وأوقعه في شدة، وفي حديث آخر: (من ضار ضار اللَّه به، ومن شاق شاق اللَّه عليه)، والضرر: إتلاف مال أحد، والمشقة: إيصال أذية إلى بدنه بتكليفه عملًا شاقًّا، والمشاقة منه، أو من الشقاق بمعنى النزاع، كذا في (مجمع البحار) (٢).\nوقوله: (أول ما ينتن) بضم الياء من أنتن فهو منتن، صار نتنًا.\nوقوله: (بطنه) كناية عن مسه النار بسبب أكل الحرام المفضي لدخول النار، فاجتنبوا ذلك بأكل الحلال.\nوقوله: (ملء كف) فاعل (لا يحول)، قلّله إشارة إلى أن القليل من القتل\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٨٠٨).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٢٤٤، ٣٩٩).","vol":"8","page":532},{"text":"٥٣٢٨ - [١٥] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَوَجَدَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَاعِدًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ -ﷺ- يَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: يُبْكِينِي شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ، وَمَنْ عَادَى لِلَّهِ وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الأَبْرَارَ الأَتْقِيَاءَ الأَخْفِيَاءَ الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَّدُوا، وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا وَلَمْ يُقَرَّبُوا، قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى، يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [جه: ٣٩٨٩، شعب: ٦٣٩٣].\nــ\nبأن يكون قتل نفس واحد مثل الحول فكيف بالكثير وقتل نفوس متعددة؟ وقيل: قلّله تسفيهًا لرأي من ارتكب هذا المحظور الجنس الحقير وفوّت على نفسه الجنة.\n٥٣٢٨ - [١٥] (عمر بن الخطاب) قوله: (لم يتفقدوا) على صيغة المجهول، في (القاموس) (١): تفقده: طلبه عند غيبته.\nوقوله: (وإن حضروا لم يدعوا) من الدعوة، أي: إلى ضيافته ومائدته.\nوقوله: (ولم يقربوا) من التقريب بلفظ المجهول أيضًا، أي: وإذا دعوا لم يقربوا بل تركوا في صف النعال.\nوقوله: (غبراء مظلمة) صفة لمساكينهم.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٢٧٨).","vol":"8","page":533},{"text":"٥٣٢٩ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إنَّ الْعَبْدَ إِذَا صَلَّى فِي الْعَلَانِيَةِ فَأَحْسَنَ وَصَلَّى فِي السِّرِّ فَأَحْسَنَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا عَبْدِي حَقًّا\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٤٢٠٠].\n٥٣٣٠ - [١٧] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ أَقْوَامٌ إِخْوَانُ الْعَلَانِيَةِ أَعْدَاءُ السَّرِيرَةِ\"، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: \"ذَلِكَ بِرَغْبَةِ بَعْضِهِمْ إِلَى بَعْضٍ وَرَهْبَةِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ\".\n٥٣٣١ - [١٨] وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُول: \"مَنْ صَلَّى يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ صَامَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ يُرَائِي فَقَدْ أَشْرَكَ\". رَوَاهُمَا أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٣٥، ٤/ ١٢٥].\n٥٣٣٢ - [١٩] وَعَنْهُ أَنَّهُ بَكَى، فَقِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ قَالَ: . . . . .\nــ\n٥٣٢٩ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (إذا صلى في العلانية) يعني لا يرائي، ويحسن سره وعلانيته.\n٥٣٣٠ - [١٧] (معاذ بن جبل) قوله: (برغبة بعضهم إلى بعض، ورهبة بعضهم من بعض) أي: أمورهم معللة بالأغراض، فتارة يرغبون بالأغراض فيظهرون الصداقة، وتارة يكرهون لأغراض فيعادون.\n٥٣٣١ - [١٨] (شداد بن أوس) قوله: (فقد أشرك) وذلك هو الشرك الأصغر كما ورد في الحديث.\n٥٣٣٢ - [١٩] (وعنه) قوله: . . . . .","vol":"8","page":534},{"text":"شَيءٌ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ فَذَكَرْتُهُ فَأَبْكَانِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُول: \"أَتَخوَّفُ على أمتِي الشِّرْكَ وَالشَّهْوَةَ الْخَفِيَّةَ\"، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتُشْرِكُ أُمَّتُكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: \"نَعَمْ، أَمَا إِنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا حَجَرًا وَلَا وَثَنًا، وَلَكِنْ يُرَاؤُونَ بِأَعْمَالِهِمْ، وَالشَّهْوَةُ الْخَفِيَّةُ أَنْ يُصْبِحَ أَحَدُهُمْ صَائِمًا، فَتَعْرِضُ لَهُ شَهْوَة مِنْ شَهَوَاتِهِ فَيَتْرُكُ صَوْمَهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [حم: ١٧١٢٠، شعب: ٦٤١١].\n٥٣٣٣ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (١) قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ، فَقَالَ: \"أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيح الدَّجَّالِ؟ لا فَقُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: \"الشِّرْك الْخَفِيُّ: أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ فَيُصَلِّيَ فَيَزِيدَ صَلَاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رجلٍ\". رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ. [جه: ٤٢٠٤].\nــ\nوالشهوة الخفية أن يصبح أحدهم. . . إلخ)، أي: الكامنة في نفسه، الظاهرة عند معارضة الطاعة، كأنها كانت مختفية في نفسه عند نية الصوم، وقال الطيبي (٢): سمي خفيًّا بخفاء هلاكه، أو لمشاكلة الشرك؛ لأن المراد منه الشرك الخفي.\n٥٣٣٣ - [٢٠] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فيصلي فيزيد) هذا على سبيل التمثيل وليس الرياء منحصرًا فيه، وإنما كان هذا أخوف؛ لأن في الدجال علامات ظاهرة\n_________\n(١) \"الخدري\" سقط في نسخة.\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٥).","vol":"8","page":535},{"text":"٥٣٣٤ - [٢١] وَعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ\"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ؟ قَالَ: \"الرِّيَاءُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ.\nوَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\": \"يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ يُجَازِي الْعِبَادَ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاؤُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً وَخَيْرًا؟ \". [حم: ٢٣٦٣، شعب: ٦٤١٢].\n٥٣٣٥ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْ أَنَّ رَجُلًا عَمِلَ عَمَلًا فِي صَخْرَةٍ لَا بَابَ لَهَا وَلَا كَوَّةَ خَرَجَ عَمَلُهُ إِلى النَّاسِ كَائِنًا مَا كَانَ (١) \".\nــ\nتدل على كذبه عند أهل العلم، وأما الرياء فخفي أمره غاية الخفاء، والنفس لها مكايد خفية يعسر إدراكها، قال بعض المشايخ: إدراك الرياء أصعب من رؤية دبيب النمل في الليلة الظلماء على الحجر الأسود، أو كما قال.\n٥٣٣٤ - [٢١] (محمود بن لبيد) قوله: (قال الرياء) وقد فسر قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠]، بالرياء، وقيل: إن العمل الصالح الذي يصلح لقبول جناب الحق سبحانه هو الذي يخلص عن الرياء.\n٥٣٣٥ - [٢٢] (أبو سعيد الخدري) قوله: (ولا كوة) بتشديد الواو، والكوة بالفتح إذا كانت غير نافذة، وبالضم إذا كانت نافذة، كذا في (الحواشي)، وفي (القاموس) (٢): الكوة بالفتح ويضم: الخرق في الحائط، أو التذكير للكبير، والتأنيث\n_________\n(١) في نسخة: \"من كان\".\n(٢) \"القاموس\" (ص: ١١٩٦).","vol":"8","page":536},{"text":"٥٣٣٦ - [٢٣] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ كَانَتْ لَهُ سَرِيرَةٌ صَالِحَةً أَوْ سَيِّئَةً أَظْهَرَ اللَّهُ مِنْهَا رِدَاءً يُعْرَفُ بِهِ\".\n٥٣٣٧ - [٢٤] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ كُلَّ مُنَافِقٍ يَتَكَلَّمُ بِالْحِكْمَةِ وَيَعْمَلُ بِالْجَوْرِ\". رَوَى الْبَيْهَقِيُّ الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٦٥٤١، ٦٥٤٣، ٤١١].\n٥٣٣٨ - [٢٥] وَعَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ حَبِيبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: . . . . .\nــ\nللصغير، وقال الكرماني: الكوة بفتح الكاف: ثقب البيت، وحكي الضم، ومعنى الحديث: أنه لا حاجة إلى إظهار العمل وإفشائه فيكون رياء، بل اللَّه يظهره إذا كان للَّه خالصًا وأراد اللَّه إظهاره، ورأى فيه مصلحة، أو المعنى -واللَّه أعلم - ينبغي أن يحتاط العبد المخلص في إخفاء العمل ويتكلف فيه؛ فإنه قد يشيع من حيث لا يدري، واللَّه أعلم.\n٥٣٣٦ - [٢٣] (عثمان بن عفان) قوله: (من كانت له سريرة) السريرة: السر، وهو ما يكتم، والجمع سرائر وأسرار.\nوقوله: (أظهر اللَّه منها رداء يعرف به) المراد بالرداء هنا علامة يعرف بها كما يعرف بالرداء كون الرجل من الأعيان، كذا في الحواشي.\n٥٣٣٧ - [٢٤] (عمر بن الخطاب) قوله: (ويعمل بالجور) أي: يكون جابرًا مائلًا عن طريق الاستقامة.\n٥٣٣٨ - [٢٥] (المهاجر) قوله: (وعن المهاجر بن حبيب) بالحاء المهملة","vol":"8","page":537},{"text":"إِنِّي لَسْتُ كُلَّ كَلَامِ الْحَكِيمِ أَتَقبَّلُ، وَلَكِنِّي أَتَقَبَّلُ هَمَّهُ وَهَوَاهُ، فَإِنْ كَانَ هَمُّهُ وَهَوَاهُ فِي طَاعَتِي جَعَلْتُ صَمْتَهُ حَمْدًا لِي وَوَقَارًا وإِنْ لمْ يَتَكَلَّمْ\". رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ٢٥٨].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1176>٦ - باب البكاء والخوف</span>\nــ\nعلى وزن (فعيل).\n٦ - باب البكاء والخوف\nبكى يبكي بُكَاءً فهو باكٍ، والجمع بُكاةٌ وبُكِيٌّ، والتَّبْكَاءُ: كثرته، وأبكاه: فَعَلَ به ما يوجب بكاءه، والتباكي: التكلف في البَكَّاء، والبَكَّاء كشداد: كثير البكاء، وفي (الصراح) (١): بكاء بالمد: كَريه بآواز، وبالقصر: آب جشم باريدن، يقال: بكيته ويكيت عليه، والخوف: الفزع، خاف يخاف خوفًا وخيفًا ومخافة وخيفة بالكسر: فزع، والخوف أيضًا: القتل، ومنه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، ومنه: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ﴾ [الأحزاب: ١٩]، والعلم، ومنه: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا﴾ [النساء: ١٢٨]، وتخوف عليه شيئًا: فاته، والشيء تخوفه: تنقصه، ومنه: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: ٤٧]، ورجل خافٍ، أي: شديد الخوف، كما يقال: رجل صات، أي: شديد الصوت.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٥٤٥).","vol":"8","page":538},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1177> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٣٣٩ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ -ﷺ-: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا وَلَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٦٣٧].\n٥٣٤٠ - [٢] وَعَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ الأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَاللَّهِ لَا أَدْرِي وَاللَّهِ لَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٢٤٣].\nــ\nالفصل الأول\n٥٣٣٩ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لو تعلمون ما أعلم) من أحوال القيامة وأهوالها، وحقيقة المبدأ والمعاد، وصفات الباري تعالى ما يورث الخوف والهيبة، فيعرض من أجل ذلك غم على قلبه الشريف لأجل الأمة، وهذا حث منه -ﷺ- للأمة على كثرة البكاء واستحضار ما يورثه من خوف اللَّه وخشيته، واستشعار عظمته وهيبته تعالى، والاجتناب عن الضحك، فإنه دأب الجاهلين الغافلين عما ذكر وإن كان رجاء العفو والمغفرة أيضًا متصورًا في الجملة.\n٥٣٤٠ - [٢] (أم العلاء الأنصارية) قوله: (واللَّه لا أدري واللَّه لا أدري وأنا رسول اللَّه ما يفعل بي ولا بكم) قيل: مورد الحديث أنه لما مات عثمان بن مظعون، وهو أول من مات من المهاجرين بالمدينة، فحضر رسول اللَّه -ﷺ- موته، وقبل بين عينيه، فقالت امرأة: هنيئًا لك الجنة، فقال -ﷺ- هذا القول زجرًا لها على سوء الأدب بالحكم على الغيب والجزم به، فكان خلاصة المقصود الكناية عن عدم التصريح بعلم الغيب تأدّبًا، أو مراده -ﷺ- بنفي الدراية ليس ترددًا في عاقبة أمره؛ فإنه منفي","vol":"8","page":539},{"text":"٥٣٤١ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ، فَرَأَيْتُ فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا رَبَطَتْهَا، فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا،\nــ\nبالدلائل القطعية، وإنما المراد الدراية التفصيلية، إذ لا علم له بالغيب إلا بتعليم اللَّه تعالى، وقيل: لا أدري أموت أو أقتل، وقيل: هو في الأمور الدنياوية، وقيل: هو إشارة إلى فتح مكة وعزته عند اللَّه وهوان المشركين فيه، وهو لا يلائم المورد على ما قيل، وقيل: قاله قبل نزول قوله تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: ٢]، وهو الأظهر.\n٥٣٤١ - [٣] (جابر) قوله: (خشاش الأرض) الخشاش بالكسر: ما لا دماغ له من دواب الأرض، ومن الطير، مثلثة: حشرات الأرض، والعصافير ونحوها، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): خشاش حشرات زمين، وبالفتح أيضًا خشاشة مكي، وفي (مجمع البحار) (٣) عن (النهاية): خشاش الأرض، أي: هوامها وحشراتها، وروي (خشيشها) بمعناه، ويروى بحاء مهملة، وهو يابس النبات، وهو وهم، وقيل: إنما هو خشيش مصغر خشاش على الحذف، أو خشيش بتشديد الياء وبتركه، وعن النووي: فتح خاء (خشاش) أشهر الثلاثة، وإعجامه أصوب، وهي الهوام، وقيل: ضعاف الطير، وقال الكرماني: في الحديث أن بعضهم معذب في جهنم اليوم، انتهى. ويمكن أنه -ﷺ- كوشف وأريت له الأحوال الآتية وتمثلت، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٣٢).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٢٥٧).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٤٠).","vol":"8","page":540},{"text":"وَرَأَيْت عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الْخُزَاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوَائِبَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٠٤].\n٥٣٤٢ - [٤] وَعَنْ زينَبَ بْنَتِ جَحْشٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- دَخَلَ يَوْمًا فَزِعًا يَقُولُ: \"لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ،\nــ\nوقوله: (عمرو بن عامر) وفي بعض الروايات عمرو بن لحيٍّ، ولعلهما واحد، أحدهما أبوه والآخر جده، كذا قيل.\nوقوله: (يجر قصبه) بالضم وسكون الصاد المهملة: المعى، كذا في (القاموس) (١)، واختلف أنه اسم للأمعاء كلها أو لما كان أسفل البطن من الأمعاء.\nوقوله: (وكان أول من سيب السوائب) أي: وضع تحريمها، والسائبة: الناقة يدرك [نتاج] نتاجها فتسيب، أي: تهمل وتترك ولا تركب، وكانت تسيب في الجاهلية لنذر ونحوه، أو كانت إذا ولدت عشرة أبطن على التوالي كلهن أناث سيبت، أو كان الرجل إذا قدم من سفر بعيد أو برئ من مرض أو نجت دابته من مشقة أو جرب قال: هي سائبة، أو كان ينزع من ظهرها فقارة أو عظمًا، وكانت لا تُمنع من ماء أو كلأ، ولا تركب ولا تحلب، وكان ذلك تقربًا منهم إلى أصنامهم، وكان أول من فعل هذا عمرو المذكور، والسائب: العبد الذي يعتق ويترك ولا يكون للمعتق ولاء، ويقال: إن عمرًا أول من سن عبادة الأصنام بمكة وحمل أهلها بالتقرب إليها.\n٥٣٤٢ - [٤] (زينب بنت جحش) قوله: (فزعًا) يروى بكسر الزاي، أي: خائفًا، وقال النووي: وجوز فتحها أيضًا، أي: خوفًا.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٦).","vol":"8","page":541},{"text":"وَيلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمٍ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ\" وَحَلَّقَ بِأُصْبَعَيْهِ: الإِبْهَامَ وَالَّتِي تَلِيهَا، قَالَتْ زَيْنَبُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَنُهْلَكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: \"نَعَمْ إِذا كثُرَ الخَبَثُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٤٦، م: ٢٨٨٠].\nــ\nوقوله: (ويل للعرب من شر قد اقترب) أي: قرب خروج جيش يقاتل العرب، قيل: أراد به الفتن الواقعة في العرب أولها قتل عثمان -﵁- واستمرت إلى الآن، وقيل: كثرة الفتوح والأموال والتنافس فيها، ثم التنافس في الإمارة، كذا قال الشيخ ابن حجر (١).\nوقوله: (ردم يأجوج ومأجوج) بفتح الراء، ردم الباب والثلمة يردمه: سدّه كله أو بعضه، أو هو أكثر من السد، وخص العرب لأن معظم شرهم راجع إليهم، أو أنه -ﷺ- أعلم أن تلك الثقبة علامة ظهور الفتن في العرب، وقيل: إن المراد من يأجوج ومأجوج في هذا الحديث هو الترك، وقد أهلكوا المعتصم باللَّه، وجرى منهم ببغداد وسائر بلاد الإسلام ما جرى. وقيل: المراد أنه لم يكن في ذلك الردم ثقبة إلى اليوم، وقد انفتحت فيه، وانفتاحها من علامات قرب الساعة، فإذا اتسعت خرجوا، وذلك بعد خروج الدجال، كذا في (الحواشي).\nوقوله: (وحلق بأصبعيه) تمثيلًا لبيان مقدار ثقبة الردم.\nوقوله: (أفنهلك) بلفظ المضارع المتكلم مع الغير، من الهلاك معلومًا ومجهولًا، والأول أقوى وأشهر.\nوقوله: (الخبث) بضم الخاء وسكون الباء، أي: الفسق والفجور، وفي بعض\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١٣/ ١٠٧).","vol":"8","page":542},{"text":"٥٣٤٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي عَامِرٍ أَوْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْخَزَّ. . . . .\nــ\nالنسخ بفتحتين كذا فسره الجمهور، وقيل: الزنا، وقيل: أولاده، والظاهر أنه المعاصي مطلقًا، أي: إذا كثر فقد يحصل الهلاك، لكنه طهارة للمطيعين عن الذنوب، فإن قلت: لم لا يعكس، فإن الأبرار لا يشقى جليسهم؟ قلت: ذلك في القليل، وإذا غلب الخبث يغلبهم، كذا في (مجمع البحار) (١) عن الكرماني.\n٥٣٤٣ - [٥] (أبو عامر) قوله: (أبي عامر أو أبي مالك الأشعري): (أبو عامر) عم أبي موسى الأشعري، واسمه عبيد بن وهب، وقيل: ابن سليم الأشعري، كان من كبار الصحابة، قتل يوم حنين أميرًا على طلب أوطاس، فلما أخبر رسول اللَّه -ﷺ- بقتله رفع يديه يدعو له أن يجعله فوق كثير من خلقه، روى عنه ابنه عامر وأبو موسى الأشعري.\nو(أبو مالك الأشعري)، ويقال الأشجعي، اسمه مختلف، وهو كعب بن عاصم على المشهور المختار، وقيل: اسمه عبد اللَّه، وقيل: عمرو، وقيل: عبيد، مات في خلافة عمر بن الخطاب، وأخرج البخاري حديثه بالشك، فقال: عن أبي مالك الأشعري أو عن أبي عامر، قال ابن المديني: والأول هو الصواب، كذا في (جامع الأصول) (٢).\nوقوله: (يستحلون الخز) في (القاموس) (٣): الخز من الثياب معروف، والجمع\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٤).\n(٢) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٨١٢).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٥٩).","vol":"8","page":543},{"text":"وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ، وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ. . . . .\nــ\nخزوز، وفي (مجمع البحار) (١): كان الخز أولًا ثيابًا تنسج من صوف وإبريشم، وهي مباحة، وقد لبسها الصحابة والتابعون، فيكون النهي عنها لأجل التشبه بالعجم وزي المترفين، وإن أريد بالخز ما هو المعروف الآن فهو حرام؛ لأن جميعه من إبريشم، وعليه يحمل حديث: (يستحلون الخز والحرير)، ولم يكن في عصره -ﷺ-، فهو معجزة للإخبار بالغيب، انتهى.\nوعلى هذا يكون عطف الحرير عليه من باب التعميم بعد التخصيص.\nو(المعازف) الملاهي، كالعود والطنبور، والواحد عزف أو مغزف كمنبر، والعازف: اللاعب بها والمغني، سمي به لأنه تعزف به الجن، والعزف والعزيف: صوت الجن، وهو جرس يسمع في المفاوز بالليل، وعزف الرياح: أصواتها، كذا في (القاموس) (٢)، وفي (مجمع البحار) (٣) عن (النهاية): كانت الجن تعزف الليل كله بين الصفا والمروة، وعزيف الجن: جرس أصواتها، وقيل: هو صوت يسمع بالليل كالطبل، وقيل: إنه صوت الرياح في الجو فتوهمه أهل البادية صوت الجن، وعزيف الرياح: ما يسمع من دويها.\nوقوله: (ولينزلن أقوام. . . إلخ)، هذا خبر آخر بوقوع العذاب من الإهلاك والمسخ في أمته من جهة منعهم السائل وذا الحاجة، ودفعهم إياه بالمطل والتسويف في قضاء حاجاته والاستهزاء به، وكذبهم وخلف وعدهم مع وفور الثروة وظهورها،\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٣٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٥٣).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥٨٧).","vol":"8","page":544},{"text":"يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ، يَأْتِيهِمْ رَجُلٌ لِحَاجَةٍ فَيَقُولُونَ: ارْجِعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبَيِّتُهُمُ اللَّهُ وَيَضَعُ الْعَلَمَ. . . . .\nــ\nوشرحه: (لينزلن أقوام إلى جنب علم) أي: يكون منزلهم ومقامهم عند جبل، والتعبير عنه بالعلم إيذان بأن المكان مشهور معلوم يقصده ذوو الحاجات، فيكون تخييبهم أشد وأقبح.\nوقوله: (يروح عليهم بسارحة لهم) قيل: سقط من صاحب (المصابيح) فاعل (يروح)، وقد وجد في الروايات، أي: يدخل وقت الرواح الذي هو وقت مجيء المواشي ملأى البطون حافلة الضروع رجل بسارحة لهم تسرح، والسارحة والسارح والسرح: الماشية تطلق لترعى، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦]، فسقط (رجل) وهو فاعل (يروح)، وهو الراعي، وقيل: الفاعل ضمير رجل مفهوم من السياق، أي: يأتيهم راعيهم، وقيل: الباء في (بسارحة) زائدة، وهو الفاعل، وقد تزاد الباء في الفاعل كما قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩]، والتذكير للفصل، وقد يروى: (تروح) بالتاء المثناة الفوقانية، و(سارحة) بالرفع بدون الباء كما نقله المؤلف عن الحميدي والخطابي، فتعين القول بزيادة الباء توفيقًا بين الروايتين.\nوقوله: (يأتيهم رجل لحاجة) هو السائل يلتمس منهم قوتًا فيمنعونه بالمطل والتسويف.\nوقوله: (فيبيتهم اللَّه ويضع العلم) بيان للعذاب النازل عليهم، (يبيتهم) أي: يرسل عليهم العذاب بياتًا، ويضع الجبل على بعضهم حتى يهلكوا فلم يحيى منهم أثر، ومن هنا قيل بسقوط كلمة (عليهم)، ولا حاجة إلى القول بسقوطها بل هي مرادة.","vol":"8","page":545},{"text":"وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَفِي بَعْضِ نُسَخِ \"الْمَصَابِيحِ\": \"الْحِرَ\" بِالْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْخَاءِ وَالزَّاي الْمُعْجَمَتَيْنِ نَصَّ عَلَيْهِ الْحُمَيْدِيُّ وَابْنُ الأَثِيرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ،\nــ\nوقوله: (ويمسخ آخرين قردة وخنازير) دل على وقوع المسخ في هذه الأمة على خلاف قول من زعم أن مسخها بقلوبها، كذا قيل، وفيه ما فيه.\nوقوله: (إلى يوم القيامة) إما حال من (قردة وخنازير)، أي: باقين على هذه الصورة إلى يوم القيامة، وهذا أقبح وأشنع من موتهم بعد المسخ بعد حين، أو متعلق بالمجموع، أي: يقع هذا التعذيب على معاصيهم إلى يوم القيامة على أقوام بعد أقوام، هذا شرح الحديث وتنقيح ما ذكره الطيبي فيه.\nوقوله: (وفي بعض نسخ المصابيح: الحر بالحاء والراء المهملتين) في (القاموس) (١): الحر بكسر الحاء وفتح الراء مع التخفيف: الفرج، والمراد الزنا، أصله حرح حذف الحاء للتخفيف، والدليل على أنه يجمع الحر على أحراح، وقد يجمع على حِرون وينسب بِحِرِيّ، كذا في (القاموس) (٢).\nوقوله: (وهو تصحيف وإنما هو بالخاء والزاي المعجمتين) قال التُّوربِشْتِي (٣): بل الرواية بالخاء والزاي المعجمتين تصحيف، صحفه بعض الرواة من أصحاب الحديث، وذلك رواية من لا يعلم، والجواب أنه قد ذكر الحميدي وابن الأثير في هذا\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٣٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٩٧).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٣/ ١١٢٠).","vol":"8","page":546},{"text":"وَفَي كِتَابِ \"الْحُمَيْدِيِّ\" عَنِ الْبُخَارِيِّ وَكَذَا فِي \"شَرحه\" للخطابي: \"تَرُوحُ سَارِحَةٌ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ لحِاجَةٍ\". [خ: ٥٥٩٠].\n٥٣٤٤ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٠٨، م: ٢٨٧٩].\nــ\nالحديث: والحر بالحاء والراء المهملتين إنما هو في حديث آخر غير حديث البخاري، أخرجه أبو داود وغيره، كما ذكره الطيبي (١)، وقد أشار المؤلف إلى ذلك بقوله: (في هذا الحديث).\nهذا ولكن قال الشيخ ابن حجر (٢): وقع في معظم روايات البخاري بالحاء والراء المهملتين، فعلى هذا يكون كلا الروايتين صحيحة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وفي كتاب الحميدي عن البخاري، وكذا في شرحه) أي: شرح البخاري (للخطابي: تروح عليهم سارحة) أي: بالتاء المثناة الفوقية ورفع (سارحة) على أنه فاعل (تروح) كما ذكرنا في شرح الحديث، و(لهم ياتيهم لحاجة) أي: بتقديم قوله: لحاجة على رجل أو بدون ذكر رجل، وعلى هذا كان الضمير راجعًا إلى رجل يفهم من سياق الكلام كما في يروح عليهم بسارحة على بعض الوجوه.\n٥٣٤٤ - [٦] (ابن عمر) قوله: (من كان فيهم) أي: صالحًا كان أو طالحًا، هكذا جرت السنة الإلهية في بعض الذنوب، وفي بعض الأحيان، وقد يحفظ من يريد، واللَّه عليم حكيم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٢٢).\n(٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٥٥).","vol":"8","page":547},{"text":"٥٣٤٥ - [٧] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا ماتَ عَلَيْهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٧٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1178> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٣٤٦ - [٨] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا رَأَيْتُ مِثْلَ النَّارِ نَامَ هَارِبُهَا، وَلَا مِثْلَ الْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٦٠١].\n٥٣٤٧ - [٩] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (١) -ﷺ-: \"إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ، وَأَسْمَعُ مَا لَا تَسْمَعُونَ، أَطَتِ السَّمَاءُ. . . . .\nــ\n٥٣٤٥ - [٧] (جابر) قوله: (على ما مات عليه) من الكفر والإيمان، والطاعة والمعصية، والذكر والغفلة، فالمعتبر هو الخاتمة.\nالفصل الثاني\n٥٣٤٦ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (ما رأيت مثل النار) أي: شدة وهولًا، (نام هاربها) ومن شأن الهارب من مثل هذا الشيء أن لا ينام ويجدّ في الهرب، وذلك بالتزام الطاعة، (ولا مثل الجنة) بهجةً وسرورًا (نام طالبها) وينبغي له أن لا ينام ويغفل عن طلبها، ويعمل عملًا يوصل إليها.\n٥٣٤٧ - [٩] (أبو ذر) قوله: (أطت السماء) أي: صاحت وأنَّتْ، أطّ الرجل ونحوه يأط أطيطًا: صوت، والإبل أنَّتْ تعبًا، والأطيط: صوت الرحل والإبل من ثقلها، وظاهر السياق أن أطيطها من ازدحام الملائكة وكثرتهم وثقلهم كما يأط المركب من ثقل الراكب، وهو كناية عن كثرتهم وإن لم يكن هنا صوت وأنين، كذا قالوا، وقيل:\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".","vol":"8","page":548},{"text":"وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا فِيهَا مَوْضعُ أَرْبَعِ (١) أَصَابعَ إِلَّا وملَكٌ وَاضعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ، وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا، وَلَبَكَيْتُمْ كثِيرًا، وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ، وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ\". . . . .\nــ\nمن خشية اللَّه تعالى، فإذافَإنت تخشى من اللَّه مع أنها جماد وموضع عبادة الملائكة، فالإنسان أولى بأن يخشى ويحن ويبكي مع أنه يموت بالذنوب، كذا في (الحواشي)، (وحق لها) على لفظ المجهول، أي: ينبغي لها أن تصيح، (وأربع) يروى بتاء وبدونها، والأصبع يذكر ويؤنث.\nوقوله: (ولخرجتم إلى الصعدات) جمع صعد بضمتين جمع صعيد بمعنى الطريق، كطريق وطرق وطرقات، وهو في الأصل معنى التراب أو وجه الأرض، وقيل: جمع صعدة كظلمة وظلمات، وهو فناء الدار وممر الناس، أو المعنى لخرجتم من بيوتكم إلى فنائها وإلى الطرقات والصحاري كما هو شأن المحزون الذي ضاق عليه الأمر.\nوقوله: (تجارون إلى اللَّه) أي: تتضرعون إليه رافعين أصواتكم، في (القاموس) (٢): جأر كمنع جأرًا وجؤارًا: رفع صوته بالدعاء، وتضرع، واستغاث، والبقرة والثور: صاحا، وفي (الصحاح) (٣): الجؤار صوت البقر، وقرأ بعضهم: (عجلًا جسدًا له جؤار) بالجيم، وعن الأخفش: وجأر إلى اللَّه، أي: تضرع بالدعاء.\n_________\n(١) في نسخة: \"أَرْبَعَةِ\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٣٥).\n(٣) \"الصحاح\" (٢/ ٦٠٧). وفيه: \"الجؤار مثل الخوار\"، فليتأمل.","vol":"8","page":549},{"text":"قَالَ أَبُو ذَرٍّ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْن مَاجَهْ. [حم: ٥/ ١٧٣، ت: ٢٣١٢، جه: ٤١٩٠].\n٥٣٤٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٥].\nــ\nوقوله: (كنت شجرة تعضد) أي: تقطع، والعضد: القطع، من عضد يعضد من باب ضرب، والنصر والإعانة من باب نصر، وهذه كناية عن كونه بريئًا من الذنوب غير محشور ومعذب يوم القيامة.\n٥٣٤٨ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (من خاف أدلج) الدلج محركة والدلجة بالضم والفتح: السير من أول الليل، وقد أدلجوا، فإن ساروا من آخره فادّلجوا بالتشديد، وفي (الصحاح) (١): الإدلاج: السير من أول الليل، والإدلاج: السير من آخر الليل، والاسم من الأول دلج بالتحريك، ومن الثاني دلجة بالضم والفتح.\nوقوله: (ومن أدلج بلغ المنزل) أي: هرب في أول الليل؛ لأن العدو يغير في آخره، أي: من خاف عذاب اللَّه وكيد الشيطان فليهرب سريعًا من المعاصي إلى الطاعات، ولا يسوِّف في التوبة، ولا يتكاسل في الطاعة.\nوقوله: (ألا إن سلعة اللَّه غالية)، في (القاموس) (٢): السلعة بالكسر: المتاع وما تُجِرَ به، أي: متاع اللَّه غال لا يحصل إلا ببذل الأنفس والأموال، قال سبحانه:\n_________\n(١) \"الصحاح\" (١/ ٣١٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٥٦).","vol":"8","page":550},{"text":"٥٣٤٩ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: أَخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مَنْ ذَكَرَنِي يَوْمًا أَوْ خَافَنِي فِي مَقَامٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ والْبَيْهَقِيُّ فِي \"كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ\". [ت: ٢٥٩٤].\n٥٣٥٠ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠] أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: \"لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْن مَاجَهْ. [ت: ٣١٧٥، جه: ٤١٩٨].\nــ\n﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١].\n٥٣٤٩ - [١١] (أنس) قوله: (من ذكرني) أي: بالإخلاص في الطاعة، (أو خافني في مقام) أي: كف النفس عن الهوى في ارتكاب المعصية، تلميح إلى قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [النازعات: ٤٠].\n٥٣٥٠ - [١٢] (عائشة) قوله: (﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾) قراءة السبعة ﴿يؤتون ما آتوا﴾ من الإيتاء بمعنى الإعطاء، وقد قرئ: (يأتون ما أتوا) من الإتيان بمعنى الفعل، وقد تنسب هذه القراءة إلى النبي -ﷺ-، وسؤال عائشة مبني على هذه القراءة، لكن الواقع في النسخ هي الأولى، والظاهر أن تكون الثانية، وقد يوجه بأن الفاعل يؤتي، أي: يعطي من نفسه الفعل ويخرج منها، فافهم.","vol":"8","page":551},{"text":"٥٣٥١ - [١٣] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ اذْكُرُوا اللَّهَ (١)، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٥٧].\n٥٣٥٢ - [١٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- لِصَلَاةٍ فَرَأَى النَّاسَ كَأَنَّهُمْ يَكْتَشِرُونَ، قَالَ: \"أَمَا إِنَّكُمْ لَوْ أَكْثَرْتُمْ ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أَرَى الْمَوْتُ، فَأَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّات. . . . .\nــ\n٥٣٥١ - [١٣] (أبي بن كعب) قوله: (جاءت الراجفة تتبعها الرادفة) رجف: حرك وتحرك واضطرب شديدًا، رجفًا ورجوفًا ورجيفًا، والأرض: زلزلت كأرجفت، والرعد: ترددت هَدْهَدَتُه في السحاب، والرجفة: الزلزلة، والراجفة: النفخة الأولى، والرادفة: الثانية، وفي (الصحاح) (٢): ردفه وأردفه، أي: تبعه وأتبعه، ويقال: كان نزل بهم أمر فردف لهم آخر أعظم منه، ومنه قوله تعالى: ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات: ٧].\nوقوله: (جاء الموت بما فيه) يحتمل أن تكون الباء للتعدية أو للملابسة.\n٥٣٥٢ - [١٤] (أبو سعيد) قوله: (يكتشرون) افتعال من الكشر بالشين المعجمة، وهو ظهور الأسنان للضحك، وكاشره: إذا ضحك في وجهه، وفي (الصراح) (٣): كشر دندان سبيد كردن شتر، وتبسم كردن مردم.\nوقوله: (هاذم اللذات) الهذم بالذال المعجمة: القطع، وبالدال المهملة؛ الهدم:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"اذكروا اللَّه\" ثلاث مرات.\n(٢) \"الصحاح\" (٤/ ١٣٦٤).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٢١١).","vol":"8","page":552},{"text":"الْمَوْتِ، فَإِنَّهُ لَا يَأْتِ على الْقَبْر يومٌ إِلَّا تَكَلَّمَ فَيَقُولُ: أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ، وَأَنَا بَيْتُ الْوحْدَةِ، وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ، وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ، وَإِذَا دفُنَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَحَبَّ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ، فَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِي بِكَ\". قَالَ: \"فَيَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْفَاجِرُ -أَوِ الْكَافِرُ- قَالَ لَهُ الْقَبْرُ: لَا مَرْحَبًا وَلَا أَهْلًا، أَمَا إِنْ كُنْتَ لأَبْغَضَ مَنْ يَمْشِي عَلَى ظَهْرِي إِلَيَّ، فَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَيَّ فَسَتَرَى صَنِيعِي بِكَ\" قَالَ: \"فَيَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلَاعُهُ\"، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِأَصَابِعِهِ، فَأَدْخَلَ بَعْضَهَا فِي جَوْفِ بَعْضٍ، قَالَ: \"وَيُقَيَّضُ لَهُ سَبْعُونَ تِنِّينًا،\nــ\nنقض البناء، قال السيوطي: قد صرح السهيلي أن الرواية بالمعجمة، ونقل في (الحواشي) عن صاحب (المهمات): هاذم اللذات بالذال المعجمة معناه القاطع، وهو الأنسب بحسب المعنى، لكن في بعض النسخ بالدال المهملة.\nوقوله: (الموت) إما مجرور أو مرفوع، ويحتمل النصب، والوجوه ظاهرة.\nوقوله: (أما إن كنت): (أما) حرف تنبيه، و(إن) مخففة من المثقلة، و(إلي) متعلق بـ (أحب).\nوقوله: (فإذ وليتك) على صيغة الماضي المتكلم، إما من التولية مجهولًا أو من الولاية معلومًا، أي: جعلت أو صرت حاكمًا قادرًا عليك.\nو(تختلف أضلاعه) أي: يدخل بعضها في بعض.\nوقوله: (ويقيض له) قيض اللَّه فلانًا لفلان، أي: سلط ووكل، وقد مرّ في حديث:","vol":"8","page":553},{"text":"لَوْ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهَا نَفَخَ فِي الأَرْضِ مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا، فَيَنْهَسْنَهُ وَيَخْدِشْنَهُ حَتَّى يُفْضَى بِهِ إِلَى الْحِسَابِ\"، قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّمَا الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٦٠].\n٥٣٥٣ - [١٥] وَعَن أبي جُحَيْفَة قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتَ، قَالَ: \"شَيَّبَتْنِي سُورَةُ هُودٍ وَأَخَوَاتُهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٢٩٧].\nــ\n(ما أكرم شاب شيخًا إلا قيض اللَّه له من يكرمه).\nوقوله: (فَيَنْهَسْنَهُ) نهس اللحم كمنع وفرح: أخذه بمقدم أسنانه ونتفه. (ويخدشنه) خدش الجلد: مزقه أو قشره بعود ونحوه.\nوقوله: (من حفر النار) وفي بعض الروايات: (من حفر النيران).\n٥٣٥٣ - [١٥] (أبو جحيفة) قوله: (شيبتني سورة هود) قالوا: وذلك لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: ١١٢]، وذلك لأن الاستقامة على الطريق المستقيم من غير ميل إلى الإفراط والتفريط في الاعتقادات والأعمال الظاهرة والباطنة عسيرة جدًّا، انتهى. وذلك لقوله: ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: ١١٢]، ولذلك لم ينسبه إلى سورة الشورى، وفيها قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ من غير عطف ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾، فالشيب إنما هو للاهتمام بأمر الأمة، وإلا فهو -ﷺ- واقف على حد الاستقامة والاعتدال لا عوج فيه ولا ميل ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧].\nوقوله: (هود وأخواتها) قد عرف أن تشييب هود لأجل قوله: ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾، وعلى ذلك ينبغي أن تحمل السور الأخر.","vol":"8","page":554},{"text":"٥٣٥٤ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتَ، قَالَ: \"شَيَّبَتْنِي ﴿هُودٌ﴾ وَ﴿وَالْوَاقِعَةُ﴾ وَ﴿وَالْمُرسَلَاتِ﴾ وَ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ وَ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي هريرةَ: \"لَا يَلِجُ النَّارَ\" فِي (كتاب الْجِهَاد). [ت: ٣٢٩٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1179> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٣٥٥ - [١٧] عَن أَنَسٍ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتَعْمَلُونَ أَعْمَالًا هِيَ أَدَقُّ فِي أَعْيُنِكُمْ مِنَ الشَّعْرِ، كُنَّا نَعُدُّهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْمُوبِقَاتِ. يَعْنِي الْمُهْلِكَاتِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٤٩٢].\n٥٣٥٦ - [١٨] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"يَا عَائِشَةُ إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ؛ فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ طَالِبًا\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ والْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [جه: ٤٢٩٧، دي: ٢٧٦٨، شعب: ٦٨٧٥].\nــ\n٥٣٥٤ - [١٦] (ابن عباس) قوله: (والواقعة والمرسلات) هي أخوات هود المذكورة في الحديث السابق.\nالفصل الثالث\n٥٣٥٥ - [١٧] (أنس) قوله: (هي أدق في أعينكم من الشعر. . . إلخ)، فيه معنيان: أحدهما: إنكم تعملون أعمالًا هي أحسن الأعمال عندكم، وثانيهما: لا تبالون بها وتستصغرونها وكنا نعدها من المهلكات، ويؤيد المعنى الثاني قوله في الحديث الثاني: (ومحقرات الذنوب) أي: التي تحتقرونها.\n٥٣٥٦ - [١٨] (عائشة) قوله: (فإن لها من اللَّه طالبًا) (من) إما تجريدية أو","vol":"8","page":555},{"text":"٥٣٥٧ - [١٩] وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: هَلْ تَدْرِي مَا قَالَ أَبِي لِأَبِيكَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَإِنَّ أَبِي قَالَ لِأَبِيكَ: يَا بَا مُوسَى هَلْ يَسُرُّكَ أَنَّ إِسْلَامَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهِجْرَتَنَا مَعَهُ وَجِهَادَنَا مَعَهُ وَعَمَلَنَا كُلَّهُ مَعَهُ بَرَدَ لَنَا؟ وَأَنَّ كُلَّ عَمَلٍ عَمِلْنَاهُ بَعْدَهُ نَجَوْنَا مِنْهُ كَفَافًا رَأْسًا بِرَأْسٍ؟ فَقَالَ أَبُوكَ لِأَبِي: لَا وَاللَّهِ، قَدْ جَاهَدْنَا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَصَلَّيْنَا وَصُمْنَا، وَعَمِلْنَا خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَسْلَمَ عَلَى أَيْدِينَا بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَإِنَّا لَنَرْجُو ذَلِكَ، قَالَ أَبِي: وَلَكِنِّي أَنَا وَالَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ ذَلِكَ بَرَدَ لَنَا، وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَمِلْنَاهُ بَعْدَهُ نَجَوْنَا مِنْهُ كَفَافًا رَأْسًا بِرَأْسٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ أَبَاكَ وَاللَّهِ كَانَ خيرًا من أبي. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٩١٥].\nــ\nابتدائية، أي: أن لها من جانب اللَّه طالبًا، وهم الملائكة، ويحتمل أن تكون تعليلية، أي: لأجل حق اللَّه تعالى.\n٥٣٥٧ - [١٩] (أبو بردة) قوله: (برد لنا) أي: ثبت ودام، يقال: برد لي على الغريم حق، أي: ثبت، وفي (القاموس) (١): عيش بارد: هنيء، وبرد حقي: وجب ولزم.\nوقوله: (كفافًا) بفتح الكاف، أي: لا يكون لنا ولا علينا، أي: لا يوجب ثوابًا ولا عقابًا.\nوقوله: (رأسًا برأس) في معنى قولهم: سواء بسواء، ومعناه هو قوله: (كفافًا).\nوقوله: (كان خيرًا من أبي) يدل على أن خير الناس من خاف اللَّه وعذابه مع أنه عامل لم يتكل على عمله.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٤٣).","vol":"8","page":556},{"text":"٥٣٥٨ - [٢٠] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْعٍ: خَشْيَةِ اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَكَلِمَةِ الْعَدْلِ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالْقَصْدِ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَنْ أَصْلَ مَنْ قَطَعَنِي، وَأُعْطِي مَنْ حَرَمَنِي، وَأَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وَأَنْ يَكُونَ صَمْتِي فِكْرًا، وَنُطْقِي ذِكْرًا، وَنَظَرِي عِبْرَةً، وَآمُرُ بِالْعُرْفِ -وَقِيلَ بِالْمَعْرُوفِ-\". رَوَاهُ رَزِينٌ.\n٥٣٥٩ - [٢١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ يَخْرُجُ مِنْ عَيْنَيْهِ دُمُوعٌ وَإِنْ كَانَ مِثْلَ رَأْسِ الذُّبَابِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ثُمَّ يُصِيبُ شَيْئًا مِنْ حُرِّ وَجْهِهِ إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٤٢٥٠].\n* * *\nــ\n٥٣٥٨ - [٢٠] (أبو هريرة) قوله: (والقصد في الفقر والغنى) يحتمل معنيين:\nأحدهما: الاقتصاد والتوسط في الفقر والغنى؛ بأن لا يكون في نهاية الفقر ولا في نهاية الغنى، فإن المختار أن الكفاف أفضل من الفقر والغنى.\nوثانيهما: رعاية الاعتدال في حالتي الفقر والغنى؛ بأن لا يسخط في الفقر ولا يطغى في الغنى، بل يبقى على حد الأدب والاعتدال في الحالتين.\nوقوله: (وآمر بالعرف) بضم العين وسكون الراء، (وقيل): أي روي (بالمعروف) بلفظ المفعول، وهذا عاشر المذكورات، وقد قال -ﷺ-: (أمرني ربي بتسع)، فقيل: إن هذا مجمل ما ذكر بمنزلة فذلكة الحساب؛ فإن المعروف يتناول كل ما عرف في الدين.\n٥٣٥٩ - [٢١] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (من حر وجهه) بضم الحاء، في","vol":"8","page":557},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1180>٧ - باب تغير الناس</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1181> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٣٦٠ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ الْمِئَةِ. . . . .\nــ\n(القاموس) (١): الحر من الوجه: ما بدا منه، وفي (النهاية) (٢): حر الوجه: ما أقبل أعليك وبدا لك، منه، وحُرُّ كل أرض ودار: وسطها وأطيبها، وحُرُّ البقل والفاكهة والطين: جيدها، وقال النووي (٣): حر الوجه: صفحته وما رق من بشرته، ولعل المقصود تقليله، يدل عليه قوله: (شيئًا من حر وجهه)، ويحتمل أن يكون ذكره على مجرى العادة، واللَّه أعلم.\n٧ - باب تغير الناس\nتغير عن حاله: تحول، وغيره: حوله وبدله، والمراد تغير الناس عما كانوا عليه في صدر النبوة من الاستقامة على الدين، والتزام أحكام السنة، والصبر على حفظها، واتباع الحق وأهله، والزهد في الدنيا، وعدم الاغترار بمتاعها وبزخارفها من الأموال، والخدم، والأعمال المرضية، والصفات الحميدة، والأخلاق الكريمة، ونورانية القلب، وصفاء الباطن، إلى ما عرض لهم في آخر الزمان من أضداد هذه المذكورات.\nالفصل الأول\n٥٣٦٠ - [١] (ابن عمر) قوله: (كالإبل المئة) وفي رواية: (كإبل مئة).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٣٧).\n(٢) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (١/ ٣٦٥).\n(٣) انظر: \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٨٥).","vol":"8","page":558},{"text":"لَا تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٩٨، م: ٢٥٤٧].\n٥٣٦١ - [٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَتَتَّبِعُنَّ سُننَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبِّ تَبِعْتُمُوهُمْ\"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: \"فَمَنْ\". . . . .\nــ\nوقوله: (لا تكاد تجد فيها راحلة) الراحلة: هي البعير القوي على الأسفار والأحمال، يستوي فيه الذكر وغيره، وهاؤه للمبالغة، والمعنى: أن الناس كثير والمرضي منهم قليل، وقيل: المراد قرون آخر الزمان دون القرون الثلاثة المشهود لهم بالفضيلة، وقيل: لا حاجة إليه لاحتمال أن المؤمنين منهم قليلون، والحق أن المنتخب من الناس المرضي الصالح للصحبة قليل في كل زمان، غايته أنه في آخر الزمان أقل قليل.\n٥٣٦١ - [٢] (أبو سعيد) قوله: (سنن من قبلكم) روي بضم السين وفتحها، والمراد طريقة أهل البدع والأهواء التي ابتدعوها في الدين، وتغيير الأحكام التي حكم بها أنبياؤهم.\nوقوله: (شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع) في (القاموس) (١): الشبر بالكسر: ما بين أعلى الإبهام وأعلى الخنصر، وقد يذكر، والجمع أشبار، والذراع بالكسر: من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى، وقد يذكر، والجمع أذرع وذرعان بالضم.\nوقوله: (اليهود) منصوب بفعل مقدر، أي: أتعني ممن قبلنا اليهود والنصارى؟ وروي بالجر، أي: أنتبع سنن اليهود؟ وبالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: أهم اليهود؟\nوقوله: (فمن) استفهام إنكار؛ أي: فمن يكون غيرهم؟ يعني المتبوعين\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٧٢، ٦٤٥).","vol":"8","page":559},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٥٦، م: ٢٦٦٩].\n٥٣٦٢ - [٣] وَعَنْ مِرْدَاسٍ الأَسْلَمِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَذْهَبُ الصَّالِحُونَ الأَوَّلُ فَالأَوَّلُ، وَتَبْقَى حُفَالَةٌ كَحُفَالَةِ الشَّعِيرِ أَوِ التَّمْرِ لَا يُبَالِيهِمُ اللَّهُ بالةً\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤١٥٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1182> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٣٦٣ - [٤] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا مَشَتْ أُمَّتِي الْمُطَيْطَاءَ،\nــ\nهم لا غير.\n٥٣٦٢ - [٣] (مرداس الأسلمي) قوله: (الأول فالأول) بالرفع بدل من (الصالحون)، وبالنصب حال، أي: واحدًا بعد واحد، سمي كل واحد أول لأنه لما ذهب الأول صار الذي بعده أول بالنسبة إلى الباقي.\nوقوله: (الحفالة) بضم الحاء المهملة وبالفاء وبالتاء، في (القاموس) (١): الحفالة: الحثالة، وهي القشارة وما لا خير فيه، والرديء من كل شيء، أي: لم يبق إلا رذالة من الناس وشرارهم.\nوقوله: (لا يباليهم اللَّه بالة) في (القاموس) (٢): ما أباليه بالة وبلاء ومبالاة، أي: ما أكترث، انتهى. ومنه حديث: (هؤلاء في الجنة ولا أبالي).\nالفصل الثاني\n٥٣٦٣ - [٤] (ابن عمر) قوله: (إذا مشت أمتي المطيطاء) بالنصب على أنه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٨٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٣٨).","vol":"8","page":560},{"text":"وَخَدَمَتْهُمْ أَبْنَاءُ الْمُلُوكِ؛ أَبْنَاءُ فَارِسَ وَالرُّومِ، سَلَّطَ اللَّهُ شِرَارَهَا عَلَى خِيَارِهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٢٦١].\nــ\nمفعول مطلق، أي: مشي تبختر، في (القاموس) (١): المطيطاء كحميراء: التبختر، ومد اليدين في المشي، ويقصر، وتمطط: تمدّد، ومطه: مدّه، وحاجبيه وخده: تكبر. وفي (الصراح) (٢): مطيطاء بالضم والمد: خراميدن ودست أندازان رفتن، وفي الحديث: (إذا مشت أمتي المطيطاء)، الحديث. وفي (النهاية) (٣): (إذا مشت أمتي المطيطاء) هي بالمد والقصر: مشية فيها تبختر ومد اليدين، يقال: مطوت ومططت بمعنى مددت، ولم يستعمل إلا مصغرًا، انتهى.\nوأصل تمطى تمطط (تفعل) من المط، وهو المد، والمطيطاء مكتوبة بدون الياء في (القاموس) و(الصحاح) و(الصراح)، وفي (المصابيح) ونسخ مصححة من (المشكاة)، وفي الشروح والحواشي، وفي بعض النسخ: بالياء بعد الطاء الثانية المكسورة، وذكر في (مجمع البحار) (٤): هو بضم ميم ممدودًا، وعند بعض بحذف ياء بعد طاء ثانية، وذكر في بعض الحواشي: ويروى بغير الياء، ويفهم من هذا أن لفظه على وجهين باليائين وبإحداهما قبل الطاء لا بعدها، واللَّه أعلم.\nوقوله: (خدمتهم) من باب نصر وضرب، والحديث من باب الإخبار بالغيب حيث وقع كما أخبره -ﷺ-، فإنهم لما فتحوا بلاد فارس والروم وسبوا أولادهم واستخدموهم\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦١٩).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٢٩٩).\n(٣) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (٤/ ٣٤٥).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٥٩٢).","vol":"8","page":561},{"text":"٥٣٦٤ - [٥] وَعَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتُلُوا إِمَامَكُمْ، وَتَجْتَلِدُوا بِأَسْيَافِكُمْ، وَيَرِثَ دُنْيَاكُمْ شِرَارُكُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٧٠].\n٥٣٦٥ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكُونَ أَسْعَدَ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعُ بْنُ لُكَعَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"دَلَائِل النُّبُوَّة\". [ت: ٢٢٠٩، دلائل: ٦/ ٣٩٢].\nــ\nسلط اللَّه قتلة عثمان عليه، وسلط بني أمية علي بني هاشم ففعلوا ما فعلوا، وهكذا.\n٥٣٦٤ - [٥] (حذيفة) قوله: (ويرث دنياكم شراركم) أي: يصير الملك والمال في أيدي الظلمة.\nوقوله: (تجتلدوا بأسيافكم) في (الصراح) (١): تجالد اجتلاد به: شمشير زدن يك ديكَررا.\n٥٣٦٥ - [٦] (وعنه) قوله: (أسعد الناس) أي: أكثرهم مالًا وأطيبهم عيشًا وأنفذهم حكمًا، (لكع بن لكع) واللكع كصرد: اللئيم، والعبد، والأحمق، ومن لا يتجه لمنطق ولا غيره، وحذف الألف من (ابن) لإجراء اللفظين مجرى علمي الشخصين، كذا قيل، وحاصله يرجع إلى جواز حذفها في غير العلمين إذا كان كناية عن الأعلام، كأنه قيل: فلان اللكع ابن فلان اللكع، بخلاف العالم ابن العالم إذا أريد مجرد معنى الصفة من غير كناية عن العلم، فافهم. و(أسعد) اسم كان أو خبره، ويحتمل أن يكون الخبران مرفوعين، وفي (يكون) ضمير الشأن، و(اللكع) غير منصرف للعدل والوصفية.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ١٢٥).","vol":"8","page":562},{"text":"٥٣٦٦ - [٧] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالب قَالَ: إِنَّا لَجُلُوسٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْمَسْجِدِ فَاطَّلَعَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ مَا عَلَيْهِ إِلَّا بُرْدَةٌ لَهُ مَرْقُوعَةٌ بِفَرْوٍ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَكَى لِلَّذِي كَانَ فِيهِ مِنَ النِّعْمَةِ وَالَّذِي هُوَ فِيهِ الْيَوْمَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَيْفَ بِكُمْ إِذَا غَدَا أَحَدُكُمُ فِي حُلَّةٍ وَرَاحَ فِي حُلَّةٍ، وَوُضِعَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ صَحْفَةٌ وَرُفِعَتْ أُخْرَى، وَسَتَرْتُمْ بُيُوتَكُمْ كَمَا تُسْتَرُ الْكَعْبَة؟ \" فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مِنَّا الْيَوْمَ، نَتَفَرَّغُ لِلْعِبَادَةِ وَنُكْفَى الْمُؤْنَةَ،\nــ\n٥٣٦٦ - [٧] (محمد بن كعب) قوله: (القرظي) بضم القاف وفتح الراء ويمعجمة نسبة إلى قريظة بن الخزرج من أولاد لاوي بن يعقوب النبي ﵇.\nوقوله: (مصعب بن عمير) هو أبو عبد اللَّه مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي القرشي، كان من أجلة الصحابة وفضلائهم، وله مناقب جليلة عظيمة.\nوقوله: (مرقوعة بفرو) بالفارسية بوستين.\nوقوله: (غدا أحدكم في حلة) أي: يلبس أول النهار حلة وآخره أخرى من غاية التنعم.\nوقوله: (ونكفى المؤنة) التموّن: كثرة النفقة على العيال، ومانه: قام بكفايته، فهو ممون، وفي (الصراح) (١): مؤنة برداشتن، يهمز ولا يهمز، وهي مفعلة من الأين، وهو التعب والشدة والخُرْج والعِدْل؛ لأنه ثقيل على الإنسان، مأنت القوم وأمأنهم مأنًا، أي: احتملت مؤونتهم، ومن ترك الهمزة قال: منتهم أمونهم.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٥٢٩).","vol":"8","page":563},{"text":"قَالَ: \"لَا، أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْكُمْ يَوْمَئِذٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٧٦].\n٥٣٦٧ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. [ت: ٢٢٦٠].\n٥٣٦٨ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا، وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ من ظهرهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٢٦٦].\nــ\nوقوله: (لا، أنتم اليوم خير) فيه فضل الفقير الصابر على الغني الشاكر، فافهم.\n٥٣٦٧ - [٨] (أنس) قوله: (كالقابض على الجمر) في صعوبة الصبر وشدته، قبضه بيده: تناوله بيده، وقبض عليه وبيده: أمسكه، وهذا ما قال الشاطبي ﵀:\nوهذا زمان الصبر مَن لك بالتي ... كقبضٍ على جمرٍ فتنجو من البلا\n٥٣٦٨ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (سمحاءكم) جمع سميح، [سَمُحَ] ككرم سماحة وسموحًا: جاد.\nوقوله: (وأموركم شورى بينكم) أشار إليه بكذا: أمره، وهي الشورى، واستشاره: طلب منه المشورة، وشورى مصدر بمعنى التشاور، أي: ذو شورى، والمشاورة موجب للائتلاف والاتفاق، بخلاف الاستبداد؛ فإنه يورث المخالفة.","vol":"8","page":564},{"text":"٥٣٦٩ - [١٠] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا\"، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: \"بَلْ أَنْتُم يَوْمئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِن غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ\"، قَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ: \"حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ\". [د: ٤٢٩٧، دلائل: ٦/ ٥٣٤].\nــ\n٥٣٦٩ - [١٠] (ثوبان) قوله: (أن تداعى عليكم) أصله تتداعى، وأراد بالأمم فرق الكفر والضلالة، وفي رواية: (تداعت)، أي: اجتمعوا ودعا بعضهم بعضًا لمقابلتكم وكسر شوكتكم، يقال: تداعوا عليه، أي: اجتمعوا، وتداعى العدو: أقبل، كما تتداعى الجماعة الأكلة بعضهم بعضًا إلى قصعتها التي يأكلون منها.\nوقوله: (فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟) كأنه قال على طريق الاستفهام، أي: ذلك من قلة نحن عليها يومئذ؟ ويحتمل أن يكون (من) بمعنى (في)، فيكون خبرًا لـ (نحن)، و(يومئذ) متعلق بالخبر.\nوقوله: (ولكنكم غثاء) الغثاء ممدودًا كغراب وزنًا: الزبد، والبالي من ورق الشجر المخالط زبد السيل.\nوقوله: (وما الوهن؟) أي: ما سبب الوهن؟ (قال: حب الدنيا وكراهية الموت) فإنه إذا أحب حياة الدنيا وكره الموت لم يتشجع على الجهاد والمقاتلة مع الكفار.","vol":"8","page":565},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1183> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٣٧٠ - [١١] عَن ابْن عَبَّاسٍ قَالَ: \"مَا ظَهَرَ الْغُلُولُ فِي قَوْمٍ إِلَّا أَلْقَى اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَلَا فَشَا الزِّنَا فِي قَوْمٍ إِلَّا كَثُرَ فِيهِمُ الْمَوْتُ، وَلَا نَقَصَ قَوْمٌ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا قُطِعَ عَنْهُمُ الرِّزْقُ، وَلَا حَكَمَ قَوْمٌ بِغَيْرِ حَقِّ إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الدَّمُ، وَلَا خَتَرَ قَوْمٌ بِالْعَهْدِ إِلَّا سُلِّطَ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ\". رَوَاهُ مَالِكٌ. [ط: ٢/ ٤٦٠].\n* * *\nــ\nالفصل الثالث\n٥٣٧٠ - [١١] (ابن عباس) قوله: (ما ظهر الغلول) بضم الغين: الخيانة، أو مخصوص بالفيء، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): غلول بالضم: خيانت كردن درغنيمت، قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران: ١٦١]، وفي (مجمع البحار) (٣) عن (النهاية): الغلول الخيانة في المغنم، والسرقة قبل القسمة، وكل من خان في شيء خفيةً فقد غل، وسميت غلولًا لأن الأيدي فيها مغلولة، أي: ممنوعة مجعول فيها غل، وهي حديدة تجمع يد الأسير إلى عنقه، ويقال لها: جامعة أيضًا.\nوقوله: (في قوم) الحديث، الظاهر أن ترتب هذه الأجزية على هذه الأشياء بحسب الخاصية، والسر في ذلك موكول إلى علم الشارع، وقد تستنبط علل ومناسبات، وهي\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٣٦).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٤٤١).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٥٦).","vol":"8","page":566},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1184>٨ - باب الإنذار والتحذير </span>(١)\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1185> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٣٧١ - [١] عَنْ عِيَاضِ بْنِ حمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: \"أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أعُلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا: كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حلالٌ،\nــ\nفي الثلاثة الأخيرة ظاهرة، وأما في الأولين فلأن الخيانة في الغلول توجب حرمان أهل العسكر من حقوقهم، وهو يوجب فقرهم واحتياجهم، وذلك يوجب الفترة في قوة قلوبهم وتطرق الرعب إليها، والزنا ضد التزوج يكثر التناسل فضده يورث لقليله، واللَّه أعلم.\n٨ - باب الإنذار والتحذير\nفي متمماته ولواحق الباب السابق مما يتعلق بالإنذار والتخويف.\nالفصل الأول\n٥٣٧١ - [١] (عياض بن حمار) قوله: (مما علمني يومي هذا) شروع في التعليم، والظاهر أن قوله: (هذا) إشارة إلى (يوم)، أي: مما أوحى ربي إلي في هذا اليوم، ويحتمل أن يكون إشارة إلى ما بعده من الكلام، أي: مما أوحي في يومي هذا الكلام، أي: قال اللَّه تعالى: (كل مال نحلته) أي: أعطيته وملكته بوجه شرعي (عبدًا) من عبادنا فهو (حلال) له لا يستطيع أحد أن يحرمه من تلقاء نفسه، وهو إنكار لما حرموا على أنفسهم من البحيرة والسائبة والوصيلة.\n_________\n(١) في نسخة: \"باب\" بغير ترجمة.","vol":"8","page":567},{"text":"وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ، فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرْتَهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا،\nــ\nوقوله: (وإني خلقت عبادي حنفاء) جمع حنيف، والحنيف كأمير: الصحيح الميل إلى الإسلام الثابت عليه، أي: مستعدين لقبول الحق والطاعة، إشارة إلى الفطرة، كذا قال الطيبي (١)، وفي (مجمع البحار) (٢): أي طاهري الأعضاء من المعاصي لا أنهم خلقهم مسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: ٢]، وقيل: أراد أنه خلقهم حنفاء مؤمنين عند الميثاق بـ ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فلا يوجد أحد إلا وهو مُقِر له بأن له ربًّا وإن أشرك به، واختلفوا فيه، والحنيف: هو المائل إلى الإسلام الثابت عليه، والحنيف عند العرب: من كان على دين إبراهيم ﵇، وأصل الحنف الميل، انتهى.\nوقوله: (وإنهم أتتهم الشياطين) وهم جنود إبليس، ويحتمل أن يراد أعم من شياطين الجن والإنس، كقوله: (فأبواه يهودانه وينصرانه)، (فاجتالتهم) افتعال من الجولان، أي: جالت بهم الشياطين وبعدتهم عن دينهم، في (القاموس) (٣): اجتالهم: حوّلهم عن قصدهم.\nوقوله: (ما لم أنزل) مفعول (يشركوا)، يريد به ما عبد من دون اللَّه، و(أنزل) على صيغة المعلوم من المضارع المتكلم، من الإنزال، (وسلطانًا) أي: حجة استحقاقه\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٣٨).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٥٩٤).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٨٢).","vol":"8","page":568},{"text":"وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ\"، وَقَالَ: \"إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لِأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ، وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لَا يَغْسِلُهُ الْمَاءُ، تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ،\nــ\nللعبادة، سميت الحجة سلطانًا لتسلطها على القلوب، ولهذا سميت حجة، من حج: إذا غلب، (فمقتهم) أي: أبغضهم لاتفاقهم وانهماكهم على الشرك والضلال، و(عربهم وعجمهم) بدل من الضمير المنصوب في (مقتهم)، وذلك قبل مجيئه -ﷺ-.\nوقوله: (إلا بقايا من أهل الكتاب) وهم الذين ثبتوا على الإيمان بموسى وعيسى -﵉- ومتابعتهما، ولم يحرفوا كتابهم، ولم ينحرفوا عن جادتهم.\nوقوله: (لأبتليك) خطاب من اللَّه للنبي -ﷺ-، أي: لأمتحنك هل تبلغ الرسالة عني، وهل تصبر على إيذاء قومك إياك؟ وأمتحن الخلق بك هل يقبلون رسالتك ويمتثلون أمرك؟\nوقوله: (وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء) أي: لا ينمحي أبدًا، بل محفوظ في صدور العالمين، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]، وكانت الكتب المنزلة لا تجمع حفظًا، وإنما يعتمد في حفظها على الصحف بخلاف القرآن [فإن حفاظه أضعاف مضاعفة لصحفه] فلا يتطرق إليه الذهاب على ممر الزمان، بل اللَّه تعالى حافظه وواقيه عن التحريف والتبديل، ولم يعتمد على حافظ؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، وقال في التوراة: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٤٤]، لا جرم تطرق إليه التحريف والتبديل، أو باقيًا دائمًا مستمرًّا لا ينسخ بالكلية.\nوقوله: (تقرؤه نائمًا ويقظان) أي: تجمعه حفظًا في حالتي النوم واليقظة، وقيل: أي يقرأ في يسر وسهولة.","vol":"8","page":569},{"text":"وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُريْشًا فَقُلْتُ: رَبِّ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً، قَالَ: اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا أَخْرَجُوكَ، وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ، وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقْ عَلَيْكَ، وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٦٥].\nــ\nوقوله: (أن أحرق قريشًا) أي: أهلك كفارهم.\nوقوله: (إذًا يثلغوا رأسي)، في (القاموس) (١): ثلغ رأسه كمنع: شدخه، والشَّدْخُ: الكسر، وكمعظم: ما سقط من النخلة رطبًا فانشدخ، أو أسقطه المطر ودقه، وفي (مجمع البحار) (٢): الثلغ: الشدخ، وقيل: ضربك الشيء الرطب باليابس حتى ينشدخ.\nوقوله: (فيدعوه) بفتح الدال، أي: يتركوه بالشدخ مصفحًا كخبزة، أي: إني لا أقدر على محاربتهم لقلة جيشي وكثرتهم.\nوقوله: (اغزهم) من غزا يغزو (نغزك) مجزوم جواب الأمر على صيغة المضارع، من أغزى، يقال: أغزيت فلانا، أي: جهزته للغزو، (وأنفق) أمر من الإنفاق، الظاهر من السياق أن المراد الإنفاق على الجيش، وتجهيز أسباب الغزو، ويحتمل الإطلاق، (وابعث) أمر من البعث، و(نبعث) جوابه، و(خمسة مثله) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ [آل عمران: ١٢٥]، كذا قال الطيبي (٣)، ولكن لا يخفى أن الظاهر من العبارة أن المراد خمسة أمثال البعث المبعوث، فيلزم أن\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٠٢).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٢٩٩).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٣٩).","vol":"8","page":570},{"text":"٥٣٧٢ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] صَعِدَ (١) النَّبِيُّ -ﷺ- الصَّفَا فَجَعَلَ يُنَادِي: \"يَا بَنِي فِهْرٍ يَا بَنِي عَدِيٍّ\" لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمَعُوا، فَقَالَ: \"أَرَأَيْتكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ \" قَالُوا: نَعَمْ مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا، قَالَ: \"فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ\". فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمَ أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ . . . . .\nــ\nيكون البعث ألفًا، وليس كذلك، بل هو يوم بدر ثلاث مئة وتسعة عشر، والألف إنما كانوا من المشركين، فتدبر.\n٥٣٧٢ - [٢] (ابن عباس) قوله: (يا بني فهر) بكسر الفاء وسكون الهاء: قبيلة من قريش، (أرأيتكم) في (القاموس) (٢): أرأيتك وأرأيتكما وأرأيتكم، وهي كلمة تقولها العرب بمعنى أخبرني وأخبراني وأخبروني، والتاء مفتوحة، انتهى.\nوقد يستوي فيه التذكير والتأنيث والإفراد والجمع.\nوقوله: (بين يدي عذاب شديد) أي: من قبل نزول عذاب شديد، أي: إن لم تؤمنوا بي ينزل عليكم عذاب قريب.\nوقوله: (تبًّا لك) التب والتباب: النقص والخسارة، وتبت يداه: ضلتا وخسرتا، وقال البيضاوي (٣): التب والتباب خسران يؤدي إلى الهلاك.\nوقوله: (سائر اليوم) الأكثرون على أن السائر بمعنى البقية، وقد يستعمل بمعنى\n_________\n(١) في نسخة: \"فصعد\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٥٧).\n(٣) \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٣٤٥).","vol":"8","page":571},{"text":"فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٧٧٠، م: ٢٠٨].\nوَفِي رِوَايَةٍ نَادَى: \"يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ فَانْطَلَقَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ فَخَشِيَ أَنْ يسبقوه. . . . .\nــ\nالجميع، وقرر الطيبي رده، وقال في (القاموس) (١)؛ السائر: الباقي لا الجميع كما توهم جماعات، أو قد يستعمل له، انتهى.\nوسمعت من بعض العلماء من أهل الحرمين أنه إن كان يستعمل من السؤر بمعنى بقية الطعام والشراب، فهو بمعنى البقية، وإن اشتق من سور البلد فهو بمعنى الجميع، لتضمنه معنى الإحاطة والشمول، ففي الحديث إن حمل على معنى الجميع، فظاهر، وإن حمل على معنى البقية يراد بقية الأيام المستقبلة، فتدبر.\nوقوله: (فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾) أي: نفسه، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وقيل: إنما خصتا لأنه أخذ حجرًا ليرميه -ﷺ- به فنزلت، وقيل: المراد بهما دنياه وأخراه، كذا قال البيضاوي.\nوقوله: (يربأ أهله) بالهمزة، في (القاموس) (٢): ربأهم ولهم كمنع: صار ربيئة لهم، أي: طليعة، فالمعنى يصير عينًا لهم ورقيبًا يحفظهم من العدو لئلا يأتيهم بغتة، ولا يكون إلا على جبل أو شرف، وأصل معنى ربأ: علا وارتفع.\nوقوله: (فخشي أن يسبقوه) أي: خشي الرجل أن يسبق أهله وقومه العدوُّ، أي: يدركوه أولًا قبل إعلامه بغتة، أو تسبقوا الرجل في إدراك العدو، أي: يدركوه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٦٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٠).","vol":"8","page":572},{"text":"فَجَعَلَ يَهْتِفُ: يَا صَبَاحَاه\".\n٥٣٧٣ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] دَعَا النَّبِيُّ -ﷺ- قُرَيْشًا فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ وَخَصَّ، فَقَالَ: \"يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ من النَّار، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُم من النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُم من النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ؛ فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا. . . . .\nــ\nقبل إدراكه، والمآل واحد.\nوقوله: (فجعل يهتف) أي: يصوت ويصيح الرجل من رأس الجبل، في (القاموس) (١): هتفت الحمامة تهتف: صاتت، وهتف به هتافًا بالضم: صاح، وقوله: (يا صباحاه) نداء للصباح ليحضر ويخاف الناس منه، وهي كلمة تقال للإنذار من أمر مخوف؛ لأن الغارة تقع في الصبح.\n٥٣٧٣ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (ابن لؤي) بضم اللام وفتح الهمزة وتشديد الياء، (وبنو مرة) بضم الميم وتشديد الراء.\nوقوله: (فإني لا أملك لكم من اللَّه شيئًا) أي: من غير ذاته تعالى، قاله ترهيبًا وإنذارًا، وإلا فقد ثبت فضل بعض هؤلاء المذكورين ودخولهم الجنة وشفاعته -ﷺ- لأهل بيته وللعرب عمومًا ولأمته عامة، وقبول شفاعته فيهم بالأحاديث الصحيحة،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٧٥).","vol":"8","page":573},{"text":"غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٤].\nوَفَي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ قَالَ: \"يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا\".\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1186> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٣٧٤ - [٤] عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nويمكن أن يكون ورود تلك الأحاديث بعد هذه القضية، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ببلالها) البلال ككتاب: الماء، وَيُثَلَّث، وكل ما يبل، والمراد أداء حق الرحم بقدر ما يتيسر، وقد مرت هذه الكلمة في (باب البر والصلة).\nوقوله: (ما شئت من مالي) قيل: لم يكن رسول اللَّه -ﷺ- ذا مال خصوصًا بمكة، فالمراد ما يملكه من الأمور وينفذ تصرفه فيه، ويحتمل أن اللفظ (مما لي) فكتب منفصلًا، انتهى.\nأقول: المال يطلق على القليل والكثير، والجزم بأنه لم يكن له -ﷺ- شيء من المال أصلًا لا يخلو عن شيء، وقد ثبت تجارته في بعض الأحيان وإن كان قبل هذه الحال، مع أن إمكان حصوله يكفي في هذا القول، أي: سليني ما شئت من مال إن كان لي، وهذا ظاهر.\nالفصل الثاني\n٥٣٧٤ - [٤] (أبو موسى) قوله: . . . . .","vol":"8","page":574},{"text":"\"أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ وَالزَّلَازِلُ وَالْقَتْلُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٧٨].\n٥٣٧٥، ٥٣٧٦ - [٦، ٧] وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ هَذَا الأَمْرَ بَدَأَ نُبُوَّةً وَرَحْمَةً،\nــ\n(أمتي هذه أمة مرحومة) الحديث، قد وردت الأحاديث في تخصيص الأمة المحمدية بفضائل ومناقب ليست للأمم السالفة، منها اختصاصهم بالرحمة الخاصة المنجية من عذاب الآخرة، وتكفير المصائب والبلايا الواقعة عليهم في الدنيا ذنوبهم، حتى قيل: إن عذاب القبر من خصائصهم حتى يمحص اللَّه ذنوبهم في البرزخ، ويذهب بهم في الآخرة طاهرين مطهرين لا غبار عليهم، وقد قيل: تخصيصهم ببشارة ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]، وقد ورد في شان أمة نوح ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [نوح: ٤] بـ ﴿مِنْ﴾ التبعيضية، ونجاتهم ووصولهم بشفاعة سيد المرسلين إلى أعلى الدرجات، وقد ادخر -ﷺ- دعاءه لهم يوم القيامة الذي بشر بإجابته، وأما ورود الأحاديث بتعذيب مرتكبي الكبيرة فلا ينافيه؛ إذ هو في مشيئة اللَّه؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] عمومًا وخصوصًا، وليس واقعًا حتمًا في الناس كلهم، وبالجملة هذه الأمة مخصوصة بمزيد عناية اللَّه، ورحمته تقتضي نجاتهم، ويرجى العفو عنهم والمغفرة لهم ما لا يرجى لغيرهم، والكل في مشيئة اللَّه تعالى لا يجب عليه شيء، لكن وقوع الوعد مرجو، وهذا هو المراد من هذا الحديث، والأحاديث كثيرة في ذلك، واللَّه أعلم.\n٥٣٧٥، ٥٣٧٦ - [٥، ٦] (أبو عبيدة، ومعاذ بن جبل) قوله: (إن هذا الأمر) أي: أمر الدين (بدأ) من البداية، وفي بعض النسخ: (بدا) من البدو بمعنى ظهر.","vol":"8","page":575},{"text":"ثُمَّ يَكُونُ خِلَافَةً وَرَحْمَةً، ثُمَّ مُلْكًا عَضُوضًا، ثُمَّ كَائِنٌ جَبْرِيَّةً وَعُتُوًّا وَفَسَادًا فِي الأَرْضِ، يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيرَ وَالْفُرُوجَ وَالْخُمُورَ، يُرْزَقُونَ عَلَى ذَلِكَ وَيُنْصَرُونَ. . . . .\nــ\nوقوله: (ثم ملكًا عضوضًا) عضه وعض عليه كسمع ومنع عضًّا وعضيضًا: أمسكه بأسنانه، والعضوض: ما يعض عليه ويؤكل، ومُلْكٌ فِيه عَسْفٌ وظُلْمٌ، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): العض كَزيدن، والعضوض بفتح العين: صيغة مبالغة، أي: يصيب منه الرعية فيه عسف وظلم كأنهم يعضون فيه، وروي: (ملوك عضوض)، وهو جمع عض بالكسر، وهو الخبيث الشرير، ومعنى الحديث: أنه كان أول الدين زمان نزول الوحي والرحمة، ثم بعده إلى انقضاء الخلفاء الراشدين زمان رحمة وشفقة وعدل، ثم يوهن الأمر، وظهر بعض الظلم.\n(ثم كائن) أي: الأمر المذكور (جبرية) بالنصب تمييزًا، أي: قهرًا وغلبة، أي: يغلب الظلم والفساد، وصحح (الجبرية) في نسخ (المشكاة) بفتح الجيم والياء، وفي (القاموس) (٣): الجبار: المتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقًّا، وفي (مجمع البحار) (٤) من (شرح الشفا): هو بفتح الجيم وسكون الموحدة: الكبر.\nوقوله: (يرزقون على ذلك) أي: لا يستأصلون على ذلك -وذلك لما سبق لهذه الأمة من اللَّه أمن، مغفرة ورحمة، أو لحكمة أخرى لا يعرفها إلا اللَّه- كالأمم\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٨٢).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٢٨٢).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٢٥).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٣١٨).","vol":"8","page":576},{"text":"حَتَّى يَلْقَوُا اللَّهَ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٥٢٢٨].\n٥٣٧٧ - [٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ أَوَّلَ مَا يُكْفَأُ -قَالَ زَيْدُ بْنُ يَحْيَى الرَّاوِي: يَعْنِي الإِسْلَامَ- كَمَا يُكْفَأُ الإِنَاءُ، يَعْنِي الْخَمْرَ\"، قِيلَ: فَكَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِيهَا ما بين؟ قَالَ: \"يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا فَيَسْتَحِلُّونَهَا\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢١٤٥].\nــ\nالسابقة لما عصوا أمر دينهم أهلكوا.\nوقوله: (حتى يلقوا اللَّه) فإما يأخذهم أو يغفر لهم.\n٥٣٧٧ - [٧] (عائشة) قوله: (إن أول ما يكفأ -يعني الإسلام- كما يكفا الإناء، يعني الخمر) لعل خبر (إن) محذوف، وهو الخمر الذي بينه الراوي بقوله: (يعني الخمر)، وكأنه -ﷺ- كان تحدث في الخمر فقال في أثناء حديثه: (إن أول ما يكفأ. . . إلخ)، و(يكفأ) ببناء المجهول، يقال: كفات الإناء، أي: أملته وكببته لإفراغ ما فيه، والمراد هنا الشرب، وقول الراوي: (يعني الإسلام) صوابه: (في الإسلام)، لعل كلمة (في) سقطت من لفظ الراوي، كذا قالوا.\nوأقول -وباللَّه التوفيق-: الأظهر أن لا يقدر (في)، ويترك قوله: (يعني الإسلام) على ظاهره، ويكون بيانًا للضمير في (يكفأ) راجعًا إلى (الإسلام)، وهو أنسب بقوله: (كما يكفا الإناء)، كأن الإسلام مثل إناء فيه الأحكام فيكفأ، أي: يقلب ويكب، فتخرج منه الأحكام وتنصب كما يخرج الماء وينصب من إكفاء الإناء وكبه، وتكون (ما) مصدرية، ويكون التقدير: أول إكفاء الإسلام وسقوط أحكامه شرب الخمر، فتأمل.\nيعني أول ما يشرب في المحرمات ويجترأ على شربه كما يشرب الماء هو","vol":"8","page":577},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1187> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٣٧٨ - [٨] عَن النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَة عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا عَاضًّا، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ\"، ثُمَّ سَكَتَ،\nــ\nالخمر، والأظهر أن المعنى: أول ما يمال ويغير في الإسلام من الأشياء المحرمة ويقلب حكمه تغييرًا سريعًا شبيهًا بقلب الإناء بما فيه هو الخمر، يعني أول ما يكفأ في الإسلام إكفاء مثل إكفاء ما في الإناء الخمر، يكفأ ويقلب ويمال، قيل: وكيف يشرب أو كيف يغير حكمها يا رسول اللَّه! وقد بين اللَّه تحريمه؟ قال: (يسمونها بغير اسمها) كالنبيذ والمثلث، أي: هو خمر حقيقة، ولكن يسمونها باسم آخر، وهذا التأويل على مذهب من لا يخص اسم الخمر بماء العنب كالشافعية، أو المعنى: يتخذونها من الذرة والعسل وغيرهما، ويعتقدون حل هذه الأشربة، ويقولون: إنها ليست بخمر؛ لأن الخمر يتخذ من العنب، وهذا على مذهب من يخص اسم الخمر بماء العنب كالحنفية.\nالفصل الثالث\n٥٣٧٨ - [٨] (النعمان بن بشير) قوله: (ثم يكون خلافة): (كان) تامة أو ناقصة، وكذلك قوله: (ثم تكون خلافة على منهاج نبوة) الظاهر أن المراد به زمن عيسى والمهدي.","vol":"8","page":578},{"text":"قَالَ حَبِيبٌ: فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبْتُ إِلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ أُذَكِّرُهُ إِيَّاهُ وَقُلْتُ: أَرْجُو أَنْ تَكُونَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ الْمُلْكِ الْعَاضِّ وَالْجَبْرِيَّةِ، فَسُرَّ بِهِ وَأَعْجَبَهُ، يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"دَلَائِل النُّبُوَّة\". [حم: ٤/ ٢٧٣، دلائل: ٦/ ٤٩١].\nــ\nوقوله: (أن تكون أمير المؤمنين) الظاهر أن يقال: أن تكون خليفة، وقد سماه بعض العلماء خليفة خامسة.\n* * *","vol":"8","page":579},{"text":"(٢٧) كتاب الفتن","vol":"8","page":581},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1188>(٢٧) كتاب الفتن</span>\n. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n٢٧ - كتاب الفتن\nالفتن جمع فتنة، كالمحن جمع محنة لفظًا ومعنًى، والفتنة: هي الاختبار والامتحان، في (القاموس) (١): الفتنة بالكسر: الخبرة كالمفتون، ومنه: ﴿بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم: ٦]، وإعجابك بالشيء، والضلال، والإثم، والكفر، والفضيحة، والعذاب، وإذابة الذهب والفضة، والإضلال، والجنون، والمحنة، والمال، والأولاد، واختلاف الناس في الآراء، وفتنه يفتنه: أوقعه في الفتنة، كفتّنه وأفتنه، فهو مُفتَّنٌ ومَفْتُونٌ، ووقع فيها، لازم ومتعد، كافتتن فيهما، انتهى.\nثم إن المؤلف رحمه اللَّه تعالى جعل (كتاب الفتن) ورتب فيه أبوابًا إلى آخر الكتاب، ولا يظهر له وجه خصوصًا (باب الفضائل والمناقب)، ولا يظهر معنى الافتتنان، ولو اعتبر باعتبار أنا مكلفون باعتقادها والانقياد لها فكل ما ذكر في الكتاب من هذا القبيل فما وجه التخصيص، وهذا كما أسلفنا من الكلام في جعله (كتاب البيوع) شاملًا لما ذكر بعده من الأبواب إلى (كتاب النكاح) خصوصًا مثل الفرائض والوصايا، فتدبر.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٠٠).","vol":"8","page":583},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1189> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٣٧٩ - [١] عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَقَامًا، مَا تَرَكَ شَيْئًا يَكُونُ فِي مقَامه إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ إِلَّا حَدَّثَ بِهِ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ، قَدْ عَلِمَهُ أَصْحَابِي هَؤُلَاءِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ مِنْهُ الشَّيْءُ قَدْ نَسِيتُهُ، فَأَرَاهُ فَأَذْكُرُهُ كَمَا يَذْكُرُ الرَّجُلُ وَجْهَ الرَّجُلِ إِذَا غَابَ عَنْهُ ثُمَّ إِذَا رَآهُ عَرَفَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٦٠٤، م: ٢٨٩١].\n٥٣٨٠ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا،\nــ\nالفصل الأول\n٥٣٧٩ - [١] (حذيفة) قوله: (قام فينا رسول اللَّه -ﷺ-) أي: خطب ووعظ وأخبر بما يظهر من الفتن، و(مقامًا) مصدر أو اسم مكان، وقوله: (ما ترك) صفته، و(يكون) تامة، و(مقامه) مظهر وضع موضع ضمير الموصوف، أو استئناف، و(في) متعلق بـ (ترك)، والضمير في (إنه) للشأن، وضمائر (حفظه) و(نسيه) و(علمه) لـ (شيء).\nوقوله: (إلا حدث به) استثناء منقطع، أي: لكن حدث به.\nوقوله: (كما يذكر الرجل وجه الرجل) أي: إجمالًا ومبهمًا وإن نسيه تفصيلًا ومعيّنًا، فإذا رآه عرفه مشخصًا معينًا.\n٥٣٨٠ - [٢] (وعنه) قوله: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير) عرض الشيء عليه: أراه، وعرض العود على الإناء: وضعه عليه، وعرض الجند: عَيّن أمرهم ونظر في حالهم، وكل من هذه المعاني يناسب المقصد، أي: تتطرق الفتن إلى القلوب وتدخل فيها (عودًا عودًا) روي على ثلاثة وجوه: بالفتح، أي: مرة بعد مرة،","vol":"8","page":584},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوروي بالضم واحد العيدان، يريد ما ينسج به الحصير من طاقاته وشطباته، وبالفتح مع ذال المعجمة، كأنه استعاذ من الفتن، وأشهر الثلاثة بمضمومة ومهملة، ثم بمفتوحة فمعجمة أو مهملة، ومعناه على الأول: تدخل الفتن في القلوب فتنة بعد فتنة كما يدخل العود في الحصير واحدًا بعد واحد، وقيل: شبه عرضها عليها بعرض قضبان الحصير على صانعها واحدًا بعد واحد، وقيل: يلصق بعرض القلوب -أي: بجانبها- كما يلصق الحصير بجنب النائم ويؤثر فيها، وعلى الثاني نعوذ باللَّه عوذًا بعد عوذ، كما يقال بعد ذكر الكفر والعصيان: نعوذ منه أو معاذ اللَّه، وعلى الثالث يعاد ويكرر مرة بعد مرة، ثم الرواية على تقدير ضم العين والدال المهملة بالرفع والنصب، والرفع على تقدير المبتدأ، أي: وهو عود عود، والجملة حالية، والنصب على الحالية، والمراد بالفتن الاعتقادات الفاسدة أو أعم، والأول أظهر.\nواعلم أن لفظ الحديث على ما ذكر في (مشارق الأنوار) (١) للقاضي عياض هكذا: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير أو عرض الحصير عودًا عودًا)، وقال في حرف الحاء مع الراء: قيل: معناه تحيط بالقلوب، يقال: حصر به القوم: إذا أحدقوا به، وقيل: حصير الجنب: عرق يمتد معترضًا على جنب الدابة إلى ناحية بطنها، شبهها بذلك، وقال ثعلب: الحصير: لحم يكون في جانب الصلب من لدن العنق إلى المتين، وقيل: أراد عرض أهل السجن واحدًا واحدًا، والحصير: السجن، وقيل: تعرض بالقلوب، فتلصق بها لصق الحصير بالجنب وتأثيرها فيه وبقاء آثارها بأعوادها في الجلد إذا لزقت به، وإلى هذا كان يذهب من شيوخنا سفيان بن العاص والوزير\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٠٥، ٢/ ٧٣، ١٠٦).","vol":"8","page":585},{"text":"فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا. . . . .\nــ\nأبو الحسين، وقيل: تعرض عليها واحدة بعد واحدة كما تعرض المنقية لشطب الحصير وهو ما تنسج منه من لحاء القضبان على النساجة وتناوله إياها عودًا بعد آخر، وإلى هذا كان يذهب من شيوخنا أبو عبد اللَّه بن سليمان، وهو أشبه بلفظ الحديث.\nوقال في حرف العين مع الواو: (تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير عودًا عودًا) بضم العين وبالدال المهملتين فيهما، كذا قيدنا هذا الحرف على أبي بحر، ومعنى (تعرض): تلصق الفتن القلوب كما يلصق الحصير بجنب النائم ويؤثر فيه، وإلى هذا التأويل كان يذهب من شيوخنا ممن باحثناه عن معنى الحديث الأستاذ أبو الحسين والشيخ أبو بحر، وقيل: معنى (تعرض على القلوب) أي: تظهر لها وتعرف ما تقبل منها ويوافقها وما تأباه، ومنه عرضت الخيل، وعرض السجان أهل السجن، أي: أظهرهم واختبر حالهم، كما قال تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ﴾ الآية، [الكهف: ١٠٠] أي: أظهرناها، وأن المراد بالحصير هنا [الحصير المعلوم] عند عملها ونسجها، وعرض المنقية على الناسجة للحصير ما ينسج ذلك منه واحدًا بعد واحد، كما قال: عودًا عودًا، وإليه كان يذهب من شيوخنا الأستاذ أبو عبد اللَّه بن سليمان، وقال الهروي: معنى (تعرض) أي: تحيط بالقلوب، وما ذهب إليه أبو عبد اللَّه أظهر وأولى، وقيدنا عن القاضي الشهيد (عوذًا عوذًا) بفتح العين وبذال معجمة، كأنه استعاذ من الفتن، وعند الجياني (عودًا عودًا) بفتح العين والدال المهملة، وهو اختيار شيخنا أبي الحسين من هذه الوجوه، أي: تعاد عليه وتكرر، و(العود) بفتح العين: تكرار الشيء، ومنه قولهم: العود أحمد.\nوقوله: (فأي قلب أشربها) على لفظ المجهول، من الإشراب، والإشراب: خلط","vol":"8","page":586},{"text":"نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ،\nــ\nلون بآخر، كأن أحد اللونين شرب [الآخر] وكسي لونًا آخر، وفي (الصراح) (١): الإشراب: در خوردن رنكَـ ودر خورانيدن، لازم ومتعد، يقال: أشرب الأبيض حمرة، أي: علاه ذلك، وفي (القاموس) (٢): أُشْرِب فلان حب فلان: خالط قلبه، وتشرب: سرى، والثوبُ العرقَ: نشَفه، فالمراد هنا أيّ قلب اختلط بالفتن، أي: وحلَّت منه دخولًا تامًّا وحفَت منه محل الشراب [في نفوذ المسام وتنفيذ المرام]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣].\nقال البيضاوي (٣): أي تداخلهم حبه ورسخ في قلوبهم صورته؛ لفرط شغفهم به كما يتداخل الصبغ الثوب، والشراب أعماق البدن، و﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾ بيان لمكان الإشراب، كقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠]، انتهى.\nيعني يكفي في هذا المعنى أن يقال: وأشربوا العجل، أي: حبه، فلمَ زاد ﴿فِي قُلُوبِهِمُ﴾؟ فوجهه به.\nوقوله: (نكتت فيه نكتة سوداء) في (القاموس) (٤): النكت: أن تضرب في الأرض بقضيب فيؤثر فيها، والنكتة بالضم: النقطة، وفي (مجمع البحار) (٥): النكتة: الأثر، وقال أيضًا: وهي النقطة في شيء يخالف لونها.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٣٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٣).\n(٣) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٩٤).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٤٩).\n(٥) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٨٠٣).","vol":"8","page":587},{"text":"وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَتْ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى يَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ: أَبْيَضُ مِثْلُ الصَّفَا، فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا. . . . .\nــ\nوقوله: (أنكرها) أي: امتنع عن قبول الفتن ولم يتأثر بها. وقوله: (حتى يصير) غاية للأمرين، وصحح بالرفع والنصب، و(حتى) على الأول حرف الابتداء نحو: مرض حتى لا يرجونه، وعلى الثاني للغاية، ويروى بلفظ التذكير، فالضمير للإنسان المفهوم من السياق، وبالتأنيث فالضمير للقلوب، والمعنى على الأول: يصير جنس الإنسان مشتملًا على نوعين من القلب، وعلى الثاني: يصير القلوب على نوعين، وصحح (أبيض) بالرفع على الخبرية، وبالنصب بدلًا مع ما عطف عليه من (قلبين)، والظاهر هو الأول؛ لقوله: (والآخر أسود).\nوقوله: (مثل الصفا) بالقصر: حجر أبيض شديد البياض، وفي (القاموس) (١): الصفا: الحجر الضخم الصلد لا ينبت.\nوقوله: (مثل الصفا) المتبادر من العبارة أن التشبيه لبيان بياضه، ولكن المراد بيان أنه مع وجود البياض متصف بالشدة والصلابة، حتى إنه لا يتأثر بالفتنة أصلًا.\nوقوله: (مربادًا) منصوب على الحال أو الذم، بضم الميم وسكون الراء وتشديد الدال، اسم فاعل من اربادّ يربادُّ كاحمارّ يحمارُّ محمارًّا، والربدة بالضم: لون إلى الغبرة، وقد اربدّ واربادّ كاحمرّ واحمارّ، وقد روي (مربئدًّا) بهمزة مكسورة، وهي لغة من نجد في الهرب عن التقاء الساكنين، ويقول: (احمأر) بهمزة بعد الميم، وقد قرئ قوله: ﴿ولا الضألين﴾ بهمزة بعد الضاد المعجمة على هذه اللغة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٧٢).","vol":"8","page":588},{"text":"كَالْكُوزِ مُجَخِّيًّا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٤].\n٥٣٨١ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَدِيثَيْنِ، رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ، حَدَّثَنَا: \"إِنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ\". . . . .\nــ\nوقوله: (مجخيا) حال من (الكوز)، والعامل فيه معنى الفعل الذي في الكاف، وهو بضم الميم وفتح الجيم قبل الخاء المعجمة المكسورة، أي: مائلًا، يقال: جخَّى الليل: إذا مال ليذهب، وفي (القاموس) (١): جَخَّى المصلي تجخية: خَوَّى في سجوده، والليل: مال، والشيخ: انحنى، ومنه الحديث: (كالكوز مجخيا)، انتهى.\nوالمعنى لم يبق فيه خير كالكوز المجخى لا يبقى فيه ماء، فلم يبق فيه معرفة معروف وإنكار منكر، ولم يبق سوى ما قبل من الاعتقادات الفاسدة والشهوات النفسانية، وهذا هو موت القلب، أعاذنا اللَّه من ذلك.\n٥٣٨١ - [٣] (وعنه) قوله: (إن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال) يحتمل أن يراد بالأمانة التكاليف الشرعية التي كلف اللَّه به عباده، ونزولها في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢]، والمراد بنزولها ورودها وثبوتها في القلوب وأصلها الإيمان، ويدل عليه قوله في آخر الحديث: (وما في قلبه مثقال حبة من خردل من الإيمان)، ويحتمل أن يراد معناها المشهور كما يدل عليه قوله: (ولا يكاد واحد يؤدي الأمانة)، ونزولها بنزول الإيمان لتضمنه إياها، والأظهر هو الأول؛ لكونه الأصل والعمدة، ويتضمن الأمانة وغيرها من الأحكام الشرعية.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (١١٤٢).","vol":"8","page":589},{"text":"وَحَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا قَالَ: \"يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ، فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْمَجْلِ،\nــ\nو(الجذر) بفتح الجيم وبكسر وسكون الذال المعجمة: الأصل، يعني أنها نزلت وثبتت في قلوب رجال اللَّه تعالى باعثة على أن يعلموا بنورها حقيقة الدين وأحكام الشرع من القرآن والسنة، نبَّه على أن خلق الهداية وإرادتها من اللَّه ﷾ في قلوب المؤمنين سابق على إرسال الرسل وتنزيل القرآن حتى اهتدوا إلى الإيمان به والانقياد لأحكامه وقبولها، وقد يقال: إن (ثم) هنا للتراخي في الرتبة، وهذا أحد الحديثين الذي قال حذيفة: (رأيت أحدهما في أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- في عصره وحضرته -ﷺ-)، والحديث الآخر هو الذي أشار إليه بقوله: (وحدثنا عن رفعها)، أراد به ارتفاع كمال ثمر الإيمان وانتقاصه شيئًا فشيئًا بعده -ﷺ-.\nوقوله: (ينام الرجل النومة) الظاهر أن المراد يغفل عن التذكر لآيات اللَّه تعالى، وعن التدبر في كتاب اللَّه تعالى والتنبه لسنة رسوله، وهو مقابل لقوله: (ثم علموا من القرآن والسنة)، (فتقبض) بلفظ المجهول (الأمانة) أي: بعضها، وينقص بعض ثمر الإيمان؛ لقوله: (فيظل) أي: يصير (أثرها) أي: أثر الأمانة، والأثر ما بقي من رسم الشيء، يعني ترفع الأمانة عن القلوب عقوبة على الذنوب وترك النظر والتدبر، حتى إذا استيقظوا وتفحصوا عن أحوال قلوبهم ونظروا فيها لم يجدوا قلوبهم على ما كانت عليه، ويبقى أثر من الأمانة تارة مثل الوكت وتارة مثل المجل، و(الوكت) بفتح الواو وسكون الكاف جمع وكتة، وهي الأثر في الشيء كالنقطة من غير لونه، وقيل: هي نقطة بيضاء تظهر في سواد العين، و(المجل) غلظ الجلد من العمل، يقال: مجلت","vol":"8","page":590},{"text":"كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ، فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ،\nــ\nيده بالفتح تمجل من نصر وضرب مجلًا بسكون الجيم، أي: ثخن جلدها وظهر فيها ما يشبه البثر أمن العمل، بالأشياء الصلبة، وفي (القاموس) (١): مجلت يده كنصر وفرح مجلًا ومجولًا: نفطت من العمل فمرنت، كأمجلت.\nوقوله: (كجمر) بدل من (مثل أثر المجل)، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو كجمر، أي: أثر المجل في القلب كأثر جمر قلّبته على رجلك (فنفط) أي: العضو موضع إصابة الجمر، وهو رجلك، أي: صار نفطة، أي جدريًا، (فتراه منتبرًا) أي: مرتفعًا منتفخًا، ويحسب الناس أن في جوفه شيئًا وليس فيه شيء صالح، فكذا هذا الرجل يحسبه الناس صالحًا ولا يكون فيه من الصلاح والإيمان شيء إلا قليل، فظهر من هذا التقرير أن الوكت والمجل تمثيلان لبقاء أثر الأمانة، ويخدش في هذا الوجه أن أثر المجل والجمر أشدّ وأكثر من أثر الوكت، وسوق الكلام يقتضي أن يكون أقلّ وأضعف؛ لأنه قبض في هذه المرتبة مما بقي من المرتبة الأولى، فيكون أنقص، وأشاروا إلى توجيهه أن هذا أقلّ من الأولى؛ لأنه شبه بالمجوف الذي ليس فيه شيء، ولا طائل تحته، ولا يخفى ما فيه.\nوقيل: إن الوكت والمجل تمثيلان لزوال الأمانة لا لبقائها، ومعنى الحديث: تزول الأمانة عن القلوب شيئًا فشيئًا، فإذا زال أول جزء زال نورها وخلفه ظلمة كالوكت، فإذا زال منه جزء آخر صار كالمجل واشتدّ أثر الظلمة حتى لا يكاد يزول إلا بعد مدة، وهذه الظلمة فوق ما قبلها، وهذا التوجيه لا يخلو عن بعد من لفظ الحديث، فتدبر.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٥٢).","vol":"8","page":591},{"text":"وَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ وَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ وَمَا أَظْرَفَهُ وَمَا أَجْلَدُهُ وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٤٩٧، م: ١٤٣].\n٥٣٨٢ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَن الْخَيْرِ وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَشَرِّ فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: \"نَعَمْ\"، قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: \"نَعَمْ،\nــ\nوقوله: (ويصبح الناس يتبايعون) أي: فيما بينهم، (ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة) أي: الحقوق الثابتة لبعضهم على بعض، وهذا أيضًا من جهة زوال أثر الإيمان والعمل بمقتضاه، فلا دليل فيه على أن المراد بالأمانة معناه المشهور كما أشرنا إليه.\nوقوله: (فيقال: إن في بني فلان رجلًا أمينًا) عبارة عن قلة الأمانة، أي: لا يبقى من يحفظ الأمانة إلا قليل، حتى يكون في جماعة كثيرين واحد، (ويقال للرجل: ما أعقله. . . إلخ)، يعني يكون في الرجال أشياء يعدّها العقلاء وأهل العرف فضائل من كثرة العقل والظرافة والجلادة، ويمدحون بذلك، وليس فيهم إيمان وصلاح مما يكون في الشرع عليه مدح وثواب، وفيه أنه لا عبرة بالفضائل والمزايا العرفية، وإنما العبرة للتقوى وقوة الإيمان، رزقنا اللَّه.\n٥٣٨٢ - [٤] (وعنه) قوله: (وكنت أسأله عن الشر) لعل المراد ما يقع في الناس من الفتن، وما يفشو فيهم من البدع والنزاع والجدال ولو على غير حق، وإلا فالمنهيات في الشرع مبينة، وليس السؤال عنها مخصوصًا به -﵁-.\nوقوله: (مخافة أن يدركني) فإن دفع الضرر أهم من جلب النفع.","vol":"8","page":592},{"text":"وَفِيهِ دَخَنٌ\"، قلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: \"قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيِي، تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ\"، قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: . . . . .\nــ\nوقوله: (وفيه دخن) الدخن محركة: الدخان، والدخنة كدرة في سواد، ودخنت النار كمنع ونصر دخنًا ودخونًا وأدخنت: ارتفع دخانها، وكفَرِحَتْ: ألقي عليها حطب فأُفسِدَتْ ليهيج لها دخان، ودخنت النبت والدابة: صارت ألوانهما كدرة في سواد، ومنه: (هدنة على دخن) أي: على فساد واختلاف تشبيهًا بالدخان لما بينهم من الفساد الباطن تحت الصلاح الظاهر، والمعنى: خير ممزوج بشر، فالشر فيه أنه لا يرجع قلوب قوم على ما كانت عليه، أي: لا يصفو بعضها لبعض ولا ينصع حبها، كالكدرة التي في لون الدابة، وقيل: (فيه دخن) أي: لا تكون الاعتقادات صحيحة والأعمال صالحة، وعدل الملوك خالصًا، ويرتكب فيه البدع والمناهي.\nوقوله: (يهدون) على وزن يبغون بدون تاء الافتعال، وفي رواية مسلم: (أئمة لا يهتدون) بلفظ الافتعال.\nوقوله: (تعرف منهم وتنكر) أي: ترى فيهم المعروف والمنكر جميعًا، أو تعرف منهم المنكر؛ بأن يصدر منهم المنكر، و(تنكر) خبر بمعنى الأمر، والمعنى الأول أظهر وأنسب بقوله: (نعم، وفيه دخن)، وليس في قوله: (يستنون بغير سنتي) دليل على المعنى الثاني، فإنه مع وجود الاستنان بغير سنة فيهم خير معروف، فافهم.\nقالوا: الخير بعد الشر أيام عمر بن عبد العزيز، والذين تعرف منهم وتنكر الأمراء بعده، ومنهم من يدعو إلى بدعة كالخوارج.\nوقيل: يحتمل أن الشر زمان قتل عثمان والخير بعده زمان علي، والدخن الخوارج، والشر بعده زمان الذين يلعنون على المنبر.","vol":"8","page":593},{"text":"\"نَعَمْ، دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا\"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، قَالَ: \"هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا\"، قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْركَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ: \"تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ\"، قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: \"فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ بِأَصْلِ شَجَرَةٍ. . . . .\nــ\nوقوله: (دعاة على أبواب جهنم) أي: يدعون الناس إلى الضلالة. وقوله: (هم من جلدتنا) بكسر الجيم، أي: من أبناء جنسنا ومن أهل ملتنا، أو من عشيرتنا وأقربائنا، وجلدة الشيء: ظاهره، وهي في الأصل غشاء البدن، كذا في (الحواشي).\nوقوله: (ويتكلمون بألسنتنا) أي: يتكلمون بالقرآن والأحاديث، أو بالمواعظ والحكم وما في قلوبهم شيء من الخير من الاعتقاد الصحيح والإيمان الخالص، أي: لا تعرفهم بصورهم وظاهرهم بل بسيرتهم واعتقاداتهم، وهذا كما قال في شأن الخوارج: (يقرؤون القرآن ولا يجاوز حناجرهم) الحديث، ولعلهم المراؤون.\nوقوله: (إن أدركني ذلك) الشر أو زمانه.\nوقوله: (ولو أن تعض بأصل شجرة) أي: أعتزل ولو قنعت فيه بِعَضِّ أصل شجرة، كذا قال الطيبي (١)، وفي بعض الحواشي: أي: تأكل الحشيش في البراري.\nاعلم أنه قد قال في (القاموس) (٢): عضضته وعليه كسمع ومنع عضًّا وعضيضًا: أمسكته بأسناني، وبصاحبي عضيضًا: لزمته، ولما كان العض في الحديث مستعملًا بالباء كان المعنى لزوم أصل الشجر، أي: تنقطع عن الناس وتتبوأ أجمة، وتلزم أصل\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٥٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٨٢).","vol":"8","page":594},{"text":"حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٠٦، م: ١٨٤٧].\nــ\nشجرة إلى أن تموت مع أنه ليس مما يلزم ويتبوأ، ففيه مبالغة في العزم على اعتزالهم والانقطاع عنهم، وأما العض بمعنى الإمساك بالأسنان فهو إنما يستعمل متعديًا بنفسه أو بـ (على)، كما في حديث: (من تعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بِهَنِ أبيه ولا تكنوا) (١)، وفي حديث: (عضوا عليها بالنواجذ).\nنعم قد يعلم من (الصراح) (٢) أن العض بهذا المعنى قد يستعمل بالباء أيضًا، حيث قال: عض كَزيدن، يقال: عضَّه وعضَّ به وعضَّ عليه بالهاء والباء وبـ (على)، وقال بعده: عضيض ملازم شدن، ولم يتعرض في (القاموس) لاستعماله بمعنى الإمساك بالأسنان مستعملًا بالباء، ولم يغلط الجوهري في ذلك أيضًا كما هو عادته، ثم إن الطيبي (٣) ذكر معنى اللزوم في الحديث الآتي في (الفصل الثاني) في قوله: (وأنت عاض على جذل الشجرة) أي: أصلها مع أنه مستعمل بـ (على)، واستشهد بقولهم: عض الرجل بصاحبه مستعملًا بالباء، ولا يخفى ما فيه، فلعله جوز استعماله في كلا المعنيين مستعملًا بكلا الحرفين، وقد يظهر ذلك في (الصراح) أيضًا، بل متعديًا بنفسه أيضًا، وذكر الطيبي في ذلك الحديث معنى آخر أيضًا، وهو الصبر على عضيض الزمان والتحمل لمشاقه وشدائده، قال: عض جذل الشجر -وهو أصله- كناية عن مكابدة الشدائد، من قولهم: فلان يعض بالحجارة لشدة الألم، وقد أشير إلى هذا المعنى في (القاموس) (٤) أيضًا حيث قال: وعض الزمان والحرب شدتهما، لكنه أيضًا مستعمل\n_________\n(١) أخرجه النسائي في \"السنن الكبرى\" (٨٨١٣).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٢٨٢).\n(٣) انظر: \"شرح الطيبي\" (١١/ ١٣٤).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٨٢).","vol":"8","page":595},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَ: \"يَكُونُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهُدَايَ، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي جُثْمَانِ إِنْسٍ\"، قَالَ حُذَيْفَةُ: قُلْتُ: كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قَالَ: \"تَسْمَعُ وَتُطِيعُ الأَمِيرَ وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ، فَاسْمَعْ وَأَطِعْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\n٥٣٨٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِم، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٨].\nــ\nفي قولهم بالباء، وفي الحديث بـ (على)، ويجوز إرادته في الحديث الذي نحن فيه أيضًا بطريق الأولى؛ لاستعماله بالباء، فتدبر.\nوقوله: (في جثمان): (الجثمان) بالضم وسكون المثلثة الجسد، وفي (القاموس) (١): الجسم والشخص، وبالسين: الجسم.\nوقوله: (وإن ضرب وأخذ) صحِّح بلفظ المجهول والمعلوم.\n٥٣٨٣ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (بادروا بالأعمال فتنًا) أي: بادروا إلى الاشتغال بالأعمال الصالحة قبل وقوع الفتن المانعة عنه، (كقطع الليل المظلم) من حيث إنها شاعت ولا يعرف سببها، ولا طريق للخلاص منها.\nوقوله: (يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا) ويجوز أن يكون معناه مؤمنًا لتحريمه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٧٩).","vol":"8","page":596},{"text":"٥٣٨٤ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"سَتَكُونُ فِتَنٌ، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمٌ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، مَنْ تَشَرَّفَ لَهَا تَسْتَشْرِفْهُ، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فليَعُذْ بِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَ: \"تَكُونُ فِتْنَةٌ، النَّائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْيَقْظَانِ، واليقظانُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَمَنْ وَجَدَ مَلْجَأً أَوْ مَعَاذًا فَلْيَسْتَعِذْ بِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٠١، م: ٢٨٨٦].\nــ\nدم أخيه وعرضه وماله، وكافرًا لتحليله، واللَّه أعلم.\n٥٣٨٤ - [٦] (وعنه) قوله: (خير من الساعي) في (الصراح) (١): السعي: دويدن وشتاب كردن وكسب وكار كردن، والمقصد من الحديث أن التباعد عنها خير في أيّ مرتبة كانت، فالقاعد أبعد، ثم الواقف في مكانه، ثم الماشي من الساعي.\nوقوله: (من تشرف لها تستشرفه) أي: صار مشرفًا، واستشرف الشيء: رفع بصره إليه وبسط كفه فوق صاحبه، كالمستظل من الشمس، وحاصل المعنى: من تطلع لها ودعته إلى الوقوع فيها فالخلاص في التباعد عنها.\nوقوله: (ملجأً أو معاذًا) كلاهما بمعنًى، في (القاموس) (٢): المعاذ: الملجأ، وقال: العوذ: الالتجاء، وفي (الصراح) (٣): لجأ ملجًا: بناه كَرفتن، وقال: عوذ عياذ معاذ اندخسيدن، وعذت به واستعذت به، أي: لجأت إليه، وهو عياذي أي:\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٥٦٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٣).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ١٤، ١٥٥).","vol":"8","page":597},{"text":"٥٣٨٥ - [٧] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتنٌ، أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ، القاعدُ خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي فِيهَا، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي إِلَيْهَا، أَلَا فَإِذَا وَقَعَتْ فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِل فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ، وَمَنْ كَانَ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ\"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبِلٌ وَلَا غَنَمٌ وَلَا أَرْضٌ؟ قَالَ: \"يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقُّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ،\nــ\nملجئي، ولذا اكتفى في الجزاء بأحدها، وقال: (فليعذ به)، فعلى هذا يجوز أن تكون (أو) للشك من الراوي، أو تكون تأكيدًا، وهكذا تقع هاتان الكلمتان معًا.\n٥٣٨٥ - [٧] (أبو بكرة) قوله: (إنها ستكون فتن، ألا ثم تكون فتنة): (ثم) للتراخي في الرتبة، والتنوين للتعظيم، وهو من عطف الخاص على العام، وفي بعض النسخ زيادة: (ثم تكون فتن) بعد قوله: (إنها ستكون فتن)، وليست موجودة في النسخ المصححة، ويفهم من كلام الطيبي أيضًا أنه ليس موجودًا في نسخته، وأخرجه في (الجامع الصغير) من حديث أحمد، وليس فيه هذه الزيادة، وعلى تقدير وجودها المعنى على تكثير الفتن طائفة بعد طائفة، وأن منها تكون فتنة عظيمة.\nوقوله: (فيدق) بضم الدال (على حده بحجر) قيل: أراد كسر السيف حقيقة ليسدّ على نفسه باب القتال، وقيل -وهو الأظهر-: إنه كناية عن ترك القتال، وبمثله احتج من لا يرى القتال في الفتنة بكل حال، وهو مذهب أبي بكرة، وقال ابن عمر: لا يقاتل ابتداء ويدفع لو قوتل، وقال معظم الصحابة والتابعين: يجب نصر المحق وقتال الباغي، وإلا ظهر الفساد واستطال أهل البغي بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية [الحجرات: ٩]، ويتأول الأحاديث على من لم يظهر له المحق","vol":"8","page":598},{"text":"ثُمَّ لِيَنْجُ إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ، اللهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ \" ثَلَاثًا، فَقَالَ: رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ أُكْرِهْتُ حَتَّى يُنْطَلَقَ بِي إِلَى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ، فَضَرَبَنِي رَجُلٌ بِسَيْفِهِ، أَوْ يجِيءُ سَهْمٌ فَيَقْتُلُنِي؟ قَالَ: \"يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ، وَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ. . . . .\nــ\nمن المبطل، أو على طائفتين لا تأويل لواحد منهما.\nوقوله: (ثم لينج إن استطاع النجاء) وهو السرعة، نجا ينجو: إذا أسرع، ونجا من الأمر: إذا خلص، وأنجاه غيره، وهو بالمد، والمعروف فيه المد إذا أفرد، والمد والقصر إذا كرر، كذا في (مجمع البحار) (١).\nوقوله: (اللهم هل بلغت ثلاثًا) أي: قال هذا القول وهو (اللهم هل بلغت) ثلاث مرات، والمراد تبليغ ما ذكره، أو مطلق ما أمر أن يبلغ.\nوقوله: (يبوء بإثمه وإثمك) أصل هذا التركيب قوله تعالى حكاية عن قول هابيل لأخيه: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [المائدة: ٢٩]، وفسره البيضاوي (٢): تبوء بإثمي لو بسطت إليك يدي، وإثمك ببسطك يدك إليّ، وقيل: معنى بإثمي: بإثم قتلي، وبإثمك الذي لم يتقبل من أجله قربانك، انتهى.\nأي: الذي هو السبب الباعث على قتلك إياي، فإن الباعث عليه عدم التقبل الباعث على الحسد، فسببه سبب له، ففيما نحن فيه المراد بـ (إثمك) قتلك بالإضافة إلى المفعول، وبـ (إثمه) الذي بعثه على قتلك من العداوة والبغضاء، فافهم.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٦٨٥).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٢٦٣).","vol":"8","page":599},{"text":"النَّار\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٨٧].\n٥٣٨٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرَ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتَّبِعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ، يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٩].\n٥٣٨٧ - [٩] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ فَقَالَ: \"هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى؟ \" قَالُوا: لَا، قَالَ: \"فَإِنِّي لأَرَى الْفِتَنَ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَوَقْعِ الْمَطَرِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٧٨، م: ٢٨٨٥].\nــ\n٥٣٨٦ - [٨] (أبو سعيد) قوله: (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم) يجوز أن يكون برفع (خير) وبنصب (غنم)، وأن يكون بالعكس، على أن يكون أحدهما اسمًا لـ (كان) والثاني خبرًا، وكلاهما رواية، والموجود في (البخاري) وفي نسخ (المشكاة) و(المصابيح) هو الثاني، وأن يكونا مرفوعين لكونهما مبتدأً وخبرًا، وفي (يكون) ضمير الشأن.\nوقوله: (يتبع) بتشديد التاء من الاتباع، و(الشعفة) محركة: رأس الجبل، والجمع شعف وشعاف وشعوف وشعفات، يعني يسكن في الجبال فرارًا عن صحبة الناس، و(مواقع القطر) أي: مواضع المطر ليرعاه.\n٥٣٨٧ - [٩] (أسامة بن زيد) قوله: (على أطم): (الأطم) بضمتين: القصر وكل حصن مبني بالحجارة، وفي المدينة وحواليها آطام كان يسكن فيها اليهود وغيرهم. وقوله: (فإني لأرى الفتن تقع) إن كانت الرؤية قلبية فـ (تقع) مفعول ثان، وإن كانت بصرية فهو حال، فكأنه كوشف له -ﷺ- ومثل بصور فرآها بالبصر.","vol":"8","page":600},{"text":"٥٣٨٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَلَكَةُ أُمَّتِي عَلَى يَدَي غِلْمةٍ مِنْ قُرَيْشٍ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٦٠٥].\nــ\n٥٣٨٨ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (هلكة أمتي) في (القاموس) (١): هلك كضرب ومنع وعلم هُلكًا بالضم، وتُهلوكًا وهُلوكًا بضمهما، ومهلكة وتهلكة مثلثتي اللام: مات، والهلكة محركة: الهلاك، (غلمة) بكسر الغين وسكون اللام جمع غلام كغلمان بالكسر: الشاب والكهل، ضد، كذا في (القاموس) (٢). وفي (الصراح) (٣): غلام كودك، وأصل معنى اللفظ: غلبة الشهوة وهيجانها، من غلم كفرح واغتلم: غلبته شهوته، وقال الطيبي (٤) في تفسيره: أي أحداث السن الذين لا مبالاة لهم بأصحاب الوقار وذوي النهى.\nوقال في (مجمع البحار) (٥): وكان أبو هريرة -﵁- يعرف أسماءهم وأعيانهم، وسكت عن تعيينهم مخافة مفاسد، وكانهم يزيد بن معاوية، وعبيد اللَّه بن زياد ونحوهما من أحداث ملوك بني أمية، فقد صدر عنهم من قتل أهل بيت النبي -ﷺ- وسبيهم وقتل خيار المهاجرين والأنصار، وما صدر عن الحجاج وسليمان بن عبد الملك وولده (٦) من سفك الدماء وإتلاف الأموال فغير خاف.\nوأقول: لما كان الحجاج من أمراء عبد الملك بن مروان كان ما فعله من الفساد منسوبًا إليهم وإن لم يكن هو من قريش.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٣٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٦٢).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٤٨٥).\n(٤) شرح الطيبي\" (١١/ ٣٤٠٨).\n(٥) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٥٩).\n(٦) كذا في \"مجمع بحار الأنوار\"، والظاهر: \"عبد الملك وولده الوليد\"، واللَّه أعلم.","vol":"8","page":601},{"text":"٥٣٨٩ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيُقْبَضُ الْعِلْمُ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ\"، قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: \"الْقَتْلُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٥، م: ١٥٧].\n٥٣٩٠ - [١٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ؟ وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ؟ \" فَقِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ: \"الْهَرْجُ، الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٠٨].\nــ\n٥٣٨٩ - [١١] (وعنه) قوله: (يتقارب الزمان) قد يراد به اقتراب الساعة، وقد يراد تقارب أهل الزمان بعضهم من بعض في الشر والفتنة، أو تقارب الزمان في نفسه حتى يشبه أوله آخره، أو قصر أعمار أهله، أو قصر مدة الأيام والليالي حتى تكون السنة كالشهر والشهر كالأسبوع، أو تسارع الدول إلى الانقضاء فتتقارب أزمنتها، وقد ذكرنا في (كتاب الرؤيا) في شرح صدق الرؤيا عند اقتراب الزمان وجوهًا أخر، والحق أن هذا اللفظ له معاني متعددة بعضها أنسب بحديث الرؤيا، وبعضها بهذا الحديث، فتدبر.\nوقوله: (ويقبض العلم) أي: يقبض العلماء كما جاء في الحديث.\nوقوله: (ويلقى الشح) المراد به غلبته وعمومه على طوائف الناس وإطاعتهم له، كالغني يبخل بماله، والعالم بعلمه، والصانع بصنعه، وإلا فوجود أصل الشح من طبيعة الإنسان.\nو(الهرج) بفتح الهاء وسكون الراء: الفتنة والاختلاط، فتفسيره بالقتل لأنه سببه.\n٥٣٩٠ - [١٢] (وعنه) قوله: (القاتل والمقتول في النار) وإنما كان المقتول في النار لكونه حريصًا عازمًا على قتل صاحبه، وهذا إذا كان يقاتل من غير شبهة","vol":"8","page":602},{"text":"٥٣٩١ - [١٣] وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٤٨].\n٥٣٩٢ - [١٤] وَعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ: أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنَ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ: \"اصْبِرُوا فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ أَشَرُّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ\"، سَمِعْتُهُ مِنْ نبَيِّكُمْ -ﷺ-. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٧٠٦٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1190> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٣٩٣ - [١٥] عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَصْحَابِي أَمْ تَنَاسَوْا؟ وَاللَّهِ مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ قَائِدِ فِتْنَةٍ. . . . .\nــ\nوتأويل كما يشعر به سياق الحديث.\n٥٣٩١ - [١٣] (معقل بن يسار) قوله: (العبادة في الهرج كهجرة إليّ) لوجود المانع الصارف، فلا تتيسر إلا بخروجه من موطن الطبيعة، وخروجه من بين الناس واجتماعهم.\n٥٣٩٢ - [١٤] (الزبير بن عدي) قوله: (إلا الذي بعده أشر منه) استشكل هذا بزمن عمر بن عبد العزيز بعد زمن إخوانه من بني أمية، وبزمن المهدي وعيسى بعد زمن الدجال، وأجيب بحمله على الأكثر والأغلب.\nوقوله: (أشر) ورد على الأصل المتروك.\nالفصل الثاني\n٥٣٩٣ - [١٥] (حذيفة) قوله: (من قائد فتنة) كمن يأمر الناس بالبدعة ويدعوهم","vol":"8","page":603},{"text":"إِلَى أَنْ تَنْقَضِيَ الدُّنْيَا يَبْلُغُ مَنْ مَعَهُ ثَلَاثَ مِئَةٍ فَصَاعِدًا إِلَّا قَدْ سَمَّاهُ لَنَا بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ وَاسْمِ قَبِيلَتِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٤٢٤٣].\n٥٣٩٤ - [١٦] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ، وَإِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٤٢٥٢، ت: ٢٢٢٩].\n٥٣٩٥ - [١٧] وَعَنْ سَفِينَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"الْخِلَافَةُ ثَلَاثُونَ سَنَةً،\nــ\nإليها، وكمن يحارب المسلمين. وقوله: (يبلغ) صفة (قائد)، و(من معه) فاعل (يبلغ)، و(ثلاث مئة) مفعوله، والمراد تابعوه، ومعنى التقييد بهذا الوصف كما يظهر الآن أنه -ﷺ- ذكر من قواد الفتنة من تكون فتنته شائعة في هذا العدد أو أزيد منه، فإنها إذا بلغت إليه شاعت وانتشرت، وعاد ضررها إلى الناس، بخلاف ما لو كانت في أقل من هذا العدد فلم يذكرها ولم يعتبر [ها]، واللَّه أعلم.\n٥٣٩٤ - [١٦] (ثوبان) قوله: (وإذا وضع السيف في أمتي. . . إلخ)، أي: إذا ظهرت الحرب بين أمتي تبقى إلى يوم القيامة، وبقاؤها إلى يوم القيامة مرتب على وجود الأئمة المضلين وشرهم، فظهر الربط بين الجملتين، وترتبت الثانية على الأولى، هذا ما ذكروه، والظاهر أنهما إخباران مستعملان على انفرادهما، وأول وضع السيف فيما بينهم وقعة قتل عثمان -﵁-، ثم لم تزل المحاربة إلى يوم القيامة.\n٥٣٩٥ - [١٧] (سفينة) قوله: (وعن سفينة) هو سفينة مولى رسول اللَّه -ﷺ-، وقيل: مولى أم سلمة، وقوله: (الخلافة ثلاثون سنة) أي: الخلافة الكاملة المرضية الموافقة للسنة للذين استحقوا إطلاق هذا الاسم عليهم حقًّا، ومن بعدهم ملوك وأمراء","vol":"8","page":604},{"text":"ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا\"، ثُمَّ يَقُولُ سَفِينَةُ: أَمْسِكْ: خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ سَنَتَيْنِ، وَخِلَافَةَ عُمَرَ عَشْرَةً، وَعُثْمَانَ اثْنَتَيْ (١) عَشْرَةَ، وَعَلِيٍّ سِتَّةً. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٥/ ٢٢٠، د: ٤٦٤٦، ت: ٢٢٦].\nــ\nوإن سمّوا بذلك مجازًا، ولكونهم خلفًا لمن مضى وقائمين مقامهم.\nوقوله: (ثم تكون) صحح بالتاء والياء، فإن كان بالتاء فالضمير للخلافة، أي: تصير، أي: تتبدل، وإن كان بالياء فالضمير للأمر أو نحوه.\nوقوله: (أمسك خلافة أبي بكر سنتين. . . إلخ)، المذكور في (جامع الأصول) (٢): كانت خلافته -﵁- سنتين وأربعة أشهر، وخلافة عمر -﵁- عشر سنين ونصفًا، وخلافة عثمان -﵁- اثنتي عشرة سنة إلا أيامًا، وخلافة علي -﵁- أربع سنين وتسعة أشهر، انتهى.\nوعلى هذا يتم خلافة الخلفاء الأربعة في تسعة وعشرين سنة وسبعة أشهر، وتبقى خمسة أشهر في ثلاثين سنة، وتتم بالحسن بن علي -﵄-، وهو متمم الخلافة الكبرى، والمشار إليها بهذا الحديث، وفي (مجمع البحار) (٣) لأبي بكر سنتان وثلاثة أشهر وتسع ليال، ولعمر عشر سنين ونصف وخمس ليال، ولعثمان اثنتا عشرة سنة إلا اثنتي عشرة ليلة، ولعلي -﵁- خمس سنين إلا ثلاثة أشهر، وللحسن من رمضان سنة أربعين إلى نصف جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، فذا ثلاثون سنة، انتهى. فعلى هذا تبقى ستة أشهر وثلاث ليال وتتم بالحسن المجتبى -﵁-.\n_________\n(١) في نسخة: \"اثني\".\n(٢) \"جامع الأصول\" (١٢/ ١٢١، ١٢٢، ١٢٤، ١٢٥).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٨٨).","vol":"8","page":605},{"text":"٥٣٩٦ - [١٨] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَكُونُ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ كَمَا كَانَ قَبْلَهُ شَرٌّ؟ قَالَ: \"نَعَمْ\"، قُلْتُ: فَمَا الْعِصْمَةُ؟ قَالَ: \"السَّيْفُ\"، قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ السَّيْفِ بَقِيَّةٌ؟ قَالَ: \"نَعَمْ، تكونُ إِمارةٌ عَلَى أَقْذَاءٍ وَهُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ\"، قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: \"ثُمَّ يَنْشَأُ دُعَاةُ الضَّلَالِ،\nــ\n٥٣٩٦ - [١٨] (حذيفة) قوله: (أيكون بعد هذا الخير) أي: يبقى بعد ظهور الإسلام (شر) أي: كفر كما كان قبله.\nوقوله: (فما العصمة؟) أي: ما طريق النجاة من ذلك الشر؟ (قال: السيف) أي: طريق النجاة أن تقاتلهم وتضربهم بالسيف، وقد يحمل ذلك على أهل الردة الذين كانوا في زمن الصديق.\nوقوله: (وهل بعد السيف بقية؟) أي: هل يبقى أهل الإسلام بعد مقابلتنا إياهم؟ وهل يصلح أهل ذلك الزمان للإمارة؟ (قال: نعم) يبقون ويصلحون للإمارة، (على أقذاء) جمع قذًى، وهو ما يقع في العين وفي الشراب من غبار ووسخ ونحوهما، قذيت عينه كرضي قذى وقَذَيانًا: وقع فيها القذى، أي: يكون اجتماع الناس على من جعل أميرًا بكراهة وفساد وإنكار في القلوب لا بطيبها، ويقال: فعلت كذا وفي العين قذى، والأولى أن يكون معناه: أنه تكون إمارة مع ارتكاب المناهي وظهور البدع؛ ليكون قوله: (هدنة على دخن) كالتأسيس، و(هدنة) بضم الهاء وسكون الدال المهملة: الصلح، يقال: هدن يهدن هدونا: سكن وأسكن، والصبي: أرضاه، و(دخن) بفتحتين: الدخان، وقد مر معناه، وحاصله أنه يكون صلح مع خداع وخيانة ونفاق.","vol":"8","page":606},{"text":"فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةٌ جَلَدَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ فَأَطِعْهُ، وَإِلَّا فَمُتْ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جَذْلِ شَجَرَةٍ\"، قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: \"ثُمَّ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَهُ نَهْرٌ وَنَارٌ، فَمَنْ وَقَعَ فِي نَارِهِ وَجَبَ أَجْرُهُ وَحُطَّ وِزْرُهُ، وَمَنْ وَقَعَ فِي نَهْرِهِ وَجَبَ وِزْرُهُ وَحُطَّ أَجْرُهُ\"، قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: \"ثُمَّ. . . . .\nــ\n(فإن كان للَّه في الأرض خليفة) أي: أمير وحاكم فأطعه، وإن جلد ظهرك وأخذ مالك أي: ظلمك في نفسك ومالك، (والا) أي: وإن لم يكن خليفة وأمير فاعتزل ومت على ذلك.\nوقوله: (وأنت عاض على جذل شجرة) قد أمضينا الكلام فيه في (الفصل الأول)، وقيل: (وإلا) أي: لم تطعه (فمت) أمر في معنى الخبر، وفي بعض النسخ: (قمت) من القيام، خبر بمعنى الأمر على الوجهين؛ أي: اذهب واخرج من بينهم، و(الجذل) بالكسر: أصل الشجر وغيرها بعد ذهاب الفرع، وما عظم من أصول الشجر، وأما، على مثال شماريخ النخل من العيدان، ويفتح فيهن.\nوقوله: (ثم يخرج الدجال) سمي به لتمويهه وتلبيسه وكذبه، والدجل: الكذب والتمويه، وسيجيء وجوه أخر في تسميته بذلك في (باب أشراط الساعة) إن شاء اللَّه تعالى.\nوقوله: (معه نهر ونار) الظاهر أنهما على الحقيقة، ويحتمل أن يراد أن معه لطفًا وقهرًا ووعدًا ووعيدًا، (فمن وقع في ناره) أي: خالفه طمعًا في ثواب اللَّه وأجره حتى يلقيه في ناره، ويدخله في معرض قهره، وجب أجره على اللَّه؛ جزاء على صبره وثباته على دينه، (ومن وقع في نهره) أي: أطاعه ووافقه طمعًا في الدنيا وحبًّا لحياتها.","vol":"8","page":607},{"text":"يُنْتَجُ الْمُهْرُ فَلَا يُرْكِبُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ\".\nوَفِي رِوَايَة: قال: \"هُدْنَةٌ عَلَى دَخَنٍ وَجَمَاعَةٌ عَلَى أَقْذَاءِ\"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الْهُدْنَةُ عَلَى الدَّخَنِ مَا هِيَ؟ قَالَ: \"لَا تَرْجِعُ قُلُوبُ أَقْوَامٍ عَلَى الَّذِي كَانَتْ عَلَيْهِ\"، قُلْتُ: بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ شَرٌّ؟ قَالَ: \"فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ. . . . .\nــ\nوقوله: (ينتج المهر فلا يركب): (ينتج) على صيغة المجهول من النتج، وهكذا يستعمل مجهولًا، من نتجت الناقة: إذا ولدتها، وكذلك يقال: نتجت الناقة والفرس بلفظ المجهول، ونتجها أهلها نتجًا، وسبق الكلام في تحقيق هذا اللفظ (في الفصل الأول) من (كتاب الإيمان بالقدر) في حديث شرح الفطرة. و(المهر) بضم الميم وسكون الهاء: ولد الفرس، أو أول ما نتج منه ومن غيره، والجمع أمهار ومِهار ومهارة.\nو(لا يركب) بضم الياء وكسر الكاف، أركب المهر: حان أن يركب، فهو مركب بكسر الكاف، والمراد زمن عيسى ﵇، إذ ذاك لا يركب المهر إلى يوم القيامة؛ لعدم احتياج الناس فيه إلى المحاربة والقتال، أو المراد أن بعد خروج الدجال لا يكون زمان طويل حتى تقوم الساعة، أي: يكون حينئذ قيام الساعة قريبًا قدر انتاج المهر وإركابه، هذا هو الأظهر كما جاء في حديث آخر: (لو نتج رجل مهرًا لم يركب حتى تقوم الساعة) (١).\nوقوله: (لا ترجع قلوب) بالرفع فاعل (ترجع) بلفظ التذكير والتأنيث، وقد أعرب في بعض النسخ بالنصب، وكأنه على أنه مفعول (ترجع) من الرجع متعديًا، والفاعل ضمير (الهدنة).\nوقوله: (عمياء) أي: يعمى فيها الإنسان عن أن يرى الحق، (صماء) أي:\n_________\n(١) أخرجه أبو الشيخ الأصفهاني في \"العظمة\" (٤/ ١١٧٦).","vol":"8","page":608},{"text":"صَمَّاءُ، عَلَيْهَا دُعَاةٌ عَلَى أَبْوَابِ النَّارِ، فَإِنْ مُتَّ يَا حُذَيْفَةُ وَأَنْتَ عَاضٌّ عَلَى جَذْلٍ خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَتَّبِعَ أَحَدًا مِنْهُمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٤٤].\n٥٣٩٧ - [١٩] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفًا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا عَلَى حِمَارٍ، فَلَمَّا جَاوَزْنَا بُيُوتَ الْمَدِينَةِ قَالَ: \"كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ جُوعٌ تَقُومُ عَنْ فِرَاشِكَ وَلَا تَبْلُغُ مَسْجِدَكَ حَتَّى يُجْهِدَكَ الْجُوعُ؟ \" قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: \"تَعَفَّفْ يَا أَبَا ذَرٍّ\"، قَالَ: \"كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ مَوْتٌ يَبْلُغُ الْبَيْتُ الْعَبْدَ. . . . .\nــ\nيصم عن أن يسمع فيها النصح، فالإسناد إلى الفتنة مجازي، وزاد أبو هريرة في روايته: (بكماء) كما سيأتي.\n٥٣٩٧ - [١٩] (أبو ذر) قوله: (كيف بك) الباء زائدة في المبتدأ، أي: كيف أنت، ولما زيدت الباء بدل الضمير المرفوع المنفصل مجرورًا متصلًا.\nوقوله: (تعفف) أي: لازم العفة وتكلف بها، واصبر على أذى الجوع والتقوى والكف عن الحرام وعن سؤال الناس، في (القاموس) (١): عف: كف عما لا يحل، وتعفف: تكلفها.\nوقوله: (إذا كان في المدينة موت يبلغ البيت العبد): (البيت) فاعل (يبلغ)، و(العبد) مفعول، وقيل: في معناه وجوه:\nأحدها: أن المراد بالبيت هو القبر، يعني يباع موضع قبر بعبد لضيق مواضع القبر لكثرة الموت، فيغلو ثمنه.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٥٥).","vol":"8","page":609},{"text":"حَتَّى إِنَّهُ يُبَاعُ الْقَبْرُ بِالْعَبْدِ؟ \"، قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: \"تَصَبَّرْ يَا أَبَا ذَرٍّ\"، قَالَ: \"كَيْفَ بِكَ يَا أَبَا ذَرٍّ. . . . .\nــ\nوثانيها: أن البيت هو القبر، والمراد أجرة حفر القبر قيمة العبد لكثرة الموتى وقلة الحفار، وترتب قوله: (حتى إنه يباع القبر بالعبد) على المعنى الأول ظاهر، وعلى الثاني بإرادة استئجار الحافر من بيع القبر.\nوثالثها: أن البيوت تصير رخيصة لكثرة الموت وقلة من يسكنها، فيباع بيت بعبد مع أن قيمة البيت على ما هو الغالب المتعارف تكون أكثر من قيمة العبد، فيراد بالقبر البيت.\nورابعها: أنه لا يبقى في البيت إلا عبد يقوم بمصالح أهل ذلك البيت.\nوقال الطيبي (١): على هذين الوجهين الأخيرين لا يحسن موقع (حتى) حسنُها على الوجهين الأولين، انتهى.\nوحقيقة الحال أنه لا يصح موقع (حتى) على الوجه الأول من هذين الوجهين الأخيرين لعدم المناسبة بينهما، وأما على الوجه الأخير فيجوز أن يقال: إنه لما ماتوا ولم يتركوا مالًا ولم يبق من الأموال إلا هذا العبد، فإذا مات أحد من أهل البيت يباع هذا العبد في اشتراء موضع القبر وأجرة الحفر، فيباع موضع القبر بالعبد، ويتخذ في أجرة حفره، فافهم.\nوقوله: (تصبر) على لفظ الأمر من باب التفعل، وفي بعض النسخ: (تصبر) على صيغة المضارع من الصبر.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٦١).","vol":"8","page":610},{"text":"إِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ قَتْلٌ تَغْمُرُ الدِّمَاءُ أَحْجَارَ الزَّيْتِ؟ \" قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: \"تَأْتِي مَنْ أَنْتَ مِنْهُ\"، قَالَ: قُلْتُ: وَأَلْبَسُ السِّلَاحَ؟ قَالَ: \"شَارَكْتَ الْقَوْمَ إِذًا\"، قُلْتُ: فَكَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"إِنْ خَشِيتَ أَنْ يَبْهَرَكَ شُعَاعُ السَّيْفِ فَأَلْقِ نَاحِيةَ ثَوْبِكَ عَلَى وَجْهِكَ لِيَبُوءَ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِهِ\". رَوَاهُ وأَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٦١].\nــ\nوقوله: (قتل تغمر الدماء أحجار الزيت) الغمر: الماء الكثير، غمره الماء غمرًا واغتمر: غطاه، تغطي الدماء وتستر وتعلو أحجار الزيت، وهو اسم موضع بالمدينة فيه أحجار سود كأنها طليت بالزيت، والعائد إلى الموصوف محذوف، أو يقال: إن الدماء في معنى القتل واللام بدل من الإضافة، وهذا إخبار عن وقعة الحرة، وهي من أشنع الوقائع وأقبحها، وقعت في زمن يزيد بن معاوية، أرسل جيشًا إلى مدينة الرسول -ﷺ- سنة ثلاث وستين بعد وقعة قتل أمير المؤمنين الإمام الشهيد الحسين بن علي -﵁-، فاستباح حرم المدينة، وهتك حرمة مسجده -ﷺ-، وربط فيه الدواب، وقتل من الصحابة والتابعين من يبلغ ألوفًا، وغير ذلك من الشنائع، وقد ذكرناها في تاريخ المدينة فليطلب ثمة، وذلك في ذي الحجة في سنة ثلاث وستين.\nوقوله: (تأتي من أنت منه) قيل: أي ارجع إلى من خرجت من عنده، يعني أهلك وعشيرتك، وقيل: ارجع إلى إمامك ومن بايعته.\nوقوله: (أن يبهرك) البهر: الإضاءة والغلبة، وهو كناية عن استعمال السيف.\nواعلم أنه ينبغي أن تحمل هذه الأخبار على أنه -ﷺ- لم يكشف له عن تعيين أوقات هذه الوقائع، فأخبر أبا ذر بالصبر فيها باحتمال أنه لعله يكون مدركًا لها، وإلا فأبو ذر -﵁- لم يكن باقيًا إلى وقعة الحرة؛ لأنه مات اثنين وثلاثين في خلافة عثمان -﵁-،","vol":"8","page":611},{"text":"٥٣٩٨ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"كَيْفَ بِكَ إِذَا أُبْقِيتَ (١) فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ، مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ؟ وَاخْتَلَفُوا فَكَانُوا هَكَذَا؟ \" وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، قَالَ: فَبِمَ تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: \"عَلَيْكَ بِمَا تَعْرِفُ وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَإِيَّاكَ وَعَوَامَّهُمْ\" وَفِي رِوَايَةٍ: . . . . .\nــ\nوأما وقوع الجوع والموت في المدينة يحتمل أنه أدركها أبو ذر؛ لأنه قد وقع قحط وموت بها كما في عام الرماد وغيره، أو يكون حالها أيضًا كذلك، واللَّه أعلم.\n٥٣٩٨ - [٢٠] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (في حثالة من الناس) بضم الحاء المهملة: القشارة، وما لا خير فيه، والرديء من كل شيء.\nوقوله: (مرجت عهودهم) بكسر الراء على صيغة المعلوم، أي: اختلطت وفسدت، وقوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] أي: لهبها المختلط بسوادها، ومرج الأمر: لم يف به، وفي (الصحاح) (٢): مرج الأمر، أي: اختلط واضطرب، وقد صحح في بعض النسخ (مرجت) بلفظ المجهول، من المرج متحركًا بمعنى الخلط، من قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الرحمن: ١٩].\nوقوله: (قال: عليك بما تعرف، ودع ما تنكر وعليك بخاصة نفسك. . . إلخ)، ولقد اتبع -﵁- ما أمره النبي -ﷺ-، وكان وصاه أيضًا باسترضاء والده، فكان بحكم الضرورة مع أبيه ومعاوية في الظاهر، مختلطًا معهم في الظاهر، ولم يكن معهم بالقلب، ولم يكن مخالفًا لهم ظاهرًا لرضا الوالد، وكانوا يقولون: لست منا، فأمره -ﷺ-\n_________\n(١) في نسخة: \"بقيت\".\n(٢) \"الصحاح\" (١/ ٣٤١).","vol":"8","page":612},{"text":"\"الْزَمْ بَيْتَكَ وَأَمْلِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَخُذْ مَا تَعْرِفُ وَدَعْ مَا تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ أَمْرَ الْعَامَّةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ (١) وَصَحَّحَهُ.\n٥٣٩٩ - [٢١] وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: \"إِنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي، فَكَسِّرُوا فِيهَا قِسِيَّكُمْ،\nــ\nبالاجتماع مع الناس والتزام العزلة بالكلية، أمر الكل ما يليق بحاله ويتيسر له، وهو المرشد الحكيم العارف بمصالح أمته -ﷺ-.\nوقوله: (الزم بيتك) وفي رواية: (وليسعك بيتك) أي: لا تخرج منه إلا لضرورة، (وأملك عليك لسانك) صحح بفتح الهمزة وكسر اللام، من الإملاك، وفسر الطيبي (٢): الإملاك بالسد والإحكام، يعني سدّ لسانك ولا تتكلم في أحوال الناس؛ كيلا يؤذوك.\nوفسره في (مجمع البحار) (٣): أي لا تُجْرِه إلا بما يكون لك لا عليك، وقال: هو أمر من الثلاثي، أي: احفظها عما لا خير فيه، وفي الحديث رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا قوي الأشرار وضعف الأخيار.\n٥٣٩٩ - [٢١] (أبو موسى) قوله: (فكسروا فيها قسيكم) القسي بكسر القاف وتشديد الياء جمع قوس، والقوس يذكر ويؤنث، وفي (الصحاح) (٤): أصل قسي (فليع)\n_________\n(١) لم أجده في \"سنن الترمذي\" وأخرجه أبو داود في \"سننه\" (٤٣٤٢، ٤٣٤٣).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٦٣).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٦٢٨).\n(٤) \"الصحاح\" (٣/ ٩٦٧).","vol":"8","page":613},{"text":"وَقَطِّعُوا فِيهَا أَوْتَارَكُمْ، وَاضْرِبُوا سُيُوفَكُمْ بِالْحِجَارَةِ، فَإِنْ دُخِلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٥٩].\nوَفِي رِوَايَة لَهُ: ذَكَرَ إِلَى قَوْلِهِ: \"خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي\"، ثُمَّ قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: \"كُونُوا أَحْلَاسَ بُيُوتِكُمْ\".\nوَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ فِي الْفِتْنَةِ: \"كَسِّرُوا فِيهَا قِسِيَّكُمْ، وَقَطِّعُوا فِيهَا أَوْتَارَكُمْ، وَالْزَمُوا فِيهَا أَجْوَافَ بُيُوتِكُمْ، وَكُونُوا كَابْنِ آدَمَ\". وَقَالَ: هَذَا حديثٌ صحيحٌ غريبٌ. [ت: ٢٢٠٤].\n٥٤٠٠ - [٢٢] وَعَنْ أُمِّ مَالِكٍ البَهْزِيَّةِ قَالَتْ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِتْنَةً. . . . .\nــ\nكان أجوف فصارت ناقصًا، فإذا نسبت إليها قلت قسوي؛ لأنها (فلوع) مغير من (فعول).\nوقوله: (فإن دخل) على صيغة المجهول مسند إلى قوله: (على أحد).\nوقوله: (كخير ابني آدم) وهو هابيل حين استسلم للقتل وقال لأخيه قابيل: ﴿مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٨ - ٢٩].\nوقوله: (كونوا أحلاس بيوتكم) جمع حلس بالكسر: كساء على ظهر البعير تحت البرذعة، ويبسط في البيت تحت حُرِّ الثياب، ويحرك، كذا في (القاموس) (١).\n٥٤٠٠ - [٢٢] (أم مالك) قوله: (البهزية) بفتح الموحدة وسكون الهاء وبالزاي، نسبة إلى بهز بن امرئ القيس.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٨٥).","vol":"8","page":614},{"text":"فَقَرَّبَهَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ خَيْرُ النَّاسِ فِيهَا؟ قَالَ: \"رَجُلٌ فِي مَاشِيَتِهِ يُؤَدِّي حَقَّهَا وَيَعْبُدُ رَبَّهُ، وَرَجُلٌ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ يُخِيفُ الْعَدُوَّ وَيُخَوِّفُونَهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٧٧].\n٥٤٠١ - [٢٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"سَتَكُونُ فِتْنَةٌ تَسْتَنْظِفُ الْعَرَبَ، قَتْلَاهَا فِي النَّارِ،\nــ\nوقوله: (فقربها) أي: جعلها قريبًا وقوعها، وقال الطيبي (١): أي وصفها وصفًا بليغًا، فإن من وصف شيئًا عند أحد وصفًا بليغًا فكأنه قربه إليه، انتهى.\nلعله أراد أنه وصفها وصفًا بليغًا اتضح عنده وحضر في ذهنه فتخيله واقعًا، ويمكن أن يكون المراد تقريبها إلى أذهانهم وخيالاتهم، واللَّه أعلم.\nوقوله: (يخيف العدو) من الإخافة، والمراد بالعدو الكفار، أي: هرب من الفتنة وقتال المسلمين وقصد ثغرًا من الثغور يقاتل فيه الكفار، فيبقى سالمًا منها غانمًا.\n٥٤٠١ - [٢٣] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (تستنظف العرب) أي: تستوعبهم وتصل إلى جميعهم، يقال: استنظف الوالي ما عليه من الخراج: استوفى، واستنظف الشيء: أخذه كله.\nوقوله: (قتلاها) جمع قتيل كمرضى جمع مريض، والظاهر من اللفظ يشمل الفريقين، وإنما يكون كذلك إذا كان قصدهم بالمقاتلة الطمع في الملك والمال لا إعلاء الدين، أما إذا كان أحدهما محقًّا والآخر مبطلًا من غير شبهة وتأويل، فالآخر هو الذي قتلاه في النار، وإذا كان بشبهة وتأويل، واجتهاد، ولو كان مخطئًا، فليس أحد\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٦٤).","vol":"8","page":615},{"text":"اللِّسَانُ فِيهَا أَشَدُّ مِنْ وَقْعِ السَّيْفِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْن مَاجَه. [ت: ٢٦٧٨، جه: ٣٩٦٧].\n٥٤٠٢ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"سَتَكُونُ فِتْنَةٌ صَمَّاءُ بَكْمَاءُ عَمْيَاءُ، مَنْ أَشْرَفَ لَهَا اسْتَشْرَفَتْ لَهُ، وَإِشْرَافُ اللِّسَانِ فِيهَا كَوُقُوعِ السَّيْفِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٦٤].\n٥٤٠٣ - [٢٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا قُعُودًا عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَذَكَرَ الْفِتَنَ، فَأَكْثَرَ فِي ذِكْرِهَا حَتَّى ذَكَرَ فِتْنَةَ الأَحْلَاسِ، قَالَ (١) قَائِلٌ: وَمَا فِتْنَةُ الأَحْلَاسِ؟ . . . . .\nــ\nمنهما في النار، وقيل: قاله زجرًا وتوبيخًا ومبالغةً في النهي عن المقاتلة وإثارة الفتنة.\nوقوله: (اللسان فيها أشدّ من وقع السيف) لأنهم مسلمون، وغيبة المسلمين بدعة شنيعة على طبق قوله: (الغيبة أشد من الزنا) خصوصًا إذا كان من الصحابة، ويحتمل أن يكون المراد أن إطالة القول في ذمهم وغيبتهم يفضي إلى القتل فإنهم لو سمعوه لربما قتلوا المغتاب والذام، وربما ينشأ من ذلك النهب والجلاء والمفاسد العظيمة أكثر مما ينشأ من نفس الفتنة.\n٥٤٠٢ - [٢٤] (أبو هريرة) قوله: (صماء بكماء عمياء) قد عرفت أنها وصفت بهذه الأوصاف بأوصاف أصحابها، أي: لا يسمع فيها الحق، ولا ينطق به، ولا يتضح الباطل عن الحق.\n٥٤٠٣ - [٢٥] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (فتنة الأحلاس) قد علم معنى الحلس،\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".","vol":"8","page":616},{"text":"قَالَ: \"هِيَ هَرَبٌ وَحَرَبٌ، ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ دَخَنُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي وَلَيْسَ مِنِّي، إِنَّمَا أَوْلِيَائِي الْمُتَّقُونَ، ثُمَّ يَصْطَلِحُ النَّاسُ عَلَى رَجُلٍ كَوَرِكٍ عَلَى ضِلْعٍ،\nــ\nوإنما أضيفت الفتنة إليها لدوامها؛ لأن الحلس يبقى تحت الثياب دائمًا، أو تشبيهًا به في الكدرة والرداءة، أو بمجرد أن الأحلاس تفرش وتبسط في البيوت، ففيه إشارة إلى التزام البيوت والعزلة في ذلك الزمان.\nوقوله: (هرب وحرب) كلاهما بفتح الراء، و(الحرب) بالحركة: نهب مال الإنسان وتركه لا شيء له، كذا قال الطيبي (١)، والحارب: المسلح الغاصب الناهب الذي يعري الناس ثيابهم، والهرب: الفرار، هرب هربا بالتحريك: فرّ، (وفتنة السراء دخنها من تحت قدمي رجل. . . إلخ)، الرواية في (فتنة السراء) بالرفع، و(دخنها) خبره، فهو عطف على جملة (وهي هرب وحرب)، ويروى بالنصب، وهو الظاهر، أي: ثم ذكر فتنة السراء.\nوقوله: (دخنها من تحت قدمي) جملة مستأنفة لبيانها، أي: السبب في وقوعها السرور لسبب كثرة النعم وفضول الأموال، أو لأنها تسر الكفار لوقوع الخلل في الدين والضرة في المسلمين.\nوقوله: (رجل من أهل بيتي) لعل هذه الفتنة بل هذه الفتن كلها تكون في آخر الزمان كما ينبئ عنه قوله: (فإذا كان ذلك فانتظروا الدجال من يومه أو من غده)، فتدبر.\nوقوله: (كورك) بفتح الواو وكسر الراء، (على ضلع) بكسر الضاد وفتح اللام،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٦٦).","vol":"8","page":617},{"text":"ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ، لَا تَدَعُ أَحَدًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلَّا لَطَمَتْهُ لَطْمَةً، فَإِذَا قِيلَ: انْقَضَتْ تَمَادَتْ، يُصْبحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ: فُسْطَاطِ إِيمَانٍ لَا نِفَاقَ فِيهِ، وفُسْطَاطِ نِفَاقٍ لَا إِيمَانَ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَانْتَظِرُوا الدَّجَّالَ أَوْ مِنْ غَدِهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٤٢].\n٥٤٠٤ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، أَفْلَحَ مَنْ كَفَّ يَدَهُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٤٩].\nــ\nوفي (القاموس) (١): كعنب وجذع، أي: على رجل لا استقامة له ولا نظام، لأن الورك لا يستقيم على الضلع ولا يتركب عليه.\n(ثم فتنة الدهيماء) تصغير الدهماء، وهي الداهية السوداء المظلمة، من إضافة الموصوف إلى الصفة، وقيل: هي اسم ناقة غزا عليها سبعة إخوة، فقتلوا عن آخرهم، وحملوا عليها [حتى رجعت بهم]، فصارت مثلًا في كل داهية، كذا قال الطيبي (٢)، فلا يكون من إضافة الموصوف إلى الصفة، وقال في (القاموس) (٣): الدهماء: العدد الكثير وجماعة الناس، فيحتمل أن يكون المعنى: فتنة يجتمع فيها الناس، أو تكون سببًا لاجتماع الناس للشر والنهب. و(الفسطاط) بالضم: مجتمع أهل الكورة، والسرادق من الأبنية، ويكسر، كذا في (القاموس) (٤).\n٥٤٠٤ - [٢٦] (أبو هريرة) قوله: (من شر قد اقترب) الظاهر أنه إشارة إلى\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٦٨).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٦٧).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٠٠).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦١٣).","vol":"8","page":618},{"text":"٥٤٠٥ - [٢٧] وَعَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، إِنَّ السَّعِيدَ لَمَنْ جُنِّبَ الْفِتَنَ، وَلِمَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ فَوَاهًا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٦٣].\n٥٤٠٦ - [٢٨] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمٍ الْقِيَامَةِ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الأَوْثَانَ، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيين لَا نَبِيَّ بِعْدِي، وَلَا تَزَالُ طَائِفَة مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ. . . . .\nــ\nوقعة عثمان -﵁-، بل شامل لما وقع بعده بين علي ومعاوية أيضًا، واللَّه أعلم.\n٥٤٠٥ - [٢٧] (المقداد بن الأسود) قوله: (إن السعيد من جنب الفتن) كرر ثلاث مرات، و(جنب) بلفظ المجهول بلفظ التفعيل إشارة إلى أنه ابتلاء من اللَّه، ومنه تبعيد من يشاء من عباده لطفًا منه تعالى.\nوقوله: (ولمن ابتلي فصبر) بفتح اللام عطف على قوله: (لمن جنب).\nوقوله: (فواهًا) منقطع عنه، ومعناه التلهف والتحسر، أي: واهًا من باشر الفتنة وسعى فيها، وقيل: معناه الإعجاب والاستطابة، و(لمن) بكسر اللام؛ أي: ما أحسن وأطيب صبر من صبر عليها، ولا يخفى أنه لو حمل على معنى التعجب لصح بالفتح أيضًا.\n٥٤٠٦ - [٢٨] (ثوبان) قوله: (كلهم يزعم) أي: كل واحد، ولذا وحد الضمير، أو هو باعتبار لفظ (كل).\nوقوله: (أنه نبي اللَّه) أي: يدعون النبوة، وقد وجد منهم كثيرون في الأمصار فأهلكهم اللَّه تعالى، وكذلك يفعل بمن بقي إن شاء اللَّه تعالى، والدجال الأكبر خارج","vol":"8","page":619},{"text":"لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ. [د: ٤٢٥٢، ت: ٢٢٠٢، ٢٢١٩، ٢٢٢٩].\n٥٤٠٧ - [٢٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"تَدُورُ رَحَى الإِسْلَامِ لِخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ أَوْ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ،\nــ\nعن هذا العدد، وهو يدعي الألوهية، وبه فارق الدجالين.\n٥٤٠٧ - [٢٩] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين) (١) أي: أمر الإسلام يستقر وينتظم على ما ينبغي هذه المدة، واللام في (لخمس) بمعنى (في)، وفي خمس وثلاثين كان مقتل عثمان -﵁-، وهو أول فتنة وقعت في الإسلام، وفي ست وثلاثين وقعة الجمل، وفي سبع وثلاثين حرب صفين، فابتداء الأمر معتبر من الهجرة التي هي مبدأ ظهور دولة الإسلام، ويحتمل أنه قد قال رسول اللَّه -ﷺ- هذا القول وقد بقيت من عمره السنون الزائدة على الثلاثين باختلاف الروايات، فإذا انضمت إلى مدة الخلافة -وهي ثلاثون سنة- كانت بالغة ذلك المبلغ، وهذا أولى إن أريد الاستقرار والانتظام باعتبار عدم تطرق البدعة، وخلاف ما كان عليه الأمر في الابتداء والأول إن أريد باعتبار تطرق الفتنة والمحاربة، ويحتمل أن يعتبر من ابتداء ظهور الوحي، فيتم عدد خمس وثلاثين بانقضاء خلافة الفاروق، فإنه لا شك أن أمر الأمن والإيمان والسنة كان أنظم وأسلم في خلافة الشيخين، وقد تطرق في خلافة عثمان أو بعد سنة أو سنتين منها ما صار سببًا للوحشة وإثارة الفتنة، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) حمله الحافظ في \"الفتح\" (١٣/ ٢١٣) على زمن بني أمية بعد إخراج زمن معاوية -﵁-، وهو أحسن المحتملات في معناه، كذا في \"التقرير\".","vol":"8","page":620},{"text":"فَإِنْ يَهْلِكُوا فَسَبِيلُ مَنْ هَلَكَ، وَإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ يَقُمْ لَهُمْ سَبْعِينَ عَامًا\". قُلْتُ: أَمِمَّا بَقِيَ أَوْ مِمَّا مَضَى؟ قَالَ: \"مِمَّا مَضَى\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٥٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1191> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٤٠٨ - [٣٠] عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا خَرَجَ إِلَى غَزْوَةِ حُنَيْنٍ مَرَّ بِشَجَرَةٍ لِلْمُشْرِكِينَ كَانُوا يُعَلِّقُونَ عَلَيْهَا أَسْلِحَتَهُمْ يُقَالُ لَهَا: ذَاتُ أَنْوَاطٍ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"سُبْحَانَ اللَّهِ! هَذَا كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ. . . . .\nــ\nوقوله: (فإن يهلكوا فسبيل من هلك) أي: فسبيلهم سبيل من هلك من القرون السابقة.\nوقوله: (وإن يقم لهم دينهم) في طاعة الولاة وإقامة الحدود والأحكام، (يقم لهم) أي: يقم أمرهم إلى عام سبعين، ولعله كان الأمر لعبد الملك باعتبار هذه الأمور أنظم وأتم إلى هذه المدة بإخبار المخبر الصادق وهو أعلم به.\nوقوله: (قلت: أمما بقي أو مما مضى؟) يعني أن السبعين لهم مبتدأة بعد خمس أو ست أو سبع وثلاثين، أم تدخل الأعوام المذكورة في جملتها، (قال: مما مضى) يعني يقوم لهم أمر دينهم إلى عام سبعين سنة من أول دولة الإسلام أو وجود الهجرة، لا من انقضاء خمس وثلاثين أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين، وهذ المقدار يكفي في شرح هذا الكلام، وهو الوجه المختار، وذكروا فيه وجوهًا، فتدبر.\nالفصل الثالث\n٥٤٠٨ - [٣٠] (أبو واقد) قوله: (ذات أنواط): (الأنواط) في الأصل جمع","vol":"8","page":621},{"text":"لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قبلكُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٨٠].\n٥٤٠٩ - [٣١] وَعَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الأُولَى -يَعْنِي مَقْتَلَ عُثْمَانَ- فَلَمْ يَبْقَ مِنْ أَصْحَابٍ بَدْرٍ أَحَدٌ، ثُمَّ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الثَّانِيةُ -يَعْنِي الْحَرَّةَ- فَلَمْ يَبْقَ مِنْ أَصْحَابِ الْحُدَيْبِيَةِ أَحَدٌ، ثُمَّ وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ الثَّالِثَةُ فَلَمْ تُرْفَعْ (١) وَبِالنَّاسِ طَبَاخٌ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٨٠٠].\n* * *\nــ\nنوط، مصدر ناطه نوطًا: علقه، أريد به المنوط تسمية بالمصدر.\n٥٤٠٩ - [٣١] (ابن المسيب) قوله: (فلم يبق من أصحاب بدر أحد) يعني أنهم ماتوا منذ قامت الفتنة بمقتل عثمان إلى أن قامت الفتنة الأخرى بوقعة الحرة لا أنهم قتلوا في هذه الفتنة، وكان آخر من مات من البدريين سعد بن أبي وقاص، ومات قبل وقعة الحرة ببضع سنين، وكذا الحال في أصحاب الحديبية.\nوقوله: (ثم وقعت الفتنة الثالثة) قيل: المراد بالفتنة الثالثة خروج ابن حمزة الخارجي في زمن مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، قيل: هي فتنة الأزارقة، والأول أولى لأنها مخصوصة بالمدينة، وفتنة الأزارقة غير مخصوصة، وظاهر الحديث يفهم منه الاختصاص كالفتنتين الأوليين، كذا في (الحواشي).\nوقوله: (وبالناس طباخ) الطباخ بالفتح كسحاب، ويضم: القوة والسمن، وقال الطيبي (٢): يقال: فلان لا طباخ له؛ أي: لا عقل له ولا خير عنده، أراد أنه لم يبق\n_________\n(١) في نسخة: \"تَرْتَفِعُ\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٧٢).","vol":"8","page":622},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1192>١ - باب الملاحم</span>\nــ\nفي التابعين أحد من الصحابة، وفي (مجمع البحار) (١) عن الكرماني: الفتنة الثالثة قتال بين عبد اللَّه بن الزبير والحجاج وتخريبه الكعبة، وذلك في أربع وسبعين زمان عبد الملك بن مروان، انتهى.\nوعلى هذا لا يصح القول بعدم بقاء أحد من الصحابة فيها؛ لوجود الصحابة إلى سنة مئة، اللهم إلا أن يراد عدم وجودهم في منابذة الفتنة لا في زمنها.\nوفي (مشارق الأنوار) (٢) قوله في الفتن: (لم يبق للناس طباخ)، وقيل: معناه لم يبق عقال، وقيل: قوة، وقيل: حسن الدين والمذهب، والمراد هنا بقية الخير والصلاح، والطباخ: القوة.\n١ - باب الملاحم\nجمع ملحمة، وهو موضع القتال، إما من اللحم لكثرة لحوم القتلى فيها، أو من لحمة الثوب لاشتباك الناس واختلاطهم فيها كاشتباك لحمة الثوب بسداه، والأول أنسب وأقرب، وفي (مشارق الأنوار) (٣): ملاحم القتال: معاركها، وهي مواضع القتال، ولكن قال في (القاموس) (٤): الملحمة: الوقعة العظيمة. وفي (الصراح): ملحمة: فتنة وحرب بزركَـ، وإنما أفردها من الفتن، لأن الفتنة أعم مفهومًا من الملحمة وإن كان المذكور هنا من الفتن هو القتال، ولأنه ذكر في هذا الباب حروبًا مخصوصة بين طوائف\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٤٢٩).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣١٧).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٥٥).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٤٣).","vol":"8","page":623},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1193> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٤١٠ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قال: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، تَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، دَعَوَاهُمَا وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ،\nــ\nالمسلمين بأعيانها، وذكر مواضع مخصوصة وبلاد معينة وقع فيها القتال، فافهم.\nالفصل الأول\n٥٤١٠ - [١] (أبو هريرة) قوله: (دعواهما واحدة) أي: كل واحد يدعي الإسلام، إذ كل واحد يدعي أنه على الحق على زعمه واعتقاده، قالوا: المراد علي ومعاوية وأتباعهما، لكن الحق كان على يدي علي، وقد روي عنه -﵁- أنه قال: إخواننا بغوا علينا، وقد روي أيضًا أنه جيء برجل من فئة معاوية على علي فقال رجل من شيعة علي متأسفًا على حاله: إني لأعلم أنه كان مؤمنًا محسنًا في إيمانه، فقال علي -﵁-: هو الآن مؤمن أيضًا، وفي الحديث دليل على بطلان قول الخوارج في تكفيرهم كلتا الطائفتين، وبطلان قول الروافض: إن مخالفي علي -﵁- كفرة.\nوقوله: (دجالون) أي: كذابون مموهون، وأصل الدجل: الخلط، دجل: إذا لبس وموه، وفي الحديث: أن أبا بكر خطب فاطمة إلى النبي -ﷺ- فقال: (وعدتها لعلي ولست بدجال) أي: لست بخداع ولا ملتبس عليك.\nوقوله: (قريب) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: عدوهم قريب، وبهذا الاعتبار وحد، وقد سبق في آخر (الفصل الثاني) من (كتاب الفتن): (كذابون ثلاثون)، ولعل المراد منه أيضًا القريب منه مسامحة، أو يقال: كوشف عليه -ﷺ- أولًا هكذا مبهمًا ثم عين العدد، واللَّه أعلم.","vol":"8","page":624},{"text":"كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ، وَهُوَ الْقَتْلُ، وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ، حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ. . . . .\nــ\nوقوله: (ويتقارب الزمان) قد مرّ معناه مكررًا أولًا في (كتاب الرؤيا) وثانيًا في (كتاب الفتن).\nوقوله: (ويكثر الهرج) قد سبق أن (الهرج) بفتح الهاء وسكون الراء معناه الفتنة والاختلاط، فتفسيره بالقتل تفسير بالمسبب، و(المرج) محركة بمعناه، وإذا ذكر مع الهرج أُسْكِنَ.\nوقوله: (فيفيض) بفتح ياء بمعنى يكثر زائدًا في الكثرة، في (القاموس) (١): فاض الماء يفيض فيضًا: كثر حتى سال كالوادي.\nوقوله: (حتى يهم رب المال من يقبل صدقته): (يهم) بضم ياء وكسر هاء، و(رب المال) مفعوله، و(من يقبل) فاعله، أي: يقلق صاحب المال طلب من يأخذ منه زكاته وصدقته لفقد المحتاج، ويروى بفتح الياء وضم الهاء، من هم: إذا قصد، و(رب) فاعله و(من) مفعوله، أي: يقصده فلا يجده فيقلق، وروي (رب) بالنصب، من همه الشيء: إذا أحزنه، كذا في (مجمع البحار) (٢)، وفي (القاموس) (٣): الهم: الحزن، همه الأمر همًا: حزنه، كأهمه.\nوقوله: (وحتى يعرضه) بفتح أوله، وهو عطف على مقدر، أي: حتى يجده\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٨٥).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ١٨٣).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٥٦).","vol":"8","page":625},{"text":"فَيَقُولُ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ لِي بِهِ، وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ، وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ، وَحَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَت وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذلِكَ حِينَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]،\nــ\nويعرضه عليه، كذا قالوا، قيل: مضى ذلك في زمن الصحابة، كان يعرض عليهم الصدقة فيأبون قبولها، ولكن كان هذا حال زهادتهم لعدم الرغبة في الدنيا لا لفيض المال، وسياق الحديث يدل على أن ذلك لفيض المال، والصحيح أن ذلك في زمان المهدي ﵇.\nوقوله: (يا ليتنى): (ليت) كلمة تمنٍّ، تنصب الاسم وترفع الخبر، وتتعلق بالمستحيل غالبًا وبالممكن قليلًا، وقد تُنَزَّلُ منزلة وجدتُ، فيعديها إلى مفعولين، نحو ليت زيدًا شاخصًا، ويقال: ليتني وليتي، كما يقال: لعلي ولعلني، وإنما يتمنى الموت مكانه لوجود الفتن والمحن في الدين، فيتمنى الموت لينجو منها، وأما تمني الموت لمحنة الدنيا فلا يجوز، ومع ذلك هو واقع.\nوقوله: (وحتى تطلع الشمس من مغربها) سيجيء بيانه في (باب اشتراط الساعة).\nوقوله: (فذلك حين ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾، وحمله المفسرون على حالة الاحتضار، وتمسك به المعتزلة على عدم نفع الإيمان بدون العمل كما هو مذهبه، وأجاب عنه أصحابنا بما لا يخلو عن دقة وخفاء، والكل مذكور في (الكشاف) و(البيضاوي) وحواشيهما، ويفهم من الحديث أن المراد","vol":"8","page":626},{"text":"وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يُلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أَكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٢١، م: ١٥٧].\n٥٤١١ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمُ الشَّعْرُ، وَحَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ صِغَارَ الأَعْيُنِ، حُمْرَ الْوُجُوهِ، ذُلْفَ الأُنُوفِ،\nــ\nمن يومئذ يوم طلوع الشمس من مغربها، فتدبر.\nوقوله: (ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما) إلى آخر الحديث، المقصود من هذه الفقرات الأربعة أن الساعة تأتي الناس بغتة وهم في أشغالهم بعد وجود أشراطها، والمراد منها نفخة الصعق، و(اللقحة) بالكسر اللَّقُوح، وهي الناقة الحلوب، أو التي نتُجت لقوحٌ إلى شهرين أو ثلاثة، ثم هي لبون، ولاط الحوض: طينه.\n٥٤١١ - [٢] (وعنه) قوله: (نعالهم الشعر) الظاهر أن المراد أن نعالهم من شعر مضفور، وقيل: المراد بيان طول شعرهم حتى يصير أطرافها في أرجلهم موضع النعال، (ذلف الأنوف): (ذلف) بضم الذال وسكون اللام في آخره فاء جمع أذلف، كأحمر وحمر، الذلف محركة: صغر الأنف واستواء الأرنبة، أو صغره في دقة، أو غِلْظٌ واستواء في طرفه، ورجل أذلف، وقد ذلف كفرح، وهي ذلفاء، وفي (مجمع البحار) (١): الذلف محركة: قصر الأنف وانبطاحه، وقيل: ارتفاع طرفه مع صغر أرنبته،\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٢٤٨).","vol":"8","page":627},{"text":"كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ المَجَانُّ المُطْرَقَةُ\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٩٢٨، م: ٢٩١٢].\n٥٤١٢ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا خُوزًا وَكِرْمَانَ مِنَ الأَعَاجِمِ، حُمْرَ الْوُجُوهِ،\nــ\nوروي بمهملة أيضًا، أي: صغير الأنف مستوي الأرنبة.\nوقوله: (كأن وجوههم المجان) بفتح الميم وتشديد النون على وزن (مفاعل)، جمع مجن بكسر الميم وفتح الجيم، وهو الترس، و(المطرقة) بسكون الطاء وتخفيف الراء على اللغة الفصحى، وقد يفتح الطاء وبشدد الراء، و(الطرق) بكسر الطاء: جلد بقدر الدرقة، ثم يلصق عليها ويجعل طاقة فوق طاقة كالنعل المخصوفة، أطرقت الترس: إذا فعلت به ذلك، ومنه طارق النعلَ: إذا صيّرها طاقًا فوق طاق، ورَكَّب بعضها على بعض، والمراد تشبيه وجوه الترك في عرضها ونتو وجناتها وغلظها وكثرة لحمها بالترس المطرقة.\n٥٤١٢ - [٣] (وعنه) قوله: (خوزًا) بضم الخاء وبالزاي، و(كرمان) بكسر الكاف: بلدان، والخوز جبل معروف، وفي (القاموس) (١): الخوز: الجيل من الناس، واسم لجميع بلاد خوزستان، وهكذا الخوز (٢) بأصبهان، وكرمان بلد معروف، ويروى بكسر الكاف وفتحها، وقال في (القاموس) (٣): وقد يكسر، أو لحنٌ: إقليم بين فارس وسجستان، وقال الكرماني شارح (البخاري): المحدثون يروونه بالفتح، ونحن أعلم باسم بلدنا، هو بكسر الكاف لا غير، انتهى، ولا يبعد أن يكون هو على لسان الأعاجم\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٦٠).\n(٢) \"وهكذا الخوز\" كذا في الأصل، وفي \"القاموس\": \"وسكة الخوز\".\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٤٠).","vol":"8","page":628},{"text":"فُطْسَ الأُنُوفِ، صِغَارَ الأَعْيُنِ، وُجُوهُهُمُ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ، نِعَالُهُمُ الشَّعْرُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٩٠].\n٥٤١٣ - [٤] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ تَغْلِبَ: \"عراض الْوُجُوه\". [خ: ٢٩٢٧].\n٥٤١٤ - [٥] وَعَنْهُ (١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ وَالشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nــ\nبالكسر وبلفظ العرب بالفتح على نحو من التعريب.\nوقوله: (فطس الأنوف) جمع أفطس، والفطس بالتحريك: تطامن قصبة الأنف وانتشارها، أو انفراش الأنف في الوجه، فطس كفرح، والنعت أفطس وفطساء، والاسم الفطسة محركة.\n٥٤١٣ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (عمرو بن تغلب) بكسر التاء وفتحها.\n٥٤١٤ - [٥] (وعنه) قوله: (إلا الغرقد) نوع من شجر العضاه، وبه سمي مقبرة المدينة المنورة بقيع الغرقد، وفي (مجمع البحار) (٢): هو نوع من شجر الشوك معروف ببلاد بيت المقدس، واحده غرقدة، وهناك يكون قتل الدجال.\n_________\n(١) في نسخة: \"وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٣٠).","vol":"8","page":629},{"text":"٥٤١٥ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصَاهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥١٧، م: ٢٩١٠].\n٥٤١٦ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَذْهَبُ الأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: الْجَهْجَاهُ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"حَتَّى يَمْلِكَ رَجُلٌ مِنَ الْمَوَالِي يُقَالُ لَهُ: الجَهْجَاهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩١١].\n٥٤١٧ - [٨] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: لتُفْتَحَنَّ. . . . .\nــ\n٥٤١٥ - [٦] (وعنه) قوله: (حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه) وفي حديث آخر: (سيكون ملك من قحطان يسوق الناس)، وقحطان هو أبو اليمن، وسوق الناس بعصاه هو كناية عن استقامة الناس وانقيادهم إليه واتفاقهم عليه، ولم يرد نفس العصا، وإنما ضربه مثلًا لاستيلائه عليهم وطاعتهم له، إلا أن في ذكرها دليلًا على عسفه بهم وخشونته عليهم، وقال الكرماني: هو حقيقة أو مجاز عن القهر والضرب، وقال الطيبي (١): سوق العصا عبارة عن التسخير كسوق الراعي.\n٥٤١٦ - [٧] (وعنه) قوله: (يقال له: الجهجاه) وير وى (جهجا) بترك الهاء و(جهجاء)، وفي (مجمع البحار) (٢): ويروى (الجهجل)، ويقال لها: الجهجاهة بفتح جيمين وسكون هاء بينهما، وبهائين بعد ألف.\n٥٤١٧ - [٨] (جابر بن سمرة) قوله: (لتفتحن) بفتح التاء والحاء على صيغة\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٧٥).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤١٠).","vol":"8","page":630},{"text":"عِصَابَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَنْزَ آلِ كِسْرَى الَّذِي فِي الأَبْيَض\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩١٩].\n٥٤١٨ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَلَكَ كِسْرَى فَلَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ، وَقَيْصَرُ لِيَهْلِكَنَّ ثُمَّ لَا يَكُونُ قَيْصَرُ بَعْدَهُ، وَلَتُقْسَمَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ\"، وَسَمَّى الْحَرْبَ خَدْعَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٢٧، م: ٢٩١٨].\nــ\nالغائبة، وفي رواية: (لتفتتحن) بالتاءين.\nوقوله: (في الأبيض) هو حصن بالمدائن كانت تسميه العجم: سفيد كرشك، والآن بني مكانه مسجد المدائن، وقد أخرج كنزه زمن عمر -﵁-، وفي (مجمع البحار) (١) عن النووي: أي في قصره الأبيض أو دوره البيض. وفي (القاموس) (٢): الأبيض: قصر للأكاسرة، وكان من العجائب إلى أن نقضه المكتفي، وبنى بشرافاته أساس التاج، وبأساسه شرافاته، فتعجب من هذا الانقلاب، وبلد باليمامة، وحصن باليمن.\n٥٤١٨ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (هلك كسرى. . . إلخ)، إخبار بالغيب وعبر بالماضي لتحقق وقوعه.\nوقوله: (وسمى الحرب خدعة) عطف على (قال)، أي: قال هذا الحديث وسمى الحرب خدعة، وكأنه جرى في مجلسه -ﷺ- ذكر عن الحرب والسؤال عنه، فالراوي نقل جميع ما جرى ذكره في المجلس، و(خدعة) مثلثة، وكهمزة، وروي بهن\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٢٤٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٧٣).","vol":"8","page":631},{"text":"٥٤١٩ - [١٠] وَعَنْ نَافِعِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَغْزُونَ جَزِيرَةَ الْعَرَبِ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ فَارِسَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ،\nــ\nجميعا، كذا في (القاموس) (١)، وفي بعض الشروح: (خدعة) بضم أو بفتح مع سكون، وبضم مع فتح، والثاني أفصح، قيل: معناه على الإسكان: أن الحرب تخدع أهلها، من وصف الفاعل بالمصدر، ويروى (خدعة) بالفتح فيهما جمع خادع؛ أي: أهلها، وأصل الخدع: إظهار أمر وإضمار خلافه، واتفقوا على جوازه ما لم يكن فيه نقض عهد وأمان.\n٥٤١٩ - [١٠] (نافع بن عتبة) قوله: (جزيرة العرب) اعلم أن عبارات الناس اختلفت في تحديد أرض العرب، فقال صاحب (التبيين) (٢): حدّها طولًا ما وراء ريف العراق إلى أقصى صخر باليمن، وعرضًا من جُدّة وما والاها من الساحل إلى حد الشام، وقال الزاهدي شارح (القدوري): حدّها من العذيب إلى مكة، ومن عدن إلى أقصى حجر باليمن بمهرة إلى حد الشام، وقال الإمام خواهر زاده: من عدن أبين إلى ريف العراق، ومن رمل يبرين إلى منقطع السماوة، وهي تهامة والحجاز ومكة واليمن والطائف والعمان والبحرين، وقال محمد ﵀: وأرض العرب من العذيب إلى مكة، ومن عدن أبين إلى أقصى حجر باليمن بمهرة، وقال صاحب (مواهب الرحمن): هي ما بين العذيب إلى أقصى حجر باليمن بمهرة طولًا، وما بين الدهناء ويبرين ورمل عالج إلى حد الشام عرضًا، وقال شارح (الوقاية): هي ما بين العذيب إلى أقصى حجر باليمن بمهرة إلى حد الشام، وهذه العبارة موافقة لما في (ملتقى الأبحر).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٤١).\n(٢) \"تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق\" (٣/ ٢٧١).","vol":"8","page":632},{"text":"ثُمَّ تَغْزُونَ الرُّومَ فَيَفْتَحُهَا اللَّهُ، ثُمَّ تَغْزُونَ الدَّجَّالَ فَيَفْتَحَهُ اللَّه\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٠٠].\nــ\nوقال في (مجمع البحار) (١): جزيرة العرب اسم صقع من الأرض، وهو ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وما بين رمل يبرين إلى منقطع السماوة في العرض، سميت به لأن بحر فارس وبحر السودان أحاط بجانبها، وأحاط بالشمال دجلة والفرات، وقال الأصمعي: جزيرة العرب ما لم يبلغ ملك فارس من أقصى عدن إلى ريف العراق، وعرضها من جُدّة وما والاها إلى ساحل البحر إلى أطوار الشام، قال صاحب (القاموس) (٢): جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند وبحر الشام، ثم دجلة والفرات، أو ما بين عدن أبين إلى أطراف الشام طولًا، ومن جُدّة إلى ريف العراق عرضًا، قال في الشُّمُنِّي: هي ما بين حفر أبي موسى إلى أقصى اليمن في الطول، وما بين أرض يبرين إلى منقطع السماوة في العرض، وقال البخاري (٣): قال يعقوب بن محمد: سألت المغيرة بن عبد الرحمن عن جزيرة العرب فقال: مكة والمدينة واليمامة واليمن، وقال يعقوب: والعرج أول تهامة، وفي (شرح الوافي): هي أرض الحجاز وتهامة واليمن ومكة والطائف والبرية، انتهى.\nنقلت هذا من مجموعات سيدي الشيخ الإمام عبد الوهاب المتقي روح اللَّه روحه، وأوصل إلينا فيوضه وفتوحه.\nوقوله: (ثم تغزون الروم) بالضم، قيل: من ولد روم بن عيصو، والرومي نسبة\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٣٥٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٢٩).\n(٣) \"صحيح البخاري\" (٣٠٥٣).","vol":"8","page":633},{"text":"٥٤٢٠ - [١١] وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَقَالَ: \"اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ،\nــ\nإليهم، أي: واحد منهم، كاليهودي والزنجي، فليس بين الواحد والجمع إلا الياء المشددة، كذا في (الصحاح) (١)، وصار الروم الآن اسم بلادهم، وإليها ينسب.\n٥٤٢٠ - [١١] (عوف بن مالك) قوله: (في غزوة تبوك) هي اسم موضع من أرض الشام، وقال في (القاموس) (٢): تبوك أرض بين الشام والمدينة، وفي (الصحاح) (٣): تبوك اسم غزوة للنبي -ﷺ-، وهي تفعل من البوك، ورأى النبي -ﷺ- قومًا من أصحابه يبوكون حِسْي تبوك بقدح، أي: يدخلون فيها القدح ويحركونه ليخرج الماء، فقال: (ما زلتم تبوكونها)، فسميت تلك الغزوة غزوة تبوك، وفي (النهاية) (٤): والبوك: تثوير الماء بنحو عود ليخرج من الأرض، و(الحسي) بكسر الحاء وسكون السين المهملتين: العين.\nوقوله: (موتي) بيان لقوله: (ستًّا)، أي: الأمور الستة هذه.\nوقوله: (ثم فتح) صححوه بالرفع وإن كان يحتمل النصب بدلًا عن قوله: (ستًّا).\nوقوله: (بيت المقدس) كمجلس ومعظم، فكأنه من إضافة الموصوف إلى الصفة\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٥/ ١٩٣٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٤١).\n(٣) \"الصحاح\" (٤/ ١٥٧٦).\n(٤) \"النهاية\" (١/ ١٦٢).","vol":"8","page":634},{"text":"ثُمَّ مُوتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِئَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الأَصْفَرِ. . . . .\nــ\nبتأويل: بيت المكان المقدس، وقد يقال: البيت القدس، سمي به لأنه مكان يتقدس ويتطهر فيه من الذنوب.\nوقوله: (ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم) في (النهاية) (١): الموتان بوزن البطلان: الموت الكثير الوقوع، وفي (القاموس) (٢): موتان بالضم: موت يقع في الماشية ويفتح، وكأن المراد به ما وقع في زمن عمر -﵁-، ويسمى طاعون عمواس، وعمواس قرية من قرى بيت المقدس كان معسكر المسلمين حينئذ، قالوا: مات في ثلاثة أيام سبعون ألفًا من المسلمين، و(قعاص) بضم الفاف آخره صاد: داء في الغنم لا يُلبثها أن تموت، وداء في الصدر كأنه يكسر العنق.\nوقوله: (فيظل ساخطًا) أصل (ظل) اقتران مضمون الخبر بالنهار، فمعنى ظل زيد سائرًا: أنه ثبت له ذلك في جميع نهاره، ويجيء بمعنى صار، والظاهر أن المراد هنا هذا المعنى، أي: يصير ساخطًا؛ استقلالًا للمال المذكور، وتحقيرًا له لكثرة المال عنده.\nوقوله: (بينكم وبين بني الأصفر) المراد بهم الروم، وسمي الروم بني الأصفر؛ لأن أباهم الأول -وهو روم بن عيصو بن إسحاق- كان أصفر في بياض، كذا في (النهاية) (٣)، وقيل: لأن جدهم روم بن عيص تزوج بنت ملك حبشة، فجاء ولده بين\n_________\n(١) \"النهاية\" (٤/ ٣٧٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٤٨).\n(٣) \"النهاية\" (٣/ ٣٧).","vol":"8","page":635},{"text":"فَيَغْدِرُونَ، فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣١٧٦].\n٥٤٢١ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتِ الرُّومُ: خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ،\nــ\nالسواد والبياض، وقيل: إن [جيشًا من] الحبشة غلب على بلادهم في وقت، فوطئ نساءهم فولدت كذلك، وقيل: نسبوا إلى الأصفر بن روم بن عيصو، والوجهان الأخيران مذكوران في (القاموس) (١).\nوقوله: (تحت ثمانين غاية) الغاية: الراية، ويقال: غييتها وأغييتها: نصبتها، وروي (غابة) بموحدة بمعنى أجمة، شبه كثرة رماح العسكر بها.\n٥٤٢١ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (تنزل الروم بالأعماق أو بدابق): (أعماق) بلفظ الجمع: اسم موضع من أطراف المدينة، وليس بجمع، و(دابق) بفتح الباء: اسم سوق بها، وكلمة (أو) للشك من الراوي كما هو الظاهر المتعارف في أمثال هذه العبارة، ولا يحسن الشك منه -ﷺ-، إلا أن يقال: لم يوح إليه هذا معينًا بل على الإبهام، ومثله يوجد في الأحاديث، وهنا احتمال أن كلمة (أو) بملاحظة الاختيار الذي هو ثابت للروم عند إرابتهم (٢) في النزول بأي موضع منهما شاءت، فافهم فإنه لا يخلو عن دقة.\nوقوله: (سبوا منا) ببناء الفاعل، أي: الذين غزوا بلادنا وسبوا ذرياتنا، يريدون\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٨٤).\n(٢) أراب الأمر: صار ذا ريب.","vol":"8","page":636},{"text":"فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لَا وَاللَّهِ لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا، فَيُقَاتِلُونَهُمْ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ، وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا، فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطُنْطِينيَّةَ،\nــ\nبه تفريق كلمة المؤمنين، وروي ببناء المجهول، فالمراد الموالي الذين صاروا مسلمين.\nوقوله: (فينهزم ثلث) أي: من المسلمين، (ويقتل ثلثهم) أي: ثلث المسلمين، وكتب (ثلثهم) متصلًا (هم) بـ (ثلث) المرفوع من غير تنوين مضافًا إلى (هم)، فيكون (أفضل) بدلًا من (ثلثهم)، أو خبر محذوف، ويرى في الظاهر أن يكون (ثلث) منونًا، و(هم) مبتدأ، و(أفضل) خبره.\n(قسطنطينية) بضم القاف وسكون السين وضم الطاء الأولى وكسر الثانية، وبعدها ياء ساكنة ثم نون، ونقل بعضهم زيادة ياء مشددة بعد النون، وقد تخفف الياء، وقال في (القاموس) (١): قسنطينية: حصن بحدود إفريقية، وقُسْطَنْطِينَة أو قُسْطَنْطِينِيّة بزيادة ياء مشددة، وقد تضم الطاء الأولى منهما: دار ملك الروم، وفتحها من أشراط الساعة، وتسمى بالرومية بُوزنطيا، وارتفاع سورها أحد وعشرون ذراعًا، وكنيستها مستطيلة، وبجانبها عمود عال في دور أربعة أبواع تقريبًا، وفي رأسه فرس من نحاس، وعليه فارس، وفي إحدى يديه كرة من ذهب، وقد فتح أصابع يده على الأخرى مشيرًا بها، وهو صورة قُسْطَنْطِينَ بانيها.\nوقال القاضي عياض في (مشارق الأنوار) (٢): قسطنطينة بضم أوله وسكون السين المهملة وضم الطاء الأولى وسكون النون وكسر الطاء الثانية، كذا قيدناها، وكذا\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦١٤).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٩٩).","vol":"8","page":637},{"text":"فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ إِذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ، فَيَخْرُجُونَ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِذَا جَاؤُوا الشَّأْمَ خَرَجَ، فَبَيْنَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ فَأَمَّهُمْ، فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ تَرَكَهُ لَانْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ، وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ، فَيُرِيهُمْ دَمَهُ. . . . .\nــ\nقيدها أهل هذا الشأن، قال ابن مكي: ولا يقال: بفتح الطاء الأولى ولا بطاء واحدة، وفي رواية السجزي: قسطنطينية بزيادة ياء مشددة، ونقل الطيبي (١) عن الترمذي: قد فتحت قسطنطينية في زمان بعض أصحاب النبي -ﷺ-، وتفتح عند خروج الدجال.\nوقوله: (إن المسيح) أي: الدجال، وأكثر ما يطلق المسيح عليه مع ذكر الدجال، والمطلق يطلق على عيسى ﵇، وأطلق هنا بناء على وضوح القرينة.\nوقوله: (وذلك) أي: هذا الخبر (باطل) أي: كاذب، (فإذا جاؤوا) أي: المسلمون، (الشأم) بالهمزة، وقد لا يهمز: بلاد عن مشأمة القبلة، وسميت بذلك لأن قومًا من بني كنعان تشاءموا إليها، أي: تياسروا، أو سميَّ بسام بن نوح، فإنه بالشين بالسريانية، أو لأن أرضها شامات بيض وحمر وسود، وعلى هذا لا تهمز.\nوقوله: (ذاب) أي: شرع في الذوبان.\nوقوله: (لانذاب) أي: بتمامه، وكلمة (لكن يقتله اللَّه بيده) فيه تصريح بأن فعل العبد مخلوق للَّه تعالى وكسبه للعبد.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٧٨).","vol":"8","page":638},{"text":"فِي حَرْبَتِهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٩٧].\n٥٤٢٢ - [١٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: \"إِنَّ الساعةَ لَا تقومُ حَتَّى لَا يُقْسَمَ ميراثٌ وَلَا يُفْرَحَ بِغَنِيمَةٍ\"، ثُمَّ قَالَ: \"عَدُوٌّ يَجْمَعُونَ لِأَهْلِ الشَّامِ وَيَجْمَعُ لَهُمْ أَهْلُ الإِسْلَامِ -يَعْنِي الرُّومَ-، فَيَتَشَرَّطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يَحْحِزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ، وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، ثُمَّ يَتَشَرَّطُ الْمُسْلِمُونَ. . . . .\nــ\nوقوله: (في حربته) الحربة: رمح صغير.\n٥٤٢٢ - [١٣] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (ولا يفرح بغنيمة) الفرح: محركة السرور والبطر، فهو فرح ومفروح وفارح وفرحان، وهم فراحى وفرحى، وامرأة فرِحة وفرحى وفَرحانة، وأفرحه وفرحه.\nوقوله: (ثم قال) أي: في بيان ذلك ووقوعه: (عدو) أي: أعداء، لأن العدو اسم جنس يقع على الواحد والجمع، وهو مبتدأ مخصص بالصفة، و(يجمعون) خبره، أي: عدو كثير عظيم يجمعون لمقاتلة أهل الشام، و(أهل الإسلام) هم أهل الشام.\nوقوله: (يعني الروم) بيان للمراد من العدو، أي: يعني بالعدو الروم، وهم النصارى، والظاهر أنه من كلام الراوي.\nوقوله: (فيتشرط المسلمون) بالياء التحتانية قبل الفوقانية من باب التفعل، ويروى (فيشترط) من الافتعال، و(الشرطة) بضم الشين وفتح الراء وسكونها: واحد الشرط كصرد، وهم أول كتيبة تشهد الحرب وتتهيأ للموت، أي: يأخذ المسلمون نخبة وخيارًا من جيشهم ليقاتلوا ويستعدّوا للموت، ولا يرجعوا إلا غالبين، أي: لا يرجعون مغلوبين، بل إن رجعوا رجعوا غالبين، وليس معناه أنهم يرجعون البتة","vol":"8","page":639},{"text":"شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يَحْجِزَ بَيْنَهُمُ اللَّيْلُ، فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ، وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، ثُمَّ يَتَشَرَّطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يُمْسُوا، فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ، وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الرَّابعِ نَهَدَ إِلَيْهِمْ بَقِيَّةُ أَهْلِ الإِسْلَامِ، فَيَجْعَلُ اللَّهُ الدَبَرَةَ عَلَيْهِمْ، فَيَقْتَتِلُونَ مَقْتَلَةً لَمْ يُرَ مِثْلُهَا، حَتَّى إِنَّ الطَّائِرَ لَيَمُرُّ بِجَنْبَاتِهِمْ فَمَا يُخَلِّفُهُمْ حَتَّى يَخِرَّ مَيِّتًا،\nــ\nغالبين حتى ينافي قوله: (تفنى الشرطة)، والمراد بقوله: (فيفيء) أي: يرجع (هؤلاء) أي: المسلمون والعدو، يعني معظم الجيش لا الشرطة، فلا يشكل بأنه لما فنيت الشرطة فقد غلب فيه العدو، وحجز يحجز من ضرب ونصر.\nوقوله: (فإذا كان يوم الرابع) هكذا في نسخ (المصابيح) و(المشكاة)، وفي نسخ (صحيح مسلم)، وكأنه من إضافة الموصوف إلى الصفة، أو الإضافة بيانية من إضافة العام إلى الخاص، كشجر الأراك، وقد كتب في هامش نسخة من (صحيح مسلم) مصححة مقروءة على الشيخ مجد الدين الفيروزآبادي: (يوم الرابعة، صفة الليلة، أي: يوم الليلة الرابعة)، وفي نسخة من (المصابيح) لا يعتمد عليها ذاك الاعتماد جعل الألف واللام على (الرابع) بالحمرة، وكان في أصل النسخة بدونهما، واللَّه أعلم.\nوقوله: (نهد) كمنع ونصر: نهض وقصد، و(الدبرة) محركة: الهزيمة في القتال، ونقيض الدولة، والعاقبة، و(الجنبات) بفتحات جمع الجنبة محركة، والجنب والجانب: شق الإنسان وغيره، (فما يخلفهم) بالتشديد من التفعيل، أي: يجاوزهم، من الخلف نقيض قدام، (حتى يخر ميتا) إما لنتنهم، وإما لطول مسافتهم التي وقعوا فيها قتلى، فلا يستطيع قطعها فيقع ميتًا.","vol":"8","page":640},{"text":"فَيُتَعَادُّ بَنُو الأَبِ كَانُوا مِئَةً فَلَا يَجدُونَهُ بَقِيَ مِنْهُمْ إِلَّا الرَّجُلُ الْوَاحِدُ، فَبِأَيِّ غَنِيمَةٍ يُفْرَحُ، أَوْ أَيُّ مِيرَاثٍ يُقْسَمُ؟ فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ سَمِعُوا بِبَأْسٍ هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَجَاءَهُمُ الصَّرِيخُ أَنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَلَفَهُمْ فِي ذَرَارِيِّهِمْ، فَيَرْفُضُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَيُقْبِلُونَ، فَيَبْعَثُونَ عَشْرَ فَوَارِسَ طَلِيعَةً\"، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنِّي لأَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ، وَأَلْوَانَ خُيُولِهِمْ، هُمْ خَيْرُ فَوَارِسَ -أَوْ مِنْ خَيْرِ فَوَارِسَ- عَلَى ظَهْرِ الأَرْض يَوْمئِذٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٩٩].\nــ\nوقوله: (فيتعاد) بضم الياء وفتح التاء وتشديد الدال المرفوعة، أي: يعد بعضهم بعضًا، أي: كان يعد الأقارب الحاضرون في تلك الحرب فلا يجدون من مئة إلا واحدًا، يعني كان كثرة القتلى إلى هذا الحد بقي من كل مئة واحد، وفي رواية: (بنو الأم فلا يجدونه) أي: المئة بتأويل العدد، وفي رواية: (فلا يجدون) بدون الضمير.\nوقوله: (فبأي كنيمة يفرح، أو أيّ ميراث يقسم) هذا بيان معنى قوله: (حتى لا يقسم ميراث ولا يفرح بغنيمة)، و(الباس) العذاب والشدة في الحرب، (فجاءهم الصريخ): (الصريخ): المغيث والمستغيث كالصارخ، وفي (الصراح) (١): صريخ: آواز فرياد خواه، وفرياد كننده، وفرياد رس، وهو من الأضداد، (فيبعثون عشر فوارس طليعة) الفارس: راكب الفرس وصاحبه كلابس، والجمع فوارس شاذ، وإنما جرد (عشر) عن التاء نظرًا إلى أنهم طلاح، ويحتمل -واللَّه أعلم- أن يكون فوارس جمع فارسة، أي: جماعة فارسة، فيكون المبعوث عشر جماعات من الفارسين، وطليعة الجيش: من يبعث ليطلع على عدد العدو، (فعيلة) بمعنى (فاعلة)، يستوي فيه الواحد والجمع، والجمع طلائع.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ١١٦).","vol":"8","page":641},{"text":"٥٤٢٣ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"هَلْ سَمِعْتُمْ بِمَدِينَةٍ جَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَرِّ وَجَانِبٌ مِنْهَا فِي الْبَحْرِ؟ \" قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْزُوَهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنْ بَنِي إِسْحَاقَ، فَإِذَا جَاؤُوهَا نَزَلُوا فَلَمْ يُقَاتِلُوا بِسِلَاحٍ وَلَمْ يَرْمُوا بِسَهْمٍ قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَيَسْقُطُ أحدُ جانبيها\" -قَالَ ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ الرَّاوِي: لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: الَّذِي فِي الْبَحْر- \"ثُمَّ يَقُولُونَ الثَّانِيَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَيَسْقُطُ جَانِبُهَا الآخَرُ، ثُمَّ يَقُولُونَ الثَّالِثَةَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، فَيُفَرَّجُ لَهُمْ، فَيَدْخُلُونَهَا فَيَغْنَمُونَ، فَبَيْنَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْمَغَانِمَ إِذْ جَاءَهُمُ الصَّرِيخُ فَقَالَ: إِنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَرَجَ، فَيَتْرُكُونَ كُلَّ شَيْءٍ وَيَرْجِعُونَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٢٠].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1194> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٤٢٤ - [١٥] عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عُمْرَانُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ خَرَابُ يَثْرِبَ،\nــ\n٥٤٢٣ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (من بني إسحاق) قيل: هم عسكر الشام، وهم من نسل إسحاق ﵇، وهم المسلمون.\nوقوله: (قال ثور بن يزيد. . . إلخ)، لفظ الحديث في (المصابيح) هكذا: (فيسقط أحد جانبيها الذي في البحر)، فأشار المؤلف إلى أن قوله: (الذي في البحر) ليس من قول النبي -ﷺ-، بل هو مدرج من قول الراوي، وهو ثور بن يزيد.\nالفصل الثاني\n٥٤٢٤ - [١٥] (معاذ بن جبل) قوله: (عمران) بضم العين، أي: عمارة بيت","vol":"8","page":642},{"text":"وَخَرَابُ يَثْرِبَ خُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ، وَخُرُوجُ الْمَلْحَمَةِ فَتْحُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، وَفَتْحُ قُسْطَنْطِينِيَّةَ خُرُوجُ الدَّجَّال\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٩٤].\n٥٤٢٥ - [١٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الملحمة الْعُظْمَى وَفَتْحُ الْقُسْطُنْطِينيَّةِ وَخُرُوجُ الدَّجَّالِ فِي سَبْعَةِ أَشْهُرٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٢٣٨، د: ٤٢٩٥].\n٥٤٢٦ - [١٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"بَيْنَ الْمَلْحَمَةِ وَفَتْح الْمَدِينَةِ سِتُّ سِنِينَ، وَيَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي السَّابِعَةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ. [د: ٤٢٩٦].\nــ\nالمقدس سبب خراب يثرب؛ لأن عمرانه باستيلاء الكفار، والمعنى أن كل واحد من هذه الأمور أمارة لوقوع ما بعده، وإن وقع هناك مهلة كما في الحديثين الآتيين، فلا يرد أنه قد سبق في حديث أبي هريرة: (إذ صاح فيهم الشيطان: إن المسيح قد خلفكم في أهليكم، [فيخرجون]، وذلك باطل) أي: هذا الإخبار والصياح كذب، فيعلم منه أنه لا يكون فتح القسطنطينية أمارة خروج الدجال، فافهم.\nوقوله: (خروج الملحمة) أي: الملحمة العظمى المذكورة من قبل التي يبقى فيها من مئة واحد.\n٥٤٢٥ - [١٦] (وعنه) قوله: (الملحمة العظمى وفتح القسطنطينية وخروج الدجال في سبعة أشهر) قال الجزري: في إسناده كلام، وفيه بقية، وقد تكلم فيه.\n٥٤٢٦ - [١٧] (عبد اللَّه بن بسر) قوله: (ست سنين) لا يخفى ما في هذا الحديث والذي قبله من الاختلاف الفاحش، ولكن هذا الحديث صحيح، والذي قبله في إسناده كلام لا يكاد يصح كما عرفت، فلا يعارضه، واللَّه أعلم.","vol":"8","page":643},{"text":"٥٤٢٧ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: يُوشِكُ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُحَاصَرُوا إِلَى الْمَدِينَةِ حَتَّى يَكُونَ أَبْعَدَ مَسَالِحِهِمْ سَلَاحٌ، وَسَلَاحٌ: قَرِيبٌ مِنْ خَيْبَرَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٥٠].\n٥٤٢٨ - [١٩] وَعَنْ ذِي مِخْبَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: . . . . .\nــ\n٥٤٢٧ - [١٨] (ابن عمر) قوله: (يوشك المسلمون أن يحاصروا إلى المدينة) أي: يضطروا إليها لمحاصرة العدو إياهم، والظاهر أن هذا إخبار عن حال المسلمين زمن الدجال حين يأرز الإسلام إلى المدينة المطهرة، أو يكون هذا في زمان آخر.\nوقوله: (حتى يكون أبعد مسالحهم) جمع مسلحة، وأصله موضع السلاح، ثم استعمل للثغر، وهو المراد هنا، أي: أبعد ثغورهم هذا الموضع القريب من خيبر القريب من المدينة على عدة مراحل، وقد يستعمل لقوم يحفظون الثغور من العدو لأنهم يكونون ذوي سلاح، أو لأنهم يسكنون المسلح الذي هو موضع السلاح يرقبون العدو لئلا يطرقهم على غفلة كما في حديث الدعاء: (بعث اللَّه له مسلحة يحفظونه من الشيطان) (١)، وقد جاء في الحديث: مسالح الدجال، والمراد به مقدمة جيشه، و(سلاح) كسحاب وقطام: موضع أسفل خيبر، كذا في (القاموس) (٢)، فعلى الأول يكون منصرفًا إن أوّل بالموضع، وغير منصرف إن أوّل بالبقعة، وعلى الثاني علمًا لعين المؤنث، وهي غير منصرف عند بني تميم، ومبني عند أهل الحجاز.\n٥٤٢٨ - [١٩] (ذو مخبر) قوله: (وعن ذي مخبر) بميم مكسورة وسكون خاء معجمة وفتح موحدة، وقيل: بميم بدل موحدة، ابن أخي النجاشي خادم رسول اللَّه -ﷺ-.\n_________\n(١) انظر: \"النهاية\" (٢/ ٣٨٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٠٤).","vol":"8","page":644},{"text":"\"سَتُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا، فَتَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا مِنْ وَرَائِكُمْ، فَتُنْصَرُونَ وَتَغْنَمُونَ وَتَسْلَمُونَ، ثُمَّ تَرْجِعُونَ حَتَّى تَنْزِلُوا بِمَرْجٍ ذِي تُلُولٍ، فَيَرْفَعُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ الصَّلِيبَ، فَيَقُولُ: غَلَبَ الصَّلِيبُ، فَيَغْضَبُ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَدُقُّهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَغْدِرُ الرُّومُ وَتَجْمَعُ لِلْمَلْحَمَةِ\". وَزَادَ بَعْضُهُمْ: \"فَيَثُورُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى أَسْلِحَتِهِمْ فَيَقْتَتِلُونَ، فَيُكْرِمُ اللَّهُ تِلْكَ الْعِصَابَةَ بِالشَّهَادَةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٩٢].\nــ\nوقوله: (فتغزون عدوًّا) مفعول (تغزون)، و(من ورائكم) أي: من خلفكم صفة (عدوًّا).\nوقوله: (صلحًا آمنا) صفة النسبة، أو الإسناد مجازي. و(المرج) بسكون الراء في آخره جيم: الموضع ترعى فيه الدواب، و(التلول) بضم مثناة وخفة لام جمع (تل) بمفتوحة: كل ما اجتمع على الأرض من تراب أو رمل.\nوقوله: (فيرفع رجل من أهل النصرانية) وهم الروم، و(الصليب) شيء يكون للنصارى، وسيجيء معناه في (باب نزول عيسى ﵇): (فيقول): أي: ينقض الذمة، كان النصراني نسب الفتح إلى الصليب تعظيمًا للنصرانية، فيلزم منه نقض العهد بالمسلمين، ويجوز أن يكون قوله ذلك لقصد نقض الذمة إخبارًا بغلبتهم على المسلمين في معنى الانشاء، فافهم.\nوقوله: (فيثور المسلمون) الثَّوْر: الهيجان، والوثب، والسطوع، ونهوض القطا والجراد، كذا في (القاموس) (١).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٢٤).","vol":"8","page":645},{"text":"٥٤٢٩ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"اتْرُكُوا الْحَبَشَةَ مَا تَرَكُوكُمْ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَخْرِجُ كَنْزَ الْكَعْبَةِ إِلَّا ذُو السُّويقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٠٩].\n٥٤٣٠ - [٢١] وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"دَعُوا الْحَبَشَةَ مَا وَدَعُوكُمْ، وَاتْرُكُوا التُّرْكَ مَا تَرَكُوكُمْ\". رَوَاهُ. . . . .\nــ\n٥٤٢٩ - [٢٠] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (فإنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين من الحبشة) و(السويقة): تصغير الساق، وصغر لأن الغالب على سوق الحبشة الدقة والخموشة، والمراد بالكنز مال كان مدفونًا في الكعبة من نذور كانت تحمل إليها قديمًا وغيرها، وقيل: هو كنز مدفون تحت الكعبة، وفي حديث آخر: (يخرب الكعبة ذو السويقتين)، وهذا عند قرب الساعة حيث لا يبقى قائل: اللَّه اللَّه، وقيل: يخرب في زمان عيسى ﵇.\nوقال القرطبي: بعد رفع القرآن من الصدور والمصحف بعد موت عيسى ﵇، وهو الصحيح، ولا يعارض هذا قوله تعالى: ﴿حَرَمًا آمِنًا﴾ [القصص: ٥٧]؛ إذ أمنه إلى قرب القيامة وخراب الدنيا، وبعد ما يخرب الحبشة لا يعمر، ومعنى حديث: (ليحجن البيت بعد [خروج] يأجوج ومأجوج) أن يحج مكان البيت، كذا في (مجمع البحار) (١)، ومما ذكرنا يحصل الجواب عما يشكل أنه قد ورد أن المهدي ﵇ يخرج كنز الكعبة الشريفة بأن هذا الكنز الذي يجتمع بعد المهدي، فتدبر.\n٥٤٣٠ - [٢١] (رجل من أصحاب النبي -ﷺ-) قوله: (ما ودعوكم) أي: تركوكم، هذا الحديث حجة على الصرفيين في حكمهم بأنهم أماتوا ماضي (يدع) إن ثبت أنه\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ١٥٠).","vol":"8","page":646},{"text":"أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [د: ٤٣٠٢، ن: ٣١٧٦].\n٥٤٣١ - [٢٢] وَعَنْ بُرَيْدَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي حَدِيثٍ: \"يُقَاتِلُكُمْ قَوْمٌ صِغَارُ الأَعْيُنِ\" يَعْنِي التُّرْكَ، قَالَ: \"تَسُوقُونَهُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ حَتَّى تُلْحِقُوهُمْ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَأَمَّا فِي السِّيَاقَةِ الأُولَى فَيَنْجُو مَنْ هَرَبَ مِنْهُمْ، وَأَمَّا الثَّانِيَةِ فَيَنْجُو بَعْضٌ وَيَهْلِكُ بَعْضٌ، وَأَمَّا الثَّالِثَةِ فَيُصْطَلَمُونَ\"، أَوْ كَمَا قَالَ: رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٠٥].\n٥٤٣٢ - [٢٣] وَعَن أبي بَكْرَة أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"يَنْزِلُ أُنَاسٌ مِنْ أُمَّتِي بِغَائِطٍ. . . . .\nــ\nلفظ الرسول -ﷺ-، أو بعض من يوثق بعربيته من الرواة من الصحابة أو غيرهم، والحمل على أنه كان اللفظ (وادعوكم) أي: سالموكم فسقط الألف من قلم بعض الرواة تكلف، إلا أن يكون مرادهم قلة ورود ذلك، وكذا ورد مصدره في حديث: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن [اللَّه] على قلوبهم) (١)، وقد قرئ قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] بالتخفيف، فتدبر، ولهذا أخوات وأمثلة كـ (اتزر) ووقوع (قط) في المستقبل وغيرهما ذكرت في محالِّها.\n٥٤٣١ - [٢٢] (بريدة) قوله: (فيصطلمون) بلفظ المجهول افتعال من الصلم، وهو القطع، وقيل: هو قطع الأذن والأنف من أصله، أريد به الاستئصال.\n٥٤٣٢ - [٢٣] (أبو بكرة) قوله: (بغائط) الغائط: المطمئن الواسع من الأرض، كذا في (القاموس) (٢).\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٨٦٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦١٢).","vol":"8","page":647},{"text":"يُسَمُّونَهُ الْبَصْرَةَ عِنْدَ نَهْرٍ يُقَالُ لَهُ: دِجْلَةُ، يَكُونُ عَلَيْهِ جِسْرٌ يَكْثُرُ أَهْلُهَا، وَيَكُونُ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا كَانَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ جَاءَ بَنُو قَنْطُورَاءَ عِرَاضُ الْوُجُوهِ صِغَارُ الأَعْيُنِ حَتَّى يَنْزِلُوا عَلَى شَطِّ النَّهْرِ، فَيَتَفَرَّقُ أَهْلُهَا ثَلَاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ يَأْخُذُونَ فِي أَذْنابِ الْبَقَرِ وَالْبَرِّيَّةِ وَهَلَكُوا،\nــ\nوقوله: (يسمونه البصرة) بالفتح ويحرك وبكسر الصاد، وهو بلد معروف، وقد كان بلد آخر بالمغرب يسمى بالبصرة خربت بعد الأربع مئة، ويجيء بمعنى الأرض الغليظة، وحجارة رخوة فيها بياض، ويالضم: الأرض الحمراء الطيبة، ويصرى كحبلى: بلد بالشام، وقرية ببغداد، كل ذلك ذكره في (القاموس) (١).\nثم إنهم قالوا: إن المراد بالبصرة المذكورة في الحديث هو بغداد، فإن دجلة -بفتح الدال وكسرها- هي الشط، وجسرها إنما هو في بغداد لا في البصرة، وفي بغداد موضع خارج عنه قريب من بابه يدعى باب البصرة، فلذلك سمي به تسمية بالجزء، وبغداد ما كانت مبنية في عهده -ﷺ-، ولا مصرًا من الأمصار، بل أخبر -ﷺ- بوجوده في الاستقبال بقوله: (ويكون من أمصار المسلمين)، ويسكن فيه أناس كثير من أمتي، بل كانت قرى متفرقة منسوبة إلى البصرة، وأيضًا لم يدخل الترك البصرة على سبيل الحرب والقتال بالكيفية المذكورة، فأخبر -ﷺ- أنه إذا كان، أي: الأمر أو الحال في جانب آخر الزمان من بناء ذلك المصر، جاء بنو قنطوراء، والمراد بهم الأتراك، وقنطوراء بفتح القاف وضم الطاء مقصورًا [وقد يمد]: اسم أبي الترك، وقيل: كانت جارية لإبراهيم ﵇ ولدت له أولادًا منهم الترك والصين، وتعقب بأن الترك من أولاد يافث ابن نوح ﵇، وهو قبل الخليل بكثير، ثم أخبر بأنهم يجيئون لمقاتلة أهل بغداد،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣١٧).","vol":"8","page":648},{"text":"وَفِرْقَةٌ يَأْخُذُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَهَلَكُوا، وَفِرْقَةٌ يَجْعَلُونَ ذَرَارِيَّهُمْ خَلْفَ ظُهُورِهِمْ وَيُقَاتِلُونَهُمْ، وَهُمُ الشُّهَدَاءُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٠٦].\n٥٤٣٣ - [٢٤] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"يَا أَنَسُ إِنَّ النَّاسَ يُمَصِّرِونَ أَمْصَارًا، فَإِنَّ مِصْرًا مِنْهَا يُقَالُ لَهُ: الْبَصْرَةُ،\nــ\nوينزلون على شط النهر، ففرقة من أهلها يأخذون في أذناب البقر، على معنى يوقعون الأخذ في الأذناب ويتمسكون بها، تنزيلًا للمتعدي منزلة اللازم، أو يأخذون ملجأ فيها، وله معان، أحدها: أنهم يشتغلون بالزراعة إعراضًا عن المقاتلة واستخلاصًا عنها، أو يبيعون البقر ويطلبونها للحراثة ويذهبون في طلبها إلى البلاد النائية فيهلكون، أو يحملون أحمالهم على البقر ويسوقونها ويتوغلون في السفر إلى البلاد ويهلكون، وينظر إلى هذا المعنى ويقويه قوله: (والبرية).\n(وفرقة يأخذون لأنفسهم) أي: ملجأ وأمانًا من بني قنطورا ولم يجدوا الأمان منهم، قيل: هم المستعصم باللَّه الخليفة ورؤساء بغداد وعلماؤها طلبوا الأمان فقتلوا تقتيلًا وجرى ما جرى عليهم، وفرقة قاتلوهم فاستشهد أكثرهم ونجى قليلون، وهذا الذي أشير إليه في الحديث، ومصدوقه قصة التتار وخروجهم على بلاد اللَّه وقتلهم عباد اللَّه في عهد المستعصم باللَّه، وهي فتنة عظيمة لم يقع ولم يرو مثلها، واللَّه أعلم، نسأل اللَّه تعالى العافية.\n٥٤٣٣ - [٢٤] (أنس) قوله: (يمصرون) من التمصير، في (القاموس) (١): مصروا المكان تمصيرًا: جعلوه مصرًا، فتمصر.\nوقوله: (وإن مصرًا منها يقال له: البصرة) يظهر منه أن تعمر البصرة وتمصيرها\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٢٩).","vol":"8","page":649},{"text":"فَإِنْ أَنْتَ مَرَرْتَ بِهَا أَوْ دَخَلْتَهَا فَإِيَّاكَ وَسِبَاخَهَا وَكَلَّاءَهَا وَنَخِيلَهَا وَسُوقَهَا وَبَابَ أُمَرَائِهَا، وَعَلَيْكَ بِضَوَاحِيهَا، فَإِنَّهُ يَكُونُ بهَا خَسْفٌ وَقَذْفٌ وَرَجْفٌ وَقَوْمٌ يَبِيتُونَ وَيُصْبِحُونَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ\". رَوَاهُ (١). [د: ٤٣٠٧].\nــ\nأيضًا بعد زمانه -ﷺ-، ولكن تمصيرها كان قبل تمصير بغداد وبنائها؛ لأن تمصير الكوفة والبصرة في زمن عمر -﵁-، وتمصير بغداد في زمان المنصور، فلم يناف بما ذكروا من التوجيه، و(السباخ) بالكسر جمع سبخة ويحرك: أرض ذات نزٍّ وملح، موضع بالبصرة. و(كلَّاء) ككَتَّان: موضع بالبصرة، ويذكر، وساحل كل نهر، كالمكلأ كمعظم، و(الضواحي) جمع ضاحية، وهي الناحية البارزة للشمس، وضاحية البصرة موضع منها.\nوقوله: (فإنه يكون بها خسف) الظاهر أن الضمير للسباخ، وما ذكر بعدها من المواضع حذر منها، وقيل: للمواضع المذكورة، وخسَف المكان يَخسِف خُسوفًا: ذهب في الأرض، وقذف بالحجارة يقذف: رمى بها، ورجف: حرك وتحرّك واضطرب شديدًا، رجفًا ورجفانًا ورجوفًا ورجيفًا، والأرض: زلزلت كأرجفت.\nوقوله: (وقوم يبيتون ويصبحون قردة وخنازير) المراد به المسخ، قيل: في هذا إشارة إلى أن بها قدرية؛ لأن الخسف والمسخ إنما يكون للمكذبين بالقدر، وقد أصاب القائل، فإن إمامهم ورئيسهم هو واصل بن عطاء، ومنه نشأت بدعة الاعتزال وما يتفرع عليها.\nوقوله: (رواه أبو داود. . . إلخ)، في الأصل هنا بياض، وموسى بن أنس بن\n_________\n(١) قال القاري (٨/ ٣٤٢٣): هنا بياض في الأصل، وقال الجزري: رواه أبو داود من طريق لم يجزم بها الراوي، بل قال: لا أعلمه إلا عن عيسى بن أنس عن أنس بن مالك.","vol":"8","page":650},{"text":"٥٤٣٤ - [٢٥] وَعَنْ صَالِحٍ بْنِ دِرْهَمٍ يَقُولُ: انْطَلَقْنَا حَاجَّينَ فَإِذَا رَجُلٌ، فَقَالَ لَنَا: إِلَى جَنْبِكُمْ قَرْيَةٌ يُقَالُ لَهَا: الأُبُلَّةُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: مَنْ يَضْمَنُ لِي مِنْكُمْ أَنْ يُصَلِّيَ لِي فِي مَسْجدِ الْعَشَّارِ رَكْعَتَيْنِ أَوْ أَرْبَعًا وَيَقُولُ: هَذِهِ لِأَبِي هُرَيْرَةَ؟ سَمِعْتُ خَلِيلِي أَبَا الْقَاسِمِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَبْعَثُ مِنْ مَسْجِدِ الْعَشَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُهَدَاءَ لَا يَقُومُ مَعَ شُهَدَاءِ بَدْرٍ غَيْرُهُمْ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٠٨]. وَقَالَ: هَذَا الْمَسْجِدُ مِمَّا يَلِي النَّهْرَ.\nوَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ أَبِي الدَّرْدَاءَ: \"إِنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ\" فِي (بَابِ ذِكْرِ الْيَمَنِ وَالشَّامِ) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.\nــ\nمالك الأنصاري قاضي البصرة، في الطبقة الثالثة، من تابعي البصرة، روى عن أبيه، وروى عنه مكحول وحميد الطويل، كذا في (جامع الأصول) (١).\n٥٤٣٤ - [٢٥] (صالح بن درهم) قوله: (فإذا رجل) أي: واقف، وهو أبو هريرة -﵁-، و(الأبلة) بضم الهمزة والباء وتشديد اللام: موضع بالبصرة أحد جنان الدنيا، كذا في (القاموس) (٢).\nوقوله: (ويقول: هذا لأبي هريرة) الظاهر أن معناه ثواب هذه الصلاة لأبي هريرة، وقد جاز في العبادة البدنية أن يجعل ثواب عمله لغيره، وفيه خلاف، ولعل مذهب أبي هريرة -﵁- هذا، وأما في العبادة المالية فجائز بالاتفاق، ويؤخذ من هذا الحديث أن العمل في الأمكنة الفاضلة فاضل.\nوقوله: (وقال: هذا المسجد. . . إلخ)، قول أبي هريرة -﵁- أو قول راوي\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٩١٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٦٣).","vol":"8","page":651},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1195> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٤٣٥ - [٢٦] عَنْ شَقِيقٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْفِتْنَةِ؟ فَقُلْتُ: أَنَا أَحْفَظُ كَمَا قَالَ، قَالَ: هَاتِ إِنَّكَ لِجَرِيءٌ وَكَيْفَ؟ قَالَ: قُلْتُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ يُكَفِّرُهَا الصِّيَامُ وَالصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ\"،\nــ\nالحديث.\nالفصل الثالث\n٥٤٣٥ - [٢٦] (شقيق) قوله: (هات إنك لجريء) من الجراءة، أي: قد تجاسرت بما ادعيت من حفظ كلام الرسول -ﷺ- كما قال، وفي بعض الروايات: (لجريء عليه أو عليها) أي: على رسول اللَّه أو على مقالته وكلمته، وقد يقال: والظاهر نظرًا إلى حال حذيفة وما كان من كونه صاحب سر رسول اللَّه -ﷺ- فيما يقع من الفتن: أن المعنى: إنك لجراءتك وكثرة سؤالك أخذت عن النبي -ﷺ- ما لم نأخذ منه، فهات وبين كيفيته، فحمل حذيفة الفتنة على ما يفتن بها الرجل ويبتلى من جهة الأهل والمال والولد ورعاية حقوقها ويكفر بما يأتي من الحسنات؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].\nوقوله: (يكفرها الصيام والصلاة) قال في (القاموس): الكفارة في المعاصي كالإحباط في الطاعات (١).\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٢٥): التفكير في المعاصي كالإحباط في الثواب.","vol":"8","page":652},{"text":"فَقَالَ عُمَرُ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، إِنَّمَا أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْر، قَالَ: قُلْتُ: مَا لَكَ وَلَهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا، قَالَ: فَيُكْسَرُ الْبَابُ أَوْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ يُكْسَرُ، قَالَ: ذَاكَ أَحْرَى أَنْ لَا يُغْلَقَ أَبَدًا، قَالَ: فَقُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: هَلْ كَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ البابُ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ لَيْلَةٌ، إِنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ،\nــ\nوقوله: (إن بينك وبينها بابًا مغلقًا) والمراد من باب المغلق وجود أمير المؤمنين عمر -﵁- كما فسره في آخر الحديث.\nوقوله: (فيكسر الباب أو يفتح؟) قيل: يحتمل أن يكنى بالكسر عن القتل وبالفتح الموت.\nوقوله: (قلت: لا، بل يكسر): (لا) نفي للتردد.\nوقوله: (قال ذاك) أي: الكسر أحرى وأولى بأن لا يغلق؛ لأنه لما كسر الباب لم يتصور بعده الغلق، والفتح أقرب إلى الغلق، ويرجى فيه ذلك.\nوقوله: (من الباب؟) أي: الباب كناية عمن.\nوقوله: (كما يعلم أن دون غد ليلة) أي: كما يعلم أن الليل قبل الغد علمًا ضروريًّا.\nوقوله: (إني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط) الغلط محركة: أن تَعْيا بالشيء فلا تعرف وجه الصواب فيه، غَلِطَ كفرح في الحساب وغيره، أو خاص بالمنطق، وغَلِت بالتاء في الحساب، ويقال: حدثته حديثًا ليس بالأغاليط، وهي جمع أُغلوطة، وقد سبق بيانه تمامًا في حديث: (نهى عن الأغلوطات) في (كتاب العلم).","vol":"8","page":653},{"text":"قَالَ: فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ مَنِ الْبَابُ؟ فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: عُمَرُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٥، م: ١٤٤].\n٥٤٣٦ - [٢٧] وَعَن أَنَسٍ قَالَ: فَتْحُ القُسْطُنْطِينِيَّةِ مَعَ قِيَامِ السَّاعَةِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٢٣٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1196>٢ - باب أشراط الساعة</span>\nــ\nوقوله: (فهبنا أن نسأل حذيفة) عن تعيين الباب (فقلنا لمسروق) من التابعين وكان حاضرًا في المجلس أن يسأل حذيفة.\nوقوله: (عمر) أي: الباب الذي تدخل الفتنة بانكساره كناية عن عمر وقتله، فوجوده -﵁- هو المانع عن دخول الفتنة، فإذا قتل دخلت الفتنة التي تموج كموج البحر، وهو قتل عثمان، ثم لا تزال تموج وتتكرر إلى يوم القيامة.\n٥٤٣٦ - [٢٧] (أنس) قوله: (مع قيام الساعة) أي: مقرون معه، أي: قريب من قيامها.\n٢ - باب أشراط الساعة\nالشرط بالتسكين: تعليق شيء بشيء، وفي (القاموس) (١): إلزام الشيء والتزامه في البيع ونحوه، كالشريطة، وهذا المعنى أيضًا راجع إلى معنى التعليق، وجمعه شروط، و(الأشراط) جمع شرط بالتحريك، وهو العلامة، وأول الشيء، ورُذال المال\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٠٥).","vol":"8","page":654},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1197> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٤٣٧ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَكْثُرَ الْجَهْلُ، وَيَكْثُرَ الزِّنَا، ويكثُرَ شُربُ الخمرِ، ويقِلَّ الرِّجالُ، وتكثُرَ النِّسَاءُ، حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"يَقِلُّ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٠، م: ٢٦٧١].\nــ\nوصغارها، والأشراف: أشراط أيضًا، ضد، وطائفة من أعوان الولاة، وهو شرطي كتُرْكي وجُهَني، سموا بذلك لأنهم أَعلموا أنفسهم بعلامات يُعرفون بها، كذا في (القاموس) (١).\nوقيل: أشراط الساعة: ما ينكره الناس من صغار أمورها قبل قيامها.\nأقول: لعله إنما اعتبر صغار أمورها أخذًا مما ذكر في (القاموس) من كونه رُذال المال وصغارها، واعتبر كونها قبل قيامها لما أنها قد تجيء بمعنى أول الشيء كما ذكرنا، وأيضًا شرط الجند: نخبتهم الذين يقدمون على غيرهم كما مر في (باب الملاحم)، وأما إنكار تفسير الأشراط بالعلامات جمع شرط بالتحريك كما نقله الطيبي (٢) عن الخطابي فمما لا وجه له، فتدبر.\nالفصل الأول\n٥٤٣٧ - [١] (أنس) قوله: (القيم الواحد) أي: القائم بمصالحهن، والقيم:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٠٦).\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (١١/ ٣٤٣٦).","vol":"8","page":655},{"text":"٥٤٣٨ - [٢] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ كَذَّابِينَ فَاحْذَرُوهُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٢٢].\n٥٤٣٩ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ -ﷺ- يُحَدِّثُ إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: \"إِذَا ضُيِّعَتِ الأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ\"، قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: \"إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٥٩].\n٥٤٤٠ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ الْمَالُ وَيَفِيضَ، حَتَّى يُخْرِجَ الرَّجُلُ زَكَاةَ مَالِهِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ، وَحَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا\". رَوَاهُ. . . . .\nــ\nالقائم بأمر غيره.\n٥٤٣٨ - [٢] (جابر بن سمرة) قوله: (كذابين) أي: وضاعين الأحاديث والمدعين النبوة.\nوقوله: (فاحذروهم) ليس في (صحيح مسلم)، ولكن جاء في بعض الروايات من غيره، وقيل: إنه قول جابر -﵁-، كذا في بعض الشروح.\n٥٤٣٩ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (وسد الأمر) على لفظ المجهول بتشديد السين، وقد يخفف، أي: فوض الأمر من سلطنة أو إمارة أو قضاء، كأنه جعل وسادة له، وفي الجوابين تنبيه على أنه لا يمكن تعيين الوقت حقيقة، لكن لها أمارات تنتظر عند وجودها وقربها.\n٥٤٤٠ - [٤] (وعنه) قوله: (مروجًا) أي: رياضًا ومزارع، والمرج: أرض واسعة ذات نبات كثيرة.","vol":"8","page":656},{"text":"مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَة لَهُ: قَالَ: \"تَبْلُغُ الْمَسَاكِنُ إِهَابَ أَوْ يَهَابَ\". [م: ١٥٧].\n٥٤٤١ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ خَلِيفَةٌ يُقَسِّمُ الْمَالَ وَلَا يَعُدُّهُ\". وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: \"يَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي خَلِيفَةٌ يَحْثِي الْمَالَ حَثْيًا وَلَا يَعُدُّهُ عَدًّا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩١٤].\n٥٤٤٢ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُوشِكُ الْفُرَاتُ. . . . .\nــ\nوقوله: (إهاب) موضع على أميال من المدينة، غير منصرف للعلمية والتأنيث بتأويل البقعة، وفي (القاموس) (١): الإهاب كسحاب: موضع فرب المدينة، والإهاب ككتاب: الجلد، أو ما لم يدبغ.\nوقوله: (أو يهاب) الظاهر أنه شك من الراوي في اسمه، وقيل: يدعى ذلك الموضع بكلا الاسمين، فـ (أو) للتنويع.\n٥٤٤١ - [٥] (جابر) قوله: (يحثي المال) وفي رواية: يحثو، في (القاموس) (٢): حثا التراب عليه يحثوه ويحثيه حثوًا وحثيًا.\nوقوله: (ولا يعده) من العد، وقيل: يحتمل أن يكون من الإعداد، أي: لا يدخره، والظاهر هو الأول، والمراد بالخليفة المهدي، ويحتمل أن يكون غيره، واللَّه أعلم.\n٥٤٤٢ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (يوشك الفرات) الفرات: الماء العذب جدًّا،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٤٥).","vol":"8","page":657},{"text":"أَنْ يَحْسِرَ عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَمَنْ حَضَرَ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١١٩، م: ٢٨٩٤].\n٥٤٤٣ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الْفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ يَقْتَتِلُ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِئَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ: لَعَلِّي أَكُونُ أَنَا الَّذِي أنجُو\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٩٤].\n٥٤٤٤ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَقِيءُ الأَرْضُ أَفْلَاذَ. . . . .\nــ\nونهر بالكوفة، وهو المراد في الحديث.\nوقوله: (أن يحسر) حسره يحسره: كشفه، من ضرب ونصر، والأول أكثر.\nوقوله: (عن كنز) أي: سيُظهر ويكشف فرات عن نفسه كنزًا (من ذهب) أي: يذهب ماؤه فيظهر من تحته الكنز، (فلا يأخذ منه شيئًا) لأنه موجب للتقاتل كما في الحديث الآتي، وقيل: النهي لأنه مستعقب للبليات، وهو آية من آيات اللَّه، وقيل: لعله مال مغضوب عليه كمال قارون، فحرم الانتفاع به، كذا في (مجمع البحار) (١).\n٥٤٤٣ - [٧] (وعنه) قوله: (أنا الذي أنجو) هذا باعتبار المعنى على وتيرة: أنا الذي سمّتني أمي، والظاهر من حيث اللفظ ينجو بلفظ الغيبة، وتمامه في علم المعاني.\n٥٤٤٤ - [٨] (وعنه) قوله: (تقيء الأرض) من القيء، والمراد الإخراج، أي: تخرج الكنوز المدفونة.\nوقوله: (أفلاذ) جمع فلذ بالكسر جمع فلذة: القطعة المقطوعة طولًا كقوله\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٥١٢).","vol":"8","page":658},{"text":"كَبِدِهَا أَمْثَالَ الأُسْطُوَانَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، فَيَجِيءُ الْقَاتِلُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَتَلْتُ، وَيَجِيءُ الْقَاطِعُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قَطَعْتُ رَحِمِي، وَيَجِيءُ السَّارِقُ فَيَقُولُ: فِي هَذَا قُطِعتْ يَدِي، ثم يَدَعُونَهُ فَلَا يَأْخُذُونَ مِنْهُ شَيْئًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٠١٣].\n٥٤٤٥ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْرِ فَيَتَمَرَّغُ عَلَيْهِ ويقولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إِلَّا الْبلَاءُ\". . . . .\nــ\nتعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢]، وخص الكبد لأنها من أطايب الجزور، ويكون المال محبوبًا عند الطبائع. وفي (القاموس) (١): الفلذ بالكسر: كبد البعير، وبهاء: القطعة من الكبد، ومن الذهب والفضة واللحم، والأفلاذ جمعها، كالفِلَذ كعنب، ومن الأرض: كنوزها، والفالوذ: ذُكرة الحديد كالفولاذ، وأما الفلز بالزاي المشددة وكسر الفاء واللام وقد جاء كعَجَفٍّ وعُتُلٍّ: ما في الأرض من الجواهر المعدنية كالذهب والفضة والنحاس والرصاص، وقيل: ما ينفيه الكير منها.\nوقوله: (ثم يدعونه) أي: يتركونه، وقيل: المراد بأفلاذ كبد الأرض العروض المعدنية، وسوق الحديث لا يلائمها.\n٥٤٤٥ - [٩] (وعنه) قوله: (فيتمرغ) أي: يتقلب، تمرغ: تقلب وتلوى من وجع يجده.\nوقوله: (وليس به الدين إلا البلاء) أي: لم يبق له الدين والعادة إلا المحنة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٤).","vol":"8","page":659},{"text":"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٧].\n٥٤٤٦ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الإِبِلِ بِبُصْرَى\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١١٨، م: ٢٩٠٢].\nــ\nوالابتلاء، فالمستثنى منقطع، فلذلك تمنى الموت، وقال الطيبي (١): المعنى أن ليس التمرغ عادته، وإنما حمله عليه البلاء وكثرة الفتن، أو المراد أن ليس الباعث على التمرغ والتمني الدين بل البلاء من جهة الدنيا، انتهى.\n٥٤٤٦ - [١٠] (وعنه) قوله: (حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء أعناق الإبل ببصرى): (الحجاز): مكة والمدينة والطائف ومخاليفها، كأنها حجزت بين نجد وتهامة، أو بين نجد والسراة، و(بصرى) كحبلى: بلد بالشام بينها وبين دمشق مراحل، وقد تواترت الأخبار بظهور هذه النار في سنة أربع وخمسين وست مئة في المدينة المنورة من ابتداء يوم الجمعة سادس شهر جمادى الآخرة إلى يوم الأحد السابع والعشرين من رجب، ومجموعه اثنين وخمسين بها، وكانت مثل بلدة لها حصن له بروج وشراريف، وكأنها تجرها الناس، تُصَيِّر كل جبل تصل إليه رمادًا، وتصوت كالرعد، وتموج كالبحر، وكأنها يخرج منها أنهار حمر وخضر، وتقرب إلى المدينة، ومع ذلك يجيء منها إلى جانب المدينة نسيم بارد، أضاءت المدينة وبيوتها منها كضوء الشمس، وكان الناس يعملون في ضوئها في الليالي المظلمة، وانخسف في أيامها ولياليها الشمس والقمر، ورأى الناس به (٢) تيماء وبصرى ضوءها، وأضاءت\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٣٤٣٩).\n(٢) كذا في الأصل، والظاهر: \"من\".","vol":"8","page":660},{"text":"٥٤٤٧ - [١١] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قال: \"أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٣٢٩].\nــ\nأعناق الإبل بها، وقيل: المراد بأعناق الإبل في الحديث تلول بصرى وهيضاتها، وذكر أن طول تلك النار على قدر أربعة فراسخ، وعرضها أربعة أميال، وعمقها على قدر قامة الرجل ونصفها، وذكر أنها كانت تحرق الأحجار وتسلم منها الأشجار، وقيل: إنه كان حجر واحد نصفه قد احترق ونصفه سالم، وهو الجانب الذي كان داخل الحرم النبوي الشريف، فاشتغل أهل المدينة بالتضرع والابتهال والتصدق والإنفاق، واجتمع أهلها حتى النساء والصغار بالحرم الشريف وابتهلوا وتضرعوا، فصرف اللَّه تعالى النار إلى جانب الشمال ونجا أهل بلدة هذه البقعة المباركة من شرها، وحدثت في هذه السنة الوقائع الغريبة في أكناف العالم، منها طغيان دجلة بغداد حتى غرقت أبنيتها وانهدمت بيوتها، وفي أول سنة خمس وخمسين وست مئة خرج التتار ففعل ما فعل، وأوقع ما أوقع كما مر.\n٥٤٤٧ - [١١] (أنس) قوله: (أول أشراط الساعة نار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب) قال الطيبي (١): لعل المراد بأول الأشراط المتصلة بالساعة الدالة على قربها؛ لأنها لم تخرج إلى الآن، وقد خرجت نار الحجاز، فكيف تكون أولها حقيقة؛ أو أراد نار الحرب والفتنة كفتنة الترك، فإنها سارت من المشرق إلى المغرب، انتهى.\nوفيه أن فتنة الترك أيضًا وقعت بعد نار الحجاز كما نقلنا، فكيف تكون أولها؟ واللَّه تعالى أعلم بحقيقة الحال.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٩٦).","vol":"8","page":661},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1198> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٤٤٨ - [١٢] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يتقاربَ الزَّمانُ، فَتَكُونُ السَّنةُ كالشهرِ، والشَّهرُ كالجمعةِ، وتكونُ الجمعةُ كَاليومِ، وَيَكُونُ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ، وَتَكُونُ السَّاعَةُ كَالضَّرْمَةِ بِالنَّارِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٣٢].\nــ\nالفصل الثاني\n٥٤٤٨ - [١٢] (أنس) قوله: (حتى يتقارب الزمان) قد سبق لهذه العبارة معاني محتملة، ولما وقع في صريح الحديث تفسيره بما ذكر من قوله: (فيكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة. . . إلخ)، وجب الاقتصار عليه كما لا يخفى.\nوقوله: (وتكون الساعة كالضرمة) هي بفتح معجمة وسكون الراء: الشعلة الواحدة من النار، يقال: ضرمت النار: اشتعلت، وبفتح الراء: حشيش يحرق سريعًا، وفي (القاموس) (١): الضرمة محركة: السَّعَفة، أو الشِّيحَة في طرفها نار، والرواية في الحديث بالسكون والحركة معًا كما صحح في النسخ المصححة، وقول الطيبي (٢): أي كزمان إيقاد الضرمة، وهي ما توقد به النار أوّلًا كالقصب والكبريت إنما يصح إذا كان بفتح الراء.\nنعم لا بد على تقدير السكون أيضًا من تقدير الزمان كما لا يخفى.\nهذا وقد جاء الضرمة بالحركة بمعنى النار، كما يقال: ما بها نافخ ضرمة، للمبالغة في الهلاك، أي: ما بها أحد، وفي الحديث الكناية عن قصر الأعمار وقلة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٢٠).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١١/ ١٤٤١).","vol":"8","page":662},{"text":"٥٤٤٩ - [١٣] وَعَن عبدِ اللَّه بنِ حوالةَ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِنَغْنَمَ عَلَى أَقْدَامِنَا، فَرَجَعْنَا فَلَمْ نَغْنَمْ شَيْئًا، وَعَرَفَ الْجَهْدَ فِي وُجُوهِنَا، فَقَامَ فِينَا فَقَالَ: \"اللهُمَّ لَا تَكِلْهُمْ إِلَيَّ فَأَضْعُفَ عَنْهُمْ، وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَيَعْجِزُوا عَنْهَا، وَلَا تَكِلْهُمْ إِلَى النَّاسِ فَيَسْتَأْثِرُوا عَلَيْهِمْ\"، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي ثُمَّ قَالَ: . . . . .\nــ\nالبركة، أو أن الناس لكثرة اهتمامهم بما دهمهم من النوازل والشدائد والفتن لا يشعرون بمضي الأيام، ولا يدرون كيف ذهبت.\n٥٤٤٩ - [١٣] (عبد اللَّه بن حوالة) قوله: (عبد اللَّه بن حوالة) بفتح الحاء والتخفيف. (لنغنم) أي: لنغزو ونغنم، واقتصر على ذكر الغنيمة اختصارًا واقتصارًا على ما هو الباعث، كأن القوم كانوا فقراء محتاجين ماشين غير قادرين على الركوب، وهذا معنى قوله: (على أقدامنا) متعلق بـ (بعثنا).\nوقوله: (فأضعف) بلفظ المتكلم منصوبًا بتقدير (أن)، (عنهم) أي: عن كفاية مؤنتهم ورفع احتياجهم.\nوقوله: (فيعجزوا عنها) لعدم قدرتهم على الوصول بمراداتهم ورفع حوائجهم.\nوقوله: (فيستأثروا عليهم) أي: يختاروا لأنفسهم ويقدموا حقوقهم في اختيار ما هو الأولى والأصلح لهم، وفيه تعليم منه -ﷺ- بأن يكلوا أمورهم وحوائجهم إلى اللَّه -ﷺ-، ولا يعتمدوا على غيره، وأقام -ﷺ- نفسه في هذا المقام على حد البشرية والضعف والعبودية رعاية لكمال التوحيد وعزة الربوبية، وإلا فهو خليفة اللَّه المطلق ونائبه في الكل يفعل ويعطي ما يشاء بإذنه تعالى، -ﷺ-، يا رسول اللَّه في جاهك ما يبلغ القاصد أقصى ما قصد.","vol":"8","page":663},{"text":"\"يَا بْنَ حَوَالَةَ إِذَا رَأَيتَ الْخِلَافَةَ قَدْ نَزَلَتِ الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ فَقَدْ دَنَتِ الزَّلَازِلُ وَالْبَلَابِلُ وَالأُمُورُ الْعِظَامُ، وَالسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنَ النَّاسِ مِنْ يَدِي هَذِهِ إِلَى رَأْسِكَ\". رَوَاهُ (١). [د: ٢٥٣٥].\n٥٤٥٠ - [١٤] وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا اتُّخِذَ الْفَيْءُ دِوَلًا،\nــ\nفإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم\nﷺ، وجزاه عنا خير الجزاء، وله التصرف وبيده العطاء.\nوقوله: (إذا رأيت الخلافة قد نزلت الأرض المقدسة) كأنه أراد ما وقع في آخر الزمان من فتح بيت المقدس كما مر من الأحاديث.\nوقوله: (والبلابل) جمع بلبلة، وهي الهم والحزن والفتنة، وبلبلت الألسنة: اختلط.\n٥٤٥٠ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (إذا اتخذ الفيء دولا) الدول بكسر الدال وفتح الواو: جمع دولة بضم الدال وفتحها، وهما واحد، وهو انقلاب الزمان والعُقْبة في المال، وقيل: الضم في المال والفتح في الحرب، وقيل: الضم في الآخرة والفتح في الدنيا، وقيل: بالضم اسم لما يتناول من المال وبالفتح الفعل، وهو الانتقال من حال البؤس والضر إلى حال التنعم والسرور، والمراد في الحديث أن الأغنياء وأصحاب المناصب يتداولون أموال الفيء ويقسمونها بينهم ويمنعونها مستحقيها، ويلزمه أنهم إنما يغزون لطلب الغنيمة لا لإعلاء الدين.\n_________\n(١) كذا هنا بياض بالأصل، وألحق في الحاشية: رواه أبو داود وإسناده حسن، ورواه الحاكم في \"صحيحه\". \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٣٤٣٥).","vol":"8","page":664},{"text":"وَالأَمَانَةُ مَغْنَمًا، وَالزَّكَاةُ مَغْرَمًا، وَتُعُلِّمَ لِغَيْرِ الدِّينِ، وَأَطَاعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ وَعَقَّ أُمَّهُ، وَأَدْنَى صَدِيقَهُ وَأَقْصَى أَبَاهُ، وَظَهَرَتِ الأَصْوَاتُ فِي الْمَسَاجِدِ، وَسَادَ الْقَبِيلَةَ فَاسِقُهُمْ، وَكَانَ زَعِيمُ الْقَوْمِ أَرْذَلَهُمْ، وَأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخَافَةَ شَرِّهِ، وَظَهَرَتِ الْقَيْنَاتُ وَالْمَعَازِفُ، وشُربتِ الخمورُ، وَلَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَوَّلَهَا،\nــ\nوقوله: (والأمانة مغنمًا) أي: يذهب الناس بودائعهم وأماناتهم فيتخذونها مغانم يغنمونها، والمغنم والغنيمة والغنم بالضم: الفيء، والفوز بالشيء بلا مشقة.\nوقوله: (والزكاة مغرمًا) أي: يعدون الزكاة غرامة وخسارة؛ أي: يشق عليهم أداؤها كأنها تؤخذ كالغرامات.\nوقوله: (وأدنى صديقه) أي: قربه. دناه دنوًا ودنّاه تدنية وأدناه: قربه.\n(وأقصى أباه) أي: أبعده، والقُصيا: الغاية البعيدة، والقصاء: فناء الدار.\nوقوله: (وكان زعيم القوم) في (القاموس) (١): الزعيم: الكفيل، وقد زعم به زعمًا وزِعامة، وسيد القوم، ورئيسهم، أو المتكلم عنهم.\n(والقينات) جمع قينة بفتح القاف: الأمة المغنية، (والمعازف) الملاهي كالعود والطنبور، الواحد عزف، كذا في (القاموس) (٢)، وقد مر تمام معناه.\nوقوله: (ولعن آخر هذه الأمة أولها) قال الطيبي (٣): أي طعن الخلف في السلف وذكروهم بالسوء ولم يقتدوا بهم، فكأنهم لعنوا بهم، انتهى. وقد وقع حقيقة هذا في\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٠٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٥٣).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٩٩).","vol":"8","page":665},{"text":"فَارْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ رِيحًا حَمْرَاءَ وَزَلْزَلَةً وَخَسْفًا وَمَسْخًا وَقَذْفًا وَآيَاتٍ تَتَابَعُ كَنِظَامٍ قُطِعَ سِلْكُهُ فَتَتَابَعَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٢١١].\n٥٤٥١ - [١٥] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا فَعَلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِهَا الْبَلَاءُ\" وَعَدَّ هَذِهِ الْخِصَالَ وَلَمْ يَذْكُرْ \"تُعُلِّمَ لِغَيْرِ الدِّينِ\"،\nــ\nشأن الصحابة ومن تبعهم من الفرقة الزائغة الرافضة، ولعل هذا هو مصدوق الحديث، خذلهم اللَّه تعالى.\n(وخسفًا ومسخًا وقذفًا) قد مر معانيها في (الفصل الثالث) من (باب الملاحم).\nوقوله: (كنظام قطع سلكه) في (القاموس) (١): النظم: التأليف، والمنظوم، ونظم اللؤلؤ ينظمه نظمًا ونظامًا ونظّمه: ألّفه، وجمعه في سلك، فانتظم، والنظام: كل خيط ينظم به لؤلؤ ونحوه، انتهى.\nفينبغي أن يحمل النظام هنا على معنى المصدر ويجعل بمعنى المنظوم، أو الحاصل بالمصدر، فافهم.\n٥٤٥١ - [١٥] (علي) قوله: (إذا فعلت أمتي خمسة عشر خصلة) المراد الخصال المذكورة في الحديث السابق، فإن الترمذي ذكر الحديثين على الولاء.\nوقوله: (وعد هذه الخصال) كلام صاحب (المصابيح)، والضمير في (عدّ) للترمذي.\nوقوله: (ولم يذكر) أي: الترمذي (تعلم لغير الدين) فيكون خمسة عشر، وأما\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٤٨).","vol":"8","page":666},{"text":"قَالَ: \"وَبَرَّ صَدِيقَهُ وَجَفَا أَبَاهُ\"، وَقَالَ: \"وَشُرِبَ الْخَمْرُ وَلُبِسَ الْحَرِيرُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٢١٠].\n٥٤٥٢ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمْلِكَ الْعَرَبَ رَجُلٌ مِنْ أهلِ بَيْتِي يُواطِئُ اسمُه اسْمِي\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ: \"لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا يَوْمٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ حَتَّى يبْعَثَ اللَّهُ فِيهِ رَجُلًا مِنِّي -أَوْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي- يُوَطِئُ اسْمُهُ اسْمِيَ، وَاسْمُ أَبِيهِ اسْمَ أَبِي، يَمْلأُ الأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا\". [د: ٤٢٨٢، ت: ٢٢٣٠].\n٥٤٥٣ - [١٧] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"الْمَهْدِيُّ مِنْ عِتْرَتِي. . . . .\nــ\nما يذكره يكون ستة عشر، وقال: (وبر صديقه وجفا أباه) مكان (وأدنى صديقه وأقصى أباه)، (ولبس الحرير) بدل (ولعن).\n٥٤٥٢ - [١٦] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (حتى يملك العرب) خص الذكر بالعرب لكونه الأصل والأشرف.\n٥٤٥٣ - [١٧] (أم سلمة) قوله: (من عترتي) في (القاموس) (١): العترة بالكسر: نسل الرجل، ورهطه، وعشيرته الأدنون ممن مضى وغبر، وفي (النهاية) (٢): عترة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٩٣).\n(٢) \"النهاية\" (٣/ ١٧٧).","vol":"8","page":667},{"text":"مِنْ أَوْلَادِ فَاطِمَة\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٤٢٨٤].\n٥٤٥٤ - [١٨] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْمَهْدِيُّ مِنِّي، أَجْلَى الْجَبْهَة، أَقْنَى الأَنْفِ، يَمْلأُ الأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا، يَمْلِكُ سَبْعَ سِنِينَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٨٥].\nــ\nالرجل: أقاربه، وعترة النبي -ﷺ- بنو عبد المطلب، وقيل: أهل بيته الأقربين، وهم أولاده، وقيل: قريش كلهم، والمشهور أنهم الذين حرمت عليهم الزكاة، انتهى.\nوقوله: (أولاد فاطمة) تقييد للعترة فإن العترة كما ذكر من معانيها أعم من أولاد فاطمة.\n٥٤٥٤ - [١٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (أجلى الجبهة، أقنى الأنف) أجلى من الجلاء، أي: أنور وأوضح وأوسع، وقنا الأنف: ارتفاع أعلاه، واحديداب وسطه، وسبوغ طرفه، أو نتو وسط القصبة، وضيق المنخِرين، هو أقنى، وهي قنواء، كذا في (القاموس) (١)، وفي (النهاية) (٢): القنا في الأنف: طوله، ورقة أرنبته مع حدب في وسطه، وفي شمائله -ﷺ-: أقنى العِرنِين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم، وفي (القاموس) (٣): العرنين بالكسر: الأنف كله، أو ما صلب منه عظمه، ومن كل شيء: أوله.\nوقوله: (قسطًا وعدلًا كلما ملئت جورًا وظلمًا) في (القاموس) (٤): القسط:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩٣).\n(٢) \"النهاية\" (٤/ ١١٦).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٩٥).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦١٤، ٩٢٧، ١٠٢٢، ٣٣٢).","vol":"8","page":668},{"text":"٥٤٥٥ - [١٩] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي قِصَّةِ الْمَهْدِيِّ قَالَ: \"فَيَجِيءُ إِلَيْهِ الرَّجُلُ فَيَقُولُ: يَا مَهْدِيُّ أَعْطِنِي أَعْطِنِي، قَالَ: فَيَحْثِي لَهُ فِي ثَوْبِهِ مَا استَطَاعَ أَنْ يَحْمِلَهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٢٣٢].\n٥٤٥٦ - [٢٠] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"يَكُونُ اخْتِلَافٌ عِنْدَ مَوْتِ خَلِيفَةٍ، فَيَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ هَارِبًا إِلَى مَكَّةَ، فَيَأْتِيهِ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَيُخْرِجُونَهُ وَهُوَ كَارِهٌ، فَيُبَايِعُونَهُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمقَامِ، وَيُبْعَثُ. . . . .\nــ\nالعدل، من المصادر الموصوف بها كالعدل، يستوي فيه الواحد والجمع، والعدل: ضد الجور، وما قام في النفوس أنه مستقيم، كالعدالة والعدولة والمَعْدَلِة، والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، والمصدر الحقيقي الظلم بالفتح، والجور: نقيض العدل وضد القصد، انتهى.\nفظهر من هذا أن العدل والقسط متقاربان في المعنى، وكذا الجور والظلم، وجمعهما في الحديث من باب التأكيد والتقرير.\n٥٤٥٥ - [١٩] (وعنه) قوله: (فَيَحْثِي لَهُ فِي ثَوْبِهِ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْمِلَهُ) كناية عن كثرة المال وفيضانه كما سبق.\n٥٤٥٦ - [٢٠] (أم سلمة) قوله: (فيخرج رجل من أهل المدينة) قالوا: هو المهدي، ونقل عن القرطبي أنه ذكر أن المهدي يخرج من المغرب الأقصى، وقال السيوطي: لا أصل له.\nوقوله: (فيخرجونه) أي: يتخذونه إمامًا.\nوقوله: (ويبعث) لمقاتلته ملك من ملوك زمانه بعثًا من الشام.","vol":"8","page":669},{"text":"إِلَيهِ بَعْثٌ مِنَ الشَّامِ، فَيُخْسَفُ بِهِمْ بِالْبَيْدَاءِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَإِذَا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ أَتَاهُ أَبْدَالُ الشَّامِ. . . . .\nــ\nوقوله: (فيخسف) على صيغة المجهول، و(البيداء): الفلاة، واسم موضع بين الحرمين، وهذه هي فتنة إمارة السفياني إحدى علامات خروج المهدي، وقد وردت فيه الأحاديث كثيرة متواترة المعنى، منها: ما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- عن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (السفياني من ولد خالد بن يزيد بن أبي سفيان، رجل ضخم الهامة، بوجهه آثار جدري، وبعينه نكتة بيضاء، يخرج من ناحية مدينة دمشق) (١)، و(عامة من يتبعه من كلب، فيقتل حتى يبقر بطون النساء، ويقتل الصبيان، فتجمع لهم قيس فيقتلها حتى لا يمنع ذنب تَلعة، ويخرج رجل من أهل بيتي في الحرة فيبلغ السفياني، فيبعث إليه جندًا من جنده فيهزمهم، فيسير إليه السفياني بمن معه حتى إذا صار ببيداء من الأرض خسف بهم، فلا ينجو منهم إلا المخبر عنهم)، أخرجه أبو عبد اللَّه الحاكم في (مستدركه) (٢)، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه، كذا في رسالة الشيخ العارف باللَّه علي بن حسام الدين المتقي.\nوقوله: (أتاه أبدال الشام) الأبدال جمع بدل بفتح الدال وكسرها، وبديل كأمير: الخلف من الشيء، والأبدال: قوم بهم يقيم اللَّه ﷿ الأرض، وهم سبعون: أربعون بالشام وثلاثون بغيرها، لا يموت أحدهم إلا قام مكانه آخر من سائر الناس، كذا في (القاموس) (٣).\n_________\n(١) أخرجه أبو نعيم في \"الفتن\" (٨١٢).\n(٢) \"المستدرك\" (٤/ ٥٦٥).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٦٨).","vol":"8","page":670},{"text":"وَعَصَائِبُ أَهْلِ الْعِرَاقِ فَيُبَايِعُونَهُ، ثُمَّ يَنْشَأُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَخْوَالُهُ كَلْبٌ،\nــ\nوقال الحافظ السيوطي في تعليقه على أبي داود: لم يرو في الكتب الستة ذكر الأبدال إلا في هذا الحديث عند أبي داود، وأخرجه الحاكم وصححه، والأبدال قوم بهم يقيم اللَّه ﷿ الأرض، وهم سبعون: أربعون بالشام وثلاثون بغيرها، وذكر السيوطي في (جمع الجوامع) من غير الكتب الستة في أكثرها عدد الأربعين وفي بعضها ثلاثون، وذكر أيضًا من حديث ابن أبي الدنيا في (كتاب الأولياء) والخلال عن علي -﵁-: الأبدال ستون رجلًا، ليسوا بالمتنطعين ولا بالمبتدعين، ولا بالمتعمقين ولا بالمعجبين، لم ينالوا ما نالوا بكثرة صلاة ولا صيام ولا صدقة، ولكن بسخاء الأنفس وسلامة القلوب والنصيحة لأئمتهم -وفي رواية ابن عساكر عن أنس -﵁-: وسلامة الصدر ونصيحة المسلمين- إنهم يا علي في أمتي أقل من الكبريت الأحمر، وذكر عن الديلمي في (مسند الفردوس) عن معاذ: ثلاث من كن فيه فهو من الأبدال: الرضاء بالقضاء، والصبر عن محارم اللَّه تعالى، والغضب في ذات اللَّه تعالى (١)، وفي كلام بعض الصوفية بسطة في ذلك.\nوقوله: (وعصائب أهل العراق) قال في (القاموس) (٢): العصبة بالضم من الرجال والخيل والطير: ما بين العشرة إلى الأربعين، كالعصابة بالكسر، وعصب القوم محركة: خيارهم، والمراد بالعصائب أيضًا طائفة من الرجال مسماة بها كالأبدال، كما في خبر علي -﵁-: الأبدال بالشام، والنجباء بمصر، والعصائب بالعراق، وقيل: المراد خيار الناس وزهادهم.\nوقوله: (ثم ينشأ رجل من قريش أخواله كلب) اسم قبيلة، دحية الكلبي منها،\n_________\n(١) انظر: \"كنز العمال\" (١٢/ ١٨٩)، و\"كتاب الأولياء\" (ص: ١٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٧).","vol":"8","page":671},{"text":"فَيَبْعَثُ إِلَيْهِمْ بَعْثًا فَيَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ، وَذَلِكَ بَعْثُ كَلْبٍ، وَيَعْمَلُ فِي النَّاسِ بِسُنَّةِ نَبِيِّهِمْ، وَيُلْقِي الإِسْلَامُ بِجِرَانِهِ فِي الأَرْضِ، فَيَلْبَثُ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ يُتَوَفَّى وَيُصَلِّي عَلَيْهِ الْمُسْلمُونَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٨٦].\n٥٤٥٧ - [٢١] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: \"ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَلَاءً يُصِيبُ هَذِهِ الأُمَّةَ، حَتَّى لَا يَجدَ الرَّجُلُ مَلْجأ يَلْجَأُ إِلَيْهِ مِنَ الظُّلْم، فَيَبْعَثُ اللَّهُ رَجُلًا مِنْ عِتْرتِي وَأَهْلِ بَيْتِي فَيَمْلأُ بِهِ الأَرْضَ قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَجَوْرًا، يَرْضَى عَنْهُ سَاكِنُ السَّمَاءِ وَسَاكِنُ الأَرْضِ، لَا تَدَع السَّمَاءُ مِنْ قَطْرِهَا شَيْئًا إِلَّا صَبَّتْهُ مِدْرَارًا،\nــ\nوهذا الرجل ينازع المهدي، ويستعين بأخواله من بني كلب، ويبعث بهم بعثًا، فيظهر أصحاب المهدي عليهم.\nوقوله: (ويلقي الإسلام بجرانه) في (القاموس) (١): جران البعير بالكسر: مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره، انتهى. يقال: ألقى البعير جرانه على الأرض إذا برك واستقر وصار مستريحًا، وهذا كناية عن تمكن الإسلام وقراره، فلا يكون فيه هرج ولا حرب، واستقرت أحكامه على السنة والاستقامة والعدل، وفي حديث الهجرة أن ناقته -ﷺ- وضعت جرانها، أي: على باب أبي أيوب -﵁-، وظهر من هذا التقرير أن الباء في قوله: (بجرانه) زائدة.\n٥٤٥٧ - [٢١] (أبو سعيد) قوله: (إلا صبته مدرارًا) حال من السماء، كقوله تعالى: ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١]، ويستوي في المفعال المذكر والمؤنث على\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٦٨).","vol":"8","page":672},{"text":"وَلَا تَدَعُ الأَرْضُ مِنْ نَبَاتِهَا شَيْئًا إِلَّا أَخْرَجَتْهُ، حَتَّى يَتَمَنَّى الأَحْيَاءُ الأَمْوَاتَ، يَعِيشُ فِي ذَلِكَ سَبْعَ سِنِينَ أَوْ ثَمَانَ سِنِينَ أَوْ تِسْعَ سِنِينَ\". رَوَاهُ (١).\n٥٤٥٨ - [٢٢] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ وَرَاءِ النَّهْرِ. . . . .\nــ\nما قال الطيبي (٢)، ويحتمل أن يكون حالًا من القطر، في (القاموس) (٣): درّت السماء بالمطر درًّا ودُرُورًا فهي مدرارٌ، ودرّ العرق: سال، انتهى.\nوالمدرار صيغة مبالغة كالمكسار والمعطار.\nوقوله: (حتى يتمنى الأحياء الأموات): (الأحياء) مرفوع على أنه فاعل (يتمنى)، و(الأموات) مفعوله بحذف المضاف، أي: حياتهم، أي: لما رأى الأحياء عندهم من الخير الكثير والخصب والرخاء يقولون من كثرة المحبة والابتهاج بما عندهم: يا ليت أحبَّاؤنا الذين مضوا وماتوا كانوا أحياء في هذا الزمان حتى يروا هذا العيش الناعم، وقيل: (الإحياء) مصدر من أحيى يحيى، فهو منصوب على المفعولية، و(الأموات) مرفوع على أنه فاعل (يتمنى)، أي: يتمنى الأموات إحياء اللَّه لهم، وهذا مبالغة وكناية عن وجود السرور ورغد العيش في الأحياء، أي: كاد أن يقال على سبيل الفرض والتقدير: إن الأموات يتمنون الحياة، وهذا إن صحت الرواية، وإلا فهو مجرد احتمال لا يعبأ به.\n٥٤٥٨ - [٢٢] (علي) قوله: (يخرج رجل من وراء النهر) وفي نسخ (المصابيح):\n_________\n(١) ترك هنا بياضًا في الأصل وألحق به: رواه الحاكم في \"مستدركه\" وقال: صحيح، لكن نقل الجزري أن الذهبي قال: إسناده مظلم. قاله القاري في \"المرقاة\" (٨/ ٣٤٤٥).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٣٤٤٥).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٥٣).","vol":"8","page":673},{"text":"يُقَالُ لَهُ: الْحَارِثُ، حَرَّاثٌ، عَلَى مُقَدِّمَتِهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: مَنْصُورٌ يُوَطِّنُ أَوْ يُمَكِّنُ لآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا مَكَّنَتْ قُرَيْشٌ لِرَسُولِ اللَّهِ (١)، وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ نَصْرُهُ -أَوْ قَالَ: إِجَابَتُهُ-\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٩٠].\n٥٤٥٩ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُكَلِّمَ السِّبَاعُ الإِنْسَ، وَحَتَّى تُكَلِّمَ الرَّجُلَ عَذَبَةُ سَوْطِهِ وَشِرَاكُ نَعْلِهِ، وَيُخْبِرَهُ فَخِذُهُ. . . . .\nــ\n(من ما وراء النهر)، والظاهر من سياق الأحاديث أن المراد من الخروج دعوى الإمامة، ولهذا قال: وجب على كل مؤمن نصره وإجابته.\nوقوله: (يقال له: الحارث حراث) قال الطيبي (٢): اسم ذلك الرجل الحارث وحراث صفتة، وهذا هو الأظهر من العبارة، وليس المراد من الصفة النعت النحوي بل عمله وحرفته، كأنه قال: يدعى له باسم الحارث، أي: يقال له: الحارث، ويقال له: حراث، إما علمين أو وصفين، واللَّه أعلم.\nوقوله: (كما مكنت قريش) أي: بعضهم، فإن المهاجرين من أهل مكة قريش، وقد عزروه ونصروه ومكنوه.\n٥٤٥٩ - [٢٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (عذبة سوطه) في (القاموس) (٣): العذب بالتحريك: الخيط الذي يرفع به الميزان، وطرف كل شيء، الواحدة بهاءٍ في\n_________\n(١) زادت التصلية في نسخة.\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٠٣).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٥).","vol":"8","page":674},{"text":"بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢١٨١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1199> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٤٦٠ - [٢٤] عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الآيَاتُ بَعْدَ الْمِئَتَيْنِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٤٠٥٧].\n٥٤٦١ - [٢٥] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ قَدْ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ خُرَاسَانَ فَأْتُوهَا، فَإِنَّ فِيهَا خَلِيفَةَ اللَّهِ الْمَهْدِيَّ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. . . . .\nــ\nالكل، وفي (الصراح) (١): عذبة اللسان: تيزي زبان، وعذبة السوط: جابق تازيانه، عذبة الميزان: الخيط الذي يرفع به. ومنه عذبة العمامة وطرفها المرخى بين الكتفين.\nوقوله: (بما أحدث أهله بعده) متعلق بـ (يخبره) أو بالكل، واللَّه أعلم.\nالفصل الثالث\n٥٤٦٠ - [٢٤] (أبو قتادة) قوله: (الآيات بعد المئتين) أي: شروع أشراط الساعة وتواليها واقع بعد المئتين، واعتبار المئتين إما بعد ظهور دولة الإسلام، أو بعد وفاة النبي -ﷺ-، أو بعد الهجرة، أو بعد هذا الإخبار، قال الطيبي (٢): وهذا هو الظاهر.\n٥٤٦١ - [٢٥] (ثوبان) قوله: (إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان) تفصيله يطلب من الرسالة المذكورة للشيخ علي المتقي ﵀ في علامات المهدي.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٤٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٠٤).","vol":"8","page":675},{"text":"وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"دَلَائِل النُّبُوَّةِ\". [حم: ٥/ ٢٧٧].\n٥٤٦٢ - [٢٦] وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ وَنَظَرَ إِلَى اللَّهِ الْحَسَنِ قَالَ: إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ كَمَا سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَسَيَخْرُجُ مِنْ صُلْبِهِ رَجُلٌ يُسَمَّى بِاسْمِ نَبِيِّكُمْ، يُشْبِهُهُ فِي الْخُلُقِ وَلَا يُشْبِهُهُ فِي الْخَلْقِ، ثُمَّ ذَكَرَ قِصَّةَ يَمْلأُ الأَرْضَ عَدْلًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. . . . .\nــ\n٥٤٦٢ - [٢٦] (أبو إسحاق) قوله: (وسيخرج من صلبه رجل. . . إلخ)، قد تظاهرت الأحاديث البالغة حد التواتر معنى [على] كون المهدي من أهل البيت من ولد فاطمة، وقد ورد في بعض الأحاديث كونه من أولاد الحسن، وفي بعضها من أولاد الحسين، سلام اللَّه تعالى عليهم أجمعين، وقد ورد في بعض الأحاديث الغريبة أنه من ولد العباس، وقال الشيخ ابن حجر الهيتمي: ولا منافاة بينهما؛ إذ لا مانع من اجتماع الولادات في شخص من جهات مختلفة، ولكن يكون للحسن فيه الولادة العظمى؛ لأن أحاديث كونه من ذريته أكثر، وللحسين فيه ولادة أيضًا، ويمكن أن يكون للعباس فيه أيضًا ولادة من جهة أن في أمهاته عباسية، ثم إنه ورد في حديث: (لا مهدي إلا عيسى بن مريم) وهو حديث ضعيف باتفاق المحدثين، وبعد تسليم صحته تأويله لا مهدي كامل معصوم إلا عيسى بن مريم، كذا قيل، ثم ما وقع في هذا الحديث من قوله: (ويشبهه في الخلق) يعني بضم الخاء (ولا يشبهه في الخلق) يعني بفتح الخاء لا يخلو عن شذوذ، لأن الأحاديث الصحيحة متظاهرة في كونه مشابهًا له -ﷺ- خلقًا وخلقًا، اللهم إلا أن يراد بالمشابهة في الخلق بالفتح من جميع الوجوه، ولم يثبت ذلك، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله: (ثم ذكر قصة) بالإضافة ودونها.","vol":"8","page":676},{"text":"وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِصَّةَ. [د: ٤٢٩٠].\n٥٤٦٣ - [٢٧] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: فُقِدَ الْجَرَادُ فِي سَنَةٍ مِنْ سِنِي عُمَرَ الَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا، فَاهْتَمَّ بِذَلِكَ هَمًّا شَدِيدًا، فَبَعَثَ إِلَى الْيَمَنِ رَاكِبًا وَرَاكِبًا إِلَى الْعِرَاقِ وَرَاكِبًا إِلَى الشَّامِ يَسْأَلُ عَنِ الْجَرَادِ هَلْ أُرِيَ مِنْهُ شَيْئًا؟ فَأَتَاهُ الرَّاكِبُ الَّذِي مِنْ قِبَلِ الْيَمَنِ بِقَبْضَةٍ فَنَثَرَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا رَآهَا عُمَرُ كَبَّرَ، وَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ ﷿ خَلَقَ أَلْفَ أُمَّةٍ سِتُّ مِئَةٍ مِنْهَا فِي الْبَحْرِ وَأَرْبَعُ مِئَةٍ فِي الْبَرِّ، فَإِنَّ أَوَّلَ هَلَاكِ هَذِهِ الأُمَّةِ الْجَرَادُ، فَإِذَا هَلَكَتِ (١) الْجَرَادُ، تَتَابَعَتِ الأُمَمُ كَنِظَامِ السِّلْكِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٩٦٩٥].\n* * *\nــ\nوقوله: (لم يذكر القصة) قال الطيبي (٢): هذا كلام صاحب (جامع الأصول) (٣).\n٥٤٦٣ - [٢٧] (جابر بن عبد اللَّه) قوله: (هل أري) بلفظ الماضي المجهول أي: أحد من الناس (منه شيئًا).\nوقوله: (خلق ألف أمة) المراد بها كل جنس من أجناس الدواب آخذًا من قوله تعالى: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨].\nوقوله: (فإن أول هلاك هذه الأمة) قال الطيبي (٤): (هذه الأمة) إشارة إلى (ألف\n_________\n(١) في نسخة: \"هلك\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٠٤).\n(٣) \"جامع الأصول\" (١٠/ ٣٣٢).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٠٤، ١٠٥).","vol":"8","page":677},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1200>٣ - باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال</span>\nــ\nأمة)، انتهى، وفي بعض النسخ: (فإن أول هذه الأمة) بدون لفظ (هلاك).\n٣ - باب العلامات بين يدي الساعة وذكر الدجال\nذكر في هذا الباب من العلامات الكبرى للقيامة كما ذكر في الباب السابق علاماتها الصغرى، لكن كان الظاهر أن يذكر خروج المهدي في هذا الباب؛ فإنه مع عيسى والدجال كما أشرنا، ولعله ذكره في ذلك الباب تقريبًا واستطرادًا لذكر الفتن والملاحم التي تقع قبل خروجه وترتفع بعده، ثم إنه قد اختلفت الأخبار في ترتيب الآيات العشر التي ذكرها هنا، والكلام بتطبيق الأحاديث المختلفة الواردة فيه كثير، وأعظمها وأشدها الدجال، ولذا ذكر فيه أحاديث أكثر مما ذكر في غيره.\nوالدجال مشتق من الدجل، وأصله الخلط، ويجيء بمعنى الخداع والتلبيس، دجل الحق بالباطل: إذا خلطه ولبّس وموّه، ويجيء بمعنى الكذب.\nوفي (القاموس) (١): دجل البعير: طلاه بالقطران، أو عمّ جسمه بالهناء، ومنه الدجال المسيح؛ لأنه يعم الأرض، أو من دجل: كذب، وأحرق، وجامع، وقطع نواحي الأرض سيرًا، أو من دجّل تدجيلا: غطَّى وطلى بالذهب لتمويهه بالباطل، أو من الدُّجال: للذهب أو مائه؛ لأن الكنوز تتبعه، أو من الدَّجَّال: لفِرِنْدِ السيفِ، أو من الدَّجَّالة: للرفقة العظيمة، أو من الدَّجَال كسحاب: للسرجين؛ لأنه ينجس وجه الأرض، أو من دُجَّلِ الناس: للُقَّاطِهم؛ لأنهم يتبعونه.\nوالمسيح اسم مشترك بينه وبين عيسى ﵇، والأكثر أن يقيد اسمه بالدجال\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٩٨).","vol":"8","page":678},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1201> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٤٦٤ - [١] عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ الْغِفَارِيِّ قَالَ: اطَّلَعَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ، فَقَالَ: \"مَا تَذْكُرُونَ؟ \" قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قَالَ: \"إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْا قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ، فَذَكَرَ الدُّخَانَ،\nــ\nويطلق في عيسى ﵇، وسمي عيسى مسيحًا لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، أو لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بالدهن، أو لأنه كان يمسح الأرض، أي: يقطعها، وقيل: المسيح الصديق، وقيل: إنه كان أمسح الرجلين لا أخمص له، وقيل: هو بالعبرانية مشيحًا فعرب.\nوقال صاحب \"القاموس\" (١): ذكرت في اشتقاقه خمسين قولًا في شرحي لـ (مشارق الأنوار) (٢) وغيره، وسمي به الدجال لأن عينه الواحدة ممسوحة، ورجل ممسوح الوجه ومسيح الوجه: وهو أن لا يبقى على أحد شقي وجهه عين ولا حاجب إلا سوي، أو لأنه يقطع الأرض، وقيل: إن الخير مسح عنه فهو مسيح الضلالة، كما أن الشر مسح عن مسيح الهداية، وقيل: إنه مسيح بوزن سكيت، وإنه الذي مسح خلقه، أي شُوِّه، وقال أبو داود: المثقل هو الدجال والمخفف عيسى، وأخطأ من قال: إن الدجال مسيخ بالمعجمة.\nالفصل الأول\n٥٤٦٤ - [١] (حذيفة بن أسيد الغفاري) قوله: (فذكر الدخان) اعلم أنه قد ذكر الدخان في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢١٩).\n(٢) اسمه \"شوارق الأسرار العلية في شرح مشارق الأنوار النبوية للصغاني\".","vol":"8","page":679},{"text":"وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا،\nــ\nأَلِيمٌ﴾ [الدخان: ١٠ - ١١]، فالأكثرون على أن المراد به ما أصاب قريشًا من القحط في عهد رسول اللَّه -ﷺ- بدعائه -ﷺ- عليهم بقوله: (اللهم اجعلها سنين كسني يوسف)، فابتلوا بالقحط سبع سنين، فكانوا يأكلون الجلود والجيف حتى جيف الكلاب وعظامها، ويرى لهم الهواء في الجوّ كالدخان، فإن الجائع يرى بينه وبين السماء كهيئة الدخان من ضعف بصره، ولأن الهواء يظلم عام القحط لقلة الأمطار وكثرة الغبار، ولأن العرب تسمي الشر الغالب دخانًا، وهذا قول ابن مسعود ومن تبعه، وقد ورد في (صحيح البخاري) وغيره في ذلك أحاديث، وقد ذهب البعض إلى أن المراد به ظهور الدخان المعدود في أشراط الساعة، وهذا قول حذيفة وتابعيه؛ لأنه قد روى أنه -ﷺ- لما ذكر الآيات وعدّ منها الدخان كما في هذا الحديث سئل عنه وما الدخان يا رسول اللَّه؟ قرأ هذه الآية وقال: (يملأ ما بين المشرق والمغرب، يمكث أربعين يومًا وليلة، فالمؤمن يصير كالزكام، والكافر كالسكران)، الحديث (١).\nوقوله: (والدابة) أي: دابة الأرض المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ﴾ الآية [النمل: ٨٢]، قيل: طولها ستون ذراعًا ذات قوائم ودبر، وقيل: مختلفة الخلقة تشبه عدة من الحيوانات، يتصدع جبل الصفا فتخرج منه ليلة جمع ومعها عصا موسى ﵇ وخاتم سليمان، لا يدركها طالب، ولا يعجزها هارب، تضرب المؤمن بالعصا وتكتب في وجهه: مؤمن، وتطبع الكافر بالخاتم وتكتب في وجهه: كافر، وروي أنه -ﷺ- سئل عن مخرجها فقال: من أعظم المساجد حرمة على اللَّه، يعني المسجد الحرام.\nوقوله: (وطلوع الشمس من مغربها) سيأتي في الحديث بيانه وكيفيته.\n_________\n(١) انظر: \"تخريج أحاديث الكشاف\" للزيلعي (٣/ ٢٦٦).","vol":"8","page":680},{"text":"وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ\".\nــ\nوقوله: (ويأجوج ومأجوج) هما قبيلتان من ولد يافث بن نوح ﵇، وقيل: يأجوج من الترك ومأجوج من الجيل، وهما اسمان عجميان بدليل منع الصرف، وقيل: عربيان من أجّ الظليم: إذا أسرع، وأصلهما الهمزة كما قرأ عاصم، ومنع صرفهما للتعريف والتأنيث، كذا قال البيضاوي (١)، وفي (القاموس) (٢): الأجة: الاختلاط، ولا يخفى أنه يمكن اشتقاق يأجوج ومأجوج منه أيضًا، بل من الأجة بمعنى شدة الحر، بل من الأجيج بمعنى تلهب النار كما ذكر من المعنيين لشدة في خروجهم مثل شدة الحر ولهب النار، ثم قال: ويأجوج ومأجوج من لا يهمزهما يجعل الألفين زائدتين من يَجَجَ ومَجَجَ، وقرأ رؤية: (آجوج وماجوج)، وأبو معاذ: (يمجوج).\nوقوله: (تطرد الناس إلى محشرهم) الحشر: الجمع، من نصر وضرب، والمحشر بالفتح: موضعه، كذا في (القاموس) (٣)، وقالوا: المراد بالمحشر أرض الشام؛ إذ صح في الحديث أن الحشر يكون متى يكون في أرض الشام، ولا يلزم منه أن يكون هذا الطرد بعد الحشر، ونقل في (مجمع البحار) (٤) من حاشية (المصابيح): فإن قيل: النار من حيث إنها من أشراطها تتقدم عليها والحشر بعد قيامها؟ قلت:\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٩٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٦٤).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٣٩).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٥١٩).","vol":"8","page":681},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: \"نَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنَ تَسُوقُ النَّاسَ إِلَى الْمَحْشَرِ\". وَفِي رِوَايَةٍ فِي الْعَاشِرَةِ: \"وَرِيح تُلْقِي النَّاسَ فِي الْبَحْر\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٠١].\nــ\nلعلها تخرج أولًا وتبقى حتى تقوم الساعة، ثم تسوق أهل الشقاوة إلى المحشر وإلى النار.\nوقوله: (من قعر عدن) بالتحريك: مدينة معروفة باليمن، كان التبع يحبس فيه أصحاب الجرائم، من عدن بالبلد من باب ضرب ونصر، عدنا وعدونا: أقام، ومنه ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، ويقال له: عدن أبين، أضيف إلى أبين على وزن أبيض، اسم رجل من حمير أقام بها، وقعر كل شيء: أقصاه، وقعر البئر: عمقه، ثم قيل: إنه قد جاء في (صحيح البخاري): (إن أول الأشراط نار تخرج من المشرق إلى المغرب) فكيف تكون آخر الآيات؟ وأجابوا بأن اخريتها بالنسبة إلى ما ذكر من الآيات، وأوليتها باعتبار أنها أول الآيات التي لا يبقى بعدها شيء من أمور الدنيا أصلًا، بل يقع بانتهائها النفخ في الصور، بخلاف ما ذكر معها، فإنه يبقى مع كل آية منها أشياء من أمور الدنيا.\nوحاصله ما قال الطيبي (١): إن بعض الآيات أمارات لقرب قيام الساعة، وبعضها دالة على حصولها وقيامها، فيمكن أن تكون النار آخرًا بالنسبة إلى القسم الأول، وأولًا بالنسبة إلى الثاني، كذا قالوا، وفيه نظر؛ لأن طلوع الشمس من مغربها كما يجيء في الحديث عدّ أولًا، ولا شك أنه ليس من القسم الأول؛ لأن الدخان والدجال قبله، فيكون من الثاني، وكيف يكون الشيئان أول؛ فالأوجه أن يقال: إن الأولية والآخرية إضافيتان، فيمكن أن يكون شيء أولًا بالنسبة إلى بعض، وآخرًا بالنسبة إلى آخر، فلا\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٣٤٤٩).","vol":"8","page":682},{"text":"٥٤٦٥ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سِتًّا: الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَدَابَّةَ الأَرْضِ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَأَمْرَ الْعَامَّةِ، وَخُوَيْصَّةَ أَحَدِكُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٤٧].\n٥٤٦٦ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْروٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ أَوَّلَ الآيَاتِ خُرُوجًا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ. . . . .\nــ\nيرد ما ذكر، فافهم، واللَّه أعلم.\n٥٤٦٥ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (بادروا بالأعمال ستًّا) أي: تعجلوا بالأعمال الصالحة قبل مجيء هذه الدواهي الست، والمبادرة: المعاجلة، بادره مبادرة وبِدارًا: عاجله، وبدره الأمر وإليه: عجل إليه واستبقه، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (وأمر العامة) أي: الفتنة التي تعم الناس، و(خويصة أحدكم) أي: ما يختص بأحدكم من الشواغل في الفتنة في نفسه وأهله وماله، وصغرت لاستصغارها في جنب سائر الحوادث من علامات القيامة، وقيل: أمر العامة القيامة التي تعم الناس، وخويصة أحدكم الموت، وتعقب بأن كونها من الآيات لا يستقيم، كذا قيل، ويمكن أن يقال: إنه لما حذر عن علامات القيامة حذر عنها وعن الموت الذي هو القيامة الصغرى، على أنه لم يقل ستًّا من العلامات بل أطلق، أي: ستًّا من الحوادث والمصائب والدواهي.\n٥٤٦٦ - [٣] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (وخروج الدابة) قيل: الواو بمعنى (أو)، وقد وقع بـ (أو) في بعض الروايات، ويناسبه سياق الحديث.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣١٤).","vol":"8","page":683},{"text":"عَلَى النَّاسِ ضُحًى، وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَاحِبَتِهَا فَالأُخْرَى عَلَى أَثَرِهَا قَرِيبًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٤١].\n٥٤٦٧ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ثَلَاثٌ إِذَا خَرَجْنَ ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ [الأنعام: ١٥٨]: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَالدَّجَّالُ، وَدَابَّةُ الأَرْضِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٨].\n٥٤٦٨ - [٥] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ: \"أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟ \" قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: \"فَإِنَّهَا تَذْهَبُ حَتَّى تَسْجُدَ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنُ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَيُوشِكُ أَنْ تَسْجُدَ وَلَا تُقْبَلُ مِنْهَا، وَتَسْتَأْذِنُ فَلَا يُؤْذَنُ لَهَا، وَيُقَالُ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ، فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] \" قَالَ: \"مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٩٩، م: ١٥٩].\nــ\nوقوله: (وأيهما ما كانت): (ما) زائدة.\n٥٤٦٧ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (ثلاث إذا خرجن) أي: ثلاث آيات إذا ظهرن وحصلن.\n٥٤٦٨ - [٥] (أبو ذر) قوله: (فتستأذن فيؤذن لها) يجوز أن يكون المراد استئذانها للدخول في حضرة الحق تعالى والإذن به، يعني ثم يؤمر بطلوعها من مشرقها، والأولى أن يراد ابتداء الاستئذان لطلوعها من مشرقها والأذن به.\nوقوله: (فذلك قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾) قد ذكر له في التفاسير","vol":"8","page":684},{"text":"٥٤٦٩ - [٦] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ أَمْرٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٤٦].\n٥٤٧٠ - [٧] وَعَن عَبْد اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ بِأَعْوَرَ، وَإنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى،\nــ\nوجوه غير ما في هذا الحديث، ولا شك أن ما وقع في الحديث المتفق عليه يكون هو المعتبر والمعتمد، والعجب من البيضاوي أنه ذكر وجوهًا في تفسيره ولم يذكر هذا الوجه، ولعله أوقعه في ذلك تفلسفه، نعوذ باللَّه من ذلك.\nوفي كلام الطيبي أيضًا ما يشعر بضيق الصدر، نسأل اللَّه العافية.\n٥٤٦٩ - [٦] (عمران بن حصين) قوله: (أمر أكبر من الدجال) أي: في باب الفتنة والابتلاء، والإضلال والاستدراج.\n٥٤٧٠ - [٧] (عبد اللَّه) قوله: (إن اللَّه لا يخفى عليكم) أي: قد عرفتموه بصفات الكمال وآمنتم به، فلا تضلوا بما ترون منه من المكر والاستدراج.\nوقوله: (إن اللَّه ليس بأعور) نفي للنقص لا لإثبات الجارحة، أي: ليس هو من جنس الآدميين، وليس له عين فضلًا عن أن يكون أعور، والعور: ذهاب حسن إحدى العينين.\nوقوله: (عين اليمنى) أي: عين جهة اليمنى، أو عينه اليمنى، وقيل: إن ذلك من سهو قلم الناسخ بدليل ما جاء في حديث حذيفة: (أعور العين اليسرى)، واللَّه تعالى أعلم.","vol":"8","page":685},{"text":"كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٤٠٧، م: ١٦٩].\nــ\nوقوله: (كأن عينه عنبة) فيه تجنيس لطيف من غير تكلف، و(طافية) أي: بارزة عالية، في (القاموس) (١): طفا فوق الماء طفْوًا وطفوًّا: علا، والخوصةُ فوق الشجر: ظهرت، والطفاوة: ما طفا من زبد القدر، ذكره في الناقص.\nقال الشيخ ابن حجر (٢): طافية بياء غير مهموزة، أي: بارزة، ولبعضهم بالهمز، أي: ذاهب ضوءها، وجزم به الأخفش، وفي شرح (المصابيح) لابن الملك (٣): طافئة بالهمزة، أي: ذاهب ضوءها، وروي بغير الهمزة، أي: ناتئة بارزة، انتهى، من طفئت النار كسمع: ذهب لهيبها، كانطفأت وأطفأتها.\nوقال القاضي عياض في (مشارق الأنوار) (٤): (طافية) روي بالهمز وغيره، وقال: أكثر الروايات بغير همز، وهو الذي صححه الشيوخ والمفسرون، أي: ناتئة كحبة العنب الطافية فوق الماء، وقيل: البارزة من بين صواحبها، وقد رويناه عن بعضهم بالهمزة وأنكره أكثرهم، ولا وجه لإنكاره، لأنه قد روي في الحديث أنه ممسوح العين ومطموس العين، وأنها ليست جحراء ولا ناتئة، وهذه صفة حبة العنب التي سال ماؤها وطفئت، وعلى ما جاء في الأحاديث الأخر: (جاحظ العين وكأنها كوكب) يحتج به للرواية الأولى، ويصح الجمع بينهما بأنه أعور إحداهما، والعوراء مطموسة وممسوحة وغير ناتئة وطافئة بالهمزة، والأخرى كأنها كوكب وجاحظة وطافية بغير\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٧٦).\n(٢) \"فتح الباري\" (١٣/ ٩٧).\n(٣) كذا في الأصل، والظاهر \"شرح المشارق\" لابن الملك، كما في \"المرقاة\" (٨/ ٣٤٥٣).\n(٤) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٢٦).","vol":"8","page":686},{"text":"٥٤٧١ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الْكَذَّابَ، أَلَا إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ رَبُّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: ك ف ر\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١٣١، م: ٢٩٣٣].\n٥٤٧٢ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا عَنِ الدَّجَّالِ مَا حَدَّثَ بِهِ نَبِيٌّ قَوْمَهُ، إِنَّه أعوَرُ، وَإِنَّه يَجِيءُ مَعَهُ بِمِثْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَالَّتِي يَقُولُ: إِنَّهَا الْجَنَّةُ هِيَ النَّارُ، وَإِنِّي أُنْذِرُكُمْ كَمَا أَنْذَرَ بِهِ نُوحٌ قَوْمَهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٣٨، م: ٢٩٣٦].\nــ\nهمزة، واللَّه تعالى أعلم، انتهى.\n٥٤٧١ - [٨] (أنس) قوله: (إلا قد أنذر أمته الأعور الكذاب) وذلك لعدم العلم بوقت خروجه لهم حين أنذروا.\nوقوله: (مكتوب بين عينيه ك ف ر) هكذا كتب في نسخ (المصابيح) و(المشكاة)، وهذه الحروف غير مركبة إشارة إلى المادة الصرفية من غير اعتبار صيغة معينة، ولعلها على هذه الصورة مكتوبة بين عيني الدجال، وهكذا جاء من لفظه -ﷺ- مكتوب بين عينيه: الكاف والفاء والراء.\n٥٤٧٢ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (بمثل الجنة والنار) يحتمل الحقيقة والمجاز، وكذا قوله: (ماء ونار)، والمجاز أن يراد بهما اللطف والقهر والرحمة والغضب.\nوقوله: (فالتي يقول: إنها الجنة هي النار) يأتي في الحديث الآتي عكسه أيضًا.\nوقوله: (كما أنذر به نوح) خصه بالذكر لأنه مقدم المشاهير من الأنبياء.","vol":"8","page":687},{"text":"٥٤٧٣ - [١٠] وَعَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ الدَّجَّالَ يَخْرُجُ وَإِنَّ مَعَهُ مَاءً وَنارًا، فَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ مَاءً فَنَارٌ تُحْرِقُ، وَأَمَّا الَّذِي يَرَاهُ النَّاسُ نَارًا فَمَاءٌ بَارِدٌ عَذْبٌ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيَقَعْ فِي الَّذِي يَرَاهُ نَارًا، فَإِنَّهُ مَاءٌ عَذْبٌ طَيِّبٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَزَاد مُسْلِمٌ: \"إِنَّ الدَّجَّالَ مَمْسُوحُ العَيْنِ عَلَيْهَا ظَفَرَةٌ غليظةٌ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ كَافِرٌ، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ كاتبٍ وَغَيْرِ كَاتِبٍ\". [خ: ٣٤٥٠، م: ٢٩٣٤].\nــ\n٥٤٧٣ - [١٠] (حذيفة) قوله: (عليها ظفرة) بالتحريك: لحمة نبتت عند الماق من كثرة البكاء أو الماء، كذا قال الطيبي (١)، وفي (القاموس) (٢): الظفر بفتحتين: جليدة تُغَشِّي العين كالظفرة محركة، وقد ظفرت العين كفرح فهي ظفرة، وفي شرح (جامع الأصول) (٣): جليدة ناتئة من جانب يلي الأنف على بياض العين إلى سوادها، وقال الطيبي (٤): يحتمل أن تكون الظفرة في العين الممسوحة وأن تكون في العين الأخرى، انتهى.\nلا يخفى أن وجود الظفرة في العين الممسوحة بالمعنى الذي ذكروه مما لا يظهر إلا أن يراد بالممسوح المعيوب، فالظاهر كونها في العين الأخرى وإن كان ظاهر اللفظ يأباه.\nوقوله: (كاتب وغير كاتب) بالجر صفة (مؤمن)، أي: الذي يعرف الكتابة\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٠٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٩١).\n(٣) \"جامع الأصول\" (١٠/ ٣٥٠).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٠٩).","vol":"8","page":688},{"text":"٥٤٧٤ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الدَّجَّالُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى، جُفَالُ الشَّعَرِ، مَعَهُ جَنَّتَهُ وَنَارُهُ، فَنَارُهُ جَنَّةٌ وَجَنَّتُهُ نَارٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٣٤].\n٥٤٧٥ - [١٢] وَعَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الدَّجَّالَ فَقَالَ: \"إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ فَأَنَا حَجِيجُهُ. . . . .\nــ\nويحسن قراءتها والذي لا يعرفها، وذلك برهان من اللَّه ﷾ على كذبه.\n٥٤٧٤ - [١١] (وعنه) قوله: (أعور العين اليسرى) قال التُّوربِشْتِي (١) في وجه تطبيق هذه الرواية ورواية عبد اللَّه: (أعور العين اليمنى): إن إحدى عينيه ذاهبة والأخرى معيبة، فيصح أن يقال: لكل واحدة عوراء، إذ العور في الأصل العيب.\nوقوله: (جفال الشعر) بضم الجيم، في (القاموس) (٢): جفل الشعر جفولًا: شعث، والجفالة بالضم: الجماعة، وما أخذته من رأس القدر بالمغرَفة، وكغراب: [رِغْوَةُ اللَّبَنِ]، والكثير، أو من الصوف، وجفلة من الصوف: جُزَّة منه، وبالفتح: الكثيرة الورق من الشجر.\n٥٤٧٥ - [١٢] (النواس بن سمعان) قوله: (وعن النواس) بفتح النون وتشديد الواو (ابن سمعان) بكسر السين وفتحها.\nوقوله: (وأنا فيكم فأنا حجيجه) الحجيج: الغلبة بالحجة، وهو (فعيل) بمعنى (فاعل).\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١١٦٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٨٠).","vol":"8","page":689},{"text":"دُونَكُمْ، وَإِنْ يَخْرُجْ وَلَسْتُ فِيكُمْ فَامْرُؤٌ حَجِيجُ نَفْسِهِ، وَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، إِنَّهُ شَابٌّ قَطَطٌ، عَيْنُهُ طَافِيةٌ، كَأَنِّي أُشَبِّهُهُ بِعَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَطَنٍ،\nــ\nوقوله: (دونكم) أي: قدامكم.\nوقوله: (فامرؤ) للعموم في الإثبات، قد ثبت من الأحاديث ما يدل على أن خروجه في آخر الزمان، ولكنه قاله هكذا إبقاء للخوف على الأمة حتى يلتجئوا إلى اللَّه تعالى من شره، وأيضًا هذا كناية عن تحقق وقوعه البتة، وإشارة إلى الإبهام في زمانه كالساعة.\nوقوله: (واللَّه خليفتي) لما كان الاحتجاج على الدجال وجعله محجوجًا يرجع نفعه إلى بقاء دينه وتقويته، وكان ذلك أمره وشأنه -ﷺ- مما يهتم به، اتخذ اللَّه خليفته ووليه على كل مسلم وحافظه، فيعينه عليه ويدفع شوه.\nوقوله: (قطط) في (القاموس) (١): القطط محركة: القصير الجعد من الشعر كالقط، انتهى، والقطط يطلق على الشعر وعلى الرجل، وفي (مجمع البحار) (٢): هو شديد الجعودة، وقيل: الحسن الجعودة، والأول أكثر، أي: شديد التقبض كشعر السودان، وهو بفتحتين على المشهور، وروي بكسر الطاء الأولى.\nوقوله: (كأني أشبهه) تردد -ﷺ- في تشبيهه به، ولو قال: كأنه عبد العزى لزم الجزم بالتشبيه، والعزى في الأصل تأنيث الأعز، واسم صنم، أو سمرة عبدتها غطفان، وعبد العزى هذا كان من المشركين، وقيل: رجل من خزاعة من ملوك الجاهلية.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦١٤).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٢٩٤).","vol":"8","page":690},{"text":"فَمَنْ أَدْركَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ\".\nوَفِي رِوَايَةٍ: \"فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ بِفَوَاتِحِ سُورَةِ الْكَهْفِ، فَإِنَّهَا جِوَارُكُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ، إِنَّه خَارِجٌ خَلَّةً بَيْنَ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ، فَعَاثَ يَمِينًا وَعَاثَ شِمَالًا،\nــ\nوقوله: (فمن أدركه منكم) وقد ورد قراءة سورة الكهف وقت النوم اتقاء شر الدجال.\nوقوله: (فإنها جواركم) بكسر الجيم، أي: أمانكم، وفي شرح ابن الملك على (المصابيح) (١): جوازكم بفتح الجيم والزاي، وهو الصك الذي يأخذه المسافر من السلطان لئلا يتعرض له المترصِّدة في الطريق، يعني أنه سبب مجاوزتهم الطريق من غير تعرض. وقال: وفي بعض النسخ بالراء، ومعناه: حافظكم وسبب أمانكم.\nوقوله: (إنه خارج خلة) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام، وهو الطريق في الرمل، أي: يخرج من طريق واقع بين الشام والعراق، وفي (القاموس) (٢): الخل: الطريق في الرمل، أو النافذ بين رملتين، أو النافذ في الرمل المتراكم، ويؤنث.\nوقوله: (فعاث يمينًا وعاث شمالًا) على صيغة الماضي من العيث، وهو الإفساد، أي: أفسد، وروي بصيغة اسم الفاعل، أي: فهو مفسد، وقد صوب هذه الرواية في العطف على (خارج)، وقال في (مشارق الأنوار) (٣): يقال: عاث وعث، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠]، وفي حديث الدجال روي بفتح الثاء فعل ماض، وروي بكسر الثاء وتنوينها على مثال (قاض) اسم فاعل، من\n_________\n(١) \"شرح مصابيح السنة\" (٥/ ٥٦٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٩٤).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٠٦).","vol":"8","page":691},{"text":"يَا عِبَادَ اللَّهِ فَاثْبُثُوا\"، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا لَبْثُهُ فِي الأَرْضِ؟ قَالَ: \"أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ\" قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: \"لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَه\"، قُلْنَا: يَا رسولَ اللَّهِ! وَمَا إِسْرَاعُهُ فِي الأَرْضِ؟ . . . . .\nــ\nعث، وبالوجهين قيدهما الجياني.\nوقوله: (قال أربعون يومًا) وجاء في رواية: (أربعين) وهو بتقدير (يلبث).\nوقوله: (يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم) قيل: الأول لكثرة الهموم والغموم وشدة البلاء والفتنة يرى لهم كسنة، وعلى هذا القياس، ثم الحق يزيد قدرًا والباطل ينقص ويهون المحنة وشدتها، وهذا القول لا يناسب سؤال الصحابة: أتكفينا فيه صلاة يوم؟ وجوابه -ﷺ-: (اقدروا له قدره)، وقيل: ذلك لسحر ذلك اللعين واختلال حواسهم وقواهم بذلك، فيرى الظلام ضياءً والضياء ظلامًا، ولا يخفى أنه لا يظهر بهذا القول ولا بالقول الأول وجه تخصيص الأيام الثلاثة على هذا القدر المخصوص دون غيرها من الأيام ودون غير هذا القدر، إلا أن يحمل ذلك على طريق التمثيل، وهو بعيد.\nوقوله: (واقدروا له قدره) أي: اقدروا لأداء الصلوات الخمس قدر يوم، وبيان تقديره: أنه إذا مضى بعد طلوع الفجر قدر ما يكون بينه وبين ظهر يومه يصلون الظهر، وعلى هذا قياس اليوم الذي كالشهر، والذي كالجمعة، قالوا: وهذا مخصوص بذلك اليوم، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله: (وما إسراعه؟) لما سمعوا أنه يفسد في آفاق الأرض وأكنافها في مدة يعسر فيها ذلك عادة علموا أن له إسراعًا، فسألوا عنه.","vol":"8","page":692},{"text":"قَالَ: \"كَالْغَيْثِ اسْتَدْبَرَتْهُ الرِّيحُ، فَيَأْتِي عَلَى الْقَوْمِ فَيَدْعُوهُمْ فَيُؤْمِنُونَ بِهِ، فَيَأْمُرُ السَّمَاءَ فَتُمْطِرُ، وَالأَرْضَ فَتُنْبِتُ، فَتَرُوحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ أَطْوَلَ مَا كَانَتْ ذُرًى وَأَسْبَغَهُ ضُرُوعًا وَأَمَدَّهُ خَوَاصِرَ، ثُمَّ يَأْتِي الْقَوْمَ فَيَدْعُوهُمْ فَيَرُدُّونَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَيَنْصَرِفُ عَنْهُمْ، فَيُصْبِحُونَ مُمْحِلِينَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ شَيْءٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَيَمُرُّ بِالْخَرِبَةِ فَيَقُولُ لَهَا: أَخْرِجِي كُنُوزَكِ،\nــ\nوقوله: (فتروح عليهم سارحتهم) الرواح: العشي، أو من الزوال إلى الليل، والمراد من السارحة المواشي تذهب بالغداة إلى مراعيها، والسرح: المال السائم، وسوم المال، يقال: سرحت المال سرحا وسرحت هي بنفسها سروحًا، ويقال: سرحت بالغداة وراحت بالعشي.\nوقوله: (ذرى) تمييز، جمع ذروة، بالفارسية كوهان شتر، وذروة كل شيء: أعلاه.\nوقوله: (وأسبغه) أي: أتمه وأملأه، و(الضرع) بالفارسية بستان، و(أمده خواصر) جمع خاصرة، أي: ما تحت الجنب، وأمدها عبارة عن كثرة الأكل والشبع، وهو كناية عن السمن، والضمير في (أسبغه) و(أمدّه) لها.\nوقوله: (ثم يأتي القوم) أي: قوما آخرين غير الذين آمنوا به، وهم الذين جحدوه وكفروا به، ويحتمل أن يكون المراد القوم الأول كما هو قاعدة إعادة المعرفة، فهم كانوا تارة يؤمنون به بحكم الاشتباه والاضطرار، وأخرى يكفرون لما لاح عليه من دلائل الكذب المقتضية للإنكار.\nوقوله: (ممحلين) المحل: الشدة، والجدب، وانقطاع المطر، وزمان ومكان ماحل، وأرض ممحلة، وأمحل القوم: أجدبوا، أي: صاروا ذات جدب.","vol":"8","page":693},{"text":"فَتَتْبَعُهُ كُنُوزُهَا كَيَعَاسِيبِ النَّحْلِ، ثُمَّ يَدْعُو رَجُلًا مُمْتَلِئًا شَبَابًا فَيَضْرِبُهُ بِالسَّيْفِ فَيَقْطَعُهُ جَزْلَتَيْنِ رَمْيَةَ الْغَرَضِ، ثُمَّ يَدْعُوهُ فَيُقْبِلُ وَيَتَهَلَّلُ وَجْهُهُ يَضْحَكُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ، فَيَنْزِلُ عِنْد المَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ بَيْنَ مَهْرُوذَتَيْنِ. . . . .\nــ\nوقوله: (فتتبعه كنوزها كيعاسيب النحل) جمع يعسوب، وهو أمير النحل وذكرها والرئيس الكبير، كما في قول أمير المؤمنين علي -﵁- في صفة نفسه: أنا يعسوب المؤمنين، والمال يعسوب الكفار، أي: يلوذ بي المؤمنون ويلوذ بالمال الكفار كما يلوذ النحل بمقدمها وسيدها، وفي صفة أمير المؤمنين أبي بكر -﵁-: كنت للدين يعسوبًا، والمراد يتبع الدجال كنوز الأرض كما يتبع النحل يعاسيبها، وإنما جمع لأن لنحل كل بقعة يعسوبًا.\nوقوله: (ممتلئًا شبابًا) تمييز، والمراد كونه في غاية الشباب.\nوقوله: (جزلتين) بفتح الجيم وروي بالكسر، وقيل: الجزلة بالكسر: القطعة، وبالفتح المصدر، وفي (القاموس) (١): جزله بالسيف يجزله: قطعه جزلتين.\nوقوله: (رمية الغرض): (الغرض) محركة: الهدف، أراد أنه يكون بُعد ما بين القطعتين بُعد رمية السهم إلى الهدف، وقيل: أي يصيبه بالضربة إصابة رمية الغرض، (ثم يدعوه فيقبل) أي: ثم يحيي الدجال الشاب المذكور فيقبل عليه ضاحكًا مسرورًا، و(دمشق) المشهور فيه كسر الدال وفتح الميم، وقد يكسر.\nوقوله: (مهروذتين) يروى بالدال والذال، وأكثر ما يقع في النسخ بالدال المهملة،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٧٩).","vol":"8","page":694},{"text":"وَاضِعًا كَفَّيْهِ عَلَى أَجْنِحَةِ. . . . .\nــ\nومعناه لابسًا ثوبين مصبوغين بالزعفران، كذا نقل الطيبي (١)، وفي (القاموس) (٢) في باب الدال المهملة: الهرد: الشق للإفساد، وبالضم: الكُركُم، وطين أحمر، وعروق يصبغ به، والهردي: المصبوغ به، وقال في باب الذال المعجمة: المهروذة لم تسمع إلا في قول النبي -ﷺ- في المسيح ﵊: (ينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق في مهروذتين)، ويروى بالدال، وفي (الصراح) (٣): هردى بالكسر على فعلى: كَياهي ثوب، مهروذ زرد رنكَـ وليس، ولم يذكر فيه هرذ بالذال المعجمة.\nوقال القاضي عياض في (مشارق الأنوار) (٤) في الدال المهملة: في خبر عيسى ﵊: فينزل في ثوبين مهرودتين، قيل: في شقتين أو حلتين، قال ابن قتيبة: مأخوذ من الهرد، وهو الشق، أي: في شقتين، والشقة: نصف الملاءة، وقال أبو بكر: إنما يسمى الشق هردًا إذا كان للإفساد لا للإصلاح، وقال ابن السكيت: هرد القصار الثوب وهردته: إذا خرقته، وقيل: أصفرين كلون الحوذانة، وهو ما صبغ بالورس والزعفران، فيقال له: مهرود.\nوقال ابن الأنباري: يقال: مهرودتين بالدال والذال معًا، أي: ممصرتين، كما جاء في الحديث الآخر، وقال غيره: الثوب المهرود: الذي يصبغ بالعروق التي يقال لها: الهرد بضم الهاء، وقال أبو العلاء المعري: هرد ثوبه: صبغه بالهرد، وهو صبغ\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١١٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٩٧، ٣٠٧).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ١٥١).\n(٤) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٦٧).","vol":"8","page":695},{"text":"مَلَكَيْنِ، إِذَا طَأْطَأَ رَأْسَهُ قَطَرَ، وَإِذَا رَفَعَهُ تَحَدَّرَ مِنْهُ مِثْلَ جُمَانٍ كَاللُّؤْلُؤِ، فَلَا يَحِلُّ لِكَافِرٍ يَجِدَ مِنْ رِيح نَفَسِهِ إِلَّا مَاتَ، وَنَفَسُهُ يَنْتَهِي حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُهُ، فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَاب لُدٍّ فَيَقْتُلُهُ، ثمَّ يَأْتِي عِيسَى قَوْمٌ قَدْ عَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْهُ،\nــ\nيقال له: العروق، وقال الجياني: يقال هو الكُركُم، وقال ابن قتيبة: ما ذكر عندي خطأ من النقلة وأراه مهرودتين، أي: صفراوين، وخطأ ابن الأنباري قوله هذا، وقال: إنما يقوله العرب: هريت لا هروت، ولا يقولون ذلك إلا في العمامة خاصة.\nوقوله: (إذا طأطا رأسه) أي: خفضه، (قطر) أي: عرق، (وإذا رفعه) أي: الرأس (تحدر) أي: نزل، و(الجمان) كغراب اللؤلؤ، أو حبات بأشكال اللؤلؤ من فضة، الواحدة جمانة، وفي بعض الحواشي: (الجمان) بضم الجيم وتشديد الميم: اللؤلؤ الصغار، وبتخفيفها حب يتخذ من الفضة، وقيل: المراد هو الأخير، انتهى. والقرينة على ذلك قوله: (كاللؤلؤ) يعني إذا خفض رأسه قطر من شعره قطرات نورانية، وإذا رفعه نزلت تلك القطرات من الماء، كذا في (مجمع البحار) (١).\nوقوله: (فلا يحل لكافر) بكسر الحاء، أي: لا يمكن ولا يحصل، والدجال مستثنى من هذا، و(نفسه) بفتح الفاء.\nوقوله: (فيطلبه) أي: عيسى الدجال، و(اللد) بضم لام وتشديد دال: اسم جبل بالشام، وقيل: قرية من قرى بيت المقدس، وفي (القاموس) (٢): (لد) بالضم: قرية بفلسطين يقتل عيسى ﵇ الدجال عند بابها.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٣٨٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٨٧).","vol":"8","page":696},{"text":"فَيَمْسَحُ عَنْ وُجُوهِهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ بِدَرَجَاتِهِمْ فِي الْجَنَّةِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى عِيسَى: أَنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِيَ إِلَى الطُّورِ، وَيَبْعَثُ اللَّهُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦] فَيَمُرُّ أَوَائِلُهُمْ عَلَى بُحَيْرَةِ طَبَرِيَّةَ، فَيَشْرُبونَ مَا فِيهَا، وَيَمُرُّ آخِرُهُمْ وَيَقُولُ: لَقَدْ كَانَ بِهَذِهِ مَرَّةً مَاءٌ، ثُمَّ يَسِيرُونَ حَتَّى يَنْتَهُوا إِلَى جَبَلِ الْخَمَرِ، وَهُوَ جَبَلُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَيَقُولُونَ: لَقَدْ قَتَلْنَا مَنْ فِي الأَرْضِ، هَلُمَّ. . . . .\nــ\nوقوله: (فيمسح) أي: يزيل الغبار عن وجوههم، أو يكشف ما بهم من الشدة وأثر المحنة.\nوقوله: (لا يدان) أي: لا طاقة ولا قدرة، وقيل: أراد المبالغة بأن يديه كأنهما معدومتان لعجزه، و(الحدب) الغليظ المرتفع من الأرض، (والنسل) الإسراع، نسل ينسل نسيلًا ونسَلًا ونسَلانًا: أسرع.\nو(بحيرة طبرية) بالإضافة، وبحيرة تصغير بحرة، وهو ماء يجتمع بالشام طوله عشرة أميال، وطبرية: اسم موضع، وفي (القاموس) (١): قرية بواسط، و(الخمر) بفتحتين: ما واراك من شجر وغيره، كذا في (القاموس) (٢)، قال الطيبي (٣): الشجر الملتف، وجبل بالقدس، قيل: سمي به لكثرة شجره.\nوقوله: (هلم) معناه تعال، مركبة من (ها) للتنبيه ومن (لم)، من لمّ اللَّه شعثه،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٨٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٤٩).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١١٥).","vol":"8","page":697},{"text":"فَلْنَقْتُلْ مَنْ فِي السَّمَاءِ، فَيَرْمُونَ بِنُشَّابِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَيَرُدُّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نُشَّابَهُمْ مَخْضُوبَةً دَمًا، وَيُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لِأَحَدِهِمْ خَيْرًا مِنْ مِئَةِ دِينَارٍ لِأَحَدِكُمُ الْيَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، ثُمَّ يَهْبِطُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى الأَرْضِ، فَلَا يَجِدُونَ فِي الأَرْضِ مَوْضِعَ شِبْرٍ إِلَّا مَلأَهُ زَهَمُهُمْ. . . . .\nــ\nأي: جمعه، أي: لم نفسك إلينا، وحذفت ألفها وجعلا اسمًا واحدًا، يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث في لغة أهل الحجاز، وأهل نجد يصرفونها فيقولون: هلم وهلما وهلموا وهلمي وهلممن، وقد يوصل باللام فيقال: (هلم لك) كما قالوا: (هيت لك)، ويؤكد بالنون فيقال: (هلمن)، وفي المؤنث بكسر الميم، وفي الجمع بضمها، وفي التثنية (هلمان) للمذكر والمؤنث، وللنسوة (هلممنان). (نشابهم) بضم نون وتشديد شين: السهام، واحده نشابة بهاء، ونشاب بالفتح متخذه، وقوم نشابة: يرمون به. و(يحصر نبي اللَّه) أي: يحبس في جبل الطور.\nوقوله: (حتى يكون رأس الثور) أي: يبلغ بهم الحاجة والفاقة إلى أن يكون رأس الثور الذي هو أرخص اللحم بالنسبة إلى ما في لحمه، (خيرًا من مئة دينار لأحدكم اليوم) ويقاس عليه غيره من الأجزاء، وقيل: أراد نفس الثور لاحتياجهم إليه للزراعة، وتعقب بأن ما لهم للزراعة وهم محصورون.\nوقوله: (فيرغب نبي اللَّه عيسى وأصحابه) أي: يدعون اللَّه في إهلاك يأجوج ومأجوج. (فيرسل اللَّه عليهم النغف) وهو بفتح النون والغين المعجمة: دود في أنوف الإبل والغنم، والواحدة نغفة، و(فرسى) كقتلى جمع فريس بمعنى قتيل، من افتراس الأسد، و(الزهم) بالتحريك مصدر زهمت يده كفرح فهي زَهِمَةٌ، أي: دَسِمَةٌ،","vol":"8","page":698},{"text":"وَنَتَنُهُمْ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ إِلَى اللَّهِ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ طَيْرًا كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ، فَتَحْمِلُهُمْ فَتَطْرَحُهُمْ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ\".\nوَفِي رِوَايَةٍ: \"تَطْرَحُهُمْ بِالنَّهْبَلِ، وَيَسْتَوْقِدُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ قِسِيِّهِمْ وَنُشَّابِهِمْ وَجِعَابِهِمْ سَبْعَ سِنِينَ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا لَا يَكُنُّ مِنْهُ بَيْتُ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ،\nــ\nوالزهم بالضم: الريح المنتنة، انتهى، والأول أكثر رواية. و(طيرًا كأعناق البخت) أي: أعناقها كأعناق البخت بالضم: الإبل الخراسانية، كالبُختية، انتهى، والبختية: الأنثى من الجمال [البخت، وهي جمال] طوال الأعناق، والذكر بختي، والجمع بخت وبخاتي. و(النهبل) بفتح النون وسكون الهاء وفتح الباء الموحدة: موضع من بيت المقدس، وقيل: حيث تطلع الشمس، كذا في الحواشي، وقد صحح في نسخ (المشكاة) كذلك بالنون، وكذلك صورة اللفظ في نسخ الطيبي، وفي (مجمع البحار) (١) من الكرماني (بالمهبل) بالميم، وفسره بالهوة الذاهبة في الأرض، وفي (القاموس) (٢): المهبل كمنزل: الهُوِيُّ من رأس الجبل، وفي (الترمذي) (٣): في حديث الدجال: (فتطرحهم بالنهبل) بالنون، وهو تصحيف، والصواب بالميم.\nو(الجعاب) بكسر الجيم جمع جعبة بفتحها: كنانة للنشاب، أي: ظرفها.\nوقوله: (لا يكن من بيت مدر ولا وبر) في (مجمع البحار) (٤): (لا يكن) هو\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ١٣١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٦٤).\n(٣) \"سنن الترمذي\" (٢٢٤٠) وفيه: \"بالمهبل\".\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٤٤١).","vol":"8","page":699},{"text":"فَيَغْسِلُ الأَرْضَ حَتَّى يَتْرُكَهَا كَالزَّلَفَةِ،\nــ\nبفتح ياء وضم كاف، من كننته: صنته عن الشمس، ومفعوله محذوف، أي: لا يكن ولا يصون من ذلك المطر بيت مدر ولا وبر، يعني بيت الحضر وأهل البدو شيئًا، بل يغسل الأماكن، أي: لا يمنع من نزول الماء بيت المدر، انتهى.\nو(يكن) صحح في النسخ بضم الياء وكسر الكاف من الإكنان، وفي الحواشي: (لا يكن) من الإكنان والكن، أكننته وكننته، أي: سترته، والجملة صفة (مطر)، والمفعول محذوف، أي: لا يستر ولا يصون من ذلك المطر بيت مدر ولا وبر، أي: أهل الحضر والبدو شيئًا، بل يعم جميع الأماكن كما عرفت، وقال في (القاموس) (١): أكنه كنه: ستره.\n(كالزلفة) قال الطيبي (٢): روي بفتح الزاي واللام وبالفاء والقاف، وروي بضم الزاي وإسكان اللام وبالفاء، وبَيَّنَ معانيها من غير تعيين أن أيها بأي معنى، والذي في (القاموس) (٣) في باب الفاء وفصل الزاي: الزلف محركة: الحوض الملآن، وبهاء: المَصنعة الممتلئة، والإجّانة الخضراء، والصدفة، والصخرة الملساء، والأرض المكنوسة، والزلفة بالضم: الصحفة، والزلف بالكسر: الروضة.\nوقال في باب القاف: الزلقة محركة بهاء: الصخرة الملساء، والمرآة، انتهى.\nولا يخفى أن الأنسب هنا حمله على المَصْنعة الممتلئة والإجّانة الخضراء؛ لأن الظرف إذا ملئ ماء يرى أخضر، ويقرب منه حمله على الصحفة والمرآة كذلك، كان الأرض صارت لكثرة الماء بحيث يرى الرائي وجهه فيه، واللَّه أعلم.\nويناسب قوله: (فيغسل الأرض) حمله على الأرض المكنوسة والصخرة الملساء\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٠٧).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٣٤٥٨).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٣٥، ٨٠٢).","vol":"8","page":700},{"text":"ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرْضِ: أَنْبِتِي ثَمَرَتَكِ وَرُدِّي بَرَكَتَكِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْكُلُ الْعِصَابَةُ مِنَ الرُّمَّانَةِ، وَيَسْتَظِلُّونَ بِقِحْفِهَا، وَيُبَارَكُ فِي الرِّسْلِ، حَتَّى إِنَّ اللِّقْحَةَ مِنَ الإِبِلِ لَتَكْفِي الْفِئَامَ مِنَ النَّاسِ،\nــ\nلصفائها وملاستها، وعلى المرآة لهذا المعنى أيضًا، فافهم.\nو(العصابة) بالكسر من الرجال والخيل والطير: ما بين العشرة إلى الأربعين كالعصبة بالضم، والمراد بـ (قحف الرمانة) بكسر القاف: مقعر قشرها، شبه بالعظم فوق دماغ الآدمي وما انفلق من الجُمْجُمَة فبان، ولا يدعى قحفًا حتى يبين أو ينكسر منه شيء، و(الرسل) بالكسر: اللَّبَن، يقال: أرسلوا: كثر رسلهم، و(اللقحة) بالكسر ويفتح: اللقوح كصبور، وهي الناقة الحلوب، أو التي نتُجت، لقوح إلى شهرين أو ثلاثة، ثم هي لبون، والجمع لَقِحٌ ولِقَاحٌ.\nوقوله: (لتكفي الفئام) في (القاموس) (١) في فصل الفاء: الفئام: الجماعة من الناس، لا واحد له من لفظه، وفي (الصحاح) (٢): والعامة تقول: (فيام) بلا همز، وقال في (المشارق) (٣) في حديث: (يغزو فئام من الناس): بكسر الفاء، معناه الجماعة، وقيل: الطائفة، قال ثابت: هو مأخوذ من الفئام، وهي كالقطعة من الشيء، وقال بعضهم: بفتح الفاء، حكاه الخليل، وهي رواية القابسي، وأدخله صاحب (العين) في حرف الياء بغير همزة وغيره بهمزة، وكذا قاله القابسي، وحكى الخطابي أن بعضهم رواه فيام بالفتح مشددة الياء، وهو غلط، وفي المهموز ذكره الهروي، وكذا\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٣١).\n(٢) \"الصحاح\" (٥/ ٢٠٠٠).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٤٤).","vol":"8","page":701},{"text":"وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْبَقَرِ لَتَكْفِي الْقَبِيلَةَ مِنَ النَّاسِ، وَاللِّقْحَةَ مِنَ الْغَنَم لَتَكْفِي الْفَخْذَ مِنَ النَّاسِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ بَعَثَ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتَأْخُذُهُمْ تَحْتَ آبَاطِهِمْ، فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ،\nــ\nقيد عن أبي ذر بالهمز.\nو(الفخذ) بسكون الخاء: جماعة دون البطن، والبطن دون القبيلة، وأما الفخذ بمعنى العضو فبكسر الخاء وبسكونها، كذا في شرح ابن الملك موافقًا لما قال الطيبي (١)، وفي (المشارق) (٢): الفخذ من الناس: الجماعة منهم والقبيلة، ويقال في العضو: [فَخِذ] فَخْذ وفِخْذ، وكذلك في نفر القوم فَخْذ وفخذ، وحكي عن ابن فارس أنه بالكسر في العضو وبالسكون في النفر، وحكى صاحب (الجمهرة) السكون والكسر في العضو، وقال: الفخذ بالسكون ما دون القبيلة وفوق البطن، انتهى.\nوفي (القاموس) (٣): الفخذ ككتف: ما بين الساق والورك، مؤنث، كالفخذ ويكسر، وحيّ الرجل إذا كان من أقرب عشيرته.\nوقوله: (فتقبض) أي: الريح على الإسناد المجازي.\nوقوله: (كل مؤمن وكل مسلم) يدل على مغايرة الإيمان والإسلام، أو هو تأكيد ومبالغة في التعميم.\nوقوله: (تحت آباطهم) يريد به إسقاطهم على الأرض.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٣٤٥٩).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٤٨).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٤).","vol":"8","page":702},{"text":"وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرِ، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ إِلَّا الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ، وَهِيَ قَوْلُهُ: \"تَطْرَحُهُمْ بِالنَّهْبَلِ\" إِلَى قَوْلِهِ: \"سبع سِنِين\". رَوَاهَا التِّرْمِذِيُّ. [م: ٢٩٣٧، ت: ٢٢٤٠].\n٥٤٧٦ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَخْرُجُ الدَّجَّالُ، فَيَتَوَجَّهُ قِبَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَلْقَاهُ الْمَسَالِحُ مَسَالِحُ الدَّجَّالِ، فَيَقُولُونَ لَهُ: أَيْنَ تَعْمِدُ؟ فَيَقُولُ: أَعْمِدُ إِلَى هَذَا الَّذِي خَرَجَ، قَالَ: فَيَقُولُونَ لَهُ: أَوَمَا تُؤْمِنُ بِرَبِّنَا؟ فَيَقُولُ: مَا بِرَبِّنَا خَفَاء، فَيَقُولُونَ: اقْتُلُوهُ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَلَيْسَ قَدْ نَهَاكُمْ رَبُّكُمْ أَنْ تَقْتُلُوا أَحَدًا دُونَهُ، فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إِلَى الدَّجَّالِ،\nــ\nوقوله: (يتهارجون) أي: يختلطون ويتخاصمون في الأرض، وقيل: يجامعون النساء علانية، وفي (القاموس) (١): هرج جاريته: جامعها.\n٥٤٧٦ - [١٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فيتوجه قبله) بكسر القاف وفتح الباء، أي: نحوه، والضمير في (فيلقاه) للرجل، و(المسالح) جمع مسلح، وهو الثغر؛ لكونه موضع السلاح، وقد يطلق على رجل ذي سلاح يحفظ الثغر، والمراد هنا مقدمة جيش الدجال، وقد مر ذكره.\nوقوله: (ما بربنا خفاء) أي: ليس براهين ألوهية ربنا مخفية، فإنه تعالى ليس أعور كما مرّ في الحديث.\nوقوله: (دونه) أي: في غير حضوره.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٩١).","vol":"8","page":703},{"text":"فَإِذَا رَآهُ الْمُؤْمِنُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! هَذَا الدَّجَّالُ الَّذِي ذَكرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: \"فَيَأْمُرُ الدَّجَّال بِهِ فَيُشَبَّحُ، فَيَقُولُ: خُذُوهُ وَشُجُّوهُ، فَيُوسَعُ ظَهْرُهُ وَبَطْنُهُ ضَرْبًا\"، قَالَ: \"فَيَقُول: أَوَمَا تُؤْمِنُ بِي؟ \" قَالَ: \"فَيَقُولُ: أَنْتَ الْمَسِيحُ الْكَذَّابُ\"، قَالَ: . . . . .\nــ\nوقوله: (فيشبح فيقول: خذوه وشجوه) روي على ثلاثة أوجه:\nأحدها: (فيشبح) بشين معجمة فموحدة وحاء مهملة على صيغة المضارع المجهول، من التشبيح، وهو جعل الشيء عريضًا، ورجلٌ شَبْحُ الذراعين ومشبوحهما: عريضهما، أي: يلقى على قفاه.\nوقال الطيبي (١): مدوه على بطنه، و(شجوه) بالجيم أمر من الشج، وهو الجرح في الرأس.\nوثانيها: (يشبح) كالأول، و(شَبِّحُوه) بالباء والحاء أمر من التشبيح.\nوثالثها: (فيشج) و(شجوه) كلاهما بالجيم، والوجه الثاني هو الذي ذكره الحميدي، والأصح الأول، كذا في (شرح مسلم) (٢)، وقال في (المشارق) (٣) في مادة (ش ب ح): فيشبح أي: يمد للضرب، وقال الهروي: الشبح: مدّك شيئًا بين أوتاد، وكذلك المضروب إذا مدّ للجلد، (فيوسع) عليه، قال الطيبي (٤): بإسكان الواو وفتح السين، يعني من الوسع، وفي نسخة بفتح الواو من التوسيع.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١١٧).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٩/ ٣٠٠).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٤٣).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٣٤٦٠).","vol":"8","page":704},{"text":"\"فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيْؤشَرُ بالمنشارِ مِنْ مَفْرِقِهِ حَتَى يُفَرَّقَ بَيْنَ رِجْلَيْهِ\"، قَالَ: \"ثُمَّ يَمْشِي الدَّجَّالُ بَيْنَ الْقِطْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: أَتؤمنُ بِي؟ فَيَقُولُ: مَا ازْدَدْتُ فِيكَ إِلَّا بَصِيرَةً\"، قَالَ: \"ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ لَا يَفْعَلُ بَعْدِي بِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ\"، قَالَ: \"فَيَأْخُذُهُ الدَّجَّالُ لِيَذْبَحَهُ، فَيُجْعَلُ مَا بَيْنَ رَقَبَتِهِ إِلَى تَرْقُوَتِهِ نُحَاسًا،\nــ\nوقوله: (فيؤشر بالمنشار) وشر الخشبة بالميشار غير مهموز لغة في أشرها بالمئشار بالهمز: نشرها، كذا في (القاموس) (١)، وقال في (المشارق) (٢): يوشر بالميشار في حديث الدجال يقال بالهمزة وبالياء، والفعل منه أشرت ووشرت أشرًا ووشرًا، وبالنون، والفعل منه نشرت نشرًا من المنشار بالنون، و(المفرق) بكسر الراء: الطريق في شعر الرأس.\nوقوله: (ما ازددت فيك إلا بصيرة): (ازداد) جاء في الأكثر لازمًا، فيكون قوله: (بصيرة) تمييزًا، وقد يجيء متعديًا فيكون مفعولًا به، وفي (تاج المصادر): الازدياد: أفزون كردن وأفزون شدن، و(ازددت) على صيغة المعلوم، وفي نسخة على لفظ المجهول بكسر الدال الأولى، والمراد بازدياد البصيرة العلم بكونه كاذبًا؛ لوجود علامة أخبر بها رسول اللَّه -ﷺ-، وهي إحياء الموتى.\nوقوله: (ثم يقول) أي: الرجل المذكور (إنه) الدجال (لا يفعل بعدي) هذا الفعل من القتل والإحياء (بأحد) لقرب زمان هلاكه. و(الترقوة) بفتح التاء وضم القاف: العظم بين نقرة النحر والعاتق، والجمع التراقي والترايق.\nوقوله: (نحاسًا) أي: كالنحاس فلا يعمل فيه السيف، ويحتمل الحقيقة، واللَّه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٤٣).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤٩).","vol":"8","page":705},{"text":"فَلَا يَسْتَطِيعُ إِلَيْهِ سَبِيلًا\" قَالَ: \"فَيَأْخُذُ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، فَيَقْذِفُ بِهِ، فَيَحْسِبُ النَّاسُ أَنَّمَا قَذَفَهُ إِلَى النَّارِ، وَإِنَّمَا أُلْقِيَ فِي الْجَنَّةِ\"، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَذَا أَعْظَمُ النَّاسِ شَهَادَةً عِنْدَ رَبِّ الْعَالَمِينَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٣٨].\n٥٤٧٧ - [١٤] وَعَنْ أُمِّ شَرِيكٍ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيَفِرَّنَّ النَّاسُ مِنَ الدَّجَّالِ حَتَّى يَلْحَقُوا بِالْجِبَالِ\"، قَالَتْ أُمُّ شَرِيكٍ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيْنَ الْعَرَبُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: \"هُمْ قَلِيلٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٤٥].\n٥٤٧٨ - [١٥] وَعَنْ أَنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أصفَهانَ. . . . .\nــ\nتعالى أعلم.\nوقوله: (فيأخذه بيديه ورجليه) الضمير في (يأخذ) للدجال وبواقي الضمير للرجل، وفي بعض النسخ: (فيأخذ) بدون الضمير، فالباء في (بيديه) للتعدية، أو المفعول محذوف.\nوقوله: (هذا أعظم الناس شهادة) أي: شهادة على دين الإسلام وحقيته.\n٥٤٧٧ - [١٤] (أم شريك) قوله: (وعن أم شريك) بفتح الشين وكسر الراء.\nوقوله: (فأين العرب) الذين شأنهم الجهاد في سبيل اللَّه والذب عن دينه؟\n٥٤٧٨ - [١٥] (أنس) قوله: (أصفهان): (أصبهان) بفتح الهمزة، وقد يكسر، وقد تبدل باؤها فاء، (أصبهان) أصله: أصت بهان، من أصّت الناقة تؤصّ وتئصّ: اشتد لحمها وتلاحكت ألواحها، وغزرت، وبهان: اسم امرأة كقطام، أي: سمنت المليحة، سميت لحسن هوائها وعذوبة مائها وكثرة فواكهها، فخففت، والصواب","vol":"8","page":706},{"text":"سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِم الطَّيَالِسَةُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٤٤].\n٥٤٧٩ - [١٦] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَأْتِي الدَّجَّالُ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ الْمَدِينَةِ، فَيَنْزِلُ بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي الْمَدِينَةَ،\nــ\nأنها أعجمية، وأصلها إسباهان، أي: الأجناد؛ لأنهم كانوا سكانها، أو لأنهم لما دعاهم نمروذ إلى محاربة من في السماء كتبوا في جوابه: إسباه آن نه كه با خدا جنكَـ كنند، أي: هذا الجند ليس ممن يحارب اللَّه (١).\nوقوله: (عليهم الطيالسة) جمع طيلسان، الطيلس والطيلسان مثلثة اللام، عن عياض وغيره معرّب، أصله تالسان، ويقال في الشتم: يا بن الطيلسان، أي: أنك أعجمي، وقد احتج ابن القيم على ذم لبس الطيلسان بهذا الحديث، وبما روي عن أنس أنه رأى جماعة عليهم الطيلسان، فقال: ما أشبه هؤلاء بيهود خيبر، وأجاب عنه في (فتح الباري) (٢): أن الطيالسة في ذلك الوقت كان من شعار اليهود، فأنكر ذلك أنس -﵁-، ثم ارتفع في هذه الأزمنة، فيدخل في عموم المباحات، وقد ثبت في أحاديث كثيرة التطلس والتقنع عن رسول اللَّه -ﷺ- والصحابة -﵃-، انتهى.\nوقد استوفينا الكلام فيه في (شرح سفر السعادة).\n٥٤٧٩ - [١٦] (أبو سعيد الخدري) قوله: (نقاب المدينة) أي: طرقها، و(النقاب) بكسر النون جمع نقب بفتح النون وسكون القاف، وهو الطريق في الجبل، كالمنقب والمنقبة بفتحهما، وقد يجمع على أنقاب. و(السباخ) جمع سبخة، وهي\n_________\n(١) انظر: \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٥٠).\n(٢) \"فتح الباري\" (١٠/ ٢٧٥).","vol":"8","page":707},{"text":"فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ رَجُلٌ -وَهُوَ خَيْرُ النَّاسِ أَوْ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ- فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَدِيثَهُ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لَا، فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ، فَيَقُولُ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْيَوْمَ، فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيْهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٨٨٢، م: ٢٩٤٥].\n٥٤٨٠ - [١٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"يَأْتِي الْمَسِيحُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، هِمَّتُهُ الْمَدِينَةُ، حَتَّى يَنْزِلَ دُبُرَ أُحُدٍ، ثُمَّ تَصْرِفُ الْمَلَائِكَةُ وَجْهَهُ قِبَلَ الشَّامِ، وَهُنَالِكَ يَهْلِكُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [م: ١٣٨٠].\n٥٤٨١ - [١٨] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، لَهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٨٧٩].\nــ\nالأرض التي لا تنبت شيئًا، وقد مرّ.\nوقوله: (فيخرج إليه رجل) قيل: الرجل هو الخضر.\n٥٤٨٠ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (همته) أي: قصده ومراده دخول مدينة الرسول -ﷺ-.\nوقوله: (دبر أحد) أي: عقيب جبل أحد بضمتين.\n٥٤٨١ - [١٨] (أبو بكرة) قوله: (لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال): الرعب مقحم يفيد المبالغة، أي: لا يسري إلى أهلها خوف دخوله فضلًا أن يدخل.","vol":"8","page":708},{"text":"٥٤٨٢ - [١٩] وَعَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يُنَادِي: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: \"لِيَلْزَمْ كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلَّاهُ\"، ثُمَّ قَالَ: \"هَلْ تَدْرُونَ لِمَ جَمَعْتُكُمْ؟ \" قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: \"إِنِّي وَاللَّهِ مَا جَمَعْتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلَا لِرَهْبَةٍ (١)، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ لأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ كَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًّا، فَجَاءَ [فَبَايَعَ] وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الَّذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ. . . . .\nــ\n٥٤٨٢ - [١٩] (فاطمة بنت قيس) قوله: (الصلاة جامعة) في إعرابه وجوه أربعة: رفعهما مبتدأ وخبر، إخبار ترغيبًا لهم على الاجتماع، ونصبهما على تقدير: احضروا الصلاة حال كونها جامعة، ورفع الأول على تقدير: هذه الصلاة، ونصب الثاني على الحالية، وبالعكس على تقدير: احضروها وهي جامعة، وعلى جميع المقادير محل الجملة نصب؛ لأنه مفعول (ينادي) حكاية لكونه في معنى القول، أو مفعول مطلق، أي: ينادي هذا النداء الخاص الذي فيه هذا القول.\nوقوله: (لرغبة ولا لرهبة) أي: لنحو عطاء أو عزاء.\nوقوله: (لأن تميمًا الداري) هو أبو رقية تميم بن أوس الداري، كان نصرانيًّا، أسلم سنة تسع.\nوقوله: (وحدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدثكم) إنما سرّ وابتهج -ﷺ- بهذه الموافقة لتحصيل اليقين لأصحابه بتأييد حديثه حديثه، لا لحصول اليقين له -ﷺ- بعد\n_________\n(١) في نسخة: \"رهبة\".","vol":"8","page":709},{"text":"بِهِ عَنِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، حَدَّثَنِي أَنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ لَخْمٍ وَجُذامَ، فَلَعِبَ بِهِمُ الْمَوْجُ شَهْرًا فِي الْبَحْر، فَأَرْفَئُوا. . . . .\nــ\nالتردد، ومثله ما روي أنه -ﷺ- كان يحب سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ لأجل قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩]، وأما ما جاء في مواضع أنه إذا شاهد معجزة كان يقول: أشهد أني رسول اللَّه، فذلك أيضًا إما لتلقين الشهادة لأصحابه، أو لحصول العيان بعد البرهان، فافهم.\nوقوله: (في سفينة بحرية) أي: كبيرة لا زورقًا، وقيل: قيد بها لتتميز عن الإبل؛ لأنه يقال لها سفن (١) البر، وتعقب بأن القرائن الصارفة عن ذلك كثيرة في سياق الحديث.\nوقوله: (من لخم) بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة: حي باليمن، و(جذام) كغراب بالجيم والذال المعجمة: قبيلة من نجد.\nوقوله: (فلعب بهم الموج) استعير اللعب لأمواج البحر وصرفها السفن عن جهة المقصد.\nوقوله: (فأرفئوا) أي: قربوا السفينة، يقال: ارفأت السفينة إرفاء، أي: قربتها من الشط، كذا ذكر في (الصحاح) (٢) من باب الإفعال، وذكر في (القاموس) (٣) من المجرد وقال: رفأ السفينة كمنع: أدناها من الشط، ولم يذكر من الإفعال، ونقل الطيبي (٤): أرفيت بالياء أيضًا، وأما صاحب (القاموس) ذكر هذا المعنى بالهمزة فقط،\n_________\n(١) كذا في الأصل، والظاهر \"سفينة\" كما في \"المرقاة\" (٨/ ٣٤٧٢).\n(٢) \"الصحاح\" (١/ ٥٣).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٠).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٢١).","vol":"8","page":710},{"text":"إِلَى جَزِيرَةٍ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، فَجَلَسُوا فِي أَقْرُبِ السَّفِينَةِ فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعَرِ، لَا يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعَرِ، قَالُوا: وَيْلَكِ مَا أَنْتِ؟ قَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ،\nــ\nوأما المعاني الأخر مثل رفأ الثوب: لأَمَ خرقه، ورفأ الرجل: سكَّنه، ورفاه ترفئة: قال له بالرفاء والبنين، فذكرها في المهموز والناقص معًا.\nوقوله: (فجلسوا في أقرب السفينة): (أقرب) بفتح الهمزة وضم الراء: جمع قارب على خلاف القياس، والقياس قوارب، والقارب: السفينة الصغيرة تكون مع السفينة الكبيرة، وفي (مجمع البحار) (١): أقرب السفينة: سفن صغار تكون مع السفن الكبار البحرية، كالنجائب لها، يستعجلون بها حوائجهم من البر، وأقرب السفينة: أدانيها، أي: ما قارب إلى الأرض منها، وقال الطيبي (٢): قارب بفتح راء وكسرها.\nوقوله: (أهلب) في (القاموس) (٣): الهلب بالضم: الشعر كله، أو ما غلظ منه، أو شعر الذنب، أو شعر الخنزير الذي يخرز به، وبالتحريك: كثرة الشعر، وهو أهلب، ولم يقل: (هلباء) مع اعتبار التأنيث في شيطانة بتأويل الحيوان، أو لوقوع لفظ الدابة على الذكر والأنثى، (من دبره) أي: متميزًا عنه.\nوقوله: (أنا الجساسة) دابة تكون في الجزائر، تجسس الأخبار فتأتي بها الدجال، كذا في (القاموس) (٤)، وقيل: هي دابة الأرض التي تخرج في آخر الزمان،\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٢٤٦).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٢١).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٣٣).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٨٢).","vol":"8","page":711},{"text":"انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ؛ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالأَشْوَاقِ، قَالَ: لَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلًا فَرِقْنَا مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيطَانَةً، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ، فَإِذَا فِيهِ أعظمُ إِنْسَانٍ مَا رَأَيْنَاهُ قطُّ خَلْقًا وأَشَدُّهُ وَثَاقًا، مجموعةٌ يَده إِلَى عُنُقِهِ مَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ. . . . .\nــ\nولا دليل عليه، و(الدير): خان النصارى، والجمع أديار، وصاحبه ديّار وديراني، وفي (المغرب) (١): صومعة الراهب.\nوقوله: (بالأشواق) أي: ملتبس بها، وجمع لكثرة الشوق وشدته.\nوقوله: (لما سمت لنا رجلًا فرقنا) أي: لما تكلمت مع كونها دابة، فرق كسمع: خاف، و(أن تكون شيطانة) بدل اشتمال من الضمير في (منها)، أو مفعول له لتقدير اللام.\nوقوله: (ما رأيناه) أي: مثله، وكلمة (ما) ساقطة في الأصول، ولعل من زادها نظر إلى (قط)، قال الطيبي (٢): والوجه أن يكون مرادًا، انتهى.\nولا يذهب عليك أنه لو ثبت عدم وجوده في الروايات الصحيحة فاشتراط النحويين إياها محل مناقشة، واللَّه أعلم.\nو(خلقًا) تمييز من (أعظم)، و(أشده) عطف على (أعظم)، والضمير للإنسان، و(الوثاق) بالفتح والكسر: ما يشد به، وأوثقه: شده، وثقه توثيقًا: أحكمه.\nوقوله: (ما بين ركبتيه) أي: ومجموعة ما بين ركبتيه، وحذف (مجموعة) لدلالة الأولى، ويمكن أن يكون بحذف حرف الجر، أو حالًا مترادفة أو متداخلة، ويمكن\n_________\n(١) \"المغرب\" (ص: ١٧٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٢٢).","vol":"8","page":712},{"text":"إِلَى كَعْبَيْهِ بِالْحَدِيدِ، قُلْنَا: وَيْلَكَ مَا أَنْتَ؟ قَالَ: قَدَرْتُمْ (١) عَلَى خَبَرِي، فَأَخْبِرُونِي مَا أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَحْنُ أُنَاسٌ مِنَ العَرَبِ ركِبْنَا فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ، فَلَعِبَ بِنَا الْبَحْرُ شَهْرًا، فَدَخَلْنَا الجَزِيرَةَ فَلَقِيَتْنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، اعْمِدُوا إِلَى هَذَا فِي الدَّيْرِ، فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعًا، فَقَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ هَلْ تُثْمِرُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنَّهَا تُوشِكُ أَنْ لَا تُثْمِرَ، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ. . . . .\nــ\nأيضًا أن يسند (مجموعة) إلى (ما بين)، ويكون قوله: (يده إلى عنقه) جملة حالية مثل: فُوهُ إلى فيّ، (ويلك ما أنت) لما لم يكن على صفة من رأوه من الإنسان ولم تتعين ماهيته عندهم عبر عنه بـ (ما)، والاستفهام إما محمول على الحقيقة أو للتعجب.\nوقوله: (قد قدرتم على خبري) أي: أخبركم بخبري لأنكم وصلتم إليّ فأخبركم به (٢) (فأخبروني ما أنتم؟)، التعبير بـ (ما) هنا إما ليتطابق السؤالان، أو لأنه لما استنكرهم فكأنه لم يعتقد أنهم إنسان، فسأل عن ماهيتهم وصفتهم.\nو(بيسان) بفتح الموحدة وسكون التحتية: قرية بالشام، وقرية بمرو، وموضع باليمامة، وفي (المشارق) (٣): بيسان في حديث الجساسة هو من بلاد الحجاز، وبيسان آخر في بلاد الشام.\nوقوله: (إنها توشك) الضمير للنخل، ويحتمل أن يكون للقصة، ويؤيد الأول أن ماءها يوشك أن يذهب.\n_________\n(١) في نسخة: \"قَدْ قَدَرْتُمْ\".\n(٢) قوله: \"فأخبركم به\" كذا في الأصول، والظاهر حذفه.\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (١/ ١١٦).","vol":"8","page":713},{"text":"بُحَيْرَةِ الطَّبَرِيَّةِ هَلْ فِيهَا مَاءٌ؟ قُلْنَا: هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ، قَالَ: إِنَّ مَاءَهَا يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ عَيْنِ زُغَرَ هَلْ فِي الْعَيْنِ مَاءٌ؟ وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، هِيَ كَثِيرَةُ المَاءِ، وَأَهْلُهُ يَزْرَعُونَ مِنْ مَائِهَا، قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَبِيِّ الأُمِّيِّينَ مَا فَعَلَ؟ قُلْنَا: قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَنَزَلَ يَثْرِبَ، قَالَ: أَقَاتَلَهُ الْعَرَبُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ؟ فَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ وَأَطَاعُوهُ، قَالَ: أَمَا إِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ،\nــ\nوقوله: (بحيرة الطبرية) بفتح الطاء والباء قرية من الأردن، وإليها ينسب الطبراني المشهور من أئمة الحديث.\nوقوله: (زغر) كزفر بزاي وغين معجمة: قرية بالشام، سميت باسم ابنة لوط زغر؛ لأنها نزلت بها، وبها عين غُؤور مائها علامة خروج الدجال، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (عن نبي الأميين) أي: العرب، أضافه إليهم باعتبار بعثته -ﷺ- فيهم، وقيل: أراد طعنا عليه -ﷺ- بأنه مبعوث إليهم خاصة كما هو زعم اليهود، أو بأنه غير مبعوث إلى ذوي الفطنة والكياسة، كذا في (شرح ابن الملك).\nوقوله: (أما إن ذلك خير لهم أن يطيعوه): (ذلك) إشارة إلى مبهم فسره بقوله: (أن يطيعوه)، أو إشارة إلى النبي -ﷺ- وما بعده خبره، وهذا يدل على أنه عارف بفضله وصدقه -ﷺ-، وإنما يجحده كفرًا وعنادًا كما هو شأن اليهود، أو المراد الخيرية في الدنيا، أو أنه لما لم يكن له غرض في إظهار كفره وإنكاره -ﷺ- أخفاه ولم يصرح به.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٦١).","vol":"8","page":714},{"text":"وَإِنِّي مُخْبِرُكُمْ عَنِّي (١): أَنَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ، وَإِنِّي يُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوجِ، فَأَخْرُجَ فَأَسِيرَ فِي الأَرْضِ، فَلَا أَدَعُ قَرْيَةً إِلَّا هَبَطْتُهَا فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ، هُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ كِلْتَاهُمَا، كُلَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَ وَاحِدًا مِنْهُمَا اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا يَصُدُّنِي عَنْهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقَبٍ مِنْهَا مَلَائِكَةً يَحْرُسُونَهَا\".\nقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَطَعَنَ بِمِخْصَرتِهِ فِي الْمِنْبَرِ-: \"هَذِه طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ، هَذِهِ طَيْبَةُ\"، يَعْنِي الْمَدِينَةَ، \"أَلَا هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ؟ \". . . . .\nــ\nو(الصلت) في (القاموس) (٢): السيف الصيقل الماضي، كالمنصلت، وقيل: صلتًا، أي: مسلولًا عن الغمد.\nوقوله: (عنها) هكذا في النسخ بضمير المؤنث، ولا يظهر وجهه؛ لأنه راجع إلى واحد، ولو كان (واحدة) بالهاء عبارة عن مكة والمدينة لكان وجهًا، فتدبر واللَّه أعلم.\nو(النقب) بفتحتين: الطريق في الجبل، كالمنقب والمنقبة بفتحهما.\nوقوله: (بمخصرته) هي بكسر ميم وسكون معجمة وبمهملة: ما يتوكأ عليها نحو العصا والسوط، أو عكازة أو قضيب، وقد يأخذه الخطيب هذه (٣)، وكان في يده -ﷺ-.\nوقوله: (هذه طيبة) لما عصم اللَّه وحفظ هده البلدة الشريفة المطهرة من دنس الدجال وشره سماها طيبة وكررها ثلاثًا، ومن أسماء هذه البلدة: طيبة وطابة [و] مطيبة؛\n_________\n(١) في نسخة: \"أني\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٤٣).\n(٣) قوله: \"هذه\" كذا في الأصول، والظاهر حذفه.","vol":"8","page":715},{"text":"فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، أَلَا إِنَّهُ فِي بَحْرِ الشَّامِ أَوْ بَحْرِ اليَمَنِ، لَا بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الْمَشْرِقِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٤٢].\n٥٤٨٣ - [٢٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"رَأَيْتُنِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، لَهُ. . . . .\nــ\nلوجوه: إحداها: طهارتها من نجاسة الدجال على ساكنها السلام والتحية.\nوقوله: (إلا أنه في بحر الشام أو بحر اليمن، لا بل من قبل المشرق) لما أبهم اللَّه تعالى أمر الساعة ووقت قيامها وأوقات ظهور أماراتها بالتعيين -ولهذا وقع اختلاف في الأحاديث في ترتيبها وتقدم بعضها على بعض- أبهم مكان الدجال موثقًا مردودًا بين هؤلاء الأماكن الثلاثة مع غلبة الظن في آخرها، وهو أيضًا غير متعين، بل الذي علم كونه قبل المشرق، وهذا معنى نفي الأولين وإثبات الثالث، ويمكن أن يكون هذا الترديد لأجل أنه ينقل من بعضها إلى بعض، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ما هو) قال القاضي عياض في (المشارق) (١): (ما) هنا صلة، يعني زائدة وليست بنافية، أي: يدخل من قبل المشرق هو، انتهى، وذكر الطيبي (٢) وجهًا آخر، وهو أن يكون بمعنى الذي، أي: الذي هو فيه المشرق، وذكر له أمثلة.\n٥٤٨٣ - [٢٠] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (رجلًا آدم) قال في (القاموس) (٣): الأدمة بالضم في الإبل: لون مشرب سوادًا أو بياضًا، أو هو البياض الواضح، وفي\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٧١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٣٤٦٥).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٦٩، ٣٧٩).","vol":"8","page":716},{"text":"لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنَ اللِّمَمِ، قَدْ رجَّلَها فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً، مُتَّكِئًا عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَسَأَلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ\" قَالَ: \"ثُمَّ إِذَا أَنَا بَرُجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ مِنَ النَّاسِ بِابْنِ قَطَنٍ، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَسَأَلْتُ مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ فِي الدَّجَّالِ: \"رَجُلٌ أَحْمَرُ، جَسِيمٌ، جَعْدُ الرَّأْسِ،\nــ\nالظباء: لون مشرب بياضًا، وفينا السُّمْرَة، السمرة بالضم: منزلة بين البياض والسواد، والسمراء: الحنطة. و(اللمة) بكسر اللام: شعر يتجاوز الأذن ويقرب إلى المنكبين، وسيجيء تحقيقه في حلية النبي -ﷺ-.\nوقوله: (تقطر ماء) قال الشيخ ابن حجر (١): يحتمل أن يكون كناية عن مزيد النظافة والنضارة.\nوقوله: (على عواتق رجلين) جمع عاتق بمعنى المنكب، إطلاقًا للفظ الجمع على اثنين كـ ﴿قُلُوبُكُمَا﴾، أو المراد مواضع من عاتق كل منهما.\nوقوله: (من رأيت) مروي بصيغة التكلم والخطاب، وعلى الأول يدل على أنه -ﷺ- رأى ابن قطن.\nوقوله: (بابن قطن) هو عبد العزى بن قطن الذي مر ذكره في أول الفصل.\nوقوله: (هذا المسيح الدجال) طوافه بالبيت غير مستبعد؛ لأن كفار قريش\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٨٦).","vol":"8","page":717},{"text":"أَعْوَرُ عَيْنِ الْيُمْنَى، أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ\"، وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا\" فِي (بَابِ الْمَلَاحِم)، وَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي النَّاس فِي (بَاب قصَّة ابْن الصياد) إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. [خ: ٣٤٤٠، م: ١٦٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1202> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٤٨٤ - [٢١] عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فِي حَدِيثِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ: قَالَ (١): فَإِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ تَجُرُّ شَعَرَهَا،\nــ\nكانوا يطوفون بالبيت قبل أن يمنعوا من قربهم المسجد الحرام.\nوقال الطيبي (٢): هذه رؤيا رآها -ﷺ-، وتعبيرها أنه رأى أن عيسى سيظهر يحول حول الدين لإقامته وإصلاح ما فيه من الخلل، وأن الدجال سيظهر يحول حوله يبغي العوج والفساد.\nالفصل الثاني\n٥٤٨٤ - [٢١] (فاطمة بنت قيس) قوله: (بامرأة تجر شعرها) لطول شعرها كما قال في الحديث السابق: (أهلب كثير الشعر)، وقيل في تطبيقه بالحديث السابق الذي ذكر فيه الدابة: إنه يمكن أن يكون للدجال جاسوسان دابة وامرأة، وإنه يصح إطلاق الدابة على الإنسان لغة، فإنه اسم لكل ما يدب، وقد وقع إطلاقها عليه في القرآن في غير موضع، والتخصيص بذوات الأربع أو أخص منه إنما هو بحسب العرف العام، أو لأن الجساسة كانت شيطانة تتمثل بأي صورة شاءت، وهذا أولى وأظهر؛\n_________\n(١) في نسخة: \"قالت\".\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (١١/ ٣٤٦٦).","vol":"8","page":718},{"text":"قَالَ: مَا أَنْتِ؟ قَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ الْقَصْرِ، فَأَتَيْتُهُ فَإِذَا رَجُلٌ يَجُرُّ شَعَرَهُ مُسَلْسَلٌ فِي الأَغْلَالِ، يَنْزُو فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَقُلْتُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا الدَّجَّال. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٤٣٢٥].\n٥٤٨٥ - [٢٢] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنِّي حَدَّثْتُكُمْ عَنِ الدَّجَّالِ حَتَّى خَشِيتُ أَنْ لَا تَعْقِلُوا، إِنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ قَصِيرٌ، أَفْحَجُ، جَعْدٌ، أَعْوَرُ، مَطْمُوسُ الْعَيْنِ، لَيْسَتْ بِنَاتِئَةٍ وَلَا جَحْرَاءَ،\nــ\nلأن المرأة والدابة كيف تتجسس له أخبار العالم، إلا أن يخصص تجسسه بأحوال المراكب التي تمر بذلك الموضع، واللَّه أعلم.\nوقوله: (قال: ما أنت؟) الظاهر الموافق للسياق (قلت)، ولكن هكذا وقع في النسخ.\nوقوله: (ينزو) أي: يتحرك، نزا ينزو نزوًا ونزاءًا بالضم ونزوانًا: وثب.\nوقوله: (فيما بين السماء والأرض) إما متعلق بـ (ينزو) أو بـ (مسلسل).\n٥٤٨٥ - [٢٢] (عبادة بن الصامت) قوله: (حتى خشيت أن لا تعقلوا) أي: حدثتكم أحاديث كثيرة شتى حتى خشيت أن لا تعقلوا ويلتبس عليكم حاله وكذبه، فاعقلوا، وقيل: خشيت بمعنى وجدت، و(لا) زائدة، وهذا الوجه بعيد، ولو التزم ارتكاب البعيد فيمكن أن يقال: (حتى) بمعنى لام التعليل، و(أن) مقدرة بعدها، أي: لأن خشيت، أي: لأجل خشيتي وخوفي وهو في عدم تعقلكم، واللَّه أعلم.\nوقوله: (قصير) وإن كان عظيمًا بطينًا سمينًا مشوه الخلق، و(أفحج) بتقديم الحاء على الجيم، فحج في مشيته: تدانى صدور قدميه وتباعد عقباه، والفحج محركة","vol":"8","page":719},{"text":"فَإِنْ أُلْبِسَ عَلَيْكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٤٣٢٠].\n٥٤٨٦ - [٢٣] وَعَن أَبي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ بَعْدَ نُوحٍ إِلَّا قَدْ أَنْذَرَ الدَّجَّالَ قَوْمَهُ، وَإِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ\"، فَوَصَفَهُ لنا، قَالَ: \"لَعَلَّهُ سَيُدْرِكهُ بَعْضُ مَنْ رَآنِي أَوْ سَمِعَ كَلَامِي\"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ قُلُوبُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: \"مِثْلُهَا\"، يَعْنِي الْيَوْمَ، \"أَوْ خَيْرٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٢٣٤، د: ٤٧٥٦].\n٥٤٨٧ - [٢٤] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصّديق قَالَ: . . . . .\nــ\nوالتفحج: التفريج بين الرجلين، و(جحرت العين) بتقديم جيم على الحاء: غارت، وعين جحراء: متجحرة، والجحر بالفتح: الغار البعيد القعر. (فإن ألبس) على لفظ المجهول، من الإلباس، أي: إن اشتبه (عليكم) أمره في دعوى الألوهية.\n٥٤٨٦ - [٢٣] (أبو عبيدة بن الجراح) قوله: (بعد نوح) أي: بعد إنذار نوح، وليس المعنى نبي موجود بعد زمان نوح، فلا يخالف الحديث السابق الدال على إنذار نوح أيضًا قومه.\nوقوله: (قد أنذر الدجال قومه) قدم المفعول الثاني للاهتمام، وبعد إرجاع الضمير إلى المفعولين قدم الأول كما هو الأصل، لأنه لو قدم الثاني لوجب الانفصال وفات الاختصار.\nوقوله: (وسمع كلامي) أي: وصل إليه كلامي ولو بعد طول الزمان.\n٥٤٨٧ - [٢٤] (عمرو بن حريث) قوله: (عن عمرو بن حريث) بالحاء المهملة","vol":"8","page":720},{"text":"حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"الدَّجَّالُ يَخْرُجُ مِنْ أَرْضٍ بِالْمَشْرِقِ يُقَالُ لَهَا: خُرَاسَانُ، يَتْبَعُهُ أَقْوَامٌ كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ المَجَانُّ المُطَرَّقَةُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٢٣٧].\n٥٤٨٨ - [٢٥] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ سَمِعَ بالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ مِنْهُ، فَوَاللَّهِ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِيهِ وَهُوَ يَحْسِبُ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ فَيَتَّبِعُهُ مِمَّا يَبْعَثُ بِهِ مِنَ الشُّبُهَاتِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣١٩].\n٥٤٨٩ - [٢٦] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"يَمْكُثُ الدَّجَّالُ فِي الأَرْضِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ، وَالْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ،\nــ\nوالثاء المثلثة بلفظ التصغير.\nوقوله: (كأن وجوههم المجان المطرقة) قد سبق معناه في (كتاب الفتن)، وحاصله كالأتراس التي يطبق عليها الجلود بعضها على بعض.\n٥٤٨٨ - [٢٥] (عمران بن حصين) قوله: (فلينأ) أي: فليبعد، أصله ينأى فحذفت الألف جزمًا.\nوقوله: (وهو يحسب أنه) الضمائر للرجل، أي: يحسب نفسه (أنه مؤمن) موقن لا يتزلزل إيمانه، فإذا رأى ما مع الدجال من السحر وإحياء الأموات وأمثال ذلك وقع في الكفر والضلالة، فيتبع الرجل الدجال.\n٥٤٨٩ - [٢٦] (أسماء) قوله: (يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة) قد سبق في (الفصل الأول) من حديث النواس بن سمعان أن لبثه أربعون يومًا، فقيل:","vol":"8","page":721},{"text":"وَالْيَوْمُ كَاضْطِرَامِ السَّعَفَةِ فِي النَّارِ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٤٢٦٤].\n٥٤٩٠ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا عَلَيْهِمُ السِّيجَانُ\". رَوَاهُ فِي \"شرح السّنة\". [شرح السنة: ٤٢٦٥].\n٥٤٩١ - [٢٨] وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (١) -ﷺ- فِي بَيْتِي، فَذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: \"إِنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ سِنِينَ: سَنَةٌ تُمْسِكُ السَّمَاءُ فِيهَا ثُلُثَ قَطْرِهَا وَالأَرْضُ ثُلُثَ نَبَاتِهَا، وَالثَّانِيَةُ تُمْسِكُ السَّمَاءُ ثُلُثَيْ قَطْرِهَا وَالأَرْضُ ثُلُثَيْ نَبَاتِهَا، وَالثَّالِثَةُ تُمْسِكُ السَّمَاءُ قَطْرَهَا كُلَّهُ، وَالأَرْضُ نَبَاتَهَا كُلَّهُ، فَلَا يَبْقَى ذَاتُ ظِلْفٍ. . . . .\nــ\nيمكن أن يكون المراد بالأول لبثه مقارنًا للفتنة، وبالثاني مطلق المكث، فتدبر.\nوقوله: (كاضطرام السعفة) السعف محركة: جريد النخل أو ورقه، وأكثر ما يقال إذا يبست، وإذا كانت رطبة فشطبة، وقد سبق في أشراط الساعة: (الجمعة كاليوم، واليوم كالساعة، والساعة كالضرمة).\n٥٤٩٠ - [٢٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (عليهم السيجان) جمع ساج، وهو الطيلسان الأخضر أو الأسود.\n٥٤٩١ - [٢٨] (أسماء بنت يزيد) قوله: (ذات ظلف): الظلف بالكسر للبقرة والشاة والظبي وشبهه بمنزلة القدم منَّا، كالخف للبعير، وقد يكون للنعام، ولا يكون\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".","vol":"8","page":722},{"text":"وَلَا ذَاتُ ضِرْسٍ مِنَ الْبَهَائِم إِلَّا هَلَكَ، وَإِنَّ مِنْ أَشَدِّ فِتْنَتِهِ أَنَّهُ يَأْتِي الأَعْرَابِيَّ فَيَقُولُ: أَرَأَيْتَ إِنْ أَحْيَيْتُ لَكَ إِبِلَكَ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنِّي رَبَّكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيُمَثِّلُ لَهُ الشَّيْطَانَ نَحْوَ إِبِلِهِ كَأَحْسَنِ مَا يَكُونُ ضُرُوعًا وَأَعْظَمِهِ أَسْنِمَةً\"، قَالَ: \"وَيَأْتِي الرَّجُلَ قَدْ مَاتَ أَخُوهُ وَمَاتَ أَبُوهُ فَيَقُولُ: أَرَأَيْتَ إِنْ أَحْيَيْتُ لَكَ أَبَاكَ وَأَخَاكَ أَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنِّي ربُكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيُمَثِّلُ لَهُ الشَّيَاطِينَ نَحْوَ أَبِيهِ وَنَحْوَ أَخِيهِ\"، قَالَتْ: ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِحَاجَتِهِ ثُمَّ رَجَعَ وَالْقَوْمُ فِي اهْتِمَامٍ وَغَمِّ مِمَّا حَدَّثَهُمْ، قَالَتْ: فَأَخَذَ بِلَحْمَتَي الْبَابِ. . . . .\nــ\nإلا لهما، والحافر للفرس، وقال في (القاموس) (١): حافر واحد حوافر الدابة، وقال في (الصراح) (٢): الحافر: سم ستور، وهذا بالمعنى الأول.\nوقوله: (من البهائم) في (القاموس) (٣): البهيمة: كل ذات أربع قوائم ولو في الماء، وكل حيٍّ لا يميز، والجمع بهائم.\nوقوله: (فيمثل له) أي: الدجال للأعرابي، وفي بعض النسخ: (الشياطين) فاعلًا لـ (يمثل)، وهذا أوفق لما بعده من قوله: (فيمثل له الشياطين نحو أبيه).\nوقوله: (فأخذ بلحمتي الباب) هكذا وقع في نسخ (المشكاة) و(المصابيح) (لحمتا الباب) بفتح اللام وسكون الحاء المهملة وبالميم المفتوحة، أي: بناحيتي الباب، ولم يذكر في (الصحاح) و(القاموس) اللحمة بهذا المعنى، وقال الطيبي (٤):\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٤١).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ١٧٢).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٧٥).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٣٤٦٩).","vol":"8","page":723},{"text":"فَقَالَ: \"مَهْيَمْ أَسْمَاءُ؟ \" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ خَلَعْتَ أَفْئِدَتَنَا بِذِكْرِ الدَّجَّالِ، قَالَ: \"إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا حَيٌّ فَأَنَا حَجِيجُهُ، وَإِلَّا فإِنَّ رَبِّي خَلِيفَتِي عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ\"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَاللَّهِ إِنَّا لَنَعْحِنُ عَجِينَنَا فَمَا نَخْبِزُهُ حَتَّى نَجُوعَ، فَكَيْفَ بِالْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: \"يُجْزِئُهُمْ مَا يُجْزِئُ أَهْلَ السَّمَاءِ مِنَ التَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ\". . . . .\nــ\nالصواب (بلجفتي الباب) بالجيم مكان الحاء والفاء بدل الميم، وقد ذكر في كتب اللغة (اللجفة) بالجيم والفاء بمعنى عضادة الباب، وألجاف البئر: جوانبه، وذكر في (القاموس) (١): اللجيف كأمير، وقال: ولجيفتا الباب: جنبتاه، واللجف: الحفر في جوانب البئر.\nوقوله: (مهيم أسماء) أي: يا أسماء، و(مهيم) بفتح الميم وسكون الهاء وفتح الياء المثناة التحتية كلمة استفهام، أي: ما حالك أو ما شأنك، أو ما وراءك، أو أَحَدَثَ لك شيء، كذا في (القاموس) (٢).\nوقوله: (لقد خلعت) في (القاموس) (٣): الخلع: النزع، إلا أن في الخلع مهلة.\nوقوله: (إنا لنعجن عجيننا) أي: نعد العجين لنخبزه فلا نقدر على خبزه لخوف الدجال حين ذكرته لنا وخلعت أفئدتنا بذكره حتى نبقى جائعين، فكيف حال من ابتلي بزمانه؟ والمراد بقوله: (يجزئهم ما يجزئ أهل السماء من التسبيح والتقديس) أنه تعالى يسلّيهم ببركة التسبيح والتقديس، وسمعت من بعض مشايخي أن المعنى:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٦٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٤٧).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٤٢).","vol":"8","page":724},{"text":"رَوَاهُ (١). [حم: ٦/ ٤٥٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1203> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٤٩٢ - [٢٩] عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: مَا سَأَلَ أَحَدٌ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الدَّجَّالِ أَكْثَرَ مِمَّا سَأَلْتُهُ، وَإِنَّهُ قَالَ لِي: \"مَا يَضُرُّكَ؟ \" قُلْتُ: إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ مَعَهُ جَبَلَ خُبْزٍ وَنَهَرَ مَاءٍ، قَالَ: \"هُوَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧٠٥، م: ٢١٥٢].\nــ\nنحن نعجن فنجوع لتأخير الخبز، وهذه طبيعة الإنسان في الجوع، فكيف بالذين في زمانه من المسلمين لا يجدون ما يأكلونه؟ فكيف يصبرون على الجوع وعدم ما يجعلونه غذاء؟ وهذا المعنى أظهر وأنسب بقوله: (يجزئهم ما يجزئ أهل السماء من التسبيح والتقديس) يعني وغذاؤهم اليوم التسبيح والتقديس كما للملائكة، يعني من ابتلي بزمانه لا يحتاج إلى الأكل والشرب كما لا يحتاج الملائكة إليهما.\nالفصل الثالث\n٥٤٩٢ - [٢٩] (المغيرة بن شعبة) قوله: (هو أهون على اللَّه من ذلك) أي: الدجال هو أهون على اللَّه تعالى من أن يخلق على يده شيئًا، كونه مضلًّا للمؤمنين مشككًا لهم، بل ليزدادوا إيمانًا، أو هو، أي: عدم الإضلال به أهون على اللَّه من إيجاد جبل خبز ونهر ماء على يده، أو الدجال أهون على اللَّه من ذلك، أي: من أن يخلق على يده شيئًا من ذلك حقيقة، بل هو سحر باطل ليس له حقيقة ولا وجود\n_________\n(١) هنا بياض في الأصل، وألحق به: أحمد وأبو داود الطيالسي، وقيل: رواه أحمد عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن شهر بن حوشب عنها، وانفرد به هنا. قاله القاري في \"المرقاة\" (٨/ ٣٤٨٣).","vol":"8","page":725},{"text":"٥٤٩٣ - [٣٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"يَخْرُجُ الدَّجَّالُ عَلَى حِمَارٍ أَقْمَرَ مَا بَيْنَ أُذُنَيْهِ سَبْعُونَ بَاعًا\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ\" (١).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1204>٤ - باب قصة ابن صياد </span>(٢)\nــ\nفي الواقع.\n٥٤٩٣ - [٣٠] (أبو هريرة) قوله: (أقمر) في (القاموس) (٣): القمرة بالضم: لون إلى الخضرة أو حمرة فيه كدرة (٤)، حمار أقمر وأتان قمراء، قال أيضًا: الأقمر الأبيض. و(الباع) قدر اليدين كالبوع، ويضم، والأظهر طول ذراعي الإنسان وما بينهما، والضمير في (أذنيه) للحمار.\n٤ - باب قصة ابن صياد\nويقال له: ابن صائد أيضًا، واسمه عبد اللَّه، وقيل: صاف، وقد اختلف فيه كثيرًا، وهو من يهود المدينة أو دخيل فيهم، وكان عنده شيء من الكهانة والسحر، وجملة أمره أنه كان فتنة امتحن اللَّه به المؤمنين، فقيل: إنه تاب في كبره ومات بالمدينة وصلوا\n_________\n(١) لم أجده في \"كتاب البعث والنشور\"، وأخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (١/ ١٩٩، رقم: ٦١٣).\n(٢) في نسخة: \"الصياد\".\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤١٩).\n(٤) كذا في الأصل، وفي \"القاموس\": \"بياض في كدرة\".","vol":"8","page":726},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1205> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٤٩٤ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ انْطَلَقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قِبَلَ ابْنِ الصَّيَّادِ (١) حَتَّى وَجَدُوهُ يَلْعَبُ مَعَ الصّبيانِ فِي أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ، وَقَدْ قَارَبَ ابْنُ صَيَّادٍ (٢) يَوْمَئِذٍ الْحُلُمَ، فَلَمْ يَشْعُرْ حَتَّى ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ظَهْرَهُ بِيَدِهِ ثم قَالَ: \"أتَشهدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ \" فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: . . . . .\nــ\nعليه، وقيل: فقد يوم الحرة، وهذا القول أصح، وكان يكتهن فيصدق أحيانًا ويكذب كثيرًا، وشاع حديثه، ويحدث أنه الدجال، وأشكل أمره ولم يبين اللَّه شيئًا من أمره، والحق أنه من الدجاجلة وليس هو المسيح الدجال، وقيل: هو الدجال المعهود، وكان فيه قرائن محتملة لذلك، فلذلك لم يصرح النبي -ﷺ- بأحد الطرفين، واختلفت الصحابة أيضًا، وأما الاستدلال بأنه قد أسلم وحج وجاهد وولد له ولد ودخل مكة والمدينة وغير ذلك مما لا يجوز وجوده من الدجال فمما لا يتم؛ لأن ذلك إنما يكون في زمان الخروج، واستدل على كونه غير الدجال بحديث تميم الداري، وباقي أحواله ينكشف أثناء شرح الأحاديث، واللَّه أعلم.\nالفصل الأول\n٥٤٩٤ - [١] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (في أطم بني مغالة) الأطم بضمتين: القصر وكل حصن مبني بالحجارة، والجمع آطام وأطوم، وبنو مغالة بفتح الميم وتخفيف\n_________\n(١) في نسخة: \"صياد\".\n(٢) في نسخة: \"الصياد\".","vol":"8","page":727},{"text":"أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ الأُمِّيِّينَ. ثُمَّ قَالَ ابْنُ صَيَّادٍ: أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَرَصَّهُ النَّبِيُّ -ﷺ- ثُمَّ قَالَ: \"آمَنْتُ باللَّهِ وَبِرُسُلِهِ\"، ثُمَّ قَالَ لِابْنِ صيَّاد: \"مَاذَا تَرَى؟ \" قَالَ: يَأْتِينِي صَادِقٌ وَكَاذِبٌ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خُلِّطَ عَلَيْكَ الأَمْرُ\". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنِّي خَبَّأْتُ لَكَ خَبِيئًا\". . . . .\nــ\nالغين المعجمة: قوم من اليهود.\nوقوله: (رسول الأميين) أي: العرب، ومنطوقه حق ومفهومه باطل من قبيل ما يلقى إلى الكهان من الأباطيل.\nوقوله: (فرصه النبي -ﷺ-) بصاد مهملة، في (القاموس) (١): رص: ألزق بعضه ببعض، وضم، كرصصه، وفي بعض الروايات: (فرفضه) بفاء وضاد معجمة، أي: تركه، يعني ترك سؤاله عن الإسلام لعدم نفعه فيه، وأما قوله -ﷺ-: (آمنت باللَّه وبرسله) رد على ابن صياد أحسن رد، فإنه لا حاجة إلى استعجال التصريح برده، فإن دعواه ظاهر البطلان، وفيه من إرخاء العنان والتبكيت ما لا يخفى، وقد صرح به ما ظهر بعد ظهور حاله أنه كاهن ومخلط عليه، وقال: (اخسأ فلن تعدو قدرك)، ثم سأله عن حاله بعد القطع ببطلان دعوى رسالته ليظهر عليه أيضًا، وقد اعترف بحقيقة حاله موافقًا لما عليه الكهان بقوله: (يأتيني صادق وكاذب)، أي: يأتي عليّ بعض الأشياء صادقًا وبعضه كاذبًا، وقد تحقق بها أنه ليس برسول، فإن الرسول لا يأتيه الكاذب، ولذا قال -ﷺ-: (خلط عليك الأمر)، من التخليط، أي: يأتيك به شيطان مخلِّط للحق بالباطل.\nوقوله: (قد خبأت لك خبيئًا) الخبء: كل شيء غائب مستور، خبأته، أي:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٥٧).","vol":"8","page":728},{"text":"وَخَبَّأَ لَه: ﴿يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ [الدخان: ١٠]، فَقَالَ: هُوَ الدُّخُّ. فَقَالَ: \"اخْسَأْ فَلَنْ تَعْدُوَ قَدْرَكَ\". قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتَأْذَنُ لي فِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنْ يَكُنْ هُوَ لَا تُسَلَّطْ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ فَلَا خَيْرَ لَكَ فِي قَتْلِهِ. . . . .\nــ\nأخفيته وسترته، والخباء والخبيء والخبيئة: الشيء المخبوء، أي: المستور، والمروي في الحديث خبيئًا بوزن ضمير كما في رواية الكتاب، وخبء بوزن صعب كما في غيره، ومنه قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: القطر ﴿وَالْأَرْضِ﴾ [النمل: ٢٥]، أي: النبات، ومقصوده -ﷺ- من ذلك أن يحريه ويمتحنه هل يعلم ذلك المضمر أو لا، ليبرز أمره أساحر أو كاهن أو ممن يأتيه جني.\n(فقال: هو الدخ) بضم الدال وفتحها بمعنى الدخان، ولم يقدر على الزيادة، وتمام الآية التي أضمرها رسول اللَّه -ﷺ- إلا بهذه اللفظة الناقصة على عادة الكهان من اختطاف بعض الكلمات، وهذا إما لكونه -ﷺ- تكلم في نفسه أو كلمه بعض أصحابه فسمعه الشيطان فألقاه إليه، وقيل: إضماره -ﷺ- هذه الآية رمز إلى أن الدجال يقتله عيسى بجبل يقال له: جبل الدخان، فلعله أراد تعريضًا بقتله لأنه قد ظن أنه الدجال.\nوقوله: (فقال: اخسأ) كلمة زجر واستهانة، يقال: خسأ الكلب كمنع: طرده خسئًا وخسوءًا، والخاسيء من الكلاب والخنازير: المبعد لا يترك أن يدنو من الناس.\nوقوله: (فلن تعدو قدرك) أي: قدرك في إظهار الخبيئات ليس إلا أن تأتي بكلمة ناقصة من كلام طويل، فكيف تدعي النبوة؟ فرده صريحًا بعد امتحانه حتى لا يبقى شبهة عليه وعلى الحاضرين.\nوقوله: (إن يكن هو) الضمير المستكن لابن صياد والمنفصل للدجال، أو","vol":"8","page":729},{"text":"قَالَ ابْنُ عُمَرَ: انْطَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ الأَنْصَارِيُّ يَؤُمَّانِ النَّخْلَ الَّتِي فِيهَا ابْنُ صَيَّادٍ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ وَهُوَ يَخْتِلُ أنْ يَسْمَعَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ، وَابْنُ صَيَّادٍ مُضْطَجِعٌ عَلَى فِرَاشِهِ فِي قَطِيفَةٍ لَهُ فِيهَا زَمْزَمَة، فَرَأَتْ أُمُّ ابْنِ صَيَّادٍ النَّبِيَّ -ﷺ- وَهُوَ يَتَّقِي بِجُذُوعِ النَّخْلِ. فَقَالَتْ: أَيْ صَافِ -وَهُوَ اسْمُهُ- هَذَا مُحَمَّد. فتَنَاهَى ابْنُ صَيَّادٍ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْ تَرَكَتْهُ بَيَّنَ\". . . . .\nــ\nبالعكس، وعلى كل تقدير الظاهر (إياه)، فوضع المرفوع موضع المنصوب.\nوقوله: (يؤمان) أي: يقصدان.\nوقوله: (وهو) أي: رسول اللَّه -ﷺ-، (يختل) الختل: الخداع، ختله يختله، أي: يراوده ويطلبه من حيث لا يشعر، أي: يخدع ابن صياد ويستغفله ليسمع منه شيئًا يتكلم في خلوته ويعلم الحاضرون بكهانته أو سحره.\nوقوله: (زمزمة) بزائين معجمتين، وفي بعض الروايات برائين مهملتين، والمعنى واحد وهو الصوت البعيد له دوي وتتابع صوت الرعد، وهو أحسنه صوتًا وأثبته مطرًا، كذا في (القاموس) (١)، وقال الطيبي (٢): هو صوت خفي لا يكاد يفهم أو لا يفهم، وروي: (رمزة) براء فزاي وبحذف الميم الثانية.\nوقوله: (فتناهى ابن صياد) انتهى الشيء وتناهى: بلغ منتهاه، أي: تناهى عما كان وسكت.\nوقوله: (لو تركته بين) أي: لو تركته أمه يزمزم لتبين حاله وما في ضميره.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٠٨).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٣٤).","vol":"8","page":730},{"text":"قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي النَّاسَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: \"إِنِّي أُنْذِرُكُمُوهُ وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ، لَقَدْ أَنْذَرَ نُوحٌ قَوْمَهُ، وَلَكِنِّي سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ: تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْوَرُ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٥٤، م: ٢٩٣٠].\n٥٤٩٥ - [٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَقِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ -يَعْنِي ابْنَ صَيَّادٍ- فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ \" فَقَالَ هُوَ: أتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"آمَنْتُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، مَاذَا تَرَى؟ \" قَالَ: أَرَى عَرْشًا عَلَى الْمَاءِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَرَى عَرْشَ إِبْلِيسَ عَلَى الْبَحْرِ\"، قال: \"وَمَا تَرَى؟ \" قَالَ: أَرَى صَادِقَيْنِ وَكَاذِبًا أَوْ كَاذِبَيْنِ وَصَادِقًا. . . . .\nــ\nوقوله: (ثم ذكر الدجال) ظاهر الأحاديث أنه لم يجزم النبي -ﷺ- بأنه الدجال مع احتمال ذلك، وهذا الذكر على هذا الاحتمال، ويحتمل أنه ذكر الدجال الذي يأتي من جهة رؤية بعض صفاته.\n٥٤٩٥ - [٢] (أبو سعيد الخدري) قوله: (ترى عرش إبليس على البحر) فإن إبليس يضع عرشه على الماء، ثم يبعث سراياه يفتنون الناس كما سبق في أول الكتاب في (باب الوسوسة).\nوقوله: (أرى صادقين وكاذبًا) أي: أرى شخصين يخبران عما هو صادق وآخر عما هو كذب.\nوقوله: (أو كاذبين وصادقًا) شك من الراوي، ويحتمل أن يكون شكًا من ابن","vol":"8","page":731},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لُبِسَ عَلَيْهِ فَدَعُوهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٢٥].\n٥٤٩٦ - [٣] وَعَنْهُ: أَنَّ ابْنَ صَيَّادٍ سَأَلَ النَّبِيَّ -ﷺ- عَنْ تُرْبَةِ الْجَنَّةِ. فَقَالَ: \"دَرْمَكَةٌ بَيْضَاءُ مِسْكٌ خَالِصٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٢٨].\n٥٤٩٧ - [٤] وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: لَقِيَ ابْنُ عُمَرَ ابْنَ صَيَّادٍ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ قَوْلًا أَغْضَبَهُ فَانْتَفَخَ حَتَّى مَلأَ السِّكَّةَ. فَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى حَفْصَةَ وَقَدْ بَلَغَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: رَحِمَكَ اللَّهُ مَا أَرَدْتَ مِنِ ابْنِ صَيَّادٍ؟ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ غَضْبَةٍ يَغْضَبُهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٣٢].\nــ\nصياد، وهذا أدخل في اختلال أمره والتباسه وتخليطه.\nوقوله: (لبس عليه) بلفظ المجهول من اللبس بالفتح بمعنى الخلط والالتباس.\n٥٤٩٦ - [٣] (وعنه) قوله: (درمكة بيضاء مسك خالص) في (القاموس) (١): الدرمك كجعفر: الدقيق الحوُّارى، والتراب الناعم، والحوارى بضم الحاء وتشديد الواو وفتح الراء: الدقيق الأبيض وهو لباب الدقيق، فقوله: (بيضاء) صفة مؤكدة ومشعر بأن التشبيه من جهة البياض، وقد يعتبر من جهة نعومتها أيضًا.\n٥٤٩٧ - [٤] (نافع) قوله: (حتى ملأ السكة) بالكسر.\nوقوله: (وقد بلغها) أي: بلغ حفصة خبر إغضاب ابن عمر ابن صياد فمنعته من إغضابه، فإن الدجال إنما يخرج حين يغضب.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٤٥).","vol":"8","page":732},{"text":"٥٤٩٨ - [٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: صَحِبْتُ ابْنَ صَيَّادٍ إِلَى مَكَّةَ فَقَالَ لِي: مَا لَقِيتُ مِنَ النَّاسِ؟ يَزْعُمُونَ أَنِّي الدَّجَّالُ، أَلَسْتَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّهُ لَا يُولَدُ لَهُ؟ \". وَقَدْ وُلِدَ لِي، أَلَيْسَ قَدْ قَالَ: \"هُوَ كَافِرٌ؟ \". وَأَنَا مُسْلِمٌ، أَوَ لَيْسَ قَدْ قَالَ: \"لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ وَلَا مَكَّةَ؟ \" وَقَدْ أَقْبَلْتُ مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَنَا أُرِيدُ مَكَّةَ. ثُمَّ قَالَ لِي فِي آخِرِ قَوْلِهِ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لأَعْلَمُ مَوْلِدَهُ وَمَكَانَهُ وَأَيْنَ هُوَ وَأَعْرِفُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، قَالَ: فَلَبَسَنِي، قَالَ: قُلْتُ لَهُ: تَبًّا لَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ. قَالَ: وَقِيلَ لَهُ: أَيَسُرُّكَ أَنَّكَ ذَاكَ الرَّجُلُ؟ قَالَ: فَقَالَ: لَوْ عُرِضَ عَلَيَّ مَا كَرِهْتُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٢٧].\n٥٤٩٩ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَقِيتُهُ وَقَدْ نَفَرَتْ عَيْنُهُ،\nــ\n٥٤٩٨ - [٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (ما لقيت من الناس؟) استفهام للتعجب، أي: أيّ شيء لقيت.\nوقوله: (إني لأعلم مولده. . . إلخ)، يمكن أن يكون إشارة إلى كونه دجالًا فإنه قد يؤتى مثل هذه العبارة لمعرفة النفس، وهذا وجه قول ابن عمر. (فلبسني) بالتخفيف، أي: جعلني بحيث التبس الأمر عليّ، والأصل لبس الأمر عليه يلبسه: خلطه.\nوقوله: (لو عرض عليّ ما كرهت) ما نافية، أي: لو عرض عليّ صفات الدجال وأحواله كنت راضيًا، ويلزم من هذا الكلام كفره.\n٥٤٩٩ - [٦] (ابن عمر) قوله: (وقد نفرت) بالنون والفاء، في (القاموس) (١):\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٣٨).","vol":"8","page":733},{"text":"فَقُلْتُ: مَتَى فَعَلَتْ عَيْنُكَ مَا أَرَى؟ قَالَ: لَا أَدْرِي. قُلْتُ: لَا تَدْرِي وَهِيَ فِي رَأْسِكَ؟ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ خَلَقَهَا فِي عَصَاكَ، قَالَ: فَنَخَرَ كَأَشَدِّ نَخِيرِ حِمَارٍ سَمِعْتُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٣٢].\n٥٥٠٠ - [٧] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: رَأَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَحْلِفُ بِاللَّهِ أَنَّ ابْنَ الصَّيَّادِ الدَّجَّالُ. قُلْتُ: تَحْلِفُ بِاللَّهِ؟ قَالَ: . . . . .\nــ\nنفرت العين وغيرها تنفر نفورًا: هاجت وورمت، وقال القاضي عياض في (مشارق الأنوار) (١): هذا هو الصحيح، ويروى بالقاف، ويروى فقئت وفقرت وكلاهما بمعنى، وفقرت بمعنى استخرجت، ورواه أبو عبد اللَّه المازري بقرت بالباء والقاف، والبقر: الشق والاستخراج، ويظهر من إيراد هذه الروايات في فصل الاختلاف والوهم الذي عقده في كتابه ببيان ما أخطأ فيه الناس أنها تصحيف، وقد صرح بأن الصحيح هو الأول، ولذلك قال الطيبي (٢): قد ذكر القاضي وجوهًا والظاهر أنها تصحيف.\nوقوله: (وهي في رأسك) فكيف لا تدري ما عرضها من الألم؟ (قال: إن شاء [اللَّهُ] خلقها) أي: العين أو وجعتها ونفرتها (في عصاك) أي: في جماد فلا تدري، فيمكن أن يكون الإنسان أيضًا لا يدري وهي فيه، وهذه حيلة وسفسطة منه، ونخر ينخر: مد الصوت في خياشيمه.\n٥٥٠٠ - [٧] (محمد بن المنكدر) قوله: (يحلف باللَّه أن ابن الصياد هو الدجال) لعل المراد أنه من الدجاجلة الذين أخبر بخروجهم رسول اللَّه -ﷺ- لا المعهود، ولكن حديث ابن عمر صريح في أن مذهبه أنه المسيح الدجال، وقيل: هذا هو مذهب\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٣٥).","vol":"8","page":734},{"text":"إِنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَلَمْ يُنْكِرْهُ النَّبِيُّ -ﷺ-. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٥٥، م: ٢٩٢٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1206> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٥٠١ - [٨] عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَشُكُّ أَنَّ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ ابْنُ صيَّادٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"كِتَابِ الْبَعْثِ والنشور\". [د: ٤٣٣٠].\n٥٥٠٢ - [٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَدْ (١) فَقَدْنَا ابْنَ صَيَّادٍ يَوْمَ الْحَرَّةِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. [د: ٤٣٣٢].\n٥٥٠٣ - [١٠] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَمْكُثُ أَبُو الدَّجَّالِ ثَلَاثِينَ عَامًا، لَا يُولَدُ لَهُمَا وَلَدٌ، ثُمَّ يُولَدُ لَهُمَا غُلَامٌ أَعْوَرُ أَضْرَسُ،\nــ\nعمر -﵁-، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n٥٥٠١ - [٨] (نافع) قوله: (ما أشك) أخبر عن اعتقاده فيه، ولعله قال هذا قبل أن يعلم أنه ليس الدجال، أو أن أمره مشكوك فيه.\n٥٥٠٢ - [٩] (جابر) قوله: (فقدنا ابن صياد يوم الحرة) الظاهر من فقده من غير علم بموته، فيخالف رواية أنه مات بالمدينة، وليس المخالفة مجزومًا بها، ويوم الحرة قد سبق بيانه في الملاحم، وهو وقعة بالمدينة المطهرة في زمن يزيد بن معاوية.\n٥٥٠٣ - [١٠] (أبو بكرة) قوله: (أضرس) أي: عظيم الضرس، وهو السن،\n_________\n(١) \"قد\" سقط في نسخة.","vol":"8","page":735},{"text":"وَأَقَلُّهُ مَنْفَعَةً، تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ\"، ثُمَّ نَعَتَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَبَوَيْهِ فَقَالَ: \"أَبُوهُ طُوَالٌ ضَرْبُ اللَّحْمِ كَأَنَّ أَنْفَهُ مِنْقَارٌ، وَأُمُّهُ امْرَأَةٌ فِرْضَاخِيَّةٌ طَوِيلَةُ الْيَدَيْنِ\". فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: فَسَمِعْنَا بِمَوْلُودٍ فِي الْيَهُودِ بِالمَدِينَةِ. فَذَهَبْتُ أَنَا وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبَوَيْهِ، فَإِذَا نَعْتُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِيهِمَا، فَقُلْنَا: هَلْ لَكُمَا وَلَدٌ؟ . . . . .\nــ\nوقيل: هو الذي يولد مع الضرس، ويؤيد الأول ما يأتي في حديث جابر: طالعة نابه، ثم إنه قد كتب في الحاشية من الجزري: أنه قد وقع في نسخ (المصابيح) أضرس، أي: عظيم الضرس، أو الذي يولد ومعه ضرسه، ولا شك عندي أنه تصحيف، وأن الصواب أضر شيء، وكذا هو في كتاب الترمذي الذي أخذه المؤلف منه، وبهذا يصح عطف قوله: (وأقله منفعة) عليه من غير تعسف ولا تكلف، ويكون الضمير عائدًا إلى شيء، أي: أقل شيء منفعة.\nوقوله: (تنام عيناه ولا ينام قلبه) لكثرة الوساوس وتوالي الأفكار الفاسدة التي يلقيها الشياطين في قلبه، و(الطوال) كغراب بمعنى الطويل، وكرمّان: المفرط الطول، كذا في (القاموس) (١)، وقال الطيبي (٢): طوال مبالغةُ طويلٍ، وبالتشديد أكثر مبالغة، انتهى، والرواية في الحديث بالتخفيف.\nوقوله: (ضرب اللحم) أي: خفيفه.\nوقوله: (امرأة فرضاخية) في (القاموس) (٣): رجل فرضاخ بالكسر: ضخم\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٢٤).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٣٧).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٣٤).","vol":"8","page":736},{"text":"فَقَالَا: مَكَثْنَا ثَلَاثِينَ عَامًا لَا يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ، ثُمَّ وُلِدَ لَنَا غُلَامٌ أَعْوَرُ أَضْرَسُ وَأَقَلُّهُ مَنْفَعَةً، تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ، قَالَ: فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِمَا، فَإِذَا هُوَ مُنْجَدِلٌ فِي الشَّمْسِ فِي قَطِيفَةٍ وَلَهُ هَمْهَمَةٌ، فَكَشَفَ عَنْ رَأْسِهِ فَقَالَ: مَا قُلْتُمَا؟ وَهَلْ سَمِعْتَ مَا قُلْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٢٤٨].\n٥٥٠٤ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الْيَهُودِ بِالْمَدِينَةِ وَلَدَتْ غُلَامًا مَمْسُوحَةٌ عَيْنُهُ طَالِعَةٌ نَابُهُ، فَأَشْفَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَكُونَ الدَّجَّالَ، فَوَجَدَهُ تَحْتَ قَطِيفَةٍ يُهَمْهِمُ. فَآذَنَتْهُ أُمُّهُ فَقَالَتْ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا أَبُو الْقَاسِمِ فَخَرَجَ مِنَ الْقَطِيفَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا لَهَا قَاتَلَهَا اللَّهُ؟ لَوْ تَرَكَتْهُ لَبَيَّنَ\". فَذَكَرَ مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَقْتُلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَسْتَ صَاحِبَهُ، إِنَّمَا صَاحِبُهُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَإِلَّا يَكُنْ هُوَ فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَقْتُلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ\". فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُشْفِقًا أَنَّهُ هُوَ الدَّجَّالُ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٤٢٧٤].\nــ\nعريض، أو طويل، وامرأة فرضاخة وفرضاخية: عظيمة الثديين.\nوقوله: (فإذا هو منجدل) أي: ملقًى على الجدالة، والجدالة كسحابة: الأرض أو ذات رمل رقيق، و(الهمهمة) الكلام الخفي لا يفهم.\n٥٥٠٤ - [١١] (جابر) قوله: (طالعة نابه) وقال الطيبي (١): هكذا في (شرح\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٣٧)، و\"شرح السنة\" (٤٢٧٤).","vol":"8","page":737},{"text":"وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّالِثِ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1207>٥ - باب نزول عيسى ﵇</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1208> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٥٠٥ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُم ابنُ مَرْيَم حكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ. . . . .\nــ\nالسنة)، والظاهر طالعًا نابه إلا أن يراد به الجنس، والتعدد فيه على التمحل، انتهى. وفي (القاموس) (١): الناب: السن خلف الرباعية، مؤنث، والقطيفة دثار مخمل.\n٥ - باب نزول عيسى ﵇\nقد ثبت بالأحاديث الصحيحة أن عيسى ﵇ ينزل من السماء التي فيها إلى الأرض، ويكون تابعًا لدين محمد -ﷺ-، ولا يحكم إلا بشريعته، وأما بعض الأحكام التي ليست في شريعتنا الآن ويحكم به عيسى، فهو من باب بيان المدة كالنسخ فهو في ذلك الزمان من شريعة محمد -ﷺ- كوضع الجزية ونحوه، وعيسى عبراني أو سرياني، والنسبة إليه عيسي وعيسوي.\nالفصل الأول\n٥٥٠٥ - [١] (أبو هريرة) قوله: (فيكسر الصليب) وهو خشبتان متقاطعتان\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٩).","vol":"8","page":738},{"text":"وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا\". . . . . .\nــ\nعلى هيئة المصلوب، ومنه الشكل الصليبي يراعونها النصارى ويحفظونها في كل شيء من أدواتهم وآلاتهم، وربما يعلقونه في أعناقهم مثل الزنار لغيرهم من الكفار، وهو هيئة صلب اليهود عيسى ﵇، وقد يجعلون فيه صورة عيسى ﵇. وفي (القاموس) (١): الصليب: المصلوب والذي للنصارى، وصلبوا: اتخذوا صليبًا، وفي (الصراح) (٢): صليب جليباى ترسيان، والمقصود إبطال النصرانية والحكم بشرع الإِسلام، وكذا قوله: (ويقتل الخنزير)، ومعناه تحريم اقتنائه وأكله وإباحة قتله، كذا قال الطيبي (٣)، والظاهر إيجاب قتله، ويحتمل أن يراد بذلك عدم تقرير أهل الذمة على دينهم وعاداتهم كما هو الآن، والأظهر أن المراد هو الأول أعني إبطال دين النصرانية ومحو آثارها بقرينة قوله: (ويضع الجزية) فإن المراد به أن يضعها عنهم ويحملهم على الإِسلام وإن لم يسلموا قتلهم، فالشريعة يومئذ إما السيف أو الإِسلام.\nو(يفيض المال) بفتح الياء على صيغة المضارع المعلوم من الفيض، ورفع (المال)، أو بضمها من الإفاضة ونصب (المال).\nوقوله: (حتى لا يقبله أحد) متعلق به.\nوقوله: (حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من الدنيا) قال الطيبي (٤): هو غاية.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٨).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٣٩).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٣٨).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٣٩).","vol":"8","page":739},{"text":"ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: فاقرؤا إِن شئْتم ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ الآيَة [النساء: ١٥٩]. . . . .\nــ\nلقوله: (فيكسر الصليب. . . إلى آخره)، أي: لمجموع ما ذكر، والمعنى يتقوى ويتأكد أمر الدين والعبادة حتى يبلغ اجتهاد الناس وشوقهم إلى هذا المبلغ، ويجوز أن يتعلق بـ (يفيض المال) بعد تقيده بقوله: (حتى لا يقبله أحد) أي: أنهم يعرضون عن الدنيا وأموالها لكثرتها وعدم الاحتياج إليها، فلا طاعة في بذله والتصدق به، فلا يشتغلون إلا بالصلاة.\nوقوله: (فاقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾) ذكروا في تفسير هذه الآية وجهين: أحدهما: أن الضميرين المجرورين لعيسى ﵇، أي: وأن من أهل الكتاب أحدًا لا يؤمننّ بعيسى قبل موته، وذلك إذا نزل من السماء حين يخرج الدجال فيهلكه، فلا يبقى أحد من أهل الكتاب اليهود والنصارى إلا يؤمن به، حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإِسلام، وهذا هو المشار إليه في الحديث بقوله: ثم يقول أبو هريرة: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الآية.\nوثانيهما: أن الضمير الأول لعيسى والثاني في (قبل موته) لـ (أحد) المقدر مستثنى منه، والمعنى: ما من اليهود والنصارى أحد إلا ليؤمنن بعيسى أنه عبد اللَّه ورسوله وابن أمته قبل أن يموت، ولو حين يزهق روحه ولا ينفعه إيمانه، ويؤيد ذلك أنه قرئ إلا ليؤمنن قبل موتهم بضم النون؛ لأن أحدًا في معنى الجمع، وهذا للتحريض على معالجة الإيمان قبل أن يضطروا ولم ينفعهم إيمانهم، وقيل: على هذا التقدير الضمير في (به) لنبينا محمد -ﷺ- أو للَّه سبحانه، والمراد الإيمان به تعالى على ما ينبغي.","vol":"8","page":740},{"text":"مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٢٢٢، م: ١٥٥].\n٥٥٠٦ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَاللَّهِ لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَادِلًا، فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ الْجِزْيَةَ، وَلَيَتْرُكَنَّ الْقِلَاصَ فَلَا يَسْعَى عَلَيْهَا، وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّحْنَاءُ والتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ، وَلَيَدْعُوَنَّ إِلَى الْمَالِ فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا قَالَ: \"كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُم\". [م: ١٥٥].\nــ\n٥٥٠٦ - [٢] (وعنه) قوله: (وليتركنّ) بصيغة المعلوم والضمير لعيسى كما في قرائنه، وقد يجعل بصيغة المجهول.\nوقوله: (القلاص) بكسر القاف جمع قلوص بفتحها: الإبل الشابة أو الباقية على السير، أو أول ما يركب من إناثها إلى أن تثنى، ثم هي ناقة، أي: يترك القلاص، ولا يجد من يقبلها للاستغناء، ولا يعمل عليها، ولا يركب عليها، ولا يضرب في الأرض للتجارات وتحصيل الأموال.\nوقوله: (ولتذهبنّ الشحناء والتباغض) الشحناء: العداوة كالشحنة بالكسر، شاحنة: باغضة، وسبب ذهابها لأنها نتيجة حب الدنيا، فلما زال حبها زال ما يتبعها، أو لأن أكثر أسبابها اختلاف الأديان فلما اتحدت الملة ارتفعت. (وليدعون) على صيغة جمع المذكر الغائب المعلوم، والمفعول محذوف، أي: الناس هكذا صحح.\nوقوله: (وإمامكم منكم) أي: من قريش وهو المهدي، أي: عيسى ﵇ يقتدي به تكرمة لهذه الأمة المكرمة كما في الحديث الآتي، فيكون عيسى معلمًا","vol":"8","page":741},{"text":"٥٥٠٧ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة\". قَالَ: \"فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا فَيَقُولُ: لَا إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِه الأُمَّةَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٥٦].\nوَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي.\nــ\nللجماعة وإمام العامة وخليفة على الناس، ولكن يكون إمام الصلاة غيره وهو المهدي ﵇ كما جاء في الأخبار، وقيل: معنى قوله: (إمامكم منكم) أنه يحكم بينكم بدينكم لا بالإنجيل، وروي: (فأمكم بكتاب ربكم وسنة نبيكم) (١)، أي: يؤمكم عيسى ﵇ حال كونه من دينكم حاكمًا بكتابكم وسنتكم، كذا في (مجمع البحار) (٢)، وهذا محمول على الإمامة بمعنى الخلافة، وأما إمامة الصلاة فالحديث الآتي صريح في كونها لغير عيسى، وعلى كل تقدير دلالة الحديث كما قيل على أن عيسى لا يكون من أمة محمد -ﷺ- بل مقررًا لدينه وعونًا لأمته محلّ بحث، فافهم.\n٥٥٠٧ - [٣] (جابر) قوله: (إلى يوم القيامة) أي: إلى قربه وظهور أشراطه فلا يخالف حديث: (لا يقوم القيامة إلا على شرار الخلق).\nوقوله: (تكرمة اللَّه) منصوب على أنه مفعول له، ويجوز رفعه، أي: تأمير بعضكم على بعض تكرمة.\n_________\n(١) أخرجه أبو عوانة في \"مستخرجه\" (٣١٦).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٩٥).","vol":"8","page":742},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1209> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٥٠٨ - [٤] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَنْزِلُ عِيسَى ابن مَرْيَمَ إِلَى الأَرْضِ، فَيَتَزَوَّجُ وَيُولَدُ لَهُ، وَيَمْكُثُ خَمْسًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ يَمُوتُ فَيُدْفَنُ مَعِي فِي قَبْرِي، فَأَقُومُ أَنَا وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ بَيْنَ أَبَي بَكْرٍ وَعُمَرَ\". رَوَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيُّ فِي \"كِتَابِ الْوَفَاءِ\".\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1210>٦ - باب قرب الساعة وأن من مات فقد قامت قيامته</span>\nــ\nالفصل الثالث\n٥٥٠٨ - [٤] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (فيدفن معي في قبري) أي: مقبرتي، وقد جاء في الأخبار أن في تلك البقعة الشريفة موضع قبر لم يتفق دفن أحد فيه، وقد قصدوا دفن الإمام الحسن بن علي ورضيت بذلك عائشة -﵂-، وكذا رضيت بدفن عبد الرحمن بن عوف فلم يتيسروا، وقيل: استأذنوا عائشة بأن تدفن فقالت: إنما أدفن مع صواحبي في البقيع، قالوا: الحكمة فيه أن يدفن فيه عيسى ﵇ إذا مات في آخر الزمان، واللَّه أعلم.\n٦ - باب قرب الساعة وأن من مات فقد قامت قيامته\n(قرب الساعة) بمضي أكثر المدة، والأجل الذي أجل له، وقد يقال: إنه إذا مضى زمان من جانب المبدأ ولو قليلًا فقد قرب، إذ المسافة منه إلى المنتهى أقل وأقرب من المبدأ إليه، والمراد هنا الأول كما هو الظاهر من الأحاديث والأخبار كما سيأتي، و(من مات فقد قامت قيامته) لفظ حديث رواه، وتسمى هذه قيامة صغرى،","vol":"8","page":743},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1211> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٥٠٩ - [١] عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ\". قَالَ شُعْبَةُ: وَسَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ. . . . .\nــ\nوالقيامة الوسطى هي موت الطبقة من الناس الذين هم قرناء كما سيأتي في حديث عائشة -﵂-، والقيامة الكبرى هي موت الناس كلهم أجمعين، وقد أثبت في القيامة الصغرى أنموذج جميع ما يكون في القيامة الكبرى من الأحوال والأهوال بالنسبة إلى الشخص الميت، وقد فسر ذلك في (إحياء العلوم)، فلينظر ثمة.\nالفصل الأول\n٥٥٠٩ - [١] (شعبة) قوله: (بعثت أنا والساعة) بالرفع والنصب من باب جئت أنا وزيدًا، والنصب هنا أنسب معنى.\nوقوله: (كهاتين) وزاد في حديث مسلم بعده: (وقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى)، وربطه بما قبله على تقدير أن يراد تقدم بعثته على قيام الساعة كنسبة فضل إحدى الأصبعين على الأخرى، إذ بالقران تظهر هذه النسبة في الرأي عند الناظرين، وإلا فالتقدم المذكور ثابت قرن أو لم يقرن، لا يقال: المعية تنافي الفضل؛ لأنا نقول: تلك معية مخصوصة غير حقيقية بتفاوت قليل وفضل مذكور، فافهم، وكذلك على الوجه الآخر أيضًا، وهو أن يكون المراد ارتباط دعوته بالساعة واتصالها بها بحيث لا يتخلل بينهما نبي، كما أن السبابة لا يفرق عن الوسطى ولا يتخلل بين الأصبعين أصبع أخرى، فيكون القرآن لإظهار ذلك المعنى وتأكيده، وإلا فهو ثابت في نفس الأمر، ثم رجح المعنى الأول بتصريح الراوي بذلك في تفسيره، ويأتي في حديث المستورد مصرحًا، وفي هذا الحديث المقصود منه بيان قرب الساعة بتعين هذا المعنى،","vol":"8","page":744},{"text":"فِي قَصَصِهِ كَفَضْلِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى، فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَهُ عَنْ أَنَسٍ أَوْ قَالَهُ قَتَادَةُ؟ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٠٤، م: ٢٩٥١].\nــ\nفإن اتصال الدعوى وارتباطها بالقيامة بالمعنى المذكور لا يقتضي قربها كما لا يخفى، وأما في حديث: (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا)، وأشار بالسبابة والوسطى، فقد قيل: إن الحمل على معنى الاتصال والمقارنة أنسب وأبلغ، فإن كونه تلو النبي -ﷺ- ومتأخرًا منه في دخول الجنة بهذا المقدار فضل عظيم.\nوأما اتصاله ومقارنته معه -ﷺ- فأفضل وأكمل، والمقام يقتضي المبالغة حتى إن الكرماني نقل في (شرح صحيح البخاري) عن بعضهم على تقدير الحمل على المعنى الأول أنه لما قال -ﷺ- هذا الكلام استوى السبابة والوسطى منه -ﷺ- حينئذ عيانًا، ثم عاد إلى حالها وطبيعتها الأصلية تأكيدًا لإثبات فضيلة كفالة اليتيم، والظاهر من عبارته أن ظهور المساواة في تلك الحالة كان بطريق المعجزة تقريرًا وتأكيدًا للمقصد، وأما ما ذكر في بعض الكتب الفارسية أن السبابة والوسطى منه -ﷺ- كانتا متساويتين بحكم الطبيعة فلم نجد له أصلًا، وكلام شراح الحديث بل متن الحديث يخالفه.\nوقوله: (في قصصه) بفتح القاف مصدر قص الخبر: أعلمه، قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] نبين لك أحسن البيان، كذا في (القاموس) (١)، وفي (مجمع البحار) (٢): القصص بالفتح الاسم وبالكسر جمع قصة، انتهى، وصحح في الحديث بالفتح، وفي الحواشي: قصصه بكسر القاف والضمير لقتادة، فتدبر.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٦٣).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٢٨١).","vol":"8","page":745},{"text":"٥٥١٠ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ: \"تَسْأَلُونِّي عَنِ السَّاعَةِ؟ وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ، وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ يَأْتِي عَلَيْهَا مِئَةُ سَنَةٍ وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٣٨].\nــ\n٥٥١٠ - [٢] (جابر) قوله: (تسألوني عن الساعة؟) أي: تسألوني عن القيامة الكبرى وعلمها عند اللَّه، والذي أعلم هو الوسطى والصغرى.\nوقوله: (أقسم باللَّه ما على الأرض من نفس. . . إلخ)، بيان لهما، فإن موت كل شخص قيامة صغرى، وموت مجموع هذه الطبقة الباقية إلى مئة سنة قيامة وسطى.\nوقوله: (من نفس منفوسة) أي: مولودة من النفاس بمعنى الولادة، والظاهر أن معنى الحديث أنه ما من نفس مولودة موجودة الآن تبقى إلى مئة سنة منذ اليوم، وقد وقع كما أخبر -ﷺ- فإنه لم يبق من الصحابة أحد إلا إلى مئة سنة أو شيء زائد من الهجرة، ولكن هذه الأخبار بعد عشر سنين منها، فلا ينافي هذا ما ثبت أنه قد عاش بعض الصحابة أكثر من مئة سنة، ولا حاجة إلى أن يقال: إنه بحسب الأكثر والأغلب، وهذا مبني على أن يكون المراد لا يعيش أحد من الموجودين اليوم مئة سنة، ويلزم منه موت الخضر ﵇، وبه تمسك من يذهب إلى موته من بعض أكابر المحدثين، وإن كان الصواب خلافه، ونقل عن محيي السنة أن أربعة من الأنبياء في الحياة: الخضر وإلياس في الأرض وعيسى وإدريس في السماء، وهم مخصوصون من الحديث، أو أراد من على وجه الأرض من أمته، وقيل: لا تمسك لموت خضر فلعله كان على البحر يومئذ أو على الهواء، وقد تواترت الأخبار بوجوده بعد ذلك، واللَّه أعلم، وإن أريد","vol":"8","page":746},{"text":"٥٥١١ - [٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَأْتِي مِئَةُ سَنَةٍ وَعَلَى الأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٣٩].\n٥٥١٢ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رِجَالٌ مِنَ الأَعْرَابِ يَأْتُونَ النَّبِيَّ -ﷺ- فَيَسْأَلُونَهُ عَنِ السَّاعَةِ، فَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى أَصْغَرِهِمْ فَيَقُولُ: \"إِنْ يَعِشْ هَذَا لَا يُدْرِكْهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥١١، م: ٢٩٥٤].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1212> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٥١٣ - [٥] عَنِ الْمُسْتَوْرَدِ بْنِ شَدَّادٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"بُعِثْتُ فِي نَفْسِ السَّاعَةِ، فَسَبَقْتُهَا كَمَا سَبَقَتْ هَذِهِ هَذِهِ\" وَأَشَارَ بِأُصْبَعَيْهِ السبَّابَةِ وَالْوُسْطَى. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٢١٣].\nــ\nأن من كان مولودًا في ذلك الزمان كما هو مدلول الحديث الآتي فلا إشكال، فتأمل.\n٥٥١١ - [٣] (أبو سعيد) قوله: (اليوم) إشارة إلى زمنه -ﷺ- ومتعلق بـ (منفوسة)، أي: مولودة في زمان، فيخرج الخضر من عمومه.\n٥٥١٢ - [٤] (عائشة) قوله: (حتى تقوم عليكم ساعتكم) وهذه هي القيامة الوسطى التي هي عبارة عن انقراض القرن، ومن هم في طبقته أجمعين، ولهذا قال: (تقوم عليكم ساعتكم).\nالفصل الثاني\n٥٥١٣ - [٥] (المستورد بن شداد) قوله: (في نفس الساعة) بفتحتين، أي: نفسها وابتداء ظهورها، من نفس الصبح: إذا ابتلج.","vol":"8","page":747},{"text":"٥٥١٤ - [٦] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ (١) النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنِّي لأَرْجُو أَنْ لَا تَعْجِزَ أُمَّتِي عِنْدَ رَبِّهَا أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ\". قِيلَ لِسَعْدٍ: وَكَمْ نِصْفُ يَوْمٍ؟ قَالَ: خَمْسُ مِئَةِ سَنَةٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٥٠].\nــ\n٥٥١٤ - [٦] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (إني لأرجو أن لا تعجز أمتي عند ربها) عدم العجز هنا كناية عن التمكن من القربة والمكانة عند اللَّه، والمعنى أني لأرجو أن يكون لأمتي مكانة ومنزلة عند اللَّه أن يمهلهم إلى مدة خمس مئة سنة بحيث لا يكون أقل من ذلك إلى الساعة، ويحتمل أن يكون يعجز بضم ياء وكسر جيم، أي: لا يفوتهم تأخير ربها إياهم، فـ (أمتي) مفعول، و(أن يؤخرهم) فاعل، كذا في (مجمع البحار) (٢)، نقلا عن (المقاصد) شرح صحيح البخاري، وقيل: المراد تأخيرهم في الدنيا سالمين من العقوبات والشدائد والذلة.\nواعلم أنه قد ذكر السيوطي في رسالته المسماة بـ (الكشف عن مجاوزة هذه الأمة الألف) أنه قد أفتى بعض العلماء في زماننا أنه يقع في المئة العاشرة خروج المهدي والدجال ونزول عيسى ﵇ وسائر الأشراط فاستبعدت ذلك ورددت عليه، وقلت: الذي دلت عليه الآثار أن مدة هذه الأمة تزيد على ألف سنة، ولا تبلغ الزيادة عليها خمس مئة سنة، وأنه إن تأخر الدجال على رأس ألف إلى مئة أخرى كانت المدة أكثر، ولا يمكن أن تكون المدة ألفًا وخمس مئة سنة أصلًا، انتهى، والحق أنه شيء فهموه من الأخبار والآثار التي بلغت إليهم على ما بلغ إلى أفهامهم بعد أن تكون الأخبار صحيحة، والحق أنه مبهم، ولا يمكن تعيينه، واللَّه أعلم بحقيقة الحال.\n_________\n(١) في نسخة: \"أن النبي\".\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥٢٥).","vol":"8","page":748},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1213> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٥١٥ - [٧] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَثَلُ هَذِهِ الدُّنْيَا مَثَلُ ثَوْبٍ شُقَّ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ فَبَقِيَ مُتَعَلِّقًا بِخَيْطٍ فِي آخِرِهِ، فَيُوشِكُ ذَلِكَ الْخَيْطُ أَنْ يَنْقَطِعَ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٩٧٥٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1214>٧ - باب لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1215> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٥١٦ - [١] عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللَّهُ اللَّهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٤٨].\nــ\nالفصل الثالث\n٥٥١٥ - [٧] (أنس) قوله: (فيوشك ذلك الخيط أن ينقطع) إشارة إلى قلة بقاء مدة الدنيا وقرب الساعة.\n٧ - باب لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس\nبإضافة (باب) إلى الجملة، ويمكن أن ينون (باب)، وهذا كثير في تراجم البخاري، وقد صحح بالوجهين.\nالفصل الأول\n٥٥١٦ - [١] (أنس) قوله: (حتى لا يقال في الأرض: اللَّه اللَّه) أي: لا يذكر ولا يعبد، وقد صحح (اللَّه اللَّه) بالرفع، وقيل في توجيهه: إن الأول مبتدأ والثاني خبر،","vol":"8","page":749},{"text":"٥٥١٧ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ الْخَلْقِ\". رَوَاهُ مُسلم. [م: ٢٩٤٩].\n٥٥١٨ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلَيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ\". وَذُو الْخَلَصَةِ: طَاغِيَةُ دَوْسٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧١١٦، م: ٢٩٠٦].\nــ\nأي: أنه المعبود، أو على العكس، أي: المعبود هو، وبالنصب، أي: احذروا اللَّه واعبدوه، هذا ويحتمل أن يكون بالوقف كما يقال في حالة الذكر، وفيه أن بقاء العالم ببركة ذكر اللَّه، فإذا ارتفع فني وخرب.\n٥٥١٧ - [٢] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (إلا على شرار الخلق) الظاهر أنهم الكفار وهم المرادون من شرار الناس، إذ شرار الناس شرار الخلق كلهم.\n٥٥١٨ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (حتى تضطرب أليات) بفتح الهمزة وسكون اللام جمع ألية بفتح الهمزة وسكون اللام: وهي اللحمة المشرفة على الظهر والفخذ، كذا في (مجمع البحار) (١)، وفي (القاموس) (٢): الألية: العجيزة، أو ما ركب العجز من شحم ولحم، وفي (المشارق) (٣): الألية بفتح الهمزة: لحمة المؤخر من الحيوان، وهي من ابن آدم المقعدة، وجمعها أليات بفتح اللام كما في حديث: (حتى تضطرب أليات دوس) ودوس بفتح الدال وسكون الواو: قبيلة من اليمن.\nو(ذو الخلصة) بفتح الخاء واللام وبضمتين: بيت كان يدعى الكعبة اليمانية\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٧٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٣٤).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٢).","vol":"8","page":750},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلخثعم كان فيه صنم اسمه الخلصة، أو لأنه كان بيت الخلصة، والخلص محركة: شجر كالكرم، يتعلق بالشجر، فيعلو، طيب الريح، واحدته بهاء، كذا في (القاموس) (١).\nوقال الطيبي (٢): ذو الخلصة بيت كان فيه صنم لدوس وخثعم وبجيلة وغيرهم، وقيل: هو الكعبة اليمانية التي كانت باليمن، خربها جرير بأمر النبي -ﷺ-، والخلصة: اسم صنم، ويخدشه اختصاص ذو باسم الجنس، وفيه أنه قد يضاف إلى غيره كما ذكر في النحو، فليكن هذا من ذلك القبيل، أو صح ذلك لكون هذا العلم منقولًا من اسم الجنس، وفي (مجمع البحار) (٣) من (الكرماني): ذو الخلصة بفتحات على الأشهر: بيت صنم ببلاد فارس، وهي الكعبة اليمانية شابهوا بها الكعبة المشرفة، وفي جعله ببلاد فارس نظر، ولعله باعتبار أن البلاد اليمانية كانت داخلة في ملك فارس في أهل كسرى، أو باعتبار أن البلاد الفارسية كانت في جانب اليمن، واللَّه أعلم.\nوقد وقع في عبارة البخاري: ويقال له: الكعبة اليمانية والكعبة الشامية، وهذا مشكل لأن الكعبة الشامية هي الكعبة المشرفة، ووجهوه بأن التقدير كان يقال له: الكعبة اليمانية، والتي بمكة: الكعبة الشامية، وقد يروى ترك الواو بمعنى كان يقال هذان اللفظان، أحدهما لموضع والآخر لآخر، هذا وقد فسر في الحديث أن ذا الخلصة طاغية دوس؛ أي: صنمهم الذي كانوا يعبدونه في الجاهلية، فعلى ما ذكروا يكون فيه مسامحة، أي: بيت طاغية، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٥٥).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٣٤٨٤).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٨٣).","vol":"8","page":751},{"text":"٥٥١٩ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا يَذْهَبُ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّاتُ وَالْعُزَّى\". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لأَظُنُّ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] أَنَّ ذَلِكَ تَامًّا (١). قَالَ: \"إِنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا طَيِّبَةً فَتُوُفِّيَ كُلُّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَيَبْقَى مَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ فَيَرْجِعُونَ إِلَى دِين آبَائِهِم\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٠٧].\nــ\nوالمراد باضطراب ألية نساء دوس حول ذي الخلصة مجيء نساء دوس إلى طواف ذي الخلصة بالارتداد وشيوع الكفر، وفي لفظ الاضطراب إشارة إلى سمنهن وفراغهن وتنعمهن بالملاذ والشهوات، وقيل: كناية عن كثرتهن حين الطواف، يعني: كثرتهن يلتصق ألية بعضهن ببعض.\n٥٥١٩ - [٤] (عائشة) قوله: (اللات والعزى) اسمان لصنمين مشهورين، الأول لثقيف والثاني لغطفان وسليم.\nوقوله: (إن كنت لأظن) مخففة من المثقلة.\nوقوله: (أن ذلك تامًا) سادٌّ مسدّ مفعولي (أظن)، و(تام) يروى بالرفع، أي: كنت أظن أن عبادة الأصنام قد تمت وانقضت، ولا يكون بعده أبدًا، وبالنصب إما على الحالية، وخبر (ذلك) محذوف، أو خبر (كان) المقدر.\nوقوله: (إنه سيكون من ذلك ما شاء) كان تامة وما شاء اللَّه فاعله، أي: مقدار\n_________\n(١) في نسخة: \"تام\".","vol":"8","page":752},{"text":"٥٥٢٠ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ\" لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ عَامًا \"فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ فِي النَّاسِ سَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحًا بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ، فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ دَخَلَ فِي كَبِدِ جَبَلٍ\nــ\nشاءه اللَّه تعالى، أو ظرف فاعله (من ذلك)، أي: سيكون شيء من ذلك مدة مشيئة اللَّه تعالى، وذلك آخر الزمان الذي أراد اللَّه تعالى فيه إهلاكهم.\n٥٥٢٠ - [٥] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (لا أدري. . . إلخ)، هذا من كلام عبد اللَّه، أي: لا أدري أيًّا من هذه الثلاثة أراد -ﷺ-، وقد ورد في بعض الأحاديث: يمكث الدجال في الأرض أربعين سنة، وفي بعضها: أربعين يومًا، وقد سبق وجه تطبيق بينهما أيضًا فتذكر.\nوقوله: (كأنه عروة بن مسعود) هو أبو مسعود، وقيل: أبو يعفور عروة بن مسعود بن معتب بن مالك الثقفي، وليس مسعود هذا أبا عبد اللَّه بن مسعود، وليس عروة أخاه، فإنه عبد اللَّه بن مسعود بن غافل الهذلي.\nوقوله: (يمكث في الناس سبع سنين) هذا المكث بعد إهلاك الدجال، فلا ينافي ما سبق في (باب نزول عيسى) من أن عيسى يمكث خمسًا وأربعين سنة، كذا في الحاشية.\nوقوله: (في كبد جبل) الكبد: الجوف بكماله، ووسط الشيء ومعظمه، كذا في (القاموس) (١).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٨٤).","vol":"8","page":753},{"text":"لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضَهُ\" قَالَ: \"فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ، لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا، فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَحْيُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ دَارٌّ رِزْقُهُمْ حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَلَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا\"\nــ\nوقوله: (في خفة الطير وأحلام السباع) أي: يكونون في سرعتهم إلى الشرور وقضاء الشهوات والفساد كالطير، وفي ظلم بعضهم على بعض والسفك والقتل في أخلاق السباع، كذا في (مجمع البحار) (١)، ولعل الأحلام هنا جمع حلم بالكسر بمعنى العقل والأناة، والمراد به التثبت والتمكن من القتل والإهلاك.\nوقوله: (ألا تستجيبون) يردعهم عن الفسق والفساد تلبيسًا عليهم ودعوة على عبادة الأوثان وإلى ما هو أشد وأشنع من الفسق وهو الشرك.\nوقوله: (دار رزقهم) من الدرور وهو الصب والسيلان. (إلا أصغى ليتًا ورفع ليتًا)، الليت بالكسر: صفحة العنق، والإصغاء: الإمالة، أي: يصعق السامع خوفًا ودهشة، فيسقط رأسه قواه فيميل ليتًا ويرفع ليتًا، والإسناد مجازي إن كان للنفخ، وإن كان لأحد فحقيقي، وقيل: إن هذا عبارة عن تطلب المستمع حقيقة ما ورد على سمعه من الصوت، وتعقب بأن هذا إنما يوجد في استماع الأصوات التي يبقى من الإنسان عند استماعها حس أو شعور، والأمر في استماع النفخة أعظم وأهون من ذلك، وإنما المراد أن السامع يدهش ويسقط عقله أو يموت وينشق قلبه، فيظهر أثر\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٧٤). وانظر: \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٩/ ٣٠٤).","vol":"8","page":754},{"text":"قَالَ: \"وَأَوَّلُ مَنْ يَسْمَعُهُ رَجُلٌ يَلُوطُ حَوْضَ إِبِلِهِ فَيَصْعَقُ وَيَصْعَقُ النَّاسُ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلُّ، فَيَنْبُتُ مِنْهُ أَجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ، ثُمَّ يُقَالُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ هَلُمَّ إِلى رَبِّكُمْ قِفُوهُمْ إِنَّهم مَسْؤُولُونَ فَيُقَالُ: أَخْرِجُوا بَعْثَ النَّارِ. فَيُقَالُ: مِنْ كَمْ كَمْ؟\nــ\nذلك في سقوط رأسه إلى أحد شقه.\nوقوله: (يلوط حوض إبله) أي: يطينه ويصلحه ليسقيه فيه، في (القاموس) (١): لاط الحوض: طينه.\nوقوله: (هلم) أي: تعالوا وارجعوا، خطاب للناس يستوي فيه الواحد والجمع، والخطاب في (قفوهم) للملائكة وضمير المفعول للناس، أي: احبسوهم، وفي بعض النسخ: (وقفوهم) بواو العطف، فقال الطيبي (٢): عطف على (يقال) على سبيل التقدير، أي: يقال للناس: هلم، ويقال للملائكة: قفوهم، انتهى، ويمكن أن يكون حكاية لنظم القرآن كما هو، وهو قوله: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٣ - ٢٤]، وهو هناك عطف على قوله: ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ وهو أيضًا خطاب للملائكة.\nوقوله: (أخرجوا بعث النار) أي: من يبعث إليها، وفي (القاموس) (٣): البعث وبحرك: الجيش والجمع بعوث.\nوقوله: (من كم كم؟) أي: كم نفسًا من الموقوفين؟ كم نفسًا من المبعوثين\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦١٧).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٣٤٨٦).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٥٢).","vol":"8","page":755},{"text":"فَيُقَالُ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ\" قَالَ: \"فَذَلِكَ يَوْمٌ يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا، وَذَلِكَ يَوْمٌ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٤٠].\nــ\nيخرج؟، (فيقال: من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين)، وقد فسر به قوله تعالى حكاية عن الشيطان: ﴿لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ١١٨]، وهم الذين استوجبوا النار بذنوبهم يتركون فيها بقدر ذنوبهم، ويجوز أن يصرفوا عن طريق جهنم، أو يخرجوا منها بالشفاعة.\nوقوله: (فذلك يوم يجعل الولدان شيبًا) كناية عن طول ذلك اليوم وشدة المحنة فيه.\nوقوله: (ذلك يوم يكشف عن ساق) أي: يوم يشتد الأمر ويصعب الخطب، وكشف الساق مثل في ذلك، يقال: كشفت الحرب عن ساقها على المجاز، (أو يوم يكشف) عن أصل الأمر وحقيقته بحيث يصير عيانًا مستعار عن ساق الشجر وساق الإنسان، وفي (مجمع البحار) (١): هو لغة: الأمر الشديد، وكشف الساق مثل في الشدة ولا ساق هناك ولا كشف، كما يقال للأقطع الشحيح: يده مغلولة، وأصله أن من وقع في أمر شديد يقال: شمر ساعده وكشف عن ساقه للاهتمام به، وقال الطيبي (٢): هو مما يجب التوقف فيه عند السلف، أو يأوَّل بالكشف عن أمر فظيع، وهو إقبال الآخرة وذهاب الدنيا، وفي (القاموس) (٣): ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢] أي: عن شدة، ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩]: آخر شدة الدنيا بأول شدة الآخرة، يذكرون\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ١٤٩).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٤٧).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٠٦).","vol":"8","page":756},{"text":"وَذُكِرَ حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ: \"لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ\" فِي \"بَاب التَّوْبَة\".\nــ\nالساق إذا أرادوا شدة الأمر والإخبار عن هوله، انتهى، ويروى: (يكشف عن ساقه فيسجد له كل مؤمن) أي: يكشف عن شدة يرتفع بها سواتر الامتحان فيتميز عنده أهل اليقين بالسجود من أهل الريب، وقيل: المراد النور العظيم، وقيل: جماعة الملائكة، والمراد يوم القيامة أو وقت النزع، وتمامه في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ الآية [القلم: ٤٢].\nوقوله: (وذكر حديث معاوية: لا تنقطع الهجرة) وفيه ذكر طلوع الشمس من مغربها، وهذا الباب خال عن الفصل الثاني، ولم يذكره المؤلف نسيانًا، ولم يورد الفصل الثالث أيضًا.\nتم بحمد اللَّه وتوفيقه المجلد الثامن ويتلوه إن شاء اللَّه تعالى المجلد التاسع وأوله: (كتاب أحوال يوم القيامة).\nوصلَّى اللَّه تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.\n* * *","vol":"8","page":757},{"text":"لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح\nللخطيب التبريزي (ت: ٧٤١ هـ)\nتأليف العلامة المحدث عبد الحق الدهلوي\nعبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدهلوي الحنفي\nالمولود بدهلي في الهند سنة (٩٥٨ هـ) والمتوفى بها سنة (١٠٥٢ هـ) رحمه اللَّه تعالى\nتحقيق وتعليق الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي\nطبع على نفقة سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان\nممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة\nالمجلد التاسع\nدار النوادر","vol":"9","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"9","page":2},{"text":"لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح\n(٩)","vol":"9","page":3},{"text":"دار النوادر\nالمؤسس والمالك نور الدين طالب\nمؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي والإسلامي والدراسات الأكاديمية والجامعية المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية تأسست في دمشق سنة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م، وأُشهرت سنة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م.\nسوريا - دمشق - الحلبوني:\nص. ب: ٣٤٣٠٦\nجميع الحقوق محفوظة للمحقق\nيمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بكافة طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي أو المسموع أو استخدامه حاسوبيًا بكافة أنواع الاستخدام وغير ذلك من الحقوق الفكرية والمادية إلا بإذن خطي من المؤسسة.\nالطبعة الأولى\n١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م\nE-mail: info@daralnawader.com\nWebsite: www.daralnawader.com\nشركات شقيقة\nدار النوادر اللبنانية - لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)\nدار النوادر الكويتية - الكويت - ص. ب: ١٠٠٨ - هاتف: ٢٢٤٥٣٢٣٢ - فاكس: ٢٢٤٥٣٣٢٣ (٠٠٩٦٥)\nدار النوادر التونسية - تونس - ص. ب: ١٠٦ (أريانة) - هاتف: ٧٠٧٢٥٥٤٦ - فاكس: ٧٠٧٢٥٥٤٧ (٠٠٢١٦)\nمركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية\nمظفرفور - أعظم جراه - يوبي - الهند\nالهاتف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤ - ٠٠٩١\nالفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦ - ٠٠٩١\nمتحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥ - ٠٠٩١\nالبريد الإلكتروني: drnadwi@gmail.com","vol":"9","page":4},{"text":"(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق","vol":"9","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1216>(٢٨) كتاب أحوال القيامة وبدء الخلق</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1217>١ - باب النفخ في الصور</span>\nــ\n١ - باب النفخ في الصور\nفي (القاموس) (١): نفخ بفمه: أخرج منه الريح، والصور بالضم: القرن ينفخ فيه، والمراد القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، وهما نفختان، الأولى: يصعق به من في السماوات والأرض إلا من شاء، والثاني: يخرج به الموتى من القبور ويبعثون، وقد قيل بثلاث نفخات، الأولى: نفخة الفزع المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٧]، والثانية: نفخة الصعق لقوله ﷿: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨]، والثالثة: نفخة البعث كقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]، وقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨].\nوالمشهور هنا نفختان، وكأنه جعلت نفخة الفزع والصعق واحدة، والصعق من تتمة الفزع، أو الفزع توطئة للصعق، وقول الطيبي (٢) في تفسير الصور: هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عند بعث الموتى إلى المحشر، لا يعقل فيه التخصيص بالبعث.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (٢٥٢ - ٣٩٨).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٤٨).","vol":"9","page":7},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1218> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٥٢١ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ\" قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ. قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ. قَالُوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ. \"ثُمَّ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ\" قَالَ: \"وَلَيْسَ مِنَ الإِنْسَانِ شَيْءٌ لَا يَبْلَى إِلَّا. . . . .\nــ\nوفي (الصراح) (١): صور بالضم: شاخ وآنجه إسرافيل دروى دمد بجهت ميرانيدن وزنده كردن خلق، وقد يفسر الصور في الآيات الكريمة بجمع الصور، يريد صور الموتى تنفخ فيها الأرواح، وقد قرأ الحسن: (يوم ينفخ في الصُّوَر) بالتحريك، والصحيح هو الأول، فإن الأحاديث متظاهرة فيه، وقول البيضاوي: وقيل: إنه تمثيل لانبعاث الموتى بانبعاث الجيش إذا نفخ في البوق. أبعد وأبعد، ولعل القائل بذلك المتفلسفة من أهل الإِسلام، والمراد بمن استثني بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل، وقيل: الحور والخزنة وحملة العرش، وقيل: الشهداء، وقيل: موسى ﵇؛ لأنه صعق مرة، ولعل المراد ما يعم ذلك، كذا في (تفسير البيضاوي) (٢).\nالفصل الأول\n٥٥٢١ - [١] (أبو هريرة) قوله: (أبيت) أي: عن أن أجزم بأنه أربعون يومًا، أو امتنعت عن الجواب فإني لا أعلم.\nوقوله (وليس من الإنسان شيء لا يبلى) بلفظ المعلوم من سمع يسمع، (إلا\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ١٩١).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ١٦٨).","vol":"9","page":8},{"text":"عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجْبُ الذَّنَبِ، وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: \"كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إِلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ، مِنْهُ خُلِقَ، وَفِيهِ يُرَكَّبُ\". [خ: ٤٨١٤، م: ٢٩٥٥].\nــ\nعظمًا) نصبه إما على تأويل الكلام السابق بالموجب، أي: يبلى كل شيء إلا عظمًا، وقد جاء في بعض الروايات: (كل ابن آدم يبلى إلا عجيب الذنب)، وكما تؤيده الرواية الأخرى، أو يجعل (لا يبلى) صفة (شيء) و(إلا عظمًا) خبره، والاستثناء مفرغ، أي: ليس شيء هو لا يبلى شيئًا إلا عظمًا واحدًا، وهو عجب الذنب بفتح العين وسكون الجيم وفتح الذال والنون، وهو العظم في أسفل الصلب عند العجزتين الأليتين، وهو مكان الذنب من الحيوانات، قالوا: وأمر العجب عجيب فإنه أول ما يخلق وآخر ما يبلى، ويقال بالميم مكان الباء، في (القاموس) (١): العجم: أصل الذنب، وحكى بعضهم بتثليث العين مع الباء، ففيه ست لغات.\nثم قال الطيبي (٢) نقلًا عن المظهر: المراد طول بقائه؛ لأنه لا يبلى أصلًا؛ لأنه خلاف المحسوس، انتهى، يفهم أنه أنّا قد نحسّ بلاه بعد طول الزمان، ويتجه عليه أنه لابد من بقائه إلى يوم البعث ليركب منه الخلق يوم القيامة، والبلى بعده غير معقول، وإذا أبلي قبله فكيف يركب منه، ولو أريد بالبلاء كونه مفتوتًا لا ترابًا فلا يظهر معنى: (كل شيء يبلى إلا عجب الذنب)، نعم ما ورد من: أنه (أول ما يخلق وآخر ما يبلى) يدل على بلاه آخرًا، ولكنه لا يخلو عن شيء، ويختلج في صدري أن المراد بكونه (آخر ما يبلى) كونه مما لا يبلى، وكناية عنه، واللَّه أعلم فتدبر، ثم اعلم أنه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (١٠٤٧).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٤٩).","vol":"9","page":9},{"text":"٥٥٢٢ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَقْبِضُ اللَّهُ الأَرْضَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الأَرْضِ؟ \". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨١٢، م: ٢٧٨٧].\n٥٥٢٣ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَطْوِي اللَّهُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟ ثُمَّ يَطْوِي الأَرَضِينَ بِشِمَالِهِ -وَفِي رِوَايَة: يَأْخُذُهُنَّ بِيَدِهِ الأُخْرَى- ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أينَ الجبَّارونَ؟ أينَ المُتَكَبِّرُونَ؟ \". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٨٨].\nــ\nينبغي أنه قد يخص من هذا العموم الأنبياء صلوات اللَّه عليهم أجمعين فإنهم أحياء بأجسادهم.\n٥٥٢٢ - [٢] (وعنه) قوله: (يقبض اللَّه الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه) قال البيضاوي (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]: هذا تنبيه على عظمته تعالى وحقارة الأفعال العظيمة التي تتحير فيها الأوهام بالإِضافة إلى قدرته ودلالته على أن تخريب العالم أهون شيء عليه على طريقة التمثيل والتخييل من غير اعتبار القبضة واليمين لا حقيقة ولا مجازًا كقولهم: شابت لمته.\n٥٥٢٣ - [٣] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (يطوي اللَّه السماوات. . . إلخ)، هذا أيضًا كما قال البيضاوي: تمثيل وتخييل لعظمته، وكذلك قول الحق ﷾:\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٤٨).","vol":"9","page":10},{"text":"٥٥٢٤ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أُصْبُعٍ، وَالأَرَضِينَ عَلَى أُصْبُعٍ، وَالْجِبَالَ وَالشَّجَرَ عَلَى أُصْبُعٍ، وَالْمَاءَ وَالثَّرَى عَلَى أُصْبُعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى أُصْبُعٍ، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ فَيَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَنَا اللَّهُ. فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- تَعَجُّبًا مِمَّا قَالَ الْحَبْرُ تَصْدِيقًا لَهُ. ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨١١، م: ٢٧٨٦].\nــ\n(أنا الملك. . . إلخ)، ويحتمل الحقيقة أيضًا.\n٥٥٢٤ - [٤] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (حبر من اليهود) الحبر بالفتح والكسر: العالم، والجمع أحبار، وشاع ذكره في علماء أهل الكتاب، وقال في (القاموس) (١): الحبر بالكسر: العالم أو الصالح، ويفتح، والجمع أحبار وحبور. و(الثرى) في (القاموس) (٢): الثرى: الندى، والتراب النديّ، أو الذي إذا بُلَّ لم يصر طينًا لازبًا، كالثَّرْياءِ ممدودة.\nوقوله: (﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾) أي: ما قدروا عظمته في أنفسهم حق تعظيمه حيث جعلوا له شريكًا ووصفوه بما لا يليق، وقيل: ما عظموا اللَّه حق عظمته، وقيل: ما عبدوه حق عبادته، وقيل: ما عرفوه حق معرفته.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٤٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٦٥).","vol":"9","page":11},{"text":"٥٥٢٥ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] فَأَيْنَ يَكُونُ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: . . . . .\nــ\n٥٥٢٥ - [٥] (عائشة) قوله: (﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾) التبديل قد يكون في الذات كقولك: بدلت الدراهم بالدنانير، وفي الصفة كقولك: بدلت الحلقة خاتمًا: إذا أذبتها وغيرت شكلها، والآية تحتملهما، والآثار غالبة في الثاني، قال ابن عباس: هي تلك الأرض وإنما تغير صفاتها وأنشد:\nوما الناس بالناس الذين عهدتم ... وما الدار بالدار التي كنت تعلم\nوروي عن أبي هريرة قال: ﴿تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] فتبسط وتمد مدّ الأديم، لا ترى فيه عوجًا ولا أمتًا، ويحتمل أن اللَّه تعالى يخلق أرضًا وسماوات أخر، وقد ذهب إليه بعض، كما روي عن علي -﵁-: تبدل أرضًا من فضة وسماوات من ذهب، وهو نص في تبديل الذات، وما روي عن ابن مسعود وأنس: (يحشر الناس على أرض بيضاء لم يخطئ عليها أحد خطيئة) (١) ظاهر فيه.\nوقال الطيبي (٢): الظاهر من الحديث وسؤال عائشة -﵂- وجواب النبي -ﷺ- تغير الذات، انتهى. وقد كتب في الحواشي (٣): التبديل: تنزيل الشيء عن حاله، والإبدال: جعل شيء مكان شيء آخر، والظاهر منه أن التبديل تغيير في الصفة والإبدال في الذات، ولكن الظاهر من كتب اللغة ومن استعمالاتهم أنهما بمعنى واحد، فتدبر.\n_________\n(١) انظر: \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٠٣).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٥٢).\n(٣) \"حاشية جمال الدين\" (ص: ٣٢٣).","vol":"9","page":12},{"text":"\"عَلَى الصِّرَاطِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٩١].\n٥٥٢٦ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ مُكَوَّرَانِ يَوْم الْقِيَامَة\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٢٠٠].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1219> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٥٢٧ - [٧] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الصُّورِ قَدِ الْتَقَمَهُ، وَأَصْغَى سَمْعَهُ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ، يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ بِالنَّفْخِ\". فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! . . . . .\nــ\nوقوله: (على الصراط) الظاهر أن المراد الصراط المعهود، واللَّه أعلم.\n٥٥٢٦ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (الشمس والقمر مكوران يوم القيامة) قال القاضي (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]: لُفَّتْ، من كورت العمامة: إذا لففتها بمعنى رفعت؛ لأن الثوب إذا أريد رفعه لف، يعني أن بين اللف والرفع لزومًا في الجملة، وفي بعض المواضع كما في الثوب، فاللف على هذا التقدير مجاز بمعنى الرفع، أو لف ضوؤها فذهب انبساطه من الآفاق وزال أثره، فاللف على هذا التقدير مجاز عن الإعدام، لأن الضوء لكونه من الأعراض لا يتصور فيه اللف، أو ألقيت عن فلكها، من طعنه فكوره: إذا ألقاه مجتمعًا، يعني لا تتفرق الأجزاء لما في التركيب من معنى الجمع.\nالفصل الثاني\n٥٥٢٧ - [٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (أصغى سمعه) أي: أمال أذنه ليستمع\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٢٨٩).","vol":"9","page":13},{"text":"وَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: \"قُولُوا: حَسْبُنَا اللَّهُ ونِعمَ الْوَكِيلُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٣١].\n٥٥٢٨ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"الصُّورُ قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٤٣٠، د: ٤٧٤٢، دي: ٢٨٤٠].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1220> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٥٢٩ - [٩] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨]: الصُّوْرُ،\nــ\nأمر اللَّه وإذنه بالنفخ.\nوقوله: (وما تأمرنا؟) أي: ما نفعل وبأي شيء نشتغل، وأين نفر إذا كان الأمر كذلك.\n(قال: قولوا: حسبنا اللَّه ونعم الوكيل) أي: التجئوا إلى اللَّه تعالى، وفوضوا أموركم إليه، وخافوا من عذابه، وارجوا فضله ومغفرته مع عملكم بما أمر من الطاعات والعبادات غير متكلين عليها ومعجبين بها.\n٥٥٢٨ - [٨] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (الصور قرن) أي: مثل قرن في الشكل.\nالفصل الثالث\n٥٥٢٩ - [٩] (ابن عباس) قوله: (﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾) أي: نفخ في الصور، والناقور فاعول من النقر بمعنى التصويت، وأصله القرع الذي هو سبب الصوت،","vol":"9","page":14},{"text":"قَالَ: ﴿الرَّاجِفَةُ﴾: النَّفْخَةُ الأُولَى، وَ﴿الرَّادِفَةُ﴾: الثَّانِيَةُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَرْجَمَةِ بَابٍ.\n٥٥٣٠ - [١٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَاحِبَ الصُّوْرِ وَقَالَ: \"عَنْ يَمِينِهِ جِبْرِيلُ وَعَنْ يَسَارِهِ مِيكَائِيلُ\".\n٥٥٣١ - [١١] وَعَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ يُعِيدُ اللَّهُ الْخَلْقَ؟ وَمَا آيَةُ ذَلِكَ فِي خَلْقِهِ؟ قَالَ: \"أَمَا مَرَرْتَ بِوَادِي قَوْمِكَ جَدْبًا. . . . .\nــ\nقاله البيضاوي (١).\nوقوله: (الراجفة: النفخة الأولى) لأنها ترجف، أي: تتحرك الأجرام الساكنة مثل الأرض والجبال عندها، فالراجفة إما صيغة النسبة أو مشتق من رجف المتعدي، قال في (القاموس) (٢): رجف: حرك وتحرك، وقال الطيبي (٣): وصفت بما يحدث بحدوثها، و(الرادفة): النفخة الثانية بما أنها تردف الأولى وتتبعها.\n٥٥٣٠ - [١٠] (أبو سعيد) قوله: (صاحب الصور) يعني: إسرافيل، وكون جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، إما في وقت النفخ أو في حضرة في المرتبة، واللَّه أعلم.\n٥٥٣١ - [١١] (أبو رزين العقيلي) قوله: (جدبًا) بفتح الجيم وسكون الدال بمعنى المحل والقحط، وبكسر الدال بمعنى ذي الجدب بقرينة مقابلة.\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٢٨٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٤٩).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٥٤).","vol":"9","page":15},{"text":"ثُمَّ مَرَرْتَ بِهِ يَهْتَزُّ خَضِرًا؟ \" قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: \"فَتِلْكَ آيَةُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٧٣] \". رَوَاهُمَا رَزِينٌ. [حم: ٢٦/ ١١٢].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1221>٢ - باب الحشر</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1222> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٥٣٢ - [١] عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ،\nــ\nقوله: (خضرًا) بفتح الخاء وكسر الضاد.\n٢ - باب الحشر\nوهو في اللغة: الجمع، وفي الشرع: جمع الموتى بعد البعث إلى المحشر بالكسر وقد يفتح وهو موضعه، وقد يطلق ويراد به البعث، والحشر يكون قبل يوم القيامة من أشراط الساعة، ويكون بعده وهو المراد هنا، وقد تحمل بعض الأحاديث الواردة فيه على الأول، وسيأتي بيانه.\nالفصل الأول\n٥٥٣٢ - [١] (سهل بن سعد) قوله: (على أرض بيضاء عفراء) في (القاموس) (١): الأعفر: الأبيض، ليس بالشديد البياض، وهي عفراء، عفر كفرح، والاسم العفرة بالضم، وأيضًا قال: العفراء: البيضاء، وأرض بيضاء لم توطأ، وفي\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤١٢).","vol":"9","page":16},{"text":"كَقُرْصَةِ النَّقِيِّ لَيْسَ فِيهَا عَلَمٌ لِأَحَدٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٢١، م: ٢٧٩٠].\n٥٥٣٣ - [٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَكُونُ الأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً، يَتَكَفَّؤُهَا الْجَبَّارُ بِيَدِهِ، كَمَا يَتَكَفَّأُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السَّفَرِ نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنَّةِ\". فَأَتَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ. فَقَالَ: بَارَكَ الرَّحْمَنُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ! أَلَا أُخْبِرُكَ بِنُزُلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: \"بَلَى\". قَالَ: تَكُونُ الأَرْضُ خُبْزَةً وَاحِدَةً. . . . .\nــ\nالحواشي (١): الأعفر: الأبيض الذي لا يخلص بياضه ولا يشتد بل يضرب إلى الحمرة.\nو(النقي) بفتح النون: الدقيق المنخول، والتشبيه في اللون والاستدارة.\nوقوله: (ليس فيها علم لأحد) من بناء وغيره، بل تكون مستوية وقاعًا صفصفًا لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، أو من ملك وتصرف، بل تكون خالية من تصرف الناس، لا يكون الملك إلا للَّه.\n٥٥٣٣ - [٢] (أبو سعيد الخدري) قوله: (تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يتكفؤها) أي: يقلبها من يد إلى يد ليسويها كما يفعل بالعجينة، إذا أريد خبزها مرققًا مستويًا، وفي رواية مسلم: (يكفأ) بسكون الكاف، كفأه كمنعه: صرفه وقلبه، وأكفأ: أمال وقلب.\nوقوله: (في السفر) بفتحتين: ضد الحضر، أي: يستعجل في خبزها، فيكفأها ويلقيها على الرماد الحار، وصحح بضم السين فيكون جمع سفرة بمعنى ما يوضع عليه الطعام، أي: يخبزها ويضعها على السفرة. و(النزل) بضم النون والزاي وسكونها:\n_________\n(١) \"حاشية جمال الدين\" (ص: ٣٢٣).","vol":"9","page":17},{"text":"كَمَا قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَنَظَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَيْنَا ثُمَّ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِإِدَامِهِمْ؟ . . . . . .\nــ\nما يعجل للضيف قبل الطعام.\nوالحديث قد حمله بعضهم على ظاهره، وهو أن جرم الأرض يجعلها اللَّه تعالى يومئذ خبزة مأكولة نزلًا لأهل الجنة، واللَّه تعالى قادر على كل شيء، ولا يستبعد ذلك من قدرته سبحانه، واستشكله بعضهم لا لاستبعاد قدرة اللَّه تعالى وعجائب صنعه سبحانه، بل لعدم ورود دليل على ذلك، بل لورود خلافه، حيث ورد: أن هذه الأرض برها وبحرها يمتلئ نارًا وينضم إلى جهنم، فالمعنى على تشبيه الأرض في الاستدارة والبياض بالخبزة التي يخلقها الجبار تعالى نزلًا لأهل الجنة، ويتضمن ذلك بيان عظم ما هيئ لأهل الجنة من الأخباز تكون الأرض بمنزلة واحدة منها، أو أراد أن الأرض وما فيها بالنسبة إلى ما هيئ لهم من نعيم الجنة كخبزة يستعجل بها الضيف والمسافر، فيكون حرف التشبيه محذوفًا.\nوقوله: (ثم ضحك) لما وجد من موافقة ما يوحى إليه لما رواه اليهودي من التوراة فسر لحصول مزيد إيقان الصحابة وقوة إيمانهم كما مر في خبر الدجال الذي رواه تميم الداري.\nوقوله: (حتى بدت نواجذه) النواجذ: أقصى الأضراس وهي أربعة، ويسمى ضرس الحلم؛ لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل، وقال في (القاموس) (١): أو هي الأنياب، أو التي تلي الأنياب، أو هي الأضراس كلها، انتهى. ولا شبهة في أن إرادة هذه المعاني في الحديث أولى وأنسب لما أن في ظهور أقصى الأضراس في الضحك\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣١٩).","vol":"9","page":18},{"text":"بَالَامٌ وَالنُّونُ. قَالُوا: وَمَا هَذَا؟ قَالَ: ثَوْرٌ وَنُونٌ، يَأْكُلُ مِنْ زَائِدَةِ كَبِدِهِمَا سَبْعُونَ أَلْفًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٢٠، م: ٢٧٩٢].\n٥٥٣٤ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى ثَلَاثِ طَرَائِقَ: رَاغِبِينَ رَاهِبِينَ،\nــ\nبعدًا لا يخفى، ولا يبعد أن يقال: هذه العبارة كناية عن المبالغة في الضحك من غير ملاحظة معاني مفرداتها وإرادتها، كما قالوا في أمثالها، واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله: (بالام والنون) أرادوا بالنون الحوت، ووقع معرفًا باللام، وأما بالام فمنكر بالباء الموحدة واللام، وقالوا في تفسيره: إنه لفظة عبرانية معناه الثور، وإلا لعرفه الصحابة من غير استفسار من اليهودي، وفي (مجمع البحار) من (النهاية): قال الخطابي (١) لعل اليهودي أراد التعمية [فقطع الهجاء]، فقدم أحد الحرفين [على الآخر] وهي لام ألفٍ وياءٌ، يريد لأي بوزن لَعْي، وهو الثور الوحشي، فصحف الراوي الياء بالباء، انتهى فافهم.\nوقوله: (يأكل من زائدة كبدهما) قال الكرماني (٢): زيادة الكبد: هي القطعة المتفردة المتعلقة بالكبد وهي أهنؤها وأطيبها، والمراد بـ (سبعون ألفًا) هم الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وقيل: المراد به الكثرة.\n٥٥٣٤ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين، راهبين) الحديث، سيجيء في (الفصل الثاني) من حديث أبي هريرة: (يحشر الناس ثلاثة أصناف: صنفًا مشاةً، وصنفًا ركبانًا، وصنفًا على وجوههم) والأصناف الثلاثة\n_________\n(١) انظر: \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ١٣٤)، و\"النهاية\" (١/ ٩١).\n(٢) \"شرح الكرماني\" (٢٣/ ٣٣).","vol":"9","page":19},{"text":"وَاثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشَرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النَّارُ، تَقِيلُ مَعَهُمْ حَيْثُ قَالُوا، وَتَبِيتُ مَعَهُمْ حَيْثُ بَاتُوْا، وَتُصْبِحُ مَعَهُمْ حَيْثُ أَصْبَحُوا، وَتُمْسِي مَعَهُمْ حَيْثُ أَمْسَوْا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٢٢، م: ٢٨٦١].\nــ\nمضمون ذكرهم في هذا الحديث أيضًا، فالراغبون في الجنة وفضل ربهم، الراهبون من النار وعدله تعالى، المطيعون الذين يدعون ربهم خوفًا وطمعًا هم الراكبون على تفاوت درجاتهم، منهم اثنان على بعير، ومنهم أربعة إلى عشرة على بعير، إما اجتماعًا أو مناوبة، فمن كان أعلى مرتبة كان أقلّ شركةً وأشدّ سرعةً وأكثر سبَّاقًا، ولم يذكر ما بين الأربعة والعشرة قياسًا على ما ذكر، وإنما لم يذكر الواحد؛ لأنه درجة أسبق السابقين هم الأنبياء والمرسلون، والمراد بيان أحوال الأمم.\nوالصنفان الآخران وهم المشاة على أرجلهم، والمشاة على وجوههم مذكوران في بقيتهم الذين تحشرهم النار وتلازمهم وهم العصاة والكفار، ولو جعل الراغبون المطيعون هم الركبان، والراهبون العاصون هم المشاة، وبقيتهم الكافرون هم الماشين على وجوههم لكان له وجه، بل هذا أوجه لما دلّ الحديث الآتي عن أنس: أن المشي على الوجه مخصوص بالكافر، ولكنه لا يساعده ظاهر لفظ الحديث، فنقول: إن الراكبين هم المطيعون، والماشين بأرجلهم أضمر ذكرهم، والمشاؤون على وجوههم البقية المذكورون بقوله: (بقيتهم تحشرهم النار) فليتأمل، هذا توجيه الحديث على وجه يكفي، وأما الكلام في أن المراد بالحشر الحشر إلى المحشر وهو أرض الشام أو يوم القيامة بعد البعث من القبور فطويل، نقله الطيبي (١) من التُّورِبِشْتِي، ولعل\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٥٩)، و\"كتاب الميسر\" (٤/ ١١٨٩).","vol":"9","page":20},{"text":"٥٥٣٥ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا\" ثُمَّ قَرَأَ: \" ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ،\nــ\nالصواب هو الثاني فطالعه ثمة.\n٥٥٣٥ - [٤] (ابن عباس) قوله: (إنكم محشورون حفاة) الظاهر العموم، وقد علم الركوب أيضًا، فلعل أحدهما بعد البعث من القبر، والآخر بعد السوق إلى المحشر.\nوقوله: (غرلا) جمع أغرل وهو الأقلف، أي: الذي لم يختن، أي: يحشرون كما خُلِقوا، لا يفقد منهم شيء، ولا يدرى أن بعد ذلك تغير خلقهم على هيئة الختان أو يبقون كذلك، والأمر محتمل، واللَّه أعلم.\nوما ذكر الإمام فخر الدين الرازي لشرعية الختان نكتة معقولة، وهي أن الحشفة لما كانت مستورةً بالقلفة كانت لينة وقويت لذته عند المباشرة، وإذا قطع جلد القلفة اشتد وصلب وضعفت اللذة، وبالجملة الإحساس واللمس بالسطح المستور أتم وأكمل من السطح المكشوف كما يظهر من حال الشفتين واللسان، واللائق بهذه الشريعة المعتدلة والمتوسطة بين جانبي الإفراط والتفريط التقليل.\nوقوله: (وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم) قيل: لأنهّ أول من عري وجرد في سبيل اللَّه من النبيين حين ألقي في النار، لا لأنه أفضل من نبينا، أو لكونه أباه، فتقدمه لعزة أبوته له -ﷺ-، على أنه قيل: إن نبينا -ﷺ- يخرج باللباس من قبره في ثيابه التي دفن فيها، كذا في الحواشي (١).\n_________\n(١) \"حاشية جمال الدين\" (ص: ٣٢٢).","vol":"9","page":21},{"text":"وَإِنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِي يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ فَأَقُولُ: أُصَيْحَابِي أُصَيْحَابِي، فَيَقُولُ: إِنَّهُمْ لَنْ يَزَالُوْا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مذْ فَارَقْتَهُمْ. فَأَقُوْلُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إِلى قَوْلِهِ: . . . . .\nــ\nوقوله: (أصيحابي أصيحابي) مكررًا على صيغة التصغير لقلتهم، وقد يروى مكبرًا، والأصحاب صيغة جمع قلة، والأول أوفق بقوله: (إن ناسًا من أصحابي).\nقال الكرماني (١): لم يرد به خواص أصحابه ولا بالردة الرجوع عن الدين، وإنما هو التأخر عن بعض الحقوق، ولم يرتد بحمد اللَّه أحد من أصحابه، وإنما ارتد قوم من جفاة العرب من المؤلفة، انتهى.\nوقال الخطابي (٢): لم يرتد أحد من الصحابة، وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب ممن لا بصيرة له في الدين، وذلك لا يقدح في الصحابة المشهورين، وليس المراد الارتداد عن الإِسلام، بل الخروج عن حد الاستقامة، وإساءة السريرة، والرجوع عما كانوا عليه من محض الإخلاص وصدق النية، والإعراض عن الدنيا، فإنه -ﷺ- كان يخشى عليهم من فتنة الدنيا، وقيل: يجوز استعمال الأصحاب في كل من تبعه أو أدرك حضرته، أو وفد عليه ولو مرة.\nوبالجملة حمل بعضهم الردة على الحقيقة، والصحابة على المجاز من جفاة العرب من أصحاب مسيلمة والأسود، وبعضهم الردة على التقصير في بعض الحقوق، والصحابة على غير الخواص من الصحابة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (كما قال العبد الصالح) وهو عيسى بن مريم.\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (٢٣/ ٣٦).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (١١/ ٣٨٥).","vol":"9","page":22},{"text":"﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٤٩، م: ٢٧٦٠].\n٥٥٣٦ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا\". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ جَمِيعًا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟ فَقَالَ: \"يَا عَائِشَةُ! الأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يَنْظُرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٢٧، م: ٢٨٥٩].\n٥٥٣٧ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: \"أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُّنْيَا قَادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ \". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٥٠، م: ٢٨٠٦].\n٥٥٣٨ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. . . . .\nــ\n٥٥٣٦ - [٥] (عائشة) قوله: (ينظر بعضهم إلى بعض) أي: الرجال إلى الرجال والنساء وكذلك النساء، فافهم.\n٥٥٣٧ - [٦] (أنس) قوله: (قادر) بالرفع على أن في (ليس) ضمير الشأن.\n٥٥٣٨ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (أباه آزر) ظاهر العبارة أنه عطف بيان لـ (أباه)، والتحقيق أن آزر عم إبراهيم سمي أبًا مجازًا متعارفًا، واسم أبيه تارخ، قاله بعض المحققين من العلماء الذين نفوا الكفر عن آباء نبينا -ﷺ- إلى آدم ﵇، فعلى هذا ذكر آزر لبيان أن ليس المراد من الأب والده، ولعله كان اختلاط إبراهيم وألفته مع عمه هذا أكثر وأغلب من والده، وكان هو رئيس المشركين، ووقع مناظرته معه، فافهم.","vol":"9","page":23},{"text":"وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ: أَلَمْ أَقُلْ لَكَ: لَا تَعْصِنِي؟ فَيَقُولُ لَهُ أَبُوهُ: فَالْيَوْمَ لَا أَعْصِيكَ. فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: يَا ربِّ إِنَّك وَعَدْتَنِي أَلَّا تُخْزِيَنِيْ يَوْمَ يُبْعَثُونَ فَأَيُّ خِزْيٍ أَخْزَى مِنْ أَبِي الأَبْعَدِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ، ثُمَّ يُقَالُ لإِبْرَاهِيمَ: مَا تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَيَنْظُرُ فَإِذَا هُوَ بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ فَيُؤْخَذُ بِقَوَائِمِهِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ\". . . . .\nــ\nوقوله: (وعلى وجه آزر) أتى بالمظهر موضع المضمر لئلا يتوهم أن الضمير لإبراهيم ﵇ وأن على وجهه قترة وغبرة لأجل الهم والحزن من جهة والده، وإن كان عند من يعلم أن ذلك للكفرة الفجرة دليل على خلافه، و(قترة) و(غبرة) كلاهما بفتحات، في (القاموس) (١): القتر والقترة: الغبار، وقيل: القترة: الغبرة التي معها سواد، وقيل في قوله تعالى: ﴿غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠ - ٤١]، أي: غبار يعلوها سواد كالدخان ولا أوحش من اجتماعهما، وقال البيضاوي (٢): غبار وكدورة يَغشاها سواد وظلمة، وهذا مبني على ما قيل: إن الغبرة: الغبار من التراب، والقترة: السواد الكائن عن الكآبة.\nوقوله: (من أبي الأبعد) أي: من خزي أبي، (الأبعد) من البعد بمعنى الهلاك، و(الأبعد): الخائن أيضًا، كذا في (مجمع البحار) (٣)، والمراد: الأبعد من رحمة اللَّه.\nوقوله: (فإذا هو بذيخ) الذيخ بكسر الذال وسكون الياء التحتانية آخرها خاء\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٢٧).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٢٨٨).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ١٩٨).","vol":"9","page":24},{"text":"رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٣٥٠].\n٥٥٣٩ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٣٢، م: ٢٨٦٣].\n٥٥٤٠ - [٩] وَعَنِ الْمِقْدَادِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"تُدْنَى الشَّمْسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْخَلْقِ حَتَّى تَكُونَ مِنْهُمْ كَمِقْدَارِ مِيلٍ. . . . .\nــ\nمعجمة: ذكر الضباع الكثير الشعر، والأنثى بالهاء، والجمع ذيوخ وأذباخ. وفي نسخة بموحدة ساكنة وحاء مهملة بمعنى ما يذبح، والحكمة فيه أنه لما رآه مسخًا يخرج من قلبه محبته، ولئلا يحزنه أن لو راه قد ألقي في النار على صورته، فإن قلت: قد كان تبرّأ إبراهيم من أبيه في الدنيا فما باله سأل له ربَّه في الآخرة؟ قيل: لما رآه يوم القيامة أدركته الرأفة فسأل، فلما رآه مسخ أيس منه وتبرأ تبرأً أبديًّا، وقيل: إن إبراهيم ﵇ لم يتيقن بموته على الكفر لجواز أن يكون آمن في نفسه ولم يطلع إبراهيم عليه، وكان تبرئته في الظاهر، فإذا سأل يوم القيامة ولم يقبل تيقن بذلك، ومعنى (متلطخ) بالطين أو برجيعه، كذا في (مشارق الأنوار) (١).\n٥٥٣٩ - [٨١] (وعنه) قوله: (يعرق) بفتح الراء من سمع يسمع.\nوقوله: (ويلجمهم) أي: يصل العرق إلى أفواههم ليصير لهم كاللجام يمنعهم عن الكلام.\n٥٥٤٠ - [٩] (المفداد) قوله: (كمقدار ميل) الظاهر أن المراد ميل الفرسخ، وكفى\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٧٢).","vol":"9","page":25},{"text":"فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ فِي الْعَرَقِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ إِلَى حَقْوَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُلْجِمُهُمُ الْعَرَقُ إِلْجَامًا\"، وَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِهِ إِلَى فِيهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٦٤].\n٥٥٤١ - [١٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَن النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: يَا آدَمُ! فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ. قَالَ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ. قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ ألفٍ تِسْعَ مِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، فَعِنْدَهُ يَشِيبُ الصَّغِيرُ،\nــ\nذلك في تعذيبهم وإيذائهم، وأما احتمال إرادة ميل المكحلة فبعيد، وقد قيل به.\nوقوله: (إلى حقويه) الحقو بفتح الحاء المهملة وسكون القاف: موضع شد الإزار.\n٥٥٤١ - [١٠] (أبو سعيد الخدري) قوله: (وما بعث النار؟) أي: ما مقدار بعث النار، والبعث: الجيش الذي يبعث.\nوقوله: (من كل ألف تسع مئة وتسعة وتسعين) هكذا في نسخ (المشكاة) و(المصابيح)، وتقديره: أخرج من كل ألف هذا العدد، وفي (الدر المنثور) (١) للسيوطي لفظ الحديث: (تسع مئة وتسعة وتسعون) بالرفع، وهو ظاهر في جواب (وما بعث النار) أي: بعث النار هذا، ثم هذا يخالف ما جاء في حديث أبي هريرة: (من كل مئة تسعة وتسعون)، وأجاب الكرماني (٢): بأن مفهوم العدد لا اعتبار له، والمقصود من\n_________\n(١) \"الدر المنثور\" (٦/ ٤).\n(٢) \"شرح الكرماني\" (٢٣/ ٣٨).","vol":"9","page":26},{"text":"﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢]، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَأَيُّنَا ذَلِكَ الْوَاحِدُ؟ قَالَ: \"أَبْشِرُوا فَإِنَّ مِنْكُمْ رَجُلًا وَمِنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَلْفٌ\"،\nــ\nالعددين تقليل عدد المؤمنين وتكثير عدد الكافرين، ويمكن حمل حديث أبي سعيد على جميع ذرية آدم، ويحمل حديث أبي هريرة على من عدا يأجوج ومأجوج.\nويستأنس لهذا التأويل بأن يأجوج ومأجوج ذكروا في حديث أبي سعيد دون حديث أبي هريرة، ويحتمل أن يكون الأول يتعلق بالخلق أجمعين، والثاني مخصوص بهذه الأمة المرحومة، وأن يكون المراد بـ (بعث النار): الكفار ومن يدخل النار من العصاة، فيكون من كل ألف تسع مئة وتسعين كافرًا، ومن مئة تسعة وتسعين عاصيًا، كذا قال الشيخ ابن حجر (١).\nوقوله: (﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾) قال المفسرون: إنه في معنى الشرط أي: إن وجدت ذات حمل، وأول بعضهم بأن ذلك قبل قيام الساعة، أي: عند أشراطها، لكن صدر الحديث لا يلائمه، نعم وقد وقع في التنزيل وضع الأحمال في زلزلة الساعة وذلك في أشراطها، وقيل: يحتمل أن يبعث من يكون حاملًا، انتهى.\nأقول: وهكذا ينبغي أن يؤول في الصغار بأنهم يبعثون صغارًا فيشيبون، ثم يجعلون في الجنة شبابًا، والظاهر أن هذا كناية عن شدة المحنة والهم والحزن من غير نظر إلى خصوص معاني المفردات، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وأينا ذلك الواحد؟) لما سمعوا أن أهل الجنة واحد من ألف استعظموا ذلك واستشعروا الخوف منه، بأنه لما كان الأمر كذلك كان أهل الجنة أقل قليل، فمن\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١١/ ٣٩٠).","vol":"9","page":27},{"text":"ثُمَّ قَالَ: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا رُبُعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ\" فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ: \"أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا ثُلُثَ أَهْلِ الْجَنَّةِ\" فَكَبَّرْنَا، فَقَالَ (١): \"أَرْجُو أَنْ تَكُونُوا نِصْفَ أَهْلِ الْجَنَّةِ\" فَكَبَّرْنَا، قَالَ: \"مَا أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعْرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوْ كَشَعْرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٤٨، م: ٢٢٢].\n٥٥٤٢ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"يَكْشِفُ ربُنَا عَنْ سَاقِهِ فَيَسْجُدُ (٢) لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيَا رِيَاءً وَسُمْعَةً،\nــ\nيكون منا أهلًا لها؟ فلا همّ بأن هؤلاء الأكثرين الذين هم بعث النار يأجوج ومأجوج، فإنهم في الكثرة على حد لو كان واحد من ألف من الناس من أهل الجنة لكانوا أكثرين.\nثم أشار إلى أن الأمم السالفة ما عدا يأجوج ومأجوج أيضًا في غاية الكثرة بحيث يفوقون الحصر حتى لو كنتم نصف أهل الجنة لكنتم واحدًا من ألف من مجموع الناس غيركم لكونكم في غاية القلة بالنسبة إليهم، وإليه أشار بقوله: (ما أنتم في الناس إلا كالشعرة السوداء في جلد ثور أبيض أو كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود).\nوقوله: (فكبرنا) قالوا: ذلك استبشار وتعظيم بهذه النعمة.\n٥٥٤٢ - [١١] (وعنه) قوله: (يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن. . . إلخ)، قيل: هذا من المتشابهات فلا يتعرض له، وقيل: يأول بشدة\n_________\n(١) في نسخة: \"قال\".\n(٢) وفي نسخة: \"ويسجد\".","vol":"9","page":28},{"text":"فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُوْدُ ظَهْرُهُ طَبَقًا وَاحِدًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩١٩، م: ١٨٣].\n٥٥٤٣ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيَأْتِي الرَّجُلُ الْعَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يَزِنُ عِنْدَ اللَّه جَناحَ بَعُوضَةٍ\". وَقَالَ: \"اقْرَؤُوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥] \". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٧٢٩، م: ٢٧٨٥].\nــ\nالأمر وعظمته يعني أنه تعالى يأخذهم بالشدائد كمن يكشف عن ساقه بالتشمير في أمر، فالإضافة إلى الرب إيذان بأن الساق هي الشدة التي لا يجليها لوقتها إلا هو، وقد وقع منكرًا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: ٤٢]، والإضافة في الحديث لمعنى ذكرنا، وقد سبق ذكره في آخر (باب لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس).\nوقوله: (فيعود ظهره طبقًا) في (القاموس) (١): الطبق: عظم رقيق يفصل بين كل فَقَارين، والمراد أنه يصير ظهره عظمًا واحدًا ليس بين فقراته مفاصل يتيسر الرفع والخفض في السجود.\n٥٥٤٣ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (اقرؤوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾) أول الآية: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ﴾ الآية [الكهف: ١٠٤ - ١٠٥] وقال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ الآية [المنافقون: ٤].\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٣١).","vol":"9","page":29},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1223> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٥٤٤ - [١٣] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة: ٤]، قَالَ: \"أَتَدْرُونَ مَا أَخْبَارُهَا؟ \" قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: \"فَإِنَّ أَخْبَارَهَا أَنْ تَشْهَدَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ وَأَمَةٍ بِمَا عَمِلَ عَلَى ظَهْرِهَا أَنْ تَقُولَ: عَمِلَ عَليَّ كَذَا وَكَذَا يومَ كَذَا وَكَذَا\". قَالَ: \"فَهَذِهِ أَخْبَارُهَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [حم: ٢/ ٣٧٤، ت: ٢٤٢٩].\n٥٥٤٥ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُوتُ إِلَّا نَدِمَ\". قَالُوا: وَمَا نَدَامَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"إِنْ كَانَ مُحْسِنًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ ازْدَادَ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا نَدِمَ أَنْ لَا يَكُونَ نَزَعَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٠٣].\n٥٥٤٦ - [١٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفًا مُشَاةً، وَصِنْفًا رُكْبَانًا،\nــ\nالفصل الثاني\n٥٥٤٤ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (على كل عبد وأمة) أي: كل ذكر وأنثى، فإن الذكور عباد اللَّه والإناث إماؤه.\n٥٥٤٥ - [١٤] (وعنه) وقوله: (ازداد) أي: إحسانًا، فإن كان ازداد لازمًا كما هو الأكثر فالمحذوف تمييز، وإن كان متعديًا فهو مفعول به.\nوقوله: (نزع) أي: نفسه عن الإساءة.\n٥٥٤٦ - [١٥] (وعنه) قوله: (صنفًا مشاةً، وصنفًا ركبانًا) وهذان الصنفان هم","vol":"9","page":30},{"text":"وَصِنْفًا عَلَى وُجُوهِهِمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكيْفَ يَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ؟ قَالَ: \"إِنَّ الَّذِي أَمْشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَمَا إِنَّهُمْ يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ وَشَوْكٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣١٤٢].\n٥٥٤٧ - [١٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ [التكوير: ١]، و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، و﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] \". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٢/ ٢٧، ت: ٣٣٣٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1224> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٥٤٨ - [١٧] عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: إِنَّ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ -ﷺ- حَدَّثَنِي: \"أَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ ثَلَاثَةَ أَفْوَاجٍ: . . . . .\nــ\nأهل الإيمان عوامهم وخواصهم.\nوقوله: (يتقون بوجوههم كل حدب وشوك) الحدب بفتحتين: الغليظ المرتفع من الأرض، أي: يجعلون وجوههم مكان الأيدي والأرجل في التوقي عن مؤذيات الطرق والمشي إلى المقصد، وقد غلت أيديهم وأرجلهم، وذلك لما لم يجعلوها ساجدة لخالقها، والمقصود بيان ثبوت المشي المتعارف لهم لا إثبات التوقي قصدًا، فافهم.\n٥٥٤٧ - [١٦] (ابن عمر) قوله: (من سره أن ينظر) كان السرور من جهة حصول مزيد الإيمان والإيقان.\nالفصل الثالث\n٥٥٤٨ - [١٧] (أبو ذر) قوله: (يحشرون) فيه من الاختلاف ما سبق في حديث","vol":"9","page":31},{"text":"فَوْجًا رَاكِبِينَ طَاعِمِينَ كَاسِينَ، وَفَوْجًا تَسْحَبُهُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ وَتَحْشُرُهُمُ النَّارُ، وَفَوْجًا يَمْشُونَ وَيَسْعَوْنَ وَيُلْقِي اللَّهُ الآفَةَ عَلَى الظَّهْرِ، فَلَا يَبْقَى حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ الْحَدِيقَةُ يُعْطِيهَا بِذَاتِ الْقَتَبِ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا\". رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٢٥٨٦].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1225>٣ - باب الحساب والقصاص والميزان</span>\nــ\nأبي هريرة في (الفصل الأول) من أن هذا الحشر قبل يوم القيامة من أشراطها أو بعده حين يبعث الموتى من القبور، وسباق الحديث وسياقه ينظر إلى الأول، فتأمل.\nوقوله: (تسحبهم الملائكة) أي: تجرهم، سحبه: جرّه على وجه الأرض فانسحب.\nوقوله: (وتحشرهم النار) بالرفع كما تدل عليه الأحاديث الأخر كقوله: (ستخرج نار من أنحو، بحر حضرموت تحشر الناس) (١)، وقد ينصب، أي: تحشر الملائكة لهم النار، وتلزمهم إياها حتى لا تفارقهم، وفي بعض النسخ: (تحشرهم إلى النار).\nوقوله: (على الظهر) أي: المركوب، والمراد (بذات القتب) الإبل؛ لأن القتب محركة للجمل كالإكاف لغيره.\n٣ - باب الحساب والقصاص والميزان\nالحساب مصدر حسبه حسبًا وحسبانًا بالضم، وحسبانًا وحسابًا وحسبة بكسرهن:\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في \"سننه\" (٢٢١٧).","vol":"9","page":32},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1226> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٥٤٩ - [١] عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"لَيْسَ أَحَدٌ يُحَاسَبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا هَلَكَ\". قُلْتُ: أَوَ لَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨] فَقَالَ: \"إِنَّمَا ذَلِكَ الْعَرْضُ، وَلَكِنْ مَنْ نُوقِشَ فِي الْحِسَاب يَهْلِكُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٣، م: ٢٨٧٦].\n٥٥٥٠ - [٢] وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْكُم مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ. . . . .\nــ\nعَدَّهُ، والمعدود: محسوبٌ، والقصاص: أن يفعل بالشخص مثل ما فعله من قتل أو قطع أو ضرب أو جرح، وهو في الأصل بمعنى المساواة، والميزان: عبارة عما تعلم به مقادير الأعمال، والجمهور على أنه ميزان حقيقة له لسان وكفتان توزن به صحائف الأعمال، وقيل: توزن الأشخاص، وقيل: تصور الحسنات بالصور الحسنة، والسيئات بالسيئة، وأَوّلَ البعض الوزن بمقابلة الأعمال بالجزاء، والميزان تمثيل وتصوير لإرصاد الحساب، وقد جاء: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، والجمع باعتبار أنواع الأعمال، أو يكون لكل أحد من المكلفين ميزانٌ، واللَّه أعلم.\nالفصل الأول\n٥٥٤٩ - [١] (عائشة) قوله: (إنما ذلك العرض) أي: الحساب اليسير عرض الأعمال على العبد من غير مناقشة واستقصاء، وإنما المراد بقولنا: (من حوسب): من نوقش في الحساب، والمناقشة: الاستقصاء في الحساب، كذا في (القاموس) (١).\n٥٥٥٠ - [٢] (عدي بن حاتم) قوله: (ترجمان) هو بفتح مثناة وقد تضم وضم\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٦٢).","vol":"9","page":33},{"text":"وَلَا حِجَابٌ يَحْجُبُهُ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٣٩، م: ١٠١٦].\n٥٥٥١ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nجيم وقد يفتحان، كذا قال الكرماني (١)، وهو المفسر للسان بلسان، وقد ترجمه عنه، والفعل يدل على أصالة التاء.\nوقوله: (فينظر أيمن) وكذا قوله: (وينظر أشأم منه) النصب في (أيمن) و(أشأم) على الظرفية، والمراد جانب اليمين والشمال، وفي (القاموس) (٢): الشأمة والمشأمة: ضد اليمنة والميمنة، واليد الشؤمى: ضد اليمنى، انتهى. وفي (مجمع البحار) (٣) في صفة الإبل: ولا يأتي خيرها إلا من جانبها الأشأم يعني الشمال، ومنه لليد الشمال: الشؤمى، تأنيث الأشأم، يريد بخيرها لبنها؛ لأنها إنما تحلب وتركب من الجانب الأيسر، ومنه حديث: (فينظر أيمن منه وأشأم منه).\nوقوله: (ولو بشق تمرة) له معنيان؛ أحدهما: فاتقوا النار ولا تظلموا أحدًا ولو بشق تمرة، وثانيهما: اتقوها ولو بتصدق شق تمرة، وقد أورد هذا الحديث في (باب الصدقة)، وقد أشار بذكره في الموضعين إلى صحة إرادة المعنيين، والثاني أظهر، واللَّه أعلم.\n٥٥٥١ - [٣] (ابن عمر) قوله: . . . . .\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (٢٣/ ٤٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٣٧).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ١٧٠).","vol":"9","page":34},{"text":"\"إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْب كَذَا؟ فَيَقُول: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ قَدْ هَلَكَ. قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيُنَادَى بِهِمْ عَلَى رُؤُوْسِ الْخَلَائِقِ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] \". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٤٤١، م: ٢٧٦٨].\n٥٥٥٢ - [٤] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ دَفَعَ اللَّهُ إِلَى كُلِّ مُسْلِمٍ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، فَيَقُولُ: هَذَا فكَاكُكَ مِنَ النَّارِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٦٧].\nــ\n(كنفه) يقال: أنت في كنف اللَّه تعالى محركة، أي: في حرزه وستره، وهو الجانب، والظل، والناحية، ومن الطائر: جناحه، كذا في (القاموس) (١)، وذلك لئلا يفتضح عند أهل المحشر ويخزى.\n٥٥٥٢ - [٤] (أبو موسى) قوله: (هذا فكاكك من النار) فك الرهن فكًّا وفكوكًا: خلّصه، كافْتَكّه، وفك الأسير فكًّا وفكاكًا: خلّصه، وفكاك الرهن بفتح الفاء ويكسر: ما يفك به، ولما كان لكل مكلف مقعد في الجنة ومقعد من النار فلما دخل المؤمن الجنة صار الكافر كالفكاك للمؤمنين خلص به عن النار، ولم يرد به تعذيب الكتابي بما اجترحه المسلم من الذنوب؛ لأنه لا يعذب أحد بذنوب أحد، وتخصيص اليهود والنصارى بالذكر لاشتهارهم لمضارة المسلمين، ومعرفة الحكم في غيرهم بطريق الأولى.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٨٥).","vol":"9","page":35},{"text":"٥٥٥٣ - [٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُجَاءُ بِنُوحٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يَا رَبِّ! فَتُسْأَلُ أُمَّتُهُ: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: مَا جَاءَنَا مِنْ نَذِيرٍ. فَيُقَالُ: مَنْ شُهُودُكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ\". فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَيُجَاءُ بِكُمْ فَتَشْهَدُونَ أَنَّهُ قَدْ بلَّغَ\"، ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٣٣٩].\n٥٥٥٤ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَضَحِكَ فَقَالَ: \"هَلْ تَدْرُونَ مِمَّا أَضْحَكُ؟ \". قَالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: \"مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَقُولُ: يَا رَبِّ! أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ؟ \". . . . .\nــ\n٥٥٥٣ - [٥] (أبو سعيد) قوله: (محمد وأمته) لما كان محمد -ﷺ- مزكيًا لهم وهو معنى قوله: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، وكان -ﷺ- بتزكيته مقررًا لشهادتهم ومثبتًا كان كأنه معهم في الشهادة، فلهذا قال: (محمد وأمته).\nوقوله: (أمة وسطًا) والوسط محركة من كل شيء: أعدله، أي: عدولًا وخيارًا.\nقوله: (فقال رسول اللَّه -ﷺ-: فيجاء بكم) الخطاب للصحابة، ويحتمل أن يكون للحاضرين من الأمة والغائبين على سبيل التغليب.\n٥٥٥٤ - [٦] (أنس) وقوله: (ألم تجرني من الظلم؟) أجاره: أنقذه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: ٤٠] وغيرهما من الآيات.","vol":"9","page":36},{"text":"قَالَ: \"يَقُولُ: بَلَى\"، قَالَ: \"فَيَقُولُ: فَإِنِّي لَا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلَّا شَاهِدًا مِنِّي\". قَالَ: \"فَيَقُولُ: كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا\". قَالَ: \"فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ فَيُقَالُ لِأَرْكَانِهِ: انْطِقِي\". قَالَ: \"فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلَامِ\". قَالَ: \"فَيَقُولُ: بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا، فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٦٩].\nــ\nوقوله: (فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا مني) طلب العبد شاهدًا من نفسه زاعمًا أنه لا شاهد عليه من نفسه؛ لأنه لا يشهد أحد على نفسه، فهذا موضع غلطه ووقوعه فيما هرب عنه، وهذا الذي أضحك رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (وبالكرام الكاتبين) هذا زيادة على المراد الأصلي وتأكيد له، وقد يدل مراده وملتمسه، فافهم.\nوقوله: (فيقال لأركانه: انطقي) إفراد الضمير باعتبار جماعة الأركان.\nوقوله: (ثم يخلى بينه) أي: بين العبد (وبين الكلام) مع أركانه، (فيقول) العبد لأركانه، وهذا أيضًا محل الضحك. و(السحق) بالضم وضمتين: البعد، فيكون تأكيدًا لقوله: (بعدًا)، وله معان تناسب المراد وهو السهك والدق، وسحقت الريح الأرض: عفت آثارها، وسحق الشيء الشديد: لينه، والثوب: أبلاه، والقملة: قتلها، وبالجملة فيه معنى الهلاك والفناء ونحوهما.\nوقوله: (كنت أناضل) أي: أخاصم وأدافع، ناضل عنه: دافع، ونضلته: سبقته، وناضله مناضلة ونضالًا: باراه في الرمي، أي: عنكن كنت أخاصم الخصماء وأدافعهم عنكن، وكنت معينًا ناصرًا لَكُنّ في الأمور، ثم شهدتن عليّ، وفضحتموني فيّ وخذلتموني، وجاء هذا البلاء والفضح على هذا العبد لمخاطبة الرب تعالى واحتجاجه","vol":"9","page":37},{"text":"٥٥٥٥ - [٧] وَعَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَة؟ قَالَ: \"فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ فِي الظَّهِيرَةِ لَيْسَتْ فِي سَحَابَةٍ؟ \" قَالُوا: لَا، قَالَ: \"فَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَيْسَ فِي سَحَابَةٍ؟ \" قَالُوا: لَا، قَالَ: . . . . .\nــ\nله تعالى منافيًا لما تقتضيه العبودية والمسكنة، بخلاف العبد الأول الذي وضع عليه كنفه وستره وحفظه عن الفضح.\n٥٥٥٥ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (هل تضارون) روي بوجوه:\nأحدها: بضم التاء وتشديد الراء من الضرر من باب المفاعلة كضره وضاره، ويحتمل أن يكون مبنيًّا للفاعل أو للمفعول، أي: لا تضارون بالمجادلة والمنازعة في صحة النظر إلى الشمس والقمر لوضوحهما وظهورهما، فلا يخالف بعضكم بعضًا ولا ينكره، بل كنتم متفقين على رؤيتهما.\nوثانيهما: بفتح التاء وتشديد الراء من التفاعل أيضًا من الضرر، أصله تتضارون حذفت إحدى التائين مبنيًّا للفاعل، والمعنى ما ذكر.\nونقل في (مجمع البحار) (١) عن الجوهري: أضرني: إذا دنا مني دنوًّا شديدًا، فيكون المراد بالمضارة الاجتماع والازدهام عند النظر، وقال القاضي عياض (٢): معناه لا تضايقون، والمضارة والمضايقة بمعنى قوله في الرواية الأخرى: تضامون، والمضايقة إنما تكون في الشيء يرى في حين واحد، وجهة مخصوصة، وقدر مقدور، واللَّه تعالى متعال عن الأقدار والأحواز. وقيل: معناه لا يحجب بعضكم عن رؤيته فيضره بذلك،\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٣٩٩).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٥٧).","vol":"9","page":38},{"text":"\"فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا\". قَالَ: \"فَيَلْقَى الْعَبْدَ فَيَقُولُ: أَيْ فُلْ! . . . . .\nــ\nوقيل: لا تضارون: لا يمنعكم منه مانع.\nوثالثها: بضم التاء وتخفيف الراء من الضير بمعنى الضر على صيغة المجهول.\nورابعها: بفتح التاء وتخفيف الراء على لفظ المعلوم، والأصل تضيرون فأبدلت الياء ألفًا.\nوخامسها: لا تضامون بضم التاء وتشديد الميم من الضم من المفاعلة مبنيا للفاعل أو للمفعول.\nوسادسها: بفتح التاء من التفاعل.\nوسابعها: بضم التاء وتخفيف الميم من الضم على صيغة المجهول.\nوثامنها: تضامون بالفتح والتخفيف.\nومآل المعنى في الجميع واحد، والاعتماد على الرواية، هذا والمشهور هو بضم التاء تشديدًا وتخفيفًا، وبالراء والميم، ورواية فتح التاء أيضًا ثابتة، فتدبر.\nوقوله: (إلا كما تضارون في رؤية أحدهما) هو من قبيل: لا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن سلول، و(أنا أفصح العرب بيد أني من قريش).\nوقوله: (فيلقى العبد) الضمير للَّه فاعله، و(العبد) مفعوله، أي: عبدًا من عباده.\nوقوله: (أي فل) الرواية المشهورة بسكون اللام مبنيًّا عليه، ولذا قالوا: إنه اسم برأسه بمعنى فلان، وليس ترخيمًا له، وإلا لكان مفتوح اللام أو مضمومه على المذهبين في الترخيم، ونقل عن سيبويه أنه صيغة مرتجلة في باب النداء، وعند بعضهم في غير النداء أيضًا، وأيضًا لا يجوز حذف الألف والنون معًا في مثله لعدم بقاء ثلاثة","vol":"9","page":39},{"text":"أَلَمْ أُكْرِمْكَ وَأُسَوِّدْكَ وَأُزَوِّجْكَ وَأُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالإِبِلَ، وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلَى\"، قَالَ: \"فَيَقُولُ: أَفَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلَاقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لَا، فَيَقُولُ: فَإِنِّي قَدْ أَنْسَاكَ كَمَا نسَيتَنِي، ثُمَّ يَلْقَى الثَّانِيَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ، ثُمَّ يَلْقَى الثَّالِثَ فَيَقُولُ لَهُ مثل ذَلِك، فَيَقُول: يَا رَبِّ! آمَنْتُ بِكَ وَبِكِتَابِكَ وَبِرُسُلِكَ، وَصَلَّيْتُ وَصُمْتُ وَتَصَدَّقْتُ،\nــ\nأحرف كمروان، وقيل: ترخيم، والرواية بالفتح والضم ثابتة، وحذف النون للترخيم والألف بسكونها، وفيه ما فيه.\nوقوله: (وأسودك) أي: أجعلك سيدًا، و(أذرك) أي: أدعك، (ترأس) تصير رئيس القوم، (وتربع) أي: تأخذ الربع، وكان رئيس القوم في الجاهلية يأخذ ربع الغنيمة.\nوقوله: (ملاقي) بالتشديد بإدغام الياء المحذوفة العائدة بحذف التنوين في ياء المتكلم.\nوقوله: (فإني قد أنساك) في الجزاء (كما نسيتني) في الشكر، ونسبة النسيان إلى اللَّه سبحانه إما على المجاز عن الترك أو بطريق المشاكلة، وفي نسبة النسيان إلى العبد تغليب؛ لأنه قد يكون بطريق التعمد والتكبر أيضًا، فافهم.\nوقوله: (فذكر مثله) أي: ذكر رسول اللَّه -ﷺ- مثل ما ذكر في الأول من سؤال اللَّه وجواب العبد، ويحتمل أن المعنى فذكر اللَّه تعالى، أي: سأله مثل ما سأل الأول، وجواب العبد مطوي الذكر، لكن الوجه هو الأول، والظاهر على الثاني: فيذكر أو فيقول، كما ذكر من قوله: (فيقول له) أي: اللَّه للعبد (مثل ذلك) أي: السؤال، غير أن جواب العبد هنا على خلاف الأولين، فهنا ادعى العبد الشكر فكذب ورد عليه، وفيهما","vol":"9","page":40},{"text":"ويُثْنِي بِخَيْرِ مَا اسْتَطَاعَ، فَيَقُول: هَاهُنَا إِذًا، ثم يُقَالُ: الآنَ نَبْعَثْ شَاهِدًا عَلَيْكَ، وَيَتَفَكَّرُ فِي نَفْسِهِ: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْهَدُ عَلَيَّ؟ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ، وَيُقَالُ لِفَخِذِهِ: انْطِقِي، فَتَنْطِقُ فَخِذُهُ وَلَحْمُهُ وَعِظَامُهُ بِعَمَلِهِ، وَذَلِكَ لِيُعْذِرَ مِنْ نَفْسِهِ، وَذَلِكَ الْمُنَافِقُ، وَذَلِكَ الَّذِي سخطَهُ اللَّهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٦٨]. وذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: \"يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ\" فِي \"بَابِ التَّوَكُّلِ\" بِرِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1227> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٥٥٦ - [٨] عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: . . . . .\nــ\nاعترف بحقيقة الحال.\nوقوله: (فيثني) أي: العبد على نفسه (بخير) كثير (فيقول) أي: اللَّه تعالى (هاهنا إذا) أي: إذا أثنيت على نفسك بما أثنيت فاثبت وقِفْ هناك نريك أعمالك بإقامة الشاهد عليها، (فيختم) على صيغة المضارع المجهول، ويجوز أن يكون بلفظ المعلوم. (ويقال لفخذه: انطقي) لعل تخصيص الفخذ إشارة إلى الشنيعة الفاحشة، أعني: الزنا، وكذا اللحم والعظام، والمذكور في القرآن شهادة الأيدي والأرجل والألسن والجلود، فافهم.\nوقوله: (وذلك) أي: المذكور من السؤال والجواب ونطق الفخذ وغيرها، (ليعذر) الروابة ببناء الفاعل من الإعذار، أي: يزيل عذره من قبل نفسه فالهمزة للإزالة، وقيل: يصيّره اللَّه ذا عذر في تعذيبه من قبل نفس العبد.\nالفصل الثاني\n٥٥٥٦ - [٨] (أبو أمامة) قوله: . . . . .","vol":"9","page":41},{"text":"\"وَعَدَنِي رَبِّي أَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعِينَ ألفًا لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ وَلَا عَذَابَ، مَعَ كُلِّ أَلْفٍ سَبْعُونَ أَلْفًا وَثَلَاثُ حَثَيَاتٍ مِنْ حَثَيَاتِ رَبِّي\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [حم: ٥/ ٢٦٨، ت: ٢٤٣٧، جه: ٤٢٨٦].\n٥٥٥٧ - [٩] وَعَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُعْرَضُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَ عَرَضَاتٍ: فَأَمَّا عَرْضَتَانِ فَجِدَالٌ وَمَعَاذِيرُ، وَأَمَّا الْعَرْضَةُ الثَّالِثَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَطِيرُ الصُّحُفُ فِي الأَيْدِي فَآخِذٌ بِيَمِينِهِ وَآخِذٌ بِشِمَالِهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ،\nــ\n(سبعين ألفًا. . . إلخ)، كناية عن الكثرة والمبالغة فيها.\nوقوله: (ثلاث) بالرفع عطف على (سبعون)، وهذا أشدّ مبالغة من نصبه عطفًا على (سبعين)، إذ يفيد كون ثلاث حثيات مع كل ألف من سبعين ألفًا، وعلى تقدير النصب يفيد كونها مع سبعين ألفًا، والحثية ما يعطي المعطي بكفيه دفعة واحدة.\n٥٥٥٧، ٥٥٥٨ - [٩، ١٠] (الحسن) قوله: (فجدال ومعاذير) المراد بالجدال: دفع الذنوب بإنكار إبلاع الرسل، وبعدم ثبوت صدقهم عندهم، والمعاذير: عبارة عن اعتراف العبد بالذنوب، والاعتذار بالسهر والنسيان، وكونهم مضطرين مجبورين، وأما في العرضة الثالثة فيثبت الحجة عليهم ويحق الحق بثبوت صدق الأنبياء بشهادة الملائكة ومحمد -ﷺ- وأمته على ذلك.\nوقوله: (فآخذ بيمينه وآخذ بشماله) بلفظ اسم الفاعل، أي: فمنهم من يأخذ الصحيفة بيمينه، ومنهم من يأخذها بشماله، فتتم القضية ويرتفع الجدال والمعاذير.","vol":"9","page":42},{"text":"وَقَالَ: لَا يَصِحُّ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قِبَلِ أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. [ت: ٢٤٢٥].\n٥٥٥٨ - [١٠] وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبَي مُوسَى.\nــ\nوقوله: (من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة) وُلِد الحسن البصري لسنتين بقيتا من خلافة عمر -﵁-، وتوفي في مستهل رجب من سنة عشر ومئة، وكان عمره ثمان وثمانين سنة، وتوفي أبو هريرة سنة سبع، وقيل: ثمان، وقيل: تسع وخمسين سنة، وهو ابن ثمان وسبعين، فلا شك أن صحبته معه وسماعه منه ممكن، ولكن ثبوت السماع شيء آخر، فلعله لم يثبت عند أهل الأخبار، كما أنهم لم يثبتوا سماع الحسن عن علي -﵁- مع وجود إمكانه (١)، وكما أن إمكان صحبة أبي حنيفة مع الصحابة ممكن لوجود عدة نفر منهم في زمانه مع أن الشافعية يقولون: لم يثبت ذلك عند أهل العلم بالأخبار، وذلك ليس ببعيد، واللَّه أعلم.\nوروي أن الحسن البصري كان يقول: حدثنا أبو هريرة، ويأول أهل المدينة كما كان يقول: خطبنا ابن عباس بالبصرة، ويريد: أهلها، مع أنه لم يسمع منها (٢)، هذا وقد قال الشيخ الجزري في (تصحيح المصابيح): إن البخاري أخرج في (صحيحه) للحسن عن أبي هريرة ثلاثة أحاديث وبيّنها، وقال: وأما مسلم فلم يخرج للحسن عن أبي هريرة -﵁- شيئًا، كذا قال بعض شارحي (المشكاة) (٣).\n_________\n(١) وفي \"جامع الأصول\" (١٢/ ٣٠٨): قيل: إن الحسن البصري لقي [عليًّا] بالمدينة، وأما بالبصرة فإن رؤيته إياه لم تصح، لأنه كان في وادي القرى متوجهًا نحو البصرة حين قدم علي بن أبي طالب [البصرة].\n(٢) وتوفي ابن عباس سنة ثمان وستين بالطائف.\n(٣) وهو ميرك شاه رحمة اللَّه عليه. وانظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٨/ ٣٥٣٠).","vol":"9","page":43},{"text":"٥٥٥٩ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُوْنَ؟ فَيَقُولُ: لَا، يَا رَبِّ! فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ قَالَ: لَا، يَا رَبِّ! فَيَقُولُ: بَلَى، إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتُخْرَجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ، قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ،\nــ\n٥٥٥٩ - [١١] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (سجلًا) السجل بكسرتين وتشديد اللام: الكتاب الكبير، و(البطاقة) على وزن الكتابة: الرقعة الصغيرة المنوطة بالثوب التي فيها رقم ثمنه، سميت بها لأنها تشد بطاقة من [هدب] الثوب، كذا في (القاموس) (١). قال الطيبي (٢): فتكون الباء حينئذ زائدة، انتهى. وكأنه أبقيت الباء الجارة التي هي صلة الفعل وهي لغة أهل مصر، وليس مادة (بطق)، ومشتقاته مذكورة في الكتب.\nوقوله: (فيقول: إنك لا تظلم) أي: هذه البطاقة وإن كانت حقيرة خفيفة في نظرك لكنها عظيمة ثقيلة في نفس الأمر، فلو تركناه لزم الظلم، أو المراد لا نترك من عملك شيئًا جليلًا كان أو حقيرًا؛ لئلا يلزم الظلم عليك فلا بد من وزنها.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٠١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٨٢).","vol":"9","page":44},{"text":"فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٦٣٩، جه: ٤٣٠٠].\n٥٥٦٠ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّهَا ذَكَرَتِ النَّارَ فَبَكَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا يُبْكِيكِ؟ \". قَالَتْ: ذَكَرْتُ النَّارَ فَبَكَيْتُ، فَهَلْ تَذْكُرُونَ أَهْلِيكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَمَّا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاطِنَ فَلَا يَذْكُرُ أَحَدٌ أَحَدًا: عِنْدَ الْمِيزَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَيَخِفُّ مِيزَانُهُ أَمْ يَثْقُلُ؟ وَعِنْدَ الْكِتَابِ حِينَ يُقَالُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] حَتَّى يَعْلَمَ أَيْنَ يَقَعُ كِتَابُهُ أَفِي يَمِينِهِ أم فِي شِمَاله؟ أم مِنْ وَرَاءَ ظَهْرِهِ؟ وَعِنْدَ الصِّرَاطِ إِذَا وُضعَ بينَ ظَهْري جَهَنَّم\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٥٥].\nــ\nوقوله: (فلا يثقل مع اسم اللَّه شيء) أي: ذكر اللَّه يترجح عن جميع المعاصي ويمحها.\n٥٥٦٠ - [١٢] (عائشة) قوله: (أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدًا) قد يأتي من حديث أنس في (الفصل الثاني) من (باب الحوض والشفاعة) ما يدل على أنه -ﷺ- يشفع في هذه المواطن كيف لا؟\nهو الحبيب الذي ترجى شفاعته ... في كل هول من الأهوال مقتحم\nووجه التوفيق أنه إنما قال هذا لعائشة مبالغة في أن هذه المواطن ليست مما يتيسر فيها أن يذكر فيها أحد أحدًا؛ لئلا تتكل على أنها حرم رسول اللَّه -ﷺ-، وقال لأنس ذلك لئلا ييأس.\nوقوله: (أم من وراء ظهره) هكذا في (سنن أبي داود)، وفي بعض نسخ","vol":"9","page":45},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1228> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٥٦١ - [١٣] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَ رَجُلٌ فَقَعَدَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ لِي مَمْلُوكِينَ يَكْذِبُونَنِي، وَيَخُونُونَنِي، وَيَعْصُونَنِي، وَأَشْتِمُهُمْ وَأَضْرُبهُمْ، فَكَيْفَ أَنَا مِنْهُمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يُحْسَبُ مَا خَانُوكَ وَعَصَوْكَ وَكَذَّبُوكَ، وَعِقَابُكَ إِيَّاهُمْ، فَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ بِقَدْرِ ذُنُوبِهِمْ كَانَ كَفَافًا لَا لَكَ وَلَا عَلَيْكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ دُونَ ذَنْبِهِمْ كَانَ فَضْلًا لَكَ، وَإِنْ كَانَ عِقَابُكَ إِيَّاهُمْ فَوْقَ ذُنُوبِهِمْ. . . . .\nــ\n(المصابيح): (أو من وراء ظهره)، والأول أوفق للجمع بين الآيتين، كذا قال الطيبي (١). وقال البيضاوي (٢) في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ [الانشقاق: ١٠] أي: يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره، قيل: تغل يمناه إلى عنقه وتجعل يسراه وراء ظهره، انتهى.\nالفصل الثالث\n٥٥٦١ - [١٣] (عائشة) قوله: (يكذبونني) بالتخفيف من الكذب، أي: يقولون كذبًا.\nوقوله: (فكيف أنا منهم؟) أي: من أجلهم وضربهم وشتمهم هل أعاقب على ذلك؟\nوقوله: (كان فضلًا لك) الظاهر أنه يقتص له منهم كما قال في القسم الأخير: (اقتص لهم منك الفضل)، وكأنه إنما لم يذكر هاهنا الاقتصاص تشديدًا عليه واهتمامًا\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٨٣).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٢٩٧).","vol":"9","page":46},{"text":"اقْتُصَّ لَهُمْ مِنْكَ الْفَضْلُ، فَتَنَحَّى الرَّجُلُ وَجَعَلَ يَهْتِفُ وَيَبْكِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَمَا تَقْرَأُ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ \" [الأنبياء: ٤٧]، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَجِدُ لِي وَلِهَؤُلَاءِ شَيْئًا خَيْرًا مِنْ مُفَارَقَتِهِمْ، أُشْهِدُكَ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ أَحْرَارٌ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣١٦٥].\n٥٥٦٢ - [١٤] وَعَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ: \"اللهُمَّ حَاسِبْنِي حِسَابًا يَسِيرًا\". قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! مَا الْحِسَابُ الْيَسِيرُ؟ قَالَ: \"أَنْ يَنْظُرَ فِي كِتَابِهِ فَيُتَجَاوَزَ عَنْهُ، إِنَّهُ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَئِذٍ يَا عَائِشَة! هَلَكَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ [٦/ ٤٨].\n٥٥٦٣ - [١٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَنْ يَقْوَى عَلَى الْقِيَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦]، فَقَالَ:، يُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ\".\nــ\nبذكر الاقتصاص لهم منه كما يشعر به سياق الحديث من قوله: (فتنحى الرجل وجعل. . . إلخ).\n٥٥٦٢ - [١٤] (وعنها) قوله: (أن ينظر) أي: العبد، كذا قال الطيبي (١): ولو جعل الضمير للَّه لكان أيضًا جائزًا.\n٥٥٦٣ - [١٥] (أبو سعيد الخدري) قوله: (كالصلاة المكتوبة) أقلها ركعتان،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٨٤).","vol":"9","page":47},{"text":"٥٥٦٤ - [١٦] وَعَنْهُ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ ﴿يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ مَا طُولُ هَذَا الْيَوْمِ؟ فَقَالَ: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَكُونَ أَهْوَنَ عَلَيْهِ مِنَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ يُصَلِّيهَا فِي الدُّنْيَا\". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ \"الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ\".\n٥٥٦٥ - [١٧] وَعَنْ أَسمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"يُحْشَرُ النَّاسُ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يَوْمَ الْقِيَامَة فَيُنَادِي مُنَادٍ فَيَقُولُ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانَتْ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ؟ فَيَقُومُونَ وَهُمْ قَلِيلٌ،\nــ\nوخص المكتوبة لأن أداءها أهون لإسقاط الذمة وامتثال الأمر.\n٥٥٦٤ - [١٦] (وعنه) قوله: (ما طول هذا اليوم) استفهام على سبيل التعجب والاستغراب.\n٥٥٦٥ - [١٧] (أسماء بنت يزيد) قوله: (يحشر الناس في صعيد واحد) في (القاموس) (١): الصعيد: التراب، أو وجه الأرض، وفسره شارحو الحديث بأرض واسعة مستوية كما جاء في حديث آخر: (أصبح صعيدًا بيضاء يزلق عليها لملاستها)، وتفسيره في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨]، وقد مرّ.\nوقوله: (فينادي) النداء بالكسر: الصوت، وقد يضم النون مثل الدعاء، وكذا في (الصحاح) (٢).\nوقوله: (الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع) فسروه بقيام الليل، وقيل: كان من الصحابة يصلون من المغرب إلى العشاء فنزلت فيهم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٧٩).\n(٢) \"الصحاح\" (٦/ ٢٥٠٥).","vol":"9","page":48},{"text":"فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ، ثمَّ يُؤمَرُ لِسَائِر النَّاسِ إِلَى الْحِسَابِ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٢٩٧٤].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1229>٤ - باب الحوض والشفاعة</span>\nــ\n٤ - باب الحوض والشفاعة\nفي (القاموس) (١): الحوض معروف من حاض الماء: جمعه، ومنه حاضت المرأة: سال دمها، والمراد هنا الحوض الذي يكون للنبي -ﷺ- يوم القيامة كما يجيء صفاته في الأحاديث، وورد: (أن لكل نبي حوضًا في القيامة يرده أمته).\nوالشفاعة من الشفع وهو في الأصل بمعنى الضم، ومنه الشفع بمعنى خلاف الوتر، وهو الزوج مقابل الفرد، والشفعة لأن الشفيع يضم المبيع إلى ملكه فيشفعه بعد أن كان وترًا، ومنه الشفاعة لأنها ضم الشافع نفسه إلى المجرم للسؤال عن التجاوز عن جريمته، شفع فهو شافع، والمشفع من يقبلها، والمشفع من يقبل شفاعته.\nواعلم أن الشفاعات الأخروبة أنواع، وكلها ثابتة لسيد المرسلين -ﷺ-، بعضها على الخصوص، وبعضها بالمشاركة، ويكون هو المتقدم فيها، وهو الذي يفتح باب الشفاعة أولًا -ﷺ-، فالشفاعات كلها راجعة إلى شفاعته، وهو صاحب الشفاعات بالإطلاق:\nالأولى: وهي العظمى العامة للخلائق الخاصة بنبينا -ﷺ- من بين سائر النبيين والمرسلين صلوات اللَّه عليهم أجمعين، وهي لفصل القضاء والإراحة من طول الوقوف\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٩٢).","vol":"9","page":49},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1230> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٥٦٦ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"بَيْنَا أَنَا أَسِيرُ فِي الجنَّةِ إِذا أَنَا بِنَهْرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ الْمُجَوَّفِ،\nــ\nوتعجيل الحساب لا يدنو إليها غيره كما يأتي من الأحاديث.\nالثانية: لإدخال قوم الجنة بغير حساب، وهذه أيضًا وردت لنبينا -ﷺ-، ومال بعضهم إلى أنها أيضًا مختصة به، وقال ابن دقيق العيد: ولا أعلم الاختصاص فيها ولا عدم الاختصاص.\nالثالثة: في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيآتهم، فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة.\nالرابعة: في أقوام من أمته استوجبوا النار فيشفع فيهم، فيدخلون الجنة.\nالخامسة: في رفع الدرجات وزيادتها.\nالسادسة: فيمن دخل النار من المذنبين، وهذه الشفاعة يشاركه فيها الأنبياء والأولياء والملائكة والعلماء.\nالسابعة: في استفتاح الجنة.\nالثامنة: في تخفيف العذاب عمن يستحقه.\nالتاسعة: لأهل المدينة.\nوالعاشرة: لزائري قبره الشريف -ﷺ- على وجه الاختصاص والامتياز، واللَّه أعلم.\nالفصل الأول\n٥٥٦٦ - [١] (أنس) قوله: (حافتاه قباب الدر) في (القاموس) (١): حافتا الوادي\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٦ - ٧٣٨).","vol":"9","page":50},{"text":"قُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ، فَإِذَا طِينُهُ مِسْكٌ أَذْفَرُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٥٨١].\n٥٥٦٧ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nوغيره: جانباه، والجمع: حافات، والقباب بالكسر: جمع قبة، وهو البناء المدور، يقال له: الجنبذ معرب كَنبد، وقد يفسر بالخيمة.\nوقوله: (هذا الكوثر الذي أعطاك ربك) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]، ويفسر بالخير الكثير المفرط من العلم والعمل وشرف الدارين، والنهر المذكور من جزئياته، وفي (القاموس) (١): الكوثر: الكثير من كل شيء، انتهى، ونهر في الجنة يتفجر منه جميع أنهارها، وقيل: هو أولاده وأتباعه وعلماء أمته، وهو أيضًا من أفراده، وقد جاء الكوثر بمعنى الرجل الخير العطاء والسيد، وله تفسيرات ذكرت في موضعها، والكل راجع إلى المعنى الأول الذي ذكرنا، حكي أن أعرابيًا فقد ابنًا له فجاء بعددهر بخير كثير فقيل له: كيف جاء ابنك؟ فقال: جاء بالكوثر.\nوقوله: (مسك أذفر) أذفر بالذال المعجمة محركة: شدة ذكاء الريح كالذفرة، أو يخصان برائحة الإبط المنتن، وفي (الصراح) (٢): ذفر: بوئى تيز خوش وناخوش، مسك أذفر: مشك تيز بوئى. وفي (القاموس) (٣): ومسك أذفر وذفر: جيد إلى الغاية.\n٥٥٦٧ - [٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: . . . . .\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٣٦)\n(٢) \"الصراح\" (ص: ١٧٩).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٧٠).","vol":"9","page":51},{"text":"\"حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، وَكِيزَانَهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ يَشْرَبُ مِنْهَا فَلَا يَظْمَأُ أَبَدًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٧٩، م: ٢٢٩٢].\n٥٥٦٨ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةَ مِنْ عَدَنٍ لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الثَّلْجِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَّبَنِ، وَلآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ،\nــ\n(وزواياه سواء) فسره الطيبي بأنه مربع لا يزيد طوله على عرضه.\nوقوله: (أبيض من اللبن) ينتقض به حكم النحويين بأن اسم التفضيل لا يبنى من لون ولا عيب، وكذلك قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ [الإسراء: ٧٢]: إن (أعمى) الثاني اسم تفضيل إلا أن يقال: إن القاعدة أكثرية، ويقدر اسم تفضيل آخر مثل أكثر وأشد، وهو تكلف مستغنى عنه.\nوقوله: (كنجوم السماء) الظاهر أن التشبيه في الكثرة كما صرح به في الحديث الثاني، فيجوز أن يكون على الحقيقة، أو كناية عن غاية الكثرة، ولو اعتبر في البريق والإشراف فلا خفاء.\nوقوله: (من يشرب) وكذا قوله: (فلا يظمأ) بالرفع والجزم كلاهما رواية.\n٥٥٦٨ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (أبعد من أيلة من عدن) أي: بعد ما بين طرفيه أزيد من بعد أيلة من عدن، وأيلة بفتح الهمزة وسكون التحتانية من بلاد الشام، وعدن من بلاد اليمن، واعلم أنه قد وقع التحديد بمواضع أخر متفاوتة في الأبعاد كما يأتي من الأحاديث فعرف كل قوم بما يعرفونه، والغرض تمثيل وتخمين فلا إشكال.\nوقوله: (وأحلى من العسل باللبن) لا يخفى أن حلاوة العسل لا تزيد بخلطه","vol":"9","page":52},{"text":"وَإِنِّي لأَصُدُّ النَّاسَ عَنْهُ كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِبِلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ\". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتَعْرِفُنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: \"نَعَمْ لَكُمْ سِيمَاءُ لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الأُمَم، تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٧].\n٥٥٦٩ - [٤] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: \"تُرَى فِيهِ أَبَارِيقَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ\". [م: ٢٣٠٣].\n٥٥٧٠ - [٥] وَفِي أُخْرَى لَهُ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: سُئِلَ عَنْ شَرَابِهِ. فَقَالَ: \"أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ يَغُتُّ فِيهِ مِيزَابَانِ يَمُدَّانِهِ مِنَ الْجَنَّةِ؛ أَحَدُهُمَا مِنْ ذَهَبٍ، وَالآخَرُ مِنْ وَرِقٍ\". [م: ٢٣٠١].\nــ\nباللبن، فالمراد (بأحلى): ألذ أو أحلى وألذ.\nوقوله: (لأصد الناس) أي: ممن عدا أمتي.\nوقوله: (سيماء) السيماء بالكسر: العلامة من سامه: إذا أعلمه، يجيء ممدودًا ومقصورًا، والقصر أكثر.\nوقوله: (غرًا محجلين) مرّ معناهما في (فضل الوضوء) من (كتاب الطهارة).\n٥٥٦٩ - [٤] (أنس) قوله: (والأباريق) جمع إبريق معرب آبريز.\n٥٥٧٠ - [٥] (ثوبان) قوله: (يغت فيه ميزابان) بضم معجمة وكسرها من نصر وضرب، فمثناة مشددة، أي: يدفقان دفقًا متتابعًا دائمًا، غت في الماء: غمسه، والغت يجيء بمعنى الغمس، يقال: غت في الماء غمسه، ومنه حديث: (يغتهم اللَّه في العذاب) أي: يغمسهم فيه غمسًا متتابعًا، وبمعنى الغلبة والقهر، ومنه حديث: (يا من لا يغته دعاء الداعين) أي: يغلبه ويقهره، وغت فلانًا، أي: غمّه وخَنَقَهُ، وغت الضحك:","vol":"9","page":53},{"text":"٥٥٧١ - [٦] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونَنِي، ثُمَّ يُحَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ مِنِّي. فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ؟ فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِيْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٨٣، م: ٢٢٩٠].\nــ\nأخفاه، وغت الماء: شربه جَرعًا بعد جَرع من غير إبانة الإناء من فيه، وغت الشيء الشيء: أتبع بعضه بعضًا، والكل يتضمن معنى الضغط والغلبة والتتابع.\nويروى (يعب) بمهملة مضمومة وموحدة من عب الماء عبًا، أي: شربه جرعًا متتابعًا، ومنه العباب لمعظم السيل وارتفاعه وكثرته، وعند ابن ماهان (يثعب) بمثلثة ومهملة، أي: يتفجر. وفي (القاموس) (١): ثعب الماء والدم كمنع: فَجَرَهُ فَانْثَعَبَ، وماء ثَعْبٌ: سائل، والثعب: مسيل الوادي، والميزاب بكسر الميم، وقيل بالفتح أيضًا، وفي (القاموس) (٢): وزب الماء يزب: سال، ومنه: الميزاب، أو هو فارسي ومعناه: بُلِ الماءَ، فعرّبوه بالهمز، ولهذا جمعوه بالمآزيب.\n٥٥٧١ - [٦] (سهل بن سعد) قوله: (إني فرطكم) فرط فروطًا بالضم: سبق، وتقدم في الأمر، وفرط القوم: سبق وتقدمهم ليرتاد لهم الماء ويهيء لهم الدلاء والأرشية، أي: أنا سابقكم إلى الحوض كالمهيء له لأجلكم.\nوقوله: (ليردن عليّ أقوام) قيل: لعل هؤلاء هم الذين قال فيهم: (أصيحابي)، وقد سبق شرحه في الفصل الأول من (باب الحشر).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٤٣).","vol":"9","page":54},{"text":"٥٥٧٢ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"يُحْبَسُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُهَمُّوا بِذَلِكَ فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ، فَيَقُولُونَ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ، وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَهُ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ،\nــ\n٥٥٧٢ - [٧] (أنس) قوله: (حتى يهموا بذلك) هو من الهم بمعنى القصد والحزن، معلومًا وَمجهولًا، في (الصراح) (١): هم: أندوه، وكَداختن بيماري تن را، يقال: همني المرض، وقصد، يقال: هممته بالشيء، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ [يوسف: ٢٤]، وفي بعض الروايات من الوهم، وفي (مسلم): (حتى يهتموا) أي: يعتنوا بسؤال الشفاعة، كذا قال الكرماني (٢)، وقال الطيبي (٣): هو علي بناء المجهول من أهمه: إذا أحزنه، أي: يحزنون، من أهمني: إذا أقلقك وأحزنك.\nوقوله: (لو استشفعنا) (لو) للتمني، (فيريحنا) من الإراحة منصوب بتقدير (أن)، من أراح اللَّه العبد: أدخله في الراحة، ومنه: (أرحنا يا بلال)، أو من أراح الشيء: دحرجه وأزاله من مكانه، وهذا المعنى أنسب بقوله: (من مكانن).\nوقوله: (أنت آدم) هو من باب: أنا أبو النجم.\nوقوله: (لست هناكم) أي: لست بالمكان الذي تظنوني فيه من الشفاعة، و(هنا) إذا لحق به كاف الخطاب يكون للبعيد من المكان المشار إليه، أي: أنا بعيد من مكان\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٤٩٨).\n(٢) \"شرح الكرماني\" (٢٥/ ١٥١).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٨٩).","vol":"9","page":55},{"text":"وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ؛ أَكْلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا، وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ، فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ؛ . . . . .\nــ\nالشفاعة ومقامها.\nوقوله: (خطيئته التي أصاب) أي: أصابها، و(أكله) منصوب بدل من (خطيئته)، وكذا الحال في أخواته، وقال الطيبي (١): يجوز أن يكون بيانًا للضمير المبهم المحذوف نحو قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]، انتهى، ولا يخفى بعده بعد الحذف بخلاف المذكور.\nوقوله: (ائتوا نوحًا أول نبي بعثه اللَّه إلى أهل الأرض) استشكل هذه الأولية بآدم وشيث وإدريس عليهم الصلاة والسلام، وأجيب بأن المراد نبي مرسل، والثلاثة كانوا أنبياء ولم يكونوا رسلًا، وفيه خلاف للعلماء، فقد دل بعض الأحاديث على أن آدم وإدريس كانا رسولين، ودلت أيضًا على إنزال الصحف على شيث وهو دليل الإرسال، وقد يجاب أيضًا بأن المراد النبي المبعوث إلى الكفار، وآدم إنما أرسل إلى بنيه ولم يكونوا كفارًا بل أمر بتعليمهم الإيمان وطاعة اللَّه تعالى، وكذلك خلفه شيث وخلفه إدريس، ورسالة نوح كانت إلى كفار أهل الأرض.\nوقد يقال: إن العموم لم يكن في أصل بعثة نوح، وإنما اتفق باعتبار الخلف في الموجودين بعد هلاك سائر الناس، هذا ما قالوا، ويمكن أن يقال: إن الأولية المذكورة إضافية بالنسبة إلى المذكورين بعده من إبراهيم وموسى الذين كانوا أكثر أمة وأشهر أمرًا وأعظم شأنًا، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٩٠).","vol":"9","page":56},{"text":"سُؤَالَهُ رَبَّهُ بِغَيْرِ عِلْمِ، وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ\". قَالَ: \"فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ ثَلَاثَ كَذِبَاتٍ كَذَبَهُنَّ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا آتَاهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَكَلَّمَهُ وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا\". قَالَ: \"فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ؛ قَتْلَهُ النَّفْسَ، وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَرُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ\"، قَالَ: \"فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا. . . . .\nــ\nوقوله: (سؤاله ربه) (ربه) منصوب على أنه مفعول (سؤاله) والمراد به: سؤاله أن ابني من أهلي لإنجائه من الغرق.\nوقوله: (ثلاث كذبات) وهي قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، و﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾، وسارة أختي، ولم تكن كذبات إلا باعتبار الظاهر، ولكن شان المقربين أعلى وأخطر (١)، يؤخذون على ما لا يؤخذ عليه غيرهم.\nوقوله: (قتله النفس) وذلك قتله القبطي بالوكز المذكور في قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص: ١٥].\nوقوله: (فيقول: لست هناكم ولكن ائتوا محمدًا) لم يذكر خطيئته ﵇، قالوا: لعله لاستحيائه من افتراء النصارى في حقه وحق أمه، وقد ورد ذلك في بعض الروايات، ويحتمل أنه ﵇ مع قطع النظر من ذلك لم يره مستحقًا للقيام في هذا المقام، أعني: فتح باب الشفاعة ابتداء لعامة الخلائق والمبادرة إليها، فإنه صعب جدًا لا يتيسر ولا يتصور حصوله إلا لمن كان مخصوصًا بغاية القرب والعزة في حضرة اللَّه تعالى، محمودًا محبوبًا عنده قولًا وفعلًا، وما هو إلا سيد المرسلين وإمام النبيين -ﷺ-، ولهذا تأخر عن\n_________\n(١) كذا في (ك) و(ب) و(ع)، وفي (ر): أخص.","vol":"9","page":57},{"text":"عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ\" قَالَ: \"فَيَأْتُونِّي،\nــ\nالإقدام عليه والدخول فيه النبيون المذكورون غاية أنهم ذكروا في الظاهر عذرًا لهم، ويدل عليه الحديث الآتي من قول كل واحد: (لست لها)، فافهم، واللَّه أعلم، وليس ذلك تواضعًا منهم وإكبارًا لما يسئلونه، كما قاله الطيبي (١).\nوقوله: (غفر اللَّه له ما تقدم وما تأخر) للناس في هذا أقوال، وأحسن الأقوال ما نقل السيوطي عن السبكي أنه قال في تفسيره (٢): وقد تأملت هذا الكلام مع ما قبله وما بعده فوجدته تشريفًا للنبي -ﷺ- من اللَّه ﷾ من غير أن يكون هناك ذنب، ولكن أراد أن يستوعب في الآية جميع أنواع النعم الأخروية والدنيوية، والنعم الأخروية شيئان؛ سلبية، وهي عْفران الذنوب، وثبوتية وهي لا يتناهى، أشار إليها بقوله: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَا﴾ [الفتح: ٢]، والنعم الدنيوية شيئان؛ دينية أشار إليها بقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢]، ودنيوية وهي قوله: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: ٣]، فانتظم بذلك قدر النبي -ﷺ- بأنواع نعم اللَّه تعالى عليه المتفرفة في غيره، ولهذا جعل ذلك غاية للفتح المبين الذي عظمه ومجده بإسناده إليه هو في العظيمة، وجعله خاصًا بالنبي -ﷺ-.\nوقال بعض المحققين: المغفرة هنا كناية عن العصمة، فالمعنى ليعصمك اللَّه فيما تقدم من عمرك وفيما تأخر منه، وقد يكنى عن التخفيفات بلفظ المغفرة والعفو والتوبة، كقوله تعالى عند نسخ قيام الليل: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠]، وعند نسخ تقديم الصدقة بين يدي النجوى: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المجادلة: ١٣]، وعند نسخ تحريم الجماع ليلة الصيام: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧].\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٩٠).\n(٢) انظر: \"سبل الهدى والرشاد\" (٣/ ١٤٠).","vol":"9","page":58},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقال في (الشفا) (١): قيل: إن النبي -ﷺ- لما أمر أن يقول: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] سر بذلك الكفار، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] أي: إنك مغفور لك غير مؤاخذ بذلك إن لو كان، أخرجه ابن المنذر في تفسيره عن ابن عباس، وأخرجه أحمد والترمذي والحاكم عن أنس.\nوقال بعضهم: المغفرة هنا تبرئته من العيوب، وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: فضل اللَّه نبينا -ﷺ- على سائر الأنبياء بوجوه: منها أن اللَّه تعالى أخبره أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولم ينقل أنه تعالى أخبر أحدًا من الأنبياء ﵈ بمثل ذلك، بل الظاهر أنه لم يخبرهم؛ لأن كل واحد إذا طلب منه الشفاعة في الموقف ذكر خطيئته، وإذا استشفعت الخلائق نبينا -ﷺ- في ذلك المقام قال: (أنا لها).\nوفي هذه أقوال مقبولة في هذه الآية، وأما غيرها فمنها مردودة، ومنها ضعيفة، فالمردودة أن المراد بـ ﴿مَا تَقَدَّمَ﴾ ما كان قبل النبوة، وبـ ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾: عصمته عنها وهو مردود بأنه لم يقع منه -ﷺ- ذنب كبير ولا صغير أبدًا، وهو الحق الذي لا محيد عنه، وكذا ما قيل: إن المراد ما وقع في صغره من خروجه مع الغلمان يلعب، وذلك لا يليق بمقامه، ولم يثبت أن لعبه مع الغلمان كان لعب لهو، بل هذه اللفظة إن يثبت في حديث وجب تأويلها على ما يليق به.\nوقد روي أنه -ﷺ- كان يعدل وهو رضيع، وكان مرضعته حليمة تعطيه ثديها فيشرب منه، فإذا أعطته الثدي الآخر امتنع لعلمه بأن له شريكًا في الرضاعة، فهذه أجل من ترك اللعب وهو فوق ذلك السن.\n_________\n(١) \"الشفا بتعريف حقوق المصطفى\" (٢/ ٣٥٧).","vol":"9","page":59},{"text":"فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي فَيَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ\". قَالَ: \"فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ، فَيَحُدُّ لِي حَدًّا،\nــ\nوأما الأقوال الضعيفة فما قيل: ﴿مَا تَقَدَّمَ﴾: من ذنب أبويك آدم وحواء ﵉، ﴿وَمَا تَأَخَّرَ﴾: من ذنوب أمتك، وهو ضعيف؛ لأن آدم ﵇ نبي معصوم وما ينسب إليه ذنب فهو يحتاج إلى تأويل، وأيضًا ذنب الغير لا يضاف إلى غير من صدر عنه بكاف الخطاب، وذنوب الأمة لم تغفر بل منهم من لا يغفر له، وقيل: المراد أنك بحال لو كان لك ذنوب ماضية ومستقبلة يغفرها لك جميعها، وقيل: المراد ما كان عن سهو وغفلة وتأويل، حكاه الطبري، واختاره القشيري، وقال مكي: مخاطبة النبي -ﷺ- هنا هي مخاطبة لأمته، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فأستأذن على ربي في داره) أي: في الدخول في دار ربي، والإضافة للتشريف، والمراد المقام الخاص الذي لا يدخله أحد غيره، ويرفع فيه الحجاب، وقيل: ذلك تحت عرشه تعالى كما يأتي في حديث أبي هريرة.\nوقوله: (وسل تعطه) يحتمل أن يكون هاء السكت وأن يرجع إلى المفعول المحذوف.\nوقوله: (فيحد لي حدًّا) أي: يحد اللَّه تعالى حدًّا، ولا يجوز أن يكون على صيغة المجهول فيكون مسندًا إلى المصدر، أي: يوقع الحد، و(حدًّا) منصوب مفعول مطلق، ومعنى التحديد أن تعين طائفة من العصاة بالاستشفاع فيهم، مثل تاركي الصلاة، أو مرتكبي الزنا، أو شاربي الخمر مثلًا.","vol":"9","page":60},{"text":"فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الثَّانِيَةَ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ\". قَالَ: \"فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ،\nــ\n(فأخرج) على صيغة المتكلم من الخروج، أي: أخرج من دار ربي، (فأخرجهم من النار) استشكل بأن أول الحديث كان في الاستشفاع للإراحة من الموقف، وآخره على أنه لإخراجهم من النار، وتوجيهه أن يقال: لعل المؤمنين كانوا فريقين: فريق يشار به إلى النار من غير توقف، وفريق حُبِسوا في المحشر، فذكر أولًا شفاعتهم ثم بين شفاعة الآخرين، والشفاعة أقسام كما ذكرنا في أول الباب، فذكر منها القسمان وتركت الأقسام الأخر، ففي الكلام اختصار القول، هكذا ذكروا.\nويمكن أن يقال: إن المراد إخراجهم من النار التي استحقوا دخولها، فإن آخر أمر العصاة أن يدخلوا النار، فأزال عنهم هذه البلية بالشفاعة لهم في أول الأمر، فلم يدخلوا، وهو المراد بإخراجهم من النار، لا الإخراج منها بعد دخولها بالفعل، وهذا كما يقال: أخرجه من هذه الورطة بأن فعل به ما لم يوجب دخوله فيها، وأما القول بأنّ المراد بالنار: شدة الحر من دنو الشمس، وبالإخراج الخلاص منها فبعيد، (قال) أي: النبي -ﷺ-، ففي قوله: (نبيكم) وضع المظهر موضع المضمر، أو قال الراوي فهو على ظاهره.\nوقوله: (بثناء وتحميد يعلمنيه) يحتمل أن يكون هذا التحميد هو التحميد السابق أو غيره، ويؤيده قوله في الحديث الآخر: و(يلهمني محامد فأحمد بتلك المحامد)، واللَّه أعلم.","vol":"9","page":61},{"text":"ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثَةَ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ، فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ سَاجِدًا، فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي ثُمَّ يَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ\". قَالَ: \"فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ فَأُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، حَتَّى مَا يَبْقَى فِي النَّارِ إِلَّا مَنْ قَدْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ\" أَيْ: وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ، ثُمَّ تَلَا هَذِه الآيَةَ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩] قَالَ: \"وَهَذَا الْمقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وَعَدَهَ نبَيَّكُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٦٥، م: ١٩٣].\n٥٥٧٣ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: اشْفَع إِلَى رَبِّكَ فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَيَأْتونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُوسَى فَإِنَّهُ كَلِيمُ اللَّه، فَيَأْتُونَ مُوسَى، فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِعِيسَى فَإِنَّهُ رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ، فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ لَهَا، وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِمُحَمَّدٍ، فَيَأْتُونِّي فَأَقُولُ: أَنَا لَهَا، فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي فَيُؤْذَنُ لِي، وَيُلْهِمُنِي مَحَامِدَ أَحْمَدُهُ بِهَا، لَا تَحْضُرُنِي الآنَ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، وَأَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ،\nــ\n٥٥٧٣ - [٨] (وعنه) قوله: (ولكن عليكم بإبراهيم) ليس فيه ذكر نوح (١).\n_________\n(١) قال العيني (١٦/ ٦٨٩): فإنه سبق في الروايات الأخر، وذهل عنه الراوي هنا، انتهى. =","vol":"9","page":62},{"text":"فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأقولُ: يَارَبِّ! أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ أَوْ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ!، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ فَأَنْطَلِقُ فَأفْعَلُ، ثم أَعُودُ الرَّابِعَةَ فأحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِد ثُمَّ أَخِرُّ لهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ تُسْمَعْ: وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، وَلَكِنْ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ: لَا إِلَه إِلَّا اللَّه\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٥١٠، م: ١٩٣].\nــ\nوقوله: (فأقول: يا رب! أمتي أمتي) المفهوم من ظاهر الحديث السابق أن القضية المذكورة كانت في الناس كلهم، وهذا يدل على تخصيص هذه الأمة، فإما أن يكون قضيتين، وإما أن يكون الابتداء بالأمة والانتهاء إليهم، واللَّه أعلم.\nوقوله: (مثقال شعيرة من إيمان) أي: من ثمراته من القوة والازدياد، أو العمل والطاعة، وكذا في أخواته، وأما قوله: (فيمن قال: لا إله إلا اللَّه) فالمراد نفس الإيمان من غير اعتبار قوته وازدياده، ولذا قال: (من قال: لا إله إلا اللَّه)، أي: لم يزد على\n_________\n= وقال الحافظ (١١/ ٤٣٤): والعمدة على من حفظ.","vol":"9","page":63},{"text":"٥٥٧٤ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٩٩].\n٥٥٧٥ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِلَحْمٍ، فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ، وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ، فَنَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً ثُمَّ قَالَ: \"أَنَا سَيِّدُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَتَدْنُوْ الشَّمْسُ فَيَبْلُغُ النَّاسُ مِنَ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ، فَيَقُولُ النَّاسُ: أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَّشْفعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُم؟ فَيَأْتُونَ آدَمَ\". وَذَكرَ حَدِيثَ الشَّفَاعَةِ وَقَالَ: \"فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ الْعَرْشِ فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَقُولُ: أُمَّتِي يَا رَبِّ! أُمَّتِي يَا رَبِّ! أُمَّتِي يَا رَبِّ! فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ! . . . . .\nــ\nذلك شيئًا.\n٥٥٧٤ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (أسعد الناس بشفاعتي) أي: أفوزهم لكونهم أحوج الناس، وأما الذي له أعمال حسنة زائدة على الناس فهم أيضًا فائزون بشفاعتي ومستسعدون بها، أما هؤلاء فهم أحوج وأسعد.\nوقوله: (من قلبه أو نفسه) من شك الراوي.\n٥٥٧٥ - [١٠] (وعنه) قوله: (فنهس منها نهسة) الرواية المشهورة بالسين المهملة، وقد يروى بالمعجمة، والأول الأخذ بأطراف الأسنان، والثاني بالأضراس.\nوقوله: (لم يفتحه على أحد قبلي) بل عليّ أيضًا قبل هذا المقام.","vol":"9","page":64},{"text":"أَدْخِلْ مِنْ أُمَّتِكَ مَنْ لَا حِسَابَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْبَابِ الأَيْمَنِ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، وَهُمْ شُرَكَاءُ النَّاسِ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِنَ الأَبْوَابِ\" ثُمَّ قَالَ: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ كَمَا بَيْنَ مَكَّةَ وَهَجَرَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٧١٢، م: ١٩٤].\n٥٥٧٦ - [١١] وَعَنْ حُذَيْفَةَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٥].\nــ\nوقوله: (إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة) المصراعان: قطعتان من باب واحد تغلقان على منفذ واحد، يكون الداخل في وسطهما، كمصراعي البيت من الشعر شبها بهما، وأصله من الصرع بمعنى الدفع والإلقاء، وقال في (مشارق الأنوار) (١): أي من أبوابها، والمصراع: الباب، ولا يقال مصراع حتى يكونا اثنين، انتهى، فيكون المقصود بيان سعة الباب، وقال الطيبي (٢): المصراعان: البابان المغلقان على منفذ واحد.\n(وهجر) اسم لموضعين، أحدهما من قرى المدينة وهو المراد في حديث: (إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر لم يحمل الخبث) (٣)، وقيل: من قرى البحرين، قيل: والصحيح أن المراد هنا الأخير.\n٥٥٧٦ - [١١] (حذيفة) قوله: (فتقومان جنبتي الصراط) بفتح النون بمعنى\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٤٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ١٩٨).\n(٣) أخرجه أبو داود في \"سننه\" (٦٣).","vol":"9","page":65},{"text":"٥٥٧٧ - [١٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- تَلَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي إِبْرَاهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وَقالَ عِيسَى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ [المائدة: ١١٨] فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: \"اللهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي\" وَبَكَى، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: يَا جِبْرِيلُ! اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ -وَرَبُّكَ أَعْلَمُ- فَسَلْهُ مَا يُبْكِيهِ؟ . فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَا قَالَ، فَقَالَ اللَّهُ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: . . . . .\nــ\nالجنب بسكونها، والْجَنْبُ والجانب والجَنَبَة: شِقُّ الإنسان وغيره، كذا في (القاموس) (١)، أي: ناحيتيه للمحاجة للأمين والواصل، وعلى الخائن والقاطع، وذلك بأن يُمثلا على صورتين، أو هو كناية عن عظم شأنهما وفخامة ما يلزم العباد من رعاية حقهما.\n٥٥٧٧ - [١٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (وقال عيسى) (قال) هنا بمعنى القول مصدرًا عطفًا على قول اللَّه.\nوقوله: (﴿إِنَّهُنَّ﴾) أي: الأصنام (﴿أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾) آخر الآية: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، وآخر قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ومعنى الشفاعة إنما يفهم من آخر الآيتين، والحاصل أنه -ﷺ- ذكر شفاعة هذين النبيين المكرمين لأمتهما، فذكر أمته ورقّ وشفع لهم، وشتان ما بين الشفاعتين، فإن شفاعتهما بصيغة الشرط والتردد، وشفاعته بالجزم والقطع، وذلك لغاية جاهه وعزته ومكانته عند ربه ﷿، ولا يخفى ما في جوابه تعالى له من التقرير والتأكيد، وما في\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٧).","vol":"9","page":66},{"text":"إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلَا نَسُوؤُكَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٢].\n٥٥٧٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ أُنَاسًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَرَى رَبَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نَعَمْ، هَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤيَةِ الشَّمْسِ بِالظَهِيرَةِ صَحْوًا لَيْسَ مَعَهَا سَحَابٌ؟ وَهَلْ تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ صَحْوًا لَيْسَ فِيهَا سَحَابٌ؟ \" قَالُوا: لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: \"مَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا كَمَا تُضَارُّونَ فِي رُؤْيَةِ أَحَدِهِمَا، إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ: لِيَتَّبِعْ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ، فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ كَانَ يَعْبَدُ غَيْرَ اللَّهِ مِنَ الأَصْنَامِ وَالأَنْصَابِ إِلَّا يَتَسَاقَطُونَ فِي النَّارِ،\nــ\nالحديث من غاية لطفه تعالى بهذا الرسول الكريم، وعظم منزلته ولطفه، وما فيه من البشارة لهذه الأمة المرحومة الملطوفة، اللهم إنا نسألك بجاه محمد -ﷺ- أن تغفر لنا، وترحمنا في الدنيا والآخرة، آمين، وشفاعته بدعوته.\nوقوله: (ولا نسوؤك) أي: لا نحزنك.\n٥٥٧٨ - [١٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (هل تضارون) قد سبق شرحه وبيان ما فيه من الروايات في (باب الحساب) في حديث أبي هريرة فلا نعيده، و(الصحو) ذهاب الغم، أصحت السماء: إذا خلت عن الغيم، (ليس معها) أي: مع الشمس.\nوقوله في ذكر القمر: (ليس فيها) أي: في ليلة البدر.\nوقوله: (ليتبع) بصيغة الأمر مع اللام. و(الأنصاب) جمع نصب وهو بضم النون والصاد وسكونها، وجاء بفتح النون والصاد: حجر كانوا ينصبونه في الجاهلية ويتخذونه صنمًا فيعبدونه، وجمعه أنصاب، وقيل: هو حجر كانوا ينصبونه ويذبحون عليه فيحمرّ","vol":"9","page":67},{"text":"حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ أَتَاهُمْ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ: . . . . .\nــ\nبالدم، وفي حديث إسلام أبي ذر: (كأني نصب أحمر) يريد: أنهم ضربوه حتى أدموه، فصار كالنصب المحمر بدم الذبائح، وقد عطف على الأصنام، فإن كان النصب أحجارًا فالعطف ظاهر، وإن كان معبودًا فتفسيري، وفي (شرح جامع الأصول) (١): الأنصاب: أحجار، وقيل: أصنام، وفي (القاموس) (٢): هو بضمتين: ما عُبِدَ من دون اللَّه، وقول الطيبي (٣): هي حجارة كانت تنصب وتعبد من دون اللَّه، ويذبحون عليها تقربًا إلى آلهتهم، جمع بين المعنيين، وإشارة إلى أن نصبهم الحجارة والذبح عليها ليس إلا لاعتقاد معبوديتها.\nوقوله: (أتاهم رب العالمين) أي: أمره، أو تجلى وتقرب، أو أتاه ملك من ملائكته، وقالوا: إن الرؤية التي هي ثواب المؤمنين في الجنة غير هذه الرؤية المذكورة، وهذه امتحان من اللَّه تعالى، فيقع بها التمييز بين من عبد اللَّه وبين من عبد الطواغيت، ليتبع كل من الفريقين معبوده، والآخرة وإن كانت دار جزاء فقد يقع فيها الامتحان، كما أن الدنيا دار امتحان وقد يقع فيها الجزاء، قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] بدليل أن القبر هو أول منزل من منازل الآخرة يجري فيه الابتلاء، ولقد أشبع الطيبي (٤) الكلام في هذا المقام بما لا مزيد عليه نقلًا عن بعض شراح الحديث فلينظر ثمة.\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (٢/ ٤١٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٤٠).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٢٠١).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٢٠٢).","vol":"9","page":68},{"text":"فَمَاذَا تَنْظُرُونَ؟ تَتْبَعُ كُلُّ أُمَّةٍ مَا كَانَتْ تَعْبُدُ. قَالُوا: يَا رَبَّنَا فَارَقْنَا النَّاسَ فِي الدُّنْيَا أَفْقَرَ مَا كُنَّا إِلَيْهِم وَلَمْ نُصَاحِبْهُمْ\".\n٥٥٧٩ - [١٤] وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ: \"فَيَقُولُونَ: هَذَا مَكَانُنَا حَتَّى يَأْتِيَنَا رَبُّنَا، فَإِذَا جَاءَ رَبُّنَا عَرَفْنَاه\". وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ: \"فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ، فَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ للَّهِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ إِلَّا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالسُّجُودِ، وَلَا يَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ اتِّقَاءً وَرِيَاءً إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ ظَهْرَهُ طَبَقَةً وَاحِدَةً،\nــ\nوقوله: (فماذا تنظرون؟) أي: أيّ شيء تنظرون لِمَ لا تتبعوهم (قالوا: يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا) أي: ما اتبعناهم.\nوقوله: (أفقر) حال من ضمير (فارقنا)، و(ما) مصدرية حينية، أي: عند أفقر أوقات كوننا محتاجين إليهم فكيف نتبعهم الآن وهم مع ما يعبدون حصب جهنم.\n٥٥٧٩ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (فيكشف عن ساق) هذا مما يجب فيه التوقف عند السلف أو يأول بالكشف عن أمر فظيع، وقد مر تأويله في (باب لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)، وقيل: المراد النور العظيم، وقيل: جماعة من الملائكة، وروي (يكشف عن ساقه) معروفًا ومجهولًا.\nوقوله: (من تلقاء نفسه) أي: من جانبها وجهتها، أي: بالإخلاص من غير ملاحظة الخلق وما سواه تعالى، وخوف واتقاء من الناس أو السيف لمقابلة قوله: (اتقاء ورياء).\nوقوله: (طبقة واحدة) أي: من غير فاصل بين فقراته، وهذا ما قال اللَّه سبحانه:","vol":"9","page":69},{"text":"كُلَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ خَرَّ عَلَى قَفَاهُ، ثُمَّ يُضْرَبُ الْجِسْرُ عَلَى جَهَنَّمَ، وَتَحِلُّ الشَّفَاعَةُ، وَيَقُولُونَ: اللهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ كَطَرَفِ الْعَيْنِ، وَكَالْبَرْقِ، وَكَالرِّيح، وَكَالطَّيْرِ، وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيْلِ، وَالرِّكَابِ؛ فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوشٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ،\nــ\n﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم: ٤٢]، قد يستدل به على جواز تكليف ما لا يطاق، وأقول: الخلاف فيه إنما بالتكليف في دار الدنيا التي يطلب فيها الفعل، وأما هاهنا فالمقصود هو التميز والتفرقة بين المخلصين والمنافقين، فهو في حكم جزاء الأعمال. و(تحل) بكسر الحاء وضمها، أي: تقع الشفاعة ويؤذن فيها.\nوقوله: (ويقولون) أي: الأنبياء، وقد صرح به في حديث أبي هريرة من قوله: (وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم)، والظاهر أنهم يطلبون ذلك لأممهم، أي: سلمهم من تعب الصراط، وضرره وسقوطهم في النار. و(أجاويد) جمع أجواد وهو الفرس السابق الجيد. و(الركاب) بكسر الراء: الإبل، واحدتها راحلة، ولا واحد لها من لفظها.\nوقوله: (ومخدوش) خدشه: خمشه، وخدش الجلد: مزقه، قلّ أو كثر، أو قشره بعود ونحوه، والخدش اسم لذلك الأثر أيضًا.\nوقوله: (مرسل) أي: متروك مطلق مخلص، والإرسال: الإطلاق والإهمال، و(مكدوش) في (القاموس) (١) كدشه: خدشه، وضربه بسيف أو رمح، ودفعه دفعًا عنيفًا، وقطعه وساقه وطرده.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (٥٥٨).","vol":"9","page":70},{"text":"حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ. . . . .\nــ\nوقال القاضي عياض في (المشارق) (١): (مكدوش) بالشين المعجمة للعذري، ولغيره في \"الصحيحين\" بالمهملة، فـ (مكدوس) مثل: (مخدوش) في الحديث الآخر، ومثل (مخردل) في الآخر، قال ابن دريد: كدشه: إذا قطعه بأسنانه قطعًا، كما يقطع القثاء وما أشبهه، وقد يكون أيضًا مرميًا مطروحًا فيها، وقال صاحب (العين): الكدش: السوق، ويكون هذا معنى مكدوس بالمهملة في الرواية الأخرى، أي: مطروح على غيره، والتكديس: طرح الشيء بعضه على بعض، ويروى: ومنهم المكردس بالراء والدال المهملة وبالسين المهملة، أي: الموثق الملقى في النار، وقد يكون بمعنى المكدوس المتقدم، أي: يلقى على غيره بعضهم على بعض، من قولهم لكتائب الخيل: كراديس لاجتماعها، والتكردس: التجمع، انتهى. ويقال: كردس القائد خيله: إذا جعلها كتيبة، وفي (القاموس) (٢): الكردوسة بالضم: قطعة عظيمة من الخيل، والكردسة: الوثاق، ومشي في تقارب خَطْو كالمقيد والسَّوْق العنيف، وكُردِسَ بالضم: جمعت يداه ورجلاه، وتكردس: انقبض واجتمع.\nوقوله: (حتى إذا خلص المؤمنون من النار) أس ي: خرج المؤمنون المكدوسون الذين سقطوا في النار، أي: بعضهم بعد رؤية العذاب بقدر ذنوبهم، وفيه دليل على أن المؤمنين لا يخلدون في العذاب.\nوقوله: (فوالذي نفسي بيده. . . إلخ)، جواب (إذا) يعني أنهم إذا خرجوا من النار شفعوا وناشدوا لإخوانهم الذين ألقوا في النار ولم يخرجوا بعد لكثرة معاصيهم.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٥٤٥ - ٥٤٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٢٧).","vol":"9","page":71},{"text":"مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْكُمْ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً فِي الْحَقِّ -قَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ- مِنَ الْمُؤْمِنِينَ للَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا، وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: . . . . .\nــ\nوقوله: (يقولون: ربنا) بيان للمناشدة.\nوقوله: (ما من أحد منكم بأشد مناشدة في الحق -قد تبين لكم- من المؤمنين يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار) لا بد من بيان إعراب هذا التركيب، فقوله: (بأشد) خبر (ما)، و(مناشدة) أي: مطالبة ومساءلة تمييز، (وفي الحق) ظرف للمناشدة، و(قد تبين) صفة لـ (الحق) لكونه في المعنى كالنكرة، أي: حق تبين وظهر لكم ثبوته على خصمكم، أو حال وإنما قيد بهذا؛ لأنه تكون المناشدة والمطالبة فيه أكثر وأشد، و(من المؤمنين) متعلق (بأشد) تعلق (من) التفضيلية باسم التفضيل، وهو من قبيل وضع المظهر موضع المضمر والظاهر منكم، كذا قال الطيبي (١)، ولو أريد بالمخاطبين في (منكم): الحاضرون في الدنيا، وبـ (المؤمنين) في (من المؤمنين): المؤمنون المناشدون للَّه تعالى الشافعون في الآخرة لم يكن من وضع المظهر، بل هذا أوضح وأظهر في المعنى.\nنعم الظاهر (منهم) برجوع الضمير إلى (المؤمنين) المذكورين قبل، فلو قيل: إنه من وضع المظهر موضع المضمر بهذا الاعتبار لكان له وجه، فافهم، والمعنى أن المؤمنين الذين خرجوا من النار أشد مناشدة للَّه تعالى وأكثر مطالبة وسؤالًا منه لإخراج المؤمنين الذين بقوا في النار بمعاصيهم من القوم الذين يناشدون في الحق الصريح الذي تبين ثبوته على خصمائهم، فإن هؤلاء يناشدون ويطالبون الحق غاية جهدهم،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٢٠٦).","vol":"9","page":72},{"text":"أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ. فَيَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُم فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيِّرًا، فَيَقُولُ اللَّهُ: شُفِّعَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَشُفِّعَ النَّبِيُّونَ، وَشُفِّعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ،\nــ\nوالمؤمنون أشد مناشدة للَّه ومطالبة منهم.\nوقوله: (فتحرم) بالتشديد (صورهم) أي: وجوههم (على النار) ليعرفوا. وقيل: الضمير للداخلين.\nوقوله: (ممن أمرتنا به) أي: بإخراجه والمأمور به إخراج من عرفتم، ولعل المراد ممن عرفتم أنه من أهل الخير والصلاح، وهو الظاهر من سياق الحديث، فالمراد بالخير ما هو زائد على أصل الإيمان سواء كان من أعمال الجوارح أو القلب.\nوقوله: (لم نذر فيها خيرًا) أي: لم ندع في النار أحدًا ممن كان فيه خير زائد على أصل الإيمان.\nوقوله: (شفعت الملائكة وشفع النبيون) لم يقع في هذا الحديث ذكر لشفاعة الملائكة والنبيين وكأنه سبق منهم شفاعة ثم شفع بعدهم المؤمنون، ولكنه لم يذكر واقتصر على ذكر شفاعة المؤمنين لغرابتها ووقوعها على أشد الوجوه وأوكدها.","vol":"9","page":73},{"text":"فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ، قَدْ عَادُوا حُمَمًا فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهْرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ: نَهْرُ الْحَيَاةِ. . . . .\nــ\nوقوله: (قد عادوا) أي: صاروا، و(الحمم) جمع حمة بمعنى الفحمة، ولعل المراد: صاروا كالحمم وسودًّا، محرقين.\nوقوله: (في أفواه الجنة) يتراءى في الظاهر أنه جمع فوه الذي بمعنى فم، ولكنهم جعلوه جمع فوّهة بضم الفاء وتشديد الواو المفتوحة هي من الطريق والوادي: فمه، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصراح) (٢): فوهة بالضم والتشديد: دهانه كوى، ودهانه جوى، أفواه جماعة، وفي (المشارق) (٣): يقال: فوهة النهر والطريق، مضموم الفاء مشدد الواو، أي: فمه وأوله، كأنه يريد مفتتحات مسالك قصور الجنة ومنازلها.\nوفي (النهاية) (٤): يقال لأول الزقاق والنهر: فوهته، بضم الفاء وتشديد الواو، وقال النووي: أفواه السكك، أي: أبواب الطرق، وقال الطيبي (٥): الأفواه جمع فوهة، بضم الفاء وتشديد الواو، وهو جمع سمع من العرب على غير القياس، وأفواه الأزقة والأنهار: أوائلها، انتهى. ولا يذهب عليك أن ذلك باعتبار التشبيه بالضم، ولكنه قد جاء (فوهة) بهذا المعنى فجعلوا الأفواه جمعًا لها، فتدبر.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٦٧).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٥٣٧).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٧٧).\n(٤) \"النهاية\" (٣/ ٤٨١).\n(٥) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٢٠٨).","vol":"9","page":74},{"text":"فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ،\nــ\nوقوله: (فيخرجون) أي: من ذلك النهر (كما تخرج الحبة) قال في (المشارق) (١): هي بكسر الحاء وتشديد الباء، قال الفراء: بذر البقل، وقال الكسائي: هو حب الرياحين بالفتح، وقال أبو عمرو: هو نبت ينبت في الحشيش الصغار، وقال النضر بن شميل: الحبة بكسر الحاء: اسم جامع لحبوب البقل التي تنتشر إذا هاجت الريح، فإذا أمطرت السماء من قابل نبتت، والحبة من العنب حبة بالفتح، وحب الحبة الذي داخلها، وقال الحربي: ما كان من النبت له حب، فاسم ذلك الحب الحبة، وقال غيره: فأما الحنطة ونحوها فهو الحب لا غير، وقالوا: الحبة فيما هو حبوب مختلفة.\nوقال ابن دريد: وهو جميع ما تحمله البقول من ثمرة، وجمعه حبب، وتشبيهه نباتهم بنبات الحبة لوجهين؛ أحدهما: بياضها كما ذكر في الحديث فيهم وفيها، والثاني: سرعة نباتها؛ لأنها تنبت في يوم أو ليلة، انتهى. والأولى كما قال الطيبي: إنه إنما شبهه سرعة نباته وحسنه وطراوته؛ لأن وجود البياض في المشبه به محل خفاء كما في المشبه، كيف وقد يأتي في الحديث الآتي: (أنها تخرج صفراء)، وأما ما ذكر القاضي من ذكره في الحديث، فكأنه أراد قوله -ﷺ-: (كاللؤلؤ)، جاء في حديث آخر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (في حميل السيل) في (المشارق) (٢): هو ما حمله السيل من طين وغثاء، والحميل بمعنى المحمول كقتيل بمعنى المقتول، وقال الحربي: فيه وجه آخر: أن الحميل ما لم يصبك مطره ومر عليك سيله، كالحميل من الناس من حمل إليك ممن\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٧٢).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣١٥).","vol":"9","page":75},{"text":"فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِمُ، فَيَقُولُ أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَن أَدْخَلَهُمْ الْجَنَّةَ بِغَيْر عَمَلٍ عَمِلُوهُ، وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلُهُ مَعَهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٠٦، م: ١٨٢].\n٥٥٨٠ - [١٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرَجُونَ قَدِ امْتُحِشُوا وَعَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهْرِ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَوْا أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوَيَةً\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٦٠، م: ١٨٤].\nــ\nلم يولد بأرضك، وكذلك من نزل بقوم منهم يقال له: حميل.\nوقوله: (في رقابهم الخواتم) المراد به العلامات ليمتازوا عن الخارجين من النار بالعمل الصالح.\nوقوله: (لكم ما رأيتم ومثله معه) قال الطيبي (١): فيه حذف، أي: ينظرون في الجنة إلى أشياء، فيقال: لكم ما رأيتم ومثله معه، انتهى. ويمكن أن يكون (ما رأيتم) عبارة عما فضل اللَّه تعالى عليهم من إخراجهم من النار وإدخالهم الجنة، أي: لكم ما شاء من العناية والكرم ومثله معه من نعيم الجنة وأنواع العطايا فيها.\n٥٥٨٠ - [١٥] (وعنه) قوله: (قد امتحشوا) في (القاموس) (٢): المحش: قشر الجلد من اللحم، وفي (النهاية) (٣): المحش: احتراق الجلد وظهور العظم. قال\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٢٠٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٥٩).\n(٣) \"النهاية\" (٤/ ٣٠٢).","vol":"9","page":76},{"text":"٥٥٨١ - [١٦] وَعَن أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ نَرَى رَبَّنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ فَذَكرَ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، غَيْرَ كَشْفِ السَّاقِ وَقَالَ: \"يُضْرَبُ الصِّرَاطُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَهَنَّمَ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَّجُوزُ مِنَ الرُّسُلِ بِأُمَّتِهِ، وَلَا يَتَكَلَّمُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا الرُّسُلُ، وَكَلَامُ الرُّسُلِ يَوْمَئِذٍ: اللهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ. وَفِي جَهَنَّمَ كَلَالِيْبُ. . . . .\nــ\nالقاضي عياض (١): امتحشوا وامتحشت، ضبطه أكثرهم: بضم التاء وكسر الحاء على ما لم يسم فاعله، وضبطناه على أبي بحر بفتح التاء والحاء في الأول، وضبط الأصيلي في الآخر بفتحهما أيضًا، يقال: محشته النار: أحرقته، وقال ابن قتيبة: محش النار وامتحش، وحكى يعقوب أمحشه الحر: أحرقه، وقال غيره: ولا يقال: محشته في هذا بمعنى أحرقته، وحكى صاحب (الأفعال) الوجهين بمعنى أحرقته، قال: ومحشت لغة، وأمحشت المعروف، ويقال: امتحش فلان غضبا، أي: احترق، وقال الداودي: انقبضوا واسودوا.\n٥٥٨١ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (فاكون أول من يجوز من الرسل بأمته) ظاهره أنه -ﷺ- يجوز ويمر على الصراط مع أمته تحلة للقسم في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، وقد اختلف في ذلك، وخص -ﷺ- من هذا العموم، ويجوز أن تجعل الباء للتعدية بمعنى: يجيز أمته واقفًا عليه حاضرًا عنده، واللَّه أعلم.\nوقوله: (في جهنم كلاليب) جمع كلوب بفتح كاف وتشديد لام مضمومة: حديدة لها شعب يعلق به اللحم، وفي (النهاية) (٢): هو بالتشديد: حديدة مُعْوَجَّة\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٦١٠).\n(٢) \"النهاية\" (٤/ ١٩٥).","vol":"9","page":77},{"text":"مِثْلُ شَوْكِ السَّعْدَانِ لَا يَعْلَمُ قَدْرَ عِظَمِهَا إِلَّا اللَّهُ، تَخْطِفُ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُوبَقُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَرْدَلُ، ثُمَّ يَنْجُو حَتَّى إِذَا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَأَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ مِنَ النَّارِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَهُ مِمَّنْ كَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ،\nــ\nالرأس، وقد سبق في (باب الرؤيا).\n(والسعدان) بفتح السين وسكون العين والمهملة: نبت من أفضل مراعي الإبل، ومنه (مرعى ولا كالسعدان) وله شوك يشبه حلمةَ الثدي، وفي (الصحاح) (١): ولهذا النبت شوك يقال له: حسك السعدان، وفي (مجمع البحار) (٢) عن النووي: هو بفتح سينه وسكون عينه: نبت له شوك عظيم مثل الحسك من كل الجوانب.\nوقوله: (تخطف) في (القاموس) (٣): خطف الشيء كسمع وضرب، أو هذه قليلة أو رديئة: استلبه، انتهى. وقد قرئ في قوله تعالى: ﴿يَخْطَفُ﴾ [البقرة: ٢٠] بالكسر أيضًا.\nوقوله: (من يوبق بعمله) في (القاموس) (٤): وبق كوعد، ووجِل، ووَرِث، وُبُوقًا ومَوبِقًا: هلك، وأوبقه: حبسه أو أهلكه، (ومنهم من يخردل) أي: يقطع، وهو كالمخدوش والمكدوش كما مر، يعني أن الكافر يهلك ولا ينجو، والمؤمن الفاسق يقطع ويخدش ثم ينجو.\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٢/ ٤٨٨).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٧٣).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٤٣).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٥٤).","vol":"9","page":78},{"text":"أَمَرَ الْمَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ، فَيُخْرِجُونهمْ وَيَعْرِفُونَهُمْ بِآثَارِ السُّجُودِ، وَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ، فَكُلُّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ النَّارُ إِلَّا أَثَرَ السُّجُودِ، فَيُخْرَجُونَ مِنَ النَّارِ قَدِ امْتُحِشُوا، فَيُصَبُّ عَلَيْهِمْ مَاءُ الْحَيَاةِ، فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، وَيَبْقَى رَجُلٌ بَيْنَ الجنَّةِ والنارِ وَهُوَ آخرُ أَهْلِ النَّارِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ قِبَلَ النَّارِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! اصْرِفْ وَجْهِي عَن النَّار قَد قَشَبَنِي رِيحُهَا، وَأَحْرَقَنِي ذَكَاؤُهَا. . . . .\nــ\nوقوله: (أمر الملائكة) إما بعد شفاعتهم، أو شفاعة الأنبياء والرسل، أو شفاعة المؤمنين.\nوقوله: (إلا أثر السجود) أي: موضع أثر السجود، والمراد الجنس، فيشمل جميع أعضاء السجود، والتخصيص بالجبهة لا وجه له إلا باعتبار المواجهة أو شرفه.\nوقوله: (فيصب عليهم ماء الحياة) لا منافاة بينه وبين ما ورد: (أنهم يدخلون في نهر الحياة)، فيجوز أن يكون الصب بإلقائهم في نهرها.\nوقوله: (وقد قشبني) القشب: الخلط، وسقي السم، والإصابة بالمكروه المستقذر، وقشبني ريحه: آذاني، وقال في (المشارق) (١): معناه سَمَّنَي وآذاني، والقشب: السم، ويقال: قشبه الدخان: إذا ملأ خياشيمه.\nوقوله: (وأحرقني ذكاؤها) في (المشارق) (٢): أي شدة حرها والتهابها، كذا هو بفتح الدال ممدودًا عند الرواة، والمعروف في شدة حر النار القصر، إلا أن أبا حنيفة\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٣٢٦).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤٢٨).","vol":"9","page":79},{"text":"فَيَقُولُ: هَلْ عَسَيْتَ إِنْ أَفْعَلْ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَ ذَلِكَ؟ فَيَقُول: لَا وَعِزَّتِكَ، فيُعطِي اللَّهَ مَا شاءَ اللَّهُ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيَصْرِفُ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ، فإِذا أَقْبَلَ بِهِ عَلَى الْجَنَّةِ وَرَأى بَهْجَتَهَا سَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ، ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ! قَدِّمْنِي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎: أَلَيْسَ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنْتَ سَأَلْتَ. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! لَا أَكُونُ أَشْقَى خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: فَمَا عَسَيْتَ إِنْ أُعْطِيتَ ذَلِكَ أَنْ تَسْأَلَ غَيْرَهُ. . . . .\nــ\nذكر فيه المد، وخطأه فيه علي بن حمزة في ردوده، يقال منه: ذكت النار تذكو ذكًا وذكوًا، ومنه: ذكا الطيب: انتشار ريحه، وأما الذكاء ممدودًا فتمام السن وذكاء القلب، انتهى. وفي (القاموس) (١): ذكت النار ذُكُوًّا [ذكًا]، وذكاء بالمد عن الزمخشري، واستذكت: اشتد لهبها.\nوقوله: (هل عسيت) معنى الرجاء راجع إلى المخاطب كالترجي في: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٧٣].\nوقوله: (فيعطي اللَّه) فاعله ضمير الرجل، (فإذا أقبل به على الجنة) لعل الباء للتعدية، أي: أقبله اللَّه تعالى.\nوقوله: (لا أكون أشقى خلقك) بأن أكون خارج الجنة، والمؤمنون فيها، فلا أقل من أن أكون عند بابها، والشقا: الشدة والعُسْر، ويمد، كذا في (القاموس) (٢).\nوقوله: (فما عسيت) (ما) استفهامية، و(أعطيت) بلفظ المجهول.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩٥).","vol":"9","page":80},{"text":"فَيَقُولُ: لَا وَعِزَّتِكَ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَيُعْطِي رَبَّهُ مَا شَاءَ مِنْ عَهْدٍ وَمِيثَاقٍ، فَيُقَدِّمُهُ إِلَى بَابِ الْجَنَّةِ، فَإِذَا بَلَغَ بَابَهَا، فَرَأَى زَهْرَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنَ النَّضْرَةِ وَالسُّرُورِ، فَسَكَتَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسْكُتَ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! أَدْخِلْنِي الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ اللَّهُ ﵎: وَيْلَكَ يَا ابْنَ آدَمَ! مَا أَغْدَرَكَ، أَلَيْسَ قَدْ أَعْطَيْتَ الْعُهُودَ وَالْمِيثَاقَ أَنْ لَا تَسْأَلَ غَيْرَ الَّذِي أُعْطِيتَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! لَا تَجْعَلْنِي أَشْقَى خَلْقِكَ، فَلَا يَزَالُ يَدْعُو حَتَّى يَضْحَكَ اللَّهُ مِنْهُ، فَإِذَا ضَحِكَ أَذِنَ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُ: تَمَنَّ فَيَتَمَنَّى حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ أُمْنِيَّتُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (١): تَمَنَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا، أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ رَبُّهُ حَتَّى إِذَا انْتَهَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ\" وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ: \"قَالَ اللَّهُ: لَكَ ذَلِكَ وَعَشْرَةُ أَمْثَالِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٠٦، م: ١٨٢].\nــ\nوقوله: (فيقول: لا وعزتك) فإن قلت: كيف لم يعاتبه اللَّه تعالى على نقض العهد والحنث في اليمين؟ قلت: حاله حال الولهان والمجانين فيعذروا، وأيضًا ليست تلك دار التكليف فلا مؤاخذة.\nوقوله: (يا رب! لا تجعلني أشقى خلقك) ذكر في هذه المرة بصيغة الدعاء تضرعًا وإلحاحًا لكثرة النقض والعذر، ولذلك لا يزال يدعو حتى يضحك اللَّه تعالى أي: يرضى منه غاية الرضاء.\nوقوله: (أقبل يذكره ربه) من باب تنازع الفعلين في الفاعل.\nوقوله: (يذكره) من التذكير، و(ربه) تنازع فيه الفعلان، ويحتمل المذهبين.\n_________\n(١) \"تعالى\" سقط في نسخة.","vol":"9","page":81},{"text":"٥٥٨٢ - [١٧] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"آخِرُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فَهُوَ يَمْشِي مَرَّةً، وَيَكْبُو مَرَّةً وَتَسْفَعُهُ النَّارُ مَرَّةً، فَإِذَا جَاوَزَهَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا فَقَالَ: تَبَارَكَ الَّذِي نَجَّانِي مِنْكِ، لَقَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ شَيْئًا مَا أَعْطَاهُ أَحَدًا مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ، فَتُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، فَلأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، فَيَقُولُ اللَّهُ: يَا ابْنَ آدَمَ! لَعَلِّي إِنْ أَعْطَيْتُكَهَا سَأَلْتَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ! . . . . . .\nــ\n٥٥٨٢ - [١٧] (ابن مسعود) قوله: (ويكبو مرة) في (القاموس) (١): كبا يكبو كَبْوًا وكُبُوًا: انكبّ على وجهه.\nوقوله: (وتسفعه النار) في (القاموس) (٢): سفع الشيء كمنعه: أعلمه، ووَسَمَه، والمعنى تعلمه النار، وتسميه علامة ووسمة منها بأن تلفحه لفحًا يسيرًا فيتغير لون بشرته، ويظهر فيه أثر منها من احتراق بعض أعضائه واسوداد من لفحها، وأصل السفع: سواد في الوجه، قال الأصمعي: هو حمرة يعلوها سواد.\nوقوله: (ما أعطاه أحدًا من الأولين والآخرين) كلام وقع من غاية الفرح والسرور، وليس المراد حقيقته، بل المراد: أعطاني شيئًا كثيرًا عظيمًا.\nوقوله: (فترفع له شجرة) أي: تظهر رفيعًا.\nوقوله: (فلأستظل) أحد الحرفين الفاء واللام زائدة زيدت للتأكيد واللام مكسورة مقدرة بعدها (أن) ناصبة.\nوقوله: (وأشرب من مائها) ظن من غلبة الظمأ أنه يكون تحتها ماء أو لجريان\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢١٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٧٢).","vol":"9","page":82},{"text":"وَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيرَهَا، وَربُهُ يُعْذِرُهُ؛ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولَى، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ لِأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا وَأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا. فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ فَيَقُولُ: لَعَلِّي إِنْ أَدْنيتُكَ مِنْهَا تَسْأَلُنِي غَيْرَهَا؟ فَيُعَاهِدُهُ أَنْ لَا يَسْأَلَهُ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يُعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَيَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا، وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا، ثُمَّ تُرْفَعُ لَهُ شَجَرَةٌ عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ هِيَ أَحْسَنُ مِنَ الأُولَيَيْنِ، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ! أَدْنِنِي مِنْ هَذِهِ، فَلِأَسْتَظِلَّ بِظِلِّهَا، وَأَشْرَبَ مِنْ مَائِهَا، لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا. فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! أَلَمْ تُعَاهِدْنِي أَنْ لَا تَسْأَلَنِي غَيْرَهَا؟ قَالَ: بَلَى يَا رَبِّ! هَذِهِ لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهَا، وَرَبُّهُ يُعْذِرُهُ لِأَنَّهُ يَرَى مَا لَا صَبْرَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهَا، فَإِذَا أَدْنَاهُ مِنْهَا سَمِعَ أَصْوَاتَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَقُولُ: أَي رَبِّ! أَدْخِلْنِيهَا فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! . . . . .\nــ\nالعادة، أو على الاحتمال.\nوقوله: (وربه يعذره) أي: يجعله معذورًا، وأصل الإعذار: إزالة العذر، وقد يكون بمعنى العذر، يقال: عذرته فيما صنع عذرًا من باب ضرب: رفعت عنه اللوم، فهو معذور، أي: غير ملوم، وأعذرته بالألف لغة، واعتذر، أي: طلب قبول معذرته، واعتذر عن فعله، أي: أظهر عذره، كذا في بعض الشروح.\nوقوله: (يا رب! هذه) أي: هذه أسألك ولا أسأل غيرها.","vol":"9","page":83},{"text":"مَا يَصْرِيْنِي مِنْكَ؟ أَيُرْضِيكَ أَن أُعْطِيَكَ الدُّنْيَا وَمِثْلَهَا مَعَهَا. قَالَ: أَيْ رَبِّ! أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ \" فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: أَلا تَسْأَلُونيّ مِمَّ أَضْحَكُ؟ فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ؟ فَقَالَ: هَكَذَا ضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. فَقَالُوا: مِمَّ تَضْحَكُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"مِنْ ضِحْكِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؟ حِيْنَ قَالَ: أَتَسْتَهْزِئُ مِنِّي وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ مِنْكَ، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَدِيْرٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٧].\n٥٥٨٣ - [١٨] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: \"فَيَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ! مَا يَصْرِينِي مِنْكَ؟ \" إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ وَزَادَ فِيهِ: . . . . .\nــ\nوقوله: (ما يصريني منك؟) في (المشارق) (١): بفتح الياء وسكون الصاد، وكذا الرواية، أي: من يقطعني، والصري: القطع، وقال الحربي: إنما هو (يصريك عني) أي: يقطعك عن مسألتي، انتهى، وقد تحمل الرواية الأولى على القلب؛ لأن الرواية صحيحة فلا بد من تأويلها، وفي (القاموس) (٢): صراه يصريه: قطعه، ودفعه، ومنعه، وحفظه، وكفاه، ووقاه، وكل هذه المعاني تؤيد الرواية الثانية، واللَّه أعلم.\nوقوله: (أتستهزئ مني) كلام وقع من غاية الفرح والسرور، فنزل لشأنه من شدة الفرح، كما أخطأ في القول من ضلت راحلته بأرض فلاة عليها طعامه وشرابه، فأيس منها ثم بعد أن وجدها قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك.\nوقوله: (ولكني على ما أشاء قدير) أي: نعم لستَ أهلًا لذلك، ولكني. . . إلخ.\n٥٥٨٣ - [١٨] (أبو سعيد) قوله: . . . . .\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٤٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩٧).","vol":"9","page":84},{"text":"\"وَيُذَكِّرُهُ اللَّهُ: سَلْ كَذَا وَكَذَا، حَتَّى إِذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ: هُوَ لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ\"، قَالَ: \"ثُمَّ يَدْخُلُ بَيْتَهُ فَتَدْخُلُ عَلَيْهِ زَوْجَتَاهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ فَتَقُولَانِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَاكَ لَنَا وَأَحْيَانَا لَكَ\". قَالَ: \"فَيَقُولُ: مَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مثلَ مَا أُعْطِيْتُ\". [م: ١٨٨].\n٥٥٨٤ - [١٩] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"لَيُصِيبَنَّ أَقْوَامًا سَفْعٌ مِنَ النَّارِ بِذُنُوبٍ أَصَابُوهَا عُقُوبَةً، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ فَيُقَالُ لَهُمُ: الْجَهَنَّمِيُّونَ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٥٥٩].\n٥٥٨٥ - [٢٠] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ، فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٦٥٦٦].\nوَفِي رِوَايَةٍ: \"يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَتِي يُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ\".\n٥٥٨٦ - [٢١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، وَآخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دخُولًا،\nــ\n(أحياك لنا وأحيانا لك) أي: خلقك لنا وخلقنا لك بالحياة الأبدية لا تموت بعدها.\n٥٥٨٤ - [١٩] (أنس) قوله: (الجهنميون) لإصابة شيء من آثار جهنم وعلاماته إياهم.\n٥٥٨٥ - [٢٠] (عمران بن حصين) وقوله: (قوم) وفي بعض النسخ: (أقوام).\n٥٥٨٦ - [٢١] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: . . . . .","vol":"9","page":85},{"text":"رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ حَبْوًا. فَيَقُولُ اللَّهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّةَ، فَيَأْتِيهَا فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا مَلأَى، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! وَجَدْتُهَا مَلأَى، فَيَقُولُ اللَّهُ: اذْهَبْ فَادْخُلِ الْجَنَّة، فَإِنَّ لَكَ مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا. فَيَقُولُ: أَتَسْخَرُ مِنِّي -أَوْ تَضْحَكُ مِنِّي- وَأَنْتَ الْمَلِكُ؟ \"، وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ، وَكَانَ يُقَالُ: ذَلِكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٧١، م: ١٨٦].\n٥٥٨٧ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ، وَآخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا، رَجُلٌ يُؤْتَى بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُقَالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغَارَ ذُنُوبِهِ، وَارْفَعُوا عَنْهُ كبَارَهَا، فُتُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغَارُ ذنُوُبِهِ فَيُقَالَ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا، وَعَمِلْتَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا وَكَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْكِرَ وَهُوَ مُشْفِقٌ مِنْ كبَارِ ذُنُوبِهِ أَنْ تُعْرَضَ عَلَيْهِ. فَيُقَالُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَكَانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ حَسَنَةً. . . . .\nــ\n(حبوًا) حبا الرجل: مشى على يديه وبطنه، والصبي: مشى على استه، وأشرف بصدره، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (أدنى أهل الجنة منزلة) في (الصراح) (٢): جائى فرود آمدن وسرائى، ومنزلت مثله ومرتبت أيضًا.\n٥٥٨٧ - [٢٢] (أبو ذر) قوله: . . . . .\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٧٠).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٤٥٢).","vol":"9","page":86},{"text":"فَيَقُولُ: رَبِّ، قَدْ عَمِلْتُ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا هَاهُنَا\" وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نوَاجِذُهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٠].\n٥٥٨٨ - [٢٣] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ أَرْبَعَةٌ، فَيُعْرَضُونَ عَلَى اللَّهِ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، فَيَلْتَفِتُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ؟ لَقَدْ كُنْتُ أَرْجُو إِذ أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا أَنْ لَا تُعِيدَنِي فِيهَا\"، قَالَ: \"فَيُنْجيهِ اللَّهَ مِنْهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٢].\n٥٥٨٩ - [٢٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيُقْتَصُّ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ مَظَالِمُ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ أَهْدَى بِمَنْزِلهِ فِي الْجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلهِ كَانَ لَهُ فِي الدُّنْيَا\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٤٤٠].\nــ\n(حتى بدت نواجذه) قد مر شرحه فيما سبق.\n٥٥٨٨ - [٢٣] (أنس) قوله: (ثم يؤمر بهم إلى النار) لعل ذلك لإظهار الامتنان والامتحان وذكر حال أحدهم، وترك أحوال الآخرين مقايسة، والظاهر أن ذكر الأربعة على سبيل التمثيل والتقدير، والمراد الجماعة.\n٥٥٨٩ - [٢٤] (أبو سعيد) قوله: (يخلص المؤمنون من النار. . . إلخ)، يعلم منه أنهم يدخلون النار بذنوبهم من غير اقتصاص بالمظالم ثم يقتص.\nوقوله: (أهدى بمنزله) أي: أعرف وألصق.","vol":"9","page":87},{"text":"٥٥٩٠ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الْجَنَّةَ إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ لَوْ أَسَاءَ لِيَزْدَادَ شُكْرًا، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ لَوْ أَحْسَنَ لِيَكُونُ عَلَيْهِ حَسْرَةً\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٥٦٩].\n٥٥٩١ - [٢٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا صَارَ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ، جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُذْبَحَ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ! لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ! لَا مَوْتَ. فَيَزْدَادُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنهِمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٤٨، م: ٢٨٥٠].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1231> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٥٩٢ - [٢٧] عَن ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"حَوْضِي مِنْ عَدَنٍ. . . . .\nــ\n٥٥٩٠ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (إلا أري) بلفظ المجهول وفيه ضمير هو مفعوله الأول، و(مقعده) منصوب مفعول ثان.\n٥٥٩١ - [٢٦] (ابن عمر) قوله: (جيء بالموت) وقد جاء في رواية: (يؤتى على صورة كبش)، قيل: لكل شيء حقيقة ومثال في ذلك العالم، ومثال الموت الكبش، ومثال العلم اللبن، ومثال الإيمان الظلة، وأمثال ذلك، ومع قطع النظر عن ذلك يمثله اللَّه تعالى بذلك ليريهم عدمه وزواله بذبح الكبش، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n٥٥٩٢ - [٢٧] (ثوبان) قوله: (من عدن) بلدة مشهورة من اليمن، جاء منصرفًا","vol":"9","page":88},{"text":"إِلَى عَمَّانَ الْبَلْقَاءِ، مَاؤُهُ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَكْوَابُهُ عَدَدُ نُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ مِنْهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا، أَوَّلُ النَّاسِ وُرودًا فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ، الشُّعْثُ رُؤُوسًا، الدُّنْسُ ثِيَابًا،\nــ\nوغير منصرف، (إلى عمان) في (القاموس) (١): عمان كشداد: بلدة بالشام، وكغراب: بلدة باليمن، انتهى، وقال الطيبي (٢) موافقًا لما في (النهاية): موضع بالبحرين، والذي صحح في النسخ هو الأول، وعبارة الطيبي ظاهر في جواز الوجهين، وإضافته إلى البلقاء بفتح الموحدة وسكون اللام وبالقاف والمد، الذي هو بلدة بالشام يعين الأول. و(الأكواب) جمع كوب بالضم: كوز لا عروة له أو لا خرطوم له، كذا في (القاموس) (٣).\nوقوله: (عدد) بالرفع، أي: عددها عدد (نجوم السماء)، أو النصب بنزع الخافض. و(الشعث) بضم المثلثة وسكون العين: جمع شعث بفتح شين وكسر عين أو أشعث، يقال: رجل شعث، وشعر شعث، وأشعث فيهما، وامرأة شعثاء وشعثة، وهو متلبد الشعر المغبر، والشعث بفتحتين: انتشار الأمر، ومصدر الأشعث لمغبر الرأس، وفي الحديث: (أسألك رحمة تلم بها شعثي) (٤)، أي: يجمع ويصلح بها ما تفرق من أمري. و(الدنس) صحح في باب النسخ بضمتين، وقيل: جمع دنس بفتحتين وهو الوسخ، وفي بعضها بسكون العين، وهو الأظهر، ويكون جمع دنس بكسر النون\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٢٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٢٢١).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٣٦).\n(٤) أخرجه الترمذي (٣٤١٩).","vol":"9","page":89},{"text":"الَّذِينَ لَا يُنْكَحُونَ الْمُتَنَعِّمَاتِ، وَلَا يُفْتَحُ لَهُمُ السُّدَدُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.\nوَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [حم: ٢٢٣٦٧، ت: ٢٤٤٤، جه: ٤٣٠٣].\n٥٥٩٣ - [٢٨] وَعَن زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فَقَالَ: \"مَا أَنْتُمْ جُزْءٌ مِنْ مِئَةِ أَلْفِ جُزْءٍ مِمَّنْ يَرِدُ عَلَيَّ الْحَوْضِ\". قِيلَ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: سَبع مِئَةٍ أَوْ ثَمَانُ مِئَةٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٤٦].\n٥٥٩٤ - [٢٩] وَعَن سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوْضًا،\nــ\nكالشعث جمع شعث.\nو(لا ينكحون) على صيغة المجهول أي: لو خطبوا المتنعمات من النساء لم يجابوا. و(لا يفتح لهم السدد) جمع سدة بالضم، وهو باب الدار، أي: لو دقّوا الأبواب واستأذنوا للدخول لم يفتح لهم ولم يؤذن.\n٥٥٩٣ - [٢٨] (زيد بن أرقم) قوله: (ما أنتم جزء) بالنصب والرفع على لغة الحجاز وبني تميم، قيل: أي لزيد بن أرقم، وليس المراد التحديد بل التكثير ولعلهم يكونون أقل من ذلك.\n٥٥٩٤ - [٢٩] (سمرة) قوله: (إن لكل نبي حوضًا) قال الطيبي (١): يجوز أن يحمل على ظاهره، وأن يحمل على المجاز ويراد به العلم والهدى، ولا خفاء في أن\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٢٢١).","vol":"9","page":90},{"text":"وَإِنَّهُمْ لَيَتَبَاهَوْنَ أَيُّهُمْ أَكْثَرُ وَارِدَةً، وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ وَارِدَةً\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٤٤٣].\n٥٥٩٥ - [٣٠] وَعَن أَنَسٍ قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- أَنْ يَشْفَعَ لِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ: \"أَنَا فَاعِلٌ\". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَأَيْنَ أَطْلُبُكَ؟ قَالَ: \"اطْلُبْنِي أَوَّلَ مَا تَطْلُبُنِي عَلَى الصِّرَاطِ\". قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عَلَى الصِّرَاطِ؟ قَالَ: \"فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْمِيزَانِ\" قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَلْقَكَ عِنْدَ الْمِيزَانِ؟ . . . . .\nــ\nالنصوص محمولة على ظاهرها ما لم يصرف عنه صارف، ولا ندري أي صارف هنا يصرف عن حمله على ظاهره ويدعو إلى التأويل بالعلم والهدى، كما جوزه الطيبي، ومجرد الاحتمال غير كاف، واللَّه أعلم.\nوقوله: (أكثرهم واردة) المراد بها الأمة التي ترد على الحوض.\n٥٥٩٥ - [٣٠] (أنس) قوله: (فقال: أنا فاعل) أي: والقبول من اللَّه، وقد وعدني بالقبول أوكد وعد وأشده.\nوقوله: (فأين أطلبك) أي: في أيِّ موضع أطلبك للشفاعة فيه، فقال -ﷺ-: هذه مواضع الشفاعة فاطلبني فيها، فافهم.\nوقوله: (فاطلبني عند الميزان) قيل: المشهور أن الميزان قبل الصراط، ونظم هذا الحديث يدل على أن الصراط مقدم على الميزان، وأجيب بأن الطلب في المظان المرتبة يجوز أن يبدأ من كل طرف أراد الطالب، سواء كان من الطرف المتقدم أو المتأخر، وكذا ذكر المواقف المرتبة يجوز أن يبدأ من كل طرف، فإن الترتيب بحسب الذكر لا يدل على الترتيب بحسب الزمان، ولا بالطبع، ولا بحسب الذات، وأجيب أيضًا بأنه يجوز أن يكون -ﷺ- في وقت واحد تارة على الصراط، وتارة على الميزان، ويتكرر الوقوف","vol":"9","page":91},{"text":"قَالَ: \"فَاطْلُبْنِي عِنْدَ الْحَوْضِ فَإِنِّي لَا أُخْطِئُ هَذِهِ الثَّلَاثَ الْمَوَاطِنَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٤٣٣].\n٥٥٩٦ - [٣١] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قال: قِيْلَ لَهُ: مَا الْمقَامُ الْمَحْمُود؟ قَالَ: \"ذَلِكَ يَوْمَ يَنْزِلُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى كُرْسِيِّهِ فَيَئِطُّ كَمَا يَئِطُّ الْرَّحْلُ الجَدِيدُ مِن تَضايُقِهِ، وَهُوَ كَسَعَةِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَيُجَاءُ بِكُمْ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا،\nــ\nعلى كل واحد منهما، وبعض الناس يكونون مجتازين من الصراط، وبعضهم يوزن أعمالهم في وقت واحد، فتأمل.\nوقوله: (هذه الثلاث) بلا تاء بتأويل البقاع، وقد يروى بالتاء وهو ظاهر.\n٥٥٩٦ - [٣١] (ابن مسعود) قوله: (وذلك يوم ينزل اللَّه تعالى على كرسيه) ويحكم بين العباد، هذا توطئة للجواب، والجواب في قوله: (ثم أقوم عن يمين اللَّه. . . إلخ)، والحديث من المتشابهات، وهو تشبيه وتمثيل وخلاصة وزبدة بيان عظمة اللَّه تعالى وكبريائه، ومعاني المفردات غير ملحوظة، وقد يقال: (كرسيه) مأخوذ من كرسي العالم أو الملك، وقد ورد: (ما السماوات السبع والأرضون السبع مع الكرسي إلا كحلقة [ملقاة] في [أرض] فلاة)، وقيل: أفضل، العرش على الكرسي كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة، ويظهر من هذا أن قوله: (وهو كسعة ما بين السماء والأرض) تصوير لعظمته بحسب العرف لا بحسب المقدار، والمقصود من ذكره دفع توهم ضيقه لتشبيهه بالرحل وأطيطه لتضايقه كما ورد في سعة الجنة: عرضها السماوات والأرض، والرحل للإبل كالسرج للفرس، والجمع رحال، والأطيط: صوت الرحل والسرج، يقال: أط الرحل يئط أطيطًا: صوت، وقد يطلق على أنين الإبل تعبًا أو حنينًا أو زرمة، و(الغرل)","vol":"9","page":92},{"text":"فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيْمُ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: اكْسُوا خَلِيلِي بِرَيْطَتَيْنِ بَيْضَاوَيْنِ مِنْ رِيَاطِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ أُكْسَى عَلَى أَثَرِهِ، ثُمَّ أَقُومُ عَنْ يَمِينِ اللَّهِ مَقَامًا يَغْبِطُنِيَ الأَوَّلُونَ وَالآخَرُونَ\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢/ ٤١٩].\n٥٥٩٧ - [٣٢] وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nجمع الأغرل، وهو من لم يختن، وقد مر.\nو(الريطه): كل ملاءة غير ذات لِفْقَين، كلها نسج واحد، وقطعة واحدة، أو كل ثوب لين رقيق، كالرائطة، كذا في (القاموس) (١). وفي (مجمع البحار) (٢): ريط بفتح الراء وسكون ياء: كل ملاءة ليست بنفيس، وقيل: كل ثوب رقيق لين من كتان ولم يكن قطعتين متضامتين بل واحدة.\nوقوله: (ثم أكسى على أثره) قد مر الكلام في تقديم إبراهيم في الكسوة في (الفصل الأول) من (باب الحشر)، وأنه لا يدل على تفضيله على محمد -ﷺ-، وأن تقديمه لأجل أبوته -ﷺ-، وأما ما قيل: إنه -ﷺ- يبعث كاسيًا فينافيه ظاهر قوله: (ثم أكسى على أثره)، اللهم إلا أن يقال: يبعث كاسيًا ثم يكسى أيضًا مع الأنبياء مكررًا لكمال شرفه وفضله، والتقديم في الكسوة شيء جزئي، ولكن الفضل كل الفضل قيامه مقامًا يغبطه فيه الأولون والآخرون، وفيه فضله على الملائكة والثقلين، عليه من الصلاة أفضلها ومن التحيات أتمها وأكملها.\n٥٥٩٧ - [٣٢] (المغيرة بن شعبة) قوله: . . . . .\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦١٥).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٤١٢).","vol":"9","page":93},{"text":"\"شِعَارُ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الصِّرَاطِ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٤٣٢].\n٥٥٩٨ - [٣٣] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٤٣٥، د: ٤٧٣٩].\n٥٥٩٩ - [٣٤] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ. [جه: ٤٣١٠].\n٥٦٠٠ - [٣٥] وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَتَانِي آتٍ مِنْ عِنْدِ رَبِّي، فَخَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ يُدْخِلَ نِصْفَ أُمَّتِي الْجَنَّةَ وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ، فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ، وَهِيَ لِمَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٤٤١، جه: ٤٣١٧].\n٥٦٠١ - [٣٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الجَدْعَاءِ قَالَ: . . . . .\nــ\n(شعار المؤمنين) في (القاموس) (١): الشعار ككتاب: العلامة في الحرب والسفر، وهذه الكلمة علامة للمؤمنين به يعرفون أنهم مؤمنون.\n٥٥٩٨، ٥٥٩٩ - [٣٣، ٣٤] (أنس، وجابر) قوله: (شفاعتي لأهل الكبائر) أي: لوضع السيئات، وأما الشفاعة لرفع الدرجات فلكل من الأتقياء والأولياء، وذلك متفق عليه بين أهل الملة.\n٥٦٠٠ - [٣٥] (عوف بن مالك) قوله: (فاخترت الشفاعة) لأنها قد تعم الكل كما سبقت من الأحاديث.\n٥٦٠١ - [٣٦] (عبد اللَّه بن أبي الجدعاء) قوله: (أبي الجدعاء) بفتح الجيم\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٨٨).","vol":"9","page":94},{"text":"سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِشَفَاعَةِ رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَكْثَرُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٢٤٣٨، دي: ٢/ ٤٣٢، جه: ٤٣١٦].\n٥٦٠٢ - [٣٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَشْفَعُ لِلْفِئَامِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلْقَبِيلَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفَعُ لِلْعُصْبَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَشْفعُ لِلرَّجُلِ حَتَّى يَدْخُلُوا الْجَنَّةَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٤٠].\n٥٦٠٣ - [٣٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ ﷿ وعَدَنِي أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي أَرْبَعَ مِئَةِ أَلْفٍ بِلَا حِسَابٍ\". فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: زِدْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: وَهَكَذَا، فَحَثَا بِكَفَّيْهِ وَجَمَعَهُمَا،\nــ\nوسكون الذال المعجمة، الكناني. وفي (جامع الأصول) (١): الجدعاء بفتح الجيم وسكون الدال المهملة، ويقال: الكناني.\n٥٦٠٢ - [٣٧] (أبو سعيد) قوله: (للفئام) بالكسر: الجماعة من الناس لا واحد له من لفظه، وقد سبق، والقبيلة: بنو أب واحد، كذا في (القاموس) (٢)، و(العصبة) بالضم من الرجال والخيل والطير: ما بين العشرة إلى الأربعين كالعصابة.\nوقوله: (حتى يدخلوا الجنة) أي: المشفعون، وقال الطيبي (٣): الضمير لجميع الأمة، أي: تنتهي شفاعتهم إلى أن يدخل جميعهم الجنة.\n٥٦٠٣ - [٣٨] (أنس) قوله: (فقال أبو بكر: زدنا يا رسول اللَّه) أي: زدنا في\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٥٦٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٦٤).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٢٢٧).","vol":"9","page":95},{"text":"فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: زِدْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: وَهَكَذَا، فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنَا يَا أَبَا بَكْرٍ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَمَا عَلَيْكَ أَنْ يُدْخِلَنَا اللَّهُ كُلَّنَا الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللَّهَ ﷿ إِنْ شَاءَ أَنْ يُدْخِلَ خَلْقَهُ الْجَنَّةَ بِكَفٍّ وَاحِدٍ فَعَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"صَدَقَ عُمَرُ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٤٣٣٥].\n٥٦٠٤ - [٣٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُصَفُّ أَهْلُ النَّارِ، فَيَمُرُّ بِهِمُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: يَا فُلَانُ! أَمَا تَعْرِفُنِي؟ أَنَا الَّذِي سَقَيْتُكَ شَرْبَةً. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَنَا الَّذِي وَهَبْتُ لَكَ وَضُوءًا، فَيَشْفَعُ لَهُ فَيُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٦٨٥].\nــ\nالإخبار عما وعدك ربك من إدخال أمتك الجنة بشفاعتك؛ لأنه وعده أكثر من ذلك، كما مرّ من حديث أبي أمامة في (باب الحساب): (سبعين ألفًا مع كل ألف سبعون ألفًا وثلاث حثيات)، أو زدنا بالسؤال عن ربك، وقول عمر -﵁-: (دعنا يا أبا بكر) أي: دعنا نخاف العذاب، ونعمل ولا نتكل.\nوقوله: (بكف واحد) أي: بعطاء واحد، أي: لو أراد أن يدخل خلقه كله بفضله ورحمته فعل، فإن رحمته أوسع من ذلك، قيل: ما ذهب إليه أبو بكر هو من باب الجوار والمسكنة، وما ذهب إليه عمر هو من باب الرضاء والتسليم، وقيل: إنما لم يجب -ﷺ- أبا بكر أولًا بما قال عمر، وصدقه ثانيًا؛ لأن للبشارات مدخلًا عظيمًا في التوجه والعمل، وكلام عمر -﵁- أيضًا بشارة بل أعظم، فالمآل واحد، فافهم.\n٥٦٠٤ - [٣٩] (وعنه) قوله: (يصف) من باب نصر، وروي مجهولًا ومعلومًا.\nوقوله: (فيقول الرجل منهم) أي: من أهل النار.\nوقوله: (أنا الذي سقيتك شربة) فيه تحريض على الإحسان للصالحين.","vol":"9","page":96},{"text":"٥٦٠٥ - [٤٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ رَجُلَيْنِ مِمَّنْ دَخَلَ النَّارَ اشْتَدَّ صِيَاحُهُمَا، فَقَالَ الرَّبُّ تَعَالَى: أَخْرِجُوهُمَا. فَقَالَ لَهُمَا: لِأَيِّ شَيْءٍ اشْتَدَّ صِيَاحُكُمَا؟ قَالَا: فَعَلْنَا ذَلِكَ لِتَرْحَمَنَا. قَالَ: فَإِنَّ رَحْمَتِي لَكُمَا أَنْ تَنْطَلِقَا فَتُلْقِيَا أَنْفُسَكُمَا حَيْثُ كُنْتُمَا مِنَ النَّارِ، فَيُلْقِي أَحَدُهُمَا نَفْسَهُ، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَلَيْهِ بَرْدًا وَسَلَامًا، وَيَقُومُ الآخَرُ فَلَا يُلْقِي نَفْسَهُ، فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ تَعَالَى: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُلْقِيَ نفسَكَ كَمَا أَلْقَى صَاحِبُكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ! إِنِّي لأَرْجُو أَنْ لَا تُعِيدَنِي فِيهَا بَعْدَمَا أَخْرَجْتَنِي مِنْهَا. فَيَقُولُ لَهُ الرَّبُّ تَعَالَى: لَكَ رَجَاؤُكَ. فَيُدْخَلَانِ جَمِيعًا الْجَنَّةَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٩٩].\n٥٦٠٦ - [٤١] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَرِدُ النَّاسُ النَّارَ، ثم يَصْدُرُونَ مِنْهَا بِأَعْمَالِهِمْ، فَأَوَّلُهُمْ كَلَمْحِ الْبَرْقِ، ثُمَّ كَالرِّيحِ، ثُمَّ كَحُضْرِ الْفَرَسِ،\nــ\n٥٦٠٥ - [٤٠] (أبو هريرة) قوله: (فيلقي أحدهما نفسه فيجعلها اللَّه بردًا وسلامًا. . . إلخ)، في الحديث فضل الرضاء والتسليم والدعاء والسؤال معًا.\n٥٦٠٦ - [٤١] (ابن مسعود) قوله: (يرد الناس النار) وذلك عند الجواز عن الصراط، ويفهم منه أن الصراط على النار، وعليه الأكثرون، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، والمراد بالصدور النجاة منها، واعتبار التراخي في الأول الذي هو كلمح البرق من جهة أن الورود على النار والمرور عليها وإن كان لمحةً يسيرة فكأنه ممتد، فافهم. و(الحضر) بالضم: ارتفاع الفرس في عدوه، كالإحضار أعني: العدو الشديد.","vol":"9","page":97},{"text":"ثُمَّ كَالرَّاكبِ فِي رَحْلِهِ، ثُمَّ كَشَدِّ الرَّجُلِ، ثُمَّ كَمَشْيِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٣١٥٩، دي: ٢٨٥٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1232> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٦٠٧ - [٤٢] عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ أَمَامَكُمْ حَوْضِي مَا بَيْنَ جَنْبَيْهِ كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ\". قَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ: هُمَا قَرْيَتَانِ بِالشَّامِ، بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ ثَلَاثِ لَيَالٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: \"فِيهِ أَبَارِيقُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ وَرَدَهُ فَشَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَهَا أَبَدًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٧٧، م: ٢٢٩٩].\nــ\nوقوله: (ثم كالراكب في رحله) أي: على راحلته و(الشد): العدو.\nالفصل الثالث\n٥٦٠٧ - [٤٢] (ابن عمر) قوله: (ما بين جنبيه) الجنب بسكون النون: الجانب والناحية، وإذا كان بالتاء فيفتح النون.\nوقوله: (وكما بين جرباء وأذرح) (جرباء) بالجيم والباء الموحدة ممدود ومقصور، و(أذرح) بفتح همزة وسكون ذال وضم راء وحاء مهملة: وهما قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاث ليال، هكذا ذكره السيوطي في (مختصر النهاية) (١) إلا أنه سكت عن قوله: (بينهما مسيرة ثلاث ليال).\nوقال في (القاموس) (٢): الجرباء: قرية بجنب أذرح، وغلط من قال: بينهما ثلاثة\n_________\n(١) \"الدر النثير\" (١/ ١٥٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٥).","vol":"9","page":98},{"text":"٥٦٠٨، ٥٦٠٩ - [٤٣، ٤٤] وَعَنْ حُذَيْفَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَجْمَعُ اللَّهُ ﵎ النَّاسَ، فَيَقُومُ الْمُؤْمِنُونَ حَتَّى تُزْلَفَ لَهُمُ الْجَنَّةُ، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: يَا أَبَانَا اسْتَفْتِحْ لَنَا الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ: وَهَلْ أَخْرَجَكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَّا خَطِيئَةُ أَبِيكُمْ، لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى ابْنِي إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ اللَّهِ\" قَالَ: \"فَيَقُولُ إِبْرَاهِيمُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ،\nــ\nأيام، وقال في باب الحاء المهملة وفصل الذال المعجمة: أذرح بضم الراء: موضع بجنب جرباء، وغلط من قال: بينهما ثلاثة أيام، انتهى. أقول: وهكذا ينبغي أن يكون، لأن مسيرة ثلاثة أيام أقل مسافة مما ورد في الأحاديث الأخر من بيانها كما في أيلة وعدن وعمان، والظاهر أن تكون المسافات متقاربة بينهما وإن وقعت مختلفة بحسب ما تعارف كل جماعة كما لا يخفى.\nقال الكرماني (١): اعلم أنه مما استشكله القوم قالوا: هما موضعان فرب بيت المقدس بينهما مسيرة ساعة، فأجابوا بأن الحديث مختصر تقديره كما بين المدينة وجرباء وأذرح، وهما في حكم موضع واحد، ولهذا يستعملان متقاربين كماه وجور، والقدس والخليل، وروى الدارقطني ذلك صريحًا حيث قال: (ما بين ناحيتي حوضي كما بين المدينة وجرباء وأذرح)، انتهى. وقد وجهه بتوجيهات بعيدة فارجع إليه.\n٥٦٠٨، ٥٦٠٩ - [٤٣، ٤٤] (حذيفة وأبو هريرة) قوله: (اذهبوا إلى ابني إبراهيم) لم يجئ في هذا الحديث ذكر نوح ﵇.\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (٢٣/ ٦٤/ ٦٥).","vol":"9","page":99},{"text":"إِنَّمَا كُنْتُ خَلِيلًا مِنْ وَرَاءَ وَرَاءَ، اعْمَدُوا إِلَى مُوسَى الَّذِي كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا، فَيَأْتُونَ مُوسَى ﵇ (١) فَيَقُولُ: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، اذْهَبُوا إِلَى عِيسَى كَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحِهِ، فَيَقُولُ عِيسَى: لَسْتُ بِصَاحِبِ ذَلِكَ، فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا -ﷺ-، فَيَقُومُ فَيُؤْذَنُ لَهُ، وَتُرْسَلُ الأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ فَيَقُومَانِ (٢) جَنَبَتَي الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَيَمُرُّ أَوَّلُكُمْ كَالْبَرْقِ\". قَالَ: قُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَيُّ شَيْءٍ كَمَرِّ الْبَرْقِ؟ قَالَ: \"أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْبَرْقِ كَيْفَ يَمُرُّ وَيَرْجِعُ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ، ثُمَّ كَمَرِّ الرِّيح، ثُمَّ كَمَرِّ الطَّيْرِ، وَشَدِّ الرِّجَالِ،\nــ\nوقوله: (إنما كنت خليلًا من وراء وراء) قال في (المشارق) (٣): أي من غير تقريب ولا إدلال بخواص الخلة، ثم إن هذين اللفظين رويا بالفتح فيهما وبالضم، أما الضم فظاهر للقطع عن الإضافة؛ لأن التقدير وراء ذلك، ولكن الفتح هو المشهور، ووجهوه بأن الكلمة كأنها مركبة فبنيا على الفتح، وقيل: معناه إني أعطيت المكانة بوساطة جبرئيل ﵇، فأنا وراء موسى الذي حصل له السماع بغير واسطة، وهو وراء محمد الذي حصل له السماع بلا واسطة، والرؤية أيضًا، فأنا وراء وراء.\nوقوله: (فيأتون محمدًا) الظاهر أن يقول: فيأتوني ووضع المظهر موضع المضمر وقع في غاية موقعه، فإنه يدل على أنهم يأتون عظيمًا ينجح به مقصودهم، وكريمًا يظفرون من حضرته مطلوبهم، ومن هو في غاية القربة والعظمة، مع ما في مفهوم هذا الاسم الشريف باعتبار أصل الوضع من كونه محمدًا في الظاهر والباطن، وقائمًا في\n_________\n(١) \"﵇\" سقط في نسخة.\n(٢) في نسخة: \"فتقومان\".\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٨٤).","vol":"9","page":100},{"text":"تَجْرِي بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ، وَنَبِيُّكُمْ قَائِمٌ عَلَى الصِّرَاطِ يَقُولُ: يَا رَبِّ! سَلِّمْ سَلِّمْ. حَتَّى تَعْجِزَ أَعْمَالُ الْعِبَادِ، حَتَّى يَجِيءَ الرَّجُلُ فَلَا يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ إِلَّا زَحْفًا\". وَقَالَ: \"وَفِي حَافَتَي الصِّرَاطِ كَلَالِيبُ مُعَلَّقَةٌ مَأْمُورَةٌ، تَأْخُذُ مَنْ أُمِرَتْ بِهِ، فَمَخْدُوشٌ ناجٍ، وَمُكَرْدَسٌ (١) فِي النَّارِ\". وَالَّذِي نَفْسُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِيَدِهِ إِنَّ قَعْرَ جَهَنَّمَ لَسَبْعِينَ خَرِيفًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٥].\n٥٦١٠ - [٤٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ قَوْمٌ بِالشَّفَاعَةِ كَأَنَّهُمُ الثَّعَارِيرُ\". قُلْنَا: مَا الثَّعَارِيرُ؟ قَالَ: . . . . .\nــ\nالمقام المحمود.\nوقوله: (تجري بهم أعمالهم) الظاهر أن الباء للتعدية، أي: يجعلهم جائزين، وأما جعلها للملابسة فبعيد.\nوقوله: (إلا زحفًا) زحف الصبي: إذا دب على استه، ومنه الجيش الكبير الذي يرى لكثرته كأنه يزحف.\nوقوله: (مكردس) وفي بعض النسخ: (ومكدوس)، وقد مر شرحها.\nوقوله: (إن قعر جهنم لسبعين خريفًا) تقديره: أن مسافة قعر جهنم مسيرة سبعين خريفًا، وفي رواية السبعون)، وهو الأظهر؛ لأن الأكثر في حذف المضاف اكتساب المضاف إليه إعرابه، ويمكن أن يكون هذا الإطلاق على سبيل المجاز دون الحذف.\n٥٦١٠ - [٤٥] (جابر) قوله: (كأنهم الثعارير) بالثاء المثلثة والعين المهملة:\n_________\n(١) في نسخة: \"مكدوش\".","vol":"9","page":101},{"text":"\"إِنَّهُ الضَّغَابِيسُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٥٨، م: ١٩١].\n٥٦١١ - [٤٦] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَشْفَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ: الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الْعُلَمَاءُ، ثُمَّ الشُّهَدَاءُ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٢٦٨].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1233>٥ - باب صفة الجنة وأهلها</span>\nــ\nجمع ثعرور وهو القثاء الصغير، و(الضغابيس) جمع ضغبوس بضاد وغين معجمتين وموحدة: قثّاء صغير، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الحواشي) (٢): ثبت في أصول الثمام كالقطن ينبت بالرمل يبسط عليه ويطول.\n٥٦١١ - [٤٦] (عثمان بن عفان) قوله: (يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء) تخصيص بالعظماء من أهل الشفاعة، وليست الشفاعة منحصرة في هؤلاء، بل كل أهل الخير من الرسل والأنبياء والأولياء والأخيار والعلماء والشهداء يرجى منهم الشفاعة لأهل الكبائر، ويجب الإيمان به، واشتهرت أحاديثه، وأنكره الخوارج وبعض المعتزلة، وأوَّلوا الأحاديث الواردة فيها بكونها مختصةً برفع الدرجات، وهو باطل لكون الأحاديث نصًّا في كونها لرفع العذاب.\n٥ - باب صفة الجنة وأهلها\nالجنة: الحديقة ذات النخل والشجر، كذا في (القاموس) (٣)، قال\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥١٢).\n(٢) \"حاشية جمال الدين\" (ص: ٢٢٧).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٩٤).","vol":"9","page":102},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1234> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٦١٢ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ. واقْرَؤُوْا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٤٤، م: ٢٨٢٤].\nــ\nالبيضاوي (١): الجنة: المرة من الجن، وهو مصدر جنه: إذا ستره، ومدار التركيب على الستر، سمي به الشجر المظلل لالتفاف أغصانه للمبالغة، كأنه يستر ما تحته سترة واحدة، ثم البستان لما فيه من الأشجار المتكاثفة المظللة، ثم دار الثواب لما فيها من الجنان.\nالفصل الأول\n٥٦١٢ - [١] (أبو هريرة) قوله: (ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر) أي: لم يبصر ذاته عين، ولا سمعت وصفه أذن، ولا خطر ماهيته على قلب، ويحتمل أن يكون المراد بالأولى الصور الحسنة، وبالثانية الأصوات الطيبة، وبالثالثة الخواطر المفرحة.\nوقوله: (من قرة عين) قرة العين كناية عن الفرح والسرور، والفوز بالبغية، إما من القر بفتح القاف بمعنى القرار والثبات؛ لأن العين بالنظر إلى المحبوب تقر وتطمئن، ولا تلتفت إلى جانب آخر، وكذلك في حال الفرح والسرور تسكن في مكانها، وبالنظر إلى غير المحبوب تتفرق وتلتفت إلى الجوانب، وكذلك في حال الحزن والخوف تتحرك\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٦٠).","vol":"9","page":103},{"text":"٥٦١٣ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (١).\n٥٦١٤ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"غَدْوَةٌ فِي سَبِيْلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ. . . . .\nــ\nوتضطرب كقوله تعالى: ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [الأحزاب: ١٩]، وإما من القر بالضم أخذًا من قوله تعالى: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ [الفرقان: ٧٤]، بمعنى البرد، وبرد العين ولذتها في مشاهدة المحبوب والفوز بالبغية، وحرها واحتراقها في رؤية الأعداء وحال الاستشراف والانتظار، ولهذا يقال: قرة العين للولد، وقيل: إما من القر بمعنى البرد فهو كناية عن السرور، وحقيقته: أقر اللَّه دمعتك فإن دمعة الفرح باردة، أو من القرار فكناية عن الفوز بالبغية؛ فإن من فاز بها قرّ نفسه، فافهم، وبالوجهين فسر قوله -ﷺ-: (وجعلت قرة عيني في الصلاة).\n٥٦١٣ - [٢] (وعنه) قوله: (موضع سوط في الجنة) أي: أدنى مكان وأقله، وقد جرت العادة بإلقاء الراكب سوطه في موضع يريد النزول، ويجعله علامة اتخاذه منزلًا.\n٥٦١٤ - [٣] (أنس) قوله: (غدوة في سبيل اللَّه أو روحة) الغدوة بالفتح: المرة من الغدو وهو السير أول النهار من غدا يغدو غدوًا، أو بالضم: البكرة، أو ما بين\n_________\n(١) قال القاري (٩/ ٣٥٧٦): وفي \"الجامع\": رواه البخاري (٣٢٩٥)، والترمذي (١٦٤٨)، وابن ماجه (٤٣٣٠) عن سهل بن سعد، والترمذي (٣٠١٣) عن أبي هريرة، فقول المؤلف: \"متفق عليه\" محل توقف من وجهين. وفي \"الجامع\": \"لقيد سوط أحدكم من الجنة خير مما بين السماء والأرض\"، رواه أحمد عن أبي هريرة.","vol":"9","page":104},{"text":"خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَمَلأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا عَلَى رَأْسِهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٧٩٦].\nــ\nصلاة الغداة وطلوع الشمس، وكذلك الروحة: المرة من الرواح، وهو العشي أو من الزوال إلى الليل، رحنا رواحا وتروحنا: سرنا فيه أو عملنا، والتخصيص بالغدوة والروحة على سبيل العادة، والمراد وقت وساعة مطلقًا لا مقيدًا بالغدوة والرواح، و(في سبيل اللَّه) أعم من الجهاد، ويشمل كل ما يبتغى لوجه اللَّه تعالى كالحج، وطلب العلم، والرزق الحلال للعيال.\nوقوله: (خير من الدنيا) أي: إنفاقها في سبيل اللَّه لو ملكها أو من نفسها لو ملكها وتصور تعميرها لأنه زائل لا محالة.\nوقوله: (ولو أن امرأة. . . إلخ)، لما كان لثواب الغدوة والروحة في سبيل اللَّه الجنة ذكر من نعيمها شيئًا.\nوقوله: (لأضاءت ما بينهما) أي: بين الأرض والجنة أو بين المشرق والمغرب، والظاهر أن (أضاءت) هنا استعمل متعديًا، والضمير لـ (امرأة) كما في قوله: (ولملأت ما بينهما ريحًا)، ويحتمل أن يكون لازمًا، و(ما بينهما) فاعل، والتأنيث باعتبار أن (ما) عبارة عن الأمكنة كما ذكر في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ﴾ [البقرة: ١٧].\nوقوله: (ولنصيفها على رأسها) في (القاموس) (١): النصيف كأمير: الخمار والعمامة، وكل ما غطى الرأس، ومن البُرْد: ما له لونان.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٩٠).","vol":"9","page":105},{"text":"٥٦١٥ - [٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِئَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ. . . . .\nــ\n٥٦١٥ - [٤] (أبو هريرة) قوله: (يسير الراكب في ظلها) أي: في كنفها، في (القاموس) (١): هو في ظله، أي: كنفه، وإلا فالظل في العرف: ما يبقى من حر الشمس وليس في الجنة، وبالجملة المقصود السير تحتها كظل العرس. وقال الشيخ ابن حجر (٢): قال ابن الجوزي: ويقال لهذه الشجرة: طوبى، قلت (٣): وشاهد ذلك عند أحمد والطبراني وابن حبان، انتهى.\n(ولقاب قوس أحدكم في الجنة) وفي (القاموس) (٤): القاب: المقدار كالقيب، كالقاد والقيب، انتهى. وفي (الصراح) (٥): يقال: قاب قوس أي: قدر قوس، وفي (المشارق) (٦): قوله: (قاب قوس أحدكم من الجنة) أي: قدر طولها، ويحتمل قدر رميتها، يقال: هو قاب رمح، وقاد رمح، وقدى رمح، وقد رمح، وقدة رمح، كله بمعنى، وقيل في قوله تعالى: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم: ٩]: القاب: ما بين المقبض والسِّية، وهو موضع رأس الوتر، ولكل قوس قابان، ولذا قيل: فيه قلب، أي: قابي قوس، وقيل: القوس هنا الذراع بلغة أزد شنوءة، قيل: قدر قوسين، وقيل: القاب: ظفر\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٤٦).\n(٢) انظر: \"فتح الباري\" (٦/ ٣٢٦).\n(٣) أي: الحافظ ابن حجر.\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٣١).\n(٥) \"الصراح\" (ص: ٥٠).\n(٦) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٩٣).","vol":"9","page":106},{"text":"أَوْ تَغْرُبُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٥٢، م: ٢٨٢٦].\n٥٦١٦ - [٥] وَعَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ، عَرْضُهَا -وَفِي رِوَايَةٍ: طُولُهَا- سِتُّونَ مِيلًا، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ مَا يَرَوْنَ الآخَرِينَ، يَطُوفُ عَلَيْهِم الْمُؤْمِنُونَ، وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبْرِيَاءِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جنَّةِ عَدْنٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٤٣، م: ٢٨٣٨].\nــ\nالقوس وهو ما وراء معقد الوتر إلى طرفها، وهذا كقوله في الحديث السابق: (موضع سوط في الجنة)، فإن الرجل يلقي قوسه لتعيين المنزل كالراكب سوطه.\nوقوله: (أو تغرب) بكلمة (أو) للتعميم.\n٥٦١٦ - [٥] (أبو موسى) قوله: (يطوف عليهم المؤمنون) وفي بعض الروايات: (المؤمن)، والمراد الجنس.\nوقوله: (وجنتان) الظاهر أن التقدير: وللمؤمن أو للمؤمنين جنتان، كما في قوله سبحانه: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦].\nوقوله: (إلا رداء الكبرياء) أي: لم تبق الحجب المكدرة الجسمانية بل ارتفعت كلها إلا سبحات الجلال والكبرياء، فإذا ارتفعت تلك أيضًا أحيانًا رأوه جهارًا، و(العدن) بمعنى الإقامة، والمراد هنا: الخلود، وفي (القاموس) (١): عدن بالبلد يعدن: أقام بها، ومنه ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ [التوبة: ٧٢].\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٢٠).","vol":"9","page":107},{"text":"٥٦١٧ - [٦] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فِي الْجَنَّةِ مِئَةُ دَرَجَةٍ مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَالْفِرْدَوْسُ أَعْلَاهَا دَرَجَةً، مِنْهَا تُفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ الأَرْبَعَةُ، وَمِنْ فَوْقِهَا يَكُونُ الْعَرْشُ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَلَمْ أَجِدْهُ فِي \"الصَّحِيحَيْنِ\" وَلَا فِي كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ. [ت: ٢٥٣١].\n٥٦١٨ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا يَأْتُونَهَا كُلَّ جُمُعَةٍ، فَتَهُبُّ رِيحُ الشَّمَالِ فَتَحْثُو فِي وُجُوهِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، فَيَزْدَادُوْنَ حُسْنًا وَجَمَالًا،\nــ\n٥٦١٧ - [٦] (عبادة بن الصامت) قوله: (مئة درجة) حسية أو معنوية.\nوقوله: (والفردوس أعلاها) في (القاموس) (١): الفردوس: البستان يجمع كُلَّ ما يكون في البساتين، تكون فيه الكروم، وقد تؤنث، عربية، أو رومية، أو سريانية، و(أنهار الجنة) هي أنهار اللبن والماء والخمر والعسل.\nوقوله: (ولم أجده في الصحيحين) وقد قيل: إنه موجود في (صحيح البخاري) في موضعين؛ الأول: في (كتاب الجهاد) عن أبي هريرة (٢) -﵁-، وفيه تفاوت يسير، والثاني: في باب: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، وكذا في (صحيح مسلم) في (باب فضل الجهاد في سبيل اللَّه).\n٥٧١٨ - [٧] (أنس) قوله: (فتهب ريح الشمال) هو بالفتح: ضد الجنوب،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٢٠).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٢٧٩٠، ٤٦٨٤).","vol":"9","page":108},{"text":"فَيَرْجِعُوْنَ إِلى أَهْلِيْهِمْ وَقَدِ ازْدَادُوا حُسُنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُوهُمْ: وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ بَعْدَنَا حُسْنًا وَجَمَالًا، فَيَقُولُونَ: وَأَنْتُمْ وَاللَّهِ لَقَدِ ازْدَدْتُمْ حُسْنًا وَجَمَالًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٣٣].\n٥٦١٩ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ. . . . .\nــ\nوفي (القاموس): هو بالفتح وتكسر: الريح التي تهب من قبل الحِجْر، أو ما استقبلك عن يمينك وأنت مستقبل، والصحيح أن ما مهبُّهُ بين مطلع الشمس، وبنات النعش، أو من مطلع الشمس إلى مسقط النسر الطائر، ويكون اسمًا وصفة، ولا تكاد تهب (١) إلا ليلًا، انتهى. وكان المراد هنا ريح تكون كريح الشمال.\nوقوله: (أنتم واللَّه لقد ازددتم بعدنا حسنًا وجمالًا) يعني أن الحسن والجمال يشملهم وأهاليهم يصل إليهن في بيوتهن، أو يصل من أنوارهم وأضوائهم إليهن بعلامة المصاحبة والمباشرة والمخالطة، أو أن اللَّه تعالى لما جعل في أبصارهم وبصائرهم من نور المعرفة والشهود يرون كل من وراءهم حسنًا وجميلًا، ويشاهدون أنوار صفات اللَّه وذاته في كل شيء، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فتحثو) أي: تنتشر المسك وأنواع الطيب.\n٥٦١٩ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (على صورة القمر ليلة البدر) في الحسن والنورانية والهيئة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٣٨)، وفيه: \"ولا تكاد تهب ليلًا\".","vol":"9","page":109},{"text":"كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيِّ فِي السَّمَاءِ إِضَاءَةً، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، يُرَى مُخُّ سُوقِهِنَّ مِنْ وَرَاءِ الْعَظْمِ وَاللَّحْم مِنَ الْحُسْنِ، يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيًّا، لَا يَسْقَمُونُ، وَلَا يَبُولُونَ، وَلَا يَتَغَوَّطُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ، وَلَا يَمْتَخِطُونَ، آنِيَتُهُمُ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ،\nــ\nوقوله: (كأشد كوكب دري) أي: في الضوء كما بينه بقوله: (إضاءة)، و(كوكب دري): مضيء، ويثلَّثُ، والدرة: اللؤلؤة العظيمة، والجمع: دُرَرٌ ودُرَّاتٌ، كذا في (القاموس) (١)، وفي (النهاية) (٢): الكوكب الدري: الشديد الإنارة، وكأنه نسب إلى الدر تشبيهًا به لصفاته الغراء، هو عند العرب العظيم المقدار، وقيل: هو أحد الكواكب الخمسة السيارة، وقال البيضاوي (٣): هو منسوب إلى الدرء، وفعيل من الدرء، فإنه يدفع الظلام بضوئه، أو بعض ضوئه بعضًا من لمعانه إلا أنه قلبت همزته ياء، ويدل عليه قراءة حمزة وأبي بكر على الأصل.\nوقوله: (زوجتان من الحور العين) الحور: جمع حوراء، وهي الشديد بياض العين، شديد سوادها، و(العين) بكسر العين جمع عيناء، وهي الواسعة العين، والإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة، يدل عليه وقوع حور عين في القرآن بالوصف، والمراد لكل امرئ زوجتان بهذه الصفة، ولا ينافي ذلك أن يكون له زوجات أخر، نعم لو ثبت أن لكل واحد من أهل الجنة أو لبعضهم زوجات كثيرة من الحور العين لأشكل ولكنه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٦٥).\n(٢) \"النهاية\" (٢/ ١١٣).\n(٣) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ١٢٤).","vol":"9","page":110},{"text":"وَأَمْشَاطُهُمُ الذَّهَبُ، وَوَقُودُ مَجَامِرِهِمُ الأَلُوَّةُ،\nــ\nلم يثبت، فافهم، واللَّه أعلم. وقيل: المراد من التشبيه التكرير.\nوقوله: (وأمشاطهم الذهب) الأمشاط لا يلزم أن يكون لتلبد الشعور ووسخها، بل فيه تزيين ورفاهية، وكذا التبخر لا يلزم أن يكون لدفع النتن وخبث الرائحة، بل يكون لزيادة التطيب والتنعم، فلا يرد أنه لا حاجة لأهل الجنة إلى الامتشاط والتبخر لعدم تلبد شعورهم ولا وسخ فيها، وريحهم أطيب من المسك.\nوقوله: (ووقود مجامرهم الألوة) الوقود بالضم بمعنى المصدر كالوقد بمعنى إيقاد النار، وبالفتح اسم ما يوقد به النار، وقد جاء المصدر بالفتح والاسم بالضم، ذكره البيضاوي (١)، ففي الحديث بالفتح كذا الرواية والمصحح في النسخ المعتمدة، وقد صحح في بعض النسخ بالضم، ولو اعتمد عليه كان مبنيًا على ما ذكره البيضاوي من مجيء استعمال الاسم بالضم، وفي (المشارق) (٢): (وقود مجامرهم) بفتح الواو معناه ما يوقد به، أي: حطبها، قال اللَّه تعالى: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤]، وبضم الواو: اسم للفعل من وقدت ومصدره، والمجامر: جمع مجمر، وهو كمنبر: الذي يوضع فيه الجمر بالدخنة ويؤنث كالمجمرة، والعود نفسه كالمجمر بالضم فيهما، كذا في (القاموس) (٣)، وقيل: المجمر بالفتح: ما يوضع فيه الجمر، وبكسرها: الآلة، وعلى كل تقدير المراد هنا موضع وضع النار، لا ما يتبخر على ما ذكر في بعض الشروح، ولعله سهو من قائله.\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٥٨).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٩٣).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٤٤).","vol":"9","page":111},{"text":"وَرَشْحُهُمُ الْمِسْكُ، عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٤٥، م: ٢٨٣٤].\nــ\nو(الألوة) بفتح الهمزة وضمها وضم اللام وتشديد الواو: عود يتبخر به، وهذا بخلاف مجامر الدنيا فإن وقودها قطع الحطب، ومجامر الجنة وقودها العود الذي يتبخر به، وقد جاء في بعض الأحاديث: (ومجامرهم الألوة) بحذف وقود، وأريد بالمجمر: هو اسم للآلة التي يتبخر بها البخور الذي هو العود، كذا في (المشارق) (١).\nو(الرشح) العرق، رشح كمنع: عرق، والمراد أن عرقهم كالمسك في طيب الرائحة، أو المراد أن عرقهم المسك المذاب، والمصحح في النسخ وهو المعلوم من كتب اللغة أنها بفتح الراء وسكون الشين، وفي (مجمع البحار) (٢) عن الكرماني: هو بفتحتين، وكذا في حديث: (بلغ الرشح آذانهم). وقال في (المشارق) (٣): في حديث: (يقوم أحدهم في رشحه) أي: عرقه، وبكسرها للأصيلي وهو الاسم، والفتح هنا أوجه، انتهى.\nوقوله: (على خلق رجل واحد) قال في (المشارق) (٤): كذا هو بفتح الخاء وسكون اللام لجماعتهم عن البخاري، وفي رواية النسفي: (على خلق) بضمهما، وقد ذكر مسلم الروايتين بالضم عن ابن أبي شيبة، وبالسكون عن أبي كريب، وكلاهما صحيح، لكن الرواية بضم اللام [أصح] لقوله قبلها: (أخلاقهم) أي: أنهم على خلق\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ١٥٢).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٣٣١).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٠٠).\n(٤) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٣٩ - ٢٤٠).","vol":"9","page":112},{"text":"٥٦٢٠ - [٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ، وَلَا يَتْفُلُونَ وَلَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَمتَخِطُونَ\". قَالُوا: فَمَا بَالُ الطَّعَامِ؟ قَالَ: \"جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ، يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا تُلْهَمُونَ النَّفَسَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٣٥].\n٥٦٢١ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَنْعَمُ، وَلَا يَبْأَسُ، وَلَا يَبْلَى ثِيَابُهُ،\nــ\nرجل واحد من التودد وحسن الخلق والموافقة ليس في أحد منهم خلق مذموم كما قال في الحديث الآخر: (لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد)، ويكون قوله بعد: (على صورة أبيهم آدم) ابتداء كلام آخر، انتهى.\nقال العبد الضعيف -عفا اللَّه عنه-: الأرجح الفتح؛ رواية لكونه رواية الجماعة، ودراية لكونه شاملًا للخلق الظاهر والباطن، فإن الخلق بالفتح: الإبداع والتقدير الذي معناه آفريدن أي آفريده شده، ويشمل القبيلين وإنما يفرق بينه وبين الضم إذا قوبل به، نعم الخلق بالضم يختص بالصفات الباطنة، فهو كالفذلكة للمجموع على ما قال الطيبي (١)، واللَّه أعلم.\n٥٦٢٠ - [٩] (جابر) قوله: (فما بال الطعام) أي: فما بال فضل الطعام. و(الجشاء) بضم الجيم: تنفس المعدة من الامتلاء، ويقال بالفارسية: آروغ.\nوقوله: (كما تلهمون النفس) مشاكلة.\n٥٦٢١ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (ينعم ولا يبأس. . . إلخ)، يعني ليس في الجنة\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٢٤٠).","vol":"9","page":113},{"text":"وَلَا يفْنى شَبَابُهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٣٦].\n٥٦٢٢، ٥٦٢٣ - [١١، ١٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"يُنَادِي مُنَادٍ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٣٧].\n٥٦٢٤ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ الْغُرَفِ مِنْ فَوْقِهِمْ، كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الأُفُقِ. . . . .\nــ\nبؤس ومشقة وشعدة وتغير وفساد.\n٥٦٢٢، ٥٦٢٣ - [١١، ١٢] (أبو سعيد، وأبو هريرة) قوله: (أن تصحوا فلا تسقموا. . . إلخ)، سقم كفرح وكرم، (شب) كضرب، و(هرم) يهرم كسمع.\n٥٦٢٤ - [١٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (يتراءون) تراءَوا: رأى بعضهم بعضًا، و(الغرف) بضم الغين وفتح الراء: جمع غرفة بالضم والسكون، وهو القصر الرفيع، قيل: الجنة طبقات أعاليها للسابقين، وأوساطها للمقتصدين، وأسافلها للمخلطين.\nو(الغابر) من غبر: مكث وذهب، ضد، غبر الشيء بالضم: بقيته، والمعنى الكوكب الدري الذاهب الماضي المستبقي والباقي في الأفق في جانب الشرق أو الغرب، فإنه يرى فيه مضيئًا جدًا مع البعد والرفعة، ويروى: (الغائر) من الغور، والمراد المستشرف على الغور: الداخل في الغروب، ومع ذلك لا يصح في المشرق إلا أن يراد بالغور الانحطاط والتسفل، والحق أنه تصحيف، وكذا الحال في رواية: (الغارب) بتقديم الراء على الباء، وروي: (العازب) بالعين المهملة والزاي بمعنى البعيد الذاهب،","vol":"9","page":114},{"text":"مِنَ الْمَشْرِقِ أَو الْمَغْرِبِ، لِتَفَاضُلِ مَا بَيْنَهُمْ\" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ، لَا يَبْلُغُهَا غَيْرُهُمْ. قَالَ: \"بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٥٦، م: ٢٨٣١].\n٥٦٢٥ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَقْوَامٌ أَفْئِدَتُهُمْ مِثْلُ أَفْئِدَةِ الطَّيْرِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٤٠].\nــ\nوالرواية المشهورة هي (الغابر) بالمعجمة قبل الموحدة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (من المشرق أو المغرب) بـ (أو) في أكثر الروايات، وفي بعضها بالواو وهو الموجود في نسخ (المصابيح).\nوقوله: (قال: بلى) أي: بلى يبلغها غيرهم لمتابعتهم ومحبتهم؛ لأن المرء مع من أحب، ولكن التفاوت في القرب المعنوي بالباطن باق.\n٥٦٢٥ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (أفئدتهم) جمع فؤاد وهو القلب، وفي (المشارق) (١): قيل: الفؤاد عبارة عن باطن القلب، وقيل: الفؤاد عين القلب، وفي (القاموس) (٢): التفؤد: التحرق، والتوقد، ومنه الفؤاد للقلب، والجمع أفئدة، قال الطيبي (٣): والقريحة إذا أريد وصفها بشدة الإدراك وصفت بالوقود، انتهى، ومنه شعلة الإدراك، ويقال لمن مات متوقدًا متيقظًا، ومات شابًّا: مات بشعلة الإدراك.\nوقوله: (مثل أفئدة الطير) يريد في الرقة واللين، كذا في (المشارق) (٤)، وقيل:\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٤٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٩٠).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٢٤٤).\n(٤) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٤٤).","vol":"9","page":115},{"text":"٥٦٢٦ - [١٥] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِأَهْلِ الْجَنَّةِ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى يَا رَبِّ! وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ فَيَقُولُ: أَلَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُونَ: يَا رَبِّ! وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَيَقُولُ: أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٤٩، م: ٢٨٢٩].\nــ\nفي الخوف من اللَّه تعالى، فإن الطير أكثر الحيوانات خوفًا، وقيل: الخروج إلى طلب الرزق متوكلًا على اللَّه تعالى كما ورد: (تغدو خماصًا وتروح بطانًا)، ومما ذكرنا ظهر أن وجه ذكر الأفئدة دون القلوب كونها أعلاها وأتم، وقال في (المشارق) أيضًا: إنه قيل: القلب أخص من الفؤاد، وقيل: الفؤاد غشاء القلب، والقلب جثته، وعلى هذا فالظاهر أنه ذكر الفؤاد هنا لكونه أدنى وأنقص، يعني أنهم بأدنى مرتبتهم يستأهلون دخول الجنة فكيف بأعلاها، واللَّه أعلم.\n٥٦٢٦ - [١٥] (أبو سعيد) قوله: (أحل عليكم رضواني) أي: أنزله وأورده عليكم كالوافد ينزل على الملك العظيم ويأتيه بأنواع من الهدايا والتحف والأخبار من ملك آخر لما سأل عن رضاهم عنه وأخبروه بوجوده أتم وأكمل ما يكون أخبرهم برضاه عنهم؛ تنبيهًا على أن رضا المولى تعالى علامته ودليله رضا العبد عنه، كما روي أن الصحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعين كانوا يبحثون عما يعرف رضا اللَّه عن العبد فيجمعون على أنه إذا رضي عنه تعالى فليعلم أنه تعالى راض عنه، فذلك دليل هذا، ثم بشرهم بأن رضاه عنهم دائم باق لا يفنى ولا يتبدل بالسخط أبدًا، وهذا غاية المطالب","vol":"9","page":116},{"text":"٥٦٢٧ - [١٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ أَدْنَى مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: تَمَنَّ، فَيَتمَنَّى وَيَتَمَنَّى، فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَمَنَّيْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ لَهُ: فَإِنَّ لَكَ مَا تَمَنَّيْتَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨٢].\n٥٦٢٨ - [١٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالْفُرَاتُ وَالنِّيلُ كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّة\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٣٩].\nــ\nوأعظم الرغائب، وبه يتم الفوز بالمقصود، كيف ورضوان قليل منه أكبر من الجنان وما فيها، فكيف بالدائم الأبدي، ورؤيته ﷾ من أثره ونتيجته، فافهم.\n٥٦٢٧ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (إن أدنى مقعد أحدكم. . . إلخ)، أي: أدنى منزل أحدكم في الجنة أن ينال أمانيه كلها مع زيادة ومضاعفة.\n٥٦٢٨ - [١٧] (وعنه) قوله: (سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة): قد اختلف كلماتهم في تعيين سيحان وجيحان، قال الطيبي (١): سيحان وجيحان نهران بالعواصم عند المصيصة وطرطوس، هذا هو الصواب، انتهى، وقيل: سيحان نهر بالشام، وجيحان نهر بلخ، وقيل غير ذلك، وسيحان وجيحان غير سيحون نهر الترك، وجيحون نهر بلخ، وقيل: جيحون نهر خراسان، وسيحون نهر بالسند، والفرات نهر الكوفة، والنيل نهر مصر، وفي (القاموس) (٢): سيحان: نهر بالشام، وآخر بالبصرة، ويقال فيها: ساحين، وسيحون: نهر بما وراء النهر، ونهر بالهند، وقال: جيحون: نهر خوارزم، وجيحان: نهر بين الشام والروم، وإنما خص الأربعة لعذوبة مائها وكثرته\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٢٤٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢١٩، ١٠٩٢).","vol":"9","page":117},{"text":"٥٦٢٩ - [١٨] وَعَنْ عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الْحَجَرَ يُلْقَى مِنْ شَفَةِ جَهَنَّمَ، فَيَهْوِي فِيهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا، لَا يُدْرِكُ لَهَا قَعْرًا، وَاللَّهِ لَتُمْلأَنَّ، وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ مَا بَيْنَ مِصْرَاعَيْنِ مِنْ مَصَارِيعِ الْجَنَّةِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَيْهَا يَوْمٌ وَهُوَ كَظِيظٌ مِنَ الزِّحَامِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٦٧].\nــ\nكأنها من أنهار الجنة، وقيل: سمي أنهار الجنة بأسامي أنهار الدنيا إشارة إلى أن ما في الدنيا من المنافع أنموذجات لما في الآخرة، وقيل: معنى كونها من أنهار الجنة أن الإيمان يعم بلادها وأن شاربيها صائرة إليها، والأصح أنه على ظاهرها وأن لها مادة من الجنة، فقد ذكر مسلم أن الفرات والنيل يجريان من الجنة، وفي (صحيح البخاري) من أصل سدرة المنتهى، وفي (معالم التنزيل): إن اللَّه تعالى أبرز هذه الأربعة من الجنة استودعها الجبال وأجراها في الأرض كذا ذكر الطيبي (١)، واللَّه أعلم بحقيقة الحال.\n٥٦٢٩ - [١٨] (عتبة بن غزوان) قوله: (وعن عتبة) بالتاء (ابن غزوان) بفتح الغين المعجمة وسكون الزاي.\nوقوله: (من شفة جهنم) شفة الراكي: حافة البئر.\nوقوله: (فيهوي) أي: يسقط، هوى يهوي بمعنى السقوط من ضرب يضرب، وبمعنى المحبة من سمع يسمع.\nوقوله: (وهو كظيظ) أي: ممتلئ، وكظ الطعام: ملأه حتى لا يطيق النفسَ، فاكتظ، لازم ومتعد.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٢٤٦ - ٢٤٧).","vol":"9","page":118},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1235> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٦٣٠ - [١٩] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مِمَّ خُلِقَ الْخَلْقُ؟ قَالَ: \"مِنَ الْمَاءِ\" قُلْنَا (١): الْجَنَّةُ مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ: \"لَبِنَةٌ مِنْ ذَهَبٍ وَلَبِنَةٌ مِنْ فِضَّةٍ، وَمِلَاطُهَا الْمِسْكُ الأَذْفَرُ،\nــ\nالفصل الثاني\n٥٦٣٠ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (قال: من الماء) قد اختلف العقلاء في أول ما خلق من الأجسام، فالأكثرون على أنه الماء؛ لأنه قابل لكل الصور، ثم جعل الأرض منه بالتكثيف والانجماد، والنار والهواء بالتلطيف، فإن الماء إذا لطف صار هواء، وتكونت النار من صفوة الماء، والسماء تكونت من دخان النار، وهذا الحديث يصلح دليلًا عليه، وقيل: جاء في السفر الأول من التوراة: أن اللَّه تعالى خلق جوهرًا، فنظر إليه نظر الهيبة، فذابت أجزاؤه فصارت ماء، ثم ارتفع منها بخار كدخان فخلق منه السماوات، فظهر على وجه الماء زبد فخلق منه الأرض، ثم أرساها الجبال، وأما ما ذكر في الحواشي أن المراد بالماء النطفة، فيقتضي أن يراد بالخلق: كل شيء حي، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]، واللَّه أعلم.\nوقوله: (لبنة من ذهب) اللبنة بفتح اللام وكسر باء واحدة اللبن، وهي ما يبنى بها الجدار، ويقال: بكسر اللام وسكون باء.\nوقوله: (والملاط) بكسر الميم: طين يوضع بين اللبنات، وفي (القاموس) (٢): الملاط ككتاب: الطين الذي يجعل بين ساقي البناء، ويملط به الحائط، وملط\n_________\n(١) في نسخة: \"قلت\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٣٤).","vol":"9","page":119},{"text":"وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرْبَتُهَا الزَّعْفَرَانُ، مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلَا يَبْأَسُ، وَيَخْلُدُ وَلَا يَمُوتُ، وَلَا يَبْلَى ثِيَابُهُمْ، وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [حم: ٢/ ٣٠٥، ت: ٢٥٢٦، دي: ٢/ ٣٣٣].\n٥٦٣١ - [٢٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلَّا وَسَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٢٥].\n٥٦٣٢ - [٢١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ مِئَةُ عَامٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٥٢٩].\n٥٦٣٣ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ، لَوْ أَنَّ الْعَالَمِينَ اجْتَمَعُوا فِي إِحْدَاهُنَّ لَوَسِعَتْهُمْ\". . . . .\nــ\nالحائط: طلاه.\nوقوله: (وحصباؤهما) أي: الحصى الذي في الأنهار أو في غيرها.\n٥٦٣١ - [٢٠] (وعنه) قوله: (إلا وساقها) ساق الشجر: جذعها، والجذع ما بين العرق والغصن.\n٥٦٣٢ - [٢١] (وعنه) قوله: (إن في الجنة مئة درجة) الحديث، قد سبق في (الفصل الأول) من حديث عبادة: (ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض)، الجنات المتعددة تتفاوت درجاتها، أو المراد المبالغة في التكثير كما قيل في ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، واللَّه أعلم.\n٥٦٣٣ - [٢٢] (أبو سعيد) قوله: (لو أن العالمين اجتمعوا في إحداهن لوسعتهم)","vol":"9","page":120},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٥٣٢].\n٥٦٣٤ - [٢٣] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ﴾ [الواقعة: ٣٤]، قَالَ: \"ارْتفَاعُهَا لَكَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٥٤٠].\n٥٦٣٥ - [٢٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ضَوْءُ وُجُوهِهِمْ عَلَى مِثْلِ ضَوْءِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، وَالزُّمْرَةُ الثَّانِيَةُ عَلَى مِثْلِ أَحْسَنِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ، لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ، عَلَى كُلِّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً، يُرَى مُخُّ سَاقِهَا من وَرَائِهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٣٥].\n٥٦٣٦ - [٢٥] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"يُعْطَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ قُوَّةَ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْجمَاعِ\". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّه! أَوَيُطِيقُ ذَلِكَ؟ . . . . .\nــ\nالمقصد من هذا التقدير أيضًا المبالغة، فلا مخالفة بين الأحاديث.\n٥٦٣٤ - [٢٣] (وعنه) قوله: (وفرش مرفوعة) أي: منضودة بعضها على بعض، أو مبسوطة على الأسرة، والمراد رفيعة في القيمة والنفاسة، وقيل: المراد بالفرش: نساء أهل الجنة رفعن بالجمال على نساء أهل الدنيا، وكل فاضل رفيع، وظاهر سياق الحديث في الوجه الأول.\n٥٦٣٥ - [٢٤] (وعنه) قوله: (أحسن كوكب) قد مرّ شرحه في (الفصل الأول) من حديث أبي هريرة.\n٥٦٣٦ - [٢٥] (أنس) قوله: (يعطى قوة كذا وكذا من الجماع) أي: يعطى قوة جماع كذا وكذا من النساء، (فكذا وكذا) كناية عن عدد النساء كعشرين","vol":"9","page":121},{"text":"قَالَ: \"يُعْطَى قُوَّةَ مِئَةٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٣٦].\n٥٦٣٧ - [٢٦] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: \"لَوْ أَنَّ مَا يُقِلُّ ظُفْرٌ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ بَدَا لَتَزَخْرَفَتْ لَهُ مَا بَيْنَ خَوَافِقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَ فَبَدَا أَسَاوِرُهُ لَطَمَسَ ضَوْؤُهُ ضَوْءَ الشَّمْسِ كَمَا تَطْمِسُ الشَّمْسُ ضَوْءَ النُّجُومِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٥٣٨].\n٥٦٣٨ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَهْلُ الْجَنَّةِ جُرْدٌ مُرْدٌ كَحْلَى لَا يَفْنَى شَبَابُهُمْ،\nــ\nوثلاثين، فافهم.\n٥٦٣٧ - [٢٦] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (لو أن ما يقل) بضم الياء وكسر القاف من الإقلال، وفي (القاموس) (١): أقلّه: حمله، ورفعه، كقله واستقله، أي: لو أن مقدار ما يحمله (ظفر مما في الجنة) من أسباب الزينة وآلاتها (بدا) في الدنيا (لتزخرفت له) أي: تزينت (ما بين) أي: أماكن، (بين خوافق السماوات الأرض) أي: جوانبهما، والخافقان: المشرق والمغرب أو أفقاهما؛ لأن الليل والنهار يختفقان فيهما، من خفقت الراية: اضطربت وتحركت، وكذا السراب، أو طرفا السماء والأرض أو منتهاهما، وخوافق السماء: التي تخرج منها الرياح الأربع، كل ذلك في (القاموس) (٢).\n٥٦٣٨ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (جرد مرد كحلى) رجل أجرد: لا شعر عليه،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٦٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨١١).","vol":"9","page":122},{"text":"وَلَا يَبْلَى ثِيَابُهمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٥٣٩، دي: ٢/ ٣٣٥].\n٥٦٣٩ - [٢٨] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ جُرْدًا مُرْدًا مُكَحَّلِينَ أَبْنَاءَ ثَلَاثِينَ -أَوْ ثَلاثٍ وَثَلَاثِينَ- سَنَةً\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٤٥].\n٥٦٤٠ - [٢٩] وَعَنْ أَسمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَذُكِرَ لَهُ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى قَالَ: . . . . .\nــ\nوفرس أجرد: قصير الشعر رقيقه، والمادة للسلب والإزالة، والجرد محركة: فضاء لا نبات به، مكان جَرْدٌ وأجردُ وجَرِدٌ كَفَرِحٍ، وأرض جَرْدَاءُ وجَرِدَةٌ كَفَرِحَةٍ، وجرده: قشره، والجلد: نزع شعره، وزَيدًا من ثوبه: عرّاه فتجرد، وانجرد، والقطن: حلجه، وخمر جرداء: صافية، والأمرد: غلام لا شعر على ذقنه، وشجرة مرداء: تساقط ورقها. وفي (القاموس) (١): الأمرد: الشاب طَرّ شاربه ولم تنبت لحيتُه. وكحلى جمع كحيل بمعنى الأكحل، والكحل محركة: أن يعلو منابت الأشفار سواد خلقة، أو أن يسود مواضع الكحل، وفي المثل: ليس التكحل كالكحل.\n٥٦٣٩ - [٢٨] (معاذ بن جبل) قوله: (أو ثلاث وثلاثين) يعني كما يكون أهل الدنيا في هذا السن؛ إذ فيه كمال قوة الإنسان وأشده، وكلمة (أو) تحتمل أن يكون شك الراوي، أو للترديد، وسيجيء في آخر الفصل: (يردون بني ثلاثين) من غير شك وترديد.\n٥٦٤٠ - [٢٩] (أسماء بنت أبي بكر) قوله: (وذكر له سدرة المنتهى) وهي شجرة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٢).","vol":"9","page":123},{"text":"\"يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّ الْفَنَنِ مِنْهَا مِئَةَ سَنَةٍ، أَوْ يَسْتَظِلُّ بِظِلِّهَا مِئَةُ رَاكِبٍ -شَكَّ الرَّاوِي- فِيهَا فَرَاشُ الذَّهَبِ كَأَنَّ ثَمَرَهَا الْقِلَالُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٥٤١].\n٥٦٤١ - [٣٠] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: مَا الْكَوْثَرُ؟ قَالَ: \"ذَاكَ نَهْرٌ أَعْطَانِيهِ اللَّهُ -يَعْنِي فِي الْجَنَّةِ- أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، فِيهِ طَيْرٌ أَعْنَاقُهَا كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ\". . . . .\nــ\nفي أقصى الجنة، إليها ينتهي علم الأولين والآخرين، ولا يتعداها ولم يجاوزها أحد سوى رسول اللَّه -ﷺ-، وهي في السماء السادسة، وفي رواية أخرى: في السابعة، وجمع بأن أصلها في السادسة، ومعظمها في السابعة، وقيل: هي في السابعة عن يمين العرش، و(المنتهى): موضع الانتهاء كأنه في منتهى الجنة، إليها ينتهي علم المخلوقين، ولا يعلم أحد ما وراءها، ويقال: إنه مقام جبرئيل ﵇ ولا يمكن له الصعود منه، و(الفنن) بفتحتين: الغصن، والجمع أفنان، وجمع الجمع: أفانين.\nوقوله: (فيها فراش الذهب) الفراش بفتح الفاء وخفة الراء: جمع فراشة، وهي التي تطير وتتهافت في السراج، وهو تفسير لقوله تعالى: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٦]، لعله أراد ملائكة تتلألأ أجنحتها تلألُؤَ أجنحة الفراش كأنها مذهبة، وقيل: ولعله مَثَّلَ ما يغشى من أنوار تنبعث منها بفراش من ذهب لصفائها، وقال البيضاوي (١): يغشاها الجم الغفير من الملائكة يعبدون اللَّه تعالى عندها.\nوقوله: (ثمرها القلال) بالكسر: جمع قلة بالضم وهي الجرة الكبيرة.\n٥٦٤١ - [٣٠] (أنس) قوله: (كأعناق الجزر) جمع جزور، وهو البعير\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ١٥٨).","vol":"9","page":124},{"text":"قَالَ عُمَرُ: إِنَّ هَذِهِ لَنَاعِمَةٌ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَكَلَتُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٤٢].\n٥٦٤٢ - [٣١] وَعَن بُريدةَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ فِي الْجَنَّةِ مِنْ خَيْلٍ؟ قَالَ: \"إِنِ اللَّهُ أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ فَلَا تَشَاءُ أَنْ تُحْمَلَ فِيهَا عَلَى فَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطِيرُ بِكَ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شِئْتَ إِلَّا فَعَلْتَ\"، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَل فِي الْجَنَّةِ مِنْ إِبلٍ؟ قَالَ: فَلَمْ يَقُلْ لَهُ مَا قَالَ لِصَاحِبِهِ. فَقَالَ: \"إِنْ يُدْخِلْكَ اللَّهُ الْجَنَّةَ يَكُنْ لَكَ فِيهَا مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ. . . . . .\nــ\nعُدّ للنحر.\nوقوله: (إن هذه لناعمة) أي: هذه الطير التي فيه، أي: طيبة لينة سمان، أو متنعمة مترفهة.\n٥٦٤٢ - [٣١] (بريدة) قوله: (إن اللَّه أدخلك) (إن) شرطية دخلت على اسم، والفعل مقدر، أي: إن أدخلك اللَّه، على وطيرة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦]، وجوابه: (فلا تشاء).\nوقوله: (على فرس من ياقوته حمراء) قيل: أراد الجنس المعهود مخلوقًا من أنفس الجواهر، وقيل: جنسًا آخر يغنيه عن المعهود، وعلى الثاني هو من الأسلوب الحكيم سأل عن المتعارف وأجاب بما استغني عنه.\nوقوله: (إلا فعلت) يروى بتاء الخطاب مجهولًا ومعروفًا، والمعنى على الأول، أي: لا تكون بمطلوبك إلا مسعفًا، وعلى الثاني: لا تكون بمطلوبك إلا فائزًا، ويروى بتاء التأنيث مجهولًا والضمير للـ (فرس)، والحاصل ما من شيء تشتهيه النفوس في الجنة إلا وجدته على وفق مشتهاها.","vol":"9","page":125},{"text":"وَلَذَّتْ عَيْنُكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٤٣].\n٥٦٤٣ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أُحِبُّ الْخَيْلَ أَفِي الْجَنَّةِ خَيْلٌ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنْ أُدْخِلْتَ الْجَنَّةَ أُتِيتَ بِفَرَسٍ مِنْ يَاقُوتَةٍ لَهُ جَنَاحَانِ، فَحُمِلْتَ عَلَيْهِ، ثُمَّ طَارَ بِكَ حَيْثُ شِئْتَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إسنَادُهُ بِالْقَوِيِّ، وَأَبو سَوْرَةَ الرَّاوِي يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ يَقُولُ: أَبُو سَوْرَةَ هَذَا مُنكَرُ الحَدِيثِ، يَرْوِي مَنَاكِيرَ. [ت: ٢٥٤٤].\n٥٦٤٤ - [٣٣] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَهْلُ الْجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِئَةُ صَفٍّ، ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الأُمَمِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ\". [ت: ٢٥٤٦، دي: ٣/ ١٨٧٣].\nــ\nوقوله: (ولذت عينك) لذذته: وجدته لذيذًا، والتذذت به وتلذذت بمعنى.\n٥٦٤٣ - [٣٢] (أبو أيوب) قوله: (وأبو سورة) بفتح السين المهملة وسكون الواو بعدها راء، الأنصاري، ابن أخي أيوب، ضعيف من الثالثة كذا في (التقريب) (١).\n٥٦٤٤ - [٣٣] (بريدة) قوله: (ثمانون منها من هذه الأمة، وأربعون من سائر الأمم) لا ينافي هذا قوله -ﷺ-: (أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة) لأنه يحتمل أن يكون رجاه -ﷺ- ذلك، ثم زيد وبشر من عند اللَّه تعالى بالزيادة بعد ذلك، وأما قول\n_________\n(١) \"تقريب التهذيب\" (ص: ٦٤٧، رقم ترجمة: ٨١٥٤).","vol":"9","page":126},{"text":"٥٦٤٥ - [٣٤] وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"بَابُ أُمَّتِي الَّذِينَ (١) يَدْخُلُونَ مِنْهُ الْجَنَّةَ عَرْضُهُ مَسِيرَةُ الرَّاكِبِ الْمُجَوِّدِ ثَلَاثًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَيُضْغَطُونَ عَلَيْهِ حَتَّى تَكَادُ مَنَاكِبُهُمْ تَزُولُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، وَسَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ. . . . .\nــ\nالطيبي (٢): يحتمل أن يكون الثمانون صفًّا مساويًا في العدد للأربعين صفًّا فبعيد؛ لأن الظاهر من قوله -ﷺ-: (أهل الجنة عشرون ومئة صف) أن تكون الصفوف متساوية، واللَّه أعلم.\n٥٦٤٥ - [٣٤] (سالم) قوله: (باب أمتي الذين يدخلون منه الجنة) وفي بعض النسخ (الذي)، هو وإن كان أظهر في المعنى ولكن الموجود في النسخ المصححة هو (الذين) بلفظ الجمع.\nوقوله: (الراكب المجود) يحتمل أن يكون تركيبًا توصيفيًا أو إضافيًا، فعلى الأول المعنى: الراكب الذي يجود ركض الفرس، وعلى الثاني: الفرس الذي يجود في عَدْوِهِ، يقال: أجاد الشيء وجوّده، أي: حسنه.\nوقوله: (ثلاثًا) أي: ثلاث ساعات، أو ليال، أو أشهر، أو سنين، بتأويل الجماعة، والثاني هو الأظهر، وإن كان المبالغة في الأخير، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ليضغطون) أي: يزدحمون على الباب عند دخولهم، يقال: ضغطه: عصره وزحمه، وغمزه إلى شيء، ومنه: ضغطة القبر، كذا في (القاموس) (٣)، وفي\n_________\n(١) في نسخة: \"الذي\".\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٢٥٤).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٢٣).","vol":"9","page":127},{"text":"فَلَمْ يَعْرِفْهُ وَقَالَ: يَخْلُدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ يَرْوِي الْمَنَاكِيرَ. [ت: ٢٥٤٨].\n٥٦٤٦ - [٣٥] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَسُوقًا مَا فِيهَا شِرًى وَلَا بَيْعٌ إِلَّا الصُّوَرَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، فَإِذَا اشْتَهَى الرَّجُلُ صُورَةً دَخَلَ فِيهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٥٥].\nــ\n(الصراح) (١): ضغطه: فشادن برديوار وجزآن.\nوقوله: (يخلد بن أبي بكر) في الحاشية: بعلامة حم صوابه (خالد)، و(يخلد) سهو من صاحب (المشكاة)، إذ في الترمذي خالد بن أبي بكر، وكذا في كتب أسماء الرجال، انتهى. وفي (التقريب) (٢): خالد بن أبي بكر بن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب العدوي المدني، فيه لين، مات سنة مئة واثنتين وستين، انتهى.\n٥٦٤٦ - [٣٥] (علي) قوله: (ما فيها) أي: في السوق، وهو يذكر ويؤنث، والتأنيث أكثر.\nوقوله: (إلا الصور) استثناء منقطع أو متصل بأن يجعل تبديل الهيئات والأشكال من جنس البيع والشراء مجازًا.\nوقوله: (دخل فيها) أي: تصورها وتشكل بها، أي: كل صورة حسنة وشكل مطبوع اشتهى الإنسان أن يكون عليه بدّل اللَّه صورتها مع بقاء الذات.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٢٩٤).\n(٢) \"تقريب التهذيب\" (ص: ١٨٧، رقم: ١٦١٨).","vol":"9","page":128},{"text":"٥٦٤٧ - [٣٦] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ لَقِيَ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ فِي سُوقِ الْجَنَّةِ. فَقَالَ سَعِيدٌ: أَفِيهَا سُوقٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِذَا دَخَلُوهَا نَزَلُوا فِيهَا بِفَضْلِ أَعْمَالِهِمْ، ثُمَّ يُؤْذَنُ لَهُمْ فِي مِقْدَارِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، فَيَزُورُونَ رَبَّهُمْ وَيُبْرِزُ لَهُمْ عَرْشَهُ، وَيَتَبَدَّى لَهُم فِي رَوْضَةٍ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، فَيُوضَعُ لَهُم مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ لُؤْلُؤٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ يَاقُوتٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ زَبَرْجَدٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَنَابِرُ مِنْ فِضَّةٍ، وَيَجْلِسُ أَدْنَاهُم -وَمَا فِيهِمْ دَنِيٌّ- عَلَى كُثْبَانِ الْمِسْكِ وَالْكَافُورِ،\nــ\n٥٦٤٧ - [٣٦] (سعيد بن المسيب) قوله: (إن أهل الجنة) بفتح الهمزة وبكسرها على الحكاية، وفي أكثر النسخ المصححة بفتحها.\nوقوله: (بفضل أعمالهم) أي: بقدرها.\nوقوله: (في مقدار يوم الجمعة) في الحواشي: أي في مقدار أسبوع، والظاهر أن المراد يوم الجمعة، فإنه وردت الأحاديث في فضائل يوم الجمعة؛ أنه يكون في الجنة يوم جمعة كما كان في الدنيا، ويحضرون فيه ربهم إلى آخر معنى هذا الحديث.\nوقوله: (أدناهم) أي: أقلهم منزلة ودرجة في الجنة بالنسبة إلى بعض من عداه، و(ما فيهم دني) أي: خسيس، لدفع توهم الدناءة من (أدناهم)، و(الكثبان) جمع كثيب وهو التلّ من الرمل، ويجمع على كُثُب، وأكعبة، وكثبان، والكثب: الجمع، والاجتماع، والصب، كذا في (القاموس) (١).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٣٢).","vol":"9","page":129},{"text":"مَا يَرَوْنَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَرَاسِيِّ بِأَفْضَلَ مِنْهُمْ مَجْلِسًا\". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَهَلْ نَرَى رَبَّنَا؟ قَالَ: \"نَعَمْ، هَلْ تَتَمَارَوْنَ فِي رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ؟ \" قُلْنَا: لَا. قَالَ: \"كَذَلِكَ لَا تَتَمَارَوْنَ فِي رُؤْيَةِ رَبِّكُمْ، وَلَا يَبْقَى فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ رَجُلٌ إِلَّا حَاضَرَهُ اللَّهُ مُحَاضَرَةً حَتَّى يَقُولَ لِلرَّجُلِ مِنْهُمْ: يَا فُلَانُ ابْنَ فُلَانٍ! أَتَذْكُرُ يَوْمَ قُلْتَ كَذَا وَكَذَا؟ فَيُذَكِّرهُ بِبَعْضِ غَدَرَاتِهِ فِي الدُّنْيَا. فَيَقُولُ: يَا رَبِّ! أَفَلَمْ تَغْفِرْ لِي؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَبِسَعَةِ مَغْفِرَتِي بَلَغْتَ مَنْزِلَتَكَ هَذِهِ. فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ غَشِيتْهُمْ سَحَابَةٌ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَأَمْطَرَتْ عَلَيْهِمْ طِيبًا لَمْ يَجِدُوا مِثْلَ رِيحِهِ شَيْئًا قَطُّ، وَيَقُولُ ربُّنَا: قُومُوا إِلَى مَا أَعْدَدْتُ لَكُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ، فَخُذُوا مَا اشْتَهَيْتُمْ، فَنَأْتِي سُوقًا قَدْ حَفَّتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ، فِيهَا مَا لَمْ تَنْظُرِ الْعُيُونُ إِلَى مِثْلِهِ،\nــ\nوقوله: (ما يرون) بضم الياء أي: ما يظنون ذلك حتى يحزنوا.\nوقوله: (إلا حاضره اللَّه محاضرة) وهو الكلام مشافهة، والمراد هنا: كشف الحجاب والمقاولة بلا واسطة وترجمان كما كان لموسى ﵇. و(الغدرات) بفتحات جمع غدرة، وهو ترك الوفاء، والمراد بها ارتكاب المعاصي الذي فيه نقض عهد الربويية، وترك الوفاء بحقوقها.\nوقوله: (فيقول: بلى) أي: بلى أغفر لك، بل قد غفرت، ولو لم أغفره ما بلغت هذه المنزلة فبسعة مغفرتي بلغتها لا بعملك.\nوقوله: (ما لم تنظر) بدل من (ما) أو من الضمير المنصوب المحذوف في (أعددت) العائد إليه، أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي: فيه ما لك تنظر العيون.","vol":"9","page":130},{"text":"وَلَمْ تَسْمَعِ الآذَانُ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى الْقُلُوبِ، فَيُحْمَلُ لَنَا مَا اشْتَهَيْنَا، لَيْسَ يُبَاعُ فِيهَا، وَلَا يُشْتَرَى، وَفِي ذَلِكَ السُّوقِ يَلْقَى أَهْلُ الْجَنَّةِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا\". قَالَ: \"فَيُقْبِلُ الرَّجُلُ ذُو الْمَنْزِلَةِ الْمُرْتَفِعَةِ فَيَلْقَى مَنْ هُوَ دُونَهُ -وَمَا فِيهِم دَنِيٌّ-، فَيَرُوعُهُ مَا يَرَى عَلَيْهِ مِنَ اللِّبَاسِ، فَمَا يَنْقَضِي آخِرُ حَدِيثِهِ حَتَّى يُتَخَيَّلَ عَلَيْهِ مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَحْزَنَ فِيهَا،\nــ\nوقوله: (فيروعه ما يَرَى عليه) في (القاموس) (١): راع: أفزع كروع متعد، وراع فلانًا: أعجبه، وعلى المعنيين الفاعل (ما)، والضمير المنصوب في (يروعه) للرجل، والمجرور في (عليه) لمن على المعنى الأول، أي: يفزع الرجل ذا المنزلة ما يرى على من هو دونه من اللباس الفاخر، أي: يكرهه، ويطرق إليه حزن فما ينقضي آخر حديث الرجل، وهو حديث نفسه، أي: خاطره الذي خطر في نفسه، (حتى يتخيل) أي: يظهر من تخيلت السماء: تهيأت للمطر، (عليه) أي: على الرجل، (ما هو أحسن منه) دفعًا لحزنه؛ لأنه لا ينبغي لأحد أن يحزن في الجنة، ويجوز أن يكون الضمير المنصوب لـ (من) والمجرور للرجل، و(يروعه) بمعنى يعجبه، والضمير في (حديثه) وفي (يتخيل عليه) يكون لـ (من)، والضمير في (منه) لللباس، فعلى المعنى الأول: لللباس الذي على من دونه، وعلى الثاني: لللباس الذي على الرجل، وهو ظاهر.\nوقوله: (أن يحزن) بفتح الزاي: من حزن كفرح لازم، بمعنى تحزن واحتزن، وأما يحزن بالضم من حزن كنصر متعد، بمعنى حزنه الأمر، وأحزنه: جعله حزينًا.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٦٧).","vol":"9","page":131},{"text":"ثُمَّ نَنْصَرِفُ إِلَى مَنَازِلنَا فَيَتَلَقَّانَا أَزْوَاجُنَا فَيَقُلْنَ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا، لَقَدْ جِئْتَ، وَإِنَّ بِكَ مِنَ الْجَمَالِ أَفْضَلَ مِمَّا فَارَقْتَنَا عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: إِنَّا جَالَسْنَا الْيَوْمَ رَبَّنَا الْجَبَّارَ وَيَحِقُّنَا أَنْ نَنْقَلِبَ بِمِثْلِ مَا انْقَلَبْنَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٢٥٤٩، جه: ٤٣٣٦].\n٥٦٤٨ - [٣٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ الَّذِي لَهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمٍ، وَاثْنَتَانِ (١) وَسَبْعُونَ زَوْجَةً، وَتُنْصَبُ لَهُ قُبَّةٌ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ كَمَا بَيْنَ الْجَابِيَةِ إِلَى صَنْعَاءَ\". وَبِهَذَا الإِسْنَادِ قَالَ: \"وَمَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ، يُرَدُّونَ بَنِي ثَلَاثِينَ فِي الْجَنَّةِ لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا أَبَدًا، وَكَذَلِكَ أَهْلُ النَّارِ\".\nوَبِهَذَا الإسْنَاد قَالَ: \"إِنَّ عَلَيْهِمُ التِّيجَانَ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ مِنْهَا لَتُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ\".\nــ\nوقوله: (ثم ننصرف) عطف على قوله: (فنأتي سوقًا)، (فيقلن) أي: الأزواج كل واحدة منهن لزوجها: (لقد جئت).\n٥٦٤٨ - [٣٧] (أبو سعيد) قوله: (من لؤلؤ وزبرجد وياقوت) معمولة منها أو مكللة بها.\nوقوله: (كما بين الجابية إلى صنعاء) أي: بعد ما بين طرفي القبة كالبعد الذي بين هذين الموضعين، الأول بالشام، والثاني باليمن.\nوقوله: (يردون) أي: يصيرون، فلا يرد أن الرد لا يناسب الصغر.\n_________\n(١) في نسخة: \"واثنان\".","vol":"9","page":132},{"text":"وَبِهَذَا الإِسْنَادِ قَالَ: \"الْمُؤْمِنُ إِذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ فِي سَاعَةٍ كَمَا يَشْتَهِي\". وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: \"إِذَا اشْتَهَى الْمُؤْمِنُ فِي الْجَنَّةِ الْوَلَدَ كَانَ فِي سَاعَةٍ، وَلَكِنْ لَا يَشْتَهِي\"، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَرَوَىَ ابْنُ مَاجَهْ الرَّابِعَةَ وَالدَّارِمِيُّ الأَخِيرَةَ. [ت: ٢٥٦٢، جه: ٤٣٣٨، دي: ٢/ ٣٣٧].\n٥٦٤٩ - [٣٨] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمُجْتَمَعًا لِلْحُورِ الْعِينِ، يَرْفَعْنَ بِأَصْوَاتٍ لَمْ تَسْمَعِ الْخَلَائِقُ مِثْلَهَا، يَقُلْنَ: نَحْنُ الْخَالِدَاتُ فَلَا نَبِيدُ، وَنَحْنُ النَّاعِمَاتُ فَلَا نَبْأَسُ، وَنَحْنُ الرَّاضِيَاتُ فَلَا نَسْخَطُ، طُوبَى لِمَنْ كانَ لَنَا وَكُنَّا لَهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٦٤].\n٥٦٥٠ - [٣٩] وَعَنْ حَكِيم بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَحْرَ الْمَاءِ، وَبَحْرَ الْعَسَلِ، وَبَحْرَ اللَّبَنِ، وَبَحْرَ الْخَمْرِ، ثُمَّ تُشَقَّقُ الأَنْهَارُ بَعْدُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٧١].\n٥٦٥١ - [٤٠] وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ عَن مُعَاوِيَةَ. [دي: ٢/ ٣٣٧].\nــ\n٥٦٤٩ - [٣٨] (علي) قوله: (ونحن الناعمات) أي: المتنعمات (فلا نبأس) أي: لا نفتقر ونحتاج، أو اللينات الحسنة، فلا نصير شديدة سيئة، أو مسرورات فلا نحزن، والنعمة: المسرة، كذا في (القاموس) (١).\n٥٦٥٠، ٥٦٥١ - [٣٩، ٤٠] (حكيم بن معاوية، ومعاوية) قوله: (ثم تشقق الأنهار) أي: تشقق من الأبحر الأربعة بعد دخول أهل الجنة الجنة أنهار فيجري إلى\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٧٢).","vol":"9","page":133},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1236> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٦٥٢ - [٤١] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ الرَّجُلَ فِي الْجَنَّةِ لَيَتَّكِئُ فِي الْجَنَّةِ سَبْعِينَ مَسْنَدًا قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ، ثُمَّ تَأْتِيهِ امْرَأَةٌ فَتَضْرِبُ عَلَى مَنْكِبِهِ (١)، فَيَنْظُرُ وَجْهَهُ فِي خَدِّهَا أَصْفَى مِنَ الْمِرْأَةِ، وَإِنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ عَلَيْهَا تُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، فَتُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَيَرُدُّ السَّلَامَ وَيَسْأَلُهَا: مَنْ أَنْتِ؟ فَتَقُولُ: أنا مِنَ الْمَزِيدِ، وَإِنَّهُ لَيَكُونُ عَلَيْهَا سَبْعُونَ ثَوْبًا، فَيَنْفُذُهَا بَصَرُهُ حَتَّى يَرَى مُخَّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءَ ذَلِكَ، وإِنَّ عَلَيْهَا مِنَ التِّيجَانِ، إِنَّ أَدْنَى لُؤْلُؤَةٍ مِنْهَا لَتُضِيءُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٣/ ٧٥].\nــ\nمكان كل واحد منهم نهر.\nالفصل الثالث\n٥٦٥٢ - [٤١] (أبو سعيد) قوله: (قبل أن يتحول) أي: يكون متكئًا على سبعين مسند قبل أن يتحول، (ثم تأتيه) بعد أن يتحول (امرأة)، ولعل هذا مراد الطيبي (٢) من قوله: (قبل أن يتحول) ظرف (ثم تأتيه)، فافهم.\nوقوله: (أصفى) حال من (خدها).\nوقوله: (أنا من المزيد) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: ٣٥].\n_________\n(١) في نسخة: \"مَنْكِبَيْهِ\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٢٦٠).","vol":"9","page":134},{"text":"٥٦٥٣ - [٤٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَتَحَدَّثُ -وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ-: \"إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ. فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنْ أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ، فَبَذَرَ فَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ، فَكَانَ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: دُونَكَ يَا ابْنُ آدَمَ! فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ\". فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: وَاللَّهِ لَا تَجدُهُ إِلَّا قُرَشِيًّا أو أَنْصَارِيًّا فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ، فَضَحِكَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢٣٧٨].\n٥٦٥٤ - [٤٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: أَيَنَامُ أَهْلُ الْجَنَّةِ؟ قَالَ: \"النَّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ، وَلَا يَمُوتُ أَهْلُ الْجَنَّةِ\". . . . .\nــ\n٥٦٥٣ - [٤٢] (أبو هريرة) قوله: (إن رجلًا) بفتح الهمزة وبكسرها على الحكاية.\nوقوله: (فبادر الطرف نباته) الطرف: العين، وطرف بصره طرفة: إذا طبق أحد جفنيه على الآخر، والطرف بالنصب، و(نباته) بالرفع، أي: نبت قبل طرفة عين، (واستواؤه واستحصاده) عطف على نباته، و(دونك) بمعنى خذ، وفيه دليل على أن طبيعة الإنسان على عدم القناعة، وهذه الصفة لا تزول عنه إلى الأبد.\nوقوله: (فإنهم أصحاب زرع) صحبة الزرع حصلت للقرشيين بعد قدومهم بالمدينة في صحبة الأنصار وإلا لم يكونوا كذلك بمكة.\n٥٦٥٤ - [٤٣] (جابر) قوله: (ولا يموت أهل الجنة) لأن النوم إنما يستجلبه الكسل والفتور والامتلاء، وكل ذلك مما لا يكون في الجنة.","vol":"9","page":135},{"text":"رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ٤٤١٦].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1237>٦ - باب رؤية اللَّه تعالى</span>\nــ\n٦ - باب رؤية اللَّه تعالى\nاعلم أن رؤية الحق تعالى جائزة عقلًا عند أهل الحق، وهم أهل السنة والجماعة، والجسمية والجهة والمقابلة والقرب والبعد ليس بشرط عندهم في الرؤية، وليس علة الرؤية عندهم إلا الوجود، فكل ما هو موجود فهو ممكن الرؤية عندهم جسمانيًّا كان أو غيره، في جهة كان أو لا، ومدخلية الأمور المذكورة فيها إنما هو بجريان العادة، ولو خلق اللَّه تعالى الرؤية بدونها لجاز، وهو تعالى قادر أن يضع قوة البصيرة التي في القلب في العين، فكما نعلم في الدنيا بالبصيرة نراه في الآخرة بالبصر إنه على كل شيء قدير.\nوأجمعوا على وقوعه في الاخرة للمؤمنين، والدلائل من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ومن بعدهم قبل حدوث أهل البدع والأهواء متظاهرة على ذلك، فيجب القول به، ثم رؤيته تعالى في الدنيا أيضًا جائزة على القول المختار، ولكنه غير واقع بالاتفاق إلا لسيد المرسلين -ﷺ- مع اختلافٍ فيه على ما سنبين في شرح الأحاديث، ولم ينقل ذلك أحد من السلف والأولياء.\nوقال الشيخ أبو بكر الكلاباذي في (كتاب التعرف) (١): لا نعلم أحدًا من المشايخ ادعاها، ولا ورد ذلك في الحكايات عن أحد منهم إلا شرذمة قليلة لم يعرفوا بأعيانهم،\n_________\n(١) انظر: \"التعرف لمذهب أهل التصوف\" (ص: ٤٤).","vol":"9","page":136},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالمشايخ أطبقوا على تضليل مدعيها وتكذيبه، وصنفوا في ذلك كتبًا ورسائل وقالوا: إن من ادعى ذلك لم يعرف اللَّه، وأقره الشيخ علاء الدين القونوي في شرحه على ذلك، وقال في (تفسير الكواشي): إن معتقد رؤية اللَّه تعالى هنا بالعين لغير محمد -ﷺ- غير مسلم.\nوقال الأردبيلي في (كتاب الأنوار): ولو قال: أنا أرى اللَّه تعالى عيانًا في الدنيا ويكلمني شفاهًا كَفَرَ، وقالوا: تخصيص المؤمنين برؤية اللَّه تعالى إنما هو في ما كان في الجنة، وأما في الموقف فيراه المؤمنون والكافرون، ثم يحجب الكافرون لتبقى لهم حسرة على القول المختار، والصحيح حصول الرؤية للنساء أخذًا من عمومات النصوص الواردة في الرؤية، وقيل: ليس لهن رؤية، وقيل: إنهن يرين في مثل أيام الأعياد والجمع في الدنيا.\nوفي (آكام المرجان) (١) نقلًا عن قواعد الشيخ عز الدين عبد السلام ما يقتضي: أن الرؤية خاصة بمؤمني البشر، وأن الملائكة والجن لا يرونه تعالى، ونحوه ذكر عز ابن جماعة، والمنقول عن الشيخ الأشعري أن الملائكة يرونه، وتابعه على ذلك البيهقي وابن القيم والبلقيني، قال السيوطي: وهو الأرجح بلا شك، ومقتضى كلام ابن القيم الميل إلى حصول الرؤية لمؤمني الجن أيضًا، وهو الأصوب بعموم النصوص لجميع المؤمنين، ورؤية اللَّه تعالى في المنام أيضًا جائزة، ونقل عن بعض السلف، وفي الحقيقة هو رؤية قلبية بالمثال.\n_________\n(١) \"آكام المرجان في أحكام الجان\" (١/ ٩٧).","vol":"9","page":137},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1238> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٦٥٥ - [١] عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ عِيَانًا\". وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، فَقَالَ: \"إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا\"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٥٤، م: ٢١١].\nــ\nالفصل الأول\n٥٦٥٥ - [١] (جرير بن عبد اللَّه) قوله: الا تضامون) بضم التاء وتخفيف الميم من الضيم بمعنى الظلم، أي: لا تظلمون في رؤيته بأن يراه بعض دون بعض، وبفتح التاء وتشديد الميم من الضم أي: لا تزاحمون فيها، وقد سبق تحقيقه وبيان الروايات فيه في (باب الشفاعة).\nوقوله: (فإن استطعتم أن لا تغلبوا) على صيغة المجهول، أي: لا تصيروا مغلوبين، أي: لا يغلبكم الكسل والدعة فتركوها، والتخصيص بهذين الصلاتين لفضلهما وإلا فحكم سائر الصلوات كذلك، والسر في ذلك أنه يحصل من الصلاة ملكة رؤية الذات كما يشير إليه الحديث: (أن تعبد ربك كأنك تراه)، ولما لم تكن الدنيا محل رؤية الذات بالبصر بل فيها مشاهدة الذات بالقلب لحُجُبٍ كانت مانعة منها قال: (كأنك تراه)، ولما سقطت الحجب في موطن الآخرة صار: (أنك تراه)، وقد ورد أن الرؤية في الآخرة تحصل غدوة وعشية، أي: أول النهار وآخره، وبهذا يحصل توجيه تخصيص صلاة الفجر والعصر، واللَّه أعلم.","vol":"9","page":138},{"text":"٥٦٥٦ - [٢] وَعَنْ صُهَيْبٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ \"، قَالَ: \"فَيُرْفَعُ الْحِجَابُ، فَيَنْظُرُونَ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ\"، ثُمَّ تَلَا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1239> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٦٥٧ - [٣] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ إلَى جِنَانِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَنَعِيمِهِ وَخَدَمِهِ وَسُرُرِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ، وَأَكْرَمَهُمْ عَلَى اللَّهِ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً\". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٢/ ٦٤، ت: ٢٥٥٣].\n٥٦٥٨ - [٤] وَعَنْ أَبِي رَزِيْنٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: . . . . .\nــ\n٥٦٥٦ - [٢] (صهيب) قوله: (ثم تلا: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾)، فالمراد بالحسنى: الجنة، وبالزيادة: رؤيته سبحانه.\nالفصل الثاني\n٥٦٥٧ - [٣] (ابن عمر) قوله: (إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه. . . إلخ)، فيه أن علو الهمة أن لا ينظر إلى ما سوى اللَّه وإن كان من نعيم الجنة.\n٥٦٥٨ - [٤] (أبو رزين العقيلي) قوله: (وعن أبي رزين) الراء قبل الزاي، (العقيلي) بضم العين وفتح القاف.","vol":"9","page":139},{"text":"قُلْتُ (١): يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَكُلُّنَا يَرَى رَبَّهُ مُخْلِيًا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: \"بَلَى\". قُلْتُ: وَمَا آيَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: \"يَا أَبَا رَزِينٍ! أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَرَى الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ مُخْلِيًا بِهِ؟ \". قَالَ: بَلَى. قَالَ: \"فَإِنَّمَا هُوَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَاللَّهُ أَجَلُّ وَأَعْظَمُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٣١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1240> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٦٥٩ - [٥] عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: \"نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٨].\nــ\nوقوله: (مخليًا به) يروى على وجهين: بفتح الميم وسكون الخاء وتشديد الياء من خلا يخلو، من خلوت به، وبضم الميم وتخفيف الياء من أخليت به: إذا انفردت به، وأخلى جاء لازمًا ومتعديًا، والمعنى يراه الكل منفردًا بنفسه بحيث لا يزاحم شيء في الرؤية.\nالفصل الثالث\n٥٦٥٩ - [٥] (أبو ذر) قوله: (نور أنى أراه) (أنى) بفتح الهمزة والنون المشددة بمعنى كيف، قال الطيبي (٢): هكذا رواه جميع الرواة في جميع الأصول ومعناه: حجابه النور فإن كمال النور يمنع الإدراك، وقد يروى: (نوراني) بالنسبة إلى النور، انتهى. وهذا أيضًا يحتمل أن يكون لإنكار الرؤية على طريق الاستفهام بحذف أداته، أو يكون لإثباتها، وجاء في حديث آخر: (رأيت نورًا)، وهذا أيضًا يحتمل المعنيين، أي: رأيت نورًا فحسب دون الذات، ومنعني النور عن رؤيتها، أو رأيت ذاتًا منورًا، وقد جاء\n_________\n(١) وفي نسخة: \"قال\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٢٦٨).","vol":"9","page":140},{"text":"٥٦٦٠ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]، ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]، قَالَ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nــ\nإطلاق النور عليه تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥].\n٥٦٦٠ - [٦] (ابن عباس) قوله: (رآه بفؤاده مرتين) بأن جعل بصره في فؤاده أو فؤاده في بصره، وعلى هذا الوجه سواء قيل: رآه بعين فؤاده أو رآه بعين رأسه يتحد المعنى، وإنما قلنا هذا؛ لأن مذهب ابن عباس أنه رآه ببصره، وأما الرؤية بالقلب فمذهب آخر مخالف لمذهبه.\nوحاصل المقام أن ابن عباس ومن وافقه من الصحابة والتابعين حملوا الرواية المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]، وقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]، وكذلك الدنو والتدلي، وكونه: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] كلها بيان لقربه -ﷺ- عنه تعالى وتقدس.\nوأما ابن مسعود وعائشة -﵃- ومن تبعهما حملوها على رؤيته -ﷺ- جبرئيل، والآيات المذكورة عندهم لبيان قربه واتصاله بجبرئيل، والمفسرون فسروها بالوجهين، فلذلك اختلفت الصحابة ومن بعدهم من السلف والخلف في رؤيته -ﷺ- الرب تعالى ليلة المعراج، فبعضهم ينفونها وبعضهم يثبوتها وبعضهم يتوقفون فيها لعدم الدلائل الواضحة على أحد الجانبين، والحق أن المذكور في سورة (والنجم) من الدنو والتدلي، وقرب قاب قوسين من جبرئيل لدلالة سياق الآية على ذلك، وهو غير ما كان من الرب تعالى المذكور في الأحاديث، كذا في (المواهب اللدنية) (١).\nوقال الشيخ محيي الدين النووي (٢): الراجح المختار عند أكثر العلماء أنه رآه\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٢/ ٤٨٥).\n(٢) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٣/ ٥).","vol":"9","page":141},{"text":"وَفِي رِوَايَة التِّرْمِذِي قَالَ: رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ. قَالَ عِكْرِمَةُ: قُلْتُ: أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: ١٠٣]؟ . . . . .\nــ\nببصره، وقال: إن عائشة لم ترو في إنكاره حديثًا وسماعًا منه -ﷺ-، وإنما هو اجتهاد واستنباط منها -ﷺ- برأيها، وتمسكها في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]، وقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣]، والجواب أن المنفي في الآية الأولى الكلام في حال الرؤية لا الرؤية نفسها، ولعل الرؤية تكون ثابتة بدون الكلام، وإن الإدراك هو الإحاطة بجوانب الشيء وحدودها، والرؤية أعم منه، وقد خالف غيرها من الصحابة، والصحابي إذا قال قولًا وخالفه غيره منهم لم يكن ذلك القول حجة بالاتفاق، انتهى كلام النووي.\nلكن قال الحافظ ابن حجر (١): جزم النووي بأنّ عائشة لم تنف الرؤية بحديث مرفوع، وتبع فيه ابن خزيمة، وهو عجيب، فقد ثبت في (صحيح مسلم) عن مسروق قالت: سألت رسول اللَّه -ﷺ- عن هذا، فقلت يا رسول اللَّه! هل رأيت ربك؟ فقال: (لا، إنما رأيت جبرئيل منهبطًا)، واللَّه أعلم.\nوقال بعض العلماء: الاعتماد في هذا الباب على قول ابن عباس فإن من المتعين أنه ما قال مثل هذا القول العظيم إلا بسماع من النبي -ﷺ- لا بظن واجتهاد، وقال بعضهم حين ذكر اختلاف عائشة وابن عباس -﵄-: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس، واللَّه أعلم، وسيأتي الكلام فيه في (باب المعراج) إن شاء اللَّه تعالى، وأما تفسير الآيات المذكورة وتحقيق ألفاظها مفردة ومركبة فليطلب من التفاسير.\nوقوله: (قلت: أليس اللَّه يقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾) إشكاله عليه لكون المراد بقوله: (رآه بفؤاده) أنه رآه بعينه بمساعدة قلبه كما ذكرنا، أو على قوله:\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٨/ ٦٠٧).","vol":"9","page":142},{"text":"قَالَ: وَيْحَكَ ذَاكَ إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ الَّذِي هُوَ نُورُهُ، وَقَدْ رَأَى رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ. [م: ١٧٦، ت: ٣٢٧٩].\n٥٦٦١ - [٧] وَعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَقِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَعْبًا بِعَرَفَةَ، فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، فَكَبَّرَ حَتَّى جَاوَبَتْهُ الْجِبَالُ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا بَنُو هَاشِمِ. فَقَالَ كَعْبٌ: إِنَّ اللَّهَ قَسَمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَمُوسَى، فَكَلَّمَ مُوسَى مَرَّتَيْنِ، وَرَآهُ مُحَمَّدٌ مَرَّتَيْنِ. قَالَ مَسْرُوقٌ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: هَل رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ تَكَلَّمْتَ بِشَيْءٍ قَفَّ لَهُ شَعْرِيْ، قُلْتُ: رُويدًا، ثُمَّ قَرَأْتُ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]، فَقَالَتْ: . . . . .\nــ\n(رأى محمد ربه) كما في رواية الترمذي.\nوقوله: (بنوره الذي هو نوره) أي: النور الخاص الذاتي الذي لا يطيقه البشر، وأما إذا تجلى بنوره الذي يعني بإدراكه القوة البشرية من غير تمنع وتعذر منه ﷾ فلا مانع من إدراكه، والرؤية حاصلة على التقديرين.\n٥٧٦١ - [٧] (الشعبي) قوله: (حتى جاوبته الجبال) كناية عن صداها.\nوقوله: (أنا بنو هاشم) أي: المعروفون بالعلم والفضل فلا تسأل عما يستحيل ويتعذر فاسكن وتأمل في الجواب، فلما تأمل أجاب بما أجاب، والظاهر أنه نقل ذلك من التورية.\nوقوله: (فكلم موسى مرتين) الأولى: في الواد الأيمن، والثانية: على الطور.\nوقوله: (قف له شعري) أي: قام فزعًا.\nوقوله: (رويدًا) أي: أمهلي وارفقي واسكني.\nوقوله: (ثم قرأت: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾) [النجم: ١٨]، لا يخفى أن هذه","vol":"9","page":143},{"text":"أَيْنَ تَذْهَبُ بِكَ؟ إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ. مَنْ أَخْبَرَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَأَى رَبَّهُ، أَوْ كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُمِرَ بِهِ، أَوْ يَعْلَمُ الْخَمْسَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان: ٣٤]، فَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَةَ، وَلَكِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ، لَمْ يَرَهُ فِي صُورَتِهِ إِلَّا مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَمَرَّةً فِي أَجْيَادٍ، لَهُ سِتُّ مِئَةِ جَنَاحٍ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.\nوَرَوَى الشَّيْخَانِ مَعَ زِيَادَةٍ وَاخْتِلَافٍ، وَفِي رِوَايَتِهِمَا: قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: فَأَيْنَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٨ - ٩]؟ قَالَتْ: ذَاكَ جِبْرِيلُ ﵇ كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ، وَإِنَّهُ أَتَاهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ فَسَدَّ الأُفُقَ. [ت: ٣٢٧٤، خ: ٤٨٠٥، م: ١٧٧].\n٥٦٦٢ - [٨] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩]، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]، وَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]، قَالَ فِيهَا كُلِّهَا: . . . . .\nــ\nالآية ليست مناسبة لمقصوده في إثبات الرؤية، ولكن المراد قرأت الآيات التي هذه الآية خاتمتها وهو قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ [النجم: ٨] كما في الرواية الأخرى.\nوقوله: (في أجياد) بفتح الهمزة: موضع معروف بأسفل مكة، أو جبل بها، ويسمى باب الحرم الذي في جانبه: باب الأجياد، وسمي بذلك لكونه موضع خيل تبع، كذا في (القاموس) (١).\n٥٦٦٢ - [٨] (ابن مسعود) قوله: . . . . .\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٦٣).","vol":"9","page":144},{"text":"رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ لَهُ سِتُّ مِئَةِ جَنَاحٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١]، قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جِبْرِيلَ فِي حُلَّةٍ مِنْ رَفْرَفٍ قَدْ مَلَأَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، وَلَهُ وَلِلْبُخَارِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]، قَالَ: رَأَى رَفْرَفًا أَخْضَرَ سَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ. [خ: ٤٨٥٦، م: ١٧٤، ت: ٣٢٨٣].\n٥٦٦٣ - [٩] وَسُئِلَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣]، فَقِيلَ: قَوْمٌ يَقُولُونَ: إِلَى ثَوَابِهِ. . . . .\nــ\n(في حلة) في (القاموس) (١): الحلة بالضم: إزار ورداء، برد أو غيره، قد عرف تحقيقه في موضعه.\nوقوله: (من رفرف) بفتح الراءين بينهما فاء ساكنة له معان متعددة، قال الطيبي (٢): أي بساط، وقيل: فراش، وقيل: الرفرف في الأصل ما كان من الديباج وغيره رقيقًا حسن الصنعة ثم اتسع فيه، وقال: والمراد في حديث المعراج البساط أو يراد أجنحة جبرئيل بسطها كما يبسط الثياب، ويقال: رفرف الطائر بجناحيه: إذا بسطها للسقوط على شيء يحوم عليه ليقع فوقه، قال البيضاوي (٣) في قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ﴾ [الرحمن: ٧٦]: وسائد أو نمارق جمع رفرفة، وقيل: الرفرف: ضرب من البسط، أو ذيل الخيمة، وقد يقال لكل ثوب عريض خضر.\n٥٦٦٣ - [٩] (مالك بن أنس) قوله: (يقولون إلى ثوابه) وقيل: (إلى) هنا بمعنى\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٠٧).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٢٧٦).\n(٣) \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ١٧٥).","vol":"9","page":145},{"text":"فَقَالَ مَالِكٌ: كَذَبُوا فَأَيْنَ هُمْ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]؟ قَالَ مَالِكٌ: النَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَعْيُنِهِمْ، وَقَالَ: لَوْ لَمْ يَرَ الْمُؤْمِنُونَ رَبَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَمْ يُعَيِّرِ اللَّهُ الْكُفَّارَ بِالْحِجَابِ فَقَالَ: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ١٥/ ٢٣٠].\n٥٦٦٤ - [١٠] وَعَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-: \"بَيْنَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فِي نَعِيمِهِمْ، إِذْ سَطَعَ لَهُمْ نُورٌ، فَرَفَعُوا رُؤُوْسَهُمْ، فَإِذَا الرَّبُّ قَدْ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، قَالَ: وَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]، قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنَ النَّعِيمِ مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، حَتَّى يَحْتجِبَ عَنْهُمْ، وَيَبْقَى نُورُهُ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ١٨٤].\n* * *\nــ\nالنعمة مفعول (ناظرة) قدم عليه، أي: منتظرة نعمة ربها، وتعقب بأن الانتظار عذاب فلا يكون في الجنة، فتدبر.\n٥٦٦٤ - [١٠] (جابر) قوله: (ويبقى نوره) نعيم الجنة لا يكون حجابًا عن اللَّه تعالى كنعيم الدنيا ولكنها مظاهر أنوار الصفات، والصفة حجاب الذات لكنه نوراني، فتارة يشهدون نور الحق فيها، وإذا شاهدوا نور الذات نسوا ما سواه وإن كانت صفاته، والحكمة في اشتغالهم بالنعيم أن لا يضمحلوا مطلقًا في سبحات الذات، ويبقوا ويستريحوا ويستعدوا لتجلي الذات، فافهم وباللَّه التوفيق.","vol":"9","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1241>٧ - باب صفة النار وأهلها</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1242> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٦٦٥ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"نَارُكُمْ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ\". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً. قَالَ: \"فُضِّلَتْ عَلَيْهِنَّ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: \"نَارُكُمُ الَّتِي يُوقِدُ ابْنُ آدَمَ\". . . . .\nــ\n٧ - باب صفة النار وأهلها\nاشتقاق النار والنور من مادة واحدة، قال بعضهم: النار إذا خرج دخانها وصفت عنه بقي نورًا، وجمعه أنوار ونيران ونيرة كقردة، ونور ونيار وأنيار، وغلب في لسان الشرع على نار جهنم نعوذ باللَّه منها، والنار مؤنث، وقد يذكر.\nالفصل الأول\n٥٦٦٥ - [١] (أبو هريرة) قوله: (جزء من سبعين جزءًا)، الظاهر أن المراد بعدد السبعين الكثرة والمبالغة فيها، لا العدد المخصوص، وقد تعارفت إرادة هذا المعنى من هذا العدد كثيرًا.\nوقوله: (وإن كانت) أي: هذه النار (لكافية) في التعذيب.\nوقوله: (فضلت عليهن بتسعة وستين جزءًا)، هذا المعنى هو معنى كونه جزءًا من سبعين جزءًا ذكره للتأكيد، وحقيقة المقصود أن مقتضى الحكمة أن تكون نار جهنم فاضلة وزائدة على نار الدنيا، وينبغي أن تكون كذلك حتى يتميز عذاب اللَّه من عذاب الخلق، ولا تكرار.","vol":"9","page":147},{"text":"وَفِيهَا: \"عَلَيْهَا\" وَ\"كُلَّهَا\" بَدَلَ \"عَلَيْهِنَّ\" وَ\"كُلُّهُنَّ\". [خ: ٣٢٦٥، م: ٢٨٤٣].\n٥٦٦٦ - [٢] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ، لَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ زِمَامٍ، مَعَ كُلِّ زِمَامٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَجُرُّونَهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٤٢].\n٥٦٦٧ - [٣] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ، يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِي الْمِرْجَلُ، مَا يُرَى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ مِنْهُ عَذَابًا وَإِنَّهُ لأَهْوَنُهُمْ عَذَابًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٦١، م: ٢١٣].\n٥٦٦٨ - [٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ،\nــ\nوقوله: (وفيها) أي: في هذه الرواية لمسلم.\n٥٦٦٦ - [٢] (ابن مسعود) قوله: (سبعون ألف زمام) في (القاموس) (١): زمه فانزمّ: شده، وككتاب: ما يزم به البعير، وفي (الصراح) (٢): زمام بالكسر: مهار، ولعل جهنم يؤتى بها في الموقف ليراها الناس ترهيبًا لهم، واللَّه أعلم.\n٥٦٦٧ - [٣] (النعمان بن بشير) قوله: (ما يرى) بضم الياء، أي: ما يظن، و(المرجل) كمنبر: القدر من الحجارة أو النحاس.\n٥٦٦٨ - [٤] (ابن عباس) قوله: (أهون أهل النار عذابًا) الهوان إضافي بالنسبة\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١٠٣١).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٤٧٥).","vol":"9","page":148},{"text":"وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ (١).\n٥٦٦٩ - [٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ! هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ! وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ! هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ وَهَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قطُّ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٠٧].\nــ\nإلى ما فوقه من العذاب، ويشترك فيه أبو طالب وغيره كما هو ظاهر الحديث السابق، ويحتمل أن يكون هوان عذابه بالنسبة إلى كل من عداه، وهذا على ما هو مذهب أهل السنة والجماعة، وقد يروى حديث في خلافه، وهو ضعيف، واللَّه أعلم.\n٥٦٦٩ - [٥] (أنس) قوله: (فيقول: لا واللَّه يا رب! ما مرّ بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط) فإن قلت: ما النكتة في نفي مرور البؤس ورؤية الشدة، وذكرهما صريحًا من أهل الجنة لا من أهل النار، بل اكتفى بقولهم: (لا واللَّه يا رب)؟ قلت: لعل النكتة في ذلك أن أهل الجنة لحصول غاية الراحة والسرور لهم نسوا البؤس والشدة مطلقًا، فصرحوا بنفيها وبالغوا فيه بخلاف أهل النار فإنهم إن فرض تذكرهم للخير والسرور في الدنيا كان ذلك غاية في عذابهم وحسرتهم، فافهم.\n_________\n(١) لم نجده في البخاري، وقد أخرجه مسلم في \"صحيحه\" في كتاب الإيمان، باب أهون أهل النار عذابًا، (رقم: ٢١٢).","vol":"9","page":149},{"text":"٥٦٧٠ - [٦] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"يَقُولُ اللَّهُ لِأَهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لَوْ أَنَّ لَكَ مَا فِي الأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ أَكُنْتَ تَفْتَدِي بِهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هَذَا وَأَنْتَ فِي صُلْبِ آدَمَ، أَنْ لَا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا، فَأَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تُشْرِكَ بِي\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٣٤، م: ٢٩٠٥].\n٥٦٧١ - [٧] وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى حُجْزَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى تَرْقُوَتِهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٤٥].\nــ\n٥٦٧٠ - [٦] (وعنه) قوله: (أردت منك) المراد بالإرادة هنا الأمر والنهي، فإنه قد يقال في العرف فيمن أمر ونهى أحدًا: إنه أراد منه ذلك، وقد جاء في روايات لمسلم: (وقد سألت)، والسؤال والطلب هو الأمر، والمراد بكونه في صلب آدم أخذ الميثاق في يوم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾؛ فإن بني آدم أخرجوا يومئذ من صلبه، ثم أدخلوا فيه، والأمر والنهي متفرع على ذلك.\nوقوله: (إلا أن تشرك بي) أي: نقضت العهد.\n٥٦٧١ - [٧] (سمرة بن جندب) قوله: (إلى حجزته) الحجزة بضم الحاء المهملة وسكون الجيم وبالزاي: معقد الإزار، ومن السروايل: موضع التِّكَّةِ.\nوقوله: (إلى ترقوته) الترقوة: بفتح التاء وضم القاف: العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق، وفي (الصراح) (١): ترقوة: جنبر كَردن.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٣٦٩).","vol":"9","page":150},{"text":"٥٦٧٢ - [٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا بَيْنَ مَنْكِبَي الْكَافِرِ فِي النَّارِ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لِلرَّاكِبِ الْمُسْرِعِ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"ضِرْسُ الْكَافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ، وَغِلَظُ جِلْدِهِ مَسِيرَةُ ثَلَاثٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\nوَذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: \"إِذَا اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا\". فِي \"بَابِ تَعْجِيلِ الصَّلَوَاتِ\". [م: ٢٨٥٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1243> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٦٧٣ - [٩] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيْهَا أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ، فَهِيَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٩١].\n٥٦٧٤ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ضِرْسُ الْكَافِرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِثْلُ أُحُدٍ،\nــ\n٥٦٧٢ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (وغلظ جلده) في غلظ الأعضاء تعذيب وتقبيح، وإدراك العذاب أشد وأكثر.\nوقوله: (مسيرة ثلاث) أي: ثلاث ليال.\nالفصل الثاني\n٥٦٧٣ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (فهي سوداء مظلمة) وهذا أشد وأدخل في الوحشة والعذاب.\n٥٦٧٤ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (مثل أحد) وهو جبل مشهور على مسيرة","vol":"9","page":151},{"text":"وَفَخِذُهُ مِثْلُ الْبَيْضَاءِ، وَمَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ مسيرَةُ ثَلَاثٍ مِثْلُ الرَّبَذَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٧٨].\n٥٦٧٥ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ غِلَظَ جِلْدِ الْكَافِرِ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ ذِرَاعًا، وَإِنَّ ضِرْسَهُ مِثْلُ أُحُدٍ، وَإِنَّ مَجْلِسَهُ مِنْ جَهَنَّمَ مَا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٧٧].\n٥٦٧٦ - [١٢] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْكَافِرَ لَيَسْحَبُ لِسَانَهُ الْفَرْسَخَ وَالْفَرْسَخَيْنِ يَتَوَطَّؤُهُ النَّاسُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيْثٌ غَرِيبٌ. [حم: ٢/ ٩٢، ت: ٢٥٨٠].\nــ\nثلاثة أميال من المدينة المطهرة، عند مشهد سيد الشهداء حمزة وغيره، وغزوته مشهورة، وإنما سمي أحدًا لكونه منفردًا غير ملتصق بجبال أخر.\nوقوله: (مثل البيضاء) وهي عقبة التنعيم موضع مشهور قريب بمكة يحرم منه للعمرة، و(الربذة) بفتح الراء والباء والذال المعجمة: موضع قرب المدينة، مدفن أبي ذر الغفاري -﵁-.\n٥٦٧٥ - [١١] (وعنه) قوله: (إن غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعًا) قد سبق أنه مسيرة ثلاث، ولعل الحال يتفاوت بتفاوت أصناف الكافرين، وكذا الكلام على قوله: (مقعده من النار مسيرة ثلاث).\nوقوله: (وإن مجلسه من جهنم ما بين مكة والمدينة) وهي مسيرة عشرة أيام، أو أكثر على ما هو المعتاد.\n٥٦٧٦ - [١٢] (ابن عمر) قوله: (ليسحب) بلفظ المعلوم، سحبه: جره على وجه الأرض.","vol":"9","page":152},{"text":"٥٦٧٧ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"الصَّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يُتَصَعَّدُ فِيهِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، وَيُهْوَى بِهِ كَذَلِكَ فِيهِ أَبَدًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٧٦].\n٥٦٧٨ - [١٤] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ أَيْ: كَعَكَرِ الزَّيْتِ، فَإِذَا قُرِّبَ إِلَى وَجْهِهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فِيهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٨١].\nــ\n٥٦٧٧ - [١٣] (أبو سعيد) قوله: (الصعود جبل من نار) وذلك ما وقع في قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧]، وقال البيضاوي (١): سأغشيه عقبة شاقة المصعد، وهو مثل لما يلقى من الشدائد، في (القاموس) (٢): الصعود: العقبة الشاقة، وجبل في جهنم، وتصعد في الشيء وتصاعدني: شق عليّ.\n٥٦٧٨ - [١٤] (أبو سعيد) قوله: (كالمهل) في (القاموس) (٣): هو بضم الميم وسكون الهاء: اسم يجمع معدنيات الجواهر كالفضة والحديد، وما ذاب من صُفر أو حديدٍ، والزيت أو دُرْدِيُّهُ، وهو العكر محركة، وجاء تفسير (المهل) بالرصاص المذاب، وبالصديد السائل من أجساد الكفار.\nوقوله: (وفروة وجهه) الفروة: بفتح الفاء وسكون الراء ليس معروفًا، يقال له: بوستين، وجلدة الرأس، والمراد هنا الجلدة.\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٢٦٠).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٢٧٩).\n(٣) \"القاموس\" (ص: ٩٧٧).","vol":"9","page":153},{"text":"٥٦٧٩ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ الْحَمِيمَ لَيُصَبُّ عَلَى رُؤُوسِهِمْ، فَيَنْفُذُ الْحَمِيمُ حَتَّى يَخْلُصَ إِلَى جَوْفِهِ، فَيَسْلُتُ مَا فِي جَوْفِهِ، حَتَّى يَمْرُقَ مِنْ قَدَمَيْهِ وَهُوَ الصَّهْرُ، ثُمَّ يُعَادُ كَمَا كَانَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٨٢].\n٥٦٨٠ - [١٦] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: ١٦ - ١٧]، قَالَ: \"يُقَرَّبُ إِلَى فِيهِ فَيَكْرَهُهُ، فَإِذَا أُدْنِي مِنْهُ شَوَى وَجْهَهُ، وَوَقَعَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ، فَإِذَا شَرِبَهُ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ، حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دبرِهِ. يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]. وَيَقُولُ: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف: ٢٩] \" (١). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٨٣].\n٥٦٨١ - [١٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لِسُرَادِقِ النَّارِ أَرْبَعَةُ جُدُرٍ، كِثَفُ كُلِّ جِدَارٍ مَسِيْرَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٨٤].\nــ\n٥٦٧٩ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (وهو الصهر) بفتح الصاد.\n٥٦٨٠ - [١٦] (أبو أمامة) قوله: (فقطع أمعاءه) يؤيد حمل السلت في الحديث السابق على معنى القطع.\n٥٦٨١ - [١٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (لسرادق النار) يروى بفتح اللام، ورفع (سرادق) وبكسرها، وجر (سرادق)، وهو ما أحاط بشيء من حائط أو غيره\n_________\n(١) ﴿الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ سقط في نسخة.","vol":"9","page":154},{"text":"٥٦٨٢ - [١٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْ أَنَّ دَلْوًا مِنْ غَسَّاقٍ يُهْرَاقُ فِي الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنْيَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٤/ ٧٠٦].\n٥٦٨٣ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّوْمِ قَطَرَتْ فِي دَارِ الدُّنْيَا لأَفْسَدَتْ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ مَعَايِشَهُمْ، فَكَيْفَ بِمَنْ يَكُونُ طَعَامَهُ؟ \". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحِيحٌ. [ت: ٢٥٨٥].\nــ\nمعرب سرا برده.\n٥٦٨٢ - [١٨] (أبو سعيد الخدري) قوله: (لو أن دلوًا من غساق) هو بتشديد السين وتخفيفها: ما يغسق، أي: يسيل من صديدهم أو من دموعهم، وقد يفسر في ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ [النبأ: ٢٤ - ٢٥] بالزمهرير أيضًا، ويستثنى من البرد، ويوافق ذلك ما ذكر في (القاموس) (١) حيث قال: الغساق كسحاب وشداد: البارد المنتن إلا أنه أخر ليوافق رؤوس الآي.\n٥٦٨٣ - [١٩] (ابن عباس) قوله: (لو أن قطرة. . . إلخ)، لما جرى ذكر التقوى الذي هو سبب النجاة من عذاب النار ذكر شيئًا من عذابها، منه الزقوم شجرة تخرج من أصل الجحيم، في (القاموس) (٢): الزقم هو اللقم، أزقمه فازدقمه: أبلعه فابتلعه، والزقوم كتنور: الزبد بالتمر، وشجرة بجهنم، وفي (الصحاح) (٣): قال ابن عباس:\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٨٤٣).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ١٠٣٥).\n(٣) \"الصحاح\" (٥/ ١٩٤٣).","vol":"9","page":155},{"text":"٥٦٨٤ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٤]، قَالَ: \"تَشْوِيهِ النَّارُ فتَقَلَّصُ شَفَتُهُ الْعُلْيَا حَتَّى تَبْلُغَ وَسْطَ رَأْسِهِ، وَتَسْتَرْخِي شَفَتُهُ السُّفْلَى حَتَّى تَضْرِبَ سُرَّتَهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٨٧].\n٥٦٨٥ - [٢١] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ! ابْكُوا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا فَتَبَاكَوْا، فَإِنَّ أَهْلَ النَّارِ يَبْكُونَ فِي النَّارِ حَتَّى تَسِيلَ دُمُوعُهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ كَأَنَّهَا جَدَاوِلُ، حَتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ،\nــ\nلما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٣ - ٤٤]، قال أبو جهل: التمر بالزبد، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ الآية [الصافات: ٦٤].\n٥٦٨٤ - [٢٠] (أبو سعيد) قوله: (كالحون) أي: عابسون حين تحرق وجوههم، وفي (الصراح) (١): كلوح: روئى ترش كردن، كلاح بالضم كذلك، فقال: ما أقبح كَلَحَتَهُ محركة يراد به الفم وما حواليه.\nوقوله: (فتقلص شفته) أي: تتقلص، يقال: قلصت شفته: انزوت وشمّرت، والظل عني: انقبض، والثوب بعد الغسل: انكمش.\n٥٦٨٥ - [٢١] (أنس) قوله: (ابكوا) أمر من بكى يبكي (فإن لم تستطيعوا فتباكوا) بفتح الكاف أيضًا أمر من التباكي، والمراد اخشوا واتقوا حتى تنجوا من عذاب النار يوم الآخرة المفضي إلى البكاء أشد البكاء.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ١٠٨).","vol":"9","page":156},{"text":"فَتَسِيلَ الدِّمَاءُ، فَتَقَرَّحُ الْعُيُونُ، فَلَوْ أَنَّ سُفُنًا أُزْجِيَتْ فِيهَا لجَرَتْ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٤٤١٨].\n٥٦٨٦ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يُلْقَى عَلَى أَهْلِ النَّارِ الْجُوعُ، فَيَعْدِلُ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ، فَيَسْتَغِيثُونَ فَيُغَاثُونَ بِطَعَامٍ ﴿مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٦ - ٧]، فَيَسْتَغِيثُونَ بِالطَّعَامِ، فَيُغَاثُونَ بِطَعَامٍ ذِي غُصَّةٍ، فَيَذْكُرُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُجِيزُونَ الْغُصَصَ فِي الدُّنْيَا بِالشَّرَابِ، فَيَسْتَغِيثُونَ بِالشَّرَابِ فَيُرْفَعُ إِلَيْهِمُ الْحَمِيمُ. . . . .\nــ\nوقوله: (أزجيت) في (القاموس) (١): زجاه: ساقه ودفعه، كأزجاه.\n٥٦٨٦ - [٢٢] (أبو الدرداء) قوله: (فيعدل) أي: يماثل ويساوي ألم الجوع وعذاب النار الذي فيه.\nوقوله: (من ضريع) في (القاموس) (٢): الضريع كأمير: الشبرق، أو رطبه يسمى شبرقًا، ويابسه ضريعًا، لا تقربه دابة لخبثه، أو شيء في جهنم أمرّ من الصبِر وأنتن من الجيفة، وأحر من النار. وقال البيضاوي (٣): وهي يبيس الشبرق، وهو شوك ترعاه الإبل ما دام رطبًا. وقال صاحب (الكشاف) (٤): إذا يبس تحامته [الإبل]، وفي الحواشي: فهو سم قاتل للإبل.\nوقوله: (بطعام ذي غصة) ولعله أيضًا من هذا الجنس من الأطعمة، ولهذا قال\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١١٨٧).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٦٨٤).\n(٣) \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٣٠٧).\n(٤) \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٧٤٢).","vol":"9","page":157},{"text":"بِكَلَالِيبِ الْحَدِيدِ، فَإِذَا دَنَتْ مِنْ وُجُوهِهِمْ شَوَتْ وُجُوهَهُمْ، فَإِذَا دَخَلَتْ بُطُونَهُمْ قَطَعَتْ مَا فِي بُطُوْنِهِمْ، فَيَقُولُوْنَ: ادْعُوا خَزَنَةَ جَهَنَّمَ فَيَقُولُونَ: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر: ٥٠] \" قَالَ: \"فَيَقُوْلُوْنَ: ادْعُوا مَالِكًا فَيَقُولُوْنَ: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: ٧٧] \" قَالَ: \"فيُجيبُهم: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف: ٧٧] \". قَالَ الأَعْمَشُ: نُبُّئْتُ أَنَّ بَيْنَ دُعَائِهِمْ وَإِجَابَةِ مَالِكٍ إِيَّاهُمْ. . . . .\nــ\nالبيضاوي (١) في تفسير قوله: ﴿وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ﴾ [المزمل: ١٣]: طعامًا ينشب في الحلق كالضريع والزقوم.\nوقوله: (بكلاليب الحديد) جمع كلوب بالتشديد: حديدة معوجة الرأس، كذا في (شرح الشفا)، وفي (مجمع البحار) (٢) نقلًا عن الكرماني: هو بفتح كاف وتشديد اللام مضمومة: حديدة له شعب يعلق بها اللحم، وفي (الصراح) (٣): بالفتح والضم: أرّه، كلاليب جماعت.\nوقوله: (ادعوا خزنة جهنم) أي: ادعوا اللَّه فينا يا خزنة جهنم! (فخزنة جهنم) منادى بحذف حرف النداء، كذا قالوا، ويمكن أن يكون (ادعوا) خطابًا لمن معهم، و(خزنة جهنم) مفعو له، والتقدير: فدعوهم فيقول الخزنة: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ﴾ الآية [غافر: ٥٠].\nوقوله: (إلا في ضلال) أي: في ضياع وخسار وباطل؛ لأنهم إن دعوا اللَّه لم\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ٣٥٦).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٤٣٦).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٥٢).","vol":"9","page":158},{"text":"أَلْفَ عَامٍ. قَالَ: \"فَيَقُولُونَ: ادْعُوا رَبَّكُّمْ، فَلَا أَحَدَ خَيْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ، فَيَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٦ - ١٠٧] \" قَالَ: \"فيُجيبُهم: اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ\" قَالَ: \"فَعِنْدَ ذَلِكَ يَئِسُوا مِنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَعِنْدَ ذَلِكَ يَأْخُذُونَ فِي الزَّفِيرِ وَالْحَسْرَةِ وَالْوَيْلِ\". قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَالنَّاسُ لَا يَرْفَعُونَ هَذَا الْحَدِيْثَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٨٦].\n٥٦٨٧ - [٢٣] وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ، أَنْذَرْتُكُمُ النَّارَ\" فَمَا زَالَ يَقُولُهَا حَتَّى لَوْ كَانَ فِي مَقَامِي هَذَا سَمِعَهُ أَهْلُ السُّوقِ، وَحَتَّى سَقَطَتْ خَمِيصَة كَانَتْ عَلَيْهِ. . . . .\nــ\nيجبهم، وإن دعوا الآلهة لم تستطع إجابتهم، كذا في (الكشاف) (١).\nوقوله: (اخسؤوا فيها) خسأ الكلب: طرده.\nوقوله: (في الزفير) وهو أول صوت الحمار، والشهيق آخره، وقد ورد الشهيق أيضًا في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] (والويل) حلول الشر والهلاك والتفجع، واسم واد بجهنم.\nوقوله: (الناس لا يرفعون هذا الحديث) بل يجعلونه موقوفًا على أبي الدرداء، ولا يخفى أنه إن كان موقوفًا فهو في حكم المرفوع؛ لأنه لا يعلم إلا بإخبار من الرسول -ﷺ-.\n٥٦٨٧ - [٢٣] (النعمان بن بشير) قوله: (خميصة كانت عليه) وهي كساء أسود\n_________\n(١) \"الكشاف\" (٢/ ٥٢١).","vol":"9","page":159},{"text":"عِنْدَ رِجْلَيْهِ. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ٢٨٥٤].\n٥٦٨٨ - [٢٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْ أَنَّ رَصَاصَةً مِثْلَ هَذِهِ -وَأَشَارَ إِلَى مِثْلِ الْجُمْجُمَةِ- أُرْسِلَتْ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ وَهِيَ مَسِيرَةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ لَبَلَغَتِ الأَرْضَ قَبْلَ اللَّيْلِ، وَلَوْ أَنَّهَا أُرْسِلَتْ مِنْ رَأْسِ السِّلْسِلَةِ لَسَارَتْ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ قَبْلَ أنْ تَبْلُغَ أَصْلَهَا أَوْ قَعْرَهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٥٨٨].\nــ\nمربع في طرفيه علم.\n٥٦٨٨ - [٢٤] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (لو أن رصاصة) أي: قطعة من الرصاص، وهي معنى الوحدة، و(الجمجمة) بضم الجيمين: القِحْفُ أو العظم فيه الدماغ، وقد يجيء بمعنى القدح من خشب، وهذه هي الرواية الصحيحة المشهورة، وقد يروى بالخائين المعجمتين، وقال في (مجمع البحار) (١): هي حبة صغيرة.\nوقوله: (لبلغت الأرض قبل الليل) لعل المراد به مدة قليلة، لا التعيين والتحديد.\nوقوله: (من رأس السلسلة) قال الطيبي (٢): هي السلسلة المذكورة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾ [الحاقة: ٣٢]، والمراد بالعدد الكثرة، انتهى. وأشار بهذا إلى دفع توهم أنه لما كان ذرع السلسلة سبعين ذراعًا كيف يبلغ مسيره أربعين خريفًا يعني أن المراد بالعدد الكثرة فيصح رجع الضمير في أصلها إلى\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ١١٧).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٢٨٧).","vol":"9","page":160},{"text":"٥٦٨٩ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ (١) النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ فِي جَهَنَّمَ لَوَادِيًا يُقَالُ لَهُ: هَبْهَبُ يَسْكُنُهُ كُلُّ جَبَّارٍ\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٢٨٥٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1244> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٦٩٠ - [٢٦] عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"يَعْظُمُ أَهْلُ النَّارِ فِي النَّارِ حَتَّى إِنَّ بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِ أَحَدِهِمْ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةَ سَبع مِئَةِ عامٍ، وإِنَّ غِلَظَ جِلْدِهِ سَبْعُونَ ذِرَاعًا، وَإِنَّ ضِرْسَهُ مِثْلُ أُحُدٍ\".\nــ\nالسلسلة، ويحتمل أن يكون الضمير لجهنم؛ لأن الكافرين الذين هم في السلسلة في جهنم بل هذا أولى وأظهر في المعنى. ويقال: إن ذرع ذلك العالم لا يقاس على ذرع الدنيا، كما ورد: أن القيراط مثل أحد، وأيضًا إذا كان عظم جثة الجهنميين كما ورد في الأحاديث، فالسلسلة التي تكون في أعناقهم وفي أرجلهم نكون على حسب ذلك.\n٥٦٨٩ - [٢٥] (أبو بردة) قوله: (يقال له: هبهب) في (القاموس) (٢): الهبهبة: السعرة، وترقرق السراب، ولعله سمي به لسرعة وقوع المجرمين فيه للعذاب، أو لسرعة النهاب النار فيه.\nالفصل الثالث\n٥٦٩٠ - [٢٦] (ابن عمر) قوله: (مسيرة سبع مئة عام) هذا أبلغ من الأحاديث السابقة في بيان عظم جسد أهل النار، ويعلم من هذا المبالغة بتفاوت حال الكافرين، كما ذكرنا.\n_________\n(١) في نسخة: \"عن\".\n(٢) \"القاموس\" (ص: ١٤٥).","vol":"9","page":161},{"text":"٥٦٩١ - [٢٧] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ فِي النَّارِ حَيَّاتٍ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ، تَلْسَعُ إِحْدَاهُنَّ اللَّسْعَةَ فَيَجِدُ حَمْوَتَهَا أَرْبَعِينَ خَرِيفًا، وَإِنَّ فِي النَّارِ عَقَارِبَ كَأَمْثَالِ الْبِغَالِ الْمُؤْكَفَةِ، تَلْسَعُ إِحْدَاهُنَّ اللَّسْعَةَ فَيَجِدُ حَمْوَتَهَا أَرْبَعِينَ خَرِيفًا\". رَوَاهُمَا أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٢٦، ٤/ ١٩١].\n٥٦٩٢ - [٢٨] وَعَنِ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَن رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ثَوْرَانِ مُكَوَّرَانِ فِي النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". فَقَالَ الحَسَنُ: وَمَا ذَنْبُهُمَا؟ . . . . .\nــ\n٥٦٩١ - [٢٧] (عبد اللَّه بن الحارث) قوله: (ابن جزء) بفتح الجيم وسكون الزاي آخره همزة.\nوقوله: (كأمثال البخت) في (القاموس) (١): البخت بالضم: الإبل الخراسانية.\nوقوله: (فيجد حموتها) بفتح الحاء المهملة وسكون الميم، أي: شدة ألمها، في (الصراح) (٢): الحموة: سختي وتيزي درد.\nوقوله: (البغال المؤكفة) الإكاف للحمار كالسرج للفرس.\n٥٦٩٢ - [٢٨] (الحسن) قوله: (ثوران) الثور: قطعة من الجبن.\nوقوله: (مكوران) في (القاموس) (٣): كوّرَ الرجل: طعنه، فألقاه مجتمعًا،\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١٤٩).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٥٥٣).\n(٣) \"القاموس\" (ص: ٤٤٠).","vol":"9","page":162},{"text":"فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَسَكَتَ الْحَسَنُ. رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ فِي \"كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُوْرِ\".\n٥٦٩٣ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِلَّا شَقِيٌّ\". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَنِ الشَّقِيُّ؟ قَالَ: \"مَنْ لَمْ يَعْمَلْ لِلَّهِ بِطَاعَةٍ وَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ بِمَعْصِيَةٍ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٤٢٩٨].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1245>٨ - باب خلق الجنة والنار</span>\nــ\nأي: ملقيان في النار.\nوقوله: (أحدثك عن رسول اللَّه -ﷺ-) وأنت تقول هذا؟ فكأنه صدر السؤال عن الحسن بطريق الاستغراب والاستبعاد.\n٥٦٩٣ - [٢٩] (أبو هريرة) قوله: (من لم يعمل للَّه) أي: لوجه اللَّه وخالصًا له.\n٨ - باب خلق الجنة والنار\nأي: بيان أنهما مخلوقتان الآن، لا أنهما سيخلقان يوم الجزاء، كما ذهب إليه بعض المبتدعة، وقالوا: إنهما يخلقان يوم الجزاء، وهذا باطل بالكتاب والسنة، وأقوى حجة عليه قصة آدم وحواء، قالوا: تلك كانت بستانًا في بعض أعالي الأرض، ويبطله ما وقع في تلك القصة من صفات الجنة التي هي دار الخلد، فتدبر.","vol":"9","page":163},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1246> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٦٩٤ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَحَاجَّتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوْثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: فَمَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَغِرَّتُهُمْ. . . . .\nــ\nالفصل الأول\n٥٦٩٤ - [١] (أبو هريرة) قوله: (تحاجت الجنة والنار) أي: تكلمتا فيما بينهما كشفًا عن حالهما مع إظهار نوع شكاية منهما، وليس المراد محاجتهما بمعنى مغالبتهما بالحجة، كما في (حج آدم موسى ﵉)، كذا قال الطيبي (١)، فتدبر (٢).\nوقوله: (إلا ضعفاء الناس وسقطهم) أي: أراذلهم وأدوانهم، كذا في (مجمع البحار) (٣) عن (النهاية)، وقال الكرماني (٤): (وسقطهم) هو بفتحتين، أي: الساقطون عن أعين الناس.\nوقوله: (وغرتهم) الغر بالكسر: الغافل لا تجربة له كما في قوله: (المؤمن غر كريم)، والتاء على وصف الجماعة، والغرة أيضًا اسم من اغتر فيكون من قبيل الوصف بالمصدر؛ فإن قيل: يدخل فيها من الأنبياء والملوك العادلة والعلماء المشهورين؟ قلت: يريد أن أكثرهم الفقراء والبله، وأما غيرهم من الأكابر فهم قليلون، وهم\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٢٩٠).\n(٢) زاد في (ك) بعد هذا: ويجوز أن يكون المقصود المباهاة والمفاخرة، فإن الجاهلين يتباهون بوجود صحبة المتكبرين والمتجبرين جهلًا منهم، وزعمًا بعزتهم وعطمتهم عندهم.\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٨٧)، و\"النهاية\" (٢/ ٣٧٨).\n(٤) \"شرح الكرماني\" (١٨/ ٤).","vol":"9","page":164},{"text":"قَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ: إِنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: إِنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا، فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ رِجْلَهُ تَقُولُ: قَطْ قَطْ قَطْ، فَهُنَالِكَ (١) تَمْتَلِئُ وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَأَمَّا الْجَنَّةُ فإِنَّ اللَّهَ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا\". . . . .\nــ\nأصحاب الدرجات العلى، وقيل: معنى الضعيف: الخاضع للَّه المذل نفسه له، المتواضع للخلق.\nوقوله: (إنما أنت رحمتي) بلفظ خطاب المؤنث، أي: محلها ومكانها، وقد سميت الجنة رحمة في قوله تعالى: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٧]، وهذا إفحام وإسكات لهما بأن ذلك من مشيئتي وفي اختياري أفعل ما أشاء، جعلت إحداكما رحمة للضعفاء والمساكين، والأخرى عذابًا للجبابرة والمتكبرين، أفعل ما أشاء، ولا علة لفعلي.\nوقوله: (حتى يضع اللَّه رجله) هذا من المتشابهات كاليد والأصبع والعين والوجه، وقد علم حكمها إما الوقف وإما التأويل.\nوقوله: (قط قط قط) مكرر ثلاثًا، وهو بسكون الطاء بمعنى حسب، وقد يلحقها نون الوقاية، وقد تكسر الطاء منونة وغير منونة، وقد يدخلها الفاء، وأما بضم الطاء مشددة، فهو الذي يكون للنفي في الماضي.\nوقوله: (ويزوى) على صيغة المجهول، أي: يضم ويجمع فتضيق.\nوقوله: (ينشئ لها خلقًا) أي: لم يعملوا عملًا، وهذا فضل من اللَّه لا يدخل\n_________\n(١) في نسخة: \"فهناك\".","vol":"9","page":165},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨٥٠، م: ٢٨٤٦].\n٥٦٩٥ - [٢] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تَزَالُ جَهَنَّمُ يُلْقَى فِيهَا وَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ حَتَّى يَضَعَ رَبُّ العزَّةِ فِيهَا قَدَمَهُ فَيَنْزَوِيْ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، بِعِزَّتِكَ وَكَرَمِكَ، وَلَا يَزَالُ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا فَيُسْكِنُهُمْ فَضْلَ الْجَنَّةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨٤٨، م: ٢٨٤٨].\nوَذُكِرَ حَدِيثُ أَنَسٍ: \"حُفَّتِ الجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ\" فِي \"كِتَاب الرِّقَاقِ\".\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1247> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٦٩٦ - [٣] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ لِجبْرِيلَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لأَهْلِهَا فِيهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا،\nــ\nالنار بغير معصية، ويدخل الجنة بلا طاعة، ولو شاء أدخل النار بالطاعة، ولكنه لا يفعل فضلًا ولا ظلم، لأن الكل ملكه، والمالك يتصرف في ملكه كيف يشاء، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وقد حقق في علم الكلام.\n٥٦٩٥ - [٢] (أنس) قوله: (قط قط) مكرر ثنتين.\nالفصل الثاني\n٥٦٩٦ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (لا يسمع بها أحد إلا دخلها) أي: طمع في دخولها ولا يهتم إلا بشأنها.","vol":"9","page":166},{"text":"ثُمَّ حَفَّهَا بِالْمَكَارِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ! اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، قَالَ: فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ\". قَالَ: \"فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ النَّارَ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ! اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا، فَحَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ، ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، قَالَ: فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: أَيْ رَبِّ! وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٢٥٦٠، د: ٤٧٤٤، ن: ٣٧٦٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1248> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٦٩٧ - [٤] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى لَنَا يَوْمًا الصَّلَاةَ، ثُمَّ رَقِيَ الْمِنْبَرَ فَأَشَارَ بِيَدِهِ قِبَلَ قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: \"قَدْ أُرِيتُ الآنَ مُذْ صَلَّيْتُ لَكُمُ الصَّلَاةَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ مُمَثَّلَتَيْنِ فِي قِبَلِ هَذَا الْجِدَارِ، فَلَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ. . . . .\nــ\nوقوله: (ثم حفها بالمكاره) أي: جعل المكاره محيطًا بها.\nالفصل الثالث\n٥٦٩٧ - [٤] (أنس) قوله: (رقي) من الرقي بضم الراء وكسر القاف وتشديد الياء على وزن سمع يسمع، ومن الرقية على ضرب يضرب.\nوقوله: (في قبل هذا الجدار) (قبل) بضمتين وبكسر القاف، وقد يسكن: ما يستقبلك من شيء.\nوقوله: (فل أر) أي: مرئيًا، (كاليوم) فالجنة خير المرئيات، والنار شرها، وقد جاء في بعض الروايات: (رأيت الجنة والنار في عرض هذا الحائط)، ثم إنهم يوردون","vol":"9","page":167},{"text":"فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٤٩].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1249>٩ - باب بدء الخلق وذكر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام</span>\nــ\nهنا إشكالًا، وهو أن الجنة والنار كيف يمثلان في الجدار، ويجيبون كما أن البستان والدار الوسيع يمثل في المرآة، فمثال الشيء لا يجب أن يكون مثله في المقدار، وقد يجاب بأن قوله: (في قبل) أو (في عرض) ليس حالًا من المفعول بل من الفاعل، أي: رأيتهما وأنا في ذلك المكان، انتهى. وأقول: إنه لا يلزم من الحديث كونهما ممثلين في نفس الجدار، بل في جانبه وناحيته، فيكون رؤية المثال في تلك الناحية، ووجود المثال في مكان آخر وعالم آخر، واللَّه أعلم بحقيقة الحال.\n٩ - باب بدء الخلق وذكر الأنبياء\nالبدء بفتح الباء وسكون الدال مهموز: الابتداء، في (القاموس) (١): بَدَأ بِهِ كمنع: ابتدأ، والشيء: فعله ابتداء، كأبدأه ابتدأه، وجمع معه ذكر الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين لتقدمهم وابتداء أمر الدين والأحكام، وانتظام العالم وصلاحه بهم، وقد ابتدأ خلق نوع الإنسان بآدم ﵇.\nثم اعلم أن أهل الملل كلهم بل المجوس أيضًا أطبقوا على أن العالم حادث بمعنى أنه لم يكن شيئًا، فأوجده اللَّه سبحانه، والعمدة في ذلك خبر: (كان اللَّه ولم يكن معه شيء)، فخلق اللوح والقلم، وقد كتب كتابًا قبل أن يخلق الخلق، ثم خلق\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٤٥).","vol":"9","page":168},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1250> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٦٩٨ - [١] عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: إِنِّي كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذْ جَاءَهُ قومٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ: \"اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ! \". . . . .\nــ\nالعرش والكرسي والسموات والأرضين والملائكة والجن والإنس، كما نطقت به الأحاديث.\nواتفقوا على أن الأجسام محدثة ذواتها وصفاتها، فقال بعضهم: أول ما خلق من الأجسام الماء؛ لأنه قابل لكل الصور، فإن الماء إذا لطف صار هواء، وتكونت النار من صفوة الماء، والسماء تكونت من دخان النار، وينسب هذا القول إلى بعض الحكماء، يقال له: تالس الملطي (١)، لكنهم قالوا: إنه أخذه من مشكاة النبوة، إذ جاء في السفر الأول من (التوراة): إن اللَّه خلق جوهرًا فنظر إليه نظر الهيبة فذابت أجزاؤه، فصارت ماء، ثم ارتفع منه بخار كدخان، فخلق منه السموات، فظهر على وجه الماء زبد فخلق منه الأرض، ثم أرساها الجبال، وقد اختلفت في ذلك أقوال عن الناس، وهذه الأمور مما لا يدرى بالعقل والقياس إلا بالوحي السماوي والاستنباط مما ورد به الوحي، واللَّه أعلم بحقائق الأمور.\nالفصل الأول\n٥٦٩٨ - [١] (عمران بن حصين) قوله: (قوم من بني تميم) وفي رواية: (نفر)، وفي أخرى: (ناس من بني تميم).\nوقوله: (اقبلوا البشرى) أي: ما يوجب بشارتكم بالجنة، والفوز بسعادة الدين\n_________\n(١) من حكماء اليونان المشهورين. وفي \"المنجد\": طاليس (ت نحو ٥٤٨ ق. م) فيلسوف رياضي، ولد في ميليتس من عائلة فينيقية.","vol":"9","page":169},{"text":"قَالُوا: بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا، فَدَخَلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: \"اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ! إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمِ\". قَالُوا: قَبِلْنَا، جِئْنَاكَ لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ، وَلِنَسْأَلَكَ عَنْ أَوَّلِ هَذَا الأَمْرِ مَا كَانَ؛ قَالَ: \"كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ،\nــ\nمن تعلم الشرائع وعقائد الدين، ولما كان أكبر همهم الدنيا لم يهتموا بالسؤال والاستكشاف عن ذلك واستعجلوا الاعطاء من عرض الدنيا، فكأنهم لم يقبلوا البشرى.\nوقوله: (فجاء ناس من اليمن) وهم الأشعريون، أبو موسى الأشعري وقومه، فإنه -﵁- هاجر من اليمن مع أخويه في بضع وخمسين من قومه، وإليه ينتهي نسب أبي الحسن الأشعري رئيس أهل السنة والجماعة، قال البيهقي في رسالة عملها في مناقبه: إن الكلام في أصول الدين وحدوث العالم ميراث لأبي الحسن الأشعري عن أجداده الذين قدموا على رسول اللَّه -ﷺ-، والمراد بهذا (الأمر) الخلق، و(ما) في (ما كان) استفهامية.\nوقوله: (ولم يكن شيء قبله) يعني بل بعده.\nوقوله: (وكان عرشه على الماء) جملة مستقلة معطوفة على الأولى، لا حالية، حتى يتوهم المعية في الكونين، والمقصود حصول الجملتين في الوجود، أو الواو بمعنى (ثم)، ف (كان) لما مضى من الزمان سواء كان أزليًا أو غيره في الأزل، أو فيما لا يزال، ودل الحديث على أن العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض، قالوا: وذلك بمعنى أنه لم يكن حائل بينهما لا أنه كان موضوعًا على متن الماء، وقال","vol":"9","page":170},{"text":"ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ\"، ثُمَّ أَتَانِي رَجُلٌ فَقَالَ: يَا عِمْرَانُ! أَدْرِكْ ناقَتَكَ فَقَدْ ذَهَبَتْ، فَانْطَلَقْتُ أَطْلُبُهَا، وَأَيْمُ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّهَا قَدْ ذَهَبَتْ وَلَمْ أَقُمْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣١٩٠].\n٥٦٩٩ - [٢] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَقَامًا، فَأَخْبَرَنَا عَنْ بَدْءِ الْخَلْقِ حَتَّى دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ مَنَازِلَهُمْ، وَأَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ، حَفِظَ ذَلِكَ مَنْ حَفِظَهُ، وَنَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣١٩٢].\nــ\nالشيخ ابن حجر (١): ليس المراد بالماء ماء البحر، بل هو ماء تحت العرش كما شاء اللَّه تعالى، هذا وقد سبق ذكره في أول الكتاب في (باب الإيمان بالقدر).\nوقوله: (وكتب في الذكر) أي: في اللوح المحفوظ، والظاهر أن هذا قبل خلق العرش وما ذكر، فهذا أيضًا جملة مستقلة من غير رعاية الترتيب مع أن المذكور فيها الواو ولا ترتيب فيها، ووقع في بعض روايات البخاري هذه الجملة بين قوله: (كان عرشه على الماء).\nوقوله: (وخلق السماوات والأرض)، وبناؤه على عدم الترتيب.\nوقوله: (ثم أتاني رجل فقال: يا عمران! أدرك ناقتك) فإنه -﵁- كان عقل ناقته بالباب، ثم دخل عليه -ﷺ- ففلتت ناقته، فجاء رجل يخبره به فخرج بطلبها، فكان -﵁- يندم على خروجه من مجلسه الشريف على فوات سماعه كلام رسول اللَّه -ﷺ- مع أهل اليمن.\n٥٦٩٩ - [٢] (عمر) قوله: (حتى دخل) أي: أخبرنا في مجلس واحد بجميع أحوال المخلوقات من المبدأ إلى المعاد.\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (١٣/ ٤١٠).","vol":"9","page":171},{"text":"٥٧٠٠ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَتَبَ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٩٤، م: ٢٧٥١].\n٥٧٠١ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"خُلِقَتِ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نورٍ، وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ، وَخُلِقَ آدَمُ مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩٩٦].\nــ\n٥٧٠٠ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (إن اللَّه تعالى كتب كتابًا) قال التُّورِبِشْتِي (١): يحتمل أن يكون المراد به اللوح المحفوظ أو القضاء، ومعنى سبق الرحمة كثرة ظهور آثارها، وشيوعها وشمولها المخلوقات كلها بالنسبة إلى الغضب كما يرى، كما قال سبحانه: ﴿عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦].\n٥٧٠١ - [٤] (عائشة) قوله: (خلقت الملائكة من نور) في (القاموس) (٢): النور: الضوء أو شعاعه، أو المراد في الحديث جوهر مضيء، وتحقيق معنى النور يطلب مما ذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، وذكره الغزالي، ونحن ترجمنا كلامه في تفسيرها.\nوقوله: (وخلق الجان من مارج من النار) الجان: الجن، وقيل: أبو الجن، كآدم للبشر، والمارج: الصاف من الدخان، و(من نار) بيان لـ (مارج)؛ فإنه في الأصل للمضطرب، من مرج: إذا اضطرب، كذا قال البيضاوي (٣)، ويوافقه ما قال في\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٢٣١).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٤٥٤).\n(٣) \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ١٧١).","vol":"9","page":172},{"text":"٥٧٠٢ - [٥] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَمَّا صَوَّرَ اللَّهُ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتْرُكَهُ،\nــ\n(القاموس) (١): مارج من نار؛ أي: نار بلا دخان، وقال في (النهاية) (٢): مارج النار: لهبها المختلط بسوادها، وهذا أيضًا يناسب ما في معنى المرج من الاختلاط، وقال البيضاوي (٣): المراد بالنور الجوهر المضيء والنار كذلك، غير أن ضوءها مكدر مغمور بالدخان محذور عنه بسبب ما يصحبه من فرط الحرارة والإحراق، فإذا صارت مهذبة مصفاة كانت محض نور، ومتى نكصت عادت الحالة الأولى جذعة ولا تتزال تتزايد حتى ينطفئ نورها، ويبقى الدخان الصرف.\n٥٧٠٢ - [٥] (أنس) قوله: (لما صور اللَّه آدم في الجنة) استشكل هذا الحديث، فإن الأخبار متظاهرة في أن آدم خلق في الأرض، وكان ملقى بين مكة والطائف، ثم أدخل الجنة وأمر بالسكون فيها؛ وأجيب بأنه يمكن أنه خمّر تراب من وجه الأرض حتى صار طينًا، ثم ترك حتى صار صلصالًا، وكان ملقى بين مكة والطائف حتى مضت أطوارها، واستعدت لقبول الصورة الإنسانية فحملت إلى الجنة فصورت، ونفخ فيها الروح، ولا يحسم هذا مادة الإشكال، فإن ظاهر الأخبار تدل صريحًا على أنه أدخل الجنة، وهو بشر حي كما يدل عليه قوله: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥]، ويقال: المراد بـ (اسكن): استقر على السكون بقرينة (وزوجك)، فإنها خلقت في الجنة، فالمراد بأمرها بالسكون: أمرها بالاستقرار عليه قطعًا، وقال\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٢٥٥).\n(٢) \"النهاية\" (٤/ ٣١٥).\n(٣) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٧١).","vol":"9","page":173},{"text":"فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يُطِيفُ بِهِ يَنْظُرُ مَا هُوَ، فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ عَرَفَ أَنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لَا يَتَمَالَكُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٦١١].\n٥٧٠٣ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُومِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٥٦، م: ٢٣٧٠].\nــ\nالتُّورِبِشْتِي (١): لا أرى الوجه في هذا الحديث إِلَّا احتمال أن تكون هذه الكلمة أعني: (في الجنة) سهوًا من بعض الرواة أخطأ سمعه، واللَّه أعلم.\nوقوله: (يطيف به) بضم الياء: طاف بالشيء يطوف، وأطاف به يطيف بمعنى استدار حوله، وفي (القاموس) (٢): أطاف به: ألمّ به وقاربه، وفي (الصراح) (٣): أطافه: فرود آمدن بجيزي، ونزديك شدن.\nوقوله: (لا يتمالك) أي: لا يملك نفسه عن الشهوات.\n٥٧٠٣ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (ابن ثمانين) وفي (شرح الأكمل) عن (الموطأ): ابن مئة وعشرين، قيل: والأول هو الصحيح.\nوقوله: (بالقدوم) في (القاموس) (٤): القدوم: آلة للنجر مؤنثة، وموضع اختتن به إبراهيم ﵇، وقد يشدد، وفي (مختصر النهاية) (٥): مشدد ومخفف، اسم موضع،\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٢٣٢).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٧٩٩).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٣٥٦).\n(٤) \"القاموس\" (ص: ١٠٥٨).\n(٥) \"الدر النثير\" (٢/ ٨٢٦).","vol":"9","page":174},{"text":"٥٧٠٤ - [٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كَذَبَاتٍ: ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ قَوْلُهُ: . . . . . .\nــ\nومنه: (اختتن إبراهيم بالقدوم): قرية بالشام، وقيل: القدوم بالتشديد والتخفيف: قدوم النجار، انتهى. وقيل: هو في آلة النجار بالتخفيف، وفي اسم الموضع بهما، فبالتخفيف يحتملهما، وبالتشديد يتعين المكان، والأكثرون على التخفيف، وقال التُّورِبِشْتِي (١): القدوم بتخفيف الدال: موضع بالشام، ومن المحدثين من يشدّد وهو خطأ، ومن الناس من يظنّ أنه اختتن بالقدوم الذي ينحت به، وهو غلط، وبالمدينة جبل يقال له: القدوم، وأكثر ظني أن هذا بالتشديد.\n٥٧٠٤ - [٧] (وعنه) قوله: (إلا ثلاث كذبات) في (المشارق) (٢): هي بفتح الكاف والذال جمع كذبة بفتح الكاف، الواحد الكذب، وفي (مجمع البحار) (٣): (كذبات) بفتح ذال جمع كذبة بسكونها، وفي بعض الحواشي: قال أبو البقاء: الجيد أن يقال: بفتح الذال في الجمع لأنه جمع كذبة، وهو اسم لا صفة، لأنك تقول: كذب كذبة، كما يقول: ركع ركعة، وإن كان صفة يسكن في الجمع، وتسميتها كذبات باعتبار الظاهر، وإنها لصدق باعتبار ما هو المقصود منها.\nوقوله: (ثنتين منهن في ذات اللَّه) قيل: أي لأجل اللَّه وأمره وطلب رضاه، ويتوجه عليه أن الثالثة أيضًا كذلك لما فيها أمن، دفع كافر ظالم عن التعرض بما لا يرضى اللَّه تعالى، وقد جاء في رواية: (كلهن في اللَّه)، وأجيب نعم، لكن كان فيها جر نفع\n_________\n(١) \"الميسر\" (٤/ ١٢٣٢).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٣٨).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٣٩٢).","vol":"9","page":175},{"text":"﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقولُهُ: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] وَقَالَ: \"بَيْنَا هُوَ ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَةُ، إِذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَابِرَةِ،\nــ\nإلى نفسه. وقيل: المراد بكونهما في ذات اللَّه، أي: فيما يتعلق بتنزيه ذاته عن الشرك، ودفع الشريك فلا يشمل الثالثة، وقد يقال: المراد بكونهما في ذات اللَّه ذكرهما في القرآن، عبر به عنه لما لا ينفك الكلام عن المتكلم كما هو رأي الأشعري، ولا يخفى ما فيه من البعد والتكلف.\nوتأويل قوله: (إني سقيم) إني متصف بالسقم، في الجملة في زمان من الأزمنة، فأوهم بلفظ ظاهر في ثبوته في الحال، وقيل: أوهمهم بأنه استدل بأمارة علم النجوم على أنه سيسقم ليتركوه كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٨، ٨٩]، قيل: أراد إني سقيم القلب بكفركم، وأقول: قد فسر الصحة بسلامة جميع القوى، وصدور أفعالها سليمة، والسقم بعدمها بمعنى رفع الإيجاب الكلي، فلا يخلو أحد عن سقم إلا من اعتدل مزاجه من كل الوجوه، وهو نادر الوجود، نعم لو فسر بالسلب الكلي يثبت الواسطة، فافهم. وكان غرضه ﵊ أن يتركوه فيكسر أصنامهم ويفعل ما أراد.\nوقوله: (بل فعله كبيرهم) باعتبار السببية، والمقصود التعريض بأن من لم يقدر على دفع المضرة عن نفسه كيف يليق بأن يعبد، كما أشار إليه بقوله: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾ [الصافات: ٩٥]، وقد يوقف على قوله: ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ﴾، والضمير لأحد ممن يصلح أن يكون فاعلًا، وإن كان لإبراهيم، فليس فيه تصريح مثل ما في: بل فعلته، فافهم.\nوقوله: (وقال) أي: رسول اللَّه -ﷺ-: (بينا هو) أي: إبراهيم، بيان للثالثة من الكذبات، و(سارة) زوجة إبراهيم بنت عمه ﵇، لما أهلك اللَّه تعالى عدوه نمرود،","vol":"9","page":176},{"text":"فَقِيلَ لَهُ: إِن هَاهُنَا رَجُلًا مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فَأَرْسَلَ إِلَيهِ، فَسَأَلَهُ عَنْهَا: مَنْ هَذِهِ؟ قَالَ: أُخْتِي، فَأَتَى سَارَةَ فَقَالَ لَهَا: إِنَّ هَذَا الْجَبَّارَ إِنْ يَعْلَمْ أَنَّكِ امْرَأَتِي يَغْلِبُنِي عَلَيْكِ، فَإِنْ سَأَلَكِ فَأَخْبِرِيْهِ أَنَّكِ أُخْتِي، فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الإِسْلَامِ، لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَأُتِيَ بِهَا،\nــ\nعزم على الخروج منها، وهاجر إلى الشام، وكونها بنت عمه أيضًا توجيه لكون قوله هذا: (أختي) صدقًا، ولكن الحديث نص على أن الإخبار به باعتبار أخوة الإسلام، ولعله اقتصر عليها لشرفها وأصالتها.\nوقوله: (قال: أختي) إنما عدل عن: هي زوجتي مع أن الظاهر أن ذات الزوج لا يتعرض [لها]، وأيضًا الظالم لا يبالي أختًا أو زوجة؛ لأنه كان من عادة ذلك الجبار أن لا يتعرض إلا لذات الزوج، وقيل: لأن ذلك الجبار كان مجوسيًا، وعندهم أن الأخت إذا كانت زوجة كان أخوها أحق بها من غيره، فأراد إبراهيم أن يعتصم بدين ذلك الجبار، فإذا هو لا يراعي دينه، واعترض على هذا القول بأن دين مجوس جاء بـ: زرادشت، وهو متأخر عن إبراهيم، وأجيب بأنه كان قديمًا، إنما زاد عليه زرادشت خرافات أخر، ومعنى (يغلبني عليك) يأخذك مني، وقيل: معناه يكرهني على الطلاق.\nوقوله: (ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك) تأكيد وتقرير وبيان للواقع.\nوقوله: (فأرسل) أي: ذلك الجبار (إليها) أي: إلى سارة يطلبها، وليس هذا تكرار؛ لأن الإرسال في الأول كان إلى إبراهيم للسؤال عنه من هذه، والثاني إلى سارة لطلبها.","vol":"9","page":177},{"text":"قَامَ إِبْرَاهِيمُ يُصَلِّي، فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ، ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ. فَأُخِذَ -وَيُرْوَى فَغُطَّ- حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللَّهَ فَأُطْلِقَ، ثُمَّ تَنَاوَلَهَا الثَّانِيَةَ، فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَدَّ، فَقَالَ: ادْعِي اللَّهَ لِي وَلَا أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللَّهَ فَأُطْلِقَ، فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِهِ فَقَالَ: إِنَّكَ لَمْ تَأْتِنِي بِإِنْسَانٍ، إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ،\nــ\nوقوله: (قام إبراهيم) استئناف.\nوقوله: (ذهب) أي: أراد، وجاء وذهب يجيئان بمعنى الأفعال الناقصة.\nوقوله: (فأخذ) بلفظ المجهول، أي: حبس عن إمساكها أو عوقب بذنبه أو أغمي عليه، وروي ببناء المجهول من التأخيذ، وهو استجلاب قلب شخص برقية أو سحر، بحيث يحصل له هيمان وجنون، ويجيء بمعنى أخذ السواحر أزواجهن عن غيرهن من النساء، والأخذة بالضم: رقية الساحر، والمراد هنا ما حصل له من الضغطة والخنق.\nوقوله: (فغطّ) أيضًا بلفظ المجهول، أي: اختنق وأخذ بمجاري نفسه حتى سمع له غطيط، وهو صوت يخرج مع نفس النائم، (حتى ركض برجله) أي: ضرب، والركض تحريك الرجل، ومنه: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢].\nوقوله: (مثلها) أي: مثل الأخذة الأولى.\nوقوله: (ادعي اللَّه لي) زاد هنا (لي) زيادة في التأكيد على ما في أكثر النسخ.\nوقوله: (إنما أتيتني بشيطان) في (القاموس) (١): الشيطان: كل عاتٍ متمرد من\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١١١٥).","vol":"9","page":178},{"text":"فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ فَأَتَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّيْ، فَأَوْمأَ بِيَدِهِ؛ مَهْيَمْ؟ قَالَتْ: رَدَّ اللَّهُ كيْدَ الْكَافِرِ فِي نَحْرِهِ، وَأَخْدَمَ هَاجَرَ\". قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: تِلْكَ أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاءِ! . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٥٨، م: ٢٣٧١].\nــ\nإنس وجن، وقال الطيبي (١): أراد به المتمرد من الجن، وكانوا يهابون الجن ويعظمون أمرهم.\nوقوله: (فأخدمها هاجر) أي: جعل ذلك الجبار هاجر خادمة لسارة، وهاجر بفتح الجيم: اسم أم إسماعيل ﵇، ويقال لها: آجَرُ، كذا في (القاموس) (٢).\nو(مهيم؟) بفتح الميم وسكون الهاء وفتح التحتانية كلمة استفهام، أي: ما حالك، وما شأنك، أو ما وراءك، أو أَحَدَثَ لك شيء، كذا في (القاموس) (٣)، والمناسب هنا المعنى الأول.\nوقوله: (رد اللَّه تعالى كيد الكافر في نحره) كناية عن نزول مكره على نفسه، وإصابة جزائه إياه، و(النحر): أعلى الصدر أو موضع القلادة.\nوقوله: (تلك) أي: هاجر (أمكم يا بني ماء السماء!) أراد بني إسماعيل لطهارة نسبهم، وقيل: أشار به إلى إنباع اللَّه تعالى لإسماعيل زمزم، وهي ماء السماء، وقيل: أراد بهم الأنصار؛ لأنهم أولاد عامر بن حارثة الأزدي، كان ملقبًا بماء السماء؛ لأنه كان يستمطر به، وفيه أن الأنصار ليسوا من أولاد هاجر، فكيف يصح قوله: (تلك أمكم)؟ والجواب أنها أمهم بسبب أنها أم النبي -ﷺ-، فكانت أم الأمة كلهم كما يسمى\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٣٠٣).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٤٦١).\n(٣) \"القاموس\" (ص ١٠٧٠).","vol":"9","page":179},{"text":"٥٧٠٥ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠]. . . . .\nــ\nإبراهيم [أبا] الأنبياء، وقيل: أراد العرب كلهم سموا بذلك؛ لأنهم يبتغون المطر، ويعيشون به، وتعقب بأن العرب ليسوا بأجمعهم من بطن هاجر؛ وأجيب بأنه غلب أولاد إسماعيل على غيرهم لشرفهم، ويمكن أن يقال: بأن هذا مبني على ما اشتهر من أن العرب من ولد إسماعيل، فتدبر.\n٥٧٠٥ - [٨] (وعنه) قوله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم) قيل: لما نزل قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ﴾ الآية [البقرة: ٢٦٠]، قالت طائفة من الأصحاب: شك إبراهيم ولم يشك نبينا، فقال -ﷺ-: (نحن أحق بالشك من إبراهيم)، وظاهره إثبات الشك لإبراهيم ولنفسه الشريفة، وكلا الأمرين محال، لكن المقصود نفي الشك عن نفسه وعن إبراهيم، فمعناه لو كان الشك متطرقًا إلى إبراهيم لكنت أحق به، وقد علمتم أني لا أشك فاعلموا أنه كذلك.\nوفيه ترجيح إبراهيم على نفسه، وجوابه أنه قال ذلك تواضعًا، أو قبل أن يوحى إليه أنه سيد ولد آدم، وهذا هو الجواب في كل ما ورد من الأحاديث مما يوهم عدم تفضيله -ﷺ- على بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فسؤال إبراهيم ﵇ كان لطلب الترقي من علم اليقين إلى عين اليقين، أو لأنه لما احتج على المشركين بأن ربه ﷿ يحيى ويميت، طلب ذلك، ليظهر دليله عيانًا، والأول أظهر وأنسب بمساق الآية، وقيل: أراد رسول اللَّه -ﷺ- أن ما صدر من إبراهيم ﵇ لم يكن شكًّا بل طلب لمزيد العلم، وأنا أحق به؛ لأني مأمور بذلك، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤]، فافهم.","vol":"9","page":180},{"text":"وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا، لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ لأَجَبْتُ الدَّاعِيَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٧٢، م: ١٥١].\nــ\nوقوله: (ويرحم اللَّه لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد) بيانه أن قوم لوط لما قصدوا أضيافه قال: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾، أي: لو قويت بنفسي على دفعكم ﴿أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] أي: التجئ إلى قوي أتمنع به عنكم، فيحميني منكم، شبه بركن الجبل ونحوه في الشدة، والجزاء محذوف، أي: لمنعتكم عن أضيافي، فاستغرب -ﷺ- هذا القول من لوط ﵇ واستعظمه، وأشار إلى تقصيره فيه، فإن التمسك بعصمة اللَّه وحفظه هو الركن الشديد، وأشد الأركان كلها.\nوقوله: (ويرحم اللَّه) كلمة تذكر في مقام إثبات التقصير، وما لا ينبغي أن يفعل، وقدم على وتيرة قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣]، فإن قلت: لما كان هذا من باب التقصير فلم قرن بقول إبراهيم، ولا تقصير فيه؛ قلنا: لأن قول إبراهيم وقع في صورة التقصير وغفلة عن قدرة اللَّه تعالى، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي) أي: داعي الملك الذي أتى إليه ليخرجه عن السجن، وهذا القول من رسول اللَّه -ﷺ- في يوسف قد يحمل على ثنائه عليه بالصبر وترك الاستعجال بالخروج عن السجن مع امتداد مدة الحبس، ليزول عن قلب الملك ما كان متهمًا من الفاحشة، وهذا الوجه أنسب بما يتبادر من قوله: (ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف)، وقيل: بل هو إشارة إلى تقصير يوسف في عدم الاستعجال؛ لأنه كان سببًا في هدايتهم بل قيل: إنه كان رسولًا إليهم، ولذا دعا أهل السجن بقوله: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ الآيات [يوسف: ٣٩]، ولم يكن له طريق إلى دعوة عزيز مصر، فلما وجد إليه سبيلًا قدم براءة نفسه مما نسب إليه","vol":"9","page":181},{"text":"٥٧٠٦ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ مُوسَى كَانَ رَجُلًا حَيِيًّا سِتِّيرًا، لَا يُرَى مِنْ جِلْدِهِ شَيْءٌ اسْتِحْيَاءً، فَآذَاهُ مَنْ آذَاهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَقَالُوا: مَا تَسَتَّرَ هَذَا التَّسَتُّرَ إِلَّا مِنْ عَيْبٍ بجِلْدِهِ؛ إِمَّا بَرَصٌ أَوْ أُدْرَةٌ، وَإِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّئَهُ،\nــ\nعلى حق اللَّه تعالى، وهو دعوة الملك، كذا قالوا، وفيه نظر لأن تقديم براءة نفسه أدخل في أمر الدعوة والإبلاغ كما لا يخفى، فما هو إلا اللَّه.\nوذكر الشيخ التُّورِبِشْتِي (١) فيه وجهًا آخر: حاصله أن يوسف ﵇ ترك الاسترسال مع فعل اللَّه تعالى، ودبر في نفسه لدفع التهمة عنها، وكان لبثه في السجن بضع سنين أيضًا لابتغاء الفرج عما هو فيه بالتدبير، وكان الأولى بحاله أن لا يشكو ضُرّه إلا إلى مولاه، ولا يتلقى الفرج قبل مجيئه بل ينظره بالصبر، ولا تعارض ما ظهر منه عند اللَّه تعالى بأمر من عنده وتدبير من نفسه، فأشار -ﷺ- إلى أنه لو كان هو مكانه لتلقى الدعوة بالإجابة، وقال: هذا تأويل سلكت فيه مسلك علمائنا من الصوفية قدس اللَّه تعالى أرواحهم.\n٥٧٠٦ - [٩] (وعنه) قوله: (حييًّا) بفتح الحاء وكسر الياء الأولى مخففة، وتشديد الثانية، فعيل من الحياء، و(ستيرًا)، بفتح السين وكسر التاء مخففة، وقد يروى بكسر السين وتشديد التاء كسكيت من الستر، في (الصحاح) (٢): رَجُلٌ سَتيرٌ، أي: عَفيف، والجارية سَتيرَةٌ: عفيفة، و(الأدرة) بضم الهمزة وسكون الدال ويحرك، والآدر والمأدور: من يصيبه فتق في إحدي خصييه، أَدِرَ كفرح، والاسم: الأدرة، وخصية أَدْرَاءُ: عظيمة\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (١/ ١٢٣٥).\n(٢) \"الصحاح\" (٢/ ٦٧٧).","vol":"9","page":182},{"text":"فَخَلَا يَوْمًا وَحْدَهُ لِيَغْتَسِلَ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَجَمَحَ مُوسَى فِي إِثْرِهِ يَقُولُ: ثَوْبِي يَا حَجَرُ! ثَوْبِي يَا حَجَرُ! حَتَّى انْتُهَى إِلَى مَلأٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَرَأَوْهُ عُرْيَانًا أَحْسَنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ، وَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ، وَأَخَذَ ثَوْبَهُ وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا، فَوَاللَّهِ إِنَّ بِالْحَجَرِ لَنَدَبًا مِنْ أَثَرِ ضَرْبِهِ ثَلَاثًا أَوْ أَرْبعًا أَوْ خَمْسًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٠٤، م: ٣٣٩].\nــ\nبلا فتق، وفي (النهاية) (١): الأدرة بالضم: نفخة في الخصية.\nوقوله: (فوضع ثوبه على حجر) فيه جواز الغسل عريانًا في الخلوة، وكان في غسل موسى ﵇ عريانًا حكمة كان عاقبتها تبرئة ساحته عن الاتهام من النقص.\nوقوله: (فجمح) أي: أسرع إسراعًا لا يرده شيء، وفي (القاموس) (٢): جمح الرجل: يركب هواه فلا يمكن رده، و(إثره) بكسر الهمزة وسكون المثلثة وبفتحهما، (والندب) بفتحتين جمع الندبة، وكذا أنداب وندوب، هو أثر الجرح الباقي على الجلد، ندب الجرح كفرح: صلبت ندبته، كأندب، كذا في (القاموس) (٣)، وذلك معجزة لموسى ﵇.\nوقوله: (ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا) شك من الراوي متعلق بالضرب أو الندب، كذا في (الحواشي)، ويحتمل أن يكون ترديدًا منه -ﷺ- من جهة أنه لم يوح إليه متعينًا.\n_________\n(١) \"النهاية\" (١/ ٣١).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٢١٠).\n(٣) \"القاموس\" (ص: ٣٢١، ١٣٩).","vol":"9","page":183},{"text":"٥٧٠٧ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"بَيْنَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا، فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْثِي فِي ثَوْبِهِ، فَنَادَاهُ رَبُّهُ: يا أَيُّوبُ! أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُك عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلى وَعِزَّتِكَ، وَلَكِن لَا غِنَى بِي عَنْ بَرْكَتِكَ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٧٩].\n٥٧٠٨ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ. فَقَالَ الْمُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى الْعَالَمِينَ. فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى الْعَالَمِينَ. فَرَفَعَ الْمُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَطَمَ وَجْهَ الْيَهُودِيِّ، فَذَهَبَ الْيَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ الْمُسْلِمِ، فَدَعَا النَّبِيُّ -ﷺ- الْمُسْلِمَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَصْعَقُ مَعَهُمْ فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ بِجَانِبِ الْعَرْشِ، فَلَا أَدْرِي كَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي،\nــ\n٥٧٠٧ - [١٠] (وعنه) قوله: (لا غنى بي عن بركتك) وفي رواية: من رحمتك، أو من فضلك، يعني أن ذلك ليس من حرصي على المال والدنيا بل من فرحي بفضلك ورحمتك، وقالوا: فيه جواز الحرص على الاستكثار من الحلال في حق من وثق من نفسه بالشكر وأدائه في الحق، ومن هذه الجهة سمي المال بركة.\n٥٧٠٨ - [١١] (وعنه) قوله: (لا تخيروني على موسى) أي: لا تفضلوني عليه، وهذا تواضع منه -ﷺ-، أو قال ذلك قبل أن يوحى إليه أفضليته، ثم عمم الحكم في آخر الحديث، وقال: (لا تفضلوا بين الأنبياء)، والمراد: لا تفضلوا بأهوائكم وآرائكم على وجه يؤدي إلى الازدراء والنقيصة ببعض، أو يفضي إلى خصومة وعصبية، أو","vol":"9","page":184},{"text":"أَوْ كَانَ فِيمَنِ اسْثَثْنَى اللَّهُ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"فَلَا أَدْرِي أَحُوسِبَ بِصَعْقَةِ يَوْمِ الطُّورِ أَوْ بُعِثَ قَبْلِي؟ وَلَا أَقُولُ: إنَّ أَحَدًا أَفْضَلُ مِنْ يُونُسَ بنِ مَتَّى\".\nــ\nالتفضل من جميع الوجوه، أو في أصل النبوة والرسالة، ثم ذكر لموسى فضلًا جزئيًا يوجب فضله وامتيازه من هذه الجهة، بقوله: (فإن الناس يصعقون. . . إلخ)، وأصل الصعق: أن يغشى على الرجل من صوت شديد يسمعه، وربما يموت منه، يقال: صعق الرجل: إذا أصابه فزع فأغمي عليه، ثم استعمل في الموت كثيرًا، والصعقة: المرة منه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الزمر: ٦٨].\nوالمراد بالصعقة في هذا الحديث: صعقة فزع يكون بعد البعث يصعق به الناس، ويسقط الكل، ولا يسقط موسى اكتفاء بصعقته في الطور لذكر الإفاقة بعده؛ لأن الإفاقة إنما تستعمل في الغشي والبعث في الموت، وليس للصعقة التي يكون بعده البعث إفاقة؛ لأنه -ﷺ- يبعث قبل الكل بلا خلاف في ذلك فكيف يقول: لا أدري؟ وقيل: يحتمل أنه قال قبل أن يعلم أنه أول من ينشق، أو أراد أنه من زمرة هم أوّلهم، وهم زمرة الأنبياء، فيكون المراد بالبعث في رواية: (أو بعث قبلي): الإفاقة؛ جمعًا بين الروايتين.\nوقوله: (أو كان فيما استثنى اللَّه) بقوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨]، الظاهر من كلام المفسرين أن الاستثناء في الصعقة التي تكون قبل البعث، ويفهم من هذا الحديث أنه يكون في هذه الصعقة أيضًا، واللَّه أعلم. و(صعقة يوم الطور) هو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣].\nوقوله: (ولا أقول: إن أحدًا أفضل من يونس بن متى) متى هي اسم أم يونس،","vol":"9","page":185},{"text":"٥٧٠٩ - [١٢] وَفِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: \"لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَة: \"لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ\". [خ: ٢٤١١، ٢٤١٢].\n٥٧١٠ - [١٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ: إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤١٦، م: ٢٣٧٦].\nوَفِي رِوَايَةِ البُخَارِيِّ قَالَ: \"من قَالَ: أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ\". [خ: ٤٦٥٤].\nــ\nكذا في (شرح ابن الملك) (١) نقلًا عن (جامع الأصول)، وقال في (القاموس) (٢): متى كحتى: أبو يونس النبي ﵇.\n٥٧٠٩ - [١٢] (أبو سعيد) قوله: (لا تفضلوا) يروى: بصاد مهملة، أي: لا تفرقوا، كما قال: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، وبمعجمة.\n٥٧١٠ - [١٣] (أبو هريرة) قوله: (إني خير) و(أنا خير) ضمير المتكلم عبارة عن رسول اللَّه -ﷺ-، وهو الموافق لباقي الأحاديث، وقيل: عبارة عن كل قائل يقول ذلك، أي: لا يفضل أحد نفسه على يونس من جهة أنه لم يصبر على أذى الأمة، فإن الولي لا يبلغ درجة النبي، وإن لم يكن من أولي العزم.\nوقوله: (فقد كذب) قيل: المراد كفر، فإنهم اتفقوا على كفر من يفضل نفسه\n_________\n(١) \"شرح مصابيح السنة\" (٦/ ١٦١).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ١٦٠).","vol":"9","page":186},{"text":"٥٧١١ - [١٤] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْغُلَامَ الَّذِي قتلَهُ الْخَضِرُ طُبعَ كَافِرًا، وَلَوْ عَاشَ لأَرْهَقَ أَبَوَيْهِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٠١، م: ٢٦٦١].\nــ\nعلى الأنبياء.\n٥٧١١ - [١٤] (أبي بن كعب) قوله: (طبع كافرًا) أي: خلق على الكفر، وكان في التقدير الإلهي أن يكون خاتمته على الكفر، وهذا لا ينافي حديث: (كل مولود يولد على الفطرة)، إذ المراد بالفطرة كونه قابلًا ومستعدًا لقبول الإسلام، وهو لا ينافي كونه شقيًّا في جبلته، وبالجملة الفطرة غير السابقة، وقد سبق تحقيقه في أول الكتاب في (باب الإيمان بالقدر).\nوقوله: (ولو عاش لأرهق أبويه) أي: أغشاهما وأعجلهما، رهقه بالكسر: غشيه، وأرهقه: أغشاه، وأرهقني إثمًا حتى رهقته: حملني إثمًا حتى حملته، في (القاموس) (١): رهقه كفرح: غشيه ولحقه، والرَّهَقُ محركة: السَّفَهُ، والنَّوكُ، وركوب الشر والظلم، واسم من الإرهاق، وهو أن تَحْمِل الإنسان على ما لا يطيقه، والكذب، والعجلة.\nوقوله: (طغيانًا) عليهما، (وكفرًا) لنعمتهما بعقوقه فيلحقهما شرًّا، أو المعنى حملهما أن يتبعاه في الطغيان، وكان الخضر مأمورًا بالعمل بالحقيقة كلًّا أو بعضًا، وهذا من جملة أوحى اللَّه إليه، أو الهمه بأن الغلام كافر في المآل فاقتله، بخلاف موسى ﵇ فإنه كان مأمورًا بالعمل بالظاهر، وقد كان نبينا -ﷺ- مأمورًا بالعمل بالحقيقة في بعض المواضع كما أمر بقتل بعض من كان مسلمًا في الظاهر، وعلم منه أنه يموت\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٨١٩).","vol":"9","page":187},{"text":"٥٧١٢ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرُ لأَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ. . . . .\nــ\nعلى الكفر، كما ذكر في خصائصه -ﷺ-.\n٥٧١٢ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (إنما سمي الخضر) الخضر بفتح الخاء وكسرها وسكون الضاد وكسرها، كذا قال الكرماني (١)، وقال القسطلاني (٢): الخضر بفتح الخاء وكسر الضاد، وقد تسكن الضاد مع كسر الخاء وفتحها، اسمه بَلِيَّا بن ملكان، وقيل: إنه ابن فرعون صاحب موسى ﵇، وهو غريب جدًا، وقيل: ابن مالك، وهو أخو إلياس، وقيل: ابن آدم لصلبه، والصحيح أنه نبي معمر محجوب عن الأبصار، وأنه باق إلى يوم القيامة لشربه من ماء الحياة، وعليه الجماهير واتفاق الصوفية، وكثير من الصالحين، وأنكر جماعة حياته منهم البخاري وابن المبارك والخرقي وابن الجوزي، كذا نقل في (شرح القصيدة الأمالية) تمسكًا بإخباره بقوله -ﷺ-: (أنه لا يعيش أحد على وجه الأرض بعد مئة سنة)، والحق خلاف ما قال المنكرون، والحديث مؤول وكذا حديث: (لو كان الخضر حيًّا لزارني) (٣)، كما بين في موضعه، وكنيته أبو العباس، قيل: كان في زمان إبراهيم الخليل، وقيل: هو من ولد نوح بسبع وسائط، وكان أبوه من الملوك، كذا في (مجمع البحار) (٤)، واللَّه أعلم.\nوقوله: (على فروة بيضاء) الفروة بفتح الفاء: الأرض اليابسة ليس بها نبات،\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (١٤/ ٥٤).\n(٢) \"شرح البخاري\" للقسطلاني (١/ ١٧٣).\n(٣) انظر: \"كشف الخفاء\" (١/ ٤٨٨، رقم: ١٣٧٠).\n(٤) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ٥٨).","vol":"9","page":188},{"text":"فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ مِنْ خَلْفِه خَضْرَاءَ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٤٠٢].\n٥٧١٣ - [١٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ فَقَالَ لَهُ: أَجِبْ رَبَّكَ\". قَالَ: \"فَلَطَمَ مُوسَى عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَأَهَا\" قَالَ: \"فَرَجَعَ الْمَلَكُ إِلَى اللَّهِ فَقَالَ: إِنَّكَ أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَكَ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي\". قَالَ: \"فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى عَبْدِي فَقُلْ: الْحَيَاةَ تُرِيدُ؟ . . . . .\nــ\nوقيل: الحشيش اليابس.\nوقوله: (خضراء) على وزن فعلاء، أي: أرضا خضراء، وعند أكثر الرواة: (خضرًا) أي: نباتًا أخضر غضًا، قال عياض (١): كلاهما صحيح، وأقول: الأول أنسب بتفسير (الفروة) بالأرض، والثاني بتفسيره بالحشيش.\n٥٧١٣ - [١٦] (أبو هريرة) قوله: (فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها) أي: كسرها وقلعها، يقال: فقأ العين والبثرة: كسرها أو قلعها، قد يستبعد هذا بأنه كيف كان فقأ عين الملك؟ فيقال: إنه متشابه فيفوض علمه إلى اللَّه، وأن موسى لم يعرف أنه ملك الموت، وظن أنه رجل قصد نفسه، وكأن الملك تمثَّل بصورة البشر فدفعه عنها، فأدت مدافعته إلى فقأ عينه، واستبعد هذا الجواب بأن الرجل الداخل لم يقصد المحاربة حتى يدفعه، بل دعاه للموت، ولمجرد هذا القول لا يصدر عن مؤمن صالح مثل هذا الفعل فما ظنك بموسى ﵇، وقيل: إن موسى ﵇ كان في طبعه حدة، حتى روي: أنه ﵇ إذا غضب اشتعلت قلنسوته، فإذا هجم عليه رجل فدعاه إلى الهلاك عرف أنه لا يكون إلا بالحرب فدفعه.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٤٤).","vol":"9","page":189},{"text":"فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَكَ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَمَا تَوَارَتْ يَدُكَ مِنْ شَعْرَةٍ فَإِنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنَةً، قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ. قَالَ: فَالآنَ مِنْ قَرِيبٍ،\nــ\nويحتمل أن يكون ذلك جائزًا في شرعه، أو لأن موسى ﵇ زعم أنه كاذب حين ادعى قبض روحه لزعمه أن بشرًا لا يقبض الروح فغضب عليه فلطمه، وكان هذا الغضب للَّه في اللَّه، فلم يكن مذمومًا، ولهذا لم يعاتبه اللَّه على ذلك، وبالجملة إذا صح الحديث وجب الإيمان به، فما أدرك من محامله يحمل عليه، وما لا يدرك وجب التفويض، واللَّه أعلم (١).\nوقوله: (على متن ثور) أي: ظهره، والمتن في الأصل: الأرض الصلبة من المتانة بمعنى القوة والصلابة، وسمي الظهر متنًا لاكتنافه وصلابته بالصلب.\nوقوله: (فما توارت) هكذا في (صحيح مسلم)، وقال التُّورِبِشْتِي (٢): الصواب: (ما وارت)، و(توارت) غلط وقع عن بعض الرواة في (كتاب مسلم)، ويؤيده ما في (كتاب البخاري): (فله بما غطت يده بكل شعرة سنة) (٣)، وقيل: يحتمل أن يكون (يدك) منصوبًا بنزع الخافض، أي: بيدك، وفي (توارت) ضمير راجع إلى (ما)، وإنما أنثه لكون (ما) عبارة عن الشعرة، وهذا تكلف لا يخفى إن صحت الرواية بالنصب، والمشهور الرفع.\nوقوله: (مه) الهاء للسكت، و(ما) للاستفهام.\nوقوله: (فالآن من قريب) أي: أختار الموت الآن، أو مُر الملك أن يقبض روحي\n_________\n(١) انظر: \"الكنز المتواري\" (٧/ ٢٣٩).\n(٢) \"الميسر\" (٤/ ١٢٣٧).\n(٣) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٣٤٠٧).","vol":"9","page":190},{"text":"رَبِّ أَدْنِنِي مِنَ الأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ\". قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَنْبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الأَحْمَرِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٣٩، م: ٢٣٧٢].\n٥٧١٤ - [١٧] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"عُرِضَ عَلَيَّ الأَنْبِيَاءُ فَإِذَا مُوسَى ضَرْبٌ مِنَ الرِّجَالِ،\nــ\nالآن، وإنما سأل الأدناء من الأرض المقدسة لشرفها وفضلها على سائر البقاع في ذلك الزمان، وبفضل من فيها من المدفونين من الأنبياء والمرسلين، وفي هذا استحباب الدفن في المواضع الفاضلة والقرب من مدافن الصالحين.\nوقوله: (رمية بحجر) أي: مقدار ذلك، قيل: إنما لم يسأل نفس بيت المقدس، لأنه خاف أن يكون قبره مشهورًا فيفتتن به الكفار، ويجوز أن يكون معناه: ولو كان مقدار رمية بحجر ولم يكن في نفسه، فتدبر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (عنده) أي: عند بيت المقدس، و(الكثيب) التل من الرمل.\n٥٧١٤ - [١٧] (جابر) قوله: (عرض علي الأنبياء) قيل: مثلت أرواحهم متشكلة بما كانوا عليه في الدنيا من الأشكال، وقيل: كوشفت له صور أبدانهم في نوم أو يقظة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ضرب من الرجال) الضرب: المصنف من الشيء، والخفيف اللحم، كذا في (القاموس) (١)، وقال في (المشارق) (٢): في موسى ضرب من الرجال بسكون الراء، وهو ذو الجسم بين الجسمين لا بالناحل ولا بالمطهم، وقال الخليل: الضرب القليل\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص ١١٣).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٩٨).","vol":"9","page":191},{"text":"كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، ورأيتُ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ فَإِذَا أَقْرَبُ مَن رأيتُ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ، وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ -يَعْنِي نَفْسَهُ-، وَرَأَيْتُ جِبْرِيلَ فَإِذَا أَقْرَبُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ شَبَهًا دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٧].\n٥٧١٥ - [١٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي مُوسَى رَجُلًا آدَمَ طُوَالًا جَعْدًا كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شنُوءَةَ، وَرَأَيْتُ عِيسَى رَجُلًا مَرْبُوعَ الْخَلْقِ. . . . .\nــ\nاللحم، ووقع عند الأصيلي بكسر الراء وسكونها معًا، ولا وجه للكسر، انتهى.\nوقوله: (شنوءة) بفتح شين معجمة ثم نون ثم واو ثم همزة: قبيلة معروفة، ومنه أزد شنوءة، وهم حي من اليمن.\n٥٧١٥ - [١٨] (ابن عباس) قوله: (ليلة أسري بي) بفتح (ليلة) مبنيًا مضافة إلى الجملة، وهو جائز البناء، وهنا توافق حركة بنائه وإعرابه، وأما تنوينه بالوصف وحذف الرابطة فمما يرى جوازه في طبائع الإعجام، وليس بكلام عربي، كذا في (شرح الشيخ) في موضع آخر.\nو(الآدم) الشديد السمرة. و(طوال) بضم الطاء وفتح الواو بمعنى طويل، وهي طوالة وجمعه طوال وطيال بكسرهما، وبتشديد الواو: المفرط الطول. وأما (الجعودة) فالأكثر أنه يكون صفة للشعر، وقيل: أراد هنا جعودة الجسم، وهي اجتماعه واكتنازه، لا ضد سبوط الشعر؛ لأنه روي أنه رجل الشعر، وكذا المراد فيما وقع من الحديث في وصف عيسى، ويحتمل جعودة الشعر بين القطط والسبط، وفي وصف الدجال بمعنى القصير المتردد الخلق، وبمعنى البخيل. و(مربوع الخلق) بمعنى معتدل القامة.","vol":"9","page":192},{"text":"إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ، سَبْطَ الرَّأْسِ، وَرَأَيْتُ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ، وَالدَّجَّالَ فِي آيَاتٍ أَرَاهُنَّ اللَّهُ إِيَّاهُ، فَلَا تَكُنْ فِي مِزيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٣٩، م: ١٦٥].\n٥٧١٦ - [١٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي لَقِيتُ مُوسَى -فَنَعَتَهُ-: فَإِذَا رَجُلٌ مُضْطَرِبٌ. . . . .\nــ\nوقوله: (إلى الحمرة) أي: مائلًا إلى الحمرة والبياض. و(السبط) المنبسط المترسل، وفي وصفه -ﷺ-: (ليس بالسبط ولا بالجعد القطط)، فالقطط: الشديد الجعودة، وقال النووي (١): (السبط) بكسر السين وفتحها مع سكون باء وكسرها وفتحها، ويجيء إن شاء اللَّه تعالى هذه الألفاظ بالتفصيل في شمائله -ﷺ-، وهو موضعه.\nوقوله: (في آيات أراهن اللَّه إياه) قيل: هو من كلام النبي -ﷺ-، أي: رأيت المذكور في جملة آيات أراهن اللَّه إياه، وفي (إياه) التفات بوضعه موضع (إياي).\nوقوله: (فلا تكن في مرية من لقائه) متعلق بقصة موسى ورؤيته، وذكر عيسى وما يتبعه من الآيات استطراد إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة: ٢٣]، فالخطاب للرسول -ﷺ-، ولا يخفى ما في هذا التوجيه من التكلف، وإن كان ذهب إليه جمهور العلماء الذين تكلموا في هذا الحديث، وقال بعض الشارحين: إن قوله: (في آيات. . . إلخ)، من كلام الراوي الحقه بالحديث، والخطاب عام، أي: لا تكن أيها المخاطب في مرية من لقاء النبي -ﷺ- الأنبياء والخازن والدجال، وهذا أظهر في العبارة، واللَّه أعلم.\n٥٧١٦ - [١٩] (أبو هريرة) قوله: (فإذا رجل مضطرب) قد جاء في وصفه ﵇:\n_________\n(١) \"شرح النووي على صحيح مسلم\" (٢/ ٢٢٧).","vol":"9","page":193},{"text":"رَجِلُ الشَّعْرِ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَلَقِيتُ عِيسَى رَبْعَةً أَحْمَرَ. . . . .\nــ\n(ضرب من الرجال) بمعنى ضعيف اللحم، فحمل بعضهم المضطرب على أنه افتعال من الضرب بالمعنى المذكور، لكن التُّورِبِشْتِي (١) قال: إن المضطرب بمعنى الضرب مما لم نجده ولم نعلم له مساغًا في السنة من القياس؛ لأن الأصل في اضطرب افتعل أبدلت التاء طاء، ولم يذكر من الضرب الذي هو خفة اللحم، فالوجه أن يكون عبارة عن الحدة التي كان قد جُبِل عليها، فإن من شأن الحاد أن يكون متحركًا قلقًا، انتهى.\nونقل الطيبي (٢): أن المراد أنه كان مستقيم القد حادًا، وقال عياض (٣): المضطرب هو الطويل غير الشديد، وقيل: معناه أنه كان مضطربًا من خشية اللَّه تعالى، وقد جاء أن موسى ﵇ كان يصلي مضطربًا متحركًا.\nقال في (العوارف): ما حاصله أن كان من تموج بحار الأنس، والحضور في باطنه، أو كما قاله. و(رجل الشعر) بفتح الراء وكسر الجيم، أي: بين الجعودة والسبوطة، والمراد شديدهما، و(الربع) بفتح الراء وسكون الباء هو المربوع بمعنى معتدل القامة، ويقال: للمرأة: ربعة، والتأنيث بتأويل النفس، كذا قال الشارحون.\nويفهم من (القاموس) (٤) أن الربع والربعة كليهما يطلقان على الرجل حيث قال: الربع: الرجل بين الطول والقصر، كالمربوع والربعة، ويحرك، وقال: وهي ربعة،\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٢٣٨).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٣١٧).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٥٦).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٦٢).","vol":"9","page":194},{"text":"كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ -يَعْنِي الْحَمَّامَ-، وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ\" قَالَ: \"فَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ\" أَحَدُهُمَا لَبَنٌ وَالآخَرُ فِيهِ خَمْرٌ. فَقِيلَ لِي: خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ. فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ، فَقِيلَ لِي: هُدِيتَ الْفِطْرَةَ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٩٤، م: ١٦٨].\nــ\nانتهى. فالربعة يطلق على الرجل والمرأة. وقال في (المشارق) (١): بسكون الباء وفتحها، وفتح الراء، وهو الرجل بين الرجلين في قده وقامته، والمؤنث والمذكر والواحد والجمع فيه سواء.\nو(الديماس) بكسر الدال وسكون التحتانية، فسره في الحديث بالحمام، وفي (القاموس) (٢): الديماس ويكسر: الكِنُّ والسرب، والحَمَّام، وقال الشيخ (٣): هذا تفسير عبد الرزاق، والمراد وصفه بصفاء اللون ونضارة الجسم وكثرة ماء الوجه.\nوقوله: (أحدهما لبن والآخر فيه خمر) بحذف (فيه) في الأول، وذكره في الثاني تفننًا، وقيل: إرادة لتكثير اللبن وتقليل الخمر.\nوقوله: (هديت) بلفظ المجهول من الهداية، والمراد بالفطرة وهو الدين والإسلام، وهي التي فطر الناس عليها، فإن اللبن لما كان ذا خلوص وبياض، وأول ما يحصل به تربية المولود صيغ منه في العالم القدسي مثال الهداية والفطرة التي بها تتم القوة الروحانية، والعالم القدسي يصاغ فيه الصور من العالم الحسي، وهو عالم\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٧٩).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٥٠٦).\n(٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٨٤).","vol":"9","page":195},{"text":"٥٧١٧ - [٢٠] وَعَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَمَرَرْنَا بِوَادٍ، فَقَالَ: \"أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ \". فَقَالُوا: وَادِي الأَزْرَقِ، قَالَ: \"كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُوسَى\"، فَذَكَرَ مِنْ لَوْنِهِ وَشَعْرِهِ شَيْئًا: \"وَاضِعًا أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، لَهُ جُؤَارٌ إِلَى اللَّهِ بِالتَّلْبِيَةِ مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي\". قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى ثَنِيَّةٍ. فَقَالَ: \"أَيُّ ثَنِيَّةٍ هَذِهِ؟ \" قَالُوا: هَرْشَى. . . . .\nــ\nالناموس (١) لتدرك بها المعاني، وقد ورد أن من رأى اللبن في المنام يشربه يكون تعبيره الدين والعلم والهداية بخلاف الخمر، فإنها لكونها ذات مفسدة وشر ومضرة في الدنيا والدين صيغ منها الغواية وما يُفسد القوةَ الروحانيةَ.\n٥٧١٧ - [٢٠] (ابن عباس) قوله: (وادي الأزرق) هو موضع بين الحرمين سمي به لزرقته، وقيل: منسوب إلى رجل بعينه زرقة.\nوقوله: (فذكر من لونه وشعره شيئًا) كما ذكر في الحديث: (آدم رجل الشعر).\nوقوله: (واضعًا) حال من (موسى)، ولعل ذلك لقصد رفع الصوت -كما في الأذان- في التلبية، وكان في شرعه، وأما أنه هل يجوز لنا ذلك؟ فصحيح على من يقول بشرع من قبلنا ما لم ينسخ.\nو(الجؤار) بضم الجيم وبالهمزة، أي: صوت وتضرع، يقال: جأر كمنع جأرًا وجؤارًا: رفع صوته بالدعاء وتضرع واستغاث، والبقرة والثور: صاحا، و(مارًّا) حال ثانية من (موسى) متداخلة أو مترادفة، والثاني أظهر. و(الثنية) الطريق في الجبل. و(هرشى) بفتح هاء فراء ساكنة وشين معجمة مقصورًا كسكرى: جبل في طريق المدينة\n_________\n(١) \"وهو عالم الناموس\" سقط في (ك)، و(ع)، و(ر).","vol":"9","page":196},{"text":"-أَوْ لِفْتٌ-. فَقَالَ: \"كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى يُونُسَ عَلَى نَاقَةٍ حَمْرَاءَ، عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ، خِطَامُ نَاقَتِهِ خُلْبَةٌ، مَارًّا بِهَذَا الْوَادِي مُلَبِّيًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٦].\n٥٧١٨ - [٢١] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ،\nــ\nقريب الجحفة بضم الجيم وسكون الحاء المهملة. و(اللفت) بالكسر: ثنية جبل قديد بين الحرمين، ويفتح، كذا في (القاموس) (١)، وقيل: يجوز على تقدير الفتح كسر الفاء وفتحها أيضًا.\nوقوله: (خطام نافته) الخطم من الدابة: مقدم أنفها وفمها، المخطم كمجلس ومنبر، والخطام بالكسر: حبل يجعل على مخطم البعير ليقتاد به. و(الخلب) بخاء المعجمة بضم أو بضمتين: الليف والحبل منه.\nثم اعلم أن رؤيته -ﷺ- قيل: كناية عن اليقين، يعني: أن لي علمًا بأحوالهم وأفعالهم التي كانت لهم [في] حياتهم يقينًا كأني أرى ذلك، وقيل: رؤية منام، وقيل: تمثل وكوشف له وأدخل في حسه المشترك، وأعلى من ذلك أنه رأى ذلك في الوقت الذي كانوا عليها في حياتهم، وذلك في عالم ليس فيه ماض ومستقبل، وتحقيق هذا المعنى يطلب من كلام بعض الصوفية حيثما تكلموا في حقيقة الزمان والمكان، وعلى التقادير كلها ليس هذا عملًا في الدار الآخرة التي هي دار الجزاء دون العمل، أما على الوجوه الثلاثة الأول فظاهر، وأما على الرابع فهو عين العمل الذين كانوا يعملونه في الدنيا في حياتهم، فافهم.\n٥٧١٨ - [٢١] (أبو هريرة) قوله: (خفف على داود القرآن) أي: قراءة القرآن،\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٥٦٤، ١٦٠).","vol":"9","page":197},{"text":"فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَوَابِّهِ فَتُسْرَجُ، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ دَوَابُّهُ، وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدَيهِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٤١٧].\n٥٧١٩ - [٢٢] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"كَانَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ صَاحِبَتُهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ، وَقَالَتِ الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى، فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ فَأَخْبَرَتَاهُ فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَكُمَا. فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلْ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ، هُوَ ابْنُهَا، فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٢٧، م: ١٧٢٠].\nــ\nوقيل: هو بمعنى المصدر كالغفران بمعنى القراءة، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٨]، أي: قراءته.\nوقوله: (فكان يأمر بدوابه فتسرج) لا يعرف كم كانت دوابه، وكم يمضي فيه من الزمان، وعلى كل تقدير لم يكن ما يعتاد من الزمان في إتمام قراءة الزبور خصوصًا التوراة مع كثرته وطوله حتى كان حفظه معجزة للأنبياء، وهذا من قبيل طي الزمان وهو أمر مقرر عند العارفين.\n٥٧١٩ - [٢٢] (وعنه) قوله: (فقضى به للكبرى) لعله بشبه رآه فيها، أو لكونه في يدها، أو بدليل آخر سنح له في ذلك باجتهاده، ولم يكن هذا الحكم من داود ﵇ بالوحي وإلا لم يخالفه سليمان، ثم قيل: إن إرادة سليمان شقه بينهما كان لاختبار شفقتهما ليتميز الأم (١)، وهذه حيلة لطيفة إلى معرفة باطن القضية، وأما حكمه للصغرى\n_________\n(١) كذا في الأصل، والظاهر \"ليتميز له الأمر\". كما في \"المرقاة\" (٩/ ٣٦٥٥) نقلًا عن النووي.","vol":"9","page":198},{"text":"٥٧٢٠ - [٢٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قَالَ سُلَيْمَانُ: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى تِسْعِينَ امْرَأَةً -وَفِي رِوَايَةٍ: بِمِئَةِ امْرَأَةٍ- كُلُّهُنَّ يَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ: قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمْ يَقُلْ وَنَسِيَ، فَطَافَ عَلَيْهِنَّ، فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ. . . . .\nــ\nفكان بإقرار الكبرى بعد ذلك، وقد نقل مثل ذلك عن سيدنا علي -﵁-.\nوأما نقض سليمان حكم داود، وحكم النبي لا يرد ولا ينقض وإن كان باجتهاد؟ فقيل: إنه لم يكن حكمًا من داود ولم يجزم به، وهذا ينافي ظاهر لفظ الحديث، والإقرار بعد الحكم جائز كما اعترف المحكوم له بعد الحكم أن الحق لخصمه، فقضى به للكبرى إلا أن يراد هَمَّ بأن يحكم وأراده، قيل: لعل نسخ الحكم المجتهد فيه كان جائزًا في شرعهم، واللَّه أعلم.\n٥٧٢٠ - [٢٣] (وعثه) قوله: (على تسعين امرأة) وفي رواية: (بمئة امرأة)، كأن هاتين الروايتين أصح الروايات وأقواها، وقد جاءت فيه روايات: (ستون)، و(سبعون)، و(تسعون)، و(تسع وتسعون)، و(مئة)، والجمع أن الستين كن حرائر، وما زاد كنّ سراري، أو بالعكس، وأما السبعون فللمبالغة، وأما التسعون والمئة وفوق التسعين، فمن قال: تسعين الغى الكسر، ومن قال: مئة جَبَره، كذا قال الشيخ (١)، واللَّه أعلم.\nوقوله: (كلهن) أي: كل واحدة منهن، ويعلم من هذا أن (كلًّا) مضافًا إلى المعرفة أيضًا قد يكون إفراديًا.\nوقوله: (فلم يقل ونسي) أي: لم يقل حين قال له الملك ولا بعده للنسيان، والاستثناء على المختار إنّما أن يصح ويعمل متصل، وعلى تقدير صحة المنفصل نسي،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ٤٦٠).","vol":"9","page":199},{"text":"جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وَأَيْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٢٤، م: ١٦٥٤].\n٥٧٢١ - [٢٤] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"كَانَ زَكَرِيَّاءُ نَجَّارًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٧٩].\n٥٧٢٢ - [٢٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى بْنِ مَرْيَمَ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ، الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ، وَلَيْسَ بَيْنَنَا نَبِيٌّ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٤٢، م: ٢٣٦٥].\nــ\nولم يتيسر له القول، فافهم.\nوقوله: (بشق رجل) أي: جسده من غير رأس، والشق: قطعة من الشيء.\n٥٧٢١ - [٢٤] (أبو هريرة) قوله: (كان زكرياء) ممدود ومقصور.\n٥٧٢٢ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (أنا أولى الناس بعيسى) أي: أقربهم إليه، لأنه ليس بينهما نبي، ولأن عيسى كان مبشرًا لقدومه وممهدًا لقواعد دينه، وسيكون في آخر الزمان نائبه وخليفته.\nوقوله: (إخوة من علات) شبه ما هو المقصود من بعثة جملة الأنبياء، وهو إرشاد الخلق بالأب، وشبه شرائعهم المتفاوتة في الصور المتقاربة في العرض بالأمهات، كذا قالوا.\nوقوله: (ودينهم واحد) يعني: أن الشراح وإن كانت متعددة مختلفة لكن أصل دينهم وهو التوحيد والطاعة واحد، فكلهم أقارب لي، ولكن عيسى أقرب، ولا ينافي","vol":"9","page":200},{"text":"٥٧٢٣ - [٢٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كُلُّ بَنِي آدَمَ يَطْعَنُ الشَّيْطَانُ فِي جَنْبَيْهِ بِإِصْبُعَيْهِ حِينَ يُوَلَدُ، غَيْرَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَهَبَ يَطْعَنُ فَطَعَنَ فِي الْحِجَابِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٨٦، م: ٢٣٦٦].\n٥٧٢٤ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ،\nــ\nهذا قوله: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ [آل عمران: ٦٨]، لأنه أولى الناس بإبراهيم من جهة الاقتداء، وأولاهم بعيسى من جهة قرب العهد.\n٥٧٢٣ - [٢٦] (وعنه) قوله: (يطعن الشيطان في جنبيه) الظاهر أنه هو المراد من المس في حديث: (ما من مولود إلا يمسه الشيطان) على ما مر في (باب الوسوسة)، وأرادوا (بإصبعيه) السبابة والوسطى، والمراد (بالحجاب) المشيمة، يعني: لم يصل طعنه إلى جسده.\n٥٧٢٤ - [٢٧] (أبو موسى) قوله: (إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون) استدل بهذا الحصر على أنهما نبيتان؛ لأن أكمل الإنسان الأنبياء، ثم الصديقون والشهداء والصالحون، فلو كانتا غير نبيتين للزم أن لا يكون في النساء ولية ولا صديقة ولا شهيدة ولا صالحة غيرهما، قال الكرماني (١): لا يلزم من لفظ الكمال ثبوت نبوتهما؛ لأنه يطلق لتمام الشيء وتناهيه في بابه، والمراد بلوغهما إلى النهاية في جميع الفضائل التي للنساء، انتهى.\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (١٤/ ٦٠).","vol":"9","page":201},{"text":"وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤١١، م: ٢٤٣١].\nوَذُكِرَ حَدِيثُ أَنَسٍ: \"يَا خَيْرَ الْبَرِيَّةِ\". . . . .\nــ\nولا يخفى عليك بأن بلوغ مريم وآسية نهاية الكمال المستلزم لأفضليتهما من فاطمة وخديجة وعائشة محل نظر، ذكر السيوطي (١): أن أفضل النساء مريم وفاطمة، وقال: وفي حديث: (فاطمة سيدة نساء أهل الجنة)، دلالة على تفضيلها على مريم، وهما متساويتان ليست بواحدة منهما أفضل من الأخرى.\nوفي (التيسير) للنسفي: إن خديجة وعائشة وفاطمة أفضل من مريم، ثم الأصح أن مريم ليست نبية، وادعى بعضهم الإجماع على عدم نبوة النساء، وتعقب بأن دعوى الإجماع غير مسلم، فإن الخلاف في نبوة نسوة موجود خصوصًا مريم، فإن القول بنبوتها شهير، بل مال الشيخ تقي الدين السبكي في (الجليات) إلى ترجيحه، وقال: إن ذكرها مع الأنبياء قرينة قوية لذلك، قيل: العجب من هذا الشيخ أنه استشعر بهذه القرينة، ولم ينظر إلى نص قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ [يوسف: ١٠٩]، فإنه نص في نفي النبوة عن النساء، ونقل عن الأشعري نبوة حواء، وسارة، وأم موسى، وهاجر، وآسية، ومريم، والآية المذكورة ترده، اللهم إلا أن يقال: المنفي في الآية الرسالة لا النبوة، وهي أعم من الرسالة، وهذا محمل لطيف لقول هؤلاء الأكابر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وفضل عائشة على النساء. . . إلخ)، المقصود عطف الصديقة على\n_________\n(١) \"الخصائص الكبرى\" للسيوطي (٢/ ٣٤٨).","vol":"9","page":202},{"text":"وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: \"أَيُّ النَّاسِ أَكَرَمُ\"، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ: \"الْكَرِيْمُ بْنُ الْكَرِيمِ\" فِي (بَابِ الْمُفَاخَرَةِ وَالْعَصَبِيَّةِ).\nــ\nمريم وآسية، لكن أبرز الكلام في صورة جملة مستقلة دلالة على ثبوت فضل خاص وامتياز مخصوص لها من بينها، ثم ظاهر الحديث المذكور يفيد فضلهما يعني مريم وأَسية على سائر النساء حتى فاطمة وخديجة وعائشة وسائر أزواجه وبناته -ﷺ-، وقيل: كان هذا الإخبار قبل أن يوحى إليه بفضل هذه المطهرات، أو استثنى من العموم بقرينة الأحاديث الأخر.\nوبالجملة وقعت أخبار متعددة مختلفة في فضائل النساء، فماما أن يفيد بجهات مخصوصة أو تخصيص العمومات، وفي (الخصائص) للخيضري (١): سكت الأصحاب عن ذكر زينب بنت جحش، وينبغي إلحاقها بخديجة وعائشة لتولي اللَّه تعالى بتزويجها، وفي (الخصائص) (٢) للسيوطي: زوجاته وبناته -ﷺ- أفضل نساء العالمين، وأصحابه أفضل العالمين إلا النبيين، وقد نقلنا في (شرح العقائد) (٣) الفارسية لنا الأقوال فيهما، فتدبر.\n_________\n(١) هو قطب الدين محمد بن محمد بن عبد اللَّه بن خيضر الخيضري الشافعي المتوفى سنة أربع وتسعين وثمان مئة، وسمى كتابه \"اللفظ المكرم بخصائص النبي المحترم\" وهو مطبوع. انظر: \"كشف الظنون\" (٢/ ١٥٥٩)، و\"الرسالة المستطرفة\" (ص: ١٢٥).\n(٢) \"الخصائص الكبرى\" للسيوطي (٢/ ٣٤٨ - ٣٥٠).\n(٣) اسمه \"تكميل الإيمان وتقوية الإيقان\" شرح فيه الشيخ عفائد الإسلام، يحتوي الكتاب على ثمانين صفحة، طبع عدة مرات، توجد نسخه الخطية في حيدرآباد ومكتب الهند، والجمعية الآسيوية.","vol":"9","page":203},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1251> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٧٢٥ - [٢٨] عَنْ أَبِي رَزِينٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيْن كَانَ رَبُّنَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ؟ قَالَ: \"كَانَ فِي عَمَاءٍ، مَا تَحْتَهُ هَوَاءٌ، وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ، وَخَلَقَ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: الْعَمَاءُ: أَيْ لَيْسَ مَعَه شَيْءٌ. [ت: ٣١٠٩].\nــ\nالفصل الثاني\n٥٧٢٥ - [٢٨] (أبو رزين) قوله: (أين كان ربنا) قال التُّورِبِشْتِي (١): ذهب بعض أهل العلم فيه إلى أن التقدير: أين كان عرش ربنا، قال: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]، وفسروا (العماء) ممدودًا بسحاب رقيق أو كثيف مطبق، وروي (عمى) بالقصر، ومعناه ليس له معه شيء، وقيل: هو كل أمر لا تدركه عقول بني آدم ولا يبلغ كنهه الوصف.\nوقوله: (ما تحته هواء، وما فوقه هواء) كناية عن أنه ليس معه شيء، وقيل: هو تتميم لدفع توهم المكان، فإن الغمام المتعارف يستحيل وجوده بدون مكان، وقال الأزهري: نحن نؤمن به ولا نكيفه بشيء.\nوقوله: (العماء: أي ليس معه شيء) أي قوله: (كان في عماء) كناية عن أنه ليس معه شيء، فهو معنى (كان اللَّه ولم يكن معه شيء)، وقال بعضهم: سئل عن المكان وأجاب عن أن لا مكان، يعني إن كان هذا مكانًا فهو في غير مكان، ويدل عليه أن السؤال كان عما قبل أن بخلق خلقه، فلو كان العماء أمرًا موجودًا لكان مخلوقًا،\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٢٤١).","vol":"9","page":204},{"text":"٥٧٢٦ - [٢٩] وَعَنِ العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا فِي الْبَطْحَاءِ فِي عِصَابَةٍ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَالِسٌ فِيهِمْ، فَمَرَّتْ سَحَابَةٌ، فَنَظَرُوا إِلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا تُسَمُّونَ هَذِهِ؟ \". قَالُوا: السَّحَابَ. قَالَ: \"وَالْمُزْنَ؟ \" قَالُوا: وَالْمُزْنَ. قَالَ: \"وَالْعَنَانَ؟ \" قَالُوا: وَالْعَنَانَ. قَالَ: \"هَلْ تَدْرُونَ مَا بُعْدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ؟ \" قَالُوا: لَا نَدْرِي،\nــ\nفلم يكن الجواب مطابقًا للسؤال، هذا ما ذكروه في هذا المقام، وفي كلام بعض الصوفية له بيان آخر مذكور في كتبهم، واللَّه أعلم.\n٥٧٢٦ - [٢٩] (العباس بن عبد المطلب) قوله: (زعم) قال الطيبي (١): نسبة الزعم إلى العباس رمز إلى أنه لم يكن حينئذ مسلمًا ولا تلك العصابة كانوا مسلمين، يدل عليه قوله: (في البطحاء)، انتهى. لعل الدلالة لأجل أن هذا لسان أهل الجاهلية، ولسان أهل الإسلام أن يقولوا: بمكة، أو في الحرم ونحو ذلك، وأقول: ومما يدل على ذلك أيضًا قولهم: (لا ندري)، وعادة الصحابة استمرت على أن يقولوا: اللَّه ورسوله أعلم، وجاء في بعض الروايات عن العباس بن عبد المطلب: كنا عند النبي -ﷺ-، الحديث.\nوقوله: (السحاب) روي بالنصب والرفع.\nوقوله: (قال: والمزن؟) بالنصب أي: وتسمون المزن.\nوقوله: (قالوا: والمزن) أي: ونسمي المزن، والمزن بالضم: السحاب أو أبيضه، كذا في (القاموس) (٢)، ومثله في (النهاية) (٣)، و(العنان) كسحاب زِنةً ومعنًى، وفي\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٣٢٧).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ١١٣٧).\n(٣) \"النهاية\" (٤/ ٣٢٥).","vol":"9","page":205},{"text":"قَالَ: \"إِنَّ بُعْدَ مَا بَيْنَهُمَا إِمَّا وَاحِدَةٌ وَإِمَّا اثْنَتَانِ أَوْ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً، وَالسَّمَاءُ الَّتِي فَوْقَهَا كَذَلِكَ\" حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ. ثُمَّ \"فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ بَحْرٌ بَيْنَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ كَمَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمَانِيَةُ أَوْعَالٍ، بَيْنَ أَظْلَافِهِنَّ وَوُرُكِهِنَّ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ عَلَى ظُهُورِهِنَّ الْعَرْشُ، بَيْنَ أَسْفَلِهِ وَأَعْلَاهُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، ثُمَّ اللَّهُ فَوْقَ ذَلِكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٣٣٢٠، د: ٧٢٣].\nــ\n(القاموس) (١): السحاب، أو التي تمسك الماء، واحدته بهاء.\nوقوله: (إما واحدة) أي: واحدة وسبعون، وإما اثنتان وسبعون، وإما ثلاث وسبعون، ولعل الترديد من شك الراوي، وقد جاء في الأخبار: أن بُعْدَ ما بين السماء والأرض خمس مئة عام، وكذلك بين السموات السبع، وكذلك بين كل سماء، وقال الطيبي (٢): المراد بالسبعين في الحديث التكثير لهذه الأخبار، ولكن يختلج أنه لا فائدة على تقدير إرادة التكثير في زيادة واحدة أو اثنتان أو ثلاث على السبعين، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ثمانية أوعال) جمع وعل بالفتح وككتف ودئل، وهذا نادر: تيس الجبل، والمراد الملائكة على صورة الأوعال، و(الأظلاف) جمع ظلف بالكسر هو للبقر والغنم، كالحافر للفرس والبغل، والخف للبعير. و(الورك) بالفتح والكسر وككتف: ما فوق الفخذ، وما ذكر رسول اللَّه -ﷺ- تصوير لعظمة اللَّه سبحانه وفوقيته على العرش بالعلو والعظمة والحكم، لا الحلول والمكان.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١١٢٢).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٣٢٨).","vol":"9","page":206},{"text":"٥٧٢٧ - [٣٠] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: جُهِدَتِ الأَنْفُسُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، وَنُهِكَتِ الأَمْوَالُ، وَهَلَكَتِ الأَنْعَامُ فَاسْتَسْقِ اللَّهَ لَنَا، فَإِنَّا نَسْتَشْفِعُ بِكَ عَلَى اللَّهِ، وَنَسْتَشْفَعُ بِاللَّهِ عَلَيْكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"سُبْحَانَ اللَّهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ\". فَمَا زَالَ يُسَبِّحُ حَتَّى عُرِفَ ذَلِك فِي وُجُوهِ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: \"وَيْحَكَ إِنَّهُ لَا يُسْتَشْفَعُ بِاللَّهِ عَلَى أَحَدٍ، شَأْنُ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، وَيْحَكَ أَتَدْرِي مَا اللَّهُ؟ إِنَّ عَرْشَهُ عَلَى سَمَاوَاتِهِ لَهَكَذَا\" وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ مِثْلَ الْقُبَّةِ عَلَيْهِ، \"وَإِنَّهُ لَيَئِطُّ بِهِ أَطِيطَ الرَّحْلِ بِالرَّاكِبِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٢٦].\nــ\n٥٧٢٧ - [٣٠] (جبير بن مطعم) قوله: (جهدت) بلفظ المجهول، أي: أوقعت في المشقة.\nوقوله: (ونهكت الأموال) أيضًا بلفظ المجهول، أي: نقصت، نهك الضرع: استوفى جميع ما فيه، ونهكته الحمى: أضنته وهزلته وجهدته.\nوقوله: (فإنا نستشفع بك على اللَّه، ونستشفع باللَّه عليك) استشفعت بفلان على فلان: ذهبت إليه واستعنت ليشفع له إليه، فالاستشفاع به على اللَّه تعالى جائز، وأما الاستشفاع باللَّه عليه فكلا، ولهذا سبح -ﷺ- ونزه اللَّه عن ذلك، وكرر ذلك وغضب، حتى تغير وجهه الشريف، وعرف أثر ذلك التغير في وجوه أصحابه أيضًا.\nوقوله: (أتدري ما اللَّه؟) أي: ما عظمة اللَّه وكبرياؤه؟ (وقال) أي: أشار، و(مثل القبة) نصب على الحالية.\nوقوله: (عليه) أي: على الكف، (وإنه) أي: العرش مع ما وصف من عظمته وسعته (ليئط) بفتح الياء وكسر الهمزة من الأطيط، أي: يصوت من أطّ الرحل يئط","vol":"9","page":207},{"text":"٥٧٢٨ - [٣١] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، أَنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ إِلَى عَاتِقَيْهِ مَسِيرَةُ سَبْعِ مِئَةِ عَامٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٧٢٧].\n٥٧٢٩ - [٣٢] وَعَن زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لِجِبْرِيلَ: \"هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ فَانْتَفَضَ جِبْرِيلُ وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ سَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ نُورٍ، لَوْ دَنَوتُ مِنْ بَعْضِهَا لَاحْتَرَقْتُ\". هَكَذَا فِي \"الْمَصَابِيحِ\".\n٥٧٣٠ - [٣٣] وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي \"الْحِلْيَةِ\" عَنْ أَنَسٍ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ: \"فَانتُفَضَ جِبْرِيلُ\". [حلية الأولياء: ٤/ ٨٠].\nــ\nأطيطًا: صوت، والأطيط: صوت الرحل والإبل من ثقلها، وصوت الظهر والجوف من الجوع، والمراد أنه يعجز العرش من عظمته وحمل أحكامه كعجز الرحل عن احتمال الراكب، وهذا تصوير وتفهيم لعظمة اللَّه تعالى للأعرابي على قدر فهمه وحاله.\n٥٧٢٨ - [٣١] (جابر بن عبد اللَّه) قوله: (إلى عاتقيه) العاتق: المنكب، وقيل: هو ما بين المنكب والعنق موضع الرداء.\n٥٧٢٩، ٥٧٣٠ - [٣٢، ٣٣] (زرارة بن أوفى) قوله: (وعن زرارة) بضم الراء (ابن أوفى)، وفي نسخة: (ابن أبي أوفى)، وكذلك في (التقريب) (١).\nوقوله: (فانتفض) بالضاد المعجمة، أي: ارتعد من عظمة ذلك السؤال، نفض الثوب: حركه لينتفض.\nوقوله: (سبعين حجابًا من نور) وهي الصفات الملكية في جبرئيل أو صفات\n_________\n(١) \"تقريب التهذيب\" (ص: ٢١٥، رقم: ٢٠٩٩).","vol":"9","page":208},{"text":"٥٧٣١ - [٣٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ إِسْرَافِيلَ مُنْذُ يَوْمِ خَلْقِهُ صَافًّا قَدَمَيْهِ لَا يَرْفَعُ بَصَرَهُ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّبِّ ﵎ سَبْعُونَ نُورًا، مَا مِنْهَا مِنْ نُورٍ يَدْنُو مِنْهُ إِلَّا احْتَرَقَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (١).\n٥٧٣٢ - [٣٥] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَذُرَّيَتَهُ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ: يَا رَبِّ! خَلَقْتَهُمْ يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَنْكِحُونَ وَيَرْكَبُونَ، فَاجْعَلْ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةَ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلَقْتُهُ بِيَدَيَّ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي كَمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ١٤٧].\nــ\nاللَّه تعالى، والعلم بتعيين العدد موكول إلى الشارع، واللَّه أعلم.\nوفي الحديث دليل حجة رؤية اللَّه تعالى لسؤاله -ﷺ- عنها، ولو كانت ممتنعة لما سأل، ويفهم من جواب جبرئيل أيضًا، لقوله: (بيني وبينه. . . إلخ)، يعني عدم رؤيته تعالى ليس لامتناعها بل لتمنعه بحجاب العزة والكبرياء، وقد ترتفع الحجب، وأيضًا أخبر عن رؤيته لقوله: (بيني وبينه)، ولعل الحجب لم تكن بين غيره وبين اللَّه كما كان لسيد المرسلين -ﷺ-.\n٥٧٣١ - [٣٤] (ابن عباس) قوله: (صافًّا قدميه لا يرفع بصره) أي: عن الصور، وذلك عبارة عن تهيئه وانتظاره لأمر اللَّه بالنفخ حتى ينفخ.\n٥٧٣٢ - [٣٥] (جابر) قوله: (لا أجعل من خلقته بيدي) الحديث، دليل على\n_________\n(١) لم أجده في \"سنن الترمذي\"، وأخرجه البيهقي في \"شعب الإيمان\" (١٥٥).","vol":"9","page":209},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1252> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٧٣٣ - [٣٦] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْمُؤْمِنُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ بَعْضِ مَلَائِكَتِهِ\". رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٣٩٤٧].\n٥٧٣٤ - [٣٧] وَعَنْهُ قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدَيَّ فَقَالَ: \"خَلَقَ اللَّهُ الْتُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ،\nــ\nأفضلية البشر من الملائكة، والمسألة مذكورة في كتب الكلام.\nالفصل الثالث\n٥٧٣٣ - [٣٦] (أبو هريرة) قوله: (المؤمن أكرم على اللَّه من بعض ملائكته) يراد بالمؤمن عوامهم، وببعض الملائكة أيضًا عوامهم، كذا قال الطيبي (١)، الحكم بأفضلية المؤمنين على الملائكة ليس كليًّا، بل بعض المؤمنين أفضل من بعض الملائكة، وتفصيله أن عوام البشر خير من عوام الملائكة، وخواص البشر من عوام الملائكة وخواصهم، وخواص الملائكة من عوام البشر، وعلى التقديرين يصح أن بعض المؤمنين أكرم على اللَّه تعالى من بعض ملائكته، فافهم.\n٥٧٣٤ - [٣٧] (وعنه) قوله: (بيدي) بلفظ التثنية. والترب والتراب والتربة: الأرض.\nوقوله: (يوم السبت. . . إلخ)، دل هذا الحديث على أن ابتداء الخلق يوم السبت، والمشهور أنه يوم الأحد، وقالوا: إنما سمي سبتًا لأن اللَّه تعالى فرغ من الخلق\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٣٣١).","vol":"9","page":210},{"text":"وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ وَآخِرِ سَاعَةٍ مِنَ النَّهَارِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلى اللَّيْل\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٨٩].\n٥٧٣٥ - [٣٨] وَعَنْهُ قَالَ: بَيْنَمَا نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- جَالِسٌ وَأَصْحَابُهُ إِذْ أَتَى عَلَيْهِمْ سَحَابٌ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ \". قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: \"هَذِهِ الْعَنَانُ هَذِهِ رَوَايَا الأَرْضِ يَسُوقُهَا اللَّهُ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْكُرُونَهُ وَلَا يَدعُونَهُ\"، ثم قَالَ: \"هَل تَدْرُونَ مَا فَوْقَكُمْ؟ \" قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: . . . . .\nــ\nفيه واستراح، إلا أن يقال: هذا معتقد أهل الكتاب، ثم إنه قد نص في القرآن المجيد أن الخلق كله في ستة أيام، ويظهر من هذا الحديث أنه في السبعة، ثم إنه لم يذكر في هذا الحديث خلق السموات لعله كان مقدمًا على خلق الأرض وما فيها أو مؤخرًا عنه.\nوقوله: (وخلق النور) بالراء كما لمسلم، ولغيره بالنون، وهو الحوت، ويجوز خلقهما في يوم الأربعاء، كذا نقل عن الأكمل.\nوقوله: (بعد العصر من يوم الجمعة) ولهذا سميت جمعة لاجتماع الخلق فيه، وفضلت آخر ساعة منه.\n٥٧٣٥ - [٣٨] (وعنه) قوله: (سحاب) وفي بعض النسخ: (سحابة).\nوقوله: (هذه روايا الأرض) جمع راوية، وهي البعير والبغل والحمار يستقى عليه، ويسمى بها المزادة التي فيها الماء أيضًا، شبهت السحب بالروايا في سقيها الأرض.","vol":"9","page":211},{"text":"\"فَإِنَّهَا الرَّقِيعُ سَقْفٌ مَحْفُوظٌ، وَمَوْجٌ مَكْفُوفٌ\"، ثُمَّ قَالَ: \"هَلْ تَدْرُونَ مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا؟ \" قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: \"بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهَا خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ\"، ثُمَّ قَالَ: \"هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ؟ \". قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُوْلُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: \"سماءانِ بُعْدُ مَا بَيْنَهُمَا خَمْسُ مِئَةِ سَنَةٍ\"، ثُمَّ قَالَ كَذَلِكَ حَتَّى عَدَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ، \"مَا بَيْنَ كُلِّ سَمَاءَيْنِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ\"، ثُمَّ قَالَ: \"هَلْ تَدْرُونَ مَا فَوْقَ ذَلِكَ؟ \" قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: \"إِنَّ فَوْقَ ذَلِكَ الْعَرْشُ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ بُعْدُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِيْنِ\". ثُمَّ قَالَ: \"هَلْ تَدْرُونَ مَا الَّذِي تَحْتَكُمْ؟ \" قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: \"فَإِنَّهَا الأَرْضُ\". ثُمَّ قَالَ: \"هَلْ تَدْرُونَ مَا تَحْتَ ذَلِكَ؟ \". قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: \"إِنَّ تَحْتَهَا أَرْضًا أُخْرَى بَيْنَهُمَا مَسِيرَةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ\". حَتَّى عدَّ سَبع أَرَضِينَ، \"بَيْنَ كلِّ أَرَضِينَ مَسِيْرَةُ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ\"، ثُمَّ قَالَ: \"وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّكُمْ دَلَّيْتُمْ بِحَبْلٍ إِلَى الأَرْضِ السُّفْلَى لَهَبَطَ عَلَى اللَّهِ\"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: قِرَاءَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ: . . . . .\nــ\nوقوله: (فإنها الرقيع) بالقاف: السماء أو السماء الأولى.\nوقوله: (موج مكفوف) أي: ممنوع من السقوط، ويحفظه اللَّه تعالى من أن يقع على الأرض، شبهها بالموج المكفوف في كونه معلق بغير عمد، و(السقف) اسم للسماء، والظاهر أنه على التشبيه بسقف البيت.\nوقوله: (دليتم) بالتشديد، أدليت الدلو ودليتها: أرسلتها إلى البئر.","vol":"9","page":212},{"text":"لَهَبَطَ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَعِلْمُ اللَّهِ وَقُدْرَتُهُ وَسُلْطَانُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَهُوَ عَلى الْعَرْشِ كَمَا وَصَفَ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ. [حم: ٢/ ٣٠٧، ت: ٣٢٩٤].\n٥٧٣٦ - [٣٩] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"كَانَ طُولُ آدَمَ سِتِّينَ ذِرَاعًا فِي سَبع أَذْرُعٍ عَرْضًا\".\n٥٧٣٧ - [٤٠] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الأَنْبِيَاءِ كَانَ أَوَّلَ؟ قَالَ: \"آدَمُ\". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَنَبِيٌّ كَانَ؟ قَالَ: \"نَعَمْ نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ\". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَمِ المُرْسَلُونَ؟ قَالَ: \"ثَلَاثُ مِئَةٍ وَبِضْعَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا\".\nــ\nوقوله: (لهبط على اللَّه) أي: على علمه وقدرته وسلطانه، لأن علمه وقدرته وسلطانه في كل مكان، كما فسره الترمذي.\n٥٧٣٦ - [٣٩] (وعنه) قوله: (كان طول آدم ستين ذراعًا في سبع أذرع) الظاهر أن يراد الذراع المتعارف يومئذ عند المخاطبين، لا ذراع نفسه، إذ لو أريد ذراع نفسه لكانت يده قصيرة غاية القصر في جنب طول جسده وخرج عن التناسب، كما لا يخفى.\n٥٧٣٧ - [٤٠] (أبو ذر) قوله: (ونبي كان؟) بحذف حرف الاستفهام.\nوقوله: (نبي مكلم) أي: أنزل عليه الصحف فيكون نبيًّا مرسلًا. فقوله: (مكلم) صفة مخصصة، ويناسبه قوله بعده: (كم المرسلون؟).\nوقوله: (جمًّا غفيرًا) في (القاموس) (١): الجم: الكثير من كل شيء، وجاؤوا\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١٠٠٦).","vol":"9","page":213},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ أَبُو ذَرٍّ: قَلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَمْ وَفَاءُ عِدَّةِ الأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: \"مِئة أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا، الرُّسُلُ مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثُ مِئَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ جَمًّا غَفِيرًا\".\n٥٧٣٨ - [٤١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَيْسَ الْخَبَرُ كالْمُعَايَنَةِ، أَن اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ مُوسَى بِمَا صَنَعَ قَوْمُهُ فِي الْعِجْلِ فَلَمْ يُلْقِ الأَلْوَاحَ، فَلَمَّا عَايَنَ مَا صَنَعُوا أَلْقَى الأَلْوَاحَ فَانْكَسَرَتْ\". رَوَى الأَحَادِيث الثَّلَاثَةَ أَحْمَدُ. [حم: ٢/ ٢٩٥، ٥/ ١٧٨، ١/ ٢١٥].\nــ\nجمًّا غفيرًا، أي: جميعًا لم يخلف أحد، كذا في (القاموس) (١)، الغفير: من الغفر وهو الستر، وفيه تأكيد ومبالغة.\nوقوله: (كم وفاء عدة الأنبياء؟) أي: كمالها وتمامها.\n٥٧٣٨ - [٤١] (ابن عباس) قوله: (إن اللَّه تعالى أخبر موسى. . . إلخ)، استشهاد وتقرير لقوله: (ليس الخبر كالمعاينة)، يعني: أن الخبر وإن كان صادقًا وحقًّا بلا شبهة مع ذلك للمعاينة تأثير وحالة ليست للخبر.\n* * *\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٤٢٠).","vol":"9","page":214},{"text":"(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل","vol":"9","page":215},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1253>(٢٩) كتاب الفضائل والشمائل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1254>١ - باب فضائل سيد المرسلين صلوات اللَّه وسلامه عليه</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1255> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٧٣٩ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\n[٢٩ - كتاب الفضائل والشمائل]\n١ - باب فضائل سيد المرسلين صلوات اللَّه وسلامه عليه\nفضائل سيد المرسلين -ﷺ- مما لا يعد ولا يحصى، ولا يحيط بها علوم الأولين والآخرين، ولا يعلمها بالكنه إلا رب العالمين، فإن فضل رسول اللَّه ليس له حد فيعرب عنه ناطق بفم، وقد أطبقت الأمة على أنه سيد ولد آدم وسيد المرسلين صلى اللَّه عليهم وسلم أجمعين، وبعده إبراهيم خليل الرحمن، وموسى كليم اللَّه، ولم يوجد نص من العلماء بعد ذلك، واللَّه أعلم. وقد ختم المؤلف الكتاب بذكره -ﷺ-، وذكر فضائله وأسمائه وأخلاقه وشمائله ومعجزاته، وفضائل أصحابه وأهل بيته الطيبين الطاهرين، وسائر أمته أجمعين، وهذه الأبواب خلاصة هذا الكتاب، وحق بأن يختم الكتاب بها، ختم اللَّه لنا بالحسنى في كل باب.\nالفصل الأول\n٥٧٣٩ - [١] (أبو هريرة) قوله: . . . . .","vol":"9","page":217},{"text":"\"بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا، حَتَّى كُنْتُ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ مِنْهُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٥٧].\nــ\n(بعثت من خير قرون بني آدم قرنًا فقرنًا) القرن: كل طبقة أهل زمان واحد؛ لاقترانهم في أعمارهم وأحوالهم، كما في قوله -ﷺ-: (خير القرون قرني الذين أنا فيهم ثم الذين يلونهم) (١) الحديث، وقال صاحب (القاموس) (٢): القرن: كل أمة هلكت فلم يبق منها أحد، وقد يطلق على الوقت أيضًا، فقيل: أربعون سنة أو عشرة أو عشرون أو ثلاثون وقد اشتهر هذا في العوام، أو خمسون أو ستون أو سبعون أو ثمانون أو مئة أو مئة وعشرون، وقد يرجح المئة بقوله -ﷺ- لغلام: (عش قرنًا) فعاش مئة سنة، واللَّه أعلم.\nوالمراد بخير قرون بني آدم: كل طبقة فيهم آباؤه -ﷺ-، وهو محمول هنا على من بعد إسماعيل من ولده من كنانة وقريش ومن بعدهم، ليصح معنى التعقيب في الفاء، والمراد ببعثه فيهم: تقلبه في أصلاب الآباء، ونقله فيها أبًا فأبًا، وقرنًا فقرنًا، حتى ظهر في القرن الذي وجد فيه، ومعنى الترتيب في الفضل والخيوية على سبيل الترقي كما يفسره الحديث الآتي، والخيرية والاصطفاء محمولة من جهة الخصائل الحميدة والفضائل الشريفة عند العقلاء وأهل الكرام، لا باعتبار الإيمان والديانة، كذا قالوا، وهذا في القرون.\nوأما آباؤه الكرام فكلهم من آدم إلى عبد اللَّه أبيه طاهرون مطهرون من دنس الكفر ورجس الشرك لقوله -ﷺ-: (خرجت من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الطاهرات)،\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" نحوه (٢٦٥١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٢٧).","vol":"9","page":218},{"text":"٥٧٤٠ - [٢] وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمِ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٧٦].\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلتِّرْمِذِيِّ: \"إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيْمَ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى مِنْ وُلْدِ إِسْمَاعِيلَ بَنِي كِنَانَةَ\". [ت: ٣٦٠٥].\nــ\nوإن حمل هذا على الطهارة عن الزنا والسفاح على ما كان من عادة الجاهلية، كما يدل عليه ظاهر الأحاديث فبدلائل أخر حرّرت وقررت، ولعمري أن هذا العلم -أعني العلم بكون آباء النبي -ﷺ- من لدن آدم إلى أن وجد كانوا على التوحيد ودين الإسلام- علم خص اللَّه تعالى به العلماء المتأخرين، والمتقدمون ربما يلوح من كلماتهم خلاف ذلك، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، وجزى اللَّه عنا الشيخ جلال الدين السيوطي شيخ شيوخنا في الحديث خير الجزاء، فإنه صنف فيها رسائل متعددة، فأفاد وأجاد وأغنى عن المصباح بالإصباح، واللَّه هو العليم الفتاح، وحاش للَّه أن يودع هذا النور الطاهر في مواضع النجاسة والظلمة، ولقد جاءت الروايات أنه كان -ﷺ- في صلب بعض آبائه يلبي بالحج، وكانوا يبشرون بقدومه ووجوده وأمثال ذلك كثيرة.\n٥٧٤٠ - [٢] (واثلة بن الأسقع) قوله: (اصطفى كنانة) بكسر الكاف بعد إسماعيل بوسائط، وقيل: قريش بواسطتين، والمشهور في التسمية بقريش أنه مصغر قرش: دابة بحرية يخافها دواب البحر كلها، وفيه وجوه كثيرة ذكرت في (القاموس) (١)، ووجه التسمية بهاشم أنه كان يهشم الثريد لقومه في أيام الجدب.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٥٧).","vol":"9","page":219},{"text":"٥٧٤١ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٧٨].\nــ\n٥٧٤١ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (أنا سيد ولد آدم) سيد القوم: أجلهم، وهو -ﷺ- أجل الناس وأكرمهم وأفضلهم في جميع صفات الكمال، ويلزم بهذا أن يكون أفضل من الملائكة أيضًا على مذهب أهل الحق، كذا ذكر الطيبي (١)، وقد جاء في بعض الأحاديث أفضليته -ﷺ- على الخلق مطلقًا.\nوذكر في (المواهب اللدنية) (٢): من حديث سلمان عند ابن عساكر، قال: (هبط جبرئيل على النبي -ﷺ- فقال: إن ربك يقول: ما خلقت خلقًا أكرم علي منك، ولقد خلقت الدنيا وأهلها لأعرفهم كرامتك ومنزلتك عندي، ولولاك ما خلقت الدنيا)، فثبت أنه أفضل الخلائق أجمعين، وأما ما جاء من قوله: (لا تفضلوا بين الأنبياء)، وقوله: (لا تفضلوني على يونس بن متى) فقد عرفت جوابه في الأبواب السابقة، والتقييد بقوله: (يوم القيامة) باعتبار ظهور آثار سيادته -ﷺ- في ذلك اليوم، فإنه يظهر فيه أن اليوم يومه، ولا يكون في مقامه وقربه من الحضرة الإلهية أحد -ﷺ-.\nوقوله: (وأول من ينشق عنه القبر) كناية عن أنه أول من يبعث. و(مشفع) على لفظ اسم المفعول من الشفع، وهو قبول الشفاعة، وقد سبق ذكره في (باب الشفاعة).\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٣٣٩).\n(٢) \"المواهب اللدنية\" (١/ ٥٥).","vol":"9","page":220},{"text":"٥٧٤٢ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَنَا أَكْثَرُ الأَنْبِيَاءِ تَبَعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقْرَعُ بَابَ الجَنَّةِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٦].\n٥٧٤٣ - [٥] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّد. فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ أَنْ لَا أَفْتَحَ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٧].\nــ\n٥٧٤٢ - [٤] (أنس) قوله: (أنا أكثر الأنبياء تبعًا) في (القاموس) (١): التبع محركة يكون واحدًا وجمعًا، ويجمع على أتباع، وكأنه مثل ولد يطلق على الواحد والجمع، ويجمع على أولاد، كذا في (القاموس) (٢)، والتبع يكون مصدرًا أيضًا، تبعه -كفرح- تبعًا وتباعة: مشى خلفه، والمآل واحد، فإذا كثر الأتباع كثرت التبعية أيضًا.\nوقوله: (وأنا أول من يقرع باب الجنة) كناية عن كونه أول من يدخل الجنة، ويبينه الحديث الآتي.\n٥٧٤٣ - [٥] (وعنه) قوله: (بك أمرت) وقال الطيبي (٣): الباء للسببية، أي: بسببك أمرت بأن لا أفتح، ويجوز أن يكون صلة (أمرت) و(أن لا أفتح) بدل من الضمير، انتهى. وهذا ظاهر، وأقول: يجوز أن يكون للقسم، أي: بحياتك وذاتك وجمالك وكمالك أقسم، فافهم. فإنه لذيذ على ذائقة لسان المحبة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٥٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٠٩).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٣٣٩).","vol":"9","page":221},{"text":"٥٧٤٤ - [٦] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ فِي الْجَنَّةِ لَمْ يُصَدَّقْ نَبِيٌّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ مَا صُدِّقْتُ، وَإِنَّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيًّا مَا صَدَّقَهُ مِنْ أُمَتِهِ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٩٦].\n٥٧٤٥ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَثَلِي وَمَثَلُ الأَنْبِيَاءِ كَمَثَلِ قَصْرٍ أُحْسِنَ بُنْيَانُهُ تُرِكَ مِنْهُ مَوْضِعُ لَبِنَةٍ، فَطَافَ بِهِ النُّظَّارُ، يَتَعَجَّبُوْنَ مِنْ حُسْنِ بُنْيَانِهِ إِلَّا مَوْضعَ تِلْكَ اللَّبِنَةِ، فَكُنْتُ أَنَا سَدَدْتُ مَوْضِعَ اللَّبِنَةِ، خُتِمَ بِيَ الْبُنْيَانُ، وَخُتِمَ بِيَ الرُّسُلُ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٣٤، م: ٢٢٨٧].\n٥٧٤٦ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ. . . . .\nــ\n٥٧٤٤ - [٦] (وعنه) قوله: (أنا أول شفيع في الجنة) قيل: (في) تعليلية، أي: لدخولها، وقيل: ظرفية، أي: أشفع في الجنة لرفع درجات الناس.\nوقوله: (ما صدقت) كلمة (ما) مصدرية، أي: مقدار تصديق أمتي إياي، أو كالتصديق بي، فعلى الأول: المقصود بيان كثرة الأمة، وعلى الثاني: بيان قوة إيمانهم وزيادة محبتهم وعقيدتهم برسولهم -ﷺ- وثباتهم على الدين، وعلى المعنيين يحمل قوله: (كنتم خير أمة)، والمعنى الأول أنسب بسياق الحديث، ولكنه لا ينافي الثاني.\n٥٧٤٥ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (أحسن) بلفظ المجهول من الإحسان. و(اللبنة) بفتح اللام وكسر الباء، ويقال: بكسر اللام وسكون الباء.\nوقوله: (إلا موضع) استثناء منقطع، أو متصل بتقدير يتعجبون من مواضع.\n٥٧٤٦ - [٨] (وعنه) قرأ: (ما من الأنبياء من نبي) (من) الأولى بيانية والثانية","vol":"9","page":222},{"text":"إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٨١، م: ١٥٢].\nــ\nزائدة كما تزاد بعد النفي.\nوقوله: (إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر) قالوا: المقصود بيان أن كل نبي أعطي من المعجزات، وأيد بما إذا شوهد آمن به من شاهده من البشر، واضطر من الإيمان به؛ إذ لا بد لمن ادعى النبوة من ذلك حتى يظهر صدقه، والمراد (بمثله) ما كان على صفته في الإعجاز والدلالة على صدق النبي. وقوله: (عليه) لتضمين معنى الاطلاع، أي: آمن به مطلعًا عليه واقفًا عليه، أو معنى القهر والغلبة، أي: مغلوبًا عليه في التحدي والمباراة.\nثم أشار إلى مزية ما أعطيه -ﷺ- من الآيات أي: معظمها، وقال: (وإنما كان الذي أوتيت وحيًا) أوحاه اللَّه تعالى، يعني القرآن العظيم الذي هو معجزة عظيمة يبقى ببقاء الدهور ويرشد العالمين إلى طريق الحق واليقين، ويكون شاهد صدق على نبوة سيد المرسلين إلى يوم القيامة، ولهذا قال: (فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة)، فإن قلت: قد أوحي إلى الأنبياء كلهم؟ قلت: ولكن لم يكن وحيهم معجزة، هذا وقد قيل في معنى الحديث: إن كل نبي أعطي من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله من الأنبياء، وأما معجزتي العظيمة الظاهرة مما لم يعط أحد مثله، ولهذا أكون أكثرهم تبعًا، وهذا المعنى لعله يكون أقرب وأظهر بالنظر إلى ظاهر العبارة، ولكن التقرير الأول أجود، وعليه أكثر الشارحين، واللَّه أعلم.","vol":"9","page":223},{"text":"٥٧٤٧ - [٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتي أَدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ فَلْيُصَلِّ، وأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ،\nــ\n٥٧٤٧ - [٩] (جابر) قوله: (نصرت بالرعب) أي: نصرني اللَّه تعالى بإلقاء خوف في قلوب أعدائي من مسيرة شهر بيني وبينهم، ولعلك يخطر ببالك أنه قد يقع من بعض الملوك والسلاطين الرعب في قلوب الأعداء أكثر من ذلك؟ قلت: والمراد: النصر بالرعب، لا الرعب نفسه، على أن التخصيص هنا بالنسبة إلى الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم أجمعين، وأما أمر الجبابرة فأمر آخر، وشيء ليس مبحوثًا عنه ومنظورًا إليه.\nوقوله: (وجعلت لي الأرض مسجدًا) والمشهور في معناه إباحة الصلاة لهذه الأمة حيث أدركتهم الصلاة من الأرض، وعدم إباحتها للأمم الماضية إلا في كنائسهم، وقيل: المراد أنهم كانوا لا يصلون إلا فيما تيقنوا طهارته من الأرض، وخصصنا بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا فيما تيقنا بنجاسته.\nوقوله: (فأيّما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) الظاهر أنه متفرع على جعله مسجدًا، إلا أن يراد: أدركته الصلاة ولم يجد الماء فليصل ثمة بالتيمم، فيكون متفرعًا على كلا الخصلتين.\nوقوله: (ولم تحل لأحد قبلي) قيل: إذا غنم من قبلنا من الأمم الحيوانات يكون ملكًا للغانمين دون الأنبياء، فخص نبينا -ﷺ- بأخذ الخمس والصفي، وإذا غنموا غير الحيوانات جمعوه فتأتي نار فتحرقه، كذا في بعض الشروح.\nوقوله: (وأعطيت الشفاعة) أي: الشفاعة العظمى العامة لجميع محال الشفاعة،","vol":"9","page":224},{"text":"وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٥، م: ٥٢١].\n٥٧٤٨ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءَ بِسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا،\nــ\nكما مر في (باب الشفاعة)، أو المراد فتح باب الشفاعة.\n٥٧٤٨ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (فضلت) بلفظ المجهول من التفضيل.\nوقوله: (بست) يحتمل أنه -ﷺ- أوحي إليه التفضيل أولًا بخمس فأخبر بذلك، ثم زيد، ويحتمل أن يكون الراوي قد ترك السادس في حديث جابر نسيانًا أو بشيء آخر يتعلق به الغرض، والكرماني يقول في أمثال هذه المواضع: إن الزائد من العدد لا ينافي الأقل، والحق أنه -ﷺ- قد خص بفضائل كثيرة لا تعد ولا تحصى، ذكر في كل موضع ما اتفق ذكره، ولم يقصد الحصر.\nوقوله: (جوامع الكلم) أي: الكلم التي هي جامعة في المعنى للكلمات الكثيرة، إطلاقا للكلمة على الكلام، فإنه -ﷺ- كان يتكلم بكلام يشتمل بإيجازه على كثير من المعاني، وهذا من خواص الحضرة الخاتمية المحمدية كقوله: (إنما الأعمال بالنيات).\nوقوله: (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه). وقوله: (الدين النصيحة)، وأمثال ذلك، ومنه جوامع الدعاء، وقد تصدى بعض العلماء لجمع أمثال هذه الأحاديث، وهي غير محصورة، وقيل: يعني به القرآن، جمع اللَّه تعالى فيه معاني كثيرة في ألفاظ يسيرة، والمعنى الأول أظهر، ويؤيده ما زيد في رواية: (اختصر لي الكلام).","vol":"9","page":225},{"text":"وَأُرْسلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٢٣].\nــ\nوقوله: (وأرسلت إلى الخلق كافة) قيل: لم يكن في زمن نوح ﵇ نبي فيكون مبعوثًا إلى أهل ذلك الزمان كافة، وأيضًا دعا على جميع من في الأرض بإهلاكهم بالغرق، وهو دليل على أنه كان مبعوثًا إليهم، ولم يمتثلوا أمره، وسليمان ﵇ كان يسير في الأرض، ويأمر الناس بالإسلام كالبلقيس وغيرها، ويهددهم بالقتال، وذلك دليل على عموم الرسالة، وأجيب بأن عموم رسالة نوح لم يكن من أصل البعثة بل إنما اتفق بالحادث، وهو انحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس، وأما دعاؤه على جميع من في الأرض فمن جهة أن دعوته قومه إلى التوحيد بلغ سائر الناس بطول مدته، فتمادوا على الشرك فاستحقوا العذاب، ذكره ابن عطية.\nوقال ابن دقيق العيد: يجوز أن يكون التوحيد عامًّا في بعض الأنبياء، والتزام فروع شريعته لم يكن عامًّا، ويحتمل أنه لم يكن في الأرض عند إرساله إلا قومه، فبعثته خاصة بهم لكونها إلى قومه، وهي عامة في الصورة لعدم وجود غيرهم، ولكن إن اتفق وجود غيرهم لم يكن مبعوثًا إليهم.\nونقل عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام في الحديث عن الإشكال بحال سليمان أنه قال: معنى الرسالة خاصة، أي: في الواجبات والمحرمات، أما في المندوبات فهم مأمورون بها، وأما التهديد بالقتال الذي هو من خصائص الواجب في بادي الرأي فلا نقول: إنه من خصائصه بل العقاب في الدار الآخرة، كذا نقل عن السيوطي في حاشيته على النسائي (١).\nوقيل: يحتمل أن يقال: إن تهديد بلقيس وقتاله مع الناس على التوحيد لأجل\n_________\n(١) \"حاشية السيوطي على النسائي\" (١/ ٢١١).","vol":"9","page":226},{"text":"٥٧٤٩ - [١١] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِيْ أُوتِيتُ بِمَفَاتِيح خَزَائِنِ الأَرْضِ فَوُضِعَتْ فِي يَدِي\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٢٧٣، م: ٥٢٣].\n٥٧٥٠ - [١٢] وَعَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ: الأَحْمَرَ وَالأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وإنَّ ربِّي قَالَ: يَا محمَّدُ إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ،\nــ\nملكيته لكونه ملكًا على الدنيا، لا لأجل رسالته وبعثته على الناس كافة، فلا إشكال، كذا نقل عن الشيخ، فتدبر.\n٥٧٤٩ - [١١] (أبو هريرة) قوله: (بمفاتيح خزائن الأرض) أراد ما يفتح اللَّه على أمته من البلاد شرقًا وغربًا، واستخراج خزائن الأرض والدفائن، أو المراد معادن الأرض فيها من الذهب والفضة.\n٥٧٥٠ - [١٢] (ثوبان) قوله: (إن اللَّه زوى لي الأرض) أي: جمعها وقبضها.\nوقوله: (وأعطيت الكنزين) أي: الأحمر والأبيض، قالوا: المراد بالأحمر: خزائن الأكاسرة لأن الغالب عليها الذهب، وبالأبيض: خزائن القياصرة لكون الغالب عليها الفضة، وقيل: أراد بالأحمر: ملك الشام لحمرة ألوانهم، وبالأبيض: ملك الفارس لبياض ألوانهم، والمعنى الأول أظهر.\nوقوله: (بسنة عامة) أي: بقحط عام يهلك الكل.","vol":"9","page":227},{"text":"وأنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٨٩].\n٥٧٥١ - [١٣] وَعَنْ سَعْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّ بِمَسْجِدِ بَنِي مُعَاوِيَةَ، دَخَلَ فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَدَعَا رَبَّهُ طَوِيلًا، ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: \"سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا، فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ، وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً، سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا،\nــ\nوقوله: (فيستبيح بيضتهم) البيضة: حوزة كل شيء وساحة القوم، وبيضة الدار: وسطها ومعظمها، وقيل: أراد إذا أهلك أصل البيضة كان هلاك ما فيها من طعم أو فرخ، وقيل: أراد بالبيضة الخوذة، فكأنه شبه مكان اجتماعهم ببيضة الحديد، وبيضة الرجل: أهله وعشيرته، كذا في (مختصر النهاية) (١)، أراد عدوًّا يستأصلهم ويجمعهم بأجمعهم.\nوقوله: (ولو اجتمع) (لو) متصلة. وقوله: (بأقطارها) أي: جوانب الأرض ونواحيها، والضمير في (بعضهم) للأمة، يعني: لا يكون لمن سواهم من الكفار عليهم تسلط وغلبة، ولكن يقاتلون بينهم ويحاربون، هكذا جرى قضاء اللَّه وقدره كما قرره بقوله: (وإني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد).\n٥٧٥١ - [١٣] (سعد) قوله: (مر بمسجد بني معاوية) هو بالمدينة، وبنو معاوية بطن من الأنصار. وقوله: (دخل) بغير عاطف على سبيل الاستئناف،\n_________\n(١) انظر: \"النهاية\" (١/ ١٧٢).","vol":"9","page":228},{"text":"وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٩٠].\n٥٧٥٢ - [١٤] وَعَنْ عَطَاءَ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي التَّوْرَاةِ، قَالَ: أَجَلْ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القُرْآنِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]. . . . .\nــ\nو(الغرق) بسكون الراء وفتحها، والمراد بالسنة والغرق: العام منهما.\nوقوله: (فمنعنيها) أي: لم يجب ولم يعطني سؤلي، وفي إجابة كل دعاء من الأنبياء كلام ذكر في موضعه، وذكرت بعضه في رسالة عموم البشارة.\n٥٧٥٢، ٥٧٥٣ - [١٤، ١٥] (عطاء بن يسار) قوله: (قال: أجل) بفتح الهمزة وبالجيم من حروف الإيجاب بمعنى: نعم، والنحاة حكموا بأنه يجيء لتصديق الخبر كما قيل: زيد عالم فنقول: أجل، وقال بعضهم: قد يجيء بعد الاستفهام أيضًا.\nقال في (القاموس) (١): أجل: جواب كنعم، إلا أنه في الخبر أحسن منه في الاستفهام، وفي الحديث وقع جوابًا للأمر على لسان عبد اللَّه بن عمرو، فإنه كان -﵁- من الفصحاء وممن يوثق بعربيتهم، فهو حجة على النحويين، ولعلهم لم يطلعوا على ذلك، وعلى تقدير ثبوت عدم مجيئه بعد الأمر يأول بالاستفهام بمعنى: هل وجدت صفة رسول اللَّه -ﷺ- في التوراة، وقد غيّر بعض المتأخرين من النحاة في أمثال ذلك\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٨٤).","vol":"9","page":229},{"text":"وحِرْزًا للاُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيّئَةِ السَّيِّئَةَ،\nــ\nقواعدهم وخصصوها كما ذكرنا في مواضعها، واللَّه أعلم.\nوقوله: (حرزًا للأميين) الحرز بكسر الحاء وسكون الراء المهملتين آخره زاء: العوذة والموضع الحصين، والمراد بالأميين: العرب؛ لأن الغالب فيهم عدم القراءة والكتابة، أو لأنهم منسوبون إلى أم القرى، وهي اسم مكة، والتخصيص بهم لبعثته -ﷺ- فيهم، وتحصنهم به عن سطوة العجم، وإن أريد التحصن عن غوائل الشيطان وآفات النفس فهو شامل للناس كلهم، وقيل: يجوز أن يكون حفظ قومه من الاستئصال أو من العذاب ما دام فيهم كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣].\nوقوله: (ليس بفظ) حال من (المتوكل) أو من الكاف ففيه التفات، وهذا مذكور في القرآن بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ إلى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، والفظ بالفتح: الغليظ الجانب، السيء الخلق، القاسي الخشن الكلام، كذا في (القاموس) (١).\nو(السخب) بالسين والصاد محركة: شدة الصوت، سخب كفرح، فهو سخاب وسخوب وسخبان، أي: لا يرفع الصوت على الناس بسوء خلقه، ولا يكثر الصياح بل يرفق بهم، وإنما قال: (في الأسواق)؛ لأن السخب يكون فيها غالبًا، والسخاب في معنى (الفظ) فنفيه نفيه فهو أيضًا مذكور في القرآن.\nوقوله: (لا يدفع بالسيئة السيئة) أي: لا يسيء لمن أساء إليه في حق نفسه، وهو\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٦٤٣).","vol":"9","page":230},{"text":"وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا وَآذَانًا صُمًّا وَقُلُوبًا غُلْفًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٢١٢٥].\n٥٧٥٣ - [١٥] وَكَذَا الدَّارِمِيُّ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ سَلَامٍ نَحْوَهُ، وَذُكِرَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: \"نَحْنُ الآخَرُونَ\" فِي \"بَابِ الْجُمُعَةِ\". [دي: ١/ ١٥٧، ح: ٦].\nــ\nمذكور في القرآن بقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦]، وكذلك العفو والمغفرة بقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣]، لأن كل ما أمر به رسول اللَّه -ﷺ- كان ممتثلًا به.\nوقوله: (ولن يقبضه اللَّه) ليس في نسخ (المصابيح) و(المشكاة) لفظ الجلالة، وهو مذكور في (المواهب اللدنية).\nوقوله: (حتى يقيم به) أي: يجعل مستقيمًا (الملة العوجاء) من العوج بكسر العين وفتح الواو، ويقال في كل منتصب كالحائط والعصا: فيه عوج بالفتح، وفي نحو الأرض والدين بالكسر، والمراد بالملة العوجاء: الكفر؛ لأنه ملة معوجة لا استقامة لها، وقيل: أراد به ملة إبراهيم غيرتها العرب وبدلتها وأخرجتها عن نهج الاستقامة.\nوقوله: (يفتح بها) أي: بهذه الكلمة. و(الغلف) بالضم أو السكون جمع أغلف، يقال: قلب أغلف كأنما أغشي غلافًا فهو لا يعي، ورجل أغلف بين الغلف، والغلاف ككتاب معروف، وجمعه غلفة بضمة وبضمتين، وكركع، وغلف القارورة: جعلها في غلاف، كغلفها تغليفًا.\nاعلم أنه قد ذكرت صفاته وأسماؤه ومكانه وسائر أحواله في التوراة وسائر الكتب","vol":"9","page":231},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1256> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٧٥٤ - [١٦] عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاةً فَأَطَالَهَا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه! صلَّيتَ صَلَاةً لَمْ تَكُنْ تُصَلِّيهَا، قَالَ: \"أَجَلْ، إِنَّهَا صَلَاةُ رَغْبَةٍ وَرَهْبَةٍ، وَإِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ فِيهَا ثَلَاثًا، فَأَعْطَانِي اثْنتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً؛ سَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِسَنَةٍ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعَنِيهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٢١٧٥، ن: ١٦٣٨].\n٥٧٥٥ - [١٧] وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ ﷿ أَجَارَكُمْ مِنْ ثَلَاثِ خِلَالٍ: أَنْ لَا يَدْعُوَ عَلَيْكُمْ نبَيُّكُمْ فَتَهْلَكُوا جَمِيعًا،\nــ\nالمتقدمة بحيث لا يبقى للريب فيها احتمال ومجال، وقد تكفل ببيانها (كتاب الوفاء) لابن الجوزي وغيره، وباللَّه التوفيق.\nالفصل الثاني\n٥٧٥٤ - [١٦] (خباب بن الأرت) قوله: (عن خباب) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الموحدة الأولى (ابن الأرت) بفتح الهمزة والراء، وتشديد المثناة. (والرغبة والرهبة) بسكون الغين والهاء.\nوقوله: (أن لا يذيق) الضمير للَّه سبحانه، و(البأس) العذاب والشدة في الحرب، يعني: لا يحاربون ولا يقاتلون فيما بينهم.\n٥٧٥٥ - [١٧] (أبو مالك الأشعري) قوله: (أجاركم) أي: أنقذكم. و(الخلال)","vol":"9","page":232},{"text":"وَأَنْ لَا يُظْهِرَ أَهْلَ الْبَاطِلِ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ، وَأَن لَا تَجْتَمِعُوا عَلَى ضَلَالَةٍ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٥٣].\n٥٧٥٦ - [١٨] وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ سَيْفَيْنِ: سَيْفًا مِنْهَا وسَيفًا مِنْ عَدُوِّهَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٣٠١].\nــ\nبالكسر: جمع خلة بالفتح بمعنى الخصلة، وحروف النفي زائدة، كما في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدْ﴾ [الأعراف: ١٢]، وزيادتها لرعاية معنى النفي في (أجار) وتأكيد له، والمراد بعدم ظهور أهل الباطل على أهل الحق غلبتهم بحيث يمحق الحق ويطفئ نوره مطلقًا، ولم يكن ذلك قطعًا ولن يكون أبدًا، فالدين قائم وإن تسلط أعداؤه وقتًا خذلهم اللَّه ونصر الدين وأهله.\nوقوله: (أن لا تجتمعوا على ضلالة) كقوله: (لن تجتمع أمتي على الضلالة)، وهو دليل على حجة الإجماع.\n٥٧٥٦ - [١٨] (عوف بن مالك) قوله: (سيفًا منها وسيفًا من عدوها) قال التُّورِبِشْتِي (١): معناه أن السيفين لا يجتمعان فيقع بهما الاستئصال، لكن إذا جعلوا بأسهم بينهم سلط عليهم العدو وكف عن أنفسهم بأسهم، وقال الطيبي (٢): الظاهر أن يقال: إنه تعالى وعدني أن لا يجمع أبدًا على أمتي محاربين معًا بل تكون إحداهما، فإذا كانت إحداهما لا تكون الأخرى، فافهم.\n_________\n(١) انظر: \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٢٤٦)، و\"مرقاة المفاتيح\" (٩/ ٣٦٨٣).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٣٥١).","vol":"9","page":233},{"text":"٥٧٥٧ - [١٩] وَعَنِ الْعَبَّاسِ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَكَأَنَّهُ سَمِعَ شَيْئًا، فَقَامَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: \"مَنْ أَنَا؟ \" فَقَالُوا: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالَ: \"أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ، ثم جَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِم فِرْقَةً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ قَبَائِلَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ قَبِيْلَةً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ بُيُوتًا فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ بَيْتًا، فَأَنَا خَيْرُهُمْ نَفْسًا وَخَيْرُهُمْ بَيْتًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٠٧].\n٥٧٥٨ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَتَى وَجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ؟ قَالَ: \"وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ\". . . . .\nــ\n٥٧٥٧ - [١٩] (العباس) قوله: (فكأنه سمع شيئًا) أي: جاء العباس غضبان بسبب ما سمع طعنًا من الكفار في رسول اللَّه -ﷺ-، وفي استحقاقه النبوة دون غيره من عظماء العرب، فأرشدهم -ﷺ- إلى ما يستلزم من تعظيمه، وأنه أولى بهذا من العرب؛ لأن نسبه أعرف، وفيه أن النبي إنما يكون ذا نسب عظيم في قومه، كما علم من حديث هرقل، وهذا تفهيم له على سبيل التبكيت وإلا فالنبوة فضل من اللَّه يختص به من يشاء، كما قال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].\nوقوله: (إن اللَّه خلق الخلق) أي: الملائكة والثقلين.\nوقوله: (فجعلني في خيرهم) أي: في الإنس، ففيه فضل البشر على الخلق، ويحتمل أن يكون المراد بالخلق الجن والإنس، والأول أظهر، لأن الخلق اسم للكل فلا وجه للتخصيص، والمراد (بالفرقتين): المعجم والعرب، وخير الفرقتين العرب، المراد بـ (خيرهم قبيلة) قريش، والمراد بـ (خيرهم بيتًا) هاشم وبنوه، كذا قالوا.\n٥٧٥٨ - [٢٠] (أبو هريرة) قوله: (قال: وآدم بين الروح والجسد) أي: ثبت","vol":"9","page":234},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٠٩].\n٥٧٥٩ - [٢١] وَعَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: \"إِنِّي عِنْدَ اللَّهِ مَكْتُوبٌ: خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُخْبِرُكُمْ بِأَوَّلِ أَمْرِي، دَعْوَةُ إِبْرَاهِيمَ، وَبَشَارَةُ عِيسَى،\nــ\nنبوتي في حال أن آدم صورة بلا روح، أي: قبل تعلق روحه بجسده، والمراد السبق والتقدم.\n٥٧٥٩، ٥٧٦٠ - [٢١، ٢٢] (العرباض بن سارية، وأبو أمامة).\nقوله: (وعن العرباض) بكسر العين المهملة والباء الموحدة في آخره ضاد معجمة.\nوقوله: (وإن آدم لمنجدل) أي: مطروح في الأرض، والجدل مطاوع جدله، أي: صرع على الجدالة، وهي الأرض، و(الطينة): قطعة من الطين، ويجيء بمعنى الخلقة والجبلة، وقد اشتهر على الألسنة: (كنت نبيًّا وآدم بين الماء والطين)، ومحصل معناه ما ذكره، وقال الشيخ محمد السخاوي في (المقاصد الحسنة) (١): لم نقف عليه بهذا اللفظ، وقد جاء في رواية: (كتبت نبيًّا) من الكتابة، والمراد إظهار نبوته -ﷺ- قبل وجوده العنصري في الملائكة والأرواح، وإعلامهم بذلك كما ورد كتابة اسمه الشريف على العرش، والسموات، وقصور الجنة، وغرفها، وعلى نحور الحور العين، وعلى ورق قصب آجام الجنة، وعلى ورق شجرة طوبى، وعلى ورق سدرة المنتهى، وعلى أطراف الحجب، وبين أعين الملائكة، وقد ذكر في (الشفا) وغيره في كتابة اسمه عجائب قدرة اللَّه سبحانه، وإلا فعلم اللَّه بذلك وتقديره في المستقبل لا يختص به -ﷺ-، ويشترك\n_________\n(١) \"المقاصد الحسنة\" (١/ ٥٢١).","vol":"9","page":235},{"text":"وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ حِينَ وَضَعَتْنِي وَقَدْ خَرَجَ لَهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهَا مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٣٦٢٦].\n٥٧٦٠ - [٢٢] وَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مِنْ قَوْلِهِ: \"سَأُخْبِرُكُمْ\" إِلَى آخِرِهِ. [حم: ٤/ ١٢٧].\n٥٧٦١ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ،\nــ\nفيه جميع الأنبياء سلام اللَّه عليهم أجمعين، وقال بعض العارفين: إن روحه الشريفة كانت نبيًّا في عالم الأرواح مربيًا لها، وقد ثبت أن اللَّه خلق الأرواح قبل الأجساد، واللَّه أعلم بحقيقة الحال.\nوالمراد بدعوة إبراهيم قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ [البقرة: ١٢٩]، وببشارة عيسى ﵇ قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، وإنما ذكره عيسى بأحمد؛ لأن اسمه -ﷺ- في السماء أحمد، وقد كان عيسى ﵇ سماويًّا في عاقبة أمره، ولعله كذلك ذكر في كتابه الإنجيل، هذا ما يسنح لي ولم أره في الكتب، واللَّه أعلم.\nوقوله: (التي رأت حين وضعتني) صفة (رؤيا)، وظاهر هذا الكلام أن رؤية نور أضاء به قصور الشام كانت في المنام، وقد جاءت الأخبار أنها كانت في اليقظة، وأما الذي رأت في المنام فهو أنها رأت: أنه أتاها آت فقال لها: هل شعرت أنك حملت بسيد هذه الأمة نبيِّها، فينبغي أن تحمل الرؤيا على الرؤية بالعين في اليقظة، واللَّه أعلم.\n٥٧٦١ - [٢٣] (أبو سعيد) قوله: (ولا فخر) أي: لا أقوله تبحجًا وافتخارًا، ولكن شكرًا للَّه وتحدثًا بنعمته المأمور به بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]،","vol":"9","page":236},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوأداءً لما وجب عليه تبليغه إلى أمته ليعرفوه، ويعتقدوه، ويعملوا بمقتضاه في توقيره، ومحبته، والإيمان به على حسبه، كما أمرهم اللَّه تعالى، والفخر ادعاء العظم والكبر والشرف، وكان -ﷺ- يحب مدحه والثناء عليه لما أن ذلك صدق لا يشوبه كذب قطعًا، وكان يقول: إن اللَّه يؤيد حسانًا بروح القدس ما دام ينافح عن رسول اللَّه -ﷺ-، ويضع له منبرًا يقوم عليه.\nولبعض الأولياء العارفين من أمته قدوة وأسوة حسنة به -ﷺ-، ولذلك قال الشيخ ابن عطاء اللَّه الإسكندري في (كتاب الحكم): الزهاد إذا مدحوا انقبضوا لشهودهم الثناء من الخلق، والعارفون إذا مدحوا انبسطوا لشهودهم ذلك من الملك الحق، وفي شرحه لابن عباد ﵀: كان بعضهم يمدح وهو ساكت، فقيل له في ذلك، فقال: وما عليَّ من ذلك، ولست أغلط في نفسي بل لست في البين والمجري والمنشئ هو اللَّه، وقيل: هذا المعنى في الخبر المروي: (إذا مدح المؤمن ربا الإيمان في قلبه) (١).\nوقال الشيخ أبو طالب المكي ﵀ (٢): وفيه طريق العارفين أن يعلو الإيمان العلي إلى المولى الأعلى، فيفرح بذلك لمولاه ويضيفه إلى وصفه ولا يعجب بنفسه، وبهذا النظر الجمعي استقام لهم من مدحهم لأنفسهم، وثنائهم عليها ما لم يستقم لغيرهم، كما وقع لجماعة منهم، وقد روي في ذلك عن سيدي الشيخ عبد القادر الجيلاني، وسيدي أبي الحسن الشاذلي، وسيدي أبي العباس المرسي ﵏ وغيرهم غير شيء، وعلامة الصدق في حب المدح وإن كان صاحب هذا المقام لا يحتاج إلى علامة\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٦٥٣٥).\n(٢) انظر: \"قوت القلوب\" (١/ ٢٩٣).","vol":"9","page":237},{"text":"وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ وَلَا فَخْرَ، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ وَلَا فَخْرَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣١٤٨].\n٥٧٦٢ - [٢٤] وَعَنِ ابْن عَبَّاسٍ قَالَ: جَلَسَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَخَرَجَ حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ سَمِعَهُمْ يَتَذَاكَرُونَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا، وَقَالَ آخَرُ: مُوسَى كَلَّمَهُ اللَّهُ تَكْلِيمًا، وَقَالَ آخَرُ: فَعِيسَى كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحُهُ. وَقَالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقَالَ: \"قَدْ سَمِعْتُ كَلَامَكُمْ وَعَجَبَكُمْ، إنَّ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَمُوْسَى نَجِيُّ اللَّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ،\nــ\nأن لا يكره ذم الناس له من حيث نسبه ذلك إليهم؛ لأنهم متصرفون في قبضة القدرة فيسمح لهم ويصفح عنهم، ولا يجد في قلبه عليهم شيئًا، انتهى.\nوقوله: (وبيدي لواء الحمد) يريد به: شهرته وانفراده يوم القيامة بالحمد على رؤوس الخلائق، والعرب تضع اللواء موضع الشهرة، فله -ﷺ- نسبة خاصة بالحمد، فاسمه محمد وأحمد، وله المقام المحمود، وأمته الحمادون، يحمدون اللَّه في السراء والضراء، وظاهر قوله: (ما من نبي. . . إلخ)، أنه يكون له -ﷺ- يوم القيامة لواء يسمى لواء الحمد، وقد مر في (باب الشفاعة) أن اللَّه تعالى يعلِّمه حمدًا يحمده به فيفتح باب الشفاعة.\n٥٧٦٢ - [٢٤] (ابن عباس) قوله: (وموسى نبي اللَّه) النجي كالغني: من تساره، والنجوى: السر، كذا في (القاموس) (١).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٢٧).","vol":"9","page":238},{"text":"وَعِيْسَى رُوْحُهُ وَكَلِمَتُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَآدَمُ اصْطَفَاهُ اللَّهُ وَهُوَ كَذَلِكَ، أَلَا وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا حَامِلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، تَحْتَهُ آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَأَوَّلُ مُشَفَّعٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ،\nــ\nوقوله: (ألا وأنا حبيب اللَّه) وهو جامع للخلة والتكليم والاصطفاء والمناجاة مع شيء زائد لم يثبت لأحد، وهو كونه محبوب اللَّه تعالى بالمحبة الخاصة التي هي من خواصه -ﷺ-، ولبعض العلماء في الفرق بين الخليل والحبيب عبارات ينبغي أن ننقلها شرحًا لصدور المؤمنين وتنويرًا لقلوب العارفين، وقال: إن الخليل من الخلة، أي: الحاجة، فإبراهيم ﵊ كانت حاجته وافتقاره إلى اللَّه تعالى، فمن هذا الوجه اتخذه خليلًا، والحبيب فعيل بمعنى الفاعل أو المفعول فهو -ﷺ- محب ومحبوب.\nوالخليل محب لحاجته إلى من يحبه، والحبيب محب لا لغرض، والخليل يكون فعله برضى اللَّه تعالى، والحبيب يكون فعل اللَّه برضاه، قال اللَّه تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤]، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥].\nوالخليل لا يحب الاستعجال إلى لقاء حبيبه، كما قيل: إن ملك الموت جاء إلى قبض روح إبراهيم، وقال له: [هل رأيت خليلًا يميت خليله، فأوحى اللَّه تعالى إليه قل له]: هل رأيت خليلًا يكره لقاء خليله. والحبيب يحب الاستعجال إلى لقاء حبيبه كما كان رسول اللَّه -ﷺ- يقول في دعائه: (اللهم أسألك النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقائك).\nوالخليل مغفرته في حد الطمع، كما قال إبراهيم: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]، والحبيب مغفرته في حد اليقين من غير سؤال قال اللَّه تعالى:","vol":"9","page":239},{"text":"وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حَلَقَ الْجَنَّةِ فَيَفْتَحُ اللَّهُ لِي فَيُدْخِلُنِيهَا وَمَعِي فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا فَخْرَ وَأَنَا أَكْرَمُ الأَوَّلِينَ وَالآخَرِينَ عَلَى اللَّهِ وَلَا فَخْرَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٣٦١٦، دي: ٤٨].\n٥٧٦٣ - [٢٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"نَحْنُ الآخِرُونَ، وَنَحْنُ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنِّي قَائِلٌ قَوْلًا غَيْرَ فَخْرٍ: إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ، ومُوسَى صَفِيُّ اللَّهِ، وَأَنَا حَبِيبُ اللَّهِ، وَمَعِي لِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ اللَّهَ وَعَدَنِي فِي أُمَّتِي،\nــ\n﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ٢].\nوالخليل قال: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧]، والحبيب قال له: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨].\nوالخليل قال: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]، والحبيب قال له: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧].\nوالخليل قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، وقال للحبيب: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤].\nوالخليل قال: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٥]، والحبيب قال له: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]-ﷺ- على حبيبه وخليله وسائر النبيين وآل كل وسائر الصالحين.\nوقوله: (يحرك حلق الجنة) جمع حلقة، وقد مر تحقيق هذا اللفظ في (كتاب الدعوات) في حديث: (إذا مررتم برياض الجنة)، الحديث.\n٥٧٦٣ - [٢٥] (عمرو بن قيس) قوله: (وإن اللَّه وعدني) أي: خيرًا كثيرًا، ولم","vol":"9","page":240},{"text":"وَأَجَارَهُمْ مِنْ ثَلَاثٍ: لَا يَعُمُّهُمْ بِسَنَةٍ، وَلَا يَسْتَأْصِلُهُمْ عَدُوٌّ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ عَلَى ضَلَالَةٍ\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٥٥].\n٥٧٦٤ - [٢٦] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"أَنَا قَائِدُ الْمُرْسَلِينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَمُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ٥٠].\n٥٧٦٥ - [٢٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَنَا أَوَّلُ النَّاسِ خُرُوجًا إِذَا بُعِثُوا، وَأَنَا قَائِدُهُمْ إِذَا وَفَدُوا، وَأَنَا خَطِيبُهُمْ إِذَا أَنْصَتُوا، وَأَنَا مُسْتَشْفِعُهُمْ. . . . .\nــ\nيذكر للتعميم.\n٥٧٦٤ - [٢٦] (جابر) قوله: (أنا قائد المرسلين) أي: مقدمهم، فإن القود يكون من قدام، والسوق من خلف.\n٥٧٦٥ - [٢٧] (أنس) قوله: (إذا وفدوا) أي: جاؤوا إلى حضرة اللَّه وحكمه.\nوقوله: (وأنا خطيبهم إذا أنصتوا) أي: أنا المتكلم عنهم إذا سكتوا عن الاعتذار، أي: يكون لي قدرة على التكلم في ذلك اليوم فأعتذر عن الناس عند الرب تعالى، والأحسن أن يكون ذلك إشارة إلى سكوت الأنبياء عن الشفاعة، وعدم قدرتهم على التكلم، فيفتح هو -ﷺ- باب الشفاعة، ويحمد اللَّه تعالى، ويثني عليه بما هو أهله، ويتكلم بالشفاعة.\nوقوله: (وأنا مستشفعهم) يروى بفتح الفاء، أي: يطلب الناس مني الشفاعة إلى اللَّه تعالى، استشفعته إليه، أي: طلبت منه أن يشفع إليه، وبكسرها أي: أسأل اللَّه أن أشفع لهم إليه.","vol":"9","page":241},{"text":"إِذَا حُبِسُوا، وَأَنَا مُبَشِّرُهُمْ إِذَا أَيِسُوا، الْكَرَامَةُ وَالْمَفَاتِيحُ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وَلِوَاءُ الْحَمْدِ يَوْمَئِذٍ بِيَدِي، وَأَنَا أَكْرَمُ وَلَدِ آدَمَ عَلَى رَبِّي، يَطُوفُ عَلَيَّ أَلْفُ خادِمٍ كأنَّهُمْ بَيْضٌ مُكْنُونٌ أَوْ لُؤْلُؤٌ مَنْثُورٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٦١١، دي: ٤٩].\nــ\nوقوله: (إذا حبسوا) أي: في الموقف، وهو أول محال الشفاعة كما عرفت في (باب الشفاعة).\nوقوله: (الكرامة) صحح بالرفع في أكثر النسخ فيكون مبتدأ، (والمفاتيح) أي: مفاتيح باب كل خير عطفًا عليه، وفي بعضها بالنصب، أي: إذا قنطوا من حصول الكرامة والرحمة.\nوقوله: (ألف خادم) لعل المراد التكثير دون التحديد.\nوقوله: (كأنهم بيض مكنون) قال البيضاوي (١) في قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩]: شبههن ببيض النعام المصون عن الغبار ونحوه في الصفاء والبياض المخلوط بأدنى صفرة، فإنه أحسن ألوان الأبدان، وفي (مجمع البحار) (٢): بيض مكنون: أي لؤلؤ مصون عن الأيدي والأبصار.\nوقال في شرح (لؤلؤ منثور): أي كأنهم في الحسن والصفاء مستورون في الصدف لم تمسه الأيدي، وفي الحواشي: (أو) للشك، وهو على المعنى الثاني أظهر.\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٢٩٤).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٤٥٠).","vol":"9","page":242},{"text":"٥٧٦٦ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"فَأُكْسَى حُلَّةً مِنْ حُلَلِ الْجَنَّةِ، ثُمَّ أَقُومُ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ لَيسَ أَحَدٌ مِنَ الْخَلَائِقِ يَقومُ ذَلِكَ الْمَقَامَ غَيْرِي\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ \"جَامِعِ الأُصُولِ\" عَنهُ: \"أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ فَأُكْسَى\". [ت: ٣٦١١، جامع الأصول: ٦٣٢٨].\n٥٧٦٧ - [٢٩] وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ\" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَمَا الْوَسِيلَةُ؟ قَالَ: \"أَعْلَى دَرَجَةٍ فِي الْجَنَّةِ لَا يَنَالُهَا إِلَّا رَجُلٌ واحدٌ، وَ(١) أَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦١٢].\n٥٧٦٨ - [٣٠] وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ كُنْتُ إِمَامَ النَّبِيِّينَ وَخَطِيبَهُمْ. . . . .\nــ\n٥٧٦٦ - [٢٨] (أبو هريرة) قوله: (يقوم ذلك المقام غيري) لعله هو المقام المحمود.\n٥٧٦٧ - [٢٩] (وعنه) قوله: (سلوا اللَّه لي الوسيلة) وهي المذكورة في دعاء الأذان، وفسر معناه هنالك.\nوقوله: (إلا رجل واحد) الإبهام للتواضع والأدب، وأما في قوله: (وأرجو) تأكيد للوقوع لأنه -ﷺ- لا يخيب رجاؤه.\n٥٧٦٨ - [٣٠] (أبي بن كعب) قوله: (كنت إمام النبيين) بكسر الهمزة والفتح وإن وافقه حديث كونه قائد المرسلين، لكنهم قالوا: إنه خطأ.\n_________\n(١) سقطت الواو في نسخة.","vol":"9","page":243},{"text":"وَصَاحِبَ شَفَاعَتِهِمْ غَيْرَ فَخْرٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦١٣].\n٥٧٦٩ - [٣١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ وُلَاةً مِنَ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ وَلِيِّيَ أَبِي وَخَلِيلُ رَبِّي، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٩٩٥].\n٥٧٧٠ - [٣٢] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي لِتَمَامِ مَكَارِمِ الأَخْلَاقِ، وَكَمَالِ محَاسِنِ الأَفْعَالِ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٣٦٢٣].\nــ\nوقوله: (وصاحب شفاعتهم) أي: أكون من بينهم صاحب شفاعة مطلقة عامة.\n٥٧٦٩ - [٣١] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (إن لكل نبي ولاة من النبيين) أي: أحبابًا وأخلاء هم أولى وأقرب إليه من غيرهم، وظاهر الحديث يقتضي أن يكون لكل نبي أولياء متعددة، والمراد أن لكل نبي وليًّا على قصد التوزيع.\nوقوله: (وإن وليي أبي) وهو إبراهيم ﵇.\nوقوله: (وخليل) عطف تفسير له، وفي كتاب (المصابيح): (وإن وليي ربي وخليل ربي)، قال التُّورِبِشْتِي (١): وهو غلط، ولعل الذي حَرَّفَ هذا دخل عليه الداخل من قوله سبحانه: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، والرواية على ما ذكرنا وهو الصواب، وإدخال الواو لتغاير الوصفين.\n٥٧٧٠ - [٣٢] (جابر) قوله: (لتمام مكارم الأخلاق) المكارم جمع مكرمة،\n_________\n(١) \"الميسر\" (٤/ ١٢٤٨).","vol":"9","page":244},{"text":"٥٧٧١ - [٣٣] وَعَنْ كَعْبٍ يَحْكِي عَنِ التَّوْرَاةِ قَالَ: نَجِدُ مَكْتُوبًا: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، عَبْدِي الْمُخْتَارُ، لَا فظٌّ وَلَا غَلِيظٌ، وَلَا سَخَّابٌ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وَهِجْرَتُهُ بِطَيبَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ، وَأُمَّتُهُ الْحَمَّادُونَ، يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي كُلِّ مَنْزِلَةٍ، وَيُكَبِّرُونَهُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ، رُعَاةٌ لِلشَّمْسِ، يُصَلُّونَ الصَّلَاةَ إِذَا جَاءَ وَقْتُهَا،\nــ\nوهي خصلة مرضية يكرم الشخص بها، والمحاسن جمع حسن على غير قياس، والإضافة من باب جرد قطيفة.\n٥٧٧١ - [٣٣] (كعب) قوله: (وملكه بالشام) قيل: أراد بالملك هنا: النبوة والدين، فإن ذلك يكون بالشام أغلب، وإلا فملكه في جميع آلافاق، وقيل: معناه الغزو والجهاد ثمة، ولهذا لا ينقطع الجهاد في بلاد الشام أصلًا، وأمر بالمسافرة إليها لإدراك فضيلة الجهاد.\nوقوله: (يحمدون اللَّه في كل منزلة) أي: في كل منزل، والتاء باعتبار البقعة أي: إذا نزلوا منزلة شكروا اللَّه على أن آواهم وبوأهم، كذا نقل الطيبي (١)، وفي (الحواشي): أي في مكان أسفل، ويناسبه قوله: (ويكبرونه على كل شرف) أي: مكان عال كما هو السنة، وقد مر ذكره في (كتاب الدعوات والأذكار)، والحكمة فيه.\nوقوله: (رعاة) بضم الراء: جمع راع، أي: يراقبون طلوع الشمس وغروبها\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٣٦٤).","vol":"9","page":245},{"text":"يَتَأَزَّرُونَ عَلَى أَنْصَافِهِمْ، وَيَتَوَضَّؤُونَ عَلَى أَطْرَافِهِمْ، مُنَادِيهِمْ يُنَادِي فِي جَوِّ السَّمَاءِ، صفُّهُمْ فِي الْقِتَالِ وَصَفُّهُمْ فِي الصَّلَاةِ سَوَاءٌ، لَهُمْ بِاللَّيْلِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ. هَذَا لَفْظُ \"الْمَصَابِيحِ\". وَرَوَى الدَّارِمِيُّ مَعَ تَغْيِيرٍ يَسِيرٍ. [دي: ١/ ١٥٦، ح: ٥].\n٥٧٧٢ - [٣٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ، وَعِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يُدْفَنُ مَعَهُ، قَالَ أَبُو مَوْدُودٍ: وَقَدْ بَقِي فِي الْبَيْتِ مَوضعُ قَبْرِهِ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦١٧].\nــ\nلمعرفة مواقيت الصلاة.\nوقوله: (يتأزرون على أنصافهم) أي: يشدون الإزار على أوساطهم، أي: يشدون مقعده على السرة، والمراد المبالغة في ستر عوراتهم، ويجوز كون (على) بمعنى (إلى) أي: أزرهم إلى أنصاف سوقهم.\nوقوله: (ويتوضؤون على أطرافهم) أي: يسبغون الوضوء، كذا فسروه.\nوقوله: (مناديهم ينادي في جو السماء) أي: مؤذنهم ينادي في مواضع مرتفعة.\nوقوله: (دوي) أي: أصوات خفية بالتسبيح، والتهليل، وقراءة القرآن، والذكر.\n٥٧٧٢ - [٣٤] (عبد اللَّه بن سلام) قوله: (عيسى ابن مريم يدفن معه) أي: ومكتوب هذا وهو أن عيسى ابن مريم يدفن معه، وهذا أحد تأويل قوله -ﷺ-: (أنا أولى بعيسى) كما مر، واللَّه أعلم.","vol":"9","page":246},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1257> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٧٧٣ - [٣٥] عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ قَالَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَضَّلَ مُحَمَّدًا -ﷺ- عَلَى الأَنْبِيَاءِ وَعَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا عَبَّاسٍ! بِمَ فَضَّلَهُ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاءِ؟ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِأَهْلِ السَّمَاءِ: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبباء: ٢٩]، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ -ﷺ-: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ١ - ٢]، قَالُوا: وَمَا فَضْلُهُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ؟ قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ الآيَةَ [إبراهيم: ٤]، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُحَمَّدٍ -ﷺ-: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، فَأَرْسَلَهُ إِلَى الْجِنِّ وَالإِنْسِ.\nــ\nالفصل الثالث\n٥٧٧٣ - [٣٥] (ابن عباس) قوله: (إن اللَّه تعالى قال لأهل السماء. . . إلخ)، وجه التفضيل صولة الخطاب وغلظته في مخاطبة أهل السماء وترتيب العذاب الشديد عليه، وملاطفته في الخطاب معه -ﷺ-، وإن ما صدر عنه أو يصدر مغفور.\nوقوله: (قال: قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾) هذا كلام ابن عباس سلطان المفسرين صريح في أن المراد بعموم الرسل في هذه الآية غير نبينا -ﷺ-، وهو الذي يدل عليه صيغة المضي، فيرتفع الإشكال المشهور من توهم تخصيص رسالته -ﷺ- بالعرب، وهذا الكلام كثيرًا ما كان يختلج في صدري فالآن ظفرت به من قبل ابن عباس، والحمد للَّه.\nوقوله: (فأرسله إلى الجن والإنس) لأنه رسول الثقلين، وإنما خص في الآية","vol":"9","page":247},{"text":"٥٧٧٤ - [٣٦] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ عَلِمْتَ أَنَّكَ نَبِيٌّ حَتَّى اسْتَيْقَنْتَ؟ فَقَالَ: \"يَا أَبَا ذَرٍّ! أَتَانِي مَلَكَانِ وَأَنَا بِبَعْضِ بَطْحَاءِ مَكَّةَ، فَوَقَعَ أَحَدُهُمَا عَلَى الأَرْضِ، وَكَانَ الآخَرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَهُوَ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَزِنْهُ بِرَجُلٍ، فَوُزِنْتُ بِهِ فَوَزَنْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِعَشَرَةٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِمِئَةٍ، فَوُزِنْتُ بِهِمْ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِأَلْفٍ، فُوُزِنْتُ بِهِمْ فرَجَحْتُهُمْ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَنْتَثِرُونَ عَلَيَّ مِنْ خِفَّةِ الْمِيزَانِ. قَالَ: فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَوْ وَزَنتُهُ بِأُمَّتِهِ لَرَجَحَهَا\". رَوَاهُمَا الدَّارِمِيُّ. [دي: ١٩٣١، ح: ٤٧، ١/ ١٦٤، ح: ١٤].\nــ\nبالناس للأصالة والغلبة، وقد علم في مواضع من القرآن دعوته -ﷺ- وإبلاغه الدين إياهم، هذا وقد يطلق الناس على ما يشمل الفريقين كما قيل في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ٦] من جعله بيانًا للناس، على أن المقصود من الآية بيان رفع اختصاص رسالته ببعض الناس كالعرب، لا بيان تخصيصه بالناس دون غيرهم، وقيل: الإرسال إلى الجن علم تبعًا، فافهم، واللَّه أعلم.\n٥٧٧٤ - [٣٦] (أبو ذر الغفاري) قوله: (حتى استيقنت) يفهم منه أن اليقين نهاية مراتب العلم، والعلم أعم منه.\nوقوله: (أهو هو؟) هذا موضع الاستدلال، وحصول اليقين وما بعده تتمة له خصوصه.\nوقوله: (فوزنته) أي: رجحته.\nوقوله: (ينتثرون) الضمير للألف الموزون، أي: يتساقطون عليّ من خفة تلك","vol":"9","page":248},{"text":"٥٧٧٥ - [٣٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كُتِبَ عَلَيَّ النَّحْرُ وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكُمْ، وَأُمِرْتُ بِصَلَاةِ الضُّحَى وَلَمْ تُؤْمَرُوا بِهَا\". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. [قط: ٤٧٥١].\n* * *\nــ\nالكفة، وفي الحديث أن لرسول اللَّه -ﷺ- استدلالًا بالخوارق على معرفة نبوته، والحق أن علمه بذلك ضروري واقع في القلب، وهذه مؤكدات ومؤيدات لذلك، على أن الغرض الأصلي من بيان ذلك تعريف الأمة وتعليمهم، والمقصود أنه حصل له العلم منذ ذلك اليوم، وهذا كما كان يسره -ﷺ- موافقته للتوراة، وكان يعجبه -ﷺ-: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: ١٨ - ١٩]، وموافقة تميم الداري بخبره بحال الدجال (١).\n٥٧٧٥ - [٣٧] (ابن عباس) قوله: (كتب علي النحر) عنى به قوله -ﷺ- (٢): ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]، قالوا: النحر كان واجبًا على رسول اللَّه -ﷺ- وإن لم يكن غنيًّا بخبر: (ثلاث كتبت عليَّ ولم تكتب عليكم: الضحى والأضحى والوتر)، كذا في شرح ابن الملك عن شرح (المشارق)، وقال الطيبي (٣): لم يوجد في الأحاديث ما يدل على وجوب الضحى عليه -ﷺ- سوى هذا الحديث، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) وزاد في (ع) بعد هذا: \"مع الاستدلال، فافهم\".\n(٢) كذا في جميع النسخ المخطوطة، ولعل الصواب \"قوله تعالى\".\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١٠/ ٣٦٨).","vol":"9","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1258>٢ - باب أسماء النبي ﷺ وصفاته</span>\nــ\n٢ - باب أسماء النبي -ﷺ- وصفاته\nالمراد بالأسماء ههنا: الأعلام، أعم من أن يكون اسمًا أو لقبًا أو كنية، واعلم أن اللَّه تعالى سمى نبيه -ﷺ- بأسماء كثيرة في القرآن العظيم وغيره من الكتب السماوية وفي السنة، وعلى لسان الأنبياء ﵈، ثم إن أشهر أسمائه -ﷺ- محمد، وبه سماه جده عبد المطلب، وذلك أنه لما قيل: ما سميت ولدك؟ قال: محمدًا، فقيل له: كيف سميته باسم ليس لأحد من آبائك وقومك؟ فقال: لأني أرجو أن يحمده أهل الأرض كلهم. وفي رواية: أردت أن يحمده اللَّه في السماء، ويحمده الناس في الأرض، ويروى أنه رأى عبد المطلب في المنام كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره، لها طرف في السماء وطرف في المشرق وطرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق والمغرب كأنهم يتعلقون بها، فقصها فعبرت له بمولود يكون من صلبه، يتبعه أهل المشرق وأهل المغرب، ويحمده أهل السماء والأرض، فلذلك سماه محمدًا مع ما حدثته به آمنة حين قال: إنك حملت بسيد هذه الأمة؛ فإذا وضعته فسميه محمدًا.\nوورد أنه لم يكن قبله -ﷺ- أحد مسمى بهذا الاسم، فلما أخبر أهل الكتاب بأنه سيبعث نبي آخر الزمان اسمه محمد سمى أربعة من الرجال أبناءهم محمدًا طمعًا في النبوة، فلما كانت هذه التسمية بعد سماعهم اسمه -ﷺ- فكأنه كان بعده، وقد نقل عن الشيخ ابن حجر خلافًا في ذلك، وعد أشخاصًا اسمهم محمد، ولعله يكون بعد سماع اسمه -ﷺ-، واللَّه أعلم.\nوقال في (المواهب اللدنية) (١): وقد جاءت من ألقابه -ﷺ- وأسمائه في القرآن\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (١/ ٤٤٤).","vol":"9","page":250},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعدد كثير، وقد تعرض جماعة لتعدادها وبلغوا بها عددًا مخصوصًا، فمنهم من بلغ تسعة وتسعين موافقة لعدد أسماء اللَّه الحسنى الورادة في الحديث، قال القاضي عياض: وقد خصه اللَّه تعالى بأن سماه من أسمائه الحسنى بنحو من ثلاثين اسمًا، وقال [ابن] دحية في كتابه (المستوفى): إذا فحص عن جملتها من الكتب المتقدمة والقرآن والحديث بلغ الثلاث مئة.\nورأيت (١) في كتاب (أحكام القرآن) (٢) للقاضي أبي بكر بن العربي: قال بعض الصوفية: للَّه تعالى ألف اسم، وللنبي -ﷺ- ألف اسم، والمراد الأوصاف، فله من كل وصف اسم، ثم إن منها ما هو مختص به والغالب عليه، ومنها ما هو مشترك، ورأيت في كلام شيخنا في (القول البديع) والقاضي عياض في (الشفا) وابن العربي وابن سيد الناس وغيرهم يزيد على الأربع مئة، ذكر هذا كله في (المواهب) ثم سردها مرتبة على حروف المعجم، وذكر الطيبي (٣) عن بعضهم اثنين وعشرين اسمًا وشرحها، وقد جمع السيوطي في أسمائه -ﷺ- كتابًا (٤)، ولم يورد المؤلف إلا عدة أسماء في حديثين، والمراد بصفاته هنا أحوال حليته الشريفة وصورته الظاهرة، وعقد بابًا آخر لبيان أخلاقه وشمائله.\n_________\n(١) القائل القسطلاني صاحب \"المواهب اللدنية\".\n(٢) \"أحكام القرآن\" لابن العربي (٣/ ٥٨٠).\n(٣) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٥).\n(٤) وهو \"النهجة السوية في الأسماء النبوية\"، مطبوع، وللسيوطي كتاب آخر في شرح الأسماء النبوية، اسمه: \"المرقاة العلية في شرح الأسماء النبوية\".","vol":"9","page":251},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1259> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٧٧٦ - [١] عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمِ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"إنَّ لِي أَسْمَاءً: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أَحْمَدُ، وَأَنَا الْمَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الْكُفْرَ،\nــ\nالفصل الأول\n٥٧٧٦ - [١] (جبير بن معطم) قوله: (أنا محمد وأنا أحمد) وزيد في بعض الروايات، وقد جاء في أسمائه -ﷺ- محمود أيضًا، وكل ذلك مشتق من الحمد، فمحمود يدل على مطلق كونه محمود الذات والصفات في الدنيا والآخرة، ومحمد مبني عن صيغة التفعيل المبنية عن التضعيف والتكثير إلى عدد لا ينتهي له الإحصاء، فمحمد هو الذي يحمد حمدًا بعد حمد، ولا يكون مفعل إلا لمن تكرر منه الفعل مرة بعد أخرى.\nوأحمد على صيغة أفعل المبنية عن الانتهاء إلى غاية ليس وراءها منتهى، فمعنى أحمد: أحمد الحامدين لربه، والأمر كذلك؛ لأنه يفتح عليه في المقام المحمود محامد لم يفتح على أحد قبله فيحمد ربه بها، ولذلك يعقد له لواء الحمد، ويجوز أن يكون أحمد بمعنى المفعول، فهو -ﷺ- محمود على لسان الأولين والآخرين، وحمده اللَّه في كلامه القديم.\nوهذا الاسم ذكره به عيسى وموسى ﵉، وأما عيسى فكما في قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]، وموسى حين قال له ربه: تلك أمة أحمد، فقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد، ومحمد (١) ومحمود اسم اللَّه سبحانه\n_________\n(١) قوله: \"ومحمد\" كذا في الأصل، والظاهر حذفه.","vol":"9","page":252},{"text":"وَأَنَا الْحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمَيَّ، وَأَنَا الْعَاقِبُ\". وَالْعَاقِبُ: الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ نَبِيٌّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٣٢، م: ٢٣٥٤].\n٥٧٧٧ - [٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُسَمِّي لَنَا نَفْسَهُ أَسْمَاءً فَقَالَ: \"أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ، وَالْمُقَفِّي،\nــ\nسمى به حبيبه، واشتق منه لحبيبه اسمين: محمدًا وأحمد، وقال حسان بن ثابت:\nأغر عليه للنبوة خاتم ... من اللَّه من نور يلوح ويشهد\nوضم الإله اسم النبي إلى اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذن أشهد\nوشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد\nوقد قيل: إن هذا البيت الأخير لعمه أبي طالب أخرجه البخاري في (تاريخه الصغير) من طريق علي بن زيد ذكره صاحب (المواهب) (١)، واللَّه أعلم.\nوقد ورد في حديث أنس بن مالك من طريق أبي نعيم: (إن اللَّه سماه بهذا الاسم قبل الخلق بألفي ألفي عام (٢».\nوقوله: (وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي) يروى بلفظ الإفراد والتثنية، ومعناه أنا أول من تنشق عنه الأرض، فسمي حاشرًا؛ لأنه لما حشر أولًا تقدم الناس في ذلك كأنه سبب في حشرهم. و(العاقب) الذي يخلف من كان قبله في الخير كالعقوب، وهو في معنى خاتم الأنبياء.\n٥٧٧٧ - [٢] (أبو موسى الأشعري) قوله: (والمقفي) صحح بصيغة اسم الفاعل من التقفية، وكل شيء يتبع شيئًا فقد قفاه، فيكون من القفو، والمادة للتأخر والتبعية،\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (١/ ٤٥٣).\n(٢) كذا في الأصول، وفي \"المواهب\": \"بألفي ألف عام\".","vol":"9","page":253},{"text":"وَالْحَاشِرُ، وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٥٥].\n٥٧٧٨ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلَا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ؟ يَشْتُمُونَ مُذَمَّمًا، وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا، وَأَنَا مُحَمَّدٌ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٣٣].\n٥٧٧٩ - [٤] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ شَمِطَ مُقَدَّمُ رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ،\nــ\nومنه قافية البيت، وقافية الرأس، والقفا: خلف الوجه، فيكون في معنى آخر الأنبياء وخاتمهم، ويكون العاقب والمقفي بمعنى واحد.\n(ونبي التوبة) أي: تواب كثير التوبة حيث كان يستغفر كل يوم سبعين مرة أو مئة، وفي تحقيق هذا التوبة والاستغفار وجوه أحسنها أنه كان للأمة، ويجوز أن يكون المعنى الذي تاب على يده الناس ما لم يتب على يد أحد من الأنبياء والمرسلين ﷺ وعليهم أجمعين، أو تاب اللَّه عليهم ببركته.\n(ونبي الرحمة) لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وقوله: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣]، وقوله: (أنا رحمة مهداة)، أو تراحم المؤمنون فيما بينهم ببركة ورحمة قوله تعالى: ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].\n٥٧٧٨ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (يشتمون مذممًا وأنا محمد) كان المشركون يسمون رسول اللَّه -ﷺ- مذممًا ويشتمونه، فقال رسول اللَّه تعالى -ﷺ-: (قد دفع اللَّه عني شتمهم فإنه إنما يشتمون مذممًا وأنا محمد).\n٥٧٧٩ - [٤] (جابر بن سمرة) قوله: (قد شمط) في (القاموس) (١): الشمط:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٢١).","vol":"9","page":254},{"text":"وَكَانَ إِذَا ادَّهَنَ لَمْ يَتَبَيَّنْ، فَإِذَا شَعِثَ رَأْسُهُ تَبَيَّنَ، وَكَانَ كَثِيرَ شَعْرِ اللِّحْيَةِ، فَقَالَ رَجُلٌ: وَجْهُهُ مِثْلُ السَّيْفِ؟ . . . . .\nــ\nبياض الرأس يخالط سواده.\nوقوله: (وكان إذا ادهن) من الادهان بتشديد الدال، افتعال من دهن بالفتح يدهن بالحركات الثلاث دهنًا ودهنة: بلَّ الشعر وغيره بالدهن بالضم، وقد روي في حديث الترمذي (١) وغيره: (إذا دهن) من الثلاثي، وهما بمعنى واحد.\nوقوله: (لم يتبين) أي: الأبيض من الشعرات، إما (٢) لأنها عند الادهان تجتمع فكان الأبيض منها لقلته غير متبين، (فإذا شعث) بكسر العين، أي: انتشر شعر رأسه، والشعث محركة في الأصل: انتشار الأمر، يقال: الأشدث للمغبر الرأس، (تبين) البياض ويتميز من السواد، وقيل: منشأ عدم رؤية الشيب إذا ادهن رأسه؛ لأن الشعر حينئذ يكون براقًا لامعًا، وهو سبب الاشتباه ومانع عن الامتياز، وقد جاء في شيب رسول اللَّه -ﷺ- عن أنس أنه قال: ما عددت في رأس رسول اللَّه -ﷺ- إلا أربع عشرة شعرة بيضاء (٣)، وعن ابن عمر: إنما كان شيب رسول اللَّه -ﷺ- نحو من عشرين شعرة بيضاء (٤)، وليس بينهما تخالف؛ لأن أربعة عشر نحو من عشرين.\nوقوله: (وكان كثير شعر اللحية) كأنه تفسير لما وقع في حديث آخر: (كث اللحية)، وقالوا في تفسيره: أي غير خفيفة اللحية ولا طويلة، وفي (القاموس) (٥):\n_________\n(١) \"الشمائل المحمدية\" (ح: ٣٨).\n(٢) لفظ \"إما\" كذا في الأصل، والظاهر حذفه.\n(٣) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ١٦٥).\n(٤) أخرجه ابن ماجه في \"سننه\" (٣٦٣٠).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٧٣).","vol":"9","page":255},{"text":"قَالَ: لَا بَلْ كَانَ مِثْلَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَكَانَ مُسْتَدِيرًا،\nــ\nالكث: الكثيف، ورجل كث اللحية كثيفها، ولحية كثة وكثاء، وقوم كُثّ بالضم، ويأتي في (الفصل الثاني): (ضخم الرأس واللحية).\nوقوله: (لا بل كان مثل الشمس والقمر) أي: كان مثل الشمس في نهاية البهجة والإشراق، ومثل القمر في الحسن والملاحة، شبه الرجل وجهه المبارك بالسيف في الحسن والبريق واللمعان، والسيف قد يوصف بالحسن، ولما كان هذا التشبيه ناقصًا قال جابر: لم يكن مثل السيف بل مثل الشمس، فيكون التشبيه جامعًا بين الصفتين: البريق والميل إلى الاستدارة، والأبهة والجلالة.\nوقد وقع في حديث الترمذي من البراء بن عازب: لا بل مثل القمر، وفي حديث كعب بن مالك: كأن وجهه قطعة قمر، وقد قيل في حديث البراء: معناه لم يكن مثل السيف، بل لم يكن مثل القمر أيضًا، بل كان أحسن منه، ويؤيده ما جاء في (الفصل الثاني) من حديث جابر بن سمرة: فإذا هو عندي أحسن من القمر، وأما فيما نحن فيه لا يمكن إجراء هذا المعنى لقوله: بل كان مثل الشمس والقمر، ويأتي في حديث أبي هريرة: كأن الشمس تجري في وجهه.\nوقوله: (وكان مستديرًا) فيه تأكيد لنفي التشبيه بالسيف وإثباته بالشمس والقمر، ولكنه ليس المراد بالاستدارة مثل ما في الشمس والقمر؛ لأنه لم يكن مكلثمًا كما يجيء، بل المراد أنه كان فيه شيء من التدوير مع طول، ولم يكن طويلًا كل الطول، كما هو اللائق بحال الحسن والجمال، وقد ورد أنه -ﷺ- كان إذا سُرّ فكأنّ وجهه المرآة، وكان الجدر تلاحك وجهه، والملاحكة: شدة الملائمة، أي: يرى شخص الجدر في وجهه، وفي حديث ابن لأبي هالة: يتلألأ وجهه تلالأ القمر ليلة البدر.","vol":"9","page":256},{"text":"وَرَأَيْتُ الْخَاتَمَ عِنْدَ كَتِفِهِ مِثْلَ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ يُشْبِهُ جَسَدَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٤٤].\nــ\nومن أسمائه -ﷺ- البدر، ولذا أنشدوا حين قدم المدينة:\nطلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع\nولقد أحسن من قال:\nكالبدر والكافُ إن أنصفتَ زائدةٌ ... فلا تظنَّنَّها كافًا لتشبيه\nقال صاحب (المواهب) (١) -﵀-: هذه التشبيهات التي وردت في صفاته -ﷺ- إنما هي على عادة الشعراء والعرب، وإلا فلا شيء في [هذه]، المحدثات [ما] يعادل صفاته الخلقية والخلقية، وللَّه در إمام العارفين سيدي محمد بن وفا:\nكم فيه للأبصار حسن مدهش ... كم فيه للأرواح راح مسكر\nسبحان من أنشأه من سبحاته ... بشرًا بأسرار الغيوب يبشر\nصلى اللَّه عليه وآله وأصحابه وأتباعه أجمعين.\nوقوله: (رأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده) أي: في اللون والصفاء والنورانية، اعلم أنه كان لرسول اللَّه -ﷺ- بين كتفيه شيء ناتِ من أجزاء جسده الشريف يسمى خاتم النبوة، إما بكسر التاء فاعل الختم بمعنى الإتمام وبلوغ الآخر، أو بفتحها بمعنى الطابع، ومعناه الشيء الذي هو دليل على أنه لا نبي بعده، وقيل: سبب التسمية بذلك أنه نعت في الكتب المقدمة، فكان علامة يعلم بها أنه النبي المبشر به، وصيانة عن أن يتطرق إليها قدح كالشيء المستوثق عليه بالختم، وكان آية من اللَّه\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٢/ ١٢).","vol":"9","page":257},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوسرًّا عظيمًا مخصوصًا به -ﷺ-.\nوقال الحاكم في (المستدرك) (١) عن وهب بن منبه أنه قال: ولم يبعث اللَّه نبيًّا إلا وقد كانت عليه شامة النبوة في يده اليمنى إلا [أن يكون] نبينا [محمد]-ﷺ-، فإن شامة النبوة كانت بين كتفيه، كذا في حواشي (الشمائل) (٢)، وجاء في بعض الروايات أنه غاب بعد وفاة رسول اللَّه -ﷺ-، وبغيبوبته عرف موته، ولعلها كانت لتعريفهم موته، أو لأنه لم تبق حاجة إلى إثبات النبوة الآن، أو لسر آخر لا لأن الأنبياء لم يبقوا أنبياء بعد موتهم، فإن مرتبة النبوة والرسالة باقية بعد الموت.\nوفي (شرح الشيخ): وفي رواية: (كبيضة حمام مكتوب فيه: اللَّه وحده لا شريك له، توجه حيث كنت فإنك منصور)، وفي رواية: (كان نورًا يتلألأ)، والرواة قد ذكروا صورته وظاهر شكله، وشبهوها بأشياء يعرفها الناس، فمنها مثل بيضة الحمامة كما ورد في هذا الحديث، والحمامة واحدة حمام وليست تاؤه للتأنيث. وفي (الصحاح) (٣): هي عند العرب ذوات الأطواق من نحو الفواخت والقماري وأشباه ذلك، وعند العامة أنها الدواجن فقط، وفي (القاموس) (٤): حمام كسحاب: طائر بَرّيٌّ لا يألف البيوت، أو كل ذي طوق.\nوفي حديث آخر: (غدة حمراء)، والغدة بضم الغين وتشديد الدال: كل عقدة\n_________\n(١) \"المستدرك\" (٢/ ٦٣١).\n(٢) انظر: \"جمع الوسائل في شرح الشمائل\" لعلي القاري (ص: ٥٩).\n(٣) \"الصحاح\" (٥/ ١٩٠٦).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠١٢).","vol":"9","page":258},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nتكون في الجسد أطاف بها شحم، وكل قطعة صلبة بين العصب، والجمع غدد، والمراد أنه كان شبيهًا بالغدة، وحمراء بمعنى مائلًا إلى الحمرة فلا ينافي كون لون خاتم النبوة كلون بدنه -ﷺ-، فهذا رد لمن قال: إنه أسود أو أخضر، كذا في (شرح الشيخ للشمائل). وقد وقع الجمع بين غدة حمراء وبيضة الحمامة بيانًا وتفسيرًا للغدة.\nوفي حديث آخر: (كزر الحجلة) والزر بتقديم الزاي المكسورة على الراء المشددة: واحد الأزرار التي تكون على جيب القميص، والحجلة بفتح الحاء والجيم واحد الحجال: بيت كالقبة لها أزرار كبار، وهذا ما عليه الجمهور.\nوعن بعضهم الحجلة: طائر معروف وزرها بيضها، ويؤيده حديث جابر بن سمرة: كبيضة الحمامة، غير أن الزر لم يجع في كلام العرب بمعنى البيض، إلا أن يحمل على الاستعارة تشبيهًا لضها بأزرار الحجال، كذا في بعض شروح (الشمائل). وذكر الخطابي أنه روي بتقديم الراء على الزاي والمراد به البيضة من أرزت الجرادة: إذا غرزت ذنبها في الأرض فباضت، وكذا رزت.\nوفي حديث آخر للترمذي: (شعرات مجتمعات) (١)، أي: ذو شعرات، وكان عليه الشعرات، فظن الراوي أنه الشعرات، وفي آخر له: (كان في ظهره بضعة ناشزة) (٢)، والبضعة: قطعة من اللحم، و(ناشزة) أي: مرتفعة من جسمه، من النشوز، وهو الارتفاع، والنشزة: مكان مرتفع كالنشاز بالفتح، ومنه: نشوز أحد الزوجين لتعالي أحدهما على الآخر، وأيضًا في حديث: (مثل الجمع حولها خيلان كأمثال\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في \"الشمائل\" (١٩).\n(٢) أخرجه الترمذي في \"الشمائل\" (٢١).","vol":"9","page":259},{"text":"٥٧٨٠ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسٍ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- وَأَكَلْتُ مَعَهُ خُبْزًا وَلَحْمًا -أَوْ قَالَ: ثَرِيدًا- ثُمَّ دُرْتُ خَلْفَهُ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عِنْدَ نَاغِضِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى، جُمْعًا عَلَيْهِ،\nــ\nالثآليل) (١)، والجمع بضم الجيم وسكون الميم في الأصل بمعنى المجموع، والمراد هنا جمع الكف حين يجمع الأصابع ويضمها، والخيلان بالكسر جمع خال، والثآليل بفتح المثلثة وبالهمزة على وزن مصابيح جمع ثؤلول، وهي غدة الحبة التي تظهر في الجلد مثل حمصة.\nوفي (القاموس) (٢): الثؤلول كزُنْبور: حلمة الثدي، وَبَثْرٌ صغير صُلبٌ مستدير على صور شتى، وكله من خِلطِ غليظ يابس، بَلْغَمِيٍّ أو سوداويٍّ أو مركب منهما، وهذه كلها بيان لصورته الظاهرة وشكله في رأي العين، ومن دون ذلك سر عظيم مخصوص به -ﷺ- لم يكن لأحد من الأنبياء والمرسلين، واللَّه أعلم.\n٥٧٨٠ - [٥] (عبد اللَّه بن سرجس) قوله: (عند ناغض كتفه اليسرى) الناغض بنون وغين وضاد معجمتين: الكتف، وقيل: عظم رقيق على طرفها، وقيل: أصل العنق، وقال التُّورِبِشْتِي (٣): الناغض: الغضروف، وهو ما لان من العظم، وأكثر ما وقع في الروايات (بين كتفيه)، قال التُّورِبِشْتِي (٤): ولا اختلاف بين القولين، فإنه يحتمل أنه وجد كذلك، والقول الآخر: بين كتفيه لا يقتضي أن يكون بينهما على السواء، بل\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٢٣٤٦) نحوه.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٩٤).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٢٥٠).\n(٤) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٢٥٠).","vol":"9","page":260},{"text":"خَيْلَانٌ كَأَمْثَالِ الثَّآلِيلِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٤٦].\n٥٧٨١ - [٦] وَعَنْ أُمِّ خَالِدٍ بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَتْ: أُتِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِثِيَابٍ فِيهَا خَمِيصَة سَوْدَاءُ صَغِيرَةٌ فَقَالَ: \"ائْتُونِي بِأُمِّ خَالِدٍ\" فَأُتِيَ بِهَا تُحْمَلُ، فَأَخَذَ الْخَمِيصَةَ بِيَدِهِ فَأَلْبَسَهَا. قَالَ: \"أَبْلِي وَأَخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي\"، وَكَانَ فِيهَا عَلَمٌ أَخْضَرُ أَوْ أَصْفَرُ. فَقَالَ: \"يَا أُمَّ خَالِدٍ! هَذَا سَنَاهْ\" وَهِيَ بِالْحَبَشِيَّةِ: حَسَنَةٌ. قَالَتْ: . . . . .\nــ\nيكون على تفاوت أحد الجانبين، أو كان على السواء وخيّل إليه أنه إلى اليسرى أقرب، وكذلك القول فيمن روى عند كتفه اليمنى.\nوقوله: (كأمثال الثآليل) بفتح المثلثة ومد الهمزة جمع ثؤلول: الحبوب التي تنبت على البدن أمثال الحمص، وقد يجيء بمعنى حلمة الثدي.\n٥٧٨١ - [٦] (أم خالد) قوله: (خميصة) على وزن كريمة: كساء أسود مربع له علمان.\nوقوله: (فأتي بها تحمل) بلفظ المجهول وكانت صبية.\nوقوله: (أبلي) من البلى و(أخلقي) من الخلق بمعنى واحد، وكلاهما من باب الإفعال، و(سناه) بسين مفتوحة فنون فالف فهاء السكت، وروي (سنه) بلا ألف ونون خفيفة أو مشددة، وهي بفتح أوله عند الجميع إلا عند القابسي فإنه يكسرها، وروي: (سنه سنه)، و(سناه سناه) مكررًا بالتشديد والتخفيف فيها، كذا في (مجمع البحار) (١)، وقال الكرماني (٢): لقائل أن يمنع كونها عجمية، فلعل أصله حسنة فحذف حاؤه.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ١٣٨).\n(٢) انظر: \"شرح الكرماني\" (٢١/ ٧٥).","vol":"9","page":261},{"text":"فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ فَزَبَرَنِي أَبِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"دَعْهَا\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٨٢٣].\n٥٧٨٢ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ، وَلَا بِالْقَصِيرِ، وَلَيْسَ بِالأَبْيَضِ الأَمْهَقِ، وَلَا بِالآدَمِ. . . . .\nــ\nوقوله: (فزبرني) أي: زجرني ومنعني.\n٥٧٨٢ - [٧] (أنس) قوله: (ليس بالطويل البائن) أي: المفرط طولًا خارجًا عن الاعتدال، (البائن) اسم فاعل من بأن: إذا ظهر، وهذا يشير إلى أنه قد كان في قده -ﷺ- طول، والأمر كذلك، فإنه كان مربوعًا مائلًا إلى الطول بالنسبة إلى القصر، وهو الممدوح، وفيه من الحسن والجمال والأبهة ما لا يخفى، وأما ما جاء من: أنه -ﷺ- كان إذا قام في الجماعة يرى طويلًا في الكل وإن كانوا طوالًا، فليس من جهة الطول بل لسبب العزة والرفعة والعظمة، وفي الحقيقة هو معجزة من معجزاته -ﷺ-، وأما القصر فمنفي أصلًا، ولذا لم يقيده بقيد. و(الأبيض الأمهق) الذي لا يخالط حمرة، وليس بنير كالجص كذا في (القاموس) (١)، ويوافقه كلام الجوهري (٢).\nوقال في (مشارق الأنوار) (٣): هو الخالص البياض الذي لا يشوبه حمرة ولا صفرة، ولا سمرة، ولا إشراق، وقال الخليل: المهق: بياض في زرقة، وقيل: هو مثل بياض البرص، وقد وقع في البخاري في رواية المروزي: (أزهر أمهق)، وهو خطأ، والأمهق غير الأزهر، وجاء في أكثر الروايات: (ليس بالأبيض الأمهق). و(الأدمة)\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٥٢).\n(٢) انظر: \"الصحاح\" (٤/ ١٥٥٧).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٨٩ - ٣٩٠).","vol":"9","page":262},{"text":"وَلَيْسَ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلَا بِالسَّبْطِ،\nــ\nالسمرة الشديدة، وهي منزلة بين السواد والبياض، وقال في (القاموس) (١): والأدمة بالضم في الإبل: لون مشرب سوادًا أو بياضًا، أو هو البياض الفاضح، أو في الظباء: لون مشرب بياضًا، وفي الإنسان: السمرة الشديدة، وفي (مختصر النهاية) (٢): الأدمة في الإبل البياض مع سواد المقلتين.\nوبالجملة اتفقوا على أن الأدمة في الإنسان شدة السمرة، وهو -ﷺ- كان أسمر لا آدم، وجاء في موسى أنه كان آدم، هذا وقد تكلم في وصفه بالسمرة؛ لأنه قد ثبت أنه كان شديد البياض، وأجيب بأن المراد مشربًا بالسمرة، وهي الحمرة التي كانت تخالط البياض، والعرب يطلق على كل من كان كذلك أسمر، نعم الأدمة أشد منه يضرب إلى السواد، وقيل: السمرة لما ضحى للشمس والريح كالوجه والعنق، وما تحت الثياب فهو الأبيض الخالص، وتعقب بأنه قد ثبت أنه لم يكن للشمس والريح فيه تأثير، وقد ورد: (أنور المتجرد).\nوقوله: (وليس بالجعد القطط ولا بالسبط) في (القاموس) (٣): الجعد بفتح الجيم وسكون العين من الشعر خلاف السبط، ونقل عن (مطالع الأنوار): الجعد: ضد السبط، وهو الذي فيه رجوع في نفسه ليس باللين في استرساله، فإذا وصف بالقطط كان الشديد الجعودة، كشعور السودان، ومثله في (مشارق الأنوار) (٤)، والقطط بفتح القاف\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٥٢).\n(٢) \"الدر النثير\" (١/ ١٨).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٦١).\n(٤) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٤٨).","vol":"9","page":263},{"text":"بَعَثَهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَتَوَفَّاهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً، وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ. وَفِي رِوَايَةٍ يَصِفُ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: كَانَ رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، أَزْهَرَ اللَّوْنِ. وَقَالَ: كَانَ شَعْرُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى أَنْصَافِ أُذُنَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: بَيْنَ أُذُنَيْهِ وَعَاتِقِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٤٨، م: ٢٣٤٧].\nــ\nوكسر الطاء أو بفتحها: الشديد الجعودة، والسبط بفتح السين وسكون الباء وفتحها وكسرها: الشعر المترسل، ضد الجعودة.\nوقوله: (على رأس أربعين سنة) أي: على تمام أربعين وآخرها، وهذا معنى قوله: (على رأس مئة سنة) ومثله، وقد حققناه في موضعه (فأقام) يعني بعد البعثة (عشر سنين)، والأصح أنه أقام بها ثلاث عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة، ومن هذا سرى الاختلاف في عمره -ﷺ-، وقالوا: من ذكر عشرًا اقتصر على العقد وترك الكسر، ومن ذكر خمس عشرة سنة ذكر عامَي الولادة الوفاة، فتدبر، وقد بين في موضعه. وأما الإقامة بالمدينة فعشر سنين من غير خلاف.\nو(الربعة) بفتح الراء وسكون الباء: معتدل القامة كما فسره: ليس بالطويل ولا بالقصير، والميل إلى الطول الذي أثبت له -ﷺ- لا ينافي التوسط والاعتدال بل يحققه، وقد سبق تحقيق هذا اللفظ في (كتاب بدء الخلق) في وصف موسى ﵇. و(الأزهر) الأبيض المستنير، والزهرة بالضم: البياض والحسن، وزهرة الدنيا: بهجتها ونضارتها، والأزهر من اللون: النير والمشرق الوجه.\nوقوله: (إلى أنصاف أذنيه) قد وردت الأحاديث في شعره -ﷺ- مختلفة، ففي","vol":"9","page":264},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ: كَانَ ضَخْمَ الرَّأْسِ وَالْقَدَمَيْنِ، لَمْ أَرَ بَعْدَهُ وَلَا قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَكَانَ بَسْطَ الكفَّينِ. وَفِي أُخْرَى لَهُ قَالَ: كَانَ شَثْنَ الْقَدَمَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ. [خ: ٥٩٠٧، ٥٩١٠].\nــ\nرواية: (إلى أنصاف أذنيه)، وفي أخرى: (بين أذنيه وعاتقه)، وفي أخرى: (إلى شحمة أذنيه)، وفي أخرى: (له شعر يضرب منكبيه)، والاختلاف باختلاف الأحوال من الامتشاط والادهان وعدمهما، ونبات الشعر بعد الحلق، وقال في (مجمع البحار) (١): ووجه اختلافات الروايات في قدر شعره -ﷺ- اختلاف الأوقات، فإذا غفل عن تقصيرها بلغت المنكب، وإذا قصرها كانت إلى أنصاف الأذنين.\nوقوله: (ضخم الرأس) بسكون الخاء، أي: عظيمه، يعني: ليس بصغير، لا المفرط في العظم، بل المعتدل بينهما.\nوقوله: (والقدمين) عطف على (الرأس)، وفي رواية: (شثن القدمين) بمعنى الغليظ.\nوقوله: (لم أر بعده ولا قبله مثله) أي: لم أعلم، أو المراد الرؤية البصرية، وهذه العبارة كناية عن عدم كون أحد مثله.\nوقوله: (بسط الكفين) بتقديم الموحدة على المهملة، أي: تام الكفين، وفي حديث الملاعنة: (إن جاءت أصغر بسطًا فهو لزوجها)، أي: تام الخلق، ويؤيده ما جاء في رواية: (رحب الراحة)، وقد يروى: (سبط الكفين) بتقديم المهملة على الموحدة بمعنى ألينهما وينافيه قوله: (شثن القدمين والكفين) فسره الأصمعي بالغليظ الأصابع من الكفين والقدمين، وفسره أبو عبيد بالغلظ مع القصر، وتعقب بأنه قد ثبت في وصفه:\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٣٩٤).","vol":"9","page":265},{"text":"٥٧٨٣ - [٨] وَعَنِ الْبَرَّاءِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَرْبُوعًا، بُعَيْدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَهُ شَعْرٌ بَلَغَ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ، رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ، لَمْ أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ أَحْسَنَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، شَعْرُهُ يَضْرِبُ مَنْكِبَيْهِ، بَعِيدُ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ. [خ: ٣٥٥١، م: ٢٣٣٧].\nــ\n(سائل الأطراف)، والظاهر من الحديث أن الكفين والقدمين أنفسهما كانا غليظين، وقد حملوه على ذلك، وقالوا: المراد أنهما كانا يميلان إلى الغلظ والقصر، ويحمد ذلك في الرجال دون النساء، والجمع بين هذا الحديث وبين حديث: (ولا شيئًا كان ألين من كفه -ﷺ-): أن اللين في الجلد والغلظ في العظام، فجمع له نعومة البدن وقوته.\n٥٧٨٣ - [٨] (البراء) قوله: (بعيد ما بين المنكبين) بفتح الباء وضمها، ويلزم من ذلك الوصف بعريض الصدر.\nوقوله: (في حلة حمراء) الحلة: إزار ورداء، ولا تسمى حلة إلا أن يكون ثوبين، وقيل: من جنس واحد، وحلة كانت عليه -ﷺ- من برود اليمن فيه خطوط حمراء، ولذلك سميت حمراء لا أنه كله أحمر، وغلط من توهم ذلك، كذا حققه المحدثون.\nوقوله: (لم أر شيئًا قط أحسن منه) يعني: هو أحسن من كل شيء، وفي التعبير بشيء مبالغة ما ليس في قوله: رجل.\nوقوله: (من ذي لمة) اعلم أن لشعر الإنسان ثلاثة أسماء: الجمة بضم الجيم وتشديد الميم، واللمة بكسر اللام وتشديد الميم، والوفرة بفتح الواو وسكون الفاء،","vol":"9","page":266},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفاللمة من الشعر: ما يجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغت المنكبين فهو جمة، والوفرة: الشعر إلى شحمة الأذن، ويوافقه ما قال في (المشارق) (١): الجمة أكثر (٢) من الوفرة، وذلك إذا سقطت على المنكبين، والوفرة إلى شحمة الأذن، واللمة بينهما تلم المنكبين.\nوبالجملة اتفقت عبارات الشارحين في أن الجمة ما بلغت المنكبين، والوفرة إلى شحمة الأذن، واللمة ما جاوزها فهو بين بين، ولكن قال في (القاموس) (٣): الوفرة: الشعر المجتمع على الرأس، أو ما سأل على الأذنين منه، أو ما جاوز شحمة الأذن، ثم الجمة، ثم اللمة.\nوقد مر في (الفصل الثاني) من (باب الترجل) من حديث عائشة -﵂-: كان لرسول اللَّه -ﷺ- شعر فوق الجمة ودون الوفرة. رواه الترمذي، فيفهم من هذا أنه كان لمة كما في هذا الحديث عن البراء: ما رأيت من ذي لمة أحسن، الحديث، ولكن وقع في حديث الترمذي في (الشمائل) (٤): عظيم الجمة إلى شحمة أذنيه، فقيل: المراد بالجمة هنا الشعر، وقد فسرها في (القاموس) (٥) بمجتمع شعر الرأس، والجم: الكثير من كل شيء، وأيضًا في حديثه: فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه، إذًا هو وفرة.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ١٥٣).\n(٢) كذا في جميع النسخ المخطوطة، وفي \"المشارق\": \"أكبر من الوفرة\".\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٥٨).\n(٤) \"الشمائل\" للترمذي (٣).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٠٦).","vol":"9","page":267},{"text":"٥٧٨٤ - [٩] وَعَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ضَلِيعَ الْفَم، أَشْكَلَ الْعَيْنَيْنِ،\nــ\n٥٧٨٤ - [٩] (سماك بن حرب) قوله: (ضليع الفم) أي: عظيمه، كما فسر في الحديث، وفي بعض شروح (الشمائل): إما أن يريد به سعة الفم؛ إذ العرب يمدح به يعني الرجال، ويذم بصغره، وإما أن يريد به قوة الشفتين، وقيل: عظيم الفم كناية عن الفصاحة، وزاد في حديث جابر: ضليع الفم يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، يعني لسعة فمه.\nوقوله: (طويل شق العين) بفتح الشين، قال عياض (١): لم يقل سماك في هذا التفسير شيئًا، والوجه فيه ما اتفق عليه أئمة اللغة أنها حمرة في بياض العين يخالطها، وتسمى السُّجْرة أيضًا بالضم، والشهلة: حمرة يخالط سوادها، وهذا قول أبي عبيد وغيره. وقال في (القاموس) (٢): الأشكل: ما فيه حمرة وبياض مختلط، أو ما فيه بياض يضرب إلى الحمرة، ومن الإبل: ما يخلط سواده حمرة، واسم اللون: الشُّكْلَةُ بالضم، ومنه: الشُّكلةُ فِي العين، والشهلة: أن تشرب الحدقة حمرة، وليست خطوطًا كالشكلة، ولكنها قلة سواد الحدقة حتى كأنه يضرب إلى الحمرة، وكان -ﷺ- أشكل العين، أي: طويل شق العين، انتهى.\nوفي (الصحاح) (٣): والشكلة: بالضم حمرة في بياض العين، كالشهلة في سوادها، شكل بالتحريك مصدره، وعين شكلاء، ودم أشكل، ورجل أشكل العين:\n_________\n(١) انظر: \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٥٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٣٨).\n(٣) \"الصحاح\" (٥/ ١٧٣٦).","vol":"9","page":268},{"text":"مَنْهُوشَ الْعَقِبَيْنِ، قِيلَ لِسِمَاكٍ: مَا ضَلِيعُ الْفَمِ؟ قَالَ: عَظِيمُ الْفَمِ. قِيلَ: مَا أَشْكَلُ الْعَيْنَيْنِ؟ قَالَ: طَوِيلُ شَقِّ الْعَيْنِ. قِيلَ: مَا مَنْهُوشُ الْعَقِبَيْنِ؟ قَالَ: قَلِيْلُ لَحْم الْعَقِبِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٣٩].\n٥٧٨٥ - [١٠] وَعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ أَبْيَضَ مَلِيحًا مُقَصَّدًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٤٠].\n٥٧٨٦ - [١١] وَعَنْ ثَابِتٍ قَالَ: سُئِلَ أَنَسٌ عَنْ خِضَابِ رَسُول -ﷺ- فَقَالَ: إِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مَا يَخْضِبُ،\nــ\nإذا كان فيه بياض وحمرة.\nوقوله: (منهوش العقبين) في (المشارق) (١): بالسين المهملة، ويقال: بالمعجمة أيضًا، أي: قليل لحمهما، وقيل: هو بالمعجمة ناتئ العقبين معروقهما، وفسر في حديث شعبة بالمهملة قال: قليل لحم العقب، وهما بمعنى متقارب.\n٥٧٨٥ - [١٠] (أبو الطفيل) قوله: (مقصدًا) بضم ميم وفتح صاد مهملة مشددة، أي: معتدلًا لا طويلًا، ولا قصيرًا، ولا جسيمًا، ولا نحيفًا، ويحتمل أن يكون المقصد في الأمور كلها، والأول أظهر بالسياق.\n٥٧٨٦ - [١١] (ثابت) قوله: (إنه لم يبلغ ما يخضب) أي: كان شيبه قليلًا لا يظهر في بادئ النظر لقلته كما يظهر من سياق الحديث، أو لعدم خلوص البياض كما يكون في ابتداء الشيب، وعليه يحمل ما جاء في حديث آخر: وكان شيبه أحمر أي: لم يبلغ البياض، وقد يحمل على أنه كان يخضب بالحناء، والصحيح عند المحدثين أنه -ﷺ-\n_________\n(١) \"المشارق\" (٢/ ٣٠).","vol":"9","page":269},{"text":"لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتِهِ فِي لِحْيَتِهِ -وَفِى رِوَايَةٍ: لَوْ شِئْتُ أَنْ أَعُدَّ شَمَطَاتٍ كُنَّ فِي رَأْسِهِ- فَعَلْتُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٨٩٥، م: ٢٣٤١].\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: إِنَّمَا كَانَ الْبَيَاضُ قِي عَنْفَقَتِهِ، وَفِي الصُّدْغَيْنِ وَفِي الرَّأْسِ نَبْذٌ.\n٥٧٨٧ - [١٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَزْهَرَ اللَّوْنِ، كأَنَّ عَرَقَهُ اللُّؤْلُؤُ،\nــ\nلم يخضب، واللَّه أعلم.\nوقوله: (أن أعدّ شمطاته) بفتح الشين والميم، أي: شعراته البيض.\nوقوله: (والعنفقة) بفتح المهملة وسكون، النون وفتح الفاء والقاف في آخرها، في (القاموس) (١): العنفقة: شعيرات بين الشفة السفلى والذقن. و(الصدغ) بالضم ما بين العين إلى شحمة الأذنين، ويسمى الشعر المتدلي عليه صدغًا أيضًا. و(نبذ) بضم النون وفتح الموحدة، وبفتح وسكون، أي: شيء يسير وشعرات متفرقة.\nقال الطيبي (٢): (نبذ) مبتدأ و(في عنفقته) خبر، والجملة خبر (كان)، ويحتمل أن يكون خبر (كان) في (عنفقته)، و(نبذ) استئناف بحذف صدره.\n٥٧٨٧ - [١٢] (أنس) قوله: (كأن عرقه اللؤلؤ) كأنه من تتمة قوله: (أزهر اللون) في حكم التأكيد والبيان؛ لأن زهرة اللون تؤثر في صفاء العرق، ولذا لم يعطف، وأما ترك العطف في قوله: (إذا مشى تكفأ) فلأنه فصل آخر من الكلام.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٤١).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١١/ ١٧).","vol":"9","page":270},{"text":"إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ، وَمَا مَسِسْتُ دِيبَاجَةً وَلَا حَرِيرًا أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَا شَمَمْتُ مِسْكًا وَلَا عَنْبَرَةً أَطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ النَّبِيِّ -ﷺ-. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٥١، م: ٢٣٣٠].\nــ\nوقوله: (تكفأ) مهموزًا وَغير مهموز، والأصل الهمز ومعناه تقلع، أي: كان يرفع رجله عن قوة وجلادة، ويثبت في مشيه كما هو شأن الأقوياء والشجعان، ولا ينافي ذلك أنه كان سريع المشية؛ لأنه يتابع الخطوات مع التثبت، كذا في بعض شروح (الشمائل).\nوجاء بمعنى صب الشيء ودفعه، ويفسر التكفأ بالتمايل إلى القدام، ويأتي في (الفصل الثاني) من رواية الترمذي: (كأنما ينحط من صبب)، هذا وقد يفسر التكفأ بالتمايل يمينًا وشمالًا كما تتمايل السفينة، وفي الحديث في صفة حال المؤمن بالبلاء: (كخامة الزرع تتكفؤها الريح)، ومن هنا فسره بعض الشارحين: أي يميل كما يميل الغصن إذا هبت الريح، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وما مسست) بكسر المهملة الأولى على الأفصح، وكذا (شممت) بكسر الميم الأولى، والمضارع بالفتح فيهما، وقد جاء فيهما فتح العين، فالمضارع بضمهما، و(الديباج) بكسر الدال وحكي بفتحها: نوع من الحرير، كذا قال الشيخ (١)، وهو فارسي معرب، والتاء للوحدة، فيكون قوله: (ولا حريرًا) تعميمًا بعد التخصيص.\nوقوله: (أطيب من رائحة النبي) وفي رواية الترمذي: (ولا شممت مسكًا ولا عطرًا\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٧٦).","vol":"9","page":271},{"text":"٥٧٨٨ - [١٣] وَعَنْ أُمِّ سُلَيْمِ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَأْتِيهَا، فَيَقِيلُ عِنْدَهَا، فَتَبْسُطُ نِطْعًا فَيَقِيلُ عَلَيْهِ، وَكَانَ كَثِيرَ الْعَرَقِ، فَكَانَتْ تَجْمَعُ عَرَقَهُ فَتَجْعَلَهُ فِي الطِّيبِ. فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"يَا أُمَّ سُلَيْمٍ! مَا هَذَا؟ \" قَالَتْ: عَرَقُكَ نَجْعَلُهُ فِي طِيبِنَا، وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا، قَالَ: \"أَصَبْتِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٨١، م: ٢٣٣١].\nــ\nكان أطيب من عرق رسول اللَّه -ﷺ-) (١)، وقد كانت الرائحة الطيبة صفته -ﷺ- وإن لم يمس طيبًا، وقد ذكرنا نبذة منه في (شرح سفر السعادة) (٢).\n٥٧٨٨ - [١٣] (أم سليم) قوله: (فتبسط نطعًا) بفتح النون وكسرها مع فتح طاء وسكونها والأول أشهر الأربع: بساط من الأديم، والجمع أنطاع ونطوع، قال التُّورِبِشْتِي (٣): إن أم سليم كانت من محارم النبي -ﷺ- رضاعًا، وأطال الكلام في إثبات ذلك؛ لأنه -ﷺ- لم يكن ليقيل في بيت أجنبية.\nونقل الطيبي (٤) من (شرح صحيح مسلم): أن أم سليم وأم حرام وهي أخت أم سليم كانتا خالتين لرسول اللَّه -ﷺ- إما من الرضاع وإما من النسب، فتحل الخلوة بهما، وكان يدخل عليهما خاصة ولا يدخل على من سواهما من النساء، انتهى. ويظهر من هذا أن نساء الأمة معه -ﷺ- في حكم الأجنبيات، وليس كما اشتهر في الناس أن حكمه\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في \"سننه\" (٢٠١٥).\n(٢) \"شرح سفر السعادة\" (ص: ٤٨٦ - ٤٨٧).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٢٥٣).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (١١/ ١٨).","vol":"9","page":272},{"text":"٥٧٨٩ - [١٤] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاةَ الأُولَى، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَهْلِهِ وَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَاسْتَقْبَلَهُ وِلْدَانٌ، فَجَعَلَ يَمْسَحُ خَدَّيْ أَحَدِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا، وَأَمَّا أَنَا فَمَسَحَ خَدَّيَّ، فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا أَو رِيحًا. . . . .\nــ\nمعهن حكم الأب مع البنات، هذا وذكر في (المواهب اللدنية) (١) في خصائصه -ﷺ- إباحة النظر إلى الأجنبيات وجواز الخلوة بهن، ونقل عن (فتح الباري) (٢) أن الذي وضح لنا بالأدلة القوية أن من خصائصه -ﷺ- جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها، وتدل عليه قصة أم حرام بنت ملحان في دخوله عليها ونومه عندها، وتفليتها رأسه، ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجية، قال العبد الضعيف: وهذا هو الظاهر من الأحاديث الواردة في مجيء النساء إليه -ﷺ- وسؤالهن عنه إلا أن يحمل مجيئهن مستورة العورات، واللَّه أعلم.\n٥٧٨٩ - [١٤] (جابر بن سمرة) قوله: (صلاة الأولى) أي: صلاة الظهر، وقد مرّ في (كتاب مواقيت الصلاة).\nوقوله: (يمسح خدي) بلفظ التثنية مضافًا إلى (أحدهم).\nوقوله: (وأما أنا فمسح خدي) مضافًا إلى ياء المتكلم، وفي بعض النسخ: (خدي) بالإفراد.\nوقوله: (بردًا أو ريحًا) بلفظ (أو) في جميع النسخ، والظاهر أنه من شك الراوي.\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٢/ ٣٢٩).\n(٢) \"فتح الباري\" (٩/ ٢٠٣).","vol":"9","page":273},{"text":"وَذَكرَ حَدِيثَ جَابِرٍ: \"سَمُّوا بِاسْمِي\" فِي \"بَابِ الأَسَامِي\". وَحَدِيثُ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ: نَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ فِي \"بَابِ أَحْكَامِ الْمِيَاهِ\".\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1260> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٧٩٠ - [١٥] عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، ضَخْمَ الرَّأْسِ وَاللِّحْيِةِ شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، مُشْرَبًا حُمْرَةً، ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ، طَوِيلَ المَسْرُبَةِ،\nــ\nو(الجؤنة) بضم الجيم: ظرف طيب العطار، كذا في (القاموس) (١)، وقال: أصله الهمزة ويليّن.\nالفصل الثاني\n٥٧٩٠ - [١٥] (علي بن أبي طالب) قوله: (مشربًا حمرة) أي: أبيض مختلطًا بياضه بحمرة، وقد وقع في رواية أخرى صريحًا: (أبيض مشرب) بصيغة اسم مفعول من الإشراب، وهو خلط لون بلون، كان أحد اللونين يسقي اللون الآخر، وأشرب بمعنى سقى، وفي بعض النسخ: (مشرب) بالتشديد من التشريب، وهو للتكثير والمبالغة.\nو(الكراديس) جمع كردوس بالضم: كل عظمين التقيا في مفصل، أراد أنه ضخم الأعضاء. و(المسربة) بفتح الميم وسكون المهملة وضم الراء بعدها موحدة: الشعر وسط الصدر إلى البطن كالسربة بالضم، والسرب بالفتح: الطريق والصدر، وفي (مختصر النهاية) (٢): هو الشعر المستدق من اللَّبَّةِ إلى الستر.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٩٢).\n(٢) \"الدر النثير\" (١/ ٤٦٠).","vol":"9","page":274},{"text":"إِذا مَشَى تَكَفَّأ تَكَفُّؤًا (١) كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ، لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ -ﷺ-. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٣٦٣٧].\n٥٧٩١ - [١٦] وَعَنْهُ كَانَ إِذَا وَصَفَ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: لَمْ يَكُنْ بِالطَّوِيلِ الْمُمَغَّطِ،\nــ\nوقوله: (كأنما ينحط من صبب) بفتحتين؛ أي: موضع منحدر، أي: كما ينزل إلى أسفل، ومنه حديث: (حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي)، أي: انحدرت في المسعى، وحديث الصلاة: (إذا ركع لم يصب رأسه) أي: لم يمله إلى أسفل، ويروى: (كأنما يهوي من صبوب) بالفتح والضم، فبالفتح اسم لما يصب على الإنسان ماء أو غيره كالطهور والغسول، وبالضم جمع صبب، فـ (من) على الفتح زائدة، وعلى الضم ابتدائية، وقيل: الصبب والصبوب: تَصَوَّبُ نهر أو طريق، كذا في (النهاية) (٢)، والمقصود أنه كان يمشي مشيًا قويًّا يرفع رجليه من الأرض رفعًا بائنًا، وقيل: إنه كان يمشي على سبيل التواضع لا على طريق التكبر والاختيال.\n٥٧٩١ - [١٦] (وعنه) قوله: (بالطويل الممغط) أي: الطويل البائن كما مر، والرواية المشهورة في (الممغط) بتشديد الميم الثانية وكسر الغين المعجمة، وأصله المنمغط بلفظ اسم الفاعل من الانفعال، ويروى بالعين المهملة، ويروى بفتح غين معجمة اسم مفعول من التفعيل، وهذه الرواية أيضًا يروى بعين مهملة، والمغط والمعط بالمعجمة والمهملة كلاهما بمعنى واحد، وهو المد، قال في (القاموس) (٣) في المهملة:\n_________\n(١) في نسخة: \"تكفى تكفيًا\".\n(٢) \"النهاية\" (٣/ ٣).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٣٤).","vol":"9","page":275},{"text":"وَلَا بِالْقَصِيرِ الْمُتَرَدِّدِ، وَكَانَ رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلَا بِالسَّبْطِ، كَانَ جَعْدًا رَجِلًا، وَلَمْ يَكُنْ بِالْمطَهَّم وَلَا بِالْمُكَلْثَمِ،\nــ\nمعطه كمنعه: مده، والسيف: سله، وامعط الحبلُ: انجرد وطال، ومنه الْمُمَّعِط: للبائن الطول، وفي المعجمة: مغط الرامي في قوسه: أغرق، والشيء: مده يستطيله، أو المغط: مد شيء لين، فامتغط وامّغط مشددة، وتمغط البعيرُ: مد يديه شديدًا، والفرسُ: جرى ومد قوائمه، وتمطى في جريه، والنهار: ارتفع، وفي (مختصر النهاية) (١): المعط والمغط بالعين والغين: المد، والممغط بتشديد الميم الثانية: المتناهي الطول، ويقال: بالعين والغين، هذا ولكن (٢) نقل في شروح (الشمائل) عن (جامع الأصول) أن (الممغط) بتشديد الميم والغين المعجمة، والمحدثون يقولونه بتشديد الغين، وهو محل نظر.\nوقوله: (ولا بالقصير المتردد) أي: المتناهي في القصر، و(المتردد) الداخل بعض أجزائه في بعض قصرًا، كأنه رد بعض خلقه على بعض وتداخلت أجزاؤه. و(الربعة) بفتح الراء وسكون الباء: الرجل بين الطول والقصر، كالمربوع، وقد وقع في الرواية: (كان رجلًا مربوعًا).\nوقوله: (كان جعدًا) بفتح الجيم وسكون العين. و(رجلًا) بفتح الجيم وكسرها، وقد تسكن، وهو صفة الشعر، أي: بين السبط والقطط، وقد يطلق على الذات، أو يحذف المضاف.\nوقوله: (ولم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم) في (القاموس) (٣): المطهم،\n_________\n(١) \"الدر النثير\" (٢/ ٩٥٦، ٩٥٨).\n(٢) \"ولكن -إلى- وهو محل نظر\": ثبت في (ك)، و(ب)، و(ر)، وسقط في (ع).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٤٥).","vol":"9","page":276},{"text":"وَكَانَ فِي الْوَجْهِ تَدْوِيرٌ، أَبْيَضُ مُشْرَبٌ، أَدْعَجُ الْعَيْنَيْنِ، أهدَبُ الأَشْفَارِ،\nــ\nكمعظم: السمين، والنحيف الجسم الدقيقه، ضد، والمدور الوجه المجتمعه، وقال التُّورِبِشْتِي (١): اختلف أهل اللسان في (المطهم)، فمنهم من قال: هو التّام الخلق من كل شيء، فهو بارع الجمال، وهذا قول لا يلائم ما وُصِف -ﷺ- به من الحسن والجمال، وقال الجوهري (٢): وجه مطهم، أي: مجتمع مدوّر، وقالت طائفة: (المطهم): الفاحش السمن، وقيل: هو المتنفخ الوجه، وهذا القول هو الذي يستقيم عليه سياق الحديث، فالمراد بقوله: (وكان في الوجه تدوير) أنه لم يكن مستديرًا كل الاستدارة؛ بل كان فيه بعض ذلك، هذا محصل كلامه، و(المكلثم) بضم الميم وفتح الكاف وسكون اللام بعده المثلثة، وهو من الوجوه: القصير الحنك الناتئ الجبهة المستدير مع خفة اللحم، وقيل: مع كثرتها، ولما كان هذا أيضًا يتضمن بمعنى التدوير أدرك بقوله: (وكان في وجهه تدوير).\nو(الدعج) محركة، والدعجة بالضم: شدة سواد العين، وزاد بعضهم في شدة بياضها، وقد يجيء الأدعج بمعنى الأسود، والدعجاء: أول الْمِحَاق، وهو ليلة ثمانية وعشرين. و(أهدب الأشفار) وروي: (هدب الأشفار) أي: طويل شعر الأجفان وكثيرها، وهي جمع شفر بضم أوله، وقد يفتح: شعر العين، وفي (القاموس) (٣): الهدب بالضم وبضمتين: شعر أشفار العين، واحدتها بهاء، ورجل أهدب: كثيره، والشُّفْرُ بالضم: أصل منبت الشعر في الجفن، مذكر ويفتح، وناحية كل شيء كالشفير، والجفن: غطاء العين من أعلى وأسفل، فافهم.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٢٥٤).\n(٢) \"الصحاح\" (٥/ ١٩٧٧).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٤٥، ٣٨٩، ١٠٩٣).","vol":"9","page":277},{"text":"جَلِيلُ الْمُشَاشِ وَالْكَتَدِ، أَجْرَدُ، ذُو مَسْرُبةٍ، شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، إِذَا مَشَى يَتَقَلَّعُ كَأَنَّمَا يَمْشِي فِي صَبَبٍ، وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ مَعًا، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، أَجْوَدُ النَّاسِ صَدْرًا،\nــ\nو(المشاش) بالضم واحدة مشاشة: رأس العظم الممكن الْمَضْغِ، وقيل: هي رؤوس العظام كالمرفقين والكتفين والركبتين، ولا منافاة بين التفسيرين؛ لأن على رؤوس العظام عظام لينة تسمى الغضروف واسطة التئام العظام باللحم.\nوقوله: (والكتد) بفتح التاء وكسرها عطف على (المشاش): مجتمع الكتفين، ويسمى الكاهل وهو الكاهل إلى الظهر، كما في حديث: (ننقل التراب على أكتادنا).\nوقوله: (أجرد ذو مسربة) رجل أجرد: لا شعر على بدنه، ومنه حديث: (أهل الجنة جرد مرد)، وفرس أجرد: قصير الشعر دقيقه، وظاهر هذا الحديث يدل على أنه لم يكن شعر على بدنه -ﷺ- ما عدا المسربة، وقد ثبت بالأحاديث الأخر أنه كان الشعر في أماكن من بدنه سوى المسربة أيضًا كالساعدين والساقين، وهو المراد هنا بالأجرد، وتوجيهه أن ضد الأجرد الأشعر وهو الذي على جميع بدنه شعر، كذا قالوا.\nوقوله: (إذا التفت التفت معًا) أراد أنه كان لا يسارق النظر كما هو عادة المتكبرين، وقيل: أراد أنه لا يلوي عنقه يمنة ولا يسرة كما يفعله أهل الطيش والخفة، وقال التُّورِبِشْتِي (١): إنه كان يتوجه بكليته لئلا يخالف بدنه قلبه، وقصده مقصده.\nوقوله: (أجود الناس صدرًا) أي: قلبًا، وذكر الصدر وهو محل القلب وأراد القلب، أي: كان جوده -ﷺ- بالرغبة والطبع لا بالتكلف والسمعة والرياء، وقيل: يحتمل أن يكون من الجودة مصدر أجاد: إذا صار جيدًا، فيكون عبارة عن عدم تعلقه بما\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٢٥٥ - ١٢٥٦).","vol":"9","page":278},{"text":"وَأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً، وَأَليَنُهُمْ عَرِيكَةً، وَأَكْرَمُهُمْ عَشِيرَةً، مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ،\nــ\nسوى اللَّه، كذا في شرح الشيخ.\nو(اللهجة) بالسكون، وقد يحرك: اللسان، وفي شرح الشيخ ابن حجر على (الشمائل): اللهجة بفتح الهاء: اللسان، وسكونها لغة ضعيفة، كذا في (الديوان)، يريد أنه -ﷺ- كان لسانه أصدق الألسنة، فيتكلم بمخارج الحروف كما ينبغي بحيث لا يقدر أحد، فافهم.\nوقوله: (وأكرمهم عشيرة) وفي رواية: (عِشْرة) أي: صحبة، والعشير: الصاحب، وفي (القاموس) (١): العشير: القريب، والصديق، والمعاشر، انتهى. ويقال: بالتاء أيضًا وكأنه للنقل، وفي (الصراح) (٢): قبيلة وتبار مردم.\nوقوله: (من رآه بديهة هابه) البديهة: المفاجأة، يقال: بدهته بأمر، أي: فجئته من باب علم، وجاء بالفتح أيضًا، والهيبة: المخافة كالمهابة، وهابه يهابه هيبًا ومهابة: خافه، كاهتابه، انتهى.\nوقد يفرق بين الخوف والهيبة أنَّ الخوف يكون من توقع ضرر كالخوف من العدو والسارق مثلًا، والهيبة ينشأ من العظمة والسطوة كما يكون عن الكبراء والعظماء، ولذا قال: هابه، دون خافه، والنعت: الوصف كالانتعات، كذا في (القاموس) (٣)، وقال: النعت: وصف الشيء بما فيه من حسن، ولا يقال في القبيح، والوصف يجيء\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤١٠).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ١٩٨).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٦٢).","vol":"9","page":279},{"text":"يَقُولُ ناعِتُهُ: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ -ﷺ-. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٣٨].\n٥٧٩٢ - [١٧] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَمْ يَسْلُكْ طَرِيقًا فَيَتْبَعُهُ أَحَدٌ إِلَّا عَرَفَ أَنَّهُ قَدْ سَلَكَهُ مِنْ طِيبِ عَرْفِهِ -أَوْ قَالَ: مِنْ رِيحِ عَرَقِهِ-. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٢٠٧، خ: ٦٧].\n٥٧٩٣ - [١٨] وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ: قُلْتُ لِلرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ: صِفِي لَنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَتْ: يَا بُنَيَّ! لَوْ رَأَيتَهُ رَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٢٠٤، ٦١].\n٥٧٩٤ - [١٩] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فِي لَيْلَةِ إِضْحِيَانٍ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَإِلَى الْقَمَرِ، وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ، فَإِذَا هُوَ أَحْسَنُ عِنْدِي مِنَ الْقَمَرِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٢٨١١، دي: ١/ ٢٠٢، ح: ٥٨].\nــ\nفي الحسن والقبيح.\nوقوله: (يقول ناعته) يريد به: الراوي نفسه، أو المعنى: من أراد أن ينعته فيعجز عن نعت فيقول: (لم أر قبله ولا بعده مثله).\n٥٧٩٢ - [١٧] (جابر) قوله: (من طيب عرفه) العرف بفتح المهملة وسكون الراء آخره فاء: الرائحة الطيبة.\nوقوله: (أو قال: من ريح عرقه) بفتح الراء آخره قاف: رشح جلد الحيوان.\n٥٧٩٣ - [١٨] (أبو عبيدة بن محمد) قوله: (رأيت الشمس طالعة) أي: لرأيت منه شمسًا طالعة على سبيل التجريد نحو: لقيت منه أسدًا.\n٥٧٩٤ - [١٩] (جابر بن سمرة) قوله: (في ليلة إضحيان) بكسر الهمزة منونًا","vol":"9","page":280},{"text":"٥٧٩٥ - [٢٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي وَجْهِهِ، وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِي مَشْيِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، كَأَنَّمَا الأَرْضُ تُطْوَى لَهُ، إِنَّا لنجْهِدُ أَنْفُسَنَا وَإنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٤٨].\n٥٧٩٦ - [٢١] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ فِي سَاقَيْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حُمُوشَةٌ، وَكَانَ لَا يَضْحَكُ إِلَّا تَبَسُّمًا، وَكنْتُ إِذَا نَظَرْتُ إِلَيْهِ. . . . .\nــ\nأي: مضيئة، وإفعلان مما قلّ في كلامهم، وإنما قال: (عندي) إظهارًا لتلذذه بجماله -ﷺ-، فافهم.\n٥٧٩٥ - [٢٠] (أبو هريرة) قوله: (إنا لنجهد) بضم النون وفتحها، يقال: جهد دابته وأجهدها.\nوقوله: (وإنه لغير مكترث) أي: غير مبال.\n٥٧٩٦ - [٢١] (جابر بن سمرة) قوله: (حموشة) بضم الحاء المهملة وبالشين المعجمة حموشة الساق: دقتها.\nوقوله: (وكان لا يضحك إلا تبسمًا) وهذا باعتبار غالب أحواله، فلا ينافي ما جاء في بعض الأحاديث: فضحك رسول اللَّه -ﷺ- حتى بدت نواجذه، وقد ورد في حديث أبي هالة: ضحكه التبسم، والتبسم: مبادئ الضحك، والضحك: انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور، فإن كان بصوت وكان يسمع بحيث يسمع من بعيد فهو القهقهة وإلا فالضحك، وإن كان بلا صوت فهو التبسم، كذا نقل في (المواهب) (١) عن أهل اللغة.\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٢/ ٢٧٩).","vol":"9","page":281},{"text":"قُلْتُ: أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ، وَلَيْسَ بِأَكْحَلَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٤٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1261> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٧٩٧ - [٢٢] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَفْلَجَ الثَّنِيَّتَيْنِ، إِذَا تَكَلَّمَ رُئِيَ كَالنُّورِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ ثَنَايَاهُ. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ٢٠٣، خ: ٥٩].\nــ\nوقوله: (قلت: أكحل العينين وليس بأكحل) الظاهر أن المراد ظننت أنه اكتحل، أي: استعمل الكحل في عينيه، والحال أنه لم يكتحل، بل كان كحل في عينه، فإنه قد ورد في صفته -ﷺ-: (في عينه كحل) بفتحتين، أي: سواد في أجفان العين خلقة، والرجل أكحل وكحيل، فلفظ الحديث لا يخلو عن إشكال، قال في (القاموس) (١): الكحل محركة: أن يعلو منابت الأشفار سواد خلقة، فهو أكحل، انتهى. والمراد ما ذكرنا فلعله جاء أكحل بمعنى المكتحل، واللَّه أعلم.\nالفصل الثالث\n٥٧٩٧ - [٢٢] (ابن عباس) قوله: (أفلج الثنيتين) وجاء في رواية: (مفلج الأسنان)، والمراد منهما الثنايا والثنية، والثنايا من الأسنان الأربعة في مقدم الفم ثنتان من فوق وثنتان من أسفل، والرباعيات اثنتان حولهما، والفلج بالتحريك: تباعد ما بين الأسنان، وقال صاحب (النهاية) (٢): إن الفلج بالتحريك: فرجة بين الثنايا والرباعيات، والفرق: فرجة بين الثنيتين، انتهى. فعلى هذا استعمل (فلج) موضع (فرق)، فتدبر.\nوقوله: (رئي) بلفظ المجهول على وزن ضرب، (كالنور) أي: شيء مثل النور\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٧٠).\n(٢) \"النهاية\" (٣/ ٤٦٨).","vol":"9","page":282},{"text":"٥٧٩٨ - [٢٣] وَعَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، حَتَّى كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٥٦، م: ٢٧٦٩].\n٥٧٩٩ - [٢٤] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ غُلَامًا يَهُودِيًّا كَانَ يَخْدُمُ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ -ﷺ- يَعُودُهُ، فَوَجَدَ أَبَاهُ عِنْدَ رَأْسهِ يَقْرَأُ التَّوْرَاةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا يَهُودِيُّ! أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى هَلْ تَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ نَعْتِي وَصِفَتِي وَمَخْرَجِي؟ \". قَالَ: لَا. قَالَ الْفتَى: بَلَى وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَجِدُ لَكَ فِي التَّوْرَاة نَعْتَكَ وَصِفَتَكَ وَمَخْرَجَكَ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- لِأَصْحَابِهِ: \"أَقِيمُوا هَذَا مِنْ عِنْدِ رَأْسهِ وَلُوا أَخَاكُمْ\". . . . .\nــ\nفي الظهور والبيان، أو الكاف زائدة، وهذا أظهر معنى، والضمير في (يخرج) للنور.\n٥٧٩٨ - [٢٣] (كعب بن مالك) قوله: (إذا سرّ) بلفظ المجهول من السرور.\nوقوله: (قطعة قمر) إنما قال: (قطعة) لقلة استدارته بالنسبة إلى استدارة القمر.\nوقوله: (وكنا نعرف ذلك) إشارة إلى أنه كان في غاية الجلاء والظهور.\n٥٧٩٩ - [٢٤] (أنس) قوله: (يخدم) من باب نصر وضرب.\nوقوله: (نعتي وصفتي) كان أحدهما عبارة عن الخلق بالفتح، والآخر عن الخلق بالضم، والظاهر من المخرج المبعث مصدر ميمي أو ظرف مكان أو زمان، ويمكن أن يراد به الهجرة، والخروج من مكة إلى المدينة، ومجيئهم إليهم.\nوقوله: (أقيموا هذا) أي: أخرجوه من عنده، (ولوا أخاكم) (لوا) أمر بلفظ الجمع","vol":"9","page":283},{"text":"رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"دَلَائِل النُّبُوَّة\". [دلائل النبوة: ٦/ ٢٧٢].\n٥٨٠٠ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: \"إِنَّمَا أَنَا رَحْمَةٌ مُهْدَاةٌ\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [دي: ١/ ١٦٦، ح: ١٥، شعب الإيمان: ٢/ ٥٢٩، ح: ١٣٣٩].\n* * *\nــ\nالمذكر من ولي الأمر، و(لِ) واحد، مثل قِ وقوا، أي: تولوا أمره من التمريض والتجهيز والتكفين.\n٥٨٠٠ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (إنما أنا رحمة مهداة) كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، وفي قوله: (مهداة) تعظيم وتبجيل لنفسه الكريمة، وتشريف وتكريم للأمة؛ لأن الإهداء إنما يكون بشيء نفيس إلى من أريد إكرامه.\nتكملة: هذا ما أورده المؤلف من الأحاديث في كمال خلقته وجمال صورته، وفاته أشياء منها ما جاء في وصف بصره وسمعه، فقد جاء عن ابن عباس: كان رسول اللَّه -ﷺ- يرى بالليل في الظلمة كما يرى بالنهار، وإنه كان يرى من خلفه ما يرى من أمامه، واختلف في أنها بآلة في قفاه، أو بعين رأسه، أو لا بهذا ولا بذاك بل كان بطريق العلم، وفيه كلام طويل ذكر في (المواهب)، وقد ذكرنا طرفًا منه في (باب الإمامة).\nوذكر القاضي عياض في (الشفا) (١): أنه -ﷺ- يرى في الثريا أحد عشر نجمًا، وعند السهيلي: اثني عشر، وقال -ﷺ-: (إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، وإني\n_________\n(١) \"الشفا بتعريف حقوق المصطفى\" (١/ ١٦٤).","vol":"9","page":284},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلأسمع أطيط السماء وحق لها أن تئط، ليس فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجدًا للَّه تعالى). وفي رواية: (وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم)، وجاء في حديث أبي هالة: (خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة)، وهي مفاعلة من اللحظ، وهو النظر بشق العين الذي يلي الصدغ، وأما الذي في جانب الأنف فالموق.\nوجاء في حديث علي -﵁-: (كان رسول اللَّه -ﷺ- عظيم العينين)، ولعل المراد به ما فسر به بعضهم: (أشكل العين) بطويل شق العين، والمقصود نفي صغرهما وغورهما مما ينافي الحسن والجمال، وهذا هو الضابطة في وصفه وجماله أنه كان في غاية الحسن والاعتدال، وكان رسول اللَّه -ﷺ- واضح الجبين، مقرون الحاجبين بهذا وصفه علي -﵁-، فقال: مقرون الحاجبين، صلت الجبين، أي: واضحة، والقرن: اتصال شعر الحاجبين.\nوجاء في وصفه: (رجل حسن الجسم، عظيم الجبهة، دقيق الحاجبين)، وورد: (أزج الحواجب)، وفسر بالقوس، والطويل الوافر الشعر، وورد: من غير قرنٍ بينهما عِرْقٌ يُدِرُّهُ الغضبُ، أي: يمتلئ، وما إذا غضب كالممتلئ الضرع لبنًا إذا أدر. وقوله: (من غير قرن) ينافي رواية: (مقرون الحاجبين)، والأول هو الصحيح في صفته، يعني سوابغ من غير قرن، وقد جاء: (أقنى الأنف)، والقنا في الأنف: طوله ودقة أرنبته مع حدب في وسطه، وفسرها السائل المرتفع وسطه.\nوجاء في رواية الترمذي: (أقنى العرنين له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم)، و(العرنين) بكسر العين وسكون الراء وكسر النون: أعلى الأنف، وجاء: (كث اللحية","vol":"9","page":285},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعظيم الهامة)، وهو في معنى ما في الكتاب: (ضخم الرأس واللحية)، وجاء: (الواضح الخدين وسهل الخدين)، وجاء في حديث ابن أبي هالة فقال: (أشنب مفلج الأسنان)، والشنب: رونق الأسنان وماؤها، وقيل: رقتها وتحديدها، وجاء: (براق الثنايا)، وقال: (كان رسول اللَّه -ﷺ- أحسن عباد اللَّه شفتين وألطفهم ختم فم)، وقال قائلهم:\nبحر من الشهد في فيه مراشفه ... ياقوته صدف فيه جواهره\nوعن بعض الصحابة أنه قال: بايعنا رسول اللَّه -ﷺ- أنا وأمي وخالتي، فلما رجعنا قالت لي أمي وخالتي: يا بني! ما رأينا مثل هذا الرجل أحسن وجهًا، وأنقى ثوبًا، ولا ألين كلامًا، ورأينا كالنور يخرج من فيه.\nوأما ريقه -ﷺ- فقد جاء: أتي بدلو من ماء فشرب من الدلو ثم صب في البئر -أو قال: مج في البئر- ففاح منها مثل رائحة المسك، ولم يكن بئر أعذب منها، وهذا معجزة، وبصقه -ﷺ- في عين علي وهو أرمد وبرؤه كأن لم يكن به وجع، مشهور، ويأتي في المعجزات إن شاء اللَّه تعالى، ولهذا أمثال مذكورة في موضعه.\nوأما فصاحة لسانه، وجوامع كلمه، وبديع بيانه فمما لا يمكن وصفه حتى كان كلامه يأخذ القلوب، ويسلب الأرواح.\nوأما صوته فلقد كان أحسن الناس صوتًا وأصدقهم لهجة، فعن أنس قال: ما بعث اللَّه نبيًّا إلا حسن الوجه، حسن الصوت، حتى بعث اللَّه نبيكم -ﷺ- فبعث حسن الوجه حسن الصوت، وقد كان صوته يبلغ حيث لا يبلغه صوت غيره، فعن البراء: خطبنا رسول اللَّه -ﷺ- حتى أسمع العواتق في خدورهن، وجاء: خطبنا رسول اللَّه -ﷺ- بمنى ففتحت أسماعنا -وفي رواية: ففتح اللَّه أسماعنا- حتى إن كنا لنسمع ما يقول","vol":"9","page":286},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nونحن في منازلنا.\nوعن أم هانئ: كنا نسمع قراءة النبي -ﷺ- في جوف الليل عند الكعبة وأنا على عريشي.\nوورد: جل ضحكه التبسم، ويفتر عن مثل حب الغمام، أي: يبدي أسنانه ضاحكًا، وحب الغمام: البرد، وورد: إذا ضحك رسول اللَّه -ﷺ- تلألأ في الجدر، أي: يشرق نوره عليها إشراقًا كإشراق الشمس، كذا فسروه.\nوكان بكاؤه -ﷺ- من جنس ضحكه لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن تدمع عيناه حتى تهملان، ويسمع لصدره أزيز كأزير المرجل خصوصًا عند سماع القرآن، وأحيانًا في صلاة الليل.\nوقد حفظه اللَّه من التثاؤب، فورد: ما تثاءب النبي قط، وفي رواية: ما تثاءب نبي قط، وجاء في وصفه -ﷺ-: سائل الأطراف بالمهملة، وفي رواية: شائل الأطراف بالمعجمة، ويروى: سائن بالنون بدل اللام، وفسروه بطويل الأصابع.\nوكان منبسط الوجه، ولم ينقبض وجهه حتى مات، وكان أبيض الإبطين، وهذا من خصائصه -ﷺ-؛ لأن الإبط من جميع الناس يكون متغير اللون، وزاد القرطبي: ولا شعر عليه، ولم يثبت ذلك، وبياض الإبط لا يستلزم ذلك، وقد ورد في بعض الروايات: نتف إبطيه، واللَّه أعلم.\nوجاء: بادن متماسك سواء البطن والصدر، ووصفت بطنه أم هانئ فقالت: ما رأيت بطن رسول اللَّه -ﷺ- إلا ذكرت القراطيس المثنية بعضها على بعض، وجاء: مفاض البطن، فقيل: واسع البطن، وقيل: مستوى البطن مع الصدر، وجاء عن بعض","vol":"9","page":287},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالصحابة أنه قال: نظرت إلى ظهره كأنه سبيكة فضة، وقد جاء: كان رسول اللَّه -ﷺ- أبيض، كأنما صيغ من فضة، وكان عريض الصدر، وفي رواية: رحب الصدر، وكان قلبه أنقى القلوب، وأصلحها، وأنورها، وقد غسل مرارًا كما جاء في الأخبار.\nوأما جماعه -ﷺ- فقد كان يدور على نسائه في الليلة الواحدة، وهي إحدى عشرة امرأة، وقد ورد: أنه أعطي قوة ثلاثين، وفي رواية: قوة أربعين، وزاد أبو نعيم عن مجاهد: كل رجل من رجال أهل الجنة، وقد يروى أنه يعطى كل رجل في الجنة قوة مئة، وقد حفظه اللَّه من الاحتلام، فعن ابن عباس -﵄- قال: ما احتلم نبي قط، وإنما الاحتلام من الشيطان، رواه الطبراني (١).\nوقد مر: أنه كان شثن القدمين، أي: غليظ أصابعهما، وعن بعض الصحابة أنه قال: رأيت رسول اللَّه -ﷺ- فما نسيت طول أصبع قدميه السبابة على سائر أصابعه، وكانت خنصره من رجله متظاهرة.\nوقد اشتهر على الألسنة أن سبابة النبي -ﷺ- كانت أطول من الوسطى، قال الحافظ ابن حجر: وهو غلط ممن قاله، وإنما ذلك في أصابع رجليه، وكذا قال السخاوي وبين منشأ غلطه، وقد نقله صاحب (المواهب) (٢)، وورد في حديث ابن أبي هالة عند الترمذي: خمصان الأخمصين مسيح القدمين (٣)، والأخمص من القدم: الموضع الذي لا يلصق بالأرض منها عند الوطء، والخمصان: المبالغ فيه، أي: كان ذلك الموضع\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١١/ ٣٠٤، رقم: ١١٨١٢).\n(٢) \"المواهب اللدنية\" (٢/ ٢٩٢).\n(٣) أخرجه الترمذي في \"الشمائل\" (٧).","vol":"9","page":288},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمن أسفل قدميه شديد التجافي عن الأرض، وقد ورد في حديث أبي هريرة: كان إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها ليس له أخمص، ويوفق بينهما بأنه كان أخمص، ولكن عند وطء القدم يطأ على قدمه كلها. ومسيح القدمين: أي ملساوتان لينتان ليس فيهما تكسر ولا شقاق، فإذا أصابهما الماء نبا عنهما، وورد: أنه كان -ﷺ- أحسن البشر قدمًا.\nأما طوله فقد عرف أنه كان أقرب إلى الطول من القصر، وورد: ليس بالذاهب طولًا، وفوق الربعة، إذا جاء مع القوم غمرهم، رواه عبد اللَّه ابن الإمام أحمد رحمة اللَّه عليهما، وورد: أنه كان ينسب إلى الربعة إذا مشى وحده، ولم يكن على حال يماشيه أحد من الناس ممن ينسب إلى الطول إلا طال -ﷺ-، وربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما، فإذا فارقاه نسب إلى الربعة، وهذا معجزة له -ﷺ-. وجاء في خصائصه: أنه كان إذا جلس يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين.\nواختلف في سدله الشعر وفرقه، فقيل: كان يسدل موافقة لأهل الكتاب ثم فرق، وكلاهما جائز، وقيل: الفرق أفضل، وقالت أم هانئ: قدم رسول اللَّه -ﷺ- علينا مكة وله أربع غدائر، والصحيح عند المحدثين أنه -ﷺ- لم يخضب، ولم يبلغ شيبه الخضاب، وكان رسول اللَّه -ﷺ- يكثر دهن رأسه، وتسريح لحيته، ولم يحلق رأسه في غير نسك حج أو عمرة، وكان شعره عند أصحابه.\nوعن محمد بن سرين قال: قلت لعبيدة: عندنا من شعر النبي -ﷺ- أصبناه من قبل أنس، قال: لأن يكون عندي شعرة منه أحب إلي من الدنيا وما فيها، وقال في (الشفاء) (١): كث اللحية تملأ صدره، وورد: أنه -ﷺ- كان يأخذ من لحيته من عرضها\n_________\n(١) \"الشفا بتعريف حقوقه المصطفى\" (١/ ١٤٨).","vol":"9","page":289},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوطولها، رواه الترمذي (١) وقال: حديث غريب، وكان يقص شاربه وقال: (من لم يأخذ شاربه فليس منا)، والكلام فيه طويل مذكور في موضعه ولا بأس بترك سباليه فعل ذلك عمر -﵁-.\nوأما العانة فقد روي أنه كان يطلأها بالنورة. وجاء في حديث أنس: أنه -ﷺ- كان لا يتنور، وكان إذا كثر شعره حلقه، ولكن سنده ضعيف، وكان يأخذ من شاربه وأظفاره يوم الجمعة، ولم يثبت في كيفيته شيء، وعند البعض في تعيين يوم أيضًا كلام، وكان لا يفارقه سواكه ومشطه، وكان ينظر في المرآة إذا سرح لحيته، وكانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة، ثلاثة في هذه وثلاثة في هذه قبل أن ينام.\nوأما مشيه فقد عرف حاله، وأما مشيه مع أصحابه فكانوا يمشون بين يديه وهو خلفهم، وهو معنى ما ورد: كان يسوق أصحابه، ولم يكن له -ﷺ- ظل في شمس ولا في قمر، رواه الحكيم الترمذي عن ذكوان. وقال ابن سبع: كان -ﷺ- نورًا، وكان إذا مشى في الشمس والقمر لا يظهر له ظل، وقال: ويشهد له قوله -ﷺ- في دعائه: (واجعلني نورًا) (٢)، قال العبد الضعيف: عجبا من هؤلاء الأعلام كيف فاتهم: ولا عند سراج، والدليل قائم.\nوأما لونه فقد مضى الكلام فيه، واتفقت الروايات على بياضه، قالوا: كان أبيض مليح الوجه، وعند الطبراني: ما أنسى شدة بياضه في شدة سواد الشعر، وقال عمه أبو طالب في مدحه:\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في \"سننه\" (٢٧٦٢).\n(٢) انظر: \"المواهب اللدنية\" (٢/ ٣٠٧).","vol":"9","page":290},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوأبْيَض يُسْتَسْقَى الغمامُ بوجهه ... ثمال اليَتامى عصمة للأرامِل\nوأما طيب ريحه فقد ورد فيه عجائب يتحير العقل فيه.\nوأما البول والدم: فقد شربهما بعض الناس فلم يمرض أبدًا، وجاءت فيه أحاديث، وفيها دلالة على طهارة بوله ودمه، وقد ورد: أنه إذا كان أراد أن يتغوط انشقت الأرض وابتلعت بوله وغائطه، وفاحت لذلك رائحة طيبة، ولم يطلع على ما يخرج منه بشر، وقد يروى: ابتلاع الأرض ما يخرج عن الأنبياء ﵈.\nوقال الشيخ الحافظ ابن حجر (١): قد تكاثرت الأدلة على طهارة فضلاته -ﷺ-، وعد ذلك من خصائصه، فكله حسن وجمال، وكله طهارة ونظافة، وكله فضل وكمال، ﷺ وعلى آله وأصحابه في كل حين وفي كل حال، وهذا نقلته من صفاته -ﷺ- مما فات المؤلف في هذا الباب، وبعض ذلك وإن كان ذكره في أبواب أخر لكني أردت إيراده متسقًا ومنتظمًا شوقا وغرامًا وتمسكًا واعتصامًا، ولا أخاف في أمثال ذلك من التطويل فأيّ تطويل عند ذكر الحبيب، وهو يصحح العليل ويشفي الغليل، فعلى اللَّه التوكل، وعلى فضله وكرمه التعويل:\nأكرمْ بخلقِ نبيٍّ زانهُ خُلُقٌ ... بالحُسْنِ مُشْتَمِلٍ بالبِشْرِ مُتَّسِمِ\nكالزَّهرِ فِي تَرَفٍ والبَدْرِ فِي شَرَفٍ ... والبَحْر في كَرَمٍ والدهْرِ فِي هِمَمِ\nمُنَّزَّهٌ عن شريكٍ فِي محاسنهِ ... فَجَوْهَرُ الحُسْنِ فِيهِ غيرُ مُنْقَسِمِ\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٧٣).","vol":"9","page":291},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1262>٣ - باب في أخلاقه وشمائله ﷺ</span>\nــ\n٣ - باب في أخلاقه وشمائله -ﷺ-\nذكر المؤلف في الباب السابق أسماءه وصفاته -ﷺ-، وأراد بالصفات ما يتعلق بصورته الظاهرة التي يقال له: الخلق بفتح الخاء، فعقد بابًا في سيرته الباطنة التي تسمى خلقًا بضم الخاء، قال في (القاموس) (١): الخُلق بالضم وبضمتين: السجية، والطبع، والمروءة، والدين، وقال في (النهاية) (٢): وحقيقته أنه صورة الإنسان الباطنة، ونقل صاحب (المواهب) عن الراغب (٣): الخلق والخلق بالفتح والضم في الأصل بمعنى واحد كالشرب والشرب، لكن خص الخلق الذي بالفتح بالهيئات، والصور المدركة بالبصر، وخص الخلق الذي بالضم بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة، انتهى.\nوقد اختلف أهو -أي حسن الخلق- غريزة أو مكتسب؟ وتمسك من قال بأنه غريزة بحديث ابن مسعود: (إن اللَّه قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم)، الحديث. رواه البخاري (٤).\nوقال القرطبي (٥): الخلق جبلة في نوع الإنسان، وهم في ذلك متفاوتون، فمن غلب عليه شيء منها كان محمودًا وإلا فهو مأمور بالمجاهدة فيه حتى يصير محمودًا، وكذا إن كان ضعيفًا فيرتاض صاحبه حتى يقوى، والحق أن للارتياض دخلًا في تهذيب\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨١٢).\n(٢) \"النهاية\" (٢/ ٧٠).\n(٣) \"المواهب اللدنية\" (٢/ ٣٢٥).\n(٤) أخرجه البخاري في \"التاريخ الكبير\" (٤/ ٤١٣).\n(٥) \"المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم\" (١٩/ ٤٦).","vol":"9","page":292},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالأخلاق، وليس كما توهم بعضهم أنه لا دخل له فيه، كما في تغير الخلق الظاهر، وإلا لبطلت فائدة الشرائع وبعث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لكن ما كان جبليًّا راسخًا في الطبع صَعُبَ تغيره حتى كاد يعد متعذرًا، وإليه الإشارة بقوله -ﷺ-: (إذا أخبرتم بأن جبلًا زال عن مكانه فصدقوه، وإذا أخبرتم بأن رجلًا زال عن خلقه فلا تصدقوا) (١)، أو كما قال، وما حصل من اعتياد أو صحبة الأشرار فيزول بالرياضة في اعتياد ضده، وملازمة صحبة الأخيار على أن قول القائل: لا يتغير الخلق الظاهر فلا يتغير الخلق الباطن؛ الملازمة ممنوعة، وهو قياس فاسد على أنه قد تتغير الصورة الظاهرة بأسباب وعوارض، فكذا الباطنة، نعم ما رسخ وغلب من الأخلاق والصفات في النفس صَعُبَ إزالتها وتهذيبها مع ما في الطبع والنفس من شدة المزاحمة والمعارضة لأحكام الشرع والعقل، فافهم وباللَّه التوفيق.\nوالشمائل: جمع شمال بالكسر، وهو الطبع، كذا في (القاموس) (٢)، وفي (شرح الشفا) (٣): الشمائل جمع شمال بكسر الشين، وهو الخلق، وفي (الصراح) (٤): شمال بالكسر: دست جب، وخو وعادت، ويجمع الشمال بمعنى ضد اليمين على أشمل وعلى شمائل أيضًا، كما في قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا﴾ [النحل: ٤٨]، والشمال بالفتح، وقد يكسر: الريح الذي مهبه بين مطلع الشمس وبنات النعش.\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٦/ ٤٤٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٣٨).\n(٣) \"شرح الشفا\" (١/ ٤٤).\n(٤) \"الصراح\" (ص: ٤٣٢).","vol":"9","page":293},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1263> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٨٠١ - [١] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَدَمْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ، وَلَا: لِمَ صَنَعْتَ؟ وَلَا: أَلَّا صَنَعْتَ؟ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٠٣٨، م: ٢٣٠٩].\nــ\nالفصل الأول\n٥٨٠١ - [١] (أنس) قوله: (خدمت) من باب نصر وضرب.\nوقوله: (فما قال) أي: فيما يتعلق بالخدمة (أف) هو صوت يدل على التضجر مما يكره ويستقذر، وقيل: اسم للفعل الذي هو الضجر، وصحح في النسخ بالجر مشددًا منونًا وغير منون، وقال البيضاوي (١): هو مبني على الكسر لالتقاء الساكنين، يعني بين الفائين، وتنوينه في قراءة نافع وحفص للتنكير، وقرأ ابن كثير وابن عامر ويعقوب بالفتح على التخفيف، وقرئ به منونًا ويالضم للإتباع كمنذ منونًا وغير منون، وقال في (القاموس) (٢): لغاتها أربعون، وعدها، وقد جاء الأف بمعنى: قُلامة الظفر، أو وسخه، أو وسخ الأذن، وما رفعته من الأرض من عود أو قصبة، أو الأف: وسخ الأذن، والتُّفُّ: وسخ الظفر، أو الأفُّ معناه: القلة، والتُّفُّ: إتباع، كذا في (القاموس).\nوقوله: (لم صنعت؟) زجرًا عما صنع.\nوقوله: (ولا ألا صنعت؟) تحضيضًا على صنعه، يعني مع أنه كان يقع مني التقصير في الخدمة في بعض الأحيان، وأرتكب أمرًا يوجب توجه الاعتراض ما زجرني ووبخني كما يفهم من حديثه في أول (الفصل الثاني)، وفي هذا كمال خلقه وسماحته -ﷺ-\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٥٦٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٣١).","vol":"9","page":294},{"text":"٥٨٠٢ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقًا، فَأَرْسَلَنِي يَوْمًا لِحَاجَةٍ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَذْهَبُ، وَفِي نَفْسِي أَنْ أَذْهَبَ لِمَا أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَخَرَجْتُ حَتَّى أَمُرَّ عَلَى صِبْيَانٍ وَهُمْ يَلْعَبُونَ فِي السُّوقِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ قَبَضَ بِقَفَايَ مِنْ وَرَائِي، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: \"يَا أُنَيْسُ! ذَهَبْتَ حَيْثُ أَمَرْتُكَ؟ \". قُلْتُ: نَعَمْ، أَنَا أَذْهَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣١٠].\nــ\nمع الخدم، قال الطيبي (١) في مدح أنس -﵁-: بأنه لم يرتكب أمرًا يتوجه إليه من النبي -ﷺ- اعتراض، ولا يخفى أنه ليس هذا مما يلائم للمقام، نعم يتضمن مدحه لشفقته وكرمه -ﷺ- عليه، فافهم.\n٥٨٠٢ - [٢] (وعنه) قوله: (فقلت: واللَّه لا أذهب) فإن قلت: كيف قال: لا أذهب، وقد أمره به رسول اللَّه -ﷺ-؟ قلت: هذا القول صدر عن أنس في صغره وهو غير مكلف، مع أنه كان صادرًا عنه في الظاهر وفي نفسه أن يذهب الأمر، فلذا لم يؤدبه عليه بل داعبه ورفق به.\nوقوله: (حتى أمر) صحح بالنصب والرفع، والنصب أكثر. و(أنيس) تصغير أنس للترحم والشفقة، وإنما قال: نعم، ولم يذهب بعد بناء على العزم، كذا قال الطيبي (٢)، ويمكن أن يقال: أنه فهم أنس من قوله -ﷺ-: (ذهبت حيث أمرتك؟) أن المقصود الأمر بالذهاب أو الاستفهام عن عزمه على الذهاب.\nوقوله: (نعم) إجابة لذلك، ولذا قال: (أنا أذهب) بتقريره الحكم وتقويته،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٢٨).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٢٨).","vol":"9","page":295},{"text":"٥٨٠٣ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الْحَاشِيَةِ، فَأَدْركَهُ أَعْرَابِيٌّ، فَجَبَذَهُ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، وَرَجَعَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- فِي نَحْرِ الأَعْرَابِيِّ. . . . . .\nــ\nفانظر إلى فصاحة أنس، وبلاغته في صغره.\n٥٨٠٣ - [٣] (وعنه) قوله: (برد نجراني) البرد بالضم: ثوب مخطط، والجمع أبراد وأبرد وبرود، أكسية يلتحف بها، الواحدة بهاء، ونجران بفتح النون وسكون الجيم: موضع بين الحجاز والشام واليمن، وأثواب نجرانية منسوبة إليه، كذا في (النهاية) (١)، وفي (القاموس) (٢): موضع باليمن، فتح سنة عشر، وموضع قرب دمشق، وموضع بين الكوفة وواسط، وفي (الصحاح) (٣): اسم بلد من اليمن، وفي (المشارق) (٤): رداء نجراني: منسوب إلى نجران، مدينة معلومة أولها وأخرها نون. و(الحاشية) طرف الثوب وغيره.\nوقوله: (فجبذه بردائه)، في (القاموس) (٥): الجبذ: الجذب، وليس مقلوبه بل لغة صحيحة، ووهمه الجوهري وغيره.\nوقوله: (في نحر الأعرابي) مأخوذ من جعلته في نحر العدو، أي: قبالته وحذائه، والنحر: موضع القلادة من الصدر، أي: استقبله استقبالًا تامًّا على ما كان من عادته\n_________\n(١) \"النهاية\" (٥/ ٢١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٤٦).\n(٣) \"الصحاح\" (٢/ ٨٢٣).\n(٤) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٧).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣١٣).","vol":"9","page":296},{"text":"حَتَّى نَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ عَاتِقِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الْبُرْدِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ ضَحِكَ، ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٤٩، م: ١٠٥٧].\n٥٨٠٤ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَاسْتَقْبَلَهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ- قَدْ سَبَقَ النَّاسُ إِلَى الصَّوْت هُوَ يَقُولُ: \"لَمْ تُرَاعُوا، لَمْ تُرَاعُوا\". . . . .\nــ\nالشريفة إذا التفت التفت جميعًا، و(العاتق) موضع الرداء من المنكب، يعني لم يتغير ولم يتأثر من سوء أدبه، وإن أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، وهذا من عادة جفاة العرب وخشونتهم، وعدم تهذيب أخلاقهم، وقيل: لعله كان من المؤلفة، ولهذا ناداه باسمه -ﷺ-، وفيه أن من ولي على قوم لزمه الاحتمال من أذاهم.\n٥٨٠٤ - [٤] (وعنه) قوله: (ولقد فزع أهل المدينة) كأنه كان فزعهم من سارق أو عدو، والضمير في (فاستقبلهم) لما يفهم من الكلام السابق، أي: العدو الذين كان الفزع من أجلهم، والضمير في (سبق) للنبي -ﷺ-، و(الناس) مفعوله، وفي رواية: (ثم خرج يركض وحده فركب الناس يركضون خلفه).\nوقوله: (لم تراعوا لم تراعوا) مرتين بضم التاء والعين: من الروع بمعنى الفزع، و(لم) هنا بمعنى: لا، ويروى: (لن)، قالوا: العرب قد تضع (لم) و(لن) موضع (لا)، نقله الطيبي (١)، فهو خبر أي: لا روع ولا فزع بمعنى الأمر، أي:\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٢٩).","vol":"9","page":297},{"text":"وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ مَا عَلَيْهِ سَرْجٌ، وَفِي عُنُقِهِ سَيْفٌ. فَقَالَ: \"لَقَدْ وَجَدْتُهُ بَحْرًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٦٢٧، م: ٢٣٠٧].\n٥٨٠٥ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ (١) -ﷺ- شَيْئًا قَطُّ فَقَالَ: لَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٥٣٤، م: ٢٣١١].\nــ\nلا تفزعوا ولا تخافوا.\nوقوله: (وهو على فرس لأبي طلحة) يقال له: المندوب، قال القاضي عياض (٢): وكان في أفراسه -ﷺ- مندوب فلعله صار إليه بعد أبي طلحة، وقال النووي (٣): يحتمل أنهما فرسان اتفقا في الاسم، و(عري) بضم العين وسكون الراء مجرور صفة لفرس.\nوقوله: (ما عليه سرج) صفة أخرى وقع بيانًا للصفة الأولى، والضمير في (عنقه) للنبي -ﷺ-.\nوقوله: (لقد وجدته) أي: الفرس (بحرًا) أي: واسع الجري، وزاد في رواية: (وكان الفرس بطيئًا حرونًا)، وفي أخرى: (كان يقطف أو فيه قطاف)، يقال: قطف الفرس في مشيته: إذا تضايق خطوة، وزاد في رواية: فما سبق بعد ذلك اليوم.\n٥٨٠٥ - [٥] (جابر) قوله: (فقال: لا) قال الحافظ أبو الفضل ابن حجر (٤): المراد أنه كان لا ينطق بالرد بل إن كان عنده أعطاه إن كان الإعطاء سائغًا وإلا سكت،\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٢).\n(٣) \"شرح النووي\" (١٥/ ٦٨).\n(٤) \"فتح الباري\" (١٠/ ٤٥٧).","vol":"9","page":298},{"text":"٥٨٠٦ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ -ﷺ- غَنَمًا بَينَ جَبَلَيْنِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ! أَسْلِمُوا، فَوَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الْفَقْرَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣١٢].\nــ\nوقد ورد بيان ذلك في حديث مرسل لابن الحنفية عند ابن سعد ولفظه: (إذا سئل فأراد أن يفعل قال: نعم، وإذا لم يرد أن يفعل سكت) (١)، وهو قريب من حديث أبي هريرة: (ما عاب طعامًا قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه) (٢)، قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: معناه لم يقل: لا، منعًا للعطاء، ولا يلزم من ذلك أن لا يقولها اعتذارًا، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢]، ولا يخفى الفرق بين قوله: (لا أجد ما أحملكم) وبين لا أحملكم، انتهى. كذا نقل في (المواهب) (٣).\n٥٨٠٦ - [٦] (أنس) قوله: (غنمًا بين الجبلين) غنم اسم جنس، أي: غنمًا كثيرًا يملأ ما بين الجبلين.\nوقوله: (إن محمدًا ليعطي عطاء ما يخاف الفقر) الرجل لما رأى منه -ﷺ- شيئًا من جلاله وجماله وما كان يبهر العقول من كماله، ثم رأى مثل هذا السخاء البالغ الجزيل، جاء يأمر القوم بالإسلام والدخول في ربقة طاعته، وأشار إلى أن طاعته تورث سعادة الدنيا والآخرة، وقال الطيبي (٤): وجه دلالة هذا الوجه على وجوب الإسلام أن مقام ادعاء النبوة مع العطاء الجزيل يدل على وثوقه على من أرسله، فافهم.\n_________\n(١) \"الطبقات الكبرى\" (١/ ٢٧٧).\n(٢) أخرجه البزار في \"مسنده\" (١٧/ ١٣٨).\n(٣) \"المواهب اللدنية\" (٢/ ٣٧٠).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٣١).","vol":"9","page":299},{"text":"٥٨٠٧ - [٧] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ بَيْنَمَا هُوَ يَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَقْفَلَهُ مِنْ حُنَيْنٍ، فَعَلِقَتِ الأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ حَتَّى اضْطَرُّوهُ إِلَى سَمُرَةٍ، فَخَطَفَتْ رِدَاءَهُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ: \"أَعْطُونِي رِدَائِي، لَوْ كَانَ لِي عَدَدَ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمٌ لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا كَذُوْبًا وَلَا جَبَانًا\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٨٢١].\nــ\n٥٨٠٧ - [٧] (جبير بن مطعم) قوله: (مقفله) من القفول بمعنى الرجوع من السفر، وهو مصدر ميمي أو اسم زمان، وعلى الأول الوقت مقدر قبله، كما في قولهم: أتيتك خفوق النجم، وفي (مجمع البحار) (١): هو بضم ميم وفتحها وسكون قاف، فبالفتح مصدر قفل إذا عاد من سفره، وبالضم من أقفل الجيش، يقال: قفلنا وأقفلنا غيرنا وأُقفلنا مجهولًا، انتهى. هذا والأظهر هو الأول وهو الرواية.\nوقوله: (فعلقت) أي: تشبثت.\nوقوله: (يسألونه) أي: من الأموال. و(السمرة) بفتح السين وضم الميم: نوع من الشجرة معروف، والضمير في (خطفت) للسمرة، و(رداءه) مفعول، خطف الشيء: سلبه، من سمع وضرب، والأول هو الجيد الفصيح.\nو(العضاه) بكسرة العين المهملة والضاد جمع عضة كعنب، والعضهة كعنبة: كل شجر ذات شوك أو ما عظم منها أو طال، ولعل المراد عدد أوراق هذه العضاه.\nوقوله: (ثم لا تجدوني. . . إلخ)، زيادة في بيان أوصافه الكريمة، وقيل: هو تتميم لما سبق.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٣١١).","vol":"9","page":300},{"text":"٥٨٠٨ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ جَاءَ خَدَمُ الْمَدِينَةِ بِآنِيَتِهِمْ فِيهَا الْمَاءُ، فَمَا يَأْتُونَ بِإِنَاءٍ إِلَّا غَمَسَ يَدَهُ فِيهَا، فَرُبَّمَا جَاؤُوهُ بِالْغَدَاةِ الْبَارِدَةِ فَيَغْمِسُ يَدَهُ فِيهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٢٤].\n٥٨٠٩ - [٩] وَعَنْهُ قَالَ: كَانَتْ أَمَةٌ مِنْ إِمَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ تَأْخُذُ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شَاءَتْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٠٧٢].\n٥٨١٠ - [١٠] وَعَنْهُ: أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّه! إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَّةً، فَقَالَ: \"يَا أُمَّ فُلَانٍ! انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ\". فَخَلَا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٢٦].\nــ\n٥٨٠٨ - [٨] (أنس) قوله: (صلاة الغداة) أراد صلاة الفجر. و(الخدم) بفتحتين جمع خادم.\nوقوله: (إلا غمس يده فيها) لشفائهم أو تبركهم، وتقييد الغداة بالباردة لبيان مشقتهم في طلب البركة منه -ﷺ-، أو لبيان تطييبه -ﷺ- قلوبهم، وغمسه يده في الماء البارد لأجلهم، وهذا هو الظاهر.\n٥٨٠٩ - [٩] (وعنه) قوله: (كانت أمة) الظاهر أن (كان) هنا ليس للاستمرار، وهو المختار عند المحققين من شراح الأحاديث، وكأنّ المراد ربما كانت أمة، واللَّه أعلم.\n٥٨١٠ - [١٠] (وعنه) قوله: (كانت في عقلها شيء) أي: من الفتور والنقصان، بيان للواقع، أو إشارة إلى سبب شفقته -ﷺ- عليها ورعاية جانبها، أو إلى علة جرأتها على ذلك القول، وتكليفها رسول اللَّه -ﷺ- بذلك، وفيه غاية تواضعه -ﷺ-، وفي بعض","vol":"9","page":301},{"text":"٥٨١١ - [١١] وَعَنْهُ قَالَ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَاحِشًا وَلَا لَعَّانًا وَلَا سَبَّابًا،\nــ\n(شروح الشمائل): إن فيه جواز جلوس الرجل مع الأجنبية، والخلوة معها لضرورة الحاجة، انتهى. إن أراد جوازه لغير رسول اللَّه -ﷺ- فهو محل نظر لجواز اختصاصه به -ﷺ-، وقد مرّ الكلام فيه في حديث أم سليم في الفصل الأول من (باب أسمائه وصفاته)، اللهم إلا عند الأمن من فتنة.\n٥٨١١ - [١١] (وعنه) قوله: (فاحشًا ولا لعانًا ولا سبابًا) الفحش: العدوان في الجواب، والتجاوز عن الحد في الكلام، ومنه قوله -ﷺ- لعائشة: (لا تقولي ذلك، فإن اللَّه لا يحب الفحش)، وفي رواية: (لا تكوني فاحشة)، ويجري أكثر ذلك في ألفاظ الوقاع وما يتعلق به، فإن لأهل الفساد في ذلك عبارات صريحة فاحشة، وأهل الصلاح يعرضون له ويكنون عنه، بل ينبغي الكناية من البول والتغوط لقضاء الحاجة، ونحوه، وقد يكون الفحش بمعنى الزيادة والكثرة، ومنه حديث: (دم البراغيث إن لم يكن فاحشًا فلا بأس به) (١)، والفاحشة يجيء بمعنى الزنا والمعصية.\nو(اللعن) الطرد والتبعيد من رحمة اللَّه، في (القاموس) (٢): لعنه كمنعه: طرده، وأبعده، فهو لعين وملعون، وفي (المشارق) (٣): كانت العرب إذا تمرد منهم مارد، وحذروا من جرائره عليهم، طردوه عنهم وتبرؤوا منه، وسموه اللعين، وكذلك في حق اللَّه تعالى، واللعن من اللَّه تعالى الإبعاد والطرد، ومن الخلق السب والدعاء، واللعن\n_________\n(١) انظر: \"مصنف عبد الرزاق\" (١/ ٣٧٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٣٥).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٥٨٥).","vol":"9","page":302},{"text":"كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ: \"مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ؟ \". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٠٣١].\nــ\nلمن لا يستحقه من المعاصي الشديدة، وبالكثرة يصير كبيرة، واتفقوا على تحريمه لمعين مسلمًا كان أو كافرًا، ولا يحرم لموصوف كلعن آكل الربا والظالمين والكافرين، ومن انتمى إلى غير أبيه أو آوى محدثًا.\nوقد وقع في الحديث: (إنما أنا بشر فأي المسلمين سببته ولعنته فاجعل ذلك رحمة) (١)، أو كما قال، وهذا مقيد بأنه ليس من أهل اللعنة، كما صرح به في بعض الروايات، وإنما لعنه لظاهر حالة الموجب للّعن، ولم يكن كذلك عند اللَّه تعالى، أو يكون مما جرت به العادة بدون قصد الدعاء، نحو: تربت يداك، وقد لعن رسول اللَّه -ﷺ- بعض من استحقه خصوصًا وعمومًا، لكن ينبغي أن يعلم أن اللعن على نوعين: أحدهما: الطرد والإبعاد من رحمة اللَّه تعالى ودخول الجنة، وهو الموجب للعذاب، وهو مخصوص بالكفار، وثانيهما: الطرد عن نيل درجة السابقين ودخول الجنة معهم، ولا يختص هذا بالكفار، وبهذا التحقيق تنحل كثير من الإشكالات كما لا يخفى على المتتبعين، فإن قلت: بناء فعّال للتكثير أو للمبالغة، فنفيه لا يستلزم نفي أصل الفحش واللعن والسب؟ قلت: لما كانت هذه الفعال ممن هو متصف بها تقع بطريق الكثرة والمبالغة نفى على ذلك الطريق، فافهم. و(المعتبة) بفتح الميم وسكون المهملة وكسر المثناة، ويجوز فتحها بعدها باء، مصدر عتب كالمظلمة من ظلم.\nوقوله: (ما له ترب جبينه؟) على نحو: تربت يداه ورغم أنفه، وذلك دعاء عليه بالذل والمسكنة مع احتمال الدعاء له أيضًا بمعنى سجد للَّه وجهه.\n_________\n(١) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٢٦٠١).","vol":"9","page":303},{"text":"٥٨١٢ - [١٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. قَالَ: \"إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [٢٥٩٩].\n٥٨١٣ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا، فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٦٢، م: ٢٣٢٠].\n٥٨١٤ - [١٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- مُسْتَجْمِعًا قَطُّ ضَاحِكًا. . . . .\nــ\n٥٨١٢ - [١٢] (أبو هريرة) قوله: (وإنما بعثت رحمة) إما للمؤمنين فظاهر، وإما للكافرين فلرفع العذاب عنهم في الدنيا بوجوده، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣].\n٥٨١٣ - [١٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (من العذراء) وهي البكر وجمعه العذاري، و(الخدر) بكسر الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة: ستر يمد للجارية في ناحية البيت، وكل ما واراك من بيت ونحوه، والجمع الخدور والأخدار، وفي (النهاية) (١): ناحية في البيت يترك عليها ستر فتكون فيه البكر.\nوقوله: (عرفناه في وجهه) أي: لم يتكلم بكراهته لحيائه، بل يتغير وجهه فيفهم كراهته.\n٥٨١٤ - [١٤] (عائشة) قوله: (مستجمعًا قط ضاحكًا) أي: ضحكًا، وهو تمييز،\n_________\n(١) \"النهاية\" (٢/ ١٣).","vol":"9","page":304},{"text":"حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَوَاتِهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَتَبَسَّمُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٠٩٢].\n٥٨١٥ - [١٥] وَعَنْهَا قَالَتْ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَم يَكُنْ يَسْرُدُ الْحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ، كَانَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا لَوْ عَدَّهُ الْعَادُّ لأَحْصَاهُ. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٦٨، م: ٢٤٩٣].\n٥٨١٦ - [١٦] وَعَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: مَا كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ. . . . .\nــ\nويحتمل الحال، أي: ضاحكًا كل الضحك، استجمع السيل: اجتمع من كل موضع، و(اللهواة) جمع لهاة بالفتح: وهي اللحمة التي بأعلى الحنجرة من أقصى الفم.\n٥٨١٥ - [١٥] (وعنها) قوله: (لم يكن يسرد الحديث) السرد: الخرز في الأديم، ونسج الدرع، وجَوْدَة سياق الحديث، ومتابعة الصوم، كذا في (القاموس) (١)، وفي (المشارق) (٢) في حديث: (أسرد الصيام) أي: أواليه وأتابعه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١١] أي: في متابعة الخلق شيئًا بعد شيء حتى تتناسخ، ومنه: فلان يسرد الحديث، ومنه قول عائشة: لم يكن رسول اللَّه -ﷺ- يسرد الحديث كسردكم، أي: لم يكن حديثه متتابعًا بحيث يأتي بعضه إثر بعض، فيلتبس على المستمع، بل يوضحه ويفصله بحيث لو أراد السامع عده أمكنه.\n٥٨١٦ - [١٦] (الأسود) قوله: (كان يكون) في (كان) ضمير شأن، أو\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٧٤).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٣٥٨).","vol":"9","page":305},{"text":"فِي مَهْنَةِ أَهْلِهِ -تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٧٦].\n٥٨١٧ - [١٧] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ،\nــ\nالثاني زائدة.\nوقوله: (في مهنة أهله) أي: خدمتهم، والمهنة بفتح الميم وكسرها، ونقل عن الأصمعي: أنه أنكر الكسر، كذا نقل في (النهاية) (١)، وفي (القاموس) (٢): المهنة بالكسر وبالفتح والتحريك، وككلمة: الحِذْقُ بالخدمة والعمل، مهثه كمنعه مهنًا، ومهنة ويكسر: خدمه، انتهى.\nوفي الحديث: (ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم جمعته سوى ثوبي مهنته) (٣) أي: بذلته وخدمته، والمراد هنا أنه كان في خدمة أهله كحلب شاة، وتفلية ثوب، وخصف نعل، وفيه: أن خدمة الدار وأهلها سنة عباد اللَّه الصالحين.\nوقوله: (تعني خدمة أهله) هذا التفسير من قول الراوي عن شعبة، ورووه جماعة بدونه، وفي رواية: تعني بالمهنة خدمة أهله.\n٥٨١٧ - [١٧] (عائشة) قوله: (ما خير) بلفظ المجهول في التخيير، قال\n_________\n(١) \"النهاية\" (٤/ ٣٧٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٣٩).\n(٣) أخرجه ابن ماجه في \"سننه\" (١٠٩٥).","vol":"9","page":306},{"text":"وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ. . . . .\nــ\nالشيخ (١): أبهم فاعل (خير) ليكون أعم من أن يكون من قبل المخلوقين أو من قبل اللَّه تعالى، لكن التخيير بين ما فيه إثم وما ليس فيه إثم من قبل اللَّه تعالى مشكل، إلا إذا حملناه على ما لا يفضي إلى الإثم، فذلك يمكن بأن يخير بين أن يفتح عليه من كنوز الأرض ما يخشى من الاشتغال به أن لا يتفرغ للعبادة، وبين أن [لا] يؤتيه من الدنيا إلا الكفاف، فالإثم على هذا أمر نسبي لا يراد منه [معنى] الخطيئة لثبوت العصمة، هذا كلام الشيخ.\nوفي (مجمع البحار) (٢): إن كان التخيير من الكفار والمنافقين فكون أحدهما إثمًا ظاهر، وإن كان من المسلمين فمعناه ما لم يؤد إلى إثم كالتخيير في الاجتهاد والاقتصاد، فإن المجاهدة بحيث يفضي إلى الهلاك لا يجوز، وقيل: هو إما تخيير من اللَّه فيما فيه عقوبتان، أو فيما بينه وبين الكفار من القتال وأخذ الجزية، أو في حق اللَّه من المجاهدة في العبادة والاقتصاد.\nوقوله: (وما انتقم رسول اللَّه -ﷺ-) قال الشيخ (٣): أي ما انتقم لحاجة نفسه فلا يرد أمره بقتل عقبة بن أبي معيط وعبد اللَّه بن خطل وغيرهما ممن كان يؤذي رسول اللَّه -ﷺ- لأنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات اللَّه، وقيل: ذلك في غير السبب الذي يفضي إلى الكفر، وقيل: يختص ذلك بالمال، وأما العرض فقد اقتص ممن يأتي منه.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٧٥).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ١٣٩).\n(٣) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٧٥).","vol":"9","page":307},{"text":"إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ بِهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٦٠، م: ٢٣٢٧].\n٥٨١٨ - [١٨] وَعَنْهَا قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِنَفْسِهِ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ، وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ، فَيَنْتَقِمُ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمُ لِلَّهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٢٨].\nــ\nوقوله: (إلا أن ينتهك) استثناء منقطع إلا أن يراد بقوله أعم من أن يكون في ضمنه انتهاك حرمة اللَّه، و(ينتهك) على لفظ المجهول افتعال من النهك، والنهك في الأصل: الغلبة، نهكه: غلبه، ومن الطعام: بالغ في أكله، وعرضه: بالغ في شتمه، كذا في (القاموس) (١)، وفي (مختصر النهاية) (٢): انتهك، أي: بالغ في خرق محارم الشرع، أي: فعل ما حرم اللَّه.\n٥٨١٨ - [١٨] (وعنها) قوله: (ما ضرب. . . شيئًا) أي: مما يعد ضربه إيذاء وإيلامًا، وفي ذكر الشيء مبالغة.\nوقوله: (ولا امرأة ولا خادمًا) تخصيص بعد تعميم، وقد قتل -ﷺ- أبي بن خلف.\nوقوله: (وما نيل منه شيء قط) أي: ما أصابه شيء قط من أحد مما يضره، يقال: نلته أنيله وأناله نيلًا: أصبته، والضمير في (صاحبه) للشيء، وهو أحسن من أن يجعل له -ﷺ-.\nوقوله: (فينتقم) بالنصب عطفًا على أن ينتهك.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٨٠).\n(٢) \"الدر النثير\" (٢/ ١٠٢٣).","vol":"9","page":308},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1264> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٨١٩ - [١٩] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ، خَدَمْتُهُ عَشْرَ سِنِينَ، فَمَا لَامَنِي عَلَى شَيْءٍ قَطُّ أُتِيَ فِيهِ عَلَى يَدَيَّ، فَإِنْ لَامَنِي لَائِمٌ مِنْ أَهْلِهِ قَالَ: \"دَعُوهُ، فَإِنَّهُ لَوْ قُضِيَ شَيْءٌ كَانَ\". هَذَا لَفَظُ \"الْمَصَابِيحِ\": وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". مَعَ تَغْيِيرٍ (١). [شعب: ٥٧٧٢].\nــ\nالفصل الثاني\n٥٨١٩ - [١٩] (أنس) قوله: (خدمت) أي: دخلت في خدمته، فإنه -﵁- كان ابن ثمان حين هاجر رسول اللَّه -ﷺ- المدينة، فجاءت به أمه ليخدمه -ﷺ-، فخدمه عشر سنين، وهي مدة إقامته -ﷺ- بالمدينة.\nوقوله: (أتي فيه) صفة (شيء)، و(فيه) نائب مناب الفاعل وضميره لشيء، و(أتي) بمعنى أهلك وأتلف، قال في (القاموس) (٢): أتى عليه الدهر: أهلكه، فيكون المعنى ما لامني على شيء تلف وهلك على يدي، وقيل: ضمن أتي معنى عيب وطعن، فافهم.\nوقوله: (فإنه لو قضي شيء كان) بيان سبب ترك الملامة على هلاك شيء؛ فإنه إنما هلك بقضاء اللَّه وقدره، وهذا كما ورد في خبر آخر: (لا تضربوا إماءكم على كسر الأواني، فإن لكل شيء أجلًا) (٣)، أو كما قال.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"يسير\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٥٧).\n(٣) أخرجه أبو نعيم في \"حلية الأولياء\" (١٠/ ٢٦).","vol":"9","page":309},{"text":"٥٨٢٠ - [٢٠] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَلَا سَخَّابًا فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَبَصْفَحُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٠١٦].\n٥٨٢١ - [٢١] وَعَنْ أَنَسٍ يُحَدِّثَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ كَانَ يَعُودُ المَرِيْضَ، وَيَتْبَعُ الْجِنَازَةَ، وَيُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ، وَيَرْكَبُ الْحِمَارَ، لَقَدْ رَأَيْتُهُ يَوْمَ خَيْبَرَ عَلَى حِمَارٍ خِطَامُهُ لِيفٌ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [جه: ٤١٧٨، شعب: ٧٨٤١].\n٥٨٢٢ - [٢٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَخْصِفُ نَعْلَهُ، وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ، وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ، وَقَالَتْ: كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ،\nــ\n٥٨٢٠ - [٢٠] (عائشة) قوله: (فاحشًا ولا متفحشًا) الفاحش: ذو الفحش في كلامه بأن يكون ذلك عادته وديدنه، والمتفحش: من يتكلفه ويتعمده، أي: لم يكن الفحش له جبليًا ولا كسبيًا، و(السخاب) شديد الصوت، وقد مرّ شرحه في الفصل الأول من (كتاب فضائله).\n٥٨٢١ - [٢١] (أنس) قوله: (ويركب الحمار) فيه بيان تواضعه، وترك تكلفه، ونفي الكبر كما هو شأن الملوك والجبابرة.\n٥٨٢٢ - [٢٢] (عائشة) قوله: (يخصف نعله) خصف النعل يخصفها: خرزها، وأصله الضم، والجمع.","vol":"9","page":310},{"text":"يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٢٥].\n٥٨٢٣ - [٢٣] وَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ زيدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: دَخَلَ نَفَرٌ عَلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَقَالُوا لَهُ: حَدِّثْنَا أَحَادِيثَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: كُنْتُ جَارَهُ، فَكَانَ إِذَا نزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بَعَثَ إِلَيَّ فَكَتَبْتُهُ لَهُ، فَكَانَ إِذَا ذَكَرْنَا الدُّنْيَا ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الآخِرَةَ ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الطَّعَامَ ذَكَرَهُ مَعَنَا، فَكُلُّ هَذَا أُحَدِّثُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٢٦].\nــ\nوقوله: (يفلي ثوبه) في (القاموس) (١): فلا رأسه يفلي: بحثه عن القمل، وكذلك في (الصحاح) (٢)، وغيره بهذا فسروه، ولكن نقل في (المواهب) عن بعض العلماء: لم يقع في ثوبه -ﷺ- قمل قط، ولم يصل من بدنه الشريف على ثوبه دنس، ونقل عن الإمام فخر الدين الرازي: لم يجلس عليه -ﷺ- ذباب، ولم تؤذه بقة، ولكن لما كان من لازم التفلي وجود شيء من المؤذيات كالقمل أو البرغوث وأمثالهما لم يكن بد من القول: يتعلق شيء منها بثوبه ولو من خارج لا من بدنه، واللَّه أعلم.\nوفي الحديث دليل على أنه -ﷺ- لم يكن ملكًا جبارًا متكبرًا، فإنه لا يصدر منهم مثل هذه الأفعال بل نبيًّا مرسلًا متواضعًا واقفًا على حد البشرية، خصه اللَّه سبحانه بفضله العظيم، بل كان كل ما فعله في الحقيقة تعليمًا وإرشادًا للناس الآداب الكريمة والأخلاق الحميدة -ﷺ-.\n٥٨٢٣ - [٢٣] (خارجة بن زيد) قوله: (إذا كرنا الدينا ذكرها معنا) المراد بها ما يتعلق بعادات الناس وأحوالهم مما لا يكره ولا يذم، وأما ما يذم ويكره فحاشاه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢١٤).\n(٢) \"الصحاح\" (٦/ ٢٤٥٧).","vol":"9","page":311},{"text":"٥٨٢٤ - [٢٤] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا صَافَحَ الرَّجُلَ لَمْ يَنْزِعْ يَدَهُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَنْزِعُ يَدَهُ، وَلَا يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ وَجْهِهِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الَّذِي يَصْرِفُ وَجْهَهُ عَنْ وَجْهِهِ، وَلَمْ يُرَ مُقَدِّمًا رُكْبَتَيْهِ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيسٍ لَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٤٩٠].\n٥٨٢٥ - [٢٥] وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ لَا يَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٣٦٢].\n٥٨٢٦ - [٢٦] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- طَوِيلَ الصَّمْتِ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٣٦٩٥].\nــ\nأن يذكر في مجلسه -ﷺ-.\n٥٨٢٤ - [٢٤] (أنس) قوله: (ولم ير) بلفظ المجهول من الرؤية، (مقدمًا) بكسر الدال وتشديدها من التقديم، قيل: المراد بالركبتين هنا الرجلان، وتقديمهما عبارة عن مدهما، أي: لم يكن رسول اللَّه -ﷺ- يمد رجليه بين يدي جليسه، وقيل: معناه لم يكن مقدمًا ركبته في الجلوس على ركب جلسائه، كما يفعله الجبابرة، بل يجلس مستويًا في الصف معهم، وقيل: معناه [لا] يرفع ركبته عند من يجالسه بل يحفظها تعظيمًا لجليسه، وكل ذلك كان لفرط أدبه وتعليم أصحابه، ولا ينافي هذا أنه قد كان يجلس رافعًا ركبتيه بالاحتباء وغيره، لأنه يجوز أن يكون في غير المجلس بل في الخلوة، أو مع بعض الأصحاب، واللَّه أعلم.\n٥٨٢٥ - [٢٥] (وعنه) قوله: (كان لا يدخر شيئًا لغد) لنفسه، وإلا فقد ثبت أنه ادخر نفقة سنة لنسائه.\n٥٨٢٦ - [٢٦] (جابر بن سمرة) قوله: (طويل الصمت) أي: كثير السكوت","vol":"9","page":312},{"text":"٥٨٢٧ - [٢٧] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ فِي كَلَامَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- تَرْتِيلٌ وَتَرْسِيلٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٣٨].\n٥٨٢٨ - [٢٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسْرُدُ سَرْدَكُمْ هَذَا، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ بَيْنَهُ فَصْلٌ، يَحْفَظُهُ من جَلَسَ إِلَيْهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٣٩].\n٥٨٢٩ - [٢٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٤١].\nــ\nلا يتكلم إلا لحاجة.\n٥٨٢٧ - [٢٧] (جابر) قوله: (ترتيل وترسيل) قريب في المعنى، قال في (القاموس) (١): الرتل محركة: حسن تناسق الشيء، ورتل الكلام ترتيلًا: أحسن تأليفه، وترتَّلَ فِيه: ترسل، وتفسير الترتيل بالتؤدة ضد الاستعجال بتبيين الحروف والحركات مميزة، ويقال: ترتل في كلامه ومشيه، إذا لم يعجل، ومنه حديث: (إذا أذنت فترسل) (٢) أي: تأنّ ولا تعجل.\n٥٨٢٨ - [٢٨] (عائشة) قوله: (بينه) أي: بين أجزائه وكلماته فصل وفرق، وفي رواية: (بكلام بيّن فصل) بتشديد الياء، أي: كلام واضح مفصول.\n٥٨٢٩ - [٢٩] (عبد اللَّه بن الحارث) قوله: (ابن جزء) بفتح الجيم وسكون الزاي آخره همزة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٠٣).\n(٢) أخرجه الترمذي في \"سننه\" (١٩٥).","vol":"9","page":313},{"text":"٥٨٣٠ - [٣٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا جَلَسَ يَتَحَدَّثُ يُكْثِرُ أَنْ يَرْفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٨٣٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1265> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٨٣١ - [٣١] عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، كَانَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُهُ مُسْتَرْضَعًا فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ، فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ وَإِنَّهُ لَيُدَّخَنُ، وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا، فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ ثُمَّ يَرْجِعُ. قَالَ عَمْرٌو: فَلَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي، وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْي،\nــ\n٥٨٣٠ - [٣٠] (عبد اللَّه بن سلام) قوله: (يرفع طرفه إلى السماء) ترقبًا لنزول جبرئيل بالوحي.\nالفصل الثالث\n٥٨٣١ - [٣١] (عمرو بن سعيد) قوله: (في عوالي المدينة) جمع عالية، والمراد القرى التي في جانب العلو من المدينة من مسجد قباء، ومنازل بني قريظة وغيرهم.\nوقوله: (وإنه ليدخن) بضم الياء وتشديد الدال من الدخان.\nوقوله: (وكان ظئره قينًا) الظئر: المرضعة ولد غيرها، من ظأر وأظأر مهموزًا: عطف على غير ولده، ويقال للذكر أيضًا، وكان زوج ظئر إبراهيم اسمها أم سيف قينًا بفتح القاف وسكون الياء بمعنى الحداد، ويقال له: أبو سيف.\nوقوله: (وإنه مات في الثدي) أي: في مدة الرضاع، قيل: كان ابن ستة عشر شهرًا، وقيل: سبعة عشر، وقيل غير ذلك، وقد سبق ذكره في (باب صلاة الخسوف)،","vol":"9","page":314},{"text":"وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ تُكْمِلَانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣١٦].\nــ\nو(تكملان) أي: يتمان من الإكمال.\nوقوله: (في الجنة) أي: أنه يدخل الجنة عقيب موته فيتم فيها رضاعه كرامة له.\nفائدة: اعلم أنه قد روي: (لو عاش إبراهيم لكان نبيًا) قال شيخ بعض شيوخنا ابن ديبع في كتاب (تمييز الطيب من الخبيث فيما يدور على الألسنة من الأحاديث) (١): وقال النووي: هذا الحديث باطل وجسارة على الكلام في المغيبات، وهجوم على أمر عظيم، وقال ابن عبد البر في (تمهيده): لا أدري ما هذا، فقد وَلَدَ نوحٌ ﵇ غَيْرَ نبي، ولو لم يلد نبي إلا نبيًا كان كل واحد نبيًّا لأنه من ولد نبي، قلت: قد أخرجه ابن ماجه وغيره من حديث ابن عباس قال: (لما مات إبراهيم ابن النبي -ﷺ-، قال: إن له مرضعًا في الجنة، ولو عاش لكان صديقًا نبيًّا، ولو عاش لأعتقت أخواله من القبط، وما استرق قبطي) (٢)، وفي سنده أبو شيبة إبراهيم بن عثمان الواسطي وهو ضعيف، واللَّه أعلم، انتهى.\nوفي (شرح الشمائل) للشيخ (٣): قد ورد من طرق ثلاثة عن ثلاثة من الصحابة: (لو عاش لكان نبيًّا)، وتأويله أن القضية الشرطية لا تستلزم وقوع المقدم، ولا يظن بالصحابة الهجوم على مثل ذلك بالظن، وأما إنكار النووي كابن عبد البر لذلك فلعدم ظهور هذا التأويل، وهو ظاهر، انتهى.\nأقول: هذا ظاهر غير مخفي، ولكن الكلام في بيان الملازمة، ولا بد من بيانها.\n_________\n(١) \"تمييز الطيب من الخبيث\" (ص: ١٣٤)، و\"تهذيب الأسماء واللغات\" (١/ ١٠٣).\n(٢) \"سنن ابن ماجه\" (١٥١١).\n(٣) انظر: \"جمع الوسائل\" (٢/ ١٢٤).","vol":"9","page":315},{"text":"٥٨٣٢ - [٣٢] وَعَنْ عَليٍّ: أَنَّ يَهُودِيًّا كَانَ يُقَالُ لَهُ: فُلَانٌ، حَبْرٌ، كَانَ لَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- دَنَانِيرُ، فَتَقَاضَى النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُ: \"يَا يَهُودِيُّ! مَا عِنْدِي مَا أُعْطِيكَ\". قَالَ: فَإِنِّي لَا أُفَارِقُكَ يَا مُحَمَّدُ حَتَّى تُعْطِيَنِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذًا أَجْلِسُ مَعَكَ\" فَجَلَسَ مَعَهُ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ الآخِرَةَ وَالْغَدَاةَ، وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَتَهَدَّدُونَهُ وَيَتَوَعَّدُونَهُ، فَفَطِنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَا الَّذِي يَصْنَعُونَ بِهِ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَهُودِيٌّ يَحْبِسُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنَعَنِي رَبِّي أَنْ أَظْلِمَ مُعَاهِدًا وَغَيْرَهُ\"، فَلَمَّا تَرَجَّلَ النَّهَارُ قَالَ الْيَهُودِيُّ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَشَطْرُ مَالِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَمَا وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُ بِكَ الَّذِي فَعَلْتُ بِكَ إِلَّا لأَنْظُرَ إِلَى نَعْتِكَ فِي التَّوْرَاةِ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلدُهُ بِمَكَّةَ، وَمُهَاجَرُهُ بِطَيْبَةَ، وَمُلْكُهُ بِالشَّامِ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ، وَلَا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ،\nــ\nولعل المقصود مدح إبراهيم وبيان رتبته واستعداده، يعني أنه كان مستعدًا للنبوة لو عاش، ولكنه لم يعش لختم النبوة عليه -ﷺ-، واللَّه أعلم.\n٥٨٣٢ - [٣٢] (علي) قوله: (فلما ترجل النهار) أي: ارتفع، في (القاموس) (١): رجل النهار: ارتفع، و(المهاجر) بفتح الجيم بمعنى الهجرة، و(طيبة) بفتح الطاء وسكون المثناة التحتية من أسماء المدينة المطهرة، ولها أسماء قريبة من المئة، قد ذكرنا نبذة منها في (تاريخ المدينة).\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٢٣).","vol":"9","page":316},{"text":"وَلَا مُتَزَيٍّ بِالْفُحْشِ، وَلَا قَوْلِ الْخَنَا، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَهَذَا مَالِي فَاحْكُمْ فِيهِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ، وَكَانَ الْيَهُودِيُّ كَثِيرَ الْمَالِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"دَلَائِل النُّبُوَّةِ\". [دلائل النبوة: ٦/ ٢٨٠].\n٥٨٣٣ - [٣٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكْثِرُ الذِّكْرَ، وَيُقِلُّ اللَّغْوَ، وَيُطِيلُ الصَّلَاةَ، وَيُقَصِّرُ الْخُطْبَةَ، وَلَا يَأْنَفُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَ الأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ. . . . .\nــ\nوقوله: (ولا متزي) من الزي بمعنى اللباس والهيئة. و(الخنا) بفتح الخاء المعجمة: الفحش في القول، ناقص لا مهموز، وفي (الصراح) (١): خنى: سخن بيهوده كَفتن.\n٥٨٣٣ - [٣٣] (عبد اللَّه بن أبي أوفى) قوله: (ويقل اللغو) في (القاموس) (٢): اللغو واللغا: ما لا يعتد به من كلام وغيره، وكلمة لاغية: أي: فاحشة، وفي (الصراح) (٣): لغو: بيهوده كَفتن. ولعل المراد بالقلة العدم، أو المراد باللغو ما سوى الذكر.\nوقوله: (ويقصر الخطبة) من التقصير، مرّ شرحه في (باب الخطبة).\nوقوله: (ولا يأنف) من أنف منه كسمع أنفًا وأنفة محركتين: أي: استنكف.\nوقوله: (مع الأرملة) بفتح الميم، الأرملة: المرأة التي مات زوجها، والأرمل: الرجل الذي ماتت زوجته، غنيين أو فقيرين، والجمع الأرامل، وهو بالنساء أخص\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٥٥٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٢٢).\n(٣) \"الصراح\" (ص: ٥٨٧).","vol":"9","page":317},{"text":"فَيَقْضِيَ لَهُ الْحَاجَةَ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ن: ١٤١٤، دي: ١/ ٢١٣١].\n٥٨٣٤ - [٣٤] وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّ أَبَا جَهْلٍ قَالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: إنَّا لَا نُكذِّبكَ، وَلَكِنْ نُكَذِّبُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٠٦٤].\nــ\nوأكثر استعمالًا، وقد يفسر الأرامل بالمساكين من رجال أو نساء، كذا في (النهاية) (١)، وفي (القاموس) (٢): رجل أرمل وامرأة أرملة: محتاجة أو مسكينة، والجمع أرامل وأراملة، والأرمل: العزب، وهي بهاء، أو لا يقال للعزبة الموسرة: أرملة، ويقال: الأرملة: الرجال المحتاجون الضعفاء، انتهى. وعطف المسكين على الأرملة في الحديث يدل على أن المراد بها الغربة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فيقضي له) أي: للمسكين أو لكل واحد.\n٥٨٣٤ - [٣٤] (علي) قوله: (إنا لا نكذبك) أي: أنت مشهور بالصدق، وكان يلقب بالصادق الأمين.\nوقوله: (نكذب بما جئت به) أي: الباعث لنا على تكذيبك ونسبتك إلى الكذب الدينُ الذي جئت به نكذبك بسببه حسدًا، فافهم.\n(فأنزل اللَّه تعالى فيهم: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣])، وجاء في التفسير: أي: أنهم لا يكذبونك في الحقيقة، ولكنهم يجحدون بآيات اللَّه ويكذبونها، ونحوه قول السيد لغلامه إذا أهانه بعض الناس: إنهم لم يهينوك، وإنما أهانوني، وقيل: فإنهم لا يكذبونك لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق،\n_________\n(١) \"النهاية\" (٢/ ٢٦٦).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٢٧).","vol":"9","page":318},{"text":"٥٨٣٥ - [٣٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا عَائِشَةُ! لَوْ شِئْتُ لَسَارَتْ مَعِي جِبَالُ الذَّهَبِ، جَاءَنِي مَلَكٌ وَإِنَّ حُجْزَتَهُ لَتُسَاوِي الْكَعْبَةَ، فَقَالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: إِنْ شِئْتَ نَبِيًّا عَبْدًا، وَإِنْ شِئْتَ نَبِيًّا مَلِكًا، فَنَظَرْتُ إِلَى جِبْرِيلَ ﵇ فَأَشَارَ إِلَيَّ أَنْ ضَعْ نَفْسَكَ\".\n٥٨٣٦ - [٣٦] وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى جِبْرِيلَ كَالْمُسْتَشِيرِ لَهُ، فَأَشَارَ جِبْرِيلُ بِيَدِهِ أَنْ تَوَاضَعْ. فَقُلْتُ: \"نَبِيًّا عَبْدًا\" قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَأْكُلُ مُتَّكِأً يَقُولُ: . . . . .\nــ\nولكنهم يجحدون بآيات اللَّه، كذا في (الكشاف) (١)، وهذا القول الأخير يناسب ما في الحديث، فافهم.\n٥٨٣٥، ٥٨٣٦ - [٣٥، ٣٦] (عائشة) قوله: (وإن حجزته لتساوي الكعبة) بيان لطول قامة ذلك الملك، والحجزة بضم الحاء وسكون الجيم والزاي: معقد الإزار، ومن السراويل: موضع التكة.\nوقوله: (إن ربك يقرأ عليك السلام) بفتح الياء، وأما قولهم: يقرئك السلام فبضم الياء، وفي (القاموس) (٢): قرأ ﵇: أبلغه كأقرأه، أو لا يقال: أقرأه إلا إذا كان السلام مكتوبًا، وقد ذكرناه في غير هذا الموضع.\nوقوله: (ضع نفسك) أمر من وضع يضع، وضع فلان نفسه وضعًا ووضوعًا\n_________\n(١) \"الكشاف\" (٢/ ١٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٩).","vol":"9","page":319},{"text":"\"آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ، وَأَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٣٦٨٣، ٣٦٨٤].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1266>٤ - باب المبعث وبدء الوحي</span>\nــ\nوضَعَةً، أي: أذلها، ووضعه: حط من قدره، والمراد اختيار العبودية دون الملك.\n٤ - باب المبعث وبدء الوحي\nالمبعث مصدر ميمي بمعنى البعث من بعثه: إذا أرسله كابتعثه فانبعث، يصح أن يكون اسم زمان، والظاهر هو الأولط، و(بدء) يحتمل أن يكون مهموزًا وناقصًا، وقد ترجم البخاري في أول صحيحه: (باب كيف كان بدء الوحي).\nقال عياض في (المشارق) (١): رويناه مهموزًا من الابتداء، ورواه بعضهم غير مهموز من البدو بمعنى الظهور، قال أبو مروان بن سراج: والهمز أحسن؛ لأنه يجمع المعنيين معًا.\nوأحاديث الباب تدل على الوجهين؛ لأن فيه بيان كيف يأتيه الوحي ويظهر عليه، وفيه ابتداء حاله فيه، وأول ما ابتدئ به منه، انتهى. والبدء بالمعنى الأول بفتح الباء وسكون الدال، وعلى الثاني بضم الباء والدال وتشديد الواو، قال الشيخ ابن حجر (٢): ويرجح الأول أنه وقع في بعض الروايات: (كيف كان ابتداء الوحي).\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٨٠).\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ١).","vol":"9","page":320},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالوحي في الأصل يجيء بمعنى الإشارة والكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفي، وكل ما ألقيته إلى غيرك والصوت.\nوقال في (المشارق) (١): الوحي أصله الإعلام في خفاء وسرعة، وهو في حق النبي -ﷺ- وغيره من الأنبياء على ضروب؛ فمنه: إعلام بسماع الكلام العزيز، كموسى ﵇ كما دل عليه الكتاب، ونبينا محمد -ﷺ- كما دلت عليه الأخبار في ليلة الإسراء، ووحي رسالة وواسطة بالملك كأكثر حالات نبينا وسائر الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليه وعليهم، ووحي إلقاء، وقد ذكر أنه كان وحي داود ﵇، وجاء في غير أثر عن نبينا -ﷺ- نحوه كقوله: ألقي في روعي، انتهى.\nوالوحي إلى غير الأنبياء بمعنى الإلهام [كقوله تعالى]: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى﴾ [القصص: ٧]، ويجيء بمعنى الأمر ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة: ١١١]، أي: أمرتهم، وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، أي: أومأ، وقيل: كتب بيده في الأرض، وقوله تعالى: ﴿لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، أي: يأمرونهم ويلقون في قلوبهم، ويجيء بمعنى خلق العلم الطبيعي كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، والبيضاوي (٢) فسره أيضًا بقوله: ألهمها وألقى في قلبها، وكان المناسب بحال تفلسفه أن يفسره بما ذكرنا، فافهم. ويقال: وحى وأوحى، وقد سبق في (كتاب الرؤيا) ما يتعلق بالوحي وبيان أقسامه.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٨١).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (٣/ ٢٣٢).","vol":"9","page":321},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1267> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٨٣٧ - [١] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَمَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُوحَى إِلَيْهِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ فَهَاجَرَ عَشْرَ سِنِينَ، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٩٠٣، م: ٢٣٥١].\nــ\nالفصل الأول\n٥٨٣٧ - [١] (ابن عباس) قوله: (لأربعين سنة) اللام بمعنى الوقت، أي: بعد تمامه، و(مكث) بضم الكاف وفتحها من باب كرم ونصر.\nوقوله: (فهاجر) أي: أقام في دار الهجرة.\nوقوله: (ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة). اعلم أنه قد جاء في سنه -ﷺ- ثلاث روايات: إحداها: أنه ثلاث وستون سنة، وهي أصحها وأشهرها. ثانيها: خمس وستون سنة. وثالثها: ستون سنة، وهذا الاختلاف فرع الاختلاف في أن إقامته بمكة قبل الهجرة ثلاث عشرة، أو خمس عشرة، أو عشرة، وأما الإقامة بالمدينة فعشر بلا خلاف، وقد يتأول بأن رواية ستين اقتصر فيها على العقود وترك الكسر، ورواية ثلاث وستين لم يعد فيها سنتا المولد والوفاة، ويختلج فيه أن هذا التأويل يقتضي أن يكون الصحيح في عمره -ﷺ- خمسًا وستين؛ لأن سنة المولد والوفاة داخلة في العمر بلا شبهة، ويكون التأويل في رواية ثلاث وستين كترك الكسر في رواية ستين، مع أنهم اتفقوا على أن الأصح رواية ثلاث وستين.\nوأما ابتناء الخلاف على الاختلاف في مدة الإقامة بمكة فلا ينافي أصحية رواية ثلاث وستين في عمره لأصحية رواية الإقامة ثلاث عشرة سنة، فافهم،","vol":"9","page":322},{"text":"٥٨٣٨ - [٢] وَعَنْهُ قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، يَسْمَعُ الصَّوْتَ وَيَرَى الضَّوْءَ سَبْعَ سِنِينَ، وَلَا يَرَى شَيْئًا، وَثَمَانِ سِنِينَ يُوحَى إِلَيْهِ، وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرًا، وَتُوُفِّيَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سَنَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٩٠٢، م: ٢٣٥٣].\nــ\nفالصواب (١) أن تؤول رواية خمس وستين بأن يقال: إنه أخذ سنتي الوفاة تامتين (٢) وجعل بعض أشهر المولد سنة تامة، فافهم.\n٥٨٣٨ - [٢] (وعنه) قوله: (يسمع الصوت) كان يسمعه من يمينه وشماله ومن فوقه فيقول: يا محمد! ولا يرى أحدًا، (ويرى الضوء) أي: المحسوس، وقيل: المراد به وجود الانشراح والانكشاف، والظاهر هو الأول حتى زِيد في بعض الروايات: في الليالي المظلمة.\nوقوله: (ولا يرى شيئًا) الظاهر أنه يتعلق بسماع الصوت ورؤية الضوء معًا، أي: لا يرى شيئًا يصوت ويضيء.\nوقوله: (وثمان سنين يوحى إليه) هذا الحديث يدل على أن سماع الصوت ورؤية الضوء كان بعد النبوة في مدة إقامته بمكة، والذي ذكر في كتب السير، ويظهر من الأحاديث أنه كان قبل النبوة، حتى قالوا: إن الحكم في ذلك أن يحصل الاستئناس والائتلاف بعالم الملكوت وأنواره، ولا يكون ظهوره بغتةً سببًا لهدم بناء البشرية واضمحلال رسوم الإنسانية، ومع ذلك كان يجد من الثقل والتعب في وقت الوحي\n_________\n(١) قوله: \"فالصواب أن يأول -إلى- سنة تامة، فافهم\" كذا في (ب)، وسقط في (ك)، و(ع)، و(ر).\n(٢) كذا في الأصل، والظاهر: \"سنة الوفاة تامة\".","vol":"9","page":323},{"text":"٥٨٣٩ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: تَوَفَّاهُ اللَّهُ عَلَى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٩٠٠، م: ٢٣٤٧].\n٥٨٤٠ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: قُبِضَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَأَبُو بَكْرٍ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ، وَعُمَرُ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٤٨].\nقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيُّ: ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ أَكْثَرُ.\n٥٨٤١ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ -﵂- قَالَتْ: . . . . .\nــ\nما يجد، واللَّه أعلم.\n٥٨٣٩ - [٣] (أنس) قوله: (توفاه اللَّه على رأس ستين سنة) وهذا يستلزم أن يكون الإقامة بمكة عشر سنين، لأن البعث بعد الأربعين والإقامة بالمدينة عشرًا مما لا خلاف فيه، وقد جاء في حديث الترمذي عن أنس صريحًا: بعثه اللَّه على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين، والمدينة عشر سنين (١).\n٥٨٤٠ - [٤] (وعنه) قوله: (وهو ابن ثلاث وستين) هذا الحديث من أنس دليل على أنه المراد في الحديث السابق عنه: توفاه اللَّه على رأس ستين سنة، بترك الكسر.\nوقوله: (ثلاث وستين أكثر) أي: أكثر وأشهر في الرواية.\n٥٨٤١ - [٥] (عائشة -﵂-) قوله: (قالت) أي: سماعًا من النبي -ﷺ- أو من بعض الصحابة؛ لأنها -﵂- لم تدرك هذه القضية.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في \"سننه\" (٣٦٢٣).","vol":"9","page":324},{"text":"أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إليهِ الخَلاءُ، وكانَ يَخْلُو بِغَارِ حِراءٍ، فَيَتَحنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ. . . . .\nــ\nوقوله: (الرؤيا الصادقة) وكانت مدة هذه الرؤيا ستة أشهر، وقد مضى الكلام فيها في (كتاب الرؤيا).\nوقوله: (في النوم) صفة مؤكدة، أو ليخرج رؤيا العين في اليقظة لاحتمال أنه يطلق عليه مجازًا، كذا قيل.\nوقوله: (إلا جاءت) أي: الرؤيا، أي: تعبيره وتأويله (مثل فلق الصبح) أي: ضوئه، أي: يظهر تعبيره وتأويله ظاهرًا بينًا بلا شوب اشتباه، وفيه رمز إلى وقوعه صريحًا كالصبح بعد الليل، و(الفلق) محركة: الصبح، وما انفلق من عموده، والقمر.\nوقوله: (ثم حبب) بلفظ المجهول، و(الخلاء) بالمد بمعنى الخلوة، ثم لا يخفى أن هذا قبل ابتداء الوحي ونزول الملك، فـ (ثم) هنا لتراخي البيان لذكر القصة من أولها، فافهم، و(حراء) بالمد وكسر الأول وهو الرواية المشهورة، وفي رواية الإسماعيلي بالفتح والقصر، وقد يؤنث ويمنع من الصرف: جبل معروف بمكة، ويسميه الناس بجبل النور. و(الغار) نقب في الجبل قريب من معنى الكهف، ولكن الكهف كالبيت المنقور في الجبل، أو هو كالغار إلا أنه واسع فإذا صغر فغار.\nوقوله: (فيتحنث فيه وهو) أي: التحنث بالمثلثة (التعبد) تفسير من بعض الرواة، وأصل التحنث: الاجتناب عن الحنث، أي: الإثم، كالتأثم والتحرج، وقيل: يتحنث بمعنى يتحنف، أي: يتبع الملة الحنيفية، وهو دين إبراهيم، والفاء تبدل ثاءً في كلامهم","vol":"9","page":325},{"text":"اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ- قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدَ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعَ إِلَى خَدِيجَةَ، فَيَتَزَوَّدَ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ،\nــ\nكثيرًا، كذا في (فتح الباري) (١)، وقال: وقد وقع في رواية ابن هشام في (السير) (٢): يتحنف بالفاء.\nوقوله: (الليالي) بالنصب ظرف لـ (يتحنث) لا بـ (التعبد)، وهو ظاهر، والمراد الليالي مع الأيام، وخصت الليالي بالذكر؛ لأنها أنسب بالخلوة.\nوقوله: (ذوات العدد) صفة الليالي، واختلف في تعبده بماذا كان؟ قيل: بالفكر، وقيل: بالذكر، وهو المختار، وبهذا المعنى بيان عجيب في كتاب (سفر السعادة) وشرحه، وإبهام العدد قيل: لاختلاف فيها، قال الشيخ: لعله بالنسبة إلى المدة التي يتخللها مجيئه إلى أهله، وإلا فأصل الخلوة قد عرفت مدتها وهي شهر، وذلك الشهر كان رمضان، رواه ابن إسحاق (٣).\nو(ينزع) بكسر الزاي بمعنى يرجع، من نزع إلى أهله نزاعة ونزاعًا بالكسر ونزوعًا: اشتاق، وروى البخاري في (كتاب التفسير): يرجع.\nوقوله: (ويتزود) عطف على (يتحنث).\nوقوله: (لمثلها) الضمير للَّيالي.\nوقوله: (حتى جاءه الحق) أي: الوحي أو رسول الحق، وفي التفسير: حتى فَجِئَه الحق بكسر الجيم أي: جاءه بغتة.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٣).\n(٢) \"السيرة النبوية\" لابن هشام (١/ ٢٣٥).\n(٣) \"سيرة ابن إسحاق\" (ص: ٢٢١).","vol":"9","page":326},{"text":"فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقَالَ: \"مَا أَنَا بِقَارِئٍ\". قَالَ: \"فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجُهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي. . . . .\nــ\nوقوله: (فجاءه الملك) الفاء تفسيرية لا تعقيبية.\nوقوله: (ما أنا بقارئ) أي: لا أستطيع القراءة ولا أحسنها، ولعل كان لدهشة وروع دخل في قلبه من رؤية الملك، وهيبة ذلك المقام، لا لما يتبادر إلى الأذهان أنه -ﷺ- كان أميًّا؛ لأن الأمية لا تنافي القراءة بتعليم الغير وتلقينه خصوصًا من الفصيح في غاية الفصاحة، وإنما ينافي الكتابة والقراءة من الكتاب، قال في (القاموس) (١): الأمي: من لا يكتب ولم يتعلم الكتاب، وجاء في بعض الروايات: فأعطى جبرئيل بيده صحيفة من حرير مرصعًا بالجواهر، وقال: اقرأ فقال: (واللَّه ما أنا بقارئ، ولا أرى في هذه الصحيفة شيئًا)، وهذا أنسب وأظهر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فغطني) بالغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة، أي: ضغطني وضمني وعصرني، وفي رواية الطبري (٢): (فغتّني) بالتاء المثناة وهما بمعنى، ومنه غطه في الماء بالطاء والتاء، أي: غوصه فيه.\nوقوله: (حتى بلغ مني الجهد) روي بالنصب، أي: بلغ الغط أو جبرئيل مني غاية وُسعي، وبالرفع، أي: بلغ الجهد مني مبلغه. وقد يستبعد الوجه الأول بأن البنية البشرية لا يحتمل استيفاء القوة الملكية لا سيما في بدء الأمر، والجواب أن هذا مبالغة في الغط والضغط لا حقيقة، وأن جبرئيل لم يكن على صورته الحقيقية وقوته\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٩٤).\n(٢) \"تاريخ الطبري\" (٢/ ٢٩٨).","vol":"9","page":327},{"text":"الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجُهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأْ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ. فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الجُهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١ - ٥] \". فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ، فَقَالَ: \"زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي\" فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: \"لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي\"\nــ\nالملكية، والجهد بالفتح والضم: الطاقة والمشقة والغاية، لغتان، وقد يفرق.\nوقوله: (الثانية) بالنصب، أي: في المرة الثانية.\nوقوله: (فقال: اقرأ باسم ربك) أي: لا تقرأ بحولك وقوتك لكن بإعانة ربك وتوفيقه.\nوقوله: (فرجع بها) أي: بهذه الكلمات أو بالقصة. و(يرجف) أي: يتحرك ويضطرب، لازم ومتعد، من باب نصر. و(الفؤاد) بضم الفاء والهمزة: القلب، قال في (القاموس) (١): التفؤد: التحرق، والتوقد، ومنه: الفؤاد: للقلب.\nوقوله: (زملوني زملوني) مكررًا، في (القاموس) (٢): التزميل: الإخفاء، واللفّ في الثوب، وتزمل: تلفف، وذلك لشدة ما لحقه من الهول، وجرت العادة بسكون الرعدة بالتلفف والتدفؤ.\nوقوله: (لقد خشيت على نفسي) مقول (قال)، واختلف العلماء في المراد من الخشية على أقوال؛ قيل: خشي الجنون، وأن يكون ما رآه من الكهانة، وجاء مصرحًا\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٩٠).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٢٩).","vol":"9","page":328},{"text":"فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا، وَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ،\nــ\nفي طرق متعددة، وأبطله القاضي أبو بكر بن العربي، وحق له أن يبطل، وحمله الإسماعيلي على أن ذلك قبل حصول العلم الضروري له -ﷺ- في أوائل التباشير في النوم واليقظة وسماع الصوت قبل لقاء الملك.\nولا يخفى أن ظاهر الحديث يدل على أنه بعد مجيء الملك وإتيانه بـ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ وبعد حصول ذلك العلم في الحالة المذكورة، وأنى يتصور عدم حصوله بعد مثل هذه الخلوة والتحنث، وظهور الأنوار، ونزول الملك بالقران على الطريقة المذكورة، فتبطل هذه الخشية قطعًا، واللَّه أعلم. وقيل: خشي الموت من شدة الرعب، وقيل: المرض، وقيل: العجز عن حمل أعباء النبوة، وقيل: عدم الصبر على أذى قومه، وقيل: أن يقتلوه، وقيل: مفارقة الوطن كما يظهر من قوله لورقة: (أو مخرجي هم؟)، واللَّه أعلم.\nوقوله: (لا يخزيك اللَّه) بضم الياء وسكون الخاء المعجمة وبالزاي من الخزي في أكثر الروايات، وبالحاء المهملة والنون، فإما بفتح الياء وضم الزاي من حزنه، وإما بضم الياء وكسر الزاي من أحزن، يقال: حزنه الأمر حزنًا بالضم وأحزنه: جعله حزينًا، وحزن كفرح جاء لازمًا فهو من نصر متعد، ومن فرح لازم، استدلت -﵂- على ما أقسمت عليه من نفي الخزي عنه -ﷺ- بما يلوح من جزالة رأيها وأنوار معرفتها وفراستها، وكيف لا وهي أول من آمن بالحقيقة لم يشاركها فيه أحد، ووصفته بأصول مكارم الأخلاق، وهو يدل على أن من كان هذه صفاته لا يخزيه اللَّه، ولا يسلك به إلا إلى صراط مستقيم، ولا يحزنه بإصابة المكروهات في الدنيا والدين.\nوقوله: (وتصدق) وفي رواية: (وتؤدي الأمانة).","vol":"9","page":329},{"text":"وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ،\nــ\nوقوله: (وتحمل الكل) بفتح الكاف وتشديد اللام: الثقل من كل ما يتكلف، والعيال، كذا في (النهاية) (١)، ونقل الطيبي (٢): ويدخل في حمل الكَلّ: الإنفاق على الضعيف واليتيم والعيال وغير ذلك، وهو من الكلال بمعنى الإعياء، وقال في (فتح الباري) (٣): هو من لا يستقل بأمره، وقيل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ [النحل: ٧٦]: أي: عيال وثقل على من يلي أمره، وقال في (القاموس) (٤): الكل: اليتيم، والثقيل لا خير فيه، والعيال، والثقل.\nوقوله: (وتكسب المعدوم) قال النووي (٥): هو بالفتح هو الصحيح، وروي ضمها، كسبته مالًا وأكسبته مالًا بمعنى تُكْسِب غيرك المال المعدوم، أي: تعطيه [إياه] تبرعًا، وقيل: معنى الفتح (٦): تحصيل المال بكونك محظوظًا في التجارة، وكان هذا مدحًا عندهم مع كونه صارفًا في وجوه البر، وقال القاضي عياض (٧): (تكسب المعدوم) أكثر الرواية فيه وأشهرها وأصحها فتح التاء، ومعناه: تكسبه لنفسك، وقيل: تكسبه غيرك ويؤتيه إياه، يقال: كسبت مالًا وكسبت غيري مالًا، لازم ومتعد، وأنكر ابن القزاز وغيره (أكسبت) في التعدي، وصوبه ابن الأعرابي وأنشد: فأكسبني مالًا\n_________\n(١) \"النهاية\" (٤/ ١٩٨).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٥٠).\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٢٤).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٧٢).\n(٥) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٢/ ٢٠١).\n(٦) أي بفتح التاء في \"تكسب\".\n(٧) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٣٤٧).","vol":"9","page":330},{"text":"وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ إِلَى وَرَقَةَ ابْنِ نوفَلٍ ابْنِ عَمِّ خَدِيجَةَ فَقَالَتْ لَهُ: يَا ابْنَ عَمِّ! اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي! مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَبَرَ مَا رَأَى. فَقَالَ وَرَقَةُ: . . . . .\nــ\nوأكسبته حمدًا، انتهى.\nونقل عن الخطابي الصواب على الضم (المعدم) بلا واو، أي: الفقير؛ لأن المعدوم لا يكسب، ووُجِّه بأن الفقير كالمعدوم الميت الذي لا تصرف له، فتدبر. والكسب: هو الطلب، والسعي في طلب الرزق والمعيشة.\nوقوله: (وتقري الضيف) بفتح التاء وسكون القاف من القرى بالكسر والقصر بمعنى الضيافة. و(تعين على نوائب الحق) جمع نائبة بمعنى الحادثة، من النوب بمعنى نزول الأمر.\nو(ورقة) بفتح الواو والراء (ابن نوفل) بن أسد بن عبد العزى، كذا في (صحيح البخاري) (١)، وزاد بعد قوله: (ابن عم خديجة) وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني -وفي رواية: العربي- فيكتب من الإنجيل بالعربية ما شاء اللَّه أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، انتهى.\nوخديجة هي بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى، فقولها: (يا ابن عم) على الحقيقة لا على عادة العرب في النداء بـ: يا ابن عم أو ابن أخي، كما في قولها: (اسمع من ابن أخيك).\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٣).","vol":"9","page":331},{"text":"هَذَا هُوَ النَّامُوسُ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا،\nــ\nوقوله: (هذا هو الناموس الذي أنزل اللَّه) من الإنزال، وفي رواية: (نزل) من التنزيل، وفي أخرى: (نزل) بلفظ المجهول، و(الناموس): صاحب السر المطلع على باطن أمرك، أو صاحب سر الخير، كذا في (القاموس) (١)، وفي (فتح الباري) (٢): الناموس: صاحب السر كما جزم به البخاري في أحاديث الأنبياء، وزعم ابن ظفر أن الناموس: صاحب سر الخير، والجاسوس: صاحب سر الشر، والأول هو الصحيح الذي عليه الجمهور، وقد سوى بينهما رؤية بن العجَّاج أحد فصحاء العرب، انتهى.\nوقوله: (على موسى) قال الشيخ (٣): إنما قال: على موسى، ولم يقل: على عيسى مع كونه نصرانيًّا؛ لأن كتاب موسى ﵇ مشتمل على أكثر الأحكام بخلاف عيسى، وكذلك النبي -ﷺ-، أو لأن موسى بعث بالنقمة على فرعون ومن معه، بخلاف عيسى، وكذلك نبينا -ﷺ- وقعت النقمة على يده لفرعون هذه الأمة وهو أبو جهل ومن معه [ببدر]، أو لأن نزول جبريل على موسى متفق عليه بين أهل الكتابين، بخلاف عيسى فإن كثيرًا من اليهود ينكرون نبوته.\nوقوله: (يا ليتني) قيل: هو بحذف المنادى، أي: يا محمد. وقيل: إن (يا) ههنا لمجرد التنبيه كما في يا حبذا، كذا نقله الطيبي (٤).\nوقوله: (فيها) أي: في أيام نبوتك ودعوتك أو في مدتها. و(جذعًا) منصوب\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٣٥).\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٦).\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٢٦).\n(٤) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٥٢).","vol":"9","page":332},{"text":"يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ \" قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ. . . . .\nــ\nفي أكثر الروايات، وعند الأصيلي: جذع بالرفع، فالنصب على أنه خبر (كان) المقدرة، قاله الخطابي، وهو مذهب الكوفيين في قوله تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]، وقال بعضهم: يا ليتني جعلت فيها جذعًا، كذا قال الشيخ (١)، وقيل: منصوب على الحالية، و(فيها) خبر ليت، والعامل معنى التمني أو معنى الاستقرار، و(الجذع) بفتحتين والذال المعجمة: الشاب الحديث، وأصله في البهائم، فيقال: لولد الشاة في السنة الثانية، وللبقر، وذوات الحافر في الثالثة، وللإبل في الخامسة.\nوقوله: (إذ يخرجك قومك) قيل: (إذ) هنا للاستقبال كـ (إذا)، وقيل: هي للماضي استعملت هنا لتحقق وقوعه.\nوقوله: (أو مخرجي) بتشديد الياء كمسلمي، وإدخال حرف الاستفهام على حروف العطف كثير في القرآن وغيره، ويقدرون في مثله معطوفًا عليه، أي: أفاعلون ذلك ومخرجي هم؟ والهمزة للإنكار؛ لأن الصفات التي ذكرتها خديجة تنافي الإخراج.\nوقوله: (هم) مبتدأ تقدم خبره.\nوقوله: (إلا عودي) وفي رواية: (إلا أوذي).\nوقوله: (وإن يدركني) (إن) شرطية و(يدركني) مجزوم، و(يومك) فاعله، وزاد في رواية: (حيًّا)، ولابن إسحاق: إن أدركت ذلك اليوم، والمراد يوم الدعوة، أو يوم الإخراج والمعاداة، والأول أظهر.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٦).","vol":"9","page":333},{"text":"أَنْصُرُكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوَفِّيَ وَفَتَرَ الوحيُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٨٢، م: ١٦٠].\nــ\nوقوله: (مؤزرًا) بالهمزة، أي قويًا من الأزر، وهو القوة، في (القاموس) (١): الأزر: القوة، وفي (صحيح البخاري) (٢) عن مجاهد: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: ٣١]: ظهري، وقال بعضهم: أصله موزرًا من وازرت، ويقال فيه أيضًا: آزرت، أي: عاونت، انتهى. وفي (النهاية) (٣): الأزْر: القوّة والشّدّة، أزَّرَه وآزَره: إذا أعانه، ونصرًا مؤزرًا: بالغًا شديدًا، هذا فنقل الشيخ (٤) إنكار بعضهم كون المؤزر في اللغة من الأزر لا يخلو عن غرابة، فنقل عن بعضهم احتمال كونه من الإزار إشارة إلى تشميره في نصرته، واللَّه أعلم.\nوقوله: (لم ينشب) بفتح الشين المعجمة بلفظ المعلوم، أي: لم يلبث، وأصل النشوب: التعلق بشيء من الأمور، وفي (القاموس) (٥): تناشبوا: تضاموا، وتعلق بعضهم ببعض، ونشبه الأمر: كلزمه زنةً ومعنى.\nوقوله: (أن توفي) وقال الطيبي (٦): هو بدل اشتمال من (ورقة)، أي: لم تلبث وفاته، ويجوز أن يكون بتقدير حرف الجر، أي: لم يلبث ورقة؛ لأنه توفي.\nوقوله: (وفتر الوحي) أي: عدم تتابعه، وتأخر مدة من الزمن، ويطلق الفترة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٢٢).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (ك: ٦٠، ب: ٢٢).\n(٣) \"النهاية\" (١/ ٤٤).\n(٤) \"فتح الباري\" (١/ ٢٧).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٧).\n(٦) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٥٤).","vol":"9","page":334},{"text":"٥٨٤٢ - [٦] وَزَادَ الْبُخَارِيُّ: حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِيمَا بَلَغَنَا- حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَي يَتَرَدَّى مِنْ رُؤُوْسِ شَوَاهِقِ الْجَبَلِ، فَكُلَّمَا أَوْفَى بِذِرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِيَ نَفْسَهُ مِنْهُ، تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! . . . . .\nــ\nعلى ما بين الرسولين من رسل اللَّه من زمان انقطعت فيه الرسالة، كما بين عيسى ﵇ ومحمد -ﷺ-، والفترة والفتور في الأصل: ينبئ عن معنى الضعف بعد القوة، والسكون بعد الحدة، في (القاموس) (١): فتر يفتُرُ ويفتِر فتورًا وفُتارًا: سكن بعد حدة، ولانَ بعد شدة، وفتر الماء: سكن حره، فهو فاتر وفاتور. وكان مدة فترة الوحي ثلاث سنين وجزم به ابن إسحاق، وحكى البيهقي أن مدة الرؤيا كانت ستة أشهر، وجاء في بعض الروايات: أنها كانت سنتين ونصف، قال الشيخ (٢): وليس المراد بفترة الوحي ما بين نزول (اقرأ)، و(يا أيها المدثر) عدم مجيء جبريل إليه، بل تأخر نزول القرآن فقط.\n٥٨٤٢ - [٦] (عائشة) قوله: (حتى حزن النبي) بكسر الزاي، وقالوا: الحكمة في فتور الوحي أن يذهب ما كان -ﷺ- وجده من الروع، وليحصل له التشوق إلى العود، واللَّه أعلم.\nوقوله: (غدا منه) أي: ذهب بسبب فتور الوحي (يتردى) أي: يسقط (شواهق) جمع شاهق، وهو المرتفع من الجبال والأبنية وغيرها.\nوقوله: (أوفى) أي: أشرف واطلع، و(ذروة) الشيء بالضم والكسر: أعلاه.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٠٩).\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٢٧).","vol":"9","page":335},{"text":"إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا. فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأشُه وَتَقِرُّ نَفْسُهُ.\n٥٨٤٣ - [٧] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْي، قَالَ: \"فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَجُئِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا حَتَّى هَوَيْتُ إِلَى الأَرْضِ،\nــ\nوقوله: (إنك رسول اللَّه حقًّا) ربما ينظر ظاهره إلى أن وجه الخشية هو خوف الكهانة ونحوه، ويمكن أن يقال: إنه إذا كان رسول اللَّه -ﷺ-[سليمًا] من الآفات كلها، وكان عاقبة أمره خيرًا من جميع الوجوه، فترتفع الخشية من جميع الوجوه. و(الجأش): روع القلب إذا اضطرب نفس الإنسان، يهمز ولا يهمز.\n٥٨٤٣ - [٧] (جابر) قوله: (الملك الذي جاء بحراء) يدل على تأخر نزول سورة (المدثر) عن (اقرأ)، وهو الصحيح، ويأتي الكلام فيه في الفصل الثالث.\nوقوله: (على كرسي) بالضم والكسر: السرير.\nوقوله: (فجئثت منه) بجيم مضمومة فهمزة مكسورة فمثلثة ساكنة على لفظ المجهول للمتكلم، أي: ذعرت وخفت، في (القاموس) (١): جئث كزُهِيَ جؤوثًا: فَزِعَ، والرعب: الفزع.\nوقوله: (رعبًا) إما مفعول مطلق من غير لفظ الفعل، أو تمييز بأن تعتبر المغايرة بين المفهومين، وفي رواية: (فرعبت منه رعبًا) (٢)، فافهم. و(هويت) بفتح الواو من ضرب يضرب بمعنى سقطت.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٥٣).\n(٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٤).","vol":"9","page":336},{"text":"فَجِئْتُ أَهلِي (١) فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي، فَزَمَّلُونِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥] ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٢٦، م: ١٦١].\n٥٨٤٤ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ،\nــ\nوقوله: (زملوني زملوني) في رواية الأصيلي وكريمة: (زملوني) مرة واحدة، وفي رواية يونس في التفسير: (دثروني).\nوقوله: (وثيابك فطهر) أي: النجاسة، وقيل: الثياب: النفس، وتطهيرها: اجتناب الرذائل. (والرجز) بالضم والكسر: القذر، وعبادة الأوثان، والعذاب، والشرك، ووقع تفسيره بالأوثان من تفسير الراوي عند البخاري (٢)، وقال الشيخ (٣): الرجز في اللغة: العذاب، وسمي الأوثان رجزًا؛ لأنها سببه.\nوقوله: (ثم حمي الوحي) على وزن سمع، أي: اشتد حره، كناية عن كثرته وتتابعه.\n٥٨٤٤ - [٨] (عائشة) قوله: (مثل صلصلة الجرس) الصلصلة في الأصل: صوت وقوع الحديد بعضه على بعض إذا حرك مرة بعد أخرى، وتداخل صوته، ثم أطلق على كل صوت له طنين، وقيل: هو صوت متدارك، لا يدرك أول وهلة، كذا في\n_________\n(١) في نسخة: \"إلى أهلى\".\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٤٩٢٥).\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٢٨).","vol":"9","page":337},{"text":"وَهوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ،\nــ\n(فتح الباري) (١)، وقال في (النهاية) (٢): صوت الحديد إذا حُرّك، وهي أشد من الصليل، والجرس: الجلجل الذي تعلق في رؤوس الدوابّ، واشتقاقه من الجرس بإسكان الراء وهو الحس، كذا في (فتح الباري) (٣).\nوقال الكرماني (٤): الجرس: ناقوس صغير، أو سَطْل في داخله قطعة نحاس يعلق منكوسًا على البعير، فإذا تحرك تحركت النحاسة، فأصابت السطل، فحصلت الصلصلة، وقال الشيخ (٥): وهو تطويل للتعريف بما لا طائل تحته، وتشبيه الوحي بها لتقريبه بأفهام العامة.\nوقال الخطابي: يريد أنه صوت متدارك يسمعه ولا يتبينه أولَ ما يسمعه حتى يفهمه بعد، وهذا كما جاء في حديث أبي هريرة: (إذا قضى اللَّه في السماء أمرًا، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنها سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير) (٦).\nوقوله: (وهو أشده عليَّ) أي: هذا القسم من الوحي أشد أقسامه على فهم المقصود؛ لأن الفهم من كلام مثل الصلصلة أشكل من كلام الرجل بالتخاطب المعهود، ويقال في تعدد الوحي بهذين النوعين: إنه لا بد من المناسبة بين القائل والسامع،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٠).\n(٢) \"النهاية\" (١/ ٢٦١).\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٢٠).\n(٤) \"شرح الكرماني\" (١/ ٢٧).\n(٥) \"فتح الباري\" (١/ ٢٠).\n(٦) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٤٨٠٠).","vol":"9","page":338},{"text":"فَيَفْصِمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا فَيُكَلِّمُنِي، فَأَعِي مَا يَقُولُ\". قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ،\nــ\nوهي هنا إما باتصافه -ﷺ- بصفة الملَكية وغلبة الروحانية، وهو النوع الأول، وإما باتصاف جبرئيل بوصف البشرية، وهو النوع الثاني، والأول أشد على النبي -ﷺ- لغاية تصرف جبرئيل فيه بخلعه عن صفة البشرية وإلباسه لباس الملكية، هذا إذا كان الصلصلة محمولًا على أنه وحي وكلام الملك كما هو الظاهر من الحديث، وأما إذا حمل على أنه صوت حفيف أجنحة الملك فالحكمة في تقدمه أن يقرع سمعه الوحي، فلا يبقى فيه مكان لغيره، فمعنى كونه أشد لتجمع قلبه، فيكون أوعى لما سمع، كذا في (فتح الباري) (١)، ولعله أراد كونه أشد تعلقًا بقلبه حفظًا له، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فيفصم عني) بفتح الياء وسكون الفاء وكسر المهملة، أي: يقلع ويتجلى ما يغشاني، وروي بضم أوله من المزيد بمعنى صار ذا فصم، وفي رواية لأبي ذر بضم أوله وفتح الصاد على البناء للمجهول، والفصم: القطع، فصمه يفصمه: كسره فانفصم، ولكن الفصم بالفاء: القطع من غير إبانة، وبالقاف: القطع بإبانة، فذكر الفصم إشارة إلى أن الملك فارقه ليعود لبقاء الجامع بينهما.\nوقوله: (وقد وعيت) أي: حفظت (عنه ما قال) جملة حالية.\nوقوله: (يتمثل لي الملك) أي: يتشكل بشكل البشر.\nوقوله: (فيكلمني) وفي رواية: (فيعلمني)، وقيل: هذا تصحيف، والصحيح\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٢٠).","vol":"9","page":339},{"text":"فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢، م: ٢٣٣٣].\n٥٨٤٥ - [٩] وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ كُرِبَ لِذَلِكَ وَتَرَبَّدَ وَجْهُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ: نكَّسَ رأسَهُ، وَنكَّسَ أَصْحَابُهُ رُؤُوسَهُمْ، فَلَمَّا أُتْلِيَ عَنْهُ رَفَعَ رَأْسَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٣٤].\nــ\n(يكلمني) بالكاف.\nوقوله: (وإن جبينه ليتفصد عرقًا) أي: يسيل، وهو مأخوذ من الفصد بمعنى قطع العرق لإسالة الدم.\nوقوله: (عرقًا) بفتحتين تمييز، وهو أبلغ من أن يقال: ليتفصد عرقه كما في قوله تعالى: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤].\n٥٨٤٥ - [٩] (عبادة بن الصامت) قوله: (كرب) بلفظ المجهول، والكرب بالفتح: الغم الذي يأخذ النفس، كالكربة بالضم، والظاهر أن الكرب لشدة الوحي، وقيل: للاهتمام بما يطالب به من حقوق العبودية والقيام بشكر المنعم لا سيما من عصاة الأمة.\nوقوله: (تربد) في (القاموس) (١): تربد: تغير، وتربدت السماء: تغيمت، والربدة بالضم: لون بين السواد والغبرة، أي: علته غبرة وصار كلون الرماد لغلبة التغير.\nوقوله: (فلما أتلي عنه) بهمزة مضمومة، فمثناة فوقية ساكنة، فلام مكسور، فمثناة تحتية مفتوحة، أي: ارتفع عنه الوحي، وأصل أتليته بمعنى أحلته، كذا في\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٦٩).","vol":"9","page":340},{"text":"٥٨٤٦ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] خَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا، فَجَعَلَ يُنَادِي: \"يَا بَنِي فِهْرٍ! يَا بَنِي عَدِيٍّ\" لِبُطُونِ قُرَيْشٍ حَتَّى اجْتَمعُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ مَا هُوَ،\nــ\n(القاموس) (١)، فالملك إذا قضى الوحي فقد أحال عليه البلاغ، كذا قال الطيبي (٢)، وقال عياض (٣): (فلما أتلي عنه) بضم الهمزة وتاء باثنتين فوقها ساكنة ولام مكسورة مثل أعطي، كذا قيده شيخنا القاضي أبو عبد اللَّه بن عيسى عن الجياني، وعند الفارسي مثله إلا أنه بثاء مثلثة، وعند العذري من طريق شيخنا الأسدي: أثل بكسر الثاء المثلثة مثل ضرب، وكان عند شيخنا القاضي الحافظ أبي علي: أُجلي بالجيم مثل أعطي أيضًا، وعند ابن ماهان: انجلى بالنون، وكذا رواه البخاري، وهاتان الروايتان هما وجه، أي: انكشف عنه وذهب وفرج عنه، يقال: انجلى عنه الغم، وأجليته عنه، أي: فرجته فتفرج.\nوقال بعضهم: لعله أؤتلي عنه، أي: قصر عنه، وأمسك من قولهم: لم يأل يفعل كذا، أي: لم يقصر، وقال بعضهم: أُعْلي عنه، فصحف منه: انجلى وأجلي، وكذا رواه ابن أبي خيثمة، أي: نحي عنه، كما قال أبو جهل: أعلي عنّي، أي: تنحّ، انتهى، واللَّه أعلم.\n٥٨٤٦ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (يا بني فهر) بكسر الفاء وسكون الهاء.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٦٤).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٥٨).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (١/ ١٧).","vol":"9","page":341},{"text":"فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وَقُرَيْشٌ فَقَالَ: \"أرَأَيْتُمْ إِنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيَلًا تَخْرُجُ منْ سَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ -وَفِي رِوَايَةٍ: أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ- أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ \" قَالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ إِلَّا صِدْقًا. قَالَ: \"فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شديدٍ\". قَالَ أَبُو لَهَبٍ: تبًّا لَكَ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ فَنَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٧١، م: ٢٠٨].\n٥٨٤٧ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَجَمْعُ قُرَيْشٍ فِي مَجَالِسِهِمْ، إِذْ قَالَ قَائِلٌ: أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى جَزُورِآلِ فُلَانٍ، فَيَعْمِدُ إِلَى فَرْثِهَا وَدَمِهَا وَسَلَاهَا ثُمَّ يُمْهِلُهُ، حَتَّى إِذَا سَجَدَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ؟ . . . . .\nــ\nوقوله: (فقال) أي: رسول اللَّه -ﷺ-. والصفح بفتح المهملة وسكون الفاء: الجانب.\nوقوله: (أن تغير) من الإغارة، أغار على القوم غارة وإغارة: دفع عليهم الخيل. والتب والتبب والتباب: النقص والخسارة والهلاك، وقد مر هذا الحديث في باب بعد (باب تغير الناس).\n٥٨٤٧ - [١١] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (إذ قال قائل) وفي رواية للبخاري: قائل منهم، وفيها أيضًا: ألا تنظرون إلى هذا المرائي، وقيل: القائل هو أبو جهل -لعنة اللَّه عليه-، وقد صرح به في رواية مسلم، والجزور من الإبل: ما يجزر، أي: يقطع، وهو بفتح الجيم، وفي (القاموس) (١): الجزور: البعير، أو خاص بالناقة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٤١).","vol":"9","page":342},{"text":"فَانْبَعَثَ أَشْقَاهُمْ، فَلَمَّا سَجَدَ وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَثَبَتَ النَّبِيُّ -ﷺ- سَاجِدًا، فَضَحِكُوا حَتَّى مَالَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فَانْطَلَقَ مُنْطَلِقٌ إِلَى فَاطِمَةَ، فَأَقْبَلَتْ تَسْعَى، وَثَبَتَ النَّبِيُّ -ﷺ- سَاجِدًا حَتَّى أَلْقَتْهُ عَنْهُ، وَأَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَسُبُّهُمْ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الصَّلَاةَ قَالَ: . . . . .\nــ\nالمجزورة، وما يذبح من الشاة، واحدتها: جزورة. وفي (المشارق) (١): الجزور بفتح الجيم: ما يجزر وينحر من الإبل وغيرها، وقيل: بل يختص بالضأن والمعز.\nوالفرث بفتح الفاء وسكون الراء: السرجين في الكرش، والسلا بفتح السين المهملة: جلدة فيها الولد من الناس والمواشي، والجمع أسلاء، كذا في (القاموس) (٢)، وقال السيوطي: يختص بالبهائم، ويسمى في الآدمي مشيمة، والضمير في (فرثها) و(دمها) للـ (جزور)، ولفظها يؤنث وإن كان ذكرًا.\nوقوله: (فانبعث أشقاهم) هو عقبة بن أبي معيط، وإنما سماه أشقى القوم وإن كان فيهم أبو جهل؛ لأن المباشرة اكد من التسبب، ويلمح هذا إلى قوله: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ [الشمس: ١٢] لعاقر ناقة صالح.\nوقوله: (فانطلق منطلق) منهم، قال الشيخ: أظنه عبد اللَّه بن مسعود راوي الحديث.\nوقوله: (فأقبلت عليهم تسبهم) فيه قوة نفس فاطمة الزهراء من صغرها لشرفها لكونها خرجت لسبّهم وهم رؤوس قريش فلم يردوها عليها.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ١٤٧).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٩١).","vol":"9","page":343},{"text":"\"اللهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ\" ثَلَاثًا -وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا، وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا-: \"اللهُمَّ عَلَيْكَ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةْ بْنَ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ ابْنِ عُتْبَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعُمَارَةَ بْنِ الْوَلِيدِ\". قَالَ عَبدُ اللَّهِ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَأُتْبِعَ أَصْحَابُ الْقَلِيبِ لَعْنَةً\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٠، م ١٧٩٤].\nــ\nوقوله: (اللهم عليك بقريش) أي: بإهلاك كفار قريش، فإنه عام أريد به المخصوص، (أمية بن خلف) بفتح اللام، (وعقبة) بضم العين وسكون القاف، (ابن أبي معيط) بضم الميم وفتح العين، وسكون التحتانية. و(صرعى) جمع صريع كمريض ومرضى، والصرع: الطرح والإسقاط على الأرض. و(سحبوا) بلفظ المجهول، سحبه: جره على الأرض فانسحب. و(القليب) بئر لم يطو. (وأتبع) بلفظ المجهول من الإفعال، وقالوا: لم يكن عمارة بن الوليد في المذكورين، ولم يقتل ببدر، بل مات بأرض الحبشة، وعقبة بن أبي معيط إنما قتل بعد أن رجعوا عن بدر، وأمية بن خلف لم يطرح في القليب، فما ذكر يكون باعتبار الأكثر، ويظهر حقيقة الحال بالنظر في كتب السير.\nهذا واستشكل الحديث بأنه كيف استمر -ﷺ- في الصلاة مع إصابة النجاسة على ظهره؟ وأجيب أولًا: بأن الفرث طاهر عند مالك ومن وافقه، وإنما النجس الدم، وتعقب بأن الفرث لم ينفرد، بل كان مع الدم كما مرّ من قوله: (فيعمد إلى فرثها ودمها)، وثانيًا: بأن الفرث والدم كانا داخلين تحت السلا، وجلدة السلا طاهرة، فكأنه كحمل القارورة المرصصة، وتعقب بأنه ذبيحة مشرك وثني فجميع أجزائها نجسة لأنها ميت؟","vol":"9","page":344},{"text":"٥٨٤٨ - [١٢] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: \"لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، فَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ. . . . .\nــ\nوأجيب بأن ذلك قبل تحريم ذبائحهم.\nوقال النووي: الجواب المرضي أنه -ﷺ- لم يعلم ما وضع على ظهره، فاستمر في سجوده استصحابًا لأصل الطهارة، وتعقب بأنه ينبغي أن يعيدها بعد العلم؟ فأجاب الشافعية بأن الإعادة إنما تجب في الفريضة، فإن ثبت أنها كانت فريضة فالوقت موسع فلعله أعاد، وهذا هو الجواب عند الحنفية، واستبعد ذلك بأنه لو أعاد لنقل ولم ينقل، وهذا الاستبعاد في الفريضة صحيح؛ لأنها تقام بالجماعة، وأما في النفل فلا، لأنه يمكن إعادتها في وقت لم يطلع عليها، هذا وقد استدل به على أن من حدث له في صلاته ما يمغ انعقادها ابتداء لا يبطل صلاته ولو تمادى، وقد ترجم البخاري (١): (باب إذا ألقي قذر أو جيفة لم تفسد عليه صلاته)، وكان ابن عمر إذا رأى في ثوبه دمًا وهو يصلي وضعه ومضى في صلاته، واللَّه أعلم.\n٥٨٤٨ - [١٢] (عائشة) قوله: (من يوم أحد) وقد أصابه -ﷺ- فيه ما أصاب، وفيه كسرت رباعيته، وغير ذلك كما يأتي في الحديث الآتي.\nوقوله: (لقد لقيت من قومك) مفعوله محذوف إما عامًّا مثل ما لقيت: شيئًا، أو خاصًا وهو: أمرًا مخصوصًا لقيه منه، والضمير في (كان) راجع إلى هذا المقدر، و(أشد) خبر كان مضافًا إلى (ما لقيت) وهو المفضل عليه، ويجوز أن يكون (ما لقيت) اسم كان و(أشد) خبره، والمفضل عليه محذوف، أي: كان ما لقيت منهم في ذلك\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (ك: ٤، ب: ٦٩).","vol":"9","page":345},{"text":"يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ (١) عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ -وَأَنَا مَهْمُومٌ- عَلَى وَجْهِي،\nــ\nاليوم أشد الشدائد أو أشد من كل شديد، وعلى الوجهين يكون قوله: (يوم العقبة) ظرفًا لـ (لقيت) الأول، ويجوز أن يكون ظرفًا لـ (لقيت) الثاني، ويكون الأول مطلقًا، أي: لقيت من قومك ما لقيت، وكان ما لقيت منهم يوم العقبة أشد من الكل، فافهم.\nوالظاهر أن العقبة هي التي تضاف إليها الجمرة وهي بمنى، وكان رسول اللَّه -ﷺ- يقف عند العقبة في الموسم يعرض نفسه على قبائل العرب يدعوهم إلى الإسلام، فدعا ابن عبد ياليل فأبى، وما أجاب إلى ما دعاه، كذا قال الطيبي (٢)، ولكن ذكر في كتب السير أن ابن عبد ياليل كان في الطائف من رؤساء أهله من ثقيف، وذهب -ﷺ- إليه في الطائف، ودعاه وأشراف ثقيف لما زاد أهل مكة في الكفر والطغيان، ومات أبو طالب وخديجة، فحزن رسول اللَّه -ﷺ-، ويسمى ذلك العام عام الحزن، ذهب إلى أهل الطائف، فلم يجد منهم مساعدة وموافقة، ورأى منهم ومن سفهائهم من الإيذاء ما لا يطاق ذكره، والقصة مذكورة في (شرح سفر السعادة) في فصل الجهاد وآدابه قبيل الخاتمة، إلا أن يقال: دعاه عند العقبة ثم ذهب إليه، واللَّه أعلم.\nو(ياليل) بتحتانية وبعدها ألف ثم لام مكسورة ثم تحتانية ساكنة ثم لام غير منصرف. و(كلال) بضم الكاف منون.\nوقوله: (فانطلقت) أي: عند الانصراف عن أهل الطائف.\nوقوله: (على وجهي) متعلق بـ (انطلقت)، أي: حائرًا هائمًا لا أدري أين أتوجه،\n_________\n(١) في نسخة: \"إذا\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٦٢).","vol":"9","page":346},{"text":"فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ، قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ\". قَالَ: \"فَنَادَانِي مَلَكُ الْجبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِم الأَخْشَبَيْنِ\"، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٢٣١، م: ١٧٩٥].\n٥٨٤٩ - [١٣] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَشُجَّ فِي رَأْسِهِ،\nــ\nكذا فسره الطيبي (١).\nوقوله: (فلم أستفق) استفعال من الإفاقة، أي: لم أرجع إلى حالي (إلا بقرن الثعالب) بفتح القاف وسكون الراء: اسم موضع هناك، ميقات أهل نجد، ويقال له: قرن المنازل أيضًا، وهو موضع قريب الطائف، وهذا أيضًا يؤيد ما في كتب السير. و(ما) في (ما ردوك) موصولة أو مصدرية عطف على (قول قومك). والأخشبان بالخاء والشين المعجمتين والباء الموحدة: جبلان بينهما مكة: أبو قبيس والأحمر، والأخشب: الجبل الخشن العظيم.\n٥٨٤٩ - [١٣] (أنس) قوله: (كسرت) بلفظ المجهول. (رباعيته) بفتح الراء\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٦٢).","vol":"9","page":347},{"text":"فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهُ وَيَقُولُ: \"كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا رَأْسَ نَبِيِّهِمْ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٩١].\nــ\nوكسر العين، وفتح التحتانية مخففة على وزن ثمانية: أربعة أسنان بين الثنية والناب، من كل جانب ثنتان، رماه عتبة بن أبي وقاص أخو سعد بن أبي وقاص، فكسرت اليمنى السفلى، وجرحت شفته السفلى، ولم تكسر رباعيته من أصلها، بل ذهبت منها فلقة، قالوا: لم يولد من نسله ولد فيبلغ الحنث إلا وهو أنحر وأهتم مكسور الثنايا من أصلها يعرف ذلك في عقبه، وعبد اللَّه بن هشام شج في جبهته، وعبد اللَّه بن قميئة جرح وجنته فقال: خذها وأنا ابن قميئة، فقال رسول اللَّه -ﷺ- وهو يمسح الدم عن وجهته: (أقمأك اللَّه)، فسلط اللَّه عليه تيس جبل فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة [قطعة]، فأخذ عليّ بيده واحتضنه ورفعه طلحة بن عبيد اللَّه حتى استوى قائمًا، وهنا قال -ﷺ-: (أوجب طلحة)، ونشبت حلقتان من المغفر في وجهه، ووقع -ﷺ- في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها، فانتزعهما أبو عبيدة بن الجراح، وعض عليهما حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجهه، وامتص مالك بن سنان والدُ أبي سعيد الخدري الدم من وجنته، فقال -ﷺ-: (من مس دمي لم تمسه النار)، وفي رواية: فشقّوا البيضة عن رأسه، أي: كسروا الخودة ورموه بالحجارة حتى سقط في حفرة من الحفر التي حفرها أبو عامر.\nوقوله: (يسلت الدم) أي: يميط، من نَصَرَ، سلتت المرأة الخضاب عن يدها: إذا مسحته وألقته.\nوقوله: (شجوا رأس نبيهم) وفي رواية أحمد (١) والترمذي والنسائي: (خضبوا\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٣/ ١٧٨)، و\"سنن الترمذي\" (٣٠٠٢)، و\"السنن الكبرى\" للنسائي (١٠/ ٥١، رقم: ١١٠١١).","vol":"9","page":348},{"text":"٥٨٥٠ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا بِنَبِيِّهِ\"، يُشِيرُ إِلَى رَبَاعِيَتَهِ، \"اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٧٣، م: ١٧٩٣].\nوَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1268> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٨٥١ - [١٥] عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبَي كَثِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَوَّلِ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾،\nــ\nوجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم)، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وروي: أنه لما جرح -ﷺ- يوم أحد أخذ شيئًا فجعل ينشف دمه ويقول: (لو وقع منه شيء على الأرض لنزل عليهم العذاب من السماء)، ثم قال: (اللهم اغفر لهم فإنهم لا يعلمون)، وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: ضرب وجه النبي -ﷺ- يومئذٍ بالسيف سبعين ضربة، وقاه اللَّه شرها كلها، والمراد بالسبعين حقيقتها أو المبالغة، كذا قال الشيخ (١).\n٥٨٥٠ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (يقتله رسول اللَّه -ﷺ-) يحتمل أن يكون المراد به الجنس أو نفسه الكريمة -ﷺ-.\nوقوله: (في سبيل اللَّه) احتراز عمن يقتله في حد أو قصاص.\nالفصل الثالث\n٥٨٥١ - [١٥] (يحيى بن أبي كثير) قوله: (﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾) فيه اشتباه الحال\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٧٢).","vol":"9","page":349},{"text":"قُلْتُ: يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ ذَلِكَ وَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ الَّذِي قُلْتَ لِي، فَقَالَ لِي جَابِرٌ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا بِمَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شَهْرًا، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوَارِي هَبَطْتُ فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ شِمَالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ شَيْئًا، فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُونِي، وَصَبُّوا عليَّ مَاءً بَارِدًا، فَنَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥]، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٩٢٥، م: ١٦١].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1269>٥ - باب علامات النبوة</span>\nــ\nعلى الراوي، والصواب أن أوّل ما أنزل ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، وأما ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّ﴾ فنزولها بعد فترة الوحي، ووجه الجمع أن المراد بأولية سورة (المدثر) أولية مخصوصة بما نزل بعد فترة الوحي، أو مخصوصة بالأمر بالإنذار، أو أولية مخصوصة بما نزل لسبب متقدم من التدثر والرعب، وأما ﴿اقْرَأْ﴾ فنزلت ابتداء من غير سبب متقدم، ولعل راوي هذا الحديث اختصر القصة، وطوى ذكر نزول ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾، أو اشتبه على الراوي الأمر باختلاط أو نسيان كما يومئ إليه: فقلت: (دثروني)، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾.\n٥ - باب علامات النبوة\nالعلامة تطلق على ما ينصب في الطريق يهتدى به كالعلم، وصفاته وأخلاقه وشمائله وسائر أحواله -ﷺ- آيات وعلامات على نبوته مما يتفرس الزكي العاقل الناظر","vol":"9","page":350},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفيها، ويستدل بها عليها، ومنه ما ذكر في الكتب السماوية السالفة من صفاته علامة على ذلك، كما استدل بها هرقل عظيم الروم، ولا يخفى عليك أن المعجزات كلها علامات ودلائل على نبوته -ﷺ-، وقد عقد المؤلف بابًا في علامات النبوة، وآخر في المعجزات، لأَنْ يفرق بأن المعجزة يشترط فيه التحدي دون العلامة، وهذا مشهور، ولكن يرد عليه أن كثيرًا من المعجزات لا تحدي فيها، مثل تكثير الطعام في بيت الصحابة، ونبع الماء لتوضئ القوم، ونحو ذلك مما كان بين الصحابة من غير تحدي، وقد اتفقوا على كونها معجزات بلا ريب، اللهم إلا أن يعتبر أن من شأنها التحدي، وسيأتي تحقيق شروط المعجزة في بابها، أو تحمل المعجزات على ما يكون دلالته قطعية، والعلامات يشمل الأمارات، لكنه قد ذكر في هذا الباب شق القمر، وهو معجزة بلا شبهة، بل من أقوى المعجزات وأعلاها.\nوقد جاء في الأخبار أن الكفار سألوا رسول اللَّه -ﷺ- أن يريهم ذلك فقال: (اشهدوا)، وذكر فيه الأخبار ببعض المغيبات، وهي معجزات قطعًا حتى اختلفوا في أن إعجاز القرآن إما لكونه مخبرًا عن المغيبات أو لفصاحته وبلاغته، أو يقال: إن المعجزة ما ظهر على يديه في صورة الفعل له، والعلامة ما ظهر فيه أو منه من غير أن يصدر عنه، وهذا أيضًا لا يتم لأن شق القمر كان بإشارته -ﷺ-. ومن المعجزات ما لم يكن ليصدر عنه كظل القامة وعدم وقوع ظله على الأرض ونحو ذلك، وبالجملة لا يظهر الفرق بين ما جعله المؤلف من العلامات وبين ما جعله من المعجزات، وفي كلا البابين أمور من جنس الأخبار عن الغيوب والتصرف في الكائنات، فلم جعل بعضها من العلامات وبعضها من المعجزات؟ فتدبر.","vol":"9","page":351},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1270> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٨٥٢ - [١] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَتَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ، فَأَخَذَهُ، فَصَرَعَهُ، فَشَقَّ عَنْ قَلْبِهِ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً. فَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَةُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بِمَاءِ زَمْزَمَ،\nــ\nالفصل الأول\n٥٨٥٢ - [١] (أنس) قوله: (فصرعه) أي: ألقاه على الأرض (فشق عن قلبه) أي: صدعه، وكلمة (عن) لتضمين معنى الكشف، والعلقة بفتحات: دم غليظ أسود، قيل: هو أم المفاسد والمعاصي في القلب، وفي (القاموس) (١): العلق محركة: الدم عامة، أو الشديد الحمرة، أو الغليظ، أو الجامد، والقطعة منه بهاء.\nوقوله: (هذا حظ الشيطان منك) الظاهر أنه متعلق بحظ، ويجوز أن يكون ظرفًا مستقرًا، قالوا: نزع منه -ﷺ- حظ الشيطان منه رأسًا، وكذا كليات النفس، وأبقى بعض جزئياتها بحسب الجبلة البشرية ليكون سببًا لنزول القرآن، وباعثًا على تشريع الأحكام، وتلك أيضًا في صفاء ونورانية ولطافة، وذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠]، كذا قال في (العوارف)، واللَّه أعلم.\n(الطست) بالسين والشين، قالوا: أصله طس بدليل جمعه على طساس أبدلت سينه تاء، ونقل عن الأزهري: أن هذه اللفظة دخيلة في كلام العرب لأن التاء والطاء لا يجتمعان في كلمة عربية.\nوقوله: (بماء زمزم) استدل بهذا على أن ماء زمزم أفضل وأشرف من ماء الجنة إذ لو لم تكن كذلك لغسله به، قيل: كان ماء زمزم حاضرًا بخلاف ماء الجنة، وهذا\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٣٩).","vol":"9","page":352},{"text":"ثُمَّ لأَمَهُ وَأَعَادَهُ فِي مَكَانِهِ، وَجَاءَ الْغِلْمَانُ يَسْعَوْنَ إِلَى أُمُّهِ يَعْنِي ظِئْرَهُ. فَقَالُوا: إِنْ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَاسْتَقْبَلُوهُ وَهُوَ مُنْتَقَعُ اللَّوْنِ، قَالَ أَنَسٌ: فَكُنْتُ أَرَى أَثَرَ الْمِخْيَطِ فِي صَدْرِهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٢].\nــ\nكما يرى ضعيف سخيف من القول على أنه لو سلم فإنما يصح ظاهرًا في الشق ليلة المعراج، إذ كان في الحرم، والشق في الصغر كان عند حليمة، فافهم.\nوقوله: (ثم لأمه) بلفظ الماضي مهموز العين من القيام بالجراحة، أي: جمعه وضمه.\nوقوله: (منتقع اللون) بالقاف المفتوحة، أي: متغيره ومغبره، افتعال من النقع بمعنى الغبار. و(المخيط) إما مصدر يتم بمعنى الخياطة، ويجوز أن يكون اسم مفعول، يقال: ثوب مخيط ومخيوط.\nاعلم أن شق صدره الشريف كان أربع مرار، الأولى: في صغره عند حليمة كما ذكر في الكتاب من مسلم عن أنس، وروى أحمد كذلك، وفي لفظ آخر عند أحمد والدارمي والحاكم وصححه، والطبراني والبيهقي وأبو نعيم (١) عن عتبة بن عبد السلمي: أن النبي -ﷺ- قال: (كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا، ولم نأخذ معنا زادًا، فقلت: يا أخي! اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا، فانطلق أخي ومكثت عند البهم، فأقبل إليّ طيران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأقبلا يبتدرانني فأخذاني فبطحاني إلى القفا، فشقا بطني، ثم استخرجا قلبي، فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: ائتني\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٤/ ١٨٤)، و\"سنن الدارمي\" (١/ ١٣)، و\"المستدرك\" (٢/ ٦٧٣)، و\"دلائل النبوة\" للبيهقي (١/ ٢٩٥)، و\"دلائل النبوة\" لأبي نعيم (١/ ١١٢ - ١١٣).","vol":"9","page":353},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبماء وثلج، فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماء برد، فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني بالسكينة فذرَّاها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: حصه فحاصه، وختم عليه بخاتم النبوة).\nوالمرة الثانية: وهو ابن عشر سنين، روى عبد اللَّه بن الإمام أحمد في (زوائد المسند) بسند رجاله ثقات، وابن حبان والحاكم وأبو نعيم وابن عساكر والضياء في (المختارة) عن أبي بن كعب أن أبا هريرة قال: يا رسول اللَّه! ما أول ما ابتدأت من أمر النبوة؟ قال: إني لفي صحراء ابن عشر حجج إذا أنا برجلين فوق رأسى يقول أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأخذاني فاستقبلاني بوجوه، لم أرها لخلق قط، وأرواح لم أجدها من خلق قط، وثياب لم أرها على أحد قط، فأقبلاني يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأحدهما مسًّا، فقال أحدهما لصاحبه: أضجعه فاضجعاني بلا قصر ولا هصر) (١)، وفي لفظ: (فلصقاني بحلاوة القفا، ثم شقا بطني)، وفي لفظ: (فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فهوى أحدهما إلى صدري، ففلقها فيما أرى بلا دم ولا وجع، فكان أحدهما يختلف بالماء في طست من ذهب، والآخر يغسل جوفي، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فإذا صدري فيما أرى مفلوقًا لا أجد له وجعًا، ثم قال: اشقق قلبه، فشق قلبي فقال: أخرج الغل والحسد منه، فأخرج شبه العلقة فنبذ به، ثم قال: أدخل الرأفة والرحمة في قلبه، فأدخل شيئًا كهيئة الفضة، ثم أخرج ذرورًا كان معه فذره عليه ثم نقر إبهامي ثم قال: اغد، فرجعت بما لم أغد به\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (٥/ ١٣٩)، و\"دلائل النبوة\" (١/ ١٩٩)، و\"الأحاديث المختارة\" (٤/ ٣٨)، و\"تاريخ دمشق\" (٣/ ٤٦٣).","vol":"9","page":354},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمن رحمتي للصغير ورأفتي على الكبير).\nالمرة الثالثة: عند البعثة، روى أبو داود الطيالسي والحارث بن أبي أسامة في (مسنديهما) والبيهقي وأبو نعيم (١) عن عائشة -﵂- أن النبي -ﷺ-: (نذر أن يعتكف شهرًا هو وخديجة [بحراء]، فوافق ذلك شهر رمضان، فخرج ذات ليلة فسمع السلام عليك، قال: فظننتها فجأة الجن، فجئت مسرعًا حتى دخلت على خديجة [فسجتني ثوبًا]، وقالت: ما شأنك؟ فأخبرتها، فقالت: أبشر فإن السلام خير، ثم خرجت مرة أخرى فإذا جبريل على الشمس جناح له بالمشرق، وجناح له بالمغرب، فجفلتُ منه فجئت مسرعًا، فإذا هو بيني وبين الباب، فكلمني حتى انست به، ثم وعدني موعدًا فجئت إليه، فأبطأ علي، فأردت أن أرجع، فإذا أنا به وبميكائيل قد سدّا الأفق، فهبط جبريل فبقي جبريل بين السماء والأرض، فأخذني جبريل فسلقني بحلاوة القفا، ثم شق عن قلبي فاستخرجه، ثم استخرج منه ما شاء اللَّه أن يستخرج، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم أعاده مكانه، ثم لأمه، ثم كفأني كما يكفأ الإناء، ثم ختم في ظهري حتى وجدت مس الخاتم في قلبي، وذكر الحديث.\nالمرة الرابعة: ليلة الإسراء، روى مسلم (٢) عن أنس قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (أتيت وأنا في أهلي؛ فانطلق بي إلى زمزم، فشرح صدري، ثم غسل بماء زمزم، ثم أتيت بطست من ذهب ممتلئة إيمانًا وحكمة، فحشي بها صدري -قال أنس:\n_________\n(١) \"مسند أبي داود\" (٣/ ١٢٥)، و\"مسند الحارث\" (٢/ ٨٦٧)، و\"دلائل النبوة\" لأبي نعيم (١/ ٢١٥).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (١٦٤).","vol":"9","page":355},{"text":"٥٨٥٣ - [٢] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنِّي لأَعْرِفُهُ الآنَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٧٧].\nــ\nورسول اللَّه -ﷺ- يرينا أثره-، فعرج بي الملك إلى السماء الدنيا)، وذكر حديث المعراج.\nواعلم أنه قد ذكر في بعض طرق هذه الأحاديث ذكر خاتم النبوة، وفي بعضها: (فختم به قلبي فامتلأ نورًا، وذلك نور النبوة والحكمة، فوجدت برد ذلك في صدري)، وفي بعضها: (ثم ختم في ظهري حتى وجدت مس الخاتم في قلبي)، وقد ثبت أن خاتم النبوة كان في ظهره، والقول بختم قلبه -ﷺ- وصول أثره إليه، كما يدل عليه لفظ الحديث، واللَّه أعلم.\nثم اعلم أنه قد اختلف: هل كان شق الصدر وغسل القلب مختصًا بنبينا -ﷺ- أو وقع لغيره من الأنبياء أيضًا سلام اللَّه عليهم أجمعين؟ ونقل في (المواهب اللدنية) (١) عن ابن عباس: أنه قد ورد في خبر التابوت والسكينة: أنه كان فيه الطست الذي غسلت فيه قلوب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.\n٥٨٥٣ - [٢] (جابر بن سمرة) قوله: (إني لأعرف حجرًا بمكة) قيل: هو الحجر الأسود، وقيل: هو الحجر البارز الآن بزقاق المرفق المقابل لباب الجنائز في طريق بيت خديجة، كذا ذكر الشيخ ابن حجر المكي، وقال: قد توارث ذلك عن أهل مكة خلفًا عن سلف، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (١/ ١٥٨).","vol":"9","page":356},{"text":"٥٨٥٤ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً، فَأَرَاهُمُ الْقَمَرَ شِقَّتَيْنِ حَتَّى رَأَوْا حِرَاءً بَيْنَهُمَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٨٦٨، م: ٢٨٠٢].\nــ\n٥٨٥٤ - [٣] (أنس) قوله: (شقتين) بكسر، أي: نصفين، وعند مسلم: فأراهم انشقاق القمر مرتين، وكذا في (مصنف عبد الرزاق) عن معمر بلفظ: مرتين، واتفقت رواية الشيخين بلفظ: فرقتين، وفي رواية: فلقتين، وفي حديث جبير: انشق القمر باثنتين، وفي رواية أبي نعيم في (الدلائل): فصار قمرين، فيكون المراد بقوله: مرتين فرقتين جمعًا بين الدلائل، ولم يجزم أحد من علماء الحديث بتعدد وقوع الانشقاق منه -ﷺ-، كذا قالوا. و(الحراء) جبل معروف بمكة، وقد عرف ضبطه في (باب بدء الوحي).\nاعلم أن انشقاق القمر قد وقع لرسول اللَّه -ﷺ-، وقد أجمع المفسرون على وقوعه، فإن كفار قريش لما كذبوه طلبوا منه آية تدل على صدقه في دعواه، فأعطاه اللَّه تعالى هذه الآية العظيمة التي لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء ﵈ لظهورها في ملكوت السموات خارجًا عن جملة طباع ما في هذا العالم، فلذلك صار برهانه به أظهر وأبهر، وعن ابن عباس قال: لما اجتمع المشركون إلى رسول اللَّه -ﷺ-، منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل ونظراؤهم فقالوا [للنبي -ﷺ-] إن كنت صادقًا فشق لنا القمر فرقتين، فسأل ربه فانشق، وابن عباس إن لم يشاهد القصة لكنه حمله عن ابن مسعود، ففي حديث ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول اللَّه -ﷺ- فرقتين، فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: (اشهدوا) (١).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٤٨٦٤)، ومسلم في \"صحيحه\" (٢٨٠٠).","vol":"9","page":357},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقال ابن عبد البر: قد روي حديث انشقاق القمر عن جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجم الغفير إلى أن انتهى إلينا وتأيد بالآية الكريمة. وقال العلامة ابن السبكي في (شرحه لمختصر ابن الحاجب): والصحيح عندي أن انشقاق القمر متواتر منصوص عليه في القرآن، مروي في الصحيحين وغيرهما من طرق كثيرة بحيث لا يمترى في تواتره، كذا نقل في (المواهب) (١).\nوقوله: منصوص عليه في القرآن المراد به قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ الآية [القمر: ١]، والمراد وقوع انشقاقه بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢]؛ لأن الكفار لا يقولون ذلك يوم القيامة، وعند الإمام أحمد: انشق القمر على عهد رسول اللَّه -ﷺ- فرقتين: فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد، وفي حديث ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، فقال كفار قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة، قال: فقالوا: انتظروا ما يأتيكم بالسفار، فإن محمدًا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. قال: فجاء السفار فأخبروهم بذلك.\nوقال في (المواهب) (٢): وقد يذكر بعض القصاص: أن القمر دخل في جيب النبي -ﷺ- وخرج من كمه، وقد حكاه الشيخ بدر الدين الزركشي عن شيخه العماد بن كثير، انتهى.\nوقد أنكر هذه المعجزة جماعة من المبتدعة المتفلسة متمسكين بأن الخرق\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٢/ ٥٢٢).\n(٢) \"المواهب اللدنية\" (٢/ ٥٢٧).","vol":"9","page":358},{"text":"٥٨٥٥ - [٤] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةً فَوْقَ الْجَبَلِ، وَفِرْقَةً دُونَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اشْهَدُوا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨٦٤، م: ٢٨٠٠].\nــ\nوالالتئام على الفلكيات ممتنع، وكذا قالوا في فتح أبواب السماء ليلة الإسراء، وهؤلاء إن كانوا كفارًا يناظروا على ثبوت دين الإسلام، فإن أسلموا فلا سبيل إلى إنكار ما ثبت في القرآن من وقوع ذلك يوم القيامة، وإذا ثبت ذلك استلزم الجواز والوقوع معجزة لرسول اللَّه -ﷺ-، ولم يعرف هؤلاء أن القمر وجميع الأجرام العلوية مخلوق اللَّه ﷾، يفعل فيه ما يشاء، كما يكورها يوم القيامة، وقال بعض الملاحدة: لو كان وقع لتناقلته العوام وأهل السير والتواريخ متواترًا، ولاشترك أهل الأرض كلهم في معرفته، ولم يختص بها أهل مكة؛ لأنه أمر صدر عن حس ومشاهدة، والدواعي متوفرة على رواية كل غريب ونقل ما لم يعهد.\nوالجواب بأنه طلبه قوم خاص كما حكاه أنس فأراهم ذلك ليلًا، وكثير من الناس نيام، وكان ذلك في قدر لحظة، وقد يكون القمر حينئذ في بعض المنازل التي يظهر لبعض أهل الآفاق دون بعض كما يكون ظاهرًا لقوم غائبًا لقوم، وكما يجد الكسوف أهل بلد دون أهل بلد آخر مع أنه قد روي أنه قد رآه غير أهل مكة أيضًا كما ذكرنا من أخبار السفار، وقد أبدى الخطابي حكمة بالغة في كون المعجزات المحمدية لم يبلغ شيء منها مبلغ التواتر الذي لا نزاع ولا خلاف كالقرآن ما حاصله: أن معجزة كل نبي كانت إذا وقعت عامة أعقبت هلاك من كذب بها من قومه، والنبي -ﷺ- بعث رحمة للعالمين، فاقتصر على الحاضرين المكذبين المتمردين الغالين في العتو والاستكبار.\n٥٨٥٥ - [٤] (ابن مسعود) قوله: (فرقتين) قد علم شرحه في الحديث السابق.","vol":"9","page":359},{"text":"٥٨٥٦ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ. فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ يُصَلِّي -زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ- فَمَا فجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكُصُ عَلَى عَقِبَيْهِ، وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: . . . . .\nــ\n٥٨٥٦ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (هل يعفر محمد وجهه) في التراب، التعفير: تتريب الوجه، عفر وجهه في التراب: مرّغه فيه، كناية عن السجدة، و(اللات) اسم صنم لثقيف بالطائف، و(العزى) اسم شجرة كانت لغطفان يعبدونها.\nوقوله: (زعم) حال من فاعل (أتى)، أي: طمع وأراد، ونقل الطيبي (١) من (أساس البلاغة): أن من المجاز: زعم فلان في غير مزعم، أي: طمع في غير مطمع.\nوقوله: (ليطأ) بكسر اللام ونصب الفعل بتقدير (أن)، وفي بعض النسخ بفتح اللام ورفع الفعل.\nوقوله: (فما فجئهم) بلفظ الماضي بكسر الجيم من باب علم.\nو(ينكص) بضم الكاف وبكسرها، أي: يرجع القهقرى ومشى على مؤخر قدميه، وأعرب الطيبي هذا التركيب بوجهين: أحدهما: أن قوله: (إلا وهو ينكص) سد مسد الفاعل كما سد مسد الخبر في قوله: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، فمعناه ما فجئ أصحاب أبي جهل من أمر أبي جهل إلا نكوص عقبيه، وثانيهما: أن الضمير في فجئ راجع إلى أبي جهل، وفي (منه) إلى الأمر، أي: ما فجئ أبو جهل أصحابه كائنًا من أمره على حال من الأحوال إلا هذه الحال، فافهم.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٦٨).","vol":"9","page":360},{"text":"إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا وَأَجْنِحَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٩٧].\n٥٨٥٧ - [٦] وَعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ، فَشَكَا إِلَيْهِ الْفَاقَةَ، ثُمَّ أَتَاهُ الآخَرُ فَشَكَا إِلَيْهِ قَطْعَ السَّبِيلِ. فَقَالَ: \"يَا عَدِيُّ! هَلْ رَأَيْتَ الْحِيرَةَ؟ فَإِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ فَلَتَرَيَنَّ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ أَحَدًا إِلَّا اللَّه، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتُفْتَحَنَّ كُنُوزُ كِسْرَى،\nــ\nو(الخندق) بفتح الخاء والدال: حفير حول أسوار المدن، معرب كنده، و(الهول) المخافة من الأمر لا يدرى ما هجم عليه منه.\nوقوله: (وأجنحة) هي أجنحة الملائكة حفظوه -ﷺ- من شر ذلك اللعين.\n٥٨٥٧ - [٦] (عدي بن حاتم) قوله: (هل رأيت الحيرة) بكسر الحاء وسكون التحتانية وبالراء: قرية قرب فارس، وبلد قرب غانة، ومحلة نيسابور، وبلد قديم قرب الكوفة، والظاهر أن المراد هو البلد المعروفة بقرب كوفة، والنسبة حيري وحاري.\nوقوله: (فلترين) بلفظ الواحد المخاطب. و(الظعينة) المرأة التي في الهودج، وقد يطلق على المرأة بلا هودج، وعلى الهودج فيه امرأة أو لا، وأصله من ظعن كمنع ظعنًا ويحرك: سار، وأظعنه: سيره، ويجيء بمعنى السفر والارتحال كما في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ [النحل: ٨٠].\nيعني إن طال عمرك رأيت أمن الطريق بحيث تذهب المرأة من الحيرة إلى مكة قاصدة بيت اللَّه امنة غير خائفة مما سوى اللَّه، يعني أن الخوف سينقلب أمنًا والفقر غنى.","vol":"9","page":361},{"text":"وَلَئِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ يَطْلُبُ مَنْ يَقْبَلُهُ فَلَا يجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهُ مِنْهُ، وَلَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ يُتَرْجِمُ لَهُ، فَلَيَقُولَنَّ: أَلَمْ أَبْعَثْ إِلَيْكَ رَسُولًا فَيُبَلِّغُكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى. فَيَقُولُ: أَلَمْ أُعْطِكَ مَالًا وَأُفْضِلْ عَلَيْكَ؟ فَيَقُولُ: بَلَى، فَيَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ، وَيَنْظُرُ عَنْ يَسَارِهِ فَلَا يَرَى إِلَّا جَهَنَّمَ، اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ\". قَالَ عَدِيٌّ: فَرَأَيْتُ الظَّعِينَةَ تَرْتَحِلُ مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ لَا تَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَكُنْتُ فِيمَنِ افْتَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَلَئِنْ طَالَتْ بِكُمْ حَيَاةٌ لَتَرَوُنَّ مَا قَالَ النَّبِيُّ أَبُو الْقَاسِمِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nوقوله: (فلا يجد أحدًا يقبله منه) لعدم الفقر والفقراء في ذلك الزمان، قيل: ذلك عند نزول عيسى ﵇، كما ورد في الحديث، وقد سبق في (باب نزول عيسى)، وقيل: قد وقع مثل هذا في زمن عمر بن عبد العزيز مما يصدق الحديث، وبذلك جزم البيهقي، ويرجح هذا الاحتمال قوله: (ولئن طالت بك حياة)، انتهى. و(ترجمان) بفتح مثناة وقد تضم وضم جيم وقد يفتحان، كذا في (مجمع البحار) (١) عن الكرماني، وهو من يترجم الكلام، أي: ينقله من لغة إلى الأخرى، والمراد هنا المفسر والمبيّن.\nوقوله: (وأفضل) بالجزم عطف على (ألم أعطك) من الإفضال، لما بشرهم -ﷺ- باليسر والغنى أنذرهم بأنهما وإن كان فيهما راحة في الدنيا لكن فيهما مشقة ومحنة في الآخرة إلا من اتقى اللَّه وتصدق وصرف المال في مصارف الخير جمعًا بين الإبشار والإنذار كما هو شأن النبوة.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٢٦١).","vol":"9","page":362},{"text":"\"يُخْرِجُ مِلْءَ كَفِّهِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٩٥].\n٥٨٥٨ - [٧] وَعَنْ خبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، وَقَدْ لَقِينَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً، فَقُلْنَا: أَلَا تَدْعُو اللَّهَ، فَقَعَدَ وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ وَقَالَ: \"كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِمِنْشَارٍ، فَيُوضَعُ فَوْقَ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ وَعَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتَمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ،\nــ\nوقوله: (يخرج ملء كفه) أي: مصدوق قوله -ﷺ-: (ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه. . . إلخ).\n٥٨٥٨ - [٧] (خباب بن الأرتّ) قوله: (وعن خباب) بفتح المعجمة وشدة الموحدة (ابن الأرت) بفتح الهمزة والراء وتشديد الفوقانية.\nوقوله: (وهو متوسد بردة) توسد الشيء ووسده: جعله تحت رأسه، والبردة بالضم: كساء مخطط، أي: جعلها كالوسادة تحت رأسه. و(المنشار) بكسر الميم: آلة يشق بها الخشبة.\nوقوله: (من عظم) بيان ما في (ما دون لحمه).\nوقوله: (ليتمن هذا الأمر) أي: يتم ويكمل أمر الدين.\nو(صنعاء) بلد باليمن كثيرة الأشجار والمياه تشبه دمشق، وقرية بباب دمشق، كذا في (القاموس) (١). و(حضرموت) بسكون الضاد وقد يضم الميم: بلدة معروفة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٨٢).","vol":"9","page":363},{"text":"أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٨٥٢].\n٥٨٥٩ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدْخُلُ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ بِنْتِ مِلْحَانَ، وَكَانَتْ تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَأَطْعَمَتْهُ، ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ،\nــ\nباليمن، مكان الصالحين من عباد اللَّه حتى قيل: حضرموت ينبت الأولياء، قيل: سمي به لأنه حضره صالح ﵇ فمات فيه، وقيل: حضر فيه موت جرجيس، وقيل: اسم قبيلة.\nوقوله: (أو الذئب) أي: أو يخاف الذئب على غنمه؛ لأن المقصد بيان الأمن من عدوان الناس بعضهم على بعض كما كان في الجاهلية، ومن الجبابرة من الناس، لا الأمن من عدوان الذئب، فإن ذلك خارج عن العادة، وقد يكون ذلك أيضًا في آخر الزمان عند نزول عيسى ﵇.\n٥٨٥٩ - [٨] (أنس) قوله: (يدخل على أم حرام) بلفظ ضد الحلال (بنت ملحان) بكسر الميم وسكون اللام، وهي خالة أنس بن مالك أخت أمه أم سليم، قال النووي (١): اتفق العلماء على أنها كانت محرمًا له -ﷺ-، واختلفوا في كيفية ذلك، فقال ابن عبد البر وغيره: كانت إحدى خالاته من الرضاعة، وقال آخرون: بل كانت خالة أبيه أو لجده عبد المطلب، وكانت أمه من بني النجار، كذا ذكر السيوطي، واللَّه أعلم، وقد مرّ الكلام فيه في الفصل الأول (من باب أسماء النبي -ﷺ-) من حديث أم سليم.\nوقوله: (ثم جلست تفلي رأسه) فلا رأسه: بحثه عن القمل، وقد مرّ الكلام فيه في الفصل الثاني من (باب أخلاقه -ﷺ-).\n_________\n(١) \"شرح النووي\" (١٣/ ٥٧).","vol":"9","page":364},{"text":"فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَمَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"نَاسٌ (١) مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الأَسِرَّةِ، أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الأَسِرَّةِ\". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا يُضْحِكُكَ؟ قَالَ: \"نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ\". كَمَا قَالَ فِي الأُولَى. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ. قَالَ: \"أَنْتِ مِنَ الأَوَّلِينَ\". فَرَكِبَتْ أُمُّ حَرَامٍ الْبَحْرَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنَ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٨٢، م: ١٩١٢].\nــ\nوقوله: (يركبون ثبج هذا البحر) أي: ظهره ووسطه، وثبج الشيء بمثلثة فموحدة مفتوحة فجيم: وسط الشيء ومعظمه، شبه البحر بظهر الأرض والسفينة بالسرير، فجعل الجلوس عليها مشابهًا بجلوس الملوك على أسرتهم.\nوقوله: (كما قال في الأولى) الظاهر أنه عرض في هذه المرة طائفة غير الطائفة الأولى، أي: يغزون طائفة بعد طائفة بقرينة قوله: (أنت من الأولين)، فافهم.\nوقوله: (في زمن معاوية) قيل: كان ذلك في خلافته، قاله الباجي والقاضي عياض وهو الأظهر، وقيل: في إمارته في غزاة قبرس في خلافة عثمان سنة ثمان وعشرين، وعليه أكثر العلماء وأهل السير، كذا ذكر السيوطي.\nوقوله: (فصرعت) بلفظ المجهول، أي: سقطت وطرحت أم حرام.\n_________\n(١) في نسخة: \"أناس\" في الموضعين.","vol":"9","page":365},{"text":"٥٨٦٠ - [٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ ضِمَادًا قَدِمَ مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَكَانَ يَرْقِي مِنْ هَذَا الرِّيحِ، فَسَمِعَ سُفَهَاءَ أَهْلِ مَكَّةَ يَقُولُونَ: إِنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ. فَقَالَ: لَوْ أَنِّي رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ لَعَلَّ اللَّهَ يَشْفِيهِ عَلَى يَدَيَّ. قَالَ: فَلَقِيَهُ. فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذَا الرِّيحِ، فَهَلْ لَكَ؟ . . . . .\nــ\n٥٨٦٠ - [٩] (ابن عباس) قوله: (إن ضمادًا) بكسر الضاد المعجمة، كذا في النسخ المصححة، وفي (القاموس) (١): وقد يقال بالضم أيضًا، والدال في آخره، وقد يقال: ضمام بالميم في آخره، وقيل: ضمام غير ضماد، وضماد كان رجلًا متطببًا راقيًا طالبًا للعلم من بين أهل اليمن، وضمام جاء وافدًا من جهة بني سعد بن بكر، وكلاهما ابن ثعلبة.\nوقوله: (وكان من أزد شنوءة) بفتح الهمزة وسكون الزاي وكسر الدال وفتح الشين المعجمة وبضم النون بعدها همزة وهاء: قبيلة من اليمن، وقد تبدل الزاي سينًا، قال في (القاموس) (٢): أزد بن الغوث، وبالسين أفصح: أبو حي باليمن، ومن أولاده الأنصار كلهم، ويقال: أزد شنوءة، وقال في فصل الشين من باب الهمزة: أزد شنوءة، وقد تشدد الواو: قبيلة سميت لشنآن بينهم، والنسبة: شنائي.\nوقوله: (وكان يرقي) أي: يعالج بقراءة ونفث.\nوقوله: (هذا الريح) الإشارة بهذا إلى جنس العلة التي كانوا يرونها الريح، أي: من العلة الحاصلة من مس الجن، وكأنهم كانوا يرون الأدواء التي تمسهم نفحة من نفحات الجن، والريح هنا بمعنى الجن، سموا بها لأنهم لا يرون كالريح.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٨١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٤، ٢٥٤).","vol":"9","page":366},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ\" فَقَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، وَقَوْلَ السَّحَرَةِ، وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ، فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ. وَلَقَدْ بَلَغْنَ قَامُوسَ الْبَحْرِ، هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الإِسْلَامِ، قَالَ: فَبَايَعَهُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٨٦٨].\nوَفِي بَعْضِ نُسَخِ \"الْمَصَابِيحِ\": بَلَغْنَا ناعُوسَ الْبَحْرِ. وَذُكِرَ حَدِيثَا أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: \"يَهْلِكُ كِسْرَى\" وَالآخَرَ: \"لَتَفْتَحَنَّ عِصَابَةٌ\" فِي \"بَابِ الْمَلَاحِمِ\".\nــ\nوقوله: (فقال رسول اللَّه -ﷺ-: إن الحمد للَّه) لم يلتفت -ﷺ- إلى جوابه صريحًا بقوله: ما أنا بمجنون، وذكر هذا الكلام الدال على أن قائله أعقل العقلاء رمزًا إلى قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾ [القلم: ٥١ - ٥٢]، وقد شهد على أنه رسول اللَّه، ورسول اللَّه لا يكون مجنونًا.\nوقوله: (ولقد بلغن قاموس البحر) في (القاموس) (١): القمس: الغوص، ومعظم ماء البحر، أو البحر، أو أبعد موضع فيه غورًا، أي: هذه الكلمات بلغن غاية الفصاحة والبلاغة بحيث لم يدرك غوره.\nوقوله: (وفي بعض نسخ المصابيح: بلغنا ناعوس) بالنون والعين المهملة،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٢٥).","vol":"9","page":367},{"text":"وَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ الْفَصْلِ الثَّانِي.\nــ\nموجود في (صحيح مسلم)، فقيل: إنه بمعنى القاموس، وقيل: تصحيف، وأما لفظ (بلغنا) فلم يوجد إلا في بعض نسخ (المصابيح).\nوقال التُّورِبِشْتِي (١): هو خطأ لا سبيل إلى تقويمه من طريق المعنى، والرواية لم ترد به، وقال الطيبي (٢): خطأه بحسب الرواية ظاهر، لأنه لم يوجد في الأصول، وأما المعنى فصحيح، أي: وصلنا من هذه الكلمات لجة البحر ومحل اللآلئ والدرر، وقول الطيبي صحيح، وكان التُّورِبِشْتِي أراد أن المقصود توصيف الكلمات بأنها بلغن غاية الفصاحة، والأظهر في بيان هذا المعنى (بلغن) لا (بلغنا)، والأمر في ذلك سهل، ثم قال التُّورِبِشْتِي: وناعوس البحر أيضًا خطأ، وكذلك رواه مسلم في كتابه وغيره من أهل الحديث، وقد وهموا فيه، والظاهر أنه سمع بعض الرواة أخطأ فيه فروي ملحونًا، وهذه من الألفاظ التي لم تسمع في لغة العرب، والصواب قاموس البحر، وهو وسطه ومعظمه، من القمس وهو الغوص، والقماس: الغواص، انتهى.\nوفي (مجمع البحار) (٣) من (النهاية): لعله لم يجوِّد كِتبته فصحف، انتهى، وفيه أن عند بعض: قاعوس بقاف وعين، وعند بعض: تاعوص بالمثناة فوق والعين، ونقل عن الشيخ محيي الدين في (شرح صحيح مسلم): ناعوس البحر، ضبطناه بوجهين: أشهرهما بالنون والعين، وهذا هو الموجود في أكثر نسخ ديارنا، والثاني: قاموس البحر بالقاف والميم، وهذا الثاني هو المشهور في روايات الحديث في غير (صحيح\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٢٧٠).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٧٣).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٧٥٦).","vol":"9","page":368},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1271> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٨٦١ - [١٠] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ مِنْ فِيهِ إِلَى فِيَّ قَالَ: . . . . .\nــ\nمسلم)، انتهى.\nوقال القاضي عياض في (المشارق) (١): ولقد بلغن تاعوس البحر، كذا للسجزي، وعند العذري والفارسي: قاعوس بالقاف، وكلاهما بعين وسين مهملتين، وذكره الدمشقي: قاموس البحر بالقاف والميم، وهو الذي يعرفه أهل اللغة، ورواه أبو داود: قاموس أو قايوس على الشك في الميم أو الياء، وفي رواية علي بن المديني: ناموس بالنون، وقد روي عن ابن الحذاء: ياعوس بالياء باثنتين تحتها، وروي عن غيره بالباء بواحدة، وكله وهم وغلط، قال الجياني: لم أجد لهذه اللفظة ثلجًا.\nقال أبو مروان بن سراج: قاموس البحر فاعول من قمسه إذا غمسه، قال أبو عبيدة: قاموس البحر: وسطه، وفي (الجمهرة): لجته، وفي (العين): قال فلان قولًا بلغ قاموس البحر: أي: قعره الأقصى، وهذا أبين في هذا الحديث على هذه الرواية، وقال لي شيخنا أبو الحسين: قاعوس البحر صحيح مثل: قاموس كأنه من القعس وهو دخول الظهر وتعمقه، أي: بلغن عمق البحر ولجته الداخلة، وقال المطرز: صوابه الفاعوس بالفاء: الحية، والناعوس غير معروف في اسم الحية، أي: بلغن دواب البحر، انتهى، واللَّه أعلم.\nالفصل الثالث\n٥٨٦١ - [١٠] (ابن عباس) قوله: (من فيه إلى في) أي: حديثًا مبتدأ من فيه\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ١٩٠).","vol":"9","page":369},{"text":"انْطَلَقْتُ فِي الْمُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: فَبينا أَنَا بِالشَّام إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ- إِلَى هِرَقْلَ. قَالَ: وَكَانَ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ، فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ، فَقَالَ هِرَقْلُ: هَلْ هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ قَوْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَدُعِيتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَدَخَلْنَا عَلَى هِرَقْلَ، فَأُجْلِسْنَا بَيْنَ يَدَيْهِ،\nــ\nمنتهيًا إلى فيّ، أي: من غير واسطة بيني وبينه.\nوقوله: (في المدة التي كانت بيني وبين رسول اللَّه -ﷺ-) يريد مدة صلح الحديبية، وكان بين قريش كلهم، لكن أبا سفيان رئيسهم بعد هلاكهم في غزوة بدر، و(هرقل) اسم ملك الروم وقيصره، وهو بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف، ويقال: بكسر الهاء والقاف وسكون الراء، غير منصرف، و(دحية) بقتح الدال وكسرها.\nوقوله: (فدفعه إلى عظيم بصرى) بضم الباء وسكون الصاد، وهكذا أمره -ﷺ- أن يدفعه إلى عظيم بصرى، وهو يدفعه إلى هرقل، وكان من أعاظم أمرائه، والدفع بالدال يطلق على الحركة من الأعلى إلى الأسفل، فلذا ذكره هنا دون الرفع بالراء كما يكتب في المراسلات تعظيمًا للمرسل إليه، وإنما ذكر الدفع في إرسال عظيم بصرى إلى هرقل إما مشاكلة وإما لأن الكتاب واحد، والطريق واحد، فافهم.\nوقوله: (في نفر من قريش) وكانوا ثلاثين، رواه الحاكم في (الإكليل)، ولابن السكن: نحو من عشرين، كذا في (فتح الباري) (١).\nوقوله: (فأجلسنا) بلفظ المجهول من الإجلاس، كذا في أكثر النسخ، وفي بعضها: بلفظ المعلوم، أي: أمر بإجلاسنا.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٣٣).","vol":"9","page":370},{"text":"فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا، فَأَجْلَسُونِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَأَجْلَسُوا أَصْحَابِي خَلْفِي، ثُمَّ دَعَا بِتُرْجُمَانِهِ فَقَالَ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ كذَبَنِي فَكَذِّبُوهُ. قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَأيْمُ اللَّهِ لَوْلَا مَخَافَةُ أَنْ يُؤْثَرَ عَلَيَّ الْكَذِبُ لَكَذَبْتُهُ، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: سَلْهُ كَيْفَ حَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو حَسَبٍ. قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلَكٍ؟ . . . . .\nــ\nوقوله: (فقلت: أنا) لأنه لم يكن في النفر أحد من بني عبد مناف غيري، وأرجح اللغات في الترجمان فتح التاء وضم الجيم، (وقل لهم) أي: لأصحاب أبي سفيان.\nوقوله: (هذا) إشارة إلى أبي سفيان.\nوقوله: (فإن كذبني) بالتخفيف، أي: يقول كذبًا، (فكذبوه) بالتشديد بلفظ الأمر.\nوقوله: (لولا مخافة أن يؤثر عليّ الكذب لكذبته) يؤثر من الأثر، أي: لولا مخافة أن يروى عني الكذب في قومي لكذبت، أي: لقلت كذبًا، والضمير لهرقل، ويحتمل أن يكون معناه: لولا مخافة أن يكذبني هؤلاء الذين معي، وفيه أن الكذب كان قبيحًا في الجاهلية أيضًا.\nوقوله: (كيف حسبه فيكم؟) وفي (صحيح البخاري): كيف نسبه فيكم؟ والحسب محركة: ما يعده الرجل من مفاخر آبائه، ويجيء بمعنى الكرم والشرف في الفعل، والشرف الثابت في الآباء، ويرجع إلى شرف النسب، فتتطابق الروايتان.\nوقوله: (فهل كان من آبائه من ملك) هكذا بحرف الجر، و(ملك) صفة مشبه في رواية كريمة والأصيلي وأبي الوقت وابن عساكر، ولأبي ذر عن الكشميهني: (مَنْ","vol":"9","page":371},{"text":"قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: وَمَنْ يَتْبَعُهُ؟ (١) أَشْرَافُ النَّاسِ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قَالَ: قُلْتُ: . . . . .\nــ\nمَلَكَ) بفتح (مَنْ)، و(مَلَكَ) فعل ماض، ولأبي ذر في رواية: (من آبائه ملك) بإسقاط (من)، والأول أشهر.\nوقوله: (أشراف الناس) بحذف ألف الاستفهام من تتمة السؤال، والمراد بأشراف الناس هنا أهل النخوة والتكبر منهم لا كل شريف، وأيّ رجل أشرف من علي وأبي بكر وأمثالهما ممن أسلم قبل سؤال هرقل، ووقع في رواية ابن إسحاق: تبعه منا الضعفاء والمساكين والأحداث، فأما ذوو الأنساب والشرف فما تبعه منهم، وهو محمول على الأكثر الأغلب، فافهم.\nوقوله: (سخطة) بضم أوله وفتحه وسكون الثاني، وخرج به من ارتد مكرهًا لا لسخط لدين الإسلام بل لحظ نفساني كما وقع لعبيد اللَّه بن جحش، كذا قال الشيخ (٢).\nوقوله: (فكيف كان قتالكم إياه؟) أي: تقع النصرة له أو لكم؟ أو تارة فتارة؟\n_________\n(١) قال القاري (٩/ ٣٧٥٣) بسكون التاء وفتح الباء، وفي نسخة بتشديد الفوقية وكسر الموحدة.\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٣٥).","vol":"9","page":372},{"text":"تَكُونُ (١) الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالًا يُصِيبُ مِنَّا وَنُصِيبُ مِنْهُ. قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، لَا نَدْرِي مَا هُوَ صَانِعٌ فِيهَا؟ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَمْكَنَنِي مِنْ كلِمَةٍ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ، قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا. ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ: إِنِّي سَأَلْتُكَ عَنْ حَسَبِهِ فِيكُمْ فَزَعَمْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو حَسَبٍ،\nــ\nفأجاب بالشق الأخير. و(السجال) بكسر المهملة جمع سجل بفتحها، و(الحرب) اسم جنس فصح الإخبار عنه بالجمع، أشار أبو سفيان بذلك إلى ما وقع بينهم في غزوة بدر، وغزوة أحد، وقد صرح بذلك أبو سفيان يوم أحد في قوله: يوم بيوم بدر والحرب سجال، وقيل: وكذلك يوم الخندق أصيب من الطائفتين ناس قليل.\nوقوله: (يصيب منا ونصيب منه) هذا اللفظ يحتمل معنيين، أحدهما: يبلينا بالمصيبة ونبليه كما جاء في الحديث: (من يرد اللَّه به خيرًا يصب منه) (٢) أي: أبلاه بالمصائب، وثانيهما: أنه يصيب البلاء من جانبنا ونصيبه من جانبه على عكس المعنى الأول، والمآل واحد، والظاهر هو الأول من مثل هذه العبارة كما ذكرنا، وفي رواية: ينال منا وننال منه.\nوقوله: (في هذه المدة) أي: مدة الصلح.\nوقوله: (قال) أي: أبو سفيان: (ما أمكنني أن أدخل فيها) أي: في الكلمات التي قلت في صفات رسول اللَّه -ﷺ- مما يشير إلى نسبة نقص إليه -ﷺ- غير هذه الكلمة، فإنها يشير إلى احتمال وقوع العذر منه -ﷺ-.\n_________\n(١) بالتأنيث ويذكر، قاله القاري (٩/ ٣٧٥٣).\n(٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٥٦٤٥)، ومالك في \"الموطأ\" (١٩٧٨).","vol":"9","page":373},{"text":"وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي أَحْسَابِ قَوْمِهَا. وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ فِي آبَائِهِ مَلِكٌ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِكٌ. قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ آبَائِهِ. وَسَأَلْتُكَ عَنْ أَتْبَاعِهِ أَضُعَفَاؤُهُمْ أَمْ أَشْرَافُهُمْ؟ فَقُلْتَ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ يَذْهَبُ فَيَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ. وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أنْ يَدْخُلَ فِيهِ سَخْطَةً لَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإيمَانُ إِذَا خَالَطَ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنَّكُمْ قَاتَلْتُمُوهُ، فَتَكُونُ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالًا، يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهَا الْعَاقِبَةُ. وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ، فَزَعَمْتَ أَنَّهُ لَا يَغْدِرُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ؟ فَزَعَمْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ أَحَدٌ قَبْلَهُ قُلْتُ: رَجُلٌ ائْتَمَّ بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ،\nــ\nوقوله: (وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها) تأنيث الضمير باعتبار الجماعة. فقوله: (إذا خالط بشاشته القلوب) بشاشته فاعل (خالط)، و(القلوب) مفعوله، وروي: خالط بشاشة القلوب، من غير اتصال ضمير، ففي (خالط) ضمير للإيمان و(بشاشة) مفعوله مضاف إلى (القلوب)، والبش والبشاشة: طلاقة الوجه، والإقبال على أخيك، والضحك إليه، وفرح الصديق، والمراد هنا اللذة والحلاوة والانشراح.","vol":"9","page":374},{"text":"قَالَ: ثُمَّ قَالَ: بِمَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْنَا: يَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّلَةِ وَالْعَفَافِ. قَالَ: إِنْ يَكُ مَا تَقُولُ حَقًّا فَإِنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمَ أَنَّهُ خَارِجٌ، وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ مِنْكُمْ، وَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لأَحْبَبْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ. ثم دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَرَأَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٥٣، م: ١٧٧٣].\nــ\nوقوله: (قال: ثم قال) أي: قال أبو سفيان: ثم قال هرقل وسألني، وذكر في (صحيح البخاري) (١): أن هرقل نظر في النجوم فقال لهم: إني رأيت الليلة حين نظرت في النجوم ملك الختان، وسأله عن العرب فقال: هم يختتنون، فقال: هذا ملك هذه الأمة.\nوقوله: (ولو أعلم أني أخلص) بضم اللام، أي: أصل إليه.\nوقوله: (فقرأه) وتتمة الحديث في (صحيح البخاري): أن هرقل دعا قومه إلى الإيمان فأبوا، فتركهم على ذلك، واختلف في إيمان هرقل، والأرجح بقاؤه على الكفر. ففي (مسند أحمد) (٢): أنه كتب من تبوك إلى النبي -ﷺ-: إني مسلم، فقال النبي -ﷺ-: (كذب بل هو على النصرانية)، وقالوا: قد عرف هرقل صدق النبي -ﷺ-، وإنما شح بالملك ورغب في الرئاسة فآثرها على الإسلام، وقيل: إنه جهز الجيوش إلى تبوك، وجهز الجيوش على أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- وقاتلهم، ولم يقصر في تجهيز الجيش عليهم من الروم وغيره كرة بعد كرة، فيهزمهم اللَّه ويهلكهم، ولا يرجع إليه منهم إلا أقلهم، واستمر على ذلك إلى أن مات وقد فتح أكثر بلاد الشام، ثم ولي بعده ولده،\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٧).\n(٢) انظر: \"صحيح ابن حبان\" (١٠/ ٣٥٧).","vol":"9","page":375},{"text":"وَقَدْ سَبقَ تَمَامُ الْحَدِيثِ فِي \"بَابِ الْكِتَابِ إِلَى الْكُفَّارِ\".\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1272>٦ - باب في المعراج</span>\nــ\nوبهلاكه هلكت المملكة الرومية، كذا ذكروا.\n٦ - باب في المعراج\nوفي بعض النسخ: (باب المعراج) بترك كلمة (في)، والعروج: الصعود، عرج عروجًا ومعرجًا: ارتقى، والمعراج: آلة الصعود، وهو السلم كأنه وضع له -ﷺ- فارتقى به إلى السماء، وقد جاء في الرواية أنه لما صعد الصخرة وضع له سلم منها إلى السماء، وهو الذي تعرج منه الملائكة، وينزل ملك الموت.\nوالأكثر على أنه وقع في ربيع الأول السنة الثانية عشر من النبوة، وقيل: في السابعة والعشرين من ربيع الآخر، وقيل: في السابعة عشر من رمضان، والمشهور في السابعة والعشرين من رجب، وعليه عمل أهل المدينة في الرجبية، وقيل: في سنة خمس أو ست، ثم هنا إسراء ومعراج، فالإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، والمعراج منه إلى السماء.\nواختلف أقوال العلماء هل كانا في ليلة واحدة أم لا؟ وهل كانا في يقظة أو منام؟ وهل كانا مرة واحدة أو مرتين أو مرارًا؟ فمرة واحدة في المنام وأخرى في اليقظة، وكان مرة النوم توطئة لما في اليقظة تسهيلًا عليه؛ لأنه أمر عظيم تضعف عنه القوة البشرية كالحكمة في الرؤيا الصادقة في بدء نبوته، أو كان في اليقظة بالجسد إلى بيت المقدس وإلى السماء بالروح.","vol":"9","page":376},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالتحقيق أنه وقع مرة واحدة في اليقظة بجسده الشريف من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم إلى السماء، ثم إلى ما شاء اللَّه إلى آخر القضية، وإليه ذهب الجمهور من الفقهاء والمتكلمين وأهل التحقيق من الصوفية، وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة من حديث أنس وأبي بن كعب وجابر بن عبد اللَّه وبريدة وسمرة بن جندب وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وحذيفة بن اليمان وشداد بن أوس وصهيب وعلي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب ومالك بن صعصعة وأبي أمامة وأبي أيوب ودحية وأبي ذر وأبي سعيد الخدري وأبي سفيان بن حرب وأبي هريرة وعائشة الصديقة وأسماء بنت أبي بكر وأم هانئ وأم سلمة وغيرهم.\nوتمسك القائلون بأنه في المنام مع اتفاقهم على أن رؤيا الأنبياء وحي بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]، قالوا: المراد به المعراج، والرؤيا هي الحلمية، وأما البصرية فالرؤية بالتاء، أجيب بأن الرؤيا والرؤية واحدة كقربى وقربة، وعند البخاري عن ابن عباس، قال: هي رؤيا عين أريها رسول اللَّه -ﷺ- ليلة أسري به (١)، وقال المتنبي:\nورؤياك أحلى في العيون من الغمض\nومن خطأه فهو مخطئ على أن للمفسرين خلافًا في المراد بهذه الرؤيا، فقيل: هي رؤيا عام الحديبية حين رأى أنه دخل مكة فصده المشركون وافتتن بذلك ناس، وقيل: رؤيا وقعة بدر لقوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ [الأنفال: ٤٣]، وقيل: رأى قومًا من بني أمية يرقون منبره وينزون عليه نزو القرد، فقال: هو حظهم من\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٣٨٨٨).","vol":"9","page":377},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالدنيا يعطون بإسلامهم، وقد يقال. إنها رؤية عين، وإنما عبر عنها بالرؤيا لوقوعها بالليل وسرعة نقضها كأنها منام، ويقال: تسميتها رؤيا على وجه التشبيه والاستعارة لما فيها من الخوارق التي هي بالمنام أليق في مجاري العادات، ويقال: تسميتها على قول المكذبين حيث قالوا: لعلها رؤيا رأيتها، وتمسكوا أيضًا بقول عائشة: ما فقد جسد محمد ليلة المعراج، وأجيب بأن عائشة لم تحدث به عن مشاهدة؛ لأنها لم تكن إذ ذاك زوجًا ولا في سن من يضبط، أو لم تكن ولدت بعد على الخلاف في سنة الإسراء، أو المراد ما فقد جسده الشريف عن الروح بل كان مع روحه، وكان المعراج للجسد والروح جميعًا، ونقل عن بعض الصوفية أنه كان له -ﷺ- أربعة وثلاثين مرة، والذي أسري به منها إسراء واحد بجسمه، والباقي بروحه.\nوقال في (المواهب) (١): القول بتعدد وقوعه محض احتمال، ولم يثبت ذلك بالروايات ولم ينقل عن أحد من السلف المتقدمين، وحجة الجمهور في أن الإسراء كان في اليقظة بالجسد قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١]، فإن العبد اسم للروح والجسد، كما في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ - ١٠] وقوله سبحانه: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩] فكذا هنا، وقوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: ١] لأن الرؤية إنما تكون في اليقظة بالجسد، ولا شك أن ظاهر قوله: ﴿أَسْرَى﴾ أن يحمل على اليقظة حتى يدل دليل على خلافه، بل تصدير الكلام بالتسبيح الدال على التعجب تعظيم قدرة اللَّه تعالى، والتمدح بتشريف النبي -ﷺ- وإظهار الكرامة له بالإسراء مما يدل عليه أيضًا.\n_________\n(١) انظر: \"المواهب اللدنية\" (٣/ ٧٩).","vol":"9","page":378},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1273> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٨٦٢ - [١] عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ: \"بَيْنَمَا أَنَا فِي الْحَطِيمِ -وَرُبَّمَا قَالَ فِي الْحِجْرِ- مُضْطَجِعًا. . . . . .\nــ\nواحتجوا أيضًا بأنه لو كان منامًا لما كانت فيه فتنة للضعفاء، ولما استبعده الأغنياء، ولو كان للروح فقط لما كان على البراق المتصف بصفة الدواب، وقالوا: المعراج بالجسم إلى تلك الحضرة العلية لم يكن لأحد من الأنبياء فإنه مقام عَلِيٌّ مخصوص به -ﷺ- وتشريف وتكريم خاص من الحق سبحانه إياه، فافهم وباللَّه التوفيق.\nالفصل الأول\n٥٨٦٢ - [١] (قتادة) قوله: (عن ليلة أسري به) ليلة بالفتح مضافة إلى (أسري به)، وقد يجعل في بعض النسخ مجرورة منونة، و(أسري به) صفتها، والأول أظهر وأعرق في العربية مع أن الثاني يستلزم حذف ضمير للموصوف، أي ليلة أسري به فيها، كذا قيل، ويشهد للثاني قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ﴾ [البقرة: ٤٨]. و(الحطيم) حجر الكعبة أو ما بين الركن وزمزم والمقام، وقد مرّ تفسيره في (كتاب الحج).\nوقوله: (وربما قال: في الحجر) يؤيد قول الحنفية بأن الحطيم هو الحجر، لأن القصة واحدة، ثم اختلفت الروايات في تعيين مكان الإسراء، ففي بعضها: (أسري بي وأنا في الحطيم)، وفي بعضها: (في الحجر)، وفي بعضها: (بينا أنا عند البيت)، وفي بعضها: (فرج سقف بيتي وأنا بمكة)، وفي بعضها: أسري به من شعب أبي طالب، وفي بعضها: في بيت أم هانئ وهو أشهر، والجمع بين هذه الأقوال على ما ذكر في","vol":"9","page":379},{"text":"إِذْ أَتَانِي آتٍ فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إِلَى هَذِهِ\" يَعْنِي مِنْ ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إِلَى شِعْرَتِهِ، \"فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءٍ إِيمَانًا، فَغُسِلَ قَلْبِي، ثُمَّ حُشِيَ،\nــ\n(فتح الباري) (١) أنه بات في بيت أم هانئ، وبيتها في شعب أبي طالب ففرج سقف بيته، وأضاف البيت إلى نفسه الشريفة لبيتوتته فيه، فنزل منه الملك فأخرجه من البيت إلى المسجد، ثم أخذه الملك فأخرجه من المسجد.\nوقوله: (إذ أتاني آت) يعني جبرئيل. و(الثغرة) بضم المثلثة وسكون الغين المعجمة: نقرة النحر التي بين الترقوتين، و(الشعرة) بالكسر: العانة، وقيل: منبت شعرها، وفي (القاموس) (٢): هي العانة كالشعراء، وتحت السرة منبته.\nوقوله: (فاستخرج قلبي) أي: أخرج، والإخراج والاستخراج بمعنى.\nوقوله: (بطست من ذهب) فإن قيل: استعمال الذهب حرام في شرعه ﵊ فكيف استعمل هنا؟ فالجواب أن تحريم الذهب إنما هو لأجل الاستمتاع به في هذه الدار، وأما في الآخرة فهو من أواني الجنة، وما وقع في تلك الليلة كان الغالب فيه ما كان من أحوال الغيب وعالم الآخرة، على أن الاستعمال والاستمتاع لم يحصل له -ﷺ-، فافهم.\nوقوله: (مملوء إيمانًا) قيل: هو من باب التمثيل، أو مثل له المعاني كما مثل له أرواح الأنبياء وكما تمثل الأعمال يوم القيامة للوزن.\n(ثم حشي) أي: ملئ القلب إيمانًا، من حشا الشيء: ملأه، وأحشا: امتلأ،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٠٤).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٨٨).","vol":"9","page":380},{"text":"ثُمَّ أُعِيدَ\" -وَفِي رِوَايَةٍ: \"ثُمَّ غُسِلَ الْبَطْنُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ إِيمَانًا وَحِكْمَةً- ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ دُونَ الْبَغْلِ وَفَوْقَ الْحِمَارِ أَبْيَضَ يُقَالُ لَهُ: الْبُرَاقُ،\nــ\nوقيل: ملئ بالقلب ظرفه، وهو الجلد الرقيق الذي يكون القلب فيه، وهذا المعنى لا يخلو عن بعد وتكلف، والأظهر الأنسب هو الأول.\nوقيل: الحكمة في تفريج سقف البيت ونزول الملك منه وعدم دخوله من الباب أن الملك انصب من السماء انصبابة واحدة، ولم يعرج على شيء سواه مبالغة في المفاجأة، وتنبيها على أن الطلب وقع على غير ميعاد كما كان لموسى -ﷺ-، وقيل: يحتمل أن يكون توطئة وتمهيدًا لتفريج صدره، فأراه الملك بإفراجه عن السقف ثم التئامه على الفور كيفية ما يصنع به لطفًا به وتثبيتًا لبصره، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ثم أتيت بدابة) وهذا على ما جرت به عادة الملوك أنهم إذا استدعوا من يخص بهم بعثوا إليه بمركوب شيء يحمله عليه في وفادته عليه، وقيل: الحكمة في كون البراق دابة دون البغل وفوق الحمار، ولم يكن على شكل الفرس إشارة إلى أن الركوب كان في سلم وأمن دون حرب وخوف.\nوقوله: (يقال له: البراق) سمي به لسرعة سيره كالبرق، وقيل: هو من البريق بمعنى اللعمان، وقيل: لكونه ذا لونين، يقال: شاة برقاء إذا كان في خلال صوفها الأبيض طاقات سود، ويحتمل أن لا يكون مشتقًا، كذا في (المواهب) (١).\nوجاء في رواية: أنه قال جبرئيل: يا محمد اركبه، فإنه البراق الذي ركبه إبراهيم، وفي بعض الروايات: الأنبياء، وركبه سائر الأنبياء، وفي صحة هذه الروايات كلام، نعم يفهم من ظاهر قول جبرئيل للبراق كما جاء في حديث أنس: (فما ركبك أحد\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٣/ ٣٧).","vol":"9","page":381},{"text":"يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أَقْصَى طَرْفِهِ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ،\nــ\nأكرم على اللَّه منه) (١) أنه قد ركبه قبل ذلك بعض الأنبياء، وسمعت من مولانا الشيخ العارف باللَّه سيدي الشيخ عبد الوهاب المتقي أن لكل نبي براقًا على حسب رتبته كما أن لكل منهم حوضًا يوم القيامة كذلك، وفي كلام أهل التأويل أن البراق مثال لنفسه الشريفة -ﷺ-، والنفس مركب الروح وسبب لوصوله إلى المقام الأعلى، ولذلك كان يجمح كما هو خاصية النفس فاطمأنت، ومن هذا الكلام يظهر أن يكون هذا البراق مخصوصًا به -ﷺ-، واللَّه أعلم.\nفإن قلت: هل يقال للبراق فرس؟ قلت: سمعت الشيخ رحمة اللَّه عليه أنه [قال]: إنما يقال له: براق، لا فرس ولا غيره.\nوقوله: (يضع خطوه عند أقصى طرفه) بفتح وسكون، أي: يضع رجله عند منتهى بصره، واستدل بعضهم بهذا أنه يكون قطعه الأرض إلى السماء في خطوة واحدة؛ لأن بصر الذي في الأرض يقع على السماء فبلغ أعلى السماوات في سبع خطوات، وجاء في بعض الروايات: (فركبتها، إن تركتها سارت وإن حركتها طارت).\nوقوله: (فحملت) بلفظ المجهول إشارة إلى أن الركوب بمحض إعانة اللَّه وقدرته، ويمكن أن يقال: إن الحامل والواسط كان هو جبرئيل بقوة ملكوته ولا بعد في ذلك، فإن جبرئيل كانت واسطة في وصول الفيض والوحي إلى رسول اللَّه -ﷺ-، وهذا نوع من الخدمة يفعلها خدام الملوك، فإن جبرئيل ﵇ كان في هذه الليلة خادم دولته وحامل غاشيته، وجاء في رواية: (كان الذي أمسك بركابه جبرئيل، وبزمام البراق ميكائيل) (٢)،\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في \"سننه\" (٣١٣١).\n(٢) انظر: \"شرف المصطفى\" لأبي سعد عبد الملك النيسابوري (ت: ٤٠٦ هـ) (٢/ ١٩٤).","vol":"9","page":382},{"text":"فَانْطَلَقَ بِي جِبْرَئِيلُ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قيل: مرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ،\nــ\nوالسفارة في إيصال الوحي أيضًا من هذا الباب، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فانطلق بي جبرئيل حتى أتى السماء الدنيا) طوي في هذا الحديث قصة الإسراء إلى بيت المقدس، وقد تمسك بهذا الحديث من زعم أن المعراج كان في غير ليلة الإسراء إلى بيت المقدس، واللَّه أعلم.\nثم هذا يدل على أنه قد استمر ركوبه على البراق حتى عرج به إلى السماء، وزعم بعضهم أنه لم يكن على البراق حين صعد إلى السماء، بل وضع له -ﷺ- سلم رقي به السماء، وفي رواية: (حمله جبرئيل على جناحه إلى السماء)، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وقد أرسل إليه؟) بحذف حرف الاستفهام، أي: هل طلبوه وبعثت إليه للإصعاد؟ وقيل: معناه هل أوحي إليه، وبعث نبيًا؟ والأول أظهر؛ لأن أمر نبوته كان مشهورًا في الملكوت، وقيل: سؤالهم كان للاستعجاب والاستبشار بعروجه وقدومه ليتشرفوا به، إذ من البين عندهم أن أحدًا لا يترقى إلى السماوات بغير إذن اللَّه، وهذا القول أظهر وأحسن وأعجب.\nوقوله: (فنعم المجيء جاء) قيل: فيه تقديم وتأخير وحذف المخصوص، تقديره: جاء فنعم المجيء مجيئه، أو الموصول محذوف، أي: نعم المجيء الذي جاءه.\nوقوله: (ففتح) دل على أن للسماء بابًا، وقد نطق بذلك القرآن العظيم أيضًا، ويقال: إن أبوابها محاذية لبيت المقدس، ولهذا كان المعراج من هناك، وإذا كان لها","vol":"9","page":383},{"text":"فَلَمَّا خَلَصْتُ، فَإِذَا فِيهَا آدَمُ، فَقَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّماءَ الثَّانِيَةَ فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ فَفُتِحَ. فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يَحْيَى وَعِيسَى وَهُمَا ابْنَا خَالَةٍ. قَالَ: هَذَا يَحْيَى وَهَذَا عِيسَى، فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا، فَسَلَّمْتُ فَرَدَّا، ثُمَّ قَالَا: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ قِيلَ: مَنْ هَذا؟ قَالَ: جِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ إِذَا يُوسُفُ، قَالَ: هَذَا يُوسُفُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ. ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الرَّابِعَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ . . . . .\nــ\nأبواب فلا يلزم الخرق والالتئام على أن حديث الخرق والالتئام وبطلانهما هذيان من القول باطل، لأن اللَّه سبحانه قادر على كل شيء، والفلك مثل سائر الأجسام يجوز عليه ما يجوز عليها، والدلائل التي أقاموا عليها معلومة مدخولة لا يحصل بها الظن بما ادعوا خصوصًا اليقين.\nوقوله: (فلما خلصت) أي: وصلت ودخلت في السماء.\nوقوله: (فسلم عليه) إنما بادر جبرئيل بأمره -ﷺ- بالتسليم على الأنبياء تعليمًا","vol":"9","page":384},{"text":"قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِدْرِيسُ، فَقَالَ: هَذَا إِدْرِيسُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الْخَامِسَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَفُتِحَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا هَارُونُ، قَالَ: هَذَا هَارُونُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخَ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثم صَعِدَ بِي حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ السَّادِسَةَ، فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نعُمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا مُوسَى، قَالَ: هَذَا مُوسَى، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ، ثم قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، فَلَمَّا جَاوَزْتُ بَكَى، قِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ . . . . .\nــ\nللتواضع والشفقة عليهم لبلوغه في الرفعة مقاما لم يبلغه أحد فكان محل التواضع، وقيل: إنما أمر بالتسليم عليهم؛ لأنه كان عابرًا عليهم، فكان في حكم القائم وكانوا في حكم القاعد، والقائم يسلم على القاعد وإن كان أفضل منه.\nوقوله: (هذا إدريس) وقيل في قوله: (مرحبًا بالأخ الصالح) أن إدريس من آبائه -ﷺ-، وأجيب بأن الأنبياء كلهم إخوان كالمؤمنين، وعلى هذا لو قال آدم وإبراهيم أيضًا: الأخ الصالح، ولكن لما كان أبوتهما ظاهرًا مشهورًا قالا: الابن، ثم استشكل رؤية الأنبياء في السماوات مع أن أجسادهم مستقرة في قبورهم؟ وأجيب بأن أرواحهم تشكلت بصور أجسادهم أو أحضرت أجسادهم لملاقاته -ﷺ- تلك الليلة تشريفًا وتكريمًا","vol":"9","page":385},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nله، وما جاء في بعض الروايات: أنه بعث له آدم فمن دونه من الأنبياء فأمّهم، يؤيد هذا الوجه، كذا قيل، ولكن لا حاجة إلى القول بالبعث؛ لأن الأنبياء أحياء إلا أن يكون المراد بالبعث الإحضار، هذا وأما اختصاص هؤلاء الأنبياء بملاقاته -ﷺ- دون غيرهم من الأنبياء، واختصاص كل واحد منهم بسماء مخصوص فمما لا يدرك بالحقيقة وجهه.\nوقد يذكر لكلا الأمرين مناسبات ظاهرة يستأنس بها، أما حقيقة الأمر فلا، فيقال للأول: إن ذلك إشارة إلى ما سيقع له -ﷺ- مع قومه من نظير ما وقع لكل منهم، كخروجه -ﷺ- من مكة وما ألفه من الوطن مثل خروج آدم من الجنة، وما أصابه من اليهود في أول الهجرة مثل ما أصاب عيسى ويحيى منهم، ووجود الأذى من أقربائه مثل ما وقع ليوسف من إخوته، وكانت العاقبة له ورفع مكانه وعلو شأنه لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤] كما قال في إدريس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]، ورجوع قومه إلى محبته بعد أن آذوه كما وقع بهارون، وقال -ﷺ-: (لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) (١). ولعله قاله في بعض الأمور وإلا فقد ورد: (ما أوذي نبي مثل ما أوذيت في سبيل اللَّه) (٢)، وأما مناسبته بإبراهيم فظاهر، وقد رأى إبراهيم متكئًا بالبيت المعمور، وذلك مثل استناده بالبيت الحرام في فتح مكة.\nوأما اختصاص كل منهم بسماء رأى فيها فلأن آدم أول الأنبياء وأول الآباء، فكان أولى بالأولى، وخص عيسى بالثانية لأنه أقرب الأنبياء عهدًا لمحمد -ﷺ- ويحيى\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٣١٥٠)، ومسلم في \"صحيحه\" (١٠٦٢).\n(٢) أخرجه الترمذي في \"سننه\" (٢٤٧٢)، وابن ماجه في \"سننه\" (١٥١).","vol":"9","page":386},{"text":"قَالَ: أَبْكِي لأَنَّ غُلَامًا بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي، ثُمَّ صَعِدَ بِي إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرَئِيلُ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَئِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ الْمَجِيءُ جَاءَ،\nــ\nابن خالته معه، ويليه يوسف؛ لأن أمة محمد تدخل الجنة على صورته، وإدريس بالرابعة لقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾، والرابعة من السبع وسط معتدل، وهارون في الخامسة لقربه من أخيه، وموسى أرفع منه لفضل كلام اللَّه تعالى به، وإبراهيم فوقه لأنه أفضل الأنبياء بعد نبينا -ﷺ- وعليهم أجمعين، كذا ذكروا واللَّه أعلم.\nثم هذا الترتيب الذي وقع في هذا الحديث هو أصح الروايات وأرجحها، وقد وقع في بعض الروايات أنه رأى إبراهيم ﵇ في السماء السادسة، ورأى موسى في السابعة، وفي رواية: رأى إدريس في الثالثة وهارون في الرابعة، وفي أخرى إدريس في الخامسة ويوسف في الثانية، ويحيى وعيسى في الثالثة، وعلى تقدير صحة الروايات يتعذر الجمع إلا أن يقال بتعدد المعراج، أو يرجح بعض الروايات على بعض، والأرجح هو رواية الجماعة، كذا قال الشيخ (١).\nوقوله: (أبكي لأن غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي) قالوا: لم يكن بكاء موسى ﵇ حسدًا على فضيلة نبينا -ﷺ- وأمته؛ لأن الحسد مذموم من آحاد المؤمنين، وأيضًا منزوع منهم في ذلك العالم، فكيف عمن اصطفاه اللَّه سبحانه، وهو كليم، بل كان أسفًا على ما فاته من الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجات بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم المستلزم\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٧/ ٢١٠).","vol":"9","page":387},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nلنقصان أجره ﵇، لأن لكل نبي مثل أجر من اتبعه.\nوقيل: ذلك محمول على الرقة لقومه والشفقة عليهم حيث لم ينتفعوا بمتابعته انتفاع هذه الأمة بمتابعة نبيهم، ولم يبلغ سوادهم مبلغ سوادهم، فإن اللَّه تعالى قد جعل في قلوب أنبيائه ﵈ الرأفة والرحمة لأمتهم، وقد أخذوا من رحمة اللَّه تعالى أوفر نصيب، وكانت الرحمة في قلوبهم لعباد اللَّه تعالى أكثر من غيرهم، وقد بكى نبينا نبي الرحمة -ﷺ-. فقيل: أنت تبكي يا رسول اللَّه! قال: (هذه رحمة، وإنما يرحم اللَّه من عباده الرحماء)، فلأجل ذلك بكى موسى ﵇ رحمة لأمته؛ لأن هذا وقت أفضال وجود وكرم، لعل اللَّه يرحم أمته ببركة هذه الساعة، وقد قيل: إن غرض موسى إدخال السرور على نبينا -ﷺ- بأنه أكثر أتباعًا، وأن أمته أكثر ممن يدخل الجنة من أمتي، وأمة موسى كانت كثيرًا، وأما قوله: (لأن غلامًا بعث بعدي) فليس على سبيل التنقيص ولم يرد به استصغار شأنه، بل على سبيل التنويه والتعظيم لقدرة اللَّه سبحانه وعظم كرمه بإعطاء ما كان في ذلك السن ما لم يعط أحدًا قبله ممن كان أسن منه، والمراد استقصار مدته مع استكثار فضائله واستتمام سواد أمته، وقد يطلق الغلام ويراد به القوي الطري الشاب، ولهذا كان أهل المدينة يسمونه حين هاجر إليهم شابًا وأبا بكر مع أنه أصغر سنًا منه شيخًا.\nوقال الشيخ (١): ويظهر لي أن موسى ﵇ أشار بهذا اللفظ إلى استمرار قوة نبينا -ﷺ- في الكهولة إلى أن دخل في أول الشيخوخة، ولم يدخل على بدنه هرم ولا اعترى قوته نقص كأنه شاب إلى الآن.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٧/ ٢١٢).","vol":"9","page":388},{"text":"فَلَمَّا خَلَصْتُ فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ: هَذَا أَبُوكَ إِبْرَاهِيمُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ ثم قَالَ: مَرْحَبًا بِالابْنِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ، ثُمَّ رُفِعْتُ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى،\nــ\nوقوله: (مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح) اعلم أن الأنبياء كلهم وصفوه -ﷺ- بالصلاح، ويعلم منه أن الصلاح مرتبة رفيعة عظيمة، وقد وصف اللَّه تعالى في كتابه المجيد أنبياء صلوات اللَّه عليهم بذلك، فقال: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنعام: ٨٥]، ﴿وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٢]، والصلاح ضد الفساد، ويتضمن الاتصاف بجميع ما يصلح القلب ويجعله صالحًا لما يقصد به من الكمالات والصفات الجميلة.\nوقوله: (ثم رفعت إلى) الأكثر بضم الراء وسكون العين وضم التاء بضمير المتكلم وبعده (إلى) للانتهاء. وللكشميهني: (رفعت لي) بفتح العين وسكون التاء وبعده لام الجر داخلة على ياء المتكلم، أي: رفعت السدرة لي، أي: من أجلي، والرفع تقريب الشيء، وقد فسر قوله تعالى: ﴿سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾ [الغاشية: ١٣] بموضوعة بعضها على بعض وبمقربة لهم، فمعناه على الأول رقيت وقربت إليه، وعلى الثاني أظهرت السدرة ورئيت لي، والسدر: شجرة النبق، والواحدة بهاء، وإنما سميت سدرة المنتهى؛ لأن علم الملائكة ومقامهم ينتهي إليها، ولم يجاوزها أحد إلا نبينا -ﷺ-، ولأنه ينتهي إليها ما يعرج من الأرض من الأعمال فيقبض منها، ومن هناك ينزل الأمر وتتلقى الأحكام، وعندها تقف الحفظة وغيرهم، ولا يتعدونها فكانت منتهى.\nوقال بعض العلماء: اختيرت السدرة دون غيرها من الأشجار؛ لأن فيها ثلاثة أصناف: ظل مديد، وطعم لذيذ، ورائحة زكية، فكانت بمنزلة الإيمان الذي يجمع القول والعمل والنية، فالظل بمنزلة العمل، والطعم بمنزلة النية، والرائحة بمنزلة القول،","vol":"9","page":389},{"text":"فَإِذَا نَبِقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرٍ، وَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ، قَالَ: هَذَا سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنْهَارٍ: نَهْرَانِ بَاطِنَانِ وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، قُلْتُ: مَا هَذَانِ يَا جِبْرَئِيلُ؟ قَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ،\nــ\nوالنبق حمل السدر بفتح النون وكسرها وسكون الموحدة وككتف، واحدته بهاء.\nوقوله: (قلال) بالكسر جمع قلة بالضم، وهي الجرة، و(هجر) بفتحتين اسم موضع يصنع فيه القلال كثيرًا، وسبق في (كتاب الطهارة). و(الفيلة) بكسر الفاء وفتح التحتانية جمع الفيل، وهذا تمثيل على قدر فهم الناس، وليس على حقيقته، فقد ورد في بعض الروايات: (فإذا كل ورقة منها تغطي هذه الأمة) (١)، ويدل هذا الحديث أن السدرة في السماء السابعة، وهو الصحيح المشهور الأكثر رواية، ووقع في بعض الروايات أنها في السماء السادسة، وقالوا في وجه الجمع: بأن أصولها في السادسة وفروعها في السابعة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (نهران باطنان) أي: يجريان في الجنة ولا يخرجان منها، نقل الطيبي (٢) أنهما السلسبيل والكوثر، وفي (شرح ابن الملك) (٣): يقال لأحدهما: الكوثر، وللآخر: نهر الرحمة، وإنما قال: باطنان لخفاء أمرهما فلا تهتدي العقول إلى وصفهما، أو لأنهما مخفيان عن أبصار الناظرين فلا يريان حتى يَصُبَّا في الجنة، انتهى.\nوأما الظاهران فالنيل والفرات، الحديث يدل على أن النيل وهو نهر مصر، والفرات\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"البعث والنشور\" (ص: ١٤٣).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٨٧).\n(٣) \"شرح مصابيح السنة\" (٦/ ٢٨٠).","vol":"9","page":390},{"text":"ثُمَّ رُفِعَ لِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ، ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ، فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ، قَالَ: هِيَ الْفِطْرَةُ، أَنْتَ عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ،\nــ\nوهو نهر الكوفة يخرجان من أصل السدرة، ثم يخرجان من الأرض ويسيران فيها فوجب المصير إليه، وقد أورد السيوطي في النيل من الأحاديث ما يدل عليه، ويتضمن عجائب وغرائب ما تتحير العقول فيه، وقيل: يحتمل أن يكون المراد بهما ما عرفا بين الناس ويكون مادتهما مما يخرج من أصل السدرة، ولم يدرك كيفته، وأن يكون من باب الاستعارة بأن شَبَّههما بنهري الجنة في العظم والعذوبة، أو من باب توافق الأسماء بأن يكون اسما نهري الجنة موافقتين لاسمي نهري الدنيا، كذا في (شرح ابن الملك).\nوقوله: (ثم رفع لي البيت المعمور) وهو بيت في السماء السابعة بإزاء الكعبة بحيث لو فرض سقوطه لوقع عليها، ويأتي ذكره في الحديث الآتي.\nوقوله: (هي الفطرة) نقل في (المواهب) (١): اخترت اللبن الذي عليه بنيت الخلقة وبه نبت اللحم ونشز العظم، أو اخترته لأنه الحلال الدائم في دين الإسلام، بخلاف الخمر فإنه حرام فيما يستقر عليه الأمر، وقال النووي (٢): المراد بالفطرة هنا الإسلام والاستقامة، قال: ومعناه -واللَّه أعلم- اخترت علامة الإسلام والاستقامة، قال: وجعل اللبن علامة لذلك لكونه سهلًا طيبًا طاهرًا سائغا للشاربين سليم العاقبة، وأما الخمر فإنها أم الخبائث وجالبة لأنواع الشر في الحال والمآل، انتهى.\nوبما ذكر يظهر الجواب عما يقال: إن الخمر إذ ذاك كانت مباحة؛ لأنها إنما حرمت بالمدينة، فما وجه تعيينه -ﷺ- لأحد المباحين؟\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٣/ ٤٦).\n(٢) \"شرح النووي\" (٢/ ٢١٢).","vol":"9","page":391},{"text":"ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: بِمَا أُمُرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ،\nــ\nوإن قلنا: إنها كانت من خمر الجنة كان سبب تجنبها صورتها ومضاهاتها الخمر المحرمة، أي: في علم اللَّه تعالى، وذلك أبلغ في الورع والتقوى، وهذا الحديث يدل على أن الإتيان بالأواني الثلاث كان فوق السماء، ودل بعض الأحاديث على أنه كان عند إتيان المسجد الأقصى، ولعله كان مرتين في المقامين جميعًا صرح به الحافظ العماد ابن كثير (١)، وقد لا يذكر في بعض الأحاديث العسل، ويصلح وجهًا لذلك مثل ما ذكرنا، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ثم فرضت علي الصلاة) قال بعض العارفين: الحكمة في فرض الصلاة ليلة الإسراء أنه -ﷺ- لما عرج به رأى في تلك الليلة تعبد الملائكة، وأن منهم القائم فلا يقعد، والراكع فلا يسجد، والساجد فلا يقعد، فجمع اللَّه تعالى له ولأمته تلك العبادات كلها في الركعة، وفيه نظر فتأمل.\nوقوله: (فقال: بما أمرت؟) قيل: لعل اختصاص موسى ﵇ بالتكلم في هذا المقام لاختصاصه بكلام اللَّه تعالى في الدنيا من بين سائر الأنبياء والرسل، وقد بالغ ﵇ في النصيحة والشفقة لهذه الأمة في هذه القضية، وظهر منه ما لم يظهر أحد من الأنبياء.\nوقوله: (أمضيت فريضتي) استدل بحديث المعراج في فرضية خمس صلوات وإمضائها وعدم تبدلها من قال: بعدم وجوب الوتر، والجواب أن المراد الفرضية القطعية\n_________\n(١) انظر: \"السيرة النبوية\" (٢/ ٩٥).","vol":"9","page":392},{"text":"وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَأُمِرْتُ بِعَشْرِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فَرَجَعْتُ فَأُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تَسْتَطِيعُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ، وإنِّي قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وَعَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ لأُمَّتِكَ، قَالَ: سَأَلْتُ رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ،\nــ\nعملًا واعتقادًا، ووجوب الوتر ليس كذلك، وهو ثابت بالسنة بدليل فيه شبهة، ولذا قال إمامنا الأعظم بوجوبه بهذا المعنى، دون فرضيته بذلك المعنى على أنه يجوز أن يكون المراد بإمضاء فرضية الخمس وعدم تبدلها [عدم] نسخ فرضيتها كلًّا أو بعضًا لا عدم الزيادة عليها، فيجوز أن يوحى بعد فرضية الخمس بصلاة أخرى.\nوقوله: (وعالجت بني إسرائيل) أي: مارستهم ولقيت الشدة منهم، في (القاموس) (١): عالجه علاجًا ومعالجة: زاوله وداواه، انتهى.\nوقوله: (فارجع إلى ربك) أي: إلى موضع ناجيت ربك فيه.\nوقوله: (فرجعت) يدل على أنه لم يكن واجبًا قطعًا، ولذلك علم موسى ﵇\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٩٥).","vol":"9","page":393},{"text":"وَلَكِنِّي أَرْضَى وَأُسُلِّمُ. قَالَ: فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَى مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨٨٧، م: ١٦٤].\n٥٨٦٣ - [٢] وَعَنْ ثَابِتٍ البُنانيِّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"أُتِيتُ بِالبُرَاقِ وَهُوَ دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ، فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ، يَقَعُ حَافِرُهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فَرَكبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي تَربطُ بِهَا الأَنْبِيَاءُ\". . . . .\nــ\nوعرف نبينا -ﷺ- وإلا كيف يتصور المراجعة، ويمكن أن يكون نسخًا، كما قال من جوز النسخ قبل العمل والتمكن منه.\n٥٨٦٣ - [٢] (ثابت البناني) قوله: (وعن ثابت البناني) بضم الباء وتخفيف النون، و(الحلقة) أي: حلقة باب المسجد بسكون اللام على اللغة الفصيحة المشهورة وحكي فتحها.\nوقوله: (تربط) بالفوقانية في أكثر النسخ بتأويل الجماعة، وبالتحتانية في بعضها، و(بها) بضمير المؤنث راجعًا إلى الحلقة، وفي الحواشي: (يربط به) بضمير المذكر في الأصول باعتبار المعنى، والمراد أني ربطت دابتي بالحلقة التي تربط بها الأنبياء دوابهم، فلا يلزم أن يكون هذه الدابة قد ركبها الأنبياء، نعم لا يبعد أن يكون المعنى ربطت براقي حيث كان كل من الأنبياء يربط براقه على ما نقلنا قبل أنه كان لكل نبي براق، وأما هذا البراق فمخصوص به -ﷺ-، فافهم.\nوجاء في بعض الروايات: فلما بلغ بيت المقدس فبلغ المكان الذي يقال له: باب محمد، أتى إلى الحجر الذي به فغمز جبرئيل بأصبعه فنقبه ثم ربطها، فلما استويا في سرحة المسجد قال جبرئيل: يا محمد! هل سألت ربك أن يريك الحور العين؟ قال: نعم، قال: فانطلق إلى أولئك النسوة فسلم عليهن. و(بيت المقدس) فيه لغتان","vol":"9","page":394},{"text":"قَالَ: \"ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَاءَنِي جِبْرَئِيلُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وإنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقَالَ جِبْرَئِيلُ: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ،\nــ\nفتح الميم مع سكون القاف وكسر الدال وضم الميم وفتح القاف مع تشديد الدال.\nوقوله: (فصليت فيه ركعتين) الظاهر أنهما ركعتا تحية المسجد، ولقد فات الراوي في هذا الحديث ذكر صلاته -ﷺ- مع الأنبياء وإمامته لهم، إما اختصارًا أو ذهولًا كما فات في الحديث الأول ذكر دخوله بيت المقدس، بل هذا أظهر لأنه قد قيل: إن المعراج كان في غير ليلة الإسراء، أما في الحديث الذي فيه ذكر الإسراء فرواية الإمامة ثابتة قطعًا، ففي رواية عبد الرحمن بن هشام عن أنس: ثم بعث آدم فمن دونه فأمهم تلك الليلة، وفي حديث أم هانئ عند أبي يعلى: (ونشر لي رهط من الأنبياء، منهم إبراهيم وموسى وعيسى) (١). وفي رواية أبي سلمة: (ثم حانت الصلاة فأممتهم)، أخرجه مسلم (٢)، وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني في (الأوسط) (٣): أقيمت الصلاة فتدافعوا حتى قدموا محمدًا -ﷺ-، وفي رواية ابن مسعود: (ثم دخلت المسجد، فعرفت النبيين ما بين راكع وساجد، ثم أذن مؤذن، فأقيمت الصلاة، فقمنا صفوفًا فأنتظر من يؤمنا، فأخذ بيدي جبرئيل فقدمني، فصليت بهم، فلما انصرفت قال لي جبرئيل: أتدري من صلى خلفك؟ قال: لا، قال: صلى خلفك كل نبي بعثه اللَّه تعالى) (٤).\n_________\n(١) \"معجم أبي يعلى\" (١/ ٤٢).\n(٢) \"صحيح مسلم\" (١٧٢).\n(٣) \"المعجم الأوسط\" (٤/ ١٦٦).\n(٤) أخرجه الطبراني في \"المعجم الكبير\" (١٠/ ٦٩) بألفاظ متقاربة.","vol":"9","page":395},{"text":"ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ\". وَسَاقَ مِثْلَ مَعْنَاهُ، قَالَ: \"فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ، فرحَّبَ بِي، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ\". وَقَالَ فِي السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ: \"فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ، إِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ، فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ\". وَلَمْ يَذْكُرْ بُكَاءَ مُوسَى، وَقَالَ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ: . . . . .\nــ\nواختلف في أن هذه الصلاة كانت نفلًا أو فرضًا؟ وإذا قلنا: كانت فرضًا فأيّ صلاة صبح أو عشاء؟ وهذا إنما يتأتى على قول من قال: إنه صلى بهم بعد عروجه إلى السماء ونزوله منها، وقد قيل به، وقيل: صلى قبله وبعده، فقبله يكون نفلًا وبعده يكون فرضًا، كذا قيل، ولا يخفى أن الصلاة كانت فرضًا قبل قصة المعراج، وإنما فرضت بعد المعراج الخمس، فتدبر. وجاء في حديث أبي هريرة عن البزار والحاكم: أنه صلى بيت المقدس مع الملائكة وأنه أتي هناك بأرواح الأنبياء، فحمدوا اللَّه، وأثنوا عليه بما هو أهله، ثم حمد نبينا -ﷺ- ففاق الكل، وبلغ النهاية في ذلك، فأقبل إبراهيم على الأنبياء، وقال: بهذا فضلكم محمد (١).\nوقوله: (ثم عرج بنا) بلفظ المجهول، وضمير الجمع في (بنا) إما للتعظيم لصعوده مقام الرفعة والعلاء أو لنفسه وجبرئيل والبراق، واللَّه أعلم.\nوقوله: (شطر الحسن) الشطر: نصف الشيء وجزؤه، وقد يجيء الشطر بمعنى الجهة والناحية، كذا في (القاموس) (٢)، ويمكن الحمل على هذا المعنى أيضًا.\nوبالجملة قد ثبت في شأن حسن يوسف وصباحة وجهه ما يوقع في النفس أنه كان أحسن الناس طرًّا، وقد يروى في قصة المعراج أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: (فأنا برجل\n_________\n(١) \"مسند البزار\" (١٧/ ٨)، و\"المستدرك\" (٣/ ٦٩٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٧).","vol":"9","page":396},{"text":"\"فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ،\nــ\nأحسن ما خلق اللَّه، قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب)،\nوهذا ينافي حديثًا أورده الترمذي في (جامعه) (١) من طريق أنس بن مالك: (ما بعث اللَّه نبيًا إلا حسن الوجه وحسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهًا وأحسنهم صوتًا)، فحديث المعراج مخصوص بغيره -ﷺ-، ويؤيده قول من قال: إن المتكلم لا يدخل في عموم خطابه، كذا في (روضة الأحباب)، وفي (شرح الشمائل) (٢) لشيخ شيوخنا أحمد بن حجر المكي: اعلم أن من تمام الإيمان به -ﷺ- اعتقاد أنه لم يجتمع في بدن آدمي من المحاسن الظاهرة ما جمع فيه؛ لأن المحاسن الظاهرة آيات على المحاسن الباطنة، ولا أكمل منه -ﷺ- ولا مساوي له في هذا المدلول فكذلك في الدال.\nقال العبد الفقير إلى اللَّه ورسوله: وإن شئت مدحته ووصفته بما يليق ويختص به، فوصفه أنه جمع الكمالات كلها إلا ما اختص بمرتبة الألوهية، ورحم اللَّه البوصيري في قوله:\nدع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم\nوانسب إلى ذاته ما شئت من شرف ... وانسب إلى قدره ما شئت من عظم\nوهذا هو الحد في وصفه -ﷺ-.\nوقوله: (مسندًا) بكسر النون حال، كذا في (الأصول)، ووقع في بعض نسخ (المصابيح): (مسند) بالرفع على حذف المبتدأ.\n_________\n(١) \"الشمائل\" للترمذي (٣٢١).\n(٢) انظر: \"جمع الوسائل\" (١/ ٩).","vol":"9","page":397},{"text":"وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى سِدْرَة الْمُنْتَهَى، فَإِذَا وَرَقُهَا كآذَانِ الْفِيَلَةِ، وإذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلَالِ، فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا، وَأَوْحَى إِلَيَّ مَا أَوْحَى، فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا فَرَضَ رَبّكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. قَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَإِنِّي بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ. . . . .\nــ\nوقوله: (وإذا هو) أي: البيت المعمور.\nوقوله: (ما غشي) قيل: هو فراش من ذهب كما جاء في الحديث، والمراد أنوار أجنحة الملائكة.\nوقوله: (وأوحى إلي ما أوحى) تكلموا في بيان ما أوحى، والأحوط الأقرب إلى الصواب أن يترك على إبهامه وإجماله، وأنه لا يعلمه إلا اللَّه ورسوله، وقد فسره بعض العلماء بما لاح لهم من ذلك برواية أو استنباط، وقد صح من جملة ذلك ثلاثة أشياء: فريضة الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، والثالث أن ذنوب أمة محمد سوى الشرك معفو ومغفور.\nوقوله: (بلوت) أي: امتحنت وجربت.\nوقوله: (وخبرتهم) بالتخفيف من الخبرة بمعنى الاختبار، في (القاموس) (١): الخبر والخبرة، بكسرهما ويضمان والمخبرة: العلم بالشيء كالاختبار والتخبُّر.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٥٧).","vol":"9","page":398},{"text":"قَالَ: \"فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَقُلْتُ: يَا رَبِّ! خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا. قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ\". قَالَ: \"فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي وَبَيْنَ مُوسَى حَتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً، مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً،\nــ\nوقوله: (فحط عني خمسًا) قد مرّ في الحديث السابق عن مالك بن صعصعة: (فوضع عني عشرًا)، وجاء في حديث البخاري عن أنس بن مالك: (فوضع شطرها)، ووقع ههنا من حديث ثابت: (فحط عني خمسًا).\nقال الشيخ: قال ابن المنير: ذكر الشطر أعم من كونه دفعة واحدة، قلت: وكذا العشر، وكأنه وضع العشر في دفعتين، والشطر في خمس درجات، أو المراد بالشطر في حديث الباب البعض. وقد حققت رواية ثابت أن التخفيف خمسًا خمسًا وهي زيادة معتمدة، ويتعين حمل باقي الروايات عليها، وأما قول الكرماني: الشطر هو النصف، ففي المراجعة الأولى وضع خمسًا وعشرين، وفي الثانية ثلاثة عشر يعني نصف الخمسة والعشرين بجبر الكسر، وفي الثالثة سبعة، وليس في حديث الباب في المراجعة الثالثة ذكر وضع شيء إلا أن يقال: حذف ذلك اختصارًا فمتجه، لكن الجمع بين الروايات يأبى هذا الحمل، فالمعتمد ما تقدم، انتهى كلام الشيخ (١)، فتدبر.\nوقوله: (من هم بحسنة. . . إلخ)، زيادة تفضل من المولى الرحيم على أمة حبيبه الكريم بعد أن جعل واحدة بعشر، وفي قوله: (كتبت) بلفظ المجهول ضميره للحسنة\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٦٢ - ٤٦٣).","vol":"9","page":399},{"text":"فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ لَهُ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً\". قَالَ: \"فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلى مُوسَى فَأَخْبَرتُهُ فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَسَلْهُ التَّخْفِيفَ\" فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٢].\n٥٨٦٤ - [٣] وَعَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ أَبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"فُرِجَ عَنِّي سَقْفُ بَيْتِي، وَأَنَا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرَئِيلُ، فَفَرَجَ صَدْرِي، ثُمَّ غَسَلَهُ بِمَاءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جَاءَ بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، فَأَفْرَغَهُ فِي صَدْرِي، ثُمَّ أَطْبقَهُ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي، فَعَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا. قَالَ جِبْرَئِيلُ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ. قَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: جِبْرَئِيلُ. قَالَ: هَلْ مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ -ﷺ- فَقَالَ: أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا فُتِحَ عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، إِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ، عَلَى يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ، وَعَلَى يَسَارِه أَسْوِدَةٌ، إِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ،\nــ\nو(حسنة) منصوب، وكذا في قوله: (كتبت له عشرًا)، وكذا في البواقي.\n٥٨٦٤ - [٣] (ابن شهاب) قوله: (فرج) بلفظ المجهول مخففًا، كذا في النسخ المصححة، وفرج بالتشديد أيضًا بمعناه.\nوقوله: (ففرج) بلفظ المعلوم مخففًا.\nوقوله: (فعرج بي إلى السماء) أيضًا بلفظ المعلوم، وهذا يدل بظاهره على أن المعراج كان في غير ليلة الإسراء، كما ذهب إليه بعضهم، كما يفهم من حديث مالك ابن صعصعة كما مرّ.\nوقوله: (أسودة) بفتح الهمزة وسكون السين وكسر الواو جمع سواد، وهو شخص","vol":"9","page":400},{"text":"وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شَمَالِهِ بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ. قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: هَذَا آدَمُ، وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأَهْلُ الْيَمين مِنْهُم أَهْلُ الْجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّار، فَإِذَا نظرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شَمَالِهِ بَكَى،\nــ\nالإنسان، وقال في (فتح الباري) (١): هي الأشخاص من كل شيء.\nوقوله: (قلت لجبرئيل: من هذا؟) ظاهر هذا الحديث أن سؤال النبي -ﷺ- عن جبرئيل من هذا كان بعد ترحيب آدم له، وحديث مالك بن صعصعة الذي مر دل على أن الترحيب كان بعد السؤال، وهو المعتمد، وفيه ما يدل على تراخي الترحيب عن السؤال، فيحمل هذا على ذاك، إذ ليس فيه أداة ترتيب.\nوقوله: (نسم بنيه) النسم بنون وسين مهملة مفتوحتين جمع نسمة، وهي الروح، قال في (المشارق) (٢): قال الجوهري: النسمة: النفس، والروح، والبدن، وإنما يعنى هنا الروح، وقال الخليل: النسمة: الإنسان، وقال: ضبط بعضهم عن القابسي: (شيم) بشين معجمة جمع شيمة: وهي الطباع، وهو تصحيف، انتهى.\nوقال الشيخ (٣): قد جاء أن أرواح الكفار في سجين، وأرواح المؤمنين منعمة في الجنة، فكيف [تكون] مجتمعة في سماء الدنيا؟ وأجيب بأنه يحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتًا فصادف وقت عرضها مرور النبي -ﷺ-، ويحتمل أن النسم المرئية هي التي لم تدخل الأجساد بعد، وهي مخلوقة قبل الأجساد، ومستقرها عن يمين آدم\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٤٦١).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٤٧).\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤٦١).","vol":"9","page":401},{"text":"حَتَّى عُرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ فَقَالَ لِخَازِنِهَا: افْتَحْ، فَقَالَ لَهُ خَازِنُهَا مِثْلَ مَا قَالَ الأَوَّلُ\". قَالَ أَنَسٌ: فَذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ فِي السَّمَاوَاتِ آدَمَ، وَإِدْرِيسَ، وَمُوسَى، وَعِيسَى، وَإِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنَازِلُهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ وَجَدَ آدَمَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، وَإِبْرَاهِيمَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا حَبَّةَ الأَنْصَاريَّ كَانَا يَقُولَانِ: . . . . .\nــ\nوشماله، وقد أعلم بما سيصيرون إليه، فقوله: نسم [بنيه] عام مخصوص، انتهى كلام الشيخ.\nوالأظهر أن يقال: إنها تمثلت أولها وآخرها في تلك الليلة إراءة للنبي -ﷺ- على ما نطق به قوله تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: ١]، ولا يقتضي قوله: فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار وجود الجنة والنار وحضورهما هناك، كما لا يخفى على أنه يمكن القول بتمثلهما أيضًا، كما في حديث: (رأيت الجنة والنار في عرض هذا الحائط) (١)، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وإبراهيم في السادسة) قد مرّ في حديث مالك بن صعصعة: أنه رآه في السابعة، وهو أرجح لما جاء في رواية الجماعة: أنه رآه مسندًا إلى البيت المعمور وهو في السابعة، وقد مرّ.\nوقوله: (فأخبرني ابن حزم) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي، و(أبا حبة) بالحاء المهملة والباء الموحدة، وهو الأشهر، وكذا في (القاموس) (٢)، وقال: أو صوابه حنة بالنون.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٥٤٠)، ومسلم في \"صحيحه\" (٢٣٥٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٠).","vol":"9","page":402},{"text":"قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"ثُمَّ عُرَجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ\"، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسٌ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"فَفَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلَاةً فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ، حَتَّى مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ: مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلَاةً. . . . .\nــ\nوقوله: (ظهرت) بلفظ المتكلم المعلوم من الظهور، والمراد صعدت وعلوت، و(المستوى) بفتح الواو محل الاستواء، والمراد به المصعد، قال التُّورِبِشْتِي (١): المستوى على مثال الملتقى: المستقر، وموضع الاستعلاء من الاستواء بمعنى الصعود والقصد، يقال: استوى إليه: قصد كالسهم المرسل إذا قصده قصدًا مستويًا من غير أن يلوي على شيء، وأصل الاستواء طلب السواء، وإطلاقه على الاعتدال لما فيه من تسوية وضع الأجزاء، كذا في (تفسير البيضاوي) (٢) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ٢٩]، واللام في قوله: (لمستوى) بمعنى إلى، وقيل: للعلة، أي: علوت وصعدت لاستعلاء مستوى أو لرؤيته أو لمطالعته صريف الأقلام، أي: صوت جريانها بما تكتبه من أقضية اللَّه ووحيه، وما ينسخونه من اللوح المحفوظ، أو ما شاء اللَّه أن يكتب ما أراد من أموره وتدبيره بأقلام لا يعلم كيفتها إلا هو، وقد يأولها المتفلسفة بتأويلات تخرجها عن الظاهر، والأقوم اعتقاد ظاهرها وإحالة حقيقتها إلى علم اللَّه سبحانه، واللَّه أعلم. نعم يجعل ذلك كناية عن الاطلاع على الكوائن، وتدبير اللَّه في خلقه، لكن الكناية لا يمنع إرادة الموضوع له، فافهم.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٢٧٦).\n(٢) \"تفسير البيضاوي\" (١/ ٤٨).","vol":"9","page":403},{"text":"قَالَ: فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ، فَرَاجَعَنِي، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقُلْتُ: وَضَعَ شَطْرَهَا فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَجَعْتُ فَرَاجَعْتُ، فَوَضَعَ شَطْرَهَا، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَرَاجَعْتُهُ فَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ، لا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى فَقَالَ: رَاجِعْ رَبَّكَ فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبِّي، ثُمَّ انْطُلِقَ بِي حَتَّى انْتُهِيَ بِي إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى،\nــ\nوقوله: (فارجع إلى ربك) وقوله: (فراجعني فوضع شطرها) في (الصراح) (١): رجوع: باز كَشتن، مراجعة: باز كَردانيدن سخن را، وتقدير الكلام: فرجعت فراجعني ربي فوضع شطرها، وفي رواية الكشميهني: (فراجعت إلى ربي) فلا حاجة إلى التقدير.\nوقوله: (فرجعت فراجعت) أي: رجعت إلى ربي فراجعته الكلام، وفي بعض النسخ جعل (فراجعت) نسخة مكان (فرجعت) وهو أنسب بقول موسى: (راجع ربك)، وقوله في الثالثة: (فراجعت) موافق برواية الكشميهني.\nوقوله: (لا يبدل القول لدي) يحتمل أن يكون المراد عدم تبديل الخمس وكونه حكمًا مؤبدًا، أو عدم تبديل الحكم بأن الخمس في حكم خمسين، وكون الحسنة الواحدة بعشرة، وهذا المعنى أظهر.\nوقوله: (ثم انطلق بي حتى انتهي) كلاهما بلفظ المجهول.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٣١٣).","vol":"9","page":404},{"text":"وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ لَا أَدْرِي مَا هِيَ؟ ثُمَّ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا جَنَابِذُ اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا الْمِسْكُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٤٢، م: ١٦٣].\nــ\nوقوله: (لا أدري ما هي؟) أي: في أول الأمر، أو مبالغة بحيث لا يطيقها نعت ولا يحصيها عد، أو المراد أنها كانت لا تشبه الألوان المشهودة المستحضرة في النفوس، فأنعت لكم بذكر نظائرها وأشباهها، أو صدر هذا القول من غاية الحيرة والدهش عن قدرة اللَّه وإلا لا مجال لأن يقال: لم يوقفه على ذلك رسول اللَّه -ﷺ- في تلك الليلة، والألوان عبارة عن أنوار الملكوت، وقد وقع في الروايات التعبير عنها بفراش الذهب، كما يأتي في الحديث الآتي.\nو(الجنابذ) جمع جنبذة بضم الجيم وسكون النون وبالموحدة المضمومة وبالمنقوطة: ما ارتفع من الشيء واستدار كالقبة، والعامة تقول بفتح الموحدة، والظاهر أنه فارسي معرب، كذا قال الكرماني (١)، ويريد بالفارسي كَنبذ، قال الشيخ (٢): كذا وقع في رواية البخاري في أحاديث الأنبياء من رواية ابن المبارك وغيره، وكذا عند غيره من الأئمة، ووقع عند مسلم: (بينا أسير في الجنة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف وإذا طينه مسك أذفر)، وفي رواية: (فيها حبائل اللؤلؤ)، وقال الشيخ (٣): كذا وقع لجميع رواة البخاري في هذا الموضع بالحاء المهملة ثم الموحدة وبعد الألف تحتانية ثم لام، وذكر كثير من الأئمة أنه تصحيف، وروى البخاري (٤) في التفسير عن\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (٤/ ٨).\n(٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٢١٦ - ٢١٧).\n(٣) \"فتح الباري\" (١/ ٤٦٣).\n(٤) \"صحيح البخاري\" (٤٩٦٤).","vol":"9","page":405},{"text":"٥٨٦٥ - [٤] وَعَنْ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- انْتُهِيَ بِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، وَهِيَ فِي السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، إِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الأَرْضِ فَيُقْبَضُ مِنْهَا، وَإِلَيْهَا يَنْتَهِي مَا يُهْبَطُ بِهِ مِنْ فَوْقهَا فَيُقْبَضُ مِنْهَا، قَالَ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾ قَالَ: فَرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ،\nــ\nقتادة عن أنس: لما عرج بالنبي -ﷺ- قال: (أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ)، وقال صاحب (المطالع) في الحبائل: قيل: هي القلائد والعقود جمع حبالة، أو هي من حبائل الرمل، أي: فيها لؤلؤ مثل حبائل الرمل جمع حبل، وهو ما استطال من الرمل، وتعقب بأن الحبائل لا يكون إلا جمع حبالة أو حبيلة بوزن عظيمة، وقيل: الحبائل جمع حبالة، وحبالة جمع حبل على غير قياس.\n٥٨٦٥ - [٤] (عبد اللَّه) قوله: (وهي في السماء السادسة) قد عرف مما سبق من حديث مالك بن صعصعة أنها في السماء السابعة، وعرفت وجه الجمع بينهما هناك.\nوقوله: (ما يعرج به) بلفظ المجهول.\nوقوله: (إذ يغشى السدرة) تعظيم وتكثير لما يغشاها، وهو المراد بقوله في الحديث السابق: (لا أدري ما هي)، لا حقيقة عدم الدراية كما أشرنا إليه هناك، فلا منافاة بين الحديثين، وروي أنه -ﷺ- قال: (رأيت على كل ورقة ملكًا قائمًا يسبح)، وقيل: فرق من الطير الخضر وهو أرواح الأنبياء والشهداء، وأما قول عبد اللَّه بن مسعود: (فراش من ذهب) بفتح الفاء فلا ينافي ذلك لجواز كونها أيضًا مما غشيها، كذا قال التُّورِبِشْتِي (١)، ويمكن أن يكون إطلاق الفراش على تلك الأنوار النازلة من عالم\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٢٧٧).","vol":"9","page":406},{"text":"قَالَ: فَأُعْطِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثَلَاثًا: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأُعْطِيَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَغُفِرَ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا الْمُقْحَمَاتُ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٣٠].\nــ\nالملكوت بطريق التشبيه والاستعارة، فالفراش طير معروف يتهافت على السراج، وجعلها من الذهب لصفائها وضيائها، وفي الرواية: جراد من ذهب، قيل: ذكر الفراش والجراد على سبيل التمثيل؛ لأن من شأن الشجر أن يسقط عليها الجراد ونحوه، وجعلها من الذهب حقيقة والقدرة صالحة لذلك.\nوقوله: (فأعطي رسول اللَّه -ﷺ- ثلاثًا) وبه فسر بعضهم قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] كما أشرنا إليه من قبل.\nوقوله: (وأعطي خواتيم سورة البقرة) الناطقة بكمال رحمة اللَّه تعالى لهذه الأمة المرحومة وتخفيفه عنهم ومغفرته لهم ونصرته إياهم على الكافرين، وقد ورد في الحديث: (أعطيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعطهن نبي من قبل) (١)، فالمراد إعطاء مضمونها ومدلولها، وإلا فسورة البقرة مدنية، والمعراج كان بمكة، ويمكن أن يقال: يمكن أنها نزلت عليه -ﷺ- ليلة المعراج بلا واسطة جبرئيل، ثم نزل جبرئيل بها بعد نزول السورة بالمدينة فأثبت في المصاحف، ويؤيده ما جاء عن الحسن وابن سيرين ومجاهد: أن اللَّه تعالى جاء بها إليه بلا واسطة جبرئيل ليلة المعراج فكتبت عندهم، واللَّه أعلم.\nو(المقحمات) بضم الميم وسكون القاف وكسر الحاء: الذنوب العظام التي تقحم أصحابها في النار، من اقتحم أمرًا عظيمًا ويقتحم: إذا رمى نفسه فيه من غير\n_________\n(١) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٥/ ١٥١).","vol":"9","page":407},{"text":"٥٨٦٦ - [٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الْحِجْرِ وَقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ، فَسَأَلَتْنِي عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا، فَكُرِبْتُ كَرْبًا مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ، فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، مَا يَسْأَلُونِّي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُمْ، وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِذَا مُوسَى قَائِمٌ يُصَلِّي. فَإِذَا رَجُلٌ ضَربٌ جَعْدٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَإِذَا عِيسَى قَائِمٌ يُصَلِّي أَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودٍ الثَّقفيُّ، فَإِذَا إِبْرَاهِيمُ قَائِمٌ يُصَلِّي، أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ صَاحِبُكُمْ -يَعْنِي نَفْسَهُ- فَحَانَتِ الصَّلَاةُ،\nــ\nرَويَّة وتثبت، أقحمته فانقحم واقتحم، والمراد بالغفران أن لا يخلد صاحبها في النار، وقيل: المراد بعض الأمة.\n٥٨٦٦ - [٥] (أبو هريرة) قوله: (لم أثبتها) من الإثبات، أي: لم أضبطها، أي: لم أشاهدها على اليقين، أو لم أحفظها الآن بطريان النسيان.\nوقوله: (فكربت) بلفظ المجهول من الكرب، أي: أصابتني كرب وغم شديد.\nوقوله: (فرفعه اللَّه لي) أي: قربه عني ورفع الحجاب بيني وبينه حتى شاهدته.\nوقوله: (وقد رأيتني) أي: عند بيت المقدس.\nوقوله: (فإذا رجل ضرب جعد) الضرب: الرجل الخفيف اللحم، والجعد: يحتمل جعودة الشعر وجعودة الجسم، وهو اجتماعه وغلظه.\nفقيل: هذا هو المراد لأنه قد جاء في رواية أبي هريرة: أنه كان رجل الشعر، وقيل: ويحتمل الأول أيضًا، لأن الرجل من الشعر ما يكون بين السبوطة والجعودة، يقال: شعر رجل: إذا لم يكن شديد الجعودة، فيمكن وصفه بالجعودة في الجملة.","vol":"9","page":408},{"text":"فَأَمَمْتُهُمْ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلَاةِ، قَالَ لِي قَائِل: يَا مُحَمَّدُ! هَذَا مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَبَدَأَنِي بِالسَّلَامِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٢].\nوَهَذَا الْبَابُ خَالٍ عَنِ: الْفَصْلِ الثَّانِي.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1274> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٨٦٧ - [٦] عَن جَابِرٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَمَّا كذَّبَنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فِي الْحِجْرِ فَجَلَّى اللَّهُ لِيَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨٨٦، م: ١٧٠].\n* * *\nــ\nثم لا إشكال في صلاتهم في دار الآخرة، لأنهم أحياء، والذي انقطع فيها وجوب العمل لا نفس العمل، ثم قيل: رؤبتهم في السماء محمولة على رؤية أرواحهم متمثلة إلا عيسى لما ثبت أنه رفع في جسده، وقيل: في إدريس كذلك، وأما الذين صلوا معه في بيت المقدس فيحتمل الأرواح المتمثلة، ويحتمل الأجساد، ويحتمل أنه أحضرت أجسادهم في بيت المقدس لملاقاته -ﷺ-، ثم رفعوا على السماء، وقد مرّ.\nوقوله: (فأممتهم) بتخفيف الميم.\nوقوله: (فبدأني بالسلام) قيل: الحكمة في بدئه بالسلام إزالة الخوف منه -ﷺ-.\nالفصل الثالث\n٥٨٦٧ - [٦] (جابر) قوله: (فجلى اللَّه لي بيت) بتشديد اللام وتخفيفها، وذلك بأن كشف الحجب من البين حتى رآه، ويحتمل أنه حمل إليه ثم أعيد، فقد جاء في","vol":"9","page":409},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nحديث ابن عباس: (فجيء بالمسجد حتى وضع عند دار عقيل وأنا أنظر إليه)، وهذا أبلغ في المقصود ولا استحالة، فقد أحضر عرش بلقيس لسليمان، فليقلع ويحمل ويحضر بيت المقدس لحبيب الرحمن -ﷺ-.\nفائدة: اختلف قديمًا وحديثًا في رؤيته -ﷺ- ربه ليلة الإسراء فذهبت عائشة وابن مسعود إلى نفيها، وابن عباس وبعض آخرون منهم إلى إثباتها، وإليه ذهب كعب الأحبار والزهري ومعمر وآخرون، وبه قال سائر أصحاب ابن عباس، وهو قول الأشعري وأكثر أتباعه، وحكى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن أنه حلف أن محمدًا رأى ربه.\nومنهم من ذهب أنه رأى بقلبه لا بعينه، ويروى عن ابن عباس أخبار مطلقة وأخرى مقيدة، فيجب حمل مطلقها على مقيدها، وأخرج مسلم (١) عن ابن عباس: أنه رأى ربه بفؤاده مرتين، وعلى هذا يمكن الجمع بين إثبات ابن عباس ونفي عائشة بأن يحمل نفيها على رؤية البصر وإثباتها على رؤية القلب، لكن المشهور عن ابن عباس أنه قال بالرؤية بالبصر، وروى الطبراني (٢) بإسناد رجاله رجال الصحيح عن ابن عباس: أن محمدًا -ﷺ- رأى ربه مرتين: مرة ببصره، ومرة بفؤاده.\nثم ينبغي أن يعلم أن الرؤية بالقلب غير العلم به، لأنه كان حاصلًا دائمًا، فمراد من أثبت له أنه رآه بقلبه أن الرؤية التي حصلت له خلقت له في قلبه، كما يخلق الرؤية بالعين لغيره، وقد يروى عن أحمد إثبات الرؤية بالبصر له -ﷺ-، وقيل له: إنهم يقولون: إن عائشة قالت: من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم على الفرية، فبأي\n_________\n(١) \"صحيح مسلم\" (١٧٦).\n(٢) \"المعجم الكبير\" (١٢/ ٩٠).","vol":"9","page":410},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1275>٧ - باب في المعجزات</span>\nــ\nمعنى يدفع قولها؟ قال بقول النبي -ﷺ-: (رأيت ربي)، وقول النبي -ﷺ- أكبر من قولها، وقد أنكر بعضهم نسبة هذا القول إلى أحمد، واللَّه أعلم.\nقال العبد الضعيف -صانه اللَّه عما شانه-: إنه قد ثبت أنه رفعت الحجب كلها عن رسول اللَّه -ﷺ- في تلك الحالة، وقد ثبت جواز رؤية اللَّه تعالى في الدنيا والآخرة، والمانع من الرؤية إنما هو الحجب، وقد ارتفعت، فما المانع بعد ذلك عن الرؤية، وأما غيره -ﷺ- فلم يرفع الحجب كلها عنه حتى جبرئيل ﵇، واللَّه أعلم. وقد مرّ الكلام فيه في (باب رؤية اللَّه في الجنة)، والأحاديث الواردة فيه فتذكر، ومنهم من توقف في هذه المسألة، ورجح القرطبي هذا القول، وعزاه لجماعة من المحققين، وقواه بأنه ليس في الباب دليل قاطع وليس مما يكتفى فيه لمجرد الظن.\n٧ - باب في المعجزات\nقالوا: المعجزة أمر خارق للعادة مقرون بالتحدي يظهر به صدق مدعي النبوة، ومعنى التحدي: طلب المعارضة والمقابلة، وفي (الصحاح) (١): تَحَدَّيْتُ فلانًا: إذا باريته في فعل، ونازعته للغلبة، انتهى. وأصله من حدا يحدو حداء واحتداء بالإبل: إذا غنى، وفي (الأساس): ومن المجاز تحدى أقرانه: إذا باراهم ونازعهم للغلبة، وأصله: الحداء يتبارى فيه الحاديان ويتعارضان، فيتحدى كل واحد منهما صاحبه، أي: يطلب الحداء منه كما يقال: توفاه بمعنى استوفاه.\nكان من عادتهم عند الحدو أن يقوم حاد عن يمين القطار، وحاد عن يساره، يتحدى كل واحد صاحبه بمعنى يستحديه، أي: يطلب عنه الحداء، ثم اتسع فيه حتى\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٦/ ٢٣١٠).","vol":"9","page":411},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nاستعمل في كل مباراة، كذا نقل صاحب (المواهب) (١).\nوفي اشتراط التحدي بهذا المعنى في المعجزة نظر إذ كان كثير من المعجزات يظهر على يدي النبي -ﷺ- كتكثير الطعام ونبع الماء وشكوى البعير وأمثالها بما كان يظهر بين أظهر الصحابة من غير تحد ومباراة ومعارضة، لعدم حضور المخاصمين هناك، وهذا ظاهر، اللهم إلا أن يراد ما من شأنه التحدي، كما أشرنا إليه سابقًا في (باب علامات النبوة)، وكل ما يظهر من خوارق العادات على يدي مدعي النبوة من شأنه ذلك كما لا يخفى.\nوقال بعض المحققين: التحدي هو دعوى الرسالة، وهو قريب مما قلنا: إن المراد ما من شأنه التحدي، وهو موجود في المواضع المذكورة ومتضمن له، إذ إظهارها إنما كان لإظهار صدق دعوى النبوة، وكان -ﷺ- يقول في بعض الأوقات عند ظهورها: (أشهد أني رسول اللَّه)، فافهم.\nوخرج بقيد المقارنة الخوارق المتقدمة على التحدي، كإظلال الغمام وشق الصدر الواقعين له -ﷺ- قبل دعوى الرسالة، وتسمى إرهاصات، والإرهاص: تأسيس البناء بالطين والحجارة، والرهص بالكسر: الطين الذي يبنى به، ويجعل بعضه على بعض، فكان فيها تأسيسًا لأمر النبوة، ويخرج بقيد ظهور صدق دعوى النبوة ما كان يظهر أحيانًا على يد من يدعي النبوة كاذبًا، وكان يظهر على يديه الخارق، وقد جرت عادة اللَّه سبحانه أن لا يظهر موافقًا لدعواه، كما نقل عن مسيلمة الكذاب -لعنة اللَّه عليه- تفل في بئر ليكثر ماؤها فغارت، وتفل في عين أرمد فعمي.\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (٢/ ٤٩٥ - ٤٩٦).","vol":"9","page":412},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1276> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٨٦٨ - [١] عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ: نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُؤُوْسِنَا وَنَحْنُ فِي الْغَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمِهِ أَبْصَرَنَا، فَقَالَ: \"يَا أَبَا بَكْرٍ (١)! مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٥٣، م: ٢٣٨١].\nــ\nوخرج بقيد مدعي النبوة الكرامات والمعونات، والسحر ليس بخارق العادة حتى يخرج، وأيضًا يخرج ما يظهر على يد مدعي الربوبية كالدجال، فإنه قد يظهر على يد مدعي الربوبية من الخارق ما يوافق دعواه لعدم الالتباس بخلاف مدعي النبوة، ولكنها لا تسمى معجزة، فتدبر.\nثم اعلم أن معجزاته -ﷺ- كثيرة بحيث لا تعد ولا تحصى، ولا تنحصر في عدد، ولكن قد ضبط العلماء قدر ما بلغ علمهم بذلك، ونحن اقتصرنا على شرح ما ذكر في الكتاب، وباللَّه التوفيق.\nالفصل الأول\n٥٨٦٨ - [١] (أنس بن مالك) قوله: (نظر إلى قدمه) بأن يجعل بصره في موضع قدمه ثم ينظر، فافهم.\nوقوله: (اللَّه ثالثهما) يعني بالنصر والمعونة، فيكون في قوة قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ [طه: ٤٦] لكنه جعل ذاته تعالى أحد الثلاثة مبالغة في المعية كأن كل واحد منهم مشترك فيما له وعليه، ثم استشكل بأن في قوله: (اللَّه ثالثهما) إطلاق الثالث على اللَّه سبحانه، وقد كفر القائلون بذلك في قوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ\n_________\n(١) في نسخة: \"يَا بَا بَكْرٍ\".","vol":"9","page":413},{"text":"٥٨٦٩ - [٢] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ (١)! حَدِّثْنِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا حِينَ سَرَيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: أَسْرَينَا لَيْلَتَنَا وَمِنَ الْغَدِ، حَتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ وَخَلَا الطَّرِيقُ لَا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ،\nــ\nقَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]. والجواب ما ذكر أن جعله تعالى ثالثهما بمعنى نصره وإعانته إياهما، والنصارى إنما جعلوه تعالى ثالثهما بمعنى الاشتراك في الألوهية فكفروا، وأما ما أجيب بأن في الحديث إضافة الثالث إلى عدد أنقص منه، وفي الآية إضافته إلى عدد مثله، وذلك بمعنى واحد منهم واللَّه تعالى منزه عن ذلك، فلا يخفى أن مدار الجواب على ما ذكرنا من جعله ثالثًا هنا بمعنى المعونة وهنالك بمعنى الألوهية، ولا يجدي في ذلك الإضافة إلى الناقص أو المساوي، وكونه على الثاني بمعنى واحد منهم إن كان بمعنى النصر والإعانة فلا محذور، فتأمل.\nثم المعجزة في هذه القضية صرف همم الكفار عن التفحص والتفتيش مع علمهم جزمًا أنه -ﷺ- في هذا الغار، ونقل الطيبي (٢): أن رسول اللَّه -ﷺ- دعا عليهم وقال: (اللهم أعم أبصارهم) فجعلوا يترددون حول الغار ولا يفطنون وقد أخذ اللَّه بأبصارهم.\n٥٨٦٩ - [٢] (البراء بن عازب) قوله: (أسرينا ليلتنا) أي: كلها.\nوقوله: (ومن الغد) أي: بعضه، والمراد بالإسراء أي: السير مطلقًا على التجريد، أو يجعل من قبيل: علفتها تبنًا وماءً باردًا.\nوقوله: (حتى قام قائم الظهيرة) قام بمعنى وقف، والظهيرة: انتصاف النهار،\n_________\n(١) في نسخة: \"يَا بَا بَكْرٍ\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٩٩).","vol":"9","page":414},{"text":"فَرُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ، لَهَا ظِلٌّ لَمْ يَأْتِ عَلَيْهَا الشَّمْسُ، فَنَزَلْنَا عِنْدَهَا، وَسَوَّيْتُ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- مَكَانًا بِيَدَيَّ يَنَامُ عَلَيْهِ، وَبَسَطْتُ عَلَيْهِ فَرْوَةً، وَقُلْتُ: نَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَأَنَا أَنْفُضُ مَا حَوْلَكَ، فَنَامَ وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا حَوْلَهُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعٍ مُقْبِلٍ، قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلتُ: أَفَتَحْلُبُ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَخَذَ شَاةً فَحَلَبَ فِي قَعْبٍ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ،\nــ\nوقائم الظهيرة: الشمس، والمراد بلوغها إلى وسط النهار، فإنها ترى حينئذٍ واقفة بطيئة الحركة.\nوقوله: (فرفعت) بلفظ المجهول، أي: ظهرت كما مر من قوله: (رفعت لي سدرة المنتهى)، و(رفع لي البيت المعمور).\nوقوله: (بيدي) بلفظ التثنية.\nوقوله: (وأنا أنفض) بالفاء والضاد المعجمة، نفض المكان: نظر جميع ما فيه حتى يعرفه، من نصر ينصر، والنفضة محركة: جماعة يبعثون في الأرض لينظروا هل فيها عدو أم لا؟ أي: أحفظ ما حولك، وأحرسك، وأتجسس الأخبار من كل جهة.\nوقوله: (أفتحلب؟) من باب نصر، قيل: كان الغنم لصديق لأبي بكر، ويجوز لدلالة الرضا، وقيل: كان من عادتهم أن يأذنوا لرعاتهم أن يحلبوا لمن مر بالطريق ويحتاج إلى اللبن، ويمكن أن يكون استحلبه على شيء، واللَّه أعلم.\nوقوله: (والقعب) بفتح قاف وعين مهملة ساكنة فموحدة: القدح الضخم الجافي، أو إلى الصِّغَر، أو يُرْوي الرجلَ، و(الكثبة) بكاف مضمومة فمثلثة ساكنة أي: قدر حلبته، وقيل: ملء القدح، وقد يجيء بمعنى القليل من الماء واللبن.","vol":"9","page":415},{"text":"وَمَعِي إِدَاوَةٌ حَمَلْتُهَا لِلنَّبِيِّ -ﷺ- يَرْتَوِي فِيهَا، يَشْرَبُ وَيَتَوَضَّأُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ، فَوَافَقْتُهُ حَتَّى اسْتَيْقَظَ، فَصَبَبْتُ مِنَ الْمَاءِ عَلَى اللَّبَنِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ ثُمَّ قَالَ: \"أَلَمْ يَأن لِلرَّحِيلِ؟ \" قُلتُ: بَلَى، قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَ مَا مَالَتِ الشَّمْسُ،\nــ\nوقوله: (يرتوي)، أي: يستقي فيها، رَوِي من الماء كرضي، وتَروّى وارتوى بمعنى، و(فيها) ظرف لـ (يرتوي)، أي: يرتوي من الماء في تلك الإداوة، ويجوز أن يتعلق بـ (يشرب).\nوقوله: (فوافقته) بتقديم الفاء على القاف، أي: وافقته فيما هو عليه من النوم، أي: لم أوقظه (حتى استيقظ) هو بنفسه، ويروى بتقديم القاف من الوقوف، أي: صبرت وتوقفت في المجيء إليه للإيقاظ.\nوقوله: (حتى برد أسفله) أي: أسفل الماء، أو أسفل اللبن، أو أسفل القعب، كناية عن كثرة الماء.\nوقوله: (ألم يأن للرحيل؟) أي: ألم يأت وقته؟ يقال: أنى الأمر يأني أنيًا وأنًا: إذا جاء إناه، كذا قال البيضاوي (١) في تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]، انتهى. فعلى هذا اللام في (للرحيل) زائدة، كذا قيل، وأيد بقول ابن هشام في (مغني اللبيب) (٢) في: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٦]، انتهى. ويمكن أن يكون تقديره: ألم يأن للرحيل أن يأتي أو أن يفعل، فيكون كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ﴾.\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٢/ ٤٦٩).\n(٢) \"مغني اللبيب عن كتب الأعاريب\" (١/ ٢٩٣).","vol":"9","page":416},{"text":"وَاتَّبَعَنَا سُراقَةُ بْنُ مَالِكٍ، فَقُلْتُ: أُتِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: \"لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا\". فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَارْتَطَمَتْ بِهِ فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا فِي جَلَدٍ مِنَ الأَرْضِ فَقَالَ: إِنِّي أَرَاكُمَا دَعَوْتُمَا عَلَيَّ، فَادْعُوَا لِي، فَاللَّهُ لَكُمَا. . . . .\nــ\nوقوله: (واتبعنا) بفتح العين، و(أتينا) بلفظ المجهول، أي: جاءنا من يطلبنا.\nوقوله: (إن اللَّه معنا) قال بعض العارفين في الفرق بين هذا القول من نبينا -ﷺ- وبين قول موسى ﵇ حين قال له قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢] نظره -ﷺ- وقع أولًا على اللَّه وكرمه ولطفه، ثم إلى نفسه، ونظر موسى ﵇ وقع أولًا على نفسه، ثم على اللَّه تعالى، والأول يوافق ما قيل: ما رأيت شيئًا إلا رأيت اللَّه قبله، والثاني ما يقال: ما رأيت شيئًا إلا رأيت اللَّه معه أو بعده، والأول حال أهل الجذب والعيان، والثاني حال أهل الاستدلال والبرهان، انتهى.\nثم انظر في قوله -ﷺ-: (إن اللَّه معنا) بلفظ المتكلم مع الغير، وقول موسى: ﴿إِنَّ مَعِيَ رَبِّي﴾ [الشعراء: ٦٢]، كقول موسى: ﴿أرني﴾ وقول نبينا: (أرنا حقائق الأشياء)، فافهم.\nوقوله: (فارتطمت به) أي: بسراقة، أي: ساخت قوائمها كما تسوخ في الوحل، رطمه: أدخله في أمر لا يخرج منه، فارتطم عليه الأمر: لم يقدر على الخروج منه، و(الجلد) بالجيم محركة: الأرض الصلبة.\nوقوله: (فادعوا لي) بضمير التثنية.\nوقوله: (أن أرد عنكما الطلب) متعلق بقوله: (فادعوا) بحذف الجار، أي: ادعوا لي كيلا ترتطم فرسي؛ لأن أرد أو على أن أرد عنكما طلب قريش.\nوقوله: (فاللَّه لكما) معترضة ومعناه فاللَّه حافظ وناصر لكما في معنى التأكيد","vol":"9","page":417},{"text":"أن أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ، فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- فَنَجَا، فَجَعَلَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: كُفِيتُم مَا هَهُنَا، فَلَا يَلْقَى أحدًا إِلَّا رَدَّهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦١٥، م: ٢٠٠٩].\n٥٨٧٠ - [٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ بِمَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ فِي أَرْضٍ يَخْتَرِفُ، فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلَاثٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إِلَّا نَبِيٌّ: فَمَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ وَمَا يَنْزِعُ الوَلَدَ إِلَى أَبِيهِ أَو إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ (١): \"أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرَئِيلُ آنِفًا، أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ. . . . .\nــ\nللرد، أو متعلق بقوله: (فاللَّه لكما)، ومعناه: فاللَّه شاهد لأجلكما بأن أرد عنكما الطلب، وعلى التقديرين (فاللَّه لكما) مبتدأ وخبر، وقد ينصب بتقدير أشهد اللَّه أو على القسم بحذف حرفه، ويؤيده ما نقل الطيبي (٢) من رواية (شرح السنة): (واللَّه) على القسم.\nوقوله: (كفيتم) بلفظ المجهول، و(ما) في (ما ههنا) إما موصولة، أي: كفيتم الذي هنا، أي: كفيتم طلبه في هذا الجانب؛ لأنه ليس فيه من يطلبونه، أو نافية، أي: ليس ههنا من يطلبونه أو أحد.\n٥٨٧٠ - [٣] (أنس) قوله: (يخترف) أي: يجتني الثمر من الشجر، خرف الثمار واخترفها: جناه، أي: كان في حائطه وبستانه يقطع التمر من نخيله.\nوقوله: (إلى أبيه أو إلى أمه) أي: ما سبب شبهه لأحدهما؟ يقال: نزعه إليه: أشبهه به.\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١١/ ١٠٢).","vol":"9","page":418},{"text":"فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ، وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وَإِذَا سَبق مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ نَزَعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ نَزَعَتْ\". قَالَ: أَشْهدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهْتٌ، وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعلَمُوا بِإِسْلَامِي مِنْ قَبْلِ أَنْ تَسْأَلهُمْ يَبْهَتُونَنِي، فَجَاءَتِ الْيَهُودُ فَقَالَ: \"أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللَّهِ فِيكُمْ؟ \" قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، فَقَالَ: \"أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ؟ \" قَالُوا: أَعَاذَهُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ. فَخَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَقَالُوا: شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا فَانْتَقَصُوهُ، قَالَ: هَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! . رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٨٠].\nــ\nوقوله: (فنار تحشر الناس) مر شرحه في (باب أشراط الساعة) والمراد بـ (زيادة كبد حوت): القطعة المعلقة بالكبد، وهو في غاية اللذة في الطعم.\nوقوله: (إذا سبق) أي: غلب وعلا، والسبق: التقدم، والمراد هنا الغلبة، كذا قيل، وقد سبق في (باب الغسل) من (كتاب الطهارة) أن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه، والمراد بالعلو الغلبة، ويمكن جعل السبق متضمنا للمعنيين، فافهم.\nوقوله: (نزع) أي: ذلك السبق أو الرجل بسبب سبق مائه، وهذا أنسب بقوله: (نزعت)، والبهت بضمتين: جمع بهوت بالفتح بمعنى المباهت، ويجوز التسكين تخفيفًا، بهته: قال عليه ما لم يفعل.\nوقوله: (يبهتونني) أي: بعد السؤال.\nوقوله: (ابن خيرنا) لأنه كان من أولاد يوسف بن يعقوب ﵇.","vol":"9","page":419},{"text":"٥٨٧١ - [٤] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- شَاوَرَ حِينَ بَلَغَنَا إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ، وَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لأَخَضْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ، لَفَعَلْنَا. . . . .\nــ\n٥٨٧١ - [٤] (وعنه) قوله: (حين بلغنا إقبال أبي سفيان) أي: إقباله بالعير من الشام إلى مكة، وكان بالعير تجارة عظيمة، فأعجب المسلمين تلقي العير لكثرة الخير، فلما خرجوا بلغ أهل مكة خبرهم، فخرج أبو جهل بأهل مكة أجمعهم، فقيل له: إن العير أخذت طريق الساحل ونجت، فارجع بالناس إلى مكة، فقال: لا، واللَّه لا أرجع، وزعم أن المسلمين قليل ومعه ناس كثير، فمضى بهم إلى بدر فوقع من وقعة بدر ما وقع، على ما ذكر في كتب السير، والمقصود هنا ذكر معجزته -ﷺ-، وهو تعيين مصارع المشركين من قبل أن يقع القتال.\nوقوله: (لو أمرتنا أن نخيضها) الضمير للمراكب بقرينة الحال، خاض الماء يخوضه خوضًا: دخله، وأخاض الفرس وخاوضه: أدخله، و(برك الغماد) بكسر الموحدة وتفتح، والغماد مثلثة المعجمة: بلدة باليمن، أو وراء مكة بخمس ليال، أو أقصى معمور الأرض، كذا في (القاموس) (١).\nقال في (المشارق) (٢): أكثر الرواية فيه في الصحيحين بفتح الباء، وعند بعض رواة البخاري بكسر الباء، وسكون الراء، والغماد بغين معجمة، يقال بكسرها وضمها، وميم مخففة، وآخره دال مهملة: موضع في أقاصي هَجَرَ، ووقع في كتاب\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٨٩).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ١١٥).","vol":"9","page":420},{"text":"قَالَ: فَنَدَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّاسَ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى نَزَلُوا بَدْرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ\" وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى الأَرْضِ هَهُنَا وَهَهُنَا، قَالَ: فَمَا مَاطَ أَحَدُهُمْ عَنْ مَوْضِعِ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٧٩].\n٥٨٧٢ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ يَوْمَ بَدْرٍ: \"اللهُمَّ أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللهُمَّ إِنْ تَشَأْ لَا تُعْبَدْ بَعْدَ الْيَوْمِ\" فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بَيَدِهِ فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ،\nــ\nالأصيلي بكسر الباء وكذا عند المستملي والحموي، ولغيرهم من رواة مسلم بفتحها.\nوقوله: (فندب رسول اللَّه -ﷺ- الناس) ندبه إلى الأمر: دعاه وحثه، ووجهه، و(البدر) موضع معروف بين مكة والمدينة، وقد سبق وجه تسميته بدرًا في (كتاب الجهاد).\nوقوله: (فما ماط) أي: بَعُد وتجاوز.\n٥٨٧٢ - [٥] (ابن عباس) قوله: (أنشدك) بفتح الهمزة وضم الشين، أي: سألتك إيفاء عهدك، وإنجاز وعدك الذي وعدتنيه بالنصر على أعداء الدين، ويقال: أنشدك اللَّه وأنشدك باللَّه، أي: سألتك به، وأستحلفك، وأصله من نشد الضالة وأنشدها بمعنى طلبها وعرّفها، كأنك ذكرته إياه فنشد، أي: تذكر.\nوقوله: (ألححت على ربك) أي: بالغت في الدعاء كل المبالغة، وإلحاحه -ﷺ- كان تشجيعًا للمسلمين وتثبيتًا لهم؛ لأنهم كانوا عالمين أن دعاءه مستجاب لاسيما إذا بالغ فيه.","vol":"9","page":421},{"text":"فَخَرَجَ وَهُوَ يَثِبُ فِي الدِّرْعِ وَهُوَ يقولُ: \" ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] \". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٨٧٥].\nــ\nوقوله: (وهو) أي: رسول اللَّه -ﷺ- (يثب) من الوثوب، أي: يسرع فرحًا ونشاطًا، كان رسول اللَّه -ﷺ- بين خوف من غنى الحق ورجاء بوعده، فرجح بما وجد من اليقين والطمانينة من أبي بكر -﵁- جانب الرجاء، فقام وهو يخبر بانهزام الكفار ونصرة المؤمنين إعجازًا بإطلاع اللَّه إياه على الغيب.\nقال الخطابي (١): لا يظن أحد أن أبا بكر -﵁- كان أوثق بربه من النبي -ﷺ- في تلك الحال حاشا، بل الحامل له -ﷺ- على ذلك شفقة على أصحابه وتقوية لقلوبهم؛ لأنه كان أول مشهد شهده فبالغ في التوجه والابتهال لتسكين نفوسهم؛ لأنهم كانوا يعلمون أن مسألته مستجابة، فلما قال له أبو بكر ما قال علم أنه استجيب لما وجد عند أبي بكر من القوة والطمأنينة فكف عن ذلك.\nقال بعض العارفين: كما أن وعده تعالى صدق، كذلك لا يجب عليه حق، فوجب اعتبار الأصلين عند التعارض بتقدير الوعد بشرط ستره تعالى عنك، إذ لا يجب عليه بيان ما يريد إشراطه، بل يصلح في الحكمة ستره إبقاءً لسطوة الربوبية في نظر العبد، واستبقاءً لأحكام العبودية عليه، وبذلك تأدب خليل الرحمن صلى اللَّه على نبينا وعليه وسلم حيث قال لقومه: ﴿خَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ جزمًا بحكم الوعد، ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا﴾ رجوعًا لاتساع العلم، ثم قال: ﴿وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الأنعام: ٨٠] دفعًا لما يتوهم في استثنائه، وتحقيقًا لما عنده من النظر لاتساع العلم، وكأنه يقول: إنما استثنيت رجوعًا لاتساع العلم وقيامًا بحق الأدب لا شَكًّا في الوعد.\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٧/ ٢٨٩).","vol":"9","page":422},{"text":"٥٨٧٣ - [٦] وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: \"هَذَا جِبْرَئِيلُ آخِذٌ بِرَأْسِ فَرَسِهِ، عَلَيْهِ أَداةُ الْحَرْبِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٩٩٥].\nــ\nوكذلك نبي اللَّه شعيب ﵊ حيث قال: ﴿قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾، فجعل برهان صدقه عدم عوده في ملتهم، قال: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا﴾ جزمًا بمقتضى الوعد، ثم استثنى في حاله رجوعًا لاتساع العلم فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾، ثم رفع الإبهام بقوله: ﴿وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ الآية [الأعراف: ٨٩].\nولما نظر نبينا -ﷺ- يوم بدر لاتساع العلم قال: (إن أهلكت هذه العصابة لن تعبد بعد اليوم)، ونظر أبو بكر -﵁- إذ ذاك لظاهر الوعد فقال: دع مناشدتك ربك فإنه قد وعدك بالنصر، قال الإمام أبو حامد (١): والأول أتم وهذا صحيح واضح، واللَّه أعلم، انتهى. يعني حال النبي -ﷺ- أتم وأكمل لشهوده من صفات القهر والجلال ما لم يشاهده أبو بكر حيث اقتصر علمه على ظاهر الوعد، ولم يتعد إلى مشاهد غنى الحق، وسطوته وجلاله، وإلى اتساع علمه، وأنه لا يجب عليه شيء، وأنه كما وجب أن لا يهتمّ في وعده الكريم لزم أن لا يهتمّ في فعله الحكيم، إذ الكل من عنده، هذا بحكم البر، وهذا بحكم القهر، وفي الجميع قهره وبره.\nومن هنا يقال: إنه يحصل الأمن للمقربين بحكم الإيمان بصدق الوعد، ويبقى الخوف بمعرفة صفة (لا أبالي)، ولهذا صدر من المبشرين من الصحابة ما هو يشعر بغاية الخوف، يفعل اللَّه ما يشاء، ويحكم ما يريد، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون، واللَّه أعلم.\n٥٨٧٣ - [٦] (وعنه) قوله: (آخذ) بلفظ اسم الفاعل (برأس فرسه) أي: آخذ\n_________\n(١) \"إحياء علوم الدين\" (٤/ ١٧١).","vol":"9","page":423},{"text":"٥٨٧٤ - [٨] وَعَنْهُ قَالَ: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي إِثْرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ، وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ. إِذْ نَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ خَرَّ مُسْتَلْقِيًا فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ وَشُقَّ وَجْهُهُ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ،\nــ\nبعنانه، وهو كناية عن التهيأ للحرب، والمعجزة حضور جبرئيل للحرب معه، ورؤيته -ﷺ- إياه يومئذ، أي: يوم وقعة بدر.\n٥٨٧٤ - [٧] (وعنه) قوله: (يشتد) من الشدة وهي الحملة في الحرب، والشد: العدو، (أمامه) صفة (رجل من المشركين)، و(أقدم) أمر من الإقدام، أو من قَدَم، من نصر، من التقدم، و(حيزوم) بالحاء المهملة والتحتية والزاي، على وزن منصور: اسم فرس جبرئيل، كذا في (القاموس) (١) من حزمه يحزمه: شده، أو من حزم الفرس: شد حِزامه. وقيل: اسم فرس مَلَك من الملائكة، (إذ نظر) بدل من (إذ سمع).\nوقوله: (فإذا هو قد خطم) بالخاء المعجمة والطاء المهملة بلفظ المجهول، خطمه يخطمه: ضربه على أنفه، والخطام بالكسر: سمة على أنف البعير أو على وجهه من الخد، كذا في (القاموس) (٢)، والمراد هنا أنه ظهر على أنفه أثر ضربته، وقد أصاب أنف الوليد بن المغيرة جراحة يوم بدر فبقي أثره، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ [القلم: ١٦].\nوقوله: (فاخضر) من الاخضرار، وكذلك يبقى أثر الضرب.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٠٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠١٨).","vol":"9","page":424},{"text":"فَجَاءَ الأَنْصَارِيُّ، فَحَدَّثَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ\" فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٦٣].\n٥٨٧٥ - [٨] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: رَأَيْتُ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَعَنْ شِمَالِهِ يَوْمَ أُحُدٍ رَجُلَيْنِ، عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ، يُقَاتِلَانِ كَأَشَدِّ الْقِتَالِ، مَا رأيتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ، يَعْنِي جِبْرئِيلَ وَمِيكَائِيلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠٥٤، م: ٢٣٠٦].\n٥٨٧٦ - [٩] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ -ﷺ- رَهْطًا إِلَى أَبِي رَافِعٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ بَيْتَهُ لَيْلًا وَهُوَ نَائِمٌ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ: فَوَضَعْتُ السَّيْفَ فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ، فَعَرَفْتُ أَنِّي قَتَلْتُهُ، فَجَعَلْتُ. . . . .\nــ\nوقوله: (فجاء الأنصاري) وهو الرجل من المسلمين ولذا عرفه واسمه.\nوقوله: (ذلك) أي: سماع ضربة بالسوط. . . إلخ.\n٥٨٧٥ - [٨] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (كأشد القتال) أي: قتالًا مثل أشد ما يكون من القتال، وقيل: الكاف زائدة.\nوقوله: (يعني جبرئيل وميكائيل) تفسير من الراوي، وكان ذلك لسماع من النبي وإخباره -ﷺ-.\n٥٨٧٦ - [٩] (البراء) قوله: (إلى أبي رافع) كنية [ابن] أبي الحقيق بالحاء المهملة وقافين بينهما تحتانية على لفظ التصغير، أعدى عدو رسول اللَّه -ﷺ-، نبذ عهده وهجاه، (عتيك) بالمهملة والفوقانية على وزن عتيق.","vol":"9","page":425},{"text":"أَفْتَحُ الأَبْوَابَ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي فَوَقَعْتُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، فَانْكَسَرَتْ سَاقِي، فَعَصَبْتُهَا بِعِمَامَةٍ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَحَدَّثْتُهُ فَقَالَ: \"ابْسُطْ رِجْلَكَ\". فَبَسَطْتُ رِجْلِي فَمَسَحَهَا، فَكَأَنَّمَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٠٤٠].\n٥٨٧٧ - [١٠] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ، فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَاؤُوا النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالُوا: هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ فَقَالَ: \"أَنَا نَازِلٌ\"، ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ، وَلَبِثْنَا ثَلَاثَةَ أَيَّام لَا نَذُوقُ ذَوَاقًا، فَأَخَذَ النَّبِيُّ -ﷺ- الْمِعْوَلَ، فَضَرَبَ فَعَادَ كَثِيبًا أَهْيَلَ،\nــ\nوقوله: (أفتح الأبواب) أي: أبواب حصن له تحصن به ليدخل الرهط الذي بعثهم رسول اللَّه -ﷺ- معه لقتله، وكان دخل الحصن هو ليلا بالحيلة، وتركهم خارجه، وقصته مذكورة في كتب السير وفي أوائل (كتاب المغازي) من (صحيح البخاري) بعد غزوة بدر.\nوقوله: (فوقعت) أي: من تلك الدرجة (ليلة مقمرة) أي: مضيئة من نور القمر، يقال: أقمرت الليلة: صارت ذا قمر، وسبب الوقوع اشتباه الدرج بالأرض لضوء القمر.\n٥٨٧٧ - [١٠] (جابر) قوله: (كدية) بضم الكاف وسكون الدال المهملة بعده ياء تحتانية: الأرض الغليظة، والشيء الصلب بين الحجارة والطين، والذواق بالفتح: ما يذاق من المأكول والمشروب، وفي الحديث: لا يتفرقون إلا عن ذواق، أي: عن علم وأدب؛ لأنه يقوم للأرواح مقام الطعام والشراب للأجسام، و(المعول) كمنبر: الحديدة ينقر بها الجبال، و(الكثيب) بالمثلثة: التل من الرمل، و(أهيل) بالتحتانية على","vol":"9","page":426},{"text":"فَانْكَفَأْتُ إِلَى امْرأَتِي فَقُلْتُ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ فَإِنِّي رَأَيْتُ بِالنَّبِيِّ -ﷺ- خَمصًا شَدِيدًا، فَأَخْرَجَتْ جِرَابًا فِيهِ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ، وَلَنَا بَهْمَةٌ دَاجِن فَذَبَحْتُهَا، وَطَحَنتُ الشَّعِيرَ حَتَّى جَعَلْنَا اللَّحْمَ فِي الْبُرْمَةِ، ثُمَّ جِئْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَسَارَرْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وَطَحَنْتُ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَتَعَالَ أَنْتَ وَنَفَرٌ مَعَكَ، فَصَاحَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"يَا أَهْلَ الْخَنْدَقِ! . . . . .\nــ\nوزن أفعل، فسره الطيبي (١) برمل سائل، وفي (القاموس) (٢): هال عليه التراب هيلًا وأهاله فانهال: صبه فانصب. ورمل هال وأهيل: منهال.\nوقوله: (فانكفأت إلى امرأتي) أي: انصرفت وملت، من كفأه: صرفه وكبه، وأكفأ: مال وأمال وقلب، كذا في (القاموس) (٣)، واسم امرأته سهيلة بنت معوذ الأنصارية، والخمص بفتح المعجمة وسكون الميم، وقيل: بفتحها أيضًا: الجوع كالخمصة والمخمصة، ورجل خميص: ضامر البطن من الجوع، و(البهم) بفتح الباء وسكون الهاء، والجمع بهم ويحرك: أولاد الضان، وفي بعض النسخ: (بهيمة) بلفظ التصغير، والداجن من الحمام والشاة وغيرهما ألفت بالبيوت، من دجن بالمكان دجونًا: أقام، (وطحنت) بلفظ الواحدة الغائبة، وفي بعض النسخ بلفظ المتكلم.\nو(البرمة) بالضم والسكون: القدر من الحجارة، والجمع: بُرْم وكصرد.\nوقوله: (فساررته) أي: قلت له خفية وسرًّا.\nوقوله: (ذبحنا بهيمة) بلفظ التصغير، و(النفر) ما دون العشرة من الرجال، كذا\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١١/ ١٠٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٩١).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٠).","vol":"9","page":427},{"text":"إِنَّ جَابِرًا صَنَعَ سُورًا فَحَيَّهَلًا بِكُمْ\" فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ وَلَا تَخْبِزُنَّ عَجِينَكُمْ حَتَّى أَجِيءَ\". وَجَاءَ فَأَخْرَجْتُ لَهُ عَجِينًا فَبَصَقَ فِيهِ وَبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بُرْمَتِنا فَبَصَقَ وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: \"ادْعِي خَابِزَةً فَلْتَخْبِزْ مَعَكَ، وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ وَلَا تُنْزِلُوهَا\" وَهُمْ أَلْفٌ، فَأُقْسِمَ بِاللَّهِ لأَكَلُوا حَتَّى تَرَكُوهُ وَانْحَرَفُوا، وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٠٢، م: ٢٠٣٩].\nــ\nفي (القاموس) (١)، وفي (مختصر النهاية) (٢): هو رهط الإنسان وعشيرته، وهو اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة من ثلاث إلى عشرة، ولا واحد له من لفظه، والسور غير مهموز بضم السين: طعام يدعى إليه الناس، وهي كلمة فارسية، وفي (القاموس) (٣): السور: الضيافة، فارسية شرفها النبي -ﷺ-.\nو(حيهلًا) مركب من حيّ وهَلْ، ويستعمل بالتنوين وبدونه، ومعناه الحث والاستعجال، وقد مرّ تحقيقه في موضعه، و(لا تنزلن) بضم التاء واللام، (ولا تخبزن) بفتح التاء وضم الزاي، و(فأخرجت) بسكون التاء.\nوقوله: (واقدحي) أمر من قدح يقدح كفتح يفتح، قدح القدر: غرف ما فيها، وقدحة من المرق: غَرفة منه.\nوقوله: (لتغط) أي: تفور وتغلي، من ضرب، في (القاموس) (٤): غطت القدر:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٥٢).\n(٢) \"الدر النثير\" (٢/ ١٠٠).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٨٤).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٢٦).","vol":"9","page":428},{"text":"٥٨٧٨ - [١١] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لِعَمَّارٍ حِينَ يَحْفِرُ الْخَنْدَقَ فَجَعَلَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ وَيَقُولُ: \"بُؤسَ ابْنِ سُمَيَّةَ! تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٩١٤].\n٥٨٧٩ - [١٢] وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- حِينَ أَجْلَى الأَحْزَابَ عَنْهُ: . . . . .\nــ\nصوتت أو اشتد غليانها.\n٥٨٧٨ - [١١] (أبو قتادة) قوله: (بؤس) بضم الموحدة وسكون الهمزة: العذاب والشدة في الحرب، وفي رواية: (ويح عمار)، و(سمية) بضم السين المهملة وفتح الميم المخففة وبالياء المشددة: اسم أم عمار، و(بؤس) منادى مضاف، وحرف النداء محذوف، والخطاب في (تقتلك) بطريق الالتفات، وقال الطيبي (١): نادى بؤسه وأراد نداءه فلذلك خاطبه، وقد يروى: بؤس بالرفع، أي: عليك بؤس، أو يصيبك بؤس، وعلى هذا (ابن سمية) منادى بحذف حرف النداء، والمراد بـ (الفئة الباغية) معاوية ومن معه فإنه قتل يوم صفين، وكان مع علي -﵁- وهو من دلائل حقانية علي في تلك القضية، وهذا الحديث له طرق كثيرة يكاد يبلغ حد التواتر، وقد أوردناها في رسالة (تحقيق الإشارة في تعميم البشارة)، والمعجزة في هذا: الإخبار بالغيب.\n٥٨٧٩ - [١٢] (سليمان بن صرد) قوله: (حين أجلي) بلفظ المجهول (٢) من الإجلاء، أي: انكشفوا وتفرقوا، من جلا القوم عن الموضع جلوًا وجلاء، وأجلوا: تفرقوا، و(الأحزاب) جمع حزب بمعنى جماعة الناس، وقد اجتمع قريش في عشرة آلاف، ووافقهم يهود قريظة وغيرهم، فأرسل اللَّه عليهم ريحًا وجنودًا من الملائكة،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١١/ ١١٢).\n(٢) وفي نسخة: \"بلفظ المعلوم\"، كما في \"المرقاة\" (٩/ ٣٧٨٦).","vol":"9","page":429},{"text":"\"الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَّا، نَحْنُ نَسِيرُ إِلَيْهِم\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤١١٠].\n٥٨٨٠ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ الْخَنْدَقِ وَوَضَعَ السِّلاحَ وَاغْتَسَلَ أَتَاهُ جِبْرَئِيلُ وَهُوَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنَ الْغُبَارِ، فَقَالَ: قَدْ وَضَعْتَ السِّلَاحَ؟ وَاللَّهِ مَا وَضَعْتُهُ، اخْرُجْ إِلَيْهِم، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"فَأَيْنَ؟ \" فَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ-. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١١٧، م: ١٧٦٩].\n٥٨٨١ - [١٤] وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ أَنَسٌ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْغُبَارِ سَاطِعًا فِي زُقَاقِ بَنِيَ غَنْمٍ مَوْكِبَ جِبْرَئِيلَ ﵇ حِينَ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ. [خ: ٤١١٨].\nــ\nوذلك في غزوة الخندق، وتسمى غزوة الأحزاب فهزمهم اللَّه، وأخبر رسول اللَّه -ﷺ- بأنهم لا يسيرون إلينا ولا يأتوننا بعد، وتمامه ذُكِر في كتب السير.\nوقوله: (ولا يغزونا) بتشديد النون، ويجوز في مثله التخفيف لكن الموجود في النسخ التثقيل.\n٥٨٨٠ - [١٣] (عائشة) قوله: (واغتسل) وجاء في الروايات: غسل أحد شقيه، يعني: لم يتم غسله، فيجوز أن يكون المعنى شرع في الغسل.\nوقوله: (وهو ينفض رأسه) الضمير لجبرئيل.\n٥٨٨١ - [١٤] (أنس) قوله: (بني غنم) بفتح الغين المعجمة وسكون النون وقد يحرك: قبيلة من الأنصار.\nوقوله: (موكب) منصوب على نزع الخافض، أي: من موكبه، وفي بعض الروايات بإثبات (من)، والموكب: الجماعة ركبانًا أو مشاة، من وكب يكب وكوبًا","vol":"9","page":430},{"text":"٥٨٨٢ - [١٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ فَتَوَضَّأَ مِنْهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ النَّاسُ نَحْوَهُ قَالُوا: لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ بِهِ وَنَشْرَبُ إِلَّا مَا فِي رَكْوَتِكَ، فَوضَعَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَدَه فِي الرِّكْوَةِ، فَجَعَلَ الْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ، قَالَ: فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا، قِيلَ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: لَوْ كُنَّا مِئَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِئَةً. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٥٢، م: ١٨٥٦].\nــ\nووكبانًا: مشى في درجان، ومنه الموكب، كذا في (القاموس) (١)، وفي (النهاية) (٢): الموكب جماعة ركاب يسيرون برفق، وقيل: الموكب: ضرب من السير، والمعجزة هنا مجيء جبرئيل لابس السلاح مع موكبه للحرب ورؤية الغبار في موكبه.\n٥٨٨٢ - [١٥] (جابر) قوله: (ركوة) بفتح الراء وسكون الكاف.\nوقوله: (فجعل الماء يفور من بين أصابعه) وهذا أعني نبوع الماء من يده -ﷺ- وقع مرارًا كثيرة في عدة مواطن بطرق متعددة، ويفيد مجموعها العلم القطعي، وقد فصل الكلام فيه في (المواهب اللدنية) (٣)، قلت: وكذلك حال تكثير الطعام القليل، وحنين الجذع، وغير ذلك مما ذكر العلماء.\nوقوله: (كنا خمس عشرة مئة) كأن الظاهر أن يقال: ألف وخمس مئة، قيل: عدل عن الظاهر لاحتمال التجوز في الكثرة، كما في قوله: لو كنا مئة ألف كما يأتي في الحديث الآتي، وقيل: إنما قال: خمس عشرة مئة أو أربع عشرة مئة لأنهم كانوا أفواجًا\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٤٤).\n(٢) \"النهاية\" (٥/ ٢١٨).\n(٣) \"المواهب اللدنية\" (٢/ ٥٥٧، ٥٦٨).","vol":"9","page":431},{"text":"٥٨٨٣ - [١٦] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِئَةً يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ فَنَزَحْنَاهَا، فَلَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً، فَبَلَغَ النَّبِيَّ -ﷺ- فأَتَاهَا فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِهَا، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ مَضْمَضَ، وَدَعَا ثُمَّ صَبَّهُ فِيهَا ثُمَّ قَالَ: \"دَعُوهَا سَاعَةً\" فَأَرْوَوْا أَنْفُسَهُمْ وَرِكَابَهُمْ حَتَّى ارْتَحَلُوا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤١٥١].\n٥٨٨٤ - [١٧] وَعَنْ عَوْفٍ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَن عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الْعَطَشِ، فَنَزَلَ، فَدَعَا فُلَانًا كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ وَنَسِيَهُ عَوْفٌ، وَدَعَا عَلِيًّا، فَقَالَ: \"اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ\". فَانْطَلَقَا فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ أَوْ سَطِيحَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ،\nــ\nمن مئة مئة نفس، والتحقيق في أهل الحديبية أنهم كانوا ألفًا وأربع مئة، وقيل: أكثر من ألف وأربع مئة، فمن قال: ألفًا وخمس مئة فقد جبر الكسر أو قال على غلبة ظنه.\n٥٨٨٣ - [١٦] (البراء بن عازب) قوله: (والحديبية بئر) قال في (القاموس) (١): الحديبية بالتخفيف وقد يشدد: بئر قرب مكة، أو لشجرة حدباء كانت هناك.\nوقوله: (فأرووا) بلفظ الماضي للغائبين من الإرواء.\nوقوله: (ارتحلوا) أي: كانوا هم وركابهم يروون منها مدة إقامتهم هنالك، والركاب: الإبل، واحللها راحلة، كذا في (القاموس) (٢)، وكان مدة إقامتهم فيها زهاء عشرين يومًا.\n٥٨٨٤ - [١٧] (عوف) قوله: (بين مزادتين أو سطيحتين) المزادة بفتح الميم: في\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨١).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٨).","vol":"9","page":432},{"text":"فَجَاءَا بِهَا إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا، وَدَعَا النَّبِيُّ -ﷺ- بِإِنَاءٍ، فَفَرَّغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ، وَنُودِيَ فِي النَّاسِ: اسْقُوا، فَاسْتَقَوْا، قَالَ: فَشَرِبنَا عِطَاشًا أَرْبَعِينَ رَجُلًا، حَتَّى رَوِينَا، فَمَلأَنَا كُلَّ قِربَةٍ مَعَنَا وَإِداوَةٍ، وَايْمُ اللَّهِ لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا. . . . .\nــ\nالأصل وعاء يوضع فيه الزاد، ويطلق على الراوية وهي المزادة التي فيها الماء، أو لا تكون إلا من جلدين تفأم بثالث بينهما لتتسع، كذا في (القاموس) (١)، وفي (فتح الباري) (٢): المزادة: قربة كبيرة يزاد فيها جلد من غيرها، والسطيحة أيضًا بمعنى المزادة، وقيل: هي نوع من المزادة من جلدين سطح أحدهما على الآخر.\nوقوله: (فجاءا) ضمير التثنية لعلي وفلان.\nوقوله: (فاستنزلوها) أي: المرأة أو المزادة، فاستنزل على الأول على معناه من طلب النزول، وعلى الثاني بمعنى الإنزال، والظاهر هو المعنى الأول.\nوقوله: (ففرغ فيه) من التفريغ، أي: صب الماء في الإناء، والأفواه بمعنى التثنية من قبيل ﴿قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤].\nوقوله: (اسقوا) بكسر الهمزة وفتحها: أمر من سقى أو أسقى، والأول أفصح.\nوقوله: (عطاشًا) حال من ضمير (شربنا)، وكذا قوله: (أربعين) مترادفة أو متداخلة.\nوقوله: (حتى روينا) روي كرضي.\nوقوله: (لقد أقلع) بلفظ المجهول من الإقلاع، أي: كف عن تلك المزادة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٧٣).\n(٢) \"فتح الباري\" (١/ ٤٥٢).","vol":"9","page":433},{"text":"وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَينَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلْئَةً مِنْهَا حِين إبْتَدَأَ (١). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٧١، م: ٦٨٢].\n٥٨٨٥ - [١٨] وَعَن جَابِرٍ قَالَ: سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى نَزَلْنَا وَادِيًا أَفْيَحَ، فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَلَمْ يَرَ شَيْئًا يَسْتَتِرُ بِهِ، وَإِذَا شَجَرَتَيْنِ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى إِحْدَاهُمَا، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: \"انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ\". . . . .\nــ\nوتركت، والإقلاع عن الأمر: الكف عنه، والمعنى أنهم شربوا منها ورووا وتركوها وهم يتخيلون أن ما بقي فيها أكثر مما كان أولًا، والمراد المبالغة في بقائها على حالها.\nو(ملئة) بكسر الميم وسكون اللام مهموزًا للحالة، وبقية الحديث: فقال النبي -ﷺ-: (اجمعوا لها)، فجمعوا لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة حتى جمعوا لها طعامًا فجعلوه في ثوب، وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها، قال لها: (تعلمين ما رزأنا من مائك شيئًا ولكن اللَّه هو الذي سقانا)، فأتت أهلها، فقالت: العجب، لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الرجل الذي يقال له: الصابئ، ففعل كذا وكذا، فواللَّه إنه لأسحر الناس كلهم، أو إنه لرسول اللَّه حقًّا، فقالت لقومها: فهل لكم في الإسلام؟ . . . الحديث، كذا في (المواهب اللدنية) (٢)، وجاء في بعض الروايات وفي آخره: فأطاعوها فدخلوا في الإسلام.\n٥٨٨٥ - [١٨] (جابر) قوله: (واديًا أفيح) أي: واسعًا.\nوقوله: (إذا شجرتين) أي: رأى شجرتين أو وجدهما، وفي بعض الروايات:\n_________\n(١) وفي نسخة: \"ابْتُدِئ\" بصيغة المفعول، أي: الاستقاء والشرب منها. \"مرقاة المفاتيح\" (٩/ ٣٧٨٨).\n(٢) \"المواهب اللدنية\" (٢/ ٥٦٥).","vol":"9","page":434},{"text":"فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ الَّذِي يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الأُخْرَى فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِهَا، فَقَالَ: \"انْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ\" فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيْنَهُمَا قَالَ: \"الْتَئِمَا عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ\" فَالْتَأَمَتَا، فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي، فَحَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ، فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُقْبِلًا وإذَا الشَّجَرَتَيْنِ قَدِ افْتَرَقتا، فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَلَى سَاقٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٣٠١٢].\nــ\nشجرتان بالرفع. و(المخشوش) البعير الذي يجعل في أنفه الخشاش، بكسر الخاء المعجمة: خشبة تجعل في أنف البعير ليكون أسرع إلى الانقياد.\nوقوله: (يصانع) أي: يطاوع وينقاد، والمصانعة في الأصل: الرشوة والمداراة والمداهنة.\nوقوله: (حتى إذا كان بالمنصف) بفتح الميم والصاد، أي: الموضع الذي هو وسط بين الموضعين.\nقوله: (أحدث نفسي) يعني في وقوع هذا الأمر العجيب الذي رأيته ما هو؟ وكيف هو؟ أو في شيء آخر كما هو عادة الإنسان، (فكانت) أي: ظهرت، من كان: إذا أتى وقت الشيء، (مني لفتة) بفتح اللام وسكون الفاء، أي: التفاتة، أي: كنت مستقلًا بنفسي لا ألتفت إلى شيء فإذا التفت رأيت رسول اللَّه -ﷺ- (مقبلًا) أي: [من] هذا الجانب، (وإذا الشجرتين) أي: رأيتهما.\nوقوله: (فقامت كل واحدة منهما على ساق) يظهر منه أنهما كانتا التأمتا كأنها شجرة واحدة على ساق واحدة، أو المراد أنهما عادتا إلى الحال الأصلي كما كانتا، فافهم.","vol":"9","page":435},{"text":"٥٨٨٦ - [١٩] وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَثَرَ ضَرْبَةٍ فِي سَاقِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، فَقُلْتُ: يَا بَا مُسْلِمٍ! مَا هَذِه الضَّربةُ؟ قَالَ: ضَرْبَةٌ أَصَابَتْنِي يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ النَّاسُ: أُصِيبَ سَلمَةُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَنَفَثَ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَثَاتٍ، فَمَا اشْتَكَيْتُهَا حَتَّى السَّاعَةَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٣٠٦].\nــ\n٥٨٨٦ - [١٩] (يزيد بن أبي عبيد) قوله: (فما اشتكيتها حتى الساعة) قيل في أكثر نسخ البخاري بجر (الساعة)، قال الكرماني (١): يلزم منه الاشتكاء زمن الحكاية، ولعل وجهه أن (حتى) حينئذٍ تكون للغاية بمعنى (إلى)، وحكم الغاية يجب أن يكون على خلاف حكم المغيا؛ لأنه ينتهي عدم الاشتكاء إلى هذا الزمان فيلزم أن يكون فيه اشتكاء.\nفقال: إن لفظ (الساعة) منصوب، و(حتى) للعطف، والمعطوف داخل في حكم المعطوف عليه، نحو: أكلت السمكة حتى رأسها، وقيل: يمكن أن يكون المعنى على تقدير كونها مجرورًا، وكون (حتى) للغاية: ما وجدت أثر وجع إلى الآن، وأما بعده فما أدري أجده أم لا، فيصدق أن حكم ما بعد (حتى) خلاف ما قبلها، أو المراد نفي الشكاية بآكد وجه بأن يكون المراد ما وجدت وجعًا إلى الآن، فلو أمكن أن يوجد وجع يكون بعد ذلك، ومن المحال عادة أن يوجد وجع بعد مدة مضت من ضربه، انتهى.\nولا يخفى ما في الوجهين من التكلف، والجواب الصحيح أن يقال: إن كون حكم الغاية على خلاف حكم المغيا غير مطرد، فقد تكون الغاية داخلة في المغيا ولو بقرينة المقام، فتدبر.\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (١٦/ ٩٦).","vol":"9","page":436},{"text":"٥٨٨٧ - [٢٠] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: نَعَى النَّبِيُّ -ﷺ- زَيْدًا وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقَالَ أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابْنُ رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ، حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، -يَعْنِي خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ- حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٢٦٢].\n٥٨٨٨ - [٢١] وَعَنْ عَبَّاسٍ قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَلَمَّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. . . . .\nــ\n٥٨٨٧ - [٢٠] (أنس) قوله: (نعى النبي -ﷺ-) أي: أخبر الناس بموتهم، وكانت في غزوة موتة بلدة بالشام كانت في السنة الثامنة، وكان المسلمون ثلاثة آلاف، والروم مئة ألف، وتمام قصته في كتب السير.\nوقوله: (وعيناه تذرفان) حال من ضمير (قال)، والضمير للنبي -ﷺ-، و(تذرفان) أي: تدمعان الدمع.\nوقوله (يعني خالد بن الوليد) بيان لـ (سيف من سيوف اللَّه)، وهذا لقب خالد -﵁-.\nوقوله: (حتى فتح اللَّه عليهم) أي: على المسلمين، قال الشيخ (١): اختلفوا هل كان فيه قتال فيه هزيمة للمشركين، أو المراد بالفتح حيازة المسلمين حتى رجعوا سالمين؟\n٥٨٨٨ - [٢١] (عباس) قوله: (ولى المسلمون) المراد به إقبالهم إلى رسول اللَّه -ﷺ- كما يأتي في الحديث الآتي.\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٧/ ٥١٣).","vol":"9","page":437},{"text":"يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ، وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ بَغْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَن لَا تُسْرِعَ، وَأَبُو سُفْيَانَ بنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِرِكَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَيْ عَبَّاسُ! نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ\" فَقَالَ عَبَّاسٌ: -وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا-، فَقُلْتُ بِأَعْلَى صَوتِي: أَيْنَ أَصْحَابُ السَّمُرَةِ؟ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَكَأَنَّ عَطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عَطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا، فَقَالُوا: يَا لَبَّيْكَ يَا لَبَّيْكَ، قَالَ: فَاقْتَتَلُوا وَالْكُفَّارَ، وَالدَّعْوَةُ فِي الأَنْصَارِ يَقُولُونَ: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ! قَالَ: ثُمَّ قُصِرَتِ الدَّعْوَةُ عَلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ،\nــ\nوقوله: (يركض بغلته) الركض: تحريض الدابة بالرجل، و(البغلة) هي التي يقال لها: دُلدل.\nوقوله: (قبل الكفار) بكسر القاف وفتح الباء، أي: جانبهم ونحوهم، (وأبو سفيان بن الحارث) هو ابن عم رسول اللَّه -ﷺ-.\nو(السمرة) بفتح السين وضم الميم: هي الشجرة التي بايعوا تحتها يوم الحديبية، و(الصيت) بفتح الصاد وكسر الياء المشددة: مبالغة صائت اسم فاعل من الصوت.\nوقوله: (واللَّه لكأن عطفتهم) أي: رجعتهم ومجيئهم بالرفع أو النصب وكذا قوله: (عطفة البقر).\nوقوله: (فاقتتلوا والكفار) بالنصب على أنه مفعول معه.\nوقوله: (والدعوة) أي: الاستعانة والمناداة (في الأنصار) مبتدأ وخبره (يقولون).\nوقوله: (ثم قصرت) بلفظ المجهول من القصر، وبنو الخزرج من الأنصار، فإن الأنصار بنو الأوس وبنو الخزرج وإخوانهم أولادهما.","vol":"9","page":438},{"text":"فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالْمُتَطَاوِلِ عَلَيْهَا إِلَى قِتَالِهِمْ، فَقَالَ: هَذا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ، ثُمَّ أَخَذَ حَصَيَاتٍ، فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: \"انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ\" فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَمَاهُمْ بِحَصَيَاتِهِ، فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٧٥].\n٥٨٨٩ - [٢٢] وَعَنْ أَبِي إِسحَاقَ قَالَ: قَالَ رَجُل لِلْبَرَاءِ: يَا بَا عُمَارَةَ! فَرَرْتُمْ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، مَا وَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَلَكِنْ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ لَيْسَ عَلَيْهِمْ كَثِيرُ سِلَاحٍ، فَلَقَوْا قَوْمًا رُمَاةً لَا يَكَادُ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ،\nــ\nوقوله: (كالمتطاول) أي: الغالب المستشرف إليهم، (عليها) والضمير في (عليها) للبغلة، أي: كائنا عليها، و(إلى قتالهم) متعلق بـ (نظر).\nوقوله: (هذا حين حمي الوطيس) (حين) مفتوح على أنه مضاف إلى (حمي الوطيس) أي: اشتد الحرب، و(الوطيس) بفتح واو وكسر طاء مهملة وبسين مهملة: التنور، أراد الحرب، كذا في (القاموس) (١)، قالوا: لم يسمع هذا الكلام من أحد قبل رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (ما هو إلا أن رماهم) أي: ليس انهزامهم إلا بالرمي، أو ليس الأمر، أو ليس الواقع إلا رمية.\nوقوله: (حدهم) بمعنى الحدة مفعول (أرى)، و(كليلا) مفعول ثاني أو حال.\n٥٨٨٩ - [٢٢] (أبو إسحاق) قوله: (فرشقوهم) أي: رموهم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٣٦).","vol":"9","page":439},{"text":"فَأَقْبَلُوا هُنَاكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- علَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ يَقُودُهُ، فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ، وَقَالَ (١) أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ، ثُمَّ صَفَّهُمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِلْبُخَارِيِّ مَعْنَاهُ. [م: ١٧٧٦، خ: ٤٣١٥].\n٥٨٩٠ - [٢٣] وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا: قَالَ الْبَرَاءُ: كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحَاذِي بِهِ يَعْنِي النَّبِيَّ -ﷺ-. [م: ١٧٧٦].\n٥٨٩١ - [٢٤] وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حُنَيْنًا، فَوَلَّى صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا غَشُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَزَلَ عَنِ الْبَغْلَةِ، ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابٍ مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ بِهِ وُجُوهَهُمْ،\nــ\nوقوله: (فأقبلوا) أي: المسلمون وهم الشبان المذكورون.\nوقوله: (فنزل) أي: نزل رسول اللَّه -ﷺ- عن بغلته وطلب النصرة من اللَّه سبحانه.\n٥٨٩٠ - [٢٣] (البراء) قوله: (حتى احمر البأس) أي: اشتد القتال، وإيراد هذا الحديث لتتميم قصة يوم حنين، أو يقال: اتقاء الشجعان برسول اللَّه -ﷺ- في أمثال هذه المواطن معجزة له -ﷺ-، واللَّه أعلم.\n٥٨٩١ - [٢٤] (سلمة بن الأكوع) قوله: (فلما غشوا) أي: قاربوا، يعني الكفار، يعني قاربوا الغشيان.\nوقوله: (ثم قبض قبضة من تراب) القبضة وضمه أكثر: ما قبضت عليه من شيء، وكهمزة: من يمسك بالشيء ثم لا يلبث أن يدعه، كذا في (القاموس) (٢)، وفي\n_________\n(١) في نسخة: \"فقال\".\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٠٠).","vol":"9","page":440},{"text":"فَقَالَ: \"شَاهَتِ الْوُجُوهُ\" فَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْهُمْ إِنْسَانًا إِلَّا مَلأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ، فَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ فَهَزَمَهُمْ اللَّهُ، وَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- غَنائِمَهُمْ بَينَ الْمُسْلِمِينَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٧٧].\n٥٨٩٢ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حُنَيْنًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الإِسْلَامَ: \"هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ\"، فَلَمَّا حَضَرَ الْقِتَالُ، قَاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ، وَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَرأيتَ الَّذِي تُحَدِّثُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَدْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ أَشَدِّ الْقِتَالِ، فَكَثُرَتْ بِهِ الْجِرَاحُ؟ فَقَالَ: \"أَمَّا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ\"، فَكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الْجِرَاحِ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانتِهِ، فَانْتَزَعَ سَهْمًا. . . . .\nــ\n(الصراح) (١): قبضة بالضم: يك مشت از هر جيز، وربما جاء على الفتح.\nوقوله: (شاهت الوجوه) أي: قبحت.\n٥٨٩٢ - [٢٥] (أبو هريرة) قوله: (لرجل) اسم الرجل قزمان بالقاف كان من المنافقين، كذا قالوا.\nوقوله: (فأهوى بيده إلى كنانته) بالكسر أي: إلى جعبته، و(أهوى) أي: أمال، يقال: أهوى يده وبيده إلى الشيء: أمالها إليه ليأخذه.\nوقوله: (فانتزع سهمًا) هكذا في رواية أبي ذر بالإفراد، ولغيره: أسهمًا بالجمع.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٢٨٤).","vol":"9","page":441},{"text":"فَانْتَحَرَ بِهَا، فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ، قَدِ انْتَحَرَ فُلَانٌ وَقَتَلَ نَفْسَهَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، يَا بِلَالُ! قُمْ فَأَذِّنْ، لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٢٠٣].\n٥٨٩٣ - [٢٦] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. . . . .\nــ\nوقوله: (فانتحر بها) وفي (صحيح البخاري): فنحر بها، وتأنيث الضمير على رواية لفظ الجمع ظاهر، وعلى لفظ الإفراد بإرادة الجنس، ثم إنه قد جاء في حديث آخر للبخاري (١) عن سهل بن سعد الساعدي: أن الرجل وضع سيفه بالأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل على سيفه فقتل نفسه.\nوقال القسطلاني (٢) في تطبيق الروايتين: إنه لا منافاة بينهما لاحتمال أن يكون نحر نفسه بأسهمه فلم تزهق روحه وقد أشرف على القتل، فاتكأ حينئذ على سيفه استعجالًا للموت، هذا ثم إنه قد ذكر في (المواهب) (٣) هذه القصة في غزوة خيبر، وكذلك في (صحيح البخاري)، ولفظ الكتاب على أنه كان في غزوة حنين، ولعله صحف بعضهم (خيبر) بـ (حنين)، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وإن اللَّه ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) يريد قتاله أشد القتال.\n٥٨٩٣ - [٢٦] (عائشة) قوله: (سُحر رسول اللَّه -ﷺ-) قد استبعد قوم من الملاحدة\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٢٨٩٨).\n(٢) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٣٦٣).\n(٣) \"المواهب اللدينة\" (١/ ٥٢٣).","vol":"9","page":442},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعروض السحر وأمثاله عليه -ﷺ-، وتوهموا أنه مما يمنع الثقة بالشرع بأقواله وبأفعاله، ويوجب لبسًا وشكًا في أمره، وهذا التوهم باطل بعد وجود الدلائل القطعية على صدقه وثبوت نبوته، وإنما السحر مرض من الأمراض وعارض من العلل، يجوز طريانه عليه كأنواع المرض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته، ولو فرض شيء من الاختلال في الأفعال بعلة المرض فإنه لا يوجب ظن الاختلال في سائر الأفعال التي لا مدخل فيها للمرض بعد حصول الصحة وزوال المرض.\nوالأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم يجوز أن يطرأ عليهم العوارض البشرية من الآفات والتغيرات والآلام والأسقام ما يجوز على غيرهم، فإن أجسامهم وظواهرهم خالص للبشرية، وأما أرواحهم وبواطنهم فمعصومة منه متعلقة بالملأ الأعلى لأخذها العلم عنهم، وتلقيها الوحي منهم، وقد يقيهم اللَّه سبحانه عن الآفات البشرية أيضًا ويعصمهم منها معجزة لهم وإظهارًا لشرفهم وامتيازهم من سائر البشر إذا اقتضت الحكمة ذلك، فليس وقايته من سم اليهودية أقل من سحر ابن الأعصم، وأمثال ذلك كثيرة.\nوالحكمة في تأثير السحر في جسمه -ﷺ- إظهار أن السحر حق ثابت جرت به السنة الإلهية، وإظهار صحة نبوته فإن السحر لا يؤثر في الساحر، وأما ما ورد: أنه كان يخيل إليه -ﷺ- أنه فعل الشيء وما فعله ولا يفعله، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من تبليغه أو شريعته، أو يقدح في صدقه لقيام الدليل على عصمته، وإنما هذا فيما يجوز طرؤه عليه في أمر دنياه التي لم يبعث بسببها ولا فضل من أجلها، فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له، ثم تجلى عنه كما كان.\nوقد فسره ما جاء في الحديث الآخر من قوله: حتى يخيل إليه أنه يأتي أهله","vol":"9","page":443},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nولا يأتيهن، وقيل: معناه أنه يظهر له من نشاطه وبتقدم عادته القدرة على النساء، فإذا دنا منهن أصابته أخذة السحر فلم يقدر على إتيانهن، ولم يأت في خبر منها أنه صدر عنه في ذلك قول بخلاف ما كان أخبر أنه فعله ولم يفعله، وإنما كانت خواطر وتخيلات، وقد قيل: إن المراد بالحديث أنه كان يتخيل الشيء أنه فعله وما فعله، ولكنه تخيل لا يعتقد صدقه، فيكون اعتقاداته كلها على السداد، وأقواله على الصحة، هذا ما ذكره الأئمة في هذا المقام.\nوقال القاضي عياض في (الشفا) (١): أنه قد وقع في روايات متعددة: سحر يهود بني زريق رسول اللَّه -ﷺ-، فجعلوه في بئر حتى كاد أن ينكر بصره، حتى دله اللَّه على ما صنعوا، فاستخرجه من البئر، وجاء في حديث آخر: حبس رسول اللَّه -ﷺ- عن عائشة سنة، فبينا هو نائم أتاه ملكان. . . الحديث. وروي: حبس رسول اللَّه -ﷺ- عن عائشة خاصة سنة، حتى أنكر بصره، قال (٢): فقد استبان لك من مضمون هذه الروايات أن السحر إنما تسلط على ظاهره وجوارحه لا على قلبه واعتقاده وعقله، ويكون قول عائشة: إنه يخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله من باب ما اختل من بصره كما ذكر في الحديث، فيظن أنه رأى شخصًا من بعض أزواجه أو شاهد فعلًا من غيره ولم يكن على ما يخيل إليه لما أصابه في بصره وضعف نظره، لا لشيء طرأ عليه في مَيْزةِ، وإذا كان هذا لم يكن فيما ذكر من إصابة السحر له وتأثيره فيه ما يدخل لبسًا ولا يجد به الملحد المعترض أنسًا، انتهى كلام القاضي -رحمة اللَّه عليه-، وكان سحره بعد رجوعه -ﷺ- من الحديبية في ذي الحجة من السنة السادسة، ومدة بقائه قيل: أربعون\n_________\n(١) \"الشفا بتعريف حقوق المصطفى\" (٢/ ٤١٤ - ٤١٥).\n(٢) أي: القاضي عياض.","vol":"9","page":444},{"text":"حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ عِنْدِي دَعَا اللَّهَ وَدَعَاهُ، ثُمَّ قَالَ: \"أَشَعَرْتِ يَا عَائِشَةُ! أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ، جَاءَنِي رَجُلَانِ، جَلَسَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجِلِي، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ، قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ لَبِيدُ بْنُ الأَعْصَم الْيَهُودِيُّ، قَالَ: فِي مَاذَا؟ قَالَ فِي مُشْطٍ وَمُشَاطَةٍ. . . . .\nــ\nيومًا، وفي رواية: ستة أشهر، وفي رواية: سنة، ويجمع بأن قوته وغلبته كانت أربعين يومًا، ووجود آثاره إلى ستة أشهر، وبقيت بعض بقاياه إلى سنة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (دعا اللَّه ودعاه) أي: دعا مكررًا دعاء بعد دعاء واستمر عليه، وبالغ فيه، وجاء في رواية: (دعا ثم دعا).\nوقوله: (أن اللَّه قد أفتاني) في (القاموس) (١): أفتاه في الأمر: أبانه له.\nوقوله: (عند رجلي) بلفظ التثنية.\nوقوله: (مطبوب) أي: مسحور، طبه: سحره، ومن معاني الطب: السحر.\nوقوله: (لبيد بن الأعصم اليهودي) وقيل: فعلته بناته بأمره وشركته، ومن ثم نزل قوله تعالى: ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤].\nوقوله: (في مشط ومشاطة) بالضم رواية، وفي (القاموس) (٢): المشط مثلثة وككتف، وعنق، وعتل، ومنبر: آلة يمتشط بها، والمشاطة: ما سقط منه، والماشطة: التي تحسن المشط، وحرفتها: المشاطة بالكسر، انتهى. وبناء فعالة بالضم يجيء لما يسقط عن الشيء كقلامة وكناسة، وكان عُقِد في شَعْر لحيته -ﷺ-.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢١٢).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٣٣).","vol":"9","page":445},{"text":"وَجُفِّ طَلْعَةِ ذَكَرٍ، قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ\"، فَذَهَبَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْبِئْرِ،\nــ\nوقوله: (وجف طلعة ذكر) أي: في غشاها، الجف بضم الجيم وتشديد الفاء: وعاء طلع النخل، وهو الغشاء الذي عليه، وفي (القاموس) (١): الطلع من النخل: شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان، والحمل بينهما منضود، أو ما يبدو من ثمرته في أول ظهورها، وأضاف (طلعة) إلى (ذكر)، لأنه يكون للنخل ذكر وأنثى، ولعل السحر من الذكر يكون أقوى، أَو يكون للرجل بالذكر، وللنساء بالأنثى، وفي (المشارق) (٢): الجف بالفاء للمروزي والسمرقندي، والباء للجرجاني والعذري، كلاهما بضم الجيم، وهو قشر الطلع وغشاؤه الذي يكون فيه.\nوقوله: (في بئر ذروان) بالذال المعجمة المفتوحة: اسم بئر، وفي بعض الروايات: (أروان) بالألف، قالوا: وكلاهما صحيح مشهور، وقال التُّوربِشْتِي (٣): أراها أصوب الروايتين؛ لأن أروان بالمدينة أشهر من ذروان، وذروان على مسيرة من المدينة، انتهى. والموجود في نسخ (المشكاة) ذروان بالذال.\nوقوله: (فذهب النبي -ﷺ- في أناس) بضم الهمزة (من أصحابه) وجاء في رواية عن ابن عباس: أنه أرسل عليًّا وعمارًا -﵄- لاستخراج السحر من بئر ذروان، فوجدا جف طلعة نخل فيه تمثاله -ﷺ- من شمعة وغرزت فيه عدة إبر وخيطة، وفي رواية: وتر فيه أحد عشر عقدًا، فنزل جبرئيل بالمعوذتين، فكان تنحل بكل آية يتلونها عقدة،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٣٥).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ١٣٨).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٢٨٦).","vol":"9","page":446},{"text":"فَقَالَ: \"هَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ، وَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينَ\" فَاسْتَخْرَجَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٣٩١، م: ٢١٨٩].\n٥٨٩٤ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا. . . . .\nــ\nوكلما يخرجان منها مخيطًا يسكن ألمه -ﷺ-، ولعله -ﷺ- ذهب إلى البئر وأمرهما بدخولهما فيها، واللَّه أعلم.\nوقوله: (والنقاعة) بضم النون وخفة القاف وتشديدها وبمهملة: ماء ينقع فيه الحناء ونحوه، وفي (القاموس) (١): نقاعة كل شيء بالضم: الماء الذي ينقع فيه.\nوقوله: (وكأن نخلها رؤوس الشياطين) قد يذهب الفهم إلى أن المراد بالنخل هو أشجارها التي حول البئر تشبيهًا لرؤوسها برؤوس الشياطين في قبح النظر، يعني أن البئر في مكان موحش قبيح، لكن الشيخ التُّوربِشْتِي (٢) قال: إن المراد بالنخل طلع النخل، وأضاف إلى البئر لكونه مدفونًا فيها، والتشبيه برؤوس الشياطين لما صادفوا عليه من الوحشة وقبح المنظر، وكانت العرب تعد صور الشياطين من أقبح المناظر، وقيل: المراد بالشياطين الحيات الخبيثات، والحية يقال لها: الشياطين.\n٥٨٩٤ - [٢٧] (أبو سعيد الخدري) قوله: (وهو يقسم قسمًا) بالفتح مصدر بمعنى المقسوم، والقسم بالكسر: النصيب، والجزء من الشيء المقسوم، ويجوز أن يترك على معنى المصدر للتأكيد، والمفعول محذوف، أي: مالًا أو غنيمة، وكان في غنائم حنين قسمها بالجعرانة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٠٩).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٢٨٦).","vol":"9","page":447},{"text":"أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَة، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اعْدِلْ، فَقَالَ: \"وَيْلَكَ فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ؟ قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ\" فَقَالَ عُمَرُ: ائْذَنْ لِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَالَ: \"دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ إِلَى رُصَافِهِ إِلَى نَضِيِّهِ. . . . .\nــ\nوقوله: (ذو الخويصرة) بضم المعجمة وفتح الواو وسكون التحتانية وكسر الصاد المهملة.\nوقوله: (قد خبت وخسرت) بضم المخاطب.\nوقوله: (يحقر) من ضرب، أي: يقلل، تعليل لقوله: (دعه) لأنه نهى عن قتل المصلين، فإن قلت: قد قال في آخر الحديث: (لئن أدركتهم لأقتللهم)؟ قلنا: إن الإباحة عند كثرتهم وإظهار الامتناع على الإمام وخروجهم عن طاعته، وهو غير موجود الآن، وكان أول ظهورهم في زمن أمير المؤمنين علي -﵁-.\nوقوله: (لا يجاوز تراقيهم) كناية عن عدم صعوده إلى محل القبول والإثابة، (يمرقون) أي: يخرجون من الدين، ويمرون عليه من غير انتفاع به ويخرجون من طاعة الإمام بسرعة (كما يمرق السهم من الرمية) بفتح الراء وكسر الميم وتشديد الياء، فعيل بمعنى الرمي يعني الصيد، أي: يخرج ويمر من جانب إلى جانب آخر ولا يقر فيها، و(ينظر) بلفظ المجهول، و(النصل): حديدة السهم والرمح، و(رصافه): عصب يلوى على مدخل النصل وفوقه.\nوقوله: (نضيه) بفتح النون وكسر الضاد وتشديد الياء.","vol":"9","page":448},{"text":"وَهُوَ قِدْحُهُ إِلَى قُذَذِهِ فَلَا يُوجَدُ فِيهِ شَيْءٌ، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ،\nــ\nوقوله: (وهو قدحه) تفسير للنضي في البين من كلام الراوي، و(القدح) بالكسر: السهم قبل أن يراش وينصل، والمراد ما بين الريش والنصل.\nوقوله: (إلى قذذه) من كلام الرسول -ﷺ- مذكور مع أخواته بطريق التعداد، وهو بضم القاف وفتح الذال الأولى جمع قذّة بالضم: ريش السهم.\nوقوله: (فلا يوجد فيه شيء) أي: من أثر الصيد من دم ونحوه.\nوقوله: (قد سبق الفرث والدم) جملة حالية، والفرث بفتح الفاء وسكون الراء ومثلثة في آخره: السرجين في الكرش، أي: كما نفذ السهم في الرمية بحيث لم يتعلق به شيء من الروث والدم، كذلك دخول هؤلاء في الإسلام ثم خروجهم منه بحيث لم يؤثر فيهم، ولم يظهر علامته منهم.\nواستدل بهذا الحديث من كفر الخوارج، وقال الخطابي: المراد بالإسلام والدين هنا طاعة الإمام، وجاء في رواية البخاري ومسلم وابن ماجه: (يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر الرامي في النصل فلا يرى شيئًا، وينظر في القدح فلا يرى شيئًا، وينظر في الريش فلا يرى شيئًا، ويتمارى في الفوق هل علق به من الدم شيء)، كذا أورد السيوطي في (جامع الصغير) (١)، والفوق بضم الفاء في آخره قاف: مدخل الوتر من السهم، قال بعض العلماء: هذا إشارة منه -ﷺ- إلى التوقف في تكفير الخوارج لشبهة الإيمان، وسئل مالك عن أهل الأهواء إكفارهم؟ قال: من الكفر هربوا، وقد يروى مثل هذا عن أمير المؤمنين علي -﵁- في شأن الخوارج، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"الجامع الصغير\" (١٤٠١٣).","vol":"9","page":449},{"text":"آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ، إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْي الْمَرْأَةِ، أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، وَيَخْرُجُونَ عَلَى خَيْرِ فِرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ\"، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فالْتُمِسَ، فَأُتِيَ بِهِ،\nــ\nوقال بعضهم في تطبيق المشبه على المشبه به: المراد بالنصل: القلب الذي هو المؤثر والمتأثر، فإذا نظرت إلى قلبه فلا تجد فيه أثرًا من العبادات من الخشوع والحضور، وبالرصاف: الصدر الذي هو محل الانشراح للأوامر والنواهي فلم ينشرح لذلك، وبالنضي: البدن، والمعنى أن البدن وإن تحمل تكاليف الشرع لكن لم يحصل له من ذلك فائدة، وبالقذة: أطراف البدن التي بمثابة الآلات لأهل الصناعات، أي: لم يحصل له بها ما يحصل لأهل السعادات.\nوقوله: (آيتهم) أي: علامتهم (رجل) منهم يخرج بالصفة المذكورة بعدهم، يظهر منه أثر الضلالة ما به يستحقون القتل، ويقال لهذا الرجل: ذو الثدية بضم المثلثة وفتح الدال وتشديد الياء تصغير ثدي، وهو رئيس الخوارج الذي حارب عليًّا -﵁-.\nوقوله: (تدردر) أصله: تتدردر على وزن تتدحرج، أي: تجيء وتذهب وتضطرب.\nوقوله: (ويخرجون) أي: يخرج هذا الرجل ومن معه بالبغي (على خير فرقة من الناس) يريد عليًّا وأصحابه ﵁ وعنهم، وفي رواية: (على حين فرقة من الناس)، و(فرقة) بضم الفاء، أي: في حين شتات أمر الناس، واضطراب أحوالهم وظهور المحاربة بينهم.\nوقوله: (فأمر) أي: علي -﵁- (بذلك الرجل فالتمس) بلفظ المجهول، أي: أمر بالتماسه وطلبه بين المقتولين.","vol":"9","page":450},{"text":"حَتَّى نَظَرْتُ إلَيْهِ عَلَى نَعْتِ النَّبِيِّ -ﷺ- الَّذِي نَعَتَهُ.\nوَفِي رِوَايَةٍ: أَقْبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الْجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الْوَجْنتَيْنِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! اتَّقِ اللَّهَ، فَقَالَ: \"فَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِذَا عَصَيْتُهُ، فَيَأْمَنُنِي اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلَا تَأْمَنُونِّي\"، فَسَأَلَ رَجُلٌ قَتْلَهُ فَمَنَعَهُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ: \"إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمًا يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَيَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ،\nــ\nوقوله: (وفي رواية) أي: بدل (أتاه ذو الخويصرة) في أول هذا الحديث، فهذا نعت ذو الخويصرة، و(غائر) اسم فاعل، والغور بمعنى ذهاب الماء في الأرض، ويقال: غارت عينه، أي: دخلت في رأسه، و(ناتئ الجبهة) أي: مرتفعها من نَتَا عضوُهُ ينتو نتوًّا فهو ناتٍ: ورِمَ.\nوقوله: (مشرف الوجنتين) أي: خال الخدين، والوجنة مثلة: الخد.\nوقوله: (فيأمنني) أي: يجعلني أمينًا.\nوقوله: (من ضئضئ) بكسر الضاد المعجمتين، وقيل: بالمهملتين أيضًا، وبالهمزتين: الأصل، والمراد من الأصل الذي هذا الرجل منه في النسب والمذهب، وليس المراد أنهم يتولدون منه إذ لم يكن في الخوارج قوم من نسل ذي الخويصرة.\nوقال التُّوربِشْتِي (١): من ذهب إلى أنهم يتولدون منه فقد أبعد، إذ لم يذكر في الخوارج قوم من نسل ذي الخويصرة، والزمان الذي قال فيه رسول اللَّه -ﷺ- هذا القول إلى أن نابذ المارقة عليًّا -﵁- وحاربوه لا يحتمل ذلك، بل معناه من الأصل الذي هو\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٢٨٨).","vol":"9","page":451},{"text":"وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، لَئِنْ أَدْرَكتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٦٣، م: ١٠٦٤].\n٥٨٩٥ - [٢٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنْتُ أَدْعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلَامِ وَهِيَ مُشْرِكَةٌ، فَدَعَوْتُهَا يَوْمًا، فَأَسْمَعَتْنِي فِي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَا أَكْرَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا أَبْكِي، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَهْدِيَ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَقَالَ: \"اللهُمَّ اهْدِ أُمَّ أَبِي هُرَيْرَةَ\". فَخَرَجْتُ مُسْتَبْشِرًا بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَلَمَّا صِرْتُ إِلَى الْبَابِ فَإِذَا هُوَ مُجَافٌ، فَسَمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ فَقَالَتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَة! وَسَمِعْتُ خَضْخَضَةَ الْمَاءِ،\nــ\nمنه في النسب، أو من الأصل الذي هو عليه في المذهب، كذا قيل، انتهى. وهذا الرجل حارب عليًّا -﵁- هو غير ذو الخويصرة الذي كان في زمن رسول اللَّه -ﷺ-، وقد يتوهم كونهما واحدًا وهو خطأ.\nوقوله: (ويدعون) بفتح الدال، أي: يتركون.\nوقوله: (لأقتللهم قتل عاد) أي: لأقتللهم وأهلكتهم بالكلية كما هلك عاد، وإطلاق القتل على عاد للمشاكلة.\n٥٨٩٥ - [٢٨] (أبو هريرة) قوله: (فأسمعتني) بلفظ الغائبة من الإسماع، أي: قالت سيئًا.\nوقوله: (فإذا هو) أي: الباب (مجاف) بضم الميم: أي: مغلق مردود.\nوقوله: (خشف) بفتح الخاء المعجمة وسكون الشين وبالفاء بمعنى الصوت والحس والحركة.\nوقوله: (مكانك) بالنصب، أي: الزم مكانك وقِفْ، و(خضخضة الماء)","vol":"9","page":452},{"text":"فَاغْتَسَلَتْ فَلَبِسَتْ دِرْعَهَا، وَعَجِلَتْ عَنْ خِمَارِهَا، فَفَتَحَتِ الْبَابَ، ثُمَّ قَالَتْ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا أَبْكِي مِنَ الْفَرْحِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَقَالَ خَيْرًا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٩١].\n٥٨٩٦ - [٢٩] وَعنهُ قَالَ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَاللَّهُ الْمَوْعِدُ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ،\nــ\nتحريكه، في (القاموس) (١): الخضخضة: تحريك الماء والسويق ونحوه.\nوقوله: (وعجلت) من سمع يسمع، أي: عجلت إلى فتح الباب متجاوزة عن خمارها، أي: فتحت الباب قبل أن يلبس خمارها، والمعجزة هنا ظهور أثر دعائه -ﷺ- في شأن أم أبي هريرة في الحال مع كونها آتية قائلة فيه -ﷺ- ما لا يجوز، فهو من تصرفه -ﷺ- فيها وتقليب قلبها على الإيمان بإذن اللَّه، فافهم.\n٥٨٩٦ - [٢٩] (وعنه) قوله: (إنكم تقولون: أكثر أبو هريرة) كأنه كان هذا القول منهم استغرابًا واستبعادًا وتوهمًا لعدم رعاية الاحتياط منه، لا تكذيبًا وعدم قبول روايته، فافهم.\nوقوله: (واللَّه الموعد) أي: لقاء اللَّه هو الموعد يعني به يوم القيامة، فهو يحاسبني ويجازيني على عملي من الزيادة والنقصان في حديثه -ﷺ-، و(الصفق بالأسواق) كناية عن البيع والشراء، صفق يده على يده، وذلك عند وجوب البيع، فإن المهاجرين كانوا أصحاب تجارات، كما أن الأنصار كانوا أصحاب زراعات، وأموال أهل المدينة\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٩١).","vol":"9","page":453},{"text":"وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، وَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَوْمًا: \"لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ ثُمَّ يَجْمَعَهُ إِلَى صَدْرِهِ فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئًا أَبَدًا\"، فَبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرَهَا حَتَّى قَضَى النَّبِيُّ -ﷺ- مَقَالتُهُ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا نَسِيتُ مِنْ مقَالَتِهِ ذَلِكَ إِلَى يَومِي هَذَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٣٥٤، م: ٢٤٩٢].\n٥٨٩٧ - [٣٠] وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلَا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟ \" فَقُلْتُ: بَلَى وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ،\nــ\nنخيلُهم، وإذا نسبت الأموال إلى أهل مكة كان المراد الإبل.\nوقوله: (على ملء بطني) أي: قانعًا واقفًا على ملء بطني، ومقتصرًا عليه غير متجاوز عنه إلى طلب الزيادة.\nوقوله: (حتى أقضي مقالتي) هذه إشارة إلى دعاء دعاه لأصحابه بالحفظ والوعي لأحاديث سمعوها منه -ﷺ-.\nوقوله: (فينسى من مقالتي) جواب النفي على تقدير (أن)، والمراد بهذه المقالة كلامه وأحاديثه -ﷺ- التي سمع منه -ﷺ-، و(النمرة) كساء فيه سواد وبياض، والمراد بمقالتي المذكورة ثالثًا الأول، وبالمذكورة رابعًا هو الثاني، هذا ولكن قد يختلج وجه الإشارة في الرابعة بقوله: (ذلك) فإن الظاهر الموافق لما قبله أن يقول: فما نسيت من مقالته شيئًا، ووجهه الطيبي (١) بأن ذلك إظهار إلى الجنس باعتبار المذكور، فافهم.\n٥٨٩٧ - [٣٠] (جرير بن عبد اللَّه) قوله: (من ذي الخلصة) في (القاموس) (٢):\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (١١/ ١٢٩).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٧٠).","vol":"9","page":454},{"text":"فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي، حَتَّى رَأَيْتُ أثَرَ يَدِهِ فِي صَدْرِي وَقَالَ: \"اللهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا\". قَالَ: فَمَا وَقَعْتُ عَنْ فَرَسِي بَعْدُ، فَانْطَلَقَ فِي مِئَةٍ وَخَمْسِينَ فَارِسًا مِنْ أَحْمَسَ فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ وَكَسَرَهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٠٢٠، م: ٢٤٧٦].\n٥٨٩٨ - [٣١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنَّ رَجُلًا كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فَارْتَدَّ عَنِ الإِسْلَامِ، وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِنَّ الأَرْضَ لَا تَقْبَلُهُ\". . . . .\nــ\nذو الخلصة بفتحتين وبضمتين: بيت كان يدعى كعبة اليمانية لخثعم، كان فيه صنم، اسمه الخلصة، أو لأنه كان منبت الخلصة، والخلص محركة: شجر كالكَرْمِ يتعلق بالشجر فيعلو، طَيِّبُ الريح، انتهى.\nوقوله: (فانطلق) أي: جرير، الظاهر أنه من كلام الراوي، والأحمس على وزن الأحمر لقب قريش وكنانة وجديلة ومن تابعهم في الجاهلية، لتحمسهم في دينهم أو لالتجائهم بالحمساء وهي الكعبة؛ لأن حجرها أبيض إلى السواد، والحماسة: الشجاعة، والأحمس: الشجاع، والعام الشديد، وسنة حمساء، وسنون أحامس وحمسٌ، كذا في (القاموس) (١). والحمس: الأمكنة الصلبة جمع أحمس، وحمس كفرح: اشتد وصلب في الدين والقتال، فهو حمس وأحمس، وهي حمسى.\nوقوله: (بالنار) للتأكيد على مثال كتبه بيده.\n٥٨٩٨ - [٣١] (أنس) قوله: (إن رجلًا) قيل: هو عبد اللَّه بن أبي السرح، وهذا غلط؛ فإنه وإن كان ارتد ولكنه مات مسلمًا، بل هو رجل كان نصرانيًّا فأسلم\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٩٩)، قوله: \"كذا في القاموس\" ثبت في (ع) وسقط في (ك)، و(ر) و(ب).","vol":"9","page":455},{"text":"فَأَخْبَرَنِي أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهُ أَتَى الأَرْضَ الَّتِي مَاتَ فِيهَا فَوَجَدَهُ مَنْبُوذًا فَقَالَ: مَا شَأْنُ هَذَا؟ فَقَالُوا: دَفَنَّاهُ مِرَارًا فَلَمْ تَقْبَلْهُ الأَرْضُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦١٧، م: ١٢٧٨].\n٥٨٩٩ - [٣٢] وَعَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَقَدْ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، فَسَمِعَ صَوْتًا فَقَالَ: \"يَهُودُ تُعَذَّبُ فِي قُبُورِهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٣٧٥، م: ٢٨٦٩].\n٥٩٠٠ - [٣٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِنْ سَفَرٍ، فَلَمَّا كَانَ قُرْبَ الْمَدِينَةِ هَاجَتْ رِيحٌ. . . . .\nــ\nفعاد نصرانيًّا.\nوقوله: (فوجده منبوذًا) أي: مطروحًا، قال في (القاموس) (١): النبذ: طرحك الشيء أمامك أو وراءك، أو عام.\n٥٨٩٩ - [٣٢] (أبو أيوب) قوله: (وقد وجبت الشمس) أي: غربت، من وجبت بمعنى سقطت.\nوقوله: (فسمع صوتًا) الظاهر صوت يهود المعذبين، وقيل: يحتمل صوت الملائكة، أو صوت وقع العذاب، قيل: وعند الطبراني ما يؤيد الأول.\nوقوله: (يهود تعذب) هو خبر مبتدأ، أي: هذه يهود، أو هو مبتدأ و(يعذب) خبره، والأول أظهر.\n٥٩٠٠ - [٣٣] (جابر) قوله: (فلما كان قرب المدينة هاجت ريح) الهيجان لازم متعد، والهوجاء: ريح شديدة تقلع البيت من أصله.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣١٩).","vol":"9","page":456},{"text":"تَكَادُ أَنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"بُعِثَتْ هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوْتِ مُنَافِقٍ\". فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَإِذَا عَظِيمٌ مِنَ الْمُنَافِقِيْنَ قَدْ مَاتَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ [م: ٢٨٧٢].\n٥٩٠١ - [٣٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- حَتَّى قَدِمْنَا عُسْفَانَ، فَأَقَامَ بِهَا لَيَالِيَ، فَقَالَ النَّاسُ: مَا نَحْنُ هَهُنَا فِي شَيْءٍ، وَإنَّ عِيَالنا لَخُلُوفٌ مَا نَأَمَنُ عَلَيْهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ. . . . .\nــ\nوقوله: (تكاد أن تدفن) استعمل (كاد) استعمال (عسى) بـ (أن) والأكثر تركها في خبره، كذا قال النحاة، و(تدفن) بكسر الفاء من باب ضرب، والمراد بدفنها الراكب جعلها إياه بحيث يغيب عن أعين الناظر، أو إذهابها وإهلاكها إياه لشدتها، واللام في (لموت) للوقت، قيل: هو رفاعة بن زيد، والسفر غزوة تبوك، وقيل: رافع، والسفر غزوة بني المصطلق، كذا في الحواشي.\n٥٩٠١ - [٣٤] (أبو سعيد الخدري) قوله: (عسفان) بضم العين: موضع على مرحلتين من مكة.\nوقوله: (في شيء) أي: من الحرب، أو أعم، أي: في شيء مهم.\nوقوله: (وإن عيالنا لخلوف) بضم الخاء جمع خلف أو خالف، في (القاموس) (١): هم الذين ذهبوا من الحي، ومن حَضَر منهم، وفي (النهاية) (٢): يقال: حيّ خلوف: إذا غاب الرجال وأقامت النساء، ويطلق على المقيمين والظاعنين، انتهى. وفي حديث\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٤٤).\n(٢) \"النهاية\" (٢/ ٦٨).","vol":"9","page":457},{"text":"مَا فِي الْمَدِينَةِ شِعْبٌ وَلَا نَقْبٌ إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكَانِ يَحْرُسَانِهَا حَتَّى تَقْدَمُوا إِلَيْهَا\"، ثُمَّ قَالَ: \"ارْتَحِلُوا\"، فَارْتَحَلْنَا وَأَقْبَلْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَوَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ مَا وَضَعْنَا رِحَالَنَا حِينَ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ حَتَّى أَغَارَ عَلَيْنَا بَنُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفَانَ، وَمَا يُهَيِّجُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ شَيْء. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٣٧٤].\n٥٩٠٢ - [٣٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَصَابَتِ النَّاسَ سنَةٌ. . . . .\nــ\nالمزادتين: (وَنَفَرُنا خلوف) (١) أي: رجالنا غيب، والخالف: المستسقي، أو الغائب، أي: خرج رجالنا للاستسقاء، أو غابوا وخلفونا.\nوقوله: (شعب) بالكسر: الطريق في الجبل، و(النقب) بفتح النون وسكون القاف أيضًا: الطريق في الجبل، ولكن المراد هنا الطريق بين الدارين، وفيه حديث: (وعلى أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال) (٢)، والأنقاب جمع قلة للنقب، ويجيء النقبة أيضًا بهذا المعنى، كأنه نقب من هذه وهذه، والنقب في الأصل بمعنى الثقب بالمثلثة.\nوقوله: (إلا عليه) أي: على كل واحد، و(يحرسانها) بضم الراء من نصر.\nوقوله: (حتى تقدموا) بفتح الدال من القدوم من سمع.\nوقوله: (فالذي يحلف به) أي: يقسم به وهو اللَّه تعالى، و(غطفان) بالمعجمة والمهملة المفتوحتين.\n٥٩٠٢ - [٣٥] (أنس) قوله: (سنة) أي: قحط، والسنة اسم للعام، ويطلق على القحط، كأنها غلب على سنة فيها القحط لاختصاصه بشيء وقع فيها من بين سائر\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٣٤٤).\n(٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٧١٣٣).","vol":"9","page":458},{"text":"عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَبَيْنَا النَّبِيُّ -ﷺ- يَخْطُبُ فِي يَوْم الْجُمُعَةِ قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكَ الْمَالُ، وَجَاعَ الْعِيَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا وَضَعَهَا حَتَّى ثَارَ السَّحَابُ أَمْثَالَ الْجِبَالِ، ثُمَّ لَمْ يَنْزِلْ عَنْ مِنْبَرِهِ حَتَّى رَأَيْتُ الْمَطَرَ يَتَحَادَرُ عَلَى لِحْيتِهِ، فَمُطِرنَا يَوْمنَا ذَلِك، وَمِنَ الْغَدِ وَمِنْ بَعدِ الْغَدِ حَتَّى الْجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَقَامَ ذَلِكَ الأَعْرَابِيُّ أَوْ غَيْرُهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ، وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا، فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: . . . . .\nــ\nالسنين، فهي من الأسماء الغالبة كالدابة ونحوها.\nوقوله: (قزعة) بالقاف والزاي المفتوحتين: قطعة من سحاب، في (القاموس) (١): القزع محركة: قِطَعٌ من السحاب، والواحد بهاء.\nوقوله: (ما وضعها) هكذا وجدنا في النسخ بضمير الواحدة، والظاهر أنه يرجع إلى اليدين، فهي إما باعتبار إرادة جنس اليد، ويجوز أن يرجع إلى اليد الواحدة للمبالغة في سرعة القبول، كأنه قال: بأن ما وضع يدًا واحدة فثار السحاب قبل أن يضع الأخرى، وفي (جامع الأصول) (٢): ما وضعهما بضمير التثنية، وما وجدنا هذه الكلمة في الصحيحين.\nوقوله: (يتحادر) أي: ينزل، وذلك لو كف المسجد، فإنه كان المسجد إذا نزل مطر وكف.\nوقوله: (أو غيره) هكذا في (المصابيح) بطريق الشك، وجاء في رواية: ثم دخل\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٩٣).\n(٢) \"جامع الأصول\" (٦/ ١٩٥).","vol":"9","page":459},{"text":"\"اللهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلَا عَلَيْنَا\"، فَمَا يُشِيرُ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ إِلَّا انْفَرَجَتْ وَصَارَتِ الْمَدِينَةُ مِثْلَ الْجَوْبَةِ،\nــ\nرجل في الجمعة المقبلة، وهذا ظاهر في أنه غير الأول، وفي رواية: حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى، وهذا يقتضي الجزم بكونه واحدًا، وكلاهما من أنس، فلعل ذكره بعد أن نسيه أو نسيه بعد أن ذكره، فلهذا ذكره صاحب (المصابيح) بالشك، وتبع المؤلف.\nوقوله: (اللهم حوالينا ولا علينا) يعني أنزل الغيث في المزارع لا على الأبنية، يقال: قعدوا حوله وحواله وحوليه وحواليه بفتح اللام دون كسرها كلها بمعنى، فالأصل: حول وحوال، وقد يثنى قصدًا إلى التعدد والتكرار، وليس حوالي جمعًا حتى يكسر لامه، لكنه إنما ذكر (حوالينا) دون حولنا وحوالنا لمراعاة الازدواج مع (علينا)، والواو في (ولا علينا) للعطف بتقدير لا تمطر عطفًا على أمطر المقدر قبل، وقال الشيخ (١): ليست الواو خالصة للعطف بل للتعليل كقولهم: تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها؛ فإن الجوع ليس مقصودًا بعينه بل لكونه مانعًا من الرضاع بأجرة إذ كانوا يكرهونه، فافهم.\nوقوله: (إلى ناحية من السحاب) وفي رواية: (إلى ناحية من السماء)، و(الجوبة) بفتح الجيم وسكون الواو وبالموحدة: الفرجة في السحاب، وهنا حذف أي: صار جو المدينة مثل الفرجة في السحاب، أي: خاليًا عن السحاب، كذا قال الشيخ (٢)، وفي (النهاية) (٣): الجوبة: هي الحفرة المستديرة الواسعة وكل مُنفَتِق بلا بناء: جوبة،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٠٥).\n(٢) \"فتح الباري\" (٢/ ٥٠٦).\n(٣) \"النهاية\" (١/ ٣١٠).","vol":"9","page":460},{"text":"وَسَالَ الْوَادِيُّ قَنَاةً شَهْرًا، وَلَمْ يَجِئْ أَحَدٌ مِنْ ناحِيَةٍ إِلَّا حَدَّثَ بِالْجَوْدِ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: \"اللهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا،\nــ\nأي: حتى صار السحاب محيطًا بآفاق المدينة دونها، وفي (القاموس) (١): الجوب: الترس، والجوبة: الحفرة، والمكان الوطيء، وجاء في رواية: وصارت المدينة كالإكليل.\nوقوله: (وسال الوادي قناة) بفتح القاف وتخفيف النون، والمشهور في الرواية بالنصب على الحال، أي: مثل قناة، أو على المصدر، أي: سيلان قناة، والشبه في الدوام والاستمرار والقوة، وعلى هذا لا يتم ما قيل: إن تفسير قناة بالرمح أولى منه بما حفر في الأرض واستنبط منه الماء، ويقال بالفارسية: كاريز، لأنه قلما تبلغ القُنِيُّ في كثرة مائها مبلغ السيول، وظهر أن جعلها تمييزًا على المعنى الأول بمعنى قدر قناة ضعيف لما ذكر، ولأن القُنِيُّ يختلف مقاديرها بحسب اختلاف متابعها وموادها، فيتفاوت تفاوتًا، ويصح على تقدير إرادة الرمح مبالغة، فافهم.\nوفي بعض الحواشي: أن قناة علم أرض ذات مزارع بناحية أحد، وأوديتها أحد أودية المدينة المشهورة، وذكروا أن أول من سماه وادي قناة تبع اليماني لما قدم يثرب قبل الإسلام، ولعله من تسمية الشيء باسم ما حاذاه، وقناة في هذه الرواية بالضم على البدل أو البيان. وفي رواية البخاري: حتى سال الوادي وادي قناة (٢)، وعلى هذه الرواية قناة مفتوح بغير تنوين.\nوقوله: (إلا حدث بالجود) أي: أخبر به، والجود بفتح الجيم وسكون الواو:\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٨).\n(٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (١٠٣٣).","vol":"9","page":461},{"text":"اللهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالظِّرَابِ وَبُطُونِ الأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ\". قَالَ: فَأُقْلِعَتْ، وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٠٣٣، م: ٨٩٧].\n٥٩٠٣ - [٣٦] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إذَا خَطَبَ اسْتَنَدَ إِلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا صُنِعَ لَهُ الْمِنْبَرُ فَاسْتَوَى عَلَيْهِ، صَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كادَتْ أَنْ تَنْشَقَّ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ،\nــ\nالمطر الغزير، أو ما لا مطر فوقه، جمع جائد، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (والآكام) بفتح الهمزة ممدودة وكسرها مقصورة جمع أكمة محركة، وهو ما ارتفع من الأرض، وفي (القاموس) (٢): الأكمة محركة: الموضع الذي أشد ارتفاعًا مما حوله، وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرًا، والجمع أكُمٌ، محركةٍ، وبضمتين، وكأَجْبُل وجبال وأَجْبَال، و(الظراب) بالظاء المعجمة جمع ظرب ككتف: ما نَتَأ من الحجارة وحُدّ طرفه، أو الجبل المنبسط، أو الصغير.\nوقوله: (فأقلعت) بلفظ المجهول من الأقلاع، يقال: أقلع المطر: انقطع، وأقلعت عنه الحمى: فارقته، كذا في (النهاية) (٣)، والضمير في (أقلعت) للسحاب، فإنه اسم جنس أو جمع سحابة.\n٥٩٠٣ - [٣٦] (جابر) قوله: (إلى جذع نخلة) بكسر الجيم وسكون الذال أي: ساقها، و(سواري المسجد) أسطواناته جمع سارية.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٦٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٩٤).\n(٣) \"النهاية\" (٤/ ١٠٢).","vol":"9","page":462},{"text":"فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ، قَالَ: \"بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٨٤].\nــ\nوقوله: (فجعلت تئن أنين الصبي) في (القاموس) (١): أنّ يئن أنًّا وأنينًا وأنانًا: تأوّه، وفي (الصراح) (٢): أنين: ناله وناليدن من ضرب يضرب، وجاء في بعض الروايات: حنّ حنين الناقة، والحنين: الشوق والانعطاف، والمراد هنا الصوت الدال على شوقه إلى رسول اللَّه -ﷺ-.\nوقوله: (يسكت) بلفظ المجهول من التسكيت.\nاعلم أن حديث حنين الجذع روي عن: ضاعة من الصحابة من طرق كثيرة يفيد القطع بوقوع ذلك، ونقل في (المواهب اللدنية) (٣) عن العلامة تاج الدين السبكي من أكابر مشاهير علماء الشافعية أنه قال: والصحيح عندي أن حديث حنين الجذع متواتر، وقال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) (٤): حنين الجذع وانشقاق القمر نقل كل منهما نقلًا مستفيضًا يفيد القطع عند من يطلع على طرق الحديث دون غيرهم مما لا ممارسة له في ذلك، وقال البيهقي: قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف عن السلف، انتهى.\nوقال القاضي عياض في (الشفا) (٥): حديث حنين الجذع مشهور منتشر، والخبر\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٨٤).\n(٢) \"الصراح\" (ص: ٥٠٠).\n(٣) \"المواهب اللدنية\" (٢/ ٥٤٢).\n(٤) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٩٢).\n(٥) \"الشفا بتعريف حقوق المصطفى\" (١/ ٣٠٣).","vol":"9","page":463},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبه متواتر أخرجه أهل الصحيح، ورواه من الصحابة بضعة عشر نفسًا، فمنه حديث جابر بن عبد اللَّه قال: (كان المسجد مسقوفًا على جذوع نخل، فكان النبي -ﷺ- إذا خطب يقوم إلى جذع، فلما صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العِشَار) (١)، وفي رواية: حتى ارتج المسجد بخواره (٢)، وفي رواية سهل: وكثر بكاء الناس لما رأوا ما به. وفي رواية أبي: حتى تصدّع وانشق حتى جاء النبي -ﷺ- فوضع يده عليه فسكنت (٣)، وزاد غيره فقال النبي -ﷺ-: (إن هذا بكى لما فقد من الذكر) (٤)، وزاد غيره: (والذي نفسي بيده لو لم نلتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة تحزنًا على رسول اللَّه -ﷺ-)، فأمر به رسول اللَّه فدفن تحت المنبر (٥)، وفي حديث أبي: فكان إذا صلى النبي -ﷺ- صلى إليه، فلما هدم المسجد أخذه أبي فكان عنده إلى أن أكلته الأرضة وعاد رُفاتًا (٦)، وذكر الإسفرائني أن النبي -ﷺ- دعاه إلى نفسه، فجاء يخرق الأرض فالتزمه، ثم أمره فعاد إلى مكانه.\nوفي حديث بريدة: فقال -يعني النبي -ﷺ-: إن شئت أردك إلى الحائط، أي: البستان الذي كنت فيه تنبت لك عروقك، ويكمل خلقك، ويجدد لك خوص وتمرة، وإن شئت أغرسك في الجنة فيأكل أولياء اللَّه من ثمرك، ثم أصغى له النبي -ﷺ- يستمع\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٣٥٨٥).\n(٢) أخرجه ابن خزيمة في \"صحيحه\" (٣/ ١٤٠).\n(٣) أخرجه ابن ماجه في \"سننه\" (١٤١٤).\n(٤) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (٣/ ٣٠٠).\n(٥) أخرجه ابن حبان في \"صحيحه\" (٣/ ١٤٠).\n(٦) أخرجه ابن ماجه في \"سننه\" (١٤١٤).","vol":"9","page":464},{"text":"٥٩٠٤ - [٣٧] وَعَنْ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعَ: أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: \"كُلْ بِيَمِيِنكَ\" قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ. قَالَ: \"لَا اسْتَطَعْتَ\"، مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ، قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٠٢١].\n٥٩٠٥ - [٣٨] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَزِعُوا مَرَّةً، فَرَكِبَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَرَسًا لِأَبِي طَلْحَةَ بَطِيئًا وَكَانَ يقْطِفُ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: \"وَجَدْنَا فَرَسَكُمْ هَذَا بَحْرًا\". فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُجَارَى. . . . .\nــ\nالقول، فقال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء اللَّه وأكون في مكان لا أبلى فيه، فسمعه من يليه، فقال النبي -ﷺ-: (قد فعلت ذلك)، ثم قال: (اختار دار البقاء على دار الفناء)، فكان الحسن إذا حدث بهذا بكى وقال: يا عباد اللَّه! الخشبة تحن إلى رسول اللَّه -ﷺ- شوقًا إليه لمكانه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه -ﷺ-.\n٥٩٠٤ - [٣٧] (سلمة بن الأكوع) قوله: (ما منعه إلا الكبر) يعني: لا العجز، وهذا قول الراوي ذكره بيانًا لموجب دعائه -ﷺ-.\nوقوله: (ما رفعها إلى فيه) أي: ما رفع الرجل يمينه إلى فيه بعد ذلك.\n٥٩٠٥ - [٣٨] (أنس) قوله: (يقطف) أي: يتقارب خطاه، من قطف الدابة: ضاق مشيها، من ضرب ونصر، والقطاف بالكسر: مقاربة الخطو.\nوقوله: (وجدنا فرسكم هذا بحرا) قال الطيبي (١): شبه الفرس بالبحر في سعة خطوه وسرعة جريه، وقيل: سماه بحرًا باعتبار أن جريه لا ينفذ كما لا ينفذ البحر.\nوقوله: (لا يجارى) بلفظ المجهول، من جاراه مجاراة: إذا جرى معه، والمراد\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١١/ ١٣٥).","vol":"9","page":465},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ: فَمَا سُبِقَ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْم. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٨٦٧].\n٥٩٠٦ - [٣٩] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: تُوُفِّيَ أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَعَرَضْتُ عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَأْخُذُوا التَّمَرَ بِمَا عَلَيْهِ، فَأَبَوْا فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقُلْتُ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ وَالِدِي اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ دَينًا كثِيرًا، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَرَاكَ الْغُرَمَاءُ، فَقَالَ لِيَ: \"اذْهَبْ فَبَيْدِرْ كُلَّ تَمْرٍ عَلَى نَاحِيةٍ\" فَفَعَلْتُ، ثُمَّ دَعَوْتُهُ، فَلَمَّا نَظَرُوا إِلَيْهِ كَأَنَّهُمْ أغرُوا بِي تِلْكَ السَّاعَةَ، فَلَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُونَ طَافَ حَوْلَ أَعْظَمِهَا بَيْدَرًا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ جَلَسَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: \"ادْعُ لِي أَصْحَابَكَ\". فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّى اللَّهُ عَنْ وَالِدِي أَمَانَتَهُ، وَأَنَا أَرْضَى أَنْ يُؤدِّيَ اللَّهُ أَمَانَةَ وَالِدِي، وَلَا أَرْجِعُ إِلَى أَخَوَاتِي بِتَمْرَةٍ،\nــ\nالمعارضة، وفي رواية: لا يحاذى بالحاء المهملة والذال المعجمة.\n٥٩٠٦ - [٣٩] (جابر) قوله: (فبيدر) بكسر الدال: أمر بجمع كل قسم من التمر في بيدرة، وهو الكدس.\nوقوله: (أغروا بي) بلفظ الماضي المجهول من الإغراء، أي: أغراهم الناس على المطالبة بطريق اللجاج والإلحاح، وأصله كقوله تعالى: ﴿فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: ١٤] بمعنى ألقيناهما، وأصله من الغراء بالكسر والمد، وإذا فتحت الغين قصرته: شيء يلزق به، يقال له بالفارسية: سريشم، وغروت الجلد: ألصقته بالغراء، وقوس مغروة ومغرية، والضمير في (أعظمها) للبيادر أو الصُّبَر المفهومة من السياق، والمراد بـ (الإمانة) هنا الدين.\nوقوله: (ولا أرجع) بالنصب عطف على (يؤدي)، وفي بعض النسخ بالرفع فيكون حالًا بتقدير: وأنا لا أرجع، وكان لجابر أخوات تركهن أبوه، وجاء في حديث","vol":"9","page":466},{"text":"فَسَلَّمَ اللَّهُ الْبَيَادِرَ كُلَّهَا، وَحَتَّى إِنِّي أَنْظُرُ إِلَى الْبَيْدَرِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ- كَأَنَّهَا لَمْ تَنْقُصْ تَمْرَةٌ وَاحِدَةٌ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٠٥٣].\n٥٩٠٧ - [٤٠] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ أُمَّ مَالِكٍ كَانَتْ تُهْدِي لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فِي عُكَّةٍ لَهَا سَمْنًا، فَيَأْتِيهَا بَنُوهَا فَيَسْأَلُونَ الأُدُمَ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ فَتَعْمِدُ إِلَى الَّذِي كَانَتْ تُهْدِي فِيهِ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فَتَجِدُ فِيهِ سَمْنًا، فَمَا زَالَ يُقِيمُ لَهَا أُدُمَ بَيْتِهَا، حَتَّى عَصَرَتْهُ، فَأَتَتِ النَّبِيَّ -ﷺ-. . . . .\nــ\nآخر حين قال له رسول اللَّه -ﷺ-: (هلا تزوجت بكرًا)، أنه قال: إنما تزوجت ثيبًا لتخدم أخواتي وهن صغائر (١)، أو كما قال.\nوقوله: (البيدر الذي كان عليه النبي -ﷺ-) مع أنه قد أدى الدين من ذلك البيدر، فالبيادر التي غيره سلمت بطريق الأولى، و(تمرة واحدة) بالرفع والنصب، ونقص لازم ومتعد، والضمير في (كأنها) للقصة.\n٥٩٠٧ - [٤٠] (وعنه) قوله: (في عكة) بضم المهملة وتشديد الكاف: آنية السمن أصغر من القربة.\nوقوله: (فيأتيها) أي: أم مالك (بنوها).\nوقوله: (وليس عندهم شيء) أي: من الأدم لإهدائها السمن إليه -ﷺ-، ويظهر من هذا أن السمن أدم.\nوقوله: (فتعمد) أي: أم مالك (إلى الذي) أي: الظرف الذي، والضمير في (يقيم) لهذا الظرف أو للسمن الذي فيه، و(أدم بيتها) مفعوله، وكذا في (حتى عصرته)،\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٢٩٦٧).","vol":"9","page":467},{"text":"فَقَالَ: \"عَصَرْتِيهَا؟ \" قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: \"لَوْ تَرَكْتِيهَا مَا زَالَ قَائِمًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٨٠].\n٥٩٠٨ - [٤١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لأُمِّ سُلَيْمٍ: لَقَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ، فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْءٍ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ، ثُمَّ أَخْرَجَتْ خِمَارًا لَهَا، فَلَفَّتِ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ، ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ يَدِي وَلَاثَتْنِي بِبَعْضِهِ، ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَذَهَبْتُ بِهِ، فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- في الْمَسْجِدِ وَمَعَهُ النَّاسُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nوالياء في (عصرتيها) و(تركتيها) أي: العكة لإشباع الكسرة، وهذا في الأحاديث كثير.\n٥٩٠٨ - [٤١] (أنس) قوله: (فأخرجت خمارًا) بالكسر: ما سترت المرأة به رأسها، وفي (القاموس) (١): كل ما ستر شيئًا فهو خماره.\nوقوله: (ثم دسته) أي: أخفته وأدخلته (تحت يدي) يعني إبطي، والدس: الإخفاء ودفن الشيء.\nوقوله: (ولاثتني) من اللوث وهو عصب العمامة، أي: عممتني، أي: غطت ببعض الخمار رأسي، أي: لففت بعضه على رأسي وبعضه على إبطي.\nوقوله: (في المسجد) قال الشيخ (٢): المراد بالمسجد الموضع الذي أعده\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٦١).\n(٢) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٨٨).","vol":"9","page":468},{"text":"\"أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟ \" قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: \"بِطَعَامٍ؟ \" قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِمَنْ مَعَهُ: \"قُومُوا\"، فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمِ! قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالنَّاسِ وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ،\nــ\nالنبي -ﷺ- للصلاة فيه حين محاصرة الأحزاب للمدينة في غزوة الخندق.\nوقوله: (أرسلك) بحذف حرف الاستفهام، أو قال: بهمزة ممدودة للاستفهام.\nوقوله: (قوموا) ظاهره أنه -ﷺ- فهم أن أبا طلحة استدعاه إلى منزله وإلا فقد علم أن أبا طلحة وأم سليم أرسلا الخبز مع أنس -﵁- إليه -ﷺ- فلأي شيء قام وانطلق؟ ويمكن أن يقال: إن رسول اللَّه -ﷺ- علم بإرسال الخبز ولكنه قام وانطلق إلى بيت أبي طلحة من غير أن دعاه أبو طلحة إظهارًا للمعجزة والبركة لأصحابه.\nوقال الشيخ (١): يجمع بأنهما أرادا بإرسال الخبز مع أنس أن يأخذه النبي -ﷺ- فيأكله، فلما وصل أنس ورأى كثرة الناس استحيا، وظهر له أن يدعوه -ﷺ- ليقوم معه وحده إلى المنزل فيحصل مقصودهم من إطعامه، أقول: هذا لا يخلو عن بعد، لأن أنسًا -﵁- صغيرًا تابعًا لهما فيبعد أن يدعوه من غير إذن منهما، ثم قال: ويحتمل أن يكون ذلك على رأي أبي طلحة أرسله وعهد إليه إذا رأى كثرة الناس دعا النبي -ﷺ- خشية أن لا يكفيهم ذلك النبي ومن معه، وقد عرفوا إيثاره -ﷺ- وأنه لا يأكل وحده، قال: وقد وجدت أكثر الروايات تقتضي أن أبا طلحة استدعى النبي -ﷺ- في هذه الواقعة، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٨٩).","vol":"9","page":469},{"text":"فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَبُو طَلْحَةَ مَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَلُمِّي يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا عِنْدَكِ\" فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ففُتَّ، وَعَصَرتْ أُمُ سُلَيْمِ عُكَّةً فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِيهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ قَالَ: \"ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ\"، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، ثُمَّ قَالَ: \"ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ\"، ثُمَّ لِعَشَرَةٍ، فَأَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا، وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ أَوْ ثَمَانُونَ رَجُلًا. مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٧٨، م: ٢٠٤٠].\nــ\nوقوله: (فقالت: اللَّه ورسوله أعلم) قال الشيخ (١): كأنها عرفت أنه فعل ذلك ليظهر الكرامة والبركة في تكثير ذلك الطعام، انتهى. وهذا مما يستأنس به على ما ذكرنا أنه -ﷺ- إنما قام وانطلق لقصد إظهار المعجزة، فافهم.\nوقوله: (ففت) بلفظ المجهول من الفت بمعنى الكسر.\nوقوله: (فأدمته) أي جعلت ما خرج من العكة من السمن إدامًا للفتيت.\nوقوله: (ثم قال: ائذن لعشرة) قيل: إنما لم يأذن للكل مرة واحدة؛ لأن الجمع الكثير إذا نظروا إلى طعام قليل يزداد حرصهم إلى الأكل، ويظنون أن ذلك الطعام لا يشبعهم، والحرص عليه ممحقة للبركة، وقيل: لضيق المنزل، وقال الطيبي (٢): ليكون أرفق بهم، فإن القصعة التي فيها الطعام لا يتحلق عليها أكثر من عشرة إلا بضرر يلحقه لبعدها عنهم.\nوقوله: (سبعون أو ثمانون) كذا وقع هنا بالشك، وفي غير هذا بالجزم بالثمانين،\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٩٠).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١١/ ١٣٨).","vol":"9","page":470},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّهُ قَالَ: \"ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ\" فَدَخَلُوا فَقَالَ: \"كُلُوا وَسَمُّوا اللَّه\". فَأَكَلُوا، حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ بِثَمَانِينَ رَجُلًا، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَأَهْلُ الْبَيْتِ وَتَرَكَ سُؤْرًا.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَالَ: \"أَدْخِلْ عَلَيَّ عَشَرَةً\". حَتَّى عَدَّ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ أَكَلَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ هَلْ نَقَصَ مِنْهَا شَيْءٌ؟\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ: ثُمَّ أَخَذَ مَا بَقِىَ فَجَمَعَهُ، ثُمَّ دَعَا فِيهِ بِالْبَرَكَةِ فَعَادَ كَمَا كَانَ فَقَالَ: \"دُونَكُمْ هَذَا\".\n٥٩٠٩ - [٤٢] وَعَنْهُ قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِإِنَاءٍ وَهُوَ بِالزَّوْرَاءِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ،\nــ\nوفي رواية: بضعة وثمانين، ولا منافاة لاحتمال إبقاء الكسر، لكن في رواية عند أحمد: (حتى أكل منه أربعون وبقيت كما هي)، وهو يفيد التغاير وأن تكون القضية متعددة، كذا قال الشيخ (١)، ويمكن أن يقال: لا ينافي هذا رواية ثمانين، وغاية ما تدل عليه أنه -ﷺ- أكل بعد تمام أربعين في البين، ولعله أكل أربعون آخرون بعده -ﷺ-، واللَّه أعلم.\nوقوله: (وترك سؤرا) بالهمزة، أي بقية من الطعام، وهذا بعد أن أكلوا، وبقي منه شيء قبل أن دعا فيه بالبركة.\nوقوله في الرواية الثانية: (فجعلت أنظر هل نقص منها شيء) بعد أن دعا، والرواية الثالثة بيان للروايتين السابقتين فلا منافاة بين الروايات الثلاث، فافهم.\n٥٩٠٩ - [٤٢] (وعنه) قوله: (وهو بالزوراء) بفتح الزاي مكان معروف بالمدينة\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥٩١).","vol":"9","page":471},{"text":"فَجَعَلَ الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَتَوَضَّأَ الْقَوْمُ، قَالَ قتادةُ: قُلْتُ لأَنَسٍ: كَمْ كُنْتُمْ؟ قَالَ: ثَلَاثَ مِئَةٍ أَوْ زُهَاءُ ثَلَاثِ مِئَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٧٢، م: ٢٢٧٩].\n٥٩١٠ - [٤٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنَّا نَعُدُّ الآيَاتِ بَرَكَةً، وَأَنْتُمْ تَعُدُّونَهَا تَخْوِيفًا، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي سَفَرٍ، فَقَلَّ الْمَاءُ فَقَالَ: \"اطْلُبُوا فَضْلَةً مِنْ مَاءٍ\". فَجَاؤوا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ قَلِيلٌ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ، ثُمَّ قَالَ: \"حَيَّ عَلَى الطَّهُورِ الْمُبَارَكِ،\nــ\nعند السوق، وقد سبق ذكره في (باب الاستسقاء)، و(ينبع) مثلثة الباء، و(زهاء) بضم الزاي ممدودًا، أي: قدر ثلاث مئة تخمينًا، زها: قدّر وحَزَرَ.\n٥٩١٠ - [٤٣] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (كنا) أي: أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- (نعد) أي: نحسب ونعتقد في زمنه -ﷺ- (الآيات) القرآنية التي كانت تنزل من السماء، أو المعجزات التي تظهر على يده، وهذا أوفق بسياق الحديث (بركة) ونورًا يحصل في قلوبنا من ذلك، (وأنتم) خطاب لمن بعدهم، أي: أنتم أيها الناس تحسبون أن فائدتها كانت تخويفًا وإنذارًا للكافرين والمنكرين لها، نعم أنها كانت إنذارًا لهم، ولكنها كانت مورثة للبشارة والبركة في قلوب المؤمنين المحبين المعتقدين، فافهم. ويجوز أن يكون المراد أنه ما كان الغرض من نقل المعجزات في زمن الصحابة إلا التبرك والتيمن بذكر النبي ومعجزاته -ﷺ- لعدم المخالفين الذين من شأنهم التخويف والإنذار، بخلاف هذا الزمان الذي جاء بعد فإنه قد يقع الغرض من نقلها ذلك، وهذا حكم باعتبار البعض أو مبالغة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (اطلبوا فضلة) بفتح الفاء وسكون الضاد: البقية كالفضل والفضالة","vol":"9","page":472},{"text":"وَالْبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ\" وَلَقَدْ رَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٧٩].\n٥٩١١ - [٤٤] وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيَّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ، وَتَأْتُونَ الْمَاءَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا\"، فَانْطَلَقَ النَّاسُ لَا يَلْوِي أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسِيرُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ فَمَالَ عَنِ الطَّرِيقِ،\nــ\nبالضم، وقد فضل كنصر وحسب، كذا في (القاموس) (١)، قالوا: إنما طلب فضلة من الماء كيلا يظن أنه -ﷺ- موجد للماء، فإن الإيجاد إلى اللَّه سبحانه، وإليه أشار بقوله: (والبركة من اللَّه)، أقول: وهكذا وقع في تكثير الماء والطعام ونحوهما من وجود بقية يكون كالمادة لها، ولا يدرى سببه في الحقيقة، وكذا أمره -ﷺ- بتغطية الظرف وعدم النظر فيه والتفحص عنه، حتى إذا كشف ونظر ارتفع أثر المعجزة، نعم يذكرون لذلك الوجوه، واللَّه أعلم بحقيقة الأمر.\nوقوله: (ينبع من بين أصابعه) صريح في خروج الماء من نفس أصابعه ﵇، ونبوعه منها، ولهذا فضل ذلك على خروج الماء عن الحجر كما لموسى ﵇، فلا يلتفت بعد ذلك إلى خلاف قوم وقولهم: إن اللَّه تعالى أكثر الماء في ذاته فصار يفور من بين أصابعه، وأيّ باعث على هذا التأويل!\n٥٩١١ - [٤٤] (أبو قتادة) قوله: (لا يلوي) من اللي وهو الميل والانعطاف، أي: لا يميل ولا يلتفت إليه، بل يهتم في طلب الماء ويمشي فيه من غير مراعاة صحبة، و(ابهار الليل) بتشديد الراء على وزن احمار، أي: انتصف، أو تراكبت ظلمته،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٦١).","vol":"9","page":473},{"text":"فَوَضَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ قَالَ: \"احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا\" فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَالشَّمْسُ فِي ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: \"ارْكبُوا\"، فَرَكبْنَا، فَسِرْنَا حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ نَزَلَ، ثُمَّ دَعَا بِمِيضَأَةٍ كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، فَتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ، قَالَ: وَبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِن مَاءٍ،\nــ\nأو ذهبت عامته، أو بقي نحو ثلثه، ويقال: أبهر السيف: انكسر نصفين، كذا في (القاموس) (١)، وفي (مجمع البحار) (٢): ابهار الليل، أي: انتصف، وبهرة كل شيء: وسطه، وقيل: ابهار: إذا طلعت نجومه واستنارت، والأول أكثر.\nوقوله: (فوضع رأسه) أي للنوم.\nوقوله: (ثم نزل) أي: في مكان آخر قريب منه لقضاء الصلاة، و(ميضأة) بكسر الميم: مطهرة كبيرة يتوضأ منها، وفي (مجمع البحار) (٣): هي بكسر ميم وبهمزة بعد ضاد: إناء التوضئ شبه المطهرة تسع ماء قدر ما يتوضأ منه، وهي بالقصر مفعلة وبالمد مفعالة، واستدل به بعضهم على استحباب التوضع من الأواني دون البرك والمشارع لأنه لم ينقل منه -ﷺ-، ولا دليل إذ لم يكن بحضرته -ﷺ- المياه الجارية والأنهار، ولم ينقل أنه وجدها فعدل عنها.\nوقوله: (وضوءًا دون وضوء) أي: دون وضوء يتوضأ في سائر الأوقات، أي: توضأ وضوء وسطًا لقلة الماء، أي: لم يصل إلى ثلاث مرات، وقيل: أراد أنه استنجى في هذا الوضوء بالحجر لا بالماء، والأول أظهر بل هو الصواب.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٣٣، ٣٣٤).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٢٣٥).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٧٥).","vol":"9","page":474},{"text":"ثُمَّ قَالَ: \"احْفَظْ عَلَيْنَا مِيضَأَتَكَ فَسَيَكُون لَهَا نَبَأٌ\"، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ، وَرَكِبَ وَرَكِبْنَا مَعَهُ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى النَّاسِ حِينَ امْتَدَّ النَّهَارُ وَحَمِيَ كُلُّ شَيْءٍ، وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكْنَا وَعَطِشْنَا، فَقَالَ: \"لَا هُلْكَ عَلَيْكُمْ\" وَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ فَجَعَلَ يَصُبُّ، وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ، فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءً فِي الْمِيضَأَةِ تَكَابُّوا عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . . .\nــ\nوقوله: (فسيكون لها نبأ) أي: خبر، والمراد أنه سيكون لها شأن يتحدث به الناس وهو ظهور المعجزة.\nوقوله: (ثم صلى الغداة) قيل: في تأخيره -ﷺ- قضاء الصلاة دليل على أن من نام عن صلاة أو نسيها لا يجب عليه الصلاة بالفور، وعلى ندب مفارقة الموضع الذي فات فيه المأمور إذ ارتكب فيه النهي، (وعطشنا) بكسر الطاء من باب سمع.\nوقوله: (لا هُلك) بضم الهاء بمعنى الهلاك.\nوقوله: (فلم يعد أن رأى الناس ماء في الميضأة تكابوا عليها) هكذا لفظ الحديث في نسخ (المشكاة) و(المصابيح): (فلم يعد) بفتح الياء وسكون العين وضم الدال، وفسره عياض في (المشارق) (١) بقوله: أي فلم يتجاوز.\nوقوله: (أن رأى) بفتح الهمزة، و(تكابوا) بدون الفاء، وفي بعض النسخ: (فتكابوا) بالفاء، وقال الطيبي (٢): وليس في (صحيح مسلم) ولا في شرحه، ونقله في\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٢٣).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١١/ ١٤٢).","vol":"9","page":475},{"text":"\"أَحْسِنُوا الْمَلأَ، كُلُّكُمْ سَيُرْوَى\"، قَالَ: فَفَعَلُوا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَصُبُّ وَأَسْقِيهِمْ، حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ صَبَّ فَقَالَ لِيَ: \"اشْرَبْ: فَقُلْتُ\" لَا أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ: \"إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ\"، قَالَ: فَشَرِبْتُ وَشَرِبَ،\nــ\n(المشارق) بالفاء، وأعربه الطيبي بأن قوله: (أن رأى الناس) يحتمل أن يكون فاعلًا، أي: لم يتجاوز رؤية الناس الماء إكبابهم فتكابوا، وأن يكون مفعولًا، أي: لم يتجاوز السقي رؤية الناس في تلك الحالة، وهي كبهم عليه فتكابوا، أي: ازدحموا على الميضأة مكبًّا بعضهم على بعض، انتهى.\nوالكبة بالفتح ويضم: الزحام، وقال في (مجمع البحار) (١): وهي تفاعلوا من الكبة بالضم، وهي الجماعة من الناس وغيرهم، وفي (الصحاح) (٢): الكبة بالضم: جماعة الخيل كالكبكبة، ويعلم من (المجمع) أن لفظ الحديث في بعض الروايات: فلما رأى الناس الميضأة تكابوا عليها، وهذا أظهر.\nوقوله: (أحسنوا الملأ) أي: الخلق، قال في (القاموس) (٣): الملأ، كجبل: الأشراف والجماعة والخلق، ومنه: (أحسنوا أملاءكم) أي: أخلاقكم.\nوقوله: (يروى) هو بفتح الواو، روي من الماء واللبن كرضي ريًّا كروي وارتوى، والاسم الري بالكسر.\nوقوله: (إن ساقي القوم) يريد نفسه الكريمة لأنه الساقي في الحقيقة وإن توسط\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٣٦٢).\n(٢) \"الصحاح\" (١/ ٢٠٨).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٢).","vol":"9","page":476},{"text":"قَالَ: فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ جَامِّينَ رِوَاءً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، هَكَذَا فِي \"صَحِيحِهِ\" وَكَذَا فِي \"كِتَابِ الْحُمَيْدِيِّ\" وَ\"جَامعِ الأُصُولِ\"، وَزَادَ فِي \"الْمَصَابِيحِ\" بَعْدَ قَوْلِهِ: \"آخِرُهُمْ\" لَفْظَةَ: \"شُرْبًا\" [م: ٦٨١].\n٥٩١٢ - [٤٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ غزوةِ تَبُوكَ، أَصَابَ النَّاسُ مَجَاعَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْعُ اللَّهَ لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ،\nــ\nأبو قتادة -﵁- حيث قال: (يصب وأسقيهم).\nوقوله: (جامين) بتشديد الميم، أي: مسترحين من الجمام بمعنى الراحة وذهاب الأعياء، ومنه مجمة للفؤاد بفتح جيم وميم، ويقال: بضم جيم وكسر ميم، و(رواء) بكسر الراء جاء جمع راو بمعنى ريان، حال.\n٥٩١٢ - [٤٥] (أبو هريرة) قوله: (غزوة تبوك) اسم أرض بين الشام والمدينة، وغزوة تبوك كانت سنة تسع في رجب وهي آخر غزواته -ﷺ-، والمشهور في تبوك عدم الصرف للتأنيث والعلمية، ومن صرفها أراد الموضع، وكلا الاعتبارين جائز في أسماء المواضع والأماكن للتأويل بالبقعة والناحية أو الموضع والمكان، وقيل: وسميت تبوك لأنه -ﷺ- رأى قومًا من أصحابه تبوكون عنه، أي: يدخلون فيها القدح، أي: السهم ويحركون ليخرج الماء، فقال: (ما زلتم تبوكونها بوكًا)، كذا قال السيوطي، وفي (النهاية) (١): البوك: تثوير الماء بنحو عود ليخرج من الأرض، وبه سميت غزوة تبوك، وفي الحديث: أنهم باتوا يبوكون حسي تبوك، والحسي: العين، و(المجاعة)\n_________\n(١) \"النهاية\" (١/ ١٦٢).","vol":"9","page":477},{"text":"فَقَالَ: \"نَعَمْ\"، فَدَعَا بِنِطَعٍ فَبُسِطَ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكِسْرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ شَيْءٌ يَسِيرٌ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالْبَرَكَةِ ثُمَّ قَالَ: \"خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ\"، فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيتِهِمْ حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَر وعَاءً إِلَّا مَلَؤُوهُ قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرُ شاكٍّ فَيُحْجَبُ عَنِ الْجنَّةِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧].\nــ\nبفتح الميم مصدر جاع يجوع جوعًا ومجاعة، والجوع بالضم: ضد الشبع، و(النطع) فيه لغات فتح النون وكسرها مع فتح الطاء وإسكانها، أفصحهن كسر النون وفتح الطاء، وهو بساط من الأديم، و(الذرة) بضم الذال وفتح الراء مخففة آخره هاء: حب معروف، وهاء عوض عن واو في آخره أصله ذرو هكذا قالوا، وفي (الصراح) (١): ذرة بالضم والتخفيف: أرزن، و(الكسرة) بالكسر، أي: قطعة من الخبز.\nوقوله: (وفضلت) بفتح الضاد بلفظ الماضي (فضلة) بفتح الفاء بلفظ المرة فعلة.\nوقوله: (لا يلقى اللَّه بهما) أي: بهاتين الشهادتين، و(غير) بالرفع صفة عبد.\nوقوله: (فيحجب) بالرفع عطف على (يلقى)، والنفي منصب عليهما معًا، كذا قال الطيبي (٢)، وقيل: منصوب جواب النفي، والأول أظهر، فافهم.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٥٥٩).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١١/ ١٤٣).","vol":"9","page":478},{"text":"٥٩١٣ - [٤٦] وَعَنْ أَنَسٍ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَرُوسًا بِزَيْنَبَ، فَعَمَدَتْ أُمِّي أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى تَمْرٍ وَسَمْنٍ وَأَقِطٍ، فَصَنَعَتْ حَيْسًا فَجَعَلَتْهُ فِي تَوْرٍ فَقَالَتْ: يَا أَنَسُ اذْهَبْ بِهَذَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقُلْ: بَعَثَتْ بِهَذَا إِلَيْكَ أُمِّي، وَهِيَ تُقْرِئُكَ السَّلَامَ، وَتَقُولُ: إِنَّ هَذَا لَكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَذَهَبْتُ فَقُلْتُ، فَقَالَ: \"ضَعْهُ\"، ثُمَّ قَالَ: \"اذْهَبْ فَادْعُ لِي فلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا\" رِجَالًا سَمَّاهُمْ، \"وَادْعُ لِي مَنْ لَقِيتَ\"، فَدَعَوْتُ مَنْ سَمَّى وَمَنْ لَقِيتُ، فَرَجَعْتُ فَإِذَا الْبَيْتُ غَاصٌّ بِأَهْلِهِ،\nــ\n٥٩١٣ - [٤٦] (أنس) قوله: (عروسًا) بالفتح يطلق على الرجل والمرأة ما داما في أعراسهما، و(الحيس) بفتح الحاء المهملة: الخلط، ويطلق على تمر يخلط بسمن وأقط فيعجن شديدًا، ثم يندر [منه] نواه، وربما يجعل فيه سويق، و(التور) بمثناة فوقية مفتوحة فواو ساكنة فراء: إناء كالقدح، وفي (القاموس) (١): يشرب فيه.\nوقوله: (وهي تقرئك السلام) بضم التاء.\nوقوله: (غاص) بالغين المعجمة والصاد المهملة المشددة، منزل غاص بالقوم: ممتلئ. وأغصّ علينا الأرض: ضيقها، كذا في (القاموس) (٢)، وقال في (المشارق) (٣): ومنه: الغصة، وهي شيء يملأ مجرى النفس ويضيقه.\nثم قيل: ظاهر الحديث أن وليمة زينب -ﷺ- كانت من الحيس الذي أهدته أم سليم. والمشهور من الروايات أنه أولم عليها بخبز ولحم، ولم يقع في القصة تكثير\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٣٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٧٦).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٢٩).","vol":"9","page":479},{"text":"قِيلَ: لِأَنَسِ: عَدَدُكُمْ كَمْ كَانُوا؟ قَالَ: زُهَاءُ ثَلَاثُ مِئَةٍ. فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- وَضَعَ يَدَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَيْسَةِ، وَتَكَلَّمَ بِمَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَدْعُو عَشَرَةً عَشَرَةً يَأْكُلُونَ مِنْهُ، وَيَقُولُ لَهُم: \"اذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ وَلْيَأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَلِيهِ\"، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ وَدَخَلَتْ طَائِفَة حَتَّى أَكَلُوا كُلُّهُمْ، قَالَ لِي: \"يَا أَنَسُ! ارْفَعْ\". فَرَفَعْتُ، فَمَا أَدْرِي حِينَ وَضَعْتُ كَانَ أَكْثَرَ أَمْ حِينَ رَفَعْتُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥١٦٣، م: ١٤٢٨].\n٥٩١٤ - [٤٧] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: \"غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَنَا عَلَى نَاضِحٍ قَدْ أَعْيَا، فَلَا يَكَادُ يَسِيرُ، فَتَلَاحَقَ بِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ: \"مَا لِبَعِيرِكَ؟ \" قُلْتُ: قَدْ عَيِيَ، فَتَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَزَجَرَهُ فَدَعَا لَهُ،\nــ\nذلك الطعام؟ وأجيب بأنه يجوز أن يكون حضور الحيس صادف حضور الخبز واللحم، وإنكار وقوع تكثير الطعام في قصة الخبز واللحم عجيب، فإن أنسًا روى أنه أولم عليها بشاة وأنه أشبع المسلمين خبزًا ولحمًا، وهم يومئذٍ نحو الألف، كذا قيل، وأقول: لا منافاة فإن أنسًا لم يقل في هذا الحديث: إن الحيس كان وليمة زينب، بل إنما ذكر إرسال أمه الحيس ووجود البركة فيه، وحديث وليمة زينب بالخبز واللحم، والبركة فيها حديث آخر ومعجزة أخرى، واللَّه أعلم.\nوقوله: (عددكم كم كانوا؟) جمع نظرًا إلى ما في العدد من معنى التعدد أو لزيادته على الواحد على قول أهل الحساب.\n٥٩١٤ - [٤٧] (جابر) قوله: (وأنا على ناضح) الناضح جمل يستقى عليه، و(عيي) على وزن رضي، و(أعيا) لازم ومتعدد.","vol":"9","page":480},{"text":"فَمَا زَالَ بَيْنَ يَدَي الإِبِلِ قُدَّامَهَا يَسِيرُ، فَقَالَ لِي: \"كَيْفَ تَرَى بِعِيرَكَ؟ \" قُلْتُ: بِخَيْرٍ، قَدْ أَصَابَتْهُ بَرَكَتُكَ، قَالَ: \"أَفَتَبِيعُنِيهِ بِوُقِيَّةٍ؟ \". فَبِعْتُهُ عَلَى أَنَّ لِي فَقَارَ ظَهْرِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ غَدَوْتُ عَلَيْهِ بِالْبَعِيرِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ وَرَدَّهُ عَلَيَّ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٠٩٧، م: ٧١٥].\n٥٩١٥ - [٤٨] وَعَنْ أَبِي حُمَيدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- غَزْوَةَ تَبُوكَ،\nــ\nوقوله: (فما زال بين يدي الإبل قدامها) اسم (ما زال) ضمير فيها للناضح، فيحتمل أن يكون (بين يدي الإبل) خبره و(قدامها) خبرًا بعد خبر يفيد تأكيدًا وبيانًا، و(يسير) حالًا، وأن يكون خبره (يسير)، و(بين يدي الإبل) و(قدامها) ظرفين لـ (يسير) أحدهما تأكيد للآخر، و(الوقية) بفتح الواو وكسر القاف وتشديد الياء، ويقال: الأوقية بضم الهمزة أيضًا: أربعون درهمًا.\nوقوله: (على أن لي فقار ظهره) أي: ركوبه، والفقار بفتح الفاء: عظم الظهر، وفي (القاموس) (١): الفقرة بالكسر، والفقرة والفقارة بفتحهما: ما انتضد من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العَجْب، والجمع: كعنب وسحاب، والحديث يدل على جواز شرط فيه منفعة للبائع، والفقهاء حكموا بعدم جوازه، ولعله منسوخ، أو لم يكن في صلب العقد، بل التمسه بعد البيع وإن كان ظاهر العبارة ينافيه، واللَّه أعلم.\n٥٩١٥ - [٤٨] (أبو حميد الساعدي) قوله: (وعن أبي حميد) بلفظ التصغير.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٢٦).","vol":"9","page":481},{"text":"فَأَتَيْنَا وَادِيَ الْقُرَى عَلَى حَدِيقَةٍ لِامْرَأَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اخْرُصُوهَا\" فَخَرَصْنَاهَا، وَخَرَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَشَرَةَ أَوْسُقٍ وَقَالَ: \"أَحْصِيهَا حَتَّى نَرْجِعَ إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ\"، وَانْطَلَقْنَا حَتَّى قَدِمْنَا تَبُوكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"سَتَهُبُّ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُمْ فِيهَا أَحَدٌ، فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدَّ عِقَالَهُ\"، فَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُل فَحَمَلَتْهُ الرِّيحُ حَتَّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيِّئٍ، ثُمَّ أَقْبَلْنَا حَتَّى قَدِمْنَا وَادِيَ الْقُرَى،\nــ\nقوله: (فأتينا وادي القرى) هو موضع مشهور بينه وبين المدينة ثلاثة أيام من جهة الشام، وهو يرى في الظاهر تركيبًا إضافيًا جعل علمًا كعبد اللَّه، فينبغي أن يعرب بإعرابين وينصب الياء من وادي، لكن قال التُّوربِشْتِي (١): لا يعرب الياء من وادي، فإن الكلمتين جعلتا اسمًا واحدًا، فكأنه ثبت عندهم من حيث الرواية عدم الإعراب.\nوقوله: (اخرصوها) أي: قدروها بضم الهمزة والراء من خرص يخرص من نصر، والخرص: حرز الثمر على الشجرة، والأوسق: جمع وسق بفتح الواو وسكون المهملة: ستون صاعًا أو حمل بعير، (وقال) أي: رسول اللَّه -ﷺ- خطابًا للمرأة: (أحصيها) أمر من الإحصاء، أي: احفظي قدرها وعدد أوسقها إذا وزنتها.\nوقوله: (فحملته الريح) ثم أهلله بنو طيئ حين قدم رسول اللَّه -ﷺ- المدينة، كذا في (المواهب) (٢).\nوقوله: (بجبلي طيئ) بإضافة الجبلين إلى طيئ أحدهما أجأ بالجيم والهمزة،\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٢٩٥).\n(٢) \"المواهب اللدنية\" (١/ ٦٣٠، ٦٣١).","vol":"9","page":482},{"text":"فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَرْأَةَ عَنْ حَدِيقَتِهَا \"كَمْ بَلَغَ ثَمَرُهَا؟ \" فَقَالَتْ: عَشْرَةُ أَوْسُقٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٨١، م: ١٣٩٢].\n٥٩١٦ - [٤٩] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا فَإِنَّ لَهَا ذِمَّةً وَرَحِمًا، أَوْ قَالَ: ذِمَّةً وَصِهْرًا،\nــ\nوالآخر سلمى، قال الطيبي (١): هما بأرض نجد، وطيئ أبو القبيلة والنسبة طائي، والقياس طَيْئيٌّ حذفوا الياء الثانية، فبقي طَيْئيٌ فقلبوا الياء الساكنة ألفًا، انتهى. والظاهر أنه قبيلة حاتم المشهور بالجود.\n٥٩١٦ - [٤٩] (أبو ذر) قوله: (يسمى فيها القيراط) القيراط والقراط بكسرهما: يختلف وزنه بحسب البلاد، فبمكة ربع سدس دينار، وبالعراق نصف عشره، كذا في (القاموس) (٢)، وأصله القراط بتشديد الراء أبدلت إحداهما ياء بدليل جمعه على قراريط، والمراد بتسميتهم القيراط إكثار أهلها، ذكره في معاملاتهم لتشددهم فيها، وقلة مروءتهم وعدم مسامحتهم، فلا ينافيه مشاركة غيرهم من أهل البدو والبلاد في ذكره، كذا ذكروا.\nوقال التُّوربِشْتِي (٣): كنت أرى الحديث مشكلًا؛ لأنه يدل على أن تسمية القيراط مختصة بأهل مصر وليس كذلك، بل شاركهم فيها البدو والحضر من بلاد العرب، وقد تكلم بها النبي -ﷺ- في عدة أحاديث، منها حديث: (كنت أرعاها لأهل مكة -أي\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١١/ ١٤٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٢٨).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٢٩٥).","vol":"9","page":483},{"text":"فَإِذَا رَأَيْتُمْ رَجُلَيْنِ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَاخْرُجْ مِنْهَا\" قَالَ: فَرَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ شُرَحْبِيلِ بْنِ حَسَنَةَ وَأَخَاهُ رَبِيعَةَ يَخْتَصِمَانِ فِي مَوْضِعِ لَبِنَةٍ فَخَرَجْتُ مِنْهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٤٣].\nــ\nالغنم- على القراريط) (١)، وحديث: (من تبع الجنازة فله قيراط) (٢)، وحديث: (من اقتنى كلبًا نقص كل يوم قيراط من عمله) (٣) حتى وجدت أبا جعفر الطحاوي -شكر اللَّه سعيه- قد ذكر في كتابه الموسوم بـ (مشكل الآثار): أن الإشارة بذلك وقعت إلى كلمة عوراء يستعملها المصريون في المسابة وإسماع المكروه، ويقولون: أعطيت فلانًا القراريط، أي: أسمعته المكروه، ويقولون: لأعطينك قراريط أي: أسابك، والطحاوي أعلم بلهجة أهل بلدته، هذا حاصل كلام التُّوربِشْتِي، وسياق الحديث من قوله: (يختصمان في موضع لبنة) يدل على أن الغرض بيان شدتهم وعدم مسامحتهم، وبه يتأيد المعنى الأول، وأقول: ومع ذلك وصى برعاية حقوقهم التي ترجع إلى ملاحظة نسبته -ﷺ- ورعاية الإنصاف حيث قال: (فإذا فتحتموها واستوليتم على أهلها أحسنوا إليهم بالصفح والعفو عن مساويهم). (فإن لها ذمة) أي: حرمة وأمانًا من جهة إبراهيم بن رسول اللَّه فإن أمه مارية القبطية كانت منهم، و(رحمًا) أي: قرابة من قبل هاجر أم إسماعيل ﵇ فإنها أيضًا كانت منهم، وفي بعض الروايات: (قرابة وصهرًا)، ثم ذكر شيئًا من خصائصهم أنهم يختصمون على موضع لبنة من الأرض، فإذا رأيت ذلك منهم فاخرج منها خطاب لأبي ذر -﵁-، وإنما خص الخروج\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٢٢٦٢).\n(٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (١٣٢٣)، ومسلم في \"صحيحه\" (٩٤٥).\n(٣) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٣٣٢٥)، ومسلم في \"صحيحه\" (١٥٧٦).","vol":"9","page":484},{"text":"٥٩١٧ - [٥٠] وَعَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"فِي أَصْحَابِي -وَفِي رِوَايَة قَالَ: فِي أُمَّتِي- اثْنَا عَشَرَ مُنَافِقًا لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَجِدُونَ رِيحَهَا حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ، ثَمَانِيَةٌ مِنْهُم تَكْفِيهِمُ الدُّبَيْلَةُ: سِرَاجٌ مِنْ نَارٍ يَظْهَرُ فِي أَكْتَافِهِمْ. . . . .\nــ\nبه لمزيد الشفقة، ويحتمل أن يكون الخطاب عامًا، وقد وقع من جهتهم فتن أخر كقتل عثمان وقتل محمد بن أبي بكر بعد ذلك في ولاية علي -﵁-.\n٥٩١٧ - [٥٠] (حذيفة) قوله: (في أمتي اثنا عشر منافقًا) لا يخفى أن إطلاق الصحابة على المنافقين إنما هو لتشبههم بالصحابة وإدخال أنفسهم فيهم بالتستر بالكلمة، ولذا قال: (في أصحابي)، ولم يقل من أصحابي، قال التُّوربِشْتِي (١): وقد أسر رسول اللَّه -ﷺ- بهذا القول إلى خاصته وذوي المنزلة من أصحابه أَمْرَ هذه الفئة المشؤومة المتلبسة لئلا يقبلوا منهم الإيمان، ولا يأمنوا من قبلهم المكر والخداع، وكان أعلمهم بأسمائهم، وكان ذلك ليلة العقبة مرجعه من غزوة تبوك، وله قصة ذكرها التُّوربِشْتِي، ونقلها منه الطيبي (٢) فلينظر هناك.\nوقوله: (الدبيلة) بالدال المهملة والياء الموحدة تصغير دبلة: وهي خراج ودبل تظهر في الجوف فتقتل صاحبها غالبًا، وفي (القاموس) (٣): الدبل: الطاعون، وكصبور: الداهية، فكل شيء اجتمع فقد دبل، دبله يدبُلُه: جمعه، وفسر في الحديث بـ (سراج) يحدث في أكتافهم، لعله أراد به ورمًا حارًا.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٢٩٦).\n(٢) انظر: \"شرح الطيبي\" (١١/ ١٤٦ - ١٤٧).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩١٧).","vol":"9","page":485},{"text":"حَتَّى تَنْجُمَ فِي صُدُورِهِمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٧٧٩].\nوَسَنَذْكُرُ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: \"لأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا\" فِي \"بَابِ مَنَاقِبِ عَلِيٍّ\".\nوَحَدِيثَ جَابِرٍ: \"مَنْ يَصْعَدُ الثَّنِيَّةَ\" فِي \"بَابِ جَامِعِ الْمَنَاقِبِ\" إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1277> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٩١٨ - [٥١] عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّام، وَخَرَجَ مَعَه النَّبِيُّ -ﷺ- فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا أَشْرَفُوا عَلَى الرَّاهِبِ هَبَطُوا، فَحَلُّوا رِحَالَهُمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّاهِبُ، .\nــ\nوقوله: (تنجم) بضم الجيم، أي: يظهر أثر تلك الحرارة وشدة لهبها في باطنهم، وقد روي عن حذيفة -﵁- أنه -ﷺ- عرفه إياهم وأنهم هلكوا كما أخبر به المخبر الصادق، وقد كان عنده علم المنافقين.\nالفصل الثاني\n٥٩١٨ - [٥١] (أبو موسى) قوله: (في أشياخ من قريش) متعلق بـ (خرج) على سبيل التنازع، ولقد أصاب من قال من النحويين بتشريك العاملين في مثل هذه الصورة إذ لا مانع منه.\nوقوله: (فلما أشرفوا) أي: اطلعوا (على الراهب) لعل تعريفه لأنه كان معهودًا معلومًا عندهم مذكورًا فيما بينهم في وقت الرواية.\n(هبطوا) أي: نزلوا عنده، واسم الراهب بحيرا بفتح الموحدة وكسر المهملة مقصورًا.","vol":"9","page":486},{"text":"وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرُّونَ بِهِ فَلَا يَخْرُجُ إِلَيهِم، قَالَ: فَهُم يَحُلُّونَ رِحَالَهُمْ، فَجَعَلَ يَتَخَلَّلُهُمُ الرَّاهِبُ، حَتَّى جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: هَذَا سَيِّدُ الْعَالَمِينَ، هَذَا رسولُ ربِّ الْعَالِمِينَ يَبْعَثُهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالِمِينَ، فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ: مَا عِلْمُكَ؟ فَقَالَ: إِنَّكُمْ حِين أَشْرَفْتُمْ مِنَ الْعَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ شَجَرٌ وَلَا حَجَرٌ إِلَّا خَرَّ سَاجِدًا، وَلَا يَسْجُدَانِ إِلَّا لِنَبِيٍّ، وَإِنِّي أعرِفُهُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ مِثْلَ التُّفَّاحَةِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا، فَلَمَّا أَتَاهُمْ بِهِ،\nــ\nوقوله: (يتخللهم الراهب) أي: يدخل وسطهم.\nوقوله: (ما علمك؟) أي: سبب علمك، والغضروف: عظم لين على رؤوس المفاصل في ملتقى العظم واللحم، وهو واسطة في التقائهما والتئامهما لكونه بين بين، لا شديد شدة العظم، ولا لين لين اللحم، ولذا كان واسطة بينهما؛ لأن الواسطة بين الشيئين ينبغي أن يكون ذات جهتين ومناسبته لكل منهما كما ذكروا، ومثلوا له بأمثلة هذا أحدها، هذا كلام الحكماء، وفي (القاموس) (١): الغضروف: كل عظم رخص يؤكل، ونُغْض الكتف، ورؤس الأضلاع، وفي (النهاية) (٢): من أسفل غضروف كتفه، وهو رأس لوحه، وهذا هو المراد في الحديث.\nوقوله: (مثل التفاحة) مرفوع أو منصوب أو مجرور بالبدل عن (خاتم النبوة)، وفي رواية البيهقي وأبي نعيم: قام فاحتضنه، وأنه جعل يسأله عن أشياء من حاله من نومه وهيئته وأموره ويخبره رسول اللَّه -ﷺ- فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته، ورأى\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٧٦).\n(٢) \"النهاية\" (٣/ ٣٧٠).","vol":"9","page":487},{"text":"وَكَانَ هُوَ فِي رِعْيَةِ الإِبِلِ، فَقَالَ: أَرْسِلُوا إِلَيْهِ فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلُّهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْقَوْم وَجَدَهُمْ قَدْ سَبقُوهُ إِلَى فَيْءِ شَجَرَةٍ، فَلَمَّا جَلَسَ مَالَ فَيْءُ الشَّجَرَةِ عَلَيْهِ، فَقَالَ: انْظُرُوا إِلَى فَيْءِ الشَّجَرَةِ مَالَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمْ اللَّهَ أَيُّكُمْ وَلِيُّهُ؟ قَالُوا: أَبُو طَالِبٍ، فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُ حَتَّى رَدَّهُ أَبُو طَالِبٍ، وَبَعَثَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ بِلَالًا،\nــ\nخاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده، كذا في (المواهب) (١).\nوقوله: (وكان هو) أي: رسول -ﷺ- اللَّه -ﷺ- (في رعية) بكسر الراء وسكون العين: اسم من الرعي، (فقال) أي: الراهب.\nوقوله: (أنشدكم) بفتح الهمزة وضم الشين أي: أطلب منكم باللَّه جواب هذا السؤال.\nوقوله: (فلم يزل يناشده) الراهب ويقول لأبي طالب: باللَّه عليك أن ترد محمدًا إلى مكة وتحفظه من العدو حتى رده أبو طالب إلى مكة، قيل: كان الراهب يخاف أن يذهبوا به إلى الروم فيقتلونه، وأخرج الترمذي وحسنه والحاكم وصححه أن في هذه السفرة أقبل سبعة من الروم يقصدون قتله -ﷺ- فاستقبلهم بحيرا، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: إن هذا النبي خارج في هذا الشهر فلم يبق طريق إلا بعث إليها بأناس، قال: أفرأيتم أمرًا أراد اللَّه أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا، قال: فبايعوه وأقاموا معه.\nوقوله: (وبعث معه أبو بكر بلالًا) قالوا: كيف يكون هذا وبلال لم يخلق بعد،\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (١/ ١٨٨).","vol":"9","page":488},{"text":"وَزَوَّدَهُ الرَّاهِبُ مِنَ الْكَعْكِ وَالزَّيْتِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٢٠].\n٥٩١٩ - [٥٢] وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمَكَّةَ، فَخَرَجْنَا فِي بَعْضِ نَوَاحِيهَا، فَمَا اسْتَقْبَلَهُ جَبَلٌ وَلَا شَجَرٌ إِلَّا وَهُوَ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٣٦٢٦، دي: ١/ ١٧١].\n٥٩٢٠ - [٥٣] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أُتِيَ بِالْبُرَاقِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مُلْجَمًا مُسْرَجًا، فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ جِبْرَئِيلُ: . . . . .\nــ\nوأبو بكر كان صبيًّا فإنه أصغر من النبي -ﷺ- بسنتين، فلذا ضعفوا هذا الحديث، وحكم بعضهم ببطلانه، وقال الحافظ ابن حجر في (الإصابة) (١): الحديث رجاله ثقات وليس فيه منكر سوى هذه اللفظة، فيحتمل أنها مدرجة فيه مقتطعة من حديث آخر وهمًا من أحد رواته.\nوقوله: (ورواه الترمذي) وقال: حسن غريب، انتهى، وقال الجزري: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيحين أو أحدهما، وذكر بلال وأبي بكر غير محفوظ، وعده أئمتنا وهمًا.\n٥٩١٩ - [٥٢] (علي بن أبي طالب) قوله: (فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول) الظاهر أن عليًّا -﵁- أيضًا كان يسمعه، ويحتمل أنه علمه بخبره -ﷺ-.\n٥٩٢٠ - [٥٣] (أنس) قوله: (ملجمًا مسرجًا) كلاهما بالتخفيف.\nقوله: (فاستصعب عليه) أي: البراق على النبي -ﷺ-، أي: لم يمكنه من\n_________\n(١) \"الإصابة في تمييز الصحابة\" (١/ ٤٧٦).","vol":"9","page":489},{"text":"أَبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذَا؟ فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ، قَالَ: فَارْفَضَّ عَرَقًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣١٣١].\n٥٩٢١ - [٥٤] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ جِبْرَئِيلُ بِأُصْبُعِهِ فَخَرَقَ بِهَا الْحَجَرَ، فَشَدَّ بِهِ الْبُرَاقَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣١٣٢].\nــ\nالركوب، كذا في الحواشي، وفي (القاموس) (١): استصعب عليه الأمر: صار صعبًا، كأصعب وصعب، ككرم، وعلى هذا المعنى الظاهر أن يكون الضمير في استصعب للركوب.\nوقوله: (أكرم) مرفوع صفة لـ (أحد)، قال التُّوربِشْتِي (٢): وجدنا الرواية في أكرم بالنصب، فلعل التقدير: كان أكرم.\nوقوله: (فارفض عرقًا) أي: فاض، وارفضاض الدموع: تَرَشُّشُها، والرفيض: الدمع، كذا في (القاموس) (٣).\n٥٩٢١ - [٥٤] (بريدة) قوله: (قال جبرئيل) أي: أشار، (فخرق بها الحجر) أي: ثقب ثقبا نافذًا، قد مرّ في (باب المعراج) من حديث أنس: (فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء)، وقالوا في الجمع بينهما: لعل المراد من الحلقة الموضع الذي كان فيه الحلقة، وقد انسد فخرقه جبريل بإصبعه، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٠).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٢٩٨).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٩٣).","vol":"9","page":490},{"text":"٥٩٢٢ - [٥٥] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ الثَّقَفِيِّ قَالَ: ثَلَاثَةُ أَشيَاءٍ رَأَيْتُهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، بَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ مَعَه إِذ مَرَرْنَا بِبَعِيرٍ يُسْنَى عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَآهُ الْبَعِيرُ جَرْجَرَ، فَوَضَعَ جِرَانَهُ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ: \"أَيْنَ صَاحِبُ هَذَا الْبَعِيرِ؟ \" فَجَاءَهُ، فَقَالَ: \"بِعْنِيهِ\"، فَقَالَ: بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَإِنَّهُ لِأَهْلِ بَيْتٍ مَا لَهُمْ مَعِيشَةٌ غَيْرُهُ، قَالَ: \"أَمَّا إِذْ ذَكَرْتَ هَذَا مِنْ أَمْرِهِ، فَإِنَّهُ شَكَا كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَقِلَّةَ العَلَفِ، فَأَحْسِنُوا إِلَيْهِ\"، ثُمَّ سِرنَا حَتَّى نَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَنَامَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَجَاءَتْ شَجَرَةٌ تَشُقُّ الأَرْضَ حَتَّى غَشِيَتهُ، ثم رَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَكَرْتُ لَهُ، فَقَالَ: . . . . .\nــ\n٥٩٢٢ - [٥٥] (يعلى بن مرة الثقفي) قوله: (وعن يعلى بن مرة) بضم الميم وتشديد الراء.\nوقوله: (يسنى) بلفظ المجهول، أي: يستقى، سنت الناقة الأرض تسنو: إذا سقتها، والسانية: ناقة يستقى عليها، وفي حديث: (الزكاة ما يستقى بالسواني ففيه نصف العشر) (١).\nوقوله: (جرجر) أي: صوت وصاح، وقيل: أي: ردد الصوت في الحلق، والجرجار من الإبل: كثير الصوت، و(الجران) بكسر الجيم وخفة الراء: مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره.\nوقوله: (أما إذ ذكرت هذا من أمره) فإنه يشكو، تقدير الكلام: أما إذ ذكرت أن البعير لأهل بيت لا معيشة لهم غيره فلا ألتمس شراه، وأما البعير فعاهدوه فإنه شكا.\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في \"سننه\" (١٥٩٦)، والنسائي في \"سننه\" (٢٤٨٨)، وابن ماجه في \"سننه\" (١٨١٧).","vol":"9","page":491},{"text":"\"هِيَ شَجَرَةٌ اسْتَأْذَنَتْ رَبَّهَا فِي أَنْ تُسَلِّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: فَأَذِنَ لَهَا\"، قَالَ: ثُمَّ سِرْنَا فَمَرَرْنَا بِمَاءٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ بِابْنٍ لَهَا بِهِ جِنَّةٌ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِمَنْخِرِهِ ثُمَّ قَالَ: \"اخْرُجْ فَإِنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ\"، ثُمَّ سِرْنَا، فَلَمَّا رَجعْنَا مَرَرْنَا بِذَلِكَ الْمَاءَ فَسَأَلَهَا عَنِ الصَّبِيِّ فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا رَأَيْنَا مِنْهُ ريبًا بَعْدَكَ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٣٧١٨].\n٥٩٢٣ - [٥٦] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ بِابْنٍ لَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ ابْنِي بِهِ جُنُونٌ، وَإِنَّهُ لَيَأْخُذُهُ عِنْدَ غَدَائِنَا وَعَشَائِنَا، فَمَسَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صدْرَهُ وَدَعَا، فَثَعَّ ثَعَّةً، وَخَرَجَ مِنْ جَوْفِهِ مِثْلُ الْجِروِ الأَسْوَدِ يَسْعَى. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ١٧٠].\nــ\nوقوله: (بمنخره) بفتح ميم وكسر خاء وقد يكسر الميم اتباعًا للخاء، كذا قال الكرماني (١)، وفي (القاموس) (٢): المنخر: بفتح الميم والخاء، وبكسرهما وضمهما، ونخرة الأنف: مقدمته.\nوقوله: (فسألها) أي: المرأة (عن الصبي) الذي كان به جنة.\nوقوله: (ريبًا) أي: مكروهًا، من الريب بمعنى صرف الدهر، وقيل: أي: شَكًّا، أي: ما رأينا منه ما أوقعنا في شك من حالة بعد مفارقتك عنا.\n٥٩٢٣ - [٥٦] (ابن عباس) قوله: (فثع ثعة) أي: قاء قيئة، والثع بالمثلثة وتشديد المهملة: القيء، وبالتاء المرة منه، و(الجرو) بكسر الجيم وسكون الراء في آخره واو:\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (٩/ ١٠٨).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٤٤٧).","vol":"9","page":492},{"text":"٥٩٢٤ - [٥٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: \"جَاءَ جِبْرَئِيلُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وَهُوَ جَالِسٌ حَزِينٌ، قَدْ تَخَضَّبَ بِالدَّمِ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ تُحِبُّ أَنْ نُرِيَكَ آيَةً؟ قَالَ: \"نَعَمْ\"، فَنَظَرَ إِلَى شَجَرَةٍ مِنْ وَرَائِهِ، فَقَالَ: ادْعُ بِهَا، فَدَعَا بِهَا، فَجَاءَتْ، فَقَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ: مُرْهَا فَلْتَرْجِعْ، فَأَمَرَهَا، فَرَجَعَتْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"حَسْبِي حَسْبِي\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ١٧٢].\n٥٩٢٥ - [٥٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي سَفَرٍ، فَأَقْبَلَ أَعْرَابِيٌّ، فَلَمَّا دَنَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولَهُ؟ قَالَ: وَمَنْ يَشْهَدُ عَلَى مَا تَقُولُ؟ قَالَ: \"هَذِهِ السَّلَمَةُ\"، فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ بِشَاطِئِ الْوَادِي، فَأَقْبَلَتْ تَخُدُّ الأَرْضَ حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَاسْتَشْهَدَهَا ثَلَاثًا، فَشَهِدَتْ ثَلَاثًا أَنَّهُ كَمَا قَالَ، ثُمَّ رَجَعَتْ إِلَى مَنْبتَهَا. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ١٦٦].\nــ\nولد الكلب والأسد.\n٥٩٢٤ - [٥٧] (أنس) قوله: (قد تخضب بالدم) أي: تلطخ، وكان ذلك يوم أحد حين كسرت رباعيته، قال السيوطي عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري: ضرب وجه النبي -ﷺ- بالسيف سبعين ضربة، وقاه اللَّه شرها كلها.\nوقوله: (حسبي حسبي) أي: كفاني في تسليتي عما لقيني من المشقة والحزن هذه الكرامةُ من ربي.\n٥٩٢٥ - [٥٨] (ابن عمر) قوله: (هذه السلمة) واحدة سلم، شجرة من العضاه.","vol":"9","page":493},{"text":"٥٩٢٦ - [٥٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: بِمَا أَعْرِفُ أَنَّكَ نَبِيٌّ؟ قَالَ: \"إِنْ دَعَوْتُ هَذَا الْعِذْقَ مِنْ هَذِهِ النَّخْلَةِ يَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ\"، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَجَعَلَ يَنْزِلُ مِنَ النَّخْلَةِ حَتَّى سَقَطَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- ثُمَّ قَالَ: \"ارْجِعْ\"، فَعَادَ، فَأَسْلَمَ الأَعْرَابِيُّ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ. [ت: ٣٦٢٨].\n٥٩٢٧ - [٦٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: \"جَاءَ ذِئْبٌ إِلَى رَاعِي غَنَمٍ، فَأَخَذَ مِنْهَا شَاةً، فَطَلَبَهُ الرَّاعِي حَتَّى انْتَزَعَهَا مِنْهُ، قَالَ: فَصَعِدَ الذِّئْبُ عَلَى تَلٍّ فَأَقْعَى وَاسْتَثْفَرَ، وَقَالَ: قَدْ عَمَدْتُ إِلَى رِزْقٍ رَزَقَنِيهِ اللَّهُ أَخَذْتُهُ، ثُمَّ انْتَزَعْتَهُ مِنِّي؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: تَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ، فَقَالَ الذِّئْبُ: . . . . .\nــ\n٥٩٢٦ - [٥٩] (ابن عباس) قوله: (أن دعوت) بالفتح، أي: بأن دعوت، وقيل: بالكسر، والجزاء محذوف، و(العذق) بكسر العين وسكون الذال: القنو وهو كالعنقود من العنب.\n٥٩٢٧ - [٦٠] (أبو هريرة) قوله: (فأقعى) أي: جلس مقعيًا، وهو أن يجلس على وركيه وينصب يديه، و(الاستثفار) بالمثلثة والفاء، أي: أدخل ذنبه بين رجليه، الاستثفار: إدخال الكلب ذنبه بين فخذيه حتى يلزقه ببطنه، ومنه الاستثفار للحائض أن تدخل إزارها بين فخذيها ملويًا.\nوقوله: (عمدت) من ضرب، يروى بصيغة المتكلم والخطاب، و(أخذته) بالتكلم و(ثم انتزعته) بالخطاب.\nوقوله: (إن رأيت كاليوم) ما رأيت أعجوبة كأعجوبة اليوم، أو ما رأيت يومًا مثل هذا اليوم.","vol":"9","page":494},{"text":"أَعْجَبُ مِنْ هَذَا رَجُلٌ فِي النَّخَلَاتِ بَيْنَ الْحَرَّتَيْنِ يُخْبِرُكُمْ بِمَا مَضَى وَمَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ، قَالَ: فَكَانَ الرَّجُلُ يَهُودِيًّا، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَأَخْبَرَهُ، وَأَسْلَمَ، فَصَدَّقَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِنَّهَا أَمَارَاتٌ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ،، قَدْ أَوْشَكَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ فَلَا يَرْجِعُ حَتَّى يُحَدِّثَهُ نَعْلَاهُ وَسَوْطُهُ بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٤٢٨٢].\n٥٩٢٨ - [٦١] وَعَنْ أَبِي الْعَلَاءَ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- نَتَدَاوَلُ مِنْ قَصْعَةٍ، مِنْ غُدْوَةٍ حَتَّى اللَّيْلِ، يَقُومُ عَشَرَةٌ وَيَقْعُدُ عَشَرَةٌ، قُلْنَا: فَمِمَّا كَانَتْ تُمَدُّ؟ قَالَ: \"مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَعْجَبُ؟ مَا كَانَتْ تَمَدُّ إِلَّا مِنْ هَهُنَا\"، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى السَّمَاءِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ. [ت: ٣٦٢٥، دي: ١/ ٢٠١].\nــ\nوقوله: (إنها أمارات) أي: هذه القصة والحالة.\nوقوله: (بعده) أي: بعد خروجه.\n٥٩٢٨ - [٦١] (أبو العلاء) قوله: (نتداول) أي: نتناوب بأكل الطعام فيها (من غدوة حتى الليل) أي: طول اللهار.\nوقوله: (قلنا: فمما كانت تمد) بلفظ المجهول من الإمداد، أي: بأي شيء كانت القصعة تمد به، قيل: هذا قول الصحابة، و(قال: من أي شيء تعجب؟) قول رسول اللَّه -ﷺ- في جوابهم، وقيل: السؤال من أبي العلاء ومن معه، والجواب قول سمرة.\nوقوله: (أشار بيده إلى السماء) أي: كثرة الطعام والبركة فيه كان من عالم القدرة.","vol":"9","page":495},{"text":"٥٩٢٩ - [٦٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خَرَجَ يَوْمَ بَدْرٍ فِي ثَلَاثِ مِئَةٍ وَخَمْسَةَ عَشَرَ، قَالَ: \"اللهُمَّ إِنَّهُمْ حُفَاةٌ فَاحْمِلْهُمْ، اللهُمَّ إِنَّهُمْ عُرَاةٌ فَاكْسُهُمْ، اللهُمَّ إِنَّهُمْ جِيَاعٌ فَأَشْبِعْهُمْ\"، فَفَتَحَ اللَّهُ لَهُ، فَانْقَلَبُوا وَمَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَقَدْ رَجَعَ بِجَمَلٍ أَوْ جَمَلَيْنِ، وَاكْتَسَوْا وَشَبِعُوا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٧٤٧].\n٥٩٣٠ - [٦٣] وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّكُمْ مَنْصُورُونَ وَمُصِيبُونَ وَمَفْتُوحٌ لَكُمْ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَلْيتَّقِ اللَّهَ وَلْيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَلْيَنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [مسند أبي داود الطيالسي: ٣٣٥].\n٥٩٣١ - [٦٤] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ يَهُودِيَّةً مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ سَمَّتْ شَاةً. . . . .\nــ\n٥٩٢٩ - [٦٢] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (في ثلاث مئة وخمسة عشر) المشهور أنه خرج يوم بدر في ثلاث مئة وثلاثة عشر، من المهاجرين سبعة وسبعون، ومن الأنصار مئتان وستة وثلاثون.\nوقوله: (حفاة) أي: مشاة حفاة.\n٥٩٣٠ - [٦٣] (ابن مسعود) قوله: (ومفتوح) أي: يفتح لكم بلاد وأمصار كثيرة.\n٥٩٣١ - [٦٤] (جابر) قوله: (أن يهودية) اسمها زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم.\nوقوله: (سمت شاة) وفي رواية: سألت أيّ الشاة أحب إلى محمد؟ فقالوا: الذراع، فعمدت إلى عنز لها فذبحتها وصلتها، ثم عمدت إلى سم لا يبطئ، يعني لا يلبث أن يقتل من ساعته، فسمت الشاة وأكثرت في الذراع والكتف، فوضعت بين","vol":"9","page":496},{"text":"مَصْلِيَّةً، ثُمَّ أَهْدَتْهَا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الذِّرَاعَ، فَأَكَلَ مِنْهَا وَأَكَلَ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِهِ مَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ\"، وَأَرْسَلَ إِلَى الْيَهُودِيَّةِ فَدَعَاهَا فَقَالَ: \"سَمَمْتِ هَذِهِ الشَّاةَ؟ \" فَقَالَتْ: مَنْ أَخْبَرَكَ؟ قَالَ: \"أَخْبَرَتنِي هَذِهِ فِي يَدِي\" لِلذِّرَاعِ، قَالَتْ: نَعَمْ، قُلْتُ: إِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَنْ تَضُرَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا اسْتَرَحْنَا مِنْهُ، فَعَفَا عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَلَمْ يُعَاقِبْهَا، وَتُوُفِّيَ أَصْحَابُهُ الَّذِينَ أَكَلُوا مِنَ الشَّاةِ، وَاحْتَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى كَاهِلِهِ مِنْ أَجْلِ الَّذِي أَكَلَ مِنَ الشَّاةِ، حَجَمَهُ أَبُو هِنْدٍ بِالْقَرْنِ. . . . .\nــ\nيديه ومن حضر من أصحابه، وفيهم بشر بن البراء، فتناول -ﷺ- فانتهش منها، وتناول بشر عظمًا آخر، فمات بشر بن البراء، فدفعها إلى أولياء بشر بن البراء فقتلوها.\nوقوله: (مصلية) بفتح الميم وسكون الصاد وكسر اللام وتشديد التحتانية، أي: مشوية، من صلى اللحم يصليه صليًا: شواه من ضرب.\nوقوله: (للذراع) اللام للبيان أو بمعنى عن، نحو قال لزيد: إنه لم يفعل، ونحو قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العنكبوت: ١٢]، أي: قال عن الذراع أنها أخبرتني، وقيل: اللام بمعنى إلى، أي: قال ذلك مشيرًا إليها.\nوقوله: (فعفا عنها) قال في (المواهب) (١): قد اختلف في أنه هل عاقبها؟ فعند البيهقي من حديث أبي هريرة: فأعرض عنها، ومن طريق أبي نضرة عن جابر -﵁-: فلم يعاقبها، وقال الأزهري: أسلمت فتركها، قال البيهقي: يحتمل أن يكون تركها أولًا، ثم لما مات بشر بن البراء قتلها، وبذلك أجاب السهيلي وزاد: أنه تركها لأنه\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (١/ ٥٣٤).","vol":"9","page":497},{"text":"وَالشَّفْرَةِ، وَهُوَ مَوْلًى لِبَنِي بَيَاضَةَ مِنَ الأَنْصَارِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ. [د: ٤٥١٠، دي: ١/ ٢٠٨].\n٥٩٣٢ - [٦٥] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ: أَنَّهُمْ سَارُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ حُنَيْنٍ، فَأَطْنَبُوا السَّيْرَ حَتَّى كَانَ عَشِيَّةً، فَجَاءَ فَارِسٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي طَلَعْتُ عَلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا،\nــ\nكان لا ينتقم لنفسه، ثم قتلها ببشر قصاصًا، ويحتمل أن يكون تركها لكونها أسلمت، وإنما أخر قتلها حتى مات بشر؛ لأن بموته وجب القصاص، ويختلج أنه ما وجه تخصيص ذكر موت بشر والاختصاص به وقد توفي أصحابه الذين أكلوا من الشاة، ولعله مات بشر بالفور قبل وفاة الأصحاب فاقتص به، واللَّه أعلم. (والشفرة) بفتح الشين المعجمة وسكون الفاء: السكين الكبير.\n٥٩٣٢ - [٦٥] (سهل بن الحنظلية) قوله: (وعن سهل بن الحنظلية) نسبة إلى حنظل بلفظ الثمرة المرة المعروفة.\nوقوله: (حتى كان عشية) بالنصب، أي: حتى كان السير إلى العشية، أي: ممتدًا إليها.\nوقوله: (إني طلعت) بفتح اللام وكسرها لغتان، في (القاموس) (١): طلع الجبل: علاه كطَلِع، بالكسر، وفي (مجمع البحار) (٢): طلع المنبر بفتح لام، أي: أتاه، وبكسرها، أي: علاه، والمصحح في أكثر النسخ بالفتح، وفي بعضها بالكسر.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٨٦).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٤٥٩).","vol":"9","page":498},{"text":"فَإِذَا أَنَا بِهَوَازِنَ عَلَى بَكْرَةِ أَبِيهِمْ ظُعُنِهِمْ وَنَعَمِهِمُ، اجْتَمَعُوا إِلَى حُنَيْنٍ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقَالَ: \"تِلْكَ غَنِيمَةُ المُسْلِمِينَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى\"، ثُمَّ قَالَ: \"مَنْ يَحْرُسُنَا اللَّيْلَةَ؟ \" قَالَ أَنَسُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيُّ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: \"ارْكَبْ\" فَرَكِبَ فَرَسًا لَهُ. قَالَ: \"اسْتَقْبِلْ هَذَا الشِّعْبَ حَتَّى تَكُونَ فِي أَعْلَاهُ\"،\nــ\nوقوله: (على بكرة أبيهم) أي: بأجمعهم، يقال: جاء القوم على بكرة أبيهم، وهذا مثل يريدون به الكثرة وتوفر العدد وأنهم جاؤوا جميعًا لم يختلف منهم أحد، ونقل الطيبي (١) أن أصله أن جمعًا من العرب عرض لهم انزعاج فارتحلوا جميعًا ولم يخلفوا شيئًا حتى إن بكرة كانت لأبيهم أخذوها معهم، فقال من وراءهم: جاؤوا على بكرة أبيهم، فصار ذلك مثلًا، والبكرة بفتح الباء وسكون الكاف: الإبل التي يستقى عليها.\nو(الظعن) بالظاء المعجمة والعين المهملة المضمومتين وقد تسكن العين جمع ظعينة: المرأة ما دامت في الهودج، وقد يطلق على الهودج فيه امرأة أم لا، وعلى الإبل أيضًا، قال في (الصحاح) (٢): ولا يطلق حمول ولا ظعن إلا على الإبل التي عليها الهوادج، ويقال: هذا بعير تظعنه المرأة، أي: تركبه، و(النعم) بفتحتين الإبل والشاة، أو خاص بالإبل، والجمع أنعام وأناعيم.\nوقوله: (أنس بن أبي مرثد) بفتح الميم والثاء المثلثة، و(الغنوي) بفتح الغين المعجمة والنون نسبة إلى غني بن أعصر، و(استقبل) بلفظ الأمر.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١١/ ١٥٧).\n(٢) \"الصحاح\" (٦/ ٢١٥٩).","vol":"9","page":499},{"text":"فَلَمَّا أَصْبَحْنَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى مُصَلَّاهُ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: \"هَلْ حَسِسْتُمْ فَارِسَكُمْ؟ \" فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا حَسِسْنَا، فَثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وهُوَ يُصَلِّي يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ، حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: \"أَبشِرُوا، فَقَدْ جَاءَ فَارِسُكُمْ\"، فَجَعَلْنَا نَنْظُرُ إِلَى خِلَالِ الشَّجَرِ فِي الشِّعْبِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ جَاءَ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: إِنِّي انْطَلَقْتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَى هَذَا الشِّعْبِ، حَيْثُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ طَلَعْتُ الشِّعْبَيْنِ كِلَيْهِمَا، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَلْ نَزَلْتَ اللَّيْلَةَ؟ \" قَالَ: لَا إِلَّا مُصَلِّيًا أَوْ قَاضِيَ حَاجَةٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَلَا عَلَيْكَ أَنْ لَا تَعْمَلَ بَعْدَهَا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٠١].\nــ\nوقوله: (فركع ركعتين) هما سنة الفجر، و(حسستم) بكسر السين الأول.\nوقوله: (فثوب) من التثويب وهو الدعاء للصلاة، والمراد هنا الإقامة، وقد مرّ في (باب الأذان).\nوقوله: (يلتفت إلى الشعب) فيه جواز الالتفات في الصلاة لمصلحة دينه، وهذا من باب تداخل العبادات كما قيل في تجهيز عمر الجيش في الصلاة، و(الخلال) بالكسر جمع خلل: الفرجة بين الشيئين كجبل وجبال.\nوقوله: (هل نزلت الليلة؟) يعني عن فرسك.\nوقوله: (فلا عليك) أي: لا بأس عليك (أن لا تعمل بعدها) يعني من نوافل الخيرات وفضائل الأعمال، فإن فيما عملت كفاية، وهذا مبالغة في تحسين عمله وبشارة له بالمغفرة، وقيل: المراد عمل الجهاد في ذلك اليوم، وهذا أظهر، واللَّه أعلم.","vol":"9","page":500},{"text":"٥٩٣٣ - [٦٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَا: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- بِتَمَرَاتٍ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ فِيهِنَّ بِالْبَرَكَةِ فَضَمَّهُنَّ، ثُمَّ دَعَا لِي فِيهِنَّ بِالْبَرَكَةِ، فَقَالَ: \"خُذْهُنَّ فَاجْعَلْهُنَّ فِي مِزْوَدِكَ، كُلَّمَا أَرَدْتَ أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُ شَيْئًا فَأَدْخِلْ فِيهِ يَدَكَ فَخُذْهُ وَلَا تَنْثُرْهُ نَثْرًا\"،\nــ\n٥٩٣٣ - [٦٦] (أبو هريرة) قوله: (بتمرات) قيل: كانت التمرات إحدى وعشرين.\nوقوله: (ادع اللَّه فيهن بالبركة) لم يقل: ادع اللَّه لي فيهن تأدبًا وقصدًا إلى حصول البركة في نفسهن سواء كانت له أو لغيره، وإن كان مقصوده طلب الدعاء له لنفسه كما يظهر من كلامه -ﷺ-، فافهم.\nوقوله: (أن تأخذ منه) أي: من المزود (شيئًا) من التمر، هذا هو المراد سواء جعل (منه) صلة (تأخذ) أو حالًا من (شيئًا)، وأما قول الطيبي (١): إن جعل (منه) صلة تأخذ و(شيئًا) مفعوله، فيكون نكرة شائعة فلا يختص بالتمر، وإن جعل حالًا من (شيئًا) اختص به، لا يخلو عن بعد إلا أن يقصد كمال الإعجاز بأن يخرج من مزود التمر كل ما أراد من تمر أو غيره من الأشياء، ثم هذا الكلام إنما يصح إذا جعل الضمير في منه للتمر المذكور في ضمن تمرات، والظاهر أنه للمزود، وحينئذٍ يصح شيوع شيء وشموله للتمر وغبره على كلا التقديرين سواء جعله صلة (تأخذ) أو حالًا من (شيئًا)، فلا وجه لهذا الترديد كما لا يخفى.\nوقوله: (ولا تنثره) نثرته نثرًا من باب نصر وضرب: رميت به متفرقًا.\n_________\n(١) انظر: \"شرح الطيبي\" (١١/ ١٥٨).","vol":"9","page":501},{"text":"فَقَدْ حَمَلْتُ مِنْ ذَلِكَ التَّمْرِ كَذَا وَكَذَا مِنْ وَسْقٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَكُنَّا نَأْكُلُ مِنْهُ وَنُطْعِمُ، وَكَانَ لَا يُفَارِقُ حَقْوِي حَتَّى كَانَ يَوْمُ قُتلَ عُثْمَانُ فَإِنَّهُ انْقَطَعَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٣٩].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1278> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٩٣٤ - [٦٧] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ لَيْلَةً بِمَكَّةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا أَصْبَحَ فَأَثْبِتُوهُ بِالْوَثَاقِ، يُرِيدُونَ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ (١) بَعْضُهُمْ: بَلِ اقْتُلُوهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ أَخْرِجُوهُ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ -ﷺ- عَلَى ذَلِكَ، فَبَاتَ عَلِيٌّ عَلَى فِرَاشِ النَّبِيِّ -ﷺ- تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ-. . . . .\nــ\nوقوله: (فقد حملت من ذلك [التمر] كذا وكذا من وسق) أي: أخرجت منه مقدار كذا بدفعات بأن يكون في كل دفعة أقل منه، أو يكون في كل دفعة بهذا المقدار، فافهم، و(الوسق) بسكون السين: ستون صاعًا أو حمل بعير، و(الحقو) بفتح الحاء المهملة وسكون القاف: معقد الإزار، و(يوم قتل) بفتح (يوم) مضافًا إلى الجملة، و(عثمان) مرفوع، أو برفعه مضافًا إلى المصدر ونصب (عثمان).\nالفصل الثالث\n٥٩٣٤ - [٦٧] (ابن عباس) قوله: (فأثبتوه) من الإثبات، و(الوثاق) بفتح الواو ما يشد به، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ الآية [الأنفال: ٣٠].\nوقوله: (خرج النبي -ﷺ-) روي أنه خرج -ﷺ- وقد أخذ اللَّه على أبصارهم، فلم\n_________\n(١) في نسخة: \"وقال\".","vol":"9","page":502},{"text":"حَتَّى لَحِقَ بِالْغَارِ، وَبَاتَ الْمُشْرِكونَ يَحْرُسُونَ عَلِيًّا يَحْسَبُونَهُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَلَمَّا أَصْبَحُوا ثَارُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَوْا عَلِيًّا رَدَّ اللَّهُ مَكْرَهُمْ، فَقَالُوا: أَيْنَ صَاحِبُكَ هَذَا؟ قَالَ: لَا أَدْرِي، فَاقْتَصُّوا أَثَرَهُ، فَلَمَّا بَلَغُوا الْجَبَلَ اخْتَلَطَ عَلَيْهِمْ، فَصَعِدُوا الْجَبَلَ، فَمَرُّوا بِالْغَارِ، فَرَأَوْا عَلَى بَابِهِ نَسْجَ الْعَنْكَبُوتِ،\nــ\nيره أحد منهم، ونثر على رؤوسهم كلهم تربًا كان في يده، وهو يتلو قوله تعالى: ﴿يس﴾ إلى قوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ١ - ٩]، ثم انصرف -ﷺ- حيث أراد، فأتاهم آت ممن لم يكن معهم. فقال: ما تنظرون هنا؟ قالوا: ننظر محمدًا، قال: قد خيبكم اللَّه، واللَّه خرج محمد عليكم، ثم ما ترك منكم رجلًا إلا وضع على رأسه ترابًا، وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ فوضع كل رجل يده على رأسه فإذا عليه تراب، وفي رواية أبي حاتم مما صححه الحاكم من حديث ابن عباس: (فما أصاب رجلًا منهم حصاة إلا قتل يوم بدر كافرا) (١).\nوروي: أنه كانت قريش على بابه -ﷺ-، فخرج متقنعًا بردائه، فقال أبو جهل: هذا محمد يقول: إن اتبعتموني يكون لكم في الدنيا ملك العرب والعجم، وتدخلون الجنة في الآخرة، وإن لم تتبعوني تقتلون في الدنيا على يدي، وتدخلون النار في الآخرة، قال رسول اللَّه -ﷺ-: (نعم أقول ذلك، وأنت من الذين أقتلهم في الدنيا ويدخلون النار في الآخرة)، ثم أخذ كفًّا من تراب. . . الحديث.\nوقوله: (ثاروا عليه) أي: هاجوا ووثبوا.\nوقوله: (فاقتصوا أثره) قص أثره قصًا وقصصًا: تَتَبَّعَهُ.\nوقوله: (اختلط عليهم) أي: اشتبه الأثر عليهم.\n_________\n(١) \"المستدرك\" للحاكم (١/ ٢٦٨).","vol":"9","page":503},{"text":"فَقَالُوا: لَوْ دَخَلَ هَهُنَا لَمْ يَكُنْ نَسْجُ الْعَنْكَبُوتِ عَلَى بَابِهِ، فَمَكَثَ فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ٣٤٨].\n٥٩٣٥ - [٦٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اجْمَعُوا لِي مَنْ كَانَ هَهُنَا مِنَ الْيَهُودِ\"، فَجَمَعُوا لَهُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ عَنهُ؟ \" قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ (١)! فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- \"مَنْ أَبُوكُمْ؟ \" قَالُوا: فُلَانٌ، قَالَ: \"كَذَبْتُمْ،\nــ\n٥٩٣٥ - [٦٨] (أبو هريرة) قوله: (فيها سم) في (القاموس) (٢): السم: الثقب، وهذا القاتل المعروف، ويثلث فيهما.\nوقوله: (فهل أنتم مصدقي؟) هكذا في نسخ (المشكاة) بلفظ اسم الفاعل من التصديق، وأصله مصدقوي كمسلمي، وكان معناه هل تصدقوني أن أرد عليكم وأكذبكم في جوابكم عن سؤالي؟ وفي بعض الأصول: (صادقوني)، وقالوا: يجوز لحوق نون الوقاية في بعض الأسماء المعربة المشابهة للفعل، وفي رواية: (صادقي) بتشديد الياء، وأصله صادقون، وهو الأظهر الأنسب بقولهم: (إن كذبناك)، أي: قلنا لك قولًا كاذبًا.\nوقوله: (عنه) أي: مجيبين عنه.\nوقوله: (من أبوكم؟) كأنه -ﷺ- سألهم عن أبيهم الكبير الذي كأبي القبيلة.\n_________\n(١) في نسخة: \"يا با القاسم\" في المواضع الثلاثة.\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٣٥).","vol":"9","page":504},{"text":"بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ\" قَالُوا: صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ، قَالَ: \"فَهَلْ أَنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ \" قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَذَبْنَاكَ عَرَفْتَ كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا، فَقَالَ لَهُمْ: \"مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟ \" قَالُوا: نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَّا فِيهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اخْسَؤوا فِيهَا، وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا\"، ثُمَّ قَالَ: \"هَلْ أَنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ \"، فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ! قَالَ: \"هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟ \" قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: \"فَمَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ \"، قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا أَنْ نَسْتَرِيحَ مِنْكَ، وَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا لَمْ يَضُرَّكَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤٢٤٩].\n٥٩٣٦ - [٦٩] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ أَخطَبَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا وَصَعِدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَخَطَبَنَا، حَتَّى حَضَرَتِ الظُّهْرُ، فَنَزَلَ فَصَلَّى، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَخَطَبَنَا، حَتَّى الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى، ثم صَعِدَ الْمِنْبَرَ، حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَخْبَرَنَا بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ،\nــ\nوقوله: (بررت) بالكسر، أي: أحسنت.\nوقوله: (قالوا نكون فيها يسيرًا)، كما حكى اللَّه عنهم ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [آل عمران: ٢٤].\nوقوله: (ثم تخلفونا) بتشديد وإدغام نون الإعراب في نون الضمير، وبالتخفيف بحذف إحدى النونين، خاطبوا المسلمين بأنا نخرج من النار وتدخلونها أنتم خلفاء عنا.\nوقوله -ﷺ-: (اخسؤوا فيها) إشارة إلى خلودهم فيها وتلميح إلى قوله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، وهو زجر للكلب.\n٥٩٣٦ - [٦٩] (عمرو بن أخطب) قوله: (فأخبرنا بما هو كائن إلى يوم القيامة)","vol":"9","page":505},{"text":"قَالَ: فَأَعْلَمُنَا أَحَفْظُنَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٩٢].\n٥٩٣٧ - [٧٠] وَعَنْ مَعْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَأَلْتُ مَسْرُوقًا: مَنْ آذَنَ النَّبِيَّ -ﷺ- بِالْجِنِّ لَيْلَةً اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ؟ فَقَالَ حَدَّثَنِي أَبُوكَ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: آذَنَتْ بِهِمْ شَجَرَةٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٤٦، م: ٤٥٠].\n٥٩٣٨ - [٧١] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ عُمَرَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَتَرَاءَيْنَا الْهِلَالَ وَكُنْتُ رَجُلًا حَدِيدَ الْبَصَرِ، فَرَأَيْتُهُ وَلَيْسَ أَحَدٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَآهُ غَيْرِي، فَجَعَلْتُ أَقُولُ لِعُمَرَ: أَمَا تَرَاهُ؟ فَجَعَلَ لَا يَرَاهُ، قَالَ: يَقُولُ عُمَرُ: سَأَرَاهُ وَأَنَا مُسْتَلْقٍ عَلَى فِرَاشِي،\nــ\nففيه إخبار عن الغيوب لا يعد ولا يحصى.\nوقوله: (فأعلمنا) أي: الآن (أحفظنا) بومئذ لتلك الأخبار لاشتمالها على علوم جمة.\n٥٩٣٧ - [٧٠] (معن بن عبد الرحمن) قوله: (وعن معن) بفتح الميم (ابن عبد الرحمن) بن عبد اللَّه بن مسعود.\nوقوله: (من آذن) بمد الهمزة من الإيذان، أي: من أعلم.\n٥٩٣٨ - [٧١] (أنس) قوله: (وليس أحد يزعم أنه رآه غيري) استثناء من (أحد) لا فاعل (رآه)، فافهم.\nوقوله: (وأنا مستلق) حال من ضمير (سأراه) أي: لا حاجة لي إلى رؤيته الآن بتعب، وسأرآه بعد ذلك بزمان أو بيوم من غير تعب.","vol":"9","page":506},{"text":"ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا عَنْ أَهْلِ بَدْرٍ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُرِينَا مَصَارِعَ أَهْلِ بَدْرٍ بِالأَمْسِ، يَقُولُ: \"هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَهَذَا مَصْرعُ فُلَانٍ غَدًا (١) إِنْ شَاءَ اللَّهُ\"، قَالَ عُمَرُ: وَالَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ مَا أَخْطَؤُوا الْحُدُودَ الَّتِي حَدَّهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: فَجُعِلُوا فِي بِئْرٍ، بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: \"يَا فُلَانَ بنَ فُلَانٍ وَيَا فُلَانَ بنَ فُلَانٍ! هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَقًّا؟ فَإِنِّي قَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي اللَّهُ حَقًّا\"، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تُكَلِّمُ أَجْسَادًا لَا أَرْوَاحَ فِيهَا؟ فَقَالَ: \"مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرُدُّوا عَلَيَّ شَيْئًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٧٣].\n٥٩٣٩ - [٧٢] وَعَنْ أُنَيْسَةَ بِنْتِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنْ أَبِيهَا: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- دَخَلَ عَلَى زيدٍ يَعُودُهُ مِنْ مَرَضٍ كَانَ بِهِ، قَالَ: . . . . .\nــ\nوقوله: (ثم أنشأ) أي: شرع عمر، ويحتمل أن يكون الضمير لأنس، أي: شرع يحدثنا ما سمع عن عمر، والضمير في (ما أخطؤوا) لأهل بدر، صحح ما أخطأ في بعض النسخ بصيغة المتكلم، والأول أظهر.\nوقوله: (ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) إيراد هذا الحديث في هذا الباب ربما يشعر بأن سماعهم كان معجزة للرسول -ﷺ- كما قال بعضهم، وقد مرّ الكلام فيه في (كتاب الجهاد) مفصلًا.\n٥٩٣٩ - [٧٢] (أنيسة بنت زيد) قوله: (وعن أنيسة) بلفظ التصغير.\n_________\n(١) سقط في نسخة.","vol":"9","page":507},{"text":"\"لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْ مَرَضِكَ بَأْسٌ، وَلَكِنْ كَيْفَ لَكَ إِذَا عُمِّرْتَ بَعْدِي فَعَمِيتَ؟ \" قَالَ: أَحْتَسِبُ وَأَصْبِرُ. قَالَ: \"إِذًا تَدْخُلِ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ\". قَالَتْ: فَعَمِيَ بَعْدَمَا مَاتَ النَّبِيُّ -ﷺ-، ثُمَّ ردَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ ثُمَّ مَاتَ.\n٥٩٤٠ - [٧٣] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ تَقَوَّلَ عَليَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ\". وَذَلِكَ أَنَّهُ بَعَثَ رَجُلًا، فَكَذَبَ عَلَيْهِ، فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَوُجِدَ مَيِّتًا، وَقَدِ انْشَقَّ بَطْنُهُ، وَلَمْ تَقْبَلْهُ الأَرْضُ. رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي \"دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ\". [دلائل النبوة: ٦/ ٤٧٩، ٦/ ٢٤٥].\n٥٩٤١ - [٧٤] وَعَنْ جَابرٍ أنَّ رسولَ اللَّهِ -ﷺ- جَاءَهُ رَجُلٌ يَسْتَطْعِمُهُ، فَأَطْعَمَهُ شَطْرَ وَسْقِ شَعِيرٍ،\nــ\nوقوله: (قالت) أي: أنيسة، وفي بعض النسخ: قال، أي: الراوي.\nوقوله: (رد اللَّه عليه بصره) لعله كان جزاء صبره واحتسابه أو كرامة له، وكرامة الولي معجزة لنبيه، هذا والظاهر أن المعجزة إخباره -ﷺ- في قوله: (كيف لك إذا عمرت بعدي فعميت؟) فافهم.\n٥٩٤٠ - [٧٣] (أسامة بن زيد) قوله: (من تقول) من باب التفعل، تقوّل قولًا: ابتدعه كذبًا، وهو كقوله في حديث آخر: (من كذب علي متعمدًا) (١).\n٥٩٤١ - [٧٤] (جابر) قوله: (شطر وسق) بسكون السين: ستون صاعًا أو حمل بعير.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (١٢٩١)، ومسلم في \"صحيحه\" (٤).","vol":"9","page":508},{"text":"فَمَا زَالَ الرَّجُلُ يَأْكُلُ مِنْهُ وَامْرَأَتُهُ وَضَيْفُهُمَا حَتَّى كَالَهُ، فَفَنِيَ، فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: \"لَوْ لَمْ تَكِلْهُ لأَكَلْتُمْ مِنْهُ، وَلَقَامَ لَكُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٨١].\n٥٩٤٢ - [٧٥] وَعَنْ عَاصِم بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ: \"خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي جَنَازَةٍ، فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ عَلَى الْقَبْرِ يُوصِي الْحَافِرَ يَقُولُ: \"أَوْسِع منْ قِبَلِ رِجْلَيْهِ، أَوْسِع مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ\" فَلَمَّا رَجَعَ اسْتَقْبَلَهُ دَاعِيَ امْرَأَتِهِ، فَأَجَابَ وَنَحْنُ مَعَهُ، فَجِيءَ بِالطَّعَامِ، فَوَضَعَ يَدَهُ، ثُمَّ وَضَعَ الْقَوْمُ، فَأَكَلُوا، فَنَظَرْنَا إِلَى (١) رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَلُوكُ لُقْمَةً فِي فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: \"أَجِدُ لَحْمَ شَاةٍ أُخِذَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ أَهْلِهَا\"، فَأَرْسَلَتِ الْمَرْأَة تَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَرْسَلْتُ إِلَى النَّقِيعِ -وَهُوَ مَوْضِعٌ يُبَاعُ فِيهِ الْغَنَمُ- لِيُشْتَرَى لِي شَاةٌ،\nــ\nوقوله: (فما زال الرجل يأكل منه) لم يعلم مدة أكله، واللَّه أعلم.\n٥٩٤٢ - [٧٥] (عاصم بن كليب) قوله: (ابن كليب) بالتصغير.\nوقوله: (داعي امرأته) أي: إمرأة الميت، و(اللوك) إدارة الشيء في الفم، كذا في (النهاية) (٢)، وفي (القاموس) (٣): اللوك: إمعان المضغ أو مضغ شيء صلب، لاك الفرس اللجام، و(النقيع) بالنون موضع في سوق المدينة، وهو في صدر وادي العقيق على نحو عشرين ميلًا من المدينة، كذا قيل، ونقل عن الخطابي أنه قال: قد أخطأ من قال بالباء الموحدة.\n_________\n(١) \"إلى\" سقط في نسخة.\n(٢) \"النهاية\" (٤/ ٢٧٨).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٧٧).","vol":"9","page":509},{"text":"فَلَمْ تُوجَدْ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى جَارٍ لِي قَدِ اشْتَرَى شَاةً أَنْ يُرْسِلَ بِهَا إِلَيَّ بِثَمَنِهَا، فَلَمْ يُوجَدْ، فَأَرْسَلْتُ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيَّ بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَطْعِمِي هَذَا الطَّعَامَ الأَسْرَى\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي (دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ). [د: ٣٣٣٢، دلائل النبوة: ٦/ ٣١٠].\n٥٩٤٣ - [٧٦] وَعَنْ حِزَامِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ حُبَيْشِ بْنِ خَالِدٍ -وَهُوَ أَخُو أمِّ مَعْبَدٍ-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ أُخْرِجَ مِنْ مَكَّةَ خَرَجَ مُهَاجِرًا إِلَى الْمَدِينَةِ، هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَمَوْلَى أَبِي بَكْرٍ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَدَلِيلُهُمَا عَبْدُ اللَّهِ اللَّيْثِي مَرُّوا عَلَى خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَدٍ، فَسَأَلُوهَا لَحْمًا وَتَمْرًا لِيَشْتَرُوا مِنْهَا، فَلَمْ يُصِيبُوا عِنْدَهَا شَيْئًا من ذَلِك،\nــ\nوقوله: (فلم يوجد) أي: الجار في بيته (فأرسلت) أي: امرأته بغير إذن زوجها، و(الأسرى) جمع أسير كأسارى، قال الطيبي (١): وكانوا كفارًا، وقال: ولما لم يجدوا صاحب الشاة ليستحلوا [منه] وكان يضيع الطعام ويفسد أَمَرَ بإطعامهم.\n٥٩٤٣ - [٧٦] (حزام بن هشام) قوله: (حزام) بكسر المهملة وبالزاي، و(حبيش) بمهملة فموحدة فتحتية فمعجمة بلفظ التصغير، و(عامر بن فهيرة) بالفاء مصغرًا، أسلم قبل دخول النبي -ﷺ- دار الأرقم.\nوقوله: (مروا على خيمتي أم معبد) الخيمة بفتح الخاء معروف، من خام يخيم: إذا أقام بالمكان، وقال في (القاموس) (٢): الخيمة: ثلاثة أعواد أو أربعة يلقى عليه\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١١/ ١٦٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠١٩).","vol":"9","page":510},{"text":"وَكَانَ الْقَوْمُ مُرْمِلِينَ مُسْنِتِينَ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى شَاةٍ فِي كَسْرِ الْخَيْمَةِ، فَقَالَ: \"مَا هَذِهِ الشَّاةُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ؟ \" قَالَتْ: شاةٌ خَلَّفَهَا الْجُهْدُ عَنِ الْغَنَمِ. قَالَ: \"هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ؟ \" قَالَتْ: هِيَ أَجْهَدُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: \"أَتَأْذَنِينَ لِي أَنْ أَحْلُبَهَا؟ \" قَالَتْ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إِنْ رَأَيْتَ بِهَا حَلَبًا فَاحْلُبْهَا. فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَمَسَحَ بِيَدِهِ ضَرْعَهَا، وَسَمَّى اللَّهَ تَعَالَى، وَدَعَا لَهَا فِي شَاتِهَا، فتفَاجَّتْ عَلَيْهِ،\nــ\nالثُّمام، ويستظل بها في الحر، أو كل بيت يبنى من عيدان الشجر، انتهى. وفي الحديث: (الشهيد في خيمة اللَّه تحت العرش) (١) استعار لظل رحمة اللَّه تعالى ورضوانه وأمنه.\nوقوله: (مرملين) بلفظ اسم الفاعل من أرمل القوم: إذا نفد زادهم.\nوقوله: (مسنتين) أيضًا بلفظ اسم الفاعل، أسنتوا: أجدبوا، والسنت، ككتف: قليل الخير، وأرض سَنِتَةٌ ومسنتة: لم تنبت، وعام سنيت ومسنت: جَدْبٌ، وأصل سنة سنوة، والجمع سنوات، و(الكسر) بالفتح ويكسر: جانب البيت.\nوقوله: (شاة خلفها) بالتشديد، أي: عن المرعى، و(الجهد) بالضم أو الفتح فاعل خلّفها، من جهد المرض فلانًا: هزله، فالجهد هنا بمعنى الهزل.\nوقوله: (أن أحلبها) حلبت الناقة حلبًا من نصر، والحلب، محركة: اللبن المحلوب كحليب.\nوقوله: (ودعا لها في شاتها) الضميران في م معبد.\nوقوله: (فتفاجت) أي: فتحت بين رجليها للحلب.\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي عاصم في \"الجهاد\" (١/ ٣٧١).","vol":"9","page":511},{"text":"وَدَرَّتْ وَاجْتَرَّتْ، فَدَعَا بِإِنَاءٍ يُربِضُ الرَّهْطَ، فَحَلَبَ فِيهِ ثَجًّا حَتَّى عَلَاهُ الْبَهَاءُ، ثُمَّ سَقَاهَا حَتَّى رَوِيتْ وَسَقَى أَصْحَابَهُ حَتَّى رَوُوا، ثُمَّ شَرِبَ آخِرَهُمْ، ثُمَّ حَلَبَ فِيهِ ثَانِيًا بَعْدَ بَدْءٍ حَتَّى مَلأَ الإِنَاءَ، ثُمَّ غَادَرَهُ عِنْدَهَا، وَبَايَعَهَا، وَارْتَحَلُوا عَنْهَا. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\" وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي \"الِاسْتِيعَابِ\" وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ \"الْوَفَاءِ\"، وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ. [شرح السنة: ٣٧٠٤، الاستيعاب: ٤/ ١٩٥٩].\n* * *\nــ\nوقوله: (اجترت) الجرة: ما يجره البعير والشاة من بطنه لتمضغه، من الجر بمعنى الجذب كالاجترار.\nوقوله: (بإناء يربض) بضم الياء من أربض الإناء القوم: أرواهم حتى ثقلوا، أو ناموا ممتدين على الأرض، من ربض بالمكان: أقام ملازمًا له، و(الثج) السيلان، ثج الماء: سال، و(البهاء) وبيص رغوة اللبن، ورغوة اللبن مثلثة: زبده الذي يعلوه عند غليانه.\nوقوله: (ثم سقاها) أي: أم معبد (حتى رويت) بكسر الواو، و(رووا) بضمها.\nوقوله: (ثم شرب) أي: رسول اللَّه -ﷺ-، و(آخرهم) أي: حال كونهم آخرهم.\nوقوله: (ثم غادره) أي: ترك اللبن، غادره وأغدره: تركه وأبقاه.\nوقوله: (وبايعها) أي: على الإسلام.\nوقوله: (وفي الحديث قصة) وهي مذكورة في كتب السير في (باب الهجرة)،","vol":"9","page":512},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1279>٨ - باب الكرامات</span>\nــ\nوذكر في (المواهب اللدنية (١» عن أسماء بنت أبي بكر: ولما خفي علينا أمر رسول اللَّه -ﷺ- أتانا نفر من قريش منهم أبو جهل بن هشام، فخرجت إليهم، فقال: أين أبوك؟ فقلت: واللَّه لا أدري أين أبي، قالت: فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشًا خبيثًا، فلطم خدي لطمة، خرج منها قرطي، ثم انصرفوا، ولما لم يدر أين توجه رسول اللَّه -ﷺ-، أتى رجل من الجن يسمعون صوته ولا يرونه، وهو ينشد هذه الأبيات:\nجزى اللَّه رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد\nهما نزلا بالبر ثم ترحلا ... فأفلح من أمسى رفيق محمد\n٨ - باب الكرامات\nاتفق أهل الحق على جواز وقوع الكرامة عن الأولياء، ودل على وقوعها الكتاب والسنة، وتواترت الأخبار به عن الصحابة ومن بعدهم تواترًا معنويًا بحيث لا يتطرق إلى القدر المشترك بينهما شبهة عند الإنصاف وترك العناد، خصوصًا من بعض أكابر المشايخ الصوفية وساداتهم كسيدنا الشيخ محيي الدين عبد القادر، فإنه -﵁- كان كثير الكرامات بحيث لا تعد ولا تحصى.\nقال بعض المشايخ من أهل زمانه: كانت كراماته كالعقد المنضدة يتبع بعضها بعضًا، كانت تارة تظهر منه وتارة فيه، وكان واحد منا إذا أراد في مجلس واحد أشياء منها لعد، وقال الشيخ الإمام عبد اللَّه اليافعي رحمة اللَّه عليه: كراماته ثابتة بلا شبهة ومعلوم بالاتفاق، وبلغ مبلغ التواتر ما بلغ مثلها من أحد من شيوخ الآفاق.\n_________\n(١) \"المواهب اللدنية\" (١/ ٣٠٠، ٣٠١).","vol":"9","page":513},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1280> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٩٤٤ - [١] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَعَبَّادَ بْنَ بِشْرٍ تَحَدَّثَا عِنْدِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي حَاجَةٍ لَهُمَا، حَتَّى ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ سَاعَةٌ فِي لَيْلَةٍ شَدِيدَةِ الظُّلْمَةِ، ثُمَّ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَنْقَلِبَانِ، وَبِيَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُصَيَّةٌ، فَأَضَاءَتْ عَصَا أَحَدِهِمَا لَهُمَا حَتَّى مَشَيَا فِي ضَوْئِهَا، حَتَّى إِذَا افْتَرَقَتْ بِهِمَا الطَّرِيقُ أَضَاءَتْ لِلآخَرِ عَصَاهُ، فَمَشَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي ضَوْءِ عَصَاهُ حَتَّى بَلَغَ أَهْلَهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٨٠٥].\nــ\nوقد ذهب جماعة من المعتزلة ومن نحا نحوهم إلى إنكار الكرامة، وذهب بعضهم إلى أنه لا تصدر الكرامة من الولي قصدًا واختيارًا، وإنما تظهر من غير قصد واختيار وهذا باطل، وقيل: إن الكرامة لا تكون من جنس المعجزة كتكثير الطعام القليل، ونبع الماء من الأصابع ونحوهما، والحق جواز وقوعها قصدًا واختيارًا ومن جنس المعجزات وغيرها، وتمام الكلام في إثبات الكرامة بالدلائل، ورفع شبهة المخالفين مذكور في كتب الكلام، ولا حاجة إلى البيان بعد العيان، وباللَّه التوفيق.\nالفصل الأول\n٥٩٤٤ - [١] (أنس) قوله: (أن أسيد بن حضير) كلاهما بلفظ التصغير، و(عباد) بفتح العين وتشديد الباء (ابن بشر) بكسر الباء.\nوقوله: (ينقلبان) أي: ينصرفان إلى بيتهما، و(عصية) تصغير عصا.\nوقوله: (فأضاءت عصا أحدهما) وفي رواية للبخاري في (كتاب الصلاة) (١): خرجا من عند النبي -ﷺ- في ليلة مظلمة ومعهما مثل المصباحين يضيئان، فلما افترقا\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٣٨٠٥).","vol":"9","page":514},{"text":"٥٩٤٥ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا حَضَرَ أحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ، فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَإِنَّ عَلَيَّ دَينًا فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا، فَأَصْبَحْنَا فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدَفَنْتُهُ مَعَ آخَرَ فِي قَبْرٍ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٣٥١].\n٥٩٤٦ - [٣] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: إِنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فَقُرَاءَ، وَإِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ أَوْ سَادِسٍ\". . . . .\nــ\nصار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله.\n٥٩٤٥ - [٢] (جابر) قوله: (لما حضر أحد) بضمتين موضع غزوة مشهورة.\nوقوله: (ما أراني) بضم الهمزة.\nوقوله: (واستوص بأخواتك) أي: اقبل وصيتي فيهن، قيل: كان لجابر تسع أخوات.\nوقوله: (مع آخر) أي: مع رجل آخر وهو عمرو بن الجموح، وكان صديق والد جابر وزوج أخته، كذا قال الشيخ (١)، وقد كان حكم رسول اللَّه -ﷺ- في قتلى أحد أن يدفن بعض مع بعض في قبر واحد ويقدم مدق كان أكثر قرآنًا.\n٥٩٤٦ - [٣] (عبد الرحمن بن أبي بكر) قوله: (إن أصحاب الصفة) الصفة: موضع مظلل من المسجد، وهم يبيتون فيها، كانوا أضياف الإسلام متوكلين على اللَّه، لا مسكن لهم، ولا مال، ولا ولد، وكانوا سبعين، ويقلون حينًا ويكثرون حينًا.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٣/ ٢١٦).","vol":"9","page":515},{"text":"وإنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَة، وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِعَشَرَةٍ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تعَشَّى عِنْد النَّبِيِّ -ﷺ-، ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صُلِّيَتِ الْعِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ -ﷺ-، فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ. قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ؟ قَالَ: أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ، فَغَضِبَ وَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، فَحَلَفَتِ الْمَرْأَة أَنْ لَا تَطْعَمَهُ، وَحَلَفَ الأَضْيَافُ أَنْ لَا يَطْعَمُوهُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَانَ هَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ، فَدَعَا بِالطَّعَامِ، فَأَكَلَ وَأَكَلوُا،\nــ\nوقوله: (وإن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق النبي -ﷺ- بعشرة) قال الشيخ (١) عبر عن أبي بكر بلفظ المجيء لبعد منزله من المسجد، وعبر عن النبي -ﷺ- بالانطلاف لقربه.\nوقوله: (ثم رجع) أي: إلى بيته -ﷺ-، وهذا تكرار لما تقدم من قوله: (تعشى عند النبي -ﷺ-)، وفي رواية: ثم ركع بدل (رجع)، أي: صلى النافلة، كذا في الحواشي، وقال الكرماني (٢): إن قلت: هذا يشعر بأن التعشي عند النبي -ﷺ- كان بعد الرجوع إليه، وما تقدم أشعر بأنه كان قبله؟ قلت (٣): الأول بيان حال أبي بكر في عدم احتياجه عند أهله، والثاني هو سوق القصة على الترتيب الواقع، أو الأول كان تعشِّي أبي بكر -﵁-، والثاني تعشي رسول اللَّه -ﷺ-، فافهم.\nوقوله: (فدعا بالطعام فأكل) وإنما أكل -﵁- مع حلفه أن لا يأكل لحديث:\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١/ ٥٩٥).\n(٢) \"شرح الكرماني\" (٤/ ٢٣٨).\n(٣) أي: الكرماني.","vol":"9","page":516},{"text":"فَجَعَلُوا لَا يَرْفَعُونَ لُقْمَةً إِلَّا رَبَتْ مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا. فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ! مَا هَذَا؟ قَالَتْ: وَقُرَّةِ عَيْنِي إِنَّهَا الآنَ لأَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مِرَارٍ، فَأَكَلُوا، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَذُكِرَ أَنَّهُ أَكَلَ مِنْهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦١٤١، م: ٢٠٥٧].\nوَذُكِرَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ فِي \"الْمُعْجِزَاتِ\".\nــ\n(من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه)، أو كان مراده لا أطعمه معكم، أو في هذه الساعة، أو عن الغضب، وكذا الكلام في حلف الأضياف أيضًا.\nوقوله: (إلا ربت) أي: زادت وارتفعت من أسفل.\nوقوله: (يا أخت بني فراس) بكسر الفاء وتخفيف الراء، وهي كانت أم عائشة وعبد الرحمن، كنيتها أم رومان، من بني فراس بن سليم بن مالك بن نضر بن كنانة.\nوقوله: (وقرة عيني) بالجر والواو للقسم، وبالنصب منادى حذف حرف ندائه، وقرة العين يعبر بها عن المسرة ورؤية ما يحبه الإنسان، إما من القرار؛ لأن العين تقر وتسكن برؤية المحبوب، ولا تلتفت إلى شيء آخر، وإما من القر بالضم بمعنى البرد، والعين تبرد بالنظر إلى الحبيب، ولذلك يقال للولد: قرة العين، أرادت بقرة عينها الصديقَ لمحبتها إياه ولما ظهر من الكرامة منه، وقيل: أرادت بقرة عينها النبي -ﷺ-.","vol":"9","page":517},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1281> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٩٤٧ - [٤] عَنْ عَائِشَة قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يُرَى عَلَى قَبْرِهِ نُورٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٥٢٣].\n٥٩٤٨ - [٥] وَعَنْهَا قَالَتْ: لَمَّا أَرَادُوا غُسْلَ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالُوا: لَا نَدْرِي أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- منْ ثِيَابِهِ كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ نَغْسِلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ؟ فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَلْقَى اللَّهُ عَلَيْهِمُ النَّوْمَ حَتَّى مَا مِنْهُمْ رَجُل إِلَّا وَذَقَنُهُ فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ كلَّمَهُمْ مُكَلِّمٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ؟ اغْسِلُوا النَّبِيَّ -ﷺ- وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ، فَقَامُوا فَغَسَلُوهُ وَعَلَيْهِ قَمِيصُهُ، يَصُبُّونَ الْمَاءَ فَوْقَ الْقَمِيصِ وَيَدْلُكُونَهُ بِالْقَمِيصِ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ\". [دلائل النبوة: ٧/ ٢٤٢].\n٥٩٤٩ - [٦] وَعَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّ سَفِينَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَخْطَأَ الْجَيْشَ بِأَرْضِ الرُّومِ أَوْ أُسِرَ،\nــ\nالفصل الثاني\n٥٩٤٧ - [٤] (عائشة) قوله: (يرى على قبره نور) الظاهر أن المراد نور محسوس مثل نور الشمعة أو الشمس أو القمر، ويحتمل أن يكون عبارة عن ضياء وبَهَاءٍ يدركه الناس بقلوبهم، واللَّه أعلم.\n٥٩٤٨ - [٥] (وعنها) قوله: (فغسلوه وعليه قميصه) ونقل عن النووي أنه قال: الصواب أن الثوب الذي غسل فيه نزع عنه عند تكفينه، وما روي أنه لم ينزع فضعيف، لا يصح الاحتجاج به.\n٥٩٤٩ - [٦] (ابن المنكدر) قوله: (أخطأ الجيش) أي: ضل الطريق فلم يهتد","vol":"9","page":518},{"text":"فَانْطَلَقَ هَارِبًا يَلْتَمِسُ الْجَيْشَ، فَإِذَا هُوَ بِالأَسَدِ. فَقَالَ: يَا بَا الْحَارِثِ! أَنَا مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، كَانَ مِنْ أَمْرِي كَيْتَ وَكَيْتَ، فَأَقْبَلَ الأَسَدُ، لَهُ بَصْبَصَةٌ حَتَّى قَامَ إِلَى جَنْبِهِ، كُلَّمَا سَمِعَ صَوْتًا أَهْوَى إِلَيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ يَمْشِي إِلَى جَنْبِهِ حَتَّى بَلَغَ الْجَيْشَ، ثُمَّ رَجَعَ الأَسَدُ. رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [شرح السنة: ٣٧٣٢].\n٥٩٥٠ - [٧] وَعَنْ أَبِي الْجَوْزَاءِ قَالَ: قُحِطَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ قَحْطًا شَدِيدًا، فَشَكَوْا إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَتْ: انْظُرُوا قَبْرَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَاجْعَلُوا مِنْهُ كُوًى إِلَى السَّمَاءِ، حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ سَقْفٌ، فَفَعَلُوا، فَمُطِرُوا مَطَرًا حَتَّى نَبَتَ الْعُشْبُ، وَسَمِنَتِ الإِبِلُ،\nــ\nإلى الجيش سبيلًا، و(أبو الحارث) كنية الأسد.\nوقوله: (له بصبصة) بصبص الكلب: حرك ذنبه، يفعل ذلك تملقًا وتذللًا إلى صاحبه، و(أهوى إليه) أي: قصده، من أهوى إليه: مد يده إليه ليأخذه، ويقال: أهوت يدي إليه: امتدت وارتفعت.\n٥٩٥٠ - [٧] (أبو الجوزاء) قوله: (كوى) جمع كوة بفتح الكاف ويضم وتخفيف الواو [وقد يضم الكاف] في المفرد والجمع، وهي ثقب البيت، قال في (القاموس) (١): الكَوَّةُ والكَوُّ: الخَرْقُ فِي الحائط، أو التذكير للكبير، والتأنيث للصغير.\nوقوله: (حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف) أي: ارفعوا الحجاب بين قبره وبين السماء، قيل: السبب في ذلك أن السماء لما رأت قبره -ﷺ- بكت، وسال الوادي من بكائها؛ لقوله: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ﴾ [الدخان: ٢٩]، والصحيح أنه استشفاع\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٢٠).","vol":"9","page":519},{"text":"حَتَّى تَفتَّقَتْ مِنَ الشَّحْمِ، فَسُمِّيَ عَامَ الْفَتْقِ، رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٢٢٧].\n٥٩٥١ - [٨] وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: لَمَّا كَانَ أَيَّامُ الْحَرَّةِ لَمْ يُؤَذَّنْ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ -ﷺ- ثَلَاثًا وَلَمْ يُقَمْ، وَلَمْ يَبْرَحْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ الْمَسْجِدَ، وَكَانَ لَا يَعْرِفُ وَقْتَ الصَّلَاةِ إِلَّا بِهَمْهَمَةٍ يَسْمَعُهَا مِنْ قَبْرِ النَّبِيِّ -ﷺ-. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ٢٢٧].\n٥٩٥٢ - [٩] وَعَنْ أَبِي خَلْدَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْعَالِيَةِ: . . . . .\nــ\nبقبره -ﷺ-؛ لأنهم كانوا يستسقون برسول اللَّه -ﷺ- في حياته فيمطرون، فأمرت -﵂- أن يكشف قبره فتمطر السماء كأنهم استسقوا بقبره بعده، وهو في الحقيقة استشفاع به -ﷺ-، وكشف القبر مبالغة في ذلك، فهذا الاستشفاع وقبوله وظهور أثره كرامة من أم المؤمنين، وهي في الحقيقة معجزة للنبي -ﷺ-.\nوقوله: (تفتقت) أي: انشقت الإبل، من فتقه: شقه، كناية عن غاية السمن، أي: صارت كأنها تتفتق.\n٥٩٥١ - [٨] (سعيد بن عبد العزيز) قوله: (لما كان أيام الحرة) بفتح المهملة وتشديد الراء: أرض فيه حجارة وهي في ظاهر المدينة، وهي بين الحرتين، وكانت وقعة الحرة في زمن يزيد بن معاوية، بعث جيشًا إليها لينهبوها ويقتلوها أهلها انتقامًا من قتل عثمان -﵁-، فكان ما كان، وهي مذكورة في (تاريخ المدينة)، قالوا: ربطوا الخيل في مسجد النبي -ﷺ-، ولم يحضره أحد من أهلها إلا سعيد بن المسيب، فلم يفارقه، وكان يسمع صوت الأذان من قبره -ﷺ-، و(الهمهمة) كلام خفي لا يفهم، وقيل: ترديد الصوت في الصدر.\n٥٩٥٢ - [٩] (أبو خلدة) قوله: (أبي خلدة) بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام.","vol":"9","page":520},{"text":"سَمِعَ أَنَسٌ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ-؟ قَالَ: خَدَمَهُ عَشْرَ سِنِينَ، وَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-، وَكَانَ لَهُ بُسْتَانٌ يَحْمِلُ فِي كُلِّ سَنَةٍ الْفَاكِهَةَ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَ فِيهَا رَيْحَانٌ يَجِيءُ مِنْهُ رِيحُ الْمِسْكِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٨٣٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1282> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٩٥٣ - [١٠] عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَاصَمَتْهُ أَرْوَى بِنْتُ أَوْسٍ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَادَّعَتْ أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِهَا، فَقَالَ سَعِيدٌ: . . . . .\nــ\nوقوله: (سمع أنس) بحذف حرف الاستفهام.\nوقوله: (ودعا له النبي -ﷺ-) بالبركة في العمر والأولاد والأموال، فتجاوز عمره مئة سنة، وبلغ أولاده الصلبي مئة نفس، ثلاث وسبعون منها ذكور، وسبعة وعشرون إناث. وأما البركة في الأموال فما ذكر في هذا الحديث، صريح في كونه خارقًا للعادة وكل ذلك كرامة لأنس -﵁-.\nالفصل الثالث\n٥٩٥٣ - [١٠] (عروة بن الزبير) قوله: (أنّ سعيد بن زيد) وهو أحد العشرة المبشرة آخرهم عدّا زوج أخت عمر بن الخطاب -﵄-، وكان مستجاب الدعوات، و(أروى) بهمزة مفتوحة وراء ساكنة وواو مقصور و(أوس) بفتح الهمزة وسكون الواو، وهكذا فيما رأينا من نسخ (المشكاة)، وفي (جامع الأصول) (١): بنت أبي أويس مصغرًا، وكذا في (أسد الغابة) و(المواهب اللدنية) وغيرها.\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (١٢/ ١٩١).","vol":"9","page":521},{"text":"أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئًا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: وَمَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا طُوِّقَهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ\". فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لَا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا، فَقَالَ سَعِيدٌ: اللهُمَّ إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَأَعْم بَصَرَهَا وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا، قَالَ: فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، وَبَيْنَمَا هِيَ تَمْشِي فِي أَرْضِهَا إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٣٢٠، م: ٣٣٣٢].\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِمَعْنَاهُ، وَأَنَّهُ رَآهَا عَمْيَاءَ تَلْتَمِسُ الْجُدُرَ، تَقُولُ: أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعِيدٍ، وَأَنَّهَا مَرَّتْ عَلَى بِئْرٍ فِي الدَّارِ الَّتِي خَاصَمَتْهُ فِيهَا فَوَقَعَتْ فِيهَا، فَكَانَتْ قَبْرَهَا.\nــ\nوقوله: (أنا كنت آخذ) بلفظ المتكلم قاله إنكارًا على نفسه.\nقوله: (طوقه) بلفظ المجهول من التفعيل، وفي بعض النسخ: (طوقه اللَّه).\nوقوله: (لا أسألك بينة) كأنه أقام البينة مقام اليمين مشاكلة لكونها مذكورة تقديرًا؛ لأنه كان قد سأل أروى بينة على دعواها، فافهم، ويحتمل أن يكون بحذف الصلة والتقدير: لا أسأل عليك بينة.\nوقوله: (فقال سعيد) وترك لها ما ادعتها.\nوقوله: (فأعم) أمر من الإعماء.\nوقوله: (في أرضها) أي: هذه الأرض التي ادعتها كاذبة، وفي رواية: واجعل قبرها في دارها.\nوقوله: (فكانت) أي: البئر، يعني لم يجعل لها قبر على حدة.","vol":"9","page":522},{"text":"٥٩٥٤ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ جَيْشًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا يُدْعَى سَارِيَةَ، فَبَيْنَمَا عُمَرُ يَخْطُبُ فَجَعَلَ يَصِيحُ: يَا سَارِيَ! الْجَبَلَ، فَقَدِمَ رَسُولٌ مِنَ الْجَيْشِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! لَقِيَنَا عَدُوُّنَا فَهَزَمُونَا، فَإِذَا بِصَائِحٍ يَصِيحُ: يَا سَارِيَ! الْجَبَلَ. فَأَسْنَدْنَا ظُهُورَنَا إِلَى الْجَبَلِ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"دَلَائِل النُّبُوَّة\". [دلائل النبوة: ٦/ ٣٧٠].\n٥٩٥٥ - [١٢] وَعَنْ نُبَيْهَةَ بْنِ وَهْبٍ: أَنَّ كَعْبًا دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، فَذَكَرُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ كَعْبٌ: مَا مِنْ يَوْمٍ يَطْلُعُ إِلَّا نزَلَ سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى يَحُفُّوا بِقَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَضْرِبُونَ بِأَجْنِحَتِهِمْ، وَيُصَلُّونَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، حَتَّى إِذَا أَمْسَوْا عَرَجُوا وَهَبَطَ مِثْلُهُمْ فَصَنَعُوا مِثْلَ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا انْشَقَّتْ عَنْهُ الأَرْضُ خَرَجَ فِي سَبْعِينَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ. . . . .\nــ\n٥٩٥٤ - [١١] (ابن عمر) قوله: (يا ساري!) بفتح الياء ترخيم سارية، وفي بعض النسخ: (يا سارية) من غير ترخيم.\nوقوله: (الجبل) منصوب، أي: اجعل الجبل في ظهرك، وفي بعض الروايات: (الجبل الجبل)، و(عدونا) مرفوع فاعل (لقي)، وصحح في بعض النسخ بالنصب.\n٥٩٥٥ - [١٢] (نبيهة بن وهب) قوله: (وعن نبيهة) بضم النون وفتح الموحدة وسكون التحتية آخره تاء، وقيل: صوابه: نبيه بلا تاء.\nوقوله: (إلا نزل سبعون ألفًا من الملائكة) كان كعبًا شاهد الملائكة حتى يكون ذلك له كرامة وإلا إن كان ذلك بالسماع فلا كرامة.","vol":"9","page":523},{"text":"يَزُفُّونَهُ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٢٢٨].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1283>٩ - باب</span>\nــ\nوقوله: (يزفونه) روي بكسر الزاي من ضرب، زف: أسرع في مشيته، وزف البعير: أسرع، كقوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ [الصافات: ٩٤]، ففيه حذف وإيصال، أي: يسرعون به، وبضمها من نصر، من زف العروس إلى زوجها زفًّا وزفافًا: أهداها إليه، وفيه استعارة لطيفة، والمراد إهداء المحبوب إلى حبيبه.\n٩ - باب\nهكذا في أكثر النسخ، وفي بعضها: (باب وفاة النبي -ﷺ-)، وهذا أنسب؛ لأن عادة المؤلف أن يضع بابًا مطلقًا فيما يكون من متممات ولواحق لما تقدم من الباب، وهنا ليس كذلك، وقد ذكر في هذا الباب أحاديث متعلقة بوفاته -ﷺ- فناسب ترجمته به، ونحن نريد أن نذكر شيئًا من ابتداء مرضه وامتداده ووفاته على ما التزمنا في هذا الشرح من ذكر ما يتعلق بالأبواب.\nفاعلم أنه ابتدأ به -ﷺ- صداع في أواخر صفر، قيل: لليلتين بقيتا منه يوم الأربعاء، وقيل: لليلة، وقيل: بل في مفتح ربيع الأول، وفي (الوفاء) (١): مَرِض في صفر لعشر بقين منه، وتوفي -ﷺ- لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، وقد جزم سليمان التيمي وهو أحد الثقات بأن ابتداء مرضه يوم السبت الثاني والعشرين من صفر، ومات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"وفاء الوفا\" (١/ ٢٤٥).","vol":"9","page":524},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقد يرجح هذا القول بما صح من موت فاطمة الزهراء -﵂- في ثالث رمضان مع ما ثبت من حياتها -﵂- بعده -ﷺ- ستة أشهر، وقد استأذن -ﷺ- نساءه في تمريضه ببيت عائشة -﵂- فأذِنّ له، ثم اشتد وجعه جعل يشتكي وينقلب على فراشه، وروي أنه لا تكاد تقر يدٌ عليه من شدة الحمى، فقال: (ليس أحد أشد بلاء من الأنبياء، كما يشتد علينا البلاء كذلك يضاعف لنا الأجر)، فكانت مدة علته اثني عشر يومًا. وقيل: ثمانية عشر يومًا كما عرف من الاختلاف في ابتداء مرضه، وقد أعتق في مرضه أربعين نفسًا.\nوكان يصلي بالناس في مدة مرضه، وإنما انقطع ثلاثة أيام، وقيل: سبع عشرة صلاة، وقال فيها: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، وخرج يومًا إلى المسجد وصلى وقال: (يا معشر المسلمين! أنتم في وداع اللَّه وكنفه، واللَّه خليفتي، عليكم بتقوى اللَّه وحفظ طاعته، فإني مفارق للدنيا)، والروايات متعاضدة على أن الإمام كان أبا بكر.\nوروي عن ابن عباس -﵄- أنه قال: لم يصل النبي -ﷺ- خلف أحد من أمته إلا خلف أبي بكر وصلى خلف عبد الرحمن بن عوف في سفر ركعة واحدة.\nومما وقع في مرضه أنه اشتد وجعه يوم الخميس، فأراد أن تكتب كتابًا، فقال لعبد الرحمن بن أبي بكر: (ائتني بكتف أو لوح اكتب لأبي بكر كتابًا لا يختلف فيه)، فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم قال: (أبى اللَّه والمؤمنون أن يختلف عليك يا أبا بكر).\nوروي أن عباسًا -﵄- قال لعلي -﵁-: أنت بعد ثلاث عبد العصا، ثم خلا به فقال: إني يخيل لي أني أعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، وإني خائف أن لا يقوم رسول اللَّه -ﷺ- من وجعه، فاذهب بنا إليه فلنسألنه، فإن يك هذا الأمر إلينا فعلمنا ذلك، وإن لم يكن إلينا أمرناه أن يستوصي بنا خيرًا، فقال له علي: أرأيت إذا","vol":"9","page":525},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nجئناه فلم يعطناها؟ أترى الناس يعطوناها؟ واللَّه لا أسألها إياه أبدًا (١).\nومما وقع في موضه أنه كان له سبعة دنانير فما توفي حتى أنفقها، ومما وقع في موضه استعمال السواك قبل موته، وعن أنس -﵁-: كان عامة وصية رسول اللَّه -ﷺ- عند الموت الصلاة وما ملكت أيمانكم حتى جعل رسول اللَّه -ﷺ- يتغرغر بها في صدره ولا يفيض بها لسانه.\nوفي (حياة الحيوان) (٢) للدميري عن الواقدي عن شيوخه أنهم قالوا: لما وقع الشك في موت النبي -ﷺ- وضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه فقالت: توفي رسول اللَّه -ﷺ- قد رفع الخاتم بين كتفيه، فكان هذا الذي عرف به موت رسول اللَّه -ﷺ-، ورُوي عن أم سلمة: وضعت يدي على صدر رسول اللَّه -ﷺ- يوم مات فمر بي جمع آكل الطعام وأتوضأ، ما تذهب ريح المسك من يدي، و(في شواهد النبوة) (٣): سئل علي -﵁-[عن] سبب فهمه وحفظه قال: لما غسلت النبي -ﷺ- اجتمع ماء على جفونه فرفعته بلساني واذدرته، فأرى قوة حفظي منه (٤).\nوكفن -ﷺ- في ثلاثة أثواب بيض سحولية -بلدة من اليمن- من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة، واختلفت الروايات في كفنه -ﷺ-، وحديث عائشة هذا أصح لكنهم اختلفوا في تفسير قولها: ليس فيها قميص ولا عمامة، فقيل: معناه أنه كفن\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في \"دلائل النبوة\" (٧/ ٢٢٥)، والبخاري في \"صحيحه\" (٦٢٦٦) نحوه.\n(٢) \"حياة الحيوان الكبرى\" (١/ ٣٢٤).\n(٣) كتاب مخطوط في شمائل النبي -ﷺ- باللغة الفارسية، للشيخ نور الدين عبد الرحمن الجامي (ت ٨٩٨)، وهو موجود في المكتبة المحمودية، بالمدينة المنورة.\n(٤) انظر: \"تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس\" (٢/ ١٧١).","vol":"9","page":526},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفي ثلاثة أثواب خارج عن القميص والعمامة، والصحيح أن معناه ليس في الكفن قميص ولا عمامة أصلًا، قال النووي (١): وبه قال جمهور العلماء، ولم يثبت أنه -ﷺ- كفن في قميص وعمامة، وعلى التأويل الأول بكون خمسة، وذكر الحنابلة أنه مكروه، وقال الشافعية: جائز غير مستحب، وقال المالكية: إنه مستحب للرجال والنساء، وهو في حق النساء آكد، وجاء في رواية: أنه -ﷺ- كفن في سبعة أثواب، وذكر ابن حزم أنه وهم، وقيل: الزيادة إلى سبعة غير مكروهة، وما زاد عليها سرف. وعند الحنفية: الأثواب الثلاثة: إزاره وقميصه ولفافه.\nوصلوا عليه -ﷺ- فرادى لا يؤمهم أحد، قال ابن الماجشون: صُليّ عليه اثنين وسبعين صلاة، وقد كان شقران حين وضع رسول اللَّه -ﷺ- في قبره أخذ قطيفة نجرانية حمراء أصابها يوم خيبر، وكان رسول اللَّه -ﷺ- يلبسها ويفرشها، فطرحها تحته فدفنها معه في قبره، فقال: واللَّه لا يلبسها أحد بعدك، وبنى في قبره اللبن، يقال: تسع لبنات، قيل: فلما فرغوا عن وضع اللبنات أخرجوا القطيفة.\nقال النووي (٢): وقد نص الشافعي وأصحابه وغيرهم من العلماء على كراهة وضع قطيفة أو نحو ذلك تحت الميت في القبر.\nوجعل قبره مسطوحًا، ورش الماء على قبره، وعن سفيان التمار: أنه رآه مسنمًا، أي: مرتفعًا، وتسنيم القبر مستحب وهو قول أبي حنيفة ومالك وأحمد والمزني وكثير من الشافعية، وبعض قدماء الشافعية استحبوا التسطيح، ونقل أهل السير عن\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٧/ ٨).\n(٢) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٧/ ٣٤).","vol":"9","page":527},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1284> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٩٥٦ - [١] عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلَا يُقْرِآنِنَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ جَاءَ عَمَّارٌ وَبِلَالٌ وَسَعْدٌ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرْحَهُمْ بِهِ، حَتَّى رَأَيْتُ الْوَلَائِدَ وَالصِّبْيَانَ يَقُولُونَ: . . . . .\nــ\nسعيد بن المسيب قال: بقي في البيت موضع قبر يدفن فيه عيسى ابن مريم ﵉، وقبض رسول اللَّه -ﷺ- يوم الاثنين ودفن ليلة الأربعاء، وقيل: دفن يوم الثلاثاء حين زاغت الشمس، وقيل: صُلّي عليه يوم الأربعاء ثم دفن، والأول أصح، وقد ندبه ورَثَاه أهل بيته وأصحابه، وقد ذكرنا منه ومن باقي أحوال مرضه وموته ودفنه ونحوها في رسالة لنا مسماة بـ (ما ثبت في السنة) من أحكام السنة وما ذكرنا يكفي ههنا، وباللَّه التوفيق.\nالفصل الأول\n٥٩٥٦ - [١] (البراء) قوله: (أول من قدم علينا) أي: جاء من مكة إلى المدينة مهاجرًا، وقد كان رسول اللَّه -ﷺ- قدم بعض أصحابه إليها قبل أن يهاجر بنفسه الكريمة إجابة لسؤال بعض الأنصار، ذلك منه ليعلمهم القرآن والأحكام ولمصالح أخرى رآها في ذلك، و(مصعب) بضم الميم وسكون المهملة وفتح العين (ابن عمير) بلفظ التصغير.\nوقوله: (يقرآننا) من الإقراء أي: يعلماننا، و(الولائد) جمع وليدة، وهي الجارية الصغيرة، فعيل بمعنى مفعول، وقد يطلق على الأمة وإن كانت كبيرة كالفتاة.","vol":"9","page":528},{"text":"هَذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ جَاءَ، فَمَا جَاءَ حَتَّى قرأتُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] فِي سُوَرٍ مِثْلِهَا مِنَ الْمُفَصَّلِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٩٤١].\n٥٩٥٧ - [٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: \"إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يؤّتيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ\". . . . .\nــ\nوقوله: (حتى قرأت) أي: تعلمت.\nوقوله: (في سور مثلها) أي: في جملة سور مثلها في المقدار، هذا وقال الشيخ (١): هذا يدل على أن ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ نزلت بمكة، ويشكل عليه أن قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥] نزلت في زكاة الفطر، ووجوب صلاة العيد في السنة الثانية من الهجرة، وقيل: ويحتمل أن تكون السورة مكية إلا هاتين الآيتين، والأصح أنها كلها مكية، واللَّه أعلم.\nوأقول: كون هذه السورة مكية إنما هو على قول الجمهور، وقيل: إنها مدنية، كذا قال الحلبي في (حاشية تفسير القاضي)، وحمل قوله: (تزكى) على أداء الزكاة إنما هو على أحد التفاسير، وقد فسر بالتطهر من الكفر والمعصية، وبالتكثر من التقوى من الزكاء، وبالتطهر للصلاة.\nوقال الحلبي: وعلى تقدير كون السورة مكية وكون المراد من قوله: (تزكى) و(صلى): زكاة الفطر وصلاة العيد يمكن أن يقال: لما كان في علم اللَّه تعالى أن ذلك سيكون أثنى على من فعله، وفيه الإخبار على الغيب.\n٥٩٥٧ - [٢] (أبو سعيد الخدري) قوله: (جلس على المنبر) وكان ذلك في\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٧/ ٢٦٢).","vol":"9","page":529},{"text":"فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ قَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا فَعَجِبْنَا لَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخ يُخْبِرُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، وَهُوَ يَقُولُ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- هوَ الْمُخَيَّرُ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أعْلَمَنَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٩٠٤، م: ٢٣٨٢].\n٥٩٥٨ - [٣] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِ سنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ، ثُمَّ طَلَعَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: \"إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ، وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ،\nــ\nمرضه، وقد جاء مصرحًا في رواية، وفي أخرى: كان ذلك قبل أن يتوفى بخمس ليال.\n٥٩٥٨ - [٣] (عقبة بن عامر) قوله: (صلى رسول اللَّه -ﷺ-) أي: صلاة الجنازة وهو الظاهر، وهذا يؤيد مذهبنا، وقال الشافعي: المراد بالصلاة الدعاء والاستغفار، وليس على الشهيد صلاة الجنازة عنده.\nوقوله: (بعد ثمان سنين) أي: من دفنهم.\nوقوله: (كالمودّع للأحياء والأموات) توديعه للأحياء ظاهر، وأما توديعه للأموات فلانقطاع دعائه واستغفاره لهم، و(الفرط) بالتحريك: المتقدم إلى الماء، من فرط فروطًا بالضم: سبق وتقدم، كذا في (القاموس) (١)، وفي (الصحاح) (٢): هو فعل بمعنى فاعل، مثل تبع بمعنى تابع، يقال: رجل فرط، وقوم فرط، يستوي\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٦٢٧).\n(٢) \"الصحاح\" (٣/ ١١٤٨).","vol":"9","page":530},{"text":"وَإِنَّ مَوْعِدكُمُ الْحَوْضُ، وَإِنِّي لأَنْظُرُ إِلَيْهِ وَأَنَا فِي مَقَامِي هَذَا، وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الأَرْضِ، وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُم الدُّنْيَا أَنْ تُنَافِسُوا فِيهَا\". وَزَادَ بَعْضُهُمْ: \"فَتَقْتَتِلُوا فَتَهْلِكُوا كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠٤٢، م: ٢٢٩٦].\n٥٩٥٩ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تُوِفِّيَ فِي بَيْتِي، وَفِي يَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَإِنَّ اللَّهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، دَخَلَ عَلَيَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ. . . . .\nــ\nفيه الواحد والجمع، يريد تقدمه إلى دار الآخرة ليشفع لهم ويهيئ أسباب نجاتهم وشفاعتهم.\nوقوله: (وإني قد أعطيت مفاتيح خزائن الأرض) إخبار بتملك أمته الخزائن.\nوقوله: (أن تنافسوا فيها) أي: ترغبوا وتميلوا إليها كل الميل، ومنه شيء نفيس ومنفوس يتنافس فيه ويرغب.\n٥٩٥٩ - [٤] (عائشة) قوله: (توفي في بيتي وفي يومي) قد عرفت في شرح الترجمة أنه -ﷺ- استأذن أزواجه في أن يمرض في بيت عائشة، فكان -ﷺ- في بيتها إلى يوم وفاته، ولعله صادف يوم نوبتها أيضًا، وفيه تأكيد لبيان فضلها وإلا فالأيام كلها سواء بعد الإذن، فافهم.\nو(السحر) بفتح السين ويضم وسكون الحاء المهملة: الرئة، والمراد هنا الصدر؛ لأنه -ﷺ- كان مستندًا إلى صدرها، والمراد بـ (النحر) موضعه وهو موضع القلادة من أعلى الصدر.","vol":"9","page":531},{"text":"وَبِيَدِهِ سِوَاكٌ وَأَنَا مُسْنِدَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَرَأَيْتُهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ، فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَتَنَاوَلْتُهُ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ وَقُلْتُ: أُلَيِّنُهُ لَكَ؟ فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَلَيَّنْتُهُ، فَأَمَرَّهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكوَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَيَقُولُ: \"لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهِ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَراتٍ\". ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: \"فِي الرَّفِيقِ الأَعْلَى\". حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٤٩].\nــ\nوقوله: (وأنا مسندة) بكسر النون بالإضافة، ويروى منونًا.\nوقوله: (فتناولته) أي: أخذت السواك من عبد الرحمن وناولته رسول اللَّه وحذف هذا اختصارا.\nوقوله: (فأمره) أي: على أسنانه ولسانه من الإمرار، وفي بعض الروايات: (بأمره) جار ومجرور متعلق بـ (لينته)، و(الركوة) بفتح الراء: إناء من جلد.\nوقوله: (في الرفيق الأعلى) أي: اجعلني في الرفيق الأعلى، وأريد الدخول فيهم، أو (في) بمعنى الباء تقديره: أريد اللحوق بالرفيق الأعلى، ويجوز أن يكون زائدة، أي: أريد الرفيق الأعلى، وفي رواية: (اخترت الرفيق الأعلى)، قال في (المشارق) (١): قيل: هو اسم من أسماء اللَّه تعالى، وخطأ هذا الأزهري، وقال: بل هم جماعة الأنبياء، ويصححه قوله في الحديث الآخر: (مع النبيين والصديقين) إلى قوله: (وحسن أولئك رفيقًا) وهو يقع للواحد والجميع، وقيل: أراد مرتفق الجنة، وقال الداودي: هو اسم لكل سماء، وأراد الأعلى؛ لأن الجنة فوق ذلك، ولم يعرف هذا أهل اللغة ووهم فيه، ولعله تصحف له من الرفيع، وقال الجوهري: والرفيق\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٩٦).","vol":"9","page":532},{"text":"٥٩٦٠ - [٥] وَعَنْهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَا مِنْ نَبِيٍّ يَمْرَضُ إِلَّا خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ\". وَكَانَ فِي شَكْوَاهُ الَّذِي قُبِضَ أَخَذَتْهُ بُحَّةٌ شَدِيدَةٌ،\nــ\nأعلى الجنة، انتهى. وقيل: اجعلني في مكان الرفيق الأعلى، وأراد الرفيق الأعلى نفسه، وبمكانه: المقام المحمود والمخصوص به، أي: اجعلني ساكنًا فيه، أقول: والذي يتبادر إلى الفهم أن يكون المراد بالرفيق الأعلى هو اللَّه سبحانه، والرفيق من أسماء اللَّه تعالى.\nوفي الحديث: (إن اللَّه رفيق يحب الرفق)، قال عياض (١): الرفق في صفات اللَّه تعالى وأسمائه بمعنى اللطيف الذي في القرآن في قوله: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: ١٩]، والرفق واللطف: المبالغة في البر على أحسن وجوهه، وكذلك في كل شيء أخذه بأحسن وجوهه وأقربها، وهو ضد العنف، ومنه في الحديث: (اللَّه رفيق يحب الرفق في الأمر كله) (٢)، انتهى.\nوأقول: ويؤيد إرادته ذكره -ﷺ- هذا الكلام بعد قول ملك الموت له: إن اللَّه يشتاق إلى لقائك، نعم ظاهر قوله: (في الرفيق الأعلى) بكلمة (في) أظهر في إرادة النبيين وأرواحهم، ويؤيده قوله: (مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين)، واللَّه أعلم.\n٥٩٦٠ - [٥] (عائشة) قوله: (ما من نبي يمرض) من باب سمع.\nوقوله: (بين الدنيا والآخرة) أي: بين البقاء في الدنيا والذهاب إلى ما عند اللَّه في الآخرة، و(البحة) بضم الموحدة وتشديد الحاء المهملة: غلظة الصوت وخشونته،\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٩٦).\n(٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٦٩٢٧).","vol":"9","page":533},{"text":"فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ. فَعَلِمْتُ أَنَّهُ خُيِّرَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٥٨٦، م: ٢٤٤٤].\n٥٩٦١ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ -ﷺ- جَعَلَ يتغَشَّاهُ الْكَرْبُ. فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: وَاكَرْبَ أَبَاهُ! فَقَالَ لَهَا: \"لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ\". فَلَمَّا مَاتَ قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ! أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ، يَا أَبَتَاهُ! مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ، يَا أَبَتَاهُ! إِلَى جِبْرَئيِل نَنْعَاهُ. فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ: يَا أَنَسُ! أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- التُّرَابَ؟ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤٤٦٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1285> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٩٦٢ - [٧] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: . . . . .\nــ\nوالمراد هنا السعال.\n٥٩٦١ - [٦] (أنس) قوله: (يتغشاه الكرب) أي: يغمى عليه من شدة المرض.\nوقوله: (واكرب أباه) أَلِفُهُ للندبة أو على قول بعض في الأب.\nوقوله: (ليس على أبيك كرب بعد اليوم) كأنها قالت هذه الكلمة في آخر يوم حياته، فالمعنى أنه يصل بعد اليوم إلى الآخرة ولا كرب له فيه.\nوقوله: (من جنة الفردوس) الرواية بفتح الميم وقد يكسر.\nوقوله: (ننعاه) بنونين بلفظ المتكلم من النعي وهو الخبر بالموت، أي: نبكي إليه، وقيل: نعزّيه، وقيل: نخبره، وهذا أوفق بمعناه الأصلي، وهو الخبر بالموت، فافهم.\nالفصل الثاني\n٥٩٦٢ - [٧] (أنس) قوله: . . . . .","vol":"9","page":534},{"text":"لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ لَعِبَتِ الْحَبَشَةُ بِحِرَابِهِمْ فَرَحًا لِقُدُومِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٩٢٣].\nوَفِي رِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ: قَالَ: مَا رَأَيْتُ يَوْمًا قَطُّ كَانَ أَحْسَنَ وَلَا أَضْوَأَ مِنْ يَوْمٍ دَخَلَ عَلَيْنَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا كَانَ أَقْبَحَ وَلَا أَظْلَمَ مِنْ يَوْمٍ مَاتَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. [دي: ١/ ٢٢٣].\nوَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، فَلَمَّا كَانَ اليَوْمُ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، وَمَا نَفَضْنَا أَيْدِيَنَا عَنِ التُّرَابِ وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ، حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا. [ت: ٣٦١٨].\n٥٩٦٣ - [٨] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- اخْتَلَفُوا فِي دَفْنِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- شَيْئًا، قَالَ: \"مَا قَبَضَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا فِي الْمَوْضعِ الَّذِي يُحِبُّ أَن يُدْفَنَ فِيهِ\"،\nــ\n(بحرابهم) بالكسر جمع حربة: وهي الرمح الصغير.\nوقوله: (حتى أنكرنا قلوبنا) بالنصب مفعول (أنكرنا)، لم يُرِدْ عدم التصديق الإيماني، بل هو كناية عن عدم وجدان النورانية والصفاء الذي كان حاصلًا من مشاهدته وحضوره -ﷺ- لتفاوت حال الحضور والغيبة، وقد بيّنا هذا المعنى بأحسن عبارة وبيان في رسالة لنا مسماة بـ (مرج البحرين).\n٥٩٦٣ - [٨] (عائشة) قوله: (في دفنه) أي: موضع دفنه، فقال بعضهم: يدفن بمكة، وقال الآخر: بالمدينة في البقيع، وقيل: بالقدس.\nوقوله: (يحب) يحتمل أن يكون الضمير للَّه أو للنبي -ﷺ-.","vol":"9","page":535},{"text":"ادْفِنُوهُ فِي مَوضعِ فِرَاشِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ١٠١٨].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1286> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٥٩٦٤ - [٩] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يقُولُ وَهُوَ صَحِيحٌ: \"إِنَّهُ لَنْ يُقْبَضَ نَبِيٌّ حَتَّى يُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرَ\". قَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَمَّا نزَلَ بِهِ، وَرَأْسُهُ عَلَى فَخِذِي غُشِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَأَشْخَصَ بَصَرَهُ إِلَى السَّقْفِ ثُمَّ قَالَ: \"اللهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى\". قُلْتُ: إِذَنْ لَا يَخْتَارُنَا. قَالَتْ: وَعَرَفْتُ أَنَّهُ الْحَدِيثُ الَّذِي كَانَ يُحَدِّثُنَا بِهِ وَهُوَ صَحِيحٌ فِي قَوْلِهِ: \"إِنَّهُ لَنْ يُقْبَضَ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يُرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ثُمَّ يُخَيَّرَ\"، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَكَانَ آخِرُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا النَّبِيُّ -ﷺ- قَوْلهُ: \"اللهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٧٣، م: ٢٤٤٤].\nــ\nالفصل الثالث\n٥٩٦٤ - [٩] (عائشة) قوله: (حتى يرى) بلفظ المجهول والمعلوم.\nوقوله: (مقعده) منصوب على الوجهين.\nوقوله: (فلما نزل به) قال النووي (١): ضبطناه بضم نون وكسر زاي، أي: نزله ملك الموت، وفي أكثرها بفتحات، وفي رواية: (فلما نزلت)، قال في (المشارق) (٢): يريد منيته.\nوقوله: (فكان آخر كلمة. . . إلخ)، قالوا: وكان أول كلمة تكلم بها وهو مسترضع عند حليمة: اللَّه أكبر.\n_________\n(١) \"شرح صحيح مسلم\" للنووي (٥/ ١٢).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٩).","vol":"9","page":536},{"text":"٥٩٦٥ - [١٠] وَعَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ: \"يَا عَائِشَةُ! مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الَّذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، وَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السَّمِّ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤١٦٥].\n٥٩٦٦ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ، فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"هَلُمُّوا أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ\". فَقَالَ عُمَرَ: قَدْ غُلِبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ، وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ، حَسْبُكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. وَمِنْهُم يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ،\nــ\n٥٩٦٥ - [١٠] (وعنها) قوله: (أوان) يجوز فيه الرفع والفتح؛ لأن الظروف المضافة إلى الجملة يجوز بناؤها، فإن أُعْرِب كان مرفوعًا لأنه خبر المبتدأ، وسقوط التنوين للإضافة، وإن بني كان مبنيًّا على الفتح، و(الأبهر) عرق فيه وريد العنق يتعلق به القلب.\n٥٩٦٦ - [١١] (ابن عباس) قوله: (قال: لما حضر) بلفظ المجهول، أي: حضره الموت وكان ذلك يوم الخميس، وعاش بعد ذلك إلى يوم الاثنين، فلا يخلو الكلام عن تجوز.\nوقوله: (اكتب لكم كتابًا) قيل: كان أراد أن يكتب تعيين واحد من الصحابة للخلافة لئلا يقع نزاع بينهم، وأراد عمر -﵁- التخفيف على رسول اللَّه -ﷺ- عند شدة الوجع.\nوقوله: (حسبكم كتاب اللَّه) خطاب لمن نازعه في ذلك، وقد عرف -﵁- أن ذلك","vol":"9","page":537},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالأمر لم يكن جزمًا منه، بل دعا لمصالحهم، وكان أصحابه إذا أمر بشيء غير جازم يراجعونه وكان يتركه برأيهم، ولو كان الأمر مما لا بد منه لما ترك ذلك بسبب اختلافهم، وكان عمر خشي أن يكون ما رآه النبي -ﷺ- شاقًّا عليهم موجبًا لوقوع الفتن بينهم، فلذلك أشار إلى أن تركه أولى، فتركه النبي -ﷺ- وذلك مثل ما مر في أول الكتاب من إرساله -ﷺ- أبا هريرة بأن يبشر الناس أن من قال: لا إله إلا اللَّه دخل الجنة، فمنعه عمر لئلا يتكلوا فتركه -ﷺ- على ذلك، وقيل: إن عمر -﵁- خشي تطرق المنافقين ومن في قلبه مرض لما يكتب في ذلك الكتاب في الخلوة، وأن يقولوا في ذلك الأقاويل كادعاء الوافضة الوصية وغير ذلك، وقالت طائفة: إن معنى الحديث أن النبي -ﷺ- كان مجيبًا في هذا الكتاب لما طلب منه لا أنه ابتدأ بالأمر به بل اقتضاه منه بعض أصحابه فأجاب رغبتهم، وكره ذلك غيرهم للعلل التي ذكرناها، كذا قال القاضي عياض في (الشفا) (١) واللَّه أعلم.\nوقال البيهقي: قد حكى سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله أنه -ﷺ- أراد أن يكتب استخلاف أبي بكر، ثم ترك ذلك اعتمادًا على ما علم من تقدير اللَّه تعالى، وعلى أنهم لا يجاوزون ذلك، كما قال: يأبى اللَّه والمؤمنون إلا أبا بكر كما يأتي من حديث البخاري وقدمناه في شرح الترجمة، وادعاء الشيعة أن غرضه -ﷺ- كان كتابة الوصية لعلي -﵁- لا يخلو عن تناقض، إذ هم يقولون: إن استخلافه -﵁- ثبت بنص قطعي يوم غدير خم، فلا حاجة إلى كتابة الآن، بل هذه الكتابة ربما ينظر إلى أنه لم تثبت قبل ذلك وصيته وخلافته -﵁-، فافهم. والمراد بأهل البيت من كان في البيت حينئذٍ، ولم يرد أهل بيت النبي -ﷺ-.\n_________\n(١) \"الشفا بتعريف حقوق المصطفى\" (٢/ ٤٣٣، ٤٣٧).","vol":"9","page":538},{"text":"فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغَطَ وَالِاخْتِلَافَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قُومُوا عَنِّي\". قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَكَانَ ابنُ عباسٍ يَقُول: إِنَّ الرَّزِيئَةَ كُلَّ الرَّزِيئَةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الكِتَابَ لِاخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ.\nوَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ الأَحْوَلِ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَوْمُ الْخَمِيسِ وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ ثُمَّ بَكَى حَتَّى بَلَّ دَمْعُهُ الْحَصَى. قُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ! وَمَا يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ قَالَ: اشْتَدَّ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَجَعُهُ فَقَالَ: \"ائْتُونِي بِكَتِفٍ أَكْتُبْ لَكُمْ كتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ أَبَدًا\"، فَتَنَازَعُوا وَلَا يَنْبَغِي عِنْدَ نَبِيٍّ تَنَازُغٌ\nــ\nو(اللغط) بفتح اللام وسكون الغين المعجمة ويحرك: الصوت أو أصوات مبهمة لا تفهم، و(الرزيئة) المصيبة بفتح الراء وكسر الزاي بعدها ياء ثم همزة على وزن الخطيئة، وقد تسهل وتشدد الياء.\nوقوله: (يوم الخميس) خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف.\nوقوله: (ثم بكى) يحتمل أن يكون البكاء لتذكر وفاته -ﷺ- وتجدد الحزن عليه، أو لفوات ما فات في معتقده من الخير.\nوقوله: (قلت: يا ابن عباس) قائله سعيد بن جبير الراوي عن ابن عباس، وظاهر عبارة المؤلف يقتضي أن قائله سليمان وليس كذلك، وهذا ظاهر من سياق (صحيح البخاري).\nوقوله: (أبدًا) ربما ينظر إلى أن المراد كان كتابة الأحكام تفصيلًا، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ولا ينبغي عند نبي تنازع) هو من جملة الحديث المرفوع، ويحتمل أن يكون مدرجًا من قول ابن عباس، والصواب الأول، فقد تقدم في (كتاب العلم) بلفظ:","vol":"9","page":539},{"text":"فَقَالُوا: مَا شَأْنُهُ أَهَجَرَ؟ اسْتَفْهِمُوهُ، فَذَهَبُوا يَرُدُّونَ عَلَيْهِ. فَقَالَ: \"دَعُونِي ذَرُونِي،\nــ\n(ولا ينبغي عندي التنازع)، كذا قال الشيخ (١).\nوقوله: (ما شأنه أهجر؟) بألف الاستفهام، أي: اختلط كلامه بسبب المرض، قالوا ذلك إنكارًا على من قال: لا يكتبها، أي: لا تجعلوا أمر رسول اللَّه -ﷺ- كأمر من هجر في كلامه، ولا يجوز أن يكون بمعنى هذي وفحش؛ لأن القائل بعدم الكتابة عمر -﵁-، ولا يظن به ذلك حتى ينكر، وفي ظاهر كلام القاضي عياض دلالة على جواز إرادة ذلك، وهو صحيح لأن المقصد النفي والإنكار.\nوفي رواية: (هجر) بلا استفهام، ولا يصح إلا أن يقال: بحذف حرف الاستفهام، قال في (المشارق) (٢): قوله: أهجر رسول اللَّه -ﷺ-، كذا هو الصحيح بفتح الهاء، أي: هذي، والهجر: الهذيان، وككلام المبرسم والنائم، وكذلك يقال في من كثر كلامه وجاوز حده، يقال منه: هجر، وقول هذا في حقه -ﷺ- إنما يصح على طريق استفهام التقرير والإنكار لمن ظن ذلك به إذ لا يليق به الهذيان، ولا قول غير مضبوط في حالة من حالاته -ﷺ-؛ لأن جميع ما يتكلم به حق وصحيح ولا سهو فيه ولا خلف ولا غلط في حال صحته ومرضه ونومه ويقظته ورضاه وغضبه، إلا أن يتأول هجر أيضًا على المعنى الأول، وحذف ألف الاستفهام، وجاء في رواية: أن رسول اللَّه -ﷺ- يهجر.\nوعند أبي ذر: هُجِرَ على ما لم يسم فاعله، وعند غيره: هجر بفتحها، وعند\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٨/ ١٣٣).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٤٤٩، ٤٥١).","vol":"9","page":540},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمسلم في حديث أبي إسحاق: يهجر، وفي رواية قبيصة: هجر، وأكثر الروايات فيه أهجر بألف الاستفهام على ما قررناه وهو الأظهر والأولى، وكذا وقع عند البخاري من رواية ابن عيينة، وجل الرواة في حديث الزهري، وفي حديث محمد بن سلام عن ابن عيينة، وكذا ضبطه الأصيلي بخطه في كتابه من هذه الطرق، وهذا أرفع للإشكال وأقرب لفظًا للصواب.\nوقد يتأول (هجر) على ما قدمناه، وقد يكون ذلك من قائله دهشًا لعظيم ما شاهد من حال النبي -ﷺ- واشتداد الوجع به -كما جاء في الحديث- وعظيم الأمر الذي كانت فيه المخالفة حتى لم يضبط كلامه ولا ثقفه ولم يضبط لفظه، وأجرى الهجر مجرى شدة الوجع كما جاء في الرواية الأخرى: أن النبي -ﷺ- قد غلبه الوجع، لا أنه اعتقد أنه يجوز عيه الهجر، كما حملهم الإشفاق على حراسته، واللَّه تعالى يقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]، وكما اتفق لعمر -﵁- من أنه لم يمت، هذا كلامه في (المشارق).\nوقال في (الشفا) (١): قال أئمتنا في هذا الحديث: النبي -ﷺ- غير معصوم من الأمراض وما يكون من عوارضها من شدة وجع وغشي ونحوه مما يطرأ على جسمه، ومعصوم أن يكون منه من القول أثناء ذلك ما يطعَن في معجزته ويؤدي إلى فساد في شريعته من هذيان أو اختلال في كلام، وعلى هذا لا يصح رواية من روى في الحديث: هجر، إذ معناه هذي، وإنما الأصح والأولى: أهجر، على طريق الإنكار على من قال: لا يكتب، وهكذا الروايات، وقد تحمل عليه رواية من روى: هجر على حذف ألف الاستفهام، أو أن يحمل قول القائل: هجر، دهشة من قائل ذلك لعظيم ما شاهد\n_________\n(١) \"الشفا بتعريف حقوق المصطفى\" (٢/ ٤٣٢، ٤٣٤).","vol":"9","page":541},{"text":"فَالَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِمَّا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ\". فَأَمَرَهُمْ بِثَلَاثٍ: فَقَالَ: \"أَخْرِجُوا الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَجِيزُوا الْوَفْدَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ\". وَسَكَتَ عَنِ الثَّالِثَةِ، أَوْ قَالَهَا فَنَسِيتُهَا، قَالَ سُفْيَانُ: هَذَا مِنْ قَولِ سُلَيْمَانَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٩٣٢، م: ١٦٣٧].\nــ\nمن حال الرسول -ﷺ- وشدة وجعه، وهو المقام الذي اختلف فيه عليه، والأمر الذي همّ بالكتاب فيه.\nوقوله: (فالذي أنا فيه خير) يعني: مراقبة الحق والتأهب للقائه خير مما أنتم فيه من النزاع والخلاف واللغط.\nوقوله: (من جزيرة العرب) عرف تحديد جزيرة العرب في أول الكتاب في (باب الوسوسة)، و(أجيزوا) من الإجازة بمعنى إعطاء الجائزة وهي العطية (الوفد) سواء كانوا مؤمنين أو كافرين.\nوقوله: (وسكت) أي: ابن عباس، وقائل هذا الكلام سعيد بن جبير الراوي عن ابن عباس، فيكون هو الناسي، ثم قيل: الثالثة تجهيز جيش أسامة بن زيد إلى أبنى بضم الهمزة ناحية بالبلقاء، وقال: سر إلى موضع مقتل أبيك بهذا الجيش فأوطئهم الخيل وحرق عليهم، وكان لأربع ليال بقين من صفو سنة إحدى عشرة، وهي آخر سرية جهزها النبي -ﷺ- فصدع -ﷺ- وعقد بنفسه لواء، وقال: (اغز في سبيل اللَّه)، فخرج وعسكر بالجرف، فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزاة حتى أبو بكر وعمر -﵄-، فتقاول الناس. . . الحديث، فاشتد وجعه -ﷺ- ولم يتسر (١) فكانت وقعة وفاته -ﷺ-، وقيل: المراد بالثالثة قوله: (لا تتخذوا قبري\n_________\n(١) كذا في الأصل.","vol":"9","page":542},{"text":"٥٩٦٧ - [١٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَزُورُهَا، فَلَمَّا انْتُهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ. فَقَالَا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَقَالَتْ: إِنِّي لَا أَبْكِي أَنِّي لَا أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى خَيْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَكِنْ أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ، فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجعلَا يَبْكِيَانِ مَعهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٥٤].\n٥٩٦٨ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، وَنَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ عَاصِبًا رَأْسَهُ بِخِرْقَةٍ، حَتَّى أَهْوَى نَحْوَ الْمِنْبَرِ، فَاسْتَوَى عَلَيْهِ وَأَتْبَعْنَاهُ، قَالَ: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَنْظُرُ إِلَى الْحَوْضِ مِنْ مَقَامِي هَذَا\"، ثُمَّ قَالَ: \"إِنَّ عَبْدًا عُرِضَتْ عَلَيْهِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا فَاخْتَارَ الآخِرَةَ\"، قَالَ: فَلَمْ يَفْطِنْ لَهَا أَحَدٌ. . . . .\nــ\nوثنًا يعبد).\n٥٩٦٧ - [١٢] (أنس) قوله: (إلى أم أيمن) بفتح الهمزة والميم مولاة النبي -ﷺ- أم أسامة بن زيد، وكانت حاضنته -ﷺ-.\nوقوله: (فلما انتهينا) هكذا في أكثر النسخ بلفظ التكلم مع الغير كان أنسًا كان معهما في الانطلاق، وفي بعضها: (انتهيا) بلفظ التثنية.\nوقوله: (أني) بالفتح بتقدير حرف الجر، أي: لأجل أني لا أعلم.\nوقوله: (فهيجتهما) أي: أم أيمن أو هذه الكلمة منها.\n٥٩٦٨ - [١٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فلم يفطن) فطن به وله من سمع ونصر وكرم.","vol":"9","page":543},{"text":"غَيْرُ أَبِي بَكْرٍ، فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: بَلْ نَفْدِيكَ بِآبَائِنَا وأمَّهاتِنا وَأَنْفُسِنَا وَأَمْوَالِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: ثُمَّ هَبَطَ فَمَا قَامَ عَلَيْهِ حَتَّى السَّاعَةِ. رَوَاهُ الدَّارمِيُّ. [دي: ١/ ٢١٥].\n٥٩٦٩ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَاطِمَةَ قَالَ: \"نُعِيَتْ إِلَيَّ نَفْسِي\"، فَبَكَتْ، قَالَ: \"لَا تَبْكِي، فَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لَاحِقٌ بِي\"، فَضَحِكَتْ، فَرَآهَا بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -ﷺ- فَقُلْنَ: يَا فَاطِمَةُ! رَأَيْنَاكِ بَكَيْتِ ثُمَّ ضَحِكْتِ، قَالَتْ: إِنَّهُ أَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَدْ نُعِيَتْ إِلَيْهِ نفسُهُ فَبَكَيْتُ، فَقَالَ لِي: لَا تَبْكِي فَإِنَّكِ أَوَّلُ أَهْلِي لَاحِقٌ بِي فَضَحِكْتُ. وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nوقوله: (حتى الساعة) أي: إلى القيامة.\n٥٩٦٩ - [١٤] (ابن عباس) قوله: (نعيت إلي نفسي) أي: أُنْهِيَ إلي نعي نفسي، أي: خبر موتي.\nوقوله: (فإنك أول أهلي لاحق بي) الصحيح أنها عاشت بعده ستة أشهر، وقيل: ثمانية، وقيل: ثلاثة، وقيل: سبعين يومًا، وقيل: شهرين، والمراد بـ (بعض أزواج النبي -ﷺ-) عائشة -﵂- كما جاء صريحًا في رواية أخرى، وفي التعبير بالبعض تعظيم لشأنها كقوله: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].\nوقوله: (فقلن) أيضًا للتعظيم، لكن الجمع في غير التكلم للتعظيم نادر، بل غير واقع، ويحتمل أنه لم يتعين عند الراوي أنها كانت واحدة أو أكثر، واللَّه أعلم.\nوقوله: (قالت: إنه أخبرني) وجاء في بعض الروايات: أن فاطمة -﵂- لم تخبرها بذلك وقالت: إنه سر بيني وبين رسول اللَّه -ﷺ- لا أخبر به أحدًا، ثم أخبرت بعد وفاته.","vol":"9","page":544},{"text":"\"إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَجَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، وَالإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ\". رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٢١٦].\nــ\nوقوله: (وجاء أهل اليمن) لما كان نعيه -ﷺ- في سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ذكر مجيء أهل اليمن إشارة إلى ما هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النصر: ٢].\nوقوله: (هم أرق أفئدة) في (القاموس) (١): التفؤد: التحرق، والتوقد، ومنه: الفؤاد للقلب، وجمعه أفئدة، ذكره في المهموز، وقال: والفواد بالفتح والواو غريب، انتهى. وزاد في رواية: (وألين قلوبًا)، وفي (مجمع البحار) (٢): فيه تفنن على اتحاد القلب والفؤاد، وقيل: الفؤاد: وسط القلب أو غشاؤه، أقوال، والقلب حبته وسويداؤه، وأريد بالرق واللين الخشية وسرعة الإجابة، والتأثر بقوارع التذكير، والسلامة عن غلظ وقساوة.\nوقوله: (والإيمان يمان) أي يمني، وفعال بالكسر كلمة النسبة، وقالوا: الألف فيه عوض عن إحدى يائي النسبة، وقيل: قدمت إحدى اليائين وقلبت أَلْفًا، وهذا أوجه لتقديم الألف، وكذلك يمانية بتخفيف الياء، والألف فيه عوض، وحكي التشديد، وقال عياض (٣): معنى نسبته إلى اليمن أن الإيمان بدأ من مكة، ومكة من تهامة، وتهامة من أرض اليمن.\nوقال أبو عبيد: المراد بذلك الأنصار لأنهم يمانيون في الأصل، فنسب الإيمان\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٩٠).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٩٠).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٥١٩).","vol":"9","page":545},{"text":"٥٩٧٠ - [١٥] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: وَارَأْسَاهُ!، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَيٌّ فَأَسْتَغْفِرُ لَكِ وَأَدْعُو لَكِ\"،\nــ\nإليهم مبالغة في مدحهم لكونهم أنصاره، وعليه حمل قوله -ﷺ-: (إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن) لوجود التنفيس والتفريح من جانبهم، وقال الشيخ أبو عمر: بل المراد أهل اليمن كلهم كما هو الظاهر، نُسِبَ الإيمان إليهم إشعارًا بكماله فيهم، وليس ذلك نفيًا له عن غيرهم، فلا منافاة بينه وبين قوله -ﷺ-: الإيمان في أهل الحجاز.\nثم المراد به الموجودون في ذلك العصر لا كل أهل اليمن في كل أحيان، كذا في (شرح ابن الملك) (١)، وقيل: قاله بتبوك، ومكة والمدينة حينئذ بينه وبين اليمن، فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد الحرمين، انتهى. ولا يخفى أن سياق الحديث أنه -ﷺ- قال ذلك في مرضه إلا أن يقال: هذا حديث آخر أدخله الراوي في هذا الحديث لمناسبة ذكر النعي وسورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، واللَّه أعلمْ.\n٥٩٧٠ - [١٥] (عائشة) قوله: (وارأساه) هو تفجع من شدة صداع الرأس، وفيه أن ذكر الوجع ليس بشكاية؛ لأنه قد يسكت وهو شاك، وقد يذكره وهو راض، وقال الطيبي (٢): ندبت نفسها وأشارت إلى الموت، انتهى. كأنه حمل الرأس على الذات كما جاء في هذه الأعضاء ويلائم هذا المعنى بسياق الحديث، ومع ذلك لا بعد في الحمل على المعنى الأول باعتبار استلزام المرض الموت، ويؤيده ما يأتي في الحديث الآتي من قولها: وأنا أجد صداعًا.\nوقوله: (ذاك لو كان) بكسر الكاف، أي: إن حصل موتك.\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (١١/ ١٢٠).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١١/ ١٨٩).","vol":"9","page":546},{"text":"فَقَالَتْ عَائِشَةُ: وَاثُكْلَيَاهْ! وَاللَّهِ إِنِّي لأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِي، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَظَلِلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعْرِسًا بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"بَلْ أَنَا وَارَأْسَاهُ! لَقَدْ هَمَمْتُ -أَوْ أَرَدْتُ- أَنْ أُرْسِلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَابْنِهِ وَأَعْهَدُ. . . . .\nــ\nوقوله: (واثكلياه) بفتح المثلثة وضمها: الموت، والهلاك، وفقدان الحبيب أو الولد، وفي (مجمع البحار) (١): واثكلياه إما ندبة للثكل مصدر واللام مكسورة، وإما لثكلى صفة واللام مفتوحة، واثكل أمياه بضم ثاء وسكون كاف وبفتحهما، وليست حقيقة الكلام مرادة، بل هو كلام مجرى على ألسنتهم عند التوجع والتعجب، و(ظللت) بكسر اللام من الأفعال الناقصة.\nوقوله: (معرسًا) من الإعراس وعرس وأعرس: بنى على زوجته، ثم استعمل في كل اجتماع، وفي (مجمع البحار) (٢): وروي من التعريس، والمقصود أنك تفرغت لغيري ونسيتني.\nوقوله: (بل أنا وارأساه) إضراب، أي: أعرضي عن حكاية وجع رأسك ودعي ما تجدين من وجع رأسك، واشتغلي بوجع رأسي، إذ لا بأس عليك وأنت تعيشين بعدي، عرفه بالوحي.\nوقوله: (لقد هممت) استطراد بذكر ما يقع بعد وفاته من خلافة أبي بكر، وتطييب لقلب عائشة وتبشير لها.\nوقوله: (أن أرسل إلى أبي بكر وابنه) وهو عبد الرحمن، أي: أطلبهما عندي، و(أعهد) أي: أوصي أبا بكر بالخلافة وأجعله ولي عهدي.\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٢٩٦).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥٥٩).","vol":"9","page":547},{"text":"أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُونَ، أَوْ يَتَمَنَّى الْمُتَمَنُّونَ، ثُمَّ قُلْتُ: يَأْبَى اللَّهُ وَيَدْفَعُ الْمُؤْمِنُونَ، أَوْ يَدْفَعُ اللَّهُ وَيَأْبَى الْمُؤْمِنُونَ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٥٣٤٢].\n٥٩٧١ - [١٦] وَعَنْهَا: قَالَتْ: رَجَعَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ جَنَازَةٍ مِنَ الْبَقِيعِ، فَوَجَدَنِي وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا، وَأَنَا أَقُولُ: وَارَأْسَاهْ! قَالَ: \"بَلْ أَنَا يَا عَائِشَةُ! وَارَأْسَاهْ\" قَالَ: \"وَمَا ضَرَّكِ لَوْ مِتِّ قَبْلِي، فَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ، وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ وَدَفَنْتُكِ؟ \" قُلْتُ: لَكَأَنِيِّ بِكَ وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَرَجَعْتَ إِلَى بَيْتِي فَعَرَّسْتَ فِيهِ بِبَعْضِ نِسَائِكَ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ بُدِيءَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ. رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ. [دي: ١/ ٢١٧].\nــ\nوقوله: (أن يقول) أي: كراهة أن يقول قائل: لم يعهد رسول اللَّه إلى أبي بكر، أو يقول: أنا أحق منه بالخلافة، أو يتمنى أحد الخلافة لنفسه أو يتمنى أن يكون غيره خليفة.\nوقوله: (ثم قلت) هذا من تتمة كلام الرسول، أي: ما أرسلت وما عهدت وتركت الإيصاء، وقلت: (يأبى اللَّه) أن يكون غيره خليفة ولا يريده (ويدفع المؤمنون) خلافة غيره، ولا يجمعون إلا عليه لما عندهم من دلائل خلافته، من ذلك استخلافي إياه في إمامة الصلاة، وفيه فضيلة لأبي بكر -﵁- وإخبار عن الغيب بما سيقع، فكان كما قال.\n٥٩٧١ - [١٦] (وعنها) قوله: (وما ضرك) وما بعده خطابات لعائشة -﵂- كما أن الخطابات في قول عائشة -﵂- لرسول اللَّه -ﷺ-، واللام في (لكأني) جواب قسم محذوف.\nوقوله: (بدئ) بلفظ المجهول، أي: أوقع البداية.","vol":"9","page":548},{"text":"٥٩٧٢ - [١٧] وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ دَخَلَ عَلَى أَبِيهِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ فَقَالَ: أَلَا أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: بَلَى حَدِّثْنَا عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ -ﷺ-، قَالَ: لَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَتَاهُ جِبْرَئِيلُ فَقَالَ: \"يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ تَكْرِيمًا لَكَ، وَتَشْرِيفًا لَكَ، خَاصَّةً لَكَ يَسْأَلُكَ عَمَّا هُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْكَ، يَقُولُ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: \"أَجِدُنِي يَا جِبْرَئِيلُ! مَغْمُومًا، وَأَجِدُنِي يَا جِبْرَئِيلُ! مَكْرُوبًا\"، ثُمَّ جَاءَ الْيَوْمَ الثَّانِي، فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ- كَمَا رَدَّ أَوَّلَ يَوْمٍ، ثُمَّ جَاءَهُ الْيَوْمَ الثَّالِثَ، فَقَالَ لَهُ كَمَا قَالَ أَوَّلَ يَوْمٍ، وَرَدَّ عَلَيْهِ كَمَا رَدَّ عَلَيْهِ، وَجَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ، يُقَالُ لَهُ: إِسْمَاعِيلُ عَلَى مِئَةِ أَلْفِ مَلَكٍ، كُلُّ مَلَكٍ عَلَى مِئَةِ أَلْفِ مَلَكٍ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَسَأَلَهُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ جِبْرَئيِلُ: هَذَا مَلَكُ الْمَوْتِ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْكَ،\nــ\n٥٩٧٢ - [١٧] (جعفر بن محمد) قوله: (أجدني يا جبرئيل مغمومًا) لعل الغم والكرب لأجل الأمة والدين ماذا يقع وعلى ما يكون الأمر بعده.\nوقوله: (يقال له: إسماعيل) قال السيوطي في (الحبائك في أخبار الملائك) (١): هو صاحب سماء الدنيا، وقال: أخرج أبو الشيخ عن عكرمة -﵁- قال: إن في السماء ملكًا يقال له: إسماعيل، لو أُذِنَ له فَفَتَحَ أُذُنًا من آذانه فسبح الرحمن لمات من في السماوات والأرض.\nوقوله: (فسأله عنه، ثم قال جبرئيل: هذا ملك الموت) تقدير الكلام: سأل\n_________\n(١) \"الحبائك في أخبار الملائك\" (ص: ٦٤)، و\"العظمة\" لأبي الشيخ (٢/ ٧٥٠).","vol":"9","page":549},{"text":"مَا اسْتَأْذَنَ عَلَى آدَمِيِّ قَبْلَكَ، وَلَا يَسْتَأْذِنُ عَلَى آدَمِيٍّ بَعْدَكَ. فَقَالَ: \"ائْذَنْ لَهُ\" فَأَذِنَ لَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ، فَإِنْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَقْبِضَ رُوحَكَ قَبَضْتُ، وَإِنْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَتْرُكَهُ تَرَكْتُهُ، فَقَالَ: \"وَتَفْعَلُ يَا مَلَكَ الْمَوْتِ؟ \" قَالَ: نَعَمْ، بِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأُمِرْتُ أَنْ أُطِيعَكَ. قَالَ: فَنَظَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَى جِبْرَئيِل ﵇، فَقَالَ جِبْرَئيِلُ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ اللَّهَ قَدِ اشْتَاقَ إِلَى لِقَائِكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- لِمَلَكِ الْمَوْتِ: \"امْضِ لِمَا أُمِرْتَ بِهِ\"، فَقَبَضَ رُوحَهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وجَاءَتِ التَّعْزِيَةُ سَمِعُوا صَوْتًا مِنْ ناحِيَةِ الْبَيْتِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ، إِنَّ فِي اللَّهِ عَزَاءً مِنْ كُلِّ مُصِيبَةٍ، وَخَلَفًا مِنْ كُلِّ هالكٍ، ودَركًا مِنْ كُلِّ فَائِتٍ،\nــ\nالنبي -ﷺ- جبريل عن إسماعيل من هو؟ فقال جبرئيل ﵇: هو ملك كذا وكذا، ثم قال جبرئيل ﵇: هذا ملك الموت يستأذن عليك، كأنه قد حضر ملك الموت في الساعة، فاشار جبرئيل ﵇، وقال السيوطي: وأخرج البيهقي في (الدلائل) (١) بلفظ: فلما كان اليوم الثالث هبط إليه جبرئيل ﵇ معه ملك الموت، ومعهما ملك في الهواء، يقال له: إسماعيل على سبعين ألف ملك، كل ملك منهم على سبعين ألف ملك.\nوقوله: (في اللَّه عزاءً من كل مصيبة) العزاء بفتح المهملة: الصبر، والتعزية حمل الغير على ذلك، فقيل: المراد بالعزاء هنا التعزية إقامة للاسم مقام المصدر، والتقدير أن في كتاب اللَّه تعزية وتسلية من كل مصيبة إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّا لِلَّهِ\n_________\n(١) \"دلائل النبوة\" (٧/ ٢١١).","vol":"9","page":550},{"text":"فَبِاللَّهِ فَاتَّقُوا، وَإِيَّاهُ فَارْجُوا، فَإِنَّمَا الْمُصَابُ مَنْ حُرِمَ الثَّوَابَ. فَقَالَ عَلِيٌّ: أَتَدْرُونَ مَنْ هَذَا؟ هُوَ الْخَضِرُ ﵇. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ\". [دلائل النبوة: ٧/ ٢٦٨].\n* * *\nــ\nوَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]، ويجوز أن يكون التقدير في دين اللَّه، أي: شرع فيه وحرض عليه في دين الإسلام، وقيل: المصدر بمعنى اسم الفاعل، والتركيب من باب التجريد، أي: إن اللَّه معز ومسل، نحو: وفي الرحمن للضعفاء كاف، أقول: ويجوز أن يكون العزاء على معناه، أي: في ثواب اللَّه والنظر إليه حاملًا على الصبر من كل فائت وعلى كل مصيبة، ولعل هذا هو المراد من قول من قال: التقدير أن في لقاء اللَّه تسلية وتصبرًا من كل مصيبة، أو المراد بلقاء اللَّه الموت كما هو المشهور، فافهم. وقيل: المراد أن اللَّه يكفي عن كل شيء ولا يكفي عنه شيء، ويناسبه قرينتاه.\nوقوله: (فباللَّه فاتقوا) وفي بعض النسخ: (فَثِقُوا) وهو الأشهر، والفاء الأول فصيحة، والثانية لتأكيد الربط نحو قوله تعالى: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: ٥٦]، والباء على النسخة الأولى للاستعانة وعلى الثانية صلة (اتقوا).\nوقوله: (فقال علي) يعني: علي بن أبي طالب، وصرح به في (الحصن الحصين)، وقيل: المراد علي زين العابدين، و(الخضر) بفتح فكسر، ويجوز إسكان الضاد مع فتح الخاء وكسرها، وحياته في ذلك الزمان ثابت بلا خلاف، وإنما خالف من خالف بعد رأس المئة.","vol":"9","page":551},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1287>١٠ - باب</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1288> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٩٧٣ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا وَلَا أَوْصَى بِشَيْءٍ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٦٣٥].\n٥٩٧٤ - [٢] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَخِي جُويرِيَةَ قَالَ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عِنْدَ مَوْتِهِ دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَلَا عَبْدًا وَلَا أَمَةً وَلَا شَيْئًا إِلَّا بَغْلَتَهُ الْبَيْضَاءَ، وَسِلَاحَهُ، وَأَرْضًا جَعَلَهَا صَدَقَةً. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٧٣٩].\n٥٩٧٥ - [٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَقْتَسِمُ وَرَثَتِي دِينَارًا، مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِي. . . . .\nــ\n١٠ - باب\nفي متممات ولواحق بالباب السابق.\nالفصل الأول\n٥٩٧٣ - [١] (عائشة) قوله: (ولا أوصى بشيء) أي: من المال إذ لم يكن له مال، وما كان من مال بني النضير وفدك ونحوهما فهو كان صدقة على المسلمين بعد نفقة عياله، وأما الوصية في دين اللَّه التمسك بكتاب اللَّه تعالى فقد كانت ثابتة، وقد أوصى بإخراج اليهود من جزيرة العرب وإجازة الوفد.\n٥٩٧٤ - [٢] (عمرو بن الحارث) قوله: (أخي جويرية) بضم الجيم وفتح الواو وسكون التحتانية وكسر الراء بعدها ياء مخففة.\nوقوله: (جعلها صدقة) أي: وقفًا.\n٥٩٧٥ - [٣] (أبو هريرة) قوله: (بعد نفقة نسائي) قال سفيان بن عيينة: أزواج","vol":"9","page":552},{"text":"وَمُؤْنَةِ عَامِلِي فَهُوَ صَدَقَةٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٧٧٦، م: ١٧٦٠].\n٥٩٧٦ - [٤] وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٧٢٦، م: ١٧٥٩].\n٥٩٧٧ - [٥] وَعَنْ أَبِي مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ مِنْ عِبَادِهِ قَبَضَ نبَيَّهَا قَبْلَهَا فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا وَسَلَفًا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَإِذَا أَرَادَ هَلَكَةَ أُمَّةٍ عَذَّبَهَا وَنَبِيُّهَا حَيٌّ فَأَهْلَكَهَا وَهُوَ يَنْظُرُ، فَأَقَرَّ عَيْنَيْهِ بِهَلَكَتِهَا حِينَ كَذَّبُوهُ وَعَصَوْا أَمْرَهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٢٨٨].\nــ\nالنبي -ﷺ- في حكم المعتدات إذ لا يجوز أن ينكحن فلذا ضرب لهن النفقة، والمراد بالعامل الخليفة بعده، (ومؤنة) أجرة على ما يصرفها إلى مصارفه ويوصلها إلى مستحقيه الذين كانوا يصرف إليهم النبي -ﷺ-.\n٥٩٧٦ - [٤] (أبو بكر) قوله: (لا نورث) بلفظ المجهول، وأصله: لا يورث منا، فحذف الجار فاستتر الضمير، وانقلب الفعل عن لفظ الغائب إلى لفظ المتكلم، كذا قيل.\n٥٩٧٧ - [٥] (أبو موسى) قوله: (قبض نبيها) أي: قيل: نزول العذاب، و(السلف) كل من يقدمك من آبائك وقرابتك، وكل عمل صالح، كذا في (القاموس) (١)، و(الهلكة) بفتحتين بمعنى الهلاك، ويجيء بضم الهاء وسكون اللام بدون هاء.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٥٧).","vol":"9","page":553},{"text":"٥٩٧٨ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ وَلَا يَرَانِي، ثُمَّ لأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمالِهِ مَعَهُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٦٤].\nــ\n٥٩٧٨ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (معهم) تأكيد وتقرير للمقصد يفيد خيرية رؤيته -ﷺ- بالنسبة إلى مجموع الأهل والمال جميعًا، فالضمير في (معهم) لأهله وهو حال من (ماله)، أي: حال كونه مع الأهل، ثم المراد رؤيته -ﷺ- في حياته وصحبته معه، ويحتمل أن يراد رؤيته بعد وفاته يقظة أو منامًا، بل هذا أنسب بسياق الكلام، ولعمري كذلك حال المشتاقين إلى جماله المستغرقين في تصور كماله، رزقنا اللَّه.\n* * *","vol":"9","page":554},{"text":"(٣٠) كتاب المناقب","vol":"9","page":555},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1289>(٣٠) [كتاب المناقب]</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-1290>١ - باب مناقب قريش وذكر القبائل</span>\nــ\n[٣٠ - كتاب المناقب]\n١ - باب مناقب قريش وذكر القبائل\n(المناقب) جمع منقبة وهي الفضيلة والشرف، في (القاموس) (١): المنقبة: المفخرة، انتهى. وأصله إما من النَّقب بمعنى الطريق في الجبل استعير للفعل الكريم والصفة الحميدة لكونه طريقًا ومنهجًا إلى مدحه ورفعه، وإما من نَّقب عن الأخبار: بحث عنها وأخبر بها.\nوفي (الصراح) (٢): منقبة: هنر وستودكَي، مردم، ضد مثلبة، نقيب: مهتر وداننده قوم، نقباء جمع، نقابة نقيبي كردن من باب نصر، يقال: نقب على قومه، قال الفراء: إذا أردتَ أنه لم يكن نقيبًا ففعل قلت: نقب نقابة بضم العين فيهما (٣)، قال سيبويه: نقابة بالكسر الاسم وبالفتح المصدر؛ كالوِلاية والوَلاية.\nو(قريش) اسم ولد النضر بن كنانة سموا باسم أبيهم، وهو اسم دابة من أقوى دواب البحر تأكل دوابه، يصرف ويمنع، وقيل: إن في البحر حوتًا يسمى قريشًا يأكل\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٢٨).\n(٢) (ص: ٥٦).\n(٣) كذا في الأصول، وفي \"الصحاح\" (١/ ٢٢٧): نَقُبَ بالضم، نقابة بالفتح.","vol":"9","page":557},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالحيتان ولا يؤكل، ويعلوها ولا يعلى فيه، سميت بذلك قريش وتُصرف، فمن أراد به القبيلة لم يصرفه ومن أراد الحي يصرف، كذا في (الصحاح) (١).\nوقال في (القاموس): (٢) قَرَشه يَقرِشه ويَقرُشه: قطعه، وجمعه من ههنا وههنا، وضم بعضه إلى بعض، ومنه قريش لتجمعهم إلى الحرم، أو لأنهم كانوا يتقرشون البِيَاعات فيشترونها، أو لأن النضر بن كنانة اجتمع في ثوبه يومًا فقالوا: تقرش، أو لأنه جاء إلى قومه فقالوا: كأنه جَمَل قَرِيشٌ، أي: شديد، أو لأن قصيًّا كان يقال له: القرشي، أو لأنهم كانوا يُفَتِّشُون الحاج، فيسدون خَلَّتها، أو سميت بمصغر القِرش، وهو دابة بحرية تخافها دوابُّ البحر كلها، أو سميت بقريش بن مَخلد بن غالب بن فهر وكان صاحب عيرهم، فكانوا يقولون: قدمت عير قريش، وخرجت عير قريش، والنسبة قرشي وقريشي، انتهى.\nو(القبائل) جمع قبيلة، وهم بنو أب واحد، والقبيلة في الأصل واحد قبائل الرأس للقطع المشعوب بعضُها إلى بعض، ومنه قبائل العرب: شدب ثم قبيلة ثم عمارة ثم بطن ثم فخذ، والحي بمعنى القبيلة، كذا في (الصحاح) (٣).\nوقال في (القاموس) (٤): العمارة: أصغر من القبيلة ويكسر، أو الحي العظيم، البطن خلاف الظهر دون القبيلة، أو دون الفخذ وفوق العمارة، الفَخِذ ككتف: ما بين الساق والورك، مؤنث، ويكسر، وحي الرجل إذا كان من [أقرب] عشيرته.\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٣/ ١٠١٦).\n(٢) (ص: ٥٤١).\n(٣) \"الصحاح\" (٥/ ١٧٩٧).\n(٤) (ص: ٤٠١، ١٠٦٣، ٣٠٤).","vol":"9","page":558},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1291> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٥٩٧٩ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ، مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ\". مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٩٥، م: ١٨١٨].\nــ\nالفصل الأول\n٥٩٧٩ - [١] (أبو هريرة) قوله: (في هذا الشأن) ظاهر سوق الحديث يقتضي أن يكون المراد به الدِّين وجودًا وعدمًا، فقريش أقدم وأسبق في أمر الدين، وقدوة الناس في الإيمان والكفر، فيكون المسلمون أتباعًا لمسلميهم، والكافرون أتباعًا لكافريهم، ووقع مصداق ذلك أن العرب كانت تنتظر أمر قريش في الإسلام، وكانوا يقولون: ننظر ماذا يصنع قومه، فلما فتح مكة وأسلمت قريش تبعهم العرب ودخلوا في دين اللَّه أفواجًا، والمقصود بيان تقدمهم ورياستهم على الناس في الإسلام والجاهلية، لكن الفضل والشرف يكون باعتبار الأول دون الثاني إلا أن يراد أعم من الشرف باعتبار الدين أو الدنيا، فكان البيت مناصبه من السدانة والسقاية والرفادة وأمثالها فيهم دون مَن عداهم، وقد يحمل (الشأن) على الخلافة والإمامة وهو لا يلائم سياق الحديث، واللَّه أعلم.\nوقيل: (الناس تبع) خبر بمعنى الأمر، وإلا فقد خرج هذا الأمر عن قريش في أكثر البلاد، أو المراد بالناس بعض الناس، انتهى.\nوبما ذكرنا من التقرير لا يَرِدُ هذا ولا يحتاج إلى توجيهه، فإن المراد بتقدمهم وسبقهم في هذا الشأن، ولا ينافيه خروجه عنهم في أكثر البلاد.\nثم قيل في معنى الحديث: إن المراد أن الناس إن كانوا أخيارًا سلط اللَّه عليهم","vol":"9","page":559},{"text":"٥٩٨٠ - [٢] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٨١٩].\n٥٩٨١ - [٣] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَان\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٠١، م: ١٨٢٠].\n٥٩٨٢ - [٤] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ هَذَا الأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ، لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٠٠].\nــ\nأخيارًا منهم، وإن كانوا أشرارًا سلط اللَّه عليهم الأشرار، كما قيل: أعمالكم عمالكم، وهذا المعنى إنما يناسب حمل الشأن على الخلافة كما لا يخفى.\n٥٩٨٠ - [٢] (جابر) قوله: (في الخير والشر) أي: في الإسلام والكفر، وقد تبين معناه في شرح الحديث السابق.\n٥٩٨١ - [٣] (ابن عمر) قوله: (لا يزال هذا الأمر في قريش) ظاهر هذا الحديث والذي يأتي بعده أن المراد بالأمر أمر الخلافة، وينبغي أن يحمل الخبر على معنى الأمر كما عرفت.\nوقوله: (ما بقي منهم اثنان) أي: سوى الخليفة، وقيل: اثنان واحد خليفة وواحد تابع.\n٥٩٨٢ - [٤] (معاوية) قوله: (لا يعاديهم أحد) أي: لا يخالفهم (إلا كبه اللَّه) أي: أذله وخذله.\nوقوله: (ما أقاموا الدين) قيل: المراد به الصلاة كما سميت إيمانا في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] لرواية: (ما أقاموا الصلاة). وهذا","vol":"9","page":560},{"text":"٥٩٨٣ - [٥] وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا يَزَالُ الإِسْلَامُ عَزِيزًا إِلَى اثْنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"لَا يَزَالُ أَمْرُ النَّاسِ مَاضِيًا مَا وَلِيَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا كلُّهُم مِنْ قُرَيشٍ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"لَا يَزَالُ الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ أَوْ يَكُونَ عَلَيْهِمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً كُلُّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٢٢٢، م: ١٨٢١].\nــ\nالحديث يدل على أن الأمر إنما يكون في قريش إذا أقاموا الدين، وإذا لم يقيموا الدين فلا أمر منهم سواء حمل على الخبر أو على معنى الأمر. وقيل: إنه متعلق بـ (كب) لا بقوله: إن الأمر فيهم؛ لأنه كان فيهم مَن غيَّر وبدَّل ولم يصرف عنه الأمر، كذا قال التُّوربِشْتِي (١)، اللهم إلا أن يقال: إن المقصود تحريضهم على إقامة الدين وأنهم إن لم يقيموا الدين كاد أن يخرج عنهم الأمر ويغلبهم فيه غيرهم، وهذا المعنى بمعنى الخبر أنسب دون الأمر، فافهم.\n٥٩٨٣ - [٥] (جابر بن سمرة) قوله: (لا يزال الإسلام عزيزًا إلى اثني عشر خليفة كلهم من قريش) إلى آخر الروايات، وفي بعض طرق هذا الحديث في آخره: (أبو بكر لا يلبث إلا قليلا) (٢)، واستشكل هذا الحديث بأن الظاهر منه أن اثني عشر خليفة يكون بعده -ﷺ- على الولاء، يستقيم بهم أمر الدين، ويعز الإسلام، وتجري الأحكام مع أن الوجود لا يشهد له، فإن فيهم من أمراء الجور والفساد من بني مروان من لا تُمدح طريقتهم، ولا تَحْسن سيرتهم، وأيضًا قد صح: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يصير ملكًا عضوضًا)، واتفقوا على أنه لا يسمَّى مَن بعده خلفاء بل ملوكًا\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٣٠٧).\n(٢) انظر: \"المعجم الكبير\" للطبراني (ح: ١٢، ١٤٢).","vol":"9","page":561},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوأمراء، واختلفوا في توجيهه على أقوال:\nأحدها: أن المراد اثنا عشر نَفْسًا قاموا من بعده -ﷺ- بالسلطنة والإمارة، وانتظم أمر السلطنة واستقام من غير نزاع وخلاف واختلال في أمور المسلمين والرعايا، وإن كان بعضهم جائرين خارجين عن دائرة العدل والإحسان، وقد وقع الاختلال في زمن الوليد بن يزيد بن عبد الملك الذي هو الثاني عشر، اجتمعوا عليه لما مات عمه هشام فولي نحو أربع سنين، ثم قاموا عليه فقتلوه، وانتشرت الفتن وتغيرت الأحوال من يومئذ، كذا قال القاضي عياض، واستحسنه الشيخ ابن حجر في (فتح الباري) (١) وقال: وهذا أحسن ما قيل في هذا الحديث وأرجحه، لتأييده بقوله في بعض طرقه الصحيحة: (كلهم يجتمع عليه الناس)، والمراد باجتماعهم انقيادهم لبيعته، ولم يَرِدِ الحديث على مدحهم والثناء عليهم بالدين والعدالة إلا من هذه الجهة أعني الانتظام والاجتماع واتحاد الكلمة، والخلافة التي حَكَم الحديث بانتهائها إلى ثلاثين سنة إنما هو الخلافة الكبرى التي هي خلافة النبوة، وهذه خلافة إمارة، وقد استمر القول بتسمية الأمراء بعد الخلفاء الراشدين خلفاء كالخلفاء العباسية وإن كانت بالمجاز، انتهى.\nوهذا الوجه لا يخلو عن عدم الملاءمة لسياق الحديث من قوله: (لا يزال الإسلام عزيزًا) و(لا يزال الدين قائمًا)، وإن كانت ملائمة برواية أخرى: (لا يزال أمر الناس ماضيًا)، والحديث صريحٌ في مدحهم بأن صلاح الدين وظهور الحق وقوة الإسلام في زمانهم وعدالتهم.\nوثانيها: أن المراد المقسطون من الأمراء لأنهم هم المستحقون لاسم الخلافة على\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (١٣/ ٢١٤).","vol":"9","page":562},{"text":"٥٩٨٤ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"غِفَارُ. . . . .\nــ\nالحقيقة، لكن لا يلزم أن يكونوا على الولاء، بل يتم هذا العدد إلى زمان حتى إلى قبيل قيام الساعة، قال التُّوربِشْتِي (١): وهذا هو السبيل في هذا الحديث وما يعتقبه في هذا المعنى.\nوثالثها: أن المراد وجودهم بعد موت المهدي، فقد جاء أنه إذا مات المهدي ﵇ ملك الأمر خمسة رجال من ولد السبط الأكبر يعني الإمام الحسن -﵁-، ثم يملك خمسة من ولد السبط الأصغر، ثم يوصي آخرهم بخلافة رجل من ولد الحسن، ثم يملك بعده ولده فيتم به اثنا عشر، كل منهم إمام عادل هاد مهديٌّ، وهذا وجه لكن الكلام في صحة هذا الحديث، وذكر عن ابن عباس في وصف المهدي: يفرج اللَّه تعالى عن هذه الأمة كل كرب ويصرف بِعَدلِه كل جور، ثم يلي الأمر بعده اثنا عشر، خمسين ومئة سنة، ثم يفسد الزمان.\nورابعها: أنه أراد هذا العدد في عصر واحد يتبع كلَّ واحد طائفةٌ، ويؤيده حديث: (سيكون بعدي خلفاء فيكثرون) أراد -ﷺ- بأعاجيب تكون بعده من الفتن حتى يتفرق الناس في وقت واحد إلى اثني عشر أميرًا، والغاية على هذا الوجه تكون على أغلب استعمالها من عدم دخولها في حكم المغيَّا، وعلى الوجوه السابقة تكون داخلة فيه، هذا ما وجدنا في كلامهم في شرح هذا الحديث، واللَّه أعلم بمراد رسوله.\n٥٩٨٤ - [٦] (ابن عمر) قوله: (كفار) بكسر الغين وتخفيف الفاء وبالراء: قبيلة، أبو ذر الغفاري منها.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٣٠٧).","vol":"9","page":563},{"text":"غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ، وَعُصَيَّةُ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥١٣، م: ٢٥١٨].\n٥٩٨٥ - [٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"قُرَيْشٌ وَالأَنْصَارُ وَجُهَيْنَةُ وَمُزَيْنَةُ وَأَسْلَمُ وَغِفَارُ وَأَشْجَعُ مَوَالِيَّ، لَيْسَ لَهُمْ مَوْلًى دُونَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥١٢، م: ٢٥٢٠].\n٥٩٨٦ - [٨] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَسْلَمُ وَغِفَارُ وَمُزَيْنَةُ وَجُهَيْنَةُ خَيْرٌ مِنْ بَنِي تَمِيم وَبَنِي عَامِرٍ،\nــ\nوقوله: (غفر اللَّه لها) يحتمل الخبر والدعاء وهو الأظهر، وقيل: كانوا يسرقون الحجاج، فدعا لهم بعد أن أسلموا ليمحو عنهم ذلك العار -مع أن الإسلام يجبّ ما قبله- تأكيدًا ومبالغة في تطهيرهم.\nوقوله: (وأسلم سالمها اللَّه) أي: عاملهم اللَّه بما يوافقهم ولا يؤذيهم، أيضًا يحتمل الخبر والدعاء، وقيل: إنما دعا لهما لأنهما دخلا في الإسلام بلا حرب. (وعصية) بضم العين وفتح الصاد وتشديد الياء، وهم الذي قتلوا القراء ببئر معونة، وكان -ﷺ- يدعو عليهم في القنوت، وهذا إخبار قطعًا لا يحتمل الدعاء، وربما ينظر هذا إلى أن يكون ما قبله أيضًا خبرًا، واللَّه أعلم.\n٥٩٨٥ - [٧] (أبو هريرة) قوله: (وجهينة) بضم الجيم (ومزينة) بضم الميم وفتح ما بعدهما: قبيلتان، (موالي) بالإضافة إلى ياء المتكلم، أي: أوليائي وأنصاري، وروي (موالي) بالتنوين، أي: بعضهم أحباء وأنصار بعضهم.\nوقوله: (ليس لهم مولًى) أي: ناصر وولي.\n٥٩٨٦ - [٨] (أبو بكرة) قوله: (خير من بني تميم. . . إلخ)، إنما فضلهم","vol":"9","page":564},{"text":"وَالْحَلِيفَيْنِ بَنِي أَسْدٍ وَغَطَفَانَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٥٢٣، م: ٢٥٢١].\n٥٩٨٧ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: \"مَا زِلْتُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ مُنْذُ ثلاثٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ فِيهِمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: \"هُمْ أَشَدّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ\" قَالَ: وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا\"، وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ فَقَالَ: \"أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٤٣، م: ٢٥٢٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1292> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٥٩٨٨ - [١٠] عَنْ سَعْدٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ يُرِدْ هَوَانَ قُرَيْشٍ. . . . .\nــ\nعلى هؤلاء لسبق إسلامهم وحسن آثارهم.\nوقوله: (بني أسد وغطفان) بفتحات بيان للحليفين، سميا حليفين لتحالفهما على التعاون والتناصر.\n٥٩٨٧ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (منذ ثلاث) أي: ثلاث خصال أو كلمات، و(سمعت) صفة (ثلاث) والعائد محذوف، فإن قدرت خصال فالمراد سماع الإخبار بها من رسول اللَّه -ﷺ-، وإن قدرت كلمات فظاهر، فالأولى: (هم أشد أمتي على الدجال) أي: إنكارًا وتجنبًا، أو جدلًا ونزاعًا، والثانية ما قال: (وجاءت صدقاتهم فقال رسول اللَّه -ﷺ-: هذه صدقات قومنا) فأضاف -ﷺ- إياهم إلى نفسه تشريفًا لهم، والثالثة أنه قال: (سبية) أي: مسبية كانت من قومهم عند عائشة، (فقال: أعتقيها) أي: تعليله بأنها من ولد إسماعيل، وفيه جواز استرقاق العرب.\nالفصل الثاني\n٥٩٨٨ - [١٠] (سعد) قوله: (من يرد هوان قريش) أئمةً كانوا أو غيرهم، فإن","vol":"9","page":565},{"text":"أَهَانَهُ اللَّه\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٩٠٥].\n٥٩٨٩ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اللهُمَّ أَذَقْتَ أَوَّلَ قُرَيْشٍ نَكَالًا فَأَذِقْ آخِرَهُمْ نَوَالًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٩٠٨].\n٥٩٩٠ - [١٢] وَعَنْ أَبِي عَامِرٍ الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نِعْمَ الْحَيُّ الأَسْدُ وَالأَشْعَرُونَ، لَا يَفِرُّونَ فِي الْقِتَالِ،\nــ\nكانوا أئمة فظاهر، وإن كانو غيرهم فلعزة انتسابهم برسول اللَّه -ﷺ- وفضلهم وشرفهم، و(الهوان) بالفتح مصدر هان هونًا بالضم وهوانًا [و] مهانة: ذل.\n٥٩٨٩ - [١١] (ابن عباس) قوله: (نكالًا) هو العقوبة التي تنكل الإنسان، أي: تمنعه عن فعلِ ما جُعلت له جزاء، ويَعتبر به غيره، من نكَل عن الأمر: امتنع، ونكَّل به تنكيلًا: جعله عبرةً لغيره، والنوال والنائلة: العطاء، ولعل المراد بالنكال ما أصاب أوائلهم بكفرهم وإنكارهم على رسول اللَّه -ﷺ- من الخزي والعذاب والقتل، وبالنوال ما حصل لأواخرهم من العزة والملك والخلافة والإمارة ما لا يحيط بوصفه البيان.\n٥٩٩٠ - [١٢] (أبو عامر الأشعري) قوله: (نعم الحي الأسد) بفتح الهمزة والسين الساكنة أبو حي من اليمن، ويقال: الأزد بالزاي أيضًا، وبالسين أفصح، وهو أزد بن الغوث، أبو حي من اليمن، ومن أولاده الأنصار كلهم، ويقال: أزد شنوءة. و(الأشعرون) بإسقاط الياء في أكثر الأصول ونسخ (المشكاة)، وكأنه تسمية للأبناء باسم أبيهم، وبإثباتها في (المصابيح)، قال في (القاموس) (١): الأشعر لقب عمرو بن حارثة الأسدي، وهو أبو قبيلة باليمن منهم أبو موسى الأشعري، ويقولون: جاءك الأشعرون بحذف ياء النسبة.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٧٥).","vol":"9","page":566},{"text":"وَلَا يَغُلُّونَ، هُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٩٤٧].\n٥٩٩١ - [١٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الأَزْدُ أَزْدُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ، يُرِيدُ النَّاسُ أَنْ يَضَعُوهُمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَرْفَعَهُمْ، وَلَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَقُولُ الرَّجُلُ: يَا لَيْتَ أَبِي كَانَ أَزْدِيًّا، وَيَا لَيْتَ أُمِّي كَانَتْ أَزْدِيَّةً\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٩٣٧].\n٥٩٩٢ - [١٤] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: مَاتَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَهُوَ يَكْرَهُ ثَلَاثَةَ أَحْيَاءٍ: ثَقِيفٍ وَبَنِي حَنِيفَةَ وَبَنِي أُمَيَّةَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٩٤٣].\n٥٩٩٣ - [١٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فِي ثَقِيفٍ كَذَّابٌ وَمُبِيرٌ\" قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِصْمَةَ: يُقَالُ: . . . . .\nــ\nوقوله: (ولا يغلون) بضم الغين، أي: لا يخونون في المغنم.\n٥٩٩١ - [١٣] (أنس) قوله: (الأزد أزد اللَّه في الأرض) إضافتهم إلى اللَّه تعالى إما لاشتهارهم بهذا الاسم وإما للتشريف كناقة اللَّه، وكلا الوجهين لثبوتهم في الحرب لا يفرون في القتال، وقيل: إنهم كالأسد في الشجاعة.\n٥٩٩٢ - [١٤] (عمران بن حصين) قوله: (ثقيف) بالجر بدل مع ما عطف عليه من (أحياء)، إنما كره ثقيفًا للحجاج، وبني حنيفة لمسيلمة، وبني أمية لعبيد اللَّه بن زياد، كذا قيل، قلت: ما وجه التخصيص بعبيد اللَّه، لِمَ لم يذكر يزيد وهو أميره وآمِره بما فعل؟ .\n٥٩٩٣ - [١٥] (ابن عمر) قوله: (كذاب ومبير) بضم الميم بمعنى مهلك وهو","vol":"9","page":567},{"text":"الْكَذَّابُ هُوَ الْمُخْتَارُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَالْمُبِيرُ هُوَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ، وَقَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ: أَحْصَوْا مَا قَتَلَ الْحَجَّاجُ صَبْرًا فَبَلَغَ مِئَةَ أَلْفٍ وَعِشْرِينَ أَلْفًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٢٠].\n٥٩٩٤ - [١٦] وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي \"الصَّحِيحِ\" حِينَ قَتَلَ الْحَجَّاجُ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَالَتْ أَسْمَاءُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حَدَّثَنَا \"أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا\" فَأَمَّا الْكذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ،\nــ\nبمعنى الهلاك.\nوقوله: (هو المختار بن أبي عبيد) الثقفي، قام بعد وقعة الإمام الحسين، ودعا الناس إلى طلب ثأره، وكان غرضه أن يصرف وجوه الناس إلى نفسه ويتوصل به إلى تحصيل الإمارة، كذا قيل، وقصته مذكورة في كتب التواريخ.\nوقيل: سمي كذابًا بادعائه النبوة، وكان يدعي أن الملائكة تأتيه بخبر السماء، وأفسد على قوم من الشيعة عقائدهم، فهم ينسبون إليه في آرائهم الفاسدة وأقاويلهم الزائفة، يقال لهم: المختارية.\nوقوله: (أحصوا) بفتح الصاد بلفظ الماضي.\nوقوله: (ما قتل الحجاج صبرًا) أصل الصبر: الحبس، صبر عنه يصبره: حبسه، وصَبْرُ الإنسان وغيرِه على القتل: أن يُحبس ويرمى حتى يموت، وقد قتله صبرًا لم يقتله في المعركة.\n٥٩٩٤ - [١٦] قوله: (حين قتل الحجاج عبد اللَّه بن الزبير) وهو -﵁- لم يبايع يزيد، وخرج يدعي الإمامة بمكة، فأرسل إليه يزيد مسلم بن عقبة المري بعد قتل الإمام الحسين ونهب المدينة وإهلاك أهلها، فمات يزيد، ثم جاء الحجاج في إمارة عبد الملك بن مروان فقتله -﵁- وصلبه.","vol":"9","page":568},{"text":"وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلَا إِخَالُكَ إِلَّا إِيَّاهُ. وَسَيَجِيءُ تَمَامُ الْحَدِيثِ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ. [م: ٢٥٤٥].\n٥٩٩٥ - [١٧] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْرَقَتْنَا نِبَالُ ثَقِيفٍ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ. قَالَ: \"اللهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٩٤٢].\n٥٩٩٦ - [١٨] وَعَن عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مِينَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَجَاء رَجُلٌ أَحْسَبُهُ مِنْ قَيْسٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! الْعَنْ حِمْيَرًا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَهُ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nقوله: (فلا إخالك) خطاب للحجاج، أي: لا أظنك، وهو بفتح الهمزة وكسرُها أشهر، وقال الطيبي (١): الظاهر: فلا إخاله إلا إياك، قدَّمت المفعول الثانيَ للاهتمام، فتأمل.\n٥٩٩٥ - [١٧] (جابر) قوله: (أحرقننا نبال) فاعل أحرقت، والنبل: السهام لا واحد [له]، أو واحده نبلة، وجمعه أنبال ونِبال نبُلان، كذا في (القاموس).\n٥٩٩٦ - [١٨] (عبد الرزاق) قوله: (عن ميناء) بكسر الميم وبالمد والقصر، والمد أشهر، تابعي، وضعفوه، قال في (الكاشف) (٢): ميناء عن مولاه ابن عوف وعثمان، وعنه والد عبد الرزاق، ضعفوه، وفي الحاشية: ميناء بن أبي ميناء الخزاز، قال يحيى: ليس بثقة، وقال أبو زرعة: كان كذابًا، وقال ابن عدي: كان يغلو في\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٢/ ٣٨٣٩).\n(٢) \"الكاشف\" (٢/ ٣١٢).","vol":"9","page":569},{"text":"\"رَحِمَ اللَّهُ حِمْيَرًا، أَفْوَاهُهُمْ سَلَامٌ، وَأَيْدِيهِمْ طَعَامٌ، وَهُمْ أَهْلُ أَمْنٍ وَإِيمَانٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، ويُروى عَنْ مِينَاءَ هَذَا أَحَادِيثُ مَنَاكِيرُ. [ت: ٣٩٣٩].\n٥٩٩٧ - [١٩] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ -ﷺ-: \"مِمَّنْ أَنْتَ؟ \" قُلْتُ: مِنْ دَوْسٍ. قَالَ: \"مَا كُنْتُ أَرَى أَنَّ فِي دَوْسٍ أَحَدًا فِيهِ خَيْرٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٣٨].\n٥٩٩٨ - [٢٠] وَعَنْ سَلْمَانَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا تُبْغِضُنِي فَتُفَارِقَ دِينَكَ\" قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ أُبْغِضُكَ وَبِكَ هَدَانَا اللَّهُ؟ قَالَ: \"تُبْغِضُ الْعَرَبَ فَتُبْغِضُنِي\". . . . .\nــ\nالتشيع، ذكره ابن حبان في (كتاب الثقاث) (١)، روى له الترمذي حديثًا واحدًا، و(حمير) بكسر الحاء وسكون الميم وفتح الياء، أبو قبيلة من اليمن.\nوقوله: (أفواههم سلام) أي: ذات سلام، أي: يفشون السلام، جعلهم نفسَ السلام مبالغة، وكذا قوله: (وأيديهم طعام) وصفها بالتواضع والسخاوة، وهما أصل المكارم في أداء حقوق الناس.\nوقوله: (هذا) بدل من (ميناء) أو صفة.\n٥٩٩٧ - [١٩] (عنه) قوله: (من دوس) بفتح الدال، وروي بالضم، وفي الحديث منقبة لأبي هريرة ومذمة لدوس لولا أبو هريرة.\n٥٩٩٨ - [٢٠] (سلمان) قوله: (فتفارق) بالنصب جوابًا للنهي.\nوقوله: (تبغض العرب) المراد به ما يشمل الأعراب، كان سلمان -﵁- عجميًا\n_________\n(١) \"كتاب الثقات\" (٦٥٩٥).","vol":"9","page":570},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٩٢٧].\n٥٩٩٩ - [٢١] وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ غَشَّ الْعَرَبَ لَمْ يَدْخُلْ فِي شَفَاعَتِي، وَلَمْ تَنَلْهُ مَوَدَّتِي\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ حُصَيْنِ بْنِ عُمَرَ، وَلَيْسَ هُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِذَاكَ الْقَوِيِّ. [ت: ٣٩٢٨].\n٦٠٠٠ - [٢٢] وَعَنْ أُمِّ الْحَرِيرِ مَوْلَاةِ طَلْحَةَ بْنِ مَالِكٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ مَوْلَايَ يَقُولَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مِنِ اقْتِرَابِ السَّاعَةِ هَلَاكُ الْعَرَبِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٩٢٩].\n٦٠٠١ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْمُلْكُ فِي قُرَيْشٍ، وَالْقَضَاءُ فِي الأَنْصَارِ،\nــ\nفارسيًا [ولعله] كان يهين بعض فقرائهم ويفاخر عليهم، فنبّهه -ﷺ- على ذلك، أو على مظنة أن يبغضهم ويهينهم وإن لم يقع، واللَّه أعلم.\n٥٩٩٩ - [٢١] (عثمان بن عفان) قوله: (من غش العرب) بمعجمتين، أي: خان وبغض، في (القاموس) (١): غشه: لم يمحِّضه النصح، أو أظهر له خلاف ما أضمره، كغشَّشه، والغش بالكسر: الاسم سنه، والغل، والحقد.\n٦٠٠٠ - [٢٢] (أم الحرير) قوله: (وعن أم الحرير) بحاء مهملة مفتوحة ورائين على وزن نصير.\nوقوله: (من اقتراب الساعة) أي: من أماراتها.\n٦٠٠١ - [٢٣] (أبو هريرة) قوله: (والقضاء في الأنصار) قيل: المراد النقابة؛\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٣٩).","vol":"9","page":571},{"text":"وَالأَذَانُ فِي الْحَبَشَةِ، وَالأَمَانَةُ فِي الأَزْدِ\". يَعْنِي الْيَمَنَ. وَفِي رِوَايَةٍ مَوْقُوفًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا أَصَحُّ. [ت: ٣٩٣٦].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1293> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٦٠٠٢ - [٢٤] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ يَوْمَ فَتْح مَكَّةَ: \"لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَة\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٨٢].\n٦٠٠٣ - [٢٥] وَعَنْ أَبِي نَوْفَلٍ مُعَاوِيَةَ بْنِ مُسْلِمِ قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى عَقَبَةِ الْمَدِينَةِ، قَالَ: فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ تَمُرُّ عَلَيْهِ وَالنَّاسُ حَتَّى مَرَّ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ،\nــ\nلأن النقباء كانوا من الأنصار، وقيل: القضاء المعروف لبعثه -ﷺ- معاذا قاضيًا إلى اليمن، وقال -ﷺ-: (أعلمهم بالحلال والحرام معاذ)، ولعل المراد أنه ينبغي أن تراعى هذه المناصب فيهم، فهو خبر في معنى الأمر.\nوقوله: (موقوفًا) أي: على أبي هريرة من غير أن يرفعه إلى النبي -ﷺ-.\nالفصل الثالث\n٦٠٠٢ - [٢٤] (عبد اللَّه بن مطيع) قوله: (لا يقتل قرشي صبرًا) أي: وهو مرتد عن الإسلام ثابت على الكفر، إذ قد وجد من قريش من قتل صبرًا، وقيل: النفي بمعنى النهي فالكلام على إطلاقه.\n٦٠٠٣ - [٢٥] (أبو نوفل) قوله: (على عقبة المدينة) العقبة بفتحات: مرقى الجبال، والمراد عقبة بمكة واقعة على طريق المدينة، يريد الحجون بالمعلى، وكان","vol":"9","page":572},{"text":"السَّلَامُ عَلَيْكَ أَبَا خُبَيْبٍ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَنْهَاكَ عَنْ هَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنْ كُنْتَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا وَصُولًا لِلرَّحِمِ، أَمًا وَاللَّهِ لأُمَّة أَنْتَ شَرُّهَا لأُمَّةُ سَوْءٍ -وَفِي رِوَايَةٍ: لأُمَّةُ خَيْرٍ-. . . . .\nــ\nعبد اللَّه بن الزبير مصلوبًا عليه، صلبه الحجاج.\nوقوله: (السلام عليك أبا خبيب) مكرر ثلاثًا، وأبو خبيب بالخاء المعجمة والموحدتين بلفظ التصغير كنية عبد اللَّه بن الزبير، وفيه استحباب السلام على الميت.\nوقوله: (لقد كنت أنهاك عن هذا) مكرر ثلاثًا، وهذا إشارة إلى مُوْجِب الصلب وسببه، وهو الخروج ودعوى الإمامة ومخالفة هؤلاء الأشرار.\nو(إن) في قوله: (إن كنت) مخففة من المثقلة و(ما) مصدرية، أي: فيما علمت، و(وصولًا) بفتح الواو.\nوقوله: (لأمة) مبتدأ و(أنت شرها) صفة.\nوقوله: (لأمة سوء) بالإضافة خبره، وفي رواية: (لأمة شر).\nوقوله: (في رواية: لأمة خير) ونقل الطيبي (١) عن النووي (٢): هذه الرواية هي التي عليها الجمهور، ورواية: (لأمة سوء) خطأ وتصحيف، انتهى.\nوفي (المشارق) (٣): ويروى: (خيار)، وعند السمرقندي: (لأمة شر)، وهو خطأ، والوجه الأول، وقال: ويروى (أشرها)، قال ابن قتيبة: لا يقال: أَشرُّ ولا أَخْيرُ، وإنما يقال: شر وخير، انتهى.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٢/ ٣٨٣٨).\n(٢) كذا في الأصل وهو سبق قلم، والصواب: \"عن القاضي عياض\".\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٥٠، ٢/ ٢٤٧).","vol":"9","page":573},{"text":"ثُمَّ نَفَذَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، فَبَلَغَ الْحَجَّاجَ مَوْقِفُ عَبْدِ اللَّهِ وَقَوْلُهُ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأُنْزِلَ عَنْ جِذْعِهِ، فَأُلْقِيَ فِي قُبُورِ الْيَهُودِ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ فَأَبَتْ أَنْ تَأْتِيَهُ، فَأَعَادَ عَلَيْهَا الرَّسُولَ لَتَأْتِيَنِّي أَوْ لأَبْعَثَنَّ إِلَيْكِ مَنْ يَسْحَبُكِ بِقُرُونِكِ. قَالَ: فَأَبَتْ، وَقَالَتْ: . . . . .\nــ\nهذا ولا يظهر وجهُ كون ([لأمة] شر) خطأً، فإن كان من حيث الرواية فلا مناقشة في ذلك، وأما من حيث المعنى فلا يظهر لنا معنى واضح لهذين الكلامين حتى نعلم كون أحدهما صوابًا والآخر خطأ، والذي يسنح الآن هو أن المراد بقوله: (لأمة أنت شرها) أي: في اعتقادهم وظنهم، فيكون حاصله أن أمة تحكم بكونك شرهم أمة سوء، وبقوله: (لأمة خير) التعريض والاستهزاء، يعني أنهم يظنون كونهم خيرًا وليس الأمر كذلك، هذا ولكن المعنى الأول أظهر، ومع ذلك حكموا بأنه خطًا، ولعل ذلك من حيث الرواية، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ثم نفذ) أي: مضى وذهب، من قولهم: طريق نافذ: سالك، والنفاذ والنفوذ: جواز الشيء [عن الشيء] والخلوص منه.\nوقوله: (فبلغ الحجاج) بالنصب، و(موقف) فاعل (بلغ)، (فأنزل) أي: ابن الزبير (عن جذعه) بكسر الجيم وسكون الذال، أي: الخشبة التي صلب عليها.\nوقوله: (فالقي في قبور اليهود) ولم يعرف بمكة قبور اليهود، ولعله كان إذ ذاك، أو أخرج من مكة وأرسل إلى مكان كان فيه قبور اليهود كالمدينة وغيرها، واللَّه أعلم.\nوقوله: (لتأتيني) على لفظ المخاطبة الواحدة بإدغام نونها في نون الوقاية، و(يسحبك) أي: يجرك، سحبه: جره على وجه الأرض فانسحب، والمراد بـ (قرونها) ضفائر شعرها.","vol":"9","page":574},{"text":"وَاللَّهِ لَا آتِيكَ حَتَّى تَبْعَثَ إِلَيَّ مَنْ يَسْحَبُني بِقُرُونِي. قَالَ: فَقَالَ: أَرُونِي سِبْتَيَّ فَأَخَذَ نَعْلَيْهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَتَوَذَّفُ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: كَيْفَ رَأَيْتِنِي صَنَعْتُ بِعَدُوِّ اللَّهِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُكَ أَفْسَدْتَ عَلَيْهِ دُنْيَاهُ، وَأَفْسَدَ عَلَيْكَ آخِرتَكَ، بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ لَهُ: يَا ابْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ، أَنَا وَاللَّهِ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكُنْتُ أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَطَعَامَ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الدَّوَابِّ، وَأَمَّا الآخَرُ فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَسْتَغْنِي عَنهُ،\nــ\nوقوله: (سبتي) بلفظ التثنية مضافًا إلى ياء المتكلم، والسِّبْتِية بكسر السين المهملة وسكون الموحدة وكسر الفوقانية وتشديد التحتانية: النعل لا شعر عليها، منسوبة إلى السبت بالكسر: جلود البقر المدبرغة، أو كلُّ جلدٍ مدبوغٍ أو [المدبوغ] بالقَرَظ، يتخذ منها النعال، سمي بذلك لأن شعرها قد سبت عنها، أي: حلق وأزيل.\nوقوله: (يتوذف) بالذال المعجمة والفاء، أي: يقارب الخطو ويحرك منكبيه متبخترًا، أو يسرع، كذا في (القاموس) (١).\nوقوله: (أنا واللَّه ذات النطاقين) سماها بذلك رسول اللَّه -ﷺ- لما شقت نطاقها شقين فشدت بأحدهما سفرة رسول اللَّه -ﷺ- حين كان في غار ثور، وبالأخرى وسطها أو قربته، وكأن الظاهر [أن الحجاج] حمل قوله -ﷺ-: (ذات النطاقين) على الذم كناية عن كونها خادمة خَرَّاجة، ولم تُعرف أيُّ فضيلة فوق خدمة النبي -ﷺ- في تلك الحال، و(النطاق) بالكسر: شُقة تلبسها المرأة وتشد وسطها، فترسل الأعلى على الأسفل إلى\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٧٣).","vol":"9","page":575},{"text":"أَمَا إنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حَدَّثنَا: \"أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًا\". فَأَما الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلَا إِخَالُكَ إِلَّا إِيَّاه، قَالَ: فَقَامَ عَنْهَا وَلم يُرَاجِعهَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٤٥].\n٦٠٠٤ - [٢٦] وَعَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَتَاهُ رَجُلَانِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَا: إِنَّ النَّاسَ صَنَعُوا مَا تَرَى، وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ وَصَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ فَقَالَ: يَمْنَعُنِي أنَّ اللَّه حَرَّمَ عَلَيَّ دَمَ أَخِي الْمُسْلِمِ. قَالَا: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ وَكَانَ الدِّينُ لِلَّه، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِغَيْرِ اللَّهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٢٤٣].\nــ\nالأرض، والأسفل ينجرّ إلى الأرض، كذا في (القاموس) (١)، وانتطقت: لَبِستْها، والرجل: شد وسطه بمنطقة، كتنطَّق. وفي المثل: مَنْ يَطُلْ هَنُ أَبِيهِ يَنْتَطِقْ بِهِ، أي: من كثر بنو أبيه يتقوى بهم.\nوقوله: (أما الكذاب فرأيناه) إشارة إلى المختار بن أبي عبيد المذكور في (الفصل الثاني).\n٦٠٠٤ - [٢٦] (نافع) قوله: (إن الناس صنعوا ما ترى) أي: من الاختلاف بينهم في أمر الإمامة والبيعة.\nوقوله: (حرم علي) زيادة (عليَّ) للإشارة إلى تجنبه وأخذه طريق الاحتياط في ذلك، وإلا فيكفي أن يقول: حرم دم المسلم.\nوقوله: (قد قاتلنا. . . إلخ)، أي: مع رسول اللَّه -ﷺ- والخلفاء الراشدين.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨٣٣).","vol":"9","page":576},{"text":"٦٠٠٥ - [٢٧] وَعَن أبي هريرةَ قَالَ: جَاءَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: إِنَّ دَوْسًا قَدْ هَلَكَتْ عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللَّه عَلَيْهِمْ، فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِمْ فَقَالَ: \"اللهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٣٩٢، م: ٢٥٢٤].\n٦٠٠٦ - [٢٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَحِبُّوا الْعَرَبَ لِثَلَاثٍ: لِأَنِّي عَرَبِيٌّ، وَالْقُرْآنُ عَرَبِيٌّ، وَكَلَامُ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبيٌّ\". رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"شُعَبِ الإِيمَانِ\". [شعب: ١٣٦٤].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1294>٢ - باب مناقب الصحابة</span>\nــ\n٦٠٠٥ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (قد هلكت عصت) بدون الواو، وقيل: (عصت) استئنافٌ لبيان سبب الهلاك.\nوقوله: (وأت بهم) يعني: مسلمين.\n٦٠٠٦ - [٢٨] (ابن عباس) قوله: (والقرآن) بالرفع (١)، وكذا قوله: (وكلام أهل الجنة) يعني: للعرب فضل في الدنيا والآخرة.\n٢ - باب مناقب الصحابة\nالصحابي من لقي النبي -ﷺ- مؤمنًا به ومات على الإسلام وإن تخللت ردةٌ على الأصح كأشعث بن قيس، فإنه كان ممن ارتد، ثم أتي به إلى أبي بكر الصديق أسيرًا،\n_________\n(١) قال القاري (٩/ ٣٨٧٤): بالنصب ويرفع.","vol":"9","page":577},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفعاد إلى الإسلام فقبل منه ذلك وزوجه أخته، ولم يتخلف أحد عن ذكره في الصحابة ولا عن تخريج أحاديثه في المسانيد وغيرها.\nوإنما قال: على الأصح، إشارةً إلى الخلاف في المسألة، وتحقيق هذا التعريف يطلب من كتب أصول الحديث، وقد اشترط بعض الأصوليين طول صحبته مع النبي -ﷺ- وملازمته له وأخذه منه وأقله ستة أشهر؛ لأن الصحبة في العرف لا تطلق على رؤية أو لُقِيٍّ، هذا ولكن لا يعرف لتعيين مدة ستة أشهر أو أكثر من ذلك دليل، واللَّه أعلم.\nوقال الشيخ (١): لا خفاء في رجحان رتبة من لازمه -ﷺ- وقاتل معه أو قتل تحت رايته على من لم يلازمه، أو لم يحضر معه مشهدًا، أو على من كلمه يسيرًا، أو ماشاه قليلًا، أو رآه من بعيد، أو في حال الطفولية، وإن كان شرف الصحبة حاصلا للجميع، انتهى.\nويعرف كونه صحابيًا بالتواتر، أو الاستفاضة، أو الشهرة، أو بإخبار بعض الصحابة، أو بعض ثقات التابعين، أو بإخباره عن نفسه بأنه صحابي إذا كان دعواه يدخل تحت الإمكان.\nثم إنه قد ثبت بالآيات والأحاديث فضل الصحابة وشرفهم ما لا سبيل معه إلى الإنكار والشك في ذلك، وموتهم على الكفر كما يزعم الروافض، وما نقل من ذلك عن واحد أو اثنين منهم كعبد اللَّه بن جحش وابن خطل فنادر، ولم يكن إيمانهم حقيقةً، أو لم يكونوا داخلين في حيطة هذه الفضائل والكرامات، وقد أُخذ من قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩] كفرُ من يبغضهم ويغيظهم، مع ما ثبت منهم من الهجرة\n_________\n(١) \"نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر\" (ص: ١١٣).","vol":"9","page":578},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالجهاد ونصرة الإسلام وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين.\nوقال إمام عصره أبو زرعة الرازي (١) من أجل شيوخ مسلم: إذا رأيت الرجل ينتقص أحدًا من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- فاعلم أنه زنديق، وذلك أن رسول اللَّه -ﷺ- حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وما أدى إلينا ذلك إلا الصحابة، فمن جرحهم إنما أراد به إبطال الكتاب والسنة، فيكون الجرح به ألصق، والحكم عليه بالزندقة والضلال والكذب والعناد هو الأقوم الأحق.\nوقال ابن حزم: الصحابة كلهم من أهل الجنة قطعًا، وفي الحقيقة يلحق منه المنقصة إلى رسول اللَّه -ﷺ- حيث بُعث إلى كافة الخلق وهدايتهم وإخراجهم من الكفر والضلال، ويكون بحيث لم يهتد من صحابته ولم يُختم لهم بالإيمان إلا نفر قليل كستة أو سبعة، ومن سواهم كلهم ماتوا على الضلال والكفر، نعوذ باللَّه من أمثال هذه الكلمات، فمِن ثَم أجمع أهل السنة والجماعة أنه يجب على كل مسلم تزكية جميع الصحابة وتعديلهم، والكفُّ عن سبهم والطعن فيهم، والثناءُ عليهم؛ لأن اللَّه تعالى ورسوله عدلهم وزكاهم وأثنى عليهم.\nونحو ذلك قال شيخ شيوخ زمانه شهاب الدين عمر السهروردي في (أعلام الهدى): اعلم أن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- ورضي عنهم مع نزاهة بواطنهم وطهارة قلوبهم كانوا بشرًا، وكانت لهم نفوس تظهر بصفاتها وقلوبُهم منكوة لذلك، فيرجعون إلى حكم قلوبهم وينكرون ما كان من نفوسهم، انتهى (٢).\n_________\n(١) انظر: \"الصواعق المحرقة\" (٢/ ٦٠٩).\n(٢) انظر: \"الأساليب البديعة في فضائل الصحابة\" (ص: ٣٦).","vol":"9","page":579},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوذهب بعض العلماء الشافعية وغيرهم إلى أن اختصاص الحكم بالعدالة بمن لازم رسول اللَّه -ﷺ- ونصره دون من اجتمع به يومًا أو لغرض، وهذا قول غريب يخرج به كثير من المشهورين بالصحبة والرواية عن الحكم بالعدالة كوائل بن حجر ومالك بن الحويرث وعثمان بن أبي العاص، وغيرهم ممن وفد عليه -ﷺ- ولم يُقم عنده إلا قليلا وانصرف، والقول بالتعميم هو الذي صرح به الجمهور وهو المعتبر، واللَّه أعلم.\nوقال في (الصواعق المحرقة) (١): اعلم أنه وقع خلاف في التفضيل بين الصحابة ومن جاء بعدهم من صالحي هذه الأمة، فذهب أبو عمر بن عبد البر إلى أنه يوجد فيمن أتى بعد الصحابة من هو أفضل من بعض الصحابة، واحتج على ذلك بخبر: (طوبى لمن رآني وآمن بي ولمن لم يرني وآمن بي) سبع مرات، وبخبر عمر -﵁- قال: كنت جالسًا عند النبي -ﷺ- فقال: (أتدرون أيُّ الخلق أفضل إيمانًا؟) قلنا: الملائكة، قال: (وحق لهم بل غيرهم)، قلنا: الأنبياء، قال: (وحق لهم بل غيرهم)، ثم قال -ﷺ-: (أفضل الخلق إيمانًا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني، فهم أفضل الخلق إيمانًا)، وبحديث: (مثل أمتي كمثل المطر لا يُدرى آخره خير أم أوله)، وبخبر: (ليدركن المسيح أقوامًا إنهم لمثلكم أو خير) ثلاثًا، وبخبر: (تأتي أيام للعامل فيهن أجر خمسين)، قيل: منهم أو منا يا رسول اللَّه؟ قال: (بل منكم)، وبما روي عن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة كتب إلى سالم بن عبد اللَّه بن عمر: أن اكتب لي سيرة عمر بن الخطاب لأعمل بها، فكتب إليه سالم: إن عملت بسيرة عمر فأنت أفضل من عمر؛ لأن زمانك ليس كزمان عمر، ولا رجالك كرجال عمر، وكتب إلى فقهاء زمانه فكلهم كتب بمثل\n_________\n(١) (٢/ ٦١١ - ٦١٤).","vol":"9","page":580},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1295> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٦٠٠٧ - [١] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدُكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا. . . . .\nــ\nقول سالم.\nقال أبو عمر: فهذه الأحاديث تقتضي مع تواتر طرقها وحسنها التسوية بين أول هذه الأمة وآخرها في فضل العمل إلا أهل بدر والحديبية.\nوأجابوا عن هذه الأحاديث بما ذكر في محله، وقالوا: إن المفضول قد يكون فيه مزية لا توجد في الفاضل، وأيضًا مجرد زيادة الأجر لا تستلزم الأفضلية المطلقة، وأيضًا الخيرية إنما تكون باعتبار ما يمكن أن يجتمعا فيه وهو عموم الطاعات المشتركة بين سائر المؤمنين، فلا يبعد حينئذ تفضيل بعض من يأتي على بعض من الصحابة في ذلك، وأما ما اختص به الصحابة رضوان اللَّه تعالى عليهم أجمعين وفازوا من مشاهدة طلعته -ﷺ- ورؤية ذاته المشرفة المكرمة فأمر من وراء العقل، إذ لا يسع أحد أن يأتي من الأعمال وإن جلت بما يقارب ذلك فضلًا عن أن يماثله، وعلم من قول أبي عمر بن عبد البر: إلا أهل بدر والحديبية أن الكلام في غير أكابر الصحابة ممن لم يفز إلا بمجرد رؤيته -ﷺ-، وقد ظهر أنه فاز بما لم يَقْرَبْه مَن بعده، واللَّه أعلم.\nالفصل الأول\n٦٠٠٧ - [١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم) الظاهر أن الخطاب لمن بعد الصحابة نزلوا منزلة الموجودين الحاضرين، وقيل: للموجودين من العوام في ذلك الزمان الذين لم يصاحبوه -ﷺ-، ويفهم خطابُ مَن بعدهم بدلالة النص، وقال السيوطي: الخطاب بذلك للصحابة، لِمَا ورد أن سبب الحديث أنه","vol":"9","page":581},{"text":"مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٧٣، م: ٢٥٤١].\n٦٠٠٨ - [٢] وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَفَعَ -يَعْنِي النَّبِيَّ -ﷺ- رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ. فَقَالَ: \"النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ،\nــ\nكان بين خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيء، فسبه خالد، فالمراد بـ (أصحابي) أصحاب مخصوصون وهم السابقون على المخاطبين في الإسلام، وقيل: نَزّل الساب منهم لتعاطيه ما لا يليق به من السب منزلة غيرهم، فخاطبه خطاب غير الصحابة، ولا يخفى ما فيه من التكلف، والوجه هو الأول.\nو(المد) بالضم المكيال وهو رطلان أو رطل وثلث، والجمع أمداد، و(النصيف) لغة في النصف، وقيل: مكيال دون المُد، وعلى الأول ضمير (نصيفه) للمُد وعلى الثاني لـ (أحدهم).\n٦٠٠٨ - [٢] (أبو بردة) قوله: (وعن أبي بردة) اسمه عامر، وقيل: الحارث (عن أبيه) وهو أبو موسى الأشعري.\nوقوله: (وكان كثيرًا مما يرفع رأسه) والظاهر أن (كثيرًا) صفة زمان محذوف، و(مما) خبر كان، وكلمة (ما) يعم العقلاء، أي: كان -ﷺ- ممن يرفع رأسه كثيرًا، أو (من) زائدة، وما ذكره الطيبي في توجيهه حيث قال: من بيان لـ (كثيرًا) وهو خبر (كان) أي: كان كثيرًا رَفْعُ رأسِهِ، و(ما) مصدرية، لا يخلو عن شيء.\nوقوله: (النجوم أمنة) بفتحات بمعنى الأمن، أي: سبب أمن، أمن كفرح أمنًا وأمانًا وأمنة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً﴾ [الأنفال: ١١]، ويروى: (أمنة) بسكون الميم مرة من الأمن، أو جمع أمين بمعنى الحافظ كسفير وسَفَرة، أو","vol":"9","page":582},{"text":"فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومَ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنةٌ لأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَنَا أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٣١].\n٦٠٠٩ - [٣] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيَقُولُونَ (١): هَلْ فِيكُمْ مِنْ صَاحَبَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ لَهُمْ،\nــ\nجمع آمن كبارٍّ وبررة، ولعل هذا يجعله صيغة النسبة، وعلى كل تقدير لفظ الجمع بالنسبة إلى النبي -ﷺ- يكون من قبيل ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠].\nوقوله: (فإذا ذهبت النجوم) ذهاب النجوم تكديرها وانكدارها وإعدامها، وقد جعله اللَّه سبحانه سبب إتيان السماء ما توعد -وهو انفطارها وانشقاقها- وأمارةً عليه.\nويحتمل أن يكون ذلك من قِبَل أن النجوم نورانية وزينة للسماء، وواسطة في حدوث بعض الحوادث في الأرض مثل الحر والبرد، ونضج الأثمار ونزول الأمطار، يجعل اللَّه إياها أسبابًا عادية، واللَّه أعلم.\nوالمراد بما توعد الأصحاب: الفتنُ والحروبُ وارتدادُ الأعراب، وبما توعد الأمة: البدع والحوادث والفتن وذهاب الخير ومجيء الشر.\n٦٠٠٩ - [٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (فيغزو فئام) بكسر الفاء والهمزة:\n_________\n(١) في نسخة: \"فيقال\".","vol":"9","page":583},{"text":"ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُفْتَحُ لَهُمْ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ: \"يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يُبْعَثُ مِنْهُمُ الْبَعْثُ، فَيَقُولُونَ: انْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ فِيكُمْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ فِيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ، ثُمَّ يُبْعَثُ البَعْثُ الثَّاني،\nــ\nالجماعة من الناس لا واحد له من لفظه، والجمع: فُؤُم ككتب، كذا في (القاموس) (١)، وفي (المشارق) (٢): قال بعضهم: هو بفتح الفاء، حكاه الخليل وهو رواية القابسي، وأدخله صاحب (العين) في حرف الياء بغير همزة وغيره بهمزة، وكذا قاله القابسي، وحكى الخطابي أن بعضهم رواه (فيّام) بالفتح مشدد الياء وهو غلط، وفي المهموز ذكره الهروي، وكذا قيد عن أبي ذر بالهمزة.\nوقوله: (يبعث) أي: يرسل فيهم (البعث) أي: الجيش، قال في (القاموس) (٣): البعث ويحرك: الجيش، والجمع البعوث.\nوقوله: (هل تجدون فيكم) بكاف الخطاب، وفي قرائنه: (فيهم) بلفظ الغائب.\nوقوله: (البعث الثاني) بالتوصيف وكذا في البعث الثالث، وفي الرابع بالإضافة، كذا وجدنا في نسخ (المشكاة) و(المصابيح)، وتأويله: بعث القوم الرابع، ففي هذه\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٣٢).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٤٤).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٥٢).","vol":"9","page":584},{"text":"فيَقُولونَ: هَلْ فِيْهِمْ مَن رَأَى أَصْحَابَ رَسَولِ اللَّهِ (١) -ﷺ-؟ فَيُفْتَحُ لَهُمْ بِهِ، ثُمَّ يُبْعَثُ الْبَعْثُ الثَّالِثُ، فَيُقَالُ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ -ﷺ-؟ ثُمَّ يَكُونُ بَعْثُ الرَّابعِ، فَيُقَالُ: انْظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فِيهِمْ أَحَدًا رَأَى مَنْ رَأَى أَحَدًا رَأَى أَصْحَابَ النَّبِيِّ -ﷺ-؟ فَيُوجَدُ الرَّجُلُ فَيُفْتَحُ لَه\" (٢). [خ: ٣٦٤٩، م: ٢٥٣٢].\n٦٠١٠ - [٤] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ،\nــ\nالرواية وقع إلى أربعة مراتب، وهكذا وقع في رواية للبخاري حديث (خير القرون) إلى أربعة.\n٦٠١٠، ٦٠١١ - [٤، ٥] (عمران بن حصين) قوله: (خير أمتي قرني) القرن أهل زمان واحد متقارب أشركوا في أمر من الأمور المقصودة، وقد يطلق على طائفة من الزمان، واختلفوا في تحديده، وقد ذكرناه من قبل مع الإشارة إلى ما هو الأصح، وقيل: الأصح أنه لا يضبط بمدة، فقرنه -ﷺ- هم الصحابة، وكانت مدتهم من البعث إلى آخر من مات منهم مئةً وعشرين سنة، وقرن التابعين من سنة مئة إلى نحو سبعين، وقرن أتباع [التابعين] من ثم إلى حدود العشرين ومئتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورًا فاشيًا، وأطلقت المعتزلة ألسنتهم، ورفعت الفلاسفة رؤوسهم، وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيرت الأحوال تغيرًا شديدًا، ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن، وظهر مصداق قوله -ﷺ-: (يفشو الكذب)، كذا ذكر السيوطي.\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) في نسخة: \"لهم\".","vol":"9","page":585},{"text":"ثُمَّ إِنَّ بَعْدَهُمْ قَوْمًا يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ،\nــ\nوقوله: (يشهدون ولا يستشهدون) ذم على الشهادة قبل الاستشهاد، وقد ورد: (خير الشهود من يأتي بالشهادة قبل أن يسأل)، فقيل في الجمع بينهما: إن الذم في حق من يعلم كونه شاهدًا، فيشهد قبل أن يسألها صاحبها، والمدح فيمن لا يعلم شهادته، فيخبر بها حتى يستشهد عند القاضي، وقيل: هي الأمانة والوديعة وما لا يعلمه غيره، وقيل: هو مثلٌ في سرعة إجابته إذا استشهد عند القاضي، وحديث المدح مخصوص، وحديث الذم عام فيمن يؤدي الشهادة قبل أن يسألها صاحب الحق فلا يقبل، أو معناه: يتحملون الشهادة بدون التحميل.\nوقيل: المدح محمول على شهادة الحسبة كالطلاق والعتاق، أو على مبالغة في أدائها بعد طلبها نحو: الجواد يعطي قبل سؤاله، والذم محمول على من ليس بأهل لها أو على شهادة الزور، وقيل: الذم في حقوق الناس، والمدح في حقوق اللَّه تعالى إذا لم ير المصلحة في الستر، وقيل: أراد بالشهادة المذمومة التألي على اللَّه نحو: فلان في الجنة وفلان في النار.\nوقال القاضي عياض (١): وقيل: معناه ههنا: يحلفون كذبًا ولا يُستحلفون كما قال في الرواية الأخرى، وجاء في رواية: (تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته) (٢)، والحلف يسمى شهادة، قال اللَّه تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ الآية [النور: ٦]، انتهى.\nقال الكرماني (٣): فإن قلت: تقديم الشهادة على اليمين وعكسه ورد؟ قلت: أراد حرصهم عليها وقلة مبالاة بالدين بحيث تارة يكون هذا وتارة عكسه.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٥٩).\n(٢) أخرجه البخاري في \"صحيحه\" (٢٦٥٢).\n(٣) انظر: \"شرح الكرماني\" (١١/ ١٧٣).","vol":"9","page":586},{"text":"وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"وَيَحْلِفُونَ وَلَا يُسْتَحْلَفُونَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٥٠، م: ٢٥٣٥].\n٦٠١١ - [٥] وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: \"ثُمَّ يَخْلُفُ قَوْمٌ يُحِبُّونَ السِّمَانَةَ\". [م: ٢٥٣٥].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1296> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٦٠١٢ - [٦] عَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَكْرِمُوا أَصْحَابِي فَإِنَّهُمْ خِيَارُكُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَظْهَرُ الْكَذِبُ،\nــ\nوقوله: (ويخونون ولا يؤتمنون) أي: يعتادون الخيانة بحيث يكون ظاهره لا يبقى معها ثقة بخلاف من صدر عنه الخيانة مرة واحدة في أمر حقير.\nوقوله: (ولا يفون) من الوفاء.\nوقوله: (ويظهر فيهم السمن) بكسر السين وفتح الميم، في (القاموس) (١): سمن كسمع سمانة بالفتح، وسِمَنًا كعنب، فهو سامن وسمين، وقيل: يجيء من باب كرم أيضًا، قيل: كأنه استعار السمن في الأحوال من السمن في الأبدان، فالمراد: يتكبرون بما ليس فيهم، ويدَّعون ما ليس لهم من الشرف والكمال، وقيل: أراد جمعهم المال والغفلة عن الدين، وقيل يحبون التوسع في المآكل والمشارب، وقيل: محمول على ظاهره وهو كثرة اللحم، والمذموم منه ما يَسْتكسبُه بالتوسع في الأكل لا من فيه ذلك خلقة، وقد ورد: إن اللَّه لا يحب الحبر السمين.\nالفصل الثاني\n٦٠١٢ - [٦] (عمر) قوله: . . . . .\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٠٨٧).","vol":"9","page":587},{"text":"حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَحْلِفُ وَلَا يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدُ وَلَا يُسْتَشْهَدُ، أَلَا مَنْ سَرَّهُ بُحْبُوحَةُ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْفَذِّ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ، وَلَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَان ثَالِثُهُمْ، وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ\". رواه. [حم: ١/ ٢٦، ت: ٢١٦٥].\n٦٠١٣ - [٧] وَعَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا تَمَسُّ النَّارُ مُسْلِمًا رَآنِي أَوْ رَأَى مَنْ رَآنِي\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٥٧].\nــ\n(بحبوحة الجنة) بضم الموحدتين وسكون المهملة الأولى وفتح الثانية، أي: وسطها، وبحبوحة الدار وسطها وخيارها، بحبح يبحبح: تمكَّن في المقام، والدار: توسَّطَها.\nوقوله: (فليلزم الجماعة) أي: ما عليه جماعة الصحابة والتابعين وأتباعهم الذين هم خير القرون، لما ورد: (عليكم بالسواد الأعظم)، و(الفذ) بفتح الفاء وتشديد الذال المعجمة: الفرد، والمراد: المستبد برأيه دون رأي الجماعة، و(الأبعد) بمعنى أصل الفعل.\nوقوله: (بامرأة) أي: أجنبية.\nوقوله: (ثالثهم) الظاهر أن يكون الثالث هنا بمعنى التصغير (١) لكن الإضافة إلى ضمير الجمع تقتضي أن يكون لبيان الحال، فالمراد: ثالث الثلاثة الذين هم الرجل والمرأة والشيطان، فافهم.\nوقوله: (رواه) في الأصل هنا بياض، وكتب في الهامش: النسائي، وإسناده صحيح ورجاله رجال الصحيح إلا إبراهيم بن الحسن الخثعمي فإنه لم يخرج له الشيخان، وهو ثقة ثبت.\n٦٠١٣ - [٧] (جابر) قوله: (لا تمس النار مسلمًا رآني أو رأى من رآني) يعني:\n_________\n(١) كذا في الأصول.","vol":"9","page":588},{"text":"٦٠١٤ - [٨] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِي، لَا تَتَّخِذُوهُمْ غَرَضًا مِنْ بَعْدِي، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ فَبِحُبِّي أَحَبَّهُمْ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ فَبِيُغْضِي أَبْغَضَهُمْ، وَمَنْ آذَاهُمْ فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللَّهَ، وَمَنْ آذَى اللَّهَ فَيُوشِكُ أَنْ يَأْخُذَهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٨٦٢].\n٦٠١٥ - [٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَثَلُ أَصْحَابِي فِي أُمَّتِي كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ لَا يَصْلُحُ الطَّعَامُ إِلَّا بِالْمِلْحِ\". قَالَ الْحَسَنُ: فَقَدْ ذَهَبَ مِلْحُنَا فَكَيْفَ نَصْلُحُ؟ . رَوَاهُ فِي \"شرح السّنة\". [شرح السنة: ٣٨٦٣].\nــ\nومات على إسلامه، فعلى هذا وجب أن يقال: كل صحابي وتابعي بل كل مسلم في الجنة، لكن الصحابي والتابعي والمسلم في الحقيقة هو الذي مات على الإيمان، وهو إنما يعلم بإخبار المخبر الصادق بموته على الإيمان وبتبشيره بذلك، وبهذا خصَّص جماعة ببشارة الجنة، ويمكن أن يجعل هذا بشارة بالموت على الإيمان لمن رآه أو رأى من رآه كما قيل في قوله -ﷺ-: (من زار قبري وجبت له الجنة)، وفي رواية: (وجبت له شفاعتي)، لكن دل هذا الحديث على أن هذه الخصوصية تكون للقرنين لا للقرن الثالث وإن شاركوا في الخيرية ممن بعدهم، فتدبر.\n٦٠١٤ - [٨] (عبد اللَّه بن مغفل) قوله: (اللَّه اللَّه في أصحابي) بالنصب بتقدير: اتقوا اللَّه في حق أصحابي، أي: لا تذكُروهم إلا بالخير، أو: أنشدكم اللَّه في حقهم، و(الغرض) محركة: الهدف يرمى فيه، والإضافة في (حبي) و(بغضي) إلى المفعول، يعني حبهم يستلزم حبي، وبغضهم بغضي، أعاذنا اللَّه من ذلك.\n٦٠١٥ - [٩] (أنس) قوله: (لا يصلح الطعام إلا بالملح. . . إلخ)، صرح بوجه","vol":"9","page":589},{"text":"٦٠١٦ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِي يَمُوتُ بِأَرْضٍ إِلَّا بُعِثَ قَائِدًا وَنُورًا لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٨٦٥].\nوَذُكِرَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ \"لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ\" فِي \"بَابِ حِفْظِ اللِّسَانِ\".\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1297> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٦٠١٧ - [١١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَسُبُّونَ أَصْحَابِي فَقُولُوا: لَعْنَةُ اللَّه عَلَى شَرِّكُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٦٦].\n٦٠١٨ - [١٢] وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"سَأَلْتُ رَبِّي عَنِ اخْتِلَافِ أَصْحَابِي مِنْ بَعْدِي، فَأَوْحَى إِلَيَّ: . . . . .\nــ\nالتشبيه لئلا يتوهم شيءآخر، كما قيل في القول المشهور بين الناس: النحو في الكلام كالملح في الطعام، من كون القليل منه مصلحًا والكثير مفسدًا، فمن هذا الحديث أيضًا علم أن وجه التشبيه هنالك هو الصلاح باستعماله والفساد بإهماله.\n٦٠١٦ - [١٠] (عبد اللَّه بن بريدة) قوله: (يموت بأرض) الظاهر أن المراد دفنه فيها، واللَّه أعلم.\nالفصل الثالث\n٦٠١٧ - [١١] (ابن عمر) قوله: (لعنة اللَّه على شركم) أي: لعنة اللَّه عليكم بناء على شركم، أو هو احتياط باللعن على فعله دون ذاته رعاية للإنصاف وإن كان في الحقيقة راجعًا إلى الفاعل، فافهم.\n٦٠١٨ - [١٢] (عمر بن الخطاب) قوله: . . . . .","vol":"9","page":590},{"text":"يَا مُحَمَّدُ إِنَّ أَصْحَابَكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ بَعْضُهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ، وَلِكُلٍّ نُورٌ، فَمَنْ أَخَذَ بِشَيْءٍ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ فَهُوَ عِنْدِي عَلَى هُدًى\" قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ فَبِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ\". رَوَاهُ رَزِينٌ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1298>٣ - باب مناقب أبي بكر</span>\nــ\n(فهو عندي على هدى) وهذا كقوله -ﷺ-: (اختلاف أمتي رحمة)، ويدل على أن المراد اختلاف العلماء المجتهدين وإن أجمعوا فذلك أعلى وأتم.\n٣ - باب مناقب أبي بكر الصديق -﵁-\nقد وردت أحاديث كثيرة في فضائله -﵁- من الصحاح والحسان والضعاف، وقد يروى حكم بعض المحدثين بوضع بعضٍ، منها حديث: إن اللَّه يتجلى يوم القيامة للناس عامة ولأبي بكر خاصة، وحديث: ما صب اللَّه في صدري شيئًا إلا وصببته في صدر أبي بكر، وحديث: كان -ﷺ- إذا اشتاق إلى الجنة قبل شيبته، وحديث: أنا وأبو بكر كفرسي رهان، وحديث: إن اللَّه لما اختار الأرواح اختار روح أبي بكر، كذا ذكر الشيخ مجد الدين الشيرازي في (سفر السعادة) (١)، وقال: بطلانها معلوم بديهية العقل، انتهى. ولعل ذلك لأنه يلزم منها فضل أبي بكر على سائر الخلق من الأنبياء وغيرهم، ويلزم مساواته لسيد المرسلين -ﷺ-، ويلزم ما هو خارج عن دائرة العقل والعادة، ولا يذهب أنه إن بُيِّنَ بطلانها بالتكلم في أسانيدها ورجالها فمسلَّم، وإلا\n_________\n(١) \"سفر السعادة\" (ص: ١٤٧).","vol":"9","page":591},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1299> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٦٠١٩ - [١] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ -وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ: أَبَا بَكْرٍ-. . . . .\nــ\nيمكن تأويلها بما يطابق الحق والعقل والعادة، وباب التأويل غير مسدود بعد أن صح الحديث، وحديث: إن اللَّه يتجلى للناس، أورده في (تنزيه الشريعة) (١) عن أنس وقال: رواه الخطيب وأبو نعيم وابن حبان في (الضعفاء) وحكم الذهبي بوضعه، وأثبته أبو نعيم وحسنه بعضهم، وأورده الحاكم في (المستدرك) وذكره الغزالي في (الإحياء)، واللَّه أعلم.\nالفصل الأول\n٦٠١٩ - [١] (أبو سعيد الخدري) قوله: (إن من أمن الناس عليّ) من المن بمعنى العطاء لا من المنة، أي: من أبذلهم وأسمحهم علي، وليس لأحد أن يمن على رسول اللَّه -ﷺ-، فلله المنة ولرسوله على كل أحد، وقيل بعد حمله على معنى العطاء أيضًا: على بمعنى أجل، أي: أكثر الناس بذلًا لنفسه وماله لأجلي.\nوقوله: (أبو بكر) هكذا بالرفع في (صحيح مسلم)، وعند البخاري: (أبا بكر) بالنصب وهو الظاهر، ووجِّه الرفع بأن يكون (من) زائدة على مذهب الأخفش، وقيل: (إنَّ) بمعنى نعم فيكون (أبو بكر) مبتدأ و(من أمن الناس) خبره، وقيل: اسم (إن) ضمير الشأن وهو نادر مع إنَّ المكسورة كما عرف في النحو، والأوجه ما ذكره بعضهم أنه محكي على ما هو عليه، وقد ثبت من قول أمير المؤمنين علي فيما أقطعه رسول اللَّه -ﷺ- تميمًا الداري: شهد به أبو بكر بن أبو قحافة وعلي بن أبو طالب ومعاوية\n_________\n(١) \"تنزيه الشريعة\" (ص: ٣٧٢).","vol":"9","page":592},{"text":"وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا تُبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ خَوْخَةٌ إِلَّا خَوْخَةَ أَبِي بَكْرٍ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٩٠٤، م: ٢٣٨٢].\nــ\nابن أبو سفيان، على ما ذكر في توجيه قول أبي حنيفة -﵁-: لا ولو رماه بأبا قبيس.\nوقوله: (ولو كنت متخذًا خليلًا) الظاهر أنه من الخلة بضم الخاء بمعنى الصداقة والمحبة المتخللة في باطن قلب المحب الداعية إلى اطلاع المحبوب على سره، أي: لو جاز لي أن أتخذ صديقًا من الخلق تتخلل محبته في باطن قلبي يكون مطلعًا على سري لاتخذت أبا بكر، ولكن ليس لي محبوب بهذه الصفة إلا اللَّه، وإنما محبتي للخلق على ظاهر قلبي، ولا يطلع على سري إلا هو سبحانه، ويجوز أن يكون من الخلة بالفتح بمعنى الحاجة، أي: لو اتخذت صديقًا أراجع إليه حاجاتي وأعتمد عليه في مهماتي لاتخذت أبا بكر، ولكن اعتمادي في جميع أموري إلى اللَّه وهو ملجئي وملاذي، وهذا المعنى أقرب وأنسب بسياق الحديث، ولكنهم حكموا بأن الأول أوجه، فافهم.\nوقيل: الخلة بالفتح بمعنى الخصلة، وهي إشارة بالتخلق بأخلاق اللَّه سبحانه.\nوقوله: (ولكن أخوة الإسلام ومودته) خبره محذوف، أي: ثابت، وقيل: الأحسن أن يقدر مثل قولنا: أتم وأكمل من غيره، و(الخوخة) بالفتح: كوة تؤدي الضوء إلى البيت، ومخترَقُ ما بين كل دارين، وكان في البيوت اللاصقة بالمسجد مخترقًا يمرون منه إلى المسجد وينظرون منها إليه، فأمر بسد جملتها سوى خوخة أبي بكر تكريمًا له وتفضيلًا على سائر أصحابه.","vol":"9","page":593},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقيل: كان فيه تعريض باستخلافه، ومنع من أن يتمناها غيره، وسدّ باب مقالته، إذ كان ذلك في آخر خطبة خطبها، وقيل: هذا هو المعنى المتعيِّن إذ لم يصح أن الصديق كان له منزل بجنب مسجده -ﷺ-، وإنما كان منزله بالسُّنح من عوالي المدينة، ولهذا مهّد هذا المعنى بقوله: (ولو كنت متخذًا خليلًا) أي: صاحبًا يعتمد عليه في الأمور.\nوالتحقيق أنه كان له -﵁- في جوار المسجد الشريف منزل ومنزل آخر في عوالي المدينة فيه مسكنه، وكان له منازل متعددة بتعدد الزوجات، وجاء في بعض الروايات أنه لما أمر -ﷺ- بسدّ الأبواب والخوخات إلا خوخة أبي بكر تكلم الناس في ذلك، قالوا: أمر بفتح باب صديق وسد أبواب سائر الصحابة، فقال -ﷺ-: (إني ما فعلت ذلك من عند نفسي وإنما فعلت بأمر اللَّه تعالى)، وروي: أن عمر -﵁- سأل أن يترك في جدار بيته كوة ينظر إلى رسول اللَّه -ﷺ- حين يخرج للصلاة إلى المسجد فقال رسول اللَّه -ﷺ-: (لا ولو كان روزنةً مثل سُمِّ الخِيَاط).\nثم اعلم أن الحافظ ابن حجر العسقلاني قال في شرح (صحيح البخاري) (١): إنه قد جاء في هذا الباب أحاديث بطرق متعددة تخالف بظاهرها الحديث المذكور في باب أبي بكر، منها حديث سعد بن أبي وقاص قال: أمر رسول اللَّه -ﷺ- بسد الأبواب التي كانت إلى المسجد إلا باب علي، أخرجه أحمد والنسائي وإسناده قوي، وأخرج الطبراني في (الأوسط) بنقل الثقات: أن الصحابة اجتمعوا وقالوا: يا رسول اللَّه! أمرت بسدّ أبواب الأصحاب وفتحت باب علي؟ قال: (لا سددت أنا ولا فتحت بل اللَّه تعالى سدّ\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٧/ ١٤).","vol":"9","page":594},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوفتح، وإني أمرت بسدّ الأبواب إلا باب علي)، وكذا أخرج أحمد والنسائي عن ابن عباس وابن عمر نحوه.\nقال الشيخ: وكل من هذه الأحاديث يصلح حجة لاسيما وقد تعاضد بعضها ببعض وقويت، وقال: حكم ابن الجوزي على هذا الحديث الذي ورد في شأن علي -﵁- بالوضع وتكلم على بعض طرقه لمخالفته الأحاديث الصحيحة التي وردت في شأن أبي بكر، وقال: وضعته الروافض في معارضتها.\nورد الشيخ ابن حجر على ابن الجوزي في حكمه بوضع هذا الحديث بمجرد توهم معارضته بحديث أبي بكر، قال: لحديث علي طرق كثيرة بلغ بعضها حد الصحة وبعضها مرتبة الحسن، ولا معارضة بينه وبين الحديث الوارد في شأن أبي بكر، ووجه التوفيق: أن الأمر بسد الأبواب وفتح باب علي كان في أول الأمر عند بناء المسجد، وكان لعلي -﵁- باب في جانب المسجد يدخل ويخرج منه، وقد صح أن رسول اللَّه -ﷺ- قال لعلي -﵁-: لا يدخل هذا المسجد جنبًا إلا أنا وأنت، والأمر بسد الخوخات إلا خوخة أبي بكر كان في آخر الأمر في مرضه حين بقي من عمره ثلاثة أيام أو أقل، والدليل على ذلك ما أورده ابن زبالة: أنه لما أمر رسول اللَّه -ﷺ- بسد الأبواب إلا باب علي جاء حمزة بن عبد المطلب بعد ما توقف في امتثال هذا الأمر أدنى وقفة وعيناه ترمدان ويسيل الماء منهما، وقال: يا رسول اللَّه! أخرجت عمك وأدخلت ابن عمك؟ قال رسول اللَّه -ﷺ-: (يا عماه! إني أمرت بهذا ولا اختيار لي في ذلك)، فبذكر حمزة في هذه القصة علم أنه كان مقدمًا لأن حمزة -﵁- استشهد بأحد، وجاء في رواية: أنه خطب رسول اللَّه -ﷺ- وقال: (أوحى اللَّه تعالى إلى موسى أن يبني مسجدًا مطهرًا لا يسكن إلا أنت وهارون وابناه شبر وشبير، كذلك أوحى اللَّه إلي أن أبني مسجدًا مطهرًا لا يسكن","vol":"9","page":595},{"text":"٦٠٢٠ - [٢] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي، وَقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٨٣].\n٦٠٢١ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي مَرَضِهِ: \"ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ، وَيَقُولَ قَائِلٌ: أَنَا وَلَا، وَيَأْبَى اللَّه وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ\". . . . .\nــ\nفيه إلا أنا وعلي وابناه الحسن والحسين)، والكلام في هذا الباب مبسوط ذكرناه في (تاريخ المدينة) واللَّه أعلم.\n٦٠٢٠ - [٢] (عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (ولكنه أخي) وزاد أحمد: (في الدين)، و(صاحبي) زاد: (في الغار)، كذا ذكر السيوطي.\nوقوله: (وقد اتخذ اللَّه صاحبكم خليلًا) دل على وجود المخالَّة من الطرفين، وهكذا الشأن لأن المحبة نسبة مشتركة بين المحب والمحبوب، ففعيل ههنا يحتمل كونه بمعنى الفاعل وبمعنى المفعول، ولو جوِّز استعمال المشترك في معنييه لكان محمولًا على كلا المعنيين وهو الأنسب الأوفق بالحال، ومنه يعلم أن الخلة حاصلة لنبينا -ﷺ- بل كانت فيه أتم وأكمل وليست مخصوصة بإبراهيم -ﷺ-، ولهذا قال الإمام الغزالي: الخلة أكمل من المحبة، وهو -ﷺ- جامع بين مرتبتي الخلة والمحبة، فافهم وباللَّه التوفيق.\n٦٠٢١ - [٣] (عائشة) قوله: (وأخاك) عطف على (أبا بكر)، قال النووي: وأما طلبه لأخيها فالمراد أنه يكتب الكتاب، والمراد بـ (أكتب): آمر بالكتابة.\nوقوله: (أنا ولا) أي: أنا أستحق الخلافة ولا يستحقها غيري.","vol":"9","page":596},{"text":"رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَفِي \"كِتَابِ الْحميدِي\": \"أَنَا أولى\" بدل \"أَنَا وَلَا\". [م: ٢٣٨٧].\n٦٠٢٢ - [٤] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَتَتِ النَّبِيَّ -ﷺ- امْرَأَةٌ فَكَلَّمَتْهُ فِي شَيْءٍ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّه! أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ؟ كَأَنَّهَا تُرِيدُ الْمَوْتَ. قَالَ: \"فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٥٩، م: ٢٣٨٦].\n٦٠٢٣ - [٥] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ قَالَ: فَأَتَيْتُهُ،\nــ\nوقوله: (وفي كتاب الحميدي: أنا أولى)، ونقل الطيبي عن عياض أنه قال: هذه الرواية أجود.\n٦٠٢٢ - [٤] (جبير بن مطعم) قوله: (فأتي أبا بكر) قيل: هو نص في استخلاف أبي بكر بعده -ﷺ-، وليس بنص في الاستخلاف، وقد اتفق أهل السنة والجماعة أن لا نص في باب الخلافة في أحد من الجانبين، وقد ادعى بعضهم النص على خلافة أبي بكر، وقد ضبط الكلام فيه الشيخ ابن الهمام في كتاب (المسايرة)، ويدعي الشيعة النص على استخلاف علي -﵁-.\n٦٠٢٣ - [٥] (عمرو بن العاص) قوله: (على جيش ذات السلاسل) السلاسل رمل ينعقد بعضه ببعض، ولما بعث ذلك الجيش إلى تلك الأرض أضيف إليها كذا قال الطيبي (١). وقال صاحب (المواهب) (٢): سميت بذلك لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا، وقيل: لأن بها ماء يقال له: السلسل، وراء ذات القرى، من\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٢/ ٣٨٤٩).\n(٢) \"المواهب اللدنية\" (١/ ٣٦٥).","vol":"9","page":597},{"text":"فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: \"عَائِشَةُ\". قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: \"أَبُوهَا\". قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: \"عُمَرُ\". فَعَدَّ رِجَالًا فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٣٥٨، م: ٢٣٨٤].\n٦٠٢٤ - [٦] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ النَّبِيِّ -ﷺ-؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: عُمَرُ. وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ: عُثْمَانُ. قُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ؟ قَالَ: \"مَا أَنَا إِلَّا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٦١٧].\nــ\nالمدينة على عشرة أيام، بعثه -ﷺ- إليها، فعقد له لواء أبيض، وجعل معه راية سوداء في ثلاث مئة من سراة المهاجرين والأنصار، فلما قرب منهم [بلغه أن لهم جمعًا كبيرًا، فبعث رافع بن مكيث الجهني إلى رسول اللَّه -ﷺ-] يستمده، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح، وعقد له لواء، وبعث معه مئتين من سراة المهاجرين والأنصار وفيهم أبو بكر وعمر، فأمره أن يلحق بعمرو ولا يختلفا، فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس، فقال عمرو: إنما قَدِمتَ عليَّ مددًا وأنا الأمير، فأطاع له بذلك أبو عبيدة، فكان عمرو يصلي بالناس، وسار حتى وصل إلى العدو فحمل عليهم المسلمون فهربوا في البلاد فتفرقوا، كذا في (المواهب اللدنية)، فكان سبب سؤال عمرو (أيّ الناس أحب إليك؟) أنه لما أمَّره النبي -ﷺ- وفيهم أبو بكر وعمر وقع في نفسه أنه مقدم عنده في المنزلة عليهم فأجاب بما قطع طمعه.\n٦٠٢٤ - [٦] (محمد بن الحنفية) قوله: (ما أنا إلا رجل من المسلمين) هذا تواضع منه -﵁- وكرم وجهه مع العلم بأنه حين المسألة خير الناس لأنه بعد قتل عثمان،","vol":"9","page":598},{"text":"٦٠٢٥ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- لَا نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا، ثُمَّ عُمَرَ، ثُمَّ عُثْمَانَ، ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ -ﷺ- لَا نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٦٩٧].\nوَفِي رِوَايَةٍ لأَبِي دَاوُدَ قَالَ: كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَيٌّ: أَفْضَلُ أُمَّةِ النَّبِيِّ -ﷺ- بَعْدَهُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثم عُثْمَانُ -﵃-. [د: ٤٦٢٨].\nــ\nكذا قال الشيخ ابن حجر (١).\n٦٠٢٥ - [٧] (ابن عمر) قوله: (لا نفاضل بينهم) قالوا: أراد الشيوخ وذوي الأسنان الذين إذا حزب النبيَّ -ﷺ- أمرٌ شاورهم، وعليٌّ -﵁- كان في زمنه -ﷺ- حديث السن، وإلا فأفضليته من ورائهم لا ينكرها أحد، وأيضًا التفاضل ثابت بين الصحابة بلا شبهة كأهل بدر وأهل بيعة الرضوان وعلماء الصحابة.\nوأخرج أحمد (٢) عن ابن عمر أنه قال: كنا في زمن رسول اللَّه -ﷺ- نرى خير الناس بعد رسول اللَّه -ﷺ- أبا بكر ثم عمر، وقال: وأما علي بن أبي طالب فقد أوتي ثلاث خصال لو كان لي واحدةٌ منها كان خيرًا من الدنيا وما فيها، زوجَّه رسول اللَّه -ﷺ- بنته فكان له منه ولد، وسد أبواب الناس إلا بابه، وأعطاه راية يوم خيبر.\nوروى النسائي أنه سئل ابن عمر: ما تقول في عثمان وعلي؟ فحدث بهذا الحديث ثم قال: لا تسألوا عن علي ولا تقيسوا أحدًا عليه، [فإنه] سد أبوابنا كلها إلا بابه.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٣).\n(٢) \"مسند أحمد\" (٤٧٩٧).","vol":"9","page":599},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1300> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٦٠٢٦ - [٨] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا لأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدٌ إِلَّا وَقَدْ كَافَيْنَاهُ مَا خَلَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا يَدًا يُكَافِيهِ اللَّه بِهَا يومَ الْقِيَامَةِ، وَمَا نَفَعَنِي مَالُ أَحَدٍ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٦١].\n٦٠٢٧ - [٩] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَخَيْرُنَا وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٥٦].\n٦٠٢٨ - [١٠] وَعَن ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: \"أَنْتَ صَاحِبِي فِي الْغَارِ وَصَاحِبِي عَلَى الْحَوْضِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٧٠].\nــ\nالفصل الثاني\n٦٠٢٦ - [٨] (أبو هريرة) قوله: (إلا وقد كافيناه) في أكثر النسخ هكذا: (كافيناه) بالياء من الكفاية، وفي بعضها: (كافأناه) بالهمزة من كأفاه مكأفاة وكِفاءٍ: جازاه، وهذا المعنى أنسب ويرجع الأول أيضًا إليه، وكذا قوله: (يكافيه)، و(ما) في قوله: (وما نفعني مال أحد) نافية، وفي (ما نفعني مال أبي بكر) مصدرية، أي: مثل نفع مال أبي بكر.\n٦٠٢٧ - [٩] (عمر) قوله: (أبو بكر سيدنا) باعتبار الفضل والرياسة (وخيرنا) من جهة العمل وفعل الخيرات (وأحبنا إلى رسول اللَّه -ﷺ-) وهذا نتيجةُ سيادته وخيريته، بل هو أكمل وجوه السيادة والخيرية.\n٦٠٢٨ - [١٠] (عمر) قوله: (أنت صاحبي في الغار وصاحبي في الحوض)","vol":"9","page":600},{"text":"٦٠٢٩ - [١١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يَنْبَغِي لِقَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّهُمْ غَيْرُهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٦٧٣].\n٦٠٣٠ - [١٢] وَعَن عُمَرَ قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ نَتَصَدَّقَ وَوَافَقَ ذَلِكَ عِنْدِي مَالًا، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا. قَالَ: فجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ \" فَقُلْتُ: مِثْلَهُ. وَأَتَى أَبُو بَكْر بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ. فَقَالَ: \"يَا أَبَا بَكْر؟ مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ؟ \". فَقَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّه وَرَسُولَهُ. قُلْتُ: لَا أَسْبِقُهُ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٣٦٧٥، د: ١٦٧٨].\nــ\nيعني: صاحبي في الدنيا والآخرة، وكونه صاحبًا في الغار فضيلة تفرد بها أبو بكر لم يشاركه فيه أحد.\n٦٠٢٩ - [١١] (عائشة) قوله: (لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره) فيه دليل على فضيلته في الدين على جميع الصحابة، فكان تقديمه في الخلافة أيضًا أولى وأفضل، ولهذا قال سيدنا علي المرتضى -﵁-: قدمك رسول اللَّه -ﷺ- في أمر ديننا فمن الذي يؤخرك في دنيانا؟ .\n٦٠٣٠ - [١٢] (عمر) قوله: (ووافق ذلك) أي: أمره بالتصدق (عندي مالًا) أي: حصول مال عندي.\nوقوله: (إن سبقته يومًا) (إن) نافية، ويجوز أن تكون شرطية، أي: إن أمكن سبقي إياه يومًا فذاك يكون اليوم لوجود سببه.\nوقوله: (وأتى أبو بكر بكل ما عنده) ربما يلوح هذا: أنه وإن كان نصف مالي","vol":"9","page":601},{"text":"٦٠٣١ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"أَنْت عتيقُ اللَّه مِنَ النَّارِ\". فَيَوْمئِذٍ سُمِّيَ عَتيقًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٧٩].\n٦٠٣٢ - [١٤] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ آتِي أَهْلَ الْبَقِيعِ فَيُحْشَرُونَ مَعِي، ثُمَّ أَنْتَظِرُ أَهْلَ مَكَّةَ حَتَّى أُحْشَرَ بَين الْحَرَمَيْنِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٩٢].\n٦٠٣٣ - [١٥] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَأَرَانِي بَابَ الْجَنَّةِ الَّذِي يَدْخُلُ مِنْهُ أُمَّتِي\"،\nــ\nأكثر من كل ماله ولكن فضله باق إذ أتى بكل ما عنده ولم يبق شيئا لأهله، فقد ورد: (أفضل الصدقة جهد المُقِل)، واللَّه أعلم.\n٦٠٣١ - [١٣] (عائشة) قوله: (فيومئذٍ سمي عتيقًا) فعتيق بمعنى المعتق، كحكيم بمعنى المحكم، وقد يقال: سمي عتيقًا لحسنه وجماله ونجابته، والعتق بالكسر: الكرم والجمال والنجابة والحرية.\n٦٠٣٢ - [١٤] (ابن عمر) قوله: (ثم أبو بكر ثم عمر) لكونهما معه في حجرته.\nوقوله: (فيحشرون معي) أي: يجمعون، والحشر في الأصل بمعنى الجمع، ومنه: يوم الحشر، ليوم القيامة، والمحشر مكانُه.\nوقوله: (حتى أحشر بين الحرمين) أي: لي ولهم اجتماع بين الحرمين، ويحتمل أن يكون معناه. أُجمع بين أهل الحرمين.\n٦٠٣٣ - [١٥] (أبو هريرة) قوله: (فأراني باب الجنة) وذلك إما في ليلة المعراج","vol":"9","page":602},{"text":"فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّه! وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ مَعَكَ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَمَا إِنَّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٦٥٢].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1301> الفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٦٠٣٤ - [١٦] عَنْ عُمَرَ ذُكِرَ عِنْدَهُ أَبُو بَكْرٍ فَبَكَى، وَقَالَ: وَدِدْتُ أَنَّ عَمَلِي كُلَّهُ مِثْلُ عَمَلِهِ يَوْمًا وَاحِدًا مِنْ أَيَّامِهِ وَلَيْلَةً وَاحِدَةً مِنْ لَيَالِيهِ، أَمَّا لَيْلَتُهُ فَلَيْلَةٌ سَارَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْغَار، فَلَمَّا انْتهَيَا إِلَيْهِ قَالَ: وَاللَّه لَا تَدْخُلُهُ حَتَّى أَدْخُلَ قَبْلَكَ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ أَصَابَنِي دُونَكَ، فَدَخَلَ فَكَسَحَهُ، وَوَجَدَ فِي جَانِبِهِ ثُقْبًا فَشَقَّ إزَارَهُ وَسَدَّهَا بِهِ وَبَقِي مِنْهَا اثْنَانِ فَأَلْقَمَهُمَا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: ادْخُلْ، فَدَخَل رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَوَضَعَ رَأْسَهُ فِي حَجْرِهِ وَنامَ،\nــ\nأو في وقت آخر.\nالفصل الثالث\n٦٠٣٤ - [١٦] (عمر) قوله: (فليلة سار) بالفتح مبنيًا، وبالرفع بغير تنوين للإضافة، وقد ينون على الوصف.\nوقوله: (فكسحه) أي: كنسه، والريحُ الأرض: قَشَرت عنها التراب، والمكسحة: المكنسة، والكساحة: الكناسة، (ثقبًا) بضم المثلثة وفتح القاف كغرفة وغرف، وثُقْب كقفل وثَقْب كفَلْس لغة فيه.\nوقوله: (فألقمهما رجليه) أي: أدخل رجليه في الثقبين كاللقمة في الفم.\nوقوله: (في حجره) أي: حجر أبي بكر بفتح الحاء وكسرها قبل الجيم.","vol":"9","page":603},{"text":"فَلُدِغَ أَبُو بَكْرٍ فِي رِجْلِهِ مِنَ الْجُحْرِ وَلَمْ يَتَحَرَّكْ مَخَافَةَ أَنْ يَنْتَبِهَ (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَسَقَطَتْ دُمُوعُهُ عَلَى وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فقَالَ: \"مَا لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ \" قَالَ: لُدِغْتُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي، فَتَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَذَهَبَ مَا يَجِدُهُ، ثُمَّ انْتَقَضَ عَلَيْهِ وَكَانَ سَبَبَ مَوْتِهِ، وَأَمَّا يَوْمُهُ فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ارْتَدَّتِ الْعَرَبُ وَقَالُوا: لَا نُؤَدِّي زَكَاةً. فَقَالَ: لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا لَجَاهَدْتُهُمْ عَلَيْهِ. فَقُلْتُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (٢)، تَأَلَّفِ النَّاسَ وَارْفُقْ بِهِمْ. فَقَالَ لِي: . . . . .\nــ\nوقوله: (من الجحر) بتقديم الجيم المضمومة على الحاء.\nوقوله: (ثم انتقض عليه) بالقاف والضاد المعجمة من انتقضت الجراحة، أي: نكست بعد أن اندملت، يعني: رجع أثر السم إليه، قال في (أساس اللغة) (٣): انتقضت: نكست، كذا نقله الطيبي (٤)، ولم نجده في (الصحاح) و(القاموس) و(النهاية) و(مجمع البحار)، واللَّه أعلم.\nوقوله: (لو منعوني عقالًا) بالكسر: الحبل الذي يشد به الإبل من الصدقات، والمراد قيمتها، وفي (القاموس) (٥): العقال ككتاب: زكاة عامٍ من الإبل والغنم، ومنه قول أبي بكر -﵁-: لو منعوني عقالًا، انتهى. وفي رواية: (عناقا) بالفتح وهي الأنثى من أولاد المعز ما لم يتم له سنة كما مرّ.\n_________\n(١) في نسخة: \"أن يَتَنَبَّهَ\".\n(٢) سقطت التصلية في نسخة.\n(٣) \"أساس البلاغة\" (٢/ ٢٩٩)\n(٤) \"شرح الطيبي\" (١٢/ ٣٨٥٣).\n(٥) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٣١).","vol":"9","page":604},{"text":"أَجَبَّارٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَخَوَّارٌ فِي الإِسْلَامِ؟ إِنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ الْوَحْيُ وَتَمَّ الدِّينُ، أَيَنْقُصُ وَأَنا حَيٌّ؟ . رَوَاهُ رَزِينٌ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1302>٤ - باب مناقب عمر</span>\nــ\nوقوله: (وخوار) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الواو بمعنى الضعيف بصيغة المبالغة، والخور بالتحريك: الضعف، أنكر عليه ضعفه ووهنه في أمر الدين في هذه القضية مبالغة، وفي هذا كمال الشجاعة والقوة في الدين للصديق الأكبر -﵁-.\n٤ - باب مناقب عمر -﵁-\nمناقبه كثيرة، ويكفي في ذلك أن اللَّه تعالى أيد به الدين إجابة لدعوة نبيه -ﷺ-، وأعلى من ذلك كله أنه كان يلهم الصواب، ويُلقى في رُوعِهِ الحق، وكان يطابق رأيه الوحي والكتاب، وهو الشيخ المحدَّث المجاب الناطق بالصدق والصواب، ورأيه دليل حقِّيةِ خلافةِ الصديق كما أن قتل عمار بن ياسر دليل حقانية عليٍّ المرتضى رضي اللَّه تعالى عنهم أجمعين.\nوأخرج ابن مردويه عن مجاهد قال: كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن. وأخرج ابن عساكر عن علي -﵁- قال: إن في القرآن لرأيًا من رأي عمر. وأخرج عن ابن عمر مرفوعًا: ما قال الناس في شيء قال فيه عمر إلا جاء القرآن بنحو ما يقول عمر، كذا ذكر السيوطي في (تاريخ الخلفاء) (١).\nوذكر أن موافقات عمر قد أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرين، فمنها اتخاذ مقام\n_________\n(١) \"تاريخ الخلفاء\" (ص: ٩٩ - ١٠١).","vol":"9","page":605},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nإبراهيم مصلًّى، واحتجاب نساء النبي -ﷺ-.\nوقوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، وسيجيء ذكره في أول الفصل الثالث، وإشارته بقتل أسارى بدر، وقصته مذكورة في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: ٦٧]، وفي تحريم الخمر حيث قال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، ولما نزل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ الآية [المؤمنون: ١٢]، قال -﵁-: فتبارك اللَّه أحسن الخالقين، فنزلت: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] في قصة موت عبد اللَّه بن أبيٍّ وصلاته -ﷺ-، وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، روي أنهم كانوا قبل نزول هذه الآية إذا صلوا العشاء حرم عليهم الطعام والشراب والجماع، وكان عمر يتمنى أن تحل لهم هذه الأشياء إلى طلوع الفجر، ووقع ليلة على أهله فجاء إلى رسول اللَّه -ﷺ- يترخص في ذلك، فنزلت، ولما استشار رسول اللَّه -ﷺ- الصحابة في الخروج إلى بدر أشار عمر بالخروج فنزلت: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ الآية [الأنفال: ٥]، واستشارهم -ﷺ- في قصة الإفك قال عمر: من زوجكها يا رسول اللَّه؟ قال: اللَّه، قال: أفتظن أن ربك دلَّس عليك فيها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، فنزلت كذلك. وجاء أن يهوديًّا لقي عمر فقال: إن جبريل الذي يذكره صاحبكم عدو لنا، لو نزل ميكائيل لآمنا به، فقال عمر: من كان عدوًا للَّه وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن اللَّه عدو له فنزلت، ولما نزل قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣ - ١٤] بكى عمر وقال: يا رسول اللَّه! آمنا باللَّه وبرسوله وصدقنا كلامه وينجو منا قليل؟ فنزل قوله","vol":"9","page":606},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nتعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩ - ٤٠]، فأرسل رسول اللَّه -ﷺ- إلى عمر وقال: قد أنزل اللَّه تعالى فيما قلت، وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ الآية [النساء: ٦٥]، وقصته أنه اختصم رجلان إلى النبي -ﷺ- فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه: ردنا إلى عمر بن الخطاب، فأتيا إليه، فقال الرجل: قضى رسول اللَّه -ﷺ- على هذا، فقال: ردنا إلى عمر، فقال: أكذلك؟ قال: نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما، فخرج إليهما مستلًّا عليه سيفه فضرب الذي قال: ردنا إلى عمر، فقتله، فأنزل اللَّه تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]، فأهدر دم الرجل وبرئ عمر من قتله، وكذلك آية الاستئذان في الدخول، وذلك أنه دخل عليه غلامه وكان نائمًا، فقال: اللهم حرم الدخول، فنزلت آية الاستئذان، وقوله في اليهود: إنهم قوم بهت، وتلاوة: الشيخ والشيخة إذا زنيا، الآية، وقوله يوم أحد لما قال أبو سفيان: أفي القوم فلان؟ ألا نجيبه؟ فوافقه رسول اللَّه -ﷺ- فقال: كلهم حاضرون فمن تطلبهم؟ فقال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال عمر: اللَّه مولانا ولا مولى لكم، فنزل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١].\nوروي أن كعب الأحبار قال: ويل لملك الأرض من ملك السماء، فقال عمر: إلا ما حاسب نفسه، فقال كعب: والذي نفسي بيده إنها في التوراة تابِعَتها، فخرّ عمر ساجدًا.\nوقال السيوطي: رأيت في (الكامل) لابن عدي من طريق عبد اللَّه بن نافع وهو ضعيف عن أبيه عن ابن عمر: أن بلالًا كان يقول إذا أذَّن: أشهد أن لا إله إلا اللَّه،","vol":"9","page":607},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1303> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٦٠٣٥ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَقَدْ كَانَ فِيمَا قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، فَإِنْ يَكُ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فإِنَّهُ عُمَرُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٨٩، م: ٢٣٩٨].\nــ\nفقال عمر -﵁-: قل في أثرها: أشهد أن محمدا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: قل كما قال عمر، وروي: أنه أكثر رسول اللَّه -ﷺ- الاستغفار لقوم فقال عمر -﵁-: سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر اللَّه لهم، فنزلت كذلك.\nفهذه عشرون خصلة، ولو اعتبر آيات الخمر متعددة كما في القرآن يزيد عشرين، واللَّه أعلم.\nالفصل الأول\n٦٠٣٥ - [١] (أبو هريرة) قوله: (لقد كان فيما قبلكم محدَّثون) في (القاموس) (١): المحدَّث كمعظم: الصادق، وفي (النهاية) (٢): المحدث: الملهم، كأنه حدث بشيء فقاله، وفي (مجمع البحار) (٣): أي: من لقي في نفسه شيئًا فيخبر به حدسًا وفراسة يخص بها اللَّه من يشاء، وقيل: مصيبٌ إذا ظن فكأنه حدِّث به، وقيل: تكلمهم الملائكة، وروي: (مكلمون).\nوقوله: (فإن يك في أمتي أحد) لم يرد به التردُّد فإن أمته أفضل الأمم، بل التأكيد نحو: إن كنتُ عملتُ لك فوفني حقي، وكقولك: إن يك لي صديق فإنه فلان، تريد\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٥٣).\n(٢) \"النهاية\" (١/ ٣٥٠).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٦٤).","vol":"9","page":608},{"text":"٦٠٣٦ - [٢] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ قُمْنَ فَبَادَرْنَ الْحِجَابَ، فَدَخَلَ عُمَرُ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَضْحَكُ فَقَالَ: أَضْحَكَ اللَّه سِنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّه. فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ\" قَالَ عُمَرُ: يَا عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ! أَتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-؟ . . . . .\nــ\nاختصاصه بكمال الصداقة.\nهذا وقيل: يحتمل أن يكون هو على ظاهره؛ لأن الحكمة في وجودهم في بني إسرائيل احتياجهم إلى ذلك حيث لا يكون بينهم نبي، ويطرأ على كتبهم التبديل، فاحتمل عنده -ﷺ- أن لا تحتاج هذه الأمة إلى ذلاك لاستغنائها بالقرآن المأمون تبديله، كذا قال السيوطي (١)، والوجه هو الأول، واللَّه أعلم.\n٦٠٣٦ - [٢] (سعد بن أبي وقاس) قوله: (وعنده نسوة من قريش) يريد أزواجه -ﷺ-، ولعل التعبير عنهن بهذا العنوان لعزتهن وغلبتهن.\nوقوله: (ويستكثرنه) أي: يطلبن منه أكثر مما يعطيهن من النفقة وغيرها.\nوقوله: (عالية) بالرفع على الوصف، وبالنصب على الحال.\nوقوله: (أضحك اللَّه سنك) كناية عن السرور.\nوقوله: (أتهبنني) بلفظ المخاطب من هاب يهاب هيبة ومهابة: خافه، والهيبة: المخافة، كذا قال في (القاموس) (٢)، وقيل: الهيبة: الإجلال والتوقير.\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٩/ ٣٨٩٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ١٣٣).","vol":"9","page":609},{"text":"فَقُلْنَ: نَعَمْ أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِيهٍ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا قَطُّ إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٨٣، م: ٢٣٩٦].\nوَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ: زَادَ الْبَرْقَانِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ: . . . . .\nــ\nوقوله: (أنت أفظ وأغلظ) منه، أراد المبالغة والزيادة في فظاظة عمر وغِلَظِه بالنسبة إلى بعضِ مَن عداه لا بالنسبة إلى رسول اللَّه -ﷺ-، فإنه لم يكن فيه فظاظة وغلظة أصلًا؛ لقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، وقد يراد باسم التفضيل مطلق الزيادة والمبالغة في الفعل، والفظ: الغليظ الجانب، الخشن الكلام، والغلظة مثلثة، والغلاظة بالكسر [و] كعنب ضد الرقة.\nوقوله: (إيه) بكسر الهمزة وهاء، أي: هات، استزاد منه الحديث توقيرًا لجانبه، ولذا عقبه بالمدح، وفي (القاموس) (١): بكسر الهمزة والهاء، وفتحها (٢)، وتنون المكسورة: كلمة استزادة واستنطاق، وفي (المشارق) (٣): (إيهٍ) مكسورة منونة كلمة استزادة من حديث لا يعرفه، وإيهِ غير منونة استزادة من حديث يعرفه، وقال يعقوب: يقال للرجل إذا استزدته من عمل أو حديث: إيهِ، فإن وصلت قلت: إيهٍ حدثنا، فتنوِّن، قال ثابت: (إيهِ) كلمة استزادة واستنطاق وقد تنون، انتهى.\nو(الفج) الطريق الواسع في الجبلين كالفجاج بالضم.\nو(البرقاني) بكسر الموحدة وفتحها وسكون الراء، وبالقاف والنون، نسبة إلى\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١١٩).\n(٢) أي: بكسر الهمزة مع فتح الهاء.\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٥٦).","vol":"9","page":610},{"text":"يَا رَسُولَ اللَّه: \"مَا أَضْحَكَكَ\".\n٦٠٣٧ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه (١) -ﷺ-: \"دَخَلْتُ الجَنَّةَ فَإِذَا أَنَا بِالرُّمَيْصَاءِ امْرَأَةِ أَبِي طَلْحَةَ، وَسَمِعْتُ خَشَفَةً فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا بِلَالٌ، وَرَأَيْتُ قَصْرًا بِفِنَائِهِ جاريةٌ فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ ابْنِ الْخَطَّابِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَهُ فَأَنْظُرَ إِلَيْهِ فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ\". . . . .\nــ\nبرقان قرية من قرى خوارزم، وفي (المغني) (٢): ذكر من رآها أنها بكسر باء، وكثيرًا ما يقال بالفتح، وبرقانة بالكسر قرية بخوارزم وقرية بجرجان، كذا في (القاموس) (٣)، والنسبة إليه برقاني بالكسر، وكثير ما يقال بالفتح، وقيل: بتثليث الموحدة.\n٦٠٣٧ - [٣] (جابر) قوله: (فإذا أنا بالرميصاء) براء مضمومة وفتح ميم وإهمال صاد: اسم أم سليم أم أنس، والرَّمص محركة: وسخ أبيض يجتمع في الموق، رَمِصت عينه، كفرح، والنعت: أرمص ورمصاء. وكأمير، كذا في (القاموس) (٤)، والغمص بالغين المعجمة: ما سال من الرَّمَص، كذا في (القاموس) (٥)، وفي (النهاية) (٦): الرمص: الرطب منه، والغمص: اليابس.\nو(الخشف) والخشفة بسكون الشين وفتحها: الصوت، والحركة، والحس الخفي، و(فناء) الدار بالكسر: ما اتسع من أمامها.\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".\n(٢) \"المغني في ضبط أسماء الرجال\" (ص: ٤٦).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٧٨٠).\n(٤) المصدر السابق (ص: ٥٥٨).\n(٥) المصدر السابق (٥٦١).\n(٦) \"النهاية\" (٢/ ٢٦٣).","vol":"9","page":611},{"text":"فَقَالَ عُمَرُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّه! أَعَلَيْكَ أَغَارُ؟ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٧٩، م: ٢٣٩٤].\n٦٠٣٨ - [٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ\" قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"الدِّينَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٩١، م: ٢٣٩٠].\nــ\nوقوله: (أعليك أغار؟) من باب القلب، والأصل: أعليها أغار منك؟ وزاد عبد العزيز: وهل رفعني اللَّه إلا بك، وهل هداني اللَّه إلا بك، كذا ذكر السيوطي (١).\n٦٠٣٨ - [٤] (ابن عمر) قوله: (وعليهم قمص) بضمتين: جمع قميص ويؤنث، ولا يكون إلا من القطن، وأما من الصوف فلا، كذا في (القاموس) (٢).\nوقوله: (ما يبلغ الثدي) بضم الثاء وكسر الدال وتشديد الياء جمع ثدي كحلي، وروي بالإفراد، وفي (القاموس) (٣): الثدي بالفتح ويكسر وكالثرى، خاص بالمرأة أو عام.\nوقوله: (ومنها ما دون ذلك) أي: لم يبلغ الثدي لقصره، هكذا فسروه.\nوقوله: (الدين) بالنصب، أي: أولته الدين، ويروى بالرفع، أي: المؤوَّل هو الدينُ، ولعل قميص أبي بكر يكون أطول منه لكن المقام ذكر مناقب عمر فلم يذكره ولم\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٩/ ٣٨٩٥).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٦٥).\n(٣) المصدر السابق (ص: ١١٤٠).","vol":"9","page":612},{"text":"٦٠٣٩ - [٥] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُول: \"بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِقَدَحِ لَبَنٍ، فَشَرِبْتُ حَتَّى إِنِّي لأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أَظْفَارِي، ثُمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ\" قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"الْعِلْمَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٨١، م: ٢٣٩١].\n٦٠٤٠ - [٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ فَنَزَعَ مِنْهَا ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ،\nــ\nيكن في المعروضين أبو بكر.\n٦٠٣٩ - [٥] (ابن عمر) قوله: (أتيت) بلفظ المجهول، و(الري) بالكسر.\nوقوله: (العلم) بالنصب والرفع كما عرفت، قالوا: حقيقة العلم في ذلك العالم اللبن، والمناسبة بينهما ظاهرة من وجوه لا تَخفى.\n٦٠٤٠ - [٦] (أبو هريرة) قوله: (على قليب) القليب بفتح القاف وكسر اللام: بئر قلب ترابها قبل الطي، ويذكَّر ويؤنث، شبه به الدِّين لما فيه من الماء وبه أمر حياتهم الدنياويه، كذلك الدين يحصل به الحياة الأخروية، ونزعُ الماء منها كنايةٌ عن إشاعة أمره وإجراء أحكامه.\nوقوله: (فنزع منها ذنوبًا أو ذنوبين) إشارة إلى قصر مدة خلافته، وهو سنتان وثلاثة أشهر، وقيل: هذا شك من الراوي، والصحيح رواية ذنوبين، والذنوب بفتح الذال المعجمة: الدلو العظيم الممتلئ من الماء، كذا نقل من شرح ابن الملك (١)، وقال في (القاموس) (٢): الذنوب: الدلو، أو فيها ماء، أو الملأى، أو دون الملء.\n_________\n(١) \"شرح مصابيح السنة\" (٦/ ٤١٣).\n(٢) \"القاموس المحيط\" (ص: ٨١).","vol":"9","page":613},{"text":"وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّه يَغْفِرُ لَهُ ضَعْفَهُ، ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبًا فَأَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ. . . . .\nــ\nوقوله: (وفي نزعه ضعف) إشارة إلى ما كان في إمارته من الاضطراب وارتداد بعض العرب وإن ظهر منه -﵁- كمال قوة وشدة في دفعهم والمحاربة معهم، أو إلى ما كان له من الرفق ولين الجانب وقلة السياسة كما كان لعمر -﵁-.\nوفي الحقيقة إطلاق الضعف باعتبار قصر مدة الخلافة وقلة الفتوح، وليس في هذا حط منزلته وإثبات فضيلة عمر عليه، وإنما هو إخبار عن مدة الانتهاء، وكثرةِ انتفاع الناس في ولاية عمر وكثر الغنائم لطولها.\nوقوله: (واللَّه يغفر له) لا يدل على نسبة الذنب والتقصير إليه، بل هو كلمة جارية على ألسنتهم في عرفهم، يقولون: فعل كذا واللَّه غفر له، فافهم.\nوقوله: (ثم استحالت) أي: صارت الدلو (غربًا) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء: الدلو العظيمة تتخذ من جلد ثور، وهو بفتح الراء بمعنى الماء السائل بين البئر والحوض، يريد لما أخذ عمر ليسقي عظمت في يده، وانقلبت عن الصغر إلى الكبر، إشارة إلى كثرة حصول الفتوح في زمنه واتساع بلاد الإسلام.\nو(العبقري) بفتح العين وسكون الموحدة وفتح القاف: الكامل من كل شيء، والسيد، والذي ليس فوقه شيء، والشديد، والعبقر: موضع كثير الجن، وقرية ثيابها في غاية الحسن، كذا في (القاموس) (١)، وقال في (مختصر النهاية) (٢): عبقري القوم: سيدهم وكبيرهم وقويهم، ويقال: جارية عبقرة، أي: ناصعة اللون، ويجوز أن تكون واحدة العبقر، وهو النرجس تُشَبَّهُ به العينُ، انتهى.\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٣٩٣).\n(٢) انظر: \"النهاية\" (٣/ ١٧٣).","vol":"9","page":614},{"text":"حَتَّى ضرب النَّاس بِعَطَن\". [خ: ٣٦٦٤، م: ٢٣٩٢].\n٦٠٤١ - [٧] وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: \"ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ مِنْ يَدِ أَبِي بَكْرٍ، فَاسْتَحَالَتْ فِي يَدِهِ غَرْبًا، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرْيَهُ. . . . .\nــ\nونقل في (مجمع البحار) (١): أصله فيما قيل: أن عبقر قرية يسكنها الجن، فكلما رأوا شيئًا فائقًا غريبًا يصعُب عملُه أو يَدِق، أو شيئًا عظيمًا في نفسه، نسبوه إليها فقالوا: عبقري، ثم اتسع حتى سمي به السيد والكبير.\nو(العطن) محركة: وطن الإبل ومبركها حول الحوض، ومربض الغنم حول الماء.\n٦٠٤١ - [٧] (ابن عمر) قوله: (يفري فريه) أي: يعمل عمله ويقطع قطعه، و(فريه) بفتح الفاء، ويروى بسكون الراء وتخفيف الياء، وبكسر الراء وتشديد الياء، وأنكره الخليل، وأصل الفري: القطع والاختلاق، ومنه الفرية للكذب المختلق، وفي حديث حسان: (لأفرينهم فري الأديم) (٢) أي: أقطعهم بالهجاء كما يقطع الأديم، ويراد به إجادة العمل، وفي (الصحاح) (٣): يقال: فلان يفري الفرِيّ: إذا [كان] يأتي بالعجب في عمله، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] أي: مصنوعًا مختلقًا، في (القاموس) (٤): فراه يفريه: شقّه فاسدًا أو صالحًا، كَفَرَّاه وأفراه، وفي (المشارق) (٥):\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٥٠٩).\n(٢) أخرجه مسلم في \"صحيحه\" (٢٤٩٠).\n(٣) \"الصحاح\" (٦/ ٢٤٥٤).\n(٤) \"القاموس المحيط\" (ص: ١١٨٨).\n(٥) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٥٤).","vol":"9","page":615},{"text":"حَتَّى رَوِيَ النَّاسُ وَضَرَبُوا بعَطَنٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠١٩، م: ٢٣٩٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1304> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٦٠٤٢ - [٨] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٨٢].\n٦٠٤٣ - [٩] وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: إِنَّ اللَّه وَضَعَ الْحَقَّ عَلَى لِسَان عمر يَقُول بِهِ. [د: ٢٩٦٢].\nــ\n(يفري فريه) بكسر الراء وشدة الياء، ويقال بسكون الراء أيضًا، وبالوجهين ضبطناه على شيوخنا أبي الحسين وغيره، وأنكر الخليل التثقيل وغلَّط قائله، ومعناه: يعمل عمله ويقوي قوته، يقال: فلان يفري الفري، أي: يعمل العمل البالغ، ومنه: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧] أي: عظيمًا عجبًا، يقال: فريت: إذا قطعت وشققت على جهة الإصلاح، وأفريت: إذا فعلته على جهة الإفساد، ومنه قول حسان: (لأفرينهم فري الأديم) يريد: لأقطِّعن أعراضهم تقطيع الأديم وتشقيقه.\nوقوله: (حتى روي الناس) بكسر الواو من سمع، وأما بفتحها من ضرب فهو من الرواية.\nالفصل الثاني\n٦٠٤٢، ٦٠٤٣ - [٨، ٩] (ابن عمر وأبو ذر) قوله: (إن اللَّه جعل الحق على لسان عمر) أي: أجراه على لسانه، وذلك أمر خَلْقي جِبِلِّي له، وفي رواية أخرى: (وضع الحق على لسان عمر) أي: جعله مستقرًا وموضعًا للحق.\nوقوله: (وقلبه) أي: وفي قلبه، قريبًا من: علفته تبنًا وماءً، وباعتبار معنى الاستيلاء والاستقرار محمول على ظاهره.","vol":"9","page":616},{"text":"٦٠٤٤ - [١٠] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَا كُنَّا نُبْعِدُ أَنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي \"دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ\". [٦/ ٣٦٩].\n٦٠٤٥ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"اللهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ\" فَأَصْبَحَ عُمَرُ فَغَدَا عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَأَسْلَمَ، ثُمَّ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ ظَاهِرًا. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [فضائل الصحابة لأحمد: ٣١١، ت: ٣٦٨٣].\nــ\n٦٠٤٤ - [١٠] (علي) قوله: (ما كنا نبعد) من الإبعاد.\nوقوله: (أن السكينة تنطق على لسان غمر) قال التُّوربِشْتِي (١): أي ينطق بما يستحق أن تسكن إليه النفوس، وتطمئن به القلوب، وأنه أمر غيبي ألقي على لسانه، ويحتمل أنه أراد بالسكينة المَلَك الذي يلهمه ذلك القول، انتهى.\nقيل: أراد بها السكينة التي ذكرها اللَّه تعالى في كتابه العزيز، ولا يخفى بُعْدُ هذا المعنى لما عرف من تفسير تلك السكينة، وقد ذكرناه فيما سبق في (باب فضائل القرآن وسور منه).\n٦٠٤٥ - [١١] (ابن عباس) قوله: (اللهم أعز الإسلام) أي: قوِّه وانصره واجعله غالبًا على الكفر.\nوقوله: (فغدا على النبي) وقال: اللات والعزى تعبد على رؤوس الجبال وفي بطون الأودية، ودين اللَّه ﷿ يعبد سرًّا، واللَّه لا يعبد اللَّه سرًّا بعد يومنا هذا، (فأسلم)، وقصة إسلامه -﵁- قصة عجيبة مشهورة، وقد ذكرناها في ترجمته.\nوقوله: (ثم صلى في المسجد ظاهرًا) يدل على أن قبل إسلام عمر [كانوا]\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٣١٨).","vol":"9","page":617},{"text":"٦٠٤٦ - [١٢] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا خَيْرَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَا إِنَّكَ إِنْ قُلْتَ ذَلِكَ فَلَقَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ عَلَى رَجُلٍ خَيْرٍ مِنْ عُمَرَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٦٨٤].\n٦٠٤٧ - [١٣] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"لَوْ كَانَ بَعْدِي نبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٦٨٦].\n٦٠٤٨ - [١٤] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في بَعْضِ مَغَازِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ جَاءَتْ (١) جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ. فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّه! إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ إِنْ رَدَّكَ اللَّه صَالِحًا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْكَ بِالدُّفِّ وَأَتَغَنَّى. . . . .\nــ\nيصلون في خفية من الناس، نعم كذلك، وكان رسول اللَّه -ﷺ- مختفيًا في دار أرقم.\n٦٠٤٦ - [١٢] (جابر) قوله: (على رجل خير من عمر) وجوه الخيرية مختلفة متعددة، فلا منافاة بين كون كل منهما خيرًا مع كون أبي بكر أفضل من جهة كثرة الثواب، فافهم.\n٦٠٤٧ - [١٣] (عقبة بن عامر) قوله: (لو كان بعدي نبي) لو للفَرْض والتقدير ويستعمل في المستحيل.\nوقوله: (لكان عمر بن الخطاب) لعله -ﷺ- قاله ذلك لأجل كون عمر ملهمًا محدَّثًا يلقي المَلَك في رُوعه الحق، وله مناسبة بعالَم الوحي والنبوة، واللَّه أعلم.\n٦٠٤٨ - [١٤] (بريدة) قوله: (إن ردك اللَّه صالحًا) أي: سالمًا صحيحًا، و(الدف)\n_________\n(١) في نسخة: \"جاءته\".","vol":"9","page":618},{"text":"فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَاضْرِبِي وَإِلَّا فَلَا\"، فَجَعَلَتْ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَأَلْقَتِ الدُّفَّ تَحْتَ اسْتِهَا، ثُمَّ قَعَدَتْ عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَخَافُ مِنْكَ يَا عُمَرُ، إِنِّي كُنْتُ جَالِسًا وَهِيَ تَضْرِبُ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وَهِيَ تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ وَهِيَ تَضْرِبُ، فَلَمَّا دَخَلْتَ أَنْتَ يَا عُمَرُ أَلْقَتِ الدُّفَّ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٦٩٠].\nــ\nبضم الدال وقد يفتح، واختلف فيه فأباحها قوم مطلقًا، وكرهه آخرون مطلقًا، وبعضهم أباحوه في العرائس والأعياد ونحوها، وهو المذهب الصحيح المختار، وقد يفصل بين ما فيه الجلاجل وما ليس فيه، ويقال: الأول مكروه بالاتفاق.\nوقوله: (إن كنت نذرت فاضربي) أمرها -ﷺ- بوفاء نذرها؛ لأن الوفاء به واجب، وقد تقرر أن النذر لا يكون إلا ما هو من جنس الطاعة والقربة، وذلك مذهب الأئمة، وعندنا يكفي كونه مباحًا، والنذر عندنا إيجاب المباح، وأما بالمعصية فلا يجوز بالاتفاق، فدل الحديث على إباحة ضرب الدف بل على كونه مستحبًّا وهو هنا كذلك؛ لأن السرور بمقدمه -ﷺ- وسلامته قربة، ودل أيضًا أن سماع أصوات النساء بالغناء مباح إذا خلا عن فتنة، كذا قالوا.\nلكن الإشكال في الحديث من جهة أنه كيف قررها رسول اللَّه -ﷺ- على فعلها أولًا، بل أمرها بذلك، وكذلك عند دخول أبي بكر وعلي وعثمان، وسماها آخرًا شيطانًا؟","vol":"9","page":619},{"text":"٦٠٤٩ - [١٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَالِسًا فَسَمِعْنَا لَغَطًا وَصَوْتَ صِبْيَانٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَإِذَا حَبَشِتَّةٌ تَزْفِنُ وَالصِّبْيَانُ حَوْلَهَا، فَقَالَ: \"يَا عَائِشَةُ تَعَالَيْ فَانْظُرِي\"، فجِئْتُ فَوَضَعْتُ لَحْيَيَّ عَلَى مَنْكِبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهَا مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ إِلَى رَأْسِهِ. فَقَالَ لِي: \"أَمَا شَبِعْتِ؟ أَمَا شَبِعْتِ؟ \" فَجَعَلْتُ أَقُولُ: لَا،\nــ\nوقالوا في الجواب عن ذلك: إنها لما عدَّت انصراف رسول اللَّه -ﷺ- سالمًا نعمةً من اللَّه موجبًا للسرور وهو كذلك في نفس الأمر، أمرها بوفاء نذرها، وخرج من صفة اللهو إلى صفة الحق ومن الكراهة إلى الاستحباب، ولكن ذلك كان يحصل بأدنى الضرب، فلما ازداد عاد إلى حد المكروه وصادف ذلك مجيء عمر، فقال ما قال إشارةً إلى منع الزيادة منه والإكثار، وفعله من غير ضرورة، ولم يمنعها صريحًا لئلا يرجع إلى حد التحريم، وأما ترك الجاريتين اللتين كانتا تدفان أيام منى وعدم تحديدهما إلى نهاية، وهو ظاهر في الاستمرار، فلكونها إيام عيد، فالحالات متفاوتة بعضها يقتضي الاستمرار وبعضها لا يقتضيه، ذكر ذلك التُّوربِشْتِي ونقل عنه الطيبي (١)، فتدبر.\n٦٠٤٩ - [١٥] (عائشة) قوله: (فسمعنا لغطا) هو الصوت الذي لا يفهم، و(تزفن) بالزاي، أي: ترقص من ضرب، و(لحيي) بفتح اللام وسكون الحاء المهملة وتشديد الياء تثنية لَحْي، أضيف إلى ياء المتكلم، وهي منبت اللحية -بالكسر- من الخدين والذقن.\nوقوله: (ما بين المنكب) بتقديرِ في ظرف لـ (أنظر) أو حال كون لحييَّ فيما بين\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٣١٨)، و\"شرح الطيبي\" (١٢/ ٣٨٦٢).","vol":"9","page":620},{"text":"لأَنْظُرَ مَنْزِلَتِي عِنْدَهُ، إِذْ طَلَعَ عُمَرُ فَارْفَضَّ النَّاسُ عَنْهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنِّي لأَنْظُرُ إِلَى شَيَاطِينِ الإِنْسِ وَالْجنِّ قَدْ فَرُّوا مِنْ عُمَرَ\"، قَالَتْ: فَرَجَعْتُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٦٩١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1305> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٦٠٥٠ - [١٦] عَنْ أَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه! لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى؟ فَنَزَلَتْ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه! يَدْخُلُ عَلَى نِسَائِكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَهُنَّ يَحْتَجِبْنَ؟ فَنَزَلَتْ آيَةُ الْحِجَابِ،\nــ\nمنكبه ورأسه.\nوقوله: (لأنظر منزلتي) أي: مرتبتي عنده في محبته إياي وطلبه رضاي.\nوقوله: (فارفض) بوصل الهمزة وتشديد الضاد المعجمة كاحمرّ، أي: تركوها وتفرقوا عنها من هيبة عمر.\nوقوله: (إني لأنظر إلى الشياطين) كأنه قال باعتبار كونه في صورة اللهو واللعب، ولابد أن يكون فيه شيء ولكنه ليس بحرام، وإلا كيف رآه النبي -ﷺ- وأراه عائشة، وتوجيه هذا الحديث أيضًا مثل السابق.\nالفصل الثالث\n٦٠٥٠، ٦٠٥١ - [١٦، ١٧] (أنس، وابن عمر) قوله: (وافقت ربي في ثلاث) إن كان صدور هذا القول منه -﵁- في زمن النبي -ﷺ- وقت وجود هذه الموافقات الثلاث فقط فلا إشكال، وإن كان بعده -ﷺ- وبعد زمان حدوث أخواتها فالجواب أن تخصيص الثلاث لا يمنع الزيادة، ولعله وقع تقريب ذكرها في الوقت فقال: . . . واللَّه أعلم.","vol":"9","page":621},{"text":"وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي الْغَيْرَةِ فَقُلْتُ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، فَنزلت كَذَلِك.\n٦٠٥١ - [١٧] وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ: فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، وَفِي الْحِجَابِ، وَفِي أُسَارَى بَدْرٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠٢، م: ٢٣٩٩].\n٦٠٥٢ - [١٨] وَعَن ابْن مَسْعُود قَالَ: فَضَلَ النَّاسَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِأَرْبَعٍ: بِذِكْرِ الأُسَارَى يَوْمَ بَدْرٍ، أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، وبذكره الْحِجَابَ، أَمَرَ نِسَاءَ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنْ يَحْتجِبْنَ، فَقَالَتْ لَهُ زَيْنَبُ: وَإِنَّكَ عَلَيْنَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ فِي بُيُوتِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وَبِدَعْوَةِ النَّبِيِّ -ﷺ-: \"اللهُمَّ أَيِّدِ الإِسْلَامَ بِعُمَرَ\"، وَبِرَأْيِهِ فِي أَبِي بَكْرٍ كَانَ أَوَّلَ نَاسٍ بَايَعَهُ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ٤٥٦].\nــ\nوقوله: (وفي الغيرة) وذلك في قصة شرب العسل، والروايات فيه متعددة مذكورة في كتب السير.\n٦٠٥٢ - [١٨] (ابن مسعود) قوله: (فضل الناس) بنصب الناس.\nوقوله: (أمر بقتلهم) بعد ما أشار أبو بكر بأخذ الفدية عنهم، ورضي رسول اللَّه -ﷺ- برأي أبي بكر -﵁-، والمراد بـ (كتاب اللَّه) حكمه السابق بأن لا يعاقب المجتهد بخطئه أو بأن لا يعذب أهل بدر، وتمام هذه القضية مذكورة في التفسير في (سورة الأنفال).\nوقوله: (وإنك علينا) أي: تحكم علينا، قالته بطريق الاستفهام الإنكاري.\nوقوله: (برأيه) أي: برأي عمر في أبي بكر وبيعته بعد ما اختلف المهاجرون","vol":"9","page":622},{"text":"٦٠٥٣ - [١٩] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"ذَاكَ الرَّجُلُ أَرْفَعُ أُمُّتي دَرَجَةً فِي الْجَنَّةِ\". قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَاللَّه مَا كُنَّا نُرَى ذَلِكَ الرَّجُلَ إِلَّا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَتَّى مَضَى لِسَبِيلِهِ. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ. [جه: ٤٠٧٧].\n٦٠٥٤ - [٢٠] وَعَنْ أَسْلَمَ قَالَ: سَأَلَنِي ابْنُ عُمَرَ بَعْضَ شَأْنِهِ -يَعْنِي عُمَرَ- فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ حِينِ قُبِضَ كَانَ أَجَدَّ وَأَجْوَدَ. . . . . .\nــ\nوالأنصار.\n٦٠٥٣ - [١٩] (أبو سعيد) قوله: (ذاك الرجل أرفع أمتي درجة في الجنة) قالوا: (ذاك) إشارة إلى مبهم، والمقصود منه أن يجتهد كل واحد أن ينال تلك المرتبة، وإنما تنال بالمواظبة وغاية الجد على الطاعات والعبادات، والاتصاف بالأخلاق والكمالات، أو كان قد جرى ذكر من يتصف بهذه الصفات فأشار إليه أن من يتصف بها أرفع درجة، وعلى التقديرين ظنوا أن ذلك الرجل هو عمر بن الخطاب لما شاهدوا فيه من الخيرات والمبرات، مبالغة في شأنه ورفعة مكانه، ولكن لا يلزم منه أن يكون هو أفضل قطعًا من غيره فيها، فلا يلزم كونه أفضل من أبي بكر، هكذا قرروه، فافهم.\nوقوله: (حتى مضى لسبيله) كناية عن الموت، والمراد بيان استمراره على تلك الحالة مدة عمره.\n٦٠٥٤ - [٢٠] (أسلم) قوله: (من حين قبض) يدل على أن المراد بقوله بعد وفاة رسول اللَّه -ﷺ-، وإن احتمل أن يراد بعده في الخصال المرضية.\nوقوله: (أجد) من الجد وهو الاجتهاد، و(أجود) من الجودة، أي: في أعمال الخير.","vol":"9","page":623},{"text":"حَتَّى انْتَهَى مِنْ عُمَرَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٦٨٧].\n٦٠٥٥ - [٢٠] وَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمةَ قَالَ: لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ جَعَلَ يَأْلَمُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكَأَنَّهُ يُجَزِّعُهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا كُلُّ ذَلِكَ، لَقَدْ صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقَكَ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ أَبَا بَكْرٍ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقَكَ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ الْمُسْلِمِينَ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُمْ، وَلَئِنْ فَارَقْتَهُمْ لَتُفَارِقَنَّهُمْ وَهُمْ عَنْكَ رَاضُونَ. قَالَ: أَمَّا مَا ذَكرْتَ مِنْ صُحْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَرضَاهُ فَإِنَّمَا ذَلِكَ مَنٌّ مِنَ اللَّه مَنَّ بِهِ عَلَيَّ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ صُحْبَةِ أَبِي بَكْرٍ وَرِضَاهُ فَإِنَّمَا ذَلِك مَنٌّ مِنَ اللَّه مَنَّ بِهِ عَلَيَّ. وَأَمَّا مَا تَرَى مِنْ جَزَعِي فَهُوَ مِنْ أَجْلِكَ وَمِنْ أَجْلِ أَصْحَابِكَ،\nــ\nوقوله: (حتى انتهى) أي: إلى آخر عمره، قالوا: هذا محمول على وقت مخصوص وهو مدة خلافته ليخرج أبو بكر من ذلك.\n٦٠٥٥ - [٢١] (مسور بن مخرمة) قوله: (وعن المسور) بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو (ابن مخرمة) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء، (يجزعه) بتشديد الزاي، أي: ينسبه إلى الجزع ويلومه عليه، أو يزيل عنه الجزع ويسلبه، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣] أي: أزيل عنهم الفزع.\nوقوله: (ولا كل ذلك) أي: لا تبالغ فيما أنت فيه من الجزع.\nوقوله: (منّ من اللَّه) أي: عطاء منه.\nوقوله: (فهو منه أجلك ومن أجل أصحابك) كأنه -﵁- غلب عليه الحزن لما استشعر من فتن تقع بعده في أصحاب رسول اللَّه -ﷺ-، ثم أظهر غاية الخوف من غنى اللَّه","vol":"9","page":624},{"text":"وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ لِي طِلَاعَ الأَرْضِ ذَهَبًا لَافْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ قَبْلَ أَن أرَاهُ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٦٩٢].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1306>٥ - باب مناقب أبي بكر وعمر ﵄</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1307> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٦٠٥٦ - [١] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"بَيْنمَا رَجَلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إِذْ أَعْيَا فَرَكِبَهَا، فَقَالَتْ: إِنَّا لَمْ نُخْلَقْ لِهَذَا إِنَّمَا خُلِقْنَا لِحَرَاثَةِ الأَرْضِ، فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّهِ بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ! \"،\nــ\nتعالى بقوله: (لو أن لي طلاع الأرض) بكسر الطاء المهملة، أي: ملأها، وكان -﵁- شديد الخوف والخشية من اللَّه سبحانه.\nوقوله: (من عذاب اللَّه) قيل: أي: من العذاب الذي يحتمل وقوعه عند ظهور الفتن.\n٥ - باب مناقب أبي بكر وعمر -﵄-\nقد وقع في الأحاديث فضل أبي بكر وعمر جميعًا، فعقد بابًا آخر لبيانه، وقد كانا -﵄- مذكورين معًا في كثير من الأحوال، يقولون: أبو بكر وعمر، لكونهما وزيري رسول اللَّه -ﷺ- وقريبيه ومستشاريه في الأمور، وصاحبيه في جميع الأوقات والأحوال.\nالفصل الأول\n٦٠٥٦ - [١] (أبو هريرة) قوله: (إنا لم نخلق لهذا) فيه دلالة على أن ركوب","vol":"9","page":625},{"text":"فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"فَإِنِّي أُوْمِنُ بِهَذَا أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ\"، وَمَا هُمَا ثَمَّ، وَقَالَ: \"بَيْنَمَا رَجُلٌ فِي غَنَمٍ لَهُ إِذْ عَدَا الذِّئْبُ عَلَى شَاةٍ مِنْهَا فَأَخَذَهَا، فَأَدْرَكَهَا صَاحِبُهَا فَاسْتَنْقَذَهَا، فَقَالَ لَهُ الذِّئْبُ: فَمَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ. . . . .\nــ\nالبقر والحمل عليها غير مرضي، وقال الشيخ (١): استدل به على أن الدواب لا تستعمل إلا فيما جرت العادة باستعمالها فيه، ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى الأفضل والأولى من غير أن تكون حقيقةُ الحصر مرادًا، فإن من جملة ما خلقت له أن تذبح وتؤكل بالاتفاق.\nوقوله: (فإني أومن به) أي: بتكلم البقرة بأنه حق ليس من جملة الوهم والخيال أو من إلقاء الشيطان، أو بما تكلَّمُ به من أنها لم تخلق إلا للحراثة.\nوقوله: (وأبو بكر وعمر) عطف على المستكن في (أومن)، وقد اجتمع ههنا الفصل والتأكيد معًا، وتخصيص أبي بكر وعمر بالذكر للإشارة إلى قوة إيمانهما وكماله، فإن قلت: كيف أخبر -ﷺ- بإيمان أبي بكر وعمر به مع أنهما لم يعلما به ولم يصدر عنهما الإيمان به؟ قلنا: المراد أنه من شأنه أنهما إن اطلعا عليه آمنا وصدقا به ولا يترددان، وأما ما قيل: إنه محمول على أنه أخبرهما به فصدقاه فينافيه سوق الكلام، كما لا يخفى.\nوقوله: (وما هما ثم) مبالغة في مدحهما وقدرهما عند رسول اللَّه -ﷺ-، لأنهما لو كانا حاضرين ثم لأمكن أن يقال: تخصيص ذكرهما اتفاقي تقريبًا لحضورهما، ولما مدحهما بذلك غائبين كان أدخل في المقصود، فافهم.\nوقوله: (فمن لها يوم السبع) روي بسكون الباء وضمها، وتعددت في\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٦/ ٥١٨).","vol":"9","page":626},{"text":"يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي؟ فَقَالَ النَّاسُ: سُبْحَانَ اللَّه ذِئْبٌ يتَكَلَّمُ! \"، فَقَالَ: \"أُومِنُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ\"، وَمَا هُمَا ثمَّ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٧١، م: ٢٣٨٨].\nــ\nمعناه أقاويل.\nأما بالسكون، فقيل: هو الموضع الذي يكون إليه المحشر، والمعنى: من لها يوم القيامة.\nويعكر على هذا قول الذئب: (يوم لا راعي لها غيري)، والذئب لا يكون راعيًا يوم القيامة. وقيل: السبع: الفزع، والظاهر أن المراد الفزع المشار إليه بقوله: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٨٧]، وقوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: ١٠٣]، فيؤول بالمعنى الأول، وَيرِدُ عليه ما يرد على الأول. وقيل: المراد به يوم الفتن حتى يهمل بلا راع نهبة للذئاب والسباع، والسبع: الإهمال، قال الأصمعي: المُسْبعُ المهمل، وأسبع الرجل غلامه إذا تركه يفعل ما يشاء، فجعل الذئب لها راعيًا إذ هو متفرد بها، وهو إخبار بما يكون من شدائد وفتن تهمل فيها المواشي فيتمكن منها الذئاب.\nوقيل: يوم السبع بالسكون عيد كان لهم في الجاهلية يجتمعون فيه للموسم يلهيهم عن كل شيء، ويهملون مواشيهم فتأكلها السبع، كذا في (المشارق) (١).\nوأما بالضم على ما أملاه الحافظ أبو عامر العبدري وكان من العلم والإتقان بمكان، فالمراد هو الحيوان المفترس، ويحتمل بعض المعاني المذكورة في رواية السكون،\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢٠٥).","vol":"9","page":627},{"text":"٦٠٥٧ - [٢] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: إِنِّي لَوَاقِفٌ فِي قَوْمٍ فَدَعَوُا اللَّهَ لِعُمَرَ وَقَدْ وُضعَ عَلَى سَرِيرِهِ، إِذَا رَجُلٌ مِنْ خَلَفِي قَدْ وَضَعَ مِرْفَقُهُ عَلَى مَنْكِبِي يَقُولُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ؛ لِأَنِّي كَثِيرًا مَا كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"كُنْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَفَعَلْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَانْطَلَقْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَدَخَلْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ\". فَالْتَفَتُّ فَإِذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٧٧، م: ٢٣٨٩].\nــ\nوقيل: يوم العيد أيضًا بالضم.\nهذا وقال في (المشارق) (١): قال بعضهم: إنما هو يوم السيع بالياء باثنتين، أي: يوم الضياع، يقال: أسيعت وأضعت بمعنى.\n٦٠٥٧ - [٢] (ابن عباس) قوله: (وقد وضع) أي: عمر -﵁- (على سريره) أي: للغسل بعد موته، والخطاب في (يرحمك اللَّه) لعمر، والمراد بـ (صاحبيك) النبي -ﷺ- وأبو بكر، وجعله معهما في عالم القدس أو في المدفن.\nوقوله: (لأني كثيرًا ما) بزيادة (ما) الإبهامية، وقد جاء في بعض الروايات بدونها.\nوقوله: (كنت وأبو بكر وعمر، وفعلت وأبو بكر وعمر) دليل على جواز العطف على الضمير المتصل بلا فصل وتأكيد، وقد وقع مثل هذا في غير هذا الموضع أيضًا، وحكم النحويون بخلافه، وهذا حجة عليهم إلا أن يقيد بالأكثر.\n_________\n(١) المصدر السابق (٢/ ٢٠٥).","vol":"9","page":628},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1308> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٦٠٥٨ - [٣] عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ أَهْلَ عِلِّيِّينَ كَمَا تَرَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ فِي أُفُقِ السَّمَاءِ،\nــ\nالفصل الثاني\n٦٠٥٨ - [٣] (أبو سعيد الخدري) قوله: (ليتراءون) أي: ينظرون ويرون، ومنه قول ابن عمر -﵄-: (كنا نترآى اللَّه في ذلك المقام) يريد المطاف. و(عليين) جمع عِلِّيٍّ بكسر العين واللام وتشديد الياء أصله عِلِّيوٌ فأعِلَّ إعلال الواو والياء أولاهما ساكنة، قال في (القاموس) (١): هو مقام في السماء السابعة تصعد إليه أرواح المؤمنين، وفي (مجمع البحار) (٢): هو اسم للسماء السابعة، وقيل: اسم لديوان الملائكة الحفظة ترفع إليه أعمال الصالحين من العباد، وقيل: أراد أعلى الأمكنة وأشرف المراتب وأقربها من اللَّه في الآخرة، ويعرب بالحروف والحركات كنحو قنّسرين على أنه جمع أو واحد، انتهى.\nوفي (الدر المنثور) (٣): عليون [فوق السماء السابعة عند] قائمة العرش اليمنى، وقد سبق ذكره في حديث: (صلاة في إثر صلاة كتاب في عليين) (٤).\nو(الكوكب الدري) بضم دال وشدة راء وتحتية بلا همز وبه: الشديد الإنارة كأنه نسب إلى الدر تشبيهًا به لصفائه، [وقال] الفرَّاء: هو عند العرب: العظيم المقدار، وقيل:\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١١٨٣).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٦٦٨).\n(٣) \"الدر المنثور\" (٨/ ٤٤٨).\n(٤) أخرجه أبو داود في \"سننه\" (ح: ٥٥٨).","vol":"9","page":629},{"text":"وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُمْ وَأَنْعَمَا\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\"، وَرَوَى نَحْوَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [د: ٣٩٨٧، ت: ٣٦٥٨، جه: ٩٦].\n٦٠٥٩ - [٤] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ سَيِّدَا كُهُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ إِلَّا النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٦٤].\n٦٠٦٠ - [٥] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيٍّ. [جه: ٩٥].\nــ\nهو أحد الكواكب الخمسة السيارة.\nوقوله: (وإن أبا بكر وعمر منهم) كذا في نسخ الأصول، وفي بعض نسخ (المصابيح): (لمنهم) باللام.\nوقوله: (وأنعما) أي: زادا وفضلا، من أحسنت إلي وأنعمت، أي: زدت على الإنعام، أو صارا إلى النعيم، كذا في (النهاية) (١)، وقيل: معناه: زادا وفضلا عن كونهما أهل عليين، وقيل: معناه: تناهيا فيه إلى غايته.\n٦٠٥٩، ٦٠٦٠ - [٤، ٥] (أنس، وعلي) قوله: (سيدا كهول) بضم الكاف: جمع كهل.\nفي (القاموس) (٢): الكهل: من وَخَطَهُ الشيبُ، أو من جاوز الثلاثين أو أربعًا وثلاثين إلى إحدى وخمسين. وفي (مجمع البحار) (٣): الكهل: من انتهى شبابه،\n_________\n(١) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (٥/ ٨٣).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٩٥٠).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٤/ ٤٤٩).","vol":"9","page":630},{"text":"٦٠٦١ - [٦] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنِّي لَا أَدْرِي مَا بَقَائِي فِيكُمْ؟ فَاقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٦٣].\n٦٠٦٢ - [٧] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ لَمْ يَرْفَعْ أَحَدٌ رَأْسَهُ غَيْرُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانَا يَتَبَسَّمَانِ إِلَيْهِ وَيَتَبَسَّمُ إِلَيْهِمَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٦٦٨].\n٦٠٦٣ - [٨] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ،\nــ\nواكتهل النبت: تم طوله، وهو من الرجال من زاد على ثلاثين سنة إلى أربعين، وقيل: من ثلاث وثلاثين إلى الخمسين، وأكتهل وكاهل: إذا بلغ الكهولة، ووصفُهما بالكهولة باعتبار ما كانوا في الدنيا وإلا فلا كهل في الجنة، فالمعنى: سيدا من مات كهلًا من المسلمين، وإذا كانا سيدي الكهول فأولى أن يكونا سيدي الشباب، كذا قالوا، وقيل: أراد به ههنا الحليم العاقل، أي: يُدخلهما اللَّه الجنة حلماء وعقلاء.\n٦٠٦١ - [٦] (حذيفة) قوله: (ما بقائي) أي: لا أدري كم مدة (بقائي فيكم؟).\n٦٠٦٢ - [٧] (أنس) قوله: (كانا يتبسّمان إليه ويتبسم إليهما) وذلك من عادة المحبة وخاصيتها إذا نظر أحدهما إلى الآخر يحصل منهما التبسم بلا اختيار، ولا يدرى سببه، وسبب الضحك التعجب على ما قال أهل الحكمة.\n٦٠٦٣ - [٨] (ابن عمر) قوله: (خرج) أي: من حجرته.","vol":"9","page":631},{"text":"وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، وَهُوَ آخِذٌ بِأَيْدِيهِمَا. فَقَالَ: \"هَكَذَا نُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٦٦٩].\n٦٠٦٤ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْطَبٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَأَى أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقَالَ: \"هَذَانِ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُرْسَلًا. [ت: ٣٦٧١].\n٦٠٦٥ - [١٠] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَلَهُ وَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ وَوَزِيرَانِ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ، فَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ فجِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ، وَأَمَّا وَزِيرَايَ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٨٠].\nــ\n٦٠٦٤ - [٩] (عبد اللَّه بن حنطب) قوله: (عبد اللَّه بن حنطب) بفتح الحاء المهملة وسكون النون وفتح الطاء المهملة، تابعي كبير.\nوقوله: (هذان السمع والبصر) قيل: معناه أنهما في المسلمين كالسمع والبصر في الجسد بالنسبة إلى سائر الأعضاء في الشرف والنفاسة، ويقرب منه ما قيل: إن منزلتهما في الدين منزلة السمع والبصر في الجسد، أو هما مني كالسمع والبصر أسمع وأبصر بهما، ويرجع إلى معنى الوزارة والوكالة، أو المراد شدة حرصهما على استماع الحق واتباعه ومشاهدة الآيات في الأنفس والآفاق.\n٦٠٦٥ - [١٠] (أبو سعيد الخدري) قوله: (إلا وله وزيران) الوزير من الوِزْر بالكسر بمعنى الثقل لأنه يحتمل عن الملك ويعينه برأيه، وكان رسول اللَّه -ﷺ- إذا حزبه","vol":"9","page":632},{"text":"٦٠٦٦ - [١١] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: رَأَيْتُ كَأَنَّ مِيزَانًا نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ، فَوُزِنْتَ أَنْتَ وَأَبُو بَكْرٍ فَرَجَحْتَ أَنْتَ، وَوُزِنَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَرَجَحَ أَبُو بَكْرٍ، وَوُزِنَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ فَرَجَحَ عُمَرُ، ثُمَّ رُفِعَ الْمِيزَانُ، فَاسْتَاءَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، يَعْنِي فَسَاءَهُ ذَلِكَ. فَقَالَ: \"خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ. [ت: ٢٢٨٧، د: ٤٦٣٤].\nــ\nأمر شاورهما كالوزير بالنسبة إلى السلطان.\n٦٠٦٦ - [١١] (أبو بكرة) قوله: (فاستاء لها) صحِّح هذا اللفظ بوجهين: أحدهما: أن استاء على وزن افتعل من السوء مطاوع ساء، يقال: ساءه فاستاء، و(لها) جار ومجرور والضمير للرؤية، أي: اغتم رسول اللَّه -ﷺ- لهذه الرؤية، وثانيهما: (فاستاءلها) على وزن استفعل من الأَوْل، أي: طلب تأويلها بالتأمل والنظر. (فقال: خلافة نبوة) أي: انقضت بأبي بكر وعمر بحيث يكون سالمًا عن شوب ملك كما يكون بعدهما، وأما بعد خلافة الأربعة يكون ملكًا عضوضًا، وإنما فهم هذا لأن الموازنة إنما تراعى في أشياء متقاربة، فإذا تباعدت لم يوجد للموازنة معنى، فلهذا رفع الميزان، ودلت هذه الرؤيا على انحطاط أمر الخلافة بعدهما، يعني دلت الرؤيا على أن خلافة الحق بحيث لم يشب فيها من طلب الملك شيء ينتهي بانقضاء خلافة عمر، وكون المرجوحية انتهت إلى عثمان دل على حصول المنازعة فيها، وإنها في زمن علي -﵁- مشوبة بالملك لكنها ليس بعضوض، وبعده يكون ملكًا عضوضًا، هكذا فسروا الحديث، واللَّه أعلم.","vol":"9","page":633},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1309> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٦٠٦٧ - [١٢] عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"يَطَّلِعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ\" فَاطَّلَعَ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ قَالَ: \"يَطَّلِعُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ\" فَاطَّلَعَ عُمَرُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٦٩٤].\n٦٠٦٨ - [١٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: بَيْنَا رَأْسُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي حَجْرِي فِي لَيْلَةٍ ضَاحِيَةٍ إِذْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَلْ يَكُونُ لِأَحَدٍ مِنَ الْحَسَنَاتِ عَدَدُ. . . . .\nــ\nالفصل الثالث\n٦٠٦٧ - [١٢] (ابن مسعود) قوله: (يطلع عليكم رجل من أهل الجنة فاطلع أبو بكر. . . إلخ)، قد وقعت البشارة لهما ولغيرهما من الصحابة، ولما وقعت في هذا الحديث لهما جمعًا ذكره في هذا الباب.\nفإن قلت: فلمَّا وقعت البشارة بالجنة لغيرهما اشترك الكل في هذه الفضيلة؟ قلت: المقصد في الباب ذكر الفضيلة لا الأفضلية.\n٦٠٦٨ - [١٣] (عائشة) قوله: (ليلة ضاحية) أي: مُضْحية كضحياء وإضْحِية بكسر الهمزة والحاء، والمقصد بيان الواقع من وقت السؤال لا كون النجوم في تلك الليلة كثيرة، فلا يتجه أن يقال: إن النجوم تكون في الليلة المضحية قليلة فلا تحصل المبالغة، فالمراد نجوم السماء مطلقًا، فافهم.\nوقوله: (عدد) صحح في النسخ بالرفع، والظاهر أن يكون بالنصب، و(يكون)","vol":"9","page":634},{"text":"نُجُومِ السَّمَاءِ؟ قَالَ: \"نَعَمْ، عُمَرُ\". قُلْتُ: فَأَيْنَ حَسَنَاتُ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَ: \"إِنَّمَا جَمِيعُ حَسَنَاتِ عُمَرَ كَحَسَنَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ حَسَنَاتِ أَبِي بَكْرٍ\". رَوَاهُ رَزِينٌ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1310>٦ - باب مناقب عثمان ﵁</span>\nــ\nتامة، فافهم.\nوقوله: (كحسنة واحدة من حسنات أبي بكر) أي: في الكم والكيف، ولو فرض أن حسنات عمر أكثر من حسنات أبي بكر فمع ذلك يكون أبو بكر أفضل لقوة حسناته وعظمها، ويستأنس لهذا المعنى بما يروى من الحديث: (ما فَضَلكم أبو بكر بفضل صوم ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في قلبه)، ذكره الغزالي (١)، وقال العراقي (٢): لم أجده مرفوعًا، وهو عند الحكيم الترمذي في (النوادر) من قول بكر بن عبد اللَّه المزني، كذا في (تمييز الطيب من الخبيث) لابن ديبع شيخ شيوخنا في الحديث من أكابر علماء اليمن رحمة اللَّه عليه.\n٦ - باب مناقب عثمان -﵁-\nلم يكثر في الأحاديث ذكر مناقبه -﵁- كثرة مناقب الخلفاء الثلاثة وفيما ذكر كفاية لمن اعتبر واذكر.\n_________\n(١) \"إحياء علوم الدين\" (١/ ١٠٠).\n(٢) \"المغني عن حمل الأسفار في الأسفار\" (١/ ١١٨).","vol":"9","page":635},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1311> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٦٠٦٩ - [١] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُضْطَجِعًا فِي بَيْتِهِ كَاشِفًا عَنْ فَخِذَيْهِ -أَوْ سَاقَيْهِ- فَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ فَأَذِنَ لَهُ وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُمَرُ فَأَذِنَ لَهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عُثْمَانُ فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَسَوَّى ثِيَابَهُ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فَلَمْ تَهْتَشَّ لَهُ وَلَمْ تُبَالِهِ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمَانُ فَجَلَسْتَ وسَوَّيْتَ ثِيَابَكَ فَقَالَ: \"أَلَا أَسْتَحَيِي مِنْ رَجُلٍ تَسْتَحْيِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ؟ \" وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: \"إِنَّ عُثْمَانَ رَجُلٌ حَيِيٌّ،\nــ\nالفصل الأول\n٦٠٦٩ - [١] (عائشة) قوله: (على فخذيه أو على ساقيه) شك من الراوي فلا يتم الاستدلال فيه لمن ذهب إلى أن الفخذ ليست بعورة، وقيل: بل يتم لأن شك الراوي يدل على المساواة، والحق أن المحتمل لا يصلح حجة، هذا وقد يؤول كشف الفخذ بكشفه عما عليه من القميص لا المئزر، ويقال: وهو الظاهر من حاله -ﷺ-.\nوقوله: (فلم تهتش) الهشاشة: البشاشة، والاهتشاش: إظهار البشاشة والفرح، وفي (القاموس) (١): الهشاش والهشاشة: الارتياح، والخفة، والنشاط، والهشيش: من يفرح إذا سئل، ويقال: أنا به هش بش، والمراد باستحياء النبي -ﷺ- من عثمان توقيره وتعظيمه.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٥٨٤).","vol":"9","page":636},{"text":"وَإِنِّي خَشِيتُ إِنْ أَذِنْتُ لَهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ أَنْ لَا يَبْلُغَ إِلَيَّ فِي حَاجَتِهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٠١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1312> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٦٠٧٠ - [٢] عَن طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لِكُلِّ نَبِيٍّ رَفِيقٌ، وَرَفِيقِي -يَعْنِي فِي الْجنَّةِ- عُثْمَانُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٩٨].\n٦٠٧١ - [٣] وَرَواه ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ. [جه: ١٠٩].\n٦٠٧٢ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَبَّابٍ قَالَ: شَهِدْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- وَهُوَ يَحُثُّ عَلَى جَيْشِ الْعُسْرَةِ،\nــ\nوقوله: (وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحالة أن لا يبلغ إلي في حاجته) أي: إن أذنت له على تلك الحالة أخاف أن يرجع حياءً عندما يراني على تلك الهيئة ولا يَعرض علي حاجته ولم أقضها.\nالفصل الثاني\n٦٠٧٠، ٦٠٧١ - [٢، ٣] (طلحة بن عبيد اللَّه، وأبو هريرة) قوله: (رفيقي) أكثر ما يطلق الرفيق على المصاحب في السفر، وقد يطلق على المصاحب مطلقًا، من الرفق بمعنى اللطف والمبالغة في البر، وهو ضد العنف، ومنه: إن اللَّه يحب الرفق، وهذا المعنى هو المراد هنا.\nوقوله: (يعني في الجنة) من كلام الراوي فهمه من القرينة.\n٦٠٧٢ - [٤] (عبد الرحمن بن خباب) قوله: (يحث على جيش العسرة) يريد","vol":"9","page":637},{"text":"فَقَامَ عُثْمَانُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! عَلَيَّ مِئَةُ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ حَضَّ عَلَى الْجَيْشِ فَقَامَ عُثْمَانُ فَقَالَ: عَلَيَّ مِئَتَا بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ حَضَّ فَقَامَ عُثْمَانُ فَقَالَ: عَلَيَّ ثَلَاثُ مِئَةِ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَنَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَنْزِلُ عَنِ الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَقُولُ: \"مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ هَذِهِ، مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ هَذِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٠٠].\n٦٠٧٣ - [٥] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: . . . . .\nــ\nبه غزوة تبوك لأنها كانت في زمان شدة الحر وجدب البلاد وقلة الماء، وكانوا فيها في عسرة شديدة حتى كانوا ينحرون البعير فيشربون ما في كرشه من الماء، وتعرف أيضًا بالفاضحة لافتضاح المنافقين فيها، وكان في رجب سنة تسع من الهجرة، وهي آخر غزواته -ﷺ-، والمراد بحثِّه عليها الترغيب في الذهاب إليها أو الإمداد للمسلمين فيها، وهذا أنسب بالسياق.\nو(الأحلاس) جمع حلس بالكسر: كساء على ظهر البعير تحت البردعة ويبسط في البيت تحت حر الثياب. و(الأقتاب) [جمع] قتب بفتحتين: الإكاف الصغير على قدم سنام البعير، يريد: بجميع أسبابها وأدواتها، ومجهز جيش العسرة من ألقابه -﵁- يذكر في الخطب.\nوقوله: (ما على عثمان ما عمل بعد هذه) أي: ليس عليه إثم ما عمل بعد عمله هدْ ٥ الحسنةَ، أي: هي مكفرة لما يعمله من الخطايا، وهذا كما قال: (لعل اللَّه قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم).\n٦٠٧٣ - [٥] (عبد الرحمن بن سمرة) قوله: . . . . .","vol":"9","page":638},{"text":"جَاءَ عُثْمَانُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- بِأَلْفِ دِينَارٍ فِي كُمِّهِ حِينَ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَنَثَرَهَا فِي حِجْرِهِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يُقَلِّبُهَا فِي حِجْرِهِ وَيَقُولُ: \"مَا ضَرَّ عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ\" مرَّتَيْنِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٦٣].\n٦٠٧٤ - [٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِبَيْعَةِ الرِّضْوَانِ كَانَ عُثْمَانُ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى مَكَّةَ، فَبَايَعَ النَّاسَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِن عُثْمَانَ فِي حَاجَةِ اللَّهِ وَحَاجَةِ رَسُولِهِ\"، فَضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الأُخْرَى، فَكَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لِعُثْمَانَ خَيْرًا مِنْ أَيْدِيهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٠٢].\nــ\n(حين جهز) جهاز الميت والعروس والمسافر بالكسر والفتح: ما يحتاجون إليه، وقد جهزه تجهيزًا فتجهز به.\n٦٠٧٤ - [٦] (أنس) قوله: (ببيعة الرضوان) وهي البيعة التي كانت تحت الشجرة بحديبية، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية [الفتح: ١٨]، فلهذا سميت ببيعة الرضوان.\nوقوله: (كان عثمان رسول رسول اللَّه -ﷺ- إلى مكة) بعثه بالكتاب إليهم معه -﵁- بعد ما جاء سهيل بن عمرو منهم إليه -ﷺ-.\nوقوله: (فضرب إحدى يديه على الأخرى) وفي رواية: (فوضع النبي -ﷺ- شماله في يمينه، وقال: هذه عن عثمان)، وفي (صحيح البخاري): فقال -ﷺ- بيده اليمنى: (هذه بيعة عثمان) فضرب بها على يده اليسرى، وكان -ﷺ- يقول: شمال رسول اللَّه -ﷺ- خير من يميني، وكذلك لما خلَّفه النبي -ﷺ- على ابنته رقية وضرب له بسهمه يوم بدر ولذلك عدُّوه من أهل بدر.","vol":"9","page":639},{"text":"٦٠٧٥ - [٧] وَعَنْ ثُمَامَةَ بْنِ حَزْنٍ الْقُشَيْرِيِّ قَالَ: شَهِدْتُ الدَّارَ حِينَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ، فَقَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالإِسْلَامَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ يُسْتَعْذَبُ غَيْرُ بِئْرِ رُومَةَ؟ فَقَالَ: \"مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ يَجْعَلُ دَلْوَهُ مَعَ دِلَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟ \". . . . .\nــ\n٦٠٧٥ - [٧] (ثمامة بن حزن القشيري) قوله: (وعن ثمامة) بضم المثلثة (ابن حزن) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي.\nوقوله: (شهدت الدار) أي: دار عثمان التي حاصروه فيها.\nوقوله: (حين أشرف) أي: اطَّلع عليهم.\nوقوله: (أنشدكم) بفتح الهمزة وضم الشين بلفظ المتكلم، و(اللَّه والإسلام) منصوبان، أي: أسألكم باللَّه وبالإسلام. و(بئر رومة) بضم الراء وسكون الواو، وقيل: بالهمزة: بئر عظيم شمالي مسجد القبلتين بواد يلي العقيق، ماؤه عذب لطيف في غاية العذوبة واللطافة، يسميها العامة الآن ببئر الجنة لترتب دخول الجنة بعثمان -﵁- على شرائها، وجاء في حديث: (نعم القليب قليب المزني)، والمزني هو رومة الذي كانت هذه البئر له واشترى منه عثمان -﵁- وتصدق، وباقي أحوال هذه البئر ذكرته في (تاريخ المدينة).\nوقوله: (يجعل دلوه مع دلاء المسلمين) بكسر الدال عبارة عن جعله وقفًا على المسلمين، أي: يجعل دلوه مساويًا مع دلائهم في الاستقاء، ولا يخصها بنفسه، كناية عن وقفها على المسلمين.\nوقوله: (بخير) متعلق بـ (يشتري) أي: يشتري بثمن، ثم يحصل به خير","vol":"9","page":640},{"text":"فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي، وَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تَمْنَعُونَنِي أَنْ أَشْرَبَ مِنْهَا حَتَّى أَشْرَبَ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالُوا: اللهُمَّ نَعَمْ. فَقَالَ: أنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالإِسْلَامَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَسْجِدَ ضَاقَ بِأَهْلِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ يَشْتَرِي بُقْعَةَ آلِ فُلَانٍ فَيَزِيدُهَا فِي الْمَسْجِدِ بِخَيْرٍ لَهُ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ؟ \". فَاشْتَرَيْتُهَا مِنْ صُلْبِ مَالِي فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ تَمْنَعُونَنِي أَنْ أُصَلِّيَ فِيهَا رَكْعَتَيْنِ؟ فَقَالُوا: اللهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: أنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالإِسْلَامَ. . . . .\nــ\nفي الجنة.\nوقوله: (فاشتريتها من صلب مالي) أي: من خالصه، وأصله اشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، وروي (ثمانية آلاف درهم)، والمراد بـ (ماء البحر) الماء المالح كماء البحر.\nوقوله: (اللهم نعم) قد يذكر قبل لا أو نعم تأكيدًا ومبالغة في التصديق والإنكار، وقيل: إشارة إلى شذوذه وندرته.\nوقوله: (هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله) وذلك في وقت بنائه، لا أنه بني المسجد ثم ضاق فزيد، وكان الزيادة بعد البناء أيضًا منه في وقت خلافته، وليس مرادًا ههنا.\nوقوله: (من يشتري بقعة آل فلان) وكان لبعض الأنصار في جوار المسجد، قال له رسول اللَّه -ﷺ-: هل تبيع هذه البقعة ببيت يكون له في الجنة؟ فقال الأنصاري: أنا فقير ولي عيال يا رسول اللَّه، فاشترى منه عثمان بن عفان تلك البقعة بعشرة آلاف درهم، فزيد في المسجد.","vol":"9","page":641},{"text":"هَلْ تَعْلَمُونَ أَنِّي جَهَّزْتُ جَيْشَ الْعُسْرَةِ مِنْ مَالِي؟ قَالُوا: اللهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ وَالإِسْلَامَ هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ عَلَى ثَبِيرِ مَكَّةَ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَنَا فَتَحَرَّكَ الْجَبَلُ حَتَّى تَسَاقَطَتْ حِجَارَتُهُ بِالْحَضِيضِ، فَرَكَضَهُ بِرِجْلِهِ قَالَ: \"اسْكُنْ ثَبِيرُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيُّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ\". قَالُوا: اللهُمَّ نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ شَهِدُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ أَنِّي شَهِيدٌ، ثَلَاثًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ. [ت: ٣٧٠٣، ن: ٣٦٠٨، قط: ٤/ ١٩٦].\n٦٠٧٦ - [٨] وَعَن مرّة بن كَعْب قَالَ: . . . . .\nــ\nوقوله: (أني جهزت جيش العسرة من مالي) لم يقل هنا: من صلب مالي، اكتفاء. و(ثبير) على وزن خبير: جبل بمنى على يسار الذاهب إلى منى مشرف على جبل بمنى وبمكة، وقيل: بمزدلفة، والأول أصح.\nوقوله: (حتى تساقطت حجارته بالحضيض) أي: أسفل الجبل، والحضيض: القرار في الأرض عند منقطع الجبل، في (الصراح) (١): حضيض: بستي زمين دردامن كوه.\nوقوله: (فركضه برجله) أي: ضربه، والركض: تحريك الرجل، ومنه: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢].\nوقوله: (اللَّه أكبر) تعجب من إقرارهم بكونه على الحق وإصرارهم على خلاف مقتضاه.\n٦٠٧٦ - [٨] (مرة بن كعب) قوله: (وعن مرة بن كعب) بضم الميم وتشديد الراء.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٢٧٨).","vol":"9","page":642},{"text":"سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَذَكَرَ الْفِتَنَ فَقَرَّبَهَا، فَمَرَّ رَجُلٌ مُقَنَّعٌ فِي ثَوْبٍ فَقَالَ: \"هَذَا يَوْمَئِذٍ عَلَى الْهُدَى\"، فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ. قَالَ: فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ. فَقُلْتُ: هَذَا؟ قَالَ: \"نَعَمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٣٧٠٤].\n٦٠٧٧ - [٩] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"يَا عُثْمَانُ إِنَّهُ لَعَلَّ اللَّهَ يُقَمِّصُكَ قَمِيصًا، فَإِنْ أَرَادُوكَ عَلَى خَلْعِهِ فَلَا تَخْلَعْهُ لَهُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: فِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ. [ت: ٣٧٠٥].\nــ\nوقوله: (سمعت من رسول اللَّه -ﷺ-) مفعوله محذوف مدلول عليه بقوله: (فقال: هذا يومئذ على الهدى).\nوقوله: (فقربها) من التقريب، أي: جعلها قريبة أي: ذكر أنها قريبة، و(مقنع) بضم الميم وفتح القاف وكسر النون المشددة، أي: لابس ثوبه على رأسه، وهو التطلس، وقد جاءت أخبار وأثار ذكرناها في (شرح سفر السعادة)، قال: في (القاموس) (١): المِقْنع والمِقْنعة بكسر ميمهما: ما تقنع به المرأة رأسها، والقناع بالكسر: أوسع منها.\nوقوله: (هذا يومئذ) أي: يوم وقوع الفتق.\nوقوله: (فأقبلت عليه) أي: على النبي -ﷺ- بوجه عثمان، (فقلت) بطريق الاستفهام: (هذا؟) أي: هذا هو الرجل الذي يومئذ على الهدى.\n٦٠٧٧ - [٩] (عائشة) قوله: (يقمصك) بالتشديد، استعار القميص للخلافة، وذكر الخلع ترشيح، أي: سيجعلك اللَّه خليفة، فالناس إن قصدوا عزلك عنها فلا تعزل\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٦٨١).","vol":"9","page":643},{"text":"٦٠٧٨ - [١٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِتْنَةً فَقَالَ: \"يُقْتَلُ هَذَا فِيهَا مَظْلُومًا\" لِعُثْمَانَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. [ت: ٣٧٠٨].\n٦٠٧٩ - [١١] وَعَنْ أَبِي سَهْلَةَ قَالَ: قَالَ لِي عُثْمَانُ يَوْمَ الدَّارِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ عَهْدًا وَأَنَا صَابِرٌ عَلَيْهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٣٧١١].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1313> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٦٠٨٠ - [١٢] عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ يُرِيدُ حَجَّ الْبَيْتِ، فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا: هَؤُلَاءِ قُرَيْشٌ. قَالَ فَمَنِ الشَّيْخُ فِيهِمْ؟ . . . . .\nــ\nنفسك عنها لأجلهم، فلذا كان عثمان ما عزل نفسه حين حاصروه يوم الدار.\n٦٠٧٩ - [١١] (أبو سهلة) قوله: (وعن أبي سهلة) بفتح السين وسكون الهاء.\nوقوله: (قد عهد إلي عهدًا وأنا صابر) معناه مضمون قوله: فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه، أو: أوصاني بأن أصبر ولا أقاتل، ويؤيده هذا الحديث الآخر الآتي عن أبي سهلة.\nالفصل الثالث\n٦٠٨٠ - [١٢] (عثمان بن عبد اللَّه) قوله: (ابن موهب) بفتح الهاء من الأعلام الشاذة، والقياس الكسر.","vol":"9","page":644},{"text":"قَالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. قَالَ: يَا ابْنَ عُمَرَ إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هَلْ تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ؟ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ أُبَيِّنْ لَك، أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحَدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ، وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَكَانَتْ مَرِيضَةً فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ\". وَأَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عُثْمَانَ، وَكَانَت بَيْعةُ الرِّضْوَانِ بعدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِهِ الْيُمْنَى: \"هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ\" فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ وَقَالَ: \"هَذِه لعُثْمَان\". ثُمَّ قَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: اذْهَبْ بِهَا الآنَ مَعَكَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٦٩٨، ٣١٣٠].\nــ\nوقوله: (تعال) بفتح اللام و(أبين لك) مجزوم جوابًا للأمر.\nوقوله: (فأشهد أن اللَّه عفا عنه) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٥]. .\nوقوله: (وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة) فإنه -﵁- ذهب إلى أهل مكة، وشاع عندهم أن المشركين تعرضوا لحرب المسلمين، فاستعد المسلمون للقتال فبايعهم النبي -ﷺ- تحت الشجرة على أن لا يفروا، وقيل: بل جاء الخبر بأن عثمان قُتِلَ.\nوقوله: (اذهب بها الآن معك) أي: اذهب بمقالتي وتمسك بها بعد ما يثبت لك الحق الصريح لا شك فيه، وانته عن اعتقادك الفاسد في حقه -﵁-.","vol":"9","page":645},{"text":"٦٠٨١ - [١٣] وَعَنْ أَبِي سَهْلَةَ مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ: جَعَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُسِرُّ إِلَى عُثْمَانَ وَلَوْنُ عُثْمَانَ يَتَغَيَّرُ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الدَّارِ قُلْنَا: أَلا تُقَاتِلُ؟ قَالَ: لَا، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَهِدَ إِلَيَّ أَمْرًا، فَأَنَا صَابِرٌ نَفسِي عَلَيْهِ. [حم: ٦/ ٥٨].\n٦٠٨٢ - [١٤] وَعَنْ أَبِي حَبِيبَةَ: أَنَّهُ دَخَلَ الدَّارَ وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ فِيهَا، وَأَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَسْتَأْذِنُ عُثْمَانَ فِي الْكَلَامِ فَأَذِنَ لَهُ، فَقَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي فِتْنَةً وَاخْتِلَافًا\" -أَوْ قَالَ: \"اخْتِلَافًا وَفِتْنَةً\"- فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ مِنَ النَّاسِ: فَمَنْ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ -أَوْ: مَا تَأْمُرُنَا بِهِ؟ - قَالَ: \"عَلَيْكُمْ بِالأَمِيرِ وَأَصْحَابِهِ\"، وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى عُثْمَانَ بِذَلِكَ. رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي \"دَلَائِل النبوَّةِ\". [دلائل: ٦/ ٣٩٣].\n* * *\nــ\n٦٠٨١ - [١٣] (أبو سهلة) قوله: (يسر إلى عثمان ولون عثمان يتغير) كأنه -ﷺ- أخبره بقضية فكان يتغير لونه بسماعه، ثم أظهر في وقته أنه عهد إليه.\nوقوله: (فأنا صابر) الصبر: حبس الرجل للقتل، يحبس على القتل حتى يقتل، ومنه القتل صبرًا.\n٦٠٨٢ - [١٤] (أبو حبيبة) قوله: (فمن لنا) أي: فمن نتبعه ويكون اتِّباعًا لنا لا علينا.\nوقوله: (وهو) أبو هريرة (يشير إلى عثمان بذلك) أي: بالأمر الذي أمرنا باتباعه.","vol":"9","page":646},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1314>٧ - باب مناقب هؤلاء الثلاثة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1315> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٦٠٨٣ - [١١] عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- صَعِدَ أُحُدًا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بِهِمْ، فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ فَقَالَ: \"اثْبُتْ أُحُدُ، فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٦٨٦].\n٦٠٨٤ - [٢] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَحَ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ\"، فَفَتَحْتُ لَهُ فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ، فَبَشَّرْتُهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَحَ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ\"، فَفَتَحْتُ لَهُ فَإِذَا هُوَ عُمَرُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَحَمِدَ اللَّه، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ فَقَالَ لِي: \"افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ\". . . . .\nــ\n٧ - باب مناقب هؤلاء الثلاثة\nقد وردت أحاديث وقعت فيها مناقب أبي بكر وعمر وعثمان جميعًا، فعقد هذا الباب لذكرها.\nالفصل الأول\n٦٠٨٣ - [١] (أنس) قوله: (فرجف بهبم) أي: تحرك واضطرب شديدًا.\n٦٠٨٤ - [٢] (أبو موسى الأشعري) قوله: (فاستفتح) أي: طلب الفتح واستأذن للدخول.\nوقوله: (على بلوى تصيبه) على بمعنى مع.","vol":"9","page":647},{"text":"فَإِذَا عُثْمَانُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَحَمِدَ اللَّهَ ثم قَالَ: اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْه. [خ: ٣٦٩٣، م: ٢٤٠٣].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1316> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٦٠٨٥ - [٣] عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَيٌّ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ -﵃-. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٠٧].\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1317> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٦٠٨٦ - [٤] عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"أُرِيَ اللَّيْلَةَ رَجُلٌ صَالِحٌ. . . . .\nــ\nوقوله: (فحمد اللَّه) على ما بشر، (ثم قال: اللَّه المستعان) أي: على مرارة الصبر على تلك البلوى.\nالفصل الثاني\n٦٠٨٥ - [٣] (ابن عمر) قوله: (أبو بكر وعمر وعثمان -﵃-) أي: كنا نذكر هؤلاء الثلاثة بأن اللَّه تعالى رضي عنهم، ويحتمل أن يكون -﵃- دعاء من الرواة كما هو المتعارف عند ذكر الصحابة، فيكون كما جاء في حديث آخر عن ابن عمر: كنا نقول على عهد رسول اللَّه -ﷺ-: أبو بكر وعمر وعثمان، يعني هؤلاء الثلاثة كانوا مشهورين في الصحابة مذكورين فيهم ممتازين عن سائر الصحابة.\nالفصل الثالث\n٦٠٨٦ - [٤] (جابر) قوله: (أري) بلفظ الماضي المجهول و(الليلة) ظرفه، و(رجل صالح) فاعله، وأراد به ذاته الكريمة، وأصل الكلام: أريت، يعني في المنام","vol":"9","page":648},{"text":"كَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ نِيطَ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَنِيطَ عُمَرُ بِأَبِي بَكْرٍ، وَنِيطَ عُثْمَانُ بِعُمَرَ\" قَالَ جَابِرٌ: فَلَمَّا قُمْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قُلْنَا: أَمَّا الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَرَسُولُ اللَّهِ، وَأَمَّا نَوْطُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ فَهُمْ وُلَاةُ الأَمْرِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ -ﷺ-. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٦٣٦].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1318>٨ - باب مناقب علي بن أبي طالب</span>\nــ\n(كأن أبا بكر نيط) أي: علق وضم بلفظ الماضي المجهول من ناطه نوطًا: عَلِقه، وانتاط: تعلَّق، ومنه: النياط ككتاب للفؤاد، ولِعْرقٍ غليظ نيط به القلب إلى الوتين، وعرقٍ مستبطنِ الصلب تحت المتن.\n٨ - باب مناقب علي بن أبي طالب -﵁- وكرم اللَّه وجهه\nمناقبه كثيرة لا تكاد تعد وتحصى، مذكورة في كتب الحديث أكثر مما ذكر لغيره من الصحابة رضوان اللَّه عليهم أجمعين، وقد تطرق الوضع إلى بعضها كما في مناقب أبي بكر أيضًا، كذا ذكروا، واللَّه أعلم. ونقل عن أحمد والنسائي وغيرهما أنهم قالوا: قد جاء في مناقبه أحاديث بالأسانيد الجياد أكثر مما جاء في غيره من الصحابة، وكان السبب في ذلك أنه متأخر، ووقع الاختلاف في زمانه، وكثر محاربوه والخارجون عليه، وكان ذلك سببًا لانتشار مناقبه لكثرة من كان يرويها من الصحابة ردًّا على من خالفه، وإلا فالثلاثة قبله لهم من المناقب ما يوازيه ويزيد عليه، كذا ذكر السيوطي.","vol":"9","page":649},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1319> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٦٠٨٧ - [١] عَن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِعَلِيٍّ: \"أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٠٦، م: ٢٤٠٤].\nــ\nالفصل الأول\n٦٠٨٧ - [١] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي) قاله حين استخلفه على المدينة في غزوة تبوك، فقال علي: أتخلِّفني في النساء والصبيان؟ كأنه استنقص تركه وراءه، فقال: (ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى) يعني حين استخلفه عند توجهه إلى الطور إذ قال له: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: ١٤٢]، وهذا الحديث مما تعلقت به الشيعة في أن الخلافة كانت حقًّا لعلي -﵁-، وأنه وصى بها له، وقال أصحابنا: لا حجة فيه، بل ظاهر الحديث أن عليًّا خليفة عن النبي -ﷺ- مدة غيبته بتبوك كما كان هارون خليفة عن موسى في قومه مدة غيبته عنهم للمناجاة، ولم يكن هارون خليفة بعد موسى لأنه توفي قبل وفاة موسى بأربعين سنة، وقد استخلف رسول اللَّه -ﷺ- ابن أم مكتوم في هذه المدة على إمامة الناس، فكان علي -ﷺ- يتفقد أهل النبي -ﷺ-، وابن أم مكتوم يؤم الناس، فلو كان الخلافة مطلقة لكان استخلفه على الإمامة أيضًا، بل كان أهمَّ، مع أن خبر الواحد لا يقاوم الإجماع، وقد تكلم الآمدي في صحة الحديث، ولكن قال أئمة الحديث: إنه صحيح، والمعول على قولهم، كيف وهو في الصحيحين؟ لكنه من الآحاد.\nوقيل: ليس قوله: (إلا أنه لا نبي بعده) في بعض الطرق، ولو كان فلا يدل على حصر الخلافة فيه -﵁- ولا وجودها بعده بلا واسطة.","vol":"9","page":650},{"text":"٦٠٨٨ - [٢] وَعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: قَالَ عَلِيٌّ: وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إِنَّهُ لَعَهِدَ النَّبِيُّ الأُمِّيُّ -ﷺ- إِلَيَّ: أَنْ لَا يُحِبَّنِي إِلَّا مؤمنٌ وَلَا يُبْغِضَنِي إِلَّا مُنَافِقٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٧٨].\n٦٠٨٩ - [٣] وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ: \"لأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيهِ، يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ\". فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ: \"أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ؟ \" فَقَالُوا: . . . . .\nــ\n٦٠٨٨ - [٢] (زرّ بن حبيش) قوله: (عن زر) بفتح الزاي (١) متقدمة على الراء المشددة (ابن حبيش) بلفظ التصغير لحبش بلدة السودان.\nوقوله: (فلق الحبة) أي: شقها وأخرج منها النبات.\nوقوله: (إنه لعهد) من باب علم، والمراد أنه أكد هذا القول فكأنه عهد.\n٦٠٨٩ - [٣] (سهل بن سعد) قوله: (يوم خيبر) هي مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على ثمانية برد من المدينة إلى جهة الشام، وكان في سنة سبع.\nقوله: (كلهم يرجون أن يعطاها) جَمَع نظرًا إلى المعنى وأفرد نظرًا إلى اللفظ، وإنما اعْتَبرَ المعنى في الأول فجمع، واللفظ في الثاني فأفرد؛ لأن الرجاء شامل للكل والعطاء لواحد.\nوقوله: (فقال: أين علي بن أبي طالب؟) وكان قد تخلف عن النبي -ﷺ- لكونه رمدًا.\n_________\n(١) كذا في الأصل، والظاهر بكسر الزاي.","vol":"9","page":651},{"text":"هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ. قَالَ: \"فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ\" فَأُتِيَ بِهِ، فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي عَيْنَيْهِ فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا رَسُولَ اللَّه أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا؟ فَقَالَ: \"انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لأَنْ يَهْدِي اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٢١٠، م: ٢٤٠٦].\nوَذكر حَدِيث الْبَراء قَالَ لعَلي: \"أَنْت مني وَأَنا مِنْك\" فِي \"بَاب بُلُوغ الصَّغِير\".\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1320> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٦٠٩٠ - [٤] عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ عَلِيًّا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ. . . . .\nــ\nوقوله: (أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟) أي: أحاربهم حتى يكونوا مسلمين.\nوقوله: (انفذ) على وزن انصر من النفاذ، أي: امض، (على رسلك) بكسر الراء وسكون السين، أي: على رفقك وتُؤَدتك، و(الساحة) الناحية وفضاءٌ بين دور الحي، والمراد أرضهم.\nوقوله: (حمر النعم) بسكون الميم: جمع أحمر، والإبل الحمر أنفس الأموال عند العرب، وقد صارت مثلًا في كل النفيس، وفيه أن تعليم علم يهدى به خير من بذل المال.\nالفصل الثاني\n٦٠٩٠ - [٤] (عمران بن حصين) قوله: (إن عليًّا مني وأنا منه) أي: في النسب","vol":"9","page":652},{"text":"وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧١٢].\n٦٠٩١ - [٥] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٤/ ٣٦٨، ت: ٣٧١٣].\n٦٠٩٢ - [٦] وَعَنْ حُبْشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"عَلِيٌّ مِنِّي وَأَنَا مِنْ عَلِيٍّ، وَلَا يُؤَدِّي عَنِّي إِلَّا أَنَا وَعَلِيٌّ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧١٩].\nوَرَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي جُنَادَةَ. [حم: ٤/ ١٦٤].\nــ\nوالمصاهرة والمسابقة والمحبة وغير ذلك من المزايا والخصوصيات، لا في محض القرابة، وإلا فجعفر وعقيل شريكان.\nوقوله: (وهو ولي كل مؤمن) أي: حبيبه وناصره، وهذا إشارة إلى [أن] قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [المائدة: ٥٥] نزل في علي -﵁-.\n٦٠٩١ - [٥] (زيد بن أرقم) قوله: (من كنت مولاه فعلي مولاه) أي: ناصره، سيجيء هذا الحديث في (الفصل الثالث) مفصلًا، ونشرحه هناك إن شاء اللَّه تعالى.\n٦٠٩٢ - [٦] (حبشي بن جنادة) قوله: (وعن حبشي) بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة وشين معجمة في آخره ياءٌ مشددة، (ابن جنادة) بضم الجيم وخفة النون.\nوقوله: (ولا يؤدي عني إلا أنا وعلي) لما فرض الحج أمر رسول اللَّه -ﷺ- أبا بكر -﵁- بأن يحج بالناس، ثم بعث بعد خروجه عليًّا لينبذ على المشركين والمنافقين عهدهم، ويقرأ عليهم سورة براءة، وكان من عادة العرب إذا كان بينهم مقاولة في صلح","vol":"9","page":653},{"text":"٦٠٩٣ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: آخَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَجَاءَ عَلِيٌّ تَدْمَعُ عَيْنَاهُ، فَقَالَ: آخَيْتَ بَيْنَ أَصْحَابِكَ وَلم تُؤاخِ بَيْنِي وَبَيْنَ أَحَدٍ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَنْتَ أَخِي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٢٠].\n٦٠٩٤ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- طَيْرٌ فَقَالَ: \"اللهُمَّ ائْتِنِي بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ يَأْكُلُ مَعِي هَذَا الطَّيْرَ\" فَجَاءَهُ عَلِيٌّ فَأَكَلَ مَعَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٢١].\nــ\nوعهد ونقض وإبرام لا يؤدي إلا سيد القوم أو من يليه من ذوي قرابته القريبة، ولا يقبلون ممن سواهم، وقال هكذا تكريمًا له -﵁-.\n٦٠٩٣ - [٧] (ابن عمر) قوله: (آخى بين أصحابه) وفي رواية أخرى: (بين المهاجرين والأنصار)، وكانوا تسعين رجلًا من كل طائفة خمسة وأربعون، على الحق والمواساة والتوارث، وكان ذلك إلى أن نزل ببدر قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ الآية [الأنفال: ٧٥]، وكان ذلك بعد قدومه بخمسة أشهر.\n٦٠٩٤ - [٨] (أنس) قوله: (كان عند النبي -ﷺ- طير) أي: مشويٌّ يأكله.\nوقوله: (بأحب خلقك) أوله الشارحون بأن المراد: من أحب خلقك، أو أحب خلق اللَّه من بني عمه، أو بأحب خلقك إليه من ذوي القرابة القريبة، أو من هو أولى وأقرب وأحق بإحسان إليه، وهذا الوجه الأخير أقرب وأوفق بالمقام، هكذا قالوا، ولقد أتى الشيخ ابن حجر في (كتاب الصواعق) في الاعتذار عن التأويل لهذا الحديث بكلام مليح فصيح طويل، وقال: نحن وإن كنا لا نجهل بحمد اللَّه فضل علي -﵁- وقدمه وسوابقه في الإسلام، واختصاصه برسول اللَّه -ﷺ- لقرابته القريبة ومؤاخاته إياه في الدين،","vol":"9","page":654},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nونتمسك من حبه بأقوى وأولى مما يدعيه الغالون فيه، فلسنا نرى أن نضرب عن تقرير أمثال هذه الأحاديث في نصابها صفحًا لما يُخشى فيها من تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين، وهذا باب أمرنا بمحافظته وجيء أمرنا بالذب عنه، فحقيق علينا أن ننصر فيه الحق ونقدم فيه الصدق، وهذا حديث يريش به المبتدع سهامه ويوصّل به المنتحل جناحه فيتخذه ذريعة إلى الطعن في خلافة أبي بكر -﵁- التي هي أول حكم أجمع عليه المسلمون في هذه الأمة، وأقوم عماد أقيم به الدين بعد رسول اللَّه -ﷺ-، فنقول -وباللَّه التوفيق-: هذا الحديث لا يقاوم ما أوجب تقديم أبي بكر والقولَ بخيريته من الأخبار الصحاح منضمًّا إليها إجماع الصحابة لمكان سنده، فإن فيه لأهل النقل مقالًا، ولا يجوز حمل أمثاله على ما يخالف الإجماع، لا سيما والصحابي الذي يرويه ممن دخل في هذا الإجماع، واستقام عليه مدة عمره، ولم ينقل عنه خلافه، فلو ثبت عنه هذا الحديث فالسبيل أن يؤول على وجه لا ينتقض عليه ما اعتقده، ولا يخالف ما هو أصح منه متنًا وإسنادًا، وهو أن يحمل على أحد الوجوه المذكورة.\nقال العبد الضعيف -عصمه اللَّه عما يطمه وصانه عما شانه-: إن من الظاهر أن الحديث غير محمول على الظاهر؛ لأن النبي -ﷺ- من جملة خلق اللَّه، وهو أحب الخلق إلى اللَّه من جميع الوجوه والحيثيات، فالمراد أهل زمان رسول اللَّه -ﷺ- من الصحابة وغيرهم، إنما يكون من وجه واحد خاص أو وجوه متعددة مخصوصة، فلا حاجة إلى تخصيص الخلق بل إلى تخصيص الوجه أو الوجوه، فإنه ليس أحب وأفضل من جميع الوجوه سوى سيد المحبوبين وأفضل المخلوقين -ﷺ-، ثم الكلام في الصحابة إنما هو في الأفضلية من جهة كثرة الثواب والأحبية وغيرها، كما في القول المشهور من بعض","vol":"9","page":655},{"text":"٦٠٩٥ - [٩] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ إِذَا سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَعْطَانِي، وَإِذَا سَكَتُّ ابْتَدَأَنِي. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٢٢].\n٦٠٩٦ - [١٠] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَنَا دَارُ الْحِكْمَةِ وَعَلِيٌّ بَابُهَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وَقَالَ: رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ شَرِيكٍ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، وَلَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الثِّقَاتِ غَيْرَ شَرِيكٍ. [ت: ٣٧٢٣].\nــ\nالعلماء في الفرق بين الأفضلية والأحبية، والمخلِّص في هذه المسألة اعتبار الوجوه والحيثيات، واللَّه أعلم.\n٦٠٩٥ - [٩] (علي) قوله: (وإذا سكت) أي: لم أسأل (ابتدأني) أي: أعطاني من غير مسألة، يقال: ابتدأني الشيء: فعله ابتداء، وهذا مقام المحبوبية.\n٦٠٩٦ - [١٠] (وعنه) قوله: (أنا دار الحكمة وعلي بابها) قيل: لا شك أن العلم قد جاء منه -ﷺ- من قِبَل باقي الصحابة، وليس منحصرًا في علي المرتضى -﵁-، فلا بد أن يكونوا أبواب العلم، لكن لا بد للتخصيص من وجه بأن يكون متميزًا من سائر الأبواب بالسعة والفتح والعظمة ونحوها، واللَّه أعلم.\nواعلم أن المشهور من لفظ الحديث في هذا المعنى (أنا مدينة العلم وعليٌّ بابها)، وقد تكلم النقاد فيه، وأصله عن أبي الصلت عبد السلام وكان شيعيًا، وقد تكلِّم فيه، وصحح هذا الحديث الحاكم وحسنه الترمذي، وضعفه آخرون، ونسبه إلى الوضع طائفة، ونحن ننقل ما ذكره علماؤنا في ذلك بعباراتهم وإن كانت مشتملةً على التكرار، فنقول:","vol":"9","page":656},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nقال الشيخ مجد الدين الشيرازي اللغوي صاحب (القاموس) في (نقد الصحيح): حديث: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، ذكره أبو الفرج ابن الجوزي في (الموضوعات) من عدة طرق وجزم ببطلان الكل، وقال مثل ذلك جماعة، وعندي في ذلك نظر كما سنبينه، والمشهور برواية أبي الصلت عبد السلام بن صلاح الهروي، عن أبي معاوية محمد بن حازم الضرير، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس -﵄-، وعبد السلام هذا ضعفوه جدًا واتهم بالرفض، ومع ذلك فقد روى عباس بن محمد الزوزني في سؤالاته يحيى بنَ معين أنه سأله عن أبي الصلت هذا فوثقه، فقال: أليس قد حدث (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، وكذلك روى صالح بن محمد الحافظ الملقب جزرة، وأبو الصلت محمد بن محرز عن يحيى بن معين أيضًا، وفي رواية أبي الصلت بن محرز قال يحيى في هذا الحديث: هو من حديث أبي معاوية أخبرني ابن نمير، قال: حدث به أبو معاوية قديمًا ثم كف عنه، وكان أبو الصلت الهروي رجلًا موسرًا يطلب هذه الأحاديث ويكرم المشايخ، يعني فخصه أبو معاوية بهذا الحديث، فقد برئ عبد السلام عن عهدة هذا الحديث، وأبو معاوية الضرير حافظ يحتج بأفراده كابن عيينه وغيره، ليس هذا الحديث من الألفاظ المنكرة التي تأباها العقول، بل هو مثل قوله -ﷺ- في حديث: (أرأف أمتي أبو بكر) الحديث، وقد حسنه الترمذي وصححه غيره، ولم يأت من تكلم على حديث (أنا مدينة العلم) بجواب عن هذه الروايات الثابتة عن يحيى بن معين، والحكم عليه بالوضع باطل قطعًا، إنما سكت أبو معاوية عن روايته شائعًا لغرابته لا لبطلانه، إذ لو كان كذلك لم يحدث به أصلًا مع حفظه وإتقانه، وللحديث طريق أخرى رواها الترمذي في (جامعه) (١) عن إسماعيل بن موسى الفزاري، عن محمد بن عمر بن الرومي،\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٣٧٢٣).","vol":"9","page":657},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعن شريك بن عبد اللَّه، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة، عن أبي عبد اللَّه بن الصنابحي، عن علي -﵁-: أن النبي -ﷺ- قال: (أنا دار الحكمة وعلي بابها)، وتابعه أبو مسلم الكجي وغيره على روايته عن محمد بن عمر بن الرومي، ومحمد هذا روى عنه البخاري في غير الصحيح، ووثقه ابن حبان وضعفه أبو داود، وقال الترمذي بعد سياق الحديث: هذا حديث غريب، وقد روى بعضهم هذا عن شريك ولم يذكر فيه الصنابحي، ولا يعرف هذا عن أحد من الثقات غير شريك، قلت: فلم يبق الحديث من أفراد محمد الرومي، وشريكٌ احتج به مسلم وعلق له البخاري، ووثقه ابن معين والعجلي، وزاد: حسن الحديث، وقال عيسى بن يونس: ما رأيت أحدًا قط أورع في علمه من شريك، فعلى هذا يكون تفرده حسنًا، ولا يَرِدُ عليه رواية من أسقط الصنابحي منه؛ لأن سويد ابن غفلة تابعي مخضرم، روى عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي -﵃-، وسمع، فيكون ذكر الصنابحي فيه من باب المزيد في متصل الأسانيد، والحاصل أن الحديث ينتهي بمجموع طريقي أبي معاوية وشريك إلى درجة الحسن المحتج به، ولا يكون ضعيفًا فضلًا عن أن يكون موضوعًا، ولم أجد لمن ذكره في الموضوعات طعنًا مؤثرًا في هذين السندين، وباللَّه التوفيق (١)، انتهى كلام الشيخ مجد الدين.\nوقال السخاوي في (المقاصد الحسنة) (٢): حديث: (أنا مدينة العلم وعلي بابها)، ذكره الحاكم في المناقب من (مستدركه)، والطبراني في (معجمه الكبير)، وأبو الشيخ ابن حبان في (السُّنة) له وغيرهم، كلهم من حديث أبي معاوية الضرير عن الأعمش عن\n_________\n(١) انظر: \"النقد الصحيح لما اعترض من أحاديث المصابيح\" (ص: ٥٣ - ٥٥).\n(٢) \"المقاصد الحسنة\" (ص: ١٦٩).","vol":"9","page":658},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمجاهد عن ابن عباس مرفوعًا به، بزيادة: (فمن أتى العلم فليأت الباب)، ورواه الترمذي في المناقب من (جامعه)، وأبو نعيم في (الحلية)، وغيرهما من حديث علي أن النبي -ﷺ- قال: (أنا دار الحكمة وعلي بابها).\nقال الدارقطني في (العلل) عقب ثانيهما: إنه حديث مضطرب غير ثابت، وقال الترمذي: إنه منكر، وكذا قال شيخه البخاري، وقال: إنه ليس له وجه صحيح، وقال ابن معين فيما حكاه الخطيب في (تاريخ بغداد): إنه كذب لا أصل له، وقال الحاكم عقب أولهما: إنه صحيح الإسناد، وأورده ابن الجوزي من هذين الوجهين في (الموضوعات)، ووافقه الذهبي وغيره على ذلك، وأشار إلى هذا ابن دقيق العيد بقوله: هذا الحديث لم يثبتوه، وقيل: إنه باطل، وهو مشعر بتوقفه فيما ذهبوا إليه من الحكم بكذبه، بل صرح العلائي بالتوقف في الحكم عليه بذلك، فقال: وعندي فيه نظر، ثم بين ما يشهد لكون أبي معاوية راوي حديث ابن عباس حدث به، فزال المحذور ممن هو دونه، قال: وأبو معاوية ثقة حافظ يحتج بأفراده كابن عيينة وغيره، فمن حكم على الحديث مع ذلك بالكذب فقد أخطأ، وقد أخرج الديلمي في (مسنده) بسند ضعيف جدًا عن ابن عمر مرفوعًا: (علي بن أبي طابى باب حطة فمن دخل فيه كان مؤمنًا، ومن خرج منه كان كافرًا)، ومن حديث أبي ذر رفعه: (علي باب علمي ومبينٌ لأمتي ما أرسلْتُ به من بعدي، حبه إيمان، وبغضه نفاق، والنظر إليه عبادة)، ومن حديث ابن عباس رفعه: (أنا ميزان العلم، وعلي كفَّتاه، والحسن والحسين خيوطه)، الحديث، وأورد صاحب (الفردوس) وتبعه ابنه المذكور بلا إسناد عن ابن مسعود رفعه: (أنا مدينة العلم، وأبو بكر أساسها، وعمر حيطانها، وعثمان سقفها، وعلي بابها)، انتهى كلام (المقاصد الحسنة).","vol":"9","page":659},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوفي (فصل الخطاب من كتاب الأنساب) للإمام عبد الكريم بن محمد السمعاني ﵀ في ترجمة الهروي: أبو الصلت عبد السلام بن صالح بن سليمان الهروي، مولى عبد الرحمن بن سمرة، أدرك حماد بن زيد ومالك بن أنس وسفيان بن عيينه وغيرهم، وكان صاحب قشافة وزهد، قدم مرو أيام المأمون، فلما سمع كلامه جعله من الخاصة من إخوانه، وكان أبو الصلت يرد على أهل الاهواء من المرجئة، والجهمية، والزنادقة، والقدرية، وكان يعرف بالتشيع، وقال أحمد بن سيار المروزي: ناظرته فلم أره يُفْرِط، ورأيته يقدم أبا بكر وعمر -﵄-، وكان لا يذكر أصحاب النبي -ﷺ- إلا بالجميل، وكان يقول: هذا مذهبي الذي أدين اللَّه به. وقال يحيى بن معين: أبو الصلت ثقة صدوق إلا أنه يتشيع. وقال أبو عبد الرحمن النسائي: أبو الصلت ليس بثقة. توفي أبو الصلت في شوال سنة ست وثلاثين ومئتين.\nوأيضًا في (الأنساب) (١): قال أبو حاتم بن حبان: وهو الذي روى عن أبي معاوية عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس -﵄- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد المدينة فليأت من قبل الباب)، وهذا شيءٌ لا أصل له، ليس من حديث ابن عباس ولا مجاهد ولا الأعمش ولا أبو معاوية حدث به، وكل من حدث بهذا المتن فإنه سرقه من أبي الصلت هذا، انتهى كلام (فصل الخطاب)، وفيه الطعن في الحديث فقط، لكن الكلام الجامع من مهرة الفن ما ذكرناه قبل، ولعل ذلك هو الصواب، ولكن لا يقتضي ذلك الحصر في هذا الباب، وهذا باب خاص ومخصوص بدخول العلم، فقد جاء: (أقضاكم علي) ولكل من الخيرات والمبرات والأنوار والأسرار\n_________\n(١) (١/ ٥٠٥).","vol":"9","page":660},{"text":"٦٠٩٧ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلِيًّا يَوْمَ الطَّائِفِ فَانْتَجَاهُ، فَقَالَ النَّاسُ: لَقَدْ طَالَ نَجْوَاهُ مَعَ ابْنِ عَمِّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا انْتَجَيْتُهُ وَلَكِنَّ اللَّهَ انْتَجَاهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٢٦].\n٦٠٩٨ - [١٢] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِعَلِيٍّ: \"يَا عَلِيُّ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُجْنِبُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرِي. . . . .\nــ\nالتي أشرقت وظهرت من شمس النبوة لها مظاهر ومحالٌّ متعددة بل لا تعدُّ ولا تحصى، فإنه شمس فضل هم كواكبها، يظهرون أنوارها للناس في الظلم، (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم)، وفي الحقيقة لمسألة الفضيلة وجوه وحيثيات، وهذا هو المخلص والمسلك في هذا الباب، واللَّه أعلم بالحق والصواب، وإليه المرجع والمآب.\n٦٠٩٧ - [١١] (جابر) قوله: (يوم الطائف) الظاهر أن المراد: يوم غزوة الطائف.\nوقوله: (فانتجاه) أي: قال معه نجوى، والمناجاة: المسارَّة، انتجى القوم وتناجوا، أي: تسارُّوا، وانتجيته: إذا خصصته بمناجاتك، والاسم النجوى، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧] فجعلهم نجوى، وإنما النجوى فعلُهم، كذا في (الصحاح) (١).\nوقوله: (ما انتجيته ولكن اللَّه انتجاه) أي: ما خصصته بمناجاتي من عند نفسي، ولكن اللَّه أمرني أن أنتجيه فانتجيته امتثالًا لأمر اللَّه تعالى.\n٦٠٩٨ - [١٢] (أبو سعيد) قوله: (لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري)\n_________\n(١) \"الصحاح\" (٦/ ٢٥٠٣).","vol":"9","page":661},{"text":"وَغَيرُكَ\" (١)، قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ: فَقُلْتُ لِضِرَارِ بْنِ صُرَدٍ: مَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ؟ قَالَ: لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يَسْتَطْرِقُهُ جُنُبًا غَيْرِي وَغَيْرَكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٢٧].\n٦٠٩٩ - [١٣] وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَيْشًا فِيهِمْ عَلِيٌّ قَالَتْ: فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ رَافِعٌ يَدَيْهِ يَقُولُ: \"اللهُمَّ لَا تُمِتْنِي حَتَّى تُرِيَنِي عَلِيًّا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٣٧].\nــ\nيحتمل أن يكون (يجنب) بتقدير (أنْ) فاعل (لا يحل)، و(في هذا المسجد) ظرف (يجنب)، والمراد: أن يمر جنبًا فيه، وأن يكون (يجنب) صفة (أحد)، ويقدر قبل قوله: (في هذا المسجد): يمر، وذلك لأنه كان لرسول اللَّه -ﷺ- ولعلي -﵁- باب وممر في المسجد، ويجوز لمن كان له باب في المسجد مروره منه جنبًا، ولهذا قيده بقوله: (هذا المسجد) احترازًا عن سائر المساجد.\nوقوله: (لضرار) بكسر المعجمة وخفة الراء الأولى، و(صرد) بضم المهملة وفتح الراء.\n٦٠٩٩ - [١٣] (أم عطية) قوله: (لا تمتني) لعله كان في آخر أمره -ﷺ- حيث كمل الدين، وإلا فكان بقاؤه -ﷺ- إلى كمال أمر الدين حتمًا مقضيًّا، أو كان قبل أن يوحى إليه ذلك، أو كان مكثُ علي -﵁- إلى مدة عمره -ﷺ- محتملًا، وذلك بعيد، فافهم، وفيه الدعاء لمن غاب حبيبه بالرجوع سالمًا.\n_________\n(١) قال القاري (٩/ ٣٩٤١): بِالنَّصْبِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ، وَفِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ بِالرَّفْعِ، وَلَا يَظْهَرُ لَهُ وَجْهٌ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: خَبَرُ مُبْتَدَأ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هُوَ غَيْرِي وَغَيْرُكَ.","vol":"9","page":662},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1321> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٦١٠٠ - [١٤] عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَا يُحِبُّ عَلِيًّا مُنَافِقٌ وَلَا يُبْغِضُهُ مُؤْمِنٌ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِسْنَادًا. [ت: ٣٧١٧].\n٦١٠١ - [١٥] وَعَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ سَبَّ عَلِيًّا فَقَدْ سَبَّنِي\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ٣٢٣].\n٦١٠٢ - [١٦] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (١): \"فِيكَ مَثَلٌ مِنْ عِيسَى، أَبْغَضَتْهُ الْيَهُودُ حَتَّى بَهَتُوا أُمَّهُ، وَأَحَبَّتْهُ النَّصَارَى حَتَّى أَنْزَلُوهُ بِالْمَنْزِلَةِ الَّتِي لَيْسَتْ لَهُ\". ثُمَّ قَالَ: يَهْلِكُ فِيَّ رَجُلَانِ: مُحِبٌّ مُفْرِطٌ يُقَرِّظُنِي بِمَا لَيْسَ فِيَّ،\nــ\nالفصل الثالث\n٦١٠٠ - [١٤] (أم سلمة) قوله: (لا يحب عليًّا منافق) وكان المنافقون يبغضونه -﵁- لما كانوا يرون من جماله وكماله وسطوته في الدين، وفيه أن حب علي آية الإيمان، اللهم ثبتنا.\n٦١٠١ - [١٥] (وعنها) قوله: (من سب عليًّا فقد سبني) وذلك لِمَا أنه يلزم من سبِّه سبُّه ومن طعنه في نسبه الطعنُ في نسبه؛ للقرابة القريبة بينهما ما لم يكن بين أحد من أصحابه.\n٦١٠٢ - [١٦] (علي) قوله: (يقرظني) أي: يمدحني، والتقريظ بالظاء المعجمة:\n_________\n(١) في نسخة: \"النبي\".","vol":"9","page":663},{"text":"وَمُبْغِضٌ يَحْمِلُهُ شَنَآنِي عَلَى أَنْ يَبْهَتَنِي. رَوَاهُ أَحْمَدُ. [فضائل الصحابة لأحمد: ١٢٢١].\n٦١٠٣ - [١٧] وَعَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا نَزَلَ بِغَدِيرِ خُمٍّ أَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ فَقَالَ: \"أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟ \" قَالُوا: بَلَى،\nــ\nمدح الحي ووصفه، وفي (القاموس) (١) موافقًا لما في (الصحاح) (٢): التقريظ: مدح الإنسان وهو حي بحق أو باطل، وهما يتقارظان المدح: يمدح كل صاحبه. و(الشنآن) بفتح النون وبسكونها والمد: العداوة، وقيل: شدة البغض، وفسر البيضاوي قوله: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: ٢] بشدة بغضهم وعدواتهم.\n٦١٠٣ - [١٧] (البراء بن عازب وزيد بن أرقم) قوله: (لما نزل) أي: في مرجعه من حجة الوداع. (بغدير خم) بضم خاء معجمة وتشديد ميم. في (القاموس) (٣): موضع بالجحفة بين الحرمين، أو (خم) اسم غيضة هناك بها غدير ماء.\nوقوله: (فقال) بعد أن جمع الصحابة: (ألستم تعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم) وفي بعض الروايات كرره ثلاثًا، وهم يجيبون بالتصديق والاعتراف، يريد به قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [الأحزاب: ٦] أي: في الأمور كلها، فإنه لا يأمرهم ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم ونجاحهم بخلاف النفس فلذلك أطلق، فيجب عليهم أن يكون أحبَّ إليهم من أنفسهم، وأمرُه أنفذَ عليهم من أمرها،\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٥٨٦).\n(٢) \"الصحاح\" (٣/ ١١٧٧).\n(٣) \"القاموس المحيط\" (ص: ٩٩٦).","vol":"9","page":664},{"text":"قَالَ: \"أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ؟ \" قَالُوا: بَلَى، فَقَالَ: \"اللهُمَّ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ، اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ\". فَلَقِيَهُ عُمَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ: هَنِيئًا يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ أَصْبَحْتَ وَأَمْسَيْتَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ. رَوَاهُ أَحْمَدُ [حم: ٤/ ٢٨١].\nــ\nوشفقتهم عليه أتمَّ من شفقتهم عليها، روي أنه -ﷺ- أراد غزوة تبوك فأمر الناس بالخروج، فقال ناس: نستأذن آباءنا وأمهاتنا، فنزلت.\nوقرئ: (وهو أب لهم) أي: في الدين، فإن كل نبي أبٌ لأمته من حيث إنه أصل فيما به الحياة الأبدية، ولذلك صار المؤمنون إخوة، كذا في (تفسير البيضاوي) (١).\nوقوله: (أني أولى بكل مؤمن من نفسه) تأكيد وتكرير يفيد كونه أولى بكل واحد من المؤمنين كما أن الأول يفيده بالنسبة إليهم جميعًا.\nوقوله: (اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه) وفي رواية: (ثم رفع يد علي وقال).\nوقوله: (وعاد من عاداه) وزاد في رواية: (وأبغض من أبغضه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأَدِرِ الحق معه حيث دار).\nاعلم أن هذا الحديث أقوى ما تمسكت به الشيعة في ادعائهم النص التفصيلي المصرِّح بخلافة علي -﵁-، فإنهم قالوا: المولى بمعنى: الأولى بالولاية، بدليل قوله: (ألست أولى بكم) لا الناصر والمحبوب، وإلا لما احتاج إلى جمعهم لذلك مع الدعاء له لأن ذلك يعرفه كل أحد، قالوا: ولا يكون هذا الدعاء إلا لإمام معصوم مفترَضِ الطاعة، فلعليٍّ عليهم من الولاء ما له -ﷺ- عليهم منه، فهذا نص صريح على خلافته،\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٤/ ٢٢٥).","vol":"9","page":665},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوهذا حديث صحيح لا مرية فيه، وقد أخرجه جماعة كالترمذي والنسائي وأحمد، وطرقه كثيرة جدًّا، رواه ستة عشر صحابيًا، وفي رواية لأحمد: أنه سمعه من النبي -ﷺ- ثلاثون صحابيًا، وشهدوا به لعلي -ﷺ- لما نوزع أيام خلافته، وكثير من أسانيده صحاح وحسان، ولا التفات لمن قدح في صحته، ولا إلى قول بعضهم: إن زيادة: (اللهم وال من والاه)، إلى آخره موضوع، فقد ورد ذلك من طرق صحح الذهبي كثيرًا منها، كذا قال الشيخ ابن حجر في (الصواعق المحرقة) (١).\nوقال أيضًا: ولكن نقول إلزامًا للشيعة: إنهم اتفقوا على اعتبار التواتر فيما يستدل به على الإمامة، وهو منتفٍ فيه للخلاف في صحته، وإن كان مردودًا، بل الطاعنون في صحته جماعة من أئمة الحديث وعدوله المرجوع إليهم فيه، كأبي داود السجستاني وأبي حاتم الرازي وغيرهم، ولم يروه بعض المتقنين الحافظين الذين طافوا البلاد وساروا الأمصار في طلب الحديث كالإمام البخاري ومسلم والواقدي وغيرهم من أكابر أهل الحديث، وهذا وإن لم يُخلَّ بصحته لكن دعوى التواتر في مثله أعجب من كل عجب، وقد اشترطوا التواتر في أحاديث الإمامة.\nهذا وقد رد عليهم أهل السنة والجماعة، وكلامهم في ذلك طويل مذكور في (الصواعق المحرقة) للشيخ ابن حجر المكي، ونحن نقلنا منه ما تيسر اختصارًا، قال: لا نسلم أن معنى المولى ما ذكروه، بل معناه الناصر لأنه مشترك بين معان كالمعتق والعتيق والمتصرف في الأمر والناصر والمحبوب، وتعيين بعض معاني المشترك من غير دليل يقتضيه تحكمٌ لا يعتد به، ونحن وهم متفقون على صحة إرادة الحِب -بالكسر-\n_________\n(١) \"الصواعق المحرقة\" (١/ ١٠٦ - ١١٩).","vol":"9","page":666},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالناصر، وعلي -﵁- سيدنا وحبيبنا وناصرنا، على أن كون المولى بمعنى الإمام لم يعهد لغة ولا شرعًا، ولم يذكر أحد من أئمة اللغة أن مَفْعلًا يأتي بمعنى أفعل، ويقال: هو أولى من كذا، دون: مولى من كذا، وأولى الرجلين دون مولاهما، فالغرض من التنصيص على موالاته الاجتناب من بغضه؛ لأن التنصيص عليه أوفى بمزيد شرفه، وصدَّره بـ (ألست أولى بكم من أنفسكم) ليكون أثبت على قبولهم إياه، وكذا بالدعاء له لأجل ذلك أيضًا، ويرشد لما ذكرناه حثه -ﷺ- في هذه الخطبة على أهل بيته عمومًا وعلى علي خصوصًا، كما جاء عند الطبراني وغيره بسند صحيح، وأيضًا سبب ذلك كما نقله الحافظ شمس الدين الجزري عن ابن إسحاق: أن عليًا تكلم فيه بعض من كان معه في اليمن، فلما قضى النبي -ﷺ- حجه خطبها تنبيهًا على قدره وردًّا على من تكلم فيه كبريدة، كما ذكر في (صحيح البخاري) أنه كان يبغضه، وذكر الذهبي وصححه (١): أنه خرج معه إلى اليمن فرأى منه جفوة فنقصه للنبي -ﷺ-، فجعل يتغير وجهه ويقول: (يا بريدة! ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم) قلت: بلى يا رسول اللَّه، قال: (من كنت مولاه فعلي مولاه)، سلمنا أنه أولى، لكن لانسلِّم أن المراد أنه أولى بالإمامة بل بالاتباع والقرب منه فهو كقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨] ولا قاطع ولا ظاهر على نفي هذا الاحتمال، بل هو الواقع، إذ هو الذي فهمه أبو بكر وعمر، وناهيك بهما في فهم الحديث، فإنهما لما سمعاه قالا له: أمسيت يا ابن أبي طالب مولى كل مؤمن ومؤمنة، أخرجه الدارقطني. وأخرج أيضًا أنه قيل لعمر: إنك تصنع بعلي شيئًا لا تصنعه بأحد من أصحاب النبي -ﷺ-، فقال: إنه مولاي،\n_________\n(١) انظر: \"المستدرك\" (٤٥٧٨).","vol":"9","page":667},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nسلمنا أولى بالإمامة، فالمراد المآل وإلا لكان هو الإمام مع وجوده -ﷺ-، ولا تعرض فيه لوقت المآل، فكان المراد حين يوجد عقد البيعة له، فلا ينافي حينئذ تقديم الأئمة الثلاثة عليه، لانعقاد الإجماع حتى من عليٍّ فيه، للأخبار المصرِّحة بإبامة أبي بكر بعده -ﷺ-، وكيف كان نصًا على إمامته ولم يَحتجَّ به ولا العباس ولا غيرهما وقت الحاجة إليه، وإنما احتج به علي في خلافته، فسكوته عن الإفصاح إلى أيام خلافته قاض بأنه علم منه أنه لا نص فيه على خلافته عقب وفاة النبي -ﷺ-، على أن عليًّا -﵁- صرح بأنه -ﷺ- لم ينص عليه ولا على غيره، كما جاء في الأخبار الصحيحة.\nوفي (صحيح البخاري) وغيره خروج علي والعباس من عند النبي -ﷺ-، الحديث، ولو كان حديث (من كنت مولاه) نصًا في إمامة علي لم يحتج هو والعباس إلى مراجعته -ﷺ-، ولما قال العباس: فإن كان هذا الأمر فينا علمناه، مع قرب العهد جدًا بيوم الغدير نحو الشهرين، وتجويز النسيان على سائر الصحابة السامعين بخبر يوم الغدير وسترهم لذلك مع وجود العلم مُحالٌ عادي، [يجزم العاقل بأدنى بديهته بأنه لم يقع منهم نسيان ولا تفريط] وأنهم كانوا حال بيعتهم لأبي بكر متذكرين لذلك الحديث عالمين [به وبمعناه]، على أنه -ﷺ- خطب بعد يوم الغدير وأعلن بحق أبي بكر وعمر، وقال لهما: (لا يتأمر عليكما أحد بعدي)، أخرجه ابن سعد عن بسطام بن أسلم، وقد ثبت أن رسول اللَّه -ﷺ- إنما حث على مودة أهل بيته ومحبتهم واتباعهم، وشتان ما بينهما وبين مقام الخلافة.\nوزعم الشيعة والرافضة بأن الصحابة علموا هذا النص، ولم ينقادوا له عنادًا ومكابرة وظلمًا، وإنما تركه عليٌّ تقيةً، وهذا كذب وافتراء لأنه كان في منعةٍ من قومه","vol":"9","page":668},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nمع كثرتهم وشجاعتهم، وإذا احتج أبو بكر بخبر: (الأئمة من قريش)، فكيف سلَّموا له هذا الاستدلال؟ ولأي شيء لم يقولوا له: ورد النص على إمامة عليٍّ فكيف تحتج بمثل هذا العموم؟\nوقد أخرج البيهقي عن أبي حنيفة -﵁- أنه قال: أصل عقيدة الشيعة تضليل الصحابة، والرافضة يقولون بتكفيرهم؛ لأنهم غاندوا بترك النص على إمامة علي -﵃- أجمعين.\nوقال القاضي أبو بكر الباقلاني: إن فيما ذهبت إليه الرافضة مما ذكر إبطالًا للإسلام رأسًا؛ لأنه إذا أمكن اجتماعهم على كتم النصوص أمكن منهم نقل الكذب والتواطؤ عليه لغرض، فيمكن أن سائر ما فعلوه من الأحاديث زور وباطل.\nوأيضًا ما المانع من قوله -ﷺ- في خطبته السابقة يوم الغدير: هذا الخليفة بعدي، فعدوله إلى ما سبق من قوله: (من كنت مولاه) إلى آخره ظاهر في عدم إرادة ذلك، وقد أخرج أبو نعيم عن الحسن المثنى بن الحسين السبط أنه لما قيل له ذلك -أي: خبر (من كنت مولاه) نص في إمامة علي- فقال: أما واللَّه لو كان يعني به النبي -ﷺ- بذلك الإمارة والسلطان لأفصح لهم به، فإن رسول اللَّه -ﷺ- كان أفصح الناس للمسلمين، ولقال لهم: يا أيها الناس هذا ولي أمري والقائم عليكم بعدي، فاسمعوا له وأطيعوا، فواللَّه لئن كان اللَّه ورسوله اختارا عليًّا لهذا الأمر، والقيام به للمسلمين من بعده، ثم ترك علي أمر اللَّه ورسوله أن يقوم به أو يُعْذِر فيه إلى المسلمين، إن كان أعظم الناس خطيئةً لعليٌّ، إذ ترك أمر اللَّه ورسوله وحاشاه من ذلك، وقد بينتُ بالدلائل الصحيحة أنه -ﷺ- لم ينص على خلافة أحد، ثبت ذلك من كلام علي -﵁-، والكلام في هذا المقام","vol":"9","page":669},{"text":"٦١٠٤ - [١٨] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَاطِمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّهَا صَغِيرَةٌ\"، ثُمَّ خَطَبَهَا عليٌّ فَزَوَّجَهَا مِنْهُ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ٣٢٢١].\n٦١٠٥ - [١٩] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَ بِسَدِّ الأَبْوَابِ إِلَّا بَابَ عَلِيٍّ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٣٢].\n٦١٠٦ - [٢٠] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَتْ لِي مَنْزِلَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ الْخَلَائِقِ، آتِيهِ بِأَعْلَى سَحَرٍ، فَأَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَإِنْ تَنَحْنَحَ انْصَرَفْتُ إِلَى أَهْلِي وَإِلَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. [ن: ١٢١٣].\nــ\nطويل، وهذا القدر يكفي لمن أنصف، ومن تعصب وزاغ فلا كلام معه إلا السكوت، واللَّه أعلم وعلمه أحكم.\n٦١٠٤ - [١٨] (بريدة) قوله: (ثم خطبها علي) وجاء في بعض الروايات: أنه قالت أم أيمن له -﵁-: كيف لا تخطب فاطمة وأنت ابن عم رسول اللَّه -ﷺ-؟ قال علي: أنا أستحيي رسول اللَّه -ﷺ- أن أخطبه لذلك، فلما علم -﵁- رضاه بذلك خطبه، أو كما جاء.\n٦١٠٥ - [١٩] (ابن عباس) قوله: (أمر بسد الأبواب إلا باب علي) قد مرّ الكلام عليه في (مناقب أبي بكر) في سد كل خوخة إلا خوخة أبي بكر.\n٦١٠٦ - [٢٠] (علي) قوله: (لم تكن لأحد من الخلائق) يريد كمالَ قربه وخصوصيته برسول اللَّه -ﷺ-، وقَدْرَه ومنزلته عنده، وإنما قال: (لأحد من الخلائق)","vol":"9","page":670},{"text":"٦١٠٧ - [٢١] وَعَنْهُ قَالَ: كُنْتُ شَاكيًا، فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا أَقُولُ: اللهُمَّ إِنْ كَانَ أَجَلِي قَدْ حَضَرَ فَأَرِحْنِي، وَإِن كَانَ متأخِّرًا فارفَغْنِي، وَإِنْ كَانَ بَلَاءً فَصَبِّرْنِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَيْفَ قُلْتَ؟ \" فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَا قَالَ، فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، وَقَالَ: \"اللهُمَّ عَافِهِ -أَوِ اشْفِهِ-\" شَكَّ الرَّاوِي، قَالَ: فَمَا اشْتكَيْتُ وَجَعِي بَعْدُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٣٥٦٤].\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1322>٩ - باب مناقب العشرة ﵃</span>\nــ\nدون: أحد من الصحابة، مبالغة في غاية ابتهاجه وافتخاره بذلك على الخلائق كلهم أجمعين، فافهم.\n٦١٠٧ - [٢٢] (وعنه) قوله: (فارفغني) بغين معجمة، أي: وسع في عيشي، في (القاموس) (١): الرفغ: السعة والخصب.\nوقوله: (فضربه برجله) أي: ضرب رسول اللَّه -ﷺ- عليًّا برجله، قيل: كأنه ضربه برجله لينتبه عن هذه الشكاية وليصل إليه بركة رجله.\n٩ - باب مناقب العشرة -﵃-\nوهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد، أكابر الصحابة وعظماؤهم،\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٧٠٤).","vol":"9","page":671},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1323> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٦١٠٨ - [١] عَنْ عُمَرَ قَالَ: مَا أَحَدٌ أَحَقَّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَسَمَّى عَلِيًّا وَعُثْمَانَ وَالزُّبَيْرَ وَطَلْحَةَ وَسَعْدًا وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٠٠].\n٦١٠٩ - [٢] وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: . . . . .\nــ\nقرشيون لهم من التقدم مناقب ومآثر في الإسلام ما ليس لمن عداهم، وقد اشتهروا بالعشرة المبشرة لبشارة النبي -ﷺ- لهم بالجنة، وليست البشارة مخصوصة بهم لصحة ورودها لمن عداهم من أهل بيت النبوة وغيره، ولقد فصلنا القول في هذا المعنى في رسالة لنا مسماة بـ (تحقيق الإشارة إلى تعميم البشارة) فلينظر ثمة.\nالفصل الأول\n٦١٠٨ - [١] (عمر) قوله: (ما أحد أحق بهذا الأمر) أي: أمر الخلافة، قال ذلك عند وفاته، وجعل الأمر شورى بينهم، والمراد بالرضا زيادته وكماله الذي به يستحقون الخلافة، وإلا فرسول اللَّه -ﷺ- كان راضيًا عن جميع الصحابة.\nوقوله: (فسمى) أي: عدّهم بأسمائهم ولم يذكر أبا عبيدة لأنه مات قبل ذلك، ولا سعيد بن زيد لقرابته منه؛ لأنه ابن عمه وزوج أخته، وقد صح من رواية المدائني بأسانيده أن عمر -﵁- ذكره فيمن توفي رسول اللَّه -ﷺ- وهو عنهم راض إلا أنه لم يذكره في أهل الشورى، كذا قال الشيخ (١).\n٦١٠٩ - [٢] (قيس) قوله: (وعن قيس بن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٧/ ٦٧).","vol":"9","page":672},{"text":"رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ شَلَّاءَ وَقَى بِهَا النَّبِيَّ -ﷺ- يَوْمَ أُحُدٍ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٠٦٣].\n٦١١٠ - [٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ يَوْمَ الأَحْزَابِ؟ \" قَالَ الزُّبَيْرُ: أَنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيًّا وحَوَاريَّ الزُّبَيْرُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٤٦، م: ٢٤١٥].\n٦١١١ - [٤] وَعَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ يَأْتِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَيَأْتِيَني بِخَبَرِهِمْ؟ \" فَانْطَلَقْتُ، فَلَمَّا رَجَعْتُ جَمَعَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَبَوَيْهِ فَقَالَ: \"فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٢٠، م: ٢٤١٦].\nــ\nوقوله: (رأيت يد طلحة شلاء) في (القاموس) (١): الشلل: اليبس في اليد أو ذهابها، وقال الشيخ (٢): الشلل نقص في الكف وبطلان لعملها، وليس معناه القطع كما زعم بعضهم.\n٦١١٠ - [٣] (جابر) قوله: (إن لكل نبي حواريًّا) بكسر الراء وتشديد الياء، لفظة مفردة بمعنى: الخالص والناصر، من الحَوَر بمعنى البياض، ومنه حُور الجنة، وإذا أضيف إلى ياء المتكلم فقد تحذف الياء -وأصله حوارييِّ- اكتفاء بالكسر، وقد تبدل فتحةً للتخفيف، ويروى بالكسر والفتح، وقد سبق تحقيقه في (الفصل الأول) من (باب الاعتصام بالسنة).\n٦١١١ - [٤] (الزبير) قوله: (جمع لي رسول اللَّه -ﷺ- أبويه) أي: في الفداء، والأكثر الاكتفاء بالأب، وفي الفداء تعظيم خصوصًا في الجمع بين الأب والأم.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٩١٨).\n(٢) \"فتح الباري\" (٧/ ٨٣).","vol":"9","page":673},{"text":"٦١١٢ - [٥] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- جَمَعَ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ إِلَّا لِسَعْدِ بْنِ مَالِكٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ: \"يَا سَعْدُ، ارْمِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٠٥٩، م: ٢٤١١].\n٦١١٣ - [٦] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: إِنِّي لأَوَّلُ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٢٨، م: ٢٩٦٦].\n٦١١٤ - [٧] وَعَن عَائِشَة قَالَتْ: سَهِرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَقْدَمَهُ الْمَدِينَةَ لَيْلَةً فَقَالَ: . . . . .\nــ\n٦١١٢ - [٥] (علي) قوله: (جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك) لا ينافي هذا الحصر جمعه للزبير؛ لأنه يخبر عن سماعه، فلعله لم يسمع جمعه للزبير.\n٦١١٣ - [٦] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (إني لأول العرب) لأنه كان في أول سرية في الإسلام في ستين من المهاجرين أميرهم عبيدة بن الحارث عقد له النبي -ﷺ- لواء، وهو أول لواء عقده لقتال أبي سفيان بن حرب والمشركين، وكانوا جمعًا كثيرًا، فلم يقع قتال بينهم، غير أن سعدًا رمى إليهم بسهم، فكان أول سهم رمي في الإسلام، وكان ذلك في السنة الأولى من الهجرة، أول حرب وقعت بين المسلمين والمشركين، كذا قال الشيخ (١).\n٦١١٤ - [٧] (عائشة) قوله: (سهر) كفرح.\nوقوله: (مقدمه المدينة) بفتح الدال من قَدِمَ يَقْدَم كسمع يسمع مصدر ميمي، والوقت مقدر، أي: وقت قدومه المدينة من بعض غزواته، كما في: أتيتك طلوعَ\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٧/ ٨٤).","vol":"9","page":674},{"text":"\"لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا يَحْرُسُنِي\"، إِذْ سَمِعْنَا صَوتَ سِلَاحٍ، فَقَالَ: \"مَنْ هَذَا؟ \" قَالَ: أَنَا سَعْدٌ، قَالَ: \"مَا جَاءَ بِكَ؟ \" قَالَ: وَقَعَ فِي نَفْسِي خَوْفٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فجِئْتُ أَحْرُسُهُ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثُمَّ نَامَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٨٨٥، م: ٢٤١٠].\n٦١١٥ - [٨] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٣٨٢، م: ٢٤١٩].\n٦١١٦ - [٩] وَعَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ وَسُئِلَتْ: مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُسْتَخْلِفًا لَوِ اسْتَخْلَفَهُ؟ قَالَتْ: أَبُو بَكْرٍ، فَقِيلَ: ثُمَّ مَنْ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ؟ قَالَتْ: عُمَرُ. قِيلَ: مَنْ بَعْدَ عُمَرَ؟ . . . . . .\nــ\nالشمس، وليس بظرفٍ زمان، لأنه لا يعمل النصب (١).\nوقوله: (ليت رجلًا صالحًا يحرسني) وذلك قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧].\n٦١١٥ - [٨] (أنس) قوله: (وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح) خصه بالأمانة وإن كانت مشتركة بين الصحابة لكمال هذه الصفة فيه، وقيل: لغلبتها فيه بالنسبة إلى سائر صفاته.\n٦١١٦ - [٩] (ابن أبي مليكة) قوله: (من كان) مفعول (مستخلفًا) بكسر اللام،\n_________\n(١) أي: ظرف الزمان لا يعمل، أما \"مقدمه\" فقد عمل في \"المدينة\"، فليس بظرفٍ، وإنما هو مصدر ميمي.","vol":"9","page":675},{"text":"قَالَتْ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٣٨٥].\n٦١١٧ - [١٠] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ عَلَى حِرَاء هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ، فَتَحَرَّكَتِ الصَّخْرَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اهْدَأْ فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدٌ\". وَزَادَ بَعْضُهُمْ: وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَلَمْ يَذْكُرْ عَلِيًّا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤١٧].\nــ\nأو مبتدأ والضمير محذوف، أي: مستخلفه.\nوقوله: (أبو عبيدة بن الجراح) قالته على ظنها بناء على ما سُمع من رسول اللَّه -ﷺ- أنه أمين.\n٦١١٧ - [١٠] (أبو هريرة) قوله: (اهدأ) على وزن افتح مهموزًا، أي: اسكن، هَدَأَ هَدْءًا بفتح وسكون وهدوءًا بالضمتين: سكن.\nوقوله: (شهيد) أراد به الجنس؛ لأن المذكورين في الحديث بعد الصديق كلُّهم شهيد بمعنى المقتول ظلمًا، أما قتل عمر وعثمان وعلي فمشهور، وقتل طلحة في وقعة الجمل، اعتزل الناس تاركًا للقتال فأصابه سهم في حلقه، وقيل: قتله مروان بن الحكم لما كان له به عداوة وهو الأشهر، ولا ينافيه رواية إصابة السهم، واللَّه أعلم. وروى ابن عساكر [عن محمد بن عبيد اللَّه الأنصاري عن أبيه] أنه جاء رجل يوم الجمل، فقال: ائذنوا لقاتل طلحة، فسمعت عليًا يقول: بشِّره بالنار، كذا في (جمع الجوامع)\nللسيوطي.\nوأما الزبير -﵁- فهو أيضًا قتل يوم الجمل منصرفًا تاركًا للقتال، فقتله عمرو بن جرموز بضم الجيم وسكون الراء وضم الميم في آخره زاي، وهو في الصلاة بسفوان بفتح السين المهملة وفتح الفاء وبالنون، من أرض البصرة، ودفن بوادي السباع، وروي","vol":"9","page":676},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1324> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٦١١٨ - [١١] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ،\nــ\nأنه جاء بشير بن جرموز إلى علي بن أبي طالب فحياه فقال: هكذا يفعل بأهل البلاء، فقال علي: بفيك الحجر، إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال اللَّه: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧].\nهذا وأما ذكر سعد بن أبي وقاص في هذا الحديث فمشكل، لأنه غير مقتول، فقد ذكر في (جامع الأصول) (١): أنه مات في قصره بالعقيق قريبًا من المدينة، ودفن بالبقيع، اللهم إلا أن يدخل في الصديق، واسم الصديق مما غلب على أبي بكر -﵁-، ولكن معناه غير منحصر فيه، وقد ذكر السيوطي من حديث سلمان وأبي ذر معًا كما رواه الطبراني، ومن حديث حذيفة كما رواه العقيلي في (الضعفاء) وابن عدي في (الكامل) (٢) في مناقب علي: أن النبي -ﷺ- قال: (هذا أول من آمن وهو أول من يصافحني يوم القيامة، وهذا الصديق الأكبر، وهذا فاروق هذه الأمة يفرق بين الحق والباطل، وهذا يعسوب المسلمين، والمال يعسوب الظالمين)، أو المراد بالشهيد من له ثواب الشهيد كالمبطون وأمثاله، واللَّه أعلم.\nالفصل الثاني\n٦١١٨، ٦١١٩ - [١١، ١٢] (عبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن زيد) قوله: (أبو بكر في الجنة) الحديث، قد وقع في هذا الحديث الواحد ذكر العشرة وبشارتهم،\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (١٢/ ١٢٧).\n(٢) \"الضعفاء الكبير\" (٢/ ٤٧)، و\"الكامل\" (٥/ ٣٧٩).","vol":"9","page":677},{"text":"وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْجَنَّةِ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فِي الْجَنَّةِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٤٧].\n٦١١٩ - [١٢] وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ. [جه: ١٣٣].\n٦١٢٠ - [١٣] وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُمْ فِي أَمْرِ اللَّهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَقْرَؤُهُمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَلكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أبو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [حم: ٣/ ٢٨١، ت: ٣٧٩١].\nوَرُوِيَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلًا وَفِيهِ: \"وَأَقْضَاهُمْ عَلِىٌّ\".\nــ\nولعل هذا هو السبب في شهرتهم بهذه البشارة وإن لم تكن مخصوصة بهم، ثم ذِكْرُ هؤلاء أينما وقع ذكرهم في الأحاديث جميعًا بهذا الترتيب مما يستأنس به في مذهب أهل السنة والجماعة، وأما ظنُّ أنهم ذكروا الترتيب على اعتقادهم وغيَّروا الأحاديث فحاشاهم وكلا.\n٦١٢٠ - [١٣] (أنس) قوله: (وأفرضهم) أي: أكثرهم علمًا بالفرائض، و(أقرؤهم) أي: أجودهم قراءة أو أكثرهم قراءة.\nوقوله: (أعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل).\nوقوله: (وأقضاهم علي) وهذه منقبة عظيمة؛ لأن القضاء بالحق والفصل بينه وبين الباطل يقتضي علمًا كثيرًا وقوة عظيمة في النفس.","vol":"9","page":678},{"text":"٦١٢١ - [١٤] وَعَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- يَوْمَ أُحُدٍ دِرْعَانِ، فَنَهَضَ إِلَى الصَّخْرَةِ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَعَدَ طَلْحَةُ تَحْتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى الصَّخْرَةِ، فَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"أَوْجَبَ طَلْحَةُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٣٨].\n٦١٢٢ - [١٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: \"مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ وَقَدْ قَضَى نَحْبَهُ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى شَهِيدٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٣٩].\nــ\nوهذا الحديث صريح في تعدد جهات الخير في الصحابة واختصاص بعضها ببعض، لكنهم حكموا بفضيلة كثرة الثواب عند اللَّه على الترتيب، وذلك شيء آخر.\n٦١٢١ - [١٤] (الزبير) قوله: (درعان) وذلك لغاية شجاعته وقوة إقدامه على الحرب، فمن كان أشجع كان سلاحه أكثر، وفيه أن ذلك لا ينافي التوكل.\nوقوله: (فلم يستطع) الاستواء على الصخرة لثقل درعه، وقد أصاب من التعب والجرح في هذا اليوم ما أصاب.\nوقوله: (أوجب طلحة) أي: وجب له الجنة لفعله هذا، وكان طلحة -﵁- جعل نفسه يوم أحد وقايةً للنبي -ﷺ- حتى جرح في جسده من بين طعن وضرب ورمي بضع وثمانون جراحة حتى في ذكره، وشُلّتْ يده، وكانت الصحابة إذا ذكروا يوم أحد قالوا: ذلك اليوم كله لطلحة.\n٦١٢٢ - [١٥] (جابر) قوله: (وقد قضى نحبه) النحب بالنون والحاء المهملة","vol":"9","page":679},{"text":"٦١٢٣ - [١٦] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنِي مِنْ فِي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ جَارَايَ فِي الْجَنَّةِ\". . . . .\nــ\nفي آخره باء موحدة يجيء بمعنى النذر والموت، ويقال: قضى نحبه، أي: مات، وقد فسر قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب: ٢٣] بالمعنيين، فمعنى النذر يكون المراد: منهم مَن وفي نذره فيما عاهد اللَّه عليه من الصدق في مواطن القتال والنصرة لرسوله، وقد كان جماعة من الصحابة كعثمان بن عفان ومصعب بن عمير وطلحة وسعيد وغيرهم نذروا إذا لقوا حربًا ثبتوا حتى يُستشهدوا، ومنهم من ينتظر أن يوفي نذره بذلك، وعلى الثاني: منهم من مات في سبيل اللَّه، ومنهم من ينتظر الموت.\nوفي الحديث أيضًا يصح الحمل على المعنيين، أخبر أن طلحة وفي بنذره، أو أنه ممن ذاق الموت وإن كان حيًا، كما قيل: موتوا قبل أن تموتوا، وهذا المعنى أوفق بصدر الحديث، وبالرواية الأخرى: من سره أن ينظر إلى شهيد، وبحديث آخر عن أبي سعيد رواه ابن عساكر: كنا جلوسًا عند رسول اللَّه -ﷺ- فمر طلحة بن عبيد اللَّه فقال: (هذا شهيد يمشي على وجه الأرض)، وهذا يكون بالموت الاختياري الذي يحصل لأهل السلوك وأرباب الفناء، وإن احتمل في نظر أهل علم العربية أن يكون على سبيل المجاز باعتبار تسمية الشيء بما يَؤُول إليه، وقيل: معناه: ذاق طعم الموت في اللَّه وهو حي لما ذاق من الشدائد في سبيل اللَّه كأنه مات، وقيل: المراد بالموت الغيبوبة عن عالم الشهادة بالاستغراق في ذكر اللَّه وملكوته والانجذاب إلى جناب قدسه، وهذا يَؤُول إلى ما ذكرنا أولًا، فهذا هو نتيجة الموت الاختياري وحاصله.\n٦١٢٣ - [١٦] (علي) قوله: (جاراي في الجنة) بشارة لهما -﵄- بالجنة مع زيادة","vol":"9","page":680},{"text":"رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٤١].\n٦١٢٤ - [١٧] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ يَوْمَئِذٍ -يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ-: \"اللَّهُمَّ اشْدُدْ رَمْيَتَهُ، وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ\". رَوَاهُ فِي \"شَرْحِ السُّنَّةِ\". [٣٩٢٢].\n٦١٢٥ - [١٨] وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"اللهُمَّ اسْتَجبْ لِسَعْدٍ إِذَا دَعَاكَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٥١].\nــ\nفضيلة جواره -ﷺ-.\n٦١٢٤ - [١٧] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (اللهم اشدد رميته) بالشين المعجمة، كذا في نسخ (المشكاة) و(المصابيح) من الشد بمعنى القوة، واشتداد الْحَب: قوته وصلابته، ويقال: المُشِدُّ الذي دوابُّه شديدة قوية بخلاف المُضْعِف، كذا في (مختصر النهاية) (١)، ومنه: (حتى يبلغ أشده) أي: قوته، وهو ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثمانين، وقد يرى في بادي النظر أن يكون بالسين المهملة من سداد السهم، وهو إصابته ما قصد به، ومنه حديث: (بالسداد سداد السهم) كما مر في (جامع الدعاء) من حديث علي -﵁-، ولكن الظاهر على هذا المعنى أن يقول: سدِّد رميته، من التسديد.\nوقوله: (وأجب دعوته) مناسبته بشد الرمي ظاهر باعتبار الإصابة بالمقصد.\n٦١٢٥ - [١٨] (وعنه) قوله: (اللهم استجب لسعد) وفي جامع كتاب الترمذي: (لسعد بن أبي وقاص).\n_________\n(١) انظر: \"النهاية\" (٢/ ٤٥١).","vol":"9","page":681},{"text":"٦١٢٦ - [١٩] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَبَاهُ وَأُمَّهُ إِلَّا لِسَعْدٍ، قَالَ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ: \"ارْمِ فَدَاكَ أَبِي وَأُمِّي\"، وَقَالَ لَهُ: \"ارْمِ أَيُّهَا الْغُلَامُ الْحَزَوَّرُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٥٣].\n٦١٢٧ - [٢٠] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أَقْبَلَ سَعْدٌ فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"هَذَا خَالِي فَلْيُرِنِي امْرُؤٌ خَالَهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: كَانَ سَعْدٌ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ وَكَانَتْ أُمُّ النَّبِيِّ -ﷺ- مِنْ بَنِي زُهْرَةَ، فَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"هَذَا خَالِي\". وَفِي \"الْمَصَابِيح\": \"فَلْيُكْرِمَنَّ\" بَدَلَ \"فَلْيُرِنِي\".\nــ\n٦١٢٦ - [١٩] (علي) قوله: (ارم أيها الغلام الحزور) الحزور بحاء مهملة مفتوحة فراء مفتوحة فواو مشددة في آخره راء، ويجيء بسكون الزاي وتخفيف الواو: مَن قارب البلوغ، وفي (القاموس) (١): الحزوَّر كعملَّس: الغلام القوي، والرجل القوي، والضعيف، ضد، والجمع حزاور، كأنه شبَّه بحَزْورة الأرض على وزن قسورة وهي الرابية الصغيرة، ومنه حزورة موضع بالحرم الشريف، وفي الحديث: (كنا مع النبي -ﷺ- غلمانًا حزاورة).\n٦١٢٧ - [٢٠] (جابر) قوله: (من بني زهرة) حي من قريش أولاد زهرة بنت كلاب، منه عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة.\nوقوله: (فليكرمن) أي: ليكرمن امرؤ خاله اقتداء بي في إكرامي خالي، ويجوز أن يريد بامرئ نفسه الكريمة، واللَّه أعلم، وقيل: (فليكرمن) تصحيف.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٣٣٨).","vol":"9","page":682},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1325> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٦١٢٨ - [٢١] عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ: إِنِّي لأَوَّلُ رَجُلٍ مِنَ الْعَرَبِ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَرَأَيْتُنَا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَمَا لَنَا طَعَامٌ إِلَّا الْحُبْلَةُ وَوَرَقُ السَّمُرِ،\nــ\nالفصل الثالث\n٦١٢٨ - [٢١] (قيس بن أبي حازم) قوله: (إلا الحبلة وورق السمر) بضم المهملة وسكون الموحدة: الكَرْم، أو أصل من أصوله، ويحرك، وثمر السَّلم والسيال والسَّمُر، أو ثمر العضاه عامة، كذا في (القاموس) (١)، وفيه: والسمر بضم الميم شجر معروف واحدها سَمُرة.\nووقع في رواية: (إلا الحبل أو الحبلة) بفتح حاء وسكون باء في الأول وضمهما في الثاني، وهو ورق السمر وهو شك من الراوي، كذا في (مجمع البحار) (٢)، وفي (مختصر النهاية) (٣): (إلا الحبلة) بالضم وسكون الباء: ثمر السمر، وقيل: سمر العضاه. والحبلة بفتح الحاء والباء، وقد تسكن: الأصل، والقضيب من شجر الأعناب، ومنه: لما خرج نوح [من السفينة] غرس الحبلة، قلت: عكس ابن الجوزي، وذكر أن سكون بائها أشهر من فتحها، انتهى.\nوقال في (المشارق) (٤): الحبلة بضم الحاء وسكون الباء، كذا هو، قال في كتاب\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٨٨٣).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (١/ ٤٤٠).\n(٣) \"الدر النثير\" (١/ ٢٠٧).\n(٤) \"مشارق الأنوار\" (١/ ١٧٦).","vol":"9","page":683},{"text":"وَإِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشَّاةُ، مَا لَهُ خِلْطٌ، ثُمَّ أَصْبَحَتْ بَنُو أَسَدٍ تُعَزِّرُنِي عَلَى الإِسْلَامِ،\nــ\nمسلم: (وهو السمر)، كذا [عند عامة الرواة، و] عند التميمي والطبري: (وهذا السمر)، وعند البخاري: (ورق السمر والحبلة)، وقال ابن الأعرابي: هو ثمر شبه اللوبياء، وقيل: ثمر العضاه، وقيل: ثمر الطلح، والأول المعروف، انتهى.\nوقوله: (كما تضع الشاة) أي: يابسًا صغيرًا كالبعر، و(الخلط) بالكسر: كل ما خالط الشيء، أي: لا يختلط بعضه ببعض ليبسه، أو المراد لا يختلطه بلغم أو نحوه.\nوقوله: (ثم أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام) أي: توقفني عليه، وقيل: توبخني على التقصير فيه، والمراد بالإسلام الصلاة، أي: تؤدبني وتعلمني الصلاة والأحكام، وتعيرني بأني لا أحسنها، التعزير يطلق على الإعانة والتوقير والنصر مرة بعد مرة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ [المائدة: ١٢] أي: عظمتوهم ونصرتموهم، وقوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: ٩]، وأصله الرد والمنع، والناصر يمنع عن المنصور أعداءه من أذاه، ومنه التعزير للتأديب دون الحد، لأنه يمنع عن معاودة الذنب فكأنه من الأضداد، وفي (القاموس) (١): العَزْر: اللوم، والتعزير ضرب دون الحد، أو هو أشد الضرب، والتفخيم، والتعظيم، ضدٌّ، والإعانة، والتقوية، والنصر، والتوقيف على باب الدِّين والفرائض والأحكام.\nوفي (الشفاء) (٢): أصبحت بنو أسد تعزرني على الإسلام، أي: توقفني عليه،\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٣٩٦).\n(٢) كذا في الأصل وهو خطأ، والصواب: \"المشارق\" (٢/ ٨٠).","vol":"9","page":684},{"text":"لَقَدْ خِبْتُ إِذًا وَضَلَّ عَمَلِي، وَكَانُوا وَشَوْا بِهِ إِلَى عُمَرَ وَقَالُوا: لَا يُحْسِنُ يُصَلِّي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٢٨، م: ٢٩٦٦].\n٦١٢٩ - [٢٢] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: رَأَيْتُنِي وَأَنَا ثَالِثُ الإِسْلَامِ،\nــ\nقال الهروي: التعزير في كلام العرب: التوقيف على الفرائض والأحكام، وقال الطبري: تقوِّمني وتعلمني، من تعزير السلطان وهو تأديبه وتقويمه، وقال الحربي: العزر اللوم، وقال أبو بكر: العزر المنع، وعزرته: منعته، وتعزير النبي -ﷺ-، قال الحربي وغيره: تنصروه وتردوا عنه أعداءه، وقال الزجاج: وأصل العزر في اللغة الرد، ونصرة الأنبياء: المدافعة والذب عنهم، وقال الطبري وغيره: معناه: تعظموه وتبجلوه، وتعزير المعاقبات منه لأنه يمنع عن المعاودة، يقال: عَزَرته وعزَّرته مخففًا ومثقلًا.\nوقوله: (لقد خبت إذًا وضلّ عملي) أي: إذ لم أحسن الصلاة وأفتقر إلى تعليم بني أسد إياي مع سابقتي في الإسلام أكن خاسرًا ضالًا.\nوقوله: (وكانوا وشوا به إلى عمر) أي: نموا وسعوا إليه وعابوه في صلاته، وأصل الوشي: نقش الثوب وحسنه، ووشى كلامه: كذب فيه، وبه إلى السلطان وشيًا ووشاية: نمَّ وسعى، والمراد ببني أسد بنو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، وقيل: أراد به عمر إذ هو من بني أسد، وهذا ينافي ما جاء في رواية في آخر هذا الحديث: أنه سأله عمر فبيَّن له حقيقة الحال فصدقه عمر وقال: وهذا ظني بك.\n٦١٢٩ - [٢٢] (سعد) قوله: (رأيتني) في (البخاري) بزيادة: (لقد) أي: علمتني وأنا ثالث الإسلام بلفظ اسم الفاعل من الثلاث، هكذا في نسخ (المشكاة)، وفي رواية للبخاري: (وأنا ثلث الإسلام) بلفظ الكسر منه، وعلى التقديرين المراد أهل الإسلام، فإن قلت: إذا كان هو ثالثًا فمن الآخران؟ قيل: هما أبو بكر وخديجة، والصواب أن","vol":"9","page":685},{"text":"وَمَا أَسْلَمَ أَحَدٌ إِلَّا فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَسْلَمْتُ فِيهِ، وَلَقَدْ مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَإِنِّي لَثُلُثُ الإِسْلَامِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٢٧].\n٦١٣٠ - [٢٣] وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَقُولُ لِنِسَائِهِ: \"إِنَّ أَمْرَكُنَّ مِمَّا يَهُمُّنِي مِنْ بَعْدِي، وَلَنْ يَصْبِرَ عَلَيْكُنَّ إِلَّا الصَّابِرُونَ الصِّدِّيقُونَ\" قَالَتْ عَائِشَةُ: . . . . .\nــ\nالمراد ثالث الرجال من الرجال الأحرار، وقال في (الاستيعاب) (١): هو سابع سبعة في الإسلام فهو أعم من الرجال، والمراد سبعة أشخاص، وما قال سعد إنما قال بحسب علمه، وإلا فقد أسلم قبله كثير كأبي بكر وعلي وزيد وغيرهم، كذا قالوا.\nوقوله: (وما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه) أحد هنا شامل له ولغيره، أي: ما وجد الإسلام من أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه فإنه وجد فيه مسلم، وهو أنا، وبقيت سبعة أيام على هذه الحال، يعني يوم أسلمت كنت ثالث من أسلم وبقيت على ما كنت عليه سبعة أيام، وبعد ذلك أسلم من أسلم، كذا فسره الطيبي (٢).\nوقوله: (وإني لثلث الإسلام) بضم المثلثة.\n٦١٣٠ - [٢٣] (عائشة) قوله: (مما يهمني) صحِّح بفتح الياء وضم الهاء، وبضم الياء وكسر الهاء، في (القاموس) (٣): همه الأمر همًا: حزنه كأهمه.\nوقوله: (ولن يصبر عليكن) عدِّي بعلى لصعوبة هذا الأمر ووجود المشقة فيه.\n_________\n(١) \"الاستيعاب\" (٢/ ٦٠٧).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٢٨١).\n(٣) \"القاموس\" (ص: ١٠٥٦).","vol":"9","page":686},{"text":"يَعْنِي الْمُتَصَدِّقِينَ، ثُمَّ قَالَتْ عَائِشَةُ لِأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: سَقَى اللَّهُ أَبَاكَ مِنْ سَلْسَبِيلِ الْجَنَّةِ، وَكَانَ ابنُ عوفٍ قَدْ تَصَدَّقَ عَلَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِحَدِيقَةٍ بِيعَتْ بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٤٩].\n٦١٣١ - [٢٤] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ لِأَزْوَاجِهِ: \"إِنَّ الَّذِي يَحْثُو عَلَيْكُنَّ بَعْدِي هُوَ الصَّادِقُ الْبَارُّ، اللهُمَّ اسْقِ (١) عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ مِنْ سَلْسَبِيلِ الْجَنَّةِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٦/ ١٠٤].\nــ\nوقوله: (يعني المتصدقين) فسرت عائشة الصابرين الصديقين بالمتصدقين، وهم بعض أفرادهم، لأن الصبر والصدق في التصدق أتم وأكمل، ولأن همه -ﷺ- إنما كان لأجل نفقاتهن.\nوقوله: (من سلسبيل الجنة) هو اسم عين في الجنة، وفي (القاموس) (٢): السلسبيل: الخمر، وعين الجنة، روي: (من سلسل الجنة) وهو الماء البارد، وقيل: السهل في الحلق، يقال: سلسلٌ وسَلسالٌ، ويروى: (من سلسبيل الجنة)، وقيل: هو الشراب البارد، وقيل: الخالص الصافي من القذاء والكدر، ويروى (من سلسال الجنة).\n٦١٣١ - [٢٤] (أم سلمة) قوله: (يحثو عليكن) أي: يعطيكن بغَرْف أيديه، ويجود وينثر عليكن أموالًا، وفيه مبالغة في الإنفاق، والحثي كالرمي ما رفعت به يدك.\nوقوله: (اللهم اسق عبد الرحمن بن عوف من سلسبيل الجنة) قيل: هذا من\n_________\n(١) قال القاري (٩/ ٣٩٦٠): بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ وَقَطْعِهَا.\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٩١٤).","vol":"9","page":687},{"text":"٦١٣٢ - [٢٥] وَعَن حُذَيْفَة قَالَ: جَاءَ أَهْلُ نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْعَثْ إِلَيْنَا رَجُلًا أَمِينًا. فَقَالَ: \"لأَبْعَثَنَّ إِلَيْكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ\"، فَاسْتَشْرَفَ لَهَا الناسُ قَالَ: فَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٣٨٠، م: ٢٤٢٠].\n٦١٣٣ - [٢٦] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ: مَنْ نُؤَمِّرُ بَعْدَكَ؟ قَالَ: \"إِنْ تُؤَمِّرُوا أَبَا بَكْرٍ تَجِدُوهُ أَمِينًا زَاهِدًا فِي الدُّنْيَا رَاغِبًا فِي الآخِرَةِ، وَإِنْ تُؤَمِّرُوا عُمَرَ تَجِدُوهُ قَوِيًّا أَمِينًا لَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ،\nــ\nكلام النبي -ﷺ- لأنه عرف أنه يحثو عليهن، وفيه معجزة له -ﷺ-، والظاهر أنه من كلام أم سلمة، كما في حديث عائشة -﵂-.\n٦١٣٢ - [٢٥] (حذيفة) قوله: (أهل نجران) بالنون والجيم: موضع باليمن فتح سنة عشر، سمي بنجران بن زيدان بن سبأ، وموضع بحوران قرب دمشق، كذا في (القاموس) (١)، وفي (النهاية) (٢): موضع بين الحجاز والشام واليمن، وأثواب نجرانية منسوبة إليه، ومنه: كفن في ثلاثة أثواب نجرانية، وقد يروى في الحديث: ثلاث أثواب بحرانية، بالباء والحاء المهملة منسوبة إلى البحرين.\nوقوله: (فاستشرف لها) أي: للإمارة وطمعوا فيها.\n٦١٣٣ - [٢٦] (علي) قوله: (من نؤمر) من التأمير بالنون، أي: نجعله أميرًا علينا بعدك؟ فأجاب بأن ذلك مفوض إليكم، فهذا الحديث يدل على أنه -ﷺ- لم ينص\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٤٣٢).\n(٢) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (٥/ ٢١).","vol":"9","page":688},{"text":"وَإِنْ تُؤَمِّرُوا عَلِيًّا -وَلَا أَرَاكُمْ فَاعِلِينَ- تَجِدُوهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا يَأْخُذُ بِكُمُ الطَّرِيقَ الْمُسْتَقِيمَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ١/ ١٠٨].\n٦١٣٤ - [٢٧] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"رَحِمَ اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ زَوَّجَنِي ابْنَتَهُ، وَحَمَلَنِي إِلَى دارِ الْهِجْرَةِ، وَصَحِبَنِي فِي الْغَارِ، وَأَعْتَقَ بِلَالًا مِنْ مَالِهِ، رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ يَقُولُ الْحَقَّ وَإِنْ كَانَ مُرًّا، تَرَكَهُ الْحَقُّ وَمَا لَهُ مِنْ صَدِيقٍ، رَحِمَ اللَّهُ عُثْمَانَ تَسْتَحْيِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ، رَحِمَ اللَّهُ عَلِيًّا اللهُمَّ أَدِرِ الْحَقَّ مَعَهُ حَيْثُ دارَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧١٤].\n* * *\nــ\nعلى خلافة أحد وفوض الأمر إليهم، وثبوت ذلك بالإجماع، ولم يذكر في الحديث عثمان، وقيل في قوله: (ولا أراكم فاعلين) أي: بعد عمر، إشارة إلى أنه المتقدم على علي -﵁-، وقيل: ذكره -ﷺ- ونسي الراوي، واللَّه أعلم.\n٦١٣٤ - [٢٧] (وعنه) قوله: (وحَمَلَني إلى دار الهجرة) فإنه باع ناقته منه -ﷺ- وقت الهجرة، وكان له -﵁- ناقتان، علفهما مدة أربعة أشهر وسمنهما ليوم الهجرة، فأتى بإحداهما رسول اللَّه -ﷺ- ليقبلها هبة، فقال -ﷺ-: (إلا أن تبيع) فباعها منه بثمانية دراهم، واسمها على القول الصحيح: القصواء، وعلى قول: الجدعاء.\nوقوله: (وأعتق بلالًا من ماله) امتن رسول اللَّه -ﷺ- بإعتاق بلال لما كان يخدمه ويؤذن له، ولقوة إيمانه وحسن إسلامه، فكأنه نعمة واصلة إليه -ﷺ-، أو ذكره استطرادًا لذكر ميراثه وإن لم يكن بالنسبة إليه -ﷺ-.\nوقوله: (تركه الحق وما له من صديق) أي: صيَّره بهذه الصفة، فهو مفعول","vol":"9","page":689},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1326>١٠ - باب مناقب أهل بيت النبي ﷺ ورضي اللَّه عنهم </span>(١)\nــ\nثان، أو خلّاه والحال كذلك، والمراد من الصَّديق هنا من كانت صداقته للمراعاة والمداهنة.\n\n١٠ - باب مناقب أهل بيت النبي -ﷺ- ورضي اللَّه عنهم\nاعلم أنه قد جاء أهل البيت بمعنى من حَرُم الصدقة عليهم وهم بنو هاشم، فيشمل آل العباس وآل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل الحارث، فإن كل هؤلاء يحرم عليهم الصدقة، وقد جاء بمعنى أهله -ﷺ- شاملًا لأزواجه المطهرات، وإخراجُ نسائه -ﷺ- من أهل البيت مكابرة ومخالفٌ لسوق الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]؛ لأن الخطاب معهن سياقًا وسباقًا، فإخراجهن مما وقع في البين يخرج الكلام عن الاتساق والانتظام.\nقال الإمام فخر الدين الرازي: إنها شاملة لنسائه -ﷺ-؛ لأن سياق الآية ينادي على ذلك، فإخراجهن عن ذلك وتخصيصه بغيرهن غير صحيح، والوجه في تركه الخطاب في قوله: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ و﴿وَيُطَهِّرَكُمْ﴾ باعتبار لفظ الأهل أو لتغليب الرجال على النساء، ولو أنث الخطاب لكان مخصوصًا بهن، ولابد من القول بالتغليب على كل تقدير، وإلا لخرجت فاطمة سلام اللَّه عليها وهي داخلة في أهل البيت بالاتفاق، وقد دل بعض الأحاديث أيضًا على ذلك، روي عن زينب بنت أبي سلمة: أن رسول اللَّه -ﷺ- كان عند أم سلمة، فجعل الحسن من شق والحسين من شق وفاطمة في حجره، فقال: رحمة اللَّه وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد، وكنت أنا وأم سلمة نائمتين،\n_________\n(١) سقطت الترضية في نسخة.","vol":"9","page":690},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nفبكت أم سلمة، فنظر إليها رسول اللَّه -ﷺ- فقال: ما يبكيك؟ فقالت: خصصتهم وتركتني وابنتي، فقال: أنت وابنتك من أهل البيت، رواه ابن عساكر في (تاريخه).\nوعن أم سلمة: أن رسول اللَّه -ﷺ- كان عندها فجاءت الخادم، فقالت: علي وفاطمة بالسدة، فقال: تنحي لي عن أهل بيتي، فتنحيت في ناحية البيت، فدخل علي وفاطمة وحسن وحسين فوضعهما في حجره، وأخذ عليًّا بإحدى يديه فضمه إليه، وأخذ فاطمة باليد الأخرى فضمها إليه وقبلها، وعطف عليهم خميصة سوداء، ثم قال: اللهم إليك لا إلى النار أنا وأهل بيتي! فناديته فقلت: وأنا يا رسول اللَّه! قال: وأنت، رواه ابن أبي شيبة، وروى الطبراني نحوه، وهذا الحديث يحتمل الوجهين دخول أم سلمة -﵂- في أهل البيت وخروجها عنهم بأن يكون المعنى: وأنت أيضًا إليه لا إلى النار، وإن لم تكن من أهل بيتي، إلا أن يُحْتَمَل المحتمل على النص، وهو الحديث السابق، وكذا الحديث الآخر عن أم سلمة: أن رسول اللَّه -ﷺ- قال لفاطمة: (ائتيني بزوجك وابنيك)، فجاءت بهم، فألقى عليهم رسول اللَّه -ﷺ- كساء كان تحتي خيبريًّا أصبناه من خيبر، ثم رفع يديه فقال: (اللهم إن هؤلاء آل محمد، فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على آل إبراهيم إنك حميد مجيد)، فرفعت الكساء لأدخل معهم، فجذبه رسول اللَّه -ﷺ- من يدي وقال: إنك على خير، رواه أبو يعلى وابن عساكر في (تاريخه)، وأخرج الترمذي نحوه، وزاد: وأنت على مكانك، فيحتمل أن يكون معناه: أنت على خير وعلى مكانك من كونك من أهل بيتي، ولا حاجة لك في الدخول تحت الكساء، كأنه منعها عن ذلك لمكان علي -﵁-، وأن يكون المعنى: أنت على خير وإن لم تكوني من أهل بيتي.","vol":"9","page":691},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوقال في (فصل الخطاب) نقلًا عن الإمام فخر الدين: الأولى أن يقال: هم -يعني أهل البيت- أولاده وأزواجه -ﷺ- والحسن والحسين -﵃- منهم، وعلي أيضًا من أهل بيته بسبب معاشرته بنت النبي -ﷺ- وملازمته -ﷺ-.\nوقد جاء إطلاق أهل البيت بحيث يفهم اختصاصه بفاطمة وعلي والحسن والحسين، وعن أنس: أن النبي -ﷺ- كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى الفجر فيقول: (الصلاة يا أهل البيت، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]) رواه الترمذي وابن أبي شيبة. وعن أم سلمة قالت: قال: (إن مسجدي هذا حرام على كل حائض من النساء وكل جنب من الرجال إلا على محمد وعلى أهل بيته علي وفاطمة والحسن والحسين)، رواه البيهقي وضعفه، ويأتي في الكتاب من حديث سعد بن أبي وقاص وعائشة ما يدل على ذلك.\nوذكروا في التطبيق بين هذه الأقوال: أن البيت بيت النسب وبيت السكنى وبيت الولادة، فبنو هاشم وهم أولاد عبد المطلب أهل بيت النبي -ﷺ- نسبًا، كما يقال لأولاد الجد القريب: بيت فلان، وأزواجه -ﷺ- أهل بيت السكنى، وإطلاق أهل البيت على هؤلاء أخص وأعرق بحسب العرف من الأول، وأولاده -ﷺ- أهل بيت الولادة، وقع شمول أهل البيت لكل هؤلاء، قد خص علي وفاطمة والحسن والحسين سلام اللَّه عليهم أجمعين بمزيد الفضل والكرامة ووجوب المحبة وزيادة المودة، بل هم المفهومون بالتبادر من إطلاق أهل البيت.\nوقد صح في فضائلهم ومناقبهم من الأحاديث والأخبار ما لا يعد ولا يحصى، وقد ورد في تفسير قوله سبحانه: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣]،","vol":"9","page":692},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1327> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٦١٣٥ - [١] عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: ٦١]، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلِيًّا وَفَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَقَالَ: \"اللهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٠٤].\nــ\nأنه سئل: يا رسول اللَّه! من قرابتك هؤلاء الذين وجب علينا مودتهم؟ فقال -ﷺ-: (علي وفاطمة وابناهما)، وقال الإمام الرازي: وفيه نصيب عظيم للصحابة -﵃-؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة: ١٠ - ١١]، بل كل من أطاع اللَّه سبحانه كان مقربًا عند اللَّه، ودخل في قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، فهذه الآية تدل على وجوب حب آل محمد وحب أصحابه، انتهى.\nقلت: فعلى هذا تخصيصه -ﷺ- بهؤلاء الأربعة لكمالهم في هذا المعنى ومزيد قربهم منه -ﷺ- وحبه إياهم، مع وجوه أخر ذكرت في تفسير الآية، واللَّه أعلم.\nوالمؤلف ذكر في هذا الباب بعض بني هاشم، وذكر عليًّا وفاطمة والحسن والحسين -﵃- وإبراهيم ابن رسول اللَّه -ﷺ- من مارية، وذكر زيد بن حارثة وابنه أسامة بن زيد، إما استطرادًا لكمال محبته وعنايته -ﷺ- بهم، أو لإدخالهم في أهل البيت، ولم يذكر أزواجه المطهرات، وعقد لهن بابًا على حدة، إما لاستبدادهم بمناقب وفضائل، أو لعدم إدخالهن في أهل البيت على ما هو المتعارف من إطلاقه على الأربعة، واللَّه أعلم.\nالفصل الأول\n٦١٣٥ - [١] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (لما نزلت هذه الآية ﴿نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾) تسمى هذه الآية آية المباهلة، والبهل: اللعن، والبهلة بالضم والفتح:","vol":"9","page":693},{"text":"٦١٣٦ - [٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- غَدَاةً وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ،\nــ\nاللعنة، بهله اللَّه: لعنه وأبعده من رحمته، وأصله الترك من قولهم: أبهلت الناقة: إذا تركتها بلا صِرارٍ، وأصل الابتهال هذا، ثم استعمل في كل دعاء مجتهد فيه وإن لم يكن لعانًا، كذا في (الكشاف) (١)، والمباهلة: الملاعنة، وهو أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء فيقولوا: لعنة اللَّه على الظالم منا، وقد أُمر رسول اللَّه -ﷺ- بالمباهلة مع النصارى بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١]، فخرج رسول اللَّه -ﷺ- محتضنًا الحسين وآخذًا بيد الحسن، وفاطمة تمشي خلفه وعلي خلفها، وهو يقول: \"إذا دعوت فأمِّنوا\"، فقال أسقفهم: يا معشر النصارى! إني لأرى وجوهًا لو سألوا اللَّه أن يزيل جبلًا من مكانه لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا، فأذعنوا وبذلوا الجزية، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لو تباهلوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي نارًا، ولاستأصلهم حتى الطير على الشجرة\"، كذا في (التفسير).\n٦١٣٦ - [٢] (عائشة) قوله: (مرط مرحل) المرط بالكسر: كساء من صوف أو خز يؤتزر به، وربما تلقيه المرأة على رأسها، و(مرحل) بحاء مهملة في أكثر الروايات، وهو الذي نقش فيه من تصاوير الرحال، وقد يروى بجيم وهو ما عليه صورة المراجل، أي: القدور، والأول هو المشهور، وأما ما قيل: (المرجَّل) بالجيم: ما فيه صورة الرجال، فأبعدُ وأبعد، إلا أن يكون ذلك قبل تحريم التصاوير، واللَّه أعلم.\nوقوله: (من شعر) بسكون العين ويحرك: نبتة الجسم مما ليس بصوف ولا وبر،\n_________\n(١) \"الكشاف\" (١/ ٣٦٨).","vol":"9","page":694},{"text":"فَجَاءَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ الْحُسَيْنُ فَدَخَلَ مَعَهُ، ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ فَأَدْخَلَهَا، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَدْخَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٢٤].\n٦١٣٧ - [٣] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجنَّة\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ١٣٨٢].\nــ\nو(الرجس) القذر، واستعير للإثم.\n٦١٣٧ - [٣] (البراء) قوله: (إن له مرضعًا في الجنة) روي بفتح الميم مصدرًا أي: رضاعًا، وبضمها، أي: من يرضعه، وكان قد توفي قبل أن يتم رضاعه، ويؤول إتمام الرضاع بإتمام اللَّه تعالى له من لذات الجنة ونعيمها ورَوحها ما يقع منه موقع الرضاع، واللَّه أعلم.\nويرجح رواية المصدر بأنه يدل على وجود الرضاع له بالفعل دون المرضع، فإن قلت: المرضع اسم فاعل من الإرضاع، فيدل على وجود الرضاع لا محالة، فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن المرضع بدون التاء بمعنى التي من شأنها الإرضاع، وإن لم تُرضع بالفعل، ولم تلقم ثديها في فم الصبي، والتي تُرضع بالفعل وتلقم ثديها في فيه إنما هي المرضعة بالتاء، وهذا كالحائض والحائضة، فإن الأولى اسم من كان في سن الحيض، وإن لم تحض وترى الدم، والثانية من حاضت بالفعل ورأت الدم، ويقال للأول بمعنى الدوام وللثاني بمعنى الحدوث، وبهذا وجَّه صاحب (الكشاف) (١) قوله\n_________\n(١) \"الكشاف\" (٣/ ١٤٢).","vol":"9","page":695},{"text":"٦١٣٨ - [٤] وَعَنْ عَائِشَةَ: قَالَتْ: كُنَّا -أَزْوَاجَ النَّبِيِّ -ﷺ- عِنْدَهُ، فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ مَا تَخْفَى مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا رَآهَا قَالَ: \"مَرْحَبًا بِابْنَتِي\" ثُمَّ أَجْلَسَهَا، ثُمَّ سَارَّهَا فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا رَأَى حُزْنَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَإِذَا هِيَ تَضْحَكُ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَأَلْتُهَا عَمَّا سَارَّكِ؟ قَالَتْ: مَا كُنْتُ لأُفْشِيَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- سِرَّهُ،\nــ\nتعالى: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ [الحج: ٢]، وقال: إنما تدل على أن هول زلزلة الساعة إذا فجأ يكون بحيث إذا ألقمت المرضعة ثديها نزعته عن فيه لما يلحقها من الدهشة، نعم لو كانت الرواية: إن له مرضعة، بالتاء، لكانت الروايتان موافقتين، لكن الرواية بدون التاء، كذا قالوا.\n٦١٣٨ - [٤] (عائشة) قوله: (كنا أزواج النبي) بالنصب على المدح بتقدير أعني.\nوقوله: (ما تخفى مشيتها) بكسر الميم للهيئة، أي: ما تمتاز هيئة مشيتها من مشية الرسول -ﷺ-، وقد كانت -ﷺ- مشابهة به -ﷺ- في المشي والسَّمْت، وجاء في الروايات: أنها كانت لما أتت النبي -ﷺ- قام لها وأقبل إليها -وفي رواية: وقبلها- ولما أتاها رسول اللَّه -ﷺ- قامت له وأقبلت إليه، أو كما جاء.\nوقوله: (ثم سارّها) بتشديد الراء، أي: كلمها سرًّا.\nوقوله: (عما سارّك؟) ما استفهامية.\nوقولها: (ما كنت لأفشي سر رسول اللَّه -ﷺ-) فيه استحباب كتمان أسرار الكبراء والأحباء من الأغيار، وهذا المستند في كتمان المريدين في أسرار مشايخهم، وأما بعد ذهابهم من الدنيا فقد يفشى تأثمًا عن كتمان العلم، ولهذا قالت -﵂-: (أما الآن فنعم).","vol":"9","page":696},{"text":"فَلَمَّا تُوُفِّيَ قُلْتُ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِيَ عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ لَمَّا أَخْبَرْتِينِي (١). قَالَتْ: أَمَّا الآنَ فَنَعَمْ، أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الأَمْرِ الأَوَّلِ فَإِنَّهُ أَخْبَرَنِي: \"أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي بهِ الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أُرَى الأَجَلَ إِلَّا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي، فَإِنِّي نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ\" فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِيَ الثَّانِيَةَ قَالَ: \"يَا فَاطِمَةُ،\nــ\nو(عزمت عليك) أي: أقسمتُ، في (القاموس) (٢): عزم على الرجل: أقسم.\nوقوله: (لما أخبرتني) لما بمعنى إلا، أي: لا أطلب منك إلا إخبارك، ولما يجيء بمعنى إلا، يقال: سألتك لما فعلت، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤]، ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢]، كذا قال صاحب (القاموس) (٣)، وقال: وإنكار الجوهري كونه بمعنى إلا غير جيد، انتهى.\nوقال الجوهري (٤): قول من قال: لما بمعنى إلا فليس يعرف في اللغة.\nوقوله: (يعارض القرآن) من المعارضة بمعنى المقابلة، يقال: عارض الكتاب: قابله، والمراد ههنا المدارسة وقراءة كل واحد منهما مع الآخر.\nو(لا أرى) بضم الهمزة، أي: لا أظن، و(الأجل إلا قد اقترب) لأن معارضة القرآن مرتين يشعر بالوصية على حفظه وحفظ أحكامه حتى يكمل أمر الدين ويتم.\nوقوله: (فإني نعم السلف أنا لك) الجملة الإنشائية خبر (إني) بتأويل القول.\n_________\n(١) كذا في النسخة الهندية بإشباع التاء، وفي نسخة بدونها.\n(٢) \"القاموس\" (ص: ١٠٢٥).\n(٣) المصدر السابق (ص: ١٠٤٥).\n(٤) \"الصحاح\" (٥/ ٢٠٣٣).","vol":"9","page":697},{"text":"أَلَا تَرْضِينَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ؟ \". وَفِي رِوَايَةٍ: فَسَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُقْبَضُ فِي وَجَعِهِ، فَبَكَيْتُ، ثُمَّ سَارَّنِي فَأَخْبَرَنِي أَنِّي أَوَّلُ أَهْلِ بَيْتِهِ أَتْبَعُهُ فَضَحِكْتُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٨٥، م: ٢٤٥٠].\n٦١٣٩ - [٥] وَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا، وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٢٣٠، م: ٢٤٤٩].\nــ\nوقوله: (أتبعه) بالتخفيف من التبع، وفي بعض النسخ بالتشديد من الاتباع.\n٦١٣٩ - [٥] (المسور بن مخرمة) قوله: (بضعة منى) بفتح الباء وسكون الضاد: القطعة، وقد يضم ويكسر، والفتح هو المشهور، وقد مر ذكره في أول الكتاب في حديث (الإيمان بضع وسبعون شعبة).\nقوله: (يريبني ما أرابها) أي: يسوءني ما أساءها، وأصل الريب الشك، وقيل: الشك مع التهمة، يقال: رابني الشيء وأرابني بمعنى شككني.\nوقوله: (ويؤذيني ما آذاها) وأول حديث المسور بن مخرمة: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن ثم لا آذن، إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، إنما هي بضعة مني)، الحديث، رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه (١)، ولهذا الحديث طرق كثيرة بألفاظ مختلفة، وفي رواية: (فاطمة بضعة مني، يقبضني ما يقبضها،\n_________\n(١) \"مسند أحمد\" (١٨٩٢٦)، و\"صحيح البخاري\" (٥٢٣٠)، و\"صحيح مسلم\" (٢٤٤٩)، و\"سنن أبي داود\" (٢٠٧١)، و\"سنن الترمذي\" (٣٨٦٧)، و\"سنن ابن ماجه\" (١٩٩٨).","vol":"9","page":698},{"text":"٦١٤٠ - [٦] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى: خُمًّا، بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ. . . . .\nــ\nويبسطني ما يبسطها، وإن الأنساب يوم القيامة تنقطع غير نسبي وسببي وصهري).\nوعن سويد بن غفلة قال: خطب علي ابنة أبي جهل إلى عمها الحارث بن هشام، فاستشار النبي -ﷺ-، فقال: (أعن حسبها تسألني؟) قال علي: قد أعلم ما حسبها ولكن أتأمرني بها؟ فقال: (لا، فاطمة مضغة مني، ولا أحسب إلا وأنها تحزن أو تجزع)، فقال علي: لا آتي شيئًا تكرهه، رواه أبو يعلى (١)، وروى عبد الرزاق (٢) عن الشعبي نحوه. وفي رواية له عن أبي جعفر قال: خطب علي ابنة أبي جهل، فقام النبي -ﷺ- على المنبر فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: (إن عليًّا خطب العوراء ابنة أبي جهل، ولم يكن ذلك له أن تجتمع بنت رسول اللَّه -ﷺ- وبنت عدو اللَّه، وإنما فاطمة بضعة مني).\nوروي نحوه عن ابن أبي مليكة، وفيه: أن فاطمة قالت لأبيها: يزعم الناس أنك لا تغضب لبناتك، وهذا أبو الحسن قد خطب ابنة أبي جهل، فقام النبي -ﷺ- خطيبًا، وذكر أبا العاص بن الربيع، فأثنى عليه في صهره، ثم قال: (إنما فاطمة بضعة مني، وإني أخشى أن يفتنوها، واللَّه لا تجتمع بنت رسول اللَّه -ﷺ- وبنت عدو اللَّه تحت رجل)، وفيه: تحريم إيذاء النبي -ﷺ- وإن كان مما أصله مباح، وكمال محبته لفاطمة وشفقته على علي -﵄-.\n٦١٤٠ - [٦] (زيد بن أرقم) قوله: (بماء يدعى خُمًّا) الخم اسم موضع فيه\n_________\n(١) لم أجده في \"مسند أبي يعلى\" ولا في \"معجمه\"، وأخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٤٧٤٩).\n(٢) \"مصنف عبد الرزاق\" (١٣٢٦٨، ١٣٢٦٧، ١٣٢٦٩).","vol":"9","page":699},{"text":"وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: \"أَمَّا بَعْدُ أَلا أيُّها النَّاس! إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَني رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ\". فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: \"وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي\"، وَفِي رِوَايَةٍ: \"كِتَابُ اللَّهِ هُوَ حَبْلُ اللَّهِ، مَنِ اتَّبَعَهُ كَانَ عَلَى الْهُدَى، وَمَنْ تَرَكَهُ كَانَ عَلَى الضَّلَالَةِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٠٨].\nــ\nماء يسمى غدير خم، كما سبق، وقد يسمى الماء أيضًا خُمًّا.\nوقوله: (وذكر) بالتشديد من التذكير، والمراد بـ (رسول ربي) ملك الموت.\nوقوله: (وإني تارك فيكم الثقلين) الثقل بكسر المثلثة وفتح القاف ضد الخفة، والثقل بالضم وبفتحتين: متاع المسافر وحشمه، وكل شيء نفيس مصون، ومنه الحديث: (إني تارك فيكم الثقلين: كتاب اللَّه وعترتي)، كذا في (القاموس) (١)، وقيل: سميا بهما لأن الأخذ بهما والعمل بهما ثقيل، ويقال للجن والإنس: الثقلان؛ لأنهما يسكنان الأرض وتعمر بهما، فكأنهما بالثقلين، وقيل: وجه تسمية الجن والإنس بالثقلين أيضًا باعتبار نفاستهما وقدرهما لفضل تميزهما على سائر الحيوان، فتدبر.\nوقوله: (أذكركم) من التذكير، أي: أحذركم في شأنهم بأن تحفظوا حقوقهم ولا تؤذوهم.\nوقوله: (كتاب اللَّه هو حبل اللَّه)، وفي رواية: (كتاب اللَّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض)، قيل: أي: نور ممدود، أي: نورُ هُداه، ويشبهون النور بالحبل والخيط،\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٨٧٥).","vol":"9","page":700},{"text":"٦١٤١ - [٧] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ عَلَى ابْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ ذِي الْجَنَاحَيْنِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٠٩].\n٦١٤٢ - [٨] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ يَقُولُ: \"اللهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٤٩، م: ٢٤٢٢].\nــ\nنحو ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ﴾ [البقرة: ١٨٧] يعني: نورَ الصبح من ظلمة الليل، وسياق الحديث ظاهر في هذا المعنى، وقيل: عهده وأمانه الذي يؤمن من العذاب، والحبل العهد والميثاق، وفي الحديث: (بيننا وبين القوم حبال) أي: عهود ومواثيق، وقيل: أي: وصلة لمزيد الترقي إلى معارج القدس، وفيه تلويح إلى معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٧٦].\n٦١٤١ - [٧] (ابن عمر) قوله: (يا ابن ذي الجناحين) لقَّبه بهذا اللقب لأنه -﵁- لما استشهد بغزوة موتة رآه -ﷺ- له جناحان يطير بهما مع الملائكة، وقد ورد بطرق متعددة: (رأيت جعفرًا في الجنة يطير في الملائكة)، وفي حديث: قال لعبد اللَّه بن جعفر: (هنيئًا لك أبوك يطير مع الملائكة في السماء).\n٦١٤٢ - [٨] (البراء) قوله: (على عاتقه) العاتق هو من المنكب إلى أصل العنق، هذا قول أبي عبيدة، وقال الأصمعي: هو موضع الرداء من الجانبين، كذا في (المشارق) (١)، وأقول: العاتق هو يثنى ويجمع، أما التثنية فظاهر، وأما الجمع فلعله بإرادة ما فوق الواحد أو لتعدد أجزائهما.\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٤٩).","vol":"9","page":701},{"text":"٦١٤٣ - [٩] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي طَائِفَةٍ مِنَ النَّهَارِ حَتَّى أَتَى خِبَاءَ فَاطِمَةَ فَقَالَ: \"أَثَمَّ لُكَعُ؟ أَثَمَّ لُكَعُ؟ \" يَعْنِي حَسَنًا، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ يَسْعَى حَتَّى اعْتَنَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اللهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢١٢٢، م: ٢٤٢١].\n٦١٤٤ - [١٠] وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الْمِنْبَرِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى جَنْبِهِ وَهُوَ يُقْبِلُ عَلَى النَّاسِ مَرَّةً وَعَلَيْهِ أُخْرَى وَيَقُولُ: \"إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٢٧٠٤].\nــ\n٦١٤٣ - [٩] (أبو هريرة) قوله: (خباء فاطمة) أراد به البيت، وفي بعض النسخ: (خباب فاطمة)، والظاهر أنه تصحيف وتغيير.\nوقوله: (أثم لكع؟) الهمزة للاستفهام و(ثم) بفتح المثلثة اسم إشارة للمكان، كما في قولهم: ومِن ثَم، و(اللُّكَعُ) على وزن صرد يجيء لمعان منها الصغير، وهو المراد هنا.\n٦١٤٤ - [١٠] (أبو بكرة) قوله: (إن ابني هذا سيد) السيد الذي يفوق قومه في الخير، وقيل: السيد من لا يغلبه غضبه، وقيل: (سيد) أي: حكيم، والسيد يطلق على الرب والمالك والشريف والفاضل والكريم والحليم، ومتحمل أذى قومه، والزوج والرئيس والمقدم.\nوقوله: (ولعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) إخبار عن تفرق المسلمين فرقتين، فرقة مع الحسن وفرقة مع معاوية، وكان الحسن -﵁- أحق","vol":"9","page":702},{"text":"٦١٤٥ - [١١] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نُعْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْمُحْرِمِ -قَالَ شُعْبَةُ: أَحْسَبُهُ: يَقْتُلُ الذُّبَابَ- قَالَ: أَهْلُ الْعِرَاقِ يَسْأَلُونِي عَنِ الذُّبَابِ وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-! وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"هُمَا رَيْحَانَيَّ مِنَ الدُّنْيَا\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٥٣].\nــ\nبذلك، وقد بقي ستة أشهر من ثلاثين سنة التي بها يتم ما أخبر النبي -ﷺ- بقوله: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة)، فدعاه شفقته -﵁- على أمة جده إلى ترك المُلك رغبة فيما عند اللَّه، وروي عنه أنه قال: ما أحببت أن لي أمر أمة محمد على أن يهراق في ذلك محجمة دم، ودل الحديث أن كلا الفريقين كانا على ملة الإسلام مع كون إحداهما مصيبة والأخرى مخطئة، وصلح الحسن مع معاوية دليل على صحة إمارته.\n٦١٤٥ - [١١] قوله: (وعن عبد الرحمن بن أبي نعم) بضم النون وسكون المهملة.\nوقوله: (سمعت عبد اللَّه بن عمر) مفعوله (قال) في قوله: (قال أهل العراق).\nوقوله: (أهل العراق يسألوني) مبتدأ أو خبر مقول (قال).\nوقوله: (وسأله رجل) حال من ضمير (قال)، والرجل من قوم قتلوا سيدنا الإمام الحسين سلام اللَّه عليه وعلى آبائه الكرام.\nوقوله: (أحسبه: يقتل الذباب) تفسير لسؤال الرجل، أي: أحسب الرجل سأله ما حكم قتل المحرم الذباب: هل يبطل إحرامه، وهل يلزمه جزاء؟ .\nوقوله: (هما ريحاني) بلفظ التثنية مضاف إلى ياء المتكلم بإبدال الألف ياء على الشذوذ، أو النصب على المدح، وروي: (ريحانتاي) و(ريحاناي) و(ريحاني) أي: كل واحد، والريحان يطلق على الرزق والرحمة والراحة، ويطلق على الولد، وورد في","vol":"9","page":703},{"text":"٦١٤٦ - [١٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَشْبَهَ بِالنَّبِيِّ -ﷺ- مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ، وَقَالَ فِي الْحَسَنِ أَيْضًا: كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٥٢].\n٦١٤٧ - [١٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ضَمَّنِي النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَى صَدْرِهِ فَقَالَ: \"اللهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ\". وَفي رِوَايَةٍ: \"عَلِّمْهُ الْكِتَابَ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٥٦].\n٦١٤٨ - [١٤] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- دَخَلَ الْخَلَاءَ فَوَضَعْتُ لَهُ وَضُوءًا، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ: \"مَنْ وَضَعَ هَذَا؟ \". . . . .\nــ\nشأن أولادهم: (مبخلة مجبنة مجهلة، وإنهم لمن ريحان اللَّه)، أي: مع كونهم مظنة أن يحملوا الآباء على البخل والجبن عن الغزو، من ريحان اللَّه، أي: رزقه وعطائه ورحمته، ويجوز أن يطلق بمعنى الريحان المشموم أيضًا، وهو كل نبت مشموم طيب الرائحة لأن الأولاد يشمُّون ويقبَّلون.\n٦١٤٦ - [١٢] (أنس) قوله: (وقال في الحسن أيضًا: كان أشبههم) لا شك أن في إثبات الأشبهية لكل من الإمامين منافاة، إلا أن يراد في الإمام الأول الحقيقي، وفي الثاني الإضافي، أو يخص كل واحد منهما عن الناس، فافهم. وتحقيق التطبيق بينهما بما يأتي في (الفصل الثاني) من حديث علي قال: الحسن أشبه ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين ما كان أسفل من ذلك.\n٦١٤٧ - [١٣] (ابن عباس) قوله: (اللهم علمه الحكمة) المراد معرفة حقائق الأشياء والعمل بما ينبغي، وهو المذكور في كتاب اللَّه تعالى.\n٦١٤٨ - [١٤] (وعنه) قوله: (دخل الخلاء فوضعت له وضوءًا) بفتح الواو","vol":"9","page":704},{"text":"فَأُخبِرَ فَقَالَ: \"اللهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٤٣، م: ٢٤٧٧].\n٦١٤٩ - [١٥] وَعَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ كَانَ يَأْخُذُهُ وَالْحَسَنَ فَيَقُولُ: \"اللهُمَّ أَحِبَّهُمَا فَإِنِّي أُحبُّهُمَا\".\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَأْخُذُنِي فَيُقْعِدُنِي عَلَى فَخِذِهِ، وَيُقْعِدُ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى فَخِذِهِ الأُخْرَى، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا، ثُمَّ يَقُولُ: \"اللهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٣٥].\n٦١٥٠ - [١٦] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعَثَ بَعْثًا وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أُسَامَةَ بْنَ زيدٍ،\nــ\nوكان ذلك في ليلة بات في بيت ميمونة خالته -﵄-، وتمام الحديث مذكور في (باب قيام الليل)، وكان ابن عباس في حضرته -ﷺ-، لكنه لما لم يخاطبه، وسأل مَن عنده مِن أهله، أتى بضمير الغائب، فجعلُ الطيبي إياه من الدعاء بظهر الغيب محلُّ نظر، والمراد بالفقه هنا: معرفة النفس ما لها وما عليها، وفي الحديث حصول الفيض والنعمة من خدمة الأكابر ورضائهم ودعائهم.\n٦١٤٩ - [١٥] (أسامة بن زيد) قوله: (ثم يضمهما) قال الطيبي (١): الضمير للحسن وأسامة، ففيه التفات من التكلم إلى الغيبة، ويجوز أن يجعل للفخدين، فافهم.\nوقوله: (أرحمهما) أي: أحبهما، والرحمة لازمة للمحبة.\n٦١٥٠ - [١٦] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (بعث بعثًا وأمر عليهم أسامة) من التأمير،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١١/ ٢٩٥).","vol":"9","page":705},{"text":"فَطَعَنَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِمَارَتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلُ،\nــ\nأي: جعله أميرًا، بعثه إلى أُبنى بضم الهمزة وسكون الموحدة في آخره ألف: ناحية بالبلقاء لغزوة الروم مكان قُتِلَ أبوه زيد، وكان آخر سرية جهزها النبي -ﷺ-، وعقد لأسامة -﵁- لواء بيده، وعسكر بالجرف، فحم وصدع رسول اللَّه -ﷺ-، ولم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا انتدب [في تلك الغزوة] فيهم أبو بكر وعمر -﵄-، فتكلم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين، فخرج -ﷺ- وقد عصب رأسه فصعد المنبر فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: (أما بعد: أيها الناس)، الحديث، فغلبه الوجع، وتوفي -ﷺ-، فلم يتم الأمر.\nوقوله: (فطعن) كمنع في العرض والنسب، وبالضم بالرمح واليد، وقيل: هما لغتان، كذا قال الشيخ (١)، وفي (القاموس) (٢): طعنه بالرمح كمنعه ونصره طعنًا: ضربه ووخزه، فهو مطعون وطعين، و[الجمع] طُعْن بالضم، وفيه بالقول [طَعْنا وطَعَنانًا].\nوقوله: (في إمارة أبيه) يريد إمارة زيد بن حارثة في غزوة موتة، وفيهم خيار الصحابة منهم جعفر بن أبي طالب -﵁-، وعند النسائي عن عائشة [قالت:] ما بعث رسول اللَّه -ﷺ- زيد بن حارثة في جيش قط إلا أمَّره عليهم، رواه النسائي، وفيه جواز إمارة المولى، وتولية الصغار على الكبار، والمفضول على الفاضل، كذا قال الشيخ (٣).\n_________\n(١) انظر: \"فتح الباري\" (٧/ ٨٧).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ١٠٩٣).\n(٣) انظر: \"فتح الباري\" (٧/ ٨٧).","vol":"9","page":706},{"text":"وَأَيْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلإِمَارَةِ، وإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٣٠، م: ٢٤٢٦].\nوَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ وَفِي آخِره: \"أُوصِيكُمْ بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ صَالِحِيكُمْ\".\n٦١٥١ - [١٧] وَعَنْهُ قَالَ: إِنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَا كُنَّا نَدْعُوهُ إِلَّا زيدَ بْنَ مُحَمَّدٍ حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآن: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٧٨٢، م: ٢٤٢٥].\nوَذُكرَ حَدِيثُ الْبَراءِ قَالَ لعليّ: \"أَنْتَ مِنِّي\" فِي \"بَابِ بُلُوغِ الصَّغِيرِ وَحَضَانتَهِ\".\nــ\nوقوله: (وإن كان) أي: أبوه زيد، والطعن في إمارة الموالي كان من عادة الجاهلية، فلما جاء اللَّه بالإسلام، ورفع قدر من لم يكن له عندهم قدر بالإيمان والهجرة والعلم، ارتفعت الجاهلية وعاداتها، وقد أشار -ﷺ- إلى فضله بقوله: (وإن كان لمن أحب الناس إليّ) وأيّ فضيلة بعد ثبوت محبته -ﷺ-، خصوصًا الأحبية.\nوقوله: (أوصيكم به فإنه من صالحيكم) وفي رواية: (فاستوصوا به خيرًا، فإنه من خياركم).\n٦١٥١ - [١٧] (وعنه) قوله: (إلا زيد بن محمد) لأنه قد تبناه، وكانت العرب تَتَبنى مواليهم ويوارثونهم، فلما نزل القرآن ارتفع ذلك.","vol":"9","page":707},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1328> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٦١٥٢ - [١٨] عَنْ جَابِرٍ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي حِجَّتِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ يَخْطُبُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٨٦].\n٦١٥٣ - [١٩] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي، أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنَ الآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ،\nــ\nالفصل الثاني\n٦١٥٢ - [١٨] (جابر) قوله: (كتاب اللَّه) بالنصب بدل من (ما)، (وعترتي) عطف عليه، و(أهل بيتي) بيان لـ (عترتي)، عترة الرجل: نسله ورهطه وعشيرته الأدنون ممن مضى وغبر، وبيَّنه -ﷺ- بـ (أهل بيتي) تشريفًا وتكريمًا لهم بكونهم أهل بيته ومخالطين ومقتبسين من أنواره فائزين بأسراره، والظاهر أن المراد بأهل البيت ههنا أخص من أولاد الجد القريب وهم بنو هاشم بل أولاده وذريته، والعترة أعم من ذلك، فافهم.\n٦١٥٣ - [١٩] (زيد بن أرقم) قوله: (كتاب اللَّه حبل ممدود) صحِّح (كتاب) هنا بالنصب والرفع، والظاهر أن في الحديث السابق أيضًا يكون كذلك لكنه لم يجعل في النسخ.\nوقوله: (حبل ممدود من السماء إلى الأرض) قد عرف معناه في (الفصل الأول)، وإنما كان القرآن أعظم لأنه أسوة للعترة، وهم متمسكون به ومقتدون به، وهو صفة اللَّه تعالى.","vol":"9","page":708},{"text":"وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي، وَلَنْ يتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدا عَلَيَّ الْحَوْضَ، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٨٨].\n٦١٥٤ - [٢٠] وَعَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لِعَلِيِّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ: \"أَنَا حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبَهُمْ، وَسِلْمٌ لِمَنْ سَالَمَهُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٧٠].\n٦١٥٥ - [٢١] وَعَنْ جُمَيع بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ عَمَّتِي عَلَى عَائِشَةَ فَسَأَلْتُ: أَيُّ النَّاسِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَتْ: فَاطِمَةُ. فَقِيلَ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَتْ: زَوْجُهَا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٧٤].\nــ\nوقوله: (ولن يتفرقا) أي: يفارقاني في مواطن القيامة ومشاهدها (حتى يردا علىّ) بتشديد الياء، و(الحوض) منصوب مفعول (يردا)، يعني: فيشكرانكم صنيعكم عندي.\nوقوله: (فانظروا) أي: تأملوا وتفكروا كيف تكونوا خلفًا لي بعدي عاملين متمسكين بهما.\n٦١٥٤ - [٢٠] (وعنه) قوله: (أنا حرب) أي: محارب، و(السلم) بالكسر والفتح: الصلح.\n٦١٥٥ - [٢١] (جميع بن عمير) قوله: (وعن جميع بن عمير) كلاهما على لفظ التصغير.\nوقوله: (قالت: زوجها) انظر إلى إنصاف الصديقة وصدقها على زعم من يزعم من الزائغين خلاف ذلك، ولقد استحيت أن تذكر نفسها وأباها، ولا يبعد أن لو سئلت فاطمة عن ذلك لقالت: عائشة وأبوها، وقد ورد كذلك في رواية عن غير فاطمة -﵂-،","vol":"9","page":709},{"text":"٦١٥٦ - [٢٢] وَعَن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ: أَنَّ الْعَبَّاسَ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُغْضَبًا وَأَنَا عِنْدَهُ فَقَالَ: \"مَا أَغْضَبَكَ؟ \" قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا لَنَا وَلِقُرَيْشٍ إِذَا تَلَاقَوْا بَينَهُمْ تَلَاقَوْا بِوُجُوهٍ مُبْشَرَةٍ، وَإِذَا لَقُونَا لَقُونَا بِغَيْرِ ذَلِكَ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ ثُمَّ قَالَ: \"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الإِيمَانُ حَتَّى يُحِبَّكُمْ للَّهِ وَلِرَسُولِهِ\"، ثُمَّ قَالَ: \"يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ آذَى عَمِّي فَقَدْ آذَانِي، فَإِنَّمَا عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي \"الْمَصَابِيحِ\" عَنِ الْمُطَّلِبِ. [ت: ٣٧٨٥].\nــ\nومن هنا يعلم أن الوجوه مختلفة والحيثيات متعددة، وبهذا تنحلُّ الشبهات ويخلص عن الورطات.\n٦١٥٦ - [٢٢] (عبد المطلب) قوله: (وعن عبد المطلب بن ربيعة) اعلم أن ربيعة بن الحارث ابن عم رسول اللَّه -ﷺ-، والحارث عمه، ولربيعة صحبة، وله ابن يقال له: المطلب بن ربيعة، ويقال: عبد المطلب بن ربيعة، وهو الأكثر، وله أيضًا صحبة.\nوقوله: (مغضبًا) بفتح الضاد، أغضبه فلان: حمله على الغضب.\nوقوله: (بوجوه مبشرة) بضم الميم وسكون الباء وفتح الشين المعجمة، أي: عليها البشر -بالكسر- وهو الطلاقة، وروي (مسفرة) ببناء اسم الفاعل من الإسفار، أي: مضيئة مشرقة. و(الصنو) بكسر الصاد وبضم وسكون النون، أي: مثله، والنخلتان فما زاد في الأصل الواحد، كل منهما صنو، أو عامٌّ فِي جميع الأشجار، وهما صنوان وصنيان مُثَلَّثَان، كذا في (القاموس) (١).\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١١٧٣).","vol":"9","page":710},{"text":"٦١٥٧ - [٢٣] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْعَبَّاسُ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٥٩].\n٦١٥٨ - [٢٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَلْعَبَّاسِ: \"إِذَا كَانَ غَدَاةَ الِاثْنَيْنِ فَأْتِنِي أَنْتَ وَوَلَدُكَ حَتَّى أَدْعُوَ لَكُمْ بِدَعْوَةٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا وَوَلَدَكَ\" فَغَدَا وَغَدَوْنَا مَعَهُ وَأَلْبَسَنَا كِسَاءَهُ، ثُمَّ قَالَ: \"اللهُمَّ اغْفِرْ لِلْعَبَّاسِ وَوَلَدِهِ مَغْفِرَةً ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً لَا تُغَادِرُ ذَنْبًا، اللهُمَّ احْفَظْهُ فِي وَلَدِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَزَادَ رَزِينٌ: \"وَاجْعَلِ الْخِلَافَةَ بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ\". وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٦٢].\n٦١٥٩ - [٢٥] وَعَنْهُ أَنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ مَرَّتَيْنِ. . . . .\nــ\n٦١٥٧ - [٢٣] (ابن عباس) قوله: (العباس مني وأنا منه) رسول اللَّه -ﷺ- أصل باعتبار الشرف والفضل والنبوة، وعباس أصل من جهة النسب والعمومة، فافهم.\n٦١٥٨ - [٢٤] (وعنه) قوله: (وولدك) الظاهر أن المراد جنس الولد لا عبد اللَّه ابن عباس وحده، فافهم.\nوقوله: (أدعو لكم) وفي بعض الروايات: (لهم).\nوقوله: (وألبسنا كساءه) وفي رواية: (فشملنا بملاءته ثم قال: اللهم هذا عمي وصنو أبي فاستره وولده من النار كستري إياهم بملاءتي هذه).\nوقوله: (اللهم احفظه في ولده) أي: أكرمه وراع أمره لئلا يضيع في شأن ولده، يقال: حفظه نفسه: لم يُصيِّعْه ولم يتبذله فيما لا يعنيه، ومنه: (احفظوا أيمانكم).\n٦١٥٩ - [٢٥] (وعنه) قوله: (أنه رأى جبرئيل مرتين) ذكر السيوطي في (جمع","vol":"9","page":711},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nالجوامع) (١): عن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: مررت بالنبي -ﷺ- وقد انصرف من صلاة الظهر وعَلَيَّ ثياب بيض، وهو يناجي دحية الكلبي فيما ظننت، وكان جبريلَ ولا أدري، فقال جبريل للنبي -ﷺ-: يا رسول اللَّه! هذا ابن عباس، أما إنه لو سلَّم علينا لرددنا عليه، أما إنه شديد وضح الثياب، ولتلبسنَّ ذريته من بعده السواد، فلما عرج جبريل وانصرف النبي -ﷺ- قال: (ما منعك أن تسلم إذ مررت آنفا؟) قلت: يا رسول اللَّه! مررت بك وأنت تناجي دحية الكلبي فكرهت أن أقطع نجواكما بردكما علي السلام، قال: ([لقد أثبتَّ النظر] ذلك جبريل)، الحديث، ورواه ابن عساكر، وذكر الترمذي أنه رأى جبرئيل مرتين، كذا في (جامع الأصول) (٢).\nوأقول: كان جبرئيل يأتي النبي -ﷺ- في صورة دحية، وكان أصحابه يرونه يحسبون أنه دحية، فما وجه تخصيص ابن عباس بذلك؟ فلعله رآه في عالم الملكوت متمثلًا بصورة دحية جالسًا عند النبي -ﷺ- مناجيًا إياه، ورؤية الصحابة كان في عالم الناسوت، فهذا وجه تخصيص ابن عباس برؤية جبرئيل دون غيره من الصحابة، ويدل عليه ما جاء في رواية ابن النجار عن ابن عباس قال: دخلت أنا وأبي على النبي -ﷺ-، فلما خرجنا من عنده قلت لأبي: ما رأيتَ الرجل الذي كان مع النبي -ﷺ-؟ ما رأيتُ رجلًا أحسن وجهًا منه، فقال لي: هو كان أحسن وجهًا أم النبي -ﷺ-؟ قلت: هو، وما جاء في آخر حديث ميمون بن مهران المذكور أنه قال رسول اللَّه -ﷺ-: (ذلك جبرئيل، وليس أحد رآه غير نبي إلا ذهب بصره، وبصرك ذاهب، وهو مردود عليك يوم وفاتك)، فلما\n_________\n(١) انظر: \"جامع الأحاديث\" (٣٩١٢٩)، و\"كنز العمال\" (٣٧١٩٠).\n(٢) \"جامع الأصول\" (٩/ ٦٣).","vol":"9","page":712},{"text":"وَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مرَّتَيْنِ. رَوَاهُ التِّرْمِذيُّ. [ت: ٣٨٢٢].\n٦١٦٠ - [٢٦] وَعَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: دَعَا لي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُؤْتيَني اللَّهُ الْحِكْمَةَ مرَّتَيْنِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٢٣].\n٦١٦١ - [٢٧] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ جَعْفَرٌ يُحِبُّ الْمَسَاكِينَ وَيَجْلِسُ إِلَيْهِمْ وَيُحَدِّثُهُمْ وَيُحَدِّثُونَهُ،\nــ\nمات ابن عباس وأدرج في أكفانه انقض طائر أبيض فأتى بين أكفانه وطلب فلم يوجد، فقال عكرمة مولى ابن عباس: أحمقى أنتم؟ هذا بصره الذي وعده رسول اللَّه -ﷺ- أن يرد عليه يوم وفاته، فلما أتوا به القبر ووضع في لحده تُلُقِّيَ بكلمة سمعها من كان على شفير القبر: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ الآية [الفجر: ٢٧ - ٢٨].\nوقوله: (دعا له مرتين) أحدهما ما مرّ من حديثه: ضمني النبي -ﷺ- إلى صدره فقال: (اللهم علمه الحكمة، أو علمه الكتاب)، وثانيهما أيضًا حديثه: أن النبي -ﷺ- دخل الخلاء فوضعت له وضوءًا، فلما خرج قال: (من وضع هذا الماء؟) فأخبره، فقال: (اللهم فقِّهه في الدين)، وكلا الحديثين مرّ في، (الفصل الأول)، ويحتمل أن يكون إحدى المرتين حين بات في بيت ميمونة فقام بالليل، وثانيهما ما دعا له لولد العباس في الحديث المذكور آنفًا، والحديثان السابقان كلاهما يكون مرة واحدة في بيتوتته بتعدد الروايتين، واللَّه أعلم.\n٦١٦٠ - [٢٦] (وعنه) قوله: (أن يؤتيني اللَّه الحكمة مرتين) هذا الحديث ظاهر في أن المراد بالدعاء مرتين هو ما ذكر في الحديثين السابقين؛ لأن في دعاء ولد العباس ليس ذكر الحكمة والفقه صريحًا.\n٦١٦١ - [٢٧] (أبو هريرة) قوله: (يحب المساكين ويجلس إليهم) فيه دلالة","vol":"9","page":713},{"text":"وَكَانَ (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكَنِّيهِ بِأَبِي الْمَسَاكِينِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٦٦].\n٦١٦٢ - [٢٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"رَأَيْتُ جَعْفَرًا يَطِيرُ فِي الْجَنَّةِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٦٣].\n٦١٦٣ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجنَّةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٦٨].\nــ\nعلى أن حب الكبراء وأربابِ الشرف المساكينَ وتواضعَهم لهم يزيد في فضلهم، ويعدُّ ذلك من مناقبهم.\n٦١٦٢ - [٢٨] (وعنه) قوله: (يطير في الجنة مع الملائكة) ولهذا سمي -﵁- بجعفر الطيار وبذي الجناحين، كما مرّ في (الفصل الأول).\n٦١٦٣ - [٢٩] (أبو سعيد) قوله: (سيدا شباب أهل الجنة) هو جمع شاب وهو من بلغ إلى ثلاثين، ولا يجمع فاعل على فَعَال غيره، يجمع على شببة، والشبان أيضًا، قيل: يعني: أفضل ممن مات شابًا في سبيل اللَّه من أصحاب الجنة، كذا نقل الطيبي (٢)، وفيه نظر؛ لأنه لا وجه لتخصيص فضلهما على من مات شابًا بل هما أفضل من كثير ممن مات شيخًا، فالأولى ما قيل: إن المراد: هما سيدا أهل الجنة؛ لأن أهل الجنة كلهم شباب، لكن يخص بما سوى الأنبياء والخلفاء الراشدين.\nوقيل: أراد بالشباب الفتيان من الفتوة بمعنى الكرم، كما يقال: فلان فتى، وإن كان شيخًا مشيرًا إلى فتوته ومروءته، فتدبر.\n_________\n(١) في نسخة: \"فكان\".\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٢/ ٣٠٢).","vol":"9","page":714},{"text":"٦١٦٤ - [٣٠] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ هُمَا رَيْحَانَيَّ مِنَ الدُّنْيَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْفَصْلِ الأَوَّلِ. [ت: ٣٨١٣].\n٦١٦٥ - [٣١] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: طَرَقْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي بَعْضِ الْحَاجَةِ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى شَيْءٍ، وَلَا أَدْرِي مَا هُوَ، فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ حَاجَتِي قُلْتُ: مَا هَذَا الَّذِي أَنْتَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ؟ فَكَشَفَهُ فَإِذَا الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَى وَرِكَيْهِ. فَقَالَ: \"هَذَانِ ابْنَايَ وَابْنَا ابْنَتِي، اللهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُمَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٦٩].\nــ\nويجوز أن يكون سماهما شبابًا مع كونهما كهلين تحببًا وتعطفًا كما يسمي الوالد ولده صغيرًا ووليدًا وإن كان شابًّا مسنًّا، واللَّه أعلم.\n٦١٦٤ - [٣٠] (ابن عمر) قوله: (وقد سبق في الفصل الأول) كأنه تعريض على صاحب (المصابيح) في ذكره مكررًا من غير أن يكون بينهما اختلاف يعتد به.\n٦١٦٥ - [٣١] (أسامة بن زيد) قوله: (طرقت) أي: أتيت، والطرق والطروق: الإتيان بالليل (على وركيه) بالفتح والكسر وككتف: ما فوق الفخذ، كالكتفين فوق العضدين.\nوقوله: (ابناي) دل على أن ابن البنت ابن كابن الابن، وفيه ثبوت شرف النسب من جهة الأم ردًّا على من أنكره، والحجة على ذلك قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤].","vol":"9","page":715},{"text":"٦١٦٦ - [٣٢] وَعَنْ سَلْمَى قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ؟ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَعْنِي فِي الْمَنَامِ- وَعَلَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ التُّرَابُ، فَقُلْتُ: مَا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"شَهِدْتُ قَتْلَ الْحُسَيْنِ آنِفًا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٧١].\n٦١٦٧ - [٣٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: أَيُّ أَهْلِ بَيْتِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: \"الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ\"، وَكَانَ يَقُولُ لِفَاطِمَةَ: \"ادْعِي لِي ابْنَيَّ\" فَيَشُمُّهُمَا وَيَضُمُّهُمَا إِلَيْهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٧٢].\n٦١٦٨ - [٣٤] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَخْطُبُنَا إِذْ جَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ،\nــ\n٦١٦٦ - [٣٢] (سلمى) قوله: (دخلت على أم سلمة) ماتت -﵂- سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة اثنين وستين، والأول أصح، وكانت شهادة سيدنا الحسين سنة إحدى وستين، فتدبر.\n٦١٦٧ - [٣٣] (أنس) قوله: (فيشمهما) بضم الشين وفتحها من علم ونصر، في (القاموس) (١): شممته بالكسر والفتح أشمه بالفتح والضم.\n٦١٦٨ - [٣٤] (بريدة) قوله: (ويعثران) أي: يسقطان على الأرض لصغر سنهما كضرب ونصر وعلم وكرم، كذا في (القاموس) (٢).\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١٠١٦).\n(٢) المصدر السابق (ص: ٣٩٣).","vol":"9","page":716},{"text":"فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْمِنْبَرِ فَحَمَلَهُمَا وَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: \"صَدَقَ اللَّهُ ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨] نَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَلَمْ أَصْبِرْ حتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٣٧٧٤، د: ١١٠٩، ن: ١٤١٣].\n٦١٦٩ - [٣٥] وَعَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّة قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ، أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا، حُسَيْنٌ سِبْطٌ مِنَ الأَسْبَاطِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٧٥].\n٦١٧٠ - [٣٦] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: الْحَسَنُ أَشْبَهَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-. . . . .\nــ\nوقوله: (فلم أصبر) وذلك لغاية تأثير الرقة والرحمة والشفقة في قلبه الشريف.\n٦١٦٩ - [٣٥] (يعلى بن مرة) قوله: (وعن يعلى بن مرة) بضم الميم وتشديد الراء.\nوقوله: (سبط من الأسباط) بكسر السين: ولد الولد، مأخوذ من السبط وهو الشجر له أغصان كثيرة وأصله واحد، ويطلق على القبيلة، إشارة إلى أن نسله يكون أكثر وأبقى، وفي (القاموس) (١): هو بالكسر ولد الولد، والقبيلة من اليهود، والجمع أسباط، و(حسين سبط من الأسباط) أمة من الأمم.\n٦١٧٠ - [٣٦] (علي) قوله: (أشبه رسول اللَّه -ﷺ-) في (القاموس) (٢): أشبهه: ماثله.\n_________\n(١) المصدر السابق (ص: ٦٠٢).\n(٢) المصدر السابق (ص: ١١٢٣).","vol":"9","page":717},{"text":"مَا بَيْنَ الصَّدْرِ إِلَى الرَّأْسِ، وَالْحُسَيْنُ أَشْبَهَ النَّبِيَّ -ﷺ- مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٧٩].\n٦١٧١ - [٣٧] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قُلْتُ لأُمِّي: دَعِيني آتِي النَّبِيَّ -ﷺ- فَأُصلِّي مَعَهُ الْمَغْرِبَ وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي وَلَكِ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَصَلَّيْتُ مَعَهُ الْمَغْرِبَ فَصَلَّى حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ، ثُمَّ انْفَتَلَ فَتَبِعْتُهُ فَسَمِعَ صَوتي فَقَالَ: \"مَنْ هَذَا؟ حُذَيْفَةُ؟ \" قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: \"مَا حَاجَتُكَ؟ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ وَلأُمِّكِ، إِنَّ هَذَا مَلَكٌ لَمْ يَنْزِلِ الأَرْضَ قَطُّ قَبْلَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيَّ وَيُبَشِّرَنِي بِأَنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَأَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٨١].\n٦١٧٢ - [٣٨] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: . . . . .\nــ\nوقوله: (ما بين الصدر إلى الرأس) متعلق بـ (أشبه) بتقدير في، قال الطيبي (١): هو بدل من الفاعل [المضمر في أشبه] أو [من] المفعولِ بدلَ البعض.\n٦١٧١ - [٣٧] (حذيفة) قوله: (فصلى) أي: النوافل (حتى صلى العشاء) وفيه شغل بين العشائين بصلاة النافلة.\nوقوله: (من هذا؟) استفهم ثم عرف فقال: (حذيفة؟) أي: هذا حذيفة، أو أنت حذيفة.\n٦١٧٢ - [٣٨] (ابن عباس) قوله: . . . . .\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٢/ ٣٠٤).","vol":"9","page":718},{"text":"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَامِلًا الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ فَقَالَ رَجُلٌ: نِعْمَ الْمَرْكَبُ رَكِبْتَ يَا غُلَامُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: وَنِعْمَ الرَّاكِبُ هُوَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٨٤].\n٦١٧٣ - [٣٩] وَعَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ فَرَضَ لأُسَامَةَ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَخَمْسِ مِئَةٍ، وَفَرَضَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لأَبِيهِ: لِمَ فَضَّلْتَ أُسَامَةَ عَلَيَّ؟ فَوَاللَّهِ مَا سَبَقَنِي إِلى مَشْهَدٍ. قَالَ: لأَنَّ زَيْدًا كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ أَبِيكَ، وَكَانَ أُسَامَةُ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْكَ، فَآثَرْتُ حِبَّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى حبِّي. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨١٣].\n٦١٧٤ - [٤٠] وَعَنْ جَبَلَةَ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ابْعَثْ مَعِي أَخِي زَيْدًا. قَالَ: \"هُوَ ذَا فَإِنِ انْطَلَقَ مَعَكَ لَمْ أَمْنَعْهُ\". قَالَ زَيْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَاللَّهِ لَا أَخْتَارُ عَلَيْكَ أَحَدًا. قَالَ: فَرَأَيْتُ رَأْيَ أَخِي أَفْضَلَ مِنْ رَأْيِي. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨١٥].\nــ\n(ونعم الراكب هو) بالواو، وهذا كالواو في قوله: (وعليك السلام).\n٦١٧٣ - [٣٩] (عمر) قوله: (فرض لأسامة) أي: قدَّر من بيت المال رزقًا له، و(الحب) بكسر الحاء: المحبوب.\n٦١٧٤ - [٤٠] (جبلة) قوله: (وعن جبلة بن حارثة) بفتح الجيم والموحدة واللام، أخو زيد بن حارثة الكبير.\nوقوله: (ابعث معي أخي زيدًا) يعني يكون معي مفارقًا لخدمتك.\nوقوله: (قال) أي: جبلة.","vol":"9","page":719},{"text":"٦١٧٥ - [٤١] وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- هَبَطْتُ وَهَبَطَ النَّاسُ الْمَدِينَةَ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَقَدْ أُصْمِتَ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَضَعُ يَدَيْهِ عَليَّ وَيَرْفَعُهُمَا، فَأَعْرِفُ أَنَّهُ يَدْعُو لِي. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٨١٧].\n٦١٧٦ - [٤٢] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أَرَادَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يُنَحِّي مُخَاطَ أُسَامَةَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: دَعْنِي حَتَّى أَنَا الَّذِي أَفْعَلُ. قَالَ: \"يَا عَائِشَةُ أَحِبِّيهِ فَإِنِّي أُحِبُّهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨١٨].\nــ\n٦١٧٥ - [٤١] (أسامة بن زيد) قوله: (هبطت وهبط الناس) وذلك حين جهز جيشه ونزل بالجرف موضع خارج المدينة، وعرض لرسول اللَّه -ﷺ- الحمى والصداع فتوفي بعد أيام، وإنما قال: هبط لأن الجرف في علو المدينة كعرفات من مكة، والعرب إذا جاؤوا من عرفات بمكة يقولون: هبطنا إلى مكة، وإذا ذهبوا إلى عرفات قالوا: صعدنا إلى عرفات، بل يقولون في المسجد إذا ذهبوا إلى باب السلام: صعدنا إلى باب السلام.\nوقوله: (وقد أصمت) بلفظ المجهول من الإصمات، أي: أسكت واعتقل لسانه.\n٦١٧٦ - [٤٢] (عائشة) قوله: (أن ينحي مخاط) أي: يزيل ما كان يخرج من أنفه من الماء، والمخاط بضم الميم: ما يسيل من الأنف، وقول عائشة -﵂-: (دعني حتى أنا الذي أفعل) كأنها كرهت بتنحيه -ﷺ- مخاطه.\nوقوله: (أنا الذي أفعل) من باب: أنا الذي سمتني أمي.","vol":"9","page":720},{"text":"٦١٧٧ - [٤٣] وَعَنْ أُسَامَةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا إِذْ جَاءَ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ يَسْتَأْذِنَانِ فَقَالَا لأُسَامَةَ: اسْتَأْذِنْ لَنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ يَسْتَأْذِنَانِ. فَقَالَ: \"أَتَدْرِي ما جَاءَ بِهِمَا؟ \" قُلْتُ: لَا. قَالَ: \"لَكِنِّي أَدْرِي ائْذَنْ لَهُمَا\" فَدَخَلَا فَقَالَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ أَيُّ أَهْلِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: \"فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ\"، قَالَا: مَا جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ أَهْلِكَ، قَالَ: \"أَحَبُّ أَهْلِي إِلَيَّ مَنْ قَد أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتُ عَلَيْهِ، أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ\" قَالَا: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: \"ثُمَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ\"، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! جَعَلْتَ عَمَّكَ آخِرَهُمْ؟ قَالَ: \"إِنَّ عَلِيًّا سَبَقَكَ بِالْهِجْرَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨١٩].\nــ\n٦١٧٧ - [٤٣] (أسامة) قوله: (فاطمة بنت محمد) في هذا الوصف تفخيم وتعظيم لها، وبيان لعلة الحكم.\nوقوله: (عن أهلك) أي: عن أولادك وأزواجك.\nوقوله: (من النساء) ليس في (جامع الترمذي) ولا في (جامع الأصول) ويوجد في نسخ (المصابيح).\nوقوله: (أسامة بن زيد) لا شك أن المنصوص عليه بإنعام اللَّه ورسوله هو زيد ابن حارثة أبو أسامة؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾، أي: بالهداية والكرامة، ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٣٧] أي: بالإعتاق والتبني، ولكن التربية والإنعام على الوالد إنعام على ولده، كما ذكروا في قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٤٠]. وبهذا الاعتبار قال: (أسامة بن زيد) كأنه يقول: زيد وابنه أسامة.","vol":"9","page":721},{"text":"وَذُكِرَ أَنَّ عَمَّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ فِي \"كِتَابِ الزَّكَاةِ\".\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1329> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٦١٧٨ - [٤٤] عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: صَلَّى أَبُو بَكْرٍ الْعَصْرَ، ثُمَّ خَرَجَ يَمْشِي وَمَعَهُ عَلِيٌّ فَرَأَى الْحَسَنَ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَحَمَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ. وَقَالَ: بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ، لَيْسَ شَبِيهًا بِعَلِي، وَعَلِيٌّ يَضْحَكُ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٤٢].\n٦١٧٩ - [٤٥] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: أُتيَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ، فَجُعِلَ فِي طَسْتٍ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ وَقَالَ فِي حُسْنِهِ شَيْئًا، قَالَ أَنَسٌ: فَقُلْتُ: وَاللَّهِ إِنَّهُ كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَكَانَ مَخْضُوبًا بِالْوَسْمَةِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٤٨].\nــ\nالفصل الثالث\n٦١٧٨ - [٤٤] (عقبة بن الحارث) قوله: (بأبي) أي: مفديٌّ بأبي، وليس قَسَمًا، فإن الحلف بغير اللَّه لا يجوز، وقد يقال: عدم الجواز إنما هو على قصد التعظيم، فيكون بطريق يمين اللغو، فتدبر.\n٦١٧٩ - [٤٥] (أنس) قوله: (وقال في حسنه شيئًا) قد سبق إلى الذهن أنه طعن ونَقَصَ حسنه مكابرةً وعنادًا، فرد عليه أنس قوله، ولكن يظهر من رواية الترمذي أنه حسَّنه ووصفه بالحسن البالغ، وكان ذلك أيضًا بطريق الاستهزاء والسخرية وتبهجًا وسرورًا حصل له بقتله.\nو(الوسمة) بفتح الواو -وأخطأ من ضمها- وسكون المهملة، ويجوز فتحها:","vol":"9","page":722},{"text":"وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ زِيَادٍ، فَجِيءَ بِرَأْسِ الْحُسَيْنِ، فَجَعَلَ يَضْرِبُ بِقَضِيبٍ فِي أَنْفِهِ وَيَقُولُ: ما رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا حُسْنًا. فَقُلْتُ: أَمَا إِنَّهُ كَانَ مِنْ أَشْبَهِهِمْ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٧٨].\n٦١٨٠ - [٤٦] وَعَنْ أُمِّ الْفَضْلِ بنتِ الْحَارِثِ أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي رَأَيْتُ حُلْمًا مُنْكَرًا اللَّيْلَةَ. قَالَ: \"وَمَا هُوَ؟ \" قَالَتْ: إِنَّهُ شَدِيدٌ، قَالَ: \"وَمَا هُوَ؟ \" قَالَتْ: رَأَيْتُ كَأَنَّ قِطْعَةً مِنْ جَسَدِكَ قُطِعَتْ وَوُضِعَتْ فِي حِجْرِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"رَأَيْتِ خَيْرًا تَلِدُ فَاطِمَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ غُلَامًا يَكُونُ فِي حِجْرِكِ\". فَوَلَدَتْ فَاطِمَةُ الْحُسَيْنَ فَكَانَ فِي حِجْرِي كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-،\nــ\nنبت يخضب به يميل إلى السواد، وفي (الحواشي): الوسمة بكسر السين في لغة الحجاز أفصح من السكون، وأنكر الرازي السكون، وقال: كلام العرب بالكسر، وفي (مجمع البحار) (١): بكسر سين، وقد تسكَّن: نبت، وقيل: شجر باليمن يخضب بورقه الشعر، أسودُ، وقيل: بالضم: ورقُ نبتٍ يجعل منه النيل، وفي (القاموس) (٢): الوسمة بالفتح، وقيل بالضم: ورق النيل أو نبات يخضب بورقه.\n٦١٨٠ - [٤٦] (أم الفضل بنت الحارث) قوله: (إني رأيت حلمًا) الحلم بضمتين وبضم فسكون: ما يراه النائم، و(الحجر) بفتح الحاء وكسرها: حضن الإنسان\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٥٤).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ١٠٥٢).","vol":"9","page":723},{"text":"فَدَخَلْتُ يَوْمًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَوَضَعْتُهُ فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ كَانَتْ مِنِّي الْتِفَاتَةٌ، فَإِذَا عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- تُهْرِيقَانِ الدُّمُوعَ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَالَكَ؟ قَالَ: \"أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ أُمَّتِي سَتَقْتُلُ ابْنِي هَذَا، فَقُلْتُ: هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَتَانِي بِتُرْبَةٍ مِنْ تُرْبَتِهِ حَمْرَاءَ\".\n٦١٨١ - [٤٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فِيمَا يَرَى النَّائِمُ ذَاتَ يَوْمٍ بِنِصْفِ النَّهَارِ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، بِيَدِهِ قَارُورَةٌ فِيهَا دَمٌ، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا هَذَا؟ قَالَ: \"هَذَا دَمُ الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ، وَلَمْ أَزَلْ أَلْتَقِطُهُ مُنْذُ الْيَوْم\"، فَأُحْصِي ذَلِكَ الْوَقْتَ فَأَجِدُ قُتِلَ ذَلِكَ الْوَقْتَ. رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي \"دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ\" وَأَحْمَدُ الأَخِيرَ. [دلائل: ٦/ ٤٦٩، ٦/ ٤٧١، حم: ١/ ٢٤٢].\n٦١٨٢ - [٤٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ. . . . .\nــ\nبالضماد المعجمة.\nوقوله: (فوضعته في حجره) وفي بعض النسخ: (في حجري).\nوقوله: (فقلت: هذا؟) أي: هذا الابن؟ أشارت إليه تعجبًا وتحيرًا.\nوقوله: (وأتاني) أي: جبرئيل (بتربة) أي: تربة الموضع الذي يقتل فيه.\n٦١٨١ - [٤٧] (ابن عباس) قوله: (فأحصي) بلفظ المتكلم من الإحصاء من كلام ابن عباس.\n٦١٨٢ - [٤٨] (وعنه) قوله: (لما يغذوكم) أي: يطعمكم، والغذاء بكسر","vol":"9","page":724},{"text":"مِنْ نِعَمَةٍ، وَأَحِبُّونِي (١) لِحُبِّ اللَّهِ، وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي لِحُبِّي\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٨٩].\n٦١٨٣ - [٤٩] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ آخِذٌ بِبَابِ الْكَعْبَةِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"أَلَا إِنَّ مِثْلَ أَهْلِ بَيْتِي فِيكُمْ مِثْلُ سَفِينَةِ نُوحٍ، مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَلَكَ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [فضائل الصحابة: ١٤٠٢].\n* * *\nــ\nالغين المعجمة وبالذال المعجمة: ما به نماء الجسم وقوامه، غذاه غذوًا فاغتذى وتغذى.\nوقوله: (من نعمة) بالتاء بلفظ المفرد، وفي بعض النسخ: (من نعمه) بهاء الضمير بلفظ الجمع.\n٦١٨٣ - [٤٩] (أبو ذر) قوله: (وهو آخذ بباب الكعبة) وزاد في رواية: (وهو -أي: أبو ذر- يقول: من عرفني فأنا من قد عرفني، ومن أنكرني فأنا أبو ذر) أي: المشهور بصدق اللهجة تلميحًا إلى قوله: (ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على أصدق لهجة من أبي ذر)، قالوا: علامة السعادة وطريق القرب إلى اللَّه والوصول إلى مرضاته شيئان: تعظيم صحابة الرسول -ﷺ- ومحبة أهل بيت النبوة سلام اللَّه عليهم بحيث لا يخلُّ أحدهما بالآخر، ولا يجتمعان إلا في قلب مؤمن تقي صحيح الإيمان، رزقنا اللَّه.\n_________\n(١) في نسخة: \"فَأَحِبُّوني\".","vol":"9","page":725},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1330>١١ - باب مناقب أزواج النبي ﷺ </span>(١)\nــ\n١١ - باب مناقب أزواج النبي -ﷺ- ورضي اللَّه عنهن\nاعلم أن أزواجه -ﷺ- كانت في وقتٍ تسعًا، وفي وقتٍ آخر إحدى عشر، وفي آخر أكثر منها، وفي آخر أقل، قال في (جامع الأصول): قد اختلف العلماء في عِدَّة أزواج النبي -ﷺ- وفي ترتيبهن، وعِدَّةِ من مات منهن قبله ومن مات بعده -ﷺ-، ومن دخل بها ومن لم يدخل بها، ومن خطبها ولم ينكحها، ومن عرضت نفسها عليه، قال: ونحن نذكر أشهر ما نقل، ثم ذكر أسماءهن وأحوالهن، ونحن نذكر في هذا الباب أسماءهن وتاريخ نكاحهن ووفاتهن، ونذكر إن شاء اللَّه أحوالهن فيما قصدنا من ذكر رجال هذا الكتاب في جزء على حدة.\nفأولهن: خديجة بنت خويلد تزوجها -ﷺ- وهو ابن خمس وعشرين، ماتت قبل الهجرة بثلاث سنين على القول الصحيح.\nثم سودة بنت زمعة -﵂- ماتت سنة أربع وخمسين.\nثم عائشة الصديقة بنت الصديق -﵂- تزوجها بمكة وهي بنت ستة وبنى عليها وهي بنت تسع، وماتت سنة خمس (٢) أو ثمان وخمسين.\nثم حفصة بنت عمر بن الخطاب تزوجها سنة اثنين أو ثلاث، وماتت سنة خمس وأربعين أو إحدى وأربعين.\nثم زينب بنت خزيمة تزوجها سنة ثلاث، وماتت سنة أربع.\n_________\n(١) زاد في نسخة: \"ورضي اللَّه عنهن\".\n(٢) كذا في الأصل، والظاهر: \"سبع\" كما في \"جامع الأصول\" (١٢/ ٩٧).","vol":"9","page":726},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nثم أم سلمة هند بنت أمية المخزومية تزوجها سنة أربع أو ثلاث، وماتت سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة اثنين وستين، والأول أصح.\nثم زينب بنت جحش تزوجها سنة خمس، وماتت سنة عشرين أو إحدى وعشرين، وهي أول من ماتت من أزواجه -ﷺ- بعده.\nثم أم حبيبة بنت أبي سفيان، واختلف في وقت تزوجها، فقيل: سنة ست، زوجه -ﷺ- منها النجاشي -وهي بحبشة كانت تحت عبد اللَّه بن جحش فتنصر ومات هناك سنة ست- بأربع مئة درهم، وقيل: بالمدينة، والأول أصح وأشهر. [وماتت بالمدينة سنة أربع وأربعين، وقيل: سنة اثنتين وأربعين].\nثم جويرية بنت الحارث، سباها النبي -ﷺ- في غزوة مريسيع سنة ست، ثم أعتقها وتزوجها، ماتت سنة ست وخمسين.\nثم ميمونة بنت الحارث تزوجها سنة سبع، ماتت سنة إحدى وستين أو إحدى وخمسين.\nثم صفية بنت حيي بن أخطب تزوجها سنة سبع في غزوة خيبر، سباها ثم أعتقها وتزوجها، وماتت سنة اثنين وخمسين.\nثم ريحانة بنت زيد، كانت يهودية، سباها ثم تزوجها سنة ست، ماتت بعد عوده من حجة الوداع، وقيل: سنة ست عشرة، والأول أصح.\nهذه المذكورات تزوجهن رسول اللَّه -ﷺ- ودخل بهن، وجماعة من النساء عشرون أو أكثر تزوجهن وفارقهن قبل الدخول بهن، ومنهن من خطبهن ولم يتزوجهن، ومنهن من فارقها عند تخيير النساء بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ","vol":"9","page":727},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1331> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٦١٨٤ - [١] عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٣٢، م: ٢٤٣٠].\nــ\nالدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]، فاختارت الدنيا، وتفاصيلها في (جامع الأصول) (١) فلينظر ثمة.\nوأما سراريه فقيل: إنهن أربعٌ؛ أشهرها مارية القبطية بنت شمعون أم إبراهيم ابن رسول اللَّه -ﷺ-، ماتت سنة ست عشرة، وريحانة بنت شمعون، وقيل: بنت زيد، وقد تقدم ذكرها في جملة أزواجه، ويقال: إنه لم يعتقها، وإنما وطئها بملك اليمين، وأخرى وهبتها له زينب بنت جحش، وأخرى أصابها في بعض السبي، واللَّه أعلم.\nالفصل الأول\n٦١٨٤ - [١] (علي) قوله: (خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة) قال الشيخ (٢): قال القرطبي: الضمير عائد إلى غير مذكور لكنه يفسره الحال والمشاهدة، يعني به الدنيا، وقال الطيبي: الضمير الأول للأمة التي كانت مريم فيها، والثاني إلى هذه الأمة. والذي يظهر لي أن قوله: (خير نسائها) خبر مقدم والضمير لمريم، فكأنه قال: مريم خير نساء زمانها، انتهى كلام الشيخ.\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٩٥ - ١٠٦).\n(٢) \"فتح الباري\" (٧/ ١٣٥).","vol":"9","page":728},{"text":"وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: وَأَشَارَ وَكِيعٌ إِلَى السَّمَاءِ وَالأَرْضِ.\nــ\nلا يخفى أن الوجه الأول -وهو عود الضمير إلى الدنيا- لا يظهر منه وجه وجيه للتكرار، كما في الوجهين الأخيرين.\nوقوله: (وأشار وكيع إلى السماء والأرض) قيل: أراد بإشارته إلى السماء والأرض أنها خير ممن هو فوق الأرض وتحت السماء لا تفسيرًا للضمير لأنه مفرد، وقيل: أراد تفسير الضمير بتأويل جملة طبقات السماء وأقطار الأرض، أو بتأويل الدنيا، فإنه قد يعبر بالسماء والأرض عن العالم كله، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ١]، وقوله: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، فافهم.\nثم إنه قد ظهر من الحديث كون مريم وخديجة خير نساء أمتهما، أما النسبة بينهما بالفضل فلم تعلم، ونقل عن التفسير للنسفي: أن خديجة وعائشة أفضل من مريم ﵅، وهذا إذا قلنا بالأصح أنها ليست بنبية، وقد تقرر أن هذه الأمة أفضل من غيرها، ثم اختلفوا في فضل عائشة على خديجة، وكذا في فضل فاطمة على عائشة أو العكس، ونقل عن مالك أنه قال: فاطمة بضعة من النبي -ﷺ-، ولا أفضِّل [أحدًا] على بضعة من رسول اللَّه -ﷺ-، وسئل الإمام السبكي (١) عن ذلك فقال: الذي نختاره وندين اللَّه به أن فاطمة أفضل، ثم أمها خديجة ثم عائشة، وقال السيوطي في (الفتاوى) في فاطمة وعائشة أيتهما أفضل؟: فيه ثلاث مذاهب أصحها: أن فاطمة أفضل، ومال بعضهم إلى الوقف، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) انظر: \"أسنى المطالب في شرح روضة الطالب\" (١/ ١٠٣).","vol":"9","page":729},{"text":"٦١٨٥ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: \"يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدامٌ وَطَعَامٌ، فَإِذَا أَتَتْكَ فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ. . . . .\nــ\n٦١٨٥ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (هذه خديجة قد أتت) قيل: أتته من مكة وهو -ﷺ- بحراء، أتته بطعام يقتات -ﷺ- في خلوته، ولا يذهب عليك أن المشهور أن خلوة رسول اللَّه -ﷺ- بحراء كان قبل نزول جبريل، ولعله -ﷺ- أقام بها بعد نزوله أيضًا مدة، وإتيان خديجة بطعام كان في تلك المدة، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فاقرأ) بهمزة الوصل من القراءة، وإنما تكون هذه اللفظة بهمزة القطع من الإقراء إذا كان متعديًا بنفسه، نحو: أقرئ فلانًا السلام، وفلان يقرئك السلام، كما يأتي في الحديث الآتي.\nوقوله: (من ربها) قيل: فيه فضل خديجة على عائشة لما يأتي فيها من الاكتفاء بسلام جبرئيل.\nوقوله: (قصب) محركة: لؤلؤ مجوف واسع كالقصر، والقصب من الجواهر ما استطال منه في تجويف، وقال في (المشارق) (١): قد ذكر ابن وهب في روايته تفسيره في الحديث نفسه، قالت: يا رسول اللَّه! ما بيت من قصب؟ قال: (هو بيت من لؤلؤة مجبَّأة)، قال ابن وهب: أي: مجوفة، ويروى (مجوبة) بمعناه، قالوا: القصب هو اللؤلؤ المجوف الواسع كالقصر المنيف، وقال الخليل: القصب ما كان من الجوهر مستطيلًا أجوف، ويؤيد تفسيرهم قوله في الحديث الآخر: (قباب اللؤلؤ)، وفي الآخر: (قصر من درة مجوفة)، هذا وما قيل: فيه إشارة إلى قصب سبقها في الإسلام، ولهذا\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٨٧).","vol":"9","page":730},{"text":"لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨٢٠، م: ٢٤٣٢].\n٦١٨٦ - [٣] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ -ﷺ- مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَمَا رَأَيْتُهَا وَلَكِنْ كَانَ يُكْثِرُ ذِكرَهَا، وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً، ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ لَم تَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةَ، فَيقُول: \"إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ وَكَانَتْ، وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨١٨، م: ٢٤٣٥].\nــ\nلم يقل: من لؤلؤة، لا يخلو عن خفاء، فافهم.\nوقوله: (لا صخب فيه ولا نصب) الصخب بفتحتين: شدة الصوت، وقيل: الصوت المختلط، والنصب التعب، كما يكون في بيوت الدنيا، يكون الصخب في من يسكنها، والتعب في بنائها، أو كلاهما في البناء فإنه لا يتسبَّب إلا لصخب ونصب، وليس ذلك في بيوت الجنة، قيل: وذلك لأنها -﵂- أسلمت أولًا طوعًا بلا رفع صوت ولا منازعة ولا تعب.\n٦١٨٦ - [٣] (عائشة) قوله: (ما غرت) بكسر الغين من غار يغار غيرة وغيرًا، و(ما) نافية، وفي قوله: (ما غرت) مصدرية، أي: ما غرت على أحد من نساء النبي -ﷺ- مثل غيرتي على خديجة.\nوقوله: (ثم يقطعها) بالتشديد، و(صدائق) جمع صديقة.\nوقوله: (كانت وكانت) المراد عدّ فضائلها وخصالها وتكريرها.\nوقوله: (وكان لي ولد) أي: أولاد، وكل أولاده -ﷺ- من خديجة إلا إبراهيم من مارية، وأيّ ولد مثل فاطمة سيدة نساء العالمين أم الحسن والحسين سلام اللَّه عليهم أجمعين.","vol":"9","page":731},{"text":"٦١٨٧ - [٤] وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا عَائِشُ هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُكِ السَّلَامَ\". قَالَتْ: وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ. قَالَتْ: وَهُوَ يَرَى مَا لَا أَرَى. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٦٨، م: ٢٤٣٨].\n٦١٨٨ - [٥] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أُريتُكِ فِي الْمَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، يَجِيءُ بِكِ الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ، فَقَالَ لِي: . . . . .\nــ\n٦١٨٧ - [٤] (أبو سلمة) قوله: (يا عائش) ترخيم عائشة بفتح الشين وضمها، و(يقرئك) بضم الياء من الإقراء، كما قلنا، ووجهه أن المسلِّم يجعل المسلَّم عليه قارئًا للسلام ومتكلمًا به برده.\nوقوله: (قالت) أي: عائشة: (وهو) أي: النبي -ﷺ- (يرى ما لا أرى) وهو جبرئيل.\n٦١٨٨ - [٥] (عائشة) قوله: (في سرقة) بفتحات، أي: قطعة من جيِّد الحرير، جمعها سَرَقٌ بدون التاء، وفي (القاموس) (١): السرق محركة: شُقَقُ الحرير الأبيض، أو الحريرُ عامة، الواحدة بهاء، وفي (مختصر النهاية) (٢) للسيوطي: قال أبو عبيد: إنها الشقق إلا أنها البيض خاصة، وهي فارسية أصلها سَرَه، وهو الجيِّد.\nوفي (المشارق) (٣): قال أبو عبيد: وأحسب الكلمة فارسية، قال ابن دريد: أصله سره، أي: جيد. قال الشيخ (٤): والجمع بينه وبين قولها: نزل جبرئيل بصورتي\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٨٠٤).\n(٢) انظر: \"النهاية\" (٢/ ٣٦٢).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٢١٣).\n(٤) \"فتح الباري\" (٩/ ١٨١).","vol":"9","page":732},{"text":"هَذِهِ امْرَأَتُكَ فَكَشَفْتُ عَنْ وَجْهِكِ الثَّوْبَ، فَإِذَا أَنْتِ هِيَ، فَقُلْتُ: إِنْ يَكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يُمْضِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨٩٥، م: ٢٤٣٨].\nــ\nفي راحته حين أمر رسول اللَّه -ﷺ- أن يتزوجني، بأن المراد أن صورتها كانت في الخرقة، والخرقة في راحته، ويحتمل أن يكون نزل بالكيفيتين، لقولها في نفس الخبر: نزل مرتين، انتهى.\nقلت: قد وقع في هذا الحديث (ثلاث ليال)، فلا بد من وجه الجمع، أو حمل مرتين على معنى التكرار، واللَّه أعلم.\nثم الظاهر أنها كانت في السرقة، والتصاوير إنما حرمت بعد النبوة بل بعد القدوم بالمدينة، وأيضًا حرمتُها إنما كانت في هذا العالم لا في ذلك العالم، كما ورد في حديث شقِّ قلبه -ﷺ- وغسله في طست من ذهب.\nوقوله: (فكشفت عن وجهك الثوب) يحمل على معنيين: أحدهما: عن وجه صورتك التي في السرقة فإذا أنت الآن تلك الصورة، وثانيهما: عن وجهك عند مشاهدتك فإذا أنت مثل الصورة التي رأيتها في المنام، وهذا تشبيه حذفت أداته للمبالغة.\nوقوله: (إن يكن هذا من عند اللَّه يمضه) قيل: هذا الشرط لتقرير الوقوع بقوله المتحقق بثبوت الأمر وصحته، كقول السلطان لمن تحت يده: إن أكن سلطانًا انتقمت منك، ونقل الطيبي (١) عن القاضي عياض: إن كانت هذه الرؤيا قبل النبوة فلا إشكال في الشك، وإن كان بعدها فالشك في أن: هل هذه الرؤيا محمولة على ظاهرها أو لها تعبيرٌ يصرفها عن ظاهرها؟ والمراد زوجته في الدنيا أو في الآخرة؟ أو ما ذكره من\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٢/ ٣١٤).","vol":"9","page":733},{"text":"٦١٨٩ - [٦] وَعَنْهَا قَالَتْ: إِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ مَرْضَاةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. وَقَالَتْ: إِنَّ نِسَاءَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كُنَّ حِزْبَيْنِ: فَحِزْبٌ فِيهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَصَفِيَّةُ وَسَوْدَةُ، وَالْحِزْبُ الآخَرُ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَكَلَّمَ حِزْبُ أُمِّ سَلَمَة فَقُلْنَ لَهَا: كلِّمِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُكَلِّم النَّاسَ فَيَقُولُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَلْيُهْدِهِ إِلَيْهِ حَيْثُ كَانَ. فَكَلَّمَتْهُ فَقَالَ لَهَا: \"لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ فَإِنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي وَأَنَا فِي ثَوْبِ امْرَأَةٍ. . . . .\nــ\nالمعنى، انتهى ملخصًا.\nوالظاهر أن هذه الرؤية بعد موت خديجة فيكون في أيام النبوة، واللَّه أعلم. فإن قلت: مجيء الملك بها هل يقطع احتمال كونه قبل النبوة؟ قلت: لا، إذ ملاقاة الملك لا يتوقف على النبوة نومًا أو يقظة، كذا في (مجمع البحار) (١).\nقلت: يريد أنه يمكن أن يكون ذلك في مبادئ النبوة أو قبلها مطلقًا، وهو الظاهر، فإن رؤية الملك لا تختص بالنبي، وإنما المخصوص به إتيان الملك بالوحي من اللَّه سبحانه.\n٦١٨٩ - [٦] (وعنها) قوله: (يتحرون) أي: يقصدون، والتحري: القصد والاجتهاد في الطلب، ومنه: تحري القبلة، وتحري ليلة القدر، وفي (القاموس) (٢): تحراه: تعمَّده وطلب ما هو أحرى بالاستعمال.\nوقوله: (يكلم الناس) بالجزم جوابًا للأمر وكسرت الميم لالتقاء الساكنين،\n_________\n(١) \"مجمع بحار الأنوار\" (٣/ ٦٤).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ١١٤٦).","vol":"9","page":734},{"text":"إِلَّا عَائِشَةَ\". قَالَتْ: أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مِنْ أَذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ إِنَّهُنَّ دَعَوْنَ فَاطِمَةَ فَأَرْسَلْنَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَكَلَّمَتْهُ فَقَالَ: \"يَا بُنَيَّةُ، أَلَا تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ؟ \" قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: \"فَأَحِبِّي هَذِهِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٢٥٨١، م: ٢٤٤١].\nوَذُكِرَ حَدِيثُ أَنَسٍ فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ\" فِي \"بَابِ بَدْءِ الْخَلْقِ\" بِرِوَايَةِ أَبِي مُوسَى.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1332> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٦١٩٠ - [٧] عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ. . . . . .\nــ\nويجوز فيه الرفع، كذا قال الشيخ (١)، قلت: يؤيد الرفع قوله: (فيقول) وضبط في بعض النسخ المصححة بالرفع لا غير.\nوقوله: (إلا عائشة) أي: غيرها، صفة (امرأة).\nوقوله: (ألا تحبين ما أحب) بإرادة الصفة، أي: شيئًا أحب، يفيد التعميم.\nوقوله: (هذه) أي: عائشة، وفي التعبير بلفظ الإشارة من المبالغة والاعتناء ما لا يخفى.\nالفصل الثاني\n٦١٩٠ - [٧] (أنس) قوله: (حسبك) مبتدأ، و(من نساء) متعلق به، و(مريم) خبره، أي: كافيك معرفتك فضلهن وذكرك محاسنهن ومناقبهن من معرفة سائر النساء\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٥/ ٢٠٧).","vol":"9","page":735},{"text":"بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُويلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ محمَّدٍ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْن\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٧٨].\n٦١٩١ - [٨] وَعَن عَائِشَةَ: أَنَّ جِبْرِيلَ جَاءَ بِصُورَتِهَا فِي خِرْقَةِ حَرِيرٍ خَضْرَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"هَذِهِ زَوْجَتُكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٨٠].\n٦١٩٢ - [٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: بَلَغَ صَفِيَّةَ أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ: بِنْتُ يَهُودِيٍّ، فَبَكَتْ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ -ﷺ- وَهِيَ تَبْكِي فَقَالَ: \"مَا يُبْكِيكِ؟ \" فَقَالَتْ: قَالَتْ لِي حَفْصَةُ: إِنِّي ابْنَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"إِنَّكِ ابْنَةُ نَبِيٍّ، وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيٌّ، وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ،\nــ\nوذكر محاسنها، والخطاب عام أو خاص بأنسٍ.\nوقوله: (مريم بنت عمران) إلى آخرها يدل بظاهره على تساويهن في الفضل، وعلى التوقف في القول بتفضيل بعضها على بعض، ولم يذكر عائشة فيهن اكتفاءً بذكر فضلها وامتيازها في أحاديث أخر خصوصًا: (فضل عائشة على سائر النساء كفضل الثريد على سائر الطعام)، واللَّه أعلم.\n٦١٩١ - [٨] (عائشة) قوله: (في خرقة حرير خضراء) يدل -بناء على ما قالوا: إن السرقة تكون من حرير أبيض- أن القضية متعددة، أو يكون من اشتباه الراوي، واللَّه أعلم. وفي قوله: (والآخرة) بشارة لها -﵂- بالجنة وكل نساء النبي من أهل الجنة وليست البشارة مخصوصة بالعشرة من الأصحاب، كما بينا.\n٦١٩٢ - [٩] (أنس) قوله: (إنك لابنة نبي) وكانت صفية بن حيي بن أخطب اليهودي من سبط هارون وعمها موسى ﵉.","vol":"9","page":736},{"text":"فَفِيمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ؟ \" ثُمَّ قَالَ: \"اتَّقِي اللَّهَ يَا حَفْصَةُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ. [ت: ٣٨٩٤، ن في الكبرى: ٨٨٧٠].\n٦١٩٣ - [١٠] وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- دَعَا فَاطِمَةَ عَامَ الْفَتْحِ فَنَاجَاهَا فَبَكَتْ، ثُمَّ حَدَّثَهَا فَضَحِكَتْ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَأَلْتُهَا عَنْ بُكَائِهَا وَضَحِكِهَا. قَالَتْ (١): أَخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ يَمُوتُ فَبَكَيْتُ، ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنِّي سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَّا مَرْيَمَ بِنْتَ عِمْرَانَ فَضَحِكْتُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٧٣].\nــ\nوقوله: (ففيم تفخر؟) بفتح الخاء من باب منع، والفخر والافتخار: التمدح بالخصال والتفضل بها على الغير.\nفإن قلت: أليست حفصة ابنة بني إسماعيل لأنها قرشية، وعمُّها نبي وهو إسحاق، وتحت نبي، وهو النبي -ﷺ-؟ قلت: المراد هذه الصفات مشتركة بين نسائه -ﷺ- اللاتي من قريش، وصفية أيضًا مشاركة لهن فيها؛ لأن موسى وهارون من أولاد يعقوب بن إسحاق ﵈، أو المقصود دفع المنقصة عن صفية بأنها أيضًا تجمع صفات الفضل والكرم.\n٦١٩٣ - [١٠] (أم سلمة) قوله: (أنه يموت) أي: في هذا العام، أو عن قريب.\nوقوله: (إلا مريم بنت عمران) الاستثناء يحتمل التساوي، ويحتمل العكس في الفضل، وقيل: لعله ورد قبل أن يوحى إليه -ﷺ- بفضل فاطمة على نساء العالمين،\n_________\n(١) في نسخة: \"فَقَالَتْ\".","vol":"9","page":737},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1333> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٦١٩٤ - [١١] عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: مَا اسْتَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلَّا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٨٨٣].\n٦١٩٥ - [١٢] وَعَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَفْصَحَ مِنْ عَائِشَةَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٨٨٤].\n* * *\nــ\nواللَّه أعلم، فبعد هذا الوحي ظهر أن ما ورد في فضل مريم كان مخصوصًا بغير فاطمة قيد به، وذكر هذا الحديث في هذا الباب استطرادًا، وقيل: ذكره لبيان فضل مريم لأنها زوجة نبينا -ﷺ- في الجنة.\nالفصل الثالث\n٦١٩٤ - [١١] (أبو موسى) قوله: (ما استشكل) وفي بعض النسخ: (ما أشكل).\nوقوله: (أصحاب رسول اللَّه) بالنصب بتقدير أعني.\n٦١٩٥ - [١٢] (موسى بن طلحة) قوله: (ما رأيت أحدًا أفصح من عائشة) وكيف لا يكون كذلك، وهي جليسته وحبيبته -ﷺ-، وقد ابتلع لسانها (١)، وكفى به\n_________\n(١) انظر ما سلف برقم (٢٠٠٥)، من حديث عائشة: أن النبي -ﷺ- كان يقبِّلها وهو صائم ويمص لسانها.","vol":"9","page":738},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1334>١٢ - باب جامع المناقب</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1335> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٦١٩٦ - [١] عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنَّ فِي يَدِي سَرَقَةً مِنْ حَرِيرٍ، لَا أَهْوِي بِهَا إِلَى مَكَانٍ فِي الْجَنَّةِ إِلَّا طَارَتْ بِي إِلَيْهِ، فَقَصَصْتُهَا عَلَى حَفْصَةَ، فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: . . . . .\nــ\nفضلًا وكرامة وسببًا لفصاحتها.\n١٢ - باب جامع المناقب\nذكر فيه مناقب بعض الصحابة من غير تخصيص بطائفة منهم مخصوصة مترجمة بترجمة مخصوصة كالعشرة وأهل البيت والمهاجرين والأنصار.\nالفصل الأول\n٦١٩٦ - [١] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (سرقة) أي: قطعة، وسبق معناه في الباب السابق.\nوقوله: (لا أهوي بها إلى مكان) بكسر الواو هوى يهوي من ضرب هَوِيًّا بالفتح مشددًا: إذا هبط، وهُويًا بالضم: إذا صعد، ولم يفرق بينهما صاحب (العين)، وجعلهما لغتين، ويجيء بمعنى الإسراع، هوت الناقة: أسرعت، ومنه: ﴿تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ [الحج: ٣١] أي: تمر به في سرعة، وبمعنى السقوط، هوى الشيء: سقط، والعقاب: انقضت على صيد أو غيره.\nوالباء في (إلا طارت بي) للتعدية، والمعنى: لا أقصد ولا أريد الهبوط والصعود إلى مكان في الجنة إلا كانت تلك السرقة مطيرة بي ومبلّغة إياي إلى ذلك المكان،","vol":"9","page":739},{"text":"\"إِنَّ أَخَاكِ رَجُلٌ صَالحٌ\" أَوْ: \"إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالحٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٧٠١٥، ٢٤٧٨].\n٦١٩٧ - [٢] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: إِنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ دَلًّا وَسَمْتًا وَهَدْيًا بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. . . . .\nــ\nفكأنها صارت مثل جناح الطير.\nوقوله: (إن أخاك رجل صالح) أي: يبلغ صلاحه إلى ما يريد الوصول إلى المنازل الشريفة، ويصلح ويستعد للبلوغ إلى الكمالات والمقامات في الجنة.\n٦١٩٧ - [٢] (حذيفة) قوله: (دلًّا وسمتًا وهديًا) الدل بفتح دال وشدة لام، والسمت بفتح السين وسكون الميم، والهدي بفتح الهاء وسكون الدال، ومنه: (رأيت امرأة أعجبني دلُّها) أي: حسن هيئتها، وقيل: حسن حديثها، كأنه مأخوذ مما يدل ظاهر حاله على حسن سريرته، وفي (القاموس) (١): الدل كالهدي: وهما من السكينة والوقار وحسن المنظر، وفي (مجمع البحار) (٢): الدل: الشكل والشمائل، والسمت: الطريق القصد، ويستعار لطريق أهل الخير، وفي الحديث: (ويتسمت في ملاءته)، أي: يلزم طريقة أهل الخير في اشتمال الملحفة، وفي (القاموس) (٣): السمت: الطريق وهيئة أهل الخير، والهدي: الطريقة والسيرة والهيئة.\nوفي الحديث: (الهدي الصالح والسمت الصالح جزء من خمسة وعشرين من النبوة)، يعني أن هذه الخلال من شمائل الأنبياء، وجزء معلوم من أجزاء أفعالهم،\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٩٠٠).\n(٢) \"مجمع بحار الأنوار\" (٢/ ١٩٩، و٣/ ١١٥).\n(٣) \"القاموس\" (ص: ١٤٢، ١٢١٠).","vol":"9","page":740},{"text":"لِابْنُ أُمِّ عَبْدٍ مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى أَنْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ، لَا نَدْرِي مَا يَصْنَعُ فِي أَهْلِهِ إِذَا خَلَا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٦٠٩٧].\n٦١٩٨ - [٣] وَعَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: قَدِمْتُ أَنَا وَأَخِي مِنَ الْيَمَنِ، فَمَكَثْنَا حِينًا مَا نَرَى إِلَّا أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ -ﷺ- لِمَا نَرَى مِنْ دُخُولِهِ وَدُخُولِ أُمِّهِ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-. . . . .\nــ\nولا يريد أن النبوة تتجزى، وتخصيص هذا العدد مما يستأثر النبي -ﷺ- بمعرفته.\nوبالجملة الثلاثة المذكورة عبارة عن حالة الإنسان من السكينة والوقار، وحسن السيرة والطريق، واستقامة الهيئة، و(ابن أم عبد) هو عبد اللَّه بن مسعود، كانت أمه تكنى بأم عبد.\nوقوله: (لا ندري ما يصنع في أهله إذا خلا) جملة مستأنفة يريد: أنا نشهد له ما يستبين لنا من ظاهر حاله، ولا ندري ما بطن له، قال ذلك من غاية استغراب طريقته وحاله وحسنه وكماله، وأن هذه الطريقة والحال هل يستمر في أهله في الخلوة لأن الإنسان قد يتكلف في الظاهر عند الناس ولا يستقيم له ذلك في الباطن والخلوة بالأهل، وفي هذا غاية المبالغة في حسن حاله وطريقته بأن الاستقامة على مثل هذه الحال مما يصعب ويتعذر في الخلوة والملأ، مع ما كان عند حذيفة -﵁- من خوف التكلف والتصنع والنفاق، وعنده علم المنافقين، وقد كان عمر -﵁- يسأله: يا حذيفة هل تجد فينا من علامات النفاق، فافهم.\n٦١٩٨ - [٣] (أبو موسى الأشعري) قوله: (ما نرى) بضم النون، أي: نظن، وهو حال من فاعل (مكثنا).\nوقوله: (لما نرى من دخوله) بفتح النون، وكان رسول اللَّه -ﷺ- أذن له أن يدخل","vol":"9","page":741},{"text":"مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٦٣، م: ٢٤٦٠].\n٦١٩٩ - [٤] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"اسْتَقْرِؤُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ: مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَسَالِمِ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٦٠، م: ٢٤٦٤].\n٦٢٠٠ - [٥] وَعَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: قَدِمْتُ الشَّامَ فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قُلْتُ: اللهُمَّ يَسِّرْ لِي جَلِيسًا صَالِحًا، فَأَتَيْتُ قَوْمًا فَجَلَسْتُ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا شَيْخٌ قَدْ جَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَى جَنْبِي، قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: أَبُو الدَّرْداءِ. قُلْتُ: إِنِّي دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ لِي جَلِيسًا صَالِحًا فَيَسَّرَكَ لِي، فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ. قَالَ: أَوَ لَيْسَ عنْدكُمْ ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ صَاحِبُ النَّعْلَيْنِ وَالْوِسَادَةِ وَالْمِطْهَرَةِ،\nــ\nعليه إذا رأى واحدًا أو اثنين عنده.\n٦١٩٩ - [٤] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (استقرؤوا) أي: اطلبوا قراءة القرآن وتعلموه منهم.\n٦٢٠٠ - [٥] (علقمة) قوله: (من أنت؟) قيل: صوابه: مِن أين أنت؟ لقوله في الجواب: (من أهل الكوفة)، ولعل لفظ أين سقطت من القلم أو من بعض الرواة، أو صحِّف أين بـ (أنت)، ومن الجارة بـ (مَن) الاستفهامية، انتهى.\nويحتمل -واللَّه أعلم- أنه أسقط نفسه من مرتبة التعيين حتى يقول: أنا فلان، بل قال: أنا رجل من الكوفة.\nوقوله: (صاحب النعلين والوسادة والمطهرة) بكسر الميم وسكون الطاء، يعني","vol":"9","page":742},{"text":"وَفِيكُمُ الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ عَلَى لِسَانِ نبَيِّهِ؟ يَعْنِي عَمَّارًا، أَوَ لَيْسَ فِيكُمْ صَاحِبُ السِّرِّ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ؟ يَعْنِي حُذَيْفَةَ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٤٢].\n٦٢٠١ - [٦] وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"أُرِيْتُ الْجَنَّةَ فَرَأَيْتُ امْرَأَةَ أَبِي طَلْحَةَ، وَسَمِعْتُ خَشْخَشَةً أَمَامِي فَإِذَا بِلَالٌ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٥٧].\nــ\nكانت هذه الأشياء عنده كما يكون عند الخدام، والمقصود كونه خادمًا وملازمًا لرسول اللَّه -ﷺ- في الحالات كلها في المجالس والخلوات.\nوقوله: (أجاره اللَّه من الشيطان على لسان نبيه) فإنه -ﷺ- سماه طيِّبًا مطيَّبًا، وبشره بالجنة، ودعا له حين حرقه المشركون بقوله: (يا نار كوني بردًا وسلامًا على عمار كما كنت على إبراهيم)، ولا يَبعد أن يكون قوله -ﷺ-: (يقتلك الفئة الباغية، تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار) أيضًا في معنى إجارة اللَّه إياه من الشيطان باتباعه سبيل الهدى واستقامته على طريق الحق، ولم نجد الآن ما يدل على صريح ما يدل بلفظه على ذلك، واللَّه أعلم.\nوقوله: (يعني حذيفة) وكان -﵁- صاحب سر رسول اللَّه -ﷺ- وعنده علم المنافقين.\n٦٢٠١ - [٦] (جابر) قوله: (وسمعت خشخشة) في (القاموس) (١): الخشخشة: صوت السلاح، وكل شيء يابس إذا حُكَّ بعضُه ببعض.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٥٣٣).","vol":"9","page":743},{"text":"٦٢٠٢ - [٧] وَعَنْ سَعْدٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- سِتَّةَ نَفَرٍ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: اطْرُدْ هَؤُلَاءِ لَا يَجْتَرِئونَ عَلَيْنَا. قَالَ: وَكُنْتُ أَنَا وَابْنُ مَسْعُودٍ وَرَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ وَبِلَالٌ وَرَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ فِي نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤١٣].\n٦٢٠٣ - [٨] وَعَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لَهُ: \"يَا أَبَا مُوسَى! لَقَدْ أُعْطِيْتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٥٠٤٨، م: ٧٩٣].\nــ\n٦٢٠٢ - [٧] (سعد) قوله: (اطرد هؤلاء) أي: ادفعهم وبعِّدهم وأقمهم عن مجلسك نحادثك.\nوقوله: (ورجلان) قيل: هما خباب وعمار، وإنما قال: (لست أسميهما) لمصلحة في ذلك عند الرواية، وقيل: للنسيان، والأول أظهر من العبارة، كذا نقل عن (الأزهار).\nوقوله: (فحدث نفسه) يعني: أراد أن يطردهم طمعًا في إيمان المشركين واستمالة لقلوبهم، وورد أنه -ﷺ- قال: (ما أنا بطارد الذين آمنوا)، ثم رأى أن ينحيهم إذا جاؤوا فنزلت.\n٦٢٠٣ - [٨] (أبو موسى) قوله: (لقد أعطيت مزمارًا من مزامير آل داود) والمزمار بالكسر: آلة الزمر، وهو التغني، في (القاموس) (١): زمر يزمُر ويزمِر زَمْرًا\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٣٦١).","vol":"9","page":744},{"text":"٦٢٠٤ - [٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَرْبَعَةٌ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو زَيْدٍ، قِيلَ لأَنسٍ: مَنْ أَبُو زَيْدٍ؟ قَالَ: أَحَدُ عُمُومَتِي. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨١٠، م: ٢٤٦٥].\nــ\nوزَمِيرًا: غنى في القصب، أطلق هنا على الصوت الحسن، ولفظ (آل) مقحمة؛ لأن الذي اشتهر بحسن الصوت هو داود ﵇ نفسه لا آله، وقيل: (آل) هنا بمعنى الشخص، وعده في (القاموس) (١) من معنى الآل.\n٦٢٠٤ - [٩] (أنس) قوله: (جمع القرآن أربعة) أي: من الأنصار، بل من بين الخزرج منهم، وهم رهط أنس، قاله لما افتخرت الأوس بأربعة، منهم حنظلة الذي هو غسيل الملائكة، وعاصم بن ثابت الذي حمته الدَّبْر، وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين، وسعد بن معاذ الذي اهتز له العرش، فقالوا: منا أربعة الذين هم جمعوا القرآن على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، كذا قال الشيخ التُّوربِشْتِي (٢)، ولو عمم فليس فيه تصريح بأن غير الأربعة لم يجمعه؛ لأن مفهوم العدد غير معتبر كما قيل، وقد ثبت حفظ كثير من الصحابة منهم السبعون الذين قتلوا يوم اليمامة وغيرهم، وتمام الكلام فيه في (الإتقان) (٣) للسيوطي.\nوقوله: (وأبو زيد) الأنصاري، اختلف في اسمه، فقيل: سعد بن عمرو، وقيل: قيس بن السكن، والعمومة جمع العم كالأعمام والأَعُمِّ، كذا في (القاموس) (٤).\n_________\n(١) المصدر السابق (ص: ٨٦٧).\n(٢) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٣٤٥).\n(٣) \"الإتقان في علوم القرآن\" (١/ ٢٠٢).\n(٤) \"القاموس\" (ص: ١٠٣٩).","vol":"9","page":745},{"text":"٦٢٠٥ - [١٠] وَعَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نَبْتَغِي وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا مِنْهُمْ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مَا يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا نَمِرَةٌ، فَكُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا رَأْسَهُ خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"غُطُّوا بِهَا رَأْسَهُ وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ\". وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ. . . . .\nــ\n٦٢٠٥ - [١٠] (خباب بن الأرت) قوله: (عن خباب) بفتح المعجمة وتشديد الموحدة الأولى (ابن الأرت) بفتح الهمزة وتشديد المثناة الفوقية.\nوقوله: (لم يأكل من أجره شيئًا) كناية عن الغنائم التي تناولها من أدرك زمن الفتوح، أي: عُجِّل إليه بعض ثوابه وأجره. و(النمرة) بفتح النون وكسر الميم: شملة فيها خطوط بيض وسوداء، وبردة من صوف يلبسها الأعراب، والنَّمُرة بالضم: النكتة من أيّ لون كان، وبه سمي السبع المعروف، وفي (مختصر النهاية) (١): كل شملة من مآزر الأعراب، وفي (المشارق) (٢): هي شملة مخططة من صوف، وقيل: فيها أمثال الأهلة، وقيل: المرافق.\nوقوله: (من أينعت له ثمرته) أي: أدركت وطابت، أينع الثمر يونع ويَنَع يَيْنع فهو مونعٌ ويانعٌ: إذا أدرك ونضج، كذا في (مجمع البحار) (٣)، وفي (القاموس) (٤):\n_________\n(١) انظر: \"النهاية\" (٥/ ١١٨).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٣).\n(٣) \"مجمع بحار الأنوار\" (٥/ ٢٠٦).\n(٤) \"القاموس\" (ص: ٧٠٠).","vol":"9","page":746},{"text":"فَهُوَ يَهْدِبُهَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٢٧٦، ٣٨٩٨، م: ٩٤٠].\n٦٢٠٦ - [١١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ\". وَفِي رِوَايَةٍ (١): \"اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨٠٣، م: ٢٤٦٦].\n٦٢٠٧ - [١٢] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حُلَّةُ حَرِيرٍ، فَجَعَلَ أَصْحَابُهُ يَمَسُّونَهَا وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ لِينِهَا،\nــ\nينع الثمر كمنع وضرب يَنْعًا ويُنوعًا: حان قطافه، كأينع، واليانع: الثمر الناضج.\nوقوله: (يهدبها) بالدال المهملة المسكورة، كذا في (الصحاح) (٢)، وضبطه النووي بضم الدال، وحكى ابن التين تثليثها، أي: يجتنيها، هدب الثمرة: اجتناها.\n٦٢٠٦ - [١١] (جابر) قوله: (اهتز العرش لموت سعد) قيل: اهتزازه كناية عن فرحه ونشاطه بقدوم روحه إليه، وذلك إما حقيقة أو مجاز، والأول هو الصواب، فقد جعل اللَّه تعالى في الجمادات علمًا وتمييزًا، كما في قوله: (أحد جبل يحبنا ونحبه) إن جعل ذلك أيضًا حقيقة، وقيل: المراد فرح أهله، وقيل: جعل حركته علامة للملائكة على موته، وقيل: اهتزازه كناية عن عظم شأن وفاته، كما يقال: قامت القيامة بموت فلان، وقيل: اهتزازه لفقده ومصيبته كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ﴾ [الدخان: ٢٩]، وقد سبق الكلام فيه في أوائل الكتاب في (الفصل الثالث) من (باب إثبات عذاب القبر).\n٦٢٠٧ - [١٢] (البراء) قوله: (ويتعجبون من لينها) وجاء في رواية: (وكانوا\n_________\n(١) زاد بعده في نسخة: \"قال\".\n(٢) \"الصحاح\" (١/ ٢٣٧).","vol":"9","page":747},{"text":"فَقَالَ: \"أَتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هَذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الجنَّةِ خيرٌ مِنْهَا وَأَلْيَنُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨٠٢، ٢٤٦٨].\n٦٢٠٨ - [١٣] وَعَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَنَسٌ خَادِمُكَ ادعُ اللَّهَ لَهُ، قَالَ: \"اللهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْتَهُ\" قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللَّهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ، وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِئَةِ الْيَوْمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ١٩٨٢، م: ٢٤٨٠].\n٦٢٠٩ - [١٤] وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ لأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ: \"إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ\" إِلَّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨١٢، م: ٢٤٨٣].\nــ\nيقولون: أنزلت عليه من السماء) لغاية تعجبهم وعدم رؤيتهم مثل ذلك قط.\nوقوله: (لمناديل) هو جمع منديل بكسر الميم وفتحها وكمنبر: الذي تندل به اليد، أي: تمسح، وتمندل: تمسَّح، وأصله من الندل، وهو الوسخ، ندلت يده كفرح، وفي ذكر المناديل دون سائر الثياب مبالغة لا تخفى.\n٦٢٠٨ - [١٣] (أم سليم) قوله: (إن مالي لكثير) وفي رواية: (وإن أرضي لتثمر في السنة مرتين).\nوقوله: (ولدي وولد ولدي) وفي رواية: أنه قال: رزقت من صلبي سوى ولد ولدي مئة وخمسة وعشرين، وقالت بنته: دفنت من أولاده الصلبية نحو مئة، وتمامه في ترجمته.\n٦٢٠٩ - [١٤] (سعد بن أبي وقاص) قوله: (ما سمعت النبي -ﷺ- يقول لأحد)","vol":"9","page":748},{"text":"٦٢١٠ - [١٥] وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، فَدَخَلَ رَجُلٌ عَلَى وَجْهِهِ أَثَرُ الْخُشُوعِ، فَقَالُوا: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَجَوَّزَ فِيهِمَا، ثُمَّ خَرَجَ وَتَبِعْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّكَ حِينَ دَخَلْتَ الْمَسْجِدَ قَالُوا: هَذَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. قَالَ: وَاللَّهِ مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ،\nــ\nالحديث، نفي سماعه لا يدل على نفي البشارة لغيره، فقد ثبت للعشرة ولغيرهم، كما ذكرنا، وقيل: قال سعد هذا القول بعد موت المبشَّرين، وكان عبد اللَّه بن سلام حينئذ باقيًا ولم يكن إذ ذاك إلا سعد وسعيد، ولم يذكر نفسه لنفي التزكية، ولم يسمع لسعيد خبر في ذلك، وأنه أراد هذا القائل بـ (أحد يمشي في الأرض) مَن كان حيًا في هذا الوقت وماشيًا فيه، والظاهر أنه للعموم والتأكيد، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود: ٦]، ووقع عند الدارقطني (١): (ما سمعت النبي -ﷺ- يقول لحي يمشي: إنه من أهل الجنة)، فتدبر.\n٦٢١٠ - [١٥] (قيس بن عباد) قوله: (وعن قيس بن عباد) بضم العين وتخفيف الموحدة.\nوقوله: (تجوز فيهما) أي: خفَّفهما، في (القاموس) (٢): تجوز في الصلاة: خفف، وفي الكلام: تكلم بالمجاز.\nوقوله: (واللَّه ما ينبغي لأحد أن يقول ما لا يعلم) الظاهر أن المراد تصديقه إياهم فيما قالوا، يعني أنهم لما قالوا ذلك لابد أن يكون لهم علم بذلك، وأنا أيضًا\n_________\n(١) لم أجده في \"سنن الدارقطني\"، وأخرجه أبو يعلى في \"مسنده\" (٧٧٦).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٤٥٦).","vol":"9","page":749},{"text":"فَسَأُحَدِّثُكَ لِمَ ذَاكَ؟ رَأَيْتُ رُؤْيَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ، وَرَأَيْتُ كَأَنِّي فِي رَوْضَةٍ -ذَكَرَ مِنْ سَعَتِهَا وَخُضْرَتِهَا- وَسْطَهَا عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ، أَسْفَلُهُ فِي الأَرْضِ وَأَعْلَاهُ فِي السَّمَاءِ، فِي أَعْلَاهُ عُرْوَةٌ فَقِيلَ لِيَ: ارْقَهْ، فَقُلْتُ: لَا أَسْتَطِيعُ، فَأَتَانِي مِنْصَفٌ فَرَفَعَ ثِيَابِي مِنْ خَلْفِي فرقِيتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَعْلَاهُ، فَأَخَذْتُ بِالْعُرْوَةِ فَقِيلَ: اسْتَمْسِكْ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَإِنَّهَا لَفِي يَدِي، فَقَصَصْتُهَا عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: \"تِلْكَ الرَّوْضَةُ الإِسْلَامُ، وَذَلِكَ الْعَمُودُ عَمُودُ الإِسلَامِ،\nــ\nأعلم شيئًا من ذلك، وهو أني (رأيت رؤيا)، الحديث، فهؤلاء إما علموا ذلك من هذه الرؤيا التي قصصتها على رسول اللَّه -ﷺ-، وهم سمعوها أو علموا من طريق آخر، وهذا مبني على أنه لم يسمع حديث سعد وهم سمعوه، ويحتمل أنه كره الثناء عليه تواضعًا وكراهة أن يشار إليه بالأصابع، فتوقف في خبرهم مع شيء من الإنكار، ويكون المقصد من قوله: (فسأحدثك لم ذاك؟) أن الذي وقع من ذلك هو هذه الرؤيا، وهو ليس بدليل قطعي، وهذا أيضًا تواضع وهضم للنفس وإلا فلا محل للشك والإنكار بعد ما قال رسول اللَّه -ﷺ-: (فأنت على الإسلام حتى تموت).\nوقيل: الأولى أن يقال: إنما أنكر لأنهم لم يسمعوا ذلك صريحًا بل قالوه استدلالًا واجتهادًا، فهو في مشيئة اللَّه تعالى، فتدبر.\nوقوله: (وسطها) بسكون السين منصوب على الظرفية.\nوقوله: (في أعلاه عروة) العروة في الأصل للدلو والكوز: مقبضهما، ويستعار لما يوثق به ويعول عليه، وهو المراد هنا. و(ارقه) أمر من رَقِيَ يرقى كسمع يسمع، والهاء للسكت أو ضمير عائد إلى العمود. و(المنصف) بكسر الميم وفتح الصاد المهملة،","vol":"9","page":750},{"text":"وَتِلْكَ العُرْوَةُ الْعُرْوَةُ الْوُثْقَى، فَأَنْتَ عَلَى الإِسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ\"، وَذَاكَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٨١٣، م: ٢٤٨٤].\n٦٢١١ - [١٦] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ خَطِيبَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، جَلَسَ ثَابِتٌ فِي بَيْتِهِ وَاحْتَبَسَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَسَأَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فَقَالَ: \"مَا شَأْنُ ثَابِتٍ أَيَشْتَكِي؟ \" فَأَتَاهُ سَعْدٌ فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ ثَابِتٌ: . . . . .\nــ\nويقال: بفتح الميم، والكسر أشهر بمعنى الخادم، من نَصَفْتُه: إذا خدمته، والنَّصْف كالضرب: الخدمة، وفي حديث داود ﵇: (دخل المحراب وأقعد على الباب مِنْصفًا).\nوقوله: (تلك العروة العروة الوثقى) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وجاء في رواية أخرى: (يموت عبد اللَّه وهو آخذ بالعروة الوثقى) (١).\nوقوله: (وذلك الرجل عبد اللَّه بن سلام) الظاهر أنه من قول قيس بن عباد، وقيل: هو قول عبد اللَّه بن سلام، ولا مانع من أن يخبر به عن نفسه، ولكن هذا لا يلائم سَوق الحديث.\n٦٢١١ - [١٦] (أنس) قوله: (ابن شماس) بفتح الشين وتشديد الميم في آخره مهملة.\n_________\n(١) \"صحيح البخاري\" (٧٠١٠).","vol":"9","page":751},{"text":"أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَذَكرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١١٩].\n٦٢١٢ - [١٧] وَعَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- إِذْ نَزَلَتْ سُورَةُ الْجُمُعَةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] قَالُوا: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَفِينَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ قَالَ: فَوَضَعَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ، ثُمَّ قَالَ: \"لَوْ كَانَ الإِيمَانُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ هَؤُلَاءِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٨٩٧، م: ٢٥٤٦].\nــ\nوقوله: (فأنا من أهل النار) رتب في نص القرآن حَبْط العمل على رفع الصوت على صوت النبي -ﷺ-، وهو من خواص الردة وأهل النار.\nوقوله: (بل هو من أهل الجنة) وجاء في رواية أخرى: (أما ترضى يا ثابت أن تعيش حميدًا فتقتل شهيدًا وتدخل الجنة)، ووقع مصداق ذلك أنه قتل باليمامة شهيدًا، وقال أنس -﵁-: لما كان يوم قتال مسيلمة الكذاب تحنط ولبس كفنه، فقاتل حتى قتل في كفنه.\n٦٢١٢ - [١٧] (أبو هريرة) قوله: (قال) أي: الراوي.\nوقوله: (لو كان الإيمان عند الثريا. . . إلخ)، وفي رواية: (لو كان الدين معلقًا بالثريا لناله رجل أو رجال من فارس) على شك الراوي، فإن كانت الرواية (رجل) فالمراد سلمان، وإن كانت (رجال) فالمراد هو وأضرابه من أهل فارس أو من العجم مطلقًا، والمقصد أن المراد بالذين لم يلحقوا بهم أهل العجم من التابعين لحقوا بالصحابة، وأكثر التابعين من أهل العجم، والصحابة من العرب، ولقد ظهر بسطة","vol":"9","page":752},{"text":"٦٢١٣ - [١٨] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اللهُمَّ حَبِّبْ عُبَيْدَكَ هَذَا\" يَعْنِي أَبَا هُرَيْرَةَ \"وَأُمَّهُ إِلَى عِبَادِكَ الْمُؤْمِنِينَ، وَحَبِّبْ إِلَيْهِم الْمُؤمنِينَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٩١].\n٦٢١٤ - [١٩] وَعَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو: أَن أَبَا سُفْيَان أَتَى عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبِلَالٍ فِي نَفَرٍ فَقَالُوا: مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللَّهِ مِنْ عُنُقِ عَدُوِّ اللَّهِ مَأْخَذَهَا. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: . . . . .\nــ\nالعلم والاجتهاد في التابعين ما لم يظهر في غيرهم.\n٦٢١٣ - [١٨] (وعنه) قوله: (اللهم حبب) أمر من التفعيل، أي: اجعله محبوبًا.\nوقوله: (وحبب إليهم المؤمنين) هكذا بضمير الجمع في نسخ (المشكاة) و(صحيح مسلم)، وذلك إما باعتبار أن أقل الجمع اثنان، أو المراد أهلهما وأولادهما من ينسب إليهما، أو تنزيلًا لهما منزلة الجماعة كتنزيل إبراهيم منزلة الأمة، وقد جعل في نسخة مصححة: (إليهما) بضمير التثنية بعد ما كان في أصل النسخة: (إليهم) بضمير الجمع، ولعله من تصرف الناسخ من غير مراجعة إلى الأصول، واللَّه أعلم.\n٦٢١٤ - [١٩] (عائذ بن عمرو) قوله: (وعن عائذ) بالذال المعجمة بلفظ اسم الفاعل من العوذ.\nوقوله: (إن أبا سفيان أتى) هذا الإتيان كان من أبي سفيان وهو كافر بعد صلح الحديبية لما نقض المشركون العهد، فأتى أبو سفيان المدينة ليجدد العهد، فأعرض عنه رسول اللَّه -ﷺ- ولم يقبل ذلك، فرجع إلى مكة خائبًا خاسرًا، فجاء رسول اللَّه -ﷺ- لفتح مكة.","vol":"9","page":753},{"text":"أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ؟ فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: \"يَا أَبَا بَكْرٍ لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ\" فَأَتَاهُمْ فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهْ أَغْضَبْتُكُمْ؟ قَالُوا: لَا، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَخِي. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٠٤].\n٦٢١٥ - [٢٠] وَعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"آيَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، وَآيَةُ النِّفَاقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٨٤، م: ٧٤].\nــ\nوقوله: (أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟) لعله قال ذلك دفعًا لإثارة الشر وتأليفًا لقلبه.\nوقوله: (فأتى) أي: أبو بكر، (فقال: يا أبا بكر لعلك أغضبتهم. . . إلخ)، وفي رواية: (أدرك يا أبا بكر فإنك إن آذيتهم فقد آذيت رب العرش)، أو كما قال.\n(قالوا: لا) نفي لإغضابه إياهم، و(يغفر اللَّه لك) دعاء له، وفيه شائبة توهم من ذلك، يعني وإن كان شيء من ذلك غفر اللَّه لك وتجاوز عنك. و(يا أخي) يروى مصغرًا ومكبرًا، والظاهر: يا أخانا، ولعله حكاية قول كل أحد، أو قال ذلك واحد منهم، ونسبة القول إلى الكل على وتيرة قولهم: قتله بنو فلان، وفيه من تعظيم شأن الفقر والفقراء واستغنائهم وسطوتهم ما لا يخفى، وإن الصحابة كلهم كانوا سواء في أخوة الإسلام.\n٦٢١٥ - [٢٠] (أنس) قوله: (آية الإيمان حب الأنصار) جمع ناصر أو نصير، واللام للعهد، والمراد أنصار رسول اللَّه -ﷺ- من الأوس والخزرج، وقد صار علمًا لهم، وأطلق على أولادهم وحلفائهم ومواليهم، وكان نصرتهم وإيواؤهم النبي -ﷺ- موجبًا لمعاداة كفار العرب والعجم إياهم، فلذا جاء التحذير عن بغضهم، والترغيب","vol":"9","page":754},{"text":"٦٢١٦ - [٢١] وَعَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"الأَنْصَارُ لَا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنَافِقٌ، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٨٤، م: ٧٥].\n٦٢١٧ - [٢٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: إِنَّ ناسًا مِنَ الأَنْصَارِ قَالُوا حِينَ أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ -ﷺ- مِنْ أَمْوَالِ هَوَازِنَ مَا أَفَاءَ فَطَفِقَ يُعْطِي رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ الْمِئَةَ مِنَ الإِبِلِ، فَقَالُوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؛ يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَدَعُنَا وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ،\nــ\nفي حبهم.\n٦٢١٦ - [٢١] (البراء) قوله: (لا يحبهم إلا مؤمن) حصر محبتهم في المؤمنين، فلذلك صارت علامة للإيمان، وكذا بغضهم.\n٦٢١٧ - [٢٢] (أنس) قوله: (ما أفاء) في هذا الإبهام تفخيم وتكثير لما أفاء، فإن الفيء الحاصل منهم كان عظيمًا كثيرًا مما لا يعدُّ ولا يحصى، وجاء في الروايات: ستة آلاف من السبي، وأربع وعشرون [ألفًا من] الإبل، وأربعة آلاف أوقية من الفضة، وأكثر من أربعين ألف شاة، وفي رواية: كان كثرة الشياه على حد يفوته الحصر.\nوقوله: (يعطي رجالًا من قريش) وهم أهل مكة من مُسلمة الفتح المؤلفة القلوب، أي: يعطي كل واحد منهم المئة من الإبل أكثر وأكثر من ذلك، كما جاء في الأخبار.\nوقوله: (وسيوفنا تقطر من دمائهم) من باب القلب، وفيه من المبالغة","vol":"9","page":755},{"text":"فَحُدِّثَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِمَقَالَتِهِمْ، فَأَرْسَلَ إِلَى الأَنْصَارِ فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، وَلَمْ يَدْعُ مَعَهُمْ أَحَدًا غَيْرَهُمْ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكُمْ؟ \"، فَقَالَ فُقَهَاؤُهُمْ: أَمَّا ذَوُو رَأْيِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمْ يَقُولُوا شَيْئًا، وَأَمَّا أُناسٌ مِنَّا حَدِيثةٌ أَسْنَانُهُمْ قَالُوا: يَغْفِرُ اللَّهُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يُعْطِي قُرَيْشًا وَيَدَعُ الأَنْصَارَ وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنِّي أُعطِي رِجَالًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفُهُمْ، أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالأَمْوَالِ وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-\". قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رَضِينَا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣١٤٧، م: ١٠٥٩].\nــ\nما لا يخفى، كقوله:\nكما طيَّنْتَ بالفَدَنِ السِّيَاعا (١)\nويجوز أن يكون التقدير: تقطر منها، ويكون (من دمائهم) فاعل (تقطر)، و(من) زائدة أو تبعيضيه، فلا يكون قلبًا.\nوقوله: (من أدم) بفتحتين: الجلد، وكذا الأديم، أو هو أحمره أو مدبوغه، والأدم اسم للجمع، كذا في (القاموس) (٢).\nوقوله: (ولم يدع) بفتح الدال وجزم العين، أو سكون الدال ورفع العين.\n_________\n(١) الفدن: القصر، والسياع: الطين، والبيت للقطامي يصف ناقة، وصدره:\nفلما أن جرى سِمَنٌ عليها\nانظر: \"مغني اللبيب\" (ص: ٩١٣).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٩٦٩).","vol":"9","page":756},{"text":"٦٢١٨ - [٢٣] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَءًا مِنَ الأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ وَادِيًا أَوْ شِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ،\nــ\n٦٢١٨ - [٢٣] (أبو هريرة) قوله: (لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار) أي: لولا فضيلة الهجرة وشرافة نسبتها لانتسبت إلى الأنصار وديارهم ولانتقلت عن اسم المهاجرين إلى الأنصار.\nوفيه بيان إكرام الأنصار، وفضل نسبة النصرة، ومع ذلك فيه إشارة إلى أفضلية الهجرة وجلالة رتبة المهاجرين، لأنهم هجروا الأوطان وتركوا الأموال والأهل والأولاد نصرة للَّه ورسوله، والنصرة والإيثار والإيواء فضيلة كاملة، لكنهم ساكنون في أوطانهم وأحبائهم، فلا فضل بعد الهجرة إلا للنصرة، ولا بعد المهاجرين إلا للأنصار.\nوقيل: المراد: إني إنما أمتاز عنهم بالهجرة، ولولا الهجرة لكنت داخلًا فيهم ومساويًا لهم ومثلهم، وفيه تواضع عظيم ورفع لمنزلتهم.\nوقوله: (ولو سلك الناس واديًا) الحديث، الوادي: مفرج بين جبال أو تلال أو آكام، والجمع أوداء وأودية، و(الشعب) بكسر الشين: الطريق في الجبل ومسيل الماء في بطن [أرضٍ]، أو ما انفرج بين الجبلين، وقد يقال: أراد بالوادي والطريق الرأي والمذهب، يريد حسن موافقتهم لما شهد منهم من حسن الوفاء وحسن الجوار، لا اتِّباعه لهم لأنه المتبوع المطلق، والناس كلهم أتباع له، و(الشعار) ما يلي الجسد من الثياب لِلُصوقهِ بالشعر، شبه الأنصار به لاتصالهم به، وقربتهم إليه -ﷺ-، و(الدثار) ما فوقه كالرداء، تدثر بالثوب: اشتمل به.","vol":"9","page":757},{"text":"إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٤٣٣٠].\n٦٢١٩ - [٢٤] وَعَنْهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ: \"مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ\". فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ. . . . .\nــ\nوقوله: (إنكم سترون بعدي أثرة) بفتح الهمزة والمثلثة، وبضم الهمزة وسكون المثلثة، وقد تفتح، اسم من آثر يؤثر لمعنى الاستئثار والاختيار، أي: يُستأثر عليكم في أمور الدنيا ويفضَّل عليكم غيركم، أي: أمراؤكم يفضلون عليكم في الإمارة من هو أدنى منكم، وقد وقع ذلك بعده -ﷺ- خصوصًا في زمن عثمان -﵁- ومن بعده.\nوقوله: (فاصبروا) على هذه الشدة والابتلاء ولا تخالفوهم، روي أنه قد جاء بعض الأنصار إلى معاوية شاكيًا من بعض المهاجرين فلم يُشْكِه، فقال الأنصاري: صدق رسول اللَّه -ﷺ-: (إنكم سترون بعدي أثرة)، فقال معاوية: فبماذا أمركم؟ قال: بالصبر، قال: فافعلوا ما أمرتم به واصبروا.\nوقوله: (حتى تلقوني على الحوض) بشارة لهم بالجنة جزاءً لصبرهم.\n٦٢١٩ - [٢٤] (عنه) قوله: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن) قاله يوم الفتح حين أسلم أبو سفيان، قال العباس: إنه رجل يحب الفخر فاجعل له شيئًا، فقال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، وقيل: إن أبا سفيان قد آمن رسولَ اللَّه -ﷺ- يومًا في داره في أيام موادعة قريش فكان ذلك مكافأة له منه -ﷺ-.\nوقوله: (فقالت الأنصار) القائل بذلك أناس منهم حديثة أسنانهم، والمراد ما عليه جَبِلة البشرية من الميل إلى العشيرة والأقارب، فنزل الوحي بما تقاولوا،","vol":"9","page":758},{"text":"وَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"قُلْتُمْ: أَمَّا الرَّجُلُ فَقَدْ أَخَذَتْهُ رَأْفَةٌ بِعَشِيرَتِهِ وَرَغْبَةٌ فِي قَرْيَتِهِ، كَلَّا إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، هَاجَرْتُ إِلَى اللَّهِ وإلَيْكُمْ، الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ\" قَالُوا: وَاللَّهِ مَا قُلْنَا إِلَّا ضِنًّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ. قَالَ: \"فَإِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُصَدِّقَانِكُمْ وَيُعْذِرَانِكُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ١٧٨٠].\n٦٢٢٠ - [٢٥] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَأَى صِبْيَانًا وَنِسَاءً مُقْبِلِينَ مِنْ عُرْسٍ، فَقَامَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ: . . . . .\nــ\nفقال رسول اللَّه -ﷺ-: (كلا) أي: ليس الأمر كما توهمتم من العمل بمقتضى البشرية، وأشار بقوله: (إني عبد اللَّه ورسوله) أن هاتين الصفتين تقتضيان أن لا أفعل إلا ما أمرني اللَّه به، ثم قال تسلية لهم: (هاجرت إلى اللَّه) أي: إلى ثوابه، (وإليكم) أي: إلى دياركم، (المحيا محياكم والممات مماتكم) أي: لا أفارقكم في الحياة والممات.\nوقوله: (إلا ضنًّا باللَّه ورسوله) الضِّنُّ والضِّنَّة بالكسر: البخل، من ضَنَّ يضن بالكسر والفتح.\nوقوله: (باللَّه) أي: بنعمته وفضله علينا، (وبرسوله) أي: بشرف جوارك وصحبتك خشية على ذلك بميلك إلى بلدك وأقاربك.\nوقوله: (يعذرانكم) بضم الياء وسكون العين من أعذره: إذا قبل اعتذاره، يعني: أن اللَّه تعالى قبل اعتذاركم وصدقكم فيما تقولون من دعوى الضنية.\n٦٢٢٠ - [٢٥] (أنس) قوله: (صبيانًا ونساء) من الأنصار.","vol":"9","page":759},{"text":"\"اللهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، اللهُمَّ أَنْتُمْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ\" يَعْنِي الأَنْصَارَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٨٥، م: ٢٥٠٨].\n٦٢٢١ - [٢٦] وَعَنْهُ قَالَ: مَرَّ أَبُو بَكْرٍ وَالْعَبَّاسُ بِمَجْلِسٍ من مجَالِس الأَنْصَار وهم يَبْكُونَ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكُمْ؟ فَقَالُوا: ذَكَرْنَا مَجْلِسَ النَّبِيِّ -ﷺ- مِنَّا، فَدَخَلَ أَحَدُهُمَا عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- وقَدْ عَصَّبَ عَلَى رَأْسِهِ حَاشِيَةَ بُرْدٍ فَصَعِدَ الْمِنْبَر وَلَمْ يَصْعَدْ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ. فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: \"أُوصِيكُمْ بِالأَنْصَارِ فَإِنَّهُمْ كَرِشِي وَعَيْبَتِي،\nــ\nوقوله: (اللهم) أي: أنت تعلم صدقي فيما أقول في حق الأنصار، ثم خاطبهم بقوله: (أنتم).\n٦٢٢١ - [٢٦] (أنس) قوله: (فقالوا: ذكرنا مجلس النبيّ) كان ذلك في مرضه -ﷺ-.\nوقوله: (فإنهم كرشي وعيبتي) الكرش بفتح الكاف وكسر الراء لكل مجتر: بمنزلة المعدة للإنسان، والعيبة بفتح العين المهملة وسكون المثناة وفتح الموحدة: ما يجعل فيه الثياب، وفي (القاموس) (١): زبيل من أدم، ومن الرجل: موضع سره، والمراد أنهم بطانته وموضع سره ومعتمده، واستعار الكرش والعيبة لذلك لأن المجتر يجمع علفه في كرشه، والرجل يضع ثيابه في عيبته، والعرب قد تكني عن القلب والصدر بالعيبة.\nوقيل: أراد أنهم جماعتي وصحابتي، يقال: كرش الناس لجماعة منهم، ومن\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١١٠).","vol":"9","page":760},{"text":"وَقَدْ قَضَوُا الَّذِي عَلَيْهِمْ، وَبَقِيَ الَّذِي لَهُمْ، فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٩٩].\n٦٢٢٢ - [٢٧] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ، حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: \"أَمَّا بَعْدُ! فَإِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَيَقِلُّ الأَنْصَارُ، حَتَّى يَكُونُوا فِي النَّاسِ بِمَنْزِلَةِ الْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ، فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ شَيْئًا يَضُرُّ فِيهِ قَوْمًا وَيَنْفَعُ فِيهِ آخَرِينَ، فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَلْيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٦٢٨].\nــ\nمعاني الكرش: عيال الرجل وصغار ولده.\nوقوله: (وقد قضوا الذي عليهم) إشارة إلى ما عاهدوا رسول اللَّه -ﷺ- في بيعة العقبة من النصرة، وبذل المهج والأموال بأن لهم الجنة، وهو المراد من قوله: (وبقي الذي لهم).\n٦٢٢٢ - [٢٧] (ابن عباس) قوله: (ويقل الأنصار) لأنه لا بدل لهم لأنهم الذين آووا رسول اللَّه -ﷺ- ونصروه، وهذا أمر قد انقضى زمانه، كذا قال التُّوربِشْتِي (١)، وقال الطيبي (٢): هذا المعنى قائم في حق المهاجرين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، فالظاهر أنه إخبار من رسول اللَّه -ﷺ- بكثرة المهاجرين وأولادهم، وتبسطهم في البلاد وتملكهم إياها بخلاف الأنصار، فإنه يقل وجودهم بموتهم وعدم بقاء أولادهم، وقد وقع ما أخبر، هذا تقرير الطيبي، ومع قطع النظر عن الأولاد يمكن أن يكون المراد كثرة وجود المهاجرين وبقاؤهم دون الأنصار، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٣٤٩).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٢/ ٣٣٥).","vol":"9","page":761},{"text":"٦٢٢٣ - [٢٨] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"اللهُمَّ اغْفِرْ لِلأَنْصَارِ وَلأَبْنَاءِ الأَنْصَارِ وَأَبْنَاءِ أَبْنَاءِ الأَنْصَارِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٠٦].\n٦٢٢٤ - [٢٩] وَعَنْ أَبِي أُسَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"خَيْرُ دُورِ الأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ، ثُمَّ بَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ بَنُو الْحَارِثِ بنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ بَنُو سَاعِدَةَ، وَفي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ خَيْرٌ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٨٩، م: ٢٥١١].\n٦٢٢٥ - [٣٠] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنَا. . . . .\nــ\n٦٢٢٣ - [٢٨] (زيد بن أرقم) قوله: (ولأبناء أبناء الأنصار) ظاهره تخصيص طلب المغفرة إلى مرتبتين: الأبناء وأبناء الأبناء، ولو حمل على آخر مراتب الأبناء بالغًا ما بلغ إلى مدة بقائهم لم يبعد، بل لو حمل الأبناء على معنى الأولاد كان له وجه.\n٦٢٢٤ - [٢٩] (أبو أسيد) قوله: (أبي أسيد) بصيغة التصغير، وقيل: بفتح همزة فمكسورة.\nوقوله: (وفي كل دور الأنصار) أي: قبائلهم، (خير) بمعنى أن الفضل حاصل في جميع قبائلهم وإن تفاوتت مراتبهم، فالخير في الأول بمعنى التفضيل، وفي الآخر بمعنى أصل الخيرية، في (الصراح) (١): خير نيكو ونيكوئي ونيكوتر.\n٦٢٢٥ - [٣٠] (علي) قوله: (أنا) من استعارة الضمير المرفوع للمنصوب،\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ١٧٥).","vol":"9","page":762},{"text":"وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ -وَفِي رِوَايَة: أَبَا مَرْثَدٍ بَدَلَ الْمِقْدَادِ- فَقَالَ: \"انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوا مِنْهَا\"، فَانْطَلَقْنَا تَتَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوْضَة، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ قُلْنَا لَهَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ، قَالَتْ: مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ. فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا، فَأَتَيْنَا بِهِ النَّبِيَّ -ﷺ- فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ. . . . .\nــ\nو(أبا مرثد) بفتح الميم وسكون الراء وفتح المثلثة. و(خاخ) بخائين معجمتين: موضع بقرب المدينة من جهة مكة، وخاخ يصرف ويمنع. و(الظعينة) المرأة في الهودج.\nوقوله: (تتعادى) أي: تسارع من العدو.\nوقوله: (لتخرجن) بكسر الجيم بلفظ المخاطبة من الإخراج، (أو لنلقين الثياب) بالنون بلفظ المتكلم من الإلقاء، كذا في نسخ (البخاري)، ويؤيده ما فيه في (باب من شهد بدرًا) بلفظ: (لتخرجن الكتاب أو لنجردنك)، وفي بعض النسخ: (لتلقين) بالتاء وكسر الياء وفتحها، أما الكسر فظاهر كما في (لتخرجن)، وأما الفتح فبلفظ الغائبة على طريقة الالتفات من الخطاب إلى الغيبة، كذا في الحواشي، وفي بعضها: (لتلقن) بحذف الياء.\nوقوله: (من عقاصها) بكسر العين جمع عقيصة وهي الضفيرة، وفي رواية: (من حجزتها) بضم المهملة وسكون الجيم وبالزاي، وهو معقد الإزار، وقد يجمع بينهما بأن عقاصها كانت طويلة بحيث تصل إلى حجزتها.\nوقوله: (من حاطب) بالحاء المهملة وكسر الطاء (ابن أبي بلتعة) بفتح الموحدة وسكون اللام وفتح المثناة.","vol":"9","page":763},{"text":"إِلَى نَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟ \" فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَكَانَ مَنْ مَعَك من الْمُهَاجِرين لَهُمْ قَرَابَةٌ يحْمُونَ بهَا أَمْوَالَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ بِمَكَّةَ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ فِيهِمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي وَلَا رِضًى بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ\"، فَقَالَ عُمَرُ: دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: . . . . .\nــ\nوقوله: (فإذا فيه: من حاطب) أي: مكتوب منه، وليست هذه العبارة كتبت في أول المكتوب، فافهم.\nوقوله: (إلى ناس من المشركين) الظاهر أنه من كلام الراوي، وضعه موضع إلى فلان وفلان، لأن حاطبًا كتب تطييبًا لقلوبهم واستمالة لها، فكيف يكتب إلى ناس من المشركين! .\nوقوله: (يخبرهم) حال منه، تقديره: كتب حاطب هذا حال كونه مخبرًا إياهم (ببعض أمر رسول اللَّه -ﷺ-) وهو توجهه إلى أهل مكة للفتح، ولم يعلم به أحدًا وكتمه.\nوقوله: (ملصقًا في قريش) أي: كنت حليفًا لهم، وقيل: كان عبدًا لهم.\nوقوله: (أن أتخذ) مفعول (أحببت)، والمراد باليد [يد] إنعام أو قدرة.\nوقوله: (فقال عمر: دعني يا رسول اللَّه أضرب عنق هذا المنافق) لعل في بيان القصة تقديمًا وتأخيرًا، لأن قول عمر هذا بعد تصديق رسول اللَّه -ﷺ- لحاطب فيما اعتذر به بعيد.","vol":"9","page":764},{"text":"\"إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمُ الْجَنَّةُ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ\" فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٦٢٥٩، م: ٢٤٩٤].\n٦٢٢٦ - [٣١] وَعَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: \"مَا تَعُدُّونَ أَهْلَ بَدْرٍ فِيكُمْ؟ \". قَالَ: \"مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِينَ\" أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا، قَالَ: \"وَكَذَلِكَ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. [خ: ٣٩٩٢].\n٦٢٢٧ - [٣٢] وَعَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنِّي لأَرْجُو أَنْ لَا يَدْخُلَ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ\". . . . .\nــ\nوقوله: (وما يدريك لعل اللَّه اطلع) أي: أيّ شيء يعلمك أنه مستحق للقتل، لعل اللَّه اطلع على أهل بدر، أي: نظر إليهم بنظر الرحمة والمغفرة، وأما الترجي فقيل: هو راجع إلى عمر؛ لأن وقوع هذا الأمر محقق عند رسول اللَّه -ﷺ-، وقيل: إن ذلك لئلا يتكل من شهد بدرًا على ذلك وينقطع عن العمل، والمراد بقوله: (اعملوا ما شئتم) إظهار العناية والترخص لهم في كل فعل، لا حقيقة الأمر بكل ما شاؤوا وإن كان حرامًا ومعصية.\n٦٢٢٦ - [٣١] (رفاعة بن رافع) قوله: (وعن رفاعة) بكسر الراء.\nوقوله: (ما تعدون) أي: ممن تَعدون، ليطابق قوله: (من أفضل المسلمين، قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة) أي: نعدّهم من أفضل الملائكة.\n٦٢٢٧ - [٣٢] (حفصة) قوله: (إن شاء اللَّه) للترغيب والتفويض إلى مشيئة","vol":"9","page":765},{"text":"قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]؟ قَالَ: \"فَلَمْ تَسْمَعِيهِ يَقُولُ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم: ٧٢] \". وَفي رِوَايَةٍ: \"لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ الَّذِينَ بَايَعُوا تحتهَا\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٤٩٦].\n٦٢٢٨ - [٣٣] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَ مِئَةٍ. قَالَ لَنَا النَّبِيُّ -ﷺ-: \"أَنْتُمُ الْيَوْمَ خَيْرُ أَهْلِ الأَرْضِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤١٥٤، م: ١٨٥٦].\nــ\nاللَّه تعالى تأدبًا لا للشك، واللَّه أعلم.\nوقوله: (﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾) فتكون بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم، ويمرون عليها كالبرق الخاطف والريح العاصفة، وهذا هو المراد بنفي الدخول، ويكون للأتقياء، وأهل بدر والحديبية منهم.\nوقوله: (الذين بايعوا تحتها) بيان لـ (أصحاب الشجرة) أو بدل عنها.\n٦٢٢٨ - [٣٣] (جابر) قوله: (ألفًا وأربع مئة) ويقال: ألفًا وخمس مئة، وقيل: ألف وثلاث مئة، والجمع بين هذا الاختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربع مئة، فمن قال: ألفًا وخمس مئة جبر الكسر، ومن قال: ألفًا وأربع مئة ألقاه، ويؤيده رواية البراء: ألف وأربع مئة أو أكثر، وأما رواية: ألف وثلاث مئة فيمكن حملها على ما اطلع هو عليه، واطلع غيره على زيادة مئتين لم يطلع هو عليه، والزيادة من الثقة مقبولة، وأما قول ابن إسحاق: كانوا سبع مئة، فلم يوافقه أحد عليه، وجاء في رواية: ألف وست مئة وفي أخرى: ألف وسبع مئة، واللَّه أعلم.","vol":"9","page":766},{"text":"٦٢٢٩ - [٣٤] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ يَصْعَدِ الثَّنِيَّةَ ثَنِيَّةَ الْمُرَارِ فَإِنَّهُ يُحَطُّ عَنْهُ مَا حُطَّ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ\". فَكَانَ (١) أَوَّلَ مَنْ صَعِدَهَا خَيْلُنَا خَيْلُ بَنِي الْخَزْرجِ، ثُمَّ تَتَامَّ النَّاسُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كُلُّكُمْ مَغْفُورٌ لَهُ إِلَّا صَاحِبَ الْجَمَلِ الأَحْمَرِ\". فَأَتَيْنَاهُ فَقُلْنَا: تَعَالَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: لأَنْ أَجِدَ ضَالَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي صَاحِبُكُمْ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٨٠].\nــ\n٦٢٢٩ - [٣٤] (جابر) قوله: (ثنية المرار) بضم الميم، وقد يكسر ويفتح والضم هو الأشهر، قال في (القاموس) (٢): ثنية المرار بالضم: مهبط الحديبية، وصلوا إليها ليلًا عام الحديبية فرغبهم في صعودها، واللَّه أعلم بالحكمة فيه، وقال: من يصعدها (فإنه يحط عنه ما حط) أي: مثل ما حط (عن بنى إسرائيل) يريد قوله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨]، فإن بني إسرائيل أمروا بعد أن أخرجوا من التيه، وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، بدخول قرية من الشام اسمها أريحا ودخول بابها سجدًا، وبالدعاء وبطلب حطة الذنوب عنهم ليغفر عنهم خطاياهم، لكنهم بدلوا بما أمروا به من التوبة والاستغفار طلب ما يشتهون من أعراض الدنيا، فأنزل عليهم العذاب.\nوقوله: (فكان أول من صعدها) منصوب على أنه خبر كان، و(خيلنا) بالرفع اسمه، أي: كان خيلنا أولَ خيلِ مَن صعدها، والمراد بالخيل الرجال مجازًا.\nوقوله: (تتام) بلفظ الماضي تفاعل من التمام على وزن تماد، أي: جاؤوه\n_________\n(١) في نسخة: \"وكان\".\n(٢) \"القاموس\" (ص: ٤٢٨).","vol":"9","page":767},{"text":"وَذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ قَالَ لأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: \"إِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ\" فِي \"بَاب\" بعدَ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1336> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٦٢٣٠ - [٣٥] عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي مِنْ أَصْحَابِي: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَاهْتَدُوا بِهَدْي عمّارٍ، وَتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ\". وَفِي رِوَايَةِ حُذَيْفَةَ: \"مَا حَدَّثَكُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ فَصَدِّقُوهُ\" بَدَلَ \"وَتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٦٦٣].\n٦٢٣١ - [٣٦] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَوْ كُنْتُ مُؤَمِّرًا مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ لأَمَّرْتُ عَلَيْهِمُ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. [ت: ٣٨٠٨، جه: ١٣٧].\nــ\nكلهم متوافرة متتابعة، يقال: تتاموا، أي: جاؤوا كلهم.\nالفصل الثاني\n٦٢٣٠ - [٣٥] (ابن مسعود) قوله: (اقتدوا) بضم الدال، وكذلك (اهتدوا).\nوقوله: (بهدي عمار) أي: سيرته، والهدي: السيرة الحسنة، وقد مر، والمراد بابن أم عبد: عبد اللَّه بن مسعود، وبعهده: ما يوصيهم به من أمور الدين وأحكامه، وقالوا: ومن جملة ما أوصاهم به استخلاف أبي بكر وصحته بقوله: لا نؤخر من قدمه رسول اللَّه -ﷺ-، ألا نرضى لدنيانا من ارتضاه لديننا، وبهذا يحصل المناسبة بين أول الحديث وآخره، ومثل هذا يروى عن سيدنا علي -﵁-.\n٦٢٣١ - [٣٦] (علي) قوله: (لأمرت عليهم ابن أم عبد) يريد تأميره على","vol":"9","page":768},{"text":"٦٢٣٢ - [٣٧] وَعَنْ خَيْثَمَةَ بْنِ أَبِي سَبْرَةَ قَالَ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَسَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ لِي جَلِيسًا صَالِحًا، فَيَسَّرَ لِي أَبَا هُرَيْرَةَ، فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: إِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يُيَسِّرَ لِي جَلِيسًا صَالِحًا فَوُفِقْتَ لِي، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ جِئْتُ أَلْتَمِسُ الْخَيْرَ وَأَطْلُبُهُ. فَقَالَ: أَلَيْسَ فِيكُمْ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ مُجَابُ الدَّعْوَةِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ صَاحِبُ طَهُورِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَنَعْلَيْهِ، وَحُذَيْفَةُ صَاحِبُ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَعَمَّارٌ الَّذِي أَجَارَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ -ﷺ-، وَسَلْمَانُ صَاحِبُ الْكِتَابَيْنِ؟ يَعْنِي الإِنْجِيلَ وَالْقُرْآنَ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨١١].\n٦٢٣٣ - [٣٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو بَكْرٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ عُمَرُ، نِعْمَ الرَّجُلُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ،\nــ\nجيش بعينه، أو استخلافه في أمر من أموره حال حياته، لا الخلافة، لأن الأئمة من قريش.\n٦٢٣٢ - [٣٧] (خيثمة بن أبي سبرة) قوله: (وعن خيثمة) بفتح المعجمة وسكون التحتانية وفتح المثلثة (ابن أبي سبرة) بفتح السين وسكون الموحدة.\nوقوله: (فوفقت) بلفظ المجهول من الوفق بتقديم الفاء على القاف، و(سعد ابن مالك) هو سعد بن أبي وقاص.\nوقوله: (يعني الإنجيل والقرآن) فإنه آمن بالإنجيل قبل نزول القرآن، ثم آمن به أيضًا، ويقال: إنه أدرك عيسى ﵇.\n٦٢٣٣ - [٣٨] (أبو هريرة) قوله: (نعم الرجل أبو بكر) الحديث، كأنه اجتمع","vol":"9","page":769},{"text":"نِعْمَ الرَّجُلُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، نِعْمَ الرَّجُلُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧٩٥].\n٦٢٣٤ - [٣٩] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ الْجَنَّةَ تَشْتَاقُ إِلَى ثَلَاثَةٍ: عَلِيٍّ وَعَمَّارٍ وَسَلْمَانَ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٩٧].\n٦٢٣٥ - [٤٠] وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ: اسْتَأْذَنَ عَمَّارٌ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: \"ائْذَنُوا لَهُ، مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ الْمُطَيَّبِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٩٨].\n٦٢٣٦ - [٤١] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا خُيِّرَ عَمَّارٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَشَدَّهُمَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٩٩].\nــ\nهؤلاء الكبار من المهاجرين والأنصار في مجلس فخصصهم وشرَّفهم بذلك، واللَّه أعلم.\n٦٢٣٤ - [٣٩] (أنس) قوله: (إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة) المقصود أنهم من أهل الجنة، فبالغ فيه بتخييل أن الجنة تشتاق إليهم، وسائر الناس يشتاقون إلى الجنة، وقيل: لأنهم قد شغلهم عنها مشاهدة الحق أو التجليات الإلهية فلم يلتفتوا إليها، فهي تشتاق إليهم، وقيل: المراد اشتياق أهل الجنة من الحور والغلمان والملائكة، واللَّه أعلم بحقيقة المراد.\n٦٢٣٥ - [٤٠] (علي) قوله: (بالطيب) لعله إشارة إلى أن جوهر ذاته طاهر طيب، ثم طيَّبه وهذبه الشرائعُ والعمل بها فصار نورًا على نور.\n٦٢٣٦ - [٤١] (عائشة) قوله: (إلا اختار أشدهما) أي: على نفسه، أي: أحوطهما وأفضلهما، وفي رواية: (أرشدهما) أي: أصوبهما.","vol":"9","page":770},{"text":"٦٢٣٧ - [٤٢] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: لَمَّا حُمِلَتْ جِنَازَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ قَالَ الْمُنَافِقُونَ: مَا أَخَفَّ جِنَازَتَهُ، وَذَلِكَ لِحُكْمِهِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: \"إِنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تَحْمِلُهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٤٩].\n٦٢٣٨ - [٤٣] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ. . . . .\nــ\n٦٢٣٧ - [٤٢] (أنس) قوله: (ما أخف جنازته) قالوه ازدراء به وطعنًا فيه، وليس فيه محل طعن وعيب، فإن خفة الجنازة لا تدل على عيب ونقصان في الميت، بل هي خارق للعادة ربما يدل على فضله وكماله، ولكن المنافقين لا يفقهون ويتفوهون بما لا معنى له، ويطلبون للقدح والطعن في المؤمنين مجالًا بأي وجه كان، من غير أن يكون له مساغ.\nوقوله: (وذلك لحكمه في بنى قريظة) أي: طعنهم في سعد لحكمه، وعلى هذا هو قول الراوي، والظاهر أنه أيضًا مقول المنافقين، يريدون بذلك حكمه فيهم حين نزلوا على حكمه بأن يقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذريتهم، فضربت أعناقهم وكانوا ما بين ست مئة إلى سبع مئة، وقيل: بل أكثر، والقصة مذكورة في كتب السير في آخر غزوة الأحزاب، ولقد صوَّب رسول اللَّه -ﷺ- حكمه فيهم، وقال: لقد حكمت فيهم بحكم اللَّه الذي حكم به من فوق سبع سماوات، وفي رواية: (لقد حكمت فيهم بحكم اللَّه من فوق سبعة أرقعة)، والرقيع: السماء، سميت بذلك لأنها رُقعت بالنجوم.\n٦٢٣٨ - [٤٣] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (ما أظلت الخضراء) أي: السماء، (ولا أقلت) أي: حملت ورفعت، من أقلّه وقلّه واستقلّه: حمله ورفعه، (الغبراء)","vol":"9","page":771},{"text":"أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٠١].\n٦٢٣٩ - [٤٤] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ مِنْ ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ وَلَا أَوْفَى مِنْ أَبِي ذَرٍّ شِبْهِ عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ\" يَعْنِي فِي الزُّهْدِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٠٢].\n٦٢٤٠ - [٤٥] وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ لَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ قَالَ: الْتَمِسُوا الْعِلْمَ عِنْدَ أَرْبَعَةٍ: عِنْدَ عُوَيْمِرٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعِنْدَ سَلْمَانَ، وَعِنْدَ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ الَّذِي كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: . . . . .\nــ\nأي: الأرض. و(أصدق) مفعول على سبيل التنازع، وهذا على سبيل المبالغة، أو مخصوص بغير الأنبياء، ومن هو أفضل منه من الأصحاب.\n٦٢٣٩ - [٤٤] (أبو ذر) قوله: (من ذي لهجة) من زائدة، واللهجة بسكون الهاء ويحرك: اللسان، وقيل: المراد أنه لا يذهب إلى التورية والمعاريض في الكلام، ولا يواري مع الناس، ولا يسامحهم في الحق، ويقول الحق وإن كان مرًّا، كما يحكى من أحواله -﵁-.\nوقوله: (ولا أوفى) يعني: أداءً لحق اللَّه ورسوله، وقيل: معناه: يوفي حق الكلام إيفاءً لا يغادر شيئًا كما يناسبه السباق.\nوقوله: (يعني في الزهد) تفسير من الراوي، وليس في (المصابيح)، وكان -﵁- لا يقول بالادخار وإن أدى حق اللَّه، وكان أزهد الناس في زمانه.\n٦٢٤٠ - [٤٥] (معاذ بن جبل) قوله: (عند عويمر) بضم المهملة وفتح الواو وكسر الميم في آخره راء.","vol":"9","page":772},{"text":"\"إِنَّهُ عَاشِرُ عَشَرَةٍ فِي الْجَنَّةِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٠٤].\n٦٢٤١ - [٤٦] وَعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوِ اسْتَخْلَفْتَ؟ قَالَ: \"إِنِ اسْتَخْلَفْتُ عَلَيْكُمْ فَعَصَيْتُمُوهُ عُذِّبْتُمْ وَلَكِنْ مَا حَدَّثَكُمْ حُذَيْفَةُ فَصَدِّقُوهُ وَمَا أَقْرَأَكُمْ عَبْدُ اللَّهِ فَاقْرَؤُوه\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨١٢].\nــ\nوقوله: (عاشر عشرة في الجنة) أي: مثل عاشر عشرة في الجنة، إذ ليس هو من العشرة المبشرة، كذا قال الطيبي (١)، ويفهم منه أنه جعل (في الجنة) صفة (عشرة)، والظاهر من العبارة أن يكون معناه أنه يكون عاشرًا في دخول الجنة وما يسبقه إلا تسعة، ويحتمل أن تكون الجماعة التي يدخل هو معهم الجنة عاشِرةَ الجماعات، واللَّه أعلم.\n٦٢٤١ - [٤٦] (حذيفة) قوله: (لو استخلفت) لو للتمني أو للشرط.\nوقوله: (ولكن ما حدثكم حذيفة. . . إلخ)، قالوا: هذا من الأسلوب الحكيم، كأنه قيل: لا يهمكم السؤال عن استخلافي لأنه يحصل بإجماعكم على من يستأهل ذلك مع ما في التنصيص من المانع، ولكن الذي يهمكم العمل بالكتاب والسنة والتمسك بهما، وخص حذيفة وابن مسعود بالذكر دلالة على فضلهما ومزيتهما في العلم بالفتن، وما يهم الاجتناب عنه من النفاق، وهو عند حذيفة لكونه صاحب سر رسول اللَّه -ﷺ-، وعنده علم المنافقين، وبما يجب العمل به من الأحكام، وهو عند ابن مسعود لقوله -ﷺ-: (رضيت لأمتي ما رضي به ابن أم عبد)، وقوله: (تمسكوا بعهد ابن أم عبد).\nوقالوا: إن في هذا الحديث دليلًا على استخلاف أبي بكر، لأن في الحديث\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٢/ ٣٤٥).","vol":"9","page":773},{"text":"٦٢٤٢ - [٤٧] وَعَنْهُ قَالَ: مَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ تُدْرِكُهُ الْفِتْنَةُ إِلَّا أَنَا أَخَافُهَا عَلَيْهِ إِلَّا مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا تَضُرُّكَ الْفِتْنَةُ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٦٦٣].\n٦٢٤٣ - [٤٨] وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَأَى فِي بَيْتِ الزُّبَيْرِ مِصْبَاحًا فَقَالَ: \"يَا عَائِشَةُ مَا أُرَى أَسْمَاءَ إِلَّا قَدْ نُفِسَتْ وَلَا تُسَمُّوهُ حَتَّى أُسَمِّيَهُ\"، فَسَمَّاهُ عَبْدَ اللَّهِ وَحَنَّكَهُ بِتَمْرَةٍ بِيَدِهِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٢٦].\nــ\nالأول من الفضل عن حذيفة استدل ابن مسعود على خلافته بقوله: لا نؤخر من قدمه رسول اللَّه، كما مر، فيكون قوله -ﷺ-: (ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه، وما أقرأكم عبد اللَّه فاقرؤوه)، بيانًا للاستخلاف، ولا حاجة إلى جعله من الأسلوب الحكيم، فافهم.\n٦٢٤٢ - [٤٧] (وعنه) قوله: (إلا محمد بن مسلمة) الأنصاري الأوسي الحارثي الأشهلي، كان من فضلاء الصحابة، وفي هذا المقام بياض في كتاب (المشكاة)، وكتب الجزري في حاشيته: رواه أبو داود، وسكت عنه، وأقره عبد العظيم، وهو المنذري.\n٦٢٤٣ - [٤٨] (عائشة) قوله: (إلا قد نفست) بضم النون بلفظ المجهول وفتحها بلفظ المعلوم، أي: ولدت وصارت ذات نفاس، وفي (الصراح) (١): نفاس بكسر زجكَى زن وزنان زجه، والنعت منه نفساء، ونسوة نفاس، وليس في الكلام فعلاء يجمع على فعال غير هذا وعشار جمع عشراء، ويجمع أيضًا على نفساوات.\nوقوله: (وحنكه) التحنيك: أن يمضغ تمرًا وغيره ثم يدلك بحنك الصبي.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٢٥٢).","vol":"9","page":774},{"text":"٦٢٤٤ - [٤٩] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمِيرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ: \"اللهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا وَاهْدِ بِهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٤٢].\nــ\n٦٢٤٤ - [٤٩] (عبد الرحمن بن أبي عميرة) قوله: (ابن أبي عميرة) بفتح المهملة وكسر الميم وسكون التحتانية.\nوقوله: (اللهم اجعله هاديًا مهديًا واهد به) قالوا: إن الهداية التي تنسب إلى ما سوى اللَّه تكون بمعنى الدلالة، فيكون قوله: (مهديًّا) قيدًا مخصِّصًا، لأن الهداية بهذا المعنى لا تستلزم الاهتداء.\nوقوله: (واهد به) تأكيد.\nواعلم أن المحدثين قالوا: لم يصح في فضائل معاوية حديث، كذا في (سفر السعادة)، وكذا قال السيوطي.\nوقال في (جامع الأصول) (١): والذي ثبت كتابته لرسول اللَّه -ﷺ-، ولم يثبت كتابة الوحي، وقد ورد في شأنه الحديث الذي رواه أحمد في (مسنده) (٢) عن عرباض ابن سارية قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- قال: (اللهم علِّم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب)، وله طرق، وزِيدَ فِي بعضها: (ومكن له في البلاد)، وهذا الحديث: (يا معاوية إذا ملكت فأسْجِحْ)، وفي رواية: (فأحسن)، وفوق ذلك كله هذا الحديث رواه الترمذي عن عبد الرحمن بن أبي عميرة، وروي أن عمر بن الخطاب عزل عمير ابن سعد عن إمارة حمص ونصب معاوية، فتعجب الناس، وقالوا: واعجبًا! يعزل\n_________\n(١) \"جامع الأصول\" (١٢/ ٨٥٦).\n(٢) \"مسند أحمد\" (١٧١٥٢).","vol":"9","page":775},{"text":"٦٢٤٥ - [٥٠] وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَسْلَمَ النَّاسُ وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَلَيْسَ إِسْنَادُهُ بِالْقَوِيِّ. [ت: ٣٨٤٤].\n٦٢٤٦ - [٥١] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: \"يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا\" قُلْتُ: اسْتُشْهِدَ أَبِي، وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا، قَالَ: \"أَفَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِي اللَّهُ بِهِ أَبَاكَ\"، قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: \"مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءَ حِجَابٍ، وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كَفَاحًا، .\nــ\nعميرًا وينصب معاوية، فقال عمير بن سعد: لا تقولوا لمعاوية شرًّا، سمعت من رسول اللَّه -ﷺ- يقول لمعاوية: (اللهم اهد به)، وقالوا: لم يصح شيء من الأحاديث، واللَّه أعلم.\nهذا والكلام في إجابة دعوات الأنبياء كلها مذكور في موضعه.\n٦٢٤٥ - [٥٠] (عقبة بن عامر) قوله: (أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص) إنما خصه بالإيمان لأنه آمن رغبة، لأنه وقع الإسلام في قلبه في الحبشة حين اعترف النجاشي بنبوته، فأقبل إلى رسول اللَّه مؤمنًا من غير أن يدعوه أحد إليه، فجاء إلى المدينة ساعيًا فآمن، وكان قبل إسلامه مبالغًا في عداوة النبي -ﷺ-، والمراد بالناس من أسلم يوم الفتح من مكة، فإنهم أسلموا جبرًا وقهرًا، ثم حسن إسلام من شاء اللَّه منهم، وهو آمن طائعًا راغبًا مهاجرًا فلذلك خصه منهم بالإيمان.\n٦٢٤٦ - [٥١] (جابر) قوله: (أفلا أبشرك) يعني: لا تهتم بأمر دنياه وعياله فإن اللَّه يسهل ذلك، ولكن أبشر بما هو فيه من القرب والكرامة.\nوقوله: (وأحيا أباك) استشكل بأن الشهداء أحياء فما معنى إحيائه؟ وأجيب","vol":"9","page":776},{"text":"قَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ، قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً، قَالَ الرَّبُّ ﵎: إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ\"، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ الآيَة [آل عمران: ١٦٩]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٠١٠].\n٦٢٤٧ - [٥٢] وَعَنْهُ قَالَ: اسْتَغْفَرَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٥٢].\nــ\nبأن اللَّه تعالى جعل أرواحهم في جوف طير خضر، فقد أحيا ذلك الطير بتلك الأرواح فصح الإحياء، وقيل: أراد بالإحياء إعطاء زيادة قوة لروحه، فشاهَدَ الحقَّ بتلك القوة وكلمه كفاحًا، وهذا الجواب أحسن وإن كان فيه مجاز لأن الأول يعم الشهداء كلهم فما وجه التخصيص؟\nوأقول: إن الشهداء أحياء بالحياة المعنوية، فلعله أُحْيي بحياة حسية دنيوية تكريمًا له كما للأنبياء، ثم أبقي على تلك الحياة، أو أميت بعد ذلك، لكن الكلام يبقى في قوله تعالى: ﴿أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: ١١]، وقد علم في أوائل الكتاب في (باب إثبات عذاب القبر)، والمراد بقوله: (تحييني): ترسلني وترجعني إلى الدنيا، كما يدل قوله: (أنهم لا يرجعون).\nوقوله: (كفاحًا) كافح فلانًا: واجهه، كفحه يكفحه: كشف عنه غطاءه، أي: كلمه ليس بينهما حجاب ولا رسول، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الآية [الشورى: ٥١] مخصوص بهذا العالم.\n٦٢٤٧ - [٥٢] (وعنه) قوله: (خمسًا وعشرين مرة) لا يعرف أن هذا العدد كان في مجلس واحد أو كان في أوقات متعددة، وهذا هو الأظهر.","vol":"9","page":777},{"text":"٦٢٤٨ - [٥٣] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُوبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأَبَرَّهُ، مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ\". رواه التِّرْمِذِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي \"دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ\". [ت: ٣٨٥٤، دلائل: ٦/ ٣٦٨].\n٦٢٤٩ - [٥٤] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَلَا إِنَّ عَيْبَتِيَ الَّتِي آوِي إِلَيْهَا أَهْلُ بَيْتِي، وَإِنَّ كَرِشِيَ الأَنْصَارُ، فَاعْفُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَاقْبَلُوا عَنْ مُحْسِنِهِمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [ت: ٣٩٤].\nــ\n٦٢٤٨ - [٥٣] (أنس) قوله: (ذي طمرين) في (القاموس) (١): الطمر بالكسر: الثوب الخلق، أو الكساء البالي من غير الصوف.\nوقوله: (لا يوبه له) أي: لا يُحتفل ولا يبالى به لحقارته، وأصل الواو الهمزة قلبت بها لضمة ما قبلها، وفي (القاموس) (٢): أَبهَ له، وبه، كمنع وفرح، أَبْهًا، ويحرك: فطن، أو نسيه ثم تفطن له، وهو لا يؤبه له، والأُبَّهَة: العظمة، والبهجة، والكبر، وتَأَبَّهَ: تكبر، وعن كذا: تنزه.\n٦٢٤٩ - [٥٤] (أبو سعيد) قوله: (إن عيبتي التي آوي إليها أهل بيتي) قد ورد العيبة في شأن الأنصار، ولا ينافي ورودها في شأن غيرهم، فقد تكون متعددة، ويمكن أن يكون التقييد بـ (التي آوي إليها) -أي: أرجع إليها كثيرًا دائمًا- لتخصيص أهل البيت بزيادة الشرف والفضيلة وكثرة الرجوع إليهم.\nوقوله: (فاعفوا عن مسيئهم) الظاهر أن الضمير للأنصار، كما صرح به في حديث أنس في (الفصل الأول)، وإن كان لفظ هذا الحديث يحتمل رجوعه إلى الكل\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٣٨٩).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ١١١٩).","vol":"9","page":778},{"text":"٦٢٥٠ - [٥٥] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: \"لَا يُبْغِضُ الأَنْصَارَ أَحَدٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٣٩٠٦].\n٦٢٥١ - [٥٦] وَعَنْ أَنَسٍ وَأَبِي طَلْحَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَقْرِئْ قَوْمَكَ السَّلَامَ فَإِنَّهُمْ مَا عَلِمْتُ أَعِفَّةٌ صُبُرٌ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٩٠٣].\n٦٢٥٢ - [٥٧] وَعَنْ جَابِرٍ: أَنَّ عَبْدًا لِحَاطِبٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- يَشْكُو حَاطِبًا إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! . . . . .\nــ\nمن أهل البيت والأنصار كما يقولون: الصالحون للَّه والطالحون لي، ومر معنى الكرش في (الفصل الأول).\n٦٢٥٠ - [٥٥] (ابن عباس) قوله: (لا يبغض الأنصار أحد يؤمن) وكيف يبغضهم المؤمن وهم ناصرو النبي -ﷺ- وأولياؤه في تقوية الدين وتكميله؟ وكان المنافقون يبغضونهم حسدًا على رسول اللَّه -ﷺ- وعلى أهل دينه.\n٦٢٥١ - [٥٦] (أنس) قوله: (أقرئ) بفتح الهمزة وكسر الراء.\nوقوله: (ما علمت) ما مصدرية أو موصولة، والتقدير: فإنهم في علمي بهم، أو فيما علمت، (أعفة) جمع عفيف، والعفة: الكف عما لا يحل ولا يحمل، و(صبر) بضمتين مع خفة الباء جمع صبور، وصحح أيضًا بضم الصاد وتشديد الباء المفتوحة جمع صابر، أي: صابرون على الفقر والفاقة، أو في القتال، أو عند الغضب، والأول أوفق بقوله: (أعفة).\n٦٢٥٢ - [٥٧] (جابر) قوله: (يشكو حاطبًا) لعل شكايته كانت لأجل وقعة","vol":"9","page":779},{"text":"لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّار، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"كَذَبْتَ، لَا يَدْخُلُهَا فَإِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَالْحُدَيْبِيَةَ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢١٩٥].\n٦٢٥٣ - [٥٨] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ هَؤُلَاءَ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ إِنْ تَوَلَّيْنَا اسْتُبْدِلُوا بِنَا ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَنَا؟ فَضَرَبَ عَلَى فَخِذِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ثُمَّ قَالَ: \"هَذَا وَقَوْمُهُ، وَلَوْ كَانَ الدِّينُ عِنْدَ الثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنَ الْفُرْسِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٢٦١].\n٦٢٥٤ - [٥٩] وَعَنْهُ قَالَ: ذُكِرَتِ الأَعَاجِمُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لأَنَا بِهِمْ أَوْ بِبَعْضِهِمْ أَوْثَقُ مِنِّي بِكُمْ أَوْ بِبَعْضِكُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٩٣٢].\nــ\nكتابته إلى مشركي مكة، وقد يستأنس فيه بقوله: (ليدخلن حاطب النار)، ويحتمل أن يكون لأجل شيء آخر، واللَّه أعلم.\n٦٢٥٣ - [٥٨] (أبو هريرة) قوله: (ثم قال: هذا وقومه) وفي تفسير القاضي (١): أو الأنصار وأهل اليمن.\n٦٢٥٤ - [٥٩] (وعنه) قوله: (لأنا بهم أو ببعضهم أوثق مني بكم أو ببعضكم) قال الطيبي (٢): المخاطبون قوم مخصوص دُعوا إلى الإنفاق في سبيل اللَّه فتقاعدوا، يدل عليه قوله تعالى في الحديث السابق: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]،\n_________\n(١) \"تفسير البيضاوي\" (٥/ ١٢٥).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٢/ ٣٤٧).","vol":"9","page":780},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1337> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٦٢٥٥ - [٦٠] عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ سَبْعَةَ نُجَبَاءَ رُقَبَاءَ، وَأُعْطِيْتُ أَنَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ\"، قُلْنَا: مَنْ هُمْ؟ قَالَ: \"أَنَا وَابْنَايَ وَجَعْفَرٌ وَحَمْزَةُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَبِلَالٌ وَسَلْمَانُ وَعَمَّارٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو ذَرٍّ وَالْمِقْدَادُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٧٨٥].\n٦٢٥٦ - [٦١] وَعَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ كَلَامٌ، فَأَغْلَظْتُ لَهُ فِي الْقَوْلِ، فَانْطَلَقَ عَمَّارٌ يَشْكُونِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَجَاءَ خَالِدٌ وَهُوَ يَشْكُوهُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: فَجَعَلَ يُغْلِظُ لَهُ. . . . .\nــ\nفإنه جاء عقيب قوله تعالى: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ﴾ [محمد: ٣٨]، فهو تحريض وبعث لهم على الإنفاق، فلا يلزم منه التفضيل.\nالفصل الثالث\n٦٢٥٥ - [٦٠] (علي) قوله: (نجباء) جمع نجيب، في (القاموس) (١): هو الرجل الكريم الحسيب، وقد نجب ككرم نجابة، والمنتجب: المختار، و(رقباء) جمع رقيب وهو الحافظ والحارس.\nوقوله: (قلنا) أي: لعلي.\nوقوله: (قال) أي: علي -﵁-.\n٦٢٥٦ - [٦١] (خالد بن الوليد) قوله: (فجاء خالد) كلام الراوي.\nوقوله: (فجعل) أي: خالد (يغلظ له) أي: لعمار.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١٢٥).","vol":"9","page":781},{"text":"وَلَا يَزِيدُهُ إِلَّا غِلْظَةً وَالنَّبِيُّ -ﷺ- سَاكِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، فَبَكَى عَمَّارٌ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلَا تَرَاهُ؟ فَرَفَعَ النَّبِيُّ -ﷺ- رَأسَهُ وَقَالَ: \"مَنْ عَادَى عَمَّارًا عَادَاهُ اللَّهُ، وَمَنْ أَبْغَضَ عَمَّارًا أَبْغَضَهُ اللَّهُ\" قَالَ خَالِدٌ: فَخَرَجْتُ فَمَا كَانَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رِضَى عَمَّارٍ فَلَقِيتُهُ بِمَا رَضِيَ فَرَضِيَ.\n٦٢٥٧ - [٦٢] وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"خَالِدٌ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ ﷿، وَنِعْمَ فَتَى الْعَشِيرَةِ\". رَوَاهُمَا أَحْمَدُ. [حم: ٤/ ٨٩، ٩٠].\nــ\nوقوله: (من أبغض) البغض والعداوة بمعنى، في (الصراح) (١): إبغاض: دشمن داشتن، فهذا تأكيد، أو يجعل (عادى) من العدوان بمعنى الظلم، و(عاداه اللَّه) من قبيل المشاكلة، أو المراد بـ (عادى) فَعَل فعلًا يفضي إلى العداوة، وبالإبغاض: العداوة بالفعل، أو المراد بـ (عادى): جعل نفسه عدوًّا له، وبالإبغاض: عَدَّه عدوًّا لنفسه، فافهم.\n٦٢٥٧ - [٦٢] (أبو عبيدة) قوله: (أبي عبيدة) بضم المهملة وفتح الموحدة بعدها تحتية وآخرها تاء.\nوقوله: (خالد سيف من سيوف اللَّه) وقد احتج به -﵁- في قتله مالك بن نويرة عند قوله عن النبي: (صاحبكم) حين مؤاخذة عمر إياه: كيف قتلته؟ فقال: أما سمعت رسول اللَّه -ﷺ- قال: خالد سيف من سيوف اللَّه، وهل يجري سيف اللَّه إلا على الحق؟ والقصة طويلة مذكورة في موضعها.\nوقوله: (ونعم فتى العشيرة) المخصوص محذوف، أي: خالدٌ.\n_________\n(١) \"الصراح\" (ص: ٢٧٧).","vol":"9","page":782},{"text":"٦٢٥٨ - [٦٣] وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِنَّ اللَّهَ ﵎ أَمرنِي بِحُبِّ أَرْبَعَةٍ وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُحِبُّهُمْ\". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! سَمِّهِمْ لَنَا، قَالَ: \"عَلِيٌّ مِنْهُمْ\" يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثًا، \"وَأَبُو ذَرٍّ وَالْمِقْدَادُ وَسَلْمَانُ أَمَرَنِي بِحُبِّهِمْ وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُحِبُّهُمْ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [ت: ٣٧١٨].\n٦٢٥٩ - [٦٤] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يَقُولُ: أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا، يَعْنِي بِلَالًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٥٤].\n٦٢٦٠ - [٦٠] وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ أَنَّ بِلَالًا قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا اشْتَرَيْتَنِي لِنَفْسِكَ فَأَمْسِكْنِي، وَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا اشْتَرَيْتَنِي للَّهِ فَدَعْنِي وَعَمَلَ اللَّهِ. . . . .\nــ\n٦٢٥٨ - [٦٣] (بريدة) قوله: (يقول ذلك ثلاثًا) إنما قال ثلاثًا تأكيدًا؛ لأن بريدة كان فيه شيء من علي لمَّا رأى منه -﵁- في قضية إمارة اليمن ما يسوؤه، كما سبق [في] (باب في فضائل علي) في قصة غدير خم.\n٦٢٥٩ - [٦٤] (جابر) قوله: (وأعتق سيدنا) يعني بلالًا، قاله تواضعًا فإن عمر -﵁- أفضل منه، وأيضًا السيادة لا تُثبت الأفضلية، كذا قالوا، أقول: ضمير المتكلم مع الغير لا يجب أن يكون شاملًا للكل ويكفي الأكثر، والضمير كناية عن الصحابة.\n٦٢٦٠ - [٦٥] (قيس بن أبي حازم) قوله: (إن بلالًا قال لأبي بكر) قاله حين استدعى أبو بكر أن يؤذن له كما كان يؤذن لرسول اللَّه، فأبى وذهب إلى الشام.\nوقوله: (وعمل اللَّه) بالنصب مفعول معه.","vol":"9","page":783},{"text":"رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٥٤٥].\n٦٢٦١ - [٦٦] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: إِنِّي مَجْهُودٌ، فَأَرْسَلَ إِلَى بَعْضِ نِسَائِهِ، فَقَالَتْ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا عِنْدِي إِلَّا مَاءٌ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أُخْرَى فَقَالَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، وَقُلْنَ كُلُّهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ يُضُيِّفُهُ؟ يَرْحَمُهُ اللَّهُ\"، فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ: أَبُو طَلْحَةَ، فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى رَحْلِهِ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ؟ قَالَتْ: لَا، إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، قَالَ: فَعَلِّلِيهِمْ بِشَيْءٍ وَنَوِّمِيهِمْ، فَإِذَا دَخَلَ ضَيْفُنَا فَأَرِيهِ أَنَّا نَأْكُلُ، فَإِذَا أَهْوَى لِيَأْكُلَ فَقُومِي إِلَى السِّرَاجِ كَيْ تُصْلِحِيهِ فَأَطْفِئِيهِ، فَفَعَلَتْ فَقَعَدُوا وَأَكَلَ الضَّيْفُ، وَبَاتَا طَاوِيَيْنِ،\nــ\n٦٢٦١ - [٦٦] (أبو هريرة) قوله: (من يضيفه) بالتشديد استفهام. و(يرحمه اللَّه) استئناف، وصحح في بعض النسخ بالجزم جملة شرطية.\nوقوله: (فعلليهم) علله به، أي: لهَّاه به، وتعليل الصبي: وعده وتسويفه وشغله عما يراد صرفه عنه، قالوا: وهذا محمول على [أن] الصبيان لم يكونوا محتاجين إلى الطعام، وإنما كان طلبهم على عادة الصبيان من غير جوع وإلا وجب تقديمهم، وكيف يتركان واجبًا وقد أثنى اللَّه عليهما؟\nوقوله: (فأريه) بلفظ أمرٍ للمخاطبة من الإراءة، (فإذا أهوى) أي: الضيف (بيده) أي: أمال يده وقصد.\nوقوله: (طاويين) أي: جائعين.","vol":"9","page":784},{"text":"فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى (١) رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"لَقَدْ عَجِبَ اللَّهُ -أَوْ: ضَحِكَ اللَّهُ- مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانَةٍ\".\nوَفِي رِوَايَةٍ مِثْلُهُ، وَلَمْ يُسَمِّ أَبَا طَلْحَةَ، وَفِي آخِرِهَا: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٧٩٨، م: ٢٠٥٤].\n٦٢٦٢ - [٦٧] وَعَنْهُ قَالَ: نَزَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَنْزِلًا، فَجَعَلَ النَّاسُ يَمُرُّونَ فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَنْ هَذَا يَا أَبَا هُرَيرَةَ؟ \" فَأقولُ: فُلَانٌ، فَيَقُولُ: \"نِعْمَ عَبْدُ اللَّهِ هَذَا\"، وَيَقُولُ: \"مَنْ هَذَا؟ \" فَأَقُولُ: فُلَانٌ، فَيَقُولُ: \"بِئْسَ عَبْدُ اللَّهِ هَذَا\"، حَتَّى مَرَّ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَقَالَ: \"مَنْ هَذَا؟ \" فَقُلْتُ: خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ. فَقَالَ: \"نِعْمَ عَبْدُ اللَّهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٨٤٦].\nــ\nوقوله: (غدا إلى رسول اللَّه) وفي بعض النسخ: (على)، أي: أقبل عليه غاديًا. و(الخصاصة) الفقر والحاجة.\n٦٢٦٢ - [٦٧] (وعنه) قوله: (فيقول: بئس عبد اللَّه هذا) لعله كان يقول هذا لمن علمه من المنافقين؛ لأنه يبعد ولم يعهد أن يقول رسول اللَّه -ﷺ- هذا لمن كان من المؤمنين وإن كان على طريق سوء، وقلَّ من كان من المؤمنين في ذلك الزمان عليه، واللَّه أعلم.\n_________\n(١) في نسخة: \"إلى\".","vol":"9","page":785},{"text":"٦٢٦٣ - [٦٨] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: قَالَتِ الأَنْصَارُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! لِكُلِّ نَبِيٍّ أَتْبَاعٌ وَإِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاكَ فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ أَتْبَاعَنَا مِنَّا، فَدَعَا بِهِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٨٨].\n٦٢٦٤ - [٦٩] وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: مَا نَعْلَمُ حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ أَكْثَرَ شَهِيدًا أَعَزَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ: وَقَالَ أَنَسٌ: قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ. . . . .\nــ\n٦٢٦٣ - [٦٨] (زيد بن أرقم) قوله: (أن يجعل أتباعنا منا) وقال الشيخ ابن حجر (١): أتباع الأنصار: الحلفاء والموالي، (منا) أي: اجعلهم أن يقال لهم الأنصار حتى تتناولهم الوصية بهم بالإحسان إليهم ونحو ذلك، كما قال -ﷺ-: (أوصيكم بالأنصار)، وقال: (فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم)، وقال الطيبي (٢): اجعلهم مقتفين آثارنا وعلى سيرتنا وطريقتنا تابعين لنا بإحسان، وهذا المعنى أظهر، فافهم.\n٦٢٦٤ - [٦٩] (قتادة) قوله: (أكثر شهيدًا أعزّ يوم القيامة) يحتمل أن يكون (أكثر) مفعولًا ثانيًا لـ (نعلم) و(أعز) بدلًا منه، وأن يكون (أكثر) صفة لـ (حيًّا) و(أعز) مفعولًا ثانيًا، أو يكون كل منهما صفة بدون العطف، وأن يكون الأول صفة والثاني حالًا إن كان العلم بمعنى المعرفة.\nوقوله: (قتل منهم يوم أحد سبعون) قال الشيخ (٣): روى ابن منده من حديث أبيٍّ: قتل من الأنصار يوم أحد أربعة وستون، ومن المهاجرين ستة منهم حمزة ومصعب\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٧/ ١١٤).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٢/ ٣٥٣).\n(٣) \"فتح الباري\" (٧/ ١١٤).","vol":"9","page":786},{"text":"وَيَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ سَبْعُونَ، وَيَوْمَ الْيَمَامَةِ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ سَبْعُونَ، رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٤٠٧٨].\n٦٢٦٥ - [٧٠] وَعَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: كَانَ عَطَاءُ الْبَدْرِيِّينَ خَمْسَةَ آلَافٍ خَمْسَةَ آلَافٍ. وَقَالَ عُمَرُ: لأُفَضِّلَنَّهُمْ عَلَى مَنْ بَعدَهُمْ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٧٨٧].\n* * *\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1338> تَسْمِيَةُ مَنْ سُمِّيَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ فِي \"الْجَامِعِ\" لِلْبُخَارِيِّ:</span>\nــ\nابن عمير، وصححه ابن حبان من هذا الوجه، انتهى، واللَّه أعلم.\nوقوله: (ويوم بئر معونة سبعون) وهو وقعة القرَّاء.\n٦٢٦٥ - [٧٠] (قيس بن أبي حازم) قوله: (عطاء البدريين) أي: من بيت المال على عهد عمر في ديوانه.\n* تسمية من سمي من أهل البدر في (جامع البخاري):\nوفي نسخة: (في الجامع للبخاري)، قد صح أن أهل بدر كانوا ثلاث مئة، وكان خمسة أو ثمانية منهم لم يحضروها، ولكن ضرب رسول اللَّه -ﷺ- بأسهمهم وأجورهم، والبخاري سمى في (جامعه) في باب على حدة جماعة منهم، قالوا: المقصود منه تسمية من علم وذكر في هذا الكتاب أنه من أهل بدر على الخصوص، فكأنه فذلكة وإجمال لما تقدم مفصلًا لا تسمية المذكورين منهم مطلقًا، إذ لم يذكر (١)\n_________\n(١) \"إذ لم يذكر\" كذا في الأصل، والظاهر \"إذ كثير\" كما في \"الكواكب\" (١٥/ ١٩٨)، و\"عمدة القاري\" (١٢/ ٦٥).","vol":"9","page":787},{"text":"١ - النَّبِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ -ﷺ-.\n٢ - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ الْقُرَشِيُّ.\n٣ - عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ الْعَدَوِيُّ.\n٤ - عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ الْقُرَشِيُّ خَلَّفَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى ابْنَتِهِ رُقَيَّةَ. . . . .\nــ\nممن لم يختلف في شهوده بدرًا كأبي عبيدة بن الجراح -﵁- لم يذكره ههنا، ولا تسمية من روى حديثًا منهم، فإن كثيرًا من المذكورين ههنا لم يرو حديثًا منهم نحو حارثة وغيره، وقد رتب من ذكره هنا على حروف المعجم إلا رسول اللَّه -ﷺ- والخلفاء الأربعة فقدمهم لشرفهم، وفي بعضها قدم رسول اللَّه -ﷺ- فقط، وذكر الباقين على الترتيب.\nوقال في (الكواكب الدراري) (١): وفائدة ذكرهم معرفة فضيلة السبق وترجيحهم على غيرهم والدعاء لهم بالرضوان على التعيين، وقيل: الدعاء عند ذكرهم في البخاري مستجاب، وهذه أسماؤهم فأولهم وإمامهم وسيدهم وسيد العالمين كلهم أجمعين:\n١ - (محمد بن عبد اللَّه) بن عبد المطلب بن هاشم (الهاشمي -ﷺ-)، وذكره للتبرك وإلا فكونه ممن شهد بدرًا مقطوع به.\n٢ - (عبد اللَّه بن عثمان أبو بكر الصديق القرشي) وعبد اللَّه اسم أبي بكر الصديق، وعثمان اسم أبيه المُكْنى بأبي قحافة.\n٣ - (عمر بن الخطاب العدوي) منسوب إلى جده عدي بن كعب.\n٤ - (عثمان بن عفان القرشي خلفه النبي -ﷺ- على ابنته رقية) وكانت مريضة\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (١٥/ ٢٠٢).","vol":"9","page":788},{"text":"وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ.\n٥ - عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيُّ.\n٦ - إِيَاسُ بْنُ بُكَيْرٍ.\n٧ - بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.\n٨ - حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيُّ.\n٩ - حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ حَلِيفٌ لِقُرَيْشٍ.\nــ\n(وضرب له بسهمه) أي: أجره فكان كمن شهد، كما سبق في مناقبه، ووصف عثمان بالقرشي [دون الأموي] مع أنه أخص منه فكأنهم لم يرضوا بوصفه بالأموي لئلا يشتبه بأمراء بني أمية.\n٥ - (علي بن أبي طالب الهاشمي) ابن عم الرسول وزوج فاطمة الزهراء البتول.\n٦ - (إياس بن بكير) وفي بعضها: (البكير) معرفًا باللام، بكسر الهمزة وفتحها وتخفيف التحتية، وبكير بضم الموحدة وفتح الكاف مصغرًا، ولأبي ذر عن الكشميهني: (البكير) بكسر الموحدة والكاف المشددة، الليثي.\n٧ - (بلال بن رباح) بفتح الراء والموحدة المخففة، المؤذن، الحبشي، (مولى أبي بكر الصديق).\n٨ - (حمزة بن عبد المطلب الهاشمي) سيد الشهداء الذي قتل بأحد.\n٩ - (حاطب بن أبي بلتعة حليف لقريش) قد سبق ذكره في (باب جامع المناقب).","vol":"9","page":789},{"text":"١٠ - أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ الْقُرَشِيُّ.\n١١ - حَارِثَةُ بْنُ الرُّبَيعِّ الأَنْصَارِيُّ، قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُوَ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ كَانَ فِي النَّظَّارَةِ.\n١٢ - خُبَيْبُ بْنُ عَدِيِّ الأَنْصَارِيُّ.\nــ\n١٠ - (أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة) بن عبد شمس (القرشي) اسمه هشام على الأكثر.\n١١ - (حارثة بن الربيع الأنصاري) بفتح الراء والتخفيف، كذا في اليونينية وفرعها، وقال في (أسد الغابة) (١): كذا ذكره عبدان وابن أبي علي، وفي بعض الأصول: الربيع بالضم والتشديد مصغرًا وهو الصواب، وبه جزم في (أسد الغابة) و(فتح الباري) و(العمدة) و(الكواكب) وغيرها، وهو اسم أمه، (وهو حارثة بن سراقة) بضم السين وتخفيف الراء، وهو اسم أبيه، (كان في النظارة) بفتح النون وتشديد الظاء المعجمة، وهم القوم الذين ينظرون إلى المقاتلين، ولم يخرجوا لقتال، وقيل: الذين طلعوا مكانًا مرتفعًا ينظرون إلى العدو ويخبرون بحالهم، وكان غلامًا خرج نظارًا فجاءه سهم غرب، فوقع في ثغرة نحره، وسهم غرب الذي لم يعلم راميه، يضاف ولا يضاف، فجاءت أمه الربيع فقالت: يا رسول اللَّه! قد علمت مكان حارثة مني فإن يكن في الجنة فأصبر وإلا فسيرى اللَّه ما أصنع، وفي رواية: وإن كان في النار اجتهدت عليه في البكاء، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: (يا أم حارثة إنها ليست بجنة واحدة، ولكنها جنان كثيرة، وهو في الفردوس الأعلى) قالت: سأصبر.\n١٢ - (خبيب بن عدي الأنصاري) الأوسي، بالخاء المعجمة المضمومة\n_________\n(١) \"أسد الغابة\" (١/ ٦٤٩)، وانظر: \"إرشاد الساري\" (٦/ ٢٧٦).","vol":"9","page":790},{"text":"١٣ - خُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ.\n١٤ - رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ الأَنْصَارِيُّ.\n١٥ - رِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ أَبُو لُبَابَةَ الأَنْصَارِيُّ.\n١٦ - الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ الْقُرَشِيُّ.\n١٧ - زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ أَبُو طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ.\nــ\nوموحدتين بلفظ التصغير.\n١٣ - (خنيس بن حذافة السهمي) بضم الخاء المعجمة وفتح النون آخره سين مهملة مصغرًا، وحذافة بضم الحاء المهملة وخفة الذال المعجمة والفاء، السهمي القرشي.\n١٤ - (رفاعة بن رافع الأنصاري) بكسر الراء، الزرقي بزاي مضمومة وراء مفتوحة وقاف.\n١٥ - (رفاعة بن عبد المنذر) بضم الميم وكسر الذال المعجمة، (أبو لبابة) بضم اللام والموحدتين بينهما ألف مخففًا (الأنصاري)، وقال الأكثرون: إنما هو أخو أبي لبابة واسم أبي لبابة بشير، وليس رفاعة بأبي لبابة، وقال الزركشي: خرج بشير بن عبد المنذر مع رسول اللَّه -ﷺ- إلى بدر، ثم رده، وضرب له بسهمه مع أصحاب بدر، وشهد أخواه رفاعة ومبشر بدرًا، وقتل يومئذ مبشر.\n١٦ - (الزبير بن العوام القرشي) بتشديد الواو، أحد العشرة ابن عمة رسول اللَّه -ﷺ- صفية بنت عبد المطلب -﵂-.\n١٧ - (زيد بن سهل) بفتح السين المهملة وسكون الهاء، (أبو طلحة الأنصاري) النَّجاري، وقد اشتهر بكنيته زوج أم أنس بن مالك.","vol":"9","page":791},{"text":"١٨ - أَبُو زَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ.\n١٩ - سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ الزُّهْرِيُّ.\n٢٠ - سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ الْقُرَشِيُّ.\n٢١ - سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ الْقُرَشِيُّ.\n٢٢ - سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ الأَنْصَارِيُّ.\nــ\n١٨ - (أبو زيد الأنصاري).\n١٩ - (سعد بن مالك الزهري) القرشي، وهو سعد بن أبي وقاص، قال القسطلاني (١): قال في (الفتح): لم يتقدم له في هذه القصة ذكر لكن هو منهم بالاتفاق، وسقط ذكره هنا من بعض الأصول.\n٢٠ - (سعد بن خولة القرشي) بفتح المعجمة وسكون الواو.\n٢١ - (سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل القرشي) أحد العشرة، زوج أخت عمر ابن الخطاب، ونفيل: بضم النون وفتح الفاء مصغرًا، قال القسطلاني: قال في (عيون الأثر) (٢): قدم من الشام بعد ما قدم رسول اللَّه من بدر، فكلمه، فضرب له بسهمه وأجره.\n٢٢ - (سهل بن حنيف الأنصاري) بفتح السين في الأول وضم المهملة في الثاني وبنون في الثاني مصغرًا، شهد بدرًا والمشاهد كلها، مات بالكوفة وصلى عليه علي ابن أبي طالب، وكبر خمسًا، وقال: إنه بدري، وكان يكبر على البدريين خمسًا وعلى\n_________\n(١) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٢٧٧).\n(٢) \"عيون الأثر\" (١/ ٣١٩).","vol":"9","page":792},{"text":"٢٣ - ظُهَيْرُ بْنُ رَافِعٍ الأَنْصَارِيُّ.\n٢٤ - وَأَخُوهُ.\n٢٥ - عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ.\nــ\nغيرهم أربعًا.\n٢٣، ٢٤ - (ظهير بن رافع الأنصاري) الأوسي (وأخوه) بضم الظاء المعجمة وفتح الهاء مصغرًا، وأخوه اسمه مظهر بضم الميم وفتح المعجمة وكسر الهاء مشددة، ولم يسمه البخاري، وذكر أنهما شهدا بدرًا، لكن قال أبو عمر: إن ظهيرًا لم يشهدها وشهد أحدًا وما بعدها، وكذا قيل: لم يشهدها مظهر، وسقطت الواو من قوله: (وأخوه) لأبي ذر.\n٢٥ - (عبد اللَّه بن مسعود الهذلي) بضم الهاء وفتح المعجمة، قال القسطلاني (١): وسقط لأبي ذر: (عبد اللَّه بن مسعود الهذلي) وهو بدري بالاتفاق، ذكره في أول المغازي بلفظ: قال رسول اللَّه -ﷺ- يوم بدر: (من ينظر ما فعل أبو جهل؟)، فانطلق ابن مسعود الحديث، وقد ثبت بعده لأبي ذر: (عتبة بن مسعود الهذلي) بضم العين وسكون الفوقية، أخو عبد اللَّه بن مسعود، لم يتقدم له ذكر في البخاري، ولا ذكره أحد ممن صنف في المغازي في البدريين، وقد رقم عليه علامة السقوط، قال في (الفتح): وهو ساقط عند النسفي، ولم يذكره الإسماعيلي ولا أبو نعيم في (مستخرجيهما) وهو المعتمد، قلت: وكذلك هو ساقط من نسخ (المشكاة)، وثابت في بعض نسخ البخاري.\n_________\n(١) \"إرشاد الساري\" (٦/ ٢٧٧).","vol":"9","page":793},{"text":"٢٦ - عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ.\n٢٧ - عُبَيْدةُ بْنُ الْحَارِثِ الْقُرَشِيُّ.\n٢٨ - عبادةُ بْنُ الصَّامِتِ الأَنْصَارِيُّ.\n٢٩ - عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ حَلِيفُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ.\n٣٠ - عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو الأَنْصَارِيُّ.\n٣١ - عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ الْعَنَزِيُّ.\nــ\n٢٦ - (عبد الرحمن بن عوف الزهري) من بني زهرة، المشهور من العشرة.\n٢٧ - (عبيدة بن الحارث القرشي) بضم العين وفتح الباء مصغرًا، والحارث ابن عبد المطلب.\n٢٨ - (عبادة بن الصامت الأنصاري) بضم العين وتخفيف الموحدة.\n٢٩ - (عمرو بن عوف) بفتح العين فيهما وبالفاء في الثاني (حليف بني عامر بن لؤي) بضم اللام وفتح الهمزة، وقيل: بلا همز، والأول أشهر، وتشديد التحتية، قال القسطلاني: قال ابن الأثير: لا يصح شهوده بدرًا، وإنما سكنها.\n٣٠ - (عقبة بن عمرو الأنصاري).\n٣١ - (عامر بن ربيعة العنزي) بالنون والزاي مفتوحتين، وقيل: بسكون النون منسوب إلى عنزة بن أسد، وقيل: من بني عنز بن وائل، وفي (المغني) (١): العنزي بفتح النون كثيرة، وبسكونها عامر بن ربيعة، ولأبي ذر عن الكشميهني: (العدوي) بالدال\n_________\n(١) \"المغني في ضبط أسماء الرجال\" (ص: ١٨٧).","vol":"9","page":794},{"text":"٣٢ - عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيُّ.\n٣٣ - عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ الأَنْصَارِيُّ.\n٣٤ - عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ الأَنْصَارِيُّ.\n٣٥ - قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ.\n٣٦ - قَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ الأَنْصَارِيُّ.\n٣٧ - مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ.\nــ\nبعد العين المهملتين، قال في (الفتح) (١): وكلاهما صواب لأنه عنزي الأصل عدوي الحلف.\n٣٢ - (عاصم بن ثابت) بالمثلثة (الأنصاري).\n٣٣ - (عويم بن ساعدة الأنصاري) بضم العين وفتح الواو آخره ميم مصغرًا.\n٣٤ - (عتبان بن مالك الأنصاري) بكسر العين وسكون الفوقية وبالموحدة.\n٣٥ - (قدامة بن مظعون) بضم القاف وتخفيف الدال المهملة في الأول وفتح الميم وسكون الظاء المعجمة في الثاني.\n٣٦ - (قتادة بن النعمان الأنصاري) بفتح القاف وضم النون.\n٣٧ - (معاذ بن عمرو بن الجموح) بضم الميم وبالذال المعجمة وبفتح العين المهملة، والجموح بفتح الجيم وضم الميم آخره حاء مهملة.\n_________\n(١) \"فتح الباري\" (٧/ ٣٢٨).","vol":"9","page":795},{"text":"٣٨ - مُعَوِّذُ بْنُ عَفْرَاءَ.\n٣٩ - وَأَخُوهُ.\n٤٠ - مَالِكُ بْنُ رَبِيعَةَ أَبُو أُسَيْدٍ الأَنْصَارِيُّ.\n٤١ - مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ المُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ.\n٤٢ - مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيُّ.\n٤٣ - مَعْنُ بْنُ عَدِيٍّ الأَنْصَارِيُّ.\nــ\n٣٨، ٣٩ - (معوذ بن عفراء) (وأخوه) بضم الميم وبفتح العين المهملة وتشديد الواو المكسورة، وعفراء بفتح العين وسكون الفاء ممدودًا اسم أمه، وأخوه معاذ بن عفراء، وكان الأخ الثالث عوف وهو أيضًا شهد بدرًا، كذا قال الكرماني (١).\n٤٠ - (مالك بن ربيعة أبو أسيد الأنصاري) بضم الهمزة وفتح السين المهملة، كنية مالك بن ربيعة وهو مشهور به.\n٤١ - (مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف) بكسر الميم وسكون السين وفتح الطاء بعدها حاء مهملة، وأثاثة: بضم الهمزة ومثلثتين بينهما ألف آخره هاء تأنيث، وابن عباد: بفتح العين وتشديد الموحدة، ومسطح صاحب قضية إفك عائشة -﵂-.\n٤٢ - (مرارة بن الربيع الأنصاري) بضم الميم وتخفيف الراء، والربيع: بفتح الراء وكسر الموحدة، وكذا في جميع نسخ مسلم.\n٤٣ - (معن بن عدي الأنصاري) بفتح الميم وسكون العين، وعدي: بفتح العين\n_________\n(١) \"شرح الكرماني\" (١٥/ ٢٠١).","vol":"9","page":796},{"text":"٤٤ - مِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو الْكِنْدِيُّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ.\n٤٥ - هِلَالُ بْنُ أُميَّة الأَنْصَارِيّ ﵃ أَجْمَعِينَ.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1339>١٣ - باب ذكر اليمن والشام وذكر أويس القرني</span>\nــ\nوكسر الدال وتشديد الياء، ونوزع في كونه أنصاريًّا، إنما هو بلوي، نعم هو حليف للأنصار.\n٤٤ - (مقداد بن عمرو الكندي حليف بني زهرة) بكسر الميم وسكون القاف وبدالين مهملتين بينهما ألف، وعمرو: بفتح العين، وللكشميهني: مقدام بميم في آخره بدل الدال، وهو غلط، والكندي بكسر الكاف، وزهرة: بضم الزاي وسكون الهاء.\n٤٥ - (هلال بن أمية الأنصاري) أحد الثلاثة الذين خلفوا، ثم تاب اللَّه عليهم، رضي اللَّه تعالى عنهم أجمعين.\n١٣ - باب ذكر اليمن والشام وذكر أويس القرني\nفي (القاموس) (١): واليمن محركة: ما عن يمين القبلة من بلاد الغور، وهو يمنيٌّ ويمانيٌّ ويمانٍ، ويمَّن تيمينًا وأَيْمَنَ ويامَنَ: أتاها، وتيمَّن: انتسب إليها، والشام بلاد عن مشأمة القبلة، سميت بذلك لأن قومًا من بني كنعان تشاءموا إليها، أي: تياسروا، أو سمي بسام بن نوح، فإنه بالشين بالسريانية، أو لأن أرضها شامات بيض وحمر وسود، انتهى. أشام وشاءم: إذا أتى الشام كأيمن ويامن في اليمن، والجانب\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ١١١٨، ١٠١٤).","vol":"9","page":797},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1340> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٦٢٦٦ - [١] عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَال: \"إِنَّ رَجُلًا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ لَا يَدَعُ بِالْيَمَنِ غَيْرَ أُمٍّ لَهُ، قَدْ كَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فَدَعَا اللَّهَ فَأَذْهَبَهُ إِلَّا مَوْضِعَ الدِّينَارِ أَوِ الدِّرْهَمِ، فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ\".\nوَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُل يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، وَلَهُ والدةٌ وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٥٤٢].\nــ\nالأشأم جانب الشمال. والقرني: بفتح القاف والراء من بلاد اليمن، وأما القرن الذي هو ميقات أهل نجد عند الطائف فهو بسكون الراء، وغلط الجوهري في تحريكه وفي نسبه بأويس القرني إليه، لأنه منسوب إلى القرن بن رومان بن ناجية بن مراد أحد أجداده.\nالفصل الأول\n٦٢٦٦ - [١] (عمر بن الخطاب) قوله: (قد كان به بياض) أي: برص.\nوقوله: (فليستغفر لكم) أي: التمسوا منه أن يستغفر لكم كما في الرواية الآتية: (فمروه فليستغفر لكم)، وفيه طلب الدعاء من أهل الخير والصلاح، وإن كان الطالب أفضل، وقيل: قال ذلك تطييبًا لقلبه، ودفع توهم من يتوهم أنه تخلف عن صحبة رسول اللَّه -ﷺ-، لأنه إنما منعه بره بأمه، وفي الحديث دلالة على أن أويسًا خير التابعين، وفيه منقبة ظاهرة عظيمة، ونقل عن أحمد بن حنبل: أن أفضل التابعين سعيد بن المسيب، وذلك في معرفة العلوم والأحكام، ولكنه لا ينافي خيرية أويس باعتبار كثرة الثواب","vol":"9","page":798},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعند اللَّه، وقال في (القاموس) (١): أويس بن عامر من سادات التابعين، ولعل لفظ الحديث محمول على ذلك، واللَّه أعلم.\nواعلم أنه قد جاءت أخبار وآثار في شأن أويس القرني -﵁-، ذكر شيئًا منها السيوطي في (جمع الجوامع) (٢)، ونريد أن ننقل منها شيئًا وإن أفضى إلى التطويل، فإن عند ذكر أولياء اللَّه تنزل الرحمة، قال: عن أسير بن جابر قال: كان عمر بن الخطاب -﵁- إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم: أفيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال: من مراد؟ ثم من قرن؟ قال: نعم، قال: فكان بك برص، فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال: نعم، قال: لك والدة؟ قال: نعم، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: (يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد أهل اليمن من مراد، ثم من قرن، كان به برص، فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على اللَّه لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل)، فاستغفر لي فاستغفر له، فقال له: أين تريد؟ قال: الكوفة، قال: ألا أكتب لك إلى عاملها؟ قال: أكون في غبر الناس أحب إلي، فلما كان من العام المقبل حج رجل من أشرافهم فوافق عمر فسأله عن أويس كيف تركته؟ فقال: تركته رث البيت قليل المتاع، قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول: (يأتي عليكم أويس بن عامر)، الحديث المذكور، ثم أتى الرجل أويسًا فقال: استغفر لي، قال: أنت أحدث عهدًا بسفر صالح فاستغفر لي، قال: استغفر لي، قال: لقيت عمر؟ قال: نعم، فاستغفر له، ففطن له الناس، فانطلق على\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٤٧٨).\n(٢) انظر: \"جامع الأحاديث\" (٣٠٧٥١)، و\"كنز العمال\" (٣٧٨٢٣).","vol":"9","page":799},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوجهه، أخرجه ابن سعد، ومسلم في (الطبقات)، وأبو عوانة والروياني، ورواه أبو نعيم في (الحلية) والبيهقي في (الدلائل).\nوعن أسير بن جابر (١) قال: كان محدث بالكوفة يحدثنا، فإذا فرغ من حديثه تفرقوا ويبقى رهط فيهم رجل يتكلم بكلام لا أسمع أحدًا يتكلم كلامه، فأحببته، ففقدته، فقلت لأصحابي: هل تعرفون رجلًا كان يجالسنا كذا وكذا؟ فقال رجل من القوم: نعم أنا أعرفه، ذاك أويس القرني، قلت: فتعلم منزله؟ قال: نعم، فانطلقت معه حتى ضربت حجرته فخرج إلي، قلت: يا أخي! ما حبسك عنا؟ قال: العري، وكان أصحابي يسخرون به ويؤذونه، قلت: خذ هذا البرد فالبسه، قال: لا تفعل؛ فإنهم إذًا يؤذونني إن رأوه علي، فلم أزل به حتى لبسه فخرج عليهم، فقالوا: من ترون خدع عن برده هذا؟ فجاء فوضعه وقال: ألا ترى! فأتيت المجلس فقلت: ما تريدون من هذا الرجل؟ قد آذيتموه، الرجل يعرى مرة ويكتسي مرة، فأخذتهم بلساني أخذًا شديدًا، فقضي أن أهل الكوفة وفدوا إلى عمر فوفد رجل ممن كان يسخر به، فقال عمر: هل ههنا أحد من القرنيين؟ فجاء ذلك الرجل، فقال: إن رسول اللَّه -ﷺ- قد قال: (إن رجلًا يأتيكم من اليمن يقال له: أويس، لا يدع باليمن غير أم له، وقد كان به بياض، فدعا اللَّه فأذهبه عنه إلا مثل موضع الدرهم)، فحدث عمر مثل الحديث الذي سبق، وقال في آخره: فقلت: استغفر لي، قال: أو يستغفر مثلي لمثلك يا أمير المؤمنين! قال: فاستغفر له، قلت له: أنت أخي لا تفارقني، فاملس مني، فأنبئت أنه قدم عليكم الكوفة، قال: فجعل ذلك الرجل الذي كان يسخر به ويحقره يقول: ما هذا فينا\n_________\n(١) انظر: \"جامع الأحاديث\" (٣٠٨٧٠)، و\"كنز العمال\" (٣٧٨٢٤).","vol":"9","page":800},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوما نعرفه، فقال عمر: بلى إنه رجل كذا وكذا، كأنه يضع من شأنه، قال: فينا يا أمير المؤمنين! رجل يقال له: أويس نسخر به، قال: أدرك ولا أراك تدرك، فأقبل ذلك الرجل حتى دخل عليه قبل أن يأتي أهله، فقال له أويس: ما هذه بعادتك! فما بدا لك؟ قال: سمعت عمر يقول فيك كذا وكذا، فاستغفر لي يا أويس! قال: لا أفعل حتى تجعل لي عليك أن لا تسخر بي فيما بعد، ولا تذكر الذي سمعته من عمر إلى أحد فاستغفر له، قال أسير: فما لبثت أن فشا أمره في الكوفة فأتيته فدخلت عليه فقلت له: يا أخي ألا أراك العجب ونحن لا نشعر؟ قال: ما كان في هذا ما أتبلغ به في الناس وما يجزى كل عبد إلا بعمله، ثم املس منهم فذهب، رواه ابن سعد في (الطبقات)، ورواه أبو نعيم في (الحلية) والبيهقي وابن عساكر في (تاريخه).\nوعن صعصعة بن معاوية (١) قال: كان أويس بن عامر من التابعين، رجل من قرن، وإن عمر بن الخطاب قال: أخبرنا رسول اللَّه -ﷺ- (أنه سيكون في التابعين رجل من قرن يقال له: أويس بن عامر، يخرج به وضح فيدعو اللَّه أن يذهبه. فيقول: اللهم دع لي في جسدي منه ما أذكر به نعمتك علي، فيدع له في جسده ما يذكر به نعمته عليه، فمن أدرك منكم فاستطاع أن يستغفر له فليستغفر له)، رواه الحسن بن سفيان وأبو نعيم في (المعرفة) والبيهقي في (الدلائل)، وابن عساكر في (تاريخه).\nوعن يحيى بن سعيد (٢) عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال: قال لي رسول اللَّه -ﷺ- ذات يوم: (يا عمر!)، فقلت: لبيك وسعديك يا رسول اللَّه! فظننت\n_________\n(١) انظر: \"جامع الأحاديث\" (٣٠٦٨٨)، و\"كنز العمال\" (٣٧٨٢٦).\n(٢) انظر: \"جامع الأحاديث\" (٣٠٥٣٨)، و\"كنز العمال\" (٣٧٨٢٧).","vol":"9","page":801},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nأنه يبعثني في حاجة، قال: (يا عمر! يكون في أمتي في آخر الزمان رجل يقال له أويس القرني، يصيبه بلاء في جسده، فيدعو اللَّه فيذهب به إلا لمعة في جنبه إذا رآها ذكر اللَّه ﷿، فإذا لقيته فأقرئه مني السلام وأمره أن يدعو لك، فإنه كريم على ربه، بار بوالدته، لو يقسم على اللَّه لأبره، يشفع لمثل ربيعة ومضر)، فطلبته حياة رسول اللَّه -ﷺ- فلم أقدر عليه، وطلبته خلافة أبي بكر فلم أقدر عليه، وطلبته شطرًا من إمارتي فبينا أنا أستقرئ الرفاق وأقول: فيكم أحد من مراد؟ فيكم أحد من قرن؟ فيكم أويس القرني؟ فقال شيخ من القوم: هو ابن أخي، إنك تسأل عن رجل وضيع الشأن، ليس مثلك يسأل عنه يا أمير المؤمنين! قلت: أراك فيه من الهالكين، فرد الكلام الأول، فبينا أنا كذلك إذ رفعت لي راحلة رثة الحال عليها رجل رث الحال، فوقع في خلدي أنه أويس، قلت: يا عبد اللَّه أنت أويس القرني؟ قال: نعم، قلت: فإن رسول اللَّه -ﷺ- يقرأ عليك السلام، فقال: على رسول اللَّه السلام وعليك يا أمير المؤمنين! قلت: ويأمرك أن تدعو لي، فكنت ألقاه في كل عام فأخبره بذات نفسي ويخبرني بذات نفسه، رواه أبو القاسم عبد العزيز بن جعفر الخرقي في (فوائده) والخطيب وابن عساكر، وقال: هذا حديث غريب جدًا.\nوعن الحسن (١) قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: (يدخل بشفاعة رجل من أمتي الجنة أكثر من ربيعة ومضر، أما أسمي لكم ذلك الرجل؟) قالوا: بلى، قال: (ذاك أويس القرني)، ثم قال: (يا عمر إن أدركته فاقرئه مني السلام وقل له حتى يدعو لك، وأعلم أنه كان به وضح فدعا اللَّه فرفع عنه، ثم دعاه فرد عليه بعضه)، فلما كان في خلافة\n_________\n(١) انظر: \"جامع الأحاديث\" (٣١٦٣٨)، و\"كنز العمال\" (٣٧٨٢٨).","vol":"9","page":802},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nعمر قال عمر وهو بالموسم: ليجلس كل رجل منكم إلا من كان من قرن، فجلسوا إلا رجلًا، فدعاه فقال له: هل تعرف فيكم رجلًا اسمه أويس؟ قال: وما تريد منه؟ فإنه رجل لا يعرف يأوي الخربات لا يخالط الناس، فقال: اقرئه مني السلام، وقل له حتى يلقاني، فأبلغه الرجل رسالة عمر، فقدم عليه، فقال له عمر: أنت أويس؟ فقال: نعم يا أمير المؤمنين! فقال: صدق اللَّه ورسوله، هل كان بك وضح فدعوت اللَّه فرفعه عنك ثم دعوته فرد عليك بعضه؟ فقال: نعم، من أخبرك به؟ فواللَّه ما اطلع عليه غير اللَّه، قال: أخبرني به رسول اللَّه -ﷺ-، وأمرني أن أسألك حتى تدعو لي، وقال: يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من ربيعة ومضر، ثم سماك، فدعا لعمر، ثم قال له: حاجتي إليك يا أمير المؤمنين أن تكتمها علي وتأذن لي في الانصراف، ففعل، فلم يزل مستخفيًا من الناس حتى قتل يوم نهاوند فيمن استشهد، رواه ابن عساكر.\nوعن سعيد بن المسيب (١) قال: نادى عمر بن الخطاب وهو على المنبر بمنى يا أهل قرن! فقام مشايخ فقالوا: نحن يا أمير المؤمنين! قال: أفي قرن من اسمه أويس؟ فقال شيخ: يا أمير المؤمنين! ليس فينا من اسمه أويس إلا مجنون يسكن القفار والرمال ولا يألف ولا يؤلف، فقال: ذاك الذي أعنيه، إذا عدتم إلى قرن فاطلبوه وبلغوه سلامي، وقولوا له: إن رسول اللَّه -ﷺ- بشرني بك وأمرني أن أقرأ عليك سلامه، فعادوا إلى قرن فطلبوه فوجدوه في الرمال، فأبلغوه سلام عمر وسلام رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: أعرفني أمير المؤمنين وشهر باسمي؟ السلام على رسول اللَّه، اللهم صل عليه وعلى آله، وهام على وجهه، فلم يوقف له بعد ذلك على أثر دهرًا، ثم عاد في أيام علي فقاتل\n_________\n(١) انظر: \"جامع الأحاديث\" (٣١٥٤١)، و\"كنز العمال\" (٣٧٨٢٩).","vol":"9","page":803},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nبين يديه، فاستشهد في صفين، رواه ابن عساكر.\nوعن صعصعة بن معاوية (١) قال: كان عمر بن الخطاب يسأل وفد أهل الكوفة إذا قدموا عليه: تعرفون أويس بن عامر القرني؟ فيقولون: لا، وكان أويس رجلًا يلزم المسجد بالكوفة فلا يكاد يفارقه، وله ابن عم يغشى السلطان ويؤذي أويسًا، فوفد ابن عمه إلى عمر فيمن وفد من أهل الكوفة، فقال عمر: أتعرفون أويس بن عامر القرني؟ فقال ابن عمه: يا أمير المؤمنين! إن أويسًا لم يبلغ أن تعرفه أنت، إنما هو إنسان دون وهو ابن عمي، فقال له عمر: ويلك هلكت، إن رسول اللَّه -ﷺ- حدثنا أنه سيكون في التابعين رجل يقال له: أويس بن عامر القرني، فمن أدركه منكم فاستطاع أن يستغفر له فليفعل، فإذا رأيته فأقرئه مني السلام، ومره أن يفد إلي، فوفد إليه، فلما دخل عليه قال: أنت أويس بن عامر القرني؟ أنت الذي خرج بك وضح من برص فدعوت اللَّه أن يذهبه؟ . . . الحديث، وفي آخره: فقال الناس: استغفر لنا يا أويس فراغ، فما رئي حتى الساعة، رواه ابن يعلى وابن منده وابن عساكر.\nوعن نهشل بن سعيد (٢) عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس قال: مكث عمر يسأل عن أويس القرني عشر سنين، فذكر أنه قال: يا أهل اليمن! من كان من مراد فليقم، فقام من كان من مراد وقعد آخرون، فقال: أفيكم أويس؟ فقال رجل: يا أمير المؤمنين لا نعرف أويسًا، ولكن ابن أخ لي يقال له: أويس، هو أضعف وأَمْهَنُ من أن يسأل مثلك عن مثله، قال له: أبحر منا هو؟ قال: نعم هو بالأراك بعرفة يرعى إبل\n_________\n(١) انظر: \"جامع الأحاديث\" (٣٠٧٨٩)، و\"كنز العمال\" (٣٧٨٣٠).\n(٢) انظر: \"جامع الأحاديث\" (٣١٤٦١)، و\"كنز العمال\" (٣٧٨٣١).","vol":"9","page":804},{"text":"٦٢٦٧ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً وَأَلْيَنُ قُلُوبًا. . . . . .\nــ\nالقوم، فركب عمر وعلي -﵄- حمارين، ثم انطلقا حتى أتيا الأراك، فإذا هو قائم يصلي يضرب ببصره نحو مسجده، وقد دخل بعضه في بعض، فلما رأياه قال أحدهما لصاحبه: إن يك أحد الذي نطلبه فهذا هو، فلما سمع حسهما خفف وانصرف فسلما عليه فرد عليهما: وعليكما السلام ورحمة اللَّه وبركاته، فقالا له: ما اسمك رحمك اللَّه؟ قال: أنا راعي هذه الإبل، قالا: أخبرنا باسمك؟ قال: أنا أجير القوم، قالا: ما اسمك؟ قال: أنا عبد اللَّه، فقال له علي: قد علمنا أن من في السماوات والأرض عبد اللَّه، فأنشدك برب هذه الكعبة ورب هذا الحرم ما اسمك الذي سمتك به أمك؟ قال: وما تريدان من ذلك؟ أنا أويس بن عامر، فقالا له: اكشف لنا عن شقك الأيسر، فكشف لهما؛ فإذا لمعة بيضاء قدر الدرهم من غير سوء، فابتدرا يقبلان الموضع ثم قالا له: إن رسول اللَّه -ﷺ- أمرنا أن نقرئك السلام، وأن نسألك أن تدعو لنا، فقال: إن دعائي في شرق الأرض وغربها لجميع المؤمنين والمؤمنات، فقالا: ادع لنا فدعا لهما وللمؤمنين والمؤمنات، فقال له عمر: أعطيك شيئًا من رزقي أو من عطائي تستعين به، فقال: ثوباي جديدان، ونعلاي مخصوفتان، ومعي أربعة دراهم، ولي فضلة عند القوم، فمتى أفني هذا، إنه من أمل جمعة أمل شهرًا، ومن أمل شهرًا أمل سنة، ثم رد على القوم إبلهم، ثم فارقهم، فلم ير بعد ذلك، رواه ابن عساكر في (تاريخه) (١)، واللَّه أعلم.\n٦٢٦٧ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (هم أرق أفئدة وألين قلوبًا) الأفئدة جمع فؤاد بضم الفاء وبالهمزة، والفؤاد بفتح الفاء والواو غريب، وقد قرئ به. وفي\n_________\n(١) \"تاربخ دمشق\" (٩/ ٤٢٢).","vol":"9","page":805},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\n(القاموس) (١): فأد الخبز كمنع: جعله في الْمَلَّةِ، واللحم في النار: شَوَاهُ، وافتأدوا: أوقدوا نارًا، والتفؤد: التحرق، ومنه الفؤاد للقلب، وقال في باب الباء: قلبه يقلبه: حوله عن وجهه كأقلبه، والقلب: الفؤاد، أو أخص منه، والعقل، ومحض كل شيء، انتهى. ولعل أخصية القلب من الفؤاد يأخذ معنى القلب واعتباره فيه، فالقلب هو الفؤاد باعتبار كونه متقلبًا حالًا فحالًا بسبب ما تعتريه من الأحوال، كما في الحديث: (مثل القلب كريشة في فلاة تقلبها الرياح) (٢)، ويشعر به قوله -ﷺ-: (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على الإيمان).\nقال في (المشارق) (٣): أضعف قلوبًا، ويروى: ألين قلوبًا، وأرق أفئدة، وقال: الفؤاد والقلب لفظان بمعنى كرر لفظهما لاختلافه تأكيدًا، وقيل: الفؤاد عبارة عن باطن القلب، وقيل: الفؤاد عين القلب، وقيل: غشاء القلب، والقلب جثته، ومعنى الضعف والرقة واللين هنا كناية عن سرعة الإجابة وضد القسوة التي وصف بها غيرهم، انتهى كلام المشارق. ويشير إلى اتحادهما في المعنى، وهو صحيح باعتبار ما أريد هنا، ولهذا قال في حديث: (أفئدتهم مثل أفئدة الطير) حيث قال: يريد في الرقة واللين، وفي اللغة الرقة ضد الغلظة، واللين ضد الصلابة، فالزجاج مثلًا رقيق وليس بلين، فالقلب إذا لم يتأثر عن الآيات والنذر يوصف بالغلظة والصلابة، وإذا كان بعكس ذلك يوصف بالرقة واللين، وقيل: بناء على القول بأن الفؤاد غشاء القلب أنه إذ رق\n_________\n(١) \"القاموس المحيط\" (ص: ٢٧٦، ١١٧).\n(٢) أخرجه أحمد في \"مسنده\" (١٩٧٥٧).\n(٣) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٤٤).","vol":"9","page":806},{"text":"الإيمَان يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ،\nــ\nالفؤاد نفذ القول فيه، ووصل إلى ما وراء القلب، وإذا غلظ تعذر وصوله إلى داخله، وقال الطيبي (١): يحتمل أن يكون المراد بالرقة جودة الفهم، وباللين قبول الحق، فتدبر.\nوقوله: (الإيمان يمان) أصله يمني حذف إحدى اليائين وعوض عنها الألف، وقيل: قدم إحداها وقلبت ألفًا فصار كقاضٍ، وبالجملة كانت صيغة النسبة بمعنى يمني.\nوقوله: (والحكمة يمانية) بخفة الياء على الأصح المشهور، وحكي تشديدها، وفيه جمع بين العوض والمعوض عنه، قال في (المشارق) (٢): قوله: يمانية خفف الياء ولم يشددها لأن الألف عوض من ياء النسبة، فلا تجتمعان عند أكثر النحاة، وحكي عن سيبويه جواز تشديد الياء.\nثم اختلفوا في أن نسبة الإيمان والحكمة إلى اليمن، فقيل: لأن الدين بدأ من مكة وهي تهامة، وتهامة من أرض اليمن، ولذا يقال: الكعبة يمانية، وقيل: قال -ﷺ- هذا القول وهو بتبوك، ومكة والمدينة بينه وبين اليمن فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد الحرمين، وابتداء الإيمان من مكة وظهوره من المدينة، وقيل: أراد به الأنصار وهم من عرب اليمن في الأصل وهم نصروا الإيمان والمؤمنين، وآووهم، فنسب الإيمان إليهم، وعليه حمل بعضهم قوله -ﷺ-: (إني لأجد نَفَسَ الرحمن من جانب اليمن)، يريد تنفيسه وتفريجه من الكرب الذي لحقه في تتميم الإيمان وتبليغ الأحكام.\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٢/ ٣٦١).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ٣٠٤).","vol":"9","page":807},{"text":"وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَصْحَابِ الإِبِلِ، وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٤٣٨٨، م: ٨٥].\nــ\nونقل عن النووي: أنه قال: لا مانع من حمله على الحقيقة لأن من قوي في شيء نسب إليه، وهكذا كان حال الوافدين منهم لقوله: (جاءكم أهل اليمن وهم أرق أفئدة. . . إلخ)، مع أنه لا ينفي الإيمان عن غيرهم، ولا ينبغي كونه حجازيًّا، وإنما ينبيء عن استعداد اليمن لقبول ذلك واستقرار أمرهم عليه، ثم المراد الموجودون منهم حينئذ، لا كلهم في كل زمان، ثم في قوله -ﷺ-: (والإيمان يمان والحكمة يمانية) إشارة إلى ما جاء في الأحاديث الصحيحة أنه لما جاء أهل اليمن، ووفد منهم أبو موسى الأشعري في جماعة من رفقاء، فقالوا: يا رسول اللَّه -ﷺ- أتيناك للتفقه في الدين ونسألك عن أول هذا الأمر كيف كان؟ قال رسول اللَّه -ﷺ-: (كان اللَّه ولم يكن معه شيء، وكان عرشه على الماء، ثم كتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السماوات والأرض)، فسألوا عن أصول الدين الذي عليه مدار الإيمان، وهو يشمل على معرفة حقائق الأشياء التي هي معنى الحكمة، وسبق شرح الحديث في (باب بدء الخلق)، والتفصيل هناك أكثر، ولقد تكرر بعض المعاني والفوائد في مواضع متفرقة من هذا الشرح، ولا بأس، فإن الحوالة بالرجوع إلى ما ذكر ووجدانه بالفحص عن تلك المواضع عسير جدًّا، ولقد فعل بعض الشارحين كذلك خصوصًا الكرماني فاتبعناهم، وهو أسهل وأقرب.\nوقوله: (والفخر والخيلاء في أصحاب الإبل. . . إلخ) الفخر: المباهاة والمنافسة، قال في (القاموس) (١): الفخر والفخار بفتحهما: التمدح بالخصال، والخيلاء بضم المعجمة وفتح التحتانية ممدودًا: الكبر الناشئ عن تخيل الإنسان\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٢٤٢).","vol":"9","page":808},{"text":"٦٢٦٨ - [٣] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"رَأسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ. . . . .\nــ\nفضيلة من نفسه والعجب به، فإذا أظهره على الغير واستحقره سمي تكبرًا، ومنه سمي الفرس خيلًا لأن أكثر من ركبه يقع في هذا الخيال، ووجد في نفسه شيئًا من ذلك، والحديث دل على أن مخالطة الحيوانات مما تؤثر في نفس الآدمي وتُعَدِّي إليها هيئاتٍ تناسب طباعها، فالراعي خلقه يناسب ما يرعاه، فلما كان في طبيعة الإبل قساوة وفظاظة، وفي الغنم لين وسكينة تعديا إلى راعيها، كذا قالوا، وقيل: لا بد لأصحاب الغنم من مقاربة العمرانات والاختلاط بأهلها، فإن الغنم لا تصبر عن الماء، ولا تحتمل البرد، فذلك يؤدي إلى عدم خروجهم عن طاعة الإمام، وأما أصحاب الإبل فإن بعدهم عن العمرانات، وكونهم في البوادي والصحاري، وقلة اختلاطهم بالخلق يحملهم على الطغيان والخروج عن الطاعة، هذا والظاهر أن المالية في الإبل كثيرة فيفضي إلى الفخر والتكبر بخلاف الغنم، وإن لفظ الأصحاب ليس أظهر في الرعاة منها في ملاكها، بل لا يبعد أن يكون في ملاكهم أظهر من الرعاة، واللَّه أعلم.\n٦٢٦٨ - [٣] (وعنه) قوله: (رأس الكفر نحو المشرق) أي: منه يظهر الكفر والفتن كالدجال ويأجوج ومأجوج وكفرة الترك، قال السيوطي: قال الباجي: يحتمل أن يريد فارس وأن يريد أهل نجد، وقال في (المشارق) (١): هذا كناية عن معظمه أو إشارة إلى معين مخصوص كالدجال ويأجوج ومأجوج أو غيره من رؤساء الضلال، أو يكون إشارة إلى إبليس لأن الشمس تطلع بين قرني الشيطان على أحد التأويلات، انتهى. أقول: وإليه ينظر الحديث الآتي في آخر الفصل، لكن على هذا ينبغي أن يحمل\n_________\n(١) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٧٦).","vol":"9","page":809},{"text":"وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالإِبِلِ وَالْفَدَّادِينَ. . . . .\nــ\nعلى المجموع.\nوقوله: (في أهل الخيل) كون الفخر والخيلاء في أهل الخيل ظاهر كما عرفت في شرح الحديث السابق، ولا حاجة إلى القول باكتساب الإنسان الأخلاق من الحيوانات، ويقرب الذهاب إلى الوجه الذي ذكرنا في كون الفخر والخيلاء في أصحاب الإبل، وإلى حمل الأصحاب على الملاك دون الرعاة، فليتأمل.\nوقوله: (والفدادين) في (القاموس) (١): الفديد الصوت أو شدته، والفداد: الصَّيِّتُ الجافي الكلام، والمتكبر، وقال في (المشارق) (٢): (فدد) الجفاء والقسوة [في الفدادين]، الرواية في هذا الحرف بتشديد الدال الأولى عند أهل الحديث وجمهور أهل اللغة والمعرفة، وكذا قاله الأصمعي مشددًا، وقال: هم الذين تعلو أصواتهم في حروثهم ومواشيهم وأموالهم، يقال منه: فد الرجل يفد بكسر الفاء فديدًا: إذا اشتد صوته، وقال أبو عبيد: هم المكثرون من الإبل، وهم جفاة أهل خيلاء، وقال المبرد: هم الرعيان والجمالون والبقارون، وقال مالك: الفدادون أهل الجفاء، وقيل: الأعراب، وقال أبو عمرو بن العلاء: هم الفدادون مخففة واحدها فدان مشددًا، وهي البقرة التي تحرث بها، وأهلها أهل جفاء لبعدهم عن الأمصار، قال أبو بكر: أراد أصحاب الفدادين فحذف مضاف، وقال: ولا يحتاج في هذا إلى حذف مضاف، وإنما يكون على هذا الفدادون بالشد صاحب الفدادين بالتخفيف، كما يقال: بغال لصاحب البغال، وجمال لصاحب الجمال، انتهى كلام القاضي في (المشارق).\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٢٧٦).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (٢/ ١٤٨).","vol":"9","page":810},{"text":"أَهْلِ الْوَبَرِ وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٣٠١، م: ٨٥].\n٦٢٦٩ - [٤] وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \"مِنْ هَهُنَا جَاءَتِ الْفِتَنُ -نَحْوَ الْمَشْرِقِ-، وَالْجَفَاءُ وَغِلَظُ الْقُلُوبِ فِي الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ عِنْدَ أُصُولِ أَذْنَابِ الإِبِلِ وَالْبَقَرِ. . . . .\nــ\nوقال التُّوربِشْتِي (١): الفدادون يروى من وجهين بالتشديد، وهم الذين تعلو أصواتهم في أموالهم ومواشيهم، وبالتخفيف وهي البقر التي تحرث بها، واحدها فدان بالتشديد، تقديره: في أهل الفدادين، وأرى أصوب الروايتين بالتشديد، لما في حديث أبي مسعود الذي يتلو هذا الحديث، والتخفيف في هذه الرواية غير مستقيم، وتقدير الحذف مستبعد، فرددنا المختلف فيه إلى المتفق عليه، وقد صح عن النبي -ﷺ- أنه رأى سكة أو شيئًا من آلة الحرث، فقال: \"ما دخل هذا دار قوم إلا دخل عليهم الذل\"، وأن إيقاع الفخر والجفاء في موقع الذل، انتهى، فتدبر.\nوقوله: (أهل الوبر) بيان للفدادين، وهم سكان البوادي يسكنونها في الخيام، وربما يؤيد هذا أن لا يكون المراد أهل الحراثة بل أهل المواشي وسكان البادية، كما اختاره التُّوربِشْتِي.\n٦٢٦٩ - [٤] (أبو مسعود) قوله: (نحو المشرق) بالنصب، أي: حال كونه مشيرًا نحوه.\nوقوله: (والجفاء وغلظ القلوب) وفي رواية: (والجفاء والقسوة).\nوقوله: (عند أصول أذناب الإبل) ظرف للفدادين، أي: لهم صياح عند سوقهم لها، ويجوز أن يكون ظرفًا مستقرًا، أي: كانتين عندها.\n_________\n(١) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٣٥٦).","vol":"9","page":811},{"text":"فِي رَبِيعَةَ وَمُضَرَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٤٩٨، م: ٨١].\n٦٢٧٠ - [٥] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"غِلَظُ الْقُلُوبِ وَالْجَفَاءُ فِي الْمَشْرِقِ، وَالإِيمَانُ فِي أَهْلِ الْحِجَازِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٩٢].\n٦٢٧١ - [٦] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: \"اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا، اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا\". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: \"اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا، اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا\". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَفِي نَجْدِنَا؟ فَأَظُنُّهُ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ: \"هُنَاكَ الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٧٠٩٤].\nــ\nوقوله: (في ربيعة ومضر) بدل من الفدادين.\n٦٢٧٠ - [٥] (جابر) قوله: (غلظ القلوب والجفاء في المشرق) لكونه محل الكفر والفتن.\n٦٢٧١ - [٦] (ابن عمر) قوله: (اللهم بارك لنا في شامنا، اللهم بارك لنا في يمننا) قيل: إنما خص الشام واليمن بالدعاء، لأن مكة مولده، وهي من اليمن، والمدينة مسكنه ومدفنه، وهي من الشام (١)، والنجد: اسم لما ارتفع من الأرض، وهو اسم خاص لما دون الحجاز مما يلي العراق: ضد الغور، وهي تهامة.\nوقوله: (وبها يطلع قرن الشيطان) أي: حزبه وأعوانه.\n_________\n(١) انظر: \"مرقاة المفاتيح\" (٩/ ٤٠٣٨).","vol":"9","page":812},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1341> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٦٢٧٢ - [٧] عَنْ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَظَرَ قِبَلَ الْيَمَنِ فَقَالَ: \"اللهُمَّ أَقْبِلْ بِقُلُوبِهِمْ، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا ومُدِّنَا\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٣٩٣٤].\n٦٢٧٣ - [٨] وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"طُوبَى لِلشَّامِ\"، قُلْنَا: لِأَيٍّ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: \"لأَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَنِ بَاسِطَةٌ أَجْنِحَتَهَا عَلَيْهَا\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ. [حم: ٥/ ١٨٤، ت: ٣٩٥٤].\nــ\nالفصل الثاني\n٦٢٧٢ - [٧] (أنس) قوله: (اللهم أقبل بقلوبهم) أي: اجعل قلوبهم مقبلة إلينا، ووجه مناسبة الدعاء بالبركة في الصاع والمد لأن أهل المدينة كانوا في ضيق عيش لا يقوم [بهم]، فلما دعا بإقبال قلوب اليمن إليها، وهم جم غفير فقراء دعا بالبركة في طعام أهلها ليتسع على المقيمين والقادمين.\n٦٢٧٣ - [٨] (زيد بن ثابت) قوله: (طوبى) فعلى من الطيب أصله طيبي، أبدلت ياؤه واوًا لسكونها وانضمام ما قبلها.\nوقوله: (لأي ذلك) بالتنوين بدلًا عن المضاف إليه المحذوف، أي: لأي سبب ذلك، قال الطيبي (١): وقد أثبت في بعض نسخ (المصابيح) لفظ (شيء).\nوقوله: (لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليها) قد أثبت الأجنحة للملائكة في الكتاب والسنة، قالوا: ليس ذلك كما يتوهم من أجنحة الطير، ولكنها عبارة عن\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٢/ ٣٦٣).","vol":"9","page":813},{"text":"٦٢٧٤ - [٩] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"سَتَخْرُجُ نَارٌ مِنْ نَحْوِ حَضْرَمَوْتَ أَوْ مِنْ حَضْرَمَوْتَ تَحْشُرُ النَّاسَ\"، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَا تَأْمُرنَا؟ قَالَ: \"عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٢١٧].\nــ\nصفات الملائكة وقواهم، ولا يعرف إلا بالمعاينة، وليس طائر له ثلاثة أجنحة ولا أربعة، فكيف بست مئة مثلًا، وبالجملة لا بد من إثبات الأجنحة للملائكة والكف عن كيفيتها، وإضافة الملائكة إلى الرحمن إشارة إلى شمول الرحمة والرأفة على أهل الشام، ولعل المراد بهم الأبدال الذين يكونون بالشام أو يعم الكل، واللَّه أعلم.\n٦٢٧٤ - [٩] (عبد اللَّه بن عمر) قوله: (من نحو حضرموت) بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الراء والميم، غير منصرف، من بلاد اليمن مشهورة، وقد يضم الميم، وجاء بالتصغير حضيرموت، كذا في (القاموس) (١)، وقال في (المشارق) (٢): وهذيل تقول: حضرموت بضم الميم، وقال التُّوربِشْتِي (٣): يحتمل أن يكون رأى عين وهو الأصل، ويحتمل أنها فتنة عبر عنها بالنار، وقد مر ذكر نار تطرد الناس إلى محشرهم في أمارات الساعة، ويظهر أن تلك النار تسوقهم إلى الشام بلا اختيارهم، وهذا الحديث يدل على أمرهم باختيار السفر إلى الشام، فلعل الظاهر أن المراد فتنة عبر عنها بالنار.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٣٤٠).\n(٢) \"مشارق الأنوار\" (١/ ٢٢١).\n(٣) \"كتاب الميسر\" (٤/ ١٣٥٧).","vol":"9","page":814},{"text":"٦٢٧٥ - [١٠] وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّهَا سَتَكُونُ هِجْرَةٍ بَعْدَ هِجْرَةٍ، فَخِيَارُ النَّاسِ إِلَى مُهَاجَرِ إِبْرَاهِيمَ\". وَفِي رِوَايَةٍ: \"فَخِيَارُ أَهْلِ الأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ، وَيَبْقَى فِي الأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا، تَلْفِظُهُمْ أَرَضُوهُمْ، تَقْذِرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ،\nــ\n٦٢٧٥ - [١٠] (عبد اللَّه بن عمرو) قوله: (إنها ستكون هجرة بعد هجرة) قيل: أي ستكون هجرة إلى الشام بعد هجرةٍ كانت إلى المدينة، وعلى هذا المعنى كان الظاهر أن يقال: هجرة بعد الهجرة، لكن روعي المناسبة مع الأولى في التنكير، وقيل: المراد التكرير، وهو الأظهر من سياق الحديث، وذلك حين تكثر الفتن في البلاد ويستولي الكفرة، ويقل فيها القائمون بأمر اللَّه في دار الإسلام، وتبقى البلاد الشامية محروسة تسوسها العساكر الإسلامية ظاهرين على الحق حتى يقاتلوا الدجال، فمن أراد المحافظة على دينه هاجر إليها، قال التُّوربِشْتِي: إنما أتى بها منكرة لتساوي الأولى في الصيغة.\nوقوله: (فخيار الناس) تفصيل للمجمل المذكور، أي: هجرتهم، أو يهاجرون (إلى مُهَاجَر إبراهيم) بضم الميم وفتح الجيم موضع المهاجرة وهو الشام.\nوقوله: (فخيار أهل الأرض) مبتدأ، و(ألزمهم) بصيغة اسم التفضيل خبر، و(مهاجر) نصب على الظرف لألزمهم لا مفعول به؛ لأن اسم التفضيل لا يعمل في الظاهر إلا في الفاعل في مسألة الكحل.\nوقوله: (تلفظهم) أي: ترميهم وتقذفهم (أرضوهم) بفتح الراء جمع أرض بالواو والنون كأنها تستنكف عنهم.\nوقوله: (تقذرهم) بكسر الذال، أي: تكرههم (نفس اللَّه) أي: ذاته تعالى من باب التمثيل المركب، أي: تبعدهم من مظان رحمته ومحل كرامته، وقد جاء إطلاق النفس","vol":"9","page":815},{"text":"تَحْشُرهُمْ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، تَبِيتُ مَعَهُمْ إِذَا بَاتُوا وَتَقِيلُ مَعَهُمْ إِذَا قَالُوا\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٢٤٨٢].\n٦٢٧٦ - [١١] وَعَنِ ابْنِ حَوَالَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"سَيَصِيرُ الأَمْرُ إِلَى أَنْ تَكُونُوا جُنُودًا مُجَنَّدَةً: جُنْدٌ بِالشَّامِ، وَجُنْدٌ بِالْيَمَنِ، وَجُنْدٌ بِالْعِرَاقِ\". فَقَالَ ابْنُ حَوَالَةَ: خِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ،\nــ\nعلى دْات اللَّه كقوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦]، وقالوا فيه: إنه من باب المشاكلة، وليس في الحديث المشاكلة.\nوقوله: (تحشرهم) أي: تجمعهم (النار) أي: نار الفتنة التي هي نتيجة أفعالهم القبيحة (مع القردة والخنازبر)، والمراد إما حقيقتها أو معنى كونهم معهم كونهم متخلقين بأخلاقهم، أو المراد ناس سوء والكفرة الذين هم كالقردة والخنازير.\nوقوله: (تبيت) أي: نار الفتنة (معهم إذا باتوا، وتقيل) من القيلولة وهو النوم في نصف النهار، والمراد ملازمة الفتنة إياهم ليلًا ونهارًا، يعني أنهم وإن انتقلوا من أرض إلى أرض خوفًا من الفتنة، لكن الفتنة لا تفارقهم لشمولها البلاد سوى البلاد الشامية، فمن هاجر إليها أسلم منها وحفظ دينه، فقوله: (تلفظهم) (تقذرهم) (تحشرهم) ثلاث جمل مستأنفة جاءت بغير عطف، قال الطيبي (١): ولعل الحديث إشارة إلى العصر الذي نحن فيه، أقول: فما حال عصرنا! نسأل السلامة والعافية.\n٦٢٧٦ - [١١] (ابن حوالة) قوله: (وعن ابن حوالة) بفتح الحاء المهملة مخففًا.\nوقوله: (جنودًا مجندة) بضم الميم وفتح الجيم وتشديد النون، أي: مختلفة،\n_________\n(١) \"شرح الطيبي\" (١٢/ ٣٦٥).","vol":"9","page":816},{"text":"فَقَالَ: \"عَلَيْك بِالشَّامِ فَإِنَّهَا خِيَرَةُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ، يَجْتَبِي إِلَيْهَا خِيَرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَأَمَّا إِنْ أَبَيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ بِيَمَنِكُمْ، وَاسْقُوا مِنْ غُدَرِكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ تَوَكَّلَ لِي بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. [حم: ٤/ ١١٠، د: ٢٤٨٣].\nــ\nوقيل: مجتمعة، كما في حديث: (الأرواح جنود مجندة)، و(الخيرة) بكسر الخاء وفتح الياء وقد تسكن، في (القاموس) (١): خار الشيء: انتقاه كتخيره، والاسم الخيرة بالكسر وكعنبة، وخار اللَّه في الأمر: جعل لك فيه الخير، وإذا أردت التفضيل، قلت: فلان خيرة الناس بالهاء.\nوقوله: (فأما إن أبيتم) أي: امتنعتم ما اختاره اللَّه لكم من القصد إلى الشام، واخترتم بلادكم مسقط رأسكم، وأضاف اليمن إليهم لأن المخاطبين عرب واليمن من أرضهم، وهذا وقع معترضًا بين (عليك بالشام) وقوله: (واسقوا من غدركم) لأنه راجع إلى قوله: (عليك بالشام)، أي: لِيَسْبق كل من غديره الذي اختص به، فلا يزاحم غيره لا سيما أهل الثغور، لئلا يكون ذلك سببًا للاختلاف وتهيج الفتن، كذا قالوا، وأقول: أي دليل على تخصيص تعلقه بالشام؟ وظاهر العبارة أن يتعلق لقوله: (فعليكم بيمنكم) أو بالكل، وهذا حكم يشترك فيه الكل لاشتراك العلة، واللَّه أعلم. و(الغدر) بضمتين جمع غدير، وهو ما اجتمع من الماء يغادره السيل.\nوقوله: (فإن اللَّه ﷿ توكل لي بالشام) قيل: هكذا في سائر نسخ (المصابيح)، والصواب: قد تكفل لي، وهذا إن كان من حيث الرواية فلا كلام، وإلا فالتوكل قد يراد به التكفل، فإن من توكل في شيء فقد تكفل القيام به، والمعنى أنه تعالى ضمن لي حفظها وحفظ أهلها من بأس الكفرة واستيلائهم.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٣٥١).","vol":"9","page":817},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1342> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٦٢٧٧ - [١٢] عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: ذُكِرَ أَهْلُ الشَّام عِنْدِ عَلِيٍّ، وَقِيلَ: الْعَنْهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: لَا، أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: \"الأَبْدَالُ يَكُونُونَ بِالشَّامِ، وَهُمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، كُلَّمَا مَاتَ رَجُلٌ أَبْدَلَ اللَّهُ مَكَانَهُ رَجُلًا، يُسْقَى بِهِمُ الْغَيْثُ، وَيُنْتَصَرُ بِهِمْ عَلَى الأَعْدَاءِ، وَيُصْرَفُ عَنِ أَهْلِ الشَّامِ بِهِمُ الْعَذَابُ\".\nــ\nالفصل الثالث\n٦٢٧٧ - [١٢] (شريح بن عبيد) قوله: (ذكر أهل الشام) المراد به معاوية ومن معه من مخالفي علي ويكونون بالشام.\nوقوله: (الأبدال يكونون بالشام) يعني فلا يجوز لعن أهلها لئلا يتناولهم، وهذا رد ودفع منه -﵁- للعن أهل الشام بالفعل دفعًا للمشاغبة، ولا يلزم منه جواز لعن الباقين من سواهم، كما قد يتبادر إلى الفهم، كيف وقد روي عن علي -﵁-: إخواننا بغوا علينا، وغير ذلك مما يدل على إسلامهم، ولهذا الحديث طرق من الأحاديث والآثار.\nوعن صفوان (١) بن عبد اللَّه بن صفوان قال: قال رجل يوم صفين: اللهم العن أهل الشام، فقال علي -﵁-: لا تسبوا أهل الشام جمًّا غفيرًا، فإن بها الأبدال، فإن بها الأبدال، فإن بها الأبدال ثلاثًا، رواه ابن راهوية والذهبي والبيهقي في (الدلائل)، قال ابن حجر: وله شاهد من حديث ابن أبي زرير الغافقي عن علي موقوفًا، وأيضًا رواه ابن يونس في (تاريخ مصر).\n_________\n(١) انظر: \"جامع الأحاديث\" (٣٣٨٩١)، و\"كنز العمال\" (٣٧٩١٧).","vol":"9","page":818},{"text":"٦٢٧٨ - [١٣] وَعَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"سَتُفْتَحُ الشَّامُ فإِذَا خُيِّرْتم المنازلَ فِيهَا فَعَلَيْكُم بِمَدِينَة يُقَال لَهُ دِمَشْقُ، فَإِنَّهَا مَعْقِلُ الْمُسْلِمِينَ. . . . .\nــ\nوعن ابن عمر (١) عن النبي -ﷺ- قال: خيار أمتي خمس مئة والأبدال أربعون فلا الخمس مئة ينقصون، ولا الأربعون ينقصون، كلما مات بدل أبدل اللَّه من الخمس مئة مكانه، وأدخل في الأربعين مكانهم، فلا الخمس مئة ينقصون ولا الأربعون ينقصون، فقالوا: يا رسول اللَّه! دلنا على أعمال هؤلاء، فقال: هؤلاء يعفون عمن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويواسون مما آتاهم اللَّه، وتصديق ذلك في كتاب اللَّه: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].\nوعن رجاء بن حيوة (٢) عن علي أنه قال: يا أهل العراق لا تسبوا أهل الشام، فإن فيهم الأبدال، لا يموت رجل منهم إلا أبدل اللَّه مكانه آخر، وجاء عن الحارث ابن حرمل مثله، ذكر ذلك كله السيوطي في (جمع الجوامع).\n٦٢٧٨ - [١٣] (رجل من الصحابة) قوله: (فإذا خيرتم) بلفظ المجهول، و(دمشق) بكسر الدال وفتح الميم على الأشهر الأفصح.\nوقوله: (فإنها معقل المسلمين) أي: ملجؤهم يلتجئون إليها، ويتحصنون بها، والعقل: الحصن والملجأ، والمعقل كمنزل: الملجأ، كذا في (القاموس) (٣)، ويطلق على معقل الأروية بالجبل، كما في حديث: (ليعقلن الدين من الحجاز معقلَ الأُرْوِيَّةِ\n_________\n(١) انظر: \"جامع الأحاديث\" (٣٩٦٥١)، و\"كنز العمال\" (٣٧٩١٨).\n(٢) انظر: \"جامع الأحاديث\" (٣٢٨٥٩)، و\"كنز العمال\" (٣٧٩١٩، ٣٧٩٢٠).\n(٣) \"القاموس\" (ص: ٩٣١).","vol":"9","page":819},{"text":"مِنَ الْمَلَاحِم، وَفُسْطَاطُهَا مِنْهَا أَرْضٌ يُقَالُ لَهَا: الْغُوطَةُ\". رَوَاهُمَا أَحْمَدُ. [حم: ٨٩٦، ١٧٤٧٠].\n٦٢٧٩ - [١٤] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"الْخِلَافَةُ بِالْمَدِينَةِ وَالْمُلْكُ بِالشَّام\".\nــ\nمن رأس الجبل) (١)، وليس مفهوم المعقل مخصوصًا بذلك حتى يعتبر في هذا الحديث مجاز في قوله: (معقل المسلمين) لتحصنهم والتجائهم مثل التجاء الوعل إلى رأس الجبل، كما ذكره الشارحون، فافهم. و(الملاحم) جمع الملحمة وهي الحرب، من التحمت الحرب: إذا اشتدت، والتحم الجرح: اشتد، والمادة للقوة والاشتداد، و(الفسطاط) مجتمع أهل الكورة، وعلم مصر العتيقة التي بناها عمرو بن العاص، والسرادق من الأبنية، والمراد هنا البلدة الجامعة، و(الغوطة) بضم الغين المعجمة: مدينة دمشق أو كورتها، وقال الطيبي (٢): الغوطة اسم بساتين ومياه حول دمشق، وهي غوطتها، كذا في (النهاية) (٣)، وقيل: الغوطة بالضم: بلد قريب من دمشق.\n٦٢٧٩ - [١٤] (أبو هريرة) قوله: (الخلافة بالمدينة والملك) لعله إشارة إلى خلافة علي وملك معاوية كما يدل عليه حديث: (الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم يصير ملكًا عضوضًا)، وأما الملك الواقع في حديث صفة النبي -ﷺ- (وملكه بالشام) فالمراد به النبوة والدين، فإن ذلك يكون بالشام أغلب وإلا فملكه بجميع الآفاق، وقيل: معناه الغزو والجهاد ثمة، فإنه لا ينقطع الجهاد في بلاد الشام أصلًا، وأمر\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في \"سننه\" (٢٦٣٠).\n(٢) \"شرح الطيبي\" (١٢/ ٣٦٨).\n(٣) \"النهاية في غريب الحديث والأثر\" (٣/ ٣٩٦).","vol":"9","page":820},{"text":"٦٢٨٠ - [١٥] وَعَنْ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"رَأَيْتُ عَمُودًا مِنْ نُورٍ خَرَجَ مِنْ تَحْتِ رَأْسِي سَاطِعًا حَتَّى اسْتَقَرَّ بِالشَّامِ\". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي \"دَلَائِل النُّبُوَّة\". [٦/ ٤٤٧].\n٦٢٨١ - [١٦] وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ إلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا: دِمَشْقُ مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ\". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٢٩٨].\n٦٢٨٢ - [١٧] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَيَأْتِي مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْعَجَم فَيَظْهَرُ عَلَى الْمَدَائِنِ كُلِّهَا إِلَّا دِمَشْقَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. [د: ٤٦٣٩].\n* * *\nــ\nبالمسافرة إليها لإدراك فضل الجهاد والرباط.\n٦٢٨٠ - [١٥] (عمر) قوله: (حتى استقر بالشام) يدل على ثبات الدين وتمكنه واستقراره وغلبته بالشام، ومن هذا القبيل خروج النور من بطن أمه -ﷺ- عند الولادة، وإضاءة بيوت الشام.\n٦٢٨١ - [١٦] (أبو الدرداء) قوله: (إن فسطاط المسلمن يوم الملحمة) ومنازل المسلمين ومحل اجتماعهم الغوطة، ولما كانت الغوطة قرية من دمشق ومن مضافاتها، لم يكن بين هذا الحديث والحديث السابق خلاف، والملحمة حرب الدجال.\n٦٢٨٢ - [١٧] (عبد الرحمن بن سليمان) قوله: (سيأتي ملك من ملوك العجم) لم يذكر الشارحون من هو، واللَّه أعلم.","vol":"9","page":821},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1343>١٤ - باب ثواب هذه الأمة</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1344> الْفَصْلُ الأَوَّلُ:</span>\n٦٢٨٣ - [١] عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّمَا أَجَلُكُمْ فِي أَجَلِ مَنْ خَلَا مِنَ الأُمَمِ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ،\nــ\nتنبيه: علم أنه قد جاءت أحاديث في فضل الشام وبيت المقدس وصخر وعسقلان وغيرها من قزوين وأندلس ودمشق، وحكم المحدثون على أكثرها بالضعف، وذكرها السيوطي في (جمع الجوامع)، وقال: لم أذكر في هذا الكتاب موسومًا بالوضع، واللَّه أعلم.\n١٤ - باب ثواب هذه الأمة\nفضل هذه الأمة المرحومة وكثرة ثوابها خارج عن حد الحصر، ولا يضبطه البيان، وكفى في ذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وأنها أمة محمد خاتم النبيين وسيد المرسلين وصفوة الخلائق أجمعين، الذي تمنى الأنبياء والرسل ﵈ أن يجعلوا من أمته، وما لهذه الأمة من الفضل والكمال، وما وجد فيه من الأولياء والعلماء والفضلاء وكراماتهم وكمالاتهم وفضائلهم، لم يوجد في أمة من الأمم السالفة، اللهم اجعلنا من أمته وارزقنا محبته، وتوفنا على ملته برحمتك يا أرحم الراحمين.\nالفصل الأول\n٦٢٨٣ - [١] (ابن عمر) قوله: (إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم) الأجل:","vol":"9","page":822},{"text":"وَإِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَرَجُلٍ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتَ الْيَهُودُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ؟ أَلَا فَأَنْتُمُ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ إِلَى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، أَلَا لَكُمُ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ،\nــ\nالمدة المضروبة للشيء، وهي جملة مدة العمر، وقد يطلق على الموت بإرادة الجزء الأخير منها، فيقول: مدة عمركم في جنب مجموع أعمار الأمم السابقة، كالمدة التي بين صلاة العصر إلى المغرب في جنب أول النهار إلى العصر، ومع ذلك أنتم أكثر ثوابًا منهم، أي: من مجموعهم، ثم بين النسبة بين هذه الأمة وبين اليهود والنصارى، فروى بقوله: (وإنما مثلكم ومثل اليهود)، وفي بعض الأصول: (إنما مثلكم واليهود)، والعطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار سواء كان حرفًا أو اسمًا ممتنع عند الجمهور، وجائز عند البعض لوقوعه في سعة الكلام وهو أرجح، وكفى به حجة قراءة حمزة في قوله تعالى: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١] بالجر والتأويل خلاف الظاهر.\nوقوله: (على قيراط قيراط) كرر ليدل على أن لكل واحد قيراطًا لا لمجموع العمال.\nوقوله: (مرتين) أي: ضعفين فضلًا من اللَّه تعالى، أو المراد مرة بتصديق نبيكم وأخرى بتصديق الأنبياء الماضية.","vol":"9","page":823},{"text":"فَغَضِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَهَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَإِنَّهُ فَضْلِي أُعْطِيهِ مَنْ شِئْتُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: ٣٤٥٩].\n٦٢٨٤ - [٢] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي. . . . .\nــ\nوقوله: (فغضبت اليهود والنصارى) اكتفى بذكر حال المشبه عن حال المشبه به اختصارًا، ثم الظاهر أن هذا تخييل وتصوير لا أن ثمة مقاولة ومغاضبة حقيقة، وحملها على حصولها عند إخراج الذر أو وقوعه يوم القيامة، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع تكلف مستغنى عنه، واللَّه أعلم.\nوقوله: (فإنه فضلي) أي: العطاء الكثير المدلول عليه بالسياق أو الأجر مرتين.\n٦٢٨٤ - [٢] (أبو هريرة) قوله: (إن من أشد أمتي لي حبًّا ناس) يعني يكون منه ناس أشد حبًّا لي من بعض هو زماني من أصحابي، أو المراد -واللَّه أعلم- أنهم وإن لم يكن حبهم أشد لكن لما كانوا بعدي من غير رؤيتي كان أشدّ حكمًا، والمعنى الأول أظهر بالنظر إلى السياق، وفي هذا الحديث وما يأتي من الأحاديث دلالة على أنه قد يأتي بعد الصحابة من يكون مساويًا لهم أو أفضل، وقد ذهب إليه ابن عبد البر تمسكًا بهذه الأحاديث، ذكره في (الصواعق) (١)، مع أنهم أجمعوا على أن الصحابة أفضل الأمة، وحملوا الأحاديث في إثبات جهة من الخيرية، والفضل الكلي الذي\n_________\n(١) \"الصواعق\" (٢/ ٦١١).","vol":"9","page":824},{"text":"يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: ٢٨٣٢].\n٦٢٨٥ - [٣] وَعَن مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّة قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ\". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: ٣٦٤١، م: ١٠٣٧].\nوَذُكِرَ حَدِيثُ أَنَسٍ: \"إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ\" فِي \"كِتَابِ الْقِصَاصِ\".\nــ\nهو عبارة عن أكثرية الثواب ثابت، وقيل: ذلك ثابت للصحابي بالمعنى الأخص، وهو من طالت صحبته وأخذه، وأما بالمعنى الأعم، وهو من رأى ولو مرة، فمحل نظر، والمسألة مذكورة محررة في موضعه، وقد ذكرنا نبذة منها في ترجمة (باب مناقب الصحابة)، واللَّه أعلم.\nوقوله: (يود أحدهم لو رآني بأهله وماله) أي: يتمنى أحدهم أن أكون مفديًّا بأهله وماله لو اتفق رؤيته إياي ووصوله إلي، وهذا وإن لم يكن ممكنًا، لكن التمني لا يشترط فيه الإمكان، ويجوز أن يكون المراد -واللَّه أعلم- رؤيته -ﷺ- بالكشف يقظة، كما يكون للكمل من الأولياء، ومنامًا أيضًا كما يكون لسائر المؤمنين، فإن من المشتاقين من يتمنى ذلك، ويرى أن لو كان حصل له ذلك بفداء أهله وماله بل روحه وجميع ماله لكان فيه سعادته في الدنيا والآخرة.\n٦٢٨٥ - [٣] (معاوية) قوله: (بأمر اللَّه) أي: شريعته ودينه وترويج سنته، وهم أصحاب الحديث، أو بالجهاد مع الكفار وهم الغزاة، وقالوا: المراد بهم المرابطون بئغور الشام في آخر الزمان، كما يشعر به قوله: (حتى يأتي أمر اللَّه)، وقد وقع في بعض الروايات: (وهم بالشام)، وفي بعضها: (حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال).\nوقوله: (من خذلهم) أي: لم ينصرهم ولم يعاونهم.","vol":"9","page":825},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1345> الْفَصْلُ الثَّانِي:</span>\n٦٢٨٦ - [٤] عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْمَطَرِ لَا يُدْرَى أَوَّلُهُ خَيْرٌ أَمْ آخِرُهُ\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. [ت: ٢٨٦٩].\nــ\nالفصل الثاني\n٦٢٨٦ - [٤] (أنس) قوله: (مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره) الضمير في أوله وآخره للمطر المشبه به، ويعلم منه حال الأمة المشبه به، ومدلول ظاهر الحديث الشك وعدم العلم بان أول الأمة خير أم آخرها، وهذا ليس بمقصود، فهو كناية عن كون الأمة كلهم خيرًا كالمطر كله خير ونافع، فحينئذ لا يكون (خير) اسم تفضيل، فيفهم أن الكل سواء في الخيرية والمنفعة في الدين، فالسابقون صحبوا الرسول واتبعوه وبلغوا دعوته وأسسوا قواعد الدين وعزروه ونصروه -ﷺ-، واللاحقون حفظوها وقرروها وأتموا بناءها وشيدوا أركانها ورفعوا منارها وأشاعوا أنوارها وأظهروا آثارها، ولو حمل على معنى التفضيل أيضًا، واعتبر تعدد وجوه الخيرية لم يبعد.\nوبالجملة هذا الحديث ينظر إلى التساوي أو التفاضل بالوجوه المختلفة، والمقرر عند الجمهور أن الفضل الكلي ثابت للصحابة، ولا ينافي ذلك ثبوت الفضل بالوجوه الجزئية لمن بعدهم، وأرادوا بالفضل الكلي أكثرية الثواب عند اللَّه.\nوقوله: (رواه الترمذي) وقال: هذا حديث حسن غريب، قيل: ورواه أحمد عن عمار بن ياسر، وابن حبان في (صحيحه) عن سليمان، وقال الشيخ: حديث: (مثل أمتي مثل المطر) حديث حسن له طرق يرتقي بها إلى الصحة، واللَّه أعلم.","vol":"9","page":826},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1346> الْفَصْلُ الثَّالِثُ:</span>\n٦٢٨٧ - [٥] عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَبْشِرُوا وَأَبْشِرُوا، إِنَّمَا مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ الْغَيْثِ لَا يُدْرَى آخِرُهُ خَيْرٌ أَمْ أَوَّلُهُ؟ أَوْ كَحَدِيقَةٍ أُطْعِمَ مِنْهَا فَوْجٌ عَامًا، ثُمَّ أُطْعِمَ مِنْهَا فَوْجٌ عَامًا، لَعَلَّ آخِرَهَا فَوْجًا أَنْ يَكُونَ أَعْرَضَهَا عَرْضًا وَأَعْمَقَهَا عُمْقًا وَأَحْسَنَهَا حُسْنًا،\nــ\nالفصل الثالث\n٦٢٨٧ - [٥] (جعفر) قوله: (أو كحديقة) (أو) هنا ليس للتردد بل يفيد التساوي في التشبيه، أي: بأيهما شئت أصبت، كما في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩]، والحديقة: الروضة ذات الشجر، والبستان من النخيل والشجر، أو كل ما أحاط به البناء، والقطعة منه النخل، كذا في (القاموس) (١)، شبهت الأمة في التمثيل الأول بالغيث في نفعهم الناس بالعلم والهدى، وفي الثاني بالحديقة في انتفاعهم بها، و(الفوج): الجماعة، والجمع فُوُوج وأفواج، وجمع الجمع أفاويج وأفاوج، وكذا الفيج، وأصل الفيج بالتشديد ككيّس وهيّن وميّت، ثم تخفف ككَيْس وهَيْن ومَيْت.\nوقوله: (ولعل آخرها فوجًا) تمييز. وقوله: (أن يكون) خبر لعل أدخلت فيه (أن) تشبيهًا بعسى، والضمير فيه عائد إلى (آخرها)، و(أعرضها) خبر (يكون)، وصف الأمة بالعرض، و(العمق) باعتبار ملابستها بالحديقة، ولم يذكر الطول اكتفاء، لأنه البعد المفروض أولًا.\nوقوله: (وأحسنها حسنًا) مع قرينته من قبيل جد جده.\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٧٨٥).","vol":"9","page":827},{"text":"كَيْفَ تَهْلِكُ أُمَّة أَنَا أَوَّلُهَا، وَالْمَهْدِيُّ وَسَطُهَا، وَالْمَسِيحُ آخِرُهَا، وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ فَيْجٌ أَعْوَجُ لَيْسُوا مِنِّي وَلَا أَنَا مِنْهُمْ\". رَوَاهُ رَزِينٌ.\n٦٢٨٨ - [٦] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"أَيُّ الْخَلْقِ أَعْجَبُ إِلَيْكُمْ إِيمَانًا؟ \" قَالُوا: الْمَلَائِكَةُ. قَالَ: \"وَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟ \" قَالُوا: فَالنَّبِيُّونَ. قَالَ: \"وَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ؟ \" قَالُوا: فَنَحْنُ. قَالَ: \"وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ \" قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِن أَعْجَبَ الْخَلْقِ إِلَيَّ إِيمَانًا لَقَوْمٌ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِي يَجِدُونَ صُحُفًا فِيهَا كِتَابٌ يُؤْمِنُونَ بِمَا فِيهَا\".\nــ\nوقوله: (أعوج ليسوا مني) كلاهما وصف للفيج، أفرد الأول باعتبار اللفظ، وجمع الثاني باعتبار المعنى.\n٦٢٨٨ - [٦] (عمرو بن شعيب) قوله: (أي الخلق أعجب إليكم إيمانًا؟) أي: أعظم لأن من تعجب من شيء عظم، وهذا مجاز، كذا قالوا، ويجوز حمله على الحقيقة.\nوقوله: (فالنبيون) لا يلزم منه فضل الملائكة على الأنبياء لأنه بمعنى كثرة الثواب، كما تقرر.\nوقوله: (والوحي ينزل) بلفظ المعلوم والمجهول.\nوقوله: (يكونون من بعدي) وهو المراد بقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] على وجه، أي: ملتبسين بالغيب غائبين عن المؤمن به.","vol":"9","page":828},{"text":"٦٢٨٩ - [٧] وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَلَاءِ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي آخِرِ هَذِهِ الأُمَّةِ قَوْمٌ لَهُمْ مِثْلُ أَجْرِ أَوَّلهِمْ، يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُقَاتِلُونَ أَهْلَ الْفِتَنِ\". رَوَاهُمَا الْبَيْهَقِيُّ فِي \"دَلَائِل النُّبُوَّة\". [٦/ ٥٣٨، ٦/ ٥١٣].\n٦٢٩٠ - [٨] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"طُوبَى لِمَنْ رَآنِي وَطُوبَى سَبْعَ مَرَّاتٍ لِمَنْ لَمْ يَرَبي وَآمَنَ بِي\". رَوَاهُ أَحْمَدُ. [حم: ٥/ ٢٤٨].\n٦٢٩١ - [٩] وَعَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ قَالَ: . . . . .\nــ\n٦٢٨٩ - [٧] (عبد الرحمن) قوله: (الحضرمي) بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة، نسبة إلى حضرموت.\nوقوله: (لهم مثل أجر أولهم) ظاهره يدل على المساواة في الثواب، وفي حديث آخر: (سيأتي زمان يكون للعامل فيه أجر خمسين) قيل: خمسين منهم أو منا يا رسول اللَّه؟ قال: (بل خمسين منكم)، أو كما قال، وهذا يوجب الأفضلية وتأويله ما ذكرنا.\n٦٢٩٠ - [٨] (أبو أمامة) قوله: (وطوبى سبع مرات) قيل: (سبع مرات) قول الراوي وظرف لـ (قال) مقدر، أي: ذكر رسول اللَّه -ﷺ- قوله: (طوبى لمن لم يرني) سبع مرات، وقيل: هو لفظ الحديث ومقول قول رسول اللَّه -ﷺ-، تعيين العدد علمه موكول إليه -ﷺ-، أو المراد التكثير، والظاهر من العبارة هو المعنى الثاني، وإلا فالظاهر في أمثاله قاله أو ذكره سبع مرات، وأيضًا الظاهر على الوجه الأول تأخيره عن قوله: (وآمن بي)، واللَّه أعلم.\n٦٢٩١ - [٩] (أبو محيريز) قوله: (وعن أبي محيريز) بضم الميم وفتح الحاء","vol":"9","page":829},{"text":"قُلْتُ لِأَبِي جُمُعَةَ -رَجُلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ-: حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-. قَالَ: نَعَمْ أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا جَيِّدًا: تَغَدَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَمَعَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَحَدٌ خَيْرٌ منَّا، أَسْلَمْنَا وَجَاهَدْنَا مَعَكَ؟ قَالَ: \"نَعَمْ قَوْمٌ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي\". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالدَّارِمِيُّ، وَرَوَى رَزِينٌ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مِنْ قَوْلِهِ: قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا إِلى آخِرِهِ. [حم: ٤/ ١٠٦، دي: ٢٧٨٦].\n٦٢٩٢ - [١٠] وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: \"إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلَا خَيْرَ فِيكُمْ، وَلَا يَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ\"، قَالَ ابْنُ الْمَدِينيِّ: هُمْ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [ت: ٢١٩٢].\nــ\nالمهملة وسكون يائين وكسر راء بينهما في آخره زاي، من أعيان التابعين.\nوقوله: (لأبي جمعة) بضم الجيم كما هو الأفصح في اسم اليوم المبارك المشهور، و(رجل) بدل من (أبي جمعة) أو خبر مبتدأ محذوف.\n٦٢٩٢ - [١٠] (معاوية بن قرة) قوله: (إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم) يريد -واللَّه أعلم- أن أهل الشام الذين يقومون بأمر اللَّه في آخر الزمان، فإذا فسدوا وهو حين تقوم القيامة، ولم يبق أحد يقول: لا إله إلا اللَّه كما ورد: (لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس) (فلا خير فيكم) إذ لم يبق من هو أهل الخير.\nوقوله: (هم أصحاب الحديث) على قول، والغزاة على قول آخر، كما أشرنا إليه في الحديث المذكور في آخر الفصل الأول من الباب.","vol":"9","page":830},{"text":"٦٢٩٣ - [١١] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَن رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: \"إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ\". رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ. [جه: ٢٠٤٣، هق: ١١٤٥٤].\nــ\n٦٢٩٣ - [١١] (ابن عباس) قوله: (إن اللَّه تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان) والخطأ ضد الصواب، والخطيئة: الذنب، أو ما تُعُمِّدَ منه، كذا في (القاموس) (١)، وقيل: خطأ: إذا تعمد، وأخطأ: إذا لم يتعمد، ويقال لمن أراد شيئًا ففعل غيره أو فعل غير الصواب: أخطأ، وبهذا المعنى يقع مقابلًا للعمد، كما إذا أراد أن يرمي إلى صيد، فأصاب رجلًا فقتله خطأ، أو قصد المضمضة فابتلع الماء خطأ.\nوالنسيان ضد الحفظ، والسهو بمعنى النسيان في (القاموس) (٢): سها في الأمر: نسيه وغفل عنه، وذهب قلبه إلى غيره، وقد يفرق بينهما، وذكرناه في (باب السهو في الصلاة)، ولعل المراد بالتجاوز عن الخطأ والنسيان عدم الإثم فيهما لا عدم المؤاخذة عليهما مطلقًا، فإنه تثبت الدية والكفارة في قتل الخطأ، ويجب قضاء الصوم عند الإفطار خطأ، وإنما لم يجب في النسيان لأنه مِنْ قِبَلِ من له الحق، كما قال: (تِمَّ على صومك، فإنما أطعمك اللَّه وسقاك). والإكراه كذلك تترتب عليه الأحكام كما في الإكراه على هلاك النفس أو تلف المال، وتفصيله في علم الفقه، ومع ذلك الإثم مرفوع في الكل، وهو المراد بالتجاوز، واللَّه أعلم.\nوأقول: لعله ذكر المؤلف هذا الحديث في آخر الكتاب اعتذارًا عمَّا وقع في هذا الكتاب من الخطأ والنسيان الذي لا يفارق الإنسان، ثم ختم بحديث خيرية هذه\n_________\n(١) \"القاموس\" (ص: ٣٨).\n(٢) \"القاموس\" (ص: ١١٦٨).","vol":"9","page":831},{"text":"٦٢٩٤ - [١٢] وَعَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. قَالَ: \"أَنْتُمْ تُتِمُّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [ت: ٣٠٠١، جه: ٤٢٨٨، دي ٢٨٠٢].\nــ\nالأمة المرحومة إشارة إلا أن العاقبة بالخير، وفيه من حسن المختم ما لا يخفى.\n٦٢٩٤ - [١٢] (بهز بن حكيم) قوله: (وعن بهز) بفتح الباء وسكون الهاء آخره زاي.\nوقوله: (كنتم خير أمة) أي: كنتم كذلك ثابتين في علم اللَّه مكتوبين في اللوح المحفوظ مذكورين في الأمم المتقدمة، والمراد جميع المؤمنين من هذه الأمة، فإن وجوه الخيرية التي يمتازون بها عمن عداهم من الأمم ثابت لكل منهم من حسن الاعتقاد وثبات القدم في الإيمان بينهم، والمحبة المتزائدة يومًا فيومًا به -ﷺ-، وعدم الارتداد والخروج عن ربقة الإسلام، ونحو ذلك، بخلاف أمة موسى وعيسى وغيرهما، وقيل: خاص بالمهاجرين، وقيل: بالشهداء والصالحين، والمراد الخيرية المخصوصة التامة الكاملة، كما ينبئ عن سوق الآية الكريمة ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الآية [آل عمران: ١١٠].\nوقوله: (قال) أي: في بيان الخير: (أنتم تتمون) من الإتمام (سبعين أمة) قالوا: المراد به التكثير لا التحديد، وقد يجيء هذا العدد بهذا المعنى كثيرًا، ولعله يكون -واللَّه أعلم- معظم الأمم السابقة وجمهورها ومشاهيرها بالغة هذا العدد، والمراد بالإتمام الختم، يعني: كما أن نبيكم خاتم الأنبياء وسيد المرسلين كذلك أنتم خواتم الأمم","vol":"9","page":832},{"text":"قَالَ مُؤَلِّفُ الْكِتَابِ شَكَرَ اللَّهُ سَعْيَهُ وَأَتَمَّ عَلَيْهِ نِعْمَتَهُ: قَدْ وَقَعَ الْفَرَاغُ مِنْ جَمْعِ الأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّةِ -ﷺ- آخِرَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مِنْ رَمَضَانَ عِنْدَ رُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَسَبْعِ مِئَةٍ، بِحَمْدِ اللَّهِ، وَحُسْنِ تَوْفيقِهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ وَآلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.\nــ\nوأكرمهم وأتمهم، وقد قال رسول اللَّه -ﷺ-: (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)، وقد ختم الكتاب بهذا الحديث المشتمل على هذا الخطاب، الشامل للخير والرحمة في كل باب، واللَّه أعلم فهو يلهم الصواب.\nقال المؤلف الفقير إلى اللَّه القوي الغني الباري عبد الحق بن سيف الدين الدهلوي البخاري القادري الحنفي رحم اللَّه على أسلافه وبارك في أخلافه: تم تسويد هذا الشرح عصر يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شهر ربيع الأول، خصنا اللَّه فيه بالفيض الباطن والظاهر، سنة ألف وخمس وعشرين من هجرة سيد المرسلين خاتم النبيين صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه أجمعين، وكان ابتداؤه في الثالث عشر من ذي الحجة سنة ألف وتسعة عشر، وقد وقع من مشاغل أخر في البين ما يبلغ مجموعه أكثر من سنتين.\nوقد انضم معه في هذه المدة من الشرح الفارسي على أكثر من نصف (المشكاة)، وشرح (فتوح الغيب) في جزء كبير، ورسائل أخر ما يشغل سنة كاملة في مجاري العادات، وقد ختم في الخانقاه القادرية ببلدة دهلي الذي هذا المملوك يكنسه ويخدمه ويوقد سراجه في مكان ابتدأ فيه كأنه تم في مجلس واحد، والمقصود بيان توفيق اللَّه سبحانه وإعطائه الاستقامة وتخصيصه عبده المسكين بالعافية والسلامة، فالحمد للَّه","vol":"9","page":833},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\nــ\nوالشكر على إتمام النعمة ونعمة التمام حمدًا يكافئ نعمه ويوافي مزيد كرمه، أحمده بجميع محامده ما علمت منها وما لا أعلم على جميع نعمه ما علمت منها وما لا أعلم عدد جميع خلقه ما علمت منهم وما لم أعلم، وصلى اللَّه على سيد الأولين والآخرين الذي اصطفاه اللَّه على جميع خلقه، وأرسله رحمة للعالمين محمد وآله وأصحابه وأزواجه وأتباعه أجمعين هداة طريق الحق ومحيي علوم الدين، وآخر دعواهم أن الحمد للَّه رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم.\nبحمد اللَّه وتوفيقه تمّ المجلد التاسع من \"لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح\"، وبذلك ينتهي الكتاب.\nويتلوه إن شاء اللَّه تعالى المجلد العاشر، وهو يحتوي على \"رسالة أجوبة الحافظ عن أحاديث المصابيح\" و\"الإكمال في أسماء الرجال\" للتبريزي والفهارس الفنية للكتاب.\nوصلى اللَّه تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وبارك وسلم تسليمًا كثيرًا.\n* * *","vol":"9","page":834},{"text":"لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح\nللخطيب التبريزي (ت: ٧٤١ هـ)\nتأليف العلامة المحدث عبد الحق الدهلوي\nعبد الحق بن سيف الدين بن سعد اللَّه البخاري الدهلوي الحنفي\nالمولود بدهلي في الهند سنة (٩٥٨ هـ) والمتوفى بها سنة (١٠٥٢ هـ) رحمه اللَّه تعالى\nتحقيق وتعليق الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي\nطبع على نفقة سمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان\nممثل صاحب السمو رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة\nالمجلد العاشر\nدار النوادر","vol":"10","page":1},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ","vol":"10","page":2},{"text":"لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح\n(١٠)","vol":"10","page":3},{"text":"دار النوادر\nالمؤسس والمالك نور الدين طالب\nمؤسسة ثقافية علمية تُعنى بالتراث العربي والإسلامي والدراسات الأكاديمية والجامعية المتخصصة بالعلوم الشرعية واللغوية والإنسانية تأسست في دمشق سنة ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٢ م، وأُشهرت سنة ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م.\nسوريا - دمشق - الحلبوني:\nص. ب: ٣٤٣٠٦\nجميع الحقوق محفوظة للمحقق\nيمنع طبع هذا الكتاب أو أي جزء منه بكافة طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي أو المسموع أو استخدامه حاسوبيًا بكافة أنواع الاستخدام وغير ذلك من الحقوق الفكرية والمادية إلا بإذن خطي من المؤسسة.\nالطبعة الأولى\n١٤٣٥ هـ - ٢٠١٤ م\nE-mail: info@daralnawader.com\nWebsite: www.daralnawader.com\nشركات شقيقة\nدار النوادر اللبنانية - لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٤٤٦٢ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١)\nدار النوادر الكويتية - الكويت - ص. ب: ١٠٠٨ - هاتف: ٢٢٤٥٣٢٣٢ - فاكس: ٢٢٤٥٣٣٢٣ (٠٠٩٦٥)\nدار النوادر التونسية - تونس - ص. ب: ١٠٦ (أريانة) - هاتف: ٧٠٧٢٥٥٤٦ - فاكس: ٧٠٧٢٥٥٤٧ (٠٠٢١٦)\nمركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية\nمظفرفور - أعظم جراه - يوبي - الهند\nالهاتف: ٥٤٦٢٢٧٠١٠٤ - ٠٠٩١\nالفاكس: ٥٤٦٢٢٧٠٧٨٦ - ٠٠٩١\nمتحرك: ٩٤٥٠٨٧٦٤٦٥ - ٠٠٩١\nالبريد الإلكتروني: drnadwi@gmail.com","vol":"10","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1347>أَجوبة الحافظ ابن حجر العسقلاني عن أحاديث (المصابيح)</span>","vol":"10","page":5},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nرب افتح بخير واختم بخير في عافية آمين\nالحمد للَّه رب العالمين، وصلاته وسلامه على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين.\nوبعد:\nفهذه أوراق مباركة تشتمل على سؤال عن أحاديثَ رُمِيتَ بالوضع، اشتمل عليها كتاب \"المصابيح \" للإمام -محيي السنة- البغوي ﵀، سئل عنها شيخنا الإمام خاتمة الحفاظ، قاضي القضاة شهاب الدين أحمد، الشهير بابن حجر، تغمّده اللَّه برحمته، ثم على جوابه عنها، وقف عليه العبد الضعيف (١) بخطه الشريف، ومنه نقلت.\nصورة السؤال: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين ﵃ أجمعين في الأحاديث التي استخرجها الشيخ الإمام سراج الملَّة والدين أبو حفص عمر بن علي ابن عمر القزويني ﵀ من كتاب \"المصابيح\" للإمام محيي السنة تغمّده اللَّه بغفرانه،\n_________\n(١) هو العلامة أبو عبد اللَّه شمس الدين محمد بن محمد بن محمد الحنفي الحلبي الشهير بابن أمير حاج صاحب: \"التقرير والتحبير\" شرح \"التحرير\" للكمال ابن الهمام في أصول الفقه، و\"ذخيرة القصر في تفسير سورة العصر\" و\"حَلْبة المجلي\" شرح \"منية المصلي\" للعلامة إبراهيم الحلبي، ولد سنة: ٨٢٥ هـ، وتوفي سنة: ٨٧٩ هـ، وسيأتي ذكره في آخر هذه الرسالة.\nوهو غير ابن الحاج العبدري، المالكي مذهبًا، الفاسي مولدًا، صاحب \"المدخل في إنكار البدع\"، فهذا متقدم على ابن أمير حاج الحنفي، توفي سنة: ٧٣٧ هـ.","vol":"10","page":7},{"text":"وقال: إنها موضوعة؟\nمنها في (باب الإيمان بالقدر)، وقال: فيه حديثان موضوعان:\nالأول قوله: \"صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة، والقدرية\" (١) غريب.\nوالثاني قوله: \"القدرية مجوس هذه الأمة، إن مرضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم\" (٢).\nوفي (باب التطوع) صلاة التسبيح (٣) موضوعة، قاله الإمام أحمد بن حنبل، وكثير من الأئمة.\nوفي (باب البكاء على الميت) حديث موضوع، وهو قوله: \"من عزَّى مصابًا فله مثل أجره\" (٤).\nوفي (كتاب الحدود) حديث موضوع، وهو قوله: \"أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم، إلا الحدود\" (٥).\nوفي (باب الترجُّل) حديث موضوع، وهو قوله: \"يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بهذا السواد كحواصل الحمام، لا يجدون رائحة الجنة\" (٦).\n_________\n(١) حديث رقم: (١٠٥).\n(٢) حديث رقم: (١٠٧).\n(٣) حديث رقم: (١٣٢٨).\n(٤) حديث رقم: (١٧٣٧).\n(٥) حديث رقم: (٣٥٦٩).\n(٦) حديث رقم: (٤٤٥٢).","vol":"10","page":8},{"text":"وفي (باب التصاوير) حديث موضوع، وهو قوله: رأى رجلًا يتبع حمامة فقال: \"شيطان يتبع شيطانة\" (١).\nوفي (كتاب الآداب) حديث موضوع، وهو قوله: \"إذا كتب أحدكم كتابًا فليترِّبه فإنه أنجح للحاجة\" (٢)، هذا منكر.\nوفي (باب حفظ اللسان والغيبة) حديث موضوع، وهو قوله: \"لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه اللَّه ويبتليك\" (٣)، غريب.\nوفي (باب المفاخرة والعصبية) حديث موضوع، وهو قوله: \"حبك الشيء يعمي ويصم\" (٤).\nوفي (باب الحب في اللَّه ومن اللَّه) حديث موضوع، وهو قوله: \"المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل\" (٥)، غريب.\nوفي (باب الحذر والتأني) حديث موضوع، وهو قوله: \"لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة\" (٦).\nوفي (باب الرفق والحياء وحسن الخلق) حديث موضوع، وهو قوله: \"المؤمن غرّ كريم، والفاجر خبّ لئيم\" (٧).\n_________\n(١) حديث رقم: (٤٥٠٦).\n(٢) حديث رقم: (٤٦٥٧).\n(٣) حديث رقم: (٤٨٥٦).\n(٤) حديث رقم: (٤٩٠٨).\n(٥) حديث رقم: (٥٠١٩).\n(٦) حديث رقم: (٥٠٥٦).\n(٧) حديث رقم: (٥٠٨٥).","vol":"10","page":9},{"text":"وفي (باب فضل الفقر، وما كان فيه من عيش النبي -ﷺ-) حديث موضوع، وهو قوله: \"اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين\" (١).\nوفي (باب الملاحم) حديث موضوع، وهو قوله: \"إن الناس يمصرون أمصارًا، وإن مصرًا منها يقال له: البصرة، فإن أنت مررت بها أو دخلتها فإياك وسباخها وكلأها ونخيلها وسوقها، وباب أمرائها\" (٢)، الحديث.\nوفي (باب مناقب علي بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه) ثلاثة أحاديث موضوعة:\nأحدها: قوله: \"اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير\" (٣)، فجاء علي وأكل معه، غريب. قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع. وقال الحاكم أبو عبد اللَّه: إنه ليس بموضوع (٢/ ٢).\nوالثاني: قوله: \"أنا دار الحكمة وعليّ بابها\" (٤). قال محيي السنة: هذا حديث غريب لا يعرف عن أحد من الثقات غير شريك، وإسناده مضطرب، وقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع، ذكره في \"الموضوعات\".\nوالثالث: \"يا علي لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك\" (٥)، واللَّه أعلم بالصواب.\nأفتونا أثابكم اللَّه تعالى.\n* * *\n_________\n(١) حديث رقم: (٥٢٤٤).\n(٢) حديث رقم: (٥٤٣٣).\n(٣) حديث رقم: (٦٠٨٥).\n(٤) حديث رقم: (٦٠٨٧).\n(٥) حديث رقم: (٦٠٨٩).","vol":"10","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1348>صورة الجواب</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد للَّه، وسلامه على عباده الذين اصطفى.\nأمّا بعد:\nفإن الفقير إلى عفو اللَّه الحليم الكريم، وقف على هذا السؤال، وتصدَّى للجواب عما تضمَّنته دعوى الحافظ سراج الدين القزويني تغمده اللَّه برحمته، من أن الأحاديث المذكورة موضوعة، ولو نقل لنا السائلُ لفظَه لكان أولى، ولكن أقول بعون اللَّه تعالى:\nإن أكثر هذه الأحاديث لا يطلق عليه وصف الوضع، لعدم وجود شرط الحكم على الحديث بكونه موضوعًا، وها أنا ذا أوضح ذلك مفصَّلًا، بعد أن أذكر كلام أئمة الحديث في الموضوع، وبيان العلامة التي إذا وجدت جاز الحكم عليه بالوضع.\nقرئ على المسند الكبير أبي الحسن علي بن محمد بن أبي المجد بقراءة شيخ النحاة الإمام محب الدين بن هشام وأنا أسمع عن محمد بن يوسف بن عبد اللَّه بن المهتار قال: أخبرنا العلامة أبو عمرو تقي الدين عبد الرحمن الشهرزوري الشهير بابن الصلاح في كتابه \"علوم الحديث\" قال:\nويعرف الوضع بإقرار واضعه، أو ما يتنزل منزلة الإقرار، وبركاكة لفظه ومعناه.\nوزاد غيره: بأن ينفرد به راوٍ كذَّابٌ عندهم، ولا يوجَد ذلك الحديثُ عند غيره.\nوأن يكون منافيًا لما ثبت في دين الإسلام بالضرورة، فينفيه ذلك الخبر وهو","vol":"10","page":11},{"text":"ثابت، أو يثبته وهو ينفي.\nوهذه العلامات دلالتها على الموضوع متفاوتة، والأغراض الحاملة للوضع عند ذلك مختلفة.\nوإذا تقرر ذلك عدتُ إلى بيان حكم كلِّ حديثٍ ادَّعى الحافظ المذكور أنه موضوع على ترتيب ما وقع في هذا السؤال بعون الملك الكبير المتعال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1349>الحديث الأول: حديث: \"صنفان من أمتي ليس لهما في الإسلام نصيب: المرجئة والقدرية</span>\" (١).\nقلت: أخرجه الترمذي وابن ماجه، ومداره على نزار بن حبان عن عكرمة عن ابن عباس، وقال الترمذي: \"هذا حديث حسن غريب\".\nونزار هذا، بكسر النون وتخفيف الزاي، وآخره راء، ضعيف عندهم، ورواه عنه ابنه علي بن نزار، وهو ضعيف، لكن تابعه القاسم بن حبيب.\nوإذا جاء الخبر من طريقين كل منهما ضعيف، قوي أحد الطريقين بالآخر، ومن ثم حسَّنه الترمذي.\nووجدنا له شاهدًا من حديث جابر، ومن طريق ابن عمر، ومن طريق معاذ وغيرهم، وأسانيدها ضعيفة، ولكن لم يوجد فيه علامة الوضع، إذ لا يلزم من نفي الإسلام عن الطائفتين إثبات كفر من قال بهذا الرأي، لأنه يحمل على نفي الإيمان الكامل، أو المعنى أنه اعتقد اعتقاد الكافر، لإرادة المبالغة في التنفير من ذلك، لا حقيقة الكفر، وينصره أنه وصفهم بأنهم من أمته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1350>الحديث الثاني: \"القدرية مجوس هذه الأمة</span>\" (٢).\n_________\n(١) حديث رقم: (١٠٥).\n(٢) حديث رقم: (١٠٧).","vol":"10","page":12},{"text":"قلت: أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه، كلهم من طريق عبد العزيز ابن أبي حازم عن ابن عمر عن النبي -ﷺ-.\nقال الترمذي: \"حسن\"، وقال الحاكم بعد تخريجه: \"صحيح الإسناد\".\nقلت: ورجاله من رجال الصحيح، لكن في سماع [ابن] أبي حازم هذا -واسمه سلمة بن دينار- عن ابن عمر نظر، وجزم المنذري بأنه لم يسمع منه، وقال أبو الحسن ابن القطان: قد أدركه وكان معه بالمدينة، فهو متصل على رأي مسلم.\nقلت: وهذا الإسناد أقوى من الأول، وهو من شرط الحسن، ولعل مستندَ من أطلق عليه الوضعَ تسميتُهم المجوسَ وهم مسلمون، وجوابه: أن المراد أنهم كالمجوس في إثبات فاعلَينِ، لا في جميع معتقد المجوس، ومن ثَمَّ ساغت إضافتهم إلى هذه الأمة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1351>الحديث الثالث: حديث صلاة التسابيح </span>(١).\nأما نقله عن الإمام أحمد، ففيه نظر؛ لأن النقل عنه اختلفَ، ولم يصرِّح أحدٌ عنه بإطلاق الوضع على هذا الحديث، وقد نقل الشيخ الموفق بن قدامة عن أبي بكر الأثرم قال: سألت أحمد عن صلاة التسبيح؟ فقال: لا يعجبني، ليس فيها شيء صحيح، ونفض يدَه كالمُنكِر.\nقال الموفق: لم يثبت أحمد الحديثَ فِيها، ولم يرَها مستحبة، فإن فعلَها إنسانٌ فلا بأسَ.\nقلت: وقد جاء عن أحمد أنه رجع عن ذلك، فقال علي بن سعيد النسائي: سألت أحمد عن صلاة التسبيح؟ فقال: لا يصح فيها عندي شيء.\n_________\n(١) حديث رقم: (١٣٢٨).","vol":"10","page":13},{"text":"قلت: المستمر بن الريان عن أبي الجوزاء عن عبد اللَّه بن عمرو؟ فقال: من حدثك؟ قلت: مسلم بن إبراهيم، قال: المستمر ثقة، وكأنه أعجبه، انتهى.\nفهذا النقل عن أحمد يقتضي أنه رجع إلى استحبابها.\nوأما ما نقله عنه غيره، فهو معارض بمن قوى الخبر فيها، وعمل بها.\nوقد اتفقوا على أنه لا يُعمَل بالموضوع وإنما يُعمَل بالضعيف في الفضائل، وفي الترغيب والترهيب، وقد أخرج حديثها أئمة الإسلام وحفاظه: أبو داود في \"السنن\"، والترمذي في \"الجامع\"، وابن خزيمة في \"صحيحه\"، لكن قال: إن ثبت الخبر، والحاكم في \"المستدرك\" وقال: \"صحيح الإسناد\"، والدارقطني أفردها بجميع طرقها في جزء، ثم فعل ذلك الخطيب، ثم جمع طرقها الحافظ أبو موسى المديني في جزء سماه \"تصحيح صلاة التسابيح\"، وقد تحصل عندي من مجموع طرقها عن عشرة من الصحابة من طرق موصولة، وعن عدة من التابعين من طرق مرسلة. قال الترمذي في \"الجامع\": باب \"ما جاء في صلاة التسابيح\" فأخرج حديثًا لأنس في مطلق التسبيح في الصلاة، زائدًا على أحاديث الذكر في الركوع والسجود، ثم قال: \"وفي الباب عن عبد اللَّه بن عباس وعبد اللَّه بن عمرو، والفضل بن عباس، وأبي رافع\".\nوزاد شيخنا أبو الفضل بن العراقي الحافظ، أنه ورد أيضًا من حديث عبد اللَّه ابن عمر بن الخطاب، وزدت عليهما فيما أمليته من تخريج الأحاديث الواردة في \"الأذكار\" للشيخ محيي الدين النووي عن العباس بن عبد المطلب، وعن علي بن أبي طالب، وعن أخيه جعفر بن أبي طالب، وعن ابنه عباس بن جعفر، وعن أم المؤمنين، أم سلمة، وعن الأنصاري غير مسمى. وقال الحافظ المزي: يقال: إنه جابر.\nفهؤلاء عشرة أنفس، وزيادة أم سلمة والأنصاري، وسوى حديث أنس الذي أخرجه الترمذي.","vol":"10","page":14},{"text":"وأما من رواه مرسلًا، فجاء عن محمد بن كعب القرظي، وأبي الجوزاء، ومجاهد وإسماعيل بن رافع، وعروة بن رويم، ثم روي عنهم مرسلًا كما روي عن بعضهم موصولًا.\nفأما حديث ابن عباس فجاء عنه من طرق، أقواها ما أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وابن خزيمة، وغيرهم، من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة عنه، وله طرق أخرى عن ابن عباس من رواية عطاء وأبي الجوزاء وغيرهما عنه.\nوقال مسلم فيما رواه الخليلي (١) في \"الإرشاد\" بسنده عنه: \"لا يروى في هذا الحديث إسناد أحسن من هذا\".\nوقال أبو بكر بن أبي في اوفى عن أبيه: \"ليس في صلاة التسبيح حديث صحيح غيره\".\nوحديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، أخرجه أبو داود في (السنن) من طريق أبي الجوزاء: حدثني رجل له صحبة يرونه أنه عبد اللَّه بن عمرو، وأخرجه ابن شاهين في \"الترغيب\" من طريق عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو عن أبيه عن جده.\nوحديث الفضل، ذكره أبو نعيم الأصبهاني في كتابه \"قربان المتقين\".\nوحديث أبي رافع أخرجه الترمذي وابن ماجه، وقبلهما أبو بكر بن أبي شيبة.\nوحديث عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب أخرجه الحاكم وقال: \"صحت الرواية أن النبي -ﷺ- علَّم جعفر بن أبي طالب هذه الصلاة\"، وقال أيضًا: \"سنده صحيح لا غبار عليه\".\n_________\n(١) في المطبوعة: \"الخليل\" والصواب ما أثبتناه.","vol":"10","page":15},{"text":"وأخرجه محمد بن فضيل في \"كتاب الدعاء\" من وجه آخر عن ابن عمر موقوفًا.\nوحديث العباس، أخرجه أبو نعيم في \"قربان المتقين\".\nوحديث علي؛ أخرجه الدارقطني.\nوحديث جعفر، أخرجه إبراهيم بن أحمد بن جعفر الخرقي في \"فوائده\".\nوحديث عبد اللَّه بن جعفر، أخرجه الدارقطني أيضًا.\nوحديث أم سلمة أخرجه أبو نعيم في \"قربان المتقين\".\nوأما المراسيل، فأخرجها سعيد بن منصور، وأبو بكر بن أبي داود، والخطيب وغيرهم في تصانيفهم المذكورة، وقد جمعت طرقه مع بيان عللها وتفصيل أحوال رواتها في جزء مفرد، وقد وقع فيه مثال ما تناقض فيه المتأولان في التصحيح والتضعيف، وهما: الحاكم وابن الجوزي، فإن الحاكم مشهور بالتساهل في التصحيح، وابن الجوزي مشهور بالتساهل في دعوى الوضع، كل منهما [روى] هذا الحديث، فصرح الحاكم بأنه صحيح، وابن الجوزي بأنه موضوع، والحق أنه في درجة الحسن لكثرة طرقه التي يقوى بها الطريق الأولى، واللَّه أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1352>الحديث الرابع: حديث \"من عزّى مصابًا فله مثل أجره</span>\" (١).\nقلت: أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد اللَّه بن مسعود عن النبي -ﷺ-. ورجاله رجال \"الصحيحين\" إلا علي بن عاصم، فإنه ضعيف عندهم، قال الترمذي بعد تخريجه: \"لا نعرفه مرفوعًا إلا عن علي بن عاصم\".\nورواه بعضهم عن محمد بن سوقة شيخ علي بن عاصم موقوفًا على عبد اللَّه بن مسعود، وقال الترمذي أيضًا: \"أنكروه على علي بن عاصم، وعدوه من غلطه\".\n_________\n(١) حديث رقم: (١٧٣٧).","vol":"10","page":16},{"text":"وقال أبو أحمد بن عدي: رواه جماعة متابعة لعلي بن عاصم، سرقه بعضهم منه، وأخطأ فيه بعضهم.\nوأخرجه ابن عدي من حديث أنس بلفظ \"من عزّى أخاه المسلم من مصيبته كساه اللَّه حلّة\". وسنده ضعيف.\nوأخرجه أبو الشيخ في \"كتاب الثواب\" من حديث جابر بمعناه، وأبو يعلى من حديث أبي برزة بلفظ آخر، وقد قلنا: إن الحديث إذا تعددت طرقه يقوى بعضها ببعض، وإذا قوي كيف يحسن أن يطلق عليه: إنه مختلق؟ ! .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1353>الحديث الخامس: حديث: \"أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود</span>\" (١).\nقلت: أخرجه أبو داود والنسائي من حديث عائشة، وأخرجه ابن عدي من الطريق الذي أخرجه أبو داود منه، وهو من رواية عبد الملك بن زيد من ولد محمد بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة، وقال: \"منكر بهذا الإسناد، لم يروه غير عبد الملك\".\nقلت: وأخرجه النسائي من وجه آخر من رواية عطاف بن خالد عن عبد الرحمن ابن محمد بن أبي بكر عن أبيه عن عمرة، وأخرجه أيضًا من طريق آخر عن عمرة، ورجالها لا بأس بهم، إلا أنه اختلف في وصله وإرساله، فلا يتأتَّى لحديث يروى بهذه الطرق أن يسمى موضوعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1354>الحديث السادس: \"يكون في آخر الزمان قوم يخضبون بهذا السواد كحواصل الحمام لا يجدون رائحة الجنة</span>\" (٢).\nأخرجه أبو داود والنسائي من طريق عبد الكريم عن عكرمة عن ابن عباس،\n_________\n(١) حديث رقم: (٣٥٦٩).\n(٢) حديث رقم: (٤٤٥٢).","vol":"10","page":17},{"text":"ولم يقع عبد الكريم منسوبًا في \"السنن\"، وفي طبقته آخر يسمى عبد الكريم يروي أيضًا عن عكرمة.\nفالأول وهو ابن مالك الجزري ثقة متفق عليه، أخرج له البخاري ومسلم.\nوالآخر هو ابن أبي المخارق وكنيته أبو أمية ضعيف، فجزم بأنه الجزريُّ الحفَّاظُ: أبو الفضل بن طاهر، وأبو القاسم بن عساكر، والضياء أبو عبد اللَّه المقدسي، وأبو محمد المنذري وغيرهم، وزاد أنه ورد في بعض الطرق منسوبًا كذلك.\nقلت: وهو مقتضى صَنيع مَن صححه، كابن حبان، والحاكم.\n\nالحديث السابع: حديث أن النبي -ﷺ- رأى رجلًا يتبع حمامةً، فقال: \"شيطان يتبع شيطانًا\" (١)، وفي رواية \"شيطانة\".\nقلت: أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وأحمد وصححه ابن حبان، كلهم من طريق محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ومحمد صدوق، في حفظه شيء، وحديثه في مرتبة الحسن، وإذا توبع بمعتبر قُبل، وقد يُتوقَّف في الاحتجاج إذا انفرد بما لم يُتابع عليه ويخالف فيه فيكون حديثه شاذًا لكنه لا ينحط إلى الضعف، فضلًا عن الوضع، وقد زاد بعضهم في هذا السند رجلًا، فأخرجه ابن ماجه من طريق شريك عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عائشة، ومن طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو كالأول، وهذا ليس بقادح، لأن حمادًا أضبط من شريك، ويحتمل أن يكون أبو سلمة حدَّث به على الوجهين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1356>الحديث الثامن: \"إذا كتب أحدكم كتابًا فليتربه، فإن أنجح للحاجة</span>\" (٢)، ثم\n_________\n(١) حديث رقم: (٤٥٠٦).\n(٢) حديث رقم: (٤٦٥٧).","vol":"10","page":18},{"text":"قال: هذا منكر.\nقلت: أخرجه الترمذي من طريق حمزة عن أبي الزبير عن جابر وقال: \"هذا حديث منكر، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وحمزة عندي هو ابن عمرو النصيبي، وهو ضعيف في الحديث\". وقال العقيلي: هو حمزة بن أبي حمزة، واسم أبي حمزة ميمون، وأكثر ما يجيء في الرواية: حمزة النصيبي، ضعّفوه، وقال ابن عدي وابن حبان والحاكم: \"يروي الموضوعات عن الثقات\".\nقلت: ومع ضعفه لم ينفرد به، بل تابعه أبو أحمد بن علي الكلاعي عن أبي الزبير، أخرجه ابن ماجه.\nقلت: فلا يتأتى الحكم عليه بالوضع مع وروده من جهة أخرى، وقد أخرجه البيهقي من طريق عمر بن أبي عمر عن أبي الزبير أيضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1357>الحديث التاسع: حديث: \"لا تظهر الشماتة لأخيك فيرحمه اللَّه ويبتليك</span>\" (١).\nقلت: أخرجه الترمذي من طريق مكحول عن واثلة بن الأسقع وقال: \"حديث حسن غريب، ومكحول قد سمع من واثلة\".\nوأخرج له شاهدًا يؤدي معناه من طريق ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن واثلة قال: قال رسول اللَّه -ﷺ- \"من عيَّرَ أخاه بذنب لم يمُتْ حتى يعمَلَه\"، وقال أيضًا: \"حسن غريب\". هكذا وصف كلًّا منهما بالحسن والغرابة، فأما الغرابة فلتفرد بعض رواة كل منهما عن شيخه، فهي غرابة نسبية، وأما الحسن فلاعتضاد كل منهما بالآخر، وخالف ذلك ابن حبان فقال: \"لا أصل له من كلام النبي -ﷺ-\".\n_________\n(١) حديث رقم: (٤٨٥٦).","vol":"10","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1358>الحديث العاشر: حديث: \"حبك الشيء يعمي ويصم</span>\" (١).\nأخرجه أبو داود من طريق خالد بن محمد الثقفي عن بلال بن أبي الدرداء عن أبي عن النبي -ﷺ- بهذا.\nوأخرجه أحمد أيضًا من هذا الوجه مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أشبه، قاله المنذري. وفي سنده أبو بكر بن أبي مريم وهو شامي صدوق، طرقَه لصوص ففزع فتغيَّر عقلُه، فعدُّوه فيمَن اختلط.\nومعنى هذا الحديث أنه خبر يراد به النهي عن اتباع الهوى، فإنه من يفعل ذلك لا يبصر قبيح ما يفعله، ولا يسمع نصح من يرشده، وإنما يقع ذلك لمن لم يتففد أحوال نفسه، واللَّه أعلم.\n\nالحديث الحادي عشر: حديث: \"المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل\" (٢)، غريب.\nقلت: أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي كلهم من طريق موسى بن وردان عن أبي هريرة به، وقال الترمذي: \"حسن غريب\" ولفظه \"الرجل على دين خليله\"، وصححه الحاكم، ورجاله موثقون، إلا أن الراوي عن موسى مختلف فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1360>الحديث الثاني عشر: حديث: \"لا حكيم إلا ذو تجربة، ولا حليم إلا ذو عثرة</span>\" (٣).\nقلت: أخرجه أحمد، والترمذي، والحاكم، من طريق عمرو بن الحارث عن\n_________\n(١) حديث رقم: (٤٩٠٨).\n(٢) حديث رقم: (٥٠١٩).\n(٣) حديث رقم: (٥٠٥٦).","vol":"10","page":20},{"text":"درَّاجٍ أبي السَّمْحِ عن أبي الهيثم عن أبي سعيد، قال الترمذي: \"حسن غريب\"، وقال الحاكم: \"صحيح الإسناد\".\nقلت: وقد صحح ابن حبان هذه النسخة من رواية ابن وهيب عن عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد، فأخرج كثيرًا من أحاديثها في \"صحيحه\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1361>الحديث الثالث عشر: \"المؤمن غِرٌّ كريم، والفاجر خبٌّ لئيم</span>\" (١).\nقلت: أخرجه أبو داود، والترمذي من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وقال الترمذي: \"غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه\".\nقلت: وهو عندهما من طريق بشر بن رافع عن يحيى.\nوأخرجه الحاكم من طريق حجاج بن فرافصة عن يحيى موصولًا وقال: اختلف في وصله وإرساله.\nقلت: وحجاج ضعفوه، وبشر بن رافع أضعف منه، ومع ذلك لا يتجه الحكم عليه بالوضع لفقد شرط الحكم في ذلك.\n\nالحديث الرابع عشر: حديث: \"اللهم أحيني مسكينًا، وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين\" (٢) فقالت عائشة: لم يا رسول اللَّه؟ قال: \"إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفًا، يا عائشة! لا تردِّي المسكين ولو بشقِّ تمرة، يا عائشة! أحبّي لمساكين وقرِّبيهم، فإن اللَّه يقرِّبك يوم القيامة\".\nقلت: أخرجه الترمذي من طريق الحارث ابن أخت سعيد بن جبير عن أنس، وقال: حسن غريب.\n_________\n(١) حديث رقم: (٥٠٨٥).\n(٢) حديث رقم: (٥٢٤٤).","vol":"10","page":21},{"text":"وأخرجه ابن ماجه والحاكم، وصححه من حديث أبي سعيد، ولفظه أخصر من الأول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1363>الحديث الخامس عشر: حديث: \"إن الناس يمصِّرون أمصارًا، وإن مصرًا منها يقال لها: البصرة، فإن أنت مررت بها أو دخلتها فإياك وسِباخَها وكلأَها ونخيلَها وسُوقَها وباب أمرائها، وعليك بضواحيها، فإنه يكون بها خسف وقذف ورجف، وقوم يبيتون فيصبحون قردة وخنازير</span>\" (١).\nقلت: أخرجه أبو داود في \"كتاب الملاحم\" من طريق موسى الحناط -بالحاء المهملة وبالنون- قال: لا أعلمه إلا عن موسى بن أنس عن أنس أن رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"يا أنس! إن الناس يمصِّرون\" ورجاله ثقات ليس فيه إلا قول موسى (٢): لا أعلمه إلا عن موسى بن أنس، ولا يلزم من شكِّه في شيخه الذي حدثه به أن يكون شيخُه فيه ضعيفا، فضلًا عن أن يكون كذابًا، وتفرد به، والواقع لم يتفرد به، بل أخرج أبو داود أيضًا لأصله شاهدًا بسند صحيح من حديث سفينةَ مولى رسول اللَّه -ﷺ-.\n\nالحديث السادس عشر: كان عند النبي -ﷺ- طير، فقال: \"اللهم ائتني بأحب خلقك إليك جمل معي هذا الطير\" (٣)، فجاء علي فأكل معه، غريب. قال ابن الجوزي: موضوع، وقال الحاكم: ليس بموضوع، انتهى.\nقلت: أخرجه الترمذي من طريق عيسى بن عمر عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدّي عن أنس وقال: غريب لا نعرفه من حديث السدي إلا من هذا الوجه. وقد\n_________\n(١) حديث رقم: (٥٤٣٣).\n(٢) هو الحناط.\n(٣) حديث رقم: (٦٠٨٥).","vol":"10","page":22},{"text":"روي من غير وجه عن أنس، قال: والسدِّي اسمه إسماعيل بن عبد الرحمن سمع من أنس.\nقلت: أخرج له مسلم، ووثقه جماعة، منهم شعبة وسفيان ويحيى القطان.\nوأخرجه الحاكم من طريق سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن أنس: كنت أخدم رسول اللَّه -ﷺ- فقدم له فرخ مشوي فقال: \"اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير\" فقلت: اجعله رجلًا من أهلي من الأنصار، فجاء علي فقلت: إن رسول اللَّه -ﷺ- على حاجة، ثم جاء فقلت ذلك، فقال: \"اللهم ائتني كذلك\"، فقلت ذلك فقال لي رسول اللَّه -ﷺ-: \"افتح\" فدخل، فقال: \"ما حبسك يا علي؟ \" فقال: إن هذه آخرُ ثلاث كَرَّات يردُّني أنس، فقال: \"ما حملَك على ما صنعَت؟ \" قلت: أحببت أن يكون رجلًا من قومي، فقال: \"إن الرجل محب قومه\".\nوقال الحاكم: رواه عن أنس أكثر من ثلاثين نفسًا، ثم ذكر له شواهد عن جماعة من الصحابة، وفي الطبراني منها عن سفينة وعن ابن عباس، وسند كل منهما متقارب.\n\nالحديث السابع عشر: حديث: \"أنا دار الحكمة وعلي بابها (١) \"، غريب لا يعرف عن أحد من الثقات إلا عن شريك، وسنده مضطرب.\nقلت: أخرجه الترمذي من رواية محمد بن عمر الرومي عن شريك بن عبد اللَّه القاضي عن سلمة بن كهيل عن سويد بن غفلة عن الصنابحي، واسمه عبد الرحمن، عن علي بن أبي طالب بهذا، وقال: غريب، ورواه غيره عن شريك، ولم يذكروا فيه الصنابحي، ولا نعرف هذا الحديث عن أحد من الثقات غير شريك، وفي الباب عن ابن عباس، انتهى كلام الترمذي.\n_________\n(١) حديث رقم: (٦٠٨٧).","vol":"10","page":23},{"text":"وحديث ابن عباس المذكور أخرجه ابن عبد البر في كتاب الصحابة المسمى بـ \"الاستيعاب\" ولفظه: \"أنا مدينة العلم وعلي بابها، فمن أراد العلم فليأته من بابه\". وصححه الحاكم، وأخرجه الطبراني من حديث ابن عباس بهذا اللفظ، ورجاله رجال الصحيح، إلا عبد السلام الهروي، فإنه ضعيف عندهم، وذكر أبو أحمد بن عدي أنهم اتهموه به، وسرقه منه جماعة من الضعفاء، لكن أخرجه الحاكم من رواية عبد السلام المذكور، ونقل عن عباس الدوري سألت ابن معين عن أبي الصلت؟ فقال: ثقة.\nقلت: قد حدث عنه أبو معاوية بحديث \"أنا مدينة العلم\" فقال: قد حدث به محمد بن جعفر الفَيْدي وهو ثقة. ثم ساق الحاكم الحديث من طريق الفيدي المذكور. وهو بفتح الفاء بعدها ياء مثنّاة من تحت، وذكر له شاهدًا من حديث جابر.\n\nالحديث الثامن عشر: حديث أن النبي -ﷺ- قال لعلي: \"يا علي! لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك\" (١)، غريب.\nأخرجه الترمذي من رواية عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري، وقال: \"حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه\".\nوقال علي بن المنذر: قلت: لضرار بن صُرد: ما معنى هذا الحديث؟ قال: لا يحل لأحد يستطرقه غيرهما، والسبب في ذلك أن بيته مجاور المسجد، وبابه من داخل المسجد كبيت النبي -ﷺ-.\nوقد ورد من طرق كثيرة صحيحة أن النبي -ﷺ- لما أمر بسد الأبواب الشارعة في المسجد إلا باب علي، فشق على بعض من الصحابة، فأجابهم بعذره في ذلك.\nوقد ورد ذلك في حديث طويل لابن عباس أخرجه أحمد والطبراني بسند جيد.\n_________\n(١) حديث رقم: (٦٠٨٩).","vol":"10","page":24},{"text":"وقد وقع في بعض الطرق من حديث أبي هريرة أن سكنى علي كانت مع النبي -ﷺ- في المسجد يعني مجاورة المسجد. أخرجه أبو يعلى في \"مسنده\"، وورد لحديث أبي سعيد شاهد نحوه من حديث سعد بن أبي وقاص، أخرجه البزار من رواية خارجة بن سعد عن أبيه، ورواته ثقات، واللَّه أعلم.\n* * *\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1367> فصل في تلخيص من أخرج هذه الأحاديث من الأئمة الستة في كتبهم المشهورة على ترتيبها:</span>\nالأول: الترمذي، وابن ماجه، وهو ضعيف.\nالثاني: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وهو حسن.\nالثالث: أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وهو صحيح.\nالرابع: الترمذي، وهو ضعيف.\nالخامس: أبو داود، والنسائي، وهو حسن.\nالسادس: أبو داود، والنسائي، وهو صحيح.\nالسابع: أبو داود، وابن ماجه، وهو حسن.\nالثامن: الترمذي، وهو ضعيف.\nالتاسع: الترمذي، وهو حسن.\nالعاشر: أبو داود، وهو ضعيف.\nالحادي عشر: أبو داود، والترمذي، وهو حسن.\nالثاني عشر: الترمذي، وهو حسن.","vol":"10","page":25},{"text":"الثالث عشر: أبو داود، والترمذي، وهو حسن.\nالرابع عشر: الترمذي، وهو ضعيف.\nالخامس عشر: أبو داود، وهو حسن.\nالسادس عشر: الترمذي، وهو حسن.\nالسابع عشر: الترمذي، وهو ضعيف، ويجوز أن يحسن.\nالثامن عشر: الترمذي، وهو ضعيف، وقد يحسن أيضًا.\nوجملة ذلك أنها كلها في بعض كتب \"السنن\" الستة المشهورة أخرج كلهم بعضها، فعند أبي داود منها نصفها، وعند الترمذي منها أربعة عشر، وعند النسائي منها اثنان، وعند ابن ماجه منها ستة، وقد ذكرنا من أخرج بعضها من غير الستة من الأئمة، كالإمام أحمد بن حنبل، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم في \"صحاحهم\" ولم يتبين أن فيها حديثًا واحدًا يتأتَّى الحكمُ عليه بالوضع، والعلم عند اللَّه تعالى.\nقاله وكتبه أحمد بن علي بن محمد بن محمد العسقلاني الأصل، المصري المولد والمنشأ؛ نزيل القاهرة، في أواخر سنة خمسين وثمانمئة حامدًا مصليًا مسلمًا، انتهى.\nنقلت هذه الكراسة من خط العلامة محمد بن محمد بن محمد الشهير بابن أمير حاج الحنفي الحلبي رحمه اللَّه تعالى بمنه وكرمه وأعاد علينا من بركاته آمين.\nتمت والحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى أهله وصحبه أجمعين.\n* * *","vol":"10","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1368>الإكمال في أسماء الرجال</span>","vol":"10","page":27},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nربّ وفقني للتكميل والتتميم، اللهم بك نستعين، وعليك نتوكل، سبحانك اللهم ونحمدك على نعمك بجميع محامدك، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن محمدًا عبدك ورسولك، صلى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى جميع إخوانه من النبيين.\nأمّا بعد:\nفهذا كتاب في أسماء الرجال، مشتمل على البابين:\nالباب الأول: في ذكر الصحابة: ذكَرِهم وأنثاهم، ومن بعدهم من التابعين، وغيرهم ممن له ذكر أو رواية في كتاب \"المشكاة\" مرتب على حروف التهجي، وذكر الكنية ممن اشتهر بها من حروف الكنية دون حرف اسمه في حروف الاسم، مثل أبي هريرة اسمه عبد اللَّه أو عبد الرحمن أذكره في حرف الهاء لا في حرف العين.\nوالباب الثاني: في ذكر مَن لهم الأصول من المذكورين في أول \"المشكاة\" وغيرهم وإن لم نذكرهم في أولها رضوان اللَّه عليهم أجمعين.\n* * *","vol":"10","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1369>الباب الأول في ذكر الصحابة ومن تابعهم</span>\nوفيه فصول:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1370>حرف الهمزة</span>\nوفيه فصول:\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1371> فصل في الصحابة:</span>\n١ - أنس بن مالك (١): هو أنس بن مالك بن النضر، كنيته أبو حمزة الخزرجي، خادم النبي -ﷺ-، أمه أم سليم بنت ملحان، قدم النبيُّ -ﷺ- المدينةَ وهو ابن عشر سنين، وانتقل إلى البصرة في خلافة عمر -﵁-، ليفقِّهَ الناس بها، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة سنة إحدى وتسعين، وله من العمر مئة وثلاث سنين، وقيل: تسع وتسعون سنة، قال ابن عبد البر: وهو أصح ما قيل، يقال: إنه ولد له مئة ولد، وقيل: ثمانون (٢)، منهم ثمانية وسبعون ذكرًا واثنتان أنثى، روى عنه خلق كثير.\n_________\n(١) قلت: وفي \"البخاري\" (٥١٦٦): أنه أخبرني أنس بن مالك -﵁-: أنه كان ابن عشر سنين، مقدم رسول اللَّه -ﷺ- المدينة، فكان أمهاتي يواظبنني على خدمة النبي -ﷺ- فخدمته عشر سنين، وتوفي النبي -ﷺ- وأنا ابن عشرين سنة. . . الحديث. وفي \"الخلاصة\" (ص: ٤٠): له ألف ومئتا حديث وستة وثمانون حديثًا، اتفقا على مئة وثمانية وستين، وانفرد البخاري بثلاثة وثمانين، ومسلم بأحد وسبعين.\n(٢) هذا قول أهل التاريخ، والصحيح المشهور أن عدد أولاده يتجاوز عن مئة وعشرين، واللَّه أعلم.","vol":"10","page":30},{"text":"٢ - أنس بن مالك الكعبي: هو أنس بن مالك الكعبي، كنيته أبو أمامة، أسند حديثًا واحدًا في صوم المسافر والحامل والمرضع، سكن البصرة، روى عنه أبو قلابة -﵁-.\n٣ - أنس بن النضر: هو أنس بن النضر الأنصاري النجاري، وهو عم أنس بن مالك، قتل يوم أحد شهيدًا ووجد فيه بضع وثمانون ضربة بسيف، وطعنة برمح، ورمية بسهم، وفيه نزلت: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] (١).\n٤ - أنس بن مرثد: هو أنس بن مرثد بن أبي مرثد، واسم أبي مرثد كَنَّاز بن الحصين، وقيل: إن اسمه أنيس، قال ابن عبد البر: وهو أكثر. ويقال: شهد أنيسٌ هذا فتح مكة وحنينًا. وقال: يقال: إنه الذي قال له النبي -ﷺ-: \"اغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها\"، وقيل: هو غيره، واللَّه أعلم. مات سنة عشرين في خلافة عمر، له ولأبيه وجده وأخيه صحبة، روى عنه سهل بن الحنظلية والحكم بن مسعود.\n(كنّاز): بفتح الكاف وتشديد النون وبالزاي المعجمة.\n٥ - أُسَيد بن حُضَير: هو أسيد بن حضير الأنصاري الأوسي، كان ممن شهد العقبة الثانية، وهو من النقباء ليلة العقبة، وكان بين العقبتين سنة، شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، روى عنه جماعة من الصحابة، مات بالمدينة سنة عشرين، ودفن بالبقيع -﵁-.\n٦ - أبو أُسَيد: هو أبو أسيد مالك (٢) بن ربيعة الأنصاري الساعدي، شهد المشاهد\n_________\n(١) وأخرج البخاري عن أنس بن مالك قال: نرى هذه الآية نزلت في أنس بن النضر ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾.\n(٢) في المطبوعة \"أبو أسيد بن مالك\" والصواب ما أثبتناه.","vol":"10","page":31},{"text":"كلها، وهو مشهور بكنيته. روى عنه خلق كثير، مات سنة ستين (١) وله سبعون سنة، بعد أن ذهب بصره، وهو آخر من مات من البدريين.\n(أسيد) بضم الهمزة وفتح السين المهملة وسكون الياء.\n٧ - أسلم: هو أسلم، وكنيته أبو رافع، مولى النبي -ﷺ-، سيجيء ذكره في حرف الراء.\n٨ - أسمر: هو أسمر بن مُضَرِّس الطائي، صحابي، عداده في أعراب البصرة.\n(مضرس): بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء المكسورة.\n٩ - أشعث بن قيس: هو أشعث بن قيس بن معدي كرب، كنيته أبو محمد، الكندي، قدم على النبي -ﷺ- في وفد كِنْدةَ، وكان رئيسَهم، وذلك في سنة عشر. كان رئيسًا في الجاهلية، مطاعًا في قومه، وكان وجيهًا في الإسلام، وارتدَّ على الإسلام لما مات النبي -ﷺ-، ثم رجع إلى الإسلام في خلافة أبي بكر -﵁-، ونزل الكوفة، ومات بها سنة أربعين، وصلى عليه الحسن بن علي -﵁-، وروى عنه نفر.\n١٠ - أشج: هو الأشج، اسمه المنذر بن العائذ العَصَري العمدي، كان سيدَ قومه وقائدهم إلى الإسلام، وفد على النبي -ﷺ- في وفد عبد القيس، عداده في أعراب أهل المدينة، روى عنه نفر، له ذكر في (باب الحذر والتأني).\n(العصري): بفتح العين وفتح الصاد المهملتين.\n١١ - أشيم الضِّبابي (٢): هو أشيم الضبابي، له ذكر في (باب الفرائض) في\n_________\n(١) في خلافة عثمان -﵁-. (سيوطي).\n(٢) بكسر الضاد المعجمة وتخفيف الموحدة الأولى، منسوب إلى ضباب بن كلاب.","vol":"10","page":32},{"text":"حديث الضحَّاك.\n١٢ - الأسود بن كعب العنسي: هو الأسود بن كعب، اسمه عَبْهلة العنسي، وهو الذي ادعى النبوة باليمن في آخر عهد النبي -ﷺ-، وقُتِلَ والنبيُّ -ﷺ- حيٌّ، والذي قتله فيروز الديلمي وقيس بن عبد يغوث، فأما فيروز فقعد على صدره لئلا يفلت، وأما قيس فقتله واحتزّ رأسه، له ذكر في (باب (١) الرؤيا).\n(العنسي): بفتح العين المهملة، وسكون النون، وبالسين المهملة.\nو(عبهلة): بفتح العين المهملة، وسكون باء الموحدة، وفتح الهاء واللام.\n١٣ - إبراهيم ابن النبي -ﷺ-: هو إبراهيم ابن رسول اللَّه -ﷺ- من مارية القبطية سُرِّيته، ولد في المدينة في ذي الحجة سنة ثمان، ومات وله ستة عشر شهرًا، وقيل: ثمانية عشر، ودفن بالبقيع.\n١٤ - الأغر المازني (٢): هو الأغر بن يسار المزني، له صحبة، عداده في أهل كوفة، روى عنه ابن عمر، ومعاوية بن قرة.\n(الأغر): بفتح الهمزة، وفتح الغين المعجمة، وتشديد الراء.\n١٥ - أبيض: هو أبيض بن حمّال المأربي السَّبَائي، وفد على النبي -ﷺ- وله صحبة، نزل اليمن، وهو قليل الحديث.\n(حمال): بفتح الحاء المهملة، وتشديد الميم.\nو(مأرِب): بفتح الميم، وسكون الهمزة، وكسر الراء والباء، مدينة قديمة باليمن قريبًا من صنعاء.\n_________\n(١) في نسخة: \"كتاب\".\n(٢) أورده إما تمييزًا له عن الجهني وإما لبيان أحد نسبتيه دون الآخر، (عبد الحق).","vol":"10","page":33},{"text":"(السَّبَائي): بفتح السين المهملة، وفتح الباء الموحدة والهمزة.\n١٦ - الأقرع بن حابس (١): هو الأقرع بن حابس التميمي، وفد على النبي -ﷺ- بعد فتح مكة في وفد بني تميم، وكان من المؤلفة قلوبهم، وكان شريفًا في الجاهلية والإسلام، استعمله عبد اللَّه بن عامر على جيش أنفذه إلى خراسان، وأصيب هو والجيش بالجوزجان، روى عنه جابر، وأبو هريرة.\n١٧ - أبو الأزهر: هو أبو الأزهر الأنماري، له صحبة. روى عنه خالد بن معدان، وربيعة بن يزيد، عداده في الشاميين.\n١٨ - أكيدر دومة: هو أكيدر بن عبد الملك، ويعرف بصاحب دومة الجندل، كتب إليه النبي -ﷺ-، وأهدى إلى النبي -ﷺ-، له ذكر في (باب الجزية).\n(أكيدر): تصغير أكدر، و(دومة) بضم الدال المهملة وفتحها: موضع بين الشام والحجاز.\n١٩ - أوس بن أوس: هو أوس بن أوس، ويقال: أوس بن أبي أوس، الثقفي، وهو والد عمرو بن أوس. روى عنه أبو الأشعث الصنعاني، وابنه عمر، وغيرهما.\n٢٠ - إياس بن بُكَير: هو إياس بن بكير الليثي، شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، وكان إسلامه في دار الأرقم، مات سنة أربع وثلاثين.\n٢١ - إياس بن عبد اللَّه: هو إياس بن عبد اللَّه الدوسي المدني، قد اختلف في صحبته، قال البخاري: لا نعرف له صحبة، له حديث واحد في ضرب النساء، روى عنه عبد اللَّه بن عمر.\n٢٢ - أسامة بن زيد: هو أسامة بن زيد بن حارثة، القضاعي، وأمه أم أيمن،\n_________\n(١) مات في خلافة عمر -﵁-.","vol":"10","page":34},{"text":"واسمها بركة، وهي حاضنة رسول اللَّه -ﷺ-، وكانت مولاةً لأبيه عبد اللَّه بن عبد المطلب، وأسامة: مولى رسول اللَّه -ﷺ-، وابن مولاه، وحِبُّه وابن حِبِّه. قبض النبي -ﷺ- وهو ابن عشرين. وقيل غير ذلك، ونزل وادي القرى، وتوفي به بعد قتل عثمان -﵁-، وقيل: سنة أربع وخمسين. قال ابن عبد البر: وهو عندي أصح. روى عنه جماعة.\n٢٣ - أسامة بن شريك: هو أسامة بن شريك الذبياني الثعلبي، حديثه في الكوفيين وعداده فيهم. روى عنه زياد بن علاقة وغيره.\n٢٤ - أبي بن كعب: هو أبي بن كعب، الأكبر، الأنصاري، الخزرجي، كان يكتب للنبي -ﷺ- الوحي، وهو أحد الستة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول اللَّه -ﷺ- وأحد الفقهاء الذين كانوا يفتون على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، وكان أقرأ الصحابة لكتاب اللَّه تعالى، كنّاه النبيُّ -ﷺ- أبا المنذر، وعمرُ أبا الطفيل، وسماه النبي -ﷺ- سيد الأنصار، وعمر سيد المسلمين، مات بالمدينة (١) سنة تسع عشرة. روى عنه خلق كثير.\n٢٥ - أفلح: هو أفلح مولى رسول اللَّه -ﷺ-. وقيل: مولى أم سلمة. وروى عنه حبيب المكي.\n٢٦ - أيفع (٢) بن ناكور: هو أيفع بن ناكور، من اليمن، المعروف بذي الكَلاع، بفتح الكاف، كان رئيسًا في قومه، مطاعًا، متبوعًا. أسلم فكتب إليه النبي -ﷺ- في التعاون على الأسود العنسي وقتله، وقتل بصِفِّين مع معاوية سنة سبع وثلاثين، قتله أشتر النخعي (٣).\n٢٧ - أنجشة: هو أنجشة العبد الأسود، الحادي، حادي النبي -ﷺ-، وكان حسن\n_________\n(١) مات في خلافة عمر -﵁-.\n(٢) يقال في اسمه: (سَمَيفع) و(سَمْيفَع) كما في \"الإصابة\".\n(٣) أورده ابن عبد البر بصيغة التمريض (قيل) قال: يقال: إن الذي قتله حريث بن جابر.","vol":"10","page":35},{"text":"الحداء، وروى عنه أبو طلحة، وأنس بن مالك، وهو الذي قال له النبي -ﷺ-: \"رويدك يا أنجشة، رفقًا بالقوارير\".\n(أنجشة): بفتح الهمزة، وسكون النون، وفتح الجيم، وبالشين المعجمة.\n٢٨ - أبو أمامة الباهلي: هو أبو أمامة صُدَيّ بن عجلان الباهلي، سكن مصر، ثم انتقل إلى حمص ومات بها، وكان من المكثرين في الرواية، وأكثر حديثه عند الشاميين، روى عنه خلق كثير. مات سنة ست وثمانين، وله إحدى وتسعون سنة، وهو آخر من مات من الصحابة بالشام، وقيل: آخر من مات منهم بالشام عبد اللَّه بن بشر.\n(صدي): بضم الصاد، وفتح الدال المهملة، وتشديد الياء.\n٢٩ - أبو أمامة الأنصاري: هو أبو أمامة، سعد بن سهل بن حنيف الأنصاري الأوسي، مشهور بكنيته، ولد على عهد النبي -ﷺ- قبل وفاته بعامين، ويقال: إنه سماه باسم جده لأمه سعد بن زرارة، وكناه بكنيته، ولم يسمع منه -ﷺ- شيئًا لصغره، ولذلك فقد ذكره بعضهم في الذين بعد الصحابة، وأثبته ابن عبد البر في جملة الصحابة، ثم قال: وهو أحد الأجلة من العلماء، من كبار التابعين بالمدينة، سمع أباه، وأبا سعيد، وغيرهما، وروى عنه نفر، مات سنة مئة، وله اثنتان وتسعون سنة.\n٣٠ - أبو أيوب الأنصاري: هو أبو أيوب، خالد بن زيد الأنصاري الخزرجي، وكان مع علي بن أبي طالب -﵁- في حروبه كلها، ومات بالقسطنطينية مرابطًا سنة إحدى وخمسين، وكان ذلك مع يزيد بن معاوية لما غزاه أبوه القسطنطينية، خرج معه فمرض، فلما ثقل قال لأصحابه: إذا أنا مت فاحملوني، فإذا صاففتم العدو فادفنوني تحت أقدامكم، ففعلوا، وقبره قريب من سورها، معروف إلى اليوم، معظّم، يستشفون به فيشفون. روى عنه جماعة.\n(القسطنطينية): هي بضم القاف، وسكون السين، وضم الطاء الأولى، وكسر","vol":"10","page":36},{"text":"الثانية، وبعدها ياء ساكنة. قال النووي: هكذا ضبطناه وهو المشهور. ونقل القاضي عياض المغربي في \"المشارق\" عن الأكثرين بزيادة ياء مشددة بعد النون.\n٣١ - أبو أمية المخزومي: هو أبو أمية المخزومي، صحابي، عداده في أهل الحجاز، روى عنه أبو المنذر.\n٣٢ - أمية بن مخشي: هو أبو أميه بن مخشي الخزاعي الأزدي، عداده في أهل البصرة، حديثه في الطعام، روى عنه ابن أخيه المثنى بن عبد الرحمن.\n(مخشي) بفتح الميم، وسكون الخاء، وكسر الشين المعجمة، وتشديد الياء.\n٣٣ - أمية بن صفوان: هو أمية بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي (١)، روى عن أبيه وعن (٢) ابن أخيه عمرو وغيره في (العارية).\n٣٤ - أبو إسرائيل: هو أبو إسرائيل، رجل من الصحابة، نذر أن لا يتكلم، وأن يقف صائمًا في الشمس، ولا يستظل، فأمره النبي -ﷺ- أن يقعد، ويستظل، ويتكلم، حديثه عن ابن عباس، وجابر بن عبد اللَّه.\n٣٥ - آبي اللحم، خلف بن عبد الملك: هو خلف بن عبد الملك الغفاري، المعروف بآبي اللحم، وقيل: اسمه عبد اللَّه، وقيل: الحويرث، وإنما كني بآبي اللحم، لأنه كان يأبى اللحم مطلقًا، وقيل: لأنه كان لا يأكل ما ذبح للأصنام، قتل يوم حنين شهيدًا. روى عنه عمير مولاه.\n(آبي): بفتح الهمزة، والمد، وكسر الباء الموحدة، وسكون الياء.\n_________\n(١) في الأصل: \"الجهمي\"، والتصويب من كتب الرجال.\n(٢) في نسخة: \"وعنه ابن أخيه عمر وغيره، حديثه في العارية\". قلت: وفي \"تهذيب الكمال\" (٥٥٦): رَوَى عَنه ابن ابْن أخيه عَمْرو بْن أَبي سفيان.","vol":"10","page":37},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1372> فصل في التابعين [وغيرهم]:</span>\n٣٦ - أويس القرني (١): هو أويس بن عامر، كنيته أبو عمرو القرني، أدرك زمن النبي -ﷺ- ولم يره، وبشّر به. ورأى عمر بن الخطاب ومن بعده. وكان مشهورًا بالزهد والعزلة، فقد (٢) بصفين سنة سبع وثلاثين.\n٣٧ - أبان بن عثمان بن عفان القرشي، من أهل المدينة، تابعي، سمع أباه وغيره من الصحابة، وله روايات كثيرة، روى عنه الزهري. مات بالمدينة زمن يزيد ابن عبد الملك.\n(أبان): بفتح الهمزة، وتخفيف الباء الموحدة.\n٣٨ - أيوب بن موسى هو أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي، روى عن عطاء ومكحول، وطبقتهما. وعنه شعبة وغيره، وكان أحد الفقهاء. مات سنة ثلاث وثلاثين ومئة.\n٣٩ - أمية بن عبد اللَّه: هو أمية بن عبد اللَّه بن خالد بن أسيد المكي. روى عن ابن عمر، وعنه الزهري، وغيره، ثقة، ولي خراسان، ومات سنة ثمانين.\n٤٠ - أسلم: هو أسلم مولى عمر بن الخطاب، كنيته أبو خالد، يقال: كان حبشيًا، ابتاعه عمر بمكة سنة إحدى عشرة. سمع عمر بن الخطاب. روى عنه يزيد بن أسلم وغيره. مات في ولاية مروان وله مئة وأربع عشر سنة.\n٤١ - أزرق بن قيس: هو أزرق بن قيس الحارثي، تابعي، سمع أبا برزة، وابن عمر، وأنس بن مالك. روى عنه جماعة.\n٤٢ - الأعمش: هو الأعمش، اسمه سليمان بن مهران الكاهلي الأسدي، مولى\n_________\n(١) بفتح الراء.\n(٢) في نسخة: \"شهد\".","vol":"10","page":38},{"text":"بني كاهل، بطن من بني أسد خزيمة، ولد سنة ستين بأرض الري، فجيء به حميلًا إلى الكوفة، فاشتراه رجل من بني كاهل فأعتقه (١)، وهو أحد الأعلام المشهورين بعلم الحديث والقراءة، عليه مدار أكثر الكوفيين، روى عنه خلق كثير، مات سنة ثمان وأربعين ومئة.\n٤٣ - الأعرج: هو الأعرج اسمه عبد الرحمن بن هرمز المدني، مولى بني هاشم، من مشاهير التابعين وثقاتهم. روى عن أبي هريرة، واشتهر بالرواية عنه. وروى عنه الزهري، مات بالإسكندرية سنة عشر ومئة.\n٤٤ - الأسود: هو الأسود بن هلال المحاربي. روى عن عمر ومعاذ (٢) وابن مسعود، وعنه جماعة. مات سنة أربع وثمانين.\n٤٥ - إبراهيم بن ميسرة: هو إبراهيم بن ميسرة الطائفي، يعد في التابعين، حديثه في أهل مكة، ثقة، صحيح الحديث.\n٤٦ - إبراهيم بن عبد الرحمن: إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، كنيته أبو إسحاق الزهري القرشي، أدخل على عمر وهو صغير، سمع أباه وسعد بن أبي وقاص. روى عنه ابنه سعد، والزهري، مات سنة ست وتسعين، وله خمس وسبعون سنة.\n٤٧ - إبراهيم بن إسماعيل: هو إبراهيم بن إسماعيل الأشهلي، روى عن موسى ابن عقبة، وجماعة، وعنه القعنبي وجماعة، وهو صوّام قوّام، قال الدارقطني وغيره: متروك، مات سنة خمس وستين ومئة.\n٤٨ - إبراهيم بن الفضل: هو إبراهيم بن الفضل المخزومي، روى عن المقبري\n_________\n(١) رأى أنس بن مالك، ويقال: إنه سمع منه شيئًا، وقال يحيى: ما روى الأعمش عَنْ أنس فهو مرسل.\n(٢) في الأصل: \"عن عمرو بن معاذ\" والصواب ما أثبتناه.","vol":"10","page":39},{"text":"وغيره، وعنه وكيع، وابن نمير، وعدة، ضعفوه.\n٤٩ - إسحاق بن عبد اللَّه: هو إسحاق بن عبد اللَّه الأنصاري، من ثقات تابعي المدينة، قال الواقدي: كان مالك لا يقدم عليه أحدًا في الحديث، سمع أنس بن مالك، وأبا مرثد، وغيرهما، وعنه يحيى بن أبي كثير، ومالك، وهمام، وله ذكر في (باب الإنفاق)، مات سنة اثنين وثلاثين ومئة.\n٥٠ - إسحاق بن راهويه: هو أبو يعقوب، إسحاق بن إبراهيم التيمي (١)، المعروف بابن راهويه، أحد أركان المسلمين، وعلم من أعلام الدين، وممن جمع بين الحديث والفقه والإتقان والحفظ والصدق والورع، طاف بلاد خراسان، والعراق، والحجاز، واليمن، والشام في طلب العلم، ثم استوطن نيسابور إلى أن مات بها في سنة ثمان وثلاثين ومئتين، وهو ابن أربع وسبعين سنة، وفضائله أكثر من أن تحصى، سمع سفيان بن عيينة، ووكيعًا، وخلقا كثيرًا من الأئمة، روى عنه البخاري، ومسلم، والترمذي، وجماعة كثيرة من الأئمة الأعلام.\n٥١ - أبو إسحاق السبيعي: هو أبو إسحاق عمرو بن عبد اللَّه السبيعي الهمداني الكوفي، رأى عليًّا وابن عباس وغيرهما من الصحابة، وسمع البراء بن عازب وزيد ابن أرقم، روى عنه الأعمش وشعبة والثوري، وهو تابعي مشهور كثير الرواية، ولد لسنتين من خلافة عثمان، ومات سنة تسع وعشرين ومئة.\n(والسبيعي): بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة وبالعين المهملة.\n٥٢ - أبو [موسى] إسحاق بن موسى: هو إسحاق بن موسى الأنصاري (٢)، مدني\n_________\n(١) في نسخة: \"التميمي\".\n(٢) الخطمي.","vol":"10","page":40},{"text":"الأصل، كوفي الدار، ورد بغداد، وحدث بها عن سفيان بن عيينة (١) وغيره، روى عن أبيه موسى، وروى عنه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم، كان حجة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين.\n٥٣ - أبو إبراهيم الأشهلي: هو أبو إبراهيم الأشهلي الأنصاري، هكذا جاء ذكره، سمع أباه، روى عنه يحيى بن أبي كثير، قاله مسلم في \"كتاب الكنى\"، وقال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عن والد [أبي] إبراهيم هذا فلم يعرفه وهو صحابي.\n٥٤ - أبو إسرائيل: هو أبو إسرائيل إسماعيل بن خليفة الملائي، روى عن الحكم وغيره، وعنه أبو نعيم وأسيد بن الجمال (٢) وغيرهما، ضعيف، مات سنة تسع وستين.\n٥٥ - أبو أيوب المراغي: هو أبو أيوب المراغي العتكي، روى عن جويرية وأبي هريرة، وعنه قتادة وثابت، ثقة.\n٥٦ - أبو الأحوص (٣): هو أبو الأحوص، اسمه عوف بن مالك بن نَضْلة، سمع أباه وابن مسعود وأبا موسى، روى عنه الحسن البصري، وأبو إسحاق، وعطاء بن السائب.\n٥٧ - الأحوص: هو الأحوص بن جواب، وكنيته أبو الجوّاب الضبي من أهل الكوفة. روى عنه علي بن المديني، مات سنة إحدى وعشرين ومئتين.\n_________\n(١) وأنس بن عياض وعمر بن عبيد.\n(٢) في نسخة: \"أسد بن الحمال\"، وفي أخرى: \"الكمال\" بدل \"الحمال\".\n(٣) الجشمي منسوب إلى جشم أحد أجداده. (ع).","vol":"10","page":41},{"text":"(والجواب): بفتح الجيم وتشديد الواو والباء الموحدة.\n٥٨ - أبو الأحوص: هو أبو الأحوص سلام بن سليم الحافظ، روى عن آدم بن علي وزياد بن علاقة، وعنه مسدد وهناد، وله نحو أربعة آلاف حديث، قال ابن معين: ثقة متقن، مات سنة تسع وسبعين ومئة.\n٥٩ - أبي بن خلف وأخوه أمية: هو أبي بن خلف بن وهب، وأخوه أمية، فأما أبي فإنه قتل يوم أحد مشركًا، قتله النبي -ﷺ- بيده، وأما أمية فإنه قتل يوم بدر مشركًا.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1373> فصل في الصحابيات:</span>\n٦٠ - أسماء بنت أبي بكر (١): هي أسماء بنت أبي بكر الصديق، وتسمى ذات النطاقين لأنها شقت نطاقها ليلة خرج النبي -ﷺ- مهاجرًا، فجعلت واحدًا شدادًا لسفرته، والآخر عصابًا لقربته، وقيل: جعلت النصف الثاني نطاقًا لها (٢)، وهي أم عبد اللَّه بن الزبير، أسلمت بمكة قديمًا، قيل: أسلمت بعد سبعة عشر إنسانًا، وهي أكبر من أختها عائشة -﵂- بعشر سنين، وماتت بعد قتل ابنها بعشرة أيام، وقيل: بعشرين يومًا بعدما أنزل ابنها من الخشبة، ولها مئة سنة، وذلك سنة ثلاث وسبعين بمكة، روى عنها خلق كثير.\n٦١ - أسماء بنت عميس: هي أسماء بنت عميس، هاجرت إلى أرض الحبشة\n_________\n(١) في \"الخلاصة\" (ص: ٤٨٨): لها ستة وخمسون حديثًا، اتفقا على أربعة عشر، وانفرد (خ) بأربعة، و(م) بمثلها، وعنها ابناها عبد اللَّه وعروة ومولاها عبد اللَّه بن كيسان وابن عباس وجماعة. انتهى. (أحمد حسن).\n(٢) هذا ثابت في \"صحيح مسلم\"، كما تقدم في أواخر (مناقب قريش) (رقم: ٥٩٩٤)، وما قبله صحيح أيضًا رواه ابن سعد بسند صحيح كما قال في \"الإصابة\"، والجمع بين الروايتين بحملهما على اختلاف الأحوال.","vol":"10","page":42},{"text":"مع زوجها جعفر بن أبي طالب، فولدت هناك محمدًا وعبد اللَّه وعونًا، ثم هاجرت إلى المدينة، فلما قتل جعفر تزوجها أبو بكر الصديق، وولدت له محمدًا، فلما مات الصديق تزوَّجها علي بن أبي طالب، فولدت له يحيى، روى عنها جماعة من كبار الصحابة.\n(عميس): بضم العين وفتح الميم وسكون الياء وبالسين المهملة.\n٦٢ - أنيسة بنت خبيب: هي أنيسة الأنصارية، صحابية تعد في أهل البصرة، روى عنها ابن أختها خبيب بن عبد الرحمن.\n(أنيسة) مصغرة، وكذا (خبيب).\n٦٣ - أميمة بن رقيقة: هي أميمة بنت رقيقة، وأبوها عبد اللَّه، ورقيقة أمها بنت خويلد، وهي أخت خديجة زوج النبي -ﷺ-، عدادها في أهل المدينة.\n(رقيقة): بضم الراء وفتح القافين وسكون الياء تحتها نقطتان.\n٦٤ - أمامة بنت أبي العاص: هي أمامة بنت أبي العاص بن الربيع، أمها زينب بنت رسول اللَّه -ﷺ-، تزوجها علي بن أبي طالب بعد فاطمة، وهي بنت أختها أمرته فاطمة بذلك، زوّجها منه الزبير بن العوام، لأن أباها أوصى بها إليه، لها ذكر في (باب ما لا يجوز من العمل في الصلاة).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1374>حرف الباء</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1375> فصل في الصحابة:</span>\n٦٥ - أبو بكر الصديق (١): هو أبو بكر الصديق، اسمه عبد اللَّه بن عثمان أبي\n_________\n(١) في \"خلاصة تذهيب تهذيب الكمال\" (ص: ٢٠٦): أول الرجال إسلامًا ورفيق سيد المرسلين =","vol":"10","page":43},{"text":"قُحافة بضم القاف ابن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة وصل بالأب السابع إلى النبي -ﷺ-، وإنما سمي عتيقًا لأن النبي -ﷺ- قال: \"من أراد أن ينظر إلى عتيق من النار فلينظر إلى أبي بكر\"، شهد مع النبي -ﷺ- المشاهد كلها، ولم يفارقه في جاهلية، ولا في الإسلام، وهو أول الرجال إسلامًا، كان أبيض نحيفًا خفيف العارضين، معروق الوجه، غائر العينين، ناتئ الجبهة، عاري الأشاجع، يخضب بالحناء والكتم، له ولأبويه وولده وولد ولده صحبة، ولم يجتمع هذا لأحد من الصحابة، كان مولده بمكة بعد الفيل بسنتين وأربعة أشهر، إلا أيامًا، ومات بالمدينة ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الأخرى سنة ثلاث عشرة بين المغرب والعشاء، وله ثلاث وستون سنة، وأوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس فغسلته، وصلى عليه عمر بن الخطاب، وكانت خلافته سنتين وأربعة أشهر، روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين، ولم يرو عنه من الحديث إلا القليل، لقلة مدته بعد النبي -ﷺ-.\n٦٦ - أبو بكرة: هو أبو بكرة نفيع بن الحارث، وكان عبدًا للحارث بن كلدة الثقفي فاستلحقه وغلبت عليه كنيته، ويقال: إن أبا بكرة تدلى يوم الطائف ببكرة وأسلم، فكنّاه النبي -ﷺ- بأبي بكرة وأعتقه فهو من مواليه، ونزل البصرة ومات بها سنة تسع وأربعين، روى عنه خلق كثير.\n(نفيع): بضم النون وفتح الفاء وسكون الياء.\n٦٧ - أبو برزة: هو أبو برزة نضلة بن عبيد الأسلمي، أسلم قديمًا، وهو الذي قتل عبد اللَّه بن خطل ولم يزل يغزو مع رسول اللَّه -ﷺ- حتى قبض فتحول ونزل البصرة،\n_________\n= في هجرته، شهد المشاهد، وكان من أفضل الصحابة، وروى مئة واثنين وأربعين حديثًا، اتفقا على ستة، وانفرد (خ) بأحد عشر، و(م) بحديث، وعنه ولداه عبد الرحمن وعائشة، وعمر وعلي وخلق، وترجمته في \"تاريخ الشام\" في مجلد ونصف. انتهى. (أحمد حسن).","vol":"10","page":44},{"text":"ثم غزا خراسان، ومات بمرو سنة ستين.\n٦٨ - أبو بردة: هو أبو بردة هانئ بن نيار، شهد العقبة الثانية مع السبعين، وشهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، وهو خال البراء بن عازب ولا عقِبَ له، مات في أول زمن معاوية بعد شهوده مع علي حروبه كلها، روى عنه البراء وجابر.\n(هانئ): بكسر النون وبعدها همزة، و(نيار): بكسر النون وتخفيف الياء وتحتها نقطتان وبالراء.\n٦٩ - أبو بصير: هو أبو بصير عتبة بن أَسِيد الثقفي قديم الإسلام والصحبة، له ذكر في (غزوة الحديبية)، مات في عهد رسول اللَّه -ﷺ-.\n(أسيد): بفتح الهمزة وكسر السين المهملة، سيجيء ذكره في حرف العين.\n٧٠ - أبو بصرة (١): هو بفتح الباء وسكون الصاد المهملة، حُمَيل بن بصرة الغفاري (حميل) مصغر حمل.\n٧١ - أبو بشير: هو أبو بشير قيس بن عبيد الأنصاري المازني، وقال ابن عبد البر صاحب \"الاستيعاب\" لا يوقف له على اسم صحيح، ولا سمّاه من يوثق به ويعتمد عليه، وذكره ابن منده في \"الكنى\"، ولم يسمِّه، روى عنه جماعة، مات بعد الحَرَّة، وكان قد عُمِّر طويلًا.\n٧٢ - أبو البدّاح: هو أبو البدّاح، وقد اختلف في اسمه، فقيل: إن اسمه عاصم\n_________\n(١) قال ابن عبد البر في \"الاستيعاب\" (٤/ ١٦١١): اختلف في اسمه. فقيل: جميل بن بصرة. وقيل: حميل، كل ذلك مضبوط محفوظ عنهم، وأصح ذلك جميل. وهو جميل بن بصرة ابن وقاص بن حبيب بن غفار. روى عنه أبو هريرة أبو تميم الجيشاني. وقال الحافظ في \"الإصابة\" (٢/ ١١٣): حميل بالتصغير ابن بصرة بن أي بصرة الغفاريّ. وكذا ذكره المجد في \"القاموس\" في مادة حَمَلَ، فكأنه الأرجح عنده.","vol":"10","page":45},{"text":"ابن عدي، وقيل: أبو البدّاح هو ابن عاصم بن عدي، لقب غلب عليه، وإنما كنيته أبو عمر، وقد اختلف في صحبته، فقيل: له إدراك، وقيل: إن الصحبة لأبيه وليست له صحبة، والصحيح أنه صحابي، قاله ابن عبد البر (١)، (البداح): بفتح الباء الموحدة وتشديد الدال وبالحاء المهملتين، مات سنة سبع عشرة ومئة، وله أربع وثمانون سنة، روى عن أبيه، وعنه أبو بكر بن عبد الرحمن.\n٧٣ - البراء بن عازب: هو البراء بن عازب أبو عُمارة الأنصاري الحارثي، نزل الكوفة، وفتح الري سنة أربع وعشرين، وشهد مع علي بن أبي طالب الجمل وصفين والنهروان، ومات بالكوفة أيام مصعب بن الزبير، روى عنه خلق كثير.\n(عمارة): بضم العين المهملة وتخفيف الميم.\n٧٤ - بلال بن رباح: هو بلال بن رباح مولى أبي بكر الصديق أسلم قديمًا، هو أول من أظهر إسلامه بمكة، شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، وسكن الشام آخرًا ولا عقب له، روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، ومات بدمشق سنة عشرين، ودفن بباب الصغير، وله ثلاث وستون سنة. وقيل: مات بحلب، ودفن بباب الأربعين، قال صاحب \"الكاشف\" (٢): الأول هو الصحيح (٣)، وكان ممن عذبه أهل مكة على الإسلام، وممن كان يعذبه ويتولى ذلك بنفسه أمية بن خلف الجمحي، فكان من قدر اللَّه تعالى أن قتله بلال يوم بدر، قال جابر: كان عمر يقول: أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا -يعني بلالًا-.\n_________\n(١) قال الحافظ في \"التقريب\" (٧٩٥١): ثقة من الثالثة، مات سنة عشر ومئة، وقيل بعد ذلك، ووهم من قال له صحبة. وبيّن وجه الوهم في \"الإصابة\" (٢/ ٤٢).\n(٢) في المطبوعة: \"الكشاف\" هو تحريف.\n(٣) انظر: \"الكاشف\" (٦٥٧).","vol":"10","page":46},{"text":"٧٥ - بلال بن الحارث: هو بلال بن الحارث أبو عبد الرحمن المزني سكن بـ (الأشعر) وراء المدينة، روى عنه ابنه الحارث وعلقمة بن وقّاص، مات سنة ستين، وله ثمانون سنة.\n٧٦ - بريدة بن الحُصيب: هو بريدة بن الحصيب الأسلمي، أسلم قبل بدر، ولم يشهدها، وبايع بيعة الرضوان، وكان من ساكني المدينة، ثم تحول إلى البصرة، ثم خرج منها إلى خراسان غازيًا، فمات بمرو زمن يزيد بن معاوية سنة اثنتين وستين. روى عنه جماعة. و(الحصيب) تصغير الحصب.\n٧٧ - بشر بن معبد: هو بشر بن معبد المعروف بابن الخصاصية، وهي أمه واسمها كبشة فنسبوه إليها، وهو مولى النبي -ﷺ-، وعداده في البصريين.\n٧٨ - بُسر بن أبي أرطأة: هو بسر بن أبي أرطأة (١) أبو عبد الرحمن، واسم أبي أرطأة عمير العامري القرشي، قيل: إنه لم يسمع من النبي -ﷺ- لصغره، وأهل الشام يثبتون له سماعًا، قال الواقدي: ولد قبل وفاة النبي -ﷺ- بسنتين، يقال: إنه خَرِف في آخر عمه، مات زمن معاوية، وقيل: زمن عبد الملك.\n٧٩ - بديل بن ورقاء: هو بديل بن ورقاء الخزاعي تقدم إسلامه. روى عنه ابناه عبد اللَّه وسلمة وغيرهما. قتل في عهد النبي -ﷺ-، وقيل: قتل يوم صفين، وقيل: الذي قتل يوم صفين هو ابنه عبد اللَّه. (بديل) مصغر بدل.\n٨٠ - ابنا بسر: هما ابنا بسر، عطية وعبد اللَّه، سيجيء ذكرهما في حرف العين لهما حديث (٢) في أكل التمر والزبد مقرونًا بين اسمهما، فقال: ابنا بسر ولم يسمِّهما.\n_________\n(١) المعروف (ابن أرطأة) وكذلك أورده في \"التقريب\" قال: \"ويقال: ابن أبي أرطاة\"، ونقل في \"الإصابة\" (١/ ٤٢١) عن ابن حبان أنه قال: \"من قال: ابن أبي أرطأة فقد وهم\".\n(٢) ذكره المصنف في (باب: الأطعمة) (رقم: ٤٢٣٢).","vol":"10","page":47},{"text":"٨١ - البياضي: منسوب إلى بياضة بن عامر، واسمه عبد اللَّه بن جابر الأنصاري، صحابي.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1376> فصل في التابعين:</span>\n٨٢ - بلال بن يسار: هو بلال بن يسار بن زيد مولى رسول اللَّه -ﷺ-، وليس بزيد ابن حارثة، روى عن أبيه وجده، وعنه عمرو بن مرة، حديثه في البصريين.\n٨٣ - بلال بن عبد اللَّه: هو بلال بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، صالح الحديث (١).\n٨٤ - بسر بن محجن: هو بسر بن محجن الديلي حجازي، روى عن أبيه، وأورده ابن منده في \"أسماء الصحابة\"، وقال: إنه روى عن النبي -ﷺ- حديثًا واحدًا، وقال البخاري وغيره: إنه تابعي، وهو الصواب. روى عنه زيد بن أسلم.\n(محجن) بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم وبالنون.\nو(الديلي) بكسر الدال وسكون الياء تحتها نقطتان.\n٨٥ - بهز بن حكيم: هو بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري البصري، قد اختلف العلماء فيه. روى عن أبيه عن جده، وعنه جماعة، ولم يخرج البخاري ومسلم عنه في \"صحيحيهما\" شيئًا، وقال ابن عدي: لم أر له حديثًا منكرًا.\n(حيدة) بفتح الحاء المهملة وسكون الياء تحتها نقطتان وفتح الدال.\n٨٦ - بشر بن مروان: هو بشر بن مروان بن الحكم الأموي القرشي أخو عبد الملك، كان واليًا على العراق من قبل أخيه. له ذكر في (الخطبة يوم الجمعة).\n_________\n(١) تابعي مدني، قال أَبُو زُرْعَة: ثقة، روى له مسلم حديثًا واحدًا (٤٤٢): \"لَا تَمْنَعُوا النِّسَاءَ حُظُوظَهُنَّ مِنَ الْمَسَاجِدِ\". رَوَى عن أبيه، وعنه كعب بن علقمة وعَبْد اللَّه بن هبيرة.","vol":"10","page":48},{"text":"(بشر) بكسر الباء وسكون الشين المعجمة.\n٨٧ - بشر بن رافع: هو بشر بن رافع، روى عن يحيى بن أبي كثير وجماعة، وعنه عبد الرزاق وجماعة، ضعفه أحمد بن حنبل، وقوّاه ابن معين.\n٨٨ - بشير بن أبي مسعود (١): هو بشير بن أبي مسعود البدري. روى عن أبيه، وعنه عروة ويونس بن ميسرة وجماعة.\n٨٩ - بشير بن ميمون: هو بشير بن ميمون. روى عن عمه أسامة بن أخدري، وعنه بشر بن المفضل وغيره، صدوق.\n٩٠ - بجالة بن عبدة: هو بجالة بن عبدة التميمي كاتب جَزْء بن معاوية عم الأحنف بن قيس، مكي ثقة. ويعد في أهل البصرة، سمع عمران بن الحصين، وعنه عمرو بن دينار، كان حيًّا بمكة سنة تسعين.\n(بجالة): بفتح الباء الموحدة وتخفيف الجيم.\nو(جزء): بفتح الجيم وسكون الزاي وبعدها همزة.\n٩١ - أبو بردة: هو أبو بردة عامر بن عبد اللَّه بن قيس، وهو عامر بن أبي موسى الأشعري، أحد التابعين المشهورين المكثرين، سمع أباه وعليًا وغيرهما، كان على قضاء الكوفة بعد شريح، فعزله الحجاج.\n٩٢ - أبو بكر بن عيّاش: هو أبو بكر بن عياش الأسدي أحد الأعلام. روى عن أبي إسحاق وغيره، وعنه أحمد وابن معين، قال أحمد: صدوق ثقة ربما غلط، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة، وله ست وتسعون سنة.\n_________\n(١) الأنصاري، قيل: إن له صحبة، رأى النبي -ﷺ- صغيرًا. انتهى. (ع).","vol":"10","page":49},{"text":"(عياش): بتشديد الياء تحتها نقطتان وبالشين المعجمة.\n٩٣ - أبو بكر بن عبد الرحمن (١): هو أبو بكر بن عبد الرحمن المخزومي اسمه كنيته، تابعي، سمع عائشة وأبا هريرة، وروى عنه الشعبي والزهري.\n٩٤ - أبو بكر عبد اللَّه بن الزبير: هو أبو بكر عبد اللَّه بن الزبير الحميدي، شيخ البخاري، سيجيء ذكره في حرف العين.\n٩٥ - أبو البختري (٢): اسمه سعيد بن فيروز. حديثه في (رؤية الهلال).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1377> فصل في الصحابيات:</span>\n٩٦ - بريرة: هي بريرة بفتح الباء وكسر الراء الأولى وسكون الياء تحتها نقطتان، مولاة عائشة أم المؤمنين، روت عن عائشة وابن عباس وعروة بن الزبير.\n٩٧ - بسرة: هي بسرة بنت صفوان بن نوفل القرشية الأسدية، وهي بنت أخ ورقة بن نوفل.\n٩٨ - بُهَيسة: هي بهيسة الفزارية (٣) لها صحبة، روت عن أبيها عن النبي -ﷺ-، وحديثها في (البيع).\n(بهيسه): بضم الباء وفتح الهاء وسكون الياء وبالسين المهملة.\n٩٩ - أم بجيد (٤): هي أم بجيد حواء بنت يزيد بن السكن الأنصارية أخت أسماء\n_________\n(١) مات في خلافة الوليد بن عبد الملك.\n(٢) بفتح الباء الموحدة التحتية أولًا، والتاء المثناة الفوقية آخرًا، وبينهما خاء معجمة ساكنة.\n(٣) قال الحافظ في \"التقريب\": لا تعرف، من الثالثة؛ يشير إلى أنها تابعية، ويقال: إن لها صحبة.\n(٤) صحابية من مبايعات بيعة الرضوان، لها حديث في (باب الصدقة وإعطاء السائل ولو ظلفًا محرقًا)، انتهى. (ح).","vol":"10","page":50},{"text":"بنت يزيد (١)، وهي مشهورة بكنيتها، كانت من المبايعات، روى عنها عبد الرحمن بن بجيد.\n(بجيد): مصغر بجد.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1378> فصل في التابعيات:</span>\n١٠٠ - بُنانة: هي بنانة بضم الباء وتخفيف النون، مولاة عبد الرحمن بن حيّان الأنصارية، تروي عن عائشة، وعنها ابن جريج، حديثها في الجلاجل.\n(حيان) بفتح الحاء المهملة وتشديد الياء تحتها نقطتان.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1379>حرف التاء</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1380> فصل في الصحابة:</span>\n١٠١ - تميم الداري: هو تميم بن أوس الداري، كان نصرانيًا، أسلم سنة تسع، وكان يختم القرآن في ركعة، وربما ردد الآية الواحدة الليل كله إلى الصباح، قال محمد بن المنكدر: إن تميمًا الداري نام ليلة لم يقم يتهجد فيها حتى أصبح فقام سنة لم ينم فيها عقوبة للذي صنع، سكن المدينة ثم انتقل منها إلى الشام بعد قتل عثمان، وأقام بها إلى أن مات.\nوهو أول من أسرج السّراج في المسجد، روى عنه النبي -ﷺ- قصة الدجال\n_________\n(١) فيه نظر، فقد فرق ابن عبد البر ثم الحافظ بين أم بجيد هذه التي روى عنها عبد الرحمن بن بجيد، وبين حواء بنت يزيد بن السكن جدة عمرو بن معاذ الأشهلي، واللَّه أعلم. انظر: \"الإصابة\" (٨/ ٩٢).","vol":"10","page":51},{"text":"والجساسة، وعنه (١) أيضًا جماعة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1381> فصل في التابعين:</span>\n١٠٢ - أبو تميمة: هو أبو تميمة طريف بن خالد (٢) الهجيمي البصري، كان أصله من عرب اليمن، فباعه عمه، وهو تابعي روى عن نفر من الصحابة، وعنه قتادة وغيره، مات سنة خمس وتسعين.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1382>حرف الثاء</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1383> فصل في الصحابة:</span>\n١٠٣ - ثابت بن قيس بن شماس: هو ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجي، شهد أحدًا وما بعدها من المشاهد، وكان من أكابر الصحابة وأعلام الأنصار، شهد له النبي -ﷺ- بالجنة، وكان خطيب رسول اللَّه -ﷺ-، واستشهد يوم اليمامة مع مسيلمة الكذاب سنة اثنتي عشرة، وروى عنه أنس بن مالك وغيره.\n١٠٤ - ثابت بن الضحاك: وهو ثابت بن الضحاك أبو زيد الأنصاري الخزرجي، كان ممن بايع تحت الشجرة بيعة الرضوان وهو صغير. ومات في فتنة ابن الزبير.\n١٠٥ - ثابت بن الدحداح: هو ثابت بن الدحداح، وقيل: ابن الدحداحة الأنصاري، شهد أحدًا وقتل بها شهيدًا، طعنه خالد بن الوليد برمح فأنفذه، وقيل: إنه مات على فراشه مرجعَ النبي -ﷺ- من الحديبية، له ذكر في تشييع الجنازة.\n_________\n(١) وروى عنه أنس وشهر بن حوشب وعبد اللَّه بن موهب وقبيصة بن ذؤيب، وغيرهم.\n(٢) في نسخة: مجالد. وهو الظاهر كما قال الحافط في \"التقريب\" (٣٠١٤).","vol":"10","page":52},{"text":"١٠٦ - ثوبان: هو ثوبان بن بُجْدُد أبو عبد اللَّه، اشتراه رسول اللَّه -ﷺ- فأعتقه، ولم يزل معه سفرًا وحضرًا إلى أن توفي النبي -ﷺ-، فخرج إلى الشام فنزل الرملة ثم اثتقل إلى حمص وتوفي بها سنة أربع وخمسين، روى عنه خلق كثير.\n(بجدد): بضم الباء الموحدة وسكون الجيم وضم الدال المهملة الأولى.\n١٠٧ - ثمامة بن أثال: هو ثمامة بن أثال الحنفي سيد أهل اليمامة، كان أُسِر فأطلقه النبي -ﷺ- فمضى وغسل ثيابه واغتسل ثم أتى النبي -ﷺ- فأسلم وحسن إسلامه، روى عنه أبو هريرة وابن عباس.\n(ثمامة) بضم الثاء وتخفيف الميمين. و(أثال) بضم الهمزة وتخفيف الثاء المثلثة وباللام.\n١٠٨ - أبو ثعلبة: هو أبو ثعلبة جُرهُم بن ناشب الخشني، وهو مشهور بكنيته، بايع النبي -ﷺ- بيعة الرضوان، وأرسله إلى قومه فأسلموا، نزل الشام ومات بها سنة خمس وسبعين.\n(جرهم) بضم الجيم والهاء.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1384> فصل في التابعين:</span>\n١٠٩ - ثابت بن أبي صفية: هو ثابت بن أبي صفية، كنيته أبو حمزة، وهو كوفي سمع محمد بن علي الباقر. روى عنه وكيع وابن عيينة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة.\n١١٠ - ثابت بن أسلم البُناني: هو ثابت بن أسلم البناني أبو محمد، تابعي، من أعلام أهل البصرة وثقاتهم، اشتهر بالرواية عن أنس بن مالك، وصحبه أربعين سنة، روى عن جماعة، وعنه نفر، مات سنة ثلاث وعشرين ومئة وله ست وثمانون","vol":"10","page":53},{"text":"١١١ - ثمامة بن حَزْن: هو ثمامة بن حزن القشيري يعد في الطبقة الثانية من التابعين، حديثه عند البصريين. رأى عمر وابنه عبد اللَّه وأبا الدرداء، وسمع عائشة، روى عنه أسود بن شيبان البصري.\n(حزن) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي والنون.\n١١٢ - ثور بن يزيد: هو ثور بن يزيد الكلاعي الشامي، حمصي، سمع خالد ابن معدان، روى عنه الثوري ويحيى بن سعيد، مات سنة خمس وخمسين ومئة، له ذكر في (باب الملاحم).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1385>حرف الجيم</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1386> فصل في الصحابة:</span>\n١١٣ - جابر بن عبد اللَّه: كنيته أبو عبد اللَّه الأنصاري السلمي، من مشاهير الصحابة، وأحد المكثرين من الرواية، شهد بدرًا وما بعدها مع النبي -ﷺ- ثماني عشرة غزوة، وقدم الشام ومصر، وكف بصره في آخر عمره، روى عنه خلق كثير، مات بالمدينة سنة أربع وسبعين وله أربع وتسعون سنة، وهو آخر من مات (١) بالمدينة من الصحابة في قول.\n١١٤ - جابر بن سمرة: هو جابر بن سمرة، كنيته أبو عبد اللَّه العامري ابن أخت سعد أبي وقاص، نزل الكوفة ومات بها سنة أربع وسبعين، روى عنه جماعة.\n١١٥ - جابر بن عتيك: هو جابر بن عتيك، كنيته أبو عبد اللَّه، الأنصاري، شهد\n_________\n(١) في خلافة عبد الملك.","vol":"10","page":54},{"text":"بدرًا وجميع المشاهد بعدها. روى عنه ابناه عبد اللَّه وأبو سفيان وابن أخيه عتيك بن الحارث، مات سنة إحدى وستين وله إحدى وتسعون سنة.\n١١٦ - جبّار بن صخر: هو جبار بن صخر الأنصاري السلمي، شهد العقبة وبدرًا وما بعدها من المشاهد (١)، وكان أحد السبعين ليلة العقبة. روى عنه شرحبيل ابن سعد.\n(جبّار): بفتح الجيم وتشديد الباء الموحدة.\n١١٧ - جرير بن عبد اللَّه: هو جرير بن عبد اللَّه أبو عمرو، أسلم في السنة التي توفي النبي -ﷺ- فيها، قال جرير: أسلمت قبل موت النبي -ﷺ- بأربعين يومًا، ونزل الكوفة وسكنها زمانًا ثم انتقل إلى قرقيسيا، ومات بها سنة إحدى وخمسين. روى عنه خلق كثير.\n١١٨ - جندب بن عبد اللَّه: هو جندب بن عبد اللَّه بن سفيان البجلي العلقي، وعلقة بطن من بجيلة، وفي بجيلة بطن تسمى قسرًا بفتح القاف وسكون السين المهملة، وهو رهط خالد بن عبد اللَّه القسري. مات في فتنة ابن الزبير بعد أربع سنين منها. روى عنه جماعة.\n(جندب) بضم الجيم وسكون النون وضم الدال المهملة وفتحها أيضًا.\n١١٩ - جبير بن مطعم: هو جبير بن مطعم، كنيته أبو محمد القرشي النوفلي، أسلم قبل الفتح ونزل المدينة، ومات بها سنة أربع وخمسين. روى عنه جماعة وكان من أنسب قريش بقريش.\n١٢٠ - جرهد بن خويلد: هو جرهد بن خويلد الأسلمي المدني، كان من أهل\n_________\n(١) مات في خلافة عثمان -﵁-.","vol":"10","page":55},{"text":"الصُّفَّة، مات سنة إحدى وستين. روى عنه بنوه عبد اللَّه وعبد الرحمن وسليمان ومسلم.\n(جرهد): بفتح الجيم والهاء.\n١٢١ - جعفر بن أبي طالب: هو جعفر بن أبي طالب الهاشمي، أخو علي بن أبي طالب، ذو الجناحين، أسلم قديمًا بعد إحدى وثلاثين إنسانًا، وكان أكبر من أخيه علي بعشر سنين، وكان أشبه الناس خَلقًا وخُلقًا برسول اللَّه -ﷺ-. قال أخوه علي: بينا أنا مع النبي -ﷺ- في حيز لأبي طالب نصلي إذ أشرف علينا فبصر به النبي -ﷺ- فقال: \"يا عم ألا تنزل فتصلي [معنا]؟ \" قال: يا ابن أخي إني أعلم أنك على الحق، ولكني أكره أن أسجد فتعلوني استي، ولكن انزل يا جعفر فصِلْ جناحَ ابن عمك، فنزل فصلى عن يسار رسول اللَّه -ﷺ-، فلما قضى النبي -ﷺ- صلاته التفت إلى جعفر فقال: \"أما إن اللَّه قد أوصلك بجناحين تطير بهما في الجنة كما وصلت جناح ابن عمك\" (١). روى عنه ابنه عبد اللَّه وخلق كثير من الصحابة، قتل شهيدًا يوم مؤتة سنة ثمان وله إحدى وأربعون سنة، فوجد فيما أقبل من جسده تسعون ضربة ما بين طعنة برمح وضربة بسيف.\n١٢٢ - الجارود: هو الجارود [بن] المعلّى العبدي، واسمه بشر بن عمرو، والجارود لقبه في قول، وفيه خلاف كثير، قدم على النبي -ﷺ- سنة تسمع فأسلم مع وفد عبد القيس. ثم إنه سكن البصرة وقتل بأرض فارس في خلافة عمر -﵁- سنة إحدى وعشرين. روى عنه جماعة (٢).\n١٢٣ - جبلة بن حارثة: هو جبلة بن حارثة الكلبي أخو زيد بن حارثة مولى\n_________\n(١) انظر: \"العلل المتناهية\" (١/ ٢٧٠)، و\"تنزيه الشريعة\" (١/ ٤١٩)، و\"كنز العمال\" (٣٦٩١٧).\n(٢) يعني عبد اللَّه بن عمرو بن العاص ومطرفًا ومحمد بن سيرين وأبا القموص وزيد بن علي وغيرهم، انتهى. (عبد الحق).","vol":"10","page":56},{"text":"رسول اللَّه -ﷺ-، وهو أكبر من زيد، روى عنه أبو إسحاق السبيعي وغيره.\n١٢٤ - أبو جُهيم: هو أبو جهيم بضم الجيم وفتح الهاء وسكون الياء عبد اللَّه ابن جهيم فيما ذكره وكيع، وقيل: هو عبد اللَّه بن الحارث بن الصِمّة الأنصاري.\n(الصمة) بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم.\n١٢٥ - أبو جُحيفة: هو أبو جحيفة واسمه وهب بن عبد اللَّه العامري، نزل الكوفة وكان من صغار الصحابة، ذكر أن النبي -ﷺ- توفي ولم يبلغ الحلم، ولكنه سمع منه، وروى عنه. مات بالكوفة سنة أربع وسبعين، روى عنه ابنه عون وجماعة من التابعين.\n(جحيفة): بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وبالفاء.\n١٢٦ - أبو جمعة: هو أبو جمعة يقال: الأنصاري، ويقال: الكناني، اختلف في اسمه فقيل: حبيب بن سباع، وقيل: جنبذ بن سباع، وقيل غير ذلك، له صحبة، يعدّ في الشاميين.\n١٢٧ - أبو الجعد: هو أبو الجعد الضمري، اسمه كنيته، وقيل: اسمه وهب. روى عنه عبيدة بن سفيان.\n(عبيدة): بفتح العين وكسر الباء الموحدة.\n١٢٨ - أبو جندل: هو أبو جندل بن سهيل بن عمرو القرشي العامري، أسلم بمكة وجاء يوم الحديبية إلى النبي -ﷺ- وهو في الحديد يَرسُف في قيوده، كان أبوه فعل به ذلك حيث أسلم، له ذكر في (غزوة الحديبية)، مات في خلافة عمر بن الخطاب.\n١٢٩ - أبو جهم: هو أبو جهم عامر بن حذيفة العدوي القرشي، وهو مشهور بكنيته، وهو الذي طلب النبي -ﷺ- أَنبِجَانيَّتَه في الصلاة.\n١٣٠ - أبو جُرَي: هو أبو جري جابر بن سليم وهو تميمي، نزل البصرة وحديثه","vol":"10","page":57},{"text":"عندهم، وهو من المقلين لا يعرف له كثير رواية.\n(جري) بضم الجيم وفتح الراء وتشديد الياء.\n١٣١ - أبو جميل (١): هو أبو جميل له ذكر في (كتاب الزكاة)، لا يعرف اسمه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1387> فصل في التابعين:</span>\n١٣٢ - جعفر الصادق: هو جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الصادق، كنيته أبو عبد اللَّه، كان من سادات أهل البيت. روى عن أبيه وغيره، سمع منه الأئمة الأعلام نحو يحيى بن سعيد وابن جريج ومالك بن أنس والثوري وابن عيينة وأبو حنيفة، ولد سنة ثمانين، ومات سنة ثمان وأربعين ومئة وهو ابن ثمانٍ وستين سنة، ودفن بالبقيع في قبر فيه أبوه محمد الباقر وجده علي زين العابدين.\n١٣٣ - جعفر بن محمد: هو جعفر بن محمد بن أبي عثمان الطيالسي، كنيته أبو الفضل، روى عن جماعة وعنه نفر، كان ثقة ثبتًا حسن الحفظ، مات سنة اثنتين وثمانين ومئتين.\n١٣٤ - أبو جعفر القارئ: هو أبو جعفر يزيد بن القعقاع القارئ المدني، تابعي مشهور، مولى عبد اللَّه بن عياش، سمع ابن عمر وابن عباس، روى عنه مالك بن أنس وغيره.\n(القارئ) من القراءة مهموز.\n١٣٥ - أبو جعفر عمير بن يزيد: هو أبو جعفر عمير بن يزيد الخطمي، سمع جماعة، روى عنه شعبة وحماد ويحيى بن سعيد.\n١٣٦ - أبو الجويرية: هو أبو الجويرية حِطَّان بن خُفَاف الجَرْميُّ، تابعي، سمع ابن مسعود، ومعن بن يزيد. روى عنه جماعة.\n_________\n(١) في نسخة: \"ابن جميل\".","vol":"10","page":58},{"text":"(الجويرية) تصغير جارية. (حطان) بكسر الحاء وتشديد الطاء المهملة وبالنون. و(خفاف) بضم الخاء المعجمة وتخفيف الفاء الأولى. و(الجرم) بفتح الجيم وسكون الراء.\n١٣٧ - أبو الجوزاء (١): هو أبو الجوزاء أوس بن عبد اللَّه الأزدي من أهل البصرة، تابعي مشهور الحديث، سمع عائشة وابن عباس وابن عمر. وروى عنه عمرو بن مالك وغيره. قتل سنة ثلاث وثمانين.\n١٣٨ - جَزء بن معاوية: هو جزء بن معاوية التميمي. روى عنه بجالة، له ذكر في أخذ الدية من المجوس.\n(جَزء) بفتح الجيم وسكون الزاي المعجمة بعدها همزة، وهو الصحيح، وكذا يرويه أهل اللغة، وأهل الحديث يقولونه بكسر الجيم وسكون الزاي وبعدها ياء تحتها نقطتان، قاله الدارقطني، وقال عبد الغني: بفتح الجيم وكسر الزاي وبعدها ياء.\n١٣٩ - جُميع بن عُمير: هو جميع بن عمير التيمي من أهل الكوفة، قال البخاري: سمع [ابن] عمر وعائشة، روى عنه العلاء بن صالح وصدقة بن المثنى.\n١٤٠ - ابن جريج: هو ابن جريج اسمه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المحكي، الفقيه، أحد الأعلام، روى عن مجاهد وابن أبي مليكة وعطاء، وعنه جماعة، قال ابن عيينة: سمعته يقول: ما دوَّن العلمَ تدويني أحدٌ، مات سنة خمسين ومئة.\n١٤١ - جُبير بن نُفير: هو جبير بن نفير الحضرمي، أدرك الجاهلية والإسلام، وهو من ثقات الشاميين، وحديثه فيهم. مات سنة ثمانين بالشام. روى عن أبي الدرداء وأبي ذر، وعنه جماعة.\n_________\n(١) في \"الخلاصة\" (ص: ٤١): له في كل من الصحيحين فرد صحيح. (أحمد).","vol":"10","page":59},{"text":"(نفير) بضم النون وفتح الفاء وسكون الياء وبالراء.\n١٤٢ - أبو جهل: هو أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي الجاهلي المعروف، كان يكنى أبا الحكم، فكناه النبي -ﷺ- أبا جهل، فغلبت عليه هذه الكنية.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1388> فصل في الصحابيات:</span>\n١٤٣ - جُويرية أم المؤمنين: هي جويرية بنت الحارث أم المؤمنين سباها النبي -ﷺ- في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق في سنة خمس فوقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبها فقضى عنها النبي -ﷺ- كتابتها، ثم أعتقها وتزوجها، وكان اسمها بَرَّةَ فغيره النبي -ﷺ- وسماها جويرية، وماتت في ربيع الأول سنة ست وخمسين، ولها خمس وستون سنة، روى عنها ابن عباس وابن عمر وجابر.\n١٤٤ - جدامة: هي جدامة بنت وهب الأسدية، أسلمت بمكة وبايعت النبي -ﷺ-، وهاجرت [مع] قومها، روت عنها عائشة.\n(جدامة) بالجيم المضمومة والدال المهملة، ويروى بالذال المعجمة أيضًا، قال الدارقطني: وهو تصحيف.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1389>حرف الحاء</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1390> فصل في الصحابة:</span>\n١٤ - حمزة بن عبد المطلب: هو حمزة بن عبد المطلب، وكنيته أبو عُمارة عم رسول اللَّه -ﷺ- وأخوه من الرضاعة، أرضعتهما ثُوَيبة مولاة أبي لهب، هو أسد اللَّه، أسلم (١) قديمًا في السنة الثانية من البعث، وقيل: بل كان إسلام حمزة بعد دخول\n_________\n(١) وكان سبب إسلامه أن أبا جهل اللعين آذى رسول اللَّه -ﷺ- يومًا وشتمه، فاحتمل ذلك ولم يجبه، =","vol":"10","page":60},{"text":"رسول اللَّه -ﷺ- دار الأرقم في السنة السادسة فاعتز الإسلام بإسلامه، وشهد بدرًا، واستشهد يوم أحد، قتله وحشي بن حرب، وكان أسنّ من رسول اللَّه -ﷺ- بأربع سنين، قال ابن عبد البر: لا يصح هذا عندي لأنه رضيع رسول اللَّه -ﷺ- إلا أن تكون ثويبة أرضعتهما في زمانين، وقيل: أسن منه بسنتين، روى عنه علي وعباس وزيد بن حارثة.\n(عمارة) بضم العين، و(ثويبة) بضم الثاء المثلثة وفتح الواو وسكون الياء تحتها نقطتان وبالباء الموحدة.\n١٤٦ - حمزة بن عمرو الأسلمي: هو حمزة بن عمرو الأسلمي يعد في أهل الحجاز، روى عنه جماعة، مات سنة إحدى وستين، وله ثمانون سنة.\n١٤٧ - حذيفة بن اليمان: هو حذيفة بن اليمان، واسم اليمان (حُسيل) بالتصغير و(اليمان) لقبه، وكنية حذيفة أبو عبد اللَّه (العبسي) بفتح العين وسكون الباء. هو صاحب سر رسول اللَّه -ﷺ-، روى عنه عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبو الدرداء وغيرهم من الصحابة والتابعين، مات بالمدائن -وبها قبره- سنة خمس وثلاثين، وقيل: ست وثلاثين بعد قتل عثمان بأربعين ليلة.\n١٤٨ - الحسن (١) بن علي: هو الحسن بن علي بن أبي طالب، وكنيته أبو\n_________\n= وجارية حمزة وقفت على ذلك فأخبرت حمزة بذلك حين رجع من الصيد، فغضب وضرب رأس أبي جهل بقوسه فشجّه وقال: أتسب محمدًا وتؤذيه وأنا على دينه، فأتى رسول اللَّه -ﷺ- فسر بذلك، وعزّ به الإسلام، وكفّ أيدي المشركين وألسنتهم عن إيذاء المسلمين. انتهى. (عبد الحق).\n(١) في \"الخلاصة\" (ص: ٧٩): له ثلاثة عشر حديثًا عن جده -ﷺ- وأبيه وخاله هند، وعنه ابنه الحسن وأبو الحوراء ربيعة وأبو وائل وابن سيرين.","vol":"10","page":61},{"text":"محمد، سبط رسول اللَّه -ﷺ- وريحانته، وسيد شباب أهل الجنة. ولد في النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة، وهو أصح ما قيل في ولادته، ومات سنة خمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين، وقيل: تسع وأربعين، وقيل: أربع وأربعين، ودفن بالبقيع. روى عنه ابنه الحسن بن الحسن وأبو هريرة وجماعة كثيرة، ولما قتل أبوه علي بن أبي طالب بالكوفة بايعه الناس على الموت أكثر من أربعين ألفًا، وسلّم الأمر إلى معاوية ابن أبي سفيان في النصف من جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين.\n١٤٩ - الحسين (١) بن علي: هو الحسين بن علي بن أبي طالب، وكنيته أبو عبد اللَّه، سبط رسول اللَّه -ﷺ- وريحانته، وسيد شباب أهل الجنة. ولد لخمس خلون من شهر شعبان سنة أربع، وكانت فاطمة علقت به بعد أن ولدت الحسن بخمسين ليلة، وقتل يوم الجمعة يوم عاشوراء سنة إحدى وستين بـ (كربلاء) من أرض العراق فيما بين (الكوفة) و(الحلة) قتله سنان بن أنس النخعي، ويقال: سنان بن أبي سنان، وقيل: قتله شمر بن ذي الجَوشَن، وأجهز عليه خولي بن يزيد الأصبحي من حمير، جزّ رأسه وأتى به عبد اللَّه بن زياد وقال:\nوفِّرْ رِكابي فضة وذهبًا ... إني قتلتُ الملكَ المحجَّبا\nقتلت خير الناس أمًّا وأبًا ... وخيرهم إذ ينسبون نسبًا\nوقيل: إنه قتل مع الحسين من ولده وإخوته وأهل بيته ثلاث وعشرون رجلًا، روى عنه أبو هريرة وابنه علي زين العابدين وفاطمة وسُكينة بنتاه، وكان للحسين يوم قتل ثمان وخمسون سنة، وقضى اللَّه تعالى أن قتل عبد اللَّه بن زياد يوم عاشوراء\n_________\n(١) في \"الخلاصة\" (ص: ٨٣): روى عن جده -ﷺ- ثمانية أحاديث وعن أبيه وأمه وعمر، وعنه ابنه علي وابن ابنه زيد وبنتاه سكينة وفاطمة. انتهى. (أحمد حسن).","vol":"10","page":62},{"text":"سنة سبع وستين، قتله إبراهيم بن مالك الأشتر النخعي في الحرب وبعث برأسه إلى المختار، وبعث به المختار إلى ابن الزبير، وبعث به ابن الزبير إلى علي بن الحسين.\n(خولي) بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو وكسر اللام وتشديد الياء.\nو(سكينة) بضم السين المهملة وفتح الكاف وسكون الياء وبالنون.\n١٥٠ - حسان بن ثابت: هو حسان بن ثابت، يكنى أبا الوليد، الأنصاري الخزرجي، شاعر رسول اللَّه -ﷺ-، وهو من فحول الشعراء، قال أبو عبيدة: أجمعت العرب على أن أشعر أهل المدر حسان بن ثابت، روى عنه عمر وأبو هريرة وعائشة، ومات قبل الأربعين في خلافة علي، وقيل: سنة خمسين وله مئة وعشرون سنة، عاش منها ستين سنة في الجاهلية وستين في الإسلام.\n١٥١ - الحكم بن سفيان: هو الحكم بن سفيان الثقفي، ويقال: سفيان بن الحكم، ويقال: إنه لم يسمع من النبي -ﷺ-، قال ابن عبد البر (١): وسماعه عندي صحيح.\n١٥٢ - الحكم بن عمرو الغفاري: هو الحكم بن عمرو الغفاري، وليس غفاريًا إنما هو من ولد نُعَيلة أخي غفار بن مُلَيل، (مليل) بضم الميم وفتح اللام الأولى. عداده في أهل البصرة ومات بمرو، ويقال: بالبصرة سنة خمس، ودفن هو وبريدة الأسلمي بـ \"مرو\" في موضع واحد، روى عنه جماعة.\n١٥٣ - حنظلة بن الربيع: هو حنظلة بن الربيع التميمي، يقال له: الكاتب لأنه كتب الوحي لرسول اللَّه -ﷺ-، وانتقل إلى مكة. ثم خرج منها إلى (قرقيسيا) وسكنها، ومات في زمن معاوية، روى عنه أبو عثمان النهدي ويزيد بن الشخّير.\n_________\n(١) \"الاستيعاب\" (١/ ٣٦١).","vol":"10","page":63},{"text":"١٥٤ - حاطب بن أبي بلتعة: هو حاطب بن أبي بلتعة، واسم أبي بلتعة عمرو، وقيل: راشد، اللخمي، شهد بدرًا والخندق وما بعدهما من المشاهد. مات سنة ثلاثين بالمدينة وهو ابن خمس وستين سنة. روى عنه نفر.\n١٥٥ - حويصة: هو حويصة بن مسعود بن كعب الأنصاري الحارثي أخو محيصة، وكان حويصة أكبر سنًا من أخيه، وأسلم بعد محيصة، شهد أحدًا والخندق وما بعدهما من المشاهد، روى عنه محمد بن سهل وغيره.\n(حويصة) بضم الحاء وفتح الواو وتشديد الياء تحتها نقطتان وكسرها وبالصاد المهملة.\n١٥٦ - حبيش بن خالد: هو حبيش بن خالد الخزاعي، قتل يوم فتح مكة مع خالد بن الوليد، روى عنه ابنه هشام.\n(حبيش) بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء والشين المعجمة.\n١٥٧ - حبيب بن مسلمة: هو حبيب بن مسلمة القرشي الفهري بكسر الفاء، وكان يقال له: حبيب الروم لكثرة مجاهدته إياهم، وكان فاضلًا مجاب الدعوة. مات بالشام سنة اثنتين وأربعين، روى عنه ابن أبي مليكة وغيره.\n١٥٨ - حكيم بن حزام: هو حكيم بن حزام، يكنى أبا خالد القرشي الأسدي، وهو ابن أخي خديجة أم المؤمنين، ولد في الكعبة قبل الفيل بثلاث عشرة سنة، وكان من أشراف قريش ووجوهها في الجاهلية والإسلام، وتأخر إسلامه إلى عام الفتح. ومات بالمدينة في داره سنة أربع وخمسين وله مئة وعشرون سنة، ستون في الجاهلية وستون في الإسلام، وكان عاقلًا فاضلًا تقيًا، حسن إسلامه بعد أن كان من المؤلفة","vol":"10","page":64},{"text":"قلوبهم، أعتق في الجاهلية مئة رقبة، وحمل على مئة بعير (١). روى عنه نفر (٢).\n١٥٩ - حكيم بن معاوية: هو حكيم بن معاوية النميري، قال البخاري: في صحبته نظر (٣). روى عنه ابن أخيه معاوية بن حكيم وقتادة.\n١٦٠ - حصين بن وحوح: هو حصين بن وحوح الأنصاري (٤)، حديثه في المدنيين، يقال: إنه قتل بالتعذيب.\n١٦١ - حبشي بن جُنادة: هو حبشي بن جنادة (٥)، رأى النبي -ﷺ- في حجة الوداع، وله صحبة، عداده في أهل الكوفة. روى عنه جماعة.\n١٦٢ - حجاج بن عمرو: وهو الحجاج بن عمرو الأنصاري المازني، يعد في أهل المدينة، حديثه عند الحجازيين، روى عنه جماعة.\n١٦٣ - حارثة بن سراقة: هو حارثة بن سراقة الأنصاري، والرُّبيِّع أمه، وهي\n_________\n(١) وباع مرة دارًا بستين ألف درهم من معاوية فتصدق بها في سبيل اللَّه، وكان مع المشركين يوم بدر فنجا من القتل، وإذا حلف بعد أن أسلم يقول: لا والذي نجاني يوم بدر. [وفي \"حياة الصحابة\" (٢/ ٤٢٢): وأخرج الطبراني عن حكيم بن حزام -﵁- أنه باع دارًا له من معاوية -﵁- بستين ألفًا. فقالوا: غبنك -واللَّه- معاوية، فقال: واللَّه ما أخذتها في الجاهلية إلا بزقِّ خمر، أشهدكم أنها في سبيل اللَّه، والمساكين، والرقاب؛ فأيُّنا المغبون. وفي رواية: بمئة ألف. قال الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين أحدهما حسن. انتهى. وفي \"أسد الغابة\" (٢/ ٥٨): وكانت بيده دار الندوة، فباعها من معاوية بمئة ألف درهم، فقال له ابن الزبير: بعت مكرمة قريش، فقال حكيم: ذهبت المكارم إلا التقوى، وتصدق بثمنها. انتهى].\n(٢) أي: عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وابن سيرين وغيرهم. (عبد الحق).\n(٣) في \"التقريب\": مختلف في صحبته، والصواب أنه تابعي.\n(٤) له صحبة.\n(٥) الهوازني من بني بكر بن هوازن، هو أبو الجنوب السلولي.","vol":"10","page":65},{"text":"عمة أنس بن مالك، شهد بدرًا وقتل فيها شهيدًا، وهو أول من قتل من الأنصار يومئذ، وقد جاء في \"صحيح البخاري\" أن اسم أمه الربيع، والذي كتب في \"أسماء الصحابة\": (الربيع) بضم الراء وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء تحتها نقطتان وكسرها.\n١٦٤ - حارثة بن وهب: هو حارثة بن وهب الخزاعي أخو عبيد اللَّه بن عمر بن الخطاب لأمه، عداده في الكوفيين، روى عنه أبو إسحاق السبيعي.\n(السَّبِيعي) بفتح السين وكسر الباء الموحدة.\n١٦٥ - حارثة بن النعمان: هو حارثة بن النعمان، شهد بدرًا وأحدًا، والمشاهد كلها، وكان من فضلاء الصحابة، له ذكر في (باب البر والصلة)، روي أنه قال: مررت على رسول اللَّه -ﷺ- ومعه جبريل جالس بالمقاعد فسلمت عليه وأجزت، فلما رجعت وانصرف النبي -ﷺ- قال لي: هل رأيت الذي كان معي؟ قلت: نعم! قال: فإنه جبريل وقد ردّ عليك السلام، وكان قد كفّ بصره.\n١٦٦ - الحارث بن الحارث: هو الحارث بن الحارث الأشعري، يعد في الشاميين، روى عنه أبو سلام الحبشي وغيره.\n١٦٧ - الحارث بن هشام: هو الحارث بن هشام المخزومي، أخو أبي جهل ابن هشام، عداده في أهل الحجاز، كان شريفًا مذكورًا، أسلم يوم الفتح، استأمنت له أم هانئ بنت أبي طالب، فأمّنه النبي -ﷺ- وخرج إلى الشام وقتل (باليرموك) سنة خمس عشرة، وأعطاه النبي -ﷺ- مئة من الإبل كما أعطى المؤلفة قلوبهم، وكان منهم، ثم حسن إسلامه، وخرج إلى الشام في زمن عمر بن الخطاب راغبًا في الجهاد، فخرج أهل مكة يبكون لفراقه فقال: إنها لنقلة إلى اللَّه تعالى وما كانت لأوثر عليكم أحدًا، فلم يزل بالشام مجاهدًا إلى أن مات.\n١٦٨ - الحارث بن كَلَدة: هو الحارث بن كلدة الثقفي الطبيب، مولى أبي بكر،","vol":"10","page":66},{"text":"له ذكر في (كتاب الأطعمة)، وقد أورده ابن منده وابن الأثير وغيرهما في \"أسماء الصحابة\" فقال ابن عبد البر (١) عند ذكر ابنه [الحارث بن] الحارث بن كلدة الصحابي: وأما أبوه الحارث بن كلدة فمات في أول الإسلام ولم يصح إسلامه (٢).\n(كلدة) بفتح الكاف وفتح اللام والدال المهملة.\n١٦٩ - أبو حبة: هو أبو حبة ثابت بن النعمان الأنصاري البدري، وفي كنيته واسمه خلاف كثير، ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرًا فذكره بكنيته ولم يسمه.\n(حبة) بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة، وقيل: هو بالنون، وقيل: بالياء تحتها نقطتان، والأول أكثر، قتل يوم أحد.\n١٧٠ - أبو حميد: هو أبو حميد عبد الرحمن بن سعد الأنصاري الخزرجي الساعدي، غلبت عليه كنيته، روى عنه جماعة. مات في آخر ولاية معاوية.\n١٧١ - أبو حذيفة: هو أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، قيل: اسمه مهشم، وقيل: هشيم، وقيل: هاشم، كان من فضلاء الصحابة، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها، وقتل يوم اليمامة (٣) شهيدًا وهو ابن ثلاث وخمسين سنة.\n١٧٢ - أبو (٤) الحنظلية: هو سهل بن عبد (٥) اللَّه [ابن] الحنظلية وهي أم\n_________\n(١) \"الاستيعاب\" (١/ ٢٨٣).\n(٢) قال الحافظ في \"الإصابة\" (١/ ٦٦٣): قلت: سيأتي الرد عليه في ترجمة الحارث بن كلدة، (١/ ٦٨٧).\n(٣) في خلافة أبي بكر -﵁-.\n(٤) في نسخة: \"ابن\" وهو الصواب. و(الحنظلية) أمه، أو من أمهاته، كما في \"التقريب\" (٢٦٥٥).\n(٥) في نسخة: \"عبيد\". قلت: وقد اختلف في اسم أبيه على أقوال؛ فقيل: عبيد، وقيل: =","vol":"10","page":67},{"text":"جده وبها يعرف.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1391> فصل في التابعين:</span>\n١٧٣ - الحارث بن سويد: هو الحارث بن سويد التميمي الكوفي، من كبار التابعين وثقاتهم، روى عن ابن مسعود، وعنه إبراهيم التيمي، مات آخر أيام عبد اللَّه ابن الزبير.\n١٧٤ - الحارث بن مسلم: هو الحارث بن مسلم التميمي، حديثه في الشاميين. روى عنه عبد الرحمن بن حسان.\n١٧٥ - الحارث بن الأعور (١): هو الحارث بن عبد اللَّه الأعور الحارثي الهمداني ممن اشتهر بصحبة علي بن أبي طالب، ويقال: إنه سمع منه أربعة أحاديث، وروى عن ابن مسعود، وعنه عمرو بن مرة والشعبي، قال النسائي وغيره: ليس بالقوي، وقال ابن أبي داود: وكان أفقه الناس وأفرض الناس وأحب الناس، مات بالكوفة سنة خمس وستين.\n١٧٦ - حارث بن شهاب: هو الحارث بن شهاب الحرمي. روى عن أبي إسحاق وعاصم بن بهدلة، وعنه طالوت والعيسى وأمم، ضعفوه.\n١٧٧ - حارث بن دحية: هو الحارث بن دحية الراسي، روى عن مالك بن دينار، وعنه المقدمي ونصر بن علي، ضعفوه.\n_________\n= عقيب بن عمرو، وقيل: عمرو بن عدي، وقيل: الربيع بن عمرو كما في \"الاستيعاب\" (٢/ ٦٦٢)، و\"الإصابة\" (٣/ ١٦٤) ولم يذكرا فيها (عبد اللَّه). والمرجح عند المؤلف \"الربيع ابن عمرو\"، كما سيأتي في ذكر سهل بن الحنظلية.\n(١) كذا في الأصل، والصواب \"الحارث الأعور\"، فإن الأعور صفة أو لقب له لا لأبيه.","vol":"10","page":68},{"text":"١٧٨ - حارثة بن مُضَرّب: هو الحارثة بن مضرب العبدي الكوفي، تابعي مشهور، سمع عليًّا وابن مسعود وغيرهما، حديثه عند أهل الكوفة.\n١٧٩ - حارثة بن أبي الرجال: هو حارثة بن أبي الرجال، روى عن أبيه وجدته عمرة، وعنه ابن نمير ويعلي بن عبيد وعدة، ضعفوه.\n١٨٠ - حفص بن عاصم: هو حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، من أجلة التابعين، ثقة مجمع عليه، كثير الحديث، سمع (١) ابن عمر.\n١٨١ - حفص بن سليمان: هو حفص بن سليمان، يكنى أبا عمرو، الأسدي مولاهم، روى عن علقمة بن مرثد وقيس بن مسلم، وعنه نفر، ثبت في القراءة، لا في الحديث، قال البخاري: تركوه، مات سنة مئة وثمان، وله تسعون سنة.\n١٨٢ - حنش بن عبد اللَّه: هو حنش بن عبد اللَّه السبئي، قيل: إنه كان مع علي ابن أبي طالب بالكوفة، وقدم مصر بعد قتل علي. مات سنة مئة.\n١٨٣ - حكيم بن معاوية: هو حكيم بن معاوية القشيري وأعرابي حسن الحديث، روى عن أبيه، سمع منه ابنه بهز والجريري.\n١٨٤ - حكيم بن الأثرم (٢): هو حكيم بن الأثرم. روى عن أبي تميم (٣) والحسن، وعنه عوف وحماد بن سلمة، صدوق.\n_________\n(١) روى عن أبيه وعمه وأبي هريرة وزيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري، وعنه القاسم بن محمد وسالم بن عبد اللَّه وهما من أقرانه، وبنوه عمر وعيسى ورباح، وأبان وغيرهم، وروى الجماعة. (عبد الحق). [قلت: تصحف في الأصل: روى عن أبيه وأمه، والصواب ما أثبتناه].\n(٢) كذا في الأصل، والصواب: \"حكيم الأثرم\". كما في \"كتب الرجال\".\n(٣) في نسخة: \"أبي تميمة\" وهو الصواب، كما في \"كتب الرجال\".","vol":"10","page":69},{"text":"١٨٥ - حكم بن ظهير: هو الحكم بن ظهير الفزاري. روى عن علقمة بن مرثد وزيد بن رفيع. وعنه محمد بن الصباح الدولابي، قال البخاري: تركوه.\n١٨٦ - حرام بن سعيد: هو حرام بن سعيد بن محيصة، يكنى أبا نعيم، الأنصاري الحارثي، تابعي، روى عن أبيه والبراء بن عازب، وعنه الزهري، مات سنة ثلاث عشرة ومئة وهو ابن سبعين سنة. (حرام) ضد حلال.\n١٨٧ - حماد بن سلمة: هو حماد بن سلمة بن دينار، ويكنى أبا سلمة، الربيعي مولى ربيعة بن مالك، وهو ابن أخت حميد الطويل، من أعلام البصريين وأئمتهم، كثير الحديث، واسع الرواية، مشهور بالسنة والعبادة، مات سنة سبع وستين ومئة، سمع ثابتًا وحميدًا الطويل وقتادة. روى عنه يحيى بن سعيد وابن المبارك ووكيع.\n١٨٨ - حماد بن زيد: هو حماد بن زيد الأزدي، أحد الأعلام الأثبات، روى عن ثابت البناني وغيره، وعنه ابن المبارك، ويحيى بن سعيد، ولد في زمن سليمان ابن عبد الملك، ومات سنة تسع وتسعين ومئة، وكان ضريرًا.\n١٨٩ - حماد بن أبي سليمان: هو حماد بن أبي سليمان، واسم أبي سليمان مسلم، الأشعري مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري، كوفي، يعدّ في التابعين، سمع جماعة. روى عنه شعبة والثوري وغيرهما، كان أعلم الناس، رأى إبراهيم النخعي، يقال: مات سنة عشرين ومئة.\n١٩٠ - حماد بن أبي حميد: هو حماد بن أبي حميد المدني، روى عن زيد ابن أسلم وغيره، وعنه القعنبي وعدة، ضعفوه.\n١٩١ - حميد بن عبد الرحمن: هو حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المدني، هو من كبار التابعين. مات سنة خمس ومئة، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة.","vol":"10","page":70},{"text":"١٩٢ - حميد بن عبد الرحمن: هو حميد بن عبد الرحمن الحميري البصري، من ثقات البصريين وأئمتهم، تابعي جليل من قدماء التابعين. روى عن أبي هريرة وابن عباس.\n١٩٣ - الحسن البصري: هو الحسن البصري بن أبي الحسن، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت، وأبوه يسار من بني سبي مَيْسان أعتقته الرُّبيِّع بنت النَّضر، ولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب بالمدينة، وحنّكه عمر بيده، وكانت أمه تخدم أم سلمة أم المؤمنين فربّما غابت فتعطيه أمُّ سلمة ثديَها تعلِّله (١) بها إلى أن تجيء أمه فيدر عليه ثديها فيشربه، وكانوا يقولون: إن الذي بلغ الحسن من الحكمة من بركة ذلك، وقدم البصرة بعد قتل عثمان، ورأى عثمان، وقيل: إنه لقي عليًّا بالمدينة، وأما بالبصرة فإن رؤيته إياه لم تصح لأنه كان في وادي القرى متوجهًا نحو البصرة حين قدم علي بن أبي طالب البصرة، روى عن الصحابة مثل أبي موسى وأنس بن مالك وابن عباس وغيرهم، وعنه خلق كثير من التابعين وتابعيهم، وهو إمام وقته في كل فن وعلم وزهد وورع وعبادة، مات في رجب سنة عشر ومئة.\n١٩٤ - الحسن بن علي بن رشد: هو الحسن بن علي بن راشد الواسطي. روى عن أبي الأحوص وهشيم، وعنه أبو داود والنسائي، صدوق مات سنة سبع وثلاثين ومئتين.\n١٩٥ - الحسن بن علي الهاشمي: هو الحسن بن علي الهاشمي، روى عن الأعرج، وعنه مسلم بن قتيبة، قال البخاري: هو منكر الحديث (٢).\n_________\n(١) في نسخة: \"تشغله\".\n(٢) روى عنه وعن غيره، وروى عنه قتادة وغيره، وثّقه أبو حاتم، وقال البخاري: فيه نظر، روى =","vol":"10","page":71},{"text":"١٩٦ - الحسن بن أبي جعفر: هو الحسن بن أبي جعفر الجعفري، روى عن نافع وأبي الزبير، وعنه ابن مهدي وغيره، ضعفوه، وكان صالحًا، مات سنة سبع وستين ومئة.\n١٩٧ - حنظلة بن قيس الزرقي: هو حنظلة بن قيس الزرقي الأنصاري، من ثقات أهل المدينة وتابعيهم، سمع رافع بن خديج وغيره. روى عنه يحيى بن سعيد وغيره.\n١٩٨ - حبيب بن سالم: هو حبيب بن سالم مولى النعمان بن بشير وكاتبه. روى عنه محمد بن المنتشر وغيره.\n١٩٩ - حرب بن عبيد اللَّه: هو حرب بن عبيد اللَّه الثقفي، مختلف في اسمه وحديثه، روى حديثه عطاء بن السائب، وقد اختلف عنه، فرواه سفيان بن عيينة عن عطاء عن حرب عن خالٍ له عن النبي -ﷺ-، وقال أبو الأحوص: عن عطاء عن حرب عن جده أبي أمه عن أبيه، وقال حميد: عن عطاء عن حرب بن هلال الثقفي عن أبي أمه، وجاء في رواية أبي داود عن حرب بن عبيد اللَّه عن جده أبي أمه عن أبيه، وهو الأشهر، وحديثه في العشور على اليهود والنصارى.\n٢٠٠ - الحجاج بن حسان: هو الحجاج بن حسان الحنفي يعدّ في البصريين، تابعي، سمع أنس بن مالك وغيره، وعنه يحيى بن سعيد ويزيد بن هارون.\n٢٠١ - الحجاج بن الحجاج: هو الحجاج بن الحجاج الأحول الأسلمي، وقيل: الباهلي البصري، روى عن الفرزدق وقتادة وعدة، وعنه إبراهيم بن طهمان ويزيد\n_________\n= له الأربعة، وقال ابن عدي: ليس في متون أحاديثه حديث منكر بل اضطرب فيه الأسانيد ما يروى عنه.","vol":"10","page":72},{"text":"ابن زريع، وثقوه، توفي سنة إحدى وثلاثين ومئة.\n٢٠٢ - الحجاج بن يوسف: هو الحجاج بن يوسف الثقفي عامل عبد الملك ابن مروان على العراق وخراسان، وبعده ابنه الوليد، مات بواسط في شوال سنة خمس وتسعين، عمره أربع وخمسون سنة، له ذكر في (باب مناقب قريش وذكر القبائل) وسيجيء قصة موته في حرف السين في ذكر سعيد بن جبير.\n٢٠٣ - أبو حية: هو أبو حية، واسمه عمرو بن نصر الخارقي الهمداني، روى عن علي بن أبي طالب.\n٢٠٤ - أبو حرة: هو أبو حرة بضم الحاء وتشديد الراء، واسمه حنيفة، الرقاشي، روى عن عمه، حديثه في (باب الغصب): \"ألا لا تظلموا، ألا لا يحل مال امرئ إلا بطيب نفس منه\".\n٢٠٥ - ابن حزم: هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. روى عن أبي حية وابن عباس، وعنه الزهري.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1392> فصل في الصحابيات:</span>\n٢٠٦ - حفصة بنت عمر (١): حفصة بنت عمر: هي أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب، وأمها زينب بنت مظعون، كانت قبل رسول اللَّه -ﷺ- تحت خنيس ابن حذافة السهمي، هاجرت معه ومات عنها بعد غزوة بدر، فلما مات ذكرها عمر على أبي بكر وعثمان فلم يجبه واحد منهما، فخطبها رسول اللَّه -ﷺ- فأنكحه إياها في سنة ثلاث وطلقها تطليقة واحدة، ثم راجعها إذ أنزل عليه الوحي، يقول: راجع حفصة\n_________\n(١) في \"الخلاصة\" (ص: ٤٩٠): لها ستون حديثًا اتفقا على ثلاثة، وانفرد (م) بستة، انتهى. (أحمد حسن).","vol":"10","page":73},{"text":"فإنها صوّامة قوّامة وإنها زوجتك في الجنة، روى عنها جماعة من الصحابة والتابعين، وماتت في شعبان سنة خمس وأربعين، وهي ابنة ستين سنة.\n٢٠٧ - حليمة: هي حليمة بنت أبي ذؤيب (١) مرضعة النبي -ﷺ- بعد أن أرضعته ثويبة مولاة أبي لهب، وولد حليمة الذي أرضعت النبي -ﷺ- بلبنه عبد اللَّه بن الحارث، وأخته التي كانت تحضنه الشيماء، ثم ردته إلى أمه بعد سنتين وشهرين، وقيل بعد خمس سنين. روى عنها عبد اللَّه بن جعفر، ولها ذكر في (باب البر والصلة).\n٢٠٨ - أم حبيبة: هي أم حبيبة أم المؤمنين اسمها رملة بنت أبي سفيان صخر ابن حرب، وأمها صفية بنت أبي العاص عمة عثمان بن عفان، وقد اختلف في وقت نكاح رسول اللَّه -ﷺ- إياها، وموضع العقد، فقيل: إنه عقد بأرض الحبشة (٢) سنة ست، وزوجه منها النجاشي وأمهرها أربع مئة دينار، وقيل: أربعة آلاف درهم من عنده، وبعث النبي -ﷺ- شرحبيل بن حسنة فجاء بها إليه، دخل بها بالمدينة، وقيل: إنه عقد عليها بالمدينة وزوَّجه منها عثمان بن عفان، وماتت بالمدينة سنة أربع وأربعين، روى عنها جماعة كثيرة.\n٢٠٩ - أم الحصين: هي أم الحصين بنت إسحاق الأحمسية، روى عنها ابنها (٣)\n_________\n(١) روت من إرهاصاته -ﷺ- ما لا يحصى ويحصر، منها: أنه -ﷺ- يمص الثدي اليمنى ولم يمص اليسرى كان يتركها لأخيه، ومنها: أنه لم يلوث على عادة الأطفال ثوبه ببول وغائط، ولما حان تكلمه قال يومًا: اللَّه أكبر، الحمد للَّه رب العالمين، وقال ليلة في نصفها: لا إله إلا اللَّه، قد نامت العيون، والرحمن لا تأخذه سنة ولا نوم، وأمثال ذلك، وكان شق صدره -ﷺ- أولًا حين الرضاعة، انتهى. (عبد الحق).\n(٢) وهذا هو الأكثر والأصح كما قال ابن عبد البر.\n(٣) في نسخة: \"ابن ابنها\".","vol":"10","page":74},{"text":"يحيى بن الحصين وغيره، شهدت حجة الوداع.\n٢١٠ - أم حرام: هي أم حرام بنت ملحان بن خالد النجارية، وهي أخت أم سليم، أسلمت وبايعت، وكان النبي -ﷺ- يقيل في بيتها، وهي زوجة عبادة بن الصامت، ماتت غازية مع زوجها بأرض الروم وقبرها بـ \"قبرس\"، روى عنها ابن أختها أنس بن مالك وزوجها عبادة، قال ابن عبد البر (١): لا أقف لها على اسم صحيح غير كنيتها، وكان موتها في خلافة عثمان.\n(ملحان) بكسر الميم وسكون اللام وبالحاء المهملة وبالنون.\n٢١١ - حمنة: هي حمنة بنت جحش أخت زينب زوج النبي -ﷺ-، الأسدية، كانت تحت مصعب بن عمير فقُتِل عنها يوم أحد فتزوَّجها طلحة بن عبيد اللَّه.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1393> فصل في التابعيات:</span>\n٢١٢ - حسناء: هي حسناء بنت معاوية الصريمية روت عن عمها عن النبي -ﷺ-، روى عنها عوف الأعرابي، حديثها في البصريين، هكذا أوردها ابن ماكولا في (حسناء)، وذكرها الحازمي فقال: (خنساء) بنت معاوية، ويقال: حسناء الصريمية، وعماها الحارث وأسلم.\n(الصَّرِيميَّة) بفتح الصاد المهملة وكسر الراء، و(حسناء) فَعْلاء من الحُسْن. و(خنساء) بالخاء المعجمة وتقديم النون على السين.\n٢١٣ - حفصة بنت عبد الرحمن: هي حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، زوجة المنذر بن الزبير بن العوام.\n٢١٤ - أم الحرير: هي أم الحرير بفتح الحاء وكسر الراء الأولى، مولاة طلحة\n_________\n(١) \"الاستيعاب\" (٤/ ١٩٣١).","vol":"10","page":75},{"text":"ابن مالك، روت عن مولاها، وروى حديثها محمد بن أبي رزين عن أمه عنها، حديثها في (أشراط الساعة).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1394>حرف الخاء</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1395> فصل في الصحابة:</span>\n٢١٥ - خالد بن الوليد: هو خالد بن الوليد القرشي المخزومي، وأمه لبابة الصغرى أخت ميمونة زوج النبي -ﷺ-، كان أحد أشراف قريش في الجاهلية، سمّاه رسول اللَّه -ﷺ- \"سيف اللَّه\"، مات سنة إحدى وعشرين، وأوصى إلى عمر بن الخطاب، روى عنه ابن خالته ابن عباس، وعلقمة، وجبير بن نفير.\n٢١٦ - خالد بن هوذة: هو خالد بن هوذة العامري، وفد هو وأخوه حرملة على النبي -ﷺ-[فكتب النبي -ﷺ-] إلى خزاعة يبشرهم بإسلامهما. هما من المؤلفة قلوبهم، وخالد بن هوذة هذا [هو والد العدّاء بن خالد بن هوذة] الذي ابتاع منه رسول اللَّه -ﷺ- العبد أو الأمة وكتب له العهد.\n٢١٧ - خلاد (١) بن السائب: هو خلاد بن السائب بن الخلاد الخزرجي، روى عن أبيه وزيد بن خالد، وعنه حبان بن واسع وغيره.\n٢١٨ - خباب بن الأرتّ: هو خباب بن الأرت، يكنى أبا عبد اللَّه التميمي، وإنما لحقه سبيٌ فِي الجاهلية فاشترته امرأة من خزاعة فأعتقته. أسلم قبل دخول النبي -ﷺ- دار الأرقم، وهو ممن عذب في اللَّه على إسلامه فصبر، نزل الكوفة، ومات بها سنة\n_________\n(١) مات في خلافة وليد.","vol":"10","page":76},{"text":"سبع وثلاثين وله ثلاث وسبعون سنة. روى عنه جماعة.\n٢١٩ - خارجة بن حذافة: هو خارجة بن حذافة القرشي العدوي، كان أحد فرسان قريش يقال: إنه كان يعدل بألف فارس. وعداده في أهل مصر، وهو الذي قتله الخارجي (١) ظنًّا منه أنه عمرو بن العاص.\nو(الخارجي) هو أحد الثلاثة الذين اتفقوا على قتل علي، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وتوجه كل واحد منهم إلى واحد من الثلاثة، فنفذ قضاء اللَّه ﷿ في علي دونهما، وكان قتل خارجة في سنة أربعين.\n٢٢٠ - خزيمة بن ثابث: هو خزيمة بن ثابت، يكنى أبا عمارة، الأنصاري الأوسي، يعرف بذي الشهادتين، شهد بدرًا وما بعدها، كان مع علي يوم صِفِّين، فلما قُتِل عمار بن ياسر جرَّدَ سيفه فقاتل حتى قتل. روى عنه ابناه عبد اللَّه وعمارة وجابر ابن عبد اللَّه.\n(خزيمة) بضم الخاء وفتح الزاي، و(عمارة) بضم العين.\n٢٢١ - خزيمة بن جزء: هو خزيمة بن جزء، يكنى أبا عبد اللَّه، السلمي، روى عنه أخوه حبان بن جزء، يعد في الوحدان.\n(جزء): بفتح الجيم وسكون الزاي وبعدها همزة، وأصحاب الحديث يقولون: جزي بفتح الجيم وكسر الزاي بعدها ياء، قاله عبد الغني، وقال الدارقطني: بكسر الجيم وسكون الزاي. و(حبان) بكسر الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة.\n٢٢٢ - خريم بن الأخرم: هو خريم بن الأخرم بن شداد بن عمرو بن فاتك الأسدي، وقد ينسب إلى جده فيقال: خريم بن فاتك، وعداده في الشاميين، وقيل\n_________\n(١) في نسخة: \"عمرو بن بكير الخارجي\".","vol":"10","page":77},{"text":"في الكوفيين، روى عنه جماعة.\n٢٢٣ - خبيب بن عدي: هو خبيب بن عدي الأنصاري الأوسي، شهد بدرًا، وأسر في غزوة الرجيع سنة ثلاث فانطُلِق به إلى مكة، فاشتراه بنو الحارث بن عامر، وكان خبيب قد قتل الحارثَ يوم بدر كافرًا فاشتراه بنوه ليقتلوه به، فأقام عندهم أسيرًا، ثم صلبوه بالتنعيم، وهو أول من صُلِب في الإسلام، روى عنه الحارث بن البرصاء.\nروي في \"صحيح البخاري\" أن خبيبًا استعار من بعض بنات الحارث مُوسًى ليستحِدَّ بها، فأخذ ابنًا لها وهي غافلة فأجلسه على فخذه والموسى بيده، ففزعت أمه فزعة عرفها خبيب في وجهها، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك. فقالت: واللَّه ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خبيب، واللَّه لقد وجدته يومًا يأكل من قِطْف عنب في يده وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمر، وكان يقول: إنه لرزق من اللَّه رزقه خبيبًا، فلما أخرجوه من الحرم ليقتلوه في الحل قال خبيب: ذروني أركع ركعتين، فتركوه فركعهما، فقال: واللَّه لولا أن ينسُبوني إلى جزعٍ لزِدتُ، ثم قال: اللهم أحصهم عددًا واقتلهم بددًا ولا تبق منهم أحدًا، وقال:\nفلستُ أبالي حين أُقتَلُ مسلمًا ... على أيِّ شقٍّ (١) كان في اللَّه مضجعي (٢)\nوذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يُبارِكْ على أوصالِ شِلْوٍ ممزَّعٍ (٣)\n_________\n(١) في نسخة: \"جنب\".\n(٢) في نسخة: \"مصرعي\".\n(٣) ثمّ قام إليه أَبُو سِرْوَعَةَ عقبة بن الحارث فقتله، وروي أنه قال خبيب عند قتله: اللهم إني لا أجد من يبلغ رسولك مني السلام فبلغه، وفي رواية أبي الأسود عن عروة: أخبر جبريل النبي -ﷺ- من ذلك، فأرسل أحدًا ليجيء بجسده، فلما أتى مكة رأى قريشًا يشربون الخمر =","vol":"10","page":78},{"text":"وكان خبيب هو الذي سن الركعتين لكل امرئ مسلم قتل صبرًا.\n٢٢٤ - خنيس بن حذافة: هو خنيس بن حذافة السهمي القرشي، كان زوج حفصة بنت عمر بن الخطاب قبل النبي -ﷺ-، شهد بدرًا ثم أحدًا فجرح، ثم مات بالمدينة من جراحه ولا عقب له.\n(خنيس) مصغر.\n٢٢٥ - أبو خراش: هو أبو خراش حدرد الأسلمي صحابي.\n(خراش) بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الراء وبالشين المعجمة.\nو(حدرد) بفتح الحاء وسكون الدال المهملتين وفتح الراء.\n٢٢٦ - أبو خلاد: هو أبو خلاد رجل من الصحابة، قال ابن عبد البر: لا أقف على اسمه ولا نسبه، حديثه عند يحيى بن سعيد عن أبي فروة عن أبي خلاد قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"إذا رأيتم المؤمن [قد] أعطي زهدًا في الدنيا وقلة منطق فاقتربوا منه فإنه يلقي الحكمة\" (١) وفي رواية مثله، ولكن بين أبي فروة وأبي خلاد أبو مريم، وهذا أصح.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1396> فصل في التابعين:</span>\n٢٢٧ - خيثمة بن عبد الرحمن: هو خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي، كان اسمُ أبي سبرةَ يزيدَ بن مالك، وكان خيثمة من كبار التابعين. مات قبل أبي وائل،\n_________\n= في مكان صلب، فلما سكروا وناموا أنزله من خشبة فابتلعته الأرض، وقيل: فوقع إلى الأرض ثم التفت فلم ير مكانه فكأنه ابتلعته الأرض. انتهى. (عبد الحق). [تصحف في الأصل: وفي رواية الأسد عن عروة، والصواب ما أثبتناه].\n(١) أخرجه ابن ماجه (٤١٠١)، والبيهقي في \"الشعب\" (١٠٠٤٨).","vol":"10","page":79},{"text":"سمع عليًّا وابن عمر وغيرهما، وعنه الأعمش ومنصور وعمرو بن مرة، وورث مئتي ألف فأنفقها على العلماء.\n(خيثمة) بفتح الخاء وسكون الياء تحتها نقطتان وفتح الثاء المثلثة.\nو(سبرة) بفتح السين المهملة وسكون الباء الوحدة.\n٢٢٨ - خالد بن معدان: هو خالد بن معدان، يكنى أبا عبد اللَّه، الشامي الكَلاعي، من أهل حمص، قال: لقيت سبعين رجلًا من أصحاب النبي -ﷺ-، وكان من ثقات الشاميين، مات بطرَسُوس سنة أربع ومئة.\n(معدان) بفتح الميم وسكون العين وتخفيف الدال المهملة.\n٢٢٩ - خالد بن عبد اللَّه: هو خالد بن عبد اللَّه الواسطي الطحان. روى عن حصين وغيره، كان من خيار عباد اللَّه الصالحين، يقال: إنه اشترى نفسه من اللَّه ثلاث مرات فتصدق بوزن نفسه فضة، مات سنة سبع وسبعين ومئة، وقيل: وثمانين ومئة، وكان مولده سنة عشر ومئة.\n٢٣٠ - خارجة بن زيد: هو خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري المدني، تابعي جليل القدر، أدرك زمن عثمان، وسمع أباه وغيره من الصحابة، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة (١)، ثبت ثقة، روى عنه الزهري، مات سنة تسع وتسعين.\n٢٣١ - خارجة بن الصلت: هو خارجة بن الصلت البرجمي، من البراجم، وهو من بني تميم، تابعي، روى عن ابن مسعود وعن عمه، وعنه الشعبي، حديثه عند أهل الكوفة.\n_________\n(١) في نسخة: \"الفقهاء السبعة بالمدينة\".","vol":"10","page":80},{"text":"٢٣٢ - خِشف بن مالك: هو خشف بن مالك الطائي، روى عن أبيه وعمه وعمرو بن مسعود، وعنه زيد بن جبير، وثق.\n(خشف) بكسر الخاء وسكون الشين المعجمة وبالفاء.\n٢٣٣ - أبو خزامة: هو أبو خزامة بن يعمر، أحد بني الحارث بن سعد. روى عن أبيه، وعنه الزهري، وهو تابعي.\n(خزامة) بكسر الخاء وتخفيف الزاي.\n٢٣٤ - أبو خلدة: هو أبو خلدة خالد بن دينار التميمي السعدي البصري الخياط، من الخياطة، من ثقات التابعين، روى عن أنس، وعنه وكيع وغيره.\n(خلدة) بفتح الخاء وسكون اللام.\n٢٣٥ - ابن خطل: هو عبد اللَّه بن خطل التميمي، مشرك، أمر النبي -ﷺ- بقتله يوم فتح مكة فقتل.\n(خطل) بفتح الخاء وفتح الطاء المهملة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1397> فصل في الصحابيات:</span>\n٢٣٦ - خديجة بنت خويلد: هي أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية، كانت تحت أبي هالة بن زرارة، ثم تزوجها عتيق بن عائذ، ثم تزوجها النبي -ﷺ- ولها يومئذ من العمر أربعون سنة وبعض أخرى، وكان لرسول اللَّه -ﷺ- خمس وعشرون سنة، ولم ينكح -ﷺ- قبلها امرأة ولا نكح عليها حتى ماتت، وهي أول من آمن من كافة الناس ذكرهم وأنثاهم، وجميع أولاده منها غير إبراهيم فإنه من مارية، وماتت بمكة قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل: بأربع سنين، وقيل: بثلاث وكان قد مضى من النبوة عشر سنين وكان لها من العمر خمس وستون سنة، وكانت مدة مقامها مع رسول اللَّه -ﷺ-","vol":"10","page":81},{"text":"خمسًا وعشرين سنة، ودفنت بالحجون (١).\n٢٣٧ - خولة بنت حكيم: هي خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون، كانت امرأة صالحة فاضلة، روى عنها جماعة.\n٢٣٨ - خولة بنت ثامر: هي خولة بنت ثامر الأنصارية، حديثها عند أهل المدينة، روى عنها النعمان بن أبي عياش الزرقي، وقيل: هي خولة بنت قيس بن مالك بن النجار.\n(ثامر) لقب قيس، والصحيح أنهما ثنتان.\n٢٣٩ - خولة بنت قيس: هي خولة بنت قيس الجهنية، حديثها عند أهل المدينة، روى عنها النعمان بن خُربوذ بضم الخاء المعجمة وبالراء والذال المعجمة.\n٢٤٠ - خنساء بنت خذام: هي خنساء بنت خذام بن خالد الأنصارية الأسدية، حديثها في المدنيين. روى عنها أبو هريرة وعائشة وغيرهما.\n(خنساء) بفتح الخاء وسكون النون وبالسين المهملة والمد، وخذام بكسر الخاء وتخفيف الذال المعجمتين.\n٢٤١ - أم خالد: هي أم خالد [بنت خالد (٢)] بن سعيد بن العاص الأموية وهي مشهورة بكنيتها، ولدت بأرض الحبشة وقدم بها إلى المدينة وهي صغيرة، ثم تزوجها الزبير بن العوام. روى عنها نفر.\n* * *\n_________\n(١) حجون بحاء مهملة مفتوحة وجيم: نام كوهى است بمكة كه آن قبرستان ودارها است، كذا في \"الصراح\" (ص: ٥٠٦)، ويقال: له الآن بجنة المعلى.\n(٢) زدناه من كتب الرجال، وانظر: \"الإصابة\" (٨/ ٢٨، ٣٨٥)، و\"تهذيب الكمال\" (٧٧٨٨).","vol":"10","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1398>حرف الدال</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1399> فصل في الصحابة:</span>\n٢٤٢ - دحية الكلبي: هو دحية بن خليفة الكلبي، من كبار الصحابة، شهد أحدًا وما بعدها من المشاهد، وبعثه رسول اللَّه -ﷺ- إلى قيصر في الهدنة وذلك في سنة ست فآمن به قيصر وأبت بطارقته فلم تؤمن، وهو الذي كان ينزل جبريل على صورته، نزل الشام وبقي أيام معاوية، روى عنه نفر من التابعين.\n(دحية) بكسر الدال وسكون الحاء المهملة وبالياء تحتها نقطتان، كذا يرويه أكثر أصحاب الحديث وأهل اللغة، وقيل: هو بالفتح.\n٢٤٣ - أبو الدرداء (١): هو أبو الدرداء عويمر بن عامر الأنصاري الخزرجي، واشتهر بكنيته، والدرداء ابنته، تأخر إسلامه قليلًا، فكان آخر أهل داره إسلامًا، وحسن إسلامه، وكان فقيهًا عالمًا حكيمًا، سكن الشام ومات بدمشق اثنتين (٢) وثلاثين.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1400> فصل في التابعين:</span>\n٢٤٤ - داود بن صالح: هو داود بن صالح بن دينار التمار، مولى الأنصاري المدني، روى عن سالم بن عبد اللَّه وعن أبيه وأمه.\n٢٤٥ - داود بن الحصين: هو داود بن الحصين مولى عمرو بن عثمان بن عفان. روى عن عكرمة، وعنه مالك وغيره، مات سنة خمس وثلاثين ومئة وله اثنتان وسبعون سنة.\n_________\n(١) وفي اسمه ونسبه اختلاف كثير، (عبد الحق).\n(٢) وقيل: سنة وإحدى، وقيل: سنة أربع في خلافة عثمان، روى عنه ابنه بلال وزوجته أم الدرداء وأبو ادريس الخولاني وعلقمة وجبير بن نفير، انتهى.","vol":"10","page":83},{"text":"٢٤٦ - ابن الديلمي: هو الضحاك بن فيروز، تابعي، حديثه في المصريين. روى عن أبيه.\n(الديلمي) بفتح الدال منسوب إلى الديلم وهو الجبل المعروف بين الناس. و(فيروز) بفتح الفاء وسكون الياء تحتها نقطتان بضم الراء وبالزاي.\n٢٤٧ - أبو داود الكوفي: هو أبو داود نفيع بن الحارث الأعمى الكوفي، روى عن عمران بن حصين وأبي برزة، وعنه الثوري وشريك، تركوه، كان يترفَّض، له ذكر في (كتاب العلم).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1401> فصل في الصحابيات:</span>\n٢٤٨ - أم الدرداء: هي أم الدرداء اسمها خيرة بنت أبي حدرد الأسلمية وهي زوجة أبي الدرداء، كانت من فضلاء النساء الصحابيات وعقلائهن وذوات الرأي منهن مع العبادة والنسك. روى عنها جماعة، وماتت قبل أبي الدرداء بسنتين، وكان وفاتها بالشام في خلافة عثمان.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1402>حرف الذال</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1403> فصل في الصحابة:</span>\n٢٤٩ - أبو ذر الغفاري: هو أبو ذر جندب بن جنادة، وهو من أعلام الصحابة وزهادهم والمهاجرين، وأسلم قديمًا بمكة، يقال: كان خامسًا في الإسلام، ثم انصرف إلى قومه فأقام عندهم إلى أن قدم المدينة على النبي -ﷺ- بعد الخندق، ثم سكن الرَّبَذة إلى أن مات بها سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان، وكان يتعبد قبل مبعث النبي -ﷺ-، روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين.\n٢٥٠ - ذو مخبر: -بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة-","vol":"10","page":84},{"text":"ابن أخي النجاشي خادم النبي -ﷺ-، روى عنه جبير بن نفير وغيره، يعدّ في الشاميين وحديثه فيهم.\n٢٥١ - ذو اليدين: هو رجل من بني سليم يقال له: الخِرباق، صحابي حجازي، شهد النبي -ﷺ- وقد سها في صلاته.\n(الخرباق) بكسر الخاء المعجمة وسكون الراء والباء الموحدة.\n٢٥٢ - ذو السويقتين: هو ذو السويقتين الحبشي، ذكر النبي -ﷺ- أنه يهدم الكعبة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1404>حرف الراء</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1405> فصل الصحابة:</span>\n٢٥٣ - رافع بن خديج: هو رافع بن خديج، يكنى أبا عبد اللَّه، الحارثي الأنصاري (١)، أصابه سهم يوم أحد فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: \"أنا شهيد لك يوم القيامة\"، وانقضت جراحته زمن عبد الملك بن مروان فمات سنة ثلات وسبعين بالمدينة وله ست وثمانون سنة. روى عنه خلق كثير.\n(خديج) بفتح الخاء المعجمة وكسر الدال والجيم.\n٢٥٤ - رافع بن عمرو: هو رافع بن عمرو الغفاري، عداده في البصريين، روى عنه عبد اللَّه بن الصامت، حديثه في أكل التمر.\n٢٥٥ - رافع بن مكيث: هو رافع بن مكيث الجهني، شهد الحديبية، روى\n_________\n(١) ويقال: أبو خديج رافع بن خديج بن رافع بن عدي الأنصاري الحارثي الأوسي، لم يشهد بدرًا لصغره، وشهد أحدًا والخندق والمشاهد كلها. وفي \"جامع الأصول\" (١٢/ ٣٨٣): أكثر المشاهد. (عبد الحق).","vol":"10","page":85},{"text":"عنه ابناه هلال والحارث.\n(مكيث) بفتح الميم وكسر الكاف وسكون الياء تحتها نقطتان وبالثاء المثلثة.\n٢٥٦ - رفاعة بن رافع: يكنى أبا معاذ الزرقي الأنصاري، شهد بدرًا وأحدًا وسائر المشاهد مع رسول اللَّه -ﷺ-، وشهد مع علي الجمل وصفين. مات في أول إمارة معاوية. روى عنه ابناه عبيد ومعاذ وابن أخيه يحيى بن خلاد.\n٢٥٧ - رفاعة بن سِموال: هو رفاعة بن سِموال القرظي، وهو الذي طلق امرأته ثلاثًا فتزوجها عبد الرحمن بن الزَّبِير، روت عنه عائشة وغيرها.\n(سموال) بكسر السين المهملة ويقال: بفتحها وسكون الميم وتخفيف الواو وباللام. و(الزبير) بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة، وقيل: بضم الزاي وفتح الباء، ورفاعة هذا هو خال صفية زوج النبي -ﷺ-.\n٢٥٨ - رفاعة بن عبد المنذر: هو رفاعة بن عبد المنذر الأنصاري، يكنى أبا لبابة، وسيجيء ذكره في حرف اللام.\n٢٥٩ - رويفع بن ثابت: هو رويفع بن ثابت بن سكن الأنصاري، عداده في المصريين، وأمّره معاوية على طرابلس الغرب سنة ست وأربعين، ومات (ببرقة) وقيل: (بالشام)، روى عنه حنش بن عبد اللَّه وغيره.\n(رويفع) تصغير رافع. و(حنش) بفتح الحاء المهملة وفتح النون وبالشين المعجمة.\n٢٦٠ - ركانة بن عبد يزيد: هو ركانة بن عبد يزيد بن هاشم بن عبد المطلب القرشي، كان من أشد الناس، حديثه في الحجازيين، بقي إلى زمان عثمان، وقيل: مات سنة اثنتين وأربعين، روى عنه جماعة.\n(ركانة) بضم الراء وتخفيف الكاف وبالنون.","vol":"10","page":86},{"text":"٢٦١ - رباح (١) بن الربيع: هو رباح بن الربيع الأُسَيِّدي الكاتب، حديثه في البصريين. روى عنه قيس بن زهير.\n(الأسيدي) بضم الهمزة وفتح السين وتشديد الياء الأولى والثانية.\n٢٦٢ - ربيعة بن كعب: هو ربيعة بن كعب، يكنى أبا فراس، الأسلمي، معدود في أهل المدينة، وكان من أهل الصُّفَّة، ويقال: كان خادمًا لرسول اللَّه -ﷺ-، صحبه قديمًا، وكان يلزمه سفرًا وحضرًا، مات سنة ثلاث وستين، روى عنه جماعة.\n٢٦٣ - ربيعة بن الحارث: هو ربيعة بن الحارث (٢) بن عبد المطلب بن هاشم، ابن عم رسول اللَّه -ﷺ-، له صحبة ورواية، مات سنة ثلاث وعشرين في خلافة عمر، وهو الذي قال له النبي -ﷺ- يوم فتح مكة: \"وأولُ دمٍ أضَعُه دم ربيعة بن الحارث\"، وذاك أنه قُتِل لربيعة بن الحارث ابنٌ في الجاهلية يسمى آدم فأبطل رسول اللَّه -ﷺ- الطلب به في الإسلام.\n٢٦٤ - ربيعة بن عمرو: هو ربيعة بن عمرو الجرشي، قال الواقدي: قتل ربيعة يوم مرج راهط.\n٢٦٥ - أبو رافع أسلم: هو أبو رافع أسلم مولى النبي -ﷺ- وغلب عليه كنيته، كان قبطيًا وكان للعباس وهبه للنبي -ﷺ-، فلما بشر النبي -ﷺ- بإسلام العباس أعتقه، وكان إسلامه قبل بدر، وروى عنه خلق كثير، مات قبل عثمان بيسير (٣).\n_________\n(١) في نسخة: \"رياح\".\n(٢) والحارث عم رسول اللَّه -ﷺ- كان أكبر من العباس.\n(٣) قلت: لكن ذكره السيوطي من الأعلام الذين ماتوا في خلافة علي -﵁-، واللَّه أعلم. (أحمد حسن).","vol":"10","page":87},{"text":"٢٦٦ - أبو رمثة: هو أبو رمثة رفاعة بن يثربي التميمي من ولد امرئ القيس ابن زيد مناة بن تميم، وفي اسمه اختلاف كثير، فقيل ما ذكرنا، وقيل: عمارة بن يثربي، وقيل غير ذلك، قدم على النبي -ﷺ- مع أبيه، وعداده في الكوفيين. روى عنه إياد بن لقيط.\n(رمثة) بكسر الراء وسكون الميم وبالثاء المثلثة.\n٢٦٧ - أبو رزين: هو أبو رزين لقيط بن عامر بن صبرة، سيرد ذكره في حرف اللام.\n٢٦٨ - أبو ريحانة: هو أبو ريحانة شمعون بن يزيد (١) القرظي الأنصاري، حليف لهم، ويقال له: مولى رسول اللَّه -ﷺ-، وكانت ابنته ريحانة [سرية رسول اللَّه -ﷺ-] وكان من الفضلاء الزاهدين في الدنيا، نزل الشام، روى عنه جماعة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1406> فصل في التابعين:</span>\n٢٦٩ - أبو رجاء: هو أبو رجاء عمران بن تميم العطاردي، أسلم في حياة النبي -ﷺ-، روى عن عمر بن الخطاب وعلي وغيرهما، وعنه خلق كثير، كان عالمًا عاملًا معمّرًا، وكان من القراء، مات سنة سبع ومئة.\n٢٧٠ - ربيعة بن أبي عبد الرحمن: هو ربيعة بن أبي عبد الرحمن، تابعي جليل القدر أحد فقهاء المدينة متفق عليه، سمع أنس بن مالك والسائب بن يزيد، روى عنه الثوري ومالك بن أنس، مات سنة ست وثلاثين ومئة.\n٢٧١ - أبو رافع: هو أبو رافع بن [أبي] الحقيق. واسمه عبد اللَّه، اليهودي، تاجر أهل الحجاز، ذكره في (المعجزات) في حديث البراء.\n_________\n(١) في نسخة: \"زيد\".","vol":"10","page":88},{"text":"(الحقيق) بضم الحاء المهملة وفتح القاف الأولى وسكون الياء.\n٢٧٢ - رعل بن مالك: هو رعل بن مالك بن عوف من الذين قنت النبي -ﷺ- عليهم ولعنهم لقتلهم القراء.\n(رعل) بكسر الراء وسكون العين المهملة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1407> فصل في الصحابيات:</span>\n٢٧٣ - الربيع بنت معوذ: هي الربيع بنت معوذ، صحابية أنصارية، ولها قدر عظيم، حديثها عند أهل المدينة وأهل البصرة.\n(الربيع) بضم الراء وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء المكسورة تحتها نقطتان.\n٢٧٤ - الربيع بنت النضر: هي الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك الأنصاري وهي أم حارثة بن سراقة، وقد جاء في \"صحيح البخاري\" أنها أم الربيع بنت النضر، والذي ذكر في أسماء الصحابيات أنها الربيع هو الصحيح.\n٢٧٥ - الرميصاء: هي الرميصاء أم سليم بنت ملحان أم أنس بن مالك، سيجيء ذكرها في حرف السين.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1408>حرف الزاي</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1409> فصل في الصحابة:</span>\n٢٧٦ - زيد بن ثابت: هو زيد بن ثابت الأنصاري، كاتب النبي -ﷺ-، وكان له حين قدم النبي -ﷺ- المدينة إحدى عشرة سنة، وكان أحد فقهاء الصحابة الجلة القائم بالفرائض، وهو أحد من جمع القرآن وكتبه في خلافة أبي بكر، ونقله من المصحف","vol":"10","page":89},{"text":"في زمن عثمان، روى عنه خلق كثير، مات بالمدينة سنة خمس وأربعين وله ست وخمسون سنة.\n٢٧٧ - زيد (١) بن أرقم: هو زيد بن أرقم، يكنى أبا عمرو، الأنصاري الخزرجي، يعدّ في الكوفيين وسكنها، ومات بها سنة ست وستين. روى عنه جماعة.\n٢٧٨ - زيد بن خالد: هو زيد بن خالد الجهني، نزل الكوفة، ومات بها سنة ثمان وسبعين وهو ابن خمس وثمانين سنة. روى عنه عطاء بن يسار وغيره.\n٢٧٩ - زيد بن حارثة: هو زيد بن حارثة، يكنى أبا أسامة، وأمه سعدى بنت ثعلبة من بني معن، خرجت به أمه تزور قومها، فأغارت خيل لبني القين بن جسر في الجاهلية، فمروا على أبيات من بني معن رهط أم زيد، فاحتملوا زيدًا وهو يومئذ غلام يَفَعَة له ثمان سنين، فوافَوا به سوق عُكَاظ فعرضوه للبيع، فاشتراه حكيم بن حزام بن خويلد لعمته خديجة بأربع مئة درهم، فلما تزوجها رسول اللَّه -ﷺ- وهبته له فقبضه. ثم إن خبره اتصل بأهله، فحضر أبوه حارثة وعمه كعب في فدائه، فخيَّره النبي -ﷺ- بين نفسه والمقام عنده وبين أهله والرجوع إليهم، فاختار النبي -ﷺ- على أهله لما يرى من بره وإحسانه إليه، فحينئذ خرج به النبي -ﷺ- إلى الحجر فقال: \"يا من حضر اشهدوا أن زيدًا ابني يرثني وأرثه\"، فصار يدعى زيد بن محمد إلى أن جاء اللَّه\n_________\n(١) هو أبو عمرو، وقيل: أبو عامر، وقيل: أبو سعد، وقيل: أبو سعيد، وقيل: أبو حمزة، وقيل غير ذلك، زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان الأنصاري الخزرجي، صحابي يعدّ في الكوفيين وسكنها، غزا مع رسول اللَّه -ﷺ-، روى عن علي وعن الصحابة، وروى عنه طاووس وغيره، وهو الذي أظهر نفاق عبد اللَّه بن سلول، حكى قوله: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى المدينَةِ، لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، ونزل لتصديقه سورة المنافقون. مات سنة ٦٦ هـ أيام المختار زمن عبد الملك ابن مروان، وقيل: سنة ٦٨ هـ. (عبد الحق).","vol":"10","page":90},{"text":"بالإسلام ونزل ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، فقيل له: زيد بن حارثة، وهو أول من أسلم من الذكور في قول، وكان النبي -ﷺ- أكبر منه بعشر سنين، وقيل: بعشرين سنة، وزوّجه رسول اللَّه -ﷺ- مولاته أم أيمن فولدت له أسامة، ثم تزوج زينب بنت جحش، وكان يقال له: حِبُّ رسول اللَّه -ﷺ- ولم يسمِّ اللَّه تعالى في القرآن أحدًا من الصحابة غيره في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، روى عنه ابنه أسامة وغيره، وقتل في غزوة مؤتة، وهو أمير الجيش في جمادى الأولى سنة ثمان، وهو ابن خمس وخمسين سنة.\n٢٨٠ - زيد بن الخطاب: هو زيد بن الخطاب العدوي القرشي أخو عمر بن الخطاب وكان أسنَّ من عمر، وهو من المهاجرين الأولين، وأسلم قبل عمر، وكان شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، وقتل يوم اليمامة في خلافة أبي بكر. روى عنه عبد اللَّه بن عمر.\n٢٨١ - زيد بن سهل: هو زيد بن سهل، واشتهر بكنية أبي طلحة، سيجيء ذكره في حرف الطاء.\n٢٨٢ - الزبير بن العوام: هو الزبير بن العوام أبو عبد اللَّه القرشي، وأمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي -ﷺ- أسلمت، وأسلم هو قديمًا، وهو ابن ست عشرة سنة فعذبه عمه بالدخان ليترك الإسلام، فلم يفعل، وشهد المشاهد كلها مع النبي -ﷺ-، وهو أول من سلّ السيف في سبيل اللَّه، وثبت مع النبي -ﷺ- يوم أحد، وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة، كان أبيض طويلًا يميل إلى الخفة في اللحم، ويقال: كان أسمر كثير الشعر خفيف العارضين، قتله عمرو بن جرموز بـ (سفوان) بفتح السين والفاء من أرض البصرة سنة ست وثلاثين، وله أربع وستون سنة، ودفن بـ (وادي السباع) ثم حُوِّل إلى البصرة، وقبره مشهور بها. روى عنه ابناه عبد اللَّه وعروة وغيرهما.","vol":"10","page":91},{"text":"٢٨٣ - زياد بن لبيد: هو زياد بن لبيد، يكنى أبا عبد اللَّه، الأنصاري الزرقي، شهد المشاهد كلها مع رسول اللَّه -ﷺ-، واستعمله على حضرموت، روى عنه عوف بن مالك وأبو الدرداء، ومات في أول أيام معاوية (١).\n٢٨٤ - زياد بن الحارث: هو زياد بن الحارث الصُّدائي، بايع النبي -ﷺ- فأذن بين يديه، يعد في البصريين.\nو(الصدائي) بضم الصاد وتخفيف الدال المهملتين وبعد الألف همزة.\n٢٨٥ - زاهر بن الأسود: هو زاهر بن الأسود الأسلمي، كان ممن بايع تحت الشجرة، سكن الكوفة، وعداده في أهلها.\n٢٨٦ - زراع بن عامر: هو زراع بن عامر بن عبد القيس، وفد على النبي -ﷺ- في وفد عبد القيس، عداده في البصريين، وحديثه عندهم.\n٢٨٧ - زرارة بن أبي أوفى: هو زرارة بن أبي أوفى، له صحبة، مات في زمن عثمان بن عفان.\n٢٨٨ - أبو زيد الأنصاري: هو أبو زيد الأنصاري الذي جمع القرآن حفظًا على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، واختلف في اسمه، قيل: سعيد بن عمير، وقيل: قيس بن السكن.\n٢٨٩ - أبو زهير النميري: هو أبو زهير النميري، عداده في أهل الشام.\n٢٩٠ - الزبيدي: بضم الزاي وفتح الباء الموحدة منسوب إلى زبيد، واسمه منبه بن سعد، لم أحقق له صحبة.\n_________\n(١) ذكره السيوطي من الأعلام الذين ماتوا في خلافة علي -﵁-، واللَّه أعلم.","vol":"10","page":92},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1410> فصل في التابعين:</span>\n٢٩١ - الزبير بن عدي: هو الزبير بن عدي الهمداني الكوفي، كان قاضي الرَّيِّ، وهو تابعي، سمع أنس بن مالك. روى عنه الثوري وغيره. مات سنة إحدى وثلاثين ومئة.\nو(الهمداني) بسكون الميم.\n٢٩٢ - الزبير [بن] عربي: هو الزبير [بن] عربي النميري البصري، روى عن ابن عمر، وعنه معمر وحماد بن زيد ثقة.\n٢٩٣ - زياد بن كسيب: هو زياد بن كسيب العدوي، يعد في البصريين، تابعي، روى عن أبي بكرة.\n(كسيب) مصغر.\n٢٩٤ - زهرة بن معبد: هو زهرة بن معبد كنيته أبو عقيل -بفتح العين- القرشي المصري. سمع جده عبد اللَّه بن هشام وغيره. روى عنه جماعة، ومعظم حديثه عند أهل مصر.\n٢٩٥ - زهير بن معاوية: هو زهير بن معاوية، يكنى أبا خيثمة، الجعفي الكوفي، سكن الجزيرة، وكان حافظًا ثقة ثبتًا. سمع أبا إسحاق الهمداني وأبا الزبير، روى عنه ابن المبارك ويحيى بن يحيى وغيرهما، له ذكر في (الزكاة)، مات سنة أربع وسبعين ومئة.\n٢٩٦ - زميل بن عباس: روى عن مولاه عروة، وعنه يزيد بن الهاد، فيه شيء.\n٢٩٧ - الزهري: هو الزهري منسوب إلى زهرة بن كلاب ممن اشتهر بالنسب إليهم. وهو أبو بكر محمد بن عبد اللَّه بن شهاب أحد الفقهاء والمحدثين والعلماء","vol":"10","page":93},{"text":"الأعلام من التابعين بالمدينة المشار إليه في فنون علوم الشريعة، سمع نفرًا من الصحابة. روى عنه خلق كثير منهم قتادة ومالك بن أنس، قال عمر بن عبد العزيز: لا أعلم أحدًا أعلمَ بسنَّةٍ ماضيةٍ منه، قيل لمكحول: من أعلم من رأيت؟ قال: ابن شهاب، قيل له: ثم من؟ قال: ابن شهاب، قيل: ثم من؟ قال: ابن شهاب، مات في شهر رمضان سنة أربع وعشرين ومئة.\n٢٩٨ - زر بن حُبيش: هو زر بن حبيش أبو مريم الأسدي الكوفي، عاش في الجاهلية ستين سنة وفي الإسلام ستين سنة، وهو من أكابر قراء العراق المشهورين من أصحاب عبد اللَّه بن مسعود، وسمع عمر. روى عنه خلق كثير من التابعين وغيرهم.\n(زر) بكسر الزاي وتشديد الراء.\nو(حبيش) بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء والشين المعجمة.\n٢٩٩ - زرارة بن أبي أوفى: هو زرارة بن أبي أوفى أبو حاجب الحرشي، قاضي البصرة، روى عن جماعة من الصحابة منهم: ابن عباس، فمما روى عنه قال: سأل رجل النبيَّ -ﷺ- فقال: أي العمل أحب إلى اللَّه تعالى؟ فقال: \"الحال المرتحل\" قال: يا رسول اللَّه؛ ما الحال المرتحل؟ قال: \"صاحب القرآن يضرب من أوله حتى يبلغ آخره، ومن آخره حتى يبلغ أوله\". وروى عنه قتادة وعوف، وكان قد أمّ فقرأ ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨]، فشهق ومات سنة ثلاث وتسعين.\n٣٠٠ - زياد بن حدير: هو زياد بن حدير، يكنى أبا مغيرة، الأسدي الكوفي، تابعي، سمع عمر وعليًّا. روى عنه خلق كثير منهم الشعبي.\n(حدير) بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وسكون الياء وبالراء.","vol":"10","page":94},{"text":"٣٠١ - زيد بن أسلم: هو زيد بن أسلم، يكنى أبا أسامة، مولى عمر بن الخطاب، مدني من أكابر التابعين، سمع جماعة من الصحابة. روى عنه الثوري وأيوب السَّخْتِياني ومالك وابن عيينة، مات سنة ست وثلاثين ومئة.\n٣٠٢ - زيد بن طلحة: هو زيد بن طلحة، روى عنه سلمة بن صفوان الزرقي، أخرج حديثه مالك في (الحياء).\n٣٠٣ - زيد بن يحيى: هو زيد بن يحيى الدمشقي، روى عن الأوزاعي، وعنه أحمد بن حنبل والدارمي، ثقة.\n٣٠٤ - أبو الزبير: هو أبو الزبير محمد بن مسلم المكي مولى حكيم بن حزام، في الطبقة الثانية من تابعي مكة، سمع جابر بن عبد اللَّه. روى عنه جماعة كثيرة، مات سنة خمس وعشرين ومئة.\n٣٠٥ - أبو زرعة: هو عبيد اللَّه بن عبد الكريم الرازي، سمع خلقًا كثيرًا، وروى عنه عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل وغيره. كان إمامًا حافظًا متقنًا ثقة عالمًا بالحديث عارفًا بالمشايخ والجرح والتعديل، ولد سنة مئتين. ومات بالري سنة أربع وستين ومئتين.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1411> فصل في الصحابيات:</span>\n٣٠٦ - زينب بنت جحش (١): هي زينب بنت جحش أم المؤمنين، وأمها أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي -ﷺ-، وكانت تحت زيد بن حارثة مولى النبي -ﷺ- فطلقها ثم تزوجها النبي -ﷺ- سنة خمس، وهي أول من مات من أزواجه بعده، وكان اسمها برة فجعله النبي -ﷺ- زينب، قالت عائشة في شأنها: ولم تكن امرأة خيرًا منها في الدين، وأتقى للَّه، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد تبذلًا لنفسها في العمل\n_________\n(١) لها أحد عشر حديثًا اتفقا على حديثين. \"خلاصة تذهيب تهذيب الكمال\" (ص: ٤٩١).","vol":"10","page":95},{"text":"الذي يتصدق به، ويتقرب إلى اللَّه تعالى، ماتت بالمدينة سنة عشرين، وقيل: سنة إحدى وعشرين ولها ثلاث وخمسون سنة. روت عنها عائشة وأم حبيبة وغيرهما.\n٣٠٧ - زينب بنت عبد اللَّه (١): هي زينب بنت عبد اللَّه بن معاوية الثقفية امرأة عبد اللَّه بن مسعود. روى عنها زوجها وأبو سعيد وأبو هريرة وعائشة.\n٣٠٨ - زينب بنت أبي سلمة: هي زينب بنت أم سلمة زوج النبي -ﷺ-، كان اسمها برة فغيره النبي -ﷺ- فسماها زينب، ولدت بأرض الحبشة، كانت تحت عبد اللَّه بن زمعة، وكانت أفقه نساء زمانها، روى عنها نفر، ماتت بعد وقعة الحَرَّة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1412> فصل في التابعيات:</span>\n٣٠٩ - زينب بنت كعب: هي زينب بنت كعب بن عجرة الأنصارية من بني سالم بن عوف، تابعية.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1413>حرف السين</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1414> فصل في الصحابة:</span>\n٣١٠ - سعد بن أبي وقاص: هو سعد بن أبي وقاص يكنى أبا إسحاق، واسم أبي وقاص مالك بن وهيب الزهري القرشي، هو أحد العشرة المبشرة بالجنة، أسلم قديمًا وهو ابن سبع عشرة سنة، وقال: كنت ثالث الإسلام، وأنا أول من رمى بسهم في سبيل اللَّه، شهد المشاهد كلها مع النبي -ﷺ-، كان مُجابَ الدعوة مشهورًا بذلك تُخاف دعوته وتُرجَى لاشتهار إجابتها عندهم، وذلك أن رسول اللَّه -ﷺ- قال فيه: \"اللهم سدِّد سهمَه، وأجِبْ دعوتَه\" وجمع له رسول اللَّه -ﷺ- وللزبير أبويه، فقال لكل واحد\n_________\n(١) لها في البخاري حديثان، ومسلم فرد حديث. (ح).","vol":"10","page":96},{"text":"منهما: \"ارم فداك أبي وأمي\" ولم يقل ذلك لأحد غيرهما، وكان قصيرًا غليظًا آدم أشعر الجسد، مات في قصره بالعقيق قريبًا من المدينة، فحمل على رقاب الرجال إلى المدينة وصلى عليه مروان بن الحكم، وهو يومئذ والي المدينة، ودفن بالبقيع سنة خمس وخمسين وله بضع وسبعون سنة، وهو آخر العشرة موتًا، ولاه عمر وعثمان الكوفة، روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين.\n٣١١ - سعد بن معاذ: هو سعد بن معاذ الأنصاري الأشهلي الأوسي أسلم بالمدينة بين العقبة الأولى والثانية، فأسلم بإسلامه بنو عبد الأشهل ودارهم أول دار أسلمت من الأنصار، وسمّاه رسول اللَّه -ﷺ- سيد الأنصار، كان مقدمًا مطاعًا شريفًا في قومه، من أجلة الصحابة وأكابرهم وخيرهم، شهد بدرًا وأحدًا وثبت مع النبي -ﷺ- يومئذ، ورُمِي يوم الخندق في أكحله، ولم يرقأ الدم حتى مات بعد شهر، وذلك في ذي القعدة سنة خمس وهو ابن سبع وثلاثين سنة، ودفن بالبقيع، روى عنه نفر من الصحابة.\n٣١٢ - سعد بن خولة: هو سعد بن خولة، شهد بدرًا، ومات بمكة في حجة الوداع.\n٣١٣ - سعد بن عبادة: هو سعد بن عبادة، يكنى أبا ثابت، الأنصاري الساعدي الخزرجي، كان أحد النقباء الاثني عشر، وكان سيد الأنصار مقدمًا فيهم وجيهًا، له رياسة وسيادة يعترف له قومه بها. روى عنه نفر، ومات بـ (حوران) من أرض الشام لسنتين ونصف من خلافة عمر سنة خمس عشرة، وقيل: مات في خلافة أبي بكر سنة إحدى عشرة، ولم يختلفوا أنه وجد ميتًا في مغتسله، وقد اخضر جسده ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلًا يقول ولا يرون أحدًا:\nنحن قتَلْنا سيدَ الخز ... رج سعدَ بن عبادَة\nورميناه بسهميـ ... ـن فلم نُخطِ فؤادَه","vol":"10","page":97},{"text":"فيقال: إن الجن قتلته.\n٣١٤ - سعد بن الربيع: هو سعد بن الربيع الأنصاري الخزرجي، قتل يوم أحد شهيدًا، وكان آخى النبي -ﷺ- بينه وبين عبد الرحمن بن عوف، ودفن هو وخارجة بن زيد في قبر واحد.\n٣١٥ - سعد بن الأطول: هو سعد بن الأطول الجهني، له صحبة، روى عنه ابنه عبد اللَّه وأبو نضرة.\n٣١٦ - سعيد بن زيد: هو سعيد بن زيد، يكنى أبا الأعور، العدوي القرشي، وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة، أسلم قديمًا، وشهد المشاهد كلها مع النبي -ﷺ- غير بدر، فإنه كان مع طلحة بن عبيد اللَّه يطلبان خبر عِير قريش، وضرب له النبي -ﷺ- بسهم، وكانت فاطمة أختُ عمرَ تحته، وبسببها كان إسلام عمر، كان آدمَ طُوَالًا أشعرَ، مات (١) بالعقيق فحمل إلى المدينة، ودفن بالبقيع سنة إحدى وخمسين، وله بضع وسبعون سنة. روى عنه جماعة.\n٣١٧ - سعيد بن حريث: هو سعيد بن حريث القرشي المخزومي، شهد فتح مكة مع النبي -ﷺ- وهو ابن خمس عشرة سنة، ثم نزل الكوفة ومات بها، وقبره بها، وقال ابن عبد البر (٢): قبره (٣) بالجزيرة ولا عقب له، روى عنه أخوه عمرو.\n٣١٨ - سعيد بن العاص: هو سعيد بن العاص القرشي، ولد عام الهجرة، وكان أحد أشراف قريش، وهو أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان، واستعمله عثمان على الكوفة، وغزا بالناس (طبرستان) ففتحها، ومات سنة تسع وخمسين.\n_________\n(١) مات سنة خمسين أو بعدها بسنة أو سنتين. \"تقريب التهذيب\" (٢٣١٤).\n(٢) \"الاستيعاب\" (٢/ ٦١٤).\n(٣) كذا في \"جامع الأصول\" (١٢/ ٤٤٠)، وفي \"الاستيعاب\" (٢/ ٦١٣): \"قتل\".","vol":"10","page":98},{"text":"٣١٩ - سعيد بن سعد: هو سعيد بن سعد بن عبادة الأنصاري، قيل: له صحبة، روى عن أبيه، وعنه ابنه شرحبيل وأبو أمامة بن سهل، قال الواقدي وغيره: له صحبة صحيحة، وكان واليًا لعلي بن أبي طالب على اليمن.\n٣٢٠ - سبرة بن معبد: هو سبرة بن معبد الجهني، سكن المدينة، روى عنه ابنه الربيع، وعداده في المصريين.\n(سبرة) بفتح السين وسكون الباء الموحدة.\n٣٢١ - سهل بن سعد: هو سهل بن سعد الساعدي الأنصاري، يكنى أبا العباس، وكان اسمه حَزْنًا فسماه النبي -ﷺ- سهلًا، مات النبي -ﷺ- وله خمس عشرة سنة، ومات سهل بالمدينة سنة إحدى وتسعين، وقيل: سنة ثمان وثمانين، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، روى عنه ابنه العباس والزهري وأبو حازم.\n٣٢٢ - سهل بن أبي حثمة: هو سهل بن أبي حثمة، يكنى أبا محمد، ويقال: أبا عمارة الأنصاري الأوسي (١)، ولد سنة ثلاث من الهجرة، سكن الكوفة، وعداده في أهل المدينة وبها كان وفاته في زمن مصعب بن الزبير، روى عنه جماعة.\n٣٢٣ - سهل بن حنيف: هو سهل بن حنيف الأنصاري الأوسي، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها، وثبت مع النبي -ﷺ- يوم أحد، وصحب عليًّا بعد النبي -ﷺ-، واستخلفه على المدينة ثم ولَّاه فارسَ، روى عنه ابنه أبو أمامة وغيره، مات بالكوفة سنة ثمان وثلاثين.\n٣٢٤ - سهل بن بيضاء: هو سهل بن بيضاء وأخوه سهيل، و(بيضاء) أمهما\n_________\n(١) ويقال: أبو عبد الرحمن، وفي \"التقريب\" (٢٦٥٣): سهل بن أبي حثمة بن ساعدة بن عامر الأنصاري الخزرجي المدني، صحابي صغير، ولد سنة ثلاث من الهجرة، وله أحاديث، مات في خلافة معاوية. روى عنه عروة ونافع بن جبير، كذا في (عبد الحق، والتقريب).","vol":"10","page":99},{"text":"اسمها دعد، وأبوهما وهب بن ربيعة، وكان سهل ممن أظهر إسلامه بمكة، وقيل: إنه كان يكتم إسلامه بمكة، وخرج مع المشركين إلى بدر فأسر يومئذ، فشهد له عبد اللَّه بن مسعود أنه رآه بمكة يصلي فُخلِّيَ عنه، مات بالمدينة وصلى عليه النبي -ﷺ- في المسجد وعلى أخيه، لهما ذكر في (الصلاة على الجنازة).\n٣٢٥ - سهل بن الحنظلية: هو سهل بن الحنظلية، والحنظلية أم جده، وقيل: أمه، وإليها ينسب ويها يعرف، واسم أبيه الربيع بن عمرو، وكان سهل ممن بايع تحت الشجرة، وكان فاضلًا معتزلًا عن الناس كثير الصلاة والذكر، وكان عقيمًا لا يولد له، سكن الشام، ومات بدمشق في أول أيام معاوية.\n٣٢٦ - سهيل بن عمرو: هو سهيل بن عمرو القرشي العامري والد أبي جندل، كان أحد الأشراف من قريش وساداتهم، أسر يوم بدر كافرًا، وكان خطيب قريش، فقال عمر: يا رسول اللَّه! انزع ثنيته فلا يقوم عليك خطيبًا أبدًا، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"دَعْه فعسى أن يقومَ مقامًا تحمدُه\"، وهو الذي جاء في صلح الحديبية، ولما مات النبي -ﷺ- اختلف الناس بمكة وارتد من ارتد منهم، فقام سهيل خطيبًا وسكَّنَ الناس ومنعهم من الاختلاف، مات سنة ثماني عشرة في طاعون عمواس، وقيل: قتل بـ (اليرموك).\nنسخة: وعن ابن عبد البر (١) قال: حضر الناس باب عمر بن الخطاب وفيهم سهيل بن عمرو وأبو سفيان بن حرب وأولئك الشيوخ من قريش، فخرج آذِنُه فجعل يأذن لأهل بدر كصهيب وبلال، فقال أبو سفيان: ما رأيت كاليوم قط إنه ليؤذن لهؤلاء العبيد ونحن جلوس لا يلتفت إلينا، فقال سهيل: أيها القوم إني واللَّه قد أرى الذي\n_________\n(١) \"الاستيعاب\" (٢/ ٦٧١).","vol":"10","page":100},{"text":"في وجوهكم، فإن كنتم غضابًا فاغضبوا على أنفسكم، دُعي القوم ودعيتم، وأسرعوا وأبطأتم، أما واللَّه لَمَا سبقوكم من الفضل أشدُّ عليكم فَوْتًا من بابكم هذا الذي تنافسون فيه، ثم قال: أيها القوم! قد سبقوكم بما ترون، ولا سبيل لكم [واللَّه] إلى ما سبقوكم إليه، فانظروا هذا الجهاد فالزموه عسى اللَّه أن يرزقكم شهادة، ثم نفض ثوبه فقام ولحق بالشام، قال الحسن: ويا له من رجل ما كان أعقَلَه! وصدق في قوله واللَّه لن يجعل اللَّه عبدًا أسرع إليه كعبد أبطأ عنه.\n٣٢٧ - سهيل بن بيضاء: هو سهيل بن بيضاء القرشي، تقدم تمام نسبه عند ذكر أخيه سهل، أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، روى عنه عبد اللَّه بن أنيس وأنس بن مالك، مات في حياة النبي -ﷺ- بعد رجوعه من تبوك سنة تسع ولا عقب له.\n٣٢٨ - سمرة بن جندب: هو سمرة بن جندب الفزاري حليف الأنصار، كان من الحفاظ المكثرين عن رسول اللَّه -ﷺ-. روى عنه جماعة، مات بالبصرة آخر سنة تسع وخمسين.\n٣٢٩ - سليمان بن صُرَد: هو سليمان بن صرد، يكنى أبا المطرف، الخزاعي، كان خيّرًا فاضلًا عابدًا، سكن الكوفة من أول ما نزل بها المسلمون، وله ثلاثة وتسعون سنة.\n(صرد) بضم الصاد المهملة وفتح الراء.\n٣٣٠ - سليمان بن بريدة (١): هو سليمان بن بريدة الأسلمي. روى عن أبيه وعمران بن حصين، وعنه علقمة وغيره، مات سنة خمس ومئة.\n_________\n(١) هو من التابعين، وذكره في فصل الصحابة سبق قلم.","vol":"10","page":101},{"text":"٣٣١ - سلمة بن الأكوع: هو سلمة بن الأكوع، يكنى أبا مسلم، الأسلمي المدني، كان ممن بايع تحت الشجرة، وكان من أشد الناس وأشجعهم راجلًا، توفي بالمدينة سنة أربع وسبعين وهو ابن ثمانين سنة. روى عنه خلق كثير.\n٣٣٢ - سلمة بن هشام: هو سلمة بن هشام القرشي المخزومي، كان من مهاجري الحبشة، وكان من خيار الصحابة وفضلائهم، وهو أخو أبي جهل، وكان قديم الإسلام، وعذب في سبيل اللَّه ﷿، وحبس بمكة، وكان النبي -ﷺ- يدعو له في قنوته مع الجماعة الذي كان يدعو لهم في القنوت من المستضعفين بمكة، ولم يشهد بدرًا لذلك، وقتل يوم مرج الصُّفَّر (١) سنة أربع عشرة في خلافة عمر.\n٣٣٣ - سلمة بن صخر: هو سلمة بن صخر الأنصاري البياضي، وقيل: اسمه سليمان وهو الذي ظاهَرَ من امرأته ثم وقع عليها، وكان أحد البكَّائين، روى عنه سليمان بن يسار وابن المسيب. قال البخاري: ولا يصح حديثه (٢).\n٣٣٤ - سلمة بن المحبق: هو سلمة بن المحبق، يكنى أبا سنان، واسم المحبق صخر بن عتبة الهذلي، يعد في البصريين.\n(المحبق) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة المكسورة\n_________\n(١) موضعٌ بَغُوطَة دِمَشْقَ، كَانَ بِهِ وقْعَة للمُسْلِمين مَعَ الرُّوم. \"النهاية\" (٣/ ٣٧).\n(٢) قلت: قال ابن حجر في \"التقريب\" (٢٤٩٦): لا أعلم له مسندًا غيره، أي حديث الظهار. وقد أورد الترمذي هذا الحديث برقم (٣٢٩٩) وحسنه، وهو من أعلم الناس بالبخاري، ولم يحك عنه هذا التضعيف، بل قال: قال محمد -أي البخاري-: سليمان بن يسار لم يسمع عندي من سلمة بن صخر، والحديث قد ورد من طرق أخرى صحيحة، وقد أخرجه أبو داود (٢٢١٣)، والترمذي (١٢٠٠) (٣٢٩٩)، وابن ماجه (٢٠٦٢). فلا أدري هذا النقل عن البخاري أمن المؤلف هو أو من بعض النساخ. واللَّه أعلم.","vol":"10","page":102},{"text":"والقاف. وأصحاب الحديث يفتحون الباء.\n٣٣٥ - سلمة بن قيس: هو سلمة بن قيس الأشجعي، قال أبو عاصم: هو الشامي، عداده في أهل الكوفة، روى عنه هلال بن يساف وغيره.\n٣٣٦ - سلمان الفارسي: هو سلمان الفارسي، يكنى أبا عبد اللَّه، مولى رسول اللَّه -ﷺ-، وكان أصله من فارس من (رامهرمز)، ويقال: بل كان أصله من أصفهان من قرية يقال لها (جي) (١)، سافر لطلب الدِّين، فَدَانَ أولًا بدين النصرانية وقرأ الكتب وصبر في ذلك على مشقات متتالية، فأخذه قوم من العرب فباعوه من اليهود، ثم إنه كوتب فأعانه رسول اللَّه -ﷺ- في كتابته، ويقال: إنه تداوله بضعة عشر ربًا حتى أفضى إلى النبي -ﷺ- فأسلم لما قدم النبي -ﷺ- المدينة وقال: \"سلمانُ منَّا أهلَ البيتِ\" (٢)، وهو أحد الذين اشتاقت إليهم الجنة، وكان من المعمَّرين، قيل: عاش مئتين وخمسين سنة، وقيل: ثلاث مئة وخمسين سنة، والأول أصح (٣)، كان يأكل من عمل يده ويتصدق بعطائه، ومناقبه كثيرة وفضائله جمة غزيرة، أثنى عليه النبي -ﷺ- ومدحه في كثير في الحديث، ومات بالمدائن سنة خمس وثلاثين. روى عنه أنس وأبو هريرة وغيرهما.\n٣٣٧ - سلمان بن عامر (٤): هو سلمان بن عامر الضبي، عداده في البصريين،\n_________\n(١) بفتح الجيم وتشديد المثناة التحتية: ناحية بأصبهان كما في \"القاموس\" (ص: ١١٤٥).\n(٢) أخرجه الطبراني في \"الكبير\" (٦٠٤٠)، والحاكم (٦٥٣٩، ٦٥٤١)، قال الذهبي في \"تلخيص المستدرك\" (٣/ ٥٩٨): سنده ضعيف.\n(٣) وقيل: أدرك زمان عيسى ابن مريم ﵉. (عبد الحق).\n(٤) سليمان كله بالياء إلا سلمان الفارسي وسلمان بن عامر وسلمان الأغر وعبد الرحمن بن سلمان. (عبد الحق).","vol":"10","page":103},{"text":"قال بعض أهل العلم: ليس في الصحابة من الرواة ضبي غيره.\n٣٣٨ - سفينة: هو سفينة مولى رسول اللَّه -ﷺ-، وقيل: مولى أم سلمة زوج النبي -ﷺ- أعتقته واشترطت عليه خدمة النبي -ﷺ- ما عاش، ويقال: إن سفينة لقب له واسمه مختلف فيه، فقيل: رباح، وقيل: مهران، وقيل: رومان، وهو من مولَّدي الأعراب، وقيل: هو من أبناء فارس، ويقال: إن النبي -ﷺ- كان في سفر فأعيا (١) رجل فألقى عليه سيفه وترسه ورمحه فحمل شيئًا كثيرًا، فقال النبي -ﷺ-: \"أنت سفينة\". روى عنه بنوه عبد الرحمن ومحمد وزياد وكثير.\n٣٣٩ - سالم بن معقل: هو سالم بن معقل مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة، كان من أهل فارس من إصطخر، وكان من فضلاء الموالي ومن خيار الصحابة وكبارهم، وهو معدود في القراء لأن النبي -ﷺ- قال: \"خذوا القرآن من أربعة: ابن أم عبد، ومن أبي بن كعب، ومن سالم بن معقل مولى أبي حذيفة، ومن معاذ بن جبل\". شهد بدرًا. روى عنه ثابت بن قيس وابن عمر وغيرهما.\n٣٤٠ - سالم بن عبيد: هو سالم بن عبيد الأشجعي، من أهل الصُّفَّة، وعداده في أهل الكوفة، روى عنه هلال بن يساف وغيره.\n(يساف) بفتح الياء تحتها نقطتان وتخفيف السين المهملة وبالفاء.\n٣٤١ - سراقة بن مالك: هو سُراقة بن مالك بن جُعشُم المُدلِجي الكِناني، كان ينزل قُدَيدًا، ويعدّ في أهل المدينة، روى عنه جماعة، وكان شاعرًا مجيدًا، مات سنة أربع وعشرين.\n٣٤٢ - سفيان بن أسيد: هو سفيان بن أسيد الحضرمي الشامي. روى عنه جبير\n_________\n(١) وفي (عبد الحق): كلما أعيا بعض القوم. وهذا أنسب بالمقام.","vol":"10","page":104},{"text":"ابن نفير، حديثه في الحمصيين.\n(أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين وهو الأكثر، والثانية بضم الهمزة وفتح السين، والثالثة بفتح الهمزة وفتح السين وحذف الياء.\n٣٤٣ - سفيان بن أبي زهير: هو سفيان بن أبي زهير الأزدي الشنوي (١)، حديثه في الحجازيين، روى عنه ابن الزبير وغيره.\n٣٤٤ - سفيان بن عبد اللَّه: هو سفيان بن عبد اللَّه بن ربيعة، يكنى أبا عمرو، الثقفي، يعدّ في أهل الطائف، له صحبة، وكان عاملًا لعمر بن الخطاب على الطائف.\n٣٤٥ - سَخْبَرة: هو سخبرة، يكنى أبا عبد اللَّه، الأزدي، روى عنه ابنه عبد اللَّه، له رواية في (كتاب العلم).\n(سخبرة) بفتح السين وسكون الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة.\n٣٤٦ - السائب بن يزيد: هو السائب بن يزيد، يكنى أبا يزيد، الكندي، ولد في السنة الثانية من الهجرة، حضر حجة الوداع مع أبيه وهو ابن سبع سنين، روى عنه الزهري ومحمد بن يوسف، ومات سنة ثمانين.\n٣٤٧ - السائب بن خلاد: هو السائب بن خلاد، يكنى أبا سهل، الأنصاري الخزرجي، مات سنة إحدى وتسعين، روى عنه ابنه خلاد وعطاء بن يسار.\n٣٤٨ - سويد بن قيس: هو سويد بن قيس، يكنى أبا صفوان، روى عنه سماك ابن حرب، وعداده في الكوفيين.\n٣٤٩ - أبو سيف القين: هو أبو سيف القين ظئر إبراهيم ابن النبي -ﷺ-، اسمه\n_________\n(١) هذه النسبة إلى أزد شنوءة، قال في \"المغني\" (ص: ١٤٥): والنسبة شَنَئِيّ وشَنَويّ.","vol":"10","page":105},{"text":"البراء بن أوس الأنصاري، وهو معروف بكنيته، وزوجته التي أرضعت إبراهيمَ أمُّ بردة (١).\n٣٥٠ - أبو سعيد سعد بن مالك: هو أبو سعيد سعد بن مالك الأنصاري الخدري، اشتهر بكنيته، كان من الحفاظ المكثرين والعلماء الفضلاء العقلاء، روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، مات سنة أربع وسبعين، ودفن بالبقيع وله أربع وثمانون سنة.\nو(خدرة) بضم الخاء المعجمة وسكون الدال المهملة.\n٣٥١ - أبو سعيد بن المعلى (٢): هو أبو سعيد الحارث بن المعلى الأنصاري الزرقي، مات سنة أربع وستين وهو ابن أربع وستين.\n٣٥٢ - أبو سعيد بن أبي فضالة: هو أبو سعيد بن أبي فضالة الحارثي الأنصاري، اسمه كنيته يعدّ في أهل المدينة، حديثه عند عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن زياد بن\n_________\n(١) كذا ذكر ابن عبد البر في ترجمة (أم بردة) ثم الحافظ في \"الإصابة\" وزاد فقال: \"وقال أبو موسى: المشهور أن التي أرضعته أم سيف، ولعلهما جميعًا أرضعتاه، وأقول: الذي ثبت في \"الصحيحين\" أنه أبو سيف، والأول إنما رواه الواقدي، وهو متروك لا يوثق به، ولذلك قال الحافظ في ترجمة أبي سيف بعد أن عزاه للواقدي: \"فإن كان ثابتًا احتمل أن تكون أم بردة أرضعته، ثم تحول إلى أم سيف، وإلا فالذي في الصحيح هو المعتمد\".\n(٢) أبو سعيد بن المعلى الأنصاري المدني، صحابي، يقال: اسمه رافع بن أوس بن المعلى، ويقال: الحارث بن أوس بن المعلى، [وُيقال: الحارث بْن نفيع بن المعلى] روى عن النَّبيِّ -ﷺ-، وروى عنه حفص بن عاصم وعُبَيد بن حنين. وروى له البخاري، وأبو دَاوُدَ، والنَّسَائي، وابن مَاجَهْ. وروى المؤلف له في (كتاب: فضائل القرآن) حديثًا في فاتحة الكتاب من رواية البخاري. ولد في عام الهجرة، وتوفي في سنة ثلاث وسبعين، انتهى. (عبد الحق). قلت: قال ابن عبد البر في \"الاستيعاب\" (٢٩٩٥): ومن قال: رافع بن المعلى فقد أخطأ؛ لأن رافع بن المعلى قتل ببدر، وأصح ما قيل -واللَّه أعلم- في اسمه: الحارث بن نفيع بن المعلى، انتهى.","vol":"10","page":106},{"text":"مينا بكسر الميم وسكون الياء تحتها نقطتان وبالنون والمد والقصر.\n٣٥٣ - أبو سلمة: هو أبو سلمة عبد اللَّه بن عبد الأسد المخزومي القرشي ابن عمة النبي -ﷺ-، وأمه برة بنت عبد المطلب، وكان زوج أم سلمة قبل النبي -ﷺ-، وأسلم بعد عشرة، وشهد المشاهد إلى أن مات بالمدينة سنة أربع، وهو ممن غلب عليه كنيته.\n٣٥٤ - أبو سفيان بن حرب: هو أبو سفيان صخر بن حرب الأموي القرشي والد معاوية، ولد قبل الفيل بعشر سنين، وكان من أشراف قريش في الجاهلية، وكان إليه راية الرؤساء في قريش، أسلم يوم فتح مكة، وكان من المؤلفة قلوبهم، وشهد حنينًا وأعطاه النبي -ﷺ- من غنائمها مئة بعير وأربعين أوقية فيمن أعطاه من المؤلفة قلوبهم، وفقئت عينه يوم الطائف فلم يزل أعور إلى يوم اليرموك فأصاب عينه الأخرى حجر فعميت. روى عنه عبد اللَّه بن عباس، مات سنة أربع وثلاثين بالمدينة ودفن بالبقيع.\n٣٥٥ - أبو سفيان بن الحارث: هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول اللَّه -ﷺ-، وكان أخاه من الرضاعة، أرضعتهما حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية، قال قوم: اسمه المغيرة، وقال آخرون: بل اسمه كنيته، والمغيرة أخوه، وكان من الشعراء المطبوعين، وكان سبق له هجاء في رسول اللَّه -ﷺ- وأجابه حسان بن ثابت، ثم أسلم فحسن إسلامه، فيقال: إنه ما رفع رأسه إلى رسول اللَّه -ﷺ- حياءً منه، وكان إسلامه عام الفتح. وقال له علي: ائت رسول اللَّه -ﷺ- من قبل وجهه فقل له ما قال إخوة يوسف: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩١]، ففعل ذلك أبو سفيان، فقال له رسول اللَّه -ﷺ-: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢]، وقبل منه وأسلم، وكان سبب موته أنه حج فلما حلق الحلاق رأسه قطع","vol":"10","page":107},{"text":"ثُؤلُولًا (١) كان في رأسه، فلم يزل مريضًا منه حتى مات مَقدَمَه من الحج بالمدينة سنة عشرين، ودفن في دار عقيل بن أبي طالب، وصلى عليه عمر.\n٣٥٦ - أبو السمح: هو أبو السمح اسمه إياد، خادم النبي -ﷺ-، ويقال: مولاه اشتهر بكنيته.\n(إياد) بكسر الهمزة وتخفيف الياء تحتها نقطتان، ولا يدرى أين مات.\n٣٥٧ - أبو سهلة: هو أبو سهلة السائب بن خلاد، وتقدم ذكره في هذا الحرف.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1415> فصل في التابعين:</span>\n٣٥٨ - سعيد بن المسيب: هو سعيد بن المسيب، يكنى أبا محمد، القرشي المخزومي المدني، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر بن الخطاب، كان سيد التابعين من الطراز الأول، جمع بين الفقه والحديث والزهد والعبادة والورع وهو المشار إليه المنصوص عليه، وكان أعلم الناس بحديث أبي هريرة وبقضايا عمر، لقي جماعة كثيرة من الصحابة وروى عنهم، وعنه الزهري وكثير من التابعين وغيرهم، قال مكحول: طُفتُ الأرضَ كلها في طلب العلم فما لقيت أعلم من ابن المسيب، وقال ابن المسيب: حججت أربعين حجة. مات سنة ثلاث وتسعين.\n٣٥٩ - سعيد بن عبد العزيز: هو سعيد بن عبد العزيز التنوخي الدمشقي، كان فقيه أهل الشام في زمن الأوزاعي، وبعده. قال أحمد: ليس بالشام أصح حديثًا منه ومن الأوزاعي، وهو والأوزاعي عندي سواء، وكان سعيد بكاء فسئل فقال: ما قمت إلى صلاة إلا مثلت لي جهنم، وقال النسائي: ثقة ثبت. روى عن مكحول والزهري، وعنه الثوري. مات سنة سبع وستين ومئة وله بضع وسبعون سنة.\n_________\n(١) الثؤلول: حبة تظهر في الجلد كالحمصة فما دونها، \"لسان العرب\".","vol":"10","page":108},{"text":"٣٦٠ - سعيد بن أبي الحسن: وهو سعيد بن أبي الحسن، واسم أبي الحسن يسار، البصري، تابعي، روى عن ابن عباس وأبي هريرة، وعنه قتادة وعون، مات قبل أخيه بسنة وذلك سنة تسع ومئة.\n٣٦١ - سعيد بن الحارث: هو سعيد بن الحارث بن المعلى الأنصاري الحجازي، قاضي المدينة، من مشاهير التابعين، سمع ابن عمرو وأبا سعيد وجابرًا، وعنه نفر.\n٣٦٢ - سعيد بن أبي هند: هو سعيد بن أبي هند مولى سمرة، روى عن أبي موسى (١) وأبي هريرة وابن عباس، وعنه ابنه عبد اللَّه ونافع بن عمر الجمحي، ثقة مشهور.\n٣٦٣ - سعيد بن جبير: هو سعيد بن جبير الأسدي الكوفي، أحد أعلام التابعين، سمع أبا مسعود وابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأنسًا، وعنه نفر، قتله الحجاج بن يوسف في شعبان سنة خمس وتسعين وله تسع وأربعون سنة، ومات الحجاج في رمضان، ويقال: في شوال من السنة، ويقال: مات بعده بستة أشهر، ولم يسلط بعده على قتل أحد لدعاء سعيد بعدما قال الحجاج له: اختر لنفسك قتلة إني قاتلك بها، قال: اختر لنفسك يا حجاج، فواللَّه ما تقتلني قتلة إلا قتلتك مثلها في الآخرة، قال: تريد أن أعفو عنك، قال: إن كان العفو فمن اللَّه، وأما أنت فلا براءة لك ولا عذر، فقال: اذهبوا به فاقتلوه، فلما أخرج من الباب ضحك، فأخبر به الحجاج فقال: ردوه فرد، فقال: ما أضحكك؟ قال: عجبت من جرأتك على اللَّه وحلم اللَّه عنك، فأمر بالنطع\n_________\n(١) قال الحافظ في \"التقريب\" (٢٤٠٩): أرسل عن أبي موسى، مات سنة ست عشرة، وقيل: بعدها. انتهى. وقال العجلي: ثقة، وقال الدارقطني في \"العلل\" (٧/ ٢٤١): لم يسمع من أبي موسى شيئًا، وذكر ابن قانع أنه توفي سنة ست عشرة ومئة. انظر: \"إكمال تهذيب الكمال\" (٤/ ٣٦٤).","vol":"10","page":109},{"text":"فبسط فقال: اقتلوه، فقال سعيد: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٧٩]، قال: شدوا به لغير القبلة، قال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥]، قال: كبوه على وجهه، قال سعيد: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]، قال: اذبحوه، فقال سعيد: أما إني أشهد وأُحَاجُّ أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، خذها مني حتى تلقاني يوم القيامة، ثم دعا سعيد وقال: اللهم لا تسلِّطْه على أحد يقتله بعدي، فذبح على النطع، قيل: عاش الحجاج بعده خمس عشرة ليلة، ووقع الآكِلَة في بطنه فدعا بالطبيب لينظر إليه فدعا باللحم المنتن فعلقه بالخيط، وأرسله في حلقه وتركها ساعة، ثم استخرجها، وقد لزق من الدم فعلم أنه ليس بناج، وكان ينادي بقية حياته: ما لي ولسعيد بن جبير كلما أردت النوم أخذ برجلي. ودفن سعيد بظاهر واسط العراق وقبره بها يزار.\n٣٦٤ - سعيد بن إبراهيم: هو سعيد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي، قاضي المدينة، من أفاضل المدنيين وتابعيهم، سمع أباه وغيره، توفي سنة خمس وعشرين ومئة وهو ابن اثنتين وسبعين سنة.\n٣٦٥ - سعيد بن هشام: هو سعيد بن هشام الأنصاري، تابعي جليل القدر، سمع ابن عمر وعائشة وغيرهما. روى عنه الحسن وحديثه عند أهل البصرة.\n٣٦٦ - سفيان بن دينار: هو سفيان بن دينار التمار الكوفي. روى عن سعيد ابن جبير ومصعب بن سعد. وعنه ابن المبارك وغيره، ولد زمن معاوية، ورأى قبر النبي -ﷺ- (١).\n٣٦٧ - سفيان الثوري: هو سفيان بن سعيد الثوري الكوفي، إمام المسلمين وحجة اللَّه على خلقه، جمع في زمنه بين الفقه والاجتهاد فيه والحديث والزهد والعبادة\n_________\n(١) روى البخاري أنه حدثه: أنه رأى قبر النبي -ﷺ- مسنَّمًا، (ح: ١٣٩٠).","vol":"10","page":110},{"text":"والورع والثقة، وإليه المنتهى في علم الحديث وغيره من العلوم، أجمع الناس على ديانته وزهده وورعه وثقته، ولم يختلفوا في ذلك، وهو أحد الأئمة المجتهدين، وأحد أقطاب الإسلام وأركان الدين، ولد في أيام سليمان بن عبد الملك سنة تسع وتسعين، سمع خلقًا كثيرًا، روى عنه معمر والأوزاعي وابن جريج ومالك وشعبة وابن عيينة وفضيل بن عياض وخلق كثير سواهم (١)، مات بالبصرة سنة إحدى وستين ومئة.\n٣٦٨ - سفيان بن عيينة (٢): هو سفيان بن عيينة الهلالي مولاهم، ولد بالكوفة للنصف من شعبان سنة سبع ومئة، كان إمامًا عالمًا ثبتًا حجة، زاهدًا ورعًا، مجمعًا على صحة حديثه، سمع الزهري وخلقًا كثيرًا. روى عنه الأعمش والثوري وشعبة والشافعي وأحمد وخلق كثير سواهم، قالوا: لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز. مات بمكة أول يوم من رجب سنة ثمان وتسعين ومئة، ودفن بالحجون، وكان حج سبعين حجة.\n٣٦٩ - سليمان بن حرب: هو سليمان بن حرب البصري، قاضي مكة، أحد أعلام البصريين وعلمائهم، قال أبو حاتم: هو إمام من الأئمة، قد ظهر من حديثه نحو عشرة آلاف حديث، وما رأيت في يده كتابًا قط، ولقد حضرت مجلسه ببغداد فحزروا (٣) من حضر مجلسه أربعين ألف رجل، ولد في صفر سنة أربعين ومئة، وطلب الحديث في سنة ثمان وخمسين ومئة، ولزم حماد بن زيد تسع عشرة سنة، روى عنه أحمد وغيره، مات سنة أربع وعشرين ومئتين.\n_________\n(١) وفي \"الخلاصة\" (ص: ١٤٥): روى عنه عشرون ألفًا، انتهى.\n(٢) وفي \"الخلاصة\" (ص: ١٤٦): كان حديثه نحو سبعة آلاف، وقال العجلي هو أثبتهم في الزهري، انتهى. (أحمد حسن).\n(٣) في نسخة: \"فحزرت\".","vol":"10","page":111},{"text":"٣٧٠ - سليمان بن أبي مسلم: هو سليمان بن أبي مسلم الأحول المكي خال ابن [أبي] نجيح، تابعي، من ثقات الحجازيين وأئمتهم، سمع طاووسًا وأبا سلمة. روى عنه ابن عيينة وابن جريج وشعبة.\n٣٧١ - سليمان أبي حثمة: هو سليمان بن أبي حثمة القرشي العدوي، كان من فضلاء المسلمين وصالحيهم، وهو معدود في كبار التابعين. روى عنه ابنه أبو بكر.\n٣٧٢ - سليمان ابن مولى ميمونة: هو سليمان ابن مولى ميمونة -وليس بابن يسار المعروف (١) - تابعي.\n٣٧٣ - سليمان بن عامر: هو سليمان بن عامر الكندي بمرو. روى عن الربيع بن أنس، وعنه ابن راهويه وجماعة سواه.\n٣٧٤ - سليمان بن أبي عبد اللَّه: هو سليمان بن أبي عبد اللَّه، تابعي أدرك المهاجرين. روى عن سعد بن أبي وقاص وأبي هريرة، أخرج حديثه أبو داود في فضل المدينة.\n٣٧٥ - سليمان بن يسار: هو سليمان بن يسار، يكنى أبا أيوب، مولى ميمونة زوج النبي -ﷺ-، وأخوه عطاء بن يسار، من أهل المدينة وكبار التابعين، كان فقيهًا فاضلًا ثقة، عابدًا ورعًا حجة، وهو أحد الفقهاء السبعة. مات سنة سبع ومئة، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة.\n_________\n(١) لم أجد في الرواة من اسمه سليمان ابن مولى ميمونة، وإني لأظن أن لفظة (ابن) مقحمة من بعض النساخ وأنه سليمان مولى ميمونة، ولكن لم أجد أيضًا من يسمى سليمان مولى ميمونة غير ابن يسار، وقد جزم بأنه مولى ابن ميمونة ابن أبي حاتم في \"الجرح والتعديل\" (٢/ ١/ ١٤٨) ثم تتابع المترجمون له على ذلك كالخزرجي والعسقلاني وغيرهما، فلا أدري ما وجه هذا النفي وهذه المغايرة في كلام المصنف ﵀.","vol":"10","page":112},{"text":"٣٧٦ - سالم بن عبد اللَّه: هو سالم بن عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، يكنى أبا عمر، القرشي العدوي المدني، أحد فقهاء المدينة، من سادات التابعين وعلمائهم وثقاتهم. مات بالمدينة سنة ست ومئة.\n٣٧٧ - سالم بن أبي الجعد: هو سالم بن أبي الجعد، واسم أبي الجعد رافع، الكوفي، من مشاهير التابعين وثقاتهم، سمع ابن عمر، وجابرًا، وأنسًا، روى عنه المنصور والأعمش، مات سنة سبع وتسعين.\n٣٧٨ - سيار بن سلامة: هو سيار بن سلامة، يكنى أبا المنهال، البصري التميمي، من مشاهير التابعين.\n٣٧٩ - سماك بن حرب: هو سماك بن حرب الذهلي، يكنى أبا المغيرة، روى عن جابر بن سمرة والنعمان بن بشير، وعنه شعبة وزائدة، وله نحو مئتي حديث، ثقة ساء حفظه، وضعفه ابن المبارك وشعبة وغيرهما، مات سنة ثلاث وعشرين ومئة.\n٣٨٠ - سويد بن وهب: هو سويد بن وهب شيخ لابن عجلان (١).\n٣٨١ - أبو السائب: هو أبو السائب مولى هشام بن زهرة، تابعي. روى عن أبي هريرة وأبي سعيد والمغيرة، وعنه العلاء بن عبد الرحمن.\n٣٨٢ - أبو سلمة: هو أبو سلمة. روى عن عمه عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي، أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالفقه في المدينة في قول، ومن\n_________\n(١) قال المزي في \"تهذيب الكمال\" (١٢/ ٢٧٥): روى عن رجل من أبناء أصحاب النبي -ﷺ- عن أبيه حديث: \"من كظم غيظًا هو قادر على أن ينفذه\"، روى عنه محمد بن عجلان، روى له أبو داود هذا الحديث الواحد. قال الذهبي في \"الميزان\" (٢/ ٢٥٣): تابعي، ما روى عنه سوى ابن عجلان، وقال في \"الكاشف\" (٢٢٠٣): شيخ لابن عجلان مجهول. وقال الحافظ في \"التقريب\" (٢٧٠١): مجهول.","vol":"10","page":113},{"text":"مشاهير التابعين وأعلامهم، ويقال: إن اسمه كنيته، وهو كثير الحديث، سمع ابن عباس وأبا هريرة وابن عمر، وغيرهم، روى عنه الزهري ويحيى بن [أبي] كثير والشعبي وغيرهم. مات سنة أربع وتسعين، وله اثنتان وسبعون سنة.\n٣٨٣ - أبو سورة: هو أبو سورة. روى عن عمه أبي أيوب وعدي بن حاتم، وعنه واصل بن السائب ويحيى بن جابر الطائي، ضعفه ابن معين وغيره، وقال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: أبو سورة هذا منكر الحديث.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1416> فصل في الصحابيات:</span>\n٣٨٤ - سودة: هي سودة بنت زمعة أم المؤمنين، أسلمت قديمًا، وكانت تحت ابن عم لها يقال له: السكران بن عمرو، فلما مات زوجها تزوجها النبي -ﷺ- ودخل بها بمكة وذلك بعد موت خديجة، وقبل أن يعقد على عائشة، وهاجرت إلى المدينة، فلما كبرت أراد طلاقها فسألته أن لا يفعل وجعلت يومها لعائشة فأمسكها، وتوفيت بالمدينة في شوال سنة أربع وخمسين.\n٣٨٥ - أم سلمة (١): هي أم سلمة أم المؤمنين هند بنت أبي أمية، وكانت قبل رسول اللَّه -ﷺ- تحت أبي سلمة، فلما مات أبو سلمة سنة أربع وقيل: سنة ثلاث، تزوجها رسول اللَّه -ﷺ- في ليال بقين من شوال من السنة التي مات فيها أبو سلمة، وماتت سنة تسع وخمسين ودفنت بالبقيع، وكان عمرها أربعًا وثمانين سنة. روى عنها ابن عباس وعائشة وزينب بنتها وعمر ابنها وابن المسيب وخلق كثير من الصحابة والتابعين.\n٣٨٦ - أم سليم: هي أم سليم بنت ملحان، وفي اسمها اختلاف، فقيل، سهلة،\n_________\n(١) في \"الخلاصة\" (ص: ٤٩٦): لها ثلاث مئة وثمانية وسبعون حديثًا، اتفقا على ثلاثة عشر، وانفرد البخاري بثلاثة ومسلم بمثلها، وعنها نافع وابن المسيب وأبو عثمان النهدي وخلق، انتهى. (أحمد حسن خديوي).","vol":"10","page":114},{"text":"وقيل: رملة، وقيل: مليكة، وقيل: الغميصاء، وقيل: الرميصاء، تزوجها مالك بن النضر أبو أنس بن مالك، فولدت له أنسًا، ثم قتل عنها مشركًا وأسلمت فخطبها أبو طلحة وهو مشرك فأبت ودعته إلى الإسلام فأسلم، فقالت: إني أتزوجك ولا آخذ منك صداقًا لإسلامك فتزوجها أبو طلحة. روى عنها خلق كثير.\n(ملحان) بكسر الميم وسكون اللام وبالحاء المهملة.\n٣٨٧ - سبيعة: هي سبيعة بنت الحارث الأسلمية، كانت تحت سعد بن خولة فتوفي عنها بمكة في سنة الوداع، حديثها عند الكوفيين. روى عنها جماعة.\n٣٨٨ - سهيمة بنت عمير: هي سهيمة بنت عمير المزنية زوجة ركانة بن عبد يزيد لها ذكر في الطلاق.\n(سهيمة) بضم السين وفتح الهاء.\n٣٨٩ - سلامة بنت الحر: هي سلامة بنت الحر الأزدية، ويقال: الفزارية، حديثها عند أهل الكوفة.\n(الحر) ضد عبد.\n٣٩٠ - سلمى: هي سلمى أم رافع وزوجة أبي رافع، صحابية. روى عنها [ابن] ابنها عبيد اللَّه بن علي، وهي قابلة إبراهيم ابن النبي -ﷺ-، وغاسلة فاطمة مع بنت عميس.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1417>حرف الشين</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1418> فصل في الصحابة:</span>\n٣٩١ - شداد بن أوس: هو شداد بن أوس، يكنى أبا يعلى، الأنصاري، وهو","vol":"10","page":115},{"text":"ابن أخي حسان بن ثابت، نزل بيت المقدس، وعداده في أهل الشام، ومات بالشام سنة ثمان وخمسين وهو ابن خمس وسبعين سنة، قال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: كان شداد ممن أوتي العلم والحلم.\n٣٩٢ - شريح بن هانئ: هو شريح بن هانئ أبو المقدام الحارثي، أدرك النبي -ﷺ- (١) وبه كنى النبي -ﷺ- أباه هانئ بن يزيد فقال: \"أنت أبو شريح\" وشريح من جملة أصحاب علي كرم اللَّه وجهه. روى عنه ابن المقدام.\n٣٩٣ - شريد بن سويد: هو شريد بن سويد الثقفي، ويقال: إنه من حضرموت، وعداده في ثقيف، وقيل: يعد في أهل الطائف، وحديثه في الحجازيين. روى عنه نفر.\n٣٩٤ - شَكَل بن حميد: هو شكل بن حميد العبسي، روى عنه ابنه شُتير لم يرو عنه غيره، وعداده في الكوفيين.\n(شكل) بفتح الشين وفتح الكاف واللام. (شتير) تصغير شتر.\n٣٩٥ - شريك بن سحماء: هو شريك بن سحماء، هي أمه عرف بها، وأبوه عبدة بن مغيث، له ذكر في (كتاب اللعان)، وهو الذي قذفه هلال بن أمية بامرأته، لا عنها لذلك، شهد مع أبيه أحدًا.\n(عبدة) بفتح العين والباء الموحدة، وقيل: بسكون الباء.\n٣٩٦ - شبرمة: هو شبرمة بضم الشين وسكون الباء الموحدة وضم الراء، صحابي غير منسوب، وله ذكر في النيابة في الحج في حديث ابن عباس، توفي في حياة النبي -ﷺ-.\n_________\n(١) ولم يره، كما قال الحافظ في \"التهذيب\" (٥٧٨)، وقال في \"التقريب\" (٢٧٧٨): مخضرم. فكان حقه أن يورده في الفصل الآتي.","vol":"10","page":116},{"text":"٣٩٧ - أبو شريح: هو أبو شريح خويلد بن عمرو الكعبي العدوي الخزاعي، أسلم قبل الفتح، ومات بالمدينة سنة ثمان وستين. روى عنه جماعة، وهو مشهور بكنيته، وعداده في أهل الحجاز.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1419> فصل في التابعين:</span>\n٣٩٨ - شقيق بن سلمة: هو شقيق بن سلمة، يكنى أبا وائل، الأسدي، أدرك زمن النبي -ﷺ- ولم يسمع منه، قال: كنت قبل أن يبعث النبي -ﷺ- ابن عشر سنين أرعى غنمًا لأهلي بالبادية. وروى عن خلق من الصحابة منهم عمر بن الخطاب وابن مسعود وكان خصيصًا به من أكابر أصحابه، وهو كثير الحديث ثقة حجة. مات زمن الحجاج، وقيل: سنة تسع وتسعين.\n٣٩٩ - شريق الهوزني: هو شريق الهوزني، تابعي. روى عن عائشة، وعنه أزهر الحرازي.\n٤٠٠ - شريك بن شهاب: هو شريك بن شهاب الحارثي البصري، يعد في التابعين. روى عن أبي برزة الأسلمي، وعنه الأزرق بن قيس وليس بذلك المشهور.\n٤٠١ - شريح بن عبيد: هو شريح بن عبيد الحضرمي. روى عن أبي أمامة وجبير ابن نفير، وعنه صفوان بن عمرو، ومعاوية بن صالح.\n٤٠٢ - أبو الشعثاء: هو أبو الشعثاء سليم بن الأسود المحاربي الكوفي، من مشاهير التابعين وثقاتهم. مات في زمن الحجاج.\n٤٠٣ - الشعبي: هو الشعبي عامر بن شراحيل الكوفي، أحد الأعلام، ولد في خلافة عمر. روى عن خلق كثير، وروى عنه أمم، وقال: أدركت خمس مئة من الصحابة، وقال: ما كتبت سوداء في بيضاء قط ولا حدثت بحديث إلا حفظته، قال","vol":"10","page":117},{"text":"ابن عيينة: كان ابن عباس في زمانه، والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه، وقال الزهري: العلماء أربعة: ابن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن بالبصرة، ومكحول بالشام. مات سنة أربع ومئة، وله اثنتان وثمانون سنة.\n٤٠٤ - ابن شهاب: هو الزهري تقدم ذكره في حرف الزاي.\n٤٠٥ - شيبة بن ربيعة: هو شيبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، جاهلي، قتله علي بن أبي طالب يوم بدر مشركًا.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1420> فصل في الصحابيات:</span>\n٤٠٦ - الشفاء بنت عبد اللَّه: هي الشفاء بنت عبد اللَّه القرشية العدوية، قال أحمد ابن صالح المصري: اسمها ليلى و(الشفاء) لقب غلب عليها، أسلمت قبل الهجرة، كانت من عقلاء النساء وفضلائهن، وكان رسول اللَّه -ﷺ- يأتيها وَيقِيلُ عندها في بيتها، وكانت اتخذت لرسول اللَّه -ﷺ- فراشًا وإزارًا ينام فيه.\n(الشفاء) بكسر الشين وبالفاء والمد.\n٤٠٧ - أم شريك غزية: هي أم شريك غزية بنت دودان بضم الدال المهملة الأولى، القرشية العامرية، صحابية.\n٤٠٨ - أم شريك الأنصارية: هي أم شريك الأنصارية التي جاء ذكرها في حديث فاطمة بنت قيس في (كتاب العدة) حيث قال النبي -ﷺ- لفاطمة: \"اعتدِّي في بيت أم شريك\" وقد قال بعضهم: إن التي أمرها أن تعتدّ في بيتها هي أم شريك الأولى، ولا يصح؛ لأن الأولى قرشية من بني لؤي بن غالب وهذه أنصارية، فإنه قد جاء في بعض روايات: حدثت فاطمة بنت قيس أن أم شريك امرأة غنية من الأنصار.\n* * *","vol":"10","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1421>حرف الصاد</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1422> فصل في الصحابة:</span>\n٤٠٩ - صفوان (١) بن عسال: هو صفوان بن عسال المرادي سكن الكوفة وحديثه فيهم.\n(عسال) بفتح العين وتشديد السين المهملة وباللام.\n٤١٠ - صفوان (٢) بن معطل: يكنى أبا عمرو السلمي، شهد الخندق والمشاهد كلها، وهو الذي قيل له ما قيل في حديث الإفك، وكان رجلًا خيِّرًا فاضلًا شجاعًا، قتل في غزاة إرمينية شهيدًا سنة تسع عشرة وهو ابن بضع وستين سنة.\n٤١١ - صفوان بن أمية: هو صفوان بن أمية بن خلف الجمحي القرشي، هرب يوم الفتح فاستأمن له عمير بن وهب وابنه وهب بن عمير رسولَ اللَّه -ﷺ- فأمنه وأعطاهما رداءه أمانًا له، فأدركه وهب فرده إلى النبي -ﷺ- فلما وقف عليه قال له: إن هذا وهب ابن عمير يزعم أنك أمنتني على أن أسير شهرين، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"انزل أبا وهب\" فقال: لا حتى تبين لي، قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"انزل فلك أن تسير أربعة أشهر\" فنزل وخرج معه إلى حنين فشهدها وشهد الطائف كافرًا وأعطاه من المغانم فأكثر، فقال صفوان: أشهد باللَّه ما طابت بهذا إلا نفس نبي فأسلم يومئذ وأقام بمكة، ثم هاجر إلى المدينة فنزل على العباس فذكر ذلك لرسول اللَّه -ﷺ-، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"لا هجرةَ بعدَ الفتحِ\". وكان صفوان أحد أشراف قريش في الجاهلية، وكانت امرأته أسلمت قبله بشهر، فلما أسلم صفوان أُقِرَّا على نكاحهما، مات صفوان بمكة سنة اثنتين\n_________\n(١) مات في خلافة علي -﵁-، انتهى. (السيوطي).\n(٢) عدّه السيوطي من الأعلام الذين ماتوا في خلافة عمر -﵁-، انتهى.","vol":"10","page":119},{"text":"وأربعين. روى عنه نفر، وكان من المؤلفة قلوبهم، وحسن إسلامه بمكة، وكان من أفصح قريش لسانًا.\n٤١٢ - صخر بن حرب: هو صخر بن حرب، يكنى أبا سفيان، القرشي، والد معاوية تقدم ذكره في حرف السين.\n٤١٣ - صخر بن وداعة: هو صخر بن وداعة الغامدي، وهو ابن عمرو بن عبد اللَّه بن كعب من الأزد، سكن الطائف، وهو معدود في أهل الحجاز.\n٤١٤ - صهيب بن سنان: هو صهيب بن سنان مولى عبد اللَّه بن جدعان التيمي، يكنى أبا يحيى، كانت منازلهم بأرض الموصل فيما بين دجلة والفرات، فأغارت الروم على تلك الناحية فسبته وهو غلام صغير فنشأ بالروم، فابتاعَتْه منهم كلب ثم قدمت به مكة فاشتراه عبد اللَّه بن جدعان فأعتقه، فأقام معه إلى أن هلك، ويقال: إنه لما كبر في الروم وعقل هرب منهم وقدم مكة فحالف عبد اللَّه بن جدعان، وأسلم قديمًا بمكة، يقال: إنه أسلم هو وعمار بن ياسر في يوم واحد ورسول اللَّه -ﷺ- بدار الأرقم معه بضعة وثلاثون رجلًا، وكان من المستضعفين المعذبين في اللَّه بمكة، ثم هاجر إلى المدينة وفيه نزل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧]. روى عنه جماعة. مات سنة ثمانين بالمدينة وهو ابن تسعين سنة، ودفن بالبقيع.\n(جدعان) بضم الجيم وسكون الدال المهملة والعين المهملة.\n٤١٥ - الصعب بن جثامة: هو الصعب بن جثامة الليثي، كان ينزل بِوَدّان والأبواء من أرض الحجاز، حديثه في الحجازيين، روى عن عبد اللَّه بن عباس وغيره. مات في خلافة أبي بكر.\n(جثامة) بفتح الجيم وتشديد الثاء المثلثة.","vol":"10","page":120},{"text":"٤١٦ - الصُّنَابحي: هو الصنابحي بضم الصاد وتخفيف النون والباء الموحدة ويالحاء المهملة، منسوب إلى صنابح بن زاهر بن عامر بطن من مراد، وسيرد في حرف العين اسمه عبد اللَّه.\n٤١٧ - أبو صِرْمة: هو أبو صرمة مالك بن قيس المازني، وقيل: قيس بن مالك، وقيل: قيس بن صرمة وهو مشهور بكنيته، شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد. روى عنه جماعة. (صرمة) بكسر الصاد المهملة وسكون الراء.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1423> فصل في التابعين:</span>\n٤١٨ - صالح بن خوات: هو صالح بن خوات الأنصاري المدني، تابعي مشهور، عزيز (١) الحديث، سمع أباه وسهل بن أي حثمة. روى عنه يزيد بن رومان وغيره، حديثه عند أهل المدينة.\n(خوات) بفتح الخاء المعجمة وتشديد الواو وبالتاء فوقها نقطتان.\n٤١٩ - صالح بن درهم: هو صالح بن درهم الباهلي: روى عن أبي هريرة وسمرة، وعنه شعبة والقطان، ثقة.\n٤٢٠ - صالح بن حسان: هو صالح بن حسان مدني، نزل بالبصرة. روى عن ابن المسيب وعروة، وعنه أبو عاصم والحفري (٢)، وضعفه جماعة. وقال البخاري: هو منكر الحديث.\n٤٢١ - صخر بن عبد اللَّه: هو صخر بن عبد اللَّه بن بريدة. روى عن أبيه عن جده\n_________\n(١) وقال الحافظ في \"التقريب\" (٢٨٥٢): ثقة.\n(٢) هو عمر بن سعد بن عبيد أبو داود الحَفَري نسبة إلى موضع بالكوفة. \"تقريب التهذيب\" (ص: ٤١٣).","vol":"10","page":121},{"text":"وعن عكرمة، وعنه حجاج بن حسان وعبد اللَّه بن ثابت.\n٤٢٢ - صفوان بن سليم: هو صفوان بن سليم الزهري، مولى حميد بن عبد الرحمن بن عوف، تابعي جليل القدر من أهل المدينة، مشهور. روى عن أنس ابن مالك ونفر من التابعين، كان من خيار عباد اللَّه الصالحين (١)، يقال: إنه لم يضع جنبه على الأرض أربعين سنة، ويقولون: إن جبهته ثقبت من كثرة السجود، وكان لا يقبل جوائز السلطان، ومناقبه كثيرة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة، روى عنه ابن عيينة.\n٤٢٣ - أبو صالح: هو أبو صالح ذكوان السمان الزيات المدني، كان يجلب السمن والزيت إلى الكوفة، وهو مولى جويرية بنت الحارث زوج النبي -ﷺ-، وهو جليل مشهور كثير الحديث واسع الرواية، روى عن أبي هريرة وأبي سعيد، وعنه ابنه سهيل والأعمش.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1424> فصل في الصحابيات:</span>\n٤٢٤ - صفية: هي صفية بنت حيي بن أخطب من بني إسرائيل من سبط هارون ابن عمران ﵇، كانت تحت كنانة بن أبي الحقيق، قتل يوم خيبر في محرم سنة سبع، ووقعت في السبي فاصطفاها رسول اللَّه -ﷺ-، وقيل: وقعت في سهم دحية ابن خليفة الكلبي فاشتراها منه بسبعة أرؤس فأسلمت فأعتقها وتزوجها وجعلَ عِتقَها صَداقَها.\n_________\n(١) قال الحافظ المزي: ذُكر صفوان بن سليم عند أحمد بن حنبل فقال: هذا رجل يستسقى بحديثه، وينزل القطر من السماء بذكره. . . وقال أنس بن عياض: رأيت صفوان بن سليم، ولو قيل له: غدًا القيامة، ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة. \"تهذيب الكمال\" (١٣/ ١٨٤).","vol":"10","page":122},{"text":"ماتت سنة خمسين، ودفثت بالبقيع، روى عنها أنس وابن عمر وغيرهما.\n(حيي) بضم الحاء المهملة وفتح الياء تحتها نقطتان وتشديد الأخرى.\nو(أخطب) بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وفتح الطاء المهملة والباء الموحدة.\n٤٢٥ - صفية بنت عبد المطلب: هي صفية بنت عبد المطلب عمة النبي -ﷺ-، كانت في الجاهلية تحت الحارث بن حرب فهلك عنها، ثم تزوجها العوام بن خويلد فولدت له الزبير وعاشت زمانًا طويلًا، وتوفيت في خلافة عمر سنة عشرين ولها ثلاث وسبعون سنة، ودفنت بالبقيع.\n٤٢٦ - صفية بنت أبي عبيد: هي صفية بنت أبي عبيد الثقفية أخت المختار بن أبي عبيد، وهي زوجة عبد اللَّه بن عمر، أدركت النبي -ﷺ- وسمعت منه (١) ولم ترو عنه، وروت عن عائشة وحفصة، وعنها نافع مولى ابن عمر.\n٤٢٧ - صفية بنت شيبة: هي صفية بنت شيبة الحجبي. روى عنها ميمون بن مهران وغيره، وقد اختلف في رؤيتها النبي -ﷺ-، فقيل: إنها لم تره (٢).\n٤٢٨ - الصماء بنت بسر: هي الصماء بنت بسر المازنية، صحابية، يقال: إن الصماء لقب لها واسمها بهية، روى عنها أخوها عبد اللَّه.\n* * *\n_________\n(١) قلت: لم يثبت سماعها منه -ﷺ-، قال ابن منده: \"لا يصح لها سماع عن النبي -ﷺ-\"، بل قال الدارقطني: \"لم تدرك النبي -ﷺ-\".\n(٢) في \"الإصابة\" (١١٤١٠): \"مختلف في صحبتها، وأبعد من قال: لا رؤية لها، فقد ثبت حديثها في \"صحيح البخاري\" تعليقًا؛ قالت: سمعت النبي -ﷺ-\".","vol":"10","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1425>حرف الضاد</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1426> فصل في الصحابة:</span>\n٤٢٩ - ضماد بن ثعلبة: هو ضماد بن ثعلبة الأزدي من أزد شَنُوءةَ كان صديقًا للنبي -ﷺ- في الجاهلية، وكان رجلًا يتطبب ويرقي ويطلب العلم، أسلم في أول الإسلام، وهو الذي قال للنبي -ﷺ- حين قرأ عليه شيئًا من القرآن: لقد بلغت كلماتك هذه قاموس البحر. له ذكر في (باب علامات النبوة). روى عنه ابن عباس.\n(ضماد) بكسر الضاد وتخفيف الميم.\nو(شنوءة) بفتح الشين المعجمة وضم النون وسكون الواو وفتح الهمزة.\n٤٣٠ - الضحاك بن سفيان: هو الضحاك بن سفيان الكلابي العامري، عداده في أهل المدينة وكان ينزل بنجد، وولاه النبي -ﷺ- على من أسلم من قومه. روى عنه ابن المسيب والحسن البصري، ويقال: إنه كان لشجاعته يعدّ بمئة فارس، وكان يقوم على رأس النبي -ﷺ- بالسيف.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1427> فصل في التابعين:</span>\n٤٣١ - ضحاك بن فيروز: هو ضحاك بن فيروز الديلمي، تابعي، حديثه في البصريين، روى عن أبيه، تقدم ذكره في حرف الدال.\n٤٣٢ - ضرار بن صرد: هو ضرار بن صرد، يكنى أبا نعيم، الكوفي الطحان، سمع المعتمر بن سليمان وغيره. روى عنه علي بن المنذر.\n(نعيم) بضم النون وفتح العين المهملة.\nو(ضرار) بكسر الضاد وتخفيف الراء الأولى.","vol":"10","page":124},{"text":"و(صرد) بضم الصاد المهملة وفتح الراء.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1428>حرف الطاء</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1429> فصل في الصحابة:</span>\n٤٣٣ - طلحة بن عبيد اللَّه: هو طلحة بن عبيد اللَّه، يكنى أبا محمد، القرشي، وهو من العشرة المبشرة بالجنة، أسلم قديمًا، وشهد المشاهد كلها غير بدر؛ لأن النبي -ﷺ- كان بعثه مع سعيد بن زيد يتعرَّفان خبرَ العِير التي كانت لقريش مع أبي سفيان بن حرب، فعادا يومَ اللقاء ببدر، ووقى النبي -ﷺ- يوم أحد بيده فشلت أصبعه، وجرح يومئذ أربعة وعشرين جراحة، وقيل: كانت فيه خمس وسبعون بين طعنة وضربة ورمية، وكان آدمَ كثيرَ الشعرِ ليس بالجَعْد القَطَطِ ولا بالسَّبْطِ حسن الوجه، قتل في وقعة الجمل يوم الخميس لعشر بقين من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، ودفن بالبصرة، وله أربع وستون سنة، روى عنه جماعة.\n٤٣٤ - طلحة بن البراء: هو طلحة بن البراء الأنصاري الذي قال النبي -ﷺ- لما مات وصلى عليه: \"اللهم القَ طلحةَ وأنت تضحكُ إليه ويضحكُ إليكَ\" (١)، عداده في أهل الحجاز، روى عنه حصين بن وحوح.\n٤٣٥ - طلق بن علي: هو طلق بن علي، يكنى أبا علي، الحنفي اليمامي، ويقال له أيضًا: طلق بن ثمامة. روى عنه ابنه قيس.\n_________\n(١) أخرجه الطبراني في (الكبير) (٨١٦٣)، و\"الأوسط\" (٨١٦٨)، وابن أبي عاصم في \"كتاب السنة\" (٥٥٨).","vol":"10","page":125},{"text":"٤٣٦ - طارق بن شهاب: هو طارق بن شهاب، يكنى أبا عبد اللَّه، البجلي الكوفي، أدرك الجاهلية ورأى النبي -ﷺ- وليس له سماع منه إلا شاذًّا، وغزا في خلافة أبي بكر وعمر ثلاثًا وثلاثين [غزوة]، ومات سنة اثنتين وثمانين.\n٤٣٧ - طارق بن سويد: هو طارق بن سويد، له صحبة، حديثه في \"باب بيان الخمر\"، روى عنه علقمة بن وائل.\n٤٣٨ - الطفيل بن عمرو: هو الطفيل بن عمرو الدوسي، أسلم وصدَّق النبيَّ -ﷺ- بمكة، ثم رجع إلى بلاد قومه فلم يزَلْ بها حتى هاجر إلى النبي -ﷺ- ثم قدم عليه وهو بخيبر بمن تبعه من قومه، فلم يزل مقيمًا عنده إلى أن قبض النبي -ﷺ-، وقتل يوم اليمامة شهيدًا، وقيل: قتل عام اليرموك في خلافة عمر (١). روى عنه جابر وأبو هريرة، عداده في أهل الحجاز.\n٤٣٩ - أبو الطفيل: هو أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي الكناني، غلبت عليه كنيته، أدرك من حياة النبي -ﷺ- ثماني سنين، ومات سنة مئة واثنتين (٢) بمكة، وهو آخر [من مات] من الصحابة في جميع الأرض، روى عنه جماعة.\n٤٤٠ - أبو طيبة: هو أبو طيبة نافع الحَجَّام مولى محيّصة بن مسعود الأنصاري، صحابي معروف.\n(محيصة) بضم الميم وفتح الحاء المهملة بتشديد الياء تحتها نقطتان وكسرها وبالصاد المهملة.\n٤٤١ - أبو طلحة: هو أبو طلحة زيد بن سهل الأنصاري النجَّاري، وهو مشهور\n_________\n(١) قلت: وقد عدّه السيوطي من الأعلام الذين مات في خلافة أبي بكر -﵁-، واللَّه أعلم. (أحمد).\n(٢) قال الحافظ في \"التقريب\" (٣١١١): مات سنة عشر ومئة على الصحيح، انتهى.","vol":"10","page":126},{"text":"بكنيته، وهو زوج أم أنس بن مالك، وكان من الرماة المذكورين قال النبي -ﷺ-: \"لصوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة\" (١) مات سنة إحدى وثلاثين وهو ابن سبع وسبعين سنة، وأهل البصرة يرون أنه ركب البحر فمات فدفن في جزيرة بعد سبعة أيام، شهد العقبة مع السبعين، ثم شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد. روى عنه نفر من الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1430> فصل في التابعين:</span>\n٤٤٢ - طلحة بن عبيد اللَّه: هو طلحة بن عبيد اللَّه بن كريز الخزاعي، تابعي من أهل المدينة، روى عن نفر من الصحابة، وعنه نفر من التابعين.\n٤٤٣ - طلحة بن عبد اللَّه: هو طلحة بن عبد اللَّه بن عوف الزهري القرشي، من مشاهير التابعين، وعداده في أهل المدينة، كان موصوفًا بالجود. روى عن عمه عبد الرحمن وغيره. مات سنة تسع وتسعين.\n٤٤٤ - طلق بن حبيب: هو طلق بن حبيب العنزي البصري، كان من العباد الموصوفين بكثرة العبادة، روى عن عبد اللَّه بن الزبير وجابر وابن عباس، وعنه مصعب وعمرو بن دينار وأيوب.\n(العنزي) بفتح العين المهملة وفتح النون.\n٤٤٥ - الطفيل بن أبي: هو الطفيل بن أبي بن كعب الأنصاري، تابعي عزيز الحديث، حديثه في الحجازيين. روى عن أبيه وغيره، وعنه أبو الطفيل.\n٤٤٦ - طاووس بن كيسان: هو طاووس بن كيسان الخولاني الهمداني اليماني،\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٥٥٠٣)، وأحمد في \"مسنده\" (١٢٠٩٦)، وابن أبي شيبة في \"مصنفه\" (٣٣٤٢٣).","vol":"10","page":127},{"text":"من أبناء الفرس، روى عن جماعة، وعنه الزهري وخلق سواه، قال عمرو بن دينار: ما رأيت أحدًا مثل طاووس، كان رأسًا في العلم والعمل، مات بمكة سنة خمس ومئة.\n٤٤٧ - أبو طالب: هو أبو طالب عم النبي -ﷺ- والد علي واسمه عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم القرشي، جاهلي، ولما مات تناولت قريش من رسول اللَّه -ﷺ-، فخرج رسول اللَّه -ﷺ- إلى الطائف، وكان بين وفاته ووفاة خديجة شهر وخمسة أيام.\n٤٤٨ - ابن طاب: هو ابن طاب الذي ينسب إليه نوع من رطب المدينة فيقال: رطب ابن طاب، وتمر ابن طاب.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1431>حرف الظاء</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1432><span data-type=\"title\" id=toc-1434> فصل في الصحابة:</span></span>\n٤٤٩ - ظهير بن رافع: هو ظهير بن رافع الحارثي الأنصاري الأوسي، شهد العقبة الثانية وبدرًا وما بعدهما من المشاهد، وهو غير رافع بن خديج روى عنه رافع هذا.\n(ظهير) بضم الظاء وفتح الهاء وسكون الياء تحتها نقطتان.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1433>حرف العين</span>\n* فصل في الصحابة:\n٤٥٠ - عمر (١) بن الخطاب: هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الفاروق،\n_________\n(١) وفي \"الخلاصة\" (ص: ٢٨٢): هو أول من سمي أمير المؤمنين، له خمس مئة وتسعة وثلاثون =","vol":"10","page":128},{"text":"يكنى أبا حفص، العدوي القرشي، أسلم سنة ست من النبوة، وقيل: سنة خمس بعد أربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة، ويقال: به تمت الأربعون، وظهر الإسلام يوم إسلامه، وسمي الفاروق لذلك، قال ابن عباس: سألت عمر بن الخطاب لأي شيء سميت الفاروق؟ فقال: أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام، ثم شرح اللَّه صدري للإسلام فقلت: اللَّه لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى، فما في الأرض نسمة أحب إليّ من نسمة رسول اللَّه -ﷺ-، فقلت: أين رسول اللَّه -ﷺ-؟ قالت أختي: هو في دار الأرقم بن أبي الأرقم عند الصفا، فأتيت الدار وحمزة في أصحابه جالس (١) في الدار، ورسول اللَّه -ﷺ- في البيت، فضربت الباب فاستخرج (٢) القوم، فقال لهم حمزة: ما لكم؟ قالوا: عمر بن الخطاب، قال: فخرج رسول اللَّه -ﷺ-، فأخذ بمجامع ثيابي، ثم نترني نترة (٣) فما تمالكت أن وقعت على ركبتي، فقال رسول اللَّه: \"مَا أَنْتَ بِمُنْتَهٍ يَا عُمَرُ؟ \" فقلت: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد، فقلت: يا رسول اللَّه! ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال: \"بلى والذي نفسي بيده إنكم على الحق إن متم وإن حييتم\"، فقلت: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن فأخرجنا -ﷺ- في صفين، حمزة في أحدهما، وأنا في الآخر، ولي كديد ككديد الطحين حتى دخلنا المسجد، فنظرت إليّ قريش وإلى حمزة\n_________\n= حديثًا، اتفقا على عشرة، وانفرد البخاري بتسعه ومسلم بخمسة عشر، وعنه أبناؤه عبد اللَّه وعاصم وعبيد اللَّه، وعلقمة بن وقاص وغيره، شهد بدرًا والمشاهد إلا تبوك، ووَلِيَ أمر الأمة بعد أبي بكر -﵄-.\n(١) في نسخة: \"جلوس\".\n(٢) في نسخة: \"فاستجمع\".\n(٣) نتر: سر نره ماليدن بوقت بول وكشيدن آن بدرشتي. \"الصراح\" (ص: ٢١٤).","vol":"10","page":129},{"text":"فأصابتهم كآبة (١) لم يصبهم مثلها، فسماني رسول اللَّه -ﷺ- يومئذ الفاروق، فرق اللَّه بي بين الحق والباطل (٢). فقال داود بن الحصين والزهري: لما أسلم عمر نزل جبريل فقال: يا محمد استبشر أهل السماء بإسلام عمر.\nوقال عبد اللَّه بن مسعود: واللَّه إني لأحسب علم عمر إذا وضع في كفة الميزان ووضع علم سائر أحياء الأرض في كفة الميزان لرجح عليه علم عمر، وقال: إني لأحسب عمر قد ذهب بتسعة أعشار العلم حين ذهب.\nوشهد المشاهد كلها مع النبي -ﷺ-، وهو أول خليفة دعي بأمير المؤمنين. وكان أبيض تعلوه حمرة، وقيل: آدم طوالًا أصلع شديد حمرة العينين، قام بالأمر بعد موت أبي بكر بعهده إليه ونصبه عليه، طعنه أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة بالمدينة يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، ودفن يوم الأحد غرة المحرم سنة أربع وعشرين، وله من العمر ثلاث وستون سنة، وهو أصح ما قيل في عمره، وكانت خلافته عشر سنين ونصفًا، وصلّى عليه صهيب، روى عنه أبو بكر وباقي العشرة، وخلق كثير من الصحابة والتابعين.\n٤٥١ - عمر بن أبي سلمة: هو عمر بن أبي سلمة، واسم أبي سلمة عبد اللَّه بن عبد الأسد المخزومي القرشي، وعمر هذا هو ربيب النبي -ﷺ-، وأمه أم سلمة زوج النبي -ﷺ-، ولد بأرض الحبشة في السنة الثانية من الهجرة، وقبض رسول اللَّه -ﷺ- وله تسع سنين، ومات زمن عبد الملك بن مروان بالمدينة سنة ثلاث وثمانين، حفظ عن رسول اللَّه -ﷺ-، وروى عنه أحاديث، وعنه جماعة.\n_________\n(١) شكستكَي وبدحالي از غم.\n(٢) انظر: \"حلية الأولياء\" (١/ ٤٠).","vol":"10","page":130},{"text":"٤٥٢ - عثمان بن عفان (١): هو أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ويكنى أبا عبد اللَّه، الأموي القرشي، كان إسلامه في أول الإسلام على يد أبي بكر قبل دخول النبي -ﷺ- دار الأرقم، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين، ولم يشهد بدرًا لأنه تخلف بمرض رقية بنت النبي -ﷺ- وضرب له النبي -ﷺ- فيها بسهم، ولم يشهد بالحديبية بيعة الرضوان؛ لأن النبي -ﷺ- كان بعثه إلى مكة في أمر الصلح، فلما كانت البيعة ضرب النبي -ﷺ- يده على يده وقال: \"هذه لعثمان\"، وسمي ذا النورين لجمعه بين بنتي رسول اللَّه -ﷺ- رقية وأم كلثوم، كان أبيض رَبعةً، وقيل: أسمر رقيق البشرة، حسن الوجه، بعيد ما بين المنكبين، كثير شعر الرأس، عظيم اللحية يصفرها، استخلف أول يوم من المحرم سنة أربع وعشرين، قتله الأسود التجيبي من أهل مصر، وقيل غيره، دفن يوم (٢) السبت بالبقيع، وله يومئذ من العمر اثنتان وثمانون سنة، وقيل: ثمان وثمانون سنة (٣)، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة، إلا أيامًا. روى عنه خلق كثير.\n٤٥٣ - عثمان بن عامر: هو عثمان بن عامر والد أبي بكر الصديق القرشي التيمي، يكنى أبا قُحافة بضم القاف وتخفيف الحاء، أسلم يوم الفتح، عاش إلى خلافة عمر، ومات سنة أريع عشرة، وله سبع وتسعون سنة. روى عنه الصديق وأسماء بنت أبي بكر.\n٤٥٤ - عثمان بن مظعون: هو عثمان بن مظعون، يكنى أبا السائب، الجُمَحي القرشي، أسلم بعد ثلاثة عشر رجلًا، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا، وكان حرَّم الخمر\n_________\n(١) في \"الخلاصة\" (ص: ٢٦١): لعثمان مئة وستة وأربعون حديثًا، اتفقا على ثلاثة، وانفرد البخاري بثمانية ومسلم بخمسة، وعنه أبناؤه أبان وسعيد وعمرو، وأنس ومروان بن الحكم، انتهى.\n(٢) في نسخة: \"ليلة\" وهو الصواب كما في \"الإصابة\" (٤/ ٣٧٩).\n(٣) والأول هو الصحيح المشهور كما في \"الإصابة\" (٤/ ٣٧٩).","vol":"10","page":131},{"text":"في الجاهلية، وهو أول من مات بالمدينة من المهاجرين في شعبان على رأس ثلاثين شهرًا من الهجرة، وقبّل النبي -ﷺ- وجهه بعد موته، ولما دفن قال: \"نعم السلف هو لنا\" ودفن بالبقيع، وكان عابدًا مجتهدًا من فضلاء الصحابة، روى عنه ابنه السائب وأخوه قُدَامة بن مظعون.\n٤٥٥ - عثمان بن طلحة: هو عثمان بن طلحة العبدري القرشي الحجبي، له صحبة، وذكره في (باب المساجد) (١). روى عنه ابن عمه شيبة وابن عمر، مات بمكة سنة اثنتين وأربعين.\n٤٥٦ - عثمان بن حنيف: هو عثمان بن حنيف الأنصاري أخو سهل، ولَّاه عمرُ مساحةَ السَّواد وجِبايتَه، وضرب الخراج والجزية على أهله، وولاه على البصرة، فأخرجه طلحة والزبير لما قدماها لوقعة الجمل، ثم سكن الكوفة وبقي إلى زمان معاوية، روى عنه نفر.\n٤٥٧ - عثمان بن أبي العاص: هو عثمان بن أبي العاص الثقفي، استعمله النبي -ﷺ- على الطائف فلم يزل عليها حياة رسول اللَّه -ﷺ-، وخلافة أبي بكر، وسنتين [من] خلافة عمر، ثم عزله عمر وولاه عمان والبحرين، وكان وفد على النبي -ﷺ- في وفد ثقيف وهو أحدثهم سنًا وله تسع وعشرون سنة، وذلك سنة عشر، وسكن البصرة، ومات بها سنة إحدى وخمسين، ولما مات النبي -ﷺ- وعزمت ثقيف على الردة قال لهم: يا معشر ثقيف كنتم آخر الناس إسلامًا فلا تكونوا أول الناس ردة، فامتنعوا من الردة، روى عنه جماعة من التابعين (٢).\n_________\n(١) في نسخة: \"المسجد\".\n(٢) يعني الحسن البصري، وابن المُسَيِّب، وموسى بن طلحة، ونافع بن جُبَيْر، كما في \"جامع الأصول\" (١٢/ ٥٩٦).","vol":"10","page":132},{"text":"٤٥٨ - علي بن أبي طالب (١): هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، ويكنى أبا الحسن وأبا تراب، القرشي، وهو أول من أسلم من الذكور في أكثر الأقوال، وقد اختلف في سنه يومئذ، قيل: كان له خمس عشرة سنة، وقيل: ست عشرة، وقيل: ثماني سنين، وقيل: عشر سنين، شهد مع النبي -ﷺ- المشاهد كلها غير تبوك فإنه خلفه في أهله وفيها قال له: \"ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى\" (٢)، كان آدم شديد الأدمة، عظيم العينين، أقرب إلى القصر من الطول، ذا بطن كثير الشعر عريض اللحية أصلع أبيض الرأس واللحية، استخلف يوم قتل عثمان وهو يوم الجمعة لثماني عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وضربه عبد الرحمن بن ملجم المرادي بالكوفة صبيحة الجمعة لثماني عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربعين، ومات بعد ثلاث ليال من ضربته، وغسله ابناه الحسن والحسين وعبد اللَّه بن جعفر، وصلى عليه الحسن، ودفن سحرًا، وله من العمر ثلاث وستون سنة، وقيل: خمس وستون سنة، وقيل: سبعون (٣)، وقيل: ثمان وخمسون، وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر وأيامًا. روى عنه بنوه الحسن والحسين ومحمد وخلائق من الصحابة والتابعين.\n٤٥٩ - علي بن شيبان: هو علي بن شيبان الحنفي اليمامي. روى عنه ابنه عبد الرحمن.\n_________\n(١) وفي \"الخلاصة\" (ص: ٢٧٤): لعلي بن أبي طالب خمس مئة حديث وستة وثمانون حديثًا، اتفقا على عشرين، وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر، شهد بدرًا والمشاهد كلها، روى عنه أولاده الحسن والحسين ومحمد وفاطمة وعمر، وابن عباس والأحنف وأمم. (أحمد حسن).\n(٢) أخرجه البخاري (٣٧٠٦، ٤٤١٦)، ومسلم (٢٤٠٤)، والترمذي (٣٧٢٤)، وابن ماجه (١١٥).\n(٣) في نسخة: \"سبع وستون\".","vol":"10","page":133},{"text":"٤٦٠ - علي بن طلق: هو علي بن طلق الحنفي اليمامي. روى عنه سلم بن سلام، وهو من أهل اليمامة وحديثه فيهم.\n٤٦١ - عبد الرحمن بن عوف: هو عبد الرحمن بن عوف، يكنى أبا محمد، الزهري القرشي، وهو أحد العشرة المبشرة بالجنة، أسلم قديمًا على يد أبي بكر الصديق، وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، وشهد المشاهد كلها مع النبي -ﷺ-، وثبت يوم أحد، وصلى النبيُّ -ﷺ- خلفَه في غزوة تبوكَ وأتمَّ ما فاته، كان طويلًا رقيق البشرة أبيض مشربًا بالحمرة ضخم الكتفين أقنى أعرج، أصيب يوم أحد وجرح عشرين جراحة أو أكثر فأصابه بعضها في رجله فعرِجَ، ولد بعد الفيل بعشر سنين، ومات سنة اثنتين وثلاثين، ودفن بالبقيع، وله اثنتان وسبعون سنة. روى عنه ابن عباس وغيره.\n٤٦٢ - عبد الرحمن بن أبزى: هو عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي مولى نافع ابن عبد الحارث، سكن الكوفة، واستعمله علي بن أبي طالب على خراسان، أدرك النبي -ﷺ- وصلى خلفه، وأكثر روايته عن عمر بن الخطاب وأبي بن كعب. روى عنه ابناه سعيد وعبد اللَّه وغيرهما. مات بالكوفة.\n٤٦٣ - عبد الرحمن بن أزهر: هو عبد الرحمن بن أزهر القرشي، وهو ابن أخي عبد الرحمن بن عوف، شهد حنينًا. روى عنه ابنه عبد الحميد وغيره، مات قبل الحَرَّة.\n٤٦٤ - عبد الرحمن (١) بن أبي بكر: هو عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، وأمه أم رومان أم عائشة، أسلم عام الحديبية وحسن إسلامه، وكان أَسَنّ ولد أبي بكر. روت عنه عائشة وحفصة وغيرهما، مات سنة ثلاث وخمسين.\n_________\n(١) هو أبو محمد، ويقال: أبو عبد اللَّه، وقيل: أبو عثمان، كان اسمه عبد الكعبة، وقيل: عبد العزى فغيره النبي -ﷺ- وسماه عبد الرحمن، انتهى.","vol":"10","page":134},{"text":"٤٦٥ - عبد الرحمن بن حسنة: هو عبد الرحمن بن حسنة، وهي أمه يعرف بها، وأبوه عبد اللَّه بن المطاع. روى عنه يزيد بن وهب.\n٤٦٦ - عبد الرحمن بن شرحبيل: هو عبد الرحمن بن شرحبيل بن حسنة ابن أخي عبد الرحمن بن حسنة، رأى النبي -ﷺ-، وروى عنه ابنه عمران، وشهد فتح مصر هو وأخوه ربيعة.\n٤٦٧ - عبد الرحمن بن زيد: هو عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وهو ابن أخي عمر بن الخطاب العدوي القرشي، أتى به جده أبو لبابة إلى النبي -ﷺ- طفلًا فحنَّكه ومسح رأسه، ودعا له بالبركة، قال محمد بن سعد: توفي النبي -ﷺ- وله ست سنين، وسمع عمَّه عمرَ بن الخطاب، ومات أيام عبد اللَّه بن الزبير قبل موت عبد اللَّه بن عمر.\n٤٦٨ - عبد الرحمن بن سمرة: هو عبد الرحمن بن سمرة القرشي، أسلم يوم الفتح وصحب النبي -ﷺ- وروى عنه، عداده في أهل البصرة، ومات بها سنة إحدى وخمسين. روى عنه ابن عباس والحسن وخلق سواهما.\n٤٦٩ - عبد الرحمن بن سهل: هو عبد الرحمن بن سهل الأنصاري القتيل بخيبر، له ذكر في (القسامة)، يقال: إنه شهد بدرًا، وكان له فهم وعلم، روى عنه سهل بن أبي حثمة.\n٤٧٠ - عبد الرحمن بن شبل: هو عبد الرحمن بن شبل الأنصاري، يعدّ في أهل المدينة، روى عنه تميم بن محمد وأبو راشد.\n٤٧١ - عبد الرحمن بن عثمان: هو عبد الرحمن بن عثمان التيمي، وهو ابن أخي طلحة بن عبيد اللَّه الصحابي، وقيل: له إدراك، وليس له رواية. روى عنه جماعة.\n٤٧٢ - عبد الرحمن بن أبي قراد: هو عبد الرحمن بن أبي قراد الأسلمي، يعدّ","vol":"10","page":135},{"text":"في أهل الحجاز. روى عنه أبو جعفر الخطمي وغيره.\n(قراد) بضم القاف وتخفيف الدال.\n٤٧٣ - عبد الرحمن بن كعب: هو عبد الرحمن بن كعب، يكنى أبا ليلى، المازني الأنصاري، شهد بدرًا، مات سنة أربع وعشرين، وهو ممن نزل فيه: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩٢].\n٤٧٤ - عبد الرحمن بن يعمر: هو عبد الرحمن بن يعمر الديلمي، له صحبة ورواية، نزل الكوفة، وأتى خراسان. روى عنه بكير بن عطاء، ولم يرو عنه سواه.\n٤٧٥ - عبد الرحمن بن عايش: هو عبد الرحمن بن عايش الحضرمي، يعدّ في أهل الشام، مختلف في صحبته، له حديث في الرؤية. روى عنه أبو سلام ممطور وخالد بن اللجلاج، وحديثه عن مالك بن يُخامِر عن معاذ بن جبل عن رسول اللَّه -ﷺ-، وعن بعضهم حديثه عن رسول اللَّه -ﷺ-، والصحيح الأول. قاله البخاري وغيره.\n(عايش) بكسر الياء تحتها نقطتان وبالشين المعجمة.\nو(يخامر) بضم الياء تحتها نقطتان وتخفيف الخاء المعجمة وكسر الميم وبالراء.\nويقال: إن حديث مالك هذا مرسل، لأنه لم يسمع من النبي -ﷺ-.\n٤٧٦ - عبد الرحمن بن أبي عميرة: هو عبد الرحمن بن أبي عميرة المزني، وقيل: القرشي، مضطرب الحديث، لا يثبت في الصحابة، قاله ابن عبد البر، وهو شامي. روى عنه نفر.\n(عميرة) بفتح العين المهملة وكسر الميم وبالراء.\n٤٧٧ - عبد اللَّه بن أرقم: هو عبد اللَّه بن أرقم الزهري القرشي، أسلم عام الفتح،","vol":"10","page":136},{"text":"وكتب للنبي -ﷺ-، ثم لأبي بكر وعمر، واستعمله عمر على بيت المال، ويعده عثمان، ثم استعفى فأعفاه عثمان، روى عنه عروة وأسلم مولى عمر، ومات في خلافة عثمان.\n٤٧٨ - عبد اللَّه بن أبي أوفى: هو عبد اللَّه بن أبي أوفى، واسم أبي أوفى علقمة ابن قيس الأسلمي، شهد الحديبية وخيبر وما بعدهما من المشاهد، ولم يزل بالمدينة حتى قبض النبي -ﷺ-، ثم تحول إلى الكوفة، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة سنة سبع وثمانين، روى عنه الشعبي وغيره.\n٤٧٩ - عبد اللَّه بن أنيس: هو عبد اللَّه بن أنيس الجهني الأنصاري، شهد أحدًا وما بعدها، روى عنه أبو أمامة وجابر وغيرهما، مات سنة أربع وخمسين بالمدينة.\n٤٨٠ - عبد اللَّه بن بسر: هو عبد اللَّه بن بسر السلمي المازني، له ولأبيه بسر وأمه وأخيه عطية وأخته الصماء صحبة، نزل الشام ومات بحمص فجأة وهو يتوضأ سنة ثمان وثمانين، وهو آخر من مات من الصحابة بالشام، وقيل: آخر من مات منهم بها أبو أمامة، روى عنه جماعة.\n٤٨١ - عبد اللَّه بن عدي: هو عبد اللَّه بن عدي القرشي الزهري، وهو من عداد أهل الحجاز، وكان ينزل فيما بين قُدَيد وعُسْفان. روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن جبير.\n٤٨٢ - عبد اللَّه بن أبي بكر: هو عبد اللَّه بن أبي بكر الصديق، شهد الطائف مع رسول اللَّه -ﷺ- فرُمِي بسهم، رماه أبو محجن الثقفي فمات منه في أول خلافة أبيه في شوال سنة إحدى عشرة، وكان أسلم قديمًا.\n٤٨٣ - عبد اللَّه بن ثعلبة: هو عبد اللَّه بن ثعلبة المازني العذري، ولد قبل الهجرة بأربع سنين، ومات سنة تسع وثمانين. ورأى النبي -ﷺ- عام الفتح، ومسح وجهه، روى","vol":"10","page":137},{"text":"عنه ابنه عبد اللَّه والزهري.\n٤٨٤ - عبد اللَّه بن جحش: هو عبد اللَّه بن جحش الأسدي أخو زينب زوج النبي -ﷺ-، أسلم قبل دخول النبي -ﷺ- دار الأرقم، وكان ممن هاجر الهجرتين، وكان مجاب الدعوة، شهد بدرًا، واستشهد يوم أحد، وهو أول من خمَّس الغنائم، ونزل القرآن بعد ذلك بتقريره في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية [الأنفال: ٤١]، وذلك أنه لما عاد من سرية أخذ خمس الغنيمة وأقره النبي -ﷺ-، وكان قبل ذلك في الجاهلية المِرباعُ. روى عنه سعد بن أبي وقاص وغيره، قتله أبو الحكم بن الأخنس، وله يومئذ نيف وأربعون سنة، ودفن هو وحمزة في قبر واحد.\n٤٨٥ - عبد اللَّه بن أبي الحمساء: هو عبد اللَّه بن أبي الحمساء العامري، عداده في البصريين، حديثه عند عبد اللَّه بن شقيق عن أبيه عنه.\n٤٨٦ - عبد اللَّه بن أبي الجدعاء: هو عبد اللَّه بن أبي الجدعاء التميمي، يذكر في الوحدان. روى عنه عبد اللَّه بن شقيق، عداده في البصريين.\n٤٨٧ - عبد اللَّه بن جعفر: هو عبد اللَّه بن جعفر بن أبي طالب القرشي، وأمه أسماء بنت عميس، ولد بأرض الحبشة، وهو أول مولود في الإسلام بها، توفي بالمدينة سنة ثمانين وله تسعون سنة، كان جوادًا ظريفًا حليمًا عفيفًا يسمى بحر الجود، قيل: لم يكن في الإسلام أسخى منه. روى عنه خلق كثير.\n٤٨٨ - عبد اللَّه بن جهم: هو عبد اللَّه بن جهم الأنصاري، حديثه في المارِّ بين يدَي المصلِّي. روى عنه بسر بن سعيد وغيره، روى حديثه مالك عن أبي جهم، ولم يسمِّه، ورواه ابن عيينة ووكيع فسمياه عبد اللَّه بن جهم، وهو مشهور بكنيته، وقد ذكرناه في حرف الجيم.","vol":"10","page":138},{"text":"٤٨٩ - عبد اللَّه بن جزء: هو عبد اللَّه بن جزء أبو الحارث السهمي سكن مصر وشهد بدرًا. روى عنه جماعة من المصريين، مات سنة خمس وثمانين بمصر.\n(جزء) بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها همزة.\n٤٩٠ - عبد اللَّه بن حبشي: هو عبد اللَّه بن حبشي الخثعمي، له رواية، عداده في أهل الحجاز، وسكن بمكة، روى عنه عبيد بن عمير وغيره.\n(عبيد) و(عمير) مصغران.\n٤٩١ - عبد اللَّه بن أبي حدرد: هو عبد اللَّه بن أبي حدرد، واسم أبي حدرد سلامة بن عمير الأسلمي، أول مشاهده الحديبية، ثم خيبر وما بعدها، مات سنة إحدى وسبعين، وله إحدى وثمانون سنة يعد في أهل المدينة، روى عنه ابنه القعقاع وغيره.\n٤٩٢ - عبد اللَّه بن حنظلة: هو عبد اللَّه بن حنظلة الأنصاري، وحنظلة هذا هو غسيل الملائكة، ولد عبد اللَّه على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، وتوفي النبي -ﷺ- وله سبع سنين وقد رآه وروى عنه، كان فاضلًا مقدمًا في الأنصار، وهو الذي بايعه أهل المدينة على خلع يزيد بن معاوية، وقتل يوم الحَرَّة بسبب ذلك سنة ثلاث وستين، روى عنه ابن أبي مليكة وعبد اللَّه بن يزيد (١) وأسماء بنت زيد بن الخطاب وغيرهم.\n٤٩٣ - عبد اللَّه بن حوالة: هو عبد اللَّه بن حوالة الأزدي (٢)، نزل الشام. روى عنه جبير بن نفير وغيره، مات بالشام سنة ثمانين.\n٤٩٤ - عبد اللَّه بن خبيب: هو عبد اللَّه بن خبيب الجهني حليف الأنصار، مدني، له صحبة، حديثه في أهل الحجاز، روى عنه ابنه معاذ.\n_________\n(١) في نسخة: \"زيد\".\n(٢) في نسخة: \"الأسدي\".","vol":"10","page":139},{"text":"٤٩٥ - عبد اللَّه بن رواحة: هو عبد اللَّه بن رواحة الأنصاري الخزرجي، أحد النقباء، شهد العقبة وبدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد بعدها إلا الفتح وما بعده فإنه قتل يوم مؤتة شهيدًا أميرًا فيها سنة ثمان، وهو أحد الشعراء المحسنين. روى عنه ابن عباس وغيره.\n٤٩٦ - عبد اللَّه بن الزبير: هو عبد اللَّه بن الزبير يكنى أبا بكر الأسدي القرشي، كناه النبي -ﷺ- بكنية جده لأمه أبي بكر الصديق وسماه باسمه، وهو أول مولود ولد في الإسلام للمهاجرين بالمدينة أول سنة من الهجرة، وأذَّن أبو بكر في أذنه، ولدته أمه أسماء بقُباء وأتت به إلى النبي -ﷺ- فوضعته في حجره فدعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه وحنَّكه، فكان أول شيء دخل في جوفه ريق رسول اللَّه -ﷺ-، ثم دعا له وبرَّكَ عليه، وكان أطلس لا شعر له في وجهه ولا لحيته، وكان كثير الصيام والصلاة شهمًا ذا أنفة شديد البأس قابلًا للحق (١) وصولًا للرحم، اجتمع له ما لم يجتمع لغيره، أبوه حواري رسول اللَّه -ﷺ-، وأمه أسماء بنت الصديق، وجده الصديق، وجدته صفية عمة رسول اللَّه -ﷺ-، وخالته عائشة زوج رسول اللَّه -ﷺ-، وبايع رسول اللَّه -ﷺ- وهو ابن ثماني سنين، قتله الحجاج ابن يوسف بمكة، وصلبه يوم الثلاثاء لسبع عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة ثلاث وسبعين، وكان بويع له بالخلافة سنة أربع وستين، وكان قبل ذلك لا يخاطب بالخلافة، فاجتمع على طاعته أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان وغير ذلك ما عدا الشام أو بعضه، وحج بالناس ثماني حجج. روى عنه خلق كثير.\n٤٩٧ - عبد اللَّه بن زمعة: هو عبد اللَّه بن زمعة القرشي الأسدي، عداده في أهل المدينة، روى عنه عروة بن الزبير وغيره.\n_________\n(١) في نسخة: \"قاتلًا بالحق\".","vol":"10","page":140},{"text":"٤٩٨ - عبد اللَّه بن زيد: هو (١) عبد اللَّه بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي، شهد العقبة وبدرًا والمشاهد بعدها، وهو الذي أُرِيَ الأذانَ فِي النوم بعد الهجرة. عداده في أهل المدينة، ومات بها سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن أربع وستين، وله ولأبويه صحبة. وروى عنه ابنه محمد وسعيد بن المسيب وابن أبي ليلى.\n٤٩٩ - عبد اللَّه بن زيد: هو عبد اللَّه بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني، شهد أحدًا ولم يشهد بدرًا، وهو الذي قتل مسيلمة الكذاب مشاركًا وحشيَّ بن حرب في قتله، وقتل عبد اللَّه يوم الحَرَّة سثة ثلاث وستين. روى عنه عباد بن تميم وهو ابن أخيه وابن المسيب.\n(عباد) بتشديد الباء الموحدة.\n٥٠٠ - عبد اللَّه بن السائب: هو عبد اللَّه بن السائب المخزومي القرشي، أخذ عنه أهل مكة القراءة، وعداده في أهل مكة وبها مات قبل قتل ابن الزبير. روى عنه نفر.\n٥٠١ - عبد اللَّه بن سرجس: هو عبد اللَّه بن سرجس المزني، ويقال: المخزومي أظنه حليفًا لهم، وهو بصري حديثه في البصريين، روى عنه عاصم الأحول وغيره.\n(سرجس) بالسينين وبينهما جيم بوزن نرجس.\n٥٠٢ - عبد اللَّه بن سلام: هو عبد اللَّه بن سلام يكنى أبا يوسف الإسرائيلي، من ولد يوسف بن يعقوب ﵉، وكان حليفًا لبني عوف بن الخزرج، وهو أحد الأحبار، وأحد من شهد له النبي -ﷺ- بالجنة. روى عنه ابناه يوسف ومحمد وغيرهما، مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين. (سلام) بتخفيف اللام.\n٥٠٣ - عبد اللَّه بن سهل: هو عبد اللَّه بن سهل الأنصاري الحارثي أخو عبد الرحمن\n_________\n(١) في نسخة: \"هو صاحب الأذان\".","vol":"10","page":141},{"text":"وابن أخي محيصة وهو المقتول بخيبر، وذكره في (القسامة).\n٥٠٤ - عبد اللَّه بن الشِّخِّير: هو عبد اللَّه بن الشخير العامري، يعدّ في البصريين، وفد إلى النبي -ﷺ- في بني عامر. روى عنه ابناه مطرف ويزيد.\n(الشخير) بكسر الشين المعجمة وكسر الخاء المعجمة وتشديدها وسكون الياء.\n٥٠٥ - عبد اللَّه الصنابحي (١): هو عبد اللَّه الصنابحي، وقيل: أبو عبد اللَّه، وقال ابن عبد البر: الصواب عندي أن الصنابحي أبو عبد اللَّه التابعي لا عبد اللَّه الصحابي، قال: وعبد اللَّه الصنابحي غير معروف في الصحابة، والصنابحي الصحابي قد أخرج حديثه مالك في \"الموطأ\" والنسائي في \"سننه\" (٢).\n٥٠٦ - عبد اللَّه بن عامر: هو عبد اللَّه بن عامر بن كريز القرشي، وهو ابن خال عثمان بن عفان، ولد على عهد رسول اللَّه -ﷺ- فأُتِي به فتفل عليه وعوَّذه، وتوفي النبي -ﷺ- وله ثلاث عشرة سنة، وقيل: إنه لم يروِ عن النبي -ﷺ- شيئًا ولا حفظ عنه، ومات سنة تسع وخمسين، ولاه عثمان البصرة وخراسان وأقام عليهما إلى أن قتل عثمان، فلما أفضى الأمر إلى معاوية ردّ إليه ذلك، وكان سخيًّا كريمًا كثير المناقب، وهو افتتح خراسان، وقتل كسرى في ولايته، ولم يختلفوا أنه افتتح أطراف فارس وعامة خراسان وأصفهان وكرمان وحلوان، وهو الذي شق نهر البصرة.\n٥٠٧ - عبد اللَّه بن عباس: هو عبد اللَّه بن عباس ابن عم النبي -ﷺ-، وأمه لبابة بنت الحارث أخت ميمونة زوج النبي -ﷺ-، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي النبي -ﷺ- وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وقيل: خمس عشرة، وقيل: عشرة، كان خير هذه الأمة وعالمها، دعا له النبي -ﷺ- بالحكمة والفقه والتأويل، ورأى جبريل ﵇\n_________\n(١) وفع في الاصل \"عبد اللَّه بن الصنابحي\" وهو خطأ.\n(٢) والترمذي في جامعه أيضًا، (أحمد حسن ﵀).","vol":"10","page":142},{"text":"مرتين، قال مسروق: وكنت إذا رأيت عبد اللَّه بن عباس قلت: أجمل الناس، فإذا تكلم قلت: أفصح الناس، فإذا تحدث قلت: أعلم الناس، وكان عمر بن الخطاب يُقرِّبه ويُدنِيه ويشاوره مع أجلة الصحابة. وكُفَّ بصره في آخر عمره، ومات بالطائف سنة ثمان وستين في أيام ابن الزبير وهو ابن إحدى وسبعين سنة. روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين، وكان أبيض طويلًا مشربًا صفرة جسيمًا وسيمًا صبيح الوجه، له وفرة يخضب بالحناء.\n٥٠٨ - عبد اللَّه بن عمر (١): هو عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أسلم مع أبيه بمكة وهو صغير ولم يشهد بدرًا، واختلفوا في شهوده أحدًا، والصحيح أن أول مشاهده الخندق، قيل: إنه استصغر يوم بدر، وأجازه النبي -ﷺ- يوم أحد، وروي أنه رده يوم أحد لأنه كان له أربع عشرة سنة، وشهد ما بعد الخندق من المشاهد، وكان من أهل الورع والعلم والزهد شديد التحري والاحتياط، وقال جابر بن عبد اللَّه: ما منَّا أحدٌ إلا مالت به الدنيا ومال بها ما خلا عمرَ وابنَه عبد اللَّه. وقال ميمون بن مهران: ما رأيت أورعَ من ابن عمر، ولا أعلمَ من ابن عباس، وقال نافع: ما مات ابن عمر حتى أعتق ألف إنسان أو زاد، ولد قبل الوحي بسنة، ومات سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر، وقيل: بستة أشهر، وكان قد أوصى أن يُدفَنَ فِي الحِلِّ فلم يقدر على ذلك من أجل الحجاج، ودفن بذي طوى في مقبرة المهاجرين، وكان الحجاج قد أمر\n_________\n(١) في \"الخلاصة\" (ص: ٢٠٧): أن عبد اللَّه بن عمر شهد الخندق وبيعة الرضوان، وله ألف وست مئة حديث وثلاثون حديثًا، اتفقا على مئة وسبعين، وانفرد البخاري بأحد وثمانين، ومسلم بأحد وثلاثين، وعنه بنوه سالم وحمزه وعبيد اللَّه وابن المسيب ومولاه نافع وخلق. في الصحيح: [عبد اللَّه رجل صالح]، وكان إمامًا متينًا واسع العلم كثير الاتباع وافر النسك كبير القدر متين الديانة عظيم الحرمة، . . . إلخ. (أحمد حسن).","vol":"10","page":143},{"text":"رجلًا فسمّ زُجّ رمحه وزجه في الطريق ووضع الزج (١) في ظهر قدمه، وذلك أن الحجاج خطب يومًا وأخّر الصلاة فقال ابن عمر: إن الشمس لا تنتظرك، فقال له الحجاج: لقد هممت أن أضرب الذي في عينيك، فقال: إن تفعل فإنك سفيه مسلَّط، وقيل: إنه أخفى قوله ذلك عن الحجاج ولم يسمعه، وكان يتقدَّمه في المواقف بعرفة وغيرها إلى المواضع التي كان النبي -ﷺ- وقف فيها، وكان ذلك يعز على الحجاج. وله أربع وثمانون سنة، وقيل: ست وثمانون، روى عنه خلق كثير.\n٥٠٩ - عبد اللَّه بن عمرو بن العاص: هو عبد اللَّه بن عمرو بن العاص السهمي (٢) القرشي أسلم قبل أبيه وكان أبوه أكبر منه بثلاث عشرة سنة وقيل: باثنتي عشرة سنة، وكان عابدًا عالمًا حافظًا، قرأ الكتب، واستأذن النبي -ﷺ- في أن يكتب حديثه فأذن له. وقد اختلف في وفاته (٣) فقيل: مات ليالي الحرة في ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وقيل سنة ثلاث وسبعين، وقيل: مات بمكة سنة سبع وستين، وقيل: مات بالطائف سنة خمس وخمسين، وقيل: مات بمصر سنة خمس وستين، روى عنه خلق كثير، قال يعلى بن عطاء عن أمه: إنها كانت تصنع الكحل لعبد اللَّه بن عمرو، وإن كان يقوم بالليل فيطفئ السراج ثم يبكي حتى رسغت عيناه، (وفي نسخة الرسغ فساد في الأجفان).\n٥١٠ - عبد اللَّه بن مسعود (٤): هو عبد اللَّه بن مسعود، يكنى أبا عبد الرحمن،\n_________\n(١) والزج: الحديدة في أسفل الرمح، وهو بالزاي، ووقع في الأصل بالراء المهملة وهو خطأ.\n(٢) منسوب إلى سهم بن عمرو، بطن من قريش، انتهى. (ع).\n(٣) قال الحافظ: مات في ذي الحجة لياليَ الحَرَّةِ على الأصح بالطائف على الراجح. \"تقريب التهذيب\" (ص: ٣١٥).\n(٤) في \"الخلاصة\" (ص: ٢١٤): عبد اللَّه بن مسعود بن غافل شهد بدرًا والمشاهد، وروى ثمان مئة حديث وثمانية وأربعين حديثًا، اتفقا على أربعة وستين، وانفرد البخاري بإحدى وعشرين، =","vol":"10","page":144},{"text":"الهذلي، كان إسلامه قديمًا في أول الإسلام قبل دخول النبي -ﷺ- دار الأرقم، قبل عمر بزمان. وقيل: كان سادسًا في الإسلام، ثم ضمّه إليه رسول اللَّه -ﷺ- فكان من خواصه وكان صاحبَ سرِّ رسول اللَّه -ﷺ- وسواكِه ونعليه وطُهوره في السفر، هاجر إلى الحبشة، وشهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، وشهد له رسول اللَّه -ﷺ- بالجنة، وقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"رضيتُ لأمتي ما رضيَ لها ابنُ أم عبد، وسخطت لها ما سخطَ لها ابنُ أم عبد\" (١) يعني ابن مسعود، وكان يُشبَّه بالنبي -ﷺ- في سَمْته ودَلَّه وهَدْيه، وكان خفيف اللحم قصيرًا شديد الأدمة نحيفًا، يكاد طوال الرجال يوازيه جالسًا، ولي القضاء بالكوفة وبيت مالها لعمر وصدرًا من خلافة عثمان، ثم صار إلى المدينة فمات بها سنة اثنتين وثلاثين ودفن بالبقيع وله بضع وستون سنة. روى عنه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومن بعدهم من الصحابة والتابعين.\n٥١١ - عبد اللَّه بن قرط: هو عبد اللَّه بن قرط الأزدي الثمالي، كان اسمه شيطانًا فسمّاه النبي -ﷺ- عبد اللَّه، يعدّ في الشاميين وحديثه عندهم، وكان أميرًا على حمص لأبي عبيدة بن الجراح، روى عنه نفر، قتل سنة ست وخمسين بأرض الروم.\n(قُرط) بضم القاف وسكون الراء.\n٥١٢ - عبد اللَّه بن غنام: هو عبد اللَّه بن غنام البياضي، عداده في أهل الحجاز، حديثه عند ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن عبد اللَّه بن عنبسة عنه في الدعاء (٢).\n_________\n= ومسلم بخمسة وثلاثين، وعنه خلق من الصحابة ومن التابعين علقمة ومسروق والأسود وقيس ابن أبي حازم والكبار، وتلقن من النبي -ﷺ- سبعين سورة. . . إلخ. (أحمد حسن ﵀).\n(١) أخرجه الحاكم (٣/ ٣١٧، رقم: ٥٣٨٧)، وأحمد في \"فضائل الصحابة\" (١٣٦)، والبزار (١٩٨٦)، والطبراني في \"الأوسط\" (٦٨٧٩).\n(٢) أي: في (باب: ما يقول عند الصباح والمساء والمنام). انظر: \"مشكاة المصابيح\" (ح: ٢٤٠٧).","vol":"10","page":145},{"text":"٥١٣ - عبد اللَّه بن مغفل: هو عبد اللَّه بن مغفل المزني، كان من أصحاب الشجرة، سكن المدينة ثم تحول منها إلى البصرة، وكان أحد العشرة الذين بعثهم عمر إلى البصرة يفقِّهون الناس، ومات بالبصرة سنة ستين، روى عنه جماعة من التابعين منهم الحسن البصري وقال: ما نزل البصرة أشرف منه.\n٥١٤ - عبد اللَّه بن هشام: هو عبد اللَّه بن هشام القرشي التيمي، يعدّ في أهل الحجاز، ذهبت به أمه زينب بنت حميد إلى النبي -ﷺ- وهو صغير، فمسح برأسه ودعا له ولم يبايعه لصغره. روى عنه ابن ابنه زهرة.\n٥١٥ - عبد اللَّه بن يزيد: هو عبد اللَّه بن يزيد الخطمي الأنصاري، شهد الحديبية وهو ابن سبع عشرة سنة، وكان أميرًا على الكوفة في عهد ابن الزبير ومات بها زمن ابن الزبير، وكان الشعبي كاتبه. روى عنه ابنه موسى وأبو بردة بن أبي موسى وغيرهما.\n٥١٦ - عاصم بن ثابت: هو عاصم بن ثابت، يكنى أبا سليمان، الأنصاري، شهد بدرًا، وهو الذي حمَتْه الدَّبْرُ -وهي النحل- من المشركين أن يحتزّوا رأسه في غزوة الرجيع حين قتله بنو لحيان فسمي حَمِيَّ الدَّبْر، وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب لأمه.\nوفي نسخة: وذلك أنه بعث رسول اللَّه -ﷺ- عشرة رهط سريةً، وأمّر عليهم عاصمًا هذا، فانطلقوا حتى إذا كانوا بين عسفان ومكة، فنزلهم (١) بني لحيان قريبًا من مئة رجل كلهم رماة فاقتفوا آثارهم حتى وجدوا مآكلهم تمرًا تزودوه من المدينة فقالوا: هذا تمرُ يثرب، فلما رآهم عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فدفد فأحاط بهم القوم فقالوا لهم: انزلوا\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي \"صحيح البخاري\" (٣٠٤٥): \"ذكروا لحي من هذيل، يقال لهم بنو لحيان، فنفروا لهم قريبًا\".","vol":"10","page":146},{"text":"فأعطونا بأيديكم ولكم الأمان، فقال عاصم: أمّا أنا فواللَّه لا أنزل في ذمة كافر، اللهم أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ، فرمَوا بالنبل فقتلوا عاصمًا في سبعة، فاستجاب اللَّه لعاصم يوم أصيب فأخبرَ النبيُّ -ﷺ- أصحابَه، وبعث ناسٌ من كفار قريش إلى عاصم حين حُدِّثوا أنه قتل ليؤتَوا بشيء منه يعرف، فبعث على عاصم مثل الظُّلَّة من الدَّبْر فحمته من رسولهم فلم يقدر على أن يقطع من لحمه شيئًا. هذا مختصر من رواية البخاري (ح: ٤٠٨٦).\n٥١٧ - عامر الرام: هو عامر الرام، له رؤية ورواية، روى عنه أبو منظور. (الرام) بفتح الراء وهو الرامي.\n٥١٨ - عامر بن ربيعة: هو عامر بن ربيعة يكنى أبا عبد اللَّه العنزي، هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وكان أسلم قديمًا. روى عنه نفر، مات سنة اثنتين وثلاثين.\n٥١٩ - عامر بن مسعود: هو عامر بن مسعود بن أمية بن خلف الجمحي، وهو ابن أخي صفوان بن أمية، روى عنه نمير بن عريب، أخرج حديثه الترمذي في الصوم وقال: هو مرسل لأن عامر بن مسعود لم يدرك النبي -ﷺ-، وقد أورده ابن عبد البر في أسماء الصحابة، وقال ابن معين: لا صحبة له.\n(عريب) بفتح العين المهملة وكسر الراء وسكون الياء وبعدها باء موحدة.\n٥٢٠ - عائذ بن عمرو: هو عائذ بن عمرو المزني من أصحاب الشجرة، سكن البصرة وحديثه في البصريين. روى عنه جماعة.\n٥٢١ - عباد بن بشر: هو عباد بن بشر الأنصاري، أسلم بالمدينة قبل إسلام سعد ابن معاذ، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها، وكان فيمن قتَلَ كعبَ بن الأشرف اليهودي، وكان من فضلاء الصحابة. روى عنه أنس بن مالك وعبد الرحمن بن ثابت، وقتل يوم اليمامة وله خمس وأربعون سنة.","vol":"10","page":147},{"text":"(عباد) بفتح العين وتشديد الباء الموحدة.\n٥٢٢ - عباد بن المطلب: هو عباد بن المطلب، له ذكر فيمن شهد بدرًا ولا يعرف له رواية.\n(عباد) بتشديد الباء الموحدة، و(المطلب) بتشديد الطاء وكسر اللام.\n٥٢٣ - عبادة بن الصامت (١): هو عبادة بن الصامت، يكنى أبا الوليد، الأنصاري السالمي، كان نقيبًا، وشهد العقبة الأولى والثانية والثالثة، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، ثم وجَّهه عمر إلى الشام قاضيًا ومعلمًا فأقام بحمص، ثم انتقل إلى فلسطين ومات بها في الرملة، وقيل: ببيت المقدس سنة أرج وثلاثين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين.\n(عبادة) بضم العين وتخفيف الباء.\n٥٢٤ - العباس (٢) بن عبد المطلب: هو العباس بن عبد المطلب عم النبي -ﷺ- وكان أسنَّ من النبي -ﷺ- بسنتين، وأمه امرأة من النمر بن قاسط، وهي أول عربية كسَتِ الكعبةَ الحريرَ والدِّيباج وأصناف الكسوة، وذلك أن العباس ضل وهو صبي فنذرت إن وجدته أن تكسو البيت الحرام فوجدته ففعلت ذلك. وكان العباس رئيسًا في الجاهلية، وإليه\n_________\n(١) عبادة بن الصامت شهد العقبتين وبدرًا، وهو أحد النقباء، له مئة وأحد وثمانون حديثًا، اتفقا منها على لشة، وانفرد البخاري بحديثين، وكذا مسلم، وعنه ابنه الوليد ومحمود بن الربيع وجبير بن نفير وأبو إدريس الخولاني وخلق، وكان ممن جمع القرآن على عهد النبي -ﷺ-، انتهى. (أحمد حسن ﵀).\n(٢) في \"الخلاصة\" (ص: ١٨٩): للعباس خمسة وثلاثون حديثًا، اتفقا على حديث، وانفرد البخاري بحديث ومسلم بثلاثة، وعنه بنوه عبد اللَّه وكثير وعبيد اللَّه وعامر بن سعد، قال النبي -ﷺ-: \"العباس مني وأنا منه\"، وله فضائل جمة.","vol":"10","page":148},{"text":"كانت عمارة المسجد الحرام والسقاية.\nأما السقاية وهي معروفة، وأما العمارة فإنه كان يحمل قريشًا على عمارته بالخير وترك السيئات فيه وقول الهُجْر، قال مجاهد: أعتق العباس عند موته سبعين مملوكًا، ولد قبل سنة الفيل، ومات يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من رجب سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن ثمان وثمانين سنة، ودفن بالبقيع، وكان أسلم قديمًا وكَتَمَ إسلامه وخرج مع المشركين يوم بدر مكرهًا، فقال النبي -ﷺ-: \"من لقي العباس فلا يقتله فإنه خرج مكرهًا\" فأسره أبو اليسر كعب بن عمرو، ففادى نفسه ورجع إلى مكة، ثم أقبل إلى المدينة مهاجرًا. روى عنه جماعة.\n٥٢٥ - العباس بن مرداس: هو العباس بن مرداس، يكنى أبا الهيثم، السلمي، شاعر، عداده في المؤلفة قلوبهم، وأسلم قبل فتح مكة بيسير، وحسن إسلامه بعد ذلك، وكان ممن حرَّم الخمرَ في الجاهلية. روى عنه ابنه كنانة.\n(كنانة) بكسر الكاف وبنونين بينهما ألف.\n٥٢٦ - عبد المطلب بن ربيعة: هو عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم القرشي، سكن المدينة ثم تحول عنها إلى دمشق ومات بها سنة اثنتين وستين، روى عنه عبد اللَّه بن الحارث.\n٥٢٧ - عبد اللَّه بن محصن: هو عبد اللَّه بن محصن الأنصاري الخطمي، يعدّ في أهل المدينة وحديثه فيهم. روى عنه ابنه سلمة، قال ابن عبد البر: من الناس من يرسل حديثه.\n٥٢٨ - عبيد بن خالد: هو عبيد بن خالد السلمي البَهْزي (١) المهاجري، سكن الكوفة، روى عنه جماعة من الكوفيين.\n_________\n(١) في نسخة: \"التيمي\".","vol":"10","page":149},{"text":"٥٢٩ - عتَّاب بن أَسِيد: هو عتاب بن أسيد القرشي الأموي، أسلم يوم الفتح، واستعمله النبي -ﷺ- على مكة عام الفتح يوم خروجه إلى حنين، وقبض النبي -ﷺ- وهو عامل عليها، وأقره أبو بكر عليها إلى أن مات بها في سنة ثلاث عشرة يوم موت أبي بكر، وكان من سادات قريش، خيّرًا صالحًا. روى عنه عمرو بن أبي عقرب.\n(عتاب) بفتح العين وتشديد التاء. و(أسيد) بفتح الهمزة وكسر السين.\n٥٣٠ - عتبة بن أسيد: هو عتبة بن أسيد، يكنى أبا بصير الثقفي حليف لبني زهرة، قديم الإسلام والصحبة، له ذكر في (غزوة الحديبية)، وهو الذي قال النبي -ﷺ- فيه: \"وَيلُ أمِّه مِسعَرُ حربٍ لو أنَّ له رجالًا\". مات في عهد رسول اللَّه -ﷺ-.\n٥٣١ - عتبة بن عبد السلمي: هو عتبة بن عبد السلمي، وقال ابن عبد البر (١): عتبة بن النُّدَّر (٢)، وقال: قد قيل: إنهما اثنان، ومال ابن عبد البر إلى القول الأول، وأما البخاري فإنه جعلهما اثنين وكذلك أبو حاتم الرازي (٣)، وعتبة هذا اسمه عَتَلَة فسمّاه النبي -ﷺ- عتبة، شهد خيبر. روى عنه جماعة، مات بحمص سنة سبع وثمانين وهو ابن أربع وتسعين، وهو آخر من مات بالشام في قول الواقدي.\n٥٣٢ - عتبة بن غزوان: هو عتبة بن غزوان المازني، قديم الإسلام، هاجر إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وشهد بدرًا، وقيل: أسلم بعد ستة رجال فهو سابع سبعة في الإسلام، واستعمله عمر على البصرة، ثم قدم على عمر فرَّده إليها واليًا، فمات في الطريق سنة خمس عشرة وهو ابن سبع وخمسين سنة، روى عنه خالد بن عمير.\n_________\n(١) في نسخة: \"وقيل\".\n(٢) بضم النون وتشديد الدال المفتوحة.\n(٣) وهذا هو الصواب، انظر: \"الإصابة\" (٤/ ٣٦٦).","vol":"10","page":150},{"text":"٥٣٣ - العدّاء بن خالد: هو العداء بن خالد بن هوذة العامري، أسلم بعد الفتح، وكان يسكن البادية، وحديثه عند أهل البصرة. روى عنه أبو رجاء وغيره.\n(العداء) بفتح العين وتشديد الدال المهملة.\n٥٣٤ - عدي بن حاتم (١): هو عدي بن حاتم الطائي، قدم على النبي -ﷺ- في شعبان سنة سبع، ونزل الكوفة وسكنها، وفقئت عينه يوم الجمل مع علي بن أبي طالب، وشهد صِفِّين والنَّهْرَوان. ومات بالكوفة سنة سبع وستين وهو ابن مئة وعشرين سنة، وقيل: مات بـ (قرقيسيا) (٢)، روى عنه جماعة.\n٥٣٥ - عدي بن عميرة: هو عدي بن عميرة الكندي الحضرمي، سكن الكوفة ثم انتقل إلى الجزيرة وسكنها ومات بها. روى عنه قيس بن أبي حازم وغيره.\n(عميرة) بفتح العين المهملة وكسر الميم وبالراء.\n٥٣٦ - العِرباض بن سارية: هو العرباض بن سارية، يكنى أبا نَجِيح، السلمي، كان من أهل الصُّفَّة، وسكن الشام ومات بها سنة خمس وسبعين. روى عنه أبو أمامة وجماعة من التابعين.\n(نجيح) بفتح النون وكسر الجيم وبالحاء المهملة.\n٥٣٧ - عرفجة بن أسعد: هو عرفجة بن أسعد. روى عنه ابنه طرفة، وهو الذي أمره النبي -ﷺ- أن يتخذ أنفًا من وَرِقٍ ثم من ذهب، وكان ذهب أنفه يوم الكُلاب بضم الكاف.\n٥٣٨ - عروة بن أبي الجعد: هو عروة بن أبي الجعد البارقي، استعمله عمر\n_________\n(١) ابن عبد بن سعد الطائي الجواد بن الجواد. (عبد الحق ﵀).\n(٢) في نسخة: \"بقرقيسا\".","vol":"10","page":151},{"text":"على قضاء الكوفة، ويعدُّ فِيهم، وحديثه عندهم، وقيل: هو عروة بن الجعد، قال ابن المديني: من قال فيه: ابن الجعد فقد أخطأ وإنما هو عروة بن أبي الجعد، روى عنه الشعبي وغيره.\n٥٣٩ - عروة بن مسعود: هو عروة بن مسعود، شهد صلح الحديبية كافرًا، وقدم على النبي -ﷺ- سنة تسع بعد عوده من الطائف فأسلم وعنده نسوة عدة، فأمره النبي -ﷺ- أن يختار منهن أربعًا، واستأذنه في الرجوع فرجع فدعا قومه إلى الإسلام فأبوا عليه، فلما كان عند الفجر قام على غرفة له في في اره فأذن بالصلاة فتشهد فرماه رجل من ثقيف فقتله، فقال رسول اللَّه -ﷺ- لما بلغه خبره: \"مثَلُ عروةَ مثَلُ صاحب (يس) دعا قومه إلى اللَّه ﷿ قتلوه\" (١).\n٥٤٠ - عطية بن قيس: هو عطية بن قيس السعدي، له صحبة ورواية. روى عنه أهل اليمن وأهل الشام.\n٥٤١ - عطية بن بسر: هو عطية بن بسر المازني، وهو أخو عبد اللَّه بن بسر، أخرج أبو داود حديثه مقرونًا بأخيه عبد اللَّه، فقال: عن ابني بسر، ولم يسمِّهما، وهو في أكل الزبد والتمر في (كتاب الطعام). روى عنه مكحول.\n٥٤٢ - عطية القرظي: هو عطية القرظي من سبي بني قريظة، هكذا يجيء، قال ابن عبد البر: لم أقف على اسم أبيه، رأى النبي -ﷺ- وسمع منه، روى عنه مجاهد وغيره.\n٥٤٣ - عقبة بن رافع: هو عقبة بن رافع القرشي، استشهد بإفريقية قتله البربر سنة ثلاث وستين. روى عنه جماعة، له ذكر في تعبير الرؤيا.\n٥٤٤ - عقبة بن عامر: هو عقبة بن عامر الجهني، كان واليًا على مصر لمعاوية\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٦٥٧٩)، والطبراني في \"الكبير\" (٣٧٤).","vol":"10","page":152},{"text":"بعد عتبة بن أبي سفيان ثم عزله ومات بها سنة ثمان وخمسين. روى عنه نفر من الصحابة وخلق كثير من التابعين.\n٥٤٥ - عقبة بن الحارث: هو عقبة بن الحارث القرشي، أسلم يوم الفتح، عداده في أهل مكة (١). روى عنه عبد اللَّه بن أبي مليكة وغيره.\n٥٤٦ - عقبة بن عمرو: هو عقبة بن عمرو يكنى أبا مسعود، وسنذكره في حرف الميم.\n٥٤٧ - عُكاشة بن مِحصَن: هو عكاشة بن محصن الأسدي حليف بني أمية، شهد بدرًا وأبلى فيها بلاء حسنًا والمشاهد بعدها، وانكسر سيفه يوم بدر فأعطاه النبي -ﷺ- عُودًا أو عُرْجونًا فصار في يده سيفًا، وكان من فضلاء الصحابة، مات في خلافة الصديق وله خمس وأربعون سنة. روى عنه أبو هريرة وابن عباس وأخته أم قيس.\n(عكاشة) بضم العين وتشديد الكاف وتخفيفها والتشديد أكثر وبالشين المعجمة.\n(محصن) بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة وبالنون.\n٥٤٨ - عكرمة بن أبي جهل: هو عكرمة بن أبي جهل، واسم أبي جهل عمرو (٢) ابن هشام المخزومي القرشي، كان شديد العداوة لرسول اللَّه -ﷺ- هو وأبوه، وكان فارسًا مشهورًا، وهرب يوم الفتح فلحق باليمن فلحقت به امرأته أم حكيم بنت الحارث، فأتت به النبيَّ -ﷺ-، فلما رآه قال: \"مرحبًا بالراكب المهاجر\"، فأسلم بعد الفتح سنة ثمان وحسن إسلامه، وقتل يوم اليرموك سنة ثلاث عشرة وله اثنتان وستون سنة، قالت\n_________\n(١) روى عن النبي -ﷺ- وأبي بكر وعن جبير بن مطعم، وروى عنه إبراهيم بن عبد الرحمن وعبيد بن مريم المكي، وعبد اللَّه بن أبي مليكة. (عبد الحق ﵀).\n(٢) في الأصل \"عروة\" وهو خطأ.","vol":"10","page":153},{"text":"أم سلمة عن رسول اللَّه -ﷺ-: \"رأيت لأبي جهل عَذْقًا في الجنة\"، فلما أسلم عكرمة قال: \"يا أم سلمة هذا هو\"، قالت: وشكا عكرمة إلى رسول اللَّه -ﷺ- أنه إذا مرّ بالمدينة قالوا: هذا ابن عدو اللَّه أبي جهل، فقام رسول اللَّه -ﷺ- خطيبًا فحمد اللَّه وأثنى عليه وقال: \"الناسُ معادنُ خيارُهم في الجاهلية خيارُهم في الإسلام إذا فقهوا\" (١).\n٥٤٩ - العلاء الحضرمي: هو العلاء الحضرمي واسم الحضرمي عبد اللَّه من حضرموت، كان عاملًا للنبي -ﷺ- على البحرين، وأقرّه أبو بكر وعمر عليهما، إلى أن مات العلاء سنة أربع عشرة. روى عنه السائب بن يزيد وغيره.\n٥٥٠ - علقمة بن وقاص: هو علقمة بن وقاص الليثي، ولد على عهد رسول اللَّه -ﷺ- وشهد الخندق (٢) ومات في أيام عبد الملك بن مروان بالمدينة. روى عنه ابنه عمرو [و] محمد بن إبراهيم التيمي.\n٥٥١ - عمار بن ياسر: هو عمار بن ياسر العنسي مولى بني مخزوم وحليفهم، وذلك أن ياسرًا والد عمار قدم مكة مع أخوين له، يقال لهما: الحارث ومالك في طلب أخ لهم رابع، فرجع الحارث ومالك إلى اليمن، وأقام ياسر بمكة فحالف أبا حذيفة ابن المغيرة فزوَّجه أبو حذيفة أمةً له، يقال لها: سمية فولدت له عمارًا فأعتقه أبو حذيفة، فعمار مولى وأبوه حليف، أسلم عمار قديمًا، وكان من المستضعفين الذين عذبوا بمكة ليرجعوا عن الإسلام، وأحرقه المشركون بالنار، وكان رسول اللَّه -ﷺ- يمر به، فيُمِرُّ\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في \"المستدرك\" (٥٥٦١).\n(٢) قال الحافظ في \"الإصابة\" (٥/ ٥٢) بعد أن ساقه من طريق محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه عن جده قال: شهدت الخندق مع النبي -ﷺ-: قلت: لو ثبت هذا لكان صحابيًا، لكن أطبق الأئمة على ذكره في التابعين، انتهى. وقال في \"التقريب\" (٤٦٨٥): \"أخطأ من زعم أن له صحبة\".","vol":"10","page":154},{"text":"يده عليه ويقول: \"يا نار كوني بردًا وسلامًا على عمار كما كنت على إبراهيم\"، وهو من المهاجرين الأولين، شهد بدرًا والمشاهد كلها، وأبلى فيها، وسماه النبي -ﷺ- الطيِّب المطيَّب، قتل بصفين وكان مع علي بن أبي طالب سنة سبع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وتسعين سنة، روى عنه جماعة منهم علي وابن عباس.\n٥٥٢ - عمرو بن الأحوص: هو عمرو بن الأحوص الكلابي. روى عنه ابنه سليمان (١).\n٥٥٣ - عمرو بن الأخطب: هو عمرو بن الأخطب الأنصاري، واشتهر بكنيته أبي زيد، غزا مع النبي -ﷺ- غزوات، ومسح رأسه ودعا له بالجمال، فيقال: إنه بلغ مئة سنة ونيفًا وما في رأسه ولحيته إلا نبذ من شعر أبيض، عداده في أهل البصرة. روى عنه جماعة (٢).\n٥٥٤ - عمرو بن أمية: هو عمرو بن أمية الضمري -بفتح الضاد وسكون الميم- شهد بدرًا وأحدًا مع المشركين، ثم أسلم حين انصرف المسلمون من أحد، وكان من رجال العرب، وأول مشهد شهده مع المسلمين يوم بئر معونة فأسره عامر بن الطفيل، ثم أطلقه بعد أن جزّ ناصيته، بعثه النبي -ﷺ- في سنة ست إلى النجاشي بالحبشة، فقدم على النجاشي بكتاب رسول اللَّه -ﷺ- يدعوه إلى الإسلام فأسلم النجاشي، عداده في أهل الحجاز، روى عنه ابناه جعفر وعبد اللَّه، وابن أخيه الزبرقان بن عبد اللَّه، مات في أيام معاوية بالمدينة، وقيل: سنة ستين.\n(الزبرقان) بكسر الزاي المعجمة وسكون الباء الموحدة وكسر الراء المهملة وبالقاف.\n_________\n(١) وقد شهد حجة الوداع، ووقعة اليرموك في زمن عمر كما في \"الإصابة\" (٤/ ٤٩٢).\n(٢) أي: أبو قلابة وأنس بن سيرين ويزيد الرشك وغيرهم. (عبد الحق).","vol":"10","page":155},{"text":"٥٥٥ - عمرو بن الحارث: هو عمرو بن الحارث الخزاعي أخو جويرية زوج النبي -ﷺ-، عداده في أهل الكوفة. روى عنه أبو وائل شقيق بن سلمة وأبو إسحاق السَّبيعي.\n٥٥٦ - عمرو بن حريث: هو عمرو بن حريث القرشي المخزومي، رأى النبي -ﷺ- وسمع منه، ومسح رأسه ودعا له بالبركة، وقيل: قبض النبي -ﷺ-، وله اثنتا عشرة سنة، نزل الكوفة وسكنها، وولي إمارة الكوفة، ومات بها سنة خمس وثمانين. روى عنه ابنه جعفر وغيره.\n٥٥٧ - عمرو بن حزم: هو عمرو بن حزم يكنى أبا الضحاك الأنصاري، أول مشاهده الخندق، وله خمس عشرة سنة، استعمله النبي -ﷺ- على نجران سنة عشر. مات سنة ثلاث وخمسين بالمدينة. روى عنه ابنه محمد وغيره.\n٥٥٨ - عمرو بن سعيد: هو عمرو بن سعيد القرشي، هاجر الهجرتين إلى الحبشة في المرة الثانية، ثم نزل إلى المدينة، وقدم مع جعفر بن أبي طالب سنة خيبر، قتل بالشام شهيدًا سنة ثلاث عشرة.\n٥٥٩ - عمرو بن سلمة (١): هو عمرو بن سلمة الجرمي، أدرك زمن النبي -ﷺ-، وكان يؤم قومه على عهد النبي -ﷺ- لأنه كان أقرأهم للقرآن، وقيل: إنه قدم على عهد رسول اللَّه -ﷺ- مع أبيه (٢)، ولم يختلف أحد في قدوم أبيه على رسول اللَّه -ﷺ-، نزل عمرو البصرة، روى عنه نفر من التابعين.\n٥٦٠ - عمرو بن العاص: هو عمرو بن العاص السهمي القرشي، أسلم سنة\n_________\n(١) بكسر اللام.\n(٢) وقال النووي في \"التهذيب\": \"ولم ير النبي -ﷺ-، وقيل: رآه، وليس بشيء، وأبوه صحابي\".","vol":"10","page":156},{"text":"خمس من الهجرة، وقيل: سنة ثمان، قدم مع خالد بن الوليد وعثمان بن طلحة فأسلموا جميعًا، وولَّاه النبيُّ -ﷺ- على عُمَان، فلم يزل عاملًا له عليها حتى قبض النبي -ﷺ-، وعمل لعمر وعثمان ومعاوية، وهو افتتح مصر لعمر، ولم يزل عاملًا له عليها إلى آخر وفاته، وأقره عثمان عليها نحوًا من أربع سنين وعزله، ثم أقطعه إياها (١) معاوية لما صار الأمر إليه. فمات بها سنة ثلاث وأربعين، وله تسعون سنة، وولي مصر بعده ابنه عبد اللَّه، ثم عزله معاوية. روى عنه ابنه عبد اللَّه وابن عمر وقيس بن أبي حازم.\n٥٦١ - عمرو بن عبسة: هو عمرو بن عبسة، كنيته أبو نجيح، السلمي، أسلم قديمًا في أول الإسلام، قيل: كان رابع أربعة في الإسلام، ثم رجع إلى قومه بني سليم، قال له النبي -ﷺ-: \"إذا سمعت أني قد خرجت فاتبعني\"، فلم يزل مقيمًا بقومه حتى انقضت خيبر، فقدم بعد ذلك على النبي -ﷺ-، وأقام بالمدينة، وعداده في الشاميين. روى عنه جماعة (٢).\n(عبسة) بفتح العين والباء الموحدة وبالسين المهملة.\nو(نجيح) بفتح النون وكسر الجيم وبالحاء المهملة.\n٥٦٢ - عمرو بن عوف: هو عمرو بن عوف الأنصاري، شهد بدرًا، وقال ابن إسحاق: هو مولى سهيل بن عمرو العامري، سكن المدينة، ولا عقب له. روى عنه المسور بن مخرمة.\n٥٦٣ - عمرو بن عوف المزني: هو عمرو بن عوف المزني، كان قديم الإسلام، وهو ممن نزلت فيه: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [التوبة: ٩٢]، سكن المدينة ومات\n_________\n(١) في نسخة: \"ثم أمره عليها\".\n(٢) مات في خلافة علي -﵁-.","vol":"10","page":157},{"text":"بها في آخر أيام معاوية. روى عنه ابنه عبد اللَّه.\n٥٦٤ - عمرو بن الحَمِق: هو عمرو بن الحمق الخزاعي، له صحبة. روى عنه جبير بن نفير ورفاعة بن شداد وغيرهما، قتل بالموصل سنة إحدى وخمسين.\n٥٦٥ - عمرو بن مرة: هو عمرو بن مرة يكنى أبا مريم الجهني، وقيل: الأزدي، شهد أكثر المشاهد، وسكن الشام ومات في أيام معاوية. روى عنه جماعة.\n٥٦٦ - عمرو بن قيس: هو عمرو بن قيس، وقيل: عبد اللَّه بن عمرو القرشي العامري الأعمى، وهو ابن أم مكتوم، واسم أم مكتوم عاتكة، وهو ابن خال (١) خديجة بنت خويلد، أسلم قديمًا بمكة، كان من المهاجرين الأولين مع مصعب بن عمير، استخلفه رسول اللَّه -ﷺ- على المدينة مرات آخرها حجة الوداع، مات بالمدينة، وقيل: استشهد بالقادسية.\n٥٦٧ - عمرو بن تغلب: هو عمرو بن تغلب العبدي من عبد القيس. روى عنه الحسن البصري وغيره.\n(تغلب) بالتاء فوقها نقطتان والغين المعجمة.\n٥٦٨ - عكراش بن ذؤيب: هو عكراش بن ذؤيب التميمي، يعدّ في البصريين. روى عنه ابنه عبيد اللَّه، وكان قدم على النبي -ﷺ- بصدقات قومه. (عكراش) بكسر العين وسكون الكاف وبالراء والشين المعجمة.\n٥٦٩ - عمران بن حصين: هو عمران بن حصين يكنى أبا نجيد الخزاعي الكعبي، أسلم عام خيبر، سكن (٢) البصرة إلى أن مات بها سنة اثنتين وخمسين، وكان من فضلاء\n_________\n(١) في نسخة: \"خالة\".\n(٢) بعثه عمر -﵁- إلى البصرة ليفقههم، وكان يسكنها، وكان ابن سيرين يقول: لم يكن بالبصرة =","vol":"10","page":158},{"text":"الصحابة وفقهائهم، أسلم هو وأبوه، روى عنه أبو رجاء ومطرف وزرارة بن أبي أوفى.\n(نجيد) بضم النون وفتح الجيم وسكون الياء وبالدال المهملة.\n٥٧٠ - عمير مولى آبي اللحم: هو عمير مولى آبي اللحم الغفاري، حجازي، شهد فتح خيبر مع مولاه. روى عنه جماعة، وسمع النبي -ﷺ- وحفظ عنه.\n(آبي اللحم) بفتح الهمزة وبعدها ألف ساكن وباء موحدة مكسورة.\n٥٧١ - عمير بن الحُمام (١): هو عمير بن الحمام الأنصاري، شهد بدرًا، وقتل بها شهيدًا قتله خالد بن الأعلم، وله ذكر في (كتاب الجهاد)، وقيل: إن عميرًا أول قتيل قتل من الأنصار في الإسلام.\n٥٧٢ - عوف بن مالك: هو عوف بن مالك الأشجعي، أول مشاهده خيبر، وكان معه راية أشجع يوم الفتح، سكن الشام ومات بها سنة ثلاث وسبعين، روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين.\n٥٧٣ - عويم بن ساعدة: هو عويم بن ساعدة الأنصاري الأوسي، شهد العقبتين وبدرًا والمشاهد كلها، ومات في حياة رسول اللَّه -ﷺ-، وقيل: لا بل مات في خلافة عمر بالمدينة، وهو ابن خمس أو ست وستين سنة. روى عنه عمر بن الخطاب.\n٥٧٤ - عويمر بن عامر: هو عويمر بن عامر أبو الدرداء، اشتهر بكنيته، وقد تقدم ذكره في حرف الدال.\n٥٧٥ - عويمر بن أبيض: هو عويمر بن أبيض العجلاني الأنصاري حليف لهم،\n_________\n= أحد من أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- أقدم وأفضل من عمران بن حصين، وكانت الملائكة تسلّم عليه، كذا في \"الكاشف\" (٤٢٦١). (عبد الحق ﵀).\n(١) بضم المهملة وتخفيف الميم.","vol":"10","page":159},{"text":"صاحب اللِّعان، وقال الطبري: عويمر صاحب اللعان، هو عويمر بن الحارث بن زيد بن الحارثة بن الجد بن العجلان.\n٥٧٦ - عياض بن حمار: هو عياض بن حمار التيمي (١) المجاشعي، يعدّ في البصريين، وكان صديقًا لرسول اللَّه -ﷺ- قديمًا، روى عنه جماعة.\n٥٧٧ - عصام المزني: هو عصام المزني، له صحبة ورواية، وهو قليل الحديث، حديثه في الجهاد، وأخرجه الترمذي وأبو داود، ولم ينسباه (٢).\n٥٧٨ - عتبان بن مالك: هو عتبان بن مالك الخزرجي (٣) السالمي، بدري. روى عنه أنس ومحمود بن الربيع. مات زمن معاوية.\n٥٧٩ - عمارة بن خزيمة: هو عمارة بن خزيمة بن ثابت الأنصاري. روى عن أبيه وغيره، وعنه جماعة.\n(عمارة) بضم العين وتخفيف الميم وفي صحبته تردد (٤).\n٥٨٠ - عمارة بن رويبة: هو عمارة بن رويبة الثقفي، عداده في الكوفيين. روى عنه أبو بكر وغيره.\n(عمارة) بضم العين وتخفيف الميم.\n_________\n(١) في نسخة: \"التميمي\" وهو الصواب؛ لأن مجاشعًا من بني تميم، كما في \"الاشتقاق\" (ص: ٢٣٨).\n(٢) وفي \"التقريب\" (٤٥٨٤): صحابي له حديث واحد. وذكر حديثه المؤلف في (باب: الكتاب إلى الكفار ودعائهم إلى الإسلام)، قال: بعثنا رسول اللَّه في سرية فقال: \"إذا رأيتم مسجدًا، أو سمعتم مؤذنًا، فلا تقتلوا أحدًا\"، رواه الترمذي (١٥٤٩) وأبو داود (٢٦٣٥).\n(٣) الأنصاري.\n(٤) قلت: بل نقطع أنه لا صحبة له، فإن أحدًا لم ينسبها إليه فيما علمنا.","vol":"10","page":160},{"text":"٥٨١ - عرس بن عميرة: هو عرس بن عميرة الكندي. روى عنه عدي ابن أخيه وغيره.\n(عرس) بضم العين وسكون الراء وبالسين المهملة.\n٥٨٢ - عياش بن أبي ربيعة: هو عياش بن أبي ربيعة المخزومي القرشي، وهو أخو أبي جهل لأمه. أسلم قديمًا قبل دخول النبي -ﷺ- دار الأرقم، هاجر إلى أرض الحبشة، ثم هاجر إلى المدينة هو وعمر بن الخطاب، فقدم عليه أبو جهل والحارث ابنا هشام فذكرا له أن أمه حلفت أن لا تدخل رأسها دهنًا ولا تستظل حتى تراه، فرجع معهما، فأوثقاه رباطًا وحبساه بمكة (١)، فكان رسول اللَّه -ﷺ- يدعو له في القنوت: \"اللهم أَنْجِ عياشَ بن أبي ربيعة\"، قتل يوم اليرموك بالشام. روى عنه عمر بن الخطاب وغيره.\n(عياش) بتشديد الياء تحتها نقطتان وبالشين المعجمة.\n٥٨٣ - عابس بن ربيعة: هو عابس بن ربيعة الغطيفي، شهد فتح مصر. روى عنه ابنه عبد الرحمن.\n٥٨٤ - أبو عبيدة بن الجراح: هو أبو عبيدة عامر بن عبد اللَّه بن الجراح الفهري القرشي، أحد العشرة المبشرة بالجنة، وأمين هذه الأمة، أسلم مع عثمان بن مظعون، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهد المشاهد كلها مع النبي -ﷺ-، وثبت معه يوم أحد، ونزع الحلقتين اللتين دخلتا في وجه النبي -ﷺ- يوم أحد من حلق المغفر فوقعت ثَنيَّتاه، كان طُوَالًا معروق الوجه خفيف اللحية، مات في طاعون عمواس بفتح العين بالأردن سنة ثماني عشرة، ودفن ببَيْسان، وصلى عليه معاذ بن جبل، وهو ابن ثمان\n_________\n(١) ثم تخلص وعاد إلى المدينة.","vol":"10","page":161},{"text":"وخمسين سنة، يلقى أباه النبي -ﷺ- في فهر بن مالك. روى عنه جماعة من الصحابة (١).\n٥٨٥ - أبو العاص بن الربيع: هو أبو العاص مقسم بن الربيع، وقيل: اسمه لقيط، وهو خَتَنُ النبي -ﷺ- زوج ابنته زينب، هاجر إلى النبي -ﷺ- بعد أن كان أسر يوم بدر كافرًا، وكان مؤاخيًا لرسول اللَّه -ﷺ- مصافيًا، قتل يوم اليمامة في خلافة أبي بكر. روى عنه ابن عباس وابن عمرو بن العاص.\n(مقسم) بكسر الميم وسكون القاف وفتح السين.\n٥٨٦ - أبو عياش: هو أبو عياش زيد بن الصامت الأنصاري الزرقي. روى عنه جماعة. مات بعد الأربعين من الهجرة.\n٥٨٧ - أبو عمرو بن حفص: هو أبو عمرو بن حفص بن المغيرة المخزومي، اسمه عبد الحميد، وقيل: أحمد، وقيل: بل اسمه كنيته، وقد جاء في بعض الروايات أبو حفص بن المغيرة.\n٥٨٨ - أبو عبس عبد الرحمن بن جبير: هو أبو عبس عبد الرحمن بن جبير الأنصاري الحارثي، غلبت عليه كنيته، شهد بدرًا، ومات بالمدينة سنة أربع وثلاثين، ودفن بالبقيع وله سبعون سنة. روى عنه عباية بن رافع بن خديج.\n(عبس) بفتح العين المهملة وتخفيف الباء الموحدة وبالسين المهملة.\nو(عباية) بفتح العين المهملة وتخفيف الباء الموحدة وبالياء تحتها نقطتان.\n٥٨٩ - أبو عسيب: هو أبو عسيب مولى رسول اللَّه -ﷺ-، واسمه أحمر. روى عنه مسلم بن عبيد.\n(عسيب) بفتح العين وكسر المهملتين.\n_________\n(١) وكان عمر -﵁- يقول حين موته: لو كان أبو عبيدة حيًّا لفوضت هذا الأمر إليه. (عبد الحق).","vol":"10","page":162},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1435> فصل في التابعين:</span>\n٥٩٠ - عبد اللَّه بن بريدة: هو عبد اللَّه بن بريدة الأسلمي، قاضي مرو، تابعي من مشاهير التابعين وثقاتهم، سمع أباه وغيره من الصحابة. روى عنه ابن سهل وغيره. مات بمرو، وله حديث كثير.\n٥٩١ - عبد اللَّه بن أبي بكر: هو عبد اللَّه بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، أحد أعلام المدينة، تابعي. روى عن أنس بن مالك وعروة بن الزبير، وعنه الزهري ومالك بن أنس والثوري وابن عيينة، كان كثير الحديث رجل صدق، قال أحمد: حديثه شفاء، توفي سنة خمس وثلاثين ومئة وله سبعون سنة.\n٥٩٢ - عبد اللَّه بن الزبير: هو عبد اللَّه بن الزبير يكنى أبا بكر الحميدي القرشي الأسدي، كان من أثبت الناس. روى عن مسلم بن خالد ووكيع والشافعي ورحل معه إلى مصر حتى مات الشافعي ورجع إلى مكة. روى عنه البخاري محمد بن إسماعيل كثيرًا في \"صحيحه\"، ومات بمكة سنة تسع عشرة ومئتين، قال يعقوب بن سفيان: ما رأيت أنصح للإسلام وأهله من الحميدي.\n٥٩٣ - عبد اللَّه بن مطيع: هو عبد اللَّه بن مطيع القرشي العدوي، من أهل المدينة، يقال: ولد على عهد رسول اللَّه -ﷺ- وذهب به أبوه إليه، وكان اسم أبيه العاص فسماه النبي -ﷺ- مطيعًا، وكان عبد اللَّه من سادات قريش، وهو الذي أَمَّره أهل المدينة عليهم حين خلعوا يزيد بن معاوية، وقال الواقدي: إنما تأمر على قريش دون غيرهم، والذي تأمر على غيرهم هو عبدُ اللَّه بن حنظلةَ الغسيلِ، سمع أباه، وروى عنه الشعبي وغيره، وقتل مع عبد اللَّه بن الزبير بمكة سنة ثلاث وسبعين، وكان ابن الزبير استعمله على الكوفة فأخرجه منها المختار بن أبي عبيد.","vol":"10","page":163},{"text":"٥٩٤ - عبد اللَّه بن مسلمة: هو عبد اللَّه بن مسلمة بن قعنب التميمي المدني، ويعرف بالقعنبي، سكن البصرة، وكان أحد الثقات الأثبات المأمونين، وهو صاحب مالك بن أنس، وهو مشهور بصحبته، سمع هشام بن سعد وغيره من الأئمة. روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، مات بمكة في المحرم سنة إحدى وعشرين ومئتين.\n٥٩٥ - عبد اللَّه بن موهب: هو عبد اللَّه بن موهب الفلسطيني الشامي، كان قاضي فلسطين. روى عن تميم الداري وسمع قبيصة بن ذؤيب، وقيل: لم يسمع تميمًا، وإنما سمع قبيصة عن تميم. روى عنه عمر بن عبد العزيز.\n٥٩٦ - عبد اللَّه بن المبارك: هو عبد اللَّه بن المبارك المروزي مولى بني حنظلة، سمع هشام بن عروة ومالكًا والثوري وشعبة والأوزاعي وخلقًا كثيرًا سواهم، روى عنه سفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد ويحيى بن معين وغيرهم، كان من الربانيين إمامًا فقيهأ حافظًا زاهدًا ورعأ جوادًا ثقة ثبتًا. قال إسماعيل بن عياش: ما على وجه الأرض مثل عبد اللَّه بن المبارك، ولا أعلم أن اللَّه تعالى ما خلق خصلة من خصال الخير إلا جعلها في عبد اللَّه بن المبارك، قدم بغداد غير مرة وحدّث بها، ولد سنة ثماني عشرة ومئة ومات سنة إحدى وثمانين ومئة.\n٥٩٧ - عبد اللَّه بن عكيم: هو عبد اللَّه بن عكيم الجهني، أدرك زمن النبي -ﷺ- ولا يعرف له رؤية ولا رواية، وقد خرجه غير واحد من أصحاب المعارف في عداد الصحابة، والصحيح أنه تابعي، سمع عمر وابن مسعود وحذيفة، روى عنه جماعة، وحديثه في الكوفيين.\n٥٩٨ - عبد اللَّه بن أبي قيس: هو عبد اللَّه بن أبي قيس يكنى أبا الأسود الشامي، مولى عطية بن عازب، يعدّ في الشاميين. روى عن عائشة، وعنه نفر.","vol":"10","page":164},{"text":"٥٩٩ - عبد اللَّه بن عصم: ويقال: عبد اللَّه بن عصمة، كوفي حنفي. روى عن أبي سعيد وابن عمر، وعنه إسرائيل وشريك، حديثه: \"في ثقيفٍ كذابٌ ومُبيرٌ\".\n٦٠٠ - عبد اللَّه بن محيريز: هو عبد اللَّه بن محيريز الجمحي القرشي، كان من خيار عباد اللَّه الصالحين وأحد الأعلام التابعين. روى عن أبي محذورة وعبادة بن الصامت وغيرهما، وعنه مكحول والزهري، قال رجاء بن حيوة: إن فخر علينا أهل المدينة بعابدهم ابن عمر فإنا نفخر بعابدنا ابن محيريز، مات قبل المئة.\n٦٠١ - عبد اللَّه بن المثنى: هو عبد اللَّه بن المثنى بن عبد اللَّه بن أنس بن مالك. روى عن عمومة (١) والحسن، وعنه ابنه محمد ومسدد وغيرهما. قال أبو حاتم: صالح. وقال أبو داود: لا أخرج حديثه.\n٦٠٢ - عبد اللَّه بن عمر بن حفص: هو عبد اللَّه بن عمر بن حفص بن عاصم العمري. روى عن أخيه عبيد اللَّه ونافع والمقبري، وعنه القعنبي وغيره. قال ابن معين: صُوَيلح، وقال ابن عدي: لا بأس به صدوق. مات سنة إحدى وسبعين ومئة.\n٦٠٣ - عبد اللَّه بن عتبة: هو عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود الهذلي ابن أخي عبد اللَّه ابن مسعود، مدني الأصل، سكن الكوفة، أدرك زمن النبي -ﷺ-، وهو من كبار التابعين بالكوفة، سمع عمر بن الخطاب وغيره. روى عنه ابنه (٢) عبيد اللَّه ومحمد بن سيرين وغيرهما. مات في ولاية بشر بن مروان بالكوفة (٣).\n_________\n(١) في نسخة: \"عمومته\".\n(٢) في \"تهذيب الكمال\" (٣٤١٢): روى عنه ابناه: عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة أحد الفقهاء السبعة، وعون بن عبد اللَّه بن عتبة أحد الزهاد.\n(٣) سنة أربع وسبعين، كما في \"تهذيب الكمال\".","vol":"10","page":165},{"text":"٦٠٤ - عبد اللَّه بن مالك ابن بُحينة: هو عبد اللَّه بن مالك بن القشب الأزدي، وأمه بحينة بنت الحارث بن المطلب. مات في ولاية معاوية ما بين سنة أربع وخمسين أو ثمان وخمسين.\n(القشب) بكسر القاف وسكون الشين المعجمة وبالباء الموحدة.\n٦٠٥ - عبد اللَّه بن مالك: هو عبد اللَّه بن مالك يكنى أبا تميم الجيشاني، سمع عمر وأبا ذر وغيرهما، يعد في تابعي المصريين، وحديثه عند أهل مصر.\n٦٠٦ - عبد اللَّه بن مالك: هو عبد اللَّه بن مالك الهمداني. روى عن علي وابن عمر وعائشة، وعنه أبو إسحاق وأبو روق، حديثه في الجمع بين الصلاتين.\n٦٠٧ - عبد اللَّه بن عبد الرحمن: هو عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي القرشي (١)، تابعي (٢). روى عن أبي الطفيل (٣) وسمع نفرًا من التابعين (٤). روى عنه مالك والثوري وابن عيينة.\n٦٠٨ - عبد اللَّه بن عبيد اللَّه: هو عبد اللَّه بن عبيد اللَّه بن أبي مليكة، واسم أبي مليكة زهير بن عبد اللَّه التيمي القرشي، الأحول، من مشاهير التابعين وعلمائهم، وكان قاضيًا على عهد عبد اللَّه بن الزبير، سمع ابن عباس وابن الزبير وعائشة. روى عنه ابن جريج وخلق كثير سواه، مات سنة سبع عشرة ومئة.\n_________\n(١) النوفلي نسبة إلى نوفل بن عبد مناف، انتهى.\n(٢) قال أحمد وأبو زرعة والنسائي: ثقة، وقال أبو حاتم: صالح، وذكره ابن حبان في \"الثقات\"، وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث.\n(٣) وأبي بكر بن حزم ونفر من التابعين منهم نافع بن جبير وعكرمة وعطاء بن أبي رباح والحسن ومجاهد.\n(٤) روى عنه شعبة ومالك والسفيانان والليث بن سعد وابن إسحاق.","vol":"10","page":166},{"text":"(مليكة) بضم الميم وفتح اللام.\n٦٠٩ - عبد اللَّه بن شقيق: هو عبد اللَّه بن شقيق، يكنى أبا عبد الرحمن، العقيلي البصري، وهو من مشاهير التابعين وثقاتهم. سمع عثمان وعليها وعائشة. روى (١) عنه الجريري.\n٦١٠ - عبد اللَّه بن شهاب: هو عبد اللَّه بن شهاب يكنى أبا الجزل، الخولاني. يعدّ في الطبقة الثانية من التابعين، وحديثه في الكوفيين، عزيز الحديث. روى عن عمر وعائشة، وعنه جماعة.\n٦١١ - عبيد اللَّه بن رفاعة: هو عبيد اللَّه بن رفاعة بن رافع الأنصاري الزرقي، تابعي مشهور. روى عن أبيه وأسماء بنت عميس، وعنه جماعة.\n٦١٢ - عبيد اللَّه بن عبد اللَّه: هو عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عمر، يكنى أبا بكر، سمع من أهل المدينة، تابعي، روى عنه الزهري ونفر من أعلام التابعين. مات قبل أخيه سالم، وهو ثبت ثقة، حديثه في الحجازيين.\n٦١٣ - عبيد اللَّه بن عدي: هو عبيد اللَّه بن عدي بن الخيار القرشي، يقال: إنه ولد على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، ويعدّ في التابعين. روى عن عمر وعثمان وغيرهما، مات في زمن الوليد بن عبد الملك.\n٦١٤ - عبيد بن عمير: هو عبيد بن عمير، يكنى أبا عاصم، الليثي الحجازي، قاضي أهل مكة، ولد في زمن رسول اللَّه -ﷺ-، ويقال: رآه، وهو معدود في كبار التابعين، سمع عمر وأبا ذر وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص وعائشة. روى عنه نفر من التابعين.\n_________\n(١) روى عنه قتادة وأيوب، قال أحمد: ثقة، مات سنة ثمان ومئة، له حديث في كون ترك الصلاة كفرًا، انتهى.","vol":"10","page":167},{"text":"ومات قبل ابن عمر.\n٦١٥ - عبد الرحمن بن كعب (١): . هو عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري، يعدّ في تابعي المدينة. روى عنه الزهري.\n٦١٦ - عبد الرحمن بن الأسود: هو عبد الرحمن بن الأسود القرشي الزهري الحجازي، تابعي مشهور من تابعي المدينة وثقاتهم، عزيز الحديث، روى عن جماعة (٢) من الصحابة، وعنه سليمان بن يسار وغيره.\n٦١٧ - عبد الرحمن بن يزيد: هو عبد الرحمن بن يزيد بن حارثة الأنصاري المدني، يقال: ولد في عهد رسول اللَّه -ﷺ-، حديثه عند أهل المدينة، مات سنة ثمان وتسعين.\n٦١٨ - عبد الرحمن بن أبي ليلى: هو عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، ولد لست سنين بقيت من خلافة عمر، وقتل بدجيل، وقيل: غرق بنهر البصرة، وقيل: فقد بدير الجماجم سنة ثلاث وثمانين في وقعة ابن الأشعث، حديثه في الكوفيين، سمع أباه وخلقًا كثيرًا من الصحابة، ومنه الشعبي ومجاهد وابن سيرين وخلق كثير سواهم، وهو في الطبقة الأولى من تابعي الكوفيين.\n٦١٩ - عبد الرحمن بن غَنْم: هو عبد الرحمن بن غنم الأشعري الشامي. أدرك الجاهلية والإسلام، وأسلم على عهد رسول اللَّه -ﷺ- ولم يره، ولازم معاذ بن جبل\n_________\n(١) قال ابن سعد: كان ثقة، توفي في خلافة سليمان بن عبد الملك. انظر: \"الإصابة\" (٥/ ٣٨).\n(٢) روى عن أبي بكر وعمر وأبي بن كعب وعمرو بن العاص وعائشة، وروى عنه أبو سلمة وسليمان ابن يسار ومروان بن الحكم، وروى له البخاري وأبو داود وابن ماجه حديثًا واحدًا عن أبي بن كعب عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"إن من الشعر لحكمة\"، (عبد الحق ﵀).","vol":"10","page":168},{"text":"منذ بعثه النبي -ﷺ- إلى اليمن إلى أن مات معاذ، وكان أفقه أهل الشام، روى عن قدماء الصحابة مثل عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل، مات سنة ثمان وسبعين.\n(غنم) بفتح الغين المعجمة وسكون النون.\n٦٢٠ - عبد الرحمن بن أبي عمرة: هو عبد الرحمن بن أبي عمرة واسم أبي عمرة عمرو بن محصن الأنصاري النجَّاري، قاضي المدينة، من ثقات التابعين ومشهوري الحديث عندهم. روى عن أبيه وعثمان وأبي هريرة، وعنه جماعة.\n٦٢١ - عبد الرحمن بن عبد اللَّه: هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي صعصعة المازني الأنصاري، روى عن أبيه وعطاء بن يسار، وعنه جماعة، مالك بن أنس وغيره، حديثه في المدنيين. مات سنة تسع وثلاثين ومئة.\n٦٢٢ - عبد الرحمن بن أبي عقبة: هو عبد الرحمن بن أبي عقبة مولى جبير (١) ابن عتيك الأنصاري، وقيل: إن اسم أبي عقبة رشيد -بضم الراء وفتح الشين المعجمة- وهو صحابي من أبناء فارس، وعبد الرحمن تابعي، روى عن أبيه، وعنه داود ابن الحصين.\n٦٢٣ - عبد الرحمن بن عبدٍ القارِيُّ: هو عبد الرحمن بن عبد القاري، يقال: إنه ولد على عهد رسول اللَّه وليس له منه سماع ولا رواية، وعدّه الواقدي من الصحابة فيمن ولد على عهد النبي -ﷺ-، والمشهور أنه تابعي، وهو من جملة تابعي المدينة وعلمائها، سمع عمر بن الخطاب، مات سنة إحدى وثمانين وله ثمان وسبعون سنة.\n(القاري) بفتح القاف والراء وتشديد الياء بغير همزة.\n٦٢٤ - عبد الرحمن بن عبد اللَّه: هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه، وأمه أم الحكم\n_________\n(١) في نسخة: \"جابر\"، وهو المذكور في كتب الرجال.","vol":"10","page":169},{"text":"بنت أبي سفيان بن حرب، استعمله معاوية أميرًا على الكوفة، له ذكر في الخطبة يوم الجمعة.\n٦٢٥ - عبد الرحمن بن أبي بكر: هو عبد الرحمن بن أبي بكر، تابعي. روى عنه ابنه محمد.\n٦٢٦ - عبد الرحمن بن أبي بكرة: هو عبد الرحمن بن أبي بكرة الأنصاري البصري الثقفي، ولد بالبصرة سنة أربع عشرة حيث نزلها المسلمون، وهو أول مولود ولد للمسلمين بها، تابعي كثير الحديث، سمع أباه وعليًّا، وروى عنه جماعة.\n٦٢٧ - عبد الرحمن بن عبد اللَّه: هو عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبي عمار المكي. روى عن جابر وسمع معاذًا، وروى عنه جماعة.\n٦٢٨ - عبد الرحمن بن زيد: هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم المدني. روى عن أبيه وابن المنكدر، وعنه قتيبة وهشام وغيرهما، ضعَّفوه. مات سنة اثنتين وثمانين ومئة.\n٦٢٩ - عبد العزيز بن رُفَيع: هو عبد العزيز بن رفيع الأسدي المكي، سكن الكوفة، وهو من مشاهير التابعين وثقاتهم، سمع ابن عباس وأنس بن مالك، وأتى عليه نيف وتسعون سنة.\n(رفيع) تصغير رفع.\n٦٣٠ - عبد العزيز بن جريج: هو عبد العزيز بن جريج المكي. روى عن عائشة وابن عباس، وعنه ابنه الفقيه عبد الملك وخصيف.\n٦٣١ - عبد العزيز بن عبد اللَّه (١): هو عبد العزيز بن عبد اللَّه، أحد فقهاء المدنيين\n_________\n(١) قلت: هو ابن أبي سلمة المعروف بـ (الماجشون)، قال العجلي في \"الثقات\": \"ثقة =","vol":"10","page":170},{"text":"وأعلامهم، سمع الزهري ومحمد بن المنكدر وحميدًا الطويل وخلقا سواهم. روى عنه جماعة كثيرة، قدم بغداد وحدث بها، أمات، سنة أربع وستين ومئة ببغداد، ودفن في مقابر قريش.\n٦٣٢ - عبد الملك بن عمير: هو عبد الملك بن عمير الفرسي الكوفي منسوب إلى الفرس، ومن لا يدري يقول (القرشي) نسبة إلى (قريش)، وليس كذلك إنما هو منسوب إلى فرسه. كان على قضاء الكوفة بعد الشعبي، وهو من مشاهير التابعين وثقاتهم ومن كبار أهل الكوفة. روى عن جندب بن عبد اللَّه وجابر بن سمرة، وعنه الثوري وشعبة، مات سنة ست وثلاثين ومئة أو نحوها وهو ابن مئة سنة وثلاث سنين.\n٦٣٣ - عبد الواحد بن أيمن: هو عبد الواحد بن أيمن المخزومي والد القاسم ابن عبد الواحد، سمع أباه وغيره من التابعين، ومنه جماعة.\n٦٣٤ - عبد الرزاق بن همام: هو عبد الرزاق بن همام يكنى أبا بكر، أحد الأعلام. روى عن ابن جريج ومعمر وغيرهما، وعنه أحمد وإسحاق والرمادي، وصنف الكتب، مات سنة إحدى عشرة ومئتين وله خمس وثمانون سنة.\n٦٣٥ - عبد الحميد بن جبير: هو عبد الحميد بن جبير الحجبي. روى عن عمته صفية وابن المسيب، وعنه ابن جريج وابن عيينة.\n٦٣٦ - عبد المهيمن بن عباس: هو عبد المهيمن بن عباس بن سهل الساعدي. روى عن أبيه وأبي حازم، وعنه أبو مصعب (١) ويعقوب بن حميد بن كاسب، وله ذكر\n_________\n= مأمون رجل صالح\".\n(١) هو أحمد بن أبي بكر الزهري. انظر: \"تهذيب الكمال\" (٣٥٨٠).","vol":"10","page":171},{"text":"في (باب الحذر والتأني).\n٦٣٧ - عبد الأعلى: هو عبد الأعلي بن مسهر أبو مسهر الغساني، شيخ الشام. روى عن سعيد بن عبد العزيز ومالك، وعنه ابن معين وأبو حاتم وابن الروّاس، وكان من أحفظ الناس وأجلهم وأفصحهم، جرد للقتل على أن يقول بخلق القرآن فأبى فسجن. مات في رجب سنة ثمان عشرة ومئتين.\n٦٣٨ - عبد المنعم: هو عبد المنعم بن نعيم الأسواري، روى عن الجريري وجماعة، وعنه يونس المؤدّب ومحمد بن أبي بكر المقدَّمي.\n٦٣٩ - عبد خير بن يزيد: هو عبد خير بن يزيد، يكنى أبا عمارة، الهمداني، يقال: إنه أدرك زمن النبي -ﷺ- إلا أنه لم يلقه، وصحب عليًّا وهو من أصحابه، ثقة مأمون، سكن الكوفة، أتى عليه مئة وعشرون سنة.\n(خير): ضد شرٍّ.\n٦٤٠ - عمران بن حطّان: هو عمران بن حطان الدوسي الخارجي، سمع عائشة وابن عمر وابن عباس وأبا ذر، وروى عنه محمد بن سيرين ويحيى بن أبي كثير وغيرهما.\n(حطان) بكسر الحاء المهملة وتشديد الطاء المهملة وبالنون.\n٦٤١ - عمرو بن شعيب: هو عموو بن شعيب بن محمد بن عبد اللَّه بن عمرو ابن العاص السهمي، سمع أباه وابن المسيب وطاووسًا، روى عنه الزهري وابن جريج وعطاء وخلق كثير سواهم، ولم يخرج البخاري ومسلم عنه في صحيحيهما حديثًا؛ لأنه يروى أحاديثه عن أبيه عن جده هكذا، وقد تُحدِّث فيه، فإن كان يريد بقوله: \"عن أبيه عن جده\" أبا نفسه وجدَّه، فيكون قد روى عن شعيب عن محمد جده أن","vol":"10","page":172},{"text":"رسول اللَّه -ﷺ- قال كذا، وهذا مرسل لأن محمدًا جده لم يلق النبي -ﷺ- لم يدركه، وإن كان يريد بقوله: \"عن أبيه عن جده\" أبا نفسه وهو شعيب وجدَّ شعيب الذي هو عبد اللَّه فيكون قد ذهب إلى أن شعيبًا روى عن جده عبد اللَّه، وشعيب لم يدرك جده عبد اللَّه، فلهذه العلة لم يخرجا حديثه في صحيحيهما (١)، وقيل: إن شعيبًا أدرك جده عبد اللَّه.\n٦٤٢ - عمرو بن سعيد: هو عمرو بن سعيد مولى ثقيف، بصري. روى عن أنس وأبي العالية وغيرهما، وعنه ابن عون وجرير بن حازم وجده عمر.\n٦٤٣ - عمرو بن عثمان: هو عمرو بن عثمان بن عفان، سمع أسامة بن زيد وأباه عثمان، له ذكر في حديث البكاء على الميت، روى عنه مالك بن أنس.\n٦٤٤ - عمرو بن الشريد: هو عمرو بن الشريد الثقفي، تابعي، عداده في أهل الطائف سمع ابن عباس وأبا رافع مولى رسول اللَّه -ﷺ-، روى عنه صالح بن دينار وإبراهيم بن ميسرة.\n٦٤٥ - عمرو بن ميمون: هو عمرو بن ميمون الأودي (٢)، أدرك الجاهلية وأسلم في حياة النبي -ﷺ- ولم يلقه، وهو معدود في كبار التابعين من أهل الكوفة. روى عن\n_________\n(١) هذا التعليل غير مسلَّم، فقد قال البخاري: رأيت أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وإسحاق بن راهويه وأبا عبيد وعامة أصحابنا يحتجون بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ما تركه أحد من المسلمين، قال البخاري: \"من الناس بعدهم؟ \". ثم إنه قد ثبت تصريح شعيب بسماعه من جده عبد اللَّه بن عمرو في أحاديث، فلا وجه لإشارة المصنف لتضعيف قول: إنه أدرك جده عبد اللَّه. انظر: \"تهذيب التهذيب\" (٨/ ٤٩)، وتعليق أحمد شاكر على \"سنن الترمذي\" (٢/ ١٤١).\n(٢) في نسخة: \"الأزدي\".","vol":"10","page":173},{"text":"عمر بن الخطاب ومعاذ بن جبل وابن مسعود، سمع منه أبو إسحاق، مات سنة أربع وسبعين.\n٦٤٦ - عمرو بن عبد اللَّه: هو عمرو بن عبد اللَّه السبيعي، كنيته أبو إسحاق، تقدم ذكره في حرف الهمزة.\n٦٤٧ - عمرو بن عبد اللَّه: هو عمرو بن عبد اللَّه بن صفوان الجمحي القرشي. روى عن يزيد بن شيبان، وعنه عمرو بن دينار وغيره.\n٦٤٨ - عمرو بن دينار: هو عمرو بن دينار يكنى أبا يحيى، روى عن سالم بن عبد اللَّه وغيره، وعنه الحمادان ومعتمر وعدة، ضعفوه (١).\n٦٤٩ - عمرو بن واقد: هو عمرو بن واقد الدمشقي. روى عن يونس بن ميسرة وعدة، وعنه النفيلي وهشام بن عمار، تركوه.\n٦٥٠ - عمرو بن مالك: هو عمرو بن مالك يكنى أبا ثمامة، جاهلي، له ذكر في حديث الكسوف وفي (باب الغصب) عن جابر، أخرجه مسلم وذكر أنه الذي رآه النبي -ﷺ- يجرُّ قُصْبَه في النار، هكذا جاء في الرواية، والمعروف في باقي الروايات أنه عمرو بن لحي، ولحي هو ربيعة بن حارثة، وعمرو هو أبو خزاعة.\n٦٥١ - عمر بن عبد العزيز: هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، يكنى أبا حفص، الأموي القرشي، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، واسمها ليلى. روى عن أبي بكر بن عبد الرحمن، وعنه الزهري وأبو بكر بن حزم، ولي الخلافة بعد سليمان بن عبد الملك سنة تسع وتسعين، ومات سنة إحدى ومئة في رجب (بدير\n_________\n(١) قلت: وهو البصري المعروف بـ (قهرمان آل الزبير)، وأما عمرو بن دينار أبو محمد المكي فهو ثقة أحد الأئمة الأعلام.","vol":"10","page":174},{"text":"سمعان) من أرض حمص، وكانت مدة ولايته سنتين وخمسة أشهر وأيامًا، مات وله من العمر أربعون، قيل: ولم يستكملها، وكان على صفة من العبادة والزهد والتقى والعفة وحسن السيرة لا سيما أيام ولايته.\nقيل: لما أفضت إليه الخلافة سمع في منزله بكاء عالٍ (١) فسئل عن ذلك، فقالوا: إن عمر خيَّرَ جواريَه، فقال: نزل بي ما شغلني عنكنّ، فمن أحب أن أعتقه أعتقته ومن أحب أن أمسكه أمسكته، لم يكن مني إليها شيء، فبكين [إياسًا منه]. وسأل عقبة ابن نافع زوجته فاطمة بنت عبد الملك فقال: ألا تخبريني عن عمر؟ فقالت: ما أعلم أنه اغتسل لا من جنابة ولا من احتلام منذ استخلفه اللَّه حتى قبضه (٢)، وقالت: قد يكون من الرجال من هو أكثر صيامًا وصلاة من عمر، ولكني لم أر من الناس أحدًا قط أشد خوفًا من ربه [من عمر]، كان إذا دخل البيت ألقى نفسه في مسجده فلا يزال يبكي ويدعو حتى تغلبه عيناه ثم يستيقظ فيفعل مثل ذلك ليلَه أجمعَ، وقال وهب بن منبه: إن كان في هذه الأمة مهديٌّ فهو عمر بن عبد العزيز (٣)، ومناقبه كثيرة ظاهرة.\n٦٥٢ - عمر بن عطاء: هو عمر بن عطاء ابن [أبي] الخُوَار المكي، يعدّ في التابعين، حديثه في المكيين، مشهور الرواية عن ابن عباس، وروى عن السائب بن يزيد ونافع بن جبير، وسمع منه ابن جريج وغيره، وهو كثير الحديث.\n_________\n(١) في نسخة: \"سمعوا في منزله بكاء عاليًا\".\n(٢) هذا خلاف هديه -ﷺ- وتعليمه في مثل قوله: \"إن لعينك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا\" وما يخفى مثله على عمر، ولا يعقل أن يخالفه، فيبعد أن يصح ذلك عنه، لأن في سند هذه الرواية في \"الحلية\" (٥/ ٢٥٩) جماعة لا يعرفون منهم عقبة هذا.\n(٣) قلت: لا شك أن في هذه الأمة مهديًا لورود أحاديث كثيرة فيه، ولكنها لا تنطبق على عمر ابن عبد العزيز -﵁-. ويكفيه فخرًا أنه الخليفة الخامس من الخلفاء الراشدين.","vol":"10","page":175},{"text":"(الخوار) بضم الخاء المعجمة وبفتح الواو وبالراء.\n٦٥٣ - عمر (١) بن عبد اللَّه: هو عمر بن عبد اللَّه بن أبي خثعم. روى عن يحيى ابن أبي كثير، وعنه زيد بن الحباب وجماعة، قال البخاري: ذاهب الحديث.\n٦٥٤ - عثمان بن عبد اللَّه: هو عثمان بن عبد اللَّه بن أوس الثقفي. روى عن جده وعمه عمرو، وعنه إبراهيم بن ميسرة ومحمد بن سعيد وجماعة.\n٦٥٥ - عثمان بن عبد اللَّه: هو عثمان بن عبد اللَّه بن موهب التيمي. روى عن أبي هريرة وابن عمر وغيرهما، وعنه شعبة وأبو عوانة.\n٦٥٦ - علي بن عبد اللَّه: هو علي بن عبد اللَّه بن جعفر المعروف بابن المديني -بفتح الميم وكسر الدال- الحافظ، روى عن أبيه وحماد وغيرهما، وعنه البخاري وأبو يعلى وأبو داود، قال شيخه ابن مهدي: علي بن المديني أعلم الناس بحديث رسول اللَّه -ﷺ-، وقال النسائي: كأن اللَّه خلقه لهذا الشأن، مات في ذي القعدة سنة أربع وثلاثين ومئتين، وله ثلاث وسبعون سنة.\n٦٥٧ - علي بن الحسين (٢): هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ويكنى أبا الحسن، المعروف بزين العابدين، من أكابر سادات أهل البيت، ومن أجلة التابعين\n_________\n(١) في نسخة: \"عمر بن أبي عبد اللَّه\".\n(٢) علي بن الحسين قال أبو بكر بن أبي شيبة: أصح الأسانيد الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي، وقال ابن المسيب: ما رأيت أورع منه، وقال أبو جعفر عن أبيه: إنه قاسم للَّه تعالى مرتين، وقال ابن عيينة: حج علي بن الحسين فلما أحرم اصفر وانتفض وارتعد، ولم يستطع أن يلبي فقيل: ما لك لا تلبي، فقال: أخشى أن أقول: لبيك فيقول: لا لبيك، فقيل له: لا بد من هذا، فلما لبى غشي عليه وسقط من راحلته، فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه، قال أبو نعيم: مات سنة اثنتين وتسعين، وقيل غير ذلك، هكذا في \"الخلاصة\" (ص: ٢٧٣). (أحمد حسن ﵀).","vol":"10","page":176},{"text":"وأعلامهم. قال الزهري: ما رأيت قرشيًا أفضل من علي بن الحسين، مات سنة أربع وتسعين وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ودفن بالبقيع في القبر الذي فيه عمه الحسن ابن علي.\n٦٥٨ - علي بن المنذر: هو علي بن المنذر الكوفي عرف بالطريقي، كان من العباد المذكورين، يقال: حج خمسًا وخمسين حجة. روى عن ابن عيينة والوليد بن مسلم، وعنه الترمذي والنسائي وابن ماجه وغيره. قال ابن أبي حاتم: سمعت منه مع أبي وهو ثقة صدوق، وقال النسائي: شيعي محض ثقة، مات سنة ست وخمسين ومئتين.\n(الطريقي) بفتح الطاء المهملة وكسر الراء والقاف.\n٦٥٩ - علي بن زيد: هو علي بن زيد القرشي البصري، يعدّ في تابعي البصريين، وهو مكي نزل البصرة، وسمع أنس بن مالك وأبا عثمان النهدي وابن المسيب. روى عنه الثوري وغيره، مات سنة ثلاثين ومئة.\n٦٦٠ - علي بن يزيد: هو علي بن يزيد الأَلْهَاني. روى عن القاسم أبي عبد الرحمن، وعنه طائفة، وضعفه جماعة.\n٦٦١ - علي بن عاصم: هو علي بن عاصم الواسطي. روى عن يحيى البكاء وعطاء بن السائب وخلق سواهما، وعنه أحمد وغيره وأمم، ضعفوه، وكان عنده مئة ألف حديث (١)، وله بضع وتسعون سنة.\n٦٦٢ - العلاء بن زياد: هو العلاء بن زياد بن مطر العدوي البصري، تابعي في الطبقة الثانية، كان ممن قدم الشام، روى عن أبيه، وعنه قتادة، مات سنة أربع وتسعين.\n_________\n(١) مات سنة إحدى ومئتين في جمادى الأولى.","vol":"10","page":177},{"text":"٦٦٣ - عطاء بن يسار: هو عطاء بن يسار، يكنى أبا محمد، مولى ميمونة زوج النبي -ﷺ-، من التابعين المشهورين بالمدينة، كان كثير الرواية عن ابن عباس. مات سنة سبع وتسعين، وله أربع وثمانون سنة.\n٦٦٤ - عطاء بن عبد اللَّه: هو عطاء بن عبد اللَّه الخراساني، سكن الشام، ولد سنة خمسين، ومات سنة خمس وثلاثين ومئة. روى عنه مالك بن أنس ومعمر بن راشد.\n٦٦٥ - عطاء بن أبي رباح: هو عطاء بن أبي رباح يكنى أبا محمد، كان جعد الشعر أسود أفطس (١) أشل أعور، ثم عمي، وكان أجل الفقهاء وتابعي مكة، قال الأوزاعي: مات يوم مات وهو أرضى أهل الأرض عند الناس، قال أحمد بن حنبل: العلم خزائن يقسمه اللَّه لمن أحب، لو كان يخص بالعلم أحدًا لكان بيت النبي -ﷺ- أولى. كان عطاء بن أبي رباح حبشيًا، وقال سلمة بن كهيل: ما رأيت أحدًا يريد بهذا العلم وجه اللَّه إلا هؤلاء الثلاثة: عطاء وطاووس ومجاهد، مات سنة خمس عشرة ومئة، وله ثمان وثمانون سنة، سمع ابن عباس وأبا هريرة وأبا سعيد وخلقًا سواهم من الصحابة. روى عنه جماعة.\n٦٦٦ - عطاء بن عجلان: هو عطاء بن عجلان البصري، روى عن أنس وأبي عثمان النهدي وعدة، وعنه ابن النمير وجماعة كثيرة، اتهمه بعضهم.\n٦٦٧ - عطاء بن السائب: هو عطاء بن السائب بن يزيد الثقفي، مات سنة ست وثلاثين ومئة أو نحوها.\n٦٦٨ - عدي بن عدي: هو عدي بن عدي الكندي. روى عن أبيه وعن رجاء\n_________\n(١) فطس -بالتحريك-: يهن بيني شدن، أفطس لغة منه.","vol":"10","page":178},{"text":"ابن حيوة، وعنه عيسى بن عاصم وغيره.\n٦٦٩ - عدي بن ثابت: هو عدي بن ثابت. روى عن أبيه عن جده، أخرج حديثه الترمذي في (العطاس)، روى عنه أبو اليقظان، قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل يعني البخاري عن جد عدي بن ثابت، فقال: لا أدري اسمه، وقال: وذكر يحيى بن معين أن اسمه دينار.\n٦٧٠ - عيسى بن يونس: هو عيسى بن يونس بن إسحاق، أحد الأعلام في الحفظ والعبادة. روى عن أبيه والأعمش وخلق سواهما، وعنه حماد بن سلمة مع جلالته وخلق كثير، وكان يحج سنة ويغزو سنة. مات سنة سبع وثمانين ومئة.\n٦٧١ - عامر بن مسعود: هو عامر بن مسعود القرشي، تابعي، والد إبراهيم ابن عامر. روى عنه شعبة والثوري.\n٦٧٢ - عامر بن سعد: هو عامر بن سعد بن أبي وقاص الزهري القرشي، سمع أباه وعثمان، وعنه الزهري وغيره. مات سنة أربع ومئة.\n٦٧٣ - عامر بن أسامة: هو عامر بن أسامة يكنى أبا المَلِيح الهذلي البصري، سمع أباه وبريدة وجابرًا وأنسًا وخلقًا سواهم. روى عنه ابناه زياد ومبشر وغيرهما. (المليح) بفتح الميم وكسر اللام وبالحاء المهملة.\n٦٧٤ - عاصم بن سليمان: هو عاصم بن سليمان الأحول البصري (١) التابعي، روى عن أنس وحفصة وغيرهما، سمع منه الثوري وشعبة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئة.\n٦٧٥ - عاصم بن كليب: هو عاصم بن كليب الجرمي الكوفي، سمع أباه وغيره،\n_________\n(١) في نسخة: \"القرشي\".","vol":"10","page":179},{"text":"وعنه الثوري وشعبة حديثه في الصلاة والحج والجهاد.\n٦٧٦ - عروة بن الزبير: هو عروة بن الزبير بن العوام، يكنى أبا عبد اللَّه، القرشي الأسدي، سمع أباه وأمه أسماء وعائشة وغيرهم من كبار الصحابة. روى عنه ابنه هشام والزهري وغيرهما، ولد سنة اثنتين وعشرين، وهو من كبار التابعين، وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة، قال أبو الزناد: كان من فقهائنا بالمدينة ممن ينتهى إلى قولهم منهم سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وذكر آخرين، وقال ابن شهاب: عروةُ بحر لا يُنزَفُ.\n٦٧٧ - عروة بن عامر: هو عروة بن عامر القرشي، تابعي، سمع ابن عباس وغيره، روى عنه عمرو بن دينار وحبيب بن أبي ثابت، أخرج أبو داود حديثه في الطيَرة، وهو مرسل.\n٦٧٨ - عبيد بن عمير: هو عبيد بن عمير يكنى أبا عاصم الليثي الحجازي، قاضي أهل مكة، ولد في زمن رسول اللَّه -ﷺ-، ويقال: راه، وهو معدود في كبار التابعين، سمع جماعة من الصحابة، روى عنه نفر من التابعين، ومات قبل ابن عمر.\n٦٧٩ - عبيد بن السباق: هو عبيد بن السباق، حجازي، يعدّ في التابعين، عزيز الحديث، حديثه في الحجازيين، روى كن زيد بن ثابت وسهل بن حنيف وجويرية، وعنه ابنه سعيد وغيره.\n٦٨٠ - عبيد اللَّه بن زياد: وهو عبيد اللَّه بن زياد -هو كلب- هو الذي سير الجيش لقتل الحسين بن علي بن أبي طالب وهو يومئذ أمير الكوفة ليزيد بن معاوية، قتل بأرض الموصل على يد إبراهيم بن مالك الأشتر النخعي في أيام المختار بن أبي عبيد سنة ست وستين.","vol":"10","page":180},{"text":"٦٨١ - عكرمة: هو عكرمة مولى عبد اللَّه بن عباس يكنى أبا عبد اللَّه، أصله من البربر، وهو أحد فقهاء مكة وتابعيها، سمع ابن عباس وغيره من الصحابة. روى عنه خلق كثير (١)، مات سنة سبع ومئة، وله ثمانون سنة، قيل لسعيد بن جبير: هل أحد أعلم منك؟ قال: عكرمة (٢).\n٦٨٢ - علقمة بن أبي علقمة: هو علقمة بن أبي علقمة، اسم أبي علقمة بلال، مولى عائشة أم المؤمنين، روى عن أنس بن مالك، وعن أمه، وعنه مالك بن أنس وسليمان بن بلال.\n٦٨٣ - عوف بن وهب: هو عوف بن وهب، تابعي، وكنية وهب أبو جحيفة.\n٦٨٤ - أبو عثمان عبد الرحمن بن مُلٍّ: هو أبو عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي البصري، أدرك الجاهلية وأسلم في عهد النبي -ﷺ- ولم يلقه، ويقال: إنه عاش في الجاهلية أكثر من ستين سنة، ومثلها في الإسلام، ومات سنة خمس وتسعين، وله مئة وثلاثون سنة، سمع عمر وابن مسعود وأبا موسى. روى عنه قتادة وغيره.\n(مل) بضم الميم وكسرها وتشديد اللام.\n٦٨٥ - أبو عاصم: هو أبو عاصم الشيباني شيخ البخاري (٣).\n٦٨٦ - أبو عبيدة: هو أبو عبيدة محمد بن عمار بن ياسر العنسي، تابعي. روى\n_________\n(١) روى عن ابن عباس وعائشة وأبي هريرة وأبي سعيد، وروى عنه جابر بن يزيد وعمرو بن دينار وقتادة وأيوب وخلق.\n(٢) وفي شأنه أقوال مختلفة حتى قال القاسم: عكرمة كذاب، وقال البخاري: ليس أحد من أصحابنا إلا وهو يحتج بعكرمة، وباقي الأقوال في (عبد الحق ﵀).\n(٣) واسمه الضحاك بن مخلد بن الضحاك النبيل، وهو ثقة ثبت حافظ، ومن كلامه: \"من طلب الحديث فقد طلب أعلى الأمور، فيجب أن يكون خير الناس\"، مات سنة (١١٢ هـ) أو بعدها.","vol":"10","page":181},{"text":"عن جابر، وعنه عبد الرحمن بن إسحاق.\n(العنسي) بفتح العين والنون وبالسين المهملة.\n٦٨٧ - أبو عمير بن أنس: هو أبو عمير بن أنس بن مالك الأنصاري. يقال: اسمه عبد اللَّه، روى عن عمومة له من الأنصار، وهو معدود في صغار التابعين، عُمِّر بعد أبيه أنس زمانًا طويلًا.\n٦٨٨ - أبو العُشَراء: هو أبو العشراء أسامة بن مالك الدارمي، تابعي. روى عن أبيه، وعنه حماد بن سلمة، يعدّ في البصريين، وفي اسمه اختلاف كثير وهذا أشهر ما قيل فيه.\n(العشراء) بضم العين المهملة وفتح الشين المعجمة والمد.\n٦٨٩ - أبو العالية رُفَيع: هو أبو العالية رفيع بن مهران الرياحي مولاهم البصري، رأى الصديق، وروى عن عمر، وأُبَيٍّ، وعنه عاصم الأحول وغيره، قالت حفصة بنت سيرين: سمعته يقول: قرأت القرآن على عمر ثلاث مرات. أدرك زمن النبي -ﷺ-، [وأسلم] بعد سنتين من وفاته، توفي سنة تسعين.\n٦٩٠ - أبو العلاء: هو أبو العلاء يزيد بن عبد اللَّه بن الشخير، روى عن أبيه وأخيه مطرف وعائشة، وعنه قتادة وجماعة، ومات سنة إحدى عشرة ومئة.\n٦٩١ - أبو عبد الرحمن: هو أبو عبد الرحمن الحُبُلي اسمه عبد اللَّه بن يزيد المصري العامري (١)، تابعي.\n(الحبلي) بضم الحاء المهملة وضم الباء الموحدة.\n٦٩٢ - أبو عطية: هو أبو عطية العقيلي مولاهم. روى عن مالك بن الحويرث.\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي كتب الرجال: \"المعافري\".","vol":"10","page":182},{"text":"٦٩٣ - أبو عاتكة: هو أبو عاتكة، روى عن أنس، وعنه الحسن بن عطية وغيره، ضعفوه.\n٦٩٤ - عتبة بن ربيعة: هو عتبة بن ربيعة جاهلي قتله حمزة بن عبد المطلب يوم بدر مشركًا.\n٦٩٥ - عبد اللَّه بن أُبَيٍّ: هو عبد اللَّه بن أبي ابن سلول، وسلول امرأة من خزاعة زوجة أُبَيٍّ، وعبد اللَّه هذا رأس المنافقين، واسم ابنه أيضًا عبد اللَّه، وهو كان من فضلاء الصحابة وخيارهم، شهد بدرًا والمشاهد بعدها.\n٦٩٦ - العاص بن وائل: هو العاص بن وائل السهمي والد عمرو بن العاص، جاهلي، أدرك الإسلام، ولم يسلم، وهو الذي أوصى أن يعتق عنه مئة رقبة. له ذكر في (باب الوصايا)، واللَّه تعالى أعلم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1436> فصل في الصحابيات:</span>\n٦٩٧ - عائشة الصديقة (١): هي أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق، وأمها أم رومان ابنة عامر بن عويمر، خطبها النبي -ﷺ- وتزوجها بمكة في شوال سنة عشر من النبوة وقبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل غير ذلك، وأعرس بها بالمدينة في شوال سنة اثنتين من الهجرة على رأس ثماني عشر شهرًا، ولها تسع سنين، وقيل: دخل بها\n_________\n(١) في \"الخلاصة\" (ص: ٤٩٣): لعائشة -﵂- ألفان ومئتان وعشرة أحاديث، اتفقا على مئة وأربعة وسبعين، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، ومسلم بثمانية وستين، وعنها مسروق والأسود وابن المسيب وعروة والقاسم وخلق، قال -ﷺ-: \"فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام\"، وقال عروة: ما رأيت أعلم بالشعر من عائشة، وقال القاسم: كانت تصوم الدهر، وقال هشام بن عروة: توفيت سنة سبع وخمسين، ودفنت بالبقيع. (أحمد حسن ﵀).","vol":"10","page":183},{"text":"بالمدينة بعد سبعة أشهر من مقدمه، وبقيت معه تسع سنين، ومات عنها ولها ثماني عشرة سنة، ولم يتزوج بكرًا غيرها، وكانت فقيهة عالمة فصيحة فاضلة كثيرة الحديث عن رسول اللَّه -ﷺ-، عارفة بايام العرب وأشعارها. روى عنها جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين، وماتت بالمدينة سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة ثمان وخمسين ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان، وأمرت أن تدفن ليلًا فدفنت بالبقيع، وصلّى عليها أبو هريرة، وكان يومئذ خليفةَ مروانَ على المدينة في أيام معاويةَ.\n٦٩٨ - عمرة بنت رواحة: هي عمرة بنت رواحة الأنصارية، لها صحبة، وهي أم النعمان بن بشير. روى عنها زوجها بشير بن سعد وابنها.\n٦٩٩ - أم عمارة: هي أم عمارة نسيبة بنت كعب الأنصارية، كانت قد شهدت بيعة العقبة، وشهدت أحدًا مع زوجها زيد بن عاصم، ثم شهدت بيعة الرضوان، ثم شهدت اليمامة فقاتلت حتى أصيبت يدها وجرحت يومئذ اثنا عشر جرحًا من بين طعنة وضربة، روى عنها جماعة.\n(عمارة) بضم العين وتخفيف الميم.\nو(نسيبة) بفتح النون وكسر السين.\n٧٠٠ - أم العلاء: هي أم العلاء الأنصارية من المبايعات (١)، حديثها عند أهل المدينة. روى عنها خارجة بن زيد بن ثابت، وهي أمه، وكان رسول اللَّه -ﷺ- يعودها في مرضها.\n٧٠١ - أم عطية نسيبة بنت كعب: وقيل: بنت الحارث الأنصارية، بايعت النبي -ﷺ-، روى عنها جماعة، كانت من كبار الصحابيات، وكانت تغزو كثيرًا مع رسول اللَّه -ﷺ- فتمرِّض الموضى وتداوي الجرحى.\n_________\n(١) في الأصل: \"التابعيات\" وهو تحريف.","vol":"10","page":184},{"text":"(نسيبة) بضم النون وفتح السين المهملة وسكون الياء وفتح الباء الموحدة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1437> فصل في التابعيات:</span>\n٧٠٢ - عمرة بنت عبد الرحمن: هي عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، وكانت في حجر عائشة أم المؤمنين وربتها، وروت عنها كثيرًا من حديثها، وعن غيرها. روى عنها جماعة، ماتت سنة ثلاث ومئة، وهي من التابعيات المشهورات.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1438>حرف الغين</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1439> فصل في الصحابة:</span>\n٧٠٣ - غضيف بن الحارث: هو غُضَيف بن الحارث الثُّمَالي، يكنى أبا أسماء، شامي، أدرك النبي -ﷺ- وقد اختلف في صحبته، قال: ولدت على عهد رسول اللَّه -ﷺ- فبايعته وصافحني (١)، وسمع عمر وأبا ذر وعائشة. روى عنه مكحول وسليم بن عامر.\n(غضيف) بضم الغين المعجمة وفتح الضاد المعجمة وسكون الياء وبالفاء.\nو(الثمالي) بضم الثاء المثلثة وتخفيف الميم.\n٧٠٤ - غيلان بن سلمة: هو غيلان بن سلمة الثقفي، أسلم بعد فتح الطائف، ولم يهاجر، وهو أحد وجوه ثقيف ومقدَّميهم، وكان شاعرًا محسنًا، مات في آخر خلافة عمر. روى عنه عبد اللَّه بن عمر وعروة بن غيلان وغيرهما.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1440> فصل في التابعين:</span>\n٧٠٥ - غالب بن أبي غيلان: هو غالب بن أبي غيلان وهو ابن خطاف القطان\n_________\n(١) قلت: لو صح هذا عنه لكان صحابيًا قطعًا، ولما كان هناك ما يبرر الاختلاف في صحبته.","vol":"10","page":185},{"text":"البصري. روى عن بكر بن عبد اللَّه، وعنه ضمرة بن ربيعة.\n٧٠٦ - الغريف بن عياش: هو الغريف بن عياش بن الديلمي. روى عن واثلة ابن الأسقع، عداده في الشاميين.\n(الغريف) بفتح الغين المعجمة وبالفاء.\n٧٠٧ - أبو غالب: هو أبو غالب، اسمه حَزَوَّزٌ، الباهلي البصري، أعتقه عبد الرحمن بن الحضرمي. روى عن أبي أمامة ولقيه في الشام، وعنه ابن عيينة وحماد ابن زيد.\n(حزور) بفتح الحاء وفتح الزاي وبتشديد الواو وبعدها راء.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1441>حرف الفاء</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1442> فصل في الصحابة:</span>\n٧٠٨ - الفضل بن عباس: هو الفضل بن عباس، ابن عم النبي -ﷺ- وغزا معه حنينًا وثبت معه فيمن ثبت، وشهد حجة الوداع، وشهد غسله مع من شهد، ثم خرج إلى الشام مجاهدًا، ومات وله إحدى وعشرون سنة بناحية الأردن في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة، وقيل: إنه قتل يوم اليرموك، وقيل غير ذلك. روى عنه أخوه عبد اللَّه وأبو هريرة.\n٧٠٩ - فَضالة بن عُبيد: هو فضالة بن عبيد الأنصاري الأوسي، أول مشاهده أحد، ثم شهد ما بعدها، وبايعه تحت الشجرة، ثم انتقل إلى الشام فسكن دمشق وقضى بها لمعاوية زمن خروجه إلى صفين، ومات في عهد معاوية، وقيل: سنة ثلاث وخمسين، روى عنه ميسرة مولاه وغيره.","vol":"10","page":186},{"text":"(فضالة) بفتح الفاء وبالضاد المعجمة. و(عبيد) بضم العين.\n٧١٠ - الفُجَيع بن عبد اللَّه: هو الفجيع بن عبد اللَّه العامري، وفد على النبي -ﷺ- مع قومه وسمع منه. روى عنه وهب بن عقبة.\n(الفجيع) بضم الفاء وفتح الجيم وسكون الياء تحتها نقطتان وبالعين المهملة.\n٧١١ - فروة بن مُسيك: هو فروة بن مسيك المرادي الغطيفي من أهل اليمن، قدم على رسول اللَّه -ﷺ- سنة تسع فأسلم، وانتقل إلى الكوفة زمن عمر وسكنها. روى عنه الشعبي وغيره، وكان من وجوه قومه ومقدَّميهم، وكان شاعرًا محسنًا.\n(مسيك) بضم الميم وفتح السين المهملة وسكون الياء تحتها نقطتان وبالكاف.\n٧١٢ - فروة بن عمرو: هو فروة بن عمرو البياضي الأنصاري، شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، روى عنه أبو حازم التمَّار.\n٧١٣ - فيروز الديلمي: هو فيروز الديلمي، يقال له: الحميري لنزوله بحمير، وهو من أبناء فارسَ من فُرْس صنعاء، كان ممن وفد على النبي -ﷺ-، وهو قاتلُ الأسود العنسي الكذاب الذي ادّعى النبوة باليمن، قتل في آخر أيام رسول اللَّه -ﷺ- ووصله خبره في مرضه الذي مات فيه. روى عنه ابناه الضحاك وعبد اللَّه وغيرهما. مات في خلافة عثمان.\n(العنسي) بفتح العين وسكون النون وبالسين المهملة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1443> فصل في التابعين:</span>\n٧١٤ - الفرافصة بن عمير: هو الفرافصة بن عمير الحنفي، من الطبقة الأولى من تابعي المدينة. روى عن عثمان بن عفان، وعنه القاسم بن محمد وغيره.\n(الفرافصة) بفائين وراء خفيفة وصاد مهملة إلا أنه عند المحدثين بفتح الفاء الأولى. وقال ابن حبيب: كل اسم في العرب هو فرافصة فهو مضموم الفاء الأولى،","vol":"10","page":187},{"text":"إلا الفرافصة بن الأحوص فيكون فرافصة بن عمير عند ابن حبيب مضموم الأولى وأما أهل اللغة فلا يعرفون فيه الفتح.\n٧١٥ - فروة بن نوفل: هو فروة بن نوفل الأشجعي، يعدّ في الكوفيين، سمع أباه وعائشة. روى عنه أبو إسحاق الهمداني وهلال بن يساف.\n٧١٦ - ابن الفرك (١): هو ابن الفرك اسمه أحمد بن زكريا بن فارس اللغوي صاحب \"المجمل في اللغة\"، كان مقيمًا بهمدان، وهو من أعيان أهل العلم، وأفراد الدهر، فجمع إتقان العلم وظرف الكتاب والشعراء، وهو في بلاد الجبل، ويقال لأبيه: الفراس والفرسي وله صحبة.\n(الفراس) بكسر الفاء وتخفيف الراء وبالسين المهملة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1444> فصل في الصحابيات:</span>\n٧١٧ - فاطمة الكبرى: هي فاطمة الكبرى بنت رسول اللَّه -ﷺ-، وأمها خديجة، وهي أصغر بناته في قول، وهي سيدة نساء العالمين، تزوجها علي بن أبي طالب في السنة الثانية من الهجرة في شهر رمضان، وبنى عليها في ذي الحجة، فولدت له الحسن والحسين والمحسن وزينب وأم كلثوم ورقية، وماتت بالمدينة بعد موت النبي -ﷺ- بستة أشهر، وقيل: بثلاثة أشهر ولها ثمان وعشرون سنة، وغسلها علي وصلى عليها العباس ودفنت ليلًا. روى عنها علي بن أبي طالب وابناها الحسن والحسين وجماعة من الصحابة\n_________\n(١) كذا في الأصل، والصواب: ابن الفراسي، بكسر الفاء، وتخفيف الراء، وبالسين المهملة. ويقال لأبيه: الفراس والفراسي، وهو من بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة. وهو روى عن أبيه، ولأبيه صحبة. كذا في \"جامع الأصول\" (١٢/ ٧٧٩). أما صاحب \"المجمل\" فهو: أحمد ابن فارس بن زكريا أبو الحسين اللغوي القزويني، توفي سنة ٣٩٥ هـ. فذكره هنا سبق قلم. واللَّه أعلم.","vol":"10","page":188},{"text":"سواهم. قالت عائشة: ما رأيت أحدًا قط أصدق من فاطمة -﵂- غير أبيها، وقالت: وكان بينهما شيء فقالت: يا رسول اللَّه سلها فإنها لا تكذب.\n٧١٨ - فاطمة بنت أبي حبيش: هي فاطمة بنت أبي حبيش القرشية الأسدية، وهي التي استحيضت. روى عنها عروة بن الزبير وأم سلمة، وفاطمة هي زوجة عبد اللَّه بن جحش.\n(حبيش) مصغر حبش.\n٧١٩ - فاطمة بنت قيس: هي فاطمة بنت قيس القرشية أخت الضحاك، كانت من المهاجرات الأول. روى عنها نفر، كانت ذات جمال وعقل وكمال، وكانت عند أبي عمرو بن حفص فطلقها وزوجها النبي -ﷺ- من أسامة بن زيد مولاه.\n٧٢٠ - الفريعة بنت مالك: هي الفريعة بنت مالك بن سنان، وهي أخت أبي سعيد الخدري، شهدت بيعة الرضوان، ولها رواية، حديثها عند أهل المدينة، روت عنها زينب بنت كعب بن عجرة.\n(الفريعة) بضم الفاء وفتح الراء وسكون الياء وبالعين المهملة.\n٧٢١ - أم الفضل: هي أم الفضل لبابة بنت الحارث العامرية، امرأة العباس بن عبد المطلب، وأم أكثر بنيه، وهي أخت ميمونة أم المؤمنين، يقال: إنها [أول] امرأة أسلمت بعد خديجة. روت عن النبي -ﷺ- أحاديث كثيرة.\n٧٢٢ - أم فروة: هي أم فروة الأنصارية، كانت من المبايعات. روى عنها القاسم ابن غنام.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1445> فصل في التابعيات:</span>\n٧٢٣ - فاطمة الصغرى: هي فاطمة الصغرى بنت الحسين بن علي بن أبي طالب","vol":"10","page":189},{"text":"الهاشمية القرشية، تزوجت الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ومات عنها فتزوجها عبد اللَّه بن عمرو بن عثمان بن عفان.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1446>حرف القاف</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1447> فصل في الصحابة:</span>\n٧٢٤ - قبيصة بن ذؤيب: هو قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، ولد في أول سنة في الهجرة، ويقال: إنه أُتِي به إلى النبي -ﷺ- فدعا له، كان ذا علم وفقه ورفعة، قال أبو الزناد: كان يعدّ من فقهاء المدينة أربعة: ابن المسيب وعروة بن الزبير وعبد الملك بن مروان وقبيصة بن ذؤيب. روى عن أبي هريرة وأبي الدرداء وزيد بن ثابت، وعنه الزهري وغيره، مات سنة ست وثمانين، هذا قول ابن عبد البر في كتابه (١)، جعله من الصحابة. وغيره لم يثبته في الصحابة (٢) بل جعله في الطبقة الثانية من تابعي الشام.\n(قبيصة) بفتح القاف وكسر الباء الموحدة وبالصاد المهملة. (ذؤيب) تصغير ذئب.\n٧٢٥ - قبيصة بن مخارق: هو قبيصة بن مخارق الهلالي، وفد على النبي -ﷺ-، عداده في أهل البصرة. روى عنه ابنه قطن وأبو عثمان النهدي وغيرهما.\n(مخارق) بضم الميم وبالخاء المعجمة وبالراء والقاف.\n٧٢٦ - قبيصة بن وقاص: هو قبيصة بن وقاص السلمي، سكن البصرة، وعداده فيهم، روى عنه صالح بن عبيد.\n_________\n(١) \"الاستيعاب\" (٢١٠٠).\n(٢) قال الحافظ في \"التقريب\": \"من أولاد الصحابة وله رؤية\".","vol":"10","page":190},{"text":"٧٢٧ - قتادة بن النعمان: هو قتادة بن النعمان الأنصاري عقبي بدري شهد بعدها المشاهد كلها. روى عنه أخوه لأمه أبو سعيد الخدري وعمر ابنه وغيرهما، مات سنة ثلاث وعشرين وله خمس وستون سنة، وصلى عليه عمر، وكان من فضلاء الصحابة.\n٧٢٨ - قدامة بن عبد اللَّه: هو قدامة بن عبد اللَّه الكلابي، وقيل: العامري، أسلم قديما وسكن مكة ولم يهاجر، وشهد حجة الوداع، وأقام بركبة في البدو. روى عنه أيمن بن نائل وغيره.\n(قدامة) بضم القاف وتخفيف الدال المهملة.\n٧٢٩ - قدامة بن مظعون: هو قدامة بن مظعون القرشي الجمحي خال عبد اللَّه ابن عمر، هاجر إلى أرض الحبشة، وشهد بدرًا وسائر المشاهد. روى عنه عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن عامر. مات سنة ست وثلاثين وله ثمان وستون سنة.\n٧٣٠ - قطبة بن مالك: هو قطبة بن مالك الثعلبي، كوفي، له صحبة. روى عنه زياد بن علاقة وهو ابن أخي قطبة بن مالك.\n٧٣١ - قيس بن أبي غَرَزة: هو قيس بن أبي غرزة الغفاري، عداده في أهل الكوفة، روى عنه أبو وائل شقيق بن سلمة، وليس له إلا حديث واحد في ذكر التجارة.\n(غرزة) بفتح الغين المعجمة وفتح الراء والزاي.\n٧٣٢ - قيس بن سعد: هو قيس بن سعد بن عبادة يكنى أبا عبد اللَّه الأنصاري الخزرجي، كان من كرام أصحاب النبي -ﷺ-، وكان أحد الفضلاء الأجلة وأهل الرأي والمكيدة في الحرب، وكان شريف قومه، وكان لرسول اللَّه -ﷺ- لما قدم مكة مكان صاحب الشرطة من الأمراء، وكان واليًا لعلي بن أبي طالب على مصر، ولم يفارق عليًّا إلى أن قتل، ومات بالمدينة سنة ستين. روى عنه جماعة، وكان قيس بن سعد،","vol":"10","page":191},{"text":"وعبد اللَّه بن الزبير، وشريح القاضي، والأحنف ليس في وجوههم شعر ولا لأحدهم لحية، وكان قيس مع ذلك جميلًا.\n٧٣٣ - قيس بن عاصم: هو قيس بن عاصم يكنى أبا قبيصة، قال ابن عبد البر: والمشهور [أنه] يكنى أبا علي، التميمي، قدم على النبي -ﷺ- في وفد تميم وأسلم سنة تسع، فلما رآه رسول اللَّه -ﷺ- قال: \"هذا سيد أهل الوبر\" (١)، وكان عاقلًا حليمًا مشهورًا بالحلم، يعدّ في البصريين، روى عنه ابنه حكيم وخلق سواه.\n٧٣٤ - قرظة بن كعب: هو قرظة بن كعب الأنصاري الخزرجي، شهد أحدًا وما بعدها من المشاهد، وكان فاضلًا، ولاه علي بن أبي طالب الكوفة، وشهد معه المشاهد كلها، مات في خلافته في الكوفة. روى عنه الشعبي وغيره.\n(قرظة) بفتح القاف وفتح الراء وفتح الظاء المعجمة.\n٧٣٥ - قرة بن إياس: هو قرة بن إياس المزني، سكن البصرة، لم يرو عنه غير ابنه معاوية، قتله الأزارقة.\n(إياس) بكسر الهمزة.\n٧٣٦ - أبو قتادة: هو أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري فارس رسول اللَّه -ﷺ-، مات بالمدينة سنة أربع وخمسين، وقيل: بل مات في خلافة علي بالكوفة، وكان شهد معه المشاهدكلها، وهو ابن سبعين سنة، وهو ممن غلبت عليه كنيته.\n(ربعي) بكسر الراء وسكون الباء الموحدة وكسر العين المهملة.\n٧٣٧ - أبو قحافة: هو أبو قحافة عثمان بن عامر والد أبي بكر، تقدم ذكره في حرف العين.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في \"الأدب المفرد\" (٩٥٣).","vol":"10","page":192},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1448> فصل في التابعين:</span>\n٧٣٨ - القاسم بن محمد: هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، أحد الفقهاء السبعة المشهورين بالمدينة، كان من أكابر التابعين، وكان أفضل أهل زمانه، قال يحيى ابن سعيد: ما أدركنا بالمدينة أحدًا نفضله على القاسم بن محمد. روى عن جماعة من الصحابة منهم: عائشة ومعاوية، وعنه خلق كثير. مات سنة إحدى ومئة وله سبعون سنة.\n٧٣٩ - القاسم بن عبد الرحمن: هو القاسم بن عبد الرحمن الشامي مولى عبد الرحمن بن خالد، سمع أبا أمامة، روى عنه العلاء بن الحارث وغيره. قال عبد الرحمن بن يزيد: ما رأيت أحدًا أفضل من القاسم مولى عبد الرحمن.\n٧٤٠ - قبيصة: هو قبيصة بن هُلْب الطائي، روى عن أبيه ولأبيه صحبة، روى عنه سماك.\n(هلب) بضم الهاء وسكون اللام وبالباء الموحدة (١)، قالوا: والصواب بفتح الهاء وكسر اللام.\n٧٤١ - القعقاع بن حكيم: هو القعقاع بن حكيم المدني، تابعي، سمع جابر بن عبد اللَّه وأبا يونس. روى عنه سعيد المقبري ومحمد بن عجلان.\n٧٤٢ - قطن بن قبيصة: هو قطن بن قبيصة الهلالي، عداده في أهل البصرة، روى عن أبيه، وعنه حيان بن العلاء، وكان قطن شريفًا وولي سجستان.\n(قطن) بفتح القاف وفتح الطاء المهملة وبالنون.\n_________\n(١) وكذا ضبطه الحافظ في \"التقريب\" (٥٥١٦)، وقال في \"المغني\" (ص: ٢٧٠): كذا يرويه أصحاب الحديث، والصواب بفتح الهاء وكسر اللام.","vol":"10","page":193},{"text":"٧٤٣ - قتادة بن دعامة: هو قتادة بن دعامة يكنى أبا الخطاب السدوسي الأعمى الحافظ، قال بكر بن عبد اللَّه المزني: من أراد أن ينظر إلى أحفظ أهل زمانه فلينظر إلى قتادة، وما أدركنا الذي هو أحفظ منه، وقال قتادة: ما سمعت أذناي شيئًا قط إلا وعاه قلبي، وقال: لا يقبل قول إلا بعمل، فمن أحسن العمل قبل اللَّه قوله: روى عن عبد اللَّه ابن سرجس وأنس وخلق سواهما، وعنه أيوب وشعبة وأبو عوانة وغيرهم، مات سنة سبع ومئة.\n٧٤٤ - قيس بن عُبَاد: هو قيس بن عباد البصري، من الطبقة الأولى من تابعي البصرة. روى عن جماعة من الصحابة.\n(عباد) بضم العين وتخفيف الباء الموحدة.\n٧٤٥ - قيس بن أبي حازم: هو قيس بن أبي حازم الأحمسي البجلي، أدرك الجاهلية وأسلم، وجاء إلى النبي -ﷺ- ليبايعه فوجده قد توفي، يعدّ في تابعي الكوفة، وقد ذكر في أسماء الصحابة مع اعترافهم بأثه لم ير النبي -ﷺ-. روى عن العشرة إلا عن عبد الرحمن بن عوف، وعن جماعة كميرة من الصحابة، وعنه جماعة كثيرة من التابعين، وليس في التابعين من روى عن تسعة من العشرة إلا هو، شهد النهروان مع علي بن أبي طالب، وطال عمره حتى جاوز المئة، ومات سنة ثمان وتسعين.\n٧٤٦ - قيس (١) بن مسلم: هو قيس بن مسلم الجَدَلي الكوفي، روى عن سعيد ابن جبير وغيره، وعنه الثوري وشعبة، مات سنة عشرين ومئة.\n(الجدلي) بفتح الجيم وفتح الدال المهملة.\n_________\n(١) قال أحمد ويحيى وأبو حاتم: ثقة، وقال النسائي: ثقة، وكان يرى الإرجاء، ذكره ابن حبان في \"كتاب الثقات\" (٧/ ٣٢٦).","vol":"10","page":194},{"text":"٧٤٧ - قيس بن كثير: هو قيس بن كثير، سمع أبا الدرداء، روى عنه داود بن جميل، هكذا أخرج حديثه الترمذي عن قيس بن كثير وقال: كذا حدثنا محمود بن خداش وإنما هو كثير بن قيس وكذلك سماه أبو داود كثير بن قيس، وأورده البخاري (١) في باب (كثير) لا في باب (قيس).\n٧٤٨ - أبو قِلابة: هو أبو قلابة -بكسر القاف وتخفيف اللام وبالباء الموحدة- عبد اللَّه بن زيد الجرمي، تابعي معروف مشهور. روى عن أنس وغيره، وعنه خلق كثير، قال السختياني: كان واللَّه أبو قلابة من الفقهاء ذوي الألباب (٢). مات بالشام سنة ست ومئة.\n(الجرمي) بفتح الجيم وبالراء.\n٧٤٩ - ابن قطن: هو عبد العزى بن قطن بفتح القاف وفتح الطاء المهملة، جاهلي، له ذكر في (قصة الدجال).\n٧٥٠ - قزمان: هو قزمان الذي أظهر إسلامه وهو منافق، له ذكر في (باب المعجزات)، أنه حضر غزوة حنين (٣) وقاتل أشد القتال فذكروا ذلك لرسول اللَّه -ﷺ- فقال: \"أما إنَّه من أهل النار، وإن اللَّه ليؤيِّدُ هذا الدِّينَ بالرجل الفاجر\".\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1449> فصل في الصحابيات:</span>\n٧٥١ - قيلة بنت مخرمة: هي قيلة بنت مخرمة التميمية، روت عنها صفية ودحيبة\n_________\n(١) \"التاريخ الكبير\" (٧/ ٢٠٨، رقم: ٩٠٨).\n(٢) أحد أعلام التابعين وثقاتهم، هرب من القضاء فسكن واديًا.\n(٣) كذا في الأصل، والصواب: \"خيبر\" كما في \"صحيح البخاري\" (٦٦٠٦)، و\"مصنف عبد الرزاق\" (٩٥٧٣).","vol":"10","page":195},{"text":"ابنتا عليبة وكانتا ربيبتيها، وهي جدة أبيهما، ولها صحبة.\nو(دحيبة) و(عليبة) مصغران.\n٧٥٢ - أم قيس بنت محصن: هي أم قيس بنت محصن بكسر الميم وسكون الحاء المهملة والنون، الأسدية أخت عكاشة، أسلمت بمكة قديمًا، وبايعت النبي -ﷺ- وهاجرت إلى المدينة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1450>حرف الكاف</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1451> فصل في الصحابة:</span>\n٧٥٣ - كعب بن مالك: هو كعب بن مالك الأنصاري الخزرجي، شهد العقبة الثانية، واختلف في شهوده بدرًا والمشاهد بعدها غير تبوك، وكان أحد شعراء النبي -ﷺ-، وهو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول اللَّه -ﷺ- في غزوة تبوك، وهم كعب بن مالك هذا وهلال بن أمية ومرارة بن ربيعة. روى عنه جماعة. مات سنة خمسين وهو ابن سبع وسبعين سنة بعد أن عمي.\n٧٥٤ - كعب بن عجرة: هو كعب بن عجرة البَلَوي، نزل الكوفة، ومات بالمدينة سنة إحدى وخمسين وهو ابن خمس وسبعين سنة. روى عنه خلق كثير من الصحابة والتابعين.\n٧٥٥ - كعب بن مرة: هو كعب بن مرة البهزي السلمي، سكن الأردن من الشام ومات بها سنة تسع وخمسين، روى عنه نفر.\n٧٥٦ - كعب بن عياض: هو كعب بن عياض الأشعري، معدود في الشاميين. روى عنه جابر بن عبد اللَّه وجبير بن نفير.","vol":"10","page":196},{"text":"(عياض) بكسر العين المهملة وتخفيف الياء تحتها نقطتان وبالضاد المعجمة.\n٧٥٧ - كعب بن عمرو: هو كعب بن عمرو الأنصاري السلمي، شهد العقبة وبدرًا، وهو الذي كان أسر العباس بن عبد المطلب يوم بدر، توفي بالمدينة سنة خمس وخمسين. روى عنه ابنه عمار وحنظلة بن قيس.\n٧٥٨ - كثير بن الصلت: هو كثير بن الصلت بن معدي كرب الكندي، ولد على عهد رسول اللَّه -ﷺ- وسماه كثيرًا، وكان اسمه قليلًا، روى عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وزيد بن ثابت.\n٧٥٩ - كركرة: هو كركرة بفتح الكافين وكسرهما، كان على ثقل رسول اللَّه -ﷺ- في بعض مغازيه، وله ذكر في الغلول.\n٧٦٠ - كلدة (١) بن حنبل: هو كلدة بن حنبل الأسلمي، وهو أخو صفوان بن أمية الجمحي لأمه. وكان عبدًا لمعمر بن حبيب اشتراه من أهل اليمن بسوق عكاظ وحالفه وأنكحه وأقام بمكة إلى أن مات بها. روى عنه عمرو بن عبد اللَّه بن صفوان.\n(كلدة) بفتح الكاف واللام والدال المهملة.\n٧٦١ - أبو كبشة: هو أبو كبشة عمرو بن سعد الأنماري، نزل بالشام. روى عنه سالم بن أبي الجعد ونعيم بن زياد.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1452> فصل في التابعين:</span>\n٧٦٢ - كعب الأحبار: هو كعب الأحبار بن المانع، يكنى أبا إسحاق المعروف بكعب الأحبار، وهو من حمير، أدرك زمن النبي -ﷺ- ولم يره، أسلم في زمن عمر بن الخطاب، روى عن عمر وصهيب وعائشة، ومات بحمص سنة اثنتين وثلاثين في\n_________\n(١) يقال: كلدة بن عبد اللَّه بن الحنبل، والصواب هو الأول.","vol":"10","page":197},{"text":"خلافة عثمان.\n٧٦٣ - كثير بن عبد اللَّه: هو كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف المزني المدني، سمع أباه. روى عنه مروان بن معاوية وغيره (١).\n٧٦٤ - كثير بن قيس: هو كثير بن قيس أو قيس بن كثير، تقدم ذكره في حرف القاف.\n٧٦٥ - كريب (٢) بن أبي مسلم: هو كريب بن أبي مسلم مولى عبد اللَّه بن عباس ومعاوية. روى عنه جماعة.\n٧٦٦ - أبو كريب محمد: هو أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني الكوفي، سمع أبا بكر بن عياش وغيره. روى عنه البخاري ومسلم وغيرهما. مات سنة ثمان وأربعين ومئتين.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1453> فصل في التابعيات:</span>\n٧٦٧ - كبشة بنت كعب: هي كبشة بنت كعب بن مالك، وهي زوجة عبد اللَّه بن أبي قتادة، حديثها في سؤر الهرة. روت عن أبي قتادة. وعنها حميدة بنت عبيد بن رفاعة.\n٧٦٨ - كريمة بنت هُمَام: هي كريمة بنت همام بضم الهاء وتخفيف الميم. روت عن عائشة أم المؤمنين حديثها في الخضاب.\n_________\n(١) قلت: وهو ضعيف جدًا ورماه غير واحد بالكذب، وإيراده في التابعين غير صواب، فإنه من أتباعهم، يروي عن أبيه ومحمد بن كعب القرظي ونافع وغيرهم، قال الذهبي: مات سنة ثلاث وستين ومئة. انظر: \"تهذيب الكمال\" (٤٩٤٨)، و\"تاريخ الإسلام\" للذهبي (٤/ ٤٨٥).\n(٢) أدرك عثمان -﵁-، قال يحيى والنسائي: ثقة، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية.","vol":"10","page":198},{"text":"٧٦٩ - أم كرز (١): هي أم كرز الكعبية الخزاعية مكية. روت عن النبي -ﷺ- أحاديث. روى عنها عطاء ومجاهد وغيرهما، حديثها في العقيقة.\n(كرز) بضم الكاف وسكون الراء وبالزاي.\n٧٧٠ - أم كلثوم بنت عقبة: هي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، أسلمت بمكة وهاجرت ماشية وبايعت ولم يكن لها بمكة زوج، فلما قدمت المدينة تزوجها زيد بن حارثة فقتل عنها في غزوة مؤتة فتزوجها الزبير بن العوام ثم طلقها فتزوجها عبد الرحمن ابن عوف فولدت له إبراهيم وحميدًا ومات عنها، فتزوجها عمرو بن العاص فمكثت عنده شهرًا وماتت، وهي أخت عثمان بن عفان لأمه. روى عنها ابنها حميد (٢) وغيره.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1454>حرف اللام</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1455> فصل في الصحابة:</span>\n٧٧١ - لقيط بن عامر: هو لقيط بن عامر بن صبرة، يكنى أبا رزين، العقيلي، صحابي مشهور، عداده في أهل الطائف، روى عنه ابنه عاصم وابن عمر (٣) وغيرهما.\n(لقيط) بفتح اللام وكسر القاف. و(صبرة) بفتح الصاد المهملة وكسر الباء الموحدة.\n_________\n(١) قلت: هذه صحابية، وكذا التي بعدها، فكان حقهما أن تذكرا في \"فصل الصحابيات\".\n(٢) وحميد بن نافع، وأم كلثوم بنت أبي بكر الصديق أيضًا أمها حبيبة بنت خارجة، روى عنها حميد ابن نافع، صحابية، حديثها في \"كتاب النكاح\".\n(٣) كذا في الأصل، والمراد به عند الإطلاق عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب، ولم يذكره المزي والحافظ في \"تهذيبيهما\" في الرواة عن لقيط، وممن ذكر فيهم \"عمرو بن أوس الثقفي\" فلعله هو.","vol":"10","page":199},{"text":"٧٧٢ - لقمان بن باعوراء: هو لقمان بن باعوراء ابن أخت أيوب النبي -ﷺ- أو ابن خالته، وقيل: كان في زمن داود ﵇ وأخذ العلم عنه وكان قاضيًا في بني إسرائيل وقيل: كان عبدًا أسود نوبيًا من سودان مصر، وأكثر الأقاويل أنه لم يكن نبيًا وإنما كان حكيما، له ذكر في (كتاب الرقاق).\n٧٧٣ - لبيد بن ربيعة: هو لبيد بن ربيعة الشاعر العامري، قدم على النبي -ﷺ- سنة وفد قومه بنو جعفر بن كلاب، كان شريفًا في الجاهلية والإسلام، نزل الكوفة مات سنة إحدى وأربعين وله من العمر مئة وأربعون سنة، وقيل: مئة وسبع وخمسون، وقيل غير ذلك، وكان من المعمرين.\n٧٧٤ - أبو لبابة: هو أبو لبابة رفاعة بن عبد المنذر الأنصاري الأوسي، غلبت عليه كنيته، كان من النقباء، وشهد العقبة وبدرًا والمشاهد بعدها، وقيل: لم يشهد بدرًا بل أمّره رسول اللَّه -ﷺ- على المدينة وضرب له بسهم مع أصحاب بدر، مات في خلافة علي بن أبي طالب، روى عنه ابن عمر ونافع وغيرهما.\n٧٧٥ - ابن اللتبية: هو ابن اللتبية عبد اللَّه، صحابي له ذكر في أخذ الصدقات.\n(اللتبية) بضم اللام وفتح التاء فوقها نقطتان وكسر الباء الموحدة وتشديد الياء تحتها نقطتان.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1456> فصل في التابعين:</span>\n٧٧٦ - ليث بن سعد: هو ليث بن سعد يكنى أبا الحارث، فقيه أهل مصر، يقال: إنه مولى خالد بن ثابت الفَهْمي، ولد في قرية في أسفل مصر سنة أربع وتسعين. روى عن بن أبي مليكة وعطاء والزهري وغيرهم، وحدث عنه خلق كثير منهم ابن المبارك، قدم بغداد سنة إحدى وستين ومئة، وعرض عليه المنصور ولاية مصر فأبى","vol":"10","page":200},{"text":"واستعفاه، وقال يحيى بن بكير: ما رأيت أحدًا أكمل من الليث بن سعد، وقال قتيبة ابن سعيد: كان ليث بن سعد يستغِلّ في كل سنة عشرين (١) ألف دينار، وما وجبت عليه زكاة. مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومئة.\n٧٧٧ - ابن أبي ليلى: هو ابن أبي ليلى، اسمه عبد الرحمن، واسم أبي ليلى يسار الأنصاري، ولد لست سنين بقيت من خلافة عمر، وقيل: غرق بـ (دجيل) بنهر البصرة سنة ثلاث وثمانين، حديثه في الكوفيين، سمع خلقًا كثيرًا من الصحابة، وعنه جماعة كثيرة، وهو في الطبقة الأولى من تابعي الكوفيين.\nوقد يقال: (ابن أبي ليلى) لولده محمد، وهو قاضي الكوفة إمام مشهور في الفقه صاحب مذهب وقول، وإذا أطلق المحدثون ابن أبي ليلى فإنما يعنون إياه. فإذا أطلق الفقهاء (ابن أبي ليلى) فإنما يعنون محمدًا، وولد محمد هذا سنة أربع وسبعين، ومات سنة ثمان وأربعين ومئة.\n٧٧٨ - ابن لهيعة: هو ابن لهيعة الحضرمي الفقيه، اسمه عبد اللَّه وكنيته أبو عبد الرحمن، قاضي مصر. روى عن عطاء وابن أبي ليلى وابن أبي مليكة والأعرج وعمرو بن شعيب، وعنه يحيى بن بكير وقتيبة [و] المقرئ، ضعيف الحديث (٢)، وقال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة\n_________\n(١) وفي \"الكاشف\" (٤٦٩١): ثمانين ألف دينار، وكان لا يتغدى حتى يطعم ثلاث مئة وستين مسكينًا كل يوم، وما وجبت عليه زكاة، ولد يوم الخميس لأربع عشرة من شعبان سنة أربع وتسعين، ومات في شعبان سنة خمس وسبعين ومئة وعاش إحدى وثمانين سنة.\n(٢) قلت: هو كما قال المؤلف، ولكن يستثنى من ذلك ما رواه العبادلة عنه: عبد اللَّه بن المبارك، وعبد اللَّه بن وهب، وعبد اللَّه بن يزيد المقرئ، فإن حديثهم عنه صحيح، كما قال عبد الغني ابن سعيد الأزدي، والساجي وغيرهما.","vol":"10","page":201},{"text":"حديثه وضبطه وإتقانه. مات سنة أربع وسبعين ومئة.\n٧٧٩ - لبيد بن الأعصم: هو لبيد بن الأعصم اليهودي من بني زريق، وقيل: إنه حليف اليهود، له ذكر في السحر في (باب المعجزات).\n٧٨٠ - أبو لهب: هو أبو لهب عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم، عم النبي -ﷺ-، جاهلي، له ذكر في (كتاب الفتن).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1457> فصل في الصحابيات:</span>\n٧٨١ - لبابة بنت الحارث: هي لبابة بنت الحارث وكنيتها أم الفضل، تقدم ذكرها في حرف الفاء.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1458>حرف الميم</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1459> فصل في الصحابة:</span>\n٧٨٢ - مالك بن أوس: هو مالك بن أوس بن الحَدَثَان البصري، اختلف في صحبته، قال ابن عبد البر (١): والأكثر على إثباتها. وقال ابن منده: لا تثبت (٢)، وروايته عن النبي -ﷺ- قليلة، وأما روايته عن الصحابة فكثيرة. روى عن العشرة وأكثر عن عمر ابن الخطاب. روى عنه جماعة منهم الزهري وعكرمة، مات بالمدينة سنة اثنتين وتسعين.\n(الحدثان) بفتح الحاء والدال المهملتين وفتح الثاء المثلثة.\n٧٨٣ - مالك بن الحويرث: هو مالك بن الحويرث الليثي، وفد على النبي -ﷺ-\n_________\n(١) انظر: \"الاستيعاب\" (٣/ ٢٢٥٣).\n(٢) وفي \"التقريب\" (٦٤٢٦): له رؤية.","vol":"10","page":202},{"text":"وأقام عنده عشرين ليلة، وسكن البصرة. روى عنه ابنه عبد اللَّه وأبو قلابة وغيرهما (١). مات سنة أربع وتسعين بالبصرة.\n٧٨٤ - مالك بن صعصعة: هو مالك بن صعصعة الأنصاري المازني المدني، سكن البصرة، وهو قليل الحديث.\n٧٨٥ - مالك بن هبيرة: هو مالك بن هُبَيرة السَّكُوني الكندي، معدود في الشاميين، ومنهم من يعدّه في المصريين، روى عنه مرثد بن عبد اللَّه، وكان أميرًا لمعاوية على الجيوش وغزو الروم.\n(مرثد) بفتح الميم وسكون الراء وبالثاء المثلثة.\n٧٨٦ - مالك بن يسار: هو مالك بن يسار السكوني ثم العوفي، عداده في أهل الشام. روى عنه أبو نجدة، وقد اختلف في صحبته (٢).\n(السكوني) بفتح السين وبالكاف والنون.\n٧٨٧ - مالك بن التَّيِّهان: هو مالك بن التيهان، يكنى أبا الهيثم الأنصاري، شهد العقبة، وهو أحد النقباء الاثني عشرة، وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها، روى عنه أبو هريرة، ومات في خلافة عمر سنة عشرين بالمدينة، وقيل: قتل بصفين سنة تسع وثلاثين، وقيل غير ذلك.\n(الهيثم) بفتح الهاء وسكون الياء وبالثاء المثلثة. (التيهان) بفتح التاء فوقها نقطتان وتشديد الياء تحتها نقطتان وكسرها وبالنون.\n_________\n(١) وأبو عطية ونصر بن عاصم وغيرهم.\n(٢) كذا قال، وجزم بصحبته في \"التقريب\" قال: \"صحابي قليل الحديث\". \"تقريب التهذيب\" (٦٤٥٧).","vol":"10","page":203},{"text":"٧٨٨ - مالك بن قيس: هو مالك بن قيس يكنى أبا صِرْمة، وهو مشهور بكنيته، تقدم ذكره في حرف الصاد.\n٧٨٩ - مالك بن ربيعة: هو مالك بن ربيعة يكنى أبا أسيد، وهو مشهور بكنيته، تقدم ذكره في حرف الهمزة.\n٧٩٠ - ماعز بن مالك: هو ماعز بن مالك الأسلمي، معدود في المدنيين، وهو الذي رجمه النبي -ﷺ-، روى عنه ابنه عبد اللَّه حديثًا واحدًا.\n٧٩١ - مطر بن عُكَامِس: هو مطر بن عكامس السلمي، عداده في الكوفيين، له حديث واحد، ولم يرو عنه غير أبي إسحاق السَّبيعي.\n(عكامس) بضم العين المهملة وتخفيف الكاف وكسر الميم وبالسين المهملة.\n٧٩٢ - معاذ بن أنس: هو معاذ بن أنس الجهني، معدود في أهل مصر وحديثه عندهم، روى عنه ابنه سهل.\n٧٩٣ - معاذ بن جبل: هو معاذ بن جبل يكنى أبا عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي، وهو أحد السبعين الذين شهدوا العقبة الثانية من الأنصار، وشهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، وبعثه [النبي -ﷺ-] إلى اليمن قاضيًا ومعلمًا، روى عنه عمر وابن عباس وابن عمر وخلق سواهم، وأسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة في قول بعضهم، واستعمله عمر على الشام بعد أبي عبيدة بن الجراح فمات من عامه ذلك في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة وله ثمان وثلاثون سنة، وقيل غير ذلك.\n٧٩٤ - معاذ بن عمرو بن الجموح: هو معاذ بن عمرو بن الجموح الأنصاري الخزرجي، شهد العقبة وبدرًا هو وأبوه عمرو، وهو الذي قتل مع معاذ بن عفراء أبا جهل، ولهما ذكر في (باب قسمة الغنائم)، روى ابن عبد الرحمن وابن إسحاق أن","vol":"10","page":204},{"text":"معاذ بن عمرو قطع رجل أبي جهل وصرعه. قال: وضرب ابنه عكرمة بن أبي جهل يد معاذ بن عمرو فطرحها، ثم ضربه معاذ بن عفراء حتى أثبته، ثم تركه وبه رمق، ثم وقف عليه عبد اللَّه بن مسعود واحتز رأسه، حين أمره رسول اللَّه -ﷺ- أن يلتمس أبا جهل في القتلى. روى عنه عبد اللَّه بن عباس، مات في زمن عثمان.\n٧٩٥ - معاذ بن الحارث: هو معاذ بن الحارث بن رفاعة الأنصاري الزرقي، وعفراء أمه وهي بنت عبيد بن ثعلبة، وكان هو ورافع بن مالك أول الأنصاريين من الخزرج إسلامًا، شهد بدرًا هو وأخواه عوف ومُعَوِّذ، وقتل أخواه هذان ببدر، وشهد [ما] بعد بدر من المشاهد في قول بعضهم. وبعضهم يقول: إنه جرح يوم بدر فمات بالمدينة من جراحته، وقيل: إنه عاش إلى زمن عثمان. روى عنه ابن عباس وابن عمر.\n(عفراء) بفتح العين المهملة وسكون الفاء وبالمد.\n٧٩٦ - معوذ بن الحارث: هو معوذ بن الحارث، وعفراء أمه، شهد بدرًا، وهو الذي قتل أبا جهل مع أخيه معاذ، وهما أصحاب زرع ونخل، وقاتل في بدر حتى قتل بها.\n(معوذ) بضم الميم وفتح العين وكسر الواو المشددة وبالذال المعجمة.\n٧٩٧ - مسطح بن أثاثة: هو مسطح بن أثاثة بن عَبَّاد بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي، شهد بدرًا وأحدًا والمشاهد بعدهما، وهو الذي قال في عائشة أم المؤمنين ما قال من حديث الإفك، وجلده النبي -ﷺ- فيمن جلد، ويقال: إن مسطحًا لقبه واسمه عوف، قال ابن عبد البر (١): لا خلاف في ذلك، مات سنة أربع وثلاثين وهو ابن ست وخمسين سنة.\n_________\n(١) \"الاستيعاب\" (١٩٩٩).","vol":"10","page":205},{"text":"(مسطح) بكسر الميم وسكون السين وفتح الطاء المهملة وبالحاء المهملة. و(أثاثة) بضم الهمزة وتخفيف الثاء المثلثة الأولى. و(عباد) بتشديد الباء الموحدة.\n٧٩٨ - المسور بن مخرمة: هو المسور بن مخرمة يكنى أبا عبد الرحمن الزهري القرشي، وهو ابن أخت عبد الرحمن بن عوف، ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين، وقُدِمَ به المدينة في ذي الحجة سنة ثمان، وقبض النبي -ﷺ- وله ثماني سنين وسمع منه وحفظ منه، وكان فقيهًا من أهل الفضل والدين، ولم يزل بالمدينة إلى أن قتل عثمان، وانتقل إلى مكة فلم يزل بها حتى مات معاوية، وكره بيعة يزيد فلم يزل مقيمًا بمكة إلى أن بعث يزيد عسكره وحاصر مكة وبها ابن الزبير فأصاب المسور حجر من حجارة المنجنيق وهو يصلي في الحِجر فقتله، وذلك في مستهل ربيع الأول سنة أربع وستين روى عنه خلق كثير.\n(المسور) بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح الواو. و(مخرمة) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء.\n٧٩٩ - المسيب بن الحَزْن: هو المسيب بن الحزن، يكنى أبا سعيد، القرشي المخزومي، هاجر مع أبيه حزن، وكان المسيب ممن بايع تحت الشجرة. روى عن أبيه حزن، حدبثه في الحجازيين، روى عنه ابنه سعيد بن المسيب.\n(المسيب) بضم الميم وفتح السين وتشديد الياء المفتوحة بنقطتين تحتها. و(حزن) بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي وبالنون.\n٨٠٠ - المستورد بن شداد: هو المستورد بن شداد الفهري القرشي، عداده في أهل الكوفة، ثم سكن مصر ويعدّ فيهم، يقال: إنه كان غلامًا يوم قبض النبي -ﷺ- ولكنه سمع منه ووعى عنه. روى عنه جماعة.","vol":"10","page":206},{"text":"٨٠١ - المغيرة بن شعبة: هو المغيرة بن شعبة الثقفي، أسلم عام الخندق وقدم مهاجرًا، نزل الكوفة ومات بها سنة خمسين وهو ابن سبعين سنة، وهو أمير لمعاوية ابن أبي سفيان، روى عنه نفر.\n٨٠٢ - المقدام بن معدي كرب: هو المقدام بن معدي كرب، يكنى أبا كريمة، الكندي، يعدّ في أهل الشام وحديثه فيهم. روى عنه خلق كثير. مات بالشام سنة سبع وثمانين وله إحدى وتسعون سنة.\n٨٠٣ - المقداد بن الأسود: هو المقداد بن الأسود الكندي، وذلك أن أباه حالف كندة فنسب إليها، وإنما سمي ابن الأسود لأنه كان حليفه أو لأنه كان في حجره، وقيل: بل كان عبدًا له فتبنَّاه، وكان سادسًا في الإسلام، روى عنه علي وطارق بن شهاب وغيرهما، مات بالجرف على ثلاثة أميال من المدينة فحمل على رقاب الناس ودفن بالبقيع سنة ثلاث وثلاثين وهو ابن سبعين سنة.\n٨٠٤ - المهاجر بن خالد: هو المهاجر بن خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي القرشي، كان غلامًا على عهد رسول اللَّه -ﷺ- هو وأخوه عبد الرحمن، وكانا مختلفين، كان عبد الرحمن مع معاوية، وكان المهاجر مع علي شهد معه الجمل وصفين، قال أبو عمر (١): قالوا: إن المهاجر بن خالد فقئت عينه يوم الجمل، وقتل يوم صفين وهو مع علي.\n٨٠٥ - مهاجر بن قنفذ: هو مهاجر بن قنفذ القرشي التيمي، ويقال: إن مهاجرًا وقنفذًا لقبان، واسمه عمرو بن خلف، هاجر إلى النبي -ﷺ- مسلمًا فقال رسول اللَّه -ﷺ-: \"هذا المهاجر حقًا\"، وقيل: إنه أسلم يوم الفتح، وسكن البصرة ومات بها، روى عنه\n_________\n(١) \"الاستيعاب\" (٢٥٠٤).","vol":"10","page":207},{"text":"أبو ساسان حضين بن المنذر.\n(قنفذ) بضم القاف وسكون النون والفاء والذال المعجمة. و(ساسان) بالسين المهملتين. و(حضين) بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة والنون بعد الياء.\n٨٠٦ - معيقيب بن أبي فاطمة: هو معيقيب بن أبي فاطمة الدَّوسي مولى سعيد ابن أبي العاص، شهد بدرًا، وكان أسلم قديمًا بمكة، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية وأقام بها حتى قدم النبي -ﷺ- بالمدينة، وكان على خاتم الضبي -ﷺ-، واستعمله أبو بكر وعمر على بيت المال. روى عنه ابنه محمد وابن ابنه إياس بن الحارث وغيرهما، مات سنة أربعين.\n٨٠٧ - معقل بن يسار: هو معقل بن يسار المزني، بايع تحت الشجرة، سكن البصرة. وإليه ينسب نهر معقل بالبصرة. روى عنه الحسن وجماعة، مات في إمارة عبيد اللَّه بن زياد بعد الستين، وقيل: مات في زمن معاوية.\n٨٠٨ - معقل (١) بن سنان: هو معقل بن سنان الأشجعي، شهد فتح مكة، ونزل الكوفة وحديثه فيهم، وقتل يوم الحَرَّة صبرًا، روى عنه ابن مسعود وعلقمة والحسن والشعبي وغيرهم.\n(معقل) بفتح الميم وسكون العين وكسر القاف.\n٨٠٩ - معن بن عدي: هو معن بن عدي البلوي، وهو أخو عاصم، شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، وقتل يوم اليمامة في خلافة الصديق شهيدًا، وكان النبي -ﷺ- آخى بينه وبين زيد بن الخطاب فقتلا معًا يومئذ.\n٨١٠ - معن بن يزيد: هو معن بن يزيد بن الأخنس السلمي، له ولأبيه وجده\n_________\n(١) هو أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو زيد، وقيل: أبو سنان الأشجعي.","vol":"10","page":208},{"text":"صحبة، شهد بدرًا فيما قيل، يعدّ في الكوفيين. روى عنه وائل بن كليب وغيره.\n٨١١ - مُجمِّع بن جاريةَ: هو مجمع بن جارية الأنصاري المدني، كان أبوه منافقأ من أهل مسجد الضِّرار، وكان مجمع مستقيمًا وكان قارئًا، يقال: أخذ ابن مسعود منه نصف القرآن. روى عنه ابن أخيه عبد الرحمن بن يزيد وغيره، مات في آخر أيام معاوية.\n(مجمع) بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الميم الثانية وكسرها وبالعين المهملة.\n٨١٢ - مِحجَن بن الأدرع: هو محجن بن الأدرع الأسلمي، كان قديم الإسلام، عداده في البصريين. روى عنه حنظلة بن علي ورجاء وسعيد بن أبي سعيد، عمّر طويلًا يقال: إنه مات في آخر أيام معاوية.\n(محجن) بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الجيم وبالنون.\n٨١٣ - مِخْنَف بن سليم: هو مخنف بن سليم الغامدي، ولاه علي بن أبي طالب أصفهان. روى عنه ابنه وأبو رملة، عداده في أهل البصرة.\n(مخنف) بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح النون وبالفاء.\n٨١٤ - مِدْعَم: هو مدعم مولى النبي -ﷺ-، وهو عبد أسود، كان عبدًا لرفاعة بن زيد فأهداه إلى رسول اللَّه -ﷺ-، له ذكر في الغلول.\n(مدعم) بكسر الميم وسكون الدال وفتح العين المهملتين.\n٨١٥ - مرداس بن مالك: هو مرداس بن مالك الأسلمي، كان من أصحاب الشجرة، يعدّ في الكوفيين. روى عنه قيس بن أبي حازم حديثًا واحدًا ليس له غيره.\n٨١٦ - محيصة: هو محيصة بن مسعود الأنصاري الحارثي، يعدّ في أهل المدينة وحديثه فيهم، شهد أحدًا والخندق وما بعدهما من المشاهد، روى عنه ابنه سعد.","vol":"10","page":209},{"text":"(محيصة) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر الياء المشددة وفتح الصاد المهملة.\n٨١٧ - مخارق بن عبد اللَّه: هو مخارق بن عبد اللَّه، يعدّ في الكوفيين، وفي حديثه اختلاف كثير، ولم يرو عنه غير ابنه قابوس.\n٨١٨ - مخرفة العبدي: هو مخرفة العبدي، قد اختلف في اسمه فقيل: مخرفة العبدي، وقيل: مخرمة، والأول أكثر. روى عنه سويد بن قيس، وله ذكر في حديث سويد (١).\n٨١٩ - مجاشع بن مسعود: هو مجاشع بن مسعود السلمي. روى عنه أبو عثمان النهدي، قتل يوم الجمل في صفر سنة ست وثلاثين، حديثه عند البصريين.\n٨٢٠ - مُرَارة بن الربيع: هو مرارة بن الربيع العامري الأنصاري، شهد بدرًا، وهو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وتاب اللَّه عليهم ونزل القرآن في شأنهم. (مرارة) بضم الميم.\n٨٢١ - مصعب بن عمير: هو مصعب بن عمير القرشي العدوي، كان من أجلة الصحابة وفضلائهم، هاجر إلى أرض الحبشة في أول من هاجر إليها، ثم شهد بدرًا، وكان رسول اللَّه -ﷺ- بعث مصعبًا بعد العقبة الثانية إلى المدينة يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين، وهو أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة، وكان في الجاهلية من أنعم الناس عيشًا وألينهم لباسًا، فلما أسلم زهد في الدنيا فتخشف جلده تخشف الحية،\n_________\n(١) في (كتاب: اللباس) في حديث سويد المذكور، كذا في \"جامع الأصول\" (١٢/ ٨٤٦)، وذكر المؤلف حديث سويد بن قيس الذي فيه ذكر مخرفة في (باب الإفلاس والإنظار) (ح: ٢٩٢٤) فيه ذكر شراء رسول اللَّه -ﷺ- الإزار، كما مرّ في ذكر سويد بن قيس في حرف السين، مات سنة أربع وخمسين، (عبد الحق).","vol":"10","page":210},{"text":"وقيل: إنه بعثه النبي -ﷺ- إلى المدينة بعد أن بايع العقبة الأولى، فكان يأتي الأنصار في دورهم ويدعوهم إلى الإسلام، فيسلم الرجل والرجلان حتى فشا الإسلام فيهم، فكتب إلى النبي -ﷺ- يستأذنه أن يجمع بهم فأذن له، ثم قدم على النبي -ﷺ- مع السبعين الذين قدموا عليه في العقبة الثانية فأقام بمكة قليلًا، ثم عاد إلى المدينة قبل أن يهاجر النبي -ﷺ- وهو أول من قدمها، وقتل يوم أحد شهيدًا وله أربعون سنة أو أكثر، وفيه نزل ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]، وكان إسلامه بعد دخول النبي -ﷺ- دار الأرقم.\n٨٢٢ - معاوية بن أبي سفيان: هو معاوية بن أبي سفيان القرشي الأموي، وأمه هند بنت عتبة، كان هو وأبوه من مسلمة الفتح ثم من المؤلفة قلوبهم، وهو أحد الذين كتبوا لرسول اللَّه -ﷺ- الوحي، وقيل: لم يكتب له من الوحي شيئًا إنما كتب له كتبه. روى عنه ابن عباس وأبو سعيد، تولى الشام بعد أخيه يزيد في زمن عمر ولم يزل بها متوليًا حاكمًا إلى أن مات، وذلك أربعون سنة، منها في أيام عمر أربع سنين أو نحوه ومدة خلافة عثمان وخلافة علي وابنه الحسن وذلك تمام عشرين سنة، ثم استوثق الأمر بتسليم الحسن بن علي إليه في سنة إحدى وأربعين، ودام له [الأمر] عشرين سنة، ومات سنة ستين في رجب بدمشق وله ثمان وأربعون سنة (١)، وكان أصابته لقوة (٢) في آخر عمره، وكان يقول في آخر عمره: يا ليتني كنت رجلًا من قريش بذي طُوًى ولم ألِ من هذا الأمر شيئًا، وكان عنده إزار رسول اللَّه ورداؤه وقميصه وشيء من\n_________\n(١) كذا في الأصل، وهو خطأ، والصواب: ثمان وسبعون سنة، كما في \"إكمال تهذيب الكمال\" لمغلطاي (٤٦٣٨). وقال الحافظ في \"التقريب\" (٦٧٥٨): مات في رجب سنة ستين، وفد قارب الثمانين، انتهى.\n(٢) اللّقوة: داءٌ يكون في الوجه يعوج منه الشدق. (لسان العرب، مادة: لقا).","vol":"10","page":211},{"text":"شعره وأظفاره فقال: كفنوني في قميصه، وأدرجوني في ردائه، وآزروني بإزاره، واحشوا منخري وشدقي ومواضع السجود مني بشعره وأظفاره، وخلوا بيني وبين أرحم الراحمين.\n٨٢٣ - معاوية بن الحكم: هو معاوية بن الحكم السلمي، وكان ينزل المدينة، وعداده في أهل الحجاز، روى عنه ابنه كثير وعطاء بن يسار وغيرهما، مات سنة سبع عشرة ومئة.\n٨٢٤ - معاوية بن جاهمة: هو معاوية بن جاهمة السلمي، عداده في أهل الحجاز. روى عن أبيه وعنه طلحة بن عبيد اللَّه.\n٨٢٥ - مروان بن الحكم: هو مروان بن الحكم، يكنى أبا عبد الملك، القرشي الأموي، جد عمر بن عبد العزيز، ولد مروان على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، قيل: سنة اثنتين من الهجرة، وقيل: عام الخندق، وقيل غير ذلك، فلم ير النبي -ﷺ- (١) لأن النبي -ﷺ- نفى أباه إلى الطائف فلم يزل بها حتى ولي عثمان فرده إلى المدينة فقدمها وابنه معه، مات بدمشق سنة خمس وستين. روى عن نفر من الصحابة منهم عثمان وعلي، وروى عنه نفر من التابعين منهم عروة بن الزبير وعلي بن الحسين.\n٨٢٦ - مرة بن كعب: هو مرة بن كعب البهزي، عداده في أهل الشام. روى عنه نفر من التابعين. مات بالأردن سنة خمس وخمسين.\n٨٢٧ - مَزيَدة بن جابر: هو مزيدة بن جابر البصري، يعدّ في البصريين وحديثه عندهم. روى عنه هوذة بن عبد اللَّه بن سعد وهو ابن أمه.\n(مزيدة) بفتح الميم وسكون الزاي وفتح الياء تحتها نقطتان.\n_________\n(١) فإيراده في هذا الفصل لا يخفى ما فيه.","vol":"10","page":212},{"text":"٨٢٨ - مسلم القرشي: هو مسلم القرشي، اسمه مسلم بن عبد اللَّه، وقيل: عبيد اللَّه بن مسلم.\n٨٢٩ - المطلب بن أبي وداعة: هو المطلب بن أبي وداعة، واسم أبي وداعة الحارث السهمي القرشي، أسلم يوم الفتح، ثم نزل الكوفة ثم المدينة، وكان أسر أبوه يوم بدر فجاء المطلب في فدائه ففداه بأربعة آلاف درهم. روى عنه عبد اللَّه بن الزبير وابناه كثير وجعفر، والمطلب بن السائب وهو ابن أخيه.\n٨٣٠ - المطلب بن ربيعة: هو المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي، كان غلامًا على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، عداده في أهل الحجاز. روى عنه عبد اللَّه بن الحارث، قدم مصر لغزو إفريقية سنة تسع وعشرين، ولم يقع إلى أهل مصر عنه رواية.\n٨٣١ - محمد بن أبي بكر الصديق: هو محمد بن أبي بكر الصديق، يكنى أبا القاسم، ولد عام حجة الوداع بذي الحليفة سنة ثمان، وأمه أسماء بنت عميس، روى عن عائشة كثيرًا وعن غيرها من الصحابة، وعنه ابنه القاسم كثيرًا وغيره من التابعين، قتله أصحاب معاوية بمصر سنة ثمان وثلاثين وأحرقوه في جيفة حمار.\n٨٣٢ - محمد بن حاطب: هو محمد بن حاطب القرشي الجمحي، له ولأبويه وأخيه الحارث وعمه الخطاب صحبة، ولد بأرض الحبشة، وتوفي بمكة سنة أربع وسبعين، وقيل بالكوفة، عداده في الكوفيين. روى عنه ابنه إبراهيم وسماك بن حرب، ويقال: إنه أول من سمي باسم النبي -ﷺ-.\n٨٣٣ - محمد بن عبد اللَّه: هو محمد بن عبد اللَّه بن جحش القرشي الأسدي، ولد قبل الهجرة بخمس سنين، وهاجر مع أبيه إلى أرض الحبشة ثم إلى مكة ثم هاجر","vol":"10","page":213},{"text":"من مكة إلى المدينة. روى عنه أبو كثير مولاه وغيره (١).\n٨٣٤ - محمد بن عمرو: هو محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، ولد في عهد رسول اللَّه -ﷺ- سنة عشر بنجران، وكان أبوه عامِلَ النَّبِيِّ -ﷺ- على نجرانَ، ويقال: إن النبي -ﷺ- أمر أباه أن يكنيه بأبي عبد الملك، وكان محمد فقيهًا، روى عن أبيه وعن عمرو بن العاص، وعنه جماعة من أهل المدينة، قتل يوم الحَرَّة وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وذلك سنة ثلاث وستين.\n٨٣٥ - محمد بن أبي عميرة: هو محمد بن أبي عميرة المزني، يعدّ في الشاميين. روى عنه جبير بن نفير.\n(عميرة) بفتح العين المهملة وكسر الميم وبالراء.\n٨٣٦ - محمد بن مسلمة: هو محمد بن مسلمة الأنصاري الحارثي، شهد المشاهد كلها إلا تبوك. روى عن عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة، وكان من فضلاء الصحابة، وكان من الذين أسلموا على يد مصعب بن عمير بالمدينة ومات بها سنة ثلاث وأربعين وهو ابن سبع وسبعين سنة.\n٨٣٧ - محمود بن لبيد: هو محمود بن لبيد الأنصاري الأشهلي، ولد على عهد رسول اللَّه -ﷺ- وحدث عنه أحاديث. قال البخاري: له صحبة، وقال أبو حاتم: لا يعرف له صحبة، وذكره مسلم في التابعين في الطبقة الثانية منهم، قال ابن عبد البر (٢): والصواب قول البخاري. فأثبت له صحبة، وكان محمود أحد العلماء، روى عن ابن عباس وعتبان بن مالك، مات سنة ست وتسعين.\n_________\n(١) في الأصل: \"وغيرهم\".\n(٢) \"الاستيعاب\" (٢٣٤٧).","vol":"10","page":214},{"text":"٨٣٨ - معمر بن عبد اللَّه: هو معمر بن عبد اللَّه القرشي العدوي، أسلم قديمًا، معدود في أهل المدينة وحديثه فيهم، روى عنه سعيد بن المسيب.\n٨٣٩ - مغيث: بضم الميم وكسر الغين المعجمة وسكون الياء تحتها نقطتان وبالثاء المثلثة، زوج بريرة مولاة عائشة، وهو مولى لآل أبي أحمد بن جحش، روى عنه ابن عباس وعائشة.\n٨٤٠ - المنذر بن أبي أُسَيد: هو المنذر بن أبي أسيد الساعدي، أتي به النبي -ﷺ- حين ولد فوضعه على فخذه وسماه المنذر.\n(أسيد) تصغير أسد.\n٨٤١ - أبو موسى: هو أبو موسى عبد اللَّه بن قيس الأشعري، أسلم بمكة، وهاجر إلى أرض الحبشة، ثم قدم مع أهل السفينة ورسول اللَّه -ﷺ- بخيبر، ولاه عمر ابن الخطاب البصرة سنة عشرين، فافتتح أبو موسى الأهواز، ولم يزل على البصرة إلى صدر من خلافة عثمان، ثم عزله عنها فانتقل إلى الكوفة فأقام بها، وكان واليًا على أهل الكوفة إلى أن قتل عثمان، ثم انقبض أبو موسى إلى مكة بعد التحكيم فلم يزل بها إلى أن مات سنة اثنتين وخمسين.\n٨٤٢ - أبو مرثد: هو أبو مرثد كَنَّاز بن حصن، ويقال: ابن حصين الغنوي، مشهور بكنيته، شهد بدرًا هو وابنه مرثد، وهو من كبار الصحابة. روى عن حمزة، وعنه واثلة بن الأسقع، وعبد اللَّه بن عمر (١)، مات سنة اثنتي عشرة.\n(كنّاز) بفتح الكاف وتشديد النون وبالزاي.\n_________\n(١) لم أجد من ذكره في الرواة عن أبي مرثد، وكل من ترجم له ممن وقفت عليه ذكر واثلة فقط، كابن أبي حاتم وابن عبد البر وابن حجر وغيرهم، فاللَّه أعلم.","vol":"10","page":215},{"text":"٨٤٣ - أبو مسعود: هو أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري، شهد العقبة الثانية، ولم يشهد بدرًا عند جمهور أهل العلم بالسير، وقيل: إنه شهدها والأول أصح، وإنما نسب إلى ماء بدر لأنه نزله فنسب إليه، وسكن الكوفة ومات في خلافة علي، وقيل: سنة إحدى أو اثنتين وأربعين. روى عنه ابنه بشير وخلق سواه.\n٨٤٤ - أبو مالك: هو أبو مالك كعب بن عاصم الأشعري كذا قاله البخاري في \"التاريخ\" (١) وغيره، وقال البخاري (٢) في رواية عبد الرحمن بن غنم عنه: حدثنا أبو مالك أو أبو عامر بالشك، قال ابن المديني: أبو مالك هو الصواب، روى عنه جماعة، مات في خلافة عمر.\n٨٤٥ - أبو محذورة: هو أبو محذورة اسمه سمرة بن مِعير بكسر الميم، وقيل: أوس بن معير، وهو مؤذن رسول اللَّه -ﷺ- بمكة، مات بها سنة تسع وخمسين، ولم يهاجر ولم يزل مقيمًا بمكة حتى مات.\n٨٤٦ - ابن مِربَع: هو زيد بن مربع الأنصاري، وقيل: اسمه يزيد، وقيل: عبد اللَّه، والأول أكثر. روى عنه يزيد بن شيبان، عداده في أهل الحجاز، حديثه في الوقوف بعرفة.\n(مربع) بكسر الميم وسكون الراء وفتح الباء الموحدة وبالعين المهملة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1460> فصل في التابعين:</span>\n٨٤٧ - محمد بن الحنفية: هو محمد بن علي بن أبي طالب يكنى أبا القاسم، أمه خولة بنت جعفر الحنفية، وقيل: بل كانت أمه من سبأ اليمامة فصارت إلى علي\n_________\n(١) \"التاريخ الكبير\" (٩٥٦).\n(٢) \"صحيح البخاري\" (٥٥٩٠).","vol":"10","page":216},{"text":"ابن أبي طالب، وقالت أسماء بنت أبي بكر: رأيت أم محمد بن الحنفية سندية سوداء، وكانت أمة لبني حنيفة. روى عن أبيه، وعنه ابنه إبراهيم، مات بالمدينة سنة إحدى وثمانين، وله خمس وستون سنة، ودفن بالبقيع.\n٨٤٨ - محمد بن علي: هو محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يكنى أبا جعفر المعروف بـ (الباقر)، سمع أباه زين العابدين، وجابر بن عبد اللَّه. روى عنه ابنه جعفر الصادق وغيره، ولد سنة ست وخمسين، ومات بالمدينة سنة سبع عشرة، وقيل: ثماني عشرة ومئة، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقيل غير ذلك، ودفن بالبقيع، وسمي الباقر لأنه تبقَّرَ فِي العلم، أي: توسَّعَ.\n٨٤٩ - محمد بن يحيى: هو محمد بن يحيى بن حَبَّان يكنى أبا عبد اللَّه الأنصاري، روى عنه جماعة، وهو من مشايخ مالك بن أنس، وكان مالك يجله ويذكره بكل فضل من العبادة والزهد والفقه والعلم، مات بالمدينة سنة إحدى وعشرين ومئة، وهو ابن أربع وسبعين سنة.\n(حبان) بفتح الحاء وتشديد الباء الموحدة.\n٨٥٠ - محمد بن سيرين: هو محمد بن سيرين يكنى أبا بكر مولى أنس بن مالك. روى عن أنس بن مالك، وابن عمر، وأبي هريرة، وعنه خلق كثير، كان فقيهًا عالمًا زاهدًا عابدًا ورعًا محدثًا، من مشاهير التابعين وجلتهم، واشتهر بفنون علوم الشريعة، قال مورق العجلي: ما رأيت أحدًا أفقه في ورعه ولا أورع في فقهه من ابن سيرين، وقال خلف بن هشام: كان ابن سيرين قد أعطي هديًا وسمتًا وخشوعًا، فكان الناس إذا رأوه ذكروا اللَّه، وقال الأشعث: كان محمد إذا سئل عن مسألة من الفقه والحلال والحرام تغير لونه وتبدل كأنه ليس بالذي كان، قال مهدي (١): كنا نجلس إلى\n_________\n(١) انظر: \"تاريخ دمشق\" (٥٦/ ١٧٠).","vol":"10","page":217},{"text":"محمد فيحدثنا ونحدثه ويكثر إلينا ونكثر إليه، فإذا ذكر الموت تغير لونه واصفر وأنكرناه، وكأنه ليس بالذي كان، مات سنة عشرة ومئة وهو ابن سبع وسبعين سنة.\n٨٥١ - محمد بن سوقة: محمد بن سوقة أبو بكر الغنوي الكوفي العابد. روى عن أنس والنخعي وطائفة، وعنه ابن المبارك وابن عيينة وغيرهما، يقال: كان لا يحسن أن يعصي اللَّه، وأنفق مئة ألف درهم على إخوانه، ثقة مرضيٌّ (١).\n٨٥٢ - محمد بن عمرو: هو محمد بن عمرو بن الحسن بن علي بن أبي طالب، روى عن جابر بن عبد اللَّه (٢).\n٨٥٣ - محمد بن سليمان: هو محمد بن سليمان الباغندي يكنى أبا بكر الواسطي المعروف بالباغندي، [سكن] بغداد وحدث بها عن جماعة. روى عنه خلق كثير منهم أبو داود السجستاني، مات سنة ثلاث وثمانين ومئتين.\n٨٥٤ - محمد بن أبي بكر: هو محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، سمع أباه، روى عنه سفيان بن عيينة ومالك بن أنس، وكان قاضيًا بالمدينة بعد أبيه، وهو أكبر من أخيه عبد اللَّه، مات سنة اثنتين وثلاثين ومئة وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، ومات أبوه أبو بكر سنة عشرين ومئة.\n٨٥٥ - محمد بن المنكدر: هو محمد بن المنكدر التميمي، سمع جابر بن عبد اللَّه، وأنس بن مالك، وابن الزبير، وعمه ربيعة، روى عنه جماعة منهم: الثوري ومالك، مات سنة ثلاثين ومئة، وله نيف وسبعون سنة، وهو تابعي مشهور من مشاهير\n_________\n(١) كذا قال النسائي، وذكره ابن حبان في \"الثقات\" في الطبقة الثالثة في أتباع التابعين، وقال: \"وقد قيل: إنه رأى أنسًا وأبا الطفيل\". ومقتضاه أن تكون روايته عنده عن أنس مرسلة، كما قال الحافظ في \"التهذيب\" (٩/ ٢١٠).\n(٢) قلت: وروى عنه جماعة من الثقات منهم سعد بن إبراهيم وهو ثقة بلا خلاف.","vol":"10","page":218},{"text":"التابعين وجلتهم جمع بين العلم والزهد والعبادة والدين المتين والصدق والعفة.\n٨٥٦ - محمد بن المنتشر: هو محمد بن المنتشر الهمداني ابن أخي مسروق، روى عن ابن عمر وعائشة وغيرهما، وعنه جماعة.\n٨٥٧ - محمد بن الصباح: هو محمد بن الصباح، أبو جعفر الدولابي البزار مصنف \"السنن\"، روى عن شريك وهشيم وغيرهما، وعنه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد وخلق سواهم، وثقوه وكان حافظًا. مات سنة سبع وعشرين ومئتين.\n٨٥٨ - محمد بن خالد: هو محمد بن خالد السلمي. روى عن أبيه عن جده، ولجده صحبة (١).\n٨٥٩ - محمد بن زيد: هو محمد بن زيد بن عبد اللَّه بن عمر. روى عن جده وابن عباس، وعنه بنوه والأعمش وغيرهم، ثقة.\n٨٦٠ - محمد بن كعب: هو محمد بن كعب القرظي، مدني، سمع نفرًا من الصحابة، ومنه محمد بن المنكدر وغيره. كان أبوه ممن لم ينبت (٢) يوم قريظة فترك، مات سنة ثمان ومئة.\n٨٦١ - محمد بن أبي المجالد: هو محمد بن أبي المجالد الكوفي من تابعيها، حديثه فيهم، سمع جماعة من الصحابة، ومنه أبو إسحاق وشعبة وغيرهما.\n٨٦٢ - محمد بن قيس: هو محمد بن قيس بن مخرمة القرشي الحجازي، روى عن أبي هريرة وعائشة، وعنه عبد اللَّه بن كثير وغيره.\n٨٦٣ - محمد بن إبراهيم: هو محمد بن إبراهيم القرشي التيمي، سمع علقمة\n_________\n(١) قال الذهبي في \"الميزان\" (٧٤٦٨): \"لا يدري من هؤلاء\".\n(٢) قوله: \"لم ينبت\" أي العانة، يعني: ولم يقتل فيمن فتل من الأسرى يومئذ لصغره.","vol":"10","page":219},{"text":"ابن وقاص وأبا سلمة، أخرج له الترمذي (١) حديثًا في ركعتي الفجر عن قيس جد سعد ابن سعيد، وقيس هو جد يحيى بن سعيد وسعد أخيه، قال: وهو قيس بن عمرو و[يقال: هو] قيس بن قهد. ثم قال: وإسناد هذا الحديث ليس بمتصل فإن محمد بن إبراهيم التيمي لم يسمع من قيس.\n(قهد) بفتح القاف وقيل بفتح الفاء.\n٨٦٤ - محمد بن أبي بكر: هو محمد بن أبي بكر [بن] عوف الثقفي الحجازي. روى عن أنس بن مالك، وعنه جماعة (٢).\n٨٦٥ - محمد بن مسلم: هو محمد بن مسلم يكنى أبا الزبير، تقدم ذكره في حرف الزاي.\n٨٦٦ - محمد بن القاسم: هو محمد بن القاسم بن خلاد الضرير المعروف بأبي العيناء مولى أبي جعفر المنصور، أصله من اليمامة ومولده بالأهواز سنة إحدى وتسعين ومئة، ومنشؤه بالبصرة، كان من أحفظ الناس وأفصحهم لسانًا وأسرعهم جوابًا، مات سنة ثلاث وثمانين ومئتين. روى عنه جماعة (٣).\n٨٦٧ - محمد بن الفضل: هو محمد بن الفضل بن عطية، روى عن أبيه وزياد ابن علاقة ومنصور، وعنه داود بن شريد، ومحمد بن عيسى المدائني، تركوه، مات سنة ثمانين ومئة.\n٨٦٨ - محمد بن إسحاق: هو محمد بن إسحاق المدني مولى قيس بن مخرمة،\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٤٢٢).\n(٢) وهو ثقة احتج به الشيخان.\n(٣) وقال الدارقطني: ليس بقوي في الحديث، انظر: \"لسان الميزان\" (٧٣١٦).","vol":"10","page":220},{"text":"تابعي رأى أنس بن مالك وسعيد بن المسيب، وسمع جماعة كثيرة من التابعين، حدث عنه الأئمة والعلماء: يحيى بن سعيد، والثوري، والنخعي، وابن عيينة وخلق سواهم، كان عالمًا بالسير والمغازي وأيام الناس وأخبار المبدأ وقصص الأنبياء وعلم الحديث والقرآن والفقه، وقدم بغداد وحدث بها، ومات بها سنة خمسين ومئة، ودفن بمقبرة الخيزران في الجانب الشرقي.\n٨٦٩ - مُسدَّد بن مُسَرهَد: هو مسدد بن مسرهد البصري، سمع حماد بن زيد، وأبا عوانة وغيرهما، روى عنه البخاري وأبو داود وخلق كثير سواهما، مات سنة ثمان وعشرين ومئتين.\n(مسدد) بضم الميم وفتح السين المهملة وتشديد الدال الأولى وفتحها.\nوكذلك (مسرهد) بضم الميم وفتح السين وسكون الراء وفتح الهاء.\n٨٧٠ - مجاهد بن جبر: هو مجاهد بن جبر يكنى أبا حجاج مولى عبد اللَّه بن السائب المخزومي، من الطبقة الثانية من تابعي مكة وفقهائها وقرائها والمشهورين بها، وأحد الأعلام المعروفين، كان إمامًا في القراءة والتفسير. روى عنه جماعة، مات سنة مئة.\n(جبر) بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة.\n٨٧١ - مهاجر بن مسمار: هو مهاجر بن مسمار الزهري مولاهم. روى عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، وعنه ابن أبي ذؤيب وغيره، ثقة.\n٨٧٢ - مكحول بن عبد اللَّه: هو مكحول بن عبد اللَّه يكنى أبا عبد اللَّه الشامي من سبي كابل، كان مولى لامرأة من قيس، وقيل: مولى لبني ليث، وكان معلم الأوزاعي، وقال الزهري: العلماء أربعة: ابن المسيب بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن البصري","vol":"10","page":221},{"text":"بالبصرة، ومكحول بالشام، ولم يكن في زمان مكحول أبصر بالفتيا منه، وكان لا يفتي حتى يقول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، هذا رأي، والرأي يخطئ ويصيب، روى عن جماعة، وعنه خلق كثير، مات سنة ثماني عشرة ومئة.\n٨٧٣ - مسروق بن الأجدع: هو مسروق بن الأجدع الهمداني الكوفي، أسلم قبل وفاة النبي -ﷺ- وأدرك الصدر الأول من الصحابة: كأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وكان أحد الأعلام والفقهاء، قال مرة بن شراحيل: ما ولدت همدانية مثل مسروق، وقال الشعبي: إن كان أهل بيت خلقوا للجنة فهم هؤلاء: الأسود وعلقمة ومسروق. وقال محمد بن المنتشر: إن خالد بن عبد اللَّه كان عاملًا على البصرة أهدى إلى مسروق ثلاثين ألفًا، وهو يومئذ محتاج فلم يقبلها، يقال: إنه سرق صغيرًا، ثم وجد فسمي مسروقًا. روى عنه جماعة كثيرة، مات بالكوفة سنة اثنتين وستين.\n٨٧٤ - مرثد بن عبد اللَّه: هو مرثد بن عبد اللَّه، يكنى أبا الخير، اليزني المصري، سمع عقبة بن عامر، وأبا أيوب، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص. روى عنه يزيد بن أبي حبيب.\n٨٧٥ - مالك بن مرثد: هو مالك بن مرثد، روى عن أبيه، وعنه سماك بن الوليد وغيره.\n٨٧٦ - مسلم بن أبي بكرة: هو مسلم بن أبي بكرة الثقفي، تابعي. روى عن أبيه، وعنه عثمان الشحام.\n٨٧٧ - مسلم بن يسار: هو مسلم بن يسار الجهني، أخرج الترمذي حديثه في تفسير سورة (الأعراف) عن عمر بن الخطاب، وقال: حديثه حسن إلا أنه لم يسمع عمر، وقال البخاري (١): إن مسلم بن يسار روى عن نعيم عن عمر.\n_________\n(١) انظر: \"التاريخ الكبير\" (١١٦٩).","vol":"10","page":222},{"text":"٨٧٨ - مصعب بن سعد: هو مصعب بن سعد بن أبي وقاص القرشي، سمع أباه وعلي بن أبي طالب وابن عمر. روى عنه سماك بن حرب وغيره.\n٨٧٩ - معن بن عبد الرحمن: هو معن بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن مسعود الهذلي. روى عن أبيه.\n٨٨٠ - معدان بن طلحة: هو معدان بن طلحة اليعمري، سمع عمر، وأبا الدرداء، وثوبان (١).\n٨٨١ - معمر بن راشد: هو معمر بن راشد يكنى أبا عروة الأزدي مولاهم عالم اليمن. روى عن الزهري وهمام، وعنه الثوري وابن عيينة وغيرهما، قال عبد الرزاق: سمعت منه عشرة آلاف حديث، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة وله ثمان وخمسون سنة.\n٨٨٢ - المهلب بن أبي صفرة: هو المهلب بن أبي صفرة الأزدي، صاحب المقامات المأثورة والحروب المشهورة مع الخوارج، سمع سمرة، وابن عمر. روى عنه جماعة، مات سنة ثلاث وثمانين بمرو الروذ من أرض خراسان في أيام عبد الملك ابن مروان، وهو في الطبقة الأولى من تابعي البصرة.\n٨٨٣ - مُورِّق بن المُشَمرِج: هو مورق بن المشمرج أبو المعتمر العجلي البصري، حدث عن أبي ذر، وأنس بن مالك، وابن عمر، وعنه مجاهد وقتادة وغيرهما.\n(مورق) بضم الميم وفتح الواو وتشديد الراء وبالقاف.\n_________\n(١) وروى عنه الوليد بن هشام المعيطي وابنه يعيش بن الوليد وسالم بن أبي الجعد وحفص بن عمر الأنصاري والسائب بن يزيد، انظر: \"تهذيب الكمال\" (٦٠٨٢)، و\"التاريخ الكبير\" (٢٠٧٠).","vol":"10","page":223},{"text":"و(المشمرج) بضم الميم وفتح الشين المعجمة وسكون الميم وكسر الراء وبالجيم.\n٨٨٤ - موسى بن طلحة: هو موسى بن طلحة يكنى أبا عيسى التيمي القرشي، سمع جماعة من الصحابة، مات سنة أربع ومئة.\n٨٨٥ - موسى بن عبد اللَّه: هو موسى بن عبد اللَّه الجهني الكوفي، سمع مجاهدًا ومصعب بن سعد. روى عنه شعبة، ويحيى بن سعيد، ويعلى.\n٨٨٦ - موسى بن عبيدة: هو موسى بن عبيدة الربذي. روى عن محمد بن كعب، ومحمد بن إبراهيم التيمي، وعنه شعبة وعبيد اللَّه بن موسى، وعلي (١)، ضعفوه، مات سنة ثلاث وخمسين ومئة.\n٨٨٧ - مطرف بن عبد اللَّه: هو مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير العامري البصري، روى عن أبي ذر، وعثمان بن أبي العاص، مات بعد سنة سبع وثمانين.\n(مطرف) بضم الميم وفتح الطاء المهملة وتشديد الراء المكسورة وبالفاء.\n(الشخير) بكسر الشين المعجمة وكسر الخاء المعجمة المشددة.\n٨٨٨ - معاذ بن زهرة: هو معاذ بن زهرة السلمي الكوفي، تابعي أرسل. روى عنه حصين بن عبد الرحمن.\n٨٨٩ - معاذ بن عبد اللَّه: هو معاذ بن عبد اللَّه بن خبيب الجهني المدني. روى عن أبيه (٢).\n_________\n(١) هو علي بن صالح، أو علي بن مجاهد، كلاهما يرويان عن موسى بن عبيدة، انظر: \"تهذيب الكمال\" (٦٢٨٠).\n(٢) وعنه أسامة بن زيد الليثي وزيد بن أسلم وجماعة، مات سنة ثماني عشرة ومئة، انظر: \"تهذيب الكمال\" (٦٠٣١).","vol":"10","page":224},{"text":"٨٩٠ - المخلد بن خفاف: هو المخلد بن خفاف. روى عن عروة، وعنه ابن أبي ذئب، وحديثه حديث \"الخَراجُ بالضَّمانِ\".\n٨٩١ - المختار بن فلفل: هو المختار بن فلفل المخزومي الكوفي، سمع أنس ابن مالك. روى عنه الثوري وغيره. (فلفل) بفاءين مضمومتين.\n٨٩٢ - المختار بن أبي عبيد: هو المختار بن أبي عبيد بن مسعود الثقفي، كان أبوه من أجلة الصحابة، وولد المختار عام الهجرة، وليس له صحبة ولا رواية، وهو الذي قال في حقه عبد اللَّه بن عصمة: هو الكذاب الذي قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"في ثقيفٍ كذَّابٌ\"، كان أولًا مشهورًا بالفضل والعلم والخير، وكان ذلك منه بخلاف ما يبطنه، إلى أن فارق عبد اللَّه بن الزبير، وطلب الإمارة، وأظهر ما كان يبطن من فساد الرأي والعقيدة والهوى إلى أن ظهر منه أسباب كثيرة تخالف الدين، وكان يظهر طلب ثأر الحسين بن علي بن أبي طالب ليتمشَّى أمره الذي يرومه من الإمارة وطلب الدنيا، ولم يزل كذلك إلى أن قتل سنة سبع وستين في أيام مصعب بن الزبير.\n٨٩٣ - المغيرة بن زياد: هو المغيرة بن زياد البجلي الموصلي. روى عن عكرمة ومكحول، وعنه وكيع وأبو عاصم وجماعة، وقال أحمد بن حنبل (١): منكر الحديث، ولم أجد المغيرة بن زياد في الصحابة.\n٨٩٤ - المغيرة بن مِقسم: هو المغيرة بن مِقسم الكوفي الفقيه الأعمى. روى عن أبي وائل، والشعبي، وعنه شعبة، وزائدة، وابن فضيل، وروى جرير عنه قال: ما وقع في مسامعي شيء فنسيته، مات سنة ثلاث وثلاثين ومئة.\n٨٩٥ - المثنى بن الصباح: هو المثنى بن الصباح اليماني ثم المكي، روى عن\n_________\n(١) انظر: \"موسوعة أقوال الإمام أحمد\" (٣١٩٥)، و\"تهذيب الكمال\" (٦١٢٦).","vol":"10","page":225},{"text":"عطاء ومجاهد وعمرو بن شعيب، وعنه عبد الرزاق وغيره، قال أبو حاتم وغيره: لين الحديث، مات سنة تسع وأربعين ومئة.\n٨٩٦ - معاوية بن قرة: هو معاوية بن قرة، يكنى أبا إياس البصري، سمع أباه وأنس بن مالك وعبد اللَّه بن مغفل، وروى عنه قتادة وشعبة والأعمش.\n(إياس) بكسر الهمزة وتخفيف الياء تحتها نطقتان.\n٨٩٧ - معاوية بن مسلم: هو معاوية بن مسلم، يكنى أبا نوفل، سمع ابن عباس وابن عمر، روى عنه شعبة وابن جريج.\n٨٩٨ - ميناء: هو ميناء (١)، روى عن مولاه عبد الرحمن بن عوف وعثمان وأبي هريرة، وعنه والد عبد الرزاق، ضعفوه.\n٨٩٩ - أبو المَلِيح: هو أبو المليح عامر بن أسامة الهذلي البصري. روى عن جماعة من الصحابة.\n(المليح) بفتح الميم وكسر اللام وبالحاء المهملة.\n٩٠٠ - أبو مودود: هو أبو مودود عبد العزيز بن أبي سليمان المدني، رأى أبا سعيد الخدري، وسمع السائب بن يزيد وعثمان بن الضحاك، وعنه ابن مهدي والقعنبي وكامل بن طلحة، وثقوه، توفي في إمارة المهدي، له ذكر في (باب فضائل سيد المرسلين -ﷺ-).\n٩٠١ - أبو ماجد: هو أبو ماجد الحنفي، روى عن ابن مسعود، وعنه يحيى الجابر، له ذكر في (باب المشي بالجنازة) في حديث ابن مسعود، سماه الترمذي أبا\n_________\n(١) هو ميناء بن أبي ميناء القرشي الخرَّاز.","vol":"10","page":226},{"text":"ماجد، وقال: سمعت محمد بن إسماعيل يضعف حديثه، وقال ابن عيينة: وهو طائر طار.\n٩٠٢ - أبو مسلم: هو أبو مسلم الخولاني الزاهد عبد اللَّه بن ثُوَب على الأصح، لقي أبا بكر وعمر ومعاذًا. روى عنه جبير بن نفير وعروة وأبو قلابة، ومناقبه كثيرة، مات سنة اثنتين وستين.\n٩٠٣ - أبو المطوس: روى عن أبيه، وعنه حبيب بن أبي ثابت، وقيل: بينهما عمارة، وثق.\n٩٠٤ - ابن المديني: هو علي بن عبد اللَّه، تقدم ذكره في حرف العين.\n٩٠٥ - ابن المثنى: هو محمد بن عبد اللَّه بن المثنى [بن عبد اللَّه] بن أنس بن مالك الأنصاري البصري، سمع أباه وسليمان التيمي وحميدًا الطويل وغيرهم، روى عنه قتيبة وأحمد بن حنبل ومحمد بن إسماعيل البخاري وغيرهم من الأئمة الأعلام، ولي قضاء البصرة أيام الرشيد، وقدم بغداد فولي القضاء وحدث بها ثم رجع إلى البصرة، ولد سنة ثماني عشرة ومئة، ومات سنة خمس عشرة ومئتين.\n٩٠٦ - ابن أبي مليكة: هو عبد اللَّه بن عبيد اللَّه، تقدم ذكره في حرف العين.\n٩٠٧ - المحاربي: هو المحاربي بضم الميم وبالحاء المهملة وبالراء وبالباء الموحدة، منسوب إلى محارب بطن من قريش، وهو عبد الرحمن بن محمد، روى عن الأعمش ويحيى بن سعيد، وعنه أحمد وعلي بن حرب، وكان حافظًا، مات سنة خمس وتسعين ومئة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1461> فصل في الصحابيات:</span>\n٩٠٨ - ميمونة: هي أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية العامرية، يقال:","vol":"10","page":227},{"text":"إن اسمها [كان] برة فسماها النبي -ﷺ- ميمونة، كانت تحت مسعود بن عمرو الثقفي في الجاهلية ففارقها، وتزوجها أبو رهم وتوفي عنها، فتزوجها النبي -ﷺ- في ذي القعدة سنة سبع في عمرة القضاء بـ (سرف) على عشرة أميال من مكة، وقدر اللَّه تعالى أنها ماتت في المكان الذي تزوجها فيه بـ (سرف) سنة إحدى وستين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل غير ذلك، وصلى عليها ابن عباس، وهي أخت أم الفضل امرأة العباس وأخت أسماء بنت عميس، وهي آخر أزواج النبي -ﷺ-، قيل: إنه لم يتزوج بعدها. روى عنها جماعة منهم: عبد اللَّه بن عباس.\n٩٠٩ - أم المنذر: هي أم المنذر بنت قيس الأنصارية، ويقال: العدوية، لها صحبة ورواية. روى عنها يعقوب بن أبي يعقوب.\n٩١٠ - أم معبد بنت خالد: هي أم معبد الخزاعية عاتكة بنت خالد، يقال: إنها أسلمت لما نزل النبي -ﷺ- عليها في مهاجرته إلى المدينة، ويقال: إنها قدمت المدينة فأسلمت، وحديثها الحديث المعروف بـ (حديث أم معبد) مشهور.\n٩١١ - أم معبد بنت كعب: هي أم معبد بنت كعب بن مالك الأنصارية، وكانت قد صلَّت [إلى] القبلتين، روى عنها ابنها معبد، قاله ابن منده، وقال ابن عبد البر (١): هي أم معبد زوجة كعب بن مالك الأنصاري السلمي وهي أم معبد بن كعب بن مالك الأنصاري. روى عنها ابنها معبد، والذي جاء في \"تاريخ البخاري\" في باب (معبد) أن معبدًا هو ابن كعب بن مالك الأنصاري هذا يعضد قول ابن عبد البر.\n٩١٢ - أم مالك البهزية: هي أم مالك البهزية، لها صحبة ورواية، وهي حجازية. روى عنها طاووس ومكحول.\n_________\n(١) \"الاستيعاب\" (٤٢١٣).","vol":"10","page":228},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1462> فصل في التابعيات:</span>\n٩١٣ - معاذة بنت عبد اللَّه: هي معاذة بنت عبد اللَّه العدوية. روت عن علي وعائشة، وعنها قتادة وغيره، ماتت سنة ثلاث وثمانين.\n٩١٤ - المغيرة: هي المغيرة أخت الحجاج بن حسان، رأت أنس بن مالك، وروت عنه، وروى عنها أخوها الحجاج، حديثها في (باب الترجل).\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1463>حرف النون</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1464> فصل في الصحابة:</span>\n٩١٥ - النعمان بن بشير: هو النعمان بن بشير يكنى أبا عبد اللَّه الأنصاري، وهو أول مولود ولد للأنصار من المسلمين بعد الهجرة، قيل: مات النبي -ﷺ- وله ثماني سنين وسبعة أشهر، وله ولأبويه صحبة، سكن الكوفة، وكان واليًا عليها زمن معاوية، ثم ولي حمص فدعا لعبد اللَّه بن الزبير، فطلبه أهل حمص فقتلوه سنة أربع وستين. روى عنه جماعة منهم: ابنه محمد والشعبي.\n٩١٦ - النعمان بن عمرو بن مُقَرِّن: هو النعمان بن عمرو بن مقرن المزني. روي أنه قال: قدمنا على النبي -ﷺ- في أربع مئة من مُزَينة، سكن البصرة ثم تحول إلى الكوفة، وكان عامل عمر على جيش نهاوند، واستشهد يوم فتحها سنة إحدى وعشرين. روى عنه معقل بن يسار ومحمد بن سيرين (١) وغيرهما.\n(مقرن) بضم الميم وفتح القاف وتشديد الراء المكسورة وبالنون.\n_________\n(١) روايته عن النعمان بن عمرو فيها محل نظر، لأن محمد بن سيرين ولد سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان -﵁-.","vol":"10","page":229},{"text":"٩١٧ - نعيم بن مسعود: هو نعيم بن مسعود الأشجعي، هاجر إلى النبي -ﷺ- وأسلم بالخندق، وهو الذي سعى بين بني قريظة وأبي سفيان بن حرب، وأبو سفيان يومئذ رأس الأحزاب، وخذَّلهم عن رسول اللَّه -ﷺ-، وحكايته معروفة، سكن المدينة. روى عنه ابنه سلمة، ومات في خلافة عثمان، وقيل: بل قتل في وقعة الجمل قبل قدوم علي بن أبي طالب.\n٩١٨ - نعيم بن هَمَّار: هو نعيم بن همار بفتح الهاء وتشديد الميم وبالراء، وقيل: همام بالميم، الغطفاني. روى عنه أبو إدريس الخولاني وغيره.\n٩١٩ - نعيم بن عبد اللَّه: هو نعيم بن عبد اللَّه القرشي العدوي المعروف بالنَّحَّام، وقيل: هو نعيم بن النحام بن عبد اللَّه، أسلم بمكة قديمًا، يقال: إنه أسلم قبل إسلام عمر، وكان يكتم إسلامه، ومنعه قومه لشرفه فيهم من الهجرة لأنه كان ينفق على أرامل بني عدي وأيتامهم، فقالوا: أقِمْ عندنا على أيِّ دينٍ شئتَ، وهاجر عام الحديبية، وقتل بـ (أَجْنادَينَ) شهيدًا في آخر خلافة أبي بكر. روى عنه نافع ومحمد بن إبراهيم التيمي.\n(النحام) بفتح النون وتشديد الحاء المهملة.\nو(أجنادين) بفتح الهمزة وسكون الجيم وبالنون وفتح الدال المهملة وسكون الياء تحتها نقطتان.\n٩٢٠ - ناجية بن جندب: هو ناجية بن جندب الأسلمي صاحب بدن رسول اللَّه -ﷺ-، ويقال: إنه ناجية بن عمرو، وهو معدود في أهل المدينة، وكان اسمه ذكوان فسمّاه النبي -ﷺ- ناجية، إذ نجا من قريش، وهو الذي نزل القليب في الحديبية بسهم رسول اللَّه -ﷺ- فيما يقال. روى عنه عروة بن الزبير وغيره، مات بالمدينة في أيام معاوية.","vol":"10","page":230},{"text":"٩٢١ - نُبَيشة الخير: هو نبيشة الخير الهذلي. روى عنه أبو المليح وأبو قلابة، يعدّ في البصريين وحديثه فيهم.\n٩٢٢ - نوفل بن معاوبة: هو نوفل بن معاوية الدِّيلي، قيل: إنه عمّر في الجاهلية ستين سنة وفي الإسلام ستين، وقيل: بل عاش مئة سنة، وأول مشاهده فتح مكة. وكان أسلم قبل ذلك، عداده في أهل الحجاز، ومات بالمدينة زمن يزيد بن معاوية، روى عنه نفر.\n(الديلي) بكسر الدال وسكون الياء.\n٩٢٣ - النواس بن سمعان: هو النواس بن سمعان الكلابي، سكن الشام وهو معدود فيهم. روى عنه جبير بن نفير وأبو إدريس الخولاني.\n(سمعان) بكسر السين المهملة وقيل بفتحها وسكون الميم وبالعين المهملة.\n٩٢٤ - نفيع بن الحارث: هو نفيع بن الحارث الثقفي، يكنى أبا بكرة، تقدم ذكره في حرف الباء.\n٩٢٥ - نافع بن عتبة: هو نافع بن عتبة بن أبي وقاص الزهري، وهو ابن أخي سعد بن أبي وقاص. روى عنه جابر بن سمرة، وأسلم يوم فتح مكة، عداده في أهل الكوفة.\n٩٢٦ - أبو نجيح: هو أبو نجيح، اسمه عمرو بن عبسة، تقدم ذكره في حرف العين.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1465> فصل في التابعين:</span>\n٩٢٧ - نافع بن سرجس: هو نافع بن سرجس مولى عبد اللَّه بن عمر، كان ديلميًا، وهو من كبار التابعين، سمع ابن عمر وأبا سعيد. روى عنه خلق كثير منهم الزهري ومالك بن أنس، وهو من المشهورين بالحديث ومن الثقات الذين يؤخذ عنهم","vol":"10","page":231},{"text":"ويجمع حديثهم ويعمل به، معظم حديث ابن عمر عليه دائر، قال مالك: كنت إذا سمعت حديث نافع عن ابن عمر لا أبالي أن لا أسمعه من أحد، مات سنة سبع عشرة ومئة.\n(سرجس) بفتح السين المهملة الأولى وسكون الراء وكسر الجيم.\n٩٢٨ - نافع بن جبير: هو نافع بن جبير بن مطعم القرشي الحجازي، روى عن أبيه وأبي هريرة وغيرهما، وعنه الزهري وغيره.\n٩٢٩ - نافع بن غالب: هو نافع بن غالب، يكنى أبا غالب، الخياط الباهلي، يعدّ في تابعي البصرة، روى عن أنس بن مالك، وعنه عبد الوارث.\n٩٣٠ - نُبَيه بن وهب: هو نبيه بن وهب الكعبي الحجازي، سمع أبان بن عثمان وكعبًا مولى سعيد بن العاص. روى عنه نافع.\n(نبيه) بضم النون وفتح الباء الموحدة وسكون الياء تحتها نقطتان.\n٩٣١ - النضر بن شُمَيل: هو النضر بن شميل، يكنى أبا الحسن المازني، سكن المرو، مات بها سنة ثلاث ومئتين أو نحوها، روى عنه خلق كثير، كان إماما في اللغة والنحو وسائر فنون الأدب.\n(شميل) بضم الشين المعجمة.\n٩٣٢ - ناصح بن عبد اللَّه: هو ناصح بن عبد اللَّه المحلّمي، له ذكر في (باب الشفقة والرحمة). روى عن سماك ويحى بن أبي كثير، وعنه يحيى بن يعلى الأسلمي وإسحاق بن منصور السلولي، صالح، ضعفوه.\n٩٣٣ - النُّفَيلي: هو عبد اللَّه بن محمد بن علي بن نفيل الحافظ. روى عن مالك، وعنه أبو داود، وقال: ما رأيت أحفظ منه، وكان أحمد يعظمه، وهو من أركان الدين، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين.","vol":"10","page":232},{"text":"٩٣٤ - النجاشي: هو النجاشي ملك الحبشة، والذي أسلم وآمن بالنبي -ﷺ-، هو أصحمة، مات قبل الفتح وصلى عليه النبي -ﷺ- لما جاءه خبر موته ولم يره، وأورده ابن منده في جملة الصحابة وإن لم يصحب النبي -ﷺ- ولا رآه، والأولى أن لا يعدّ في جملة الصحابة؛ لأن اسم الصحابة لا يطلق عليه بحال، له ذكر في صلاة الجنازة وغيرها.\n٩٣٥ - أبو النضر: هو أبو النضر سالم بن أبي أمية مولى عمر بن عبيد اللَّه بن معمر القرشي التيمي المدني، يعدّ في التابعين. روى عنه مالك والثوري وابن عيينة.\n(النضر) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة.\n٩٣٦ - أبو نضرة المنذر: هو أبو نضرة المنذر بن مالك العبدي، سمع ابن عمر وأبا سعيد وابن عباس، روى عنه إبراهيم التيمي وقتادة وسعيد بن يزيد، عداده في تابعي البصرة، مات قبل الحسن بقليل.\n٩٣٧ - ابن النواحة: هو عبد اللَّه الذي جاء مع صاحبه ابن أثال من عند مسيلمة الكذاب إلى رسول اللَّه -ﷺ-، لهما ذكر في (باب الأمان)، وأما ابن النواحة فدخل في غمار المسلمين بعد مقتل مسيلمة، فأرسل زمن عمر بن الخطاب إلى الكوفة في أمداد اليمن، وكان إمام قومه من بني حنيفة فشهد عليه حارئة بن مضرب، وعلى صحابة كانوا يتدارسون بعد صلاة الصبح -في مسجدٍ- الفريةَ التي اختلقها مسيلمة وزعم أنها مما أوحي إليه، وكان على الكوفة عبد اللَّه بن مسعود معلّمًا للناس ووزيرًا لأبي موسى، فأحضرت الفئة الطاغية واستبان غيهم فاستتيبوا فتابوا فقبلت التوبة عنهم إلا ابن النواحة، فإن ابن مسعود أبى أن يقبل توبته، فنفى القوم إلى الشام ووكلت سرائرهم إلى اللَّه، وقال ابن مسعود: إن كانت سرائرهم على ما كانت عليه فسينفيهم طاعون الشام وإلا","vol":"10","page":233},{"text":"فلا سبيل لنا عليهم، وأما ابن النواحة فأبى ابن مسعود إلا قتله لأنه كان من الزنادقة الدعاة فأمر قرظة بن كعب فضرب عنقه في السوق.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1466>حرف الواو</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1467> فصل في الصحابة:</span>\n٩٣٨ - واثلة بن الأسقع: هو واثلة بن الأسقع الليثي، أسلم والنبي -ﷺ- يتجهز إلى تبوك، ويقال: إنه خدم النبي -ﷺ- ثلاث سنين، وكان من أهل الصفة، نزل البصرة ثم نزل الشام، وكان منزله على ثلاثة فراسخ من دمشق بقرية يقال لها (البلاط)، ثم تحول إلى بيت المقدس ومات بها وهو ابن مئة سنة. روى عنه نفر.\n(الأسقع) بفتح الهمزة وسكون السين المهملة وفتح القاف وبالعين المهملة.\n٩٣٩ - وهب بن عميو: هو وهب بن عمير بن وهب الجمحي، أسر يوم بدر كافرًا، قدم أبوه المدينة فأسلم فأطلق له النبي -ﷺ- ابنه وهبًا فأسلم، وكان له قدر وشرف، بعثه النبي -ﷺ- إلى صفوان بن أمية زمن فتح مكة يدعوه إلى الإسلام، مات بالشام مجاهدًا.\n٩٤٠ - وابصة بن معبد: هو وابصة بن معبد، يكنى أبا شداد، الأسدي، نزل الكوفة ثم تحول إلى الجزيرة ومات بالرقة. روى عنه زياد بن أبي الجعد.\n٩٤١ - وائل بن حُجْر: هو وائل بن حجر الحضرمي، كان قَيْلًا (١) من أقيال حضرموت وكان أبوه من ملوكهم، وفد على النبي -ﷺ-، ويقال: إنه بشر به النبي -ﷺ-\n_________\n(١) القيل: الملِك من ملوك حمير، يتقيّل من قبله من ملوكهم، أي: يشبهه، وجمعه أقيال وقيول، انظر: \"لسان العرب\" (١١/ ٥٨٠)، و\"تاج العروس\" (٣٠/ ٣٠٨).","vol":"10","page":234},{"text":"أصحابه قبل قدومه، وقال: \"يأتيكم وائل بن حجر من أرض بعيدة من حضرموت طائعًا راغبًا في اللَّه ﷿ وفي رسوله وهو بقية أبناء الملوك\"، فلما دخل عليه رحب به وأدناه من نفسه وبسط له رداءه فأجلسه عليه وقال: \"اللهم بارك في وائل وولده، وولد ولده\" واستعمله على الأقبال من حضرموت، روى عنه ابناه علقمة وعبد الجبار وغيرهما.\n(حجر) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم وبالراء.\n٩٤٢ - وحشي بن حرب: وحشي بن حرب الحبشي من سودان مكة، مولى جبير بن مطعم، وهو الذي قتل حمزة بن عبد المطلب يوم أحد، وكان وحشي يومئذ كافرًا، أسلم بعد الطائف وشهد اليمامة، وزعم أنه قتل مسيلمة، فقال: قتلت خير الناس وشر الناس بحربتي هذه، نزل الشام ومات بحمص. روى عنه ابناه إسحاق وحرب وغيرهما.\n٩٤٣ - الوليد بن عقبة: هو الوليد بن عقبة، يكنى أبا وهب، القرشي، أخو عثمان بن عفان لأمه، أسلم يوم الفتح وقد ناهز الاحتلام، ولاه عثمان الكوفة، وكان من رجال قريش وشعرائهم. روى عنه أبو موسى الهمداني وغيره، مات بالرقة.\n٩٤٤ - الوليد بن الوليد: هو الوليد بن الوليد القرشي المخزومي، أخو خالد بن الوليد، أسر يوم بدر كافرًا وفداه أخواه خالد وهشام، فلما فُدي أسلم، فقيل له: هلا أسلمت قبل أن تفتدى؟ فقال: كرهت أن تظنوا أني أسلمت جزعًا من الإسار، فحبسوه بمكة، وكان النبي -ﷺ- يدعو له في القنوت مع من يدعو له من المستضعفين بمكة، ثم أفلت من إسارهم ولحق برسول اللَّه -ﷺ- وشهد عمرة القضية. روى عنه عبد اللَّه بن عمر وأبو هريرة.","vol":"10","page":235},{"text":"٩٤٥ - ورقة بن نوفل: هو ورقة بن نوفل بن أسد القرشي، كان تنصَّر في الجاهلية وقرأ الكتاب وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، وهو ابن عم خديجة أم المؤمنين (١).\n٩٤٦ - أبو واقد: هو أبو واقد الحارث بن عوف الليثي، قديم الإسلام، عداده في أهل المدينة، وجاور بمكة سنة، ومات بها سنة ثمان وستين وهو ابن خمس وسبعين سنة، ودفن بـ (فخّ) (٢).\n٩٤٧ - أبو وهب: هو أبو وهب الجُشَمي، اسمه كنيته، وله صحبة ورواية. (الجشمي) بضم الجيم وفتح الشين المعجمة وكسر الميم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1468> فصل في التابعين:</span>\n٩٤٨ - وهب بن مُنبِّه: هو وهب بن منبه، يكنى أبا عبد اللَّه، الصنعاني، من أبناء فارسَ، سمع جابر بن عبد اللَّه وابن عباس، مات سنة أربع عشرة ومئة.\n(منبه) بضم الميم وفتح النون وتشديد الباء الموحدة وكسرها.\n٩٤٩ - وَبْرة بن عبد الرحمن: هو وبرة بن عبد الرحمن، يكنى أبا خزيمة،\n_________\n(١) قال ابن عساكر (٦٣/ ٤): \"لا أعرف من قال: إن ورقة أسلم، والنبي -ﷺ- لم يقطع بإسلامه\" قلت: لكن قول ورقة في قصة بدء الوحي ومجيء جبريل إلى النبي -ﷺ- بحراء: \"هذا الناموس الذي أنزل على موسى، يا ليتني كنت فيها جذعًا، ليتني أكون حيًا حين يخرجك قومك\" متفق عليه، فهذا ظاهره أنه أقر بنبوته، ولكنه مات قبل أن يدعو رسول اللَّه -ﷺ- الناس إلى الإسلام فيكون مثل بحيرا، كما قال الحافظ، وقد جاءت أحاديث أنه -ﷺ- رآه في الجنة، فراجعها في \"الإصابة\" (٩١٥١).\n(٢) موضع بمكة دفن به ابن عمر -﵄-، كما في \"القاموس\" (ص: ٢٣٣)، وفي \"الاستيعاب\" (٣٢١٤): أن أبا واقد دفن بمكة في مقبرة المهاجرين، انتهى. فالظاهر أن هذا الموضع هو فخ. واللَّه أعلم.","vol":"10","page":236},{"text":"الحارثي. روى عن ابن عمر وسعيد بن جبير، وعنه جماعة.\n(وبرة) بفتح الواو وسكون الباء الموحدة.\n٩٥٠ - وكيع بن الجراح: هو وكيع بن الجراح الكوفي من قيس عيلان، وقيل: إن أصله من قرية من قرى نيسابور، سمع هشام بن عروة والأوزاعي والثوري وغيرهم. روى عنه عبد اللَّه بن المبارك وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني وخلق كثير سواهم، قدم بغداد وحدث بها، وهو من مشايخ الحديث الثقات المعمول بحديثهم المرجوع إلى قولهم، كان يفتي بقول أبي حنيفة، وكان قد سمع منه شيئًا كثيرًا، ولد سنة تسع وتسعين، ومات يوم عاشوراء ودفن بـ (فيد) (١) وهو راجع من مكة.\n٩٥١ - وحشي بن حرب: هو وحشي بن حرب، روى عن أبيه عن جده، وعنه صدقة بن خالد وغيره، يعدّ في الشاميين.\n٩٥٢ - أبو وائل: هو أبو وائل شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، أدرك الجاهلية والإسلام، وأدرك النبي -ﷺ- ولم يره ولم يسمع منه، قال: كنت قبل أن بعث النبي -ﷺ- ابن عشر سنين أرعى غنمًا لأهلي بالبادية، روى عن خلق من الصحابة، منهم عمر ابن الخطاب وابن مسعود وكان خصيصًا به من أكابر أصحابه، وهو كثير الحديث، ثقة ثبت حجة، مات زمن الحجاج.\n٩٥٣ - الوليد بن عتبة: هو الوليد بن عتبة بن ربيعة، جاهلي، له ذكر في غزوة بدر قتل بها مشركًا.\n* * *\n_________\n(١) قلعة بطريق مكة تسمى بفيد بن فلان. \"قاموس\" (ص: ٢٧٩).","vol":"10","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1469>حرف الهاء</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1470> فصل في الصحابة:</span>\n٩٥٤ - هشام بن حكيم: هو هشام بن حكيم بن حزام القرشي الأسدي، أسلم يوم الفتح، وكان من فضلاء الصحابة وخيارهم ممن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، روى عنه نفر منهم عمر بن الخطاب، ومات قبل أبيه، ومات أبوه سنة أربع وخمسين.\n٩٥٥ - هشام بن العاص: هو هشام بن العاص أخو عمرو بن العاص، كان قديم الإسلام، أسلم بمكة وهاجر إلى الحبشة، ثم قدم مكة حين بلغه مهاجرة النبي -ﷺ- بعد الخندق بالمدينة، كان خَيِّرًا فاضلًا، روى عنه عبد اللَّه ابن أخيه، وقتل باليرموك سنة ثلاث عشرة.\n٩٥٦ - هشام بن عامر: هو هشام بن عامر الأنصاري، سكن البصرة ومات بها وعداده في البصريين وحديثه عندهم، روى عنه ابنه سعد والحسن البصري وغيرهما.\n٩٥٧ - هلال بن أمية: هو هلال بن أمية الواقفي الأنصاري، أحد الثلاثة الذين تخلفوا من غزوة تبوك فتاب اللَّه عليهم، شهد بدرًا، وهو الذي قذف امرأته بشريك، له ذكر في اللعان. روى عنه جابر وابن عباس.\n٩٥٨ - هزّال بن ذباب: هو هزال بن ذباب (١)، يكنى أبا نعيم، الأسلمي، روى عنه ابنه نعيم ومحمد بن المنكدر، له ذكر في حديث ماعز ورجمه، ومن الناس من\n_________\n(١) في \"الاستيعاب\" (٢٦٧٩): هزال بن ذياب بن يزيد، وفي \"الإصابة\" (٨٩٧٤): هزال بن يزيد ابن ذئاب، وفي \"أسد الغابة\" (٥٣٦٩): هزال بن ذئاب بن يزيد، وفي \"تهذيب الأسماء والصفات\" (٦٤٥): هزال بن ذباب بن يزيد، وقال ابن منده وأبو نعيم: هزال بن يزيد، فأسقطاه أبا. واللَّه أعلم.","vol":"10","page":238},{"text":"يقول: إن محمد بن المنكدر إنما روى عن نعيم عن أبيه.\n٩٥٩ - أبو هريرة: هو أبو هريرة قد اختلف الناس في اسمه ونسبه اختلافًا كثيرًا، وأشهر ما قيل فيه أنه كان في الجاهلية عبد شمس أو عبد عمرو، وفي الإسلام عبد اللَّه أو عبد الرحمن، وهو دوسي، قال الحاكم أبو أحمد: أصح شيء عندنا في اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر، غلبت عليه كنيته فهو كمن لا اسم له، أسلم عام خيبر وشهدها مع النبي -ﷺ- ثم لزمه وواظب عليه راغبًا في العلم راضيًا بشبع بطنه، وكان يدور معه حيثما دار، وكان من أحفظ الصحابة، ويحضر ما لا يحضر أحد منهم بملازمة النبي -ﷺ-، قال أبو هريرة: قلت: يا رسول اللَّه: أسمع منك أشياء فلا أحفظها، قال: \"ابسط رداءَك\" فبسطته، فحدث حديثًا كثيرًا فما نسيت شيئًا حدثني به، وقال البخاري: روى عنه أكثر من ثمان مئة رجل من بين صحابي وتابعي فمنهم ابن عباس وابن عمر وجابر وأنس، مات بالمدينة سنة سبع وخمسين، وقيل: ثمان، وقيل: تسع، وهو ابن ثمان وسبعين سنة، وإنما سمي أبا هريرة لأنه كان له هرة صغيرة يحملها معه (١).\n٩٦٠ - أبو الهيثم: هو أبو الهيثم مالك بن التيهان، تقدم ذكره في حرف الميم.\n٩٦١ - أبو هاشم: هو أبو هاشم شيبة بن عتبة بن ربيعة القرشي، ويقال: إن اسمه هشام، ويقال: اسمه كنيته، وهو خال معاوية بن أبي سفيان، أسلم يوم الفتح، وسكن الشام، وتوفي في خلافة عثمان، وكان فاضلًا صالحًا، روى عنه أبو هريرة وغيره.\n٩٦٢ - أبو هند: هو أبو هند يسار الحجَّام الذي حجم النبي -ﷺ-، وهو مولى بني بياضة، روى عنه ابن عباس وأبو هريرة وجابر.\n_________\n(١) انظر: \"الإصابة\" (١٠٦٨٠)، و\"الاستيعاب\" (٣٢٠٨).","vol":"10","page":239},{"text":"*<span data-type=\"title\" id=toc-1471> فصل في التابعين:</span>\n٩٦٣ - هشام بن عروة: هو هشام بن عروة بن الزبير، يكنى أبا المنذر، القرشي المدني، أحد تابعي المدينة المشهورين المكثرين من الحديث، المعدودين في أكابر العلماء وجلة التابعين، سمع عبد اللَّه بن الزبير وابن عمر. روى عنه خلق كثير منهم الثوري ومالك بن أنس وابن عيينة، قدم على المنصور ببغداد، وولد سنة إحدى وستين ومات بها سنة ست وأربعين ومئة.\n٩٦٤ - هشام بن زيد: هو هشام بن زيد بن أنس بن مالك الأنصاري، روى عن جده أنس، سمع منه جماعة، يعدّ في البصريين.\n٩٦٥ - هشام بن حسان: هو هشام بن حسان القُردُوسي مولاهم، وقيل: كان نازلًا فيهم، وهو الذي قال: أحصَوا ما قتل الحَجَّاج صَبْرًا فبلغ مئة ألف وعشرين ألفًا. سمع الحسن وعكرمة وعطاء. روى عنه حماد بن زيد وفضيل بن عياض وغيرهما، مات سنة سبع وأربعين ومئة.\n(القردوسي) بضم القاف وضم الدال المهملة وبالسين المهملة.\n٩٦٦ - هشام بن عمار: هو هشام بن عمار، يكنى أبا الوليد، السلمي الدمشقي المقرئ الحافظ، خطيب دمشق. روى عن مالك ويحيى بن حمزة، وعنه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه ومحمد بن خريم والباغندي، عاش اثنتين وتسعين سنة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين.\n٩٦٧ - هشام بن زياد: هو هشام بن زياد أبو المقدام. روى عن القرظي والحسن، وعنه شيبان بن فروخ والقواريري، ضعفوه.\n٩٦٨ - هشيم بن بشير: هو هشيم بن بشير السلمي الواسطي، سمع عمرو بن","vol":"10","page":240},{"text":"دينار والزهري ويونس بن عبيد وأيوب السختياني وغيرهم من الأئمة المشهورين. روى عنه مالك والثوري وشعبة وابن المبارك وخلق كثير سواهم، ولد سنة أربع ومئة، ومات سنة ثلاث وثمانين ومئة.\n٩٦٩ - هلال بن علي: هو هلال بن علي بن أسامة، منسوب إلى جده، وهو هلال بن أبي ميمونة الفهري. روى عن أنس وعطاء بن يسار، وعنه مالك بن أنس وغيره.\n٩٧٠ - هلال بن عامر: هو هلال بن عامر المزني، يعدّ في الكوفيين. روى عن أبيه وسمع رافعًا المزني. روى عنه يعلى وغيره.\n٩٧١ - هلال بن يساف: هو هلال بن يساف مولى أشجع، أدرك علي بن أبي طالب، روى عن سلمة بن قيس، وسمع أبا مسعود الأنصاري، ومنه جماعة.\n٩٧٢ - هلال بن عبد اللَّه: هو هلال بن عبد اللَّه يكنى أبا هاشم الباهلي. روى عن أبي إسحاق، وعنه عفان ومسلم، قال البخاري: منكر الحديث.\n٩٧٣ - همام بن الحارث: هو همام بن الحارث النخعي، تابعي، سمع ابن مسعود وعائشة وغيرهما من الصحابة. روى عنه إبراهيم النخعي.\n٩٧٤ - هود بن عبد اللَّه: هو هود بن عبد اللَّه بن سعد العصري. روى عن جده مزيدة وسعيد بن وهب الصحابيين، وعنه طالب بن حجير.\n٩٧٥ - هبيرة بن يَريم (١): هو هبيرة بن يريم. روى عن علي وابن مسعود، وعنه أبو إسحاق وأبو فاختة، ثقة. وقال النسائي: ليس بالقوي، مات سنة ست وستين.\n_________\n(١) في الأصل: \"مريم\" وهو خطأ.","vol":"10","page":241},{"text":"٩٧٦ - هزيل بن شرحبيل: هو هزيل بن شرحبيل الأزدي الكوفي الأعمى، سمع عبد اللَّه بن مسعود. روى عنه جماعة.\n٩٧٧ - أبو الهَيَّاج: هو أبو الهياج حيان بن حصين الأسدي كاتب عمار بن ياسر، قال أحمد: هو والد منصور بن حيان، تابعي جليل، صحيح الحديث، روى عن علي وعمار، وعنه الشعبي وأبو وائل.\n(الهياج) بتشديد الياء تحتها نقطتان والجيم.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1472> فصل في الصحابيات:</span>\n٩٧٨ - هند بنت عتبة: هي هند بنت عتبة بن ربيعة امرأة أبي سفيان وأم معاوية، أسلمت عام الفتح بعد إسلام زوجها فأقرهما رسول اللَّه -ﷺ- على نكاحهما، وكان لها فصاحة وعقل، فلما بايعت رسول اللَّه -ﷺ- مع النساء قال لهن: لا تشركن باللَّه شيئًا ولا تسرقن، فقالت هند: إن أبا سفيان رجل ممسك، فقال: خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف، فقال: ولا تزنين، قا لت: هل تزني الحرة؟، قال: ولا تقتلن أولادكن، فقالت: وهل تركت لنا ولدًا إلا قتلته يوم بدر، ربيناهم صغارًا، وقتلتهم كبارًا. ماتت في خلافة عمر يوم مات أبو قحافة والد أبي بكر. روت عنها عائشة (١).\n٩٧٩ - أم هانئ: هي أم هانئ، اسمها فاختة بنت أبي طالب أخت علي، كان رسول اللَّه -ﷺ- خطبها في الجاهلية وخطبها هبيرة بن أبي وهب فزوجها أبو طالب من هبيرة، وأسلمت ففرق الإسلام بينها وبين هبيرة، وخطبها النبي -ﷺ-، فقالت: واللَّه إن كنت لأحبك في الجاهلية فكيف في الإسلام، ولكني امرأة مُصبِيَة فسكت عنها. روى عنها خلق كثير منهم: علي وابن عباس.\n_________\n(١) انظر: \"الاستيعاب\" (٤١١٤).","vol":"10","page":242},{"text":"٩٨٠ - أم هشام: هي أم هشام بنت حارثة بن النعمان، صحابية روى عنها جماعة.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1473>حرف الياء</span>\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1474> فصل في الصحابة:</span>\n٩٨١ - يزيد بن الأسود: هو يزيد بن الأسود السُّوَائي. روى عنه ابنه جابر، وعداده في أهل الطائف، وحديثه في الكوفيين.\n(السوائي) بضم السين المهملة وتخفيف الواو وبالمد.\n٩٨٢ - يزيد بن عامر: هو يزيد بن عامر السوائي، حجازي، شهد حنينًا مع المشركين ثم أسلم بعد ذلك. روى عنه السائب بن يزيد وغيره.\n٩٨٣ - يزيد بن شيبان: هو يزيد بن شيبان الأزدي، له صحبة ورواية، ويذكر في الوحدان. روى عن ابن مربع بكسر الميم، وعنه عمرو بن عبد اللَّه بن صفوان، حديثه في الحج.\n٩٨٤ - يزيد بن نعامة: هو يزيد بن نعامة الضبي. روى عنه سعيد بن سليمان، وكان قد شهد حنينًا مشركًا، ثم أسلم بعد ذلك، قال الترمذي (١): لا يعرف له سماع من النبي -ﷺ- (٢).\n(نعامة) بفتح النون وبالعين المهملة.\n_________\n(١) \"سنن الترمذي\" (٢٣٩٢).\n(٢) فذكره في هذا الفصل لا يخفى ما فيه.","vol":"10","page":243},{"text":"٩٨٥ - يحيى بن أسيد بن حضير: هو يحيى بن أسيد بن حضير الأنصاري، ولد على عهد رسول اللَّه -ﷺ-، وبه كان يكنى أبوه، له ذكر في فضل القراءة والقارئ، قال ابن عبد البر: وكان في سن من يحفظ (١)، ولا أعلم له رواية.\n٩٨٦ - يوسف بن عبد اللَّه: هو يوسف بن عبد اللَّه بن سلام يكنى أبا يعقوب، كان من بني إسرائيل من ولد يوسف بن يعقوب ﵉، ولد في حياة رسول اللَّه -ﷺ- وحمل إليه وأقعده في حجره، وسماه يوسف، ومسح رأسه وحفظ عنه، ومنهم من يقول: له رؤية ولا رواية له، عداده في أهل المدينة.\n٩٨٧ - يعلى بن أمية: هو يعلى بن أمية التميمي الحنظلي، أسلم يوم الفتح، وشهد حنينًا والطائف وتبوك، وهو معدود في أهل الحجاز، روى عنه صفوان، وعطاء، ومجاهد وغيرهم، قتل بصفين مع علي بن أبي طالب.\n٩٨٨ - يعلى بن مرة: هو يعلى بن مرة الثقفي، شهد الحديبية وخيبر والفتح وحنينًا والطائف. روى عنه جماعة، وعداده في الكوفيين.\n٩٨٩ - أبو اليَسَر: هو أبو اليسر بفتح الياء تحتها نقطتان وفتح السين المهملة، كعب بن عمرو، تقدم ذكره في حرف الكاف.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1475> فصل في التابعين:</span>\n٩٩٠ - يزيد بن هارون: هو يزيد بن هارون السلمي مولاهم الواسطي. روى عن جماعة، وعنه أحمد بن حنبل وعلي بن المديني وغيرهما، قدم بغداد وحدث بها، ثم عاد إلى واسط ومات بها، ولد سنة ثماني عشرة ومئة، قال ابن المديني (٢): لم أر\n_________\n(١) أي: الحديث.\n(٢) انظر: \"تاريخ بغداد\" (١٦/ ٤٩٣).","vol":"10","page":244},{"text":"أحدًا أحفظ من ابن هارون، كان عالمًا بالحديث حافظًا، ثقة، زاهدًا عابدًا، مات سنة سبع عشرة ومئتين.\n٩٩١ - يزيد بن زُرَيع: هو يزيد بن زريع، يكنى أبا معاوية، الحافظ، روى عن أيوب، ويونس، وعنه ابن المديني، ومسدد، له ذكر في (باب الشفقة والرحمة)، قال أحمد بن حنبل: إليه المنتهى في التثبت بالبصرة، مات سنة اثنتين وثمانين ومئة في شوال، وله من العمر إحدى وثمانون سنة.\n٩٩٢ - يزيد بن هرمز: هو يزيد بن هرمز الهمداني المديني مولى بني ليث. روى عن أبي هريرة، وعنه ابنه عبد اللَّه، وعمرو بن دينار، والزهري.\n٩٩٣ - يزيد بن أبي عبيد: هو يزيد بن أبي عبيد مولى سَلَمة بن الأكوع، روى عن سلمة، وعنه يحيى بن سعيد وغيره.\n٩٩٤ - يزيد بن رومان: هو يزيد بن رومان يكنى أبا رَوْح، يعدّ في أهل المدينة، سمع ابن الزبير وصالح بن خَوَّات. روى عنه الزهري وغيره.\n٩٩٥ - يزيد بن الأصم: هو يزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة زوج النبي -ﷺ-. روى عن ميمونة وأبي هريرة.\n٩٩٦ - يزيد بن نعيم: هو يزيد بن نعيم بن هزّال الأسلمي. روى عن أبيه وجابر، وعنه جماعة.\n(نعيم) بفتح النون (١) والعين المهملة. و(هزال) بفتح الهاء وتشديد الزاي.\n٩٩٧ - يزيد بن زياد: هو يزيد بن زياد الدمشقي، روى عن الزهري وسليمان ابن حبيب، وعنه وكيع وأبو نعيم.\n_________\n(١) كذا في الأصل، والصواب: بضم النون. انظر: \"الإكمال\" لابن ماكولا (٧/ ٢٧٤).","vol":"10","page":245},{"text":"٩٩٨ - يعلى بن مَمْلَك: هو يعلى بن مملك بفتح الميم الأولى وسكون الثانية وفتح اللام وبعدها كاف. تابعي روى عن أم سلمة، وعنه ابن أبي مليكة.\n٩٩٩ - يعيش بن طِخْفة: هو يعيش بن طخفة بن قيس الغفاري. روى عن أبيه، وكان أبوه من أصحاب الصفة، وعنه أبو سلمة.\n(طخفة) بكسر الطاء وسكون الخاء المعجمة.\n١٠٠٠ - يعقوب بن عاصم: هو يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي، حجازي. روى عن ابن عمر.\n١٠٠١ - يحيى بن خلف: هو يحيى بن خلف الباهلي، روى عن معتمر وغيره، وعنه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين، له ذكر في (باب إعداد آلة الجهاد).\n١٠٠٢ - يحيى بن سعيد: هو يحيى بن سعيد الأنصاري المدني، سمع أنس ابن مالك والسائب بن يزيد وخلقًا سواهما، روى عنه هشام بن عروة ومالك بن أنس وشعبة والثوري وابن عشة وابن المبارك وغيرهم، كان يتولى القضاء بمدينة الرسول -ﷺ- زمن بني أمية، وأقدمه منصور العراق وولاه القضاء بـ (الهاشمية) (١)، مات سنة ثلاث وأربعين ومئة بالهاشمية، كان إمامًا من أئمة الحديث والفقه، عالمًا ورعًا زاهدًا صالحًا مشهورًا بالفقه والدين.\n١٠٠٣ - يحيى بن الحصين: هو يحيى بن الحصين. روى عن جدته أم الحصين وطارق، وعنه أبو إسحاق وشعبة، ثقة.\n١٠٠٤ - يحيى بن عبد الرحمن: هو يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن أبي\n_________\n(١) بلد بالكوفة للسفَّاح، \"قاموس\" (ص: ١٠٥٥).","vol":"10","page":246},{"text":"بلتعة، مدني. روى عن جماعة من الصحابة، وجماعة عنه.\n١٠٠٥ - يحيى بن عبد اللَّه: هو يحيى بن عبد اللَّه بن بَحِير الصنعاني، روى عمن سمع فروة بن مسيك، وعنه معمر.\n(بحير) بفتح الباء الموحدة وكسر الحاء المهملة وبالراء.\n١٠٠٦ - يحيى بن أبي كثير: هو يحيى بن أبي كثير يكنى أبا نصر اليمامي مولى لطيئ، أصله بصري صار إلى اليمامة، رأى أنس بن مالك، وسمع عبد اللَّه بن أبي قتادة وغيره. روى عنه عكرمة والأوزاعي وغيرهما.\n١٠٠٧ - يونس بن يزيد: هو يونس بن يزيد الأيلي، روى عن القاسم وعكرمة والزهري، وعنه ابن المبارك وابن وهب، ثقة إمام، مات سنة تسع وخمسين ومئة.\n١٠٠٨ - يونس بن عبيد: هو يونس بن عبيد البصري، سمع الحسن وابن سيرين، روى عنه الثوري وشعبة، مات سنة تسع وثلاثين ومئة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1476> فصل في الصحابيات:</span>\n١٠٠٩ - يُسَيرة: هي يسيرة أم ياسر الأنصارية، كانت من المهاجرات، روى عنها حفيدتها حميضة بنت ياسر.\n(يسيرة) بضم الياء وفتح السين المهملة وسكون الياء وبالراء.\n* * *","vol":"10","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1477>الباب الثاني في ذكر أئمة أصحاب الأصول</span>\n١٠١٠ - مالك بن أنس: هو الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي يكنى أبا عبد اللَّه، وقد بدأنا بذكره لأنه المقدم زمانًا، وقدرًا ومعرفة وعلمًا، وهو شيخ العلماء، وأستاذ الأئمة، وإن كنا في مقدمة الكتاب قدمنا عليه البخاري ومسلمًا للشرط الذي لكتابيهما، فلا نقدمهما عليه في الذكر ههنا إذ هو أحق وأولى وكتاباهما أجدر بالتقديم من كتابه وأحرى، ولد سنة خمس وتسعين (١) من الهجرة ومات بالمدينة سنة تسع وتسعين (٢) ومئة، وله أربع وثمانون سنة.\nوقال الواقدي: مات وله تسعون، وهو إمام الحجاز بل الناس في الفقه والحديث، وكفاه فخرًا أن الشافعي من أصحابه، أخذ العلم عن الزهري، ويحيى بن سعيد، ونافع، ومحمد بن المنكدر، وهشام بن عروة، وزيد بن أسلم، وربيعة بن أبي عبد الرحمن وخلق كثير سواهم، وأخذ العلم عنه خلق كثير لا يحصون كثرة، وهم أئمة البلاد، منهم: الشافعي، ومحمد بن إبراهيم بن دينار، وأبو هاشم، وعبد العزيز بن أبي حازم، وهؤلاء نظراؤه من أصحابه، ومعن بن عيسى، ويحيى بن يحيى، وعبد اللَّه بن مسلمة القعنبي، وعبد اللَّه بن وهب، وغير هؤلاء ممن لا يحصى عدده، وهؤلاء مشايخ البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم من\n_________\n(١) كذا في \"جامع الأصول\" (١/ ١٨٠)، والمشهور: ولد سنة ٩٣ هـ.\n(٢) كذا في الأصل، والصواب: \"سبعين\"، كما في \"جامع الأصول\".","vol":"10","page":248},{"text":"أئمة الحديث.\nقال بكر بن عبد اللَّه الصنعاني: أتينا مالك بن أنس فجعل يحدثنا عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وكنا نستزيده من حديثه، فقال لنا ذات يوم: ما تصنعون بربيعة؟ وهو نائم في ذلك الطاق، فأتينا ربيعة فنبهناه (١) وقلنا له: أنت ربيعة؟ قال: نعم، قلنا: الذي يحدث عنك مالك بن أنس؟ قال: نعم، قلنا: كيف حظي بك مالك ولم تحظ أنت بنفسك؟ قال: أما علمتم أن مثقالًا من دولة خير هن حمل علم.\nقال عبد الرحمن بن مهدي: سفيان الثوري إمام في الحديث، وليس بإمام في السنة، والأوزاعي إمام في السنة، وليس بإمام في الحديث، ومالك بن أنس إمام فيهما جميعًا، وكان مالك مبالغًا في تعظيم العلم والدين حتى كان إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه، وسرح لحيته، واستعمل الطيب، وتمكن من الجلوس على وقار وهيبة، ثم حدث، فقيل له في ذلك فقال: أحب أن أعظم حديث رسول اللَّه -ﷺ-، ومرّ يومًا على أبي حازم وهو جالس يحدث فجازه، فقيل له في ذلك، فقال: إني لم أجد موضعًا أجلس فيه فكرهت أن آخذ حديث رسول اللَّه وأنا قائم.\nقال يحيى بن سعيد: ما في القوم أصح حديثًا من مالك.\nوقال الشافعي: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمنّ [في علم اللَّه] عليَّ من مالك، وقال: إذا جاء الحديث عن مالك فاشدد يديك به، وقال: كان مالك بن أنس إذا جاءه بعض أهل الأهواء، قال: أما إني على بينة من ديني، وأما أنت فشاكٌّ، اذهب إلى شاكٍّ مثلك فخاصمه.\nوقال مالك: إذا لم يكن للإنسان في نفسه خير لم يكن للناس فيه خير، وقال:\n_________\n(١) كذا في الأصل، وفي كتب الرجال: \"فأنبهناه\".","vol":"10","page":249},{"text":"ليس العلم بكثرة الرواية، وإنما هو نور يضعه اللَّه في القلب.\nوقال أبو عبد اللَّه: رأيت كأن النبي -ﷺ- في المسجد قاعدًا والناس حوله ومالك قائم بين يديه، وبين يدي رسول اللَّه -ﷺ- مسك فهو يأخذ منه قبضة قبضة، ويدفعها إلى مالك ومالك يذرها على الناس، قال مطرف: فأولت ذلك العلم واتباع السنة.\nوقال الشافعي: قالت لي عمتي ونحن بمكة: رأيت في هذه الليلة عجبًا! فقلت: لها: وما هو؟ قالت: رأيت كأن قائلًا يقول: مات الليلة أعلم أهل الأرض، قال الشافعي: فحسبنا ذلك فإذا هو يوم مات مالك بن أنس.\nوروي عن مالك أنه قال: دخلت على هارون الرشيد فقال لي: يا أبا عبد اللَّه ينبغي أن تختلف إلينا حتى يسمع صبياننا منك \"الموطأ\"، قال: قلت: أعز اللَّه أمير المؤمنين، إن هذا العلم منكم خرج، فإن أنتم أعززتموه عز، وإن ذللتموه ذل، والعلم يؤتى ولا يأتي، فقال: صدقت، اخرجوا إلى المسجد حتى تسمعوا مع الناس.\nوروي أن الرشيد سأل مالكًا فقال: هل لك دار؟ قال: لا، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار، وقال: اشتر بها دارًا، فأخذها ولم ينفقها، فلما أراد الرشيد الشخوص قال لمالك: ينبغي أن تخرج معي، فإني عزمت أن أحمل الناس على \"الموطأ\" كما حمل عثمان الناس على القرآن، فقال: أما حمل الناس على \"الموطأ\" فليس لك إلى ذلك سبيل؛ لأن أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- افترقوا بعده في الأمصار فحدثوا، فعند كل أهل مصر علم، وقد قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"اختلاف أمتي رحمة\"، وأما الخروج معك فلا سبيل إليه، قال رسول اللَّه -ﷺ-: \"المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون\"، وقال: \"المدينة تنفي خبثها\"، و\"هذه دنانيركم هي، إن شئتم فخذوها وإن شئتم فدعوها\"، يعني: إنك إنما تكلفني مفارقة المدينة لما اصطنعته لي، فلا أوثر الدنيا على مدينة رسول اللَّه -ﷺ-.","vol":"10","page":250},{"text":"وقال الشافعي: رأيت على باب مالك كراعًا (١) من أفراس خراسان وبغال مصر ما رأيت أحسن منه، فقلت له: ما أحسنه، فقال: هو هدية مني إليك يا أبا عبد اللَّه، فقلت: دع لنفسك منها دابة تركبها، فقال: أنا أستحيي من اللَّه تعالى أن أطأ تربة فيها رسول اللَّه -ﷺ- بحافر دابة، وكم مثل هذه المناقب لمثل هذا الطود الأشم والبحر الزاخر.\n١٠١١ - النعمان بن ثابت: هو الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطى الكوفي، هو من رهط حمزة الزيات، كان خزازًا يبيع الخز، وكان جده زوطى من أهل كابل مملوكًا لبني تيم اللَّه بن ثعلبة، فأعتق، وولد أبوه ثابت على الإسلام، وقيل: هو من الأحرار وما وقع عليه رق قط، وذهب ثابت إلى علي بن أبي طالب وهو صغير فدعا له بالبركة فيه وفي ذريته، ولد سنة ثمانين ومات ببغداد سنة خمسين ومئة، ودفن بمقابر الخيزران وقبره معروف ببغداد، وكان في أيامه أربعة من الصحابة: أنس ابن مالك بالبصرة، وعبد اللَّه بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل بن سعد الساعدي بالمدينة، وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة، ولم يلق أحدًا منهم ولا أخذ عنهم، وأخذ الفقه عن حماد بن أبي سليمان، وسمع عطاء بن أبي رباح وأبا إسحاق السبيعي ومحمد بن المنكدر ونافعًا وهشام بن عروة وسماك بن حرب وغيرهم، روى عنه عبد اللَّه بن المبارك ووكيع ابن الجراح ويزيد بن هارون والقاضي أبو يوسف ومحمد بن الحسن الشيباني وغيرهم، ونقله المنصور من الكوفة إلى بغداد وأقام بها إلى أن مات فيها، وكان أكرهه ابن هبيرة أيام مروان بن محمد الأموي على القضاء بالكوفة فأبى فضربه مئة سوط في عشرة أيام كل يوم عشرة، فلما رأى ذلك خلَّى سبيله، ولما أشخصه المنصور إلى العراق\n_________\n(١) اسم يطلق على الخيل والبغال والحمير.","vol":"10","page":251},{"text":"أراده على القضاء فأبى فحلف عليه ليفعلن وحلف أبو حنيفة لا يفعل، وتكررت الأيمان بينهما فحبسه المنصور ومات في الحبس.\nقال الحكم بن هشام: حدثت بالشام عن أبي حنيفة أنه كان من أعظم الناس أمانة، وأراده السلطان على أن يتولى مفاتيح خزائنه أو يضرب ظهره، فاختار عذابهم على عذاب اللَّه تعالى.\nوروي أنه ذكر أبو حنيفة عند ابن المبارك فقال: أتذكرون رجلًا عرضت عليه الدنيا بحذافيرها ففرّ منها.\nكان رَبْعة من الرجال، وقيل: كان طُوالًا تعلوه سمرة، حسن الوجه، أحسن الناس منطقًا، وأحلاهم نعمة، حسن المجلس، شديد الكرم، حسن المواساة لأعوانه.\nقال الشافعي: قيل لمالك: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم رأيت رجلًا لو كلّمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته، وقال الشافعي: من أراد أن يَتَبَحَّرَ فِي الفقه فهو عيال على أبي حنيفة.\nوقال أبو حامد الغزالي (١): روي أن أبا حنيفة كان يحيى نصف الليل فأشار إليه إنسان وهو يمشي وقال لغيره: هذا هو الذي يحيى كل الليل، فلم يزل بعد ذلك يحيى الليل كله، وقال: أنا أستحي من اللَّه تعالى أن أوصف بما ليس فيَّ من عبادته.\nوقال شريك النخعي: كان أبو حنيفة طويل الصمت دائم الفكر قليل المحادثة للناس، وهذا من أوضح الأمارات على علم الباطن والاشتغال بمهمات الدين، فمن أوتي الصمت والزهد فقد أوتي العلم كله، ولو ذهبنا إلى شرح مناقبه وفضائله لأطلنا الخطب ولم نصل إلى الغرض، فإنه كان عالمًا عاملًا ورعًا زاهدًا عابدًا إمامًا في علوم\n_________\n(١) \"إحياء علوم الدين\" (١/ ٢٨).","vol":"10","page":252},{"text":"الشريعة، والغرض بإيراد ذكره في هذا الكتاب وإن لم يرو عنه حديث في \"المشكاة\" للتبرك به لعلو مرتبته ووفور علمه.\n١٠١٢ - محمد بن إدريس الشافعي: هو الإمام أبو عبد اللَّه محمد بن إدريس ابن عباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد [بن] هاشم بن المطلب ابن عبد مناف القرشي المطلبي، لقي شافع النبي -ﷺ- وهو مترعرع، وأسلم أبوه السائب يوم بدر، وكان السائب صاحب راية بني هاشم فأسر وفدى نفسه ثم أسلم، ولد الشافعي بغزة (١) سنة خمسين ومئة، وحمل إلى مكة وهو ابن سنتين، وقيل: ولد بعسقلان، وقيل: باليمن، وهي السنة التي مات فيها الإمام أبو حنيفة، ومنهم من قال: إنه ولد يوم مات أبو حنيفة، قال البيهقي: هذا التقييد في اليوم لم أجده إلا في بعض الروايات، أما التقييد بالعام فهو مشهور بين أهل التواريخ.\nقال محمد بن عبد الحكم: إن أم الشافعي لما حملت به رأت كأن المشتري خرج من بطنها وانقض بمصر ثم وقع في كل بلدة منه شظية، فقال المعبِّر: إنه يخرج منك عالم عظيم.\nوقال الشافعي (٢): رأيت النبي -ﷺ- في النوم فقال لي: يا غلام من أنت؟ فقلت: من رهطك يا رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: ادن مني، فدنوت منه فأخذ من ريقه ففتحت فيَّ فأمرّ من ريقه على لساني وفمي وشفتي فقال: امش بارك اللَّه فيك، وقال أيضًا: رأيت النبي -ﷺ- بمكة في زمان الصبا رجلًا ذا هيبة يؤم الناس في المسجد الحرام، فلما فرغ من صلاته أقبل على الناس يعلمهم فدنوت منه فقلت علمني، فأخرج ميزانًا من كمه فأعطانيه وقال: هذا لك، قال الشافعي: وكان هناك معبر فعرضت الرؤيا عليه فقال:\n_________\n(١) بلدة بفلسطين.\n(٢) انظر: \"تهذيب الأسماء والصفات\" (١/ ٦٥).","vol":"10","page":253},{"text":"إنك تصير إمامًا في العلم وتكون على السنة؛ لأن إمام المسجد الحرام أفضل الأئمة كلهم، وأما الميزان فإنك تعلم حقيقة الشيء في نفسه.\nوذكروا أن الشافعي كان في أول الأمر فقيرًا، ولما سلموه إلى المعلم ما كانوا يجدون أجرة المعلم فكان المعلم يقصر في التعليم، إلا أن المعلم كلّما علم صبيًا شيئًا كان الشافعي يتلقف ذلك الكلام، ثم لما قام المعلم عن مكانه أخذ الشافعي يعلم الصبيان تلك الأشياء، فنظر المعلم فرأى الشافعي يكفيه أمر الصبيان أكثر من الأجرة التي كان يطلب منه فترك طلب الأجرة واستمر [على] هذه الأحوال حتى تعلم القرآن لتسع سنين.\nقال الشافعي: لما ختمت القرآن دخلت المسجد وكنت أجالس العلماء وأحفظ الحديث والمسألة، وكان منزلنا بمكة في شعب الخَيْف، وكنت فقيرًا بحيث ما أملك ما أشتري به القراطيس فكنت آخذ العظم وأكتب فيه.\nوكان في أول الأمر تفقه على مسلم بن خالد، وفي أثناء الأمر وصل إليه الخبر بأن مالك بن أنس إمام المسلمين وسيدهم، قال الشافعي: فوقع في قلبي أن أذهب إليه، فاستعرت \"الموطأ\" من رجل بمكة وحفظته، ثم دخلت إلى والي مكة فأخذت كتابه إلى والي المدينة وإلى مالك بن أنس، وقدمت المدينة وبلغت الكتاب، فقال والي المدينة: يا فتى إن كلفتني المشي من جوف المدينة إلى جوف مكة راجلًا حافيًا كان أهون عليّ من المشي إلى باب مالك، فقلت: إن رأى الأمير أن يحضره، فقال: هيهات! ليتنا إذا ركبت إليه ووقفت على بابه كثيرًا فتح لنا الباب، ثم ركب وذهبنا معه إلى دار مالك، فتقدم رجل وقرع الباب فخرجت إلينا جارية سوداء، فقال لها الأمير، قولي لمولاك: إني بالباب، فدخلت الجارية وأبطأت ثم خرجت فقالت: إن مولاي يقول: إن كان لك مسألة فادفعها في رقعة حتى يُخرج إليك الجواب، وإن","vol":"10","page":254},{"text":"كان المجيء لمهم آخر فقد عرفت يوم الخميس فانصرف، فقال لها: إن معي كتاب والي مكة في مهم، فدخلت وخرجت وفي يدها كرسي فوضعته، فإذا مالك شيخ طوال قد خرج وعليه المهابة وهو متطلِّس، فدفع الوالي الكتاب إليه، فلما بلغ إلى قوله: إن محمد بن إدريس رجل شريف من أمره كذا وكذا رمى الكتاب من يده فقال: سبحان اللَّه! صار علم الرسول -ﷺ- بحيث يطلب بالرسائل، قال الشافعي: فقدمت إليه فقلت: أصلحك اللَّه إني رجل مطّلبي من حالتي وقصتي كذا وكذا، فلما سمع كلامي نظر إليّ ساعة، وكان لمالك فراسة فقال لي: ما اسمك؟ فقلت: محمد، فقال لي: يا محمد اتق اللَّه واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن من الشؤون، فقلت: نعم وكرامة، فقال: إن اللَّه تعالى قد ألقى على قلبك نورًا فلا تطفئه بالمعصية، ثم قال: إذا كان غدًا تجيء [وتجيء] بمن يقرأ لك \"الموطأ\"، فقلت: إني أقرأه من الحفظ، ورجعت إليه من الغد وابتدأت بالقراءة، فكلما أردت قطع القراءة خوفا من ملاله أعجبه حسن قراءتي، فيقول: يا فتى زد، حتى قرأت (١) في أيام يسيرة، ثم أقمت بالمدينة إلى أن توفي مالك.\nوكان الشافعي إذا حكى قولًا لمالك قال: هذا قول أستاذنا مالك.\nقال عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: أيَّ رجل كان الشافعيُّ؟ فإني سمعتك تكثر الدعاء له، فقال لي: يا بني! كان الشافعي كالشمس للنهار وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو عنهما عوض.\nوقال أخوه صالح بن أحمد: جاء الشافعي يومًا إلى أبي يعوده وكان عليلًا، قال: فوثب أبي عليه وقبّل بين عينيه ثم أجلسه في مكانه وجلس بين يديه، ثم أخذ يسأله ساعة، فلما قام الشافعي وركب أخذ أبي بركابه ومشى معه، فبلغ يحيى بن معين ذلك،\n_________\n(١) كذا في الأصل، والصواب: \"قرأته\"، كما في \"تاريخ دمشق\" (٥١/ ٢٨٦).","vol":"10","page":255},{"text":"فقال سبحان اللَّه! لم فعلت ذلك؟ فقال أبي: وأنت يا أبا زكريا لو مشيت من الجانب الآخر لانتفعت به، من أراد الفقه فليشم ذنب هذه البغلة.\nوقال أحمد بن حنبل: ما أعلم أحدًا أعظم منة منه على الإسلام في زمن الشافعي من الشافعي، وإني لأدعو له في أدبار صلاتي: اللهم اغفر لي ولوالدي ولمحمد بن إدريس الشافعي.\nوقال الحسين بن محمد الزعفراني: ما قرأت على الشافعي من الكتب شيئًا إلا وأحمد بن حنبل شاهد.\nقال الشافعي: ما طلب أحد العلم بالتعمق وعز النفس فأفلح، ولكن من طلبه بضيق اليد وذلة النفس وخدمة العلماء أفلح.\nوقال: ما ناظرت أحدًا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان ويكون إليه رعاية اللَّه وحفظه، وما ناظرت أحدًا إلا ولم أُبالِ إن بين اللَّه الحق على لساني أو لسانه.\nوقال يونس بن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يقول: \"لأن يبتلى المرء بكل ما نهى اللَّه عنه ما عدا الشرك، خير له من أن ينظر في الكلام، فإني واللَّه اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننته قط\" وقال: \"ما ارتدى أحد بالكلام فأفلح\".\nوقال أبو محمد بن أخت الشافعي عن أمه قالت: ربما قدمنا في ليلة واحدة ثلاثين مرة أو أقل أو أكثر كان المصباح بين يدي الشافعي وكان يستلقي ويتذكر ثم ينادي يا جارية! هلمي المصباح فتقدمه، ويكتب ما يكتب ثم يقول: ارفعيه، فقيل لأبي محمد: ما أراد برد المصباح؟ فقال: الظلمة أجلى للقلب.\nوقال الشافعي: استعينوا على الكلام بالصمت وعلى الاستنباط بالفكر. وقال: من وعظ أخاه سرًا فقد نصحه وزانه، ومن وعظه علانية فقد فضحه وخانه.","vol":"10","page":256},{"text":"وقال الحميدي: قدم الشافعي من صنعاء إلى مكة بعشرة آلاف في منديل، فضرب خباءه خارجًا من مكة، وكان الناس يأتونه فما برحت حتى ذهبت كلها ثم دخل مكة.\nوقال المزني: ما رأيت كرم من الشافعي، خرجت معه ليلة عيد من المسجد وأنا أذاكره في مسألة حتى أتيت باب داره، فأتاه غلام بكيس فقال له: مولاي يقرئك السلام ويقول لك: خذ هذا الكيس فأخذه منه، فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد اللَّه ولدت امرأتي الساعة وليس عندي شيء، فدفع إليه الكيس وصعد وليس معه شيء، وفضائله أكثر من أن تحصى، كان إمام الدنيا وعالم الناس شرقًا وغربًا، جمع اللَّه له من العلوم والمفاخر ما لم يجمع لإمام قبله ولا بعده، وانتشر له من الذكر ما لم ينتشر لأحد سواه، سمع مالك بن أنس وسفيان بن عيينة ومسلم بن خالد وخلقًا سواهم كثيرًا، حدث عنه أحمد بن حنبل وأبو ثور إبراهيم بن خالد وأبو إبراهيم المزني والربيع بن سليمان المرادي وخلق كثير غيرهم، قدم بغداد سنة خمس وتسعين ومئة، وأقام بها سنين، ثم خرج إلى مكة، ثم قدمها سنة ثمان وتسعين فأقام بها أشهرًا ثم خرج إلى مصر ومات بها عند العشاء الآخرة ليلة الجمعة، ودفن في يوم الجمعة بعد العصر، وكان آخر يوم من رجب سنة أربع ومئتين وله أربع وخمسون سنة.\nقال الربيع: رأيت في المنام قبل موت الشافعي بأيام، أن آدم ﵇ مات ويريدون أن يخرجوا بجنازته، فلما أصبحت سألت بعض أهل العلم عنه فقال: هذا موت أعلم أهل الأرض لأن اللَّه تعالى علم آدم الأسماء كلها، فما كان يسيرًا حتى مات الشافعي.\nوقال المزني: دخلت على الشافعي في علته التي مات فيها، فقلت: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلًا ولإخواني مفارقًا ولكأس المنية شاربًا وبسوء أعمالي ملاقيًا وعلى اللَّه واردًا فلا أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أو إلى","vol":"10","page":257},{"text":"النار فأعزيها، ثم بكى وأنشأ يقول:\nولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت رجائي نحو عفوك سُلَّما\nتعاظمني ذنبي فلما قرنتُه ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما\nفما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منَّةً وتَكَرُّمَا\nفلولاك لم يسلم من إبليس عابد ... وكيف وقد أغوى صفيّك آدما\nوقال أحمد بن حنبل: رأيت الشافعي في المنام فقلت: يا أخي ما فعل اللَّه بك؟ قال: غفر لي وتوّجني وزوجني وقال لي: هذا بما لم تُزهَ بما أرضيتك، ولم تعجب وتتكبر فيما أعطيتك.\nاتفق العلماء قاطبة من أهل الفقه والأصول والحديث واللغة والنحو وغير ذلك على ثقته وأمانته وعدالته وزهده وورعه وتقواه وجوده وحسن سيرته وعلو قدره، فالمُطنِب في وصفه مقصِّر، والمُسهِب (١) في مدحه مقتصر.\n١٠١٣ - أحمد بن حنبل: هو الإمام أبو عبد اللَّه أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي، ولد ببغداد سنة أربع وستين ومئة، ومات بها سنة إحدى وأربعين ومئتين، وله سبع وسبعون سنة، كان إمامًا في الفقه والحديث والزهد والورع والعبادة، وبه عرف الصحيح والسقيم، والمجروح من المعدل، ونشأ ببغداد وطلب العلم وسمع الحديث من شيوخها، ثم رحل إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والجزيرة، وكتب عن علماء ذلك العصر، فسمع من يزيد بن هارون ويحيى بن سعيد القطان وسفيان بن عيينة ومحمد بن إدريس الشافعي وعبد الرزاق بن همام وخلق كثير سواهم، روى عنه ابناه صالح وعبد اللَّه وابن عمه حنبل بن إسحاق ومحمد بن إسماعيل\n_________\n(١) أي: كثير الكلام.","vol":"10","page":258},{"text":"البخاري ومسلم بن الحجاج النيسابوري وأبو زرعة وأبو داود السجستاني وخلق كثير سواهم، إلا أن البخاري لم يذكر في \"صحيحه\" عنه إلا حديثًا واحدًا في آخر (كتاب الصدقات) تعليقًا، وروى أحمد بن الحسن الترمذي عنه حديثًا آخر.\nوفضائله كثيرة، ومناقبه جمة، وآثاره في الإسلام مشهورة، ومقاماته في الدين مذكورة، انتشر ذكره في الآفاق، وسرى حمده في البلاد، وهو أحد المجتهدين المعمول بقوله ورأيه ومذهبه في كثير من البلاد.\nقال إسحاق بن راهويه: أحمد بن حنبل حجة بين اللَّه وبين عبيده في أرضه.\nقال الشافعي: خرجت من بغداد وما خلفت بها أحدًا أتقى وأورع ولا أفقه ولا أعلم من أحمد بن حنبل.\nوقال أحمد بن سعيد الدارمي: ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول اللَّه -ﷺ- ولا أعلم بفقهه ومعانيه من أبي عبد اللَّه أحمد بن حنبل.\nوقال أبو زرعة: كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث، فقيل له: ما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب.\nوقال إبراهيم الحربي: رأيت أحمد بن حنبل كأن اللَّه جمع له علم الأولين والآخرين من كل صنف يقول ما شاء ويمسك ما شاء.\nقال أبو داود السجستاني: كانت مجالسة أحمد بن حنبل مجالسة الآخرة لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا، وما رأيته ذكر الدنيا قط.\nوقال محمد بن موسى: حمل إلى الحسن بن عبد العزيز ميراثه من مصر مئة ألف دينار فحمل إلى أحمد بن حنبل ثلاثة أكياس في كل كيس ألف دينار وقال: يا أبا عبد اللَّه هذه من ميراث حلال فخذها واستعن بها على عائلتك، قال: لا حاجة لي فيها،","vol":"10","page":259},{"text":"أنا في كفاية فردها ولم يقبل منها شيئًا.\nوقال [أبو] عبد الرحمن بن أحمد: كنت أسمع أبي كثيرًا يقول دبر صلاته: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصن وجهي عن المسألة لغيرك.\nوقال ميمون بن الأصبع: كنت ببغداد فسمعت صيحة، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أحمد بن حنبل يمتحن، فدخلت فلما ضرب سوطًا قال: بسم اللَّه، فلما ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام اللَّه غير مخلوق، فلما ضرب الرابع قال: لن يصيبنا إلا ما كتب اللَّه لنا، فضرب تسعة وعشرين سوطًا، وكانت تكة أحمد حاشية ثوب فانقطعت فنزل السراويل إلى عانته فرمى أحمد طرفه إلى السماء وحرك شفتيه، فما كان بأسرع من ارتقاء السراويل ولم ينزل، فدخلت عليه بعد سبعة أيام فقلت: يا أبا عبد اللَّه رأيتك تحرك شفتيك فأي شيء قلت؟ قال: قلت: اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به العرش إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تَهْتِكْ لي سترًا (١).\nوقال أحمد بن محمد الكندي: رأيت أحمد بن حنبل في المنام، فقلت: ما صنع اللَّه بك؟ قال: غفر لي ثم قال: يا أحمد ضربت فيّ؟ قال: قلت: نعم يا رب، قال: يا أحمد هذا وجهي فانظر إليه فقد أبحتك النظر إليه (٢).\n١٠١٤ - محمد بن إسماعيل البخاري: هو أبو عبد اللَّه محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي البخاري، وإنما قيل له الجعفي لأن المغيرة أبا جده كان مجوسيًا أسلم على يد يمان البخاري وهو الجعفي والي بخاري فنسب إليه حيث أسلم\n_________\n(١) \"تاريخ الإسلام\" للذهبي (٥/ ١٠٣٦).\n(٢) \"تاريخ بغداد\" (٦/ ٩٠)، و\"سير أعلام النبلاء\" (١١/ ٣٤٩).","vol":"10","page":260},{"text":"على يده، وجعفي أبو قبيلة من اليمن، وهو جعفي بن سعد والنسبة إليه كذلك، ولد يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومئة، وتوفي ليلة الفطر سنة ست وخمسين ومئتين، وعمره اثنتان وستون سنة إلا ثلاث عشر يومًا، ولم يعقب ولدًا ذكرًا، والبخاري الإمام في علم الحديث، رحل في طلب العلم إلى جميع محدثي الأمصار، وكتب بخراسان والجبال والعراق والحجاز والشام ومصر، وأخذ الحديث عن المشايخ الحفاظ منهم: مكي بن إبراهيم البلخي وعبيد اللَّه بن موسى العبسي وأبو عاصم الشيباني وعلي بن المديني وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعبد اللَّه ابن الزبير الحميدي وغير هؤلاء من الأئمة، وأخذ عنه الحديث خلق كثير في كل بلدة حدث بها.\nقال الفربري (١): سمع كتاب البخاري منه تسعون ألف رجل، فما بقي أحد يروي عنه غيري، ورد على المشايخ وله إحدى عشرة سنة وطلب العلم وله عشر سنين.\nقال البخاري: خرجت كتابي \"الصحيح\" من زهاء ست مئة ألف حديث، وما وضعت فيه حديثًا إلا صليت ركعتين، وقال: أحفظ مئة ألف حديث صحيح ومئتي ألف حديث غير صحيح، وجملة ما في كتابه \"الصحيح\" سبعة آلاف ومئتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة، وقيل: إنها بإسقاط المكررة أربعة آلاف حديث، و\"صحيح مسلم\" أيضًا نحو أربعة آلاف حديث بإسقاط المكررة، وصنف الكتاب في ستة عشر سنة، وقدم البخاري بغداد فسمع به أصحاب الحديث واجتمعوا وعمدوا إلى مئة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد\n_________\n(١) بفتح الفاء والراء وسكون الباء الموحدة وفي آخرها راء ثانية، هو أبو عبد اللَّه محمد بن يوسف الفربري راوية \"صحيح البخاري\" عنه. كذا في \"الأنساب\" (١٠/ ١٧٠)، وقال الحموي: فِرَبْر بكسر أوله، وقد فتحه بعضهم، بليدة بين جيحون وبخارى، \"معجم البلدان\" (٤/ ٢٤٥).","vol":"10","page":261},{"text":"آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس لكل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا على البخاري، فحضر المجلس جماعة من أصحاب الحديث، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال: لا أعرفه، فسأله عن آخر فقال: لا أعرفه حتى فرغ من العشرة والبخاري يقول: لا أعرفه، فأما العلماء فعرفوا بإنكاره أنه عارف، وأما غيرهم فلم يعرفوا ذلك منه، ثم انتدب إليه رجل آخر من العشرة فكان حاله معه كذلك، ثم انتدب آخر إلى تمام العشرة، والبخاري لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه، فلما فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال: أما حديثك الأول فكذا، والثاني كذا على النسق إلى آخر العشرة، فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه، ثم فعل بالباقين مثل ذلك، فأقرّ له الناس بالحفظ وأذعنوا له بالفضل.\nقال أبو مصعب أحمد بن بكر المديني: محمد بن إسماعيل أفقه عندنا وأبصر من أحمد بن حنبل، فقال رجل من جلسائه: جاوزت الحد، فقال أبو مصعب: لو أدركت مالكًا ونظرت إلى وجهه ووجه محمد بن إسماعيل البخاري لقلت كلاهما واحد في الفقه والحديث.\nوقال أحمد بن حنبل: ما أخرجت خراسان مثل محمد بن إسماعيل، وقال: انتهى الحفظ إلى أربعة من أهل خراسان وذكر منهم البخاري.\nوقال رجاء بن مرجئ: فضل محمد بن إسماعيل على العلماء كفضل الرجال على النساء، فقال له رجل: يا أبا محمد كل ذلك؟ ! فقال: هو آية من آيات اللَّه يمشي على ظهر الأرض.\nقال محمد بن إسحاق: ما رأيت تحت أديم هذه السماء أعلم بالحديث من محمد ابن إسماعيل البخاري.","vol":"10","page":262},{"text":"وقال أبو سعيد بن منير: بعث الأمير خالد بن أحمد بن الذهلي والي بخاري إلى محمد بن إسماعيل البخاري أن احمل إليّ كتاب \"الجامع\" و\"التاريخ\" لأسمع منك، فقال لرسوله: أنا لا أذل العلم ولا أحمله إلى أبواب الناس، فإن كان لك إلي شيء حاجة فاحضر في مسجدي أو في داري، وإن لم يعجبك هذا مني فأنت سلطان فامنعني من المجلس ليكون لي عذر عند اللَّه يوم القيامة، فإني لا أكتم العلم لقول النبي -ﷺ-: \"من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار\".\nوقال غيره: إن سبب مفارقة البخاري بخارى أن خالدًا سأله أن يحضر منزله فيقرأ \"الجامع\" و\"التاريخ\" على أولاده، فامتنع عن الحضور عنده فراسله أن يعقد مجلسًا لأولاده لا يحضره غيرهم فامتنع عن ذلك أيضًا وقال: لا يسعني أن أخص بالسماع قومًا دون قوم، فاستعان خالد بعلماء بخارى عليه حتى تكلموا في مذهبه فنفاه عن البلد، فدعا عليهم البخاري فاستجيب [له] ووقعوا بعد زمن يسير في البلايا.\nوقال محمد بن أحمد المروزي: كنت نائمًا بين الركن والمقام فرأيت النبي -ﷺ- في المنام، فقال لي: \"يا أبا زيد إلى متى تدرس كتاب الشافعي ولا تدرس كتابي؟ \" فقلت: يا رسول اللَّه! وما كتابك؟ قال: \"جامع محمد بن إسماعيل البخاري\".\nوقال النجم بن الفضل: رأيت النبي -ﷺ- في المنام ومحمد بن إسماعيل خلفه، فكان النبي -ﷺ- إذا خطا خطوة يخطو محمد ويضع قدمه على خطوة النبي -ﷺ- ويتبع أثره.\nوقال عبد الواحد بن آدم الطواويسي: رأيت النبي -ﷺ- في النوم ومعه جماعة من أصحابه وهو واقف في موضع ذكره فسلمت عليه فرد السلام، فقلت: ما وقوفك يا رسول اللَّه؟ فقال: \"أنتظر محمد بن إسماعيل البخاري\" فلما كان بعد أيام بلغنا موته فنظرنا فإذا هو قد مات في تلك الساعة التي رأيت النبي -ﷺ- فيها.","vol":"10","page":263},{"text":"١٠١٥ - مسلم بن الحجاج: هو أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، أحد الأئمة الحفاظ، ولد سنة أربع ومئتين، وتوفي في عشية يوم الأحد لست بقين من رجب سنة إحدى وستين ومئتين، رحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر، وأخذ الحديث عن يحيى بن يحيى النيسابوري وقتيبة بن سعيد وإسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وعبد اللَّه بن مسلمة القعنبي وغير هؤلاء من أئمة الحديث وعلمائه، وقدم بغداد غير مرة وحدث بها، روى عنه خلق كثير، منهم إبراهيم بن محمد بن سفيان والترمذي وابن خزيمة، وكان آخر قدومه بغداد سنة سبع وخمسين ومئتين.\nوقال مسلم: صنفت \"المسند الصحيح\" من ثلاث مئة ألف حديث مسموعة.\nوقال محمد بن إسحاق بن منده: سمعت أبا علي النيسابوري يقول: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم في علم الحديث.\nوقال الخطيب أبو بكر البغدادي: إنما قفا مسلم طريق البخاري ونظر في علمه وحذا حذوه، ولما ورد البخاري نيسابور في آخر مرة لازمه مسلم وأدام الاختلاف إليه.\nوقال الدارقطني: لولا البخاري لما ذهب مسلم ولا جاء.\n١٠١٦ - سليمان بن الأشعث: هو أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، أحد من رحل وطوَّف وجمع وصنَّف، وكتب عن العراقيين والخراسانيين والشاميين والمصريين والجزيريين، ولد سنة اثنتين ومئتين، وتوفي بالبصرة لأربع عشرة من شوال سنة خمس وسبعين ومئتين، وقدم بغداد مرارًا ثم خرج منها آخر مراته سنة إحدى وسبعين، وأخذ الحديث عن مسلم بن إبراهيم وسليمان بن حرب وعبد اللَّه بن مسلمة القعنبي ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغير هؤلاء من أئمة الحديث ممن لا يحصى كثرة، وأخذ الحديث عنه ابنه عبد اللَّه وعبد الرحمن النيسابوري وأحمد بن محمد الخلال","vol":"10","page":264},{"text":"وغيرهم، وكان أبو داود سكن البصرة وقدم بغداد وروى كتابه المصنف في \"السنن\" بها ونقله أهلها عنه، وعرضه على أحمد بن حنبل فاستجاده واستحسنه.\nوقال أبو داود: كتبت عن رسول اللَّه -ﷺ- خمس مئة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمنته هذا الكتاب، جمعت فيه أربعة آلاف حديث وثمان مئة حديث، ذكرت الصحيح وما يشبهه وما يقاربه، ويكفي الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث: أحدها قوله -ﷺ-: \"إنما الأعمال بالنيات\"، والثاني قوله -ﷺ-: \"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه\"، والثالث قوله -ﷺ-: \"لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يرضى لأخيه ما يرضى لنفسه\"، والرابع قوله -ﷺ-: \"إن الحلال بين وإن الحرام بين\" الحديث.\nقال أبو بكر الخلال: أبو داود هو الإمام المقدم في زمانه، رجل لم يسبقه إلى معرفته بتخريج العلوم وبصره بمواضعه أحد في زمانه، رجل ورع مقدم.\nوقال أحمد بن محمد الهروي: كان أبو داود أحد حفاظ الإسلام لحديث رسول اللَّه -ﷺ- وعلله وسنده في أعلى درجة من النسك والعفاف والصلاح والورع من فرسان الحديث، وكان لأبي داود كم واسع وكم ضيق، فقيل له: يرحمك اللَّه ما هذا؟ قال: الواسع للكتب والآخر لا يحتاج إليه، وقال الخطابي: \"كتاب السنن\" لأبي داود كتاب شريف لم يصنف في علم الدين كتاب مثله.\nوقال أبو داود: ما ذكرت في كتابي حديثًا أجمع الناس على تركه.\nوقال إبراهيم الحربي لما صنف أبو داود هذا الكتاب: ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود ﵇ الحديد، وقال ابن الأعرابي عن كتاب أبي داود: لو أن رجلًا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب اللَّه ﷿ ثم هذا الكتاب لم يحتج معهما إلى شيء من العلم البتة.","vol":"10","page":265},{"text":"١٠١٧ - محمد بن عيسى الترمذي: هو أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي (١)، توفي بترمذ ليلة الاثنين لثالث عشرة من رجب سنة تسع وسبعين ومئتين، وهو أحد العلماء الحفاظ الأعلام، وله في الفقه يد صالحة، أخذ الحديث عن جماعة من أئمة الحديث، ولقي الصدر الأول من المشايخ مثل قتيبة بن سعيد ومحمود بن غيلان ومحمد ابن بشار وأحمد بن منيع ومحمد بن المثنى وسفيان بن وكيع ومحمد بن إسماعيل البخاري وغير هؤلاء، وأخذ الحديث عن خلق كثير لا يحصون كثرة، وأخذ عنه خلق كثير منهم محمد بن أحمد المحبوبي المروزي، له تصانيف كثيرة في علم الحديث، وهذا كتابه الصحيح أحسن الكتب وأحسنها ترتيبًا وأكثرها فائدة وأقلها تكرارًا، وفيه ما ليس في غيره من ذكر المذاهب ووجوه الاستدلال وتبيين أنواع الحديث من الصحيح والحسن والغريب، وفيه جرح وتعديل، وفي آخره \"كتاب العلل\" وقد جمع فيه فوائد حسنة لا يخفى قدرها على من وقف عليها.\nقال الترمذي: صنفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلم.\n(الترمذي) بكسر التاء وبالذال المعجمة منسوب إلى ترمذ وهي مدينة مشهورة من وراء جيحون على شاطئه الشرقي.\n١٠١٨ - أحمد بن شعيب النسائي: هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي (٢)، مات بمكة سنة ثلاث وثلاث مئة وهو مدفون بها، وهو أحد الأئمة الحفاظ العلماء الفقهاء، لقي المشايخ الكبار وأخذ الحديث عن قتيبة بن سعيد وهناد بن\n_________\n(١) ولد في سنة تسع ومئتين.\n(٢) ولد بنسأ في سنة خمس عشرة ومئتين.","vol":"10","page":266},{"text":"السري ومحمد بن بشار ومحمود بن غيلان وأبي داود سليمان بن الأشعث وغير هؤلاء من المشايخ الحفاظ، وأخذ عنه الحديث خلق كثير منهم أبو القاسم الطبراني وأبو جعفر الطحاوي وأبو بكر أحمد بن إسحاق السُّنِّي الحافظ، وله كتب كثيرة في الحديث والعلل وغير ذلك.\nقال مأمون المصري الحافظ: خرجنا مع أبي عبد الرحمن إلى طرسوس فاجتمع جماعة من مشايخ الإسلام، واجتمع من الحفاظ عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل ومحمد ابن إبراهيم وغيرهما، فتشاوروا من ينتقي لهم على الشيوخ؟ فاجمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي وكتبوا كلهم بانتخابه.\nوقال الحاكم النيسابوري: أما كلام أبي عبد الرحمن على فقه الحديث فأكثر من أن يذكر، ومن نظر في كتابه \"السنن\" له تحيَّر في حسن كلامه، وقال: سمعت علي ابن عمر الحافظ غير مرة يقول: أبو عبد الرحمن مقدَّم على كل من يذكر بهذا العلم في زمانه، كان شافعي المذهب وكان ورعًا متحريًا.\n(النسائي) بفتح النون وتخفيف السين المهملة وبالمد والهمزة منسوب إلى مدينة (نسأ) من خراسان.\n١٠١٩ - ابن ماجه: هو أبو عبد اللَّه محمد بن يزيد بن ماجه القزويني الحافظ صاحب \"السنن\"، سمع أصحاب مالك والليث، وعنه أبو الحسن القطان وخلق سواه، ولد سنة تسع ومئتين، ومات سنة ثلاث وسبعين ومئتين، وله من العمر أربع وستون سنة.\n١٠٢٠ - عبد اللَّه الدارمي: هو أبو محمد عبد اللَّه بن عبد الرحمن (١) الدارمي\n_________\n(١) ابن الفضل بن بهرام بن عبد الصمد الدارمي بن دارم بن مالك بن حنظلة السمرقندي.","vol":"10","page":267},{"text":"الحافظ، عالم سمرقند. روى عن يزيد بن هارون والنضر بن شميل، وعنه مسلم وأبو داود والترمذي وغيرهم.\nقال أبو حاتم: هو إمام أهل زمانه، ولد سنة إحدى وثمانين ومئة ومات سنة خمس وخمسين ومئتين، وله من العمر أربع وسبعون سنة.\n١٠٢١ - الدارقطني: هو أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني الحافظ الإمام العلامة المشهور، كان فريد عصره وقريع دهره وإمام وقته، انتهى إليه علم الحديث والمعرفة بعلله وأسماء الرجال ومعرفة الرواة مع الصدق والأمانة والثقة والعدالة وصحة الاعتقاد وسلامة المذهب، والقيام بعلوم أخرى سوى الحديث منها: علم القرآن ومعرفة مذاهب الفقهاء، درس فقه الشافعي على أبي سعيد الإصطخري، وكتب عنه الحديث أيضًا، ومنها معرفة الأدب والشعر.\nقال أبو الطيب: كان الدارقطني أمير المؤمنين في الحديث، سمع خلقًا كثيرًا، وروى عنه الحافظ أبو نعيم وأبو بكر البرقاني والجوهري والقاضي أبو الطيب الطبري وغيرهم، ولد سنة خمس وثلاث مئة، ومات يوم الأربعاء لثمان خلون من ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاث مئة.\n(الدارقطني) بالقاف والنون منسوب إلى دار القطن محلة كانت ببغداد قديمًا.\n١٠٢٢ - أبو نعيم: هو أبو نعيم أحمد بن عبد اللَّه الأصفهاني صاحب \"الحلية\"، هو من مشايخ الحديث الثقات المعمول بحديثهم المرجوع إلى قولهم، كبير القدر، ولد سنة أربع وثلاثين وثلاث مئة، ومات في صفر سنة ثلاثين وأربع مئة بأصفهان، وله من العمر ست وتسعون سنة.\n١٠٢٣ - الإسماعيلي: هو أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي الجرجاني الإمام","vol":"10","page":268},{"text":"الحافظ، جمع بين الفقه والحديث والأصول ورياسة الدين والدنيا، وصنف \"الصحيح\" على شرط البخاري، وأخذ عنه ابنه أبو سعيد وفقهاء جرجان، ولد سنة سبع وسبعين ومئتين (١)، وله من العمر أربع وتسعون سنة.\n١٠٢٤ - البرقاني: هو أبو بكر أحمد بن محمد الخوارزمي المعروف بالبرقاني، سمع ببلده من أبي العباس بن حمدان النيسابوري وغيره، ثم خرج إلى جرجان فسمع أبا بكر الإسماعيلي، ثم إلى بغداد فاستوطنها وحدث بها، وكان ثقة ورعًا متقنًا فهمًا مثبتًا.\nقال الخطيب أبو بكر البغدادي (٢): لم أر في شيوخنا أثبت منه، كان حافظًا للقرآن عارفًا بالفقه، له حظ من علم العربية، وله تصانيف في علم الحديث، ولد سنة ست وثلاثين وثلاث مئة، ومات في رجب سنة خمس وعشرين وأربع مئة، وله من العمر تسع وثمانون سنة، ودفن في مقبرة جامع المنصور.\n(البرقاني) بكسر الباء الموحدة وفتحها وبالقاف وبالنون.\n١٠٢٥ - أحمد السُّنِّي: هو أبو بكر أحمد بن محمد السني الحافظ الدينوري، حدث عن أحمد بن شعيب النسائي وغيره، وعنه خلق كثير، مات سنة أربع وستين وثلاث مئة.\n(السني) بضم السين المهملة وتشديد النون المكسورة.\n١٠٢٦ - البيهقي: هو أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، كان أوحد دهره في الحديث والتصانيف ومعرفة الفقه، وهو من كبار أصحاب الحاكم أبي عبد اللَّه، قالوا:\n_________\n(١) ومات في غرّة رجب سنة إحدى وسبعين وثلاث مئة.\n(٢) \"تاريخ بغداد\" (٦/ ٢٦).","vol":"10","page":269},{"text":"سبعة من الحفاظ أحسنوا التصنيف وعظم الانتفاع بتصانيفهم: أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني، ثم الحاكم أبو عبد اللَّه النيسابوري، ثم أبو محمد عبد الغني الأزدي حافظ مصر، ثم أبو نعيم أحمد بن عبد اللَّه الأصفهاني، ثم أبو عمر بن عبد البر النمري حافظ أهل المغرب، ثم أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، ثم أبو بكر أحمد بن الخطيب البغدادي، ولد البيهقي سنة أربع وثمانين وثلاث مئة، ومات في نيسابور في جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وأربع مئة وله من العمر أربع وسبعون سنة.\n١٠٢٧ - محمد بن أبي نصر الحميدي: هو أبو عبد اللَّه محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد اللَّه الأندلسي الحميدي، صاحب كتاب \"الجمع بين صحيحي البخاري ومسلم\"، وهو إمام عالم كبير مشهور، سمع ببلده، وسمع بمصر أصحاب المهندس، وسمع بمكة أصحاب ابن فراس وغيرهم، وسمع بالشام أصحاب ابن جميع وغيرهم، ورد بغداد فسمع أصحاب الدارقطني وغيرهم، وصنف تاريخًا لأهل الأندلس.\nقال الأمير ابن ماكولا: لم أر مثله في نزاهته وعفته وورعه، مات ببغداد في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربع مئة، وكان مولده قبل العشرين وأربع مئة.\n١٠٢٨ - الخطّابي: هو الإمام أبو سليمان أحمد (١) بن محمد الخطابي البستي المشار إليه في عصره، والعلامة، فريد دهره في الفقه والحديث والأدب ومعرفة الغريب، له التصانيف المشهورة والتأليفات العجيبة مثل \"معالم السنن\" و\"أعلام السنن\" و\"غريب الحديث\" وغير ذلك (٢).\n١٠٢٩ - أبو محمد الحسين البغوي: هو أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي\n_________\n(١) قال الذهبي: والصواب في اسمه: حَمْد، \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ٢٦).\n(٢) ولد بضع عشرة وثلاث مئة، وتوفي ببُست في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وثلاث مئة، \"سير أعلام النبلاء\" (١٧/ ٢٧).","vol":"10","page":270},{"text":"الفقيه الشافعي، صاحب كتاب \"المصابيح\" و\"شرح السنة\" وكتاب \"التهذيب في الفقه\" و\"معالم التنزيل في التفسير\"، له من التصانيف الحسان، كان إمامًا في الفقه والحديث، وكان متورعًا مثبتًا حجة صحيح العقيدة في الدين، مات بعد المئة الخامسة سنة ست عشرة وخمس مئة.\n(البغوي) بفتح الباء وفتح الغين المعجمة منسوب إلى مدينة تسمى (بغشور) من مدن خراسان نسبوا إليها على غير قياس، وقيل: اسم المدينة (بغ).\n١٠٣٠ - رزين بن معاوية: هو أبو الحسن رزين بن معاوية العبدري الحافظ صاحب كتاب \"التجريد في الجمع بين الصحاح\"، مات بعد العشرين وخمس مئة.\n١٠٣١ - المبارك بن محمد الجزري: هو أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري المشهور بابن الأثير صاحب كتاب \"جامع الأصول\" و\"مناقب الأخيار\" و\"النهاية\"، كان عالمًا محدّثًا لغويًا، روى عن خلق من الأئمة الكبار، كان بالجزيرة وانتقل إلى الموصل سنة خمس وستين وخمس مئة، ولم يزل بها إلى أن قدم بغداد حاجًّا، وعاد إلى الموصل ومات بها يوم الخميس سلخ ذي الحجة سنة ست وست مئة.\n١٠٣٢ - ابن الجوزي: هو أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي الحنبلي الواعظ ببغداد، وتصانيفه مشهورة، وكان مولده سنة عشر وخمس مئة، ومات سنة سبع وتسعين وخمس مئة.\n١٠٣٣ - الإمام النووي: هو أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، إمام أهل زمانه، كان عالمًا فاضلًا متورعًا فقيهًا محدثًا مثبتًا، حجة، له مصنفات كثيرة مشهورة، وتأليفات عجيبة مفيدة في الفقه مثل \"الروضة\"، وفي الحديث مثل \"الرياض\" (١) و\"الأذكار\"، وفي شروحه مثل \"شرح مسلم\" وغير ذلك من معرفة علوم\n_________\n(١) أي: رياض الصالحين.","vol":"10","page":271},{"text":"الحديث واللغة، سمع من المشايخ الكبار، ومنه خلق كثير، وأجاز رواية \"شرح مسلم\" و\"الأذكار\" لجميع المسلمين، وكان من أهل نوى قرية من أعمال دمشق نشأ بها وحفظ الختمة، وقدم دمشق في سنة خمسين وست مئة، وله تسع عشرة سنة، فتفقه وبرع، وكان خشن العيش، قانعًا بالقوت، تاركًا للشهوات، صاحب عبادة وخوف، وكان قوّالًا بالحق، صغير العمامة، كبير الشأن، كثير السهر، مكبًا على العلم والعمل، مات في رجب سنة ست وسبعين وست مئة، وقبره يزار بنوى، عاش خمسًا وأربعين سنة.\nقال المؤلف ﵀: وقع ذكره في آخر الكتاب، كما وقع اسمه في آخر الحروف، ثم إني ما اعتمدت في نقل ما أوردته إلا على كتب الأئمة الثقات مثل \"الاستيعاب\" لابن عبد البر، و\"حلية الأولياء\" لأبي نعيم الأصفهاني، و\"جامع الأصول\"، و\"مناقب الأخيار\" لأبي السعادات الجزري، و\"الكاشف\" لأبي عبد اللَّه الذهبي الدمشقي، وفرغت من هذه تصنيفًا يوم الجمعة عشرين رجب الحرام الفرد سنة أربعين وسبع مئة من جمعه وتهذيبه وتشذيبه (١)، وأنا أضعف العباد الراجي إلى عفو اللَّه تعالى وغفرانه، محمد بن عبيد اللَّه الخطيب بن محمد، بمعاونة شيخي ومولاي، سلطان المفسرين، إمام المحققين شرف الملة والدين، حجة اللَّه على المسلمين: الحسين بن عبد اللَّه بن محمد الطيبي متعه اللَّه بطول بقائه، ثم عرضته عليه كما عرضت \"المشكاة\" فاستحسنه كما استحسنها واستجادها، والحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله وأصحابه أجمعين.\n* * *\n_________\n(١) شذبت الشجر: خشاده كردم أو را وخشاده ييراستن ست كه بريدن شاخهائ زيادتي درخت باشد.","vol":"10","page":272},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1478>فهرس<span data-type=\"title\" id=toc-1479> ا</span>لمصادر والمراجع</span>\n[أ]\n١ - آكام المرجان في أحكام الجان، لمحمد بن عبد اللَّه الشبلي الدمشقيّ الحنفي، ط: مكتبة القرآن، القاهرة، مصر.\n٢ - أبجد العلوم، للشيخ صديق حسن خان القنوجي، ط: دمشق، ١٩٧٨ م.\n٣ - الأبواب والتراجم لصحيح البخاري، للعلامة محمد زكريا الكاندهلوي، تحقيق: الدكتور ولي الدين الندوي، ط: دار البشائر الإسلامية، بيروت، ١٤٣٣ هـ.\n٤ - إتحاف الخيرة المهرة، لأحمد بن أبي بكر البوصيري، ط: مكتبة الرشد الرياض، ١٣١٩ هـ.\n٥ - إتحاف السادة المتقين بشرح أسرار إحياء علوم الدين، للسيد مرتضى الزبيدي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n٦ - إتحاف النبلاء، للشيخ محمد صديق القنَّوجي، ط: الهند.\n٧ - الإتقان في علوم القرآن، للسيوطي، ط: مصطفى البابي الحلبي، مصر، ١٣٩٨ هـ.\n٨ - الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان، لابن بلبان الفارسي بتحقيق: شعيب الأرنؤوط، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١٨ هـ.\n٩ - أحكام القرآن، لأبي بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص، ط: دار الكتاب العربي، بيروت.\n١٠ - إحياء علوم الدين، للإمام الغزالي، ط: دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n١١ - أخبار الأخيار (بالفارسية)، للشيخ المحدث عبد الحق الدهلوي، ط: دهلي الهند.\n١٢ - الأدب المفرد، للبخاري، ط: مكتبة الآداب، بالقاهرة.","vol":"10","page":639},{"text":"١٣ - إرشاد الساري، للقسطلاني، ط: دار الفكر، بيروت، ١٤١٠ هـ.\n١٤ - إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء، (بالفارسية)، للإمام ولي اللَّه الدهلوي، ط: باكستان.\n١٥ - الأساليب البديعة في فضل الصحابة وإقناع الشيعة، ليوسف بن إسماعيل النبهاني، ط: المطبعة الميمنية، مصر.\n١٦ - الاستذكار، للحافظ ابن عبد البر، ط: القاهرة، ١٣٩٣ هـ.\n١٧ - الاستيعاب في معرفة الأصحاب، لابن عبد البر، ط: مطبعة السعادة، ١٣٢٨ هـ.\n١٨ - أشعة اللمعات شرح مشكاة المصابيح (بالفارسية)، لعبد الحق الدهلوي، ط: الهند.\n١٩ - الإصابة في تمييز الصحابة، للحافظ ابن حجر العسقلاني، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٠ - إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين، لعثمان بن محمد شطا الدمياطي الشافعي، ط: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.\n٢١ - أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري، للخطابي، ط: ١٩٨٠ م.\n٢٢ - أعلام المحدثين، للمحقق ط: دار القلم، بيروت.\n٢٣ - إعلام الموقعين، لابن القيم، ط: دار الحديث، القاهرة، ١٤٢٥ هـ.\n٢٤ - الأعلام يمن في تاريخ الهند من الأعلام (نزهة الخواطر)، للعلامة عبد الحي الحسني، ط: مكتبة دار عرفات، الهند، ١٤١٣ هـ.\n٢٥ - الأعلام للزركلي، ط: دار العلم، بيروت، ١٩٨٤ م.\n٢٦ - الاقتراح في بيان الاصطلاح، للإمام تقي الدين بن دقيق العيد، ط: مطبعة الإرشاد، بغداد، ١٤٠٢ هـ.\n٢٧ - إكمال إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، للأبي المالكي، ط: مكتبة طبرية، الرياض.\n٢٨ - إكمال المعلم بفوائد مسلم، للقاضي عياض، ط: بيروت.\n٢٩ - الإكمال في رفع الارتياب، لابن ماكولا، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.","vol":"10","page":640},{"text":"٣٠ - الإمام ال<span data-type=\"title\" id=toc-1480>ب</span>خاري إمام الحفاظ والمحدثين، للمحقق، ط: دار القلم، بيروت.\n٣١ - الانتباه، للشاه ولي اللَّه الدهلوي، المكتبة السلفية لاهور، باكستان.\n٣٢ - إنباء الغمر بأبناء العمر، لابن حجر العسقلاني، ط: لجنة إحياء التراث الإسلامي، مصر.\n٣٣ - الأنساب، للسمعاني، تحقيق: البارودي، ط: مؤسسة الكتب الثقافية، ١٤٠٨ هـ.\n٣٤ - إنسان العين في مشايخ الحرمين، للإمام ولي اللَّه الدهلوي، ط: دهلي، الهند.\n٣٥ - الإنصاف في أسباب الاختلاف، للإمام ولي اللَّه الدهلوي، ط: القاهرة.\n٣٦ - أوجز المسالك إلى موطأ مالك، للعلامة محمد زكريا الكاندهلوي، تحقيق: الدكتور تقي الدين الندوي، دار القلم، بيروت.\n* * *\n\n[ب]\n٣٧ - الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث، لابن كثير، تحقيق: أحمد محمد شاكر، ط: القاهرة.\n٣٨ - البحر الرائق شرح كنز الدقائق، للعلامة ابن نجيم المصري، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٨ هـ.\n٣٩ - البحر الزخار، لأبي بكر البزار، ط: مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة.\n٤٠ - بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، للإمام الكاساني الحنفي، ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، ١٤١٧ هـ.\n٤١ - بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لابن رشد، ط: بيروت، ١٤٠١ هـ.\n٤٢ - البداية والنهاية، لابن كثير، ط: السعادة، ١٣٥١ هـ.\n٤٣ - البدر الطالع، للشوكاني، ط: مكتبة ابن تيمية، القاهرة.\n٤٤ - بذل المجهود في حل أبي داود، للشيخ خليل أحمد السهارنفوري، تحقيق: الدكتور تقي","vol":"10","page":641},{"text":"الدين الندوي، ط: دار البشائر الإسلامية، بيرو<span data-type=\"title\" id=toc-1481>ت</span>، ١٤٢٧ هـ.\n٤٥ - بستان المحدثين، للشاه عبد العزيز الدهلوي، ط: الهند.\n٤٦ - بغية الباحث في زوائد مسند الحارث، للهيثمي، ط: المدينة المنورة، ١٤٠٥ هـ.\n٤٧ - بغية الوعاة، للحافظ جلال الدين السيوطي، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٩ هـ.\n٤٨ - بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني، للشيخ أحمد البنا الساعاتي، ط: القاهرة، ١٣٥٨ هـ.\n٤٩ - البناية على الهداية، للعيني، ط: دار الفكر، بيروت، ١٤٠٠ هـ.\n٥٠ - بهجة النفوس، (شرح مختصر صحيح البخاري)، لابن أبي جمرة الأندلسي، ط: دار الجيل، بيروت.\n* * *\n\n[ت]\n٥١ - تاريخ الإسلام، للذهبي، ط: دار الكتاب العربي، بيروت.\n٥٢ - تاريخ جرجان، لأبي القاسم حمزة بن يوسف السهمي، ط: دائرة المعارف العثمانية، سنة ١٣٨٩ هـ.\n٥٣ - تاج العروس، للزبيدي، ط: الكويت.\n٥٤ - تاريخ التراث العربي، لفؤاد سزكين، ط: القاهرة، ١٩٧٨ هـ.\n٥٥ - تاريخ ابن خلدون، لعبد الرحمن بن محمد، ابن خلدون، الحضرمي الإشبيلي، ط: دار الفكر، بيروت.\n٥٦ - تاريخ الخلفاء، للعلامة السيوطي، ط: المكتبة العصرية، بيروت، ١٤١٦ هـ.\n٥٧ - تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، للإمام الديار بكري، ط: دار صادر.\n٥٨ - التاريخ الصغير، للبخاري، ط: دار المعرفة، بيروت، لبنان، ١٤٠٦ هـ.\n٥٩ - تاريخ الطبري، لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.","vol":"10","page":642},{"text":"٦٠ - التاريخ الكبير، للبخاري، ط: حيدر آباد الهند، ١٣٦١ هـ.\n٦١ - تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، ط: دار الكتاب العربي، بيروت.\n٦٢ - تاريخ خليفة بن خياط، لخليفة بن خياط الليثي، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٣٩٧ هـ.\n٦٣ - تاريخ دمشق، لابن عساكو، ط: دار الفكر، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n٦٤ - تأويل مختلف الحديث، لأبي محمد عبد اللَّه بن مسلم بن قتيبة الدينوري، ط: المكتب الإسلامي، مؤسسة الإشراق.\n٦٥ - تبصير المنتبه بتحرير المشتبه، لابن حجر، ط: دار الكتاب العربي، ١٣٨٦ هـ.\n٦٦ - تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، لفخر الدين الزيلعي الحنفي، ط: المطبعة الكبرى الأميرية، بولاق، القاهرة.\n٦٧ - تجريد أسماء الصحابة، للذهبي، ط: الهند، ١٣٨٩ هـ.\n٦٨ - تجريد التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n٦٩ - تحفة الأبرار، للقاضي البيضاوي، ط: دار النوادر، سورية.\n٧٠ - تحفة الأشراف، للمزي، ط: المكتب الإسلامي، بيروت.\n٧١ - تحفة الفقهاء، لأبي بكر علاء الدين السمرقندي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n٧٢ - تحفة المنهاج، لابن حجر المكي، ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٧٣ - تدريب الراوي، للسيوطي، تحقيق: الدكتور عبد الوهاب عبد اللطيف، ط: بيروت، ١٣٧٩ هـ.\n٧٤ - تذكرة الحفاظ، للذهبي ط: حيدرآباد الهند، ١٣٧٥ هـ.\n٧٥ - تذكرة علماء الهند، (باللغة الأردية) للسيد محمد ميان، ط: دهلي الهند.\n٧٦ - الترغيب والترهيب، لعبد العظيم بن عبد القوي المنذري، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n٧٧ - تعجيل المنفعة، للحافظ ابن حجر العسقلاني، ط: دار الكتاب العربي، بيروت.\n٧٨ - التعليق الصببح شرح مشكاة المصابيح، للشيخ محمد إدريس الكاندهلوي، ط: باكستان.","vol":"10","page":643},{"text":"٧٩ - التعليق الممجد على موطأ محمد، للعلامة اللكنوي، تحقيق: الدكتور تقي الدين الندوي، ط: دار القلم، دمشق، ١٤١٨ هـ.\n٨٠ - تغليق التعليق على صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، ط: المكتب الإسلامي، بيروت.\n٨١ - تفسير أبي السعود = إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، لأبي السعود العمادي، ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٨٢ - تفسير ابن كثير، لابن كثير، ط: الحلبي، القاهرة.\n٨٣ - تفسير البيضاوي، للإمام البيضاوي، ط: دار الفكر، بيروت.\n٨٤ - تفسير الجلالين، لمحمد بن أحمد + عبد الرحمن بن أبي بكر = المحلي السيوطي، ط: دار الحديث، القاهرة.\n٨٥ - تفسير الطبري، (المسمى بجامع البيان في تأويل القرآن)، لابن جرير الطبري، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٢ هـ.\n٨٦ - التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب، لفخر الدين الرازي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٢١ هـ.\n٨٧ - التفسير المظهري، لمحمد ثناء اللَّه الفاني فتي الحنفي المظهري، ط: دهلي الهند.\n٨٨ - تفسير النسفي (مدارك التنزيل وحقائق التأويل)، لأبي البركات عبد اللَّه بن أحمد بن محمود حافظ الدين النسفي، ط: دار الكلم الطيب، بيروت.\n٨٩ - التفهيمات الإلهية، للإمام ولي اللَّه الدهلوي، ط: الهند.\n٩٠ - تقريب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، ط: دار الكتاب، بيروت، ١٣٨٠ هـ.\n٩١ - تقييد العلم، للخطيب البغدادي، ط: دار إحياء السنة النبوية، بيروت، ١٣٩٥ هـ.\n٩٢ - التقييد والإيضاح شرح مقدمة ابن الصلاح، للحافظ زين الدين العراقي، ط: دار الحديث، بيروت، ١٤٠٥ هـ.","vol":"10","page":644},{"text":"٩٣ - تقييد المهمل وتمييز المشكل، للجياني، ط: دار عالم الفوائد، مكة المكرمة.\n٩٤ - تلخيص الحبير، لابن حجر العسقلاني، ط: مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة المكرمة، ١٣٨٤ هـ.\n٩٥ - تلقيح فهوم أهل الأ<span data-type=\"title\" id=toc-1482>ث</span>ر، لابن الجوزي، ط: دار الأرقم، ١٣١٨ هـ.\n٩٦ - التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبد البر، ط: الرباط، ١٤٠٢ هـ.\n٩٧ - تنزيه الشريعة المرفوعة، لابن عراق الكناني، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n٩٨ - التنقيح لألفاظ الجامع الصحيح، للشيخ بدر الدين الزركشي، ط: مكتبة الرشد، الرياض سنة ١٤٢٥ هـ.\n٩٩ - تنوير الحوالك على موطأ مالك، للسيوطي، تحقيق: الشيخ محمد عبد العزيز الخالدي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٨ هـ.\n١٠٠ - التنوير في إسقاط التدبير، لابن عطاء اللَّه الإسكندري، ط: مصر.\n١٠١ - تهذيب الآثار، لابن جرير الطبري، تحقيق: محمود شاكر، ط: مطبعة المدني، القاهرة.\n١٠٢ - تهذيب الأسماء واللغات، للنووي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٠٣ - تهذيب التهذيب، لابن حجر العسقلاني، ط: حيدرآباد الهند، ١٣٢٥ هـ.\n١٠٤ - تهذيب الكمال، للمزي، ط: دار المأمون، دمشق.\n١٠٥ - توجيه النظر، للجزائري، ط: دار المعرفة، بيروت.\n١٠٦ - التوشيح على الجامع الصحيح للبخاري، للسيوطي، ط: مكتبة الرشد، الرياض.\n١٠٧ - التوضيح شرح الجامع الصحيح، لابن الملقن، ط: وزارة الأوقاف، قطر، سنة ١٤٢٩ هـ.\n* * *\n\n[ث]\n١٠٨ - الثقافة الإسلامية، للعلامة عبد الحي الحسني، ط: المجمع العلمي، دمشق.\n* * *","vol":"10","page":645},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1483>[ج]</span>\n١٠٩ - جامع الأصول، لابن الأثير الجزري، ط: دمشق، ١٣٨٩ هـ.\n١١٠ - جامع الترمذي، للإمام الترمذي، تحقيق: أحمد محمد شاكر، ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n١١١ - الجامع الصحيح، للإمام البخاري مع حاشية السهارنفوري، تحقيق وتعليق: الأستاذ الدكتور تقي الدين الندوي، ط: دار البشائر الإسلامية، بيروت، ٢٠١١ م.\n١١٢ - الجامع الصحيح، للإمام مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ط: بيروت، ١٣٧٤ هـ.\n١١٣ - الجامع الصغير، للسيوطي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n١١٤ - جامع بيان العلم وفضله، للحافظ ابن عبد البر، ط: القاهرة، ١٣٩٥ هـ.\n١١٥ - الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي، ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n١١٦ - جذوة المقتبس، لأبي عبد اللَّه محمد بن أبي نصر الحميدي، ط: الدار المصرية بالتأليف والترجمة.\n١١٧ - الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم الرازي ط: حيدرآباد الهند، ١٣٦١ هـ.\n١١٨ - جزء رفع اليدين، للبخاري، ط: دار ابن حزم، بيروت، ١٩٩٦ م.\n١١٩ - جزء القراءة خلف الإمام، للبخاري، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ١٩٨٥ م.\n١٢٠ - جلاء العينين في محاكمة الأحمدين، لأبي البركات خير الدين، الآلوسي، ط: مطبعة المدني.\n١٢١ - جمع الجوامع، للسيوطي، ط: الهيئة المصرية للكتاب، مصر.\n١٢٢ - جمع الوسائل في شرح الشمائل، للعلامة علي بن سلطان القاري، ط: دار المعرفة، بيروت.\n١٢٣ - الجواهر المضيَّة، لعبد القادر القرشي، تحقيق: د. عبد الفتاح محمد الحلو، ط: مؤسسة الرسالة، ١٤١٣ هـ.\n* * *","vol":"10","page":646},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1484>[ح]</span>\n١٢٤ - حاشية السندي على سنن النسائي، للسندي، ط: دار البشائر الإسلامية، بيروت.\n١٢٥ - حاشية السندى على سنن ابن ماجه، للسندي، ط: دار الجيل، بيروت.\n١٢٦ - حاشية السندي على صحيح البخاري، للسندي، ط: مصر.\n١٢٧ - حاشية السيد جمال الدين على مشكاة المصابيح، (مخطوط).\n١٢٨ - حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح، لأحمد بن محمد بن إسماعيل الطحطاوي الحنفي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٢٩ - الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي، لأبي الحسن علي بن محمد البصري البغدادي، الشهير بالماوردي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٣٠ - الحبائك في أخبار الملائك، للسيوطي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n١٣١ - حجة اللَّه البالغة، للإمام ولي اللَّه الدهلوي، ط: دار المعرفة، بيروت.\n١٣٢ - حجة الوداع وجزء عمرات النبي -ﷺ-، للعلامة محمد زكريا الكاندهلوي، تحقيق: الدكتور ولي الدين الندوي، ط: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بأبو ظبي، ١٤٢٠ هـ.\n١٣٣ - حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة، للسيوطي، ط: دار إحياء الكتب العربية، مصر.\n١٣٤ - الحصن الحصين، للإمام الجزري، ط: بيروت.\n١٣٥ - الحطة في ذكر الصحاح الستة، لصديق حسن خان القنوجي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٥ هـ.\n١٣٦ - الحكم العطائية، لابن عطاء اللَّه الإسكندري، ط: دار الفكر العربي، بيروت.\n١٣٧ - حلية الأولياء، لأبي نعيم، ط: دار الكتاب العربي، بيروت.\n١٣٨ - حياة الحيوان الكبرى، للدميري، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٥ هـ.\n١٣٩ - حياة الشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي، لخليق أحمد نظامي، تعريب: محمد أكرم الندوي، ط: دار القلم، دمشق.\n* * *","vol":"10","page":647},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1485>[خ]</span>\n١٤٠ - خزانة الأ<span data-type=\"title\" id=toc-1486>د</span>ب ولب لباب لسان العرب، لعبد القادر بن عمر البغدادي، ط: مكتبة الخانجي، القاهرة.\n١٤١ - الخصائص الكبرى، للعلامة السيوطي، ط: دار القلم، بيروت.\n١٤٢ - خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، لمحمد أمين بن فضل اللَّه المحبي، ط: دار صادر، بيروت.\n١٤٣ - خلاصة الوفاء بأخبار دار المصطفى -ﷺ-، للعلامة السمهودي، ط: المدينة المنورة، ١٤١٨ هـ.\n١٤٤ - خلاصة تذهيب تهذيب الكمال، للعلامة الخزرجي، ط: مكتبة المطبوعات الإسلامية، بيروت، ١٣٩٩ هـ.\n* * *\n\n[د]\n١٤٥ - دائرة المعارف الإسلامية، لأحمد الشنتاوي (وغيره) ط: دار الشعب، القاهرة، مصر.\n١٤٦ - الدر المختار مع حاشية ابن عابدين، للحصفكي، ط: دار الفكر، بيروت.\n١٤٧ - الدر المنثور، للسيوطي، ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٤٢١ هـ.\n١٤٨ - الدراية في تخريج أحاديث الهداية، لابن حجر العسقلاني، ط: دار المعرفة، بيروت.\n١٤٩ - الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة، لابن حجر العسقلاني، ط: دار الكتب الحديثة، القاهرة.\n١٥٠ - الدر النثير في تلخيص نهاية ابن الأثير، للسيوطي، ط: دار الحديث، القاهرة.\n١٥١ - دلائل النبوة، للبيهقي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n١٥٢ - الديباج المذهب في أعيان المذهب، لابن فرحون، ط: القاهرة، ١٣٥١ هـ.\n* * *","vol":"10","page":648},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1487>[ذ]</span>\n١٥٣ - ذيل تذك<span data-type=\"title\" id=toc-1488>ر</span>ة الحفاظ، لأبي المحاسن الحسيني الدمشقي، ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n١٥٤ - ذيل طبقات الحفاظ، للسيوطي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n* * *\n\n[ر]\n١٥٥ - رجال جامع الأصول، لابن الأثير الج<span data-type=\"title\" id=toc-1489>ز</span>ري، ط: دار ابن كثير، بيروت، ١٤١٢ هـ.\n١٥٦ - الرد على الجهمية، للدارمي، ط: دار ابن الأثير، الكويت.\n١٥٧ - رد المحتار على الدر المختار، لمحمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي الحنفي، ط: دار الفكر، بيروت.\n١٥٨ - الرسالة المستطرفة، للكتاني، ط: كراتشي باكستان.\n١٥٩ - روح المعاني، للآلوسي، ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n١٦٠ - الروض الأنف، للسهيلي، ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٤٢١ هـ.\n* * *\n\n[ز]\n١٦١ - زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن القيم الجوزية، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١٧ هـ.\n١٦٢ - الزهد، لهناد بن السري، ط: دار الخلفاء الكويت، ١٤٠٦ هـ.\n١٦٣ - الزهد، لعبد اللَّه بن المبارك، تحقيق: المحدث حبيب الرحمن الأعظمي، ط: بيروت.\n١٦٤ - الزهد وصفة الزاهدين، لأبي سعيد بن الأعرابي، ط: دار الصحابة للتراث، طنطا.\n١٦٥ - زهر الربي على المجتبى، للسيوطي، ط: القاهرة، ١٣٨٤ هـ.\n* * *","vol":"10","page":649},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1490>[س]</span>\n١٦٦ - سبحة المرجان في آثار هندوستان، لغلام علي البلجرامي، تحقيق: محمد فضل الرحمن الندوي، ط: معهد الدراسات الإسلامية علي جراه الهند، ١٩٨٠ م.\n١٦٧ - سفر السعادة، لمجد الدين الفيروزآبادي، ط: مصر.\n١٦٨ - سنن ابن ماجه، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٦٩ - سنن أبي داود، تحقيق: ال<span data-type=\"title\" id=toc-1491>ش</span>يخ محمد عوامة، ط: مؤسسة الريان، بيروت.\n١٧٠ - سنن الدارقطني، ط: دار المحاسن للطباعة، القاهرة، ١٣٨٦ هـ.\n١٧١ - سنن الدارمي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٧ هـ.\n١٧٢ - السنن الكبرى، للبيهقي، ط: دار المعرفة، بيروت، لبنان.\n١٧٣ - السنن الكبرى، للنسائي، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٢١ هـ.\n١٧٤ - سنن النسائي (المجتبى)، تحقيق: الشيخ عبد الفتاح، ط: دار البشائر الإسلامية، بيروت.\n١٧٥ - سنن سعيد بن منصور، تحقيق: المحدث حبيب الرحمن الأعظمي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n١٧٦ - سير أعلام النبلاء، للذهبي، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠١ هـ.\n١٧٧ - سيرة ابن هشام، لابن هشام، ط: دار إحياء التراث العربي، ١٤١٥ هـ.\n* * *\n\n[ش]\n١٧٨ - شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لابن العماد الحنبلي القدسي، ط: دار الآفاق الجديدة، بيروت.\n١٧٩ - شرح الأشباه والنظائر، للحموي، ط: إدارة القرآن، كراتشي، باكستان.\n١٨٠ - شرح الزركشي على مختصر الخرقي، لمحمد بن عبد اللَّه الزركشي المصري الحنبلي، ط: دار العبيكان.","vol":"10","page":650},{"text":"١٨١ - شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، ط: بيروت، ١٣٩٨ هـ.\n١٨٢ - شرح سفر السعادة (بالفارسية)، للشيخ المحدث عبد الحق الدهلوي، ط: الهند.\n١٨٣ - شرح السنة، للبغوي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، ط: المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٣ هـ.\n١٨٤ - شرح السير الكبير، للسرخسي، تحقيق: صلاح الدين المنجد، ط: القاهرة.\n١٨٥ - شرح الشفاء، للقاري، تحقيق: حسنين محمد مخلوف، ط: مطبعة المدني، القاهرة.\n١٨٦ - شرح الشمائل، للمناوي، ط: دار المعرفة، بيروت.\n١٨٧ - شرح العقيدة الطحاوية، لصدر الدين محمد بن علاء الدين علي بن محمد بن أبي العز الحنفي، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت.\n١٨٨ - شرح الكافية، للملا جامي، ط: الهند.\n١٨٩ - شرح مصابيح السنة، لابن الملك الكرماني الرومي، ط: دار النوادر، سورية.\n١٩٠ - شرح المواهب اللدنية، للزرقاني، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٧ هـ.\n١٩١ - شرح شرح النخبة، لعلي القاري، ط: بيروت.\n١٩٢ - شرح صحيح مسلم، للنووي، ط: دار أبي حيان.\n١٩٣ - شرح مسند الإمام أبي حنيفة، للقاري، ط: بيروت.\n١٩٤ - شرح مشكل الآثار، للإمام الطحاوي، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١٥ هـ.\n١٩٥ - شرح معاني الآثار، للإمام الطحاوي، ط: عالم الكتب، بيروت.\n١٩٦ - شرح مناسك النووي، لابن حجر، ط: بيروت.\n١٩٧ - شرح النخبة، لابن حجر، ط: بيروت.\n١٩٨ - شرح الوقاية، لصدر الشريعة، ط: الهند.\n١٩٩ - شروط الأئمة الستة، للمقدسي، ط: مكتبة عاطف، القاهرة.\n٢٠٠ - شروط الأئمة الخمسة، للحازمي، ط: مكتبة عاطف، القاهرة.","vol":"10","page":651},{"text":"٢٠١ - شعب الإيمان، للبيهقي،<span data-type=\"title\" id=toc-1494> ط: </span>الدار السلفية، بومبائي الهند.\n٢٠٢ - الشفا بتعريف حقوق الم<span data-type=\"title\" id=toc-1492>ص</span>طفى، للقا<span data-type=\"title\" id=toc-1493>ض</span>ي عياض المالكي، ط: دار الفيحاء، عمان.\n٢٠٣ - شواهد التوضيح، لابن مالك الطائي الجياني، ط: عالم الكتب، بيروت.\n* * *\n\n[ص]\n٢٠٤ - الصحاح، للجوهري، ط: دار المعرفة، بيروت، لبنان، ١٤٢٦ هـ.\n٢٠٥ - صحيح ابن خزيمة، تحقيق: الدكتور مصطفى الأعظمي، ط: المكتب الإسلامي، بيروت.\n٢٠٦ - الصراح (بالفارسية)، لجمال القرشي، ط: قيّومي كانفور، الهند.\n٢٠٧ - الصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة، لابن حجر الهيثمي، ط: مؤسسة الرسالة، لبنان.\n* * *\n\n[ض]\n٢٠٨ - الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع، للسخاوي، ط: دار مكتب الحياة، بيروت، ١٣٥٩ هـ.\n٢٠٩ - ضوء المشكاة، للشيخ فيض الحسن السهارنفوري، مخطوط.\n* * *\n\n[ط]\n٢١٠ - طبقات الحفاظ، للسيوطي، ط: القاهرة، ١٣٩٣ هـ.\n٢١١ - طبقات الشافعية الكبرى، للسبكي، ط: القاهرة، ١٩٥٤ م.\n٢١٢ - الطبقات الكبرى، لابن سعد، ط: دار التحرير، القاهرة، ١٣٨٨ هـ.\n٢١٣ - الطهور، لأبي عُبيد القاسم بن سلّام بن عبد اللَّه الهروي البغدادي، ط: مكتبة الصحابة، جدة.\n* * *","vol":"10","page":652},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1495>[ظ]</span>\n٢١٤ - ظفر الأماني، لل<span data-type=\"title\" id=toc-1496>ع</span>لامة اللكنوي، تحقيق: الدكتور تقي الدين الندوي، ط: بيروله.\n* * *\n\n[ع]\n٢١٥ - عارضة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، لابن العربي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢١٦ - العرف الشذي شرح سنن الترمذي، للعلامة محمد أنور شاه الكشميري، ط: دار التراث العربي، بيروت، لبنان.\n٢١٧ - العظمة، لأبي الشيخ الأصبهاني، ط: دار العاصمة، الرياض، ١٤٠٨ هـ.\n٢١٨ - عقود الجواهر المنيفة، لمحمد مرتضى الزبيدي، ط: مؤسسة الرسالة بيروت، لبنان.\n٢١٩ - العلل الواردة في الأحاديث النبوية، للإمام الدارقطني، ط: دار طيبة، الرياض، ١٤٠٥ هـ.\n٢٢٠ - علم الحديث بالهند (بالأردية)، للسيد سليمان الندوي، ط: دار المصنفين أعظم جراه، يوبي، الهند.\n٢٢١ - عمدة القاري شرح صحيح البخاري، للعلامة العيني ط: دار الفكر، بيروت، ١٤١٨ هـ.\n٢٢٢ - عمل اليوم والليلة، لابن السني، تحقيق: أبو محمد البرني، ط: مؤسسة علوم القرآن، بيروت.\n٢٢٣ - عمل اليوم والليلة، للنسائي، ط: مؤسسة الكتب الثقافية، ١٤٠٦ هـ.\n٢٢٤ - العناية على الهداية مع فتح القدير، لمحمد بن محمود البابرتي، ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n٢٢٥ - عون المعبود شرح سنن أبي داود، لشمس الحق العظيم آبادي، ط: دار الفكر، ١٣٩٩ هـ.\n* * *","vol":"10","page":653},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1497>[غ]</span>\n٢٢٦ - غريب الحديث، لأبي عبيد، ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1498>[ف]</span>\n٢٢٧ - الفائق في غريب الحديث والأثر، للزمخشري، ط: دار المعرفة، لبنان.\n٢٢٨ - الفتاوى الحديثية، لابن حجر المكي، ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٤١٩ هـ.\n٢٢٩ - فتاوى قاضي خان، للإمام فخر الدين الحسن بن منصور الأوزجندي، المعروف: بقاضيخان، ط: باكستان.\n٢٣٠ - الفتاوى الهندية في مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، للشيخ نظام وجماعة من علماء الهند، ط: دار الفكر، ١٤١١ هـ.\n٢٣١ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري، للعلامة ابن حجر العسقلاني، ط: دار طيبة، الرياض، ١٤٢٧ هـ.\n٢٣٢ - الفتح الرباني بترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، للشيخ أحمد البنا الساعاتي، ط: القاهرة.\n٢٣٣ - فتح القدير، لابن الهمام، ط: بولاق، ١٣١٥ هـ.\n٢٣٤ - فتح المبين لشرح الأربعين، لابن حجر المكي الهيتمي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٣٥ - فتح المغيث شرح ألفية الحديث، للسخاوي، ط: مطبعة العاصمة، ١٩٦٨ م.\n٢٣٦ - فتح الملهم شرح صحيح مسلم، للشيخ شبير أحمد العثماني، ط: باكستان.\n٢٣٧ - الفتوحات الإلهية، (حاشية الجمل)، للإمام سليمان بن عمر العجيلي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٣٨ - الفضل المبين في المسلسل من حديث النبي الأمين -ﷺ-، للشاه ولي اللَّه الدهلوي، ط: المدينة المنورة.","vol":"10","page":654},{"text":"٢٣٩ - فهرس الفهارس والأثبات، لل<span data-type=\"title\" id=toc-1500>ك</span>تاني، ط: فاس، ١٣٤٦ هـ.\n٢٤٠ - الفوائد البهية في تراجم الحنفية، للكهنوي، ط: السعادة، ١٣٣٤ هـ.\n٢٤١ - فوائد نافعة على عجالة نافعة (بالأردية)، للشيخ عبد الحليم الجشتي، ط: باكستان.\n٢٤٢ - فيروز اللغات (بالأردية)، لفيروز الدين، ط: مكتبة زكريا ديوبند، الهند.\n٢٤٣ - فيض الباري على صحيح البخاري، للكشميري، ط: بيروت.\n* * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1499>[ق]</span>\n٢٤٤ - القاموس المحيط، للفيروزآبادي، ط: دار الفكر، بيروت، ١٣٢٠ هـ.\n٢٤٥ - قوت القلوب، لأبي طالب المكي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.\n* * *\n\n[ك]\n٢٤٦ - الكاشف عن حقائق السنن، لحسن بن محمد الطيبي، ط: مكتبة نزار، مكة المكرمة.\n٢٤٧ - الكاشف في معرفة أسماء الرجال، للعلامة الذهبي، ط: القاهرة، ١٩٧٢ م.\n٢٤٨ - الكامل في ضعفاء الرجال، لابن عدي، ط: دار الفكر، بيروت، ١٤٠٤ هـ.\n٢٤٩ - كتاب الآثار، للإمام محمد بن الحسن الشيباني، ط: كراتشي، باكستان، ١٤١٩ هـ.\n٢٥٠ - كتاب الأم، للإمام الشافعي، ط: دار المعرفة، بيروت.\n٢٥١ - كتاب الأموال، لأبي عبيد القاسم بن سلام، ط: دار الفكر، بيروت، ١٤٠٨ هـ.\n٢٥٢ - كتاب الثقات، لابن حبان، ط: دار الفكر، بيروت، ١٣٩٩ هـ.\n٢٥٣ - كتاب القبس في شرح موطأ مالك بن أنس، لأبي بكر بن العربي المعافري، ط: دار العربي الإسلامي، بيروت، ١٩٩٢ م.\n٢٥٤ - كتاب القراءة خلف الإمام، للبيهقي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٥ هـ.","vol":"10","page":655},{"text":"٢٥٥ - كتاب ا<span data-type=\"title\" id=toc-1501>ل</span>مصاحف، لأبي بكر بن أبي داود السجستاني، ط: الفاروق الحديثة، القاهرة، ١٤٢٣ هـ.\n٢٥٦ - كتاب الميسر، للتوربشتي، ط: مكتبة نزار مصطفى الباز، المملكة العربية السعودية.\n٢٥٧ - الكشاف، للزمخشري، ط: دار المعرفة، بيروت.\n٢٥٨ - كشف الأستار عن زوائد البزار، للعلامة الهيثمي، تحقيق: المحدث حبيب الرحمن الأعظمي، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٣٩٩ هـ.\n٢٥٩ - كشف الظنون، لحاجي خليفة، ط: إستنبول، ١٣٦٦ هـ.\n٢٦٠ - كشف المشكل من حديث الصحيحين، لابن الجوزي، ط: دار الوطن، الرياض، سنة ١٤١٨ هـ.\n٢٦١ - الكفاية في علم الرواية، للخطيب البغدادي، ط: القاهرة.\n٢٦٢ - كنز العمال، للشيخ علي المتقي الهندي، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت، سنة ١٣٩٩ هـ.\n٢٦٣ - الكنى والأسماء، للدولابي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٦٤ - الكواكب الدراري، للكرماني، ط: دار الفكر، بيروت.\n٢٦٥ - الكواكب السائرة بأعيان المئة العاشرة، لنجم الدين محمد بن محمد الغزي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n* * *\n\n[ل]\n٢٦٦ - اللآلي المصنوعة في الأحادبث الموضوعة، للسيوطي، ط: دار المعرفة، بيروت، ١٤٠٣ هـ.\n٢٦٧ - لامع الدراري على جامع البخاري، للشيخ محمد زكريا الكاندهلوي، ط: المكتبة الإمدادية، مكة المكرمة، ١٣٩٧ هـ.\n٢٦٨ - اللامع الدراري مع الكنز المتواري، للعلامة محمد زكريا الكاندهلوي، ط: باكستان.\n٢٦٩ - لب اللباب، للسيوطي، ط: دار الفكر، بيروت.","vol":"10","page":656},{"text":"٢٧٠ - لسان العرب، لابن<span data-type=\"title\" id=toc-1502> م</span>نظور، ط: دار المعارف.\n٢٧١ - لسان الميزان، لابن حجر العسقلاني، ط: حيدر آباد الهند، ١٣٢٩ هـ.\n٢٧٢ - لطائف المنن، لابن عطاء اللَّه الإسكندري. ط: مصر.\n* * *\n\n[م]\n٢٧٣ - المؤتلف والمختلف، للدارقطني، ط: دار الغرب الإسلامي، ١٤٠٦ هـ.\n٢٧٤ - المتواري على تراجم أبواب البخاري، لابن المنير، ط: مكتبة المعلا، الكويت.\n٢٧٥ - المبسوط، للإمام شمس الدين السرخسي، ط: دار المعرفة، بيروت.\n٢٧٦ - المبسوط، لمحمد بن الحسن الشيباني، ط: إدارة القرآن والعلوم الإسلامية كراتشي، تحقيق: أبو الوفا الأفغاني.\n٢٧٧ - مجمع الأمثال، لأحمد بن محمد بن إبراهيم الميداني النيسابوري، ط: دار المعرفة، بيروت.\n٢٧٨ - مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، لعبد الرحمن بن محمد بن سليمان المدعو بشيخي زاده، ط: دار إحياء التراث العربي.\n٢٧٩ - مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للعلامة الهيثمي، ط: دار الفكر، بيروت، ١٤١٤ هـ.\n٢٨٠ - مجمع بحار الأنوار، للعلامة محمد طاهر الفتني، ط: حيدر آباد الهند، ١٣٩٣ هـ.\n٢٨١ - المجموع شرح المهذب للشيرازي، للإمام النووي، ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٤١٥ هـ.\n٢٨٢ - المحلى، لابن حزم، ط: المنيرية، ١٣٤٧ هـ.\n٢٨٣ - مختار الصحاح، لعبد القادر الرازي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٨٤ - المراسيل، للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السِّجِسْتاني، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت.\n٢٨٥ - مرعاة المفاتيح، للشيخ عبيد اللَّه المباركفوري، ط: الجامعة السلفية، وارانسي، الهند.\n٢٨٦ - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، للملا علي القاري، ط: ملتان، ١٣٦٦ هـ.","vol":"10","page":657},{"text":"٢٨٧ - المستدرك على الصحيحين، للحاكم، ط: حيدرآباد الهند، ١٣٣٤ هـ.\n٢٨٨ - مسند أبي حنيفة، ط: الهند.\n٢٨٩ - مسند أبي داود الطيالسي، تحقيق: د. محمد بن عبد المحسن التركي، ط: مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية.\n٢٩٠ - مسند أبي عوانة، تحقيق: أيمن الدمشقي، ط: دار المعرفة، بيروت، ١٤١٩ هـ.\n٢٩١ - مسند أبي يعلى الموصلي، تحقيق: حسين سليم أسد، ط: دار المأمون للتراث، دمشق ١٤٠٥ هـ.\n٢٩٢ - مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١٨ هـ.\n٢٩٣ - مسند إسحاق بن راهويه، ط: مكتبة الإيمان، المدينة المنورة.\n٢٩٤ - المسند الجامع، إعداد الدكتور: بشار عواد معروف ونخبة من العلماء، ط: دار الجيل، بيروت، ١٤١٣ هـ.\n٢٩٥ - مسند الحميدي، تحقيق: المحدث حبيب الرحمن الأعظمي، ط: المكتبة السلفية، المدينة المنورة.\n٢٩٦ - مسند الشافعي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n٢٩٧ - مسند الشاميين، للطبراني، تحقيق: حمدي السلفي، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٨ هـ.\n٢٩٨ - مسند الشهاب، للقضاعي، تحقيق: حمدي السلفي، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٧ هـ.\n٢٩٩ - المسند المستخرج على صحيح مسلم، لأبي نعيم الأصفهاني، تحقيق: محمد حسن الشافعي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ١٤١٧ هـ.\n٣٠٠ - المسوى شرح الموطأ، للإمام الدهلوي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n٣٠١ - مشارق الأنوار على صحاح الآثار، للقاضي عياض المالكي، ط: المكتبة العتيقة، ودار التراث.","vol":"10","page":658},{"text":"٣٠٢ - مشكاة المصابيح، للعلامة الخطيب التبريزي، تحقيق: الشيخ الألباني، ط: المكتب الإسلامي، ١٤٠٥ هـ.\n٣٠٣ - المصباح المنير، للفيومي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n٣٠٤ - المصفى شرح الموطأ، للإمام ولي اللَّه الدهلوي، ط: باكستان.\n٣٠٥ - المصنف في الأحاديث والآثار، لابن أبي شيبة، ط: دار الفكر، بيروت، ١٤١٤ هـ.\n٣٠٦ - المصنف، لعبد الرزاق، تحقيق: المحدث حبيب الرحمن الأعظمي، ط: المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٣ هـ.\n٣٠٧ - المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية، لابن حجر العسقلاني، ط: دار العاصمة، ١٤١٩ هـ.\n٣٠٨ - مظاهر حق (بالأردية)، للشيخ قطب الدين خان الدهلوي، ط: الهند.\n٣٠٩ - معارف السنن شرح سنن الترمذي، للشيخ المحدث محمد يوسف البنوري، ط: مجلس الدعوة والتحقيق الإسلامي، باكستان.\n٣١٠ - معالم السنن، للخطابي مع \"مختصر سنن أبي داود\" للمنذري، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٢١ هـ.\n٣١١ - معاهد التنصيص على شواهد التلخيص، لأبي الفتح عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن أحمد العباسي، ط: عالم الكتب، بيروت.\n٣١٢ - المعجم الأوسط، للطبراني، تحقيق: د. محمود طحان، ط: مكتبة المعارف، الرياض ١٤٠٦ هـ.\n٣١٣ - معجم البلدان، لياقوت الحموي، ط: دار صادر، بيروت، ١٩٩٦ م.\n٣١٤ - المعجم الصغير، للطبراني، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n٣١٥ - المعجم الكبير، للطبراني، ط: مكتبة ابن تيمية، القاهرة.\n٣١٦ - المعجم المفهرس (تجريد أسانيد الكتب المشهورة) لابن حجر، ط: مؤسسة الرسالة، بيروت، سنة ١٤١٨ هـ.","vol":"10","page":659},{"text":"٣١٧ - معجم المؤلفين، لعمر رضا كحالة، ط: دمشق، ١٣٨٢ هـ.\n٣١٨ - معجم ما استعجم، للبكري، ط: عالم الكتب، بيروت، ١٤٠٣ هـ.\n٣١٩ - المعجم الوسيط، إعداد لجنة من العلماء، ط: مجمع اللغة العربية، القاهرة.\n٣٢٠ - معرفة السنن والآثار، للبيهقي ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n٣٢١ - معرفة الصحابة، لأبي نعيم، ط: دار الوطن، الرياض.\n٣٢٢ - المعلم بفوائد صحيح مسلم، للمازري، ط: دار التونسية، تونس، ١٩٨٨ م.\n٣٢٣ - المغني في ضبط أسماء الرجال، للعلامة طاهر الفتني، ط: دار الكتاب العربي، بيروت، ١٣٩٩ هـ.\n٣٢٤ - المغني لابن قدامة المقدسي، تحقيق: الدكتور عبد اللَّه بن عبد المحسن التركي، ط: هجر القاهرة، ١٤١٢ هـ.\n٣٢٥ - مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، لابن هشام، ط: دار الفكر، دمشق.\n٣٢٦ - المفاتيح في شرح المصابيح، للحسين بن محمود الزيداني المطهري، ط: دار النوادر، سورية.\n٣٢٧ - مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، تحقيق: الشيخ صفوان عدنان داودي، ط: دار القلم، دمشق، ١٤١٢ هـ.\n٣٢٨ - المفهم، لأبي العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي، ط: دار ابن كثير، دمشق.\n٣٢٩ - المقاصد الحسنة، للسخاوي، ط: دار الأدب العربي، بيروت، ١٣٥٧ هـ.\n٣٣٠ - مقدمة ابن الصلاح، ط: بيروت.\n٣٣١ - الملل والنحل، للشهرستاني، ط: دار المعرفة، بيروت، ١٤١٩ هـ.\n٣٣٢ - المنتخب من مسند عبد بن حميد، ط: مكتبة السنة، القاهرة.\n٣٣٣ - المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، للعلامة أبي الفرج ابن الجوزي، دار الكتب العلمية، بيروت.","vol":"10","page":660},{"text":"٣٣٤ - م<span data-type=\"title\" id=toc-1503>ن</span>هاج السنة النبوية، للعلامة ابن تيمية، مكتبة الرياض الحديثة، الرياض.\n٣٣٥ - المواهب اللدنية بالمنح المحمدية، للعلامة أحمد بن محمد القسطلاني، تحقيق: صالح أحمد الشامي، ط: المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤١٢ هـ.\n٣٣٦ - الموضوعات، لابن الجوزي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.\n٣٣٧ - موطأ الإمام مالك، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ط: دار إحياء التراث العربي: بيروت ١٤٠٦ هـ.\n٣٣٨ - ميزان الاعتدال، للذهبي، ط: السعادة، ١٣٢٥ هـ.\n٣٣٩ - الميزان الكبرى، للشعراني، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٨ هـ.\n* * *\n\n[ن]\n٣٤٠ - نزهة الخواطر، للشيخ عبد الحي الحسني اللكنوي، ط: دار ابن حزم، بيروت، سنة ١٤٢٠ هـ.\n٣٤١ - نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، لابن حجر العسقلاني، ط: مطبعة سفير الرياض.\n٣٤٢ - نصاب الاحتساب، لعمر بن محمد السنامي الحنفي.\n٣٤٣ - نصب الراية لأحاديث الهداية، للزيلعي، ط: دار المأمون، القاهرة.\n٣٤٤ - نفع قوت المغتذي، للدمنتي، ط: أضواء السلف، الرياض.\n٣٤٥ - نهاية المحتاج شرح المنهاج، للرملي الشافعي، ط: دار الفكر، بيروت.\n٣٤٦ - النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، ط: دار ابن الجوزي، ١٤٢١ هـ.\n٣٤٧ - النور السافر عن أخبار القرن العاشر، للشيخ العيدروسي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٥ هـ.\n٣٤٨ - نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار، للشوكاني، ط: دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٢٠ هـ.\n* * *","vol":"10","page":661},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1504>[ه</span>ـ]\n٣٤٩ - الهدا<span data-type=\"title\" id=toc-1506>ي</span>ة شرح بداية المجتهد، للمرغيناني، ط: دار إحياء التراث العربي، بير<span data-type=\"title\" id=toc-1505>و</span>ت.\n٣٥٠ - هدي الساري مقدمة فتح الباري، لابن حجر، ط: دار طيبة، الرياض.\n٣٥١ - هدية العارفين، لإسماعيل باشا البغدادي، ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n* * *\n\n[و]\n٣٥٢ - الوسيط في المذهب، لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي، ط: دار السلام، القاهرة.\n٣٥٣ - وفاء الوفاء، لنور الدين علي بن عبد اللَّه السمهودي، ط: مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، المدينة المنورة.\n٣٥٤ - وفيات الأعيان، لابن خلكان، ط: القاهرة، ١٣١٠ هـ.\n* * *\n\n[ي]\n٣٥٥ - اليانع الجني، للشيخ يحيى الترهتي، ط: الهند.\n* * *","vol":"10","page":662},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1507>ذكر أسانيد هذا العبد الضعيف</span>\nعفا اللَّه عنه وعافاه\n١ - إني أخذت \"الجامع الصحيح\" لأمير المؤمنين في الحديث الإمام محمد بن إسماعيل البخاري قراءة وسماعًا من أوله إلى آخره كاملًا في جامعة مظاهر علوم بالهند عن العلامة المحدث الكبير الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي الملقب بشيخ الحديث المهاجر المدني صاحب \"أوجز المسالك\" وغيره من الكتب النافعة، وقد أجازني جميع مروياته في الحديث إجازة عامة، وكتب وثيقة الإجازة بعناية بالغة.\n٢ - وقد أخذت \"سنن أبي داود\" و\"شرح معاني الآثار\" للطحاوي، و\"سنن ابن ماجه\" و\"سنن النسائي\"، عن الناقد البصير مولانا أسعد اللَّه الرامفوري.\n٣ - و\"صحيح مسلم\"، و\"الموطأ\"، للإمام محمد بن حسن الشيباني عن العالم الجليل مولانا منظور أحمد خان السهارنفوري.\n٤ - أخذت \"مشكاة المصابيح\" و\"جامع الترمذي\" و\"شمائل الترمذي\" و\"موطأ الإمام مالك\" عن الشيخ أمير أحمد الكاندهلوي، وهو من أرشد تلاميذ الشيخ العالم الجليل مولانا عبد اللطيف البرقاضوي.\n٥ - قرأت \"الجامع الصحيح\" للإمام البخاري كاملًا و\"صحيح مسلم\" كاملًا و\"جامع الترمذي\" و\"شرح نخبة الفكر\" على العلامة المحدث الشيخ حليم عطاء السيلوني في جامعة ندوة العلماء بالهند، وإسناده يصل إلى القاضي الشوكاني أيضًا.\n٦ - لي إجازة عامة لجميع كتب الحديث الشريف من العالم الرباني الشيخ محمد أحمد البرتابكرهي -رحمه اللَّه تعالى-، وهو أخذ هذه الكتب من العالم الرباني الشيخ بدر علي الشاه، وهو من","vol":"10","page":663},{"text":"أرشد تلاميذ العالم الرباني العلامة المسند المعمر فضل رحمن الكنج مرادآبادي، هو أخذ الحديث المسلسل بالأولية والمسلسل بالمحبة، وسمع شطرًا من \"صحيح البخاري\" عن مسند الهند المحدث الكبير الشاه عبد العزيز بن الشاه ولي اللَّه الدهلوي، ثم قرأ الصحاح الستة على الشاه محمد إسحاق.\n٧ - لي إجازة عامة من العلامة المحدث الشيخ محمد يوسف البنوري، وقرأت عليه أوائل الصحاح الستة في المسجد النبوي في حالة الاعتكاف في شهر رمضان الكريم، وكتب لي الإجازة العامة بخطه.\n٨ - أما شهادة الدكتوراه في الحديث الشريف قد حصلت عليها من جامعة الأزهر الشريف، بإشراف الأستاذ الدكتور مصطفى أمين التازي، كان رئيس قسم الحديث الشريف بالأزهر، وتوفي بمكة المكرمة ودفن فيها -﵀ رحمة واسعة-.\nلقد ذكرت هذه الأسانيد بإيجاز (١).\n* * *\n_________\n(١) وقد جمع أسانيدي العزيز محمد حسان أختر الندوي، وسماه \"الدر الثمين بأسانيد الشيخ تقي الدين الندوي\"، وقد طبع في دار البشائر الإسلامية، بيروت.","vol":"10","page":664},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1508>السيرة الذاتية لمحقق هذا الكتاب</span>\n* هو تقي الدين بن بدر الدين بن محمد حسن الندوي.\n* ولادته في سنة ٢٤/ ١٢/ ١٩٣٤ م في أعظم جراه الهند.\n* قد حصل شهادة الدكتوراه في الحديث الشريف من جامعة الأزهر الشريف سنة ١٩٧٦ م.\n* قبل الحصول على درجة الدكتوراه كان أستاذ الحديث بجامعة ندوة العلماء بالهند، وشيخ الحديث بجامعة فلاح دارين غجرات، درس فيهما كتب السنة من صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وسنن الترمذي وغيرها.\n* بعد الحصول على الدكتوراه كان المستشار العلمي والقاضي الشرعي بدائرة القضاء الشرعي بأبو ظبي منذ سنة ١٩٧٥ م إلى سنة ١٩٨١ م.\n* بدأ التدريس كأستاذ منتدب بجامعة الإمارات العربية المتحدة منذ ١٩٧٩ م، ثم ترقى بها إلى درجة أستاذ مساعد سنة ١٩٨٥ م، ثم درجة أستاذ سنة ١٩٩٤ م.\n* ساهم في تقويم العديد من الأعمال العلمية لجامعات مختلفة، وكذا الترقيات العلمية للعديد من الأساتذة.\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1509> الندوات والمؤتمرات التي شارك فيها:</span>\n١ - مؤتمر رسالة المسجد في العالم، رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة ١٩٧٥ م.\n٢ - مؤتمر السيرة والسنة بدولة قطر سنة ١٩٨٠ م.\n٣ - مؤتمر الإمام مالك بأبو ظبي سنة ١٩٨٤ م.\n٤ - المهرجان التعليمي العالمي لندوة العلماء بالهند سنة ١٩٧٥ م.\n٥ - المؤتمر العالمي لدار العلوم ديوبند بالهند سنة ١٩٨١ م.","vol":"10","page":665},{"text":"٦ - الندوة العالمية لدار المصنفين بالهند ١٩٨٢ م.\n٧ - ندوة الأدب الإسلامي بندوة العلماء بالهند سنة ١٩٨١ م.\n٨ - المؤتمر العالمي لقضايا الدعوة الإسلامية بندوة العلماء بالهند سنة ١٩٩٦ م.\n٩ - ندوة عناية المملكة العربية السعودية بالسنة والسيرة النبوية بالمدينة المنورة سنة ٢٠٠٤ م.\n١٠ - ندوة علمية بعنوان الإمام محمد زكريا الكاندهلوي، تحت إشراف مركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية، أعظم جراه، الهند سنة ٢٠٠٤ م.\n١١ - ندوة عالمية بعنوان: \"الحديث النبوي في القرنين الثالث والرابع عشر في الهند\" تحت إشراف المركز سنة ٢٠٠٧ م.\n١٢ - مؤتمر \"العالم الإسلامي. . . المشكلات والحلول\"، تحت رعاية رابطة العالم الإسلامي (٢٢ - ٢٤ يوليو/ تموز سنة ٢٠١١ م).\n١٣ - مؤتمر \"ظاهرة التكفير\"، تحت رعاية خادم الحرمين الشريفين في المدينة المنورة (بتاريخ ٢٠ - ٢٢ سبتمبر/ أيلول سنة ٢٠١١ م).\n١٤ - المؤتمر العالمي الثاني \"التضامن الإسلامي\"، تحت رابطة العالم الإسلامي (٢/ ٤/ ٢٠١٤ م).\n\n*<span data-type=\"title\" id=toc-1510> عضوية الجمعيات والهيئات:</span>\n١ - عضو في المجلس الاستشاري لجامعة ندوة العلماء، الهند.\n٢ - عضو في المجلس الاستشاري لدار المصنفين، الهند.\n٣ - عضو في المجلس الاستشاري لجامعة مظاهر علوم، الهند.\n٤ - رئيس الجامعة الإسلامية بمظفر فور، أعظم جراه، يوبي، الهند.\n٥ - رئيس مركز الشيخ أبي الحسن الندوي للبحوث والدراسات الإسلامية بمظفر فور، أعظم جراه، يوبي، الهند.\n٦ - عضو في المجلس الاستشاري لدار العلوم تاج المساجد بهوفال، الهند.\n* * *","vol":"10","page":666},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1511>من أعمال المحقق</span>\n١ - أعلام المحدثين بالهند، ط: المدينة المنورة، ١٩٨١ م.\n٢ - السنة مع المستشرقين والمستغربين، ط: المدينة المنورة، ١٩٨٥ م.\n٣ - أعلام أئمة الحديث، ط: الهند، ١٩٨٧ م.\n٤ - علم رجال الحديث، ط: المدينة المنورة، ١٩٨٨ م.\n٥ - الإمام البخاري سيد الحفاظ والمحدثين، ط: بيروت، ودمشق.\n٦ - الإمام مالك ومكانة كتابه \"الموطأ\"، ط: دار البشائر الإسلامية، بيروت، ٢٠٠٢ م.\n٧ - الإمام أبو داود الفقيه المحدث، ط: دار القلم، بيروت.\n٨ - دراسة لكتب السيرة القديمة ومصادرها الأولى، ط: دولة قطر.\n٩ - ساعة مع الربانيين (ملفوظات الشيخ المحدث محمد زكريا الكاندهلوي)، ط: الهند\n١٠ - كتاب الزهد الكبير، للإمام البيهقي (تحقيق وتعليق)، ط: أبو ظبي، والكويت.\n١١ - ظفر الأماني للإمام اللكنوي (تحفيق وتعليق)، ط: بيروت.\n١٢ - الجامع الصحيح للإمام البخاري مع حاشية السهارنفوري، تحقيق وتعليق (١٥) مجلدًا، ط: دار البشائر الإسلامية، بيروت، ٢٠١١ م.\n١٣ - التعليق الممجد شرح الموطأ برواية الإمام محمد للإمام اللكنوي، (تحقيق وتعليق)، طبع في ٣ مجلدات من دار القلم، دمشق.\n١٤ - أوجز المسالك شرح موطأ مالك للعلامة المحدث الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي (تحقيق وتعليق)، ١٨ مجلدًا، من دار القلم، بيروت.","vol":"10","page":667},{"text":"١٥ - بذل المجهود في حل أبي داود، للعلامة المحدث الشيخ خليل أحمد السهارنفوري، (تحقيق وتعليق)، ١٤ مجلدًا، من دار البشائر الإسلامية، بيروت.\n١٦ - إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء، للشاه ولي اللَّه الدهلوي (تحقيق وتعليق)، ٥ مجلدًا، من دار القلم، بيروت.\n١٧ - المواهب اللطيفة في شرح مسند الإمام أبي حنيفة، للعلامة عابد السندي، ٧ مجلدًا، ط: دار النوادر، بيروت.\n١٨ - قبسات من القرآن والسنة، للجنة من الأساتذة، كان مشاركًا فيها، ط: الكويت، ١٩٨٩ م.\n١٩ - الإمام الطحاوي المحدث، مجلة كلية الآداب بجامعة الإمارات، ١٩٩٠ م.\n٢٠ - أسرار تراجم البخاري، مجلة كلية الشريعة والقانون، ١٩٩٢ م.\n٢١ - الإمام النسائي والصناعة الحديثية، مجلة كلية الآداب، ١٩٩٤ م.\n٢٢ - المحدث العظيم الآبادي وعون المعبود، مجلة كلية الآداب، ١٩٩٤ م.\n٢٣ - السيرة النبوية للعلامة شبلي النعماني وتكملته للعلامة السيد سليمان الندوي، دراسة وتحليل، مجمع الملك فهد بالمدينة المنورة، ١٤٢٤ هـ.\n٢٤ - الإمام ولي اللَّه الدهلوي وعلم الحديث، مجلة البرهان دهلي.\nهذه وغيرها من البحوث والدراسات.\n* * *","vol":"10","page":668}]}