{"ً":{"ٌ":14528,"ٍ":"الأسهم - حكمها وآثارها","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"بحوث ومسائل/الأسهم حكمها وآثارها - السلطان - ط ابن الجوزي","files":["76336.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الأسهم - حكمها وآثارها\nالمؤلف: أ. د. صالح بن محمد بن سليمان السلطان\nالناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٧ هـ - ٢٠٠٦ م\nعدد الصفحات: ١٤١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2729,"ٕ":19,"ٖ":1770156059,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"التمهيد","level":1,"page":5},{"title":"المسألة الأولى: تعريف الأسهم","level":2,"page":6},{"title":"المسألة الثانية: خصائص الأسهم","level":2,"page":7},{"title":"المسألة الثالثة: قيمة السهم","level":2,"page":8},{"title":"المسألة الرابعة: أنواع الأسهم","level":2,"page":9},{"title":"المسألة الخامسة: محل العقد في بيع الأسهم","level":2,"page":14},{"title":"المسألة السادسة: حكم بيع الأسهم قبل تداولها","level":2,"page":14},{"title":"المبحث الأول حكم المساهمة في هذه الشركات","level":1,"page":16},{"title":"المسألة الأولى: في حكم هذه المساهمة","level":2,"page":17},{"title":"القول الأول: تحريم الاتجار فيها مطلقا","level":3,"page":17},{"title":"القول الثاني: التفريق بين ما كانت نسبة الاستثمار المحرم فيه كثيرة فيحرم","level":3,"page":21},{"title":"المسألة الثانية: في فروع متعلقة بهذا الحكم","level":2,"page":57},{"title":"الفرع الأول: التطهير هل يرفع التحريم","level":3,"page":57},{"title":"الفرع الثاني: مساهمة من يقدر على التغيير فيها","level":3,"page":59},{"title":"الفرع الثالث: حكم المساهمة في هذه الشركات إذا خيف استيلاء غير المسلمين عليها","level":3,"page":60},{"title":"القسم الأول: الشركات المؤثرة في اقتصاد البلد","level":4,"page":61},{"title":"القسم الثاني: الشركات غير المؤثرة","level":4,"page":63},{"title":"المسألة الثالثة: إذا دخل في شركة، ثم تبين له وجود استثمار محرم فيها","level":2,"page":63},{"title":"المبحث الثاني المعقود عليه في المضاربة","level":1,"page":67},{"title":"المبحث الثالث تصرفات المضاربين في سوق الأسهم","level":1,"page":71},{"title":"المبحث الرابع حقيقة المضاربة في سوق الأسهم","level":1,"page":82},{"title":"المبحث الخامس آثار المضاربة على الأسهم","level":1,"page":87},{"title":"الجانب الاقتصادي","level":2,"page":88},{"title":"آثارها الاجتماعية","level":2,"page":93},{"title":"آثارها الشرعية","level":2,"page":96},{"title":"ملحق خاص","level":1,"page":99},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":122},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":126}],"ٛ":{"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,21":16,"1,22":17,"1,23":18,"1,24":19,"1,25":20,"1,26":21,"1,27":22,"1,28":23,"1,29":24,"1,30":25,"1,31":26,"1,32":27,"1,33":28,"1,34":29,"1,35":30,"1,36":31,"1,37":32,"1,38":33,"1,39":34,"1,40":35,"1,41":36,"1,42":37,"1,43":38,"1,44":39,"1,45":40,"1,46":41,"1,47":42,"1,48":43,"1,49":44,"1,50":45,"1,51":46,"1,52":47,"1,53":48,"1,54":49,"1,55":50,"1,56":51,"1,57":52,"1,58":53,"1,59":54,"1,60":55,"1,61":56,"1,62":57,"1,63":58,"1,64":59,"1,65":60,"1,66":61,"1,67":62,"1,68":63,"1,69":64,"1,70":65,"1,71":66,"1,73":67,"1,74":68,"1,75":69,"1,76":70,"1,77":71,"1,78":72,"1,79":73,"1,80":74,"1,81":75,"1,82":76,"1,83":77,"1,84":78,"1,85":79,"1,86":80,"1,87":81,"1,89":82,"1,90":83,"1,91":84,"1,92":85,"1,93":86,"1,95":87,"1,96":88,"1,97":89,"1,98":90,"1,99":91,"1,100":92,"1,101":93,"1,102":94,"1,103":95,"1,104":96,"1,105":97,"1,106":98,"1,107":99,"1,108":100,"1,109":101,"1,110":102,"1,111":103,"1,112":104,"1,113":105,"1,114":106,"1,115":107,"1,116":108,"1,117":109,"1,118":110,"1,119":111,"1,120":112,"1,121":113,"1,122":114,"1,123":115,"1,124":116,"1,125":117,"1,126":118,"1,127":119,"1,128":120,"1,129":121,"1,130":122,"1,131":123,"1,132":124,"1,133":125,"1,136":126,"1,137":127,"1,138":128,"1,139":129,"1,140":130,"1,141":131},"ٜ":{"1":[5,141]},"ٝ":[null,"1,5","1,6","1,7","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141"],"ٞ":{"2":[1],"5":[2],"6":[3],"7":[4],"8":[5],"9":[6],"14":[7,8],"16":[9],"17":[10,11],"21":[12],"57":[13,14],"59":[15],"60":[16],"61":[17],"63":[18,19],"67":[20],"71":[21],"82":[22],"87":[23],"88":[24],"93":[25],"96":[26],"99":[27],"122":[28],"126":[29]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"الأسهم - حكمهَا وآثارها\n\nإعداد\nأ. د. صَالح بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان السُّلْطَان\nكُلية الشَّرِيعَة - جَامِعَة القصيم","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nجاء الإسلام تامًّا ومتكاملًا، بشرائعه وقيمه وأصوله، قائمًا برعاية أفراده، وصيانة حقوقهم، وبيانها جلية واضحة، ودعاهم إلى السعي في الأرض: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ [الملك: ١٥]، وأمرهم بالعمل والأكل من الطيبات: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، وحذَّرهم من الحرام: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨].\nواستثمار المال وتنميته في طرقه المشروعة هو نوع من العمل المأمور به: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾ [القصص: ٧٧].\nوإذا كان الإسلام أمر بالاستثمار، فإنه حدده بالحلال، وجعله أصلًا له: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وترك للعباد تعيين طرق هذا الاستثمار بناء على هذا الأصل، وجريا على قواعده؛ فتنوعت طرق العباد في استثمارهم في كل زمان ومكان، وَجَدَّ لهم في هذا الزمان من المعاملات ما لم يكن معروفًا فيما مضى (١).\nوكان من هذه المعاملات: الأسهم؛ استثمارًا في ريعها، ومضاربة على فروق الأسعار فيها؛ بل صارت هذه المعاملة أشهر هذه\n_________\n(١) وإن كان أصله موجودا في كتاب الشركة من أبواب الفقه.","vol":"1","page":5},{"text":"المعاملات، ودخل فيها الكثير، وشغلت بالهم، واستغرقت أموالهم، وصارت حديث مجالسهم، ومحل حواراتهم.\nولما كان لها هذه الأهمية، وكانت تستغرق هذا الجزء الكبير من الاستثمار في السوق المالية، وكثر الحديث حولها، وتعددت الآراء في حكمها، واختلفت اختلافا متباينا، وكنت أرى أن تلك القواعد التي استدل بها المجيزون لها وجاهتها من حيث الجملة قبل إمعان النظر والتدقيق فيها - بدأت في مراجعة هذه المسألة - بل النازلة - ومراجعة ما كتب فيها، تحليلًا أو تحريمًا (١)، فبدأت الكتابة فيها مستمدًّا العون والتوفيق من الله؛ مشاركةً في إثراء هذا الموضوع، وتحديدًا لمسائله، وتحليلًا وتقويمًا لأدلته، وبيانًا لما يرد عليها؛ متحريًا في ذلك موافقة الأصول، ومحقِّقًا في تحرير المقاصد وكيفية مراعاتها، مستفيدًا وموثقًا مما كتبه العلماء المتقدمون والمعاصرون.\nوقد قسَّمْتُ هذا البحث إلى تمهيد ومباحث:\nالتمهيد: في التعريف بالأسهم وأنواعها. وفيه مسائل:\nالمسألة الأولى: في تعريف الأسهم والمقصود بها.\nالمسألة الثانية: في خصائص الأسهم.\nالمسألة الثالثة: في قيمة الأسهم وأقسامها.\nالمسألة الرابعة: في أنواع الأسهم.\nالمسألة الخامسة: في محل العقد في بيع الأسهم.\nالمسألة السادسة: بيع الأسهم قبل تداولها.\nالمبحث الأول: حكم المساهمة في هذه الشركات؛ وفيه مسائل:\nالمسألة الأولى: في حكم هذه المساهمة.\nالمسألة الثانية: في فروع متعلقة بحكم هذه المسألة.\n_________\n(١) واستغرق ذلك مني وقتا طويلا حتى تصورتها تصوُّرا أحسبه جيدا وبيِّنًا.","vol":"1","page":6},{"text":"المسألة الثالثة: إذا دخل في شركة ثم تبين له وجود استثمار محرم.\nالمبحث الثاني: المعقود عليه في المضاربة على الأسهم.\nالمبحث الثالث: تصرفات المضاربين في سوق الأسهم وحكمها.\nالمبحث الرابع: حقيقة المضاربة في سوق الأسهم.\nالمبحث الخامس: في آثار المضاربة على الأسهم.\nالخاتمة.\nالفهارس.\n* * * * *","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>التمهيد</span>\nوفيه ست مسائل:\nالمسألة الأولى: تعريف الأسهم\nالمسألة الثانية: خصائص الأسهم\nالمسألة الثالثة: قيمة السهم\nالمسألة الرابعة: أنواع الأسهم\nالمسألة الخامسة: محل العقد في بيع الأسهم\nالمسألة السادسة: بيع الأسهم قبل تداولها","vol":"1","page":9},{"text":"تمهيد\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>المسألة الأولى: تعريف الأسهم</span>\nفي اللغة: جمع سهم، وهو: النصيب المحكم، والسهم: الخط، والجمع سهمان وسهمة، والسهم في الأصل واحد السهام التي يضرب بها في الميسر، وهي القداح .... ثم كثر حتى سمي كلُّ نصيب سهمًا.\nوفي الاصطلاح عُرِّفَ بتعريفات عدة، منها:\n١ - السهم هو: النصيب الذي يشترك به المساهم في الشركة .... ويتمثل في صَكٍّ يعطى للمساهم، يكون وسيلة في إثبات حقوقه في الشركة (١).\n٢ - وعُرِّفَ بأنه: الجزء الذي ينقسم على قيمة مجموع رأس مال الشركة المثبت في صَكٍّ له قيمة اسمية، وتُمَثِّلُ الأسهمُ في مجموعها رأسَ مال الشركة، وتكون متساوية القيمة (٢).\n_________\n(١) الشركات التجارية، للدكتور علي حسن يونس، ص٥٣٩. وانظر: أحكام السوق المالية. مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد السادس، الجزء الثاني، ص١٢٨٦، د. محمد عبد الغفار الشريف.\n(٢) شركة المساهمة في النظام السعودي، د. صالح المرزوقي، ص٣٣٣. وانظر: الشركات للبابلي، ص١٧٨.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>المسألة الثانية: خصائص الأسهم</span>\nتَتَّصِفُ الأسهم بالخصائص الآتية:\n١ - التساوي في القيمة الاسمية التي تصدر بها الأسهم؛ فلا يجوز نظامًا أن يكون لبعض الأسهم قيمة أعلى من قيمة البعض الآخر.\nوالتساوي في القيمة يترتب عليه التساوي في الحقوق والالتزامات؛ سواء من حيث توزيع أرباح الشركة، أو موجوداتها بعد تصفيتها، أو في التصويت، أو في تَحَمُّلِ الديون والالتزامات المترتِّبة على الشركة، والشريك يسأل عن ديون الشركة بمقدار أسهمه التي يملكها فقط (١).\n٢ - أنها غيرُ قابلة للتجزئة؛ بمعنى أنه لا يصح أن يملك جزءًا من سهم، ويجوز أن يشترك أكثر من واحد في ملكية سهم؛ لكن يُمَثِّلُهم تجاه الشركة شخص واحد، وكذلك الحال لو مات المالك للأسهم؛ فيتعيَّن على الورثة اختيار من يمثِّلُهم في الجمعية العمومية، وفي كل ما يتعلق بحقوق هذا السهم.\n٣ - أنها قابلة للتداول بالطرق التجارية بيعًا وشراءً ورهنًا وغيرها؛ بمعنى أنه يمكن انتقالها إلى شخص آخر بعيدًا عن سلطة الشركة، وسواء كان السهم صادرًا لحامله من غير اسم، أو كان السهم إذنيًّا - أي يصدر لإذن أو أمر المساهم - فيتم تداولُه بطريق التظهير (٢).\n_________\n(١) بمعنى أن مسؤولية مالك الأسهم بقيمة أسهمه فقط، ولا يطالب المساهم بما يزيد عن هذه القيمة مهما بلغت ديون الشركة ونقصت موجوداتها.\n(٢) انظر: أحكام الأسواق المالية، هارون، ص٣١، المعاملات المالية المعاصرة للزحيلي، ص ٣٦٣ - ٣٦٤، الشركات، للخياط: ٢/ ٩٤ - ٩٥.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>المسألة الثالثة: قيمة السهم</span>\nالسهم له أكثر من قيمة؛ فقيمة السهم تطلب باعتبارات متعددة؛ فله قيمة اسمية، وقيمة إصدار، وقيمة دفترية، وقيمة حقيقية، وقيمة سوقية، وبيانها على النحو التالي:\n١ - القيمة الاسمية:\nهي القيمة التي تمت الموافقة عليها من الجهة المختصَّة، ويتم بها طرح السهم للمكتتبين، وتكون مدوَّنةً على الصَّكِّ (السهم)، ويحسب على أساسها مجموع رأس مال الشركة؛ فهي قيمة ثابتة، ويتساوى فيها جميع المساهمين، ولا يجوز إصدار الأسهم بأقل من قيمتها الاسمية.\n٢ - القيمة الدفترية:\nوهي قيمة السهم طبقا لدفاتر الشركة المحاسبية، وهذه القيمة تحسب بقسمة حقوق المساهمين على عدد الأسهم المصدرة، وتتكون من: حقوق المساهمين من رأس المال المدفوع، والاحتياطات، والأرباح المجمعة.\n٣ - القيمة الحقيقية:\nهي النصيب الذي يستحقه السهم في جميع موجودات الشركة وأرباحها بعد حسم ديونها؛ فإذا ربحت الشركة وصار لها أموال احتياطية وأصول، فإن القيمة الحقيقية للسهم ترتفع وتصبح أعلى من القيمة الاسمية، ولو خسرت لحدث العكس.\n٤ - قيمة الإصدار:\nهي القيمة التي تصدر بها الأسهم، وعادة يصدر السهم بقيمته الاسمية، ولا يجوز إصدار السهم بأقل من قيمته الاسمية طبقًا لنظام الشركات بالمملكة العربية السعودية، وإن جاز إصداره بأكثر من قيمته","vol":"1","page":12},{"text":"الاسمية، وفي هذه الحالة يطلق على فرق القيمة علاوة إصدار، وبالتالي فإن قيمة الإصدار تساوي القيمة الاسمية للسهم زائدًا علاوة الإصدار (١).\n٥ - القيمة السوقية:\nهي قيمة السهم في سوق الأسهم، وهذه القيمة متغيرة - وقد تتغير في ثوان أو دقائق - بحسب قوة العرض والطلب وأحوال السوق وسمعة الشركة، ومدى قوة مركزها المالي وسلامته. وتظهر هذه القيمة في شاشات الأسهم التي تديرها إدارة سوق المال (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>المسألة الرابعة: أنواع الأسهم</span>\nتتنوع الأسهم إلى أنواع عدة باعتبارات مختلفة:\nأولا: من حيث الشكل الذي تظهر به تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: السهم الاسمي، وهو السهم الذي كتب باسم صاحبه، كما هو مُدَوَّن في سجلات الشركة، ونقل ملكيته يكون بطريق القيد في سجل المساهمين في الشركة.\n_________\n(١) وهذه العلاوة إذا كانت مقدرة تقديرا مناسبا لتغطية مصاريف الإصدار فهي جائزة وإلا فلا. جاء في قرارات مجمع الفقه الإسلامي بجدة بشأن الأسهم، رقم ٦٣ (١/ ٧)، عام ١٤١٢هـ - ١٩٩٢م ما يلي:\n٩ - إصدار أسهم مع رسوم إصدار: إن إضافة نسبة معينة مع قيمة السهم لتغطية مصاريف الإصدار لا مانع منها شرعا ما دامت هذه النسبة مقدرة تقديرا مناسبًا.\n١٠ - إصدار أسهم بعلاوة إصدار أو حسم (خصم) إصدار: يجوز إصدار أسهم جديدة لزيادة رأس مال الشركة إذا صدرت بالقيمة الحقيقية للأسهم القديمة حسب تقويم الخبراء لأصول الشركة، أو بالقيمة السوقية.\nنقلًا عن المعاملات المالية المعاصرة للزحيلي ص٣٨٢.\n(٢) الاستثمار بالأسهم في السوق السعودي، د. عيد الجهني ص٣٥ - ٣٦، المعاملات المالية المعاصرة، للزحيلي، ص٣٦٣.","vol":"1","page":13},{"text":"القسم الثاني: السهم لحامله، ويكون مِلْكًا لحامله، ولا يكتب عليه اسم صاحبه، وملكيته تكون بحيازته.\nالقسم الثالث: السهم الإذني أو للأمر، وهو ما يسبق اسم صاحبه بعبارة: لإذن أو لأمر، ونقل ملكيته تكون بتظهيره؛ وذلك بكتابة اسم المالك الجديد، وتوقيع المالك السابق، دون الحاجة إلى الرجوع إلى سجلات الشركة.\nثانيا: من حيث الحقوق التي تعطيها لصاحبها تنقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: أسهم عادية، وهي التي تعطى عادة لغالب المساهمين، وتخولهم حقوقا متساوية، ويوزع على أصحابها الأرباح التي تبقى بعد أرباح الأسهم الممتازة.\nالقسم الثاني: أسهم ممتازة، وهي الأسهم التي تختص ببعض المزايا التي لا تتمتع بها الأسهم العادية؛ كالأولوية في توزيع الأرباح بنسبة معينة كـ ٥ % من قيمته، وحق استعادة قيمة السهم بكاملها عند التصفية، وما يبقى فللأسهم العادية بالتساوي، وأحيانًا بزيادة الأصوات، أو الأولوية في الاكتتاب عند تقرير زيادة رأس المال (١).\n_________\n(١) تخصيص بعض الأسهم بشيء من هذه الامتيازات لا يجوز شرعا؛ لمنافاته للعدالة بين المساهمين التي هي أصل الاشتراك، ولما فيه من الظلم بتخصيص البعض بشيء من المال من غير مسوغ شرعي، وما ينشأ عن ذلك من الغرر الذي نهى عنه النبي - ﷺ - في حديث أبي هريرة عن مسلم، رقم (٢٧٨٣)، وذكر بعض صور الغرر التي فيها تخصيص لأحد المتشاركين ناهيا عنها؛ حيث روى مسلم في صحيحه:\n(عن حنظلة بن قيس الأنصاري قال: سألت رافع بن خديج عن كراء الأرض بالذهب والورق، فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد النبي - ﷺ - بما على الماذينات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، لم يكن للناس كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به). صحيح مسلم، رقم (٢٨٨٨).\nوانظر في منع تخصيص أحد من الشركاء بشيء معين دون غيره، المغني ٥/ ٢٣.\n\nالماذينات: هي ما ينبت على حافتي سبيل الماء.\nوأقبال الجداول: هو منابع الجداول، والجدول النهر الصغير.","vol":"1","page":14},{"text":"ثالثا: من حيث إرجاعها إلى أصحابها وعدم إرجاعها تنقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: أسهم رأس مال؛ وهي: الأسهم التي تستهلك قيمتها؛ بمعنى: أنها لا تعود إليه إلا عند فسخ الشركة أو انقضائها وتصفيتها لأي سبب من الأسباب.\nالقسم الثاني: أسهم تمتع؛ وهو: الصَّكُّ الذي يتسلمه المساهم بعد أن يستهلك قيمة سهمه (١). ويتأخر حق صاحبه في الربح وعند التصفية عن أصحاب الأسهم غير المستهلكة حسب نظام الشركة (٢).\nوالمراد باستهلاك السهم هو: رد قيمته الاسمية إلى المساهم قبل انقضاء الشركة، وقد يكون الرد له دفعة واحدة، وقد يكون تدريجيا (٣).\n_________\n(١) الاستهلاك يجوز في حالة واحدة: إذا كان لجميع المساهمين، وبنسبة واحدة من كل سهم، وفيما عدا ذلك لا يجوز؛ لما فيه من تخصيص بعض المساهمين بشيء من المال من غير مخصص ولا مسوغ شرعي؛ ففيه ظلم وأكل للمال بالباطل وإضعاف لحقوق دائني الشركة، وهذا غرر بيِّن بهم؛ إذ لا يجوز أن يستحق ربحا بعد استهلاك سهمه؛ لأن الربح يُستحق إما بالمال أو العمل أو الضمان، ولا يوجد شيء من ذلك في صاحب السهم المستهلك.\n(٢) انظر: الشركات، للخياط ٢/ ٩٦ - ٩٨، شركة المساهمة، للمرزوقي، ص٣٥٣ وما بعدها، الاستثمار في الأسهم والوحدات الاستثمارية، د. عبد الستار أبو غدة، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، العدد التاسع، الجزء الثاني، ص ١٠٩ - ١١٠.\n(٣) يحدث استهلاك الأسهم في بعض الحالات؛ مثل ما إذا كانت موجودات الشركة مما يستهلك؛ كمنجم أو محجر أو سفن بحرية؛ فالمنجم أو المحجر يفنى والسفن تبلى بعد مدة من الزمن، فتصبح غير صالحة للاستعمال، فإذا انتظرت الشركة إلى حين فناء المنجم أو المحجر أو إلى أن تبلى السفن فإنها لا تجد عندئذ موردا تدفع منه قيمة الأسهم، ولذلك تعمل الشركة على دفع جزء من أسهمها عاما بعد عام، حتى إذا انقضت مدة بقائها تكون قد استهلكت جميع الأسهم،\n\nوإن كان مشروع الشركة يقوم على حقوق مؤقتة - كما إذا كانت حاصلة على امتياز حكومي - تؤول بانتهائه جميع منشآتها إلى الدولة؛ مثل شركة الكهرباء والبترول والماء وسكك الحديد؛ إذ يتفق عادة على منح الامتياز الحكومي لمدة معينة تؤول بعدها جميع موجودات الشركة إلى الحكومة بغير مقابل، أو بمقابل ضئيل؛ ففي هذه الحالات يسمح استهلاك الأسهم للمساهمين بالحصول على قيمة أسهمهم.\nوقد أجاز النظام السعودي استهلاك الأسهم بالشروط الآتية:\n١ - إذا نص في نظام الشركة على استهلاك الأسهم أثناء قيام الشركة م:١٠٤.\n٢ - أن يكون مشروعها يهلك تدريجيا أو يقوم على حقوق مؤقتة م: ١٠٤/ ١.\n٣ - لا يكون استهلاك الأسهم إلا من الأرباح، أو من الاحتياطي م: ١٠٤/ ٢ فتخصص الشركة كل عام جزءا من الأرباح أو من الأموال الاحتياطية لرد قيم الأسهم، ولا يجوز أن يكون الاستهلاك من رأس المال؛ إذ يجب أن يكون رأس المال كاملًا؛ لضمان حقوق الدائنين؛ أما إذا لم تنتج الشركة في عام ما أرباحا ولم يكن لديها احتياطي وجب أن تقف عملية الاستهلاك. انظر: شركة المساهمة، للمرزوقي، ص ٣٦٢ - ٣٦٣.","vol":"1","page":15},{"text":"حصص التأسيس:\nهي: \"نصيب مقدر في أرباح الشركة؛ فمثلًا تمنحه الشركة بموجب نظامها لبعض الأشخاص أو الهيئات مقابل ما يقدمونه من براءة اختراع أو التزام حصل عليه شخص اعتباري عام\" (١). وهذه الحصص تعطى أيضًا للمؤسسين للشركة؛ مكافأة لهم على جهودهم التي بذلوها في تأسيس الشركة.\nفما حكم هذه الحصص؟\nلابد من بيان الآتي:\nأولا: رأس مال الشركة المساهمة: هو ما جمعته من أموال نقدية وعينية من المساهمين، ولا يتكون إلا من هذين النوعين، وبالنظر إلى\n_________\n(١) شركة المساهمة، د. صالح المرزوقي، ص٣٧٢. وانظر: الشركات للخياط ٢/ ٢٢٩، أحكام السوق المالية، د. محمد عبد الغفار الشريف، مجلة مجمع الفقه الإسلامي بجدة، العدد السادس، ٢/ ١٢٩٠.","vol":"1","page":16},{"text":"ذلك نجد أن حصص التأسيس لا دخل لها أصلا في تكوين رأس مال الشركة.\nثانيا: أن نظام الشركات نص على جواز دفع جزء مقدر من الأرباح كنصيب ثابت لهؤلاء مقابل تأسيس الشركة.\nالأصل أن الربح في هذه الشركات يستحق بمال يقدمه الشريك أو عمل يقدمه المضارب - المدير - خلال فترة المضاربة، هذا هو الأصل، وأصحاب حصص التأسيس لم يقدموا شيئًا من ذلك؛ فلم يقدموا مالا ولا عملا مستمرا مع أن العمل لا يجوز الاشتراك به في شركات المساهمة؛ حتى عند القانونيين (١)؛ فكيف يستحقون نصيبًا مستمرًّا من الربح مقابل ما قدَّموه، وكأن ما قدمه أصحاب هذه بيع لها على الشركة، والأصل في الثمن أن يكون معلومًا؛ لأن الجهالة غرر، وقد نهى النبي - ﷺ - عن بيع الغرر (٢)، ووجه كونه مجهولا ظاهرٌ؛ لأنه لا يدري هل يحصل ربح أو لا، وإذا حصل فما مقداره ....؟!\nوالحكم الصحيح فيها: أنه يستحق مبلغا مقطوعا متفقا عليه مقابل\n_________\n(١) الشركات، علي حسن يونس، ص٥٤٦. وانظر: الأسواق المالية، د. علي القرة داغي، مجلة الفقه الإسلامي، العدد السابع، ١/ .... .\n(٢) وقد أدركت بعض القوانين خطأ إنشاء حصص التأسيس، وهذا الإدراك ناتج عما لمسوه فيها من مخالفتها لمقتضى العدالة، وليس ناشئا عن شعور لمخالفتها لأحكام الشرع القويم، فقررت إلغائها. ومن هذه القوانين: القانون التجاري السوري، وقانون الشركات الأردني، والقانون اللبناني، والقانون الفرنسي الجديد؛ إذ اعتبرت هذه القوانين حصص التأسيس باطلة.\nيقول الدكتور كامل ملش في كتابه الشركات، ص٢٦٢: إن حصص التأسيس قد ظهرت عيوبها وأخطارها في جميع البلاد، وأدت إلى نتائج سيئة جدا، ولهذا نرى كثيرين وعلى رأسهم أسكارا يطالبون بإلغائها. وانظر: شركة المساهمة في النظام السعودي، د. صالح المرزوقي، ص ٣٨٣.","vol":"1","page":17},{"text":"ما قدمه، وإن لم يتفق على مبلغ مقطوع فإن أصحاب الخبرة يقيِّمون هذا الجهد أو العمل، وما يُقيَّم به يكون هو النصيب المستحق، كما يُقيَّم ثمن المثل ومهر المثل وأجرة المثل، وهذا أصل شرعي.\nوبعد تقييمه يكون هو بالخيار بين أخذ هذا المبلغ المقطوع، أو أخذ ما يعادلها من أسهم، ويكون كسائر الشركاء في استحقاق الأرباح وتحمل الخسائر، وجواز التداول وغير ذلك من خصائص الأسهم.\nوبهذا يتحقق العدل، ويرتفع الغرر، ويندرج تحت أصول المعاملة في الشركات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>المسألة الخامسة: محل العقد في بيع الأسهم</span>\nإن المحل المتعاقد عليه في بيع السهم: هو الحصة الشائعة من أصول الشركة، وشهادة السهم عبارة عن وثيقة للحق من تلك الحصة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>المسألة السادسة: حكم بيع الأسهم قبل تداولها</span>\nالأسهم إما أن تكون أموالا نقدية، أو ديونا، أو أعيانا، أو مختلطة منها:\n١ - فإن كانت لا تزال نقودا، فإنه يعتبر بيعها مبادلة نقد بنقد، وتجري عليها أحكام الصرف إذا بيت بجنسها أو بغير جنسها (٢).\n٢ - وإذا كانت الأموال ديونًا في الذمم، فإنه يطبق عليها أحكام التعامل بالديون؛ فلا يجوز بيع الدَّيْن المؤجَّل من غير المدين بنقد معجل من جنسه أو من غير جنسه؛ لإفضائه إلى الربا، كما لا يجوز بيعه بنقد\n_________\n(١) انظر: قرارات مجمع الفقه الإسلامي، جدة، قرار رقم (٧) ١/ ٦٥.\n(٢) انظر: قرار مجمع الفقه الإسلامي، بجدة، بشأن سندات المقارضة، قرار، رقم (٥) د٤/ ٠٨/٨٨، الدورة الرابعة، المجلد الثالث، ص٢١٥٩ - ٢١٦٢.","vol":"1","page":18},{"text":"مؤجل من جنسه أو من غير جنسه على المدين وغير المدين؛ لأنه من باب بيع الكالئ بالكالئ المتفق على تحريمه؛ حيث يؤول إلى الربا، ولا فرق في ذلك بين كون الدين ناشئا عن قرض أو بيع آجل (١).\nويجوز بيعها بأموال أو عروض لا تتحد معها في علة الربا.\n٣ - إذا أصبح المال موجودات مختلطة من النقود والديون والأعيان والمنافع، فإنه يجوز تداولها بالسعر المتفق عليه؛ على أن يكون الغالب في هذه الحالة أعيانا ومنافع.\nهذا الأصل في حكم بيع الأسهم قبل تداولها؛ لكن هناك أمر ينبغي مراعاته وعدم إغفاله عند بيان الحكم في هذه المسألة؛ وهو الاسم التجاري للشركة المساهمة؛ فإن له قيمة مالية كبيرة؛ حيث يستغرق تسجيل الاسم وقتا وجهدا كبيرا ومالا.\nحيث يمكن بيع هذا الاسم بمال ربما يساوي الأموال المطروحة للاكتتاب أو يزيد أو ينقص؛ فلابد من مراعاة هذه الحقوق، ولابد من تقييمها من أصحاب الشأن؛ حتى يتسنَّى الحكم في جواز البيع قبل التداول؛ أما إطلاق القول بعدم الجواز إذا كانت الأموال نقودا أو ديونا أو منهما - فغير سائغ شرعا مع مالية الاسم التجاري في عرف السوق، وقد يكون لها موجودات ولديها موظفون عاملون يتقاضون رواتب، ولا شك أنهم داخلون في حساب مالية الشركة.\n_________\n(١) انظر: قرار مجمع الفقه الإسلامي، بجدة بشأن بيع الدين، رقم (٩٢) ٤/ ١١، الدورة الحادية عشرة، المجلد الأول، ص٤٢٧ - ٤٣٠.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>المبحث الأول\nحكم المساهمة في هذه الشركات</span>\nوفيه مسائل:\nالمسألة الأولى: في حكم هذه المساهمة\nالمسألة الثانية: في فروع متعلقة بحكم هذه المسائل\nالمسألة الثالثة: إذا دخل في شركة ثم تبين له وجود استثمار محرم","vol":"1","page":21},{"text":"المبحث الأول\nحكم المساهمة في هذه الشركات\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>المسألة الأولى: في حكم هذه المساهمة</span>\nالحديث هنا في بيان حكم الأسهم استثمارا ومضاربة ليس في الشركات التي تستثمر في أمور محرمة كشركات صناعة الخمور، أو المصارف الربوية؛ وإنما هو في حكم الشركات التي أصل نشاطها مباح، لكنها تمارس أعمالا محرمة كالاقتراض بفوائد من أجل زيادة نشاط الشركة الاستثماري، أو تقوم بإيداع بعض أموالها في المصارف الربوية وتأخذ على هذه الأموال فوائد ربوية، كما هو حال كثير من الشركات الصناعية والخدماتية وغيرها.\nفهل يجوز الاتجار في أسهمها استثمارا ومضاربة أم لا؟\nعلى قولين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>القول الأول: تحريم الاتِّجار فيها مطلقا:</span>\nوهو قول جماهير أهل العلم، والقول الذي صدرت به قرارات المجامع الفقهية (١)، واللجنة العلمية الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (٢)، والهيئة الشرعية لبيت التمويل الكويتي (٣)، والهيئة الشرعية لبنك دبي\n_________\n(١) مجلة مجمع الفقه الإسلامي بجدة، العدد السابع ١/ ٧١٢، وقرارات المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، ص٢٧٩ في ٢٠/ ٨/١٤١٥هـ.\n(٢) فتاوى اللجنة ١٣/ ٤٠٧.\n(٣) الفتاوى الشرعية في المسائل الاقتصادية، فتوى، رقم (٥٣٢).","vol":"1","page":22},{"text":"الإسلامي (١)، وهيئة الرقابة الشرعية للبنك الإسلامي السوداني (٢)، وبه قال عدد من الفقهاء المعاصرين (٣)، وقول أئمة السلف على التحريم، أو دال عليه.\nقال في الجامع الصغير (٤):\n(وكذلك مفاوضة الحر والمكاتب، وكذلك مفاوضة العبدين والمكاتبين، وكذلك مفاوضة الصبي التاجر والبالغ، ومفاوضة الحرين الكبيرين المسلمين أو الذميين صحيح؛ لوجود شرائط المفاوضة، وأما بين المسلم والذمي لا يصح عند أبي حنيفة ومحمد خلافا لأبي يوسف).\n(واشترط أن يتساويا في الدين؛ لأن الاختلاف فيه يؤدي إلى الاختلاف في التصرف؛ فإن الكافر إذا اشترى خمرا أو خنزيرا لا يقدر المسلم أن يبيعه، ومن شرطها أن يقدر على بيع جميع ما اشتراه شريكه؛ لكونه وكيلا له في البيع والشراء، وكذا المسلم لا يقدر على شرائهما، كما يقدر الكافر عليه؛ ففات الشرط، وهذا عندهما. وقال أبو يوسف: تجوز).\nوجاء في المدونة (٥):\n(في شركة المسلم النصراني والرجل المرأة قلت: أتصلح شركة النصراني المسلم، واليهودي المسلم في قول مالك؟ قال: قال: لا، إلا أن يكون لا يغيب النصراني واليهودي على شيء، في شراء ولا بيع ولا\n_________\n(١) فتاوى هيئة الرقابة الشرعية لبنك دبي الإسلامي، فتوى، رقم (٤٩).\n(٢) فتاوى هيئة الرقابة الشرعية للبنك الإسلامي السوداني، فتوى، رقم (١٦).\n(٣) منهم الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد الله بن بيه، والدكتور الصديق الضرير، والدكتور علي السالوس.\n(٤) ١/ ٤٢٧. وانظر: تبيين الحقائق ٣/ ٣١٤، وخلاف أبي يوسف في مبدأ المشاركة لا فيما إذا ثبت تعامله بالربا فهو لا يقول بجواز مشاركته قطعا.\n(٥) ٩/ ٥١. وانظر: مواهب الجليل ٥/ ١١٨ - ١١٩، منح الجليل ٦/ ٢٥٠ - ٢٥١.","vol":"1","page":23},{"text":"قبض ولا صرف ولا تقاضي دين إلا بحضرة المسلم معه؛ فإن كان يفعل هذا الذي وصفت لك وإلا فلا).\nقال في المهذب (١):\n(ويكره أن يشارك المسلم الكافر؛ لما روى أبو جمرة عن ابن عباس ﵁ أنه قال: لا تشاركن يهوديا ولا نصرانيا ولا مجوسيا! قلت: لم؟ قال: لأنهم يربون، والربا لا يحل) (٢).\nقال في المغني (٣):\n(قال أحمد: يشارك اليهودي والنصراني، ولكن لا يخلو اليهودي والنصراني بالمال دونه، ويكون هو الذي يليه؛ لأنه يعمل بالربا. وبهذا قال الحسن والثوري).\nوما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركة المسلم فثمنه حلال؛ لاعتقادهم حله، ولهذا قال عمر بن الخطاب ﵁: وَلُّوهم بيعها وخذوا أثمانها.\nفأما ما يشتريه أو يبيعه من الخمر بمال الشركة أو المضاربة، فإنه\n_________\n(١) ١/ ٣٤٥. وانظر: روضة الطالبين ٤/ ٢٧٥، غاية البيان شرح زبد ابن رسلان ١/ ٢٠٦.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب البيع والأقضية، في مشاركة اليهودي والنصراني، رقم (١٩٩٨٠) ٤/ ٢٦٨، والبيهقي في السنن كتاب البيوع، باب كراهية مبايعة من أكثر ماله من الربا أو من المحرم، رقم (١٠٦٠٤) ٥/ ٣٣٥.\nوالحديث روي مرفوعا إلى النبي - ﷺ -: عن عطاء، نهى النبي - ﷺ - عن مشاركة اليهودي والنصراني ولا يصح. قال ابن القيم: وهذا الحديث على إرساله ضعيف السند. انظر: أحكام أهل الذمة ١/ ٥٥٦.\n(٣) ٥/ ٣. وانظر: الإنصاف ٥/ ٤٠٧، مطالب أولي النهى ٣/ ٤٩٥، شرح منتهى الإرادات ٢/ ٢٠٧.","vol":"1","page":24},{"text":"يقع فاسدا، وعليه الضمان؛ لأن عقد الوكيل يقع للموكِّل، والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير، فأشبه ما لو اشترى به ميتة، أو عامل بالربا ...\nوقال إبراهيم بن هانئ: سمعت أبا عبد الله قال في شركة اليهودي والنصراني: أكرهه، لا يعجبني؛ إلا أن يكون المسلم الذي يلي البيع والشراء. وقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن مشاركة اليهودي والنصراني، قال: شاركهم، ولكن لا يخلو اليهودي والنصراني بالمال دونه يكون هو يليه؛ لأنه يعمل الربا) (١).\nقال ابن القيم: (قلت: الذين كرهوا مشاركتهم لهم مأخذان: أحدهما: استحلالهم ما لا يستحله المسلم من الربا والعقود الفاسدة).\nقال في المحلى (٢):\n(مسألة: ومشاركة المسلم للذِّمِّيِّ جائزة، ولا يَحِلُّ للذِّمِّيِّ من البيع والتصرف إلا ما يحل للمسلم؛ لأنه لم يأت قرآن ولا سنة بالمنع من ذلك).\nويلاحظ أنه قيّد الجواز بالمعاملات الجائزة عند المسلمين، وإلا فلا تحل.\nفهذه نصوص أئمة وفقهاء المذاهب في منعهم وكراهتهم لمشاركة أهل الذمة لأنهم يربون؛ أي: لاحتمال إجرائهم عقودا ربوية في غيبة شريكهم المسلم؛ فكيف الحال بمن يدخل في شركة يعلم علم اليقين أنها تجري عقودا ربوية قرضا وإقراضا، ويقدم ماله لها على سبيل المشاركة والتوكيل طواعية واختيارا؟!\n_________\n(١) أحكام أهل الذمة ١/ ٥٥٦.\n(٢) ٨/ ١٢٥.","vol":"1","page":25},{"text":"فهذا الذي لا يُشَكُّ في تحريمه عندهم، والمنع منه، ووقوعه فاسدًا، كما صرح بذلك ابن قدامة وغيره.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>القول الثاني: التفريق بين ما كانت نسبة الاستثمار المحرم فيه كثيرة فيحرم</span>، وبين ما كانت فيه قليلة، فيجوز: مع أن الورع تركها، مع اختلاف أصحاب هذا القول في تحديد هذه النسب، وكذلك اختلافهم في تطبيق هذه النسب على الاستثمار في عائد المساهمة وعلى المضاربة، أو في قصره على الاستثمار في العائد فقط دون المضاربة.\nوهو قول طائفة من المعاصرين؛ منهم: الشيخ عبد الله بن منيع، والدكتور علي القره داغي، والشيخ مصطفى الزرقا (١)، والدكتور تقي الدين العثماني، والدكتور نزيه حماد (٢)، وعدد من الهيئات الشرعية، منها:\nالهيئة الشرعية لشركة الراجحي (٣)، والهيئة الشرعية للبنك الإسلامي الأردني (٤) والمستشار الشرعي لدلة البركة (٥).\nأدلة القول الثاني:\nاستدل أصحاب هذا القول بالأدلة الآتية:\n١ - حديث ابن عمر: «أن رسول الله - ﷺ - عامل أهل خيبر بشطر ما\n_________\n(١) وقيده بالشركات الكبرى الحيوية التي تحتاجها الأمة، والتي تؤدي خدمات عامة، مثل: الكهرباء، والمواصلات، ونحوها. انظر: المعاملات المالية، لشبير، ص٢٠٩، ٢١٠.\n(٢) انظر: بحوث في الاقتصاد الإسلامي، ص٢١٩ وما بعدها، الأسواق المالية للقره داغي، ص٢٠، مجلة النور، عدد (١٨٣)، عام ١٤٢١هـ.\n(٣) قرارات الهيئة ١/ ٢٤١.\n(٤) الفتاوى الشرعية للبنك الإسلامي الأردني.\n(٥) الأجوبة الشرعية في التطبيقات المصرفية بمجموعة دلة البركة، فتوى، رقم (٣٧).","vol":"1","page":26},{"text":"يخرج منها من ثمر أو زرع»، وفي لفظ: «أعطى خيبر اليهود على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما خرج منها» (١).\nوالجواب عنه من وجوه:\n١ - أن الحديث لا يدل على كل المدعى به، فلا دلالة فيه على مشاركة من يأخذ الأموال ويودعها في البنوك ونحوها، ويأخذ عليها فوائد ربوية، كما هو الحال في هذه الشركات موضوع البحث.\n٢ - أن الحديث ليس فيه أنهم اعتملوها - زرعوها - من مال حرام يعلمه النبي - ﷺ -؛ بأن اقترضوا بالربا، وزرعوا به، ودفعوا الفوائد منه، وأقرهم النبي - ﷺ - (٢).\nوكون الربا يوجد في معاملاتهم الأخرى لا مدخل له في هذا العقد، وفرق بين معاملة من يرابي وبين مشاركته في تصرفه المحرم.\n٣ - أن هذه المزارعة ليست مشاركة من كل وجه؛ بل هي معاملة فيها شبه بالمشاركة في الناتج فقط؛ وأما الأصل فهو للمسلمين، وفيها شبه بالإجازة بجزء من الخارج، ومن ثم فليس فيها شيوع المالين معا واختلاطهما، أو أن النبي - ﷺ - أعطاهم مالا ليتاجروا به مع أموالهم، كما هو الحال في الشركات المساهمة؛ حيث يشارك في رأس مال الشركة وربحها ويكون ماله شائعًا في الشركة.\n٢ - استدلوا ببعض القواعد الفقهية على النحو الآتي:\nالقاعدة الأولى: يجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالا (٣):\nلهذه القاعدة مجموعة تطبيقات منها:\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المزارعة، باب المزارعة بالشطر رقم ٢٢٠٣، ٢٢٠٦.\n(٢) وهذا الذي فهمه ابن حزم، وهو ممن استدل بهذا الحديث على الجواز. المحلى ٨/ ١٢٥.\n(٣) بحوث في الاقتصاد الإسلامي، ص٢٢٧، الاستثمار في الأسهم، د. علي القرة داغي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي بجدة، العدد التاسع ٢/ ٨٢.","vol":"1","page":27},{"text":"جواز بيع العبد مع ما له من مال؛ فيبيعه سيده ومعه ماله بثمن نقدي، هذا الثمن هو ثمن العبد وماله، فهذا المال للعبد يعتبر تبعا للعبد الذي يجوز بيعه استقلالا، ولا يجوز بيع ماله استقلالا إلا بشروط الصرف، ولتبعيته للعبد جاز بيعه بغضِّ النظر عن توفر شروط الصرف في هذا المال. والأصل في جوازه حديثا ابن عمر في بيع العبد ومعه مال، وبيع الثمر قبل تأبيره.\nومنها: جواز بيع الحامل؛ سواء أكانت أمة أو حيوانا، ولا يخفى أنه لا يجوز بيع الحمل في بطن أمه إلا أن يكون تبعا غير مقصود فيجوز ذلك؛ إذ يغتفر في التبعية ما لا يغتفر في الاستقلال (١).\n_________\n(١) وبمثل هذه القاعدة استدل الدكتور يوسف الشبيلي فقال: \"فإذا كان الحرام الذي فيه يسيرا وتابعا غير مقصود فإن ذلك لا يقتضي حرمة السهم كله؛ بناء على القاعدة الشرعية: \"أن اليسير التابع مغتفر\"، لاسيما مع عموم البلوى، وهذا كالنجاسة اليسيرة إذا وقعت في الماء فلم تغيره فإنه يبقى على طهوريته، وكالسلع التي لا تخلو من يسير محرم؛ فإنه لا يحرم شراؤها وبيعها؛ لوجود ذلك اليسير؛ مثل الصحف التي قد يوجد بها الصور المحرمة، وكعقود الخدمات العامة مثل: الكهرباء والاتصالات والنقل ونحوها؛ فإن من المعلوم أن بعض من يستفيد من هذه الخدمات قد يستعين بها على المعصية، ومع ذلك فلا تحرم هذه الخدمات، ولا يعد العمل بها من الإعانة على المعصية؛ لأن استخدامها في المعصية يسير بالنظر إلى جملة المستفيدين من هذه الخدمات.\nويجاب بأن الفرق بينهما ظاهر من وجهين:\nأحدهما: أن النجاسة وقعت بغير قصد في الغالب؛ بخلاف الاستثمار المحرم؛ فإنه مقصود أصلا.\nالثاني: أن النجاسة قد زالت ولم يبق لها أي أثر مطلقا، ولو بقي أثرها لما صح استعمال الماء بالإجماع؛ بخلاف هذه الاستثمارات المحرمة قرضا أو إقراضا؛ فإنها باقية بأصلها مؤثرة بذاتها.\nوأما السلع التي لا تخلو من يسير محرم كالصور، ففي بيعها خلاف، وعلى القول بالجواز - وهو الراجح - فلأنها غير مقصودة لبائعها ولا مشتريها غالبا، وقد يكون محتاجا لهذه الصحف؛ بخلاف الاستثمارات المحرمة؛ فإنها مقصودة لأرباب الشركات، والاستثمار في مثل هذه الشركات لا يتحقق فيه معنى الحاجة كما سيأتي.\n\nوأما القياس على عقود الخدمات فبعيد؛ حيث لا أثر لمستخدميها في المعصية على من يستخدمها في المباح، ولا علاقة له به؛ بل يقتصر أثر المحرم عليه؛ بخلاف الاشتراك في مثل هذه الشركات؛ حيث تختلط الأموال اختلاطا شائعا وتؤخذ الفوائد المحرمة عليها جميعا، أو تخلط بالمال المحرم وتصطبغ به وتدفع الفوائد منها جميعا؛ فالحرام متأصل في مال كل مستثمر مع اختياره؛ حيث رضي بالمساهمة أو المضاربة في أسهم هذه الشركات.\nانظر: صناديق الاستثمار بالأسهم المحلية. مقال منشور في موقع الإسلام اليوم بتاريخ ٤/ ٣/١٤٢٦هـ.","vol":"1","page":28},{"text":"ويمكن اعتبار بيع سهم في شركة تجاوز مجلس إدارتها صلاحيته الشرعية؛ فتأخذ الربا من البنوك الربوية، أو تعطيه حيث يعتبر ذلك يسيرا ومغموسا في حجم الشركة ذات الأغراض المباحة. يمكن اعتبار ذلك من جزئيات هذه القاعدة؛ إذ الغالب على هذه الشركة الاستثمار بطرق مباحة، وما طرأ عليها من تجاوز إداري آثم في الأخذ من البنوك بفائدة أو إعطائها بفائدة يعتبر يسيرا، وهو في حجم السهم المباع تبعا، ويغتفر في التبعية ما لا يغتفر في الاستقلال.\nيناقش من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول:\nإثبات دعوى الحجة، وهي لا تثبت؛ لأمرين:\n١ - أن زيادة رأس المال من أجل التوسع في النشاط ليس حاجة تستدعي الولوغ في المحرم المجمع على تحريمه.\n٢ - أنه يمكن للشركة زيادة رأس مالها عن طريق تمويل إسلامي، أو عن طريق اكتتاب جديد، وطرق زيادة رأس المال الحلال أكثر من أن تحصى.\nالوجه الثاني:\nالقول بأنه تبع غير مسلَّم؛ بل هو مقصود لأرباب الشركة وإدارتها","vol":"1","page":29},{"text":"ومستقل بذاته، ولو كان غير مقصود لما استقل بعقد تأخذ الشركة فيه قرضا ربويا أو فائدة ربوية مقابل إيداع الفائض لديها.\nوشتان ما بين تصرُّف الشركة الربوي، وبين من يشتري عبدا يقصده ويكون له مال، ولذلك لو صرح بقصده المال لما صح العقد بإجماله.\nالوجه الثالث:\nأن تجويز هذه الأسهم بناء على اندراجها تحت هذه القاعدة مجرد اجتهاد ظني منازع فيه، وأدلة تحريم الربا - قليله وكثيره - صحيحة صريحة قطعية الدلالة والثبوت، والمساهم مكَّن الشركات من المراباة بأمواله، وأخذ الفوائد الربوية عليها باختيارها، وكذلك خلطها بأموال ربوية تقترضها وتستثمرها؛ ومن ثَمَّ فلا مجال لاجتهاد في مقابل نص؛ إذ الاجتهاد في مقابل النص غير سائغ بالإجماع.\nالقاعدة الثانية (١): الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة (٢):\nهذه القاعدة ذكرها كثير من علماء الفقه والأصول، وذكروا لها جزئيات؛ منها:\nإباحة العرايا للحاجة العامة؛ بالرغم من أن العرايا بيع مال ربوية بجنسه غير متحقق تماثلهما.\nوفيما يلي بعض نصوصهم في ذلك:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"الشريعة جميعها مبنية على أن المفسدة المقتضية للتحريم إذا عارضتها حاجة راجحة أبيح المحرم\" (٣).\n_________\n(١) من القواعد التي استدل بها المجيزون.\n(٢) بحوث في الاقتصاد الإسلامي، ص٢٢٩ - ٢٣١، الاستثمار في الأسهم علي القرة داغي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، (د٩) ٢/ ٨٣، العدد التاسع.\n(٣) مجموع الفتاوى ٢٩/ ٤٩.","vol":"1","page":30},{"text":"وقال: \"ويجوز للحاجة ما لا يجوز بدونها كما جاز بيع العرايا بالتمر\" (١).\nوقال: \"الشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع من الغرر؛ بل يبيح ما يحتاج إليه في ذلك\" (٢).\nوقال الزركشي:\n\"الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة في حق آحاد الناس\" (٣).\nويناقش من سبعة أوجه:\n١ - هذه القاعدة أصلا هي محل خلاف، وقد ذكر بعض الشافعية أن أكثر العلماء على خلافها فقال: (الأكثر: أن الحاجة لا تقوم الضرورة) (٤).\n٢ - بيان معنى الحاجة والمقصود بها، وهل هو متحقق هنا:\nقال الشاطبي في بيان معنى الحاجة: (ما يفتقر إليها من حيث التوسعة، ورفع الضيق المؤدي في الغالب إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراع دخل على المكلفين على الجملة الحرج والمشقة).\nفهل الحاجة بهذا المعنى موجودة؟!\nوهل أفراد المجتمع يدخل عليهم الحرج والمشقة بترك المساهمة والمضاربة في هذا النوع من الشركات؟!\nوأين هذا الحرج قبل وجود هذه الشركات قبل وقت قريب جدا؟!\n_________\n(١) مجموع الفتاوى ٢٩/ ٤٨٠.\n(٢) مجموع الفتاوى ٢٩/ ٢٢٧.\n(٣) المنثور في القواعد ٢/ ٣٤.\n(٤) المواهب السنية شرح الفوائد البهية ١/ ٢٨٨.","vol":"1","page":31},{"text":"بل إن القاعدة حتى عند القائلين بها ليست على إطلاقها؛ بل هي مقيدة بما لم يرد فيه نص يمنع منه بخصوصه.\nففي شرح القواعد الفقهية (١): (... والظاهر أن ما يجوز للحاجة إنما يجوز فيما ورد فيه نص يجوِّزه، أو تعامل، أو لم يرد فيه شيء منهما، ولكن لم يرد فيه نص يمنعه بخصوصه، وكان له نظير في الشرع يمكن إلحاقه به، وجعل ما ورد في نظيره واردا فيه .... وأما ما ورد فيه نص يمنعه بخصوصه فعدم الجواز فيه واضح، ولو ظننت فيه مصلحة؛ لأنها حينئذ وهم ....).\nوالربا وردت فيه نصوص قطعية تمنع فيه بخصوصه قليله وكثيره ... ومن ثم فلا يدخل تحت قاعدة الحاجة حتى عند القائلين بها.\n٣ - لو سلم بوجود الحاجة إلى المساهمة في هذه الشركات - وهو غير مسلَّم - فيجاب عنه من ثلاثة وجوه:\nأ- أنه لا يتعين ارتفاع حاجته إذا ساهم فيها؛ بل إن احتمال الخسارة فيها وارد، بل قوي جدا، ومن ثم فحاجته لا ترتفع؛ بل قد تزداد.\nيؤكد ذلك واقع ما يجري في الأسواق من مضاربات مشبوهة وغير نزيهة، والتلاعب بصغار المضاربين والتغرير بهم مما زاد من معاناتهم، ولم يرفع حاجتهم ويحقق مرادهم وطموحهم.\nب- أن وجود شركات لا تمارس أعمالا ربوية يمكن الاستثمار فيها، وهذا ينفي وجود الحاجة إلى المشاركة في هذه الشركات المشبوهة.\nج- لو سلم بالحاجة إلى المساهمة في هذه الشركات - وهو غير مسلم - فإن الإقراض بالربا الذي تمارسه هذه الشركات محرم لا\n_________\n(١) للشيخ أحمد الزرقا، ص٢١٠.","vol":"1","page":32},{"text":"تبيحه حاجة ولا ضرورة، والاقتراض الذي تمارسه هذه الشركات محرم كذلك، ولا يرتفع إثمه عن المقترض إلا إذا دعت الضرورة، ولا ضرورة لهذه الشركات لهذه القروض؛ ومن ثم فالداخل في هذه الشركات داخل في هذا التحريم.\nهذا ما اتفق عليه علماء مؤتمر البحوث الإسلامية الثاني في مصر في قرار مجمع البحوث الإسلامية (١).\n٤ - أن زيادة رأس مال المرء والتوسع فيه ليس حاجة ولا مقصودا للشارع: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]؛ وإنما أباح منها ما لا يشغل عن المقصود الأسمى، فقال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾، ثم قال: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]، وهذا لا يعني عدم أهمية المال في حياة الأمة؛ وإنما يعني وجوب العناية به وتنميته وتقويته؛ حتى تكون الأمة قادرة على الجهاد والبناء والمعرفة والتطور.\nلكن لا يكون هو الهدف المطلق؛ بحيث تصادَمُ من أجلِه النصوص وتُعَطَّلُ القواعد والأصول.\n٥ - أن استثمار المال ليس مقصورا على أسهم خالطها الحرام، وشاع فيها، حتى أصبح لا يمكن تمييزه؛ بل مجالات استثمار المال في وجوه مباحة أرحب وأوسع.\n٦ - أن الفرق بين الاستثمار في هذه الشركة وبين العرايا واضح وبَيِّنٌ؛ إذ إن حاجة الناس للرطب في وقته ظاهرة وماسَّة لجميع الناس؛ لأنهم يقتاتونه ويطعمونه؛ بل قد يكون مما به قوامهم، وهو خاص\n_________\n(١) انظر: بحث الربا، للدكتور أحمد بزيع الياسين \"الربا\"، مجلة مجمع الفقه الإسلامي بجدة، الدورة الثالثة، المجلد الثالث، ص١٨٢٢.","vol":"1","page":33},{"text":"بالعرايا بالنص، فلا يجوز العدول به إلى غيره، ولذلك قال زيد بن ثابت: إن النبي - ﷺ - رخَّصَ بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر، ولم يرخص في غير ذلك (١).\nومع ذلك لم يجوِّز المفاضلة المتيقَّنة؛ بل سَوَّغَ المساواة بالخرص في القليل الذي تدعو إليه الحاجة (٢).\nبخلاف المساهمة والاستثمار في هذه الشركات؛ فالحاجة فيه إن وجدت فهي يسيرة لا تستدعي هذا القياس؛ وذلك لتعدد مجالات استثمار المال وطرق تنميته.\nوأما النقل المذكور عن شيخ الإسلام، فهو من أبعد ما يكون عن هذه المسألة، وهو تحميل لقوله بما لا يحتمله، ولا يقوله ﵀؛ فإنَّه بَيِّنٌ أن الحاجة راجحة، وهي غير موجودة هنا، وبَيِّنٌ أن هذا الكلام يكون فيما فيه نوع غرر، لا فيما خالطه الربا المجمع على تحريمه، وشاع فيه؛ بل شدَّد في كل ما فيه ربا تشديدا بَيِّنًا لا يحتمل التأويل، كما شدد فيه القرآن، فقال ﵀: \"وأكل المال بالباطل في المعاوضة نوعان ذكرهما الله في كتابه هما: الربا والميْسِر؛ فذكر تحريم الربا الذي هو ضِدُّ الصَّدقة في آخر \"سورة البقرة\" و\"سورة آل عمران\" و\"الروم\" و\"المدثر\". وذم اليهود عليه في \"سورة النساء\" وذكر تحريم الميسر في \"سورة المائدة\".\nوقال: \"وأما الربا: فتحريمه في القرآن أشد، ولهذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، وذكره النبي - ﷺ - في الكبائر كما\n_________\n(١) أخرجه البخاري في صحيحه ٢/ ٧٦٣ كتاب البيوع/ باب بيع المزابنة رقم ٢٠٧٢، ومسلم في صحيحه ٣/ ١١٦٨، كتاب البيوع/ باب تحريم بيع الرطب بالتمر في العرايا رقم ١٥٣٦.\n(٢) مجموع الفتاوى ٢٩/ ٢٦.","vol":"1","page":34},{"text":"خرجاه في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، وذكر الله أنه حرم على الذين هادوا طيبات أحلت لهم بظلمهم وصَدِّهم عن سبيل الله وأخذهم الربا وأكلهم أموال الناس بالباطل، وأخبر سبحانه أنه يمحق الربا كما يربي الصدقات، وكلاهما أمر مجرَّبٌ عند الناس\".\nوقال: ومفسدة الغرر أقل من الربا، فلذلك رخص فيما تدعو إليه الحاجة منه؛ فإن تحريمه أشدُّ ضررًا من ضرر كونه غررًا؛ مثل بيع العقار جملة، وإن لم يعلم دواخل الحيطان والأساس ... فظهر أنه يجوز من الغرر اليسير ضمنا وتبعا ما لا يجوز من غيره.\nولما احتاج الناس إلى العرايا أرخص في بيعها بالخرص ولم يجوِّز المفاضلة المتيقنة؛ بل سَوَّغَ المساواة بالخرص في القليل الذي تدعو إليه الحاجة إذا تَبَيَّنَ ذلك؛ فأصول مالك في البيوع أجود من غيره ... والإمام أحمد موافق لمالك في ذلك في الأغلب؛ فإنهما يحرمان الربا ويشددان فيه؛ لما تقدم من شدة تحريمه وعِظَمِ مفسدته، ويمنعان الاحتيال عليه بكل طريق وإن لم تكن حيلة، وإن كان مالك يبالغ في سَدِّ الذرائع ما لا يختلف قول أحمد فيه، أو لا يقوله، لكنه يوافقه بلا خلاف عنه على منع الحيل كلها ... ففي الجملة: أهل المدينة وفقهاء الحديث مانعون من أنواع الربا منعا محكما مراعين لمقصود الشريعة وأصولها.\nوقولهم في ذلك: \"هو الذي يؤثر مثله عن الصحابة، وتدل عليه معاني الكتاب والسنة\" (١) اهـ، فهذا كلام الأئمة في منع الحيل عليه فكيف بالدخول الصريح فيه؟!\nوأين في كلام شيخ الإسلام ما يدل على الربا وجواز الدخول فيه عند الحاجة؟!\n_________\n(١) مجموع الفتاوى ٢٩/ ٢٢ - ٣١ ملخصا ومختصرا.","vol":"1","page":35},{"text":"بل قال في القواعد النورانية: (فكل ما احتاج الناس إليه في معاشهم ولم يكن سببه معصية - هي ترك واجب أو فعل محرم - لم يحرم عليهم ....)، ووجود الربا في عقود هذه الشركات قرضا وإقراضا أليس معصية وفعلا محرما؟!!\n٧ - إذا كانت الضرورة تقدر بقدرها، كإساغة اللقمة بالخمر لمن غص ولم يجد غيرها، وكإباحة الأكل من الميتة مما يسد الرمق، ولا يتجاوزه إلى الشبع لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، فما بالك بالحاجة التي هي أدنى من الضرورة، هل يسوغ بأن تتعدى قدرها إلى أن تجعل تشريعا عاما (١).\nوما ذكروه من أن حاجة الدولة تقتضي توجيه الثروة الشعبية إلى استخدامها فيما يعود على البلاد والعباد بالرفاهية والرخاء صحيح؛ فإنشاء الشركات، وتعدد أغراضها يحقق المصلحة للدولة، وللأفراد، وللمجتمع؛ لكن لا يتوقف هذا على التعامل بالربا؛ بل يتحقق بدونه.\nوإقبال الناس الشديد على الاكتتاب في أسهم الشركات وتزاحمهم عليه، يؤكد ذلك أعظم تأكيد، ويبين عدم الحاجة إلى الاقتراض الربوي.\nالقاعدة الثالثة (٢): اختلاط جزء محرم بالكثير المباح (٣):\nهذه المسألة ذكرها علماء الفقه والأصول، وتوصل غالبهم إلى القول بجواز التصرف في هذا المال المختلط إذا كان المحرم فيه قليلا، فيجوز بيعه وشراؤه وتملكه وغير ذلك من أنواع التصرفات الشرعية، وأسهم الشركات التي هي موضوع بحثنا من هذا النوع؛ فإن جزءا يسيرا\n_________\n(١) حكم الاشتراك في شركات تودع أو تقرض بفوائد، ص١٢٢.\n(٢) من القواعد التي استدل بها المجيزون.\n(٣) بحوث في الاقتصاد الإسلامي، ص٢٣١، الأسواق المالية ص٢١٠.","vol":"1","page":36},{"text":"فيها حرام والباقي منها - وهو الكثير - مباح، وأصل الحرمة جاءت من أخذ التسهيلات الربوية أو إعطائها.\nوفيما يلي بعض من نصوصهم في ذلك؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"الحرام إذا اختلط بالحلال فهذا نوعان:\nأحدهما: أن يكون محرما لعينه كالميتة، فإذا اشتبه المذكَّى بالميت حُرِّما جميعا.\nوالثاني: ما حرم لكونه أُخذ غصبا، والمقبوض بعقود محرمة؛ كالربا والميسر؛ فهذا إذا اشتبه واختلط بغيره لم يحرم الجميع؛ بل يميز قدر هذا من قدر هذا، فيصرف هذا إلى مستحقه وهذا إلى مستحقه\" (١).\nويناقش ما نقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية على النحو الآتي:\n١ - قوله: أحدهما: \"أني كون محرما لعينه كالميتة، فإذا اشتبه المذكى بالميتة حرما جميعا\".\nيناقش هذا الاستدلال: بأن فيه تجنيا على شيخ الإسلام، وتحميلا لأقواله ما لا تحتمله!\nفأين في كلامه ما يدل على مشاركة من يرابي قرضا وإقراضا مع رضاه بذلك، وشيوع أرباح العقود الربوية واختلاطها بأمواله على وجه لا يمكن تمييزه، وهو الذي يرى وجوب التمييز، وهل يجتمع التمييز مع تركها مشاعة والاتجار بها على وجه الشيوع. اهـ.\n٢ - وقوله: \"ما حرم لكونه غصبا أو المقبوض بعقود محرمة كالربا والميسر\"، يناقض بأنه لا دلالة فيه؛ لأنه إذا كان تمييزُ المحرم وإخراجه\n_________\n(١) مجموع الفتاوى ٢٩/ ٢٧٦.","vol":"1","page":37},{"text":"مطلوبا، فكيف يقال بجواز الدخول فيه، وقد نص الشارع على تحريمه؟!\nوأما الجواب على ما استدلوا به لهذه القاعدة فيقال:\nبأن ما نقلوه استدلالا لهذه القاعدة أو تطبيقا لها لا يخرج عن أمور:\n١ - إما أن تكون هذه النصوص لا دلالة فيها؛ كالمنقول عن شيخ الإسلام وابن القيم وابن رشد في كيفية التعامل مع المال إذا اختلط المباح منه بالحرام، وأنه لابد من تمييزهما، وأنهما لا يتركان على الشيوع والشركة، كما تقدم.\nجاء في أحكام أهل الذمة: \"إن عمر بن الخطاب قال: \"ولوهم بيعها وخذوا أثمانها\".\nقال ابن القيم: \"وما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركة المسلم جاز لهم شركتهم في ثمنه، وثمنه حلال؛ لاعتقادهم حله، (هذا معنى معاملتهم)، وما باعوه واشتروه بمال الشركة فالعقد فيه فاسد؛ فإن الشريك وكيل، والعقد يقع للموكل، والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير\" (١)، وهذا يدل على فساد عقد شراء الأسهم المشتملة على الربا على كلام ابن القيم الذي حمَّلوا قوله ما لا يحتمله، ولا يقوله ﵀.\n٢ - وإما أن تكون في مسائل خالفهم فيها غيرهم، ودلالة قول المجيزين ضعيفة، لا تنهض في مقاومة أدلة تحريم الربا الصريحة التي لا تفرق بين ما كان خالصا وبين ما كان مختلطا مع غيره، وبين ما كان كثيرا وما كان يسيرا مغموسا في الحلال؛ كقوله - ﷺ -: «ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع» (٢)، فهو عام في وضع كل ربا، والمنع من عقده والدخول فيه.\n_________\n(١) أحكام أهل الذمة ١/ ٢٧٥.\n(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ٨٨٦ كتاب الحج/ باب حجة النبي - ﷺ - رقم ١٣١٨ من رواية جابر بن عبد الله.","vol":"1","page":38},{"text":"٣ - أن اليسير لا يمكن ضبطه، ويتغير بسرعة حسب خطط الشركة واستراتيجياتها؛ لأن من استباح استثمار المحرم القليل لا يمتنع عن الكثير؛ فإنه لا فرق بينهما عند من يعقد هذه العقود الربوية.\n٤ - أن نظام الشركات في كل دولة ينص على وجوب اقتطاع جزء معين من الربح كـ ١٠ % كاحتياطي من الربح، وللجمعية العمومية للشركة أن توقف هذا الاقتطاع إذا بلغ الاحتياطي نصف رأس المال كما ينص عليه النظام السعودي التجاري؛ وهو مبالغ كبيرة جدا، والغالب استثماره في فوائد محرمة عند من يمارس أعمالا ربوية، ومن ثم فدعوى اليسير المحرم فيها نظر؛ لاسيما مع عدم الشفافية والوضوح في ميزانيات بعض الشركات، وسرعة تغيرها.\nالقاعدة الرابعة (١): للأكثر حكم الكل:\nقد يعبر عن هذه المسألة بتعبير آخر وهو الحكم للأغلب، وهذه المسألة ذكرها علماء الفقه والأصول، وخرجوا عليها مجموعة من الجزئيات، ومنها بيع العبد وله مال، وبيع الحامل وغيرهما.\nوفيما يلي جملة من نصوصهم في هذه المسألة:\nقال البعلي الحنبلي:\nالأكل من مال من ماله حرام هل يجوز أم لا؟\nفي المسألة أربعة أقوال ... الثالث منها إذا كان الأكثر الحرام حرم، وإلا فلا؛ إقامةً للأكثر مقام الكل. قطع به ابن الجوزي في المنهاج. اهـ (٢).\n_________\n(١) من القواعد التي استدل بها المجيزون. انظر: بحوث في الاقتصاد الإسلامي، للشيخ عبد الله بن منيع، ص٢٣٤ - ٢٣٥، الاستثمار في الأسهم، د. علي القرة داغي، مجلة الفقه الإسلامي، العدد التاسع ٢/ ٨٣.\n(٢) القواعد والفوائد، ص٩٦ - ٩٧.","vol":"1","page":39},{"text":"وقال البهوتي:\nلا يحرم ما كان من حرير وغيره إذا استويا ظهورا ووزنا، أو كان الحرير أكثر وزنا والظهور لغيره، وكذا إذا استويا ظهورا؛ لأن الحرير ليس بأغلب، وإذا انتفى دليل الحركة بقي أصل الإباحة. وقال أيضا: إن ما غالبه حرير ظهورا يحرم استعماله كالخالص؛ لأن الأكثر ملحَق بالكل في أكثر الأحكام. اهـ (١).\nوقال الحصني الشافعي:\nإذا رُكِّب الحرير مع غيره مما يباح استعماله كالكتان وغيره ما حكمه؟\nيُنْظَر؛ إن كان الأغلب الحرير حرم، وإن كان الأغلب غيره حَلَّ؛ تغليبًا لجانب الأكثر؛ إذ الكثرة من أسباب الترجيح. اهـ (٢).\nويمكن أن يكون من جزئيات هذه المسألة: بيع الشجر وعليه ثمره الذي لم يبد صلاحه؛ إذ لا يخفى أنه لا يجوز بيع الثمر إلا بعد بُدُوِّ صلاحه، ولكن لما كانت الثمرة تابعة للأصل، وهي قليلة القيمة، بجانب قيمة الأصل - جاز ذلك؛ إذ الحكم للأغلب، ويجوز تبعا ما لا يجوز استقلالا، ولهذه المسألة جزئيات كثيرة في أبواب العبادات والمعاملات.\nونظرا إلى أن الغالب على الأسهم موضع البحث الإباحة، والحرام فيها قليل بالنسبة لإباحة غالبها، فإن تخريج حكم التعامل بهذه الأسهم بيعا وشراء وتملكا على المسألة الحكم للأغلب ظاهر لا يحتاج إلى مزيد من التوجيه والتحرير، وما قدَّمْناه من نصوص فقهية قد يكفي في القناعة بجواز تملك ذلك وبيعه وشرائه؛ ما دام الغالب والأكثر فيها مباحا.\nويناقش هذا الاستدلال من وجوه:\n_________\n(١) كشاف القناع ١/ ٢٨١.\n(٢) كفاية الأخيار ١/ ١٠٠.","vol":"1","page":40},{"text":"١ - أن هذا الكلام الذي ذكروه قاعدةً ليس على إطلاقه في كل شيء؛ فالخمر مثلا ولو كان قليلا جدا لا يجوز تناوله إذا اختلط بمباح وقد بقي أثره؛ فكذلك خلط الأموال بالأموال المحرَّمة واستثمارها معا، أو أخذ الفوائد عليها معا، وهذا أعظم وأخطر.\nقال الغزالي: \"والحرام المحض: هو ما فيه صفة محرَّمة لا يُشَكُّ فيها؛ كالشدة المطربة في الخمر، والنجاسة في البول، أو حصل بسبب منهيٍّ عنه قطعا كالمحصَّل بالظلم والربا ونظائره\" (١).\n٢ - قال الدكتور صالح المرزوقي (٢):\n\"هذه القاعدة لم أجدها بهذا النص في كتب القواعد التي اطلعت عليها، ولم يحلنا الباحثون أصحاب هذا الرأي على المصادر التي تثبت أنها قاعدة، والراجح عندي أنها ليست كذلك، وأن الفقهاء يوردون هذا القول تعليلا لمسألة يعرضونها، وقريب منه في اللفظ قولهم: \"العبرة للغالب الشائع لا للنادر\".\nوفرق بين هذه القاعدة، وذلك التعليل؛ فقاعدة: \"العبرة للغالب الشائع لا للنادر\" تُعَبِّرُ عن بعض شرائط العرف لكي يعتبر، وهي شرائط الغلبة والشيوع؛ بمعنى أن يكون حاصلا في أكثر الحوادث أو عند أغلب الناس، وأن يكون اشتهار العمل بذلك العرف وانتشاره بين الناس (٣).\nوإذا كان العرف - وهو من الأدلة المعتبرة - لا يصحُّ الاحتجاجُ به إذا صادم نَصًّا (٤) فمن باب أولى عدم الاحتجاج بما ذكر أنه قاعدة\n_________\n(١) إحياء علوم الدين ٢/ ٩٨.\n(٢) حكم الاشتراك في شركات تودع أو تقرض بفوائد، ص١٣٣.\n(٣) المدخل الفقهي ٢/ ٨٧٤، ف٥٠٤.\n(٤) الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، للدكتور محمد صدقي البورنو، ص١٧٠ - ١٧١.","vol":"1","page":41},{"text":"شرعية وهي: للأكثر حكم الكل؛ لأنه صادم نصوص تحريم الربا.\nوهي مردودة بقاعدة: \"إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام\" (١).\n٣ - ما ذكروه من نصوص عن الفقهاء؛ فهو أبعد ما يكون عن الشركات المختلطة، وبيان ذلك:\nأ- ما نقلوه عن البعلي الحنبلي من الأكل ممن في ماله حرام؛ فهو في الأكل وحرامه عليه هو، وأما مخالطتُه ومشاركتُه في الحرام، فهي مشاركة له في الحرام، وإقرار له بهذه المعاملة.\nب- ما نقلوه عن البهوتي؛ فيجاب عنه من وجهين:\n١ - أنه ليس محل اتفاق؛ بل من أهل العلم من يرى التحريم؛ لعموم أدلة تحريم الحرير.\n٢ - أنه لا دلالة فيه أيضا؛ لأن الحرام متميزٌ عن الحلال، وخرج به عن مسمى الحرير المحرم؛ بخلاف هذه الشركات؛ فإن الأموال فيها مختلطة اختلاطًا شائعًا غير متميز؛ فالربا متأصلٌ فيها، وغير خارج عن مسماها؛ بل مؤثر في قوة استثمارها ومحرك له، وفيه دفع المال للبنوك، وأخذ للفوائد عليها، وهذا غير خلط الحلال بالحرام.\nج- وأما بيع الثمر، فأبعد ما يصلح للاستدلال؛ لأن البيع واقعٌ على الشجر، وهو المقصود بالبيع، والثمر جاء تبعا ولا أثر له؛ بخلاف العقود الربوية قرضا وإقراضا؛ فإنها أصيلة في هذه العقود ومقصودة منها؛ فالفرق بينهما كان بين المشرق والمغرب.\nومن ثم فالقول: \"بأن تخريج حكم التعامل بهذه الأسهم بيعا\n_________\n(١) الأشباه والنظائر، للسيوطي، ص١٥٠.","vol":"1","page":42},{"text":"وتملكا وتمليكا على قاعدة الحكم للأغلب ظاهر لا يحتاج إلى مزيد من التوجيه والتحرير .... \" هو من أبعد ما يكون عن هذه القاعدة لو سَلِمَتْ هذه القاعدة.\nالقاعدة الخامسة (١): ما لا يمكن التحرز منه فهو عفو:\nهذه المسألة ذكرها علماء الفقه والأصول، وفرعوا عليها الكثير من الجزئيات في العبادات والمعاملات، واعتبروا ما ينطبق عليها من الأمور المعفو عنها (٢) ....\nويناقش: بأن معنى القاعدة: ما لا يمكن التحرز منه - أي: لمشقته ولحوق الضيق والحرج والعنت بتركه - فهو معفوٌّ عنه؛ فهل الاتجار والاستثمار في هذه الشركات ينطبق تحت هذه القاعدة أصلا؟\nهذا غير مسلَّم؛ لأنه يمكن التحرُّز من الربا المحرم بعدم الدخول فيه أصلا، وبعدم الدخول في هذه الشركات، والاقتصار على شركات مباحة، أو الاستثمار في مجالات أخرى غير الأسهم، وفي المباح غنية عن الحرام، وامتثال لأمر الله بالبعد عن الحرام والمتشابه، والاستدلال بهذه القاعدة غريب جدا، وكأنه لا يوجد إلا هذه الشركات يستثمر المسلم فيها أمواله.\nأدلة القول الأول:\nاستدل أصحاب هذا القول بالأدلة الآتية:\nأولا: من الكتاب:\n١ - آيات سورة البقرة:\n﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ\n_________\n(١) من القواعد التي استدل بها المجيزون.\n(٢) بحوث في الاقتصاد الإسلامي، ص٢٣٥.","vol":"1","page":43},{"text":"مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].\n﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: ٢٧٦].\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٧].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨].\n﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩].\nفي هذه الآيات بيَّن الله حالَ آكلِ الربا ومتعاطيه، وعقوبة من لم يتب منه، ثم أتبع ذلك بِحَثِّ عباده المؤمنين على التقوى، وبترك ما بقي من الربا، وحذَّر وآذن من استمر على الربا بحرب من الله ورسوله.\nقال ابن كثير: ذكر الله أكلة الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشبهات، فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم وقيامهم منها إلى بعثهم ونشورهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].\nأي: لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه، وتخبط الشيطان له؛ وذلك أنه يقوم قياما منكرا.\nوقال ابن عباس: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق. رواه ابن أبي حاتم (١).\n_________\n(١) تفسير ابن كثير ١/ ٣٢٧.","vol":"1","page":44},{"text":"وقال البغوي في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]؛ أي: الذين يعاملون به، وإنما خص الأكل لأنه معظم المقصود من المال (١).\nوقال الزركشي: وترك الربا قاعدة الأمان، ومفتاح التقوى، ولهذا قال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] إلى قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، ويشتمل على أنواع الحرام، وأنواع الخبائث، وضروب المفاسد، وهو نقيض الزكاة، ولهذا قوبل بينهما في قوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، واجتنابه أصل في التصرفات المالية (٢).\nوقال الشنقيطي: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦]: صَرَّح في هذه الآية الكريمة بأنه يمحق الربا؛ أي: يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله، فلا ينتفع به، كما قال ابن كثير وغيره، وما ذكر هنا من محق الربا أشار إليه في مواضع آخر كقوله:\n﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٩]، وقوله: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ [الأنفال: ٣٧] (٣).\nواعلم أن الله صرح بتحريم الربا بقوله:\n﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وصرح بأن المتعامل بالربا محارب من الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨].\n﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩].\n_________\n(١) تفسير البغوي ١/ ٢٦١.\n(٢) البرهان في علوم القرآن ١/ ٤٠٩.\n(٣) أضواء البيان ١/ ١٦٠.","vol":"1","page":45},{"text":"وصرح بأن آكل الربا لا يقوم - أي: من قبره يوم القيامة - إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسِّ؛ بقوله:\n﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].\nوأختم هذه النقول بقول الإمام الطبري؛ فإن فيه ردًّا على من قال بجواز المشاركة بهذه الشركات، ثم تطهير هذه المشاركة بإخراج ما فيها من مكاسب وفوائد ربوية.\nقال الإمام الطبري:\nفإن قال لنا قائل: أفرأيت من عمل ما نهى الله عنه من الربا في تجارته ولم يأكله، أيستحق هذا الوعيد من الله؟\nقيل: نعم، وليس المقصود من الربا في هذه الآية الأكل؛ إلا أن الذين نزلت فيهم هذه الآية يوم نزلت، كانت طعمتهم ومأكلهم من الربا؛ فذكَّرهم بصفتهم، معظمًا بذلك عليهم أمر الربا، ومقبِّحًا إليهم الحال التي هم عليها في مطاعمهم، وفي قوله جل ثناؤه:\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ...﴾ الآية. [البقرة: ٢٧٨ - ٢٧٩]- ما ينبئ عن صحة ما قلنا في ذلك، وأن التحريم من الله في ذلك كان لكل معاني الربا، وأنَّه سواء العمل به وأكله وأخذه وإعطاؤه، كالذي تظاهرت به الأخبار عن رسول الله - ﷺ - من قوله:\n«لعن الله آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه إذا علموا به» (١).\n_________\n(١) تفسير الطبري ٣/ ١٠٣.","vol":"1","page":46},{"text":"٢ - آيات سورة آل عمران:\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٠].\nفي هذه الآية النهي الصريح عن تعاطي كل أنواع الربا؛ لأن \"أل\" لاستغراق الجنس، وبيان عاقبة متعاطيه بالخزي في نار جهنم؛ لأن الكاتب وكذلك الشاهد إذا كانا ملعونين، فمن يخلط ماله بمال من يرابي أو يدفع ماله لشركة تدفعه للبنوك وتأخذ عليه فوائد ربوية - أشد لعنا من باب أولى.\nقال الآلوسي: \"خص الربا بالنهي لأنه كان شائعا إذ ذاك، وللاعتناء بذلك لم يكتف بما دل على تحريمه مما في سورة البقرة؛ بل صرح بالنهي وساق الكلام له أولا وبالذات؛ إيذانًا بشدة الخطر.\nوالمراد من الأكل الأخذ، وعبر به عنه لما أنه معظم ما يقصد، ولشيوعه في المأكولات مع ما فيه من زيادة التشنيع (١).\nوقال القرطبي: \"وإنما خُصَّ الربا من بين سائر المعاصي لأنه الذي أذن الله فيه بالحرب في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، والحرب يؤذن بالقتل؛ فكأنه يقول: إن لم تتقوا الربا هزمتم وقتلتم؛ فأمرهم بترك الربا لأنه كان معمولا به عندهم، والله أعلم (٢).\nوقال النسفي: هذا نهي عن الربا؛ مع التوبيخ بما كانوا عليه من تضعيفه؛ كان الرجل منهم إذا بلغ الدَّيْنُ محلَّه يقول: إما أن تقضي حقي أو تربي وتزيد في الأجل.\nواتقوا الله في أكله لعلكم تفلحون، واتقوا النار التي أعدت للكافرين؛ كان أبو حنيفة ﵁ يقول:\n_________\n(١) روح المعاني ٤/ ٥٥.\n(٢) تفسير الطبري ٤/ ٢٠٢.","vol":"1","page":47},{"text":"هي أخوف آية في القرآن؛ حيث أوعد الله المؤمنين بالنار المعدَّة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه (١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية:\nقال سبحانه: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]؛ فأمر سبحانه المؤمنين أن لا يأكلوا الربا، وأن يتقوا الله، وأن يتقوا النار التي أعدت للكافرين؛ فعلم أنهم يخاف عليهم من دخول النار إذا أكلوا الربا وفعلوا المعاصي، مع أنها معدة للكافرين لا لهم .... (٢).\nوقال: فإن الله بيَّنَ بنصوص معروفة أن الحسنات يذهبن السيئات، وأن من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ... وأن الربا يبطل العمل، وأنه إنما يتقبل الله من المتقين؛ أي: في ذلك العمل ونحو ذلك (٣).\nوقال الشوكاني: \"يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافا مضاعفة، وأمر تعالى عباده بالتقوى لعلهم يفلحون في الأولى والأخرى، ثم توعدهم بالنار وحذرهم منها؛ فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٢].\nقوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] فيه الإرشاد إلى تجنب ما يفعله الكفار في معاملاتهم؛ قال كثير من المفسرين: وفيه أنه يكفر من استحل الربا.\nوقيل: معناه: اتقوا الربا الذي ينزع منكم الإيمان فتستوجبون النار،\n_________\n(١) تفسير النسفي ١/ ١٧٨.\n(٢) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في التفسير ١٥/ ٣٦٨.\n(٣) المرجع نفسه ١٢/ ٣٤٨.","vol":"1","page":48},{"text":"وإنما خص الربا في هذه الآية الذي توعد الله عليه بالحرب منه لفاعله\" (١).\nوقال الأندلسي: \"وحكى الماوردي وغيره عن قوم أنهم ذهبوا إلى أن أكلة الربا إنما توعدهم الله بنار الكفرة؛ إذ النار سبع طبقات: العليا منها - وهي جهنم - للعصاة، والخمس للكفار، والدرك الأسفل للمنافقين؛ قالوا: فأكلة الربا إنما يُعَذَّبون يوم القيامة بنار الكفرة، لا بنار العصاة، وبذلك توعدوا؛ فالألف واللام على هذا في قوله واتقوا النار إنما هي للعهد\" (٢).\nثانيا: من السنة النبوية:\nدلت أحاديث كثيرة على عظم الربا عند الله وشدة عقوبته، من غير تفريق بين الكثير منه والقليل، وبين الآخذ منه والمعطي له، والمتسبب فيه، وشدة خطورته على المجتمع والأمة إذا تفشى فيها، كما هو الحال الآن، ومن هذه الأحاديث:\n١ - ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: «اجتنبوا السبع الموبقات!»، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (٣).\n_________\n(١) فتح القدير ١/ ٣٨١.\n(٢) المحرر الوجيز ١/ ٥٠٧.\n(٣) أخرجه البخاري، في كتاب الوصايا، باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠١]، رقم الحديث (٢٦١٥)، ٣/ ١٠١٧، وفي كتاب الحدود، باب رمي المحصنات، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكيدها، رقم (٨٩) ١/ ٩٢.","vol":"1","page":49},{"text":"٢ - عن سمرة بن جندب ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: «رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخرجاني إلى أرض مقدسة، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم، وعلى وسط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر، فإذا أراد الرجل أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فردَّه حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت: ما هذا؟ فقال: الذي رأيته في النهر آكل الربا» (١).\n٣ - عن عبد الله عن النبي - ﷺ - قال: «الربا ثلاثة وسبعون بابا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم» (٢).\n٤ - وعن ابن مسعود أن النبي - ﷺ - قال: «الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل» (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب آكل الربا وشاهده وكاتبه، رقم (١٩٧٩) ٢/ ٧٣٤.\n(٢) أخرجه ابن ماجه في كتاب التجارات، باب التغليظ في الربا، رقم (٢٢٧٥) ٢/ ٧٦٥ بلفظ \"الربا ثلاثة وسبعون بابا\". وقال الألباني: صحيح، والحاكم في كتاب فضائل القرآن. وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، رقم (٢٢٥٩) ٢/ ٤٣ واللفظ له، والبيهقي في الشعب، باب في قبض اليد عن الأموال المحرمة، رقم (٥٥١٩) ٤/ ٣٩٢ وقال: هذا إسناد صحيح والمتن منكر بهذا الإسناد ولا أعلم إلا وهما وكأن دخل لبعض رواة الإسناد في إسناده.\n(٣) أخرجه الحاكم في كتاب فضائل القرآن وقال: هذا حديث صحيح الإسناد. ولم يخرجاه، رقم (٢٢٦٢) ٢/ ٤٣، وأحمد في مسند بني هاشم، مسند عبد الله بن مسعود ﵁، رقم (٣٧٥٤) ١/ ٣٩٥، قال شعيب الأرناؤوط: حديث صحيح، وأبو يعلى مسند عبد الله بن مسعود، رقم .....، والطبراني طرق حديث عبد الله بن مسعود مع رسول الله - ﷺ -، رقم (١٠٥٣٨) ١٠/ ٢٢٣، والبزاز، أو مسند عبد الله بن مسعود، رقم (٢٠٤٢) ٩/ ٤١١، والبيهقي في الشعب، باب قبض اليد عن الأموال المحرمة، رقم (٥٥١١) ٤/ ٣٩٢.","vol":"1","page":50},{"text":"٥ - عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الآخذ والمعطي سواء في الربا» (١).\n٦ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم فقلت: من هؤلاء يا جبرائيل؟ قال: هؤلاء أكلة الربا» (٢).\n٧ - عن عبد الله بن سلام عن رسول الله - ﷺ - قال: «لدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله من ثلاثة وثلاثين زنية يزنيها في الإسلام» (٣).\n٨ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أربع حق على الله أن لا يدخلهم الجنة، ولا يذيقهم نعيما: مدمن الخمر، وآكل الربا، وآكل مال اليتيم بغير حق، والعاق لوالديه» (٤).\n_________\n(١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت ...»، أخرجه ابن ماجة في كتاب التجارات، باب التغليظ في الربا، رقم (٢٢٧٣) ٢/ ٧٦٣، قال الألباني: ضعيف. وابن شيبة في كتاب المغازي حديث المعراج حين أسري بالنبي - ﷺ -، رقم (٣٦٥٧٤) ٧/ ٣٣٥، وأحمد في مسند بني هاشم، مسند أبي هريرة ﵁، رقم (٨٦٢٥) ٢/ ٣٥٣، قال شعيب الأرناؤوط: إسناده ضعيف.\n(٢) أخرجه الحاكم في كتاب فضائل القرآن، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، رقم (٢٣٠٧) ٢/ ٥٦.\n(٣) أخرجه الطبراني في الأوسط، رقم (٢٦٨٢) ٣/ ١٢٤، والدارقطني في كتاب البيوع، رقم (٤٨) ٣/ ١٦، وأحمد في مسند الأنصار ﵃، حديث عبد الله بن سلام، قال الهيثمي: رواه الطبراني في الكبير، وعطاء الخراساني لم يسمع من ابن سلام، والمنذري في الترغيب والترهيب، رقم (١١٥٩) ج١، وقال الألباني: ضعيف.\n(٤) أخرجه الحاكم في كتاب فضائل القرآن، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، رقم (٢٢٦٠) ٢/ ٤٣، والبيهقي في الشعب، باب في قبض اليد عن الأموال المحرمة، رقم (٥٥٣٠) ٤/ ٣٩٧.","vol":"1","page":51},{"text":"٩ - عن ابن عباس قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن تشترى الثمرة حتى تطعم، وقال: «إذا ظهر الزنا والربا في قرية، فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله» (١).\n١٠ - وعن ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: «ما ظهر في قوم الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله ﷿» (٢).\n١١ - عن عمرو بن العاص سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من قوم يظهر فيهم الربا إلا أخذوا بالسَّنة، وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب» (٣).\nوإذا كانت تلك الأحاديث قد دلت على عظم الربا وشدة عقوبته وخطورته على الأمة، فقد دلت أحاديث أخرى على شمول العقوبة لكل متعاط للربا، أخذا وإعطاء، بل وإعانة، حتى ولو بكتابة أو شهادة.\n١ - عن جابر قال: لعن رسول الله - ﷺ - آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: «هم سواء» (٤).\nورواه مسلم أيضا من حديث ابن مسعود والبيهقي عن علي.\nوروى البخاري عن أبي جحيفة قال: لعن النبي - ﷺ - الواشمة، والمستوشمة، وآكل الربا وموكله (٥).\n_________\n(١) أخرجه الحاكم في كتاب البيوع رقم ٢٢٦١ وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ٢/ ٤٣.\n(٢) قال الهيثمي: رواه أبو يعلى وإسناده جيد رقم ٦٥٨١، مجمع الزوائد ٤/ ٢١٣٠.\n(٣) أخرجه أحمد في مسند الشاميين بقية حديث عمرو بن العاص عن النبي - ﷺ -، رقم (١٧٨٥٦) ٤/ ٢٠٥، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده ضعيف جدا، عبد الله بن لهيعة سيئ الحفظ.\n(٤) أخرجه مسلم في كتاب المساقاة/ باب لعن آكل الربا ومؤكله رقم ١٥٩٨، ٣/ ١٢١٩.\n(٥) أخرجه البخاري في كتاب البيوع/ باب موكل الربا رقم ١٩٨٠، ٢/ ٧٣٥.","vol":"1","page":52},{"text":"فهذا الحديث نص صريح في تحريم المشاركة في هذه الشركات، أو المضاربة في أسهمها من وجهين:\nأحدهما: أنه صرح بلعن الآكل وهو الآخذ، والموكل وهو المعطي؛ فيدخل في عمومه كل معط للربا، ومن يقدم ماله في هذه الشركات فهو معط أو آخذ.\nالثاني: أنه أدخل في اللعن الكاتب والشاهد، وفي هذا تنبيه على دخول كل من يشارك في الربا بأي نوع مشاركة أو إعانة.\nودخول من يقدم أمواله لهذه الشركات لتودع جزءا منها مقابل فوائد ربوية من باب أولى؛ لأنه معط للربا.\nوكذلك من يشارك بأمواله من يقترض أموالا ربوية، وتخلط هذه الأموال معا، وتستثمر في نشاط هذه الشركة وتدفع الفوائد على هذه القروض من مجموع الأموال؛\nحتى ولو أراد التطهير، فإن هذا لا يخرجه عن عموم هذا اللعن والتحريم.\nقال ابن القيم: \"إن الربا لم يكن حراما لصورته ولفظه، وإنما كان حراما لحقيقته التي امتاز بها عن حقيقة البيع؛ فتلك الحقيقة حيث وجدت وجد التحريم في أي صورة ركبت، وبأي لفظ عبر عنها؛ فليس الشأن في الأسماء وصور العقود، وإنما الشأن في حقائقها ومقاصدها وما عقدت له\" (١).\nثم بيَّن النبي - ﷺ - أن الربا تفشَّى في هذه الأمة، ولعل الواقع يدل على ذلك، وأن الإنسان سيأخذ المال غير مبال ممن أصابه أو اكتسبه، ثم عاقبة أمره إلى قلة وخسار:\n_________\n(١) إعلام الموقعين ٣/ ١٤٨.","vol":"1","page":53},{"text":"١ - فعن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «ليأتين على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل الربا فإن لم يأكله أصابه من بخاره». قال ابن عيسى: «أصابه من غباره» (١).\n٢ - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يأتي على الناس زمان ما يبالي الرجل من أين أصاب المال من حلال أو حرام».\n٣ - وعن ابن مسعود أن النبي - ﷺ - قال: «الربا وإن كثر فإن عاقبته تصير إلى قل» (٢).\nثالثا: الآثار عن الصحابة:\nكثيرة منها:\n١ - روى النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب في قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢]، قال: أمثالهم الذين هم مثلهم يجيء أصحاب الربا مع أصحاب الربا ...) (٣).\n٢ - قال عبد الله بن سلام ﵁ لرجل: إنك بأرضٍ الربا بها فاش، إذا كان لك على رجل حق فأهدى\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب البيوع، باب في اجتناب الشبهات، رقم (٣٣٣١) ٣/ ٣٢٣. قال الألباني: ضعيف، وابن ماجة في كتاب التجارات، باب التغليظ في الربا، رقم (٢٢٧٨) ٢/ ٧٦٥، والحاكم في كتاب فضائل القرآن، وقال: وقد اختلف أئمتنا في سماع الحسن عن أبي هريرة فإن صح سماعه منه، فهذا حديث صحيح، رقم (٢١٦٢) ٢/ ١٣. أقول: لكنه لم يثبت سماعه.\n(٢) سبق تخريجه ص ٥٠.\n(٣) أخرجه الحاكم في كتاب التفسير، تفسير سورة الصافات، رقم (٣٦٠٩) ٢/ ٤٦٧، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، قال الذهبي في التلخيص: على شرط مسلم، وأخرجه السيوطي في الدر المنثور في تفسير سورة الصافات: الآية ٢٢ (بالزيادة الموجودة).","vol":"1","page":54},{"text":"إليك حمل تبن، أو حمل شعير أو حمل قت، فلا تأخذه، فإنه ربا (١).\nووجهه: أن الهدية إذا كانت من أجل حق في الذمة من باب الربا، ونهى عنها ﵁، فدفْع المال لمن يربي فيه أو يخلطه بأموال ربوية وينميها ويستثمرها أولى بالنهي وأشد وقوعا في الإثم والحرام.\n٣ - قال ابن مسعود: (ما هلك قوم إلا وقد فشا فيهم الربا والزنا) (٢).\n٤ - أن رجلا سأل ابن عباس: هل يشارك اليهودي والنصراني؟ فقال: (لا تفعل؛ فإنهم يربون والربا لا يحل) (٣).\nووجهه: أنه نهاه عن المشاركة، وعلَّلَ النهي بأنهم يربون، والربا قد يوجد منهم في حال الشركة، وقد لا يوجد، فكيف بمن يقدِّم أمواله لشركة ترابي فيها، وتأخذ عليه فوائد ربوية، أو تخلطها بأموال اقترضتها بفوائد ربوية، أليس أولى بالنهي وأصرح بالتحريم وأنه لا يحل؟!\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب مناقب عبد الله بن سلام ﵁، رقم (٣٦٠٣) ٣/ ١٣٨٨.\n(٢) أخرجه المروزي، ذكر السنن التي هي تفسير لما افترضه الله مجملا، رقم (١٧٧) ١/ ١٨٠، والداني، باب ما جاء فيما ينزل من البلاء ويحمل من العقوبة، رقم (٣٢٣) ١/ ٣٧٩، وفي مسند أحمد: «ما ظهر في قوم الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله». عن عبد الله بن مسعود، قال البيهقي في مجمع الزوائد ٤/ ١١٨: رواه أبو يعلى وإسناده جيد، رقم (٩٧٦٨)، وقال الألباني في غاية المرام: حسن، وفي صحيح الجامع، رقم (٥٥١٠).\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب البيع والأقضية في مشاركة اليهودي والنصراني، رقم (١٩٩٨٠) ٤/ ٢٦٨، والبيهقي في كتاب البيوع، باب كراهية مبايعة من أكثر ماله من الربا أو من المحرم، رقم (١٠٦٠٤) ٥/ ٣٣٥.","vol":"1","page":55},{"text":"وبمثل فتوى ابن عباس أفتى طائفة من التابعين؛ منهم عطاء، وابن سيرين، وطاووس، ومجاهد، والضحاك (١).\nرابعا: الأدلة من الاعتبار والنظر المبني على الأثر:\n١ - القاعدة المعروفة: (الشك في التساوي كتحقق التفاضل).\nفإذا كان مجرد وجود شك في تساوي البدلين يمنع من صحة المعاملة بحيث يلحقها فيما تحقق فيه التفاضل - كما تدل على ذلك أدلة تحريم المزابنة والمحاقلة (٢)؛ فوجود الربا المحقق من باب أولى؛ كما في أسهم الشركات التي تقترض بفوائد، أو تودع أموال المساهمين أو الفائض منها في البنوك وتأخذ عليها فوائد ربوية، وأموال المساهمين شائع بعضها في بعض لا يمكن تمييزه؛ فالمساهمة في مثل هذه الشركات أو المضاربة بأسهمها تمكين لهذه الشركات من تشغيلها بفوائد ربوية، أو خلطها بأموال مقترضة بفوائد ربوية؛ فالربا متأصل فيها من كل ناحية.\n٢ - كل عقد يدخله الربا فهو باطل أو فاسد باتفاق المذاهب، وبطلانه أو فساده من وجهين:\nالوجه الأول:\nأنه منهي عنه، والنهي يقتضي الفساد إذا عاد إلى ذات المنهي عنه، أو وصفه الملازم له، وهو هنا قد عاد إلى وصف الملازم - وهو الربا ـ\n_________\n(١) مصنف ابن أبي شيبة ٤/ ٢٩٦.\n(٢) كحديث أبي سعيد: «نهى رسول الله - ﷺ - عن المزابنة والمحاقلة»، والمزابنة: اشتراء التمر بالتمر في رؤوس النخل. أخرجه البخاري ٢/ ٧٦٣، كتاب البيوع، باب بيع المزابنة، ومسلم في صحيحه ٣/ ١١٧٩، حديث رقم (١٥٤٦)، وحديث جابر: «نهى رسول الله - ﷺ - عن المزابنة والمحاقلة»، والمحاقلة أن يباع الحقل بكيل معلوم. أخرجه مسلم ٣/ ١١٧٥، حديث رقم (١٥٣٦).","vol":"1","page":56},{"text":"لاسيما وقد اقترن به ما يدل على الفساد، وهو عدم ثبوت الملك ووجوب الرد، كما تقدم في الآيات السابقة.\nقال القرطبي: التاسعة عشر: عقد الربا مفسوخ، لا يجوز بحال؛ لما رواه الأئمة، واللفظ لمسلم عن أبي سعيد قال: جاء بلال بتمر بَرْنِيٍّ فقال له رسول الله - ﷺ -: «من أين هذا؟» فقال بلال: تمرٌ كان عندنا رديء فبعت منه صاعين بصاع لمطعم النبي - ﷺ -. فقال رسول الله عند ذلك: «أوه، عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر ثم اشتر به». وفي رواية: «هذا الربا فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا».\nقال علماؤنا: فقوله: «أوه عين الربا»، أي: هو الربا المحرم نفسه، لا ما يشبه، وقوله: «فردوه» يدل على وجوب فسخ صفقة الربا، وأنها لا تصح بوجه، وهو قول الجمهور (١).\nوقال ابن حجر معلقًا على حديث: «من عمل عملا ليس علينا أمرنا فهو رد» .... قال: \"وفيه رد المحدثات وأن النهي يقتضي الفساد؛ لأن المنهيَّات كلها ليست من أمر الدين فيجب ردها\" (٢).\nقال في اللمع: (فصل: والنهي يدل على فساد المنهي عنه في قول أكثر أصحابنا) (٣).\nالوجه الثاني:\nأنه قد اختل شرط من شروط صحة العقد؛ وهو أن يكون المعقود عليه مباحا؛ وهو ما يعبر عنه الفقهاء: \"أن تكون العين المعقود عليها أو على منفعتها مباحة النفع مع غير حاجة\"، والربا محرم بالإجماع، وأدلة تحريمه من الكتاب والسنة صريحة قطعية متواترة، والشركات التي تودع\n_________\n(١) تفسير القرطبي ٣/ ٣٥٨.\n(٢) الفتح: ٥/ ٣٠٣.\n(٣) ١/ ٢٥. وانظر: المستصفى ١/ ٢٢١، وتحقيق المراد ١/ ٧٤، ٩١ - ٩٢.","vol":"1","page":57},{"text":"أو تقترض بفوائد قد اختلت عقودها؛ لفقدانها هذا الشرط وهو الإباحة.\nوالعقود الفاسدة لا يثبت فيها الملك، ولا يصح التصرف فيها، قال في الإنصاف (١): \"المقبوض بعقد فاسد لا يملك به، ولا ينفذ تصرفه على الصحيح من المذهب\". جزم به المصنف والشارح وغيرهما وقدمه في الفروع وغيره.\nوقال في المغني: \"فأما ما يشتريه أو يبيعه من الخمر بمال الشركة أو المضاربة، فإنه يقع فاسدا، وعليه الضمان؛ لأن عقد الوكيل يقع للموكل، والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير، فأشبه ما لو اشترى به ميتة، أو عامل بالربا\".\nوقال في بدائع الصنائع (٢): \"ولأن اشتراط الربا في البيع ونحو ذلك معصية، والزجر عن المعصية واجب، واستحقاق الفسخ يصلح زاجرا عن المعصية؛ لأنه إذا علم أنه يفسخ فالظاهر أنه يمتنع عن المباشرة\"، وقال فيه: \"والملك الخبيث لا يفيد إطلاق الانتفاع؛ لأنه واجب الرفع\" (٣).\n٣ - أن الشارع حرم الربا من كل وجه، وحرم كل وسيلة أو فعل يتوصل به إلى الربا، كما في بيع العينة (٤)\nونحوها؛ فلاشك أن تحريم\n_________\n(١) ٤/ ٣٦٢.\n(٢) ٥/ ٣٠٠.\n(٣) وفي البحر الرائق ٥/ ٢٨٢ ومنها - أي شروط البيع - الخلو عن شبهة الربا. وفي الدر المختار: وبطل بيع مال غير متقوم أي غير مباح الانتفاع به ٥٢/ ٥٥.\n(٤) انظر: فتح القدير لابن الهمام ٧/ ١٤٨، البحر الرائق ٦/ ٢١٦، القوانين الفقهية لابن جزي ١/ ١٧١، إرشاد الفحول ١/ ٤١٢ - ٤١٣، وبيع العينة مأخوذ من العين وهو المال الحاضر؛ لأنه يبيع به، وسميت عينة لحصول النقد لصاحب العينة.\nوفي الاصطلاح: هو أن يبيع الرجل من الرجل السلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به. انظر: تفسير القرطبي ٢/ ٥٩، الدر المختار ٥/ ٣٢٥، فتح الباري ٤/ ٤٠١، الكافي لابن قدامة ٢/ ٢٥، الإنصاف ٤/ ٣٣٥، الدراري المضيئة ١/ ٢٠٨، سبل السلام ٣/ ٤٢، التعريفات ١/ ٦٩. ويطلق عليها المالكية بيوع الآجال. انظر: الكافي لابن عبد البر ١/ ٣٢٥، الشرح الكبير للدردير ٣/ ٧٦.\nومن أدلة تحريم بيع العينة: حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاء فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم».\n\nوما رواه أبو إسحاق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم فقالت: يا أم المؤمنين، إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة وأني ابتعته منه بتسعمائة درهم نقدا، فقالت عائشة: بئسما اشتريت وبئسما شريت، أخبري زيدا أن قد أبطل جهاده مع رسول الله إلا أن يتوب.","vol":"1","page":58},{"text":"العقد المتصل به الربا من باب أولى، وهو آكد وأقطع في التحريم، ومن ذلك هذه الأسهم محل البحث.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكر بعض الحيل الربوية: (فهذا ونحوه من الحيل لا تزول به المفسدة التي حرم الله من أجلها الربا ...)، ثم قال: (ودلائل تحريم الحيل من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار كثيرة، ذكرنا منها نحو ثلاثين دليلا .... ومن ذرائع ذلك مسألة العينة) (١).\nوقال الشيخ عبد الله بن بيَّه: (وتحريمه من باب تحريم المقاصد وتحريم الوسائل؛ أما تحريم المقاصد فلأنه ممارسة للربا في شكل بيوع فاسدة، وتعاطي البيع الفاسدة في حد ذاته محرم مهما كانت نية المتعاطي في جبره.\nقال السيوطي: \"تعاطي البيوع الفاسدة حرام\" (٢)، وممنوعة منع الوسائل والآلات؛ لأنها تعاون على الإثم؛ قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].\nلأنها وسيلة إلى استمراء الربا والانغماس في حمأته، وقد يؤول\n_________\n(١) مجموع الفتاوى ٢٩/ ٢٨ - ٣٠ ملخصا.\n(٢) الأشباه والنظائر، ص٢٨٧.","vol":"1","page":59},{"text":"الأمر إلى ورثة لا يهتمون حتى بإخراج الأرباح الناشئة عن \"المعاملات الربوية\" (١) أو لا يعلمون بها وبمقدارها (٢).\nالترجيح:\nالقول الأول هو القول الراجح الذي تدل على قوته ورجحانه الأدلة من الكتاب والسنة والآثار عن الصحابة فمن بعدهم؛ بل إن حديث جابر في لعن آكل الربا، ومؤكِله، وكاتبه، وشاهديه (٣) نص - فيما يظهر لي والله أعلم - على التحريم؛ فإذا كان كاتب الربا والشاهد عليه ملعون بنص هذا الحديث، فما الحال فيمن يقدِّم ماله لشركة تتاجر فيه، أو بجزء منه بالفوائد الربوية أو تخلطه بمال ربوية تتاجر فيه؟!\nإضافة إلى قوة الأدلة التي استدل بها لهذا القول، مع مناقشة جميع أدلة القول الثاني القائل بالجواز، وعدم سلامتها، وبقائها بعد المناقشة في مقابل أدلة القول بالتحريم.\nولو لم يكن في قول القائلين بالجواز إلا وجود الشبهة في هذا القول لكان كافيا، كما صرح بذلك كثير منهم، وقالوا بوجوب تحري الكسب الطيب والبعد عن الخبيث، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك.\nوفي حديث النعمان بن بشير تأكيد لهذا المعنى؛ قال ﵁: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما مشبَّهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن\n_________\n(١) توضيح أوجه اختلاف الأقوال في مسائل من معاملات الأموال، ص٥٨ - ٥٩.\n(٢) وقد ذكر الأستاذ إبراهيم السكران في بحثه: \"الأسهم المختلطة\" أدلة لهذا القول، وأورد عليها بعض المناقشات ... وقد قمت بالتعليق على هذا البحث في مبحث مستقل، ونظرا لطول هذا التعليق فقد جعلته في ملحق في آخر البحث قبل الخاتمة.\n(٣) سبق تخريجه ص٥٢.","vol":"1","page":60},{"text":"وقع في الشبهات كراع يرعى حول الحمى، يوشك أن يواقعه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا إن حمى الله في أرضه محارمه» (١).\nقال الشيخ عبد الله بن بيه (٢): (ولم نجد نقلا يجيز الدخول معه في شركة مع العلم بأنه يتعاطى الربا، ولا نعلم أحدا أقرَّه على الاشتراك معه إذا اكتشف ذلك التعامل؛ لأنه لا يجوز أن يبقى المسلم متلبسا بمعاملته الربوية ليدفع قسطا من أرباحه تخلصا من الحرام، وإنما يجب أن يكون دفع هذا القسط علامة على التوبة على أن لا يعود؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢].\nولتأكيد وتأصيل ما ذهبنا إليه نذكر ثلاثة قواعد في شكل مبادئ:\nالمبدأ الأول: إن الشريك يده هي نفس يد الآخر؛ بحيث أن أي عمل يعمله الآخر بالشركة هو عمله هو، لا فرق بينهما، أشار إلى ذلك ابن قدامة، فهو وكيل عنه.\nالمبدأ الثاني: هو شيوع الحرام في مال الشركة، مما يجعلها متلبسة بالحرام، حتى ولو أعطى قسطا من الربا؛ حيث يظل ماله مخلوطا ببقية مال الشركة الذي ينتشر فيه الحرام؛ فإن ذلك لا يطهره؛ لأن المعاملات الربوية هي معاملات فاسدة، وبالتالي فإن المال مرهون بمعاملات فاسدة ينتشر فيها الحرام.\nالمبدأ الثالث: إن الشركة كالوكالة، والوكالة لا تجوز على محرم، قال السيوطي: \"قاعدة: من صحت منه مباشرة الشيء صح توكيله فيه غيره وتوكله عن غيره، وإلا فلا\" (٣).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب البيوع/ باب الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات رقم ١٩٤٦، ٢/ ٧٢٣، وأخرجه مسلم في كتاب المساقاة باب أخذ الحلال وترك الشبهات رقم ١٥٩٩، ٣/ ١٢١٩ ...\n(٢) توضيح أوجه اختلاف الأقوال في مسائل من معاملات الأموال، ص٥٦ - ٥٨.\n(٣) الأشباه والنظائر، للسيوطي، ص٤٦٣.","vol":"1","page":61},{"text":"وأختم الترجيح بقرار مجمع الفقه الإسلامي بجدة رقم ٦٣ (١/ ٧) عام ١٤١٢هـ - ١٩٩٢م في جدة، وفيه: \"الأصل حرمة الإسهام في شركات تتعامل أحيانا بالمحرمات؛ كالربا ونحوه بالرغم من أن أنشطتها الأساسية مشروعة\".\n* * * * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>المسألة الثانية: في فروع متعلقة بهذا الحكم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>الفرع الأول: التطهير هل يرفع التحريم</span>.\nالفرع الثاني: مساهمة من يقدر على التغيير في هذه الشركات ويزيل ما فيها من حرام.\nالفرع الثالث: المساهمة فيها إذا خيف من استيلاء غير المسلمين على هذه الشركات.\nالفرع الأول: التطهير هل يرفع التحريم:\nإن القول بوجوب التطهير إقرار بوجود الربا، والربا محرم بالإجماع، والإخراج للجزء المحرم لا يبيح الدخول في المحرم، والتوبة من المحرم واجبة، ومن يقيم على المحرم فليس تائبا منه؛ إذ من شروط التوبة النصوح: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما فات، والعزم على أن لا يعود؛ فهل هي موجودة؟!\nالجواب: لا، وهو لا يزال يقدم ماله لشركة ترابي فيه، وتأخذ عليه فوائد ربوية، أو تخلطه بأموال ربوية، فهو لم يقلع عن الذنب، ولم يندم حقيقة على ما فات، مع إقامته على المحرم، فكيف بالشرط الثالث:\nالعزم على ألا يعود وهو مقيم عليه، والتطهير لازم له؛ لأنه منهي عن أكل الربا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَاكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران: ١٣٠]؛","vol":"1","page":62},{"text":"لكنه لا يرفع ذنب الإقدام على المحرم ما دام متلبِّسًا فيه؛ فلا تلازم بين التطهير وكونه مقيمًا على الذنب؛\nقال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: ١٧ - ١٨].\nقال الطبري: (يعني بذلك جل ثناؤه: وليست التوبة للذين يعملون السيئات من أهل الإصرار على معاصي الله ...).\nوقال القرطبي في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ [النساء: ١٨]: يعني: قبول التوبة للذين أصروا على فعلهم ...\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (التوبة نوعان: واجبة ومستحبة؛ فالواجبة هي التوبة من ترك مأمور أو فعل محظور، وهذه واجبة على جميع المكلفين كما أمرهم الله بذلك في كتابه وعلى ألسنة رسله) (١).\nوقال ابن رجب: (.... التوبة النصوح أن لا يعود إلى الذنب أبدا؛ فمتى عاد إليه كان كاذبا في قوله: وأتوب إليه) (٢).\nيؤكد هذا المعنى قوله تعالى في آيات الربا: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].\nفن أقام في هذه الشركة التي تمارس أعمالا ربوية مع علمه بذلك، فإنه لم ينته - حتى ولو قام بالتطهير - بل ما زال عائدا في الربا\n_________\n(١) جامع الرسائل، رسالة في التوبة ١/ ٢٢٧، تحقيق محمد رشاد سالم.\n(٢) جامع العلوم والحكم، ص٣٩٦.","vol":"1","page":63},{"text":"المتوعد عليه في الآية والأحاديث المتقدمة التي لعن فيها الرسول - ﷺ - كل من يشارك في الربا بأي وجه، حتى ولو كان مجرد كتابة أو شهادة، فكيف بمن لا يزال مقيما عليه!!\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>الفرع الثاني: مساهمة من يقدر على التغيير فيها </span>(١):\nالشركات التي أصل نشاطها مباح لكنها تمارس أعمالا محرمة كالإقراض والاقتراض بفائدة، يجوز لمن كان قادرا على تغييرها الدخول فيها وشراء أسهمها بنية التغيير وإبعادها وتطهيرها من الأعمال المحرمة - فيما يظهر؛ لكن بشرط أن تكون القدرة متيقنة مجزوما بها، فإن كانت متوقعة أو عنده شك في قدرته على التغيير، فلا يجوز له الدخول فيها.\nودليل جواز الدخول مع القدرة على التغيير ما يترتب على التغيير والتطهير من درء مفاسد الحرام وجلب مصالح الحلال، والشريعة جاءت بدرء المفاسد وتقليلها وجلب المصالح وتكثيرها، ولاشك أن في تطهير هذه الشركات من الحرام وقصرها على الحلال تحصيلا لهذه المصالح وتكميلا لها وتزكية وتطييبا لأموال الناس وأعمالهم.\nكما أن في هذا تحقيقا لمبدأ التعاون على البر والتقوى، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالْتَّقَوَى﴾ [المائدة: ٢]، وإبعاد الحرام عن معاملات الناس وتطهيرها منه من أعظم جوانب هذا التعاون وآكده تحقيقا.\nوهذا يكون إن شاء الله بتكاتف جهود الخيِّرين وتعاضدهم ودخولهم\n_________\n(١) على القول الأول القائل بتحريم المساهمة في هذه الشركات وهذا خاص بمن يساهم بقصد الاستثمار وليس بقصد المضاربة، لأن الإصلاح بالنسبة للمضارب غير ممكن؛ حيث سرعة البيع والشراء وعدم الاستقرار على أسهم شركة معينة.","vol":"1","page":64},{"text":"بقوة في هذه الشركات ومجالس إدارتها، عن طريق شراء غالبية أسهمها والتأثير في سياستها وقراراتها كما حدث من بعض رجال الأعمال (١).\nوقد جاء النص في فتاوى الندوة السادسة للبركة (١٩٨٩م) على مشروعية الإقدام على شراء أسهم الشركات، (مهما كان غرضها الأصلي)؛ بقصد أسلمة معاملاتها؛ بل اعتبر ذلك مطلوبا؛ لما فيه من زيادة مجالات الالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية.\nكما جاء في قرار ندوة مشتركة بين مجمع الفقه الإسلامي، والمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب (١٩٩٣م): \"إن الإسهام في الشركات المساهمة التي تتعامل بالربا بقصد إصلاح أوضاعها بما يتفق مع الشريعة الإسلامية من القادرين على التغيير مشروع، على أن يتم ذلك في أقرب وقت ممكن\" (٢).\n\nالفرع الثالث: حكم المساهمة (٣) في هذه الشركات إذا خيف استيلاء غير المسلمين عليها:\nتتفاوت الدول في طرح أسهم الشركات لغير مواطنيها ممن تجيز أنظمتها مثل هذا الطرح، تتفاوت في نسبة ما يطرح لغير مواطنيها.\nوفي حالة طرح نسب عالية (٤) يخشى معها استيلاء الأجانب على\n_________\n(١) مثل رجل الأعمال سليمان الراجحي في شركة نادك الزراعية، وما حصل من رجل الأعمال صالح كامل في شركات متعددة، فجزاهما الله خيرا، والأمة تطمح في المزيد.\n(٢) مجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة التاسعة، العدد التاسع، ٢/ ١١٧.\n(٣) المقصود بالمساهمة هنا: الاستثمار، وأما المضاربة فلا أثر لفعل المضارب في دفع هذا الخوف.\n(٤) يتخوف الكثير من التابعين في الأوساط الاقتصادية وغيرها من سلبية مثل هذا الانفتاح من أن يؤدي إلى خلق نوع من عدم الاستقرار وعودة إلى عصور الاستعمار والتسلط، أو إحداث هزات اقتصادية خطيرة إذا ما تمت مثل هذه القرارات وتوسع فيها بحيث أصبحت الغلبة في الملكية ممكنة لغير المواطنين.\nوعلى الحكومات أن تدرس هذه القرارات دراسة متأنية ومتوازنة مراعية فيها المصالح العليا للبلد، وأن تكون مضبوطة بضوابط وأنظمة تمنع من مثل هذه السلبيات وتحد من هذه المخاوف، ولابد من مشاركة المتخصصين في الأنظمة والاقتصاد في مثل هذه الدراسات، ولعل فيما حدث في أسواق جنوب شرق آسيا قبل أعوام خير شاهد على مثل هذه المخاوف.","vol":"1","page":65},{"text":"هذه الشركات، والتحكم في قراراتها واستراتيجياتها، فيما لو كانت هذه الشركات من النوع الذي يمارس أعمالا محرمة، وتخلى المسلمون من أبناء البلد عن المساهمة فيها آخذا بالرأي القائل بحرمة المساهمة في مثل هذه الشركات؛ فهل مثل هذه المخاوف تغير في الحكم.\nأعتقد أنه لبيان الحكم في هذه المسألة لابد من التفريق بين الشركات والتمييز بينها وتقسيمها إلى قسمين:\n١ - شركات مؤثرة في اقتصاد البلد.\n٢ - شركات غير مؤثرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>القسم الأول: الشركات المؤثرة في اقتصاد البلد:</span>\nكالشركات الصناعية الكبرى، أو شركات الخدمات التي تمس كل مواطن، ويحتاج إلى خدماتها؛ ففي حال فتح باب المساهمة فيها لغير مواطني البلد وقيام خوف كبير على الاستيلاء عليها، ومن ثم توقُّع أضرار عامة بالمواطنين؛ لاسيما إذا لم تحدد نسبة الاكتتاب لغير المواطنين؛ بل وفي ظل ظاهرة سيطرة الأجانب في عدد من البلدان الإسلامية على معظم الأنشطة الاقتصادية، وفي ابتعاد المسلمين، ستزداد هذه السيطرة، وسيصعب كسر هذه الحلقة حول","vol":"1","page":66},{"text":"الاقتصاد الوطني، ومساهمة المسلمين في هذه الشركات هي خطوة مهمة جدا في سبيل استعادتهم لملكية وإدارة الاقتصاد، وعدم تركه في أيدي غير المسلمين، أو على الأقل في سبيل تحقيق التوازن ووجود حصة لهم في الاقتصاد الوطني تتناسب مع نسبتهم في مجموع السكان كأكثرية إسلامية (١).\nفهل يقال بجواز الاكتتاب والمساهمة فيها والتخلص من المحرم حتى لا تبقى البلد رهينة تحكم خارجي يلحق بها ضررا بيِّنًا، أو يقال بعدم الجواز آخذا بالعمومات؟\nتقدم في الفرع الأول: جواز دخول من عنده قدرة متيقنة ومجزوم بها في الشركات بنية تغييرها؛ مراعاة لتقليل المفاسد ودرئها وجلب المصالح وتكثيرها، وإذا كان هذا يتعلق بتصحيح وضع شركة معينة وقد يكون تأثيرها محدودا.\nفإذا كان الأمر يتعلق بدرء مفسدة عليا عن الوطن وجلب مصلحة له، تمنع من الهيمنة والسيطرة على اقتصاده ومصالحه؛ فإن القول بالجواز هنا متجه؛ بل هو أولى؛ لكن كل هذا بشرط أن تكون المفاسد المذكورة متحققة أو غالبة في التحقق؛ حتى يمكن إعمال قواعد \"درء المفاسد وجلب المصالح\"؛ فإنها أصل من أصول الشرع.\nأما إذا كانت مجرد مخاوف أو احتمالات، أو لا وجود لها؛ لأن النسبة المسموح بها لغير المواطنين لا تمكنهم من السيطرة عليها والتحكم في سياستها وقراراتها - فإنه لا يجوز الدخول فيها؛\n_________\n(١) مجلة مجمع الفقه الإسلامي، الدورة التاسعة، العدد التاسع ٢/ ٤٢ - ٤٣، د. منذر قحف.","vol":"1","page":67},{"text":"أخذا بتلك العمومات المانعة المحكمة، ومفسدة الولوغ في الربا وأثره السيئ على الأفراد والمجتمعات أعظم من أن تدفع بمجرد احتمالات ودعاوى لا وجود لها عند التحقيق، وفي واقع الأمر. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>القسم الثاني: الشركات غير المؤثرة:</span>\nكالشركات الصغيرة في حجمها، أو في إنتاجها، أو في تأثيرها في السوق واقتصاد البلد، ومساهمة غير المواطنين لا تؤثر سلبا، ولو وجد مفسدة فهي قليلة ومغمورة لا تعادل مفسدة الولوغ في الربا من أجل درئها؛ فإنه لا يجوز الدخول فيها لعدم قيام الأسباب المؤثرة التي تراعى فيها المصالح وتدرأ فيها المفاسد، وتَمَسُّكًا بتلك العمومات المحكمة الصريحة في المنع من كل ربا قليلا كان أو كثيرا.\n* * * * *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>المسألة الثالثة: إذا دخل في شركة، ثم تبيَّن له وجود استثمار محرم فيها</span>\nإذا دخل في شركة تستثمر في محرم فعليه الخروج منها متى علم بالمحرم؛ لكن إن دخل فيها بمقتضى فتوى أو قول لمن يثق بعلمه ودينه ثم أراد الخروج، فإنه يخرج منها ويتخلص فقط ما فيها من فوائد ربوية؛ لأنها حرام بالنصوص المتقدمة.\nوهذا الذي أراده شيخ الإسلام بتلك النصوص التي نقلها القائلون بجواز الاستثمار في هذه الأسهم، يقول ﵀: (ما حرم لكونه غصبا أو المقبوض بعقود محرمة كالربا والميسر، فهذا إذا اشتبه واختلط بغيره لم يحرم الجميع؛ بل يميز قدر هذا من قدر هذا، فيصرف هذا إلى مستحقه،","vol":"1","page":68},{"text":"وهذا إلى مستحقه) (١).\nوما عدا ذلك من أرباح فإنها تطيب له، قال شيخ الإسلام: (.... وهكذا من كان قد عامل معاملات ربوية يعتقد جوازها، ثم تبين له أنها لا تجوز، وكانت من المعاملات التي تنازع فيها المسلمون، فإنه لا يحرم عليه ما قبضه بتلك المعاملة على الصحيح) (٢).\nوقال في موضع آخر: (وما اكتسبه الرجل من الأموال بالمعاملات التي اختلفت فيها الأمة - كهذه المعاملات المسؤول عنها وغيرها - وكان متأولا في ذلك، ومعتقدا جوازه لاجتهاد، أو تقليد، أو تشبُّه ببعض أهل العلم، أو لأنه أفتاه بذلك بعضهم، ونحو ذلك - فهذه الأموال التي كسبوها وقبضوها ليس عليهم إخراجها؛ وإن تبين لهم بعد ذلك أنهم كانوا مخطئين في ذلك، وأن الذي أفتاهم أخطأ؛ فإنهم قبضوها بتأويل، فليسوا أسوأ حالا مما اكتسبه الكفار بتأويل باطل.\nلكن عليهم إذا سمعوا العلم أن يتوبوا من هذه المعاملات الربوية، ولا يصلح أن يقلد فيها أحدا ممن يفتي بالجواز ...) (٣).\nوإن كان قد دخل بها وهو يعلم أنها تستثمر في محرم غير آخذ بقول أو فتوى ترى الجواز، فيجب عليه التخلص مما فيها من فوائد ربوية (٤)\nكما تقدم، وما عدا ذلك من أرباح فقيل: يتخلص منها. لأنه\n_________\n(١) مجموع الفتاوى ٢٩/ ٢٧٦.\n(٢) مجموع الفتاوى ٢٩/ ٢٦٧.\n(٣) ٢٩/ ٤٤٣ - ٤٤٥.\n(٤) وذهب بعض أهل العلم إلى عدم وجوب التخلص من هذه الأرباح المتجمعة من الفوائد، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ووجهه: أن الله قد عفى عما سلف، والمحرم ما لم يقبض من المستدين ونحوه وإن كان الأفضل في حقه التخلص منه.\n\nوجماهير أهل العلم على وجوب التخلص من الربا لعموم: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، ووجهه: أنه تعالى قصر الحق على رأس المال، وقول الجمهور أحوط وأبرأ، وقالوا: إن معنى ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] أي: مما أكل وأخذ قبل مجيء الموعظة والتحريم من ربه في ذلك، ويؤيد ذلك الأثر عن عائشة في قصة أم ولد زيد بن أرقم - المتقدمة ص٥٩. انظر: تفسير الطبري ٣/ ١٠١، وابن كثير ١/ ٤٣٦، تفسير أبي مسعود ١/ ٢٦٦، تفسير النسفي ١/ ١٣٤.","vol":"1","page":69},{"text":"دخل عالما بالتحريم معتقدا بطلان عقده، وقد قال - ﷺ - في حديث عائشة: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١)، ومشاركة من يرابي ليس عليها أمر الله ورسوله؛ فتكون مردودة مع ما يترتب عليها؛ لأن ما نشأ عن باطل فهو باطل.\nقال في الإنصاف (٢): المقبوض بعقد فاسد لا يملك به ولا ينفذ تصرفه على الصحيح من المذهب، جزم به المصنف والشارح وغيرهما وقدمه في الفروع وغيره (٣).\nومقتضى قول شيخ الإسلام المتقدم: (المقبوض بعقود محرمة كالربا والميسر إذا اشتبه واختلط بغيره لم يحرم الجميع؛ بل يميز قدر هذا من قدر هذا، فيصرف هذا إلى مستحقه وهذا إلى مستحقه). مقتضى هذا القول: أن الأرباح الناشئة في أمواله من غير فوائد ربوية - أنها تطيب له؛ لأن أصل كسبها حلال وطيب.\n_________\n(١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، رقم (٣٢٤٣)، وأخرجه هو والبخاري بلفظ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد». صحيح البخاري، كتاب الصلح، رقم (٢٤٩٩)، وصحيح مسلم، كتاب الأقضية، رقم (٣٢٤٢).\n(٢) ٤/ ٣٦٢.\n(٣) انظر: بدائع الصنائع ٤/ ٥٨٢، ٥٨٥، البحر الرائق ٥/ ٢٧٧، المغني ٥/ ١٠٩، تفسير القرطبي ٣/ ٣٥٥ - ٣٥٦.","vol":"1","page":70},{"text":"وهذا القول هو الراجح فيما يظهر؛ بناء على هذا الأصل؛ لكن يخرج شيئا من هذا الكسب إن كانت الشركة اقترضت قروضا ربوية، واستثمرتها مع أموال المساهمين؛ لأن الربح ناشئ من مجموع هذه الأموال، ولو خسرت الشركة لدفعت الفوائد على القروض من مجموع هذه الأموال، وهذا المخرج تطييب لكسبه وإبراء لذمته.\n* * * * *","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>المبحث الثاني\nالمعقود عليه في المضاربة</span>\n(أو بمعنى آخر: المضارب ماذا يبيع ويشتري؟)","vol":"1","page":73},{"text":"المبحث الثاني\nالمعقود عليه في المضاربة\n(أو بمعنى آخر: المضارب ماذا يبيع ويشتري؟)\nالاشتراك في الشركات المساهمة التي أصل نشاطها مباح الأصل فيه الحل؛ بناء على عمومات الأدلة الدالة على هذا الأصل من الكتاب والسنة، وبه صدرت قرارات المجامع الفقهية.\nومع أننا نقول بهذا الأصل - وهو القول الصحيح الموافق للدليل - إلا أنه ينبغي النظر في العقود التي تجرى وتعقد على هذه الشركات ومدى موافقتها لشروط البيع التي لا يصح العقد إلا بها.\nفالمساهم حينما يساهم في هذه الشركات - سواء كان في ابتداء تأسيسها أو بعد - وهو يريد الحصول على عائد الأرباح السنوي لهذه الأسهم، فإن هذه المساهمة صحيحة إذا كانت هذه الشركة من الشركات المباحة التي لا تمارس أعمالا محرمة.\nلكن الكلام هنا على المضارب الذي يشتري أسهم هذه الشركات ليضارب بها، فيشتري أسهم هذا الشركة، وبعد لحظات أو أكثر يبيعها ويشتري أسهم شركات أخرى ... وهكذا. فهنا تساؤل: هذا المضارب حينما يشتري هل يعي حقيقة ما يشتري، وأن ما يشتريه بهذه المبالغ المرتفعة جدا يمثل سهما حقيقيا يستحق هذا المبلغ بل قد يزيد؟!\nأو أن ما يشتريه هو مجرد مضاربة على سهم مرتفع لا يمثل حقيقة جزءا من أملاك الشركة وأصولها؛ بحيث لو أوقفت الشركة لسبب ما","vol":"1","page":74},{"text":"وتمت تصفيتها لم يمثل هذا السهم إلا جزءا يسيرا جدا من قيمته السوقية التي تم التعاقد عليها؛ فكأنه أشبه بالمضاربة على المؤشر المجمع على تحريمه (١).\nإن الحكم هنا ينبغي أن يكون مبنيًّا على معرفة نشاط الشركة ومركزها المالي وقوتها الائتمانية.\nفالشركة التي لها نشاط بارز وظاهر في مجالها ورائدة فيه ويمكن أن تكون قيمة السهم ممثلة لحقيقته في موجودات الشركة وقيمتها المعنوية ومركزها المالي - فالمضاربة فيها - فيما يظهر - صحيحة على القول بجواز هذه المضاربات أصلا.\nوأما الشركة التي تظهر خسارة في ميزانياتها وشحًّا في موجوداتها وإنتاجها بحيث يعلم أن قيمة السهم السوقية لا تمثل حقيقة هذا السهم، وإنما هي أثر ارتفاع غير مبرر نتيجة مضاربة غير نزيهة - فإن هذا عقد على ما يشبه المعدوم أو غير المقدور عليه؛ فالغرر فيه ظاهر.\nولو سألت أحد المضاربين على هذه الأسهم: ما حقيقة ما تشتريه؟ وهل له قيمة أو هل هذه قيمته؟ لأجابك بـ: لا. أو: لا أدري. وهل يعقل أن يشتري الإنسان شيئا يخسر أو تقل قيمته كثيرا عما اشترى به، ولو عرض عليه مصنع أو مزرعة أو سوق مركزي قيمته أو قيمة موجوداته أقل بكثير من الثمن المعروض، أو يسجل خسارات متتابعة لكان شراؤه سفها؛ بل لا تجد له مشتريا.\n_________\n(١) المؤشر: هو رقم حسابي يحسب بطريقة إحصائية خاصة، يقصد منه معرفة حجم التغير في سوق معينة، وتجري عليه مبايعات في بعض الأسواق العالمية. ولا يجوز بيع وشراء المؤشر لأنه مقامرة بحتة، وهو بيع شيء خيالي لا يمكن وجوده، قرار رقم (١٧) ١/ ٦٥ من قرارات مجمع الفقه الإسلامي بجدة.","vol":"1","page":75},{"text":"إذا فكيف يضارب على أسهم شركات خاسرة أو قيمتها السوقية كبيرة ومبالغ فيها من أجل عمليات جني أرباح وتغرير بالآخرين.\nفالمضاربة في هذه الأسهم فيها مخاطرة كبيرة جدا (١) تشبه المقامرة من بعض الوجوه؛ فالقول بالتحريم له وجه من جهة أنها تشبه بيع المعدوم (٢)، وفيها شبه بالمقامرة؛ لشدة المخاطرة فيها.\n* * * * *\n_________\n(١) وما حصل من هبوط حاد للأسهم في هذه الشركات أدى إلى خسارة فادحة وكبيرة للمساهمين يؤكد هذا المعنى.\n(٢) وقد جعل ابن القيم وغيره بيع المعدوم في بعض صوره التي تشبه هذه الصورة من المخاطرة والقمار. انظر: إعلام الموقعين ٢/ ٦.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المبحث الثالث\nتصرفات المضاربين في سوق الأسهم</span>","vol":"1","page":77},{"text":"المبحث الثالث\nتصرفات المضاربين في سوق الأسهم\nالإسلام بشرائعه وتعاليمه وآدابه جاء مهتما اهتماما بالغا بالجوانب الأخلاقية في حياة الناس وتعاملاتهم وعلاقاتهم.\nوكانت الآيات القرآنية وكذلك الأحاديث النبوية نبراسا في إظهار هذه الجوانب، والحث على التخلق والالتزام بها؛ مراعاة لسمو الفرد، وتحقيقا للعدل بين أفراد المجتمع، ودفعا للضرر عن الجميع، وتطهيرا للأمة عن الوقوع في المحرم والمشتبه، وظهر هذا الاهتمام والتوجه في ملامح كثيرة منها:\n١ - الإيمان وحسن الخلق:\nأو ما يطلق عليه البعض (١) \"الرقابة الذاتية\" ... لاسيما فيما يتعلق بالمعاملات؛ فالمسلم يعلم علم اليقين أن الله معه، مطلع على تصرفاته، ولا يخفى عليه شيء من أمره: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [المجادلة: ٧].\nوقرن الإيمان بالعمل الصالح في آيات كثيرة؛ تجسيدا لمؤشرات\n_________\n(١) أحكام الأسواق المالية، لهارون، ص١١٩ نقلا عن الحرية الاقتصادية، لبسيوني، ص٦٤١.","vol":"1","page":78},{"text":"القيم والجوانب الروحية (١)؛ حيث ربطت بين العمل الصالح والإيمان والحياة الطيبة في الدنيا ودخول الجنة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]؛ كما بيَّنت العلاقة بين العمل الصالح والكسب الطيب وأكل الحلال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١].\nوالأعمال الصالحة إنما تنشأ عن التقوى - وهي خشية الله ومراقبته، ومن ثم فالمسلم المتعامل في السوق وفي غيره حريص أشد الحرص على تحقيق المصلحة لنفسه ولغيره، وحذر كل الحذر من أن يلحق الضرر بالآخرين؛ فلا غش ولا خداع ولا غبن ولا نجش، بل صدق ونصيحة وأمانة وثقة ووضوح وشفافية.\n٢ - المحافظة على الشعائر:\nفلا ينشغل بتعامله عن أداء الشعائر المكتوبة من صلاة وغيرها: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور: ٣٧].\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩].\n﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧].\nبل يقدم هذه الشعائر، ويجعلها حاضرة في قلبه، منيرة له طريقه في دنياه وأخراه.\n_________\n(١) المرجع السابق نقلا عن ضوابط تنظيم الاقتصاد، ص٧٥.","vol":"1","page":79},{"text":"٣ - العدل والإحسان:\nوالعدل: هو التسوية في الحقوق بين الناس، وترك الظلم، وإيصال كل ذي حق إلى حقه.\nوالإحسان: تجاوز العدل إلى الفضل (١)؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠].\nقال ابن مسعود: \"هذه أجمع آية في القرآن لخير يمتثل ولشر يجتنب\" (٢).\nوقال العز بن عبد السلام: (.... أجمع آية في القرآن للحث على المصالح كلها والزجر عن المفاسد بأسرها) (٣).\nوقال شيخ الإسلام: (فمن العدل فيها ما هو ظاهر يعرفه كل أحد بعقله ... كتحريم تطفيف المكيال والميزان ووجوب الصدق والبيان وتحريم الكذب والخيانة والغش ....) (٤).\nوقال الشيخ عبد الرحمن السعدي: (.... ومن العدل في المعاملات أن تعاملهم في عقود البيع والشراء وسائر المعاوضات بإيفاء ما عليك؛ فلا تبخس لهم حقا، ولا تغشهم، ولا تخدعهم وتظلمهم؛ فالعدل واجب والإحسان فضيلة؛ كنفع الناس بالمال والبدن والعلم وغير ذلك من أنواع النفع) (٥).\n_________\n(١) تفسير النسفي ٢/ ٢٦٨. وانظر: النظريات الفقهية للدريني، ص١٦٤.\n(٢) تفسير القرطبي ١٠/ ١٤٧.\n(٣) قواعد الأحكام ٢/ ١٦١.\n(٤) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٢٨٥. وانظر فيما تقدم: الأسواق المالية، د. محمد صبري هارون، ١١٩ - ١٢٢.\n(٥) تفسير السعدي ١/ ٤٤٧.","vol":"1","page":80},{"text":"٤ - الأمانة:\nفي اللغة ضد الخيانة (١)، وذهب الجمهور إلى أن الأمانة كل شيء يؤتمن الإنسان عليه من أمر ونهي وشأن دين ودنيا (٢).\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]؛ فالآية ظاهرة في أداء الأمانة عموما، وبمفهومها نهي عن الخيانة؛ أي: خيانة قولية أو فعلية.\n٥ - الصدق نقيض الكذب:\nوقد أمر الشارع بالصدق ورغب فيه وذم الكذب وحذر من عاقبته، فقال تعالى:\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].\nقال القرطبي: (حق من فهم عن الله وعقل عنه أن يلازم الصدق في الأقوال والإخلاص في الأعمال، والصفاء في الأحوال؛ فمن كان كذلك لحق بالأبرار، ووصل إلى رضا الغفار؛ قال - ﷺ -: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا».\nوالكذب على الضد من ذلك؛ قال - ﷺ -: «إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» (٣).\n_________\n(١) لسان العرب ١٣/ ٢١.\n(٢) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ٤/ ٤٠٢.\n(٣) انظر: تفسير القرطبي ٨/ ١٢٦١، والحديث أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الآداب، باب قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا ......﴾، رقم (٥٦٢٩، ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، رقم (٤٧١٩) من حديث ابن مسعود.","vol":"1","page":81},{"text":"وفي مجال المعاملات خاصة حذر الرسول - ﷺ - من الكذب فقال:\n«إن التجار هم الفجار»، قيل: يا رسول الله، أوليس قد أحل الله البيع؟ قال: «بلى ولكنهم يحدثون فيكذبون ويحلفون ويأثمون» (١).\nوخرج رسول الله - ﷺ - فرأى الناس يتبايعون فقال: «يا معشر التجار»، فاستجابوا لرسول الله - ﷺ - ورفعوا أعناقهم وأبصارهم إليه، فقال: «إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله وبر وصدق». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (٢).\nهذه أبرز ملامح اهتمام الإسلام بأفراده وما ينبغي أن يتصفوا به من الصفات والسمات في شؤون حياتهم في صفاء الفرد ونقائه وتأثيره في تعاملاته مع الآخرين، ومن ثم تحقق السعادة والرخاء والأمن والطمأنينة بين المتعاملين وغيرهم من أفراد المجتمع.\nوفقدانها أو بعضها يؤثر سلبا بلا شك، ويؤدي إلى التفكك والتشاحن والتناحر والاستئثار وربما الإقصاء والإنهاء، فهل هذه الصفات والسمات التي جاءت بها الشريعة وجعلتها نبراسا للمتعاملين في كل زمان ومكان ومع كل طائفة توجد في سوق التعامل بالأسهم؟!\nإن المتأمل في حال السوق وفي حال بعض المضاربين يجدها مفقودة أو نادرة، وقد حل محلها ضدها، من الظلم وأكل المال بالباطل والنجش ونشر الأخبار الكاذبة والدعايات المغرضة ... وبيانها كالآتي:\n_________\n(١) رواه أحمد في المسند، رقم (١٤٩٨٢).\n(٢) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب البيوع عن رسول الله، باب ما جاء في التجار وتسمية النبي إياهم، رقم (١١٣١)، وابن ماجة في سننه، كتاب التجارات، التوخي في التجارة، حديث رقم (٢١٧٣)، والدارمي في سننه، كتاب البيوع، باب في التجار، رقم (٢٤٢٦).","vol":"1","page":82},{"text":"١ - النجش (١):\nوهذا يحدث كثيرا، وبصورة متعددة ومنظمة تبرز عبر عروض يقدمها من محافظه ومحافظ أخرى يديرها أو يشرف عليها، ويتم تدوير الأسهم فيها موهما غيره من المضاربين بتحرك هذا السهم وقوة الطلب عليه، حتى يرتفع السهم ويقبل صغار المستثمرين بالتهافت عليه فيقوم ببيع أسهمه الكثيرة، وقد يهوى السوق فيقوم بشرائها ... وقد يكون العكس وعبر بث إشاعات مغرضة وكاذبة مخيفة عن سهم معين فيتدافع الناس ببيعه فيقوم بشرائه، أو تكون الإشاعات الكاذبة عن أسباب تؤدي إلى ارتفاعه حتى يقوم ببيع ما يملكه من أسهم ...\nوصور النجش كثيرة، جماعها رفع السعر أو خفضه من أجل التغرير بالآخرين، حتى يتمكن من البيع أو الشراء، وعن أبي هريرة قال: قال النبي - ﷺ -: «لا تناجشوا» (٢)، وفي حديث ابن عمر ﵁ قال: «نهى النبي - ﷺ - عن النجش» (٣).\nوقال ابن أبي أوفى: الناجش آكل ربا خائن. قال البخاري: وهو خداع باطل، لا يحل. قال النبي - ﷺ -: «الخديعة في النار، ومن عمل\n_________\n(١) أصله: الاستثارة، وهو لغة: الختل وهو الخداع. لسان العرب ٦/ ٣٥١، تاج العروس ١٧/ ٤٠٣، غريب الحديث لابن قتيبة ١/ ١٩٩.\nالنجش: هو أن يزيد في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها وإنما يغري بذلك غيره.\nانظر: صحيح البخاري ٢/ ٧٥٣، بتحقيق مصطفى ديب البغا، صحيح مسلم ٢/ ١٠٣٣، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، التمهيد ١٨/ ١٩٣، فتح الباري ٤/ ٣٥٥، غريب الحديث لابن الجوزي ٢/ ٣٩٤، أنيس الفقهاء، ص٢١٢.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب النكاح/ باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى يأذن أو يترك ١٤١٣، ٣/ ١٠٢٢.\n(٣) قال ابن حجر في الفتح ٤/ ٣٥٥: إسناده لا بأس به.","vol":"1","page":83},{"text":"عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١).\nومعنى قول ابن أبي أوفى (الناجش آكل ربا خائن): أي: كآكل الربا في كونه عاصيا، مع علمه بالنهي عن فعله، وخيانته: غشه وخداعه (٢).\nقال الغزالي: (فهذه المناهي تدل على أنه لا يجوز أن يلبس على البائع والمشتري في سعر الوقت، ويكتم منه أمرا لو علمه لما أقدم على العقد (٣)، ففعل هذا من الغش الحرام المضاد للنصح الواجب) (٤).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وفي الصحيحين عن النبي - ﷺ -: أنه نهى عن النجش وقال: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض». وهذا كله دليل على وجوب مراعاة حق المسلم، وترك إضراره بكل، إلا أن يصدر منه أذى، وعلى المنع من نيل الغرض بخديعة المسلم\" (٥).\nوفي صحة العقد مع النجش خلاف، ومذهب الإمام أحمد وطائفة من أهل الحديث بطلانه ورده.\nوصحح ابن رجب أنه يصح، ويقف على إجازة من حصل له ظلم بذلك، وقاسه على إثبات النبي - ﷺ - الخيار في المصراة وتلقي الركبان (٦)، وهو مذهب مالك (٧)، وهو قول وجيه، ويتأكد في صور\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب البيوع/ باب النجش رقم ٢٠٣٥، ٢/ ٧٥٣، ومسلم في كتاب البيوع، باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، رقم ١٥١٦، ٣/ ١١٥٦.\n(٢) صحيح البخاري مع الفتح ٦/ ١٤٠.\n(٣) كأن الغزالي يتحدث عما يحدث في سوق الأسهم الآن.\n(٤) إحياء علوم الدين ٢/ ٧٨.\n(٥) الفتاوى الكبرى ٣/ ٢٣٨.\n(٦) جامع العلوم والحكم ١/ ٦٢ - ٦٣. وانظر: المحلى ٨/ ٤٤٩.\n(٧) انظر: الاستذكار ٦/ ٥٢٧، مواهب الجليل ٤/ ٣٧٨، الشرح الكبير للدردير ٣/ ٦٨.","vol":"1","page":84},{"text":"النجش الحديثة؛ حيث يحدث النجش من العاقد نفسه الذي هو أشد ضررا وأقبح شكلا؛ حيث الكذب والغدر وحصول الضرر المؤكد الذي نتائجه مؤكدة لا تخفى، لكن هل يمكن إثبات هذا الخيار في مثل هذه المعاملات؟ سيما مع عدم وضوح من يمارس النجش، وأنه نجش جماعي في أكثر صوره؛ فالقول ببطلان هذه العقود من باب السياسة الشرعية قول متوجه؛ بل ويتأكد تغريم من يمارس هذا العمل بقدر ما حصل من ضرر للآخرين بسببه؛ قال النبي - ﷺ -: «لا ضرر ولا ضرار» (١).\nومن القواعد الشرعية: (الضرر يزال)، وإزالة الضرر تكون بتغريمه ما سببه من ضرر مع إيقافه عن التعامل في السوق بيعا وشراء، وبهذا يمكن حماية جميع المتعاملين في السوق، وحفظ حقوقهم وردع المتجاوزين والمتلاعبين.\n٢ - الغبن والتغرير والاحتكار:\nومن أبرز صوره في المضاربة على الأسهم أن ينفرد بعض المضاربين ببعض الأخبار عن بعض الشركات عن طريق خاص في الشركة، وربما دفع مالا مقابل هذه الأخبار، وهذه الأخبار من قرارات أو أرباح أو خسائر يترتب عليها ارتفاع السهم أو هبوطه، فيشتري أو يبيع بما يتناسب مع هذه الأخبار قبل بلوغها لسائر المتعاملين؛ فيترتب على ذلك أضرار كبيرة بهم، إما غبنا وتغريرا وظلما في حال بيعه ثم هبوط الأسعار؛ بل هذا نوع عيب في المبيع، وقد قال - ﷺ -:\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه في رواية عبادة بن الصامت في كتاب الأحكام/ باب من بنى في حقه ما يضر بجاره رقم ٢٢٤٠، وقال الألباني: صحيح. وأحمد من رواية ابن عباس رقم ٢٨٦٢، ١/ ٢١٢، وقال الأرناؤوط: حسن. وروي عن جمع غفير من الصحابة.","vol":"1","page":85},{"text":"«المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا فيه عيب إلا بينه له» (١).\nومن يبيع سهما على غيره وهو يعلم خبرا سيئا أو سلبيا ولا يبينه لمشتري السهم إلا كان كاتما للعيب ... أو يترتب على ذلك غبن وتغرير واحتكار في حال شرائه بثمن بخس، ثم ترتفع الأسعار بعد ظهور هذه الأخبار وانتشارها ...\n٣ - وكل ما سبق هو نوع من أنواع الغش والتدليس التي نهى عنها النبي - ﷺ -، وحذر منها بقوله: «من غش فليس منا» (٢).\nويترتب عليها ظلم الناس، وأكل أموالهم بالباطل؛ قال تعالى:\n﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩].\nقال - ﷺ -: «لا ضرر ولا ضرار» (٣).\nوعقود وجد فيها بعض هذه العيوب: (الغش والنجش، الغبن والتغرير وأكل المال بالباطل ....)، أو وجدت فيها مجتمعة - لاشك في حرمتها؛ بدلالة الكتاب والسنة والإجماع (٤)، فكيف إذا اجتمع معها الربا أو شبهته، وكيف يطيب لمسلم يرجو ما عند الله والدار الآخرة\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه في كتاب التجارات باب من باع عيبا فليبينه رقم ٢٢٤٦، ٢/ ٧٥٥، وقال الألباني: صحيح، والحاكم في كتاب البيوع وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه رقم ٢١٥٢، ٢/ ١٠.\n(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيجار/ باب قول النبي - ﷺ -: «من غشنا فليس منا» رقم ١٠٢، ١/ ٩٩.\n(٣) سبق تخريجه ص٨٥.\n(٤) قال ابن عبد البر في التمهيد ١٣/ ٣٤٨: (وأجمعوا أن فاعله - أي النجش - عاص لله إذا كان بالنهي عالما).","vol":"1","page":86},{"text":"وينتظر لقاء ربه أن يأكل مالا اكتسبه بهذه الطرق، ويؤكله غيره ممن تحت ولايته.\nقال رسول الله - ﷺ -: «أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾». ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك» (١).\nإن المنهج الإسلامي للاستثمار يقوم على استعمال الأموال فيما يحقق مصالح الناس، ويزيد من تمتعهم بالطيبات كمًّا ونوعا، ولا يقوم على مجرد الاسترباح مهما كان هدفه وأيا كان موضوعه (٢).\nوقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١].\n* * * * *\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب قبول الصدقة من الكسب الطيب، رقم (١٦٨٦).\n(٢) الاستثمار في الأسهم، د. منذر قحف، مجلة مجمع الفقه الإسلامي بجدة، العدد التاسع ٢/ ١٧.","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المبحث الرابع\nحقيقة المضاربة في سوق الأسهم</span>","vol":"1","page":89},{"text":"المبحث الرابع\nحقيقة المضاربة في سوق الأسهم\nالمتابع للتعاملات التي تجري في سوق الأسهم يتبادر إليه مجموعة من الاستفسارات والإيرادات منها:\nالأول: هل يوجد بالفعل تلك السيولة - التي أرقامها فلكية - تريليونات تغطي هذه الأسهم؟ أم هي مجرد أرقام، وكأنه بيع لأسهم في الهواء لا حقيقة لها؟ وهل توجد هذه الأموال في البنوك التي يتم عن طريقها تداول الأسهم؟ فلو طلب باعة هذه الأسهم تحويل هذه القيمة الكبيرة إلى حساباتهم فهل هذا ممكن؟ أم أنه مجرد تدوير بأموال لا وجود لها؟\nوإذا كانت هذه الأموال لا وجود لها، فما حكم تبايع تلك الأسهم التي هي محل العقد بأموال لا وجود لها؟!\nالثاني: الأسهم التي تتم عليها عمليات المضاربة (١)، هل هي تمثل بالفعل جزءا من موجودات الشركة، أم هي ورقة مستقلة منسوبة لتلك الشركة؟ فما هو رصيد هذه الورقة في الواقع؟\nلابد من التفريق بين أسهم الاستثمار - فهي تمثل جزءا من موجودات الشركة وأصولها - وبين أسهم المضاربة التي هي محل خلاف قوي، ويقوي القول بأنها ورقة مالية مستقلة (٢) ما يلي:\n_________\n(١) وليس الاستثمار.\n(٢) الاستقلال هنا ليس استقلالا مطلقا - لأن الورقة تنسب إلى الشركة ولو أوقف التعامل بأسهم هذه الشركة لما صح تداولها - وإنما هو استقلال خاص من جهة عدم تأثر هذه الورقة بالشركة المنسوبة إليها غالبا.","vol":"1","page":90},{"text":"١ - واقع المضاربة عليها؛ فالمضارب قد لا يعرف شيئا عن الشركة، ولا عن ميزانياتها وأرباحها وخسائرها ومركزها المالي.\n٢ - ما يحدث من مضاربات حادة وبأسعار مرتفعة على أسهم شركات تظهر ميزانياتها بطء في تقدمها، وقد تظهر خسائر متكررة، وقد يكون العكس؛ فتجد ضعفا في التداول، وكسادا على أسهم شركات قوية في نشاطاتها وميزانياتها، وتحقق أرباحا متكررة وبنسب جيدة، وقد ينعكس الحال فجأة في التداول، وقد يكون خلال لحظات، وواقع التداول في سوق الأسهم شاهد قوي على ذلك.\nوإذا كان التخريج على أنها ورقة مالية قوي، فهل لهذه الورقة حقيقة؛ بمعنى: هل المعقود عليه له مالية محسوسة؟ أليس هذا يشبه إلى حد كبير البيع على المؤشر المجمع على تحريمه؟\n٣ - أن المضارب على هذه الأسهم لا تعنيه الشركة لا من قريب ولا من بعيد؛ وإنما يعنيه المضاربة على السهم بعيدا عن كل شيء.\nوإذا كان كذلك، فإنه قد يقوي قول من يقول أن التعامل حقيقة إنما هو بقيمة هذه الورقة وثمنها ليس إلا، وأن العملية لا تعدو أن تكون متاجرة بأثمانها، وهذه الورقة مجرد غطاء لهذه العملية، والعبرة في العقود بالمقاصد والمعاني، لا بالألفاظ والمباني. وإذا كان كذلك فهل شروط تبادل الأثمان متحققة؟\nالثالث: السوق بدأ بطريقة غير نزيهة يغلب عليها الخداع في رفع المؤشرات وهبوطها (١)؛ فالارتفاع ليس لعوامل طبيعية - كما يحدث في سائر المبادلات التجارية المبنية على العرض والطلب غالبا - بل لعوامل\n_________\n(١) يؤكد ذلك نظرة لمؤشر شركة معينة في اليوم الأول؛ انظر قائمة (أفضل طلب) في حال الارتفاع كم هي الأسهم المطلوبة، وبعد يوم - وقد يكون بعد ساعة - انظر إليها إذا بدأ النزول؛ النتيجة (صفر).","vol":"1","page":91},{"text":"غائبة مجهولة لدى الكثير، ولاسيما الصغار، وهي في غاية الخطورة (١)، ودائما أيدي صغار المساهمين على قلوبهم - كما يقال - من أي هبوط حاد لا يتمكنون معه من إجراء أي عملية بيع؛ فهو على مخاطرة كبيرة قد تذهب بأمواله أو جُلِّها في أي لحظة (٢).\nوهذا فيه جمع بين الغرر، وفيه شبه كبير جدا بالقمار؛ نظرا لعظم المخاطرة فيه، والتي يبقى فيها دائما على خطر أن يغنم أو يغرم غرامة كبيرة (٣).\nولهذه المحاذير وغيرها مال بعض فقهاء العصر فيها إلى المنع، منهم الدكتور الصديق الضرير (٤) عضو مجمع الفقه الإسلامي بجدة؛ بل إن الشيخ عبد الله بن منيع كتب مقالا في موقع الإسلام اليوم بتاريخ ١٠/ ٣/١٤٢٧هـ يقطر أسى ومرارة من واقع المضاربة وتأثيره على الأفراد والاقتصاد يوحي بأنه يميل إلى المنع منها.\nقد يكون الكثير غافلًا في خضم هذا التداول المحموم على الأسهم عن مثل هذه الطروحات، وأحيانا قد لا يريد أن يسمعها، ولا يريد أن يسمع إلا من يقول افعل ولا حرج، ولو غير هذا الذي أفتاه رأيه لتنكر عليه وعلى آرائه، واستمر على قوله الذي تركه، أو بحث وتعلق بأي شيء قد يدل على الجواز.\n_________\n(١) لأن تلك الأسعار لا تمثل سعرا حقيقيا للسهم، تكون العواقب فيه غير مدروسة والمخاطر متوقعة.\n(٢) لاسيما إذا كان قد أخذ تمويلات بنكية كما حصل للكثير.\n(٣) قال شيخ الإسلام في كتابه العقود، ص٢٢٩: (.... ثم إذا كان فيها أخذ أحدهما المال بيقين والآخر على خطر بالأخذ والفوات؛ فهو مقامر؛ فهذا هو الأصل الذي دل عليه الكتاب والسنة، وهو المعقول الذي تبيَّن به أن الله أمر بالمعروف ونهى عن المنكر وشرع للعباد ما يصلحهم في المعاش والمعاد .....).\n(٤) مجلة مجمع الفقه الإسلامي بجدة، الدورة السابعة، العدد السابع ١/ ٢٧٠ قال: (.... وأنا أميل فيه إلى المنع ... لأن هذه تجارة يصعب الالتزام فيها بأحكام الشريعة الإسلامية، ولا مصلحة فيها للمجتمع؛ بل قد تعود عليه بأضرار بالغة).","vol":"1","page":92},{"text":"(والسؤال الذي ينبغي الإجابة عليه هو: هل تتفق المجازفة على أسعار الأسهم مع المنهج الإسلامي في الاستثمار؟\nوهل يقبل الشرع الحنيف الاسترباح بهذا النوع من العمل غير المنتج؟\nوهل ينبغي التمييز بين الاستثمار الصحيح في الأسهم وبين استعمال المال عبثا في المجازفة على أسعارها؟\nوبالتالي هل ينبغي وضع قيود على أسواق الأسهم بحيث تقتصر المبايعات على أولئك الذي يرغبون في الاستثمار بالمعنى الذي يؤدي إلى إنتاج الطيبات والمنافع ....) (١) اهـ.\nإن معاملة تشوبها هذه الشوائب وتحيط بها من كل جانب، حريٌّ بكل مسلم اجتنابها (٢)،\nوباقتصادنا التطهر منها، أو ضبطها بضوابط الشرع وأصوله، وعلى جهات البحث العلمي من مراكز ومجامع فقهية أن تقوم بواجبها في دراسة هذه النازلة، وإبداء الرأي الجماعي فيها بدلا من آراء فردية قد يعتريها ما يعتريها من القصور، وقد تكون مثل هذه الطروحات بداية لتفكير جاد في دراسة جماعية متكاملة.\n* * * * *\n_________\n(١) مجلة الفقه الإسلامي بجدة، الدورة التاسعة، العدد التاسع ٢/ ٤٠، د. منذر قحف.\n(٢) وانظر إلى رسول الهدى حينما ترك التمرة وقال: «لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها»، فتركها لمجرد وجود احتمال أن تكون من محظور عليه. البخاري (١٩١٤)،،مسلم (١٧٨١).\n\nوهذا أبو بكر يستفرغ ما أكل من طعام أهداه له غلامه لما علم أنه قد أخذه من أجل كهانة تكهنها في الجاهلية - البخاري (٣٥٥٤) - مع أنه حلال لأبي بكر، وتلك الكهانة غير صحيحة، وليس من الكهانة كما ذكر له غلامه.","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>المبحث الخامس\nآثار المضاربة على الأسهم</span>","vol":"1","page":95},{"text":"المبحث الخامس\nآثار المضاربة على الأسهم\nسوق الأسهم السعودية يعتبر من الأسواق التي نمت نموا سريعا خلال فترات متقاربة، حتى صار في مصاف الأسواق العالمية من حيث المبالغ العالية والصفقات التي تم ويتم إبرامها في تداولات السوق.\n\nوبالرغم من هذا النمو الكبير إلا أن هذا الصعود المتسارع أثَّر سلبا في مجالات متعددة كان تأثيرها كبيرا وخطيرا؛ فعلى<span data-type=\"title\" id=toc-24> الجانب الاقتصادي </span>ظهرت آثاره السلبية في عدة جوانب، منها:\nتقليص حجم الأموال الموجَّهة للاستثمارات المباشرة:\nوهذا ظاهر في ركود النشاط الصناعي والزراعي بل والتجاري، والتوسع فيه؛ فقبل فترة كنت تطالع عبر وسائل الإعلام ودوريات وزارة التجارة والغرف التجارية والصناعية الكثير من المشاريع الجديدة، أو التوسع في مشاريع قائمة يكون إنتاجها مؤثرا في زيادة الناتج القومي للبلد والمنافسة الخارجية في المنتجات والاستغناء عن الاستيراد، أو التقليل منه عبر مشاريع صناعية وزراعية وتجارية صغيرة وكبيرة؛ فأين هذه المشاريع الآن؟!\nوأين ما كنا نرجو من أن تستوعب هذه المشاريع الأيدي العاملة التي تعاني من بطالة مقنعة، وكنا نرجو أن توفر هذه المشاريع آلاف الفرص الوظيفية للباحثين عنها من كوادرنا الوظيفية القادرة، والتي أصيبت بخيبة أمل مع هذا التوجه الجامح للمضاربة على الأسهم، في","vol":"1","page":96},{"text":"ظل صمت من الجميع عن التوعية بهذه المخاطر التي لم يفق الناس من هولها وصدمتها إلا بعد حلولها.\nحينها بدأ التفكير في معالجة آثارها والتوعية بها!\nبل وأين المشاريع الرائدة المرجو التوسع فيها في مجال العقار في تشييد المساكن في أرجاء الوطن التي صار قلتها وشُحُّها ظاهرة بعد أن وجهت أموال كل هذه المشاريع للمضاربة في الأسهم طمعا في معدلات ربحية عالية في أوقات قصيرة.\nوهذا كله - بلا شك - أثَّر على حيوية ونمو الاقتصاد الوطني حين تعطلت المسارات المنتجة التي لها قيمة مضافة للناتج المحلي.\nمتطلبات التنمية المختلفة وأثر المضاربة:\nالمتابع للتداولات اليومية يشاهد مليارات الريالات يتم تداولها يوميا، والغرض من هذه التداولات جني أرباح آنية ليس إلا، وليس لهذه التداولات أي مردود إيجابي أو قيمة مضافة للناتج المحلي؛ بل هي معوِّق من معوقاته كما تقدم.\nتمويل الأغراض التنموية:\nإن اتجاه شريحة من المضاربين وأصحاب رؤوس الأموال الكبيرة للمضاربة في بورصة الأسهم المحلية ذات المردود المضطرب أضعف بشكل ظاهر وبيِّن من توفير التمويلات اللازمة لإنشاء الشركات، أو النهوض بها وتطوير خططها الإنتاجية واستراتيجياتها بعيدة المدى التي تخدم حقيقة أغراض التنمية بكل أشكالها ومظاهرها، وتحقَّق - في نفس الوقت - التصحيح المطلوب في السوق؛ وذلك بالتوازن في المنتجات بين العرض والطلب؛ مما يحدُّ قطعا من التضخم الذي هو أحد عوامل الضعف الاقتصادي والهيمنة من الآخرين.","vol":"1","page":97},{"text":"من واقع نتائج مؤشرات سوق المال السعودي - بل والخليجي - وتسارع مواطني هذه الدول في دخول السوق بعيدا عن الخبرة في التداول، ومع الهزات المتكررة التي حصلت في هذه الأسواق - ظهرت صور وأرقام مخيفة بل ومدمرة (١) في سقوط الكثير من صغار المستثمرين والقضاء على أموالهم، وتكدُّس الأموال في أيدي قلة من المستثمرين، وهذا - بلا شك - خلاف المنهج الرباني؛ وهو أن المال دولة بين الناس، وليس بين شريحة معينة؛ كما قال تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧].\nقال ابن الجوزي في تفسيره (٢): (والمعنى: لئلا يتداوله الأغنياء بينهم، فيغلبوا الفقراء عليه).\nوقال أبو السعود (٣): (كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم يتكاثرون به ...).\nوتجمُّع الأموال وتكدُّسها في يد قلَّة يؤدي إلى خلل في التركيبة الاقتصادية، يكون وَقْعُها وأثرُها سيئًا على التركيبة الاجتماعية؛ حيث تتجلَّى الطبقية في أسوء صورها؛ حيث يشعر أولئك الذين خسروا أموالهم أن هؤلاء هم سبب مصيبتهم، وما آل إليه حالهم، وهذا مما يولد الكره تجاه الآخر وظهور التفكك في المجتمع.\nفي ظل غياب مفهوم الوعي لدى الشركات عن الهدف الأسمى من إنشائها؛ وهو النهوض بواجباتها في تدفق إنتاجها إلى الأسواق، والحرص على التنافس في الجودة وكب سوق محلية وعالمية في هذا المنتج.\n_________\n(١) مما حدا بتدخل الدولة في المملكة أكثر من مرة؛ لتصحيح الخلل فيه وإعادة التوازن ومحاولة رأب الصدع الذي أثر على الكثير.\n(٢) زاد المسير ٨/ ٢١١.\n(٣) تفسير أبي السعود ٨/ ٢٢٨.","vol":"1","page":98},{"text":"وفي ظل غياب الرقابة المسؤولة عن هذه المتابعة والمحاسبة على ذلك عمد كثير من الشركات إلى إيقاف نشاطها الرئيس أو تقليله أو إيقاف مشاريع توسعية واستثمار أموال الشركة - المعدة للإنتاج أصلا - في سوق الأسهم؛ نتيجة انبهار بمكاسب خيالية في السوق ربما تعادل مكاسب سنين - بل عقود - لو استثمرت في نشاط الشركة الأصلي، وهذا كان له تأثيره السيئ من جهة ضعف أو تباطؤ نشاط الشركة الأصلي صناعيا كان أو زراعيا أو غير ذلك، وهذا طبعا يؤدي إلى اختلال الميزان التجاري للدولة عموما بين صادراتها ووارداتها، وهو تأثير سلبي بلا شك.\nوهذا مع الأسف عَكْسُ ما يحدث عند غيرنا حينما تستخدم الأسواق لتوفير السيولة النقدية لبناء شركات إنتاجية ومشاريع مثمرة؛ فضلًا عن إلغاء لوظائف يمكن أن تساهم في حل مشكلة البطالة لو كانت هذه الوظائف موجودة، ومن جهة أخرى أدى إلى تدفقات نقدية هائلة سَبَّبَتْ ضغطا في مضاربات السوق كان ضحيتها في الغالب صغار المستثمرين.\nوكذلك حينما استثمرت الفائض من أموالها، أو جزءا من المُعدِّ للاستثمار في شراء أو تأسيس شركات أخرى؛ فأدى ذلك إلى حرمان المواطنين وتفويت الفرص عليهم في الاستثمار في هذه الشركات.\nومن هنا فلابد للجهات المسؤولة من منع هذه الازدواجية في الاستثمار، وقصر استثمار كل شركة في مجال نشاطها حتى تكون النتائج إيجابية للجميع وللسوق المحلية والاقتصاد الوطني.\nما حصل من دخول الشركات في سوق الأسهم - وهو غير مجال نشاطها - ربما يعرضها إلى خسائر كبيرة - كما حصل لبعضها - وهذا يؤدي إلى فقد الثقة بها، والنتيجة خسارة المساهمين في حال هبوط سعر","vol":"1","page":99},{"text":"السهم، أو عجزها، أو ضعفها في مجال إنتاجها، وربما أدى ذلك إلى تراكم ديون تثقل كاهلها، أو تؤدي إلى إفلاسها.\nومع هذه الزيادة الضخمة في حجم التداول وقتا بعد آخر إلا أن هذه الزيادة لا يقابلها زيادة تذكر في عدد الشركات المدرجة في السوق؛ بمعنى أن الأمر لا يعدو أن يكون تدويرا لأسهم هذه الشركات (١) من خلال ضخِّ أموال إضافية تنسحب من قنوات استثمارية أخرى، وهذا خطير جدا؛ فضلا عن إمكانية احتواء المضاربة في السوق من قبل فئة تستطيع التحكم في المضاربة فيه، وهذا شيء طبيعي مع قلة الشركات، والتلاعب بأسعار أسهمها صعودا ونزولا في ظل غيبة رقابة صحيحة واعية صادقة، وفي ظل عدم استراتيجية مدركة لمعنى تعدُّد الشركات وسن تشريعات تزيد في تعقيد إجراءات تسجيلها وعدم تسريعه (٢).\nولعل في الأسواق العالمية خير شاهد على ما ذكرنا؛ حيث آلاف الشركات المدرجات في بورصاتها، والتي استقطبت المستثمرين من كل\n_________\n(١) انظر: مقال \"الأسهم السعودية حتى لا يطول النزيف\" محمد عبد الله القطري، جريدة الاقتصاد، بتاريخ ٢٦/ ٣/١٤٢٧هـ. وانظر: مقال الدكتور محمد القنيبط في جريدة الرياض، عدد (١٣٦٤٠) الجمعة ٢٥ رمضان ١٤٢٦هـ، بعنوان: \"السوق المالية مشوهة وتدار بريموت الشائعات\"، ومن الأمور الأخرى المهمة ما نراه من التضخُّم الحاد لأسعار الأسهم وعدم عكسها لربحية الشركات وطغيان الجانب المضاربي على الاستثماري، وكذلك العلاقة الشائكة بين حجم السيولة وعدد الشركات؛ حيث توجد سيولة ضخمة تطارد عددا محدودا جدا مع انحسار واضح في الأوعية الاستثمارية الأخرى.\n(٢) أشار المصرفيون المجتمعون في منتدى الاستثمار البنكي العالمي الذي أقيم في جدة إلى أن أحد أهم الأسباب التي أدت إلى الأحداث التي تشهدها السوق هو ضعف البدائل الاستثمارية وبطء التشريعات التي تعمل بها السوق سنوات طويلة، وأكَّد المتحدِّثون أن المصرفية الإسلامية ستكون التوجه المقبل للبنوك العالمية ... جريدة الاقتصاد (٤٥٨٤) في ٢/ ٤/١٤٢٧هـ فهد البقمي.","vol":"1","page":100},{"text":"جهة في ظل رقابة صارمة، وشفافية عالية، وإجراءات مرنة واضحة. هذه جملة من آثار المضاربة الاقتصادية.\n\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-25> آثارها الاجتماعية </span>فمن أبرزها:\n- البطالة - كما تقدم الإشارة إلى شيء من ذلك - نتيجة توجيه الأموال إلى سوق الأسهم؛ فأدى ذلك إلى قلة أو ندرة الأعمال والوظائف في الشركات والمؤسسات؛ نظرا لتوقف التوسع في تأسيسها، أو تأجيل بعض خططها التوسعية التي تستوعب الكثير من الأفراد، أو وقف بعض أنشطتها وضخ الفائض من أموالها في هذا السوق.\nووجود البطالة في المجتمع وارتفاع نسبته له آثاره السلبية الخطيرة في حياة أفراده وسلوكياتهم وأمن المجتمع.\n- الإخلال بالأعمال الوظيفية القائمة في القطاعين العام والخاص؛ نتيجة المتابعة المستمرة لسوق الأسهم من شريحة كبيرة من الموظفين، حتى لا تكاد تراجع دائرة إلا وتجد فيها من يتابع هذا السوق.\nوهذا أَثَّرَ سلبًا في الأداء الوظيفي، فأدى إلى اهتزازه؛ مع ما يترتب على ذلك من تأخير في إنجاز الأعمال والحقوق المناطة بالموظف، وهذا بلا شك يؤدي إلى خسائر اقتصادية للدولة والمواطن؛ فضلا عما يشعر به المراجع من أسى نفسي من هذا الواقع.\nومن حيث كسب الموظف المتابع للسوق فإنه يشوبه ما يشوبه من الإثم والحرمة نتيجة إخلاله وتفريطه، ولا يخفى ما يترتب على الكسب المحرم من بعد وانقطاع للصلة بين العبد وربه، وبالتالي أزمات مختلفة، مع حرمان من سعادة حقيقية ينالها الناصحون البعيدون عن المحرمات والمتشابهات.\n- سقوط كثير من أفراد المجتمع من صغار المستثمرين وغيرهم؛","vol":"1","page":101},{"text":"نتيجة عدم وعي لحقيقة السوق ومخاطره وطريقة التعامل فيه، مع ما يحصل من مضاربات غير نزيهة مصحوبة بأعمال غير أخلاقية من نجش وإشاعة (١) لأخبار كاذبة موهمة بارتفاع أو هبوط.\nكل ذلك أدَّى إلى خسائر فادحة لكثيرين (٢)، أو ما يسمى (بانكسارهم) في هذا السوق، ترتب عليه تراكم ديون كبيرة على أسر كثيرة، ساعد على ذلك تمويلات بنكية جشعة غير مدروسة أو عابئة بنتائجها على المجتمع، همُّها تحقيق أرباح مضمونة دون مخاطر.\nثم القيام - وبسرعة - بتسييل هذه المحافظ؛ حفاظا على حقوقهم؛ زعموا فأدى ذلك مع تلك الخسائر إلى هبوط حاد في سوق الأسهم، وتلك مصيبة أخرى؛ ناهيك أن بعض هؤلاء المستثمرين ربما قد باع كلٌّ ما يملك من مسكن أو مركب أو حُلِيٍّ؛ طمعًا فيما يراه من وهج الأسهم وأرباحها العالية، فأصبح بلا شيء بعد أن كان يملك كل شيء؟!\n_________\n(١) انظر: مقال الدكتور محمد القنيبط المتقدم؛ يقول عن الملاحظات التي تسترعي انتباهه بخصوص سوق الأسهم بالذات؛ فقال: إنها كثيرة، ولكن يلفت انتباهي المفعول القوي جدا للشائعات التي بعضها شائعات مقصودة لتحقيق أهداف محددة، ولن يفوتني كذلك ملاحظة التأثير المربك لمنتديات الأسهم على عمليات التداول، وكيف أنها أصبحت مصدرا مشوَّهًا للمعلومات في السوق؛ حيث يبرز غياب المعلومات وعدم توفرها في الوقت المناسب لجميع الأطراف؛ كما تنتشر \"تجارة المعلومات الداخلية\" بكثافة واضحة، وتؤثر على الشفافية والعدالة.\n(٢) في جريدة الرياض في عددها (١٣٧٥٢) يوم الجمعة ١٨/ ١/١٤٢٧هـ تقرير خالد العويد، وأدى الانخفاض السريع إلى إحداث حالة ذعر وخوف لدى المتداولين من حدوث نزول تصحيحي شامل جعلهم يتدافعون على البيع مع عبور المؤشر إلى مستوى جديد، وشمل التراجع غالبية الشركات في السوق نتيجة ردة الفعل المتوقعة من غالبية المتعاملين الذين كانوا يعيشون قلقا في الأيام الماضية على خلفية الارتفاع المتواصل للشركات، الأمر الذي جعل القيمة السوقية للسوق تنخفض (٨٠.٢) مليار في دقائق.","vol":"1","page":102},{"text":"وأصبح أسير ديون استحوذت على حيز كبير من مدخلاته بعد أن أجهزت على أملاكه ومدخراته (١) (٢)، وإن كانوا يتحملون جزءا مما حصل لهم نتيجة قراراتهم الخاطئة وغير المدروسة.\n_________\n(١) وقد جاء الإسلام مشدِّدًا على إبراء الذمة من الدَّين؛ فعن أبي قتادة ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله، أتُكَفَّر عني خطاياي؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «نعم؛ إن قتلت وأنت صابر محتسب مقبل غير مدبر»، ثم قال: كيف قلت؟ فأعاد عليه، فقال: «نعم، إلا الدَّين؛ فإن جبريل أخبرني بذلك». أخرجه مسلم.\nوعن أبي قتادة قال: أتي النبي - ﷺ - برجل ليصلي عليه، فقال - ﷺ -: «صلوا على صاحبكم؛ فإن عليه دينا». فقلت: هو علي يا رسول الله. قال: «بالوفاء؟»، قلت: بالوفاء. فصلى عليه.\nقال الحافظ ابن حجر: (قال العلماء: كأن الذي فعله ﵊ مِنْ تَرْكِ الصلاة على من عليه دين ليحرض الناس على قضاء الديون في حياتهم، والتوصل إلى البراءة منه ....) فتح الباري ٤/ ٤٧٨.\nوكان النبي - ﷺ - يكثر من الاستعاذة من الدَّين، وهذا يؤكد التحذير من الاقتراض لغير حاجة وكراهته؛ فعن عائشة أن رسول الله - ﷺ - كان يدعو في الصلاة: «اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا وفتنة الممات، اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم». فقال له قائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم. وقال - ﷺ -: «إن الرجل إذا غرم حدَّث فكذب ووعد فأخلف». رواه البخاري في صحيحه.\n\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - ﷺ - كان يدعو بهؤلاء الكلمات: «اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين وغلبة العدو وشماتة الأعداء». رواه النسائي برقم (٥٣٨٠).\n(٢) في جريدة الرياض، عدد (١٣٧٥٠)، الأربعاء ١٦ محرم ١٤٢٧هـ: (حذَّر صندوق النقد الدولي الجهات المالية السعودية من تضخم الأسعار في سوق الأسهم السعودية؛ مطالبًا بإجراءات سريعة في الحدِّ من القروض الممنوحة للاستثمار في سوق الأسهم والقروض الاستهلاكية، وهو ما صدر مؤخَّرًا من قبل مؤسسة النقد العربي السعودي في تحديد نسبة القروض ...) مقال كتبه عبد العزيز الرّبعي.","vol":"1","page":103},{"text":"- ونتيجة طبيعية لهذه الخسائر والديون: أزمات صحية خطيرة ونفسية؛ نتج عن بعضها وفيات وأمراض وعاهات مستديمة، وقد يصاحبها ضعف للإيمان وعدم علم ووعي بحقائق القدر والابتلاء وهنا يعظم المصاب.\nوهذا كله له أثره السيئ على الفرد وأسرته، وينعكس سلبا على المجتمع الذي يعيش فيه، وربما صار عالة متسوِّلًا بعد أن كان باذلا منتجًا.\n- الظهور السريع للبعض أدَّى إلى اختلال في النظرة للحياة وكيفية التعامل مع الغير القريب والبعيد، وظهور النظرة الاستعلائية تجاه الآخر، وربما الطبقية.\nفي جريدة الرياض (١) في تقرير للكاتب محمود المهيني: \" ... أصدقاؤك الذين قضوا أعواما طويلة وهم يبحثون عمن يقرضهم ... آخر الشهر أصبحت أرصدتهم تضم خمسة أو ستة أرقام، هذا ليس بالشيء القليل، وعلى الأقل أنهم لم يعودوا يتعاملون معك، أو لن تتعامل معهم كما في السابق، دائرتك الصغيرة ستختض وتنقلب على رأسها، وهذا ما بدا يشعر به الكثير من الناس؛ سواء مع أصدقائهم أو حتى مع أنفسهم\".\n\nوأما<span data-type=\"title\" id=toc-26> آثارها الشرعية:</span>\n- فقد ظهرت جلية في تغير سلوكيات البعض، وفي التفريط في أداء العبادات وفقدان الخشوع وحضور القلب؛ حيث اشتغل بالأسهم، وهذا أمر خطير والوسيلة إلى الحرام حرام.\n- التساهل في الحلال والحرام، وهذا ظاهر في المضاربة في أسهم شركات محرمة مجمع على تحريمها، أو مختلطة، وأين الورع والبعد عن\n_________\n(١) عدد (١٣٥١٤) الجمعة ١٧ جمادى الأولى ١٤٢٦هـ.","vol":"1","page":104},{"text":"المتشابهات، فضلا عما يحدث من البعض من نجش وغبن وإشاعات كاذبة ترتب عليها أضرار فادحة كما تقدم، وقد قال - ﷺ -: «لا ضرر ولا ضرار» (١)، «من غش فليس منا» (٢).\nالإخلال بالأعمال الواجبة من وظائف خاصة وعامة كما تقدم، وما يترتب على ذلك من كسب حرام ..\nهذه بعض آثار المضاربة في سوق الأسهم، وهي بلا شك آثار سلبية على الفرد والمجتمع؛ بل وعلى اقتصاد البلد ككل، وهذا ضررٌ بَيِّنٌ وظاهرٌ ومفاسده غالبةٌ جليةٌ .. ومن القواعد العامة \"أن الضررَ يُزالُ\"، فكيف إذا كان متعلقا بمصلحة الأمة، ويتعلق باقتصادها الذي هو عصب حياتها بعد إيمانها (٣).\nومن ثَمَّ فلابدَّ من وقفة مع هذه المخرَجات التي أفرزتها هذه المضاربات، وتقييمها وفق مبادئ عامة مبنيَّةٍ على درء المفاسد وجلب المصالح شرعيا واقتصاديا واجتماعيا ..\nوهل يصح بالأمة ويليق بها أن تسير في اتجاه يؤدي إلى تدويل المال في فئة قليلة على حساب الكثرة الكاثرة منها بعيدا عن الضوابط الشرعية والأخلاق المرعية!\nوعلى الجهات الرسمية أن تقوم بواجبها في ضبط هذه المضاربات وتقويمها وتحديدها بما لا يتعارض مع المصالح العامة للفرد وللوطن، والعمل على تنمية الموارد الاستثمارية الأخرى وتشجيعها وزيادة الحوافز\n_________\n(١) تقدم تخريجه ص٨٥.\n(٢) تقدم تخريجه ص٨٦.\n(٣) ذكر لي بعض أساتذة الاقتصاد أن اجتماع هذه السلبيات المتقدمة كاف في إيقاف هذه المضاربات حتى تعد صيغة منظمة لها لا تتعارض مع مصلحة الاقتصاد العليا.","vol":"1","page":105},{"text":"على الإنتاج والاستثمار (١).\nإن ترك الأمر على ما هو عليه مع ظهور هذه السلبيات الكثيرة يقوي قول من قال من علماء العصر بالمنع من هذه المضاربات؛ إعمالا لقواعد الضرر ودرء المفاسد.\nومن ثم فلابد لعلماء الأمة ومجامعها الفقهية من دراسة لكافة جوانبها، واستكتاب المختصين من علماء الشريعة والاقتصاد والقانون، وعقد الندوات المستمرة، والخروج بنتيجة مؤصلة ظاهرة لا لبس فيها.\nوقد صدرت قرارات من مجمع الفقه الإسلامي - بجدة - بعد بحوث ودراسات كتبها وناقشها جمع من علماء العصر في الفقه والاقتصاد من دول إسلامية عدة بعنوان (الأسواق المالية الإسلامية)؛ فلابد من تفعيل هذه القرارات وغيرها، وجعلها منطلقا لهذا الغرض، وتطوير ما يحتاج إلى تطوير في ضوء ما يستجد من معاملات وأحداث.\nوليس بالضرورة إذا أردنا أن نتطور أن نكون نسخة من الغرب أو الشرق في تشريعاتنا وتنظيماتنا؛ فلنا تميزنا في أصولنا وقيمنا، وهي الضمان بإذن الله لتطورنا وتقدمنا، وتحقيق العدالة والشفافية في أسواقنا.\n* * * * *\n_________\n(١) ومقارنة بالأسواق العالمية حيث النمو والازدهار، فإنك تلحظ أنها لم تؤثر سلبا على اقتصاديات تلك الدول؛ حيث ظلت دولا منتجة مسيطرة على حيز كبير من السوق العالمية، مستفيدة من تلك التدفقات النقدية في سوق الأسهم في تطوير مشاريعها الاقتصادية وغيرها وتنميتها.","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>ملحق خاص </span>..\nفي بحث للأستاذ إبراهيم السكران بعنوان (الأسهم المختلطة) ذكر قسما نَقَدَ فيه نظريةَ الأسهم النقية، وأعتقد أنه وُفِّقَ فيه كثيرا.\nثم انتقل إلى الأسهم المختلطة وبَيَّنَ فيها أقوال المعاصرين فيها.\nثم ذكر أنه لا يمكن الفصل فيها إلا بتحرير أصل شرعي؛ وهو العلاقة بين أصحاب الأموال المختلطة مثل التاجر الكافر ... وذكر أنه قد حصل خلط بين ثلاث مراتب متفاوتة الأحكام والآثار، وهي مرتبة (عموم المعاملة) ومرتبة (المشاركة بالحصة) ومرتبة (المشاركة بالتصرف)، وهذا أدى إلى عدم تصور دقيق لأصل الخلاف في المسألة، ثم أفاض في أقوال الفقهاء في هذه المراتب.\nوقد أجاد في مرتبة (عموم المعاملة)، وكذلك في مرتبة (المشاركة في الحصة)، وذكر أنه لا يلزم من الجواز فيهما الجواز في المساهمة في الشركات المختلطة؛ لأن مركز مناطات الفريق الذي يرى التحريم مرتبطٌ أساسًا بمرتبة (المشاركة بالتصرف)، وليس المشاركة بالحصة ولا عموم المعاملة.\nوقد أجاد في هاتين المرتبتين:\nوفي مرتبة (المشاركة بالتصرف) نقل نصوصًا عن الفقهاء تدل على جواز المشاركة في الأصل أو المنع منها وجوازها إذا وقعت، ثم ذكر أن الشركات المختلطة في هذا العصر تنتمي إلى هذه المرتبة وتدخل تحت قول هؤلاء المجيزين.","vol":"1","page":107},{"text":"وهنا بعض الملاحظات على ما ذكره في هذه المرتبة:\n١ - كل النصوص التي ذكرها ليس فيها أن الشريك الذمي ونحوه يرابي بأموال الشركة ويأخذ عليها ربا (فائدة)، أو يقترض على الشركة ويدفع فائدة؛ بل ليس فيها أنه يجوز الدخول معه إن كان يعلم أنه يرابي بأموال الشركة.\nففي الاستشهاد بها تحميل لها بما لا تحتمله ولا يقوله أولئك الفقهاء أصلا، وهم الذين يسدون كل الذرائع الموصلة للربا كما هو المشهور عن المالكية والحنابلة.\n- ويقول: ويلاحظ المتابع لبعض الدراسات الفقهية في هذا الموضوع أنها تسوق أدلة القول الذي رأى الإباحة والقواعد الفقهية التي اتكأ عليها ثم تناقشها ... وفي تقديري أن المفترض كان يجب أن يكون عكس ذلك تماما ... بمعنى أن تكون المناقشة أساسا لأدلة الفريق الذي رأى المنع، فإذا صحت أدلته ثبت التحريم، وإن ضعفت أدلته بقيت الإباحة على ما كانت عليه؛ لعدم وجود الدليل الذي يطيق رفعها عن الأصل.\nوالمستند الجوهري الذي تنطلق منه هذه الرؤية المنهجية هي أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة؛ وهذا يعني أن من رأى إباحة معاملة من المعاملات فإنه لا يطالب بالدليل؛ لأنه باق على الأصل، وإنما يطالب فقط الإجابة الصحيحة على أدلة التحريم؛ لأنها الناقلة عن الأصل.\n\nوأقول: إن هذا غريب منه من وجهين:\n١ - هل يعتقد أن ما انتبه له خفي على كل أولئك الفقهاء المعاصرين في تلك الهيئات والمجامع؟\n٢ - أن ذلك الأصل الذي ذكره لا خلاف فيه؛ ولكنه عند الجميع في المعاملات المباحة.\nوأما المعاملات الربوية فالأصل فيها التحريم ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، والعقود","vol":"1","page":108},{"text":"الربوية التي تجري في تلك الشركات لاشك أن الأصل فيها التحريم وأنها عقود فاسدة كما تقدم في أدلة القول الأول، وهي عقود أثَّرت في مالية تلك الشركات، ونصوص المنع من الربا مطلقا قليله وكثيره صريحة قطعية في الكتاب والسنة وإجماع الأمة؛ فمن قال بالتحريم فقد مشى على هذا الأصل.\nومن ثم فإن تلك المنهجية التي سلكها الفقهاء المعاصرون هي المنهجية الصحيحة ... فأعتقد أن الباحث التبس عليه الأمر، وهذا الالتباس ناشئ من الالتباس الذي وقع فيه في فهمه لنصوص الفقهاء المتقدمة، والتي تقدم الجواب على عدم دلالتها على ما ذكره من الجواز، وإلا فما فائدة ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ إذا قلنا أن الأصل في المعاملات الحل، ولو كان فيها عقود ربوية مقصودة ومتأصلة فيها؟!\nومن هذا المنطلق رأى أن قولَ من يقول بالإباحة في القسم المختلط من الشركات ليس في حاجة إلى استدلال؛ لأن معهم الأصل، وإنما الذي يحتاج إلى الاستدلال من يقول بالتحريم؛ لأنه مخالف للأصل، ثم ذكر عشرة اعتراضات للمحرمين وأجاب عليها:\n١ - الاعتراض الأول: أنه تجوز المعاملة دون المشاركة؛ لأن المشاركة من الإعانة على الإثم؛ أما عموم المعاملة كالمبايعة والمؤاجرة والمهاداة فليس فيها إعانة على الإثم والعدوان.\n٢ - الاعتراض الثاني: أن مُدَرَاءَ الشركة المختلطة قد ثبت أنهم ممن لا يتحرز عن المعاملات المحرمة تمويلا أو استثمارا أو نشاطا، وعليه فلا يجوز مشاركتهم طالما كانوا بهذه الصفة؛ لأن مشاركتهم ذريعة غالبة للمال المحرم.\n٣ - الاعتراض الثالث: أنه حتى لو قلنا بمشروعية مشاركة غير المسلمين، فإن ذلك عائد إلى أن المعاملات المحظورة التي يمارسونها","vol":"1","page":109},{"text":"هي مما يجوز لهم في شرعهم، ولذلك فلا بأس بمشاركتهم فيها؛ كما أباح لنا الشارع ذبائح أهل الكتاب بالرغم من أنه يغلب عليهم ترك التسمية الشرعية، ولذلك فلا يجوز قياس المسلم المقصر على الكتابي.\n٤ - الاعتراض الرابع: أن المساهم شريكٌ، وعليه فإنه يكون موكَّلًا، وتكون إدارة الشركة وكيلًا عنه؛ لأن مبنى المشاركة على الوكالة، وبالتالي فإن الأموال المحظورة اليسيرة التي تسربت إلى الشركة تنسب شرعا وفقها إلى المساهم ويعتبر مقرا لها وراضيا بها؛ لأنها من تصرفات وكيله، حتى ولو تخلص من نسبتها.\n٥ - الاعتراض الخامس: أن الشريعة لا تفرِّق في المال الحرام بين الكثير والقليل، ولا بين المستقبل والتابع؛ بل إذا اختلط الحلال بالحرام فإنه يجب اجتنابه كله، كما في الصحيحين أن النبي - ﷺ - قال: «فإذا نهيتُكم عن شيء فاجتنبوه» (١).\n٦ - الاعتراض السادس: أنَّ النصوصَ المنقولة عن الفقهاء في التفريق بين الكثير والقليل، أو بين المستقل والتابع، إنما يعنون بها ما مضى من الأموال السابقة لا فيما يستقبل منها، أو بمعنى آخر: إنما يفرق الفقهاء بين الكثير والقليل في (المعاملات السالفة) وليس (المعاملات المستأنفة).\n٧ - الاعتراض السابع: أن المال الحرام غالبٌ على قيمة السهم؛ لأن قيمة السهم تعتمد بشكل أساسي على إيراداته، وإيراداته تعتمد بشكل أساسي على التمويلات الربوية، وعليه فإن قيمة السهم مرتبطة ارتباطا تامًّا بالمال المحرم، ومنعكسة عنه وصادرة منه.\n٨ - الاعتراض الثامن: أن الأرباح المحرمة شائعة في أموال\n_________\n(١) رواه البخاري (٦٨٥٨)، ومسلم (١٢٣٧).","vol":"1","page":110},{"text":"الشركة، وعلى ذلك فلا يستطيع الإنسان أن يتخلص من العنصر المحرم في الإيرادات أصلا إذ لا يمكن إخراج نظيرها من كل وجه.\n٩ - الاعتراض التاسع: أنه حتى لو تخلص الإنسان من النسبة اليسيرة المحرمة في آخر قائمة مالية، فإنه لا يستطيع أن يتخلص من النسبة المحرمة في القوائم المالية السابقة.\n١٠ - الاعتراض العاشر: أن المصلحة المفترضة في المشاركة في هذه الشركات المساهمة هي مصلحة ملغاة وغير مرعية؛ لأنه لم يشهد الشارع لجنسها بالاعتبار؛ فلم يُعهد من الشارع أن تسامح في يسير من المال الحرام رعاية لمصلحة أخرى.\nوسنحاول فيما يلي تحليل ومناقشة هذه الاعتراضات العشرة فيما يلي:\nمناقشة الاعتراض الأول\nهذا الاعتراض الذي مضمونه التفريق بين المعاملة والمشاركة؛ بحيث يجوز مثلا معاوضة صاحب المال المختلط بثمن البيع، وأجرة المنفعة، وعمولة الوكالة، أو قبول الهدايا والهبات، دون مشاركته في مال الشركة؛ لأنه من الإعانة على الإثم والمساعدة على المعصية - في تقديري أنه اجتهاد غير دقيق؛ لعدم اطراد مناطه؛ ذلك أن مطلق المعاملة يتضمن معنى المعاونة أيضا ...\nويجاب: بأنه ليس هذا مناط التفريق؛ بل مناط التفريق أنه في المشاركة مالك الأسهم وكيل عن صاحبه، فكل تصرف في الشركة من عقود جائزة أو محرمة فهي منسوبة إليه؛ كما قال ابن قدامة: وهذا النص عنه قد استدللت به؛ فيلزم الاستدلال بجميع ما فيه.\nقال: (فأما ما يشتريه أو يبيعه من الخمر بمال الشركة أو","vol":"1","page":111},{"text":"المضاربة، فإنه يقع فاسدا، وعليه الضمان؛ لأن عقدَ الوكيل يقع للموكل، والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير، فأشبه ما لو اشترى به ميتة أو عامل بالربا).\n\nمناقشة الاعتراض الثاني\nأما الاعتراض الثاني الذي مضمونه أن مُدَرَاءَ الشركة لا يتحرزون عن المعاملات المحرمة - وعليه فإنه لا يجوز مشاركتهم - فهو اعتراض غير دقيق؛ ذلك أنه من المستقر في نصوص الشريعة أن اليهود من أكثر الناس استحلالا للربا وأكل المال بغير طرقه الشرعية كالقمار والخمور والرشوة والغش والاحتيال وغيرها، وقد عاملهم النبي - ﷺ - وشاركهم في خيبر ... فهذا دليل على جواز المشاركة، وقد تقدم الجواب عن هذه المشاركة وأنه لا دلالة فيها من ثلاثة وجوه (١).\nمناقشة الاعتراض الثالث\nأما الاعتراض الثالث الذي مضمونه أنه إنما جازت مشاركة اليهودي لأنه يستحل هذه الأموال المحرمة ويتأول جوازها، فالشريك اليهودي يرى أن أموال الربا والقمار ونحوها أموال مباحة، وهذا بخلاف الشريك المسلم المنتهك لهذه الأموال؛ لأنه يعتبرها حراما، وعليه فلا يجوز قياس الشريك المسلم المرابي المحرم عليه الربا على الشريك اليهودي المرابي الذي يستبيح الربا؛ ففي تقديري أن هذا اعتراض فاسد من وجوه ثلاثة:\nالوجه الأول: أن الربا لم يبح لليهود أصلا؛ بل هم منهيون عنه، كما قال تعالى في سورة النساء: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾.\n_________\n(١) انظر ص٢٧.","vol":"1","page":112},{"text":"ويجاب بأنه لم يذكر من قال بهذا الاعتراض، وأظنه اعتراضا افتراضيا؛ فإنه لا يقول به أحد، بل هو مبني على ما فهمه من صحة مشاركة اليهودي المرابي، وهو فهم غير دقيق - كما تقدم؛ فإنه ليس في تلك النصوص جواز مشاركة من يرابي بأموال الشركة - يهوديا أو غير يهودي - بل فيها الدلالة على فساد تلك العقود؟!\nقال ابن القيم (١): \"وما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركة المسلم جاز لهم شركتهم في ثمنه، وثمنه حلال؛ لاعتقادهم حله، وما باعوه واشتروه بمال الشركة؛ فالعقد فيه فاسد؛ فإن الشريك وكيل والعقد يقع للموكل، والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير\".\nفهل العقود الربوية التي تجريها هذه الشركات المختلطة عقود فاسدة وملغاة أم أنها صحيحة عنده ومعتبرة، مع ملاحظة أن النصوص المنقولة عن الفقهاء فيما إذا كانت الشركة قائمة وطرأت عليها مثل هذه المعاملات المحرمة، وليست في الدخول في شركات يعلم أنها تمارس عقودا محرمة - مجمع على تحريمها؛ فإنه لم يرد عن الفقهاء نص بجواز الدخول فيها؟\nثم قال: الوجه الثاني: أنه إن كان قد جاز التسامح مع الشريك الكتابي لأنه يتأول في دينه جواز فوائد الربا وإيرادات الخمور وصفقات القمار وأثمان الخنازير، فإنه من باب أولى أن يجوز التسامح مع المسلمين المتأولين للأموال المحظورة، مثل بعض مؤسسات المسلمين الربوية؛ لأن كثيرا من روَّادها يتأول جواز الفوائد البنكية أصلا باعتبار التفريق بين الربا الإنتاجي والربا الاستهلاكي، وأن ربا القرآن القطعي هو ربا الديون لا ربا القروض.\nويجاب بأن هذا قول ضعيف مخالف لإجماع المتقدمين\n_________\n(١) انظر: أحكام أهل الذمة ١/ ٥٦٠، وانظر كلامه ص٥٣ حيث حرم كل عقد فيه الربا، وكلام الغزالي ص٤١.","vol":"1","page":113},{"text":"والمعاصرين، ونصوص تحريم الربا القطعية الدلالة والثبوت؛ فكيف يقال بالتسامح مع المتأولين للأموال المحظورة بناء على قول ساقط مخالف لإجماع المجامع الفقهية؟! وهل التأويل يرد النص الصريح المجمع على مدلوله؟ وهل كل من يُجري هذه العقود يتأول جوازها كما ذكرت؟!\nثم يقول:\nالوجه الثالث: أن النظر والاعتبار في مآلات هذا القول يكشف ما يرد عليه من اللوازم الفاسدة، وما يترتب عليه من النتائج الوخيمة؛ ذلك أنه لو كان يجوز المشاركة مع الشريك الكتابي حتى ولو تعامل بالأموال المحرمة لأنه يستبيحها ويتأولها، بينما لا يجوز المشاركة مع الشريك المسلم المتعامل بيسير الأموال المحرمة لأنها محرمة عليه - لآل الأمر إلى أنه لا يجوز المساهمة إلا في الشركات الأجنبية التي يملكها غير المسلمين، أما شركات المسلمين فلا يجوز المساهمة فيها!\nيجاب عليه بما أجيب به على الوجه الأول من أنه مبني على فهمه الخاطئ بجواز تلك المشاركة ...\nمناقشة الاعتراض الرابع\nأما الاعتراض الرابع الذي مضمونه أن المساهم شريك، وبالتالي فإن العلاقة بين (المساهم) و(مجلس الإدارة) هي (علاقة نيابية)؛ لأن مبنى الشركة على الوكالة والنيابة كما نص الفقهاء، وعليه فإن القروض والاستثمارات الربوية التي يتخذها مجلس الإدارة تنسب شرعا للمساهم؛ لأنها تصرفات وكيله ونائبه:\nفالحقيقة أن هذا الاعتراض مبنيٌّ على ركيزتين أو مبدأين فقهيين بحيث لا يمكن استخلاص الجواب عنه إلا من خلال تحليلها بشكل منفرد.\nوذكر مرتبتين: مرتبة أطلق عليها (النيابة المحضة) وهي التي تسري فيها التصرفات إلى المنوب عنه الموكل.","vol":"1","page":114},{"text":"والثانية: المشوبة أو القاصرة، وهي التي قام بها مانع يمنع من ترتب آثار النيابة الأصلية عليها، ونتيجة لهذا المانع فإن المنوب عنه قد يعفى من سراية تبعة التصرفات .. ومثَّل لذلك بالوصي على اليتيم وناظر الوقف؛ حيث لا تسري كل تصرفاتهم على اليتيم أو الواقف، واستدل ببعض نصوص للفقهاء.\nويلاحظ أن جميع النصوص التي استشهد بها ليس فيها ذكر للشريك ودخوله في هذا القسم لا من قريب ولا من بعيد؛ فكيف يستدل بهذه النصوص العامة ويترك نصوصهم الخاصة في هذا الموضوع التي تدل على أن الشريك وكيل عن شريكه في تصرفاته، كما ذكر ابن قدامة الذي استدل بنصه، وكذلك ابن القيم.\nثم يقول: (ولو انتقلنا إلى الشق الثاني أو المبدأ الثاني الذي يتكون منه هذا الاعتراض وهو أن المساهم شريك تام، فالحقيقة أن تحليل طبيعة علاقة المساهم بمجلس الإدارة في الشركات المساهمة الحديثة يكشف أن هناك تبدلات جوهرية في طبيعة الشريك في هذه الشركات المساهمة وتحولات مضمونية في مفهوم المشاركة - حَوَّلَت المساهم من كونه شريكا مطلقا مكافئا في شركة حرة ومحدودة إلى كونه مجرد مشترك في مؤسسة تجارية عامة، أو مجرد عضو في منظمة ذات شخصية اعتبارية خاصة وذمة مالية منفردة، ونظام مسبق، وإدارة مستقلة خارجة عن هيمنة الإرادة الفردية للمساهم.\nوقد أكد فقهاء القانون المدني بشكل عام، وفقهاء القانون التجاري بشكل خاص، على هذه الطبيعة الجديدة للشركة المساهمة، والتي حولت الشركة من (عقد) يتفق عليه جميع الأطراف، ويحقق به العاقدون صفتهم كشركاء إلى (نظام قانوني) يسري على كل من يرغب الانضمام، ولا يمتلك المساهم العادي أية سلطة في تغيير سياساته أو صياغة قراراته الاستثمارية، وإنما ليس له إلا الإفصاح عن الرغبة في الانخراط في هذه المنظومة وتحمل آثارها التبعية أو الخروج منها بلا غنم ولا غرم فقط.","vol":"1","page":115},{"text":"الجواب عليه:\nهو هل طبيعة الشركة وتغير شكلها القانوني وتغير العلاقة بين أعضائها، هل يغير في الأحكام الشرعية فيحل الحرام بحيث يجوز له الإقدام على المحرم بدخوله باختياره في منظومة شركة تمارس أعظم الأعمال حرمة بماله وهو الربا، وهو يعلم عدم قدرته على المنع من التصرفات المحرمة.\nثم هناك إيرادات واستفسارات على القول بتغيير الطبيعة القانونية للشركة على النحو التالي: أنه لابد من تحديد علاقة المساهم بالشركة؛ فهو شريك فيها قطعا، وإذا كان شريكا فما هي علاقتها هي هل هي علاقة منقطة؟\nهل المديرون يتصرفون بإداراتهم فقط، إذ لا يصح أن يطلق عليه شريك؟\nلو تصرفوا تصرفا فيه تعد أو تفريط، أليس من حق المساهمين محاسبتهم؟\nإذًا فالمساهمون مفوضون لهم بإدارة الشركة من غير تعد ولا تفريط، وهذه هي حقيقة الوكالة، ولا نزاع بين الفقهاء فيها، فلماذا يحاول تطويع الأحكام بما يتلاءم مع النظريات الاقتصادية الأخرى؟! أليس الأجدر إلزام الشركات بقواعد الشرعية وأصولها؟!\nثم يقول: فإذا كنا لا نستطيع أن نقول للمساهم: التزم بالدخول مع إدارة سالمة من المآخذ الشرعية من جميع الوجوه. تعيَّن القول بجواز المساهمة في الشركات المختلطة إذا كان المخالِطُ مغمورا.\nفطالما أن المساهم لا يمتلك سلطة إدارة الشركة، وليست له الحقوق التقليدية المعروفة للشريك في الفقه الإسلامي، فعليه فإنه لا يجوز إسقاط كامل الالتزامات والمسؤوليات التقليدية للشريك عليه؛ لأن","vol":"1","page":116},{"text":"الالتزامات فرع عن الحقوق، والمسؤولية تبع للسلطة؛ وبالتالي فهو غير مسؤول عن أصل الانحرافات الجزئية التي تتخذها إدارة الشركة بغير رضاه؛ لأنه مسلوب الحق في إدارتها، وإنما يكون مسؤولا عن أمرين: لو غلبت الانحرافات على إدارة الشركة وبقي فيها، ولو علم بالانحرافات الجزئية ولم يتخلص من آثارها.\nوالجواب عليه كالآتي:\n١ - أنه لا يلزم من عدم القدرة على الدخول مع إدارة سالمة من المآخذ الشرعية أن يتعين القول بجواز المساهمة في الشركات المختلطة إذا كان المخالط مغمورا؛ للآتي:\nأ- لعدم الدليل على هذا التلازم؛ بل الدليل بخلافه وهو حرمة الإقدام على الربا مطلقا - قليلا كان أو كثيرا - كما دلت على ذلك النصوص المتقدمة من الكتابين ..\nب- أن الاستثمار للأموال ليس مقصورا في أسهم هذه الشركات فقط؛ بل مجالات الاستثمار أكثر وأوسع من أن تحصر، وهذا أمر مسلم وواقع مشاهد.\nج- أن التحديد بالجواز - إذا كان المخالط مغمورا - يتناقض مع ما ذكرته في ص٢٥ من أن \"الشركات المساهمة ستبقى على هذه السياسة المالية في الفترة القادمة؛ بل المعلوم بالظن في الغالب عكس ذلك؛ وهو أنه لو ارتفع سعر الفائدة لعادت وأودعت بالفائدة الربوية ... وهذا يعني أنها قد تودع الكثير.\n٢ - وأما القول بأن المساهم طالما أنه لا يمتلك سلطة إدارة الشركة فإنه لا يجوز إسقاط كامل الالتزامات والمسؤوليات التقليدية عليه ....\nفالجواب: بأنه لا تلازم بينهما، ولا يلزم من عدم الإسقاط جواز الدخول؛ لأن الدخول حصل برضاه واختياره، ويترتب عليه إقدام على","vol":"1","page":117},{"text":"الدخول في الربا المحرم، حتى ولو زعم أن ما يحصل بغير اختياره؛ لأن أصل الدخول فيها إنما كان باختياره هو ولم يلزمه أحد، وكان بإمكانه البحث عن استثمار آخر لا يخالطه المحرم.\n٣ - وأما القول بأنه يكون مسؤولا لو غلبت الانحرافات على إدارة الشركة وبقي فيها ....\nفالجواب: بأن هذا يتناقض مع المبدأ الذي قررته (ص٦٤ - ٦٦) وهو ما ذكره علماء القانون من طبيعة هذه الشركة وأنها أقرب إلى (نظام قانوني) يسري على كل من يرغب الانضمام، ولا يمتلك المساهم العادي أي سلطة في تغيير سياساته أو صياغة قراراته الاستثمارية ....\nفإن هذا المبدأ الذي قررته ورضيته لا فرق فيه ولا يفرق بين الانحرافات الكثيرة أو القليلة؛ فإذا كنت قيَّدته بالقليل والمغمور بناء على قاعدة اليسير والتابع، وهي القاعدة التي سبق الجواب عليها - فلماذا تلزم غيرك من المانعين من هذه المساهمات بمضمونه وطبيعته القانونية التي تلغي دور الشريك وتسلبه حقوقه؟!\nأليست هذه انتقائية لما تريده - دون غيرك - من هذه الطبيعة القانونية، فإما أن تعمل بمنظومة هذه الطبيعة القانونية مطلقا من غير تقييد ولا تفريق بين قليل وكثير، أو تترك لغيرك نقد هذه الطبيعة وعدم الأخذ بها مع أنك أجزت تقييدها؟!\nوقد تقول: إن الكثير محرم. فيقول لك: إن الإقدام على الدخول مع العلم بوجود الربا محرم أيضا.\nثم قال: وخلاصة الجواب على هذا الاعتراض - والله أعلم - أن تقول:\nأن الأصل في النيابة أن تسري تبعة التصرفات إلى المنوب عنه، إلا إذا شاب النيابة مانع ترتب عليه تخلف آثار النيابة التقليدية،","vol":"1","page":118},{"text":"والمتحصل في طبيعة المساهم قيام المانع؛ وهو أن الأنظمة السارية التي سَنَّها ولي الأمر مَنَحَتْ مجلسَ الإدارة صلاحيات التصرفات وسلبت المساهم بصورته الفردية منها.\nوالجواب:\nهل ولي الأمر يملك أن يسن حراما؟! وإذا سن حراما تجوز موافقته؟! إن ولي الأمر لم يسن نظاما يجيز ممارسة الحرام من القرض والإقراض الربوي، وقد قال - ﷺ -: «المسلمون على شروطهم إلا شرطًا أَحَلَّ حراما أو حَرَّمَ حلالا» (١).\nوهل هذه التشريعات تجيز الولوغ في الربا المجمع على تحريم تعاطيه بأي وجه؟!\nوهل يقال: إن القول بالجواز مراعاة لمقاصد الشريعة، مع أن الشارع شَدَّدَ في الربا تشديدا عظيما كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)؟!\nمناقشة الاعتراض الخامس\nأما الاعتراض الخامس الذي مضمونه أن الشريعة لا تفرق بين الكثير والقليل أو بين المستقل والتابع في الأموال المحرمة، ففي تقديري أن هذا التصور غير دقيق؛ بل الصواب - والله أعلم - أن قاعدة الشريعة المستقرة في الأموال والأعيان المختلطة هي إلحاق الحكم بالغالب المقصود بالأصالة، فإذا كان الحلال هو الغالب المقصود بالأصالة والمحظور مجرد تابع يسير جازت المعاملة، وإذا كان الحرام هو الغالب\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في كتاب الأقضية باب في الصلح رقم ٣٥٩٤، ٣/ ٣٠٤، والترمذي في كتاب الأحكام باب ما ذكر في الصلح بين الناس، وقال حسن صحيح رقم ١٣٥٢، ٣/ ٦٣٤ وقال الألباني: صحيح.\n(٢) انظر ص٣٤ - ٣٦.","vol":"1","page":119},{"text":"المقصود بالأصالة والحلال مجرد تابع يسير حرمت المعاملة، وهذا هو الذي قرره جمهور الفقهاء وعامة المحققين.\nوقد سبق الجواب عليه عند مناقشة قاعدة (اختلاط جزء محرم بالكثير المباح) (١)، وقاعدة (يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا) (٢).\nوقد استدل بالحديث المشهور الذي رواه أهل السنن من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله - ﷺ - سئل عن الماء يكون بالفلاة من الأرض وما ينوبه من الدواب والسباع، فقال - ﷺ -: «إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث» (٣)، فلم يقل - ﷺ -: اجتنبوه كله لاختلاطه بالمحرم. بل أباحه إذا كانت الغلبة للطاهر.\nوالجواب عنه بأنه لا أثر للمحرم هنا؛ لكن لو وجد أثر النجاسة فإنه يحرم بالإجماع؛ بخلاف المعاملات الربوية المحرمة في هذه الشركات؛ فإن أثرها واضحٌ وهي مقصودة للشركة وليست تابعة ...\nمناقشة الاعتراض السادس\nأما الاعتراض السادس الذي مضمونه أن تفريق الفقهاء بين الكثير والقليل إنما يراد به المعاملات السالفة لا المعاملات المستأنفة، باعتبار أنه من غير المظنون ولا من اللائق أن يقر الفقهاء بوقوع العقود الفاسدة في المستقبل كالربا والقمار، ففي تقديري أن هذا الاعتراض الذي ارتكز عليه بعض الباحثين المعاصرين ناشئ عن فرضية فكرية أكثر من كونه تحليلا فقهيا.\n_________\n(١) انظر ص٣٦ وما بعدها.\n(٢) انظر ص٢٨ وما بعدها.\n(٣) رواه أحمد (٥٢١٨)، وأبو داود (٦١)، والترمذي (٦٧)، والنسائي (٥٢)، وابن ماجه (٥١٧)، بلفظ: «إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء»، وابن خزيمة (٩٢)، وابن حبان (١١٧)، والحاكم (١٣٢)، والدارقطني ١/ ٣١. انظر: تهذيب السنن ١/ ٥٦، والتلخيص الحبير ١/ ٢٥، صححه الألباني في الإرواء ١/ ٦٠.","vol":"1","page":120},{"text":"فهذا الاعتراضُ محضُ استبعاد ذهنيٍّ وَلَّدَه قصورٌ في مطالعة واستقصاء وتحليل معالجات الفقهاء لإشكالية المشاركة مع أصحاب الأموال والتصرفات المختلطة، وهم الذين لا يتحرزون عن العقود الفاسدة شرعا؛ ذلك أن نصوص الفقهاء التي أشرنا إليها في الفقرات السابقة أظهرت أن الفقهاء يفرقون أساسا بين شركة أصل نشاطها محرم، وبين شركات أصل نشاطهم مباح؛ إلا أن إدارة الشريك المقصِّر يشوبها باليقين أو الظن الغالب بعض المخالفات الشرعية اليسيرة الخارجة عن إرادة الشريك المحافظ ... وقد استدل بكلام ابن قدامة وما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركة المسلم فثمنه حلال لاعتقادهم حله .....\nفأما ما يشتريه أو يبيعه من الخمر بمال الشركة أو المضاربة فإنه يقع فاسدا، وعليه الضمان؛ لأن عقد الوكيل يقع للموكل، والمسلم لا يثبت ملكه على الخمر والخنزير، فأشبه ما لو اشترى به ميتة أو عامل بالربا ....\nويجاب عنه من وجوه:\nالأول: أنا لا نرى سلامة هذا الاعتراض وصحته؛ فإنه لا فرق بين المعاملات السالفة والمعاملات المستأنفة؛ فالمحرم يجب الخروج منه ويحرم الدخول فيه؛ بدلالة: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾، وبدلالة: ﴿لَا تَاكُلُوا الرِّبَا﴾، و«لعن رسول الله - ﷺ - آكل الربا ومؤكله».\nالثاني: أنه لا يقال إن تلك الشركات باطلة في جملتها، وإنما يقال: يجب أن يخرج من تلك الشركات، وأما ما ذكرته سابقا فإنه من أبعد ما يكون عن كلام ابن قدامة الذي يجعل الشريك وكيلا، ويجعل تلك العقود فاسدة.\nثم يقال: هل العقود المحرَّمة التي تجريها الشركات المساهمة باطلة عندهم أو يستطيع إبطالها أو تخليصها من الحرام؟ فكيف يبقى فيها؟","vol":"1","page":121},{"text":"وهل في كلام ابن قدامة وغيره أنه يبقى فيها مع علمه وعجزه عن التغيير وهو لا يثبت ملكه عليه كما قال ابن قدامة؟! وهل الأصل في المسلم إجراء العقود الفاسدة والمضي فيها؟ وهل تأخذ بكل كلام ابن قدامة أو ابن القيم الذي فيه أن الشريك وكيل والعقد يقع للموكل؟!\nالثالث: كل النصوص التي نقلت إنما هي في الخمر والخنزير الذي يعتقد صحته، وليس فيما يعتقد تحريمه، وانظر كلام الكاساني وابن عابدين (١) من فقهاء الحنفية فيمن يجري عقودا باطلة؛ ففي هذه النقول إثبات لخطئك في فهم مذاهب العلماء أدى ذلك إلى تلبيس وتحميل لأقوالهم ما لا تحتملها، وهذا خلط عجيب.\nمناقشة الاعتراض السابع\nأما الاعتراض السابع الذي مضمونه أن المال الحرام غالب على قيمة السهم لأن قيمة السهم انعكاس لإيراداته، وإيراداته تعتمد بشكل أساسي على التمويلات الربوية؛ ففي تقديري أن هذا الاعتراض نابع من عدم تصور طبيعة العوائد التي تخلقها الأسهم؛ سواء من حيث مصدرها أو من حيث العوامل المؤثرة على ارتفاع قيمتها ...\nويجاب: ما ذكره الباحث صحيح؛ فإن العوائد على الأسهم نتيجة عوامل كثيرة وليس فقط العامل الربوي، ولكن نقول: متى وجد الحرام لم تصح المعاملة؛ سواء غلب أو لم يغلب للعمومات كما تقدم.\nمناقشة الاعتراض الثامن\nأما الاعتراض الثامن الذي مضمونه أن الأرباح المحرمة شائعة في أموال الشركة، وعلى ذلك فلا يستطيع الإنسان أن يتخلص من العنصر\n_________\n(١) انظر ص٥٨.","vol":"1","page":122},{"text":"المحرم في الإيرادات أصلا إذ لا يمكن إخراج نظيرها من كل وجه - فالصواب - والله أعلم - أن هذا الاعتراض اعتراض ضعيف مخالف لقاعدة الشريعة المستقرة في الأموال والأعيان المختلطة؛ فإن الشارع إذا اجتمع الحلال والحرام لم يحكم بتحريم الجميع؛ بل يأمر بإخراج قدر المال المحرم بما يغلب الظن إخراجه به.\nولذلك فإن كثيرا من المحققين ذهبوا إلى أنه إذا اختلط معقود عليه مشروع بمعقود عليه فاسد في عقد واحد لم يمنع الجميع باعتبار أن العقد شائع فيهما؛ بل ذهبوا إلى القول بتفريق الصفقة، كما روى الشيخان (١) أن البراء بن عازب اشترى هو وشريكه شيئا يدا بيد ونسيئة، قال: وسألنا النبي - ﷺ - عن ذلك فقال: «ما كان يدا بيد فخذوه، وما كان نسيئة فذروه».\nفأرشدهما النبي - ﷺ - إلى تفريق الصفقة بإمضاء المال الصحيح وترك المال الفاسد، ولم يحكم بشيوع الصفقة في المعقود عليه جميعه، ويقول الفقيه ابن القيم تعليقا على هذا الحديث: (وهو صريح في تفريق الصفقة ....).\nويجاب: بأن هذا الاعتراض غير صحيح كما ذكر الأخ الباحث، والاعتراض إنما هو في بيان معنى الشيوع وتأثيره؛ فمعنى الشيوع:\nأن الاستثمار المحرم مؤثر فيهما معا لاختلاطهما على وجه لا يمكن التمييز فيه؛ فأثر الحرام في مال الشريك ظاهر يؤكده أن الفوائد على القروض التي على الشركة تدفع من مجموع هذه الأموال، ولو خسرت الشركة خسارة فادحة لسددت الفوائد الربوية والقروض الربوية من أموال المساهمين، وهذا بيِّنٌ وظاهر، وهذا معنى تأثر شيوع المالين.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في كتاب البيوع باب التجارة في البر رقم ١٩٥٥، ٢/ ٢٧٦، ومسلم في صحيحه في كتاب المساقاة باب النهي عن بيع الورق بالذهب دينا رقم ١٥٨٩، ٣/ ١٢١٢.","vol":"1","page":123},{"text":"ولا نعني أن الشيوع يمنع من إخراج الفوائد المحرمة؛ لأنه لا يمكن إخراج نظيرها من كل وجه كما ذكرت عن البعض ...\nفإن نصوص العلماء في التمييز بين قَدْرِ المحرمِ وقدر الحلال ظاهرة، وإنما الكلام في التأثير كما تقدم.\nمناقشة الاعتراض التاسع\nوأما الاعتراض التاسع الذي مضمونه أنه حتى لو تخلص الإنسان من النسبة اليسيرة المحرمة في آخر قائمة مالية فإنه لا يستطيع أن يتخلص من النسبة المحرمة في القوائم المالية السابقة، فالواقع أن هذا الاعتراض يتضمن إجمالا سنحاول تفصيله في العنصرين التاليين:\n١ - الإيرادات المختلطة قبل المساهمة: بمعنى الإيرادات التي تخلقها الحصة قبل شراء المساهم لها، ويكون فيها نسبة يسيرة من أموال غير مشروعة؛ فهذه الإيرادات في الحقيقة لم يستلمها المساهم الجديد أصلا، وعليه فليس عليه التخلص من شيء لم يستلمه.\n٢ - الحصة المختلطة قبل المساهمة: بمعنى النسبة اليسيرة التي كوَّنَتْها الشركة في موجوداتها بتعاملات غير شرعية؛ فهذه النسبة هي في الحقيقة تعود إلى قاعدة (المحرم لكسبه)؛ فإذا اشترى المساهم الجديد هذه الحصة المختلطة الشائعة في مكونات الشركة بعقد شرعي صحيح فإنها تصبح بالنسبة له أموالا مباحة، وقد سبق إيراد الأدلة الشرعية على تصرفات الشارع حيال المحرم لكسبه؛ فهذا الاعتراض أدخل بباب المعاملة منه بباب المشاركة؛ لأنه يتحدث عن شراء حصة مختلطة سابقة، وليس المشاركة في أرباح مستقبلية مختلطة.\nوبالجملة فإن المساهم لا يسأل إلا عن الموجودات والإيرادات التي تكونت بعد دخوله في المساهمة؛ أما ما كان قبل مساهمته فإما أن","vol":"1","page":124},{"text":"يكون إيرادا لم يتسلمه فلا حكم له، أو حصة شائعة في مكونات الشركة انتقلت إليه بعقد شرعي صحيح.\nويجاب: هذا كله صحيح، وليس هذا الاعتراض - فيما يظهر؛ إنما الاعتراض أنه يدخل؛ سواء قلنا أنه مشترك أو مشارك؛ وهي مدينة بقروض ربوية تسدد من مجموع الأموال، أو دائنة بقروض ربوية تأخذ عليها فوائد وهو يعلم ثم يدخل.\nمناقشة الاعتراض العاشر\nأما الاعتراض العاشر الذي مضمونه أن مصلحة مشاركة المسلمين في الشركات المساهمة مع وجود أموال محرمة تبعية هي مصلحة ملغاة وغير مرعية لأنه لم يشهد الشارع لجنسها بالاعتبار - فلم يعهد من الشارع أن تسامح في يسير المال الحرام رعاية لمصلحة أخرى؛ فالصواب - والله أعلم - أن هذا الاعتراض اعتراض ضعيف؛ فاستيعاب تصرفات الشارع يؤكد دون شكٍّ أن الشارع ليس معنيًّا فقط بتقرير المصلحة والمفسدة؛ ولكنه معنيٌّ بشكل أساسيٍّ بالموازنة بين أعظم المصلحتين وأدنى المفسدتين.\nويجاب: أن ما ذكرته لا يصح أن يكون مناقشة لهذا الاعتراض؛ لأن المعترض يقول: أثبت أن مصلحة المشاركة آكد من المفاسد العظيمة المتيقنة في المعاملات الربوية، فهل الأعظم مراعاة التسامح بارتكاب المحرم \"الربا\" المجمع على تحريمه من أجل كسب في شركة يمكنه الاستثمار في غيرها، وقد لا يربح في هذه الشركة التي دخل فيها؟!\nوماذا لو تواطأ المسلمون أو أكثرهم على مقاطعتها - استثمارا أو مضاربة - حتى تترك المعاملات المحرمة؟! أليس هذا أجدى من محاولة الاجتهاد في تحليل محرم قطعي آذن الله بالحرب على فاعله المصر على فعله ....؟!","vol":"1","page":125},{"text":"ثم مثل لتسامح الشارع بيسير الربا بالآتي:\n١ - في العرايا - مع أن العرايا من باب التفكه وليست حاجة أو ضرورة، وإنما هو مقصد كمالي. واستدل ببعض نصوص الفقهاء على أنه مقصد كمالي ... ثم قال: \"وهذا بمجموعه كله يدل على عمق مراعاة النبي - ﷺ - لمصالح المسلمين العامة إذا عارضتها موانع شرعية يسيرة غير راجحة ....\nويجاب عنه من وجهين:\n١ - عدم التسليم بأن هذا من باب التفكه فقط؛ بل الحاجة فيه ظاهرة؛ أن يأكل مثل ما يأكل الناس ويقتاتون؛ فإن مخالفة ما عليه أكثر الناس فيه حرج على النفس ومشقة؛ وهذا هو ضابط الحاجة.\n٢ - أن النبي - ﷺ - راعى قواعد الربا، فاشترط المساواة بالخرص.\nقال شيخ الإسلام: (ولم يجوِّز المفاضلة المتيقنة؛ بل سَوَّغَ المساواة بالخرص في القليل الذي تدعو إليه الحاجة) (١)، فشيخ الإسلام يؤكد الحاجة.\nوهذا يدل على أن دعوى التفكه محل نظر، ويؤكد مراعاة قواعد الربا، بقوله: \"سوغ المساواة بالخرص\"، يؤكد ذلك قول راوي الحديث زيد بن ثابت: «ولم يرخص في غير ذلك» (٢)؛ مما يدل على أنه حكم خاص لا يصلح الإلحاق به أو القياس عليه، ومن ثم فليس لشيخ الإسلام أي قول في تصحيح معاملة ربوية أو تبرير التعامل بها أو الاجتهاد في تصحيحها؛ بل يشدد في كل ما يتصل بالربا أعظم تشديد في ذلك كما تقدم (٣) تبعا لتشديد القرآن والسنة.\nويفرق بينه وبين الغرر فيراعي فيه المصلحة والمفسدة (٤).\nثم استدل بحديث ابن عمر: «من ابتاع عبدا وله مال فماله للذي\n_________\n(١) مجموع الفتاوى ٢٩/ ٢٦.\n(٢) سبق تخريجه ص٣٤.\n(٣) انظر ص٣٤ - ٣٦.\n(٤) انظر: الفتاوى ٢٩/ ٢٥ - ٢٧.","vol":"1","page":126},{"text":"باعه إلا أن يشترطه المبتاع». ومع أن ذلك يؤول إلى أن يكون النقدان متفاضلين فتسامح في هذه القاعدة الربوية؛ لأنه المال ليس مقصودا للمشتري وإنما هو تبعي ...\nوقد تقدم الكلام عليه عند مناقشة قاعدة (يثبت تبعا ما لا يثبت استقلالا) (١)، وبيَّنا أن بينهما فرقًا ظاهرًا؛ لأنه ما تجريه الشركات من عقود ربوية ليس تبعا؛ بل هو مقصود لها وتنظر إلى نتائجه في ميزانيتها؛ فكيف يقاس المقصود المراعى في العقد على ما ليس بمقصود؟\nثم ذكر أن الشارع أجاز للمشتري إذا اشترى نخلا وفيها تمر ولم يبد صلاحه أن يشترط المشتري ثمرتها حتى ولو لم يبد صلاحها بعد؛ لأن الثمرة ليست مقصودة؛ بل هي تابعة للنخل، فأجاز ذلك مع ما فيه من غرر وجود الثمرة وعدم وجودها ... واستشهد على ذلك بكلام شيخ الإسلام الذي ذكر فيه: \"أن الشارع لا يحرم ما يحتاج الناس إليه من البيع لأجل نوع غرر\".\nوهذا النقل عجيب؛ لأن شيخ الإسلام فَرَّقَ بين الربا والغرر، فذكر تشديد الشارع في الربا وسَدِّ كل الطرق الموصلة إليه ثم ذكر الغرر .... فلماذا يبتر كلام شيخ الإسلام الصريح في التحريم ويذكر الغرر الذي يتسامح بيسيره ثم يقاس عليه يسير الربا؟! فهذا شيء غريب؛ فالأولى نقل النص بتمامه حتى يعرف موقف شيخ الإسلام من الربا والمعاملات الربوية، وكيف بَيَّنَ ﵀ مراعاة الشارع لقواعد الربا في العرايا حين شرع المساواة بالخرص، لا أن ينقل كلاما موهما؟!\nثم قال: ورد في كتاب الله الإشارة إلى أنه تغلب في عقود المشاركات أسباب العناصر المحرمة، كما ورد في سورة ص: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤]، والخلطاء هم الشركاء، ومع\n_________\n(١) ص٢٩ وما بعدها.","vol":"1","page":127},{"text":"ذلك فإن الشارع لم يمنع عقد المشاركة من أصله؛ بل أباحه لما في تشريع عقود المشاركات من مصالح شرعية، واغتفر هذه المفسدة التبعية رعاية للمصلحة الراجحة.\nالجواب عنه:\nهذا استدلال غريب؛ فإن الآية سيقت لبيان الحال على سبيل الذم مع إمكان التصحيح برفع الظلم فقط.\nوكذلك تلك الشركات يمكن تصحيحها برفع ما فيها من ظلم بتصحيح ما فيها من عقود ربوية وإبدالها بمرابحات وعقود أخرى شرعية.\nثم قال: إن الشارع أشار إلى أن الأسواق التجارية عموما هي من مظانِّ تسرب الأموال المحظورة، وأنها لا تسلم غالبا من عناصر وممارسات محرمة، كما في الحديث الصحيح الذي رواه أهل السنن عن قيس بن أبي غرزة قال: قال - ﷺ -: «إن هذه السوق يخالطها اللغو والكذب فشوبوها بالصدقة»، وفي رواية: «يا معشر التجار إنه يشهد بيعكم الحلف والكذب فشوبوه بالصدقة»، ومع ذلك فإن الشارع لم يأمر بإقفال هذه الأسواق؛ بل شرع المشاركة فيها واغتفر ما فيها من العقود الفاسدة اليسيرة التبعية رعاية للمصلحة الراجحة، وأمر التاجر بكفارة ما لا يمكن التحرز منه عبر التخلص والتصدق بجزء من الأرباح.\nوالجواب عنه:\nهذا غريب أيضا؛ فهل قال الرسول - ﷺ - أن أسواقكم يخالطها الربا ... بل قال: اللغو والكذب ونحوه مما لا يمكن ولا يصح أن يقاس عليه؛ هذه الكبيرة العظيمة التي آذن الله عليها بالحرب، وبيَّن أن آكله لا يقوم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، وبيَّن رسوله أنه من السبع الموبقات، وأن أكل ربا موضوع قليلا أو كثيرا، وأن عقده مفسوخ مردود.\nثم قال: وبعض الناس يجد في نفسه من هذه الأصول الشرعية شيئا، ولا تطاوعه نفسه على الالتزام بموجبها في تفريع الأحكام، وهذه","vol":"1","page":128},{"text":"الغضاضة ليست من الدين في شيء؛ بل هذا التلكؤ على التحقيق قصور خفي في التسليم لكامل تصرفات الشارع؛ فإن الذي نهانا عن أصول العقود الفاسدة هو الذي شرع لنا التسامح في يسيرها مراعاة للمصلحة الراجحة؛ كمصالح المسلمين العامة التي تمس شريان اقتصادهم، ولا يجوز للفقيه أن يتحكم في نصوص الوحي ما يؤخذ منها وما يهجر، كما لا يجوز له أن يفتي بوجوب التورع عن معاملات فعلها رسول الله - ﷺ -؛ فإن ذلك يتضمن معنى الاستعلاء على هديه - ﷺ - وازدراء سيرته الشريفة؛ بل الواجب على الفقيه المؤمن أن يسلم بكامل أحكام وتصرفات الشارع حظرا وإباحة؛ فإن تبعيض الأحكام الشرعية من شيم أحبار اليهود التي نهى الله فقهاء المسلمين عن سلوكها، كما قال تعالى عنهم في سورة البقرة: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ...﴾ الآية [٨٥].\nوالجواب عنه:\nبأن ما ذكرته من أصول شرعية ليس فيها جميعا ما يدل على التسامح بالربا مطلقا، بل وتحميل لها بما لا تحتمله، وإسقاط للتهم على المتمسك بالأصول الجارية على مقتضى القواعد الموافق لهديه - ﷺ - وليس المستعلي عليه.\nوقد يكون لا أقول الاستعلاء؛ بل ربما محاولة تطويع النصوص لما لا تحتمله مجاراة للواقع.\nومن ثم فعدم مطاوعة النفس ووجد الغضاضة التي ذكرتها هي أبعد ما يكون عمن سبر النصوص كلها ومشى على وفقها وحمل كلام الأئمة بعضه على بعض، ونقله كله واستدل به وَبَيَّنَ عدم تناقضه؛ خلافا لمن ينقل ما يرى أنه يوافقه، ويترك البعض الآخر، كما في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد يكون ذلك لعدم اطلاعه عليه؛ فإن هذا هو الظن بالمسلم.\n* * * * *","vol":"1","page":129},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>الخاتمة</span>\nالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تسمو النفوس الطيبات، أحمده على إتمام هذا البحث، وأشكره على سائر النعم المتتاليات، وأصلي وأسلم على معلم البشرية ومزكيها ومبين الحلال من الحرام، المحذر من الوقوع في المشتبهات، فضلا عن اقترافات المحرمات. وبعد:\nفإن الأسهم من أدق المعاملات وأكثرها شيوعا وأخطرها تداولا وأشدها ارتفاعا وهبوطا، والناس في معرفة أحكامها وتعلُّمها في تفاوت بَيِّنٍ؛ فمنهم العارف كثير السؤال تورعا عن الوقوع في الحرام وبعدا عن المتشابه، ومنهم المقصر في ذلك؛ هم درجات؛ فمنهم الجاهل بأحكامها ومنها المتأول، وربما تأول بما يوافق هواه أو بحث وتعلق بكل قول ولو كان القائل به قليل، حتى ولو اعتقد مخالفته الدليل.\nومنهم من دخل فيها من غير سؤال ولا تمييز بين حلال ولا حرام، فولغ فيها حتى عمي لسان حاله، يقول مقال الجاهلين: \"الحلال ما حل في الجيب\" غافلا أو متغافلا عن: ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].\nوعن: ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وعن: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وعن: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦].","vol":"1","page":130},{"text":"والأسهم منها ما لا يختلف في تحريمه وهو أسهم الشركات التي أصل نشاطها محرم، ومنها ما هو حلال بيِّنٌ، وهي أسهم الشركات التي أصل نشاطها مباح ولم تدخل في معاملات محرمة، وبينهما درجة هي محل خلاف؛ وهو ما كان أصل نشاطها حلال ووجد في نشاطها حلال، ووجد في نشاطها أعمال محرمة قرضا بالربا وإقراضا له، والجمهور على تحريمها، وهو القول الذي تدل عليه ظواهر الكتاب والسنة والآثار عن الصحابة؛ فضلا عن المعقول المبني على مراعاة مقاصد الشريعة.\nوقول من خالفه مبني على استدلال بقواعد لا تنهض على معارضة صريح تحريم الربا مطلقا قليله وكثيره ...\nإن هناك فرقا بين المستثمر في عائد السهم وبين المضارب على فروق الأسعار في مسائل عدة؛ فالمستثمر استثمر أمواله في موجودات الشركة وأصولها، وهي موجودة ولها قيمتها؛ بخلاف المضارب؛ فقد يضارب على أسهم شركات خاسرة أو لا قيمة لها تقارب قيمتها السوقية؛ فهو يضارب على فروق الأسعار، وفيه شبه قوي بالمضاربة على المؤشر المجمع على تحريمه، وفيه مخاطرة تشبه القمار إلى حد كبير، وقد يكون بمنزله بيع المعدوم.\n- أن المضاربة عموما في أسواق الأسهم يعتريها شبه كثيرة؛ منها أن هذه المضاربة لا تعدو أن تكون على أوراق مالية مستقلة عن الشركة المنسوبة إليها بدلالة البون الشاسع بين قيمتها السوقية وقيمتها الحقيقية، وهذه الورقة وسيلة لهذا البيع، وإلا فالواقع أنه مبادلة مال بمال، وهذا قول له وجه قوي يشهد له واقع الحال.\n- ومنها شدة المخاطرة الناشئة عن التقلب الحاد في الأسعار نتيجة التلاعب بأسعار السوق، هذه المخاطرة التي يدخل فيها المضارب وهو","vol":"1","page":131},{"text":"على وجل كبير من أن يغرم ويفقد أمواله أو جلها؛ بل خطورتها أشد من المقامر الذي قد لا يقامر إلا في القليل من ماله.\n- ومنها أن الغش والتغرير ونشر الأخبار الكاذبة والمخادعة صار وسيلة معتادة عند كثير من المتعاملين.\n- أن المضاربة لا تعدو أن تكون تدويرا للأموال ومحلا للإتجار بها، وهذا يخالف ما قصدت به الأثمان (١)، وأبعدت عن مجال استخدامها الصحيح في تنمية اقتصاد البلد وتنويع موارده ودعم برامجه، وتنويع مصادر دخله وتعدد وسائل الإنتاج؛ فضلا عن تأثيراتها الاجتماعية من تفاقُم حالة البطالة حينما حجبت هذه الأموال عن مشاريع منتجة تستوعب أعدادا كبيرة في العمل فيها، وإعالة أسرهم وسد فاقتهم، مع ما ترتب عليها من خلل عندما ذهب كثير من صغار المستثمرين ضحية تلك المضاربات فأغرقتهم الديون وأثقلت كاهلهم بعد أن استنزفت سائر ممتلكاتهم .... مع تأثيراتها النفسية والصحية الحادة والمؤلمة على الكثير؛ فضلا عن تأثيراتها الشرعية من الإخلال بكثير من الشعائر، والواقع شاهد على ذلك.\n_________\n(١) قال ابن القيم في إعلام الموقعين ٢/ ١٣٧: (فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يُعْرَفُ تقويمُ الأموال؛ فيجب أن يكون محدودا مضبوطا لا يرتفع ولا ينخفض؛ إذ لو كان الثمنُ يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن نعتبر به المبيعات؛ بل الجميع سلع، وحاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورة عامة، وذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة، وذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء، ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوم هو بغيره؛ إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض، فتفسد معاملات الناس، ويقع الخلف، ويشتد الضرر، كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح فعم الضرر وحصل الظلم، ولو جعلت ثمنا واحدا لا يزداد ولا ينقص بل تقوم به الأشياء ولا تقوم هي بغيرها لصلح أمر الناس). وانظر: إحياء علوم الدين، للغزالي ٤/ ٩٤.","vol":"1","page":132},{"text":"وهذا يستدعي إعادة النظر في هذه المضاربات وضبطها بضوابط الشرع وقواعده ومراعاة مقاصده (١).\nهذه جمل مستفادة من هذه الدراسة راجيا أن تكون بداية لدراسات متعددة وبحوث متعمقة في هذا الموضوع الكبير، يشارك فيها المختصون المعنيون بمثل هذه الدراسات.\nوختاما، أسأل الله أن يكون هذا العمل خالصا لوجهه صوابا على وفق سنة نبيه محمد - ﷺ -.\n* * * * *\n_________\n(١) يقول مايكل سبنسير: (وبعد سلسلة من التوقعات، والانطلاقات المخيفة انهار السوق في النهاية في ٢٤ أكتوبر / تشرين أول ١٩٢٩م، وتلاشى ما يزيد على ١٠ مليارات دولار من أموال المستثمرين قبل ظهر ذلك اليوم، وتجمعت حشود هائلة من المستثمرين الغاضبين، والمذعورين في قاعة الزوار في بورصة نيويورك لمشاهدة الفشل التام، وبحلول الظهر كان السوق في حالة \"موت حلزوني\" حيث كان المستثمرون في كل أنحاء العالم مذعورين بسبب حجم الخسارة المالية.\nوبحلول ٢٩ أكتوبر / تشرين أول ١٩٢٩م كانت جميع أرباح السوق عن العام السابق قد تبددت، وفي النهاية هبط السوق ٨٩ % بعد أن حقق أقصى ارتفاع له في عام ١٩٢٩م وهو ٣٨١ نقطة، وبعد الانهيار حاول رجال الاقتصاد اكتشاف الخطأ الذي حدث، وكان من الواضح أن العديد من الناس لم يدركوا الإشارات الدالة على الارتفاع غير الحقيقي للأسعار في السوق).","vol":"1","page":133},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>فهرس المصادر والمراجع</span>\n- الاستثمار بالأسهم في السوق السعودي: د. عيد الجهني، مطابع الشريف.\n- الاستذكار: لابن عبد البر، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، تحقيق سالم عطا، محمد معوض.\n- الأشباه والنظائر: للسيوطي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٣هـ، الطبعة الأولى.\n- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف: علي بن سليمان المرداوي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق محمد حامد الفقي.\n- البحر الرائق شرح كنز الدقائق: لابن نجيم، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الثانية.\n- البحر الزخار (مسند البزار): أحمد بن عمرو بن عبد الخالق العتكي، مؤسسة علوم القرآن، مكتبة العلوم والحكم.\n- التعريفات: للجرجاني علي بن محمد بن علي، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٥هـ، تحقيق إبراهيم البياري.\n- التمهيد: لابن عبد البر، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، ١٣٨٧هـ، تحقيق مصطفى العلوي، محمد البكري.\n- الجامع الصحيح المختصر (صحيح البخاري): محمد بن إسماعيل البخاري، دار ابن كثير، اليمامة، ١٤٠٧هـ - ١٩٨٧م، د. مصطفى ديب البغا.\n- الجامع الصحيح (سنن الترمذي): محمد بن عيسى الترمذي، دار إحياء التراث العربي، أحمد محمد شاكر وآخرون.\n- الجامع الصغير: محمد بن الحسن الشيباني، عالم الكتب، بيروت، ١٤٠٦هـ، الطبعة الأولى.\n- السنن الكبرى: أحمد بن شعيب النسائي، كتبة المطبوعات، دار الكتب الإسلامية، ١٤٠٦هـ - ١٩٨٦م، عبد الفتاح أبو رغدة، د. البنداري.","vol":"1","page":136},{"text":"- الشرح الكبير: للدردير أبو البركات أحمد الدردير، دار الفكر، بيروت، تحقيق محمد عليش الشركات التجارية، محمود محمد بابلي، طبع المؤسسة العلمية للوسائل التعليمية، حلب، ١٣٩٨هـ.\n- الشركات التجارية: علي حسن يونس، مطبعة الاعتماد، القاهرة.\n- الشركات: د. عبد العزيز خياط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٣هـ.\n- الفتاوى الشرعية في المسائل الاقتصادية، بيت التمويل الكويتي.\n- الفتاوى الكبرى: لشيخ الإسلام ابن تيمية، دار المعرفة، بيروت، تحقيق قدم له حسين مخلوف.\n- القواعد والفوائد الأصولية: علي بن عباس البعلي الحنبلي، مطبعة السنة المحمدية، ١٣٧٥هـ، تحقيق محمد حامد الفقي.\n- القوانين الفقهية: لمحمد بن أحمد بن جزي الكلبي الغرناطي.\n- الكافي في فقه أهل المدينة: لابن عبد البر أبو عمر يوسف بن عبد الله القرطبي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٧هـ، الطبعة الأولى.\n- الكافي: لابن قدامة أبو محمد عبد الله بن أحمد، المكتب الإسلامي، بيروت.\n- اللمع في أصول الفقه: لأبي إسحاق الشيرازي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٥هـ، الطبعة الأولى.\n- المحلى: لابن حزم، دار الآفاق الجديدة، بيروت، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي.\n- المدخل الفقهي العام: مصطفى الزرقا، الطبعة التاسعة، دمشق، ١٩٦٧م.\n- المدونة الكبرى: مالك بن أنس، دار صادر، بيروت.\n- المستدرك على الصحيحين: محمد بن عبد الله، دار الكتب العلمية، ١٤١١هـ ١٩٩٠م، مصطفى عبد القادر عطا.\n- المستصفى في علم الأصول: للغزالي أبو حامد محمد بن محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٣هـ، الطبعة الأولى، تحقيق محمد عبد الشافي.\n- المسند: عبد الله الزبير أبو بكر الحميدي، دار الكتب العلمية، مكتبة المتنبي، حبيب عبد الرحمن الأعظمي.\n- المعاملات المالية المعاصرة: أ. د. وهبة الزحيلي، دار الفكر، دمشق، ١٤٢٣هـ.\n- المعجم الكبير: سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني، مكتبة العلوم والحكم، ١٤٠٤هـ - ١٩٨٣م، حمد بن عبد المجيد السلفي.","vol":"1","page":137},{"text":"- المغني: أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٥هـ، الطبعة الأولى.\n- المنثور في القواعد: للزركشي محمد بهادر، نشر وزارة الأوقاف، الكويت، الطبعة الأولى، ١٤٠٢هـ، طبع مؤسسة الفليج، الكويت.\n- المهذب: إبراهيم بن علي الشيرازي، دار الفكر، بيروت.\n- المواهب السنية في شرح الفوائد البهية، دار البشائر الإسلامية، ١٤١١هـ.\n- النظريات الفقهية: للدريني، محمد فتحي، مطبعة خالد بن الوليد، ١٤٠٢هـ.\n- الوجيز في إيضاح القواعد: محمد البورنو.\n- أحكام الأسواق المالية: د. محمد صبري هارون، دار النفائس، عمان، ١٤١٩هـ.\n- أحكام أهل الذمة: لابن القيم، رمادي للنشر، دار ابن حزم، الدمام، بيروت، ١٤١٨هـ، الطبعة الأولى، تحقيق يوسف البكري، شاكر العروري.\n- أضواء البيان: محمد الأمين المختار الشنقيطي، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، ١٤١٥هـ.\n- أنيس الفقهاء: قاسم بن عبد الله القونوي، دار الوفاء، جدة، ١٤٠٦هـ، تحقيق د. حمد الكبيسي.\n- إحياء علوم الدين: أبو حامد الغزالي، دار المعرفة، بيروت.\n- إرشاد الفحول: للشوكاني محمد بن علي، دار الفكر، بيروت، ١٣٨٦هـ، الطبعة الثانية.\n- إعلام الموقعين: لابن القيم، دار الفكر، بيروت، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.\n- بحوث في الاقتصاد الإسلامي: الشيخ عبد الله بن منيع، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى.\n- بدائع الصنائع: للكاساني، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٩٨٢م، الطبعة الثانية.\n- بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث: الحارث بن أبي أسامة، الحافظ نور الدين الهيثمي، مركز الخدمة السنية والسيرة النبوية، د. حسين أحمد صالح الباكري.\n- تاج العرو: محمد مرتضى الحسيني الزبيدي، دار الهداية، تحقيق مجموعة المحققين.\n- تبيين الحقائق: عثمان بن علي الزيلعي، دار الكتب الإسلامي، القاهرة، ١٣١٣هـ.","vol":"1","page":138},{"text":"- تحقيق المراد في أن النهي يقتضي الفساد: خليل بن كيكلدي العلائي، دار الكتب الثقافية، الكويت، تحقيق محمد إبراهيم السلفيتي.\n- تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم): لابن كثير إسماعيل بن عمر، دار الفكر، بيروت، ١٤٠١هـ.\n- تفسير البغوي، دار المعرفة، بيروت، تحقيق خالد عبد الرحمن العك.\n- تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان ...): عبد الرحمن بن محمد الثعالبي، مؤسسة الأعلمي، بيروت.\n- تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن ...): عبد الرحمن ناصر السعدي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٢١هـ، تحقيق ابن عثيمين.\n- تفسير الطبري (جامع البيان): محمد بن جرير الطبري، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٥هـ.\n- تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن): للقرطبي محمد بن أحمد، دار الشعب، القاهرة.\n- تفسير أبي السعود (إرشاد العقل السليم ...): لأبي السعود محمد بن محمد العمادي.\n- توضيح أوجه اختلاف الأقوال في مسائل من معاملات الأموال: الشيخ عبد الله بن بيه، المكتبة المكية، الطبعة الأولى، ١٤١٨هـ.\n- جامع الرسائل: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق محمد رشاد سالم.\n- جامع العلوم والحكم: لابن رجب عبد الرحمن بن شهاب البغدادي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١٧هـ، الطبعة السابعة، تحقيق شعيب الأرناؤوط، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n- روح المعاني في تفسير القرآن: لأبي الفضل شهاب الدين السيد محمود الآلوسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n- روضة الطالبين: الإمام النووي، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٤٠٥هـ، الطبعة الثانية.\n- سبل السلام شرح بلوغ المرام: محمد بن إسماعيل الصنعاني، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n- سنن ابن ماجة: ابن ماجة، دار الفكر، محمد فؤاد عبد الباقي.\n- سنن البيهقي الكبرى: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر (البيهقي)، مكتبة دار الباز، ١٤١٤هـ - ١٩٩٤م، محمد عبد القادر عطا.\n- سنن الدارقطني: علي بن عمر، دار المعرفة.\n- سنن الدارمي: عبد الله بن عبد الرحمن أبو محمد الدارمي، دار الكتاب العربي، خالد السبع العلمي.","vol":"1","page":139},{"text":"- سنن أبي داود: سليمان بن الأشعث، دار الفكر، محمد محيي الدين عبد الحميد.\n- شرح القواعد الفقهية: أحمد ابن الشيخ محمد الزرقا، دار القلم، دمشق، ١٤٠٩هـ، الطبعة الثانية، صححه وعلق عليه مصطفى أحمد الزرقا.\n- شرح منتهى الإدارات: منصور بن يونس البهوتي، عالم الكتب، بيروت، ١٩٩٦م، الطبعة الثانية.\n- شركة المساهمة في النظام السعودي، د. صالح بن زابن المرزوقي البقمي، مطابع الصفا، مكة، ١٤٠٦هـ، مركز البحث العلمي، جامعة أم القرى.\n- صحيح ابن حبان: محمد بن حبان بن أحمد أبو حاتم التميمي البستي، مؤسسة الرسالة، ١٤١٤هـ - ١٩٩٣م، شعيب الأرناؤوط.\n- صحيح ابن خزيمة: محمد بن إسحاق بن خزيمة أبو بكر السلمي النيسابوري، المكتب الإسلامي، ١٣٩٠هـ - ١٩٧٠م، د. محمد مصطفى الأعظمي.\n- صحيح مسلم: مسلم بن الحجاج النيسابوري، دار إحياء التراث العربي، محمد فؤاد عبد الباقي.\n- غاية البيان شرح زيد بن رسلان: محمد بن أحمد الرملي الأنصاري، دار المعرفة، بيروت.\n- غريب الحديث: لابن الجوزي أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٥هـ، وتحقيق د. عبد المعطي القلعجي.\n- غريب الحديث: لابن قتيبة عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، مطبعة العاني بغداد، ١٣٩٧هـ، تحقيق عبد الله الجبوري.\n- فتاوى اللجنة الدائمة، المملكة العربية السعودية.\n- فتاوى هيئة الرقابة الشرعية لبنك دبي الإسلامي.\n- فتاوى هيئة الرقابة الشرعية، للبنك الإسلامي السوداني.\n- فتح الباري شرح صحيح البخاري: لابن حجر أحمد بن علي العسقلاني، دار المعرفة، بيروت، تحقيق محب الدين الخطيب.\n- فتح الجليل شرع مختصر خليل: محمد عليش، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٩هـ - ١٩٨٩م.\n- فتح القدير: لابن الهمام كمال الدين محمد بن عبد الواحد، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية.\n- فتح القدير: للشوكاني محمد بن علي، دار الفكر، بيروت.\n- قرارات المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي.","vol":"1","page":140},{"text":"- قرارات الهيئة الشرعية: مصرف الراجحي.\n- قواعد الأحكام في مصالح الأنام: للعز بن عبد السلام، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- كتب وفتاوى ورسائل ابن تيمية: مكتبة ابن تيمية، الطبعة الثانية، تحقيق عبد الرحمن بن قاسم.\n- كشاف القناع: منصور بن يونس البهوتي، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٢هـ، تحقيق هلال مصيلي.\n- كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار: أبو بكر بن محمد الحصيني الشافعي، دار الخير، دمشق، الطبعة الأولى، تحقيق علي بلطجي.\n- كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال: علاء الدين علي المتقي بن حسام الدين، مؤسسة الرسالة.\n- لسان العرب: محمد بن مكرم بن منظور، دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى.\n- مجلة مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة.\n- مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، دار الفكر، ١٤١٢هـ، عبد الله الدرويش.\n- مجموع الفتاوى: شيخ الإسلام ابن تيمية، مكتبة ابن تيمية، الطبعة الثانية، تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم النجدي.\n- مسند الإمام أحمد: أحمد بن حنبل أبو عبد الله الشيباني، مؤسسة قرطبة.\n- مسند أبي داود الطيالسي: سليمان بن داود الفارسي البصري الطيالسي، دار المعرفة.\n- مسند أبي يعلى: أحمد بن علي بن المثنى أبو يعلى، دار المأمون للتراث، حسين سليم أسد.\n- مصنف ابن أبي شيبة: أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، مكتبة الرشد، ١٤٠٩هـ، كمال يوسف الحوت.\n- مصنف عبد الرزاق الصنعاني: أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، المكتب الإسلامي، ١٤٠٣هـ، حبيب الرحمن الأعظمي.\n- مطالب أولي النهى شرح غاية المنتهى: مصطفى السيوطي الرحيباني، المكتب الإسلامي، دمشق، ١٩٦١م.\n- مواهب الجليل شرح مختصر خليل: للحطاب محمد بن عبد الله المغربي، دار الفكر، بيروت، ١٣٩٨هـ.\n- موطأ الإمام مالك: مالك بن أنس، دار إحياء التراث العربي، محمد فؤاد عبد الباقي.","vol":"1","page":141}]}