{"ً":{"ٌ":14533,"ٍ":"اللباب في تفسير الاستعاذة والبسملة وفاتحة الكتاب","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"التفاسير/اللباب في تفسير الاستعاذة والبسملة وفاتحة الكتاب - اللاحم - ط المسلم","files":["ltebfk.pdf"]},"ّ":"الكتاب: اللباب في تفسير الاستعاذة والبسملة وفاتحة الكتاب\nالمؤلف: سليمان بن إبراهيم بن عبد الله اللاحم\nالناشر: دار المسلم للنشر والتوزيع، الرياض - المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩٩ م\nعدد الصفحات: ٤٤٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2123,"ٕ":3,"ٖ":1770155804,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":2},{"title":"الباب الأول الاستعاذة والبسملة، معناهما، وأحكامهما","level":1,"page":9},{"title":"الفصل الأول الاستعاذة، معناها، وأحكامها","level":2,"page":11},{"title":"المبحث الأول صيغ الاستعاذة الصحيحة","level":3,"page":12},{"title":"الصيغة الأولى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم","level":4,"page":12},{"title":"الصيغة الثانية: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم","level":4,"page":13},{"title":"الصيغة الثالثة: أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه","level":4,"page":15},{"title":"الصيغة الرابعة: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهمزه ونفخه ونفثه","level":4,"page":15},{"title":"الصيغة الخامسة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم","level":4,"page":16},{"title":"الصيغة السادسة: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم","level":4,"page":17},{"title":"المبحث الثاني أركان الاستعاذة","level":3,"page":20},{"title":"المبحث الثالث الاستعاذة ليست بآية من القرآن الكريم","level":3,"page":26},{"title":"المبحث الرابع إعراب الاستعاذة، ومعناها","level":3,"page":27},{"title":"أ - إعرابها","level":4,"page":27},{"title":"ب - معناها","level":4,"page":28},{"title":"المبحث الخامس أحكام الاستعاذة","level":3,"page":45},{"title":"أ - مكان الاستعاذة من القراءة","level":4,"page":45},{"title":"ب - حكمها عند قراءة القرآن، في الصلاة أو خارجها","level":4,"page":51},{"title":"ج - هل يتعوذ في الصلاة في كل ركعة، أو في الركعة الأولى فقط","level":4,"page":54},{"title":"د - حكم الحهر بها، أو الإسرار","level":4,"page":57},{"title":"هـ - وأما حكم الجهر بها في الصلاة","level":4,"page":58},{"title":"المبحث السادس المواضع التي تشرع فيها الاستعاذة","level":3,"page":61},{"title":"المبحث السابع بيان أن شيطان الجن أعظم ضررا من شيطان الإنس ومن النفس «المذمومة»","level":3,"page":67},{"title":"المبحث الثامن السبيل للخلاص من شر الشيطان ومكايده","level":3,"page":72},{"title":"الفصل الثاني البسملة: معناها، وأحكامها","level":2,"page":81},{"title":"المبحث الأول لفظ البسملة، وإعرابها","level":3,"page":82},{"title":"أ - لفظها","level":4,"page":82},{"title":"ب - إعرابها","level":4,"page":82},{"title":"المبحث الثاني معنى البسملة","level":3,"page":86},{"title":"المبحث الثالث هل البسملة آية مستقلة من القرآن الكريم","level":3,"page":101},{"title":"القول الأول","level":4,"page":101},{"title":"القول الثاني","level":4,"page":104},{"title":"القول الثالث","level":4,"page":108},{"title":"القول الرابع","level":4,"page":112},{"title":"المبحث الرابع السبب في عدم كتابة البسملة في مطلع سورة براءة","level":3,"page":123},{"title":"المبحث الخامس حكم قراءة البسملة في غير الصلاة","level":3,"page":127},{"title":"المبحث السادس حكم قراءة البسملة في الصلاة","level":3,"page":130},{"title":"المبحث السابع حكم البسملة من حيث الجهر بها والإسرار، في الصلاة، أو خارجها","level":3,"page":135},{"title":"المبحث الثامن المواضع التي تشرع فيها البسملة","level":3,"page":159},{"title":"المبحث التاسع فوائد البسملة، والأحكام التي تضمنتها","level":3,"page":168},{"title":"الباب الثاني تفسير سورة الفاتحة","level":1,"page":171},{"title":"الفصل الأول تفسير سورة الفاتحة","level":2,"page":172},{"title":"المبحث الأول مكان نزول الفاتحة","level":3,"page":173},{"title":"المبحث الثاني أسماء الفاتحة","level":3,"page":176},{"title":"المبحث الثالث عدد آيات الفاتحة، وهل البسملة آية منها؟","level":3,"page":189},{"title":"المبحث الرابع فضل سورة الفاتحة","level":3,"page":191},{"title":"فائدة","level":4,"page":195},{"title":"المبحث الخامس المعاني التي اشتملن عليها سورة الفاتحة","level":3,"page":197},{"title":"المبحث السادس بيان معنى السورة والآية","level":3,"page":203},{"title":"أ- بيان معنى السورة","level":4,"page":203},{"title":"ب- بيان معنى الآية","level":4,"page":206},{"title":"المبحث السابع تفسير مفردات الفاتحة، وبيان معاني آياتها","level":3,"page":210},{"title":"﴿الحمد لله رب العالمين﴾","level":4,"page":210},{"title":"الفرق بين الحمد والشكر","level":4,"page":211},{"title":"«لله»","level":4,"page":215},{"title":"معنى (الحمد لله)","level":4,"page":215},{"title":"معنى (مالك يوم الدين)","level":4,"page":240},{"title":"﴿نعبد﴾","level":4,"page":249},{"title":"لا بد لصحة العبادة من توفر شرطين","level":4,"page":253},{"title":"﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾","level":4,"page":264},{"title":"﴿الصراط المستقيم﴾","level":4,"page":269},{"title":"﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾","level":4,"page":277},{"title":"﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾","level":4,"page":283},{"title":"﴿ولا الضالين﴾","level":4,"page":288},{"title":"المبحث الثامن ما يؤخذ من سورة الفاتحة من فوائد وأحكام","level":3,"page":296},{"title":"١ - مشروعية الابتداء في بالبسملة في الكتب والرسائل والخطب والمواعظ ونحوها تأسيا بكتاب الله تعالى","level":4,"page":296},{"title":"٢ - مشروعية حمد الله -﵎- في افتتاح الكتب والرسائل والخطب والمواعظ","level":4,"page":296},{"title":"٣ - حمد لله -تعالى- لنفسه","level":4,"page":296},{"title":"٤ - أمر الله -تعالى- عباده أن يحمدوه ويثنوا عليه ويمجدوه","level":4,"page":297},{"title":"٥ - أن الوصف الكامل مستحق لله على الدوام","level":4,"page":298},{"title":"٦ - في قوله تعالى: (الحمد لله) رد على الجبرية، الذين يقولون إن الله جبر العبد على أفعاله","level":4,"page":298},{"title":"٧ - أن الحمد لا ينبغي أن يكون إلا لمن هو أهل له","level":4,"page":298},{"title":"٨ - يؤخذ من قوله -تعالى-: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ الإقرار والاعتراف من العبد لله جل وعلا بالكمال من جميع الوجوه وبالفضل والإنعام والإحسان","level":4,"page":299},{"title":"٩ - إثبات توحيد الأسماء والصفات","level":4,"page":299},{"title":"١٠ - إثبات توحيد الإلوهية","level":4,"page":301},{"title":"١١ - إثبات توحيد الربوبية بقسميه العام لجميع الخلق","level":4,"page":302},{"title":"١٢ - إثبات علم الله تعالى الشامل","level":4,"page":304},{"title":"١٣ - إثبات أنه تعالى الأول بلا بداية","level":4,"page":304},{"title":"١٤ - أن الأحق بالاستعانة والمسألة هو اسم «الرب»","level":4,"page":304},{"title":"١٥ - في قوله: ﴿رب العالمين﴾ إشارة إلي تساوي الخلق في الربوبية العامة التي بمعني الخلق والملك والتدبير","level":4,"page":306},{"title":"١٦ - في إثبات حمده وروبيته للعالمين وتوحيد رد على من قال بقدم العالم فإن في إثبات حمده ما يقتضي ثبوت أفعاله الاختيارية","level":4,"page":307},{"title":"١٧ - في إثبات رحمته -تعالى- ورحمانيته رد على الجبرية في أن الله يعاقب العبد على ما لا قدرة له عليه","level":4,"page":307},{"title":"١٨ - إثبات يوم القيامة","level":4,"page":308},{"title":"١٩ - يؤخذ من قوله -تعالى-: ﴿مالك يوم الدين﴾ الدلالة على أن الملك الحقيقي لله جل وعلا","level":4,"page":308},{"title":"٢٠ - إثبات محاسبة الله للعباد ومجازاته لهم على أعمالهم بالعدل","level":4,"page":308},{"title":"٢١ - إثبات كتابة الأعمال وتدوينها وإحصائها","level":4,"page":309},{"title":"٢٢ - الحث على الاستعداد ليوم الدين","level":4,"page":309},{"title":"٢٣ - في تقديم قوله تعالى: ﴿الرحمن الرحيم﴾ على قوله ﴿مالك يوم الدين﴾ إشارة إلى أن رحمته تعالى سبقت غضبه","level":4,"page":309},{"title":"٢٤ - الجميع بين الترغيب والترهيب","level":4,"page":310},{"title":"٢٥ - في قول ﴿إياك﴾ رد على الملاحدة والدهرية المنكرين لوجود الله","level":4,"page":311},{"title":"٢٦ - في قوله تعالى: ﴿إياك نعبد﴾ بعد الآيات قبله انتقال من الغيبة إلى الخطاب لأجل تنبيه القارئ والمستمع","level":4,"page":311},{"title":"٢٧ - دل قوله تعالى: ﴿إياك نعبد﴾ على إثبات نوع من أنواع العبودية","level":4,"page":311},{"title":"٢٨ - وجوب إخلاص العبادة لله تعالى بجميع أنواعها اعتقادا وقولا وعملا","level":4,"page":315},{"title":"٢٩ - دل قوله تعالى: ﴿وإياك نستعين﴾ على أن العبد لا ينفك عن العبودية حتى الموت","level":4,"page":317},{"title":"٣٠ - حاجة جميع الخلق إلى عون الله -تعالى-","level":4,"page":318},{"title":"٣١ - تقديم حقه تعالى حق العبد","level":4,"page":319},{"title":"٣٢ - لما كانت عبادة الله تعالى هي أشرف مقام يصل إليه العبد","level":4,"page":319},{"title":"٣٣ - دل قوله -تعالى-: ﴿إياك نستعين﴾ على إثبات القدر","level":4,"page":319},{"title":"٣٤ - في نسبة العبادة والاستعانة إلى العباد في قوله (نعبد) ... (ونستعين) دليل على أن ذلك من فعلهم","level":4,"page":320},{"title":"٣٥ - في تقديم قوله -تعالى- ﴿الحمد لله رب العالمين﴾","level":4,"page":320},{"title":"٣٦ - وجوب دعاء الله والتضرع إليه وسؤاله الهداية","level":4,"page":323},{"title":"٣٧ - في قوله تعالى ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ رد على القدرية المجوسية","level":4,"page":323},{"title":"٣٨ - إن الهدى الحقيقي الصحيح هو ما جاء عن الله -تعالى-","level":4,"page":323},{"title":"٣٩ - مشروعية دعاء المسلم لإخوانه المسلمين","level":4,"page":324},{"title":"٤٠ - ربط الأعمال ونجاحها بأسبابها","level":4,"page":324},{"title":"٤١ - أن صراط الله والطريق الموصل إليه عدل مستقيم لا اعوجاج فيه","level":4,"page":324},{"title":"٤٢ - يؤخذ من قوله ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾","level":4,"page":324},{"title":"٤٣ - إن الصراط المستقيم الذي يسأل العبد ربه الهداية إليه هو صراط الذين أنعم عليهم بطاعته وتعالى","level":4,"page":325},{"title":"٤٤ - أن الهداية للطريق المستقيم بالإيمان بالله والعمل الصالح","level":4,"page":325},{"title":"٤٥ - في قوله تعالى","level":4,"page":326},{"title":"٤٦ - التنويه بعلو شأن المنعم عليهم وفضلهم ورفعة قدرهم","level":4,"page":327},{"title":"٤٧ - الترغيب بسلوك الطريق المستقيم","level":4,"page":327},{"title":"٤٨ - أن الطريق الحق واحد","level":4,"page":329},{"title":"٤٩ - أن الصراط تارة يضاف إلى سالكيه","level":4,"page":330},{"title":"٥٠ - وجوب الاعتراف بالنعمة لموليها ومسديها","level":4,"page":330},{"title":"٥١ - في إثبات حمده بصفات الكمال وإثبات ربوبيته وملكه","level":4,"page":330},{"title":"٥٢ - استدل الشنقيطي - ﵀ - بقوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم (٦) صراط الذين أنعمت عليهم﴾ على صحة إمامة أبي بكر الصديق - ﵁ -","level":4,"page":331},{"title":"٥٣ - إثبات كمال الصراط المستقيم","level":4,"page":331},{"title":"٥٤ - ينبغي للعبد بعد أن يسأل الله تعالى أن يهديه الصراط المستقيم","level":4,"page":332},{"title":"٥٥ - إثبات صفة الغضب - لله - كما يليق بجلاله وعظمته","level":4,"page":332},{"title":"٥٦ - ينبغي للعبد أن يسلك من الطرق أحسنها وأصلحها وأقومها","level":4,"page":333},{"title":"٥٧ - أن من أخص صفات اليهود الغضب","level":4,"page":333},{"title":"٥٨ - أن كل من سلك مسلك أحد الطائفتين شمله وصف تلك الطائفة","level":4,"page":333},{"title":"٥٩ - دل قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ وما بعده على أن الناس ينقسمون بحسب معرفة الحق والعمل به","level":4,"page":334},{"title":"٦٠ - في إسناد النعمة إلى الله تعالى","level":4,"page":334},{"title":"٦١ - بلوغ القرآن غاية الإيجاز مع الفصاحة والبيان","level":4,"page":335},{"title":"٦٢ - الترغيب في سلوك سبيل المنعم عليهم والمؤمنين","level":4,"page":336},{"title":"٦٣ - دلت السورة على إثبات النبوات ووجوب الإيمان بالكتب والرسل","level":4,"page":336},{"title":"٦٤ - تضمنت السورة الدلالة على سعة علم الله - ﷿- وخبرته وتعلق علمه بالجزئيات","level":4,"page":340},{"title":"٦٥ - اشتمل قوله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ وما بعده إلى آخر السورة على الرد على جميع طوائف الكفر والضلال","level":4,"page":341},{"title":"٦٦ - تضمنت السورة شفاء القلوب، كما تضمنت شفاء الأبدان","level":4,"page":343},{"title":"الفصل الثاني الأحكام التي تتعلق بسورة الفاتحة","level":2,"page":345},{"title":"المبحث الأول حكم قراءة الفاتحة في الصلاة","level":3,"page":346},{"title":"أولا: حكم قراءة الفاتحة في حق الإمام والمنفرد","level":4,"page":346},{"title":"ثانيا: حكم قراءة الفاتحة في حق المأموم","level":4,"page":350},{"title":"اختلف أهل العلم - ﵏ - قديما وحديثا في هذه المسألة","level":5,"page":350},{"title":"أ- السبب الأول","level":6,"page":350},{"title":"ب- السبب الثاني","level":6,"page":350},{"title":"إجمال الخلاف في هذه المسألة","level":5,"page":351},{"title":"القول الأول","level":6,"page":351},{"title":"القول الثاني","level":6,"page":371},{"title":"القول الثالث","level":6,"page":393},{"title":"أ- الاعتراضات الواردة على أدلة القول الأول بأن المأموم يقرأ الفاتحة في الصلاة السرية والجهرية","level":6,"page":399},{"title":"ب- الاعتراضات الواردة على أدلة القول الثاني أن المأموم يقرأ في الصلاة السرية دون الجهرية","level":6,"page":403},{"title":"ج- الاعتراضات الواردة على أدلة أصحاب القول الثالث: أن المأموم لا يقرأ لا في السرية، ولا في الجهرية","level":6,"page":408},{"title":"الترجيح بين الأقوال","level":6,"page":412},{"title":"بيان المشروع من السكتات في الصلاة","level":5,"page":418},{"title":"ما الذي يشرع قوله في سكتات الإمام","level":5,"page":424},{"title":"المبحث الثاني وفيه مسائل","level":3,"page":428},{"title":"أ- حكم من لم يستطيع قراءة الفاتحة في الصلاة","level":4,"page":429},{"title":"ب- حكم قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة","level":4,"page":430},{"title":"ج- حكم قراءة الفاتحة على المريض","level":4,"page":432},{"title":"د- حكم قول «آمين» بعد قراءة الفاتحة","level":4,"page":433},{"title":"هـ- حكم قراءة ما زاد على الفاتحة في الصلاة","level":4,"page":436},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":439}],"ٛ":{"1,3":2,"1,4":3,"1,5":4,"1,6":5,"1,7":6,"1,8":7,"1,9":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,22":20,"1,23":21,"1,24":22,"1,25":23,"1,26":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37,"1,40":38,"1,41":39,"1,42":40,"1,43":41,"1,44":42,"1,45":43,"1,46":44,"1,47":45,"1,48":46,"1,49":47,"1,50":48,"1,51":49,"1,52":50,"1,53":51,"1,54":52,"1,55":53,"1,56":54,"1,57":55,"1,58":56,"1,59":57,"1,60":58,"1,61":59,"1,62":60,"1,63":61,"1,64":62,"1,65":63,"1,66":64,"1,67":65,"1,68":66,"1,69":67,"1,70":68,"1,71":69,"1,72":70,"1,73":71,"1,74":72,"1,75":73,"1,76":74,"1,77":75,"1,78":76,"1,79":77,"1,80":78,"1,81":79,"1,82":80,"1,83":81,"1,84":82,"1,85":83,"1,86":84,"1,87":85,"1,88":86,"1,89":87,"1,90":88,"1,91":89,"1,92":90,"1,93":91,"1,94":92,"1,95":93,"1,96":94,"1,97":95,"1,98":96,"1,99":97,"1,100":98,"1,101":99,"1,102":100,"1,103":101,"1,104":102,"1,105":103,"1,106":104,"1,107":105,"1,108":106,"1,109":107,"1,110":108,"1,111":109,"1,112":110,"1,113":111,"1,114":112,"1,115":113,"1,116":114,"1,117":115,"1,118":116,"1,119":117,"1,120":118,"1,121":119,"1,122":120,"1,123":121,"1,124":122,"1,125":123,"1,126":124,"1,127":125,"1,128":126,"1,129":127,"1,130":128,"1,131":129,"1,132":130,"1,133":131,"1,134":132,"1,135":133,"1,136":134,"1,137":135,"1,138":136,"1,139":137,"1,140":138,"1,141":139,"1,142":140,"1,143":141,"1,144":142,"1,145":143,"1,146":144,"1,147":145,"1,148":146,"1,149":147,"1,150":148,"1,151":149,"1,152":150,"1,153":151,"1,154":152,"1,155":153,"1,156":154,"1,157":155,"1,158":156,"1,159":157,"1,160":158,"1,161":159,"1,162":160,"1,163":161,"1,164":162,"1,165":163,"1,166":164,"1,167":165,"1,168":166,"1,169":167,"1,170":168,"1,171":169,"1,172":170,"1,173":171,"1,175":172,"1,176":173,"1,177":174,"1,178":175,"1,179":176,"1,180":177,"1,181":178,"1,182":179,"1,183":180,"1,184":181,"1,185":182,"1,186":183,"1,187":184,"1,188":185,"1,189":186,"1,190":187,"1,191":188,"1,192":189,"1,193":190,"1,194":191,"1,195":192,"1,196":193,"1,197":194,"1,198":195,"1,199":196,"1,200":197,"1,201":198,"1,202":199,"1,203":200,"1,204":201,"1,205":202,"1,206":203,"1,207":204,"1,208":205,"1,209":206,"1,210":207,"1,211":208,"1,212":209,"1,213":210,"1,214":211,"1,215":212,"1,216":213,"1,217":214,"1,218":215,"1,219":216,"1,220":217,"1,221":218,"1,222":219,"1,223":220,"1,224":221,"1,225":222,"1,226":223,"1,227":224,"1,228":225,"1,229":226,"1,230":227,"1,231":228,"1,232":229,"1,233":230,"1,234":231,"1,235":232,"1,236":233,"1,237":234,"1,238":235,"1,239":236,"1,240":237,"1,241":238,"1,242":239,"1,243":240,"1,244":241,"1,245":242,"1,246":243,"1,247":244,"1,248":245,"1,249":246,"1,250":247,"1,251":248,"1,252":249,"1,253":250,"1,254":251,"1,255":252,"1,256":253,"1,257":254,"1,258":255,"1,259":256,"1,260":257,"1,261":258,"1,262":259,"1,263":260,"1,264":261,"1,265":262,"1,266":263,"1,267":264,"1,268":265,"1,269":266,"1,270":267,"1,271":268,"1,272":269,"1,273":270,"1,274":271,"1,275":272,"1,276":273,"1,277":274,"1,278":275,"1,279":276,"1,280":277,"1,281":278,"1,282":279,"1,283":280,"1,284":281,"1,285":282,"1,286":283,"1,287":284,"1,288":285,"1,289":286,"1,290":287,"1,291":288,"1,292":289,"1,293":290,"1,294":291,"1,295":292,"1,296":293,"1,297":294,"1,298":295,"1,299":296,"1,300":297,"1,301":298,"1,302":299,"1,303":300,"1,304":301,"1,305":302,"1,306":303,"1,307":304,"1,308":305,"1,309":306,"1,310":307,"1,311":308,"1,312":309,"1,313":310,"1,314":311,"1,315":312,"1,316":313,"1,317":314,"1,318":315,"1,319":316,"1,320":317,"1,321":318,"1,322":319,"1,323":320,"1,324":321,"1,325":322,"1,326":323,"1,327":324,"1,328":325,"1,329":326,"1,330":327,"1,331":328,"1,332":329,"1,333":330,"1,334":331,"1,335":332,"1,336":333,"1,337":334,"1,338":335,"1,339":336,"1,340":337,"1,341":338,"1,342":339,"1,343":340,"1,344":341,"1,345":342,"1,346":343,"1,347":344,"1,349":345,"1,350":346,"1,351":347,"1,352":348,"1,353":349,"1,354":350,"1,355":351,"1,356":352,"1,357":353,"1,358":354,"1,359":355,"1,360":356,"1,361":357,"1,362":358,"1,363":359,"1,364":360,"1,365":361,"1,366":362,"1,367":363,"1,368":364,"1,369":365,"1,370":366,"1,371":367,"1,372":368,"1,373":369,"1,374":370,"1,375":371,"1,376":372,"1,377":373,"1,378":374,"1,379":375,"1,380":376,"1,381":377,"1,382":378,"1,383":379,"1,384":380,"1,385":381,"1,386":382,"1,387":383,"1,388":384,"1,389":385,"1,390":386,"1,391":387,"1,392":388,"1,393":389,"1,394":390,"1,395":391,"1,396":392,"1,397":393,"1,398":394,"1,399":395,"1,400":396,"1,401":397,"1,402":398,"1,403":399,"1,404":400,"1,405":401,"1,406":402,"1,407":403,"1,408":404,"1,409":405,"1,410":406,"1,411":407,"1,412":408,"1,413":409,"1,414":410,"1,415":411,"1,416":412,"1,417":413,"1,418":414,"1,419":415,"1,420":416,"1,421":417,"1,422":418,"1,423":419,"1,424":420,"1,425":421,"1,426":422,"1,427":423,"1,428":424,"1,429":425,"1,430":426,"1,431":427,"1,432":428,"1,434":429,"1,435":430,"1,436":431,"1,437":432,"1,438":433,"1,439":434,"1,440":435,"1,441":436,"1,442":437,"1,443":438,"1,444":439,"1,445":440,"1,446":441},"ٜ":{"1":[3,446]},"ٝ":[null,"1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446"],"ٞ":{"2":[1],"9":[2],"11":[3],"12":[4,5],"13":[6],"15":[7,8],"16":[9],"17":[10],"20":[11],"26":[12],"27":[13,14],"28":[15],"45":[16,17],"51":[18],"54":[19],"57":[20],"58":[21],"61":[22],"67":[23],"72":[24],"81":[25],"82":[26,27,28],"86":[29],"101":[30,31],"104":[32],"108":[33],"112":[34],"123":[35],"127":[36],"130":[37],"135":[38],"159":[39],"168":[40],"171":[41],"172":[42],"173":[43],"176":[44],"189":[45],"191":[46],"195":[47],"197":[48],"203":[49,50],"206":[51],"210":[52,53],"211":[54],"215":[55,56],"240":[57],"249":[58],"253":[59],"264":[60],"269":[61],"277":[62],"283":[63],"288":[64],"296":[65,66,67,68],"297":[69],"298":[70,71,72],"299":[73,74],"301":[75],"302":[76],"304":[77,78,79],"306":[80],"307":[81,82],"308":[83,84,85],"309":[86,87,88],"310":[89],"311":[90,91,92],"315":[93],"317":[94],"318":[95],"319":[96,97,98],"320":[99,100],"323":[101,102,103],"324":[104,105,106,107],"325":[108,109],"326":[110],"327":[111,112],"329":[113],"330":[114,115,116],"331":[117,118],"332":[119,120],"333":[121,122,123],"334":[124,125],"335":[126],"336":[127,128],"340":[129],"341":[130],"343":[131],"345":[132],"346":[133,134],"350":[135,136,137,138],"351":[139,140],"371":[141],"393":[142],"399":[143],"403":[144],"408":[145],"412":[146],"418":[147],"424":[148],"428":[149],"429":[150],"430":[151],"432":[152],"433":[153],"436":[154],"439":[155]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"اللّبَاب\nفِي تَفْسِير الإستعاذة والبسملة وفاتحة الْكتاب\n\nتأليف\nالدكتور سُلَيْمَان بن إِبْرَاهِيم اللاحم\n\nدَار الْمُسلم للنشر والتوزيع","vol":"1","page":null},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nالحمد لله الذي أمر بالاستعاذة عند قراءة القرآن، فقال﷿ ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١). والحمد لله الذي افتتح كتابه بالحمد فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وحمد نفسه على إنزاله، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ (٢). وافتتح سوره سورة سورة بقوله- تعالى- ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ سوى سورة براءة، لما له في ذلك من الحكمة ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ (٣).\nأحمده-تعالى - على أن هدانا للإسلام، وخصنا بالقرآن، وجعلنا من خير أمة أخرجت للناس.\nفلك الحمد ربي بالإيمان، ولك الحمد بالقرآن، ولك الحمد بإرسال محمد - ﷺ - خير الأنام، ولك الحمد على نعمك التي لا تحصى على الدوام.\nولك الحمد على أن وفقت خلاصة من العباد، نذروا أنفسهم وأوقاتهم لخدمة هذا القرآن حفظًا وتجويدًا، وتعلمًا وتعليمًا، ودراسة\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ٩٨.\n(٢) سورة الكهف: الآية: ١.\n(٣) سورة الزخرف، الآية: ٨٤.","vol":"1","page":3},{"text":"وتفسيرًا، واستخراجًا لما فيه من الهداية، وبيان العقائد والأحكام، والحلال والحرام، ولما اشتمل عليه من الأخلاق والآداب والمواعظ الجسام. ينفون عنه انتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.\nكل ذلك تحقيقًا لوعدك، حيث قلت، وقولك الحق: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (١).\nوصلى الله وسلم، وبارك على المعلم الأول أفضل الحامدين، وخيرة الشاكرين، وسيد الخلق أجمعين، نبينا محمد الذي أنزل الله عليه هذا الكتاب ليخرج الناس به من الظلمات إلى النور. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٢).\nفقام به - ﷺ - حتى تفطرت قدماه (٣)، وأقرأه أمته وبلبغهم إياه، وعلمهم ما فيه من الهداية والأحكام، وأوصاهم قبل وفاته - ﷺ - بقوله: «إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا\n_________\n(١) سورة الحجر، الآية: (٩).\n(٢) سورة إبراهيم، الآية: ١.\n(٣) أخرج مسلم في صفات المنافقين وأحكامهم - حديث (٢٨٢٠) عن عائشة قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا صلى قام حتى تفطر رجلاه. قالت عائشة: يا رسول الله أتصنع هذا، وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «يا عائشة أفلا أكون عبدًا شكورا»، وأخرج البخاري معلقًا _في التهجد قول عائشة فقط بلفظ «كان يقوم حتى تفطر قدماه» وأخرجا نحوه من حديث المغيرة بن شعبة عند البخاري حديث ١١٣٠، وعند مسلم حديث ٢٨١٩.","vol":"1","page":4},{"text":"به. . . ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي. . .» الحديث (١). فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير ما يجزى نبيًا عن أمته، فقد بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين، فعليه من الله أزكى الصلاة، وأتم التسليم.\nورضي الله عن صحابته الكرام، الذين كانوا إذا تعلموا عشر آيات من القرآن لم يتجاوزها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، فتعلموا القرآن والعلم والعمل جميعًا (٢)، تعلموه، وعملوا بما فيه، وعلموه من بعدهم، ونقلوه بحروفه ومعانيه وأحكامه إلى أقطار الدنيا كلها، فرضي الله عنهم، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خيرًا.\nورحم الله من جاء بعدهم، من سلف هذه الأمة من التابعين وتابعيهم، ومن تبعهم، الذين قاموا بخدمة هذا الكتاب، بما دونوا من مؤلفات فيها بيان معانيه وأحكامه، وحلاله وحرامه، وناسخه\nومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، وأسباب نزوله، ومكيه ومدنيه وسائر علومه فرحمهم الله، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خيرًا.\nوعم بالرحمة كل من رفع بهذا الكتاب رأسا، أو قدم له خدمة، مبتغيًا بذلك وجه الله والدار الآخرة وبعد:\n_________\n(١) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة - فضائل علي بن أبي طالب - ﵁ - حديث (٢٤٠٨)\n(٢) أخرج هذا الطبري من حديث ابن مسعود، وأبي عبد الرحمن السلمي بإسنادين صحيحين _الأثرين (٨١)، (٨٢).","vol":"1","page":5},{"text":"فإن الاشتغال بعلم كتاب الله- تعالى- هو أجل عمل وأشرفه، وأرفعه مترلة، كما قال - ﷺ - في الحديث الصحيح الذي رواه عثمان بن عفان - ﵁ -: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» رواه البخاري (١).\nولا شك أن الهمم قد قصرت، والموانع من اللحاق بأهل العزم قد كثرت. حتى أصبح ما نقرأه في سير علمائنا السابقين وما قاموا به من جهود في التعليم والتأليف أشبه شيء بالخيال - ﵏ - رحمة واسعة وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خيرًا، ونظمنا في سلكهم، ولو بالتشبه بأولئك الأماجد الأخيار، وكما قيل:\nفتشبهوا إ ن لم تكونوا مثلهم ... إن التشبه بالكرام فلاح\n\n«وما لا يدرك جله لا يترك كله».\nولقد كان من أهم الأسباب التي دعتني إلى الكتابة في هذا الموضوع ما يلي:\nأولًا: أن الاستعاذة عند والبسملة هما المدخل لكتاب الله - تعالى- فقد أمر - تعالى - بالاستعاذة عند قراءة القرآن، وافتتح سوره كلها سوى براءة بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، فيشرع للمسلم أن يفتتح قراءته بهما، في الصلاة أو خارجها، وأن يعرف معناهما وأحكامهما.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في فضائل القرآن - باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه. الحديث ٥٠٢٧.","vol":"1","page":6},{"text":"ثانيًا: أنني رأيت كلام أهل العلم - ﵏ - على الاستعاذة والبسملة والفاتحة مفرقًا في كتب التفسير والقراءات، وكتب الحديث والفقه والأحكام، لا يجمعه كتاب على وجه تتم به الفائدة، لا من كتب التفسير، ولا من غيرها.\nثالثًا: أن سورة الفاتحة: افتتح الله بها كتابه العزيز، وهي أعظم وأفضل سورة في القرآن الكريم.\nرابعًا: أن هذه السورة تحوي من المعاني والفوائد والأحكام الشيء الكثير، وقد جاء في الأثر أنها تتضمن جميع معاني القرآن الكريم، وبهذا قال بعض أهل العلم كما سيأتي بيانه. ولهذا أفردها بعض أهل العلم بالتأليف كابن القيم في كتابه القيم «مدارج السالكين بيين منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾» وناهيك به من كتاب، كما خصصها جمع من المفسرين بجزء كبير من تفسيره كالرازي مثلا فقد تكلم عليها في مجلد كبير من تفسيره، وكذا أطال الكلام في تفسيرها إمام المفسرين الطبري والحافظ ابن كثير وشيخنا عبد الرحمن الدوسري﵏ جميعًا-.\nخامسًا: أن هذه السورة مما يجب على كل مسلم تعلمها وفهم معانيها إذ عليها مدار صحة الصلاة وبطلانها.\nفأردت بهذا العمل أن أجمع شتات كلام أهل العلم - على الاستعاذة والبسملة والفاتحة، وذلك حسب الإمكان راجيًا أن يكون هذا البحث بمثابة مدخل لتفسير كتاب الله -تعالى.","vol":"1","page":7},{"text":"وقد سميت هذا الكتاب: اللباب في تفسير الاستعاذة، والبسملة، وفاتحة الكتاب وبيان ما اشتمل عليه كل منها من المعاني والفوائد والأحكام.\nوقد قسمت الكلام إلى بابين:\nالباب الأول: الاستعاذة والبسملة - معناهما، وأحكامها- وفيه فصلان:\nأ- الفصل الأول الاستعاذة - معناها - وأحكامها - وفيه ثمانية مباحث.\nب- الفصل الثاني: البسملة معناها - وأحكامها- وفيه تسعة مباحث.\nالباب الثاني: تفسير سورة الفاتحة، معناها، وأحكامها وفيه فصلان:\nالفصل الأول: تفسير سورة الفاتحة وبيان ما فيها من المعاني والفوائد والأحكام.\nالفصل الثاني: الأحكام التي تتعلق بسورة الفاتحة وفيه مبحثان.\nوقد حرصت على أن أقدم للقارئ خلاصة لأصح ما جاء عن أهل العلم والتحقيق في تفسير الاستعاذة والبسملة (١) وهذه السورة العظيمة،\n_________\n(١) ذكر ابن عبد البر في «الاستذكار» ١٥٣:٢، أنه صنف كتابًا سماه «كتاب الأنصاف فيما بين المختلفين في بسم الله الرحمن الرحيم من الخلاف». وممن أفرد البسملة بالتأليف ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني والخطيب وابن طاهر وابن عبد الهادي وأبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي والرازي والقرطبي وابن كثير وغيرهم. انظر: «صحيح ابن خزيمة» ١: ٢٤٩ - ٢٥٠ «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ١: ٩٥ «نصب الراية» ١: ٣٣٥.\n«تفسير ابن كثير» ٣: ٣١٩ طبعة دار الشعب.","vol":"1","page":8},{"text":"سورة الفاتحة. وبذلت في ذلك جهدي وطاقتي، مع قلة البضاعة وكثرة المشاغل والعوائق.\nوقد اعتمدت اعتمادًا كبيرًا على كتب المحققين من علمائنا - ﵏ - سواء في التفسير أو غيره، وخاصة كتاب «مدارج السالكين» للإمام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى - فقد اعتمدت عليه اعتمادًا كبيرًا - خاصة في الكلام على سورة الفاتحة، ونقلت عنه في كثير من المواضع، لأنني لم أجد من تكلم عن هذه السورة بمثل كلامه- رحمه الله تعالى-، وقد أشفقت أن أختصر كلامه أحيانًا فتجيء عبارتي قاصرة عن الوفاء بمضمون كلامه الذي هو في غاية الدقة والتحقيق وحسبي أني أحلت إليه.\nوالله أسأل أن يرزقني وجميع إخواني المسلمين الإخلاص في القول والعمل إنه جواد كريم بر رؤوف رحيم.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>الباب الأول\nالاستعاذة والبسملة، معناهما، وأحكامهما</span>\nوفيه فصلان:\nالفصل الأول: الاستعاذة، معناها، وأحكامها وفيه ثمانية مباحث\nالفصل الثاني: البسملة، معناها، وأحكامها وفيه تسعة مباحث","vol":"1","page":11},{"text":"قال الله تعالى:\n﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم﴾ سورة النحل، الآية: ٩٨\n\nأعوذ بالله من الشيطان الرجيم","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الفصل الأول\nالاستعاذة، معناها، وأحكامها</span>\nوفيه ثمانية مباحث:\nالمبحث الأول: صيغ الاستعاذة الصحيحة.\nالمبحث الثاني: أركان الاستعاذة.\nالمبحث الثالث: الاستعاذة ليست بآية من القرآن.\nالمبحث الرابع: إعراب الاستعاذة ومعناها.\nأ - إعرابها.\nب - معناها.\nالمبحث الخامس: أحكام الاستعاذة.\nأ - مكان الاستعاذة من القراءة.\nب - حكمها عند قراءة القرآن في الصلاة أو خارجها.\nج - هل يتعوذ في الصلاة في كل ركعة، أو في الركعة الأولى فقط.\nد - حكم الجهر بها أو الإسرار.\nالمبحث السادس: المواضع التي تشرع فيها الاستعاذة.\nالمبحث السابع: بيان أن شيطان الجن أعظم ضررًا من شيطان الإنس، ومن النفس «المذمومة».\nالمبحث الثامن: السبيل للخلاص من شر الشيطان ومكايده.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>المبحث الأول\nصيغ الاستعاذة الصحيحة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>الصيغة الأولى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم</span>.\nوعلى هذا اللفظ دل الكتاب والسنة.\nقال الله - تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١).\nوعن سليمان ين صرد - ﵁ - قال: استبَّ رجلان عند النبي - ﷺ - ونحن عنده جلوس، وأحدهما يسب صاحبه، مغضبا، قد احمر وجهه،.فقال النبي - ﷺ - «إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي - ﷺ - فقال: إني لست بمجنون» متفق عليه (٢).\nوهذه الصيغة هي المختارة عند أكثر القراء (٣).\nمنهم: أبو عمرو البصري، وعاصم بن أبي النجود الكوفي، وعبد الله ابن كثير المكي (٤). وبها كان يتعوذ جمهور السلف من الصحابة والتابعين\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: (٩٨). انظر «الكشف عن وجوه القراءات السبع» ١:٨ - ٩.\n(٢) أخرجه البخاري- في الأدب- باب الحذر من الغضب - حديث ٦١١٥، ومسلم- في البر- باب فضل من يملك نفسه عند الغضب- حديث ٢٦١٠.\n(٣) انظر «النشر» ١: ٢٤٣.\n(٤) انظر «المبسوط» ١: ١٣، «غرائب القرآن» للنيسابوري ١: ١٥، «مجمع البيان» ١: ١٨","vol":"1","page":14},{"text":"منهم: عمر بن الخطاب وابنه عبد الله بن عمر (١) -﵄-.\nوهي اختيار: أبي حنيفة (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد بن حنبل (٤) - ﵏.\nقال مكي بن أبي طالب القيسي في كتابه «الكشف عن وجوه القراءات السبع (٥)»: «الذي عليه العمل وهو الاختيار أن يقول القاراء: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. للآية». وقال ابن عطية في «تفسيره» (٦): «وأما لفظ الاستعاذة، فالذي عليه جمهور الناس، هو لفظ كتاب الله - تعالى: ﴿أعوذ بالله من الشيطان الرجيم﴾».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>الصيغة الثانية: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم</span>.\nيدل على هذا اللفظ، ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - في دعاء الرسول - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة في الليل، وفيه:\n_________\n(١) أخرجها عن عمر- ابن أبي شيبة - في الصلاة - في التعوذ كيف هو قبل القراءة أو بعدها (١): (٢٣٧)، والبيهقي في الصلاة، باب التعوذ بعد الافتتاح (٢): ٣٦. وأخرجها عن عبد الله ابن عمر ابن أبي شيبة في الموضع نفسه.\n(٢) انظر «فتح القدير» لابن الهمام ١: ٢٩١، «النشر» ١: (٢٤٣).\n(٣) انظر «الأم» ١: ١٠٧، «أحكام القرآن» للشافعي (١): (٦٢)، «المهذب» للشيرازي ا: (٧٩)، «التبيان» للنووي ص٦٤، «تفسير ابن كثير» ١: ٢٤٣.\n(٤) انظر «المغني» (٢): (١٤٦)، «إغاثة اللهفان» (١): (١٥٣)، «النشر» (١): (٢٤٣).\n(٥) (١): (٨)، وانظر أيضًا «التبصرة» لمكي ص٢٤٦، «الإقناع في القراءات السبع» ١٥١:١.\n(٦) ١: (٤٨)، «وانظر الجامع لأحكام القرآن» (١): (٨٦)، «النشر» (١): ٢٤٣ - (٢٤٦)، «المهذب في القراءات العشر» ١: ٣٠.","vol":"1","page":15},{"text":"ثم يقول: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم - الحديث وسيأتي بتمامه» (١).\nكما استدل له بقوله - تعالى -: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢)\nوبقوله- تعالى-: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣).\nوهي اختيار طائفة من القراء (٤) منهم حمزة (٥)، وسهل بن أبي حاتم (٦)، وهي مروية عن عمر بن الخطاب - ﵁ - (٧) - وبها يقول الحسن البصري (٨)\nومحمد بن سيرين (٩)، والحسن بن صالح (١٠)، والشافعي (١١)، وأحمد بن حنبل، في رواية النيسابوري (١٢).\n_________\n(١) انظر: الصيغة الثالثة.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٠.\n(٣) سورة فصلت، الآية: (٣٦).\n(٤) انظر «التبيان» للنووي ص (٦٤).\n(٥) انظر «الإقناع في القراءات» (١): (١٥٠) - (١٥١)، «إغاثة اللهفان» ١: ١٥٣.\n(٦) انظر «غرائب القرآن» (١): (١٥)، «النشر» (١): (٢٤٩).\n(٧) أخرجها عن عمر ابن أبي شيبة - في الصلاة - التعوذ كيف هو (١): (٢٣٧).\n(٨) أخرجها عن الحسن عبد الرزاق - في الصلاة - متى يستعيذ، الأثر (٢٥٩١)، ́ وابن حزم\n\nفي «المحلى» (٣): (٢٤٩).\n(٩) انظر «إغاثة اللهفان» ١: ١٥٣.\n(١٠) انظر «المجموع» ٣: ٣٢٥.\n(١١) انظر «أحكام القرآن» للشافعي (١): (٦٢)، «المجموع» ٣: ٣٢٣.\n(١٢) انظر «مسائل الإمام أحمد» للنيسابوري ص٥٠ فقرة (٢٣٨)، «المغني» (٢): (١٤٦)، «إغاثة اللهفان» ١: ١٥٣.","vol":"1","page":16},{"text":"قال أبو عمرو الداني في جامعه: «إن على استعماله عامة أهل الأداء، من أهل الحرمين، والعراقيين، والشام» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>الصيغة الثالثة: أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه</span>.\nيدل على هذا اللفظ، ما رواه أبو سعيد الخدري - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر، ثم يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: «أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه» (٢).\nوقد خصها بعض أهل العلم بقيام الليل لحديث أبي سعيد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>الصيغة الرابعة: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهمزه ونفخه ونفثه</span>.\n_________\n(١) «النشر» ١: ٢٤٩.\n(٢) أخرجه أحمد (٣): (٥٠)، وأبو داود - في الصلاة - باب من رأى الاستفتاح بسبحانك اللهم وبحمدك - حديث ٧٧٥، والترمذي- في أبواب الصلاة- باب ما يقول عند افتتاح الصلاة - حديث (٢٤٢) - قال الترمذي «وحديث أبي سعيد أشهر حديث في هذا الباب» والنسائي في الصلاة - باب نوع آخر من الذكر بعد افتتاح الصلاة ٢: ١٣٢، وابن ماجه في الإقامة الحديث (٨٠٤). وصححه أحمد شاكر في تحقيق سنن الترمذي ١١:٢، والألباني في «صحيح سنن أبي داود» حديث (٧٠١)، وحسنه الأرناؤوط في تحقيقه لزاد المعاد (١): (٢٠٥). وقد أخرج هذا الحديث من حديث عائشة أبو داود - الحديث (٧٧٦)، والترمذي - الحديث ٢٤٣، وابن ماجه في الإقامة الحديث (٨٠٦)، والدارقطني (١): (١١٢)، والحاكم ١: (٢٣٥) ورجاله ثقات فالحديث صحيح.","vol":"1","page":17},{"text":"يدل على ما راوه عبد الله بن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم، وهمزه ونفخه ونفثه» (١).\nوهي مروية عن بعض أهل العلم، منهم الحسن البصري (٢)، وإسحاق بن راهويه (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>الصيغة الخامسة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم </span>(٤).\nجمعًا بين أدلة الصيغة الأولى، وأدلة الصيغة الثانية والثالثة.\nوبها قرأ نافع وابن عامر والكسائي (٥)، وهي مروية عن حمزة وعن أبي عمرو وقد رُويت عن عمر بن الخطاب - ﵁ - ومحمد بن سيرين (٦)\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه - في إقامة الصلاة- باب الاستعاذة في الصلاة - حديث (٨٠٨)، وأبن خزيمة- في الصلاة- باب الاستعاذة في الصلاة قبل القراءة حديث (٤٧٢). وصححه الألباني في «صحيح سنن ابن ماجه» حديث (٦٥٨). وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف - في الصلاة - التعوذ كيف هو (١): (٢٣٨).\n(٢) أخرجها عن الحسن عبد الرزاق في الصلاة- باب الاستعاذة في الصلاة، الأثر٢٥٨٠.\n(٣) انظر «إغاثة اللهفان» ١: ١٥٤.\nوقد أخرج عبد الرزاق في الموضع السابق، الأثر ٢٥٧٧، وابن حزم في «المحلي» ٢٤٩:٣ عن ابن عمر أنه كان يقول: «للهم أعوذ بك من الشيطان الرجيم».\n(٤) انظر «غرائب القرآن» (١): (١٥)، «إغاثة اللهفان» (١): (١٥٤).\n(٥) انظر «الإقناع في القراءات السبع» (١): (١٥٠)، «المبسوط» (١): (١٣)، «مجمع البيان»\n(١): ١٨، «النشر» ١: ٢٥٠.\n(٦) انظر «النشر» ١: ١٠.","vol":"1","page":18},{"text":"وهي اختيار سفيان الثوري (١) والأوزاعي (٢)، ومسلم بن يسار (٣)، وأحمد في رواية، اختارها القاضي أبو يعلى، وابن عقيل (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>الصيغة السادسة: أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم، من الشيطان الرجيم</span>.\nلما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - عن النبي - ﷺ - أنه كان إذا دخل المسجد قال: «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم» (٥).\nوهناك صيغ أخرى رويت عن بعض القراء، وبعض أهل العلم.\nمنها: أعوذ بالله العظيم، من الشيطان الرجيم (٦).\nومنها: أعوذ بالله العظيم، السميع العليم، من الشيطان الرجيم (٧).\nومنها: أعوذ بالله العظيم، من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع\n_________\n(١) انظر «التفسير الكبير» ١: (٦١)، «المجموع» ٣: ٣٣٥، «إغاثة اللهفان» (١): (١٥٤)، «تفسير ابن كثير» ١: ٣٢، «النشر» ١: (٢٥٠).\n(٢) انظر «التفسير الكبير» ٦١:١، «لباب التأويل» ١: (١٠)، «تفسير ابن كثير» ١: (٣٢).\n(٣) أخرجها عنه ابن أبي شيبة في المصنف في الصلاة- في التعوذ كيف هو (١): ٢٣٧، وانظر «إغاثة اللهفان» (١): (١٥٤)، «النشر» (٢) ٥٠.\n(٤) انظر «المغني» (٢): (١٤٦)، «إغاثة اللهفان» ١٥٢:١، ١٥٤.\n(٥) أخرجه أبو داود في الصلاة - الحديث ٤٤١ وصححه الألباني. وانظر «النشر» ٢٥١:١.\n(٦) ذكرها ابن الباذش في «لإقناع في القراءات السبع» ١٤٩:١، وقال: «هي رواية أهل مصر عن ورش فيما ذكر الأهوازي». وانظر «النشر» ٢٤٩:١.\n(٧) رواها هبيرة عن حفص فيما ذكر ابن الباذش في «الإقناع» ١٥٠:١، وانظر «المبسوط» ١٣:١.","vol":"1","page":19},{"text":"العليم (١).\nومنها: أعوذ بالله السميع العليم، من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم (٢).\nومنها: أستعيذ بالله، أو نستعيذ بالله، من الشيطان الرجيم (٣).\nومنها: أعوذ بالله القوي، من الشيطان الغوي (٤).\nومنها: أعوذ بالله المجيد، من الشيطان المريد (٥).\nومنها أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأستفتح الله وهو خير الفاتحين (٦).\nومنها أعوذ بالله السميع، الرحمن الرحيم، من الشيطان الرجيم، وأعوذ بك رب أن يحضرون، أو يدخلوا بيتي الذي يؤويني (٧).\nومنها: رب أعوذ بك من همزات الشيطان، وأعوذ بك رب أن\n_________\n(١) انظر «النشر» ٢٥٠:١.\n(٢) انظر «المجموع» ٣٢٥:٣.\n(٣) نسبت لحمزة الزيات ومحمد بن سيرين. انظر «المبسوط» ١٣:١، «مجمع البيان» ١٨:١، «غرائب القرآن» للنيسابوري ١٥:١، وقد نفى ابن الجزري صحتها عن حمزة. انظر «النشر» ٢٤٦:١.\n(٤) قال ابن الباذش في «الإقناع» ١٥١:١ «اختارها بعضهم لجميع القراء».\n(٥) انظر «تفسير ابن عطية» ٤٩:١.\n(٦) انظر «النشر» ٢٥١:١.\n(٧) أخرجها عبد الرازق عن عطاء- في الصلاة- باب الاستعاذة في الصلاة- حديث ٢٥٧٤.","vol":"1","page":20},{"text":"يحضرون، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم (١).\nومنها: أعوذ بالله السميع العليم من همزات الشياطين، وأعوذ بالله أن يحضرون (٢).\nوهذه الصيغ وإن رويت عن بعض السلف، فإن أقل أحوالها الجواز، وما صح عن المصطفى - ﷺ - هو الأولى بالأتباع.\n* * *\n_________\n(١) أخرجها عبد الرزاق - في الصلاة - باب الاستعاذة في الصلاة - حديث ٢٥٧٨ من طاووس.\n(٢) أخرجها ابن أبي شيبة في الصلاة - في التعوذ كيف هو، ٢٣٨:١عن محمد بن سيرين.","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>المبحث الثاني\nأركان الاستعاذة</span>\nتتكون الاستعاذة - كما يقول بعض أهل العلم (١) - من خمسة أركان هي:\nأ- صيغة الاستعاذة ولفظها، وقد تقدم.\nب- المستعيذ، وهي المؤمن الذي رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد - ﷺ - نبيًا ورسولًا، ونطق بالاستعاذة، وواطأ عنده القلب اللسان، فأيقن أن هذه الاستعاذة تحميه، بإذن الله بن الشيطان الرجيم.\nج - المستعاذ به وهو الله - جل وعلا - الذي من استعاذ به أعاذه، وأجاره وعصمه، وحفظه وحماه، كما أعاذ مريم ابنة عمران وذريتها وعصمها بسبب دعاء والدتها امرأة عمران وإعاذتها إياها بالله من الشيطان الرجيم، كما ذكر الله عنها أنها قالت:\n﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما\n_________\n(١) انظر «التفسير الكبير» ٧١:١، «غرائب القرآن» ١٦:١.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ٣٦ - ٣٧.","vol":"1","page":22},{"text":"من مولود يولد إلا نخسه الشيطان، فيستهل صارخا إلا ابن مريم وأمه» (١).\nفالاستعاذة إنما تكون بالله - جل وعلا -، وأسمائه الحسنى، وصفاته العليا، وكلماته التامة، التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر.\nوأكثر ما ورد في القرآن الاستعاذة باسمه - تعالى. «الله».\nقال الله - تعالى-: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٢)\nوقال - تعالى-: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمُ﴾ (٣).\nوقال - تعالى-: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٤)\nوقال- تعالى-: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ (٥)\nوقال موسى - ﵇ - فيما ذكر الله عنه: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ\n_________\n(١) أخرجه- مسلم- في الضائل- باب فضائل عيسى - ﵇ - حديث ٢٣٦٦، وأحمد ٢٣٣:٢.\n(٢) سورة النحل، الآية: ٩٨.\n(٣) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٠.\n(٤) سورة فصلت، الآية: ٣٦.\n(٥) سورة غافر، الآية: ٥٦.","vol":"1","page":23},{"text":"مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (١)\nوقال يوسف - ﵇ - ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ (٢). أي عياذًا بالله.\nكما وردت الاستعاذة كثيرًا باسمه- تعالى-: «الرب».\nقال الله -تعالى-: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾.\nوقال موسى - ﵇ -: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ (٣).\nوقال - ﵇ -: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ (٤).\nأو بمضمر يعود على الرب:\nقال -تعالى-: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ (٥).\nوقال نوح - ﵇ -: ﴿رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ (٦)\nوقالت امرأة عمران: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٦٧.\n(٢) سورة يوسف، الآية: ٢٣، ٧٩.\n(٣) سورة غافر، الآية: ٢٧.\n(٤) سورة الدخان، الآية: ٢٠.\n(٥) سورة المؤمنون، الآية: ٩٧ - ٩٨.\n(٦) سورة هود، الآية: ٤٧.","vol":"1","page":24},{"text":"الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١)\nووردت الاستعاذة باسمه الرحمن مرة واحدة. قال الله- تعالى- عن مريم - ﵍-: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ (٢).\nوفي الحديث «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» (٣).\n«أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وبرأ وذرأ» الحديث (٤).\nولا تصح الاستعاذه بغير الله، فيما لا يقدر عليه إلا الله، لأن الاستعاذة بالمخلوق في أمر لا يقدر عليه إلا الله لا تدفع شرًا، ولا تجلب خيرًا، بل مما يزيد المستعيد خوفًا ورهقًا. قال -تعالى- في سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (٥).\nد- الركن الرابع من أركان الاستعاذة: المستعاذ منه، وهو الشيطان الرجيم، أعاذنا الله منه.\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ٣٦.\n(٢) سورة مريم، الآية: (١٨).\n(٣) سيأتي تخريجه في المواضع التي تشرع فيها الاستعاذة في المبحث السادس من هذا الفصل.\n(٤) أخرجه الإمام أحمد ٤١٩:٣.\n(٥) سورة الجن، الآية: (٦)، انظر «التفسير القيم» ص (٥٤٢).","vol":"1","page":25},{"text":"هـ - الركن الخامس من أركانها: المطلب الذي من أجله يستعيذ المسلم، وهو السلامة في دينه وديناه، من الشيطان ووسوسته ومكايده وجميع شروره.\nقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ (١).\nوقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ (٢)\nوقال - ﷺ - «اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشركه، وأن أقترف على نفسي سوءًا، أو أجره إلى مسلم» (٣)\nقال ابن القيم في «إغاثة اللهفان» (٤) بعد أ، ذكر هذا الحديث: «فتضمن هذا الحديث الشريف، الاستعاذة من الشر وأسبابه، وغايته، فإن الشر كله، إما أ، يصدر من النفس، أو من الشيطان، وغايته: إما أن يعود على العامل أو على أخيه المسلم ..»\n_________\n(١) سورة الناس، الآية: ٤١.\n(٢) سورة المؤمنون، الآية: ٩٧ - ٩٨\n(٣) سيأتي تخريجه بتمامه في المواضع التي تشرع فيها الاستعاذة في المبحث السادس، من هدا الفصل.\n(٤) ١٤٦:١","vol":"1","page":26},{"text":"وقال الطبري (١) - ﵀ - في كلامه على معنى الاستعاذة:\n«أستجير بالله - دون غيره، من سائر خلقه - من الشيطان، أن يضرني في ديني، أو يصدني عن حق يلزمني لربي».\nوقال ابن كثير (٢) - ﵀ «أستجير بجناب الله من الشيطان الرجيم، أن يضرني في ديني أو دنياي أو يصدني عن فعل ما أمرت به، أو يحثني على فعل ما نهيت عنه».\n...\n_________\n(١) في «تفسيره» ١١:١.\n(٢) في «تفسيره» ٣٣:١.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المبحث الثالث\nالاستعاذة ليست بآية من القرآن الكريم</span>\nأمر الله بالاستعاذة عند القراءة بقوله - تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١)\nفهذه الآية هي الأصل في مشروعية الاستعاذة، عند، القراءة، وهى مشتملة على جل ألفاظ صيغة الاستعاذة «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم» التي هي أصح الصيغ.\nوقد أجمع العلماء على أن الاستعاذة بهذا االلفظ ليست آية حكى ذلك ابن عطية (٢) وغيره (٣).\nوقال ابن تيمية (٤): «لكن الاستعاذة ليست بقرآن، ولم تكتب في المصاحب، وإنما فيه الأمر بالاستعاذة، وهذا قرآن».\n* * *\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: (٩٨).\n(٢) في «تفسيره» ٤٨:١.\n(٣) انظر «الجامع لأحكام القرآن» ٨٦:١، «البحر المحيط» ١٧:١\n(٤) في «مجموع الفتاوي» ٣٥١:٢٢.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المبحث الرابع\nإعراب الاستعاذة، ومعناها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>أ - إعرابها:</span>\nلعل من المناسب إعراب الآية التي هي الأصل في مشروعية الاستعاذة عند القراءة. وهي قوله - تعالى -: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١) لأنها مشتملة - كما أشرت سابقًا - على جل ألفاظ صيغة الاستعاذة المختارة وهي: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم».\nفقوله ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ﴾ فإذا: الفاء للاستئناف، وإذا: اسم شرط غير جارم مبني على السكون، في محل نصب مفعول فيه، ظرف زمان، متعلق بجوابه «استعذ».\nقرأت: قرأ فعل ماضٍ مبني على السكون لا تصاله بالضمير، والتاء ضمير للمخاطب مبني على الفتح في محل رفع فاعل. القرآن: مفعول به منصوب.\nفاستعذ: الفاء رابطة لجواب الشرط. استعذ: فعل أمر مبني على السكون الظاهر والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره: أنت.\n\nبالله: الباء حرف جر، ولفظ الجلالة اسم مجرور بالباء وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره، والجار والمجرور متعلقان بـ (استعذ).\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ٩٨.","vol":"1","page":29},{"text":"من الشيطان: من حرف جر، والشيطان أسم مجرور بمن، وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره. والجار والمجرور متعلقان بـ (استعذ).\nالرجيم: صفة للشيطان مجرورة مثله، وعلامة جرها الكسرة الظاهرة على آخرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>ب - معناها:</span>\nأعوذ بالله من الشيطان الرجيم.\nأعوذ: فعل مضارع، يقال: عذت أعوذ، كما يقال: عاذ يعوذ عوذًا وعياذًا، ومعاذا (١). قال يوسف - ﵇ - ﴿مَعَاذَ اللَّهِ﴾ (٢) أي عياذًا بالله.\nأعوذ بالله بمعنى أعتصم به (٣)، كما جاء في حديث أبي هريرة في الدعاء عند دخول المسجد «اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم» (٤).\nقال الحصين بن الحمام يخاطب قبيلته (٥):\nوعوذي بأفناء العشيرة إنما ... يعوذ الذليل بالعزيز ليعصما\n_________\n(١) انظر مادة «عوذ» في «النهاية»، «لسان العرب».\n(٢) سورة يوسف، الآية: ٢٣ و٧٩.\n(٣) انظر مادة «عوذ في «النهاية»، لسان العرب»، وانظر «اغاثة اللهفان» ١٤٧:١، «التفسير القيم» ص (٥٣٨).\n(٤) سيأتي تخريجه في المواضع التي تشرع فيها الاستعاذة في المبحث السادس من هذا الفصل.\n(٥) انظر «المفضليات» ص٦٨، المفضلية ١٢.","vol":"1","page":30},{"text":"وقال الراجز (١):\nقالت وفيها حيدة وذعر ... عوذي بربي منكم وحجر\n\nأي: اعتصامي بربي.\nوبمعنى: ألتجاء إلى الله. قال ابن فارس (٢): «العين والواو والذال أصل صحيح، يدل على معنى واحد، وهو الالتجاء إلى الشيء».\nوبمعنى: أستجير بالله (٣)، وأتحرز به (٤)، واستعين به (٥).\nوأمتنع به من المكروه (٦)، وأتعلق به (٧)، وأتحيز إليه (٨)، وألوذ به (٩).\n_________\n(١) لم أقف على قائله، وأنظره في «إصلاح المنطق» ص (٨١) «مجالس ثعلب» ص١٨١، «المبهج في تفسير أسماء شعراء الحماسة» ص (٨٢)، «اللسان» مادة «اعوذ».\n(٢) في «مقاييس اللغة»: مادة «عوذ»، وانظر المفردات في غريب القرآن» «النهاية»، «لسان العرب» نفس المادة، وانظر أيضًا «إغاثة اللهفان» ١: ١٤٧، «التفسير القيم» ص (٥٣٨)، «تفسير ابن كثير» ٣٣:١.\n(٣) انظر «تفسير الطبري» ١١١:١، «الكشف عن وجوه القراءات السبع» ٧:١، «النكت والعيون» ٤٨:١، «المحرر الوجيز» ٤٨:١.\n(٤) انظر «التفسير القيم» ص٥٣٨.\n(٥) انظر «النكت والعيون» ٤٨:١.\n(٦) انظر «الكشف عن وجوه القراءات السبع» ٧:١، «المحرر الوجيز» ٤٨:١، «إغاثة اللهفان» ١٤٧:١.\n(٧) انظر «المفردات في غريب القرآن، مادة «عوذ».\n(٨) انظر «المحرر الوجيز» ٤٨:١.\n(٩) انظر مادة «عوذ» في «النهاية»، «لسان العرب» وانظر «زاد المسير» ٧:١.","vol":"1","page":31},{"text":"ويقال: إن العياذة لدفع الشر، واللياذة لطلب الخير.\nقال ابن كثير (١): «والعياذة تكون لدفع الشر، واللياذ يكون لطلب الخير كما قال المتنبي (٢):\nيا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به ممن أحاذره\nلا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره\n\nلكن بعض أهل اللغة - كما تقدم - على أنهما بمعنى واحد. قال ابن منظور (٣): «الملاذ مثل المعاذ».\nبالله: الباء للاستعانة (٤)، وقيل للإلصاق (٥).\nالله: علم على ذات الرب - جل وعلا، وأصل أسمائه ﷾، ومعناه: المألوه المعبود محبة وتعظيمًا. وسيأتي تفصيل الكلام فيه في البسملة - إن شاء الله.\nوجملة أعوذ بالله خبرية تتضمن طلب الإعاذة (٦).\nمن الشيطان: من لابتداء الغاية.\n_________\n(١) في «تفسيره» ٣٣:١.\n(٢) ديوانه ١٦٠:١ - ١٦١، وبين البيتين المذكورين بيتان.\n(٣) في «اللسان» مادة «عوذ».\n(٤) انظر «النكت والعيون» ٤٨:١.\n(٥) فال ابن كثير ٣٣:١: «الاستعاذة هي الالتجاء إلى الله تعالى، والالتصاق بجنابة من شر كل ذي شر».\n(٦) انظر «النكت والعيون» ٤٨:١، «التفسير الكبير» ٩٦:١، «التفسير القيم» ص٥٤٠ - ٥٤١.","vol":"1","page":32},{"text":"الشيطان: مأخوذ عند جمهور أهل اللغة ومحققيهم من شطن بمعنى: بعد، يقال: بئر شطون، أي: بعيدة القعر والمدى (١).\nقال النابغة الذبياني (٢):\nنأت بسعاد عنك نوى شطون ... فبانت والفؤاد بها رهين\n\nوالشطن الحبل، أو الحبل الطويل (٣) قال عنترة (٤):\nيدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئرٍ في لبان الأدهم\n\nفأشطان جمع شَطَن وهو الحبل الطويل.\nفالنون فيه أصلية. قال ابن فارس (٥): «الشين والطاء والنون أصل مطرد ويدل على البعد».\nوالشيطان على وزن فيعال، للدلالة على أنه بلغ الغاية في البعد (٦).\nوقيل: إنه مأخوذ من «شاط يشيط، إذا هاج واشتد غضبًا، وهلك\n_________\n(١) انظر «الكتاب» لسيبويه ص ٢٦٠، ٢٨٦، (٣٢١)، «تفسير الطبري» ١١٢:١. وانظر مادة «شطن» في «تهذيب اللغة» و«مقاييس اللغة». وانظر «الكشف عن وجوه القراءات السبع) ١٠:١، «المفردات في غريب القرآن» مادة «شطن». «المحرر الوجيز» ٤٩:١، «النهاية» لابن الأثير مادة «شطن» «تفسير ابن كثير» ٣٣:١.\n(٢) ديوانه ص ٣٦٢.\n(٣) انظر «النهاية» مادة «شطن»، «المحرر الوجيز» ٤٩:١، «لسان العرب» مادة «شطن».\n(٤) ديوانه ص٢١٦، «شرح القصائد» لان الأنباري ص٣٥٩ - معلقة عنترة البيت الثامن والستون.\n(٥) في «مقاييس اللغة» مادة «شطن» وانظر «النهاية» مادة «شطن».\n(٦) انظر «تفسير الطبري» ١١٢:١، «المحرر الوجيز» ٤٩:١.","vol":"1","page":33},{"text":"واحترق وبطل، وعلى هذا فالنون فيه زائدة (١).\nوالصحيح القول الأول.\nقال سيبويه (٢): «العرب تقول تشيطن».\nوقال الطبري (٣): بعدما ذكر القول بأنه مشتق من «شطن»: «ومما يدل على أن ذلك كذلك قول\n\nأمية بن أبي الصلت: (٤).\nأيما شاطنٍ عصاه عكاه ... ثم يلقى في السجن والأكبال\n\nقال الطبري: ولو كان فعلان من شاط يشيط لقال أيما شائطٍ، ولكنه قال: أيما شاطن، لأنه من شطن يشطن فهو شاطن» (٥).\nو«أل» في «الشيطان» للجنس (٦)، فهو يشمل كل متمرد، عات، خارج عن الطاعة، من الجن، والإنس، والدواب، وكل شيء (٧)،\n_________\n(١) انظر «مقاييس اللغة» مادة «شطن»، «الكشف عن وجوه القراءات السبع»، ١٠:١، «المحرر الوجيز» ٤٩:١، مادة «شطن» في «المفردات في غريب القرآن»، «النهاية»، «لسان العرب». وانظر «الجامع لأحكام القرآن» ٩٠:١،. «تفسير ابن كثير» ٣٣:١.\n(٢) في «الكتاب» ٢٨٦:٤، ٣٢١، وانظر «المحرر الوجيز» ٥٠:١، «الدر المصون» ١٠:١.\n(٣) في «تفسيره» ١١٢:١.\n(٤) دبوانه ص٤٤٥ وانظر: «لسان العرب» مادة «شطن». ومعنى عكاه: شده، وأوثقه، والأكبال: القيود.\n(٥) وانظر مادة «شطن» من «تهذيب اللغة»، «النهاية» «لسان العرب» وانظر «المحرر الوجيز» ٥٠:١، «تفسير ابن كثير» ٣٣:١.\n(٦) انظر «الكشف عن وجوه القراءات السبع» ٧:١، «التفسير الكبير» ٩٥:١، ١١٥:٢٠، «غرائب القرآن» ٢٣:١.\n(٧) انظر «تفسير الطبري» ١١١:١، «تفسير ابن كثير» ٣٣:١.","vol":"1","page":34},{"text":"ولهذا جمع في قوله- تعالى- ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ (١). وقيل أل فيه للعهد (٢).\nوالصحيح الأول.\nوهو يكون من الإنس والجن، كما قال الله - تعالى -: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ (٣). وقال -تعالى- ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ (٤).، أي: شياطين إنس يعوذون بشياطين جن. وقال - تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ* مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (٥) أي شياطين جن وإنس يوسوسون في صدور الناس. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ (٦) أي شياطين إنس بإنس.\nقال جرير (٧):\nأيام يدعونني الشيطان من غزلٍ ... وهن يهوينني إذ كنت شيطانًا\nويكون من الحيوانات كما جاء في حديث عبد الله بن الصامت أبي\n_________\n(١) سورة المؤمنون، آية: (٩٧).\n(٢) (» انظر «التفسير الكبير» (١): (٩٥)، التسهيل لعلوم التنزيل» ١: (٣٠).\n(٣) سورة الأنعام، الآية: (١١٢).\n(٤) سورة الجن، الآية: ٦.\n(٥) سورة الناس، الآية: ١ - ٦.\n(٦) سورة البقرة، الآية: (١٤).\n(٧) ديوانه ص١٦٥ «لسان العرب» مادة «شطن».","vol":"1","page":35},{"text":"ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا قام أحدكم يصلي، فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع الصلاة الحمار والمرأة. والكلب الأسود». قلت: يا أباذر، ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر، من الكلب الأصفر؟! قال: يا ابن أخي، سألت رسول الله - ﷺ -، كما سألتني، فقال: «الكلب الأسود شيطان» (١).\nوعن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر بن الخطاب - ﵁ - ركب برذونا فجعل يتبختر به، فجعل يضربه، فلا يزداد إلا تبخترا، فنزل عنه، وقال: ما حملتموني إلا على شيطان، ما نزلت عنه حتى أنكرت نفسي (٢).\nوإنما سمي المتمرد من كل شيء شيطانًا لمفارقته لبني جنسه في أخلاقه، وأفعاله، وصفاته، وطباعه، ومباعدته لهم، وبسبب فسقه، وبعده عن الحق والهدى والخير، وعن رحمة الله - تعالى - (٣).\nالرجيم: فعيل بمعنى مفعول أي: مرجوم (٤) كسعير بمعنى:\n_________\n(١) أخرجه - مسلم - في الصلاة- باب قدر ما يستر المصلي - حديث ٥١٠، وأبو داود في الصلاة- باب ما يقطع الصلاة - حديث ٧٠٢.\nوأخرجه أيضًا مسلم في الموضع السابق برقم ٥١١ من حديث أبي هريرة بلفظ قال قال رسول الله - ﷺ - يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب، ويقي ذلك مثل مؤخرة الرحل».\nومعنى الكلب الأسود شيطان: أي أنه خبيث يتلون.\n(٢) أخرجه الطبري الأثر ٣٦، وذكره ابن كثير في تفسيره ٣٤:١، وقال: «إسناده صحيح».\n(٣) انظر «تفسير الطبري» ١١١:١، «المحرر الوجيز» ٤٩:١، «تفسير ابن كثير» ٣٣:١.\n(٤) انظر «تفسير الطبري» ١١٢:١، «تهذيب اللغة» مادة «رجم»، «الكشف عن وجوه القراءات السبع» ١٠:١، «المحرر الوجيز» ٥٠:١، «لسان العرب» مادة «رجم»، «تفسير ابن كثير» ٣٤:١.","vol":"1","page":36},{"text":"مسعور. مأخوذ من الرجم: وهو الرمي بفعل أو قول (١).\nفمن الرجم بالفعل: الرجم والرمي بالحجارة. قال ابن فارس (٢): الراء والجيم والميم، أصل واحد، يرجع إلى وجه واحد، وهو الرمي بالحجارة.\nومن الرجم بالقول قوله - تعالى ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ (٣)، أي قولًا بالظن. وقوله- تعالى - عن آزر أنه قال لإبراهيم - ﵇ - ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ (٤) أي لأرمينك بسيء القول.\nقال المرقش الأصغر (٥):\nوإني وإن كلت قلوصي لراجمٌ ... بها وبنفسي يا فطيم المراجم\n\nومنه القذف بالزنى، فإنه رجم ورمي بالقول.\nوالشيطان مرجوم بالفعل والقول: أي فعلًا وقولًا، حسًا ومعنى. فهو مرجوم فعلًا وحسًا بإخراجه من الجنة وطرده عنها، وعن الملأ الأعلى وبإهباطه من السموات إلى الأرض (٦).\n_________\n(١) انظر «تفسير الطبري» ١١٢:١.\n(٢) «مقاييس اللغة» مادة «رجم»، وانظر «لسان العرب» نفس المادة.\n(٣) سورة الكهف، الآية: ٢٢.\n(٤) سورة مريم، الآية: ٤٦.\n(٥) المفضليات ص٢٤٦، المفضلية (٥٦).\n(٦) انظر «تفسير الطبري» ١١٢:١، ومادة «رجم» في «المفردات في غريب القرآن»، «لسان العرب»، وانظر «تفسير ابن كثير» ٣٤:١.","vol":"1","page":37},{"text":"قال الله - تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤).\nوهو مرجوم حسًا وفعلًا بالشهب. قال الله- تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِير﴾ (٥).\nوقال- تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ * وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ * لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ * دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ * إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ (٦).\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ * وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ * إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ (٨). وقال - تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ\n_________\n(١) سورة الأعراف، آية: ١٣.\n(٢) سورة الأعراف، آية: ١٨.\n(٣) سورة الحجر، الآيتان: ٣٤ - ٣٥.\n(٤) سورة ص، الآيتان: ٧٧ - ٧٨.\n(٥) سورة الملك، آية: ٥.\n(٦) سورة الصافات، الآيات: ٦ - ١٠.\n(٧) سورة الحجر، الآيات: ١٦ - ١٨.\n(٨) سورة فصلت، آية: ١٢.","vol":"1","page":38},{"text":"مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ (١).\nوهو مرجوم قولًا ومعنى لأن الله بعد أن أبعده ورجمه بالفعل بإخراجه من الجنة، ومن بين الملأ الأعلى. وطرده من جواره، وسلط عليه الرمي بالشهب حكم عليه أيضًا باللعنة فهو ملعون بلعنة الله إلى يوم القيامة مقضي عليه بالخيبة والخسران، ومطرود عن رحمة الله، وعن كل خير (٢).\nقال الله - تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ (٥).\nوقيل: فعيل بمعنى فاعل، لأنه يوسوس للناس، ويزين لهم المعاصي، وطرق الشر، ويحثهم عليها، ويبعدهم عن الخير، ويكيد لهم في ذلك كله، أنواع المكايد (٦).\nقال ابن كثير: «والأول أشهر وأصح» (٧).\nهذا هو معنى أصح صيغ الاستعاذة:\n_________\n(١) سورة الجن، الآيتان: ٨ - ٩.\n(٢) انظر «تفسير الطبري» ١١٢:١، «الكشف عن وجوه القراءات السبع» ١٠:١، «النكت\nوالعيون» ٤٩:١، «المحرر الوجيز» ٥٠:١، «تفسير ابن كثير» ٣٤:١.\n(٣) سورة الحجر، الآية: (٧٥).\n(٤) سورة ص، الآية: ١٨.\n(٥) سورة النساء، الآية: ١١٧ - ١١٨.\n(٦) انظر «النكت والعيون» ٤٨:١، «لباب التأويل في معاني التنزيل» ١٠:١.\n(٧) في «تفسيره» ٣٤:١.","vol":"1","page":39},{"text":"«أعوذ بالله من الشيطان الرجيم»\nوقد جاء في الصيغ الأخرى بعض الزيادات ففي الصيغة الثانية زيادة: السميع العليم.\nوهما اسمان من أسماء الله - تعالى - فالسميع مشتق من صفة السمع وهو على وزن «فعيل» صفة مشبهة وصيغة مبالغة، يدل على أنه جل وعلا ذو السمع الذي وسع جميع الأصوات.\nقال تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ (١).\nوقال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (٢).\nقالت عائشة - ﵂ - (الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي - ﷺ - وأنا في ناحية البيت، تشكو زوجها، وما اسمع ما تقول. فأنزل الله ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ (٣).\nوالعليم: اسم من أسماء الله مشتق من العلم. والعلم هو إدراك المعلوم على ماهو عليه (٤) إدراكًا جازمًا. وعليم على وزن «فعيل» صفة\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١٨١.\n(٢) سورة المجادلة، الآية: ١.\n(٣) أخرجه ابن ماجه في المقدمة حديث (١٨٨). وصححه الألباني حديث ١٥٥. وأخرجه أحمد: ٤٦:٦.\n(٤) انظر «شرح صحيح مسلم» ٢١٣:١٦.","vol":"1","page":40},{"text":"مشبهه وصيغة مبالغة يدل على أنه تعالى ذو العلم الواسع التام المحيط بالأشياء كلها جملة وتفصيلًا، في أطوارها الثلاثة، قبل الوجود، وبعده، وبعد العدم، كما قال موسى - ﵇ - حينما سئل عن القرون الأولى ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ (١). فلا يعترى علمه جل وعلا جهل سابق، ولا نسيان لاحق.\nوجاء في الصيغة الثالثة والرابعة زيادة: من همزه ونفخه ونفثه. فهمز الشيطان: الموتة - بضم الميم، وهي الخنق: نوع من الجنون والصرع (٢).\n_________\n(١) سورة طه، الآية: (٥٢).\n(٢) انظر «النكت والعيون» ٤٨:١، «النهاية» مادة «همز»، «إغاثة اللهفان» ١: ١٥٤ - ١٥٥. وقد أنكر كثير من العقلانيين صرع الجن للإنس، وملابسة الجني للإنسي، ودخوله في بدنه، وقد دل الكتاب والسنة على ذلك. قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ آية «٢٧٥» البقرة. وقال - ﷺ -: «إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم» متفق عليه.\n\nوقد ثبت عن الإمام أحمد -﵀ - أنه كان يقرأ على المصر وع، فيتكلم الجني، ويعاهد، ويخرج، فيقوم المصر وع ما به أذى. وقد حصل ذلك أيضًا لغيره من العلماء، كشيخ الإسلام ابن تيمية، ووقائع ذلك وشواهده أكثر من أن تحصر. ولقد وصل الأمر ببعض المسلمين من الكتاب وغيرهم، بل ببعض المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة، إلى إنكار وجودهم - شأن بعض أهل الكتاب، والمعتزلة وغيرهم - مع أن الله ذكرهم في كتابه في مواضع كثيرة، وأفرد لهم سورة كاملة تسمى سورة = «الجن» وجاء ذكرهم في السنة في أحاديث كثيرة، منها ما جاء في الاستعاذة وغير ذلك، كحديث أبي سعيد قال رسول الله - ﷺ -: «إن بالمدينة نفرًا من الجن قد أسلموا، فمن رأى شيئًا من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثا، فإن بدا له بعد فليقتله، فإنه شيطان» رواه مسلم وغيره.\nفالواجب الإيمان بوجودهم، وبكل ما ذكر الله عنهم في كتابه وفي سنة رسوله - ﷺ - مثل كونهم يتناسلون. قال الله تعالى - عن الشيطان ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ آية (٥٠) الكهف. ومثل كونهم يرون الإنس. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ آية (٢٧) الأعراف، وأن لهم رسلًا من الإنس. وقيل منهم قال تعالى ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي﴾.آية (١٣٠) الأنعام، وأن محمدًا - ﷺ - رسول لهم وللإنس، قال تعالى ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ الآيات (١ - ٢)، الجن. انظر «مجموع فتاوى ابن تيمية» ٩:١٩ - ٦٥، ٢٧٦:٢٤ «زاد المعاد» ٦٦:٤، «رسالة إيضاح الحق في دخول الجني في الإنس» لابن باز، «الصحيح البرهان فيما يطرد الشيطان»، ص٥١، «عالم الجن والشياطين» ص (٥٤)، ١٣٧، «المدرسة العقلية  ́الحديثة» ص (٢٤١).","vol":"1","page":41},{"text":"ونفخه: الكبر (١).\nونفثه: النفث: الشعر، لأنه ينفث من الفم (٢). وقيل: السحر (٣) ولا مانع من حمله عليهما معًا فالشعر والسحر كلاهما من نفث الشيطان لكن المراد بالشعر هنا الشعر المذموم، في الأغراض السيئة كنصرة الباطل وأهله، والهجاء المقذع، والغزل الماجن، والمدح المفرط، ونحو ذلك.\nأما الشعر المحمود، في الأغراض الشريفة السامية، كالانتصار للحق، والحث على الفضائل، ومكارم الأخلاق، والتحذير من الرذائل ومساوئ الأخلاق فهذا ليس من نفث الشيطان.\nقال تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ\n_________\n(١) انظر «النكت والعيون» ٤٨:١، «النهاية» مادة «نفخ».\n(٢) انظر «النهاية» مادة «نفث».\n(٣) انظر «النكت والعيون» ٤٨:١.","vol":"1","page":42},{"text":"وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ (١)\nأي انتصروا للحق وأهله. ولقد كان الشعر في صدر الإسلام من أقوى أسلحة الدعوة وأعظمها.\nفعن عائشة -﵂- أن رسول الله - ﷺ - قال: «اهجوا قريشًا، فإنه أشد عليهم من رشق بالنبل»، فأرسل إلى ابن رواحة، فقال: «أهجهم»، فهجاهم، فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان بن ثابت، فلما دخل عليه، قال حسان: قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه، ثم أدلع لسانه، فجعل يحركه، فقال: والذي بعثك بالحق، لأفرينهم بلساني، فري الأديم. فقال رسول الله - ﷺ -: «لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها، وإن لي فيهم نسبًا، حتى يلخص لك نسبي» فأتاه حسان، ثم رجع فقال: يا رسول الله، قد لخص لي نسبك، والذي بعثك بالحق لأسلنك منهم، كما تسل الشعرة من العجين. قالت عائشة فسمعت رسول الله - ﷺ - يقول لحسان: «إن روح القدس، لا يزال يؤيدك، ما نافحت عن الله ورسوله» وقالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «هجاهم حسان فشفى واشتفى».\nقال حسان:\nهجوت محمدًا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء\n_________\n(١) سورة الشعراء، الآية: ٢٢٤ - ٢٢٧.","vol":"1","page":43},{"text":"هجوت محمدًا برًا تقيًا ... الخ (١)\nوعن البراء بن عازب - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول لحسان بن ثابت: «اهجهم، أو هاجهم، وجبريل معك» متفق عليه (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - «أَّن عمر مر بحسَّان، وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه، قد كنت أنشد، وفيه من هو خير منك. ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله! أسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «أجب عني، اللهم أيده بروح القدس» قال: اللهم نعم. متفق عليه (٣).\nوقد كان - ﷺ - ينشد مع أصحابه- رضوان الله عليهم- يوم الخندق:\nوالله لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا\nفأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا\nإن الألى قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا (٤)\n_________\n(١) أخرجه مسلم - في فضائل الصحابة - فضائل حسان بن ثابت - ﵁ - حديث (٢٤٩٠)، والبخاري في المغازي مختصرًا جدًا وليس فيه ذكر الشعر- حديث (٤١٤٥).\n(٢) أخرجه البخاري - في بدء الخلق- باب ذكر الملائكة - حديث ٣٢١٣، ومسلم في فضائل الصحابة - فضائل حسان بن ثابت حديث (٢٤٨٦).\n(٣) أخرجه البخاري - في بدء الخلق - باب ذكر الملائكة - حديث (٣٢١٢)، ومسلم في فضائل الصحابة - فضائل حسان بن ثابت، حديث (٢٤٨٥).\n(٤) أخرجه من حديث البراء - البخاري في الجهاد - باب حفر الخندق، حديث (٢٨٣٧)، ومسلم- في الجهاد والسير- باب غزوة الأحزاب، حديث ١٨٠٣، وهذه الأبيات لعامر ابن الأكوع، انظر «السيرة النبوية» لابن هشام ٣٢٨:٢، «شرح أبيات مغني اللبيب» ٣٧:٦ - ٣٩.","vol":"1","page":44},{"text":"وكان يقول - أيضًا - يوم الخندق:\n«اللهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر اللهم للأنصار والمهاجرة».\nفقالوا مجيبين له:\nنحن الذين بايعوا محمدًا ... على الجهاد ما بقينا أبدًا (١)\n\nوكان ﵊ ينشد يوم حنين:\nأنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبه المطلب (٢)\n\nومما يدل على أهمية الشعر في صدر الإسلام، وأنه كان من أقوى أسلحة الدعوة، ما جاء في قصة الأعشى، عندما جاء ليسلم، حاملًا قصيدته المأثورة المشهورة:\nألم تغمض عيناك ليلة أرمدًا ... وبت كما بات السليم مهدًا\n\nوالتي جاء فيها:\nفآليت لا أرثي لها من كلالة ... ولا حفى حتى تلاقي محمدًا\nمتى ما تناخي عند باب ابن هاشم ... تراحي وتلقي من فواضله ندا\nنبيا يرى ما لا يرون وذكره ... أغار لعمري في البلاد وأنجدا\nله صدقات ما تغب ونائل ... وليس عطاء اليوم مانعه غدا\n_________\n(١) أخرجه من حديث أنس بن مالك - ﵁ - البخاري- في الجهاد- باب الصبر عن القتال، حديث ٢٨٣٤، ومسلم- في الجهاد والسير، حديث ١٨٠٥.\n(٢) أخرجه من حديث البراء- البخاري- باب من قاد دابة غيره في الحرب، حديث ٢٨٦٤، ومسلم في الجهاد والسير- باب غزوة حنين- حديث ١٧٧٦.","vol":"1","page":45},{"text":"أجدك لم تسمع وصاة محمد ... نبي الإله حيث أوصى وأشهدا\nإذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا\nندمت على ألا تكون كمثله ... وأنك لم ترصد لما كان أرصدا\n\nالخ.\nفقد قابله المشركون، فعرضوا عليه أن يرجع تلك السنة وأعطوه مائة ناقة، وذلك اتقاء لسانه، وخوفًا أن يكون في جانب الدعوة إلى الله، فقبل ذلك، على أن يعود من العام القابل فيسلم، وفي رجوعه، سقط من دابته على رقبته، فمات (١).\nوالخلاصة أن المعنى العام للاستعاذة بصيغتها: ألجأ إلى الله وأعتصم به وبأسمائه الحسنى وصفاته العليا وكلماته التامة التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من الشيطان الرجيم، ونزغاته ووساوسه، وأسأل الله العصمة منه، والحفظ والصيانة والسلامة من جميع شرور الشيطان.\n_________\n(١) انظر «ديوان الأعشى» ص ١٨٥ - ١٨٧، «السيرة النبوية» ٢٦:٢ - ٢٨، «الشعر والشعراء» ص٢٧٥.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المبحث الخامس\nأحكام الاستعاذة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>أ - مكان الاستعاذة من القراءة:</span>\nقال الله - تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١).\nظاهر الآية أن الاستعاذة محلها بعد القراءة.\nوقد تمسك بهذا الظاهر بعض القراء، فنقل ذلك عن حمزة (٢)، وأبي حاتم السجستاني (٣)، ورويَ ذلك- أيضًا- عن أبي هريرة (٤) - ﵁ -، ومحمد بن سيرين (٥)، وإبراهيم النخعي (٦)، وداود الظاهري (٧) وحكاه\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ٩٨.\n(٢) انظر «غرائب القرآن» للنيسابوري ١٦:١، «تفسير ابن كثير» ٢٩:١.\n(٣) انظر «تفسير ابن كثير» ٢٩:١.\n(٤) انظر «التفسير الكبير» ١١٤:٢٠، «المجموع» ٣٢٥:٣، «الجامع لأحكام القرآن» ٨٨:١، «تفسير ابن كثير» ٢٩:١.\n(٥) أخرج عبد الرازق- في الصلاة- باب متى يستعيذ- الأثر ٢٥٩٠، وابن أبي شيبة- في الصلوات- في التعوذ كيف هو ٢٣٨:١ عن بن سيرين أنه كان يتعوذ قبل أن يقرأ أم القرآن وبعد قراءتها.\n(٦) أخرجه عن النخعي عبد الرازق- في الصلاة- متى يستعيذ حديث ٢٥٩٣ وانظر «المجموع» ٣٢٥:٣، «تفسير ابن كثير» ٣٠:١.\n(٧) انظر «التفسير الكبير» ٥٩:١، «الجامع لأحكام القرآن» ٨٨:١، «تفسير ابن كثير» ٣٠:١.","vol":"1","page":47},{"text":"القرطبي (١) وغيره عن مالك واستغرب ذلك ابن العربي (٢)\nواحتج بعضهم لهذا القول بأن الاستعاذة بعد القراءة تدفع الإعجاب بعد فراغ القراءة (٣)، وتكون سببًا للاستفادة من التلاوة، وحفظها وثباتها (٤).\nوجمهور أهل العلم والتحقيق على أن الاستعاذة مشروعة قبل القراءة، وأن معنى قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وأي: فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، كقوله - تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ (٥) أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة (٦)، وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا﴾ (٧) أي: إذا أردتم القول، وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٨) أي: إذا أردتم سؤالهن، فاسألوهن من وراء حجاب،\n_________\n(١) في «تفسير» ٨٨:١، وانظر «التفسير الكبير» ١١٤:٢٠.\n(٢) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي ١١٧٥:٣ - ١١٧٦.\n(٣) انظر «التفسير الكبير» ٥٩:١، «تفسير ابن كثير» ٢٩:١.\n(٤) انظر «إغاثة اللهفان» ١٤٨:١.\n(٥) سورة المائدة، الآية: ٦.\n(٦) انظر «المصنف» لعبد الرزاق- الصلاة- باب متى تستعيذ- الآثار ٢٥٨٨ - ٢٥٩٣، «تفسير الطبري» ١٧٣:١٤، «أحكام القرآن» للجصاص ١٩١:٣، «الإقناع في القراءات السبع» ١٥٤:١، «أحكام القرآن» لابن العربي ١٧٥:٣، «المحرر الوجيز» ٤٨:١، «زاد المسير» ٧:١، «التفسير الكبير» ٥٩:١ - ٦٠، «الجامع لأحكام القرآن» ٨٦:١، «التبيان» للنووي ص٦٤، «تفسير ابن كثير» ٣٠:١، ٣٢.\n(٧) سورة الأنعام، الآية: ١٥٢.\n(٨) سورة الأحزاب، الآية: ٥٣.","vol":"1","page":48},{"text":"وكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَة﴾ (١) أي إذا أردتم مناجاة الرسول - ﷺ - (٢).\nقال القرطبي (٣): «فأوقع الماضي، مكان المستقبل، كقول الشاعر:\nإني لأتيكم لذكر الذي مضى ... من الود واستئناف ما كان في غد (٤)\n\nأي ما يكون في غد.\nوعلى هذا المعنى دلت السنة، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا قام إلى الصلاة بالليل كبر، ثم يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول: الله أكبر كبيرا، ثم يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه» (٥).\nوهذا القول هو الصحيح.\nقال الجصاص (٦): «وقول من قال: إن الاستعاذة بعد الفراغ من القراءة شاذ، وإنما الاستعاذة قبل القراءة، لنفي وساوس الشيطان عند القراءة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى\n_________\n(١) سوره المجادلة، الآية: (١٢).\n(٢) انظر «أحكام القرآن» للجصاص.\n(٣) في «تفسيره» ٨٦:١.\n(٤) البيت للطرماح - انظر «ذيل ديوانه» ص (٥٧٢).\n(٥) سبق تخريجه في الكلام على صيغ الاستعاذة في المبحث الأول، من هذا الفصل.\n(٦) في «أحكام القرآن» (٣): (١٩١).","vol":"1","page":49},{"text":"أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ (١)، فإنما أمر الله بتقديم الاستعاذة قبل القراءة لهذه العلة».\nبل حكي الإجماع عليه.\nقال مكي في كتابه «الكشف عن وجوه القراءات السبع» (٢): «فإن قيل: فإن ظاهر النص أن يتعوذ القارئ بعد القراءة، لأنه قال ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ﴾ والفاء بعدما قبلها، تتبعه هو أصلها، فالجواب: أن المعنى على خلاف الظاهر، معناه: فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله، ودل على ذلك الإجماع أن الاستعاذة قبل القراءة، ودليل هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَاسُنَا﴾ (٣)، فوقع في ظاهر التلاوة أن مجيء البأس بعد الهلاك، وليس المعنى على ذلك، إنما معناه: وكم من قرية أردنا إهلاكها، فجاءها بأسنا. فمجيء البأس، بعد إرادة الهلاك، وقبل الهلاك، وكذلك التعوذ، المأمور به، يكون بعد إرادة القراءة، وقبل القراءة، على أصل الفاء».\nوقد ضعف ابن الجزري (٤) صحة المروي في هذا، عن حمزة وأبي حاتم، وأبي هريرة وابن سيرين والنخعي، في أنها بعد القراءة، وقال: «محلها قبل القراءة إجماعًا، ولا يصح قول، بخلافه، عن أحد ممن\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٤.\n(٢) ٩:١.\n(٣) سورة الأعراف، الآية: (٤).\n(٤) في «النشر» ١: (٢٥٤)، وأنظر: «المحلي» ٥٠:٣، «المبسوط» ١٣:١، «أحكام القرآن» لابن العربي ١١٧٥:٣ - ١١٧٦، «تفسير ابن كثير» ٣٠:١.","vol":"1","page":50},{"text":"يعتبر قوله».\nواتفق القراء، على مشروعية التعوذ، قبل البسملة، في ابتداء السور، واختلفوا فيما إذا ابتدأ القارئ بوسط السورة، هل يتعوذ، أو يبسمل، أو يجمع بينهما.\nوالصحيح أنه يتعوذ فقط. ويقف بعد الاستعاذة ثم يقرأ، ويجوز أن يصل الاستعاذة بالقراءة (١).\nواستثنى بعض أهل العلم، مثل قوله - تعالى: ﴿الله لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (٢) وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ (٥)،\nونحوها من الآيات، نظرًا لما في الاستعاذة قبلها من قبح اللفظ. قالوا: ففي مثل هذه المواضع يستعيذ ثم يبسمل (٦).\nوهذا الاستثناء لا دليل عليه، بل الدليل على خلافه، لأن الأمر بالاستعاذة عام لكل قراءة للقرآن، من أي موضح منه كانت القراءة، والبسملة - على الصحيح - لا تشرع إلا في أول السورة. والتعليل بقبح\n_________\n(١) اتظر «التبصرة» ص٢٤٦ - ٢٥٠، «الإقناع» ١٥٤:١، «البرهان» ٤٦٠:١، «النشر» ٢٦٥:١٥٧:١، «التسهيل لعلوم التنزيل» ٣٠:١.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.\n(٣) سورة الأنعام، الآية: ١٤١.\n(٤) سورة الروم، الآية: ٥٤.\n(٥) سورة فصلت، الآية: ٤٧.\n(٦) انظر «البرهان» ٤٦٠:١، «النشر» ٢٦٦:١.","vol":"1","page":51},{"text":"اللفظ لا يكفي مسوغًا للبسملة وسط السورة بلا دليل، لكن كما يشرع الوقف على كثير من آي القرآن لمراعاة اللفظ والمعنى، فكذلك ينبغي أن يقف القارئ بعد الاستعاذة ويسكت قليلًا في مثل هذه المواضع المذكورة، وبهذا يزول القبح.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>ب - حكمها عند قراءة القرآن، في الصلاة أو خارجها:</span>\nاختلف أهل العلم في حكم الاستعاذة عند القراءة.\nفذهب بعض أهل العلم إلى أنها واجبة في الصلاة وخارجها (١).\nمنهم عطاء (٢)، واختاره ابن حزم في المحلي (٣)، وانتصر له.\nوقد استدل من ذهب إلى هذا القول بظاهر الآية ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٤).\nقالوا فالأمر يقتضي الوجوب، كما استدلوا بمواظبة الرسول - ﷺ - على التعوذ وتعليمه ذلك لأصحابه، وبأن شر الشيطان يجب دفعه بكل وسيلة، وأعظم وسيلة لدفعه هي اللجوء إلى الله، والاستعاذة به من شر الشيطان، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب (٥).\nفعلى هذا إذا نسي القارئ أن يستعيذ قطع القراءة فتعوذ، وابتدأ من حيث وقف، وقيل من أول الحزب.\n_________\n(١) انظر «المبسوط» ١٣:١، «التفسير الكبير» ٦٠:١، «الجامع لأحكام القرآن» ٨٧:١ - ٨٨، «تفسير ابن كثير» ٣٢:١، «النشر» ٢٥٨:١، «المهذب في القراءات العشر» ٣٠:١.\n(٢) أخرجه عبد الرازق في الصلاة- باب الاستعاذة في الصلاة حديث ٢٥٧٤ وذكره الجصاص ١٩١:٣، وابن حزم في «المحلي» ٢٥٠:٣، وابن كثير في «تفسيره» ٣٢:١.\n(٣) ٢٤٧:٣، ٢٥٠.\n(٤) سورة النحل، الآية: ٩٨\n(٥) انظر «التفسير الكبير» ٦٠:١، «غرائب القرآن» ١٦:١، «تفسير ابن كثير» ٣٢:١.","vol":"1","page":53},{"text":"وجمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم، على أن الاستعاذة مستحبة، قبل كل قراءة للقرآن، سواء كان ذلك في الصلاة، أو خارجها.\nوهذا مروي عن ابن عمر، وأبي هريرة (١)، وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي، والأوزاعي، والثوري (٢).\nوهو قول أبي حنيفة، وأصحابه (٣)، وأحمد بن حنبل، وأصحابه (٤)، وإسحاق (٥)، وهو الذي اختاره أكثر الشافعية، وصححوه عن الشافعي (٦).\nوحملوا الأمر في الآية: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ على الندب والاستحباب، كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٧) وقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٨).\nوقد استدلوا لهذا القول بأن الرسول - ﷺ - يذكر كثيرًا من الآيات\n_________\n(١) انظر «المجموع» ٣٥:٣.\n(٢) انظر «المغني» ١٤٥:٢، «المجموع» ٣٢٥:٣.\n(٣) انظر «المبسوط» ١٣:١، «فتح القدير» لابن الهمام ٢٩١:١.\n(٤) انظر «التحقيق» ٢٩٠:١، «المغني» ١٤٥:٢، «إغاثة اللهفان» ١٥٢:١.\n(٥) انظر «المغني» ١٤٥:٢، «المجموع» ٣٢٥:٣.\n(٦) انظر «المجموع» ٣٢٥:٣، ٣٢٦.\n(٧) سورة النساء، الآية: ٣\n(٨) سورة النور، الآية: ٣٢. انظر «أحكام القرآن» للجصاص ١٩١:٣ «الكشف عن وجوه القراءات السبع» لمكي ٩:١.","vol":"1","page":54},{"text":"ضمن الأحاديث التي صحت عنه - وما نقل عنه - ﷺ - أنه كان يستعيذ، فدل هذا على أن الأمر هنا ليس للوجوب.\nوقال الطبري (١): يستدل له بإجماع الجميع على عدم وجوبها (٢).\nوقال السرخسي في «المبسوط» (٣) بعد أن ذكر قول عطاء بوجوبها: «وهو مخالف للإجماع السلف فقد كانوا مجمعين على أنها سنة».\nوقال ابن عطية (٤): «أجمعوا على استحسان ذلك والتزامه في كل قراءة في غير الصلاة».\nوقال ابن هبيرة في «الافصاح» (٥): «واتفقوا على أن التعوذ في الصلاة على الإطلاق قبل القراءة سنة إلا مالكًا، فإنه قال: لا يتعوذ في المكتوبة».\nوقال النووي في «التبيان» (٦): «ثم إن التعوذ مستحب وليس بواجب، وهو مستحب لكل قاراء، سواء كان في الصلاة أو هي غيرها».\nوقال ابن كثير (٧): «وجمهور العلما، على أن الاستعاذة مستحبة،\n_________\n(١) انظر «تفسيره» ١٤: ١٧٣ طبعة عيسى الحلبي.\n(٢) هذا فيه تسامح من الطبري (﵀) في حكايته للإجماع كما هو معروف من منهجه.\n(٣) ١: ١٣.\n(٤) في «تفسيره» ١: ٤٨، وانظر «الجامع لأحكام القرآن» ١: ٨٧ - ٨٨.\n(٥) ١: ١٢٥ وانظر «التفسير الكبير» ٢٠: ١١٥\n(٦) ص ٦٤ - ٦٥. وانظر «المجموع» ٣: ٣٢٥، «لباب التأويل» ١: ١٠.\n(٧) في «تفسيره» ١: ٣٢، وانظر «البرهان» ١: ٤٦٠، «النشر» ١: ٢٥٧ - ٢٥٨.","vol":"1","page":55},{"text":"ليست بمتحتمة، يأثم تاركها».\nومعلوم أن التعوذ في إنما شرع للتلاوة المجردة، وشرع في البصلاة لأجل التلاوة (١)، لا لأنه من واجبات الصلاة أو سننها، بل لأنه مستحب قبل قراءة القرآن مطلقًا، لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ فذلك شامل للقراءة في الصلاة وفي غيرها.\nوإذا قطع القراءة في غير الصلاة لعذر كعطاس أو كلام يتعلق بمصلحة القراءة فإنه لا يعيد الاستعاذة، وأما لو قطعها إعراضًا عن القراءة، أو لكلام لا يتعلق بالقراءة، فإنه يستأنف الاستعاذة استحبابًا (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>ج - هل يتعوذ في الصلاة في كل ركعة، أو في الركعة الأولى فقط:</span>\nأكثر أهل العلم، على أن قراءة الصلاة كلها كقراءة واحدة، يكفي فيها الاستعاذة مرة واحدة، في الركعة الأولى.\nمنهم عطاء (٣) والحسن البصري (٤)\n_________\n(١) انظر «تفسير ابن كثير» ١: ٣٢.\n(٢) انظر «المجموع» ٣: ٣٢٥، «البرهان» ١: ٤٦٠، «النشر» ١: ٢٥٩.\n(٣) أخرجه من عطاء عبد الرزاق - في الصلاة - باب الاستعاذة في الصلاة - حديث ٢٥٧٦، ٢٥٨٤، ٢٥٨٥، وانظر «أحكام القرآن» للجصاص ٣: ١٩١، «المجموع» ٣: ٣٢٦.\n(٤) أخرجه عن الحسن عبد الرزاق - في الموضع السابق - حديث ٢٥٨٧، وانظر «سنن البيهقي» ٢: ٣٦، «المحلي» ٣: ٢٤٩، «المجموع» ٣: ٣٢٦.","vol":"1","page":56},{"text":"والنخعي (١) والثوري (٢) وابن سيرين (٣) وطاوس (٤)، وأبو حنفة (٥)، والشافعي (٦)، وأحمد في رواية عنه (٧)\nواذا نسي أن يتعوذ الركعة الأولى، تعوذ في الركعة الثانية عند الشافعي (٨). وقال الإمام أحمد «إن نسي التعوذ حتى شرع في القراه ة لم يعد إليه لذلك» (٩).\nواستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾.\nوبحديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة، ولم يسكت» (١٠).\nقال ابن القيم - (﵀) - في «زاد المعاد» (١١) بعدما ذكر الرواية عن أحمد: «الاكتفاء باستعاذة واحدة أظهر - ثم استدل بحديث أبي\n_________\n(١) أخرجه عن النخعي - عبد الرزاق - في الموضع السابق حديث ٢٥٨٦، وانظر أحكام القرآن للجصاص ٣: ١٩١، سنن البيهقي ٢: ٣٦ المجموع ٣: ٣٢٦.\n(٢) ذكره عن سفيان الثوري - النووي في «المجموع» ٣: ٣٢٦\n(٣) ذكره عن ابن سيرين الجصاص ٣: ١٩١.\n(٤) ذكره عن طاوس ابن حزم في «المحلي» ٣: ٢٤٩\n(٥) انظر «أحكام القرآن» للجصاص ٣: ١٩١، «فتح القدير» لابن الهمام ١: ٢٩٠.\n(٦) انظر «الأم» ١: ١٠٧، «المهذب» ١: ٧٩، «المجموع» ٣: ٣٢٢، «البيان» ص٦٥، «تفسير ابن كثير» ١: ٣٢.\n(٧) انظر «المسائل الفقهية» ٣/ ١١٥ - ١١٦، «زاد المعاد» ١: ٢٤١ - ٢٤٢.\n(٨) انظر «المجموع» ٣: ٣٢٤.\n(٩) «المغني» ٢: ١٤٥.\n(١٠) أخرجه مسلم - في المساجد ومواضع الصلاة - باب ما يقال عند تكبيرة الإحرام والقراءة - حديث ٥٩٩.\n(١١) ١: ٢٤٢، وانظر «المبسوط» ١: ١٣ - ١٤.","vol":"1","page":57},{"text":"هريرة ثم قال: «وإنما يكفي استعاذة واحدة، لأنه لم يتخلل القراءتين سكوت، بل تخللهما ذكر، فهي كالقراءة الواحدة، إذا تخللها حمد الله، أو تسبيح، أو تهليل، أو صلاة على النبي - ﷺ - ونحو ذلك».\nوعلى هذا فيكتفي المصلي بالاستعاذة في الركعة الأولى، ثم يبسمل، ويقرأ الفاتحة، فإن قرأ بعدها من أول سورة بسمل فقط، وإن قرأ من وسط السورة تركهما معًا، أما في بقية الركعات فيبسمل مع الفاتحة، وفي أول السورة فقط، ولا يستعيذ، لا مع الفاتحة ولا مع ما يقرأ بعاها.\nوذهب بعض العلماء إلى أن المصلي يتعوذ في كل ركعبة، لأن كلل ركعة لها قراءة مستقلة.\nوهو مروي عن النخعي (١) وابن سيرين (٢).\nوهو أحد الوجهين عند الشافعية (٣)، بل صححه بعضهم.\nقال النووي قي «التييات» (٤): «ويستحب التعوذ في الصلاة في كل ركعة على الصحيح من الوجهين عند أصحابنا». وهو رواية عن الإمام أحمد (٥). واختاره ابن حزم في\n_________\n(١) انظر «المحرر الوجيز» ١: ٤٨، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ٨٦.\n(٢) أخرجه عن ابن سيرين عبد الرزاق في الصلاة - باب متى يستعيذ - حديث ٢٥٩١، وانظر «المحلي» ٣: ٢٤٩.\n(٣) انظر «الأم» ١: ١٠٧، «المهذب» ١: ٧٩، «المجموع» ٣: ٣٢٢ - ٣٢٦.\n(٤) ص ٦٥.\n(٥) انظر «المسائل الفقهية» ص ٣/ ١١٥ - ١١٦، «زاد المعاد» ١: ٢٤١ - ٢٤٢.","vol":"1","page":58},{"text":"«المحلي» (١).\nوذهب الإمام مالك إلى أنه لا يتعوذ الرجل في المكتوبة، ولكن يتعوذ في قيام رمضان، وفي رواية في النافلة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>د - حكم الحهر بها، أو الإسرار:</span>\nأما في غير الصلاة فذهب جمهور القراء إلى أن القارئ، يجهر بالاستعاذة.\nقال مكي في «التبصرة» (٣): «المختار لجميع القراء، المعول عليه، أن يبدأ بأعوذ بالله من الشيطان الرجيم» يعني جهرًا.\nوذهب بعض القراء إلى أن القاراء يُسر بالاستعاذة.\nوهو مروي عن حمزة (٤)، ونافع (٥)، وقيل: إن نافعًا لا يتعوذ (٦).\nقال مكي في «الكشف عن وجوه القراءات السبع» (٧) بعدما ذكر\n_________\n(١) ٣: ٢٤٧.\n(٢) انظر «المدونة» ١: ٦٤، «المحرر الوجيز» ١: ٤٨، «أحكام القرآن» لابن العربي ٣: ١١٧٦، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ٨٦.\n(٣) ص ٢٤٦، وانظر «الكشف عن وجوه القراءات السبع» ١: ١١، «الإقناع في القراءات السبع» ١: ١٥٣، «المحرر الوجيز» ١: ٥٠، «النشر» ١: ٢٥٢ - ٢٥٤، «التسهيل لعلوم التنزيل» ١: ٣٠.\n(٤) انظر «التبصرة» ص ٢٤٥، «الإقناع في القراءات السبع» ١: ١٥٢، «النشر» ١: ٢٥٢.\n(٥) انظر «الإقناع في القراءات السبع» ١: ١٥٢.\n(٦) انظر «التبصرة» ص ٢٤٥، «الكشف عن وجوه القراءات السبع» ١: ١٢، «النشر» ١: ٢٥٢، ٢٥٣.\n(٧) ١: ١١.","vol":"1","page":59},{"text":"القول بالأسرار: «لئلا يظن ظان أو يتوهم متوهم أمه من القرآن، أو أنه فرض لازم».\nأما الذين اختاروا الجهر بها فقالوا: قد عُلم يقينًا أنها ليست من القرآنن فلا محذور في الجهر بها، وهو أولى لإغاظة الشيطان، ودفع وساوسه، وتعليم الجاهل، وتذكير المستمع إلى غير ذلك من فوائد الجهر بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>هـ - وأما حكم الجهر بها في الصلاة:</span>\nفهذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من القراء والفقهاء إلى مشروعية الأسرار بالاستعاذة في الصلاة: منهم الخلفاء الأربعة (١)، وعبد الله بن عمر (٢)، وعبد الله بن مسعود (٣)، وإبراهيم النخعي (٤).\nوبه قال أبو حنيفة (٥)، وأحمد بن حنبل (٦)، وهو وجه في مذهب\n_________\n(١) انظر «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» ٢٢: ٤٠٥، وانظر «المحلي» ٣: ٢٤٩.\n(٢) أخجره عن ابن عمر: الشافعي في «الأم» ١: ١٠٧، والبيهقي في الصلاة - باب الجهر بالتعوذ والإسرار به، من طريق الشافعي ٢: ٣٦.\n(٣) انظر «المحلي» ٣: ٢٤٩.\n(٤) أخرجه عن النخعي عبد الرزاق - في الصلاة - باب ما يخفي الإمام - الأثر ٢٥٩٦ - ٢٥٩٧، وانظر «المحلي» ٣: ٢٤٩.\n(٥) انظر «المبسوط» ١: ١٣، «فتح القدير» لابن الهمام ١: ٢٩١.\n(٦) انظر «مسائل الإمام أحمد» رواية ابنه عبد الله ص ٧٦، «المغني» ٣: ١٤٦، «النشر» ١: ٢٥٤.","vol":"1","page":60},{"text":"الشافعي (١)، وقول مالك في قيام الليل (٢).\nوذهب بعض أهل العلم إلى الجهر بالاستعاذة في الصلاة وهو مروي عن أبي هريرة (٣).\nوهو اختيار الشافعي في «الإملاء» (٤) قال: «يجهر بالتعوذ، وإن أسر فلا يضر».\nوقال بعضهم بالتخيير بين الجهر والإسرار. وهو وجه في مذهب الشافعي (٥).\nقال ابن أبي ليلى: «الإسرار والجهرسواء، هما حسنان» (٦).\nوالصحيح من أقوال أهل العلم، الإسرار بها، وعدم الجهر، إلا لحاجة كتعليم ونحوه.\nقال السرخسي (٧): «لأن الجهر بالتعوذ لم ينقل عن رسول الله - ﷺ -، ولوكان يجهر به لنقل نقلًا مستفيضًا ...».\n_________\n(١) انظر «الأم» ١: ١٠٧، «المهذب» ١: ٧٩، «تفسير ابن كثير» ١: ٣٢.\n(٢) انظر «النشر» ١: ٢٥٤.\n(٣) أخرجه عن أبي هريرة - الشافعي - في «الأم» ١: ١٠٧، والبيهقي في الصلاة - الجهر بالتعوذ والإسرار به من طريق الشافعي ٢: ٣٦، وانظر «المهذب» ١: ٧٩، «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٠٥.\n(٤) انظر «المجموع» ٣: ٣٢٤، «تفسير ابن كثير» ١: ٣٢، «النشر» ١: ٢٥٣ - ٢٥٤.\n(٥) انظر «الأم» ١: ١٠٧، «المجموع» للنووي ٣: ٣٢٤، «تفسير ابن كثير» ١: ٣٢، «النشر» ١: ٢٥٣.\n(٦) انظر «المجموع» ٣: ٣٢٦.\n(٧) في «المبسوط» ١: ١٣.","vol":"1","page":61},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (١): «الجهر بالتعوذ أحيانًا للتعليم ونحوه لا بأس به، كما كان عمر بن الخطاب، يجهر بدعاء الاستفتاح مدة (٢) ... وأما المداومة على الجهر بذلك، فبدعة، مخالفة لسنة رسول الله - ﷺ - وخلفائه الراشدين، فأنهم لم يكونوا يجهرون بذلك دائمًا، بل لم ينقل أحد عن النبي - ﷺ - أنه جهر الاستعاذة والله أعلم».\nوقال ابن الجزري (٣) «المختار في الصلاة الاخفاء».\nولكن إذا جهر الإمام ولم يسكت، قهل يستعيذ المأموم، أولًا، فيه قولان لأهل العلم، وهما روايتان عن الإمام أحمد (٤)، القول الأول يستعيد، والثاني لا يستعيذ. قال ابن تيمية (٥) «هو أصح، وهو قول أكثر العلماء كذلك والشافعي، وكذا أبو حنيفة فيما أظن».\n\nقلت وقد اختار القول الأول بأنه يستعيذ كما يبسمل - وإن لم يسكت الإمام - تبعًا لقراءة الفاتحة بعض أهل العلم (٦).\n****\n_________\n(١) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٠٥.\n(٢) أخرج مسلم - في الصلاة - حديث ٢٩٩ - عن عبدة أن عمر بن الخطاب، كان يجهر بهؤلاء الكلمات يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك». كما جهر ابن عباس في قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، وقال «لتعلموا أنها سنة» أخرجه البخاري - في الجنائز حديث ٦٢٣٥.\n(٣) في «النشر» ١: ٢٥٣، ٢٥٤. وانظر «غرائب القرآن» للنيسابوري ١: ١٦.\n(٤) انظر «المسائل الفقهية» ١: ١١٦.\n(٥) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٣٤١. وانظر ٢٣: ٢٨٠ - ٢٨٢.\n(٦) انظر ما يأتي ص ١٣٦.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المبحث السادس\nالمواضع التي تشرع فيها الاستعاذة</span>\nتشرع الاستعاذة في مواضع كثيرة منها ما يلي:\n١ - عند قراءة القرآن، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾ (٢).\n٢ - عند حصول نزغ من الشيطان، ووسوسة للإنسان، قال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَّمِيعُ عَلِيمُ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ (٦).\n٣ - عندما يوسوس الشيطان للمسلم في معتقده بربه. فعن أبي\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ٩٨.\n(٢) سورة الحج، الآية: ٥٢.\n(٣) سورة الأعراف: الآية ٢٠٠.\n(٤) سورة فصلت، الآية: ٣٦.\n(٥) سورة المؤمنون، الآية: ٩٧ - ٩٨.\n(٦) سورة الأعراف، الآية: ٢٠١.","vol":"1","page":63},{"text":"هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - فقال: «يأتي الشيطان أحدكم، فيقول: من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول من خلق ريك، فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته» متفق عليه (١).\n٤ - عندما يلبس الشيطان، على الإنسان في صلاته.\nفعن عثمان بن أبي العاص - ﵁ - أنه أتى النبي - ﷺ - فقال: يارسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي، وقراءتي، يلبسها علي فقال رسول الله - ﷺ -: «ذاك شيطان، يقال له خنزب، فإذا أحسسته، فتعوذ بالله منه، واتفل على يسارك ئلائًا، قال: ففعلت ذلك، فأذهبه الله عني» رواه مسلم (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان، وله ضراط حتى لايسمع التأذين، فإذا قضي الندا، أقبل، حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر، حتى إذا قضي التثويب أقبل، حتى يخطر بين المرء فى نفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى»، متفق عليه (٣).\n٥ - عند الغضب، فقد أخرج البخاري ومسلم عن سليمان بن صرد - ﵁ - قال استبَّ رجلان عند النبي - ﷺ - ونحن عنده\n_________\n(١) أخرجه البخاري في - بدء الخلق - باب صفة إبليس وجنوده - حديث ٣٢٧٦ ومسلم في الإيمان - باب بيان الوسوسة في الإيمان - الحديث ١٣٤.\n(٢) في السلام - باب التعوذ من شيطان الوسوسة في الصلاة - حديث ٢٢٠٣.\n(٣) أخرجه البخاري - في الأذان - باب فضل التأذين - حديث ٦٠٨، ومسلم في الصلاة - فضل الأذان حديث ٣٨٩.","vol":"1","page":64},{"text":"جلوس، وأحدهما يسب صاحبه، مغضبًا قد احمر وجهه، فقال النبي - ﷺ - «إني لأعلم كلمة لو قالها، لذهب عنه ما يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فقالوا للرجل: ألا تسمع ما يقول النبي - ﷺ - فقال: إني لست بمجنون» (١).\n٦ - عندما يرى الإنسان رؤيا يكرهها، فعن أبي قتادة - ﵁ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقو ل: «الرؤيا من الله والحلم من الشيطان، فإذا رأى أحدكم شيئًا يكرهه، فلينفث عن يساره ثلاثًا، ويتعوذ بالله من شرها، فإنها لن تضره»، وفي رواية: «وليتعوذ بالله من شر الشيطان وشرها ...، فإنها لن تضره» متفق عليه (٢).\nوعن جابر بن عبد الله - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها، فليبصق عن يساره، وليتعوذ بالله من الشيطان، ويتحول عن جنبه الذي كان عليه» رواه مسلم (٣).\n٧ - عند دخول المسجد. فعن عبد الله بن عمره بن العاص عن النبي - ﷺ - أنه: كان إذا دخل المسجد قال: «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم» (٤).\n_________\n(١) سبق تخريجه في الكلام على صيغ الاستعاذة في المبحث الأول، من هذا الفصل.\n(٢) أخرجه البخاري - في بدء الخلق - باب صفة إبليس وجنوده - حديث ٣٢٩٢، ومسلم - في أول كتاب الرؤيا - حديث ٢٢٦١.\n(٣) في الرؤيا - حديث ٢٢٦٢، وكذا رواه أبو داود - في الأدب - باب ما جاء في الرؤيا - حديث ٥٠٢٢، وابن ماجه - في تعبير الرؤيا - من رأى رؤيا يكرهها - حديث ٣٩٠٨.\n(٤) أخرجه أبو داود - في الصلاة - باب فيما يقوله الرجل عند دخول المسجد حديث ٤٦٦ وصححه الألباني حديث ٤٤١.","vol":"1","page":65},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا دخل أحدكم المسجد، فليسلم على النبي - ﷺ - ثم ليقل اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليسلم على النبي، وليقل اللهم اعصمني من الشيطان الرجيم» (١).\n٨ - عند سماع نهيق الحمار، ونُباخ الكلاب. فعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي قال: «إذا سمعتم صياح الديكة فسلوا الله من فضله، فإنها رأت ملكًا، وإذا سمعتم نهيق الحمار، فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنه رأى شيطانًا» متفق عليه (٢).\nوعن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - «إذا سمعتم نباح الكلاب، ونهيق الحمر بالليل فتعوذوا بالله فإنهن يرين مالا ترون» رواه أبو داود (٣).\n٩ - عند نزول منزل. فعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من نزلا منزلًا، ثم قال: أعوذ بكلمات الله التامات، من شر ما خلق، لم يضره شيء، حتى يرتحل من منزله ذلك» رواه\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه في الصلاة - باب الدعاء عند دخول المسجد حديث ٧٧٣ وصححه الألباني.\n(٢) أخرجه البخاري في بدء الخلق - باب خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال حديث - ٣٣٠٣، ومسلم - في الذكر - باب استحباب الدعاء عند صياح الديكة - حديث ٢٧٢٩.\n(٣) في الأدب - باب نهيق الحمير ونباح الكلاب - حديث ٥١٠٣، وصححه الألباني، حديث ٤٢٥٦.","vol":"1","page":66},{"text":"مسلم (١).\n١٠ - عند دخول الخلاء - فعن أنس - ﵁ - قال: كان النبي - ﷺ - إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» (٢).\n١١ - عندما يجد الإنسان وجعًا في جسده.\nفعن عثمان بن أبي العاص أنه شكا إلى رسول الله - ﷺ - فقال له رسول الله - ﷺ -: «ضع يدك على الذي يألم من جسدك، وقل: بسم الله ثلاثًا، وقل سبع مرات: أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر» رواه (٣).\n١٢ - عند الصباح والمساء وعند النوم.\nعن أبي هريرة أن أبا بكر الصديق - ﵁ - قال يا رسول الله مرني بكلمات أقولهن، إذا أصبحت، وإذا أمسيت، قال «قل اللهم فاطر الموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بالله من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه. قال: قلها إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك» (٤).\n_________\n(١) في - الذكر والدعاء - باب التعوذ من سوء القضاء ودرك الشقاء - حديث ٢٧٠٨.\n(٢) أخرجه البخاري - في الوضوء - باب ما يقول عند الخلاء - حديث ١٤٢، ومسلم في الحيض، باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء - حديث ٣٧٥.\n(٣) في السلام - باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء، حديث ٢٢٠٢.\n(٤) أخجره أبو داود - في الأدب - باب ما يقول إذا أصبح حديث ٥٠٦٧، والترمذي في الدعوات حديث ٣٣٩٢، وأحمد ٢: ٢٩٧، وصححه الألباني.","vol":"1","page":67},{"text":"١٣ - عند الفزع من النوم:\nعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا فزع أحدكم من النوم، فليقل: أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وشر عباده، ومن همزات الشياطين. وأن يحضرون» (١).\n١٤ - كما يشرع للمسلم أن يعوذ أولاده:\nفعن ابن عباس - ﵄ - قال: «كان النبي - ﷺ - يعوذ الحسن والحسن، ويقول: «أن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة» رواه البخاري (٢).\nإلى غير ذلك من الدافع والأوقات، التي تتأكد فيها مشروعية الاستعاذة، قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ (٣).\nقال ابن زيد: «في كل شيء من أمري» (٤).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود - في الطب - حديث ٣٨٩٣، والترمذي - في الدعوات حديث ٣٥٢٨ وصححه الألباني.\n(٢) في الأنبياء - باب (١٠) - حديث ٣٣٧١، وأخرجه أبو داود - في السنة - باب في القرآن حديث ٤٧٣٧، والترمذي - في الطب - حديث ٢٠٦٠، وابن ماجه - في الطب، حديث ٣٥٢٥، وأحمد ١: ٢٣٦، ٢٧٠.\n(٣) سورة المؤمنون، الآية: ٩٧ - ٩٨.\n(٤) أخرجه الطبري ١٨: ٥١ - الطبعة الثالثة.","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>المبحث السابع\nبيان أن شيطان الجن أعظم ضررًا من شيطان الإنس ومن النفس «المذمومة»</span>\nأ- شيطان الجن أعظم ضررًا من شيطان الإنس:\nقال ابن كثير (١) في كلامه على الاستعاذة: «وهي استعانة بالله، واعترافه له بالقدرة، وللعبد بالضعف والعجز، عن مقاومة هذا العدو المبين الباطني، الذي لا يقدر على منعه، ودفعه إلا الله، الذي خلقه، ولا يقبل مصانعة، ولا يدارى بالإحسان، بخلاف العدو من نوع الإنسان، كما دلت على ذلك آيات من القرآن، في ثلاث من المثاني، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ (٢).\nوقد نزلت الملائكة لمقاتلة العدو البشري، فمن قتله العدو الظاهر البشري كان شهيدًا، ومن قتله العدو الباطني كان طريدًا، ومن غلبه العدو الظاهري كان مأجورًا، ومن قهره العدو الباطني، كان مفتونًا، أو موزورًا، ولما كان الشيطان، يرى الإنسان من حيث لا يراه، استعاذ منه بالذي يراه، ولا يراه الشيطان» (٣).\n_________\n(١) في «تفسيره» ١: ٣٢.\n(٢) سورة الإسراء، الآية: ٦٥.\n(٣) انظر «غرائب القرآن» ١: ٢٢ - ٢٣.","vol":"1","page":69},{"text":"وقال ابن كثير - أيضًا (١) -: «فإن الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله، ولهدا أمر - تعالى - بمصانعة شيطان الإنس، ومداراته بإسداء الجميل إليه، ليرده طبعه عما هو فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن، لأنه لا يقبل رشوة، ولا يؤثر فيه جميل، لأنه شرير بالطبع، ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه، وهذا المعنى في ثلاث آيات من القرآن، لا أعلم لهن رابعة: قوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ (٢) فهذا ما يتعلق بمعاملة الأعداء من البشرن ثم قال ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ (٣)، وقال تعالى في سورة: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾ (٥)\nقال ابن الجزري (٦):\n_________\n(١) في «تفسيره» ١: ٣٣، وانظر «إغاثة اللهفان» ١: ١٥٥.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٩٩.\n(٣) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٠.\n(٤) سورة المؤمنون، الآية: ٩٦ - ٩٨.\n(٥) سورة فصلت، الآية: ٣٤ - ٣٦، انظر أيضًا ١: ٢٩ من تفسير ابن كثير، وانظر أيضًا كلامه في تفسير الآيات المذكورة من سورة الأعراف، وانظر «النشر» ١: ٢٥٦.\n(٦) في «النشر» ١: ٢٥٧.","vol":"1","page":70},{"text":"شيطاننا المغوي عدو فاعتصم ... بالله منه والتجى وتعوذ\nوعدوك الإنسان دار وداده ... تملكه وادفع بالتي فإذا الذي\n\nفشيطان الإنس، قد ينفع فيه العفو، أو الأمر بالمعروف، أو الإعراض، أو الإحسان. أما شيطان الجن، فلا يعصم منه إلا الاستعاذة بالله منه، لأن شيطان الجن متسلط، لا يريد إلا إغواء الإنسان، وإهلاكه، وهو خفي لا يرى كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ (١). ولأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، كما قال - ﷺ - «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم» (٢).\nفامره خطير، وكيده عجيب (٣)، فهو يتدرج بالإنسان - إن وجد سبيلًا إليه - حتى يوقعه بالكفر ويكبه في النار. قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ (٥).\nوإن لم يستطيع إيصاله إلى الكفر، بل إلى أعظم دركاته، فإنه\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ٢٧.\n(٢) أخرجه البخاري في الاعتكاف، وفي بدء الخلق حديث ٢٠٣٥، ٢٠٣٨، ٢٠٣٩، ٣٢٨١، ومسلم - في السلام - حديث ٢١٧٥ من حديث صفية في قصة مجيئها إلى النبي - ﷺ -، وهو معتكف وخروجه معها ليوصلها إلى البيت، وأخرجه - أيضًا - مسلم من حديث أنس حديث ٢١٧٤.\n(٣) من أجود ما ألف في مكايد الشيطان ما كتبه ابن القيم في كتابه «إغاثة اللهفان» ١: ١٦٣ وما بعدها. وانظر «التفسير القيم» ص ٦٠٩ - ٦١٤. وانظر «تلبيس إبليس» لابن الجوزي.\n(٤) سورة الحشر، الآية: ١٦.\n(٥) سورة مريم، الآية: ٨٣.","vol":"1","page":71},{"text":"لا يكف حتى يوصله إلى أقصى حد يمكنه إيصاله إليه، ولو كان دون الكفر، فيوقعه في البدعة، فإن لم يستطع أوقعه في الكبائر، فإذ لم يستطع أوقعه في الصغائر، فإن لم يستطع ثبطه عن الطاعات وشغله بالمباحات، فإن لم يستطع شغله بالمفضول عن الفاضل، فإن لم يستطع ذلك أتاه من باب الإعجاب والكبر والرياء، وهذا - في الغالب - مدخله على كثير من العباد والعلماء وذوي الجاه والسلطان والكرم والشجاعة ونحوهم، فليحذر العاقل اللبيب، من ذلك فإن الشيطان عندما يعجز عن حمله على ترك واجب أو انتهاك محرم ظاهر، فإنه يأتيه من هذا المدخل الخفي فيحبط عمله، وهو لا يدري. فإن لم يدرك منه شيئًا من هذه المراتب وأعيته فيه الحيل سلط عليه حزبه من شياطين الإنس والجن يبدعونه ويفسقونه ليشوش عليه قلبه ويمنع الناس من الانتفاع به فيبقى في مدافعة وتسلط هؤلاء الشياطين لا يفتر جتى يأتيه من ربه اليقين (١).\nب- الشيطان أعظم ضررًا على الإنسان من النفس «المذمومة» (٢)، بل إن النفس المذمومة كل ما يحصل منها من شر وفساد، إنما هو بسبب تزيين الشيطان، ووسوسته، لأنها مركب الشيطان، والأداة لتنفيذ شره، ولهذا أكثر الله في القرآن الكريم من ذكر الشيطان، وذمه، والتحذير منه، في مواضع كثيرة جدًا. وأمر بالاستعاذة منه عند قراءة القرآن. بينما ذكر النفس المذمومة في ثلاثة مواضع فقط، في قوله -\n_________\n(١) انظر «بدائع الفوائد» ١: ٢٦٠ - ٢٦٢.\n(٢) انظر «إغاثة اللهفان» ١: ١٤٥.","vol":"1","page":72},{"text":"تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوء﴾ (١)، وقوله: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَة﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ (٣).\nولم يأمر بالاستعاذة منها في موضع واحد من القرآن، وإنما جاءت الاستعاذة من شرها بالسنة، كما في حديث أبي هريرة، في تعليم النبي - ﷺ - لأبي بكر كلمات يقولهن إذا أصبح، وإذا أمسى، وإذا أخذ مضجعه، وفيهن أمره - ﷺ - له أن يقول «أعوذ بالله من شر نفسي» (٤).\nوفي خطبة الحاجة كما في حديث ابن مسعود قال: علمنا رسول الله - ﷺ - خطبة الحاجة: «إن الحمه لله نستعينه ونستغفره ونعوذ به من شرور أنفسنا ... الحديث» (٥).\n****\n_________\n(١) سورة يوسف، الآية: ٥٣.\n(٢) سورة القيامة، الآية: ٢.\n(٣) سورة النازعات، الآية: ٤٠\n(٤) سبق تخريجه في المواضع التي تشرع فيها الاستعاذة المبحث السادس.\n(٥) رواه أبو داود - في النكاح - خطبة النكاح - حديث ٢١١٨ وصححه الألباني حيث ١٨٦٠.","vol":"1","page":73},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-24>المبحث الثامن\nالسبيل للخلاص من شر الشيطان ومكايده</span>\nابتلى الله آدم وذريته، بعداوة إبليس لهم، عداوة متأصلة، قديمة منذ أن تكبر عن السجود لآدم وحسده، وتسبب في إخراجه من الجنة، قال الله - تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾ (١). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (٥٣)﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾ (٤).\nوقد أقسم - لعنه الله - على أنه سيعمل جاهدًا على إغواء بني آدم، فقال: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ (٥)، وقال - أيضًا - ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)﴾ (٦)، وقال: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦)﴾ (٧).\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ٢٧.\n(٢) سورة فاطر، الآية: ٦.\n(٣) سورة الإسراء، الآية: ٥٣.\n(٤) سورة الكهف، الآية: ٥٠.\n(٥) سورة ص، الآية: ٨٢ - ٨٣.\n(٦) سورة الحجر، الآية: ٣٩.\n(٧) سورة الأعراف، الآية: ١٦.","vol":"1","page":74},{"text":"وقد جعل الله له سلطانًا على الذين يتولونه، فقال: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ﴾ (٢).\nوقد طلب أن يُنظر إلى يوم القيامة، فأعطاه الله ذلك، ابتلاء واختبارًا للعباد، فقال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)﴾ (٣).\nوهو ساع بكل الوسائل والحيل، إلى إغواء بني آدم، وإهلاكهم، فعلى المسلم أن يحذر من هذا العدو، وأن يعلم أن أسباب الخلاص منه، وأسباب حفظ الله للعبد من شر الشيطان ومكايده تتلخص فيما يلي:-\nأولًا: بالإيمان والعمل الصالح، ولزوم الكتاب والسنة، وطاعة الله - تعالى - والتوكل عليه، قال الله - تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩)﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٥).\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ١٠٠.\n(٢) سورة الإسراء، الآية: ٦٤.\n(٣) سورة الحجر، الآية: ٣٨، وسورة ص، الآية: ٨١.\n(٤) سورة النحل، الآية: ٩٩.\n(٥) سورة الحجر، الآية: ٦٥.","vol":"1","page":75},{"text":"وعن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من صلى الصبح فهو فى ذمة الله ...» الحديث رواه مسلم (١) ومفهوم هذا الحديث، وأمثاله أن من لم يصل الصبح فليس في ذمة الله، بل هو عرضه لتخبط الشيطان. وهكذا - بلا شك - كل تقصير في أداء ما أوجب الله - تعالى، فهو سبب لفقدان الأمان، الذي وعد الله به أهل الإيمان (٢)، ومقرب من المخاوف ومصائد الشيطان.\nثانيًا: البعد عن معاصي الله لأن ما يصيب الإنسان من مصائب، ومنها تسلط الشيطان، فهو بسبب الذنوب والمعاصي .. قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١)﴾ (٤).\nفينبغي تطهير القلب والنفس والجوارح عن كل ما نهى الله عنه، من الاعتقادات والأعمال التي تكون مجلبة للشيطان وسببًا لبعد الملائكة عن الإنسان.\nكالتعلق بالغناء والمزامير، قال تعالى مخاطبًا الشيطان: ﴿وَاسْتَفْزِزْ\n_________\n(١) في المساجد ومواضع الصلاة - باب فضل صلاة العشاء والصبح في جماعة حديث ٦٥٧.\n(٢) كما في الحديث السابق، وكما في قوله - تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ سورة الأنعام، الآية: ٨٢.\n(٣) سورة الشورى، الآية: ٣٠.\n(٤) سورة الروم، الآية: ٤١.","vol":"1","page":76},{"text":"مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «الجرس مزامير الشيطان» رواه مسلم (٢).\nوكاقتناء الصور والتماثيل والكلاب. فعن ابن عمر - ﵄ - أن جبريل قال للنبي - ﷺ -: «إنا لا ندخل بيتًا فيه صور ولا كلب» رواه البخاري (٣).\nعن أبي طلحة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة تماثيل» متفق عليه (٤).\nوكاقتناء الصليب، فعن عائشة - ﵂ - «أن النبي - ﷺ - لم يكن يترك في بيته شيئًا فيه تصاليب إلا نقضه» (٥).\nإلى غير ذلك من المعاصي الظاهرة والباطنة التي ينبغي البعد عنها والحذر منها.\nثالثًا: الاستعاذة بالله من الشيطان وهمزاته ووساوسه، وجميع شروره، والحذر منه، والاعتصام بالله - تعالى - والالتجاء إليه،\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية: ٦٤.\n(٢) أخرجه مسلم - في اللباس - باب كراهة الكلب والجرس في السفر - حديث ٢١١٣ - ٢١١٤. وأخرج أبو داود - في الخاتم - باب في الجلاجل - حديث ٤٢٣١ عن عائشة قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه جرس» وحسنه الألباني.\n(٣) في بدء الخلق حديث ٣٢٢٧.\n(٤) أخرجه البخاري في بدء الخلق حديث ٣٢٢٥، ومسلم في اللباس حديث ٢١٠٦.\n(٥) أخرجه البخاري - في اللباس - باب نقض الصور، حديث ٥٩٥٢.","vol":"1","page":77},{"text":"بالألفاظ التي صحت في الاستعاذة، وبالمعوذتين، فإنه ما تعوذ متعوذ بمثلهما. وملازمة ذلك في جميع المواضع والأوقات التي شرع فيها التعوذ - مع الاعتقاد الجازم بأن النفع والضر بيد الله، وأنه - جل - وعلا - هو القادر على دفع شر الشيطان، مع قوة الاعتماد على الله والثقة. بهء وتيقن أن كيد الشيطان ضعيف، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ (١)، فغاية ما عنده الوسوسة كما قال - ﷺ - «الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة» (٢).\nومع أن له تسلطًا على بني آدم، فهو لا يعلم الغيب، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَاكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ (٦)، وأيضًا - وكما تقدم - فليس له سلطان\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٧٦.\n(٢) أخرجه أبو داود - في الأدب - باب في رد الوسوسة حديث ٥١١٢ - من حديث ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إن أحدنا يجد في نفسه يعرض بالشيء، لأن يكون حممة أحب إليه من أن يتكلم به فقال: «الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة». وصححه الألباني، صحيح سنن أبي داود، حديث ٤٢٦٤، وأخرجه الإمام أحمد ١: ٣٤٠.\n(٣) سورة سبأ، الآية: ١٤.\n(٤) سورة النمل، الآية: ٦٥.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.\n(٦) سورة الشعراء، الآية: ٢١٢.","vol":"1","page":78},{"text":"على الذين آمنوا. قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ (١).\nوتسلطه على كثير من المسلمين، وتزيينه لهم المعاصى، إنما هو بسبب ضعف إيمانهم ووقوعهم فى المعصية، المؤدية بهم إلى ما هو أعظم منها، كما قال تعالى عن الكفار: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٣) وقال - ﷺ -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (٤): أى أن إيمانه يضعف فيتسلط عليه الشيطان فيوقعه فى الزنا والمعاصي المذكورة فى الحديث، وغيرها.\nرابعًا: ملازمة قراءة القرآن فذلك مما يحصن المسلم ويحفظه بإذن الله من الشياطين. قال تعالى: ﴿إِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ (٦). وعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، فإن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة» رواه مسلم (٧). وإذا نفر الشيطان حفت\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية: ٦٥.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١١٠.\n(٣) سورة الصف، الآية: ٥.\n(٤) أخرجه ابن ماجه في الفتن - باب حرمة دم المؤمن وماله - حديث ٣٩٣٦، من حديث أبي هريرة - ﵁ - وصححه الألباني.\n(٥) سورة الإسراء، الآية: ٤٦.\n(٦) سورة الزخرف، الآية: ٣٦.\n(٧) في صلاة المسافرين - حديث ٧٨٠.","vol":"1","page":79},{"text":"الملائكة بالإنسان، كما في حديث أبي سعيد الخدري في قصة أسيد حضير حين قام يقرأ القرآن، فجالت فرسه، وفيه ذكر شهود الملائكة لقراءته (١).\nخامسًا: ملازمة الأذكار والأدعية والأوراد الموظفة اليومية كأدعية الصباح والمساء والنوم وغيرها. قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (٢٠٥)﴾ (٢). فإن ملازمة هذه الأذكار، مما يحفظ الله به المسلم من الشيطان. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ (٣).\nوفي حديث أبي هريرة في قصة مجئ الشيطان إليه عندما كان يحرس الطعام وفيه «إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي، لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان، حتى تصبح» رواه البخاري (٤).\nوفي حديث أبي مسعود الأنصاري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من قرأ الآيتين، من آخر سورة البقرة كفتاه» متفق عليه (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في فضائل القرآن - حديث ٥٠١٨، ومسلم في صلاة المسافرين حديث ٧٩٦.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٥.\n(٣) سورة الأعراف، الآية: ٢٠١.\n(٤) أخرجه البخاري في بدء الخلق - باب صفة إبليس وجنوده حديث ٣٢٧٥.\n(٥) أخرجه البخاري - في المغازي - حديث ٤٠٠٨، ومسلم في صلاة المسافرين حديث ٨٠٨.","vol":"1","page":80},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتب له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيثة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك، حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر من ذلك» متفق عليه (١).\nوكما في حديث أبي هريرة من أن الشيطان إذا سمع الأذان أدبر وله ضراط (٢).\nسادسًا: أن يجعل المسلم شيئًا من صلاة النوافل في بيته، بل الأولى أن تكون النوافل كلها في البيت لقوله - ﷺ -: «أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة» متفق عليه (٣).\nوذلك أن صلاة النوافل في البيت مما يطرد الشيطان، ولهذا قال: - ﷺ -: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا» متفق عليه (٤).\nوذلك لأن المقابر، والأماكن الخربة، والمستقذرة، مساكن\n_________\n(١) أخرجه البخاري - في بدء الخلق - باب صفة إبليس وجنوده حديث ٣٢٩٣، ومسلم - باب الذكر - باب فضل التهليل، حديث ٢٦٩١.\n(٢) سبق تخريجه في المواضع التي تشرع فيها الاستعاذة في المبحث السادس.\n(٣) أخرجه من حديث زيد بن ثابت البخاري - في الأذان - باب صلاة الليل حديث ٧٣١، ومسلم في صلاة المسافرين - باب استحباب صلاة النافلة في بيته حديث ٧٨١.\n(٤) أخرجه من حديث ابن عمر - ﵄ - البخاري في التهجد - باب التطوع في البيت حديث ١١٨٧، ومسلم في صلاة المسافرين حديث ٧٧٧.","vol":"1","page":81},{"text":"الشياطين، حيث تخلو هذه الأماكن من ذكر الله.\nسابعًا: الإمساك عن فضول النظر والكلام والطعام ومخالطة الأنام فإن الشيطان إنما يتسلط على ابن آدم وينال منه غرضه من هذه الأبواب (١).\nفهذا مجمل الأسباب التي بها يخلص الله الإنسان، ويحفظه من شر الشيطان ومكائده، والتي تبين بها ضعف كيد الشيطان أمام قوة الإيمان والاعتصام بالملك الديان.\nوبهذا يرد على الذين يسهولون من أمر الشيطان سواء كان ذلك منهم عن جهل مع حسن النية والمعتقد أو كانوا ممن ابتلوا بخدمة هؤلاء الشياطين لأغراض مادية ونحو ذلك ولو كان ذلك على حساب دينهم، حتى صار فئام من الناس يتخوفون من الشياطين ويصدقونهم ويعتقدون فيهم ما لا يجوز اعتقاده من أنهم يعلمون الغيب. ويستطيعون أن يفعلوا، وأن يفعلوا، وهذا باطل، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ (٥).\n****\n_________\n(١) انظر «بدائع الفوائد» ٢: ٢٦٧ وما بعدها.\n(٢) سورة سبأ، آية: ٢٢.\n(٣) سورة النمل، آية: ١٧٩.\n(٤) سورة آل عمران، آية: ١٧٥.\n(٥) سورة الإسراء، الآية: ٦٥.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>الفصل الثاني\nالبسملة: معناها، وأحكامها</span>\nوفيه تسعة مباحث:\nالمبحث الأول: لفظ البسملة، وإعرابها.\nأ- لفظها.\nب - إعرابها.\nالمبحث الثاني: معنى البسملة.\nالمبحث الثالث: هل البسملة آية مستقلة من القرآن الكريم، أو من سورة الفاتحة، أو من كل سورة سوى «براءة»، أو ليست بآية؟.\nالمبحث الرابع: السبب في عدم كتابة البسملة في مطلع سورة براءة.\nالمبحث الخامس: حكم قراءة البسملة في غير الصلاة.\nالمبحث السادس: حكم قراءة البسملة في الصلاة.\nالمبحث السابع: حكم البسملة من حيث الجهر بها والإسرار هي الصلاة، أو خارجها.\nالمبحث الثامن: المواضع التي تشرح فيها البسملة.\nالمبحث التاسع: فوائد البسملة، والأحكام التي تضمنتها.","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المبحث الأول\nلفظ البسملة، وإعرابها</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>أ - لفظها:</span>-\nلفظ البسملة المشروع هو: بسم الله الرحمن الرحيم عند جميع القراء (١)، وباتفاق أهل العلم. فلا يصح أن يقال عند القراءة: باسمك اللهم اقرأ، ولا عند الذبح: باسمك اللهم أذبح ...، ولا يصح استبدال لفظ الجلالة «الله» ولا اسمي «الرحمن»، «الرحيم» بغيرها من أسمائه - جل وعلا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>ب - إعرابها:</span>-\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\nبسم الله: الباء حرف الجر.\nاسم: اسم مجرور بالباء، وعلامة جره الكسرة، وحذفت منه الألف لفظًا وخطًا، تخفيفًا لكثرة الاستعمال (٢)، ولا تحذف إلا مع لفظ الحلالة، ولهذا أثبتت في قوله تعالى: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (٣).\n_________\n(١) انظر «الإقناع» ١: ١٦٣.\n(٢) قالوا: وطولت الباء في البسملة في القرآن الكريم تعظيمًا لكتاب الله ﷿، وقيل لما أسقطوا الألف ردوا طولها على الباء، ليدل على السقوط، وقيل طولت تقليدًا لكتاب نبي الله سليمان ﵇ إلى بلقيس. والله أعلم.\n(٣) انظر: «معاني القرآن وإعرابه» للفراء ١: ١ - ٢، «مشكل إعراب القرآن» لمكي ١: ٦٥ - ٦٦، «معالم التنزيل» للبغوي ١: ٣٧، «المحرر الوجيز» لابن عطية ١: ٥٤، «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ١: ٩٩، «شرح البسملة والحمدلة» لابن عبد الحق ١٥/ أ.","vol":"1","page":84},{"text":"وهو نائب عن المصدر «تسمية» كقول القطامي (١).\nأكفرا بعد رد الموت عني ... وبعد عطائك المائة الرتاعا\n\nأي بعد إعطائك، فأناب «عطاء» عن المصدر «إعطاء» (٢) وهذا كثير في اللغة.\nوالجار والمجرور في محل نثب متعلقان بفعل محذوف (٣). قدره الكوفيون متقدمًا، نحو: أبتداء باسم الله، أو ابتدأ باسم الله، على الأمر، كقوله تعالى: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وقدره بعضهم متأخرًا نحو: باسم الله أبتداء، باسم الله أقرأ.\nأو متعلق باسم محذوف وقع خبرًا، قدره البصريون وأكثر النحويين متقدمًا نحو ابتدائي كائن، أو مستقر باسم الله، أو ابتدائي باسم الله.\nوقدره بعضهم اسمًا متأخرًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤) فـ (بسم الله) متعلق\n_________\n(١) ديوانه «٤١»، «الشعر والشعراء» ص ٧٢٣، «العيني» ٣: ٥٠٥ - ٥٠٨، «الخزانة» ٨: ١٣٦ - ١٣٨، (الشاهد ٥٩٩).\n\nوهو بغير نسبة في «الأمالي الشجرية» ٢: ١٤٢، «شرح شذور الذهب» ص ٤١٢.\n(٢) انظر «تفسير الطبري» ١: ١١٦.\n(٣) ذكر ابن القيم - ﵀ - في «بدائع الفوائد» ١: ٢٥ عدة فوائد لحذف العامل في بسم الله. فلتراجع.\n(٤) سورة هود، آية: ٤١.","vol":"1","page":85},{"text":"بـ (مجريها). وكل هذه التقادير صحيحة (١).\nلكن الأولى - كما اختاره بعض المحققين - أن يكون المقدر فعلًا متأخرًا خاصًا: أي مناسبًا لما يسمى علية.\nفكونه فعلًا لأن الأصلى في العمل هو الأفعال، فهي تعمل بدون شروط، أما الأسماء فما يعمل منها كاسم الفاعل، واسم المفعول، والصفة المشبهة، إنما يعمل بشروط.\nوكونه متأخرًا تيمنًا وتبركًا بالبداءة باسم الله، ولإفادة الحصر (٢)، لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٣). فالمعنى: لا أقرأ إلا باسم الله، ولا أتوضأ إلا باسم الله، ولا أذبح إلا باسم الله، وهكذا وكونه خاصًا مناسبًا لما يسمى عليه ليكون أدل على المقصود، وأبين للمراد (٤).\nفعند القراءة يكون التقدير: باسم الله أقرأ، وعند الوضوء: باسم\n_________\n(١) أنظر «أحكام القرآن» للجصاص ١: ٦، «مشكل إعراب القرآن» ١: ٦٦، «المحرر الوجيز» ١: ٥٤، «التفسير الكبير» ١: ١٠١، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ٩٩ «مجموع الفتاوى» ١٠: ٢٣١، «تفسير ابن كثير» ١: ٣٨ - ٣٩، «شرح البسملة والحمدلة» لابن عبد الحق ٦ - ٩.\n(٢) الحصر: هو إثبات الحكم المذكور ونفيه عما عداه، أي ابتدئ بسم الله وحده دون سواه.\n(٣) انظر «الكشاف» ١: ٤ - ٥، «التفسير الكبير» ١: ١٠١ - ١٠٢، «تفسير ابن كثير» ١: ٣٩، «أنوار التنزيل» ١: ٥، «شرح البسملة» لأبي زكريا الأنصاري ١/ أ، «شرح البسملة والحمدلة» لابن عبد الحق ٨/ ب.\n(٤) انظر «الكشاف» ١: ٤ - ٥، «مجموع الفتاوى» ١٠: ٢٣١، «أنوار التنزيل» للبيضاوي ١: ٥.","vol":"1","page":86},{"text":"الله أتوضأ، وعند الذبح: باسم الله أذبح، وهكذا (١).\nويدل على التخصيص قوله تعالى في الآيتين السابقتين: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ (٢)، وقوله: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ وقوله - ﷺ -: «ومن لم يذبح فيلذبح باسم الله» (٣) فقدر في الآية الأولى اسمًا خاصًا، وهو مجريها، وفي الآية الثانية فعلًا خاصًا وهو اقرأ وفي الحديث فعلًا خاصًا وهو «يذبح».\nالله: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور، وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره.\nالرحمن الرحيم: صفتان للفظ الجلالة، كل منهما مجرورة، وعلامة جرها الكسرة الظاهرة على آخرها.\n****\n_________\n(١) انظر: «تفسير الطبري» ١: ١١٥ - ١١٦، «مجموع الفتاوى» ١٠: ٢٣١، «تفسير ابن كثير» ١: ٣٩، «أنوار التنزيل» ١: ٥، «تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد» ص ٢٦ - ٢٧.\n(٢) سورة هود، الآية: ٤١.\n(٣) أخرجه من حديث جندب بن عبد الله - البخاري في العيدين - الحديث ٩٨٥، ومسلم في الأضاحي - باب وقتها - الحديث ١٩٦٠.","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>المبحث الثاني\nمعنى البسملة</span>\nبسم الله: الباء للاستعانة: أي بسم الله أقرأ، أو أتوضأ، مستعينًا به، ومتيمنًا، ومتبركًا (١).\nواسم: الاسم مأخوذ من الوسم، وهو العلامة، لأن الاسم علامة على من وضع له، وهذا اختيار الكوفيين وطائفة من النحويين.\nوذهب البصريون وأكثر النحويين إلى أنه مأخوذ من السمو، وهو العلو والارتفاع، لأن الاسم يسمو بالمسمى، فيرفعه عن غيره، وقيل لأن الاسم علا بقوته على الفعل والحرف، لأنه الأصل.\nوقول الكوفيين أظهر من حيث المعنى، وهو أن الاسم علامة على من وضع له، لكن تصريف اسم وجمعه يقوي قول البصريين: إنه من السمو، وهو العلو والارتفاع فهو يجمع على أسماء وأسامي، ويصغر على سمي، ولو كان من السمة، لكان أصله «وسم»، وجمع على «أوسام»، وصغر على «وسيم» لأن الجمع والتصغير يردان الأشياء إلى أصولها (٢).\n_________\n(١) انظر «البحر المحيط» ١: ١٤، «تفسير ابن كثير» ١: ٣٩، «أنوار التنزيل» ١: ٦، «شرح البسملة» لأبي زكريا الأنصاري ١/ أ، «شرح البسملة والحمدلة» لأحمد بن عبد الحق ٦/ أ، «رسالة إسماعيل بن غنيم الجوهري في البسملة» ٦/ أ، «رسالة الصبان الكبرى في البسملة» ٦/ أ، «رسالة الصبان الكبرى في البسملة» ٨/ ب.\n(٢) انظر «مشكل إعراب القرآن» لمكي ١/ ٦٦، «معالم التنزيل» ١: ٣٨، «الكشاف» ١: ٥، «المحرر الوجيز» ١: ٥٥، «التفسير الكبير» ١: ١٠٨، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٠١، «غرائب القرآن» للنيسابوري ١: ٦٠، «لباب التأويل» للخازن ١: ١٣، «الدر المصون» ١: ١٩ - ٢١، «أنوار التنزيل» ١: ٦.","vol":"1","page":88},{"text":"وقد لا يمتنع أن يكون الاسم مأخوذًا من المعنيين معًا، لأن الاسم يظهر المسمى، فيكون فيه معنى العلو والارتفاع، ويميزه عن غيره فيكون فيه معنى العلامة.\nواسم: اسم مفرد أضيف إلى لفظ الجلالة - كما تقدم - وهو معرفة، فاستفاد العموم، فيعم جميع أسماء الله الحسنى، فالمعنى بكل اسم من أسماء الله (١).\nو«الله» علم على «الرب» ﵎ خاص به سبحانه ولا يجوز أن يسمى به غيره. قال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ (٢). قال سيبويه «وهو أعرف المعارف» وهو أصل أسمائه الحسنى، ودال عليها جميعًا، وعلى صفاته العليا (٣). بل قيل إنه الاسم الأعظم (٤).\nوتأتي أسماء الله - تعالى - تابعة لهذا الاسم، وأوصافًا له، ومضافة إليه (٥) قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ\n_________\n(١) انظر «تفسير ابن كثير» ١: ٤٠.\n(٢) سورة مريم، الآية: ٦٥.\n(٣) انظر «مدارج السالكين» ١: ٥٦.\n(٤) انظر «التفسير الكبير» ١: ١١٥، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٠٢، «غرائب القرآن» ١: ٦٢، «تفسير ابن كثير» ١: ٤٠، «روح البيان» ١: ٢. وانظر الأحاديث الواردة في الاسم الأعظم ضمن الفائدة الرابعة والثلاثين من هذه السورة فيما يأتي.\n(٥) انظر «مدارج السالكين» ١: ٥٦.","vol":"1","page":89},{"text":"الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾ (١).\nوقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٢).\nوقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (٤).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: قال: «إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة» متفق عليه (٥).\nولهذا يقال: الرحمن والرحيم والحكيم من أسماء الله، ولا يقال: الله من أسماء الرحمن، أو من أسماء الرحيم أو من أسماء الحكيم.\nوقد يأتي لفظ الجلالة «الله» تابعًا لغيره من الأسماء، كما في قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي\n_________\n(١) سورة الحشر، الآية: ٢٢ - ٢٤.\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.\n(٣) سورة الإسراء، الآية: ١١٠.\n(٤) سورة طه، الآية: ٨.\n(٥) أخرجه البخاري - في الدعوات - باب لله مائة اسم غير واحد - حديث ٦٤١٠، ومسلم - في الذكر - باب في أسماء الله - تعالى، وفضل من أحصاها - حديث ٢٦٧٧، وانظر: «تفسير ابن كثير» ١: ٤٠.","vol":"1","page":90},{"text":"الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢)﴾ (١). فلفظ الجلالة «الله» على قراءة الجر عطف بيان، تابع للاسم الذي قبله.\nواختلف هل لفظ الجلالة (الله) مرتجل أو مشتق. فقيل إنه مرتجل غير مشتق، والألف واللام لازمه له، لا لتعريف، ولا لغيره، بدليل دخول حرف النداء عليه، وبدليل أنه لا يثنى، ولا يجمع. وهو اختيار الخليل وسيبويه والزجاج وأكثر الأصوليين والفقهاء (٢).\nوالصحيح أنه مشتق من «أله» إذا عبد، فهو مصدر في موضع المفعول، من أله الرجل يأله إلهه إذا تعبد وتأله وتنسك (٣). قال تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿أَءلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ (٦).\nقال رؤبة بن العجاج (٧).\n_________\n(١) سورة إبراهيم، الآيتان: ١ - ٢.\n(٢) انظر «تفسير أسماء الله الحسنى» للزجاجي ص ٢٥، «معالم التنزيل» ١: ٣٨، «المحرر الوجيز» ١: ٥٧، «زاد المسير» ١: ٩، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٠٢ - ١٠٣، «الباب التأويل» ١: ١٣، «تفسير ابن كثير» ١: ٤٠ - ٤١.\n(٣) انظر «تفسير الطبري» ١: ١٢٣، «معالج التنزيل» ١: ٣٨، «المحرر الوجيز» ١: ٥٧، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٠٣، «لسان العرب» مادة «أله»، «لباب التأويل» ١: ١٣، «بدائع الفوائد» ١: ٢٣٠٢٢، «تفسير ابن كثير» ١: ٤٠، «أنواع التنزيل» ١: ٦.\n(٤) سورة الأنعام، الآية: ٣.\n(٥) سورة الزخرف، الآية: ٨٤.\n(٦) سورة النمل، آية: ٦٠ - ٦٤.\n(٧) «ديوانه» ص ١٦٥.","vol":"1","page":91},{"text":"لله در الغانيات المده ... سبحان واسترجعن من تألهي\n\nأي من تعبدي وطلبي لله بعملي (١).\nوأصله «إله» حذفت منه الهمزة، وعوض منها حرف التعريف (٢).\nونظيره «الناس»، أصله «أناس». قال الشاعر:\nإن المنايا يطلـ ... ـن على الأناس الآمنينا (٣)\n\nواختار سيبويه أن أصله «لاه»، فدخلت الألف واللازم للتعظيم (٤).\nوأنشدوا قول ذي الإصبع العدواني (٥):\nلاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتخزوني\n\nقال الزمخشري (٦): «الإله من أسماء الأجناس، اسم يقع على كل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق، أما «الله» بحذف الهمزة، فيختص بالمعبود بالحق لم يطلق على غيره».\n_________\n(١) انظر «تفسير الطبري» ١: ١٢٣، «المحرر الوجيز» ١: ٥٧، «تفسير ابن كثير» ١: ٥٧.\n(٢) انظر «اشتقاق أسماء الله الحسنى» للزجاجي ص٢٦ - ٤٢، «الناسخ والمنسوخ» لأبي جعفر النحاس ٢: ٤٣٣، «مشكل إعراب القرآن» ١: ٦٦ - ٦٧، «الكشاف» ١: ٦، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٠٢، «الدر المصون» ١: ٢٣ - ٢٩، «أنوار التنزيل» ١: ٦، «تفسير ابن كثير» ١: ٤٠، «تيسير العزيز الحميد» ص٢٨ - ٢٩.\n(٣) البيت لذي جرن الحميري، انظر «اشتقاق أسماء الله الحسنى» ص٣٢، وانظر «الكشاف» ١: ٦.\n(٤) انظر «الكتاب» ٢: ١٨٥، ٣: ٤٩٨.\n(٥) انظر «اشتقاق أسماء الله الحسنى» ص٣٤، «المفضليات» ١٦٠، «مجالس العلماء» ٧١، «أمالي القالي» ١: ٢٥٥، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٠٢، «تفسير ابن كثير» ١: ٤٠.\n(٦) في «تفسيره» ١: ٦.","vol":"1","page":92},{"text":"ومعنى «الله»:\nأي المألوه المعبود الذي تعبده الخلائق، وتتأله له محبة وتعظيمًا وخضوعًا له، وفزعًا إليه في الحوائج والنوائب (١)، لما له من صفات الألوهية، وهي صفات الكمال (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣). «فإن الله سبحانه هو المستحق للعبادة لذاته لأنه المألوه المعبود الذي تألهه القلوب وترغب إليه، وتفزع إليه عند الشدائد».\nوقال ﵀ (٤): «الله وهو الإله المعبود، فهذا الاسم أحق بالعبادة يتضمن غاية العبد ومصيره ومنتهاه، وما خلق له، وما فيه صلاحه وكماله، وهو عبادة الله، ولهذا يقال: الله أكبر، الحمد لله، سبحان الله، لا إله إلا الله».\nالرحمن الرحيم: اسمان من أسماء الله - تعالى - مشتقان من الرحمة،\nوعن عبد الرحمن بن عوف، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «قال الله: أنا الرحمن، وهي الرحم، شققت لها اسمًا من اسمي، من وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته» (٥). فالرحمن والرحيم مشتقان من\n_________\n(١) انظر «مدارج السالكين» ١: ٥٦.\n(٢) انظر «تيسير الكريم الرحمن» ١: ٣٣.\n(٣) في «مجموع الفتاوى» ١: ٨٨.\n(٤) في «مجموع الفتاوى» ١٤: ١٢.\n(٥) أخرجه أبو داود - في الزكاة - باب صلة الرحم - حديث ١٦٩٤، والترمذي في البر والصلة - ما جاء في قطيعة الرحم - حديث ١٩٠٧ وقال «حديث حسن صحيح»، وأحمد ١: ١٩١، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» وأخرجه أحمد ٢: ٤٩٨ من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":93},{"text":"الرحمة، والرحم مشتقة من اسمه تعالى «الرحمن».\nو«الرحمن» على وزن «فعلان»، و«الرحيم» على وزن «فعيل» كل منهما صفة مشبهة، ومن صيغ المبالغة. لكن «فعلان» أبلغ من «فعيل»، لأن صيغة «فعلان» تدل على الامتلاء، يقال: رجل غضبان أي ممتلئ عضبًا. ولهذا قدم «الرحمن» على «الرحيم» (١).\nوالرحيم مشتقان من\nوكل منهما دال على إثبات صفة الرحمة الواسعة الكثيرة المستمرة العظيمة لله - تعالى، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ (٥) كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (٦).\n_________\n(١) انظر «المحر الوجيز» ١: ٥٨، «زاد المسير» ١: ٩، «البحر المحيط» ١: ١٦ - ١٧، «لسان العرب» مادة «رحم»، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٠٤، ١٠٥، «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير ١: ٤٣، «أضواء البيان» ١: ٣٩ - ٤٠.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٤٧.\n(٣) سورة الأعراف، الآية: ١٥٦.\n(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٢.\n(٥) قد يكون المراد بالرحمة في الآية التي هي صفة ذاتية من صفات الله - تعالى - غير مخلوقة، وقد يراد بها الرحمة التي هي المطر فهذه رحمة مخلوقة هي من آثار رحمة التي هي من صفاته كما في حديث أبي هريرة - ﵁ - قال قال النبي - ﷺ - نحاجت الجنة والنار ... وفيه قوله تعالى للجنة «أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي .... الحديث» أخرجه البخاري - في التفسير حديث ٤٨٥٠، ومسلم - في الجنة ونعيمها وأهلها - حديث ٢٨٤٦. فالجنة من الرحمة المخلوقة.\n(٦) سورة الروم، الآية: ٥٠.","vol":"1","page":94},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا، فمن ذلك الجزء يتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها، خشية أن تصيبه» متفق عليه (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ -: «لما قضى الله الخلق، كتب في كتاب، فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي» متفق عليه (٢).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد» رواه مسلم (٣).\nوإذا اجتمع «الرحمن» مع «الرحيم» في مثل البسملة، والفاتحة، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (٤) دل «الرحمن» على إثبات صفة الرحمة الذاتية القائمة به سبحانه، كما قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو\n_________\n(١) أخرجه البخاري - في الأدب - باب جعل الله الرحمة في مائة جزء - حديث ٦٠٠٠، ومسلم - في التوبة - باب سعة رحمة الله - تعالى، وأنها سبقت غضبه - حديث ٢٧٥٢. وأخرجه أيضًا من حديث سلمان الفارسي - ﵁ - حديث ٢٧٥٣.\n(٢) أخرجه البخاري - في بدء الخلق - باب ما جاء في قوله - تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ حديث ٣١٤٩، ومسلم - في التوبة - باب سعة رحمة الله - تعالى، وأنها سبقت غضبه حديث ٢٧٥١.\n(٣) في الباب السابق حديث ٢٧٥٥. وانظر «تيسير الكريم الرحمن» ١: ٣٣.\n(٤) سورة الحشر، الآية: ٢٢.","vol":"1","page":95},{"text":"الرَّحْمَةِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ﴾ (٣).\nودل «الرحيم» على إثبات صفة الرحمة الفعلية لله ﷿ - المتعلقة بالمرحوم - فهو تعالى فاعل الرحمة وموصلها إلى من شاء من عباده، كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَا يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَا يُعَذِّبْكُمْ﴾ (٥).\nقال ابن القيم ﵀ (٦) بعد ما ذكر قول السهيلي: «فائدة الجمع بين الصفتين «الرحمن» و«الرحيم» الإنباء عن رحمة عاجلة وآجلة فى خاصة وعامة ... قال وهو أن «الرحمن» دال على الصفة القائمة به سبحانه، و«الرحيم» دال على تعلقها بالمرحوم، فكان الأول للوصف، والثاني للفعل، فالأول دال على أن الرحمة صفته، والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته، وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ولم يجيء قط «رحمن بهم» فعلم أن «الرحمن» هو الموصوف بالرحمة، و«رحيم» هو الراحم برحمته ....» أهـ.\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية: ١٣٣.\n(٢) سورة الكهف، الآية: ٥٨.\n(٣) سورة الأنعام، آية: ١٤٧.\n(٤) سورة العنكبوت، آية: ٢١.\n(٥) سورة الإسراء، الآية: ٥٤.\n(٦) في «بدائع الفوائد» ١: ٢٤، وانظر «مدارج السالكين» ١: ٧٥.","vol":"1","page":96},{"text":"أما إذا جاء كل منهما منفردًا عن الآخر، كما في قوله - تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (١) وكما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (٢)، فإن كلا منهما - بمفرده - يدل على إثبات الرحمة لله، باعتبارها صفة ذاتية لله، وباعتبارها صفة فعلية له - تعالى (٣).\nوالفرق بين «الرحمن» و«الرحيم» من وجوه ثلاثة:\nالوجه الأول: أن بينهما عمومًا وخصوصًا، من حيث اللفظ، فالرحمن اسم خاص با لله - تعالى - لا يسمى به غيره (٤)، كاسم «الله»، و«الرزاق».\nبل إن «الرحمن» يُعد عند طائفة من أهل العلم، ثاني اسم من أسماء الله - تعالى، لقوله - تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية: ١١٠.\n(٢) سورة الأحزاب، الآية: ٤٣.\n(٣) وقد أخطأ من فسر الرحمة بالإحسان، أو بإرادة الإحسان، لأن هذا كله من آثار الرحمة.\n(٤) ذكر الطبري في «تفسيره» ١: ١٣٤: إجماع الأمة على منع التسمي بالرحمة وانظر «معالم التنزيل» للبغوي ١: ٣٨، «أحكام القرآن» للقرطبي ١: ١٠٥ - ١٠٦. قال ابن القيم - ﵀: «ولما كان هذا الاسم مختصًا به تعالى» حسن مجيئه مفرًا غير تابع كمجئ اسم الله كذلك - يعني في نحو قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ﴾ سورة الرحمن الآية ١، وقوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ سورة طه الآية: ٥، وقوله: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ سورة الملك الآية: ٢٠ وغير ذلك. انظر «بدائع الفوائد» ١: ٢٣ - ٢٤.","vol":"1","page":97},{"text":"تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (١) وقوله - تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (٢). وإنما تسمى مسيلمة بذلك من باب التعنت والكفر (٣)، فأذله الله.\nقال ابن كثير (٤) - ﵀- تعالى: «ولما تجهرم مسيلمة الكذاب، وتسمى برحمن اليمامة، كساه الله جلباب الكذب، وشهر به، فلا يقال إلا مسيلمة الكذاب، فصار يضرب به المثل في الكذب، بين أهل الحضر من أهل المدر، وأهل الوبر من أهل البادية والأعراب».\nو«الرحيم» اسم عام يجوز أن يوصف به غير الله، كاسم الرؤو ف، والسميع، والبصير، قال - تعالى - عن نبيه محمد - ﷺ -: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ (٦).\nالوجه الثاني: أن بينهما عمومًا وخصومًا من حيث المعنى\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية: ١١٠.\n(٢) سورة الزخرف، الآية: ٤٥.\n(٣) انظر «الكشاف» ١: ٦.\n(٤) في «تفسيره» ١: ٤٣.\n(٥) سورة التوبة، الآية: ١٢٨.\n(٦) سورة الإنسان، الآية: ٢.","vol":"1","page":98},{"text":"(١)، فالرحمن رحمة عامة لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، وناطقهم وبهيمهم، فى الدنيا والآخرة.\nفرحمته للمؤمنين فى الدنيا، هدايتهم للحق، وإلى الطريق المستقيم، إلى غير ذلك من نعم الله عليهم، مما هو دون ذلك، ورحمته لهم فى الآخرة، وإدخالهم جنات النعيم، ووقايتهم عذاب الجحيم.\nورحمته لكافرين، والبهائم فى الدنيا، ما يتمتعون به من نعم الله، من الصحة والمآكل والمشارب ونحوها. ورحمته لهم فى الآخرة العدك فى حسابهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (٣) حتى إنه ليقتص للشاة الجلحاء من الشاة القرناء» (٤).\nقال ابن كثير (٥) - رحمه الله تعالى - بعد أن ذكر القول بأن «الرحمن» لجميع الخلق و«الرحيم» بالمؤمنين - قال: «ولهذا قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ (٦)، وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٧). قال ابن\n_________\n(١) انظر «تفسير الطبري» ١: ١٢٧ - ١٢٩، «تفسير أسماء الله الحسنى» للزجاج ص ٢٨، «مقاييس اللغة» مادة «رحم»، «معالم التنزيل» ١: ٢٨، «المحرر الوجيز» ١: ٥٨ - ٥٩، «زاد المسير» ١: ٩، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٠٥، «لباب التأويل» للخازن ١: ١٣، «أضواء البيان» ١: ٤٠.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٦٤، وسورة الإسراء، الآية: ١٥، وسورة فاطر، الآية: ١٨، وسورة الزمر، الآية: ٧.\n(٣) سورة الطور، آية: ٢١.\n(٤) أخرج مسلم - في البر والصلة والأدب - باب تحريم الظلم - حديث ٢٥٨٢ - عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء»\n(٥) في «تفسيره» ١: ٤٣.\n(٦) سورة الفرقان، الآية: ٥٩.\n(٧) سورة طه، الآية: ٥.","vol":"1","page":99},{"text":"كثير: «فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته».\nوقال الشنقيطي (١) - رحمه الله تعالى - بعد أن ذكر كلام ابن كثير السابق قال: «ومثله قو له تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ (٢). قال أي ومن رحمانيته لطفه بالطير، وإمساكه إياها صافات وقابضات في جو السماء، ومن أظهر الأدلة في ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (٢)﴾ إلى قوله: ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ (٣)».\nوالرحيم رحمة خاصة بالمؤمنين في الدنيا والآخرة كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٥).\nالوجه الثالث: أن «الرحمن» أبلغ من «الرحيم» (٦)، ولهذا، ولكونه أي: «الرحمن» أخص من، «الرحيم» قدم عليه «في البسملة والفاتحة، وقدم عليهما لفظ الجلالة لأنه أخص منهما وأعرف، وهما وغيرهما من\n_________\n(١) في «أضواء البيان» ١: ٤٠.\n(٢) سورة الملك، الآية: ١٩.\n(٣) سورة الرحمن، الآية: ١ - ١٣.\n(٤) سورة الأحزاب، الآية: ٤٣. انظر «زاد المسير» ١: ٩، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٠٥، «أنوار التنزيل» ١: ٧، «تفسير ابن كثير» ١: ٤٣، «أضواء البيان» ١: ٤٠ - ٤١.\n(٥) سورة التوبة، الآية: ١١٧. هكذا قدره كثير من أهل العلم وقد يشكل على هذا قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ سورة البقرة الآية: ١٤٣، وسورة الحج الآية: ٦٥. انظر «تيسير العزيز الحميد» ص٣١.\n(٦) انظر «تفسير الطبري» ١: ١٣٣، «الكشاف» ١: ٦، «أنوار التنزيل» ١: ٧، «شرح البسملة والحمدلة» لابن عبد الحق ٢٠/ ب، ٢١/ أ.","vol":"1","page":100},{"text":"أسمائه تعالى تبع له.\nقال ابن كثير (١) - رحمه الله تعالى -: «بدأ باسم الله، ووصفه بالرحمن، لأنه أخص وأعرف من الرحيم، لأن التسمية أولًا إنما تكون بأشرف الأسماء، فلهذا ابتدأ بالأخص فالأخص».\nوقد كان اسم «الرحمن» معروفًا - والله أعلم - عند العرب قبل الإسلام، وقد ورد ذلك في أشعارهم.\nكقول سلامة الجعدري (٢):\nعجلتم علينا عجلتينا عليكم ... وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق\n\nوقول الآخر:-\nألا ضربت تلك الفتاه هجينها ... ألا قبضب الرحمن ربي يمينها (٣)\n\nأما قوله - تعالى عن المشركين ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَامُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ (٤).\nوكذا قولهم في صلح الحديبية لما قال الرسول - ﷺ - لعلي:\n_________\n(١) في «تفسيره» ١: ٤٣.\n(٢) انظر «ديوانه» ص١٩، وانظر «تفسير الطبري» ١: ١٣١.\n(٣) انظر «تفسير الطبري» ١: ١٣١، «تفسير ابن كثير» ١: ٤٤.\n(٤) سورة الفرقان، الآية: ٦٠.","vol":"1","page":101},{"text":"«اكتب بسم الله الرحمن الرحيم» قالوا: «ما ندري ما الرحمن اكتب باسمك اللهم» (١).\nفذلك منهم محمول - والله أعلم - على الجحود والعناد، والتعنت في الكفر، كما قال كثير من المفسرين (٢).\n****\n_________\n(١) أخرجه من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم - مطولًا - البخاري في الشروط - باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط - حديث ٢٧٣١ - ٢٧٣٢.\n(٢) انظر «تفسير الطبري» ١: ١٣١، «الكشاف» ١: ٦، «المحرر الوجيز» ١: ٥٩، «تفسير ابن كثير» ١: ٤٤.","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>المبحث الثالث\nهل البسملة آية مستقلة من القرآن الكريم</span>\nأو من سورة الفاتحة، أو من كل سورة سوى براءة، أو ليست بآية؟\nاختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال عدة، بعد إجماعهم على أنها بعض آية من سورة النمل، في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣٠)﴾ (١).\nوفيما يلي ذكر خلاصة لأقوالهم، وأدلتهم في هذه المسألة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>القول الأول:</span>-\nأن البسملة ليست آية من القرآن الكريم مطلقًا (٣)، إلا في سورة النمل فهي بعض آية منها. وانما كتبت البسملة في أوائل السور للاستفتاح بها، والابتداء والتبرك بها، والتيمن، والفصل بين السور.\nوهذا القول يُروى عن قراء ائمدينة والبصرة والشام (٤)، وهو قول\n_________\n(١) سورة النمل، الآية: ٣٠. انظر: «أحكام القرآن» للجصاص ١: ٨، ١٢، «أحكام القرآن» لابن العربي ١: ٢، «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» ٢٢: ٤٣٨، «تفسير ابن كثير» ١: ٣٤، «النشر» ١: ٢٧١.\n(٢) هناك أقوال تركتها لضعفها، أوصلها بعضهم إلى أكثر من عشرة أقوال.\n(٣) انظر «الإقناع في القراءات السبع» لابن الباذش ١: ١٦٣.\n(٤) انظر «معالم التنزيل» ١: ٣٨، «الكشاف» ١: ٤، «تفسير النسفي» ١: ١.","vol":"1","page":103},{"text":"الإمام مالك (١) وعبد الله بن معبد (٢)، ونسب لأبي حنيفة، وبعض أصحابه (٣)، والأوزاعي (٤)، وحُكي رواية عن الإمام أحمد (٥)، لكن قال ابن تيمية (٦): «لايمنح هذا عنه، وإن كان قولًا في مذهبه».\nواختاره الباقلاني (٧).\nولم أقف على دليل صحيح صريح لهذا القول، ولا على تعليل مقبول إلا التمسك بأدلة وأحاديث لا تدل عليه، كحديث أنس بن مالك وعائشة - ﵄ (٨) - وما في معناهما من الأدلة، التي فيها: أن الرسول - ﷺ - وخلفاءه كانوا يستفتحون القراءة، أو الصلاة بالحمد لله رب العالمين ...، وسيأتي ذكر هذه الأحاديث - إن شاء الله - في القول الرابع من هذه الأقوال، وبيان أن غاية بما تدل عليه في هذه الأحاديث أنهم كانوا لا يجهرون بالبسملة، لا أنهم يتركونها، وليس عدم الجهر بها، مما يخرجها من القرآن، كما زعم بعض من ذهب إلى\n_________\n(١) انظر «الاستذكار» ٢: ١٧٥، «أحكام القرآن» لابن العربي ١: ٢، «المحرر الوجيز» ١: ٥٢، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ٩٣.\n(٢) انظر «المغني» ١: ١٥٢.\n(٣) انظر «شرح معاني الآثار» ١: ٢٠٤ - ٢٠٥، «نصب الراية» ١: ٣٢٧، وانظر «الكشاف» ١: ٤، «المحرر الوجيز» ١: ٥٢، «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» ٢٢: ٣٤، ٤٣٨، «تفسير النسفي» ١: ١.\n(٤) انظر «المغني» ٢: ١٥٢.\n(٥) انظر «المغني» ٢: ١٥١ - ١٥٢.\n(٦) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٣٤، ٤٣٨.\n(٧) انظر «مجموع فتاوى ابن تيمية» ٢٢: ٤٣٢.\n(٨) انظر «الاستذكار» ٢: ١٧٤ - ١٧٥، ١٨٢، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ٩٥.","vol":"1","page":104},{"text":"هذا القول (١).\nوقد احتج ابن العربي (٢) لهذا القول بأن مسجد الرسول - ﷺ - بالمدينة من لدن رسول الله - ﷺ - إلى زمان الإمام مالك لم يقرأ فيه أحد قط (بسم الله الرحمن الرحيم) اتباعًا للسنة. وهذا إن أراد به أنهم لا يجهرون بها فصحيح، وإما أن أراد أنهم لا يقرؤونها أبدًا لا سرًا ولا جهرًا فالجواب عنه هو الجواب عن احتجاجهم بحديث عائشة وأنس المشار إليهما وأن ذلك محمول على أنهم يسرون بها لا أنهم يتركونها.\nكما احتج الباقلاني (٣) والقرطبي (٤) لهذا القول بأن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، ولا تواتر هنا فيجب القطع بنفي كونها من القرآن. وقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية (٥) عن هذا بقوله:\n«والتحقيق أن هذه الحجة مقابلة بمثلها، فيقال لهم: بل يقطع بكونها من القرآن حيث كتبت كما قطعتم بنفي كونها ليست منه - ومثل هذا النقل المتواتر عن الصحابة بأن ما بين اللوحين قرآن، فإن التفريق بين آية وآية يرفع الثقة بكون القرآن المكتوب بين لوحي المصحف كلام الله، ونحن نعلم بالاضطرار أن الصحابة الذين كتبوا المصاحف نقلوا إلينا أن ما كتبوه بين لوحي المصحف كلام الله الذي أنزله على نبيه - ﷺ -\n_________\n(١) انظر مثلًا «شرح معاني الآثار» ١: ٢٠٤ - ٢٠٥.\n(٢) انظر مثلًا «أحكام القرآن» ١: ٣.\n(٣) انظر مثلًا «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» ٢٢: ٤٣٢.\n(٤) في «الجامع لأحكام القرآن»: ١: ٩٣.\n(٥) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٣٢ - ٤٣٣.","vol":"1","page":105},{"text":"لم يكتبوا فيه ما ليس من كلام الله ... «ويكفي في ضعف هذا القول: أن فيه القول على الصحابة - ﵃ - أنهم أودعوا المصحف ما ليس من كلام الله، على سبيل التبرك (١).\nقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على «سنن الترمذي» (٢)، بعد أن ذكر الخلاف في هذه المسألة: «القول الذي زعموا نسبته إلى مالك، ومن معه في أنها ليست آية أصلا قول لا يوافق قاعدة أصولية ثابتة، ولا قراءة صحيحة».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>القول الثاني:</span>\nأنها آية من سورة الفاتحة فقط.\nوهذا القول مروي عن طائفة من السلف، منهم سعيد بن جبير (٣)، وأكثر القراءة والفقهاء من أهل مكة (٤) والكوفة (٥)، وهو قول الشافعي (٦)، ورواية عن الإمام\n_________\n(١) انظر «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» ٢٢: ٤٠٦، وانظر ٤٣٢ - ٤٣٣.\n(٢) ٢: ٢٢\n(٣) أخرجه عبد الرازق- في الصلاة- باب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم- الأثر ٢٦٠٩.\n(٤) انظر «الاستذكار» ٢: ١٧٣، «أحكام القرآن» لابن العربي ١: ٢، «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٤١، «النشر» ١: ٢٧٠.\n(٥) انظر «تفسير الطبري» ١: ١٠٩، «البحر المحيط» ١: ٣١، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ٩٤، «النشر» ١: ٢٧٠.\n(٦) انظر «الأم» ١: ١٠٧، «المجموع» ٣: ٣٣٢ - ٣٣٣، «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير ١: ٣٥، «كتاب البسملة الصغير» لأبي شامة ٢/ أ، «رسالة الصبان الكبرى في البسملة» ٢٧/ أ.","vol":"1","page":106},{"text":"أحمد (١)، وروي عن إسحاق (٢)، وأبي عبيد (٣)، وأبي ثور (٤)، ومحمد ابن كعب القرظي، والزهري (٥)، وعطاء (٦)، وغيرهم (٧).\nواستدلوا لهذا القول بأدلة منها:\n١ - إثباتها في المصاحف مع الفاتحة، وعدها من آياتها.\n٢ - ما جاء عن أم سلمة - ﵂ - أنها سُئلت عن قراءة النبي - ﷺ - فقالت: «كان يقطع قراءته آية آية، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم» (٨).\nووجه استدلالهم من هذا الحديث: أن الرسول - ﷺ - قرأ البسملة مع الفاتحة، قالوا: فدل هذا على أنها آية منها. والجواب من هذا: أنه لا يلزم من قراءتها مع الفاتحة أن تكون منها، إذ لو لزم هذا للزم أن\n_________\n(١) انظر «التحقيق» ١: ٢٩٢، «زاد المسير» ١: ٧، «المغني» ٢: ١٥١، «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٣٥، ٤٤٢.\n(٢) انظر «الاستذكار» ٢: ١٧٦، «المغني» ٢: ١٥١.\n(٣) انظر «الاستذكار» ٢: ١٧٦، «المغني» ٢: ١٥١، «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» ٢٢: ٤٣٤، ٤٤٠.\n(٤) أخرجه ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٧٦.\n(٥) أخرجه عنهما أبو عبيد في «فضائل القرآن» ص ١١٤ - ١١٥.\n(٦) انظر «الاستذكار» ٢: ١٧٦.\n(٧) انظر «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٣٥١.\n(٨) أخرجه أبو داود - في الحروف = الباب الأول- حديث ٤٠٠١، وأحمد ٦: ٣٠٢، والدارقطني في الصلاة - وجوب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، والجهر بها ١: حديث ٣٧ وقال: «إسناده صحيح وكلهم ثقات»، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» حديث ٢٩٢٧.","vol":"1","page":107},{"text":"تكون آية من كل سورة، لأنها تقرأ مع كل سورة، كما هو مثبت معلوم.\n٣ - وعن أنس بن مالك - ﵁ - أنه سئل عن قراءة النبي - ﷺ - فقال: «كانت مدًا، ثم قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، يمد بسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم». رواه البخاري (١).\nقالوا: فقراءة النبي - ﷺ - للبسملة بالمد تدل على أنها آية من القرآن إذ لو لم تكون آية من القرآن لما قرأها الرسول - ﷺ - بالمد كما يقرأ القرآن. وهذا الاستدلال صحيح في الرد على الذين ينفون أن تكون البسملة آية من القرآن مطلقا - لكن لا يلزم من قراءة الرسول - ﷺ - لها بالمد، كما يقرأ القرآن أن تكون آية من سورة الفاتحة (٢)، ولا من غيرها، فالحديث يدل على أنها آية تقرأ - وهذا صحيح - لا أنها آية من سورة الفاتحة، أو من غيرها من السور.\n٤ - حديث نعيم بن المجمر قال: «صليت وراء أبي هريرة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن حتى بلغ (ولا الضالين) فقال: «آمين»، فقال الناس: «آمين»، ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -».\n_________\n(١) في فضائل القرآن - باب مد القراءة- حديث ٥٠٤٦. وقد أخرجه مختصرًا دون ذكر «ثم قرأ إلى آخره» أبو داود- حديث ١٤٦٥، والنسائي حديث ٩٧٠، وابن ماجه حديث ١٣٥٣، وأحمد ٣: ١١٩، ١٩٢.\n(٢) انظر «فتح الباري» ٩: ٩١.","vol":"1","page":108},{"text":"ووجه استدلالهم من هذا الحديث أن أبا هريرة قرأ البسملة مع أم القرآن، ورفع ذلك إلى النبي - ﷺ - حيث قال في آخر الحديث: «والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول لله - ﷺ -». وهذا الحديث ضعفه جمع من أهل العلم (١).\nوأيضًا لو صح هذا الحديث فليس فيه ما ينص صراحة على أن البسملة من الفاتحة، وغاية ما فيه أن يكون أبو هريرة قرأ البسملة مع الفاتحة سواء كان ذلك جهرًا أم سرًا، ولا يلزم من قراءتها مع الفاتحة على أي حال أن تكون منها - كما تقدم في الجواب عن استدلالهم بحديث أم سلمة.\n٥ - ما رواه أبو هريرة عن النبي - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا قرأتم الحمد، فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم، أحد آياتها» (٢).\nوالصواب أن هذا الحديث موقوف من كلام أبي هريرة، كما ذكر\n_________\n(١) سيأتي تخريج هذا الحديث، وذكر كلام أهل العلم في تضعيفه في المبحث السابع من هذا الفصل.\n(٢) هذا الحديث أخرجه الدراقطني - في الصلاة - باب وجوب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم- حديث ٣٦، والبيهقي= في الصلاة- ٢: ٤٥ - كلاهما من طريق أبي بكر الحنفي، عن عبد الحميد بن جعفر، عن نوح بن أبي بلال، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري قال أبو بكر الحنفي: «ثم لقيت نوحًا، فحدثني عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ولم يرفعه» وقد ذكر الزيلعي كلام الأئمة عليه وصوب وقفه «نصب الراية» ١: ٣٤٣.","vol":"1","page":109},{"text":"أهل العلم (١) قال الزيلعي (٢) بعد ما صوب وقف الحديث على أبي هريرة «فإن قيل أن هذا موقوف في حكم المرفوع إذ لا يقول الصحابي إن البسملة إحدى آيات الفاتحة إلا عن توقيف أو دليل قوي ظهر له قلت: لعل أبا هريرة سمع النبي - ﷺ - يقرأها فظنها من الفاتحة، وأبو هريرة لم يخبر عن النبي - ﷺ - أن قال: هي إحدى آياتها وقراءتها قبل الفاتحة لا يدل على ذلك».\nوقال أيضًا: فالمحفوظ الثابت عن سعيد المقبري عن أبي هريرة في هذا الحديث عدم ذكر البسملة كما رواه البخاري في صحيحه من حديث ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله - ﷺ - «الحمد لله هي أم القرآن، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>القول الثالث:</span>\nأنها آية أو بعض آية من كل سورة سوى سورة براءة، وقد نسب هذا القول لقراء مكة والكوفة وفقهائهما (٤).\nوحكي هذا القول عن ابن عباس وابن عمر، وابن الزبير، وأبي هريرة، من الصحابة، ومن التابعين: عطاء وطاوس وسعيد ابن\n_________\n(١) انظر «التحقيق» ١: ٢٩٣ - ٢٩٨.\n(٢) في «نصب الراية» ١: ٣٤٣ - ٣٤٤.\n(٣) سيأتي تخريجه في المبحث الأول من الفصل الأول من الباب الثاني.\n(٤) انظر «الكشاف» ١: ٤، «تفسير النسفي» ١: ١.","vol":"1","page":110},{"text":"جبير ومكحول والزهري (١).\nوهو المشهور من مذهب الشافعي (٢)، ورواية عن الإمام أحمد (٣)، ونسب لأبي حنيفة (٤)، وسفيان الثوري (٥)، وعبد الله بن المبارك (٦)، وإسحاق بن راهويه (٧)، وأبي عبيد (٨)، والأوزاعي (٩).\nواستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها ما يلي:\n١ - ثبوت البسملة في المصاحف، بخط المصحف، مع كل سورة، سوى براءة، مما يدل على أنها آية، أو بعض آية، من كل سورة (١٠).\nوالجواب: أنه لا يلزم من ثبوتها في المصاحف مع كل سورة، بل لا يلزم من قراءتها مع كل سورة أن تكون آية منها، فهناك سور ثبت\n_________\n(١) انظر «تفسير ابن كثير» ١: ٣٥.\n(٢) انظر «المجموع» ٣: ٣٣٢ - ٣٣٣، «الكشاف» ١: ٤، «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٣٤، «تفسير ابن كثير» ١: ٣٥، «كتاب البسملة الصغير» لأبي شامة ٢/ أ، «رسالة الصبان الكبرى في البسملة» ٢٧/ أ.\n(٣) انظر «المسائل الفقهية» ١: ١١٨، «النشر» ١: ٢٧٠.\n(٤) انظر «النشر» ١: ٢٧٠.\n(٥) انظر «معالم التنزيل للبغوي» ١: ٣٩.\n(٦) انظر «المبسوط» ١: ١٥، «معالم التنزيل» ١: ٣٩، «المحرر الوجيز» ١: ٥٣، «المغني» ٢: ١٥١، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ٩٣، «تفسير ابن كثير» ١: ٣٥، «كتاب البسملة الصغير» لأبي شامة ٣/ب.\n(٧) انظر «تفسير ابن كثير» ١: ٣٥، «كتاب البسملة الصغير» لأبي شامة ٢/ أ.\n(٨) انظر «تفسير ابن كثير» ١ك ٣٥.\n(٩) انظر «البسملة الصغير» لأبي شامة ٢/ ب.\n(١٠) انظر «الاستذكار» ٢: ١٧٩، «لباب التأويل» ١: ١٥، «كتاب البسملة» لأبي شامة ٣/ ب.","vol":"1","page":111},{"text":"بالسنة وباتفاق العادين عدد آياتها، من غير احتساب البسملة منها كما سيأتي في ذكر أدلة القول الرابع.\n٢ - ما رواه أنس بن مالك - ﵁ - قال: «أغفى النبي - ﷺ - إعفاءة - ثم تبسم ضاحكًا، فقال: أنزل علي آنفا سورة ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ إلى آخر السورة. رواه مسلم (١).\nووجه استدلالهم من هذا الحديث: أن البسملة آية أنزلت مع سورة الكوثر، فهي كذلك آية، أو بعض آية من كل سورة، تنزل معها، وتعد منها.\nوالجواب عن هذا أن يقال: صحيح أن البسملة تنزل مع كل سورة، لكن لا يلزم من نزولها مع السورة أن تكون آية منها، ولهذا اتفق العادون على أن سورة الكوثر ثلاث آيات، بدون البسملة. فالذين قالوا: البسملة آية مستقلة أسعد بهذا الدليل، من أصحاب هذا القول، كما سيأتي بيان ذلك.\nاستدلوا - أيضًا - بحديث أم سلمة السابق (٢)، الذي فيه أن النبي - ﷺ - كان يقطع قراءته آية آية: «بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب\n_________\n(١) سيأتي هذا الحديث بتمامه وتخريجه ضمن أدلة القول الرابع. وانظر «الاستذكار» ٢: ١٧٩.\n(٢) انظر «أحكام القرآن» للجصاص ١: ١١، «المبسوط» للسرخسي ١: ١٦، «المغني» ٢: ١٥٣.","vol":"1","page":112},{"text":"العالمين، الرحمن الرحيم».\nووجه استدلالهم به أن النبي - ﷺ - قرأ البسملة مع الفاتحة، مما يدل على أنها آية منها، وكذلك ينبغي أن تكون آية من سائر السور سوى براءة، لأنها مثبتة مع سائر السور، كما أثبتت في الفاتحة فهي آية من كل سورة، ينبغي أن تقرأ معها سواء الفاتحة وغيرها.\nوالجواب: أن هذا الحديث إنما يدل على أنه - ﷺ - يقرأ البسملة مع الفاتحة، ولا يدل على أنها آية منها - كما تقدم بيانه - فكيف تكون آية من غيرها!!\n٤ - كما استدلوا - أيضًا - بحديث أنس - السابق (١) - أنه سئل عن قراءة النبي - ﷺ - فقال: «كانت مدًا، يمد بسم الله، ويمد بالرحمن، ويمد بالرحيم».\nووجه استدلالهم بهذا الحديث أن النبي - ﷺ - قرأ البسملة مدًا، كما تمد آيات القرآن، مما يدل على أنها آية، أو بعض آية من كل سورة سوى براءة.\nوالجواب: أن يقال: صحيح أن البسملة آية، وأن الرسول - ﷺ - قرأها بالمد - كما تقرأ آيات القرآن، لهذا الحديث ولغيره، لكن لا يلزم من ذلك أن تكون آية أو بعض آية من كل سورة. وقد يحتمل أن أنسًا - ﵁ - ذكر هذا من باب التمثيل للسائل لكيفية قراءة النبي\n_________\n(١) ضمن أدلة القول الثاني.","vol":"1","page":113},{"text":"- ﷺ - (١).\n٥ - كما استدلوا بحديث ابن عباس - ﵄ - قال: «كان النبي - ﷺ - لا يعرف فصل السورة حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم» (٢).\n\nوكأنهم أخذوا من نزول البسملة مع السورة أن تكون آية منها، وهذا ليس بلازم، كما سيأتي بيان هذا في<span data-type=\"title\" id=toc-34> القول الرابع</span>.\nالقول الرابع:\nأن البسملة آية مستقلة من القرآن، وليست من السور، وإنما هي آية تنزل مع كل سورة، للفصل بينها وبين التي قبلها.\nوهذا قول طائفة من أهل العلم، منهم الإمام أحمد، في المنصوص الصريح عنه (٣)، وعبد الله بن المبارك (٤)، ومحمد بن الحسن الشيباني (٥)، وأبو الحسن الكرخي (٦)، وأبو بكر الرازي (٧)، وداود\n_________\n(١) انظر «فتح الباري» ٩: ٩١.\n(٢) سيأتي تخريجه ضمن أدلة القول الرابع وانظر «الاستذكار» ٢: ١٧٩.\n(٣) انظر «مسائل الإمام أحمد» رواية النيسابوري ١: ٥٢، «المسائل الفقثهية» ١: ١١٨، «المغني» ٢: ١٥٢، ١٥٣، «مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية» ٢٢: ٣٥٣، ٤٠٦، ٣٤٣، ٤٣٨ - ٤٣٩، وانظر ١٣: ٤١٨.\n(٤) انظر «مجموع فتاوى ابن تيمية» المواضع السابقة.\n(٥) انظر «المبسوط» ١: ١٦.\n(٦) انظر «أحكام القرآن» للجصاص ١: ٩٠٨، «نصب الراية» ١: ٣٢٧.\n(٧) انظر «المبسوط» ١: ١٥ - ١٦، «الاستذكار» ٢: ١٧٦.","vol":"1","page":114},{"text":"الظاهري (١) وغيرهم. واختاره الطبري فيما يظهر من كلامه (٢) واختاره ابن خزيمة (٣)، والجصاص (٤)، وابن قدامة (٥) وشيخ الإسلام ابن تيمية (٦)، والزيلعي (٧).\nوهذا القول هو أصح الأقوال، وهو الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة الصريحة ومنها ما يلي:\n١ - إجماع الصحابة - رضوان الله عليهم - على إثباتها في المصحف، وكتابتهم لها بخطه، وقلمه، فنقلت نقله، كما نقلت في سورة النمل، فلا يجوز الخروج عن إجماعهم، وذلك لأنهم جردوا المصحف عن غير الآيات القرآنية، كالتفسير ونحوه (٨).\n٢ - ما رواه أنس بن مالك - ﵁ - قال: بينا رسول الله - ﷺ - ذات يوم بين أظهرنا، إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: «أنزلت علي آنفا سورة. فقرأ:\n_________\n(١) انظر «المحلى» ١٣: ٢٥١، «الاستذكار» ٢: ١٧٦، «نصب الراية» ١: ٣٣٧، «تفسير ابن كثير» ١: ٣٥، «النشر»: ٢٧٠، «كتاب البسملة الصغير» ٢/ ب، «رسالة الصبان الكبرى في البسملة» ٢٧/ أ.\n(٢) في «تفسيره» ١: ١٠٩، ١٤٦ - ١٧٤.\n(٣) في «صحيحه» ١: ٢٤٩، ٢٥١.\n(٤) في «أحكام القرآن» ١: ٨ - ١٢.\n(٥) في «المغني» ٢: ١٥٣.\n(٦) في «الفتاوى» ٢٢: ٢٧٦، ٣٥٠، ٤٠٦.\n(٧) في «نصب الراية» ١: ٣٤٣.\n(٨) انظر «الكشاف» ١: ٢١، «تفسير النسفي» ١: ١، «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٣٣.","vol":"1","page":115},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾» رواه مسلم (١).\nووجه الدلالة في هذا الحديث على أن البسملة آية مستقلة من القرآن، أن الرسول - ﷺ - قرأ بها وأخبر أنها أنزلت مع هذه السورة. ولم تعد آية منها، فقد أجمع الناس على أن سورة الكوثر ثلاث آيات، بدون بسم الله الرحمن الرحيم (٢)، كما أجمعوا على أن سورة الإخلاص أربع آيات بدون البسملة (٣).\n٣ - ما رواه عبد الله بن عباس - ﵄ - قال: «كان النبي - ﷺ - لا يعرف فصل السورة، حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم» رواه أبو داود (٤). فكونها تنزل يدل على أنها آية من القرآن، وكونها للفصل بين السور يدل على أنها ليست من السور، وإنما هي آية مستقلة (٥).\n٤ - ما رواه أبو هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن سورة من القرآن ثلاثون آية، شفعت لرجل حتى غفر له، وهي سورة\n_________\n(١) في الصلاة- باب حجة من قال: البسملة آية من أول كل سورة سوى براءة حديث ٤٠٠، وأبو داود - في الصلاة- من لم ير الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم- حديث ٧٨٤، والنسائي - في الافتتاح- باب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم حديث ٨٦٩.\n(٢) انظر «أحكام القرآن» للجصاص ١: ١١، المبسوط ١/ ١٦، المغني ٢/ ١٥٣.\n(٣) انظر أحكام القرآن للجصاص ١/ ١١.\n(٤) في الصلاة- من جهر بالبسملة- حديث ٧٨٨، قال ابن كثير ١: ٣٤، «إسناده صحيح». قلت: وصححه الألباني.\n(٥) انظر «مجموع فتاوى ابن تيمية» ٢٢: ٢٧٦، ٣٥٠، ٣٥١، ٤٠٦، ٤٣٩.","vol":"1","page":116},{"text":"تبارك الذي بيده الملك» (١).\nقال: فهذا الحديث يدل على أن البسملة ليست آية من السور من وجهين:\nالوجه الأول: أنه - ﷺ - ابتدأ سورة الملك، بقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ دون البسملة، مما يدل على أن البسملة ليست من السورة.\nالوجه الثاني: أن أهل العلم، والعادين لآيات القرآن اتفقوا على أن سورة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (٢)، ثلاثون آية بدون البسملة (٣).\n٥ - ما رواه أبو هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج - ثلاثًا، غير تمام» فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام، فقال اقرأ بها في نفسك، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله - تعالى -: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله - تعالى: أثنى علي عبدي، وإذا قال:\n_________\n(١) أخرجه الترمذي - في فضائل القرآن- ما جاء في فضل سورة الملك- حديث ٢٨٩١، وقال: «حديث حسن»، وابن ماجه- في الأدب- باب ثواب القرآن- حديث ٣٧٨٦، وأحمد ٢: ٢٩٩، ٣٢١، وصححه الألباني.\n(٢) سورة الملك، الآية: ١.\n(٣) انظر «أحكام القرآن» للجصاص ١: ١١، «مجموع فتاوى ابن تيمية» ٢٢: ٢٧٧، ٤٣٩، وانظر «التحقيق» لابن الجوزي ١: ٢٩٣.","vol":"1","page":117},{"text":"﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، قال: مجدني عبدي، وقال مرة: فوض إلى عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل» رواه مسلم (١).\nقالوا: فهذا الحديث كسابقه، يدل على أن البسملة ليست آية من الفاتحة من وجهين:\nالوجه الأول: أن الله تعالى - بدأ الفاتحة بقوله ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ولو كانت البسملة آية من الفاتحة، لابتدأ بها، وعدها آية منها (٢).\nالوجه الثاني: أن الله جعل الفاتحة بينه وبين عبده نصفين، وهي سبع آيات، باتفاق أهل العلم المعتد بقولهم، كما جعل تعالى - الآية: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بينه وبين العبد، وهي منتصف السورة، فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما قبله ثلاثة آيات ونصف، حمد وثناء وتمجيد وعبادة للرب، وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وما\n_________\n(١) في الصلاة- باب وجوب قراءة الفاتحة- حديث ٣٩٥، وأبو داود- في الصلاة- باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب: حديث ٨٢١، والنسائي- في الافتتاح- باب ترك قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب- حديث ٨٧٢، والترمذي- في التفسير- باب ومن سورة فاتحة الكتاب- حديث ٢٩٥٤، وابن ماجه- في إقامة الصلاة- باب القراءة خلف الإمام- مختصرًا دون قوله: «سمعت رسول الله - ﷺ - إلى آخره- حديث ٨٣٨، وأخرجه البيهقي برواياته في «جزء القراءة خلف الإمام» حديث ٤٩ - ٨٦.\n(٢) انظر «المبسوط» ١: ١٦، «الاستذكار» ٢: ١٧٢، «التحقيق» ١: ٢٩٣، «مجموع فتاوى ابن تيمية» ٢٢: ٤٤٠.","vol":"1","page":118},{"text":"بعده ثلاثة آيات ونصف للعبد دعاء ومسألة، ويكون قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ هو الآية السادسة، وقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ هو الآية السابعة، وبهذا يتحقق التنصيف للفاتحة بين الرب، وبين العبد، ولو كانت البسملة آية من الفاتحة لم يتحقق التنصيف، ولكان قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وما قبله أربع آيات ونصف آية. وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وما بعده اثنتين ونصفًا، فلا يتحقق التنصيف بل يكون ما للرب في هذه القسمة أكثر مما للعبد، وهذا خلاف نص قوله - تعالى - في الحديث «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» (١).\nقال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢): «وأما قوله في هذا الحديث: «قال الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل «قال رسول الله - ﷺ -: اقرؤوا، يقول العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فبدأ بالحمد لله رب العالمين، ولم يقل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فهذا أوضح شيء وأبينه أن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ليست آية من الفاتحة لأن رسول الله - ﷺ - بدأ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فجعلها آية، ثم ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فهذه ثلاث آيا لم يختلف فيها المسلمون.\n_________\n(١) انظر «تفسير الطبري» ١: ١٠٩، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ٩٤.\n(٢) ٢: ١٧٢ - ١٧٤، وانظر «أحكام القرآن» للجصاص ١: ٩ - ١٠، «المبسوط» ١: ١٦، «المغني» ٢: ١٥٢.","vol":"1","page":119},{"text":"وجاء في هذا الحديث أنها له تبارك اسمه، ثم الآية الرابعة جعلها بينه وبين عبده، ثم ثلاث آيات لعبده تتمة سبع آيات. فهذا يدل على أن ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آية، ثم الآية السابعة إلى آخر السورة. وهكذا تكون نصفين بين العبد، وبين ربه، لأنه قال في قوله ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر السورة: فهؤلاء لعبدي، ولعبدي ما سأل. وهؤلاء إشارة إلى جماعة من يعقل، وما لا يعقل، وأقل الجماعة ثلاثة، فعلمنا بقوله (هؤلاء) أنه أراد الآيات، والآيات أقلها ثلاث، لأنه لو أراد اثنتين لقال: هاتان، ولو أراد واحدة لقال: هذه بيني وبين عبدي، وإذا كان من قوله: ﴿اهْدِنَا﴾ إلى آخر السورة ثلاث آيات كانت السبع آيات، من قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى قوله ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وصحت قسمة السبع على السواء، ثلاث وثلاث، وآية بينهما ...\nوأجمع القراء والفقهاء على أنها سبع آيات إلا أنهم اختلفوا فمن جعل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية من فاتحة الكتاب لم يعد ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آية، ومن لم يجعل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية عد ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آية، وهو عدد أهل المدينة وأهل الشام، وأهل البصرة، وما أهل مكة، وأهل الكوفة من القراء والفقهاء فإنهم عدوا فيها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آية، ولم يعدوا ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وهذا الحديث أبين ما يروى عن النبي - ﷺ - في سقوط ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من آي فاتحة الكتاب، وهو قاطع لموضع الخلاف ...»","vol":"1","page":120},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (١): «فهذا الحديث صحيح صريح في أنها ليست من الفاتحة، ولم يعارضه حديث صحيح صريح».\nقلت: وإذا كانت البسملة ليست من الفاتحة، فليست من غيرها من السور من باب أولى.\n٦ - حديث - عائشة - ﵂ - الطويل في قصة بدء الوحي، وفيه أن أول ما جاءه الملك قال: ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَا وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)﴾، الحديث متفق عليه (٢).\nقال ابن تيمية (٣) - بعد ما أشار إلى هذا الحديث: «فهذا أول ما نزل ول ينزل قبل ذلك ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وقال في موضع آخر (٤): «فالذين قالوا ليست من السورة قالوا: إن جبريل ما أتى النبي - ﷺ - يأمره بقراءتها بل أمره أن يقرأ: ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، ولو كانت هي أول السورة لأمره بها».\n٧ - حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: «صليت خلف النبي - ﷺ -، وخلف أبي بكر وعمر وعثمان، فكانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم، لا في\n_________\n(١) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٢٧٧ - ٢٧٨ وانظر ٤٤١.\n(٢) أخرجه البخاري- بدء الوحي- حديث ٣، ومسلم- في الإيمان حديث ١٦٠.\n(٣) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٢٧٧.\n(٤) ٢٢: ٣٤٩.","vol":"1","page":121},{"text":"أول قراءة ولا في آخرها». رواه مسلم (١).\n٨ - حديث عائشة - قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين ..» (٢).\n٩ - حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا نهض من الركعة الثانية استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين، ولم يسكت». رواه مسلم (٣).\nوهذه الأحاديث الثلاثة، حديث أنس برواياته، وحديث عائشة، وحديث أبي هريرة كلها تدل - كما سيأتي بيان ذلك - على أن الرسول - ﷺ - وخلفاءه، كانوا لا يجهرون بالبسملة، لا أنهم يتركونها - كما زعم بعضهم.\nأما ما وجه الدلالة فيها على أن البسملة آية مستقلة؟ فهو كونهم ل يجهروا بها، كبقية آيات الفاتحة إذ لو كانت آية منها لما فرقوا بينها وبين بقية آيات هذه السورة (٤)، وإذا لم تكن آية من الفاتحة فالأولى أن لا تكون آية من غيرها من السور.\n_________\n(١) سيأتي تخريجه بروايته في الكلام على حكم الجهر بالبسملة، في المبحث السابع ضمن أدلة القول الثاني وانظر «التحقيق» لابن الجوزي ١: ٢٩٢.\n(٢) في الصلاة- باب ما يجمع صفة الصلاة- حديث ٤٩٨، وأبو داود- في الصلاة، - باب من لم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم- حديث ٧٨٣.\n(٣) في المساجد ومواضع الصلاة- حديث ٥٩٩، وانظر «أحكام القرآن» للجصاص ١: ١٦.\n(٤) انظر «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٢٧٩، ٤٤١.","vol":"1","page":122},{"text":"١٠ - قوله - تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة، إذ لو كانت منها لكان فيها تكرار قوله: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، والأصل عدم التكرار (١)، غالبًا (٢).\n١١ - أن جعل قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ آية واحدة بهذا الطول لا يناسب بقية الآيات، إذ إن غالب السور تكون آياتها متناسبة من حيث الطول والقصر. مما يقوي القول بأن هذه الآية آيتان، وأن البسملة ليست من آيات الفاتحة خلافا للعدد الموجود في المصاحف.\nوإذا لم تكن آية من الفاتحة فالأولى أن لا تكون آية من غيرها من السور.\n١٢ - كما يقال أيضا لمن يقول: إنها آية من الفاتحة فقط.\nإن الفاتحة سورة من سور القرآن، والبسملة مكتوبة في أولها كلها، فلا فرق بينها وبين غيرها من السور في مثل ذلك. قال ابن تيمية (٣) «وهذا أظهر وجوه الاعتبار».\n_________\n(١) نظر «تفسير الطبري» ١: ١٤٦ - ١٤٧.\n(٢) لأن بعض السور جاء فيها تكرار بعض الآيات لحكم منها ما هو معلوم، ومنها م لا يعلمه إلا الله، من ذلك قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ فقد جاءت في واحد وثلاثين موضعًا في هذه السورة، ومن ذلك قوله تعالى ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ فقد جاءت في عشرة مواضع من سورة المرسلات.\n(٣) انظر «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٤١.","vol":"1","page":123},{"text":"قال القاضي أبو يعلى (١): «إن أكثر أهل العلم وجمهورهم على أن قراءتها مستحبة فقط، وهذا يدل على أنها ليست من الفاتحة».\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): «وهو قول سائر من حقق القول في هذه المسألة، وتوسط فيها، وجمع بين مقتضى الأدلة وكتابتها سطرا مفصولا عن هذه السورة».\nوقال أيضًا: «وهذا أعدل الأقوال» (٣).\n_________\n(١) في «المسائل الفقهية» ١: ١١٨.\n(٢) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٣٥.\n(٣) «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٣٩، وانظر أيضًا ٢٧٦، ٢٧٨، ٣٥٠، ٣٥١، ٤٠٦، ٤٢١، ٤٣٨، ٤٣٩.","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>المبحث الرابع\nالسبب في عدم كتابة البسملة في مطلع سورة براءة</span>\nأجمع المسلمون على ترك الفصل بالبسملة بين سورة الأنفال وسورة براءة لإجماع المصاحف على ترك التسمية بينهما (١).\nوإذا ابتدأ القارئ بسورة براءة، فإنه يتعوذ فقط، كما لو قرأ من وسطها (٢).\nوقد اختلف في السبب الذي من أجله تركت البسملة في مطلع سورة براءة.\nفذهب قوم إلى أن السبب هو كما جاء في حديث ابن عباس (٣) عن عثمان، ﵃ - من أن النبي - ﷺ - لم يبين لهم في شأنها شيئًا، وكانت قصتها تشبه قصة الأنفال، فقرنوا بينهما، ولم يكتبوا:\n_________\n(١) انظر «التبصرة» لمكي ص ٢٤٨، «العنوان في القراءات السبع» ص ٦٥، «الإقناع في القراءات السبع» ١: ١٥٧، «النشر» ١: ٢٦٤.\n(٢) في حال الوصل: الأولى الوقف بين الأنفال وبراءة، لأن أواخر السور من أتم التمام، ويجوز الوصل بينهما، ويجوز السكت. وكذا لو وصل براءة بالفاتحة، أو بالأعراف أو بغيرهما من السور، انظر «النشر» ١: ٢٦٩ - ٢٧٠.\n(٣) حديث ابن عباس أخرجه - أبو داود- في الصلاة- باب من جهر بالبسملة حديث ٧٨٦ - ٧٨٧، والترمذي- في تفسير سورة التوبة حديث ٣٠٨٦، وقال: «حديث حسن صحيح»، وأحمد ١: ٥٧، والحاكم ٢: ٣٣١ - ٣٣٠، وقال: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه» ززافقه الذهبي، وقد ضعف أحمد شاكر هذا الحديث في شرحه للمسند حديث ٣٩٩، كما ضعفه الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» حديث ١٦٨ - ١٦٩، وفي «ضعيف سنن الترمذي» حديث ٥٩٩.","vol":"1","page":125},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وقد اختار هذا الطحاوي (١)، وصححه ابن العربي (٢).\nوقيل: إن ذلك من شأن العرب إذا كان بينهم وبين قوم عهد، فإذا أرادوا نقضه كتبوا لهم كتابا، فلم يكتبوا فيه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فلما نزلت براءة بنقض العهد الذي كان بين رسول الله - ﷺ - وبين المشركين - بعث النبي - ﷺ - علي بن أبي طالب - ﵁ - فقرأها عليهم في الموسم، ولم يبسمل على ما جرت به عادتهم.\nوقيل: لأن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أمان، وبراءة نزلت بالسيف، ليس فيها أمان، روي هذا عن علي بن أبي طالب (٣) وروي عن المبرد نحوه.\nوقيل: لأن ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ رحمة، وبراءة سخط.\nوقيل: تركت التسمية، إعظاما لبسم الله الرحمن الرحيم، من خطاب المشركين (٤).\nوقيل: لأنهم اختلفوا هل هما سورتان، أو سورة واحدة، فتركت بينهما فرجة لقول من قال: إنهما سورتان، وتركت ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لقول من قال: إنهما سورة واحدة، فرضي الفريقان، وثبتت\n_________\n(١) في «مشكل الآثار»: ٢: ١٥٥.\n(٢) في «أحكام القرآن» ٢: ٨٩١ - ٨٩٢.\n(٣) أخرجه الحاكم ٢: ٣٣٠.\n(٤) هذا فيه نظر لأنه ورد في القرآن سور فيها خطاب المشركين ومع هذا بدئت بـ (بسم الله الرحمن الرحيم) منها سورة النبأ وسورة الكافرون وسورة المسد وغير ذلك.","vol":"1","page":126},{"text":"حجتاهما في المصحف (١).\nقال القرطبي (٢): «والصحيح أن التسمية لم تكتب لأن جبريل - ﵇ - لم ينزل بها في هذه السورة، قاله القشيري».\nقلت: وما ذكره القرطبي عن القشيري، هو الذي تطمئن إليه النفس، بل يجب الجزم به، وهو أن جبريل لم ينزل بالبسملة مع هذه السورة، ولو نزلت مع هذه السورة لحفظت مع ما حفظ، ونقلت إلينا، تحقيقًا لوعد الله - تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ (٣) ولما لم تنقل، علمنا يقينا، لا يخالجه شك، أنها لم تنزل مع هذه السورة، لأن الله تكفل بحفظ القرآن، وقد وصل إلينا بحمد الله كاملا محفوظًا بحفظ الله، وهذا الذي يجب أن يعتقده كل مسلم.\nأما ما روي عن ابن عباس عن عثمان - ﵃ - أن النبي - ﷺ - لم يبين لهم في شأن البسملة مع سورة براءة شيئًا، وكانت قصتها تشبه قصة الأنفال، فقرنوا بينهما، ولم يكتبوا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ - فالحديث في هذا ضعيف - كما تقدم بيان ذلك.\nأما القول بأن الصحابة اختلفوا، هل الأنفال وبراءة سورة واحدة، أو سورتان ... الخ فإن الصحابة - رضوان الله عليهم - إنما أشكل\n_________\n(١) انظر «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج ٢: ٤٧٢، «مشكل الآثار» ٢: ١٥٥، «أحكام القرآن» لابن العربي ٢: ٨٩١ - ٨٩٢، «زاد المسير» ١: ٣٨٩، «الجامع لأحكام القرآن» ٨: ٦١ - ٦٣، «البرهان» للزركشي ١: ٢٦٢ - ٢٦٣.\n(٢) في «تفسيره» ٨: ٦٣.\n(٣) سورة الحجر، الآية: ٩.","vol":"1","page":127},{"text":"عليهم فيما روي عنهم، هل براءة سورة مستقلة أو هي من سورة الأنفال، ولهذا فصلوا بينهما. أما أن هناك شكًا في نزول البسملة مع هذه السورة أم لا فلا شك بل يجب القطع بأن ما وصل إلينا بين دفتي المصحف، هو القرآن بكامله، من غير زيادة أو نقصان.\nأما بقية الأقوال، التي قيلت في عدم ذكر البسملة، والتي سبق ذكر جملة منها، فكلها يمكن حملها على البحث عن العلة، والسبب في عدم نزول البسملة مع هذه السورة، فهي مجرد تعليلات، تقبل حينا وترد أحيانا، وهي مجرد التماس للحكمة، وللعلة في عدم نزولها، مع هذه السورة، والتعليل قد يكون عليلا، فالأولى - والله أعلم - التوقف في هذا.","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>المبحث الخامس\nحكم قراءة البسملة في غير الصلاة</span>\nأجمع أهل العلم على مشروعية التسمية، واستحبابها، بعد الاستعادة، تقديما للتخلية على التحلية، عند قراءة أول السورة في غير الصلاة، سواء في ذلك سورة الفاتحة، أو غيرها من السور، سوى سورة براءة (١)، لأنها آية من القرآن الكريم، نزلت مع كل سورة، سوى سورة براءة.\nلكن اختلف القراء في قراءتها في حال الوصل بين السور، فقرأ ابن كثير، وقالون، وعاصم، والكسائي بالفصل بالتسمية بين السور، سوى الأنفال وبراءة (٢).\nوروي عن بعض القراء تركها في الوصل منهم حمزة، وروي عن ورش الفصل وعدمه، واختلف عن الباقين، وهم: خلف وأبو عمرو وابن عامر ويعقوب ونافع، بين الفصل بالبسملة والوصل بين السورتين، أو السكت بينهما (٣).\nوالأولى الفصل بالتسمية بين جميع السور سوى سورة براءة، فلا\n_________\n(١) انظر «التبصرة» لمكي ص ٢٤٩ - ٢٥٠، «الإقناع في القراءات السبع» ١: ١٥٥، «النشر» ١: ٢٦٣ - ٢٦٤.\n(٢) انظر «التبصرة» لمكي ص ٢٤٦، «العنوان في القراءات السبع» ص ٦٥، «الإقناع في القراءات السبع» ١: ١٥٨، «النشر» ١: ٢٥٩\n(٣) انظر «التبصرة» لمكي ص ٢٤٧ - ٢٤٨، «العنوان في القراءات السبع» ص ٦٥، «الإقناع في القراءات السبع» ١: ١٥٨ - ١٦٢، «النشر» ١: ٢٥٩ - ٢٦٠.","vol":"1","page":129},{"text":"يفصل بالتسمية بينها وبين ما يقرأ قبلها من السور سواء سورة الأنفال أو غيرها - لأن الله أنزل التسمية مع كل سورة سوى سورة براءة، وكذا لو كرر السورة فوصل بين آخرها وأولها فالأولى الفصل بالبسملة (١) - وإن كانت ليست آية من كل سورة - كما قال ابن عباس - ﵄ -: «كان النبي - ﷺ - لا يعرف فصل السورة، حتى تنزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم» (٢)، ولأن ذلك هو الموافق لرسم المصحف، ومن شرط صحة القراءة موافقتها لرسم المصحف (٣)، باتفاق أهل العلم، ولهذا أكثر القراء على الفصل بها بين السور، وكل من روي عنه الوصل، فقد روي عنه خلافه.\nوالأولى: في حال الابتداء بأول السورة أن يستعيذ ثم يقف، ثم يسمي ويقف، ثم يشرع في أول السورة، لأن الوقف على الاستعاذة تام، وكذا الوقف على البسملة، ولأن الثابت أن الرسول - ﷺ - كما في حديث أم سلمة - ﵂ - أنه كان يقطع قراءته آية آية (٤).\nويجوز أن يصل الاستعاذة بالبسملة، ثم يقف، ثم يشرع بأول السورة ويجوز أن يستعيذ ثم يقف، ثم يسمي ويصل البسملة بالسورة، ويجوز وصل الجميع، وصل الاستعاذة بالبسملة، ووصل البسملة\n_________\n(١) انظر «النشر» ١: ٢٧٠.\n(٢) سبق تخريجه في المبحث الثالث من هذا الفصل ضمن أدلة القول الرابع.\n(٣) انظر «مجموع فتاوى ابن تيمية» ٢٢: ٣٥٢.\n(٤) سبق تخريجه في المبحث الرابع من هذا الفصل ضمن أدلة القول الثاني.","vol":"1","page":130},{"text":"بالسورة (١).\nوفي حال الوصل بين سورة وأخرى الأولى الوقف على نهاية السورة الأولى، لأن أواخر السور من أتم التمام، ثم يسمى ويقف، ثم يبتدأ بأول السورة الأخرى، سواء كانت السورتان متواليتين في ترتيب المصحف أم غير متواليتين.\nويجوز أن يقف على آخر السورة، ثم يبسمل، ويصل البسملة بأول السورة الأخرى، ويجوز وصل آخر السورة بالبسملة، ووصل البسملة بأول السورة الأخرى، وهو دون الثاني.\nويمتنع وصل البسملة بآخر السورة، ثم الوقف عليها، لأن البسملة إنما شرعت في الابتداء، لا في الانتهاء (٢).\nأما في أوساط السور فيتعوذ فقط، ولا يبسمل عند أكثر أهل العلم، وهو الصحيح، وقيل يستعيذ ويبسمل، وقيل يبسمل فقط (٣).\nوقد تقدم هذا في الكلام على الاستعاذة.\n_________\n(١) انظر «الإقناع في القراءات السبع» ١: ١٥٤، «النشر» ١: ٢٥٦ - ٢٦٨.\n(٢) انظر «التبصرة» لمكي ص ٢٤٨ - ٢٤٩، «الإقناع في القراءات السبع» ١: ١٥٨، «النشر» ١: ٢٦٧ - ٢٧٠.\n(٣) انظر «التبصرة» ص ٢٤٩، «الإقناع في القراءات السبع» ١: ١٦٢ - ١٦٣، «النشر» ١: ٢٦٥.","vol":"1","page":131},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>المبحث السادس\nحكم قراءة البسملة في الصلاة</span>\nاختلف العلماء في حكم قراءة البسملة في الصلاة على أقوال:\nالقول الأول:\nأنها تجب قراءتها في الصلاة، وجوب الفاتحة، لأنها آية منها.\nوهو مروي عن ابن عباس وابن عمر، والزهري، ومجاهد، ويحيى ابن جعدة (١) وإسحاق (٢)، وأبي ثور، وأبي عبيد (٣)، وهو المشهور من مذهب الشافعي (٤)، ورواية عن الإمام أحمد (٥). وهذا على أن البسملة آية من الفاتحة (٦)، فتجب قراءتها عندهم كما تجب قراءة بقية آيات الفاتحة، كما يشرع الجهر بها عندهم، كما يجهر ببقية آيات الفاتحة. وسيأتي ذكر أدلتهم ومناقشتها عند ذكر قول من قال بالجهر بالبسملة في المبحث السابع إن شاء الله تعالى.\nالقول الثاني:\nأن قراءتها في الصلاة مستحبة مع الفاتحة، ومع كل سورة، سوى\n_________\n(١) انظر «الاستذكار» ٢: ١٨١.\n(٢) أخرجه عن إسحاق ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٧٦.\n(٣) انظر «الجامع لأحكام القرآن» ١: ٩٦.\n(٤) انظر «الأم» ١: ١٠٧، ١٠٨، «المهذب» ١: ٧٩، «المجموع» ٣: ٣٣٢ - ٣٣٣.\n(٥) انظر «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٣٥٣، ٤٣٥، ٤٣٩.\n(٦) انظر «المصدر السابق» ٢٢: ٣٥٣، ٤٣٤، ٤٤٠.","vol":"1","page":132},{"text":"سورة براءة، كما في المصحف، وهو قول جمهور أهل العلم (١)، منهم: أبو حنيفة (٢)، وأحمد في المشهور عنه (٣)، وأكثر أهل الحديث (٤)، لأنها آية مستقلة من القرآن، وليست آية من السورة، لا من سورة الفاتحة، ولا من غيرها من السور، فلا تجب قراءتها، لا مع الفاتحة، ولا مع غيرها، لكن تستحب قراءتها معها، ومع كل سورة سوى براءة، لإثباتها في المصحف معها، ومع بقية السور، سوى براءة. وأيضًا فقد ثبت في حديث أنس وعائشة وأبي هريرة - ﵃ - أن الرسول ... - ﷺ - وخلفاءه، لا يجهرون بها (٥)، فلو كانت قراءتها واجبة، وجوب الفاتحة لجهروا بها، كما يجهرون ببقية آيات الفاتحة.\nالقول الثالث:\nأنه لا تشرع قراءتها في المكتوبة، لا سرًا ولا جهرًا.\nوهذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك، إلا أنه قال بقراءة البسملة في النقل وقيام الليل، ولمن يعرض القرآن عرضا (٦).\n_________\n(١) انظر «المغني» ٢: ١٤٧، «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٢٧٦، ٤٣٦.\n(٢) انظر «المبسوط» ١: ١٥، «أحكام القرآن» للجصاص ١: ١٣ - ١٤، «فتتح القدير» لابن الهمام ١: ٢٩١، ٢٩٣.\n(٣) انظر «مسائل الإمام أحمد» رواية النيسابوري ١: ٥٢، ٥٣، «المسائل الفقهية» ١: ١١٨، «الإفصاح» ١: ١٢٥ - ١٢٦، «المغني» ٢: ١٤٧، ١٥١، «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٣٦.\n(٤) انظر «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٣٦.\n(٥) سيأتي تخريجها في المبحث السادس من هذا الفصل ضمن أدلة القول الثاني.\n(٦) انظر «المدونة» ١: ٦٤، «الكافي» لابن عبد البر ١: ١٧٠، «الاستذكار» ٢: ١٥٤، ١٧٥، ١٨٢، «أحكام القرآن» لابن العربي ١: ٣، «بداية المجتهد» ١: ٨٩، «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ١: ٩٥ - ٩٦.","vol":"1","page":133},{"text":"ونقل القول بعدم مشروعية قراءتها أيضا عن الأوزاعي (١).\nوهذا القول مبني على أن البسملة ليست آية من القرآن، لا في أول الفاتحة ولا في أوائل السور، وليست آية مستقلة من القرآن - وقد تقدم بيان ضعف هذا القول (٢).\nوقد استدل من ذهب إلى هذا القول بأحاديث أنس وعائشة، وعبد الله بن مغفل - ﵃ - والتي فيها أن الرسول - ﷺ - وخلفاءه كانوا يستفتحون القراءة والصلاة بالحمد لله رب العالمين (٣). وحديث أبي هريرة الذي فيه قوله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ...» (٤).\nلكن هذه الأحاديث ليس فيها نفي قراءتها مطلقًا، وإنما فيها نفي قراءتها جهرًا - كما جاء في بعض روايات حديث أنس قوله: «فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم». وفي عض الروايات «فكانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم». وسيأتي ذكر رواياته وتخريجها، هو وحديث عائشة، وعبد الله بن مغفل، في الكلام على حكم الجهر\n_________\n(١) انظر «الاستذكار» ٢: ١٧٧، «الاعتبار» للحازمي ص ٨١، «المغني» ٢: ١٤٧، «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٠٧.\n(٢) راجع ص ١٠٤.\n(٣) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي ١: ٣، «المغني» ٢: ١٤٧، «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤١٣، «تفسير ابن كثير» ١: ٣٦.\n(٤) انظر «الاستذكار» لابن عبد البر ٢: ١٥٤.","vol":"1","page":134},{"text":"بالبسملة والإسرار بها (١).\nقال أبو بكر بن خزيمة - بعد أن أخرج روايات حديث أنس، والتي في بعضها التصريح بأن الرسول - ﷺ - وأبا بكر وعمر وعثمان كانوا يسرون ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا يجهزون لها.\nقال ابن خزيمة: «هذا الخبر يصرح بخلاف ما توهم من لم يتبحر العلم، وادعى أن أنس بن مالك أراد بقوله: «كان النبي - ﷺ - وأبو بكر وعمر يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، وبقوله: «لم أسمع أحدًا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أنهم لم يكونوا يقرؤون ... جهرا، ولا خفيا. وهذا الخبر يصرح أنه أراد أنهم كانوا يسرون به ولا يجهزون به عند أنس» (٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، بعد أن نفي دلالة حديث أنس على ترك قراءة البسملة، وبين أنه إنما يدل على ترك الجهر بها قال: «وأما كون الإمام لم يقرأها، فهذا لا يمكن إدراكه، إلا إذا لم يكن له بين التكبير والقراءة سكتة، يمكن فيها القراءة سرًا، ولهذا استدل بحديث أنس على عدم القراءة، من لم ير هناك سكوتا كمالك وغيره، لكن ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله. «أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قال: أقول: كذا وكذا\n_________\n(١) ص ١٣٤ - ١٤٠.\n(٢) في «صحيحه» ١: ٢٥٠، وانظر «المغني» ٢: ١٤٩ - ١٥١.\n(٣) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤١٣ - ٤١٥.","vol":"1","page":135},{"text":"إلى آخره». وفي الصحيحين وغيرهما من حديث عمران وأبي وغيرهما أنه كان يسكت قبل القراءة، وفيها أنه كان يستعيذ، وإذا كان له سكوت، لم يمكن أنسا أن ينفي قراءتها في ذلك السكوت، فيكون نفيه للذكر، وإخباره بافتتاح القراءة بها، إنما هو في الجهر، وكما أن الإمساك عن الجهر مع الذكر يسمى سكوتا، كما في حديث أبي هريرة فيصلح أن يقال: لم يقرأها، ولم يذكرها، أي جهرا، فإن لفظ السكوت، ولفظ نفي الذكر والقراءة مدلولهما هنا واحد».\nوقد اختلف العلماء فيما إذا جهر الإمام ولم يسكت هل يبسمل المأموم أو لا: على قولين منهم: من قال: لا يبسمل ولا يقرأ بل يجب عليه الإنصات، وقال بعض أهل العلم: بأنه يستعيذ ثم يبسمل ويقرأ الفاتحة وذلك لأن قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة الاستعاذة والبسملة تشرع قراءتها تبعًا لها.\n\nوهذه المسألة مبنية على اختلافهم في حكم قراءة الفاتحة في حق المأموم (١).\n****\n_________\n(١) راجع ما سبق ص ٦٢ وانظر «حكم قراءة الفاتحة في حق المأموم» ص ٣٥٤ وما بعدها.","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>المبحث السابع\nحكم البسملة من حيث الجهر بها والإسرار، في الصلاة، أو خارجها</span>\nأما في غير الصلاة:\nفأكثر القراء على الجهر بها (١)، وروي عن بعضهم إخفاؤها، منهم حمزة، ونافع (٢)، وروي عنهما الجهر بها (٣).\nوأخذ بعض أهل الأداء بالتسمية جهرًا لجميع القراء وأخذ بعض أهل الأداء لهم إخفاءها (٤).\nوأما في الصلاة فاختلف أهل العلم في ذلك على أقوال:\nالقول الأول:\nأنه يسن الجهر بها في الصلاة الجهرية، والإسرار بها في الصلاة السرية.\nوهو مروي عن عمر، وعلي وعبد الله بن الزبير (٥) وابن عباس وابن\n_________\n(١) انظر «الكشف عن وجوه القراءات السبع» ١: ١١ - ١٢، «النشر» ١: ٢٦٥.\n(٢) انظر «الكشف عن وجوه القراءات السبع» ١: ١١ - ١٢.\n(٣) انظر «التبصرة» لمكي ص ٢٤٥، «الكشف عن وجوه القراءات» ١: ١١ - ١٢، «النشر» ١: ٢٧١.\n(٤) انظر «الإقناع في القراءات السبع «١: ١٦٢.\n(٥) أخرجه عن عمر، وابن الزبير ابن أبي شيبة في «المصنف» ١: ٤١٢، وأخرجه عنهما وعن علي البيهقي- في الصلاة- باب قراءة ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ ٢: ٤٨ - ٤٩.","vol":"1","page":137},{"text":"عمر، وأبي هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان (١)، وشداد بن أوس (٢) - ﵃ -.\nومن التابعين: سعيد بن جبير (٣)، ومحمد بن شهاب الزهري (٤)، ومجاهد وعطاء وطاوس (٥).\nوحكاه ابن كثير - أيضًا (٦) - عن عكرمة، وأبي قلابة، وعلي بن الحسين وابنه محمد، وسعيد بن المسيب، وسالم، ومحمد بن كعب القرظي، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وأبي وائل، وابن سيرين، ومحمد بن المنكدر ونافع مولى ابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، والأزرق بن قيس، وحبيب بن أبي ثابت، وأبي الشعثاء، وعبد الله بن معقل بن مقرن، وعبد الله بن صفوان، ومحمد بن الحنفية وعمرو بن دينار.\n_________\n(١) أخرجه عن ابن عمر وأبي هريرة ابن أبي شيبة ١: ٤١٢، وأخرجه عن ابن عمر وابن عباس- النحاس في «القطع والائتناف» ١: ١٠٤ - ١٠٥، وأخرجه عنهم وعن معاوية- البيهقي ٢: ٤٦ - ٥٠.\n(٢) أخرجه عن شداد النحاس في «القطع والائتناف» ١: ٤.\n(٣) أخرجه عن سعيد بن جبير - عبد الرزاق- في الصلاة- باب قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) - الأثر ٢٦١٤، وابن أبي شيبة ١: ٤١٢، والنحاس في «القطع والائتناف» ١: ١٠٦.\n(٤) أخرجه عن الزهري - البيهقي ٢: ٥٠.\n(٥) أخرجه عن مجاهد وعطاء وطاوس ابن أبي شيبة ١: ٤١٢، وأخرجه النحاس عن مجاهد وعطاء في «القطع والائتناف» ١: ١٠٦.\n(٦) في «تفسيره» ١: ٣٥ - ٣٦.","vol":"1","page":138},{"text":"وهو المشهور من مذهب الشافعي (١). ونسب لأحمد في رواية له (٢). ولكن قال ابن قدامة (٣): «ولا تختلف الرواية عن أحمد أن الجهر بها غير مسنون».\nوقال ابن تيمية (٤): «وقد حكي القول بالجهر عن أحمد وغيره، بناء على إحدى الروايتين عنه، من أنها من الفاتحة فيجهر بها كما يجهر بسائر الفاتحة، وليس هذا مذهبه، بل يخافت بها عنده»، وروي عن الليث بن سعد (٥)، وأبي عبيد (٦)، وداود الظاهري (٧).\nوقد سبقت الإشارة - في المبحث السادس - إلى أن أدلة القائلين بوجوب قراءة البسملة في الصلاة هي نفسا أدلة القائلين بالجهر بها ومنها ما يلي:\n١ - أن الصحابة كتبوها في المصحف، مع أنهم جردوه عما ليس من القرآن (٨)، مما يدل على وجوب قراءتها والجهر بها.\nوالجواب عن هذا: أنه إنما تجب قراءتها لو كانت من السورة،\n_________\n(١) انظر «الأم» ١: ١٠٧، «المهذب» ١: ٧٩، «الاعتبار» للحازمي ص ٨٢، «تفسير ابن كثير» ١: ٣٥.\n(٢) انظر «الاعتبار» ص ٨٢.\n(٣) في «المغني» ٢: ١٤٩.\n(٤) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٤٢.\n(٥) انظر «الاستذكار» ٢: ١٧٦.\n(٦) انظر «الاعتبار» ص ٨١.\n(٧) انظر «الاستذكار» ٢: ١٧٧.\n(٨) انظر «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٣٢.","vol":"1","page":139},{"text":"وبخاصة مع الفاتحة، والصحيح أنها آية مستقلة من القرآن - كما تقدم بيان ذلك في المبحث الثالث.\n٢ - ما رواه نعيم بن المجمر قال: «صليت وراء أبي هريرة، فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم قرأ بأم القرآن، حتى بلغ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: آمين. فقال الناس: آمين. ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين، قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -» (١).\nقالوا: فهذا الحديث يدل على مشروعية الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، لأن قوله «فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يؤخذ منه أنه قرأها جهرًا، وإلا فكيف يعلم أن أبا هريرة قرأها، وحيث قال أبو هريرة في نهاية الحديث: «والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -». فهذا يدل على أنه - ﷺ - يجهر بها.\nوقد أجاب أهل العلم من القائلين بعدم الجهر عن هذا الحديث بجوابين:\nالأول: من حيث صحة سنده، فقد ضعفه جمع من أهل العلم.\n_________\n(١) أخرجه النسائي - في الصلاة- في الافتتاح- قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) - حديث ٩٠٥ وقال الألباني: «ضعيف الإسناد».\nوأخرجه ابن خزيمة- في الصلاة- باب ذكر الدليل على أن الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والمخافتة به جميعا مباح- حديث ٤٩٩، والدارقطني - في الصلاة- باب وجوب قراءة (بسم الله الرحمن الرحيم) حديث ١٤، وقال: «صحيح، رواته كلهم ثقات»، والحاكم- في الصلاة- ١: ٢٣٢، وقال «صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه» والبيهقي ٢: ٤٦، وقال «إسناده صحيح وله شواهد «.","vol":"1","page":140},{"text":"وقد أطال الزيلعي في «نصب الراية» (١) في ذكر كلام الأئمة في تضعيفه، وأجاب عنه، وأعله من وجوه عدة، وكذا أعله وأجاب عنه من وجوه عدة الزبيدي (٢)، كما ضعف إسناده الألباني (٣).\nالجواب الثاني أن دلالته على الجهر ليست صريحة - على فرض صحته، فيحتمل أن أبا هريرة أسر بها، ويحتمل أنه قصد تعليمهم، أو غير ذلك.\nقال الجصاص (٤): حديث نعيم بن المجمر لا دلالة فيه على الجهر بها، لأنه إنما ذكر أنه قرأها، ولم ينقل عنه أنه جهر بها.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٥) «فإن العارفين بالحديث يقولون: إنه عمدتهم في هذه المسألة، ولا حجة فيه ... فقد يكون أبو هريرة قصد تعريفهم أنها تقرأ في الجملة، وإن لم يجهر بها، وحينئذ فلا يكون هذا مخالفًا لحديث أنس الذي في الصحيح وحديث عائشة الذي في الصحيح، هذا إذا كان الحديث دالًا على أنه جهر بها، فإن لفظه ليس صريحًا بذلك من وجهين، أحدهما: أنه قال قرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فيحتمل أنه قرأها سرًا ... الثاني: أنه لم يخبر أن\n_________\n(١) ١: ٣٣٥ - ٣٤١.\n(٢) انظر «الرد على من أبى الحق، وادعى أن الجهر بالبسملة من سنة سيد الخلق» ١: ١٩ وما بعدها.\n(٣) راجع تخريج الحديث.\n(٤) في «أحكام القرآن» ١: ١٦.\n(٥) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٢٢، ٤٢٥، وانظر أيضًا: «نصب الراية» ١: ٣٣٥ - ٣٤١، «الرد على من أبى الحق» ١: ٢١ - وما بعدها.","vol":"1","page":141},{"text":"النبي - ﷺ - قرأها، وإنما قال في آخر الصلاة: «إني لأشبهكم صلاة برسول الله - ﷺ -».\nوفي الحديث: أنه أمن، وكبر في الخفض والرفع، وهذا نحوه مما كان يتركه الأئمة، فيكون أشبههم برسول الله - ﷺ - من هذه الوجوه التي فيها ما فعله الرسول - ﷺ - وتركوه هم، ولعل قراءتها مع الجهر أشبه بصلاة رسول الله - ﷺ - من تركها».\n٣ - ما رواه أنس بن مالك: أن معاوية لما قدم المدينة - صلى بهم، فلم يجهر بالبسملة، فأنكر عليه المهاجرون والأنصار، فأعاد بهم الصلاة وجهر بها» (١).\nقالوا: فإنكار المهاجرين والأنصار على معاوية ترك الجهر بالبسملة، وإعادته الصلاة بهم، والجهر بها، يدل على أن السنة الجهر.\nوهذا الحديث ضعفه من حيث سنده ومتنه عدد من المحققين، منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، فقد ضعفه من وجوه ستة، ثم قال\n_________\n(١) أخرجه -ي الصلاة- وجوب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم والجهر بها، حديث ٣٣، وقال عن رجاله «كلهم ثقات»، والشافعي في «الأم» ١: ٩٣ - ٩٤. والحاكم ١: ٢٣٢. وقال «صحيح على شرط مسلم». قال الخطيب فيما نقله الزيلعي في «نصب الراية» ١: ٣٥٣: هو أجود ما يعتمد عليه في هذا الباب». وانظر «سنن البيهقي» ٢: ٤٩، «الاستذكار» ٢/ ١٨٠.\nوقد ضعف هذا الحديث جمع من أهل العلم منهم شيخ الإسلام ابن تيمية، والزيلعي، والزبيدي، وغيرهم- كما هو مذكور بعاليه.\n(٢) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٣٠ - ٤٣٢.","vol":"1","page":142},{"text":"بعدها: «فهذه الوجوه وأمثالها، إذا تدبرها العالم، قطع بأن حديث معاوية إما باطل لا حقيقة له، وإما مغير عن وجهه، وأن الذي حدث به بلغه من وجه ليس بصحيح، فحصلت الآفة من انقطاع إسناده. وقيل: هذا الحديث لو كان تقوم به حجه، لكان شاذًا، لأنه خلاف ما رواه الناس الثقات الأثبات عن أنس وعن أهل المدينة وأهل الشام، ومن شرط الحديث الثابت ألا يكون شاذًا، ولا معللًا، وهذا شاذ معلل، وإن لم يكن من سوء حفظ بعض رواته. . .»\nكما ضعفه الزيلعي (١) والزبيدي (٢) من حيث سنده ومتنه من وجوه عدة، وذكرا كلام الأئمة في تضعيفه.\n٤ - ما رواه أنس بن مالك أنه سئل عن قراءة النبي - ﷺ - فقال: «كانت مدا يمد (بسم الله)، ويمد بـ (الرحمن)، ويمد بـ (الرحيم)». رواه البخاري (٣).\n٥ - ما روته أم سملة، قالت: «كان النبي - ﷺ - يقطع قراءته تقطيعًا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الحديث» رواه أبو داود وغيره (٤).\n_________\n(١) في «نصب الراية» ١: ٣٥٣ - ٣٥٥.\n(٢) انظر «الرد على من أبى الحق» ص ٤٣.\n(٣) سبق تخريج هذا الحديث في ذكر أدلة من قال: البسملة آية من الفاتحة في المبحث الثالث، من هذا الفصل.\n(٤) سبق تخريج هذا الحديث في ذكر أدلة من قال: البسملة آية من الفاتحة في المبحث الثالث، من هذا الفصل.","vol":"1","page":143},{"text":"قالوا: فهذان الحديثان يدلان على أنه - ﷺ - كان يجهر بالبسملة. والصحيح أنه لا حجة في هذين الحديثين، لأنه ليس فيهما ما يدل صراحة على أنه - ﷺ - كان يفعل ذلك في الصلاة (١).\n٦ - ما رواه المعتمر بن سليمان عن أبيه عن أنس قال: «كان رسول الله - ﷺ - يجهر بالقراءة ببسم الله الرحمن الرحيم» (٢).\nوهذا الحديث - وإن صححه الحاكم - ففيه نظر، لأنه يعارض ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أنس وغيره، من عدم جهر الرسول - ﷺ -، وخلفائه بها - كما سيأتي في أدلة القول التالي.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣): «يعلم أولًا أن تصحيح الحاكم وحده وتوثيقه وحده لا يوثق به فيما دون هذا، فكيف في مثل هذا الموضع الذي يعارض فيه بتوثيق الحاكم، وقد اتفق أهل العلم بالصحيح على خلافه، ومن له أدنى خبرة في الحديث وأهله، لا يعارض بتوثيق الحاكم، ما قد ثبت في الصحيح خلافه ..».\nإلى غير ذلك من الأحاديث التي استدلوا بها (٤) وهي بين ضعيف، أو موضوع، أو مما لا حجة لهم فيه، كما بين ذلك جمع من\n_________\n(١) انظر «أحكام القرآن» للجصاص ١: ١٦.\n(٢) أخرجه الدارقطني في الصلاة- وجوب قراءة «بسم الله الرحمن الرحيم» - حديث ٢٦، والحاكم ١: ٢٣٤، وقال: «رواة هذا الحديث كلهم عن آخرهم ثقات» ووافقه الذهبي.\n(٣) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٢٦ - ٤٣٠، وانظر «الفتاوى الكبرى» «لابن تيمية أيضًا» ١: ٩٧ - ١٠٠. «الرد على من أبى الحق» ١: ٣٩ - ٤١.\n(٤) انظر «الاستذكار» ٢: ١٧٧.","vol":"1","page":144},{"text":"المحققين.\nقال الدارقطني (١): «كل ما روي عن النبي - ﷺ - في الجهر فليس بصحيح، وأما عن الصحابة فمنه صحيح ومنه ضعيف».\nوقال ابن الجوزي في «التحقيق» (٢) بعد أن ذكر الأحاديث التي استدل بها الشافعية على الجهر وبين ضعفها: «وهذه الأحاديث في الجملة لا يحسن بمن له علم بالنقل أن يعارض بها الأحاديث الصحاح. . ويكفي في هجرانها إعراض المصنفين للمسانيد والسنن عن جمهورها» - وبعد أن ذكر قول الدارقطني السابق قال: «ثم إنا بعد ذلك نحمل أحاديثهم على أحد أمرين: إما أن يكون جهر بها للتعليم، كما روي أنه كان يصلي بهم الظهر فيسمعهم الآية والآيتين، بعد الفاتحة أحيانًا ...».\nوقال ابن قدامة (٣): «وسائر أخبار الجهر ضعيفة فإن رواتها هم رواة الإخفاء، وإسناد الإخفاء صحيح ثابت بغير خلاف فيه، فدل على ضعف رواية الجهر».\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٤): «وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أنه ليس في الجهر بها حديث صريح، ولم يرو أهل السنن\n_________\n(١) انظر «التحقيق» لابن الجوزي ١: ٣١٣.\n(٢) ١: ٣١٢، وانظر ٣٠١ - ٣١٤، وانظر «التنقيح» ٢: ٧٩٨ - ٨٣١، «الرد على من أبى الحق» ص ٦٧ - ٧٢.\n(٣) في «المغني» ٢: ١٥١.\n(٤) في «الفتاوى» ٢٢: ٤١٥.","vol":"1","page":145},{"text":"المشهورة: كأبي داود والترمذي والنسائي شيئا من ذلك، وإنما يوجد الجهر بها صريحًا في أحاديث موضوعة يرويها الثعلبي والماوردي وأمثالهما في التفسير، أو في بعض كتب الفقهاء، الذين لا يميزون بين الموضوع وغيره، بل يحتجون بمثل حديث الحميراء».\nوقال - أيضًا (١) - بعدما ذكر مذهب القائلين بالجهر بالبسملة: «واعتمدوا على آثار منقولة بعضها عن الصحابة، وبعضها عن النبي - ﷺ -، فأما المأثور عن الصحابة كابن الزبير ونحوه، ففيه صحيح، وفيه ضعيف، وأما المأثور عن النبي - ﷺ - فهو ضعيف، أو موضوع، كما ذكر ذلك حفاظ الحديث، كالدارقطني وغيره ...».\nوقال - أيضًا (٢) -: «وإنما كثر الكذب في أحاديث الجهر، لأن الشيعة ترى الجهر، وهم أكذب الطوائف فوضعوا في ذلك أحاديث لبسوا بها على الناس دينهم، ولهذا يوجد في كلام أئمة السنة من الكوفيين كسفيان الثوري أنهم يذكرون من السنة المسح على الخفين، وترك الجهر بالبسملة، كما يذكرون تقديم أبي بكر وعمر، ونحو ذلك، لأن هذا من شعار الرافضة، ولهذا ذهب أبو علي بن أبي هريرة أحد الأئمة من أصحاب الشافعي على ترك الجهر بها، قال: لأن الجهر بها صار من شعار المخالفين».\n_________\n(١) في «الفتاوى» ٢٢: ٤٤١.\n(٢) في «الفتاوى» ٢٢: ٤٢٣.","vol":"1","page":146},{"text":"وقال ابن القيم (١) مشيرا إلى أحاديث الجهر: «فصحيح تلك الأحاديث غير صريح وصريحها غير صحيح».\nوقد أطال الزيلعي في «نصب الراية» (٢) في ذكر كلاهم أهل العلم في تضعيف الأحاديث والآثار الواردة في الجهر بالبسملة، ثم قال (٣):\n«وبالجملة هذه الأحاديث ليس فيها صريح، ولا صحيح، بل فيها عدمهما، أو عدم أحدهما. وكيف تكون صحيحة، وليست مخرجة في شيء من الصحيح، ولا المسانيد، ولا السنن المشهورة، وفي روايتها الكذابون والضعفاء والمجاهيل ...».\nكما ضعف أحاديث الجهر الزبيدي (٤).\nالقول الثاني:\nأنه يسن الإسرار بالبسملة في الصلاة مطلقا، وهو قول جمهور أهل العلم من المحدثين والفقهاء وغيرهم (٥).\nوهو الثابت من الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان (٦)، وعلي (٧)،\n_________\n(١) في «زاد المعاد» ١: ٢٠٦.\n(٢) ١: ٣٢٥ - ٣٦٣.\n(٣) ١: ٣٥٥ - ٣٥٦.\n(٤) انظر «الرد على من أبى الحق» ص ١٨ - ٥٢.\n(٥) انظر «سنن الترمذي» ٢: ١٤، «الاعتبار» للحازمي ص ٨١، «المغني» ٢: ١٤٩.\n(٦) بدليل حديث أنس الآتي قريبا. وانظر «سنن الترمذي» ٢: ١٤، «أحكام القرآن» للجصاص ١: ١٧، «الاستذكار» ٢: ١٧٧، «الاعتبار» للحازمي ص ٨١، «زاد المسير» ١: ٧، «المغني» ٢: ١٤٩.\n(٧) أخرجه عن علي بن أبي طالب- عبد الرازق- في الصلاة- الأثر ٢٦٠١، وابن أبي شيبة ١: ٤١١، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١: ٢٠٤، وابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٧٨.","vol":"1","page":147},{"text":"وعن أنس (١)، وعائشة (٢) وروي عن ابن عباس (٣)، وبه قال ابن مسعود، وعبد الله بن الزبير، وعمار بن ياسر وعروة بن الزبير، وأبو وائل، ومحمد بن سيرين، والحكم بن عتيبة، وإبراهيم النخعي (٤)، والحسن وقتادة وعمر بن عبد العزيز (٥)، وعكرمة (٦)، والأوزاعي، وسفيان الثوري (٧)، وسعيد بن جبير والأعمش والشعبي (٨)، وأبو حنيفة وأصحابه (٩)،\nوأحمد بن حنبل (١٠) وعبد الله بن المبارك، وإسحاق بن راهويه (١١)، وأبو عبيد (١٢)، وجماعة من أصحاب\n_________\n(١) أخرجه عن أنس ابن أبي شيبة ١: ٤٠١، وسيأتي ص ١٤٩ ذكر روايته ذلك عن الرسول - ﷺ - وخلفائه.\n(٢) سيأتي ذكر حديثها ضمن أدلة هذا القول الدليل رقم ٢.\n(٣) أخرجه ابن عباس- عبد الرزاق الأثر ٢٦٠٥، وابن أبي شيبة ١: ٤١١، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١: ٤٠٢.\n(٤) أخرجه عنهم جميعا ابن أبي شيبة ١: ٤١٠ - ٤١١، وانظر «الاستذكار» ٢: ١٧٩.\n(٥) أخرجه عن الحسن وقتادة وعمر بن عبد العزيز- عبد الرزاق الأثر ٢٦٠٤.\n(٦) انظر «أحكام القرآن» للجصاص ١: ١٥.\n(٧) انظر «الاستذكار» ١: ١٥٤، ١٧٦ - ١٧٧، «المغني» ٢: ١٤٩، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ٩٦.\n(٨) انظر «زاد المسير» ١: ٨.\n(٩) انظر «المبسوط» ١: ١٥، «أحكام القرآن» للجصاص ١: ٨، ٩، ١٥، «فتح القدير» لابن الهمام ١: ٢٩١، «نصب الراية» ١: ٣٢٨ ..\n(١٠) انظر «مسائل الإمام أحمد» رواية النيسابوري ١: ٥٢، ٥٣، ٥٥، «مسائل الإمام أحمد» رواية ابنه عبد الله ص ٧٦ «زاد المسير» ١: ٧، «المغني» ٢: ١٤٩، «مجموع فتاوى ابن تيمية» ٢٢: ٣٥٣، ٤٢٤، ٤٤٢.\n(١١) انظر «سنن الترمذي» ١: ١٤، «المغني» ٢: ١٤٩.\n(١٢) انظر «أحكام القرآن» للقرطبي ١: ٩٦.","vol":"1","page":148},{"text":"الشافعي (١) وغيرهم كثير (٢).\nواستدل أصحاب هذا القول بأحاديث صحيحة صريحة منها:\n١ - ما رواه أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - وعن الخلفاء أبي بكر وعمر وعثمان - ﵃ - أنهم كانوا لا يجهرون بـ «بسم الله الرحمن الرحيم».\nوقد أخرجه الأئمة عن أنس، منهم البخاري ومسلم، وأصحاب السنن، وغيرهم بروايات وألفاظ متعددة فأخرجه البخاري (٣) عن أنس ابن مالك - بلفظ: «أن النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر - ﵄ - كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين».\nوأخرجه مسلم عن أنس بلفظ: «صليت خلف النبي - ﷺ - وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة، ولا في آخرها».\nوفي لفظ آخر عند مسلم - أيضًا (٤) - «صليت مع رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر، وعثمان، فلم أسمع أحدا منهم، يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾».\n_________\n(١) انظر «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٤٢.\n(٢) انظر «الاستذكار» ١: ١٥٤، «الرد على من أبى الحق» ص ٦٤ - ٦٦.\n(٣) حديث ٧٨٢، والنسائي حديث ٨٦٧، والترمذي حديث ٢٤٦، وابن ماجه حديث ٤٩١ - كلهم بنحوه إلا عندهم «يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين».\n(٤) في الصلاة- حجة من قال: لا يجهر بالبسملة- حديث ٣٩٩.","vol":"1","page":149},{"text":"وأخرجه النسائي (١) عن أنس بلفظ: «صلى بنا رسول الله - ﷺ - فلم يسمعنا قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وصلى بنا أبو بكر وعمر، فلم نسمعها منهما».\nوفي لفظ آخر للنسائي (٢) عن أنس قال: «صليت خلف رسول الله - ﷺ - وأبي بكر، وعمر، وعثمان - ﵃ - فلم أسمع أحدا منهم يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ وأخرجه بهذا اللفظ الدارقطني (٣)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤)، وابن خزيمة (٥) أيضا بهذا اللفظ، إلا أنه قال: «فلم أسمع أحدا منهم يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾.\nأخرجه الإمام أحمد (٦) بلفظ: «صليت مع رسول الله - ﷺ - ومع أبي بكر وعمر فلم يجهروا بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وأخرجه بلفظه ابن خزيمة (٧)، وفي رواية له (٨) وللدارقطني (٩) بهذا اللفظ، وزادا\n_________\n(١) حديث ٨٧٠.\n(٢) حديث ٨٧١.\n(٣) في «سننه كتاب الصلاة- اختلاف الروايات في الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حديث (١).\n(٤) ١: ٢٠٢.\n(٥) حديث ٤٩٤.\n(٦) المسند ٣: ٢٦٤.\n(٧) حديث ٤٩٧.\n(٨) حديث ٤٩٥.\n(٩) في الباب السابق حديث ٣، ٤، ٥.","vol":"1","page":150},{"text":"«وعثمان». وفي لفظ لابن خزيمة (١): «أن النبي - ﷺ - لم يجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان» وفي لفظ له - أيضًا (٢) -: «أن رسول الله - ﷺ - كان يسر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الصلاة وأبو بكر وعمر». وفي لفظ للطحاوي (٣): «لم يكن رسول الله - ﷺ -، ولا أبو بكر، ولا عمر - ﵄ - يجهرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾».\nفحديث أنس هذا برواياته كلها، يدل على أن الثابت من فعل الرسول - ﷺ - وخلفائه الاسرار بالبسملة، وعدم الجهر بها (٤).\nقال الدارمي في «سننه» (٥) مبوبًا: «باب كراهية الجهر بـ .. ثم أخرج حديث أنس بلفظ «أن النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر وعثمان، كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين». قال الدرامي: وبهذا نقول ولا أرى الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾\nوقال ابن خزيمة في «صحيحه» (٦) مبوبًا: باب ذكر الدليل على أن أنسا إنما أراد بقوله: «لم أسمع أحدًا منهم يقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: أي لم أسمع أحدًا منهم يقرأ جهرًا ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ\n_________\n(١) حديث ٤٩٦.\n(٢) حديث ٤٩٨.\n(٣) في «شرح معاني الآثار» ١: ٢٣٠، وانظر «نصب الراية» ١: ٣٢٦ - ٣٢٧.\n(٤) انظر «التحقيق» ١: ٢٩٨، «المغني» ٢: ١٥٠.\n(٥) ١: ٢٨٣.\n(٦) ١: ٢٤٩.","vol":"1","page":151},{"text":"الرَّحِيمِ﴾، وأنهم كانوا يسرون بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في الصلاة».\nوقال الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١) بعد أن ذكر روايات حديث أنس: «ففي ذلك دليل على أنهم يقولونها من غير طريق الجهر، ولولا ذلك لما كان لذكرهم نفي الجهر معنى، فثبت بتصحيح هذه الآثار ترك الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾».\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): «أما حديث أنس في نفي الجهر، فهو حديث صريح لا يحتمل هذا التأويل (٣)، فإنه قد رواه مسلم في صحيحه، فقال فيه: «صليت خلف النبي - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة، ولا في آخرها» وهذا النفي لا يجوز إلا مع العلم بذلك، لا يجوز بمجرد كونه لم يسمع مع إمكان الجهر بلا سماع.\nواللفظ الآخر في صحيح مسلم «صليت خلف النبي - ﷺ -، وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدًا منهم يجهر، أو قال يصلي بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فهذا نفى فيه السماع، ولو لم يرو إلا هذا اللفظ\n_________\n(١) ١: ٢٠٣، ٢٠٤.\n(٢) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤١٠: ٤١٣.\n(٣) وهو حمل قول أنس «فلم أسمع أحدًا منهم يذكر بسم الله الرحمن الرحيم» على عدم السماع لا أنهم لا يجهرون بها».","vol":"1","page":152},{"text":"لم يجز تأويله بأن النبي - ﷺ - كان يقرأ جهرًا، ولا يسمع أنس، لوجوه ... - وبعد أن ذكر ابن تيمية هذه الوجوه - قال: فتبين أن هذا تحريف لا تأويل، ولو لم يرو إلا هذا اللفظ، فكيف والآخر صريح في نفي الذكر بها، وهو يفضل هذه الرواية الأخرى، وكلا الروايتين ينفي تأويل من تأول قوله: «يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين» أنه أراد السورة، فإن قوله: «يفتتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون «بسم الله الرحمن الرحيم» في أول قراءة، ولا في آخرها «صريح أنه في قصد الافتتاح بالآية، لا بسورة الفاتحة، التي أولها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إذ لو كان مقصوده ذلك لتناقض حديثاه».\nوقال - أيضًا (١) -: «وأما اللفظ الآخر» لا يذكرون» فهو إنما ينفي ما يمكن العلم بانتفائه، وذلك موجود في الجهر، فإنه إذا لم يسمع مع القرب، علم أنهم لم يجهروا ... يؤيد هذا حديث عبد الله بن مغفل (٢).\n_________\n(١) ٢٢: ٤١٤، ٤١٥، وانظر «الفتاوى الكبرى» ١: ٨٨.\n(٢) حديث عبد الله بن مغفل رواه عنه ابنه يزيد، قال: «سمعني أبي وأنا في الصلاة أقول:» بسم الله الرحمن الرحيم «فقال: أي بني، محدث، إياك والحدث- قال: ولم أر أحدا من أصحاب رسول الله - ﷺ - كان أبغض إليه الحدث في الإسلام، يعني منه- قال: وقد صليت مع النبي - ﷺ - ومع أبي بكر ومع عمر، ومع عثمان، فلم أسمع أحدا منهم يقولها، فلا تقلها، إذا أنت صليت فقل: «الحمد لله رب العالمين».\n\nوهذا الحديث أخرجه- النسائي- في الافتتاح- باب ترك الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حديث ٩٠٨، والترمذي- في الصلاة- ترك الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حديث ٢٤٤، وابن ماجه في الصلاة- افتتاح القراءة- حديث ٨١٥، وأحمد ٤: ٨٥، وهذا الحديث ضعيف عند أكثر أهل العلم، فقد ضعفه ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٧٥، فقال: «حديث ضعيف، لأنه لم يعرف ابن عبد الله بن مغفل». وقال الزيلعي في «نصب الراية» ١: ٣٣٢ - ٣٣٣: «قال النووي في الخلاصة: وقد ضعف الحفاظ هذا الحديث، وأنكروا على الترمذي تحسينه، كابن خزيمة، وابن عبد البر والخطيب، وقالوا: إن مداره على ابن عبد الله بن مغفل، وهو مجهول». وضعفه الألباني في «ضعيف سنن النسائي» و«ضعيف سنن الترمذي»، و«ضعيف سنن ابن ماجه» في المواضع السابقة. ولو صح هذا الحديث فهم محمول- كما أشار ابن تيمية- على ما حمل عليه حديث أنس وهو ترك الجهر. وانظر «الرد على من أبى الحق» ص ٥٩ - ٦٣.","vol":"1","page":153},{"text":"ويؤيد قول ابن تيمية ما أخرجه الدارقطني (١) عن أبي مسلمة سعيد ابن يزيد قال: سألت أنس بن مالك، أكان رسول الله - ﷺ - يستفتح بالحمد لله رب العالمين، أو بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)؟ فقال: إنك تسألني عن شيء ما أحفظه، وما سألني عنه أحد قبلك. قلت: أكان رسول الله - ﷺ - يصلي في النعلين؟ قال: نعم».\nوقال ابن حجر في «بلوغ المرام» (٢) بعد أن ذكر حديث أنس، من رواية البخاري ومسلم، وبعد أن أشار إلى أن في رواية أحمد والنسائي وابن خزيمة «لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم»، وإلى الرواية الأخرى لابن خزيمة: «كانوا يسرون» قال: «وعلى هذا يحمل النفي في رواية مسلم». يعني قوله «لا يذكرون اسم الله في أول قراءة، ولا في آخرها».\n٢ - حديث عائشة - ﵂ - قالت: «كان رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) في الصلاة- اختلاف الروايات في الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ - حديث (١٠) وإسناده صحيح.\n(٢) ص ٥٦، حديث ٢٩٧ - ٣٠٠.","vol":"1","page":154},{"text":"يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين ..» رواه مسلم (١).\n٣ - حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا نهض إلى الركعة الثانية استفتح القراءة ولم يسكت». رواه مسلم (٢).\nووجه الدلالة من هذين الحديثين - كما تقدم في حديث أنس - هو أنهم يسرون بقراءتها، ولا يجهرون بها، لا أنهم يتركونها.\n٤ - حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: قال الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد «الحمد لله رب العالمين» قال الله: حمدني عبدي الحديث». رواه مسلم (٣).\nقال ابن قدامة (٤): «وهذا يدل على أنه لم يذكر ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ولم يجهر بها»\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٥) - بعد أن أشار إلى حديث أبي\n_________\n(١) في الصلاة- باب ما يجمع صفة الصلاة- حديث ٤٩٨، وأبو داود- في الصلاة- باب من لم ير الجهر بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حديث ٧٨٣.\n(٢) في المساجد ومواضع الصلاة- حديث ٥٩٩.\n(٣) سبق تخريجه في ذكر قول من قال: إن البسملة آية مستقلة من القرآن، لا آية من الفاتحة، ولا من كل سورة في المبحث الثالث، من هذا الفصل.\n(٤) في «المغني» ٢: ١٥٠.\n(٥) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٢٢ - ٤٢٣.","vol":"1","page":155},{"text":"هريرة هذا: «فيه دليل على أنها ليست من القراءة الواجبة، ولا من القراءة المقسومة»، فهذا يدل على أن البسملة ليست من السورة، فلا يجهر بها».\nإلى غير ذلك من الأدلة الصحيحة الصريحة على أن السنة الإسرار بالبسملة وقد اختار هذا أكثر المحققين:\nقال الجصاص (١) «والإخفاء أولى من وجهين: أحدهما ظهور عمل السلف بالإخفاء دون الجهر، وقول إبراهيم الجهر بها بدعة. والوجه الآخر: أن الجهر بها لو كان ثابتًا لورد النقل به مستفيضًا متواترًا، كوروده في سائر القراءة، فلما لم يرد النقل به من جهة التواتر، علمنا أنه غير ثابت إذ الحاجة إلى معرفة مسنون الجهر بها، كهي إلى معرفة الجهر في سائرفاتحة الكتاب».\nوقال القرطبي (٢): «وهذا قول حسن، وعليه تتفق الآثار عن أنس، ولا تتضاد ويخرج به من الخلاف في قراءة ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾».\nوقال شيخ الاسلام ابن تيمية (٣): «لم يثبت عن النبي - ﷺ - أنه كان يجهر بها، وليس في الصحاح، ولا السنن حديث صحيح صريح بالجهر، والأحاديث الصريحة بالجهر كلها ضعيفة، بل موضوعة،\n_________\n(١) في «أحكام القرآن» ١: ١٧\n(٢) في «الجامع لأحكام القرآن» ١: ٩٦.\n(٣) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٢٧٥ - ٢٧٦.","vol":"1","page":156},{"text":"ولهذا لما صنف الدارقطني في ذلك مصنفًا قيل له: هل في ذلك شيء صحيح؟ فقال: أما عن النبي - ﷺ - فلا، وأما عن الصحابة فمنه صحيح، ومنه ضعيف. ولو كان النبي - ﷺ - يجهر بها دائمًا، لكان الصحابة ينقلون ذلك، ولكان الخلفاء يعلمون ذلك، ولما كان الناس يحتاجون أن يسألوا أنس بن مالك، بعد انقضاء عصر الخلفاء، ولما كان الخلفاء الراشدون، ثم خلفاء بني أمية، وبني العباس كلهم متفقين على ترك الجهر، ولما كان أهل المدينة- وهم أعلم أهل المدائن بسنته- ينكرون قراءتها بالكلية سرًا وجهرًا.\nوقال- أيضًا (١) -: «فمن المعلوم أن الجهر بها مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، فلو كان النبي - ﷺ - يجهر بها كالجهر بسائر الفاتحة، لم يكن في العادة، ولا في الشرع ترك نقل ذلك، بل لو انفرد بنقل مثل هذا الواحد والاثنان لقطع بكذبهما، إذ التواطؤ فيما تمنع العادة والشرع كتمانه كالتواطؤ على الكذب فيه».\nالقول الثالث:\nالتخيير بين الجهر والإسرار، وهذا القول يروى عن الحكم بن عتيبة، وإسحاق بن راهويه (٢)، وابن أبي ليلى (٣)، وهو اختيار ابن حزم (٤).\n_________\n(١) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤١٥، وانظر: ٤٠٨، ٤١٧ - ٤٢٠.\n(٢) انظر «القطع الائتناف» ١: ١٠٦.\n(٣) انظر «أحكام القرآن» للجصاص ١: ١٥، «الاستذكار» ١: ١٥٤.\n(٤) انظر «المحلى» ١: ٢٥١، «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٣٦.","vol":"1","page":157},{"text":"والذين روي عنهم هذا القول، كأنهم أرادوا الجمع بين أدلة الجهر، وأدلة الإسرار علمًا أن أدلة الجهر لا تكافئ أدلة الإسرار، بل وليس فيها دليل واحد صحيح النقل صريح الدلالة على الجهر- كما تقدم ذكر كلام الأئمة في ذلك.\nفالقول بالتخيير للمصلي بين الجهر والإسرار بالبسملة ليس بصحيح، وفرق بين هذا، وبين أن يقال: يجوز الجهر بها لحاجة كتعليم ونحوه، فهذا لا بأس به، أو أن يقال: تصح صلاة من أسر بها ومن جهر، فهذا- أيضًا- صحيح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية (١): «فإن الجهر بها والمخافتة سنة، فلو جهر بها المخافت صحت صلاته بلا ريب».\nوقال الحافظ ابن كثير (٢): «أجمعوا على صحة صلاة من جهر بالبسملة، ومن أسر بها، ولله الحمد والمنة».\nأما أن يكون المصلي مخيرًا بين هذا وهذا على حد سواء فليس بصحيح فالجهر إنما يجوز أحيانًا لعارض، كتعليم المأمومين ونحو ذلك.\nكما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) أنه يستحب الجهر بها لمصلحة\n_________\n(١) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٢٢، وانظر «صحيح ابن خزيمة» ١: ٢٥١، «القطع والائتناف» ١: ١٠٦.\n(٢) في «تفسيره» ١: ٣٦.\n(٣) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٤٠٧، وانظر ٤٢٤.","vol":"1","page":158},{"text":"راجحة، وذكر عن أحمد أنه يستحب الجهر بها في المدينة، لأنهم ينكرون على من لم يجهر بها. ثم ذكر ابن تيمية- أيضًا- أنه يجوز الجهر بها لبيان أن قراءتها سنة، ثم قال: «ولهذا نقل عن أكثر من روي عنه الجهر بها المخافتة ...».\nوقال- أيضًا (١) -: «وكون الجهر بها لا يشرع بحال- مع أنه قد ثبت عن غيره واحد من الصحابة- نسبة للصحابة إلى فعل المكروه، وإقراره مع أن الجهر في صلاة المخافتة يشرع لعارض».\nوقال- أيضًا (٢) -: «ومع هذا فالصواب أن ما لا يجهر به، قد يشرع الجهر به لمصلحة أحيانًا، لمثل تعليم المأمومين، ويسوغ للمصلين أن يجهروا بالكلمات اليسيرة أحيانًا (٣)، ويسوغ- أيضًا- أن يترك الإنسان الأفضل لتأليف القلوب، واجتماع الكلمة خوفًا من التنفير عما يصلح، كما ترك النبي - ﷺ - بناء البيت على قواعد إبراهيم، لكون قريش كانوا حديثي عهد بالجاهلية، وخشي تنفيرهم بذلك (٤)، ورأى أن مصلحة\n_________\n(١) في «المصدر السابق» ٢٢: ٤٠٨.\n(٢) في «المصدر السابق» ٢٢: ٤٣٦ وانظر ٢٧٤،٢٧٥.\n(٣) روى النيسابوري في «مسائل الإمام أحمد» ١: ٥٣: «وسئل عن الرجل يصلي بالقوم، فيجهر ب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، أيصلى خلفه؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس، إذا لم يكن يجهر به شديدًا، قد فعله الصالحون، لا يجهر به شديدًا».\n(٤) أخرج البخاري - في كتاب الأنبياء- حديث ٣٣٦٨، وفي التفسير- باب (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت) حديث ٤٤٨٤، ومسلم في الحج- باب نقض الكعبة وبنائها- حديث ١٣٣٣ - عن عائشة﵂- زوج النبي - ﷺ - أن النبي - ﷺ - قال: «ألم تري أن قومك لما بنوا الكعبة، اقتصروا على قواعد إبراهيم، فقلت، يارسول الله، ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت».","vol":"1","page":159},{"text":"الاجتماع والائتلاف مقدمة على مصلحة البناء على قواعد إبراهيم».\nوقال ابن القيم في «زاد المعاد» (١): «وكان - يعني النبي - ﷺ - يجهز ب ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ تارة، ويخفيها أكثر مما يجهز بها، ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائمًا، في كل يوم وليلة، خمس مرات، أبدًا حضرًا وسفرًا، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين، وعلى جمهور أصحابه، وأهل بلده، فيالأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال، حتى يحتاج إلى التثبيت فيه بألفاظ مجملة، وأحاديث واهية فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحها غير صحيح».\n****\n_________\n(١) ١: ٢٠٦.","vol":"1","page":160},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>المبحث الثامن\nالمواضع التي تشرع فيها البسملة</span>\nتشرع البسملة وهي قول: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في مواضع منها مايلي:\n١ - عند قراءة القرآن، وبخاصة عند الابتداء بأوائل السور سوى سورة براءة، لأنها آية تنزل مع كل سورة سوى براءة، ولهذا أثبتت في المصاحف مع كل سورة نزلت معها، وإن كانت ليست آية من السور مطلقًا.\n٢ - في بداية الكتب والرسائل والخطب والمسائل العلمية، تأسيًا بكتاب الله تعالى، وبسنة رسول الله - ﷺ - فقد كان يبتدئ بها في كتبه - ﷺ - للملوك كما في كتابه إلى هرقل فقد ابتدأه - ﷺ - بقوله: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم. . .» (١).وكذا كان الأنبياء قبله كما جاء في كتاب سليمان لبلقيس: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (٢٩) إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٢). وقد درج على هذا سلف الأمة وخلفها في كتبهم ورسائلهم وخطبهم ومقالاتهم.\nوقد اختلفوا في حكم كتابتها مع الشعر، فذهب بعضهم إلى كراهة\n_________\n(١) أخرجه البخاري في بدء الوحي- الحديث ٧، ومسلم في الجهاد- باب كتب النبي - ﷺ - إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام- الحديث ١٧٧٣.\n(٢) سورة النمل، والآية: ٢٩ - ٣٠.","vol":"1","page":161},{"text":"ذلك والمنع منه، وأجازه آخرون (١)، والذي يظهر- والله أعلم- أن الشعر لا يختلف عن النثر من حيث جواز كتابتها مع المحمود منهما، وعدم جواز ذلك مع المذموم منهما، لأن في ذلك استخفافًا بالله، وأسمائه وصفاته.\nب-وتشرع التسمية وهي قول: «بسم الله» في مواضع كثيرة منها مايلي:\n١ - عند الوضوء- فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (٢).\n_________\n(١) انظر «الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي ١: ٩٧.\n(٢) أخرجه أبو داود- في الطهارة- باب في التسمية في الوضوء- حديث ١٠١، وابن ماجه- في الطهارة- ما جاء في التسمية في الوضوء- حديث ٣٩٩، وأحمد ٢: ٤١٨.\nوطرق هذا الحديث كلها ضعيفة. لكن له شواهد من حديث أبي سعيد الخدري، وسعيد بن زيد، وأنس بن مالك وغيرهم. فقد أخرج: ابن ماجه حديث ٣٩٧، وأحمد ٣: ٤١، عن أبي سعيد أن النبي - ﷺ - قال: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه».\nوأخرج الترمذي- في الطهارة- حديث ٢٥، ٢٦، وابن ماجه في الطهارة أيضًا، حديث ٣٩٨، وأحمد ٤: ٧٠، ٥: ٣٨٢، ٦: ٣٨٢، والدارقطني- في الطهارة- حديث ٥: ١٠ عن سعيد بن زيد نحوه.\n\nوأخرج النسائي في الطهارة- حديث ٧٦، والدارقطني- في الطهارة حديث (١) عن أنس بن مالك قال: «طلب بعض أصحاب النبي - ﷺ - وضوء، فقال رسول الله - ﷺ - هل مع أحدكم منكم ماء؟ فوضع يده في الماء، ويقول: بسم الله ...» الحديث، وقد ضعف جمع من أهل العلم هذه الأحاديث كلها. قال الإمام أحمد: «ليس فيه شيء يثبت، وقال: لا أعلم في التسمية حديثًا صحيحًا». وقال البزار: «كل ما روي في هذا الباب فليس بقوي». وقد قواه بعض أهل العلم، فقال أبو بكر بن أبي شيبة: «ثبت لنا أن النبي - ﷺ - قاله». وقال ابن حجر: «والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلًا».\nوأكثر أهل العلم على أن هذا الحديث، بمجموع طرقه وشواهده، إما حسن، وإما صحيح: منهم ابن الصلاح، والعراقي، وابن القيم، وابن كثير والسيوطي والصنعاني والشوكاني، والألباني من المعاصرين. انظر: «تفسير ابن كثير» ١: ٣٨، «سبل السلام» ١: ٧٠ - ٧١، «نيل الأوطار» ١: ١٥٩ - ١٦١، «إرواء الغليل» حديث ٨١، «صحيح سنن أبي داود» حديث ٩٠، ٩١ وقد استدل بهذه الأحاديث على وجوب التسمية في الوضوء بعض أهل العلم منهم الإمام أحمد في رواية له اختارها أبو يعلى وجمع من الحنابلة وإسحاق والحسن وداود وحملوا قوله في الحديث «لا وضوء» على نفي الحقيقة الشرعية والصحة والإجزاء وجمهور العلماء على أن التسمية في الوضوء سنة منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي ورواية لأحمد اختارها بعض أصحابه كالخرقي وابن قدامة وابن تيمية وحملوا الأحاديث المذكورة على القول بصحتها- على نفي الكمال أو على الاستحباب.","vol":"1","page":162},{"text":"٢ - عند الدخول في المسجد والخروج منه، فعن فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - قالت: كان رسول الله - ﷺ - إذا دخل المسجد يقول: «بسم الله، والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قال: بسم الله والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك» (١).\n٣ - عند الركوب قال الله- تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).\nوجاء في حديث جابر الطويل في قصة بعيره: أن رسول الله - ﷺ - قال له: «اركب باسم الله» رواه مسلم (٣).\n_________\n(١) أخرجه النسائي في الصلاة- الدعاء عند دخول المسجد، حديث ٧٧١ بهذا اللفظ، وصححه الألباني. والحديث ضعيف عند أكثر أهل العلم.\n(٢) سورة هود، الآية: ٤١.\n(٣) في المساقاة- باب بيع البعير، حديث ٧١٥.","vol":"1","page":163},{"text":"وفي حديث علي - ﵁ - «وأتي بدابة ليركبها، فلما وضع رجله في الركاب، قال: «بسم الله ..» الحديث، ثم قال في آخره: «رأيت النبي - ﷺ - فعل كما فعلت» رواه أبو داود (١).\n٤ - عند الذبح (٢)، وعند الصيد لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآَيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَاكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٤)،\n_________\n(١) في الجهاد- ما يقول الرجل إذا ركب- حديث ٢٦٠٢، وصححه الألباني.\n(٢) اختلف العلماء في حكم التسمية عند الذبح فذهب بعض أهل العلم إلى أن التسمية شرط لحل الذبيحة وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها أبو الخطاب وشيخ الإسلام ابن تيمية لقوله: ﴿وَلَا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ الآية ١٢١ الأنعام وغيره من الأدلة وذهب الجمهور منهم أبو حنيفة. ومالك وأحمد في المشهور عنهما إلى أنها واجبة مع الذكر للآية السابقة ولغيرها من الأدلة: وتسقط عند النسيان لقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَانَا﴾ قال الله قد فعلت رواه مسلم وللحديث: «إن الله تجاوز لأمتي الخطأ والنسيان» رواه ابن ماجه. وذهب الشافعي وبعض أهل العلم إلى أنها سنة واستدلوا بأحاديث ضعيفة. والأظهر والله أعلم القول الأول وهو الذي تؤيده الأدلة أما أحاديث العفو عن النسيان فليس فيها ما يدل على أن بيحة الناسي حلال بل غاية ما فيها أنه غير مؤاخذ وهذا صحيح. كما اختلفوا في حكم التسمية عند الصيد فذهب الإمام أحمد في المشهور عنه وأبو ثور وأهل الظاهر إلى أن التسمية شرط لحل الصيد وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية لقوله تعالى ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ سورة المائدة الآية: ٤ وغيرها من الأدلة وذهب الجمهور ومنهم أبو حنيفة وإسحاق ومالك في المشهور عنه ورواية عن أحمد إلى أنها واجبة عند الذكر وتسقط عند النسيان للأدلة السابقة في التسمية عند الذبح وقيل إنها سنة وهو قول الشافعي ورواية عن مالك وأحمد ﵏ والراجح- والله أعلم- القول الأول.\n(٣) سورة الأنعام، الآية: ١١٨.\n(٤) سورة الأنعام، الآية: ١١٩ ..","vol":"1","page":164},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (١)، وقوله: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (٢).\nوعن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا أرسلت كلبك المعلم، وذكرت اسم الله عليه، فكل مما أمسك عليك» الحديث متفق عليه (٣).\nوأخرجا نحوه من حديث أبي ثعلبة، وفيه زيادة «وما صدت بقوسك، فذكرت اسم الله فكل» (٤).\n٥ - عند الأكل لحديث عمرو بن سلمة - ﵁ - قال: كنت غلامًا في حجر النبي - ﷺ - وكانت يدي تطيش في الصفحة، فقال: «يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك» متفق عليه (٥).\nوعن حذيفة بن اليمان - ﵁ - قال قال رسول الله - ﷺ -: «إن الشيطان يستحل الطعام، أن لا يذكر اسم الله عليه» رواه مسلم (٦).\nوعن جابر بن عبد الله - ﵁ - أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله، وعند طعامه، قال\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية: ١٢١.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ٤.\n(٣) أخرجه البخاري- في الذبائح- باب التسمية على الصيد، والأبواب بعده الأحاديث ٥٤٧٥ - ٥٤٧٧، ومسلم- في الصيد والذبائح- باب الصيد بالكلاب المعلمة- حديث ١٩٢٩.\n(٤) عند البخاري حديث ٥٤٧٨، ٥٤٨٨، وعند مسلم حديث ١٩٣٠.\n(٥) أخرجه البخاري- في الأطعمة- باب الأكل مما يليه حديث ٥٣٧٧ - ٥٣٧٨، ومسلم- في الأشربة- آداب الطعام والشراب حديث ٢٠٢٢.\n(٦) حديث ٢٠١٧.","vol":"1","page":165},{"text":"الشيطان: لا مبيت لكم، ولا عشاء». رواه مسلم (١).\n٦ - عند الجماع- لما رواه ابن عباس - ﵃ - عن النبي - ﷺ - قال: «أما أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فرزقا ولدًا لم يضره الشيطان» متفق عليه (٢).\n٧ - عند الخروج من البيت لما رواه أنس بن مالك - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إذا خرج الرجل من بيته، فقال: بسم الله توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله. قال: يقال حينئذ: هديت وكفيت ووقيت، فتتنحى له الشياطين، فيقول له شيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي» (٣).\n٨ - في المساء والصباح. فعن عثمان بن عفان - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من قال: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم، ثلاث\n_________\n(١) حديث ٢٠١٨. وفي حديث عائشة، قالت: قال رسول الله - ﷺ - «إذا أكل أحدكم طعامًا فليقل بسم الله، فإن نسي في أوه فليقل: بسم الله في أوله وآخره» أخرجه أبو داود حديث ٣٧٦٧، والترمذي حديث ١٨٥٨، وصححه الألباني.\n(٢) أخرجه البخاري- في الوضوء- باب التسمية على كل حال، وعند الوقاع حديث ١٤١، ومسلم- في النكاح- باب ما يستحب أن يقول عند الجماع حديث ١٤٣٤.\n(٣) أخرجه أبو داود- في الأدب- باب ما يقول إذا خرج من بيته حديث٥٠٩٥، والترمذي- في الدعوات- باب ما يقول إذا خرج من بيته حديث ٣٤٢٦، وصححه الألباني. وند أحمد ١: ٦٦ - من حديث عثمان بن عفان - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «بسم الله آمنت بالله، اعتصمت بالله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله».","vol":"1","page":166},{"text":"مرات، لم تصبه فجأة بلاء حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح ثلاث مرات لم تصيه فجأة بلاء حتى يمسي» (١).\n٩ - عند النوم- فعن أبي الأزهر الأنماري: أن رسول الله - ﷺ - كان إذا أخذ مضجعه من الليل، قال: «بسم الله وضعت جنبي، اللهم اغفر لي ذنبي، وأخسئ شيطاني، وفك رهاني، واجعلني في الندي الأعلى» (٢).\n١٠ - عند دخول الخلاء- فعن علي - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ستر ما بين الجن وعورات بني آدم، إذا دخل الكنيف، أن يقول: بسم الله» (٣).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود- في الأدب- باب ما يقول إذا أصبح- حديث ٥٠٨٨، والترمذي في الدعوات- باب الدعاء إذا أصبح- حديث ٣٣٨٥، وقال «حسن صحيح غريب»، وابن ماجه- في الدعاء- باب ما يدعو به الرجل إذا أصبح، وإذا أمسى- حديث ٣٨٦٩. وصححه الألباني.\n(٢) أخرجه أبو داود- في الأدب- ما يقول عند النوم- حديث ٥٠٥٤، وصححه الألباني. وفي حديث حذيفة قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا أوى إلى فراشه قال: «اللهم باسمك أموت وأحيا» أخرجه البخاري في الدعوات حديث ٦٣١٢، وأخرج مسلم نحوه من حديث البراء. وأخرج البخاري حديث ٦٣٢٠، ومسلم حديث ٢٧١٤ - عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليقل باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه».\n(٣) أخرجه ابن ماجه- في الطهارة وسننها- باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء- حديث ٢٩٧، وقد روي هذا الحديث من حديث أنس وأبي سعيد وابن مسعود ومعاوية بن حيدة. وقد ضعفه جمع من أهل العلم، وصححه آخرون بمجموع طرقه وشواهده منهم الألباني. انظر «إرواء الغليل» حديث ٥٠، «صحيح الجامع الصغير» حديث: ٣٦٠٤ - ٣٦٠٥. وقد قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» ١: ٢٤٤ - في كلامه على حديث أنس «كان النبي - ﷺ - إذا دخل الخلاء قال: «اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث» قال ابن حجر: «وقد روى العمري هذا الحديث، من طريق عبد العزيز بن المختار عن عبد العزيز بن صهيب، بلفظ الأمر قال: «إذا دخلتم الخلاء فقولوا: بسم الله من الخبث والخبائث» وإسناده على شرط مسلم، وفيه زيادة التسمية، ولمأرها في غير هذه الرواية.","vol":"1","page":167},{"text":"١١ - إذا عثر المرء أو عثرت دابته- لما رواه أبو تميمة الهجيمي عن أبي المليح بن أسامة بن عمير عن أبيه، قال: كنت رديف النبي - ﷺ - فعثر بالنبي - ﷺ - فقلت: تعس الشيطان فقال النبي - ﷺ -: «لا تقل تعس الشيطان، فإنك إذا قلت تعس الشيطان تعاظم، وقال: بقوتي صرعته، وإذا قلت: بسم الله تصاغر حتى يصير مثل الذباب» (١).\n١٢ - عندما يجد المسلم وجعًا في جسده، يشرع له أن يضع يده على موضع الألم، ويُسمي، ويذكر بقية الدعاء.\nلما رواه عثمان بن أبي العاص أنه شكا إلى رسول الله - ﷺ - وجعًا في جسده، منذ أسلم، فقال له رسول الله - ﷺ - «ضع يدك على الذي يألم من جسدك، وقل: بسم الله ثلاثًا. . . الحديث» رواه مسلم (٢).\n١٣ - عند وضع الميت في قبره - فعن ابن عمر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - كان إذا وضع الميت في القبر قال: «بسم الله، وعلى\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في الأدب- الحديث ٤٩٨٢ ورجاله ثقات، وأخرجه أحمد ٥: ٧١ قال ابن كثير في «تفسيره» ١: ٣٨ «ورجاله رجال الصحيح، ورواه النسائي في اليوم والليلة، وابن مردويه في تفسيره» والحاكم في المستدرك ٤: ٢٩٢ وصحح إسناده ووافقه الذهبي وصححه الألباني في «صحيح الكلم الطيب» حديث ١٩٣.\n(٢) في السلام- باب استحباب وضع يده لى موضع الألم مع الدعاء- ٢٢٠٢.","vol":"1","page":168},{"text":"سنة رسول الله» (١).\n١٤ - عند إغلاق الباب، وإطفاء المصباح، وعند إيكاء السقاء، وتخميرالإناء لما رواه جابر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إذا استجنح الليل، أو كان جنح الليل، فكفوا صبيانكم، فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم، وأغلق بابك، واذكر اسم الله، وأطفئ مصباحك، واذكر اسم الله، وأوك سقاءك، واذكر اسم الله عليه، وخمر إناءك، واذكر اسم الله، ولو تعرض عليه شيئًا» متفق عليه (٢).\nإلى غير ذلك من المواضيع، بل إن الذي يفهم من الحديث جابر هذا أنه ينبغي أن يذكر المسلم اسم الله على جميع أحواله، تبركًا وتيمنًا واستعانة.\nأما حديث أبي هريرة الذي رواه أحمد (٣)، قال رسول الله - ﷺ -: «كل كلام، أو أمر ذي بال، لايفتح بذكر الله - ﷿ - فهو أبتر، أو قال أقطع» فهو حديث ضعيف (٤).\n* * **\n_________\n(١) أخرجه أبو داود- في الجنائز- الدعاء للميت إذا وضع في قبره حديث ٣٢١٣، والترمذي في الجنائز- حديث ١٥٥٠، وابن ماجه- في الجنائز- حديث ١٤٠٦. وصححه الألباني.\n(٢) أخرجه البخاري- في بدء الخلق- باب صفة إبليس وجنوده- حديث ٣٢٨٠ ومسلم- في الأشربة- الأمر بتغطية الإناء- حديث ٢٠١٢.\n(٣) «المسند» ١: ٣٥٩.\n(٤) انظر «إرواء الغليل» حديث (١)، «ضعيف الجامع الصغير» حديث ٤٢٢٢.","vol":"1","page":169},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-40>المبحث التاسع\nفوائد البسملة، والأحكام التي تضمنتها</span>\nفوائد البسملة والأحكام التي تضمنتها كثيرة منها ما يلي:\n١ - مشروعة البداءة باسم الله على كل أمر ديني، أودنيوي، استعانة وتبركًا وتيمنًا.\n٢ - إثبات اسمه تعالى «الله» الدال على أنه له كمال الألوهية والعبودية ﷾.\n٣ - إثبات اسمي الله: «الرحمن»، «الرحيم»، وما تضمناه من الصفة والأثر.\nقال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي (١) - ﵀ -:\n«الرحمن، الرحيم» اسمان دالان على أنه تعالى ذو الرحمة الواسعة العظيمة، التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، وكتبها للمتقين المتبعين لأنبيائه ورسله، فهؤلاء لهم الرحمة المطلقة، ومن عداهم، فله نصيب منها.\nواعلم أن من القواعد المتفق عليها بين سلف الأمة وأئمتها، الإيمان بأسماء الله وصفاته، وأحكام الصفات، فيؤمنون مثلًا بأنه «رحمن رحيم» ذو الرحمة التي اتصف بها المتعلقة بالمرحوم، فالنعم\n_________\n(١) في «تفسيره» ١: ٣٣ - ٣٤، وانظر: «بدائع الفوائد» ١: ٢٤، «مدارج السالكين» ١: ٧٥، «القواعد المثلى» لشيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين وفقه الله ص١٠ - ١١.","vol":"1","page":170},{"text":"كلها أثر من آثار رحمته، وهكذا في سائر الأسماء، يقال في العليم: إنه عليم، ذوعلم يعلم به كل شيء، قدير، ذو قدرة يقدر على كل شيء».\n٤ - أن اسمه تعالى «الله» هو أصل أسمائه- تعالى- تأتي بقية أسمائه تابعة له، لهذا جاء اسماه «الرحمن» و«الرحيم» تابعين لهذا الاسم.\n٥ - أن اسم «الله» أعظم من اسمه «الرحمن» ولهذا قدم عليه، وأن اسمه «الرحمن» أبلغ من «الرحيم» وأخص منه من حيث اللفظ، ولهذا قدم عليه، تقديمًا للأعظم والأهم.\n٦ - الاعتراف بنعمة الله - تعالى - وفضله وإحسانه، أن هذا كله من آثار رحمته المذكورة في قوله- تعالى (الرحمن الرحيم).\n٧ - الجمع بين أسلوب الترهيب والترغيب، لأن في قوله (الله) دلالة على عظمة الله وقهره، وفي قوله (الرحمن الرحيم) دلالة على فضل الله، وإحسانه وإنعامه، والأول أسلوب ترهيب، والثاني ترغيب.\n٨ - الدلالة على أن الاستعانة إنما تستمد من الله- تعالى، ويجب صرفها له، فهو القادر على إعانة من استعان به، وهو (الرحمن الرحيم) بعباده، أرحم من الوالدة بولدها، كما جاء في الحديث: «الله أرحم بعباده، من هذه بولدها» (١) فهو نعم النصير والمعين، ومفزع الخائفين وأرحم الراحمين.\n_________\n(١) أخرجه من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - البخاري في الأدب حديث ٥٩٩٩، ومسلم- في التوبة حديث ٢٧٥٤.","vol":"1","page":171},{"text":"٩ - إظهار مخالفة المشركين، الذين يفتتحون أمورهم باسم اللات والعزى ومناة، وغيرها من الأصنام والأنداد، من المخلوقين وغيرهم، ومن المؤسف أن نرى كثيرًا من الكتاب من المسلمين أو من المنتسبين إلى الإسلام يصدرون كتبهم وصحفهم باسم الشعب وباسم الحرية، وتقرأ الكتاب من أوله إلى آخره لا تجد فيه ذكر اسم الله.\n١٠ - فيها الرد على القدرية الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه، إذ لو كان ذلك كذلك لما احتاج العبد إلى طلب العون من الله- تعالى.\n١١ - أن ذكر اسم الله عون للعبد على جميع أحواله، وسبب لحصول الخير، والبركة، والحصول على مطلوبه، والنجاة من مرهوبه، بإذن الله تعالى، والسلامة من الشيطان وهمزاته وشروره، وإغاظته ودحره وطرده من أن يحول بين العبد وبين قراءته، ويوسوس له فيها، أو في وضوئه، أو أن يشاركه في أكله وشربه ودخوله وخروجه، وسائر أحواله (١).\n****\n_________\n(١) انظر «أحكام القرآن» للجصاص ١: ١٧ - ١٨.","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>الباب الثاني\nتفسير سورة الفاتحة</span>\nمعناها، وأحكامها وفيه فصلان:\nالفصل الأول: تفسير سورة الفاتحة، وبيان ما فيها من المعاني والفوائد والأحكام- وفيه ثمانية مباحث.\nالفصل الثاني: الأحكام التي تتعلق بسورة الفاتحة- وفيه مبحثان.","vol":"1","page":173},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>الفصل الأول\nتفسير سورة الفاتحة</span>،\nوبيان ما فيها من المعاني والفوائد والأحكام\nوفيه ثمانية مباحث\nالمبحث الأول: مكان نزول الفاتحة\nالمبحث الثاني: أسماء الفاتحة.\nالمبحث الثالث: عدد آيات الفاتحة، وهل البسملة آية منها.\nالمبحث الرابع: فضل سورة الفاتحة.\nالمبحث الخامس: المعاني التي اشتملت عليها سورة الفاتحة.\nالمبحث السادس: بيان معنى السورة والآية.\nالمبحث السابع: تفسير مفردات الفاتحة، وبيان معاني آياتها.\nالمبحث الثامن: ما يؤخذ من سورة الفاتحة من فوائد والأحكام.","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-43>المبحث الأول\nمكان نزول الفاتحة</span>\nنزلت سورة الفاتحة بمكة، بدليل أنها ذكت في سورة الحجر، وهي مكية، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾ (١) وسورة الحجر مكية بالإجماع (٢).\nوقد فسر الرسول - ﷺ - السبع المثاني في هذه الآية بالفاتحة.\nفعن أبي سعيد بن المعلى، قال: «كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله - ﷺ - فلم أجبه، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي، فقال: ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ (٣) الآية.\nثم قال لي: لأعلمنك سورة، هي أعظم السور في القرآن، قبل أن تخرج من المسجد، ثم أخذ بيدي، فلما أراد أن يخرج، قلت: ألم تقل: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن، قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته» رواه البخاري (٤).\n_________\n(١) سورة الحجر، الآية: ٨٧.\n(٢) انظر «المحرر الوجيز» لابن عطية ١: ٦١، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١١٥، «مجموع الفتاوى» ١٧: ١٩٠.\n(٣) سورة الأنفال، الآية: ٢٤.\n(٤) في باب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ الحديث ٤٦٤٧. وفي باب ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾ - الحديث ٤٧٠٣، وفي فضائل القرآن- فضل فاتحة الكتاب- الحديث ١٤٥٨، والنسائي- في الافتتاح- باب تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾ - الحديث ٨٧٦، وابن ماجه- في الأدب- باب ثواب القرآن- الحديث ٣٧٨٥، وأحمد ٤: ٢١١.\nوقد أخرجه أيضًا أحمد ٢: ٤١٣، ٥: ١١٤، وابن ماجه - في الفضائل- الحديث ٢٨٧٥ من حديث أبي بن كعب بنحوه، وقد أخرجه عنه- مختصرًا- النسائي- في الموضع السابق- الحديث ٨٧٧، والترمذي- في تفسير سورة الحجر- الحديث ٣١٢٥، وصححه الألباني. وأخرجه مطولًا ومختصرًا ابن خزيمة- في الصلاة- باب قراءة الفاتحة- الحديث ٥٠١، والبيهقي- في٢: ٣٧٦، وفي «جزء لقراءة خلف الإمام» ص ١٠٣ - ١٠٥. =","vol":"1","page":176},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «أم القرآن، هي السبع المثاني والقرآن العظيم» رواه البخاري (١)، ورواه ابن جرير (٢) بلفظ: «هي أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني».\nورواه أبو داود (٣) بلفظ «الحمد لله رب العالمين: أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني» وكذا رواه الترمذي (٤)، وزاد «والقرآن العظيم» وقال: حديث صحيح «.\nوأيضًا فقراءتها ركن من أركان الصلاة - على الصحيح-، لا تصح الصلاة بدونها، وقد فرضت الصلاة بمكة، عندما أسرى بالرسول - ﷺ -\n_________\n= ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾ - الحديث ٤٧٠٣، وفي فضائل القرآن- فضل فاتحة الكتاب- الحديث ٥٠٠٦، وأخرجه أبو داود- في الصلاة باب فاتحة الكتاب- الحديث ١٤٥٨، والنسائي- في الافتتاح- باب تأويل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾ - الحديث ٨٧٦، وابن ماجه- في الأدب- باب ثواب القرآن- الحديث ٣٧٨٥، وأحمد ٤: ٢١١.\nوقد أخرجه أيضًا أحمد ٢: ٤١٣، ٥: ١١٤، وابن ماجه- في الفضائل- الحديث ٢٨٧٥ من حديث أبي كعب بنحوه، وقد أخرجه عنه- مختصرًا- النسائي- في الموضع السابق- الحديث ٨٧٧، والترمذي- في تفسير سورة الحجر- الحديث ٣١٢٥، وصححه الألباني. وأخرجه مطولًا ومختصرًا ابن خزيمة- في الصلاة- باب قراءة الفاتحة- الحديث ٥٠١، والبيهيقي- في ٢: ٣٧٦، وفي «جزء قراءة الإمام» ص١٠٣ - ١٠٥.\n(١) الحديث ٤٧٠٤، أخرجه الإمام أحمد بنحوه ٢: ٤٤٨.\n(٢) الحديث ١٣٤.\n(٣) في الصلاة- باب فاتحة الكتاب- الحديث ١٤٥٧.\n(٤) في تفسير سورة الحجر- الحديث ٣١٢٤.","vol":"1","page":177},{"text":"وما حفظ أنه كان في الإسلام قط صلاة بغير الفاتحة (١).\nبل روى أنها من أول ما نزل، وأنها أول سورة نزلت كاملة (٢).\n_________\n(١) انظر «المحرر الوجيز» ١: ٦١، «الجامع لأحكام القرآن «١: ١١٥، «البحر المحيط» ١: ١٦.\n(٢) انظر: «تفهيم القرآن» لأبي الأعلى المودودي ص٣٣.\nوقد قيل: إنها نزلت بالمدينة، وقيل: نزلت مرتين: مرة بمكة ومرة بالمدينة، وقيل: نزل نصفها بمكة ونصفها بالمدينة. وكل هذه الأقوال ضعيفة لا دليل عليها. انظر «معالم التنزيل» ١: ٣٧، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١١٥ - ١١٦، «تفسير ابن كثير» ١: ٢٢.","vol":"1","page":178},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المبحث الثاني\nأسماء الفاتحة</span>\nتعددت أسماء الفاتحة، وقد أوصلها بعضهم إلى نحو من عشرين اسمًا (١)، منها ما يلي:\n١ - السبع المثاني والقرآن العظيم:\nلقوله -تعالى- في سورة الحجر ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ (٢).\nوقد فسر الرسول - ﷺ - السبع المثاني والقرآن العظيم بالفاتحة، كما في حديث أبى سعيد بن المعلى، وأبى بن كعب، وأبى هريرة - ﵃ (٣) -.\nوسميت بالمثاني - والله أعلم- لأنها حمد لله وثناء عليه وتمجيد له، ولأنها تثنى في كل صلاة، بل في كل ركعة (٤)، ولأنها اشتملت\n_________\n(١) انظر: «تفسير الطبري «١: ١٠٧، «أحكام القرآن» للجصاص ١: ١٣ - ٢٤ «معالم التنزيل» ١: ٣٧، «الكشاف» ١: ٤، «زاد المسير» ١: ١٠، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١١١، «البحر المحيط» ١: ٢١، «صحيح البخاري مع الفتح» ٨: ١٥٦، «الاتقان» ١: ١٨٧ - ١٩١.\n(٢) سورة الحجر، الآية:٨٧.\n(٣) سبق ذكر هذه الأحاديث، وتخريجها في المبحث الأول من هذا الفصل.\n(٤) انظر: «تفسير الطبري» ١: ١٠٩ - ١١٠، «المبسوط» ١: ١٨، «معالم التنزيل» ١: ٣٧، «المحرر الوجيز» ١: ٦٢، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١١٢، «تفسير ابن كثير» ١: ٢٢","vol":"1","page":179},{"text":"على جميع المعاني التي اشتمل عليها القرآن الكريم - كما سيأتي بيانه- وهو مثاني تثنى فيه المواعظ والقصص والأخبار والحكم والأحكام، كما قال الله- تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ (١).\nوقيل: لأن الله استثناها لهذه الأمة فخصها بها من بين الأمم (٢)، كما في حديث أبي بن كعب - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «والذي نفسي بيده ما نزل في التوراة، ولا في الزبور، ولا في الإنجيل، ولا في القرآن مثلها» (٣).\n٢ - فاتحة الكتاب:\nعن عبادة بن الصامت - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» متفق عليه (٤).\nوعن أبى قتادة - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين وفي رواية: ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب» متفق عليه (٥).\n_________\n(١) سورة الزمر، الآية: ٢٣.\n(٢) انظر: «معالم التنزيل» ١: ٣٧، «المحرر الوجيز» ١: ٦٢، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١١٢، «فتح الباري» ٨: ١٥٨.\n(٣) سبق تخريجه في المبحث الأول من هذا الفصل.\n(٤) أخرجه البخاري في الأذان- باب وجوب القراءة للإمام والمأموم في الصلوات كلها- الحديث ٧٦، ومسلم في الصلاة- باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة- الحديث ٣٩٤.\n(٥) أخرجه البخاري في الأذان- باب القراءة في الظهر- الحديث ٨٥٩، ومسلم في الصلاة- باب القراءة في الظهر والعصر- الحديث ٤٥١.","vol":"1","page":180},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: أمرني رسول الله - ﷺ - أن أنادي «أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد» (١).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «أُمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر» (٢).\nوفي حديث ابن عباس الآتي في المبحث الرابع في فضل سورة الفاتحة «أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة» (٣).\nوعن جابر بن عبد الله قال: «كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب» (٤).\nوفي حديث أبي هريرة - ﵁ - عند الطبري (٥) - كما سبق في الاسم الأول للفاتحة: «هي أم القرآن، وهي فاتحة الكتاب».\nوعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن رسول الله - ﷺ - قال:\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في الاستفتاح- من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب الحديث ٨٢٠، والترمذي في الصلاة- الحديث ٣١٢. وصححه الألباني.\n(٢) أخرجه أبو داود- الحديث ٨١٨، وأحمد ٣: ٣، والبخاري في جزء القراءة- الحديث ١٢، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام «الحديثان ٣٣، ٣٤. وصححه الحافظ ابن حجر كما في «نيل الأوطار» ٢: ٢٣٩ كما صححه الألباني «\n(٣) انظر ص٩٤ - ١٩٥.\n(٤) أخرجه ابن ماجه في إقامة الصلاة- القراءة خلف الإمام- الحديث ٨٤٣ وصححه الألباني.\n(٥) الحديث ١٣٤.","vol":"1","page":181},{"text":"«كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج» (١).\nوسميت بهذا الاسم لأنها تفتتح بها المصاحف خطًا وتلاوةً، وتفتتح فيها القراءة في الصلاة (٢).\n٣ - الرقية:\nعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «كنا في مسير لنا، فنزلنا، فجاءت جارية، فقالت: إن سيد الحي سليم، وإن نفرنا غُيَّب فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنا نأبنه (٣) برقية، فرقاه، فبرأ، فأمر لنا بثلاثين شاة، وسقانا لبنا، فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية، أو كنت ترقى؟ قال: لا، ما رقيت إلا بأم الكتاب. فقلنا: لا تحدثوا شيئًا، حتى نأتي، أو نسأل النبي - ﷺ -، فلما قدمنا المدينة، ذكرناه للنبي - ﷺ - فقال: «وما يدريه أنها رقية؟ اقسموا، واضربوا لي بسهم» متفق عليه (٤).\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه- الحديث ٨٤١ وقال الألباني «حسن صحيح».\n(٢) انظر: «مجاز القرآن» ١: ٢٠، «تفسير الطبري» ١: ١٠٧.\n(٣) تأبنه: أي تعلم أنه يرقى فتعيبه بذلك «النهاية «مادة: «أبن «.\n(٤) أخرجه البخاري- في الإجازة- باب ما يعطى في الرقية- الحديث ٢٢٧٦، وفي فضل فاتحة الكتاب- الحديث ٥٠٠٧، وفي الطب- الرقى بفاتحة الكتاب- الحديث ٥٧٣٦، وفي النفث في الرقية- الحديث ٥٧٤٩، ومسلم- في كتاب السلام- باب جواز أخذ الأجرة على الرقية في القرآن والأذكار- الحديث ٢٢٠١، وأبو داود- في البيوع- باب في كسب الأطباء- الحديث ٣٤١٨، ٣٤١٩، والترمذي- في الطب- ما جاء في أخذ الأجر في التعويذ- الحديث ٢٠٦٣، ٢٠٦٤، وابن ماجه الإجارات- باب أجر الراقي- الحديث ٢١٥٦، وقد أخرجه البخاري- أيضًا- من حديث ابن عباس- في الطب- باب الشروط في الرقية بفاتحة الكتاب- الحديث ٥٧٣٧. وقد ذكر الحافظ ابن حجر أن القصة واحدة، وقعت لهم مع الذي لدغ «فتح الباري» ٤: ٤٥٥، ١٠: ١٩٩.","vol":"1","page":182},{"text":"وعن خارجة ابن الصلت عن عمه أنه مر بقوم فأتوه، فقالوا: إنك جئت من عند هذا الرجل بخير، فارق لنا هذا الرجل، فأتوه برجل معتوه في القيود، فرقاه بأم القرآن، ثلاثة أيام غدوة وعشية، كلما ختمها جمع بزاقه، ثم تفل، فكأنما أنشط عن عقال، فأعطوه شيئًا فأتى النبي - ﷺ - فذكره له، فقال النبي - ﷺ -: «كل فلعمري لمن أكل برقية باطل، لقد أكلت برقية حق (١)» (٢).\n٤ - أم القرآن:\nعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج- ثلاثًا، غير تمام» الحديث رواه مسلم (٣).\n_________\n(١) هكذا ذكر كثير من المفسرين أن الرقية من أسماء الفاتحة، والذي يظهر والله أعلم أن المراد برقية حق هي فعل الرقية سواء بالفاتحة أو غيرها من القرآن، وكذا المراد بقوله في حديث أبى سعيد «وما يدريه أنها رقية» أي هذه الفعلة قال ابن الأثير في النهاية: مادة «رقى»: «الرقية العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات».\n(٢) أخرجه أبو داود- في الإجارات- باب في كسب الأطباء- الحديث ٣٤٢٠، وصححه الألباني في «صحيح سنن أبي داود «لحديث ٢٩١٨، وفي «الأحاديث الصحيحة «الحديث ٢٠٢٧.\n(٣) في الصلاة- باب وجوب قراءة الفاتحة- الحديث ٣٩٥، وأبو داود في الصلاة- باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب- الحديث ٨٢١، والنسائي في الافتتاح- باب ترك قراءة «بسم الله الرحمن الرحيم «في فاتحة الكتاب، الحديث ٨٧٢، والترمذي في التفسير- الحديث ٢٩٥٤.","vol":"1","page":183},{"text":"وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله - ﷺ - أسمعناكم، وما أخفي أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خير» متفق عليه (١).\nوعن عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: قال رسول - ﷺ -: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن» رواه مسلم (٢).\nوعن أبى هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا صلاة تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن» (٣).\nوفي حديث أبي هريرة - ﵁ - السابق في المبحث الأول عن رسول الله - ﷺ - قال: «أم القرآن هي السبع المثاني، والقرآن العظيم» (٤) وفي رواية «هي أم القرآن وهي فاتحة الكتاب، وهي السبع المثاني» (٥).\nوفي رواية: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أم القرآن وأم الكتاب\n_________\n(١) أخرجه البخاري في الأذان القراءة في الفجر- الحديث ٧٧٢، ومسلم في الصلاة- باب وجوب قراءة الفاتحة- الحديث ٣٩٦، وأبو داود- في الصلاة- باب ما جاء في القراءة في الظهر- الحديث ٧٩٧، وأحمد ٢: ٢٥٨، ٢٧٣، ٢٨٥.\n(٢) في الصلاة- باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة- الحديث ٣٩٤، وأحمد ٥: ٣٢٢، والدارقطني ١: ٣٢٢.\n(٣) أخرجه ابن خزيمة في الصلاة- الحديث ٤٩٠، وابن حبان في «زوائده «٤٥٨ من موارد الظمآن. وقال مقبل الوادعي في تعليقه على «تفسير ابن كثير» ١: ٢٨: «هذا على شرط مسلم».\n(٤) لفظ البخاري- الحديث ٤٧٠٤، وأحمد ٢: ٤٤٨.\n(٥) لفظ الطبري الحديث ١٣٤.","vol":"1","page":184},{"text":"والسبع المثاني» (١).\nوسميت أم القرآن، لأنه ابتديء بها، فهي أصله وابتداؤه، ولأنها أيضًا اشتملت على معاني القرآن كلها (٢)، كما سميت مكة أم القرى لتقدمها أمام جميعها، وجمعها ما سواها، وقيل: لأن الأرض دحيت منها (٣).\nقال الطبري (٤): «سميت أم القرآن لتقدمها على سائر سور القرآن غيرها، وتأخر ما سواها في القراءة والكتابة، وذلك من معناها شبيه بمعنى فاتحة الكتاب، وإنما قيل لها بكونها كذلك أم القرآن لتسمية العرب كل جامع أمرًا، أو مقدم لأمر - إذا كانت له توابع تتبعه- هو لها إمام جامع «أمُّا». فتقول للجلدة التي تجمع الدماغ: «أمّ الرأس «. وتسمى لواء الجيش ورايتهم التي يجتمعون تحتها للجيش «أمًّا». ومن ذلك قول ذي الرمة (٥) يصف راية معقودة على قناة، يجتمع تحتها هو وصحبه:\nعلى رأسه أم لنا نقتدي بها ... جماع أمور لا نعاصي لها أمرًا\n\n٥ - الصلاة:\n_________\n(١) لفظ أبي داود الحديث ١٤٥٧، والترمذي الحديث ٣١٢٤.\n(٢) انظر: «الكشاف» ١: ٤.\n(٣) انظر: «تفسير ابن كثير» ١: ٢٢.\n(٤) في «تفسيره» ١: ١٠٧ - ١٠٨. وانظر «تفسير ابن كثير» ١: ٢٢.\n(٥) ديوانه ص١١٦٤ - تحقيق د. عبد القدوس أبو صالح- دمشق ١٣٩٤ هـ.","vol":"1","page":185},{"text":"عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «قال الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي ...» الحديث رواه مسلم (١).\nفالمراد بالصلاة في الحديث الفاتحة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾: أي لا تجهز بقراءتك، ولا تخافت بها.\nقال ابن كثير (٢): «فدل على عظمة القراءة في الصلاة، وأنها من أكبر أركانها ..، كما أطلق لفظ القراءة والمراد به الصلاة في قوله تعالى ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٣). والمراد صلاة الفجر ...».\n٦ - أم الكتاب:\nعن أبى هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، والقرآن العظيم» (٤).\n_________\n(١) في الصلاة- باب وجوب قراءة الفاتحة- الحديث ٣٩٥. وأخرج الطبري نحوه مختصرًا من حديث جابر بن عبد الله- الحديث ٢٢٤. قال أحمد شاكر: «إسناده جيد صحيح»، وقد سبق ذكره بتمامه وتخريجه في الكلام على البسملة. انظر ص ١١٧ - ١١٨.\n(٢) في «تفسيره» ١: ٢٧.\n(٣) سورة الإسراء، الآية: ٧٨.\n(٤) سبق تخريجه في المبحث الأول من هذا الفصل.","vol":"1","page":186},{"text":"وعن عائشة -﵂- قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب، فهي خداج» (١).\nوفي حديث أبي سعيد الخدري في قصة اللديغ (٢) أن الرجل رقاه بأم الكتاب.\nقال البخاري (٣): «سميت أم الكتاب، لأنه يبتدأ بكتابتها في المصاحف، ويبدأ بقراءتها في الصلاة».\nوقد أخرج ابن الضريس في «فضائل القرآن» عن محمد بن سيرين أنه كان يكره أن يقول: أم الكتاب. يقول: قال الله- تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، ولكن يقول: «فاتحة الكتاب «وروي نحوه عن أنس ابن مالك (٤).\nوروي عن الحسن قال: «أم الكتاب الحلال والحرام. قال الله تعالى: ﴿مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (٥)».\nوإنما كرهه هؤلاء لأن الله سمى اللوح المحفوظ أم الكتاب. في\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه - في إقامة الصلاة- باب القراءة خلف الإمام- الحديث ٨٤٠، وأحمد ٦: ١٤٢، والبيهقى في «القراءة خلف الإمام» الحديث ٩٠ - ٩١، وقال الأباني: «حسن صحيح».\n(٢) سبق ذكره وتخريجه في هذا المبحث في اسمها الرقية.\n(٣) في صحيحه انظر «فتح الباري» ٨: ١٥٥، وانظر ما تقدم في ذكر التعليل في تسمية الفاتحة أم القرآن.\n(٤) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١١١. «تفسير ابن كثير» ١: ٢١.\n(٥) سورة آل عمران، الآية: ٧، انظر «المحرر الوجيز» ١: ٦٦، «تفسير ابن كثير» ١: ٢١.","vol":"1","page":187},{"text":"قوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (١)، وفي قوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٢).\nكما سمى الآيات المحكمات المشتملة على الحلال والحرام وغيره «أم الكتاب» في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (٣).\nوهذه العلة لا تكفي حجة إذ لا يلزم من تسمية الفاتحة «أم الكتاب» أن لا يسمى غيرها بذلك.\nقال القرطبي (٤) بعدما ما رُويَ عن أنس والحسن وابن سيرين من ركاهتهم تسميتها أم الكتاب، وما روُىَ عن أنس وابن سيرين - أيضًا- من كراهيتهما تسميتها أم القرآن قال: «والأحاديث الثابتة ترد هذين القولين».\n٧ - القرآن العظيم:\nلقوله تعالى في سورة الحجر ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ﴾ (٥).\nولما جاء في حديث أبي سعيد المعلى، وأبي بن كعب وأبي\n_________\n(١) سورة الرعد، الآية: ٣٩.\n(٢) سورة الزخرف، الآية: ٤.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ٧.\n(٤) في «تفسيره» ١: ١١٢ وانظر ص١١٤.\n(٥) سورة الحجر، الآية: ٨٧.","vol":"1","page":188},{"text":"هريرة - ﵃- من قوله - ﷺ -: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السبع المثاني والقرآن العظيم» (١). على اعتبار أن الواو في الحديث لعطف الصفات، والتي بمعنى التفصيل، كقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ (٢).\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ (٣). وذلك لأن سورة الفاتحة تضمنت معاني القرآن كلها كما سبقت الإشارة إلى ذلك (٤).\nويحتمل أن تكون الواو لعطف التغاير، كما هو الأصل في العطف فيكون المراد بالقرآن العظيم: أي الذي أوتيته زيادة على الفاتحة (٥).\n٨ - الحمد لله رب العالمين:\nلما جاء في حديث أبي سعيد بن المعلي (٦). قال - ﷺ -: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ هي السبع المثاني ... «الحديث».\n_________\n(١) سبق تخريج هذه الأحاديث في المبحث الأول من هذا الفصل. وانظر «دقائق التفسير» ١: ١٧١.\n(٢) سورة الرحمن، الآية: ٦٨.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٩٨.\n(٤) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١١٢ وانظر ما يأتي في ذكر بيان ما اشتملت عليه الفاتحة.\n(٥) انظر: «فتح الباري» ٨: ١٥٩.\n(٦) سبق ذكره وتخريجه في المبحث الأول من هذا الفصل. وانظر «فتح الباري» ٨: ١٥٩.","vol":"1","page":189},{"text":"هذه الأسماء الثمانية هي التي دل عليها الدليل من الكتاب والسنة.\nوهناك أسماء عدة ذكرها بعض أهل العلم، منها ما يلي:-\n١ - الأساس، قيل: لأنها أساس القرآن. روى عن ابن عباس: «إذا اعتللت أو اشتكيت فعليك بالأساس» (١).\n٢ - الشافية (٢)، أو الشفاء (٣).\n٣ - الواقية. بالقاف المثناة (٤).\n٤ - الوافية: بالفاء الموحدة، قالوا: لأنها لا تُنصَّف، ولا تحتمل التصنيف ولا يجوز تنصيفها (٥).\n٥ - الكافية: قالوا لأنها تكفي عن غيرها، ولا يكفي غيرها عنها (٦).\n٦ - الكنز: رُوي أنها نزلت من كنز تحت العرش (٧).\n_________\n(١) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١١٣، «تفسير النسفي» ١: ١، «تفسير ابن كثير» ١: ٢١.\n(٢) انظر: «الكشاف» ١: ٤، «مجموع الفتاوى» ١٤: ٥.\n(٣) انظر: «الكشاف» ١: ٤، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١١٢، «تفسير ابن كثير» ١: ٢١.\n(٤) انظر: «البحر المحيط» ١: ٣٢، «تفسير ابن كثير» ١: ٢١.\n(٥) انظر: «الكشاف» ١: ٤ «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١١٣، «لباب التأويل في معاني التنزيل» ١: ١١.\n(٦) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١١٣، «مجموع الفتاوى» ١٤: ٥. «تفسير ابن كثير» ١: ٢١. واستدل له بحديث أخرجه الدارقنطى ١: ٣٢٢، والحاكم في «المستدرك» ١: ٢٣٨، عن عبادة أن النبي - ﷺ - قال: «أم القرآن عوض من غيرها وليس غيرها منها عوضًا» قال الدارقطني: «تفرد به محمد بن خلاد عن أشهب عن ابن عيينة».\n(٧) انظر «الكشاف» ١: ٤، «تفسير النسفي» ١: ١، «تفسير ابن كثير» ١: ٢١، «فتح الباري» ٨: ١٥٦.","vol":"1","page":190},{"text":"٧ - سورة السؤال، أو المناجاة (١).\n٨ - الواجبة: لأنها تجب قراءتها في الصلوات، ولا تصح الصلاة إلا بها (٢).\n٩ - سورة النور (٣).\n١٠ - سورة التفويض (٤).\n١١ - سورة الحمد (٥).\n١٢ - سورة الصلاة (٦).\n١٣ - سورة تعليم المسألة (٧).\nإلى غير ذلك (٨).\n****\n_________\n(١) انظر: «البحر المحيط» ١: ٣٢.\n(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» ١٤: ٥.\n(٣) انظر: «البحر المحيط» ١: ٣٢.\n(٤) انظر: «البحر المحيط» ١: ٣٢.\n(٥) انظر: «الكشاف» ١: ٤، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١١١، «البحر المحيط» ١: ٣٢، «لباب التأويل في معاني التنزيل».\n(٦) انظر: «الكشاف «١: ٤، «البحر المحيط «١: ٣٢، «تفسير ابن كثير «١: ٢١.\n(٧) انظر: «غرائب القرآن ورغائب الفرقان «١: ٨١، «أنوار التنزيل «١: ٥، «البحر المحيط «١: ٣٢.\n(٨) أوصلها السيوطي في «الإتقان «١/ ٥٢ - ٥٣ إلى خمس وعشرين اسمًا.","vol":"1","page":191},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>المبحث الثالث\nعدد آيات الفاتحة، وهل البسملة آية منها</span>؟\nعدد آيات الفاتحة سبع آيات بإجماع المسلمين (١)، لقوله تعالى في سورة الحجر ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ (٢).\nوقد فسر الرسول - ﷺ - السبع المثاني والقرآن العظيم بالفاتحة - كما سبق ذكره- في حديث أبي سعيد بن المعلى وأبي بن كعب وأبي هريرة (٣).\nوهي سبع آيات بدون البسملة آية الأولى منها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾، والثانية: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، والثالثة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، والرابعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، والخامسة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، والسادسة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، والسابعة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٤). والبسملة ليست آية منها - على الصحيح- الذي تؤيده\n_________\n(١) انظر «تفسير الطبري» ١:١٠٩، «المحرر الوجيز» ١: ٨٩، «أحكام القرآن» لابن العربي ١: ٥، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١١٤، «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٣٥١، «تفسير ابن كثير» ١: ٢٢، «فتح الباري» ٨: ١٥٩. وما قيل من أنها ست أو ثمان آيات فذلك شاذ لا يعتد به.\n(٢) سورة الحجر، الآية: ٨٧.\n(٣) راجع المبحث الأول من هذا الفصل.\n(٤) انظر: «المحرر الوجيز» ١: ٨٩.","vol":"1","page":192},{"text":"الأدلة الصحيحة الصريحة.\nأما الترقيم الموجود في المصاحف فهو وفق قول قراء الكوفة وبعض أهل العلم، لكن الصحيح خلافه. وقد تقدم بيان ذلك وبسط الأدلة فيه في الكلام على البسملة (١).\n****\n_________\n(١) راجع المبحث الثالث في الكلام على البسملة، في الفصل الثاني من الباب الأول.","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>المبحث الرابع\nفضل سورة الفاتحة</span>\nسورة الفاتحة من أعظم سور القرآن، وأفضلها، بل هي أفضل سورة في القرآن، ومما يدل على فضلها:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾ (١).\n٢ - ما رواه البخاري وغيره عن أبي سعيد بن المعلى أن رسول الله - ﷺ - قال: «لأعلمنك أعظم سورة في القرآن. قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ هي السبع المثاني، والقرآن العظيم، الذي أوتيته» (٢).\nوقد أخرج الإمام أحمد وابن ماجه وغيرهما عن أبي بن كعب نحوه (٣).\nوفي بعض روايات حديث أُبيّ أن رسول الله - ﷺ - قال: «ما أنزل في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزبور، ولا في القرن مثلها، هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته «.\n٣ - ما رواه مسلم وغيره (٤) عن ابن عباس -﵄- قال:\n_________\n(١) سورة الحجر، الآية: ٨٧.\n(٢) سبق تخريجه في المبحث الأول من هذا الفصل.\n(٣) سبق تخريجه في المبحث الأول من هذا الفصل.\n(٤) أخرجه مسلم - في صلاة المسافرين وقصرها- باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة الحديث ٨٠٦، والنسائي -في الافتتاح- باب فضل فاتحة الكتاب - الحديث ٨٧٥.\nوأخرجه بهذا اللفظ أو بنحوه - أيضًا- مالك في «الموطأ» الحديث ١٨٣، وابن المنذر في «الأوسط» الحديث ١٣٠٠","vol":"1","page":194},{"text":"«بينما جبريل قاعد عند النبي - ﷺ - سمع نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه، فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم، فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، لم ينزل قط إلا اليوم، فسلم، وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك، فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف إلا أعطيته «(١).\n٤ - ما رواه البخاري ومسلم عن عبادة بن الصامت - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب».\nوغيره من الأحاديث الدالة على وجوب قراءة الفاتحة (٢)، وأنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها، مما يدل على فضلها.\n٥ - ما رواه مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - «كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج، ثلاثًا - غير تمام ...» (٣).\n_________\n(١) أخذ بعض أهل العلم من هذا الحديث أن جبريل - ﵇ - لم ينزل بسورة الفاتحة، ولا خواتيم سورة البقرة، وإنما نزل بذلك ملك غيره والحق أنه ليس في هذا الحديث ما يدل على أن الملك الذي نزل - وجبريل عند النبي - ﷺ - هو الذي نزل بسورة الفاتحة، وخواتيم سورة البقرة، وإنما الذي فيه بيان فضل هذه السورة وتلك الآيات: أي التبشير بفضلهما وعظيم ثوابهما. والثابت أن ملك الوحي هو جبريل ﵇. قال الله - تعالى عن القرآن ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ الآيتان (١٩٣ - ١٩٤) الشعراء. انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١١٦.\n(٢) سبق تخريجها كلها في المبحث الثاني من هذا الفصل.\n(٣) سبق تخريجها كلها في المبحث الثاني من هذا الفصل.","vol":"1","page":195},{"text":"وكذا ما جاء من الأحاديث في الدالة على أن من صلى صلاة لا يقرأ فيها بالفاتحة فصلاته ناقصة غير تامة، أو أنها غير مجزئة، فهذا أيضًا يدل على فضلها.\n٦ - ما رواه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «قال الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل ...» الحديث (١).\nفقد سمى الله - تعالى- الفاتحة الصلاة وقسمها بينه وبين عبده، فأولها حمد وثناء وتمجيد للرب، وآخرها للعبد دعاء ومسألة. وكل هذا يدل على عظمها وفضلها (٢).\n٧ - ما رواه البخاري ومسلم - عن أنس بن مالك - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - وأبا بكر وعمر وعثمان -رضي عنهم- كانوا يفتتحون الصلاة، وفي بعض الروايات يفتتحون القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ (٣).\n٨ - ما رواه مسلم عن عائشة - ﵂-: «أن رسول الله - ﷺ - كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين» (٤).\n_________\n(١) سبق تخريجه في المبحث الثاني من هذا الفصل.\n(٢) انظر: «دقائق التفسير» ١: ١٧٢ - ١٧٣.\n(٣) أخرجه البخاري في الأذان - ما يقول بعد التكبير- الحديث ٧٤٣ ومسلم في الصلاة - الحديث ٣٩٩.\n(٤) أخرجه مسلم في الصلاة - ما يجمع صفة الصلاة- الحديث ٤٩٨، وأبو داوود - في الصلاة- الحديث ٧٨٣.","vol":"1","page":196},{"text":"٩ - ما وراه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري في قصة اللديغ وأن رجلا منهم رقاه بأم الكتاب، وفي بعض رواياته «فقام الرجل كأنما نشط من عقال».\nوقوله - ﷺ -: «وما يدريه أنها رقية، اقسموا واضربوا لي بسهم».\nوفي حديث خارجة عن عمه (١): «أنه مر بقوم فأتوه برجل معتوه في القيود فرقاه بأم القرآن» وذكر نحوه.\nفأثرها في إبراء المريض يدل عظمها وفضلها، ولهذا سماها الرسول - ﷺ - بالرقية.\n١٠ - وعن عبد الله بن جابر أن رسول الله - ﷺ - قال: «ألا أخبرك بخير سورة في القرآن، قلت: بلى يا رسول الله - قال: اقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ حتى تختمها» (٢).\n١١ - ومما يدل على عظم سورة الفاتحة، وفضلها اشتمالها على معاني القرآن كله، من حمد الله وثنائه وتمجيده، وأنواع توحيده، وإثبات الرسالات والبعث والجزاء، وذكر العامل وعمله وأقسام الناس وغير ذلك -كما سيأتي بسط ذلك قريبًا إن شاء الله.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) - في الكلام على الفاتحة: «والصلاة\n_________\n(١) سبق تخريجهما في المبحث الثاني، من هذا الفصل.\n(٢) أخرجه أحمد ٤: ١٧٧. قال ابن كثير في «تفسيره» ١: ٢٥ «هذا إسناد جيد، وابن عقيل هذا يحتج به الأئمة الكبار، وعبد الله بن جابر.\n(٣) انظر «دقائق التفسير» ١: ١٧١ - ١٧٢ وانظر «مجموع الفتاوى» ١٤: ٥ - ٧، ١٧: ١٤ - ١٨.","vol":"1","page":197},{"text":"أفضل الأعمال، وهي مؤلفة من كلم طيب وعمل صالح، أفضل كلمها الطيب، وأوجبه أم القرآن، وأفضل عملها الصالح وأوجبه السجود».\nوقال أيضًا: «وأم الكتاب كما أنها القراءة الواجبة، فهي أفضل سورة في القرآن ..».\nوفضائلها كثيرة جدًا. وقد جاء مأثورًا عن الحسن البصري، رواه ابن ماجه وغيره: أن الله أنزل مائة كتاب وأربعة كتب، جمع علمها في الأربعة، وجمع علم الأربعة في القرآن، وجمع علم القرآن في المفصل، وجمع علم المفصل في أم القرآن، وجمع علم أم القرآن في هاتين الكلمتين ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>فائدة:</span>\nحيث ثبت بالأحاديث الصريحة الصحيحة عن النبي - ﷺ - أن الفاتحة أعظم سورة في القرآن فتجوز المفاضلة بين السور، خلافًا لمن منع ذلك (١).\nوقد أخرج مسلم وغيره عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يا أبا المنذر أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ قال: قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال: فضرب في\n_________\n(١) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٠٩، «تفسير ابن كثير» ١: ١٠٩.","vol":"1","page":198},{"text":"صدري، وقال: والله ليهنك العلم أبا المنذر (١)».\nلكن التفضيل بين السور والآيات مقيد بأن يكون ثبت بالنص الصحيح الصريح عن النبي - ﷺ - أما المفاضلة بين السور والآيات بلا دليل صحيح فإنها لا تجوز.\n* * *\n_________\n(١) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين وقصرها -باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي- الحديث ٨١٠، وأبو داوود في الصلاة - ما جاء في آية الكرسي الحديث ١٤٦٠. وانظر «مجموع الفتاوى» ١٧: ١٣، ١٢٩ - ١٣٠.","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>المبحث الخامس\nالمعاني التي اشتملن عليها سورة الفاتحة</span>\nاشتملت سورة الفاتحة على جميع المعاني التي اشتمل عليها القرآن الكريم.\nففيها حمد الله والثناء عليه وتمجيده، وفيها توحيده بأقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات.\nوفيها الترغيب والترهيب والوعد والوعيد، وإثبات البعث والجزاء والعمل: أى العمل وجزائه، والعامل وعمله.\nوفيها: إرشاد الخلق إلى حمد الله والثناء عليه وتمجيده وعبادته والاستعانة به في جميع أمورهم الدينية والدنيوية، وإخلاص العمل لله، وإعلان البراءة من حولهم وقوتهم، وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم المؤدي بسالكه إلى سعادة الدارين.\nوفيها ذكر أقسام الناس الثلاثة: المنعم عليهم، وهم الذين هداهم الله ووفقهم إلى العلم، ومعرفة الحق، والعمل به.\nوالمغضوب عليهم: وهم الذين علموا الحق وعرفوه، ولو يعملوا به، والضالين: وهم الذين جهلوا الحق، فعملوا بالباطل.\nوفيها إثبات الرسل والرسالات والوحي، إذ كيف يحمده العباد،","vol":"1","page":200},{"text":"وكيف يعبدونه وفق ما شرع، وكيف لهم بمعرفة طريق المنعم عليهم واقتفائه، والحذر من طريق المغضوب عليهم، وطريق الضالين، والبعد عنهما، إلا من طريق الوحي والرسل والرسالات، وكيف يجازون على ذلك حسب أعمالهم إلا بعد البيان وإقامة الحجة عليهم، بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ (٢). وقال حذيفة بن اليمان: «كان الناس يسألون رسول الله - ﷺ - عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني» (٣). وكما قيل:\nعرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ... ومن لم يعرف الشر حري أن يقع فيه\n\nكما تضمنت السورة الرد على جميع المبطلين، وأهل البدع والضلال والإلحاد.\nقال ابن القيم - ﵀ - في «مدارج السالكين» (٤): «اعلم أن هذه السورة اشتملت على أمهات المطالب العالية أتم اشتمال،\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ١٦٥.\n(٢) سورة الإسراء، الآية: ١٥.\n(٣) أخرجه البخاري في المناقب - الحديث ٣٦٠٦، ومسلم في الإمارة - باب لزوم جماعة المسلمين الحديث ١٨٤٧.\n(٤) ١: ٣٠، وانظر: «التفسير القيم» ص٧ - ١١ وانظر أيضًا ١: ٩٩ - ١٠٠ من «مدارج السالكين».","vol":"1","page":201},{"text":"وتضمنتها أكمل تضمن فاشتملت على التعريف بالمعبود ﵎ بثلاثة أسماء مرجع الأسماء الحسنى والصفات العليا إليها، ومدارها عليها وهي: «الله»، و«الرب»، و«الرحمن». وبنيت السورة على الإلهية والربوبية والرحمة، و﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ مبني على الإلهية، و﴿نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على الربوبية. وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم بصفة الرحمة، والحمد يتضمن الأمور الثلاثة، فهو المحمود في إلهيته، وربوبيته، ورحمته، والثناء والمجد كما لان لجده.\nوتضمنت إثبات المعاد، وجزاء العباد بأعمالهم، حسنها وسيئها، وتفرد الرب - تعالى- بالحكم إذ ذاك بين الخلائق، وكون حكمه بالعدل. وكل هذا تحت قوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وتضمنت إثبات النبوات من جهات عديدة ...».\nوقال - أيضًا- في كتابه «الفوائد» (١): «فائدة: للإنسان قوتان: قوة علمية نظرية، وقوة علمية إرادية، وسعادته التامة موقوفة على استكمال قوتيه العلمية والإرادية، واستكمال القوة اللمية إنما يكون بمعرفة فاطره وبارئه، ومعرفة أسمائه وصفاته، ومعرفة الطريق التي توصل إليه، ومعرفة آفاتها، ومعرفة نفسه، ومعرفة عيوبها، فبهذه المعارف الخمس يحصل كمال قوته العلمية. وأعلم الناس أعرفهم بها، وأفقههم فيها، واستكمال القوة العلمية الإرادية لا يحصل إلا بمراعاة حقوقه سبحانه على العبد، والقيام بها، إخلاصًا وصدقًا، ونصحًا وإحسانًا،\n_________\n(١) ص٣٩ - ٤٠.","vol":"1","page":202},{"text":"ومتابعة، وشهودًا لمنته عليه وتقصيره هو في أداء حقه، فهو مستحيٍ من مواجهته بتلك الخدمة، لعلمه أنها دون ما يستحقه عليه، ودون دون ذلك، وأنه لا سبيل له إلى استكمال هاتين القوتين إلا بمعونته، فهو مضطر إلى أن يهديه الصراط المستقيم، الذي هدى إليه أولياءه وخاصته، وأن يجنبه الخروج عن ذلك الصراط، أما بفساد في قوته العلمية، فيقع في الضلال، وإما في قوته العملية، فيوجب له الغضب.\nفكمال الإنسان وسعادته لا تتم إلا بمجموع هذه الأمور، وقد تضمنتها سورة الفاتحة، وانتظمتها أكمل انتظام فإن قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يتضمن الأصل الأول، وهو معرفة الرب تعلى، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله.\nوالأسماء المذكورة في هذه السورة هي أصول الأسماء الحسنى، وهو اسم «الله» و«الرب» و«الرحمن». فاسم «الله «متضمن لصفات الألوهية، واسم «الرب «متضمن لصفات الربوبية، واسم «الرحمن «متضمن لصفات الإحسان والجود والبر، ومعاني أسمائه تدور على هذا.\nوقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ يتضمن معرفة الطريق الموصلة إليه، وأنها ليست إلا عبادته وحده بما يحبه ويرضاه، واستعانته على عبادته.\nوقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ يتضمن بيان أن العبد","vol":"1","page":203},{"text":"لا سبيل إلى سعادته إلا باستقامته على الصراط المستقيم، وأنه لا سبيل له إلى الاستقامة إلا بمعونته، فلا سبيل له إلى الاستقامة على الصراط إلا بهدايته.\nوقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ يتضمن طرفي الانحراف عن الصراط المستقيم، وأن الانحراف إلى أحد. الطرفين انحراف إلى الضلال، الذي هو فساد العلم والاعتقاد، والانحراف إلى الطرف الآخر انحراف إلى الغضب الذي سببه فساد القصد والعمل.\nفأول السورة رحمة، وأوسطها هداية، وآخرها نعمة. وحظ العبد من النعمة على قدر حظه من الهداية، وحظه منها على قدر حظه من الرحمة، فعاد الأمر كله إلى نعمته ورحمته، والنعمة والرحمة من لوازم ربوبيته فلا يكون إلا رحيمًا منعمًا، وذلك من موجبات إلهيته، فهو الإله الحق، وإن جحده الجاحدون، وعدل به المشركون، فمتى تحقق بمعني الفاتحة علمًا ومعرفة وعملًا وحالًا فقد فاز من كماله بأوفر نصيب، وصارت عبوديته عبودية الخاصة، الذين ارتفعت درجتهم عن عوام المتعبدين، والله المستعان».\nوقال ابن كثير - ﵀- (١): «اشتملت هذه السورة الكريمة وهي سبع آيات على حمد الله وتمجيده، والثناء عليه، بذكر أسمائه الحسنى المستلزمة لصفاته العليا، وعلى ذكر المعاد، وهو يوم الدين،\n_________\n(١) في «تفسيره» ١: ٦٠، وانظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١: ٩٨ «مجموع الفتاوى» ١٧: ٦٧ «التسهيل لعلوم التنزيل» ١: ٣٤، «تيسير الكريم الرحمن» ١: ٣٧.","vol":"1","page":204},{"text":"وعلى إرشاد عبيده إلى سؤاله، والتضرع إليه، والتبرؤ من حولهم وقوتهم، وإلى إخلاص العبادة له، وتوحيده بالألوهية تبارك تعالى، وتنزيه أن يكون له شريك، أو نظير، أو مماثل، وإلى سؤالهم إياه الهداية إلى الصراط المستقيم وهو الدين القويم، وتثبيتهم عليه حتى يفضي لهم بذلك إلى جواز الصراط الحسي يوم القيامة، المفضي بهم إلى جنات النعيم في جوار النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. واشتملت على الترغيب في الأعمال الصالحة ليكونوا مع أهلها يوم القيامة. والتحذير من مسالك الباطل لا يحشروا مع سالكيها يوم القيامة، وهم المغضوب عليهم والضالون ...».\n** * *","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>المبحث السادس\nبيان معنى السورة والآية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>أ- بيان معنى السورة:</span>\nالسورة: فيها لغتان: «سورة «بدون همز. و«سؤرة» بالهمز.\nأما «سورة» بدون همز فهي لغة قريش وأكثر قبائل العرب، تجمع على «سور» (١). قال تعالى: ﴿فَاتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ (٢).\nوقال الراعي (٣):\nهن الحرائر لاربات أخمرة ... سود المحاجر لا يقرأن بالسور\n\nويجوز أن تجمع على سُوْرات، وسُوَرَات (٤).\nوهي مأخوذة من معنى الإبانة والارتفاع ومن معنى الإحاطة ومعنى التمام.\nأما كونها مأخوذة من معنى الإبانة والارتفاع فإن السورة بائنة عن السورة الأخرى منفصلة عنها، ولأن منزلتها رفيعة وعظيمة وشريفة\n_________\n(١) انظر: «المحرر الوجيز» ١: ٤٦، «لسان العرب» مادة: «سور».\n(٢) سورة هود، الآية: ١٣.\n(٣) انظر: «ديوانه» ص١٢٢، «المخصص» ١٤: ٢٠١، «جمهرة اللغة» ٢: ٤١٢، «مغني اللبيب» ص ٤٥. «لسان العرب» مادة: «سور».\n(٤) انظر: «لسان العرب» مادة: «سور».","vol":"1","page":206},{"text":"يشرف بها القارئ ويرتفع بها من منزلة إلى منزلة (١)؛، كما قال النابغة الذبياني (٢).\nألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملْك دونها يتذبذب\n\nأي: أعطاك منزلة رفيعة قصرت عنها منازل الملوك.\nوأما كونها بمعنى الإحاطة فلأنها محيطة بما احتوت عليه من الآيات، ومن قرأها بكاملها أشرف واطلع على ما فيها من الآيات. كسور البلد يكون عاليًا مرتفعًا ويحيط بما في داخله من العمران من المنازل والدور والبيوت وغيرها (٣)، ومن صعد عليه شاهد ما بداخله من ذلك العمران.\nوأما كونها بمعنى التمام فلأنها تامة منفصلة عن السورة الأخرى، تامة بموضوعاتها وآياتها، كما تسمي العرب الناقة التامة الكريمة سورة (٤).\nوأما اللغة الثانية: «سؤرة» بالهمز فإنها لغة تميم وتجمع على «سُؤَر» بهمز.\nوالسؤرة في الأصل معناها القطعة من الشيء، والبقية منه، ومنه\n_________\n(١) انظر: «مجاز القرآن» ١: ٢٠، «تفسير الطبري» ١: ١٠٤ - ١٠٥، «مشكل إعراب القرآن» ١: ٦٨، «المحرر الوجيز» ١: ٤٦، «لسان العرب» مادة «سور».\n(٢) انظر «ديوانه» ٥٦، «تفسير الطبري» ١: ١٠٥، «لسان العرب» مادة «سور».\n(٣) انظر: «تفسير ابن كثير» ١: ١٨.\n(٤) انظر: «لسان العرب» مادة «سور».","vol":"1","page":207},{"text":"«سؤر الشراب»: أي بقيته.\nقال الأعشى (١):\nفبانت وقد أسارت في الفؤا ... د صدعا على نأيها مستطيرا\n\nأي: أبقت في الفؤاد.\nومعنى السؤرة من القرآن هي القطعة منه.\nوالقرآن من سؤرة بعد سؤرة: أي قطعة بعد قطعة، حتى كمل منها القرآن (٢).\nوالسورة من القرآن في الاصطلاح: القطعة من كلام الله - تعالى- في كتابه، ذات بداية ونهاية معروفة، تشتمل على ثلاث آيات فأكثر.\nوسور القرآن الكريم مائة وأربع عشرة سورة، أطولها سورة البقرة، وأقصرها سورة الكوثر.\n_________\n(١) انظر: «ديوانه» ص١٤٣، شرح د/ محمد محمد حسين- بيروت ١٩٨٣م «تفسير الطبري» ١: ١٠٥. بانت: بعدت. صدع مستطير: تصدع من أوله إلى آخره. ومستطير: متفرق، منتشر. النأي: البعد. والشاعر يصف امرأة فارقته فأبقت في قلبه من محبتها ووجدت بقية.\n(٢) انظر: «مجاز القرآن» ١: ٢، «تفسير الطبري» ١: ١٠٥، «لسان العرب» مادة (سور)، «مشكل إعراب القرآن» لمكي ١: ٦٨، «المحرر الوجيز» ١: ٤٦، «تفسير ابن كثير» ١: ١٨.","vol":"1","page":208},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>ب- بيان معنى الآية:</span>\nالآية لغة: العلامة (١). قال تعالى: ﴿إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَاتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٤٨)﴾ (٢).\nوقال تعالى عن الحواريين أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ﴾ (٣).\nوقال الأسير الموصي لقومه (٤): «بآية ما أكلت معكم حيسا».\nوقال النابغة الذبياني (٥):\nتوهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع\nجج\n\nوتطلق الآية بمعنى الجماعة، يقال: خرج القوم بآيتهم: أي بجماعتهم (٦).\nقال برج بن مسهر الطائي (٧):\n_________\n(١) انظر: «تفسير الطبري» ١: ١٠٦، «المحرر الوجيز» ١: ٤٧، «النهاية» مادة «آية»، «تفسير ابن كثير» ١: ١٨.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٤٨.\n(٣) سورة المائدة، الآية: ١١٤.\n(٤) انظر قصته في كتاب «الأمالي» لأبي علي القالي ١: ٦ - ٧، وانظر: «المحرر الوجيز» ١: ٤٧.\n(٥) انظر: «ديوانه» ص١٦٢، «تفسير ابن كثير» ١: ١٨.\n(٦) انظر: «النهاية» مادة «آية».\n(٧) انظر: «المحرر الوجيز» ١: ٤٧، «تفسير ابن كثير» ١: ١٨. ومعنى نزجي: نسوق، واللقاح: ذوات الألبان، والمطافلا: النوق معها أولادها.","vol":"1","page":209},{"text":"خرجنا من النقيين لا حي مثلنا ... بآيتنا نزجي اللقاح المطافلا\n\nوالآية القرآنية مأخوذة من معنى العلامة، لأن الآية القرآنية علامة على وجود الله وكماله في ذاته وصفاته. كما أنها علامة للفصل بين ما قبلها وما بعدها (١).\nويحتمل أنها من المعنيين جميعًا من معنى العلامة، ومعنى الجماعة لأنها مع كونها من معنى العلامة فهي أيضًا فيها معنى الجمع، لأنها تجمع حروفًا وكلمات من القرآن» (٢).\nوتجمع الآية على آيات، وآيات الله تنقسم إلى قسمين: آيات كونية، وآيات شرعية.\nفالآيات الشرعية هي ما يتعلق بالوحي، من كلام الله تعالى، وسميت بذلك لمباينتها كلام البشر، وعجزهم عن الإتيان بمثلها، ولأن في إصلاح هذا الوحي لمن أنزله الله عليه، حسب ما شرع الله. علامة ودلالة واضحة على أنه من عند الله ذو الكمال في ذاته وصفاته، كما قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٣).\nوالآية الشرعية في الاصطلاح: هي القطعة من كلام الله - تعالى-\n_________\n(١) انظر: «تفسير الطبري» ١: ١٠٦، «المحرر الوجيز» ١: ٤٧، «تفسير ابن كثير» ١: ١٨.\n(٢) انظر: «المحرر الوجيز» ١: ٤٧، «النهاية «مادة: «آية».\n(٣) سورة النساء، الآية: ٨٢.","vol":"1","page":210},{"text":"ذات بداية ونهاية، منفصلة عما قبلها وعما بعدها، مندرجة تحت سورة من سور القرآن الكريم (١). وأطول آية في القرآن آية الدين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ ...﴾ (٢) الآية، وأقصر آية ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ (٣) باستثناء الحروف المقطعة أوائل السور.\nوالآيات الكونية: ما يتعلق بالخلق والتقدير، وهي تشمل كل ما خلق الله في هذا الكون من أرض وسماء، وليل ونهار، وشمس وقمر، وحجر وشجر، وجن وإنس، وحيوان، وسائر المخلوقات. لأن في إيجاد هذه المخلوقات وانتظامها علامة ودلالة واضحة على وجود خالقها وباريها، وعلى قدرته وحكمته ووحدانيته ورحمته، وكماله في ذاته وصفاته.\nقال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ﴾ (٤).\nوقال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ (٥).\nوقال تعالى: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَاكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ*\n_________\n(١) انظر: «تفسير الطبري» ١: ١٠٦، «تفسير ابن كثير» ١: ١٨.\n(٢) سورة البقرة، آية: ٢٨٢.\n(٣) سورة الرحمن، آية: ٦٤.\n(٤) سورة الروم، آية: ٢٢.\n(٥) سورة الروم، آية: ٢٥.","vol":"1","page":211},{"text":"لِيَاكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾ (١).\nوقال تعالى: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ*وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ (٢).\nوقال تعالى: ﴿وَآَيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ (٣).\nوقال تعالى: ﴿مِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (٤).\nوقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (٥).\n****\n_________\n(١) سورة يس، الآيات: ٣٣ - ٣٥.\n(٢) سورة يس، الآيات: ٣٧ - ٣٩.\n(٣) سورة يس، الآيتان: ٤١ - ٤٢.\n(٤) سورة فصلت، آية: ٣٧.\n(٥) سورة الذاريات، الآيتان: ٢٠ - ٢١.","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-52>المبحث السابع\nتفسير مفردات الفاتحة، وبيان معاني آياتها</span>.\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾</span>\nالحمد مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره. وهو مصدر سماعي للفعل «حمد» دخلت عليه «أل».\nو«أل»: إذا دخلت على الأوصاف، وأسماء الأجناس دلت على الاستغراق والشمول والاستقصاء (١)، وعلامتها صحة وضع كل الشمولية مكانها: أي كل الحمد بجميع صنوفه وأجناسه لله تعالى.\nوالحمد: وصف المحمود بصفات الكمال مع المحبة والتعظيم. فإن لم يكن مع المحبة والتعظيم كان نفاقًا ورياء، وكذبًا وتزلفا ومدحًا مذمومًا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): «الحمد الإخبار بمحاسن المحمود مع المحبة لها. فلو أخبر مخبر بمحاسن غيره من غير محبة لها لم يكن حامدًا، ولو أحبها ولم يخبر بها لم يكن حامدًا».\nوإذا كرر الحمد مرة ثانية سمي ثناء، وإذا كرر ثالثة سمي «تمجيدًا»\n_________\n(١) انظر: «تفسير الطبري» ١: ١٣٨، «المحرر الوجيز» ١: ٦٣، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٣٣، «تفسير النسفي» ١: ٤، «مجموع الفتاوى» ١: ٨٩ «البحر المحيط» ١: ١٨.\n(٢) في مجموع الفتاوى ٨/ ٣٧٨. وانظر ٦: ٢٥٩.","vol":"1","page":213},{"text":"بدليل ما جاء في حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: قال الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي، وإذ قال العبد ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى علي عبدي. فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال الله: مجدني عبدي ...» الحديث رواه مسلم (١).\nفقوله (الحمد لله) حمد مطلق. و«الحمد» اسم جنس والجنس له كمية وكيفية. فالثناء كمية الحمد وتكثيره والتمجيد كيفيته وتعظيمه.\nوهذا يدل على خلاف ما درج عليه كثير من المفسرين وأهل اللغة من تفسير الحمد مطلقًا بالثناء (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>الفرق بين الحمد والشكر:</span>\nفسر بعض أهل العلم الحمد بمعنى الشكر، منهم المبرد (٣) والطبري (٤). قال الطبري: «العرب تقول الحمد لله شكرًا».\nوالصحيح أن الحمد غير الشكر فالحمد كالمدح نقيضه الذم،\n_________\n(١) سبق تخريجه في ذكر أسماء الفاتحة في المبحث الثاني.\n(٢) انظر «مجموع الفتاوى» ٦: ٢٦٦. وانظر: «تفسير الطبري» ١: ١٣٩، «الكشاف» ١: ٧، «المحرر الوجيز» ١: ٦٣، «زاد المسير» ١: ١١، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٣٣، ١٣٤، «أنوار التنزيل» ١: ٧، «لسان العرب» مادة (حمد) «البحر المحيط» ١: ١٨، «أضواء البيان» ١: ٣٩.\n(٣) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٣٣.\n(٤) في «تفسيره» ١: ١٣٥ - ١٣٨.","vol":"1","page":214},{"text":"والشكر نقيضه الكفران (١) وبين الحمد والشكر عموم وخصوص (٢).\nفالحمد أعم من حيث ما يقع عليه، فهو يقع على الصفات اللازمة والمتعدية تقول: حمدته لفروسيته وشجاعته، وحمدته لكرمه.\nوهو أخص من حيث الأداة التي يقع بها، فهو يقع على الصفات اللازمة والمتعدية تقول: حمدته لفروسيته وشجاعته، وحمدته لكرمه.\nوهو أخص من حيث الأداة التي يقع بها، فهو يقع باللسان فقط، قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ (٣).\nقال الزمخشري (٤):\n«وهو إحدى شعب الشكر «.\nقلت: وليس معنى كونه يقع باللسان فقط أن يكون ذلك بدون مواطأة القلب وموافقته، لأن الحمد كما تقدم وصف المحمود بصفات الكمال مع المحبة والتعظيم في القلب، ومعلوم أن مدار الأعمال كلها صلاحًا أو فسادًا على القلب قال - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى «(٥) وقال - ﷺ -: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي\n_________\n(١) انظر: «الكشاف» ١: ٨، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٣٣.\n(٢) انظر: «المفردات» مادة «شكر»، «معالم التنزيل» ١: ٣٩، «الكشاف» ١: ٧، ٨، «المحرر الوجيز» ١: ٦٣، «زاد المسير» ١: ١١، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٣٤، «تفسير النسفي» ١: ٣، «مجموع الفتاوى» ١١: ١٣٣ - ١٣٤ - ١٣٥، ١٤٦ «تفسير ابن كثير» ١: ٤٥.\n(٣) سورة الإسراء، الآية: ١١١.\n(٤) في «تفسيره» ١: ٧، وانظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٣٣ - ١٣٤.\n(٥) أخرجه من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - البخاري في بدء الوحي- الحديث (١)، ومسلم في الإمارة- الحديث ٧٠٩١.","vol":"1","page":215},{"text":"القلب «(١).\nولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢) ﵀: (والحمد إنما يكون بالقلب واللسان ...).\nوالشكر أخص من حيث ما يقع عليه فهو لا يقع إلا على الصفات المتعدية. تقول: شكرته لكرمه، ولا تقول: شكرته لفروسيته وشجاعته، فهو لا يكون إلا جزاء على نعمة بينما الحمد يكون جزاء كالشكر، ويكون ابتداء.\nوهو: أي الشكر أعم من حيث الأداة التي يقع بها، فهو يقع في القلب واللسان والجوارح كما قال الشاعر:\nولكنني حاولت في الجهد مذهبًا\nوما كان شكري وافيًا بِنَوَالِكُم\nأفادتكم النعماء مني ثلاثة\nيدي ولساني والضمير المحجبا (٣)\n\nفالشكر بالقلب بالاعتراف بالنعمة باطنًا ونسبتها إلى المُنعم بها ومسديها.\nوالشكر باللسان بالاعتراف بالنعمة ظاهرًا والتحدث بها باللسان. قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (٤).\n_________\n(١) أخرجه من حديث النعمان بن بشير - البخاري- في الإيمان- الحديث ٥٢، ومسلم في المساقاة- الحديث ١٥٩٩.\n(٢) في «مجموع الفتاوى» ١١: ١٣٤.\n(٣) انظر «الكشاف» ١: ٧، «مجموع الفتاوى» ١١: ١٣٣ - ١٣٤، «تفسير ابن كثير» ١: ٤٥.\n(٤) سورة الضحى، الآية: ١١.","vol":"1","page":216},{"text":"وهذا على القول بأنه يدخل تحت معنى الآية التحدث بنعم الله عامة والآية تحتمله بلا شك، لأنه لا ينافي القول بأن المراد بالنعمة هنا نعمة النبوة.\nوالشكر بالجوارح بالاستعانة بالنعمة على طاعة المُنعم قولًا وعملًا كما قال تعالى ﴿اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (١). وقام - ﷺ - حتى تورمت قدماه، وقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا» (٢). ويكون بظهور أثر النعمة على المنعم عليه. كما في الحديث «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده «(٣). وفي حديث أبي مالك الجشمي أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا آتاك الله مالًا فلْيُرَ أثر نعمة الله عليك وكرامته» (٤).\nوالمدح أعم منهما جميعًا: من حيث ما يقع عليه (٥)، فإنه يقال مما يقع من الإنسان بالتسخير، ومما يقع منه باختياره متعديًا أو لازمًا، فقد يُمدح الإنسان بطول قامته، كما يُمدح ببذل ماله وسخائه وعلمه،\n_________\n(١) سورة سبأ، آية: ١٣.\n(٢) أخرجه البخاري في التفسير - الحديث ٤٨٣٦ عن المغيرة قال: قام النبي - ﷺ - حتى تورمت قدماه، فقيل له غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا».\nوأخرجه أيضًا بنحوه من حديث عائشة ﵂ - الحديث رقم ٤٨٣٧. وانظر «تيسير الكريم الرحمن» ٦: ٢٦٧.\n(٣) أخرجه الترمذي في الأدب- الحديث ٢٨١٩ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص وقال «حديث حسن». وأخرجه أحمد ٢: ٣١١ من حديث أبي هريرة، ٤: ٤٣٨ من حديث عمران بن حصين.\n(٤) أخرجه أبو داود - في اللباس- الحديث ٤٠٦٣٤، والنسائي في الزينة الحديث ٤٨١٩ - وصححه الألباني.\n(٥) انظر: «الصحاح» و«المفردات» مادة: «مدح»، «تفسير ابن كثير» ١: ٤٦.","vol":"1","page":217},{"text":"كما يمدح بفروسيته وشجاعته. وهو تقع على الحي والميت، وعلى الحيوان والنبات والجماد والزمان والمكان وغير ذلك، وهو كالحمد من حيث إنه يقع بالقول باللسان لا غير.\nقال الراغب (١): «فكل شكر حمد، وليس كل حمد شكرًا، وكل حمد مدح، وليس كل مدح حمدًا».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>«لله» </span>اللام حرف جر، وهي تفيد معنى الاختصاص والاستحقاق (٢)، ولفظ الجلالة مجرور بها والجار والمجرور متعلقان بمحذوف هو خبر (الحمد) تقديره: مستحق، أو واجب أو ثابت لله. وقد تقدم في بحث البسملة الكلام مستوفي على معنى لفظ الجلالة (الله) واشتقاقه (٣).\nو<span data-type=\"title\" id=toc-56>معنى (الحمد لله): </span>أي أن الحمد المطلق لله وحده فهو المستحق له المختص به دون سواه وحمده - تعالى هو وصفه - ﷿ - بصفات الكمال اللازمة والمتعدية، كمال العظمة وكمال الإحسان والنعمة مع المحبة والتعظيم له والرضا عنه والخضوع له، لأنه المنعم بأكبر النعم وأعظمها.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٤) - ﵀ -: «والحمد نوعان حمد على إحسانه إلى عباده وهو من الشكر، وحمد لما يستحقه هو بنفسه من نعوت كماله، وهذا الحمد لا يكون إلا على ما هو في نفسه مستحق»\n_________\n(١) المفردات مادة «حمد».\n(٢) انظر: «معالم التنزيل» ١: ٣٩، «لباب التأويل في معاني التنزيل» ١: ١٦.\n(٣) راجع المبحث الثاني من الفصل الثاني، من الباب الأول: معنى البسملة.\n(٤) في «مجموع الفتاوى» ٦: ٨٤.","vol":"1","page":218},{"text":"للحمد، وإنما يستحق ذلك من هو متصف بصفات الكمال، وهي أمور وجودية،، فإن الأمور العدمية المحضة لا حمد فيها، ولا خير ولا كمال.\nومعلوم أن كل ما يحمد فإنما يحمد على ماله من صفات الكمال، فكل ما يحمده به الخلق فهو من الخالق، والذي منه ما يحمد عليه هو أحق بالحمد، فثبت أنه المستحق للمحامد الكاملة، وهو أحق من كل محمود بالحمد، والكمال من كل كامل، وهو المطلوب».\nوقال ابن القيم (١) - رحمه الله تعالى-: «الحمد يتضمن مدح المحمود بصفات كماله، ونعوت جلاله، مع محبته والرضا عنه والخضوع له، فلا يكون حامدًا من جحد صفات المحمود، ولا من أعرض عن محبته والخضوع له. وكلما كانت صفات كمال المحمود أكثر كان حمده أكمل، وكلما نقص من صفات كماله نقص من حمده بحبسها. ولهذا كان الحمد لله، حمدًا لا يحصيه سواه، لكمال صفاته وكثرتها، ولأجل هذا لا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه (٢)، لما له من صفات الكمال، ونعوت الجلال التي لا يحصيها سواه ...».\nوالذين قالوا معنى الحمد الثناء، معناه عندهم: الثناء عليه - تبارك\n_________\n(١) في «مدارج السالكين» ١: ٤٨، وانظر: «التفسير القيم» ص ٢٥. وانظر - أيضًا-: «تفسير الطبري» ١: ١٣٧، «الكشاف» ١: ٧، «تفسير النسفي» ١: ٣.\n(٢) كما قال - ﷺ - في الدعاء «اللهم أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك». أخرجه مسلم في الصلاة - باب ما يقال في الركوع والسجود الحديث ٤٨٦ - من حديث عائشة - ﵂-.","vol":"1","page":219},{"text":"وتعالى - بأسمائه الحسنى وصفاته العليا.\nقال القرطبي (١) - رحمه الله تعالى- «الحمد قي كلام العرب معناه الثناء الكامل ... فهو سبحانه يستحق الحمد بأجمعه إذ له الأسماء الحسنى والصفات العليا».\nوقال - أيضًا - «الحمد ثناء على الممدوح بصفاته .... وذكر عن جعفر الصادق في قوله (الحمد لله) قال: من حمده بصفاته كما وصف نفسه فقد حمد ....».\nوقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ جملة خبرية فيها معنى الأمر، فهو - جل وعلا - يخبر عن اتصافه بالحمد، ويأمر عباده أن يحمدوه (٢). كما قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّه﴾ (٣).\nوإنما جاءت جملة اسمية للدلالة على الاستمرار والدوام، فله ﷾ الحمد في جميع الأوقات والأزمان، وهو المحمود بكل حال، على ماله - سبحانه - من المحاسن والإحسان، وعلى ماله من الأسماء الحسنى والمثل الأعلى، وما خلقه في الآخرة والأولى (٤).\nافتتح كتابه بالحمد فقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾\n_________\n(١) في «تفسيره» ١: ١٣٣ - ١٣٤.\n(٢) انظر: «تفسير الطبري» ١: ١٣٩، «معالم التنزيل» ١: ٣٩، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٣٥ - ١٣٦، «لباب التأويل في معاني التنزيل» ١: ١٦، «البحر المحيط» ١: ٣١، «تفسير ابن كثير» ١: ٥٢، «أضواء البيان» ١: ٣٩.\n(٣) سورة النمل، الآية: ٥٩.\n(٤) انظر «مجموع الفتاوى» ١١: ١٣٣.","vol":"1","page":220},{"text":"وله الحمد على إنزاله، كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ (١).\nوله الحمد على خلق السموات والأرض وسائر المخلوقات. قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (٣).\nوله الحمد على ملك ما في السموات والأرض قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٤).\nوله الحمد في السموات والأرض، وفي جميع الأوقات. قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ (٥).\nوله الحمد في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿لَهُ الحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآَخِرَةِ﴾ (٦).\nوقال تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٧).\nوحمده تعالى آخر دعوى أهل الجنة، كما قال تعالى: ﴿وَآَخِرُ\n_________\n(١) سورة الكهف، الآية: ١.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١.\n(٣) سورة فاطر، الآية: ١.\n(٤) سورة سبأ، الآية: ١.\n(٥) سورة الروم، الآية: ١٨.\n(٦) سورة القصص، الآية: ٧٠.\n(٧) سورة سبأ، الآية: ١.","vol":"1","page":221},{"text":"دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١).\nوشق لنبيه - ﷺ - اسمًا من الحمد، فسماه: محمدًا.\nقال حسان بن ثابت - ﵁ - (٢) -:\nوضم الإله اسم النبي إلى اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذن أشهد\nوشق له من اسمه (٣) ليجله ... فذو العرش محمد وهذا محمد\n\nفهو تعالى المحمود على الدوام في جميع الأحوال، ولهذا أمر عباده أن يحمدوه في آيات كثيرة. وكان نبينا محمد - ﷺ - إذا رأى ما يحب قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وإذا رأى ما يكره قال: الحمد لله على كل حال» (٤).\nكما رغب - ﷺ - بحمد الله تعالى في أحاديث كثيرة منها:\nما رواه أبو مسلم الأشعري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك، أو عليك، كل\n_________\n(١) سورة يونس، الآية: ١٠.\n(٢) انظر: «ديوانه» ص ٣٣٨ تحقيق د. سيد حسنين، د. حسن الصيرفي القاهرة ١٩٧٤.\n(٣) لم يرد أن من أسمائه تعالى «المحمود» لا في الكتاب ولا في السنة. فمعنى «المحمود» في البيت الموصوف بالحمد.\n(٤) أخرجه ابن ماجه في الأدب - باب فضل الحامدين - الحديث ٣٨٠٣. وقال في «الزوائد»: «إسناده صحيح ورجاله ثقات». وصححه الألباني.","vol":"1","page":222},{"text":"الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها» رواه مسلم (١).\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكله الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها» رواه مسلم (٢).\nوبما أن كل نعمة على العباد فهي من الله تعالى كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٣)، وبما أن نعم الله على العباد كثيرة لا تحصى، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (٤).\nفإن العبد ليس بمقدوره أن يشكر الله حق شكره على هذه النعم التي منها النعم الدينية من الإيمان والعلم والتقوى، والنعم الدنيوية كالصحة والمال والنعم أخروية وهي الجزاء الكثير على العمل القليل في العمر القصير، ومضاعفة الحسنة إلى عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة.\nإذ كيف يمكن العبد أن يشكر الله حق شكره والشكر نفسه نعمة من الله على العبد تستوجب الشكر. فما على العبد إلا أن يقوم بما يستطيع من الشكر ويقول «سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» (٥).\n_________\n(١) في الطهارة - فضل الوضوء - الحديث ٢٢٣.\n(٢) في الذكر - استحباب حمد الله - تعالى - بعد الأكل الحديث ٢٧٣٤.\n(٣) سورة النحل، الآية: ٥٣.\n(٤) سورة إبراهيم، الآية: ٣٤ وسورة النحل، الآية: ١٨.\n(٥) أخرجه مسلم في الصلاة - باب ما يقال في الركوع والسجود - الحديث ٤٨٦ عن عائشة قالت: فقدت رسول الله - ﷺ - ليلة من الفراش فالتمسته، فوقعت يدي على بطن قدمه وهو في المسجد، وهما منصوبتان وهو يقول: «اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»، وأبو داود في الصلاة - باب الدعاء في الركوع والسجود - الحديث ٨٧٩.","vol":"1","page":223},{"text":"وكما قيل:\nإذا كان شكري نعمة الله نعمة ... علي بها لله يستوجب الشكر\nفكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر\n\n﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: رب صفة أولى للفظ الجلالة «الله»، أو بدل منه. ورب مضاف والعالمين مضاف إليه، مجرور وعلامة جره الياء، لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.\nو«رب العالمين» بمعنى خالقهم ومالكهم والمتصرف فيهم.\nو«رب» في الأصل مأخوذ من التربية للشيء وتنميته، وتبليغه إلى كماله، كما قال تعالى: ﴿نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ (١) أي اللاتي تربونهن في حجوركم.\nوهو بمعنى المالك والسيد، كما قال تعالى: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ (٢) أي مالكه وسيده. وفي الحديث: «أن تلد الأمة ربتها» (٣)\n_________\n(١) سورة النساء، الآية: ٢٣.\n(٢) سورة يوسف، الآية: ٤١.\n(٣) أخرجه من حديث طويل من رواية أبي هريرة - البخاري في الإيمان - الحديث ٥٠، ومسلم في الإيمان - الحديث ٩، وأخرجه أيضًا مسلم مطولًا من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - الحديث ٨.","vol":"1","page":224},{"text":"أي مالكتها وسيدتها.\nوبمعنى: المعبود حتى لو كان بغير حق، كما قال تعالى: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ (١).\nوقال أحد المشركين وقد وجد الثعلب قد بال على صنمه:\nأرب يبول الثعلبان برأسه ... لقد هان من بالت عليه الثعالب (٢)\n\nوبمعنى القائم على الشيء ومدبره ومصلحه ومتوليه.\nومنه قول في الحديث: «هل لك عليه من نعمة تربها (٣)»: أي تقوم بها وتصلحها.\nوقال ابن عباس - ﵁ -: «لأن يربني بنو عمي أحب إلي من أن يربني غيرهم» (٤): أي يكون على ربا، أي أميرًا يقوم بأمره ويملك تدبيره ويدخل تحت طاعته.\nومنه قولهم: «أديم مربوب» (٥) وقول النابغة الذبياني (٦):\nتخب إلى النعمان حتى تناله ... فدى لك من رب طريفي وتالدي\n_________\n(١) سورة يوسف، الآية: ٣٩.\n(٢) ذكر صاحب «شرح مغني اللبيب» للبغدادي ٢: ٣٠٤ - ٣٠٩: أنهيروى لراشد بن عبد ربه، ولغاوي بن ظالم السلمي، ولأبي ذر الغفاري، وللعباس بن مرداس، وانظر: «المحرر الوجيز» ١: ٦٥، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٣٧، «البحر المحيط» ١: ١٨.\n(٣) أخرجه مسلم في البر والصلة - الحديث ٢٥٦٧ من حديث أبي هريرة، وكذا أحمد ٢: ٢٦٢، ٤٠٨، ٤٦٢، ٤٨٢، ٥٠٨.\n(٤) أخرجه البخاري في التفسير - الحديث ٤٦٦٦.\n(٥) انظر: «المحرر الوجيز» ١: ٦٥.\n(٦) انظر: «ديوانه» ص٩٢، «تفسير الطبري» ١: ١٤٩.","vol":"1","page":225},{"text":"وبمعنى صاحب الشي، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (١) أي صاحب العزة.\nوكل هذه المعاني حق بالنسبة له - تعالى - فهو تعالى مربي الخلق وخالقهم ومالكهم وسيدهم، وهو معبودهم بحق، وهو القيوم على كل شيء ومدبره ومصلحه. وهو صاحب العزة ﷾ (٢). قال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) «الرب: هو المربي الخالق الرازق الناصر الهادي».\nواسمه تعالى «الرب» يفيد أن الربوبية صفة ذاتية له - ﵎ وصفة فعلية (٤).\nوربوبية الله لخلقه نوعان: ربوبية خاصة، وربوبية عامة:\nفالربوبية العامة: هي خلقه للمخلوقين وملكه لهم، وتدبيره الكوني لهم، ورزقه لهم، وهدايتهم لمصالح دنياهم ونحو ذلك.\nوهذه شاملة لجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم، ناطقهم وبهيمهم، جيهم وجمادهم كما في قوله - تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.\n_________\n(١) سورة الصافات، الآية: ١٨٠.\n(٢) انظر: «تفسير الطبري» ١: ١٤١ - ١٤٣، «معالم التنزيل» ١: ٣٩، «الكشاف» ١: ٨، «المحرر الوجيز» ١: ٦٤ - ٦٦، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٣٦ - ١٣٧، «لباب التأويل» ١: ١٦، «البحر المحيط» ١: ١٨، «تفسير ابن كثير» ١: ٤٨، «أنوار التنزيل» ١: ٨، وانظر: «الصحاح»، «اللسان» مادة «رب».\n(٣) في «مجموع الفتاوى» ١٤: ١٣.\n(٤) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٣٧.","vol":"1","page":226},{"text":"وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ (١).\nوقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (٢).\nوالربوبية الخاصة: هي ربوبية الله - تعالى - لأوليائه بهدايتهم إلى الصراط المستقيم بالإيمان والعلم الناف، والعمل الصالح، وفعل الخيرات، وترك المنكرات، وذلك ملاك الأمر مع توفيقهم وحفظهم.\nكما قال إبراهيم - ﵇ -: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا﴾ (٣).\nوقال موسى - ﵇ -: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (٤).\nوكما في قول المؤمنين: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٥) وغير ذلك.\nولما كان من أخص معاني الرب المالك والمدبر والقائم بما يصلح الخلق كان كثير من دعاء الأنبياء والمؤمنين باسمه تعالى «الرب» لأنه أحق باسم الاستعانة والمسألة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٦): «فعامة المسألة والاستعانة\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢١.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١٢٦.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ٢٥.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ٢٨٥.\n(٦) في «مجموع الفتاوى» ١٤: ١٣، وانظر «دقائق التفسير» ١: ١٧٦ - ١٧٧، وانظر ما يأتي في الفائدة الرابعة عشرة من فوائد الفاتحة ص٣٠٧ - ٣٠٩.","vol":"1","page":227},{"text":"المشروعة باسم الرب».\nو«الرب» بالتعريف لا يطلق إلا على الله تعالى. ورب كذا بالإضافة يطلق عليه وعلى غيره فلزم إذا أريد به غير الله أن يقيد بالإضافة فيقال: رب الدار، ورب الإبل (١)، كما قال تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا﴾ (٢).\nوقال يوسف ﵇: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (٣).\nوقال أيضًا: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ (٤).\nوفي الحديث: «أن تلد الأمة ربتها» (٥).\nويظهر جليًا من تعريف اسمه تعالى «الله»، و«رب العالمين» دخول اسم «الرب» في اسمه تعالى «الله».\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٦) عن هذين الاسمين: «فالاسم الأول - يعني - «الله» يتضمن غاية العبد ومصيره ومنتهاه، وما خلق له، وما فيه صلاحه وكماله وهو عبادة الله. والاسم الثاني - يعني - «رب العالمين» يتضمن خلق العبد ومبتداه، وهو أنه يربه ويتولاه، مع أن\n_________\n(١) انظر: «الصحاح» مادة: «رب»، «معالم التنزيل» ١: ٤٠، «الكشاف» ١: ٨، «زاد المسير» ١: ١١، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٣٧، «تفسير ابن كثير» ١: ٤٨.\n(٢) سورة يوسف، الآية: ٤١.\n(٣) سورة يوسف، الآية: ٤٢.\n(٤) سورة يوسف، الآية: ٥٠.\n(٥) سبق تخريجه قريبًا.\n(٦) في «مجموع الفتاوى» ١٤: ١٣، وانظر «دقائق التفسير» ١: ١٧٧.","vol":"1","page":228},{"text":"الثاني يدخل في الأول دخول الربوبية في الإلهية، والربوبية تستلزم الألوهية أيضًا».\nوالعالمين: جمع عالم بفتح اللام، اسم جمع لا واحد له من لفظه، كرهط وقوم.\nوالعالمين: كل موجود سوى الله - تعالى - وقد جمع ليشمل كل جنس ممن سُمي به، فيعم جميع المخلوقات في السموات والأرض، وما بينهما من الملائكة والإنس والجن والشياطين، والحيوانات والجمادات وغير ذلك من سائر المخلوقات (١) كما خلت عليه «أل» الدالة على الاستغراق ليشمل كل فرد من أفراد تلك الأجناس (٢).\nوهو مشتق من العلامة (٣)، لأن كل ما في الوجودمن المخلوقات علامة على وجود الله، وكماله بذاته وصفاته.\nكما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ (٤).\nوقال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ\n_________\n(١) انظر «تفسير الطبري» ١: ١٤٣ - ١٤٦، «معالم التنزيل» ١: ٤٠، «الكشاف» ١: ٨ - ٩، «المحرر الوجيز» ١: ٦٦، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٣٨، «البحر المحيط» ١: ١٩، «تفسير ابن كثير» ١: ٤٨ - ٤٩، وانظر «لسان العرب» مادة «علم».\n(٢) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٣٣.\n(٣) انظر: «زاد المسير» ١: ١٢، «تفسير ابن كثير» ١: ٤٩، «أضواء البيان» ١: ٣٩.\n(٤) سورة آل عمران، الآية: ١٩٠.","vol":"1","page":229},{"text":"وَأَلْوَانِكُمْ﴾ (١). إلى غير ذلك من الآيات (٢).\nقال ابن المعتز:\nفواعجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد\nوفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد\n\nويقال إنه مشتق من «العلم» بكسر العين (٣).\nوالقول بأنه مشتق من «العلم» إن أريد به أنه تعالى خلق «العالمين» عن علم منه جل وعلا بهم، كما خلقهم - أيضًا - عن قدرة تامة «فصحيح»، كما قال تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (٤).\nوإن أريد به أن هذه المخلوقات سميت عوالم، لأن عندها شيئًا من العلم المحدود الناقص القليل، أو عندها ما يخصها من العلم.\nكما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ (٥) فهذا محتمل.\nوالقول بأنه مشتق من العلامة هو الأظهر، ويحتمل أنه مشتق منها\n_________\n(١) سورة الروم، الآية: ٢٢.\n(٢) راجع ما تقدم في المبحث السادس في بيان معنى الآية من هذا الفصل.\n(٣) انظر: «الكشاف» ١: ٨ - ٩، «زاد المسير» ١: ١٢، «البحر المحيط» ١: ١٨، «تفسير ابن كثير» ١: ٤٩.\n(٤) سورة الطلاق، الآية: ١٢.\n(٥) سورة الإسراء، الآية: ٤٤.","vol":"1","page":230},{"text":"ومن العلم (١) والله أعلم.\nوجميع «العالمين» جمع من يعقل، علمًا أنه يتناول العقلاء وغيرهم من باب تغليب العقلاء على من سواهم، لأن العقلاء هم المعنيون بالخطاب والتكليف، لما ميزهم الله به عن الحيوان والجماد من العقل والإدراك، الذي هو مناط التكليف.\nوهذا كقوله - تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢).\nوكقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ (٣).\nفقد غلب العقلاء على غيرهم في الآية الأولى بقوله ﴿عَرَضَهُمْ﴾، ﴿هَؤُلَاءِ﴾، وفي الآية الثانية بقوله: ﴿فَمِنْهُمْ﴾.\nأما قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٤) ونحوه.\nفالمراد به الإنس والجن فقط فاستخدم لفظ «العالمين» لبعض مدلوله.\nوإنما حمل على أنه خاص بهم، لأنهم هم المعنيون بالنذارة دون غيرهم من سائر المخلوقات.\n_________\n(١) انظر: «معالم التنزيل» ١: ٤٠.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٣١.\n(٣) سورة النور، الآية: ٤٥.\n(٤) سورة الفرقان، الآية: ١.","vol":"1","page":231},{"text":"وهكذا فإن السياق نفسه يحدد المراد بلفظه: «العالمين» أهو العموم لجميع المخلوقات كما في أكثر المواضع الواردة في القرآن أم الخصوص لبعضعها كما في آية الفرقان.\nوكما في قوله: ﴿أَتَاتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (١). فالمراد بهذا الذكران من عالمي زمانهم من الإنس، وهكذا.\n﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾: الرحمن صفة ثانية للفظ الجلالة «الله» والرحيم صفة ثالثة له، وكل منهما مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره أو هما بدلان من لفظ الجلالة.\nوهذا بعد قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ ثناء على الله - ﵎ لقوله - ﷿ - في حديث أبي هريرة: «فإذا قال العبد (الرحمن الرحيم) قال الله: أثنى علي عبدي» رواه مسلم (٢).\nو«الرحمن الرحيم»: اسمان من أسماء الله - تعالى يدل كل منهما على إثبات صفة الرحمة وأثرها، وقد تقدم الكلام عليهما مستوفى في الكلام على البسملة (٣).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٤) بعدما بين أن اسم «الله» أحق بالعبادة، وأن اسم «الرب» أحق بالاستعانة - قال: «والاسم «الرحمن»\n_________\n(١) سورة الشعراء، الآية: ١٦٥.\n(٢) سبق تخريجه في ذكر أسماء الفاتحة في المبحث الثاني من هذا الباب.\n(٣) في المبحث الثاني من الفصل الثاني من الباب الأول.\n(٤) في «مجموع الفتاوى» ١٤: ١٣، وانظر «دقائق التفسير» ١: ١٧٧.","vol":"1","page":232},{"text":"يتضمن كمال المتعلقين، وبوصف (١) الحالين فيه تتم سعادته - يعني العبد - في دنياه وأخراه، ولهذا قال - تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾. فذكر ههنا الأسماء الثلاثة: «الرحمن»، و«ربي»، و«الإله»، وقال: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ (٢) كما ذكر الأسماء الثلاثة في أم القرآن ...».\n﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ مالك صفة رابعة للفظ الجلالة «الله» أو بدل منه مجرور مثله وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره، وهو مضاف و«يوم» مضاف إليه مجرور، ويوم مضاف و«الدين» مضاف إليه مجرور وعلامة جره كل منهما الكسرة الظاهرة على آخره.\nوهذا بعد قوله - تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ تمجيد الله - تعالى. لقوله - تعالى - في حديث أبي هريرة: [«فإذا قال العبد: ﴿مَالِكِ﴾ قال الله: «مجدني عبدي».\nقرأ عاصم والكسائي: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ بالالف اسم فاعل من «الملك» بكسر الميم وسكون اللام كقوله - تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ (٣).\nومعنى «المالك»: المتصرف في الأعيان المملوكة كيف يشاء.\nوقرأ باقي السبعة (ملك) والملك هو الحي الذي يتصرف فيأمر وينهي ويطاع، مأخوذ من «الملك» بضم الميم كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ\n_________\n(١) في بعض النسخ: «ووصف» انظر «دقائق التفسير» ١: ١٧٧.\n(٢) سورة الرعد، الآية: ٣٠.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ٢٦.","vol":"1","page":233},{"text":"أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٢)، وقوله: ﴿لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ (٣)، وقوله: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ (٤)، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ (٥)، وقوله تعالى ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ (٦)، وقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ﴾ (٧).\nو«ملك» على وزن «فعل» صفة مشبهة تدل على ثبوت ملكه ودوامه، وأن له التصرف التام في الأمر والنهي.\nوقراءة «ملك» أعم وأشمل من قراءة «مالك» إذ إن كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكًا (٨).\nوقال بعضهم بل قراءة (مالك) أعم وأشمل. قال في «لسان العرب» (٩): «روى المنذر عن أبي العباس أنه اختار «مالك يوم الدين» وقال: كل من يملك فهو مالك، لأن بتأويل الفعل مالك يوم الدين أي\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٠٧، وسورة المائدة، الآية: ٤٠.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ١٨.\n(٣) سورة فاطر، الآية: ١٣، وسورة الزمر، الآية: ٦.\n(٤) سورة التغابن، الآية: ١.\n(٥) سورة الملك، الآية: ١.\n(٦) سورة الحشر، الآية: ٢٣، وسورة الجمعة، الآية: ١.\n(٧) سورة الناس، الآية: ١ - ٢.\n(٨) انظر: «معالم التنزيل» ١: ٤٠، «الكشاف» ١: ٩، «زاد المسير» ١: ١٣، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٤٠ - ١٤١.\n(٩) مادة: ملك.","vol":"1","page":234},{"text":"يملك إقامته، ومنه قوله تعالى: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾» (١).\nوكل من القراءتين سبعية وصحيحة ثابتة، نزل بها جبريل من عند الله على النبي - ﷺ - وإذا صح في الآية أكثر من قراءة فكل قراءة بمثابة آية. ولا تجوز المقارنة بين ألفاظ تلك القراءات من حيث الجودة والحسن إذ ليس في كلام الله جيد وأجود، وحسن أحسن، بل كل كلامه - تعالى في غاية الجودة والحسن، وفي أعلى مراتب الفصاحة والبلاغة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (٢).\n﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ «اليوم» في الأصل هو القطعة من الزمن قليلة كانت أو كثيرة: أي مطلق الوقت.\nفمن إطلاقه على الزمن وإن كان قليلًا قوله - تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ (٣): أي ساعة التي الجمعان.\nوقوله تعالى: ﴿رَبِّكَ يَوْمَ يَاتِي بَعْضُ آَيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾ (٥)، ويقال: «شاهدتك يومًا، أو سمعتك يوم كذا»: أي لحظة من يوم (٦).\n_________\n(١) سورة آل عمران: الآية: ٢٦.\n(٢) سورة النساء، الآية: ٨٢.\n(٣) سورة آل عمران: الآية: ١٥٥.\n(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٥٨.\n(٥) سورة مريم، الآية: ١٥.\n(٦) انظر «البحر المحيط» ١: ٢١.","vol":"1","page":235},{"text":"كما يطلق على الزمن الطويل قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ (١).\nوقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٢)، وهو اليوم الآخر، ويوم القيامة، كما ذكره الله تعالى في آيات عديدة من كتابه العزيز.\nواليوم في الشرع: ما بين طلوع الفجر إلى غروب الشمس (٣).\nومنه قوله - تعالى -: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ (٤)، وقوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٥).\nوقوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (٦)، وقوله: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ (٧)، وقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (٨).\nومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ (٩).\n_________\n(١) سورة الحج، الآية: ٤٧.\n(٢) سورة المعارج، الآية: ٤.\n(٣) انظر «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٤٣، «البحر المحيط» ١: ٢١.\n(٤) سورة البقرة، الآية: ١٨٤.\n(٥) سورة البقرة، الآية: ١٨٤.\n(٦) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.\n(٧) سورة البقرة، الآية: ٢٠٣.\n(٨) سورة المائدة، الآية: ٨٩.\n(٩) سورة يونس، الآية: ٣.","vol":"1","page":236},{"text":"لأن الصحيح من أقوال أهل العلم أن هذه الأيام الستة كأيام الدنيا، لأن الله خاطب العرب بما يعرفون.\nوأيام الله تعالى هي نعمه تعالى، وثوابه للمطيعين، ووقائعه في العاصين كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (١).\nوقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٢).\nو(الدين) هو الحساب والجزاء على الأعمال خيرها وشرها (٣).\nكما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ (٤) أي جزاء أعمالهم.\nوقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٨٧)﴾ (٥): أي غير مجزيين بأعمالكم ومحاسبين عليها.\nوذكر الله عن الكفار قولهم: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا\n_________\n(١) سورة إبراهيم، الآية: ٥.\n(٢) سورة الجاثية، الآية: ١٤. انظر: «تفسير الكريم الرحمن» ٤: ١٢٤، ٧: ٢٣.\n(٣) انظر: «مجاز القرآن» ١: ٢٣، «تفسير الطبري» ١: ١٥٥ - ١٦٠، «صحيح البخاري» مع الفتح ٨: ١٠٦، «معالم التنزيل» ١: ٤٠، «الكشاف» ١: ٩، «المحرر الوجيز» ١: ٧٣، «تفسير ابن كثير» ١: ٥١، وانظر: مادة «دين» في «المفردات في غريب القرآن» و«لسان العرب».\n(٤) سورة النور، الآية: ٢٥.\n(٥) سورة الواقعة، الآيتان: ٨٦، ٨٧.","vol":"1","page":237},{"text":"لَمَدِينُونَ﴾ (١): أي لمجزيون، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ (٢): أي إن الجزاء على الأعمال لواقع حقيقة.\nوقال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ (٣): أي تكذبون بالحساب والجزاء على الأعمال.\nوقال تعالى: ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾ (٤). وقال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ (٥). وقال تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ (٦): أي فما يكذبك بالبعث والحساب والجزاء على الأعمال.\nوتفسير الدين بالمحاسبة والمجازاة معروف مشهور في كلام العرب.\nقال شهل بن شيبان من قصيدة له في حرب البسوس (٧).\nولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا\nواعلم يقينًا أن ملكك زائل ... واعلم بأن كما تدين تدان (٨)\n_________\n(١) سورة الصافات، الآية: ٥٣.\n(٢) سورة الذاريات، الآية: ٦.\n(٣) سورة الانفطار، الآية: ٩.\n(٤) سورة الانفطار، الآية: ١٥.\n(٥) سورة الانفطار، الآية: ١٧ - ١٩.\n(٦) سورة التين، الآية: ٧.\n(٧) «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي ١: ٣٥ - نشره أحمد أمين وعبد السلام هارون - القاهرة ١٣٨٧ هـ - ١٩٦٧م، «الكشاف» ١: ٩، «المحرر الوجيز» ١: ٧٣.\n(٨) انظر «تفسير الطبري» ١: ١٥٥. وقد نسب البيت ليزيد الكلابي في «الكامل» ١: ١٩١، «جمهرة الأمثال» للعسكري ١٦٩، «المخصص» ١٧: ١٥٥، ونسب في «اللسان» مادة «دان» لخويلد بن نوفل الكلابي يخاطب الحارث بن أبي شمر الغسائي، وكان اغتصبه ابنته. ونسب في «مجاز القرآن» ١: ٢٣ - إلى ابن نفيل يزيد بن الصعق واسم الصعق: عمرو بن خويلد بن نفيل.","vol":"1","page":238},{"text":"وقال آخر:\nحصادك يومًا ما زرعت وإنما ... يدان الفتى يومًا كما هو دائن (١)\n\nوفي المثل والأثر: «كما تدين تدان» (٢).\nوالمراد بـ ﴿يَوْمَ الدِّينِ﴾ يوم القيامة، يوم قيام الناس من قبورهم، وقيام الأشهاد من الرسل والأنبياء والصالحين والملائكة، ويوم قيام العدل الحقيقي، يوم إدانة الخلائق ومحاسبتهم ومجازاتهم بأعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٤).\nقال عمر - ﵁ -: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا وتأهبوا للعرض الأكبر على من لا تخفى عليه أعمالكم ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ (٥).\nويطلق الدين على الملة والشريعة، كما قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ\n_________\n(١) نسبه القرطبي في «تفسيره» ١: ١٤٣ - ١٤٤ - للبيد، وليس في ديوانه.\n(٢) انظر: «مجاز القرآن» ١: ٢٣، «لسان العرب»: «مادة» دين»، «فتح الباري» ٨: ٤٥٨ ... .\n(٣) سورة غافر، الآية: ١٧.\n(٤) سورة الجاثية، الآية: ٢٨.\n(٥) سورة الحاقة، الآية: ١٨. انظر: «تفسير ابن كثير» ١: ٥١.","vol":"1","page":239},{"text":"مُسْلِمُونَ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (٨).\nويطلق على الحكم والقضاء الشرعي قال تعالى: ﴿وَلَا تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ (٩): أي في حكمه وقضائه الشرعي (١٠).\nوقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِيَاخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ (١١): أي في قضاء الملك\nويطلق على العادة والشأن والحال والخلق (١٢).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ١٣٢.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٥٦، انظر: «المحرر الوجيز» ١: ٧٢، «أنوار التنزيل» ١: ٨، «البحر المحيط» ١: ٢١.\n(٣) سورة آل عمران، الآية: ١٩.\n(٤) سورة آل عمران، الآية: ٨٥.\n(٥) سورة المائدة، الآية: ٣.\n(٦) سورة التوبة، الآية: ٣٣، وسورة الفتح، الآية: ٢٨، وسرة الصف، الآية: ٩.\n(٧) سورة التوبة، الآية: ٣٦، وسورة يوسف، الآية: ٤٠، وسورة الروم، الآية: ٣٠.\n(٨) سورة التوبة، الآية: ٣٣، وسورة الفتح، الآية: ٢٨، وسورة الصف، الآية: ٩.\n(٩) سورة النور، الآية: ٢.\n(١٠) انظر: «البحر المحيط» ١: ٢١.\n(١١) سورة يوسف، الآية: ٧٦.\n(١٢) انظر: «المحرر الوجيز» ١: ٧٢، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٤٤، «البحر المحيط» ١: ٢١.","vol":"1","page":240},{"text":"قال امرؤ القيس (١):\nكدينك من أم الحويرث قبلها ... وجارتها أم الرباب بمأسل\n\nوقال المثقب العبدي (٢):\nتقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبدًا وديني\n\nويطلق على الطاعة (٣). قال زهير (٤):\nلئن حللت بجو في بني أسد ... في دين عمرو وحالت بيننا فدك\n\nأي: في طاعة عمرو.\nوفي السير أنه - ﷺ - قال لقريش: «كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم» (٥): أي تطيعكم وتخضع لكم.\nويطلق على القهر ومنه: المدين للعبد، والمدينة للأمة (٦)، ومنه\n_________\n(١) «ديوانه» ص٩. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم - القاهرة، «شرح القصائد العشر» للتبريزي ص٣٠، «وهو البيت السابع في معلقته» تحقيق فخر الدين قباوة - حلب ١٣٩٣ هـ.\n(٢) انظر: «المحرر الوجيز» ١: ٧٣، وانظر: «اللسان» مادة: «وضن». والوضين: بطان منسوج بعضه على بعض يشد به الرحل على البعير.\n(٣) انظر: «معالم التنزيل» ١: ٤٠، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٤٥، «البحر المحيط» ١: ٢١، «أنواع التنزيل» ١: ٨\n(٤) انظر: «المحرر الوجيز» ١: ٧٣.\n(٥) انظر: «سيرة ابن هشام» ٢: ٥٩، «اللسان» مادة «دين».\n(٦) انظر: «البحر المحيط» ١: ٢١، وانظر: «اللسان» مادة: «دين».","vol":"1","page":241},{"text":"قول عمرو بن كلثوم (١):\nوأيام لنا غر طوال ... عصينا الملك فيها أن ندينا\n\nأي: أن نقهر.\nوقال ذو الاصبع العدواني (٢):\nلاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... عني ولا أنت دياني فتخزوني\n\nوالدين: بالفتح ما تعلق بذمة العبد من حقوق الله، كصيام نذر، أو من حقوق العباد كثمن مبيع، أورد قرض ونحو ذلك.\nقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٤).\nوعن ابن عباس - ﵄ - قال: «جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ فقال: «لو كان على أمك دين، أكنت قاضيه عنها؟. قال: نعم. قال: «فدين الله أحق أن يقضى» متفق عليه (٥).\n_________\n(١) «شرح القصائد السبع الطوال» لأبي بكر بن الأنباري ص ٣٨٨، تحقيق عبد السلام هارون، القاهرة ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠م ضمن معلقة عمرو بن كلثوم.\n(٢) انظر: «البحر المحيط» ١: ٢١، وفي «اللسان» مادة: «دين».\nلاه ابن عمك لا أفضلت في حسب ... فينا، ولا أنت دياني فتخزوني\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٨٢.\n(٤) سورة النساء، الآية: ١١.\n(٥) أخرجه البخاري في الصوم - باب من مات وعليه صوم - الحديث ١٩٥٣، ومسلم في الصيام - باب قضاء الصيام عن الميت - الحديث ١١٤٨.","vol":"1","page":242},{"text":"وقال الشاعر:\nتعيرني بالدين قومي، وإنما ... تدينت في أشياء تكسبهم حمدًا (١)\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-57>معنى (مالك يوم الدين):</span>\nأي أنه - ﷿ - مالك ذلك اليوم، ومليكه، لا ملك في ذلك اليوم، ولا مالك سواه - ﵎ - فهو تعالى المالك لجميع الأعيان، المتصرف فيها، لا ينازعه أحد في مملوكاته.\nوهو الملك الذي أمره ونهيه نافذ في جميع مملكته جل وعلا. كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَاتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ (٨)، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ\n_________\n(١) انظر: «لسان العرب» مادة: (دين).\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ٧٣.\n(٣) سورة الحج، الآية: ٥٦.\n(٤) سورة الفرقان، الآية: ٢٦.\n(٥) سورة غافر، الآية: ١٦.\n(٦) سورة يس، الآية: ٨٢.\n(٧) سورة طه، الآية: ١٠٨.\n(٨) سورة هود، الآية: ١٠٥.","vol":"1","page":243},{"text":"وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ (١).\nوإنما أضاف «الملك» ليوم الدين، وخصه به، دون ملك أيام الدنيا، مع أنه تعالى مالك الدنيا والآخرة، ومليكهما كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ (٤)، لعظمة ذلك اليوم (٥)، وتفرده - تعالى - بنفوذ الأمر فيه حيث يظهر للخلائق تمام الظهور تفرده بالملك حقيقة، وتمام ملكه وعدله تعالى - وحكمته، وانقطاع أملاك الخلائق الدنيوية (٦).\nتلك الأملاك التي خولها الله تعالى - من شاء كما قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ (٧) وقال\n_________\n(١) سورة النبأ، الآية: ٣٨.\n(٢) سورة الليل، الآية: ١٣.\n(٣) سورة طه، الآية: ١١٤، وسورة المؤمنون، الآية: ١١٦.\n(٤) سورة الإسراء، الآية: ١١١، وسورة الفرقان، الآية: ٢.\n(٥) أخرج مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها - الحديث ٢٨٥٨ - عن المستورد قال قال رسول الله - ﷺ -: «والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم أصبعه في أليم فلينظر بم يرجع» وأخرج الترمذي في الزهد - الحديث ٢٣٢٠ عن سهل بن سعد قال: قال رسول - ﷺ - «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء».\n(٦) انظر «معالم التنزيل» ١: ٤٠، «زاد المسير» ١: ١٣، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٤٣، «مجموع الفتاوى» ٦: ٢٦٦، «البحر المحيط» ١: ٢٢، «تفسير ابن كثير» ١: ٥١، «أنوار التنزيل» ١: ٨، «تفسير الكريم الرحمن» ١: ٣٥.\n(٧) سورة آل عمران، الآية: ٢٦.","vol":"1","page":244},{"text":"تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١).\nوكما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآَتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ (٣).\nوهذه الأملاك الدنيوية، ملوكها وما ملكوا ملك له - جل وعلا -. ولهذا حرم أن يتسمى بملك الأملاك، لأن الله - ﷿ - هو مالك الأملاك كلها ولهذا قال - ﷺ - في حديث أبي هريرة: «أخنع الأسماء عند الله رجل تسمى بملك الأملاك» (٤).\nوكثير من هؤلاء الملوك خارجون عن طاعته - جل وعلا - مبارزون له في المعصية كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَاخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ (٥) أي ملك عاص لله ظالم للعباد. بل كثير منهم يحكمون ممالكهم بغير حكم الله، ويظلمون عباد الله، ويتخوضون في مال الله بغير ما يرضي الله.\nوقد حكم الله ﵎ وقضى بزوال هذه الأملاك، ورجوع الملك له وحده في ذلك اليوم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٤٧.\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٢٤٧.\n(٣) سورة المائدة، الآية: ٢٠.\n(٤) أخرجه البخاري في الأدب - باب أبغض الأسماء إلى الله - الحديثان ٦٢٠٥، ٦٢٠٦، ومسلم في الآداب - تحريم التسمي بملك الأملاك، الحديث ٢١٤٣.\n(٥) سورة الكهف، الآية: ٧٩.","vol":"1","page":245},{"text":"عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ (٢)، وذلك هو الملك الحقيقي، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ (٤) وقال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ (٧).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - «يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك أين ملوك الأرض» (٨).\nوعن ابن عمر - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ - «يطوي الله - ﷿ - السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟، أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون؟ أين\n_________\n(١) سورة مريم، الآية: ٤٠.\n(٢) سورة الحجر، الآية: ٢٣.\n(٣) سورة الأنعام، الآية: ٧٣.\n(٤) سورة الحج، الآية: ٥٦.\n(٥) سورة الفرقان، الآية: ٢٦.\n(٦) سورة غافر، الآية: ١٦.\n(٧) سورة الانفطار، الآية: ١٩.\n(٨) أخرجه البخاري في التفسير - باب ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الحديث ٤٨١٢، ومسلم في صفات المنافقين وأحكامهم - كتاب صفة الجنة - الحديث ٢٧٨٧.","vol":"1","page":246},{"text":"المتكبرون؟» (١).\nبل إن ذلك اليوم هو اليوم الحقيقي، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآَبًا﴾ (٢).\nفمجيئه حق، وفيه يظهر الحق تمام الظهور، وهو اليوم الذي يستحق أن يعمل له، وأن يحسب له كل حساب لا أيام الدنيا بل ولا الدنيا كلها.\nولهذا نجد القرآن الكريم كثيرًا ما يقرن بين الإيمان بالله تعالى، والإيمان بهذا اليوم «اليوم الآخر» لأنه أكبر حافز على الاستعداد بالأعمال الصالحة (٣).\nوقد روي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال: «لولا الإيمان باليوم الآخر لرأيت من الناس غير ما ترى»: أي إن ذلك اليوم أعظم مانع للناس من التهالك في الشر والمعاصي.\nوتلك الدار هي الدار الحقة، وتلك الحياة هي الحياة الحقيقة، قال الله - تعالى-: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤).\nلهذا كله أضاف الله ﵎ - الملك إلى يوم الدين، إضافة\n_________\n(١) أخرجه مسلم في الموضع السابق الحديث ٢٧٨٨.\n(٢) سورة النبأ، الآية: ٣٩.\n(٣) انظر: «تيسير الكريم الرحمن» ١:٤٤.\n(٤) سورة العنكبوت، الآية: ٦٤.","vol":"1","page":247},{"text":"إلى أن في قوله قبل هذا: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ما يدل على أنه مالك الدنيا (١).\nقال ابن كثير (٢): «وتخصيص الملك بيوم الدين لا ينفيه عما عداه، لأنه قد تقدم الإخبار بأنه رب العالمين، وذلك عام في الدنيا والآخرة ...».\n﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ هذه الآية هي الآية الرابعة من الفاتحة، نصفها للرب - جل وعلا -، ونصفها للعبد كما قال الله - ﷿ - في حديث أبي هريرة: «فإذا قال العبد ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال الله: هذا بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل ...» فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ للرب ﵎ - مع ثلاث آيات قبلها، وقوله ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ للعبد، مع ثلاث آيات بعدها.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: فهذا تفصيل لقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فهذا يدل على أنه لا معبود إلا الله، وأنه لا يستحق أن يعبد أحد سواه، فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ إشارة إلى عبادته بما اقتضته إلهيته من المحبة والخوف والرجاء والأمر والنهي. ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾\n_________\n(١) انظر: «زاد المسير» ١: ١٣.\n(٢) في «تفسيره» ١: ٥١.\n(٣) في «مجموع الفتاوى» ١: ٨٩.","vol":"1","page":248},{"text":"إشارة إلى ما اقتضته الربوبية، من التوكل والتفويض والتسليم».\nو﴿إِيَّاكَ﴾ في الموضعين ضمير بارز منفصل مبني على الفتح في محل نصب مفعول به مقدم للفعل بعده أو «إيا» ضمير مبني في محل نصب مفعول به والكاف حرف خطاب، لا محل له من الإعراب. وهذا مذهب الأخفش، واختاره الزمخشري، وقال: «وعليه ... المحققون» (١).\nوقُدم المفعول «إياك» على الفعل فى الموضعين للاهتمام (٢)، ولئلا يتقدم ذكر العبد والعبادة على المعبود (٣)، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ (٤)، وقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَامُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾ (٥)، ولئلا يتقدم ذكر الاستعانة والمستعين على المستعان به- جل وعلا كقوله -تعالى: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ (٦).\nوقُدم أيضًا لإفادة الحصر والاختصاص، لأن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر (٧) والاختصاص (٨)، لأن في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ تحقيق لمعنى «لا إله إلا الله»، ففي تقديم المعمول\n_________\n(١) في «الكشاف» ١: ٩، وانظر «معالم التنزيل» ١: ٤١، «البحر المحيط» ١: ٢٣، «أنوار التنزيل» ١: ٩، «الجدول في إعراب القرآن» ١: ١٩.\n(٢) انظر: «المحور الوجيز» ١: ٧٥، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٤٥، «مدارج السالكين» ١: ١٠٢ - ١٠٣، «البحر المحيط» ١: ٢٤، «تفسير ابن كثير» ١: ٥٢.\n(٣) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٤٥، «مدارج السالكين» ١: ١٠٢.\n(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٦٤.\n(٥) سورة الزمر، الآية:٦٤.\n(٦) سورة التوبة، الآية: ٥١.\n(٧) الحصر هو إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه.\n(٨) انظر: «الكشاف» ١: ٩.","vol":"1","page":249},{"text":"إياك» في الموضعين نفي للعبادة عن الغير الله، ونفي للاستعانة بغيره.\nوفي قوله: «نعبد» و«نستعين» إثبات العبادة والاستعانة له سبحانه.\nقال ابن القيم - ﵀ - في «مدارج السالكين» (١): «فهو في قوة لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك. . مع أن في ضمير «إياك» الإشارة إلى نفس الذات والحقيقة ما ليس في الضمير المتصل، ففي «إياك» قصدت وأحببت من» الدلالة على معنى حقيقتك وذاتك قصدي ما ليس في قولك: «قصدتك وأحببتك. .»\nوكرر الضمير «إياك» مرة أخرى للاهتمام (٢)، ولأن ذلك أفصح (٣).\nقال ابن القيم (٤): وفي إعادة «إياك» مرة أخرى دلالة على تعلق هذه الأمور بكل من الفعلان، ففي إعادة الضمير من قوة الاقتضاء لذلك ما ليس في حذفه فإذا قلت لملك مثلا: «إياك احب، وإياك أخاف وإياك أخاف» كان فيه من اختصاص الحب والخوف بذاته والاهتمام بذكره ما ليس في قوله: «إياك أحب وأخاف».\nوفي قوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بعد الآيات الثلاث التفات من الغيبة إلى الخطاب كقوله - تعالى -\n_________\n(١) ١: ١٠٢.\n(٢) انظر: «المحرر الوجيز» ١: ٧٥، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٤٥.\n(٣) انظر: «تفسير الطبري» ١: ١٦٤.\n(٤) في «مدارج السالكين» ١: ١٠٣، وانظر: «التفسير القيم» ص٦٨، «البحر المحيط» ١: ٢٥.","vol":"1","page":250},{"text":"﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا *إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ (١)\nوعكسه قوله - تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ (٢).\nوالغرض العام من الالتفات في جميع المواضع التي ورد فيها هو تنبيه القارئ والمستمع لأن انتقال الكلام من الغيبة إلى الخطاب أو التكلم أو العكس ونحو ذلك مما بنيه القارئ والمستمع، وأدعى للصفاء، وأبعث على النشاط (٣)، بخلاف ما إذا جاء الكلام على وتيرة واحدة، فإن القارئ أو المستمع قد يغفل أو يمل.\nوهناك غرض خاص في كل التفات بكل موضع بحسبه، وقد يكون هذا الغرض ظاهرًا كما في قوله -تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ (٤). ثم قال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ (٥) فقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ التفات للخطاب بعد الغيبة في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾.\nوالغرض من مجيء الكلام أولا بضمير الغيبة كراهية مواجهة الرسول - ﷺ - بذلك فلم يقل: «عبست وتوليت أن جاءك الأعمى». بينما خاطبه مواجهة بقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾ إذ لا غضاضة، ولا\n_________\n(١) سورة الإنسان، الآيتان: ٢١ - ٢٢، انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٤٥، «البحر المحيط» ١: ٢٤.\n(٢) سورة يونس، الآية: ٢٢.\n(٣) انظر: «الكشاف» ١: ١٠.\n(٤) سورة عبس، الآية: ١ - ٢.\n(٥) سورةة عبس، الآية: ٣.","vol":"1","page":251},{"text":"محذور في مواجهة الرسول - ﷺ - بهذا الخطاب، لأنه - ﷺ - لا يعلم الغيب قال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١).\nواختلف في الغرض الخاص من الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ<span data-type=\"title\" id=toc-58> نَعْبُدُ </span>وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ... بعد الآيات الثلاث قبلها.\nفقد قيل إنه لما أثنى على الله فكأنه اقترب وحضر بين يدي الله تعالى- فلهذا قال:: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.﴾ (٢)\nوقيل: لما ذكر الحقيق بالحمد والثناء والعبادة والاستعانة، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات، فقيل: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. أي: (إياك) يا من هذه صفاته يخص بالعبادة والاستقامة (٣). والله أعلم.\n\n﴿نَعْبُد﴾:\nالعبادة في الأصل: التذلل والخضوع، ومنه سمي العبد عبدًا لذلته وخضوعه وسكينته وخشوعه وانقياده لمولاه. ومنه قولهم: بعير معبّد أي مذلّل بالركوب في الحوائج. قال طرفة بن العبد: (٤)\n_________\n(١) سورة النمل، الآية: ٦٥\n(٢) انظر: «تفسير ابن كثير» ١:٥٢\n(٣) انظر «الكشاف» ١:١٠\n(٤) انظر: شرح القصائد السبع الطوال لأبي بكر بن الأنباري ص١٩١ تحقيق عبد السلام هارون، طبع بمصر سنة ١٤٠٠ هـ","vol":"1","page":252},{"text":"إلى أن تحتامني العشيرة كلها ... وأفردت إفراد البعير المعبد\n\nأي: المذلّل\nومنه قولهم: طريق معبّد: أي مذلل بكثرة وطئه بالأقدام (١).\nوقال طرفة بن العبد (٢):\nتُبارى عِتاقا ناجيات وأتبعت ... وظيفًا وظيفًا فوق مَور مُعَبَّد\n\nوقال عامر بن الطفيل (٣):\nشحنا أرضهم بالخيل حتى ... تركناهم أذلّ من الصراط\n\nفمعنى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُد﴾ أي نخصك دون غيرك بأقصى غاية التذلل والخضوع لك محبة وتعظيمًا وخوفًا.\nوالعبادة تطلق ويراد بها فعل العبادة: أي التعبد وهو التذلل والخضوع لله محبة وتعظيمًا، وتطلق ويراد بها نفس العبادات، وهي بهذا الإطلاق: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال\n_________\n(١) انظر: «معالم التنزيل» ١:٤١، «الكشاف» ١:١٠، «الجامع لأحكام القرآن» ١:١٤٥، «البحر المحيط» ١:٢٣، «تفسير ابن كثير» ١:٥٢\n(٢) «ديوانه» ص١١، البيت الثالث عشر من معلقته، تصحيح مكس سلفسون شالون ١٩٠٠م. وأنظر «تفسير الطبري» ١:١٦١، «المحرر الوجيز» ١:٧٦.\nومعنى تباري: تجاري وتسابق، والعتاق: جمع عتيق، وهو كريم الأصل، وناجيات: مسرعات. والوظيف: من رسغ البعير إلى ركبتيه في يديه، وأما في رجليه فمن رسغيه إلى عرقوبية. والمراد بالوظيف هنا: الخف. والمور: الطريق.\n(٣) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٤٧","vol":"1","page":253},{"text":"والأعمال الباطنة والظاهرة (١).\nقال ابن القيم (٢): «وبني ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على أربع قواعد: التحقق بما يحبه الله ورسوله ويرضاه من قول اللسان والقلب وعمل القلب والجوارح. فالعبودية اسم جامع لهذه المراتب الأربع، فأصحاب (إياك نعبد) حقًا هم أصحابها. فقول القلب هو اعتقاد ما أخبر الله سبحانه به عن نفسه، وعن أسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته ولقائه على لسان رسله. وقول اللسان الإخبار عنه بذلك والدعوة إليه والذب عنه وتبيين بطلان البدع المخالفة له، والقيام بذكره، وتبليغ أوامره. وعمل القلب كالمحبة له، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والخوف منه، والرجاء له، وإخلاص الدين له، والصبر على أوامره، وعن نواهيه، وعلى أقداره، والرضى به وعنه، والموالاة فيه، والمعاداة فيه، والذل له والخضوع، والإخبات إليه، والطمأنينة به، وغير ذلك من أعمال القلوب التي فرضها أفرض من أعمال الجوارح، ومستحبها أحب إلى الله من مستحبها، وعمل الجوارح بدونها إما عديم المنفعة، أو قليل المنفعة، وأعمال الجوارح كالصلاة والجهاد ونقل الأقدام إلى الجمعة والجماعات، ومساعدة العاجز والإحسان إلى الخلق، ونحو ذلك، ف (إياك نعبد) التزام لأحكام هذه الأربعة وإقرار بها».\nوعلى هذا فكل ما أمر الله به، بل كل ما تعبد له به - سبحانه\n_________\n(١) انظر: «مجموع الفتاوى» ١٠:١٤٩.\n(٢) في «مدارج السالكين» ١:١٢٦. وانظر: «التفسير القيم» ص ٩١، وانظر أيضًا: ١:٩٩ من «مدارج السالكين»","vol":"1","page":254},{"text":"وتعالى - فهو عبادة سواء كان ذلك مما يجب فعله كالصلاة والزكاة والحج والصيام ونحو ذلك، أو مما يجب تركه من المحرمات كالربا والزنا والسرقة ونحو ذلك أو مما يستحب فعله كالصدقة والإحسان وإماطة الأذى عن الطريق، أو مما يستحب تركه كتدخل الإنسان فيما لا يعنيه، كما يدخل في ذلك الأمور المباحة كالأكل والشرب والنوم ونحو ذلك، فهذه المباحات مما يفعله الإنسان جبلة، وهي مصلحة صرفة للنفس إلا أن فعلها تقربًا إلى الله - تعالى -، وامتثالًا لأمره، وصيانة للنفس، وبهدف التقوى على طاعة الله تعالى، وإظهارًا لنعمته - تعالى على العبد، كل ذلك عبادة لله تعالى.\nعن عوف بن مالك بن نضلة الجشمي، قال: أتيت النبي - ﷺ - في ثوب دون، فقال: «ألك مال؟ قال: نعم. قال: من أي المال؟ قال: آتاني الله من الإبل والغنم والخيل والرقيق. قال: فإذا آتاك الله مالا فليُرَ أثر نعمه الله عليك وكرامته» (١).\nوعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ - «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده (٢)».\nوبهذه النية والقصد الحسن تكون جميع أعمال العبد المباحة من عادات ونحوها عبادات بينما قد تصبح عبادات كثيرين أشبه شيء\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في اللباس- باب في غسل الثوب وفي الخلقان- الحديث ٤٠٦٣ وصححه الألباني.\n(٢) أخرجه الترمذي في الأدب- ما جاء أن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، الحديث ٢٨١٩، وقال: «حديث حسن»","vol":"1","page":255},{"text":"بالعادات، بسبب الغفلة، وعدم استحضار النية والقصد الحسن. ولهذا يقال «المُوَّفقون عاداتهم عبادات والمخذولون عباداتهم عادات»\nوالمُوَّفق من وفقه الله.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-59>لا بد لصحة العبادة من توفر شرطين:</span>\nالأول: الإخلاص لله -تعالى- كما دل على ذلك قوله -تعالى- ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: أي نخصك بالعبادة ونخلصها لك، ونتبرأ من الشرك وأهله ووسائله.\nوقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ (٣).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «قال الله -﵎-: أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه (٤)».\nوقال - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات» متفق عليه (٥)\nوالشرط الثاني: متابعة شرع الله. فقال - ﷺ -: «من أحدث في\n_________\n(١) سورة الزمر، الآية:٢\n(٢) سورة البينة، الأية:٥\n(٣) سورة الزمر: الآية: ٣٠\n(٤) أخرجه مسلم في الزهد والرقائق- باب من أشرك في عمله غير الله- الحديث ٢٩٨٥\n(٥) أخرجه من حديث عمر بن الخطاب - ﵁ - البخاري في بدء الوحي - الحديث (١)، ومسلم في الإمارة- الحديث ١٩٠٧","vol":"1","page":256},{"text":"أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» متفق عليه (١).\nوقال - ﷺ -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (٢).\nوذلك بأن تكون العبادة وفق ما شرع الله من حيث الجنس والقدر والصفة والزمان والمكان والسبب. فمثلًا زكاة الفطر عبادة ولا بد أن يكون المخرج فيها من جنس ما أمر الشرع بإخراجه وهو الطعام لا من الخضار، ولا بد من أن يكون المخرج عن الشخص الواحد بمقدار صاع على الصحيح. وأما موافقة الشرع في الصفة فبأن تكون العبادة على الصفة التي شرع الله كالصلاة مثلا ركوعها قبل سجودها ولو عكس لما صحت صلاته. وأما الزمان فيكون بالعبادة في وقتها كالصلاة مثلًا. وأما المكان فتكون العبادة في مكانها كذبح الهدي. وأما السبب فبأن يكون سبب العبادة قد وجد كصلاة الكسوف لا تصلى إلا عندما يحصل الكسوف أو الخسوف.\nوينتظم الشرطين معًا في الدلالة قوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عليهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ (٤) وقوله\n_________\n(١) أخرجه من حديث عائشة -﵂- البخاري في الصلح -باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود- الحديث ٢٦٩٧، ومسلم في الأقضية- باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور- الحديث ١٧١٨.\n(٢) اخرجه البخاري معلقًا في البيوع- باب النجش قبل الحديث ٢١٤٢، وأخرجه مسلم عن عائشة موصولا في الأقضية الحديث ١٧١٨.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ١١٢\n(٤) سورة النساء، الآية ١٢٥","vol":"1","page":257},{"text":"تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (١)\nفالمراد بإسلام الوجه لله الإخلاص له في العبادة.\nوالمراد بقوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي متبع لما جاء عن الله، لا مبتدع وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٣).\nقال الفضيل بن عياض: «أي أخلصه وأصوبه» (٤)\nوقد جعل الله -تعالى- العبودية وصفًا لأكمل خلقه وأحبهم إليه، وهم رسله وأنبياؤه -﵈، كما جعلها وصفًا لمن اصطفاه من المؤمنين.\nفوصف بها نبيه محمدًا - ﷺ - أفضل خلقه وخاتم رسله، في أشرف مقاماته، وهو مقام إنزال الكتاب عليه، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ\n_________\n(١) سورة لقمان، الآية:٢٢\n(٢) سورة الكهف، الآية: ١١٠\n(٣) سورة هود، الآية: ٧، وسورة الملك، الآية:٢\n(٤) انظر «مجموع الفتاوى» ١٠: ١٧٣. وقد ذكر ابن القيم ﵀ أن الناس ينقسمون بالنسبة لهذين الأصلين، وهما الاخلاص والمتابعة إلى أربعة أقسام أحدها أهل الإخلاص والمتابعة وهم أهل ﴿إياك نعبد﴾ حقيقة والضرب الثاني من لا إخلاص له ولا متابعة، والضرب الثالث من هو مخلص في أعماله لكنها على غير متابعة الأمر والضرب الرابع من أعماله على متابعة الأمر لكنها لغير الله. أنظر «مدارج السالكين» ١: ١٠٧_١٠٩.","vol":"1","page":258},{"text":"كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَاتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ (٣).\nووصفه بها في مقام دعائه - ﷺ - لربه، وعبادته له، ودعوته إليه فقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ (٤).\nوأرشده إلى القيام بالعبادة في أوقات الشدة والضيق، وأمره بالاستمرار عليها حتى الموت فقال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٥).\nوقال - ﷺ -: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» (٦).\nوعن عبد الله بن عمرو قال: «قرأت في التوراة صفة محمد - ﷺ -: محمد رسول الله، عبدي ورسولي، سميته المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب بالأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٣\n(٢) سورة الكهف، الآية: ١\n(٣) سورة الفرقان، الآية: ١\n(٤) سورة الجن، الآية: ١\n(٥) سورة الحجر، الآيات: ٩٧_٩٩، أنظر «مدارج السالكين» ١:١٢٧_١٣٠، «تفسير ابن كثير» ١: ٥٣.\n(٦) أخرجه من حديث عمر - ﵁ - البخاري في الأنبياء- باب (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها) الحديث ٣٤٤٥، وأحمد ١:٢٣:٢٤:٤٧.","vol":"1","page":259},{"text":"ويغفر» (١)\nكما وصف الله بها سائر أنبيائه ورسله فقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ (٢)، وقال تعالى ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ﴾ (٣)، وقال عن سليمان: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ﴾ (٥)، وقال تعالى عن المسيح: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عليهِ﴾ (٦) وقال عنه وعن الملائكة: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٧). وقال أيضًا عن الملائكة ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (٨)، وقال عنهم: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ (٩)، وقال عنهم: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ (١٠) كما وصف الله بها الصالحين من المؤمنين فقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ (١١)، وقال تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ\n_________\n(١) أخرجه البخاري في التفسير- تفسير سورة الفتح الحديث ٤٨٣٨.\n(٢) سورة ص، الآية: ٤٥\n(٣) سورة ص، الآية: ١٧\n(٤) سورة ص، الآية: ٣٠\n(٥) سورة ص، الآية ٤١\n(٦) سورة الزخرف، الآية ٥٩\n(٧) سورة النساء، الآية: ١٧٢\n(٨) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٦\n(٩) سورة الأنبياء، الآيتان: ١٩ - ٢٠\n(١٠) سورة الأنبياء، الآية:٢٦\n(١١) سورة الفرقان، الآية: ٦٣","vol":"1","page":260},{"text":"اللَّهِ﴾ (١).\nوجعل لهم البشارة المطلقة فقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (٢).كما جعل لهم الأمن المطلق فقال: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عليكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ *الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٣) عزل عنهم سلطان الشيطان فقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عليهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (٤). وجعل - ﷺ - إحسان العبودية أعلى مراتب الدين فقال في حديث جبريل وقد سأله عن الإحسان فقال: «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» متفق عليه (٥).\nوقوله ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ معطوف على ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ وهو وما بعده من الآيات للعبد كما سبق بيانه.\nومعنى ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: أي نخصك بطلب العون منك في جميع أمورنا (٦) الدينية والدنيوية في جميع الأوقات\n_________\n(١) سورة الإنسان، الآية: ٦\n(٢) سورة الزمر، الآيتان: ١٧_١٨\n(٣) سورة الزخرف، الآيتان: ٦٨ - ٦٩\n(٤) سورة الحجر، الآية: ٤٢\n(٥) أخرجه من حديث عمر بن الخطاب- البخاري في الإيمان- باب سؤال جبريل النبي - ﷺ - الحديث ٥٠، ومسلم في الإيمان باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان- الحديث (١)، وأخرجه مسلم -أيضًا- من حديث أبي هريرة- الحديث ٩.\n(٦) انظر: «تفسير الطبري» ١: ١٦١_١٦٢، «معالم التنزيل» ١: ٤١، «المحرر الوجيز» ١: ٧٦، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٤٥، «البحر المحيط» ١: ٢٣.","vol":"1","page":261},{"text":"والأحوال، ونعتمد عليك في جلب المنافع ودفع المضار، مع تمام الثقة بك يا ربنا في تحصيل ذلك (١)، ونعلن لك عجزنا وضعفنا وبراءتنا من حولنا وقوتنا وحول كل مخلوق وقوته، فلا حول ولا قوة إلا بالله. ولهذا شرع للمسلم أن يقول عند قول المؤذن: حي على الصلاة حي على الفلاح: «لا حول ولا قوة إلا بالله» (٢)\nوفي الدعاء في الحديث: «اللهم لا تكلني إلى نفسي ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين» (٣).\nقال ابن القيم (٤) - ﵀ -: «فإن قلت فما معنى التوكل والاستعانة؟ قلت: هو حال للقلب ينشأ عن معرفته بالله، والإيمان بتفرده بالخلق والتدبير والضر والنفع والعطاء والمنع، وأنه ما شاء كان، وإن لم يشأ الناس، وما لم يشأ لم يكن، وإن شاءه الناس فيوجب له هذا اعتمادًا عليه، وتفويضًا إليه، وطمأنينة به، وثقة به، ويقينًا بكفايته لما توكل عليه فيه، وأنه ملئ به، ولا يكون إلا بمشيئته شاءه الناس أم أبوه، فتشبه حالته حالة الطفل مع أبويه، فيما ينوبه من رغبة ورهبة هما مليان بهما، فانظر في تجرد قلبه عن الالتفات إلى غير أبويه، وحبسه همه على إنزال ما ينوبه بهما فهذه حال المتوكل، ومن كان هكذا مع الله فالله كافيه ولا بد.\n_________\n(١) انظر: «مدارج السالكين»: ١: ١٠٠، «تيسير الكريم الرحمن»: ١: ١.\n(٢) أخرجه البخاري في الأذان من حديث معاوية الحديث ٦١٣، ومسلم في الصلاة من حديث عمر بن الخطاب الحديث ٣٨٥.\n(٣) أخرجه من حديث أبي بكرة أحمد: ٥: ٤٢. وليس فيه «ولا إلى من خلقك»\n(٤) في «مدارج السالكين» ١: ١٠٦ - ١٠٧.","vol":"1","page":262},{"text":"قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (١) أي كافيه، والحسب: الكافي، فإن كان مع هذا من أهل التقوى كانت له العاقبة الحميدة».\nوذكرت الاستعانة بعد العبادة مع أن الاستعانة من العبادة من باب ذكر الخاص بعد العام، وتقديم حقه تعالى على حق عباده وحاجتهم، ومن باب تقديم الغاية المقصودة على الوسيلة، وتقديم الأهم على المهم.\nوالعبادة والاستعانة متلازمتان: فلا تحقق أحداهما دون الأخرى فالعبادة لا تتحقق بدون الاستعانة بالله، وعونه للعبد، ولا يحصل العون من الله بدون عبادته، وطلب العون منه (٢).\nوبهما معًا يتحقق الإيمان فبالعبادة الخالصة لله براءة من الشرك، وبالاستعانة بالله دون سواء براءة من الحول والقوة، وتمام التفويض إلى الله - ﷿ - وهما كمال الطاعة وبهما تحصل السعادة الأبدية والنجاة من جميع الشرور.\nقال ابن القيم (٣): «وتقديم العبادة على الاستعانة في الفاتحة من باب تقديم الغايات على الوسائل، إذ العبادة غاية العباد التي خلقوا لها، والاستعانة وسيلة إليها، ولأن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾» متعلق بألوهيته\n_________\n(١) سورة الطلاق، الآية: ٣.\n(٢) ولهذا قال الطبري ١: ١٦٣: «إنه يستوي تقديم أحدهما على الآخر».\n(٣) «في «مدارج السالكين» ١: ١٠٠ - ١٠٢، وانظر «التفسير» ص ٦٦ - ٦٨، «التفسير القيم» ص ٦٦ - ٦٨، «معالم التنزيل» ١: ٤١، «البحر المحيط» ١: ٢٥، «تفسير ابن كثير» ١: ٥٣.","vol":"1","page":263},{"text":"واسمه «الله» و﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ متعلق بربوبيته واسمه «الرب». فقدم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، كما تقدم اسم ... «الله» على «الرب» في أول السورة (١)، ولأن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ قسم الرب، فكان من الشطر الأول، الذي هو ثناء على الله تعالى، لكونه أولى به و﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قسم العبد، فكان من الشطر الذي له وهو ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر السورة، لأن العبادة المطلقة تتضمن الاستعانة من غير عكس، فكل عابد لله تعالى عبودية تامة مستعين به، ولا ينعكس، لأن صاحب الأغراض والشهوات قد يستعين به على شهواته فكانت العبادة أكمل وأتم، ولهذا كانت قسم الرب، ولأن الاستعانة جزء من العبادة، من غير عكس، ولأن الاستعانة طلب منه، والعبادة طلب له، ولأن العبادة لا تكون إلا من مخلص، والاستعانة تكون من مخلص ومن غير مخلص، ولأن العبادة حقه الذي أوجبه عليك، والاستعانة طلب العون على العبادة، وهو بيان صدقته التي تصدق بها عليك، وأداء حقه أهم من التعرض لصدقته. ولأن العبادة شكر نعمته عليك، والله يحب أن يشكر. والإعانة فعله بك، وتوفيقه لك.\nفإذا التزمت بعبوديته، ودخلت تحت رقها أعانك عليها، فكان التزامها والدخول تحت رقها سببًا لنيل الإعانة، وكلما كان العبد أتم عبودية كانت الإعانة من الله له أعظم. والعبودية محفوفة بإعانتين إعانة\n_________\n(١) انظر «مجموع الفتاوي» ١٤: ١٣، «دقائق التفسير» ١: ١٧٧.","vol":"1","page":264},{"text":"قبلها على التزامها، والقيام بها، وإعانة بعدها على عبودية أخرى، وهكذا أبدًا حتى يقضي العبد نحبه. ولأن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ له و﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ به، وما لم مقدم على ما به، لأن ماله متعلق بمحبته ورضاه، وما به متعلق بمشيئته، وما تعلق بمحبته أكمل مما تعلق بمجرد مشيئته، فإن الكون كله متعلق بمشيئته، والملائكة والشياطين والمؤمنون والكفار والطاعات والمعاصي. والمتعلق بمحبته طاعاتهم وإيمانهم. فالكفار أهل مشيئته، والمؤمنون أهل محبته، ولهذا لا يستقر في النار شيء لله أبدًا، وكل ما فيها فإنه به تعالى وبمشيئته. فهذه الأسرار يتبين بها حكمة تقديم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.\nوقد قرن الله تعالى بين عبادته وبين الاستعانة به، والتوكل عليه، وأكد ذلك في مواضع كثيرة من القرآن الكريم (١).\nقال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عليهِ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عليهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عليهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ\n_________\n(١) انظر «مجموع الفتاوي» ١: ٢٢، ١٤: ٨، «مدارج السالكين» ١: ٩٩ - ١٠٠، «تفسير ابن كثير» ١: ٥٢ وانظر ما يأتي في ذكر الفائدة الثامنة والعشرين من فوائد الفاتحة.\n(٢) سورة هود، الآية: ١٢٣.\n(٣) سورة التوبة، الآية: ١٢٩.\n(٤) سورة الرعد، الآية: ٣٠.","vol":"1","page":265},{"text":"بِحَمْدِهِ﴾ (١).\nوقال شعيب - ﵇ -: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عليهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٢).\nوقال المؤمنون فيما ذكره الله عنهم: ﴿رَبَّنَا عليكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٣).\nوقال تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ (٤).\nوقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عليهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عليهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ (٥).\nقال الزمخشري (٦) في كلامه على قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ «فإن قلت لم قرنت الاستعانة بالعبادة؟ قلت: ليجمع بين ما يتقرب به العباد إلى ربهم، وبينما يطلبونه ويحتاجون إليه من جهته».\n_________\n(١) سورة الفرقان، الآية: ٥٨.\n(٢) سورة هود، الآية: ٨٨.\n(٣) سورة الممتحنة، الآية:٤.\n(٤) سورة المزمل، الآية: ٩.\n(٥) سورةالرعد، الآية: ٣٠.\n(٦) في «تفسيره» ١: ١٠، وانظر «البحر المحيط» ١: ٢٥.","vol":"1","page":266},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾:</span>\nإهدنا: فعل أمر معناه الدعاء (١)، لأن الأمر إذا صدر من الأعلى إلى الأدنى فهو أمر، وأما إذا جاء من الأدنى إلى الأعلى فهو دعاء، وإن كان من المتساويين فهو التماس.\nوالفاعل: ضمير مستتر وجوبًا تقديره: «أنت» و«نا» ضمير متصل في محل نصب مفعول أول للفعل «اهد». والمفعول الثاني ... «الصراط». والأصل في الفعل «هدى» أنه يتعدى إلى مفعولين الأول بنفسه، ويتعدى إلى المفعول الثاني تارة بنفسه كما في قوله- تعالى -: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾. ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (٣).\nوتارة يتعدى إلى المفعول الثاني بحرف الجر، إما باللام كقوله - تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (٤)، وكقوله - تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ (٥)، وإما بإلى كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٦). وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٧)، وقوله: ﴿وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ\n_________\n(١) انظر: «المحرر الوجيز» ١: ٧٧.\n(٢) سورة الفتح، الآية:٢.\n(٣) سورة البلد، الآية:١٠.\n(٤) سورة الإسراء، الآية: ٩.\n(٥) سورة الأعراف، الآية: ٤٣. ... .\n(٦) سورة البقرة، الآية: ٢١٣، وسورة النور، الآية: ٤٦\n(٧) سورة الحج، الآية: ٥٤.","vol":"1","page":267},{"text":"مُسْتَقِيمٍ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥).\nقال الطبري (٦): «والعرب تقول: هديت فلانًا الطريق، وهديته للطريق، وهديته إلى الطريق».\nوالهداية تنقسم إلى قسمين:\nهداية البيان والدلالة والإرشاد، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ (٧) أي: أفلم يتبين لهم. وقال تعالي: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٨) أي: لتستدلوا بها وتسترشدوا.\nوهذه الهداية عامة. فالله -تعالى هاد، بمعنى مبين ومرشد للعباد\n_________\n(١) سورة الأنعام، الآية: ٨٧.\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٦١.\n(٣) سورة النحل، الآية: ١٢١.\n(٤) سورة الصافات، الآية: ٢٣.\n(٥) سورة الشورى، الآية: ٥٢.\n(٦) في «تفسيره» ١: ١٦٩، وانظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٤٧، «البحر المحيط» ١: ٢٥.\n(٧) سورة طه، الآية: ١٢٨.\n(٨) سورة الأنعام، الآية:٩٧.","vol":"1","page":268},{"text":"كما قال - تعالى -: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ علينَا لَلْهُدَى﴾ (٤).\nوالرسل هداة إلى الله تعالى، كما قال تعالى - عن أفضلهم نبينا محمد - ﷺ -: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٥) وقال: ﴿فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا﴾ (٦). وقال موسى - ﵇ - مخاطبًا فرعون ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ (٧).\nوالدعاة إلى الله من المؤمنين هداة كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (٨).\nوالقسم الثاني هداية التوفيق والإلهام والقبول. وهذه خاصة بالله - ﵎ - كما قال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٩)، وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عليكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي\n_________\n(١) سورة فصلت، الآية: ١٧.\n(٢) سورة الإنسان، الآية: ٣.\n(٣) سورة البلد، الآية: ١٠.\n(٤) سورة الليل، الآية: ١٢.\n(٥) سورة الشورى، الآية: ٥٢.\n(٦) سورة مريم، الآية: ٤٣.\n(٧) سورة النازعات، الآية: ١٩.\n(٨) سورة غافر، الآية: ٣٨.\n(٩) سورة القصص، الآية: ٥٦.","vol":"1","page":269},{"text":"مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) فنفي عن رسوله - ﷺ - هذه الهداية التي بمعني التوفيق، وأثبتها تعالى لنفسه، وقال تعالى ﴿يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْئَسِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (٤) أي: هدي كل شيء لما خلق له وألهمه كقوله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ (٥): أي هدي كل مخلوق لما قدر له.\nقال الشاعر:\nولا تعجلني هداك المليك ... فإن لكل مقام مقالًا (٦)\n\nأي: وفقك المليك - ﵎ -\nوهذه الهداية الحقة التي من وفق لها ظفر بخيري الدنيا والآخرة قال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ (٧)، ويجمع الهدايتين قوله\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٧٢.\n(٢) سورة الرعد، الآية: ٣١.\n(٣) سورة النحل، الآية: ٩.\n(٤) سورة طه، الآية: ٥٠.\n(٥) سورة الأعلى، الآية: ٣.\n(٦) ذكره الطبري في «تفسيره» ١: ١٦٧ بدون نسبة. ونسبة المفضل في «الفاخر» ص ٢٥٣ لطرفة بن العبد، وليس في ديوانه. وهو بغير نسبة في «المقتضب للمبرد» ١: ١٦٢ طبعة بيروت ١٣٩٣ هـ الي الحطيئة، وليس في ديوانه. وهو بغير نسبة في «المقتضب للمبرد» ٣: ٢٢٤ تحقيق عظيمة - القاهرة ١٩٨٦ م، «العقد الفريد» ٥: ٤٩٣ - القاهرة ١٣٨٥ هـ.\n(٧) سورة الأعراف، الآية: ١٧٨.","vol":"1","page":270},{"text":"تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ (١) أي وجدك ضالًا لا تدري ما الكتاب ولا الأيمان، فعلمك ما لم تكن تعلم، ووفقك لأحسن الأعمال والأخلاق (٢).\nوكذا قوله - تعالى - هنا ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ يشمل الهدايتين وينتظم القسمين لان فعل الهداية إذا عدي بحرف تعين معناه وتخصص بحسب معني الحرف فإذا عدي بإلى تضمن الإيصال إلى الغاية المطلوبة، وإذا عدي باللام تضمن الاختصاص والتعيين، فإذا عدي بنفسه كما في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ تضمن ما يجمع ذلك كله أي بين لنا ودلنا وأرشدنا إلى الصراط المستقيم، وألهمنا ووفقنا فيه وثبتنا عليه (٣).\nوقد ذكر ابن القيم ﵀ (٤) «إن للهداية عشر مراتب الأولي هداية العلم والبيان للحق والثانية أن يقدره الله عليه، والثالثة أن يجعله مريدًا له، والرابعة أن يجعله فاعلًا له، والخامسة أن يثبته على ذلك، والسادسة أن يصرف عنه الموانع والعوارض، والسابعة أن يهديه في الطريق نفسها هداية خاصة أخص من الأولى فإن الأولى هداية إلى الطريق إجمالًا وهذه هداية فيها وفي منازلها تفصيلًا، والثامنة أن يشهده\n_________\n(١) سورة الضحي، الآية: ٧.\n(٢) انظر: «تيسير الكريم الرحمن» ٧: ٦٤٢ - ٦٤٣.\n(٣) انظر: «تفسير الطبري» ١: ١٦٦ - ١٦٩، «المحرر الوجيز» ١: ٧٧، «بدائع الفوائد» ٢: ٢٠ «تفسير ابن كثير» ١: ٥٤، «تيسير الكريم الرحمن» ١: ٣٦.\n(٤) في «مدارج السالكين» ٣: ٥٥٣.","vol":"1","page":271},{"text":"المقصود في الطريق فلا يحجب عنه بالوسيلة، والتاسعة أن يشهده فقره وضرورته إلى هذه الهداية فوق كل ضرورة، والعاشرة أن يشهده الطريقين المنحرفين عن طريقها وهما طريق أهل الغضب وطريق أهل الضلال»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ </span>الصراط مفعول ثاني لـ ﴿اهْدِنَا﴾ كما تقدم و«أل» في الصراط للعهد العلمي الذهني أي الصراط المعلوم المعهود، لأن اللام إذا دخلت على موصوف اقتضت انه أحق بتلك الصفة من غيره. وإنما جاء الصراط معرفًا لأن المقام مقام دعاء وطلب. ويأتي الصراط منكرًا إذا كان المقام مقام إخبار كقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ (١) وكقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢) وكقوله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣).\nقرأ ابن كثير (السراط) بالسين في جميع القران، وقرأ حمزة بإشمام السين بين الزاي والصاد، وقرأ بقية القراء (الصراط) بالصاد (٤).\nومعني الصراط: الطريق المسلوك، والسبيل الواضح مأخوذ من الاستراط وهو الابتلاع، يبتلع السائر فيه، والماشي عليه: أي\n_________\n(١) سورة الفتح، الآية: ٢.\n(٢) سورة الانعام، الآية: ٨٧.\n(٣) سورة الانعام، الآية: ١٦١، انظر «بدائع الفوائد» ٢: ١٢ - ١٣.\n(٤) انظر: «معالمم التنزيل» ١: ٤١، «الكشاف» ١: ١١، «المحرر الوجيز» ١: ٧٩، «زاد المسير» ١: ١٤، «انوار التنزيل» ١: ١١.","vol":"1","page":272},{"text":"يضمه بين جانبيه (١).\n(المستقيم): صفة للصراط منصوبة مثله.\nوالمستقيم: هو اقرب خط يصل بين نقطتين (٢). وهو المعتدل المستوي، الذي لا اعوجاج فيه، ولا التواء (٣).\nقال جرير (٤) يمدح هشام بن عبد الملك\nأمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم\n\nوقال الآخر: فصد عن نهج الصراط القاصد.\nفالصراط المستقيم: هو الطريق المعتدل الواضح الذي لا اعوجاج فيه، ولا التواء، وهو صراط الله كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٦).\nوهو الصراط الذي عليه ربنا ﵎ كما قال هود عليه\n_________\n(١) انظر: «مجاز القران» ١: ٢٤، «المفردات في غريب القران» مادة «سرط»، «معالم التنزيل» ١: ٤١، «الكشاف» ١: ١١، «المحرر الوجيز» ١: ٧٩، «زاد المسير» ١: ١٤، «لسان العرب» مادة: «سرط» «بدائع الفوائد» ٢: ١٦، «انوار التنزيل» ١: ١١.\n(٢) انظر «مدارح السالكين» ١: ٣٣، «التفسير القيم» ص ٦٠.\n(٣) انظر: «تفسير الطبري» ١: ١٧٠، «تفسير ابن كثير» ١: ٥٤، «الجامع لأحكام القران» ١: ١٤٨، «أنوار التنزيل» ١: ١١.\n(٤) انظر: «ديوانه» ص ٢١٨، تحقيق د. نعمان طه، القاهرة ١٩٦٩، «الجامع لأحكام القران» ١: ١٤٧، والموارد: طرق الماء.\n(٥) سورة الأنعام، الآية: ١٥٣.\n(٦) سورة الشوري، الآية: ٥٣.","vol":"1","page":273},{"text":"السلام: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١).\nوهو الصراط المؤدي إلى الله تعالى، قال تعالى: ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ على مُسْتَقِيم﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ (٣). أي أن السبيل القاصد، وهو المستقيم المعتدل، يرجع إلى الله - تعالى ويوصل إليه كما قال طفيل الغنوي:\nمضوا سلفا قصد السبيل عليهم ... وصرف المنايا بالرجال تقلب\n\nأي ممرنا عليهم، ووصولنا إليهم.\nوقال الآخر:\nفهن المنايا أي واد سلكته ... عليها طريقي أو على طريقها (٤)\n\nقال ابن القيم (٥): «ولا تكون الطريق صراطًا حتى تتضمن خمسة أمور: الاستقامة والإيصال إلى المقصود، والقرب، وسعته للمارين عليه، وتعينه طريقًا للمقصود. ولا يخفي تضمن الصراط المستقيم لهذه الأمور الخمسة:\n_________\n(١) سورة هود، الآية: ٥٦، انظر «مجاز القران» ١: ٢٤، «تفسير الطبري» ١: ١٧١، «المحور الوجيز» ١: ٧٩.\n(٢) سورة الحجر، الآية: ٤١.\n(٣) سورة النحل، الآية: ٩.\n(٤) انظر «مدارج السالكين» ١: ٣٩، «التفسير القيم» ص ١٤، ١٨، «بدائع الفوائد» ٢: ٤٠.\n(٥) في «مدارج السالكين» ١: ٣٢، وانظر «التفسير القيم» ص ١٠، «بدائع الفوائد» ٢: ١٦.","vol":"1","page":274},{"text":"فوصفه بالاستقامة يتضمن قربه، لأن الخط المستقيم هو اقرب فاصل بين نقطتين، وكلما تعوج طال وبعد، واستقامته تتضمن إيصاله إلى المقصود، ونصبة لجميع من يمر عليه يستلزم سعته، وإضافته إلى المنعم عليهم، ووصفة بمخالفة صراط أهل الغضب والضلال يستلزم تعينه طريقًا».\nوالمراد بالصراط المستقيم: طريق الحق والأيمان، والدين القيم، ومعرفة ما جاء به الرسول - ﷺ - عن ربه في الكتاب والسنة والعمل به وفق ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله - ﷺ - (١) - إخلاصًا لله ومتابعة لرسوله - ﷺ - كما قال الله تعالى: ﴿وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٢).\nوهو الطريق الموصل إلى ساحل النجاة، وإلى الغاية المنشودة والهدف المقصود، وهي: السعادة في الدنيا والآخرة، والحصول على مرضاة الله وجنته، بأقل وقت وأقصر طريق.\nقال ابن القيم (٣) بعد أن ذكر قسمي الهداية، وهما هداية البيان والدلالة، وهداية التوفيق والإلهام - قال: «وللهداية مرتبة أخرى - وهي أخر مراتبها - وهي الهداية يوم القيامة إلى طريق الجنة، وهو الصراط\n_________\n(١) انظر «تفسير الطبري» ١: ١٧١، «مجموع الفتاوي» ١٠: ١٠٧، ١٤: ٣٨ - ٣٩، ٧: ١٦٦، «تفسير ابن كثير» ١: ٥٦.\n(٢) سورة الكهف، الآية: ١١٠.\n(٣) في «مدراج السالكين» ١: ٣٢، وانظر: «التفسير القيم» ص ٩ - ١٠، «تفسير ابن كثير» ١: ٥٦.","vol":"1","page":275},{"text":"الموصل إليها، فمن هدي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم، الذي أرسل به رسله، وانزل به كتبه هدي هناك إلى الصراط المستقيم الموصل إلى جنته، ودار ثوابه، وعلى قدر ثبوت العبد على هذا الصراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدار يكون ثبوت قدمه على الصراط المنصوب على متن جهنم، وعلى قدر سيره على هذا الصراط يكون سيره على ذلك الصراط».\nكما ذكر في كتابه «بدائع الفوائد» (١) أن الهداية أربعة أنواع: الهداية العامة المشتركة كما قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (٢) أي هداه لما خلق له من الأعمال وهذه تشمل الحيوان والجماد. ثم ذكر هداية البيان والدلالة والتعريف لنجدي الخير والشر، وهداية التوفيق والإلهام، ثم قال: والرابع غاية هذه الهداية وهي الهداية إلى الجنة والنار إذا سبق أليهما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِأيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٣) وقال أهل الجنة ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا﴾ (٤) وقال تعالى عن أهل النار ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ (٥).\n_________\n(١) ٢: ٣٥ - ٣٧.\n(٢) سورة طه، الآية: ٥٠.\n(٣) سورة يونس، الآية: ٩.\n(٤) سورة الأعراف، الآية: ٤٣.\n(٥) سورة الصافات، الآية: ٢٣، كما ذكر ابن القيم في «مدارج السالكين» ١: ٦٢ - ٧٨: ان للهداية الخاصة والعامة عشر مراتب: مرتبة التكليم من الله لعبده، ومرتبة الوحي المختص بالأنبياء، ومرتبة إرسال الرسول الملكي إلى الرسول البشري، ومرتبة التحديث، ومرتبة الإفهام، ومرتبة البيان العام، ومرتبة البيان الخاص والتوفيق، ومرتبة إسماع القلوب، ومرتبة الإلهام، ومرتبة الرؤيا الصادقة.","vol":"1","page":276},{"text":"فالمعنى العام لقوله - تعالى ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي بين لنا وأرشدنا إلى سلوك الطريق المستقيم بالعلم النافع والعمل الصالح بمعرفة الحق والعمل به، ووفقنا فيه وثبتنا عليه، وزدنا هداية وأيمانًا وعلمًا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ (٢)، وقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ (٣) ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ أيمَانًا﴾ (٤).\nفالعبد في كل لحظة، وفي كل حال، وعند كل مسألة محتاج أعظم الحاجة إلى الهداية إلى الصراط المستقيم.\nوذلك بان يهتدي لمعرفة الحق والحكم في كل مسألة، ويوفق للعمل بما طلب منه سواء كان ذلك فعلًا أو تركا.\nقال الطبري (٥) في كلامه على قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾: «ومعناه نظير معني قوله: ﴿إياكَ نَعْبُدُ﴾ في أنه مسألة من العبد ربه بالتوفيق للثبات على العمل بطاعته. وإصابة الحق\n_________\n(١) سورة الكهف، الآية: ١٣.\n(٢) سورة مريم، الآية: ٧٦.\n(٣) سورة محمد، الآية: ١٧.\n(٤) سورة التوبة، الآية: ١٢٤.\n(٥) في «تفسيره» ١: ١٦٦.","vol":"1","page":277},{"text":"والصواب، فيما أمره به ونهاه عنه فيما يستقبل من عمره».\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية (١): «وأما سؤال من يقول: فقد هداهم الله فلا حاجة بهم إلى لسؤال وجواب من إجابة بان المطلوب دوامها كلام من لا يعرف حقيقة الأسباب وما أمر الله به، فان «الصراط المستقيم» أن يفعل العبد في كل وقت ما أمر الله به في ذلك الوقت من علم وعمل، ولا يفعل ما نهي عنه، وهذا يحتاج في كل وقت إلى أن يعلم ويعمل ما أمر به في ذلك الوقت، وما نهي عنه، وإلى أن يحصل له إدارة جازمة لفعل المأمور، وكراهة جازمة لترك المحظور، فهذا العلم المفصل والإرادة المفصلة لا يتصور أن تحصل للعبد في وقت واحد، بل كل وقت يحتاج إلى أن يجعل الله في قلبه من العلوم والإرادات ما يهتدي به في ذلك الصراط المستقيم. نعم حصل له هدي مجمل بأن القرآن حق، والرسول حق، ودين الإسلام حق، وذلك حق، ولكن هذا المجمل لا يغنيه أن لم يحصل له هدي مفصل في كل ما يأتيه ويذره من الجزئيات التي يحار فيها أكثر عقول الخلق، ويغلب الهوى والشهوات أكثر عقولهم لغلبة الشهوات والشبهات عليهم».\nوقال ابن القيم (٢) بعد أن ذكر قسمي الهداية: «وهما هدايتان مستقلتان، لا يحصل الفلاح إلا بهما، وهما متضمنتان تعريف ما لم\n_________\n(١) في «مجموع الفتاوي» ١٤: ٣٧ - ٣٨، وانظر ٣٢٠ - ٣٢١، ١٠: ١٠٧ «امراض القلوب وشفاؤها» لا بن تيمية ص ١١ - ١٢.\n(٢) في «مدارج السالكين» ١: ٣١ - ٣٢، وانظر «التفسير القيم» ص ٩، «بدائع الفوائد» ٢: ٣٧ - ٣٩.","vol":"1","page":278},{"text":"نعلمه من الحق تفصيلًا وإجمالًا، وإلهامنا له، وجعلنا مريدين لإتباعه ظاهرًا وباطنًا، ثم خلق القدرة لنا على القيام بموجب الهدي بالقول والعمل، ثم إدامه ذلك لنا وتثبيتنا عليه إلى الوفاة. قال: ومن هنا يعلم اضطرار العبد إلى السؤال هذه الدعوة فوق كل ضرورة» وبطلان قول من يقول: إذا كنا مهتدين فكيف نسال الهداية؟ فان المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم، وما لا نريد فعله تهاونًا وكسلا مثل ما نريده، أو أكثر منه، أو دونه، وما لا نقدر عليه مما نريده - كذلك، وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمر يفوت الحصر، ونحن محتاجون إلى الهداية التامة، فمن كملت له هذه الأمور كان سؤال الهداية له سؤال التثبيت والدوام».\nوقال ابن كثير (١): «فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله في تثبيته على الهداية ورسوخه فيها وتبصره وازدياده منها واستمراره عليها. كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ (٢).\nوقال السعدي (٣): «اهدنا إلى الصراط المستقيم، وإهدنا في الصراط، فالهداية إلى الصراط لزوم دين الإسلام وترك ما سواه من الأديان، والهداية في الصراط تشمل الهداية لجميع التفاصيل الدينية علمًا وعملًا».\n_________\n(١) ي «تفسيره» ١: ٥٦ - ٥٧.\n(٢) سورة النساء، الآية: ١٣٦.\n(٣) في «تفسيره» ١: ٣٦.","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-62>﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عليهِمْ﴾ </span>صراط بدل كل من الصراط في قوله ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، أو عطف بيان (١). و(الذين) مضاف إليه، وما بعده صلة الموصول.\nوفائدة هذا التوكيل والإيضاح والبيان، فهو تفسير للصراط المستقيم، وبيان أنه صراط المنعم عليهم (٢)، وفي ذلك شهادة له بالاستقامة على ابلغ وجه وأكده (٣).\nوإنما عرف الصراط في الموضع الأول «بأل»، وهنا بالإضافة، لأن طريق الحق واحد أما طرق الشر فهي كثيرة، متعددة متشعبة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٤).\nوعن النواس بن سمعان عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «ضرب الله مثلا صراطًا مستقيمًا وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاه وعلى باب الصراع داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تعوجوا، وداع يدعو فوق الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب، قال: ويحك، لا تفتحه، فإنك أن تفتحه تلجه فالصراط الإسلام، والسوران حدود الله، والأبواب\n_________\n(١) انظر: «معاني القران» للاخفش ١: ١٦٤، «الكشاف» ١: ١١، «تفسير ابن كثير» ١: ٥٧.\n(٢) انظر: «تفسير الطبري» ١: ١٧٧، «الكشاف» ١: ١١، «بدائع الفوائد» ٢: ٢٨ - ٢٩.\n(٣) انظر: «الكشاف» ١: ١١.\n(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٥٣.","vol":"1","page":280},{"text":"المفتحة محارم الله، وذلك الداعي على الصراط كتاب الله، والداعي من فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم» (١).\nوهكذا غالبًا ما يذكر طريق الحق بالأفراد بينما يذكر طريق الشر متعددًا، وقد يذكر أحيانًا طريق الخير بالتعدد، ويراد به فروع الشريعة.\n﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عليهِمْ﴾ الإنعام: إيصال النعمة. والنعمة في الأصل الحالة التي يستلذها الإنسان من لين العيش، والخفض والدعة والمال ونحوها (٢).\nوالنعمة: اسم جنس يقع على القليل والكثير، وإذا أضيفت إلى معرفة دلت على الإنعام المطلق التام أي على عموم النعم الدينية والدنيوية والأخروية (٣)، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَتْمَمْتُ عليكُمْ نِعْمَتِي﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿يَا أيهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عليكُمْ﴾ (٥)، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (٦).\nوالأنعام خاص بإيصال النعمة والإحسان والخير إلى الغير من بني\n_________\n(١) أخرجه الترمذي في الأمثال باب (١) الحديث ٢٨٥٩، واحمد ٤: ١٨٢ والطبري في «تفسيره» الحديثان ١٨٦ - ١٨٧. قال ابن كثير في «تفسيره» ١: ٥٦ «إسناده حسن وصححه الحاكم».\n(٢) انظر «لسان العرب» مادة «نعم»، «البحر المحيط» ١: ٢٦، «أنوار التنزيل» ١: ١١.\n(٣) انظر «أنوار التنزيل» ١: ١١. «اجتماع الجيوش الإسلامية» ١ - ٣.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ٣.\n(٥) سورة المائدة، الآية: ١١.\n(٦) سورة إبراهيم، الآية: ٣٤، وسورة النحل، الآية: ١٨.","vol":"1","page":281},{"text":"آدم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عليهِ وَأَنْعَمْتَ عليهِ﴾ (١).\nولا يسمي الإحسان إلى غير الناطقين إنعامًا فلا تقول: أنعمت على الفرس.\n(عليهم) قرأ حمزة بضم الهاء (عليهُم)، وقرا الباقون بكسرها (عليهِم) (٢).\nوالمنعم عليهم: هم الذين ووفقهم الله لسلوك الطريق المستقيم، للهدي ودين الحق. كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ (٣) أي إلى العلم النافع والعمل الصالح، إلى معرفة الحق والعمل به، إلى الإيمان بالله تعالى، إلى طاعة الله وطاعة رسوله - ﷺ -. وتلك أجل نعمة وأعظمها، فهي سبب للسعادة في الدارين، وأفوز بأعلى الدرجات في جنات النعيم.\nوهم المذكورون في قوله - تعالى -: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإذا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عليهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عليمًا (٧٠)﴾ (٤).\n_________\n(١) سورة الأحزاب، الآية: ٣٧.\n(٢) انظر: «الإقناع في القراءات السبع» ٢: ٥٩٥، «المحرر الوجيز» ١: ٨٣، «زاد المسير» ١: ١٦، «المهذب في القراءات السبع» ص ٤٦.\n(٣) سورة الفتح، الآية: ٢٨.\n(٤) سورة النساء، الآيات ٦٦ - ٧٠، انظر «تفسير الطبري» ١: ١٧٧ - ١٧٩، «الجامع لأحكام القران» ١: ١٤٩، «اجتماع الجيوش الإسلامية» ١ - ٣، «بدائع التغيير» ٢: ١٠٠، «تفسير ابن كثير» ١: ٥٧.","vol":"1","page":282},{"text":"وهم المذكورون في قوله تعالى في سورة مريم ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عليهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إذا تُتْلَى عليهِمْ أياتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ (١) أي الذين انعم الله عليهم بأجل نعمة وأعظمها، وهي: نعمة الإيمان، كما قال تعالى ردا على الأعراب: ﴿يَمُنُّونَ عليكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا على إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عليكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْأيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢).\n«والنبيين» جمع نبي، ويدخل فيهم الرسل من باب أولى، لأن كل رسول نبي ولا عكس، ويأتي في مقدمتهم أولو العزم، كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٣).\nوهم المذكورون في قوله - تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (٤).\n«وَالصِّدِّيقِينَ»: جمع صديق، يدخل فيهم من ثبت بالكتاب أو السنة وصفة أو تسميته بذلك منهم مريم ابنة عمران التي قال الله عنها: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ\n_________\n(١) سورة مريم، الآية: ٥٨.\n(٢) سورة الحجرات، الآية: ١٧.\n(٣) سورة الأحقاف، الآية: ٣٥.\n(٤) سورة الأحزاب الآية: ٧.","vol":"1","page":283},{"text":"كَانَا يَاكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ (١).\nومنهم أبو بكر الصدِّيق - ﵁ - لأن الرسول - ﷺ - سماه «الصدِّيق» كما سيأتي الحديث في ذلك.\n«والشهداء» جمع شهيد، وهو من قتل في سبيل الله، ويأتي في مقدمة الشهداء عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان - ﵄ - حيث شهد لهما الرسول - ﷺ - بذلك كما روي أنس بن مالك - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - صعد أحدًا وأبو بكر وعمر وعثمان - ﵃ - فرجف بهم. فقال النبي - ﷺ -: «اسكن أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان» رواه البخاري (٢).\nومنهم أيضًا: على بن أبي طالب - ﵁ -، وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص.\nكما روى أبو هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - كان على جبل حراء هو أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص، فتحركت الصخرة، وفي رواية «فتحرك» فقال رسول الله - ﷺ - «اسكن حراء» وفي رواية: «اهدأ فما عليك إلا نبيُّ وصدِّيق وشهيد» رواه مسلم (٣).\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية: ٧٥.\n(٢) في فضائل الصحابة - فضل أبي بكر - ﵁ -، والابواب بعده - الاحاديث ٣٦٧٥، ٣٦٨٦، ٣٦٩٩.\n(٣) في فضائل الصحابة - فضائل طلحة والزبير - الحديث ٢٤١٧.","vol":"1","page":284},{"text":"ومنهم أيضًا: حمزة عم النبي - ﷺ -، وأنس بن النضر، ومصعب ابن عمير - ﵃ - وغيرهم ممن قتل أو يقتل في سبيل الله، وكذا كل من قتل دون ماله كما في حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ -، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من قتل دون ماله فهو شهيد» متفق عليه (١).\nلكن ينبغي أن يعلم انه لا تجوز الشهادة لشخص بعينه أنه شهيد، وإن قتل في المعركة، لأن النبات مغيبة عنا لكن يرجي له ذلك، إلا من ثبت له الشهادة بذلك من النبي - ﷺ - فقد عقد البخاري: باب لا يقال فلان شهيد، وأخرج فيه عن سهل بن سعد الساعدي - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - التقي هو والمشتركون فاقتتلوا فلما مال رسول الله - ﷺ - إلى عسكرة، ومال الآخرون إلى عسكرهم، وفي أصحاب رسول الله - ﷺ - رجل لا يدع لهم شاذة ولا فاذة إلا اتبعها يضربها بسيفه.\nفقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد، كما أجزأ فلان، فقال رسول الله - ﷺ -: «أما إنه من أهل النار» الحديث، وفيه: انه استعجل الموت لما جرح فقتل نفسه (٢).\nوعن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: لما كان يوم خبير قُتل نفر من أصحاب النبي - ﷺ - فقالوا: فلان شهيد، وفلان شهيد،\n_________\n(١) أخرجه البخاري في المظالم - الحديث ٢٤٨٠، ومسلم في الأيمان - الحديث ١٤١.\n(٢) أخرجه البخاري في الجهاد الحديث ٢٨٩٨، ومسلم في الأيمان - باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه - الحديث ١١٢. واخرج مسلم أيضا نحوه من حديث أبي هريرة الحديث ١١١.","vol":"1","page":285},{"text":"حتى مروا على رجل، فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله - ﷺ -: «كلا إني رأيته في النار غلها أو عباءة» رواه مسلم (١).\nوروى أبو العجفاء أن عمر بن الخطاب - ﵁ - خطب، فقال: «تقولون في مغازيكم: فلان شهيد، ومات فلان شهيدا، ولعله يكون قد أوقر راحلته، إلا لا تقولوا ذلكم، ولكن قولوا كما قال رسول الله - ﷺ -: «من مات في سبيل الله أو قتل فهو في الجنة» (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عليهِمْ وَلَا الضَّالينَ﴾:</span>\n«غير» صفة للاسم الموصول «الذين» مبينة أو مقيدة على معني إنهم جمعوا بين النعمة المطلقة، وهي نعمة الأيمان، وبين السلامة من الغضب والضلال، وقيل هي بدل من الاسم الموصول على معني أن المنعم عليهم هم الذين سلموا من الغضب والضلال والتقدير: غير صراط المغضوب عليهم (٣).\nوالصحيح إنها صفة، وإنما صح مجيء «غير» صفة لمعرفة وهو الاسم الموصول مع أن «غيرًا» لا تتعرف لشدة إبهامها - لما في من\n_________\n(١) أخرجه مسلم في الأيمان - باب غلط تحريم الغلول، وانه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، الحديث ١١٤.\n(٢) أخرجه النسائي في النكاح - الحديث ٣١٤١، واحمد ١: ٤١، ٤٨، وقال الحافظ ابن حجر: «وهو حديث حسن». وصححه الألباني.\n(٣) انظر «معاني القرآن» للفراء ١: ٧، «معاني القارن» للاخفش ١: ١٦٤ - ١٦٥، «تفسير الطبري» ١: ١٨٠ - ١٨١، ١٨٤، «المدخل لعلم تفسير كتاب الله» ص ٨٩ «الكشاف» ١: ١١، «أنوار التنزيل» ١: ١١.","vol":"1","page":286},{"text":"الإبهام ورائحة النكرة، ولان «غيرًا» أضيفت إلى «المغضوب» وهي معرفة، ووقعت بين ضدين منعم عليهم ومغضوب عليهم فضعف إبهامها كما قال ابن هشام (١). أو زال إبهامها وتعرفت كما قال ابن السراج (٢). واختاره ابن القيم (٣).\nو«غير» ملازمة للأفراد والتذكير، وللإضافة لفظًا أو تقديرًا، وهي لا تعرف وان أضيفت إلى معرفة عند أكثر من اللغة، ولا تدخل عليها الألف واللام (٤).\nوقد روي عن ابن كثير انه قراها بالنصب «غير» على الحال، وثبت عنه وعن بقية القراء السبعة قراءتها بالكسر «غير» (٥).\n«غير» مضاف و«المغضوب» مضاف إليه مجرور. و«عليهم» متعلق ب «المغضوب»، قراها حمزة بالضم «عليهم» وقرأها بقية السبعة بالكسر «عليهم» كقراءة «عليهم» في قوله: ﴿أَنْعَمْتَ عليهِمْ﴾ (٦).\nوإنما وصف الله ﵎ صراط المنعم عليهم بقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عليهِمْ وَلَا الضَّالينَ﴾ لتأكيد كمال صراط المنعم عليهم، لأن الصفات السلبية يؤتي بها لإثبات كمال ضدها، كما في قوله - تعالى:\n_________\n(١) انظر: «مغني اللبيب» ١: ١٥٨.\n(٢) انظر: «بدائع المحيط» ٢: ٢٣ - ٢٨.\n(٣) انظر: «البحر المحيط» ١: ٢٨.\n(٤) انظر: «الكشاف» ١: ١١، «المحرر الوجيز» ١: ٥٨، «تفسير ابن كثير» ١: ٥٧.\n(٥) راجع ما سبق في الكلام علي قوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾\n(٦) سورة الفرقان، الآية: ٥٨.","vol":"1","page":287},{"text":"﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (١).\nفقوله: ﴿الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ صفة سلبية جئ بها لإثبات كمال ضدها، وهي الحياة.\nوكقوله - تعالى: ﴿لَا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (٢). فهو لإثبات كمال قيوميته - ﵎.\nوالغضب: ضد الرضا (٣).\nوفي الحديث: «ألا وإن الغضب جمرة توقد في ابن ادم، ألا ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه (٤)»).\nوالغضب صفة من صفات الله - تعالى - يجب إثباتها لله، كما يليق بجلاله وعظمته، ولا تشبه صفات المخلوقين.\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عليكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عليهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى﴾ (٥).\nوفي حديث أبي هريرة في الشفاعة: «إنَّ ربي قد غضب اليوم غضبًا لم\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥.\n(٢) انظر: «لسان العرب» مادة: غضب.\n(٣) أخرجه من حديث أبي سعيد الخدري - الترمذي في الفتن باب ما اخبر النبي - ﷺ - أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة الحديث ٢١٩١. وقال: «حديث حسن صحيح»، واحمد ٣: ١٩، ٦١.\n(٤) سورة طه، الآية: ٨١.\n(٥) أخرجه البخاري عن أبي هريرة مطولًا في الانتبياء الحديث ٣٣٤٠، ومسلم في الأيمان الحديث ١٩٤.","vol":"1","page":288},{"text":"يغضب قبله مثله». متفق عليه (١).\nوالمراد بالمغضوب عليهم من استوجبوا غضب الله، ووصفوا به، ممن فسدت إرادتهم فعدلوا عن الحق بعد أن عرفوه وعلموه.\nوفي مقدمتهم اليهود، قال عدي بن حاتم: سالت رسول الله - ﷺ - عن قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عليهِمْ﴾ قال: هم اليهود، ﴿وَلَا الضَّالينَ﴾ قال: هم النصارى» (٢).\nوقد وصف الله الاهود بالغضب وحكم به في مواضع من كتابه. قال تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عليهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. وقال تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عليهِمُ الذِّلَّةُ أينَ مَا\n_________\n(١) إسناده صحيح. والحديث أخرجه الترمذي في تفسير سورة الفاتحة - الحديثان ٢٩٥٣، ٢٩٥٤، واحمد ٤: ٣٧٨ - ٣٧٩، والطبري في «تفسيره» الأحاديث ١٩٣ - ١٩٥، ٢٠٧ - ٢٠٩، والطيالسي - الحديث ١٠٤٠، والطبراني في الكبير ٧: ٩٨ - ١٠٠. وقد اخرج الطبري - الأحاديث ١٩٦ - ١٩٩، ٢١٠ - ٢١٣ عن عبد الله بن شفيق انه اخبره من سمع النبي - ﷺ - يقول نحو حديث عدي قال ابن حجر في «الفتح» ٨: ١٥٩: «ورواه احمد» وأخرجه ابن مردويه فيما ذكر ابن كثير ١: ٥٩ من رواية عبد الله بن شفيق عن أبي ذر - موصولا - وقد أشار إلى رواية ذر الحافظ ابن حجر في الموضع السابق وقال: «اسنادة حسن».\n(٢) سورة البقرة، الآية: ٦١.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٩٠.","vol":"1","page":289},{"text":"ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (١) وقال تعالى: «قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عليهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ» (٢)،وقال تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» (٣)، وقال تعالى: ﴿لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عليهِمْ﴾ (٤)،وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عليهِمْ﴾ (٥).\nوإنما وصفوا بالغضب ووصموا به، واستوجبوه، لأنهم عرفوا الحق وتركوه كفرًا وحسدًا، كما قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ (٧).\nوعن زيد بن عمرو بن نفيل أنه خرج إلي الشام، يسأل عن الدين، ويتبعه، فلقي عالمًا من اليهود، فسأله عن دينهم، فقال: إني لعلي أن أدين دينكم فأخبرني. فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله قال زيد: ما أفر إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئًا أبدًا،\n_________\n(١) سورة آل عمران، الآية: ١١٢.\n(٢) سورة المائدة، الآية: ٦٠.\n(٣) سورة الاعراف، الآية ١٥٢.\n(٤) سورة المجادلة، الآية: ١٤.\n(٥) سورة الممتحنة، الآية: ١٣.\n(٦) سورة البقرة، الآية: ١٠٩.\n(٧) سورة البقرة، الآية: ١٤٦، وسورة الأنعام، الآية: ٢٠.","vol":"1","page":290},{"text":"وأني أستطيعه، فهل تدلني على غيره؟ قال: ما أعلمه إلا أن يكون حنيفًا. قال زيد: وما الحنيف؟ قال: دين إبراهيم لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا ولا يعبد إلا الله، فخرج فلقي عالمًا من النصارى، فذكر مثله. فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من لعنة الله. قال ما أفر إلا من لعنة الله ..» الحديث رواه البخاري (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾: </span>أي ولا صراط الضالين.\nفـ الواو: عاطفة و«لا» زائدة إعرابًا عند البصريين مؤكدة لمعني النفي المفهوم من «غير» (٢) لئلا يتوهم عطف الضالين على ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عليهِمْ﴾ (٣) وليدل على أن ثم مسلكين فاسدين، وهما: طريق المغضوب عليهم وطريق الضالين (٤) ولرفع توهم أن الضالين وصف للمغضوب عليهم وأن ذلك من عطف الصفات بعضها على بعض (٥).\nوقال الكوفيون هي بمعني «غير» مؤكدة أيضًا (٦). ويؤيده قراءة عمر ﴿غير المغضوب عليهم وغير الضالين﴾ (٧).\n_________\n(١) في مناقب الأنصار - باب حديث زيد بن عمرو بن نفيل - الحديث ٣٨٢٧.\n(٢) انظر «تفسير الطبري» ١٨٩:١، «مشكل إعراب القرآن» ٧٢:١، «الكشاف» ١٢:١، «المحرر الوجيز» ٨٧:١، «الجامع لأحكام القرآن» ١٥١:١، «البحر المحيط» ٢٨:١، ٢٩، «أنوار التنزيل» ١١:١، «فتح الباري» ١٥٩:٨.\n(٣) انظر «المحرر الوجيز» ٨٧:١، «الجامع لأحكام القرآن» ١٥١:١، «البحر المحيط» ٢٩:١، «تفسير ابن كثير» ٥٨:١.\n(٤) انظر «تفسير ابن كثير» ٥٨:١.\n(٥) انظر «بدائع الفوائد» ٣٤:٢ - ٣٥.\n(٦) انظر «فتح الباري» ١٥٩:٨.\n(٧) أخرجها أبو عبيد في «فضائل القرآن»، وسعيد بن منصور في سننه فيما نقل ابن كثير.\n٥٨:١. قال ابن كثير «هذا إسناد صحيح» قال وكذلك حكي عن أبي بن كعب أنه قرأ كذلك، وهو محمول علي أنه صدر منهما علي وجه التفسير». وانظر: «مشكل إعراب القرآن» ٧٢:١، «معالم التنزيل» ٤٢:١، «الكشاف» ١٢:١، «المحرر الوجيز» ٨٧:١.","vol":"1","page":291},{"text":"قال الحافظ بن كثير (١): «والصحيح من مذاهب العلماء أنه يغتفر الإخلال بتحرير ما بين الضاد والظاء، لقرب مخرجيهما .. لمن لا يميز ذلك»\nوالضالين: جمع ضال. والضلال هو التيه والجهل والبعد عن الحق (٢) والعدول عن طريق المستقيم، والانحراف عن المنهج القويم.\nيقال: ضل الطريق: أي تاه وانحرف، كما يقال ضال، بدون إضافة قرينة، وإذا أطلق فالمراد به العدول عن طريق المستقيم، طريق الحق.\nويطلق الضلال على النسيان، كما قال تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ (٣) أي أن تنسي إحداهما.\nويطلق على الاختفاء وغياب الشيء كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (٤) أي غيبنا فيها، وصرنا ترابًا.\nومنه قول الشاعر:\nألم تسأل فتخبرك الديار ... عن الركب المضلل أين ساروا (٥)\n_________\n(١) في «تفسيره» ٥٩:١.\n(٢) انظر «لسان العرب» مادة: «ضل»، «الجامع لأحكام القرآن» ١:١٣٠، «البحر المحيط» ٢٩،٢٨:١.\n(٣) سورة البقرة، الآية: ٢٨٢\n(٤) سورة السجدة، الآية: ١٠.\n(٥) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١٥٠:١.","vol":"1","page":292},{"text":"والمراد بالضالين: من فقدوا العلم، فتركوا الحق عن جهل، وعبدوا الله على غير هدي، وعلى غير بصيرة (١). قال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (٢).\nويأتي في مقدمة الضالين النصارى (٣) كما في حديث عدي بن حاتم- المتقدم قريبًا أن رسول الله - ﷺ - قال في قوله: (ولا الضالين) هم «النصارى».\nوهكذا وصف الله النصارى بالضلال في غير هذا الموضع. قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (٤).\nقال ابن كثير (٥) بعد أن ذكر تفسير المغضوب عليهم باليهود والضالين بالنصارى: «وقال ابن أبي حاتم لا أعلم بين المفسرين في تأويل ذلك اختلافًا».\nوإذا كان سبب ضلال النصارى في الأصل هو الجهل، فلا يمنع أن يكون طرأ عليهم في هذا الزمن مع الجهل العناد والإصرار. وإتباع الهوى،\n_________\n(١) انظر: «تفسير الطبري» ١٩٢:١ - ١٩٥، «المحرر الوجيز» ٨٦:١، «الجامع لأحكام القرآن» ٨٦:١، «تفسير ابن كثير» ٥٨،٥٧:١\n(٢) سورة يونس، الآية: ٣٢.\n(٣) درج كثير من الكتاب المسلمين متأثرين بغيرهم من كتاب غير المسلمين علي تسمية النصارى بالمسيحيين، وهذا خطأ لأن القرآن سماهم النصارى، ولم يسمهم المسيحيين، لأن المسيح منهم برئ.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ٧٧.\n(٥) في «تفسيره» ٥٩:١، وانظر: «فتح الباري» ١٥٩:٨.","vol":"1","page":293},{"text":"كما هو واقع الآن.\nوكل من اليهود والنصارى مغضوب عليهم وضالون، وكذا كل من حاد عن منهج الله عن علم، أو عن جهل إلا أن أخص أوصاف اليهود الغضب، ومثلهم من ترك الحق بعد معرفته، وأخص أوصاف النصارى الضلال (١) ومثلهم من عبد الله على جهل.\nولا يلزم من هذا أن لا يوجد من بين اليهود من هو جاهل ضال، ومن بين النصارى من هو عالم، ولا يمنع من هذا أن يكفر نصراني، وهو يعرف الإسلام كما يعرف ابنه وزوجته.\nولما كان اليهود تركوا الحق بعد معرفته، وكانوا أجرأ على محارم الله- تعالى-، واقسي قلوبًا كانوا أحق بوصف الغضب، وأولي بأن يقدم وصفهم على وصف النصارى الضالين مصداق ذلك قوله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢).\nقال ابن القيم (٣): «والمغضوب عليه ضال عن هداية العمل، والضال مغضوب عليه لضلاله عن العلم الموجب للعمل، فكل منهما ضال مغضوب عليه، ولكن تارك الحق بعد معرفته أولي بوصف الغضب وأحق\n_________\n(١) انظر: «تفسير الطبري» ١٩٥:١، «تفسير ابن كثير» ٥٧:١ - ٥٨\n(٢) سورة المائدة، الآية: ٨٢.\n(٣) في «مدارج السالكين» ٣٣:١ - ٣٤، وانظر «التفسير القيم» ص١١، «بدائع الفوائد» ٢٩:٢ - ٣٢، «تفسير ابن كثير» ٥٨:١.","vol":"1","page":294},{"text":"به، ومن هنا كان اليهود أحق به، وهو متغلظ في حقهم.،والجاهل بالحق أحق باسم الضلال، ومن هنا وصف النصارى به ...».\nوقد ذكر ابن القيم (١) من الوجوه في تقديم المغضوب عليهم على الضالين أن اليهود متقدمون على النصارى من حيث الزمان، وأنهم كانوا هم الذين يلون النبي - ﷺ - من أهل الكتابين لأنهم كانوا في المدينة أما النصارى فكانت ديارهم نائية، ولأنه تقدم ذكر المنعم عليهم والغضب ضد الإنعام والسورة هي السبع المثاني يذكر فيها الشيء وضده.\nوكل من كان عنده علم فلم يعمل به، بل اتبع هواه، وجانب شرع الله عن علم وبصيرة ومعرفته ففيه شبه من اليهود، ومتوعد بالغضب بقدر معصيته، وله منه نصيب بقدر شبهه فيهم.\nوكل من عبد الله على جهل وضلال- معذور بجهله- به شبه من النصارى وموصوف بالضلال على قدر معصيته، وله نصيب منه بقدر شبهه فيهم. ولهذا كان السلف﵃ يقولون «من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى» (٢).\nوما أكثر من تشبه باليهود وبالنصارى من هذه الأمة. وصدق المصطفي - ﷺ - حيث قال: «لتتبعنَّ سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب لا تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله اليهود\n_________\n(١) انظر «بدائع الفوائد» ٣٣:٢.\n(٢) المصدر السابق ٣٢:٢.","vol":"1","page":295},{"text":"والنصارى؟ قال: فمن» متفق عليه (١).\nوقال - ﷺ -: «افترقت اليهود على أحدي وسبعين فرقة وافترقت النصارى على اثنين وسبعين فرقة، وستفرق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة. قلنا من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي» (٢).\nومما يدل على شمول الغضب لليهود وغيرهم، وشمول الضلال للنصارى وغيرهم أن الله توعد بالغضب في القرآن الكريم مرتكبي بعض الكبائر والكفرة والمنافقين والمشركين من هذه الأمة، ووصف كثيرا منهم بالضلال، كما وصفهم بذلك رسول الله - ﷺ -.\nقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عليهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (٣).\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ (٤).\nوقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعليهِمْ غَضَبٌ مِنَ\n_________\n(١) أخرجه من حديث أبي سعيد ألخدري: البخاري في الأنبياء- باب ما ذكر عن بني إسرائيل الحديث ٣٤٥٦، ومسلم في العلم باب إتباع سنن اليهود والنصارى - حديث ٢٦٦٩.\n(٢) أخرجه أبو داود في السنة- باب شرح السنة- الحديث ٣٨٤٢ - ٤٥٩٦، والترمذي في الإيمان- ما جاء في افتراق هذه الأمة الحديث ٢٦٤٠ وقال: «حديث صحيح»، وابن ماجه في الفتن وافتراق الأمم الحديث ٣٢٢٥ - ٣٩٩١. قال الألباني: «حسن صحيح».\n(٣) سورة النساء، الآية: ٩٣.\n(٤) سورة الأنفال، الآية: ١٦.","vol":"1","page":296},{"text":"اللَّهِ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عليهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ (٢).\nوقال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عليهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عليهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٣).\nوقال - ﷺ -: «من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان» متفق عليه (٤).\nوقال - ﷺ -: «إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها بات الذي في السماء ساخطا عليها» (٥).\nوقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عليكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ (٨)، وقال تعالى:\n_________\n(١) سورة النحل، الآية: ١٠٦.\n(٢) سورة النور، الآية: ٩.\n(٣) سورة الفتح، الآية ٦.\n(٤) أخرجه البخاري في الشهادات من حيث عبد الله بن مسعود الحديثان ٢٦٦٦،٢٦٦٧ ومسلم في الإيمان- الحديث ١٣٨.\n(٥) أخرجه مسلم في النكاح- تحريم امتناعها من فراش زوجها- الحديث ١٤٣٦.\n(٦) سورة البقرة، الآية: ١٠٨.\n(٧) سورة النساء، الآية: ١١٦.\n(٨) سورة النساء، الآية: ١١٣.","vol":"1","page":297},{"text":"﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ (٢).\nوقال - ﷺ - في حديث أبي بكرة: «ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالًا يضرب بعضكم رقاب بعض» متفق عليه (٣).\nقال ابن القيم (٤): «والغضب نتيجة فساد القصد، والضلال نتيجة فساد العلم، فاعتلال القلوب ومرضها نتيجة لأحد هذين الفاسدين، وبالهداية للصراط المستقيم الشفاء من مرض الضلال، وبالتحقق بـ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ علمًا ومعرفة وعملًا وحالًا الشفاء من مرض فساد القصد».\n_________\n(١) سورة الكهف، الآيتان: ١٠٣، ١٠٤.\n(٢) سورة الأحقاف، الآية: ٥.\n(٣) أخرجه البخاري في حديث طويل في خطبته ص في حجة الوداع- في الأضاحي- الحديث ٥٥٥٠، ومسلم في القسامة- باب تغليظ تحريم الدماء والإعراض والأموال- الحديث ١٦٧٩.\n(٤) «مدراج السالكين» ٧٩:١ - ٨٠ بتصرف.","vol":"1","page":298},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>المبحث الثامن\nما يؤخذ من سورة الفاتحة من فوائد وأحكام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>١ - مشروعية الابتداء في بالبسملة في الكتب والرسائل والخطب والمواعظ ونحوها تأسيًا بكتاب الله تعالى</span>، حيث ابتدأ ﷿ كتابه بها ومشروعية الاستفتاح بها عند قراءة أي سورة من سور القرآن، لأن الله افتتح بها سورة الفاتحة وغيرها من السور عدا سورة براءة فلا تشرع البسملة معها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>٢ - مشروعية حمد الله -﵎- في افتتاح الكتب والرسائل والخطب والمواعظ </span>ونحوها تأسيا بكتاب الله- حيث افتتحه جل وعلا بالحمد.\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>٣ - حمد لله -تعالى- لنفسه </span>(١)، وثناؤه عليها، وتمجيده لها، لما له من صفات الكمال. قال تعالى: (الحمد لله)، وقد جاء هذا كثيرا في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ» (٢)، وقال تعالى: «وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ» (٣).\nولم يأذن في ذلك لأحد من خلقه، بل نهاهم في محكم كتابه\n_________\n(١) انظر: «تفسير الطبري» ١٣٩:١، «أحكام القرآن» للحصاص ٢٣:١، «أحكام القرآن» لابن العربي ٤:١، «الجامع لأحكام القرآن» ١٣٥:١، «تفسير ابن كثير» ٥٢:١.\n(٢) سورة القصص، الآية: ٧٠.\n(٣) سورة الروم، الآية: ١٨.","vol":"1","page":299},{"text":"فقال: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (١). وقال - ﷺ -: «أحثوا في وجوه المداحين التراب» (٢)، وقال - ﷺ -: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>٤ - أمر الله -تعالى- عباده أن يحمدوه ويثنوا عليه ويمجدوه </span>- لما له من صفات الكمال، وتعليمهم كيفية ذلك، لأن قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وان كانت هذه جملة خبرية، فهي متضمنة لمعني الطلب (٤).\nوهكذا جل الآيات التي حمد الله- تعالى- بها نفسه هي متضمنة تعليم عباده وأمرهم أن يحمدوه.\nولهذا رغب المصطفي - ﷺ - بالحمد لله. فعن أبي مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الطُّهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها» (٥).\n_________\n(١) سورة النجم، الآية: ٣٢.\n(٢) أخرجه مسلم في الزهد من حديث المقداد بن الأسود- الحديث ٣٣٠٢.\n(٣) أخرجه البخاري في الأنبياء- الحديث ٣٤٤٥.\n(٤) انظر: «تفسير الطبري» ٣٩:١، «أحكام القرآن» للحصاص ٢٣:١، «أحكام القرآن» لابن العربي ٤:١، «الجامع لأحكام القرآن» ١٣٥:١ - ١٣٦، «تفسير ابن كثير» ٥٢:١.\n(٥) أخرجه مسلم في الطهارة- باب فضل الوضوء الحديث ٢٢٣ من حديث أبي مالك الأشعري.","vol":"1","page":300},{"text":"وعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله ليرضي عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، أو يشرب الشربة فيحمده عليها» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-70>٥ - أن الوصف الكامل مستحق لله على الدوام</span>، وفي جميع الأحوال لقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فهي جملة اسمية تفيد الاستمرار والدوام والكمال فهو المحمود على الدوام وبكل حال كما قال تعالى: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>٦ - في قوله تعالى: (الحمد لله) رد على الجبرية، الذين يقولون إن الله جبر العبد على أفعاله</span>، ومن ثم عاقبه عليها- تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا، ووجه الرد عليهم: أن في إثبات حمده ووصفه بصفات الكمال ما يقتضي أنه لا يعاقب عباده على ما لا قدرة لهم عليه، ولا هو من فعلهم (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>٧ - أن الحمد لا ينبغي أن يكون إلا لمن هو أهل له</span>، ولمقتضي لذلك، وإلا فهو زور وباطل، لأن الله لما حمد نفسه ذكر ما يقتضي ذلك، وأنه تعالى أهل لذلك لكونه- تعالى-: الله رب العالمين ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤)\n_________\n(١) أخرجه مسلم في الذكر٠ باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب- الحديث ٢٧٣٤.\n(٢) سورة القصص، الآية: ٧٠.\n(٣) انظر «مدارج السالكين» ٩١:١ - ٩٢.\n(٤) انظر: «الكشاف» ٩:١، «آنوار التنزيل» ٩:١.","vol":"1","page":301},{"text":"قال ابن القيم (١) ﵀: «في ذكر هذه الأسماء بعد الحمد، وإيقاع الحمد على مضمونها ومعناها ما يدل على أنه محمود في إلهيته، ومحمود في ربوبيته، محمود في رحمانيته، محمود في ملكه، وأنه إله محمود ورب محمود، ورحمن محمود، وملك محمود، فله بذلك جميع أقسام الكمال، كمال من هذا الاسم بمفرده، وكمال من اقتران أحدهما بالآخر ..».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>٨ - يؤخذ من قوله -تعالى-: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الإقرار والاعتراف من العبد لله جل وعلا بالكمال من جميع الوجوه وبالفضل والإنعام والإحسان</span>، والإقرار من العبد على نفسه بضعفه وفقره وحاجته إلى ربه في أمور دينه ودنياه. وهذا من أجل أنواع العبادة لله وأفضلها، بأن يعترف العبد لله بالكمال المطلق من جميع الوجوه، ويدخل على ربه من باب الذلة والانكسار، ولا يعجب بعملة. وهذا هو أصل معني العبادة لله تعالى- كما تقدم. وقد كان هذا دأب الأنبياء والمرسلين والصالحين من أممهم يدعون ربهم متذللين خاضعين سائلين ربهم المغفرة. قال - ﷺ -: «أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي وأعترف بذنبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>٩ - إثبات توحيد الأسماء والصفات </span>«توحيد العلم» لأن الله افتتح\n_________\n(١) في «مدارج السالكين» ٥٩:١ - ٦١، وانظر «التفسير القيم» ص٣٤ - ٣٧. وانظر «الكلام عن مسألة السماع» ص ١٩٥ - ١٩٧.\n(٢) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين- الحديث ٧٧١ من حديث علي بن أبي طالب - ﵁ -. وانظر «أمراض القلوب وشفاؤها» لابن تيمية ص١١ - ١٢.","vol":"1","page":302},{"text":"السورة بقولة تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ومعناه- كما تقدم- وصفه تعالى بصفات الكمال، كما ذكر تعالى فيها خمسة من أسمائه، وهي «الله»، و«الرب» و«الرحمن» و«الرحيم» و«الملك» وهذه الأسماء دالة على بقية أسمائه تعالى، وكل منها يؤخذ منه إثبات صفة من صفاته- تعالى فاسمه- تعالى «الله» يدل على إثبات صفة الربوبية العامة له تعالى صفة ذاتية له تعالى وصفة فعلية، واسماه «الرحمن» «الرحيم» يدل الأول على إثبات صفة الرحمة الذاتية له- تعالى ويدل الثاني «على إثبات صفة الرحمة الفعلية له ﷿» كما قال تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ على القراءتين يدل على أنه مالك يوم الدين ومليكه.\nوأن من صفاته تعالى الذاتية والفعلية أنه مالك، وملك يوم الدين. كما يدل قوله تعالى ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عليهِمْ﴾ على إثبات صفة الغضب له- تعالى-، كما يليق بجلاله وعظمته. وفي إثبات أسمائه تعالى وصفاته رد على نفاتها من المعطلة وغيرهم.\nوقد ذكر ابن القيم (٢) - ﵀- اشتمال الفاتحة على أنواع التوحيد الثلاثة ثم ذكر أنه دل من هذه السورة على توحيد الأسماء والصفات شيئان مجمل ومفصل، قال: «أما المجمل فإثبات الحمد له\n_________\n(١) سورة العنكبوت، الآية: ٢١.\n(٢) انظر «مدارج السالكين» ٤٨:١ - ٥٩، وانظر: «التفسير القيم» ص٢٦ - ٥٥،٣٥","vol":"1","page":303},{"text":"سبحانه، وأما المفصل فذكر صفة الإلهية والربوبية والرحمة والملك، وعلى هذه مدار الأسماء والصفات. فأما تضمن الحمد لذلك، فإن الحمد يتضمن مدح المحمود بصفات كماله ونعوت جلاله، مع محبته، والخضوع له، فلا يكون حامدًا من جحد صفات المحمود، ولا من أعرض عن محبته والخضوع له، وكلما كانت صفات كمال المحمود أكثر كان حمده أكمل، وكلما نقص من صفات كماله نقص من حمده بحسبها، ولهذا كان الحمد كله لله حمدا لا يحصيه سواه لكمال صفاته وكثرتها .. ثم ذكر دلالة هذه الأسماء الخمسة وغيرها من أسمائه تعالى على إثبات الذات والصفات له جلا وعلا ثم بين دلالة اسمه تعالى (الله) على جميع أسمائه الحسني وصفاته العليا، ولهذا تضاف إليه جميع أسمائه كما قال تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ (١)، ثم ذكر ما هو أخص من الصفات بكل اسم من هذه الأسماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>١٠ - إثبات توحيد الإلوهية</span>، «توحيد العبادة» يؤخذ من اسمه- تعالى: (الله) لأن معناه كما تقدم: المألوه المعبود محبة وتعظيمًا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): «والله هو الإله المعبود، فهذا الاسم أحق بالعبادة، ولهذا يقال: الله أكبر، والحمد لله، سبحان الله، لا إله إلا الله، كما يؤخذ توحيد العبادة من قوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ كما سيأتي- إن شاء الله.\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ١٨٠.\n(٢) في «مجموع الفتاوى» ١٢:١٤.","vol":"1","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>١١ - إثبات توحيد الربوبية بقسميه العام لجميع الخلق</span>، والخاص بأولياء الله- تعالى- لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فهو تعالى رب جميع الخلق خالقهم ومالكهم والمتصرف فيهم ومربيهم بجميع النعم، وفي هذا رد على الملحدين الذين ينكرون وجود الله تعالى الله عن قولهم علوا كبيرًا. إذ إن كل ما في الكون من المخلوقات دليل على وجوده وكماله في ذاته وصفاته، كما قيل:\nفوا عجبًا كيف يعصي الإله ... أم كيف يجحده الجاحد\nوفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد\n\nبل إنه تعالى دليل على كل شيء، ولهذا قالت الرسل لأمهم: ﴿فِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ (١)\n\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): «كيف يطلب الدليل على من هو دليل على كل شيء»، وكان كثيرًا ما يتمثل بهذا البيت:\nكيف يصح في الأذهان شيء ... إذا احتاج النهار إلي دليل\n\nوهو تعالى مرب لأولياته المتقين وحزبه المفلحين تربية خاصة بتوفيقهم للإيمان والعمل الصالح، ودفع الصوارف عنهم مما يبعث في قلوبهم الطمأنينة إلي رعاية الله الدائمة وربوبيته القائمة وحفظه الذي لا\n_________\n(١) سورة إبراهيم، الآية: ١٠.\n(٢) انظر: «مدارج السالكين» ٨٧:١.","vol":"1","page":305},{"text":"يغيب (١).\nوإذا ثبتت الربوبية صفة عامة له ﵎ صفة ذاتية، وصفة فعلية وجب توجه جميع الخلق إليه في جميع حوائجهم، وفي جميع عبادتهم لأن من لازم ربوبيته لجميع خلقه، أن يكون هو الإله المعبود، لأن توحيد الربوبية يستلزم توحيد الإلوهية، كما أن توحيد الإلوهية يتضمن توحيد الربوبية، ولهذا لما قال تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّه﴾ أتبع ذلك بوصفه تعالى بقوله ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلي أن المستحق للعبادة هو المتفرد بالربوبية والملك والخلق والتدبير، وعلى هذا فما دل من السورة على إثبات توحيد الإلوهية ففيه دلالة بالتضمن على توحيد الربوبية، وما دل منها على توحيد الربوبية ففيه دلالة بالالتزام على توحيد الإلوهية كما أن في إثبات ربوبيته ردًا على المشركين على معه في إلهيته الذي يعبدون غيره مع إقرارهم بربوبيته. كما أن في إثبات ربوبيته للعالمين دليلًا على مباينته لخلقه بذاته، وبربوبيته وصفاته وأفعاله، وفي هذا رد على من نفي مباينته لخلقه. كما أن في إثبات ربوبيته أيضًا ردًا على أهل الإشراك في ربوبيته من المجوس والقدرية وغيرهم الذين يثبتون مع الله خالقًا آخر. فالقدرية المجوسية يقولون: العبد يخلق فعل نفسه، فلا تدخل أفعالهم تحت ربوبيته- تعالى الله عن ذلك (٢).\n_________\n(١) انظر: «في ظلال القرآن» ١٨:١.\n(٢) انظر: «مدارج السالكين» ٤٨:١،٨٦ - ٩٠، «التفسير القيم» ص ٤٩ - ٥٣.","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>١٢ - إثبات علم الله تعالى الشامل</span>، وقدرته التامة من قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إذ مقتضي ربوبيته للعالمين وخلقة لهم أن يكون عالمًا بهم وبأحوالهم، وأن يكون ذا قدرة تامة نافذة فيهم، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>١٣ - إثبات أنه تعالى الأول بلا بداية </span>لأن قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ معناه أنه خالقهم وموجدهم من العدم بعد أن لم يكونوا شيئًا كما قال- تعالى-: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ (٢) أي قد أتي على الإنسان. وهذا يدل على أنه تعالى هو الأول بلا بداية والآخر بلا نهاية كما قال تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عليمٌ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>١٤ - أن الأحق بالاستعانة والمسألة هو اسم «الرب» </span>لأن من معانيه المربي الخالق المالك الرازق المدبر الناصر الهادي.\nولهذا كان جل دعاء الأنبياء والصالحين وسؤالهم بهذا الاسم (٤).\nكما قال الأبوان ﵉: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٥).\n_________\n(١) سورة الطلاق. الآية: ١٢.\n(٢) سورة الإنسان. الآية: ١.\n(٣) سورة الحديد، الآية: ٣.\n(٤) انظر «دقائق التفسير» ١٧٦:١ - ١٧٧، «تيسير الكريم الرحمن» ٣٤:١.\n(٥) سورة الأعراف، الآية: ٢٣.","vol":"1","page":307},{"text":"وقال نوح ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ (١).\nوقال الخليل ﵇: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (٤٠) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ (٢).\nوقال موسي ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣).\nوقال عيسي ﵇: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ علينَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ﴾ (٤).\nوقال تعالى لنبينا محمد - ﷺ -: ﴿قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ (٥).\nوقال نبينا محمد - ﷺ -: «اللهم أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فأغفر لي ذنوبي جميعا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت» (٦).\nوذكر الله عن المؤمنين قولهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَانَا رَبَّنَا\n_________\n(١) سورة نوح، الآية: ٢٨.\n(٢) سورة إبراهيم، الآية: ٤٠ - ٤١.\n(٣) سورة القصص، الآية: ١٦.\n(٤) سورة المائدة، الآية: ١١٤.\n(٥) سورة الإسراء، الآية: ٨٠.\n(٦) أخرجه مسلم في صلاة المسافرين الحديث ٧٧١ من حديث علي بن أبي طالب - ﵁ -.","vol":"1","page":308},{"text":"وَلَا تَحْمِلْ علينَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (١).\nوقولهم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ (٢). ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآَتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>١٥ - في قوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إشارة إلي تساوي الخلق في الربوبية العامة التي بمعني الخلق والملك والتدبير</span>. وهذا يدل على أن البشر تجمعهم الربوبية فربهم واحد كما أن أباهم واحد، لا فخر لجنس على جنس إلا بالتقوى (٤).\nوفي هذا رد على من يفتخر بحسبه ونسبه. كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (٥).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إن الله ﷿ قد أذهب عنكم عبيَّة (٦) الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن،\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٨٦.\n(٢) سورة آل عمران، الآية: ١٤٧.\n(٣) سورة آل عمران، الآيتان: ١٩٣ - ١٩٤.\n(٤) انظر: «الأركان الأربعة» للندوي ص٣٩.\n(٥) انظر: «الأركان الأربعة» للندوي ص٣٩.\n(٦) عبيه الجاهلية: أي تكبرها.","vol":"1","page":309},{"text":"تقي، وفاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب، ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكون أهون على الله من الجعلان، التي تدفع بأنفها النتن» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>١٦ - في إثبات حمده وروبيته للعالمين وتوحيد رد على من قال بقدم العالم فإن في إثبات حمده ما يقتضي ثبوت أفعاله الاختيارية</span>، والفعل متأخر عن فاعله وفي إثبات ربوبيته للعالمين ما يقتضي أن كل ما سواه مربوب مخلوق بالضرورة، وكل مخلوق حادث بعد أن لم يكن، وفي إثبات توحيده ما يقتضي عدم مشاركه شيء من العالم له في خصائص الربوبية، والقدرة من خصائص الربوبية، فالتوحيد ينفي ثبوته لغيره ضرورة، كما ينفي الربوبية والإلهية لغيره (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>١٧ - في إثبات رحمته -تعالى- ورحمانيته رد على الجبرية في أن الله يعاقب العبد على ما لا قدرة له عليه</span>، ولا هو من فعله، بل يكلفه ما لا يطيق ثم يعاقبه عليه. وهذا باطل فإن في ثبوت رحمته ورحمانيته ما يقتضي أنه تعالى- لا يكلف العبد ما لا قدرة له عليه، ولا يعاقبه بما ليس من فعله، وما لا قدرة له عليه (٣)، بل إنه تعالى- برحمته يعفو حتى عن بعض ما فعله العبد، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في الأدب- باب التفاخر بالأحساب- الحديث ٥١١٦، والترميذي في المناقب- باب فضل الشام واليمن- الحديث ٣٩٥٥، وأحمد ٥٢٤،٣٦١:٢، وقال الترمذي «حسن غريب» ونقل عن المنذري تصحيحه، و«حسنه غريب»، ونقل عن المنذري تصحيحه، و«حسنه الألباني».\n(٢) انظر: «مدارج السالكين» ٦٩:١ - ٩٧، «التفسير القيم» ص ٦٢.\n(٣) انظر «مدارج السالكين» ٩٢:١.","vol":"1","page":310},{"text":"مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>١٨ - إثبات يوم القيامة</span>، والرد على من أنكر البعث والمعاد الجسماني والتأكيد على أنه محقق الوقوع، ولهذا جعله كالموجود القائم في الحال فقال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وخصه بالذكر مع أنه تعالى مالك الدنيا والآخرة معا لانقطاع أملاك الخلائق كلها في ذلك اليوم، ولعظم ذلك اليوم كما قال تعالى: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>١٩ - يؤخذ من قوله -تعالى-: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ الدلالة على أن الملك الحقيقي لله جل وعلا </span>يظهر في ذلك اليوم إذ تنقطع جميع الأملاك سوى ملكه جل وعلا، وأن كل ملك دون ذلك الملك فهو حقير زائل، وأن الدنيا بما فيها من أملاك لا تساوى شيئا بالنسبة للآخرة، وأنها بما فيها من أيام لا تعد شيئا بالنسبة ليوم الدين يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ (٣). وقال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ (٥).\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>٢٠ - إثبات محاسبة الله للعباد ومجازاته لهم على أعمالهم بالعدل</span>، لقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ والدين معناه الجزاء بالعدل:\n_________\n(١) سورة الشورى، الآية: ٣٠.\n(٢) سورة البروج، الآية: ١٦.\n(٣) سورة الفرقان، الآية: ٢٦.\n(٤) سورة غافر، الآية: ١٦.\n(٥) سورة النبأ، الآية: ٣٩.","vol":"1","page":311},{"text":"أي كما تدين تدان، إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>٢١ - إثبات كتابة الأعمال وتدوينها وإحصائها</span>، لأن المجازاة عليها تقتضي ذلك، إذ كيف يدان عليها ويجازى إلا بعد إحصائها، كما قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>٢٢ - الحث على الاستعداد ليوم الدين </span>بالإيمان والعمل الصالح، والتحذير من الكفر والمعاصي.\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>٢٣ - في تقديم قوله تعالى: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ على قوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ إشارة إلى أن رحمته تعالى سبقت غضبه</span>، كما جاء في الحديث «إن رحمتي سبقت غضبي» (٤) يؤيد ذلك تكرار ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ في البسملة والفاتحة. وهذا مما يبعث في قلب المؤمن الطمأنينة، فيلهج بالحمد والثناء لربه الرحمن الرحيم.\nوعلى هذا فينبغي للعلماء وطلبة العلم إلى الله أن يقدموا\n_________\n(١) سورة الزلزلة، الآيتان ٧ - ٨.\n(٢) سورة ق، الآية ١٨.\n(٣) سورة الانفطار الآيات: ٩ - ١٢\n(٤) أخرجه البخاري في بدء الخلق - الحديث ٣١٩٤من حديث أبى هريرة، وكذا مسلم في التوبة -باب في سعة رحمة الله وأنها سبق غضبه الحديث ٢٧٥١","vol":"1","page":312},{"text":"للناس الترغيب برحمة الله والتبشير بها قبل الترهيب من عقوبته، بل ينبغى ان يعطى الكلام عن ﵀ أكثر لأن رحمته تعالى سبقت غضبه، لكن لاينسى الترهيب من عقوبته، ولكل مقام مقال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>٢٤ - الجميع بين الترغيب والترهيب </span>(١) يؤخذ ذلك من قوله تعالى: ﴿الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ فهذا ترغيب، ثم قال تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ وهذا ترهيب كما قال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ (٥٠)﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾ (٤).\nوعن أبى هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال «لو يعلم الؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد» (٥).\nوالغرض من الترغيب والترهيب في القرآن والسنة المسلم إلى ربه بين الرغبة والرهبة، وبين الخوف والرجاء، فلا يغلب جانب أحدهما على الآخر فيهلك.\n_________\n(١) انظر «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٣٩،تفسير ابن كثير ٥٠:١.\n(٢) سورة الحجر، الآيتان: ٥٠:٤٩\n(٣) سورة الأعراف، الآية:١٦٧.\n(٤) سورة غافر، الآية:٣.\n(٥) أخرجه مسلم في التوبة - باب سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه الحديث ٢٧٥٥.","vol":"1","page":313},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>٢٥ - في قول ﴿إِيَّاكَ﴾ رد على الملاحدة والدهرية المنكرين لوجود الله</span>، لأن هذا خطاب لموجود حاضر (١) ... بعلمه وإحاطته مع كل مخلوقات كما قال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (٢). وهو مع عباده المتقين بعونه ونصره وتأييد كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّه مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَاَلَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>٢٦ - في قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بعد الآيات قبله انتقال من الغيبة إلى الخطاب لأجل تنبيه القارئ والمستمع </span>وهذا يدل على أنه يحسن الانتقال في الكلام أحيانا والالتفاف فيه لأجل تنبيه القارئ والمستمع كما أنه أبعث على النشاط وأدعى للإصغاء.\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>٢٧ - دل قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على إثبات نوع من أنواع العبودية </span>وهى العبودية الخاصة وهى عبودية والمحبة، وإتباع الأوامر (٤)،كما قال تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (٥).\nوقال تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (٦).\n_________\n(١) انظر «البحر المحيط» ١: ٢٥\n(٢) سورة المجادلة، الآية:٧\n(٣) سورة النحل، الآية ١٢٨\n(٤) انظر «مدارج السالكين» ١ - ١٣١ - ١٣٣\n(٥) سورة الزخرف، الآيتان: ٦٨ - ٦٩\n(٦) سورة الزمر الآيتان: ١٧ - ١٨","vol":"1","page":314},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ (١).\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَك عَلَيْهِمْ سُلْطَان﴾ (٢).\nوقال تعالى عن إبليس: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٣).\nفهؤلاء أهل طاعته تعالى وولايته، وهم عبيد إلهيته الذين خضعوا له وذلوا طوعًا واختيارًا لأمره ونهيه، ولا يجئ في القرآن إضافة العباد إليه-تعالى - مطلقا إلا لهؤلاء وهم ومن عداهم من الخلق يجتمعون في العبودية العامة: عبودية الربوبية: الخلق والملك والتدبير والقهر والخضوع له قهراَ ورغماَ فهذه تشمل المؤمن والكافر. قال تعالى: ... ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (٤).\nوقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ (٥) فسماهم عباده مع ضلالهم تسمية مقيدة بالإشارة. وقال تعالى: ﴿قُلِ اللهُمّ فَاطِرَ السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٦). وقال تعالى: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ (٧).\n_________\n(١) سورة الفرقان، الآية: ١٧\n(٢) سورة الحجر، الآية ٤٢\n(٣) سورة الحجر الآيتان: ٣٩ - ٤٠\n(٤) سورة مريم، الآية: ٩٣\n(٥) سورة الفرقان، الآية: ١٧\n(٦) سورة الزمر، الآية: ٤٦\n(٧) سورة غافر، الآية:٣١","vol":"1","page":315},{"text":"وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ (١).\nوقد ذكر ابن القيم (٢) ﵀: مراتب (إياك نعبد) علماَ وعملاَ فقال «فأما مراتبها العلمية فمرتبتان: إحداهما: العلم بالله. والثانية: العلم بدينه.\nفأما العلم به سبحانه فخمس مراتب: العلم بذاته، وصفاته وأفعاله وأسمائه، وتنزيهه عما لا يليق به.\nوالعلم بدينه مرتبتان إحداهما: دينه الأمري الشرعي وهو الصراط المستقيم الموصل إليه. والثانية دينه الجزائي، المتضمن ثوابه وعقابه. وقد دخل في هذا العلم بملائكته ورسله.\nوأما مراتبها العملية فمرتبتان: مرتبة لأصحاب اليمين، ومرتبة للسابقين المقربين.\nفأما مرتبة أصحاب اليمين فأداء الواجبات، مع ارتكاب المباحات وبعض المكروهات، وترك بعض المستحبات\nوأما مرتبة المقربين: فالقيام بالواجبات، وترك المحرمات والمكروهات زاهدين فيما لا ينفعهم في معادهم، متورعين عما يخافون ضرره. وخاصتهم قد انقلبت المباحات في حقهم طاعات وقربات بالنية، فليس في حقهم مباح مساوي الطرفين، بل كل أعمالهم\n_________\n(١) سورة غافر، الآية: ٤٨\n(٢) في «مدارج السالكين» ١: ١٣٤ - ١٣٥، وانظر «التفسير القيم» ص٩٨ - ٩٩","vol":"1","page":316},{"text":"راجحة، ومن دونهم يترك المباحات مشتغلاَ عنها بالعبادات، وهؤلاء يأتونها طاعات وقربات، ولأهل هاتين المرتبتين درجات لا يحصيها إلا الله.\nكما ذكر أبن القيم - ﵀ (١) -أن لأهل مقام (إياك نعبد) وهم أهل هذه العبودية الخاصة - في أفضل العبادة وأنفعها طرقا أربعة، فهم في ذلك أربعة أصناف: عندهم أنفع العبادات وأفضلها أعظمها مشقة على النفوس، قالوا: والأجر على قدر المشقة.\nوالصنف الثاني قالوا: أفضل العبادات التجرد والزهد في الدنيا، وعدم الاكتراث بكل ما هو منها.\nوالصنف الثالث: رأوا أن أنفع العبادات وأفضلها ما فيه نفع متعد كخدمة الفقراء والاشتغال بمصالح الناس.\nوالصنف الرابع: قالوا أفضل العبادة العمل على مرضاة الرب في كل وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته، فأفضل العبادات في وقت الجهاد: الجهاد وإن آل إلى ترك الأوراد من صلاة الليل وصيام النهار، بل ومن ترك إتمام صلاة الفرض كما في حالة الأمن والأفضل في وقت حضور الضيف القيام بحقه والاشتغال به عن الورد المستحب والأفضل في وقت الوقوف بعرفة الاجتهاد في التضرع والدعاء والذكر دون الصوم المضعف عن ذلك.\n_________\n(١) انظر «مدارج السالكين» ١: ١١٠ - ١١٥","vol":"1","page":317},{"text":"ثم ذكر ﵀ (١) اختلاف الناس في حكمة العبادة وفائدتها وأنهم في ذلك أربعة أصناف أيضا الصنف الأول نفاه الحكم والتعليل الذين يردون الأمر إلى محض المشيئة وصرف الإدارة، والصنف الثاني القدرية النفاة الذين يثبتون نوعًا من الحكمة والتعليل لكنه لا يقوم بالرب ولا يرجع إليه بل يرجع إلى مجرد مصلحة المخلوق ومنفعته فعندهم أن العبادات شرعت أثمانًا لما يناله العبد من الثواب العظيم كأجرة الأجير. والصنف الثالث زعموا أن حكمة العبادة ومصلحتها رياضة النفوس من الصوفية والفلاسفة، والصنف الرابع الطائفة الإبراهيمية المحمدية العارفون بالله وحكمته في أمره وشرعه وخلقه وأهل البصائر في عبادته ومراده بها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>٢٨ - وجوب إخلاص العبادة لله تعالى بجميع أنواعها اعتقادًا وقولًا وعملًا</span>، والبراءة من الشرك ووسائله، ومن الحول والقوة - لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ففي تقديم المفعول في الموضعين وفى تكراره، مع: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ما يؤكد تخصيصه جل وعلا بالعبادة والاستعانة والدعوة إلى عبادة الله، وتخصيصه بجميع أنواع العبادة من الاستعانة وغيرها. وهى أساس دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم. قال نوح ﵇: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ ... إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (٢) وكذلك قال هود (٣)\n_________\n(١) انظر «المصدر السابق» ١: ١١٥ - ١٢٢\n(٢) سورة الأعراف، الآية: ٥٩، وسورة المؤمنون، الآية: ٢٣\n(٣) سورة الأعراف، الآية: ٦٥، وسورة هود، الآية: ٥٠","vol":"1","page":318},{"text":"وصالح (١) وشعيب (٢) وإبراهيم (٣) ﵈. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤)،وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلك مِنْ رَسُول إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (٦).\nوقد قرن الله بين ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ و﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لأن في قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تحقق الألوهية وإبطالًا للشرك فيها، وفي قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تحقيق الربوبية، وإبطالًا للشرك فيها، قال شيخ الإسلام ابن تميمة (٧): «وكل واحد من العبادة والاستعانة دعاء، وإذا كان الله قد فرض علينا أن نناجيه، وندعوه بهاتين الكلمتين في كل صلاة، فمعلوم أن ذلك يقتضي أنه فرض علينا أن نعبده وأن\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ٧٣، وسورة هود، الآية: ٦١\n(٢) سورة الأعراف، الآية ٨٥، وسورة هود، الآية: ٨٤\n(٣) كما قال تعالى في سورة العنكبوت ﴿وَإِبْرَاهِيم إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اُعْبُدُوا اللَّه وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْر لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الآية: ١٦، وانظر «مدارج السالكين» ١: ١٢٧، «طريق الهجرتين» ص٦٧.\n(٤) سورة النحل، الآية ٣٦\n(٥) سورة الأنبياء، الآية ٢٥\n(٦) سورة المؤمنون، الآيتان: ٥١ - ٥٢\n(٧) في «مجموع الفتاوى» ١٤: ٨، وانظر «مدارج السالكين» ١: ٩٩ - ١٠٠، «تفسير ابن كثير» ١: ٥٢، «الأركان الأربعة» ص٤٠.","vol":"1","page":319},{"text":"نستعينه، إذ إيجاب القول الذي هو إقرار واعتراف ودعاء وسؤال هو إيجاب لمعناه ....»\nثم ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (١) أن الإنسان بين هذين الواجبين لا يخلو من أحوال أربعة هي القسمة: إما أن يأتي بهما جميعًا، وإما أن يأتي بالعبادة فقط، وإما أن يأتي بالاستعانة فقط، وإما أن يتركهما جميعًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>٢٩ - دل قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على أن العبد لا ينفك عن العبودية حتى الموت </span>كما قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٢). أي حتى الموت، ولهذا قال الله تعالى عن أهل النار إنهم يقولون: ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ (٣). أي الموت وهذا بإجماع المفسرين المعتبرين.\nوفي الحديث الصحيح في قصة موت عثمان بن مظعون - ﵁ -:أن النبي - ﷺ - قال «أما عثمان فقد جاءه اليقين من ربه» (٤):أي الموت وما فيه.\nوفي هذا الرد على الخرافيين من الصوفية الذين يزعمون أن الواحد\n_________\n(١) «مجموع الفتاوى» ١٤: ٨، ١٠، ٣٦ وانظر: ١: ٣٦، وانظر «مدارج السالكين» ١: ١٠٣ - ١٠٧\n(٢) سورة الحجر، الآية ٩٩\n(٣) سورة المدثر، الآية:٤٦ - ٤٧\n(٤) أخرجه البخاري في الجنائز - الحديث ١٢٤٣، وفي مناقب الأنصار الحديث ٣٩٢٩","vol":"1","page":320},{"text":"منهم قد يصل إلى مقام يسقط عنه التعبد والتكليف. ويفسرون اليقين في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ بأنه وصول المرء إلى أعلى المقامات، وهو سقوط التكليف، وكونه لا يسأل عما يفعل.\nقال ابن القيم (١).-﵀-» فلا ينفعك العبد من العبودية ما دام في دار التكليف، بل عليه في البرزخ عبودية أخرى لمَّا يسأله الملكان: \"من كان يعبد؟ وما يقوله في رسول الله - ﷺ - ويلتمسان من الجواب\". وعليه عبودية أخرى يوم القيامة يوم يدعو الله الخلق كلهم إلى السجود، فيسجد المؤمنون، ويبقى الكفار والمنافقون، لا يستطيعون السجود فإذا دخلوا دار الثواب والعقاب أنقطع التكليف هناك، وصارت عبودية أهل الثواب تسبيحًا مقرونًا بأنفسهم، لا يجدون له تعبًا ولا نصبًا. ومن زعم أنه يصل إلى مقام يسقط عنه فيه التعبد فهو زنديق كافر بالله وبرسوله، وإنما وصل إلى مقام الكفر بالله، والانسلاخ من دينه، بل وكلما تمكن العبد في منازل العبودية كانت عبوديته أعظم والواجب عليه منها أكبر وأكبر من الواجب على من دونه، ولهذا كان الواجب على رسول الله - ﷺ - بل على جميع الرسل أعظم من الواجب على أممهم، والواجب على أولي العزم أعظم من الواجب على من دونهم، والواجب على أولى العلم أعظم من الواجب على من دونهم، وكل أحد بحسب مرتبته».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>٣٠ - حاجة جميع الخلق إلى عون الله -تعالى</span>- وإمداده وافتقار\n_________\n(١) في «مدارج السالكين» ١ - ١٣٠ - ١٣١، وانظر «التفسير القيم» ص ٩٤ - ٩٥","vol":"1","page":321},{"text":"جميع الخلق إليه في جميع أمورهم الدينية والدنيوية لقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وكما جاء في الدعاء «اللهم لا تكلني إلى نفسي ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين» (١).\nفالعبد دائمًا وأبدًا في حاجة إلى عون الله - تعالى وإمداده، وكما قيل:\nإذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأول ما يجني عليه اجتهاده\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>٣١ - تقديم حقه تعالى حق العبد</span>، وتقديم العام على الخاص، والغاية على الوسيلة، والأهم على المهم لقولة تعالى، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>٣٢ - لما كانت عبادة الله تعالى هي أشرف مقام يصل إليه العبد </span>أتبع قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ لئلا يتعاظم المرء في نفسه وبداخله العجب بعبادته، وليعلم أن ما حصل له من التذلل لربه والخضوع له إنما هو بعون الله وتوفيقه.\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>٣٣ - دل قوله -تعالى-: ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على إثبات القدر</span>، وأن الله فاعل حقيقة وإبطال قول القدرية الذين يقولون: إن العبد يخلق فعل نفسه. فإن استعانتهم به إنما تكون على شيء هو بيده،.وتحت قدرته ومشيئته، فلو كان بيدهم الفعل فكيف يستعينون على إيجاده بمن ليس ذلك الفعل بيده (٢).\n_________\n(١) أخرجه أحمد ٥:٤٢دون «ولا إلى أحد من خلقك»\n(٢) انظر «مدارج السالكين» ١:٩٠ التفسير القيم ص٥٤، شفاء العليل ص ٥٢ - ٥٣","vol":"1","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>٣٤ - في نسبة العبادة والاستعانة إلى العباد في قوله (نعبد) ... (ونستعين) دليل على أن ذلك من فعلهم</span>، وأن لهم على ذلك قدرة واختيارًا ومشيئة، وأن العبد حقيقة هو العابد والمستعين، والله هو المعبود مجبور على أفعاله (١).قال بعض السلف من أقر بـ، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فقد برئ من الجبر والقدر (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>٣٥ - في تقديم قوله -تعالى- ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ </span>(٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ دلالة على أن من آداب الدعاء والسؤال أن يقدم السائل بين يدي سؤاله ما يكون سببًا للإجابة من الحمد الله الثناء عليه وتمجيده، وإعلان إخلاص العبادة له، والاستعانة به، والبراءة من الشرك ومن الحول والقوة، ثم يسأل حاجته الدينية أو الدنيوية (٣).\nومثل ذلك أن يقدم بين يدي سؤاله الاعتراف بالخطأ والذنب كما قال الأبوان ﴿رَبّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِر لَنَا وَتَرْحَمنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ\n_________\n(١) انظر تفسير الطبرى ١٦٨ - ١٦٣ - ١٦٢ - مدارج السالكين ٩٢:١ التفسير القيم ص ٥٦ البحر المحيط ٢٥:١\n(٢) انظر أحكام القرآن للجصاص ٢٣:١\n(٣) انظر أحكام القرآن للجصاص ٢٣: ١","vol":"1","page":323},{"text":"الْخَاسِرِينَ﴾ (١).\nوقال موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ (٢).\nوقال ذو النون: ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣) ومثل ذلك، لأن السائل شدة حاجته كما قال موسى ﵇ ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٤).\nويتفرع عن هذه الفائدة أنه يقدم بين يدي سؤاله ما يكون سببًا للإجابة كالثناء عليه والدعاء له وذكر السائل شدة حاجته قال الشاعر:\nأأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إن شيمتك الحياء\nإذا أثنى عليك المرء يومًا ... كفاه من تعرضه الثناء (٥)\nقال ابن القيم (٦) ولما كان سؤال الله الهداية إلى صراط المستقيم أجل المطالب، ونيله أشرف المواهب: علم الله عباده كيفية سؤاله، وأمرهم أن يقدموا بين يديه حمده والثناء عليه وتمجيده، ثم ذكر عبوديتهم وتوحيدهم فهاتان وسيلتان إلى مطالبهم. وتوسل إليه بأسمائه وصفاته، وتوسل إليه بعبوديته. وهاتان الوسيلتان، ولا يكاد يرد\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ٢٣\n(٢) سورة القصص الآية:٢٤\n(٣) سورة الأنبياء، الآية:٨٧\n(٤) سورة القصص الآية:٢٤\n(٥) انظر «تفسير أبن كثير» ٥٤:١\n(٦) في مدارج السالكين ٤٧ - ٤٦:١ وأنظر التفسير القيم ص ٢٣ - ٢٤","vol":"1","page":324},{"text":"معهما الدعاء، ويؤيدهما الوسيلتان المذكورتان في حديثي الاسم الأعظم.\nأحدهما: حديث بريدة قال: «سمع النبي - ﷺ - رجلا يدعو ويقول: اللهم أسألك بأني أشهد أنك الله الذي لا إله إلا أنت الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. فقال «والذي نفسي بيده، لقد سأل باسمه العظم، الذي دعي به أجاب وإذا سئل أعطى» (١).\nوالثاني: حديث أنس أن رسول الله - ﷺ - سمع رجلًا يدعو: ... «اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض، ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم، فقال: لقد سأل الله باسمه الأعظم» (٢).\nففي هذين الحديثين توسل إلى الله بتوحيده وأسمائه وصفاته. قال ابن القيم (٣): «وقد جمعت الفاتحة الوسيلتين، وهما: التوسل\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في الصلاة - باب الدعاء الحديث ١٤٩٣، والنسائي في الصلاة، باب الدعاء الحديث ١٣٢٤، والترمذي في الدعوات باب الجامع الحديث ٣٤٧٥ وابن ماجه في الدعاء باب أسم الله الأعظم الحديث ٣٨٥٧، وأحمد وابن حبان ٨٨٨، ٨٨٩، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وكذا صححه الألباني\n(٢) أخرجه أبو داود وفي الباب السابق الحديث ١٤٩٥، والنسائي في الباب السابق الحديث وابن ماجه في الباب السابق الحديث ١٣٢٦، وأبن حيان الحديث ٨٩٠ والحاكم ١: ٥٠٣ - ٥٠٤ وصححه ووافقه الذهبي وكذا صححه الألباني\n(٣) في «مدارج السالكين» ١: ٤٦: ٤٧","vol":"1","page":325},{"text":"بالحمد والثناء عليه وتمجيده والتوسل إليه بعبوديته وتوحيده. ثم جاء سؤال أهم المطالب، وأنجح الرغائب - وهو الهداية بعد الوسيلتين فالداعي به حقيق بالإجابة»\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>٣٦ - وجوب دعاء الله والتضرع إليه وسؤاله الهداية</span>، التي هي أجل المطالب لقوله: ﴿اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم﴾ أي: اهدنا إليه وفيه، وذلك بالتوفيق إلى سلوك طريق الإيمان دون سواه وإلى فعل التفاصيل الدينية بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، فالعبد في كل لحظة وعند أي عمل في حاجة أن يوفقه الله وعونه وتوفيقه للعبد لانقطعت به الأسباب، وضل عن جادة الصواب فحاجة العبد إلى سؤال الله هذه الهداية ضرورية لسعادته وفلاحه في الدنيا والآخرة أشد من حاجته إلى الرزق والطعام والشراب وغير ذلك (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>٣٧ - في قوله تعالى ﴿اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم﴾ رد على القدرية المجوسية </span>القائلين بأن العبد يخلق فعل نفسه، ولو كان يخلق فعل نفسه ما كان في حاجة إلى أن يسأل الهداية (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>٣٨ - إن الهدى الحقيقي الصحيح هو ما جاء عن الله -تعالى</span>- لقول ﴿اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم﴾ فمن التمس من غير الله فهو\n_________\n(١) انظر مجموع الفتاوى ١٤:٣٩،١٧:١٣١ - ١٣٢،٨: ٢١٥ - ٢١٦ «بدائع الفؤاد» ٢:١٨\n(٢) انظر الجامع «لأحكام القرآن» ١: ١٤٩","vol":"1","page":326},{"text":"على ضلال كمن يحتكم إلى القوانين الوضعية التي وضعها البشر، وصدق الله العظيم ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>٣٩ - مشروعية دعاء المسلم لإخوانه المسلمين </span>حين يدعو لنفسه يؤخذ هذا التعبير بضمير الجمع في قوله: ﴿اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم﴾ (٢). وفي هذا وفي قوله قبله ﴿نَعْبُدُ﴾ و﴿نَسْتَعِينُ﴾ إشارة إلى فضل الجماعة (٣) كما أن في الآيتان بضمير الجمع فيهما تعظيمًا لله تعالى وثناء عليه بسعة مجده وكثرة سائليه (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>٤٠ - ربط الأعمال ونجاحها بأسبابها</span>، وربط الأسباب بمسبباتها يؤخذ هذا من قوله: ﴿اِهْدِنَا الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم﴾. فبهداية الله للعبد وتوفيقه له يسلك الطريق المستقيم فيعرف الحق ويعمل به.\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>٤١ - أن صراط الله والطريق الموصل إليه عدل مستقيم لا اعوجاج فيه </span>وهو الإيمان بالله -تعالى- ومعرفة الحق والعمل به والعلم النافع والعمل الصالح، وهو المؤدي إلى السعادة في الدنيا والآخرة، بخلاف طرق الباطل فهي ملتوية معوجة وتؤول بصاحبها إلى الشقاء والهلاك في الدنيا والآخرة.\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>٤٢ - يؤخذ من قوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ </span>(٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ بعد قوله في أول السورة، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ\n_________\n(١) سورة المائدة، الآية ٥٠\n(٢) انظر التفسير أبن كثير ٥٣:١\n(٣) انظر «تأملات في سورة الفاتحة» ص ٩١ - ٩٩\n(٤) انظر «بدائع الفوائد» ٣٩؛٢","vol":"1","page":327},{"text":"الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إن من كانت هذه صفته لم يكن أحد أحق منه بالعبادة والاستعانة وطلب الهداية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>٤٣ - إن الصراط المستقيم الذي يسأل العبد ربه الهداية إليه هو صراط الذين أنعم عليهم بطاعته وتعالى</span>، وطاعة رسوله - ﷺ - فأنعِم به من طريق، وأكرم بها من نعمة. وقال تعالى في سورة النساء ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ (١) وقد أضاف ﷾ الصراط إلى الاسم الموصول في قوله ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ ليعم السؤال الهداية إلى صراط جميع المنعم عليهم بجميع تفاصيله (٢).\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>٤٤ - أن الهداية للطريق المستقيم بالإيمان بالله والعمل الصالح </span>هي أعظم نعمة على العبد ولا تنال إلا بإنعام الله وتوفيقه للعبد، وقال تعالى ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.وقال تعالى ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ (٣).فمن وفق ورزق هذه النعمة، وهي نعمة الإيمان بالله فهو الموفق، وإن فاته ما دونها من النعم، ومن حرمها ولم يوفق لها فذا هو الخاسر المغبون وإن حصل له شيء مما دونها من النعم،\n_________\n(١) سورة النساء الآية ٦٩؛٧٠\n(٢) انظر «بدائع الفوائد» ٢: ١٧ - ١٨\n(٣) سورة الحجرات، الآية: ١٧","vol":"1","page":328},{"text":"بل إن التوفيق لهذه النعمة سبب للتوفيق لما دونها من النعم، وإن حرمانها سبب وعلامة على حرمان ما دونها من النعم.\nوهذه هي النعمة المطلقة التي بها سعادة المرء في الدنيا والآخرة، وهي التي تخص الله بها أولياءه أما مطلق النعمة فهو عام لهم ولغيرهم.\nقال ابن القيم (١) ﵀: «وفي تخصيصه لأهل الصراط المستقيم بالنعمة ما دل على أن النعمة المطلقة للفلاح الدائم، وأما مطلق النعمة فعلى المؤمن والكافر، فكل الخلق في نعمة، فهذا فصل النزاع، في مسألة هل لله على الكافر نعمة أم لا؟. فالنعمة المطلقة لأهل الإيمان، ومطلق النعمة تكون للمؤمن والكافر، كما قال تعالى ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (٢). والنعمة من جنس الإحسان، بل هي الإحسان، والرب تعالى إحسانه على البر والفاجر والمؤمن والكافر، وأما الإحسان المطلق فللذين اتقوا والذين هم محسنون».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>٤٥ - في قوله تعالى </span>«مبنيًا للفاعل الاستعطاف بنسبة النعم إلى الله والاعتراف بنعمه السابقة على العباد فكأنه يقول أسألك يا رب الهداية يا سابق الإنعام والفضل والإحسان، كما في الدعاء\n_________\n(١) في مدارج السالكين ١: ٣٥، وانظر «التفسير القيم» ص١٢، «بدائع الفوائد».\n(٢) سورة إبراهيم، الآية ٣٤","vol":"1","page":329},{"text":"«اللهم اهدني فيمن هديت» (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-111>٤٦ - التنويه بعلو شأن المنعم عليهم وفضلهم ورفعة قدرهم</span>، وعلو درجاتهم يؤخذ هذا من قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>٤٧ - الترغيب بسلوك الطريق المستقيم </span>ببيان الرفقة فيه وسالكيه وأنعم بهم من رفقة.\nقال ابن القيم (٢): ولما كان طالب الصراط المستقيم أمر أكثر الناس ناكبون عنه مريدًا لسلوك طريقٍ\nمرافقه فيها في غاية القلة والعزة والنفوس مجبولة على وحشة التفرد وعلى الأنس بالرفيق نبه الله سبحانه على الرفيق في هذه الطريق، وأنهم هم ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٣).\nفأضاف الصراط إلى الرفيق السالكين له، وهم الذين أنعم الله عليهم ليزول عن الطالب للهداية، وسلوك الصراط وحشة تفرده عن أهل زمانه وبني جنسه وليعلم أن رفيقة في هذا الصراط هم الذين أنعم الله عليهم، فلا يكترث بمخالفة الناكبين عنه له، فإنهم هم الأقلون قدرًا، وإن كانوا الأكثرين عددًا، كما قال بعض السلف «عليك بطريق الحق\n_________\n(١) أخرجه من حديث الحسن بن على أبو داود في الصلاة القنوت والوتر الحديث ١٤٢٥، والنسائي في قيام الليل، الحديث ١٦٤٧، وابن ماجه - ما جاء في الوتر الحديث ١١٧٨، وأحمد ١: ١٩٩ وهو حديث صحيح.\n(٢) في «مدارج السالكين» ١: ٤٤ - ٤٥ وانظر «التفسير القيم» ص٢١.\n(٣) سورة النساء، الآية ٩٦","vol":"1","page":330},{"text":"ولا تستوحش لقلة السالكين، وإياك وطريق الباطل ولا تغتر بكثرة الهالكين\" وكلما استوحشت في تفردك فانظر إلى الرفيق السابق واحرص على اللحاق بهم، وغض الطرف عمن سواهم، فإنهم لن يغنوا عنك من الله شيئًا وصاحوا بك في طريق سيرك فلا تلفت إليهم، فإنك متى التفت إليهم أخذوك وعاقوك.\nوقد ضربت لذلك مثلين، فليكونا منك على بال:\nالمثل الأول: رجل خرج من بيته إلى الصلاة، لا يريد غيرها فعرض له في طريقه شيطان من شياطين الإنس، فألقى عليه كلامًا يؤذيه، فقهره، ومنعه عن الوصول إلى المسجد، حتى فاتته الصلاة وربما كان الرجل أقوى من شيطان الإنس، ولكن اشتغل بمهاوشته عن الصف الأول، وكمال إدراك الجماعة فإن التفت إليه أطمعه في نفسه، وربما فترت عزيمته. فإن كان له معرفة وعلم زاد في السعي والجمز (١)، بقدر التفاته أو أكثر فإن أعرض عنه، واشتغل بما هو بصدده وخاف فوت الصلاة أو الوقت: لم يبلغ عدوه منه ما شاء.\nالمثل الثاني: الظبي أشد سعيًا من الكلب، ولكنه إذا أحس به التفت إليه فيضعف سعيه. فيدركه الكلب، فيأخذه.\nوالقصد أن في ذكر هذا الرفيق: ما يزيل وحشة التفرد، ويحث على السير والتشمير للحاق بهم، وهذه إحدى الفوائد في دعاء القنوت\n_________\n(١) الجمز: سرعة السير والعدو - انظر «اللسان» مادة جمز","vol":"1","page":331},{"text":"«اللهم اهدني فيمن هديت» (١) أي أدخلني في هذه الزمرة واجعلني رفيقا لهم ومعهم ..».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>٤٨ - أن الطريق الحق واحد </span>ولهذا ذكر بالإفراد وعُرّف الموضوعين الأول، والثاني بالإضافة. قال تعالى ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أي الطريق المعهود المعروف\nبخلاف طرق الباطل فهي كثيرة متشبعة ولهذا ذكرها بالجمع بينما أفرد طريق الحق في قوله تعالى ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٢) قال ابن القيم (٣): ... «وذكر الصراط المستقيم مفردًا معرفًا تعريفين، تعريفًا باللام وتعريفًا بالإضافة، وذلك يفيد تعينه واختصاصه، وأنه صراط واحد، وأما طرق أهل الغضب والضلال فإنه سبحانه يجمعها ويفردها كقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (٤) وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: «خط لنا رسول الله - ﷺ - خطًا وقال: هذه سبيل الله ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن\n_________\n(١) سبق تخريجه قريبًا\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ١٥٣\n(٣) في مدراج السالكين ٣٨ - ٣٧ - وأنظر التفسير القيم ص١٤\n(٤) سورة الأنعام، الآية: ١٥٣","vol":"1","page":332},{"text":"يساره وقال سبل، على كل سبيل شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>٤٩ - أن الصراط تارة يضاف إلى سالكيه</span>، كما في قوله - تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وتارة يضاف إلى الله - تعالى - الذي نصبه وشرعه ووضعه لعباده كما في قوله- تعالى: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (٢) وقوله تعالى ﴿وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾ (٣) وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا﴾ (٤).\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>٥٠ - وجوب الاعتراف بالنعمة لموليها ومسديها </span>لقوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ فالنعم الحق بجميع النعم هو الله -جل وعلا - كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ (٦).\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>٥١ - في إثبات حمده بصفات الكمال وإثبات ربوبيته وملكه</span>، وكونه مستعانًا به مسئولًا أن يهدي عباده الصراط المستقيم، وكونه\n_________\n(١) رواه أحمد ٤٣٥:١ - ٤٦٥ وأبن حيان ٦،٧ والحاكم ٢:٢٣٩ - ٣١٨. وصححه ووافقه الذهبي وفيه عاصم بن بهدلة متكلم وللحديث شاهد جابر عند أحمد وابن ماجه في المقدمة- الحديث (١١) وصححه الألباني.\n(٢) سورة الشورى الآية ٥٣\n(٣) سورة الأنعام الآية ١٢٦\n(٤) سورة الأنعام الآية ١٥٣ انظر مدارج السالكين ١:٣٣ التفسير القيم ص١٠\n(٥) سورة النحل الآية ٥٣\n(٦) سورة إبراهيم الآية ٣٤ وسورة النحل الآية ١٨","vol":"1","page":333},{"text":"منعمًا في ذلك كله دلالة على أنه تعالى فاعل مختار بقدرته ومشيئته، ورد على القائلين بالموجب بالذات دون الاختيار والمشيئة -تعالى الله عما يقول الجاهلون علوا كبيرًا (١).\n\n٥٢ - استدل الشنقيطي - ﵀ (٢) - بقوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ على صحة إمامة أبي بكر الصديق - ﵁ - قال «لأنه داخل في الذين أمرنا الله في هذه السورة بأن نسأل أن يهدينا صراطهم. قال: فدل على أن صراطهم هو الصراط المستقيم، وقد بين الرسول - ﷺ - أن أبا بكر ﵁ من الصديقين فاتضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم لقوله تعالى ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَائِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَائِكَ رَفِيقًا﴾ (٣). قال فهو - ﵁ - على الصراط المستقيم، وإمامته حق».\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>٥٣ - إثبات كمال الصراط المستقيم</span>، صراط الذين أنعم الله عليهم لقوله تعالى بعد أن ذكر هذا الصراط ﴿غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ أي غير صراط المغضوب عليهم، ولا صراط الضالين. لأن الصفات السلبية يؤتى بها لثبات كمال ضدها كقوله تعالى:\n_________\n(١) انظر مدارج السالكين:١:٩٢، التفسير القيم ص ٥٧\n(٢) في أضواء البيان ١: ٤٢:٤٣\n(٣) سورة النساء الآية ٦٩","vol":"1","page":334},{"text":"﴿لَا تَاخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ (١) لإثبات كمال قيوميته وكقوله ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ (٢) ونحو ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>٥٤ - ينبغي للعبد بعد أن يسأل الله تعالى أن يهديه الصراط المستقيم</span>، صراط الذين أنعم الله عليهم فحققوا التوحيد وأن يسأله أيضًا أن يجنبه صراط المغضوب عليهم ممن عرفوا الحق ولم يعملوا به من اليهود وغيرهم لقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وهذا هو أفضل دعاء دعا به ربه وأوجبه وأنفعه (٣).\n<span data-type=\"title\" id=toc-120>٥٥ - إثبات صفة الغضب - لله - كما يليق بجلاله وعظمته </span>وهي من الصفات الفعلية المتعلقة بالمشيئة لكن لا يشتق منها اسم على الإطلاق فلا يقال: الغضبان - أو الغاضب قال تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾، وقال تعالى ﴿لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ (٤).\n_________\n(١) سورة البقرة، الآية: ٢٥٥\n(٢) سورة الفرقان، الآية: ٥٨\n(٣) انظر مجموع الفتاوى ١٧: ١٣٢\n(٤) سورة الفتح، الآية: ٦","vol":"1","page":335},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>٥٦ - ينبغي للعبد أن يسلك من الطرق أحسنها وأصلحها وأقومها</span>، وأن يختار لنفسه القدوة الحسنة، والأسوة الصالحة، بسلوك طريق النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وأن يحذر من طرق الكفر والبغي والضلال، التي هي مسالك اليهود والنصارى وغيرهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>٥٧ - أن من أخص صفات اليهود الغضب</span>، لأنهم عرفوا الحق وتركوه، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ (١). وأن من أخص أوصاف النصارى الضلال، لأنهم عبدوا الله على جهل وضلال كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ (٢) ولهذا وصف الله في سورة الفاتحة كلًا من اليهود والنصارى بأخص أوصافهم فقال ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ يعني اليهود ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ يعني النصارى. وإلا فكل من الطائفتين مغضوب عليه وضال.\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>٥٨ - أن كل من سلك مسلك أحد الطائفتين شمله وصف تلك الطائفة </span>كما قال سفيان: «من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود. ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى».\nوفي الحديث «من تشبه بقوم فهو منهم» (٣).\n_________\n(١) سورة المائدة: الآية: ٦٠\n(٢) سورة المائدة، الآية: ٧٧\n(٣) أخرجه أبو داود في اللباس - باب في لبس الشهرة - الحديث ٤٠٣١ من حديث ابن عمر، وكذا أحمد ٢: ٥، وصححه الألباني.","vol":"1","page":336},{"text":"فيجب الحذر من التشبه بهم، إذ ليس بين الله وبين أحد من الخلق نسب بل إن الآية توجب سؤال الله السلامة من جميع مسالك الكفر والضلال والحذر من ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>٥٩ - دل قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وما بعده على أن الناس ينقسمون بحسب معرفة الحق والعمل به </span>إلى ثلاثة أقسام: قسم أنعم الله عليهم بمعرفة الحق والعمل به إلى ثلاثة أقسام: قسم أنعم الله عليهم بمعرفة الحق والعمل به، وقسمان مخذولان، أحدهما: من عرفوا الحق وتركوه كفرًا وعنادًا، وهم اليهود، ومن سلك مسلكهم، ولهذا استحقوا غضب الله تعالى. والقسم الثاني: من ضلوا عن الحق وجهلوه من النصارى، ومن سلك مسلكهم، ولهذا وصفهم الله بالضلال (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>٦٠ - في إسناد النعمة إلى الله تعالى</span>، وإضافتها إليه في قوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ إشارة إلى تفرده بالإنعام، وتكريم المنعم عليه. وفي حذف فاعل الغضب في قوله ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ﴾ إشارة إلى أن الغضب عليهم لا يختص به تعالى- بل ملائكته وأنبياؤه ورسله يغضبون لغضبه، كما أن في ذلك إشعارًا بإهانة المغضوب عليهم وتحقيرهم.\nكما أن في إسناد النعمة إلى الله تعالى، وحذف فاعل الغضب وإسناد الضلال إلى من قام به في قوله ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ تعليم لحسن الأدب مع الله بإسناد الخير والنعم إليه، وحذف الفاعل فيما\n_________\n(١) انظر «مدارج السالكين» ١: ٣٤","vol":"1","page":337},{"text":"يقابل ذلك أو إسناده إلى من قام به كما قال - ﷺ - «والخير كله بيديك والشر ليس إليك» (١).\nأي أن الشر في مفعولات الله، لا في فعله، فإن فعله كله خير وحكمة، وكما قال إبراهيم الخليل﵇- فيما حكى الله عنه: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>٦١ - بلوغ القرآن غاية الإيجاز مع الفصاحة والبيان</span>. فإن الله وصف كلًا من الطوائف الثلاث بوصف يستلزم الجزاء وسببه بأوجز لفظ في قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾.\nقال ابن القيم (٣): «وتأمل سرًا بديعًا في ذكر السبب والجزاء للطوائف الثلاثة بأوجز لفظ وأخصره، فإن الإنعام عليهم يتضمن إنعامه بالهداية التي هي العلم النافع والعمل الصالح، وهي الهدى ودين الحق، ويتضمن كمال الإنعام بحسن الثواب والجزاء فهذا تمام النعمة، ولفظ ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ يتضمن الأمرين. وذكر غضبه على المغضوب عليهم يتضمن أيضًا أمرين الجزاء\n_________\n(١) أخرجه مسلم في الصلاة، الحديث ٧٧١، وأبو داود في الصلاة الحديثان ٧٦٠، ٧٦١، والنسائي في الافتتاح الحديث ٨٦٢، والترمذي في الصلاة الحديث ٢٦٦.\n(٢) سورة الشعراء، الآية ٧٩ - ٨٠. انظر «تفسير الطبري» ١: ١٩٥، ١٩٧، «المحرر الوجيز» ١: ٨٨، «مدارج السالكين» ١: ٣٤ - ٣٦، «بدائع الفوائد» ٢: ١٨ - ٢٠ «تفسير ابن كثير» ١: ٦٠.\n(٣) في «مدارج السالكين» ١: ٣٦ - ٣٧، وانظر «التفسير القيم» ص١٣ - ١٤.","vol":"1","page":338},{"text":"بالغضب الذي موجبه غاية العذاب والهوان، والسبب الذي استحقوا به غضبه سبحانه فإنه أرحم وأرأف من أن يغضب بلا جناية منهم ولا ضلال. فكأن الغضب عليهم مستلزم لضلالهم، وذكر الضالين مستلزم لغضبه عليهم، وعقابه لهم، فإن من ضل استحق العقوبة التي هي موجب ضلاله وغضب الله عليه».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>٦٢ - الترغيب في سلوك سبيل المنعم عليهم والمؤمنين </span>والترهيب من سلوك طريق المغضوب عليهم والضالين يؤخذ هذا من المقابلة بين الهداية والنعمة والغضب والضلال (١).\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>٦٣ - دلت السورة على إثبات النبوات ووجوب الإيمان بالكتب والرسل</span>، والرد على منكري النبوات. وذلك في مواضع كثيرة منها، ما يلي:\nأولًا: من قوله - تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ إذ لا سبيل إلى معرفة حمده، ووصفه بصفاته إلا عن طريق كتبه ورسله، كما أن في إثبات حمده التام ووصفه بصفات الكمال ما يقتضي كمال حكمته، وأن لا يخلق الخلق عبثًا، ولا يتركهم سدًا، لا يؤمرون، ولا ينهون، ولهذا نزه - تعالى نفسه عن هذا في مواضع من كتابه، وبين أن من أنكر الرسالة والنبوة فإنه ما قدره حق قدره قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ (٢). وقال تعالى: ... ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ\n_________\n(١) انظر: «مدارج السالكين» ١: ٣٦ - ٣٧\n(٢) سورة الأنعام، الآية: ٩١","vol":"1","page":339},{"text":"إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ (١).\nقال ابن القيم (٢) - ﵀- تعالى: «فمن أعطى الحمد حقه علمًا ومعرفة وبصيرة استنبط منه: «أشهد أن محمدًا رسول الله» كما يستنبط منه «أشهد أن لا إله إلا الله» وعلم قطعًا أن تعطيل النبوات في منافاته للحمد كتعطيل الصفات، وكإثبات الشركاء والأنداد».\nثانيًا: من قوله - تعالى: ﴿اللَّهُ﴾ ومعناه: المألوه المعبود، ولا سبيل إلى معرفة كيفية عبادته، وما يعبد به إلا من طريق الرسل والنبوات.\nثالثًا: من قوله - تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إذ الرب يتعهد مربوبه بالتربية والإصلاح، ومقتضى ذلك إرسال الرسل، وإنزال الكتب، لدعوة الناس إلى الخير، وتحذيرهم من الشر في دينهم ودنياهم.\nوقال ابن القيم (٣): «فلا يليق به أن يترك عباده سدًا هملًا، لا يعرفهم ما ينفعهم في معاشهم ومعادهم، وما يضرهم فيهما، فهذا هضم للربوبية، ونسبة الرب - تعالى- إلى ما لا يليق به، وما قدره حق قدره، من نسبه إليه».\nرابعًا: من قوله - تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فإن مقتضى\n_________\n(١) سورة الرعد، الآية: ١٩. انظر «مدارج السالكين» ١: ٣٠ - ٣٤، ٩٤ - ٩٦، «التفسير القيم»، ص٧ - ١١، ٥٨ - ٦١\n(٢) في «مدارج السالكين» ١: ٩٤\n(٣) في «مدارج السالكين» ١: ٣٠","vol":"1","page":340},{"text":"رحمته ألا يترك العباد بلا رسل تبلغهم وحي الله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١).\nقال ابن القيم (٢): «فإن رحمته تمنع إهمال عباده، وعدم تعريفهم ما ينالون به غاية كمالهم، فمن أعطى اسم «الرحمن» حقه عرف أنه متضمن لإرسال الرسل، وإنزال الكتب، أعظم من تضمنه علم إنزال الغيث، وإنبات الكلأ، وإخراج الحب، فاقتضاء الرحمة لما تحصل به حياة القلوب والأرواح أعظم من اقتضائها لما تحصل به حياة الأبدان والأشباح، لكن المحجوبون إنما أدركوا من هذا الاسم حظ البهائم والدواب، وأدرك منه أولو الألباب أمرًا وراء ذلك».\nخامسًا: من قوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فإن من تمام ملكه أن يكون له رسل وكتب يبثها في أقطار مملكته لتبليغ أوامره ونواهيه.\nسادسًا: من قوله - تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ إذ كيف يحاسب ويجازي الخلق إلا بعد إقامة الحجة عليهم بإرسال الرسل، كما قال - تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ (٣).\nقال ابن القيم (٤): «فإنه اليوم الذين يدين الله العباد فيه بأعمالهم فيثيبهم على الخيرات، ويعاقبهم على المعاصي والسيئات، وما كان الله\n_________\n(١) سورة الأنبياء، الآية: ١٠٧\n(٢) في «مدارج السالكين» ١: ٣١\n(٣) سورة النساء، الآية:١٦٥\n(٤) في «مدارج السالكين» ١: ٣١","vol":"1","page":341},{"text":"ليعذب أحدًا قبل إقامة الحجة عليه. والحجة إنما قامت برسله وكتبه وبهم استحق الثواب والعقاب، وبهم قام سوق يوم الدين، وسبق الأبرار إلى النعيم، والفجار إلى الجحيم».\nسابعًا: من قوله -تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ لأن الله لم يتعبد خلقه بالجهل، ولا طريق لمعرفة كيفية عبادته وبماذا يعبد إلا بواسطة الرسل والكتب.\nثامنًا: من قوله - تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فإن من أقسام الهداية هداية البيان والدلالة والإرشاد، ولا يكون ذلك إلا من طريق الرسل والكتب المنزلة عليهم من عند الله -تعالى. ولا يمكن معرفة الطريق المستقيم الموصل إلى الله، والمؤدي إلى السعادة في الدارين إلا من طريق الرسل والكتب.\nتاسعًا: من قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وهم النبيون ومن ذكر الله معهم في قوله -تعالى في سورة النساء: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (١)، فإن معرفة المنعم عليهم ومعرفة طريقهم، ومعرفة النعمة التي من أجلها استحقوا أن يذكروا بها على سبيل التشريف والتعظيم. كل ذلك لا يمكن معرفته إلا من طريق الرسل والكتب.\nعاشرًا: من قوله - تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا\n_________\n(١) سورة النساء، الآية ٦٩","vol":"1","page":342},{"text":"الضَّالِّينَ﴾ إذ لا يمكن معرفة طريق المغضوب عليهم، وطريق الضالين ليجتنبهما العبد إلا من طريق الرسل والكتب.\nالحادي عشر: من قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ لأن انقسام الناس إلى هذه الأقسام الثلاثة إنما حصل بسبب إرسال الرسل، فمن عرف الحق الذي جاؤوا به واتبعه فهو من أهل النعمة، ومن عرفه وعانده فهو من أهل الغضب، ومن جهل الحق فهو من أهل الضلال.\nويتفرع عن هذا أنه إذا كانت السورة متضمنة إثبات الرسالات والنبوات اقتضى ذلك إثبات صفة التكلم والتكليم له جل وعلا. قال ابن القيم (١): «فإن حقيقة الرسالة تبليغ كلام المرسل، فإذا لم يكن ثم كلام فماذا يبلغ الرسول؟ بل كيف يعقل كونه رسولًا. ولهذا قال غير واحد من السلف: من أنكر أن يكون الله متكلمًا أو أن يكون القرآن كلامه، فقد أنكر رسالة محمد - ﷺ -، بل ورسالة جميع الرسل التي حقيقتها تبليغ كلام الله ﵎».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>٦٤ - تضمنت السورة الدلالة على سعة علم الله - ﷿- وخبرته وتعلق علمه بالجزئيات</span>، والرد على من أنكر ذلك من وجوه لأن كونه محمودًا موصوفًا بصفات الكمال يقتضي أن يعلم أحوال العالم وتفاصيل جزئياته، وكونه إلهًا معبودًا يقتضي أن يعلم من يعبده ممن يعبد سواه، وكونه ربًا للعالمين يقتضي أن يكون عالمًا بتفاصيل\n_________\n(١) في مدارج السالكين ١: ٩٦.","vol":"1","page":343},{"text":"مخلوقاته مدبرًا لها، وكونه رحمانًا رحيمًا يقتضي أن يعلم أحوال المرحومين، وكونه مالكًا ليوم الدين يقتضي أن يعرف أحوال مملكته ورعيته ليجازي كلًا بعمله، كما أن كونه مستعانًا به ومسؤولًا الهداية وهاديًا ومنعمًا على من أطاعه ويغضب على من عصاه، كل ذلك يدل على تعلق علمه بالجزئيات وشموله لها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>٦٥ - اشتمل قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وما بعده إلى آخر السورة على الرد على جميع طوائف الكفر والضلال</span>، وذلك على سبيل الإجمال لأن الحق في معرفة ما جاء به المصطفى - ﷺ - والسير على نهجه، وما عداه من المسالك والسبل الملتوية والمعوجة مردودة باطلة.\nوقد عقد ابن القيم (٢) ﵀، فصلًا في اشتمال الفاتحة على الرد على جميع المبطلين من أهل الملل والنحل والرد على أهل البدع والضلال من هذه الأمة. قال: وهذا يعلم بطريقين مجمل ومفصل.\nوبعد أن ذكر ﵀ ما فيها من رد على جميع المبطلين بطريق الإجمال بيّن اشتمالها على الرد على جميع المبطلين بطريق التفصيل، فذكر الرد منها على الملاحدة وإبطال قولهم وبيان ضلالهم، والرد على المجوس والقدرية وعلى الجهمية وأهل الإشراك في ربوبيته وإلهيته\n_________\n(١) انظر في «مدارج السالكين» ١: ٩٣ - ٩٤، «التفسير القيم» ص٥٨\n(٢) في «مدارج السالكين» ١: ٨٥ - ٩٨، و«انظر التفسير القيم» ص٤٩ - ٦٥، وانظر «الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة» ٤: ١٢٢٢ - ١٢٢٥، «تيسير الكريم الرحمن» ١: ٣٨.","vol":"1","page":344},{"text":"وعلى الجهمية معطلة الصفات، وعلى الجبرية، وعلى القائلين بالموجب بالذات دون الاختيار والمشيئة وإثبات أن الله فاعل مختار والرد على منكري تعلق علمه بالجزئيات، ومنكري النبوات وإثبات صفة التكلم لله - ﷿ -، والرد على من قال بقدم العالم، وكل هذا سبقت الإشارة إليه.\nوختم ابن القيم هذا الفصل في بيان تضمنها للرد على الرافضة. قال: «وذلك من قوله ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخرها. قال: ووجه تضمنه إبطال قولهم: أنه سبحانه قسم الناس إلى ثلاثة أقسام: «منعم عليهم» وهم أهل الصراط المستقيم، الذين عرفوا الحق واتبعوه. «ومغضوب عليهم» وهم الذين عرفوا الحق ورفضوه، و«ضالون» وهم الذين جهلوه فأخطأوه. فكل من كان أعرف للحق، وأتبع له كان أولى بالصراط المستقيم، ولا ريب أن أصحاب رسول الله - ﷺ - ورضي الله عنهم هم أولى بهذه الصفة من الروافض فإنه من المحال أن يكون أصحاب رسول الله - ﷺ - ورضي الله عنهم - جهلوا الحق وعرفه الروافض، أو رفضوه وتمسك به الروافض.\nثم إنا رأينا آثار الفريقين تدل على أهل الحق منهما. فرأينا أصحاب رسول الله - ﷺ - فتحوا بلاد الكفر وقبلوها بلاد إسلام، وفتحوا القلوب بالقرآن والعلم والهدى، فآثارهم تدل على أنهم أهل الصراط المستقيم ورأينا الرافضة بالعكس في كل زمان ومكان، فإنه قط ما قام للمسلمين عدو من غيرهم إلا كانوا أعوانهم على الإسلام، وكم جروا على الإسلام وأهله من بليه ... ولهذا فسر السلف الصراط المستقيم وأهله بأبي بكر وعمر وأصحاب رسول الله - ﷺ -، ورضي الله عنهم، وهو","vol":"1","page":345},{"text":"كما فسروه، فإنه صراطهم الذي كانوا عليه، وهو عين صراط نبيهم ... وأشد الأمة مخالفة له الرافضة ... فقد تبين أن الصراط المستقيم طريق أصحابه وأتباعه، وطريق أهل الغضب والضلال طريق الرافضة. وبهذه الطريقة - بعينها - يرد على الخوارج فإن معاداتهم الصحابة معروفة».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>٦٦ - تضمنت السورة شفاء القلوب، كما تضمنت شفاء الأبدان</span>، قال ابن القيم (١): «فأما اشتمالها على شفاء القلوب فإنها اشتملت عليه أتم اشتمال فإن مدار اعتلال القلوب وأسقامها على أصلين: فساد العلم وفساد القصد. ويترتب عليهما داءان قاتلان وهما الضلال والغضب فالضلال نتيجة فساد العلم والغضب نتيجة فساد القصد، وهذان المرضان هما ملاك أمراض القلوب جميعها. فهداية الصراط المستقيم تتضمن الشفاء من مرض الضلال، ولذلك كان سؤال هذه الهداية أفرض دعاء على كل عبد وأوجبه عليه كل يوم وليلة في كل صلاة، لشدة ضرورته وفاقته إلى الهداية المطلوبة، ولا يقوم غير هذا السؤال مقامه. والتحقق بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ علمًا ومعرفة وعملا وحالا يتضمن الشفاء من مرض فساد القلب والقصد ... إلي أن قال: ثم إن القلب يعرض له مرضان عظيمان إن لم يتداركهما العبد تراميا به إلى التلف ولابد، وهما الرياء والكبر، فدواء الرياء بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ودواء الكبر بـ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وكثيرا ما كنت أسمع شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول:\n_________\n(١) في «مدارج السالكين» ١: ٧٩ - ٨٢.","vol":"1","page":346},{"text":"﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ تدفع الرياء ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ تدفع الكبرياء». فإذا عوفي من مرض الرياء بـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ومن مرض الكبرياء والعجب بـ ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ومن مرض الضلال والجهل بـ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ عوفي من أمراضه وأسقامه، ورفل في أثواب العافية، وتمت عليه النعمة، وكان من المنعم عليهم، غير المغضوب عليهم، وهم أهل فساد القصد الذين عرفوا الحق وعدلوا عنه، والضالين وهم أهل فساد العلم، الذين جهلوا الحق ولم يعرفوه. وحق لسورة تشتمل على هذين الشفاءين أن يستشفى بها من كل مرض، ولهذا لما اشتملت على هذا الشفاء الذي هو أعظم الشفاءين كان حصول الشفاء الأدنى بها أولى».\nثم ذكر الدليل من السنة على شفائها للأبدان، وهو حديث أبي سعيد الخدري في قصة اللديغ. وقد سبق ذكره في أسماء الفاتحة، كما استشهد بقواعد الطب وما دلت عليه التجربة.\n***","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>الفصل الثاني\nالأحكام التي تتعلق بسورة الفاتحة</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: حكم قراءة الفاتحة في الصلاة.\nالمبحث الثاني: وفيه مسائل:\nأ- من لم يستطع قراءة الفاتحة في الصلاة.\nب- قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة.\nج- قول: «آمين» بعد قراءة الفاتحة.\nهـ - قراءة ما زاد على الفاتحة في الصلاة.","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>المبحث الأول\nحكم قراءة الفاتحة في الصلاة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>أولًا: حكم قراءة الفاتحة في حق الإمام والمنفرد:</span>\nجمهور أهل العلم على وجوب قراءة الفاتحة في حق الإمام والمنفرد، وأنه لا تصح صلاتهما بدونها (١).\nمنهم مالك (٢)، والشافعي (٣)، وأحمد في المشهور، بل الصحيح عنه (٤)، وإسحاق (٥)، وعبد الله بن المبارك (٦)، والأوزاعي (٧)، وأبو ثور (٨)، وداود (٩)، وغيرهم.\n_________\n(١) انظر: «تفسير ابن كثير» ١: ٢٧ - ٢٨، «نيل الأوطار» ٢: ٢٣٤ - ٢٣٨.\n(٢) انظر: «المدونة» ١: ٦٥ - ٦٧، «الكافي في فقه أهل المدينة» ١: ١٠٧، «الاستذكار» ٢: ١٦٨، «التمهيد» ١١: ٣١، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١١٩.\n(٣) انظر: «الأم» ١: ١٠٧، «أحكام القرآن» للشافعي ص ٧٧، «المهذب» ١: ٧٩، «تفسير ابن كثير» ١: ٢٧ - ٢٨.\n(٤) انظر: «مسائل الإمام أحمد» رواية ابنه عبد الله ص ٧١، الفقرات: ٥٥، ٢٧٦، ٢٧٧، ٢٧٨، ٢٧٩، «مسائل الإمام أحمد» رواية النيسابوري ١: ٥١، «مسائل الإمام أحمد» لأبي داود ص ٣٢، «المسائل الفقهية» ١: ١١٧، «المغني» ٢: ١٥٦، «تنقيح التحقيق» ٢: ٨٥٩، «آداب المشي إلى الصلاة» ص ٨٨.\n(٥) انظر: «الأوسط» ٣: ١٠١، «الاستذكار» ٢: ١٦٨.\n(٦) انظر: «سنن الترمذي» ٢: ٢٦.\n(٧) انظر: «المغني» ٢: ١٥٦، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١١٩.\n(٨) انظر: «الاستذكار» ٢: ١٦٨.\n(٩) انظر: «المحلى» ٣: ٢٣٦.","vol":"1","page":350},{"text":"مستدلين بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ (١)، وبحديث أبي هريرة في الصحيحين في قصة المسيء في صلاته وفيه: «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن»، وقوله بعد ذلك «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها» (٢) وهذا صريح في القراءة في كل ركعة، والفاتحة أيسر القرآن.\nكما استدلوا بحديث عبادة في الصحيحين: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وحديث أبي هريرة عند مسلم: «كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج»، وغيرهما من الأحاديث (٣).\nكما استدلوا - أيضا - بمداومة الرسول - ﷺ - وخلفائه على قراءتها، كما في حديث أنس وعائشة - ﵄ (٤) - وبما ثبت من النقل عن عامة السلف من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من المداومة على قراءتها، بل ومن القول بوجوبها، وأنه لا تصح الصلاة بدونها (٥).\nواختلفوا هل تجب قراءتها في كل ركعة؟ وهذا قول أكثرهم،\n_________\n(١) سورة المزمل، الآية: ٢٠.\n(٢) سيأتي تخريج هذا الحديث ضمن أدلة القول الأول من المسألة الثانية، وانظر: «خير الكلام في القراءة خلف الإمام» للبخاري، فقرة: ٢٠١.\n(٣) سيأتي ذكر هذه الأحاديث وتخريجها في المسألة التالية ضمن أدلة القول الأول.\n(٤) سبق تخريجهما في المبحث الرابع من الفصل الأول من هذا الباب.\n(٥) انظر: «المصنف» لعبد الرزاق ١: ٩٣ - ٩٥، ١٢٠، وما بعدها، و«المصنف» لابن أبي شيبة ١: ٣٦٠ - ٣٦١، ٣٧٣ - ٣٧٥، «خير الكلام في القراءة خلف الإمام» للبخاري، «الأوسط» ٣: ٩٨، وما بعدها، «المحلى» ٣: ٢٣٦ وما بعدها، «القراءة خلف الإمام» للبيهقي، «الإستذكار» ٢: ١٦٦ وما بعدها، «نيل الأوطار» ٢: ٢٣٤ وما بعدها.","vol":"1","page":351},{"text":"وقيل: يكفي قراءتها في أكثر الركعات، وبهذا قال مالك، وقيل: يكفي قراءتها في ركعتين، وقيل: تكفي قراءتها في ركعة واحدة من الصلاة والصحيح الأول.\nوذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا تتعين قراءة الفاتحة، وأن الغرض أو الواجب: هو قراءة أقل ما تيسر من القرآن. وروي هذا عن الحسن (١) والأوزاعي والثوري (٢)، وقال به أبو حنيفة، وأصحابه.\nقال أبو حنيفة: أقل ما تيسر مقدار آية. وقال صاحباه أبو يوسف ومحمد: أقله ثلاث آيات، أو آية طويلة (٣)، وروي عن الإمام أحمد مثل قول أبي حنيفة (٤).\nواستدل من ذهب إلى هذا القول بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ (٥) وقوله - ﷺ - للمسيء في صلاته: «ثم أقرأ ما تيسر معك من القرآن» متف عليه (٦).\n_________\n(١) أخرجه عبد الرازق، الأثر: ٢٦٣٠.\n(٢) ذكره عنهما ابن الجوزي في «تفسيره» ١: ١٨، والقرطبي في «تفسيره» ١: ١١٨، وابن كثير ١: ٢٨.\n(٣) انظر «أحكام القرآن» للجصاص ١: ١٨ - ٢٣، «المبسوط» ١: ١٨ - ١٩، «فتح القدير» لابن الهمام ١: ٣٣١ - ٣٣٢.\n(٤) انظر: «المسائل الفقهية» ١: ١١٧، «التحقيق» ص ٣١٦، «زاد المسير» ١: ١٨.\n(٥) سورة المزمل، الآية: ٢٠.\n(٦) أخرجه من حديث أبي هريرة البخاري في الصلاة- باب أمر النبي - ﷺ - الذي لا يتم الركوع بالإعادة- الحديث ٧٩٣، ومسلم في الصلاة- باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة- الحديث ٣٩٧، وأبو داود- الحديث ٨٥٦، والنسائي- الحديث ٨٥١.","vol":"1","page":352},{"text":"وحملوا حديث عبادة «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» وما في معناه على أن المعنى لا صلاة كاملة: أي على نفي الكمال لا على نفي الجواز (١).\nوالصحيح ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، بأنه تتعين قراءة الفاتحة في الصلاة، وأن الصلاة لا تصح بدونها. للأدلة الصريحة الصحيحة الدالة على ذلك. والتي فيها تفسير لقوله تعالى: ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ ولقوله - ﷺ - «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» إذ لا أيسر من قراءة الفاتحة (٢) ولهذا حمله مسلم وغيره على وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة وبوب له بهذا. كما تقدم في تخريجه - وأيضًا - قد يحمل «ما تيسر» في الآية والحديث على ما زاد على الفاتحة (٣)، كما قال أبو سعيد الخدري - ﵁ - «أُمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر» (٤).\nولم أر ما يدعو لذكر الأدلة كلها على وجوب قراءة الفاتحة، وأنها ركن لا تصح الصلاة بدونها وتفصيل القول فيها، خاصة في حق الإمام والمنفرد، نظرًا لضعف الخلاف في هذه المسألة، فليس مع المخالف من الأدلة ما يستلزم بسط القول في ذكر أدلة الوجوب التي لا تحصى كثرة من السنة الصريحة الصحيحة، والآثار الثابتة الصحيحة عن سلف\n_________\n(١) انظر: «أحكام القرآن» للجصاص ١: ٢١ - ٢٣، وانظر: «الاستذكار» ٢: ١٦٨.\n(٢) انظر: «المحلى» ٣: ٢٣٩ وما بعدها.\n(٣) انظر: «القراءة خلف الإمام» للبيهقي ص ١٦، «التحقيق» ١: ٣١٩، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٢٣.\n(٤) سبق تخريجه في أسماء الفاتحة في المبحث الثاني من الفصل الأول من هذا الباب.","vol":"1","page":353},{"text":"هذه الأمة من الصحابة والتابعين. ونظرًا لأن هذه الأدلة سيأتي ذكرها ضمن أدلة القول الأول والثاني في المسألة التالية وهي حكم قراءة الفاتحة في حق المأموم. لأن دلالة هذه الأدلة على وجوب قراءة الفاتحة في حق الإمام والمنفرد أولى من دلالتها على وجوب قراءة الفاتحة في حق المأموم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>ثانيًا: حكم قراءة الفاتحة في حق المأموم:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>اختلف أهل العلم - ﵏ - قديمًا وحديثًا في هذه المسألة </span>لسببين هما:-\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>أ- السبب الأول: </span>ظاهر النصوص الواردة في هذه المسألة، فبعضها يوجب قراءة الفاتحة في الصلاة، وبعضها يوجب الإنصات لقراءة القرآن. الأمر الذي جعل أهل العلم تختلف أقوالهم في توجيه هذه الأدلة، والتوفيق بينها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>ب- السبب الثاني: </span>كثرة المروي عن الصحابة والتابعين في هذه المسألة، واختلاف النقل عنهم فيها: فمنهم من روي عنه جواز القراءة خلف الإمام مطلقًا، ومنهم من روي عنه جواز القراءة خلف الإمام في السرية دون الجهرية، ومنهم من روي عنه المنع من القراءة خلف الإمام مطلقًا. بل منهم من روي عنه أكثر من قول في هذه المسألة.\nوبناء على هذا كثر الاختلاف في هذه المسألة إلى يومنا هذا. وقد ألف فيها كثير من أهل العلم، وبسطوا القول فيها، منهم من أفردها بالتأليف، كالإمام البخاري في كتابه «خير الكلام في القراءة خلف الإمام»، والبيهقي في كتابه «القراءة خلف الإمام»، واللكنوي من علماء","vol":"1","page":354},{"text":"الحنفية في العصر الحاضر في كتابه «إمام الكلام فيما يتعلق بالقراءة خلف الإمام».\nوقد ذكر شارح سنن الترمذي المباركفوري في «تحفة الأحوذي» ١: ٢٥٦: أنه ألف فيها كتابًا مبسوطًا سماه «تحقيق الكلام في وجوب القراءة خلف الإمام».\nوقد ذكر شارح سنن الترمذي المباركفوري في «تحفة الأحوذي» ١: ٢٥٦: أنه ألف فيها كتابًا مبسوطًا سماه «تحقيق الكلام في وجوب القراءة خلف الإمام».\nومنهم من بسط القول فيها ضمن مؤلف، ولم يفردها بالتأليف، كابن المنذر في «الأوسط»، والطحاوي في «شرح معاني الآثار»، وابن عبد البر في «التمهيد» و«الاستذكار» والحازمي في «الاعتبار»، من أحسن ما كتب فيها ما كتبه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه «مجموع الفتاوى». وقد أفرد بعضهم جواب شيخ الإسلام عن هذه المسألة فطبعه برسالة مستقلة، وهي نفس ما في الفتاوى.\nوممن بحث في هذه المسألة من المعاصرين الشيخ عبد المحسن بن محمد المنيف في كتابه «أحكام الإمامة والائتمام ي الصلاة».\n\nويمكن<span data-type=\"title\" id=toc-139> إجمال الخلاف في هذه المسألة </span>وأدلتها في أقوال ثلاثة هي:-\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>القول الأول: </span>أن المأموم يقرأ الفاتحة خلف الإمام مطلقا في الصلاة السرية والجهرية.\nوهذا القول مروي عن جمع من الصحابة والتابعين، مع اختلاف في النقل عن أكثرهم. وكذا احتمال النقل عن بعضهم أن يكون مرادا به هذا القول وهو القراءة خلف الإمام مطلقًا، أو القول الذي بعده وهو القراءة في السرية فقط. فممن روي عنه هذا القول: عمر بن الخطاب","vol":"1","page":355},{"text":"- ﵁ - (١)، وعبادة بن\n_________\n(١) أخرجه عن عمر- عبد الرزاق في المصنف- في الصلاة - القراءة خلف الإمام الأثر٢٧٧٦ - عن الثوري عن سليمان الشيباني عن جواب بن يزيد بن شريك أنه قال لعمر: «أقرأ خلف الإمام؟ قال: نعم. قلت: وإن قرأت يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم وإن قرأت». =\n= وقد أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف- في الصلاة- من رخص في القراءة خلف الإمام ١: ٣٧٣، والدارقطني ١: ٣١٧، وابن المنذر في الأوسط الأثر ١٣٢٣، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١٨٦ - ١٨٩ كلهم من طريق سليمان الشيباني بإسناده.\nوفي لفظ الدارقطني قال: وغن جهرت؟ قال: وإن جهرت قال الدارقطني «إسناده صحيح، رواته كلهم ثقات».\nقلت: وجوّاب: بالميم المعجمة فواو مشددة ثم ألف وياء معجمة تحتية هو ابن عبيد الله: صدوق رمي بالإرجاء، انظر «التقريب» ١: ١٣٥.\nوأخرج عبد الرزاق في الأثر ٢٧٧٧، والبيهقي في الأثر ١٩٠ عن ابن التيمي عن ليث عن أشعث عن أبي يزيد عن الحارث بن سويد وزيد التيمي قالا: أمرنا عمر بن الخطاب أن نقرأ خلف الإمام» وقال البيهقي: «ورواة حديث الشيباني أوثق من بعض هذا».\nوأخرج ابن المنذر في الأوسط الأثر ١٣٢٣ - عن عباية بن رداد قال: كنا في مسير مع عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: لا تجوز صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب وشيء معها. قال: فقال رجل: يا أمي المؤمنين: أرأيت إن كنت خلف إمام؟ قال: اقرأ في نفسك».\n\nهذه الآثار من أصح ما روي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - في هذه المسألة وأنه يرى القراءة حلف الإمام في الصلاة السرية والجهرية.\nوهل يرى القراءة في الجهرية مطلقًا سكت الإمام أو لم يسكت هذا هو الظاهر ويحتمل أنه يرى ذلك في سكتات الإمام فالله أعلم.\nوقد روي عن عمر - ﵁ - بأسانيد لا تثبت خلاف هذا فقد أخرج عبد الرازق في الأثر ٢٨٠٤ - من طريق أبي إسحاق الشيباني - عن رجل قال: «عهد عمر بن الخطاب أن لا تقرؤوا ع الإمام «وفيه رجل لم يسم.\nوأخرج أيضًا - الأثر ٢٨٠٦ - من طريق داود بن قيس عن محمد بن عجلان قال: قال عمر بن الخطاب: وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه حجر» وفيه داود بن قيس: مقبول انظر «التقريب» ١: ٢٣٤ ومحمد بن عجلان: صدوق، انظر «التقريب» ٢: ١٩٠. وأخرج ابن أبي شيبة ١: ٣٧٦ - عن نافع وأنس بن سيرين قالا: قال عمر بن الخطاب: «تكفيك قراءة الإمام» وهذا منقطع لأن نافعًا - وهو مولى ابن عمر- وأنس بن سيرين لم يدركا عمر بن الخطاب - ﵁ -.\nوقد حمل ابن عبد البر في «التمهيد» ١١: ٣٥ ما رواه يزيد بن شريك عن عمر على القراءة حال السر، وحمل ما رواه عبد الرزاق عن عمر من النهي عن القراءة أن المراد بذاك حال الجهر. ثم قال: «وليس في هذا الباب شيء يثبت من جهة الإسناد عن عمر، وعنه فيه اضطراب».\nقلت: وحمل ما رواه يزيد على القراءة حال السر فيه نظر لأن قوله فيه: «قال: وإن قرأت، قال: وإن قرأت» وفي لفظ: «قال: وإن جهرت. قال: وإن جهرت» صريح في انه في الصلاة الجهرية، وإن لم يكن صريحًا في القراءة وإن لم يسكت الإمام.\nوما رواه عبد الرزاق من طريق أبي إسحاق الشيباني في النهي عن القراءة خلف الإمام، فيه رجل لم يسم فهو ضعيف فلا يحتج به على النهي عن القراءة خلف الإمام حال الجهر.","vol":"1","page":356},{"text":"الصامت (١)\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف- في الصلاة- الأثر ٢٧٧١، عن جعفر بن سليمان عن ابن عون قال: حدثنا رجاء بن حيوة قال: صليت إلى جانب عبادة بن الصامت فسمعته يقرأ مع الإمام، فلما قضينا صلاتنا قلنا يا أبا الوليد أتقرأ مع الإمام؟ قال: ويحك إنه لا صلاة إلا بها».\nوفي إسناده جعفر بن سليمان الضبعي صدوق زاهد لكنه كان يتشيع انظر «التقريب» ١: ١٣١، وبقية رجاله ثقات فيهم ابن عون هو عبد الله بن عون.\nوأخرجه أيضًا بهذا اللفظ ابن أبي شيبة ١: ٣٧٥ بإسناد صحيح من طريق شيخه وكيع عن ابن عون وكذا أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» الأثران ٣٠١، ٣٠٢ - من طريق ابن عون، لكن في إسناده: محمد بن الربيع بن رجاء بن حيوة وعبادة بن الصامت.\nوأخرج البخاري في جزء القراءة خلف الإمام - الأثر ٦٥ من طريق صدفة بن خالد حدثنا زيد بن واقد عن حزام بن حكيم ومكحول عن ربيعة الأنصاري عن عبادة بن الصامت - ﵁ - وكان على إيلياء فأبطأ عبادة عن صلاة الصبح فأقام أبو تميم وكان أول من أذن ببيت المقدس فجئت مع عبادة حتى صف الناس وأبو نعيم يجهر بالقراءة فقرأ عبادة بأم القرآن حتى فهمتها منه فلما انصرف قلت سمعتك تقرأ بأم القرآن فقال نعم صلى بنا النبي - ﷺ - بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقرآن فقال: «لا يقرأن أحدكم إذا جهر بالقراءة إلا بأم القرآن» وقد اختلف أهل العلم في صحة رفع هذا الحديث كما سيأتي في ذكر أدلة أصحاب هذا القول. =\n= وأخرجه الدارقطني ١: ٣١٩ - ٣٢٠ - من طريق زيد بن واقد بإسناده، وقال: «كلهم ثقات، هذا إسناد حسن».\nوأخرج ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٩٠ عن الأوزاعي قال: «أخذت القراءة مع الإمام عن عبادة بن الصامت ومكحول».\nوأما ما أخر: قال لي عبادة بن الصامت: اقرأ بام القرآن في كل صلاة. أو قال: في كل ركعة. قال: قلت: أتقرأ بها يا أبا الوليد مع الإمام؟ قال: لا أدعها إمامًا ولا مأمومًا.\n\nفإن في إسناده بشر بن رافع- شيخ عبد الرزاق- وهو ضعيف الحديث انظر «التقريب» ١: ٩٩.","vol":"1","page":357},{"text":"وأبو هريرة (١)، وعبد الله بن عباس (٢)،وعبد الله ابن\n_________\n(١) أخرجه عن أبي هريرة - مسلم في الصلاة- باب وجوب قراءة فاتحة الكتاب- الحديث ٣٩٥، وابن أبي شيبة ١: ٣٧٥ن والبخاري في القراءة خلف الإمام - الآثار ٧٢، ١٣١، ٥٧٢، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام الحديث ٢١٩ - عن أبي هريرة في حديثه عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من صلى صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج ... ثم سأل الراوي أبا هريرة عما إذا كان وراء الإمام فقال أبو هريرة: اقرأ بها في نفسك ..» الحديث وسيأتي قريبا وقد أخرج ابن المنذر في «الأوسط» الأثر ١٣١٣ - عن أبي هريرة قال: «اقرأ خلف الإمام فيما يخافت به» ومفهوم هذا إن صح عن أبي هريرة يقوي قول من قال: «إن قوله اقرأ بها في نفسك محمول على ما إذا أسر الإمام. وهكذا ذكر ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٨٩ - أنه اختلف فيه عن أبي هريرة.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة - في الصلاة- من رخص في القراءة خلف الإمام ١: ٣٧٥ عن وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن العيزار بن حريث العبدي عن ابن عباس قال: «اقرأ خلف الإمام بفاتحة الكتاب» وإسناده صحيح. وأخرجه ابن المنذر في «الأوسط» الأثر ١٣٢٤ من طريق إسماعيل بإسناده.\nوهو محتمل لقراءة الفاتحة «خلف الإمام في السرية والجهرية، أو في السرية فقط كما في رواية الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١: ٢٠٦ - من طريق إسماعيل بن أبي خالد بإسناده عن ابن عباس قال: «اقرأ خلف الإمام بفاتحة الكتاب في الظهر والعصر» ويؤيد هذا ما أخرجه الطحاوي أيضًا: ١: ٢٢٠ - من طريق حماد بن سلمة عن أبي جمرة قال: قلت لابن عباس: «أقرأ والإمام بين يدي؟ فقال: لا».\nوأما ما أخرجه عبد الرزاق- الأثر ٢٧٧٣ عن التيمي، وابن أبي شيبة ١: ٣٧٣، وابن المنذر في «الأوسط» الأثر ١٣٢٥. من طريق ليث عن عطاء عن ابن عباس قال: «لا بد أن يقرأ فاتحة الكتاب خلف الإمام جهر أو لم يجهر».\n\nففي إسناده: ليث وهو ابن أبي سليم قال ابن عبد البر في «التمهيد» ١١: ٤٠ «ضعيف ليس بحجة». وقال ابن حجر «صدوق» اختلط أخيرًا فلم يتميز حديثه فترك «التقريب» ٢: ١٣٨.\nوبقية رجاله ثقات فيهم التيمي هو معتمر بن سليمان، وعطاء هو ابن أبي رباح.","vol":"1","page":358},{"text":"عمرو (١)، ومعاذ بن جبل (٢)،وأبي ابن\n_________\n(١) أخرجه البيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثران ٢٣٦، ٣٠١ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص «أنه كان يقرأ خلف رسول الله - ﷺ - إذا أنصت، فإذا قرأ لم يقرأ، فإذا أنصت قرأ».\nوأخرج عبد الرزاق في المصنف الأثران ٢٧٧٤، ٢٧٧٥ من طريق الثوري عن الأعمش، ومن طريق ابن عيينة عن حصين بن عبد الرحمن- كلاهما عن مجاهد قال «سمعت عبد الله بن عمرو قرأ خلف الإمام في الظهر والعصر».\nوقد أخرجه عن مجاهد البخاري في جزء القراءة خلف الإمام الأثر ٦٠، والدارقطني، وابن المنذر في الأوسط- الأثر ١٣١٤، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١: ٢١٩ن والبيهقي في القراءة خلف الإمام- الآثار ٢١٥ - ٢١٨.\nوهذان الأثران يدلان على أن عبد الله بن عمرو - ﵁ - يقرأ خلف الإمام في الصلاة السرية وفي الجهرية إذا سكت الإمام وانظر «الاستذكار» ٢: ١٨٩.\n(٢) أخرجه البيهقي القراءة خلف الإمام الأثر ٢٠٠ - من طريق شعبة عن أبي الفيض قال: سمعت أبا شيبة المهدي يقول: سأل رجل معاذ بن جبل - ﵁ - عن القراءة خلف الإمام فقال: إذا قرأ فاقرأ بفاتحة الكتاب وقل هو الله أحد، وإذا لم تسمع فاقرأ في نفسك ولا تؤذ من عن يمينك ولا من عن شمالك.\n\nأخرجه ابن أبي شيبة ١: ٣٧٤ - من طريق غندر عن شعبة عن أبي الفيض قال: سمعت أبا شيبة المهدي يحدث عن معاذ أنه قال في الرجل يصلي خلف الإمام إذا كان يسمع قراءته قرأ قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الناس، وقل أعوذ برب الفلق. قال شعبة: أو نحوها وإذا كان لا يسمع القراءة فليقرأ ولا يؤذي من عن يمينه ومن عن شماله، وهذا لو صح عن معاذ فهو خلاف ما دل عليه الكتاب والسنة من وجوب الإنصات= = لقراءة الإمام مطلقًا إلا في حال قراءة المأموم للفاتحة إذا لم يكن للإمام سكتات عند بعض أهل العلم. ولم يقل أحد منهم بجواز قراءة غير الفاتحة إذا كان الإمام يقرأ.","vol":"1","page":359},{"text":"كعب (١)،وحذيفة بن اليمان (٢)، وعبد الله بن الزبير (٣)، وأنس بن مالك (٤)، وهشام بن عامر (٥) - ﵃ أجمعين -.\n_________\n(١) أخرجه البخاري في جزء القراءة، الأثر ٥٣، والدارقطني ١: ٣١٧ - ٣١٨، وابن المنذر أبي سنان عبد الله بن أبي الهذيل قال: قلت لأبي بن كعب: «أقرأ خلف الإمام؟ قال: نعم» وهذا يحتمل القراءة خلف الإمام مطلقًا أو في السرية أما ما أخرجه عبد الرزاق في المصنف الأثر ٢٧٧٢، والبيهقي من طريقه في القراءة خلف الإمام الأثر ١٩٨ - عن أبي بن كعب «أنه كان يقرأ خلف الإمام في الظهر والعصر» ففي إسناده شيخ عبد الرزاق يحيى بن العلاء رمي بالوضع. كما في «التقريب» ٢: ٣٥٥.\n\nوكذا ما أخرجه البخاري في «جزء القراءة» الأثر ٥٢ - من طريق زياد البكائي عن أبي فروة عن أبي المغيرة عن أبي بن كعب - ﵁ - أنه كان يقرأ خلف الإمام فهذا ضعيف لأن زيادًا البكائي في حديثه لين عن غير ابن إسحاق كما في «التقريب» ١: ٣٦٨، وأبا فروة هو يزيد بن سنان الرهاوي ضعيف كما في «التقريب» ٢: ٣٦٦.\n(٢) أخرجه البخاري في جزء القراءة- الأثر ٥٦ - عن حذيفة أنه كان يقرأ خلف الإمام وانظر فقرة ٢٥. وهذا محتمل للقراءة مطلقًا في الصلاة السرية والجهرية سكت الإمام أو لم يسكت ومحتمل أنه في السرية فقط.\n(٣) ذكره عنه البخاري في جزء القراءة، فقرة: ٣٢، حيث قال: قال مجاهد: «إذا لم يقرأ خلف الإمام أعاد الصلاة» ثم قال: وكذلك قال عبد الله بن الزبير وهذا إن ثبت عن عبد الله بن الزبير فهو محتمل للقراءة خلف الإمام مطلقًا في السرية والجهرية، ومحتمل أنه في السرية فقط كما ذكره البخاري عنه في الفقرة ٤٧ - أنه قال: «اقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام».\n(٤) أخرجه البيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثر ٢٢٣ - عن أنس: «أنه كان يأمر بالقراءة خلف الإمام» وهذا أيضًا محتمل.\n(٥) أخرجه البيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثران ٢٣١، ٢٣٢ - عن هشام بن عامر قال: «إنا لنقرأ خلف الإمام». قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٢: ١١١. «رواه الطبراني في الكبير ورجاله موثوقون». وهذا أيضًا محتمل للقراءة في السرية فقط أو في الحالين.","vol":"1","page":360},{"text":"كما روي عن جمع من التابعين منهم: مجاهد بن جبر (١)، وسعيد ابن جبير (٢)، والحسن البصري (٣)، ومكحول (٤)،\n_________\n(١) ذكره عن مجاهد- البخاري في جزء القراءة، فقرة ٣٢ و٥٨ - بلفظ: «إذا لم يقرأ خلف الإمام أعاد الصلاة». وفي لفظ: «إذا نسي فاتحة الكتاب لا تعد تلك الركعة» وهذا أيضًا محتمل.\n(٢) أخرجه عن سعيد بن جبير- عبد الرزاق- الأثران ٢٧٨٩، ٢٧٩٤ عن سعيد بن جبير أنه قال: «لا بد أن تقرأ بأم القرآن مع الإمام، ولكن من مضى كانوا إذا كبر الإمام سكت ساعة، لا يقرأ قدر ما يقرؤون أم القرآن» وفي إسناده: عبد الله بن عثمان بن خيثم «صدوق» كما في التقريب ١: ٤٣٢، وبقية رجاله ثقات. وقد أخرجه البيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثر ٢٣٧، وابن عبد البر في «التمهيد» ١١: ٤٠ وذكره البخاري في «جزء القراءة» فقرة ٣٤، ٢٧٣.\n(٣) أخرجه عن الحسن ابن أبي شيبة ١: ٣٧٤، والبيهقي في القراءة خلف الإمام الأثر ٢٤٢ - عن الحسن أنه كان يقول: اقرأ خلف الغمام في كل ركعة بفاتحة الكتاب بنفسك وإسناده عند ابن أبي شيبة صحيح\nوأخرج عبد الرزاق في المصنف- الأثران ٢٧٩٠، ٢٧٩٢، وابن عبد البر في «التمهيد» ١١: ٤١ - من طريق معمر عمن سمع الحسن يقول: «اقرأ بأم القرآن جهر الإمام أو لم يجهر فإذا جهر ففرغ من أم القرآن فاقرأ بها أنت».\n(٤) أخرجه عبد الرزاق- الأثر ٢٧٦٩ - عن مكحول انه كان يقرأ بفاتحة الكتاب فيما جهر الإمام وفيما لا يجهر، وأخرجه أبو داود في الصلاة- الحديث ٨٢٥، والبيهقي في القراءة خلف الإمام الأثر ٢٤٠ عن مكحول: «اقرأ يعني الفاتحة فيما جهر به الإمام إذا قرأ بفاتحة الكتاب وسكت سرًا وإن لم يسكت اقرأ بها قبله ومعه وبعده لا تتركنها على حال».\n\nوفي رواية في الأثر ٢٤٦ - عن موسى بن يسار قال سمعت مكحولًا يقرأ بأم الكتاب خلف الإمام وإنه ليقرأ» وأخرج ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٩٠ - عن الاوزاعي قال: «أخذت القراءة مع الإمام عن عبادة بن الصامت ومكحول».","vol":"1","page":361},{"text":"وأبو المليح (١)، وأبو سلمة بن عبد الرحمن (٢)، وميمون بن مهران (٣)، ومالك بن عون (٤)، والشعبي (٥)، وأبو مجلز (٦)،وسعيد بن أبي عروبة، والحكم بن عتيبة (٧)، وعروة ابن\n_________\n(١) أبو المليح هو: أبو المليح بن أسامة الهذلي.\nوقد أخرج هذا القول عنه ابن أبي شيبة ١: ٣٧٥ - من طريق إسماعيل بن علية عن يحيى بن أبي إسحاق قال: صليت المغرب والحكم بن أيوب إمامنا، وأبو مليح إلى جنب أسامة فسمعته يقرأ بفاتحة الكتاب. وفي إسناده: يحيى بن أبي إسحاق: «صدوق ربما أخطأ» كما في «التقريب» ٢: ٣٤٢.\n(٢) أخرجه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: البخاري في جزء القراءة- الأثر ٢٧٤، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثر ٢٣٩ قال: «للإمام سكتتان فاغتنموا القراءة فيهما بفاتحة الكتاب» وهذا ظاهر أن المأموم يقرأ الفاتحة في الصلاة الجهرية لكن في سكتات الإمام.\n(٣) ذكره عن ميمون البخاري في جزء القراءة، فقرة ٣٠ - انه يرى القراءة خلف الإمام وإن جهر.\n(٤) ذكره عن مالك بن عون- البخاري في جزء القراءة، فقرة ٤٦، وابن المنذر في «الأوسط» ٣: ١٠٨، ١١٠.\n(٥) أخرجه البيهقي في «القراءة خلف الإمام» - الأثر ٢٤٤ - عن الشعبي قال: «اقرأ في خمسهن وراء الإمام».\nوقد أخرج ابن أبي شيبة ١: ٣٧٤، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثر ٢٤٣ - عن الشعبي انه كان يقول: «اقرأ خلف الإمام في الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب».\nوفي رواية لهما «أنه كان يُحسن القراءة خلف الإمام» وفي رواية لابن أبي شيبة فقط أنه يقول: «أنت بالخيار».\n(٦) أخرجه ابن أبي شيبة ١: ٣٧٥ - عن أبي مجلز، قال: «إن قرأت فحسن، وإن لم تقرأ أجزأتك قراءة الإمام».\n\nإن صح هذا عن أبي مجلز فهو يحتمل أنه أراد القراءة في الصلاة السرية أو فيهما وفي الجهرية في حال سكوت الإمام. ويبعد أن يحمل ذلك منه على القراءة في الجهرية في حال قراءة الإمام وعدم سكوته لأنه يرى فيما يظهر من كلامه أن القراءة سنة.\n(٧) ذكره البخاري في جزء القراءة عن سعيد في الفقرة ٤٦، وعن الحكم في الفقرة ٢٧٣.","vol":"1","page":362},{"text":"الزبير (١)،وعطاء (٢). وقال بهذا القول الإمام الشافعي في الجديد، وأكثر أصحابه (٣). والأوزاعي (٤)، والليث بن سعد (٥)، وأبو ثور (٦)، وهو رواية عن مالك (٧) وأحمد (٨).\n_________\n(١) أخرجه - عبد الرزاق - الأثر ٢٧٩١ - عن طريق شريك بن أبي نمر عن عروة بن الزبير قال: «إذا قال الإمام (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قرأت بأم القرآن، أو يعدما يفرغ من السورة التي بعدها».\nوقد أخرج البخاري في جزء القراءة- الأثر ٢٧٦، وابن أبي شيبة ١: ٣٧٤، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام- الأثران ٢٣٨، ٣٠٣ - كلهم من طريق هشام بن عروة عن أبيه قال: «اسكتوا فيما يجهر واقرؤوا فيما لا يجهر».\n\nوأخرج البيهقي - أيضًا- الأثر ٣٣١ - من طريق هشام عن أبيه، أنه كان يقرأ خلف الإمام فيما لم يجهر فيه الإمام بالقراءة.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق- الأثر ٢٧٨٨، والبخاري في جزء القراءة- الأثر ١٠٧، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثر ٣٠٤ - عن عطاء قال: «إذا كان الغمام يجهر فليبادر بقراءة أم القرآن، أو ليقرأ بعدما يسكت، فإذا قرأ فلينصت، كما قال الله - ﷿ -»، وفي رواية لعبد الرزاق: «إذا لم تفهم قراءة الإمام فاقرأ إن شئت أو سبح» وفي رواية له: «أما أنا فأقرأ مع الإمام في الظهر والعصر بأم القرآن وسورة قصيرة «الأثران ٢٧٧٩، ٢٧٨٦. وقد أخرج عبد الرزاق - أيضًا- عنه قال: «تجزئ قراءة الإمام عمن وراء .. وأحب أن تقرؤوا معه» وفي رواية أنه سئل: أيجزئ عمن وراء الإمام قراءته فيما يرفع به الصوت، وفيما يخافت؟ قال: نعم» الأثران ٢٨١٦، ٢٨١٨.\n(٣) انظر: «أحكام القرآن» للشافعي ص ٧٧، «المهذب» ١: ٩٧، المجموع ٣: ٢٩٤.\n(٤) أخرجه عن الأوزاعي - البيهقي في القراءة خلف الإمام الأثر ٢٤٧، وابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٩٠، وفي «التمهيد» ١١: ٣٩، ٤١، وذكره عنه ابن المنذر في «الأوسط» ٣: ١٠٨، ١١٠، وابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٩٨، ٣١٠، ٣٣٠.\n(٥) ذكره عن أبي ثور ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٨٩، وفي «التمهيد» ١١: ٣٩، ١٤، وابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٣٠١.\n(٦) ذكره عن أبي ثور ابن المنذر في «الأوسط» ٣: ١٠٨، وابن عبد البر في كتابيه السابقين.\n(٧) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١١٩.\n(٨) انظر: «مسائل الإمام أحمد» رواية النيسابوري ص ٥١، «مسائل الإمام أحمد» لأبي داود ص ٣١ - ٣٢.","vol":"1","page":363},{"text":"واختار هذا القول بعض المحققين من أهل العلم، منهم البخاري (١)، وأبو بكر بن المنذر (٢)، وأبو بكر بن خزيمة (٣)، والخطابي (٤)، والبيهقي (٥)، وابن حزم (٦)، والحازمي (٧).\nوأبو البركات جد شيخ الإسلام ابن تيمية (٨)، والقرطبي (٩)، وأبو الطيب محمد شمس الحق آبادي (١٠)، والشوكاني (١١)، وأحمد محمد شاكر (١٢).\nواتفقوا على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة السرية.\nواختلفوا في حكم قراءتها في حال جهر الإمام بالقراءة، فقال بعضهم بوجوب ذلك منهم الشافعي والبخاري وابن حزم والشوكاني\n_________\n(١) في كتابه «خير الكلام في القراءة خلف الإمام». انظر ص ١٣، فقرة ١٨ وما بعدها، وفي صحيحه انظر: «صحيحه مع فتح الباري» ٢: ٢٣٦.\n(٢) أبو بكر بن المنذر هو: أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري المتوفى سنة ٣١٨ هـ. قال في كتابه «الأوسط» ٣: ١١٠ - ١١١: «يقرأ في السرية، وإذا لم يسمع، فإن سمع لا يقرأ إلا في سكتات الإمام وعند وقفاته، وإذا ركع إذا لم يمكن».\n(٣) هو أبو بكر محمد بن إسحاق النيسابوري، صاحب الصحيح المعروف بـ «صحيح ابن خزيمة»، وانظر: «صحيحه» ٣: ٣٦.\n(٤) في «معالم السنن» ١: ١٧٧.\n(٥) في كتابه «القراءة خلف الإمام» ص ١١٣ وما بعدها وص ٢٨٧.\n(٦) في «المحلى» ٣: ٢٣٦، ٢٣٩، ٢٤٣.\n(٧) انظر «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار» ص ٩٩ - ١٠٠.\n(٨) انظر «مجموع فتاوى ابن تيمية» ٢٣: ٢٦٧، ٢٩٨، ٣٣٠، ٣٤٢.\n(٩) في «تفسيره» ١: ١١٩، ١٢٤.\n(١٠) هو صاحب كتاب: التعليق المغني على الدارقطني. انظر: ١: ٣١٨ من هذا الكتاب، حاشية سنن الدارقطني.\n(١١) في «نيل الأوطار» ٢: ٢٣٨، ٢٤١، ٢٤٢.\n(١٢) انظر: «تعليقه على سنن الترمذي».","vol":"1","page":364},{"text":"وغيرهم، وقال بعضهم باستحبابه فقط منهم الأوزاعي والليث بن سعد وأبو البركات. والأولى عندهم جميعًا أن تكون في سكتات الإمام.\nالأدلة التي استدل بها أصحاب هذا القول:\nأ- من الكتاب: قول الله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ (١).\nب- ومن السنة أحاديث كثيرة جدًا منها ما يأتي:\n١ - ما رواه أبو هريرة - ﵁ - في قصة المسيء صلاته، وأن النبي - ﷺ - قال له: «اقرأ ما تيسر معك من القرآن» (٢).\nقالوا: ووجه الأدلة من الآية، والحديث: أن الأمر للوجوب في الآية والحديث بقراءة ما تيسر، والفاتحة هي أيسر ما تيسر من القرآن.\nوالآية والحديث كل منهما مبين مفسر بالأحاديث التالية، التي فيها وجوب قراءة الفاتحة.\n٢ - ما رواه عبادة بن الصامت - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» متفق عليه.\nوفي رواية لمسلم: «لا صلاة لمن يقرأ بأم القرآن» (٣).\nوفي رواية للدارقطني (٤) والبيهقي (٥): «لا تجزئ صلاة لا يقرأ\n_________\n(١) سورة المزمل، الآية: ٢٠.\n(٢) سبق تخريجه في المسألة السابقة.\n(٣) سبق تخريجه في أسماء الفاتحة في المبحث الثاني من الفصل الأول من هذا الباب.\n(٤) في «السنن» ١: ٣٢٢ قال الدارقطني: «هذا إسناد صحيح».\n(٥) في «القراءة خلف الإمام» الحديث ٢٠.","vol":"1","page":365},{"text":"الرجل فيها بفاتحة الكتاب» (١).\nقالوا: فقوله: «لا صلاة» صلاة نكرة في سياق النفي، فهو يعم (٢). وهو نفي للصلاة الشرعية المجزئة بدليل رواية الدارقطني والبيهقي: «لا تجزيء صلاة لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب» قالوا: وهذا العموم لم يخص منه المأموم (٣).\n٣ - ما رواه أبو هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج - ثلاثا، غير تمام، فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام. فقال: اقرأ بها في نفسك فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: قال الله تعالى: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين» الحديث رواه مسلم (٤).\n٤ - وعن عائشة - ﵂ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «كل صلاة لا يقرأ فيها بأم الكتاب، فهي خداج» رواه ابن ماجه وغيره (٥).\n٥ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) صحح هذه الرواية يحيى بن سعيد القطان. انظر «نصب الراية» ٣: ٣٦٥ - ٣٦٦، وانظر: «تنقيح التحقيق» ٢: ٨٣٧، «التعليق المغني» ١: ٣٢٣.\n(٢) انظر: «تنقيح التحقيق» ٢: ٨٣٨.\n(٣) انظر: «الأوسط» ٣: ١٠٧، «الاستذكار» ٢: ١٨٩.\n(٤) في الصلاة- باب وجوب قراءة الفاتحة- الحديث ٣٩٥.\n(٥) سبق تخريجه في أسماء الفاتحة، في المبحث الثاني، من الفصل الأول، من هذا الباب. وقال الألباني: «حسن صحيح».","vol":"1","page":366},{"text":"قال: «كل صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خداج فهي خداج» رواه ابن ماجه وغيره (١).\nقالوا: ووجه للدلالة من حديث أبي هريرة، وما في معناه من الأحاديث أن الخداج هو الفساد والنقصان الذي لا تجزئ معه الصلاة من قولهم: أخدجت الناقة إذا ولدت نتاجًا فاسدًا قبل وقتها، وقبل تمام الخلق (٢).\nوقالوا: ومما يدل على أن المراد بالخداج النقصان، الذي لا تصح الصلاة معه ولا تجزئ، وأن ذلك يشمل المنفرد والإمام والمأموم قول أبي هريرة: «اقرأ بها في نفسك» (٣).\n٦ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله - ﷺ - أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خير» متفق عليه (٤).\nقالوا: فقوله «وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت» يدل على أنه لا تجزئ الصلاة بدون أم القرآن، وأن قراءتها في الصلاة أقل المجزئ. وأن الزيادة عليها خير: أي مستحبة وليست واجبة.\n_________\n(١) سبق تخريجه في أسماء الفاتحة، في المبحث الثاني، من الفصل الأول، من هذا الباب. وقال الألباني «حسن صحيح».\n(٢) انظر: «غريب الحديث» لأبي عبيد ١: ٦٥، «معالم السنن» ١: ٢٠٣، «الاستذكار» ٢: ١٦٧، «النهاية» مادة «خدج».\n(٣) انظر: «صحيح ابن خزيمة» ١: ٢٤٧ - ٢٤٨، «القراءة خلف الإمام» للبيهقي ص ٣٥.\n(٤) سبق تخريجه في أسماء الفاتحة، في المبحث الثاني، من الفصل الأول، من هذا الباب.","vol":"1","page":367},{"text":"٧ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «أَمرني رسول الله - ﷺ - أن أنادي أنه لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب، فما زاد» رواه أبو داود (١).\n٨ - وعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «أُمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر» رواه أبو داود (٢).\n٩ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «لا تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن» رواه ابن خزيمة وابن حبان (٣).\nقالوا: فهذه الأحاديث الثلاثة كحديث أبي هريرة الذي قبلها تدل على وجوب قراءة الفاتحة، وأنه لا تصح الصلاة، بل ولا تجزئ بدونها، سواء كان المصلي إماما أو منفردا أو مأموما.\nكما استدلوا بالأحاديث التي فيها النهي عن القراءة خلف الإمام - إذا جهر - فيما عدا الفاتحة.\n١٠ - فعن عبادة بن الصامت - ﵁ - قال: «كنا خلف رسول الله - ﷺ - في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله - ﷺ - فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم يا رسول الله. قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ\n_________\n(١) سبق تخريجه في أسماء الفاتحة.\n(٢) سبق تخريجه في أسماء الفاتحة.\n(٣) سبق تخريجه في أسماء الفاتحة. وقال مقبل الوداعي في «تعليقه على الحديث في تفسير ابن كثير ١: ٢٧» وهو على شرط مسلم».","vol":"1","page":368},{"text":"بها» (١).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في الصلاة- باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب، الحديثان ٨٢٣ - ٨٢٤.\nوالنسائي في الافتتاح- باب قراءة أم القرآن خلف الإمام فيما جهر به الإمام ٢: ١٤١، والترمذي- في الصلاة- باب ما جاء في القراءة خلف الإمام- الحديث ٣١١، وقال: «حديث حسن»، وأحمد ٥: ٣١٣، ٣١٦، ٣٢٢.\nوابن أبي شيبة ١: ٣٧٣، والبخاري في جزء القراءة خلف الإمام- الأحاديث ٦٤ - ٦٧، ٢٥٧ - ٢٥٨،\nوابن خزيمة في «صحيحه» في الإمامة- باب القراءة خلف الإمام وإن جهر الإمام ١: ٣٦ - ٣٧،\nوابن المنذر في «الأوسط» الحديث ١٣٢١،\nوالطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١: ٢١٥،\nوالدارقطني في الصلاة- باب وجوب قراءة أم الكتاب في الصلاة وخلف الإمام ١: ٣١٨ - ٣٢٠ وقال: «حديث حسن، ورجاله كلهم ثقات». وابن حبان في صحيحه الحديثان ١٧٧٦ - ١٧٨٣،\nوالطبراني في «المعجم الصغير» ٢٣٠ - ٢٣١،\nوالحاكم في كتاب الصلاة ١: ٢٣٨،\nوالبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأحاديث ١٠٨ - ١١٣، بطرقه وصحح بعضها.\nوابن عبد البر في «التمهيد» ١١: ٤٤،\nوابن حجر في «نتائج الأفكار» ١: ٤٣٢ - ٤٣٤ وقال: «هذا حديث حسن».\nوذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٢: ١١٠، وقال: «رواه الطبراني في الكبير، ورجاله موثوقون».\nوهذا الحديث صححه جمع من أهل العلم، وضعفه آخرون.\n\nفقد حسنه الترمذي، وابن خزيمة، والدارقطني، والبيهقي، والهيثمي، وابن حجر، وقال ابن حجر في «تلخيص التحبير» ١: ٢٣١: «حديث عبادة الذي رواه احمد والبخاري في جزء القراءة وصححه أبو داود والترمذي والدارقطني، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي من طريق ابن إسحاق حدثني مكحول عن محمود بن ربيع عن عبادة، وتابعه زيد بن واقد وغيره عن مكحول».\nوقال ابن المنير في «خلاصة البدر المنير» ١: ١١٩: «وقال الخطابي في معالم السنن» ١: ١٧٧، «إسناده جيد، لا مطعن فيه».\nوقال الحاكم: «إسناده مستقيم».\nوانظر: «تنقيح التحقيق» ٢: ٨٥١ - ٨٥٥.\nوممن احتج بهذا الحديث سماحة شيخنا الشيخ/ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ﵀، وقد ضعفه بعض أهل العلم منهم ابن عبد البر وابن تيمية وغيرهما. =\n= قال الإمام أحمد: «لم يروه غير ابن إسحاق» وتعقبه ابن قدامة في «المغني» ٢: ٢٦٣ - ٢٦٤ بأنه «رواه أبو داود عن مكحول عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري هو أدنى حالًا من ابن إسحاق فإنه غير معروف من أهل الحديث».\nقال ابن عبد البر في «التمهيد» ١١: ٤٦ - بعدما أشار إلى اضطراب إسناده: «ومثل هذا الاضطراب لا يثبت فيه عند أهل العلم بالحديث شيء، وليس في الحديث ما لا مطعن فيه من جهة الإسناد غير حديث الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة». يعني حديث «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» المتفق على صحته.\nلكن ابن عبد البر قال في «الاستذكار» ٢: ١٩٠ عن حديث عبادة الذي فيه «لا تفعلوا إلا بأم القرآن»: «متصل مسند من رواية الثقات».\nوقال ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٨٦ - ٢٨٧: «هذا الحديث معلل عند أئمة الحديث بأمور كثيرة، ضعفه أحمد وغيره من الأئمة ... والصحيح قول النبي - ﷺ -: «لا صلاة إلا بأم القرآن» فهذا هو الذي أخرجناه في الصحيحين، ورواه الزهري عن محمود بن الربيع عن عبادة.\nوأما هذا الحديث فغلط فيه بعض الشاميين وأصله أن عبادة كان يؤم ببيت المقدس، فقال هذا فاشتبه عليهم المرفوع بالموقوف على عبادة».\nوقال - أيضا - ٢٢: ٣٤٠ «الحديث لم يخرج في الصحيح، وضعفه ثابت من وجوه وإنما هو قول عبادة بن الصامت».\nكما ضعفه الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» الحديث ١٧٦، «ضعيف سنن الترمذي» الحديث ٤٩، «وضعيف سنن النسائي» الحديث ٣٩.","vol":"1","page":369},{"text":"١١ - وعن أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - صلى بأصحابه، فلما قضى صلاته أقبل عليهم بوجهه، فقال: «أتقرؤون في صلاتكم والإمام يقرأ؟ فسكتوا، فقالها ثلاث مرات، فقال قائل أو قائلون: إنا لنفعل. قال: فلا تفعلوا، ويقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب في نفسه» (١).\n_________\n(١) أخرجه البخاري في جزء القراءة- الحديث ٢٥٥، وابن حبان في صحيحه الحديث ١٨٣٥، وأبو يعلى في «مسنده» ١: ١٤١، والبيهقي في «سننه» ٢: ١٦٦، وفي «القراءة خلف الإمام» الأحاديث ١٣٩ - ١٥١، ٣٨٦، ٣٨٧. وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٢: ١١٠: «رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات».","vol":"1","page":370},{"text":"١٢ - وعن محمد بن أبي عائشة عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لعلكم تقرؤون والإمام يقرأ. قالوا: إن لنفعل قال: لا، إلا بأن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب» (١).\n١٣ - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أتقرؤون خلفي؟ قالوا نعم يا رسول الله، إنا لنهذه هذا قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن» (٢).\nقالوا: فحديث عبادة «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب ...» وما في معناه من الأحاديث التي تشهد له، كلها نص في وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في نفسه واستثنائها من النهي عن القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة، ووجوب قراءتها إذا أسر الإمام في القراءة من باب أولى.\nكما استدلوا بالأحاديث والآثار التي تدل على وجوب قراءة\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق - في الصلاة - باب القراءة خلف الإمام، الحديث ٢٧٦٦، وابن أبي شيبة ١: ٣٧٤، وأحمد ٤: ٢٣٦، وقال الهيثمي ٢: ١١١: «ورجاله رجال الصحيح»، والبخاري في جزء القراءة خلف الإمام - الحديث ٦٧، والدارقطني ١: ٣٤٠، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الحديث ١٥٤ - ١٦٠.\nقال ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ٩٠ «منقطع، مرسل» وقال ابن حجر في «تلخيص الحبير» ١: ٢٣١: «إسناده حسن».\n(٢) أخرجه البخاري في جزء القراءة- الحديث ٦٣، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الحديث ١٦٧.","vol":"1","page":371},{"text":"الفاتحة خلف الإمام في الصلاة السرية.\n١٤ - وعن جابر بن عبد الله قال: «كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب» رواه ابن ماجه (١).\nقالوا: فهذا الحديث وما في معناه من الأحاديث والآثار (٢)، تدل على ملازمة الصحابة - ﵃ - على قراءة الفاتحة في الصلاة السرية خلف الإمام. وقول الصحابي كنا نفعل كذا في عهد الرسول - ﷺ - من قبيل المرفوع.\n١٥ - وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: «إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا فعلمني ما يجزئني منه، قال: قل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ...» (٣).\nقالوا: ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن الرسول - ﷺ - علم من لا يحسن القرآن ما يقوم مقامه، ولم يأمره بالائتمام حتى تسقط عنه\n_________\n(١) سبق تخريجه في أسماء الفاتحة، في المبحث الثاني، من الفصل الأول، من هذا الباب. وصححه الألباني.\n(٢) تجد بعضًا منها في المسألة الأخيرة من المبحث الثاني في هذا الفصل حكم قراءة ما زاد على الفاتحة في الصلاة.\n(٣) أخرجه أبو داود - في الصلاة- ما يجزئ الأمي والأعجمي من القراءة - الحديث ٨٣٢، والنسائي في افتتاح الصلاة - باب ما يجزئ من القراءة عمن لا يحسن القرآن- الحديث ٨٨٥، وعبد الرازق- الحديث ٢٧٤٧، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الحديث ١٨٤ - وحسنه الألباني.","vol":"1","page":372},{"text":"القراءة (١).\nإلى غير ذلك من الأحاديث (٢).\n١٦ - كما استدلوا بالآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، في القراءة خلف الإمام مطلقًا في السرية والجهرية (٣).\n١٧ - وقالو: إن الإمام لا يتحمل عن المأموم شيئًا من الركوع والسجود، بل لا يتحمل عنه شيئًا من السنن والمستحبات، فكيف يتحمل قراءة الفاتحة التي هي من الواجبات (٤).\n١٨ - وقالوا أيضًا: إن قراءة الفاتحة خلف الإمام لا تبطل الصلاة بالإجماع، حتى ولا في الصلاة الجهرية، وإنما يفوته الاستماع فقط، وإنما تبطل الصلاة بترك قراءتها عند كثير من أهل العلم وخاصة في الصلاة السرية (٥).\nقالوا: فهذه الأدلة تدل على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة مطلقًا سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية وسواء كان المصلى إماما أو مأمومًا أو منفردًا فهي مخصصة لعموم قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ\n_________\n(١) انظر: «القراءة خلف الإمام». للبيهقي ص٨٨.\n(٢) انظر: «القراءة خلف الإمام». للبيهقي ص٨٥.\n(٣) تقدم ذكر المروي عن الصحابة والتابعين في ذكر القائلين بهذا القول.\n(٤) انظر: «خير الكلام في القراءة خلف الإمام» ص٢٧، القراءة خلف الإمام للبيهقي ص٢١٩ - ٢٢٣.\n(٥) انظر: «الاستذكار» ٢:١٩٣، «مجموع الفتاوى» ٢٣:٣١٠.","vol":"1","page":373},{"text":"فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١) والسنة تخصص القرآن بلا خلاف (٢).\nومخصصة لعموم قوله - ﷺ - في حديث أبي موسى وحديث أبي هريرة: «وإذا قرأ فأنصتوا» (٣).\nبل ومخصصة لعموم حديث جابر «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» (٤) على فرض صحته: أي فقراءته له قراءة فيما عدا الفاتحة التي خصها الدليل بوجوب قراءتها على كل مصل إمامًا كان أو مأمومًا أو منفردا. ويدل على التخصيص حديث عبادة: «فلا تفعلوا إلا بأم القرآن فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» (٥).\nوالأولى أن يقرأ المأموم الفاتحة في سكتات الإمام إذا كان له سكتات، فإن لم يكن له سكتات قرأ معه (٦).\nوالأولى إذا لم يكن للإمام سكتات أن يقرأ معه حال قراءة الإمام للسورة. أما حال قراءة الإمام الفاتحة فإن الأولى بالمأموم أن يستمع، لأن قراءة الفاتحة واجبة بخلاف قراءة ما بعدها، والاستماع لقراءة\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٤.\n(٢) وفد حمل البيهقي في «القراءة خلف الإمام» ص١١٣ وما بعدها الآية على النهي عن كلام الناس في الصلاة، لا عن الذكر والقرآن والتسبيح مستدلًا بالأحاديث الصحيحة في النهي عن الكلام كحديث زيد بن أرقم وابن مسعود في الصحيحين وغيرهما.\n(٣) سيأتي ذكرهما وتخريجهما ضمن أدلة القول الثاني.\n(٤) سيأتي ذكره وتخريجه وذكر كلام أهل العلم عليه ضمن أدلة القول الثاني.\n(٥) سبق ذكره بتمامه وتخريجه ضمن أدلة هذا القول.\n(٦) انظر «الأوسط» ٣: ١٠٧، «المحلى» ٣: ٢٣٦ - ٢٤٣، «الاستذكار» ٢: ١٩١.","vol":"1","page":374},{"text":"الواجب أولى من الاستماع لغير الواجب (١).\nوإذا نسي المأموم قراءة الفاتحة، أو سها عن ذلك، أو جهل وجوبها، سقط عنه وكفته قراءة الإمام على الصحيح. وكذا إذا أدرك الإمام راكعا لفوات محلها، لحديث أبي بكرة - ﵁ -: «أنه انتهى إلى النبي - ﷺ - وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال: زادك الله حرصًا، ولا تعد» (٢).\nوقد أجمع العلماء على هذا.\nقال القرطبي (٣): «وأما المأموم فإن أدرك الإمام راكعًا فالإمام يحمل عنه القراءة، ولإجماعهم على أنه إذا أدركه راكعًا أنه يكبر ويركع، ولا يقرأ شيئًا».\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>القول الثاني:</span>\nأن المأموم يقرأ خلف الإمام في الصلاة السرية، ولا يقرأ في الصلاة الجهرية، بل ينصت لقراءة الإمام.\nوهذا هو الثابت - والله أعلم - عن علي بن أبي طالب - رضي الله\n_________\n(١) انظر «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٣١٣.\n(٢) أخرجه البخاري في الأذان- باب إذا ركع دون الصف، الحديث ٧٨٣، وأبو داود في الصلاة- باب الرجل يركع دون الصف، الحديث ٨٣٩، وأحمد ٥: ٣٩، ٤٢، ٤٥، ٤٦، ٥٠.\n(٣) في «تفسيره» ١: ١١٨، وانظر: «خير الكلام في القراءة خلف الإمام» فقرة ٢١، «المغني» ٢: ٢٦٢ - ٢٦٣، «إمام الكلام في القراءة خلف الإمام» ص٩٦ - ١١٥.","vol":"1","page":375},{"text":"عنه - (١).\n_________\n(١) أخرجه عن علي -البخاري في جزء القراءة- الأثران ١، ٥٤، وابن أبي شيبة ١: ٣٧١، ٣٧٣، وابن المنذر في «الأوسط» الأثر ١٣١٢، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١: ٢٠٦، ٢٠٩، والدارقطني ١: ٣٢٢، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثران ١٩٨، ٤٢٥ من طريق الزهري عن عبيد الله بن أبي رافع عن علي بن أبي طالب - ﵁ -: «إذا لم يجهر الإمام في الصلوات فاقرأ بأم الكتاب وسورة أخرى في الأولين من الظهر والعصر، وبفاتحة الكتاب في الأخريين من الظهر والعصر، وفي الآخرة من المغرب وفي الأخريين من العشاء».\nوقال الدارقطني: «إسناده صحيح» وقال ابن عبد البر في «التمهيد» ١١: ٣٥: «أصح شيء عن علي ما رواه الزهري».\nوهذا والله أعلم يفسر ما رواه ابن أبي شيبة ١: ٣٧٣ من طريق الحكم وحماد: «أن عليًا كان يأمر بالقراءة خلف الإمام» - إن صح هذا- على أن المراد به الأمر بالقراءة خلف الإمام فيما أسر فيه بالقراءة.\nكما يفسر ما رواه عبد الرزاق الأثر ٢٨٠٥ - عن علي «أنه كان ينهى عن القراءة خلف الإمام - إن صح هذا أيضًا- على أن المراد به القراءة حال جهر الإمام بالقراءة».\n\nوأما ما أخرجه عبد الرزاق الآثار ٢٨٠١، ٢٨٠٤ - ٢٨٠٦، وابن أبي شيبة ١: ٣٧٦، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١: ٢١٩، والدارقطني ١: ٣٣١ - ٣٣٢ عن علي أنه قال: «من قرأ مع الإمام، أو خلف الإمام فقد أخطأ الفطرة».\nفقد ضعفه أكثر أهل العلم فقال البخاري في جزء القراءة، فقرة: (٣٨) «لا يصح»، وقال الدارقطني في سننه: ١: ٣٣٢: «لا يصح إسناده»، وقال ابن حبان في كتاب الضعفاء: «باطل ويكفي في ضعفه إجماع المسلمين على خلافه».\nوقال ابن عبد البر في «الاستذكار».\n٢: ١٩٢: «هذا لو صح يحتمل أن يكون في صلاة الجهر، لأنه حينئذ يكون مخالفًا للكتاب والسنة، فكيف وهو غير ثابت عن علي».\nوقال في «التمهيد» ١١: ٤٩ - ٥٠: «هذا الخبر لو صح كان معناه من قرأ مع الإمام فيما جهر فيه بالقراءة فقد أخطأ الفطرة، لأنه حينئذ خالف الكتاب والسنة فكيف وهو خبر غير صحيح، وقد عارض هذا الخبر عن علي ما هو أثبت منه، وهو خبر الزهري عن عبد الله بن أبي رافع عن علي».\nوقال أيضًا ١١: ٥١ - بعدما ذكر ضعف ما روي عن سعد بن أبي وقاص في هذا قال: «وكذلك كل ما روي عن علي في هذا الباب فمنقطع لا يثبت، ولا يتصل، وليس عنه فيه حديث متصل غير حديث عبد الله بن أبي ليلى، وهو مجهول، وزعم بعضهم أنه أخو عبد الرحمن بن أبي ليلى ولا يصح حديثه، ولا أعلم في هذا الباب صاحبًا صح عنه بلا اختلاف أنه قال مثل ما قال الكوفيون إلا جابر بن عبد الله وحده.\nوذكر البيهقي في «القراءة خلف الإمام» ص١٨٩ أنه موقوف على علي بإسناد رواه ضعيف يكفي ذكره واختلاف الرواة فيه عن بيان ضعفه.\nثم ذكر رواياته واختلافها، وعدم صحتها - الآثار ٤١٤ - ٤٢٣.","vol":"1","page":376},{"text":"وهو مروي أيضًا عن عمر بن الخطاب - ﵁ - (١) - وعن ابنه عبد الله بن عمر بن الخطاب (٢)،\nوعبد الله بن\n_________\n(١) سبق تخريجه عن عمر ص٣٥٦، ٣٥٧ وأسانيده - والله أعلم- لا تثبت كما سبق بيان ذلك.\n(٢) أخرجه عن ابن عمر - عبد الرزاق- الأثر ٢٨١١، وابن المنذر في «الأوسط» الأثر ١٣١٥، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثر ٣٣٠ - من طريق ابن شهاب عن سالم أن ابن عمر كان يقول: «ينصت للإمام فيما يجهر به في الصلاة، ولا يقرأ معه». ذكر ابن عبد البر في «التمهيد» ١١: ٣٦: «أن هذا أصح ما روي عن ابن عمر». وأخرج مالك في «الموطأ» الأثر ١٨٩، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١: ٢٢٠، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثر ٣٩٨ - من طريق نافع عن ابن عمر قال: «إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فيقرأ. وكان عبد الله بن عمر لا يقرأ خلف الإمام».\nوقال ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٨٤: «وهذا الحديث عن ابن عمر يدل ظاهره على أنه كان لا يقرأ خلف الإمام، ولا يرى القراءة خلفه جملة، في السر، ولا في الجهر، ولكن مالكًا - ﵀-، أدى ما سمع من نافع كما سمعه، وبلغه عن ابن عمر: أن مذهبه كان أنه لا يقرأ خلف الإمام فيما يجهر فيه، دون ما أسر، فأدخل حديثه في الباب، كأنه قيده بترجمة الباب، وبما علم من المعنى فيه ثم استدل ابن عبد البر على هذا بما أخرجه عن عبد الرزاق من طريق ابن شهاب عن سالم عن ابن عمر- ثم قال: «وكل ما روي عن نافع عن ابن عمر من رواية مالك وغيره من الألفاظ المجملة في هذا الحديث فإنه يفسره ويقضي عليه حديث ابن شهاب عن سالم هذا والله أعلم». وذكر نحوًا من هذا في «التمهيد» ١١: ٣٦ - ٣٧، وقال البيهقي في «القراءة خلف الإمام» ص١٨٣ «ورواية سالم عن ابن عمر تدل على صحة ما حمل مالك ابن أنس﵀- عليه رواية نافع».\n\nقلت: كما قد يفسر حديث ابن شهاب عن سالم ما أخرجه عبد الرزاق الأثران ٢٨١٤ - ٢٨١٥ من طريق زيد بن أسلم، وابن ذكوان عن ابن عمر أنه كان ينهى عن القراءة خلف الإمام، أو لا يقرأ خلف الإمام- إن صح هذا- على أن المراد به النهي عن القراءة أو تركها إذا جهر الإمام بالقراءة. لكن أخرج الطحاوي ١: ٢١٩ - عن ابن عمر وزيد بن ثابت وجابر أنهم قالوا: لا تقرؤوا في شيء من الصلوات.: وهذا- إن صح عن ابن عمر- لا يمكن حمله على ما سبق، والله أعلم.","vol":"1","page":377},{"text":"مغفل (١)، وعبد الله بن مسعود (٢)\n_________\n(١) أخرجه ابن أبي شيبة ١: ٣٧١، والبخاري في جزء القراءة خلف الإمام الأثر ٦١، وابن المنذر في «الأوسط» الأثر ١٣١٦، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثر ٢٣٥ - عن عبد الله بن مغفل أنه كان يأمر بالصلاة التي لا يجهر فيها الإمام- أن يقرأ في الصلاة في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب»\n(٢) أخرجه عبد الرازق- الأثر ٢٨٠٣، وابن أبي شيبة ١: ٣٧٦، وابن المنذر في «الأوسط» الأثر ١٣١٠، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١: ٢١٩، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثران ٢٥٧، ٣٧٤، وابن عبد البر في «التمهيد» ١١: ٣٠ - عن ابن مسعود بلفظ: «أنصت للقرآن فإن في الصلاة شغلًا، وسيكفيك ذلك الإمام. قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٢: ١١١ «رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله موثوقون».\nقال عبد الله بن المبارك فيما ذكره البخاري في جزء القراءة، فقرة ٢٨، ٢٩: «دل أن هذا الجهر، وإنما يقرأ خلفه فيما سكت الإمام». وكذا قال ابن عبد البر: «قوله: أنصت» يدل على أن ذلك في الجهر دون السر».\nقلت: ويدل على هذا ما أخرجه ابن أبي شيبة ١: ٣٧٣، وابن المنذر في «الأوسط» الأثر ١٣١١، عن عبد الله بن مسعود: أنه قرأ في العصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة».\nوهذا كله يفسر ما أخرجه البخاري في جزء القراءة- الأثر٥٥ - عن ابن أبي مريم سمعت ابن مسعود - ﵁ - يقرأ خلف الإمام- إن صح هذا- على أن المراد به القراءة في الصلاة السرية.\n\nكما يفسر ما روي عنه- عند عبد الرزاق- الأثر ٢٨٠٦، والطحاوي ١: ٢١٩ - أنه قال: «من قرأ مع الإمام، أو ليت الذي يقرأ مع الإمام ملئ فوه ترابًا» - إن صح هذا عنه- على أن المراد به القراءة مع الإمام حال جهر الإمام بالقراءة. علمًا أن في إسناد عبد الرزاق شيخه داود بن قيس الصنعاني وهو مقبول كما في «التقريب» ١: ٢٣٤، وفي إسناد الطحاوي: خديج بن معاوية وهو صدوق يخطئ كمن في «التقريب» ١: ١٥٦.","vol":"1","page":378},{"text":"وعائشة (١). وأبي سعيد الخدري، مع اختلاف عنه في ذلك (٢)،\nوعبيد الله بن عبد الله بن عتبة (٣) والزهري (٤)،\n_________\n(١) أخرجه ابن المنذر في «الأوسط» الأثر ١٣١٣ - عن عائشة﵂- قال: «اقرأ خلف الإمام فيما يخافت به».\nوالبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثران ٢٢١ - ٢٢٢ - عن عائشة أنها تأمر بالقراءة خلف الإمام في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وشيء من القرآن، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب».\nأما ما ذكره البخاري عنها في جزء القراءة، فقرة ١٣٤ بعدما أخرج عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - «لا يركع أحدكم حتى يقرأ بأم القرآن». قال البخاري: «وكانت عائشة تقول ذلك».\nفإن هذا- إن صح- ليس صريحًا في أن عائشة، ولا أبا سعيد يريان القراءة خلف الإمام مطلقًا في الصلاة السرية والجهرية، إذ قد يصح حمله على القراءة في الصلاة السرية، بل لو قيل بحمله على من صلى منفردًا لما امتنع قبول ذك.\n(٢) فقد أخرج البخاري في جزء القراءة- الأثر ٥٧، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» عن أبي نضره قال: سألت أبا سعيد عن القراءة خلف الإمام، فقال: «فاتحة الكتاب وفي إسنادهما العوام بن حمزة المازني: صدوق ربما وهم كما في «التقريب» ٢: ٨٩. وأخرج البخاري- الأثر ١٣٣ - عن عبد الرحمن بن هرمز قال: قال أبو سعيد: «لا يركع أحدكم حتى يقرأ بأم الكتاب».\n\nفهذان الأثران- إن صحا- عن أبي سعيد- قد يؤخذ منهما أنه يرى القراءة خلف الإمام مطلقًا حتى في الصلاة الجهرية. لكن أخرج ابن أبي شيبة ١: ٣٧٧ - عن أبي هارون قال: سألت أبا سعيد عن القراءة خلف الإمام، فقال: «يكفيك ذاك الإمام» فهذا- إن صح عن أبي سعيد- يدل على أن المراد بالأثرين السابقين القراءة في السرية. والأمر محتمل فالله أعلم.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق- الأثر ٢٧٧٥، وابن أبي شيبة ١: ٣٧٣ - بإسناد صحيح- والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثر ٢٤٥ - كلهم من ريق حصين بن عبد الرحمن قال: «سمعت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة يقرأ في الظهر والعصر مع الإمام ..» وليس في رواية ابن أبي شيبة والبيهقي «» في الظهر والعصر». وقد ذكر هذا القول عن عبيد الله، وأنه يقرأ خلف الإمام. ابن عبد البر في «التمهيد» ١١: ٢٨، و» الاستذكار» ٢: ١٨٦.\n(٤) أخرجه عن الزهري- عبد الرزاق- الأثر ٢٧٨٤، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثران ٢٧٣، ٣٣٢ - أنه ينهى عن القراءة فيما جهر الإمام، ويقرأ فيما لم يجهر الإمام» وذكره ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٨٦.","vol":"1","page":379},{"text":"وقتادة (١)، وسعيد بن المسيب (٢)، والحكم بن عتيبة (٣)، والقاسم ابن محمد (٤)، وعروة بن الزبير (٥)،\nونافع بن جبير بن مطعم (٦)، وسالم ابن عبد الله بن عمر (٧).\nوبه قال الإمام مالك وأصحابه (٨) وأحمد بن حنبل، إلا أنه قال: إن سمع في صلاة الجهر لم يقرأ، وإن لم يسمع قرأ (٩)، وذكر ابن\n_________\n(١) أخرجه عبد الرزاق - الأثر ٢٧٨٥ عن قتادة أنه قال: «إذا جهر الإمام فلا تقرأ شيئًا» وذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ١١: ٢٨.\n(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١: ٣٧٤، ٣٧٧ عن سعيد قال: «يقرأ الإمام ومن خلفه في الظهر والعصر بفاتحة الكتاب»، وفي رواية قال: «أنصت للإمام»، وذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ١١: ٢٨، و«الاستذكار» ٢: ١٨٦.\n(٣) أخرجه ابن أبي شيبة ١: ٣٧٤ عن الحكم قال: «اقرأ خلف الإمام فيما لو لم يجهر في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخيرين بفاتحة الكتاب».\n(٤) أخرجه عن القاسم بن محمد - مالك في «الموطأ» الأثر ١٨٧، وابن أبي شيبة ١: ٣٤٥، وذكره ابن عبد البر «في التمهيد» ١١: ٥٤.\n(٥) أخرجه عن عروة مالك في «الموطأ» الأثر ١٨٦، وعبد الرزاق- الأثر ٢٧٩١، وابن أبي شيبة ١: ٣٧٤، والبخاري في جزء القراءة - الأثر ٢٧٦ ..\n(٦) أخرجه مالك في «الموطأ» الأثر ١٨٨، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثر ٣٣٢ - عن نافع بن جبير بن مطعم أنه كان يقرأ خلف الإمام فيما لا يجهر فيه بالقراءة.\n(٧) ذكره عن سالم ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٨٦، وفي «التمهيد» ١١: ٢٨/ ٣٧.\n(٨) انظر «المدونة» ١: ٦٧، «الموطأ» ص ٦٧ - ٦٨، «الاستذكار» ٢: ١٨٦ - ١٨٨، «التمهيد» ١١: ٢٨، ٣٤، ٣٧ - ٣٨، «الكافي في فقه أهل المدينة» ١: ١٧٠، «بداية المجتهد» ١: ١٥٤، «أحكام القرآن» لابن العربي ١: ٤، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١١٧.\n(٩) انظر «مسائل الإمام أحمد» رواية ابنه عبد الله ص ٧١، ٧٩ الفقرات ٢٥٤ - ٢٥٧، ٢٨٠، و«رواية النسبايوري» ١: ٥١، و«رواية أبي داود» ص ٣٢، «المغني» ١: ٢٥٩، ٢٦٤، ٢٦٧ - ٢٦٨، «تنقيح التحقيق» ٢: ٨٥٧، «الشرح الكبير» ١: ٣٩٠ - ٣٩١، «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٦٨ - ٢٦٩.","vol":"1","page":380},{"text":"تيمية (١) أنه لم يصح عنه غيرها.\nوقال به أيضًا عبد الله بن المبارك (٢)، وإسحاق بن راهويه (٣) وهو قول الشافعي في القديم (٤)، وبه قال الأوزاعي وأبو ثور (٥) وداود (٦).\nوهو اختيار جمع من المحققين أيضًا منهم:\nالطبري (٧)، وأبو بكر بن العربي (٨)، وشيخ الإسلام ابن تيمية قال: «وهو قول جمهور أهل العلم، وأعدل الأقوال» (٩).\nواختاره - أيضًا - الحافظ ابن كثير (١٠)، وشيخ الإسلام محمد ابن\n_________\n(١) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٢٩٥، وانظر ٢٣: ٣٨١.\n(٢) انظر: «الأوسط» ٣: ١٠٦، «سنن الترمذي» ٢: ١٢١، «الاستذكار» ٢: ١٨٦، «التمهيد» ١١: ٢٨، «الاعتبار» للحازمي ص ١٠٠، والمغني ٢: ٢٥٩، «المجموع» ٣: ٣٩٥ - ٣٩٦.\n(٣) انظر: «الأوسط» ٣: ١٠٦ن «الاستذكار» ٢: ١٨٦، «التمهيد» ١١: ٢٨، «الاعتبار» ص ١٠٠، «المغني» ٢: ٢٥٩.\n(٤) انظر: «أحكام القرآن» للشافعي ص ٧٧، «المهذب» ١: ٧٩، «القراءة خلف الإمام» للبيهقي ص ١٠٧، ١١، «تفسير ابن كثير» ١: ٢٨.\n(٥) انظر: «الاستذكار» ٢: ١٩٣.\n(٦) انظر: «التمهيد» ١١: ٢٨.\n(٧) في «تفسيره» ١٣: ٣٥٢.\n(٨) في «أحكام القرآن» ١: ٥، قال: «والصحيح عندي وجوب قراءتها فيما يسر، وتحريمها فيماجهر إذا سمع قراءة الإمام لما عليه من فرض الإنصات والاستماع لقراءته، فإن كان عنه في مقام بعيد فهو بمنزلة صلاة السر»\n(٩) انظر: «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٣٢٧، ٣٣٠، وانظر ٢٩٤، ٢٩٧.\n(١٠) في «تفسيره» ١: ٢٨، ٦٣.","vol":"1","page":381},{"text":"عبد الوهاب (١)، واللكنوي من محققي الأحناف في هذا العصر (٢).\nواختاره من علمائنا المعاصرين فضيلة الشيخ شيخنا محمد بن ناصر الدين الألباني (٣)، وفضيلة الشيخ شيخنا صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان.\n\nواختلفوا في حكم القراءة في الصلاة السرية خلف الإمام، أهي واجبة أم سنة.\nفذهب مالك (٤)، وأحمد في رواية (٥) له عدها بعض أصحابه هي المشهورة عنه (٦).\nواختارها بعض أصحابه كشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب (٧) إلى أن قراءة الفاتحة في الصلاة السرية خلف الإمام سنة.\nوذهب الأوزاعي (٨)\n_________\n(١) في «آداب المشي إلى الصلاة» ص ٩٨ باب صلاة الجماعة.\n(٢) كانت وفاته سنة ١٣٠٤ هـ وانظر: كتابه «إمام الكلام فيلا القراءة خلف الإمام» ص ٢٢٥ - ٢٢٨ - وهذا الكتاب من خير ما ألأف في هذه المسألة، كما سبقت الإشارة إليه.\n(٣) في «صفة صلاة النبي - ﷺ -» له ص ٥٥ - ٥٧.\n(٤) انظر: «الاستذكار» ٢: ٨٩ - ١٩٣، «التمهيد» ١١: ٥٣، وانظر: المراجع السابقة في ذكر قول مالك.\n(٥) انظر: «مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله» ص ٧٢، ٧٨، فقرة ٢٥٧، ٢٧٨، «التحقيق» ١: ٣٩١.\n(٦) انظر: «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٦٦.\n(٧) انظر: «آداب المشي إلى الصلاة» ص ٩٨.\n(٨) انظر: «الاستذكار» ٢: ١٩٤، «التمهيد» ١١: ٤٥.","vol":"1","page":382},{"text":"والشافعي (١) وأبو ثور وإسحاق، وداود (٢)، وأحمد في رواية (٣) عنه إلى أن القراءة في الصلاة السرية خلف الإمام واجبة ولا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب. واختار هذا ابن العربي (٤).\nواتفقوا على أنه لا يشرع قراءة الفاتحة، ولا غيرها حال سماع المأموم لقراءة إمامه ..\nواختلفوا في حكم من قرأ وهو يسمع قراءة الإمام: فذهب بعضهم إلى كراهية ذلك (٥)، وذهب بعضهم إلى تحريمه (٦)، بل شذ بعضهم فقال ببطلان صلاته (٧).\nأما إذا لم يسمع المأموم قراءة الإمام، أو كان للإمام سكتات. فقال بعضهم الأفضل للمأموم أن يقرأ الفاتحة في هذه الأحوال (٨) - وهو الأولى - لكن لو لم يفعل فصلاته صحيحة عندهم (٩).\nالأدلة التي استدل بها أصحاب هذا القول:\n_________\n(١) انظر: «أحكام القرآن» للشافعي ١: ٧٧، «المهذب» ١: ٧٩.\n(٢) انظر: «الاستذكار» ٢: ١٩٤، «التمهيد» ١١: ٥٤.\n(٣) انظر «مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله» ص ٧١ فقرة ٢٥٦، «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٦٦.\n(٤) في «أحكام القرآن» ١: ٥.\n(٥) انظر: «كشاف القناع» ١: ٤٦٤.\n(٦) انظر: «أحكام القرآن» لابن العربي ١: ٥، «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٣٤٢.\n(٧) انظر: «المبسوط» ١: ١٩٩، «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٣٣٩، «إمام الكلام في القراءة خلف الإمام» ص ٧١، ٨٢، ٩٠.\n(٨) انظر: «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٦٦، ٣٠٩، ٣٢٩.\n(٩) انظر: «المغني» ٢: ٢٦٨.","vol":"1","page":383},{"text":"أ- استدلوا على وجوب القراءة في الصلاة السرية، أو استحبابها بالأدلة التي استدل بها أصحاب القول الأول على وجوبها أو استحبابها في الحالين وعلى أنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها كحديث عبادة بن الصامت «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» متفق عليه (١).\nوحديث أبي هريرة «كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج - ثلاثا، غير تمام» رواه مسلم.\nوغير ذلك من الأحاديث بهذا المعنى وقالوا: المراد بها الإمام والمنفرد، وكذا المأموم في الصلاة السرية، وكذا في الجهرية إذا لم يسمع قراءة الإمام.\nب- أما أدلتهم على أن المأموم لا يقرأ في الصلاة الجهرية، بل ينصت لقراءة الإمام فمنها ما يأتي:\n١ - قوله - تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٢٠٤)﴾ (٢).\nقالوا: فهذه الآية نزلت في الأمر بالإنصات عند القراءة في الصلاة. فعن أبي هريرة - ﵁ - أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة فنزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ\n_________\n(١) انظر: «عارضة الإحوذي» ٢: ١٠٨ - ١١١، وقد سبق تخريج هذا الحديث في أسماء الفاتحة في المبحث الثاني، من الفصل الأول من هذا الباب.\n(٢) سورة الأعراف، الآية ٢٠٤.","vol":"1","page":384},{"text":"تُرْحَمُونَ﴾ (١) وقد روي نحوه عن ابن مسعود (٢)، وابن عباس (٣)، وقتادة (٤)، والزهري (٥)، ومعاوية بن قرة (٦).\nوالقول بأنها في الصلاة دون ذكر سبب نزولها مروي أيضًا عن أبي هريرة (٧) وابن عباس (٨)، وابن مسعود (٩)، وعبد الله بن مغفل (١٠)، والزهري، ومجاهد، وسعيد بن المسيب، والشعبي، وإبراهيم النخعي، والحسن (١١)، وعبيد بن عمير، وعطاء بن أبي رباح،\n_________\n(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» الآثار ١٥٥٨٢، ١٥٥٨٦، ١٥٦٠١، والواحدي في «أسباب النزول» ص ١٧١، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الآثار ٢٧٤ - ٢٧٩، وابن عبد ابر في «التمهيد» ١١: ٢٩.\n(٢) أخرجه عن ابن مسعود الطبري في «تفسيره» الأثر ١٥٥٨١، وابن عبد البر في «التمهيد» ١١: ٢٩ - ٣٠.\n(٣) أخرجه عن ابن عباس - البيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثر ٢٨٠.\n(٤) أخرجه عن قتادة- الطبري في «تفسيره» الآثار ١٥٥٩٨ - ١٥٥٩٩، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثر ٢٨٢.\n(٥) أخرجه عن الزهري- الطبري في «تفسيره» - الأثر ١٥٦٠٠، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثر ٢٨١.\n(٦) أخرجه عن معاوية- البيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثر ٢٨٣.\n(٧) أخرجه عن أبي هريرة ابن المنذر في «الأوسط» الأثر ١٣١٨.\n(٨) أخرجه عن ابن عباس الطبري في «تفسيره» الأثر ١٥٦٠٤، وابن المنذر في «الأوسط» الأثر ١٣١٧، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثر ٢٥٨.\n(٩) أخرجه عن ابن مسعود- الطبري في «تفسيره» الأثر ١٥٥٨٤، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الآثار ٢٥٣ - ٢٥٦.\n(١٠) أخرجه عن عبد الله بن مغفل، البيهقي في «القراءة خلف الإمام» الآثار ٢٥٠ - ٢٥٢.\n(١١) أخرجه عنهم الطبري في «تفسيره» الآثار ١٥٥٨٣ - ١٥٥٩٥، ١٥٥٩٧، ١٥٦٠٢، ١٥٦٠٥، ١٥٦٠٧، ١٥٦١١، ١٥٦١٣، ١٥٦١٥، ١٥٦١٧، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الآثار ٢٦٠ - ٣٧٣.","vol":"1","page":385},{"text":"والضحاك، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد (١)، ومحمد بن كعب القرظي (٢)، واختاره الطبري (٣).\nبل ذكر الإمام أحمد الإجماع على أنها نزلت في الصلاة (٤).\n٢ - وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: إن رسول الله - ﷺ - خطبنا فبين لنا سنتنا، وعلمنا صلاتنا، فقال: «أقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا» (٥).\n_________\n(١) أخرجه عنهم الطبري في «تفسيره» الآثار ١٥٥٨٥، ١٥٥٩٦، ١٥٦٠٣، ١٥٦٠٦، ١٥٦١٢،١٥٦١٨.\n(٢) أخرجه عنه البيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثر ٢٥٩.\n(٣) في «تفسيره» ١٣: ٣٥٢.\n(٤) انظر: «مسائل الإمام أحمد» رواية أبي داود ص ٣١، «المغني» ٢: ٢٦١، «مجموع فتاوى ابن تيمية» ٢٣: ٢٦٩، ٣١٢، وانظر «الاستذكار» ٢: ١٨٧، «التمهيد» ١١: ٢٨، ٢٩.\n(٥) أخرجه مسلم - في الصلاة- باب التشهد في الصلاة- الحديث ٤٠٤، وأبو داود- في الصلاة- باب التشهد- الحديثان ٩٧٢، ٩٧٣ن وقال: «قوله: «فأنصتوا» ليس بمحفوظ فلم يجيئ به إلا سليمان التيمي في هذا الحديث». =\n= وأخرجه النسائي في الإمامة- باب مبادرة الإمام- الحديث ٨٠٠، وابن ماجه في إقامة الصلاة- باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا- الحديث ٨٤٧، وابن المنذر في «الأوسط» الحديث ١٣٢٠، والدراقطني ١: ٣٣، وذكر تفرد سليمان التيمي بقوله «وإذا قرأ فأنصتوا» عن أصحاب قتادة الحفاظ، وأخرجه البيهيقي في «القراءة خلف الإمام» الأحاديث ٣٠٥ - ٣١٠ بطرقه ورواياته.\nكما ذكر البخاري في جزء القراءة، فقرة ٢٦٤ نحوًا من قول الدارقطني. وقد صحح هذا الحديث الإمام مسلم- كما سبق، وقال: لمن تكلم في هذا الحديث «يريد أحفظ من سليمان» كما صححه الإمام أحمد فيما ذكر ابن عبد البر فب «الاستذكار» ٢: ١٨٨، وفي «التمهيد» ١١: ٣٤، وابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٣٤٠، كما صححه إسحاق بن راهويه، فيما ذكر ابن تيمية في الموضع السابق.\nوقال ابن تيمية في هذا الموضع «وعلله البخاري بأنه اختلف فيه، وليس ذلك بقادح في صحته. وانظر: «إمام الكلام في القراءة خلف الإمام» ص ١٧٠ - ١٧٣.","vol":"1","page":386},{"text":"٣ - وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا» (١).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في الصلاة- باب الإمام يصلي من قعود- الحديثان ٦٠٣، ٦٠٤، وقال: «هذه الزيادة: «إذا قرأ فأنصتوا» ليست بمحفوظة، الوهم عندنا من أبي خالد»، وأخرجه النسائي من طريق أبي خالد، ومن طريق محمد بن سعد الأنصاري- في الافتتاح- باب قوله - ﷿ - ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ الحديثان ٨٨٢، ٨٨٣، وابن ماجه في الموضع السابق- الحديث ١٣١٩، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١\" ٢١٧، والدارقطني ١: ٣٢٧، ٣٢٨، كلهم من طريق أبي خالد، وقال الدارقطني: «تابعه محمد بن سعد، وأخرجه البيهقي في «السنن» ٢: ١٥٦ - ١٥٧، وروى فيها عن يحيى بن معين وأب حاتم أن هذه الزيادة ليست بمحفوظة. كما أخرجه في «القراءة خلف الإمام» الحديث ٣١١، بطرقه وذكر أهل العلم في إسناده ومتنه ص ١٣٢ - ١٣٥. وأخرجه ابن عبد البر في «التمهيد» ١١: ٣٢ - ٣٣. وقد تكلم البخاري في جزء القرآن الفقرات ٢٦٥ - ٢٦٧ بحجة أن أكثر الرواة لم يذكروا هذه الزيادة. وذكر النووي في «شرح مسلم» ٤: ١٢٢ - ١٢٣ ما روى أبو داود وابن معين وأبو حاتم والدارقطني من زكيادة هذه اللفظة، وذكر ذلك- أيضًا- عن أبي علي النيسابوري شيخ الحاكم أبي عبد الله، ثم قال النووي: «واجتماع هؤلاء الحفاظ على تضعيفها مقدم على تصحيح مسلم، لا سيما ولم يروها مسندة في صحيحه». وقد صححه جمع من أهل العلم، منهم الإمام مسلم صاحب الصحيح، فقد سأله أبو بكر ابن أخت النضر عن حديث أبي هريرة هذا. «وإذا قرأ فأنصتوا» فقال: «هو عندي صحيح فقال له: لم لم تضعه هنا؟ يعني في صحيحه. فقال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ها هنا، إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه» «صحيح مسلم» ١: ٣٠٤.\n\nكما صححه الإمام احمد فيما لاذكره ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٨٨ وفي «التمهيد» ١١: ٣٤، والقرطبي في «تفسيره» ١: ١٢١.\nوصححه ابن حزم في «المحلى» ٣: ٣٠٨، والمنذري في «مختصر سنن أبي داود» ١: ٣١٣ قال المنذري ردا على قول أبي داود السابق: «وفيما قاله نظر، فإن أبا خالد هذا هو سليمان بنحيان الأحمر، وهو من الثقات الذين احتج البخاري ومسلم بحديثهم في صحيحهما.\nثم أشار إلى متابعة محمد بن سعد له التي أشار إليها الدارقطني والتي أخرجها النسائي في الموضوع السابق، كما أشار غلى إخراج مسلم لهذه الزيادة من حديث أبي موسى الأشعري من طريق سليمان التيمي عن قتادة ... قال المنذري: ولم يؤثر عند مسلم تفرد سليمان بذلك لثقته وحفظه، وصحح هذه الزيادة من حدث أبي هريرة وأبي موسى».\nوقال الألباني «حسن صحيح»، وانظر «إرواء الغليل» ٢: ١٢٠ - ١٢١، «إمام الكلام في القراءة خلف الإمام» ص ١٧٠ - ١٧٣.","vol":"1","page":387},{"text":"قالوا: فهذه الأدلة الثلاثة - الآية، وحديث أبي موسى، وحديث أبي هريرة فيها وجوب الإنصات والاستماع لقراءة الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة، ولم يخص هذا الأمر بقراءة الفاتحة ولا غيرها (١)، بل إن هذه الأدلة هي المخصصة للأحاديث التي فيها إيجاب قراءة الفاتحة في الصلاة مطلقًا، كحديث عبادة بن الصامت في الصحيحين: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وغيره (٢).\nواستدل شيخ الإسلام ابن تيمية (٣) على تخصيص عموم أحاديث وجوب قراءة الفاتحة بالآية والحديثين المذكورين بأنه قد خص من عموم تلك الأحاديث أمور، منها: أن من أدرك الإمام راكعا فكبر ودخل معه قلب رفعه من الركوع فقد أدرك الركعة بإجماع أهل العلم (٤)، كما جاء في حديث أبي بكرة (٥).\n_________\n(١) انظر: «الاستذكار» ٢: ١٨٦، «التمهيد» ١١: ٢٨ - ٣٠، «أحكام القرآن» لابن العربي ١: ٥، «مجموع فتاوى ابن تيمية» ٢٣: ٢٩٠ - ٣١٢.\n(٢) انظر: «التمهيد» ١١: ٣١، ٣٤ن «أحكام القرآن» لابن العربي ١: ٥.\n(٣) في «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٩٠ - ٢٩١، ٣٢٠.\n(٤) راجع ما سبق في نهاية القول الأول، وانظر «الجامع لأحكام القرآن «للقرطبي ١: ١١٨.\n(٥) حديث أبي بكرة سبق ذكره وتخريجه في ذكر أدلة القول الأول.","vol":"1","page":388},{"text":"وخص منه الصلاة بإمامين، فإن الإمام الثاني يقرأ من حيث انتهى الإمام الأول، ولا يستأنف قراءة الفاتحة، كما في فعله - ﷺ - لما صلى بالناس وقد سبقه أبو بكر ببعض الصلاة قرأ من حيث انتهى أبو بكر، ولم يستأنف قراءة الفاتحة، لأنه بنى على صلاة أبي بكر، فإذا سقطت عنه الفاتحة في هذا الموضع فعن المأموم أولى.\nوخص منه أيضًا حال العذر كالجهل والسهو، فإذا ترك المأموم قراءة الفاتحة خلف إمامه في السرية جهلًا أو سهوًا سقطت عنه، وتحلمها الإمام.\nفإذا خص من ذلك حال المسبوق، والصلاة بإمامين، وحال العذر بالجهل، أو السهو فكذلك خص منه حال استماع المأموم لقراءة إمامه، لأن هذا عذر. فلا يقرأ في حال جهر إمامه بل يستمع، أما أمر المأموم بالإنصات فلم يخص منه شيء، ولا بنص خاص ولا إجماع، وإذا تعارض عمومان أحدهما محفوظ والآخر مخصوص وجب تقديم المحفوظ.\nقال ابن تيمية (١): «ولو كانت قراءة الفاتحة فرضًا على المأموم مطلقا لم تسقط بسبق ولا جهل، كما أن الأعرابي المسيء في صلاته قال له النبي - ﷺ -: «ارجع فصل فإنك لم تصل» وأمر الذي صلى خلف الصف وحده أن يعيد الصلاة».\n_________\n(١) في «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٣٢٠.","vol":"1","page":389},{"text":"كما استدلوا - أيضًا -.\n٤ - بما رواه ابن شهاب الزهري عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: «هل قرأ معي أحد منكم آنفا؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله. قال: إني أقول مالي أنازع القرآن». فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله - ﷺ - فيما جهر فيه النبي - ﷺ - بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله - ﷺ -» (١).\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في الصلاة- باب من كره القراءة بفاتحة الكتاب إذا جهر الإمام- الحديثان ٨٢٦، ٨٢٧، وقال: «سمعت محمد بن يحيى ين فارس قال: «قوله» فانتهى الناس ...» من كلام الزهري»، وأخرجه النسائي في الافتتاح - باب ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة- الحديث ٣١٢ وقال: «وروى بعض أصحاب الزهري هذا الحديث، وذكروا هذا الحرف قال: قال الزهري: «فانتهى الناس عن القراءة»، وأخرجه ابن ماجه في إقامة الصلاة- باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا- الحديثان ٨٤٨، ٨٤٩، ومالك في «الموطأ» الحديث ١٩٠، وعبد الرزاق - الحديثان ٢٧٩٥، ٢٧٩٦، وابن أبي شيبة ١: ٣٧٥، والبخاري في جزء القراءة- الأحاديث ٩٥ - ٩٨، ٣٦٢، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأحاديث ٣١٧ - ٣٢١، وابن عبد البر في «التمهيد» ١١: ٢٤ - ٢٧، والحازمي في» الاعتبار» ص ١٠٠، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٢: ١٠٠: «رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح».\nوقد ذكر البيهقي في «القراءة خلف الإمام» ص ١٤٠ - ١٤٢، وابن عبد البر في «التمهيد» ١١: ٢٥ - ٢٦ قول بعض أهل العلم إن قوله «فانتهى الناس ...» وما بعده من كلام الزهري.=\n\n= قلت: والحديث تكلم فيه بعض أهل العلم كالحميدي وابن خزيمة فيم ذكر البيهقي في «القراءة خلف الإمام» ص ١٣٩ - ١٤٤ لأجل كلمة ابن أكيمة، وأنه مجهول. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى ٢٣: ٢٧٥، ٣١٧ - ٣١٩ رد أهل العلم على من ضعفه بجهالة ابن أكيمة الليثي. كما صححه الألباني، وقال في «صفة صلاة النبي - ﷺ -» ص ٥٦ «صححه أبو حاتم الرازي وابن حبان وابن القيم».","vol":"1","page":390},{"text":"قالوا: فقوله - ﷺ -: «مالي أنازع القرآن» إنكار على من يقرأ حال جهر الإمام، سواء بأم القرآن أو غيرها (١).\nوقالوا - أيضًا - قوله في الحديث: «فانتهى الناس عن القراءة مع النبي - ﷺ - فيها جهر فيه ... إلى آخره. هذا من كلام الزهري كما ذكر أهل العلم. والزهري من أعلم أهل زمانه وقد قطع بأن الصحابة لم يكونوا يقرؤون خلف النبي - ﷺ - في حال الجهر. وهذا من الأحكام العامة، التي لا تخفى ويعرفها عامة الصحابة والتابعين لهم بإحسان» (٢).\n٥ - وعن عبد الله بن شداد - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» وروي مسندًا عن جابر بن عبد الله (٣).\n_________\n(١) انظر: «التمهيد» ١١: ٢٧، ٥٣، «المغني» ٢: ٢٥٩، ٢٦٢.\n(٢) انظر: «التمهيد» ١١: ٢٣، «الاستذكار» ٢: ١٨٥، «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٧٤، ٣١٧.\n(٣) أخرجه عبد الرزاق في الصلاة- القراءة خلف الإمام- مرسلًا عن عبد الله بن شداد الحديث ٢٧٩٧، وابن أبي شيبة ١: ٣٧٦ - ٣٧٧ مرسلا ومسندا عن جابر، وكذا الدارقطني ١: ٣٢٣ - ٣٣١، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١: ٢١٧، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأحاديث ٣٣٤، ٣٥٢، وأخرجه مسندًا فقط ابن ماجه في إقامة الصلاة- باب إذا قرأ الإمام فأنصتوا- الحديث ٨٥٠. وقال في «الزوائد» في إسناده جابر الجعفي كذاب، والحديث مخالف لما رواه الستة من حديث عبادة». وأخرجه أيضًا مسندًا الإمام أحمد ٣: ٣٣٩.\nوقد ضعف أهل العلم هذا الحديث مسندًا من رواية جابر بن عبد الله، وصوب أكثرهم =","vol":"1","page":391},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وقفه على عبد الله بن شداد.\nقال البخاري في جزء القراءة خلف الإمام الفقرة ٢٢: «هذا خبر لم يثبت عند أهل العلم من أهل الحجاز، وأهل العراق وغيرهم، لإرساله، وانقطاعه، رواه ابن شداد عن النبي - ﷺ -». وقال ابن المنذر في «الأوسط» ٣: ١٠٢: «لا يثبت».\nوقد استوعب الدارقطني طرقه مسندًا ومرسلًا، ثم قال عن المرسل: «وهو الصواب». وقال ابن عبد البر في «التمهيد» ١١: ٤٨: «وهذا حديث رواه جابر الجعفي عن أبي الزبير عن جابر عن النبي - ﷺ - وجابر الجعفي ضعيف الحديث مذموم المذهب لا يحتج بمثله»، وبعد ان ذكر روايات الحفاظ له مرسلًا عن عبد الله بن شداد قال: «وهو الصحيح فيه الإرسال، وليس مما يحتج به».\nوقال المجد بن تيمية في «المنتقى» ٩٠١: «وقد روي مسندًا من طرق كلها ضعاف، والصحيح انه مرسل».\nوقال القرطبي في «تفسيره» ١: ١٢٢: «حديث ضعيف» وصوب وقفه على جابر.\nوقال الحافظ بن كثير في «تفسيره» ١: ٢٨: «في إسناده ضعف، ورواه مالك عن وهب بن كيسان عن جابر من كلامه، وقد وري هذا الحديث من طرق، ولا يصح شيء منها عن النبي - ﷺ -» وقال الحافظ ابن حجر: في «الفتح» ٢: ٢٤٢: «ضعيف عند الحفاظ»، وقال في «تلخيص الحبير» ١: ٢٣٢: «إنه مشهور من حديث جابر، وله طرق عن جماعة من الصحابة كلها معلولة». وقال الشوكاني في «نيل الأوطار» ٢: ٢٤١ «ضعيف لا يحتج به». وقال احمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي ٢: ١٢٦: «ليس إسناده مما يحتج به أهل العلم بالحديث».\nوممن قوى هذا المرسل ابن تيمية حيث قال في «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٧١ - ٢٧٢: «وهذا المرسل قد عضده ظاهر القرآن والسنة ....، ومرسله من أكبر التابعين، ومثل هذا المرسل يحتج به باتفاق الأئمة الأربعة وغيرهم». وقال ص ٣٢٥: «فأما الموقوف على جابر فثابت بلا نزاع، وكذلك المرسل ثابت بلا نزاع من رواية الأئمة عن عبد الله بن شداد».\nكما قواه الزيلعي في «نصب الراية» ٢: ٧ «فقال بعد ما ذكر تضعيف جابر الجعفي: «ولكن له طرق أخرى، وهي وإن كانت مدخولة، ولكن يشد يعضها بعضًا» ونحوًا من هذا قال الألباني في «الإرواء» ١: ٢٦٨ - بعد أن ذكر طرق هذا الحديث وكلام أهل العلم عليه قال: «ويتلخص مما سبق أنه لا يصح شيء من هذه الطرق إلا طريق عبد الله =","vol":"1","page":392},{"text":"قالوا: فهذا الحديث يدل على أن المأموم لا يقرأ خلف إمامه، لا الفاتحة ولا غيرها، إذا جهر إمامه في القراءة، لأن قراءة الإمام في هذه الحال قراءة لمن خلفه. ولهذا أمر المأموم بالإنصات لقراءة الإمام (١) - كما في الآية والأحاديث السابقة.\n٦ - وعن عمران بن حصين - ﵁ - «أن رسول الله - ﷺ - صلى الظهر، فجعل رجل يقرأ خلفه بسبح اسم ربك الأعلى، فلما انصرف قال: أيكم قرأ، أو أيكم القارئ؟ فقال رجل: أنا، فقال: قد ظننت أن بعضكم خالجنيها» (٢). قال أبو داود: قال الوليد في حديثه:\n_________\n= بن شداد، ثم ذكر أن له شواهد من حديث عبد الله بن عمر، وعبد الله بن مسعود وأابي هريرة وابن عباس، وأنه جاء مرسلًا عن أبي الدرداء وعلي والشعبي، وقد اعتبره الألباني بمجموع هذه الطرق كلها- وإن كانت لا تخلو من ضعف بأنه «حديث حسن» قال: لأن الطرق بمجموعها تشهد أن للحديث أصلًا قال: لأن مرسل الحديث ابن شداد صحيح الإسناد بلا خوف، والمرسل إذا رُوي موصولًا من طريق أخرى اشتد عضده، وصلح للاحتجاج به، كما هو مقرر في مصطلح الحديث، فكيف وهذا المرسل قد روي من طرق كثيرة كما رأيت».\nوقال اللكنوي في «إمام الكلام» ص ٢١٧: «والحاصل أن طرق الحديث الذي نحن فيه بعضها صحيح، أو حسن، وبعضها ضعيف ينجبر ضعفه بغيرها من الطرق الكثيرة. فالقول بانه حديث غير ثابت أو غير محتج به، ونحو ذلك غير معتد به».\nوانظر في ذكر طرق هذا الحديث وشواهده وكلام أهل العلم في تضعيفها: «القراءة خلف الإمام» للبيهقي ص ١٧٨ وما بعدها، «نصب الراية» ٢: ٦ - ١٤، «تنقيح التحقيق» ٣: ٨٤٢ وما بعدها، «الدراية في تخريج أحاديث الهداية» ١: ١٦٢ - ١٦٤، «إمام الكلام في القراءة خلف الإمام» ص ١٩٩ - ٢١٧.\n(١) انظر «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٧١، «صفة صلاة النبي - ﷺ -» للألباني ص ٥٦.\n(٢) خالجنيها: أي نازعنيها. وهذا الحديث اخرجه مسلم- في الصلاة- باب نهي المأموم عن جهره بالقراءة خلف إمامه الحديث ٣٩٨، وأبو داود في الصلاة- باب من رأى القراءة إذا لم يجهر الإمام بقراءته- الحديثان ٨٧٩ - ٨٨٠، والدراقطني ١: ٣٢٦، ٤٠٥، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأحاديث ٣٦٠ - ٣٦٤.","vol":"1","page":393},{"text":"قال شعبة قلت لقتادة: كأنه كره فقال: لو كرهه لنهى عنه.\nقالوا: فهذا الرجل قرأ خلف النبي - ﷺ -، ولم ينهه ولا غيره فدل على أن المأموم يقرأ خلف الإمام في الصلاة السرية (١). وإن احتمل الحديث معنى النهي فإنما هو نهي للمأموم عن الجهر بالقراءة خلف إمامه كما بوب له مسلم - ﵀.\n٧ - وعن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: «كانوا يقرؤون خلف النبي - ﷺ - فقال: خلطتم علي القرآن» (٢).\nقالوا: فهذا يدل على أنهم كانوا يقرؤون خلف النبي - ﷺ - جهرًا فيخلطون عليه القرآن، إذ لو قرؤوا سرًا ما خلطوا عليه قراءته، وما كره ذلك منهم» (٣).\nوقال ابن عبد البر في «التمهيد» (٤) بعد إخراجه للحديث: «أي في حال الجهر». أي أنهم يقرؤون حال جهر الإمام فيخلطون عليه قراءته.\n٨ - ما رواه أبو هريرة أن رسول الله - ﷺ - أمره أن ينادي: «لا\n_________\n(١) انظر: «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٨٣.\n(٢) أخرجه أحمد ١: ٤٥١ قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٢: ١١ «ورجاله رجال الصحيح» وأخرجه ابن أبي شيبة ١: ٣٧٦، والبخاري في جزء القراءة الحديث ٢٥٤، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام الأحاديث ٣٥٦، ٣٦٧ - ٣٧٠، وابن عبد البر في «التمهيد» ١١: ٣٢.\n(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٨٤، ٣٢٢، «صفة صلاة النبي - ﷺ -» للألباني ص ٥٦ - ٥٧.\n(٤) ١١: ٣٢.","vol":"1","page":394},{"text":"صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما زاد» (١)\n٩ - ما رواه أبو سعيد قال: «أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر» (٢).\nقالوا: فقوله في الحديث «فما زاد»، «وما تيسر» يدل على عدم وجوب قراءة الفاتحة حال جهر الإمام لأن العلماء أجمعوا على أنه لا يجوز أن يقرأ بغيرها حال جهر الإمام بل ينصت» (٣).\n١٠ - كما استدلوا بالآثار الكثيرة عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم في النهي عن القراءة خلف الإمام في الصلاة الجهرية والأمر بالقراءة خلفه في الصلاة السرية (٤).\n١١ - وقالوا: أجمع أهل العلم على أنه لم يقل أحد إن المأموم إذا لم يقرأ خلف إمامه فصلاته باطلة، وبخاصة إذا جهر الإمام بالقراءة (٥).\n١٢ - وقالوا: إن الاستماع لقراءة الإمام من المتابعة للإمام المأمور بها، ومن لم ينصت لقراءة الإمام لم يكن قد ائتم به (٦) والمستمع لقراءة الإمام كالقارئ (٧).\n_________\n(١) سبق تخريجهما في المبحث الثاني من الفصل الأول من هذا الباب. وقد صححهما الألباني.\n(٢) سبق تخريجهما في المبحث الثاني من الفصل الأول من هذا الباب. وقد صححهما الألباني.\n(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٨٨ - ٢٨٩، ٢٩٤، ٣١٢، ٣١٣.\n(٤) انظر: المصدر السابق ٢٣: ٣٠٦ - ٣٠٧، وانظر تخريج ما روي عن السلف في هذا في مقدمة هذا القول.\n(٥) انظر: «المغني» ٢: ٢٦٢.\n(٦) «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٢٧١ - ٢٧٣، ٢٧٩، ٢٩١، ٢٩٥.\n(٧) انظر: «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٣١٢.","vol":"1","page":395},{"text":"١٣ - وقالوا - أيضًا -: إذا لم ينصت المأموم لقراءة إمامه فما الفائدة من جهر الإمام بالقراءة إذا كان المأموم مشغولًا بالقراءة لنفسه (١).\nوقال ابن تيمية (٢): «لو كانت القراءة في الجهر واجبة على المأموم للزم أحد أمرين إما أن يقرأ مع الإمام، وإما أن يجب على الإمام أن يسكت له حتى يقرأ، ولم نعلم نزاعًا بين العلماء أنه لا يجب على الإمام أن يسكت لقراءة المأموم الفاتحة ولا غيرها، وقراءته معه منهي عنها بالكتاب والسنة فثبت أنه لا تجب عليه القراءة معه في حال الجهر ...».\nثم ذكر أنها لو كانت قراءة المأموم حال جهر الإمام مستحبة لاستحب للإمام أن يسكت لقراءة المأموم، وجماهير العلماء على أنه لا يستحب للإمام أن يسكت ليقرأ المأموم.\nوقال أيضًا (٣): «وقد ثبت بالكتاب والسنة وبالإجماع أن إنصات المأموم لقراءة إمامه يتضمن معنى القراءة معه وزيادة».\nولأنه قد ثبت الأمر بالإنصات لقراءة القرآن، ولا يمكن الجمع بين الإنصات والقراءة، ولولا أن الإنصات يحصل به مقصود القراءة وزيادة لم يأمر الله بترك الأفضل لأجل المفضول».\n_________\n(١) انظر: «التمهيد» ١١: ٣٨.\n(٢) في «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٧٦ - ٢٧٧، وانظر ٢٩٥، ٣١٦.\n(٣) ٢٣: ٢٩٠.","vol":"1","page":396},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>القول الثالث: </span>أن المأموم لا يقرأ الفاتحة ولا غيرها.\nلا في الصلاة السرية، ولا في الصلاة الجهرية.\nوممن قال بهذا القول زيد بن ثابت (١).\nوجابر بن عبد الله (٢).\n_________\n(١) أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة- الحديث ٥٧٧، وعبد الرزاق- الحديث ٢٨١٥، وابن أبي شيبة ١: ٣٧٦، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١: ٢١٩، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الحديث ١٤٧ - ١٤٨ - عن زيد بن ثابت قال: «لا قراءة مبصع الإمام في شيء». هذا لفظ مسلم والبيهقي، ولفظ الطحاوي: «لا قراءة مع الإمام في شيء من الصلوات» وصحح هذا القول عن زيد- البيهقي، وابن حجر في «الدارية في تخريج أحاديث الهداية» ١: ١٦٤، وقد حمل ابن تيمية هذا على القراءة معه حال الجهر. انظر «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٣٢٣. لكن أخرجه ابن أبي شيبة عن زيد بلفظ «لا يقرؤ خلف الإمام إن جهر ولا إن خافت».\nوأما ما روي عن زيد أنه قال: «من قرأ مع الإمام فلا صلاة له» كما أخرجه عبد الرزاق - الأثر ٢٨٠٢، وابن أبي شيبة ١: ٣٧٦ وبعضهم يرفعه فهذا ضعيف من وجهين:\nالوجه الأول: أن العلماء اتفقوا على صحة صلاة من قرأ مع الإمام، وشذ من قال ببطلانها بذلك. قال ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٩٣ «أجمع العلماء على أن من قرا خلف الإمام فصلاته تامة، ولا إعادة عليه».\nوهو وإن ارتكب أمرًا منهيًا محرما أو مكروها عند بعضهم إلا أن صلاته صحيحة غير باطلة.\n\nالوجه الثاني: ضعف هذا المروي عن زيد فقد قال البخاري في جزء القراءة ص ٣٢، فقرة: ٤٥ «لا يعرف لهذا الإسناد سماع بعضهم من بعض، ولا يصح مثله» وقال ابن حبان في «الضعفاء والمتروكين» ١: ١٦٣ «لا أصل له» وقال ابن عبد البر في الموضع السابق: «منكر لا يصح». وأخرجه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» ١: ١٣٣، ٤٣٣. وقال ابن حجر في «الدراية» ١: ١٦٥: «اتهم به أحمد بن علي بن سليمان». وضعفه الألباني في «الأحاديث الضعيفة» ٢: ٤٢٠.\n(٢) أخرجه عن جابر - الترمذي في الصلاة- ترك القراءة خلف الإمام إذا جهر الإمام بالقراءة، الأثر ٣١٣، ومالك في «الموطأ» الأثر ١٨٤، وعبد الرزاق الأثر ٢٧٤٥، والبخاري في جزء القراءة - الأثر ٢٨٥، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الآثار- ٣٥٣ - ٢٨٥، وابن عبد البر في «التمهيد» ١١: ٤٩ عن جابر «من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء إمام»، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وقال البيهقي «صحيح» وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي، وأخرج عبد الرزاق - الأثر ٢٨١٩ - عن عبيد الله بن مقسم قال: سألت جابر بن عبد الله أتقرأ في الظهر والعصر شيئًا؟ فقال: «لا» وفي إسناده: شيخ عبد الرزاق: داود بن قيس «مقبول» كما في «التقريب» ١: ٢٣٤.\nوأخرجه ابن أبي شيبة ١: ٣٧٦ - عن جابر قال: «لا يقرأ خلف الإمام وفي إسناده الضحاك بن عثمان بن عبد الله «صدوق يهم» كما في «التقريب» ١: ٣٧٣.\nوأخرجه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١: ٢١٩، بلفظ «لا يقرأ خلف الإمام في شيء من الصلوات».\nوقد روي مرفوعًا قال الدارقطني ١: ٣٢٧ «والصواب موقوف». وقال ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٩٢ «هو حديث لا يصح إلا موقوفا على جابر كما في الموطأ».\nوقد صححه موقوفًا على جابر ابن حجر في «الدراية في تخريج أحاديث الهداية» ١: ١٦٤.\nوقد أخرج البيهقي في «القراءة خلف الإمام» الآثار ٢٢٥ - ٢٢٨، ٢٥٩ - عن جابر قال: «يقرأ الإمام ومن خلفه في الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأخريين بفاتحة الكتاب» وفي رواية: «كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام .... إلى آخره».","vol":"1","page":397},{"text":"ويروى عن عمران بن حصين (١)، الأسود بن يزيد (٢)، وسعد بن\n_________\n(١) أخرجه البخاري في جزء القراءة - الأثر ٥٩ - عن عمران قال: «لا تزكو صلاة المسلم إلا بطهور وركوع وسجود وراء الإمام، وإن كان وحده بفاتحة الكتاب وآيتين وثلاث». وقد أخرجه البيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثر ٢٣٣ - بلفظ: «لا تزكو صلاة مسلم إلا بطهور وركوع وسجود وفاتحة الكتاب وراء الإمام، وغير الإمام». وفي إسناد كل منهما زياد الجصاص، وهو ضعيف كما في «التقريب» ١: ٢٦٧.\n(٢) أخرجه عبد الرزاق - الأثر ٢٨٠٧، وابن أبي شيبة ١: ٣٧٦ - ٣٧٧ عن الأسود بن يزيد قال: «وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام ملئ فوه ترابًا» وإسناد كل منهما صحيح. وقد صحح هذا عن الأسود ابن عبد البر في «التمهيد» ١١: ٥١، وقال يحتمل أن يكون أراد الجهر دون السر، قلت: ويدل على هذا ما أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن الأسود قال: «لأن أعظ على جمرة أحب إلي من أن أقرأ خلف الإمام أعلم أنه يقرأ».","vol":"1","page":398},{"text":"أبي وقاص (١)، وروي عن أبي الدرداء على اختلاف عنه (٢)،\nوعلقمة ابن قيس (٣)، وابن أبي ليلى (٤)، وإبراهيم النخعي (٥)، وسويد بن غفلة، وعمرو بن ميمون، والضحاك وأبي وائل (٦) وسفيان الثوري وسفيان ابن\n_________\n(١) أخرجه مالك في «الموطأ» رواية محمد بن الحسن ص ٦٢، وابن أبي شيبة ١: ٣٧٦ - عن سعد قال: «وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جمرة».\nقال البخاري في جزء القراءة، فقرة ٣٩: «مرسل».\nوقال ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٩٣: «حديث منقطع لا يصح، ولا نقله ثقة ... وما أعلم في هذا الباب من الصحابة من صح عنه ما ذهب إليه الكوفيون فيه من غير اختلاف عنه إلا جابر بن عبد الله».\n(٢) أخرجه النسائي في الافتتاح- باب اكتفاء المأموم بقراءة الإمام- الحديث ٩٢٣، والدارقطني ١: ٣٣٣، والبيهقي في القراءة خلف الإمام- الأحاديث ٣٧٩ - ٣٨٢ عن أبي الدرداء قال: «أرى الإمام إذا أم القوم كفاهم». وقد روي مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - وصوب الدارقطني وقفه على أبي الدرداء، وصححه الألباني موقوفًا على أبي الدرداء.\n\nقلت: ويحتمل أنه أراد الجهر دون السر، بل إنه روي عنه القراءة في الحالين. فقد أخرج البيهقي - الأثر ٢٢٩، ٢٣٠ عن أبي الدرداء قال: «لا تترك قراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام جهر أو لم يجهر» وفي لفظ «لو أدركت الإمام وهو راكع لأحببت أن أقرأ بفاتحة الكتاب».\n(٣) أخرجه عبد الرزاق - الأثر ٢٨٠٨ - عن علقمة بن قيس قال: «وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام ملئ فوه، قال: أحسبه قال ترابًا أو رضفًا».\nوصححه ابن عبد البر في «التمهيد» ١١: ٥١، وقال بعدما صحح قول الأسود السابق، وقول علقمة هذا: «يحتمل أن يكونا أرادا في الجهر دون السر، فإن صح عنهما أنهما أرادا السر والجهر فقط خالفهما في ذلك من هو فوقهما ومثلهما، وعند الاختلاف يجب الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله».\n(٤) ذكره البخاري عنه في جزء القراءة فقرة ٣٨، وابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٩١، و«التمهيد» ١١: ٤٧، وقال البخاري: «لا يصح».\n(٥) أخرجه عن إبراهيم- عبد الرزاق الأثر ٢٧٧٥، وابن أبي شيبة ١: ٣٧٧.\n(٦) أخرجه عن سويد، وعمرو، والضحاك وأبي وائل- ابن أبي شيبة ١: ٣٧٧.","vol":"1","page":399},{"text":"عيينة (١)، والحسن بن حي (٢)، وابن شبرمة (٣).\nوبه قال أبو حنيفة وأصحابه (٤) وبعض المالكية (٥).\nالأدلة التي استدل بها أصحاب هذا القول:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٦).\nوحديث أبي موسى وأبي هريرة «وإذا قرأ فأنصتوا» (٧).\nقالوا: فالأمر للمأموم بالإنصات يدل على أنه لا قراءة على المأموم، وأن قراءة الإمام له قراءة.\n٢ - حديث أبي هريرة الذي فيه قوله - ﷺ - «مالي أنازع القرآن» (٨). قالوا: ففي هذا الحديث إنكار على من يقرأ خلف الإمام.\n_________\n(١) أخرجه عن سفيان بن عيينة أبو داود- في الصلاة- الحديث ٨٢٢، وذكره عن السفيانين- ابن المنذر في «الأوسط» ٣: ١٠٣، وابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٩١، والحازمي في «الاعتبار» ص ١٠٠.\n(٢) ذكره عن الحسن بن حي ابن عبد البر في «التمهيد» ١١: ٤٧، وفي «الاستذكار» ٢: ١٩١.\n(٣) ذكره عن ابن شبرمة ابن عبد البر في التهيد ١١: ٤٧.\n(٤) انظر: «الآثار» لمحمد بن الحسن ص ١٦ - ١٧، «موطأ الإمام مالك» رواية محمد بن الحسن ص ٦٠ - ٦١، «شرح معاني الآثار» ١: ٢١٨، «تبيين الحقائق» ١: ١٣١، «فتح القدير» ١: ٣٣٨ - ٣٤١، «إمام الكلام في القراءة خلف الإمام» للكنوي ص ٧٥ - ٩٣.\n(٥) انظر «أحكام القرآن» لابن العربي ١: ٥، «عارضة الإحوذي» ٢: ١٠٨ - ١١١، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١١٩.\n(٦) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٤.\n(٧) سبق تخريجه ضمن أدلة القول الثاني.\n(٨) سبق تخريجه ضمن أدلة القول الثاني.","vol":"1","page":400},{"text":"٣ - ما روي عن جابر بن عبد الله - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» (١).\nقالوا: فهذا الحديث يدل على أن الإمام يتحمل القراءة عن المأموم مطلقًا سواء كانت الصلاة سرية أو جهرية. وما روي من الأحاديث في قراءة الفاتحة في الصلاة كحديث عبادة «لا صلاة لمن يقرأ بفاتحة الكتاب» ونحوه فمحمول على المنفرد والإمام، أما المأموم فإن قراءة الإمام له قراءة (٢).\n٤ - حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: كنا نقرأ خلف النبي - ﷺ - فقال: «خلطتم عليَّ القرآن» (٣).\n٥ - حديث عمران بن حصين - ﵁ - أن النبي - ﷺ - «صلى صلاة الظهر، فلما قضى صلاته، قال أيكم قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾؟ فقال بعضهم: أنا. فقال: قد عرفت أن بعضكم خالجنيها» (٤).\nقالوا: فيفهم من هذين الحديثين ضرورة النهي عن القراءة خلف الإمام مطلقًا (٥).\n_________\n(١) سبق تخريجه ضمن أدلة القول الثاني، وبيان أن الصحيح أنه مرسل منحديث عبد الله بن شداد.\n(٢) انظر: «الأوسط» ٣: ١٠٣، «التمهيد» ١١: ٤٧.\n(٣) سبق تخريجه ضمن أدلة القول الثاني.\n(٤) سبق تخريجه ضمن أدلة القول الثاني.\n(٥) انظر: «أحكام القرآن» للجصاص ٤: ٢١٦ - ٢١٨.","vol":"1","page":401},{"text":"٦ - واحتجوا بما روي عن زيد بن ثابت وجابر بن عبد الله وأبي الدرداء (١) وعبد الله بن عمر (٢)، وغيرهم من الآثار التي فيها أنهم لا يقرؤون خلف الإمام أو ينهون عن ذلك. كما سبق (٣).\nكما استدلوا بأحاديث وآثار واهية ضعيفة لم أر ما يدعو إلى ذكرها، كحديث أنس. قال: قال النبي - ﷺ -: «من قرأ خلف الإمام ملئ فوه نارًا»، وكحديث زيد بن ثابت أن رسول الله - ﷺ - قال: «من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له» (٤).\nكما استدلوا بتعليلات عقلية كلها ضعيفة مردودة (٥).\n_________\n(١) سبق تخريج المروي عنهم ضمن القائلين بهذا القول.\n(٢) سبق تخريج هذا عن ابن عمر ضمن القائلين بالقول الثاني.\n(٣) سبق تخريج أكثر المروي عن السلف في هذا في ذكر القائلين بهذا القول.\n(٤) انظر في ذكر بعض هذه الأحاديث والآثار والكلام عليها وبيان ضعفها «القراءة خلف الإمام» للبيهقي، «الدراية في تخريج أحاديث الهداية» ١: ١٦٥، «اللآلئ المصنوعة» للسيوطي ١\" ٣٩.\n(٥) انظر «الاستذكار» ٢: ١٩٢، «إمام الكلام في القراءة خلف الإمام» ص ٢٤٢ - ٢٤٥.\nقلت: العجيب أن بعض الأحناف حكى الإجماع على قولهم هذا كما في «الهداية» مع «فتح القدير» ١: ٣٣٨ - ٣٣٩، قال اللكنوي من علمائهم ردا على هذا: «وبالجملة فالمسألة ليست بمحل إجماع، لا الإجماع السكوتي، ولا الإجماع الصريحي، ولا الإجماع الأكثري»، «إمام الكلام في القراءة خلف الإمام» ص ٢٣٩ - ٢٤١، وانظر ص ٢٤٥.","vol":"1","page":402},{"text":"ذكر الاعتراضات الواردة على أدلة كل قول، وإجابة أصحابه عنها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>أ- الاعتراضات الواردة على أدلة القول الأول بأن المأموم يقرأ الفاتحة في الصلاة السرية والجهرية</span>. والإجابة عنها:\nأولًا: اعترض على استدلالهم بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ (١).\nوبقوله - ﷺ - للمسيء في صلاته «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن» بأن «ما» في الآية والحديث تفيد العموم فما الدليل على تخصيص الفاتحة في القراءة دون غيرها.\nوهذا الاعتراض له وجه. لكن أصحاب هذا القول أجابوا عنه بأن الأحاديث الموجبة لقراءة الفاتحة، ومداومة الرسول - ﷺ - وخلفائه على قراءتها كل ذلك مبين ومفسر لقوله: «ما تيسر» في الآية والحديث.\nثانيًا: اعترض على استدلالهم بحديث عبادة بن الصامت أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وما في معناه من الأحاديث.\nقالوا (٢) هذا الحديث مطلق عام، قيد، وخص منه حال جهر الإمام\n_________\n(١) سورة المزمل، الآية: ٢٠.\n(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٣١٢ - ٣١٣ وانظر «المغني» ٢: ٢٦٣.","vol":"1","page":403},{"text":"بالقراءة، فيجب الإنصات في هذه الحال لأمره تعالى بالإنصات بالآية، ولأمر رسوله - ﷺ - بذلك، كما في حديث أبي موسى وأبي هريرة. فهذا الأمر بالإنصات هو المخصص للأحاديث التي فيها وجوب قراءة الفاتحة كحديث عبادة هذا، وحديث أبي هريرة «من صلى صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج» عند مسلم وغيره.\nوغيرها من الأحاديث وردوا القول بأن هذه الأدلة التي فيها الأمر بالإنصات مخصوصة في غير حالة قراءة الفاتحة، لما ذكره الإمام أحمد من الإجماع على أن الآية: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ نزلت في الصلاة.\nوقد أجاب عن هذا الاعتراض أصحاب القول الأول بأننا نسلم بأن الآية المذكورة نزلت في الصلاة، لكنها هي وحديث أبي موسى وأبي هريرة مخصصة والمخصص لها أحاديث الأمر بقراءة الفاتحة، كما سبق ذكرها والدليل لنا على هذا التخصيص حديث عبادة «لا تفعلوا إلا بأم القرآن».\nثالثًا: اعترض على استدلالهم بحديث أبي هريرة عند مسلم وغيره، والذي فيه «اقرأ بها في نفسك» بأن هذا لفظ مجمل، قد يحمل على ما ذهبوا إليه من الاستدلال به على القراءة مطلقًا، حتى في حال الجهر بالقراءة. وقد يحمل على القراءة حال المخافتة، أو سكوت الإمام كما روى ابن المنذر (١) عن أبي هريرة: «اقرأ خلف الإمام فيما\n_________\n(١) في «الأوسط» الأثر ١٣١٣.","vol":"1","page":404},{"text":"يخافت به».\nقال ابن تيمية (١): «ويؤيد هذا أن أبا هريرة ممن روى قوله: «وإذا قرأ فأنصتوا» وروى قوله «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فما زاد»، وقال «تجزئ فاتحة الكتاب، وإذا زاد فهو خير». ومعلوم أن هذا لم يتناول المأموم المستمع لقراءة الإمام، فإن هذا لا تكون الزيادة على الفاتحة خيرا له. فلا يجزم حينئذ بأنه أمره أن يقرأ حال استماعه لقراءة الإمام بلفظ مجمل».\nوقد أجاب أصحاب القول الأول عن هذا الاعتراض بقولهم: يتبادر من قول السائل لأبي هريرة: إنا نكون وراء الإمام أنه يسأل عن قراءة الفاتحة حال جهر الإمام لأن قراءة المأموم في هذه الحال قد تستشكل، وقد أجابه أبو هريرة بقوله: «اقرأ بها في نفسك» وهذا مشتهر عن أبي هريرة أنه يرى القراءة خلف الإمام في الحالين، وأيضًا على احتمال أن أبا هريرة أراد قراءة الفاتحة في صلاة السر فقط فالحديث دليل لنا على القراءة في هذه الحال، خلافًا لمن زعم أنه لا قراءة خلف الإمام مطلقًا.\nرابعًا: اعترض على استدلالهم بحديث عبادة بن الصامت، الذي فيه: «أتقرؤون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم. قال: لا تفعلوا إلا بأم الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها» وما في معناه من الأحاديث من وجهين (٢):\n_________\n(١) انظر: «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٣٠٠ - ٣٠١.\n(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٣١٣ - ٣١٦.","vol":"1","page":405},{"text":"الوجه الأول: أن بعض أهل العلم قد طعن في إسناد هذا الحديث منهم الإمام أحمد وغيره.\nالوجه الثاني: على القول بصحة هذا الحديث قالوا: إنه محمول على الإمام الذي له سكتات، كما كان - ﷺ - له سكتتان. قالوا: فليس في الحديث دليل على أنه يقرأ الفاتحة خلف إمامه حال الجهر، وإنما فيه أن له أن يقرأها حال سكتات إمامه، لأنه نهاهم عن القراءة خلفه إذا جهر، واستثنى من النهي قراءة فاتحة الكتاب إذ يمكن أن يقرأها في سكتات الإمام.\nقالوا: وقوله: «أتقرؤون خلف إمامكم؟» بصيغة الاستفهام يدل على أنه - ﷺ - لم يكن يعلم أنهم يقرؤون، ولو كانت القراءة واجبة حال الجهر لكان أمرهم بذلك، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ولو بين ذلك لهم وأمرهم به لعلمه عامتهم وفعلوه.\nوقد أجاب أصحاب القول الأول عن الوجه الأول وهو طعن بعض أهل العلم في إسناد حديث عبادة المذكور بأن الحديث صحيح وقد صححه أكثر أهل العلم، كما سبق بيانه.\nوأجابوا عن الوجه الثاني بأنه لا دليل على أن الحديث محمول على الإمام الذي له سكتات، فيقرأ المأموم في سكتاته بل الحديث عام. وقوله لهم: «أتقرؤون خلف إمامكم؟ أو لعلكم تقرؤون خلف إمامكم» يمكن حمله على أنه - ﷺ - أراد به تنبيههم، أو أن المراد به السؤال عن قراءة ما زاد على الفاتحة.","vol":"1","page":406},{"text":"خامسًا: اعترض على استدلالهم بما نقل من الآثار عن الصحابة من القراءة خلف الإمام بأن ذلك في الصلاة السرية، أو حال سكتات الإمام، أو إذا لم يسمع المأموم قراءة إمامه لبعده أو صممه، ونحو ذلك (١).\nوقد أجاب أصحاب القول الأول عن هذا الاعتراض بأن ما نقل عن الصحابة منه ما يمكن حمله على الصلاة السرية، لأنه محتمل، لكن منه آثار صريحة في القراءة في الصلاة الجهرية، وهذه الآثار لم تقيد قراءة الفاتحة فيها في سكتات الإمام أو إذا لم يسمع المأموم. ونحن نقول الأولى أن يقرأ في سكتات الإمام إذا كان له سكتات، وإن لم يكن له سكتات قرأ حال قراءته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>ب- الاعتراضات الواردة على أدلة القول الثاني أن المأموم يقرأ في الصلاة السرية دون الجهرية</span>.\nأولًا: اعترض على استدلالهم بقوله - تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢).\nوبحديث أبي موسى وأبي هريرة اللذين فيهما: «وإذا قرأ فأنصتوا» بأن هذه الأدلة الثلاثة ليست مخصصة لعموم الأحاديث في وجوب قراءة الفاتحة كحديث عبادة بن الصامت «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وغيره. كما تقولون، وإنما الحق أن نصوص الأمر بالإنصات\n_________\n(١) انظر: «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٣٠٦ - ٣٠٧.\n(٢) سورة الآعراف، الآية: ٢٠٤.","vol":"1","page":407},{"text":"هذه عامة، خص منها قراءة الفاتحة بالنسبة للمأموم، فيقرأها ولو كان إمامه يقرأ، إذا لم يكن له سكتات والمخصص لذلك هو حديث عبادة المذكور، وحديث أبي هريرة «كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج» ونحوهما من الأحاديث.\nوالدليل على هذا التخصيص حديث عبادة الآخر الذي فيه قوله - ﷺ -: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟، قالوا: نعم. قال لا تفعلوا إلا بأم القرآن».\nوأجاب أصحاب القول الثاني بقولهم: بأن الآية وحديث أبي موسى وأبي هريرة هي المخصصة لعموم أحاديث الأمر بقراءة الفاتحة، وليس العكس كما تقولون. وحديث «لا تفعلوا إلا بأم القرآن» طعن فيه بعض أهل العلم، وعلى القول بصحته يمكن حمله على الإمام الذي له سكتات.\nثانيًا: اعترض على استدلالهم بحديث أبي هريرة، الذي فيه قوله - ﷺ -: «مالي أنازع القرآن» من ثلاثة وجوه:\nالوجه الأول: أن هذا الحديث خارج من محل النزاع، لأن الكلام في قراءة المؤتم خلف إمامه سرًا والمنازعة إنما تكون مع جهر المؤتم، لا مع إسراره.\nالوجه الثاني: لو سلم أن المراد بالمنازعة القراءة خلف الإمام سرًا لكان الإنكار الذي في الحديث عاما في جميع القرآن أو مطلقًا في","vol":"1","page":408},{"text":"جميعه خصص في حديث عبادة ونحوه، أو قيد به» (١).\nالوجه الثالث: ما ذكر الترمذي (٢) بعد أن أخرج حديث أبي هريرة «مالي أنازع القرآن» قال: «وليس في هذا الحديث ما يدخل على من رأى القراءة خلف الإمام، لأن أبا هريرة هو الذي روى عن النبي - ﷺ - هذا الحديث. وروى أبو هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج، غير تمام» فقال له حامل الحديث إني أكون وراء الإمام. قال: أقرأ بها في نفسك. وروي أبو عثمان النهدي عن أبي هريرة قال: «أمرني رسول الله - ﷺ - أن أنادي أن لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب».\nوقد أجاب أصحاب القول الثاني عن الوجه الأول بأنه لا يلزم أن تكون المنازعة مع جهر المؤتم حال قراءة الإمام، بل حتى مع إسرار المؤتم بالقراءة لكن جهره أشد منازعة حتى في حال إسرار الإمام.\nوأجابوا عن الوجه الثاني بأننا لا نسلم بدعوى التخصيص بحديث عبادة، فقد طعن فيه بعض أهل العلم، وذكرنا توجيهه فيما سبق على القول بصحته (٣).\nوأجابوا عن الوجه الثالث بأن قول أبي هريرة «اقرأ بها في نفسك» محمول على القراءة خلف الإمام في الصلاة السرية. وقد سبق ذكر\n_________\n(١) انظر «نيل الأوطار» ٢: ٢٤٣.\n(٢) في «سننه» ٢: ١٢١ - ١٢٢.\n(٣) راجع الاعتراض الرابع على أدلة أصحاب القول الأول.","vol":"1","page":409},{"text":"جواب أصحاب القول الأول عن هذين الوجهين (١).\nثالثًا: اعترض على استدلالهم بحديث: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» من وجوه عدة:\nالوجه الأول: أن هذا الحديث ضعيف لا يحتج به، فالأصح أنه مرسل من حديث عبد الله بن شداد، والعمل بالمرسل مختلف فيه بين أهل العلم، وكثير منهم لا يرى العمل به.\nوقد أجاب أصحاب القول الثاني بأن الحديث مسند ضعيف لكنه ثبت وصح مرسلا من حديث عبد الله بن شداد وهو من أكبر التابعين، ومثل هذا المرسل يحتج به الأئمة الأربعة وغيرهم (٢).\nالوجه الثاني: أن أبا هريرة وابن عمر - ممن روي عنهم حديث «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» وقد ثبت عن أبي هريرة جواز القراءة خلف الإمام مطلقًا، أو في السرية فقط، كما ثبت عن ابن عمر القراءة خلف الإمام في الصلاة السرية.\nوهذا يدل على ضعف هذا الحديث «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» لأن ظاهره لو صح يدل على أن قراءة الإمام له قراءة في حال السر والجهر.\nوقد أجاب أصحاب القول الثاني بأن الحديث معناه فقراءة الإمام له قراءة: أي في الجهرية، وهذا يوافق ما ثبت عن أبي هريرة وابن عمر\n_________\n(١) راجع الإجابة على الاعتراضين الثالث والرابع على أدلة أصحاب القول الأول.\n(٢) انظر: «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٧١ - ٢٧٢.","vol":"1","page":410},{"text":"من القراءة في الصلاة السرية ولا يخالفه.\nمن القراءة في الصلاة السرية ولا يخالفه.\nالوجه الثالث: على القول بالعمل بمثل هذا المرسل، أو أن هذا الحديث قد يرتفع برواياته وطرقه وشواهده إلى درجة الحسن فإنه مخالف للأدلة الصريحة الصحيحة الموجبة لقراءة الفاتحة مطلقًا كقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ﴾ (١) وحديث عبادة في الصحيحين: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، ونحوه كحديث أبي هريرة عند مسلم «كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج». وكذا حديث عبادة، الذي فيه: «هل تقرؤون خلف إمامكم؟ قالوا: نعم. قال: لا تفعلوا إلا بأم القرآن».\nوقد أجاب أصحاب القول الثاني عن هذا الوجه بأن الأدلة التي ذكرتموها خاصة بالمنفرد والإمام، وكذلك تشمل المأموم أيضًا في حال عدم جهر الإمام. أما حديث عبادة: «لا تفعلوا إلا بأم القرآن» فقد ذكرنا أنه طعن فيه، وذكرنا توجيهه - على القول بصحته - فيما سبق (٢).\nالوجه الرابع: على القول بصحة الاحتجاج بهذا الحديث فإنه دليل لمن منع من القراءة خلف الإمام مطلقًا في السرية والجهرية فما المخصص له في أنه في المنع من القراءة في الجهرية فقط.\nأجاب أصحاب القول الثاني عن هذا الوجه بأن معنى الحديث «فقراءة الإمام له قراءة\": أي القراءة التي يسمعها تكفيه عن القراءة،\n_________\n(١) سورة المزمل، الآية: ٢٠.\n(٢) راجع الاعتراض الرابع على أدلة أصحاب القول الأول.","vol":"1","page":411},{"text":"يؤيد هذا أنه مأمور بالإنصات حال قراءة الإمام. أما القراءة التي لا يسمعها فكيف تكون له قراءة وهو لا يسمعها.\nالوجه الخامس: على القول بصحة الاحتجاج بهذا الحديث - أيضًا - فإنه عام خص بحديث عبادة «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» وما في معناه، كما خص بهذا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١)، وحديث أبي موسى وأبي هريرة «وإذا قرأ فأنصتوا».\nيدل على هذا التخصيص حديث عبادة «لا تفعلوا إلا بأم القرآن». فيكون معنى الحديث «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة فيما عدا الفاتحة».\nوأجاب أصحاب القول الثاني بأن حديث «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» ليس مخصصًا بحديث عبادة وما في معناه كما ذكرتم، بل هو من ضمن المخصصات لحديث عبادة وعليه يكون المعنى: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب إلا إن كان مأمومًا فتكيفه قراءة الإمام وخاصة في الصلاة الجهرية. وأما حديث «لا تفعلوا إلا بأم القرآن» فقد ذكرنا الطعن، وتوجيهه على القول بصحته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>ج- الاعتراضات الواردة على أدلة أصحاب القول الثالث: أن المأموم لا يقرأ لا في السرية، ولا في الجهرية</span>.\nأولًا: اعترض على استدلالهم بالأدلة التي فيها الأمر بالإنصات\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٤.","vol":"1","page":412},{"text":"لقراءة الإمام كآية الأعراف، وحديث أبي موسى وأبي هريرة من وجهين:\nالوجه الأول: أن هذه الأدلة إن دلت على عدم القراءة حال جهر الإمام فليس فيها دلالة على عدم القراءة في حال إسرار الإمام، أو سكوته، لأن السكوت حال عدم جهر الإمام لا يسمى إنصاتًا، ولم يؤمر بترك قراءة الفاتحة ولا غيرها في هذه الحال (١).\nالوجه الثاني: أن هذه الأدلة التي فيها الأمر بالإنصات مخصصة بالأحاديث التي فيها الأمر بقراءة الفاتحة في الصلاة. كما سبق.\nوقد أجاب أصحاب القول الثالث عن الوجه الثاني بأن أدلة الأمر بالإنصات ليست مخصصة بأحاديث الأمر بقراءة الفاتحة في الصلاة، لأن هذه الأحاديث خاصة بالمنفرد والإمام دون المأموم.\nثانيًا: اعترض على استدلالهم بحديث أبي هريرة الذي فيه قوله - ﷺ - «مالي أنازع القرآن». بأن هذا محمود على الجهر خلف الإمام، وهذا لا يجوز بالاتفاق أو على القراءة سرًا حال جهر الإمام، وهذا لا يجوز عند كثير من أهل العلم، ولا يدل الحديث على النهي عن القراءة خلف الإمام مطلقًا، حتى ولو كانت سرًا في حال إسرار الإمام، كما تقولون. ثالثًا: اعترض على استدلالهم بالحديث: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة» من وجوه عدة:\n_________\n(١) انظر جزء القراءة للبخاري، فقرة ٣٢.","vol":"1","page":413},{"text":"منها: الوجه الأول والثالث والخامس من الوجوه المذكورة في الاعتراض على استدلال أصحاب القول الثاني بهذا الحديث.\nومنها: أن المراد بقوله «فقراءة الإمام له قراءة» أي: في الصلاة الجهرية. إذا لم يسكت الإمام، كما يقوله أصحاب القول الثاني - فيما تقدم (١) - وله وجه.\nومنها: أنهم يستدلون بالحديث على عدم جواز القراءة خلف الإمام مطلقًا والحديث ظاهرة أن قراءة الإمام تجزئ عن المأموم، لا أن القراءة لا تجوز من المأموم أو لا تستحب منه. قال ابن تيمية (٢): «ليس في حديث «فقراءة الإمام له قراءة» دليل للكوفيين على أنه لا تستحب للمأموم القراءة، وإنما فيه الدلالة على أن له أن يجتزئ بذلك، وأن الواجب يسقط عنه بذلك، لا أنه ليس له أن يقرأ».\nومنها: أن جميع الأذكار التي يشرع للإمام أن يقولها مستحبة كانت أو واجبة يشرع للمأموم أن يقولها فكيف يتحمل الإمام عن المأموم القراءة، ولا يتحمل ما دونها من المستحبات.\nرابعًا: اعترض على استدلالهم بحديث عمران بن حصين، الذي فيه: «ظننت أن بعضكم خالجنيها» وحديث ابن مسعود، الذي فيه «خلطتم عليَّ القرآن».\nبأن هذين الحديثين محمولان على الجهر بالقراءة خلف الإمام.\n_________\n(١) راجع الدليل الخامس من أدلتهم ووجه استدلالهم به.\n(٢) في «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٣٢٥.","vol":"1","page":414},{"text":"والجهر بالقراءة خلف الإمام سوار أسر الإمام أو جهر أمر لا يجوز بالاتفاق. وليس فيهما الإنكار على من قرأ سرًا خلف الإمام.\nويمكن حمل ما جاء في حديث عمران «ظننت أن بعضكم خالجنيها» على أنه ليس فيه نهي لهم أو إنكار عليهم، لأن القارئ خلفه قرأ سرًا في صلاة سرية ويؤيد هذا قول شعبة لقتادة - وهما من رواة الحديث: «كأنه كرهه فقال: لو كرهه لنهى عنه» (١).\nخامسًا: اعترض على استدلالهم ببعض الآثار عن الصحابة في ترك القراءة خلف الإمام أو النهي عنها بأن أكثر المنقول عنهم في هذا مطلقا يحتمل ترك القراءة خلف الإمام أو النهي عنها في الصلاة الجهرية فقط، ويحتمل تركها والنهي عنها في الحالين، مع وجود الاحتمال لا يصح الجزم، وأيضًا جمهور الصحابة وعامتهم يرون القراءة خلف الإمام، لكن منهم من يرى القراءة في الصلاة السرية والجهرية معًا، ومنهم من يرى القراءة في حال الإسرار فقط. وقليل منهم من يرى ترك القراءة مطلقًا، وأيضًا الذين روي عنهم هذا القول من الصحابة روي عنهم أكثرهم خلافه، حتى قال ابن عبد البر في «الاستذكار» (٢) «ولا أعلم في هذا الباب صاحبًا صح عنه بلا اختلاف أنه قال مثل قول الكوفيين إلا جابر بن عبد الله».\n_________\n(١) انظر: «التمهيد» ١١: ٥٢، «الاستذكار» ٢: ١٩٢، «القراءة خلف الإمام» للبيهقي ص ١٦٤ - ١٦٨، «شرح النووي على مسلم» ٤: ١٠٩.\n(٢) ٢: ١٩٣.","vol":"1","page":415},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-146>الترجيح بين الأقوال:</span>\nبعد النظر في أدلة كل فريق من أصحاب الأقوال الثلاثة، وبعد النظر في الاعتراضات الواردة على تلك الأدلة، وفي إجابات كل فريق على ما ورد على أدلتهم من اعتراضات يظهر جليا أن أصحاب القول الثالث القائلين بعدم القراءة خلف الإمام مطلقًا، لا في السرية، ولا في الجهرية لم يسلم لهم دليل واحد كما رأيت، لا من أدلة الكتاب ولا من السنة، ولا من الأثر.\nقال اللكنوي وهو من محققي الأحناف في كتابه «إمام الكلام في القراءة خلف الإمام» (١): «الذي يظهر بالنظر الدقيق، ويقبله أصحاب التحقيق هو أن الأحاديث التي استدل بها أصحابنا ليس فيها حديث يدل على النهي عن قراءة الفاتحة خلف الإمام، فيدفع ذلك بالجميع، أو الترجيح، أو التساقط، أو النسخ، بل هي متنوعة إلى أنواع ثلاثة:-\nفمنها ما يدل على وجوب الإنصات عند القراءة كالحديث الأول - يعني حديث أبي موسى وأبي هريرة: «وإذا قرأ فأنصتوا» - قال: وهو وإن كان ظاهر لفظه وعمومه يدل على الإنصات مطلقا لكن النظر الدقيق يحكم بأنه يمنع من القراءة مع قراءة الإمام في الجهرية بحيث يخل بالاستماع والتدبر، ولا يدل على وجوبه في الجهر أثناء السكتات ولا على وجوبه في السر، وكذا الآية القرآنية، يعني: ﴿وَإِذَا\n_________\n(١) ص ٢٢٥ - ٢٢٦.","vol":"1","page":416},{"text":"قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (١) قال: وكذا الحديث الثالث والرابع - يعني حديث عمران، الذي فيه: «قد عرفت أن بعضكم خالجينها» وحديث ابن مسعود، الذي فيه قوله - ﷺ -: «خلطتم عليَّ القرآن» قال: وإثبات وجوب السكوت مطلقًا من هذه الأحاديث، وكذا من الآية، وإن قال به جمع من أصحابنا عند التنازع لكنه لا يخلو عن تكلف وتعسف.\nومنها: ما يدل بظاهره على النهي عن مطلق القراءة لكنها مما خدش في ثبوتها، بل ببطلان بعضها فلا يصح الاحتجاج بها، مع إمكان حملها على ما عدا الفاتحة ...\nومنها: ما يدل على كفاية قراءة الإمام للمقتدي، وأنه لو لم يقرأ المقتدي صحت صلاته بقراءة إمامه، فيمكن أن يعارض ما صح منه بإطلاقه الأحاديث الواردة في إيجاب قراءة الفاتحة خلف الإمام بعمومها أو خصوصها، ويختار طريق الجمع بينهما، ولا دلالة لها على وجوب السكوت مطلقًا، بل ولا مقيدا، ولا على كراهة القراءة، أو الحرمة، وإن قال به جمع من الحنفية».\nوحيث تبين ضعف هذا القول وهو أن المأموم لا يقرأ خلف الإمام مطلقًا، وأن قراءة الإمام له قراءة في الصلاة السرية والجهرية فأي القولين الباقيين أولى بالترجيح.\nأهو قول من قال بوجوب قراءة الفاتحة مطلقًا في السرية\n_________\n(١) سورة الأعراف، الآية: ٢٠٤.","vol":"1","page":417},{"text":"والجهرية، أم قول من قال بقراءتها في بالسرية دون الجهرية إذا كان يسمع الإمام، ولم يكن للإمام سكتات.\nفأصحاب القول الأول كما تقدم استدلوا بالأحاديث الموجبة لقراءة الفاتحة في الصلاة، وجعلوها مخصصة لعموم أدلة الأمر بالإنصات في الآية والأحاديث.\nوأصحاب القول الثاني استدلوا بالأدلة معًا لكنهم جعلوا أدلة الأمر بالإنصات هي المخصصة لأدلة الأمر بقراءة الفاتحة، فتقرأ الفاتحة حيث لا يجب الإنصات: أي حيث لا جهر في القراءة من قبل الإمام.\nوأصحاب القول الأول احترزوا من الوقوع في ترك قراءة الفاتحة، وهي في حق المأموم واجب تركه يخل بالصلاة، أو ركن تركه يبطل الصلاة.\nولم يروا وجوب الإنصات على المأموم حال قراءته للفاتحة وإن كان يسمع قراءة الإمام إذا لم يكن للإمام سكتات.\nوأصحاب القول الثاني احترزوا من الوقوع في المنهي، وهو القراءة حال قراءة الإمام، وترك الإنصات، والاستماع المأمور بهما، ولم يروا أن قراءة الفاتحة واجبة بل ولا مستحبة، بل ولا جائزة حال قراءة الإمام.\nوبالمقارنة بين المحترزين فإن ترك قراءة الفاتحة حال الجهر يعد إخلالا بالصلاة عند بعض أهل العلم، بل يعد مبطلًا لصحتها عند بعضهم.","vol":"1","page":418},{"text":"أما القراءة حال جهر الإمام فهو - عند بعض أهل العلم - ارتكاب لمحذور، وهو ترك الإنصات المأمور به عند القراءة، لكن ذلك بكل حال لا يبطل الصلاة باتفاق أهل العلم.\nوعلى هذا فإن من ترك قراءة الفاتحة حال جهر الإمام متعرض للقول بعدم صحة الصلاة. أما القارئ حال قراءة الإمام فهو متعرض فقط للقول بأنه ارتكب محظورًا.\nوبناء على هذا فإن أظهر الأقوال، وأقربها لصحة الصلاة وسلامتها من الخلل والنقص، ولبراءة الذمة، والذي تطمئن إليه النفس - بعد المقارنة بين هذه الأقوال وأدلتها هو القول بوجوب قراءة الفاتحة على المأموم مطلقًا في الصلاة السرية والجهرية للأدلة الصحيحة الصريحة في وجوب قراءة الفاتحة على كل مصل، إمام كان أو مأموما أو منفردا وعدم المخصص لها على الصحيح، ولحديث عبادة بن الصامت أن رسول الله - ﷺ - قال: «لعلكم تقرؤون خلف إمامكم قالوا: نعم. قال: لا تفعلوا إلا بأم الكتاب»، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها: فهذا نص صريح صحيح في وجوب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة الجهرية التي هي موضع الخلاف.\nوالأولى أن يقرأ المأموم الفاتحة في سكتات الإمام أن أمكن ذلك، فإن لم يتمكن من قراءتها في السكتات قرأها حال قراءة الإمام لكن في قراءة الإمام ما بعد الفاتحة، فينصت لقراءة الفاتحة ثم يقرأها أثناء قراءة الإمام السورة.","vol":"1","page":419},{"text":"وقد اختار هذا القول أكثر محققي علمائنا في العصر الحاضر منهم:\nسماحة الشيخ شيخنا عبد العزيز بن عبد العزيز بن باز (١) - غفر الله له ورحمه، وفضيلة الشيخ شيخنا عبد الله بن محمد بن حميد (٢) - غفر الله له ورحمه، وفضيلة الشيخ شيخنا محمد بن صالح العثيمين (٣) - غفر الله له ورحمه، وفضيلة الشيخ شيخنا صالح بن محمد اللحيدان (٤) - غفر الله له ورحمه.\nوقد صدرت بترجيح هذا القول وهو وجوب قراءة الفاتحة مطلقًا الفتوى رقم ١٧٥٢ بتاريخ ٢٨/ ١٢/١٣٩٧ هـ من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء والتي يرأسها سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز. وهذا نصها:\n\"تجب قراءة الفاتحة على المصلي، سواء كان إمامًا أو منفردًا أو مأمومًا، وسواء كانت الصلاة سرية أم جهرية، سمع المأموم فيها قراءة إمامه أم لم يسمعها في أرجح الأقوال للعلماء، لعموم حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا صلاة لمن لم\n_________\n(١) سمعت ذلك من سماحته في أكثر من حلقة من حلقات نور على الدرب.\n(٢) سمعت ذلك منه - ﵀- في فتاوى نور على الدرب.\n(٣) سمعت ذلك من فضيلته في أكثر من حلقة من حلقات برنامج «نور على الدرب» وفي أكثر من لقاء وانظر قوله هذا أيضًا في كتابه «تنبيه الأفهام بشرح عمدة الأحكام» ص ٣٣ - ٣٤.\n(٤) سمعت ذلك منه في عدة حلقات من حلقات برنامج نور على الدرب.","vol":"1","page":420},{"text":"يقرأ بأم القرآن» فنفى الصلاة الشرعية لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب عمومًا ولم يخص منها حالا من أحوال المصلي دون حال. والنفي إذا ورد في نصوص التشريع اتجه إلى الحقيقة الشرعية لا إلى كما لها إلا بدليل ولا دليل يصرف عنها على الصحيح من أقوال العلماء. وما استدل به الحنفية على أن المأموم لا يقرأ بفاتحة الكتاب من حديث جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «من صلى خلف الإمام فقراءة الإمام له قراءة» فضعيف.\nقال ابن حجر في التلخيص: إنه مشهور في حديث جابر، وله طرق عن جماعة من الصحابة كلها معلولة، ولو صح لكان مخصصًا لما رواه أبو داود عن عبادة بن الصامت - ﵁ - أنه صلى خلف أبي نعيم، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فجعل عبادة يقرأ بأم القرآن، فلما انصرفوا من الصلاة قال لعبادة بعض من سمعه يقرأ: سمعتك تقرأ بأم القرآن، وأبو نعيم يجهر، قال: أجل، صلى بنا رسول الله - ﷺ - بعض الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة، قال: فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ أقبل علينا بوجهه فقال: «هل تقرؤون إذا جهرت بالقراءة؟ فقال بعضنا: نعم إنا نصنع ذلك. قال: فلا، وأنا أقول مالي أنازع القرآن، فلا تقرؤوا بشيء إذا جهرت إلا بأم القرآن».\nفهذا عبادة راوي الحديث قرأ بها جهرا خلف الإمام، لأنه فهم من كلامه - ﷺ - أنه يقرأ بها خلف الإمام جهر والإمام يجهر بالقراءة.\nوكذلك العموم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ","vol":"1","page":421},{"text":"وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وما ثبت من قوله - ﷺ - في الحديث الصحيح «وإذا قرأ فأنصتوا» يخصص بما رواه أبو داود عن عبادة بن الصامت المتقدم فإنه نص في قراءة المأموم للفاتحة في الصلاة الجهرية. والقاعدة أن الخاص إذا عارضه العام حمل العام على الخاص وخصص به جمعا بين الدليلين وإعمالا لهما بدلًا من إلغاء أحدهما.\nوروى مسلم وأبو داود - أيضًا - عن أبي هريرة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «من صلى صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج فهي خداج، غير تمام».\nقال له السائب مولى هشام بن زهرة: يا أبا هريرة إني أكون أحيانًا وراء الإمام فغمز ذراعه وقال: اقرأ بها يافارسي في نفسك. فدل جواب أبي هريرة للسائب راوي الحديث عنه على أنه فهم من الحديث قراءة المأموم لها في الصلاة لكنه رأى أن يكون ذلك سرًا».\n\nفائدة: في<span data-type=\"title\" id=toc-147> بيان المشروع من السكتات في الصلاة</span>، وما يشرع قوله فيها:\nوحيث شرع للمأموم قراءة الفاتحة في سكتات الإمام، فإن من المناسب ذكر المشروع من السكتات، وما يشرع قوله في هذه السكتات.\nأولًا: بيان المشروع من السكتات في الصلاة.\nاختلف أهل العلم في المشروع من السكتات في الصلاة على أقوال","vol":"1","page":422},{"text":"عدة:\nأ- جمهور أهل العلم على أن المشروع من السكتات في الصلاة سكتتان، منهم الشافعي (١)، وأحمد (٢)، وإسحاق (٣)، والحسن وقتادة (٤) والأوزاعي (٥)، وأبو ثور (٦).\nواستدلوا على هاتين السكتتين بما يلي:\n١ - ما رواه أبو هريرة - ﵁ - قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا كبر في الصلاة سكت هنية قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال أقول: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي، كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد» متفق عليه (٧).\n_________\n(١) انظر «المجموع» ٣: ٣٩٥، «التبيان» ص ١٠٤.\n(٢) انظر «مسائل الإمام أحمد» رواية ابنه عبد الله ص ٧٥ فقرة ٢٧٠، ٢٧١، «المغني» ٢: ١٦٣ - ١٦٤، «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٧٨.\n(٣) انظر: «سنن الترمذي» ٢: ٣١.\n(٤) انظر: «الاستذكار» ٢: ١٩١.\n(٥) أخرجه عن الأوزاعي البيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثر ٢٤٧ قال: «يحق على الإمام أن يسكت سكتة بعد التكبيرة الأولى واستفتاح الصلاة، وسكتة بعد قراءة فاتحة الكتاب ليقرأ من خلفه بفاتحة الكتاب»، وانظر: «الاستذكار» ٢: ١٩١، «التمهيد» ١١: ٤٢.\n(٦) انظر: «الاستذكار» ٢: ١٩١، «التمهيد» ١١: ٤٢.\n(٧) أخرجه البخارص في الأذان- ما يقول بعد التكبير- الحديث ٧٤٤، ومسلم في المساجد- ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة والحديث ٥٩٨، وأبو داود في الصلاة- الحديث ٧٨١، والنسائي في الافتتاح، الحديث ٨٦٠.","vol":"1","page":423},{"text":"٢ - ما رواه سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب قال: «سكتتان حفظتهما عن رسول الله - ﷺ - فأنكر ذلك عمران بن حصين، وقال حفظنا سكتة. فكتبنا إلى أبي بن كعب بالمدينة فكتب أبي أن حفظ سمرة».\nقال سعيد: فقلنا لقتادة: «ما هاتان السكتتان؟ قال: إذا دخل في صلاته، وإذا فرغ من القراءة، ثم قال بعد ذلك: وإذا قرأ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: وكان يعجبه إذا فرغ من القراءة أن يسكت حتى يتراد إليه نفسه (١).\nوفي رواية (٢) عن الحسن عن سمرة بن جندب «أنه تذاكر وعمران بن حصين، فحدث سمرة بن جندب أنه حفظ عن رسول الله - ﷺ - سكتتين، سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراءة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فحفظ ذلك سمرة، وأنكر عليه عمران بن حصين، فكتبنا في ذلك إلى أبي بن كعب، فكان في كتابه إليهما أو في رده عليهما أن سمرة قد حفظ».\nوفي رواية (٣) عن الحسن عن سمرة بن جندب: «أن رسول الله\n_________\n(١) أخرجه أبو داود في الصلاة- باب السكتة عند الافتتاح- الحديث ٧٧٩، والترمذي في الصلاة- ما جاء في السكتتين في الصلاة، الحديث ٢٥١، وقال: «حديث حسن»، وابن ماجه في الصلاة- باب في سكتتي الإمام- الحديث ٨٤٤. وليس عند أبي داود قوله: «وكان يعجبه إذا فرغ من القراءة أن يسكت حتى يتراد إليه نفسه».\n(٢) أخرجها أبو داود- الحديث ٧٧٩، والدارقطني ١: ٣٣٦.\n(٣) أخرجها الإمام أحمد ٥: ١٥، والبخاري في جزء القراءة - الحديث ٢٧٨، ٢٧٩ وابن المنذر في «الأوسط» الحديث ١٣٤٠، والدارقطني ١: ٣٠٩.\nقال ابن المنذر: «في إسناده مقال، يقال: إن الحسن لم يسمعه من سمرة» وقال ابن القيم في «زاد المعاد» ١: ٢٠٨: «وقد صحح حديث السكتتين من رواية سمرة وأبي بن كعب وعمران بن حصين أبو حاتم في صحيحه».","vol":"1","page":424},{"text":"- ﷺ - كانت له سكتتان، سكتة حين يفتتح الصلاة، وسكتة إذا فرغ من السورة الثانية قبل أن يركع ...».\nواتفقوا على أن السكتة الأولى بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة للتنصيص على مكانها في الحديثين.\nواختلفوا في محل السكتة الثانية بناء على اختلاف روايات حديث سمرة، فقال بعضهم: هي بعد انتهاء القراءة، وقبل التكبير للركوع، ورجح هذا الإمام أحمد (١) وشيخ الإسلام ابن تيمية - رحمهما الله تعالى (٢) -.\nوقيل: إنها بعد قراءة الفاتحة.\nوإلى هذا القول يميل ابن القيم - رحمه الله تعالى - فيما يظهر من كلامه في «زاد المعاد» (٣).\nحيث قال بعد أن ذكر تصحيح أبي حاتم لحديث السكتتين من رواية سمرة، وأبي بن كعب، وعمران بن حصين قال: «وقد تبين بذلك أن أحد من روى حديث السكتتين سمرة بن جندب، وقال: حفظت من\n_________\n(١) انظر: «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٧٨، ٢٢: ٣٣٩.\n(٢) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٣٣٨، وانظر: «زاد المعاد» ١: ٢٠٨، ٢١٦.\n(٣) ١: ٢٠٨ - ٢٠٩.","vol":"1","page":425},{"text":"رسول الله - ﷺ - سكتتين، سكتة إذا كبر، وسكتة إذا فرغ من قراة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وفي بعض طرق الحديث فإذا فرغ من القراءة سكت، وهذا كالمجمل واللفظ الأول مفسر مبين، ولهذا قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: للإمام سكتتان فاغتنموا فيهما القراءة بفاتحة الكتاب، إذا افتتح الصلاة، وإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ على أن تعيين محل السكتتين إنما هو من تفسير قتادة».\nوهل هذه السكتات واجبة على الإمام، أو مستحبة؟ ذهب بعض أهل العلم إلى أنها واجبة على الإمام، منهم الأوزاعي وأبو ثور وذهب أكثر أهل العلم إلى أن ذلك مستحب فقط.\nب- وذهب بعض العلماء إلى أن المشروع للإمام سكتة واحدة للاستفتاح منهم: عمران بن حصين (١)، وبه قال الإمام أبو حنيفة (٢)، مستدلين بحديث أبي هريرة المتقدم كان النبي - ﷺ - «إذا كبر سكت هنية»، أما حديث السكتتين فلم يصح عندهم.\nج- وذهب بعض أهل العلم إلى أن المشروع للإمام ثلاث سكتات منهم طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد قالوا: يستحب للإمام ثلاث سكتات، والثانية: منها بعد قراءة الإمام الفاتحة ليقرأ المأموم الفاتحة، والثالثة: بعد الانتهاء من القراءة وقبل الركوع. (٣)\n_________\n(١) كما في حديث سمرة السابق.\n(٢) انظر «فتح القدير» ١: ٢٨٨ - ٢٨٩، «إعلان السنن» للتهانوي ٢: ٢١٤، وانظر: «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٧٨.\n(٣) انظر: «المجموع» ٣: ٣٩٥، «الكافي» لابن قدامة ١: ١٣٤.","vol":"1","page":426},{"text":"مستدلين بحديث أبي هريرة وحديث سمرة برواياته.\nد- وذهب الإمام مالك إلى أنه لا سكوت في الصلاة بحال من الأحوال (١).\nوالذي عليه جمهور أهل العلم، وصححه بعض المحققين من أهل العلم أن السكتات الثابتة اثنتان فقط.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٢): «والصحيح أنه لا يستحب إلا سكتتان فليس في الحديث إلا ذلك، وإحدى الروايتين غلط، وإلا كانت ثلاثا وهذا هو المنصوص عن أحمد، وأنه لا يستحب إلا سكتتان، والثانية عند الفراغ من القراءة، للاستراحة والفصل بينها وبين الركوع، وأما السكوت عقيب الفاتحة فلا يستحبه أحمد» (٣).\nوقال أيضًا (٤): «ولم يقل أحد إنه كان له ثلاث سكتات، ولا أربع سكتات فمن نقل عن النبي - ﷺ - ثلاث سكتات أو أربع فقد قال قولا لم ينقله عن أحد من المسلمين».\nوقال ابن القيم (٥): «وكان له سكتتان، سكتة بين التكبير والقراءة، وعنها سأله أبو هريرة. واختلف في الثانية، فروي أنها بعد الفاتحة، وقيل: إنها بعد القراءة وقبل الركوع، وقيل: هي سكتتان غير الأولى\n_________\n(١) انظر: «المدونة» ١: ٦٢، «الاستذكار» ٢: ١٩١٢، «التمهيد» ١١: ٤٣.\n(٢) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٣٣٨ - ٣٣٩.\n(٣) انظر: «مسائل الإمام احمد» رواية ابنه عبد الله ص ٧٦.\n(٤) ٢٣: ٢٧٧.\n(٥) في «زاد المعاد» ١: ٢٠٧، وانظر: ٢١٦.","vol":"1","page":427},{"text":"فتكون ثلاثا، والظاهر إنما هي اثنتان فقط».\nلكن ابن القيم - ﵀ - يقول توفيقا بين روايتي حديث سمرة. «وأما الثالثة فللراحة والنفس فقط، وهي سكتة لطيفة، فمن لم يذكرها فلقصرها، ومن اعتبرها جعلها سكتة ثالثة، فلا اختلاف بين الروايتين، وهذا أظهر ما يقال في هذا الحديث .. \"\nقلت: وهذا مسلك جيد في التوفيق بين الروايتين إن صحت كل منهما.\n\nثانيًا:<span data-type=\"title\" id=toc-148> ما الذي يشرع قوله في سكتات الإمام</span>، وهل يشرع أن يسكت لأجل قراءة المأموم.\nجمهور أهل العلم على أنه يستحب للمأموم، بل وللإمام في السكتة الأولى التي بعد التكبير، وقبل الشروع بقراءة الفاتحة قراءة دعاء الاستفتاح لما جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه سأل رسول الله - ﷺ - عما يقول في هذه السكتة، فقال - ﷺ - أقول: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب ... الحديث» (١).\nولما ثبت في الصحيح عن عمر - ﵁ - أنه كان يكبر ويجهر بدعاء الاستفتاح يعلمه الناس (٢).\n_________\n(١) سبق تخريجه بتمامه.\n(٢) أخرجه مسلم- في الصلاة- الحديث ٣٩٩.\nوقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٩٨ - أن بعض أصحاب الإمام أحمد يستحبون في حال سكوت الغمام أن يقرأ، ولا يستفتح، وهو اختيار أبي بكر الدينوري، وأبي الفرج بن الجوزي».","vol":"1","page":428},{"text":"وأما السكتة التي بعد نهاية القراءة، وقبل التكبير للركوع، فإنها على ما ذكر أهل العلم ليست محلا للقراءة، وإنما هي سكتة لطيفة جدا، لأجل تراد النفس والفصل بين القراءة والتكبير للركوع، كما قال قتادة: «وكان يعجبه إذا فرغ من القراءة أن يسكت حتى يتراد إليه نفسه» (١). وقال ابن القيم (٢) - ﵀ -: «وأما الثالثة فللراحة والنفس فقط وهي سكتة لطيفة ...».\nوأما السكتة بعد قراءة الفاتحة، فكما اختلف في ثبوتها، فقد اختلف المثبتون لها فيما يقال فيها.\nفبعض أهل العلم يرى أنها سكتة يسيرة كالسكتة بين السور، وعند رؤوس الآيات لا تتسع لقراءة الفاتحة (٣).\nوقيل: إنها لأجل قراءة الفاتحة، وهذا يروى عن سعيد بن جبير (٤) وعمر بن عبد العزيز (٥)\n_________\n(١) سبق هذا في بعض روايات حديث سمرة في السكتتين.\nوانظر: «الاستذكار» ٢: ١٩٠، «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٧٨، «زاد المعاد» ١: ٢٠٨.\n(٢) في «زاد المعاد» ١: ٢٠٨.\n(٣) انظر: «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٧٧، ٢٧٩.\n(٤) أخرجه عن سعيد - عبد الرزاق- الأثران ٢٧٨٩، ٢٧٩٤، والبخاري في جزء القراءة الأثران ٣٤، ٢٧٣.\n(٥) ذكره عن عمر بن عبد العزيز ابن المنذر في «الأوسط» ٣: ١١٧.","vol":"1","page":429},{"text":"والأوزاعي (١) والشافعي (٢) وأبي ثور (٣)، وإسحاق بن راهويه (٤)، واختاره ابن المنذر (٥)، وبعض أصحاب الشافعي وأحمد (٦).\nبل يرى بعضهم أن هذه السكتة مما يجب على الإمام، منهم الأوزاعي وأبو ثور.\nوأكثر أهل العلم على أنه لا يشرع أن يسكت لأجل أن يقرأ المأموم الفاتحة، منهم أبو حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم (٧).\nلكن كثيرًا من أهل العلم يستحبون للمأموم أن يقرأ الفاتحة في سكتات الإمام، في السكتة الأولى أن اتسعت بعد الاستفتاح لشيء من القراءة وفي غيرها من السكتات - كما تقدم - وهو الأولى (٨).\nوهو مروي عن عبد الرحمن بن أبي سملة (٩)،\n_________\n(١) ذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٣: ١١٧، وابن عبد البر في «الاسذكار» ٢: ١٩١.\n(٢) انظر: «الاستذكار» ٢: ١٩١، «التمهيد» ١١: ٤٢، «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٧٨.\n(٣) ذكره عن أبي ثور- ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٩١.\n(٤) انظر: «المغني» ٢: ١٦٣.\n(٥) في «الأوسط» ٣: ١١٧، ١١٨.\n(٦) انظر: «المغني» ٢: ١٦٣، «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٧٨، ٢٩٨، ٢٢: ٣٣٨، «زاد المعاد» ١: ٢٠٨.\n(٧) انظر: مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٧٦ - ٢٧٧، ٢٩٨، ٢٢: ٣٣٩، ٣٤٢.\n(٨) انظر: «المغني» ٢: ٢٦٥، ٢٦٨، «نيل الأوطار» ٢: ٢٤٢.\n(٩) أخرجه البخاري في جزء القراءة- الأثر ٢٧٤، والبيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثر ٢٣٩، وذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٣: ١١٨، عن عبد الرحمن بن أبي سلمة، قال: «للإمام سكتتان فاغتنموا القراءة فيهما بفاتحة الكتاب».\nوفي رواية ذكرها ابن قدامة في «المغني» ٢: ١٦٤، بزيادة إذا دخل في الصلاة، وإذا قال ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾.","vol":"1","page":430},{"text":"والحسن (١)، وقتادة (٢)، وعروة بن الزبير (٣)، وأحمد بن حنبل وعامة أصحابه (٤)، وإسحاق بن راهويه (٥) بل من أهل العلم من يوجب ذلك كالأوزاعي (٦) والشافعي (٧) وأبي ثور (٨)، كما سبقت الإشارة إلى هذا (٩).\n_________\n(١) أخرجه- عبد الرزاق- الأثر ٢٧٩٢ عن الحسن قال: «إذا فرغ الإمام من قراءة أم القرآن فاقرأ بها أنت» وذكره ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٩١.\n(٢) ذكره عن قتادة ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٩١.\n(٣) أخرجه عن عروة - عبد الرزاق- الأثر ٢٧٩١، والبخاري في جزء القراءة- الأثر ٢٧٦، وذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ١١: ٤٠.\n(٤) انظر: «المغني» ٢: ١٦٣ - ١٦٤.\n(٥) انظر: «المغني» ٢: ١٦٣.\n(٦) أخرجه عن الأوزاعي - البيهقي في «القراءة خلف الإمام» الأثر ٢٤٧، وذكره ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢: ١٩٠، و«التمهيد» ١١: ٤١.\n(٧) انظر: «الاستذكار» ٢: ١٩١، «التمهيد» ١١: ٤٢، «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٧٨.\n(٨) انظر: «الاستذكار» ٢: ١٩١، «التمهيد» ١١: ٤١.\n(٩) في ذكر المشروع من السكتات. والعجيب أن شيخ الإسلام ابن تيمية﵀- رأى أن القراءة في سكتات الإمام بدعة حيث لم تنقل عن الصحابة. «مجموع الفتاوى» ٢٣: ٢٧٩.","vol":"1","page":431},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>المبحث الثاني\nوفيه مسائل:</span>\nأ- حكم من لم يستطيع قراءة الفاتحة في الصلاة.\nب- حكم قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة.\nج- حكم قراءة الفاتحة على المريض.\nد- حكم قول «آمين» بعد قراءة الفاتحة.\nهـ - قراءة ما زاد على الفاتحة في الصلاة.","vol":"1","page":432},{"text":"المبحث الثاني\nوفيه مسائل\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>أ- حكم من لم يستطيع قراءة الفاتحة في الصلاة:</span>\nيجب على المسلم أن يتعلم ما يقيم به الواجب من أمر دينه، من أذكار الصلاة وغيرها.\nوبما أن قراءة الفاتحة في الصلاة واجبة، بل ركن من أركانها على الصحيح من أقوال أهل العلم، فيجب على المسلم بذل طاقته في تعلمها، فإن لم يستطع تعلمها ولا تعلم شيء من القرآن أجزأ عنه أن يسبح الله، ويحمده، ويهلله، ويكبره. لما رواه عبد الله بن أبي أوفى قال: «جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئًا فعلمني ما يجزيني منه. قال: «قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال: يا رسول الله هذه لله - ﷿ -، فما لي؟ قال: قل اللهم ارحمني، وارزقني، وأهدني، فلما قام قال: هكذا بيده. فقال رسول الله - ﷺ - أما هذا فقد ملأ يده من الخير» رواه أبو داود والنسائي (١).\n_________\n(١) سبق تخريجه ضمن أدلة من قال بوجوب قراءة الفاتحة على المأموم مطلقًا في المبحث الأول من هذا الباب. وانظر: «المحلى» ٣: ٢٥٠ - ٢٥١، «المهذب» ١: ٨٠، «الإفصاح» ١: ١٢٨، «المغني» ٢: ١٥٩ - ١٦٠، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٢٦.","vol":"1","page":434},{"text":"قال القرطبي (١): «فإن عجز عن إصابة شيء من هذا اللفظ فلا يدع الصلاة مع الإمام جهده فالإمام يحمل ذلك عنه إن شاء الله، وعليه أبدا أن يجهد نفسه، في تعلم فاتحة الكتاب فما زاد إلى أن يحول الموت دون ذلك وهو بحال الاجتهاد فيعذره الله».\nومن لم يتمكن من قراءتها بالعربية ترجم له الدعاء بلسانه الذي يفقه لإقامة صلاته، ولا تجزئ صلاة من قرأ بالفارسية، أو غيرها وهو يجيد العربية على الصحيح من أقوال أهل العلم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>ب- حكم قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة:</span>\nثبت في أكثر من حديث مشروعية قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة.\nفعن طلحة بن عبد الله الأنصاري - ﵁ - قال: «صليت خلف ابن عباس - ﵄ - على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: لتعلموا أنها سنة». رواه البخاري (٣).\nوعن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي - ﵁ - أنه قال: «السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافتة، ثم يكبر ثلاثا، والتسليم عند الآخرة» (٤).\n_________\n(١) في «تفسيره» ١: ١٢٦.\n(٢) انظر «الأم» ١: ١٠٢، «الأوسط» ٣: ١١٦ - ١١٧، «المحلى» ٣: ٢٥٤، «المهذب» ١: ٨٠، «المغني» ٢: ١٥٨، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٢٦.\n(٣) في الجنائز- باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة- الحديث ١٣٣٥، وأبو داود في الجنائز- باب ما يقرأ على الجنازة- الحديث ٣١٩٨.\n(٤) أخرجه النسائي- في الجنائز- باب الدعاء ٤: ٧٥، الحديث ١٨٨٠، وصححه الألباني.","vol":"1","page":435},{"text":"ولهذا ذهب جمهور أهل العلم إلى مشروعية قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة، وهذا هو الصحيح للأدلة السابقة لكنهم اختلفوا في حكم قراءتها فمنهم من استدل بهذه الأحاديث على الوجوب وهو قول كثير من أهل العلم، منهم الشافعي (١) وأحمد (٢) وإسحاق (٣) ذهبوا إلى أن قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة واجبة، بل قال بعضهم: بأنها ركن.\nوذهب بعض أهل العلم إلى أنها مستحبة فقط وقالوا: الأدلة السابقة تدل على الاستحباب فقط.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية (٤): «وهذا الصواب».\nوقد ذهب بعض العلماء إلى أن قراءة الفاتحة لا تشرع في صلاة الجنازة منهم أبو حنيفة (٥) ومالك (٦) والثوري والأوزاعي (٧).\nوقد روي هذا عن ابن عمر وأبي هريرة (٨).\n_________\n(١) انظر: «الأم» ١: ٢٧٠، «المهذب» ١: ١٤٠.\n(٢) انظر: «مسائل الإمام احمد» رواية ابنه عبد الله ص ١٣٨ فقرة ٥١٣، «المغني» ٣: ٤١٠ - ٤١١، «الكافي» ١: ٢٦٠.\n(٣) انظر: «المغني» ٣: ٤١١.\n(٤) في «مجموع الفتاوى» ٢٢: ٢٧٤.\n(٥) انظر: «شرح معاني الآثار» ١: ٥٠١، «فتح القدير» لابن الهمام ٢: ١١٢، ١١٣.\n(٦) انظر: «المدونة» ١: ١٧٤.\n(٧) انظر: «المغني» ٣: ٤١١.\n(٨) أخرجه عنهما مالك في «الموطأ» ٥٣٥ - ٥٣٧.","vol":"1","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>ج- حكم قراءة الفاتحة على المريض:</span>\nالقرآن الكريم كله شفاء لأمراض القلوب والأديان، كما أنه شفاء لعلل الأجسام والأبدان. قال الله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ (٣).\nفقراءة القرآن، كما أنها شفاء لأمراض القلوب المعنوية، فهي شفاء أيضًا لأمراض الأجسام الحسية والنفسية.\nوكما يشرع أن يقرأ لعلاج أمراض القلوب المعنوية من أمراض الشبهات والشكوك والشهوات. فكذلك يشرع أن يقرأ المسلم القرآن على نفسه وعلى غيره، لعلاج الأمراض البدنية والجسمانية حسية كانت أو نفسية، لأن القرآن كما ذكر الله في أكثر من آية شفاء لذلك كله بإذنه تعالى.\nوقد ثبت في حديث أبي سعيد الخدري أثر قراءة الفاتحة على اللديغ.\nكما أخرجه الشيخان وغيرهما عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: «كنا في مسير لنا فنزلنا، فجاءت جارية، فقالت: إن سيد القوم سليم، وإن نفرنا غيب فهل منكم راق؟ فقام معها رجل ما كنا\n_________\n(١) سورة الإسراء، الآية: ٨٢.\n(٢) سورة يونس، الآية: ٥٧.\n(٣) سورة فصلت، الآية: ٤٤.","vol":"1","page":437},{"text":"نأبنه (١) برقية، فرقاه، فبرأ، فأمر لنا بثلاثين شاة، وسقانا لبنا فلما رجع قلنا له: أكنت تحسن رقية، أو كنت ترقي؟ قال: لا، ما رقيت إلا بأم الكتاب فقلنا: لا تحدثوا شيئًا حتى نأتي، أو نسأل النبي - ﷺ - فلما قدمنا المدينة ذكرناه للنبي - ﷺ -: فقال: «وما يدريه أنها رقيه، اقسموا واضربوا لي بسهم» متفق عليه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>د- حكم قول «آمين» بعد قراءة الفاتحة:</span>\nيستحب أن يسكت القارئ سكتة لطيفة بعد قراءة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ ثم يقول «آمين»، سواء كان في الصلاة أو خارجها، إماما كان أو مأمومًا أو منفردًا في صلاة جهرية أو سرية، عند جمهور أهل العلم (٣).\nلما رواه أبو هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا قال الإمام ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة (٤) غفر له ما تقدم من ذنبه» متفق\n_________\n(١) نأبنه: أي ما كان نعلم أنه يرقى فنعيبه بذلك. انظر: «النهاية» مادة «أبن».\n(٢) سبق تخريجه في أسماء الفاتحة في المبحث الثاني من الفصل الأول من هذا الباب.\n(٣) انظر: «مسائل الإمام أحمد» رواية ابنه عبد الله ص ٧٢، «الاستذكار» ٢: ١٩٧، «المهذب» ١: ٧٩، «المبسوط» ١: ٣٢، «معالم التنزيل» ١: ٤٢، «حلية العلماء» ٢: ١٠٧، أحكام القرآن لابن العربي ١: ٧، «الإفصاح»: ١٢٨، «التحقيق» ص ٣١٤، «المغني» ١: ١٦٠ - ١٦١، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٢٧، ١٢٩ - ١٣٠، «تفسير ابن كثير» ١: ٦٠ - ٦١.\n(٤) قيل: موافقة تأمين الملائكة في الإجابة، وقيل في الزمن، وقيل في الصفة من إخلاص الدعاء. انظر «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٢٧، «الاستذكار» ٢: ١٩٧.","vol":"1","page":438},{"text":"عليه (١).\nوفي لفظ للبخاري (٢): «إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من وافق تأمينه تأمين الإمام غفر له ما تقدم من ذنبه».\nوعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - خطبنا، فقال: «إذا صليتم فأقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين يجبكم الله، فإذا كبر وركع فكبروا واركعوا فإن الإمام يركع قبلكم، ويرفع قبلكم» رواه مسلم (٣).\nوعن وائل بن حجر - ﵁ - قال: «صليت خلف رسول الله - ﷺ - فلما كبر رفع يديه أسفل أذنيه، فلما قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، فسمعته وأنا خلفه»، وفي رواية: «ومد بها صوته» (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري- في الأذان- باب جهر المأموم بالتأمين- الحديث ٧٨٢، وفي التفسير- الحديث ٤٤٧٥، ومسلم في الصلاة- باب التسميع والتحميد والتأمين- الحديث ٤١٠، والترمذي في الصلاة- ما جاء في فضل التأمين- الحديث ٢٥٠، وابن ماجه- في إقامة الصلاة- باب الجهر بالتأمين- الحديث ٨٥١ - ٨٥٢، واحمد ٢: ٣١٢، ٤٥٩، ومالك في الموطأ الحديث ١٩١.\n(٢) في الأذان- الحديث ٧٨٠.\n(٣) أخرجه مسلم- في الصلاة- باب التشهد في الصلاة- الحديث ٤٠٤، والنسائي، في الإمامة- الحديث ٨٠٠، وابن ماجه في إقامة الصلاة الحديث ٨٤٧.\n(٤) أخرجه النسائي - في الافتتاح- باب قول المأموم إذا عطس خلف الإمام- الحديث ٨٩٣، والترمذي - في الصلاة- باب ما جاء في التأمين- الحديث ٢٤٨، وقال: «حديث حسن»، وابن ماجه- في إقامة الصلاة- باب الجهر بآمين- الحديث ٦٩٦، وأحمد ٤: ٣١٥، ٣١٦.\nوالحديث صحيح، صححه الألباني وغيره.","vol":"1","page":439},{"text":"وعن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: «سمعت رسول الله - ﷺ - إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين» (١).\nوعن عائشة - ﵂ - عن النبي - ﷺ - قال: «ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين» (٢).\nو«آمين» ليست من الفاتحة إجماعًا، ولهذا لم تثبت في المصاحف.\nكما شرع أن يسكت قليلًا بعد الفاتحة، ثم يقول: «آمين».\nوهي اسم فعل بمعنى اللهم استجب.\nوفيها لغتان:\n«آمين» بمد الألف على وزن «فاعيل»، و«أمين» بالقصر على وزن «فعيل». والقصر هو الأصل (٣).\nوأنشدوا:\n_________\n(١) أخرجه ابن ماجه في الموضع السابق- الحديث ٦٩٥ وصححه الألباني.\n(٢) أخرجه ابن ماجه في الموضع السابق- الحديث ٦٩٧ وصححه الألباني. وأخرجه الإمام أحمد مطولا ٦: ١٣٥.\n(٣) انظر: «المدخل لعلم تفسير كتاب الله» ص ١٠٠= ١٠٤، «الاستذكار» ٢: ١٩٥، «معالم التنزيل» ١: ٤٢، «الكشاف» ١: ١٢، «أحكام القرآن» لابن العربي ١: ٦، «زاد المسير» ١: ١٧ - ١٨، «المغني» ٢: ١٦٣، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٢٨، «تفسير ابن كثير» ١: ٦١.","vol":"1","page":440},{"text":"تباعد مني فطحل إذ دعوته ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا (١)\nوقال الآخر (٢):\nيا رب لا تسلبني حبها أبدًا ... ويرحم الله عبدًا قال: آمينا\n\nوقال أبو وجزة مولى من موالي أهل المدينة يخاطب عبد الله بن الزبير (٣):\nولا نقول إذا يوما نعيت لنا ... إلا بآمين رب الناس أمينا\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>هـ - حكم قراءة ما زاد على الفاتحة في الصلاة:</span>\nيستحب عند جمهور أهل العلم أن يقرأ الإمام والمنفرد، وكذا المأموم في الصلاة السرية مع الفاتحة سورة، أو بعض الآيات في الركعتين الأوليين، ويكتفي بقراءة سورة الفاتحة في الركعتين الأخيرتين (٤). وهو قول أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود، وابن عمر،\n_________\n(١) البيت نسبه في «المشوف المعلم» ١: ٧٩، لجبير بن الأضبط، وقد سأل فطحلًا فأعرض عنه فدعا عليه.\n\nوهو بغير نسبة في «زاد المسير» ١: ١٧، وفي مادة «أمن» من «الصحاح» و«اللسان» وفي «شرح المفصل» ٤: ٣٤، «الدر المصون» ١: ٧٧، «شذور الذهب» ١١٧ - ١١٨، «شرح الأشموني على الألفية» ٣: ١٩٧.\n(٢) البيت لمجنون ليلى. انظر «ديوانه» ص ٢٨٣، «شرح المفصل» ٤: ٣٤، «الدر المصون» ١: ٧٧، «شذور الذهب» ١١٦، وقد نسب في «اللسان» مادة «أمن» إلى عمر بن أبي ربيعة، وليس في ديوانه.\n(٣) انظر «الزاهر» ١: ١٦١، «العقد الفريد» ٧: ١٦٧.\n(٤) انظر: «حلية العلماء» ٢: ١١١، «الإفصاح» ١٢٨ - ١٢٩، «المغني» ٢: ٢٨١ - ٢٨٢، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٢٤ - ١٢٥، «زاد المعاد» ١: ٢٤٦ - ٢٤٧، «نيل الأوطار» ٢: ٢٣٩. وانظر: «صحيح ابن خزيمة» ١: ٢٥٧ - ٢٥٨.","vol":"1","page":441},{"text":"وأبي الدرداء وعبد الله بن مغفل وعائشة ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك ومغيرة بن عبد الرحمن وعطاء والشعبي والحسن وابن سيرين (١) وغيرهم.\nولما رواه أبو قتادة - ﵁ - قال: «كان النبي - ﷺ - يقرأ في الركعتين الأوليين من صلاة الظهر بفاتحة الكتاب وسورتين يطول في الأولى، ويقصر في الثانية، ويسمع الآية أحيانا، وكان يقرأ في العصر بفاتحة الكتاب وسورتين، وكان يطول في الركعة الأولى في صلاة الصبح، ويقصر في الثانية». وفي رواية «ويقرأ في الركعتين الأخريين بفاتحة الكتاب» متفق عليه (٢).\nوما رواه أبو هريرة - ﵁ - قال: «في كل صلاة يقرأ، فما أسمعنا رسول الله - ﷺ - أسمعناكم، وما أخفى عنا أخفينا عنكم، وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت، وإن زدت فهو خير» متفق عليه (٣).\nوإن قرأ مع الفاتحة في الركعتين الأخيرتين من الرباعية، أو الركعة الثالثة من المغرب أحيانا جاز (٤)، بل استحب بعض أهل العلم هذا\n_________\n(١) أخرجه عنهم ابن أبي شيبة في الصلاة ١: ٣٧٠ - ٣٧٢.\n(٢) أخرجه البخاري في الأذان - القراءة في الظهر- الحديث ٧٥٩، ومسلم في الصلاة- القراءة في الظهر والعصر- الحديث ٤٥١، وأبو داود- الحديثان ٧٩٨ - ٨٠٠، والنسائي - الأحاديث ٩٣٠ - ٩٣٥ن وابن ماجه الحديث ٨٢٩، وأحمد ٥: ٢٩٥ - ٢٩٧.\n(٣) سبق تخريجه ضمن أدلة من قال: إن على المأموم قراءة الفاتحة خلف الإمام مطلقًا في المبحث الأول من هذا الفصل.\n(٤) انظر: «المحلى» ٤: ١٠١، «المذهب» ١: ٨٠ - ٨١، «الإفصاح» ١: ١٢٩، «صحيح ابن خزيمة» ١: ٢٥٦.","vol":"1","page":442},{"text":"كالشافعي (١). لحديث أبي سعيد الخدري: «أن النبي - ﷺ - كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية، أو قال: نصف ذلك، وفي العصر مثل ذلك (٢).\nوذهب بعض العلماء إلى وجوب قراءة سورة مع الفاتحة، أو شيء من القرآن، وهو مروي عن عمران بن حصين وعبد الله بن عمر وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وابن عباس وأبي وائل (٣) وغيرهم (٤). قال أبو حنيفة تجب القراءة بعد الفاتحة في الركعتين الأوليين من الرباعية والثلاثية وفي جميع الثنائية (٥).\n...\n_________\n(١) انظر: «الأم» ١: ١٠٧، «مختصر المزني» مع الأم ٧: ٢٠٧.\n(٢) أخرجه مسلم في الصلاة باب القراءة في الظهر والعصر الحديث ١٥٧.\n(٣) أخرجه عنهم ابن أبس شيبة ١: ٣٦٠ - ٣٦١.\n(٤) انظر: «القراءة خلف الإمام» للبيهقي ص ٦٢ وما بعدها، «الجامع لأحكام القرآن» ١: ١٢٥، «نيل الأوطار» ٢: ٢٣٩.\n(٥) انظر: «تحفة الفقهاء» ٢: ٩٦، «بدائع الصنائع» ١: ١٦٠، «البحر الرائق» ١: ٣١٣.","vol":"1","page":443},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-155>الخاتمة</span>\nالحمد لله الذي بفضله وكرمه تتم الصالحات، أحمده - ﷾ - أن وفقني أولًا للشروع في هذا البحث، ووفقني ثانيًا لإنهائه واستكماله. فكل ذلك بتوفيقه وتيسيره، فله الحمد في البداية والنهاية، وعند الشروع والتمام، وله الحمد لله على الدوام - كما قال تعالى: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ﴾ (١).والصلاة والسلام على خاتم رسله سيدنا ونبينا محمد خير الأنام وعلى آله وصحبه نجوم الهدى ومصابيح الظلام، ومن سار على نهجهم واستقام إلى يوم الدين وبعد:\nفقد ظهر من خلال هذا البحث في تفسير الاستعاذة والبسملة وفاتحة الكتاب، وبيان ما اشتمل عليه كل منها من المعاني والفوائد والأحكام ما يلي:\nأولًا: بيان الصيغ الصحيحة للاستعاذة، لأن على المسلم أن يتعبد لله بما شرع الله.\nثانيًا: معنى الاستعاذة والبسملة وأن معنى الاستعاذة هو الالتجاء إلى الله والاعتصام به من الشيطان ونزغاته ووساوسه، وجميع شروه. وأن معنى البسملة هي الاستعانة بسم الله والتبرك والتيمن بالبداءة به.\n_________\n(١) سورة القصص، آية: ٧٠.","vol":"1","page":444},{"text":"ثالثًا: أن الاستعاذة ليست من القرآن الكريم، وإنما جاء الأمر بها في القرآن الكريم. وأن البسملة بعض آية من سورة النمل بالإجماع. وآية مستقلة في القرآن الكريم - على الصحيح - تفتتح بها جميع السور سوى براءة. وأن السبب في عدم ذكرها مع هذه السورة أنها لم تنزل من عند الله مع هذه السورة.\nرابعًا: أن كلًا من الاستعاذة والبسملة تستحب - على الصحيح - في أول القراءة أولا الاستعاذة، ثم البسملة، سواء في الصلاة أو خارجها.\nخامسًا: جواز الإسرار بهما والجهر في غير الصلاة، واستحباب الإسرار بهما في الصلاة.\nسادسًا: المواضع التي تشرع فيها كل من الاستعاذة والبسملة.\nسابعًا: كما ظهر من خلال هذا البحث فضل سورة الفاتحة، وما اشتملت عليه من المعاني، التي جمعها القرآن، وتضمنتها هذه السورة على إيجازها وما اشتملت عليه من الفوائد والأحكام.\nكما ظهر أيضًا من خلال هذا البحث الأحكام التي تتعلق بهذه السورة العظمية من وجوب قراءتها في الصلاة على كل مصل إماما أو مأمومًا أو منفردًا، على الراجح من أقوال أهل العلم.\nكما ظهر أيضًا حكم من لم يستطع قراءتها في الصلاة، وحكم قراءتها في صلاة الجنازة وحكم قراءتها على المريض، وحكم التأمين بعدها. وحكم قراءة ما زاد عليها في الصلاة.","vol":"1","page":445},{"text":"وقد اجتهدت وسعي لإخراج هذا البحث في أحسن صورة واصح عبارة فإن كنت قد وفقت فمن الله، وإن كانت الثانية فمني ومن الشيطان واسأل الله العفو والمغفرة.\nوختامًا أسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقني وجميع إخواني المسلمين للعلم النافع والعمل الصالح وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل فهو حسبنا ونعم الوكيل.\n\nوصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\n\nالباحث","vol":"1","page":446}]}